صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علوم الحديث
------------------------------------------
العنوان: علوم السنة عند الإباضية
المؤلف: أحمد بن يحيى الكندي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
أصله: أطروحة دكتوراه
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/406
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 06 محرم 1447ه/ 02 - شهر 07 - 2025م. علوم السنة عند الإباضية د. أحمد بن يحيى الكندي (1/1)
صفحة 2
الجمهورية التونسية
جامعة الزيتونة
وزارة التعليم العالي
المعهد الأعلى الأصول المعين
علوم
السنة عند الإباضية
أطروحة دكتوراه
في العلوم الإسلامية
إعداد الطالب
أحمد بن يحي بن أحمد الكندي
السنة الجامعية
إشراف الدكتور
الصادق مفرشيد
2006 - 2005/ 1427 - 1426 (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم (1/3)
صفحة 4
علوم السنة عند الإباضيه
المقدمة
الحمد لله المنعم علينا بشريعة الهدى، المتوّج لهذه النعمة بصاحب النطق الذي لا ينطق عن الهوى، ذي السُّنَّة الغراء العاصمة من الهوى، صلى الله وسلم عليه وآله أهل النهي، وعلى أصحابه والسالكين منهجه إلى يوم المُنتهي.
أما بعد، فإن السنّة النبوية تمثل المصدر الثاني للهداية والتشريع للأمة المسلمة، ولا عجب في ذلك إذ هي تمثل منهج المقتدى به وسلوكه لجميع أفراد الأمة، إذ أمروا بالاقتداء به وتتبع مسلكه لأنه مفتاح باب الهداية، ومشكاة نور طريق السعادة، ووسيلة تبليغ الحجة والرسالة، فجاءت عناية الأمة بسنته تلبية لهذه الحجة، وشكرا وعرفانا لهذه الكرامة والنعمة، ورغبة في نيل الهداية والرحمة، وثمة دافع آخر لهذه العناية، تمثل في تكفّل الله بحفظ الكتاب دون السنة، فقد ترك للأمة حفظها وصونها بجهدهم في مقصد متوج بالحكمة.
ولقد تنوعت طرق العناية بالسنة النبويه، فمن عناية بحفظها ونقلها وإدراك طرقها، وإسنادها، إلى عناية بفهمها وفقهها وإدراك ضبط متونها واستنباط أحكامها، فأثمرت هذه العناية مع تطوّرها عبر الزمن علوما تخصص كل علم في فن من فنون رواية السنة ودرايتها، وتسابقت فنون الرواية في تمحيص الأخبار وتدقيقها، وعني العلماء بتطوير هذه العلوم وتنميتها، وتوظيفها في خدمة السنة ونقدها وفهمها، ورأينا تنوع هذه العلوم يأخذ مسميات عدة، فمن فن نقد السند للرواية ومتنها، إلى العلوم التي تعنى بفنون السند وصناعتها، إلى العلوم التي تعنى بفنون المتون وفقهها.
هذا، ولما كان الحبيب المصطفى - صلى الله وسلم عليه وآله أهل الوفاء قدوة لكل منتسب إلى أمته، مصدق به وبما جاء به، فقد مثلت سنته مصدرهم جميعا وموردهم، وطريق هدايتهم ومحط نظرهم بكل فرقهم وطوائفهم، مع تنوع طرقهم إليه ومصادرهم عنه، فكان طبيعيا أن تسعى جميع فرق الأمة في طلب سنته، وتعرض ما تراه صح عندها من هديه. ومن بين فرق هذه الأمة الإباضية، وهي فرقة كان روادها الأوائل من التابعين (1/4)
صفحة 5
علوم السنة عند الإباضيه:
الرواة، وممن تلقوا عن مصدر نقل الرواية وهم الصحابة، واعتنى علماؤها وفقهاؤها بالسنّة رواية ودراية، وجعلوا ما صح من السنة مقصدهم وغاية مرامهم، في تصحيح الأقوال وترجيحها، وتحقيق المسائل وتوجيهها.
بيد أن ظروف نشأة هذه الجماعة أحاطتها بسياج من العزلة، فرجالها نحوا منحى الكتمان طلبا للسلامة وضمانا لنجاح دعوتهم، مما جعل غيرهم يجهلهم، بل ويظن الظنون بهم ويتهمهم. ولقد ظلت قلة الدراية والمعرفة بتراث أفراد هذه الفرقة عند غيره من أبناء الأمة ردحا طويلا من الزمن، فولد ذلك غموضا أحاط بهم، وضبابية في معاملة غيرهم لهم أو تعاملهم هم أنفسهم مع غيرهم. ويأتي هذا القصور في فهمهم نتيجة تقصيرهم أنفسهم في بيان ما عندهم والكشف عن تراثهم وفكرهم، فهم يتحملون تبعة الجهل بفكرهم وآرائهم، وكذلك يشاركهم هذه التبعة من ألصق بهم التهم جهلا، فزاد هذا السياج المحيط بفكرهم، ونفر من التقرب من تراثهم ودراسته والتعرف
عليهم.
وقد بدأت في عصر التفتح العلمي هذا دراسات جادة، لفهم هذه الفرقة ودراسة آرائها وتراثها وفكرها كغيرها من المدارس، هادفة إلى التقارب الفكري بين المسلمين، منطلقة من أنّ فهم الآخر وإدراكه يقربك منه، ويزيل الغشاوة العالقة
حوله، ومن ثم ينسج ذلك التقارب نسيج الترابط والتكامل والتراحم المنشود. غير أن هذه الدراسات انصبّت على جوانب دون أخرى، ومن هذه الجوانب التي لم تجد العناية موضوع علوم السنة عند هذه الفرقة، فلم يبحث هذا الموضوع، ولم يجد من يعتني به ويجليه ويبرزه، فلما رأيت ذلك القصور، جعلت تلافيه وإن في جانب منه أملا لي، وبيانه ومحاولة تجليته هدفا لأطروحتي، فإن أُوَفَّق في عرضه وبيانه فلله الحمد والمنة، وإلا فلعلي أفتح ولو بعض آفاقه، وأكشف للباحثين أهمية العناية به عل منهم من يكون فارس ميدانه، فيثني عليه عنان همته وثاقب فكره، ويعطف عليه جواد عزيمته، ويسرج له أفراس ميدانه.
هذا ولم أجد من تعرض قبلي لهذا الموضوع وبحثه. وما سبق من دراسات مقاربة له لم تعن بهذا الموضوع ومادته، بل عنيت بجوانب أخرى وإن دار بعضها (1/5)
صفحة 6
علوم السنة عند الإباضيه
قريبا من إطار فنه، فمن الدراسات السابقة التي نرى لزوم بيانها في هذا المقام، اعترافا بفضل أصحابها في سبقهم، رسالة " الربيع بن حبيب محدثا وفقيها" لأبي القاسم عمرو بن مسعود الكباوي، وهو ليبي نفوسي، قدمها رسالة ماجستير إلى جامعة الفاتح بليبيا، سنة 1403 هـ، 1983 م، وهي دراسة مهمة عنيت بالتعريف بالإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي ولادة ونشأة وهجرة وطلباً للعلم وشيوخاً وتلاميذاً، كما عنيت بالربيع بن حبيب محدثا، كاشفة هذا الجانب من خلال روايته ومسنده، وكذلك عنيت بالربيع فقيها من خلال آرائه وأقواله الفقهية. وما استفدناه من هذه الرسالة هو الإحالة على الدراسات التي عنيت بمسند الإمام الربيع
بن
وتأتي دراسة القنوبي سعيد بن مبروك بن حمود معتنية أيضا بمسند الربيع أخرجها في كتاب بعنوان "الإمام" الربيع بن حبيب، مكانته ومسنده"، طبع سنة 1416 هـ، 1995 م وهذه الدراسة جليلة القدر عظيمة النفع في موضوعها، عني فيها مؤلفها أيضا ببيان حياة الربيع ولادة ونشأة وطلبا للعلم وشيوخا وتلاميذا، وكشف عن توثيق علماء الحديث للربيع، كما نافح عن المسند وفند الدعاوي الموجهة إليه، وخرج الأحاديث المعترض بها على المسند من باقي كتب الحديث والرواية، وتعقب الاعتراضات المعترض بها على المسند وناقشها مناقشة علمية موضوعية وردّ عليها بما يقيم الحجة على أصحابها، وكانت استفادتنا منها في مواضع قليلة مشار إليها في
البحث.
وجاءت رسالة صالح بن أحمد بن سيف البوسعيدي وهي بعنوان " رواية الحديث عند الإباضية" معتنية بموضوع رواية الحديث وبيان بعض كتب الرواية، وقد قدمها مستكملا بها متطلبات الماجستير في جامعة آل البيت بالأردن سنة 1998 م، وهي دراسة مهمة، بدأها ببيان موقف الإباضية من السنة وعرض بعض المصطلح باختصار، ودار أكثر الدراسة على بيان بعض كتب الرواية كمسند الإمام الربيع والتعريف به ومدونة أبي غانم الخراساني والتعريف به، وذكر بعض المحدثين الإباضيين الواردين في الكتب الستة والتعريف بهم وذكر نماذج رواياتهم فيها، وقد تجنبت بيان موضوع الرواية وكتبها خشية تكرار ما عرضه، وما استفدته (1/6)
صفحة 7
علوم السنة عند الإباضيه
من هذه الدراسة كان في موضعين مشار إليهما داخل البحث.
أما رسالة المنذري خلفان بن محمد بعنوان مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي" وهي أطروحة دكتوراه قدمت لكلية دار العلوم بالقاهرة سنة 1419 هـ، 1998 م فقد عنيت بمختلف الحديث عموما وعرض أثره الفقهي في الفقه الإسلامي مقارنا مع الفقه الإباضي، وقد نحوت في فصل مختلف الحديث في أطروحتي منهجا آخر في معالجته، ذلك لأني اعتنيت بإبراز قواعد درء التعارض من خلال عرض أوجه الجمع وقواعد الترجيح والتمثيل لها بنماذج من الروايات المتعارضة، فاختلفت أكثر المادة المطروحة ومنهج دراستها وإن تقارب الاسم، وكانت استفادتي من هذه الرسالة في مواضع قليلة مشار لها في البحث.
الليبي
فهذه الدراسات المتقدمة دارت في إطار فن الحديث، لكنها لم تُعْنَ بعلوم الحديث ونقده سندا ومتنا ولم تفصل موضوع مصطلح الحديث، وهذه الجوانب هي التي عنيت بها هذه الأطروحة، بما يكشف عن تميزها بهذا الجانب وتفردها ببعض الجوانب تفصيلا وبسطا. على أن هناك دراسات عنيت بطرح بعض الجوانب المهمة في تراث الإباضية وفكرهم يجدر بنا الإشارة إليها لأهميتها ولكوننا استفدنا بعض الأمور منها، وتأتي في مقدمة ذلك دراسة عمرو بن خليفة النامي النفوسي بعنوان" دراسات عن الإباضية" وقد قدمها أطروحة دكتوراه في جامعة كمبردج في بريطانيا سنة 1971 م وهي مترجمة إلى العربية ومن خلال عنوانها يفهم القارئ أنها قدمت دراسة متكاملة عن الإباضية، فاتصفت بالشمول فكان عرض كل جانب مختصرا، ومن هذه الجوانب إسهام الإباضية في رواية الحديث ونقله، وكانت استفادتنا من هذه الأطروحة في مواضع محدودة مشار إليها داخل البحث.
وتأتي دراسة مصطفى صالح باجو بعنوان منهج الاجتهاد عند الإباضية" وهي أطروحة دكتوراه قدمت لجامعة الجزائر سنة 1419 هـ، 1999 م، من الدراسات المهمة التي بسطت القول في جوانب الاجتهاد ومصادر التشريع، وقد تعرض لمبحث السنة باعتباره مصدر تشريع واستفدنا من هذه الدراسة في مواضع مشار إليها خلال البحث.
وما يهمني التأكيد عليه هنا هو أن هذه الدراسات لم تعن بفنون علوم الحديث
! (1/7)
صفحة 8
علوم السنة عند الإباضيه
ج
عند الإباضية سندا ومتنا ونقده وبيان علم المصطلح وتفصيله كما هو وارد في هذه الأطروحة، على أني قد استفدت من خلال اطلاعي على هذه الدراسات في فتح بعض الآفاق البحثية، والدلالة على جانب من المصادر والمراجع التي بالبحث فيها عنها فتحت آفاق مصادر أخرى وهكذا.
ويتبين لنا مما تقدم طرافة هذا الموضوع وجدته، فهو ضمن الدراسات التي تهدف إلى إزاحة غطاء الجهالة بفكر المدرسة الإباضية وتجلية الحقائق المغمورة عبر تراكمات الزمن وتقلبات الدهر، خاصة في فنون الحديث وعلومه، كما أنه يسعى لتلافي النقص بدراسة هذا الجانب وبيانه وكشفه فهو رغم الحاجة العلمية الأكاديمية إليه لم يخدم قبل ولم يُعْتَنَ به، ولم يقدم في دراسة جامعة له، أضف إلى ذلك أن كشفه لجوانب عناية الإباضية بالسنة يردّ القول بإهمالهم للسنة والرغبة عنها ويفتد هذه التهمة، وبذلك تشارك هذه الأطروحة غيرها من الأطاريح التي تعنى بإذكاء الفهم المشترك بين المسلمين، وتوليد الثقة، والدفع باتجاه التقارب بين المسلمين والتلاقح الفكري بينهم.
والمنهج الذي سلكته في هذه الأطروحة لعله جامع بين المنهج الوصفي التحليلي والمنهج التاريخي مع المنهج المقارن قدر ما يسمح به المقام في هذه الدراسة، فالمنهج الوصفي استعنت به في عرض أقوال العلماء وبيان آرائهم، وإبراز ما عندهم وكشفه عرضا جعلته مُسهَبَ الطرح في أحيان، وفي أخرى موجزا حسب ما كنت أقدره من حاجة لهذا أو ذاك.
وقد جاء الطرح من خلال هذا المنهج الوصفي في إطار المنهج التاريخي، إذ حاولت عرض جل مادة البحث إن لم يكن كلها في إطار التسلسل الزمني، ابتداء بالسابق فاللاحق في محاولة لفهم تدرج المادة العلمية وتطورها عبر مراحل الزمن الممتدة، وذلك لإدراك الأقوال والآراء وفق إطارها الزمني لفهم أكبر وتمييز أكثر.
وأما المنهج المقارن فقد وظفته ليكسب المادة العلمية القوة، وليكشف وجوه الخلاف أو الوفاق، غير أني عمدت إلى المقارنة أولا داخل المدرسة الإباضية، بين علمائها قديمهم وحديثهم، ثم قارنت خارجها سواء مع الفقهاء أو الأصوليين أو المحدثين، وكان من الصعب استيعاب المسائل، بالمقارنة فالاستطراد في المقارنة (1/8)
صفحة 9
علوم السنة عند الإباضيه:
يلقي بعبء ثقيل على البحث واتساع حجمه، كما أن كثرة المسائل يعسر عندها التوسع الكبير فجاءت المقارنات وفق مقتضيات الأحوال وحسب ما رأيت الحاجة
إليه.
وقد جاء التحليل و المناقشة و الترجيح في مواضعها المقدرة وفق الحاجة تكملة لتلك المناهج وبلورة لطرحها.
وهذه الأطروحة جاءت مرتبة على الأبواب فالفصول فالمباحث، ابتدأتها بالمقدمة التي حوت ابراز أهمية الموضوع وغايته، ومنهج عرضه ودراسته، وذكر مراحله وخطته وأهم صعوباته وعوائقه وبيان ما تقدم من دراسات سابقة مع عرض أهم المصادر ونقدها.
كبير
ولما كانت تجلية مدلول السنة ومعناها وتقسيماتها وحجيتها من الأهمية بمكان - خاصة لأنها تمثل حجر الأساس في التعامل مع السنة ويُقعد لما بعده - جعلت ذلك في الباب الأول بعنوان السنة معناها ومكانتها عند الإباضية، وقسمت هذا الباب إلى فصول ثلاثة عالج الأول السنة المعنى والمدلول" معاني السنة لغة واصطلاحا ومدلولات السنة الفقهية والأصولية والحديثية، والفصل الثاني "تقسيمات "السنة" عني ببيان أقسام السنة قولية وفعلية وتقريرية، وأوجه ورودها مبينة أو مؤكدة أو مستقلة الحكم أو ناسخة، والثالث "حجية السنة مع الإباضية" وعالج موضوع هذه الحجية وأدلتها وبيان مكانة السنة في الاستدلال والتشريع عند
الإباضية.
ويكتسب فن نقد الحديث سندا ومتنا أهميته لكونه يعنى بتنقية الحديث وتمحيصه فهو يشكل الهدف الأهم لفن الحديث عموما، فكان من المهم بيانه ومن اللائق وضعه سابقا لغيره، لذلك ضمنته الباب الثاني بعنوان منهج نقد الحديث عند الإباضية"، وفيه إبراز هذا الباب في فصول أربعة، الأول" ظهور عنايتهم بنقد الحديث وتصحيحه عني بإبراز بدايات ظهور النقد عند أئمتهم المتقدمين فمن بعدهم، وبيان ظهور صيغ التصحيح والتضعيف ولعل هذا الفصل يحقق غرضا آخر كالمدخل لموضوع النقد، والثاني من قواعد نقد السند عند الإباضية وحاولت فيه تلمس الضوابط وقواعد نقد السند الحاضرة في تراثهم مع التمثيل لها بقدر ما يتيحه المقام، والثالث وهو من (1/9)
صفحة 10
علوم السنة عند الإباضيه:
خ
المتن
قواعد نقد المتن عند "الإباضية وضمنته ما رأيته حاضرا من القواعد وضوابط نقد مع التمثيل لذلك، وأما الرابع منهجهم مع الروايات الواردة من غير طرقهم" ففيه بدا أن الإباضية آخذون من هذه الروايات في شيئ من المرونة والانفتاح، ورادون لما لم تضبطه ضوابط القبول فتعذر فيه القبول، ومتوقفون في رواية ما عسر فيه على الناقد ترجيح جانب القبول على الرد أو العكس.
أما علوم الحديث التي تعنى بالسند أو بالمتن فقد جعلتها صلب الرسالة، فضمنت الباب الثالث أهم ما يعتنى به في علوم السند بعنوان "علوم الحديث التي تعنى "بالإسناد في فصول أربعة جاء الفصل الأول منها عناية الإباضية بعلم الإسناد" مبرزا لجوانب الإسناد عند الإباضية، مع ذكر نماذج لحضور الإسناد في مؤلفاتهم، مبينا سلاسل حملة العلم وحلقات الإسناد بين علمائهم وسلاسل ما سموه نسب الإسلام أو نسبة الدين. ثم جاء الثاني" الجرح والتعديل وفيه بيان صفة العدالة وصيغ التعديل وتعارض الجرح والتعديل وغيرها من مسائل الجرح والتعديل المطروحة. وأما الثالث"الشروط العامة للتحمل والأداء عند الإباضية وكتابتهم في الطبقات والتراجم" فقد عني بذكر الشروط العامة التي تشترط في الراوي مقبول الرواية أخذا وأداء وما يتفرع عنها من مسائل وأحكام، كما عني ببيان فن الطبقات والتراجم وما كتبه علماء الإباضية في هذا الجانب، والأخير هو الفصل الرابع موقف الإباضية من عدالة الصحابة وآثارهم وفيه تجلية لآراء علماء الإباضية في مسألة عدالة الصحابة وحجية قول الصحابي.
11
وفي الباب الرابع جعلت أهم علوم الحديث التي تعنى بدراسة المتن بعنوان "علوم الحديث التي تعنى بالمتن" في فصول ثلاثة، الأول هو "مختلف الحديث" وقد عني بالروايات المتعارضة وقواعد درء التعارض كالجمع والترجيح، وبيان وجوه الجمع وقواعد الترجيح وأمثلة ذلك ونماذجه، وأكمل الفصل الثاني"النسخ في الحديث بيان قاعدة النسخ وشروطه وطرق معرفته ونماذج من ناسخ الحديث ومنسوخه مبوبة وفق الترتيب الفقهي، والفصل الثالث"غريب" ألفاظ الحديث" فيه بيان تفسير علماء الإباضية لغريب ألفاظ الحديث ذكرتُ في بداية الفصل حضور الغريب بأقسامه في تراثهم ومصادرهم في تفسير الغريب، ثم عرضتُ نماذج من (1/10)
صفحة 11
علوم السنة عند الإباضيه
تفسير الغريب مع بيان آثاره الفقهية وغيرها من الآثار، وسلكت في الحاشية بيان تفسير علماء غريب الحديث لمزيد التدقيق في كشف معاني الألفاظ وإبراز وجه من وجوه المقارنة.
ويأتي عرض بعض جوانب مصطلح الحديث وتقسيماته عند الإباضية مكملا لموضوع علوم الحديث عندهم، وخاتمة أبواب الرسالة، جاء ذلك في الباب الخامس بعنوان "مصطلح الحديث عند الإباضية" في فصول أربعة الأول وهو" تقسيم الحديث بتعدد طرقه" عني بعرض المتواتر والآحاد والعزيز والغريب، والثاني وهو "الحديث المقبول" فيه بيان الصحيح والحسن والمرسل وزيادة الثقة، والثالث وهو الخبر المردود" وفيه عرض لأنواع الحديث المردود، وأما الرابع "الحديث المشترك بين القبول والرد ففيه بيان أنواع من الحديث لا توصف بالصحة أو الضعف وحدها بصفة خارجة عن حدها.
وفي نهاية مادة البحث كانت وقفتنا مع خاتمة البحث التي ضمناها أهم نتائج البحث وتوصياته، عرضنا فيها خلاصة الحقائق المتوصل إليها من خلال هذه الدراسة بإيجاز وتركيز.
وأما عن الملحقات المكملة لإطار البحث كالتعريف بالأعلام فقد ترجمت لعلماء الإباضية فقط لدوران البحث في دائرتهم وحاجة القارئ إلى ذلك، وجاء تخريج الأحاديث سالكا مسلكا وسطا بين الإطالة والإيجاز حسب ما رأيته من الحاجة، وكذلك التعليقات في الهامش جعلتها حسب الحاجة خاصة في كشف المقارنة وبعض التعقيبات التي رأيت أهميتها.
لقد كان إتمام هذا العمل أملا خَفَّفَ معاناته، وبلوغه أمنيّة هانت عندها مشاقه، ودفعت بالعزيمة على تذليل صعوباته، وتأتي صعوبة الشمول الزمني والموضوعي في ميدان مصادر مادة موضوعه فكان على الباحث مسح كتب المذهب الحديثية والفقهية والعقدية والتاريخية قديما وحديثا، خاصة أنّ الإباضية لم يبوبوا لمادة موضوعات هذه الأطروحة مفردة مستقلة بل وردت مبعثرة وسط كلامهم وبسطهم في تصانيفهم، ثم إنّ أكثر مؤلفات الإباضية لا تزال مخطوطة ومنتشرة في الشرق والغرب، مما ألزم الباحث السفر لها والتنقيب عنها، ويكفي أن
مسح مكتبات (1/11)
صفحة 12
علوم السنة عند الإباضيه:
ذ
المخطوطات بحثا عن مظان المادة استهلك وقتا طويلا، فضلا عن مسح مادة تلك المخطوطات بحثا وتنقيبا، وذلك ليعلم الواقف على هذا البحث أن مصادره التي جمع منها تم تتبعها واستقرأوها للقط مسائله كاملة، إذ أعيتني الحيلة في الحصول على مادته إلا بتتبعها حيثما كانت ومن المصادر مجموعة تتبعتها فخرجت خالي اليد من مادة البحث وهي علم الله لا تقل عددا عن المصادر التي وجدت فيها ضالتي، وهذا يكشف عن جانب من مكابدة هذا البحث لا نذكره إلا ليقدّر القارئ هذا العمل فيجازينا برأي ناقد بنّاء.
لقد كان علي في البحث أن أعطي الصورة عن الإباضية المشارقة والمغاربة متكاملة، ولزم من ذلك البحث في مكتبات مخطوطاتهم عبر الرحلة العلمية إلى بلدانهم، فقمت برحلة إلى وادي ميزاب و وارجلان بالجزائر وقمت بمسح عشرين مكتبة من مكتباته، متوزعة على بلدانه، وتأتي في مقدمة هذه المكتبات، مكتبة القطب، وصالح بن عمر لعلي، والاستقامة، وآل، خالد، وأوزكري، والحاج سعيد، وجمعية أبي إسحاق، والبكري، وإروان، والشيخ بالحاج، ومعهد الحياة وغيرها. وكذلك قمت بالرحلة إلى جربة في تونس، وعمل المسح في المكتبة البارونية، وسالم بن يعقوب الجربي.
وأمّا في مكتبات المخطوط في عمان فقد قمت بمسح شامل لمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة، ومكتبة السيد محمد البوسعيدي، ومكتبة الشيخ السالمي، ومكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي وغيرها.
ولم أرد بهذا التفصيل إلا كشف حقيقة الصعوبة الأهم في الوصول إلى مظان المادة ثم جمعها، وخلال هذه الرحلات كنت أضطر لتصوير هذه المظان للعمل فيها، وأحمد الله على تسهيل أهل هذه المكتبات وتمكيني من الوصول إلى المخطوطات، فأثابهم الله على صنيعهم وأجزل لهم الأجر، خاصة جمعية أبي إسحاق التي فتحت آفاق وادي ميزاب.
ثم إنّي أكملت جانب الرحلة العلمية لتعزيز البحث بحثا عن الدراسات وكتب علوم الحديث في عدد من الجامعات كجامعة أم القرى بمكة والجامعة الإسلامية بالمدينة وجامعة محمد بن سعود بالرياض، والجامعة الأردنية واليرموك وجامعة آل (1/12)
صفحة 13
البيت بالأردن.
علوم السنة عند الإباضيه:
هذا وإذا ما أضفنا الجهد المسحي للكتب المطبوعة الكثيرة تبين مدى الصعوبة في عمل هذا البحث، أمّا ما عدا ذلك من الصعوبات التي واجهتني فهي هيئة بالنسبة إلى ما ذكر فلا نطيل بها الذكر.
ولعل ما تقدم يكشف عن ميدان عمل هذا البحث وتنوع مصادره وتعددها، ويمكننا عرض بعض المصادر عبر التسلسل الزمني في إطار نقدي مراعين في الاختيار القدم وظهور الاستفادة في أغلب الأبواب:
-
-1 مسائل أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (763/ 145): يحتوي الكتاب على أجوبة فقهية متضمنة بعض الروايات والإشارات الاصطلاحية، أصولية كانت أم حديثية، ومن فوائده ذكر حجية السنة وقول الصحابي واتباع الأثر، والعمل بالحديث الضعيف في الرغائب وغير ذلك. وهذا الكتاب صغير الحجم لكنه كان كبير الفائدة لنا، غير أنه مبتور من أوله، وبه أخطاء في النسخ، ولم ينظم على نسق فقهي معين، والنسخة المخطوطة التي اعتمدت عليها ضمن مجموع محفوظة في مكتبة الحاج محمد بن سعيد بغرداية بالجزائر، وللكتاب نسخ أخرى كنسخة مكتبة الحاج صالح
لعلي.
2 - مدونة أبي غانم الخراساني بشر بن غانم (ق 8/ 2)، كتاب يقع في مجلدين، أفاد هذه الأطروحة بالكثير، ويعتبر الكتاب أكثر مصادر القرن الثاني جمعا لمرويات جابر وأبي عبيدة وتلاميذهما وأقوالهم، وجاءت مادة الحديث وعلومه منبثة بين مسائل هذا الكتاب، وهو مطبوع، ولكن في تقديري أن المطبوع ناقص، فحجم المخطوط الذي وقفت عليه في مكتبة صالح بن عمر لعلي أكبر وتسميته" ديوان أبي غانم"، وكذلك النسخة المخطوطة في دار الكتب المصرية، والكتاب محتاج إلى تنقيح وتدقيق، ولا يخلو من بعض التكرار والتداخل بين مسائل أبوابه، وبه أخطاء
مطبعية.
3 - كتاب المستأنف للرحيلي أبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب (887/ 273) ويسمى بالرضف، رسالة صغيرة الحجم عظيمة النفع، حوت مادة جيدة حول السنة وحجيتها وتقسيماتها ونماذج من رواياتها وبعض مصطلحاتها، غير أنها (1/13)
صفحة 14
علوم السنة عند الإباضيه
لا تزال مخطوطة محدودة الانتشار، ثم إن مادة الكتاب انصبت على بيان الأصول وخاصة في علم التوحيد وما أفادنا في علم الحديث جاء في ثناياه، وكذلك اتصفت
الرسالة بالاختصار في المواضع التي كنا نتمنى فيها التفصيل للحصول على بغيتنا. 4 - بدء الاسلام وشرائع الدين لابن سلام لواب بن سلام (887/ 273)، وهذا الكتاب تعاون في تحقيقه الشيخ سالم بن يعقوب الجربي والمستشرق فيريز شفارتس، يتميز الكتاب بمادته المستقاة من رواية شيوخ ابن سلام، وقد أفادنا في بعض مدلولات السنة وصيغ التعديل وبعض الروايات والمصطلحات الحديثية وغيرها من الفوائد، غير أن هذه المادة المستفادة جاءت ضمن مادة الكتاب التاريخية التي توسع فيها المؤلف، أضف إلى ذلك أن المؤلف اختصر الإسناد.
-5 - جامع ابن جعفر لأبي جابر محمد بن جعفر (حي في 891/ 277): وهو كتاب شامل لكثير من أبواب العقائد والفقه طبع منه ستة مجلدات، ثلاثة منها بتحقيق عبد المنعم عامر والأخرى بتحقيق جبر فضيلات وللكتاب نسخ مخطوطة وقفت عليها كالنسخة المحفوظة في مكتبة القطب ببني يسجن بالجزائر، ونسخة أخرى في مكتبة الشيخ أحمد بن ناصر السيفي صورت قطعة منها، وقد تعددت فوائد هذا الكتاب لهذه الأطروحة في أغلب فصول الرسالة، غير أن هذا الكتاب احتاج الأخذ منه مزيدا من التدقيق للفصل بين مادة الكتاب الأصلية و الإضافات، زد على ذلك وجود الأخطاء في طباعته وهو ما عقد إشكال الأخذ منه. ولاحظنا هناك تفاوتا في أحجام نسخ الكتاب المخطوطة فهو محتاج إلى مزيد من المقارنة والتدقيق، وفي بعض هذه النسخ يسمى" الجامع المضاف لابن جعفر، ويلاحظ ورود التكرار فـ
الكتاب، ووجود بعض التداخل في مادته، إذ ترد مسائل في غير مواضعها.
-6 جامع ابن بركة للسليمي أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ق 10/ 4): يعتبر هذا الكتاب أحد أهم المصادر التي أمدت هذه الأطروحة بالمادة المفيدة في كل فصولها، والكتاب يقع في مجلدين كبيرين، حققه عيسى بن يحيى الباروني، جرى تنظيمه وفق التبويب الفقهي بشكل دقيق، واتسم تصنيفه بالعمق والرصانة والتدليل مع الوضوح، وكشف عن تبحر ابن بركة العلمي، ومن ذلك علوم الحديث. وبدا ابن بركة في الكتاب مجتهدا محققا مستنبطا، يتعقب كبار الأئمة كأبي (1/14)
صفحة 15
علوم السنة عند الإباضيه
عبيدة وجابر وغيرهما، لكن في بعض تعقيباته كما لاحظت نظر، إذ يمكن أن يُتعقب فيها، ويلاحظ أن الكتاب لم يخل من تكرار في مواضع، ومن خلال استقرائي له وجدت ورود عدد من الأخطاء اللغوية التي ترجع إلى النسخ، كما أن الكتاب محتاج إلى عناية أخرى بمقابلته بمخطوطاته، وأتمنى لهذا السفر الجليل عظيم النفع ذلك، وقد أفادنا الكتاب مع باقي مؤلفات ابن بركة المتعددة التي اعتمدنا عليها كالتقييد والمبتدأ والموازنة والتعارف وغيرها.
7 - المعتبر للكدمي الناعبي أبي سعيد محمد بن سعيد (حي في 886/ 272): طبع في أربعة مجلدات بتحقيق أبي الحسن شحاته، كتاب فقهي جليل القدر، قيل شرح فيه الكدمي جامع ابن جعفر، غير أن الناظر في مادة الكتابين ومنهجهما يرى فرقا بينا، فالذي أميل إليه هو القول باستقلالية هذا الكتاب، وقد أفاد الكتاب هذه الأطروحة في عدد من فصولها، مع باقي تصانيف أبي سعيد كالاستقامة والجامع المفيد، ويظهر من أبواب الكتاب أن حجمه الحقيقي أكبر من ذلك، إذ غطى الكتاب بعض الأبواب، ثم إنه جاء مرتبا على الأبواب الفقهية مع تعرضه لبعض المباحث العقدية، غير أن الكتاب يبدو كما قلت غير مكتمل، وقد استفاض في بعض أبوابه دون بعض، ولم يخل من التكرار وبعض التداخل في مادته، وشارك غيره في وجود الأخطاء الطباعية والنسخية.
8 كتاب الضياء للعوتبي أبي المنذر سلمة بن مسلم الصحاري (ق 11/ 5): يعتبر هذا الكتاب أول موسوعة فقهية عقدية شاملة صنفها الإباضية، تميز بالتبويب والرصانة والتوسع، وكشف عن جلالة علم أبي المنذر، وهو يقع في عشرين مجلدا، وقد أفاد الكتاب هذه الأطروحة في جلّ أبوابها من خلال ثماني مجلدات منه كانت ميدانا للمسح والتنقيب، وقد خلا هذا الكتاب من الزيادات فيه، غير أنه محتاج إلى مزيد من العناية تصحيحا وتنقيحا، ويلاحظ فيه الاستطراد في بعض المواضع، ولم يخل من التكرار.
9 - بيان الشرع الجامع للأصل والفرع للكندي أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان السمدي النزوي (1115/ 508)، وهو موسوعة كبيرة جليلة القدر عظيمة النفع، تقع في اثنين وسبعين جزءا، شاملة لكل أبواب علوم الشريعة، أفاد هذه (1/15)
صفحة 16
علوم السنة عند الإباضيه
ش
الأطروحة في أكثر الفصول، وتم اختيار خمسة عشر مجلدا ميدانا للمسح تنقيبا عما يفيد البحث، وقد عني مؤلفه بجمع آثار من قبله، وهو كتاب ظلت بركته على طلبة العلم ممتدة عبر العصور، وعني به علماء المذهب خاصة المشارقة قرونا إلى يومنا، وهو لذلك رغم كبر حجمه له نسخ كثيرة مخطوطة، غير أن الكتاب محتاج إلى خدمة علمية بتصحيحه وتحققيقه وفرز المضاف إليه، ويحتاج إلى تنظيم وترتيب لمسائله وأبوابه، فهو بصورته الحالية تتداخل فيه المادة الأصلية والإضافات ويظهر
فيه التكرار، وتوجد به أخطاء الطباعة والنسخ ما يحوج إلى خدمته وإعادة طبعه. 10 المصنف للكندي أبي بكر أحمد بن عبد الله بن موسى (1162/ 557): هذا الكتاب موسوعة يقع في اثنين وأربعين جزءاً، أفاد هذه الأطروحة في جل أبوابها من خلال مجموعة الأجزاء العشرة التي جعلت ميدانا للبحث عما يفيد الأطروحة منها، ويتميز هذا الكتاب بحسن الترتيب والتصنيف، والرصانة والعمق وبدا أبو بكر الكندي فيه عالما مجتهدا، واعتمد على المصادر التي تقدمته، لكنه كان في أخذه مدققا، والكتاب يحتاج إلى عناية بتصحيحه وتحقيقه وتلافي الأخطاء الواردة فيه، ولم يخل من وجود بعض التداخل والتكرار.
11 - السؤالات للسوفي أبي عمرو عثمان بن خليفة المارغني (ق 12/ 6) كتاب ما زال مخطوطا في سفر ضخم - تزيد صفحاته المخطوطة عن 500 صفحة) فلو طبع لبلغ الثلاثة أجزاء، وهو عبارة عن أسئلة أجابها دارت أكثرها في أبواب العقيدة، ويتميز بوفرة مادته اللغوية وشواهدها، وقد وجدنا فيه فوائد كثيرة خدمت جل أبواب الرسالة، والكتاب رغم استفادتنا منه مادته متوزعة غير منظمة أو مبوبة، ولذا يصعب على أي باحث الوصول إلى بغيته منها بسهولة، واعتنى بمسائل العقيدة أكثر، وهو محتاج إلى خدمة كبيرة لإخراجه.
12 - العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف للوارجلاني أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم (1175/ 570): يقع هذا الكتاب في مجلدين، أفاد هذه الأطروحة كثيرا في كل أبوابها، طبع بلا تحقيق وهناك تحقيق لعمرو بن خليفة النامي لا يزال مرقونا. وهذا الكتاب أصولي في إطاره، وأصولي فقهي عقدي في محتواه، دقيق في تبويبه وتنظيمه رصين عميق في طرحه، كشف جلالة علم (1/16)
صفحة 17
علوم السنة عند الإباضيه
1
مؤلفه، لكن تمنينا في مواضع منه أن يبسط فيها القول فنخرج بفوائد أكثر، ونسخته المطبوعة تحتاج إلى تدقيق وتصحيح ففيه عدد من أخطاء اللغة والنسخ، وتحتاج
بعض
ألفاظه إلى بيان وشرح.
-
عب
13 البحث الصادق والاستكشاف عن معاني العدل والإنصاف للبرادي أبي القاسم بن إبراهيم (حي في: 1407/ 810): يعتبر الكتاب شرحا لألفاظ كتاب العدل والانصاف للوارجلاني وبيانا لبعض موضوعاته، وهو مخطوط كبير الحجم الخط، أفادنا في مواضع متعددة من فصول الأطروحة، يقع في 288 ورقة (576 صفحة بالحجم الكبير، ورغم أن الكتاب في مادته مُفضّل لما اتسم به من التحقيق العلمي؛ فإنّ البرادي استطرد في المباحث الكلامية وأطال، وترك جوانب لم يُعنَ بها، وبذلك خرج عن عنوان الكتاب، فمقتضى عنوانه أن يكون كتابه شرحا لكل مادة كتاب العدل والكتاب بحاجة إلى مقابلة مخطوطاته وتحقيقه وإخراجه مع التبويب والفهرسة، إذ يصعب الوصول إلى شيء منه إلا بقراءته كاملا.
14 فتاوي وأجوبة فقهية للجربي سعيد بن علي (1492/ 898): وهذا الكتاب مخطوط أفادنا بمادته في عدد من فصول البحث، ويكشف عن سعة اطلاع مؤلفه الذي اشتهر بإحيائه العلم في وادي ميزاب لما رحل إليه من جربة، لكن الكتاب محتاج إلى التبويب والترتيب، وكذلك إلى مقابلة نسخه وتصحيحه.
15 - شرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي أبي العباس أحمد بن سعيد (1522/ 928): وهو كتاب شرح فيه الشماخي مختصره على كتاب العدل والانصاف، وتدور مباحثه على أصول الفقه، إذ اختصر الشماخي المباحث
الأصولية لكتاب العدل ثم شرحها، وقد أفاد هذا الكتاب مادة الأطروحة وأثراها فـ كل الفصول، والكتاب حقق ودرس في رسالة علمية قدمت في الدراسات المعمقة بجامعة الزيتونة من قبل مهني التويجني، وله نسخ مخطوطة رجعت إلى إحداها،
والكتاب جليل النفع، لكنه يوجز في مواضع كنا نتمنى تفصيله فيها ليعم النفع. 16 رفع التراخي في مختصر الشماخي للتلاتي أبي حفص عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187): شرح فيه مختصر الشماخي على العدل والانصاف، وهذا الكتاب أفادنا في أكثر فصول الرسالة، خاصة في المصطلحات، وقد كشف الكتاب (1/17)
صفحة 18
علوم السنة عند الإباضيه:
ض
عن سعة اطلاع وتبحر عند التلاتي الذي استفدنا بمجموعة من كتبه في هذا البحث، والكتاب لا زال مخطوطا، ومخطوطته التي عثرنا عليها سيئة الخط أجهدتنا في بلوغ المرام، والملاحظ أن الكتاب لم يفصل شرحه عن كتاب الشماخي فجاء كلامهما متداخلا يحتاج إلى عناية لفرزه، كما أضاع علينا عددا من الفوائد بهذا التداخل. وهناك مصادر جاءت مع هذه المصادر وبعدها لا تقل الاستفادة منها عما
سبق ولكن قدمنا المتقدم زمنيا وحسب وفرة الفائدة.
هذا، وإني لأمل أن أكون بهذه الأطروحة للعلم وأهله قدمت ولو بعض الخدمة لموضوع هذه الأطروحة، شاكرا ومعترفا بفضل كل من مد يد العون إلي لإتمام دراستي وإنجاز مشروعي وفي مقدمة ذلك جامعة السلطان قابوس التي أتاحت لي فرصة إتمام الدراسة، خاصة رئيس الجامعة سعادة الدكتور سعود الريامي ونائبه الدكتور حمد السالمي، وأخي الدكتور عبد العزيز الكندي عميد كلية العلوم، وكذلك سفارة سلطنة عمان خاصة سعادة السفير علي العيسائي والأخ المستشار صالح
المسكري. وفي تونس الخضراء الغراء جامعة الزيتونة العزيزة خاصة رئيس الجامعة
الدكتور سالم بويحيى ومدير المعهد الأعلى الدكتور العروسي الميزوري.
وأشكر أساتذتي الذين كان لي منهم شرف الإشراف على هذه الأطروحة والذين تتابعوا عليها الدكتور عيسى الزيتوني والدكتور ناصر الزعايري اللذين رعياني حق الرعاية، وأمداني بالنصائح والتوجيهات التي أَثْرَت الرسالة، ثم مسك الأمر ختامهم أستاذي الجليل، الدكتور الصادق كرشيد الذي اكتنفي برعايته، وأحاطني بمزيد عنايته، ووسعني بخلقه فضلا عن علمه، فكان لمراجعته الرسالة وحسن توجيهه، أثر كبير في خروج هذه الأطروحة، في صورتها التي نرجو أن تكون المشرقة المشرفة. فلهؤلاء جميعا جزيل شكري وعظيم امتناني.
ثم إنّي وأشكر أستاذي الجليل الدكتور فرحات الجعبيري، الذي فتح من خلال استشارته كثيرا من الآفاق، وسهل الحصول على عدد من المصادر لهذه الأطروحة، أو أرشد إليها، وكان لنصائحه عظيم النفع لهذه الرسالة، وكذلك أقدم شكري وامتناني لجمعية أبي إسحاق بغرداية وجمعية التراث بالقرارة في الجزائر الشقيق التين فتحتا (1/18)
صفحة 19
علوم السنة عند الإباضيه:
لي آفاق وادي ميزاب وخزائن كتبه ودرره المكنونه، وأخص أخي العزيز محمد
ايمناسن حفظه الله.
والشكر موصول لأفراد أسرتي الصغيرة الذين كان لهم الأثر الكبير في إنجاز هذا المشروع بصبرهم وتهيئتهم الظروف المواتية للعمل والإنجاز، وأخص الزوجة الوفية المخلصة أم يحيى فأحسن الله ثوابها كما أحسنت إلي، وأجزل لها بصبرها الثواب الوافي. كما وإنّي أهدي هذا العمل إلى شجرة العلم الطيبة في أسرتي التي آتت ثمرها وآمل في استمراره، وفي مقدمة ذلك جداي وأبواي وعمي، فجدي الأول الشيخ العلامة القاضي سعيد بن أحمد الكندي وهو جد والدي لأمه، والثاني جدي لأمي الشيخ العلامة القاضي سعود بن سليمان الكندي، وأبي الشيخ العلامة يحيى بن أحمد الكندي وأمي عائشة الحافظة لكتاب الله، {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً، الدكتور العلامة إبراهيم بن أحمد الكندي. وإني ما ذكرتهم تسلسلا إلا لأثر كل منهم في من بعده وصولا إلى أثرهم في هذه الأطروحة، اللهم ارحم ميتهم واحفظ الأحياء منهم، وأحسن مثوبتهم، وبارك في أثرهم.
وعمي
وأختم مقدمتي بثلاثة أبيات اخترتها من قصيدة نظمتها في جامعة الزيتونة في
أول عام سجلت فيها ومنها من الكامل)
يا جامع الزيتون أنت كسوتها حلل العلوم رقين بالأفهام. لا زال غصنك يانعا في فكره وخصوب تربك منبت الأعلام. ذكرتني في أرض قومي جامعا من أرض نزوى ترب كل إمام.
وأدعو الله أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، إنه السميع
العليم. (1/19)
صفحة 20
:
علوم السنة عند الإباضيه
الرموز المستعملة
الرمز
مدلوله
مخ
مخطوط
تح
تحقيق
دت
د تر
د. ر
ظ
دون تاريخ
دون ترقيم الصفحات
محفوظ دون رقم
ظهر ورقة المخطوط.
مخ مج
مخطوط ضمن مجموع
وجه ورقة المخطوط.
رمز لمحذوف أو اختصار. (1/20)
صفحة 21
علوم السنة عند الإباضية
1
الباب الأول
السنة معناها ومكانتها
عند الإباضية.
الفصل الأول: السنة المعنى والمدلول
عند الإباضية.
الفصل الثاني: تقسيمات السنة عند الإباضية
الفصل الثالث: حجية السنة
عند الإباضية. (1/21)
صفحة 22
علوم السنة عند الإباضية
2
الفصل الأوّل السنّة المعنى والمدلول عند الإباضية
المبحث الأول المعنى اللغوي:
أوَّلاً السنَّة: أصل اشتقاق السنة من سن (1)،
ووردت السنة في لغة العرب
مستعملة في معان عدّة منها الطريقة (2) والسيرة؛ وشاهد ذلك قول الهذلي (من
الطويل)
فَلا تَجْزَعَنْ مِن سيرة أَنتَ سِرتَها فَأَوَّلُ راض سُنَّة مَنْ يَسيرُها (3).
وقول ابن فارس وهو من أئمة اللغة: " سُنّة رسول الله له سيرته (4). وجاء في القرآن الكريم لفظ السنَّة بمعنى الطريقة والشريعة في آيات منها قوله عزَّ وجلَّ: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النساء 26/ 4)، ويراد بالسنن في الآية:"الطرق ووجوه الأمر
وأنحاؤها" (5).
(1)
القزويني
أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريّا (1004/ 395، معجم مقاييس اللغة، تح: عبد السلام، هارون، ط 1، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1411 هـ، 1991 م، 61/ 3.
(2) العوتبي سلمة بن مسلم الصحاري (ق 11/ 5)، كتاب الإبانة في اللغة العربية، تح: عبد الكريم خليفة نصر عبد الرحمن صلاح جرار محمد حسن عواد جاسر أبو صفية، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان مسقط، 1420 هـ، 1999 م 225/ 3. (3) ابن منظور محمد بن مکرم (1311/ 711) لسان العرب، دار صادر، (دت)، 226/ 13، والبيت من قول خالد بن عتبة الهذلي وجاءت روايته في معجم مقاييس اللغة (وهو من
الطويل)
فَلَا تَجْزَعَنْ مِن سُنْةٍ أَنتَ سِرتَهَا فَأَوَّلُ راضِ سُنَّة مَنْ يَسِيرُها.
ر ابن فارس معجم مقاييس اللغة 61/ 3.
(4) م. س، 61/ 3.
(5)
ابن عطية أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي (1146/ 541)، "تفسير ابن عطية"
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تح عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، السيد عبد العال السيد إبراهيم محمد الشافعي العناني، ط 1 مؤسسة دار العلوم، قطر الدوحة، 1402 هـ،
6 (1/22)
صفحة 23
علوم السنة عند الإباضية
كما وردت
السنة.
3
بمعنى الطريقة في السنة النبوية أيضا في أحاديث منها
قوله " من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء
(2)
(1)
ومن معاني السنة أيضا الوسط والجادة كقولهم خذ على سَنَن الطريق وسنته أي على وسطه وجادته والسنة ما سن المرء من عمل أو أمر ليقتدى به (3)، قال نصيب من نصيب (من
الطويل)
كَأَنِّي سَنَنت الحُبَ أُولَ عاشق مِنَ الناسِ إِذ أحبَبت مِن بَيْنِهِم وَحدي (4) وعنصر الاتباع والاقتداء يبدو أكثر جلاء ووضوحاً في معنى السنّة في قول لبيد (من الكامل):
من معشر سنت لهم آباؤُهُم وَلِكُلِّ قوم سُنَّةً وَإِمامها (5). سَنَّت
21/ 4 1982
(1) أخرجه مسلم - واللفظ له - في صحيحه في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة 4/ 2059 (1017)، وابن خزيمة في صحيحه في جماع أبواب الصدقة، باب التغليظ في الرجوع عن .. 112/ 4 (2474)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة، 39/ 2 (2335)، وفي المجتبى، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة 75/ 5 (2554)، وابن ماجة في سننه في فضائل الصحابة، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، 75/ 1 (297)، والدارمي في سننه، في المقدمة، باب من سن سنة حسنة أو سيئة،
(514) 141/ 1
(3)
ر العوتبي، كتاب الإبانة 266/ 3
ر: م. س، 266/ 3.
ابن منظور، لسان العرب مادة سنن،225/ 13
(5) الأيوبي ياسين، الهواري صلاح الدين (معاصران)، شرح المعلقات العشر، ط 1، عالم
الكتب،،لبنان، بيروت، 1415 هـ، 1995 م، ص 219. (1/23)
صفحة 24
علوم السنة عند الإباضية
4
و" استنّ الرجل إذا مضى على أمر لا يرده عنه راد، قال الشاعر (من
الطويل):
دَعَانِي إِلَى مَا يَشْتَهِي فَأَجَبَتُهُ فَأَصْبَحَ بي يَستَنُّ حَيثُ يُرِيدُ (1).
وتأتي السنة
بمعنى العادة، قال الله تعالى سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلُنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً) (الإسراء (77/ 17)؛ ومما قيل في تفسير هذه الآية "أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا" (2).
ويظهر أنّ هذه المعاني اللغوية للفظ السنة تتضمنها معاني السنة الاصطلاحية ومفهوم حجيتها؛ فهي تشكل أساس هذه المعاني ودلالتها، إذ السنة في حقيقتها تعبر عن طريقة حياة النبي وسيرته وعادته، وقد سنها لأمته، ووجههم ليقتدوا بها ويترسموا خطاها، ويتتبعوا وجهتها، وهي تمثل الجادة والوسطية في مراعاتها لمطالب الروح والجسد في حياة الإنسان.
ثانياً: الحديث والخبر والأثر الحديث لغة الجديد وهو نقيض القديم، كما يراد به الخبر قليله أو كثيره (3)، ومن شواهد ذلك قول الرسول " يا عباس؛ يا عماه؛ ألا أعطيك ألا أحبوك ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه" (4).
(1) العوتبي، كتاب الإبانة،266/ 3، والبيت من قول مجنون ليلى ولفظه من الطويل) دَعانِي الهَوَى مِن نَحوِها فَأَجَبَتُهُ فَأَصْبَحَ بِي يَستَنُّ حَيثُ يُرِيدُ
(2) ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن كثير (1372/ 747)، تفسير القرآن العظيم، ط 4، مؤسسة الريان، لبنان، بيروت، 1418 هـ، 1998 م، 75/ 3.
(3)
الفيروز أبادي مجد الدين محمد بن يعقوب (1414/ 817)، القاموس المحيط، دار المعرفة، بيروت، لبنان (د. ت)، باب التاء فصل الحاء، 164/ 1، وكذلك: ابن منظور، لسان العرب، مادة حدث، 131/ 2، 133.
(4) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب صلاة التطوع (463/ 1 (1192)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ذكر الأخبار المنصوصة والدالة على .. ، 223/ 2 (1216)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب صلاة التسبيح (29/ 2 (1297)، وابن ماجه في سننه، كتاب (1/24)
صفحة 25
علوم السنة عند الإباضية
5
ويجمع حديث على أحاديث كقطيع وأقاطيع جمعاً شاذاً على غير قياس، كما أن مصدر حدّث هو التحديث، أما الحديث فليس بمصدر، وذهب الزمخشري إلى أن الأحاديث اسم جمع (1)، وذهب بعضهم إلى أنّ الأحاديث ليس اسم جمع، بل هو جمع تكسير لحديث على غير قياس كأباطيل، واسم الجمع لم يأت على هذا الوزن، بل سميت هذه الكلمات وهذه العبارات أحاديث كما قال الله تعالى فَلْيَأْتُوا
بِحَدِيثٍ مِّثْله إن كَانُوا صادقين (الطور 34/ 52) وذلك لأن الكلمات تتركب من
الحروف المتعاقبة المتوالية، وكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه
أو لِمَا يَحْدُثُ حالَ سماعها في القلوب من العلوم والمعاني (2).
كما اختلف في واحد أحاديث فذهب الفراء إلى أن واحد الأحاديث أحدوثة ثم جعلوها جمعاً للأحاديث، وتعقبه ابن بري بقوله: " ليس الأمر كما زعم الفراء،
لأن الأحدوثة بمعنى الأعجوبة، يقال: قد صار فلان أحدوثة، فأما أحاديث النبـ فلا يكون واحدها إلا حديثاً، ولا يكون أحدوثة (3)، وفي حقيقة الأمر ورد في كلام العرب قولهم: صار فلان أحدوثة وصار حديثا؛ إذا ضرب به المثل وأكثرت فيه الأحاديث (4)، ولفتة الفراء لا تخلو من حسن نظر خاصة وأن لها ما
6 11
يمكن عده شاهدا وهو قول الشاعر:
ولا تُصْبِحُوا أُحْدُوثَةً مِثلَ قائل به يَضْرِبُ الأَمثالَ مَنْ يَتَمَثَلُ
الصلاة، باب ما جاء في صلاة التسبيح، 443/ 1 (1387)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة التسبيح، 51/ 3 (4695).
(1) الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمر (1089/ 538)، الكشاف، تح: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث، بيروت، (د. ت)، 419/ 2.
(2) القاسمي جمال الدين بن محمد (1914/ 1332)، قواعد التحديث، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1399 هـ 61/ 1
(3)
(4)
ابن منظور، لسان العرب مادة حدث، 133/ 2.
م. س، 134/ 2. (1/25)
صفحة 26
علوم السنة عند الإباضية:
6
فقول الشاعر يشير إلى ترادف المثل والأحدوثة (1)، وهذا البيت يمكن جعله شاهداً لما تقدم ذكره من ترادف الحديث والخبر؛ وذلك لأن معنى الإخبار وارد في الأحدوثة، وممن أشار إلى هذا الترادف أبو البقاء في قوله في معنى الحديث: اسم من التحديث وهو الإخبار" (2).
وورود لفظ الحديث بمعنى الخبر متكرر في القرآن الكريم، من ذلك قوله تعالى {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ} (البروج (17/ 85) وقوله عز وجل: {اللَّهُ نَزَلَ أحْسَنَ الْحَدِيث (الزمر (23/ 39) يقول الطبري معلقاً على هذه الآية "أرادوا الحديث
فدلّهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلّهم على أحسن القصص
(3)
والأثر الخبر وجمعه آثار، وسنن النبي صلى الله عليه وسلم آثاره (4)، وفي حديث قصة أبي
سفيان مع هرقل: " والله لولا الحياء أن يأثر أصحابي عني الكذب لكذبته حين سألني، ولكني استحيت أن يأثروا الكذب عني فصدقته" (5) وذهب جماعة من
6
(1) الأصفهاني أبو الفرج علي بن الحسين (967/ 356)، الأغاني، مطبعة التقدم، القاهرة، (د. ت)، 120/ 10.
(2) أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني (1683/ 1094)، كليات أبي البقاء، تصحيح عدنان درويش ومحمد المصري، ط 2، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1413 هـ، 1992 م، 202/ 2. (3) الطبري محمد بن جرير (923/ 310)، تفسير الطبري، دار الفكر، لبنان، بيروت، 1405 هـ، 150/ 12.
(4) ابن منظور، لسان العرب، مادة أثر، 6/ 4.
"
(5) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم 1074/ 3 (2783) ومسلم في صحيحه في كتاب الجهاد والسير باب كتاب النبي إلى هرقل، 1393/ 3 (1773) والنسائي في السنن الكبرى في كتاب التفسير، باب قوله تعالى قل يا أهل الكتاب 309/ 6 (11064) والبيهقي في السنن الكبرى في جماع أبواب السير، باب إظهار دين النبي 178/ 9 (1838)، وأبو عوانة في مسنده، كتاب الطلاق، باب ذكر الخبر الدال ... 269/ 4 (6727) وأحمد في مسنده، مسند عبد الله بن عباس، 262/ 1 (2370) والطبراني في المعجم الكبير، مما أسند أبو سفيان 20/ 8 (7272) وأبو يعلى في مسنده، أبي سفيان 7/ 5 (2617) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، في ومن ذكر بني أمية (1/26)
صفحة 27
علوم السنة عند الإباضية:
7
المفسرين في بيانهم لقوله تعالى {وَنَكتبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} (يس 36/ 12) إلى يعني ما أثروا: أي ما سنوا من سنة فعمل بها قوم بعدهم، إن كانت خيراً فلهم
أنه
مثل أجورهم، وإن كانت شراً فعليهم مثل أوزارهم (1).
المبحث الثاني: الدلالة اللغوية والفقهية والأصولية
إن المتتبع للفظ السنة في ما دونه الإباضية، وصنفوه، يلمس في ورودها تنوع الدلالة من لغوية أو فقهية أو أصولية أو حديثية علما أن تحديد مفهوم السنة وتعريفه جاء متأخراً شأن كل المصطلحات والمفاهيم في الغالب.
وسنحاول تتبع ألفاظ السنة من خلال نصوص من عبارات علماء الإباضية؛ مستنطقين دلالات إطلاقهم للسنة كي ندرك تطور دلالات السنّة عند علماء الإباضية منذ بدايات تعبيرهم بها وصولا إلى تحديد المفهوم فالتعريف. ففي قول أبي المؤثر مثلاً (2): " وقد جرت بذلك سنة المسلمين" (1) نلمح معني
الطريقة، وهو ما نستشفه أيضا في عبارة أبي سعيد
الكدمي
" (2)
يعجبني أن يقتفي
بن عبد شمس ... 366/ 1 (488).
(1) ر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 741/ 3، أبو السعود محمد بن محمد العمادي
(1545/ 951) تفسير أبي السعود، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د. ت)، 161/ 7. (2) الخروصي أبو المؤثر الصلت بن خميس (892/ 278): عالم وفقبه، ولد ببهلا في عمان، كان من رؤؤس أهل الحل والعقد في اختيار الإمام الصلت أخذ العلم عن محمد بن محبوب، ونبهان بن عثمان وغيرهما، له كثير من الأجوبة والفتاوى تزخر بها كتب الفقه والتاريخ الإباضي، من رسائله" كتاب الأحداث والصفات". ر: ابن مداد عبد الله بن مداد النزوي (ق 17/ 12)، سيرة ابن مداد، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1984 م، ص 22، السالمي نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد (1914/ 1332)،تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان تصحيح وتعليق: اطفيش أبي إسحاق إبراهيم (1385/ 1965)، ط 2، مطبعة الشباب، القاهرة: 1250 هـ، 242/ 1 - 243، البطاشي سيف بن حمود بن حامد (1999/ 1420): إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ط 1 1413 هـ /1992 م، مطابع النهضة، سلطنة عُمان، 201/ 1. (1/27)
صفحة 28
علوم السنة عند الإباضية
8
السنة المدروكة في الشحب (3) (4)، و قوله أيضا: " حمل على السنة المدروكة (5) حيث أراد بالسنّة الطريقة المعهودة المتبعة في ذلك، وهذا الإطلاق أقرب إلى المدلول اللغوي
وقد نجد المزاوجة بين الدلالة اللغوية والاصطلاحية أحيانا أخرى كما في قول أبي المؤثر: فمن لم يتقيد بكتاب الله ولم يكن على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سنن المسلمين فليس هو من المسلمين بإمام، وليس الإمام في الدين من خطب ودعا ورغب، وإنما الإمام في الدين من علم التأويل، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفق سنن المسلمين وآثار أهل الفضل في الدين"
(1)
الكندي
(6) "
أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى (1162/ 557)، كتاب الاهتداء والمنتخب من
سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وأئمة وعلماء عمان، تح: سيدة إسماعيل كاشف، ط.،مطبعة دار إحياء الكتب العربية، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان
1406 هـ، 1985 م، ص 85.
(2)
الكدمي أبو سعيد محمد بن سعيد الناعبي قبيلة، والكدمي مسكنا وهي إحدى قرى بلدة الحمرا بعمان (حي في: 886/ 272)، لقب بإمام المذهب، وعد واحدا من كبار علماء عمان المحققين في تاريخها، أخذ العلم عن محمد بن روح الكندي، ورمشقي بن راشد، وغيرهما، تلقيت أقواله وكتبه بالقبول ممن جاء بعده من كتبه المعتبر، والاستقامة، وكتاب الجامع المفيد، والزيادات على كتاب الأشراف لابن المنذر النيسابوري الشافعي، ر: السالمي تحفة الأعيان، 194/ 1، البطاشي، إتحاف الأعيان، 215/ 1 - 219، مجموعة باحثين، دليل أعلام عمان، ط 1، جامعة السلطان قابوس 1412 هـ، 1991 م، ص 146.
(3) الشحب مصطلح عماني): هو عملية تنظيف مجرى الفلج. (4) الكدمي أبو سعيد محمد بن سعيد (حي في: 886/ 272)، الجامع المفيد من أحكام سعيد، مطابع سجل العرب نشر وزارة التراث القومى والثقافة سلطنة عمان، 1406
199/ 31986
(5) م. س، 217/ 3.
(6)
الخروصي أبو المؤثر الصلت بن خميس (892/ 278)، كتاب الأحداث والصفات
6
(مخ)
ضمن مجموع السير العمانية محفوظ بمكتبة الإمام غالب، بالدمام السعودية، (د. ر)، بيد الباحث صورة منه، ص 221. (1/28)
صفحة 29
علوم السنة عند الإباضية
9
ومرادنا في هذا المقام مجرد التمثيل لظهور الدلالة اللغوية في إطلاق الإباضية؛ إذ قد سبق الحديث عن المعنى اللغوي وإذ أنّ مورده معاجم اللغة ودلالات الكتاب والسنة كما تقدم.
أما الدلالات الأصولية للسنة فنجدها حاضرة في إطلاق الإباضية منذ بداية تدوينهم، من ذلك مدلول اعتماد السنة مفزعاً للأحكام الفقهية، ومعتمداً لها في مفردات الأعمال وفقا لما ورد في إحدى رسائل جابر بن زيد (1): "وأما ما ذكرت من رجل يصلّي المغرب والعشاء والصبح ولم يقرأ فيهن بشيء من القرآن، فإن أحب إليّ أن يعيد صلاته فيقرأ منها، فإنه قد ترك السنّة فيها، إلا أن يكون رجلاً أمّياً لا يقرأ أو أغتم (2)، فإن الله لا يكلف نفساً
إلا وسعها
(3)
وتوجد شواهد أخرى عند الإمام جابر في رسائله منها قوله:" وأما الذي ذكرت من أنّ إماماً يؤم الناس في الصلاة الواجبة، ولكنه ترك فيها الركوع وتبعه
(1) الأزدي أبو الشعثاء جابر بن زيد (712/ 93): ولد بقرية فرق من ولاية نزوى بعمان، تنقل في رحلته العلمية بين البصرة والحجاز،، كان من أئمة التابعين ومفتي البصرة وإمام التفسير، شهد له الصحابة وأئمة التابعين برسوخ العلم، روى عن جمع كبير من الصحابة عبر عنهم بقوله: أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر الزاخر يعني عبد الله بن عباس"، وعن ابن عباس: لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب الله"، أهم آثاره ديوان كبير مفقود، كتاب الصلاة ((مخ)، كتاب النكاح (مخ)، بجربة بالمكتبة البارونية، جواباته ورسائله ر: الذهبي أبو عبدالله محمد بن أحمد (1348/ 748)، تذكرة الحفاظ، تح عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان 1374 هـ،،72/ 1، السالمي، تحفة الأعيان، 12/ 1. (2) الغتمةُ: عُجْمة في المنطق، ورجلٌ أَعْتَمُ لا يُفصح شيئاً. ر: ابن منظور، لسان العرب، مادة غتم، 433/ 12.
(3) الأزدي أبو الشعثاء جابر بن زيد (712/ 93)، رسائل جابر بن زيد، ترتيب أحمد كروم، عمر، بازين، مرقون بيد الباحث صورة منه (النسخة المرقونة التي اعتمدنا عليها تحوي 18 رسالة رقم 5، ص 14. (1/29)
صفحة 30
علوم السنة عند الإباضية
10
في ذلك المأمومون، فالأفضل لهم إعادة صلاتهم تلك لأنهم بذلك خالفوا السنّة (1). وفي كتاب جابر بن زيد أيضا (2) نجد شواهد أخرى متعددة، وهي تكشف جانبا من الدلالة الأصولية للسنة؛ إذ جاء جواب إمام المذهب مصرحاً ومعبرا بدلالة لفظ السنة باعتباره معتمدا للحكم على أفراد المسائل، ومثل هذا كثير لمن يطالع مدونات المذهب ومصنفاته.
وقد تكون عبارات علماء الإباضية التي جاءت معبرة بمدلول مصدرية السنة في التشريع أبلغ في الدلالة الأصولية لها؛ فقد بيّن جابر بن زيد أن الحكم في من أوصى بجور في وصيته هو أن يردّها الولي أو إمام المسلمين إلى كتاب الله وسنة نبيه (3).
(1) م. س، رقم 6، ص 20.
