صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - الحديث وعلومه
------------------------------------------
العنوان: حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة دراسة نقدية تخصصية وفق مناهج المحدثين
المؤلف: ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1434هـ / 2013م
الطبعة: 1
سلسلة دراسات وبحوث (2)
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=3725&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/7
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 02 شعبان 1446ه/ 01 - شهر 02 - 2025م. دراسات وبحوث 2
حديث جابر بن سمرة
في النَّهي عَن رَفع اليَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ
دراسة نقدية تخصصية وفق مناهج المحدثين
ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي (1/1)
صفحة 2
حرين جابر بن سمرة
في النَّاهِي عَن رَفع اليَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ (1/2)
صفحة 3
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى 1434 هـ - 2013 م
للتواصل وطلب الكتاب.
95510025 (1/3)
صفحة 4
در اسارت محوت
حديث جابر بن سمرة
في النهي عن رفع اليَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ
دراسة نقدية تخصصية وفق مناهج المحدثين
ناصر بن سليمان بن سعيد السابعي (1/4)
صفحة 5
عن جابر بن سمرة له، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة»، قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال: «ما لي أراكم عزين؟» قال: ثم خرج علينا فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف».
رواه الإمامان مسلم وأحمد وغيرهما (1/6)
صفحة 6
مقدمة
الله،
هو
الحمد لله رب العالمين، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا سبحانه أهل الشكر والثناء وله العزة والكبرياء، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله حبيب القلوب والرحمة المهداة إلى العالمين، وأسوتنا في دين الله، وعلى آله وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد: فإن حديث جابر بن سمرة له، في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع اليدين في الصلاة عمدة في الاستدلال على ترك رفع اليدين فيها، وعلى معارضة الروايات المتعددة التي يسوقها القائلون برفع اليدين في الصلاة.
وهذا الحديث أيضاً أصل يرجع إليه عند الاختلاف، وقد اختلفت
الطوائف الإسلامية في أمر رفع اليدين في الصلاة بما لا مزيد عليه. وطرح كل تلك الاختلافات والعودة إلى الأصول الصحيحة، ترك للمختلف فيه وعودة إلى المتفق عليه، حيث الأخذ بالأصل الثابت ضمان وأمان.
واللافت للنظر أن المحدثين يكثرون من إيراد الروايات في القضايا التي يختلفون فيها مع غيرهم، سواء في القضايا العقدية أو الفقهية، مع كثرة الضعف فيها، واحتدام النقاش عليها. (1/7)
صفحة 7
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
والمتصفح لكتب الحديث يجد عدداً كبيراً من الروايات في موضوع رفع اليدين في الصلاة. وقد أفرد بعض المصنفين في ذلك أجزاء مستقلة، كالبخاري الذي ألف جزء رفع اليدين في الصلاة)، ومحمد بن نصر المروزي الذي ذكر أن له مؤلفاً في روايات الرفع).
هذا فضلاً. عن كتب الحديث الأخرى التي روت في الموضوع نفسه.
وليست تلك الروايات محل الاتفاق والتسليم، بل كان الخلاف الحاد، والمواقف المتصلبة ما بين مثبت، وناف وقابل ورافض، وكانت الردود حتى فيما بين علماء المذهب الواحد، فضلاً عما علماء بين المذهبين المختلفين.
وقد كان للأحناف صولة وجولة مع المحدثين والشافعية في موضوع رفع اليدين في الصلاة، حيث يرى الأحناف الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط، بينما يرى المحدثون والشافعية الرفع في مواضع متعددة من الصلاة، وبناء عليه كانت المؤلفات الكثيرة والردود المستفيضة من الأطراف، على بعضها.
هذه
بينما يرى المذهب الإباضي أن كل حركة لليدين في الصلاة منهي عنها، ولهم في ذلك أدلة متعددة، منها أن جميع روايات الرفع والضم ضعيفة الأسانيد، وأقل ما فيها أنها مختلف فيها. ومنها حديث جابر بن سمرة الذي
يتناوله هذا البحث.
ولهم في ذلك أدلة أخرى.
والواضح أن أهل الحق والاستقامة (الإباضية) اعتمدوا في موضوع رفع
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 10، هامش (1). (1/8)
صفحة 8
مقدمة
9
اليدين في الصلاة على الأصل الثابت المتفق عليه من الأدلة دون المختلف فيه. كما أن أدلتهم قولية، وأدلة غيرهم فعلية.
وخلافاً لما يروى من كثرة الروايات التي يستدل بها مثبتو الرفع، فإن نظرة أخرى فاحصة إلى هذا الموضوع، قد تعكس وجهة نظر مغايرة في بعض الأمور التي هي موضع نقاش، ومحل أخذ ورد، ومجال تساؤلات كثيرة. كما أن عدداً من المفاهيم والمسلمات إذا وضعت تحت المجهر الدقيق فسوف تكون خفايا الحقائق مختلفة عن ظواهر الأشياء. وكثير من دعاوى الإجماع، ودعاوى التواتر، بل ودعاوى الثبوت، لا تقدر على الصمود حينما تعرض على معايير النقد الدقيقة، وتوضع في موازين التمييز بين الصواب والخطأ.
ومما درجت عليه المؤلفات والأبحاث التي كتبت في هذا الموضوع، أنها تناقش الأحاديث الواردة في إثبات رفع اليدين في الصلاة، ويغفل أكثرها نقاش حديث جابر بن سمرة الذي ينهى عن رفع اليدين في الصلاة، ما عدا لمحات سريعة من بعض العلماء القدامى والمحدثين، ناقشوا
الاستدلال بهذا الحديث.
وتتوسع
هذه الدراسة التي تطالعها الآن أخي القارئ الكريم، في الاستدلال بحديث الصحابي جابر بن سمرة له، في النهي عن رفع اليدين في الصلاة، باعتبار هذا الحديث أحد الأدلة القوية التي يستند إليها القائلون بمنع رفع اليدين في الصلاة مطلقا، حيث يستند إليه أهل الحق والاستقامة (الإباضية) وبعض علماء الزيدية، ويستند إليه الأحناف القائلون بعدم الرفع في الصلاة فيما بعد تكبيرة الإحرام، ضمن جملة الأدلة من في السياق نفسه، كالنهي عن الحركات في الصلاة وغيرها، لتقابل الاستدلال بأدلة القائلين بالرفع. (1/9)
صفحة 9
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ولم تتعرض هذه الدراسة لباقي الأدلة في النهي عن الرفع، كما لم تناقش أدلة المثبتين للرفع، لأن الغرض هنا حديث واحد وحسب، وهو مقدمات حديث جابر بن سمرة، مع في مسائل متعددة في موضوع رفع اليدين في الصلاة، تدعم الفكرة المستخلصة من هذا الحديث، حيث يختلف هذا الحديث عن غيره من الأدلة سواء المثبتة للرفع والنافية له، من جوانب: الأول: أن هذا الحديث لم يطعن في ثبوته أحد من القائلين بالرفع والقائلين بعدم الرفع، وإن نازعوا في تأويله، أما أحاديث إثبات الرفع فكلها، بلا استثناء، طعن في ثبوتها ولو بوجه من الوجوه، بغض النظر عن محل الصواب والخطأ، فحديث جابر بن سمرة محل اتفاق بين الكل.
الثاني:
أن هذا الحديث قولي بينما أحاديث إثبات الرفع فعلية، وهذا فارق جوهري، فإن جميع الأحاديث المثبتة للرفع ليس فيها حديث واحد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
الثالث: أن هذا الحديث يستنكر رفع اليدين بوجوه متعددة.
لذا ارتأيت إفراد هذا الحديث ببحث مستقل، ليكون عمدة لمن لا يرفع يديه في الصلاة، وما كنت في هذا بدعا من الناس، فقد سبقني إلى ذلك أئمة كبار كعلماء أهل الحق والاستقامة (الإباضية)، وممن جعل منهم هذا الحديث دليلا على ترك رفع اليدين في الصلاة
1 - الإمام ابن بركة (من علماء القرن الرابع الهجري) في كتابه:
(الجامع).
2 - الإمام أبو الحسن البسيوي تلميذ ابن بركة) في كتابه: (الجامع). 3 - العلامة سلمة بن مسلم العوتبي (من علماء القرن الخامس الهجري) في كتابه (الضياء). (1/10)
صفحة 10
مقدمة
11
4 - العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الحضرمي (من علماء القرن
الخامس الهجري) في كتابه (الدلائل والحجج).
الإمام نور الدين السالمي (من علماء القرن الرابع عشر الهجري)
في كتابه (معارج الآمال).
ومن علماء الزيدية:
6 - الإمام الهادي
ومن
علماء الأحناف كل من الأئمة:
الزيلعي
- العيني
9 ـ علي القاري
10 - السهارنفوري
وأدلة النهي
عنه،
هذا، ولم تتناول هذه الدراسة درء تعارض أدلة الترفع والمباحث الأصولية المتعلقة بالترجيح بينها؛ من تقديم الدليل القولي على الفعلي، والنسخ والتخصيص، ونحوها إلا يسيرا، فقد أردت تحرير القول في صحة الحديث، والتفريق بينه وبين حديث النهي عن الإشارة باليدين عند السلام من الصلاة، وعده دليلا معتمدا على عدم مشروعية رفع اليدين في الصلاة، ونهيا عنه من النبي صلى الله عليه وسلم.
حيث هي
أشد ضعفا أدلة
كما لم تتناول هذه الدراسة النقاش في أدلة ضم اليدين في الصلاة، من الرفع. كما أنه إذا ثبت عدم الرفع، فينبني عليه عدم الضم، حيث لا قائل بالضم إلا بعد الرفع إضافة إلى أن الكثير من المالكية من العلماء وغيرهم، لا يضمون أيديهم في الصلاة أصلا، وهو رأي (1/11)
صفحة 11
12
حديث جابر بن سمرة النهي عن رفع اليدين في الصلاة
شهير عن الإمام مالك، كما نقل عنه ـ بجانب ذلك ـ أنه قال أيضاً بعدم رفع اليدين في الصلاة أصلا، وهو أحد الأقوال الثلاثة المنقولة عنه.
أشير هنا إلى أني كتبتُ هذا البحث من سنين، ونشر في شبكة المعلومات منسوباً إليَّ، ولم أكن قد حررته بعد، وكان في مسودات غير مكتملة ولا مصححة يتداولها بعض الباحثين نقل منها الأخوان الكريمان؛ الأستاذ العزيز إبراهيم بو لرواح في كتابه (وجهة نظر)، والأستاذ العزيز راشد البوصافي في كتابه (الرسالة الرضية بارك الله في علمهما. عليه، فليكن اعتماد القارئ في هذا البحث على هذه النسخة التي بين يديه. وأوجه عناية القارئ العزيز إلى أن هذا البحث حلقة في سلسلة الحوار العلمي الهادئ الهادف، في ميدان العلم الواسع والخصب، ينتهج القرآني في الجدال بالتي هي أحسن، به ينتعش الفكر، وتتجدد المعرفة، ويقوى التواصل بين المؤمنين.
الخط
أسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وهو
يتولانا برحمته وعفوه، وهو حسبي ونعم الوكيل. (1/12)
صفحة 12
تمهيد
في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
اختلفت المذاهب الإسلامية في مشروعية رفع اليدين وضمهما في الصلاة، وتفصيل الأقوال في هذه القضية على النحو الآتي:
أولاً: مذهب أهل الحق والاستقامة (الإباضية) (1)
يرى أهل الحق والاستقامة أن كلا من الرفع والضم غير مشروعين في الصلاة، لأنهم يرون أن الأول عبث، والثاني لا معنى له أثناء الصلاة.
1 - رفع اليدين:
يقول سلمة بن مسلم العوتبي (توفي أوائل القرن السادس الهجري): «أجمع أصحابنا على ترك رفع اليدين في الصلاة لأشياء صحت عندهم في
ذلك» (2).
ويقول الإمام أبو سعيد الكدمي (من علماء القرن الرابع الهجري): «معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا، بترك رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام
(1) «أهل الحق والاستقامة هو اللقب الذي رضوه لأنفسهم من القديم، للتمييز بين أتباع المدارس الإسلامية، إضافة إلى التسمي باسم الإسلام، أما لقب الإباضية فقد اختاره لهم
غيرهم.
(2) العوتبي (الضياء) جـ 5، ص 151. (1/13)
صفحة 13
14
النهي عن رفع اليدين في الصلاة حديث جابر بن سمرة
وعند تكبير العيدين وفي تكبير الصلاة، كلها ويأمرون بترك ذلك وينهون فعله، وأن ذلك يقع موقع العبث في الصلاة، ولا معنى له)، والمأمور بغيره من السكون والخشوع في الصلاة» (2).
عن
ويقول أيضاً:
ويخرج في معنى قول أصحابنا من فعلهم وقولهم، بثبوت الخشوع في الصلاة، وترك جميع الحركات من لدن إحرامها إلى تمامها إلا في مصالحها، من حركة البدن أو شيء من الجوارح» (3).
قال البسيوي: «عندي أن العمل في الصلاة بغير معنى الصلاة لا يجوز، ورأيت رفع اليدين في الصلاة عملاً ليس هو من الصلاة، وقد
جاء النهي عنه» (4).
2 - ضم اليدين:
يقول أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي (ت 278 هـ):
يقال إن الخشوع بالعينين واليدين؛ ولا يومئ بطرفه أمامه، ولا يلتفت
(1) القول بأن الرفع أو الضم لا معنى له عند أهل الحق والاستقامة ليس من قبيل رد السنة، فهم أكرم من ذلك، إنما هو على اعتبار أنهما لم يثبتا عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في مقابل قول من أثبت الرفع والضم واستنبط الحكمة لهما. يقول العوتبي: «إن سأل سائل عن منع رفع اليدين في الصلاة فيقال: اتباع سُنة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولم يأمر برفع اليدين في شيء من الأخبار» انظر العوتبي (الضياء) جه،
ص 151، 152.
(2) الكندي محمد بن إبراهيم (بيان) الشرع) جـ 11، ص 91 السعدي (قاموس الشريعة)
جـ 19، ص.
270
(3) الكندي، محمد بن إبراهيم (بيان) الشرع) جـ 11، ص 92.
(4) العوتبي (الضياء) جـ ه،.
ص.153 (1/14)
صفحة 14
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في
الصلاة
15
يميناً ولا شمالاً، ولا ينظر من فوق رأسه إلى السماء، ولا يغمض عينيه في الصلاة، وإنما يقلب نظره في موضع سجوده، لا إلى موضع دون موضع،
والخشوع بكفيه؛ لا يعبث بثيابه ولا بلحيته، وليرسل يديه إرسالاً). ويقول الإمام أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا ثبوت الإرسال في الصلاة لجميع الأعضاء ... » (2).
ويقول العوتبي: «فإن أراد المصلي الصلاة صف قدميه وجعل بينهما مسقط نعل في عرضها، وإن كان أقل أو أكثر فلا بأس، وأرسل يديه إرسالاً في قيامه، وبهذا قال جماعة من أهل العلم منهم الحسن وابن الزبير والنخعي، فأما وضع اليمين على الشمال في الصلاة فلا نعرفه» (3).
ويقول أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي (من علماء الإباضية بحضرموت في القرن الخامس الهجري في بيان سنن الصلاة: «السادس عشر: أن يرسل يديه إرسالاً حال القيام).
إذن فقد عد الإباضية الرفع عبثاً في الصلاة، وكذلك القبض (الضم) لا معنى له، ولذا حكموا بكراهتهما، وأنكروا على من فعل ذلك.
حكم الإباضية في صلاة من رفع أو ضم:
يقول الإمام أبو سعيد: يخرج في معاني قول أصحابنا، ثبوت الإرسال الأعضاء، وترك الحركات فيها والعمل إلا بمعاني القيام
في الصلاة لجميع من ركوعها وسجودها؛ وما يدخل فيها من معاني صلاحها من صلاح اللباس
(1) العوتبي (الضياء) جـ 5، ص 126 / السعدي (قاموس الشريعة) جـ 19، ص 275 - 276.
(2) الكندي، محمد بن إبراهيم (بيان الشرع) جـ 11، ص 3
(3) العوتبي (الضياء) جـ 5، ص 128. (4) أبو إسحاق (مختصر الخصال ص 57.
93 (1/15)
صفحة 15
16
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
لها وأشباه ذلك. وسائر ذلك من الحركات والفعل خارج من معانيها وواقع بأحد معنيين: إما عملاً ممنوعاً، ذلك مفسد للصلاة، بذلك جاءت السنة، وإما
عبثا يخرج من معاني قول أكثرهم أن تفسد الصلاة، ويأتي النهي عنه» (1). ويقول أبو الحسن البسيوي من علماء القرن الرابع الهجري): «ولم نر أسلافنا يعملون ذلك، ولم نرهم يفسدون صلاة من فعله، ومن فعله لم نره يفسد صلاة من لم يفعله، إلا ما رأينا من إنكار بعضهم على بعض). وبوب أبو إسحاق الحضرمي في (مختصر الخصال) بقوله: «باب ذكر بيان ما يكره في الصلاة مما جعله قومنا (3) سُنَّة».
ثم قال: «الثاني: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، الثالث: وضع اليدين على السرة» (4).
وقال الإمام السالمي (ت 1332 هـ) في (مدارج الكمال) (5): وبعد أن تحرم فالتوجيه مكره وذا هو الوجيه وهكذا رفع اليدين عندها للأذنين النقض أولى ما بها وهكذا وضعهما بالسرة أو أن يشير قاصدا لنكتة
وقال في (معارج الآمال): رفع اليدين عند الإحرام مكروه ناقض
للصلاة عندنا).
(1) الكندي، محمد بن إبراهيم بيان الشرع جـ 11، ص 93. (2) العوتبي (الضياء) جـ ه،. ص 153.
(3) كلمة «قومنا» مصطلح يستعمله علماء أهل الاستقامة يريدون به مخالفيهم.
(4) أبو إسحاق (مختصر الخصال)
ص
01
(5) السالمي (مدارج الكمال) ص 23. (6) السالمي (معارج الآمال) جـ 3، ص 213. (1/16)
صفحة 16
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
17
ويقول أبو مسلم البهلاني (ت 1339 هـ): «وقد وافقنا بعض المالكية كما حكاه اللخمي عنهم، على أن رفع اليدين حرام مع التكبير وأولى بعده، وقلنا بنقض الصلاة به مع الإحرام أو بعده أو ما قبله فبدعة غير ناقضة». نخلص مما سبق إلى أن مذهب الإباضية عدم مشروعية الرفع
الصلاة، لا
مطلقاً
في
مع تكبيرة الإحرام ولا قبلها ولا بعدها، ولا مع الركوع، ولا عند الرفع. منه، ولا في أي موضع منه، وهو عبث، وحركة منافية للأمر بالسكون والخشوع في الصلاة، وفعله بدعة مكروهة ناقضة للصلاة. وكذلك ضم اليدين غير مشروع عندهم وفعل مكروه لا معنى له.
حكم الإباضية فيمن صلى وراء من يرفع أو يضم: وأما الاقتداء بمن يفعل ذلك من المذاهب الأخرى فقد حكى أبو سعيد
الخلاف فقال:
وقيل: تجوز خلف أهل الدعوة ما لم يتهموا في الصلاة، ولا تجوز خلف أهل الخلاف، وقيل تجوز خلف أهل القبلة ما لم يزيدوا أو ينقصوا» (3).
وفي بعض الأقوال: «وقيل: صلاة الجماعة خلف أهل القبلة لإحياء سُنة الجماعة أفضل من صلاة الفرادى» (3).
وأيضاً:
«وقد قيل إن الصلاة خلف قومنا أفضل لإحياء الجماعة، ما لم
يزيدوا في الصلاة أو ينقصوا منها» (4).
(1) أبو مسلم (نثار الجوهر) جـ 2، ص 205.
(2) الكندي، أبو بكر أحمد بن عبد الله (المصنف) جـ 5، ص 263.
(3) المصدر السابق، جـ 5، ص 264.
(4) المصدر السابق، جـ 5، ص 267. (1/17)
صفحة 17
18
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وأورد الشيخ أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي صاحب المصنف (ت 557 هـ ما يدل على الاتفاق على صحة صلاة من صلى وراء من يرفع يديه في الصلاة، فقد قال:
مسألة: أجاز المسلمون الصلاة خلف من يفرد الإقامة، ومن يسر بسم الله الرحمن الرحيم، وخلف من يرفع يديه في الصلاة للتكبير، وخلف من يسلم مرتين، ولم يروا ذلك زيادة في الصلاة ولا نقصاناً فيها، وليس ذلك أفعال المسلمين الذين هم يفعلونه، وقد جامعوا على ذلك في الفعل بالصلاة خلف من يفعله، وهذه الأربع لا نعلم أن أحداً من المسلمين قال فيهن بنقض على من صلى خلفه» (1).
من
ثانياً: المذاهب السُّنيَّة:
ذهبت المذاهب السنية (المذاهب الأربعة والمذهـ الظاهري) إلى مشروعية رفع اليدين في الصلاة، لكنها تختلف في عدة أشياء تتعلق بهذه
المسألة،
يتم بحثها في هذه المسائل:
المسألة الأولى: مواضع الرفع في الصلاة
اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على مشروعية الرفع عند تكبيرة الإحرام، إلا الإمام مالك بن أنس فقد اختلفت الرواية عنه، قال ابن عبدالبر (ت 463 هـ):
وذكر ابن خويز بنداذ قال: اختلفت الرواية عن مالك في رفع اليدين في الصلاة، فمرة قال يرفع في كل خفض ورفع على حديث ابن عمر، ومرة قال: لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام ومرة قال: لا يرفع أصلا (2).
(1) المصدر السابق، جـ 5، ص 265.
(2) ابن عبدالبر (الاستذكار) جـ 4، ص 100. (1/18)
صفحة 18
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
19
ونقل ابن عبد البر أيضاً عن ابن القاسم يروي عن مالك: يرفع للإحرام عند افتتاح الصلاة، ولا يرفع في غيرها. قال: وكان مالك يرى رفع اليدين في الصلاة ضعيفاً. وقال: إن كان ففي الإحرام». وقال محمد بن أحمد القرطبي (ت (671 هـ) في (الجامع لأحكام القرآن)
ما نصه:
«وفي (مختصر ما ليس في المختصر) عن مالك: لا يرفع اليدين في شيء من الصلاة. قال ابن القاسم: ولم أرَ مالكاً يرفع يديه عند الإحرام. قال: وأحب إلي ترك رفع اليدين عند الإحرام».
وروي
العلامة العوتبي بسنده إلى الإمام مالك رجوعه عن القول برفع
اليدين في الصلاة (3).
-1
واختلفت المذاهب السنية في الرفع فيما سوى تكبير الإحرام: فذهب أهل الكوفة وأبو حنيفة وجمهور الحنفية، وبه قال إبراهيم النخعي والشعبي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري ووكيع وغيرهم، إلى أن المصلي لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الإحرام.
عن
مالك كما تقدم، فقد
روي ابن القاسم عنه قال:
فقط)
وهي رواية
«لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة لا في خفض ولا رفع إلا افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئاً خفيفاً).
(1) ابن عبد البر (الاستذكار) جـ 4، ص 99. (2) القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) جـ 20، ص 222. (3) العوتبي (الضياء) جـ 5، ص 153.
(4) العيني (عمدة القاري) جـ 4، ص 379.
(5) مالك بن أنس المدونة الكبرى - رواية سحنون عن ابن القاسم) جـ 1، ص 165. (1/19)
صفحة 19
20
2
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وذهب الشافعي وأحمد وجمهور أهل الحديث وأهل الظاهر، وهو مروي عن مالك أيضاً، إلى أن الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه).
3 - وذهب البعض إلى أن رفع اليدين عند الإحرام وعند الركوع والرفع منه وعند القيام من الركعتين أي من التشهد الأول، وهو الذي رجحه النووي (2).
4 - وذهب بعض أهل الحديث إلى أن رفع اليدين عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وعند السجود وعند الرفع منه (3).
ه - وذهب البعض إلى الرفع عند الإحرام وعند كل خفض ورفع في
الركوع).
الصلاة إلا في الرفع من 6 - وصنيع الألباني (ت 1420 هـ) في كتابه (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) يفيد أن المصلي يرفع في المواضع الثلاثة - الإحرام والركوع والرفع منه - و مخير في كل خفض ورفع سوى ذلك حيث نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان أحياناً يرفع» في مواضع متعددة من الصلاة، فقال:
-
«وكان أحياناً يرفع يديه إذا سجد» (ه).
«وكان يرفع يديه مع هذا التكبير أحيانا (6) أي: عند الرفع من
السجود.
(1) ابن رشد (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) جـ 2، ص 248.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ 4، ص 95 (82). (3) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ 4، ص 95.
100 ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص 284.
12.
(4) ابن عبدالبر (الاستذكار) جـ 4، ص. (5) الألباني (صفة صلاة النبي (ص. (6) الألباني (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) ص 151. (1/20)
صفحة 20
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
21
-
«وكان يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً) أي: إلى السجدة الثانية.
«وكان يرفع يديه أحياناً) أي: عند الرفع من السجدة الثانية إلى ما سماه بجلسة الاستراحة قبل القيام.
وكان يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً) أي: عند القيام من التحيات الأولى.
المسألة الثانية: حكم الرفع
ذهب جمهور القائلين بالرفع إلى عدم وجوب الرفع في الصلاة، قال النووي:
وأجمعوا على أنه لا يجب شيء من الرفع»).
بينما عبارة ابن عبد البر:
واختلف العلماء في رفع الأيدي في الصلاة وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع وعند السجود والرفع منه، بعد إجماعهم على جواز رفع الأيدي عند افتتاح الصلاة مع تكبيرة الإحرام).
وقال بالوجوب: الأوزاعي والحميدي وابن خزيمة، وبعض الظاهرية كداود وابن حزم، وحُكي عن الإمام أحمد ()، قال ابن عبد البر: «كل من
ص.154
(1) الألباني (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم). (2) الألباني (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) ص 154.
(3) الألباني (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم).
ص.177
(4) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ 4، ص 95.
(5) ابن عبد البر (الاستذكار) جـ 4، ص 98.
(6) ابن حزم (المحلى بالآثار جـ 2، ص 264 ابن عبد البر (الاستذكار) جـ 4، ص 103/ ابن
حجر (فتح الباري) ج 2، ص 278، 279. (1/21)
صفحة 21
-
22
النهي عن رفع اليدين في الصلاة حديث جابر بن سمرة.
رأي الرفع وعمل به من العلماء لا يبطل صلاة من لم يرفع إلا الحميدي وبعض أصحاب داود ورواية عن الأوزاعي»).
وقال ابن حجر (ت 852 هـ): (ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة: يأثم
تارکه».
وقال أيضاً: «ونقل القفال عن أحمد بن سيار أنه أوجبه وإذا لم يرفع لم تصح صلاته»، وقال: «وهو مقتضى قول ابن خزيمة: إنه ركن).
وهذا الخلاف إنما هو في الرفع عند افتتاح الصلاة.
وأما الرفع عند الركوع وعند الرفع منه فقد اختلفوا في حكمه:
1 ـ قال محمد بن نصر المروزي:
«أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة» (3)، وسبق أن أبا حنيفة والثوري ووكيعاً لا يرون ذلك مشروعاً.
الثلاثة:
وقال علي بن المديني: رفع الأيدي حق على المسلمين بما روى الزهري عن سالم عن أبيه، ورفع الأيدي هنا محله المواضع الإحرام والركوع والرفع منه كما هو سياق رواية الزهري عند البخاري في كتابه (رفع اليدين)).
ونقل السبكي عن المزني: سمعت الشافعي قال: لا يحل لأحد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع
(1) ابن عبد البر (الاستذكار) جـ 4، ص 107.
(2) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص 279. (3) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص 279. (4) البخاري رفع اليدين ص 38 رقم الحديث (19). رقم الحديث (18).
(5) البخاري رفع اليدين) ص /
37
سمع
وعند (1/22)
صفحة 22
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
الرفع من الركوع أن يترك الاقتداء بفعله»، قال السبكي: في أنه يوجب ذلك» (1).
2 ـ بينما قال أبو داود السجستاني:
23
«هذا
صريح
رأيت أحمد يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع كرفعه عند افتتاح الصلاة يحاذيان أذنيه، وربما قصر عن رفع الافتتاح». قال: «وسمعت أحمد قيل له: رجل سمع هذه الأحاديث عنه له ثم لا يرفع، هو تام الصلاة؟ قال: تمام الصلاة لا أدري، ولكن هو في نفسه منقوص».
عن
- قال ابن حجر:
ومقابل هذا قول بعض الحنفية: إنه يبطل الصلاة» (3)، ونقل ذلك أيضاً أبي حنيفة كما تقدم.
قال ابن حجر: «ونسب بعض متأخري المغاربة فاعله إلى البدعة، ولهذا مال بعض محققيهم - كما حكاه ابن دقيق العيد - إلى تركه درءا لهذه المفسدة» (4).
قال البخاري:
«من زعم أن رفع الأيدي بدعة فقد طعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والسلف ومن بعدهم (ه).
ـ وقد سبق عن الإمام مالك - في بعض الروايات عنه ـ القول بالكراهة في كل موضع في الصلاة.
ص
(1) السبكي (طبقات الشافعية) جـ 2، (2) أبو داود (مسائل الإمام أحمد ص (3) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص.