(2) الأزدي أبو الشعثاء جابر بن زيد (712/ 93)، کتاب جابر بن زيد روايات عمرو بن
هرم مرقون من أصل مخطوط بدار الكتب المصرية، القاهرة رقم 21582 ب، ص 6. (3) الزواري أبو زيدت عبد الرحمن بن سليمان (مجهول) التاريخ الوصايا والرقبة والسكنى والعمرى والشفعة فتاوي لبعض أئمة الإباضية المتقدمين)، (مخ) ضمن مجموع جمعه عبدالرحمن الزواري، المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم 111، (صورة لدى الباحث)،
ص 2. (1/30)
صفحة 31
علوم السنة عند الإباضية
11
ويقرر خليفته أبو عبيدة (1) نقض كل رأي أو قياس مخالف للمصدرين الأصيلين بقوله معلقاً على قياس مردود: هذا جدال وقياس بخلاف كتاب الله وسنة رسول الله فهو الذي "يحرم، ويؤكد سالم بن ذكوان (3) تقليده واتباعه لأئمته
(2)
المتقدمين بموجب فضل زيادة علمهم بالكتاب والسنة في قوله: " ورأينا اليوم لرأيهم تبع يومئذ، وتأويلنا القرآن اليوم لتأولهم يومئذ تبع؛ لسنا ممن يزعم أنه أفاد اليوم
(1)
التميمي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (763/ 145)، إمام الإباضية بعد جابر، كان عالما متبحرا، وفقهيا محدثا، كما كان زعيما محنكا وداعية مربيا، فبفضل دوره الرائد وحسن تدبيره وحكمته نجحت الدعوة الإباضية في إقامة دول لها في المشرق والمغرب، روى عن عدد من الصحابة والتابعين، أخذ عنه حملة العلم إلى المشرق والمغرب، ترك جملة آثار وأراء تزخر بها كتب الإباضية، له كتاب المسائل وكتاب في الزكاة، ومجموعة رسائل، قال عنه يحيى بن معين: "ليس به بأس، وذكره البخاري في تاريخه، ولم يذكر له جرحا أو تعديلا. ر: الشيباني احمد بن حنبل (856/ 241) العلل ومعرفة الرجال، تح: وصي الله بن محمد عباس، ط 1، المكتب الإسلامي، الرياض، السعودية، 1408 هـ،1988 م، 11/ 3 ترجمة 3922، البخاري أبو عبد الله محمد بن اسماعيل (870/ 256)، التاريخ الكبير، تح: السيد هاشم الندوي، دار الفكر، (دت)، 271/ 7 الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (1272/ 670)، طبقات المشايخ بالمغرب: تح إبراهيم طلاي مطبعة البعث: قسنطينة الجزائر، (دت)، 2019/ 1، 246238/ 2، ابن، مداد سيرة ابن مداد، ص 9،18 - 19، ليفتسكي تادوز، جماعة المسلمين بالبصرة (محاضرة مترجمة عن البولونية مرقونة لدى الباحث صورة منها 1984 م، ص 4 - 5
(2) التميمي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (763/ 145): مسائل أبي عبيدة، (مخ) ضمن، جموع، مكتبة الحاج محمد بن سعيد غرداية الجزائر، د. ر، ص 5 و. (3) الهلالي سالم بن ذكوان (حي في: 720/ 101) من بلدة توام (البريمي الآن من عمان أحد علماء الإباضية المبرزين، أخذ عن جابر بن زيد وصاحب أبا عبيدة وأخذ عنه، كان ضمن وفد الإباضية الذي وفد على الخليفة عمر بن عبد العزيز، وطلب منه أمورا منها قطع عادة سب علي على المنابر، له سيرة تكشف عن تبحره وتضلعه وعمق فقهه، ر: الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (1522/ 928)، كتاب السير، تح: أحمد بن سعود
السيابي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1407 هـ/1987 م،109/ 1، مجموعة باحثين، دليل أعلام عمان، 75. (1/31)
صفحة 32
علوم السنة عند الإباضية
12
علماً في القرآن والسنة حتى غلبهم" " (1)، وتأتي قريبا من هذا المعنى الذي ذكره ابن ذكوان عبارة أبي مودود (2) - مع الترتيب في دلالة الحجية- في قوله: "وكل قائل على الله بخلاف الحق الذي أنزله في كتابه، أو في سنة نبيه، أو في سنة أوليائه، وما دانوا به ضالّ كافر حتى يتوب " (3)، وحيثما تتأكد عندهم دلالة الحجية يلزم التفقه في الكتاب والسنة (4).
والذي نلمسه من دلالة السنة في إطلاق جابر وأبي عبيدة وابن ذكوان عنوا بها سنة الرسول، بينما نجد أن محمداً ابن محبوب (5) استخدم مصطلح السنة، وعنون به كتابه، وتوسع في مدلول السنة كثير ا (1).
(2)
(1) الهلالي سالم بن ذكوان (720/ 101)، سيرة سالم بن ذكوان مطبوعة ضمن كتاب: محمد صالح ناصر، منهج الدعوة عند الإباضية، ط 2، المطبعة العربية غرداية الجزائر، نشر جمعية التراث بالقرارة في الجزائر، 1419 هـ،1999 م، ص 366. الطائي أبو مودود حاجب بن مودود (768/ 150): عالم جليل، وفقيه داعية، ولد بالبصرة، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم، وكان ساعده الأيمن في نشاطه، تولى مهمة الإشراف على متابعة سير الدعوة الإباضية خارج البصرة، وإدارة الشؤون المالية والعسكرية لها، كان خطيبا ومناظرا. ر: ابن سلام لواب بن سلام (887/ 273): بدء الإسلام وشرائع الدين: تح الشيخ سالم بن يعقوب وفيريز، شفارتس، مطابع دار صادر، بيروت: 1986، ص 115. الدرجيني، طبقات،242/ 2،252، ابن مداد سيرة، 19 - 20 (3) السيجاني هاشم بن غيلان (ق 8/ 2) مسائل عن هاشم بن غيلان (مخ مج)، مكتبة الاستقامة ببني يسجن بالجزائر، (د. ر)، ص 6
ابن فتى جناو، بن خلف عبد القهار (9/ 3) أجوبة علماء، فزان، المجموعة الأولى، تح عمرو خلفية النامي إبراهيم محمد طلاي، 1411 هـ، 1991 م، ص 51. (5) القرشي الرحيلي أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل، (874/ 260)، إمام من أئمة الإباضية، وقطب من أقطابهم، تزخر كتب المذهب برواياته وآثاره وأقواله، صارت له الريادة العلمية في عصره، كان ممن عقد على الإمام الصلت، تولى القضاء فكان مبرزا فيه، من آثاره: مختصر من السنة، ومجموعة من السير ر: الازكوي سرحان بن سعيد (ق 18/ 12 كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، (مخ)، مكتبة السيد محمد بن أحمد بن سعود
البوسعيدي برقم 571، ص 263، السالمي، تحفة الأعيان، 148/ 1، 150. (1/32)
صفحة 33
علوم السنة عند الإباضية
13
ونلاحظ أن هذه الدلالة الأصولية للفظ السنة جاءت في كلام أقرب إلى التعبير بحجية السنة، وبيان الأصول المعتمدة في التشريع، مما يعني مزيدا من التطور في عبارات الإباضية ودلالاتها، ويكفينا في هذا المقام التذكير ببعض الشواهد، من ذلك قول بشير بن محمد (2) في مسألة أنها لم تقم" مقام المفروض من د كتاب الله ولا سنة ولا إجماع (3)، وقوله أن: " لا حجة اضعف ولا أوهى من دعوى لا برهان لها ولا أدلة من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه (4) ولعل بعض أقواله تبدو الأكثر تحديداً والأقعد دلالة كقوله: فبكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين تثبت الأسماء وتحدُّ الأحكام" (5).
(1) نجد أن محمدا بن محبوب الرحيلي يتوسع في معاني السنة ومدلولاتها فيطلق حتى على ما ثبت من الكتاب أو بالاجتهاد أو الرأي ويسميه السنة، فلعل مقصده في تلك المواضع المعنى اللغوي. ر: الرحيلي القرشي أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل، (874/ 260)، المختصر من أبواب السنة (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب غيزن، جربة، تونس، (د. ر) صورة لدى الباحث، (د. تر).
وقد أشار أيضا مصطفى باجو إلى توسع ابن محبوب في استعماله للفظ السنة، ر: باجو مصطفي (معاصر)، تطور علم الأصول في المصادر العمانية، الملتقى العلمي الأول حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا، جامعة آل البيت المملكة الأردنية الهاشمية 1423 هـ، 2002 م، ص 123.
(2) الرحيلي أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب بن الرحيل، (حي في: 887/ 273)، أحد أقطاب علماء عمان في عصره، وظلت أقواله واجتهاداته موردا لمن كان بعده، تزخر بها بطون كتب المذهب ترك آثارا منها كتاب المحاربة (مخ)، وكتاب الرصف (مخ)، وكتاب أسماء الدار وأحكامها (مخ)، ومن مصنفاته المفقوده كتاب الخزانة. ر: الأزكوي سرحان بن سعيد، كشف الغمة (مخ)، ص 263، السالمي تحفة الأعيان،194/ 1، مجموعة باحثين دليل أعلام عمان، ص 33 - 34.
(3) الرحيلي أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب (حي في: 887/ 273)، سيرة بشير في الحدث الواقع بعمان، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 13. (4) م. س، ص 11.
(5) الرحيلي أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب (حي في: 887/ 273)، كتاب المستأنف، (مخ) (1/33)
صفحة 34
علوم السنة عند الإباضية
14
وتظهر الدلالة الأصولية للسنة بشكل أوضح وبصورة أجلى بعد ذلك عند
(2)
ابن بركة (1) والعوتبي بما يكشف تطورا مع استمرار الزمن، يقول ابن بركة: " والتقليد لا يجوز عند دخول الدليل الصحيح من الكتاب والسنة والإجماع أو حجة العقل" (3)، ويؤكد العوتبي هذا بقوله: "الحق يعرف من أربعة أوجه من الكتاب والسنة والإجماع وحجّة العقل (4).
ورغم ظهور الدلالة الأصولية لمصطلح السنة عند الإباضية منذ فترة مبكرة فإن بروز تعريف يكشف هذه الدلالة ويظهرها جاء متأخرا، وأول تعريف عثرنا
ضمن مجموع السير، ص 252 - 253.
(1) السليمي ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ق 10/ 4): علامة مجتهد، وأصولي، محقق، ومصنف مدقق، بلغ مكانة علمية عالية وظلت مؤلفاته مورد العلماء والمصنفين بعده أخذ العلم عن أبي مالك الصلاني، وسعيد بن عبد الله، ترك آثارا ضاع كثير منها، مما بقي من كتبه: جامع ابن بركة، ومنثورة أبي محمد والتقييد والتعارف والمبتدأ، وسيرة ابن بركة. تتلمذ عليه الكثير في مدرسته التي أنشأها ببهلا وأوقف عليها الأموال. ر: العوتبي أبو المنذر سلمة بن مسلم الصحاري، (ق) 5 هـ/11 م) الأنساب، مطابع جريدة عمان للصحافة والنشر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان مسقط 1404 هـ/1984 م، 219 - 218/ 2، السالمي، تحفة الاعيان، 316/ 1. (2) العوتبي أبو المنذر سلمة بن مسلم الأزدي الصحاري (ق 5 - 11/ 6)، ينسب إلى عوتب بصحار في عمان، وبها ولد وعاش كان علامة مجتهدا، ولغويا مبرزا، ومؤرخا نسابة، ترك آثارا عديمة النظير أهمها: موسوعته الفقهية الضياء" في أربعة وعشرين جزءا، ومعجم الإبانة، وكتاب الأنساب، وأنس الغرائب في النوادر والأخبار والفكاهات والأسمار، والحكم والأمثال، ومعجم الخطابة، ر: العوتبي، مقدمة كتاب الأنساب، البطاشي، إتحاف الأعيان،
275 - 273/ 1
(3) السليمي ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد البهلوي (10/ 4)، كتاب الجامع، تح: عيسى يحيى الباروني، المطبعة الشرقية ومكتبتها، سلطنة عمان مطرح نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، (د. ت)، 1/ 543.
(4) العوتبي سلمة بن مسلم الصحاري (11/ 65)، الضياء، ط 1، مطبعة عمان ومكتبتها
المحدوة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1411 هـ، 1991 م، 9/ 3. (1/34)
صفحة 35
علوم السنة عند الإباضية:
15
عليه كان لأبي العباس الشماخي (1) وقد بين أن السنّة في اصطلاح أهل
الثلاثي
(2)
الأصول "ما صدر عن النبي من قول أو فعل أو تقرير ويزيد عمرو (3) ذلك إيضاحا فيقول: " السنة أقوال محمد الله وأفعاله وهمه وعزمه وتقريره (4)، ويذكر نور الدين السالمي (5) أنّ السنة في اصطلاح المحدثين والأصوليين" "ما" صدر عن النبي غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير (1)،
(1) الشماخي أبو العباس بدر الدين أحمد بن سعيد (1522/ 928)، ولد بجبل نفوسة بليبيا، علامة أصولي، وفقيه مؤرخ، أخذ العلم عن صالح بن نوح التندميرتي، وغيره، عني بالتأليف فأجاد، كتبه كثيرة أهمها: شرح العدل والإنصاف، وسير المشايخ، وإعراب القرآن الكريم. ر الشماخي: مقدمة السير السالمي نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد (1914/ 1332)، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، مطابع سجل العرب، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان،1983 م ص 28 معمر علي يحيى (1980/ 1400)، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة: الإباضية في ليبيا، ط 2، مكتبة، وهبه، القاهرة 1414 هـ
130.125/ 31993
(2)
الشماخي
6
أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (1522/ 928)، شرح مقدمة التوحيد،
•
تصحيح وتعليق أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، مسقط، سلطنة عمان، 1409 هـ، ص 92 (3) التلاتي أبو حفص عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187)، ولد في جربة بتونس، أخذ العلم عن سليمان الحيلاتي، رحل إلى القاهرة، فتعلم وعلم في الطولونية والأزهر، جمع علم المعقول والمنقول، ألف كتبا كثيرة منها: شرح نونية أبي نصر، رفع التراخي شرح مختصر الشماخي في الأصول وغيرها. ر ابن تعاريت سعيد بن الحاج علي (1872/ 1289) رسالة في تراجم علماء جربة، (مخ) مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، جربة، تونس، (د. ر) ص 111 - 113، أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي (1973/ 1393)، ملحق سير الشماخي (مخ)، مكتبة أبي اليقظان القرارة، الجزائر، (د. ر)، 56/ 1. الثلاتي عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187)، العقد النضيد على نكتة التوحيد، (مخ)،
(4)
مكتبة القطب، بني يسجن، غرداية، الجزائر، صورة لدى الباحث، رقم و/40، (د. تر). (5) السالمي نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم (1914/ 1332)، ولد ببلدة الحوقين بالرستاق في عمان، علامة مجتهد، وأصولي محقق، ولغوي ومؤرخ، كان آية في الذكاء والحفظ ورجاحة العقل، صار قطب عمان في عصره وسمي بزعيم النهضة العمانية، عني بالإصلاح الاجتماعي والتأليف والتعليم، قام ببعث الإمامة في عمان في عصره، ألف كثيرا في كل (1/35)
صفحة 36
علوم السنة عند الإباضية
16
وهو ما ارتضاه أبو أحمد الكندي (2) بزيادة قيد في الأمور الطبيعية" (3). وفي تقديري أن التعريف الذي ارتضاه سعيد القنوبي (4) يعتبر التعريف الأوفى والأدق وهو "ما ثبت عن النبي من قول أو فعل أو تقرير، واستفيد منه حكم شرعي، وقال: "وتدخل فيه الصفة أيضا إذا استفيد منها حكم شرعي على الأصح (5).
وأما الدلالة الفقهية للسنة أو ما يسمّى النظرة الفقهية للسنة عند الفقهاء فهي موجودة في إطلاق الإباضية ومعبر عنها في كلامهم؛ إذ أن جابرا بن زيد بَيَّنَ أن الختان من المسلمين سنة واجبة لا يجوز تركها (6)، وعندما سئل الربيع بن
العلوم ومن كتبه معارج الأمال في الفقه، شرح طلعة الشمس في أصول الفقه، شرح الجامع الصحيح في الحديث، مشارق الأنوار في التوحيد ر: السالمي عبد الله بن حميد (1332/ 1914)، مشارق أنوار العقول: تعليق أحمد بن حمد الخليلي، تح عبد المنعم العاني، ط 1، دار الحكمة، دمشق، سوريا، 1416 هـ، 1993 م، المقدمة ص 7 - 8، السالمي عبد الله بن حميد (1914/ 1332) معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تح: محمد محمود إسماعيل، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1403 هـ،1983 م، (المقدمة) 3/ 1 - 9، الجعبيري فرحات بن علي البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطبعة الألوان الحديثة، 1408 هـ، 1987 م، ص 200. (1) السالمي أبو محمد عبد الله بن حميد (1914/ 1332)، شرح طلعة الشمس، ط 2، المطبعة الشرقية، مطرح، سلطنة عمان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان،
2/ 2.1985_1405
(2)
عالم فقيه، وأصولي ولغوي، وأديب، شاعر، على قيد الحياة، وهو عم الباحث.
(3) الكندي إبراهيم بن أحمد بن سليمان (معاصر) أصول الفقه والأدلة النصية، ط 1، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع السيب، سلطنة عمان، 1419 هـ، 1998 م، ص 116. عالم أصولي، وفقيه محدث، يعد الشخصية العلمية الثانية في الساحة العلمية الإباضية
(4)
الآن، على قيد الحياة.
(5) القنوبي سعيد بن مبروك (معاصر)، مقدمات في علوم الحديث، (مخ)، بيد الباحث صورة
منه، ص 1.
(6) الأزدي جابر بن زيد رسائل جابر بن زيد، ص 7. (1/36)
صفحة 37
حبيب (1)
علوم السنة عند الإباضية
17
عن المضمضة والاستنشاق أهما فريضتان؟، قال" هما من السنة (2)، ونجد أشباه هذه العبارات كثيرا في كتبهم، ولعل أول محاولة تحديد بصورة أكثر دقة وجلاء لهذه الدلالة نجدها عند بشير بن محمد بن محبوب وعمروس بن فتح (3) في
تقسيمهما للسنة، فعمروس يقسم السنة إلى قسمين:
سنة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة.
(1) الفراهيدي الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي (787/ 170)، ولد بغضفان في عمان، رحل إلى البصرة، أخذ العلم عن الإمام جابر وأبي عبيدة وغيرهما من أئمة التابعين، كان حجة حافظا محدثا، وفقيها صار الإمام الثالث للإباضية بعد أبي عبيدة، ترك عددا من الآثار، منها مسنده، وآثار الربيع، وغيرها، وثقه بعض أئمة الحديث كيحيى بن معين وابن حبان، وابن شاهين، ر: الدرجيني، طبقات المشايخ 272/ 2، ابن معين يحيى (845/ 230)، التاريخ برواية الدوري، تح: أحمد محمد نور سيف، نشر مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز، ط 1، 1399 هـ، 1979 م، 249/ 4 ترجمة 4206، ابن الجنيد أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الختلي (874/ 260)، سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين، تح: أحمد محمد نور سيف، ط 1، مكتبة الدار المدينة المنورة، 1408 هـ 1988 م، ص 322 ترجمة 198، البغدادي ابن شاهين عمر بن أحمد (996/ 385)، تاريخ أسماء الثقات الدار السلفية، الكويت، 1404 هـ، 1984 م، ص 27، الذهبي و عبد الله محمد بن احمد (1348/ 748) ميزان الاعتدال، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
62/ 31995
أبو
6.
(2) الفراهيدي أبو عمرو الربيع بن حبيب (787/ 170)، مسائل سئل عنها الربيع بن حبيب، (مخ)، مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، بني يسجن، غرداية الجزائر، رقم ب 47،
ص 178.
(3) المساكني أبو حفص عمروس بن فتح (897/ 283)، عالم مجاهد من جبل نفوسة في ليبيا، بلغ بجده أن صار أعلم أهل زمانه، تولى القضاء، فكان عادلاً جريئا في الحق، كان له فضل نسخ مدونة أبي غانم الخراساني وروايتها، مما بقي من كتبه الدينونة الصافية، والرد على الناكثة، ر: الدرجيني: طبقات 320/ 2 - 325، الشماخي: السير، 192/ 1، 196. (1/37)
صفحة 38
-
علوم السنة عند الإباضية
18
سنة في فريضة الأخذ بها هدى وتركها ضلالة (1).
ويقول بشير: " والقول في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ضربان فرض وفضيلة، فالفرض لازم فعله ويخرج من الإيمان تاركه وأما الفضل فغير مؤثم تركه ولا لازم فعله (2)، ويكمل بشير بيان تقسيمه ببيان أحكام أخرى لكل من
القسمين:
فما كان فرضا فعلُه فالأمر بفعله والنهي عن تركه فرض وغير واسع جهله بعد قيام الحجة، وما كان فضلا ففضل فعله والأمرُ به والنهي عن تركه (3). وجرى على تقسيميهما أبو الحواري (4) بعدهما مع الإشارة إلى مغاير الفضيلة؛ إذ جعل السنة: فريضة الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة ليست بفريضة والأخذ بها فضيلة وتركها إلى غيرها خطيئة (5)، وتظهر عبارته- والله أعلم - حكم تارك الفضيلة إلى غيرها أي عكسها، ولعله يريد ما اصطلح عليه
(1) المساكني أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي (897/ 283) أصول الدينونة الصافية، تح: أحمد كروم، ط 1، مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة، مسقط، سلطنة عمان، نشر وزارة التراث
القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1420 هـ، 1999 م، ص 127/ 126.
(2)
الرحيلي بشير بن محمد، كتاب المستأنف (مخ)، ص 253.
(3)
م. س، ص
253
(4) القُرْي أبو الحواري محمد بن الحواري بن عثمان (886/ 272)، ولد بنزوى في عمان وبها نشأ، علامة فقيه، وصف بأكثر أهل زمانه فقها، وعلما، خاصة في الحلال والحرام، أخذ العلم عن محمد بن محبوب وأبي المؤثر وغيرهما من آثاره: جامع أبي الحواري (مطبوع في خمسة أجزاء)، تفسير أبي الحواري ر: السالمي تحفة الأعيان، 194/ 1، البطاشي إتحاف الأعيان، 209/ 1–210.
(5) القُرِّي أبو الحواري محمد بن الحواري (886/ 272)، الرواية وكنز الغناية في منتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية (مخ) مصورة دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، لبنان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1394 هـ، 1974 م، ص 136 135. (1/38)
صفحة 39
علوم السنة عند الإباضية:
19
فيما بعد بالسنة المكروهة، كما تضيف عبارة أبي عبد الله الأصم (1):" سنته منها ما هو فريضة ومنها ما هو سنة وتأديب (2) أي: ما يسمّى بسنن الأدب،
والثانية على ما يبدو أقرب إلى الدلالة الحديثية.
إنَّ من ذكرنا سلفا في إطلاقهم بالواجب أو الفرض لا يريدون به إلا السنة الواجبة أو المفروضة، وأما الفضيلة فهي المندوبة، ولعل ابن جميع (3) أكثر إيضاحا وجلاء لهذه المصطلحات في تقسيمه السنة على وجهين: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به فهو نافلة والعمل بها فضيلة وتركها لا عقاب عليه، والسنة التي فعلها وأمر بها العمل بها فريضة وتركها يعاقب عليه (4)، لكنه رغم قربه من الألفاظ الاصطلاحية لم يصرح بها.
(1) الأصم أبو عبد الله عثمان بن أبي عبد الله العزري (1137/ 631)، علامة فقيه، تضلع في علم الكلام والفقه، تولى القضاء فكان مثالا للورع والعفة كان من المؤلفين الكبار، من كتبه: كتاب التاج في خمسين جزءا مفقود إلا الأول والسادس والعشرين، والنور في علم التوحيد، والبصيرة، ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 350/ 1، 365 (2) الأصم أبو عبد الله عثمان بن أبي عبد الله، (1137/ 631)، البصيرة، مطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر، روي سلطنة عمان، 1984 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1404 هـ، 1984 م، 17/ 2.
(3) ابن جميع أبو حفص عمرو بن جميع (ق 12/ 7): أخذ العلم عن أبي العباس الدرجيني، إمام متكلّم مشهور وعالم منظور كان من كبار المدرسين بجامع تيفروجين بجزيرة جربة، ترجم عقيدة التوحيد المشهورة، من البربرية إلى العربية. ر: الشماخي، السير، 200/ 2، معمَّر علي يحيى: الإباضية في موكب، 147/ 3 - 149.
(4)
أبو حفص عمرو (ق 12/ 7) عقيدة العزابة تح عمر بن أحمد بازين، ط 2،
ابن جميع المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1421 هـ، 2000 م، ص 45،46. (1/39)
صفحة 40
علوم السنة عند الإباضية
20
ونجد أبا ستة محمد بن عمر (1) في حاشيته على مختصر العدل عند حديثه عن المندوب باعتباره قسما من أقسام الحكم كما أورده الشماخي في الأصل؛ يذكر أن المناسب للمصنف أي الشماخي- حينما اقتصر على المندوب وأراد به ما ليس بواجب مما يثاب على فعله أن يقول: " والمندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفة، ولعله يعني إنما لم يتعرض لذلك لأن كلام أصحابنا في كتب الفقه يشعر بعدم الترادف" (2)،، ويبين أبو ستة في كتاب آخر الجمع بين ما قيل من أن الاستطابة واجبة وسنة فيرى أنها سنة واجبة
(3)
وأول تعريف فقهي للسنة نجده عند الشماخي؛ فقد قال:" أما في اصطلاح الفقهاء فهي المندوب أو العبادات النافلة وما ليس بواجب؛ أو ما يقابل البدعة (4)، ثم نجد عند عمرو التلاتى بيان السنة المؤكدة في تعريفه لها بأنها "المطلوبة طلبا
(1)
السدويكشي أبو ستة محمد بن عمر القصبي (1678/ 1088) ولد بجربة في تونس، أخذ العلم عن والده، وعمه أحمد بن محمد، نزل مصر متعلما ثم معلما بالمدرسة الإباضية بالقاهرة، ثم مدرسا بجامع الأزهر، وبقي فيها مدة ثمان وعشرين سنة، ثم عاد إلى جربة فترأس الحلقة فيها بعد شيخه عبد الله بن سعيد ترك تأليف كثيرة منها حاشية التريتب شرح ترتيب مسند الربيع، حاشية كتاب قواعد الإسلام، حاشية كتاب الوضع، وغيرها. ر: ابن تعاريت رسالة في تراجم علماء جربة (مخ)،77 - 78، الجعبيري، البعد الحضاري، ص
148 - 147
(2) السدويكشي أبو ستة محمد بن عمر القصبي (1678/ 1088)، حاشية أبي ستة على مختصر العدل، (مخ)، مكتبة الحاج سعيد محمد غرداية، الجزائر (د. ر)، لدى الباحث
صورة منها، ص 73.
(3)
السدويكشي
أبو ستة محمد بن عمر القصبي (1678/ 1088)، حاشية كتاب الوضع،
طبعة حجرية، لدى الباحث صورة منها، ص 146.
(4) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، ص 92. (1/40)
صفحة 41
علوم السنة عند الإباضية:
21
الجزم (1)،
قويا غير واصل إلى الجزم)، ويوجز السالمي تعريف الشماخي المتقدم بقوله: "أنها العبادات النافلة" (2).
وتعريفا الشماخي والسالمي يدوران حول النفل أو المندوب أو غير الواجب لكن الحصر على العبادات فيه نظر، وكذلك التعرض للبدعة عند الشماخي استطراد لا حاجة له هنا.
ونجد لعمرو الثلاتي أيضا تعريفاً أكثر عمومية؛ إذ ذكر فيه أن السنة في
6
(3)
عرف أهل الشرع " الأحكام المبعوث بها النبي الكريم وهذا التعميم يدخل فيه الواجب مع العلم أنه لا محل له هنا، وذلك لأن الأحكام فيها الواجب وغيره. ولعل جانبا من التعميم يستشف أيضا من تعريف الكندي إذ يرى أنها" ما ثبت عن النبي من غير افتراض ولا وجوب، وتقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة، وقد تطلق على ما يقابل البدعة (4)، وفي تقديري أن التعريف الذي مال إليه القنوبي تعريف يفي بمفهوم السنة بمدلولها الفقهي إذ أكد أنها "ما في فعله ثواب وفي تركه عتاب لا عقاب (5).
المبحث الثالث: الدلالة الحديثية
توسعت طائفة من المحدثين في دلالة السنة لتشمل كامل حياة النبي أكثر من الأصوليون؛ فقد ذهبوا إلى شمول السنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته
(1)
الثلاثي عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187)، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر، در، لدى الباحث صورة منها، ص 72. (2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 2/ 2.
(3) الثلاتي عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187)، نتيجة الأفكار في تعليق عقيدة الأبرار، (مخ)، مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي في بني يسجن بالجزائر، رقم م.49، ص 36.
(4) الكندي إبراهيم أصول الفقه والأدلة النصية، ص 120.
(5) القنوبي سعيد، مقدمات في علوم الحديث (مخ)، ص 1. (1/41)
صفحة 42
علوم السنة عند الإباضية
22
وصفاته خلقية كانت أم خلقية، وكذلك سيرته، ومنهم من أطلق السنة على الحديث و الخبر والأثر جميعا، بل وعلى مانقل عن الصحابي والتابعي
(1)
والسؤال في هذا المقام هو هل وجدت هذه الدلالات في نظرة الإباضية للسنة؟ ولإدراك ذلك لا بد من وقفة مستنطقة لتراثهم، وأول ما يطالعنا من تعليق وقول للإمام جابر في كثير من الأمور " هكذا السنة (2)، كما يمكن فهم اتساع الدلالة في قول أبي عبيدة: إن المسلم إمامه القرآن، ودليله سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب إلا ما أحب الله ورسوله)، وما ورد في وصية ابن ذكوان "وعليكم بالسمت
(3)
11
الحسن والسيرة المعروفة في الإسلام التي سار بها نبي الله له وأولياء الله (4).
ويبين بشير بن محمد عموم التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لا يمكن أن يخص؛ إذ الأصل التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن نتبين ما يخص به (5)، وهذه النظرة لعموم الاقتداء إلا ما خص به النبي دون أمته يؤكدها أبو يعقوب
عموم
(1) للوقوف على تفصيل ذلك، ر: أبو شهبة محمد بن محمد، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، ط.، دار الفكر العربي، القاهرة، (د. ت)، ص 15 - 17. (2) الأزدي جابر بن زيد (712/ 93)، من جوابات الإمام جابر بن زيد، ترتيب سعيد خلف الخروصي، ط 2، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1984 م، ص 129. (3) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، (مخ)، 7 ظ.
(4) ابن ذكوان، سيرة (ضمن، محمد ناصر، منهج الدعوة)، ص 330.
(5)
الرحيلي بشير بن محمد المستأنف، (مخ مج)، ص 256. (1/42)
صفحة 43
علوم السنة عند الإباضية
23
الوارجلاني (1) في قوله: " بأن الشرع قد ورد بالاقتداء به واتباعه إلا أن يدل الدليل
على اختصاصه (2).
ولعل قائلاً يقول: إن مرادهم بهذا ربما الأفعال الخاصة به والأفعال التي تشاركه فيها أمته فقط، والجواب أن مدلول عبارتهم أعم من ذلك، وفي تقديري المراد عموم الاقتداء والتأسي، ويؤيده ما اشتهر من حرص من تقدم الاستشهاد بكلامهم على العناية الشديدة بالتأسي به و إذ يذكر صالح بن عمر لعلي (3) أن السلف كانوا في غاية من الحرص على الاقتداء به في الأخلاق والأقوال والأفعال، كما يبحثون عنها بجد ليتأسوا به تبركا وتيمنا كما فعل جابر
(2)
(1) الوار جلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (1175/ 570) ولد بسدراتة، من وارجلان بالجزائر، أخذ العلم عن أيوب بن إسماعيل ويحيى بن أبي زكرياء ورحل إلى الأندلس لطلب العلم، وأقام بها سنين، كما استفاد من رحلته إلى المشرق، برز علامة موسوعيّاً، وإماماً أصولياً محققاً، وفقيهاً ومؤرخاً، ومفسراً ومتكلماً وعالماً بالحديث والسير، له تأليف كثيرة، منها تفسير القرآن الكريم الدليل والبرهان والعدل والإنصاف ر: الدرجيني: الطبقات، 495 - 489/ 2، الشماخي: السير 105/ 2 106 الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (1175/ 570)، العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، دار نوبار للطباعة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان مسقط، 1404 هـ، 1989 م، 79/ 1. (3) لعلي صالح بن عمر بن داود (1928/ 1347) ولد ببني يسجن في الجزائر، علامة جليل، جمع التفسير والحديث والفقه، كان آية في الحفظ فحفظ القرآن ابن تسع سنوات، أخذ عن أكابر علماء عصره ومنهم قطب الأئمة اطفيش كانت له رحلات علمية إلى تونس ومصر والحجاز، خلف شيوخة في الريادة العلمية، مؤلفاته كثيرة منها القول الوجيز في كلام الله العزيز، حاشية على كتاب الإيضاح ر: بابا عمي محمد بحاز إبراهيم، باجو مصطفى شريفي مصطفى (معاصرون)، معجم أعلام الإباضية (قسم المغرب الإسلامي)، ط 2، دار الغرب الإسلامي، نشر جمعية التراث بالقرارة، الجزائر 1421 هـ، 2000 م، 229/ 2،
ترجمة (506). (1/43)
صفحة 44
علوم السنة عند الإباضية:
24
ابن زيد رحمه الله وغيره (1)، وكان مما جاء في وصيته للعزابة (2) قوله: "وبالجملة أخلاقه وأقواله وأفعاله إلاّ ما اختص به ورؤية
فالاقتداء به في جميع الكمال فيها جملة وتفصيلا بلا تردّد ولا توقف أصلاً، مما علم من عادة السلف ضرورة، فقد قالوا: إن من علامات محبته الله الاقتداء به و استعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله في جميع أحواله، وامتثال أوامره وجوباً وندباً، واجتناب نواهيه حرمة وكراهة بقدر استطاعته، والتأدب بآدابه في عُسره ويُسره ومنشطه ومكرهه" (3).
وإذا كان ما تقدم يكشف جانبا من وجود الدلالة الحديثية في تعبير الإباضية بالسنة، فمن مدونات تراثهم ما يزيد بيان هذه الدلالة من ذلك ما نجده من تسميتهم للسنة بالسيرة والعكس، يقول وائل (4):" فهذه سيرة نبي الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الأديان؛ فسار بها أئمة العدل بعده بسنة تامة ماضيه ثابتة في الدين يعمل بها خلفاء الله في أرضه (5)، وتجد مثل هذا متكررا عند وائل (6) وغيره (7)،، ويؤكد عمروس على هذا المعنى حين يربطه بالاتباع بقوله: وسار" فيها نبـ
الله
(1) لعلي صالح بن عمر (1928/ 1347)، وصية الشيخ صالح بن عمر لعلي للعزابة (مخ)، محفوظة في مكتبته، بني يسجن، غرداية، الجزائر، (د. ر) لدى الباحث صورة منها، ص 9.
(2)
م. س، ص 9.
(3) م. س، ص 10. ص 10.
(4) الحضرمي أبو أيوب وائل بن أيوب (حي في 808/ 192)، من حضرموت باليمن، أخذ العلم عن أبي عبيدة، كان من طبقة الربيع ثم خلفه على رئاسة الإباضية بعد وفاته كان متبحرا في الفقه وعلم الكلام، له سيرة ضمن السير، وأخرى في التوحيد. ر: الدرجيني طبقات، 78/ 2، الشماخي، سير، 97/ 1.
(5) الحضرمي وائل بن أيوب (808/ 192)، سيرة وائل بن أيوب، (مخ) ضمن مجموع السير
العمانية، ص 38
(6)
ر: م. س، ص 37.
(7) ر: الخراساني هلال بن عطية (752/ 134) سيرة هلال بن عطية، (مخ) ضمن مجموع
السير العمانية، ص 79. (1/44)
صفحة 45
علوم السنة عند الإباضية
25
بسيرة معروفة، فكنا أتباعا غير "مبتدعين (1)، ويتكرر مثل هذا عنده في أكثر من موضع (2)، كقوله ولم يسن بسيرته نبي الله عليه الصلاة والسلام .... (3). وللإباضية رؤيتهم حول اشتمال مدلول السنة على ما أضيف إلى الصحابي التابعي ونجد نظرتهم تتخذ طابعين:
الأول: ما اصطلحوا عليه بسنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع سنة الرسول، وفيه إعطاء لعهدهم خصوصية لا يرقى إليها أي عهد جاء بعدهم، كما أن هذه النظرة ما هي في حقيقة الأمر إلا مفردة من مفردات توقيرهم للشيخين بعد النبي الله، والمتتبع لتراث المذهب وفكره يجد أثر ذلك في مختلف مجالاته، ومن المعلوم أن التعبير بسنة أبي بكر أو عمر أوهما معا نجده منذ أيام أول تدوينهم كما في سيرة ابن ذكوان على سبيل المثال (4)، ولعل قوله إن رسول الله أنزل عليه الكتاب، وبين له فيه السنن، بعده أبو بكر، فأخذ بسنته، بعده
عمر،، فأخذ
: بسنة صاحببه (5) خبر شاهد على ذلك، وهذا ما ورد في رسالة (6). الله بن إباض (7) إلى عبد الملك بن مروان، وهلال بن عطية (1)
عبد
سيرته (2)
(1) المساكني عمروس، أصول الدينونة الصافية، ص 62.
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
م. س، ص 64.
م. س، ص 69.
الهلالي سالم بن ذكوان سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة)، ص 344
م. س، ص 380.
التميمي عبد الله بن إباض (705/ 86)، رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان،
•
(مخ) ضمن مجموع السير العمانية ص 314، (7) التميمي عبد الله بن إباض بن تيم المري (705/ 86)، يعدُّ من التابعين، أدرك كثيراً من الصحابة، وأخذ عنهم، كما أخذ عن شيخه جابر بن زيد، ينسب اليه الإباضية نسبة غير، حقيقية، إذ يجمع الإباضية على أنَّ إمام المذهب الذي وضع قواعده هو جابر بن زيد الأزدي العماني، لكن متطلبات المرحلة تقتضي إخفاء جابر خوفا عليه، فظهر ابن إباض منافحا علنيا لوجود قوة تميم التي تحميه له مراسلات وحوار مع عبد الملك بن مروان، كما أن له (1/45)
صفحة 46
علوم السنة عند الإباضية
26
ويستمر مثل هذا التعبير عند من جاء بعدهم كالعوتبي في تعليقه على إحدى
المسائل قائلا: " وإنما سنها عمر
(3)
الثاني: عموم إطلاقهم السنة على جملة هدي السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين العاملين كقولهم: الرضا بسبيل من هدى الله قبلنا والاقتداء بصالح سنتهم" و" في سنة نبيه أو في سنة أوليائه (5)، ومن أوضح ما رأيناه مبينا ذلك تقسيم أبي نوح سعيد بن زنغيل (6) السنة إلى مأثورة عن النبي
(4)
، ومستسنة استنوها بعده
(7)
مناظرات مع نافع بن الأزرق وغيره من زعماء الخوارج، شارك في الدفاع عن مكة حين هاجمها الحجاج. ر: الدرجيني: طبقات، 7/ 1؛ 214/ 2، الشماخي: السير، 72 - 73. (1) الخراساني هلال بن عطية (752/ 134)، عالم فقيه وقائد عسكري، أصله من خراسان، أخذ العلم عن أبي عبيدة، كان أحد رجال دولة الإمام طالب الحق عبد الله بن يحيى باليمن، كما كان أحد قادة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان، له سيرة مشهورة, ر: السالمي، تحفة الأعيان، 95/ 1 ..
(2) ابن عطية، سيرة هلال بن عطية، مخ مج، ص 67.
(3)
(4)
(5)
العوتبي، الضياء، 160/ 4.
ابن ذكوان، سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة)، ص 366.
السيجاني هاشم ابن غيلان، مسائل عن هاشم بن غيلان، (مخ)، ص 5،6. (6) أبو نوح سعيد بن زنغيل (ق 10/ 4)، هو أحد أقطاب العلم عند إياضية المغرب، نشأ بالجريد التونسي وبه سكن، ثُمَّ استوطن وارجلان بالجزائر، أخذ العلم عن أبي القاسم يزيد بن مخلد، وأبي خزر يغلا بن، زلتاف، سجنه المعز الفاطمي بعد معركة باغاي ثم تشفع فيه المنصور الصنهاجي، فقال له "المعز: إنَّ القيود دخلت رجلك بالعلم ولا تخرج إلا بالعلم" وقابله مع علماء الفرق ببلاطه فأفحمهم جميعاً ثم عفا عنه ر: اليهراسني أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن سعيد (1078/ 471)، كتاب السيرة وأخبار الأيمة: تحقيق عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر: 1985، 197/ 1 - 198، الدرجيني: طبقات المشايخ، 126/ 1، 127،
397 - 396/ 2
(7) أبو نوح سعيد بن زنغيل (ق 10/ 4) الرد على من زعم أن الله استوى على العرش على ما يَعْقِل (مخ)، مكتبة آل خالد ببني يسجن في الجزائر، رقم م 152، 176 ظ. (1/46)
صفحة 47
علوم السنة عند الإباضية
27
وإتماما للحديث عن الطابع الأول سالف الذكر نقف مع شاخت (Schacht) في فكرته حول استعمال المدلول السياسي الأصلي بين لفظ "سنة الرسول " وسنة أبي بكر وعمر والقرآن الذي مثل رابطة عقدية بينها، وأنه ورد في رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان (1)، ولسنا في هذا المقام ننكر على شاخت استنتاجه - بعد تقصيه ورود لفظ السنة كما يبدو - من تراث الأمة بكل فرقها وخلوصه لما وصل إليه؛ وهو ما يكشف عن رقي وتطور عال لنظرة الإباضية للسنة لعلهم سبقوا بها غيرهم، لكننا نضيف إليه أن الإباضية نظروا إلى السنة نظرة شاملة بجميع مدلولاتها من بداية تكون فكرهم، بل سعوا إلى التطبيق العملي لجميع هذه المدلولات، وهذا يفسر لنا سعيهم الدؤوب فيما بعد لإقامة أعظم سنة – في تقديري - تركها الرسول الله لأمته وهي الخلافة الشرعية، كما أنهم بذلك لم يقبلوا الفصل بين هذه المدلولات التي يرونها مع شمولها متلازمة. بقي لنا أن ننظر في مفاهيم الحديث والخبر والأثر في استعمالهم، وعلاقتها بالسنة، ونبدأ بالأثر لكثرة استعمالهم هذه اللفظة، والناظر في مصنفاتهم يلاحظ وجود طريقتين في إطلاقهم: طريقة تجعل الأثر مطابقا للسنة، بل والحديث والخبر؛ وطريقة أخرى تجعل السنة قسما والأثر قسما، آخر وهذا لا يعنـ بالضرورة وجود اتجاهين أو رأيين في ذلك، فقد تجد أحيانا العالم الواحد يعبر بالطريقتين في كلامه.
والتعبير بالأثر كأنه قسيم للسنة؛ نجده عند علماء الإباضية المتقدمين كمحبوب بن الرحيل (2) في بيانه أن دين المسلمين قائم على كتاب وسنة وأثر (1)،
(1) ر: النامي عمرو بن خليفة (معاصر)، دراسات عن الإباضية، ترجمة ميخائيل خوري، ماهر جرار المراجعة والتصحيح لمحمد صالح ناصر ومصطفى صالح باجو، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان،2001 م، ص 123، وانظر ايضا
Schacht, j. a) An Introduction to Islamis law, Oxford, 1964,p 18.
(2) القرشي الرحيلي أبو سفيان محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة، ق 8/ 2)، كان إماماً فقيهاً حافظاً مؤرخاً ومحدثاً، قيل إنه من التابعين، وقيل من تابعي التابعين، كان ربيبا للربيع (1/47)
صفحة 48
علوم السنة عند الإباضية
28
وعبد الله بن عبد العزيز (2) في قوله معلقا على مسألة ما:" ولا سائغ في كتاب ولا سنة ولا أثر (3)، ووائل بن أيوب في قوله المتقدم إن أوحش الأمور مما لا شاهد له من الله في كتابه ولا في سنة نبيه والله لولا أثر من أفاضل أصحابه (4)، ومحمد
بن محبوب في بيانه أن الأحكام حكم الله في كتابه وسنة نبيه وآثار أئمة الهدي العلماء بكتاب الله وسنة رسوله، وكذلك نجده عند الكدمي الكدمي) وغيره.
(5)
(6)
ونجد أن العوتبي أول من بدأ تحديد مفهوم الأثر والسنة وتمييز كل واحد على حدة في قوله: "وما جاء عن الرسول فهو سنة، وما جاء عن أئمة العدل
بن حبيب، فتتلمذ في بداية أمره على أبي عبيدة، ثم لازم الربيع، وأخذ عنه وقيل إنه كان آخر أيمة الكتمان عند الإباضية في البصرة بعد الإمام الربيع، بينما تذكر بعض المصادر أنه صار زعيم الإباضية بالبصرة بعد وفاة وائل بن أيوب، ثم انتقل إلى عمان؛ فهو يعد من حملة العلم إلى عمان، وله ذرية فيها، ظهر منهم أئمة العلم وشموس الهدى تزخر كتب الإباضية برواياته وأقواله، له سيرة مدونة ضاع أكثرها، وله رسالة الرد على هارون بن
اليمان. ر السالمي تحفة الأعيان، 156/ 1 155، البطاشي، إتحاف الأعيان، 165/ 1. (1) العوتبي، الضياء 26/ 3 (2) أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز (ق 8/ 2) عالم فقيه ومحدث، أخذ العلم عن أبي عبيدة، عاش في البصرة، كان شغوفا بالعلم وكتابته، وهو أحد شيوخ أبي غانم وممن دون عنه في مدونته، توسع في القياس في المسائل الفقهية، مما جعل الإباضية يقدمون رأي الربيع عليه. ر: الشماخي السير، 1،97، الجعبيري البعد الحضاري 70. (3) أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز (ق 8/ 2) كتاب النكاح والشغار، (مخ) ضمن مجموع مكتبة الشيخ بابانو ببني يسجن بالجزائر، رقم ب 47، ص 71. (4) الحضرمي وائل بن أيوب، سيرته، (مخ مج)، ص 35. (5) الرحيلي القرشي أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل، (874/ 260)، سيرة الشيخ محمد بن محبوب، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، الكدمي الناعبي أبو سعيد محمد بن سعيد (حي في: 886/ 272)، الاستقامة، مطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر روي سلطنة عمان، 1985 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1405 هـ، 1985 م، 147/ 1.
(6)
ص
121.122 (1/48)
صفحة 49
علوم السنة عند الإباضية:
29
فهو الأثر (1)، ثم نرى ظهور هذا الطريق من الفرز بينهما عند من جاء بعده
(2)
كأبي عبد الله الكندي في الفرز تحديدا أكثر أحيانا من ذلك إطلاق بعض علماء الإباضية الأثر على ما نقل عن الصحابي فقط، كعبارة وائل الحضرمي: " ولا أثر من أفاضل أصحابه (4)، وتسمية أبي غانم الخراساني (5) ما بلغه عن عمر أثرا (6)، كما سمى ابن عبد العزيز ما نقله عن علي أثر ا (7)، ونجد مثل ذلك عند ابن بركة في نقله عن بعض
البيان (3) وغيره، و نجد في مثل هذه الطريقة من
الصحابة (8).
(1)
العوتبي، الضياء،15/ 3.
أبو
(2) الكندي عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان (1115/ 508)، علامة محقق وفقيه بارع، ومؤلف موسوعي، كان من أجلة علماء القرن الخامس الهجري في عمان، اشتهر بالفضل والورع، تولى القضاء في عهد ثلاثة من أئمة عمان، أمضى حياته بين التأليف والفتوى والقضاء، له جملة تأليف أبرزها موسوعته بيان الشرع في اثنين وسبعين جزءا، جمع فيها أصول الشرع والأحكام والأديان. ر: تحفة الأعيان 181/ 1 مجموعة باحثين، دليل أعلام عمان، ص 143، البطاشي، إتحاف الأعيان، 236/ 1 - 246. (3) الكندي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان السمدي النزوي (1115/ 508)، بيان الشرع الجامع للأصل والفرع المراجعة والتصحيح لسالم بن حمد الحارثي، مطبعة عمان ومكتبتها، مطرح، سلطنة عمان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1404 هـ، 1984 م، 278/ 3.
(4) الحضرمي وائل بن أيوب، سيرته، (مخ مج)، ص 35.
(5) الخراساني أبو غانم بشر بن غانم (ق 8/ 2) خراساني رحل إلى البصرة للعلم، أخذ عن أبي عبيدة وتلامذته، كان إماما حافظا محدثا، وفقيها، رحل إلى المغرب جامعا للعلم، من آثاره،
كتاب مدونة أبي غانم وتعتبر مصدرا عظيم الأهمية. ر. الدرجيني، الطبقات، 323/ 2. (6) الخراساني أبو غانم بشر بن غانم (ق 8/ 2) المدونة الصغرى، أمون للتجليد والطباعة القاهرة، مصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان 1404 هـ
48 - 47/ 1 1984
(7).
ابن عبد العزيز، كتاب النكاح والشغار (مخ) ص 13.
(8) السليمي أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ق 10/ 4) كتاب التقييد، (مخ)، مكتبة (1/49)
صفحة 50
علوم السنة عند الإباضية:
30
وكذلك مثل هذا الاطلاق نجده عند ابن خلفون (1) الذي يسمي ما ينقله عن بعض الصحابة أثرا (2)، ومثل هذا متكرر عند علماء المذهب حتى من متأخريهم (3).
? (4)
بل
ثم توسع إطلاق الأثر ليشمل قول التابعي؛ فعندما سئل أبو عبيدة عن الشفعة وكان يضعفها قال لسائله: اذهب إلى المشايخ فاسأل هل لجابر فيها أثر؟ نجد الأثر تتسع دائرته لتشمل الأئمة المقتدى بهم، والسلف من علماء المذهب على حد تعبيرهم، فعبد الوهاب (5) يقول: " الذي رأيناه في آثار أصحابنا .... (1)
(1)
السالمي، بدية سلطنة عمان، رقم 20 لدى الباحث صورة منه، ص 17،21. الوارجلاني ابن خلفون أبو يعقوب يوسف بن خلفون (ق 12/ 6)، ولد بوارجلان في الجزائر، يعتبر من أئمة القرن السادس ببلاد المغرب، كان واسع الأفق، مولعا بالدراسات المقارنة، له تأليف عدة تكشف غزارة علمه منها: أجوبته الفقهية، والدرجيني: طبقات، 499 - 495/ 2، الشماخي: السير، 2/ 106 107. (2) ابن خلفون أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي (ق 12/ 6)، أجوبة ابن خلفون تح: عمرو خلفية النامي، دار الفتح، بيروت: (د. ت)، ص 27.
(3)
ار: أبو ستة محمد بن عمر، حاشية كتاب الوضع، ص 107، اطفيش محمد بن يوسف (1914/ 1332)، رسالة محمد بن يوسف اطفيش لبعض علماء عُمان في الرد على الصفرية والأزارفة، طبعة حجرية طبعه داود بن إبراهيم اليسجني، 1314 هـ، بيد الباحث
صورة منه، ص 3.
(4) الكدمي، الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، 251/ 3
(5) الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (حكم 171 - 788/ 208 - 824)، ثاني الأيمة الرستميين، تلقى العلم بالقيروان ثمَّ بتاهرت عن أبيه عبد الرحمن وغيره من حملة العلم، كان عالما من أكبر علماء زمانه، تصدر للتدريس في حلقات العلم بتاهرت وجبل نفوسة في وقت مبكر من آثاره کتاب مسائل نفوسة الجبل، وهو كبير الحجم وبقي جزء منه، يكشف عن سعة علم هذا الإمام، جمع في عهد إمامته بين العدل والعمران وحسن العلاقة بين الدول المجاورة. ر: الدرجيني: طبقات، 47/ 1،49، المراكشي أبو عبد الله محمد بن عذاري (1295/ 695)، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تح: ج. س. كولان، إليفي بروفنصال دار الثقافة، بيروت، 1984 م، 278/ 1. (1/50)
صفحة 51
علوم السنة عند الإباضية
31
كما أن ابن محبوب يقول: الأحكام إنما هي حكم الله في كتابه وسنة نبيه وآثار أئمة الهدى العلماء بكتاب الله وسنة رسوله
(2)
ويسمي محمد بن جعفر (3) ما ينقله عن موسى بن أبي جابر (4) أثرا، (5)، ويعبر ابن روح (6) بما جاء من الأثر روح (6) عن أسلافنا (7)، كما يُبَوب ابن سلام (1): باب ما جاء في الأثر من تفسير دين الله ا، ومن يطالع كتب المذهب يجد أمثال هذا كثيرا (3).
الذي هو دين الجماعة،
(2)
(1) الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (824/ 208)، كتاب مسائل نفوسة، تح: إبراهيم بن محمد طلاي المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، د. ت، ص 46. الرحيلي محمد بن محبوب، سيرته، (مخ مج)، ص 121.
(2)
ألف
(3) الإزكوي أبو جابر محمد بن جعفر الأصم) كان على قيد الحياة سنة 891/ 277)، من أهل إزكي بعمان، علّامة فقيه، كان أحد ثلاثة رجعت عمان إلى علمهم؛ وهم أصم وأعرج وأعمى، وكان هو الأصم، ولاه الإمام الصلت، صحار، وهو ممن عقد البيعة لعزان بن تميم، كتاب "جامع ابن جعفر" الذي يعد من أجل ما ألف في عصره. ر: السالمي، تحفة الأعيان، 194،197/ 1، البطاشي، إتحاف الأعيان، 207/ 1. (4) الإزكوي موسى بن أبي جابر (798/ 181)، من أهل إزكي بعمان، كان إماما عالما محققا، وزعيما محنكا موفقا، كان أحد حملة العلم، وآلت إليه الريادة العلمية بعد محبوب، جمع بحنكته العمانيين بعد الفرقة ونصب محمد بن أبي عفان إماما ثم الوارث بن كعب الخروصي، من آثاره سيرته المشهورة ر: السالمي تحفة الأعيان، 109/ 1، البطاشي، إتحاف الأعيان، 168/ 1. (5) الإزكوي ابن جعفر أبو جابر محمد بن جعفر (حي في 891/ 277)، جامع ابن جعفر، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، (د. ت)، 77/ 4. الكندي أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي (ق 10/ 4)، من أهل نزوى بعمان، علامة فقيه، كان أحد أقطاب عصره، أخذ عن أبي الحواري ومالك بن غسان، من تلاميذه أبي سعيد الكدمي الذي شهد له بجلالة العلم، والقدر من آثاره سيرة مشهورة، كما أن أقواله تزخر بها ألفت بعده ونادى مع رمشقى بن راشد بالوقوف في مسألة عزل الصلت، وعنهما
(6)
الكتب التي أخذ أبو سعيد ر: ابن مداد السيرة، ص 15، إتحاف الأعيان، 210/ 1 - 213.
(7) الكندي أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي (ق 10/ 4)، كتاب سيرة الشيخ محمد بن روح (مخ)، مكتبة السالمي، بدية سلطنة عمان، رقم 3، ص 240. (1/51)
صفحة 52
علوم السنة عند الإباضية
6
32
ونحن نجد في عبارة عمرو التلاتي أقرب إلى التحديد والتعريف للأثر امتدادا لهذا الطريق في قوله: " وكشيء من آثار: أي: ألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة منقولة عن غير النبي من الصحابة والتابعين ومن وقد حوى كلام التلاتي تعميما للأثر لما عدا المرفوع عن النبـ غير أن القطب اطفيش (5) حدد الأثر بقوله: والأثر الحديث الذي وقف على الصحابي وهو معمول به (6).
بعدهم
(4)
وأما الطريقة التي تجعل الأثر مطابقا للسنة والحديث والخبر عند الإباضية فمنها ما عبّر عنه أبو قحطان (7) بقوله: "يطؤون آثار النبي)
(1)
ومنها ما يفيد
(1) المزاتي لواب بن سلام (ت بعد (887/ 273)، من بلدة جادو جبل نفوسة بليبيا، كان إماما عالما بالأصول والفروع، كما كان عالما في علم الكلام، من مؤلفاته: كتاب بدء الإسلام
وشرائع الدين. ر ابن سلام، بدء الإسلام وشرائع الدين مقدمة المحقق، ص 36 - 44 ابن سلام، بدء الإسلام، ص 97.
(2)
(3)
(4)
ر ابن جعفر، الجامع 344/ 5. الكدمي أبو سعيد الاستقامة، 1/ 48، 147/ 1. التلاتي، نتيجة الأفكار، (مخ)،ص 2. (5) اطفيش محمد بن يوسف بن عيسى الشهير بقطب الأئمة (و:1821/ 1237 ت: 1914/ 1332) أشهر عالم إباضي بالمغرب الإسلامي في العصور الحديثة، حفظ القرآن ابن ثماني سنوات، ففتح له مجال العلم، قعد للتدريس والتأليف في السادسة عشرة، فلما بلغ العشرين أصبح عالم الإباضية في الجزائر، ثمّ بلغ بعد ذلك درجة الاجتهاد المطلق، تلاميذه كثيرون ومؤلفاته تبلغ الثلاثمائة مؤلف في مختلف فروع المعرفة ر: أبو اليقظان: ملحق السير (مخ)، 153/ 2، الجعبيري: البعد الحضاري، ص 83
اطفيش محمد بن يوسف (1914/ 1332)، کتاب جامع الشمل في حديث خاتم الرسل المطبعة الشرقية، مطرح، نشر وزارة التراث القومي، والثقافة مسقط، سلطنة عمان 1412 هـ، 1992 م، ص 429
(7)
) أبو قحطان خالد بن بن قحطان (ق (9/ 3)، علامة فقيه، كان أحد أبرز علماء عصره، أخذ عن محمد بن جعفر وعبد الله وبشير ابني محمد بن محبوب، تزخر كتب المذهب بأقواله ومروياته من آثاره سيرة سميت جامع أبي قحطان. ر: السالمي تحفة الأعيان 161/ 1 194، البطاشي، إتحاف الأعيان، 105/ 1. (1/52)
صفحة 53
علوم السنة عند الإباضية
33
الترادف بين السنة والأثر في عبارة الكدمي: "أما معنى حكم جزاء الشجر فقد ورد في السنة النبوية إذ ورد في الأثر من سنة رسول الله (2)، وكذا عند أبي بكر الكندي (3) في عبارته:" إذا تعارض الأثر والنظر، كان الحكم للأثر وسقط اعتبار
النظر (4)
ويكثر إطلاق علماء الإباضية الأثر على اللفظ المروي عن النبي؛ كقولهم "جاء الأثر عن النبي، ثم يسوق المعبر منهم لفظا قاله النبي؛ و هذا نجده متكررا عند الكثير كابن محبوب (5) وابن جعفر (6)، وابن روح (7)، والكدمي في الاستقامة (8) والمعتبر (9)، وأبو العباس بن بكر في تبيين الأفعال (1)، ولواب
(10)
(1) أبو قحطان خالد بن قحطان (ق 9/ 3) سيرة الشيخ أبي قحطان (مخ) ضمن مجموع السير
العمانية، ص 179.
(2)
الكدمي
أبو سعيد محمد بن سعيد (حي في: 886/ 272)، المعتبر دار جريدة عمان للصحافة والنشر، سلطنة عمان، روي، 1984 هـ، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 114/ 4.
(3) الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى (1162/ 557)، من نزوى بعمان، علامة مجتهد، وفقيه متكلم، ولغوي ومصنف، أخذ العلم عن العلامة أبي بكر النزوي وغيره، تتميز تصانيفه بالعمق والرصانة والسعة، نصب الإمام محمدا بن خنبش إماما وكان عونا له وسندا، ترك آثارا في شتى العلوم والفنون أهمها: كتاب المصنف في الأديان والأحكام يقع في اثنين وأربعين جزءا، وكتاب التخصيص، والجوهر المقتصر. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 237/ 1، مجموعة باحثين، دليل أعلام عمان 28.
(4)
الكندي
أبو بكر، كتاب الاهتداء، ص 28.
(5) الرحيلي، محمد بن محبوب، سيرة، (مخ مج)، ص 136.
(6) ابن جعفر، الجامع 317/ 5.
(7) الكندي
(8) الكدمي
(9) الكدمي
محمد بن روح سيرة محمد بن روح (مخ)، ص 240.
أبو سعيد، الاستقامة، 83/ 2.
أبو سعيد، كتاب المعتبر، 12/ 4.
(10) الفرسطائي أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي (504/ 1110)، علامة جليل،
وحبر فقيه، من علماء وارجلان بالجزائر، أبوه مؤسس نظام حلقة العزابة، أخذ العلم عن أبيه (1/53)
صفحة 54
علوم السنة عند الإباضية
34
ابن سلام في كتابه حيث بوب بقوله: باب ما جاء في الأثر عن النبي. في .... (2)، كما علق أبو الربيع المزاتي (3) على نص حديث بقوله: "يأثرون ذلك عن
النبي عليه الصلاة والسلام
(4)
وإذا كان إطلاق الحديث على لفظ روي عن النبي الله عبّر عنه من تقدم ذكرهم، فإننا نجد ابن بركة يطلق الحديث والأثر معا على مثل هذا اللفظ (5)، كما
(6)
حيث
نرى إطلاق الخبر على مثل هذا اللفظ عند عبد الله بن محمد بن محبوب يقول: جاء الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ... " (1)، وعند ابن جعفر: "أما الخبر فقول
وعن أبي الربيع المزاتي، صنف خمسة وعشرين كتاباً منها الألواح والقسمة وأصول الأرضين. ر: الدرجيني: طبقات، 4422 - 446، الشماخي: السير، 89/ 2 - 91. (1) الفُرْسُطَائي أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي (504/ 1110) تبيين فعال العباد، تح باحمد بن محمد خلفاوي، مرقون لدى الباحث نسخة منه
ص 147+148.
(2)
ابن سلام، بدء الإسلام، ص 145.
(3) أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (1079/ 471)، علامة مجتهد، وأصولي بارع، وفقيه نبيه، أكثر من الرحلة في ربوع المغرب طلبا للعلم ونشرا له، أخذ العلم عن أبي عبد الله محمد بن بكر النفوسي، و أبي محمد ويسلان وغيرهم ممن جازت عليهم سلسلة نسب الدين، له جملة آثار منها كتاب التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية. ر: الدرجيني: طبقات 425/ 2 - 449.
(4) المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف (1079/ 471)، التحف المخزونة، تح: محمود
الأندلوسي، مرقون، ص 261
(5)
(6)
السليمي
أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ق 10/ 4): كتاب المبتدأ، (مخ)، مكتبة الشيخ
،
صالح بن عمر لعلي، بني يسجن، الجزائر رقم م 137، بيد الباحث صورة منه، 6 ظ .. الرحيلي عبد الله بن محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي (حي) في: 891/ 277)، كان أحد كبار أئمة العلم في عمان في القرن الثالث الهجري، وقد بلغ الغاية في العلم وا والفضل كأخيه بشير آنذاك، عاصر الإمام الصلت بن مالك كما كان خطيبا للإمام عزان بن تميم تزخر الكتب برواياته وأقواله وفتاويه ر: السالمي تحفة الاعيان 194/ 1، 243، الأزكوي، کشف الغمة (مخ) 473. (1/54)
صفحة 55
علوم السنة عند الإباضية
(2)
35
رسول الله ..... والفضل بن الحواري (3) إذ يقول: " وقد جاء في الخبر
بالنص عن رسول أنه قال .....
(4)
، ومثله نجاد بن موسى (5) في الأكلة (6)
والمتتبع يجد مثل هذا في كتبهم كثيرا (7).
وهكذا يتبين لنا مما سبق عرضه ظهور الدلالة الحديثية في إطلاق الإباضية لمصطلح السنة حتى قبل استقرار المصطلح ودلالته عند المحدثين، وحرصنا أن نمثل بالمتقدم في غالب الأحوال لتأكيد ذلك، ولأنهم يمثلون فترة التأسيس، وإلا فإنّ من جاء بعدهم تزخر كتبهم بشواهد أكثر من ذلك.
لقد وقفنا خلال العرض السابق على وجود الدلالة الحديثية لمصطلح السنة عند الإباضية، غير أننا ما زلنا محتاجين للوقوف على تعريفهم للسنة منطلقا من منظور هذه الدلالة، ولئن كانت الدلالة ظاهرة الوجود منذ فترة مبكرة فإنّ
(1) ابن جعفر، الجامع، 230/ 3.
(2) أبو يعقوب الورجلاني، العدل والإنصاف، 4/ 1. (3) السامي أبو محمد الفضل بن الحواري من بني سامة بن لؤي (892/ 278)، من أهل إزكي في عمان، علّامة فقيه، أخذ العلم عن محمد بن محبوب وغيره، كان يضرب به المثل في الفضل والعلم قبل وقوع فتنة عزل الصلت من آثاره: كتاب جامع الفضل بن الحواري، ر: السالمي، تحفة الأعيان، 134،154/ 1، البطاشي، إتحاف الأعيان، 197/ 1.
(4)
السامي أبو محمد الفضل بن الحواري (892/ 278)، جامع الفضل بن الحواري، مطابع سجل العرب القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1406 هـ،
235/ 21985
(5)
المنحي أبو محمد نجاد بن موسى (1120/ 513)، من بلدة منح في عمان، علامة فقيه، وأصولي محقق، من مؤلفاته: كتاب الأكلة وحقائق الأدلة، وكتاب الإمامة. ر: الشماخي السير، 527/ 2، ابن، مداد، السيرة، 32 - 33.
(6) المنحي نجاد بن موسى (1120/ 513)، كتاب الأكلة وحقائق الأدلة، (مخ)، مكتبة الشيخ
سالم بن حمد الحارثي، د. ر، المضيرب، سلطنة عمان لدى الباحث صورة، ص 167. (7) ر: المديوني جنّاو بن فتى بن خلف عبد القهار، كتاب أجوبة علماء فزان، ص 102، ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون، ص 27 - 28 (1/55)
صفحة 56
علوم السنة عند الإباضية
36
(1)
، ونجد محاولة
التعريفات جاءت متأخرة، وأول ما عثرنا عليه من محاولة تحديد للسنة عبارة أبي نوح سعيد بن زنغيل: فالسنة" سنتان: سنة مأثورة وسنة مستسنة، أما المأثورة فالتي أثروها عن النبي، وأما المستسنة فالتي استتوها بعده أخرى عند العوتبي مفاده أن ما جاء عن النبي سنة وما جاء عن الأئمة أثر (2)، (2)، ويورد أبو عبد الله الكندي العبارة نفسها في موضع (3)، وفـ (3)، وفي آخر أن الآثار من السالفين (4)، ثم نجدها عند أبي بكر الكندي لكنه يقيد الأثر بما جاء عن أئمة العدل كما نجد من عبارات أبي بكر الكندي أيضا مزجا بين المعاني اللغوية وبعض المدلولات الاصطلاحية في قوله: " وإنّما قيل للسنة في الدين سنة لأنها طريقة ومثال وسيرة ووجه وعلامة ورسم من الأنبياء صلوات الله عليهم يقتدي بها من بعدهم ويجري الناس عليها في دينهم
(5) 6
(6)
ويعرف السالمي السنة بتعريف يذكر أنه مشترك في اصطلاح الأصوليين
والمحدثين وهو أنّها: " ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو ويعرفها أبو أحمد الكندي بالتعريف القائل: " ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول
تقرير
(7)
أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو سيرة سواء كان قبل البعثة أم
بعدها" (8)
بقي لنا أن نذكر حد الخبر عندهم؛ فحد الخبر هو ما يدخله الصدق والكذب
(1) أبو نوح سعيد بن زنغيل الرد على من زعم ... (مخ)، 176 ظ.
سلمة بن مسلم، الضياء، 10/ 3
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 24/ 1
(2) العوتبي
الكندي
م. س، 126/ 28.
(3)
(4)
(5)
الكندي
أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى (1162/ 557)، المصنف، تح: عبد المنعم
عامر جاد الله أحمد، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، نشر وزارة التراث القومي
والثقافة بسلطنة عمان، د. ت 50/ 1.
(6)
م. س، 18/ 2.
(7) السالمي، شرح طلعة الشمس، 2/ 2.
(8)
الكندي إبراهيم بن احمد بن سليمان أصول الفقه والأدلة النصية، ص 120. (1/56)
صفحة 57
الجربي
علوم السنة عند الإباضية
37
عند أبي بكر الكندي (1)، والوار جلاني (2)، أو ما احتمل الصدق (3) عند سعيد، (4)، أو ما احتمل الصدق أو الكذب عند الشماخي (5)، أو ما احتمل الصدق والكذب لذاته عند التلاتي (9)، ونجد القطب محمد اطفيش يحده بقوله:" والخبر الذي احتمل الصدق والكذب من جهة المخبر أو من جهة المُخبر عنه (7).
(9) '
وهكذا يتبين لنا مما سبق تناول علماء الإباضية للسنة مصطلحا له دلالته اللغوية والفقهية والأصولية والحديثية، ورأينا حضور هذه الدلالات، سواء بالتعبير الفني عنها ابتداء، أو بالتعريف الاصطلاحي لاحقا. وهذا التطور من التعبير بالدلالة إلى التعريف منه ما كان ذاتيا داخل مدرستهم، ومنه ما استفادوه
من غيرهم.
وكذلك رأينا بيان المعنى اللغوي عند من اعتنى بالمفردات اللغوية منهم كالعوتبي الذي كان لغويا كبيرا، كما رأينا أن الدلالة الأصولية معبر عنها عند أئمتهم كجابر وأبي عبيدة فضلا عمن جاء بعدهما، وإن كان تعبير المتقدمين عن هذه الدلالة أخذ طابع العموم، وانطلق من كون السنة مرجعا للأحكام الفرعية.
(1) الكندي أبو بكر، المصنف، 44/ 1.
1 (2)
(3)
الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 139/ 1.
(4) الجربي
سعيد بن علي (1492/ 898) فتاوى فقهية (مخ)، مكتبة إروان العطف، الجزائر
6
الجربي (د. ر)، لدى الباحث صورة منه، ص أبو صالح سعيد بن علي بن يحيى (1492/ 898)، ولد في أجيم، بجربة في تونس، أخذ العلم عن أبي النجاة يونس بن سعيد وغيره، كان له فضل إحياء العلم بوادي ميزاب بعد ذهابه إليه، وقام بالإصلاح الاجتماعي والعلمي والديني، من أثاره: منظومة في الفقه الفتاوي الفقهية ر: أبو اليقظان: ملحق السير، 5/ 1 - 7، الجعبيري: البعد الحضاري
165/ 1 (5)
الشماخي
أبو العباس أحمد بن سعيد (1522/ 928)، شرح مختصر العدل والإنصاف، دراسة وتحقيق مهنى التويجني، مرقون لدى الباحث صورة منه، ص 429. التلاتي عمرو بن رمضان الحربي رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 184. (7) اطفيش محمد بن يوسف، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 429.
(6) (1/57)
صفحة 58
علوم السنة عند الإباضية
38
لكن هذه الدلالة بدت أكثر تطورا عند ابن بركة والعوتبي ومن جاء بعدهما في التعبير بدلالة حجيتها، ثم كان الاتنقال بهذه الدلالة إلى مرحلة التعريف والاصطلاح، وكلما امتد الزمن أخذ التعريف طابع الإحكام والدقة، وهنا لا يخفى عنصر الاستفادة من الغير، والحال نفسه في الدلالة الفقهية وجدنا بداية ظهورها مثلا عند جابر وأبي عبيدة، ثم تطورها عند بشير وعمروس ومن جاء بعدهما، ثم ظهور التعريف والاصطلاح بعد ذلك.
أما الدلالة الحديثية فقد ظهرت في تعبيرهم بالسنة، وفي تقديري كانت ذاتية وإن كانت بروح الشمول والاتساع نفسها التي نادى بها المحدثون في شمول السنة لكل ما دارت عليه حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك في شمولها للأثر والخبر وتداخل مدلولات المصطلحات الثلاثة السنة والأثر والخبر عند من عبر بترادفها في الدلالة، بل وجدنا تميزا للإباضية في تعبيرهم بسنة أبي بكر وعمر لخاصية عهدهما، وكذلك في شمول استعمال دلالة السنة لجميع مناحي الحياة، وفي مقدمتها السياسية، على أننا وجدنا من الإباضية من أفرد كل واحدة بدلالتها. هذا ومع قولنا بذاتية ظهور هذه الدلالات لكن علامات الاستفادة من تراث باقي الأمة واضحة في بعض الجوانب من تطور هذه الدلالة، وخاصة في مرحلة التعريف والاصطلاح.
وإذا كان ما تقدم عرضه يكشف مفهوهم السنة ودلالتها عند الإباضية، فإن هذا المفهوم يتكامل ظهوره وبيانه بعرض أقسام السنة وأوجه ورودها عندهم، وهو ما سنتعرف عليه في الفصل التالي. (1/58)
صفحة 59
علوم السنة عند الإباضية:
39
الفصل الثاني تقسيمات السنة عند الإباضية
المبحث الأول: السنّة القولية والفعلية والتقريرية:
(1)
يتفق الإباضية مع غيرهم) في تقسيم السنة إلى قولية وفعلية وتقريرية ويعبر بعضهم عن القول بالأمر نصا كبشير بن محمد في عبارته:" فإن هذه السنن نقلت عن رسول الله الله على وجهين أحدهما الأمر نصاً" (2)، أو بالأمر عند أبي سعيد الكدمي في بيانه أن الغسل ثبت من سنة رسول الله له أمراً وفعلاً (3) وورد التعبير بالأمر أيضا عند ابن بركة.
ونجد عندهم التعبير بالقولية، فابن بركة مثلا (4) عبر بالقولية ومثل لها مثلا (4) واستشهد على حجيتها في: " قوله عليه الصلاة والسلام؛ (هذا وضوء لا تقبل
الصلاة إلا به) (5)، ومع فعله له في موضع واحد، ليدلل على أن النبي مقتدى به في قوله وفعله (6)، كما يدلل ابن بركة أيضا بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةً (الأحزاب 21/ 33) على وجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في
القول والعمل
(7)
(1) لمزيد البيان والتفصيل. ر: أبو زهرة محمد بن أحمد (1974/ 1394)، أصول الفقه، دار الفكر العربي القاهرة، مصر، (د. ت)، ص 97 - 98.
(2) الرحيلي بشير بن محمد، كتاب المستأنف،
(3)
(4)
الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 36/ 4.
ابن بركة، الجامع، 332/ 1.
مخ مج، ص 254.
(5) لفظ الحديث: (أنه) توضأ مرة فقال هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به، ثم توضأ اثنتين اثنتين فقال: من ضاعف ضاعف الله له، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي أخرجه الربيع بن حبيب في مسنده، من طريق ابن عباس 53/ 1 (89) وأخرجه باللفظ نفسه النسائي في السنن الصغرى، في جماع أبواب الطهارة، من طريق ابن عمر وأنس بن مالك 94/ 1 (112)، وأخرجه غيرهما بألفاظ مختلفة.
(6) ابن بركة، الجامع، 274/ 1.
(7)
م. س 2/ 165 - 166. (1/59)
صفحة 60
علوم السنة عند الإباضية:
40
ويعبر أبو عمرو السوفي (1) عن هذا التقسيم بالطرق التي تعرف بها السنة وهي عنده أوجه ثلاثة: القول والفعل والترك (2)، ويبين التلاتي القول بأنه:" اللفظ الذي قاله أي تلفظ به النبي كقوله: (إنما الأعمال بالنيات) الحديث" (4) بينما
(3)
يحد السالمي السنة القولية بأنها ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال (5).
ويحدد بشير السنة الفعلية بما وجده أهل عصره فاعلا له وغير تاركه في طول العمر وعلى وجه الدهر ليلاً ونهاراً وسفراً (6)، ويستشهد ابن بركة في حجية المضمضة والاستنشاق بما نقل عن النبي من فعله مواظباً عليه وبأنه
(1) السوفي أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني (ق 12/ 6) من بلاد سوف بالجزائر، علامة أصولي فقيه، يعد أحد أعلام الإباضية البارزين في عصره، برز في التدريس والتأليف، وامتازت مؤلفاته بالدقة والتدليل كان كثير الرحلة في طلب العلم ونشره، أهم آثاره: كتاب السؤالات ورسالة في الفرق ر الدرجيني، طبقات 485483/ 2، الشماخي: السير،
103/ 2
(2) السوفي أبو عمرو عثمان بن خليفة (ق 12/ 6)، كتاب السؤالات، (مخ)، مكتبة جمعية أبي إسحاق، غرداية الجزائر (در)، لدى الباحث صورة منها، ص 247. (3) الحديث بهذا اللفظ أخرجه الربيع في مسنده، باب في النية، 23/ 1 (1)، وبلفظ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوحي، باب بدء الوحي، 3/ 1 (1) وابن حبان في صحيحه، كتاب السير باب الهجرة، 210/ 11 - 211 (4868) وأبو داود في السنن، كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة .. ، 2201262/ 2) وابن ماجه في السنن، كتاب الزهد، باب النية، 1413/ 2 (4227) والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطلاق باب طلاق المكره، 96/ 3.
(4) الثلاتي، نتيجة الأفكار، (مخ)، ص 36.
(5) السالمي، شرح الطلعة 2/ 2
(6) الرحيلي بشير، كتاب المستأنف، (مخ مج)، ص 254. (1/60)
صفحة 61
علوم السنة عند الإباضية
41
كان يبدأ بهما قبل الأعضاء ثم يقول: " فهذه سنة منقولة إلينا عنه عملاً منه في الليل والنهار " (1).
(2)
مستدلا بقوله
ويؤكد ابن بركة أن النبي مقتدى به في قوله وفعله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب 21/ 33)، وبحديث خذوا عني مناسككم (3) على وجوب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في القول والعمل (4)، ونجد عند تلميذه أبي الحسن البسيوي (5) مثل هذا التدليل في قوله:" فقد ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله أنه كان يصوم لرؤية الهلال وإن لم يمكن رؤيته أتمّ ثلاثين يوماً، وقد قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) (6)، فيجب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله وأقواله قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر (7/ 59) (7). ويؤكد الكدمي على لزوم الغسل من الجنابة وأن هذه
(1) ابن بركة، الجامع، 1/ 250.
(2)
م. س، 1/ 274.
(3) الحديث بلفظ خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي (هذا) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب الدفع من المزدلفة ... 125/ 5 (9307)، وبلفظ خذوا مناسككم ... الخ أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب فرض الوقوف ... 425/ 2 (4016)، وأبو يعلى في مسنده، مسند جابر، 111/ 4 (2147). (4) ابن بركة، الجامع 2/ 165 - 166.
(5) البسيوي أبو الحسن علي بن محمد (10/ 43) من قرية بسيا ببهلا في عمان، علامة جليل، وفقيه مجتهد، ومؤلف، محقق، أخذ عن والده وابن بركة وأبي مالك الصلاني، يعد أحد أقطاب القرن الرابع له عدد من المؤلفات منها كتاب "الجامع"، والمختصر، ر: الأزكوي، كشف الغمة، 487، ابن مداد سيرة ابن مداد، ص 24، البطاشي، إتحاف الأعيان، 229/ 1 - 232. (6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصيام، باب الصوم لمن خاف ... 674/ 2 (1810)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب وجوب صوم، رمضان 762/ 2 (1081)، والحاكم في المستدرك، كتاب الصوم، 587/ 1 (1547)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصوم، باب رؤية الهلال، 226/ 1 (3442).
(7) البسيوي أبو الحسن علي بن محمد (10/ 4، جامع أبي الحسن، دار جريدة عمان للصحافة والنشر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عُمان، 1404 هـ، (1/61)
صفحة 62
علوم السنة عند الإباضية
42
الحجية مستفادة من كتاب الله نصاً ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً وفعلاً (1). وهكذا نجد ذكر السنة الفعلية عند علماء الإباضية وأن حجيتها كحجية القولية وأن الفعل يضارع القول والعكس)، بل فعل النبي حجة باهرة (2)، (3).
ويؤكد السوفي أنه إذا فعل فعلا وعلم أنه فعله على وجه الوجوب أو على وجه الندب" فهو شرع لنا قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةً (الأحزاب 21/ 33)، ومعنى أسوة أي قدوة، قالت الخنساء تبك
أخاها (من الوافر)
وَمَا يَبكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن
أُعَزِي النَّفْسَ عَنهُ بِالتَأْسِي"
(4) "
ويقول الوارجلاني: "وأما إثبات السنة بفعل رسول الله فظاهر، وبدلالة قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم) (5)، و (صلوا) كما رأيتموني أصلي) (6)، فهذا يدل على أن أفعاله من سنته فمن اقتدى بها فعن أمره (7)، ونجد البرادي (8) يؤكد على
1984 م 224/ 2.
(1)
(2)
الكدمي
المعتبر، 36/ 4.
ابن بركة، الجامع، 332/ 1.
(3) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس (ق 11/ 6) مختصر الخصال، دار نوبار للطباعة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1404 هـ/1984 م، ص 12. (4) السوفي، السؤالات، (مخ) ص 480. (5) تقدم تخريجه، ص 40.
(6) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فرض متابعة الإمام 503/ 5 (2131)، والدارقطني في سننه، كتاب الصلاة، باب ذكر الأمر بالأذان ... 273/ 1 (2)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب من سها فجلس ... 345/ 2
(3672)
(7) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 121/ 1.
(8) البرادي أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم الدمَّري (حي) في: 1407/ 810) ولد بجبل دُمر جنوب تونس (جبل الحواية (الآن أخذ عن يعيش الزواغي وأبي ساكن الشماخي وغيرهما، أكثر من الرحلة لطلب العلم، ومن رحلاته رحلته إلى جامع الزيتونة وحاز على إعجاب (1/62)
صفحة 63
علوم السنة عند الإباضية
43
هذا الجانب التأصيلي فيجعل أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم الواقعة موقع البيان أصلاً من أصول الفقه الخمسة (1)، ويطلق أبو نبهان الخروصي (2) هذا التأصيل بتعميم كل أفعال الرسول الله في حق الأمة ويذكر أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي الإباحة باستغراق الجنس في الكل من الأمة عموماً إذا لم تثبت معه قرينة التخصيص، ويؤكد أن
(3)
الأمة داخله معه فيما لم يصح أنه بخصوصه، ونجد ممن عرف السنة الفعلية السالمي فذكر أنها ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعال (4).
(5)
أما السنة التقريرية فهي ما علمه من فعل الناس في الجاهلية وفي الإسلام فلم يزجرهم عنه كما حدها بشير بن محمد، ثم يقول مؤكداً حجيتها: " فتفهموا ذلك بعلله حجة على من زعم أن لا حجة فيما لم يوقف الرسول عليه الصلاة والسلام (6)، وأنكر سنن العمل وعذر بتركها وزعم أن لا شيء على من
:
شيوخه فيها، كان عالماً فقيها، ومجتهدا محققا، ونبيلا كريما، عني بنشر العلم، وتولَّى رئاسة حلقة العزابة، وألف فأجاد وترك عددا كبيرا من المؤلفات منها: البحث الصادق، و شفاء الحائم، والجواهر المنتقاة وغيرها. ر الحيلاتي سليمان بن أحمد (1689/ 1099)، رسائل الحيلاتي (علماء (جربة تح محمد قوجه، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998 م، ص 63، 76 - 77، ابن محمد محفوظ (معاصر) تراجم المؤلفين التونسين، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1982 م، 106105/ 1 الجعبيري: البعد الحضاري، ص 125. (1) البرادي أبو الفضل أبو القاسم بن إبراهيم الدمَّري (حي في: 1407/ 810): رسالة الحقائق، طبعة حجرية ضمن مجموع في الجزائر، (د. ت)، ص 42. (2) ة الخروصي أبو نبهان جاعد بن خميس (1822/ 1237)، علامة محقق جليل، وحبر رباني نبيل، يصفه السالمي بأنه كان مقدم زمانه في العلم والفضل والشرف، وقد لقب في عمان بالشيخ الرئيس أو السيد الرئيس، له تأليف جليلة القدر، منها: مقاليد التنزيل، وجامع أبي نبهان ر السالمي، تحفة الأعيان، 190/ 2، مجموعة باحثين دليل أعلام عمان، ص 45. (3) الخروصي أبو نبهان جاعد بن خميس (1822/ 1237)، رسالة الشيخ جاعد ضمن الصحيفة القحطانية (مخ)، جامعة أكسفورد بانجلترا، رقم 1216، 3، صورة لدى الباحث، ص 535
(4)
السالمي، شرح الطلعة 2/ 2.
(5) الرحيلي بشير، المستأنف، مخ مج، ص 255.
(6) هكذا وردت في المخطوط ولعله يريد ما لم يُوقف الرسول الله العمل به مما رأى الناس (1/63)
صفحة 64
علوم السنة عند الإباضية
44
أضاعها (1)، ولعل حد السوفي أكثر شمولا حين قال: وإذا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء ولم ينكره، أو رأى فعلا ولم ينكره هل يكون شرعا؟ قال: هو شرع
(2) ... Lit
، وإذا فعل في زمانه شيء ولم يحضر له فبلغه ولم ينكره فهو شرع لنا (3) فحده يشمل ما رأى وما سمع من فعل. ويمثل السوفي (4) لما رأى بما روي عنه أنه رأى قيسا يصلي ركعتي الفجر بعدما صلى صلاة الصبح فقال: ما هاتان الركعتان؟ فقال: ركعتا الفجر، فسكت (5)، كما مثل لما سمع بما نقل عن (معاذ أنه كان يصلي مع رسول الله له صلاة العشاء فيذهب إلى قومه فيصلي تلك الصلاة) (6). بهم
ويبين الوارجلاني الإقرار بأنه كل شيء أقر عليه أمته وتركهم وفعلوه بين يديه سواء كان ذلك واجباً أو ندباً أو مباحاً فهو سنة (7)، و يذكر الوارجلاني في
يعملون به.
(1) الرحيلي بشير، المستأنف، مخ مج، ص 255.
(2)
(3)
(4)
السوفي، السؤلات، ص 480.
م. س، ص 481.
م. س، ص 481.
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الصلاة، باب التأمين 409/ 1 (1017)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الرخصة في أن يصلي ركعتي الفجر ... 164/ 2 (1116)، والدارقطني في سننه، كتاب الصلاة، باب قضاء الصلاة بعد وقتها 383/ 1 (9)، والحميدي في المسند، حديث أبي رمثة، 383/ 2 (867). (6) حديث معاذ (ما) روي أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله الله العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة أخرجه مسلم واللفظ له في صحيحه، كتاب الصلاة، باب القرآن بعد العشاء، 340/ 1 (465)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب إعادة الصلاة، 163/ 6 (2402)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الإمامة في الصلاة، باب إباحة إتمام المصلي فريضة، 65/ 3 (1635)، والنسائي في المجتبى، كتاب الصلاة، باب اختلاف نية ... 323/ 1 (556).
(7) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 48/ 1. (1/64)
صفحة 65
علوم السنة عند الإباضية
45
موضع آخر التخصيص بمثل هذا النوع من السنة بقوله: " وإذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أحداً يفعل غير مقتضى العموم فأقره فذلك تخصيص العموم (1)، ويذكر الثلاثي مثالا
للتقرير
(2)
الله
هو ما فعله معاذ بن جبل في الاستدراك إذ صلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصلاة وصلّى البعض الباقي بعد سلامه له منها، وقوله للصحابة -رضي عنهم - إقرارا لفعل معاذ: (سَنَّ لكم معاذ سنة حسنة فاصنعوا مثل ما صنع) (3). ونرى جل من تقدموا يجعلون الإقرار في الفعل وكأنهم يحصرونه فيه، ومنهم عمرو الثلاتي في رفع التراخي (9)، بينما ينحو المتأخرون إلى شمول الإقرار للفعل والقول، فنجد السالمي يحد السنة التقريرية بما رآه من فعل أو قول صدر من أمته أو من بعضهم فلم ينكره وسكت عليه مع القدرة على إنكاره (5) فيجمع بين القول والفعل في حده
المبحث الثاني: الأوجه التي ترد بها السنة:
الحال
ترد السنة في علاقتها بالقرآن بأوجه متعددة عند الإباضية كما هي عند غيرهم، لكننا سنجد تسلسل الاعتماد على الكتاب أولا فالسنة بعده واضحا
(1)
م. س، 129/ 1 - 130.
(2) التلاتي أبو حفص عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187)، الأزهار الرياضية على المنظومة الرائية (منظومة فتح بن نوح النفوسي)، (مخ)، المكتبة البارونية الحشان، جربة، تونس، رقم 31، ص 82.
(3) لم أجده مخرجا بهذا اللفظ، وقد ورد بألفاظ مقاربة فأخرجه البيهقي في السنن الكبرى بلفظ مختصرا قد سن لكم معاذ فهكذا فافعلوا كتاب الصلاة، باب المسبوق ... 296/ 2 (3433). وقريب منه أخرجه عبد الرزاق في مصنفه كتاب الصلاة، باب ما يقرأ فيما يُقضى وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير بلفظ (سن لكم معاذ فاقتدوا به إذا جاء أحدكم وقد سبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام صلاته فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبقه) في حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، 134/ 2 (271).
(4) التلاتي عمرو بن رمضان، رفع التراخي في مختصر الشماخي (مخ)، ص 146. (5) السالمي، شرح طلعة الشمس، 2/ 2. (1/65)
صفحة 66
علوم السنة عند الإباضية
46
n
جليا
أنه
كل جوانب التشريع عقدية كانت أم فرعية عملية، وهذا الترتيب لا شك مستوحى من الكتاب من أكثر من موضع من ذلك قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) (الأحزاب 34/ 33) وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ الجمعة (2/ 62)، ويفسر الملشوطي (1) والسوفي الحكمة بالسنة (2)، وللبرادي كلمة جامعة في بيانه للحكمة الواردة في القرآن يقول فيها:: السنة، فإن الدين إنما أخذ من كلام الله، ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاهما باللحن و العربية، فيكون خطاب الله ل كأنه لسان، وخطاب رسول الله كأنه لسان، وهما لسانا الدين ومفتاحاه وركناه". (3)
وهي:
ونجد الأوجه التي ترد بها السنة كما يعددها الإباضية لا تختلف عما هي
عند غيرهم
(4)
(1) الملشوطي تبغورين بن عيسى بن داود (ق 12/ 6) من ملشوطة بأريغ في الجزائر، أخذ علمه عن أبي الربيع المزاتي وغيره، علامة، محقق، وأصولي متكلم، نشط في التدريس وكان له غار اتخذه حلقة للتعليم في تين يَسلِي، من تأليفه كتاب أصول الدين، والأدلة والبيان. ر: الشماخي: السير، 89/ 2 96 معمر علي يحيى الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، الإباضية في الجزائر، تصحيح أحمد عمر أوبكة، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1986 م، 123/ 4 (2) الملشوطي، تبغورين بن عيسى (ق 12/ 6)، الأدلة والبيان، (مخ) ضمن مجموع مكتبة السالمي، بدية سلطنة عمان رقم 2، لدى الباحث صورة، ص 295، السوفي السؤالات
ص 271.
(3)
البرادي أبو القاسم بن إبراهيم (حي في: 1407/ 810) البحث الصادق والاستكشاف عن معاني العدل والإنصاف (مخ)، مكتبة الحاج سعيد، محمد غرداية الجزائر، د. ر، لدى الباحث صورة، ص 20 و.
"
(4) لمزيد من بيان ذلك وتفصيله انظر: أبو زهو محمد محمد (معاصر)، الحديث والمحدثون مطبعة مصر، نشر دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، (د. ت)، ص 37 - 45، الخطيب محمد عجاج (معاصر) أصول الحديث علومه ومصطلحه، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1409 هـ، 1989 م، ص 46 - 50. (1/66)
صفحة 67
علوم السنة عند الإباضية
47
فالوجه الأول للسنة أنها جاءت مؤكدة لحكم الكتاب وعبر الكدمي
عن ذلك ب" سنن مصدقة للكتاب محكمة (1).
والوجه الثاني أنها وردت بأحكام مستقلة زاد الله بها أهل الإسلام فروضا وأحكاما على لسان محمد (2)، يقول أبو بكر الكندي:"والوجه الثالث ما سنّ من الزيادة في أحكام الله، فسنّ الرجم على المحصن، وسن في قاذف المؤمنين، وإنما الحدّ في الكتاب في قاذف المحصنات وسنّ القصر في الصلاة في السفر .. الخ" (3)، السفر .. الخ (3)، وهم يؤكدون أن الأصل في أحكام هذا الوجه سن زاد الله تعالى بها أهل الإسلام أحكاما بلسان النبي (4)، وتوجد أمثلة كثيرة غير ما تقدم ذكره كسنة الأذان والإقامة وما سن في الجراح من ديات حسب أثرها في الجسم (5) وتحريم الحرير والذهب على الرجال وتحريم (6) نكاح الشغار (7) وغيرها من السنن التي لا يَسَعُ المقام التفصيل فيها (8).
* (+) '
والوجه الثالث أنها جاءت مبينة وعبر عنها بشير بن محمد بالمفسرة
إذ فيها تفسير لجملة ما فرض القرآن مما لا يُعرف تأويله بلفظ تنزيله ولا يصل
(1) الكدمي
أبو
سعيد، الاستقامة، 11/ 1.
(2) الرحيلي بشير بن محمد المستأنف، مخ مج، ص 253.
(3)
الكندي أبو بكر، المصنف،20/ 2.
(4) الأصم أبو محمد بن أبي عبد الله، البصيرة، 15/ 2.
(5)
الكندي
أبو بكر، المصنف، 20/ 2 والأصم أبو محمد بن أبي عبد الله، البصيرة، 17/ 2.
(6) الحضرمي
أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله (ق) 12/ 6)، الدلائل والحجج، تصحيح أحمد كروم، مرقون بيد الباحث صورة منه، ص 203 204، السوفي، السؤالات 116، الأصـ البصيرة 15/ 2.
(7) الشغار: هو تزويج الرجل كريمته، على أن يزوجه الآخر كريمته ولا مهر إلا ذلك. ر: البركتي محمد عميم الإحسان (معاصر)، التعريفات الفقهية، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1424 هـ، 2003 م، ص 123.
(8)
لمزيد من التفصيل: ر الكندي أبو بكر، المصنف، 20/ 2، الأصم أبو محمد بن أبي عبد
الله، البصيرة، 17/ 2. (1/67)
صفحة 68
علوم السنة عند الإباضية
48
أحد إلى علمه بدون الترجمة والتوقيف عليه مثل قوله (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (البقرة 43/ 2) أو وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّه} (البقرة 196/ 2) (1). وجاء التعبير بالمفسرة عند عمروس في معرض حديثه عن الزكاة وأن السنّة فسرت كيف كان قسمها، ومن كم تجب؟ ومن أي نوع تجب؟ وعلى كم؟ والحول ... كل ذلك من السنة (2)، ونقل ابن جعفر (3) وابن بركة عن بشير من كتابه الخزانة: أن الله افترض الصلاة والزكاة جملة وفسرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة (4)، وقريب من هذا تعبير محمد بن روح في قوله: " و السنة كلها تأويل لكتاب الله تبارك وتعالى وجاء المُفسِّر عند أبي الربيع المزاتي في مقابل المُجْمَل من أوامر السنة (6)، بينما عبر عنها الكدمي قبله بالشرح فقال: أصلها" من كتاب الله وشرح الكتاب السنة بوجوب النص" النص" (7)، ووصفها بأنها مبينة (8)، ومثل هذا الوصف ورد عند ابن بركة (9).
(5)
وقد ذُكرت أمثلة كثيرة لفرائض ورد الأمر بها مجملاً في القرآن وبينت السنّة هذا الإجمال، فمما ذكر غير ما تقدم ما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل في المزدلفة حتى صلى الفجر، ثم أفاض من المشعر الحرام قبيل طلوع الشمس (10)، قال الكدمي معلقا على ذلك: فثبت ذلك في شعائر الحج سنة للمسلمين، وقد جاء في ذلك عن الله - تبارك وتعالى - وبيئته السنّة النبوية (1). النبوية (1).
(1) الرحيلي بشير، المستأنف، مخ مج، ص 253.
(2)
المساكني عمروس بن فتح الدينونة الصافية، ص 95 - 96.
–
(3)
ابن جعفر، الجامع، 15/ 2
(4) ابن بركة، الجامع، 455/ 1.
(5)
الكندي
محمد بن روح - كتاب سيرة الشيخ محمد بن روح، ص 12.
(6) المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف التحف المخزونة ص 83.
(7) الكدمي
(8) الكدمي
(9)
أبو سعيد، الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد 70/ 1.
أبو سعيد، المعتبر، 163/ 4، 164.
ابن بركة، الجامع، 455/ 1 - 456.
(10) حديث الإفاضة من جُمْع روي أن عمر رضي الله عنه صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال: (1/68)
صفحة 69
علوم السنة عند الإباضية
49
وقد فصلت السنة فرائض الصلاة وسننها وأحكامها بعد أن فرضت في القرآن جملة (2)، وبينت السنة هذه الجملة (3)، يقول ابن بركة في بيان أحد فروعها:" وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن لا يقرأ خلف إمامه، واحتجوا بقول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف (204/ 7 فاعتل من ذهب إلى هذا القول بظاهر الآية، والحجة عليهم ببيان النبي: (لا) صلاة إلا بفاتحة الكتاب) (4)، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم هو المعترض صلى الله عليه وسلم: على الآية، لأن النبي لا الله هو الموكل بالتبيان (5)، ولما كانت مسألة بيان السنة للقرآن من أكثر الأوجه التي تداولتها المصنفات والكتب عند علماء المذهب رأيت إفرادها بمزيد من البيان في المبحث التالي.
11
الوجه الرابع أنها ترد ناسخة للقرآن يقول بشير بن محمد: "وقد قيل أيضا بوجه ثالث إن من سنة رسول الله الله ما هو لأحكام القرآن ناسخ نحو
إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير، وإن النبي خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس أخرجه البخاري واللفظ له في صحيحه، كتاب الحج، باب متى يدفع من جمع 204/ 2 (1600)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب المناسك، باب الدفع من المشعر الحرام ... 271/ 4 (2859)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب وقت الإفاضة من جمع 433/ 2 (4054)، والترمذي في سننه، كتاب الحج، باب ما جاء في تقديم
الضعفة ... 241/ 3 (895).
(1)
(2)
الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 163/ 4، 164.
ابن بركة، الجامع، 455/ 1.
(3) الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 6/ 10.
(4) أخرجه النسائي في السنن الصغرى، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة وسننها، 236/ 1 (355)، والترمذي في سننه، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في افتتاح القراءة، 25/ 2 (247)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب من قال يقرأ خلف الإمام، 167/ 2 (2758)، والطبراني في مسند الشاميين، ما أسند سعيد بن عبد العزيز التنوخي،
(331) 189/ 1
(5)
ابن بركة، الجامع، 509/ 1. (1/69)
صفحة 70
علوم السنة عند الإباضية
50
قوله: (لا وصية لوارث) (1) بعد نطق الكتاب بها الْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ} (البقرة 180/ 2)، وما سنه في من أسلم من نساء المشركين أنهن لا عوض لَهُن على أزواجهن السابقين الكفار إذا أتين المسلمين بعد قوله فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا} (الممتحنة 11/ 60) (2) مع ما أخرج بسنته ما تشتمله الآية لعموم قول الله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْن) (النساء 11/ 4) بقوله
(1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الأيمان والنذور، باب في الديات والعقل، 261/ 1 (667)، والترمذي في سننه كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، 434/ 4 (2121)، وابن ماجة في سننه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، 906/ 2 (2714) والدارقطني في سننه، كتاب الوصايا (97/ 4 (89)، وسعيد بن منصور في سننه، كتاب الوصايا، باب هل يقضي الحي النذر عن الميت، 149/ 1 (425). بيان هذه المسألة أن حكمها الأول جاء في سياق التبادل بين المسلمين والمشركين خاصة بعد الحديبة؛ فشرع الله ردّ مهر المرأة المسلمة إذا صارت إلى المسلمين وطلب منهم أن يسألوا مهر المسلمة إذا انقلبت إلي المشركين.
(2)
اللَّهَ
وقد وفّى المؤمنون بحكم الله بينما أبى المشركون تأدية ذلك؛ فنزل قول الله تعالى {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} (الممتحنة 11/ 60)، وهذا التعويض جعل مما يقع في أيدي المسلمين من الغنيمة والفيئ وغيره، أو ممّا يؤديه الكافر إن قبل الأداء لمهر المرتدة أو غير ذلك، ثم نسخ هذا الحكم كما نص علماء الأمة على ذلك.
وانظر لمزيد من التفصيل في هذه المسألة: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس (820/ 204)، أحكام القرآن، تح عبد الخالق عبد الغني دار الكتب العلمية، بيروت، 1400 هـ، 71/ 2 الرازي الجصاص أبو بكر أحمد بن علي (982/ 370)، أحكام القرآن، تح محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث، بيروت، 1405 هـ، 332/ 5، الكرمي مرعي بن يوسف بن أبي بكر (1623/ 1033)، الناسخ والمنسوخ، تح سامي حسن عطا، دار القرآن الكويت، 1400 هـ، 90/ 1، ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (597/)، نواسخ القرآن، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ،،242/ 1، المرادي النحاس أحمد بن إسماعيل (952/ 339)، الناسخ والمنسوخ، تح محمد عبد السلام محمد، ط 1، مكتبة الفلاح، الكويت، 1408 هـ، 743/ 1. (1/70)
صفحة 71
علوم السنة عند الإباضية
51
: لا وارث بين (ملتين) (1) و (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (2)
و (المرأة على عمتها وخالتها
(النساء 24/ 4)
(4) "
(3)
(L
بعد
د قوله (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ
واعتبار النسخ وجها من أوجه ورود السنة يذكره أبو بكر الكندي أيضا، فيبين أن من أوجه السنة ما كان من السنن ناسخا لأحكام القرآن ويمثل الكندي زيادة على ما تقدم ذكره (5) بما سنه النبي من أن الوصايا لا تجاوز الثلث (6)،
(1) لفظ (الحديث لا يتوارث أهل ملّتين) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، أول كتاب التفسير، 262/ 2 (2944)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض، في سقوط الموارثة بين الملتين 824 (6381 - 6384)، وأبو داوود في سننه، كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر، 125/ 3 (2911)، والترمذي في سننه، كتاب الفرائض، باب لا يتوارث أهل ملتين، 424/ 4 (1208). (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب تعديل كم يجوز 935/ 2 (2502) والربيع في مسنده كتاب النكاح، باب ما يجوز في النكاح ... 10/ 1 (425)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، ما يحرم من الرضاعة،295/ 3 (5435)، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب يحرم من الرضاع ما ... 623/ 1 (1937).
(3)
من ألفاظه (لا) يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، 1965/ 5 (4819–4821)، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين ... 1029/ 2 (1408)، وابن حبان في صحيحه، كتاب النكاح، ذكر الزجر عن تزويج ... 427/ 9 (4117)، وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع، 224/ 2 (2065).
(4) الرحيلي بشير، المستأنف، مخ مج، ص 253. أبو بكر، المصنف، 19/ 2.
(5) الكندي
(6)
) أخرجه البخاري في صحيحه (الثلث والثلث كثير، أن تدع ورثتك ... )، كتاب النفقات، باب فضل النفقة ... 2047/ 5 (5039)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث 104/ 4 (6460)، والترمذي في سننه، كتاب الوصايا باب ما جاء في الوصية
بالثلث، 430/ 4 (2116) والبزار في مسنده، حديث الزهري عن عامر 293/ 3 (1085) (1/71)
صفحة 72
علوم السنة عند الإباضية
52
ولا يرث الحر من العبد ولا العبد من الحر (1)، وقد جرى على ذكره وتمثيله من بعده أبو عبد الله الأصم في البصيرة (2).
على أن النسخ في تقديري لا يخرج عن كونه وجها من وجوه البيان وبذلك يدخل ضمن وجه ورود السنة، مبينة، وسيرد مزيد بسط في مبحث ناسخ الحديث
ومنسوخه
المبحث الثالث: البيان بالسنة:
البيان لغة إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وأصله الكَشْفُ والظهور (1)، أطلق على الفصاحة ووضوح الكلام، والبيان ما يَتبيَّن به الشيء من الدلالة وغيرها ومعنى تَبَيَّنَ الشيء ظهر
(2)
(1) الأصل في هذه المسألة عموم حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من باع عبدا له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض، باب
لا يرث المملوك، 219/ 6 (1205)، وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب البيوع، باب بيع العبد وله مال، 136/ 8 (14623)، وأبو يعلى في مسنده، مسند عبد الله بن عمر، 381/ 9 (5508). يقول الشافعي معلقا على هذا الحديث: " فلما كان بَيِّنا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد لا يملك مالا، وأن ما يملك العبد فإنما يملكه سيده، ولم يكن السيد بأبي الميت؛ ولا هو بوارث؛ سميت له فريضة، فكنا لو أعطينا العبد بأنه أب إنما أعطينا السيد الذي لا فريضة له، فورثنا غير من ورث الله، فلم نورث عبدا لما وصفت ر: البيهقي، السنن الكبرى، 219/ 6. على أن مسألة جواز تملك العبد لشيء من المسائل المختلف فيها فلا تؤخذ على إطلاقها، وقد أورد ابن عبد البر الخلاف في هذه المسألة، وأورد حجج الفريقين، أي القائلين بجواز تملكه وعدم جوازه، يقول ابن عبد البر: واستدل من قال إن العبد يملك بأن عبد الله بن عمر كان يأذن لعبيده في التسري، ولولا أنهم يملكون ما حلّ لهم التسري، لأن الله تعالى لم يُحلّ الفرج إلا بنكاح" فقال: "و للفريقين في هذه المسألة ضروب من الاحتجاج يطول ذكرها ليس كتابنا هذا بموضع لها ر: القرطبي ابن عبد البر يوسف بن عبد الله (1071/ 463)، الاستذكار، تح سالم محمد عطا محمد علي معوض، ط 1، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، 2000 م، 275/ 6 - 276 (2) الأصم، البصيرة، 16/ 2. (1/72)
صفحة 73
علوم السنة عند الإباضية
53
ويورد السوفي للبيان تعريفين اصطلاحيين: الأول بمعنى الدليل الذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى ما هو دليل عليه، والثاني: إخراج الشيء من حيّز الإشكال إلى حيّز التجلّي (3).
ويستدل الوارجلاني والبرادي على تأصيل البيان من السنة بقول الله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ؛ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل 43،44/ 16)، وقال: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل 64/ 16)، وقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر 7/ 59) فاقتضى ذلك أن بيان ه (4) الرسول صلى الله عليه وسلم لما في القرآن بيان وهو سنته
وينقسم البيان إلى بيان القول والفعل والترك، ونرى من علماء الإباضية من يذكر البيان بالقول والفعل (5)، ومنهم من يذكرهما مع
الترك (6)،
ومنهم من تفيد عبارته أشمل من ذلك كالبرادي في قوله:" وإن كان البيان في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، وإرسالا وكتبا، وإقرارا وإشارة ورمز ا (7)، لكنه في موضع آخر
(1)
ابن منظور، لسان العرب مادة بَيْنَ 69/ 13، الجزري ابن الأثير أبو السعادات المبارك بن محمد (1210/ 606)، النهاية في غريب الأثر، تح: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد طناحي، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان 1399 هـ، 174/ 1.
(2) الرازي
محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (1322/ 721)، مختار الصحاح، تح: محمود
خاطر مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1415 هـ، 1995 م، مادة بين 29/ 1
(3)
،
السوفي، السؤالات، 247 و.
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف،471، البرادي، البحث الصادق، (مخ)، ص 176 و. ابن بركة، الجامع 165/ 2 - 166، الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، ص
(5)
266، التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 64.
(6) السوفي، السؤالات ص 247،
(7) البرادي، البحث الصادق، (مخ)، ص 175 و. (1/73)
صفحة 74
علوم السنة عند الإباضية
54
جعل بيان رسول الله الله منحصرا في أربعة أقسام: قول وفعل وإقرار وترك (1) وقصره الملشوطي على القول والفعل والترك (2).
أما البيان القولي والفعلي فيستدل عليه ابن بركة بقول النبي: (خذوا عني مناسككم) (3) وبأعماله التي نقلت في المناسك واتبعه الصحابة فيها؛ ويقول:" في هذا دليل على أن البيان قد يقع مرة قولا وتارة يقع فعلا" (4).
ومن
على أنه في حقيقة الأمر اشترك البيان القولي والفعلي هنا في بيان الحج، أمثلة البيان بالسنة القولية والفعلية أيضا قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (5) وما نقل عنه من أفعال الصلاة المخصوصة، حيث بين القول والفعل قوله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ} (البقرة 43/ 2) وهو بيان إجمالي ابتدائي كما يقول عمرو التلاتي (6).
ويفصل السوفي والبرادي أوجه البيان القولي (7) إلى أوجه ثلاثة: الأول كونه
(8)
ابتداء كقوله: (لا) تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)، والثاني ما
كان جوابا عن سؤال، كقوله الله في البحر: هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته) (
(1) م. س، ص 177 و.
(2) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ (مج) ص 294.
(3)
(4)
تقدم تخريجه، ص 40.
ابن بركة، الجامع 2/ 165 - 166.
(5) تقدم تخريجه، ص 41.
(6) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 64.
(7) السوفي، السؤالات، (مخ) ص 247، البرادي، البحث الصادق، (مخ)، ص 295.
(8)
تقدم تخريجه، ص 50.
(9)
(9) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، 72/ 1 (160)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب المياه، 51/ 4 (1244)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الرخصة في الغسل 59/ 1 (111)، وابن ماجة في سننه، كتاب الطهارة
وسننها، باب الوضوء بماء البحر، 136/ 1 (386). (1/74)
صفحة 75
علوم السنة عند الإباضية
55
وكان سئل عن الوضوء بمائه، ويذكر البرادي أمثلة أخرى لهذا الوجه فمن ذلك ما روي في شاة ميمونة حين سئل عن إهابها؛ فقال: كل إهاب دبغ فقد طهر) (1)، وقوله في بئر بضاعة (2) حين سئل عن الوضوء بمائها؛ فقال: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غيَّر لونه أو طعمه) (3)؛ يقول البرادي:" فحملناه على ما سئل عنه عن ماء تلك البئر، وما كان مثله من الماء الكثير؛ فهذا الحديث يحمل على السبب (4)، والثالث أن يكون الجواب لا يستقل بنفسه ولا بدَّ عندئذ من ذكر السؤال معه حتى يتم الكلام؛ مثل جوابه لما اقتطع ملح مَارِبَ (5) فقيل له: إنه كالماء العد فقال: فلا إذا)
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب جلود الميتة، 103/ 4 (1287)، والترمذي في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة، 221/ 4 (1728)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، 83/ 3 (4567)، والدارمي في سننه، من كتاب الأضاحي، باب الاستمتاع بجلود الميتة، 117/ 2 (1985). (2) بضاعة: دار بني ساعدة بالمدينة، وبئرها معروفة كانت تلقى فيها خرق الحيض والقاذورات والنتن. ر: المباركفوري أبو العلاء محمد بن عبد الرحمن (1937/ 1353)، تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، ضبط وتوثيق صدقي محمد جميل دار الفكر، بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1995 م، 180/ 1.
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة، 17/ 1 (66) والترمذي في كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء أن الماء ... 95/ 1 (66)، والدارقطني في سننه كتاب الطهارة، باب الماء المتغير، 29/ 1 (10)، والنسائي في المجتبى، كتاب المياه، باب ذكر بئر بضاعة، 174/ 1 (326).
(4)
(5)
(6)
البرادي، البحث الصادق، (مخ)،ص 295.
منسوب إلى مَأرب بلد باليمن: ر المباركفوري تحفة الأحوذي، 529/ 4. هو حديث أبيض بن حمال قال: استقطعت رسول الله لمعدن الملح الذي بمأرب فأقطعنيه، فقيل إنه بمنزلة الماء العد، فقال رسول الله الله: فلا إذا أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب الإقطاع 406/ 3 (5766)، وتحت رقم (5768) قال: يعني بالماء الكثير، والترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب ما جاء في القطائع، 664/ 3 (1380)، وأبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في إقطاع الأرضين (1/75)
صفحة 76
علوم السنة عند الإباضية
56
وَأَمَّا بيان الفعل: فمن الأصول كما يذكر الوارجلاني أن أفعاله بيان للقرآن؛ ودليل ذلك (1) حديث أم سلمة عن امرأة سألتها عن القبلة للصائم فقال لها رسول الله: (ألا أخبرتها أني أفعل ذلك وأنا صائم) (2)، ومثلوا لبيان الفعل (3) بقوله:) (خذوا عني مناسككم)، و (صلوا) كما رأيتموني (أصلي) (4)، يقول الوارجلاني أيضا" وأما أفعال النبي الله فإنها بيان يُخصّ به العموم إلا إن دل الدليل على خلافه كنهيه عن الوصال - أي في الصوم - ثم هو يواصل (5)، وبيان الفعل يكون تفسيرا لما في كتاب الله تعالى كما يذكر البرادي ويجب اتِّباعه وإن كان ابتداء (6).
في
هذا
ولما كان الفعل وجها من أكثر وجوه البيان مثار خلاف أخذا أو ردا، فإننا المقام في حاجة إلى وقفة إزاء تفصيل الإباضية لأفعال الرسول. إن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم إن كانت بشرية الطابع مثل الأكل والشرب والقيام والقعود مما لا بد منه، فهي عامة مباحة له ولنا (7)، وهذه الأفعال واضحة بينة لا يظهر فيها أي إشكال.
174/ 3 (3064)، وابن ماجة في سننه، كتاب الرهون، باب إقطاع الأنهار والعيون،
(2475) 827/ 2
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف،79/ 1.
(2)
حديث أم سلمة أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الصيام، باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم، 291/ 1 (641)، والشافعي في مسنده 240/ 1، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الصيام، باب القبلة للصائم، 94/ 2، وحديث جواز القبلة للصائم ورد من طريق عائشة، وقد أخرجته جل مصادر الحديث؛ كالربيع في مسنده، كتاب الصوم، باب ما يفطر الصائم،
(318) 130/ 1
(3) السوفي، السؤالات، (مخ)، ص 247، الوارجلاني، العدل والإنصاف، 79/ 1.
(4)
(5)
تقم تخريجهما، ص 40، 41.
الوارجلاني، العدل والإنصاف،1/ 129.
(6) البرادي، البحث الصادق، (مخ)، ص 295.
(7) الشماخي أحمد بن سعيد شرح مختصر العدل، ص 368 أبو ستة، حاشية أبي ستة على (1/76)
صفحة 77
علوم السنة عند الإباضية
57
ومن أفعال الرسول الله ما كان بيانا لواجب أو مندوب أو مباح، سواء بالقول كقوله خذوا عني مناسككم وأشباهه، أو بقرينة كقطع يد السارق من الكوع بعد آية (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (المائدة 38/ 5)، وغسل المرفقين في الوضوء مع آية فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (المائدة 6/ 5) فهذا مما لاشك أنه مبين خاصا كان أم عاما (1).
وقد يكون من الأفعال ما لا يرد مورد البيان لاختصاصه به؛ كتزوج تسعة نسوة، ووجوب الضحى، والتصفية من الغنيمة، وقيام الليل وغيرها، يقول أبو الحواري: وقد يجوز للنبي ما لا يجوز للناس، ويجوز للناس ما لا يجوز للنبي، وقد يحل للنبي ما لا يحل للناس وقد يحل للناس ما لا يحل للنبي، وقد حرم على النبي الصلاة على المنافقين وحل ذلك للناس (2).
أما ما كان غير مختص به؛ فما عرفت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة، فأمته مثله فيه، وقيل لا، وصحح الشماخي الأول مستدلاً بأن الصحابة يرجعون إلى فعله المعلوم صفته، ومستدلاً بعموم التأسي (3) في قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب 21/ 33)، وقد سبق بشير بن محمد الشماخي إلى تقرير ذلك مبينا أن الأصل التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن نتبين ما نخص به ولا بدّ من حجة تبين ذلك؛ كالصدقه بيّن أنها لا تحل له ثم قال: "فكل ما لم يكن مبينا أنه خاص لرسول الله أو أنه نقل فعلى الناس فعله
مختصر العدل، (مخ)، 140 ظ.
(1) الشماخي، شرح مختصر، العدل ص 368 أبو ستة، حاشية أبي ستة على مختصر العدل،
(مخ)، 140 ظ.
(2)
أبو الحواري محمد بن الحواري (886/ 272)، سيرة أبي الحواري، (مخ) ضمن
القري مجموع السير العمانية، ص 210
(3) الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 369 أبو ستة، حاشية أبي ستة على
مختصر العدل ص 141 و. (1/77)
صفحة 78
علوم السنة عند الإباضية
58
بقوله تعالى: {لْمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب 21/ 33) (1).
6 (2) ,
ويعقب
وهذا الذي صححه الشماخي هو نفس قول الوارجلاني في العدل أبو ستة على ذلك بقوله: "والحاصل أن أفعال الرسول إما أن تقوم قرينة على
—
اختصاصها به أو لا، فإن قامت قرينة على الاختصاص فهي مختصة به -
كقيام الليل في حقه ... إلخ - أو لم تقم قرينة على الاختصاص بل قامت على العموم فهي عامة في حق غيره، وشاملة لسائر أمته (3)، وهذا التقسيم المتقـ المتقدم لأفعال النبي "عام في جانب العبادات والمعاملات على المشهور (4).
وأما البيان بالترك فهو كما حده السوفي والبرادي: كل شيء تركهم وفعله سواء كان واجبا أو مباحا أو ندبا أو حظرا فتركهم على ذلك فهم على ما كانوا
عليه (5)
صححه بعضهم
(6)
وإذا تقرر عندهم بيان السنة للقرآن فكذلك القرآن للسنة والسنة للسنة كما وذلك لأنهما من عند الله، قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم 3/ 53 - 4)، ويدل على الجواز قوله تعالى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (النحل 89/ 16) (7).
إن أوجه بيان السنة للقرآن متعددة، ونجد ذكرها والتمثيل لها في كتب
الإباضية كثيرا، وأهم هذه الوجوه:
(1) الرحيلي بشير المستأنف (مخ مج)، ص 256.
(2)
6
الوارجلاني، العدل والإنصاف،79/ 1.
(3) أبو ستة، حاشية أبي ستة (مخ)، 139 ظ.
(4)
م. س، ص 140 ظ.
(5) السوفي، السؤالات (مخ)، ص 247، البرادي، البحث الصادق (مخ)، ص 295.
(6) أبو ستة، حاشية أبي ستة على مختصر العدل (مخ)، ص 64 و، ص 66 ظ.
(7)
م. س، ص 64 و، ص 66 ظ. (1/78)
صفحة 79
علوم السنة عند الإباضية:
59
ما ورد بيانا لمجمل القرآن، وله أمثلة كثيرة سبق التمثيل بها كبيان أحكام الصلاة والزكاة والحج وغيرها وردت مجملاً في القرآن وفصلته السنة (1)، بل إن السنة في أغلبها بيان لمجمل القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بتبيين ما في القرآن (2)، يقول يوسف بن مُحمَّد المصعبي (3) في تعليقه على إحدى المسائل في رسالة رد على أحد مخالفيه: "وهذه في كتاب الله إجمالا، وهو يُتلى لدينا ليلا ونهارا كبارا وصغارا، وتولى بيانه سيدنا محمد، ونقل ذلك إلينا وإليكم الصحابة والتابعون والأئمة الراشدون، حتى نصوا فيه جميع الأحكام نصا واستنباطا، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل 44/ 16) (4).
ومنها ما ورد مخصصا لعموم القرآن، ونجد ذكر تخصيص السنة للقرآن عند المتقدمين من علماء الإباضية كبشير بن محمد وغيره (5)، كما نجد عند ابن بركة مثالا لمثل هذا التخصيص؛ فالعموم الوارد في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (المؤمنون (5/ 23 - 6 عموم مبيح للزوجة والمملوكة في كل حال وإن خصص بآية أخرى وهي فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض} (البقرة 222/ 2) فإنه أيضا خصص
ر البرادي البحث الصادق (مخ)، ص 172 ظ.
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف،78/ 1.
(3)
المصعبي
أبو يعقوب يوسف بن محمد المليكي (1774/ 1187)، ولد بمليكة في ميزاب
بالجزائر، انتقل الى جربة وأخذ العلم فيها، رحل إلى تونس ومصر للعلم، ثم عاد إلى جربة فصار مفتيها وكبير علمائها، له تأليف كثيرة حتى فى الفلك والكيمياء، أهمها: حاشية على تفسير الجلالين حاشية على شرح مختصر، العدل وغيرها. ر بن تعاريت تراجم علماء جربة ص 100 أبو اليقظان: ملحق السير، 52/ 1
(4)
المصعبي
6
أبو يعقوب يوسف بن محمد المليكي (1774/ 1187)، رد يوسف المصعبي على أحد المخالفين، (مخ) ضمن مجموع،، مكتبة، إروان العطف، الجزائر، در، صورة لدى
الباحث، ص 29.
(5) الرحيلي بشير، المستأنف، (مخ مج)، ص 250. (1/79)
صفحة 80
علوم السنة عند الإباضية
60
بما ورد عن النبي أنه سئل عن سبايا أوطاس من الإماء، فنهى عن وطء الحوامل منهن حتى يضعن، وعن الحوائل حتى يحضن) (1)، يقول ابن بركة:
و الحائل التي يأتيها الدم حالاً بعد حال، والله أعلم" (2).
ويشير الوارجلاني إلى أن التخصيص يقع بدلالة أمور: منها السنة وأخبار الأحاد، (3) ويمثل لما خصصته السنة من عموم بقول الله عز وجل: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللَّهُ عَزِيرٌ حَكِيمٌ} (المائدة 38/ 5) والسنة خصصت العموم هنا فعفت من القطع من سرق ما دون ربع الدينار لقوله: ليس فيما دون ربع دينار قطع) (4)، ولقوله: (لا يقطع السارق في أقل من ربع دينار) (5) وأيضا بقول الله عز وجل: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ
(1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب النكاح، باب في الرضاع، 211/ 1 (526)، والحاكم في المستدرك، كتاب النكاح، 212/ 2 (2790)، وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب وطء السبايا، 248/ 2 (2157)، والدارمي في سننه کتاب، الطلاق باب في استبراء الأمة،
(2295) 224/ 2
(2)
ابن بركة، الجامع 1451
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف،120/ 1.
(4) أخرجه البيهقي قريبا من هذا اللفظ، ولفظه عنده) لا يقطع في دون ربع دينار)، السنن الكبرى، كتاب السرقة باب ما يجيء فيه القطع، 255/ 8 (16940). (5) لفظ الحديث عند مسلم (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، 313/ 3 (1684)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب قطع السارق، باب ذكر اختلاف أبي بكر بن محمد، 340/ 4 (7423)، وابن ماجة في سننه، كتاب الحدود، باب حد السارق 862/ 2 (2585)، والدارقطني في سننه، كتاب الحدود والديات ... 189/ 3 (315)، وحديث القطع المشهور أخرجته جل كتب الحديث من طريق عائشة، ولفظه عند البخاري: (قال النبي: تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا) ولفظ آخر عنده: (تقطع يد السارق في ربع دينار) ر: البخاري، صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: {و السارق و السارقة ... 2492/ 6 (6407). (1/80)
صفحة 81
علوم السنة عند الإباضية
61
كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (التوبة 36/ 9) فخصت السنة النساء والولدان والرهبان وأهل العهد لقوله: (لا تقتلوا امرأة ولا وليداً) (1)، ونهى أبو بكر الصديق عن قتل الرهبان فقال: (دعوهم وما حبسوا إليه أنفسهم) (2) (3).
وقد تشترك السنة. مع القرآن في تخصيص القرآن؛ من ذلك ما ذكره إسماعيل الجيطالي (4) في حكم ميتة البحر فهي مخصصة من عموم حرمة
(1) لفظ الحديث من رواية أنس بن مالك قال كنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله في سبيل الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ولا تغلوا أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب السير، باب ترك قتال من لا قتال فيه 90/ 9 (17932)، وابن أبي شيبة واللفظ له في مصنفه، في كتاب السير، باب من ينهى عن قتله ... 483/ 6 (33118)، وابن عبد البر في الاستذكار، كتاب الجهاد والسير باب النهي عن قتل النساء والولدان، 31/ 5. ولابن عمر رضي الله عنهما حديث قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله فنهى رسول الله له عن قتل النساء والصبيان)، وهذا الحديث أخرجته كثير من كتب الحديث، فالبخاري أخرجه في صحيحه، كتاب الجهاد والسير باب قتل النساء في الحرب، 1098/ 3 (2852)، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير باب تحريم قتل النساء
(1744) 1364/ 3 ...
،
6
(2) هذا جزء من حديث طويل أوصى فيه أبو بكر يزيد بن أبي سفيان وغيره من أمراء
الجيوش، ومنه ... لا تغرقن نخلا ولا تحرقنها، ولا تعقروا بهيمة ولا شجرة تثمر، ولا
تهدموا بيعة ولا تقتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له .... ) أخرجه البيهقي واللفظ المتقدم له في السنن الكبرى، كتاب السير، باب من اختار الكف عن ... 85/ 9 (17904)، ومالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل النساء .... 447/ 2 (965)، وعبد الرزاق في المصنف، كتاب الجهاد، باب عقر الشجر بأرض العدو، 199/ 5 (937)، وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب السير، باب من ينهى عن قتله في ... 484/ 6 (33134).
(3)
(4)
الوارجلاني، العدل والإنصاف،121/ 1.
الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (1350/ 750)، ولد بجبل نفوسة في ليبيا، أخذ العلم عن أبي موسى عيسى الطرميسي، اشتهر بحافظته القوية، كان عالماً وفقيها مجتهدا (1/81)
صفحة 82
علوم السنة عند الإباضية
62
الميتة (1) بقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُه) (المائدة 96/ 5)، وبقول الرسول: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) (2)، وبقوله أيضا: (أحلت لكم ميتتان
6 (2)
ودمان، فالميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال) (3).
إن تخصيص عموم القرآن بالسنة له أمثلة كثيرة، أوردها علماء الإباضية في ثنايا بسطهم للمسائل الفقهية في أبوابها؛ ونكتفي بما تقدم ذكره. وهذا
6 (4)
التخصيص كما يقول الشماخي يكون بالسنة المتواترة اتفاقا، والخلاف في غير المتواتر، كخبر الواحد بينما ينقل التلاتي خلافا لما اعتبره الشماخي اتفاقا فيه بقوله: " وقيل لا يجوز التخصيص بالسنة المتواترة والفعلية بناء على القول بأن
أفعال الرسول لا تخصص ويكون المخصص المنفصل بخبر الواحد (5).
ولا يتسع المقام لبسط أكثر من هذا في هذه المسألة، وجملة القول أنّهم
6
نصوا على تخصيص السنة للقرآن بل وتخصيص القرآن للسنة والسنة للسنة وهذا ما عبر به الشماخي (6) والتلاتي (1) والملشوطي (2) والمصعبي (3) وغيرهم،
،
ومؤلفا محققا، يعتبر ممن أثروا المذهب بتصانيفهم، وكان ينهج المقارنة العلمية في تأليفه ومن أهمها: قناطر الخيرات شرح نونية أبي نصر قواعد الإسلام. ر: الشماخي: السير، 198 - 195/ 2، الجربي سالم بن يعقوب (1988/ 1408)، تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، تونس 1406 هـ، 1986 م، 113 - 114. الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (1350/ 750)، قواعد الإسلام، تح: بكلى عبد الرحمن بن عمر، ط 3، مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1416 هـ، 1995 م،
(1)
141 - 140/ 1
(2) تقدم تخريجه، ص 53.
(3) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الأحكام، باب الذبائح، 243/ 1 (618)، وابن ماجة في السنن، كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال، 1102/ 2 (3314)، وعبد بن حميد في مسنده، أحاديث ابن عمر، 260/ 1 (820)، وأحمد في مسنده، مسند عبد الله بن عمر، 97/ 2 (5723). الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 404 - 405
(4)
(5)
التلاتي، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 169.
(6) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 404 - 405. (1/82)
صفحة 83
علوم السنة عند الإباضية
63
—
ويورد المصعبي مثالا لتخصيص القرآن للسنة يقول فيه:" مثله أي المصنف بتخصيص قوله: (ما قطع من حي فهو ميتة) (4) بقوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا} (النحل 80/ 16)، هكذا كتبه عن بعض مشايخنا، والله أعلم" (5)، وجلهم يستشهدون في تخصيص القرآن للسنة بقوله تعالى: {تبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْء) (النحل 89/ 16)، وسيأتي بسط الحديث عن تخصيص السنة للسنة في محله عند الحديث عن مختلف الحديث.
كانت لنا فيما تقدم وقفة مع تقسيمات السنة عند الإباضية وجدناهم يوافقون فقهاء الأمة في تقسيمهم السنة إلى قولية وفعلية وتقريرية، والقولية يعبر بعضهم عنها تارة بالقول أو بالأمر، ويستدلون بالقرآن والسنة على تساوي حجية القول والفعل، وكذلك التقريرية فما أقر الرسول عليه الناس من فعلهم مما علمه فهو حجة. وبدا أن المتقدمين جعلوا الإقرار في الفعل، ونحا المتأخرون إلى شموله
القول والفعل.
أما عن أوجه ورود السنة فهي إما أن ترد مؤكدة لحكم قرآني أو مبينة له، وقد عبر بعضهم عن البيان بالشرح أو التأويل، وإما ترد مستقلة الحكم، أو ناسخة، ومع ذلك فالنسخ وإن أفرده البعض بالذكر فإنه لا يخرج عن كونه بيانا، والإباضية في هذه الأوجه هم كباقي الأمة في هذا التحديد.
(1)
التلاتي، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 169.
(2) الملشوطي تبغورين الأدلة والبيان (مخ مج)، ص 299.
(3) المصعبي يوسف بن محمد (1774/ 1187)، حاشية المصعبي على مختصر العدل (مخ)، مكتبة جمعية أبي إسحاق، غرداية، الجزائر، د. ر، لدى الباحث صورة، ص 193 و. (4) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الذبائح، 267/ 4 (7598)، والدارمي في سننه، كتاب الصيد، باب في الصيد يبين منه العضو، 128/ 2 (2018)، وأبو داود في سننه، كتاب الصيد، باب في صيد ما قطع منه 111/ 3 (2858)، وابن ماجة في سننه، كتاب الصيد، باب ما قطع من البهيمة وهي حية، 1072/ 2 (3216).
(5)
المصعبي، حاشية المصعبي (مخ)، ص 193 و. (1/83)
صفحة 84
علوم السنة عند الإباضية
64
وكان إفراد بيان السنة بمزية التفصيل توافقا مع حضوره والإشارة إليه بكثرة في التراث الإباضي، سواء بالاستدلال عليه وعلى حجيته من القرآن والسنة، أو بوفرة الأمثلة المندرجة تحته أو بتقسيمه إلى بيان قولي وفعلي وتركي، وزيادة الإقرار عند بعضهم. وهم في التعبير عنه ليسوا على نسق واحد، فمنهم من يجعله في القول والفعل، ويجعل ما عداهما داخلا فيهما، ومنهم من يفصله إلى الأقسام الثلاثة أو الأربعة المشار إليها، ومثل ذلك تعبيرهم في أوجه بيان السنة للقرآن كالبيان القولي في وروده ابتداء أو جوابا لسؤال مستقلا كان أم غير منفصل، أو غير ذلك، فهم بين مفصل في ذلك وموجز.
وأما البيان بالفعل فعدّه الإباضية أحد أوجه بيان السنّة، ورأينا عناية منهم بتأصيله وبيانه وضمّنوا فيه تفصيلهم وخلافهم في أفعال الرسول؛ هل الأصل في الفعل خصوصيته للنبي فلا بدّ من دليل يكشف العموم، أم الأصل فيها العموم فلا بد من دليل يكشف الخصوص، على أن هناك من الأفعال ما لا يرد مورد البيان كما تقدم، وكذلك وجدنا ذكرهم للبيان بالترك، ولبيان القرآن للسنة
وحجته.
وتتعدّد أوجه البيان التي ترد السنة بها عند علماء الإباضية؛ فهي إما أن تكون مبينة لمجمله أو مخصصة لعامه، أو مقيّدة لمطلقه أو غير ذلك من الأوجه التي ذكروها في ثنايا عرضهم لكثير من المسائل، وقد تقدم التفصيل وبيان البعض من هذه الأوجه والاستدلال على أصلها من القرآن والسنة، مع ذكر الأمثلة والنماذج المبينة لذلك.
وإذا كان فيما عرضناه بعض الإشارات حول حجية السنة، فإن بيان حجية السنة ومكانتها في التشريع لا تكفيه الإشارة، بل هو محتاج إلى مزيد التفصيل
وهو ما سنعرض خلال المبحث الآتي وهو حجية السنة ومكانتها عند الإباضية. (1/84)
صفحة 85
علوم السنة عند الإباضية:
65
الفصل الثالث حجية السنة عند الإباضية
المبحث الأول أدلة حجية السنّة:
يورد علماء الإباضية عددا من الآيات يستشهدون بها على حجية السنة
النبوية ويأتي قول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب 21/ 33) شاهدا على وجوب التأسي بالرسول والاقتداء به ودعوة لمن آمن بذلك، وهو أمر بالاقتداء به كما أمر هو بالاقتداء بمن هدى الله قبله فقيل له فيما أنزل عليه: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهُ} (الأنعام 90/ 6) كما يذكر ابن ذكوان (1)، ويبين بشير بن محمد أن الخطاب للمسلمين عامة، ودل آخر الكلام على فرض التأسي، وأنه عام فلا يجب أن نخص هذا التأسي في بعض الشريعة دون بعض؛ إذ الأصل في ذلك التأسي برسول الله إلى أن نتبين ما نخص به؛ وعلى الناس وجوب عموم التأسي لقوله تعالى: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ (2).
وتحمل الآية الكريمة: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ من بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً (النساء 115/ 4) معنى سلب الهداية لهذا المشاقق إذ أنه لا يهتدي أحد بخلافهم (3) وكل راغب عن سنة رسول الله له هو متبع فيه غير سبيل الهدى) بدلالة هذه
الآية.