(4) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2،
ص
100
33
280
280
(5) البخاري رفع اليدين. ص 127 رقم الحديث (132). (1/23)
صفحة 23
24
فقال:
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ونقل ابن عبدالبر عن الظاهرية أقوالاً في حكم الرفع في الصلاة،
«وقال داود بن علي الرفع عند تكبير الإحرام واجب، ركن من أركان الصلاة. واختلف أصحابه فقال بعضهم: الرفع عند الإحرام وعند الركوع والرفع منه واجب وقال بعضهم: لا يجب الرفع عند الإحرام ولا غيره فرضا، لأنه فعله ولم يأمر به وقال بعضهم: لا يجب الرفع إلا عند الإحرام، وقال بعضهم: هو واجب كله لقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)).
وأما حكم الرفع في غير هذه المواضع عند من يقول بها فلا تعدو عند أكثرهم مجرد استحباب
1 - قال ابن دقيق العيد: قياس نظر الشافعي أنه يستحب الرفع فيه، لأنه أثبت الرفع عند الركوع وعند الرفع منه ....
إلخ» (2).
2 - وقد تقدم أن الألباني خيّر المصلي فيها بين الرفع وعدمه.
3 - كما تقدم قريبا أن بعض الظاهرية أوجبوا.
2
بينما تقدمت الرواية عن مالك بكراهة الرفع أصلاً في الصلاة.
المسألة الثالثة: كيفية الرفع
فقال:
قال العيني في كتابه «عمدة القاري»:
واختلفوا في كيفية الرفع ... »، ثم ذكر العيني هيئة الكفين عند الرفع
(1) ابن عبدالبر (الاستذكار) جـ 4، ص 103.
(2) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص 283. (1/24)
صفحة 24
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
1
-
25
حدثنا
«فقال الطحاوي: يرفع ناشرا أصابعه مستقبلا بباطن كفيه القبلة، كأنه لمح ما في (الأوسط للطبراني من حديثه عن محمد بن حزم: عمر بن عمران عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: «إذا استفتح أحدكم الصلاة فليرفع يديه وليستقبل بباطنهما القبلة، فإن الله تعالى وعن أمامه».
وفي المحيط: ولا يفرج بين الأصابع تفريجا، كأنه يشير إلى ما رواه الترمذي من حديث سعيد بن سمعان دخل علينا أبو هريرة مسجد بني زريق فقال: «ثلاث كان يعمل بهن فتركهن الناس، كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال هكذا، وأشار أبو عامر العقدي بيده، ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمها. وضعفه.
2 - وفي الحاوي للماوردي: يجعل باطن كل كف إلى الأخرى. - وعن سحنون ظهورها إلى السماء وبطونهما إلى الأرض.
4
وعن القاضي: يقيمهما محنيتين شيئاً يسيرا».
ثم ذكر العيني هيئة الأصابع فقال:
ونقل المحاملي عن أصحابهم: يستحب تفريق الأصابع. وقال الغزالي: لا يتكلف ضماً ولا تفريقاً، بل يتركهما على هيئتهما.
وقال الرافعي: يفرق تفريقا وسطا.
وفي المغني لابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه ويضم بعضها إلى
بعض).
انتهى كلام العيني.
(1) العيني (عمدة القاري) جـ 4، ص 378. (1/25)
صفحة 25
26
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
المسألة الرابعة وقت الرفع يرفع ثم يكبر، قال صاحب المبسوط (من الحنفية): «وعليه أكثر مشايخنا. وقال صاحب الهداية: الأصح يرفع ثم يكبر، لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله والتكبير إثبات ذلك، والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة (1).
يكبر ثم يرفع.
يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، أي: يكون الرفع مقارنا للتكبير، وبه قال أحمد، وهو المشهور من مذهب مالك، ونسبه الغزالي إلى المحققين. قال ابن حجر: «وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح عند أصحابنا المقارنة، ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع (2).
وذكر النووي لهذا القول خمسة أوجه فقال: «وأما وقت الرفع ففي الرواية الأولى: رفع يديه ثم كبر، وفي الثانية كبر ثم رفع، وفي الثالثة: إذا كبر رفع، ولأصحابنا فيه أوجه:
أحدها: يرفع غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين وينهيه
مع انتهائه.
والثاني: يرفع غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارتان، ثم يرسلهما.
والثالث: يبتدئ الرفع من ابتدائه التكبير وينهيهما معا.
والرابع: يبتدئ بهما معا، وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال. والخامس، وهو الأصح يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب
(1) العيني (عمدة القاري) جـ 4، ص 378. (2) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص 278. (1/26)
صفحة 26
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
27
في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس تمم الباقي، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع».
ثم قال النووي: «ولو ترك الرفع حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي، فلو تركه حتى أتمه لم يرفعهما بعده».
قال الألباني في (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم): «وكان يرفع يديه تارة مع التكبير وتارة بعد التكبير وتارة قبله»، أي كل ذلك جائز، ونحو قول العيني قبله: فهذه حالات فعلت لبيان جواز كل منها».
المسألة الخامسة: إلى أين يرفع
2
-1
إلى المنكبين، وبه قال مالك والشافعي.
إلى الصدر، وهو إحدى الروايتين عن مالك.
- التخيير إلى المنكبين أو إلى الصدر (4).
4 - إلى فروع الأذنين، وهو مذهب الأحناف، وعندهم أن المرأة إلى الصدر لأنه أستر لها. قال النووي: «وأما صفة الرفع فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم حذو منكبيه، وبهذا جمع الشافعي له بين روايات الأحاديث، فاستحسن الناس ذلك منه (ه)، انتهى كلام النووي.
(1) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ 4، ص 95.
87
(2) الألباني (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم) ص / (3) العيني (عمدة القاري) جـ 4، ص 378. (4) ابن المنذر (الأوسط) جـ 3، ص 73.
(5) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ 4، ص 95. (1/27)
صفحة 27
28
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
إلى فوق الرأس، وهو منسوب إلى ابن حبيب، ومروي عن طاووس.
التكبيرة الأولى التي للاستفتاح أرفع مما سواها حتى يخلف الرأس،
وهذا مروي عن طاووس (1).
المسألة السادسة: الحكمة من الرفع
اختلفت آراء القائلين برفع اليدين في الصلاة في الحكمة منه، فمنهم من توقف قال ابن بطال ورفعهما تعبد» (2)، ومنهم من خاض في استنباط الحكمة من ذلك على ما ذكر النووي (3) على النحو التالي:
1 - قال الربيع قلت للشافعي ما معنى رفع اليدين؟ قال: تعظيم الله واتباع
سُنَّة نبيه.
2 - استكانة واستسلام وانقياد، وكان الأسير إذا غُلب مد يديه علامة للاستسلام. إشارة إلى استعظام ما دخل فيه.
4
إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة ومناجاة ربه، كما تضمن ذلك قوله الله أكبر، فيطابق فعله قوله.
إشارة إلى دخوله في الصلاة، وهذا الأخير مختص بالرفع لتكبيرة
الإحرام.
قال النووي إثر إيراده هذه الأقوال: وقيل غير ذلك، وفي أكثرها
نظره.
(1) ابن المنذر (الأوسط) جـ 3.
ص
(2) العيني (عمدة القاري) جـ 4. ص
73
378
(3) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ 4، ص 96. (4) (صحيح مسلم بشرح النووي) جـ 4، ص 96. (1/28)
صفحة 28
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
29
6 - إشارة إلى التوحيد.
أن يراه الأصم فيعلم دخوله في الصلاة، والتكبير لسماع الأعمى
فيعلم دخوله في الصلاة.
- إشارة إلى تمام القيام.
إشارة إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود.
10 ـ ليستقبل بجميع بدنه قال القرطبي: هذا أنسبها، قال ابن حجر:
وتعقب".
مناقشة ما سبق من الخلاف في مسائل الرفع
تبين أن الخلاف في كل مسائل الرفع شاسع واسع، وكل قول يعتمد - في كثير من الأحيان ـ على رواية منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمدهش القول جميع هذه الروايات لا تخلو كلها من مطعن، وعلى الرغم من ذلك، لا يزال أصحاب هذه الأقوال لا يلتفتون لهذه المطاعن في الروايات التي
بأن
يعتمدون عليها.
والشكوك في موضوع الرفع واردة من جهة كونه أمراً عملياً في الصلاة، يتكرر ليلا ونهارا ولا يمكن أن يخفى عدده ومواضعه وكيفيته وكل ما يتعلق به، بيد أننا وجدنا أن المسألة مضطربة إلى حد بعيد.
ويفترض أن يكون نقل الرفع بنفس الأوصاف نقلا جماعيا متفقا عليه
بين كل النقلة، والواقع أن شيئاً من ذلك لم يكن.
(1) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص 278. (1/29)
صفحة 29
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
بل على العكس، نجد الروايات يناقض بعضها بعضا، ويمنع بعضها ما يجيزه بعضها الآخر، وبناء عليه تتباين المواقف بين العلماء في أي من الروايات يأخذ الواحد منهم، وأ وأي من الأقوال يتبنى.
من
يتخذه وأما الموقف الذي يبيح العمل بأيها شاء المصلي، مع ندرة من
العلماء ـ كما
يفعل الألباني من نحو قوله: «وكان صلى الله عليه وسلم
أحياناً. يرفع في
الموضع» - فهو مجرد محاولة لحل لغز التناقض والاضطراب في القضية.
والحديث عن ذلك أحصره في الأمور الأربعة التالية:
الأمر الأول: البون الشاسع بين الأقوال:
هذا
وثمة فارق كبير بين القول بالرفع مرة واحدة في الصلاة، وبين القول
بالرفع ستاً وعشرين مرة في الصلاة، وبيان ذلك
في مواضع الرفع:
1 - عند الافتتاح فقط.
من خلال استرجاع الأقوال
2 - عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه.
3 - عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من التشهد الأول في الصلاة الثلاثية والرباعية.
4 - عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه وعند السجود وعند
_ 0
الرفع منه.
عند الافتتاح وعند كل خفض ورفع.
6 ـ عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه، والتخيير في الرفع عند السجود وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، وهذا
مذهب الألباني. (1/30)
صفحة 30
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
31
-
أخي القارئ الكريم، تابع معي بإمعان ما يلي:
بناء على القول الأول: فالرفع يكون مرة واحدة في الصلاة الواحدة. وبناءً على القول الثاني: فالرفع يكون في الصلاة الثنائية خمس مرات، وفي الثلاثية سبع مرات، وفي الرباعية تسع مرات.
وبناء على القول الثالث: فعدد مرات الرفع في الصلاة الثنائية خمس، وفي الثلاثية ثمان، وفي الرباعية عشر.
وبناء على القول الرابع: فعدد مرات الرفع في الصلاة الثنائية ثلاث عشرة
مرة، وفي الثلاثية تسع عشرة مرة وفي الرباعية خمس وعشرون مرة. وبناء على القول الخامس، وعلى قول من اختار الرفع في كل المواضع على مذهب الألباني: فعدد مرات الرفع في الصلاة الثنائية ثلاث عشرة مرة، وفي الثلاثية عشرون مرة، وفي الرباعية ست وعشرون مرة!!
أيعقل أن تكون صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الاضطراب؟!
وأي هذه الأشياء كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاته؟!
إن اختلاف أمر الرفع بهذه الصورة الكبيرة في ظرف قرن ونصف من الزمان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أمر يكتنفه الغموض وتحوم حوله الريب والظنون، لما سبق من كون هيئة الصلاة أمرا يتأتى فيه النقل الجماعي، ولكن الروايات مضطربة جدا، وكل واحد ممن يرفع يستند إلى سلسلة من الرواة تنقل كيفية مختلفة عن الكيفية التي تنقلها سلسة أخرى منهم.
فكيف يمكن أن يفسر ذلك؟!
وحتى لو سلمنا بأن كلاً من ذلك فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الروايات لا تقول ذلك بل تبين أنها تتناقض، فتبقى الشكوك كثيرة وكبيرة، لأنه عليه (1/31)
صفحة 31
32
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
الصلاة والسلام لم يمكث بين أصحابه أياما يسيرة معدودة، بل ظل بين ظهرانيهم يصلي صلوات عديدة كل يوم واستمر به الحال عدد سنين، وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يلازمونه كثيرا، ومن غاب عن حادثة أو فاته شيء نقله إليه غيره، ما عدا القليل، كما أن الصلاة هي الركن العملي الأكبر في الإسلام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلميعلمهم كل شيء فيها.
والسؤال المحيّر الآن: لِمَ اختلفوا من بعده ذلك الاختلاف الذي تصوره الروايات وتنبئ عنه الأقوال؟!
وحتى لو كان كل ذلك جائزا، أفيعجز النبي صلى الله عليه وسلم - حاشاه ـ أن يعلمهم
ذلك؟!
ولو كان يفعل بعض ذلك أحيانا ويفعل غيره أحياناً، أفيخفى على الصحابة الكرام كل ذلك وهم الملازمون له - عليه الصلاة والسلام ـ في سفره وحضره سنين طويلة؟!
والمسألة أشد اضطرابا من ذلك، فإن الروايات تبين أن الصحابي الواحد ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم - حسبما يروى - الاختلاف الواضح في الرفع، وخير مثال على هذا الاضطراب ما ينسب إلى عبد الله. ا فالروايات
مختلفة عنه في الرفع على النحو التالي:
-1
الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط.
2 - الرفع عند تكبيرة الإحرام وبعد الركوع.
بن
الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع
4 - الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع
وعند القيام من التحيات. (1/32)
صفحة 32
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
33
الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع
وعند القيام من التحيات وعند السجود.
6 - الرفع عند كل خفض ورفع.
ست هيئات عن ابن عمر في هذا الأمر المهم؟ وهم يقولون بأن حديث ابن عمر أقوى حديث في موضوع الرفع؟!
ويلتحق بالكلام على الاضطراب في عدد مرات الرفع وحكمه؛ الكلام على نظير ذلك في كيفية وضع اليدين والمسافات بين الأصابع، ووقت الرفع، وإلى أين يرفع، وكل ذلك يزيد قضية الرفع اضطراباً وشكوكاً.
الأمر الثاني: مناقشة حُكم الرفع عند القائلين به:
ليس
تفاوتت الأحكام المتعلقة برفع اليدين في الصلاة على النحو التالي: عند الافتتاح: مكروه، مستحب، سُنَّة، واجب لا تبطل الصلاة بتركه، واجب تبطل الصلاة بتركه، ركن، يأثم تاركه.
-1
2 - عند الركوع والرفع منه جائز من تمام الصلاة، سُنَّة، واجب، مكروه، بدعة، يبطل الصلاة.
3 - في غير المواضع الثلاثة الإحرام والركوع والرفع منه): مستحب، جائز مكروه، لا يجوز.
وهذا التفاوت الواضح في الحكم دليل بين وبرهان ساطع على كونه
من
أعمال الصلاة الثابتة.
ولو تجاوزنا حكم الرفع عند تكبيرة الاحرام - مع اتساع الخلاف فيه ـ لوجدنا النزاع يحتدم بضراوة، لا سيما بين الأحناف من جانب، وبين الشافعية والمحدثين من جانب آخر، وكان من نتائج ذلك أن بعض (1/33)
صفحة 33
34
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
متأخري الأحناف أخذوا برفع اليدين ثلاث مرات، مما أدى إلى رد بعضهم على بعض.
وقد شارك في المعترك المالكية أيضاً، وكان بينهم وبين غيرهم مقالات وردود وانعكس أثر ذلك على المالكية أنفسهم، فوجد بينهم من أخذ أخذ برواية الرفع مرة واحدة، ومن برواية الرفع ثلاث مرات، والحادثة التالية تبين مدى تأصل النزاع فيما بين أتباع المذهب الواحد بسبب موضوع الرفع.
قال محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، من علماء المالكية
(543 هـ):
«ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه، وهذا مذهب مالك والشافعي وتفعله الشيعة، فحضر عندي يوما بمحرس ابن الشواء بالثغر - موضع تدريسي ـ عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعد على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعه في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة وأصحابه ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟! فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به البحر فلا يراكم أحد، فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت. فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟! فقلت: كذلك كان النبي يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت أسكنهم وأسكتهم، حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي فأنكره، وسألني فأعلمته فضحك، وقال: من أين لي أن أقتل على سُنّة؟! (1/34)
صفحة 34
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
35
فقلت له ولا يحل لك هذا فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك، فقال: هذا دع الكلام وخذ في غيره».
هذا، ومن ضمن الصراع الدائر ضد الحنفية كتاب (رفع اليدين) للإمام البخاري الذي عنف فيه على من يرى الرفع مقصوراً على تكبيرة أبو حنيفة وأصحابه، وقسا في حكمه عليهم، وكان
الاحرام مما قال:
فحسب، وهم
من
«الرد على من أنكر رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع وإذا رفع رأسه من الركوع، وأبهم على العجم في ذلك تكلفا لما لا يعنيه فيما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله ومن فعل أصحابه وروايتهم كذلك، ثم فعل التابعين واقتداء السلف بهم في صحة الأخبار بعض الثقة عن الثقة الخلف العدول رحمهم الله تعالى وأنجز لهم ما وعدهم، على ضغينة صدره وحرجة قلبه نفاراً عن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحقاً لما يحمله استكباراً وعداواة لأهلها، لشوب البدعة لحمه وعظامه ومخه، وأنسته باحتفال العجم حوله اغتراراً» (2).
ويبدو أن موقف الإمام البخاري - مع حدته غير المقبولة ـ كان ردة فعل على من أنكر ذلك، فقد قال:
«من زعم أن رفع الأيدي بدعة فقد طعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والسلف ومن بعدهم ... » (3).
(1) ابن العربي (أحكام (القرآن) جـ 4، ص 1912. ونقلها عنه القرطبي في (الجامع لأحكام
القرآن) جـ 19، ص 281.
(2) البخاري (رفع اليدين) ص 20.
(3) البخاري رفع اليدين ص)
127 (1/35)
صفحة 35
36
حديث جابر بن سمرة النهي عن رفع اليدين في
الصلاة
ورفع الأيدي الذي يريده هو ما يكون في الموضعين بعد الافتتاح، أي عند الركوع وعند الرفع منه، كما يدل عليه كلامه من قبل.
وقد علق محقق الكتاب بديع الدين الراشدي على كلام البخاري فقال: «لأن المسألة بينهم إجماعية، كما تقدم من أقوال المصنف وعامة السلف، فهذا طعن لا شك فيه» (1).
إذن، فقد انضاف شيء آخر، هو دعوى الإجماع على قضية الرفع، وليس الرفع عند الافتتاح فحسب، بل حتى الإجماع على الرفع عند الركوع وعنا وعند الرفع منه!!
مع
الخلاف الحاد في جميع مسائل الرفع، خاصة من الأحناف الذين
لا يرفعون إلا عند تكبيرة الإحرام!
هذا، وقد عد بديع الدين الراشدي الرفع في الصلاة سُنَّة «ولا يبغضها إلا حاسد أو معاند»، وألمح إلى أن من لم يرها أو يعمل بها فهو من «أهل البدع وأعداء السنن» (2)!!
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه كثيرا، وها هو الأمر يتناول حكم الصلاة، وقد تقدمت نسبة القول إلى أبي حنيفة الإمام بفساد صلاة من رفع اليدين بعد الافتتاح، وممن نقل ذلك مكحول النسفي الحنفي صاحب كتاب الشعاع، كما سبق القول بأن أمير كاتب بن أمير الإتقاني المكنى بأبي حنيفة صنف رسالة بفساد الصلاة بذلك، ورد عليه اللكنوي
(1) البخاري رفع اليدين ص 27 هامش (1). (2) البخاري (رفع اليدين)، مقدمة المحقق ص 5. (1/36)
صفحة 36
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
37
الحنفي قائلا: «ما أقبح كلامه وما أضعفه أتفسد الصلاة بما تواتر فعله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟! أما علم أن الصحابة منهم من كان يرفع ومنهم من كان لا يرفع، وكان يقتدي أحدهما بالآخر ولم يرو عن أحد تفوه به؟!! أما فهم أن إمامنا وإن لم يأخذ بأحاديث الرفع ورجح عليها
منهم
ما
أخبار ترك الرفع لكن لم يشدد في ذلك كما تشدد هو فيما هنالك؟ أما تدبر في أن مكحولا الراوي لرواية الفساد من هو؟ وكيف هو؟ وهل تقبل روايته مرسلة أم ترد عليه منتقضة؟ أما تفكر أن مشائخنا الثقات وفقهاءنا الأثبات قد صرحوا بعدم الفساد ولم يعتبر أحد منهم رواية الفساد؟ أفلا يكون إعراضهم موجبا لهجران تلك الرواية؟ أفلا يكون ذلك دليلاً على أنها خلاف الدراية؟ وبالجملة فمقاصد التعصب وعدم التدبر لا تعد، والبشر له ذنوب وأخطاء لا تعتد).
وهذا الكلام لم يف بكل ما يتمناه محقق كتاب البخاري بديع الدين الراشدي، فقد عقب على بعض كلام اللكنوي، والذي يهمنا من ذلك تعقيبه على عبارة اللكنوي في قوله: «وكان يقتدي أحدهما بالآخر».
فقد قال المحقق:
«وهذا قد بناه على مفروضه، وقد بطل فهو مثله أيضاً، فقد أخرج أحمد عن أنس بن مالك أنه كان يخالف عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: ما يحملك على هذا؟ فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة متى توافقها أصلي (2) معك، ومتى تخالفها أصلي وأنقلب إلى أهلي. وقال الطبراني في «الكبير»: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال المكي حدثنا يعقوب بن محمد
(1) البخاري (رفع اليدين) هامش ص 17، 18. (2) الأصل على قواعد النحو حذف الياء في الموضعين من (أصلي) جوابا لمتى، إلا إذا فرغت متى من معناها الشرطي إلى الظرفي البحت. (1/37)
صفحة 37
28
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
حدثنا عبد الله بن رجاء عن ابن أبي ذئب عن عبد العزيز بن عباس عن محمد بن كعب القرظي عن أبي أيوب أنه كان يخالف مروان بن الحكم في صلاته، فقال له مروان: ما يحملك على هذا؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة إن وافقته وافقتك، وإن خالفته صليت وانقلبت إلى أهلي. أوردهما الزوائد» (1) وقال في كل واحد منها: «رجاله ثقات»، مجمع
الهيثمي
أيضاً في
فهذا يدل على خلاف ما نسبه إليهم، انتهى كلام المحقق (2).
إذن فقد تمخض لدينا من كلام المحقق في مسألة الرفع في المواضع
الثلاثة ثلاثة أمور:
الإجماع على أن الرفع في المواضع الثلاثة.
الحكم بالابتداع على من
خالف في شيء من
ذلك.
الحكم بعدم جواز الصلاة وراء من خالف في شيء من الرفع في
الصلاة.
وهكذا نجد الخلاف ـ إذن ـ يبلغ ذروته!
ولنأتِ الآن لنقف وقفة محاسبة علمية
مع الأستاذ بديع الدين الراشدي،
لعله ينتبه إلى أن الكلمة أمانة، وأنه مسؤول عما يقوله من الكلام وما يطلقه
من الأحكام، وأن مسائل العلم لا يتعامل معها بهذه البساطة.
1 - أما قضية الإجماع فمن ذا الذي يقره بعدما اطلع على الخلاف العريض في مسألة الرفع؟!
وما يدعو إلى العجب أننا نقرأ كلام المحقق: «لأن المسألة إجماعية» في السياق الذي يذكر فيه البخاري من خالف في الرفع عند الركوع وعند الرفع
(1) الهيثمي (مجمع الزوائد) جـ 2، ص 68.
(2) البخاري (رفع اليدين) ص 19 هامش. (1/38)
صفحة 38
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
39
منه، فبعد أن عدد البخاري من كان يرفع - على حسب ما يرى ـ قال: «وكان الثوري ووكيع وبعض الكوفيين لا يرفعون أيديهم».
فأين الإجماع؟!
ويقوى العجب في النفس حينما يورد المحقق بنفسه الخبر عن سفيان الثوري أنه لا يرفع، فيقول: «أما الثوري فقال ابن عبد البر في (التمهيد: 228/ 9 - 229): حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا
الثقة
أحمد. بن زهير حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي حدثنا داود بن يحيى المأمون عن ابن المبارك قال: صليت إلى جنب سفيان وأنا أريد أن أرفع يدي إذا ركعت وإذا رفعت، فهممت بتركه وقلت ينهاني سفيان. ثم قلت: شيء أدين به الله لا أدعه، ففعلت، فلما صلى لم يمنعني".
فأين الإجماع؟!
ثم نجد المحقق يعود فينقل عن مؤمل قوله:
«ما رأيت عالماً يعمل بعلمه إلا سفيان»، قال المحقق:
فليس بعيداً أن يكون عمل بأحاديث الرفع أيضاً، وهو الذي يرجى
من مثله (3).
فأي اضطراب أكثر هذا؟!!
من
ويعجبني قول ابن عبد البر بعد أن ذكر حديث المسيء صلاته قال: «فلم يأمره برفع اليدين، ولا من التكبير إلا بتكبيرة الإحرام، وعلمه الفرائض في الصلاة، وسنبيبن هذا فيما بعد إن شاء الله. فلا وجه لمن جعل صلاة من لم
128،127
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 128. (2) البخاري (رفع اليدين هامش ص (3) البخاري (رفع اليدين هامش ص 128. (1/39)
صفحة 39
مع
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
يرفع ناقصة، ولا لمن أبطلها، اختلاف الآثار في الرفع عن النبي ال و اختلاف الصحابة ومن بعدهم واختلاف أئمة الأمصار في ذلك. والفرائض لا تثبت إلا بما لا مدفع له ولا مطعن فيه. وقول الحميدي ومن تابعه شذوذ عند الجمهور وخطأ لا يلتفت أهل العلم إليه».
فقول
بديع الراشدي خطأ لا يلتفت إليه.
كل ذلك على افتراض صحة الروايات إلى الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يرفعون وقد تكفلت دراسات أخرى ببيان ضعف الروايات الواردة عن الصحابة في موضوع رفع اليدين في الصلاة.
2 ـ وأما الحكم بالابتداع فهو عادة اعتادها كثير من الناس تشي بضيق الأفق، وعدم رحابة الصدر في احتمال خلاف الآخرين، وضعف إدراك مقاصد الشرع في اتساع الأمر فيما يخص مسائل الفروع. وليت العلماء والفقهاء والمحدثين يخففون من لأواء هذه الأحكام وعواقبها الوخيمة. وقد كان لقضية الخلاف المذهبي أواره الملتهب، وصارت كل فرقة تقذف الأخرى بالابتداع بسبب أو حتى بدون سبب، ومسألة الرفع والضم دليل واضح على ذلك. ويزداد العجب عندما يصبح الخشوع في الصلاة والسكون فيها والامتناع
من الحركة - تعظيما لشعيرة الصلاة وإجلالاً للمقام - شيئاً مبتدعا!! وموضوع الابتداع لا أخوض فيه كثيراً، إذ يعكس التعصب المذهبي في أوضح تجلياته.
هذا، ومن التعصب كلام البخاري في الإمام أبي حنيفة في قوله بعدم
رفع اليدين في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام:
(1) ابن عبدالبر (الاستذكار) جـ 4، ص 109. (1/40)
صفحة 40
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
41
على ضغينة صدره وحرجة قلبه نفاراً عن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحقاً لما يحمله استكباراً وعداوة لأهلها، لشوب البدعة لحمه وعظامه ومخه، وأنسته باحتفال العجم حوله اغتراراً».
3 - وأما الحكم بعدم جواز الصلاة خلف من يرفع فهو أثر من آثار التعصب أيضاً، ولئن كان في التاريخ الإسلامي فترات حمي فيها وطيس الصراع المذهبي وأطلقت فيها الأحكام الكثيرة المتنوعة، فعلام تجتر تلك الأحكام لتطبق على واقعنا المؤلم المرير؟!
أن
والذي يزيد الأمر غرابة أنه في الوقت الذي يرى فيه اللكنوي الخلاف في الرفع لا يوجب منع الاقتداء في الصلاة، نفاجأ بأن المحقق يسعى إلى إثبات خلاف ذلك، وتعال معي أخي القارئ ليتقضى عجبك من صنيعه حين رد على اللكنوي قوله:
6"
«وكان يقتدي أحدهما بالآخر ولتتبين أنه حمله التعصب على التهور والعجلة في إطلاق الأحكام، وبيان ذلك:
أن تمام كلام اللكنوي
«أما
يقتدي
كان
علم أن الصحابة منهم من يرفع، ومنهم من كان لا يرفع، وكان أحد أحدهما بالآخر، ولم يرو عن منهم ما تفوه به» (2).
أنه إذن، فكلامه صريح في مسألة اقتداء الصحابي بالصحابي في
الصلاة، ولكن المثالين اللذين أوردهما المحقق هما:
-
صلاة أنس بن مالك وراء عمر بن عبد العزيز.
صلاة أبي أيوب وراء مروان بن الحكم.
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 20. (2) البخاري (رفع اليدين) هامش ص 18. (1/41)
صفحة 41
42
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وكل من أنس وأبي أيوب ول الله صحابيان، أما عمر فتابعي، ومروان قد التقى بالصحابة، فالمثالان عن صلاة صحابيين خلف تابعيين. إذن، فتعقيب المحقق على اللكنوي في غير محله، ويدل على أنه في وادٍ آخر، وأنه لم يفهم المراد من كلامه.
ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أعلم الناس، وأولاهم باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأسي بسنته المطهرة، وقد عاينوا النبي عليه الصلاة والسلام وعرفوا صلاته، وهم النقلة للأحكام، وإنكارهم لما لم يعهدوه عن رسول الله مما يخالف سنته الشريفة حق، وإلا فكيف يرضون بتغيير السنة والسكوت على ذلك.