(1) ابن ذكوان، سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة)، ص 342 – 343.
(2) الرحيلي بشير، المستأنف، مخ مج، ص 256
(3) ابن ذكوان، سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة)، ص 330.
(4) م. س، ص 347. (1/85)
صفحة 86
علوم السنة عند الإباضية
66
ويكشف لنا أبو سعيد الكدمي مزيدا من البيان حول هذه الآية؛ بأن من قامت عليه الحجة وبلغته المعرفة فخالف بعد بلوغ الحجة والمعرفة، فقد شاقق الله ورسوله والمسلمين، ولا عذر له ثم يبين الكدمي أنه يُبرأ منه بذلك (1) إن لم يتب، وأنه أي هذا الفعل من الكبائر، و قيل إنه لا يبرأ منه حتى يستتاب، وقد قيل يبرأ منه ثم يستتاب، ويكمل الكدمي بيانه بقوله معنا أن الله تعالى يعذبه على مشاققته ومشاققة رسوله، واتباع غير سبيل المؤمنين بالصلاة التي نهى عنها، كما يعذبه على ترك الصلاة التي أمر بها، ولا فرق في ذلك إذا فعل ذلك من بعد ما تبين له الهدى وقامت عليه الحجة ببيان الحق من الباطل والضلال من الهدى، فَفَعَل ما قد نُهي عنه كان مشاققاً الله ولرسوله، ومتبعاً لغير سبيل المؤمنين؛ فأحكام السنة ثابتة في الدين كأحكام الكتاب" (2)
ونجد آيتين يَكْثُرُ الاستشهاد بهما في هذا الموضوع قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر 7/ 59) وقوله تبارك وتعالى: {قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلُّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (النور 54/ 24)، فهما عند ابن روح وأبي سعيد الكدمي من أدلة ثبوت السنة من كتاب الله (3)، وهما من شواهد تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم كما يذكر ابن روح (4)، ويستشهد ابن جعفر بآية {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (الحشر (7/ 59) على أنه يجوز للنبي أن يجيز لبعض شيئاً ولا يجيزه لبعض (5)، وهو ما استشهد به البسيوي على حجية السنة أيضا (6).
(1)
الكدمي م. س، 205/ 2 206.
أبو سعيد، المعتبر، 204/ 2.
(3) الكندي ابن روح سيرة محمد بن روح (مخ) ص 12، الكدمي أبو سعيد، المعتبر، 15/ 1.
(4) الكندي ابن روح، سيرة محمد بن روح (مخ) ص 12.
(5) الأزكوي ابن جعفر، الجامع، 394/ 3. (6) البسيوي أبو الحسن علي بن محمد (ق 10/ 4) سيرة الشيخ أبي الحسن علي بن محمـ البسيوي (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 42. (1/86)
صفحة 87
علوم السنة عند الإباضية:
67
يقول أبو عبد الله الكندي" وإن قال: فما الدليل على أن السنة يعرف الحق من قبلها؟ قيل له: قوله تبارك وتعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر (7/ 59) (1)، ويذكر أبو عبد الله الأصم أن الدليل على أن السنة حجة قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر 7/ 59) (2)، ويذكر الشماخي أن ممَّا دخل فيما جاء به اتباع كتاب الله وسنة رسوله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر 7/ 59) (3).
ويذكرون
مع الآية المتقدمة التي صرح فيها بالأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم آيات أخرى ورد فيها الأمر بالطاعة أيضا مثل قوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ الله (النساء 80/ 4) {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله} (النساء 64/ 4)، {وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (المائدة 92/ 5)، {وَمَن يُطِعْ} اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (الأحزاب (71/ 32)؛ فمن هذه الآيات وغيرها كما تقدم ثبوت السنة من كتاب الله (4)، كما أنها شاهد على أن السنة مأخوذة من الكتاب (5)، فالمقصد الإلهي من الرسالة هو طاعة الرسول المرتبطة بطاعة الله، وعليه فمن لازم تبليغ الرسالة تَحَقُّقُ هذه الطاعة، ولذلك ورد التأكيد عليها بلفظ الطاعة، المقتضي الاتباع وقُرنت الطاعتان معا، وجعل الفوز العظيم ثمرتهما
معا.
الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 313/ 3.
(2) الأصم عثمان بن أبي عبد الله (1137/ 631)، كتاب النور، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، مصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان 1404 هـ، 1984 م،
ص 193.
أحمد (3) الشماخي
بن سعيد (1522/ 928) الرد على الغدامسي، (مخ) ضمن مجموع، مكتبة
إروان، العطف، الجزائر، (د. ر)، لدى الباحث صورة، ص 7.
(4)
الكندي
محمد بن روح سيرة محمد بن روح (مخ)، ص 12.
(5) السليمي ابن بركة، الجامع 279/ 1. (1/87)
صفحة 88
علوم السنة عند الإباضية
68
إن الوصف في هذا - أي في سرد آيات الطاعة وحجية السنة يطول،
, (1)
وهو مما به تصديق قول النبي له على حد وصف ابن روح وهذه الآيات
تؤكد وجوب طاعة الرسول مع طاعة الله على كل حال، فالسمع والطاعة الله ولرسوله على العسر واليسر والمنشط والمكره
6 (5)
(2)
و يفسر ابن سلام طاعة الرسول الواردة في الآيات باتباع سنته (3)،
(4) ,
وبهذا
فسرها أيضا أبو عبد الله الكندي ا، وهذه الطاعة تعني قبول أمر ونهي الرسول ويؤكد ذلك هذا التلازم الثنائي بين طاعة الله والرسول، فكل منهما لازم ومقتض للآخر، يقول عمرو التلاتي:" قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (محمد 33/ 47) أي: امتثلوا أمر كل واحد منهما واجتنبوا نهيه؛ فإنها آية قرن فيها طاعة الله بطاعة الرسول (6).
ويذهب صالح بن عمر النزوي (7) إلى أبعد من تلازم الكتاب والسنة، يذهب إلى مجال أفسح بتلازم المصادر الأصلية الثلاثة، مستشهدا بالكتاب والسنة على هذا التلازم فيقول قواعد الشريعة وأحكامها مأخوذة من طريق واحدة وأصل واحد، وهو الكتاب والسنة والإجماع وهو قوله: واتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ} (الأعراف 3/ 7)، والسنة: قوله
(1) الكندي بن روح سيرة محمد بن روح (مخ)، ص 251.
(2) ابن سلام، بدء الإسلام وشرائع الدين، ص 92.
(3) م. س، ص 92.
(4) الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 35/ 3.
(5) الثلاتي عمرو، نتيجة الأفكار في تعليق عقيدة الأبرار (مخ) ص 36.
(6)
م. س، ص 36.
(7) لعله صالح بن عمر بن مفرج (ق 16/ 9) أصل أسرته من بهلا وأقام في نزوى، كان عالما جليلا، وقاضيا فقيها عاصر جملة من العلماء الكبار؛ كصالح بن وضاح المنحي، ومحمد بن علي بن عبد الباقي، وله ابن كان من أجلة الفقهاء وهو أحمد بن صالح، وقد طالعت كتب التراجم والسير فلم أجد باسم صالح بن عمر غيره ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 15/ 2
17 - 16 (1/88)
صفحة 89
علوم السنة عند الإباضية
69
: أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} (محمد 33/ 47) والإجماع: قوله (لا تجتمع أمتي على ضلال
(2) , (1)
ونجد للآيات التي تدعو إلى تحكيم الرسول فيما شجر بين العباد ورد التنازع إلى الله والرسول ل وقت الخلاف موقعا في الاستشهاد على حجية السنة، ومنها قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسليماً) (النساء 65/ 4)، وقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (النساء 59/ 4)، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةً أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور 63/ 24)؛ فهي تشارك غيرها في إثبات حجية السنة من كتاب الله وباتفاق أهل القبلة في ثبوت هذه الحجية (3).
ويؤكد ابن بركة أن السنّة مأخوذة من الكتاب مستشهدا بهذه الآيات وأن واجبات السنة كواجبات القرآن (4) مفسرا قول الله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (النساء 59/ 4) بقوله: "يعني إلى كتاب الله وسنة نبيه فمن سنة النبي وأمره (إن وليكم حبشي مُجَدَّع (5) فأقام فيكم كتاب الله وسنتي
(1) أخرجه الربيع في مسنده، بلفظ (ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال) في باب في الأمة أمة محمد، 36/ 1 (39)، والحاكم في المستدرك، بلفظ (فإن الله لا يجمع هذه الأمة على الضلالة)، في كتاب العلم، 200/ 1 (392)، وفي كتاب الفتن والملاحم، 552/ 4 (8546)، والدارقطني في سننه بلفظ (إن الله تعالى أجارني على أمتي من ثلاث لا يجوعوا ولا يستجمعوا على ضلال .. في كتاب الأقضية والأحكام، باب المرأة تقتل إذا ارتدت 245/ 4 (150)، وابن أبي عاصم في السنة، 39/ 1 (80).
(2) النزوي صالح بن عمر (ق 16/ 9) قواعد الهداية في تفسير الآية والرواية والإجماع من أهل الهداية (أو) سقط الزند)، (مخ)، مكتبة السالمي، بدية سلطنة عمان، رقم 14، ص 27 و.
(3)
الكندي
محمد بن روح سيرة محمد بن روح (مخ) ص،12، الكدمي، المعتبر، 15/ 1.
(4) م. س، 1/ 269.
269/ 1
(5) مُجَدَّع: مقطوع الأنف والأذن. ر المباركفوري: تحفة الأحوذي، 298/ 5. (1/89)
صفحة 90
علوم السنة عند الإباضية
70
فأسمعوا له وأطيعوا) (1)؛ فحق الطاعة مشروط بواجب الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه (2).
ونجد أبا الحسن البسيوي يستشهد بآية: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ} (النور 63/ 24) دليلا على حجية السنة (3) ويقول الإمام راشد بن سعيد (4) "يختلفون إلى كتاب الله المنزل وسنة نبيه المرسل له فيُهتدى بعدلهما، ويُقتدى بمن اقتدى بهما امتثالا في ذلك لما أمر الله به في عدل ما نزل من كتابه حيث يقول: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء 59/ 4) (5).
ويأتي قول الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (النجم 3،4/ 53) دليلا ناطقا ومؤكدا حجية السنة النبوية يستشهد به الكثير من علماء الإباضية كابن بركة مثلا (6) في أكثر من موضع (7).
(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في ... 1468/ 3 (1838)، والحاكم في المستدرك، كتاب اللباس 206/ 4 (7381)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب البيعة، باب الحض على طاعة الإمام، 431/ 4 (7815)، والترمذي في سننه، كتاب الجهاد، باب ما جاء في طاعة الإمام، 209/ 4 (1706). (2) السليمي ابن بركة عبد الله بن محمد (ق 10/ 4) سيرة الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 348.
| (4).
(3) البسيوي أبو الحسن سيرة أبي الحسن البسيوي، (مخ) ص 42. (4) اليحمدي أبو غسان راشد بن سعيد (1054/ 445)، إمام بويع بالإمامة في عمان سنة 425 هـ، وقد سار فيها سيرة أيمة العدل في نصرة الحق وإعلاء كلمة الله، كان عالما فقيها، أديبا شاعرا من آثاره سيرته المشهورة: ر السالمي، تحفة الأعيان، 112/ 1 - 313 مجموعة باحثين، دليل أعلام عمان، 67.
اليحمدي راشد بن سعيد (1054/ 445)، سيرة الإمام راشد بن سعيد (مخ) ضمن مجموع
السير العمانية، ص 523
(6) ابن بركة، الجامع، 269/ 1.
(7) م. س، 279/ 1. (1/90)
صفحة 91
علوم السنة عند الإباضية
71
إن القرآن والسنة وحي، وما صح على لسان رسول الله فهو مثل ما صح عن الله في كتابه، لا فرق في صحة ذلك ولا علمه كما يقول الكدمي (1)، كما أن أمر النبي ونهيه هو أمر الله ونهيه على حد وصف الشماخي؛ "قال الشيخ - أبا الربيع المزاتي: لأنه عن أمر الله كان وعن نهيه، قال المصنف: هذا الاحتراز
منتف عنه لأن أمر النبي الله خلقه الله وأمر به، وكذا الأمر بالطاعة مطلقا (2).
وإذا كان هذا التلازم الوثيق بين ما شرعه الله بوحي من عنده وهو القرآن وبين ما شرعه في ما ورد عن نبيه لله وهو السنة فإن الله لم يقبض نبيه حتى عَرَّفَ المسلمين بشرائع الهدى وعمل فيهم نبيه بأمر الله حتى أكْمَل الله لهم دينهم وتمت عليهم نعمته (3) مصداقا لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} (المائدة 3/ 5).
وستظل حجّته ممتدة مهما تطاولت الأزمان والدهور، وتوالت السنون والشهور، يقول ابن ذكوان: فسبيل من أخذه به بعده ... كسبيل من أخذه به على عهده، وسبيل من كفر به بعده ... كسبيل من كفر به وأحل عليه القتال .... وحكـ الله على من تمسك به بعد محمد واتخذه ديناً فمن لم يجب فيه البراءة ممن فعل ذلك حتى يعرفه، قال الله لمن آمن: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب 21/ 33) فأمرهم بالاقتداء به وأمره باقتداء من هدى الله قبله فقال فيما أنزل عليه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهُ} (الأنعام 90/ 6) (4).
ويؤكد بشير على هذه الحقيقة التي نطق بها القرآن؛ حقيقة حجية الرسالة عبر العصور، فالله أقام الحجة على الخلق ببعثه محمدا لله رسولا له وداعيا إليه
(1) الكدمي
أبو
سعيد الاستقامة، 100/ 1
(2) الشماخي أحمد بن سعيد شرح مختصر العدل، ص 328 - 329.
(3)
د ابن ذكوان سيرة ابن ذكوان ضمن منهج الدعوة)، ص 342. (4) م. س، ص 342 – 343. (1/91)
صفحة 92
علوم السنة عند الإباضية:
72
بالآيات النيرة والحجج الظاهرة، وأيَّدَ دعوته بالدلائل البينة القاهرة، وقطع باتصال دعوته وقيام حجته عُذرَ مَنْ شَاهِدَه أو مَنْ غَابَ عنه في كونه الصادق في دعوته وأن ما جاءهم به عن الله حق لا مريّة فيه (1)، وهكذا فإن الحلال اليوم هو الحلال يومئذ والحرام هو الحرام يومئذ، والسنة اليوم سنته التي توفي عليها النبي صلى الله عليه وسلم لا تبديل لكلمات الله كما يقول أبو الحواري (2).
إن هذه الحجية قائمة في جميع دين الله بعد أيام النبي (3)، كما أن الحجة تكون لازمة لكل من بلغته، وعلى حد وصف ابن روح: "لو قبل أحد من المؤمنين أمرا من دين الله، سواء كان من لوازمه أو من محارمه وهو من دين الله الذي تقوم به الحجة، أو مما يسع قبوله من دين الله أو مما هو عدل قبله من النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ممن أخبره به عنه، أو خرج إلى بلده وأخبر بذلك في بلده؛ كان ذلك حجة معنا لهم وعليهم ولو اقتدوا به كلهم و كان ذلك معنا هدى و ى وعد لا" (4). ويذكر أبو ستة تأصيل هذا الأمر في بيانه أن الخطاب الوارد شفاها في
عصر النبي ويسمى خطاب المواجهة، لا خلاف في شموله لمن بعدهم من المعدومين حال صدوره، لكن هل هو باللفظ أم بدليل آخر من إجماع أو قياس؟ ويذكر أيضا أن طائفة ذهبت إلى الأول وذهب الأكثرون إلى الثاني، وأورد استدلال بعضهم على الثاني بقوله تعالى: والأُنذِرَكُم (به (الأنعام 19/ 6) إذ الرسالة راجعة إلى سائر القرون فهم في الإنذار سواء، ويعقب أبو ستة على ذلك بقوله:" وأصرح منها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً} (الجمعة 2/ 62)، والثاني هو الأليق بأصولنا، تأمل (5).
(1) الرحيلي أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب (حي في: 887/ 273)، كتاب المحاربة، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 262.
(2) أبو الحواري محمد بن الحواري، الرواية وكنز الغناية (مخ)، ص 179.
(3) ابن روح، سيرة الشيخ محمد بن روح (مخ)، ص 99.
(4)
م. س، ص 99.
(5) أبو ستة محمد بن عمر، حاشية أبي ستة على مختصر الشماخي، (مخ)، ص 69 ظ. (1/92)
صفحة 93
علوم السنة عند الإباضية
73
وكأني بهؤلاء العلماء المجتهدين وهم يقررون حقيقة حجية السنة من القرآن، وأن هذه الحجية لازمة مهما امتد الزمن، يسابقون هذا الزمن في الردّ
ي
على الأصوات التي تتعالى طاعنة في السنّة أو حجيتها سواء ما كان خافتا في أو ما أصحابه رافعون عقيرتهم بهذه الدعوى في زماننا هذا، وهم مع
عصورهم
حضور حقيقة هذه الحجية يؤكدون على جانب آخر ينطلق من تعظيم النب وولايته ومحبته فالولاية للرسول محمد كما يقول أبو عبد الله الكندي هي "التولي لتعظيمه وتوقيره والصلاة عليه والعمل بسنته والمحبة له (1)، وهو ما أكده الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بأنّ حرمته عليه الصلاة والسلام في حياته وبعد مماته سواء، وأن من أراد تصغير النبي له أو تحقيره فهو كافر، وأنّ الإساءة إليه غير جائزة حيا كان أو ميتا (2).
ولعمري ما رفض سنته أو الإعراض عنها إلا وجه من وجوه الإساءة إلى جنابه الشريف صلى الله عليه وآله وسلم صلاة وسلاما دائمين ما تعاقب الليل والنهار وتوالت الدهور والأعصار.
المبحث الثاني: حكم رد السنة أو حكم منها أو عدم العمل به:
يمكننا القول إن الاستدلال على حجية السنة يمثل جانبا نظريا سبق الحديث عنه في المبحث السابق، وسنقف في هذا المبحث على ما يمكن وصفه عناية عملية بتطبيق السنة واستلهام هديها وترسم خطاها والالتزام بمنهجها.
والمتتبع لكتب المذهب يجد الكثير من الجوانب التي تبرز هذه العناية من أهله بإقتدائهم بالسنة في كل موقف وتكثر عبارة وافق السنة أو وافق أصحابنا القول من ذلك السنة (3)، أو السنة أحق أن تتبع إذا كانت سنة عن
ذلك تصريح
(1) الكندي
محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 75/ 3.
(2) الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن، رستم کتاب مسائل نفوسة، ص 41.
(3)
البسيوي
أبو الحسن علي بن محمد (10/ 4) رسالة لأبي الحسن البسيوي، (مخ) ضمن
مجموع السير العمانية، ص 110. (1/93)
صفحة 94
6
علوم السنة عند الإباضية
74
النبي (1)، وكان السلف كجابر بن زيد رحمه الله وغيره في غاية من الحرص على الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأقواله وأفعاله، للتأسي به تبركا وتيمنا (2). ويحمل عمروس في رسالته الرد على الناكثة بشدة على من ترك حجة رسول الله له ولم يقتد به (3)، ويقول سعيد الجربي: ونحن قلدنا كتاب الله الذي
هو الحجة البالغة والمعجزة القائمة على وجه الزمان وسنة رسوله المبينة له بوسيلة أئمة راشدين مرشدين هادين مهتدين من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم الذين هم الحجة على الأمة ثم التابعين ثم التابعين لهم بإحسان إلى هلم جرا، ففهمنا الله عز وجل من كتابه العزيز الذي جاءت به أئمتنا من الدين وهو دين الله الذي ارتضاه واصطفاه لنا، فقلدنا ما حققنا من كتابه وسنة نبيه محمد وعرفناه بوسيلتهم أنه هو الحق وخلافه هو الباطل" (4).
وخلاصة القول أنّهم جعلوا من علامات محبته الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله في جميع أحواله، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه (5). وتأتي عناية الإباضية بتتبع السنة والالتزام بها وجها من وجوه الاقتداء المشار إليه آنفا ودرجة تنحو منحى التطبيق العملي أكثر من التعبير بالرأي النظري، ونجد هذه العناية بارزة عند المتقدمين والمتأخرين على حدّ سواء؛ فأبو عبيدة يقول: " والمسلمون أشدُّ اجتهادا فيما جاءهم عن الله وعن رسول الله، أو
(1)
":
الخراساني أبو غانم بشر بن غانم، المدونة الصغرى، 234/ 2.
(2) لعلي صالح بن عمر، وصية الشيخ صالح بن عمر لعلي للعزابة (مخ)، ص 9.
(3)
المساكني عمروس بن فتح النفوسي (897/ 283) الرد على الناكثة، (مخ) ضمن مجموع، مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، بني يسجن، الجزائر، رقم،192 صورة لدى الباحث
ص 93.
(4)
4) الجربي سعيد بن علي، أجوبة سعيد الجربي، (مخ)، ص 32 - 33. (5) لعلي صالح بن عمر، وصية صالح بن عمر للعزابة (مخ)، ص 10. (1/94)
صفحة 95
علوم السنة عند الإباضية
75
ما وافق ما جاء عنهما أن يعملوا به (1)، ويؤكد ابن ذكوان أن شعار الأئمة المتقدمين الحكم بما أنزل الله في كتابة مع اتباع سنة نبيه وسنة الصالحين من عباد الله (2)
، ويحذر ابن جعفر من أي قول مجانب للسنة في العمل بقوله:" فاحذر
11
هذا المذهب؛ وتمسك بصحيح الكتاب والسنة (3)، وكذلك يجعل موافقة السنة من الأربعة التي لا يكون الإيمان إلا بها وهو في ذلك يستشهد بالأثر:" الإيمان قول وعمل ونية وموافقة السنة ويصفه بأنه الأثر المجتمع عليه من قول أهل المعرفة من المسلمين؛ ولعله يروى عن النبي
(6) 6
(4)
وهذه النظرة الساعية إلى جعل موافقة السنة جزءا أصيلا من الإيمان تكشف عناية أصحابها بجلاء في تتبع السنة والعمل بها، بل لا يتم إيمان بقول أو عمل إلا بصدق نية الله صادقة في اتباع سبيل سنة رسول الله في جميع الأمور كما يقول ابن روح (3) والكدمي) روح (5) وهذا المعنى من بذل الجهد لموافقة السنة داخل في نية العمل أي قبل الشروع فيه؛ ويرى أبو العباس بن بكر أن أصل النية ومعناها:" أن يجعل العبد جهده وطاقته فى فعله إذا كان العمل على السُّنَّة. وأمَّا مَا عُمَلَ عَلَى غير السُّنة، فلا يقال إنَّ فيه النّية وإن استعمل فيه جهده وطاقته (7). بل نجد تمثل الاتباع للرسول الله رفيعا جدا عند السوفي في احتراز التعبير باللسان حين ينبه على ألا يقول القائل: دين الرسول، ديننا، بل يقول ديننا دين الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة الاتباع (8).
(1) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، (مخ)، صكو.
(2)
ابن ذكوان، سيرة ابن ذكوان) ضمن منهج الدعوة)، ص 371 - 372.
(3) ابن جعفر، الجامع، 46/ 2.
(4) م. س، 1391.
(5) ابن روح، سيرة محمد بن روح (مخ)، ص 66.
أبو سعيد، المعتبر، 1/ 126. (6) الكدمي
(7)
الفرسطائي أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر، تبيين أفعال العباد ص 127.
(8) السوفي، السؤالات ص 437. (1/95)
صفحة 96
علوم السنة عند الإباضية:
76
إن هذا التمثل والاتباع واضحان جليّان في مفردات المسائل وأحكام الإباضية عليها؛ فعندما سئل جابر بن زيد عن إمام لم يركع في صلاة مكتوبة؟ أجاب بأن يعيد ما خالف فيه السنة من صلاته إذ لا يستقيم للناس ما خالفوا فيه السنة (1)، وفي جواب آخر في رجل يصلّي المغرب والعشاء والصبح ولم يقرأ فيهن بشيء من قراءة قال: فإن أحب ذلك إلى أن يعيد صلاته فيقرأ فيهن، فإنه قد ترك السنة فيها، وأحب إلي أن يعيدوا ما خالفوا فيه السنة (2) وترد عبارة " يعيد صلاته، فإنه قد خالف السنة متكررة عنده في أكثر من موضع (3).
وتوجد مسائل كثيرة مثل التي نقلت عن الإمام جابر أجاب فيها علماء المذهب مصرحين بفساد العمل لمخالفة السنة؛ منها ما ذكره ابن جعفر: "وإن صلّى رجل عن يمين الإمام ثم جاء قوم فصفوا خلف ذلك الرجل ولم يتأخر إليهم، فإن تعمد لذلك بعد أن علم أن السنة غير ذلك فسدت صلاته (4)، وفي من ترك الجماعة متعمداً بلا عذر فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا برئ منه لأنه قد ترك والتعمد في ترك السنن الواجبة يفضي إلى الإثم؛ ويؤكد الكدمي وهو يعلق على سنة حلق العانة وأنها من السنن التي ابتلى الله بها خليله عليه السلام و جاءت السنة، بحلقها، وأنه يوجد فيما رفع عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن تركها قول شديد فلا يتركها متعمدا، فمن تركها متعمدا من غير عذر له في تركها فقد خالف السنة وأثم في ترك السنة (6)، ومن ترك واجبا من واجبات السنة مع
السنة (5)،
ذلك
(1) الأزدي جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 45.
(2) الأزدي جابر بن زيد رسائل جابر بن زيد، ص 22، 23.
(3)
(4)
(5)
م. س، ص 26،27.
ابن جعفر، الجامع، 249/ 2.
م. س، 152/ 1.
(6) الكدمي
أبو سعيد، الجامع المفيد، 78/ 1. (1/96)
صفحة 97
علوم السنة عند الإباضية
77
إيمانه أنه من السنة فهو راغب عن سنة رسول الله و آثار الصالحين، وهو قد و تعرض للهلاك، ولا ولاية له إلا أن يتوب
(1)
وما ذكرناه مجرد تمثيل؛ فمن طالع كتب المذهب وقف على الكثير مما يكشف عناية أصحابه بتتبع السنة والالتزام بها، بل إن علامة المسلمين المحقين
أنهم للسنة موافقون ولمن خالف الحق بالحق مفارقون في وصف ابن روح (2).
وإنّ من ثمرات عنايتهم بالالتزام بالسنة رفض مخالفتها؛ ومن العبارات الجامعة المعبرة عن ذلك ما تكرر عن الإمام جابر مما أشرنا إليه سلفا: " فإنه لا يستقيم للناس ما خالفوا فيه السنة (3)، وقوله: " وما كان أمر خولف فيه السنة وقول جناو بن فتى (5): "وكل ما خولف فيه السنة في السنة نقضه (6)،
نقض"
(4)
11
ويتفرع عن ذلك أحكام من شك في السنة أو من أنكرها أو أنكر حكما منها، يقول هاشم بن غيلان: "فمن رد ما قال النبي الله "كفر (7)، ويرى أبو خزر يغلى بن زلتاف (8) أن من دفع السنة أو الرأي فهو منافق
(1) ابن جعفر، الجامع 243/ 1.
(2)
ابن روح، سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 456.
(1)
(3) الأزدي جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 45.
(4) الأزدي جابر بن زيد رسائل جابر بن زيد، ص 26،27.
(5) المديوني أبو الحسن جناو بن فتى أوائل ق 9/ 3)، من فزان بليبيا، علامة محقق فقيه، أخذ العلم عن حملة العلم إلى المغرب، وأخذ عنه عبد القهار بن خلف وغيره، له أجوبة متنوعة تكشف عن جلالة علمه وقدره، جاءت على شكل رسائل موجهة إلى المستفتي. ر: الشماخي: السير 165/ 1، عمرو النامي: مقدمة أجوبة علماء فزان.
(6) المديوني
جناو بن فتى، بن خلف عبد القهار، كتاب أجوبة علماء فزان، ص 78.
(7) السيجاني هاشم بن غيلان، مسائل عن هاشم بن غيلان (مخ)، ص 3.
(8)
الوسياني أبو خزر يغلا بن زلتاف (991/ 380)، من الحامة بقسطيلية في بلاد الجريد بتونس، إمام من أئمة الإباضية في المغرب، وعالم من كبار علمائهم، أخذ العلم عن كبار علماء عصره، تصدّر للتدريس فأخذ عنه من صاروا أعلاما فيما بعد، قاد ثورة مسلحة ضدَّ جور العبيديين لما قتلوا رفيقه الشيخ أبا القاسم يزيد بن مخلد وكان عالم الإباضية حينذاك، (1/97)
صفحة 98
علوم السنة عند الإباضية
78
ويؤكد محمد بن روح أن من رد الكتاب أو السنة - على حد سواء- نصا مشرك يقتل إن لم يتب، ويقيد هذا الحكم بما إذا كان رده على غير تأويل ضلال من تأويل كتاب بالسنة أو السنة بالكتاب أو السنة بعضها ببعض، فمن تناوله على غير تأويل الحق من تأويله بالدين بعضه ببعض فلا حض له في الإسلام إلا أن يتوب (2).
ونجد عند أبي سعيد الكدمي مزيد بيان لهذا الأمر يربط بين رد الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع حيث يقول: وكل جاحد لقول الله - تبارك وتعالى - أو لقول رسوله الله نصا لا يتعلق في ذلك بتأويل ولا مخرج له في ذلك في الدين أنه يخرج قوله في ذلك على تأويل شيء من دين الله فهو بذلك مشرك، وأما راد الإجماع والشاك فيه، فإنما رد التأويل لكتاب الله والتأويل لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد الكتاب ولا السنة إلا أن يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: (إن الله لا أمتي على ضلال) (3)، ولا يتأول في ذلك تأويلا يكون له في ذلك عذر ومخرج
يجمع
من الجحود، فذلك راد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصا، والراد لقول رسول الله كالراد لقول الله، إذا لم يتأول في ذلك تأويلا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا فهو بذلك مشرك (4)، بل إن من رد السنة كمن رد التنزيل، ومن رد التنزيل أشرك كما ينقل السوفي عن المشائخ، ونجد من المتأخرين محمد اطفيش يذكر أن من دفع سنة
(5)
لكنه أخفق فهرب إلى جبل تلتماجرت في الجزائر، وبقي مستخفيا حتى أعطاه المعز الفاطمي الأمان، وأخذه معه إلى مصر ليأمن جانبه. من آثاره الرد على جميع المخالفين. ر: الدرجيني: طبقات، 136/ 1 - 143، الشماخي: السير، 33/ 2 - 41
(1) أبو نوح سعيد بن زنغيل، الرد على من زعم (مخ)، 176 ظ.
(2) ابن روح، سيرة محمد بن روح، (مخ)، ص 106.
(3)
تقدم تخريج هذا الحديث، ص 68.
(4) الكدمي
أبو سعيد الاستقامة، 204/ 1.
(5) السوفي أبو عمرو عثمان بن خليفة المار غني (ق 12/ 6)، رسالة في فرق النكار الست وما
زاغت به عن الحق وبعض الفرق الأخرى تح ونيس، عامر، ط 1، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 2002 م، ص 90. (1/98)
صفحة 99
علوم السنة عند الإباضية
79
النبي صلى الله عليه وسلم فهو مشرك، واختلف في الشاك في شركه (1)، وقد حكم الإباضية على السكاكية (2) بالشرك لأنهم أنكروا السنة والرأي؛ وزعموا أن الدين كله مستخرج من القرآن (3).
(5)
ونجد
ويماثل الحكم بالكفر أو الشرك الحكم بالهلاك على من رد السنة أو حكما من أحكامها فمن أنكر السنة فهو هالك (4) كما يذكر زكرياء بن فصيل عند السوفي لفتة من لفتاته الحسنة في أحكام رد السنة فمن قال: "تبرأت من الدين، أو تبرّأتُ من السنّة كفر؛ إذ الدين هاهنا دين الله، والسنة سنّة
النبي
(6)
(1) اطفيش محمد بن يوسف (1914/ 1332)، ترتيب نوازل نفوسة، (مخ)، مكتبة الاستقامة، بني يسجن، غرداية، الجزائر، رقم ج 8، ص 3.
(2)
السكاكية فرقة تنسب إلى عبد الله بن السكاك اللواتي، كان من قنطرار بالجريد، انفصلت هذه الفرقة عن إباضية المغرب خالفت الإباضية في عدد من المسائل منها ما نادت به من إنكار السنة والرأي، فتبرأ منها الإباضية، وقد انقرضت هذه الفرقة، ر: ابن باجيه صالح، الإباضية بالجريد، ط 1، دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 1396 هـ، 1976 م، ص 38،39.
(3)
السوفي أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني (ق 12/ 6)، رسالة في بيان الفرق، (مخ)، مكتبة الحاج سعيد محمد غرداية الجزائر، رقم 76، ص 6 ابن رقوش، کتاب ابن رقوش (مخ) ضمن مجموع مكتبة، إروان العطف، الجزائر، رقم 38، ص 130 ظ.
(4)
(5)
اليهراسني أبو يحيى زكرياء بن فصيل بن أبي مسور: (1115/ 508)، من أفذاذ علماء جربة بتونس، نشاء في أسرة علمية، كان أبوه عالما مشهورا فتلقى عنه العلم وعن غيره، وأرسله أبوه ليتعلم عند أبي عبد الله محمد بن بكر مؤسس نظام العزابة، ومن ثم كان معه من مؤسسي هذا النظام، كما كان من زعماء الإباضية الذين يشار إليهم بالبنان، وقام بدور نشر العلم في جربة وغيرها من البلدان التي انتشر فيها الإباضية آنذاك في الجنوب التونسي الدرجيني: طبقات المشايخ 393/ 2 - 394، الشماخي: السير، 68/ 2.
(6) السوفي، السؤالات (مخ)، ص 322. (1/99)
صفحة 100
علوم السنة عند الإباضية
80
ويقترن حكم رد السنة مع حكم الشك فيها فمن شك في الله – تبارك وتعالى - أو في رسوله، أو فيما جاء به رسول الله، فهو هالك مشرك على حد
(1)
وصف الكدمي ا، ونجد عنده في كتابه الاستقامة بيانا وتفصيلا أكثر، فهو يُبين أن من شك في السنة التي لا يمكن الشك فيها وقد صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا منه في قوله بغير تأويل فهو مشرك، وذلك لأن من شك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد شك في قول الله، ومن شك في قول الله فقد أشرك، وأما إن كان الشك في ثبوت ذلك عنه، دون القصد إلى ردّ قول رسول الله أو الشك في قوله، لكن شكه حاصل من طريق الرفع عنه والقول عنه؛ فالشاك في ذلك فيما لا يسعه الشك فيه أو رده على غير الجحد لقول رسول الله فهو بذلك يكون منافقا كافر نعمة (2).
ولا شك أن مراد أبي سعيد الكدمي هنا في ما ثبتت صحته عن الرسول؛ ولا مجال للبحث في تصحيحه أو تضعيفه؛ فهو مقطوع بصحته أو مما اجتمعت الأمة على صحته وإن كان أحاديا، وإلا فإن غير هذا هو مجال البحث في التصحيح والتضعيف والاختلاف فيه بين الأمة (3)، ويؤيد ذلك ما عرف عن أبي سعيد فقد اشتهر عنه أنه " عندما يجد الدليل من السنة النبوية لا يتجاوزه إلى غيره؛ ومن أجل هذا كانت له آراء لم يسبق إليها في المذهب (4)، ولهذا رأينا
(1)
(3)
الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 61/ 1 - 62.
أبو سعيد الاستقامة، 203/ 1.
(2) الكدمي عرضت بعض المصادر مناهج التصحيح والتضعيف عند علماء الحديث، ومنها ما عرضت ذلك عن طريق عرض شروط قبول الخبر، ومنها ما عرضت شروط أئمة الحديث التي وضعوها في إخراج الحديث، ومنها ما عرض علوم مصطلح الحديث عموما. لمزيد من التفصيل أنظر: الشافعي محمد بن إدريس (820/ 204)، جماع العلم، ط 1، دار الكتب العلمية،،بيروت، لبنان، 1405 هـ، 35/ 1 وما بعدها، مسلم، مقدمة صحيح مسلم 5/ 1 وما بعدها، ابن مندة محمد بن إسحاق بن محمد (1005/ 395)، شروط الأئمة، تح: عبد الرحمن عبد الجبار الفريائي، ط 1، دار المسلم، الرياض، السعودية، 1414 هـ، 68/ 1 - 80. (4) الخليلي أبو سليمان أحمد بن حمد (معاصر)، التأصيل الفقهي عند الإمام أبي سعيد (1/100)
صفحة 101
علوم السنة عند الإباضية
81
الثلاتي يقيد أحكام الشرك لمن ردّ السنة بقوله: "لعلّ المراد السنة المتواترة؛ لأنَّها بمنزلة القرآن (1)؛ وعلى هذا يحمل حكم الإباضية بالشرك لمن رد قول النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أو شك فيهما بعد ثبوتهما ردا منه أو شكا في القول ذاته بما يمس حجية السنة، وهو مجال حديثنا هنا، وليس مجال حديثنا ما يكون منه مجال البحث صحة أو ضعفا فله محله إن شاء الله على أنه حتى في هذا النوع من المروي الذي لم تثبت صحته لديه يعذر على حد تعبير أبي سعيد الكدمي في ما لم يبصر ما اشتبه عليه من أمر السنة، ويسعه الإمساك عنه بالشهادة، بتصويب كل ما قاله رسول الله الله وحقيقة كل ما سنه إذا لم يبصر حقيقة ما أبصره العلماء من ذلك (2).
ومما يكشف عناية الإباضية بتتبع السنة والعمل بها أيضا رفضهم التقليد أو الاتباع المصادم للسنة، ويؤكد ابن بركة أن التقليد لا يجوز عند دخول الدليل الصحيح من الكتاب والسنة (3)، ويعلق على قول مروي عن معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان بتوريثهم المؤمن من الكافر لا العكس لأن الإسلام يعلو ولا يعلى بقوله: "وهذا القول منهما حسن في الظاهر ولكن القدوة بالنبي صلى الله عليه وسلم والاتباع لسنته أولى من اتباع قولهما" (4).
وقد يرد البعض قولا لأحد علماء المذهب كما ردّ ابن عبد العزيز قولا عنده دليل من السنة يضعفه وقال: السنة أحق أن تتبع إذا كانت صح
لجابر لما
الكدمي، قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، حصاد ندوة المنتدى الأدبي احتفاء بذكرى أبي سعيد الكدمي (11 - 12 صفر، 1421 هـ، 15 - 16 مايو 2000 م، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1422 هـ، 2001 م، ص 54.
الثلاثي عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187)، روضة المشتاق على زهرة الإشراق
المطبعة العربية غرداية الجزائر، د. ت، ص 46.
(2)
(3)
الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 68/ 1. المعتبر،68/ 1.
ابن بركة، الجامع، 543/ 1.
(4) م. س، 2/ 274. (1/101)
صفحة 102
علوم السنة عند الإباضية
82
سنة ثابتة عن النبي (1)، ويذكر أبو نبهان أن العدل لا يصاب في رأي أودين مع. مخالفة الثابت من حكم الكتاب والسنة أو الإجماع (2)، ويؤكد هذا المعنى أبو محمد الخليلي (3) إذ يقول: " ومن العجب أن أنص لك عن رسول الله وأنت تعارضني بعلماء بيضة الإسلام بغير دليل ولا واضح سبيل" (4).
ولأبي سليمان الخليلي (5) كلمة جامعة في هذا المعنى يقول فيها: "فالواجب يُحتم أن يكون الأصل الذي يرجع إليه ما دل عليه صريح الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، ولا يجوز اتباع أحد بدون دليل إلا من كان قوله نفسه دليلا؛ وهو المحفوف بالعصمة الذي وصفه العليّ الأعلى بقوله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (النجم 3،4/ 53) وأما من عداه فكل منهم – وإن علا قدره وارتفع شأنه راد ومردود عليه وأخذ ومأخوذ عليه (6).
(1) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 225/ 2. (2) الخروصي أبو نبهان جاعد بن خميس (1822/ 1237)، رسالة للشيخ جاعد (ضمن الصحيفة القحطانية) (مخ)، ص 539.
(3) الخليلي أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد (1871/ 1287)، علامة محقق، وفقيه مدقق، ولغوي بارع، كان قطب عمان في عصره، ولقب بالمحقق لشهرته في تحقيق المسائل وتأصيلها وقرنها بالأدلة، نجح في بعث الإمامة بمبايعته عزان بن قيس إماما، كان كثير الخلوة والتبتل إلى الله، وله في السلوك مناظيم رائعة مات شهيدا مجاهدا له تأليف كثيرة منها النواميس الرحمانية، وتمهيد قواعد الإيمان ر: مقدمة كتاب التمهيد مجوعة باحثين دليل أعلام عمان، ص 79. (4) الخليلي أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد (1871/ 1287)، تمهيد قواعد الإيمان، دار إحياء الكتب العربية القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، عمان، 1407 هـ، 1987 م، 386/ 3. هو سماحة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي، مجتهد وعلامة موسوعي جليل، وهو قطب الإباضية الآن، ويشغل منصب مفتي سلطنة عمان حاليا.
(5)
لطنة سـ
(6) الخليلي أبو سليمان أحمد بن حمد (معاصر)، الحق الدامغ، مطابع النهضة، مسقط،
1409 هـ، ص 153. (1/102)
صفحة 103
علوم السنة عند الإباضية
83
المبحث الثالث: منزلة السنة عند الإباضية ومكانتها في التشريع
للسنة عند الإباضية مكانتها السامقة ومنزلتها الرفيعة، وهي مصدر من مصادر التشريع ودعامة من دعائم الهدى ولا غرو أن تتبوأ السنة عندهم هذه المكانة والمنزلة وإمامهم جابر يقول: أدركت ناسا من الصحابة أكثر فتياهم
(1)
حديث النبي، ثم هو الذي سمع نصيحة شيخه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: " يا جابر إنك من فقهاء البصرة وإنك تستفتى، فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإن لم تفعل هلكت وأهلكت" (2).
ويمكننا استشراف نظرة الإباضية إلى هذا لهذا الجانب من السنة من خلال أمور منها عموم نظرتهم للقرآن والسنة باعتبارهما مصدرين أصيلين وفرض قبولهما؛ وما قرن السنة والقرآن في كلامهم عن مرجعية الأحكام ومصدر الهداية إلا لكونهما مصدري التشريع الأصيلين، وقد سبقت عبارة أبي عبيدة المبينة أن إمام المسلم هو القرآن، ودليله هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (3)، كما سبق ذكر إنكاره القياس المخالف لكتاب الله وسنة رسول الله الله وأنه محرم
(4)
ونفهم من بعض عبارات ابن بركة أن الإيمان بالكتاب والسنة موجب للإيمان بحكم الكتاب وحكم السنة وأن المؤمن بهما عالم بأن له خالقا قد تعبّده، وهذا القبول المتفرع عن الإيمان يبرز أنهما حجة.
بقبول الكتاب والسنة
(5)
(1) الربيع بن حبيب، المسند، أول الكتاب، باب في العلم وطلبه وفضله، 32/ 1 (29). (2) الأصبهاني أبو نعيم، أحمد بن عبد الله (1039/ 430)، حلية الأولياء، ط 4، دار الكتاب
العربي، بيروت، 1405 هـ، 5/ 3.
(3) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، (مخ)، 7 ظ.
(4)
(5)
م. س، ص 5 و.
السليمي ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد (ق 10/ 4)، كتاب الموازنة، (مخ) ضمن
مجموع السير العمانية، ص 331. (1/103)
صفحة 104
علوم السنة عند الإباضية
84
فلا حجّة إذا إلا الكتاب المبين والسنة (1)، وهذه الحجة المتمثلة في الكتاب والسنة هي التي يعتصم بها العباد من الضلال والكفر، وهذا ما أكده أبو الربيع المزاتي (2) والسوفي (3) والسوفي (3)، وهذه الحجة هي الأصل على حد وصف أبي مهدي
(4)
فكل ما جاء في كتاب الله تعالى نصا أو مستخرجا منه مجمعا عليه، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقطوعا فيها وأجمعت عليه الأمة يعتبر أصلا وحجة (5)، يقول الوارجلاني:" ولكن تزن كل ما قلته لك بميزان الهند (السنة) إلى عين الشمس (القرآن) فمن استعمل هذه الاثنتي عشرية، ووزن بميزانها سلم من الطغيان والخسران وأدياه إلى حقيقة الدين والإيمان (6)، ولأبي سليمان التلاتي (7) بيت (من
الرجز في إحدى منظوماته يقول فيه:
(1) سعيد الجربي أجوبة سعيد الجربي، (مخ)، ص 32.
(2)
المزاتي،
التحف المخزونة، ص 210.
(3) السوفي، السؤالات، (مخ) ص 234.
(4) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل بن موسى (1564/ 971)، من بلدة مليكة بميزاب في الجزائر، أخذ عن الشيخ سعيد الجربي، وأخذ عنه ثلة صاروا من أجلة العلماء، اشتهر أبو مهدي بالعلم والفهم والاجتهاد والورع، وأوتي ذكاء وعارضة قوية. له جملة من الكتب والرسائل، وكان له شعر رائق. جميل. ر: علي معمر: الإباضية في موكب 234/ 4 - 236، الجعبيري: البعد الحضاري، 165 - 169.
(5) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل بن موسى (1564/ 971)، جواب أبي مهدي على رسالة أهل عُمان، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب جربة تونس د. ر، صورة لدى الباحث، ص 17 (6) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 7/ 1.
(7)
الثلاثي أبو سليمان داود بن إبراهيم الجربي (1560/ 967)، علامة من أعلام جربة بتونس وقادتها، كان كثير الرحلة في طلب العلم، تنقل بين جربة ونفوسة ومصر والجزائر جمعا للعلم وأخذا عن أكابر علماء تلك البلاد حتى صار عالما موسوعيا مبرزا، ثم عني بالتدريس والتأليف، كان له دور في محاربة درغوث باشا التركي لما استولى على جزيرة جربة، بعد أن تفاوض مع حكومة تونس لإرجاع جزيرة جربة إلى رحابها، لكن درغوث سجنه شهرا، ثم قتله فمات شهيدا من تأليفه شرح عقيدة التوحيد وشرح متن إيساغوجي. ر: ابن تعاريت سعيد: رسالة في علماء جربة ص 43 - 44، ابن محمد محفوظ تراجم المؤلفين (1/104)
صفحة 105
علوم السنة عند الإباضية
85
ندِينُ اللَّهِ بِمَا فِي المُنْزَلِ وسُنَّةِ النَّبِي الْهَادِي المُرسل (1). وقد وظف أصحاب المذهب هذه النظرة الشاملة في رد الأمور إلى الكتاب والسنة؛ فإذا كانت النجاة فيما جاء عن الله وعن رسول الله فإنه لا يكون مستقيما إلا من وافقهما؛ والمخالف من خالف الله ورسوله في وصف أبي عبيدة (2)، عبيدة (2)، بل نجد عنه في حكم يحكم به الإمام هل يمكن للعلماء أن يغيروه أم لا، قال أبو عبيدة مسلم: " إذا كان حكمه معارضاً لما في الكتاب والسنة، وكان الحكم على هذه القضية معروفاً في القرآن وفي السنّة، فإن عليهم أن يغيروا ما هو مناقض للكتاب وللسنّة (3)، وعليه فالخير فيما اختار الله ورسوله، والضرر في وللسنّة (3)، معارضتهما، لا يمكن لأحد أن يكون مصيباً إلا إذا كان موافقاً لهما (4)، وبالتالي يكون مرد الأحكام إلى كتاب الله أو السنة النبوية وما يوجبه الكتاب والسنة يقضى
به (5).
وينطلق اشتراط العلم بالسنة للفتوى من كونها مصدر تشريع ومرجعية؛ فلا أحداً أن يفتى بالرأي إلا من علم ما في كتاب الله وسنة نبيه وآثار أئمة العدل، وقد أكد ذلك ابن جعفر (6)، وابن روح (7)، ويعلق أحدهم على عبارة روح (7) ابن
يسع
التونسين، 237/ 1 - 241.
(1) الثلاثي أبو سليمان داود بن إبراهيم (1560/ 967)، قصيدة مدح المذهب، (مخ) ضمن مجموع مكتبة البكري، العطف، الجزائر، رقم م 29، ص 2.
(3)
(2) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة، (مخ)، كو. الزواري عبد الرحمن بن سليمان (مجهول) التاريخ، كتاب العمال مما اتفق عليه علماء الإباضية كتاب الممتنعين من الحدود) مجموعة روايات وفتاو لعلماء الإباضية المتقدمين، جمع عبد الرحمن الزواري، مخ مج، مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي رقم 24 بني يسجن، الجزائر، صورة لدى الباحث، ص 44.
(4) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، ص 10. (5) ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون، ص 47.
(6) ابن جعفر، الجامع، 46/ 1.
(7)
ابن روح، سيرة محمد بن روح، ص 3. (1/105)
صفحة 106
روح
علوم السنة عند الإباضية
86
ولعله فيما يظهر لي الكدمي - بأنه صحيح عنده "إذ لا يجوز القول بالرأي في شيء إلا لمن كان عالما بأصول الدين فيه؛ وأصول الدين ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله لله وإجماع المهتدين من الأمة في كل وقت وزمان" (1).
إن العلم بهذه الأصول الثلاثة والعلم بها فقط يعطي مزية الاقتداء والاتباع إذ لا قدوة إلا لأهل العلم بكتاب الله وسنة نبيه وآثار السلف وهؤلاء هم أولو الأمر الذين حملهم الله الحكمة وجعلهم للناس أئمة كما يذكر أبو المؤثر (2)،، ونجد تأكيد ذلك عند أبي الربيع سليمان بن يخلف فلا اجتهاد إلا لمن كان حافظاً لكتاب الله عز وجل ولجميع معانيه وكان حافظاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع معانيها وكان حافظاً لآثار من كان قبله (3)، ومثل هذا ما أوضحه صالح بن عمر النزوي من أن الواجب على المتفقه أن يعرف أصول الشريعة الكتاب والسنة والإجماع من الأمة (4).
إن تصحيح الأقوال وقوتها قائم على اعتمادها على صحيح السنة، والقول ضعيف مردود إذا خالف السنة، ويكشف لنا ذلك أحد الحوارات بين أبي غانم الخراساني وشيخه ابن عبد العزيز يورده أبو غانم في مدونته بقوله:" وكيف يكون هذا وهنا وضعفا، وقد قال رسول الله: من عمر شيئا فهو له حياته وبعد مماته) (5)، قال: فقال: لي يا عاجز لو اتفق الناس على هذا الحديث من رسول الله
(1) م. س، ص 6.
(2) أبو المؤثر، كتاب الأحداث والصفات، مخ مج، ص 212
(3) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 20/ 2. النزوي صالح بن عمر، قواعد الهداية (مخ)، ص 13 و.
(4)
(5) لفظه عند بعضهم من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب من أحيا أرضا ... 141/ 6 (1151)، وأحمد في مسنده، حديث السيدة عائشة، 120/ 6 (24927)، وابن الجارود في المنتقى، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الأحكام، 253/ 1 (1014).
وورد هذا الحديث بلفظ آخر (من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم (حق) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب من أحيا أضا ميتة ... وأبو داود في (1/106)
صفحة 107
علوم السنة عند الإباضية
87
لم يخالفه أحد من الفقهاء ولم يجاوزه بالقياس ولا الرغبة عنه لأن كل ما كان من رسول الله لا ينبغي لأحد أن يخالفه" (1).
وهكذا فإن أضعف الحجج وأوهى الدعاوى تلك التي لا برهان لها ولا أدلة من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه (2)، فقوة القول مبنية على قوة دليله، ويؤكد
ابن بركة مبينا ذلك في تعليقه على أحد الأقوال قائلا: "وهذا القول مع ـع قلة استعمالهم له عندي أنظر، لأن السنة تشهد بصحته لما روي عن النبي اتكأ على يده نائماً حتى نفخ فقام فصلى، فقيل له: إنك، نعست، فقال: (تنام عيني ولا ينام قلبي (3) (1)، وفي موضع آخر يعلق على قول أحدهم: "وسنة النبـ
قاضية عليه" (2).
سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب إحياء الموات، 178/ 3 (3073)، وأورد البخاري هذا الحديث معلقا بزيادة (في غير حق (مسلم)، البخاري، صحيح البخاري، كتاب المزارعة باب من أحيا أرضا مواتا، 822/ 2
(1)
الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 348/ 1.
(2) الرحيلي بشير بن محمد سيرة بشير بن محمد، مخ مج، ص 11.
(3) هنا كما يظهر حديثان جمعهما ابن بركة في استشهاده الأول حديث نوم النبي صلى الله عليه وسلم ثم صلاته دون أن يتوضأ، وحديث أخر هو تنام عيني ... إلخ.
فأما لفظ تنام عيني ولا ينام قلبي)، فأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب كان النبي تنام عينه ... 1308/ 3 (3376)، وابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، ذكر البيان أن المصطفى ... 297/ 14 (6386)، وابن الجارود في المنتقى، باب في الوضوء من النوم، 16/ 1 (12).
وأما خبر نومه وصلاته دون أن يتوضأ فقد ورد بروايات متعددة، ولفظه عند البخاري من رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بت عند ميمونة فقام النبي فأتى حاجته فغسل وجهه ويديه ثم نام، ثم قام فأتى القربة فأطلق شناقها ثم توضأ وضوءا بين وضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فصلى فقمت فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أتقيه فتوضأت، فقام يصلي فقمت عن يساره فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة ثم اضطجع فنام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضاً، وكان يقول في دعائه اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا (1/107)
صفحة 108
علوم السنة عند الإباضية
88
إن ميزان القبول قائم على موافقة الكتاب والسنة متفرع عن كونهما مصدر تشريع، وهذه الموافقة كما تشترط على المُقْتَدِي أو المُقَلِد، فهي كذلك على المُقتَدَى أو المُقلّد على حد سواء، يقول جناو بن فتى ولم أجعلهم في حل من فتوى ما كتبت به إليهم إلا ما وافق كتاب الله وسنة نبيه
بكر
(3)
وهذا الميزان لا يستثني قول أحد مهما عظم شأنه؛ ولهذا كان جواب أبي
أحمد
(4)
بن بن صالح) في آثار المسلمين المعروضة عليهم المشهورة
في كتبهم المصنفة، أن العمل جائز بما فيهن إلا أن يصح شيء مخالف لكتاب الله وسنة نبيه لله وإجماع المسلمين، فحينئذ لا يسع العمل بما خالف الأصول (5)، وفي هذا الأمر أيضا يقول أبو نبهان الخروصي: "ومن أفتى بما يُخالف كتابَ اللهِ وسنَّةَ مُحمَّد لله و إجماع المُسلمين فقد أفتى بغير الحق،
وفوقي نورا وتحتي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا واجعل لي نورا) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل 2327/ 5 (5957)، ومسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه 528/ 1 (763)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب التطبيق، في الدعاء في السجود، 237/ 1 (708)، وهذا الأمر من خصوصياته، ثم لم أجد من الروايات لفظ اتكأ بل كلها
اضطجع أو نام فلعل ابن بركة وقف على رواية، ولم أجدها والله أعلم.
(1) ابن بركة، الجامع، 326/ 1.
(2) م. س، 285/ 1. م. س،285/ 1.
(3) المديوني جنّاو بن فتى بن خلف عبد القهار، كتاب أجوبة علماء فزان، ص 51. (4) الأزدي أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح العقري النزوي (1152/ 546)، من نزوى بعمان، العلامة الفقيه، كان من أجل الفقهاء علما وفضلا في عصره، وكان من أسرة علمية، يعد العلامة محمد بن إبراهيم الكندي صاحب بيان الشرع أحد أساتذته، كما تتلمذ على يديه أبو بكر الكندي صاحب المصنف له سيرة معروفة. ر السالمي تحفة الأعيان، 274/ 1 276، البطاشي، إتحاف الأعيان، 417/ 1. (5) الخروصي أبو نبهان جاعد بن خميس (1822/ 1237)، أجوبة الشيخ أبي نبهان (مخ)،
:
مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان رقم 271، ص 3. (1/108)
صفحة 109
علوم السنة عند الإباضية
89
وهو بفتواه ذَلِكَ كافر كفر نعمة فاسق منافق ضال، يشهد بذلك كتابُ الله وسُنَّةُ رسوله لله وإجماع المسلمين (1).
إن هذه الأصول الثلاثة التي عرفت بمصادر التشريع فيما بعد وهي: الكتاب والسنة والإجماع والمعبر عنه بالأثر أو الرأي عند بعضهم تأتي مرتبة حسب الأولوية، فما لم يكن فيه حكم في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثر من أهل الهدى من أوائل المسلمين في قول هلال بن عطية (2)، وهذه المصادر ضمنها أوائل الإباضية في شعار دعوتهم؛ يقول شبيب بن عطية (3):" إنا ندعو إلى كتاب الله وسنة نبيه وهدي الذين من بعده أبي بكر وعمر وأثر أهل التنزيل عند التأويل (4)، وتأمل في تعبيره بهدي الشيخين بما يؤكد ما سبق بيانه من تمييز
الإباضية لعهدهما.
وتجد أنهم ينكرون على أي عالم منهم لا يتقيد بالدقة بهذا النهج إذ أنكر محبوب ابن الرحيل على هارون بن اليمان (3) اتباعه القياس وتوسعه فيه مؤكدا أنّ
(1)
م. س، ص 6.
(2) الخراساني هلال بن عطية سيرة هلال بن عطية، (مخ مج) ص 83.
(3)
العماني شبيب بن عطية (ق 8/ 2)، أحد العلماء وقادة عمان في القرن الثاني الهجري، كان أحد رجال مجلس الشورى في إمامة الجلندى بن مسعود قام بدور كبير محاولة منه لسد الفراغ الناجم عن سقوط الإمامة، فكان يجبي القرى، ويوزع الصدقات احتسابا، كان ذا مكانة علمية مرموقة، له سيرة تنبئ عن معرفته القوية بكتاب الله وسنة نبيه وتبحره فيهما. ر: السالمي، تحفة الأعيان 104/ 1، البطاشي، إتحاف الأعيان، 127/ 1. (4) العماني شبيب بن عطية (ق 8/ 2)، سيرة شبيب بن عطية (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 282
(5)
هارون بن اليمان، حي في 841/ 226)، عالم فقيه متكلم، عاصر الإمام المهنا بن جيفر حكم 226 - 841/ 237 - 852)، له مسائل خالف فيها جمهور الإباضية، وقد كتب فيها إلى الإمام المهنا وبين له فيها رأيه من آثاره سيرته المعروفة ر: السالمي، تحفة الأعيان
155/ 1 (1/109)
صفحة 110
علوم السنة عند الإباضية
90
دين المسلمين هو كتاب الله وسنة نبيه؛ وآثار المسلمين تتبع ويقتدى بها (1)، ويقول محمد بن محبوب: إن الأحكام إنما هي حكم الله في كتابه وسنة نبيه وآثار أئمة الهدي العلماء بكتاب الله وسنة رسوله (2)، وليس إنكار محبوب المتقدم على هارون يعني أن الإباضية ينكرون القياس ولكن من باب ترتيب الحجة يقول نور الدين السالمي (من الرجز)
نُقَدِمُ الحَدِيثَ مَهْمَا جَاء على قياسنا ولا مراء (3)
ونحتاج في هذا المقام إلى مزيد إيضاح لبيان ترتيب هذه الأصول عند أصحاب المذهب، وورود أكثر من تسمية للإجماع؛ فقد جاء تعبيرهم بالأثر أو بالرأي أو بالإجماع فهل يريدون بها أمرا واحدا أم لا؟
لفهم ذلك علينا تتبع عباراتهم؛ وقد سبقت عبارات المذكورين آنفا، فبعضهم عبر بآثار أئمة الهدى أو آثار المسلمين أو أثر أهل التنزيل، والذي يظهر لي والله أعلم أن التعبير بالأثر في مثل هذا يرد على وجهين:
وجه يكون فيه الأثر ما ينقل عن الصحابة وأئمتهم المتقدمين ممن كانوا سلفا لهم وقدوة؛ يؤكد هذا قول الإمام الصلت بن مالك (4):" وأنا أدعوه إلى كتاب
(2) القرشي
(3)
(1) القرشي الرحيلي محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة (ق 8/ 2)، سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 426. محمد بن محبوب، سيرة محمد بن محبوب، (مخ مج)، ص 121. السالمي نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم (1914/ 1332)، جوهر النظام، تصحيح أبي إسحاق إبراهيم اطفيش مطبعة، النصر، 1394 هـ، 1974 م، 23/ 1. (4) الخروصي الصلت بن مالك (889/ 275) يعد أشهر أئمة عمان الذين حكموا في القرن الثالث الهجري، كان عالما زاهدا متواضعا، كما كان عادلا حسن السيرة، ازدهر العلم في عهده وكثر العلماء، حرر جزيرة سقطرى من يد النصارى واسترجعها منهم ابتليت عمان بعزله من ثلة قامت عليه فأدى عزله إلى فرقة ظل العمانيون يعانون منها فترة طويلة. ر: السالمي، تحفة الأعيان 130/ 1 وما بعدها، الأزكوي، كشف الغمة، ص 264. (1/110)
صفحة 111
علوم السنة عند الإباضية
91
الله وسنة نبيه وآثار أئمة المسلمين وما يجتمع عليه رأي المسلمين" (1)، فآثار أئمة المسلمين هنا أثار العمل من الأئمة المبايعين قبله، كما يمكن الاستشهاد بما تقدم ذكره عن هلال بن عطية، ولأبي مسلم الرواحي (2) بيت من البسيط) يؤكد هذا
المعنى يقول فيه:
قَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالقُرآنِ بَيِّنَةً وسُنَّةِ الحَقِّ وَالإِجْمَاعِ وَالْأَثَرِ (3).
وأما الوجه الثاني فأن ترد بمعنى الإجماع ففي ما نقل مثلا عن أبي
(4)
قحطان وأبي سعيد أن الحق مصدره كتاب الله وسنة نبيه وآثار المسلمين، وأنه يجب لزوم حكم الكتاب والسنة والأثر (5). والأثر (5). ويبين أبو سعيد أن الأثر هنا هو الإجماع وتكشف إحدى عباراته ذلك حين يقول: إن الحق كله إنما يدرك من كتاب
(1) أبو قحطان سيرة أبي قحطان، مخ مج، ص 184. (2) الرواحي أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم (1911/ 1329)، أصله من وادي بني رواحة بسمائل في عمان، علامة، محقق، وأديب شاعر مفلق، لقب بشاعر العلماء وعالم الشعراء، ولد في أرومة علم وفضل، انتقل إلى زنجبار في شرق إفريقيا، تولى منصب رئاسة القضاء بها وأسس بها جريدة النجاح، ظل على اتصال بعمان من خلال كتاباته وقصائده التي كان يبعثها إلى عمان؛ وبرع الرواحي في الكتابة شعرا ونثرا، له تأليف تكشف عن عمق ورصانة وبيان وأسلوب، ومنها: نثار الجوهر والنشأة المحمدية وديوان أبي مسلم. ر: الرواحي أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم (1911/ 1329)، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، (مخ) بخط المؤلف التصوير والنشر لسالم بن محمد الرواحي زنجبار، نسخة لدى الباحث، مقدمة نثار الجوهر، ص 1 السيابي أحمد بن سعود ((معاصر)، أبو مسلم البهلاني الرواحي، حياته، شيوخه، قراءات في فكر أبي مسلم البهلاني الرواحي حصاد) ندوة المنتدى الأدبي احتفاء بذكرى أبي مسلم البهلاني الرواحي 14 - 16 رجب، 1415 هـ، 17 - 19 ديسمبر 1994 م، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1418 هـ، 1998 م، ص 40. (3) الرواحي أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم (1911/ 1329)، ديوان أبي مسلم، تح عبد الرحمن الخزندار، نشر صالح بن عيسى الحارثي، مطابع دار المختار، 1406 هـ، 1986 م،
ص 34.
(4) أبو قحطان سيرة أبي قحطان، (مخ مج)، ص 197. (5) الكدمي أبو سعيد، الاستقامة، 69/ 2. (1/111)
صفحة 112
علوم السنة عند الإباضية
92
(1)
الله تعالى، أو سنة رسوله، أو إجماع المحقين من أمة محمد)، وقوله أيضا: "و أصول الدين ما جاء في كتاب الله، أو سنة رسوله، أو إجماع المهتدين من الأمة (2).
وأما التعبير عن الإجماع بالرأي فقد ورد عند المتقدمين والمتأخرين، وتؤكد هذا التفسير عبارة قاسم الشماخي (3) - وإن كان من المتأخرين: "العلم الأساسي من شرع ربنا، فقواعده قد قامت على ثلاثة أوجه التنزيل والسنة ورأي المسلمين (الإجماع) فمن أنكر وجهاً واحداً من هذه الثلاثة فقد كفر
(4).
أو دميهم
وخلاصة الأمر أن علماء الإباضية سواء كانوا من متقـ متأخريهم عبروا عن المصادر الثلاثة، وأن تعبيرهم بالإجماع جاء معبرا عنه
(6)
بهذا اللفظ أحيانا كما هو عند بشير بن محمد وابن روح (3) وأ وأبي سعيد الكدمي وابن بركة (7) و أبي الحسن البسيوي (8) وغيرهم، وبلفظ الأثر كما سبق ذكره،
(1) الكدمي
(2)
أبو سعيد، المعتبر، 26/ 1.
م. س، 26/ 1.
(3) الشماخي قاسم بن سعيد بن قاسم (1916/ 1334)، أصله من جبل نفوسة بليبيا، عالم وكاتب جليل، رحل إلى مصر، وصاحب الأديب الصحفي: مصطفى بن إسماعيل المصري والإمام محمد عبده، نصب قنصلاً عاماً لدولة تونس بمصر قبل الاستعمار الفرنسي، من: الحكمة في شرح رأس الحكمة لعثمان كمال الدين القول المتين. ر: أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) 2/ 295، معمر: الإباضية في موكب التاريخ، 3/ 220، 325/ 4. (4) الشماخي العامري قاسم بن سعيد بن قاسم (1916/ 1334)، كتاب القول المتين، ط 2،
مؤلفاته:
مكتبة الضامري السيب سلطنة عمان، 1413 هـ، 1992، ص 41. (5) ابن روح، سيرة محمد بن روح، (مخ)، ص 12.
أبو سعيد، المعتبر، 26/ 1. (6) الكدمي
(7) ابن بركة، الجامع، 543/ 1.
4) البسيوي أبو الحسن، سيرة أبي الحسن البسيوي، مخ مج، ص 42.