وإنكار أبي أيوب الله على مروان بن الحكم صلاته حق، ذلك أن مروان خالف النبي صلى الله عليه وسلم صراحة، وهو الذي قدّم خطبة العيد على الصلاة، فقد روى البخاري بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف.
قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلي إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة).
(1) البخاري (الجامع الصحيح كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، حديث رقم (956). (1/42)
صفحة 42
43
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
هذا إلى كون مروان ليس بعالم ولا فقيه وليس بأهل للرأي، فكيف يرضى أبو أيوب أن يقتدي بمثل هذا المتلاعب في صلاته؟!!
وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الروايتين ضعيفتان:
موهوب
أما حديث الإمام أحمد في صلاة أنس خلف عمر بن عبد العزيز، ففيه أو. موهب بن عبد الرحمن بن أزهر القرشي، ذكره ابن حبان في (الثقات)، والبخاري في (التاريخ)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، وسكتا عنه، فهو مجهول، حيث لم يوثقاه، وأما منهج ابن حبان فإنه يذكر في كتابه (الثقات) من لم يجرح ولولم يوثقه أحد، فيبقى الرجل على جهالته وقول الهيثمي في الحديث: رجاله ثقات لا يرفع عنه حكم الجهالة لما علم من تساهل الهيثمي، ولم يبين مستنده في التوثيق.
وعليه فالرواية ضعيفة.
(2)
وأما حديث الطبراني (2) في صلاة أبي أيوب خلف مروان، فإن فيه عبد العزيز بن عباس عن محمد بن كعب القرظي عن أبي أيوب، وعباس مصحف من عياش ذكره ابن حبان في الثقات ولم يوثقه، وقال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: «شيخ لابن أبي ذئب لا يعرف، عداده في المدنيين. مقل» (3). وقال ابن حجر: «مقبول» (4).
والمقبول عند ابن حجر هو: «من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ» مقبول «حيث يتابع،
وإلا فلين الحديث» ().
(1) أحمد بن حنبل (المسند) جـ 3.
ص
613، رقم 12076.
(2) الطبراني (المعجم الكبير) جـ 4، ص 156.
(3) الذهبي (ميزان الاعتدال) جـ 3 ص 633، رقم 5121.
(4) ابن حجر (التقريب) ص 358 رقم 4115.
(5) ابن حجر (التقريب) ص 74. (1/43)
صفحة 43
44
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ولم يتابع عبد العزيز هذا في روايته عن محمد بن كعب، فيبقى لينا
ضعيف الحديث.
وعليه فالرواية ضعيفة.
أعود بعد كل ما مضى لأقول إن الحكم ببطلان صلاة من لم يرفع أو بعدم جواز الاقتداء به ـ أي الصلاة وراءه ـ غلق ومبالغة، فإن عدم الرفع هو الأصل، وإذا صح لنا توجيه رأي أنس بن مالك الله له في الموضوع على حسب ما تم تقريره وعلى فرض صحة الرواية عنه، فإن البطلان يكون بسبب إدخال شيء على الصلاة مما لا خلاف فيه، أو بما يبطلها أو ينقص خشوعها من الرفع ونحوه، هذا ما يمكن أن يفسر به سبب إنكار أنس على عمر، والعلم عند الله تعالى.
الأمر الثالث: مناقشة حكم الرفع:
نلحظ أن بيان بعض تلك الحكم إنما هو نتيجة سؤال عن سبب الرفع، كمثل ما سئل الشافعي عن ذلك فأخبر أنه تعظيم الله تعالى واتباع لسنة
الرسول.
ويسبق إلى الذهن ها هنا أمران:
الأول: ما الدافع لمن يرفع أن يبحث عن حكمة الرفع دون غيره مما
يتعلق بأفعال الصلاة؟
الثاني: ما سرّ الاهتمام المركز ببيان الحكمة من الرفع؛ من قبل عدد من العلماء ومحاولة إعطاء تفسير له.
- 1
وفي كلا هذين إشارة صريحة إلى الآتي:
أن الرفع أمر جديد على الناس غير مقبول عندهم، وفي النفس منه ارتياب، وإلا فإننا لا نجد التساؤل ذاته، وبنفس هذا الإلحاح، عن (1/44)
صفحة 44
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
45
الحكمة من الركوع والسجود وعدد الركعات، ونحو ذلك، فما الذي الأذهان للاشتغال بالبحث عن حكمة الرفع والعناية باستنباطها
يوجه
وبيانها؟
فلو كان الأمر ثابثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام رضوان الله عليهم
لتلقاه الناس كما تلقوا السجود والركوع وسائر أعمال الصلاة!! أن الرفع معتمد على روايات فردية، لا على نقل جماعي، مع أنه أمر يمكن أن يشاهده الجميع، ويتكرر ليل نهار وفي كل مكان، ولا يصح ما نقله الرواة عن الصحابة من الرفع.
وتلك التساؤلات والمحاولات للكشف عن حكمة هذا العمل دليل على الفردية في النقل، الأمر الذي يشكك في الروايات والنقولات، أنه بمعنى لو كان نقله نقلاً متواتراً بحيث اعترف به الكل ورسخ لديهم رسوخ الركوع والسجود والقعود للتحيات لما تكرر السؤال في النفس باحثاً عن إجابة ترضي.
ولم يقف مثبتو الرفع عند القول إنه تعبدي، بل صاروا يبحثون عما وراءه من العلل والحكم، ولم يكتفوا بذلك بل تعدوه إلى جعله زينة للصلاة؛ فقد روي عن الإمام أحمد قال: «الرفع زين الصلاة».
وقد نقل محقق كتاب رفع اليدين للبخاري عن أبي حمزة السهمي في (تاريخ جرجان) بسنده إلى بكير الجرجاني قال:
«رفع اليدين سناه، وهو أفضل». وفسروا (سناه) بأنه: حسن).
(1) البخاري (رفع اليدين هامش ص 8.
(2) البخاري (رفع اليدين) هامش ص 7. (1/45)
صفحة 45
حديث جابر بن سمرة م النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ولو أن القائلين بالرفع عبروا عن رأيهم في استحسانهم له لكان الأمر
عادياً، ولكنهم نسبوا ذلك إلى بعض الصحابة الا الله:
-
:
أحمد
بن
فقد روى الحافظ أبو بكر الأثرم قال: حدثنا على بن القاسم الباهلي حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عياض بن عبد الله الفهري أن عبد الله بن عمر كان يقول:
«لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند الافتتاح، وحين تريد أن
تركع وترفع.
وهذه رواية ضعيفة جدا من جهتين
- أن عياضاً نفسه ضعيف قال عنه ابن حجر: «فيه لين
السابعة» (2).
أن بين عياض وبين ابن عمر | انقطاعاً، فإن عياضاً من الطبقة السابعة، وابن عمر هو الصحابي المعروف والطبقة السابعة عند ابن حجر طبقة كبار أتباع التابعين أي الذين جاؤوا بعد زمن الصحابة ولم يلتقوا بهم ولم يشاهدوهم".
هي
أن هذه الرواية من طريق عبد الله بن وهب قال الساجي: «روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر» (4).
ولو سألنا
عن وجه الزينة في رفع اليدين في الصلاة فماذا يمكن أن
يقال؟!!
(1) البخاري (رفع اليدين) هامش (3) ص 7.
(2) ابن حجر (التقريب) ص 437، رقم 5278.
(3) ابن حجر (التقريب) (ص)
Vo
(4) ابن حجر (تهذيب التهذيب جـ 8، ص: 174، رقم 5498. (1/46)
صفحة 46
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
47
إن الزينة في الصلاة مرهونة بما إذا كانت تحقق الخشوع وتزيد من طمأنينة المصلي. فأي الأمرين أدعى للخشوع: الحركة بالرفع، أم السكون
والهدوء؟!!
أحسب أن منطق الصلاة يقضي أن السكون وعدم الرفع أجمل للصلاة، وأدعى للخشوع، وأسكن لنفس المصلي، وأن الرفع مشغلة للمصلي عندما يوجه قلبه وعقله لضبط اليدين أين تكونان ولضبط الكفين كيف تتجهان!، ولضبط الأصابع كم مقدار ما بينهما!
هذا، وقد أكثر الرواة عن عبد الله بن عمر لا الا في مسألة الرفع، ومما يروون عنه أنه كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع ره
بالحصى (1).
أحقاً كان ابن عمر يتصرف مثل هذا التصرف؟!!
وهل
قعوده؟!
رماه
كان بالحصى من لا يقيم ركوعه أو سجوده أو قيامه أو يرمي
وهل كان
بالحصى من كان ينقر نقر الغراب أو يقعد قعود القرد أو يرمي يقعي إقعاء الكلب أو يفترش يديه افتراش السبع، أو يلتفت التفات الثعلب؟! وهل كان يرمي بالحصى من يرفع بصره إلى السماء إذا رفع رأسه من
الركوع؟!
وهل كان يرمي بالحصى من يعبث بيديه ويحركهما يميناً وشمالاً؟!! لقد أصبح الرفع في الصلاة - من خلال هذه الرواية ـ أولى باهتمام ابن عمر من متابعته كل تلك المخالفات، وحرصه على تطبيق السُّنَّة فيها؟!!
(1) البخاري (رفع اليدين) هامش ص 53. (1/47)
صفحة 47
48
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
إن هذه الرواية مرفوضة لا يمكن قبولها، لأنها تصور هذا الصحابي الجليل في مظهر العابث الذي يتصرف تصرفات ينأى عنها العقلاء، فحاشاه له وأرضاه عن ذلك.
ومن روى هذه الرواية وأخواتها، أو أيّدها فقد أساء إلى ابن عمر من حيث حسب أنه أحسن إليه فليت شعري هل يعي أمثال هؤلاء هذا المعنى؟!
وكما نسب إلى ابن عمر كون الرفع في الصلاة زينة، نسب إلى غيره اعتبار ذلك أجراً ومضاعفة في الحسنات، فقد روى الطبراني عن ابن لهيعة حدثني ابن هبيرة أن أبا المصعب مشرح بن هاعان المعافري حدثه أنه سمع عقبة بن عامر الصحابي يقول:
«إنه يكتب في كل إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل أصبع
حسنة أو درجة»، قال الهيثمي: «إسناده حسن»).
وقال بديع الدين الراشدي:
«وإنما حسنه مع كون ابن لهيعة فيه لأنه من رواية أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، ورواية العبادلة - ومنهم المقرئ ـ صححها بعض أهل العلم". والصواب أن هذه الرواية ضعيفة، فإن ابن لهيعة ضعيف كما لا يخفى، ولا يشفع لهذه الرواية مجيئها من طريق المقرئ وهو أحد العبادلة الذين نُسب إلى بعض أهل العلم تصحيح حديث ابن لهيعة إذا ورد من طريق
(1) الطبراني (المعجم الكبير) جـ 17، ص 297.
(2) الهيثمي (مجمع الزوائد) جـ 2، ص
103
(3) البخاري (رفع اليدين) هامش ص 28. (1/48)
صفحة 48
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
49
هو
أحدهم، فإن هذا القول ليس بصواب، بل الذي قاله أهل النقد والتحري إن سماع العبادلة من ابن لهيعة صحيح، وهذا لا يعني تصحيح الحديث، وإنما غاية ما يستفاد منه تصحيح سماعهم منه دون غيرهم ممن روى عنه، أما أي ابن لهيعة ـ فقد كان في نفسه ضعيفاً، ومما يدل على ما قلت قول عمرو بن علي الفلاس:
«عبد الله بن لهيعة احترقت كتبه فمن كتب عنه قبل ذلك مثل ابن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ أصح من الذين كتبوا بعدما احترقت كتبه،
وهو ضعيف الحديث».
ويقول سبط ابن العجمي:
والعمل على تضعيف حديثه» (2).
إذن، فحديث ابن لهيعة ضعيف.
وفوق ذلك، فإننا نسأل بديع الدين الراشدي، وقد دفعه تقليده للهيثمي إلى غض الطرف عن عثرة كبرى فنقول: أليس لهذه الرواية علة أخرى؟! ونكفيه الجواب فنقول: إن مشرح بن هاعان «مقبول» عند ابن (3)، والمقبول عنده هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ مقبول حيث يتابع، وإلا فلين الحديث» (4).
جر
(1) ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل) جـ 2/ 2
الحديث أسماء) ص.
47 - 59
ص
147. وانظر لمزيد من التفصيل: (النقد البناء
(2) سبط ابن العجمي (نهاية الاغتباط) رقم (58). (3) ابن حجر (التقريب) ص: 532، رقم 6679. (4) ابن حجر (التقريب) ص 74.
ص
190 (1/49)
صفحة 49
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ورغم توثيق ابن معين والعجلي، له لكن ابن حبان قال: «يخطئ
ويخالف (1).
وذكره في المجروحين فقال: يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يُتابع عليها»، وهنا قد رواها عن عقبة بن عامر.
فبين الرواية والحُسْن كما بين الثرى، والثريا وهي من المناكير بحسب حكم ابن حبان.
ولا تقويها الرواية الأخرى، عند البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني محمد بن صالح بن هانئ قال حدثنا أحمد بن سلمة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا الوليد بن مسلم، عن زيد بن واقد الدمشقي، عن نافع، أن ابن عمر: كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع ورفع رأسه، حصبه» قال إسحاق: وقال عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رفع يديه عند الركوع، وعند رفع رأسه من الركوع، فله بكل إشارة عشر حسنات» (3).
وهي رواية ضعيفة أيضاً لأن بين إسحاق وعقبة بن عامر انقطاعا وزمناً طويلاً، ومثل هذا الضعف بينهما لا يتعاضد.
هذا من جهة السند.
والحكم بضعف هاتين الروايتين يغني عن محاولة التوفيق بين المتن فيهما، حيث نجد بديع الدين الراشدي يقول:
(1) ابن حبان (الثقات) حـ 5 ص 452. (2) ابن حبان (المجروحين) جـ 3، ص 28.
في
(3) البيهقي (معرفة السنن جـ 2، ص 435، كتاب الصلاة، باب من قال: لا يرفع يديه في
الصلاة إلا عند الافتتاح، حديث 3362. (1/50)
صفحة 50
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
51
التنزيل
ولا تعارض بين الروايتين، لأن الحسنة بعشر أمثالها بنص والحمد الله، وأيضا ففي الأول ذكر الحسنة بالأصبع، وفي الثانية ذكر العشر برفع اليدين، فهي عشر أصابع، فالمعنى واحد».
ولو جارينا هذه المحاولة لقلنا بوجود التعارض بين متني الروايتين، لأن الأولى فيها ذكر الحسنة بالأصبعين لا بالأصبع الواحد، فالعشرة أصابع بخمس حسنات هذا ما تفيده الرواية الأولى، أما الثانية فعشر حسنات لليدين، فلم يزل التعارض!!
ومهما يكن فشتان ما بين الموقفين موقف من يرفض تلك الروايات لضعفها، وموقف من يتطلب الأعذار لإزالة التعارض والاضطراب فيما بينهما، خدمة للتقليد والجمود اللذين يرفضهما الدليل الصريح، والمنطق الصحيح، والعقل السليم.
هذا، وعلى حين يُعَد الرفع عبثاً في الصلاة يأتي البعض الآخر ليجعلوه
زينة لها ويثيبوا عليه بالحسنات، ثم ليبحثوا عن علل لهذا العمل!! وأنت إذا أنعمت النظر في تلك الحكم وجدتها ضروباً من التصورات المجردة، وعلمت أن تلك الاستنتاجات تعبير عن التضارب والحيرة، وعدم الاستقرار على معنى واضح لها.
فأين معنى التعظيم الله تعالى في رفع اليدين؟!
وأين معنى التوحيد حين يرفع المصلّي يديه كلتيهما وأصابعه
العشرة؟!
وأي حجاب بين العبد والمعبود ترفعه اليدان في الصلاة؟!
(1) البخاري (رفع اليدين) هامش ص 29. (1/51)
صفحة 51
52
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وهل يحتاج الإنسان لطرح الدنيا أن يرفع يديه، أي كأنه يلقيها وراء ظهره؟! وهل أقبل الإنسان على الدنيا أو أدبر عنها إلا بقلبه؟!
وأما القول بأن رفع اليدين تعبير عن الاستسلام كفعل الأسير غلب فذلك مما لا يحتاج إلى التعليق.
وقل مثل ذلك في سائر ما ذكروه حكماً للرفع.
إذا
ولذا نجد من يقول عن
هذه
الحكم: «في أكثرها نظر»، كما نجد من
تعقبها.
وفريق آخر توقف فجعل الرفع تعبدياً!! وهؤلاء ليسوا أقل حيرة من أصحابهم حيث عجزوا عن تفسير الرفع في الصلاة، ولم يجدوا سببا مقنعا لفعله، ولذا فإن التسليم تلك الروايات العابئة بالسكنية والخشوع هو أمثل السبل عندهم للاقتناع.
وإلى جانب ذلك نجد موقفاً غريباً ممن يرفع يديه في بعض مواضع الصلاة، حيث يريبنا كلام الإمام أبي حنيفة وهو الذي يروي الرفع عند
تكبيرة الإحرام فقط.
هذه الحادثة حيث التقى عبد الله بن المبارك وأبو حنيفة،
واقرأ معي فكان بينهما هذا الحوار.
يقول وكيع بن الجراح
لا
صليت في مسجد الكوفة، فإذا أبو حنيفة قائم يصلي، وابن المبارك
يرفع،
إلى جنبه يصلي، فإذا عبد الله يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع، وأبو حنيفة فلما فرغوا من الصلاة، قال أبو حنيفة لعبد الله: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تكثر رفع اليدين، أردت أن تطير؟ فقال له عبد الله: يا أبا حنيفة، قد (1/52)
صفحة 52
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
53
رأيتك ترفع يديك حين افتتحت الصلاة، فأردت أن تطير؟ فسكت أبو حنيفة»،
قال وكيع: «فما رأيت جوابا أحضر من جواب عبد الله لأبي حنيفة». إذن، فرفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه لا معنى له عند أبي حنيفة، وكذا عند جمهور
الأحناف.
والمحدثون ومعهم الشافعية وغيرهم يروون هذه الحادثة ويجعلونها مثلاً للجواب الحاضر وسرعة البديهة.
ومع
أن وكيعاً هو الراوي لها عن مشاهدة، وهو المتعجب من جواب ابن المبارك، إلا أن الأعجب أن وكيعاً نفسه يذهب مذهب أبي حنيفة في الاقتصار على الرفع عند الافتتاح فحسب كما سبق ذكره، وجواب ابن المبارك لم يقنع كلاً من أبي حنيفة، ووكيع، ولم يريا كلامه دافعاً القول بكون الرفع في ذينك الموضعين لا معنى له ولا حكمة فيه.
ويبدو لي ـ والعلم عند الله سبحانه ـ أن جواب ابن المبارك لأبي حنيفة غير دقيق، فإن تشبيه أبي حنيفة الرفع بالطيران مفسر بقوله في الرواية أعلاه: «رأيتك تكثر رفع اليدين».
فالإكثار من رفع اليدين أشبة حركة جناحي الطائر عند توثبه للطيران،
بخلاف المرة الواحدة التي يفعلها أبو حنيفة عند تكبيرة الإحرام.
والحقيقة أن ما ذكروه من حكم الرفع أو من كونه زينة للصلاة، يتعارض مع تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم رفع اليدين بحركة أذناب الخيل الشمس، في قوله: «ما بال أقوام يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها أذناب خيل شمس».
(1) البيهقي (السنن الكبرى جـ 2، ص 117 كتاب الصلاة، باب من لم يذكر الرفع إلا عند الافتتاح رقم 2538. (1/53)
صفحة 53
54
حديث جابر بن سمرة النهي عن رفع اليدين في الصلاة
يقول أبو الحسن البسيوي: وأما قولهم إن رفع اليدين للتفرقة بين تكبيرة الافتتاح، وغيرها فالتفرقة في ذلك معروفة، ومواضعها معلومة بالقول والنية لا برفع الأيدي، لأن حدود الصلاة معروفة منها ما هو قول، ومنها ما هو فعل، معروف ذلك بالاتفاق» (1).
ومهما قيل في تأويل معنى ذلك، فالرفع ليس من زينة الصلاة بحال من
الأحوال.
هذا، ومما يدهش اللب هذه المحاولة البائسة للجمع بين الأمرين، إذ كيف تصبح حركة أذناب الخيل الشمس زينة للمصلي؟!
فقد روى البخاري حديث جابر بن سمرة مرفوعا: «ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس .. وروى عقبة عن سعيد بن جبير حين
سئل عن رفع اليدين في الصلاة فقال: «شيء تزين به صلاتك» (2).
قال المحقق بديع الدين الراشدي: «إيراد المصنف لهذا الأثر عقيب خبر جابر بن زيد بن سمرة فيه إيماء منه بأن ما كان زينة للصلاة لا يكون مشابهاً لأذناب الخيل، فما أدق النظر وما أحسن الفكر» (3).
(4)
وأقول: ما قيمة كلام سعيد بن جبير إن صح عنه ـ ولم يصح ـ مع
حكم النبي عليه الصلاة والسلام؟!
وما قيمة محاولة البخاري المواءمة بين النهي عن الرفع لشبهه حركة
(1) البسيوي (الجامع جـ 2، ص
988
95
(2) البخاري رفع اليدين) (ص) (3) البخاري (رفع اليدين) هامش ص 96.
(4) لا
يصح هذا الأثر إلى سعيد بن جبير، لأنه من رواية عبد الملك بن أبي سليمان العزري، قال عنه ابن حجر: صدوق له أوهام»، انظر: (التقريب ص 363، رقم 4184. (1/54)
صفحة 54
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
55
أذناب الخيل الشمس؛ وبين ما ظنّه رفعاً مشروعاً في الصلاة من خلال إيراد كلام سعيد بن جبير المنسوب إليه؟!
وما قيمة محاولة المحقق بيان النظر الدقيق والفكر الحسن في صنيع البخاري! وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن رفع اليدين في الصلاة مشبه لحركة أذناب الخيل الشمس؟!
إن حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الرفع واضح جلي، والبحث يميناً وشمالاً عن علة له وحكمة تبرره، لهو دليل الاضطراب.
وأيا ما قيل، فإن عد الرفع زينة للصلاة - إن سلمنا به ـ لا ينافي مشابهة حركة أذناب الخيل الشمس، فإن المشابهة حاصلة من خلال نفس الحركة والهيئة. وبعد أن اطلعنا على ضعف ما نسب إلى بعض الصحابة من عدهم رفع اليدين في الصلاة زينة لها؛ نصطدم بما هو أشد غرابة، حيث يتضاعف التركيز على أهمية رفع اليدين في الصلاة إلى درجة هوان شأن الخشوع الصلاة وسرها بجانب هذا العمل، وإذا بنا ننتقل من السكينة
الذي هو روح والخشوع والسكون والخضوع إلى عكس ذلك تماما.
تلك
ونتذكر هنا ـ إذن ـ حكم الأوزاعي والحميدي وابن حزم الظاهري حين جعلوا رفع اليدين واجبا في الصلاة، وأوغل من ذلك حكم ابن خزيمة وداوود الظاهري عليه بأنه ركن، شأنه شأن الخشوع، وتساوت عندهم الروايات في الرفع مع قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2]. ونحن لا نشك في امتثال الصحابة رضوان الله عليهم لمعاني هذه الآية الكريمة وأمثالها فيما يتعلق بالصلاة وغيرها ولذا نطمئن إلى ما
عنهم مما يوافق الخشوع والسكينة والوقار في أعظم ركن عملي.
يروي (1/55)
صفحة 55
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
(3)
روى ابن أبي شيبة) ـ واللفظ له ـ والبيهقي (")، وصححه ابن حجر عن مجاهد قال: «كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وحدّث أن أبا بكر كان كذلك».
فما معني «كأنه عود»؟!!
إنه دليل على الثبات والسكون والخشوع وعدم الحركة، ذلك هو الظن بالصحابة الكرام.
ولكن الذي نشك فيه ولا يمكن أن نقبله أن يروي البخاري وغيره ما يفيد أن الصحابة كانوا أسوأ حالاً من جهلة الناس وطغامهم، ثم يقر الرواة
ذلك ولا ينكرونه!!
فقد قال البخاري:
حتى لقد حدثني مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال: كان أصحاب النبي الله كأنّما أيديهم المراوح يرفعونها إذا ركعوا وإذا رفعوا رؤوسهم» (4).
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو هلال عن حميد بن هلال قال: كان أصحاب النبي إذا صلوا كأن أيديهم حيال آذانهم المراوح).
أهكذا كان خشوع الصحابة الكرام!!
(1) ابن أبي شيبة (المصنف) جـ 2، ص 237 باب (174) من كان يقول: لا تتحرك في الصلاة. (2) البيهقي (السنن الكبرى جـ 2، ص 398 كتاب الصلاة جماع أبواب الخشوع في الصلاة
والإقبال عليها رقم 3522.
(3) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص 467.
(4) البخاري (رفع اليدين) ص 75.
(5) البخاري رفع اليدين ص) (1/56)
صفحة 56
تمهيد في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
ليت شعري كيف تكون حركة المراوح خشوعاً وسكوناً؟!
OV
ثم لا يكتفي البخاري بالسكوت عن نقد هذين الأثرين ـ وإنما علق بما يفيد ـ صراحة ـ قبوله إياهما قائلاً: فلم يستثن الحسن وحميد بن هلال أحداً من أصحاب النبي ".
فهذا دليل إثبات البخاري لقضية المراوح، وهو من هو في النقد ومعرفة الرجال!!
وعند دراسة هذين الإسنادين يتبين الآتي:
أ ـ في الإسناد الأول:
عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، قال الحافظ: «ثقة حافظ، له تصانيف، كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة».
إذن فسعيد: مختلط، مدلس، ولا ينفعه كونه من أثبت الناس في قتادة ما دام عنعن ولم يصرح بالسماع.
وفيه أيضاً قتادة، وهو مدلس كما هو معروف، وقد روى هنا بالعنعنة.
إذن فهذا الأثر ضعيف لثلاثة أسباب:
1 - اختلاط سعيد.
2 - عنعنته.
عنعنة قتادة.
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 76. (2) ابن حجر (التقريب) ص 239، رقم 2365. (1/57)
صفحة 57
58
ب - في الإسناد الثاني:
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
أبو هلال، وهو محمد بن سليم الراسبي، وقد ضعفه غير واحد)، وقال فيه الحافظ ابن حجر: «صدوق فيه لين» (2).
- كما أن حميد بن هلال لم يخل من كلام". فهذا الأثر ضعيف أيضاً.
فهل خفيت كل هذه العلل على الإمام البخاري؟! وهل يقبل البخاري رواية هؤلاء بصيغها التي أوردها هاهنا؟!
والعجب من هذا الإمام أنه أورد بنفسه في كتابه (الضعفاء) سعيد بن أبي عروبة ـ أحد رواة الأثر الأول - وذكر له دلائل اختلاطه، وأبا هلال الراسبي أحد رواة الأثر الثاني)، فلم قبلهما هاهنا؟!
ولا ريب أن من حرّك يديه المرات والكرات التي قد يصل مجموعها على بعض الأقوال وفي بعض الأحوال ستاً وعشرين مرة، فسوف تكون يداه كالمراوح، هنالك سنتصور الخشوع كيف يكون!! فماذا بقي من إذن ـ إذا كانت حركة اليدين - كالمراوح - فرضاً وركناً في الصلاة؟!
الصلاة
وتشبيه رفع اليدين بالمراوح يبرز بصورة صافية في صلاة العيد، عندما يكون الرفع متوالياً مرات عديدة بعدد التكبيرات، ولك أن تتصور في مثل هذا الموقف كيف تكون حركات أيدي كل المصلين في جماعة واحدة!!
(1) ابن حجر (التهذيب) جـ 9، ص 1 168، 169، رقم 619. (2) ابن حجر) (التقريب). ص 481، رقم 5923. (3) ابن حجر (التهذيب) ص 46، 47 رقم 1639.
(4) البخاري (الضعفاء) رقم (138) ص
(5) البخاري (الضعفاء) رقم (324).
ص
440، 0441
482، 483 (1/58)
صفحة 58
إن
ذلك
بين وبين الخشوع بعدا بينا.
لا
وبناء على ما مر، فإن نسبة الرفع إلى الصحابة ا وأنه كالمراوح أبدا يصح عنهم، لأنه مناف للخشوع، وهو تشبيه يذهب برونق هذه الشعيرة ويهوّن من شأنها العظيم، كما يذهب بوقار المصلي وحسن سمته.
سمع
وبعد كل ما سبق نفاجأ بما لم يكن في الحسبان!
فقد روى الإمام أحمد بسنده إلى حميد بن هلال قال: حدثني من الأعرابي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، قال: فرفع رأسه من الركوع،
فرفع كفيه حتى حاذتا أو بلغتا فروع أذنيه، كأنهما مروحتان».
إذن، بناءً على هذه الرواية، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، تكون يداه كأنهما مروحتان إذا ركع وإذا رفع!!
ويورد من يورد من المحدثين هذه الرواية ويسكتون عن بيان ضعفها وبطلانها سنداً ومتناً، مع أن الراوي عن الأعرابي شخص مجهول!!
فإنا لله وإنا إليه راجعون!