(8) (1/112)
صفحة 113
علوم السنة عند الإباضية
93
وبالرأي أيضا عند المتقدمين، بل حتى عند غير المتقدمين كالوار جلاني (1)
والسوفي (2) وابن جميع (3) والبرادي)
(4)
والبرادي وغيرهم.
وليس قصدنا هنا التوسع في أمر الإجماع أو ذكر حجية الكتاب إلا لأنها متلازمة، والراد لوجه منها بمنزلة الراد لجميعها (5)، ولحاجة المقام إلى بيان حتى لا يتداخل مفهوم الأثر هنا بمفهومه الذي سبق طرحه وبيانه، وأيضا للحاجة إلى مزيد بيان عن ترتيب هذه المصادر سيرد.
وقد تعددت تسميات هذه المصادر فهي مجاري الدين الثلاثة (6)، في الحلال والحرام (7)، وهي الأوجه الثلاثة التي جاء عليها الدين يُدرك بها الحلال والحرام)، وهي الثلاثة التي بها كمال الدين
(9)
الثلاثة كما يعبر عنها الكثير
(11)
وهي الحجة (8)، أو التي
(10)،وهي
الأصول
إن ترتيب الحجة للأصول الثلاثة المشار إليه سلفا يقتضي تقديم الكتاب فالسنة فالإجماع، وكل منها أصل للأول؛ فالكتاب أصل للسنة، والسنة أصل
(1) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 3/ 1. (2) السوفي، السؤالات، (مخ)، ص 368.
(3) أبو حفص عمرو بن جميع، كتاب عقيدة العزابة، ص 12.
(4)
البرادي، البحث الصادق، (مخ) 12 ظ.
(5) الشماخي قاسم بن سعيد، كتاب القول المتين، ص 41.
(6) الجناوني أبو زكريا يحيى بن الخير (ق 11/ 5)، كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، تعليق إبراهيم اطفيش دار بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع تونس (د. ت)، ص 29.
(7) السوفي، السؤالات، (مخ) ص 237.
(8)
م. س،
368
(9) الملشوطي، الأدلة والبيان، مخ مج، ص 295. ص 295.
(10) أبو حفص عمرو بن جميع، كتاب عقيدة العزابة، ص 12.
(11)
ر محمد بن روح، سيرة محمد بن روح ((مخ) ص،12، الكندي أبو بكر، الاهتداء ص 27،41، الوارجلاني، كتاب العدل والإنصاف، 3/ 1. (1/113)
صفحة 114
علوم السنة عند الإباضية
94
للإجماع لقوله: (لا تجتمع أمتي على الضلال) (1) كما يقول أبو ستة (2) والملشوطي (3)، وذلك لأن حجية السنة مأخوذة من الكتاب، والإجماع من السنة، ويتفرع عن ذلك أنه لا يمكن تقديم المتأخر على المتقدم في رتبة الحجية، ومن تطبيقات ذلك قولهم: "لا حظ للنظر مع ورود الخبر (4)،، وورد بصيغة أخرى: لا
(5)
حظ للنظر مع ورود النص و"وإذا ورد التوقيف لم يكن معه للنظر حظ (6)، فالاجتهاد بالرأي في الدين إنما يجوز للعلماء إذا لم يجدوا بغيتهم في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار من كان قبلهم من العلماء كما يقول أبو الربيع المزاتي (7)، ومسألة رد المتأخر إلى المتقدم في رتبة الحجية كالسنة للقرآن عني الإباضية
بتأكيدها وسنجدها بارزة عند الحديث عن نقد الحديث وفي محله إن شاء الله. لقد ظهر لنا من خلال وقوفنا على ما تقدم عرضه من التراث الإباضي المكانة العالية للسنة وحجيتها ومنزلتها في التشريع عندهم.
وأكثر ما اعتمدوا عليه في ذلك هو مصدر التشريع الأول؛ ألا وهو القرآن الكريم، وقد استدل فقهاؤهم بعدد من الآيات منها الآيات التي أوجبت التأسي بالرسول له مؤكدين أن هذا التأسي عام لا يقتصر على جانب من الشريعة دون جانب، ومنها ما يؤكد سلب الهداية للمخالف للرسول فهو مشاقق له بمخالفته ومتبع غير سبيل المؤمنين؛ إذ من لازم الإيمان عدم مخالفة النبي.
ومنها الآيات التي حملت دعوة صريحة لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وخصوصا تلك التي قرنتها بطاعة الله، فأوجبت تلازم الطاعتين، فكل منهما لازمة ومقتضية
(1)
تقدم تخريج هذا الحديث، ص 68.
(2) أبو ستة محمد بن عمر، حاشية كتاب الوضع، ص 27.
(3) الملشوطي، الأدلة والبيان ص 291.
(4)
(5)
(6)
ابن بركة، الجامع، 371/ 1.
م. س، 400/ 2.
م. س، 1/ 389.
(7) المزاتي، التحف المخزونة ص 157 158. (1/114)
صفحة 115
علوم السنة عند الإباضية
95
للأخرى. ومن الآيات ما أوجب أخذ ما أتى به الرسول لله والانتهاء عما نهى عنه، وكذلك الآيات التي دعت إلى تحكيم الرسول لله فيما شجر بين العباد، وأوجبت على المسلمين رد التنازع إلى الرسول، وحذرت من عواقب
مخالفته.
وكل الآيات التي أوردها فقهاء الإباضية في استشهادهم يرون أنها من دلائل ثبوت السنة من الكتاب، وأنها تثبت حجية السنة وتؤكدها.
إن كلا من القرآن والسنة، وحي، إذ النبي لا ينطق عن الهوى، ومن هذا الثنائي المتلازم الوثيق تأتي مقولة بعض الفقهاء الإباضية بأن أمر النبي ونهيه هما أمر الله ونهيه؛ إذ أمر النبي خلقه الله وأمر به، ومن هذا المنطلق تظل هذه الحجية ممتدة مهما تطاول الزمن، كما أن المحبة للرسول وتعظيمه ليست أنشودة تغنى، ولكن محبته وولايته باتباعه والعمل بسنته، وعليه فالإعراض عن سنته يمثل إساءة إلى جنابه الشريف.
وإذا كان الاستدلال لثبوت حجية السنة يمثل جانبا نظريا، فإن هذا الجانب النظري يدعمه جانب تطبيقي نجده في التراث الإباضي من خلال ظهور العناية بالجانب التطبيقي للسنة والالتزام بها وبمنهجها.
ويكشف هذا الجانب التطبيقي مظاهر عدة، منها تصريح الإباضية بالالتزام بالسنة واتباعها، ودعوتهم لترسم خطاها من سلفهم إلى خلفهم، مؤكدين تقليدهم للسنة وتقيدهم بها، وكان من ثمرة ذلك أنهم أفتوا في أفراد المسائل حال ظهور أي مخالفة للسنة فيها بالبطلان وإعادة العمل، وكذلك أثمرت تلك العناية بالالتزام بالسنة رفض أي مخالفة لها؛ ففرع الفقهاء أحكامهم على الراد للسنة المخالف لها، سواء كان على وجه الإنكار أم التهاون، وكذلك أثمرت العناية بالسنة رفضهم لأي
تقليد مصادم لها، فلا تقليد إلا لما وافق الكتاب والسنة مهما كبر المقلد وعظُم.
ثم إن اعتماد السنة مصدرا ثانيا للتشريع، لا يقل عما قبله أهمية في كشفه عن مكانة السنة عند الإباضية، وهو يتمثل في التأصيل وتقعيد كون السنة (1/115)
صفحة 116
علوم السنة عند الإباضية
96
المصدر الثاني للتشريع وتطبيق ذلك ميدانيا، ويتجلى اعتبار ذلك من خلال جوانب، منها اعتبارها مشاركة للقرآن فهما المصدران الأصيلان للتشريع، ومن ثم توظيف هذه النظرة في رد الأمور إلى الكتاب والسنة.
ومنها أن تصحيح الأقوال وقياس قوتها قائم على صحيح السنة، وما انبني على أصل صحيح قبل؛ وما انبنى على ضعيف ردّ، وتبعا لذلك فإن ميزان القبول مبني على موافقة الكتاب وصحيح السنة، وهذه الموافقة مشروطة على المُقلّد
المقلد.
ومنها اشتراطهم العلم بالسنة في الفتوى والاجتهاد، فلا تقتحم حياض الفتوى إلا ممن كان عالما بالسنة، ومن ثم لا تقبل الفتوى إلا من عالم بالسنة، هذا مع علمه بباقي أصول التشريع كالقرآن والإجماع، بل العلم بكل أصل يقتضيه الأصل الآخر. ثم إنّ كل أصل يؤسس لحجية الآخر، وهذه المصادر الثلاثة مرتبة الحجية، وعليه لا يتقدم المتأخر في رتبة الحجية على المتقدم. (1/116)
صفحة 117
علوم السنة عند الإباضية
97
الباب الثاني
منهج نقد الحديث
عند الإباضية
الفصل الأول ظهور عناية الإباضية بنقد
الحديث وتصحيحه
الفصل الثاني: من قواعد نقد السند عند الإباضية.
الفصل الثالث: من قواعد نقد
المتن عند الإباضية.
الفصل الرابع: منهج الإباضيه مع
الروايات الواردة من غير طرقهم. (1/117)
صفحة 118
علوم السنة عند الإباضية
98
الفصل الأول ظهور عناية الإباضية بنقد الحديث وتصحيحه:
المبحث الأول: معنى النقد وبدايات ظهوره:
ورد
لفظ النقد بمعاني عدّة في اللغة اخترنا منها ما يوافق مدلول النقد الحديثي فنقد الدراهم: تمييز جيدها من رديئها (1)، وناقَدْتُ فلاناً، إذا ناقشته في الأمر (2)، ونقد الدراهم أي وزنها، و"الدرهم نقد، أي وازن جيّد (3)، وقد نَقَدَ الرجُلُ الشيْء بِنَظَرِه ينقده نقداً، وما زال فُلانٌ يَنقُد بِصَرَه إِلَى الشَيْءٍ، إِذا واصل النظر إليه أو نظره خلسة (4)، ونَقَدَ الشيءَ يَنْقُدُه نقداً إِذا نَقَرَه بإصبعه كما تُنقَر الجوزة (5).
وهذه المعاني المتقدمة داخلة في مفهوم نقد الحديث ففي النقد تمييز الصحيح من الضعيف، وفيه مناقشة الرواية وبحثها ووزنها بموازين النقد التي لا تتأتى إلا للعالم المجرب الذي أطال نظره في الرواية، ونقر جوزتها فكشف بذلك ما خفي من عللها وأبان ما صح منها.
ثم إن الحروف المؤلفة لكلمة نقد وهي النون والقاف والدال هي أصل صحيح يدل على إبراز الشيء وبروزه كما يقول ابن فارس (6)، وهل النقد في حقيقته إلا عملية إبراز لصحيح الحديث ليتجلى لنا بروز الصحة من خفائها.
(1) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، باب النون والقاف وما يثلثهما، 467/ 5. الجوهري إسماعيل بن حماد (1003/ 393)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تح: أحمد عبد الغفور عطار، ط 2، دار العلم للملايين، بيروت لبنان 1399 هـ، 1979 م،
(2)
544/ 2
(3)
(4)
(5)
(6)
م. س، 544/ 2.
ر ابن مظور، لسان العرب مادة نقد، 426/ 3، الجوهري، الصحاح، 545/ 2.
ابن منظور، لسان العرب، مادة نقد، 426/ 3.
ابن فارس معجم مقاييس اللغة باب النون والقاف وما يثلثهما، 467/ 5. (1/118)
صفحة 119
علوم السنة عند الإباضية
99
وإذا ما انتقلنا عن بيان معنى النقد إلى بيان بدايات ظهور النقد عند الإباضية، وجدنا عناية الإباضية بنقد الحديث وتمييز صحيحه من سقيمه ظهرت مبكرا، ومن أمثلة ذلك قول جابر بن زيد معلقا على رواية بلغته: "لو نجد هذا عن ابن مسعود عن ثقة أخذنا به (1)، كما يبين علة ما روي عن عبد الله بن مسعود ليلة الجن في إجازة النبيله الوضوء بالنبيذ (2) فقال: سمعت جملة من " الصحابة يقولون ما حضر ابن مسعود تلك الليلة والذي رفع عنه كذب والله أعلم بالغيب (3)، وهذا يكشف إلمام جابر بالرواية وحال الرواة وتوظيفه ذلك كله فـ في
نقده الروايات.
ويدعو أبو عبيدة إلى التثبت في الأخذ فلا يسلم لرجل يحدث بكل ما سمع، ولكن لا بدّ من تميّز المعتمد عليه من الأقاويل والروايات وأن يسأل المتلقي عمن هو أفضل منه أي ذلك المحدث - علما (4)، وهذه دعوة صريحة من أبي عبيدة
(1) الأزدي جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 83. (2) أخرجه أبو داود في سننه بلفظ (عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن ما في إداوتك؟ قال: نبيذ: قال تمرة طيبة وماء طهور)، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، 21/ 1 (84)، وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب أبواب الطهارة وسننها، باب الوضوء بالنبيذ، 135/ 1 (384)، والترمذي في سننه، كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ، 147/ 1 (88)، وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ، 179/ 1 (693). وقد علق أبو عيسى الترمذي على الحديث بقوله: " وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان الثوري وغيره، وقال بعض أهل العلم لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال إسحاق إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ والتيمم أحب إلي، قال أبو عيسى وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه لأن الله تعالى قال فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّبَا (النساء 43/ 4) ". الترمذي، السنن، 147/ 1 - 148.
(3)
الفراهيدي الربيع بن حبيب، المسند، كتاب الطهارة، باب في المياه، 44/ 1 (165)
(4) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة، (مخ)، 12 ظ. (1/119)
صفحة 120
علوم السنة عند الإباضية
100
لنقد الحديث، ونجده يقيد العمل بالفتوى بشرط معرفة الحق حتى في مثل ما أفتاه الثقة بما رواه عن الصحابة (1)، وهو في هذا يخط منهج البحث والتعرف على الحق في نقده، ونجد من أمثلة تطبيقات النقد عنده تضعيفه لخبر تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير (2)، طعناً في بعض رجاله
(1)
م. س، 12 ظ.
(2) أخرج البخاري في صحيحه هذا الخبر بلفظ (نهى النبي عن كل ذي ناب من السباع) وقال معلقا بعده تابعه يونس ومعمر وابن عيينة والماجشون عن الزهري، في كتاب الذبائح والصيد، باب النهي عن أكل كل ذي ناب ... 2102/ 5 (5210)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ... 1533/ 3 (1932)، وأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب .. 496/ 2 (1059) (1060)، قال مالك: وهو الأمر عندنا"، وأخرجه الربيع في مسنده بلفظ رواه من طريق أبي هريرة عن النبي أنه قال: (أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخالب من الطير (حرام)، في كتاب الزكاة والصدقة باب أدب الطعام والشراب، 153/ 1 (387).
وأما حديث النهي عن الحمر؛ فأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية)، في كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية .. 2102/ 5 (5202)، وأخرجه الربيع في مسنده، في كتاب الزكاة والصدقة، باب أدب الطعام والشراب، 153/ 1 (388).
وهنا لا بد من وقفة متسائلة حول الكلام المنقول عن تضعيف أبي عبيدة ومالك لهذا الخبر، أما مالك فقد أخرج الحديث في الموطأ، وكذلك أخرجه عنه البخاري، ويؤكد ابن عبد البر في الاستذكار على أن مذهب مالك هو تحريمها، وأن مذهبه في النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع هو نهي تحريم ويقول: " لا نهي ندب وإرشاد كما زعم أكثر أصحابنا، ويشهد على ذلك قوله أي المعلق به على رواية النهي -: "وهو الأمر عندنا، روى هذا يحيى عن مالك وهو آخر من سمع عليه الموطأ ".
وينقد ابن عبد البر مَنْ فَهم عن مالك غير هذا فيقول: "وإنما احتج الأبهري لرواية ابن القاسم، فقوله إن الذكاة عاملة في جلود السباع وإن لحومها ليست بحرام على أكلها إذا ذكيت وإنما هي مكروهة، فقد تناقض ابن القاسم فيما ذهب إليه من هذا الباب ورواه عن مالك، لأنه لا يرى التذكية في جلود الحمير تعمل شيئا ولا تحل جلود الحمير عنده إلا بالدباغ كجلود الميتات. ر: ابن عبد البر، الاستذكار، 288/ 5 - 289 (1/120)
صفحة 121
علوم السنة عند الإباضية
101
على حد ما نقل عنه (1)، ويذكر ابن بركة اتفاق أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ومالك بن أنس على تضعيف هذا الخبر وأنهما طعنا فى بعض رجاله؛ وتبعا لذلك أجازا سؤر الكلب وطهارة فضل مائه وكذلك سائر السباع وأكل لحومها وهذا كلام فيه نظر كما هو مبين في حاشية البحث مع تخريج الحديث
(2)
ونجد أمثلة متعددة لنقد علماء الإباضية المتقدمين وتعليقهم على روايات صحت عندهم غيرها، فقد سأل أبو غانم الخراساني شيخه أبا المؤرج (3) عما
وهكذا يتبين لنا خطأ من نقل عن مالك ذلك ويظهر أن ابن بركة وقف على من نقل عن مالك غير التحريم. لكنني في هذا المقام أميل إلى القول إن هناك خطأ آخر وقع في النقل عن أبي عبيدة، إذ أن الربيع روى عنه رواية النهي والتحريم، فلعل النقل عن مالك وأبي عبيدة بالتحريم جاء بعد النقل عنهما بالإباحة، ويظهر لي أن خبر تحريم الحمر وكل ذي ناب لم يشتهر أول الأمر ثم اشتهر، بدليل أن البخاري في المكان الذي أخرج فيه خبر التحريم، أخرج رواية عن جابر بن زيد هذا نصها: "حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله له نهى عن الحمر الأهلية، فقال قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبي ذاك البحر ابن عباس وقرأ قل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} (الأنعام 145/ 6). ر: البخاري، الصحيح، كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية .. ، 2102/ 5 (5210). وهناك دليل آخر أراه أورده البخاري ومسلم، وهو عبارة الزهري عقب روايته خبر التحريم: عند البخاري " ولم أسمعه حتى أتيت "الشام"، وعند "مسلم" قال ابن شهاب ولم أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز حتى حدثني أبو إدريس وكان من فقهاء أهل الشام". ر: البخاري الصحيح مسلم، الصحيح، موضع التخريج السابق.
(1) ابن جعفر، الجامع، 1/ 273 - 374.
(2)
في
ابن بركة، الجامع، 400،397/ 1.
(3) القدمي أبو المؤرج عمر بن محمد (ق 8/ 2، من قدم في اليمن، أحد حملة العلم إلى مصر القرن الثاني الهجري، وأحد الفقهاء الكبار ورواة الآثار السبعة الذين روى عنهم أبو غانم مدونته، أخذ العلم عن أبي عبيدة، لكنه خالفه في مسائل، قدم إلى عمان؛ فناقشه فقهاؤها في المسائل التي خالف فيها، فحاجوه فرجع، ثم مات وهو في طريقه إلى اليمن. ر: الشماخي
السير، 6/ 1. (1/121)
صفحة 122
علوم السنة عند الإباضية
102
يروى عن معاذ بن جبل أن رسول الله له أمر أن يؤخذ من كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعه ومن كل أربعين مسنة وأمر أن لا يؤخذ من الأوقاص شيء) (1) وكان جواب أبي المؤرج بأن السنة المروية عن فقهائهم الذين يأخذون منهم ويعتمدون عليهم في زكاة البقر كالسنة في زكاة الإبل (2)، يؤخذ منها ما يؤخذ من
(1) لفظ الحديث (في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وفي أربعين مسنة) أخرجه ابن الجارود في المنتقى، كتاب الزكاة، باب أول كتاب الزكاة 95/ 1 (344)، وابن ماجة في سننه، كتاب الزكاة، باب صدقة، البقر، 577/ 1 (1804)، والترمذي في سننه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر، 19/ 3 (622)، وأبو يعلى في مسند عبد الله بن مسعود 433/ 8 (5016)، وأما لفظ الأوقاص فورد في رواية لفظها: (عن معاذ بن جبل قال لم يقل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقاص من البقر شيئا أخرجها الطبراني في المعجم الكبير، حديث العلاء بن زياد العدوي عن معاذ، 165/ 20 (348)، وأحمد في المسند، حديث، معاذ، 230/ 5 (2063)، والأوقاص هي ما بين الفريضتين. ر: الخراساني أبو غانم، المدونة 225/ 2
(2)
وردت روايات تعضد هذا الرأي وتقويه كخبر جابر بن عبد الله (في كل خمس من البقر شاة وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي كل عشرين أربع شياه؛ قال الزهري فإذا كانت خمسا وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين فإذا زادت على خمسة وسبعين ففيها بقرتان إلى عشرين ومائة .. الخ) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى، كتاب الزكاة، باب كيف فرض صدقة الفطر، 99/ 4 (7090)، وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب الزكاة، باب البقر، 24/ 4 (6852)، وابن حزم في المحلّى، في زكاة البقر، 2/ 6.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا يزيد عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد بن عبد الرحمن أن في كتاب صدقة النبي وفي كتاب عمر بن الخطاب أن البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل، قال: وقد سئل عنها غيرهم فقالوا فيها ما في الإبل أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال، في كتاب الصدقة وأحكامه وسننها، باب صدقة البقر، 469/ 1 - 470 (999)، وأخرجه ابن حزم في المحلى أنه من كتاب عمر، زكاة البقر،
2/ 6
وقد ذكر أبو سليمان الخليلي شاهدا مع هذين الشاهدين، وفصل الكلام في أقوال الأمة في زكاة الإبل وأدلة هذه الأقوال لمزيد من التفصيل أنظر الخليلي أبو سليمان أحمد بن حمد (معاصر)، زكاة الأنعام، ط 1، مكتبة الاستقامة، روي، مسقط، سلطنة عمان، 1423 هـ، 2003 م، ص 143، وتفصيل الأقوال من ص 134 - 159. (1/122)
صفحة 123
علوم السنة عند الإباضية:
103
الإبل، ويعمل فيها ما يعمل في الإبل، وأنهم ليس بينهم اختلاف في ذلك، وأما حديث معاذ بن جبل عن النبي الله فالله أعلم به. ثم قال:" ولو نعلم أن ذلك حق به واعتمدنا عليه؛ غير أن أصحابنا أبا عبيدة وجابرًا بن زيد لا يأخذون بما ذكرت، وقد بلغهم قولُ مَن وصفت (1).
لأخذنا
وتتكرر هذه العبارة: "ولو نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لأخذنا به، غير أن أصحابنا الذين نأخذ عنهم ونعتمد عليهم لا يرون ذلك، ولا يأخذون به والله أعلم بهذا الحديث (2)، وهي تؤسس نهجا نقديا سنتعرف عليه عندهم لاحقا، وهو ند الحديث بما صح عندهم من روايات على أن هذه العبارات يمكن وصفها بالعبارات النقدية اللطيفة المتأدبة التي تحوي اعتذارا عن ردّ تلك الروايات، وقد يرد التعليق مقتضبا كتعليق أبي المؤرج أيضا على رواية بعض الرواة عن ابن مسعود أنه إذا توضأ المتوضي ثم لمس أو قبل جاريته أو امرأته أنه يعيد الوضوء وقوله مضعفا روايتهم اليس فيما يقولون شيء والله أعلم (3). وهذه العبارة لا تتضمن تعليلا للرد ولا اعتذارا كسابقتها وبالتالي يمكن أن تكون هي نفسها محل نظر و نقد.
6
وقد يحوي نقدهم العام على طريقة بعض نقلة الروايات ذكر أنموذج لذلك بما يراه الناقد من ذلك نعي هلال بن عطية على بعض نقلة الروايات، ووصفه لهم بأنهم ليس لهم علم نافذ يبصرون به الحق من العلم، يتبعون الروايات الكاذبة التي يدحضها كتاب الله وهم يستمدون مثل تلك الأحاديث عن أمثالهم من البشر، وتركوا كتاب الله (4). ويذكر أنهم قد يقتطعون من الرواية بعضها ويتركون البعض
(1) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 157/ 1 - 158.
(2) م. س، 165/ 1 - 166.
(3) م. س، 16/ 1.
(4) الخراساني هلال بن عطية سيرة، هلال بن عطية، مخ مج، ص 81. (1/123)
صفحة 124
علوم السنة عند الإباضية:
104
الآخر ويمثل لذلك بقوله: يقولون أطعه وإن كان عبدا حبشيا مُجَدَّعا أقْنَا (1)، وهم يسندون هذه إلى رسول الله الله، وإنما أمرني الله بطاعة من أقام كتاب الله وإن كان عبدا حبشيا فأطيعوه ما أقام كتاب الله (2) فتركوا من هذا الحديث بعضه وأخذوا بعضه، ويؤكد ابن عطية عقب ذلك أن الله أمر بطاعة من أطاع الله، وأن هؤلاء تركوا محكم كتابه، واتبعوا روايات كاذبة ليس لها أصل، مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه (3).
المبحث الثاني: النقد عند ابن بركة ومن جاء بعده:
ينطلق ابن بركة في نقده من خلال تأصيل هذا النقد ومحاولة ذكر أسباب الخلاف في الروايات والدعوة إلى لزوم البحث وتصحيح المروي كما سيتبين لنا، فحول التأصيل نجده يستشهد على حجية النقد للروايات بفعل ابن عباس حين روى له أبو سعيد الخدري عن النبي في الصرف أنه قال: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل والفضة بالفضة مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل، حتى ذكر الأصناف الستة، فمن زاد أو ازداد فقد أربأ) (4)، فردّ ابن عباس بقوله: " نحن أعلم بهذا وفينا نزلت آية الربا فأجابه أبو سعيد: أحدثك عن رسول الله وتقول لي، ما تقول، والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدا" (5).
(1)
تقدم تفسير المجدع ص، وأما الأقنا فهو من القنا وهو احديداب في الأنف ولذلك يقال
رجل أقنى. ر: الرازي مختار الصحاح، 231/ 1.
(2) تقدم تخريج الحديث، ص 68.
(3) الخراساني، هلال بن عطية سيرة هلال بن عطية ص 81.
(4) حديث أبي سعيد في الصرف، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بع الزبيب بالزبيب ... 761/ 2 (2067)، ومسلم في صحيحه كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق، 1211/ 3 (1584)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب البيوع، باب بيع الملح بالملح، 28/ 4 (6158)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب البيوع، باب تحريم التفاضل في
الجنس ... 278/ 4 (10267).
(5) ابن بركة الجامع، 314/ 2 (1/124)
صفحة 125
علوم السنة عند الإباضية
105
يقول ابن بركة: " فقد ردّ ابن عباس رواية أبي سعيد مع كثرة روايته وشهرته بالرواية، وأبو سيعد يقسم لا يساكنه لعظيم ما رماه به من الكذب على رسول الله الله والإنكار عليه. ومخالفونا ينكرون منا أنا لا نقبل أحاديثهم ونقلدهم فيها، وفيهم عبد الملك بن مروان وأعوانه والمهلب بن أبي صفرة وأبو هارون العبدي وأمثالهم (1)، ولعل هؤلاء الذين ذكرهم ابن بركة لا يمثلون أنموذج المثل
1
عند جميع مخالفي ابن بركة، وفي تقديرنا كان يمكنه طرح منهجه النقدي دون هذا الكلام وليس هؤلاء ممن اعتمد عليهم في نقل الأخبار، على أنه لا هذا يعني الموقف النقدي من ابن بركة رده لكل روايات مخالفيه وسيتبين لنا غير ذلك في
محله إن شاء الله.
ويُوجز ابن بركة سبب اختلاف الأخبار بينه وبين مخالفيه إلى أنه عائد
إلى تأويلها، أو انقطاع بعض الأخبار واتصالها، أو قلة ضبط ناقليها (2). على أنه من الجدير بيانه هنا أن نقد ابن بركة قد يتعقب به حتى تصحيح أحد أئمة المذهب المتقدمين أو تضعيفه، كمثل تعقبه أبا عبيدة في تضعيفه ما روي عن النبي من طريق ابن عباس أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير) (3)، ويذكر ابن بركة أن أبا عبيدة مسلما بن أبي كريمة ومن تابعه من أصحابنا يجوز أكل ذلك، متعلقين بالآية التي في سورة الأنعام وهي قوله تبارك وتعالى: عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْقُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزير) (الأنعام 145/ 6) وأن أبا عبيدة ضعف هذا الخبر كما سبق ذكر ذلك، ويعقب ابن بركة بحجج منها أن الخبر مستفيض من أهل النقل والحديث، والخبر كان بخيبر، وسورة الأنعام مكية والخبر بعدها، وأن الناس في الخبر إذا ورد بعد نزول الآية من القرآن على قولين: إذا كان الخبر معارضاً للآية يرفع به بعض حكمها، ففريق منهم قال: إن الخبر ناسخ للآية، والثاني: إن الخبر إذا ورد
(1)
(2)
م. س، 314/ 2
الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 94/ 1.
تقدم تخريجه ص 99. (1/125)
صفحة 126
علوم السنة عند الإباضية
106
معارضاً للآية فإنما يرد بياناً لها ولأحكامها، ثم يقول ابن بركة: "وإذا كان الناس على قولين خرج قول أبي عبيدة من جملة أقاويلهم (1)، وقد سبق الكلام المنقول أن أبا عبيدة ضعف الخبر وطعن على بعض قائله، ويقول ابن بركة في موضع آخر مبينا حكمه في الخبر:" والنظر عندي يوجب صحة الخبر لأن إسناده ثابت ورجاله معهم عدول، وانتشار الخبر في المخالفين وقولهم به كالمشهور فيهم فيهم" (2)، وأقول إن الخبر مروي عند الإباضية أيضا واشتهر عندهم؛ ولعل ابن بركة لم يقف عليه، أو غفل عنه.
إن مبنى النقد قائم على طلب الصحة للرواية، ولا يتوصل للصحة إلا بالبحث والطلب والسنة المجتمع على صحتها استغنت بهذا الإجماع عن طلب، صحتها، أما السُنّة المختلف في صحتها، ولم يبلغ الكل علمها، فهي التي تنازع الناس في صحتها، ولذا يجب البحث عن صحتها وطلب أسانيدها كما يذكر ابن
بركة (3)
وهذه الدعوة لطلب التصحيح والحث عليه من ابن بركة نجدها واردة عند من جاؤوا من بعده كأبي سلمة العوتبي في الضياء (4)، وأبي عبد الله الكندي في (5)، وأبي بكر الكندي في المصنف () و صالح بن عمر النزوي في قواع
البيان
الهداية (7) والشقصي
(8)
في
المنهج (1) وغيرهم.
(1) ابن بركة الجامع، 82/ 2 - 83.
(2) م. س، 2/ 400.
(3) م. س،280/ 1.
(4) العوتبي سلمة بن مسلم الضياء 11/ 3.
(5)
الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع 25/ 1
(6) الكندي
أبو بكر، المصنف، 51/ 1.
(7) النزوي صالح بن عمر، قواعد الهداية (مخ) 15 ظ.
(8) الشقصي خميس بن سعيد بن علي (ق 17/ 11) ولد بنزوى وقيل بهلا ثم انتقل إلى الرستاق في عمان، تزوج من أم الإمام ناصر بن مرشد اليعربي بعد وفاة زوجها فتربي الإمام في رعايته، كان قطب عمان في عصره، يعود له الفضل الأكبر في بعث إمامة (1/126)
صفحة 127
علوم السنة عند الإباضية
107
ويرى ابن بركة أن البحث عن صحيح الأخبار أمر ضروري، وينعى على من قال: إن الأخبار اختلفت عليه في النقل، ولم ترد وروداً تقوم الحجة به وتقطع عذر من غاب عنها مثل ما قامت على من شاهدها (2)، لذا وجب التوقف فيها وأن لا يبحثوا عن صحيحها من سقيمها، ثم يبين ابن بركة أن هذا مذهب البيهشية (3) الذين أنكروا علم الأخبار وزعموا أن الأخبار لا توجب عملاً ولا يوجب العلم إلا ما شاهدوه (4)، ويستشهد ابن بركة في رده على قول البيهشية بقول الله جل ذكره
اليعاربة بعقده على الإمام ناصر في حركة لتوحيد عمان وتخليصها من الاستعمار البرتغالي آنذاك، كان الشقصي من العلماء الموسوعيين له تأليف عدة أهمها منهج الطالبين وبلاغ الراغبين في عشرين مجلدا ر: الأزكوي، كشف الغمة، ص 349، مجموعة باحثين، دليل أعلام عمان، ص 59.
(1) الشقصي خميس بن سعيد بن علي (ق 17/ 11)، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تح: سالم بن حمد الحارثي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان: 1979، 84/ 1. (2) أورد ابن بركة هذا الكلام في رسالته الموازنة، وهو وإن كان أراد به الرد على الفريق الذي خالفه في عدم وجوب البحث في قضية عزل الإمام الصلت بن مالك، وما أحاط بها من أحداث وأنه يسع الوقوف فيها، فإنّها في تقديري حوت منهجية نقدية عامة في تتبع الأخبار وتصحيحها، وتأتي في مقدمتها أخبار السنة النبوية. لمزيد من معرفة قضية عزل الإمام الصلت بن مالك وما أحاط بها من أحداث، وما خلفته من حوار وجدل فكري بين المدرسة الرستاقية والنزوانية، ر: السالمي، تحفة الأعيان، 130/ 1 وما بعدها، الأزكوي، كشف الغمة، ص 264 وما بعدها.
هم
طائفة تنسب
(3) كذا في الأصل ولعل تصحيفا وقع في الكلمة والمراد البَيْهَسِّية، والبيْهَدِّية إلى أبي بَيْهَس بن الهيصم وافقوا القدرية في إسناد الأفعال إليهم كذا في التعاريف، وذكر في اللباب أنهم من الخوارج.
ر المناوي محمد عبد الرؤوف (1621/ 1031) التعاريف: تح محمد رضوان الداية ط 1، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1410 هـ، 154/ 1، الجزري ابن الأثير أبو الحسن علي محمد بن محمد الشيباني (1233/ 630)، اللباب في تهذيب الأنساب، دار صادر، بيروت،
202/ 11400
(4) السليمي ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ق 10/ 4)، كتاب الموازنة، (مخ) (1/127)
صفحة 128
علوم السنة عند الإباضية:
108
على لسان نبيه محمد الله وهو يخاطب المؤمنين أجمعين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (النساء 59/ 4)، إذ أوجب طاعة نبيه على من لم يره كوجوبها على من حضره، ولا شك أنه لا يصل غير المشاهد للنبي صلى الله عليه وسلم إلى علم طاعته إلا بخبر من يخبره عنه (1).
ويستشهد ابن بركة على وجوب التبين لتمييز خبر الفاسق بقوله جل ذكره يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات 6/ 49)، كما يخلص ابن بركة إلى قاعدة نقدية مستوحاة من هذه الآية يعبر عنها بقوله:" فلما أمر بالتبين عند خبر الفاسق؛ علمنا أنه قد أمرنا بترك التبين عند خبر العدل (2)، ويعلل ذلك بأنه لو كان الأمر بالتبين عند خبر الفاسق وغير الفاسق لم يكن لذكر الفاسق دون غيره معنى، فَصَحَّ على حد وصفه: أن نقل العدول للأخبار الشرعية تُوجِبُ العلم إذا كثر ناقلوها- أي بلغت حد التواتر-. تُوجِبُ العَمَلَ إِذا قلَّ ناقلوها - أي ما كان أحاديا (3) كما سيأتي.
وإذا كان ما تقدم مما عرضناه عن ابن بركة يمكن إدراجه ضمن تقصي العدالة في تصحيح الرواية، فإننا نجده في موضع آخر ينبه إلى ما يعرض للرواة من أمور تخل بالضبط فيها؛ مثل عدم اطلاع الراوي على الخبر كاملا فيرويه ناقصا، وقد يغير ذلك معناه، إذ يجوز أن يعلم البعض من الصحابة بالخبر أو بعض الأخبار ولا يمكنهم أن يستقصوا الكل، كما أنه قد يصل بعض الصحابة إلى النبي أو الرجل يصل إلى الصحابي وقد ذكر بعض الخبر فيروي الخبر تبعا لذلك ناقصا، ومنهم من يعرض عليه النسيان فينسى من الخبر شيئا يغير معناه، أو يزيد فيه، وهناك من الأخبار ما ينقل على وجه القصص أو لفائدة الأدب أو
ضمن مجموع السير العمانية، ص 317.
(1)
(2)
(3)
م. س، ص 317.
م. س، ص 317.
م. س، ص 317. (1/128)
صفحة 129
علوم السنة عند الإباضية:
109
لغيره (1). ولعل ابن بركة يريد أن هذه قد لا تخضع لدقة المقاييس النقدية كغيرها ويمثل لسماع بعض الرواة جزءا من الخبر دون آخر بما روي عن عائشة لما بلغها حديث أبي هريرة الشؤم) في ثلاثة في الدار والدابة والخادم) فقالت غلط أبو هريرة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (لعن الله اليهود تقول: إن الشؤم في ثلاثة) (2) فأبو هريرة سمع آخر الخبر (3).
إن هذه الدعوة إلى النقد والتصحيح والتدقيق للرواية التي وجدناها عند ابن بركة ومن قبله من المشارقة، نجدها عند المغاربة على حد سواء كالوارجلاني مثلا في قوله: " ويحتاج في السنة والآثار إلى طريقهما فإنه لا غنى للسنة والآثار عن تصحيح طرقهما (4)، ويذكر في موضع آخر أن السنة في حاجة إلى ثلاثة أوجه منها: تخريج المتون وتصحيح نقلة الحديث، ثم يبين أنه وقع الخلل وعظم
(1)
(2)
ابن بركة، الجامع 547/ 1.
خبر استدراك عائشة أخرجه الطبراني في مسند الشاميين، حديث مكحول عن عائشة، 333/ 4 (3505)، وأبو داود الطيالسي في مسنده، حديث الأفراد عن عائشة، من طريق محمد ابن راشد عن مكحول عن عائشة، 215/ 1 (1537)، وقد علق بدر الدين الزركشي في كتاب الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة بقوله ومحمد بن راشد وثقه أحمد ولكن الشك في الواسطة بين مكحول و عائشة. ر: الزركشي بدر الدين (1349/ 794)، الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة، تح: سعيد الأفغاني، ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت، 1394 هـ، 114/ 1.
وغيره
وأما حديث (الشؤم ... ) فأخرج بطرق أشهرها طريق ابن عمر، أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ما يذكر في شؤم الفرس، 1049/ 3 (2703)، ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما .. 1747/ 4 (2225)، والترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في الشؤم، 126/ 5 (2824)، ومعمر في كتابه الجامع، في باب الشؤم، 411/ 10 (19527)، وقد ذكر معمر تفسيره فقال: سمعت من يفسر هذا الحديث يقول شؤم المرأة إذا كانت غير
ولود وشؤم الفرس إذا لم يغز عليه في سبيل الله وشؤم الدار جار السوء". ابن بركة، الجامع 547/ 1 - 548 وانظر: العوتبي، الضياء 257/ 2.
(3)
(4)
الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف،4/ 2. (1/129)
صفحة 130
علوم السنة عند الإباضية
110
الزلل في هذه الأمة من هذه الوجوه (1) ويقول أيضا: " وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يحفظها الله تعالى كحفظه القرآن، ولم يصنها من أقاويل أهل البهتان (2) ويستشهد الوارجلاني على كلامه بقوله: (إنه سيكذب علي من بعدي كما كُذب على مَنْ قبلي، فما أتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني) و بقوله: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من
(3)
(1)
(2)
م. س، 197/ 2 - 198.
م. س، 197/ 2 - 198.
(3) خبر عرض الحديث على القرآن ورد بألفاظ مختلفة، فأخرجه الدارقطني ولفظه في السنن عن أبي هريرة عن النبي: سيأتيكم عني أحاديث مختلفة فما جاءكم موافقا لكتاب الله ولسنتي فهو مني وما جاءكم مخالفا لكتاب الله ولسنتي فليس مني في كتاب الأقضية والأحكام، في كتاب عمر إلى أبي موسى ... 208/ 4 (17) (20)، والخطيب البغدادي في كتاب الكفاية بمثل هذا اللفظ أيضا عن أبي هريرة في تعارض الأخبار /430/ 1، وكذلك أخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال في أحاديث من اسمه صالح، 69/ 4. وورد هذا الحديث بلفظ آخر من طريق علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها تكون بعدي رواة يروون عني الحديث فاعرضوا حديثهم على القرآن فما وافق القرآن فخذوا به وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به.
أخرجه الدارقطني أيضا في كتاب الأقضية والأحكام في كتاب عمر إلى أبي موسى ... 208/ 4 (17) (20) ثم قال الدارقطني هذا وهم والصواب عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مرسلا عن النبي.
وورد من طريق ابن عمر بلفظ وإنه سيفشو عني أحاديث فما أتاكم من حديثي فاقرأوا كتاب الله واعتبروه فما وافق كتاب الله فأنا قلته وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، في حديث سالم عن ابن عمر، 316/ 12 (13224).
وأخرجه الربيع في مسنده من طريق ابن عباس بلفظ (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني)، باب في الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، 36/ 1 (40).
وقد أخرج هذا الحديث غير هؤلاء، وذكر سعيد القنوبي، أن البيهقي أخرجه في المدخل، وفي المعرفة، والهروي في ذم الكلام، وجاء عند أحمد ما يشهد لمعناه، وذكر القنوبي بعد تخريجه الطرق أنها ضعيفة، ولكن الأمة متفقة على مقتضى دلالته، وذلك دليل (1/130)
صفحة 131
(2)،
علوم السنة عند الإباضية
111
(4)
النار) (1)، وقوله: (لتتبعن آثار من كان قبلكم .. حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة) (2)، ثم يبين أن رسول الله عقب بعد هذا الحديث بقوله: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله (3)، "إشارة لطلاب العلوم فإن للعلوم أرباباً وجهابذة كما قال الأوائل: إن للعلوم جهابذة كجهابذة الورق والجهبذ الناقد البصير ونجد لأبي عبد الله الكندي تعليقا يتضمن دعوة لدقة النقل للرواية في تعليقه على حديث (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (5)، يقول فيه: "والكذب هو الإخبار عن النبي الله بخلاف ما هو به فالواجب على المسلم أن يتورع عند
على صحته، وبيان ذلك أن الأمة متفقة على رد الحديث إذا خالف نص الكتاب؛ ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة ثم استشهد القنوبي بعبارات كثير من العلماء التي تنص على اعتماد رد الحديث المصادم للقرآن. لمزيد من التفصيل راجع القنوبي سعيد بن مبروك (معاصر)، الإمام الربيع مكانته ومسنده، طا، مكتبة الضامري السيب، سلطنة عمان 1416 هـ 1995 م، ص 112 وما
بعدها.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب إثم من كذب .. ، 52/ 1 (107)، ومسلم في صحيحه، كتاب التوحيد، باب تغليظ الكذب .. ، 10/ 1 (3)، والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في تعظيم الكذب ... 35/ 5 (2659)، والربيع في مسنده، كتاب الأيمان والنذور، باب إثم من كذب .. ، 283/ 1 (738). ورد هذا الحديث بألفاظ مختلفة متقاربة المعنى، فأخرجه الحاكم في المستدرك من حديث طويل كتاب الفتن والملاحم، 516/ 4 (8448)، وعبد الرزاق في مصنفه، في كتاب الجامع ... باب سنن من كان قبلكم، 369/ 11 (2075) (2076)، والطبراني في مسند الشاميين،
(2)
حديث صفوان عن راشد بن سعد، 100/ 2 (987). (3) لفظه (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات، باب الرجل من أهل الفقه يسأل ... 209/ 10 (20700)، والطبراني في مسند الشاميين، مسند عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، 344/ 1 (599).
(4) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 141/ 1.
(5) نفس التخريج السابق. (1/131)
صفحة 132
علوم السنة عند الإباضية
112
رفع الأخبار عن النبي، و عن الإخبار عن أفعاله، وأن ينقل كل شيء منه على صفته ولفظه (1). ويفسر قاسم الويراني (2) عند حديثه عن نقد السنة و تنقيتها أثرا عن عمر بن الخطاب له يقول فيه: "جردوا الحديث وأنا شريككم في الأجر (3) مبينا أن هذا الأثر يحتمل روايتين على ما في النسخ إحداهما بالراء من التجريد ويعني التجريد هنا التمييز والتخليص عن غيره لكي يكون حديثه خالصا له متميزا عن غيره، منقولا بلفظه الله، ومختلفا عن لفظ غيره، وهذا متوجه إلى النقلة والرواة الآخذين فعليهم أن لا يزيدوا في الحديث ولا ينقصوا منه، ولا يبدلوا لفظه بغيره، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم (4).
(5)
أما الرواية الأخرى: "جودوا" بالواو، وهي قريبة من الأولى ولعلها تصحيف لها، فمعناها صححوه وحسنوه وتثبتوا في نقله وكتابته وتأديته وتفسيره، فالتجويد هنا في الكتابة والنقل والتفسير، وعليه يكون الاعتناء بالحديث أكثر من غيره، ثم يذكر الويراني أن هذا معنى قوله: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها .. ) (6)، ثم يقول: "قوله: و أنا" شريككم في الأجر": يشير
(1)
الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 28/ 9
(2) الويراني قاسم بن يحيى (1663/ 1073) من جزيرة جربة بتونس، عالم جليل، جمع علوما ومعارف، فمع فقهه تضلّع في علم المنطق والكلام، ألف عددا من المؤلفات ضاع معظمها ومما بقي منها: شرح نونية أبي نصر، وسؤالات في المنطق و شرح الرائية. ر: سعيد بن تعاريت رسالة في تراجم علماء جربة، ص 55 - 56، الجعبيري: البعد الحضاري، 460. الويراني قاسم بن يحيى (1663/ 1073)، شرح قاسم على متن أبي يعقوب الوارجلاني، (مخ) ضمن مجموع مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب جربة، تونس، د. ر، ص 9.
(3)
(4)
(5)
م. س، ص 9.
م. س، ص 9.
(6) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب العلم، 162/ 1 (294)، والترمذي في سننه، كتاب
العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، 34/ 5 (2657)، والدارمي في سننه، باب الاقتداء بالعلماء، 86/ 1 (228)، والحميدي في المسند أحاديث عبد الله بن مسعود،
6 (1/132)
صفحة 133
علوم السنة عند الإباضية
113
به إلى تصويبهم واستحسان فعلهم إذا جوّدوا أو جردوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غيره فيحصل لهم بذلك الأجر الجزيل، وقوله: وهذا صيانة لحديثه لئلا يلتبس
بغيره، أي: يختلط بغيره فيكون مثل كلام غيره أو يكون غيره مثل كلامه (1).
ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن هذا التصحيح والنقد الذي أكدوا على ضرورة توخيه، أكدوا على أنه ظنّي، وأنه نسبي في الوقت ذاته، فما يُنقل من خبر عن الرسول الله، قد يكون صحيحاً عند بعض، وفاسداً عند بعض، وفاسداً عند آخرين، إلى أن تقوم حجّة الفاسد، كما يقول ابن بركة. ولهذا فالصحيح في حقيقة الأمر مثل الشاهد يكون عدلاً عند معدل، ساقط الشهادة عند معدل آخر (2)، ويرى إبراهيم (3) أنه حتى لو عدل خبر المخبر بالشريعة ثم لزم المخبر القول والعمل
الحضرمي
به، فان هذا اللزوم لا يمكن القطع على معينه كما يذكر (4) فالتصحيح يبقى ظنيا.
(88) 47/ 1
(1) الويراني قاسم شرح قاسم على متن أبي يعقوب (مخ)، ص 9.
(2)
(3)
ابن بركة، الجامع 397/ 1
أبو إسحاق إبراهيم بن قيس بن سليمان (ق 11/ 6) من حضرموت باليمن، إمام علامة، وقطب فهامة، يعد أحد أعلام الإباضية الذين برزوا خاصة في اليمن، كان مع جلالة علمه قائدا محاربا شجاعا كما كان شاعرا لانت له قوافي الشعر وطاوعته فنظم من خرائد الأدب وحدائق المعانى ما يبهر اللب، ويسبي القلب، ولذلك سمي بأمير السيف والقلم، اتصل بالإمام الخليل بن شاذان في عمان، وطلب معونته لمواجهة الصليحي داعية الفاطميين في اليمن فأمده بجيش استطاع به حماية حضرموت، التي كانت حتى وقت ذاك من معاقل الإباضية في المشرق من آثاره: كتاب جليل هو: مختصر الخصال، وديوانه "السيف النقاد ر: مقدمة كتاب مختصر الخصال، الزركلي خير الدين (معاصر)، الأعلام) قاموس تراجم
لأشهر الرجال والنساء)، ط 7، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1986، 58/ 1.
(4) الحضرمي أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 16. (1/133)
صفحة 134
علوم السنة عند الإباضية
114
المبحث الثالث: صيغ التصحيح والتضعيف والتوقف:
يمكن القول إن النقد حسب ما رأيناه في التراث الإباضي- في حكمه على الرواية يتوزع بين التصحيح والتضعيف والتوقف عنهما، فأما التصحيح فتتنوع صيغه وألفاظه ويمكن حصر أهم عباراته في أربع صيغ ترد هي:
و
أ- صيغ تفيد الإجماع على التصحيح ومن أمثلتها قولهم:" الروايات المجتمع على قبولها (1)، و" أجمعت العلماء أن من سنة (2)، و" إجماعنا عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن (3)، و " من السنة المجتمع عليها (4)، و"وقد اجتمعت الأمة على هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤثره عنه عامة العلماء من الموافقين والمخالفين (5)، و" وقد صح على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أجمع عليه عامة أهل القبلة (6)، و"من السنة المجتمع عليها أن رسول الله)، و"الأثر عنه المجمع عليه مع أهل القبلة، أنه (8)، و" أجمع الناس على صحة الرواية عن النبي أن (9)، و"السنة المجمع عليها من المسلمين المحقين (10)، و"في الأثر المجتمـ عليه من أهل القبلة أنها سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم
المسلمين، ومع
(11)
ويظهر لي أن مثل هذه الصيغ جاءت تبعا لاصطلاحهم في تقسيم السنة إلى
(1) الرحيلي بشير بن محمد، كتاب المحاربة، مخ مج، ص 267
(2) (3)
م. س، ص 267. الرحيلي بشير بن محمد، سيرة بشير بن محمد، مخ مج، ص 11.
(4) الرحيلي بشير بن محمد، كتاب المستأنف، مخ مج، ص 256. (5) المساكني عمروس بن فتح، أصول الدينونة الصافية، ص 75. أبو سعيد، الاستقامة، 92/ 1. (6) الكدمي
(7) الرحيلي بشير بن محمد، كتاب المستأنف، مخ مج، ص 256.
(8)
(9)
الكدمي
أبو سعيد، الاستقامة، 87/ 2 - 88.
ابن بركة، الجامع، 101/ 1.
(10) الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 190/ 4.
(11) ابن جعفر، الجامع، 258/ 3. (1/134)
صفحة 135
علوم السنة عند الإباضية
115
مجتمع على تصحيحها ومختلف في تصحيحها والذي سبقت الإشارة إليه، كما أن هذه الصيغ فيما يبدو لي من أقوى صيغ التصحيح، وهذا الإجماع في غالب عباراتهم يعبر عن اتفاقهم مع مخالفيهم على التصحيح كما يظهر ثر العبارات السابقة، وهو يكشف مظهرا من مظاهر المرونة والانفتاح الفكري، ومجانبة الانغلاق والتعصب المذهبي، وقلّ أن يكون قصدهم بالإجماع اتفاقهم
وحدهم على التصحيح، وفي بعض الصيغ المتقدمة ما يمكن عده مثالا لذلك.
ب - صيغ تفيد ثبوت الرواية وثبوت صحتها كقولهم: " والثابت عن رسول الله أنه" (1) و"ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) واللرواية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه و" الدليل على صحة هذه السنة الثابتة (5)، و"ثبت
(4)
قال" (3)، و"ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة أنه" (6)، و" تركوا السنة التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه سنها لهم، وثبوت سنته لا يختلف فيه أحد من أهل العلم (7)، و" فيما أعلم أنه سنة ثابتة، وإجماع صحيح لا نعلم فيه اختلافاً بين أهل القبلة أهل القبلة، " (8)، و" مما جاء عن رسول
(9) n
و" فثبتت
الله من ثبوت ذلك وإثباته عنه وعن الأئمة المهتدين عنه الرواية، ولا نعلم في ذلك اختلافاً بين أصحابنا (10) وهذه الصيغ كما يظهر لعلها
الرحيلي بشير بن محمد، كتاب المحاربة، مخ مج ص 264. (2) الكدمي الناعبي أبو سعيد محمد بن سعيد (حي في 886/ 272)، التعقيب على كتاب
الأشراف، (مخ)، مكتبة الشيخ السالمي، بدية سلطنة عمان، رقم 9، 17/ 1.
(3) ابن بركة، الجامع، 487/ 1 - 488.
(4)
(5)
(6)
م. س، 558/ 1.
م. س، 138/ 2.
الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 169/ 1.
(7) م. س، 199/ 1.
(8)
(9)
م. س، 207/ 1.
م. س، 188/ 4.
(10) ابن جعفر، الجامع، 483/ 3. (1/135)
صفحة 136
علوم السنة عند الإباضية
116
تكون أقل من سابقتها على أنها لا تعني تصحيحها من قبلهم فقط إذ يمكن أن يعتمدوا فيها ما صح عند غيرهم فيقبلونه ويصححونه
ج- صيغ يعبر فيها بالصحة والتصحيح كقولهم: " وجاءت الرواية عنه
الصحيحة أنه (1)
11
و" قال أبو سعيد صحيح (2) و " قال أبو سعيد: هذا كله أصول صحيحة ثابتة عند أصحابنا (3)، " و " أن الخبر قد صح عن النبي (4)، و" وجاءت الأخبار الصحيحة عن محمد صلى الله عليه وسلم قال (5) و " روي من وجه وطريق صحيحة" (6).
د - صيغ يذكر فيها التصحيح ويعزى إلى من نقل عنه، وغالبا ما تكون مثل الصيغ في الروايات التي ينقلونها من كتب الحديث فيعزون تصحيحها إلى من خرجها مثل قول الوارجلاني: " الحديث الصحيح الذي أخرجه الصحاح (7) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه أو واحدة منهن فهو منافق حقاً؛ وإن صلى أنه وصام وزعم مسلم إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (8)، ويعلق على حديث معاذ بن جبل حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن، فقال: بماذا تقضي يا معاذ؟ فقال بكتاب الله عز وجل، قال فإن لم تجده، قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجده، قال أجتهد رأيي، فقال
(1) الكدمي
(2)
(3)
الكدمي
أبو سعيد، الاستقامة، 87/ 2 - 88.
أبو سعيد التعقيب على كتاب الأشراف، (مخ)، 17/ 1.
م. س، 81/ 1.
(4) ابن بركة، الجامع 357/ 1
(5) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 112/ 2
ابن بركة، الجامع 200/ 2
(7) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 104/ 2.
(8) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب إذا خاصم فجر، 868/ 2 (2327) ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق 78/ 1 (58)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الإيمان، ذكر إطلاق اسم النفاق، 488/ 1 (254)، والترمذي في سننه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في علامة المنافق، 19/ 5 (2631). (1/136)
صفحة 137
علوم السنة عند الإباضية
117
رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله) (1)، يقول أبو يعقوب الوارجلاني: "وهذا الحديث قد تلقته الأمة بالقبول واستفاض وإن كان الراوي ابن
(2)
أخ المغيرة بن شعبة وهو مجهول وهو حديث صحيح في مسند الداودي إن هذا التنوع في ألفاظ التصحيح لم أجد تنوعا يماثله في ألفاظ التضعيف ألفاظ التضعيف وصيغه: " هذا خبر ضعيف قد تكلّم فيه بعض حملة الأخبار (3)، و" وروايته ضعيفة عن النبي، و" فَنَقْلَ حَديثِهِ ضَعْفَ حَمَلَةُ الحديث (4)، " وضعفَا الخَبرَ وطَعَنا في بعض رجاله و" ولم يصح ذلك في السنة أبداً (6).
(5)
ويظهر من بعض العبارات المتقدمة أنهم قد يذكرون سبب التضعيف أو يذكرون التضعيف مجردا، وأنّهم قد ينقلون التصحيح أو التضعيف ويعزونه إلى من قال به كما في بعض العبارات المتقدمة، أو يسوقون ذكر ذلك خلال عرض الأدلة في بسطهم للمسائل الفقهية ومن أمثلة ذلك تعليق ابن بركة في مسألة اشتراط الطهارة في الصلاة على احتجاج بعضهم بخبر أبي نعامة (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بنعليه بعض صلاته وفيهما قذر، ثم علم فخلعهما وبنى على صلاته) (7)،
(1) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، 303/ 3 (3592)، والترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، 616/ 3 (1327)، وعبد بن حميد في مسنده، مسند معاذ بن جبل، 72/ 1 (124)، والطبراني في المعجم الكبير، مسند معاذ، 170/ 20 (362).
(2) الوارجلاني أبو يعقوب العدل والإنصاف، 153/ 1.
(3)
ابن بركة، الجامع 377/ 1.
(4) م. س، 148/ 2.
148/ 2.
(5)
ابن جعفر، الجامع، 273/ 1 - 374.
(6) الخروصي جاعد بن خميس، رسالة للشيخ جاعد (ضمن كتاب الصحيفة القحطانية)، (مخ)،
ص 352.
(7) أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه، كتاب الإمامة وصلاة الجماعة، باب التأمين، 391/ 1 (955)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، ذكر الأمر لمن أتى المسجد للصلاة (1/137)
صفحة 138
علوم السنة عند الإباضية:
118
ويعلق ابن بركة على هذا الخبر بقوله: وهذا القول فيه نظر، والحجة توجب إبطاله، ولأن الخبر أيضاً واه عند أصحاب الحديث، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصلّى في الثوب الطاهر كما أمر أن يُصلِّي المأمور بالصلاة وهو طاهر، وليس عدم علمه بنجاسة في ثوبه يوجب عذره لأداء الفرض الذي عليه (1).
مع
وأما التوقف عن التصحيح أو التضعيف فهو ضرب من التعامل الحذر الروايات التي لا يتمكن الواقف عليها من تصحيحها أو تضعيفها وهو موجود في مصنفاتهم، فابن بركة مثلا يتوقف عند الحديث الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن الصلاة في الثوب الواحد .. ) (2)، ويقول: " فإن سلم طريق الخبر فهو يدل على قول أصحابنا أن المصلي إذا صلى بثوب ولم يتوشح به أولم يستر ظهره وصدره من غير عذر أن صلاته باطلة (3).
أن ... 560/ 5 (2185)، وعبد بن حميد في مسنده، مسند أبي سعيد الخدري، 278/ 1 (880)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب من صلى وفي ثوبه أو نعله أذى، 403/ 2
(3890) (3889)
يقول البيهقي بعد إحدى روايات هذا الحديث" وكان الشافعي رحمه الله رغب عن حديث أبي سعيد لاشتهاره بحماد بن سلمة عن أبي نعامة السعدي عن أبي نضرة وكل واحد منهم عدالته، مختلف في وكذلك لم يحتج البخاري في الصحيح بواحد منهم، ولم يخرجه مسلم في كتابه مع احتجاجه بهم في غير هذه الرواية، ويحتمل أن يكون رغب عنه لأنه جعل إعلام جبرائيل عليه السلام إياه بذلك ابتداء شرع، أو حمل الأذى المذكور عنه على ما يستقذر من الطاهرات والله أعلم ر: البيهقي، السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب من صلى وفي ثوبه أو
نعله أذى، 403/ 2.
(1)
ابن بركة، الجامع، 419/ 1 - 421.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ (قال النبي: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء)، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد، ومسلم في كتاب الصلاة، باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه 368/ 1 (516)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب جماع أثواب ما يصلى فيه 169/ 1 (626)، والدارمي في سننه، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد، 367/ 1 (1371).
(3) ابن بركة، الجامع 1/ 466. (1/138)
صفحة 139
علوم السنة عند الإباضية
119
إن المتأمل قول ابن بركة يلمس حذره في التعامل مع السنة ونقدها حتى لو كان فيها ما يؤيد قولا فقهيا مشتهرا في المذهب، وقد تكون دلالة الرواية سائغة من خلال تأويلها لكنه يتوقف في التصحيح، مثل تعليقه على ما روي عن النبي
من أنه قال: (شاهدا عدل خير من يمين فاجرة) (1) فقال: "وهذا الخبر إن طريقه فيحتمل التأويل" (2).
وقد يقف ابن بركة على رواية لكنه لم يتأكد من صحتها، ويرى من خلال نظره عدم قبولها، لكنه في الوقت ذاته لا يضعفها، مثل رأيه فيما روي أن النبي توفى ودرعه مرهونة بثلاثين صاعاً من شعير، وأنها كانت مرهونة مع يهودي) (3)، قال ابن بركة: والله أعلم بصحة الخبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن أوفاق وسعة، وقد كان الضيق قبل ذلك (4)، بل إنه قد يفرع على الرواية قولا فقهيا لكنه يبقى معلقا على ترجح صحة الرواية مثل تفريعه على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من اقتنى كلباً لا لضرع ولا لزرع نقص من أجره كل يوم قيراط) (5) فإنه
(1) لم أجد من خرجه، ولكن ذكر ابن حجر في الفتح أن ابن حبيب في الواضحة أسند إلى عمر قوله: (البيئة العادلة خير من اليمين الفاجرة. ر: العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني (1449/ 852)، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تح محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب دار، المعرفة، بيروت، 1379 هـ، 288/ 5.
(2)
6
ابن بركة، الجامع 176/ 1 (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم 1068/ 3 (2759)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب البيوع، مبايعة أهل الكتاب 624649/ 4)، وابن ماجة في سننه، كتاب الرهون، باب حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة 815/ 2 (2439)، وعبد بن حميد في مسنده، مسند بن عباس، 202/ 1 (587).
(4)
ابن بركة، الجامع، 335/ 2.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المزارعة، باب اقتناء الكلب، 818/ 2 (2198)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب، وبيان 1204/ 3 (1576)، ومالك في الموطأ، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في أمر الكلاب، 969/ 2 (1740)، والدارمي في سننه، كتاب الصيد، باب في اقتناء كلب الصيد أو الماشية، 124/ 2 (2005). (1/139)
صفحة 140
علوم السنة عند الإباضية
120
ذكر إن كان طريق الخبر طريقاً صحيحاً فلا يجوز لمسلم أن يقتني كلباً إلا بما أباح النبي (1)
إن هذا التعامل الحذر في نقد الرواية التي لم تتبين صحتها أو ضعفها نجده عند كثيرين غير ابن بركة لا يتسع المقام لبسط ذكرهم، غير أننا نكتفي بالمثال الذي يكشف المراد في هذا المقام، ونحب أن نؤكد أنه ليس كون ابن بركة توقف في الروايات المتقدمة - وأخص ما ورد منها في الصحيحين- أنها غير موجودة أو معتمدة عند غيره من علماء المذهب، بل هي موجودة ولا يمكننا بسط ذكر من
اعتمدها.
وكل ما أردناه هو تتبع طرق النقد والتمثيل بما ذكروه، حتى لو كان الحديث مصححا عند آخر، إذ لا يمكن إيراد كلام كل أصحاب المذهب على الروايات الممثل بها، فإن الأمر يحتاج إلى رسائل، ولذلك فمن المشاريع التي أقترحها، هو دراسات نقدية تطبيقية، تتتبَّع فيها أقوالهم في الروايات وتقارن بينها ثم تقارن مع مدرسة المحدثين، ولتكن فترة القرون الستة الهجرية الأولى ميدان عمل هذه الدراسات، ولعلي مستقبلا أعمل ولو في قليل من هذا الاتجاه.
وفي نهاية هذا الفصل يجدر بنا التأكيد على أمور تجلت لنا خلاله، منها ظهور عناية أئمة الإباضية المتقدمين بنقد الحديث، فكان لجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم فضل تأسيس بعض الخطوات النقدية، إذ بنوا نقدهم على معرفة الروايات وإدراك أحوال الرواة، وعلى نهجهما مضى من بعدهما كأبي المؤرج
وغيره.
وابن بركة يؤصل نقده من خلال استدلاله بفعل الصحابة في نقدهم الرواية كما أنه يؤكد على عدد من أسباب الاختلاف بين الرواة في نقلهم، تلك الأسباب
التي تحيط بالرواية فتفضي إلى تعليلها، وتصبح محل نظر الناقد وبحثه.
(1) ابن بركة، الجامع، 78/ 2. (1/140)
صفحة 141
علوم السنة عند الإباضية
K 121
إن الناقد لا يستثني أحدا في روايته مهما جل علمه، وهذا مطبق حتى على أعلام علماء المذهب أنفسهم، كفعل ابن بركة في تعقيبه على أبي عبيدة فيما نقل عنه في خبر الحمر الأهلية، كما أن هدف عملية النقد هو طلب الصحة للرواية، وهذا الهدف نفسه لا يتوصل إليه إلا بالبحث وطلب الأخبار الصحيحة، وقد نادى علماء المذهب بذلك. وهذه الصحة ترتكز على أسس أهمها طلب عدالة الراوي والتأكد من ضبطه وسلامة مرويّه، وقد وجدنا التأكيد على ذلك عند ابن بركة والبسيوي وغيرهما من المشارقة، وكذلك المغاربة على حد سواء، كانوا يستدلون من القرآن أو السنة أو الآثار بما يؤصل الأمور النقدية، على أنهم أكدوا أيضا على ظنية هذه العملية النقدية ونسبيتها لكونها قائمة على اجتهاد بشري قاصر فلعل ما يتوصل إليه أحد بالتصحيح يكون غير ذلك عند آخر.
وتأتي صيغ التصحيح والتضعيف التي عرضناها أثرا من آثار هذه العملية النقدية، وقد رأينا من الصيغ ما يعبر عن الإجماع في التصحيح، سواء ما كان داخل المدرسة الإباضية، أو ما شارك أهلُها باقي الأمة في تصحيحه وهو الغالب في هذه الصيغ، وهذه الصيغ جاءت أثرا لتقسيمهم السنة إلى مجتمع عليها أو مختلف فيها، ومنها ما يؤكد ثبوت التصحيح، ومنها ما يعزو التصحيح إلى قائله. وقد رأينا تعدد صيغ التصحيح مقارنة بصيغ التضعيف التي هي أقل، وإذا كان التصحيح أو التضعيف - أي منهما - بَيِّنَا؛ حكم به، فإذا لم يظهر رأينا منهم التوقف عن التصحيح أو التضعيف، وذلك ما يدل على حذر شديد في تعاملهم مع السنة النبوية على صاحبها أزكى الصلاة والتسليم.
وإذا كان ما عرضناه مدخلا للنقد يكشف عن بدايات ظهور النقد، فإن محاولة استكمال البحث والعرض للنقد تأتي من خلال محاولة فهم أكبر للنقد عندهم، وذلك بمعرفة منهجهم النقدي من خلال القواعد النقدية التي عملوا عليها في نقد الرواية، وهو الأمر الذي سنطرحه في المبحثين التاليين، ووقفتنا نبدأها مع قواعد نقد السند في المبحث القادم. (1/141)
صفحة 142
توطئة
علوم السنة عند الإباضية
122
الفصل الثاني من قواعد نقد السند عند الإباضية
تقدم طرف من الكلام عن النقد وظهوره عند الإباضية، ودعوة علمائهم إلى ضرورة البحث وتصحيح المرويات ونقدها في الفصل السابق، وفي هذا الفصل والفصل التالي له سنحاول إتمام الحديث عن بعض جوانب النقد، مستوحين من نصوص تراثهم بعض الضوابط النقدية التي يمكن التعبير عنها بالقواعد أو الأسس النقدية.
على أنه من المهم الإشارة هنا إلى أن الصورة النقدية لا تتكامل إلا بعد الوقوف على الفصول اللاحقة في الرسالة، ولعل ما يمكننا عرضه هنا يكشف جانبا من الصورة النقدية العامة للرواية، سواء ما تعلق منها بالسند
الفصل أو ما تعلق بالمتن في الفصل التالي.
ويمكننا القول ابتداء إن النقد الحديثي عند فقهاء الإباضية لم يطابق نقـ المحدثين كاملا، كما أنه لم ينهج عين طريقة الفقهاء، بل جاء بينهما، يقترب من المحدثين في جوانب، وأخرى يتأخى مع منهج الفقهاء، ولعل ذلك مرجعه إلى أن أئمة الإباضية خاصة الأوائل منهم كانوا فقهاء مع تضلعهم في الرواية، ومع قربهم من مدرسة الرأي في العراق كانوا شديدي الصلة بأئمة الصحابة الذين كانوا بحور الرواية ومصدر الأثر لما عرف فيما بعد بمدرسة الأثر؛ كما أن من جاؤوا بعدهم ممن وجدنا في آثارهم ظهور النقد الحديثي، وحضوره في كتاباتهم جمعوا مع علمهم بالفقه وأصوله إلماما بالحديث وإدراكا لنقده، ولعل ما سنعرضه في هذين الفصلين والفصول القادمة ما يؤكد قولنا هذا ويقنع من يقف على كلامنا
هذا. (1/142)
صفحة 143
علوم السنة عند الإباضية
123
ويظهر من تتبع تراث الإباضية عناية فائقة بنقد المتن يقابلها صورة أقل في نقد السند لا نملك إلا الإقرار والاعتراف بها، ولسنا ممن تميل به العاطفة فيكيل الإطراء، ولا ممن يجنح به شطط الجهل بآثارهم فيجحد فضلهم فيضل عن طريق السواء، ولكننا سنعرض ما تمكنا من الوصول إليه من تراث الإباضية، لعله يكشف ولو جانبا من دورهم وأثرهم، ولعل ما ضاع من تراثهم وتباعد أقطارهم وما أصيبوا به من بلاء ومحن في عهودهم وعصورهم معتذر لهم.
هذا وإنه من الإنصاف أيضا أن لا نحاكم المدارس الفقهية بمنهج المحدثين، والمدرسة الإباضية واحدة من هذه المدارس، وقد كان المحدثون والفقهاء على خلاف في منهج التصحيح والتضعيف، وممن كشف النقاب عن هذه المسألة أبو عبد الله الحاكم وابن دقيق العيد، فقد ذكر الحاكم أن من أقسام الحديث الصحيح المختلف في صحته خبرا يرويه ثقة من الثقات، عن إمام من أئمة المسلمين يسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه، قال الحاكم:" وهو صحيح على مذهب الفقهاء، والقول فيه عندهم قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة، وأما أهل الحديث فالقول عندهم قول الجمهور، الذين وقفوه أو أرسلوه لما يخشى من الوهم على الواحد (1).
وقد كشف ابن دقيق العيد جانبا آخر من المسألة، فنقل عن الفقهاء أنهم لا يشترطون في صحة الحديث سلامته من الشذوذ والعلة كالمحدثين وذلك لأن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدّثون لا تجري على أصول الفقهاء (2)، على أن الكثير من المحدثين لا يقبلون منهج الفقهاء، والعكس كذلك.
(1) الجزري ابن الأثير أبو السعادات مبارك بن محمد (1210/ 606)، جامع الأصول من أحاديث الرسول، تصحيح محمد حامد الفقي، ط 1، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة 1368 هـ، 1948 م، 99/ 1.
(2)
القشيري ابن دقيق العيد أبو الفتح محمد بن علي بن وهب (1302/ 702)، الإلمام في أحاديث الأحكام، مراجعة محمد المولوي، ط 1، مطبعة دار الفكر، دمشق، 1388 هـ،
1963 م، ص 2. (1/143)
صفحة 144
علوم السنة عند الإباضية
124
ونجد ابن دقيق العيد وهو محدّث وفقيه في كتابه "الإلمام" يشترط على نفسه، ألا يورد إلا ما كان حديثا صحيحا على طريقة أهل الحديث الحفاظ، أو أئمة الفقه
، (1)
النظار، ويقول بعد بيان اختلاف الطريقتين: " فإن لكل مغزى قصده وسلكه، وطريقا أعرض عنه وتركه، وفي كل خير ولسنا في هذا المقام معنيين ببيان الفوارق بين منهج المحدثين والفقهاء، ولكن أردنا أن نشير إلى ذلك هنا بما يسمح به المقام، ولتكون هذه الإشارة عند بداية الكلام عن نقد السند عند فقهاء الإباضية. ويمكننا بيان أهم الضوابط والقواعد النقدية للسند التي نرى وجودها عند فقهاء الإباضية من خلال تراثهم وحصرها من خلال المطالب التالية:
المبحث الأول نقد الحديث بالعدالة والضبط:
أ) العدالة:
تعتبر العدالة من أهم الشروط التي شدّد عليها الإباضية لقبول الرواية وسيرد مزيد بيان لها في فصل التعديل والتجريح، وهم في دقة اشتراط العدالة كالمحدثين بل أشد، واختط أئمتهم المتقدمون طريقا حازما في توخي العدل ليقبل منه وسبقت عبارة جابر بن زيد: " لو نجد هذا عن ابن مسعود عن ثقة أخذنا به (2)، ويؤكد أبو عبيدة بعده أن العلم لا يؤخذ إلا عن الثقة (3)، ويقول أبو مالك الصلاني (4): "العلم لا يؤخذ إلا من الثقات (5)، ويذكر أبو سعيد الكدمي أن الحجة لا تقوم إلا بأهل الثقة من المسلمين، ويشترط في من يكون حجة أن يكون من
(1) م. س، ص 2.
(2) الأزدي جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 83.
(3) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، (مخ)، 12 ظ.
(4) الصلاني أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر (حي في 932/ 320) ولد ببهلا في عمان ثم نزل صلان بصحار، يعد أحد أئمة العلم والفقه في عمان، أخذ العلم عن محمد بن محبوب وولديه بشير وعبد الله، أشهر تلاميذه ابن بركة، تزخر كتب الإباضية برواياته وأقواله ر: السالمي، تحفة الأعيان، 194/ 1، البطاشي، الإتحاف، 432/ 1. (5) الكندي أبو بكر، المصنف 33/ 1. (1/144)
صفحة 145
علوم السنة عند الإباضية
125
أهل الثقة والأمانة، فلا يكون أهل الخيانة حجة، ولا أهل التهمة من أهل الشرك
كانوا أم من أهل الإقرار (1).
ولا بدّ من تحقق العدالة عند كل الرواة؛ فإذا تحقق ذلك قبل، فالخبر إذا نقله عدل عن مثله جاز القول به إذا سلم من وجود معارض له ومن أي دلالة على فساده كما يقول ابن بركة (2)، وعنده مع ما تقدم أن النظر يوجب تحقيق التصحيح للخبر إذا كان إسناده ثابتا ورجاله عدولاً، وانتشر الخبر وصار مشهورا (3).
على أنه لا يفوتنا التأكيد هنا على نظرة التصحيح والتعديل الظني التـ بينها ابن بركة كما سبق ذكره إذ شبه حال الخبر المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم بكونه صحيحاً عند بعض وفاسداً عند آخرين وبالشاهد يكون عدلاً عند معدل، ساقط الشهادة عند معدل آخر (4).
ويضع ابن بركة شرطا بيّن الحزم للكشف عن العدالة وضابطا لمعرفتها فيذكر أن أصحابه أجمعوا على أن التولي لا يكون إلا لمن وافقهم بالقول والعمل، وأن الولاية لا تثبت إلا بالرفيعة (5) والموافقة من العدل والولي أو بشهرة الولاية
(1) الكدمي
(2) (3) (4)
أبو سعيد، المعتبر، 77/ 1.
ابن بركة، الجامع، 2/ 331 332.
ابن بركة، الجامع 400/ 1.
(5)
م. س، 397/ 1
الرفيعة إحدى طرق إثبات الولاية عند بعض علماء الإباضية، ويقصد بها رفع العالم الواحد ما يوجب الولاية لشخص معين، والولاية في أبسط معانيها الحب في الدين وما يستلزمه، والبراءة البغض في الدين وما يستلزمه ويعتبر نظام الولاية والبراءة عند الإباضية عقدي الأساس، حوى جملة من المسائل وفروعها تبحث ضمن مباحث علم العقيدة، وللولاية والبراءة آثار فقهية تذكر ضمن المباحث الفقهية، وقد عني الإباضية به عناية فائقة، وصنفوا فيه كتبا كثيرة، بل لا يوجد كتاب صنف في العقائد أو الفقه إلا وتجد باب الولاية والبراءة فيه، وقد صار عندهم لكثرة دراسته أشبه بالنظام أو النظرية، لمعرفة تفصيل أكثر عن هذا النظام يراجع عمرو النامي، دراسات عن الإباضية، ص 239 - 273. (1/145)
صفحة 146
علوم السنة عند الإباضية
126
من المسلمين، وأن هذه الموافقه لا تثبت إلا بعلم المتتبع لتلك الموافقة من حال الموافق في دينه بقوله وعمله، وأن الطالب لا يصل إلى علم ذلك إلا بالسؤال عنه لفظه (1) أو يسأل مَنْ هو افقه حتى يعلم ذلك من
ويستشهد ابن بركة بقوله تعالى: {يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فتبينوا (الحجرات 6/ 49) على أن الحجة لا تقوم إلا بالعدل الصادق، فالله تبارك وتعالى لم يجعل حجته على عباده إلا بالصادقين، وقد نهى الله تبارك وتعالى المؤمنين أن يقبلوا من الفاسقين حتى يتبينوا ذلك، وأمره بالتبين عند خبر الفاسق يدل أنه ليس بحجة.
ويقول ابن بركة متمما تدليله - وقد سبق ذكر شيء قريب من ذلك-:" ولو لم يكن بين الفاسق وغير الفاسق فضل لم يكن لذكر الفاسق معنى في قوله تعالى: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات 6/ 49).
ويستشهد ابن بركة أيضا بقول الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثيراً وَصَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيل (المائدة 77/ 5) على أن
الملحد والموحد الفاسق ليسا بحجة، كما يؤكد على عدم تساوي العدل وغيره في الأخذ عنه وضرورة القبول بقول الله تعالى في كتابه أمْ حَسَبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} (الجاثية 21/ 45)، وينهي كلامه بالتدليل على عدم جواز القبول إلا من الصادقين بقول الله تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة 119/ 9) ويقول: "فقد أمر باتباع "الصادقين"
(2)
ونجد أبا الحسن البسيوي عند حديثه عن وجوب البحث عن العدالة وقبول خبر العدل ورد الفاسق ينهج نهج شيخه ابن بركة ويستدل كاستدلاله في كون الأمر بالتبيين عند خبر الفاسق موجبا لقبول خبر، العدل، وأن الفاسق ليس بحجة،
(1)
(2)
ابن بركة، سيرة الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة، مخ مج، ص 336.
م. س، ص 336. (1/146)
صفحة 147
علوم السنة عند الإباضية
127
فهما ليسا سواء، فلو كان خبر الفاسق والعدل سواء، لم يكن لقوله عز وجل إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا (الحجرات 6/ 49) معنى، ويضيف أن تنزيه الله يقتضي
أنه لا يأمر بشيء ليس له معنى، وفي هذا دليل على القول بقبول خبر العدل.
وينتزع البسيوي من حال من كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسلهم دليلا إذ لم يكن يرسل إلا من كان صادقا عدلا مرضيا معه في دينه، كما أنه لم يولّ واليا ولا أمر أميرا إلا عدلا مرضيا معه في دينه (1). والاقتداء بفعله يوجب أن لا نحمل ديننا
(2)
إلا عن أهل الولاية والعدالة الصادقين في دينهم ولا تقوم لنا حجة إلا بهم ويؤكد أبو الحسن البسيوي أيضا أن هذه العدالة لا يمكن الوصول إليها إلا بالطلب والسؤال عنها وعن أهل العدالة، وبتمييز من هم حجة، ليحمل الدين عنهم، ويُتولّوا ويُعرف عدلهم ويُميزون عن أهل البدع المخالفين للحق (3)، ويستدل بقوله عز وجل: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (الأعراف 18/ 7) على وجوب طلب الأمة الذين يهدون بالحق، كما يستشهد بمقتضى قوله عز وجل: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} (الأعراف 180/ 7) فإن معرفة ذلك لا تتأتى إلا بالطلب والسؤال والتبين (4).
وفي إطار هذا التبين يؤكد البسيوي أن بيان فسق الفاسق مع الحاجة إليه لا حرج فيه مستدلا ببراءة الله تعالى من أهل المعصية ولعنهم ووعيده لهم بعذاب السعير الذي أعده لهم، ومستدلا أيضا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه قال: (مالكم وللمنافق قولوا ما فيه) (5)، وقوله: (أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس
(1) البسيوي أبو الحسن سيرة أبي الحسن البسيوي، مخ مج، ص 43، 44.
(2)
(3)
م. س، ص 44.
م. س، ص 56.
(4) البسيوي
أبو الحسن علي بن محمد (ق 10/ 4)، في الرد على محمد بن سعيد، (مخ) ضمن
مجموع السير العمانية، ص 63.
(5) أخرج الخطيب مقاربا له بلفظ (ليس للفاسق غيبة) في الكفاية في علم الرواية، باب وجوب تعريف المزكى ما عنده من حال المسؤول عنه، 42/ 1، والطبراني في المعجم الكبير، حديث (1/147)
صفحة 148
علوم السنة عند الإباضية
128
منه) (1)، كما استدلّ بإجماع الأمة على أن المنافق لا غيبة له، ثم قال ابن بركة: "وإذا كان هذا هكذا فلا لوم على من أظهر خبر الفاسق، وبرئ منه وأظهر
حدثه (2)
وحيثما تثبت العدالة يجب القبول، إذ لما كان العدل حجة فإنه إذا رفع الخبر وجب العمل به عندئذ، والتزام حكمه أمرا كان أم نهيا كما يرى العوتبي (3)، يقول إبراهيم بن قيس الحضرمي: " فإذا أخبر بالشريعة وعدل عنه لزم المخبر القول والعمل به دون القطع على معينه؛ وجاز الاستدلال به على غيره" (4).
وهكذا نجد جل فقهاء الإباضية يؤكدون على العدالة؛ فأحمد الشماخي يعدد شروط الراوي وفي مقدمتها أن يكون عدلا (5)، وابن أبي نبهان الخروصي
(6)
شعب
بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، 418/ 19 (1011)، والبيهقي وعلق بتضعيفه فـ الإيمان، في الباب التاسع والعشرين، 109/ 7 (9665). (1) أخرج الخطيب مقاربا له بلفظ (أَتَرِعُون عن ذكر الفاجر حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس في الكفاية في علم الرواية، باب وجوب تعريف المزكي ما عنده من حال المسؤول عنه، 42/ 1، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات، باب الرجل من أهل الفقه يسأل عن ... 210/ 10 (20703) وعلق عليه بالتضعيف له ولسابقه ونقل عن بعض العلماء تقييد ذلك بالفاجر المعلن الفجور، والطبراني في المعجم الكبير، حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، 418/ 19 (1010).
(2)
البسيوي أبو الحسن، سيرة الشيخ أبي الحسن البسيوي، مخ مج، ص 45.
(3) العوتبي سلمة بن مسلم، الضياء 256/ 2
(4) الحضرمي ابو إسحاق، كتاب مختصر الخصال، ص 16. أحمد بن سعيد شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 449.
(5) الشماخي
(6) الخروصي أبو محمد ناصر بن جاعد بن خميس (1847/ 1263) ولد في بلدة العليا من وادي بني خروص بعمان، تتلمذ على أبيه العلامة جاعد بن خميس، انتقل إلى زنجبار، اشتهر بابن أبي نبهان، كان علّامة محققا، وفهامة مدققا، متنوع العلوم والمعارف، له عدد من التأليف الجليلة منها التهذيب وقيد الأسفار، وكتاب الإخلاص. ر: مجموعة باحثين دليل أعلام عمان، ص 159. (1/148)
صفحة 149
علوم السنة عند الإباضية
129
يقرن بين اشتراط العدالة وموافقة الحق (1)، ويقول أيضا: "والعدالة يدعيها أهل كل مذهب في نقل مذهبه، عن أهل عدل من أهل مذهبه، ولم ينج من الضلال إلا أهل الاستقامة في الدين الذين يعرضون كل علم وكل قول وكل رأي وكل حديث على أحكام الكتاب وأحكام السنة الصحيحة" (2).
ونجد جميل بن خميس السعدي (3) يدعو إلى التحرز في الحكم على الرواة وفي قبول المروي إذ يقول كل" من روى باطلا عن راو لم يجز أن يصدق أنه عنه وإن كان عدله، إذا لم يصح فسق ذلك المروي عنه، ولا يصح تكذيبه ولا يجوز قبوله (4)، ولعل ما عرضناه عن العدالة هنا كاف في بيان اعتبار الإباضية للعدالة أساسا نقديا وسيرد مزيد بيان عن معنى العدالة وصفتها عند الحديث عن التعديل في محله إن شاء الله.
ب- الضبط:
يؤكد الإباضية على أهمية العناية بالضبط في نقل الرواية، وفي دعوة أبي عبيدة المنادية بوجوب التثبت في الأخذ تأكيد على أهمية الضبط في الرواية، كما نبه أبو عبيدة من أوهام الرواة وأخطائهم وقلة ضبطهم حين حذر من الرجل الذي يحدث بكل ما سمع؛ فنادى بأن لا يُسلَّمَ له بكل ما حدّث (5).
(1) السعدي جميل بن خميس بن لافي (ق 19/ 13)، قاموس الشريعة، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، المضيرب، سلطنة عمان، در 109/ 87
(2)
،
السعدي، جميل بن خميس، قاموس الشريعة (مخ)،110/ 87. السعدي جميل بن خميس بن لافي (ق 19/ 13) من بلدة القرط بالمصنعة في عمان، علامة من أجلة علماء عمان في القرن الثالث عشر الهجري، كان عالما فقيها واسع الإطلاع والمعرفة، كما كان مصنفا موسوعيا، ألف كتاب قاموس الشريعة وهو في تسعين مجلدا، شامل لكل أبواب الشريعة، وهو أشبه بدائرة معارف ر مجوعة باحثين، دليل أعلام عمان،
ص 46.
(4) السعدي، جميل بن خميس قاموس الشريعة (مخ)،109/ 87.
(5) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة، (مخ)، 12 ظ. (1/149)
صفحة 150
علوم السنة عند الإباضية
130
عرضه لما
ومن أمثلة نقد الروايات لقلة ضبطها عند المتقدمين نقد أبي المؤرج، فبعد روي عن أبي هريرة من أن رجلا سأله فقال له: علي أيام من رمضان، أفأ العشرة؟ قال: "لا تصم تطوعا حتى تفرغ من الفرض" (1)، وما صوم روي عن عمر بن الخطاب من أنّه يستحب قضاء رمضان في عشرة من ذي الحجة (2)، سئل عما يرويه بعض الرواة عن علي من أنه قال: لا يقضى رمضان في العشرة (3)، فقال أبو المؤرج: "أسوأ (4) الرواية، ولقد كان علي – لعمري - يقول ذلك على غير ما قالوا إنما قال علي ذلك لئلا يؤخروا رمضان إلى العشرة، كذلك حدث عنه الحسن، فهم يروون الرواية ولا يعرفون وجهها ولا معانيها (5)، ثم يعقب أبو المؤرج بأن السنة أن رمضان فرض من الله والعشرة صيامها تطوع، وأنه ينبغي المسارعة في أداء الفرض قبل التطوع (6).
(1) أخرجه عبد الرزاق بلفظ (سأله رجل قال إن علي أياما من رمضان أفأصوم العشر تطوعا؟ قال: لا ولكن ابدأ بحق الله ثم تطوع بعد ما شئت في مصنفه، كتاب الصيام، باب القضاء في العشر، 257/ 4 (7715) وأخرج مثله عن عائشة، وذكر البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب في صوم العشر أنه لا يصلح حتى يبدأ برمضان، في كتاب الصوم، باب وعلى الذين يطيقون، 688/ 2 (1848).
(2) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الصيام، باب القضاء في العشر، 256/ 4 (7714). وابن أبي شيبة بلفظ (عن عمر قال لا بأس بقضاء رمضان في العشر في كتاب الصيام، باب ما قالوا في قضاء رمضان في العشر، 9515324/ 2). (3) أخرجه ابن أبي شيبة بلفظ (من) كان عليه صوم من رمضان فلا يقضيه في ذي الحجة فإنه شهر نسك) في مصنفه، في كتاب الصيام، باب ما قالوا في قضاء رمضان في العشر، 324/ 2 (9516)، قال ابن حجر في "الفتح" وروى بن المنذر عن عليّ أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة وإسناده ضعيف قال وروي بإسناد صحيح نحوه عن الحسن والزهري وليس مع أحد منهم حجة على ذلك ر: ابن حجر، الفتح، 189/ 4.
(5) القدمي
الأصل، ولعل الصواب أساؤوا.
(4) كذا في أبو المؤرج عمر بن محمد (ق 8/ 2)، كتاب الصيام روايات أبي المؤرج وغيره (مخ) ضمن مجموع المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم 42 صورة لدى الباحث، ص 36.
(6)
م. س، ص 36 (1/150)
صفحة 151
علوم السنة عند الإباضية:
131
وينعى عبد الله بن عبد العزيز على من رضي بروايات الرجال، واتباعهم فيما وهموا فيه وخالفوا كتاب الله (1)، مؤكدا رد روايات الرجال بعلة الوهم.
علمه
ويحدد ابن بركة أسباب اختلاف الأخبار بين الرواة كما أسلفنا ذلك- ويذكر منها قلة ضبط ناقليها (2)، ونرى عنده ما يشبه القاعدة النقدية المتفرعة عن دقة مراعاة الضبط، وتقديم ما كان أقرب إلى أعلى درجات الضبط، وكل ما كان أبعد عن الوهم والخطأ، يقول فيها:" والثقة بخبر من النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه وأخذ منه وأخذ عنه، أولى بالقبول ممن أخذ من من صحابي وغير النبي ويطبق عليها ترجيح رواية أذان أبي محذوره الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان بنفسه (4) على أذان بلال الذي لم يعلمه النبي الهلال الأذان وإنما علمه عبد الله بن زيد الأنصاري (5).
(1) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 212/ 1.
(2) الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 94/ 1.
(3)
ابن بركة، الجامع، 1/ 442 - 443.
(3) A
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، 287/ 1 (379)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الخبر المصرح بأن النبي ... 574/ 4 (1680)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، 136/ 1 (500)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الترجيع في الأذان، 195/ 1 (377) ولفظه عند ابن خزيمة (فعلمه الأذان: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا
الله وعلمه الإقامة مثنى).
(5)
خبر رؤية عبد الله بن زيد الأذان وتعليمه لبلال بأمر النبي، أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الأذان والسنة فيه، باب بدء الأذان، 232/ 1 (706)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب من قال بإفراد قد قامت الصلاة، 414/ 1 (1817)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الصلاة، باب الأذان كيف هو، 131/ 1. ويوجد اختلاف في ألفاظ الروايات في أذان بلال وما كان عليه آخر أذانه، وكذلك روايات (1/151)
صفحة 152
علوم السنة عند الإباضية
132
ونجد ابن بركة ينحو منهج التحرز في نقد ضبط الرواية، فلا يقبل ذلك دون دلالة أو حجة فيقول والذي" عندي أنّ الخبر إذا روي عن رجل فمجموعه منسوب إليه إلا أن تقوم دلالة (1) ويطبق ذلك خلال مناقشته لرواية (من أعتق شقصاً له في عبد قُوم عليه) ويذكر أن هذه الرواية من طريق نافع عن ابن عمر باللفظ المتقدم (2)، ويذكر رواية أبي هريرة ... استسعى بالقيمة)، ويعقب بأن قوما قالوا: هذا قول لأبي هريرة وفتياه، وليس من لفظ الخبر، إذ لفظ الحديث هو قُوم عليه، ويورد رواية قتادة والتي رواها من طريق بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعتق شقصاً في عبد قُوم عليه إلا أن يجده معسراً استسعى العبد) (3) ويقول معقبا على ذلك: " قال بعض الفقهاء: هذا قول قتادة
أذان أبي محذورة، وخلاصة الأمر أن هناك اختلافا في مسائل عند العلماء منها إفراد الإقامة أو تثنيتها، ومسألة التثويب وهو عبارة: (الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم) ومسألة الترجيع) وهو رفع الصوت بكلمتي الشهادة بعد الخفض بهما)، وذكر السالمي كراهة الإباضية لذلك وليس هذا محل بسط ذلك، إذ المقام به يطول. ر: السالمي، معارج الآمال،
209 - 208/ 7
(1)
ابن بركة، الجامع، 249/ 2.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، 882/ 2 (2359)، ومسلم في صحيحه، كتاب العتق باب ذكر سعاية العبد، 2/ 1141
(1503)، وأبو داود في سننه كتاب العتق باب ذكر السعاية، 24/ 4 (3940). (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب الشركة في الرقيق، 885/ 2 (2370)، ومسلم في صحيحه، كتاب العتق باب ذكر سعاية العبد، 1140/ 2 (1503)، وأبو داود في سننه، كتاب العتق باب ذكر السعاية، 24/ 4 (3938).
وقد اختلف العلماء في مسألة السعاية، فمنهم من صححها كالبخاري ومسلم من خلال تصحيح الأحاديث الواردة فيها السعاية، ومنهم من ذهب خلاف ذلك، وسبب الخلاف اختلاف الرواة في ورودها، يقول أبو داود:" ورواه روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكر السعاية ورواه جرير بن حازم وموسى بن خلف جميعا عن قتادة بإسناد يزيد بن زريع ومعناه وذكرا فيه السعاية". ر: سنن أبي داود كتاب العتق باب ذكر السعاية
(3939) 24/ 4 (1/152)
صفحة 153
علوم السنة عند الإباضية
133
وليس في الخبر ذكر السعاية، والذي عندي أنّ الخبر إذا روي عن رجل فمجموعه منسوب إليه إلا أن تقوم "دلالة (1).
وهكذا خرج ابن بركة من خلال جمع الروايات والتأمل فيها وفي نقـ
الناقد بن لها بذلك الضابط النقدي.
ويحدد أبو العباس أحمد الشماخي أن أدنى درجات الضبط في ناقل الأخبار بأن يترجح ضبطه على سهوه، كما يشترط على الراوي أن يكون ضابطا مميزا عند السماع (2).
وهكذا فإن الإباضية يجعلون الضبط ضابطا نقديا يجب مراعاته وسيرد
بعض بيان في شروط الراوي في محله.
المبحث الثاني نقد الحديث باتصال السند وخلوه من بعض العلل:
اتصال السند:
من
يعتبر اتصال السند مما اتفقت الأمة على أهميته وجعله وجعله أساسا أسس تقويم الرواية ونقدها، غير أنّه اختلف في بعض الجوانب التطبيقية والإجرائية فيه، فبينما شدد المحدّثون في ظهور الاتصال، نهج الفقهاء مسلك التخفيف في ذلك، وتبعا لذلك قبلوا المرسل إذا ثبتت روايته من طريق الثقات، وكذا تدليس الثقة، ومفهوم الاتصال لدى غالب الفقهاء هو أن يكون الأداء على وجه تسكن
وقال محمد بن نصر المروزي وضعف أحمد حديث أبي هريرة في السعاية، وقال رواه شعبة وهمام ولم يذكرا فيه السعاية، وقد اختلفوا في إسناده وصل بعضهم ولم يوصل بعضهم. ر: المروزي أبو عبد الله محمد بن نصر (907/ 294)، اختلاف العلماء، تح: صبحي السامرائي، ط 2، عالم الكتب، بيروت، 1406 هـ، 226/ 1. وقد ذكر البيهقي مع تخريجه الحديث أن الشافعي ضعف السعاية ولم يرها. ر: سنن البيهقي، كتاب العتق، باب من قال في المعسر يستسعي، 281/ 10 (21161)، هذا وفي المسألة حوار طويل بينهم وحجج ونقاش لا يتسع المقام لبسطها.
(1)
ابن بركة، الجامع، 249/ 2.
(2) الشماخي أحمد بن سعيد شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 449. (1/153)
صفحة 154
علوم السنة عند الإباضية
134
إليه النفس، واطمئنان النفس بوقوع الاتصال بين الراوي ومن روى عنه بأي طريق من طرق تحمل العلم المعتبرة (1).
فإذا ما نظرنا إلى نهج المدرسة الإباضية وطريقة فقهائها رأينا أوجه شبه لهم مع باقي الفقهاء، وعند الحديث عن السند واتصاله معهم لا بدّ من طرح
قضيتين:
الأولى تتعلق بالسند وظهوره وعنايتهم به وليس هذا الفصل محلها، فبسطها سيكون في محله إن شاء الله.
مسألة
والثانية تتعلق بمراعاة اتصال السند في نقد الرواية، فبتتبع تراثهم نجد شواهد لذلك، فقد خالف أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز أحد شيوخه في وجوب الغسل على المرأة المحتلمة وترى الماء، وذكر معتمده الحديث الذي بلغه عن غير واحد من العلماء والتابعين وجماعة من أصحاب النبي وعن عائشة وغيرها عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يروون أنه قال: (إذا رأت المرأة في نومها ما يرى الرجل فأنزلت فإن عليها من ذلك مثل ما على الرجل من الجنابة) ثم قال أبو سعيد: "وَلَمْ أخالف في هذا الرأي رأيتُه، ولكن أخالفه للحديث الذي
(2)
(1) ر: ابن الأثير، مقدمة جامع الأصول، 99/ 1. (2) أخرج الربيع في مسنده حديثين في هذا ولفظهما جاءت امرأة إلى رسول الله الله فقالت برح الخفاء يا رسول الله المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل فقال رسول الله عليها الغسل إذا أنزلت) (أن أم سليم امرأة أبي طلحة الأنصاري جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا رأت الماء)، كتاب الطهارة، باب فيما يكون منه الغسل من الجنابة، 214/ 1 (136) (137)، وهي مخرجة في كتب الحديث، ونكمل التخريج للفظ الثاني، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما لا يستحيا من الحق للتفقه في الدين، 2268/ 5 (5770)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الماء من الماء، 214/ 1 (763)، والنسائي في المجتبى، كتاب الطهارة، باب غسل، المرأة، ترى في منامها ... 114/ 1 (197). (1/154)
صفحة 155
علوم السنة عند الإباضية
135
جاء مسندا، وإسناده متصل " (1). على أن هذا الحديث صح عند غير أبي سعيد من أئمة الإباضية المتقدمين، فقد أخرجه الربيع في مسنده كما هو واضح في
التخريج.
ونجد أن ابن عبد العزيز هذا نفسه يطالبه تلميذه أبو غانم الخراساني ببيان سنده وتحديثه حين يسأله في مسألة ما أبرأيك قلت في هذه المسألة أم أثرا اتبعته؟ قال: أثرا اتبعه قلت حدثني عمن هو؟، قال: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس في .. " (2).
وتنقل كتب السير عن أم -شهاب وهي امرأة من الإباضية أنّها سألت صالحًا بن كثير، وهو من تلاميذ أبي عبيدة، فسألتهما عن مسألة فأجابها صالح، فقالت له: "عمن أخذتها؟ فقال: هو رأيي فقالت له اضرب برأيك عرض الحائط، لا حاجة لي فيه (3).
وقد يكون إسناد راو معين محل بحث ونظر فيبحث فيه هل يقبل أم لا؟ وذلك بسبب أمور تؤخذ عليه؛ خاصة في التأكد من العدالة؛ من ذلك ما سئل عنه الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن عن إسناد أحد تلامذة أبي عبيدة الذين خالفوه- هل يرفع إسناده ويعتمد؟ وهل هو من أئمة العدل؟ فذكر أنه كانت منه خصال لم يحمد عليها، وهو للبراءة أقرب عندهم من الولاية، لكنه يقبل منه إسناده ورفعه ويؤخذ عنه في ما لم يخالف المسلمين (4).
وينبه هلال بن عطية خلال نقده لبعض الروايات على التدقيق فيما يسند، فهناك من يسندون إلى رسول الله روايات أحاديث، يتركون من الحديث بعضه
(1) أبو المؤرج، كتاب الصيام روايات أبي المؤرج وغيره، مخ مج، ص 25.
(2)
(3)
الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 371/ 1.
الشماخي
، السير، ص 120 – 121.
(4) الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (824/ 208)، الرستمي أفلح بن عبد الوهاب (871/ 258)، جوابات الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح، (مخ)، مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، بني يسجن، الجزائر، رقم 131، ص 11. (1/155)
صفحة 156
علوم السنة عند الإباضية
136
ويأخذون بعضه فيظهر اللفظ مخالفا لكتاب الله وسنة نبيه (1).
إن تلك الشواهد المتقدمة تظهر جانبا من عناية المتقدمين من الإباضية باتصال السند في العملية النقدية، ويظل من جاء بعدهم على نهجهم، وقد تقدم أن انقطاع بعض الأخبار واتصالها أحد أسباب اختلاف الأخبار بين ناقلي الأخبار ورواتها كما يذكر ابن بركة (2)، وهو يؤكد في موضع آخر أن كون الإسناد ثابتا وصحيحا وسلسلة رجاله متصلة بالعدول فذلك موجب لصحة الخبر وقبوله (3). ونجده يصحح رواية الأعمى إذا كان مسلماً صالحاً، ومع كونه عدلا مرضيا موثوقاً بسماعه عن فقيه، فإن هذا الفقيه الآخذ منه أيضاً موثوق بسماعه ممن قبله وهكذا (4)، كما نجده كثيرا ما يذكر أن الخبر إذا نقله عدل عن مثله جاز القول به إذا لم يكن معارضاً له ولم تقم الدلالة على فساده وهذا الكلام متضمن
التأكيد على اتصال السند في نقد الرواية قبولا أو ردا.
(5) 6
وإن من مقتضيات الاتصال للسند التلقي المباشر عن الشيخ الراوي، وقد يختلف الرواة في كثرة الملازمة وطول الصحبة فتتباين الدقة والصحة تبعا لذلك، ولهذا نجد أبا العباس الشماخي يعتبر رواية المجالس للعلماء مقدمة ومرجحة على غير المجالس (6)، ونجده أيضا في أحد ردوده يؤكد أن المذهب أسست قواعده من قبل رجاله على التنزيه والاحتياط ما أمكن آخذين لها أكابر عن أكابر إلـ بلغت سلسلة الإسناد إلى الصحابة (7).
أن
(1) الخراساني هلال بن عطية سيرة هلال بن عطية، مخ مج، ص 81.
(2)
الكندي
محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 94/ 1.
(3) ابن بركة، الجامع، 400/ 1.
(4)
(5)
م. س، 315/ 2
م. س، 331/ 2 332.
(6) الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 457.
(7) الشماخي، الرد على الغدامسي، (مخ)، ص 8. (1/156)
صفحة 157
علوم السنة عند الإباضية:
137
ويعلق أبو محمد الخليلي على أحاديث وردت عند بعض المغاربة في كتبهم بقوله: "ولكن هذه الأحاديث لم تصح عند أصحابنا المشارقه أوائل وأواخر، ولم تقم لها شهرة التّواتر، ولا سند متصل و لا استقر عليها إجماع، ولا اتفاق من أهل الاستقامة والعدل، فهي من الأحاديث التي يجب ردّها إلى شواهد أحكام الأصول، فيجب تسليمها إلى أولي الأمر، وهم ذوو العلم والعقول الذين يقدرون على استنباط الغامض الصحيح وتمييز الحق الواضح من الالتباس" (1)، وهكذا نجد التأكيد على مسألة مراعاة اتصال السند، إلا أنّ الأمر كما أسلفنا؛ فجملة من فقهاء الإباضية ينحون في الأسانيد طريقة الفقهاء، ومع التواصل بينهم وبين مدرسة الحديث منذ فترات مبكرة نجد أن تيار اعتماد منهج المحدثين يقوى يوما بعد يوم، فقد ظهر من بينهم من تبحر في علم الحديث ومنهجه النقدي (2).
ب خلو الحديث من علل يردّ بها الخبر
كمخالفة القرآن والسنة والإجماع
يرى الإباضية وجود علل يرد بها الخبر من أهمها مخالفة الأصول المتفق عليها كالقرآن والسنة والإجماع، وهذه المسألة وإن تداخلت مع نقد المتن فإننا أردنا طرح بعض مناقشتها هنا لكونها حاضرة معهم دائما حتى عند مناقشة الروايات ونقدها من خلال نقد السند، وسيرد مزيد تفصيل لها في نقد المتن.
(1) الخليلي، التمهيد، 187/ 5.
والشماخي
(2) يمكن لمن أراد الوقوف على ذلك مطالعة كتب الوارجلاني ككتاب العدل والإنصاف، أحمد بن سعيد ككتاب شرح مختصر العدل، وأبي ستة محمد بن عمر ككتاب حاشية الوضع وحاشية الترتيب، وعمرو التلاتي ككتاب رفع التراخي والقطب اطفيش ككتاب جامع الشمل ووفاء الضمانة وشرح النيل، ونور الدين السالمي ككتاب شرح مسند الربيع ومعارج الآمال، وأحمد بن حمد الخليلي ككتاب جواهر التفسير وأجوبته المطبوعة في ثلاثة أجزاء وزكاة الأنعام، وسعيد بن مبروك القنوبي ككتاب الطوفان وكتاب السيف الحاد وكتاب الربيع مكانته ومسنده وصلاة السفر وغيرها من كتبهم، وكذلك عند غيرهم من علماء المذهب قديما وحديثا. (1/157)
صفحة 158
علوم السنة عند الإباضية
138
ويظهر أن كلام الإباضية حول هذه العلل جاء مبكرا، وفي الوقت الذي كانت فيه الساحة الفكرية الإسلامية تموج بكثرة الروايات التي كانت محل بحث ونظر من النقاد، وتعج بوقوع الرواة في الوهم والغلط في الرواية، فاتخذ نقاد الإباضية منهجا صيرفيا أمام هذه العلل كغيرهم من أبناء الأمة (1)؛ فحرروا قواعد نقدية لتتبع أوهام الرجال ومنها قاعدة خلوّ المروي من علل مخالفة الأصول، ولعل هذا ما جعلنا ندرجها في هذا الموضع من نقد السند.
ويعتبر علماء الإباضية منهج رد روايات الرجال بعلل الوهم المفضية إلى مخالفة الأصول، والتحذير من مثل تلك الأوهام الخطرة مسلكا معتنيا بالشريعة، وصونا لها عن الوقوع في مزالق التناقض، ومن هذا المنطلق جاءت محاورة ابن عبد العزيز التي أوردها أبو غانم الخراساني في نقده لبعض الروايات، حيث حمل ابن عبد العزيز على من رَضُوا بروايات الرجال واتباعهم، واتباع آرائهم فيما وهموا فيه، فقادهم ذلك إلى أن تركوا كتاب الله واتبعوا الروايات التي تنقض
(1)
عرضت بعض المصادر خطوات معينة قام بها علماء الحديث في هذا الجانب، كطلب الإسناد والتثبت منه، وسيرد بيان بعض ذلك أول فصل الإسناد، وقد رقى علماء الحديث بطرق البحث في الرواية من تطور علوم المصطلح إلى ابتكار علم علل الحديث، وهو فن عظيم الأثر في غربلة الرواية وتنقيتها. ومن نماذج الكتب المصنفة الكاشفة لهذا الجانب كتاب المحدث الفاصل للرامهرمزي، وكتاب الوهم والإيهام لابن القطان، وإحدى الرسائل الحديثة وهي أسباب اختلاف المحدثين لخلدون الأحدب، وغيرها من المصادر والمراجع التي سيرد ذكرها تباعا عند أي موضع للمقارنة في هذا البحث سواء في علوم المصطلح أو العلل. أنظر الرامهرمزي الحسن بن عبد الرحمن (971/ 360)، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، تح: محمد عجاج الخطيب، ط 3، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1404 هـ، 1984 م، كل الكتاب، الفاسي ابن القطان أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك (1231/ 628) بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، تح الحسين آيت، سعيد ط 1، دار طيبة، المدينة المنورة السعودية، 1418 هـ، 1997 م، كل الكتاب الأحدب خلدون (معاصر)، أسباب اختلاف المحدثين، ط 2، الدار السعودية للنشر والتوزيع جدة السعودية، 1407 هـ، 1987 م، كل
:
الكتاب. (1/158)
صفحة 159
علوم السنة عند الإباضية
139
كتاب الله، وأكد أن رأي الرجال ورواياتهم المصادمة لأحكام كتاب الله الجلية الواضحة مردودة، وأن أي قول أو رأي لا بدّ من استناده إلى البرهان والحجة
الواضحة من كتاب الله وسنة النبي له المعروفة (1)، التي لا تصادم ما ذكر.
ونجد مثل هذا عند هلال بن عطية وقد سبق ذكر طرف من نقده - فـ نقده لمن ساروا في ركاب أهل الجور يتولاهم، ويتمحل الحجج في ذلك، ليس لهم
(2)
في الناس رأي ثابت، ولا علم نافذ، يتبعون الروايات الكاذبة التي يدحضها كتاب الله وقول الرجال، استمدوا تلك الأحاديث عن بشر مثلهم وتركوا كتاب الله كما تركوا محكم الكتاب واتبعوا روايات كاذبة لا أصل لها تخالف كتاب الله و
سنة نبيه
(3)
وقد يعبر بعضهم عن المخالفة لهذه الأصول بمخالفة الحق؛ فنجد في كلام محمد بن روح ما يشير إلى أن السنة الصحيحة المجمع عليها تظل موافقة للحق، مفارقة لما خالف الحق بالحق، وهي علامة المسلمين المحقين الذين هم موافقون ثم يقول: ولا معنى في اتباع من خالف الحق، ولا من قصر دون موافقة
الحق (4)
للسنة
ونجد في كلام أبي سعيد الكدمي ما يشفي الغليل، ويؤكد ما قلناه من حضور مثل هذا الضرب من النقد عند بحث الإباضية الأسانيد الصحيح منها أو العليل، فهو يبين أن مقياس القبول هو موافقة ما يروى للحق ولو ظهر أنه صحيح الإسناد، فما كان موافقا للحق قبل ولو قيل بضعف إسناده، وما خالف الحق أبطل وردّ ولو قيل بصحة إسناده (5)، ويؤكد على أن هذا المنهج هو الأصل الثابت عن النبي، مستشهدا بقوله: (ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب
(1)
الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 212/ 1. (2) الخراساني هلال بن عطية سيرة هلال بن عطية ص 81.
(3)
م. س، ص 81.
(4) الكدمي
أبو سعيد المعتبر، 190/ 4.
(5) الكدمي أبو سعيد التعقيب على الأشراف (مخ)، ص 36. (1/159)
صفحة 160
علوم السنة عند الإباضية
140
الله وسنتي فما وافق الحق فهو عني ... ) (1)، ويذكر أن هذا هو الصحيح من
الأصول (2).
وأرجح أن كلام أبي سعيد المتقدم محمول على المختلف في تصحيحه هنا وإلا فإن المشتهر تضعيفه أو ما غلب الظن بضعفه لضعف إسناده لا يمكن قبوله بأي حال، لكن أبا سعيد أراد التأكيد على منهج إخضاع المروي لنقد مخالفة عدم الأصول فكأنه يقول: لا يغرنّك صحة الإسناد مادام المروي مخالفا للحق والأصول، وهذا في حقيقة الأمر منهج نقدي شديد الاحتراز، ويشهد لذلك بيانه في كتاب الاستقامة حول جواز الأخذ من المخالفين الثقات منهم في دينهم فيما يوافقون فيه في أصول الدين (3)، وهذا التقييد لموافقة الحق والأصول مشترط أيضا في أخذه عن علماء مذهبه (4).
وقد يبحث أبو سعيد عن مخرج وتأويل لما ظاهره المخالفة لأي أصل إن أمكن ذلك، ومن الأمثلة التطبيقية لهذا النهج من النقد، مناقشته لما ذكره المنذري في تعقيباته على كتاب الأشراف لحديث ذكر المنذري أنه ثبت عن النبي (أنه أتي بجنازة ليصلي عليها فقال أعليه دين فقالوا نعم ديناران، قال أترك لهما وفاء؟ قالوا لا، قال فصلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة هما علي يا رسول الله صلى الله عليك وسلم فصلى عليه رسول الله) (5)، ويعقب أبو سعيد بأن الرواية
(1) تقدم تخريج هذا الحديث، ص 108.
(2)
م. س، ص 36.
(3) الكدمي أبو سعيد، الاستقامة، 142/ 1.
(4)
م. س، 142/ 1
(5) أخرجه البخاري بلفظ (أتي بجنازة فقالوا صلّ عليها، فقال هل عليه دين؟ قالوا لا، قال فهل ترك شيئا؟ قالوا لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا يا رسول الله صلّ عليها، قال هل عليه دين؟ قيل نعم، قال فهل ترك شيئا؟ قالوا ثلاثة دنانير فصلى عليها، ثم أتي بالثالثة فقالوا صلّ عليها، قال هل ترك شيئا؟ قالوا لا، قال فهل عليه دين؟ قالوا ثلاثة دنانير، قال صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة صلّ عليه يا رسول الله وعلي دينه، فصلى عليه، في صحيحه، كتاب الحوالات باب إن أحال دين الميت على رجل جاز، 799/ 2 - 780 (2168)، (1/160)
صفحة 161
علوم السنة عند الإباضية
141
(1) "
إن كانت صحيحة فان ذلك خاص في ذلك الميت، كما أنه ليس كل من كان عليه دين ولم يترك له وفاء ختم أمره بالكفر والنفاق حتى لا يصلي عليه النبـ وعليه فظاهر هذا الحديث مخالف لكتاب الله و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا (البقرة 286/ 2)، ثم يذكر أبو سعيد تخريجا آخر يقول:" ولا يصح معنا أن النبى يحكم على الهالك بعصيان الموضع إن لم يترك وفاءً، وهذا خلاف الكتاب والسنة إلا أن يخص ذلك بعينه لعلم قد علمه النبي منه أو لمعنى ونجد في كلام ابن بركة ما يؤكد ما سبق من حمل مقال أبي سعيد على الصحة المختلف فيها، إذ يؤكد ابن بركة على أن قسيمة السنة المجتمع على صحتها هي المختلف في صحتها والتي يجب فيها طلب الأسانيد والبحث عن صحتها، فإذا اختلفوا في حكم صحتها أو تنازعوا في تأويلها إن صح نقلها كان مرجعهم إلى الكتاب (2).
على أن هذا لا يعني أن هناك ما هو متفق على تصحيحه ويسلم من نقده
ومسلم بلفظ (عن أبي هريرة أن رسول الله كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه من قضاء فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال صلوا على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته في صحيحه، كتاب الفرائض، باب من ترك مالا لورثته 1237/ 3 (1619)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، في الصلاة على الجنازة 329/ 7 (3059)، والترمذي في سننه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على المديون،
(1069) 381/ 3
ويبدو من التخريج المتقدم أن لفظ البخاري أبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك مرارا وليس لشخص واحد كما أول أبو سعيد، ولعل في لفظ مسلم ما يسوغ نظرة أبي سعيد واستشكاله، ثم لعل أبا سعيد لو كان وقف على رواية مسلم لم يطرح إشكاله، لكون هذا العمل أول الأمر ثم تركه رسول الله الله، ولربما كان يهدف إلى تربية المسلمين على تعظيم حقوق الغير خاصة أنهم في أول العهد كانوا في ضيق حال، والله أعلم.
(1) (2)
الكدمي
أبو سعيد التعقيب على الأشراف (مخ)، ص 214.
ابن بركة، الجامع، 280/ 1. (1/161)
صفحة 162
علوم السنة عند الإباضية
142
ولو خالف الأصول، فالصحيح من السنة لا يخالف الكتاب وأي شيء صح من السنة، وهذه الأصول مصادر يستكشف بها الصحيح، وبها دلالات التصحيح والتضعيف، وما ينقل من الأخبار، مما لا تعلم صحته ولا دلالة على عدم صحته من كتاب ولا سنة ولا إجماع يوجب صدق ناقليه وقبوله خاصة إذا زكوه وصححوه (1).
وقد سبق أن مثلنا بتصحيح ابن بركة لخبر تحريم الحمر الأهليه وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، متعقبا أبا عبيدة في القول بتضعيفه ومعللا ذلك بقوله:" والروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على العدول عن قول أبي عبيدة؛ لما قد ثبت به النقل الكثير، والخبر إذا نقله عدل عن مثله جاز القول به إذا لم يكن معارضاً له ولم تقم الدلالة على فساده، والخبر قاض على الآية التي تعلق بظاهرها أبو عبيده في سورة الأنعام، لأن الخبر لا يخلو أن يكون ناسخاً أو مبيناً لمعناها لأنه ورد بعد نزولها " (2).
(3)
ففعل
ونجد من أمثلة نقد ابن بركة الرواية لمخالفتها أحد الأصول، نقده لما نقل عن علي من أنه خطب قبل الزوال، فضعف هذه الرواية لمخالفتها إجماع الأمة على أن خطبة الجمعة بعد الزوال ومنهم الصحابة، ثم يقول أيضا في تعليقه على خبر علي: "لم يرد الخبر مجيء الأخبار التي ينقطع بها العذر، وإن صح غيره من الصحابة أولى أن يتبع لأن الحجة تؤيده ولقد رأينا حضور هذا النوع من النقد عند غير من ذكرنا، فلزوم القول والعمل بخبر العدل مثلا، وجواز الاستدلال به على غيره لا يكون إلا إذا لم يكن ذلك الخبر مخالفا للكتاب والسنة المأثورة كما يشير إبراهيم بن قيس ويستشهد ابن أبي نبهان الخروصي على حجية نقد الرواية
6 (4)
الحضرمي
(1) (2)
(3)
م. س، 2 ص 33 - 34
م. س، 331/ 2 332
م. س، 569/ 1.
(4) الحضرمي أبو إسحاق، كتاب مختصر الخصال، ص 16. (1/162)
صفحة 163
علوم السنة عند الإباضية
143
وتضعيفها بمخالفتها الكتاب وصحيح السنة (1) بحديث: (إني تارك فيكم بعدي شيئين: إن عملتم بهما لم تضلوا أبدا؛ كتاب الله وسنتي فإنهما لن يفترقا إلى يوم القيامة) (2)، مع استشهاده بالحديث المتقدم الذي استشهد به أبو سعيد الكدمي. و يدعو أبو محمد الخليلي إلى رد الأحاديث إلى شواهد أحكام الأصول، وأن يتولى ذلك أولو الأمر من العلماء القادرين على تمييز الصحيح (3)، وسيرد في فصل نقد المتن مزيد تفصيل عن عرض السنة على القرآن ونقد الحديث بالحديث، ولعل ما ذكرناه هنا يكفي لإعطاء صورة عن تعليل علماء الإباضية للرواية لمخالفتها الأصول، ورأينا ذلك مع المتقدمين والمتأخرين، وما بسطناه هنا أردنا به التمثيل على هذا المنهج؛ وإلا فمن يطالع كتب المذهب يجد أمثلة كثيرة واستفاضة واسعة.
المبحث الثالث: نقد الإباضية الحديث بما صح عندهم من طرق
أ- مخالفته لما صح عندهم من روايات
يرى الإباضية أن مخالفة الرواية لما صح عندهم من الروايات وجه من وجوه العلة التي يتوقفون بموجبها في قبول الخبر، فيخضعونها لمقاييس نقدية عندهم، ليخرجوا بتضعيفها أو تخريجها تخريجا لا يصادم الصحيح عندهم.
وهذه القاعدة النقدية كسابقتها قد تتداخل مع نقد المتن الذي سيرد بيانه لاحقا عندهم، غير أنها حاضرة معهم حتى في تعليقهم على بعض الروايات انطلاقا من نقد روايات الرواة، أو تضعيفهم أو أي وجه من وجوه النقد التي تراعي مخالفة ما صح من طريق إسنادهم الذي يصححون به، فأبو غانم
(1)
السعدي جميل بن خميس، قاموس الشريعة (مخ)، 108/ 87. (2) أخرجه الحاكم بلفظ قريب في المستدرك، كتاب العلم، 172/ 1 (319)، والدارقطني في السنن، كتاب في الأقضية والأحكام، باب في المرأة تقتل إذا ارتدت 245/ 4 (149)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب أداب القاضي، باب ما يعطي به القاضي، 114/ 10 (20124). الخليلي سعيد بن خلفان، التمهيد، 187/ 5.
(3) (1/163)
صفحة 164
علوم السنة عند الإباضية
144
الخراساني يسأل شيخيه أبا المؤرج وأبا سعيد عبد الله بن عبد العزيز عن رواية بعض الرواة عن عائشة أن النبي كان يغتسل من الجنابة ثم يخرج من عندها إلى صلاة الصبح ورأسه يقطر ماءً، ثم يصبح صائما) (1)، فيجيبان بأنهما يعلمان بهذه الرواية عمن ذكر، ولو يعلمان أن النبي له فعل ذلك لأخذا به غير أن أصحابهما الذين يأخذان عنهم ويعتمدان عليهم، لا يروون ذلك ولا يأخذون به بل يروون خلاف ذلك (2).
ويسأل أبو غانم عبد الله بن عبد العزيز عن زواج الرجل وهو محرم فيجيبه بجواز ذلك، ثم يذكر أبو غانم رواية من يروي عن بعض الفقهاء أن الرجل لا يتزوج وهو محرم فيجيبه: ليس فيما يقولون شيء وقد حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة الهلالية قال وكذلك حدثنا أبو المؤرج عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد
وهو محرم
(3)
عن ابن عباس في تزوج رسول الله له وهو وهو "محرم
(4)
لكن هذه الرواية التي رجحها أبو المؤرج وضعف الأخرى بدلالتها، نجد بعده ابن بركة يرجح رواية عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينكح المحرم ولا ينكح
(1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب صيام من أصبح جنبا، 177/ 2 (2929)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الصيام، باب الرجل يصبح في يوم ... 104/ 2، والطبراني في المعجم الأوسط، باب من اسمه، ابراهيم، 60/ 1 (169)، وفي
مسند الشاميين حديث برد بن سنان عن محمد بن مسلم الزهري، 209/ 1 (371).
(2) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 165/ 1 - 166. (3) هذا الحديث ورد بطرق منها طريق عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس، أخرجه من هذا الطريق البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب نكاح المحرم، 1966/ 5 (4824)، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته، 1032/ 2 (1410)، والحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ذكر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، 34/ 4 (6798)، والربيع في مسنده من طريق ضمام عن جابر ابن زيد عن ابن عباس، كتاب النكاح، باب ما يجوز للمحرم وما لا يجوز، 209/ 1 (520).
(4) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 198/ 1. (1/164)
صفحة 165
علوم السنة عند الإباضية
145
ولا يتكلم ولا يخطب) (1) على رواية ابن عباس، ويقول:" وأما رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ففي خبره نظر وتنازع الناس في تأويله والصحيح رواية عثمان (2).
ويدعو أبو سعيد الكدمي إلى هذا النوع من النقد بعرض ما يرد من الروايات على صحيح الآثار، مع الاجتهاد في ذلك، بجهد الناصح المستعين بكل القدرات والأفكار، المتجنب لتتبع ظواهر الأمور، ففي ذلك الهلاك، إلا كل ما وافق الحق من ظواهر الأمور، مما ليس في حاجة إلى تفسير (3).
ونجد عددا من التطبيقات لهذا المنهج النقدي عند ابن بركة، فيعلق على أثر ورد في الوضوء وهو: (واحدة لمن قل ماؤه واثنتان لمن استعجل وثلاث عليهن الوضوء، ويذكر أن هذا خبر لم يعرفه في صحيح الرواية، وأن النظر لا يوجبه، وتشهد السنن بفساده، ثم يؤكد أن الخبر لو كان صحيحا، لحدد الرسول قدر القليل والكثير، والمفروض من المسنون، ولم يتركنا في عماية وإشكال (4).
ويناقش ابن بركة ما روي من ترخيص النبي للحائض والنفساء عن الطواف بالبيت (5)، ويذكر أن ذلك لم يصح عند أصحابنا (1)، ويستدل بالرواية
(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته 1030/ 2 (1409)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب المناسك، باب الزجر عن تزويج المحرم، 183/ 4 (2649)، وأبو داود في سننه كتاب المناسك باب المحرم يتزوج 169/ 2 (1841)، والدارقطني في سننه، كتاب النكاح، باب المهر، 260/ 3 (57).
(2) ابن بركة، الجامع، 49/ 2.
(3) الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 106/ 1.
(4) ابن جعفر الجامع، 388/ 1.
(5)
خبر (ترخيص النبي للحائض والنفساء عن الطواف بالبيت أخرجه البخاري عن ابن عباس بلفظ (رخص للحائض أن تنفر إذا حاضت في صحيحه، كتاب الحائض، باب المرأة تحيض بعد الإفاضة 125/ 1 (323)، مسلم في صحيحه كتاب الحج، باب وجوب طواف (1/165)
صفحة 166
علوم السنة عند الإباضية
146
الصحيحة المتفق عليها أن رسول الله الله قال: (لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) (2) على تضعيف ما، رووه كما يستدل (3) بما صح من الرواية عنده عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يجز للحائض ومن كان في معناها أن تنفر حتى تطوف طواف الصدر وأنه لم يخص حائضاً من غيرها، كما اعتمد في نقده على الرواية التي اتفق عليها الإباضية مع أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي جاءت من طريق الحارث بن عبد الله بن أوس أنه (نهى الحائض أن تنفر حتى يكون آخر عهدها بالبيت وتطوف) (4).
والمتأمل يلمس من طريقة ابن بركة أنه قد ينقد حديثا ورد من طريق ويستشهد بأكثر من حديث صح عنده من طرق أخرى مستدلا على تضعيف ذلك الحديث، ويطرح مجموعة من الحجج تؤيد ما ذهب إليه، حتى يتخذ نقده طابع
الوداع ... 963/ 2 (1328)، والترمذي في سننه، كتاب الحج، باب ما جاء في المرأة ..
(944) 280/ 3
(1) في قول ابن بركة "لم يصح عند أصحابنا نظر، فقد صح الحديث عند طائفة منهم وأفتوا بمقتضاه من القديم، فقد نقل الترخيص للحائض والمريض عن طواف الوداع عن الربيع، وهذا هو القول المعتمد الذي عليه العمل والفتوى الآن، وهو فرع عن العمل بمقتضى هذا الخبر، ر: اطفيش محمد بن يوسف المصعبي (1914/ 1332)، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مطبعة أمون للتجليد والطباعة القاهرة، مصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1406 هـ، 1986 م، 266/ 4، الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان (معاصر) الفتاوى الكتاب الأول)، مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة، نشر دار الأجيال، روي، سلطنة عمان، 1423 هـ، 2003 م، ص 271، 273. (2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع ... 963/ 2 (1327)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب المناسك باب الأمر بطواف الوداع ... 327/ 4 (3000) والترمذي في سننه، كتاب الحج، باب ما جاء في المرأة ... 280/ 3 (944).
(3) ابن بركة الجامع، 211/ 2. (4) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب النهي عن صيام أيام منى، 463/ 2 (4185)، وأبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب الإقامة بالحج، 208/ 2 (2004)، وابن أبي
شيبة في مصنفه، كتاب الحج، في المرأة تحيض قبل أن تنفر، 174/ 3 (13181). (1/166)
صفحة 167
علوم السنة عند الإباضية:
147
القوة في الاستدلال ونفسا في الطرح والعرض، فإذا ما بلغ ما يعتمد عليه درجة القوة المرتضاة نقديا وجدناه صارما في حكمه على تلك الروايات المعارضة للصحيحة عنده، فينقد رواتها ويضعفهم، ويبيّن أنّ مثل هذه الأحاديث المخالفة التي يروونها تؤكّد في نفسه تكذيباً لهم في مثلها.
ونجد أن ابن بركة بالمقابل يحترز في الأخبار التي ينقلونها مما لا يعلم صحته، ولا دلالة عنده عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع تصحيحا أو تضعيفا فيقبلها ويذكر أنها توجب صدقهم فيها (1)، كما أنه يدافع عن الراوي ولو كان مخالفا له إذا اشتهر بأنه ثقة، نفهم هذا من مواقف نقدية له، منها ما أورده خلال كلامه عن قول الحسن بن أبي الحسن البصري: خطبنا ابن عباس بالبصرة، فذكر في خطبته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب صدقة الفطر من شهر رمضان) (2)، يقول ابن بركة فإن قال قائل: "إن الحسن لم يكن في أيام ابن عباس بالبصرة، قيل له: أراد بذلك - والله أعلم - أنه خطب أهل البصرة والحسن من أهلها فلذلك قال: خطبنا"، ثم يعقب ابن بركة بعد إيضاح بعض الأحكام الفقهية لهذه الرواية مرة أخرى حول ما أثير على رواية الحسن بكلام يفهم منه أن مثل هذا الفعل – أي ادعاء الرواية من الحسن لقوله خطبنا وهو لم يكن معهم لا يتجاسر عليه سفهاء
(1) ابن بركة، الجامع، 33/ 2 - 34. (2) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب من روى نصف صاع من قمح، 114/ 2 (1622)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب من قال يخرج من الحنطة ... 168/ 4 (7501)، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الزكاة، باب ممَّ أُوجب صدقة
الفطر، 431/ 2 (10758).
:
وقضية رواية الحسن عن ابن عباس وهل سمع منه مباشرة أم لا؟ مثار نقاش عند علماء علل الحديث يضيق المقام عن طرحها، لمزيد من التفصيل فيها انظر العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي (1449/ 852)، تهذيب التهذيب، تح مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 1415 هـ، 1994 م، 245/ 2 (1/167)
صفحة 168
أهل
علوم السنة عند الإباضية
148
عصر ابن بركة مع خساسة أقدارهم وانحطاط درجاتهم على حد وصفه- عن درجة من ذكرنا أي كالحسن وغيره من أئمة التابعين (1).
إن اعتماد منهج نقد الروايات من خلال ما صح من طرق الإباضية ينافح عنه ابن بركة مؤكدا أن لهم طرقهم التي صحت عندهم ولا عبرة بجهل غيرهم لها، فقد ذكر أنه أجمع أصحابنا فيما علم، فيما تناهى إليه منهم من أهل عمان خاصة على إجازة شرب النبيذ المتخذ في الأديم للخبر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم من إجازته لوفد عبد القيس من البحرين (2)، واتفاقهم على تحريم سائر الأشربة المتخذة في الأواني لما صح من النهي بالسنة عنها من الجرار، ونقير النخل ونقير القرع (3) وما جرى هذا المجرى في الأواني لما صح من النهي بالسنة عن
رسول الله.
يقول ابن بركة متمما احتجاجه: " فإن قال قائل: لم ادعيتم السنة في تحليل النبيذ على ما وصفت وتخريجه على وصف آخر وقد خالفكم في هذا كثير من الناس وأنكروا هذه الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قيل له: إن الحق قد يكون حقاً في نفسه وإن جهله من جهله، وليس جهل من خالفنا بصحة هذه الرواية حجة علينا ودفعاً لنا عما صح عندنا، ولو كان جهل الجاهل بتحريم ما ثبت عند العلماء تحريمه وتحليل شيء خفي على غيرهم يكون حجة لهم، وجب أن تكون الخوارج لما نفت سنة الرجم وزعمت أنها لا تعرف الرجم في السنة مروية معروفة، فلما
(1) ابن بركة، الجامع، 2/ 34.
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب السير، ذكر ما يستحب للإمام أن يعلم الوفد 405/ 10 (4541)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الأشربة، باب الإذن في الإنتباذ ... 224/ 3 (5156)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الأشربة، باب ما يحرم من النبيذ 221/ 4، وأبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب في الأوعية، 331/ 3 (3695) ولفظه عند أبي داود (لا) تشربوا في نقير ولا مزفت ولا دباء ولا حنتم واشربوا في الجلد الموكاً عليه فإن اشتد فاكسروه بالماء فإن أعياكم فأهريقوه).
(3)
سيرد تفسير هذه الألفاظ في فصل غريب الحديث. (1/168)
صفحة 169
علوم السنة عند الإباضية
149
كانوا مع الكل مخطئين ولا يلتفت إلى جهلهم لما صح من أهل العلم به، علمنا أن من جهل هذه الرواية والسنة الثابتة عندنا، وإن جهلها من جهلها مخطئ أيضاً ذاهب عن الصواب بتخطئته إيانا، ومخالفته لنا ورده علينا ما قد صح عندنا إن رام أن يجعل بما جهله من السنة إلزاماً لنا (1).
وهذه الثقة والاعتداد بما صح عندهم نجدها أيضا عند أبي يعقوب الوار جلاني فقد ذكر - خلال مناقشة من احتج على منع القياس- أن الأحاديث التي رووها ليس فيها حديث صحيح إلا حديثا واحدا ثم قال: " ولولا ما رواه الإمام أفلح بن عبد الوهاب ما اهتبلنا به، وإن صح ليس فيه ما يقابل آثارنا ولا استدلالنا" ثم يخرج الوارجلاني بقاعدة مفادها: أن الأحاديث إذا تعارضت وجبت كلها، وإن تقاومت طرحت (2)، ورجع الناس إلى أدلة غيرها" (3)، و يمكن عد هذا تتميماً للنهج السابق، يطبق على الروايات التي تتساوى في درجة صحتها، ولا يمكن ترجيح رواية على أخرى.