(1) أحمد بن حنبل (المسند) حـ 5 ص 628 حديث الأعرابي عن النبي صلى الله عليه وسلم رقم 19552. (1/59)
صفحة 59
دراسة حديث النهي
عن الرفع في الصلاة (1/61)
صفحة 60
نص حديث جابر بن سمرة وتخريجه
حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة له، عند الإمامين أحمد ومسلم قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة»، قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال: «ما لي أراكم عزين؟»، قال: ثم خرج علينا فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف» (1).
وروى الجزء الأول منه، وهو قوله: «ما لي أراكم ـ إلى قوله ـ اسكنوا في الصلاة كل من: أبي داود والنسائي وابن حبان والطبراني وغيرهم". ورواه أيضاً الإمام أفلح بن عبد الوهاب كما في الزيادات على مسند الإمام الربيع بن حبيب (3)، ورواه البخاري معلقا في كتابه (رفع اليدين في الصلاة) (4).
(1) أحمد (المسند) رقم 20456، جـ 6، ص 112) مسلم (الصحيح) باب الأمر بالسكون في الصلاة، رقم 430. (2) أبو داود (السنن) باب السلام رقم 1000 النسائي (المجتبى) باب السلام بالأيدي في الصلاة رقم 1185 ابن حبان (الصحيح) كتاب الصلاة، باب صفة الصلاة رقم الحديث (1878، 1879) جـ ه، ص 197، 198/ الطبراني (المعجم الكبير)
رقم 1822، جـ، ص 202.
(3) الربيع بن حبيب (المسند) الحديث رقم (912).
(4) البخاري (رفع اليدين) ص 90. (1/62)
صفحة 61
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
درجة الحديث:
63
مدار الحديث على الأعمش سليمان بن، مهران يرويه عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة.
إلا رواية الإمام أفلح، فقد رواها عن أبي غانم الخراساني عن حاتم بن منصور عن أبي يزيد الخوارزمي، وكلهم ثقات لكن فيها إعضال بين أبي يزيد وبين جابر بن سمرة، وكذلك رواية الإمام البخاري التي علقها إلى جابر بن سمرة به.
أما الأعمش ومن بعده فكلهم ثقات، غير أن الأعمش مدلس، وهاك
الأقوال فيه:
قال ابن المبارك: «إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش»، وقال مغيرة: «أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا»، قال ابن حبان: «وقد رأى أنس بن مالك بواسط ومكة روى عنه شبيها بخمسين حديثا، ولم يسمع منه إلا أحرفا معدودة، وكان مدلسا (2).
وقد وصفه بالتدليس كل من: الكرابيسي والنسائي والدارقطني). وقال الحافظ ابن حجر: «ثقة، حافظ، عارف بالقراءات، ورع، لكنه
يدلس» (4).
وقال العلائي: «مشهور بالتدليس، مكثر منه» (ه).
(1) الذهبي (ميزان الاعتدال) جـ 2، ص 224. (2) ابن حبان (الثقات) جـ 4، ص 302.
(3) ابن حجر (تعريف أهل التقديس) ص 67، رقم 55. (4) ابن حجر (التقريب) ص 254، رقم 2615. (5) العلائي (جامع التحصيل) ص 188. (1/63)
صفحة 62
64
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وقال الذهبي: «ما نقموا عليه إلا التدليس».
وقال: «وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال: حدثنا فلا كلام ومتى قال عن تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل (3) وأبي صالح السمان، فإن روايته عن الصنف محمولة على الاتصال» (3).
مردود،
هذا
واستثناء الذهبي عنعنة الأعمش عمن أكثر عنهم أو من ذكرهم من الرد فقد قال أبو الفتح الأزدي: «فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه لأنه يحيل على مليء ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه لأنه يحيل على غير مليء، والأعمش إذا سألته: عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريف وعباية بن ربعي ... ».
قال العلائي: «وروى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله: كنا لا نتوضأ من مؤطا، قال الإمام أحمد: كان الأعمش يدلس هذا الحديث، لم يسمعه من أبي وائل، قال مهنا: قلت له: وعمن هو؟ قال: كان الأعمش يرويه عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن أبي وائل فطرح الحسن بن عمرو وجعله عن أبي وائل ولم يسمعه منه. وقال سفيان الثوري لم يسمع الأعمش حديث إبراهيم في الوضوء من القهقهة منه. وروى الأعمش عن أبي صالح هريرة حديث الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن)، قال يحيى بن معين: لم يسمع
الأعمش هذا الحديث من أبي صالح».
ص
(1) الذهبي (ميزان الاعتدال) جـ 2،. (2) في المطبوع وابن أبي وائل، وهو.
224
خطأ.
(3) الذهبي (ميزان الاعتدال) جـ 2، ص 224.
(4) الخطيب (الكفاية)
ص
362
(5) أي ما يوطأ من الأذى في الطريق.
(6) العلائي (جامع التحصيل) ص 189، 190.
عن
أبي (1/64)
صفحة 63
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
فأنت
تري أن الذهبي استثنى كلا من إبراهيم وأبي وائل وأبي صالح، وجعل عنعنة الأعمش عنهم، مقبولة، وتبين أنه يروي عنهم بالعنعنة وقد
دلس عنهم.
ورغم ما سبق ذكره من وصف الجميع له بالتدليس، فقد جعله الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين.
وهي عنده: «من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته
وقلة تدليسه في جنب ما روى أو كان لا يدلس إلا عن ثقة».
وهذا من الغرائب، فإن الأعمش كثير التدليس مشهور به، على أنه يدلس عن غير الثقات كما تبين، وقد أحسن د. مسفر بن غرم الله الدميني حين قال: وقد جعله الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية، لكنه مكثر من التدليس، كما أنه يدلس عن الضعفاء والمجهولين والمتروكين ويسوي الحديث، فمن الضعفاء الذين كان يدلس عنهم أبان ويزيد الرقاشي، والحسن بن عمرو الفقيمي، والكلبي، وأبو يحيى القتات وليث بن أبي سليم، وموسى بن طريف وعباية بن ربعي ومن كان هذا حاله فهو من أهل المرتبة الثالثة أو الرابعة، وليس من الثانية، ولا يشفع له أنه من صغار التابعين وأنه يدلس عن أنس وغيره من الصحابة والثقات (3).
نخلص مما سبق إلى أن الأعمش مدلس كثير التدليس، ولا يقبل منه
إلا أن
يصرح
بسماعه ممن فوقه.
هذا، وقد صرح الأعمش بالسماع في بعض الروايات، وعنعن في
ص
(1) ابن حجر (تعريف أهل التقديس) (2) ابن حجر (تعريف أهل التقديس) ص.
23
(3) مسفر (التدليس في الحديث) ص 305. (1/65)
صفحة 64
66
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
بعضها، وقد استقر الأمر عند المحدثين على أن المدلس إذا روى بالعنعنة ردت روايته، وإذا بالسماع قبلت، كما
صرح
مر في كلام الذهبي.
وأما إذا ورد عنه العنعنة والتصريح بالسماع في حديث بعينه حملت العنعنة على السماع وانتفى عنه احتمال التدليس، هذه القاعدة
هي
عندهم.
والذي يظهر ـ بعد التأمل - أن هذه القاعدة - على إطلاقها ـ غير سديدة،
بل لا بد من النظر في الروايتين من أجل الأخذ بهذه القاعدة، أو لترجيح إحدى الروايتين على الأخرى.
والسبب في ذلك احتمال الوهم والغلط فيمن روى تصريح المدلس بالسماع أو روى عنعنته، فقد يكون المدلس عنعن في حقيقة روايته فرواها البعض عنه بصيغة التحديث، وقد يكون صرح بمشافهة شيخه له، فرواه البعض بالعنعنة، ومجيء الروايتين عنه معا يفتح باب هذا الاحتمال. ومادام احتمال كون الرواية في أصلها معنعنة قائما فإن الترجيح أمر
لا مفر منه.
وهذه المسألة شبيهة بمسألة تعارض الوصل والإرسال، ولا فرق، إذ التدليس نوع من الإرسال لوجود الاحتمال القوي على أن المدلس المعنعن لم يسمع الحديث ممن فوقه في الإسناد، قال ابن الصلاح في حكم المدلس:
والصحيح التفصيل، وأن ما جاء عن المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال حكمه حكم المرسل وأنواعه، وما رواه بلفظ مبين للاتصال نحو سمعت وحدثنا وأخبرنا وأشباهها فهو مقبول محتج به» (1).
(1) ابن الصلاح (علوم الحديث) ص 35. (1/66)
صفحة 65
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
67
وقد عد العلماء الوصل والإرسال في الحديث الواحد تعارضا، فينبغي
على هذا أن يكون ما جاء عن المدلس بوجهين في أحدهما لفظ محتمل وفي الثاني لفظ تعارضا أيضاً. صريح
وما قيل عن احتمال تعدد الرواية - كما هو الواضح من حكمهم بقبول ما هذه سبيله - وأنه تارة حدث به معنعنا وتارة مصرحا بسماعه فهو احتمال لا يعول عليه، إذ يفتقر إلى دليل يثبته أو يرجحه، كما أنه يلزم منه أن كل مدلس روي عنه الشيئان ـ أي اللفظ المحتمل واللفظ الصريح في الاتصال ـ في حديث واحد أنه حدث به مرتين واطراد ذلك صعب، بل الأصل أنه حدث به مرة واحدة، وتكرر ذلك يحتاج إلى قيام الدليل، وإذن يبقى ذلك مجرد احتمال لا يبنى عليه حكم جازم.
على أنهم اختلفوا فيما إذا تعارض الوصل والإرسال، واختلفوا في تعارض الرفع والوقف، واختلفوا في زيادة الثقة، ولهم في ذلك أقوال، أرجحها أن مدار القبول على القرائن.
ومن قال بترجيح رواية العدد، أو الأحفظ، أو نحو ذلك فهو من القرائن، وتعود القضية في النهاية إلى القرائن التي تحف الرواية.
وإذن، يتوقف الحكم في قبول رواية المدلس في ما جاء فيه سماعه وعنعنته على المرجحات والقرائن مالم يثبت أنه حدث به أكثر من مرة فيحتاج الأمر حينئذ إلى نظر آخر، على نحو ما قالوه فيما حدث مرة فأرسل، وحدث أخرى فوصل ومن تلك المرجحات: تقديم رواية الأكثر على الأقل، وتقديم رواية الأحفظ والأضبط، ورواية من لا يهم على من يهم ولو قليلا ومنها أن يكون من روى عنه يميز بين ما دلسه وما لم
يدلسه. (1/67)
صفحة 66
68
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
هذا ما ظهر لي في هذه المسألة، وليس هذا القول بأشد من القول برد
الحديث المدلس مطلقا ولو صرح بالسماع.
وأعود إلى الحديث ـ موضع الاستدلال ـ فأقول:
روي هذا الحديث عن الأعمش تارة بالعنعنة وتارة بلفظ الاتصال
بأسانيد كلها صحيحة إليه:
أ ـ فقد رواه بلفظ «عنه» كل من:
- أبي معاوية محمد بن خازم عند أحمد ومسلم.
- وزهير بن معاوية عند أبي داود.
- وعبثر بن القاسم الزبيدي عند النسائي.
- كما رواه مسلم من طريق وكيع وعيسى بن يونس، لكن قال مسلم: بهذا الإسناد نحوه»، أي بإسناد أبي معاوية، ولم يبين ما إذا كان وكيع وعيسى قد ذكرا سماع الأعمش أم لا، والظاهر أنه على نسق حديث أبي معاوية، أي بالعنعنة أيضاً، ويؤكد ذلك أن الإمام أحمد رواه من طريق وكيع بلفظ: «عن».
ب ـ ورواه أحمد وأبو يعلى من طريق يحيى بن سعيد القطان عن الأعمش قال: حدثني المسيب بن رافع. ورواه أحمد أيضاً وابن حبان من طريق شعبة بن الأعمش قال: سمعت المسيب بن رافع.
والخلاصة أن الحديث رواه عن الأعمش سبعة، خمسة بالعنعنة، وهم:
- أبو معاوية، كوفي
وزهير، كوفي
ووكيع، كوفي
وعيسى بن يونس، كوفي (1/68)
صفحة 67
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
واثنان صرحا بسماع الأعمش من المسيب، وهما:
القطان، بصري
يحيى
وشعبة، بصري
69
وهذا لا شك أنه تعارض، فإن الأعمش إما أن يكون قال: عن، أو صرح فقال: سمعت أو حدثني، اللهم إلا أن يكون حدث به أكثر من مرة، فقال تارة: عن، وقال أخرى: سمعت أو حدثني، وذلك غير بعيد هنا لسببين: أولهما أن العدد كثير، ولعل اجتماعهم في مجلس واحد معاً يتعسر، لا سيما أن رواة العنعنة كلهم كوفيون، وكلا من يحيى القطان وشعبة ـ وقد روياه بلفظ السماع - بصريان، وهذا هو السبب الثاني.
ومهما يكن فإن الراجح اتصال الحديث بين الأعمش وبين المسيب بن رافع لأمرين:
الأول: أن لفظ الاتصال اجتمع عليه اثنان من كبار الأئمة، وهما شعبة
ويحيى
القطان.
الثاني: ورد عن شعبة قوله: «كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة»، قال ابن حجر: وهي قاعدة حسنة، تقبل أحاديث هؤلاء إذا كان عن شعبة ولو عنعنوها»).
على أن الأعمش هنا صرح بالسماع ولم يعنعن.
وعند التدقيق في هذه القاعدة التي قررها الحافظ ابن حجر يتبين أنها بحاجة إلى مراجعة والمشكلة فيها في قوله: «ولو عنعنوها».
(1) ابن حجر
(النكت) ص
252، (تعريف أهل التقديس) ص 151. (1/69)
صفحة 68
70
حديث جابر بن سمرة.
النهي عن رفع اليدين في
الصلاة
فإن كلاً من الأعمش وأبي إسحاق وقتادة مدلسون، والحكم بقبول روايات المدلسين إذا صرحوا بالسماع، وبردها إذا عنعنوها، حكم متفق عليه لا سيما في القرون المتأخرة.
وليس بين أيدينا ما يعول عليه في استثناء روايات شعبة عن هؤلاء الثلاثة فيجعلها مقبولة إذا جاءت بلفظ محتمل بالسماع وعدمه سوى ما ذكره ابن حجر عن شبعة وسيأتي بعد قليل إن شاء الله.
وقول شعبة: «كفيتكم تدليس هؤلاء الثلاثة»، يعني أنه تحرى متى يدلسون ومتى لا يدلسون إذا أدوا مروياتهم، وذلك يتبين بما إذا صرحوا
بالتحديث أو أدوا بألفاظ التدليس المعروفة كعن وأن وقال ونحوها.
وقد كفانا شعبة ذلك فضبط ألفاظهم، وكان دقيقا في الرواية عنهم ومراقبة أدائهم.
ومصداق هذا التخريج ما رواه الخطيب البغدادي من طريق أبي داود
عن شعبة نفسه قال:
«كنت أعرف إذا حدثنا قتادة، ما سمع ممالم يسمع؛ كان إذا جاء ما قال: ثنا أنس، وثنا الحسن وثنا، مطرف وثنا سعيد، وإذا جاء ما لم يسمع يقول: قال سعيد بن جبير، وقال أبو قلابة» (1).
سمع
كما روى من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة أنه قال أيضاً: «كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال: ثنا كتبت، وإذا قال: حدث، لم
أكتب ").
(1) الخطيب (الكفاية) ص.
(2) الخطيب (الكفاية) ص
363
363 (1/70)
صفحة 69
71
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
وفي «النكت» لابن حجر عن يحيى القطان عن شعبة: «كنت أنظر إلى
فم قتادة، فإذا قال: سمعت وحدثنا حفظته، وإذا قال: عن فلان، تركته»). هذا ما قاله، شعبة وغاية ما يفيده أنه كان متحريا لألفاظه حين يؤدون الرواية، وليس في قوله ما يشعر بأنه إذا روى عنهم فقد انتفى التدليس عنهم ولو عنعنوا، أي ولو روى شعبة عنهم بلفظ محتمل للسماع وعدمه، وإلا فهل معنى ذلك أن شعبة لا يروي عن هؤلاء الثلاثة إلا إذا كان ـ في الأصل ـ قد صرحوا بالسماع؟! وأنهم إذا كانوا قد عنعنوا في الأصل أنه لا يروي عنهم ولا يذكر رواياتهم المعنعنة أصلا؟!
وهل معناه أيضاً أنهم إذا روى عنهم شعبة فقالوا: عن، أو نحوه، أنهم قد صرحوا بسماعهم ممن بعدهم؟
إن ذلك أمر مستبعد.
نعم، فكيف ميز شعبة ما دلسوه مما لم يدلسوه؟ وقد ذكر بنفسه أنه لم يميز مروياتهم، ولم يذكر أنهم حدثوه في وقت آخر بلفظ الصريح في الاتصال، أو أنهم أخبروه باتصال ما عنعنوا، ولا شيء من هذا القبيل نقل إلينا، ولا نقله شعبة إلينا، بل الذي نقله من السبب الذي جعله يميز بين المدلس من الروايات وغيره هو تدقيقه في النطق والألفاظ. ولهذا، فإنه ورود بعض روايات شعبه عن أولئك الثلاثة معنعنة، وورود روايات آخرى بلفظ التحديث يدل على ضبطه لحديثه لا أكثر.
وهذا يجري على منهج شعبة في الضبط والتحري والتشدد في الحكم
على الرجال وقبول الروايات.
(1) ابن حجر (النكت) ص 252. (1/71)
صفحة 70
72
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
يضبط الألفاظ، أو ونفهم من كلام شعبة أن هناك من الرواة من لا يكترث بالدقة في نقل ألفاظ الرواية، والأداء، وهذا معروف لدى علماء
الحديث وطلبته.
والخلاصة من ذلك أن شعبة هو المرجع في ضبط ألفاظ الأداء عند هؤلاء الثلاثة، قتادة والأعمش وابن السبيعي إذا روى عنهم، فإذا روى عنهم أحد النقلة، اعتمدنا عرفنا ضبطه لما قالوا وإذا اختلف النقل عنهم، وكان هو نقله وقدمناه على من سواه.
وأما قول شعبة في قتادة وإذا قال: حدث، لم أكتب»، وقوله: «وإذا قال: عن فلان، تركته».
فهذا أولاً، إن ساغ فهمه بالمعنى الظاهر في قتادة، فلا يصدق على الأعمش وأبي إسحاق إلا من باب القياس، فجميع هذه النقول السابقة عن شعبة إنما هي في قتادة، وليس منها شيء في الأعمش. ومن الوارد أن روايات قتادة لدى شعبة مختلفة عن روايات الأعمش لديه.
وأما ثانياً، فعدم الكتابة هنا لا ينافي تحمل شعبة عن قتادة حتى مع قوله: «فإذا قال: ثنا كتبت»، وقوله: «فإذا قال: سمعت وحدثنا، حفظته»، لأن الترك قد لا يدل بالضرورة على ترك نفس النقل والرواية، فقد يدل على ترك الاحتجاج بروايته، وقد قيل في شعبة بأنه مكثر من الرواية عن المدلسين، حيث نقل الحافظ ابن حجر عن أبي الفرج المعافي النهرواني: كان شعبة ينكر التدليس ويقول فيه ما يتجاوز الحد، مع كثرة روايته عن المدلسين»).
وحاول ابن حجر الدفاع عن رواية شعبة عن المدلسين بقوله:
(1) ابن حجر (النكت) ص 252. (1/72)
صفحة 71
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
73
«فالمعروف عنه أنه كان لا يحمل من الشيوخه المعروفين بالتدليس إلا ما سمعوه»، وأورد النص السابق ليحيى القطان عن شعبة، وهو ما نناقشه هنا. ولا يعترض هنا بقول شعبة: «التدليس أخو الكذب»، لأنه يقصد تدليس التسوية، والأمر هنا في تدليس الإسناد، ولأنه لو كان قوله على ظاهره وإطلاقه لكفى به قدحا في الأعمش وأبي إسحاق وقتادة، والحال أنه روى عنهم ولم يضعفهم بالتدليس.
والمسألة بحاجة إلى مزيد مراجعة وبحث ونظر.
بقي القول فيما وصف به الأعمش من تدليس التسوية الذي يشترط - على الراجح - لقبول من وصف به التصريح منه بالسماع في كل الطبقات بعد المدلس، وهذا ما لم يتم هنا، حيث رواه الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة بلفظ (عن) في كل الطرق فيما بين المسيب وبين تميم، وبين تميم وبين جابر.
هذا على رأي من يحتج بحديث مدلس التسوية، وإلا فإن ثمة من عده جرحا ترد به کل مروياته.
وعندي
أن ما نسبه الخطيب البغدادي إلى الأعمش من كونه يدلس تدليس التسوية مشكوك فيه، يقول الخطيب:
وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلاً يكون ضعيفا في الرواية أو صغير السن ويحسن الحديث بذلك، وكان سليمان الأعمش وسفيان الثوري وبقية بن الوليد
يفعلون مثل هذا» (1).
(1) الخطيب (الكفاية) ص 364. (1/73)
صفحة 72
74
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ولم يذكر الخطيب شاهدا يؤيد ما قاله في الأعمش سوى إيراده قول عثمان الدارمي فيه، فقد روى بسنده إلى أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي قال: سمعت يحيى بن معين وسئل عن الرجل يلقي الرجل الضعيف من بين ثقتين فيوصل الحديث ثقة عن ثقة ويقول: أينقص الحديث وأصل ثقة ثقة، يحسن الحديث بذلك؟ فقال: لا يفعل، لعل الحديث عن كذاب ليس بشي، فإذا هو قد حسنه وثبته، ولكن يحدث به كما قال روي، أبو سعيد: كان الأعمش ربما فعل هذا).
عن
فالظاهر أن الخطيب إنما قال ذلك اعتمادا على قول أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، وهكذا كل من نسب إلى الأعمش هذا النوع من التدليس بعد ذلك ـ ومنهم العراقي)، وابن حجر ـ كما سيأتي بعد قليل ـ فإنما تبع ما ذكره الخطيب كما يظهر.
وما قاله أبو سعيد الدارمي في الأعمش مفتقر إلى ما يؤيده ويثبته، لأن تدليس التسوية أشد أنواع التدليس، وهو الذي قال فيه شعبة: «لأن أزني أحب إلي من أن أدلس» (3)، وهو نوع جرح، بل صرح البعض بأنه قادح فيمن تعمده، وذلك يعني رد حديثه بالكلية، يقول العراقي: «وهذا قادح فيمن
تعمد فعله» (4).
وقد سأل البقاعي شيخه الحافظ ابن حجر قائلا: «هل تدليس التسوية جرح؟ قال: لا شك أنه جرح، فإنه خيانة لمن ينقل إليه وغرور، قلت: كيف يوصف به الثوري والأعمش مع جلالتهما؟ فقال: أحسن ما يعتذر
(1) الخطيب (الكفاية) ص)
365
(2) العراقي (التقييد والإيضاح) ص 95، 96.
(3) الخطيب (الكفاية) ص 356.
(4) العراقي (التقييد والإيضاح) ص 96. (1/74)
صفحة 73
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
Vo
به في هذا الباب أن مثلهما لا يفعل ذلك إلا في حق من يكون ثقة عنده ضعيفا عند غيره».
ونحو هذا الاعتذار ما قاله الذهبي في تدليس الأعمش: «يحسن الظن بمن يحدثه ويروي عنه، ولا يمكننا أن نقطع عليه بأنه علم ضعف ذلك الذي يدلسه، فإن هذا
حرام».
وكلام ابن حجر في تدليس التسوية، وأما كلام الذهبي فإنه في تدليس الإسناد، بيد أن اعتذارهما للأعمش بأنه لا يتعمد ذلك اعتذار غير قوي، فإن تدليس الأعمش أمر معروف، وذلك يعني معرفته بضعف الراوي الذي يدلسه، وقد تقدم قول أبي الفتح الأزدي: «فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه لأنه يحيل على مليء ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه لأنه يحيل على غير مليء» (3)، والعلم عند الله.
وكل من يتعمد حذف شيخه الضعيف فيروي الحديث بصيغة محتملة للسماع وعدمه، فإنه لا يبعد منه حذف أي ضعيف في الطبقات الأعلى، ومع كل هذا ونظرا إلى عد البعض تدليس التسوية جرحاً فإن ذلك أمر يحتاج إلى إثبات في حق الأعمش، وهذا ما ليس له ما يبرهنه، بل الدلائل على خلافه:
أولاً: أن دلالة تدليس التسوية على الإيهام المؤثر في ديانة المرء أوضح من تدليس الاسناد والشيوخ، وهذا يتطلب منا التحري أكثر في وصف الراوي به.
(1) الصنعاني (توضيح الأفكار) جـ 1، ص 338، 339.
(2) الذهبي (الميزان) جـ 2، ص 224.
(3) الخطيب (الكفاية) ص 362 (1/75)
صفحة 74
76
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ثانياً: أن من ذكر الأعمش بذلك لم يذكر شاهدا أو حادثة عليه، بينما ذكرت حوادث كثيرة في بيان تدليس الإسناد عند الأعمش، وحوادث لبيان وصف غيره بتدليس التسوية.
ثالثاً: أن الراوي عن الأعمش هنا شعبة، وهو متشدد في الحكم على الرواة، وقد يترك شعبة الحديث عن بعض منهم بمجرد الجرح القليل، وتدليس التسوية عنده جرح كما قال: «لأن أزني أحب إلي من أن أدلس»، فلو كان الأعمش مدلساً هذا النوع من التدليس لما حدث عنه شعبة.
العنعنة
«فعلى من وصف راويا بتدليس التسوية الدليل». والخلاصة من كل ما مضى أن الحديث صحيح، ولا يضر ما في بعض طرقه من عنعنة الأعمش بينه وبين شيخه، ولا ما في كل طرقه من في الطبقات الأعلى، فإن الصواب أن ذلك لا يؤثر في صحة الحديث. هذا، وكل ما سبق من الكلام في حق الأعمش يستغني عنه من يحتج بكل ما في الصحيحين أو أحدهما، فإن مسلما أحد من خرج هذا الحديث، ولم أجد من تكلم في هذا الحديث قدحا، أو لمزه بشيء مما يتعلق بتدليس الأعمش، ولعل ذلك لإخراج مسلم إياه، أو لكونه جاريا على قاعدة من ينتفي عنده تدليس المعنعن إذا جاءت رواية أخرى مبينة للاتصال.
وعلى كل حال فالحديث متصل ثابت عند الجميع.
(1) مسفر (التدليس في الحديث) ص 121. (1/76)
صفحة 75
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
دلالة الحديث
أوجه الاستدلال من
الحديث:
VV
الحديث يدل على عدم مشروعية الرفع في الصلاة مطلقا من أوجه ثلاثة:
الوجه الأول:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر رفع الأيدي في الصلاة صراحة، وقد أفادت كل الروايات عن الأعمش أن ذلك الرفع الذي أنكره الرسول عليه الصلاة والسلام إنما كان في الصلاة.
فقد جزم بذلك وكيع عن الأعمش عند أحمد) والبيهقي، فقال جابر بن سمرة: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن رافعو (رافعي) أيدينا في الصلاة.
كما
وكذلك علقه البخاري إلى وكيع في «جزء رفع اليدين». جزم بها عبثر عن الأعمش عند النسائي، قال جابر: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، فقال: «ما بالهم رافعي أيديهم في الصلاة».
بينما شك زهير عن الأعمش عند أبي داود، فقال جابر: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال زهير: أراه قال: في الصلاة.
قال السهارنفوري: «وأما أبو داود فذكر هذه الجملة (والناس رافعو أيديهم) ثم حكى قول زهير أراه قال في الصلاة، وهذا يدل على أن زهيراً
(1) أحمد (المسند) جـ 6، ص 121 حديث جابر بن سمرة رقم 20522. (2) البيهقي (السنن الكبرى جـ 2، ص 397، 398 کتاب الصلاة، جماع أبواب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها رقم 3520. (1/77)
صفحة 76
78
الصلاة
النهي عن رفع اليدين في حديث جابر بن سمر
لم يحفظ هذا اللفظ من أستاذه ولكن يظن أنه قال لفظه (في الصلاة)، فما وقع في رواية البخاري في جزء رفع اليدين بأنه أخرج هذه الجملة من غير شك، غير محفوظ»).
ويؤيد ما قاله السهارنفوري من كون هذه اللفظة غير محفوظة أن سائر الرواة عن الأعمش وهم: شعبة ويحيى القطان وأبو معاوية وعيسى بن يونس لم يذكروها، إلا إذا عدت من قبيل زيادة الثقة فيسري إليها الخلاف، وقد يترجح قبولها لكون الذي زادها أكثر من واحد وهم وكيع وعبثر وزهير من
غير جزم منه.
ورغم ذلك فإنه لا خلاف في أن ذلك الإنكار على رفع الأيدي إنما كان حال صلاتهم، ولذا أتبع السهارنفوري كلامه السابق بقوله: «لكنه مراد قطعا أي وإن كان النص على أن الرفع كان في الصلاة غير محفوظ، لكن كون ذلك الرفع الذي أنكره الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو. في الصلاة مراد قطعا.
وقد اتفق كل الرواة السبعة عن الأعمش على قوله عليه الصلاة والسلام في نفس الحديث بعد ذلك اسكنوا في الصلاة» وهذا قاطع بأنهم رآهم النبي رافعي أيديهم وهم يصلون، فأنكر ذلك عليهم.
هذا، ورفع الأيدي عام يشمل رفعها عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع،
وعند الرفع منه، ويشمل كل رفع لليدين يفعله المصلي في الصلاة.
ا يقول ابن بركة: «وروى مخالفونا أنه رفع ولم يرفع، ولو صحت الرواية بذلك كان العمل على ما مات عليه الرسول، وإذا لم يكن مع مخالفينا
(1) السهارنفوري (بذل المجهود المجلد 2، جـ 4، ص 421. (1/78)
صفحة 77
79
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
خبر لقطع العذر، بأن كان الرفع آخر عمله واحتمل أن يكون أولاً واحتمل أن يكون آخرا، لم يكن بد من العمل بأحدهما، وكان المرجوع إلى الأصل، أين يرف يرفع مع ما قد ثبت من الخبر عنه أنه نهى عن رفع اليدين في الصلاة، لقوله: «ما بالكم ترفعون أيديكم في صلاتكم كأنها أذناب خيل شمس»، فلم يختلف معنا خالفنا من في رفع اليدين في صحة هذه الرواية،
وهو
وإنما خالفونا في تأويل الخبر، وإذا لم يكن معهم ظاهر برفع ظاهرنا كما يتعلق بظاهر الخبر أهدى
(1)
منهم
سبيلا (2).
يقول أبو الحسن البسيوي: «فأما من خالفنا فقال إنه كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام فإنه يوافقنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن رفع اليدين في الصلاة، وقال: «ما لي أرى قوما يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها آذان) خيل شمس، اسكنوا في صلاتكم»، فقد نهى عن رفع اليدين في الصلاة، ولم يصح أنه مات على حكم رفع اليدين في الصلاة. وقد الله الأمر صح الخشوع والتواضع الله في الصلاة» (4).
من
في
ويقول أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الحضرمي: «وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بال أقوام يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها آذان أو أذناب (0) خيل شمس اسكنوا في صلاتكم فلهذا الخبر نهي عن رفع اليدين في
الصلاة» (1).
492، 493
(1) في (بيان الشرع) (93/ 11، و (قاموس الشريعة) (272/ 19 كنا نتعلق، وقد سبق ذكر ذلك. (2) ابن بركة (الجامع) جـ ا،. (3) سبق القول بأن كلمة «آذان» قد تكون تصحيفا من النساخ.
ص
(4) البسيوي (الجامع) جـ 2، ص)
988
(5) لعل أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله يشير بقوله: (آذان) أو أذناب إلى اختلاف اللفظ الوارد
في الموضوع، حيث ورد عند البسيوي بلفظ آذان، بينما هو عند غيره: أذناب. (6) أبو إسحاق، إبراهيم بن عبد الله الحضرمي (الدلائل والحجج) ص 168. (1/79)
صفحة 78
80
حديث جابر بن سمرة.
النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ذلك قلنا به
يقول سلمة بن مسلم العوتبي: «إن سأل سائل عن منع رفع اليدين في الصلاة فيقال: اتباع سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولم يأمر برفع اليدين في شيء من الأخبار ... ، ولو صح. وفعلناه، بل قد ثبت عنه أنه نهى عن رفع اليدين يقول: (ما لي أرى أقواما يرفعون أيديهم في الصلاة كأنها آذان خيل شمس، اسكنوا في صلاتكم).
كما استدل بحديث جابر بن سمرة الإمام الهادي ـ أحد أئمة الزيدية - على نسخ أحاديث الرفع، قال الحسين بن أحمد السياغي في كتابه (الروض النضير):
وقد استدل الهادي لا على نسخ الرفع بحديث جابر بن سمرة بن جندب قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة رواه مسلم.
(وقد) أجيب بوجهين:
(أحدهما): أن أحاديث الرفع قطعية لتواترها كما ذكر ولا يصح نسخه لو سلم إلا بقطعي عند الجمهور وعلى رأي الأقل من جواز نسخ القطعي بالظني يرد عليه أولاً ما قيل إن ما لي أراكم استفهام إنكار ولا ينكر ه ما يفعله ويفعله أصحابه ولو كان من الأحكام المنسوخة لوقع التعبير عنه بما يفيد رفع الحكم الأول بلا إنكار كما قاله له في نسخ الكلام في الصلاة (إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة) ونحو ذلك مما يناسب ما قد ثبتت شرعيته أما التشنيع عليهم
وتشبيه أيديهم بالأذناب فلا.
(1) العوتبي (الضياء) جه، ص 151، 152. (1/80)
صفحة 79
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
كما
81
(ثانيها): أنه ذكر للرد على قوم كانوا يرفعون أيديهم في حال السلام م الصلاة ويشيرون بها إلى الجانبين مسلمين على من حولهم فنهوا عن ذلك صرح به رواية مسلم من حديث كنا إذا صلينا مع رسول الله له قلنا السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيده إلى الجانبين فقال رسول الله له علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله) قال البخاري في ذلك: إنما كان الرفع عند السلام لا في القيام قال ولا يحتج بهذا من له حظ من العلم».
انتهى كلام السياغي.
يقول العيني: «والذي يحتج به الخصم من الرفع محمول على أنه كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ. والدليل عليه أن عبد الله بن الزبير رأى رجلاً يرفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع فقال له لا تفعل فإن هذا شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركه»).
الوجه الثاني: أن النهي عن الرفع في الصلاة ورد لعلة جلية، وهي تلبس المصلي بحركة لا تناسب عظم المقام الذي هو فيه ولا تليق بموقفه بين يدي ربه الله، وهي التشبه بحركة أذناب الخيل الشمس التي لا تستقر من الخوف والاضطراب، فتضرب بأذنابها فوق وتحت ويمينا وشمالاً، وما أشبه حركة من يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام أو عند الركوع أو في أي موضع آخر بأذيال الخيل النافرة المضطربة وحسب العاقل نفورا من هذه الحركة إذ
(1) السياغي (الروض النضير) جـ 1، ص 436، 437.
(2) العيني (عمدة القاري) جـ 4،.
ص
380 (1/81)
صفحة 80
82
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
جعلت علامة لبعض الحيوانات، بل حركة لأذنابها خاصة، وذلك أمر يدعو إلى الاشمئزاز، ويؤكد من قوة النهي الوارد في هذا الحديث.
وهذا النهي جار على نسق نواه أخرى عن حركات وهيئات يتشبه المصلي فيها ـ أن لو فعلها ـ بحركات وأفعال بعض الحيوانات وهيئاتها، وهي:
أنه
1 - افتراش (أو انبساط) الكلب (أو السبع).
2 - عقبة الشيطان.
3 - إقعاء الكلب.
-
4
-
6
قعود القرد.
نقر الديك (أو الغراب).
التفات الثعلب.
7 - بروك البعير.
فقد روى الإمام الربيع بن حبيب بسنده إلى ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى المصلي أن يقعي في صلاته إقعاء الكلب، وأن ينقر فيها نقر الديك، أو يلتفت التفات الثعلب، أو يقعد فيها قعود القرد.
قال الربيع: إقعاء الكلب أن يفرش ذراعيه ولا ينصبهما، وقعود القرد: أن يقعد على عقبيه وينصب قدميه، ومن فعل شيئاً من هذه الوجوه الأربعة فعليه إعادة الصلاة).
وروى أحمد ـ واللفظ له - والبيهقي من طريق أبي هريرة قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث ونهاني عن ثلاث؛ أمرني بركعتي الضحى كل يوم
(1) الربيع بن حبيب (المسند) كتاب الصلاة، باب في القعود في الصلاة والتحيات، رقم 238. وفي نقض الصلاة بهذه الأفعال خلاف ذكره في (حاشية الترتيب) جـ 2، ص 125. (1/82)
صفحة 81
83
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
والوتر قبل أن أنام وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب.
وروى البخاري ومسلم - واللفظ لهما - وأبو داود والترمذي والنسائي (2) من طريق شعبة عن قتادة عن أنس مرفوعاً: «اعتدلوا في السجود ولا ينبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب».
ولفظ أبي داود: «اعتدلوا في السجود ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش
الكلب».
والحديث من رواية قتادة وقد عنعن وهو مدلس، وأما قول شعبة: «كفيتكم تدليس هؤلاء الثلاثة: الأعمش وقتادة وأبي اسحاق» فهو على نحو تقدم بيانه في حديث الأعمش عن جابر بن سمرة، لا كما قال الحافظ بأن مجرد رواية شعبة عنهم يعني الحكم بالاتصال.
ما
ابن حجر
غير أن الأعمش صرح بالسماع من أنس عند الترمذي".
كما أن لحديث أنس شواهد أخرى:
رقم
2741
(1) أحمد (المسند) مسند أبي هريرة، ج 2، ص 599، رقم 8044/ البيهقي (السنن الكبرى) ج 2، ص 173 کتاب الصلاة، باب الإقعاء المكروه في الصلاة (2) البخاري (الصحيح) كتاب الأذان، باب لا يفترش ذراعيه في السجود، رقم 822/ (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود، رقم 493/ أبو داود (السنن) كتاب الصلاة باب صفة السجود، جـ 1، ص 341، رقم 896/ الترمذي (سنن الترمذي) أبواب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود، ج 1، ص 306، رقم 275، 276/ النسائي (السنن) كتاب التطبيق باب النهي عن بسط الذراعين في السجود، ج 2، ص 559، رقم 1102. (3) الترمذي (سنن الترمذي) جـ 1، ص 306 أبواب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود رقم 276. (1/83)
صفحة 82
??
فقد روى
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
أحمد والترمذي وابن خزيمة من حديث جابر مرفوعا: «إذا سجد أحدكم فليعتدل ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب»، وعند ابن خزيمة: «السبع.
وفيه عنعنة الأعمش، ورواية أبي سفيان عن جابر معنعنا.
-
وروى أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سجد أحدكم فلا يفترش يديه افتراش الكلب وليضم فخذيه».
وروى مسلم من طريق أبي الجوزاء عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير».
إلى أن قالت وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع» (3). وفي رواية ابن نمير عن أبي خالد: وكان ينهى عن عقب الشيطان» (4). كما روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة النهي عن بروك الجمل أو البعير عند الهوي للسجود).
(1) أحمد (المسند) مسند جابر بن عبد الله جـ 4، ص 256 رقم (13975) / الترمذي (سنن الترمذي) جـ 1، ص 306 أبواب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود رقم 275/
ابن خزيمة (الصحيح) باب الاعتدال في السجود، رقم (644)، جـ 1، ص 325. (2) أبو داود (السنن) كتاب الصلاة، باب صفة السجود، جا، ص 342، رقم 901. (3) مسلم (الصحيح كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة، رقم (498)، جـ 4، ص 179، 180.
ص
180
(4) مسلم (الصحيح) كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة، رقم (498)، جـ 4،. (5) أبو داود (السنن) كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبته قبل يديه، ج 1، ص 328 رقم 840/ الترمذي (سنن الترمذي أبواب الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، جـ 1، ص 302، رقم 269/ النسائي (السنن كتاب التطبيق، باب اول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، جـ 2، ص 553، رقم 1091. (1/84)
صفحة 83
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
85
وللعلماء في بيان حقيقة ذلك ومعناه خلاف عريض بناء على تعارض حديث أبي هريرة هذا وحديث وائل بن حجر في أي منها يقدم عند السجود اليدان أو الركبتان على أن في كلا الحديثين كلاما سندا ومتنا.
وعلى أية حال فهذه الهيئات جميعها متفق على النهي عنها في الصلاة.
وتفصيلها كالتالي:
1 - أما افتراش الكلب أو السبع فهو مفسر في حديث أنس بوضع الذراعين على الأرض حال السجود، وفي حديث عائشة السابق سمته افتراش السبع، وجاء في حديث البراء عند مسلم مرفوعا: «إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك»، وبه فسر الإمام الربيع بن حبيب إقعاء الكلب".
2 ـ وأما عقبة الشيطان فقال النووي: «بضم العين، وفي الرواية الأخرى: عقب الشيطان بفتح العين وكسر القاف، هذا هو الصحيح المشهور فيه، وحكى القاضي عياض عن بعضهم بضم العين، وضعفه، وفسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه، وهو أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب وغيره من السباع (3).
- وأما إقعاء الكلب فقد فسره الإمام الربيع بافتراش الذراعين حال السجود، وسبق في كلام النووي أنه فسر عقبة الشيطان بالإقعاء، وهو
أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض.
(1) مسلم (الصحيح) كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود، ح رقم (494)، جـ 4،
ص
177
(2) الربيع بن حبيب المسند) كتاب الصلاة، باب في القعود في الصلاة والتحيات، رقم 238. (3) (صحيح مسلم بشرح النووي) جـ 4، ص 180. (1/85)
صفحة 84
86
النهي عن رفع اليدين في الصلاة حديث جابر بن سمر
وقال الرازي في مختار الصحاح: «أقعى الكلب: جلس على استه مفترشاً رجليه وناصباً يديه، وقد جاء النهي عن الإقعاء في الصلاة، وهو أن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين»).
وعقب الإمام السالمي قائلا: «وهذا أيضاً داخل تحت النهي، فالحاصل أن جميع هيئات الإقعاء داخلة» (2).
4
-
6
- V
وأما قعود القرد فهو ما تفردت به رواية الإمام الربيع، وفسره بأن يقعد على عقبيه وينصب قدميه، قال المحشي محمد بن عمر: «والظاهر أن
قعود القرد كالإقعاء» (3).
وأما نقر الديك أو الغراب فقد قال ابن الأثير: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله» (4)، والمراد ترك الطمأنينة.
وأما التفات الثعلب فقال الإمام السالمي: «هو أن يصرف وجهه يميناً
وشمالاً).
وأما بروك البعير فرغم الخلاف في دلالة النهي عنه، فإن الأمر بتقديم الركبتين على اليدين في أحاديث أخرى يفسر هذه الكيفية، والقول بأن ركبتي البعير في يديه نقضه ابن القيم من عدة أوجه، وقال بأنه فاسد لا يعرفه أهل اللغة).
511، مادة (قعا).
(1) الرازي (مختار الصحاح. ص (2) السالمي (شرح الجامع الصحيح جـ 1، ص. (3) ابن عمر (حاشية الترتيب) جـ 2، ص 125. (4) ابن الأثير (النهاية) جـ 5، ص 104.
350
(5) السالمي (شرح الجامع الصحيح) جـ 1، ص 350.
(6) ابن القيم (زاد المعاد) جـ 1، ص 224 - 232. (1/86)
صفحة 85
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
1
87
والخلاصة أن الحركات والهيئات المنهي عنها في الصلاة ست: افتراش اليدين کافتراش الكلب أو السبع، وذلك بوضع الذراعين من الأصابع إلى المرفقين على الأرض حال السجود، وقد سمى الإمام الربيع هذا بإقعاء الكلب.
4
2 - القعود كعقبة الشيطان أو عقب الشيطان، وذلك بوضع الإليتين على الأرض؛ ونصب الساقين ووضع اليدين على الأرض؛ كما يفعل الكلب وغيره من السباع. وسماه البعض بالإقعاء.
- القعود كقعود القرد، وهو أن يقعد على عقبيه وينصب قدميه؛ كما يفعل البعض بين السجدتين، أو حتى حال القعود للتحيات.
السجود السريع كنقر الديك أو الغراب.
التفات الثعلب، وهو الالتفات السريع في الصلاة.
- الهوي للسجود كبروك البعير، وذلك بتقديم اليدين ثم الركبتين.
وهذه الهيئات منهي عنها في الصلاة .. ويلاحظ بشدة أنها شبهت بأفعال وهيئات الحيوانات كان يمكن النهي عنها دون هذه التشبيهات العجيبة، فدل التشبيه على قوة النهي عنها، وشدة التنفير منها.
يا ترى، فما حال رفع اليدين في الصلاة؟!
إن الحركة التي تشبه حركة أذناب الخيل الشمس تنضم إلى تلك الهيئات المنهي عنها لوجود العلة فيها، ومن رفع يديه عند تكبيرة الإحرام أو عند الركوع أو عند الرفع منه أو عند السجود أو عند التسليم في الصلاة أو في أي موضع آخر، صدق عليه أنه متشبه بحركة أذناب الخيل الشمس، ودخل في نكير المصطفى صلى الله عليه وسلم ومخالفته إياه. (1/87)
صفحة 86
88
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وكما أن من فعل شيئاً من تلك الهيئات فهو مشبه لهيئات وحركات الحيوانات؛ فكذلك من رفع يديه مشبه لحركة أذناب الخيل الشمس، وكله قبيح.
يقول ابن القيم: «وهو نهى في الصلاة عن التشبه بالحيوانات، فنهى عن بروك كبروك البعير والتفات كالتفات الثعلب وافتراش کافتراش السبع وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس فهدي المصلي مخالف لهدي الحيوانات».
ويقول الصنعاني:
«وقد نهى عن التشبه بالحيوانات نهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب،
ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب خيل شمس». ويقول: «وقد ثبت عن النبي الأمر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة، فنهى عن التفات كالتفات الثعلب وعن افتراش کافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس، أي حال السلام، وقد تقدم، ويجمعها قولنا:
إذا نحن قمنا في الصلاة فإننا نهينا عن الإتيان فيها بستة بروك بعير والتفات كثعلب ونقر غراب في سجود الفريضة وإقعاء كلب أو كبسط ذراعه وأذناب خيل عند فعل التحية»
انتهى كلام الصنعاني".
(1) ابن القيم (زاد المعاد جـ 1، ص 224، 225. (2) الصنعاني (سبل السلام) ج 1، ص 319.
(3) الصنعاني (سبل السلام) جـ 1، ص 361، 362. (1/88)
صفحة 87
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
89
وقول الصنعاني: «ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس، أي حال السلام» معناه أن النهي عن رفع الأيدي مخصوص بالرفع عند التسليم من الصلاة،
وهو مراده في نظمه حيث قال: وأذناب خيل عند فعل التحية»، وهذا كان في بداية أمر الصلاة ثم نهي
عنه.
وسيأتي ـ بعون الله - نقاش موسع حول كلام الصنعاني بأن النهي عن الرفع مخصوص برفع اليدين عند السلام فليت شعري إذا كان رفع اليدين عند التسليم من الصلاة بعد التحيات مشبهاً لأذناب الخيل الشمس، فما الذي لم يجعل رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام والركوع وغير ذلك مشبهاً لأذناب الخيل الشمس أيضاً؟!
فإن العلة في النهي عن الرفع مطردة في كل رفع ولا فرق، وقد نقل ابن حجر عن ابن دقيق العيد عند شرحه حديث الافتراش في السجود قوله: «وقد ذكر الحكم هنا مقرونا بعلته فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصلاة».
الوجه الثالث:
الأمر بالسكون في الصلاة اسكنوا في صلاتكم»، وهو عام يشمل كل شيء في الصلاة، ولا شك أن الحركة منافية للسكون ومضادة لها. والرفع حركة واضحة وخاصة عند من يقول إنها تتلو تكبيرة الإحرام ولا تتقدمها ولا تقارنها، ومن يقول بها عند الركوع والرفع منه، وعند الهوي للسجود والرفع منه، وغير ذلك، فإن هذه الحركة داخلة في
الصلاة ومخالفة للهدي النبوي.
(1) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص 563. (1/89)
صفحة 88
90
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ولكن ..
هل هناك فرق بين حركة رفع اليدين وبين حركة الجسم للركوع و للسجود والرفع منهما؟!
والجواب: نعم، ثمة فرق كبير بينهما، فإن حركة الصلب للركوع والرفع
منه وحركة الجسم للسجود والرفع منه من أركان الصلاة وأجزائها. وتحريك اليدين لوضعهما على الركبتين عند الركوع ووضعهما على الأرض عند السجود وعلى الفخذين عند القعود هو من هيئة الركوع والسجود والقعود.
بخلاف رفع اليدين فلا يزيد في الصلاة شيئاً إلا بمجرد الحركة الخارجة عن أفعال الصلاة. (1/90)
صفحة 89
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
91
الاعتراضات على الاستدلال بحديث جابر بن سمرة:
اعتراض الإمامين البخاري والنووي:
اعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأن النهي عن الرفع خاص بالرفع عند التسليم حيث كان الخروج من الصلاة في بداية الأمر بتحريك اليدين كما ورد من طريق عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة قال:
«كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم، وأشار مسعر بيديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله»، وهو حديث صحيح.
(1)
قال الإمام البخاري: «وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن رافعي (2) أيدينا في الصلاة فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة» فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام كان يسلم بعضهم على بعض، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الأيدي في التشهد، ولا يحتج بمثل هذا له حظ من من العلم، هذا
معروف مشهور لا اختلاف فيه.
(1) مسلم (الصحيح كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، الحديث رقم (431) ج 4، ص 128 النسائي (السنن) باب موضع اليدين عند السلام رقم (1319) / أحمد (المسند) رقم (20523) جـ 6، ص 121 / ابن حبان (الصحيح) كتاب الصلاة، باب صفة رقم الحديث (1880) جـ 5، ص 199 ابن خزيمة (الصحيح) باب الزجر عن
الصلاة
الإشارة باليد رقم 733، جا،
ص
361
(2) هكذا بالياء: (رافعي)، وهو كذلك عند أحمد والبيهقي، والأصل فيه الرفع خبراً للمبتدأ
(نحن)، ووجهه البعض بأنه منصوب على الحال سد مسد الخبر. (1/91)
صفحة 90
92
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ولو كان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضاً تكبيرات صلاة العيد منهيا عنها، لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع، وقد بينه حديث حدثناه أبو نعيم حدثنا مسعر عن عبيد الله بن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم، وأشار مسعر بيديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله».
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: «والمراد بالرفع المنهي عنه هنا رفعهم أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين، كما صرح به في الرواية الثانية قوله (فرآنا حلقاً) هو بكسر الحاء وفتحها لغتان جمع حلقة
بإسكان اللام وحكى الجوهري وغيره فتحها في لغة ضعيفة». وخلاصة اعتراض البخاري والنووي وكل من رأى رأيهما أن حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة إنما ورد لسبب خاص بينته رواية د الله بن القبطية عن جابر بن سمرة، وفيها أن النهي عن رفع اليدين إنما
عبيد
هو حال السلام فحسب.
وهذا الاعتراض مردود بأمرين:
الرد الأول على الاعتراض القائل بأن حديث جابر بن سمرة خاص بالرفع عند التسليم بسبب أن رواية عبيد الله بن القبطية بينت ذلك، يتلخص في أن حديث جابر بن سمرة برواية تميم بن طرفة غير حديث جابر بن سمرة برواية عبيد الله ابن القبطية، فهما حديثان مستقلان، في واقعتين مختلفتين، في موضوعين منفصلين رواهما صحابي واحد.
(1) البخاري (رفع اليدين)
ص.90
(2) (صحيح مسلم بشرح النووي) جـ 4، ص 128. (1/92)
صفحة 91
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
يقول الزيلعي:
93
ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر، كما جاء في لفظ الحديث الأول: دخل علينا رسول صلى الله عليه وسلم وإذا بالناس رافعي أيديهم في الصلاة، فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، إنما يقال ذلك لمن يرفع يديه في أثناء الصلاة، وهو حالة الركوع والسجود، ونحو ذلك. هذا هو الظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، وروى الآخر في وقت كما شاهده، وليس في ذلك بعد».
وقال علي القاري:
«وأجيب عن اعتراض البخاري بأن هذا الرفع كان في التشهد لأن عبيد الله بن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم السلام عليكم، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال: ما لهؤلاء يومئون بأيديمهم كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله»، بأن الظاهر أنهما حديثان، لأن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال اسكن في الصلاة، وبأن
العبرة للفظ، وهو قوله: «اسكنوا لا لسببه، وهو الإيماء حال التسليم ... ». كما أجاب نور الدين السالمي على هذا الاعتراض بقوله: «وأجيب بأن الظاهر أنهما حديثان لأن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، وبأن العبرة للفظ وهو قوله اسكنوا، لا لسببه وهو الإيماء
حال التسليم).
(1) الزيلعي (نصب الراية جـ 1، ص
(2) القاري (مرقاة المفاتيح جـ 2، ص 504 رقم (793).
(3) السالمي (معارج الآمال جـ 3، ص "
2، 21413 (1/93)
صفحة 92
94
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وقد شرح السهارنفوري جواب الزيلعي قائلاً:
وحاصل هذا الجواب أن البخاري فهم
أن مؤدى حديث عبيدا
الله
بن
القبطية عن جابر بن سمرة ومؤدى حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة واحد بأن الحديثين محمولان على حال التشهد، فإن الصحابة كانوا نشأ. من قلة يشيرون بأيديهم في التشهد حال السلام، وهذا خلاف الظاهر التدبر فيها، بل الظاهر أنهما حديثان مختلفا المؤدى والمراد، يدل أحدهما على غير ما يدل عليه الآخر. فأما حديث عبيد الله بن القطبية فإنه محمول على السلام بعد التشهد قطعا وأما حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة فغير محمول على التشهد، بل هو محمول على رفع اليدين داخل الصلاة عند الرفع والخفض فنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اسكنوا في الصلاة، والدليل عليه أن الذي يرفع حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، ولهذا ما قال رسول الله في حديث رفع الأيدي عند التسليم «اسكنوا في الصلاة». هذا، وقد تعجب صاحب عون المعبود من الزيلعي من تفريقه بين
حديث تميم عن جابر وحديث ابن القبطية عنه قائلاً: «إنما العجب منه لأنه محدث كبير من أهل الإنصاف، ولا يخفى على من له مذاق في العلم فساد بيانه، والظاهر أنهما ليسا بحديثين، بل هما حديث واحد يفسر أحدهما بالآخر، والراوي واحد وهو جابر بن سمرة والمتن واحد» (2).
بينما اتهم السهارنفوري صاحب عون المعبود بأنه «مقلد محض للبخاري، وليس له حظ من علوم النبوة، ولو كان له حظ منه ام، لم يتعجب من هذا الاستدلال، بل يأتي بالدليل على رده، ولم يقدر عليه إلا بأن الراوي واحد، وهذا دليل يضحك الثكلى، فإن أحدا من أهل العلم لم يستدل بوحدة
(1) السهارنفوري بذل المجهود المجلد 2، جـ 4، ص
422
(2) محمد آباد (عون المعبود) جـ 3، ص 301. (1/94)
صفحة 93
95
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
الراوي على وحدة مروياته لما رأى البخاري قال بهذا القول تبعه من غير أن يتدبر في لفظ الحديث).
اللفظ
الرد الثاني: على الاعتراض على الاستدلال بحديث جابر بن سمرة: أنه على فرض التسليم بكون حديث جابر من رواية تميم بن طرفة إنما ورد لسبب خاص بينه حديث ابن القبطية عن جابر، فإن العبرة لا بخصوص السبب، ولفظ الحديث عام يتناول كل رفع، والعلة التي لأجلها نهي عن الرفع حال السلام مطردة في كل رفع، ولا فرق.
يقول نور الدين السالمي:
بعموم
وأجيب بأن الظاهر أنهما حديثان لأن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، وبأن العبرة للفظ وهو قوله: اسكنوا، لا لسببه وهو الإيماء حال التسليم".
وقد نقل ابن حجر عند شرحه لحديث افتراش الذراعين في السجود عن ابن دقيق العيد قوله: «وقد ذكر الحكم هنا مقرونا بعلته، فإن التشبه بالأشياء الخسيسة يناسب تركه في الصلاة» (3).
وهذا وإن كان في مسألة افتراش اليدين أثناء السجود، لكن رفع اليدين أيضاً من التشبه بالأشياء الخسيسة على حد لفظ ابن دقيق العيد، والحكم النبوي جاء بتشبيه الرفع في الصلاة بأذناب الخيل الشمس، فكيف يكون رفع اليدين عند التسليم من التشبه بالأشياء الخسيسة وينهى عنه، ولا يكون الرفع في أي موضع آخر كذلك؟!
(1) السهارنفوري (بذل المجهود) المجلد 2، جـ 4، ص
(2) السالمي (معارج | الآمال) جـ 3،
ص
(3) ابن حجر (فتح الباري) جـ 2، ص
2، 21413
390
423، 424 (1/95)
صفحة 94
96
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
يقول الشوكاني عند ذكره جواب القائلين بالرفع:
«ورد هذا الجواب بأنه قصر للعام على السبب، وهو مذهب مرجوح كما تقرر في الأصول، وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت من فعله وله ثبوتا متواتراً كما تقدم، وأقل أحوال هذه السُّنَّة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر»).
من خلال كلام الشوكاني تتضح ثلاثة أمور:
أ - أن قصر حديث جابر من رواية تميم بن طرفة على السبب الذي بينه حديث جابر من طريق ابن القبطية مذهب مرجوح، وكلام
البخاري والنووي ومن قال بما قالا المتقررة عند علماء الأصول.
لا ترضاه القواعد مرجوح
ب ـ أن رد المعارضين للرفع بمرجوحية قصر العام على السبب له
وجاهته وقوته.
ج - أن تواتر أحاديث الرفع - كما يرى الشوكاني ـ قرينة لقصر العام على السبب أو لتخصيصه.
فالشوكاني ـ إذن ـ يسلم بصحة استدلال القائلين بالنهي عن الرفع بحديث جابر بن سمرة، وغاية ما يتمسك به لدفع عموم النهي عن الرفع هو تواتر الرفع.
وقد أجاب السهارنفوري عن دعوى التواتر هذه بقوله:
«لا يخفى عليك أن قوله إن الرفع قد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم ثبوتاً متواتراً
(1) الشوكاني (نيل الأوطار) جـ 2، ص 183. (1/96)
صفحة 95
97
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
دعوى لا دليل عليه، ولو سلم فرضاً فلا نسلم جعلها قرينة لقصر العام وتخصيصه، وهذا ظاهر جداً.