هذه نبذ من تطبيق هذا المنهج النقدي في غربلة المرويات، وإحدى طرق هذا المنهج وزن المرويات بما صح عندهم؛ ونجد مثل هذا عند كثير منهم، فأبو بكر الكندي يعلق على رواية بأنه لا يعلم أنها توجد في آثار المسلمين الصحيحة المشهورة المعروفة، وأما الآثار التي تذكر حديثا فلا يلتفت إليها إلا إذا وافقت آثار المسلمين (4)، وابن أبي نبهان الخروصي يقبل ما انساغ قبوله في العقل ولم
(1) ابن بركة، الجامع، 2/ 544 - 545.
الذي يظهر أن مراد أبي يعقوب هنا إذا تعارضت وهي صحيحة وجبت أي ثبتت، وذلك لأن الصحيح هو الذي يصدق عليه هذا الوصف فالضعيف لا يقوى على المعارضة إذ هو ساقط من أصله، ثم بعد ذلك يجب النظر في المتعارضين لحل إشكال تعارضهما وهذا يدخل ضمن فن مختلف الحديث، أما المتقاومة فلعله يريد الأدلة التي تتضاد فيما بينها وهي غير
صحيحة فلذلك تطرح، والله أعلم
(3)
•
الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 19/ 2.
(4) الكندي أبو بكر، الاهتداء، ص 72. (1/169)
صفحة 170
علوم السنة عند الإباضية
150
يعارضه حديث صحيح (1)، وأبو محمد الخليلي يعلق على الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية سالم عن أبيه، بأنه صحيح ثابت مواطئ
بكتاب الصدقة (2)
لما عند أصحابنا من روايات الأخبار وتصانيف الآثار (3).
2 - التصحيح بتلقي الأمة للخبر بالقبول أو بما أيده العمل والإجماع:
يعتبر تلقي الأمة للخبر بالقبول مزية من المزايا التي يستحق بها الخبر حكم الصحة عند الإباضية، وهو وإن كان درجة أقل مما اجتمعت الأمة على تصحيحه، فإنّ ذلك التلقي أمارة قوية وعلامة جلية تكشف عن حكم الأمة عموما بالتصحيح لذلك الخبر، ويعتبر العمل بالخبر أحد الوجوه التي يؤخذ منها تلقي الأمة للخبر بالقبول فالصحيح ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع كما يقول ابن
بركة (4)
ومن شواهد تلقي الخبر بالقبول والتي تميل كفةً تصحيحه انتشار الخبر وذيوعه وشهرة القول به بين الرواة كما يشير ابن بركة (5)، وكذا لا بد من استفاضته في الأمة بالشهرة بين العلماء كما يقول جميل السعدي ()
(6)
ونجد من خلال تتبع المنهج النقدي ما يمكن اعتباره ضوابط نقدية أخرى غير الضوابط النقدية المتقدمة، من ذلك ما نجد الإباضية يعبرون عنه بالرجوع إلى الأصل، ويعنون به اعتماد الأصل حال، الاختلاف ومن أمثلته ما ذكره ابن بركة عند مناقشته روايات الرفع في الصلاة، حيث ذكر أنه ليس في
تلك
(1) السعدي جميل بن خميس قاموس الشريعة (مخ)، 107/ 87. (2) كتاب الصدقة من رواية سالم عن أبيه، أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الزكاة، 549/ 1 (1443)، وأبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، 98/ 2 (1568)، والترمذي في سننه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم، 17/ 3 (621). (3) الخليلي سعيد بن خلفان، التمهيد، 186/ 6.
(4)
(5)
ابن بركة، الجامع 547/ 1 - 548.
ام. س، 400/ 1.
(6) السعدي جميل بن خميس قاموس الشريعة (مخ)،111/ 87. (1/170)
صفحة 171
علوم السنة عند الإباضية
151
الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برفع اليدين أمر برفع اليدين مع التكبير، فلو صح ذلك قمنا به، ثم ذكر أن المخالفين رووا أنه رفع ولم يرفع، فلو كانت الرواية صحيحة كان العلم على ما مات عليه الرسول، ويقول: " وإذا لم يكن مع مخالفينا خبر لقطع العذر بأنه كان الرفع آخر عمله، واحتمل أن يكون أولاً، واحتمل أن يكون آخراً لم يكن بد من العمل بأحدهما، وكان المرجوع إلى الأصل وهو أنه لم يرفع (1)، فاعتبر ابن بركة عدم الرفع هو الأصل، واستشهد بدليل آخر يؤيد رأيه، مبينا أنه قد ثبت من الخبر ما يعارض رواية الرفع المردودة لديه، وهو ما روي عنه من أنه نهى عن رفع اليدين في الصلاة بقوله ل ما بالكم ترفعون أيديكم في صلاتكم كأنها أذناب خيل شمس) ثم يقول ابن بركة معلقا على الرواية: "فلم يختلف معنا من خالفنا في رفع اليدين في صحة هذه الرواية، وإنما خالفونا في تأويل الخبر " (3). وكذلك وجدنا عبارة "لاحظ للنظر مع وجود السنة أو ورود الأثر" كثيرا ما ترد؛ فمن ذلك تعقيب ابن بركة على رواية عائشة) أن امرأة استحيضت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت النبي، فقال هو دم عرق وأمرها أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لها غسلاً واحداً، وتصلي وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحدا) (4)،
(2)
(1) ابن بركة، الجامع 492/ 1.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، 322/ 1 (430)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصلاة، ذكر الخبر المدحض قول ... 198/ 5 (1879)، والربيع في مسنده كتاب الصلاة، باب في الإمامة، والخلافة في الصلاة، 92/ 1 (213). (3) ابن بركة، الجامع 1/ 492 - 493 (4) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلا 79/ 1 (294) (295)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحيض، باب غسل المستحاضة، 352/ 1 (1541 - 1544)، والدارمي في سننه، كتاب الطهارة، باب غسل المستحاضة، 220/ 1 (777)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطهارة، باب المستحاضة، 100/ 1. وقد روي عن عائشة رواية أخرى أخرجتها الصحاح وذكرت استحاضت أم حبيبة بنت جحش وأنها كانت تغتسل لكل صلاة. (1/171)
صفحة 172
علوم السنة عند الإباضية
152
وذكر أن بعضا ذهب أن على المُسْتَحَاضَة الوضوء وضوء الصلاة، ولا غسل عليها، وطعن في خبر عائشة، وذهب غيرهم إلى أنّ على المُسْتَحَاضَة الغسل لكل صلاة غسل ولا تجمع، وهذا فيه ضرب من الاحتياط، ثم يقول ابن بركة:" والذي ذهب إليه أصحابنا أنظر من قول مخالفينا (1)، لأنه بالسنة أشبه، على أنا إن سلمنا الطَّعن في خبر عائشة من طريق النظر - والجمع للمسافر وجب باتفاق لمشقة السفر - فالمستحاضة أولى بذلك لأن المشقة عليها في حال استحاضتها أعظم وإن كان خبر عائشة صحيحاً فالتسليم للسنة أولى من النظر، ولا حظ للنظر مع وجود السنة فإن عدمت السنة كانت المستحاضة متروكة على حكم الظاهر للزوم العبادة لها، والاغتسال لها عند كل صلاة أحوط (2).
كانت الوقفة المتقدمة في هذا الفصل محاولة تأطير وبلورة لبعض الضوابط والقواعد النقدية المتعلقة بالسند تلك التي وجدنا حضورها في التراث الإباضي تطبيقيا وإن لم يُكتب عنها من حيث هي قواعد نقدية.
ويبدو أن المدرسة الإباضية - في تقديري - امتزج عند علمائها منهج الفقهاء ومنهج المحدثين النقدي، فهي بحكم الإطار الفقهي لها عكست منظور الفقهاء، كما أنها بحكم التلقي المباشر عن الصحابة والتابعين وأهل الرواية تأثرت أهل الرواية، وهي أيضا بحكم تنقل أئمتها الأوائل و تقلبهم بين العراق حيث مدرسة الرأي والحجاز حيث مدرسة الأثر تأثرت بهما معا.
بمنهج
(1)
-
يجدر التنبيه هنا أن المذهب ليس على قول واحد كما هو ظاهر كلام ابن بركة، بل في المسألة أقوال أخرى مبنية على ترجيح رواية على أخرى. لمزيد من التفصيل انظر: الشماخي أبو ساكن عامر بن علي (1389/ 792)، الإيضاح، مطابع أمون للتجليد والطباعة، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي بسلطنة عمان، 1403 هـ، 1983، 262/ 1، السدويكشي أبو ستة محمد بن عمر القصبي (1678/ 1088)، حاشية أبي ستة على كتاب القواعد، تح: بشير موسى الحاج، مطبوع مع الأصل قواعد الإسلام للجيطالي، ط 1، المطبعة الغربية، غرداية، الجزائر، 1422 هـ، 2001 م، 276/ 2، 278.
(2) ابن بركة، الجامع، 237/ 2 - 238. (1/172)
صفحة 173
علوم السنة عند الإباضية
153
وتأتي العدالة في مقدمة ضوابط الرواية عند الإباضية، فمن كان ثقة قبل، وهذه الصفة لا بدّ من تحققها في كلّ رجال السند، لكن هذه العدالة تبقى ظنية الحكم. ويستدل ابن بركة والبسيوي وغيرهما بأدلة على شرط تحقق العدالة مؤكدين عدم تساوي العدل والفاسق في الخبر حسب مدلول هذه الأدلة التي منها آيات الكتاب وفعل النبي، وبمقابل ذلك أيضا الاستدلال على شرعية بيان الفاسق وكشفه وردّ خبره. وإذا ما تحققت العدالة وجب قبول الخبر ما لم يدل أي
شيء على فساده، ولكن يجب التدقيق في إطلاق الحكم في العدالة أو الفسق. أما الضبط فيراه الإباضية أمرا ضروريا، ويؤكدون عليه لكونه يحمي الرواية من الخلل والخطأ، ورأينا تأكيد أبي عبيدة وتلاميذه من بعده على ذلك، بما يكشف عن إلمام بالرواية وفنونها، كما يؤكد ابن بركة ومن جاء بعده على الضبط وأن الاختلاف فيه أحد أسباب الاختلاف في رواية الأخبار، ونجد لابن بركة عددا من الضوابط النقدية المستنبطه يرجح من خلالها بين ضبط الروايات، كترجيح من علّمه صلى الله عليه وسلم النبي وسمع منه على غيره، وترجيح أن يعد كامل المروي لراويه ما لم يقم دليل قوي يميز الإدراج. ولقد أكد الإباضية على اعتبار أدني درجات الضبط بترجيح ضبط الراوي على سهوه.
ويعد اتصال السند ضابطا نقديا مهما، وقد وجدنا شواهد تكشف عناية الإباضية باتصال السند، وترجيح الرواية الظاهرة الاتصال على غيرها، حتى لو خالف فيها المرجح رأي أستاذه وإمامه؛ كما رأينا فعل ابن عبد العزيز، وكذلك رأينا عناية بعضهم بطلب الإسناد عند التحديث ليظهر الاتصال، مؤكدين أن من أسباب اختلاف الرواية وقوع الاختلاف في اتصال السند، وأن الاتصال يقطع بالتلقي المباشر ويكشف كثرة الملازمة وطول الصحبة وغير ذلك من مرجحات
الرواية.
على أنه مما يجدر ذكره هنا أن كثيرا من الإباضية مالوا في الاتصال إلى نهج الفقهاء بكون الأداء على وجه تسكن إليه النفس، واطمئنان النفس بوقوع
الاتصال بين الراوي ومن روى عنه بأي طريق من طرق تحمل العلم المعتبرة. (1/173)
صفحة 174
علوم السنة عند الإباضية:
154
ومن الضوابط النقدية التي وجدناها حاضرة أيضا كون الخبر خاليا من أي علل يردّ بها؛ كعلة مخالفته أحد الأصول القرآن أو السنة أو الإجماع، وهذه وإن كانت إلى نقد المتن أقرب وجدنا لها تطبيقات عند أحكامهم على بعض الأسانيد أو الرواة فاستلزم ذكرها هنا، وذلك لأنهم فرعوا أحكامهم على الرواة ورجال السند
على وجودها.
على أن إطلاق الحكم على الرواية المخالف ظاهرها للأصول يتم بعد تعذر
وجود أي تخريج لها أو تأويل أو دَرْء لمعارضة أو حَلّ لإشكال. ومن القواعد النقدية نقد الحديث بما صح من طرق وهي حاضرة أيضا حتى عند نقدهم رواة الروايات ونتيجة لذلك عرضنا طرفا منها في نقد السند، وهذا التداخل بين نقد السند والمتن في بعض الجوانب - عائد في تقديري- إلى أن كتاباتهم النقدية لم تتخذ شكل التخصص بحيث نجد لهم كتابة مستقلة في النقد وما وجدناه تم ببحث وتنقيب في تراثهم، فوجدناه مبعثرا ضمن هذا التراث.
وقد نافح ابن بركة عن نقد الرواة بما صح من طرقهم مؤكدا أن لهم طرقا وروايات صحت عندهم ولا عبرة بجهل غيرهم لها، فليس جهله بما عندهم حجة تلزمهم تضعيف ما لديهم، وهذا يعبر عن التميز والاعتداد بما صح عندهم، ولكل مدرسة الحق في الدفاع عما صح عندها دون تجاوز ذلك إلى تنقيص الرأي
الآخر.
وهذا الاعتداد كما وجدناه عند المشارقة هو كذلك عند المغاربة كأبي يعقوب
الوارجلاني وغيره.
هذا ويرتبط بهذا الضابط النقدي ضابط آخر هو تصحيح طرق الخبر بتحقق أمارات توجه ذلك وتعضده كتلقي الأمة له بالقبول، وتأييده بالعمل أو الإجماع، ومن الضوابط النقدية الأخرى ضابط الرجوع إلى الأصل، وضابط تقديم النص على الرأي فلا حظ للنظر مع وجود السنة أو ورود النص. (1/174)
صفحة 175
علوم السنة عند الإباضية
155
إن الصورة النقدية العامة محتاجة إلى تكامل لفهمها وإدراكها، فلا يكفي بيان نقد السند لبلوغ هذه الغاية، إذ الرواية قائمة على المتن مع الإسناد، ولذلك فالمقام يحتاج إلى تكامل معرفة الصورة النقدية بعرض قواعد نقد المتن، وهذا ما سنقف عليه في الفصل التالي الذي يدور حول قواعد نقد متن الحديث عند
الإباضية. (1/175)
صفحة 176
علوم السنة عند الإباضية
156
الفصل الثالث من قواعد نقد المتن عند الإباضية
يكشف لنا التراث الإباضي عناية فائقة بنقد المتن شأن باقي تراث الأمة، ولا غرابة في انصباب عناية الإباضية بالمتن؛ إذ عليه مدار نظرهم واستنباطهم واستدلالهم، ومنشأ، أصولهم، ومستند تفريعاتهم، ومعتمد قواعدهم. ولئن عتب المحدثون على الفقهاء قصرهم عنايتهم على المتن، فقد عتب الفقهاء على المحدثين تضييق نظرتهم على الإسناد.
والخير في تقديري الجمع بين الطريقتين والمنهجين بما يوفي الغرض من عملية النقد برمتها، ويعطي السعة مع التدقيق، والشمول مع التعمق، وبلوغ التدقيق مع جودة التحقيق، وسنعرض أهم الضوابط أو القواعد النقدية للمتن التي رأيناها حاضرة في التراث الإباضي من خلال المباحث التالية:
المبحث الأول: نقد الحديث بعرضه على القرآن:
يأتي نقد المتن بعرضه على القرآن الكريم في مقدمة قواعد نقد المتن فالقرآن أصل التشريع، والمفزع عند الاختلاف، والمنهج المحفوظ من كل خلل
أو تحريف ولذا تبوأ أن يكون الفيصل لكل دليل أو برهان، والكاشف لكل علة. وتكشف لنا بعض الروايات عن الأئمة المتقدمين البدايات الأولى لنقد المتن بدلائل آيات القرآن، فيعطي جابر بن زيد رأيه في المسح على الخفين، فينقل رأي شيخه ابن عباس بأنه كان ينهى عن ذلك ويقول: " سبق الكتاب "الخفين الربيع ما رواه مسروق بن الأجدع في رد السيدة عائشة قول من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) m
ويخرج
(1) الأزدي جابر بن زيد، كتاب جابر بن زيد روايات عمرو بن هرم، ص 11 و هذا الأثر من طريق عكرمة عن ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الطهارات، باب من كان لا يرى المسح 169/ 1 (1947)، وأخرج هذا اللفظ عن علي في نفس الموضع السابق ح (1946). (1/176)
صفحة 177
علوم السنة عند الإباضية
157
رأى ربه، بقولها: (من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية) (1) مستشهدة بقوله تعالى: و لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام 103/ 6)، وهذان المثالان يكشفان أن أئمة الإباضية الأُول اكتسبوا هذا المنهج النقدي من الصحابة.
وفي مناقشة بعض ما روي من إباحة الصيام بدون نية من الليل يورد أبو المؤرج روايات أخرى لا تبيح الصيام بدون نية من الليل فيذكر رواية عن حفصة زوج النبي - أنها قالت: (لا) صيام لمن لم يعزم على الصوم من الليل) (2)، ورواية عن ابن عمر قال: (لا) صيام لمن لَمْ يعزم عَلَى الصوم من الليل) (3)، ثم يورد رواية يذكر رفعها الى النبي أنه قال: (لا صوم لمن لم يعزم على الصيام من الليل) (4).
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين ... 1181/ 3 (3062) الربيع في مسنده، باب في الإيمان والإسلام والشرائع 43/ 1 (61)، وفي باب السنة في التعظيم الله، 309/ 1 (824). (2) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، ذكر اختلاف الناقلين عن حفصة، 117/ 2 (2645، 2646)، وابن ماجة في سننه كتاب الصيام، باب في فرض الصوم من الليل، 542/ 1 (1700)، والترمذي في سننه، كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل 108/ 3 (730)، والدارقطني في سننه في كتاب الصيام، باب تبييت النية من الليل، 172/ 2 (2) (3) (4). (3) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، ذكر اختلاف الناقلين عن حفصة،
(2652 2651) 118/ 2
(4) أخرجه عبد الرزاق بهذا اللفظ من رواية حفصة أيضا، كتاب الصيام، باب إفطار التطوع وصومه، 7786275/ 4)، وأخرج الدارقطني رواية من طريق الواقدي عن محمد بن هلال عن أبيه أنه سمع ميمونة بنت سعد تقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أجمع الصوم من الليل فليصم، ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم)، في سننه، في كتاب الصيام، باب تبييت
النية من الليل، 173/ 2 (4) (1/177)
صفحة 178
علوم السنة عند الإباضية
158
ويعتمد أبو المؤرج في ترجيحه للروايات التي لا تبيح الصيام بدون نية من الليل على دلائل القرآن مبينا أنه الفيصل في حال الاختلاف في الأدلة، مستشهدا على حجية ذلك (1) ببعض الأحاديث المحذرة من تفشي الحديث والكذب على النبي
وأحاديث العرض على القرآن كالخبر الذي جاء عن رسول الله: (أن الحديث سيفشو بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله) (2)، ثم يقول:" فهذه الأحاديث قد صدقها القرآن لقول الله: {ثُمَّ أَتِمُوا الصَّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (البقرة 187/ 2)، فكما أنه لم يجز الإفطار قبل الليل كذلك لا يُجزئه الصوم إذا لم يعقد قبل الفجر" (3).
ويذكر وائل بن أيوب أن علينا ألا نقول على النبي و إلا ما وافق كتاب الله، إذ أن سنة النبي موافقة لكتاب الله تعالى لا تخالفه، وعليه يجب أن يُعلم أن ما جاء مناقضا للكتاب هو من الروايات الكاذبة والأحاديث المبتدعة، وهي كذب وباطل (4).
ونجد من تطبيقات هذا المنهج عند الإباضية ما ورد في كتاب الحجج والبراهين فقد نهج مؤلفه في بناء أصول المسائل على نصوص القرآن الكريم، وتبعا لذلك يخضع كل حديث مخالف لآيات القرآن للنقد، ومن أمثلة ذلك احتجاجه ردّا على من روى: أنّ من قال لا إله إلا الله دخل الجنّة وإن سفك الدماء وأكل أموال الناس ظلماً) (5)، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ (النساء 29/ 4) (1).
(1) أبو المؤرج الصيام من روايات أبي المؤرج (مخ) ص 27.
(2) تقدم تخريجه، ص 108.
(3) أبو المؤرج الصيام من روايات أبي المؤرج (مخ) ص 28.
(4) ابن جعفر، كتاب الجامع، 109/ 1 - 110 - 111،
(5) أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال قال رسول الله من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق في كتاب الإيمان، باب فضل الإيمان، 394/ 1 (170)، والطبراني في المعجم الأوسط، باب من اسمه إبراهيم، 2/ 328 (1/178)
صفحة 179
علوم السنة عند الإباضية
159
وقد سبق ذكر استدلال أبي سعيد الكدمي على هذا المنهج بحديث عرض السنة على القرآن ووصفه له بالأصل الثابت عن النبي، وأنه الصحيح من الأصول (2). ومن تطبيقات هذا المنهج عنده نقده لأحاديث المسح على الخف إذ يرى مخالفتها بعض آيات من القرآن، ويقول والرواية" إذا لم تقم الحجة بصحتها، وتخالفت الأمة، فالرجوع إلى قول الله أحزم وأولى ... فما بالي أترك حكم التنزيل المصرح به صريحاً، وأميل إلى العمل بروايات اختلف المسلمون في صحتها ومتنها" (3).
ويطرح الكدمي حوارا في مناقشته الرواية: الأئمة) من قريش) (4)، خلاصته أن من لازم هذه الرواية أنه لا تلزم طاعة أي إمام إلا أن يكون منهم، ولئن كان الأمر كذلك فهذه دعوى على كتاب الله فالله تبارك وتعالى خاطب المؤمنين كافة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ منكُمْ) (النساء 59/ 4)، وثبت بالإجماع أن الأئمة يكونون من سائر المؤمنين، فلو
(2124)، وفي مسند الشاميين حديث رجاء عن أبي أمامة الباهلي 214/ 3 (2113)، وفي لفظ مسند الشاميين عن أبي الدرداء، فقال أبو الدرداء وإن زنى وإن سرق فقال رسول الله وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء، وعلى كل حال حين يتوب المرء فلا كبير مع استغفار ورحمة الله واسعة تعم التائبين، ولكن لا بدّ مع القول العمل، فلا إيمان دون اقترانهما، وهو الذي نبه عليه ابن حبان حتى في تبويبه للحديث حين خرجه. الرحيلي بشير بن محمد الحجج والبراهين، (مخ)، مكتبة، إروان، العطف، غرداية،
(1)
الجزائر، (د. ر)، ص 21 - 24 - 25.
(2)
الكدمي
(3) الكدمي
أبو سعيد التعقيب على كتاب الأشراف (مخ)، 36/ 1.
أبو سعيد، المعتبر، 67/ 2.
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه كتاب معرفة الصحابة، ذكر فضائل القبائل، 85/ 4 (6962)، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب العلم، الأئمة من قريش 467/ 3 (5942)، والطبراني في المعجم الأوسط، باب من اسمه، حفص، 26/ 4 (3521)، وأبو يعلى في مسنده، مسند أنس بن مالك، 321/ 6 (3644). (1/179)
صفحة 180
علوم السنة عند الإباضية
160
ثبت أن الأئمة من قريش فإن المخاطبة تقع على قريش خاصة؛ وغيرهم خارج من معنى الطاعة؛ وهذا باطل لا يدعيه أحد علمه، كذلك يحرم على غير القرشي
(1)
معارضته والدخول في الإمامة، ويستشهد الكدمي لتدعيم نقده بقول النبي وليكم حبشي مُجَدَّع الأنف فأقام فيكم فرض الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا) () ومحال أن يكون الحبشي من قريش، وكذلك يستشهد بما صح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه دليلا آخر فقد روي عنه أنه لما ولي الخلافة قام خطيبا وكان مما قاله: (يا أيها الناس إني وليتكم ولست بخير منكم، فأطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم) (2).
ويؤكد ابن بركة أن علينا الرّجوع إلى حكم القرآن مستدلين عليه باللغة التي خوطبنا بها، في حال الاختلاف في الأخبار (3)، حال الاختلاف في الأخبار (3)، ومن هذا المنطلق يناقش مسألة. القرآن فيستدل على ردها بما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع القرآن جمع حتى جمعه أصحابه بعده بقول الله جل ذكره: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت 41/ 41 - 42) وبقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر 9/ 15) وقوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الأعراف 146/ 7) مؤكدا أن نحو هذا في القرآن كثير، ويقول ابن بركة أيضا: " وإني لأعجب ممن يقبل من المسلمين قول من يزعم أن رسول الله و ترك القرآن الذي هو حجته على أمته، والذي تقوم به دعوته والفرائض التي جاء بها من عند الله، وبه يصح الذي بعثه الله داعياً إليه مفرقاً في قطع الحرف الذي لم يجمعه ولم يضمّه ولم يحصه ولم يحكم الأمر في قراءته وما يجوز من الاختلاف فيها وما لا يجوز، وفي إعرابه
(1) تقدم تخريجه، ص 68. أبو سعيد، الجامع المفيد،،17/ 2 - 18، وخطبة أبي بكر يوم البيعة وهذا جزء منها
(2) الكدمي
أخرجها عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الجامع، باب لا طاعة في معصية،
(20702) 336/ 11
ابن بركة، الجامع 337/ 1. وانظر المصدر نفسه: 310،340/ 2.
(3) (1/180)
صفحة 181
علوم السنة عند الإباضية
161
ومقداره وتأليف سوره، وهذا لا يتوهّم على رجل من عامة المسلمين؛ فكيف برسول الله (1)
ويستشهد ابن بركة في تتمة كلامه بقول بعض أهل العلم بالقرآن بأن مما يدل على خطأ هؤلاء هو أن الله جل ذكره أنزل القرآن على رسوله في ثلاث وعشرين سنة فكان يقرأ على أصحابه كلما أنزلت آية وسورة، و كانوا أهل عناية
به وتعظيم له وحرص عليه، يدرسونه نهارهم وليلهم ويتفقهون فيه، ويتفهمون معانيه، ويقرئه بعضهم بعضاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غيره من مساجدهم ومشاهدهم، والنبي الله يحثهم على تعلمه وتعليمه ويرغبهم فيه مبينا فضل تعلّمه وتعليمه وأنه الأولى في كل ذلك قائلا: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (2)، ويقول أيضا: إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته) (3).
ويؤكد أبو الحسن البسيوي على هذا المنهج منطلقا في حجيته من حديث عرض السنة على القرآن خلال نقده لما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحاب بدر (اعملوا ما شئتم فقد غفر الله لكم) (4) محتجا عليهم بما نزل من آيات خبر
(2)
(1) ابن بركة، الجامع، 591 - 60، وانظر مناقشته المسألة، ص 58 - 59 - 60. رجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن باب خيركم من ... 1919/ 4 (4739)، وابن حبان في صحيحه كتاب العلم، ذكر البيان بأن خير الناس ... 324/ 1 (118)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب فضائل القرآن فضل من تعلم القرآن، 19/ 5 (8037)، والترمذي كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في تعليم القرآن،
(2909) 175/ 5
(3) هذا اللفظ جزء من حديث أطول، أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب فضائل القرآن، باب أخبار في فضائل القرآن جملة 741/ 1 (2040)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الصلاة، باب الترغيب في تعلم القرآن 541/ 1 (983)، والدارمي في سننه، في كتاب فضائل
القرآن باب فضل من قرأ القرآن، 523/ 2 (3315). (4) أخرجه البخاري في صحيحه في أكثر من موضع ضمن خبر حاطب بن أبي بلتعة، ومنها بلفظ (فقال إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح ... 1557/ 4 (4025)، ومسلم في صحيحه (1/181)
صفحة 182
علوم السنة عند الإباضية
162
قذف السيدة عائشة والحكم بالجلد، فذلك يدحض حجتهم إذ أن مسطحًا قذف عائشة فجلده النبي، وكان مسطح بدريا ولو كانت ذنوب أهل بدر معفوة على الإصرار لما جلد مسطح وهو بدري، ثم إن الله يقول إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النور 23/ 24) (1).
ولئن رأى البسيوي في حديث أهل بدر هذا الرأي فإننا سنتعرف على رأي مخالف له عند بعض علماء الإباضية في موضعه عند الحديث عن ذكر فضل
الصحابة.
ويورد العوتبي نقد السيدة عائشة لحديث أبي هريرة الذي يرفعه: (الطيرة في الدابة والمرأة والدار) (2)، مستشهدة بقول الله عز وجل: {مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا (الحديد 22/ 57) (3).
وهكذا نجد جل فقهاء الإباضية يطبقون هذا المنهج، فالسوفي يستشهد بحديث عرض السنة على القرآن ويطبقه ويذكر أن تطبيق هذا الحديث في غير المتواتر أي الأحادي المختلف في صحته، ولعل مرد ذلك إلى أن المتواتر لا يصادم النص القرآني (4)، وأبو عبد الله الأصم يقول: "كل سنة موافقة للكتاب فهي سنة رسول الله الله و ما خالف الكتاب فهو بدعة لأن الكتاب والسنة متفقان ونجد عند عثمان الأصم جملة من التطبيقات خلال مناقشته لبعض
مقرونان" (5)
كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر، 1941/ 4 (2494)، والترمذي في سننه، كتاب
تفسير القرآن باب ومن سورة الممتحنة، 410/ 5 (3305).
(1) البسيوي أبو الحسن سيرة الشيخ أبي الحسن البسيوي، مخ مج، ص 77.
(2) تقدم تخريجه، ص 107.
(3) العوتبي، الضياء 257/ 2. (4) السوفي، السؤالات (مخ) ص 436. (5) الأصم أبو عبد الله، البصيرة، ص 9. (1/182)
صفحة 183
ة علوم السنة عند الإباضية
163
الروايات في مسألة الشفاعة وغيرها من الروايات في أبواب التوحيد (1). ويجيب أبو ستة محمد بن عمر سائله عن رواية ذكر له أنّه رفعها بعض المفسرين إلى النبي: (لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده) (2) بقوله: "اعلم يا أخي أن ظاهر هذا الحديث لا يناسب ظاهر القرآن، قال الله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} (فصلت (46/ 41)، وقوله: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا (الكهف 49/ 18)، وقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} (الزخرف 76/ 43)، إلى غير ذلك، ومعناه أنه لا يؤاخذهم بغير ما اكتسبوا، ولا يعذبون بغير ما اجترموا، ولو أدخلهم النار مع موتهم صغارا أو كبارا موفين بدين الله لكان مؤاخذتهم بما لم يفعلوا" (3).
ونجد البرادي خلال حديثه عن النظر والاستدلال والاستنباط والبحث عن العلل عند من كانت له القدرة على الاجتهاد يبين أنه لا يجوز له تقليد غيره، بل عليه أن يعرض أقوال العلماء على القياس المَحَجِّ وهو صحيح السنة، ويعرض السنة على القرآن (4).
ويعرض عمرو التلاتي لطائفة من الأحاديث الموضوعة في كتابه نزهة اللبيب كما وجدته منقولا عنه في أحد المخطوطات - و يعلق عليها بقوله:" هذه الأحاديث كلها موضوعة على رسول الله، ونسبت إليه باطلا وزورا"، ثم يورد أحاديث أخرى صحيحة تردّها قائلا: " و أسمع ضدها من الأحاديث التي توافق
القرآن (5)
(1) الأصم عثمان بن أبي عبد الله، النور، ص 247. (2) لم أشتغل بتخريجه فظاهره ساقط، فقاعدة العدل الإلهي تقتضي أن {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (الأنعام 164/ 6)، وهؤلاء لا جرم لهم بما كسبته أيدي آباؤهم. السدويكشي أبو ستة محمد بن عمر القصبي (1678/ 1088)، أجوبة أبي ستة (مخ) ضمن
(3)
مجموع، مكتبة أوزكري، بني يسجن، غرداية، الجزائر، رقم 99، ص 3.
(4) البرادي أبو القاسم إبراهيم البحث الصادق، (مخ) ص 22 ظ.
(5) الجربي سالم بن يعقوب (1988/ 1408) مدونات سالم بن يعقوب، (مخ) محفوظة في (1/183)
صفحة 184
علوم السنة عند الإباضية
164
ونجد هذا المنهج حاضرا عند المتأخرين كابن أبي نبهان الخروصي فيما تقدم ذكره من استشهاده على حجية نقد الرواية وتضعيفها بمخالفتها الكتاب
بأحاديث عرض السنة على القرآن (1)، وكأبي محمد الخليلي الذي يذكر أنه لا يجوز القطع بالغيب على إثبات أي رواية عنه من دون صحة شهرة توجب العلم به من التواتر، إلا على معنى ما يجوز من نسبة الحق إليه، بعد عرضه على كتاب الله تعالى، فان وافقه فهو عنه، ومنه، كما صح في الحديث الشريف المشهور عنه يقول القطب اطفيش" والحديث الموافق للقرآن مقبول، و كذا المُجمع عليه، ويُردّ ما خالفه لأنه مكذوب فيه عنه، وبعض الأحاديث
? (2)
صحتها تحتمل التأويل" (3).
وهكذا تبين لنا أحد الأوجه من منهج نقد المتن عند الإباضية من خلال عرض السنة على القرآن إذ جعلوا القرآن ميزانا للنقد، مقياساً للقبول والردّ، فكل ما وافق القرآن من الحديث كان صحيحا مقبولا، وكل ما خالفه كان ضعيفا وباطلا
مردودا.
على أن ما عرضناه هنا هو جزء يسير مما طرحه الإباضية في كتبهم حول هذه القاعدة ولم يكن في بغيتنا إلا بيان حضور هذه القاعدة في نقدهم، ولا يتعارض هذا مع توجيه الروايات ضمن ما يُعنى بدرء التعارض سواء بالنسخ أو الجمع أو الترجيح، فهذا الفن حاضر في تعامل الإباضية مع النصوص، ولكن تنصب القاعدة فيما لم يمكن توجيهه ضمن ذلك، وظهر تعارضه جليا ولا يمكن جمعه أو تأويله.
مكتبته، جربة، تونس، در (د. تر)، نقلتها منها. (1) السعدي جميل بن خميس، قاموس الشريعة، (مخ) 108/ 87. (2) الخليلي أبو محمد سعيد بن خلفان، التمهيد،24/ 3.
اطفيش محمد بن يوسف (1914/ 1332)، شامل الأصل والفرع، وزارة التراث القومي
والثقافة سلطنة عُمان، 1404 هـ، 1984 م، 9/ 1. (1/184)
صفحة 185
علوم السنة عند الإباضية
المبحث الثاني: نقد الحديث بالحديث الصحيح:
165
يأتي نقد الحديث بالحديث الذي صح وجها من وجوه نقد المتن، ونجد له تطبيقات وشواهد كثيرة عند المتقدمين والمتأخرين من الإباضية على حد سواء.
ومن
أمثلة هذا الضرب من النقد عند المتقدمين نقد أبي المؤرج لحديث: أفطر الحاجم والمحجوم) (1)، فقد أورد عدة روايات تعارض هذه الروايات، منها رواية عن ابن عباس أنه قال: (مر بنا أبو طيبة اليماني لعشر من رمضان بقين أو مضين فقال له ابن عباس: من أين أقبلت؟ فقال: احتجمت لرسول الله) (2)، وما ذكر عن ابن عمر أنه كان يحتجم، فلما كبر خاف الضعف فأخر الحجامة إلى المساء، وعن أنس بن مالك قوله: ما كنا نرى أكره منها إلا الضعف، وعن سعيد بن جبير أَنَّهُ احتجم صائما، وكان يقول: "صام الحاجم والمحجوم"، ويعقب أبو المؤرج بأن السنة في الصيام إنما نهوا عن الطعام والشراب وغشيان النساء، و ليست الحجامة شيئا من ذلك، فالحجامة لا تمنع إلا بخوف الضعف فإن احتجم فقد تم، صومه فبهذا كله نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا (3).
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الصوم، 590/ 1 (1558)، وابن خزيمة، في صحيحه، كتاب الصيام، باب ذكر أن الحجامة ... 226/ 3 (1963)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، الاختلاف على أيوب، 218/ 2 (3141)، وأبو داود في سننه، كتاب الصوم، باب الصائم يحتجم، 308/ 2 (2367). خبر حجامة أبي طيبة للنبي وهو صائم ورد بأكثر من صيغة، أخرجه الطحاوي في
(2)
شرح معاني الآثار، كتاب الصيام، باب الصائم يحتجم 101/ 2، وعبد الرزاق في مصنفه الصيام، باب الحجامة للصائم، 212/ 4 (7536)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، حديث جد طلق بن علي، 220/ 5 (2750)، والطبراني في المعجم الكبير، في حديث أبي الدرداء 383/ 22 (954)، وأبو يعلى في مسنده، حديث أبي عمران الجوني عن أنس،
(4225) 226/ 7
(3) أبو المؤرج الصيام من روايات أبي المؤرج (مخ) ص 36. (1/185)
صفحة 186
علوم السنة عند الإباضية
166
(1)
ونجد شبيبًا بن عطية في نقده لرواية: (اطلع الله على أهل بدر .... إلخ) ينقدها (2) برواية أخرى والذي نفس محمد بيده ليردن الحوض رجال فإذا
عرفوني وعرفتهم اختلجوا من دوني، فأقول يا رب أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (3).
ومن نماذج هذا النقد عند ابن بركة تصحيحه لرواية: (النميمة الكاذبة والكذب والغيبة ينقضن الصيام وينقضن الوضوء) (4)، ثم ذكر الاختلاف في صحة هذا الحديث فجحده بعضهم وأثبته بعضهم، ويرى ابن بركة أنه قد تأوله بعض من أثبته تأويلاً غير صحيح، حين قالوا: إن معناه أنه لا يستحق معه الثواب على صومه وطهارته ما يستحقه لو لم يفعل ذلك، وأما رفع الشيء بكليته وإيجاب إعادة الفعل به فلا، ويستدل ابن بركة على تصحيح هذا الحديث بروايات
(1) تقدم تخريجه، ص 159.
(2)
العماني شبيب بن عطية، سيرة شبيب بن عطية مخ مج، ص 289. (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قول الله وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، 1222/ 3 (3171)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب إثبات حوض نبينا ... 1776/ 4 (2297)، والحاكم في المستدرك، كتاب التفسير تفسير سورة الزخرف، 486/ 2 (3673)، وابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، ذكر الخبر الدال على
(7347) 343/ 16 ...
(4) أخرج الربيع في مسنده حديثا من طريق جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الغيبة) تفطر الصائم وتنقض الوضوء) في كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، 58/ 1 (105)، وفي كتاب الصوم، باب ما يفطر الصائم، 130/ 1 (317)، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان ما يشهد لمعناه عن ابن عباس: أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر وكانا صائمين، فلما قضى النبي الصلاة قال: أعيدا وضوءكما وصلاتكما وامضيا في صومكما واقضياه يوما آخر، قالا لم يا رسول الله؟ قال اغتبتم فلانا)، في الباب الرابع والأربعين، فصل فيما ورد من الأخبار ... 303/ 5 (6729)، وأخرج الطبراني ما يشهد لهذا المعنى عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان في المعجم الأوسط، كتاب الطهارة، ذكر الوضوء من الغيبة والنميمة وأذى المسلم 232/ 1 (137)، وأخرج مثله عن ابن مسعود وعائشة في الباب نفسه. (1/186)
صفحة 187
علوم السنة عند الإباضية
167
(2) ,
(3) فـ
نقده
أخرى صحت عن النبي منها: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس الله حاجة أن يدع له طعامه وشرابه) (1) وقوله (رب) صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر) (2)، كما يستشهد) لرواية: (الإمامة في قريش) (4) بقول عمر رضوان الله عليه مع أنه أحد من ذكروا في رواة تلك الرواية: (لو) كان سالم حياً ما خالجني فيه الشكوك) (5) فلو الرواية صحيحة لم يكن لعمر حتى أن يفكر في مخالفتها.
كانت
ونري نموذجا نقديا آخر لابن بركة يظهر فيه نفسه البحثي الواسع المتعمق، ونظره المحلّل المحقق في مسألة جمع القرآن، والتي سبق ذكر استدلاله
بدلائل من القرآن يردها بها، فقد بحثها في موضع آخر وردها بأدلة مما. عنده من الأخبار، واصفا في نقده بعض أصحاب الحديث بأنهم لا يبالون ما رووا عن أصحابهم حين رووا أن القرآن كان مفرقاً فجمعه أبو بكر الصديق، وروى بعضهم أن عثمان جمعه، طاعنا في طريقة الجمع التي ذكروها في أخذ آية من هاهنا وأخرى من هناك، وأن الرجل كان يجيء بالآية ويسأل عنها الشهود ثم
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، 2251/ 5 (5710)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصيام، باب النهي عن قول الزور والعمل به، 241/ 3 (1995)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصوم، باب ذكر الخبر الدال على أن الصوم إنما يتم باجتناب ... 256/ 8 (3480). (2) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الصوم، 596/ 1 (1571)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصوم، ذكر الزجر أن يخرق المرء صومه، 257/ 8 (3481)، وابن خزيمة في صحيحه کتاب الصوم، باب، نفي ثواب الصوم ... 242/ 3 (1997).
(3) ابن بركة، الجامع 8/ 2 (4) تقدم تخريجه، ص 157.
(أورد ابن الأثير قول عمر في ترجمة سالم مولى أبي حذيفة بلفظ: (لو كان سالم حياً ما جعلتها شورى). ر: الجزري ابن الأثير أبو الحسن علي بن محمد (1233/ 630)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تح علي محمد معوض و عادل أحمد موجود، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، توزيع مكتبة الباز بمكة المكرمة، (د. ت)، 383/ 2. (1/187)
صفحة 188
علوم السنة عند الإباضية
168
تكتب، وأن زيدًا بن ثابت لما أمره عثمان بكتابة المصحف فقد آيتين ثم وجدهما عند رجلين من الأنصار، وتولى زيد وغيره من الصحابة تأليف السور والآيات. يقول ابن بركة متعقبا ذلك بقوله: " وهذه أخبار مطعون عليها، ويقال إن الزنادقة قد دسوا الزيادات والأحاديث في أحاديث الأمة (1)، ثم يؤكد ابن بركة أن الأدلة قائمة أن السور كانت معروفة مؤلفة في زمان رسول الله، وأن القرآن قد كان فرغ من جمعه، ويستشهد على ذلك بروايات عدة منها ما روي من (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود: اقرأ علي، فقال عبد الله: أقرأ وعليك أنزل؟ قال أحب أن أسمعه من غيري فقرأ سورة النساء حتى إذا بلغ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً} (النساء 41/ 4)، استعبر رسول الله فكف عبد الله) (2).
ويستدل ابن بركة أيضا بما روى عبد الله بن عمر قال: (أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قال: قلت بلى يا رسول الله، قال: اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك فقال: اقرأه في عشرين، فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فقال: اقرأه في سبع لا تزد على ذلك (3)، وكذلك يستدل ابن بركة في هذه المسألة أيضا بما روي عن الشعبي قال: (لم يجمع القرآن على عهد رسول الله و إلا ستة كلهم من الأنصار)، وما روي عن قتادة عن أنس قال: قرأ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أبي،
(1) ابن بركة، الجامع، 64/ 1.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره، 1925/ 4 (4762)، ومسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن ... 551/ 1 (800)، والحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، مناقب عبد الله بن مسعود 360/ 3 (5394) (3) أخرجه النسائي في السنن الصغرى، كتاب الصلاة، باب في ترتيل القرآن ... 561/ 1 (1035)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، أبواب قراءة القرآن ... 54/ 2 (1388)،
وأحمد في مسنده، مسند عبد الله بن عمر، 162/ 2 (6506). (1/188)
صفحة 189
علوم السنة عند الإباضية
169
ومعاذ، وزيد، وأبو زيد، وأبو أيوب) (1) فلو كان القرآن غير مجموع لما تمكن عبد الله من قراءته في شهر أو سبع، ولما أمكن الستة أن يجمعوه ويحفظوه. ويستشهد ابن بركة مع ما تقدم أيضا بما روي من أن جبرائيل عليه السلام كان ينزل كل عام فَيُقْرِئ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن مرة حتى إذا كان العام الذي قُبض فيه رسول الله عرضه ذلك العام مرتين) (2)، كما يستشهد بدلالة الأحاديث التي ذكرت الوعيد على من تعلم القرآن وحفظه ثم نسيه ويقول:" لو لم يكن القرآن مجموعاً محفوظاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن لذكر هذا الوعيد معنى" (3).
ويعرض أبو عبد الله الكندي رواية من يروي عن النبي أنه قال: (ولو صلى الله عليه وسلم
وليك عبد حبشي فاسمع له وأطع) (4) ويقول: "وقد جاء في الحديث عن النبي
?
ستة.
الروايات التي ذكرت جمع القرآن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بعضها ذكر أربعة وبعضها ذكر
ورواية ذكر الأربعة أخرجها مسلم في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب من فضائل أبي بن كعب وجماعة ... 1914/ 4 (2456)، وابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، ذكر البيان بأن معاذ ... 72/ 16 (7130).
ورواية أنهم ستة أخرجها الحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ذكر سعد
القارئ، 291/ 3 (5134)، والربيع في مسنده، باب في ذكر القرآن، 25/ 1 (6). (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن باب تأليف السور، 1911/ 4 (4711) (4712)، وابن أبي شيبة في كتاب فضائل القرآن، في درس القرآن و عرضه، 30292154/ 6)، (30293)، وأبو يعلى في مسنده، مسند ابن عباس،
(2562) 435/ 4
(3) ابن بركة الجامع، 63/ 1 - 66.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، 2612/ 6 (6723)، وابن ماجة في سننه كتاب الجهاد باب طاعة الإمام
(2860) 955/ 2
وقد سبق تخريج حديث آخر مقيد للطاعة بإقامة كتاب الله، ثم كما ترى أن البخاري
بوب عليه بما لم تكن معصية"، وابن ماجة أخرج الحديث الآخر المقيد للطاعة. (1/189)
صفحة 190
علوم السنة عند الإباضية
170
خلاف وتكذيب لما قالوا إنه قال لابن مسعود: (ولا طاعة لمن عصى الله) (4) وقال النبي: إن وليكم حبشي مُجَدَّع فأقام فيكم كتاب الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا) (2) ففي ففي هذا نقض لحجتهم ودحض البدعتهم" (3).
أمتي) (4)
افقة
ونجد عند عثمان الأصم نماذج من هذا النوع من النقد عند نقده لبعض أحاديث العقائد منها نقده لما روي أن النبي الله قال شفاعتي لأهل الكبائر من ويذكر أن هذه الرواية عارضتها رواية أخرى، محبطة لها، وهي موا للكتاب وهي قوله: (لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي) (5)، ثم يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد يدخل الجنة يوم القيامة إلا بفضل الله، ثم بعمله، ثم بشفاعتي) (6) ويفسر الأصمّ الشفاعته بأنها زيادة للمؤمن في أجره، ورفع درجته (1)
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الجهاد، باب لا طاعة في معصية الله، 956/ 2 (2865)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، 124/ 3 (5096)، والطبراني في المعجم الكبير، مسند عبد الله بن مسعود، 173/ 10 (1036).
(2) تقدم تخريج هذا الحديث، ص 68.
(3) الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 414/ 3 - 415. (4) أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه كتاب الإيمان، 139/ 1 (228)، وابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، ذكر البيان بأن الشفاعة ... 387/ 14 (6468)، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في الشفاعة، 236/ 4 (4739). (5) أخرجه الربيع في مسنده من طريق جابر بن زيد يرفعه إلى النبي، ثم يقول الربيع يحلف جابر عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عنى القتل والزني والسحر وما أوعد الله عليه النار، وذكر أن أنس بن مالك يقول: إنكم لتعملون أعمالا أدق في أعينكم من الشعر ما كنا نعدها على عهد رسول الله إلا من الكبائر" ر: الربيع، مسند الربيع، 379/ 1 (1004)
هي
(6) أخرج مسلم في صحيحه حديثا بلفظ) لن ينجى أحدا منكم عمله، قال رجل ولا إياك يا رسول الله، قال ولا إياي إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ولكن (سددوا وذكر رواية مثله بنفس الإسناد وفيه قال: (برحمة منه وفضل ولم يذكر (ولكن) سددوا)، في كتاب صفة القيامة، (1/190)
صفحة 191
علوم السنة عند الإباضية
171
ويقول أبو محمد الخليلي: " ... إن روايتهم بإثبات الشفاعة لأهل الكبائر تضادها رواية أصحابنا بنفيها عنهم، وإذا تنافت الروايتان فالمرجع فيهما إلى أحكام القرآن المبين (2)، هذا ولا يرد الإباضية أحاديث الشفاعة عموما، لكنهم يتأولوها للمؤمنين الموفين بزيادة أجرهم، أو بتعجيل الحساب يوم العرض وكشف الغمة عن الخلائق كرامة الرسول الله (3).
المبحث الثالث: نقد الحديث بمخالفة العقل والحق وصحيح الحقائق
أ- نقد الحديث من خلال قرائن العقل:
اهتدائه بنور
العقل أداة التمييز ومناط التكليف، وهو وسيلة إدراك الخطاب ومعرفة الحجة وفهم الأدلة، كما أنه المعين على الكشف عن خفي العلل، وبواطن الإشكال وسط النص والدليل، فيخرج الإنسان عند سلامة تمييز عقله مع الوحي المنزل من ربقة الخيرة وظلام الشك وعمى الجهل، ولذا كان العقل أحد طرق نقد المتن، ووسائل كشفها، إذ المتن الصحيح المنقول لا يأتي بما يعارض مسلّمات العقول. ونجد أمثلة كثيرة لهذا النوع من النقد، في معالجة الإباضية لنصوص الحديث أخذا أو ردا، من ذلك جواب ابن عبد العزيز عندما سأله أبو غانم عن رواية من روى عن النبي أنه نهى أن يخلط تمر ببسر وزبيب ببسر
وزبيب بتمر، وقال انبذوا كل واحد منهما على حدة تمرا فرادى وبسرا فرادى)
(4)
(2816) 2169/ 4
(1) الأصم عثمان بن أبي عبد الله: النور، ص 247.
(2) الخليلي، التمهيد، 142/ 2.
1 (3)
المزيد من التفصيل ر: الأصم عثمان بن أبي عبد الله النور، ص 247، السالمي، مشارق
أنوار العقول، ص 374 - 378.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط ... 2126/ 5 (5280)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأشربة باب كراهة إنتباذ التمر والزبيب مخلوطين، 1574/ 3 (1986) (1987)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الأشربة، الرخصة في انتباذ البسر وحده ... 209/ 3 (5080)، وأخرجه الربيع في مسنده كتاب الأشربة، باب (1/191)
صفحة 192
علوم السنة عند الإباضية
172
فبين أن هذه الرواية بلغته لكن من أخذ عنهم واعتمد عليهم في هذا لم يختلفوا في أن لك أن تنبذ أيا من ذلك وحده فهو حلال أو أن تخلطه بغيره من الحلال، ثم يعقب بقوله: "كيف يجوز أن يكون تمر فرادي حلالا وبسر فرادى حلالا وإذا اختلط صار حراما؟ وإنما اختلط الحلال بالحلال، ونبيذ التمر وحده حلال وكذلك نبيذ الزبيب وحده حلال، فمن أين يدخل عليه الحرام في الاختلاط وكلاهما في التمر والزبيب حلال و نبيذهما مثل ذلك؟ " (1).
ويكشف لنا نقد ابن عبد العزيز لهذه الرواية أنّها لم تصح عنده كما لم يقبلها في تحليله العقلي، رغم أنه قدم قبل كلامه المتقدم أن الحق فيما نقله من حلية ذلك وأنه موافق للقياس العقلي لكنه لا يستخدم هذا القياس لو كانت الرواية صحيحة
فيقول:" غير أنا لا نقيس عن النبي صلى الله عليه وسلم بل نقبل ذلك عنه لو نعلم أنه قال (2).
وفي حقيقة الأمر أنّ في نقد ابن عبد العزيز لهذه الرواية نظرا، أولا: لأن الرواية رواها بعض علماء المذهب وأخرجها الربيع من رواية جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري وقد صححوها، فهو إما إنّه لم يأخذ هذه الرواية من طريق من أخذ عن جابر أو أنه وهم وغفل عنها، وقد روى ابن حزم في المحلى جوابا عن جابر بن زيد يفهم منه القول بالتحريم
(3)
على أن العلة التي كانت سبب النهي وردت في بعض الروايات، ومنها أنه
تحريم بيعها وشربها، وقد ذهب بعض إلى القول بعدم التحريم، ولعله لم ير صحة هذه الأحاديث أو لم تبلغه، فقد نقل ذلك عن ابن عمر، وأبي حنيفة والنخعي وأبي يوسف ومثلهم هنا ابن عبد العزيز. ر: الظاهري أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (1064/ 456)، المحلى تح: لجنة إحياء التراث العربي، دار الأفاق الجديدة، بيروت، لبنان، (دت) 511 - 510/ 7، العيني بدر الدين محمود بن أحمد (1452/ 855)، عمدة القاري، دار إحياء
التراث، بيروت، لبنان، (د. ت)، 183/ 21.
(1)
(2)
الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 2/ 54.
م. س، 2/ 54.
(3) الظاهري ابن حزم المحلي، 510/ 7. (1/192)
صفحة 193
علوم السنة عند الإباضية
173
(سكر رجل فحده النبي ثم أمر أن ينظر ما شرابه فإذا هو تمر وزبيب فنهى النبي أن يجمع بين التمر والزبيب، وقال يكفي كل واحد منهما وحده) (1) والظاهر أن الجمع يقوي حدة الشراب فيجعله مسكرا، وثانيا أن هذا التوسع في استخدام العقل في النقد يبقى محل نظر، ولعل عبارته التي تفيد أنه لا يقيس إن صح عنده شيء عن الرسول تعتذر له، وتكشف لنا أن هذا النوع من نقده هو في ما لم يصح من الروايات.
ونجد مثل هذا النقد مطبقا حتى في السير والأخبار، حيث ينقد أبو المنذر بشير بن محمد ما ذكر من أنّ عليّاً كان أول النّاس إسلاماً؛ بأن ذلك كيف يكون وهو ابن سبع سنين قد رفع عنه التكليف، والرسول يشاور أصحابه البالغين العقلاء دون الصبيان
(3)
(2)
إن الكشف عن صحيح الآثار محتاج إلى استعمال الفكر دون تتبع ظواهر الأمور، ففي ذلك الهلاك إلا كل من وافق الحق من ظواهر الأمور، على حد قول الكدمي، ونجد ابن بركة يقرن بين موافقة الكتاب وقبول العقل في نقده لبعض الروايات فيقول معلقا على بعضها: " وهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب صحته العقول (4)، ويقف عند رواية قيل إنها عن النبي: (يجزي الغسل من الجنابة صاع من ماء) (5)، ويعقب بأنه لا يحفظ هذا الخبر، وأن الذي جاءت به الأخبار ونُقل عن حملة الآثار: أن النبي لا توضأ بمد من ماء، واغتسل من
(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب الأشربة، باب الجمع بين النبيذ، 212/ 9 (1697). (2) بشير بن محمد الحجج والبراهين، (مخ)، ص 22.
(3) الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 106/ 1.
(4) ابن بركة، الجامع، 429/ 1 - 430.
(5) أخرج موقوفا على جابر بن عبد الله، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل، باب الغسل بالصاع 101/ 1 (249)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب القدر من .... 116/ 1 (233)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب استحباب أن لا ينقص .. ، 195/ 1 (891). (1/193)
صفحة 194
: علوم السنة عند الإباضية
من يحسن اقتصاد صب
174
الجنابة بصاع) (1)، ثم يذكر أن الرواية عنه أنه قال: يجزي الصاع غير الرواية عنه أنه اجتزى بصاع، ثم يعلل نقده بناء على تباين أحوال الناس فمنهم الماء، ومنهم من درايته في ذلك أقل، ومنهم قليل البدن، وآخر غليظ البدن، وبعضهم كثير الشعر، كما أن فيهم الجُرْد ومن لا شعر له على والنساء في ذلك يختلفن عن الرجال، فلذلك كما يرى ابن بركة لا يجوز أن يظن في النبي الله أنه يأمر بالصاع لكل من لزمه الاغتسال مع علمه باختلاف
رأسه،
أحوال الناس (2).
ويستشهد ابن بركة أيضا بما روي من عائشة من أنّها قالت: (اغتسلت أنا ورسول الله له بصاعين ونصف، كنا نتنازع الماء من إناء واحد، كل واحد منا يقول لصاحبه، أبق لي) (3)، يقول ابن بركة: فهذا يدل على أن الماء الذي يتطهر
وأخرجه بعضهم مرفوعا من غير طريق جابر، فأخرجه ابن ماجة من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب عن أبيه عن جده، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل ... 99/ 1 (270)، والطبراني في المعجم الأوسط، حديث من اسمه الحسين من طريق المعافى بن سليمان عن الحكم بن نافع عن موسى بن عقبة عن نافع ... إلخ، وذكر تفرد المعافى عن الحكم وتفرد موسى عن نافع، 6/ 4 (3467). وقد وردت روايات اختلف العلماء في تحديد كمية الماء من خلالها، ولذلك نقل البيهقي عن الشافعي تصحيحه أن لا وقت فيه إلا كماله، ثم قال البيهقي: قد روي عن النبي أنه قال في الجنب فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك بغير توقيت شيء منه ر: البيهقي، السنن الكبرى، 194/ 1، ولذلك فإن كلام ابن بركة له ما يشهد له ويقويه. (1) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد، 19884/ 1)، ومسلم في كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء، 258/ 1 (326)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب ما يجزي من الماء في الوضوء، 23/ 1 (92)، وابن ماجة في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل ... 99/ 1 (267).
(2) الكندي
1 (3)
محمد بن إبراهيم بيان الشرع 28/ 9
أخرج مسلم حديثا لفظه (عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في القدح وهو الفرق وكنت أغتسل أنا وهو في الإناء الواحد وفي حديث سفيان من إناء واحد قال قتيبة قال سفيان والفرق ثلاثة أصوع في صحيحه، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل ... (1/194)
صفحة 195
علوم السنة عند الإباضية
175
به غير موقت مقداره ولو كان مؤقتا لكان المتجاوز لذلك مخالفا لسنة الرسول
عليه الصلاة والسلام" (1).
وقد يعبر علماء الإباضية في نقدهم بدلائل العقل بعبارة "والنظر كذا"، كما في تعليق ابن بركة على خبر في الوضوء واحدة لمن قلّ ماؤه واثنتان لمن استعجل، وثلاث عليهن الوضوء وقد سبق ذكر هذا الخبر وذكر طرف من نقده،
يقول ابن بركة: هذا خبر لم نعرفه في الرواية، والنظر لا يوجبه، والسنن تشهد بفساده لأن في إثباته إيجاب فرض التحديد لذلك، وأن من قل ماؤه لا يجب أن يتجاوز الواحدة، وإن كان كل ما في مائه فضلا، لأن قليل الماء يقع على ما يغسل به ثلاثا أو أكثر، وقد يكون ما يقع عليه اسم قليل عند بعض هو كثير، ولو كان الخبر صحيحاً لبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم مقدار القليل والكثير، كما بين عدد المفروض في المسح من المسنون، وكان من استعجل لا تجزئه الواحدة - أي المرة، وإن زاد عن الاثنتين فهو مخالف، وأما قوله ثلاث عليهن الوضوء. قال لا أدري ما أراد أنه واجب أو غير واجب، في حال الاستعجال أو غير الاستعجال، وعند الأمن والخوف وكثرة الماء وقلته وغير ذلك والله أعلم بوجه مراده" (2).
إن نقد الحديث من خلال إخضاع المروي وعرضه على العقل فيرد ما لا يقبله العقل ويقبل ما لم يعارضه إنما يكون في ما لم يظهر تصحيحه، أو صادم مسلمات العقول، أو ما اختلف في تصحيحه، فكان للعقل مجال للبحث فيه عن
255/ 1 (319)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب لا وقت فيما يتطهر ... 193/ 1 (881)، 194/ 1 (884).
وقد ذكر البيهقي اختلاف العلماء في تحديد مقدار الفرق، فذهب سفيان بن عيينة على رواية مسلم عنه أنّه ثلاثة أصوع، ونقل هذا عن الشافعي في رواية عنه، ونقل عن أحمد بن حنبل قوله: الفرق ستة عشر رطلا ... وغيرها من الأقوال التي ذكرها. ر: البيهقي، السنن
الكبرى، 194/ 1. (1)
(2)
الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 28/ 9
ابن جعفر، كتاب الجامع، 388/ 1 - 389. (1/195)
صفحة 196
علوم السنة عند الإباضية
176
قرائن لتصحيحه أو تضعيفه حينها يقبل ما انساغ قبول ذلك في العقل ولم يعارضه حديث صحيح (1) كما يقول ابن أبي نبهان.
ويقول أبو محمد الخليلي في هذا الضرب من الروايات:" .. وأما نحن، فقد التقطنا أحاديث الأقوام، فقمنا نتكلّم على قياس ما ذكروا من ذلك من غير تجرد ولا تجربة، لكن دلّتنا شواهد العقول وصحة النّقول على أنّها من المقبول" (2).
2 - النقد بمخالفة الحق والعدل
إن مخالفة المروي وجوه الحق والعدل إشكال يحمل على تضعيف الخبر ورده، فإذا كان الإنصاف" في الحق قبول الحق ممن جاء به (3) كما يقول أبو عبيدة فإن من مقتضى ذلك أن رفض ما خالف الحق، إنصاف، ويؤكد الكدمي على أن لا اعتماد ولا قبول إلا لما وافق العدل، وجميع ما نقل أو روي لا يقبل منه إلا ما وافق العدل، وأنه لا فرق بين قول أي قائل موافقا كان أو مخالفا بل الجميع في ذلك سواء " فمن وافق قوله العدل فهو العدل، وإياه نعتمد وبه نأخذ وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز قبول غير العدل فيه (4).
و
يبين الكدمي أيضا أنّه لا أحد من علماء المسلمين المهتدين في حقيقة الأمر يقول غير ما وافق العدل ولا ما خالف العدل إلا ما كان على وجه الغلط أو الزلة فيتوب منها، أو نتيجة غلط أو خطأ ممن نقل عنه ذلك، أو في الأثر الذي جاء عنه في ذلك، ولذا ينبغي أن لا يردّ على أحد من الخليقة شيئاً من العدل، فلا يجوز ذلك، كما لا يقبل من أحد من الخليقة ما يخالف العدل (5).
(1) السعدي جميل بن خميس، قاموس الشريعة (مخ)،107/ 87.
(2) الخليلي، التمهيد، 44/ 1.
(3)
الخراساني أبو غانم، المدونة، 347/ 1.
(4) الكدمي
(5)
أبو سعيد، المعتبر، 210/ 3.
م. س، 210/ 3 (1/196)
صفحة 197
علوم السنة عند الإباضية
177
يقول أبو نبهان الخروصي: " معي أنه علي الاجتهاد لإصابة العدل في مخصوص كل شيء من الإسلام ومعموم، بأنه في حال كان في أمر الدين والرأي، ولا توفيق إلا بالله، ولا يصاب العدل إلا بفضله ومن فضله (1)، وهذا المعنى يؤكده ابن أبي نبهان الخروصي أيضا إذ يبين أنه يجوز قبول المروي والعمل به بقيود منها العدالة وموافقة الحق، وإن خالف الحق فلا يجوز ج-مخالفة الحقائق المشتهرة الصحة:
(2)
قد ترد بعض الروايات بأمور تخالف ما اشتهرت صحته، فيتوقف الناقد في قبولها، ويعرضها لمقاييسه النقدية من ذلك نقد ابن بركة لما وقف عليه من نقل
من نقل أن أبا بكر الصديق قال لغلامه وهو يتسحر أوثق علي الباب ألا يفاجئنا الصبح)، وما نقل أيضا عن ابن عباس أنه قال لغلاميه: (أسقياني الماء، فقال أحدهما أصبحت، وقال الآخر: لا، فقال: اسقياني فإني أشرب إلى أن تصطلحا) (3).
لأبي
يقول ابن بركة معلقا على تلك الرواية وذلك النقل مضعفا لهما: "وحاشا بكر وابن عباس مع ورعهما وزهدهما وعلمهما، وما يعلمان من اقتداء الناس بهما أن تكون فيهما شراهة الأنفس، وقلة الصبر على فضل الأكل أو شرب ماء، ولا يصبران على طاعة الله وطلب رضاه وخوف عقابه
(4)
(1) الخروصي أبو نبهان، رسالة للشيخ جاعد (ضمن الصحيفة القحطانية) (مخ)، ص 538 (2) السعدي جميل بن خميس قاموس الشريعة (مخ)، 109/ 87 (3) أخرج البيهقي خبرا لفظه قال أرسل بن عباس رجلين ينظران إلى الفجر فقال أحدهما أصبحت وقال الآخر لا قال اختلفتما أرني شرابي وقال: "وروي في هذا عن أبي بكر الصديق" في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب من أكل وهو شاك في طلوع الفجر،
(7828) 221/ 4
(4) ابن بركة، الجامع، 2/ 22. (1/197)
صفحة 198
علوم السنة عند الإباضية
178
ويتوقف ابن بركة أيضا في حديث بيع جمل جابر بن عبد الله (1) وينقل قول البعض أن في هذا الخبر نظرا، ويعلل التوقف في هذا الخبر بأن رسول الله لا يمكن أن ينهى عن شيء ثمّ يدخل فيه، وذكر تأويلات للحديث لو صح مبينا أن طريقه طريق الأخبار (2).
المبحث الرابع: النقد بالتأويل ومنهج الاحتياط
1 - تأويل الحديث:
للتعامل
يأتي التأويل أحد أوجه التعامل مع الأخبار ونقدها، وهو يكشف عن حذر في هذا التعامل، ويكشف لنا أبو عبد الله محمد ابن روح الكندي الكندي ثلاثة وجوه الأخبار تعتبر من الخطورة بمكان كبير إذ يهلك فيها ويضل من لم يعصمه الله
مع
(1) هذا الحديث أخرجه أصحاب الصحاح والسنن بألفاظ مختلفة، وبعضها ضمن خبر طويل ومن ألفاظه المختصرة لفظ مسلم: (جابر بن عبد الله أنه كان يسير على جمل له قد أعيى فأراد أن يسيبه قال فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فدعا لي وضربه فسار سيرا لم يسر مثله قال: بعنيه بوقية قلت لا ثم قال بعنيه فبعته بوقية واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت فأرسل في أثري فقال أتراني ما كستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع البعير واستثناء ركوبه 1221/ 3 (715)، والبخاري في صحيحه كتاب الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة،968/ 2 (2569)، وابن حبان في صحيحه، كتاب البيوع، ذكر الخبر الدال على أن البيع يقع .. ، 278/ 11 (4911).