والقاعدة الأصولية المتقررة تقول: لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، ولذا لم يجد الشوكاني صاحب إرشاد الفحول» بدا من الحكم على هذا الرأي بالوجاهة في قوله: «وهذا الرد متجه».
وأما تعقيبه بقوله: «لولا أن الرفع قد ثبت ثبوتا متواترا ... إلخ» فهو رهين
بعدة أمور:
1
-
2
ثبوت الرفع
ثبوت التواتر
- بقاء الحكم وعدم النسخ
4 - التسليم بأن حديث جابر ورد لذلك السبب الخاص
والجواب عن هذه الأمور إجمالا كالتالي:
1 - أما دعوى التواتر فهي مبنية على كثرة الكلام في الموضوع، وكثرة
الروايات الواردة فيه بغض النظر عن صحتها وثبوتها، وهذا من غرائب المحدثين، فإن التواتر لا يثبت بالأسانيد الضعيفة، ولا بالروايات المنجبرة بغيرها، بل لا بد من الصحة الذاتية، والثبوت الاستقلالي في جميع الروايات اللازمة لإكمال عدد التواتر.
وهذا الإمام البخاري قد حشر في جزء رفع اليدين كل ما قدر عليه من الروايات في موضوع رفع اليدين مصرحا بتواترها، وهو من هو في التثبت والبحث عن الصحيح الثابت، لكنه في هذا الكتاب لم يلتزم هذا
(1) السهارنفوري بذل المجهود المجلد 2، جـ 4، ص 421. (1/97)
صفحة 96
98
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
المنهج، وربما دفعته حملته ضد الأحناف إلى مخالفة خطته في تحري الصحيح، فكان ما كان في ذلك الكتاب من ذكره الروايات الضعيفة التي
لا تثبت استقلالا.
وقد نوقشت جميع هذه الروايات في عدد من المؤلفات والأبحاث والدراسات، حيث ناقشها الإباضية وضعفوها، كما ناقش المحدثون رويات الأحناف وضعفوها، وناقش الأحناف
والشافعية
جميع
جميع
روايات المحدثين وضعفوها، بل ناقش المحدثون بعضهم بعضا، وضعف بعضهم
روايات بعض. وعلى كل، فإن دعوى التواتر مرفوضة ونحن هنا ننـ فكيف في التواتر؟!
ننازع في الثبوت،
ولا يخفى على القارئ الفطن أن دعوى التواتر أمست لا يمكن قبولها. 2 - وأما ثبوت الرفع فهو محل النظر والأخذ والرد، وقد مر بك ذكر علل أحاديث الرفع وأنها لا تصلح لجعلها سنة ثابتة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم لا سيما مع وجود المعارض لذلك.
يقول السالمي:
والحق عندنا كراهية الرفع، بل منعه كما تقدم، ولم يثبت عندنا ما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ثبت فهو معارض بما مر من حديث جابر» (1). 3 ـ وأما بقاء الرفع بعده صلى الله عليه وسلم كما قال الشوكاني: «أن الصحابة قد أجمعت على هذه السُّنَّة بعد موته، وهم لا يجمعون إلا على أمر فارقوا رسول الله عليه على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر
(1) السالمي (معارج الآمال) جـ 3، ص 216. (1/98)
صفحة 97
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
99
عند البيهق أنه قال بعد أن ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى».
يقول الإمام السالمي في موضوع رفع الصحابة أيديهم في الصلاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نسلم ذلك كله» ".
فالحق أنه لا إجماع في المسألة من قبل الصحابة ولا من الذين بعدهم، وقد ذكرت لك أخي القارئ أننا لم نقبل مجرد ثبوت الروايات، ولم تثبت كلها لا عن النبي الله ولا عن الصحابة الكرام، فكيف يتأتى ـ والحال هذه ـ أن تتكاثر الروايات فتصل الإجماع، ونحن نقدح فيها كلها؟! وفيما مضى ما يقنع العاقل المنصف، كما ذكرت لك في بدايات الكتاب أن دعوى الإجماع دعوى عريضة متكررة، وهي إحدى وسائل تفخيم الأمر، وكم تحت هذه اللافتة من أمور لم تثبت أصلا، ولذلك أمثلة كثيرة.
وأما حديث ابن عمر عند البيهقي الذي أشار إليه الشوكاني، فلم أجده عند البيهقي بعد البحث، ولعل الشوكاني تابع ابن حجر حيث نسبه إلى البيهقي كما في «التلخيص الحبير»، وقد جعله بعض العلماء وهما من ابن حجر، ولعل ابن حجر تابع غيره أيضاً، حيث نقل الزيلعي في «نصب الراية» عن ابن دقيق العيد في كتابه «الإمام» أن البيهقي روى في سننه: «من جهة الحسن بن عبد الله بن حمدان الرقي ثنا عصمة بن محمد الأنصاري ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في
(1) الشوكاني (نيل الأوطار جـ 2، ص
(2) السالمي (معارج الآمال) جـ 3،
ص
183
0216 (1/99)
صفحة 98
1 ..
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
السجود، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى. انتهى. رواه عن أبي عبد الله الحافظ عن جعفر بن نصر عن عبد الرحمن بن قريش بن خزيمة الهروي عن عبد الله أحمد الدمجي عن الحسن به». انتهى نقل الزيلعي)، بن والزيلعي سابق على ابن حجر.
والملاحظ أن هؤلاء إنما تابع اللاحق منهم السابق، وأسبقهم ابن دقيق العيد، وهو «ربما يعزو ترجمة أو حديثا إلى كتاب متواتر ولا يوجد شيء منه في ذلك الكتاب».
والحديث الذي في البيهقي الذي قال في آخره «فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله تعالى»، إنما هو حديث علي بن الحسين في أمر التكبير في الصلاة وليس في موضوع الرفع، قال عنه البيهقي: وهو «مرسل حسن»، وكذلك حديث أبي هريرة في البيهقي الذي في آخره: «ما زالت هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فارق الدنيا»، إنما هو في أمر التكبير في الصلاة وليس في موضوع الرفع.
أما السند الذي ذكره الزيلعي:
جعفر بن نصر عن عبد الرحمن بن قريش بن خزيمة الهروي عن
عصمة
عبد الله أحمد بن الدمجي عن الحسن بن عبد الله بن حمدان الرقي ثنا بن محمد الأنصاري ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى.
(1) الزيلعي (نصب الراية) جـ 1، ص 409، 410. (2) تعليق المحشي على نصب الراية) جـ 1، ص 409. (1/100)
صفحة 99
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
فإن فيه:
101
- عبد الرحمن بن قريش، اتهمه السليماني بوضع الحديث».
عصمة
بن محمد الأنصاري، قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال يحيى بن معين كذاب يضع الحديث، وقال العقيلي: يحدث
بالبواطيل عن الثقات وقال الدارقطني وغيره: متروك".
ولست أدري ماذا أقول فيمن يحتج بهذه الرواية الباطلة المكذوبة! فأين الثبوت حتى يقال بالتواتر؟!
إن هناك تساهلا كبيرا في ادعاء التواتر من قبل مثبتي رفع اليدين في الصلاة، ففي الروايات التي لم تثبت نجد دعوى التواتر، والسبب في ذلك النظر إلى كثرة الروايات في الموضوع، وفي الحقيقة، لا تواتر ولا ثبوت إلا الدعوى.
4 - لا يسلم بأن حديث جابر ورد لذلك السبب الخاص، فهما حديثان مستقلان، لكل منهما حادثة مستقلة وموضوعه الخاص به، وسيأتي إن شاء الله التفريق بينهما بما لا مجال لدفعه.
كلام ابن حزم في مورد الحديث:
صرف ابن حزم حديث جابر بن سمرة من طريق ابن القبطية إلى النهي عن تحريك اليدين بعد السلام حيث قال:
«فإن ذكر ذاكر حديث جابر بن سمرة: «كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيده إلى الجانبين،
(1) ابن حجر (لسان الميزان جـ ه، ص 119. (2) ابن حجر (لسان) (الميزان جـ 5، ص 438. (1/101)
صفحة 100
102
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على ما تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه عن يمينه وشماله».
قال علي: هذا إن كان في السلام الذي يخرج به من الصلاة فهو منسوخ بلا شك، بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، وهذا أمر لم يختلف فيه أحد من الأمة في أنه محكم، ثم ادعى قوم تخصيصه في بعض الأحوال، فإذ هو كذلك فهو الناسخ لما كانوا عليه قبل من إباحة التسليم ورده في الصلاة. فصح أن ذلك منسوخ».
وقال: «لا حجة في هذا لمن ذهب إلى تسليمة واحدة لأن فيه تسليمتين كما ترى. وأما من تعلق به في أن السلام من الصلاة ابتداء سلام على من معه، فإن هذا بلا شك كان ثم نسخ، لأن نص الخبر أنهم كانوا يفعلون ذلك في الصلاة، فأمروا بالسكون فيها، وأن هذا كان إذ كان الكلام في الصلاة مباحا ثم نسخ وليس فيه أن المراد بذلك التسليم، الذي. هو التحليل من الصلاة فبطل تعلقهم به». وجلي أن ابن حزم لا يتكلم عن حديث جابر بن سمرة من طريق تميم بن طرفة، لأنه مختلف، بل على العكس يفيد ظاهر كلامه خلاف ذلك حين قال: «لأن نص الخبر أنهم كانوا يفعلون ذلك في الصلاة، فأمروا بالسكون فيها»، وليس في حديث جابر برواية ابن القبطية الأمر بالسكون. وتتلخص فكرة ابن حزم في أن الحديث إن كان يراد به السلام الذي يخرج به المصلي من الصلاة، فهو منسوخ بحديث: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس».
(1) ابن حزم (المحلى) جـ 3، ص 280. (2) ابن حزم (المحلى) جـ 4، ص 133، 134. (1/102)
صفحة 101
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
وبغض النظر عن الاضطراب الواضح في كلام ابن حزم، خاصة قوله:
الصلاة»، «هذا إن كان في السلام الذي يخرج به من
مع قوله:
«وليس فيه أن المراد بذلك التسليم الذي هو التحليل من
فإن موضوعه هو موضوع التسليمة والتسليمتين.
ويلزم ابن حزم تقرير شيئين:
الصلاة».
103
صحة حمل حديث النهي عن رفع اليدين في الصلاة على النهي عن رفعهما عند السلام، وهذا صعب المنال.
التسليم بالنسخ، وهذا على فرض صحة التعارض بين حديث جابر بن سمرة، وبين حديث إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». وفي الحقيقة لا يظهر التعارض، بل هما في سياق التدرج التشريعي
للصلاة، فالأول ينهى عن الحركات والأفعال والثاني ينهى عن الكلام. (1/103)
صفحة 102
104
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
اعتراض ابن تيمية على معنى السكون في الصلاة
قال ابن تيمية معلقا على هذا الجواب:
«ومن ظن أن نهيه عن رفع الأيدي: هو النهي عن رفعها إلى منكبه حين الركوع وحين الرفع منه وحمله على ذلك، فقد غلط، فإن الحديث جاء مفسرا بأنهم كانوا إذا سلموا في الصلاة سلام التحليل، أشاروا بأيديهم إلى المسلم عليهم من عن اليمين ومن عن الشمال، ويبين ذلك قوله: (ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، والشمس جمع شموس، وهو الذي تقول له العامة الشموص، وهو الذي يحرك ذنبه ذات اليمين وذات الشمال، وهي حركة لا سكون فيها وأما رفع الأيدي عند الركوع وعند الرفع بمثل رفعها عند الاستفتاح، فذلك مشروع باتفاق المسلمين، فكيف يكون الحديث نهيا عنه؟ وقوله: «اسكنوا في الصلاة «يتضمن ذلك». ثم قال:
«وأيضا، فقد تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا الرفع، فلا يكون نهيا عنه، ولا يكون ذلك الحديث معارضا، بل لو قد تعارضا فأحاديث هذا الرفع كثيرة متواترة، ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها، وهذا الرفع فيه سكون، فقوله: «اسكنوا في الصلاة» لا ينافي هذا الرفع، كرفع الاستفتاح وكسائر أفعال الصلاة، بل قوله: «اسكنوا» يقتضي السكون في كل بعض من أبعاض الصلاة، وذلك يقتضي وجوب السكون في الركوع
والسجود والاعتدالين.
فبين هذا أن السكون مشروع في جميع أفعال الصلاة بحسب الإمكان. ولهذا يسكن فيها في الانتقالات التي منتهاها إلى الحركة؛ فإن السكون فيها
(1) ابن تيمية (مجموعة الفتاوى جـ 11، ص:
684، 685 (1/104)
صفحة 103
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
1.0
يكون بحركة معتدلة لا سريعة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في المشي إليها، وهي حركة إليها، فكيف بالحركة فيها؟ فقال: «إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا". ثم قال:
يبين
«فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالسكينة حال الذهاب إلى الصلاة، ونهى عن السعي الذي هو إسراع في ذلك لكونه سببا للصلاة، فالصلاة أحق أن يؤمر فيها بالسكينة وينهى فيها عن الاستعجال، فعلم أن الراكع والساجد مأمور بالسكينة منهي عن الاستعجال بطريق الأولى والأحرى، لا سيما وقد أمره بالسكينة بعد سماع الإقامة الذي يوجب عليه الذهاب إليها، ونهاه أن يشتغل عنها بصلاة تطوع وإن أفضى ذلك إلى فوات بعض الصلاة، فأمره بالسكينة وأن يصلي ما فاته منفرداً بعد سلام الإمام، وجعل ذلك مقدماً على الإسراع إليها. وهذا يقتضي شدة النهي عن الاستعجال إليها فكيف فيها؟! ذلك ما روى أبو داود عن أبي ثمامة الحناط عن كعب بن عجرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة، فقد نهاه صلى الله عليه وسلم في مشيه إلى الصلاة عما نهاه عنه في الصلاة من الكلام والعمل له منفردا، فكيف يكون حال المصلي نفسه في ذلك المشي وغير ذلك؟! فإذا كان منهياً عن السرعة والعجلة في المشي مأمورا بالسكينة وإن فاته بعض الصلاة مع الإمام حتى يصلي قاضياً له، فأولى أن يكون مأموراً بالسكينة فيها. ويدل على ذلك أن الله و أمر في كتابه بالسكينة والقصد في الحركة والمشي مطلقاً فقال: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} [لقمان: (19]، وقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].
(1) ابن تيمية (مجموعة الفتاوى جـ 11،
ص
685
عامداً (1/105)
صفحة 104
1.7
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
قال الحسن وغيره بسكينة ووقار»، فأخبر أن عباد الرحمن هم هؤلاء. فإذا كان مأمورا بالسكينة والوقار في الأفعال العادية التي هي من جنس الحركة، فكيف الأفعال العبادية؟! ثم كيف بما هو فيها من جنس السكون كالركوع والسجود؟! فإن هذه الأدلة تقتضي السكينة في الانتقال، كالرفع والخفض والنهوض والانحطاط وأما نفس الأفعال التي هي المقصود بالانتقال، كالركوع نفسه والسجود نفسه والقيام والقعود أنفسهما، وهذه هي من نفسها سكون، فمن لم يسكن فيها لم يأت بها، وإنما هو بمنزلة من أهوى للقعود ولم يأت به كمن مد يده إلى الطعام ولم يأكل منه، أو وضعه
على فيه ولم يطعمه ... ».
انتهى كلام ابن تيمية.
ويتلخص اعتراض ابن تيمية في أن السكون في الصلاة إنما يعني السكينة، فالسلام هو حركة مصحوبة بسكينة ولا تنافي الأمر بالسكون، فالمراد بقوله: «اسكنوا في الصلاة»، أي كونوا على سكينة في جميع أفعالها، وليس المراد النهي عن مطلق الحركة، مستدلا على ذلك بأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالسكينة في حالة المشي إلى الصلاة، فمن باب أولى يكون الأمر بالسكون في الصلاة بمعنى السكينة، ولو أن الأمر بالسكون في الصلاة كان نهيا عن كل حركة، لأشكل ذلك في حركات الانتقال في الصلاة.
في
والسبب في هذا التفسير ما يراه ابن تيمية من ثبوت أحاديث رفع اليدين
الصلاة.
هذا مفاد كلام ابن تيمية.
(1) ابن تيمية مجموعة (الفتاوى جـ 11، ص 686. (1/106)
صفحة 105
107
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
ومفاده أيضاً أن معنى الرفع المنهي عنه الوارد في الحديث، هو اضطراب اليدين الذي يبينه حديث الإيماء بهما عند السلام، حيث كان الصحابة يفعلونه بادئ الأمر، ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
الرد على اعتراض ابن تيمية
هذا الإيراد من ابن تيمية لا يخلو من تكلف، ويضعفه ما يلي: أولاً: أن لدينا حديثين: حديث النهي عن رفع اليدين في الصلاة،
وحديث النهي عن الإيماء عند السلام وسيأتي تحرير ذلك إن شاء الله. والذين يقولون بأن الرفع المنهي عنه في الصلاة هو رفع اليدين المعروف بنوا ذلك على فارق رئيسي بين الحديثين، وهو أن الأمر بالسكون لم يتناول النهي عن تحريك اليدين عند السلام، فقوله: «اسكنوا في صلاتكم لم يرد في حديث السلام، وإنما ورد في حديث النهي عن رفع اليدين، فلا يكون هنا الأمر بالسكون إلا بمعنى النهي عن رفع اليدين، لأنه المقصود في الحديث، وتكون السكينة تعني ترك رفع اليدين في الصلاة وحمل حديث النهي عن رفع اليدين على النهي عن الإيماء بهما عند السلام يجعل الاستدلال هنا استدلالاً بما هو موضع نزاع. ثانياً: أن تفسير السكون بهذا الذي ذكره ابن تيمية، يناقض ما ذكره أولاً من أن الأمر بالسكون محمول على الأمر به عند السلام، حيث قال: «ومن ظن أن نهيه عن رفع الأيدي هو النهي عن رفعها إلى منكبه حين الركوع وحين الرفع منه وحمله على ذلك، فقد غلط، فإن الحديث جاء مفسرا بأنهم كانوا إذا سلموا في الصلاة سلام التحليل، أشاروا بأيديهم إلى المسلم عليهم من عن اليمين ومن عن الشمال، فإن كان السكون المراد هو ما ذكره ابن تيمية فلا داعي لحمل النهي عن الرفع في الحديث الذي لم يذكر السلام، (1/107)
صفحة 106
108
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
على النهي عنه في الحديث الذي ورد فيه السلام، وهذا يعني تفريقا ضمنيا
من ابن تيمية بين الحديثين.
مطلقا
ثالثاً: أن تفسير السكون بالسكينة يتحقق بترك رفع اليدين وحركتهما في الصلاة، ولا تتحقق السكينة ببقاء رفع اليدين، وعلى افتراض أن الحديث جاء في النهي عن الإيماء باليدين عند السلام، فالأمر بالسكينة حينئذ إنما هو في حالة أن تحريك اليدين عند السلام يقصد به الاضطراب والعبث بهما، والواقع أن الإيماء باليدين فعله الصحابة علامة للخروج من الصلاة، كما أن الرفع عند الإحرام علامة للدخول فيها، وجاء النهي عن الإيماء باليدين مطلقا عند السلام، لا عن تحريكهما بما يتنافى مع السكينة، وإلا لزم أن تبقى حركة اليدين، ولكان المراد أن يتم السلام بالإيماء باليد الذي كان يفعله الصحابة مع الاحتفاظ بطابع الهدوء دون العجلة والسرعة، بينما جاء حديث السلام ناصا على النهي عن الإيماء باليدين مطلقا عند السلام لقوله عليه: «إنما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله». وتأكيدا لهذا، فإن حديث السلام لم يشمل الأمر بالسكون.
وإذ شمل الحديث عند ابن تيمية النهي عن حركة اليدين عند السلام، فهو شامل للنهي عن حركتهما في أي موضع آخر في الصلاة.
رابعاً: ا صرف معنى رفع اليدين إلى معنى اضطرابهما أو معنى الإيماء بهما أو رفعهما عند السلام وحصره في ذلك دون أن يشمل حركة الرفع المعهودة، غير مسلم به، ولا تسعف اللغة في إغفال المعنى الوضعي للرفع.
وفي الحقيقة في هذا التأويل بعد وتكلف، حيث يصرف معنى الرفع لمعنى آخر غيره ولا يشمله، وقد عبر الحديث بهذا اللفظ، ثم يقال يراد به غير الرفع (1/108)
صفحة 107
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
109
والحديث نص على الرفع، وليس بالضرورة أن يكون تحريك اليدين رفعا، إذ قد يكون إيماء باليدين ولا يكون رفعا لهما، فلو حرك يديه يمنة ويسرة لم يلزم أن يكون رفعهما، فدل ذلك على أن الرفع لا يراد به غير الذي يدل عليه مقتضى اللغة المعهود فقول جابر بن سمرة: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، يقصد به هذا الرفع المخصوص بطريق الأولى، وإن شمل معنى غير ذلك.
وإن كان الإيماء باليدين عند السلام رفعا فهو مشمول بالنهي عن الرفع، إضافة إلى النهي الخاص به، وإن كان رفع اليدين في الصلاة إيماء فهو مشمول بالنهي عنه، وعلى الاحتمالين يزداد النهيان كلاهما تأكيدا ببعضهما. على أن النهي عن الإيماء باليدين حال السلام يدل على أنه بكيفية مخصوصة، لا مجرد التحريك، والعبث، لأن السلام كان بذلك الرفع المخصوص، ففي رواية عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا صلينا خلف النبي قلنا: السلام عليكم السلام عليكم، وأشار مسعر بيديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب
خيل شمس؟».
وإن تم تفسير رفع اليدين المنهي عنه بالنهي عن الإيماء باليدين، فيصبح من باب أولى أن معني الإيماء هو. رفعهما بكيفية مخصوصة.
وبناء عليه، فإن الرفع المنصوص عليه في الحديث عام يشمل كل رفع، سواء عند تكبيرة الإحرام أو بعدها، وهذا هو الذي قصده البخاري في قوله: «ولو كان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضا تكبيرات صلاة العيد، منهيا عنها، لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع).
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 91. (1/109)
صفحة 108
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في
الصلاة
والذي يفهم من الحديث أن النهي يتعلق بعمل اليدين، وكل من الحديثين توجه الأمر فيهما إلى اليدين، مما يعني أن هذين الحديثين، أو روايتي الحديث ـ إن لم يسلم بتعدد المروي - جاء الأمر فيهما للنهي عن كل رفع لليدين في الصلاة.
وأما السكون المأمور به في حديث النهي عن رفع اليدين، فلا ينافي النهي عن الرفع، لأن النهي عن حركة اليدين المضطربة المنهي عنها ـ كما يراه ابن تيمية - سواء حال السلام أو أثناء الصلاة شامل لكل حركة باليدين، فيبقى معنى الرفع في أصله شاملاً لكل رفع.
والتعويل على أدلة أخرى خارجية في تحديد معنى السكون وصرف النهي عن رفع اليدين المعروف إلى غيره، لا ينافي شمول النهي عن الرفع في معناه الأصلي، حتى لو سلم - فرضا - بصحة تلك الأدلة الخارجية، فإن الأمر يصير الأدلة إلى تعارض دفعه ابن تيمية بهذا التفسير، حين قال: «وأيضاً، فقد تواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهذا الرفع فلا يكون نهياً عنه، ولا يكون ذلك الحديث معارضاً، بل لو قد تعارضاً فأحاديث هذا الرفع كثيرة متواترة ويجب تقديمها على الخبر الواحد لو عارضها، وهذا الرفع فيه سكون».
والخلاصة أن التعارض قائم حتى لو كان السكون بمعنى السكينة، والنهي عن رفع اليدين والأمر بالسكون يعني ترك تحريكهما رفعا أو غيره، والمصير حينئذ إلى النظر في الأدلة ومدى صحتها وتواترها، والتواتر هنا دعوى قديمة لم يقم عليها أي برهان سوى الاستناد إلى هذه الروايات التي لم تخل من طعون حتى في أقواها وهو حديث ابن عمر في الرفع، وسائر الروايات المثبتة للرفع فيها كلها مقال فمن أين يأتي التواتر، وقد اشترطوا له الصحة الاستقلالية في كل سند، إذ ليس له طريق إلا ذلك، وهذا ما لم يتم لأحاديث الرفع. (1/110)
صفحة 109
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
فالنزاع في أصل الصحة، فكيف بالتواتر؟!
111
وأما حركات الانتقال من القيام إلى الركوع أو السجود والعكس ونحو ذلك مما ينافي الأمر بالسكون لو لم يكن بمعنى السكينة، فالجواب بأن تلك أركان للصلاة ولا تكون إلا بها فالصلاة هي القيام والركوع والسجود يتم دون الالتفات والقعود، خلافاً للتسليم من الصلاة، فإن السلام يمكن أن يميناً وشمالاً، فدل ذلك على أن السكون المراد هو سكون الجوارح أثناء
الصلاة. كما أن رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وبعدها لا يمس جوهر
الصلاة بدونه
الصلاة، وتتم (1/111)
صفحة 110
112
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
اعتراضات بديع الدين الراشدي
أورد بديع
الدين الراشدي محقق كتاب «رفع اليدين في الصلاة»
للبخاري على كلام الزيلعي خمسة أوجه (1)، وها أنذا أوردها كلها وأجيب
عنها واحداً واحداً مستعيناً بالله تعالى:
1 ـ قال: «والكلام عليه من وجوه:
الأول: أن هذا باطل، فقد صرح المصنف أن هذا معروف ومشهور
لا اختلاف فيه فلا يقبل قوله في مقابلة الإجماع».
ومراده بالمصنف الإمام البخاري، وقد مضى كلامه.
والجواب: أن كلام البخاري ينقض آخره أوله فإنه بعد أن قال: «وأما احتجاج بعض من لا يعلم بحديث وكيع عن الأعمش ... إلخ»، عقب فقال: «هذا معروف مشهور لا اختلاف فيه»، فقد ساق أولاً القول المخالف ثم نفى الاختلاف
وأما كون ما ذهب إليه البخاري معروفا مشهورا فهذا مما لا اختلاف
فيه، وأما كونه مما لا اختلاف فيه، فهذا مما فيه الاختلاف والنزاع. ولا عبرة بالحكم على من وصفه البخاري بأنه «من لا يعلم»، وبقول
المعلق: «فلا يقبل قول في مقابلة الإجماع».
أما الأول ـ وهو كلام البخاري - فلأن البخاري ساق كلامه ردا على الإمام أبي حنيفة وأتباعه حيث قال في مقدمة كتابه هذا: «الرد على من أنكر رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع وإذا رفع رأسه من الركوع ... إلخ»).
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 92 الهامش (2).
(2) البخاري (رفع اليدين) ص 17 - 20. (1/112)
صفحة 111
113
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
وأصحاب هذا القول هم أبو حنيفة وأصحابه، فإنهم ينكرون رفع اليدين فيما بعد تكبيرة الإحرام وحسبك بمن وصف أبا حنيفة بأنه «لا يعلم»، بل هذا الوصف هين في مقابل قول البخاري: «على ضغينة صدره وحرجة قلبه نفارا عن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحقاً لما يحمله استكبارا وعداوة لأهلها لشوب البدعة لحمه وعظامه ومخه، وأنسته باحتفال العجم حوله اغترارا».
وأما الثاني - وهو كلام المعلق - فمردود بأن الخلاف سابق للإجماع
المزعوم.
ومرادي هنا أن حكم البخاري في غير محله، فإن خلاف أبي حنيفة خلاف معتد به لا ينعقد الإجماع بدونه، فكيف إذا أضفنا إليه أئمة الحنفية وعلماءهم السابقين على البخاري والمقارنين واللاحقين، ومنهم الزيلعي وعلي القاري والسهارنفوري أضف إليهم أئمة أهل الحق والاستقامة (الإباضية مثل أبي الشعثاء جابر بن زيد ـ وهو سابق لأبي حنيفة ـ ومثل أبي عبيدة، وهو في فترته أبي حنيفة، ومثل الربيع بن حبيب، وقد توفي قبل ولادة البخاري وهؤلاء رواة حديث ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام كأني بقوم يأتون من بعدي ... إلخ»، ومثل الإمام أفلح بن عبد الوهاب وأبي غانم الخراساني وحاتم بن منصور وأبي يزيد الخوارزمي، وهؤلاء رواة حديث جابر بن سمرة كما في زيادات مسند الإمام الربيع، وقد توفوا قبل وفاة البخاري، دعك من الأئمة والعلماء الإباضية الآخرين السابقين على البخاري والمعاصرين له
واللاحقين، فأين الإجماع؟!
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 20. (1/113)
صفحة 112
114
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
2 - قال المعلق:
أصلا".
«والثاني: أنه لو كان كذا، لكان الرفع في المواطن الأخرى كالقنوت والتحريم والعيدين أيضاً داخلا تحت النهي، وما أجاب عنه الزيلعي وهذا هو نفس قول البخاري: ولو كان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة وأيضا تكبيرات صلاة العيد منهيا عنها، لأنه لم يستثن رفعا دون رفع».
وكذا قول المعلق بديع الدين عن الحنفية مع أنهم ذهبوا إلى الرفع في تلك المواضع، وكذا في قنوت الوتر، وبعضهم في التكبيرات الزوائد في الجنائز، فالحديث على الإطلاق يرد عليهم أيضاً، وليس عندهم ما يدل على الرفع في تلك المواطن مما يساوي أدلة الرفع عند الركوع والرفع عند القيام من الركعتين، فهم أول مخالف للحديث على قولهم» (3).
وخلاصة هذا الاعتراض أن حديثي ابن القبطية وتميم بن طرفة لو جعلا حديثين لاستلزم أن يكون النهي عن الرفع شاملا لكل رفع في الصلاة، سواء عند تكبيرة الإحرام أو عند التسليم أو أثناء الصلاة، وكذلك في تكبيرات صلاة العيدين وعند القنوت في صلاة الوتر، وفي تكبيرات صلاة الجنازة عند البعض، فإن حديث تميم بن طرفة لم يتناول الرفع عند لتسليم، بل جاء عاما.
وهذا الكلام حق، لكنه لا يرد على الإباضية، لأنه لا رفع عندهم في شيء من ذلك البتة، وإنما يرد على الأحناف الذين يقولون بالرفع في كل ما
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 92 هامش (2). (2) البخاري (رفع اليدين) ص 91.
(3) البخاري (رفع اليدين) ص 91 هامش (1). (1/114)
صفحة 113
115
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
سبق ما عدا الرفع عند الركوع وعند الرفع منه فيلزمهم ألا يقولوا بالرفع عند تكبيرة الإحرام ولا في صلاة العيدين ولا في قنوت الوتر ولا في صلاة الجنازة كما هو عند البعض.
وقد حاول الأحناف الدفاع عن موقفهم هذا، أما الرفع عند تكبيرة الإحرام فقد دافع عنه السهارنفوري بأنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ثبوتا لا مرد له، ولم يثبت عنه الله تركه فيخرج من هذا الحكم ويبقى رفع اليدين الذي لم يثبت دوامه بل ثبت ترکه داخلا فيه
وصح
وكلامه هذا مبني على ثبوت الرفع، ثم ثبوت نسخ الرفع في تكبيرات الانتقال فإنه قال أيضاً: «إن خاتمة البحث في هذه المسألة أن رفع اليدين في الانتقالات بعد الرفع عند التحريمة ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير حديث، عنه، ثم تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفعله، ثم لما لم يتنبه له الصحابة وفعله بعضهم فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يرفعون أيديهم نسخها ونهى عنها، ويدل على ذلك حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة الذي أخرجه مسلم، وقد تقدم سياقه والبحث فيه، والذي قالوا في جوابه إنه محمول على الإشارة في السلام فهو لغو وباطل».
هكذا قال السهارنفوري، بأن النهي إنما يتناول الرفع في
الانتقال فحسب!!
قال السهارنفوري بثبوت الرفع عنه عند تكبيرة الإحرام وفي تكبيرات الانتقال كالركوع والرفع منه، ثم حكم بثبوت النهي عن الرفع، وحمله على الرفع في تكبيرات الانتقال.
(1) السهارنفوري (بذل المجهود المجلد 2، جـ 4، ص: (2) السهارنفوري بذل المجهود المجلد 2، جـ 4، ص)
424
427 (1/115)
صفحة 114
116
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
والسؤال: ما الدليل على أن النهي جاء لنسخ الرفع عند الركوع والرفع
منه دون الرفع عند تكبيرة الإحرام؟
ونقاشنا نحن ـ معاشر الإباضية - للسهارنفوري في الرفع عند الدخول في الصلاة كنقاشه هو لغيره ممن يقول بالرفع فيما عدا ذلك، فحين يقول الآخرون بثبوت الرفع في المواضع الثلاثة وغيرها في الصلاة، يجيب السهارنفوري بثبوت النهي عن الرفع فيما عدا الإحرام بحديث جابر بن سمرة، وحين يقول السهارنفوري بثبوت الرفع عند الإحرام، فإننا نجيب بثبوت النهي عن ذلك بحديث جابر أيضاً.
والفارق أننا لا يلزمنا شيء لأننا لا نقول بالرفع أصلا، بينما يلزمه الدليل على استثناء الرفع عند الافتتاح من عموم النهي عن الرفع الذي يتضمنه حديث جابر بن سمرة.
ولا دليل بل ولا قرينة لهذا الاستثناء، وليس ثبوت الرفع عند الافتتاح ـ كما قالوا ـ بأحسن حالا منه فيما سواه، بل ربما كانت روايات الرفع في المواضع الثلاثة أمثل مما سواها دون أن يعني ذلك صحتها متنا ولا سندا، فإذا ثبت الرفع وثبت النسخ فإنه عام يتناول الرفع في كل موضع، فيكون الكل منسوخا منهيا عنه بحديثي جابر بن سمرة، ومع ذلك فإن ثبوتها غير صحيح ولا أعيد ما قلته في بيان ضعف روايات الرفع فحسبك ما مضى.
هذا مقتضى الإنصاف في حق الجميع. ومن باب الإنصاف أيضاً، فالذي يتبين لي أن كلام البخاري لا يرد على الأحناف من جهة أخرى، فإن مقتضى مذهبهم أنه حتى عند تكبيرة الإحرام لا يكون رفع اليدين داخلا في الصلاة، لأن تكبيرة الإحرام ليست عندهم من الصلاة، بل هي (1/116)
صفحة 115
117
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
شرط لها، قال ابن عبد الهادي: «التكبير من الصلاة وقال الحنفيون: ليس
منها».
على أن رفع اليدين عند أكثرهم سابق لتكبيرة الإحرام، قال العيني: «وفي شرح الهداية: يرفع ثم يكبر، قال صاحب المبسوط وعليه أكثر مشايخنا". الأحناف بسبق الرفع على التكبير فلا غبار على قوله
فأما
من
قال من
ذلك
منهم
بمقارنة الرفع للتكبير -
لأن الرفع ليس داخلاً في الصلاة، وأما من قال وقد صحح بعضهم - فلا يرد عليه أيضاً كلام البخاري وما يشبهه، لما تقدم من كون تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة عندهم، فيحتاج البحث في الأصل عندهم أولاً ليتم بعد تحرير فساده - إن كان ـ نقض ما انبنى عليه من كون الرفع المقارن للتكبير واقعا في الصلاة.
غير أني أرى أن العلة التي لأجلها نهي عن الرفع في الصلاة وهي التشبه بأذناب الخيل الشمس، يُنهى لأجلها عن الرفع مع تكبيرة الإحرام، سواء قارنها أو قاربها، وذلك لقبح هذه الحركة، ولمنافاتها الخشوع والسكينة التي تغشى المصلي عندما يتهيأ للدخول في شعيرة الصلاة، ولو كانت تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة فهي عبادة قولية مقترنة بالخضوع الله وعجل، فكيف تصحبها حركة شبهت بحركة أذناب الخيل المضطربة؟!
والغرض من هذا بيان أن اعتراض من اعترض على الاستدلال بحديث جابر بن سمرة على منع الرفع عند الإباضية لا محل له، وإنما ذكرت ما ذكرت مما يتعلق بمذهب الحنفية لتعلم أن البعض لم يتقص ولم يتقن
مذهبهم، وإنما دفعته الحمية إلى العصبية غير المحمودة.
(1) ابن عبد الهادي (تنقيح التحقيق) جـ 2، ص 766.
(2) العيني (عمدة القاري) جـ 4، ص 378. (1/117)
صفحة 116
118
هذا،
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ويتجه اعتراض البخاري على الرفع في تكبيرات العيد عند الحنفية، لكن قال السهارنفوري: «وأما رفع اليدين في العيدين فمختلف فيه عند الحنفية، فإن الإمام أبا يوسف أنكره».
وأعود فأقول: الإمام أبو يوسف واحد من كثيرين، فبم يجيب من لم ينكر الرفع في صلاتي العيدين من الأحناف؟!
فيبقى الاعتراض قائما على من يقول بذلك، وعلى من يقول منهم بالرفع في التكبيرات الزوائد في الجنازة والرفع في قنوت الوتر، فيرد عليهم الحديث.
هذه
أما نحن ـ معاشر أهل الحق والاستقامة - فقد كفتنا القواعد المتقررة لدينا من منع الرفع والحركة في الصلاة على الإطلاق، السلامة من مثل الاعتراضات والشبهات ولم نخالف الهدي النبوي ونهيه الكريم، وامتثلنا أمره في قوله: «اسكنوا في الصلاة».
وبعد، فإن اعتراض البخاري على الحنفية بقوله: «ولو كان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضاً تكبيرات صلاة العيد، منهياً عنها، لأنه لم يستثن رفعا دون رفع اعتراف ضمني من البخاري بعموم النهي عن الرفع في الصلاة مطلقا، ابتداء من تكبيرة الإحرام إلى التسليم والفراغ من الصلاة، وذلك في حالة أن الحديثين مختلفان.
3 - قال المعلق:
والثالث: قوله «والذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة» إلخ ... لا يلتفت إليه لأن الرجل لا يكون خارجا من الصلاة
(1) السهارنفوري بذل المجهود المجلد 2، جـ 4،
ص
0424 (1/118)
صفحة 117
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
119
إلا بعد السلام، وهذا الرفع عند السلام لأنه قبل الخروج من
الصلاة).
والجواب أن هذا الاعتراض لا يلتفت إليه، ولا يرد على الإباضية ولا على الأحناف أيضاً.
أما الحنفية فإن السلام عندهم ليس من الصلاة كمثل تكبيرة الإحرام، قال ابن عبد الهادي: «السلام من الصلاة، وقال أبو حنيفة: ليس منها»، بل السلام عنده ليس بواجب، قال ابن عبد الهادي: «والخروج من بالتسليم فرض، وقال أبو حنيفة: لا يجب، بل يجوز أن يخرج بكل ما
ينافيها».
الصلاة
فأي حركة تقارن التسليم فليست - عندهم ـ من الصلاة، وعليه فإن الأمر بالسكون في الصلاة لا يتوجه إلى من رفع اليدين حال التسليم لأنه رفع خارج عن الصلاة.
فدل ذلك على أن هنالك نهيين: النهي عن الرفع في أثناء الصلاة، وقد تضمنه حديث اسكنوا في الصلاة وهو حديث تميم عن جابر، والنهي عن الرفع حال السلام وهو حديث ابن القبطية عن جابر.
وأما الإباضية فالخلاف موجود لديهم في اعتبار التسليم من الصلاة فرضا أو ليس بفرض، ومن قال بالفرضية قال بالركنية ـ أي بأن السلام من الصلاة ـ وإلا فلا، وفي المسألة تفصيلات).
(1) البخاري رفع اليدين) ص) 92 هامش (2). (2) ابن عبد الهادي (تنقيح التحقيق) جـ 2، ص 915. (3) المرجع السابق، ص 418، رقم (607). (4) السالمي (معارج الآمال ج 3، ص 172 - 175. (1/119)
صفحة 118
120
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ورغم ذلك فإنه حتى مع القول بركنية السلام فإن حمل قوله صلى الله عليه وسلم: «اسكنوا في الصلاة» على حالة التسليم بعيدا جدا، لأن السلام الذي جعلته الشريعة خروجا من الصلاة انتقال من حالة السكون إلى ما ينافيه ولهذا فالأمر بالسكون فيه سيكون في غير محله، وهذا معنى كلام الزيلعي: «والذي يرفع يديه في حال التسليم لا يقال له: اسكن في
الصلاة).
ولو أمر المصلي بالسكون حال التسليم لما أمر أن يصفح بوجهه يميناً وشمالاً كما تضمنه حديث ابن القبطية عن جابر، وفيه كما تقدم: «إذا سلم
أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده»، وهذا ينافي السكون حتماً.
وهي عين
الصلاة،
ولا يعترض هنا بأن الانتقال من القيام إلى الركوع أو السجود والعكس ونحو ذلك ينافي الأمر بالسكون، لأن تلك أركان للصلاة ولا تكون إلا بها خلافا للتسليم من الصلاة، فإن السلام يمكن أن الالتفات يميناً وشمالاً، فدل ذلك على أن السكون المراد هو سكون
الجوارح أثناء الصلاة.
وزيادة للتوضيح أشرح الأمر في عنصرين:
يتم دون
أولهما: أن الركوع والسجود لا يمكن أن يحدثا إلا بتلك الطريقة المعهودة، يصحبهما القول من التكبير والتسبيح والتحميد، فحقيقة الركوع والسجود وانحناء الجسد إليهما فعل وليس قولا وأما السلام فحقيقته قول وليس فعلا، ولكن جعل فيما يخص الصلاة مصحوبا بالفعل الذي هو الالتفات يميناً وشمالاً.
ثانيهما: أن النهي عن رفع اليدين في الصلاة جاء مقرونا بعلة ومصحوبا
(1) الزيلعي (نصب الراية) جـ 1، ص 394. (1/120)
صفحة 119
121
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
بأمر، فالعلة التشبه بأذناب الخيل الشمس، والأمر هو الأمر بالسكون، وهذا
هو
حديث تميم عن جابر.
وأما النهي عن رفع اليدين عند السلام فقد قرن بالنهي عن التشبه بأذناب الخيل الشمس، ولم يأت الأمر بالسكون، بل جاء الأمر بالحركة وهو الصفح يميناً وشمالاً.
فمن غير الممكن هنا، أن يأمر بالسكون في السياق الذي يأمر فيه بالحركة والالتفات: «إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده» وهذا هو حديث عبيد الله بن القبطية.
وبهذا يتبين أن حديث اسكنوا في صلاتكم» غير حديث التسليم، ولا يمكن أن يحمل عليه.
والذي أصرف إليه نظر بديع الدين الراشدي المعلق على كتاب البخاري رفع اليدين أن حديث ابن القبطية عن جابر في النهي عن الرفع عند السلام ليس فيه «اسكنوا في صلاتكم ولم يرد في شيء من رواياته، وهذا أحد التفريق بين الحديثين.
يقول السهارنفوري: «فأما حديث عبيد الله بن القبطية فإنه محمول على السلام بعد التشهد قطعاً. وأما حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة فغير محمول على التشهد بل هو محمول على رفع اليدين داخل الصلاة عند الرفع والخفض فنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اسكنوا في والدليل عليه أن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، ولهذا قال رسول الله في حديث رفع الأيدي عند السلام: «اسكنوا في
الصلاة).
الصلاة».
(1) السهارنفوري بذل المجهود المجلد 2، جـ 4، ص 422. (1/121)
صفحة 120
122
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
4 ـ قال المعلق:
«والرابع أن قوله: «اسكنوا في الصلاة» يشكل عليكم في رفعكم تلك المواطن، فاحتجتم إلى التفسير ولا مخلص لكم غير هذا». والجواب أن هذا والثاني سواء.
وأؤكد هنا أن هذا الاعتراض على الحنفية وجيه في حالة أن الأحناف يقولون بالرفع في تلك المواضع، فإن القول بأن حديث تميم عن جابر ينهى عن كل رفع من بداية الإحرام إلى نهاية السلام قول صحيح، كما يشمل النهي عن الرفع في صلوات الجنازة والعيدين وكل رفع على أية حال، لا سيما أن مشبه لحركة أذناب الخيل الشمس.
واستثناء الرفع عند تكبيرة الإحرام لا يقويه ما استدل به الحنفية من ثبوت الرفع عندها وعدم مجيء نسخه، وأن النسخ ـ كما قالوا ـ إنما خص الرفع فيما كان بعد الإحرام، وذلك لسببين:
أولاً: أن أحاديث الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط، التي استدل بها الحنفية
كلها ضعيفة.
ثانياً: أن النسخ - إذا افترضنا ثبوت الرفع ابتداء ـ يشمل كل رفع، وقد
ثبت النهي عن الرفع، سواء كان ناسخا أم لا، بحديثي جابر.
كما أزيد هنا القول بأن كلام المعلق أعلاه تأييد للقول بأن حديث جابر من رواية تميم ينهى عن كل رفع في الصلاة، وهو اعتراف صريح بذلك، تماما كما مضى عن البخاري في اعتراضه على الأحناف.
فكلامهما وكلام من قال بمثل ما قالا تسليم لاستدلال الإباضية بحديث
(1) البخاري رفع اليدين ص. 93 الهامش. (1/122)
صفحة 121
123
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
تميم عن جابر من أن الحديث ينهى عن كل رفع في الصلاة سواء عند
الافتتاح أو عند السلام أو بينهما.
ه - قال المعلق:
والخامس: أنه لا شك أن الرواية الثانية تفسير للأولى وهي مختصرة من الثانية كما قاله ابن حبان فإنه ساق الخبر الثاني هكذا بلفظ: «كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع أحدنا يمنة ويسرة». الحديث (1881) وهذا هو اللائق
منه
للتشبيه بأذناب خيل شمس، بخلاف الرفع المعروف عند الركوع والرفع. فلا يكون كذلك، بل اليدان ترفعان إلى المنكبين أو الأذنين فلا يقال لهما: كأذناب خيل شمس، فثبت أنها قصة واحدة ولهذا احتج ابن حبان بهذا الخبر على صحة دعواه».
هي
والجواب:
أولاً: أن جعل الرواية الثانية تفسيرا للأولى وجعل الأولى مختصرة من الثانية الدعوى التي لم يتم لها شيء تعتمد عليه إلا مجرد التشابه والحكم والراوي. ترى ما المانع من أن يكون النهي عن الرفع تكرر مرتين، مرة عن الرفع عند التسليم، وأخرى عن الرفع في كل موضع في الصلاة، فيكونان حديثين مؤكدين لبعضهما.
ثانياً: ما ذكره المعلق من لفظ ابن حبان «كنا إذا كنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع را رفع أحدنا يمنة ويسرة» لم يضف شيئاً، وكل ألفاظ هذا الحديث تدور حول هذا المعنى، فرواية البخاري كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم السلام عليكم، وأشار مسعر بيديه ولفظ آخر عند ابن حبان نفسه: «كنا إذا صلينا خلف النبي قلنا بأيدينا: السلام عليکم السلام عليکم،
(1) البخاري (رفع اليدين) ص 93 الهامش. (1/123)
صفحة 122
124
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
يميناً وشمالاً فهل يمنة ويسرة إلا يميناً وشمالاً، وهل تعني الإشارة باليدين إلا يميناً وشمالاً، وعندما تكون الإشارة في أمر السلام فلا فرق بين اليمنة واليسرة وبين اليمين والشمال.
على أن ابن حبان تفرد بهذا اللفظ، فيشبه أن تكون الرواية شاذة مخالفة
لسائر الروايات، لا سيما أن ابن حبان نفسه رواها بلفظ: يميناً وشمالاً.
ثالثاً: لست أدري كيف يشبه رفع اليدين عند السلام حركة أذناب الخيل الشمس، ويكون هذا التشبيه هو اللائق، ولا يكون رفعهما عند تكبيرة الإحرام وأثناء الصلاة مشبها لحركة أذناب الخيل الشمس؟!
والفرق الذي ذكره المعلق بأن اليدين ترفعان عند الركوع والرفع منه إلى المنكبين أو الأذنين فلا يقال لهما كأذناب خيل شمس غير صحيح، لأنه لا دليل عليه، بل كل ذلك مشبه لذنب الخيل إذا رفعته أو حركته، والقصد أن مجرد حركة اليدين دليل الاضطراب فإن الخيل إذا اضطربت حركة ذنبها يميناً وشمالاً وفوق وتحت وحركة اليد عند السلام ـ كما كان يفعل بعض الصحابة قبل النهي - أشبهت حالة واحدة، وهي الحركة يميناً وشمالاً، وحركة اليد عند تكبيرة الإحرام والركوع والرفع من الركوع ونحو ذلك أشبهت حالة أخرى وهي رفع الذنَب وخفضه، فالكل مشبه لحركة أذناب الخيل الشمس المضطربة، والنهي شامل للجميع، وكان حديث القبطية عن جابر نهيا عن حركة اليد عند التسليم من الصلاة، وحديث تميم عن جابر نهيا عن حركة اليد عند الإحرام وفي أي موضع آخر.
هذا، وقد فرق بين الحديثين محشي «نصب الراية» فقال: سياق الحديثين ظاهر في أن أحدهما ورد في غير ما ورد فيه الآخر، ولا يمكن أن يكون أحدهما تفسيرا للآخر. (1/124)
صفحة 123
125
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
لأن الحديث الأول، وهو قوله: «اسكنوا في الصلاة ورد في رفعهم في الصلاة،
روى النسائي: ص 176 عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، بخلاف الحديث الثاني: «إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومي بيده» كان لأن رفعهم
عند السلام وهي حالة الخروج من الصلاة.
والثاني: أن في الحديث الأول كان خروجه من البيت، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم في تلك الصلاة، روى أحمد في مسنده ص،93
جه، من حديث جابر أنه لا دخل المسجد فأبصر قوما قد رفعوا أيديهم، الحديث، بخلاف الحديث الثاني فإن رفعهم فيه كان خلف
النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله: كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم. الثالث: أن الحديث الأول يدل على أن الرفع كان فعل قوم مخصوصين من المصلين، وهم الذين كانوا إذ ذاك يتنفلون في المسجد، سواء فعل المصلين أو بعضهم سوى الذين لم يكونوا إذ ذك في الصلاة، بخلاف الحديث الثاني، فإن الرفع الذي نهى عنه في هذا الحديث
جميع
كان فعل جميعهم.
والرابع: أن الحديث الثاني يدل على أن رفعهم كان كرفع المصافح عند السلام، ولا يمكن أن يكون هذا هو
الرفع في الحديث الأول، لأنهم كانوا فرادى.
الخامس: أن الحديث الأول ورد على الرفع ونهى عنه بلفظ عام، أي
«اسكنوا في الصلاة بخلاف الثاني، فإنه ورد في الإشارة والإيماء ونهى
عنه بلفظ يختص بحالة السلام»
انتهى
(1) الزيلعي (نصب الراية) جـ 1، ص 393 - 394.
(1) (1/125)
صفحة 124
126
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وقد حاول بديع الدين الراشدي رد هذه الفوارق الخمسة والإجابة عليها وسأتجاوز الفارق الأول والإجابة عليه، حيث تقدم في كلام الزيلعي وما جرى حوله من النقاش، أما الفروق الأربعة الباقية، فسأذكر كلام بديع
الراشدي حولها مع الرد عليها.
قال عن الفارق الثاني:
الدين
ذلك
«هذا ليس دليلاً على القطع على التعدد فإنهم كانوا يصلون خلفه ولم يرهم لا اله إلا إذا جاء وهم يصلون ونهاهم عن ذلك، فالقصة واحدة فإن جابرا لم يقل صريحاً في الحديث الثاني أنه قال ذلك وقتئذ، وبين في الأول أنه قال لما رآهم بدليل قوله: «ما لي أراكم فهذا تفسير لوقت القول، كما أن الثاني تفسير للرفع المنهي عنه، فافهم».
وكلامه هذا تعارضه رواية أبي داود كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلّم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره، فلما صلى قال: «ما بال أحدكم يومي ......... إلخ».
فالفارق واضح، فإن الحديث الأول فيه أنه عليه الصلاة والسلام دخل عليهم وهم يصلون لا سيما رواية الإمام أحمد التي ذكرها محشي «نصب الراية ففيها - كما سبق - أنه لا دخل المسجد فأبصر قوما قد رفعوا أيديهم. وتؤيدها رواية الإمام أحمد أيضاً ومسلم السابقة: أنه خرج أولاً فنهاهم عن رفع الأيدي ثم خرج ثانياً فنهاهم عن التفرق ثانياً، ثم خرج فأمرهم بإتمام الصفوف.
ثالثاً
وأما الرواية التي ذكرها بديع الدين ما لي أراكم» فإنها لفظ حديث
(1) البخاري رفع اليدين ص 93 الهامش. (1/126)
صفحة 125
127
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
تميم بن طرفة الذي ينهى عن الرفع مطلقا، وأما حديث عبيد الله بن في موضوع التسليم فأكثر الروايات بلفظ:
القبطية
«ما بال هؤلاء ... » «علام ... » «ما شأنكم» «ما بال أحدكم». على أن قوله: «ما لي أراكم» ليس بالضرورة أن تكون رؤية بصرية، فقد تأتي بمعنى العلم، فكونه الله يقول لهم ما لي أراكم» حسب هذه الرواية لا يلزم منه أن يكون رآهم بعينه، على أنه يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الربيع من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم وإني وراء ظهري»، ورواه البخاري" باللفظ نفسه، كما رواه مسلم بلفظ: هل ترون قبلتي هاهنا؟ فوالله ما يخفى على ركوعكم ولا سجودكم إني لأراكم وراء ظهري» (3).
لأراكم
من
وأما الفارق الثالث فقد أجاب عنه بديع الدين الراشدي بـ «أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك عند المجيء حين رآهم وإن كانوا يفعلونه وراءه من قبل، سواء كانوا كلهم أو بعضهم، ثم جابر نفسه أخبر عن نفسه وعن غيره بالفعل وسمع النهي أيضاً)، وأحسب كلام المحشي على «نصب الراية» إنما أخذه من خلال الروايات فإنه جعل الحديث الثاني - حديث ابن القبطية في موضوع الإشارة باليدين عند السلام - متعلقا بجميع الصحابة وأن ذلك فعل أخذه من قول جابر «كنا إذا صلينا .. بلفظ الجمع في كل
جميعهم،
(1) الربيع بن حبيب (المسند) باب فضل الصلاة وخشوعها، رقم (286). (2) البخاري (الصحيح) كتاب الصلاة، باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة،
رقم (418).
(3) مسلم (الصحيح) كتاب الصلاة، باب الأمر بتحسين الصلاة رقم 424.
(4) البخاري رفع اليدين ص: 94 الهامش. (1/127)
صفحة 126
128
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في
الصلاة
الروايات، بينما في الحديث الأول وهو حديث تميم في الرفع مطلقا فتؤيده رواية أحمد أنه دخل المسجد فأبصر قوما قد رفعوا أيديهم فقال: «قد رفعوها كأذناب خيل «شمس» ورواها باللفظ نفسه ابن حبان، كما رواها أبو داود الطيالسي بلفظ رأى قوما رافعي أيديهم فقال: «قد رفعوا أيديهم كأذناب خيل شمس» .. إلخ».
وأما الفارق الرابع بأن الرفع الذي كان عند السلام كان كرفع المصافح عند السلام فلست أدري الدليل عليه غاية ما في الروايات أنه إشارة وإيماء .. وهذا هو الفرق الخامس.
وقد أجاب بديع الدين الراشدي عن الفرق الخامس بثلاثة أشياء: «أولاً: العموم لا يدخل تحته الخاص ولا تعارض بينهما، بل الخاص
مقدم.
ثانياً: ورد لفظ الرفع في الحديث الثاني، ففي صحيح ابن حبان (1881): كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع أحدنا يمنة ويسرة، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس». ثالثاً: أن الأمر بالسكون «اسكنوا في الصلاة حاصل في رفع اليدين من العلماء بأنه لا ينافي السكون، قال: «فلا يقال لهذا الرفع:
خلال تصريح
اسكن، وإنما هو يليق بمن يرفع يميناً وشمالاً).
وهذا الجواب مردود من كل الأوجه:
أولاً: لأن الخاص مقدم على العام - هاهنا - إذا تم كون حديث ابن القبطية مخصصا لعموم حديث تميم بن طرفة، وهذا ما ليس بالإمكان.
(1) البخاري رفع اليدين) ص: 94 الهامش. (1/128)
صفحة 127
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
129
ثانياً: لأن رواية ابن حبان مخالفة لكل الروايات التي لم تذكر الرفع وليس فيها إلا الإشارة والإيماء في الموضعين.
ثالثاً: لأن القول بأن رفع اليدين في الصلاة من الاستكانة والخضوع، أو
هو زينة للصلاة، أو نحو ذلك، فهذا كله كلام مرفوض، بل هذه الحركة منافية لرونق الصلاة مذهبة لخشوعها، مشبهة لحركة أذناب الخيل الشمس.
والعجب كيف يصرف الأمر بالسكون إلى اليدين عند التسليم، والتسليم نفسه عبارة عن حركة الرأس يميناً وشمالاً، كما أن حركة اليدين إنما هي عند الخروج من الصلاة، وأما الرفع المعهود فيكون أثناء الصلاة، فأيهما ـ يا ترى ـ أولى بأن يوصف بأنه في الصلاة رفع اليدين أثناء الصلاة أم حركة اليدين عند الخروج منها؟!
فالحق أن قوله صلى الله عليه وسلم: اسكنوا في الصلاة يليق بمن يرفع يديه أثناء الصلاة، لا عند التسليم والخروج منها.
أنه وبهذا يتبين سلم للمحشي على «نصب الراية» ثلاثة فروق: الأول والثاني والخامس، أما الثالث فمحتمل، وأما الرابع فلا دليل يؤيده. الفرق بين الحديثين
هذا، وأعود إليك أخي القارئ الكريم لأحرر لك القول في التفريق بين الحديثين فأقول مستعينا بالله:
أ - روى تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة. قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن رافعي أيدينا في الصلاة فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة» وهذا لفظ البخاري في «جزء رفع اليدين». (1/129)
صفحة 128
130
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
وعند الإمامين مسلم وأحمد عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة قال ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال «ما لي أراكم عزين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف»، وقد مضى ذكر هذا
فيما سبق.
فنلاحظ الآتي:
1 - تصريح جابر بن سمرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم وهم يصلون.
2 - أنه وجدهم قد رفعوا أيديهم.
- تقدم أن عددا من روايات هذا الحديث زادت لفظ «في الصلاة» أي دخل عليهم وقد رفعوا أيديهم في الصلاة.
- أنكر عليهم الرفع بقوله ما لي أراكم رافعي أيديكم .. ». ه - شبه ذلك بقوله «كأنها أذناب خيل شمس».
6 - أمرهم فقال: «اسكنوا في الصلاة».
-
-
أن هذا النهي ضمن أشياء أخرى تضمنتها رواية مسلم: النهي عن الرفع في الصلاة ما لي أراكم رافعي أيديكم ... إلخ».
النهي عن التفرق: «ما لي أراكم عزين؟».
الأمر بإتمام الصفوف.
ب - وروى مسعر عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة: «كنا إذا صلينا خلف النبي قلنا: السلام عليكم السلام عليكم (وأشار مسعر بيديه) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال هؤلاء لا يومئون بأيديهم كأنها (1/130)
صفحة 129
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
131
أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه ومن على شماله وهذا لفظ البخاري في «جزء رفع اليدين).
وهناك ألفاظ أخرى:
فعند مسلم: كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ ... إلخ».
وعند مسلم أيضاً من طريق فرات القزاز عن عبيد الله بن القطبية عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده» (3).
وعند أبي داود: كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره، فلما صلى قال: ما بال أحدكم يومي بيده كأنها أذناب خيل شمس، إنما يكفي أحدكم، أو: ألا يكفي أحدكم أن يقول هكذا - وأشار بإصبعه ـ يسلم علي أخيه من
عن يمينه ومن عن شماله» (4).
(1) البخاري رفع اليدين ص 1 91 رقم (80).
(2) مسلم (الصحيح) كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة رقم 431. (3) مسلم (الصحيح) كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة رقم 1 (4) أبو داود (السنن) كتاب الصلاة، باب في السلام رقم 998. (1/131)
صفحة 130
132
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في
الصلاة
-1
وعند النسائي: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فنسلم بأيدينا فقال: «ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس؟ أما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يقول: السلام عليكم السلام عليكم.
وعند ابن حبان: «كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا بأيدينا: السلام عليكم يميناً وشمالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لي أرى أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذيه ثم يسلم عن يمينه وعن شماله» (2).
وعند ابن حبان أيضاً: كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع أحدنا يده يمنه ويسرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ أولاً يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على من عن يمينه ومن عن يساره» (3).
هذه مجمل الروايات، ونلاحظ الآتي:
تصريح جابر بن سمرة بأنهم كانوا إذا صلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم أضافوا مع التسليم الإشارة باليد جهة اليمين وجهة اليسار.
2 - شبه حركتها بحركة أذناب الخيل الشمس.
أمرهم: عند السلام بوضع اليدين على الفخذين والاكتفاء بالالتفات بالرأس يميناً وشمالاً.
(1) النسائي (السنن) كتاب الصلاة، باب السلام بالأيدي في الصلاة رقم 1185. (2) ابن حبان (الصحيح) كتاب الصلاة، باب صفة الصلاة، رقم الحديث 1880. (3) ابن حبان (الصحيح) كتاب الصلاة، باب صفة الصلاة رقم الحديث 1881. (1/132)
صفحة 131
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
133
دعونا الآن نقارن بين الحديثين
الحديث الأول: تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة
الحديث الثاني: عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة
أولاً: أوجه الشبه:
1
الراوي هو جابر بن سمرة لكلا الأمرين.
إنكار شيء يتعلق باليدين في الحديثين.
3 - التشبيه «كأنها أذناب خيل شمس».
ثانياً: أوجه الاختلاف بين الحديثين:
-1
2 -
في الحديث الأول أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءهم وهم يصلون، وقد صرحت كل ألفاظ الحديث بذلك، بينما في الحديث الثاني كانوا يصلون خلفه، وفي لفظ مسلم صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ... »، وعند أبي داود: كنا إذا صلينا ...... فلما صلى قال .......
أنه رآهم قد رفعوا أيديهم في الحديث الأول، بينما في الحديث
الثاني الإشارة باليد:
- «وأشار مسعر بيديه»
وأشار بيده إلى الجانبي»
«قلنا بأيدينا»
- أشار بيديه من عن يمينه ومن عن يساره
- «فنسلم بأيدينا»
«قلنا بأيدينا: السلام عليكم يميناً وشمالاً (1/133)
صفحة 132
134
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
فليس فيه رفع اليدين اللهم إلا في رواية عند ابن حبان: «رفع أحدنا
يمنة ويسرة».
3 - في الحديث الأول أن رفع اليدين كان في الصلاة»، ولم توجد هذه اللفظة في شيء من روايات الحديث الثاني.
-
-
في الحديث الأول أنكر النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين «ما لي أركم رافعي أيديكم»، بينما أنكر في الحديث الثاني الإيماء أو الإشارة باليدين:
«ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم .. »
«علام تومئون بأيديكم .. » «ما شأنكم تشيرون بأيدكم»
«ما بال أحدكم يومي بيده»
«ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم»
ما لي أرى أيديكم كأنها أذناب ....
فليس في هذه الروايات ذكر إنكار الرفع، وإنما إنكار الإيماء باليد والإشارة بها، اللهم إلا في رواية ابن حبان السابقة، ولفظها كالآتي: «كنا إذا كنا مع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع أحدنا يده يمنة ويسرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لي أراكم رافعي أيديكم ... »، فهي الوحيدة التي ذكرت الرفع في كلام جابر وفي نهي الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعل راوي هذه الرواية ذهب باله إلى الحديث الأول فذكر الرفع هنا وهناك، وإلا فإنه خالف كل الرواة غيره.
في الحديث الأول قوله عليه الصلاة والسلام: «اسكنوا في الصلاة»، وليس ذلك في شيء من ألفاظ الحديث الثاني، وإنما فيه الأمر بوضع (1/134)
صفحة 133
135
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
اليدين على الفخذين مع الأمر بالالتفات يميناً وشمالاً بالسلام، فاتضح أن الأمر بالسكون لا يمكن أن يراد به وضع اليدين على الفخذين لأنه سيتنافى مع تحريك الرأس إلى الجهتين، ولا تجتمع الحركة مع الأمر بالسكون.
والأمر بوضع اليدين على الفخذين في الحديث ليس لأجل السكون، وإنما لعلة التشبه بأذناب الخيل الشمس، فاتضح أن الأمر بالسكون ليس محله هذا الحديث، فدل ذلك دلالة قوية على اختلاف الحديثين والحادثتين.
فكيف بعد هذه الفروق يجعل الحديثان حديثاً واحداً وقصة واحدة؟ وكيف يحصر النهي عن الرفع في النهي عن تحريك اليدين عند السلام؟ أما أوجه الشبه التي جعل بها الحديثان حديثا واحدا، فليست كافية في إثبات وحدة المروي والقصة، وذلك لما يلي: أولاً: إنكار النبي عليه الصلاة والسلام في الحديثين حركة اليدين اتحاد القصة، والتشبيه الوارد في الحديثين لا يلزم منه اتحادهما، لأن حركة اليدين في الرفع عند تكبيرة الإحرام أو عند السلام أو فيما بين ذلك مشبه لحركة أذناب الخيل الشمس المضطربة، فسواء كان تحريك اليدين فوق وتحت أو يميناً وشمالاً، فكل ذلك دليل الاضطراب، فكان الكل مشبها لأذناب الخيل الشمس، ولهذا تكرر التشبيه.
لا
يعني
ثانياً: أما اتحاد الراوي الصحابي في الحديثين، فهل ذلك يدل على أن القصة واحدة؟
تقدم لك قول السهارنفوري: «فإن أحدا من أهل العلم لم يستدل بوحدة الراوي على وحدة مروياته». (1/135)
صفحة 134
136
النهي عن رفع اليدين في الصلاة حديث جابر بن سمرة
ومن المفيد هنا بيان أن جابر بن سمرة سمرة مكثر من رواية الأحاديث المتعلقة بالصلاة، وكان من الملازمين للنبي صلى الله عليه وسلم، وصلى وراءه كثيرا، حيث يقول عن نفسه: «فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة»، وكان يشاهد
الحوادث التي تقع من الصحابة، وروى حديث النبي ل فيها، منها: عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس. رواه مسلم (1426) باب ذكر الخطبتين قبل
-
1
الصلاة.
2 - عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة. رواه مسلم (1427) باب ذکر الخطبتين قبل الصلاة.
- عن جابر بن سمرة قال: كنت أصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا. رواه مسلم (1433)
ونلاحظ هنا أن جابر بن سمرة يروي هذه الأحاديث الثلاثة في موضوع صلاة الجمعة وخطبتها وهي مواضيع متفرقة متشابهة. ومع احتمال اتحاد القصة فيها، فإن في حديث النهي عن رفع اليدين في الصلاة ما يمنع من
اتحاد القصة، وقد سبق بيانه.
4 - وروى جابر بن سمرة حديث النهي عن رفع الأبصار في الصلاة إلى السماء. رواه مسلم بنفس الإسناد الذي روى به حديث النهي عن رفع اليدين في الصلاة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المسيب عن تميم بن طرفة
عن جابر بن سمرة. (1/136)
صفحة 135
137
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
ه - وروى جابر بن سمرة حديث الوضوء من أكل لحوم الإبل. رواه
مسلم.
- وروى جابر بن سمرة حديث: كان يقرأ في الفجر ق والقرآن المجيد. رواه مسلم.
7 - وروى جابر بن سمرة: قال عمر لسعد بن أبي وقاص: لقد شكاك
-
9
الناس في كل شيء حتى في الصلاة. رواه البخاري ومسلم.
- وروى جابر بن سمرة: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات، فكانت صلاته قصدا. رواه مسلم.
وروى جابر بن سمرة قال كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس فلا يقيم حتى يخرج النبي الله، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه. رواه مسلم.
وأحاديث أخرى كثيرة.
والخلاصة أن جعل الحديثين حديثا واحدا غير مقبول في الموازين العلمية، وإنما هو هروب من مواجهة النهي النبوي عن رفع اليدين في
الصلاة.
وحين غيب هذا النص عن أذهان الخاشعين وجدنا الحركات الكثيرة
في الصلاة، وأبرزها رفع اليدين عند الإحرام والركوع والرفع منه. والغريب أن يحشر المحدثون في مصنفاتهم هذا الحديث في أبواب السلام من الصلاة ويقرنونه بحديث تحريك اليدين عند السلام، ثم يقلد بعضهم البعض واللاحق السابق، ليصير مسلّمة من المسلمات لا تقبل
النقاش. (1/137)
صفحة 136
138
حديث جابر بن سمرة 5 النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ولما انتبه البعض لكون الحديثين مختلفين تمت المواجهة بأقوال
الشراح وعمل المصنفين، حيث جعلوهما شيئاً واحدا وقصة واحدة. مع أن غاية ما فعلوه إنما هو أفهام ناتجة عن أوهام، حيث توهموهما شيئاً واحدا وبنوا عليه وإلا فإن رفع اليدين في الصلاة منهي عنه بنص
هذا الحديث.
هذا تحرير المقام، والله الموفق. (1/138)
صفحة 137
الخاتمة
في ختام هذه الجولة السريعة في ثنايا هذا البحث الموجز، ألخص ما سبق في النتائج التالية:
النتيجة الأولى: روى جابر بن سمرة له حديثين صحيحين، كلاهما في النهي عن رفع اليدين في الصلاة، وهما:
الحديث الأول:
أحمد
حديث تميم بن طرفة عن جابر بن ة له، عند الإمامين ومسلم قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة، قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال: «ما لي أراكم عزين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف».
وقد روي الحديث مختصراً بالاقتصار على الجزء الأول منه، وهو حديث متفق على صحته.
وأوجه الاستدلال بهذا الحديث ثلاثة:
الوجه الأول: أن النبي لا أنكر رفع الأيدي في الصلاة صراحة. (1/139)
صفحة 138
140
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
الوجه الثاني: أن العلة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة إنما هي التشبه بحركة أذناب الخيل الشمس التي لا تستقر من الخوف والاضطراب، فتضرب بأذنابها فوق وتحت ويمينا وشمالاً، على غرار النهي عن حركات وهيئات يتشبه المصلي فيها - أن لو فعلها - بحركات وأفعال بعض الحيوانات وهيئاتها، وهي: افتراش (أو انبساط الكلب (أو السبع)، وعقبة الشيطان، وإقعاء الكلب وقعود القرد ونقر الديك (أو الغراب)، والتفات الثعلب، وبروك البعير.
الوجه الثالث: أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسكون في الصلاة: «اسكنوا في صلاتكم»، عام يشمل كل شيء في الصلاة، ولا شك أن الحركة منافية للسكون ومضادة لها. والرفع حركة واضحة وخاصة عند من يقول إنها تتلو تكبيرة الإحرام ولا تتقدمها ولا تقارنها، ومن يقول بها عند الركوع والرفع منه، وعند الهوي للسجود والرفع منه وغير ذلك، فإن هذه الحركة داخلة الصلاة ومخالفة للهدي النبوي.
في
الحديث الثاني:
حديث عبيد الله بن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم السلام عليكم، وأشار مسعر بيديه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال هؤلاء يومئون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله».
وهو أيضاً حديث متفق على صحته، يختلف عن الحديث السابق.
ووجه الاستدلال بهذا الحديث، أنه عام اللفظ لا عبرة بخصوص سببه، فيشمل النهي عن كل إشارة باليدين في الصلاة سواء كانت رفعاً أو غير رفع. (1/140)
صفحة 139
الخاتمة
141
النتيجة الثانية: يتشابه الحديثان في الآتي:
1 - الراوي هو جابر بن سمرة لكلا، الأمرين ووحدة الرواي لا تدل على
وحدة المروي.
2 - إنكار شيء يتعلق باليدين في الحديثين.
- التشبيه كأنها أذناب خيل شمس وهذا شيء طبيعي حيث يتحد وجه
الشبه.
ويختلف الحديثان فيما يلي:
1 - في حديث تميم بن طرفة عن جابر:
2 - تصريح جابر بن سمرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم وهم يصلون. - أنه وجدهم قد رفعوا أيديهم.
0 -
في هذا الحديث زادت لفظ في الصلاة أي دخل عليهم وقد رفعوا
أيديهم في الصلاة.
أنكر رفع اليدين
6 - أمرهم فقال: «اسكنوا في الصلاة».
- أن هذا النهي ضمن أشياء أخرى تضمنتها رواية مسلم:
النهي عن الرفع في الصلاة: ما لي أراكم رافعي أيديكم ... إلخ».
- النهي عن التفرق: «ما لي أراكم عزين؟».
-
الأمر بإتمام الصفوف.
وكل هذه ليست في حديث عبيد الله
بن القبطية عن جابر.
أما حديث عبيد الله بن القبطية عن جابر، ففيه: (1/141)
صفحة 140
142
1
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
- تصريح جابر بن سمرة بأنهم كانوا يصلون خلفه. أنهم كانوا يضيفون مع التسليم الإشارة باليد جهة اليمين وجهة اليسار.
2?
3 - أنكر ل الإيماء أو الإشارة باليدين
أمرهم عند السلام بوضع اليدين على الفخذين والاكتفاء بالالتفات بالرأس يميناً وشمالاً.
وهذه الأمور ليست في حديث تميم بن طرفة عن جابر.
النتيجة الثالثة: السكون الوارد في الحديث يراد به ترك جميع الحركات في الصلاة، بما في ذلك رفع اليدين فيها.
في
النتيجة الرابعة حديث جابر بن سمرة نص في النهي عن رفع اليدين الصلاة. وبناء على التفريق بين حديث تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة في النهي عن رفع الأيدي في الصلاة وحديث عبيد الله بن القبطية عن النهي عن الإشارة باليدين عند السلام يصير لدينا حديثان ودليلان، ضمن أحاديث وأدلة أخرى في النهي عن رفع الأيدي في الصلاة.
النتيجة الخامسة: كل الأحاديث التي يستدل بها القائلون بعدم رفع الصلاة أحاديث قولية وليست فعلية وهذا فارق جوهري بين
الأيدي في
الأمرين.
عن
النتيجة السادسة: كثيرا ما يتحدث القائلون برفع اليدين في الصلاة تواتر الأحاديث التي يستدلون بها. وهذا يشعر بضعف موقفهم، حيث يجمعون في الموضوع كل الروايات المختلف فيها والمطعون فيها والمضطربة والضعيفة والضعيفة جدا بل والباطلة ومن احتاج إلى الضعيف
فهو ضعيف. (1/142)
صفحة 141
الخاتمة
143
وخير مثال على ذلك حديث عبد الله
بن
عمر
ا، وهو أقوى حديث
يستدل به القائلون بالرفع، فالروايات مختلفة عنه في الرفع على النحو التالي:
1
- الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط.
الرفع عند تكبيرة الإحرام وبعد الركوع.
3 - الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع.
4 - الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع وعند القيام من التحيات.
ه - الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع وعند القيام من التحيات وعند السجود.
6
الرفع عند كل خفض ورفع.
فهذه ست حالات عن صحابي واحد في حديث واحد يعد أقوى الأدلة. هذا إن سلم من القدح في أسانيده، وإلا ففي المسألة كلام طويل لم يتعرض له هذا البحث.
وسائر الأحاديث مترددة بين الضعيف والضعيف جدا، ومنها الباطل، كالحديث الذي سبق ذكره منسوبا إلى البيهقي من طريق ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من
الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته
الله تعالى.
لقي
فإن فيه عبد الرحمن بن قريش الذي اتهمه السليماني بوضع الحديث، وفيه عصمة بن محمد الأنصاري الذي قال فيه يحيى بن معين: كذاب يضع الحديث. (1/143)
صفحة 142
144
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
إضافة إلى ذلك فإن أحاديث إثبات الرفع معارضة بأحاديث قولية صحيحة قوية متفق عليها، فكيف يقال إن أحاديث إثبات الرفع متواترة؟! وحتى لو تم التسليم ـ فرضاً - بصحة بعضها فإنها لا تصل إلى حد التواتر.
النتيجة السابعة: القائلون برفع اليدين في الصلاة مضطربون اضطراباً شديداً في كل مسائل رفع اليدين في الصلاة:
1 - حكم الرفع، حيث تفاوتت الأحكام المتعلقة برفع اليدين في الصلاة على النحو التالي:
• عند تكبيرة الإحرام مكروه مستحب سُنَّة واجب لا تبطل الصلاة بتركه، واجب تبطل الصلاة بتركه، ركن، يأثم تاركه.
عند الركوع والرفع منه: جائز من تمام الصلاة، سنة، واجب، مكروه، بدعة، يبطل الصلاة.
• في غير هذه المواضع الثلاثة: مستحب، جائز، مكروه، لا يجوز.
2 - الحكم من الرفع
تعظيم الله واتباع سُنَّة نبيه.
استكانة واستسلام وانقياد وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة
للاستسلام!
إشارة إلى استعظام ما دخل فيه.
إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على الصلاة ومناجاة
ربه، كما تضمن ذلك قوله: الله أكبر، فيطابق فعله قوله.
إشارة إلى دخوله في الصلاة، وهذا الأخير مختص بالرفع لتكبيرة
الإحرام. (1/144)
صفحة 143
الخاتمة
إشارة إلى التوحيد
145
أن يراه الأصم فيعلم دخوله في الصلاة، والتكبير لسماع الأعمى
فيعلم دخوله في
الصلاة.
إشارة إلى تمام القيام.
إشارة إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود!
ليستقبل بجميع بدنه.
- مواضع الرفع وعدد مراته حيث يتفاوت العدد من مرة واحدة إلى ست
وعشرين مرة.
4 - كيفية الرفع:
هيئة الكفين عند الرفع فقال:
يرفع ناشرا أصابعه مستقبلاً بباطن كفيه القبلة.
، لا يفرج بين الأصابع تفريجاً.
يجعل باطن كل كف إلى الأخرى.
، ظهورها إلى السماء وبطونهما إلى الأرض.
يقيمهما محنيتين شيئاً يسيراً.
هيئة الأصابع:
يستحب تفريق الأصابع.
لا يتكلف ضماً ولا تفريقاً، بل يتركهما على هيئتهما.
يفرق تفريقا وسطا.
يستحب أن يمد أصابعه ويضم بعضها إلى بعض. (1/145)
صفحة 144
146
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
مع
وقت الرفع:
يرفع ثم يكبر.
يكبر ثم يرفع.
يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير أي يكون الرفع مقارنا للتكبير،
ولهذا القول خمسة أوجه:
أحدها: يرفع غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين وينهيه
انتهائه.
الثاني: يرفع غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارتان، ثم يرسلهما.
الثالث: يبتدئ الرفع من ابتدائه التكبير وينهيهما معا.
الرابع: يبتدئ بهما معا وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال.
الخامس: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير ولا استحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس تمم الباقي، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع.
قال النووي: «ولو ترك الرفع حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي،
فلو تركه حتى أتمه لم يرفعهما بعده».
6 - إلى أين يرفع
إلى المنكبين.
إلى الصدر.
التخيير إلى المنكبين أو إلى الصدر.
إلى فروع الأذنين. (1/146)
صفحة 145
الخاتمة
147
إلى فوق الرأس.
الإلهي،
التكبيرة الأولى التي للاستفتاح أرفع مما سواها حتى يخلف الرأس.
وعسى
هذا، وثمة خلاصات ومباحث أخرى، ومجالات مفتوحة للحوار العلمي، وهناك جوانب نقص في كل عمل بشري، دليلا على الكمال فأسأله سبحانه العفو عن الزلل، والتوفيق إلى النجاح والصواب، أن تجمعنا عناية الله تعالى على الحق والخير والهدى والإيمان والعلم، وأن يبارك الله سبحانه في القليل والكثير من فتوحاته لعباده، إنه ولي النعمة، وفتاح كل باب مغلق وهادي الناس إلى صراطه المستقيم، وصلى الله على حبيبه المختار، وأسوتنا سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وختم الله لنا جميعا بالسعادة والإيمان، والحمد لله
العالمين.
رب (1/147)
صفحة 146
قائمة بأهم
المراجع والمصادر (1/149)
صفحة 147
-
قائمة بأهم المراجع والمصادر
151
أحمد بن حنبل، المسند، دار إحياء التراث العربي: بيروت، الطبعة الثانية،
1414 هـ / 1993 م.
البخاري، محمد بن إسماعيل، رفع اليدين في الصلاة، دار ابن حزم: بيروت، الطبعة الأولى، 1416 هـ 1996 م.
البسيوي، علي بن محمد، جامع أبي الحسن، دراسة وتحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني، داود بن عمر بابزيز
الوارجلاني.
- البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1414 هـ / 1994 م.
الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، دار السلام: الرياض، الطبعة الأولى، 1420 هـ / 1999 م.
- ابن حبان محمد بن حبان البستي، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، علي بن بلبان الفارسي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة: بيروت، الطبعة الثالثة، 1418 هـ /1997 م.
ابن حبان، كتاب الثقات دار الفكر ط 1، 1398 هـ /1978 م.
?
ابن حجر، أحمد بن على بن حجر، تقريب التهذيب، تحقيق: محمد عوامة، دار الرشيد حلب دار القلم دمشق، الطبعة الرابعة، 1412 هـ / 1992 م.
ابن حجر، طبقات المدلسين، دار الصحوة القاهرة، الطبعة الأولى، 1407 هـ / 1986 م. (1/151)
صفحة 148
-
-
152
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1414 هـ / 1993 م.
ابن حجر، لسان الميزان اعتنى به الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بيروت الطبعة الأولى، 1423 هـ / 2002 م.
ابن حزم، علي بن أحمد المحلى، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الجيل - دار الآفاق الجديدة: بيروت.
ابن خزيمة محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، صحيح ابن خزيمة، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي: بيروت، دمشق، عمّان، الطبعة الثانية، 1412 - 1992 م.
الخطيب، أحمد بن علي البغدادي الكفاية في علم الرواية، دار الكتاب العربي: بيروت، 1405 هـ / 1985 م.
أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، دار السلام، الرياض، الطبعة الأولى، 1420 هـ / 1999 م.
أبو داود، مسائل الإمام أحمد أشرف على طباعته السيد محمد رشيد رضا، الطبعة الأولى، 1353 هـ.
الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، دار المعرفة: بيروت. الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب مكتبة مسقط: مسقط، الطبعة الأولى، 1415 هـ/1994 م.
الزيلعي، عبد الله بن يوسف، نصب الراية لأحاديث الهداية، مكتبة الرياض
الحديثة، الطبعة الثانية. (1/152)
صفحة 149
153
قائمة بأهم المراجع والمصادر
- السالمي، عبد الله بن حميد شرح الجامع الصحيح، مكتبة الاستقامة: مسقط، الطبعة الثالثة.
السالمي، مدارج الكمال، وزارة التراث القومي والثقافة: سلطنة عُمان، 1403 هـ / 1983 م.
السالمي، معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز وآخرون، مكتبة الإمام السالمي: ولاية بدية - سلطنة عُمان، دار الرشد بيروت الطبعة الأولى 2008 م.
- السبكي، عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود محمد الطناحي، دار إحياء الكتب العربية.
-
-
السهارنفوري، خليل أحمد بذل المجهود في حل أبي داود، دار الكتب
العلمية: بيروت.
السياغي، الحسين بن أحمد بن الحسين الصنعاني الروض النضير شرح الفقه الكبير، دار الجيل بيروت.
مجموع
الشوكاني، محمد بن علي، نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار، دار الكتب العلمية، بيروت، 1420 هـ / 1999 م.
بن أبي شيبة الكوفي، المصنف في
ابن أبي شيبة، عبد الله محمد بن الحديث والآثار تحقيق سعيد محمد اللحام دار الفكر بيروت، الطبعة
الأولى، 1409 هـ / 1989 م.
:
ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري مقدمة ابن الصلاح، دار
الكتب العلمية: بيروت، 1398 هـ /1978 م. (1/153)
صفحة 150
-
154
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
الصنعاني، محمد بن إسماعيل، توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، دار إحياء التراث العربي: بيروت، الطبعة الأولى، 1418 هـ / 1998 م.
الصنعاني، سبل السلام، دار إحياء التراث العربي: بيروت، الطبعة الرابعة،
1960 م.
- الطبراني، سليمان بيروت الطبعة الثانية.
بن أحمد، المعجم الكبير، دار إحياء التراث العربي:
العراقي، عبد الرحيم بن الحسين التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح مؤسسة الكتب الثقافية بيروت، الطبعة الثالثة، 1315 هـ / 1995 م.
ابن العربي، محمد بن عبد الله أحكام القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة دار الجيل بيروت، 1407 هـ /1987 م.
- العلائي، صلاح الدين بن خليل جامع التحصيل في أحكام المراسيل عالم الكتب بيروت الطبعة الثانية، 1407 هـ / 1986 م.
-
-
القاري،
الملا
علي، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ومعه أجوبة الحافظ ابن حجر العسقلاني على رسالة القزويني، تحقيق: صدقي محمد جميل العطار، المكتبة التجارية دار الفكر 1414 هـ / 1994 م.
القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، أحمد عبد الحليم البردوني، الطبعة الثانية، 1372 هـ / 1952 م.
صححه
ابن قيم الجوزية، شمس الدين محمد بن أبي بكر، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق شعيب الأرنؤوط، عبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، مكتبة المنار الإسلامية، الطبعة الثالثة عشرة، 1406 هـ /1986 م. (1/154)
صفحة 151
155
قائمة بأهم المراجع والمصادر
-
-
محمد شمس الحق العظيم آبادي عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار
الفكر بيروت الطبعة الثالثة، 1399 هـ /1979 م.
مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم بشرح النووي، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى، 1415 هـ / 1985 م.
النسائي،
أحمد بن شعيب، سنن النسائي، دار السلام: الرياض، الطبعة
الأولى، 1420 هـ / 1999 م. (1/155)
صفحة 152
المحتويات
مقدمة
تمهيد
في بيان اختلاف المذاهب الإسلامية في الرفع والضم في الصلاة
أولاً: مذهب أهل الحق والاستقامة (الإباضية)
1 - رفع اليدين
2 - ضم اليدين
حكم الإباضية في صلاة من رفع أو ضم
حكم الإباضية فيمن صلى وراء من يرفع أو يضم
ثانياً: المذاهب السنية
المسألة الأولى: مواضع الرفع في الصلاة
المسألة الثانية: حكم الرفع
المسألة الثالثة: كيفية الرفع
المسألة الرابعة وقت الرفع
المسألة الخامسة: إلى أين يرفع
المسألة السادسة: الحكمة من الرفع
مناقشة ما سبق من الخلاف في مسائل الرفع. (1/157)
صفحة 153
158
حديث جابر بن سمرة في النهي عن رفع اليدين في الصلاة
الأمر الأول: البون الشاسع بين الأقوال الأمر الثاني: مناقشة حكم الرفع عند القائلين به
الأمر الثالث: مناقشة حكم الرفع.
دراسة حديث النهي عن الرفع في الصلاة
نص حديث جابر بن سمرة وتخريجه
درجة الحديث
دلالة الحديث
الوجه الأول: الحديث يدل على عدم مشروعية الرفع
الوجه الثاني: النهي عن الرفع في الصلاة ورد لعلة جلية والخلاصة أن الحركات والهيئات المنهي عنها في الصلاة ست
الوجه الثالث: الأمر بالسكون في الصلاة عام
الاعتراضات على الاستدلال بحديث جابر بن سمرة کلام ابن حزم في مورد الحديث
اعتراض ابن تيمية على معنى السكون في الصلاة
الرد على اعتراض ابن تيمية
اعتراضات بديع الدين الراشدي.
الفرق بين الحديثين
أولاً: أوجه الشبه
ثانياً: أوجه الاختلاف بين الحديثين
الخاتمة
قائمة بأهم المراجع والمصادر. (1/158)