وهذا الحديث اختلف فيه الرواة في عدد من الأمور منها وجود شرط ركوب الجمل إلى المدينة فمنهم من أثبته في الرواية ومنهم من لم يثبته، وكذلك اختلفوا في القيمة، ومنهم من ذكر هبة النبي صلى الله عليه وسلم الجمل لجابر بعد ذلك ومنهم من لم يذكره، وغيرها من الأمور التي بقيت محل خلاف بين العلماء. وقد ذكر البخاري بعض وجوه الاختلاف وأدلى بترجيحه فيها، كما فصل ابن حجر الكلام فيها ورجح ما رآه، ويصعب علينا عرض الخلافات حول هذا الحديث، غير أننا أردنا الإشارة إلى ذلك ليعلم منشأ الإشكال الذي أورده ابن بركة حول هذه
الرواية هنا. لمزيد من التفصيل راجع ابن حجر، فتح الباري 316/ 5 فما بعدها. (2) ابن بركة الجامع، 307/ 2 (1/198)
صفحة 199
علوم السنة عند الإباضية
179
في تلك الوجوه، فمنها التأويل الذي يقول فيه: ووجه ثان يهلك بتكلفه للتأويل فيها بغير هدى على سبيل القطع لها (1)، ويذكر أن الأخبار والأحاديث والكتاب والآثار إذا صحت إنما تصح على تأويل الحق.
ويحذر أبو سعيد الكدمي من خطورة ردّ الأخبار دون حجة أو دليل فلا يجوز ردّ الآثار والأخبار على حال كهذا، فإنه لا يكاد يصح منها شيء، ولا يؤخذ منها شيء إلا وله تأويل صحيح عند من عرف الحق، كما يذكر الكدمي، ويقول أيضا: وليس لجهل الجاهل تأويل الحق ردّ الرّواية والأثر، ولا تضعيفهما ... وعليه الإمساك عن ذلك كله حتى يتبين له الحق من الباطل" (2)، ويقول في موضع آخر و لسنا نردّ الرّوايات على حال وأهل الرّوايات أولى بما رووا، فإن صدقوا فلأنفسهم، وإن كذبوا فعليها، ولكن اعتبرنا الحديثين، فوجدناهما: إن كانا صحيحين من قول النبي المخرجهما عندنا .. ثم يذكر تأويله للحديثين اللذين تعرض لهما (3).
11
ونجد عند ابن بركة عددا من التطبيقات لهذا المنهج من ذلك عند طرحه لحديث (لا) يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله) (4)، ذكر رواية من روى (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء مما مست النار) (5)، ثم ذكر أنه إذا ثبت هذا الخبر فهو
(1) ابن روح، سيرة الشيخ محمد بن روح (مخ)، ص 22.
(2) الكدمي، المعتبر، 36/ 2.
(3)
م. س، 51/ 1.
(4) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، 57/ 1 (104)، ومن شواهده حديث بن عباس قال: (انتشل النبي عرقا من قدر فأكل ثم صلى ولم يتوضأ) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأطعمة، باب النهش وانتشال اللحم، 2064/ 5 (5089) (5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، 271/ 1 (353) وبوب بعده بباب نسخ الوضوء مما مست النار وأخرج الحديث المتقدم تخريجه، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، الأمر بالوضوء مما مست النار، 104/ 1 (179) (180)، ثم بوب بعده باب نسخ ذلك، وأخرج في حديث جابر بن عبد الله: (آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، 105/ 1 (182). (1/199)
صفحة 200
علوم السنة عند الإباضية:
180
يحتمل تأويلات؛ منها أنه ربما أمرهم بتنظيف أيديهم من الدسم، فالوضوء أخذ في كلام العرب من الوضاء؛ وهي تعني النظافة والحسن، وذكر من معانيها قولهم: فلان وضيء الوجه معناه: حسن نظيف واستشهد بقول الشاعر (من الوافر):
مساميح الفعال ذوو أناة مراجيح وأوجههم وضاء
ثم قال أيضا: والأمر إذا ورد بالوضوء كان ظاهره يوجب على المتعبد أن يأتي بفعل يسمى به متوضياً، وإذا وضأ يده من الزهومة (1) سُمّي بذلك متوضياً" (2).
إن التأويل ليس محصورا في ما اختلف في صحته وإنما قد يستعان به في فهم الأدلة والجمع أو الترجيح بينها، وهنا يقرب من مختلف الحديث أو فقهه، من ذلك ما ذكره ابن بركة من إجماع أهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر، ثم ذكر تفسير علماء المذهب بأن النهي منه الله عن صلاة النفل حملا على الحديث الذي صح عندهم وهو قول النبي: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (3)، وعليه يصلي الصلاة التي نسيها أو نام عنها في كل الأوقات كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الأوقات المنهي عن الصلاة فيها باتفاق، وهي عند طلوع الشمس وغروبها، أو عند ما تكون الشمس في كبد السماء قبل الزوال (4).
يقول ابن بركة والأخبار كلها صحيحة، والقول بها جائز، والعمل بها ثابت، والغلط يقع في التأويل"، وتتميما لكلامه يناقش ابن بركة بعض الروايات
(1) جاء في اللسان:" زَهِمَةٌ أَي نَسمَةٌ. والزَّهِمُ: السمين ويقال للسمين زَهِم، والزَّهَمُ: باقي الشحم في الدابة وغيرها. ر: ابن منظور، لسان العرب مادة زهم، 147/ 10 - 148. ابن بركة، الجامع 305/ 1 (3) أخرجه ابن الجارود في المنتقى، باب النائم في الصلاة وقضاء الفوائت، 70/ 1 (239)، والدارمي في سننه، كتاب الصلاة، باب من نام عن صلاة أو نسيها 305/ 1 (1229)، وأبو
عوانة في مسنده كتاب الصلاة، باب فى آخر وقت صلاة العصر، 385/ 1 (4) ابن بركة، الجامع 546/ 1. (1/200)
صفحة 201
علوم السنة عند الإباضية:
181
محاولا التوفيق بينها من خلال تأويلها وجمعها، فيذكر الرواية المروية عن النبي أنه قال: (لا تصلوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة) (1)، و (أنه كان إذا صلى فريضة صلى بعدها ركعتين إلا صلاة الصبح وصلاة العصر) (2)، ثم ما روي عن علي بن أبي طالب (أنه صلى بأصحابه في بعض أسفاره صلاة العصر ثم دخل فسطاطه وصلى ركعتين) (3)، وما روي أيضاً عن علي عن النبي أنه قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس)
(4)
ثم يعلق ابن بركة على من روى هذه الأخبار ولم يجمع بينها، وينقدها، ويبين الراجح منها بقوله فانظر إلى تناقض أخبارهم، وتركهم النظر في تأويلها إن كانت صحيحة في تأويلهم عندهم كما رووها، وكيف يكون علي هو الذي روى الخبر عن النبي ليل بالنهي عن الصلاة في ذلك الوقت ثم هو الفاعل لما
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، ذكر الخبر الدال على أن النهي عن الصلاة ... 414/ 4 (1547)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب ذكر الخبر المفسر لبعض اللفظة المجملة ... 265/ 2 (1258)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب مواقيت الصلاة،
ذكر الرخصة في الصلاة بعد العصر، 485/ 1 (1552). (2) أخرجه المقدسي في الأحاديث المختارة، حديث عامر الشعبي عن علي، 150/ 2 (524)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة الأول، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر أب إسحاق، 148/ 1 (341)، والبزار في مسنده، في ما روى الأعمش عن أبي إسحاق، 272/ 2
(689)
(3) أخرج
(335)
مثله الطبراني في الأوسط، كتاب المواقيت، ذكر الخبر الدال على إباحة ... 392/ 2
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، 566/ 1 (826)، 567/ 1 (827)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، ذكر البيان بأن الزجر عن الصلاة بعد ... 416/ 4 (1549)، والربيع في مسنده، كتاب الصلاة ووجوبها، باب جامع الصلاة، 123/ 1 (295) (1/201)
صفحة 202
: علوم السنة عند الإباضية
182
روي من النهي عنه، وهذه الأخبار إن كانت صحيحة فلها تأويل عندنا صحيح إن شاء الله" (1).
ويذكر ابن بركة بعد ذلك تأويله لهذه الأخبار فقوله: (لا تصلوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة يعني بعد غيابها، فارتفاعها هو ذهابها كما في قول الناس: ارتفعت البركة، وارتفع القحط عن الناس، وارتفع الغلاء عن المسلمين، ثم يقول: "هذا يبين معنى الخبر الذي رواه أصحابنا، ويؤيده ويدل عليه ما رواه علي (لا) صلاة بعد ... إلخ).
وأما رواية علي أنه صلى بأصحابه في السفر صلاة العصر ثم دخل فسطاطه وصلى ركعتين، فذكر ابن بركة أن هذا يدل على أنه صلى صلاة كانت عليه ذكرها في ذلك الوقت، خاصة أنه الذي روى الخبر عن النبي أنه قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس) (2).
ونجد حضور منهج التأويل في نقد الأخبار عند ابن بركة في أكثر من
(3)
شاهد و دليل، فهو يعلق على حديث: شاهدا عدل خير من يمين فاجرة) بقوله: " وهذا الخبر إن صح طريقه فيحتمل التأويل، والقول بما قاله أصحابنا إنّ اليمين جعلت لقطع الخصومة (4)، ويعقب على رواية اللقطة (5) واللفظ الوارد في بعض طرقها وهو: ( ... هي لك وهي مال الله يؤتيه من يشاء) (6) بأن هذا زيادة
(1) ابن بركة، الجامع 547/ 1.
(2) ابن بركة، الجامع 548/ 1.
(3) تقدم تخريجه، ص 117. (4) ابن بركة، الجامع، 176/ 1.
(5) اللقطةُ: المال الذي تجده مُلْقى على الأرض ولا يعرف له مالك. ر: الجرجاني أبو الحسن علي بن محمد (1417/ 819) التعريفات فهرسة محمد، باسل، ط 1 دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 هـ، 2000 م، ص 193.
(6) أخرجه الربيع بلفظ (عن ابن عباس عنه أنه سأله إعرابي عن لقطة التقطها فقال: عرفها سنة فإن جاء مدعيها بوصف عفاصها ووكائها فهي له وإلا فانتفع بها في مسنده كتاب (1/202)
صفحة 203
علوم السنة عند الإباضية
183
ولم تصح معه هذه الزيادة، ويؤولها بأنه يُحتمل أن الأعرابي فقير، لذا أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالانتفاع بها، فهو أحق بها بسبب فقره (1)، وفي موضع آخر يضع أكثر من احتمال في تأويله فيقول: " ... و هذه الأخبار التي وردت مختلفة، يُحتمل أن يكون بعضها ناسخاً لبعض، و يُحتمل أن يكون لاختلاف أحكام الضوال (2) و اختلاف المواضع، وإذا لم يُعلم المتقدم منها من المتأخر و لا الناسخ منهما من المنسوخ، جائز أن يكون لاختلاف أجناس الضوال .... لأن التعبد جائز بمثل هذا كله (3).
ونجد إبراهيم الحضرمي في إطار مفهوم التأويل ومنهجه يعدد بعض أنواع من الخبر؛ فيذكر الخبر الذي يكون فيه متأولا لا يجوز خلافه ممثلا له بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس) (4) وكذلك ما روي عنه من أنه قال: (إذا بلغ الماء قلتين (5) لم يحتمل خبثا) (6) ويبين الحضرمي حكم أمثال هذه الأخبار أنه لا
يعمل فيها بكل ما يتضمنه الخبر وإنما العمل من خلال تخريجه وتأويله، وعليه
الأحكام، باب في الضالة (242/ 1 (616)، والبخاري في صحيحه، كتاب في اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة 858/ 2 (2304)، ومسلم في كتاب اللقطة، أول كتاب اللقطة، 1351/ 3 (1725)، وأما الرواية التي وردت بزيادة) وهي مال الله يؤتيه من يشاء) فأخرجها
ابن ماجة في سننه كتاب اللقطة باب ضالة الإبل والبقر والغنم، 837/ 2 (2505). (1) ابن بركة، الجامع، 213/ 1. (2) الضوال جمع ضالة أي المملوك الذي ضل الطريق إلى منزل مالكه، ويراد بها هنا ضالة الغنم والإبل. ر: الجرجاني، التعريفات، ص 140.
(3) المصدر نفسه، 236/ 1.
(4)
تقدم تخريجه، ص 179.
(5) ذكر أبو ساكن الشماخي أن أكثر الإباضية ذهبوا إلى تحديد القلة بالجرة التي تحملها الخادم في العادة الجارية، ونقل عن الشافعي أن القلتين نحو خمسمائة رطل. ر: الشماخي، الإيضاح، 96/ 1.
(6) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، أول كتاب الطهارة، 225/ 1 (459)، وابن (1/203)
صفحة 204
علوم السنة عند الإباضية
184
فيجب قبوله دون القطع والعمل به حتى يعلم وجه تأويله، ومبين تأويله كما يقول الحضرمي:" إجماع المسلمين على أن الصلوات المكتوبات تقضى في هذين الوقتين وكذلك صلاة الجنازة وعلى أن الماء إذا كان قلّتين فغيرته النجاسة بلون أو طعم أو ريح كان نجسا (1).
(2)
ويتمم إبراهيم الحضرمي بيانه بأنّه يوجد نوع أخر من الأخبار يحتمل وجه تأويل وحكمه أنّه يجوز فيه الخلاف، وقد مثل له بما روى عنه من (أنه نهى عن أكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير) وبقوله: (من مس فرجه فليتوضأ) (3) وحكم أمثال هذا وجوب قبوله و العمل به كما أنه لا يسع المسلم العمل بخلافه بعد ثبوت صحته عنده على سبيل الاجتهاد إلا إذا كان في درجة من يستنبط القول ويجتهد في الرأي فهذا يسعه ذلك، أو ما ليس فيه وجه
تأويل فلا
يصح الخلاف فيه
وينبه
التعامل
(4)
يعقوب الوارجلاني الباحث في الرواية وناقدها إلى الحذر في مع الرواية مبينا له في منهج التأويل مخرجا لجملة من إشكالاته فيقول: أن يستعمل الإصغاء والقبول، ولا يقابله بالرّدّ والعدول، ولا يضرب بين أقواله، ولا يناقضها بأفعاله، و لكن ليؤمن و ليصدق، وليتوقف حتى يُحقق، ولا يستقبلها بالتكذيب، إذا ظهر فيه شيء من التشبيه، بل يطلب لها تأويلاً يحملها
وينبغي
خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، جماع أبواب ذكر الماء، 49/ 1 (92)، والربيع في مسنده، کتاب الطهارة، باب جامع النجاسات، 71/ 1 (157).
(1)
الحضرمي أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 16.
(2) تقدم تخريجه، ص 98. (3) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، ذكر الخبر الدال على أن عروة ... 398/ 3 (1114)، والدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس ... 146/ 1 (1)، والدارمي في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، 199/ 1 (725).
، مختصر الخصال، ص 16. أبو إسحاق (4) الحضرمي (1/204)
صفحة 205
علوم السنة عند الإباضية
عليه تحميلاً، ويقول: إن صح الحديث ... " (1).
185
وكأبي يعقوب يعلق أبو محمد الخليلي على رواية من الروايات بقوله: وإن
احتمل لها تأويل على الحق فلا يجوز ردّها، ومعي أن هذه الرواية يصح أن
?
يكون لها وجوه حق من التأويلات ... " (2).
2 - منهج الإحتياط في النقد:
يعتبر منهج
الأخذ بالأحوط من الأمور التي نراها متجذرة في التراث
الإباضي، واضحة الأثر في أصوله وفروعه، مأخوذا بها عند غالب المجتهدين والمصنفين، ولذا لا غرابة أن نجدها بارزة عند الإباضية في دراستهم للحديث ونقدهم، ومن نماذج ذلك مسالة الطهر للصائم إذ اشترطوا أن عليه الطهر قبل الفجر الصومه وصلاته، ويذكر أبو المؤرج حوارا حول هذه المسألة، مفاده أن الطهور يجب على الصائم لصومه وصلاته، لكن مخالفه اعترض عليه بأنه يلزم من القول بأنه لا يجوز الصوم إلا بالطهور أن لا يجوز الصوم إلا على وضوء، فلما جاز الصوم لغير المتوضئ جاز لغير المتطهر أيضا (3)، ويجيبه أبو المؤرج بأنه لو كان الأمر على وجه القياس لكان كذلك، لكن الحديث جاء بأن الصوم لا يكون إلا على طهارة من الليل، فمن أصبح جنبا أصبح مفطرا ويبين أنه حتى لو عارضه ما يروى من حديث عائشة أنها قالت: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الصلاة ورأسه يقطر بالماء من جماع لا من احتلام) (5) فالأحوط اشتراط
الطهارة.
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 13/ 1. (2) الخليلي، التمهيد، 274/ 1.
(3) أبو المؤرج، الصيام من روايات أبي المؤرج (مخ)،ص 33.
(4)
(4) أخرجه مرفوعا النسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام صيام من أصبح جنبا وذكر ... 176/ 2 (2924)، والربيع في مسنده، كتاب الصوم، باب ما يفطر الصائم ... 129/ 1 (315) والحميدي في المسند أحاديث أبي هريرة، 443/ 2 (1018).
(5) تقدم تخريجه، ص 142. (1/205)
صفحة 206
علوم السنة عند الإباضية:
186
يقول أبو المؤرج في تتمة حواره لأنه إن كانت الأحاديث التي قلنا هي حق وهو الفرض، كان كل من خالفنا هالكا لتركه الفرض، وإن كان الأمر كما قلتم إنَّ الطهور للصلاة لا للصوم لم يهلك من أخذ بقولنا؛ لأنَّ فيه احتياطا وهو أسلم
وأجمع الأمرين جميعا، فهذا الذي اعتل به أصحابنا وهو أحوط وفيه الثقة (1). ومسألة الاحتياط في اشتراط الغسل هذه علق عليها أبو الحسن البسيوي أيضا بقوله:" ورأينا قول من أوجب الاغتسال بالليل أحوط (2) مرجحا رواية أبي هريرة (من أصبح جنبا أصبح مفطرا) (3) على خبر عائشة المتقدم، متأولا خبرها بأنه لعله كان ناسيا جنابته (4)، ونجد عند أبي الحسن جملة من القضايا الخلافية وردت فيها روايات متعارضة يناقش روايتها ويخرجها مخرج الاحتياط، ومنها قضية المسح على الخفين يقول فيها: " ... فنحن على الاحتياط في الوضوء، والخروج من الاختلاف، حتّى يتفقوا فيما بينهم"
(5)
ومن أمثلة المسائل التي ناقشها البسيوي ضمن منهج الاحتياط مسألة القنوت إذ قال في آخر بحثها بعد عرض الروايات فيه: " وتركه أحوط" (6)، وكذلك مسألة قول آمين في الصلاة إذ يقول في آخر بحثها:" وقول آمين في الصلاة من كلام الآدميين وليس ذلك نصا ولا سنة مجتمعا عليها، وقد جاء النهي عن الكلام في الصلاة، وقد أخذنا بترك قول آمين في الصلاة، إذ لم ينقص شيئا من شروطها
(1) أبو المؤرج، الصيام من روايات أبي المؤرج (مخ)، ص 34.
(2)
البسوي أبو الحسن الجامع، 230/ 2
(3) أخرجه مرفوعا النسائي في السنن الكبرى كتاب الصيام صيام من أصبح جنبا وذكر ... 176/ 2 (2924)، والربيع في مسنده، كتاب الصوم، باب ما يفطر الصائم ... 129/ 1 (315)،
والحميدي في المسند أحاديث أبي هريرة، 443/ 2 (1018).
(4) البسيوي أبو الحسن، الجامع، 230/ 2
(5)
م. س، 34/ 2
(6) م. س، 139/ 2. (1/206)
صفحة 207
علوم السنة عند الإباضية
187
ولم يدخل في شبهة (1)، ولا يتسع المقام لذكر كل المسائل التي خرجها بمنهج الاحتياط ولا لبسط مناقشته لرواياتها والخلاف الذي دار حولها (2)، يقول أبو عبد الله الحضرمي في الدلائل والحجج: " ... و نهى عن الكلام في الصلاة، فلهذا الخبر كره علماؤنا، قول " آمين في الصلاة، وقالوا إنّها من كلام الآدميين، و رأوا تركها لا ينقض شيئاً من فرائض الصلاة، وقالوا تركها أشبه" (3).
وفي ختام وقفتنا مع نقد المتن كما رأيناه في التراث الإباضي يجدر التأكيد
على ما بدا حاضرا من قواعد أو ضوابط نقدية للرواية في هذا الجانب. فقد كان نقد المتن بعرضه على القرآن من أهم قواعد نقد المتن التي عني بها الإباضية تنظيرا وتطبيقا، ووجدنا تطبيقاته عند أوائل أئمتهم كجابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع بن حبيب وتلاميذهم فمن جاء بعدهم، ويستدلون في نظرتهم لصواب هذا المنهج بأدلة يؤصلون بها هذا النهج من النقد، وهم ينطلقون في ذلك من أن الأصل أن ترد السنة موافقة للكتاب لا مصادمة، والكتاب هو الفيصل حال الاختلاف، فهو المحفوظ قطعا من قبل الله، كما أن تطبيق هذه القاعدة النقدية يحمي الشريعة من مزالق ورود التناقض على نصوصها المعتمدة في التشريع، ونجد جملة من التطبيقات لهذا النوع من النقد.
ومن هذه القواعد النقد بالحديث الصحيح، فما اجتمع على تصحيحه أو ثبت تصحيحه يصبح مرجعا تقاس عليه الروايات وعليه ففي حال مصادمته تردّ الرواية المصادمة، ونجد لمثل هذا النوع من النقد جملة من التطبيقات، وقد يعمد الناقد إلى الاستعانة بعدد من الأحاديث التي صحت عنده، فيستعين بدلالتها في. نقده لحديث لا يرى صحته، ونجد هذا عند ابن بركة متكررا وكذلك عند غيره.
(1) مس، 102/ 2 - 103.
(2) لمزيد من التفصيل في هذه المسائل راجع أبو الحسن، البسوي، الجامع، 34،99/ 2،
139. 138. 102.103
(3)
الحضرمي
أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله (ق) 12/ 6)، الدلائل والحجج، ص 48، (مخ)،
مكتبة الحاج مسعود الغرداوي، غرداية، الجزائر، رقم 14 (1/207)
صفحة 208
علوم السنة عند الإباضية
188
ومن هذه القواعد أيضا: النقد لمخالفة العقل والحق وصحيح الحقائق، فالنقد بمخالفة العقل ينطلق من اعتبار العقل أداة التمييز ووسيلة فهم الخطاب، فصحيح المنقول لا يتعارض مع مسلّمات العقول، بشرط اهتداء هذه العقول بنور الشريعة، فلا يعني إعمال العقل هنا ردّ الرواية به جزافا، كما أن مثل هذا النقد إنّما يقع على ما يظهر تصحيحه أو اختلف فيه فكان للعقل مجال في البحث فيه عن قرائن
تصحيحا أو تضعيفا، وكذلك ما خالف الحق الجلي الواضح لا يقبل بل يردّ.
ويأتي استخدام منهج التأويل في حل الإشكال الواقع في الرواية مقاربا للنقد بالعقل من حيث استخدام القدرة العقلية في النظر لكليهما، لكنه يفارقه من حيث أنّ الأول يردّه العقل وينفيه، أما الثاني فيفسره العقل ويدرأ عنه الإشكال، وقد وقفنا على تطبيقات لعدد من علماء الإباضية في تخريجهم للروايات بالتأويل، كمحمد بن روح وأبي سعيد الكدمي وابن بركة وغيرهم. ويكشف التأويل عن حذر لديهم في التعامل مع الخبر احترازا من رده لكن هذا التأويل مقيد بضوابط كما ظهر لنا من خلال كلامهم وتطبيقاتهم.
ونجد لمنهج الاحتياط الحاضر الوجود في التراث الإباضي أثره في نقد الحديث، فقد وجدنا تطبيقاته عند علمائهم منذ فترة مبكرة، وفيه يرجحون تصحيح رواية على أخرى يظهر في الغالب تساويهما، لكنهم لتغليب جانب الاحتياط يرجحون إحداهما.
وهكذا بعد هذه الوقفات مع النقد وظهوره في التراث الإباضي والوقوف على بعض القواعد النقدية سواء ما تعلق بالسند أو المتن أجد أن البحث في حاجة إلى استجلاء أكثر لقضية مهمة جدًّا، ألا وهي موقف الإباضية من الروايات
الواردة من غير طرقهم، وسنحاول بلوغ هذه الغاية من خلال الفصل التالي. (1/208)
صفحة 209
علوم السنة عند الإباضية
189
الفصل الرابع: منهج الإباضية مع الروايات الواردة من غير طرقهم
المبحث الأول: قبولهم لهذه الروايات:
الأمة،
سنحاول في هذا الفصل فهم حقيقة موقف الإباضية من روايات باقي فهل قبلوا هذه الروايات أم ردوها؟ وإن كان أحد الأمرين أي القبول أو الرد، فهل كان ذلك مطلقا أم مقيدا بقيود؟ وهل عاش الإباضية منغلقين على أنفسهم أم اتسموا بمرونة وانفتاح فكري؟ فإن كانوا طرحوا الانغلاق الفكري فهل طرحوا معه فكر التعصب وتخلصوا من هذا الداء الذي أضر بفكر الأمة الإسلامية ووحدتها، وعلاقتها بين فرقها ومذاهبها؟ ثم هل موقفهم من روايات مخالفيهم متشكل ضمن أسلوب ممنهج واضح الطريقة؟ أم على نهج لا يمكن وصفه بالمنهج المحدد المعالم الواضح الكيفية في إطار هذه المدرسة.
والسؤال الملح الذي يطرح نفسه على حملة العلم من الإباضية –وهو يدور في خلدي باعتباري باحثا وطالب علم مبتديء ولعله يدور في خلد غيري- لماذا لم يؤطر إلى يومنا هذا منهج للأخذ من الغير أو الرد، يكون واضح المعالم بين المسلك يفهمه طالب العلم البسيط ويمكنه فيه العبور؟ ولا يفهم من هذا الطرح أني قادر في هذا الفصل على البيان الكافي، أو أن يكون لدي من الجواب على الأسئلة الآنفة الجواب الوافي، لكنني سأعرض ما تمكنت من الوصول إليه من تراث الإباضية، فلعله أن يجيب بعض التساؤلات، ويبين بعضا من جوانب منهجهم.
جميع
مع
وإن المتتبع بدايات النشأة الأولى للإباضية الأولين، ليجدهم قد تعايشوا المسلمين، ورفضوا منهج الإقصاء والعداء والتكفير، بل جابهوا من أعلن على المسلمين النفير، وفارقوا منهج الغلاة من الخوارج المحاربين، ونهجوا نهج المحكمة المعتدلين (1)، وعليه فإن بذرة هذه الجماعة قامت في أساسها على الاعتدال، ونشأ فكرهم في جو من التلاقح الفكري مع جميع الموحدين المتعددي
(1)
ر النامي دراسات عن الإباضية، ص 83، لفيتسكي تادوز (معاصر)، الإباضية بحث عن دائرة المعارف الإسلامية حول كلمة "الإباضيَّة": ترجمة من الفرنسية: يحيى بكوش، 1984، (1/209)
صفحة 210
علوم السنة عند الإباضية
190
المقال، فكان طبيعيا أن يأخذوا ويعطوا، وأن يقبلوا ويردّوا، وأن يعمدوا في ما يرد إليهم من وسط ذلك الزخم الفكري، إلى التضعيف أو التصحيح، والمناقشة والنقد والترجيح.
وإن المتتبع لهذه القضية يلمس أيضا أنهم جعلوا الأصل فيها القبول عن مخالفهم، والأخذ عنه من بدايات نشأتهم؛ فقد كتب جابر بن زيد إلى عكرمة مولى ابن عباس - مع أن عكرمة كان صفريا مخالفا لجابر - في مسائل يسأله فيها، إذ يروى عنه عمرو بن دينار قال: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل سأل عنها عكرمة، (1)، وتذكر بعض كتب الرواية إنكار جابر على عمرو عدم مبادرته في ذلك إذ يقول عمرو: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل، فقال: سل عنها عكرمة فجعلت كأني أتباطاً فانتزعها من يدي فقال هذا عكرمة مولى ابن عباس هذا أعلم الناس" (2).
إن إمام المذهب يخط في هذا منهج القبول من المخالف ويؤسسه، وهو في إنكاره على عمرو وكلامه الموجه إليه إنما يؤكد على أحقية عكرمة في الأخذ عنه بموجب فضل علمه إذ هو أعلم الناس، وهذا يكشف لك أحد سمات منهج الإباضية في أخذهم عن مخالفهم ما لم يكن معهم، فهم لا يجمدون على ما معهم. ويعزز موقف جابر المتقدم روايته عن عكرمة، فقد روى عنه أن (أم حبيبة
ص 2، خليفات عوض محمد ((معاصر)، الأصول التاريخية للفرقة الإباضية: نشر الجامعة الأردنية، عمّان، الأردن. دت. ص 8.
(1) ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون، ص 46.
البخاري، محمد بن إسماعيل، التاريخ الكبير،49/ 7 القرطبي أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر (1071/ 463)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تح: مصطفى أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 هـ، 1967 م، 29/ 2، العقيلي أبو جعفر محمد بن عمر بن موسي (934/ 322)، کتاب الضعفاء، تح: عبد المعطي أمين قلعجي، ط 1، دار المكتبة العلمية، بيروت،
375/ 31404 (1/210)
صفحة 211
علوم السنة عند الإباضية
191
بنت جحش ختن رسول الله له كانت تستحاض فأمرها رسول الله .. إلخ) (1). ويُسأل عبد الله بن عبد العزيز عما روي من) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج
(2)
عائشة وهي ابنة تسع سنين) ا، هل أصحابنا حدثوا بهذا الحديث أم قومنا؟ فيقول: "قومنا أي المخالفين لهم حدثوا به وأصحابنا لم يغيروا عليهم، هذا أمر مجتمع عليه (3)، وقوله مجتمع عليه يفيد أن الإباضية وافقوا مخالفيهم في تصحيح هذه الرواية، وقبلوها منهم لصحتها، فالقبول أثر من آثار التصحيح، كما يدل على أن أئمة الإباضية رووا هذه الرواية أيضا.
وقبول الحق ممن جاء به شعار رفعه أبو عبيدة خليفة جابر في إمامة المذهب (4)، ويؤكد تلميذه أبو المؤرج هذا مع ذكر قيود القبول في جوابه لتلميذه أبي غانم الخراساني إذ نقل له قول أبي عبيدة: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي ضاح) (5)، فذكر له أبو غانم أن هذا قول قومنا فأجابه أبو المؤرج بقوله:"
(1) الأزدي جابر بن زيد: كتاب جابر بن زيد روايات عمرو بن هرم ص 13، وقد تقدم تخريج الحديث.
(2)
وردت الرواية بالعقد في الست والبناء في التسع، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب تزويج النبي 1415/ 3 (4683)، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة، 1038/ 2 (1422)، والربيع في مسنده، كتاب النكاح، باب ما يجوز من النكاح وما لا يجوز، 210/ 1 (522)، وابن ماجة في سننه، كتاب النكاح، باب نكاح الصغار يزوجهن الآباء، 603/ 1 (1876).
(3) الفراهيدي الربيع بن حبيب مسائل سئل عنها الربيع بن حبيب (مخ)، ص 204. (4) تقدمت عبارة أبي عبيدة في ذلك، ص. (5) أخرج أصحاب الرواية حديثا بلفظ (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)، أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، ذكر إيقاع النقض على الصلاة ... 89/ 5 (1788) والنسائي في السنن الكبرى فضائل، القرآن فضل فاتحة الكتاب 12/ 5 (8013)، وابن ماجة في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القراءة خلف الإمام، 274/ 1 (840)، والدارقطني في سننه، كتاب الصلاة، باب ذكر قوله ... 327/ 1 (9)، وقد بحثت في عدد من معاجم اللغة تفسير لفظ ضاح ولم أجد ما يربطه بمعنى خداج فلعل كلمة ضاح الواردة في (1/211)
صفحة 212
علوم السنة عند الإباضية
192
قومك يقولون حقا كثيرا، لم يخالفهم أصحابنا فيما أصابوا، ولكن إنما خالفوهم فيما أخطؤوا فيه (1)، ويسأل أبو غانم عبد الله بن عبد العزيز أبلغه ما روى بعض مخالفيه ويرفعونه إلى النبي الله أنه قال: (حريم (2) العين مئة ذراع والطريق سبعة أذرع والنخلة خمسة أذرع) (3) فيجيبه أنه قد بلغته وأنه لا يستنكر أن يكون ذلك كذلك، وما قال رسول الله هو حق
(4)
إن هذه الأمثلة المتقدمة الذكر تكشف بجلاء قبول أئمة الإباضية المتقدمين رواية المخالف والأخذ عنه، على أن هذا الأخذ أو القبول لا ينحو منحى التقليد دون تمييز، فالقبول مقيد بموافقة الحق، وفيما سلم من عيوب الخطأ، وتنزه عن الكذب كما هو واضح من كلامهم المتقدم.
وهناك قيد آخر يضيفه الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن وهو من المتقدمين، فقد سئل عن إسناد بعض من كانوا تلاميذ لأبي عبيدة، ثم أظهروا خلافا في بعض المسائل بعده، فكان جواب عبد الوهاب أنهم كانوا من أهل دعوتهم لكن مسائل معروفة وقعت منهم فلم يؤخذ بقولهم فيها، وأما غيرها ففيها
قول أبي عبيدة تفسير لها والله أعلم.
(1)
الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 1/ 38.
(2) "الحريم الحمى"، أي أن حريم كل شيء حماه ر: البركتي، التعريفات الفقهية، ص 79. (3) حول حريم الطريق بسبعة أذرع، أخرج البيهقي رواية مرفوعة، في السنن الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب القوم يختلفون في سعة الطريق، 155/ 6 (11642) (11643). وحول حريم النخل بسبعة أذرع فقد ورد في رواية أخرجها البيهقي في السنن
الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب النخل يغرس ... 156/ 6 (11644). وأما حريم العين فقد اختلفت الروايات منها خمسمائة وأخرى ثلاثمائة، وورد في رواية مائتان أخرجها البيهقي في السنن الكبرى، كتاب إحياء الموات، باب ما جاء في حريم الآبار، 156/ 6 (11651)، وورد في رواية للدارقطني في سننه، بثلاثمائة ذراع، في كتاب الأحباس، باب المرأة تقتل إذا ارتدت، 220/ 4 (63). الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 350/ 1 - 351.
(4) (1/212)
صفحة 213
علوم السنة عند الإباضية
193
الاختلاف حتى عند أصحاب النبي (1)، وجوابه يكشف أن القبول مقيد فيما كان خارج نطاق الخلاف، فما صح عندهم من مسائل واستقر عليها عملهم وبنوها على أدلة صحيحة، لا يقبلون من المخالف نقله أو روايته المناقضة لها، و لا يمكن في حقيقة الأمر عدّ هذا من قبيل التعصب والجمود، وذلك لأنهم حتى طبقوه
على من خالف وهو معدود من داخل المدرسة فضلا عمّن كان خارجها؛ فالمقياس واحد، ومن جهة أخرى لا بد لكل مدرسة صح عندها أمر أن تنافح
عنه، وتُظهر تميزها واستقلاليتها فيه دون التنقيص من آراء المدارس الأخرى. ونجد في مقدمة القيود التي يضبط بها القبول مسائل الأصول، فالقبول من فقهاء قومنا الثقات منهم في دينهم مقيد كما يذكر أبو سعيد الكدمي فيما يوافقون فيه في أصول الدين (2)، ويلمح من كلام أبي سعيد أكثر من ضابط، فمن ذلك أنّ الأخذ من الفقيه، وأن يكون ثقة، وأن يكون المأخوذ عنه في الموافق من الأصول. ويؤكد الكدمي مثل أسلافه أن قاعدة القبول قائمة على كون المأخوذ حقا، فما كان حقاً، فالحق يجب الأخذ به، والقول القائل أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بما في الأثر، إن صح أنّ ذلك من قول المسلمين من أهل البصر، فهو محمول على ما كان باطلاً (3).
ويذكر أن لعلماء القوم ما يكون من صحيح القول، وما يوافقون فيه الأصحاب، في معنى الدين والرأي، ولهذا لا يرد على أحد من الخليقة شيئاً من
العدل (4).
ويقول الكدمي أيضا في لزوم الحجة في الفتيا لمن لزمه السؤال عما وجب عليه السؤال من أمر "دينه وقال من قال: لا تقوم عليه الحجة في ذلك إلا بأهل
الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن، مسائل نفوسة ص 39 - 40.
أبو سعيد، الاستقامة، 142/ 1. (2) الكدمي
(3) الشقصي، منهج الطالبين، 141/ 1.
(4) الكدمي
أبو سعيد المعتبر، 210/ 3 (1/213)
صفحة 214
علوم السنة عند الإباضية
194
الثقة من المسلمين، وقد قيل في هذا الفصل: إنه يلزمه القبول، من أهل الثقة من قومنا، إذا عرف منهم الموافقة في ذلك الشيء الذي لزمه مما لا يسعه تركه ولا ركوبه إلا باعتقاد السؤال إذا لم تبلغه حجة العلم به، فأهل الثقة من قومنا في مثل هذا يكونون حجة عليه في الفتيا، مع من قال: إنه لا يكون حجة عليه إلا أهل الثقة والأمانة، ولا يكون عليه حجة أهل الخيانة، ولا أهل التهمة من أهل الشرك، ولا من أهل الإقرار (1).
إن النص السابق للكدمي حوى التأكيد على القيود المتقدمة الذكر، لكنه أكد على الأمانة مع الثقة ورفض كل من يشمّ منه رائحة الخيانة، كما أكد أن القبول فيما عرفت موافقتهم فيه، وهذا المعنى الأخير هو الذي أكده الإمام عبد الوهاب كما تقدم، ونجد تأكيده عند أبي القاسم البرادي إذ يذكر مجيبا من سأله بأنه لا يؤخذ بقول أهل الخلاف في المسائل التي خالفوا فيها ولا برخصهم في هذه المسائل، ويذكر أنه قول الإمام عبد الوهاب في جواباته، وأنه يجوز الأخذ بقولهم في غير هذه المسائل المذكورة المختلف فيها (2).
ونجد عند التلاتي مزيد إيضاح في هذه المسألة فهو يذكر أن أقوال ابن عبد العزيز وأصحابه - ممن ظهرت بعض مخالفة منهم في بعض المسائل بعد أبي عبيدة - مقبولة في المسائل الاجتهادية مثل قول باقي أصحابنا، وقد عزى هذا القول إلى البدر الشماخي أيضا (3)، ويفهم من هذا أن من قيود القبول أن يكون في المسائل الاجتهادية التي ليست من المسائل المختلف فيها.
وإذا تتبعنا تطبيقات الإباضية في أخذهم عن غيرهم نجد نماذج كثيرة، من ذلك ما ذكره ابن بركة من رواية النعمان بن بشير) أنّ أباه أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم
(1) م. س، 77/ 1. (2) البرادي
أبو الفضل أبو القاسم ابن إبراهيم الدمّري (حي في: 1407/ 810)، جوابات
البرادي (مخ)، مكتبة إروان العطف الجزائر، مج 18، ص 110 ظ/ و.
(3) الثلاتي عمرو بن رمضان الجربي روضة المشتاق على زهرة الإشراق، ص 17. (1/214)
صفحة 215
علوم السنة عند الإباضية
195
فقال يا رسول الله: إني نحلت (1) ابني هذا غلاماً، فقال النبي: أكل أولادك نحلت قال: لا، قال: فأرجعه) (2)، ويعرض رواية أخرى ذكر أنها من طريق
الشافعي (أن النبي و غضب من ذلك إذ جاءه يشهد بمثل هذه الشهادة) (3).
ويعقب ابن بركة مفرعا عليها بعض الأحكام بأنه إن كان خبر الشافعي الذي رواه صحيحاً مع قوله بشهرته مع أصحاب النقل للحديث ففيه دلالة على ... ويذكر بعض الأقوال التي يفرعها، يقول ابن بركة: وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ما يدل على صحة الخبر الذي رواه الشافعي وإن كنت لم أجده في رواية أصحابنا (4)، ثم يذكر هذا الخبر أن النبي لو قال الرجل من أصحابه قد نحل ولده نحلاً وله غيره من الأولاد، أليس يسرك أن يكونوا لك في البر سواء، قال: بلى قال: فأردده أو تساوي بينهم) (5).
صحيح
:
ويَرُدّ ابن بركة على من احتجوا في تجويز شرب النبيذ، برواية يرونها من طريق أبي بردة ويرفعونها وهي (اشربوا ولا تسكروا ((6) بأن هذا كما قيل خبر
(1) النُّحلُ: العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا استحقاق، وهو مصدر نحل. ر: ابن منظور، لسان العرب مادة نحل، 650/ 11.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الهبات باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة، 1242/ 3 (1623)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب النحل ذكر اختلاف الناقلين ...
116/ 4 (6502)، وأبو عوانة في مسنده، باب ذكر الخبر المبين ... 453/ 3 (5667). (3) اللفظ الذي وجدته في مسند الشافعي هو: (إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل ولدك نحلت مثل هذا فقال لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعه ر: الشافعي، مسند الشافعي، من كتاب اختلاف الحديث، 174/ 1.
ابن بركة الجامع، 420/ 2 - 421.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الهبات، باب كراهية تفضل بعض الأولاد في الهبة، 1242/ 3 (1623)، وأبو داود في سننه، كتاب الإجازة، باب في الرجل يفضل بعض ولده في
النحل، 292/ 3 (3542)، والدارقطني في سننه، كتاب البيوع، 42/ 3 (171). (6) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من ... 231/ 3 (5187)، وعلق عليه "بقوله: قال أبو عبد الرحمن وهذا حديث منكر غلط فيه أبو (1/215)
صفحة 216
علوم السنة عند الإباضية
196
لم تنقله جماعة الأخبار، بل يذكر (1) أن أصحاب الحديث نقلوا عن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تشربوا مسكراً) (2).
وينقل أبو يعقوب الوارجلاني أحاديث من كتب الصحاح يستشهد بها ويقول عن أحدها: " الحديث الصحيح الذي أخرجه الصحاح" (3) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه أو واحدة منهن فهو منافق حقاً وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا أؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) (4)، ويذكر في موضع آخر الاستدلال بحديث معاذ بن جبل له حين قال له رسول الله لما بعثه إلى اليمن:) بماذا تقضي يا معاذ؟ قال بكتاب الله عز وجل، قال فإن لم تجده، قال فبسنة رسول الله، قال فإن لم تجده، قال أجتهد رأيي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي وفق رسول رسوله) (5) يقول أبو يعقوب:" وهذا الحديث قد نقلته الأمة بالقبول و استفاض وإن كان الراوي ابن أخ المغيرة بن شعبة وهو مجهول - وهو حديث صحيح في مسند الداودي"
(6)
الأحوص سلام بن سليم لا نعلم أن أحدا تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين قال أبو عبد الرحمن قال أحمد بن حنبل كان أبو الأحوص يخطيء في هذا الحديث خالفه شريك في إسناده وفي لفظه" وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الأشربة، باب ما يحتج به من رخص في المسكر، 298/ 8 (17185) وأورد تضعيف النسائي
لهذا الحديث.
(1) ابن بركة الجامع، 5362
(2) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأشربة باب النهي عن الانتباذ في ... 1585/ 3 (977)، وأبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب في الأوعية، 332/ 3 (3698)، وابن الجعد في مسنده، من حديث إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق، 293/ 1 (1990).
(3) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف،104/ 2.
(4) تقدم تخريجه، ص 114.
(5)
تقدم تخريجه، ص 115.
(6) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 153/ 1. (1/216)
صفحة 217
علوم السنة عند الإباضية
197
ونجد عند عمرو التلاتي نماذج من اعتماده على أحاديث من كتب الحديث يعبر عن أحدها بقوله: "كالنهي من حديث الصحيحين (1) إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) (2) ومن حديث بن ماجه وغيره لا تصلوا في أعطان (3) الإبل .. ) (4).
إن النماذج المتقدمة الذكر تكشف حقيقة مرونة الإباضية وأخذهم من مخالفهم، وقد مثلنا بنماذج منهم ابتداء من المتقدمين كالإمام جابر فخليفته أبي عبيدة فتلاميذ أبي عبيدة، ثم من جاء بعدهم كالكدمي وابن بركة في القرن الرابع، وأبي يعقوب الوارجلاني في القرن السادس الهجري، وعمرو الثلاتي في القرن الثاني عشر الهجري، وغيرهم ممن عاصروهم أو كانوا قبلهم أو جاءوا بعدهم، ممن لا يمكننا عرض استشهادهم بكتب الرواية والحديث للكثرة الكاثرة من نماذج ذلك وما قصدنا هنا إلا التمثيل العشوائي المتوزع فقط، بما يكشف حقيقة اعتمادهم كتب الرواية والحديث والأخذ من غيرهم، ومن شاء معرفة ذلك ما عليه إلا أن يقلب صفحات كتبهم ومصنفاتهم ليجد ذلك واضحا جليا.
هذا ولم يقتصر الأمر على الاستشهاد والأخذ في التدوين والكتابة، بل إنّ
(1) التلاتي عمرو، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 72 - 73. (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أبواب التطوع، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى .... 391/ 1 (1109)، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد، 495/ 1 (713)، والربيع في مسنده، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في المساجد وفضل المسجد، 109/ 1 (258)، والترمذي في سننه، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد ... 129/ 2 (316). (3) الأعطان جمع عطن، والعَطَنُ للإبل كالوَطَنِ للناس وغَلَبَ إطلاقه على مَبْرَكها حول الحوض ر ابن منظور، لسان العرب 286/ 13 (4) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب شروط الصلاة، 599/ 4 (1700)، وابن ماجة في سننه، كتاب المساجد والجماعات، باب الصلاة في أعطان الإبل، 252/ 1 (768)، والترمذي في سننه، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في .. ، 180/ 2 (348) والدارمي في سننه، كتاب الصلاة، باب الصلاة في ... 375/ 1 (1391). (1/217)
صفحة 218
علوم السنة عند الإباضية
198
علماء الإباضية كانوا يأخذون عن رجال الرواية ولو كانوا مخالفين لهم، فجابر والربيع وتلاميذهم أخذوا عن محدثي عصرهم ورواته (1)، وأبو يعقوب الوارجلاني تلقى وتعلم فن الحديث والرواية عن محدثي الأندلس (2)، وأبو ستة محمد بن عمر عن محدثي مصر وعلمائها وعمرو الثلاتي أيضا عن علماء
مصر ومحدثيها.
، (3)
ووجدت في مدونات سالم بن يعقوب الجربي المخطوطة عبارة ينقلها عن التلاتي أنه قرأ الحديث وتلقاه في مصر، ومنه أنه قرأ الأربعين النووية بجامع
المؤيد بمصر
(4)
وإن القبول لم يقتصر على الأخذ والتلقي والاستشهاد للرواية وحدها فقط، ولكن تعدى ذلك أيضا إلى اعتماد النقد ومقاييس القبول والرد للرواية نفسها، ومن أمثلة ذلك ما أورده ابن بركة في مسالة مسح الرأس، وقول من قال بأنه يجزي للماسح مسح بعض الرأس من مقدمه، وذكر حجتهم في ذلك ما روي عن النبي من أنه مسح بعض (ناصيته وأن الناصية بعض الرأس وهي مقدمه، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه (مسح بعض رأسه) (5).
(1) المعرفة ذلك ر: عمرو النامي، دراسات عن الإباضية 7674، 95، 108، القنوبي، الإمام الربيع مكانته، و مسنده ص،27، 23، 28، 39 فما بعدها،
(2) انظر ترجمة أبي يعقوب في الدرجيني: الطبقات، 489/ 2 - 495، الشماخي: السير
106.105/ 2
(3) ر ابن تعاريت رسالة في تراجم علماء جربة (مخ) (77 - 78، الجعبيري: البعد الحضاري، ص 147 - 148.
(4)
الجربي سالم بن يعقوب (1988/ 1408)، مدونات سالم بن يعقوب حول تأليف الثلاتي، (مخ) بخط يده في مسودات محفوظة في مكتبته، غيزن، جربة تونس (د. ر)
(د. تر).
(5) لم أجد من رفعه بهذا اللفظ، وقد أخرج عبد الرزاق اللفظ الأول بسنده قولا عن إبراهيم النخعي في مصنفه، كتاب الطهارة، باب المسح بالرأس، 8/ 1 (14)، وأخرج الربيع في مسنده (1/218)
صفحة 219
علوم السنة عند الإباضية
199
ثم قال ابن بركة: "في هذين الخبرين مع أصحاب الحديث ضعف (1)، ويذكر ما روي عن معاذ حين ولّي على جباية صدقات أهل اليمن فقال لهم: (هاتوا سديساً وخميساً فإنّه أخف عليكم وأنفع للمهاجرين، أو كلام هذا معناه) (2)، قال ابن بركة: فإن سلم هذا الخبر ممن عارضه من متفقهي مخالفينا قلت به وبالله التوفيق" (3).
وقد ينقل ابن بركة نقد أحد وهو لا يراه ولكنه يسوقه ويذكره كذكره نقد مالك لأخبار الإشهاد على النكاح وأنه ذهب إلى أن أخبار الإشهاد على النكاح مضطربة، ومن قول مالك: إذا استكتم الشاهدان عقد النكاح فرق بين الزوجين وطعن في الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه" (4) وهو (لا نكاح إلا بولي وشاهدين) (5).
حديثا عن جابر بن زيد عن ابن عباس (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح ببعض رأسه في الوضوء) كتاب الطهارة، باب في آداب الوضوء وفرضه، 55/ 1 (96).
ومسألة رأسه، وفيه بيان لقوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (المائدة 6/ 5)، قال: فإن معناه أشكل على الناس، فمنهم من أوجب الاستيعاب، فجعل الباء للإلصاق، فأوجب مسح الكل، ومنهم من جعلها للتبعيض، وأوجب مسح البعض فقط، ثم اختلفوا في ذلك البعض، فمنهم من لم يُقدّره بقدر، وهم الشافعية، ومنهم من قدَّره بربع الرأس، وهم الحنفية والمستحب عندنا مسح الجميع خروجا من الخلاف ويجزي البعض لهذا الحديث، فإنه له إنما فعله بيانا للجواز وأقل ما قيل: أنه يجزي من ذلك مسح ثلاث شعرات بثلاثة أصابع". ر: السالمي نور الدين، أبو محمد عبد الله بن حميد (1914/ 1332) شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، تقديم عز الدين التنوخي، مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان، د. ت 151/ 1
مسح بعض الرأس اختلف فيها العلماء، يقول نور الدين السالمي: "والأصل مسح بعض
(1)
ابن بركة، الجامع، 246/ 1.
(2) لم أجد من خرجه.
(3) ابن بركة، الجامع، 403/ 2
(4)
ابن بركة، الجامع، 136/ 2 - 137.
(5) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب النكاح، ذكر نفي إجازة عقد النكاح بغير. 386/ 9 (4075)، والترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، (1/219)
صفحة 220
علوم السنة عند الإباضية
200
ويشير عمرو التلاتي إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره: (أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة) (1)، وأنه قد ضعفه أهل الحديث (2).
المبحث الثاني: ردهم للرواية الواردة من غير طرقهم أو توقفهم فيها: بعد أن وقفنا على قبولهم وأخذهم للوارد من غير طرقهم، مع عرض نماذج من ذلك بما يسعف به المقام، وبما لا يكون فيه إسهاب وطول كلام، وبقدر ما يكشف ويجلي ذلك للعقول والأفهام، لا بد لنا من وقفة لعرض ردهم، لعلنا أن نفهم مسلكهم، فيما ردوه ورفضوه من روايات غيرهم.
ومن
أمثلة الرد ما ذكره أبو غانم الخراساني إذ سأل شيخه عما يرويه بعض مخالفيهم عن فقهائهم عن النبي: أنه أتى برجل زان وهو ضعيف الخلق فأمر بميله من أثاكيل (3) فقال اجلدوه بها) (1)، فأجاب بقوله: " لسنا نأخذ بهذا في أحاديثهم
407/ 3 (1101)، والدارقطني في سننه، كتاب النكاح، 220/ 3 (9)، والشافعي في مسنده، ومن كتاب اختلاف مالك والشافعي، 220/ 1.
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، كتاب الصوم، 600/ 1 (1587)، وابن خزيمة في صحيحه، کتاب الصيام، باب ذكر خبر مفسر للفظتين ... 292/ 3 (2101)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم يوم عرفة بعرفة 155/ 2 (2830)، والطبراني في المعجم الأوسط، باب من اسمه إبراهيم،81/ 3 (2556).
وهذا الحديث أخرجوه من طريق حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري قال حدثنا عكرمة قال حدثنا أبو هريرة وقد أعله الطبراني وقال: " لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا مهدي تفرد به حوشب. ر: الطبراني، المعجم الأوسط، موضع التخريج السابق.
:
ويقول ابن حزم في المحلى وأما حديث أبي هريرة في النهي عن صوم يوم عرفة بعرفات فإنه رواية حوشب بن عقيل وليس بالقوي عن مهدي الهجري وهو مجهول ومثل هذا لا يحتج به ر الظاهري ابن حزم، المحلي، 18/ 7. (2) التلاتي عمرو بن رمضان الجربي رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 73. (3) الأثاكل هي: العتاكل قلب العين همزة ويعني: الشمراخ، وهُوَ ما عليه البُسر من عِيدان
وهو في النخل بمنزلة العُنقود من الكرم. ر: ابن منظور، لسان العرب 10/ 11. (1/220)
صفحة 221
علوم السنة عند الإباضية
201
ولا نصدقهم فيه، ولو نعلم أن النبي ل فعل ذلك لأخذنا به (2)، ويُسأل أيضا عما رووه عن أُبَيٍّ من أنه روى عن الرسول في أن نهاية العدة للحامل المتوفى عنها بالوضع (3) فيجيبه أبو المؤرج أنهم لا يأخذون بحديثهم هذا مؤكدا أنهم لو يعلمون أن النبي لفعل ذلك لأخذوا به واعتمدوا عليه. والأمر عندهم على ما جاء عن ابن عباس وغيره من الصحابة أنها تعتد بآخر الأجلين (4)، وهذا قول أبي
(1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الرجم، باب الضرير في الخلق يصيب في الحدود واختلاف الناقلين لخبر ... 311/ 4 (7301) (7302) وابن حزم الظاهري في المحلى،
175 - 174/ 11
وقد وردت روايات تفيد التشديد في أمر الزنا والتغليظ في فعله على خلاف ظاهر هذه الرواية ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه كقوله الله (لا) أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به)، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، 1320/ 3 (1694)، وأبو عوانة في مسنده، كتاب النكاح، 131/ 4 (6282).
(2) أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 76/ 2.
(3) أخرجه أحمد في مسنده، حديث سهل بن سعد عن أبي بن كعب، 116/ 5 (21146)، وأبو يعلى في معجم أبي يعلى كتاب المعجم 39/ 1 (3)، والمقدسي في الأحاديث المختارة وقال عنه سنده ضعيف حديث عبد الله بن عمرو، 416/ 3 (1213).
(4) قول ابن عباس وفتواه أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ .. (الطلاق/4)، 1864/ 4 (4626)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها ... 1122/ 2 (1485)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطلاق، ذكر وصفة العدة للحامل، 132/ 10 (4295)، وسعيد بن منصور في سننه، كتاب الطلاق، ما جاء في عدة الحامل ... 397/ 1 (1518)، والربيع في مسنده کتاب، الطلاق، باب الحداد والعدة
(540) 218/ 1
ويعلق الربيع عقب تخريجه الحديث على حديث سبيعة الأسلمية قائلا: "قال أبو عبيدة: وهذه رخصة من النبي الله للأسلمية، وأما العمل فعلى ما قال ابن عباس وهو المأخوذ به عندنا" ر: الربيع، المسند، موضع التخريج السابق. ر:
وقد أخرجت كتب الرواية هذا القول عن عليّ أيضا إذ أخرجه البيهقي في السنن
الكبرى، كتاب العدد، باب عدة الحامل ... 1525430/ 7)، وسعيد بن منصور في سننه، كتاب (1/221)
صفحة 222
عبيدة (1)،
ة علوم السنة عند الإباضية
202
، وقد سبق لنا عرض نقد أبي المؤرج لرواية من يروي عن عليّ (أنه قال: لا يقضى رمضان في العشرة) (2)، ووصفه لروايتهم بأنها أسوأ الرواية بسبب عدم ضبطهم لها ومعناها، وذكر أبو المؤرج ما يعارضها من الروايات التي صحت عنده
(3)
إن هذه الأمثلة المتقدمة تكشف أن ردّ الإباضية لروايات المخالف لهم جاء نتيجة تضعيفهم لتلك الروايات لمعارضتها ما صح عندهم من الروايات، إذن هي بذلك تخالف ما صححوه، واعتمدوه، وثمرة ذلك الردّ، وكما لا يجوز ردّ ما وافق الحق والعدل، فإنه لا يقبل ما خالف الحق والعدل من أي أحد من الخليقة، وهذا في كل أمور الدين ما كانت أحكامه أحكام البدع، أو ما يقع فيه تحليل الحرام وتحريم الحلال، أو ما يكون حكمه حكم الدعاوي من الأمور المختلف فيها، فكلها لا يجوز قبول أي باطل فيها على حد وصف أبي سعيد الكدمي
(4)
على أن هذا الرد لا بدّ من الحذر فيه، إذ يبين لنا محمد بن روح شيخ الكدمي أن الأخبار والأحاديث والكتاب والآثار إذا صحت فإنما تصح على تأويل الحق، وأن الأخبار يلازمها الاختلاف، بل فيها أكثر ما يكون التشابه والاختلاف، ثم يذكر ابن روح ثلاثة وجوه هي مدعاة الهلكة في التعامل مع الأخبار؛ أحد هذه الوجوه ردّها، فينبغي أن لا يردّها المتعامل معها إذا لم يقف على صوابها على وجه الإنكار، إذ لا يجوز له ردّ الروايات ولا الآثار على وجه الإنكار ولو كانت في الأصل باطلا، فمن فعل ذلك فقد كذب على الله وعلى رسوله وعلى أوليائه
الطلاق، باب ما جاء في عدة الحامل ... 396/ 1 (1516)، وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب الطلاق، باب المطلقة يموت عنها زوجها، 471/ 6 (11714).
(1) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 243/ 1. (2) تقدم تخريجه، ص 128.
(3) أبو المؤرج، كتاب الصيام روايات أبي المؤرج وغيره (مخ)،ص 36.
(4) الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 210/ 3. (1/222)
صفحة 223
علوم السنة عند الإباضية
203
فيها، وذلك لأن ردّه لما لا يعلم أنه كان أو لم يكن ضلال وباطل (1).
إن الردّ للخبر اجتهادي مبنى على انكشاف وجوه خلل تُسبّب ردّه عند من
رده، ومن هنا يأتي حذر علماء الإباضية في تعاملهم مع الخبر، فالرد أو القبول محتاجان إلى احتراز وحذر، وأن يبنيان على أساس ونظر. ويكشف لنا ابن بركة أن ردهم أو قبولهم اجتهادي، وأنه لا يخرج عن دائرة الظني، فيما تبين لهم من فساد ما ردوه من أخبار غيرهم، دون إنكار أن يتفرد رواة بخبر عن غيرهم، معددا بعض أسباب اختلاف الرواة بين بعضهم. يقول ابن بركة مفصلا أسباب الخلاف: "ولسنا ننكر أخبار مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها، لأنا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده أن يكون صحيحاً، وإن لم ينقلها معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار، ولم يستقص في الكل، علم ذلك الخبر ولم يشتهر بينهم وقد تختلف الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها أو لانقطاع بعض الأخبار أو اتصالها وقلة حفظنا فيها، وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر، ومنهم من ينسى من الخبر شيئاً فيغير معناه أو يزيد فيه، ومنها ما ينقل على وجه القصص أو لفائدة الأدب أو لغيره، والصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك، وكذلك اختلفت الأخبار وأحكامها، والله أعلم" (2).
وقد سبق لنا عرض استدلال ابن بركة على جواز رد الخبر، للعالم المتيقظ الحذر، بصنيع ابن عباس في رده خبر) لا تبيعوا الذهب بالذهب ... إلخ) (3) الذي رواه أبو سعيد الخدري، وغضب أبو سعيد من ردّ ابن عباس روايته، إذ من لازم الردّ -حسب ما يرى أبو سعيد - اتهامه بالكذب على رسول الله، يقول ابن
(1)
الكندي محمد بن روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 22.
(2) ابن بركة، الجامع 547/ 1.
(3) تقدم تخريجه، ص 102. (1/223)
صفحة 224
علوم السنة عند الإباضية
K 204
بركة: فقد ردّ ابن عباس رواية أبي سعيد مع كثرة روايته وشهرته بالرواية .... ومخالفونا ينكرون منا أنا لا نقبل أحاديثهم ونقلدهم فيها، وفيهم عبد الملك بن
مروان وأعوانه والمهلب بن أبي صفرة وأبو هارون العبدي وأمثالهم (1).
إن ما تقدم عن ابن بركة يكشف لنا جانبا من رؤية ابن بركة النقدية لروايات غير الإباضية، وفيها يطرح بعض الأسباب في اختلاف الرواية، ومع الأسباب العامة لهذا الاختلاف، يطرح أسبابا خاصة برؤيته وأصحابه للرجال الذين يعتمدهم مخالفوهم ويأخذون عنهم، وهو يمثل بالثلاثة الذين ذكرهم، وكأنه يشير إلى بعض الفوارق المنهجية بينهم مخالفيهم تجعلهم يتوقفون في قبول
روايتهم.
ويضيف ابن بركة كما يرى مع ما تقدم من بيانه بعض الفوارق المنهجية أمرين آخرين يشير إليهما خلاصة أحدهما - على حد وصف ابن بركة أن مخالفيهم قالوا: لو اجتمع ألف رجل ولو من شتى الملل كاليهود والنصارى وأهل الهند والروم، والفساق والمخالفين والمنتحلين وجاؤوا معاً يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم بخبر واحد، وكانوا متفرقين، لا مواعدة بينهم ولا تلاقي من بعضهم لبعض ولا تراسل، قالوا: فقد علمنا أن ذلك الخبر لا يجوز أن يجيء ويخرج مخرج الكذب (2).
ثم يذكر ابن بركة رفضه لذلك، محتجا بأن الله تعالى نهانا عن تصديق أمثال هؤلاء وإن كثروا، وأن الإجماع موجب أن لا نفوض شيئاً من الدين إليهم، وذلك لأن المخبر، شاهد، وكل شاهد غير عدل ترد شهادته عقوبة له على فسقه وفجوره، وليكون ذلك زاجراً له عن عمله، وأن هذا ليس من قبيل الرأي، بل هو حكم القرآن قال الله جل ذكره: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} (البقرة 282/ 2) وعليه فمن تلحقه التهمة لا يرتضى في خبر إطلاقا، ويكمل ابن بركة احتجاجهم بأن الله
(1) ابن بركة، الجامع، 314/ 2 م. س، 2/ 314.
(2) (1/224)
صفحة 225
علوم السنة عند الإباضية
205
جل ذكره قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى الناس} (البقرة 143/ 2) فأخبر الله أن الخيار هم الشهداء وهم الحجة الله على
خلقه (1).
وفي تقديري أن ابن بركة عمم الكلام هنا فلا ندري من أراد بكلامه هذا، فالأمة من فقهائها وأصولييها ومحدثيها اشترطوا العدالة وردوا خبر غير العدل فضلا عن غير المسلم فإذن لا فارق بين الإباضية وغيرهم في هذا الأمر الذي احتج له ودلل عليه (2).
والأمر الثاني الذي طرحه ابن بركة يتعلق بحجة المرأة وذلك أن الله تبارك وتعالى لم يجعل النساء حجة وحدهن في الشهادة حتى ولو كن كثيرات، وإن شهد منهن ألف امرأة من المسلمين على درهم واحد لم تقبل هذه الشهادة متفرقات جئن أم مجتمعات، عرف صدقهن أم لم يعرف، وهذا الحكم شامل لكل النساء حتى زوجات النبي (3)، ويكمل ابن بركة بقوله: " وإن كان يجب على الناس ألا يظن بهن - أي أمهات المؤمنين أنهن لا يشهدن على درهم إلا بالحق، ولأن الله تعالى لما ذكر الشهادة في الحقوق قال: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) وكذلك قال: (مِمَّن تَرْضَوْنَ
(1)
م. س، 2/ 315.
لمزيد من التفصيل لمعرفة شرط العدالة في قبول رواية الراوي وبعض أحكامها أنظر ابن حبان، صحيح ابن حبان، مقدمة الكتاب الفصل الثاني (أقسام (السنن)، 151/ 1، البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (1066/ 458)، القراءة خلف الإمام، تح: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ، 203/ 1، البغدادي الخطيب أحمد بن علي بن ثابت (1071/ 463)، الجامع لأخلاق الراوي والسامع، تح: محمود الطحان مكتبة المعارف، الرياض، 1403 هـ، 92/ 1،،127، الكفاية في علوم الرواية، تح: أبو عبد الله السورقي، إبراهيم حمدي المدني المكتبة العلمية، المدينة المنورة، (دت)، 100/ 1 المنذري أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي (1162/ 656) رسالة في الجرح والتعديل، تح: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، ط 1، مكتبة دار الأقصى، الكويت، 1406 هـ، 28/ 1، ابن حجر، مقدمة فتح الباري 9/ 1،
(3) م. س، 2/ 315.
315/ 2 (1/225)
صفحة 226
علوم السنة عند الإباضية
206
منَ الشُّهَدَاء} (البقرة 282/ 2) فجمع في هذه الآية رد شهادة غير العدول وشهادة النساء وإن كثرن، ولأن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة عليكم والله أعلم" (1). ومرة أخرى نقول إن هذا رأي ابن بركة ولعلنا لا نوافقه في ذلك فكل عالم يؤخذ منه أو يرد على أننا سنتعرف فيما بعد على رأي آخر عند الإباضية في هل الرواية بمثابة الشهادة في بعض أحكامها أم لا؟ وكذلك على قبول أكثرهم لعدالة المرأة وروايتها خلافا لابن بركة فى فصل الجرح والتعديل.
ويطرح ابن بركة أمرا آخر من نقده لمخالفيه في شهادتهم يبنيه على وجود مرويات موضوعة شاعت بينهم وراجت وصارت كالمسلمات عندهم، حتى تلقفها العدول منهم، ورووها، ويمثل بما رووه في أحاديثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بنقل من عدلوا عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان معك عشرة أسهم، فارم في الخوارج بتسعة، و في المشركين بسهم) (2)، يقول ابن بركة: فمن كان يعتقد في المسلمين هذا الاعتقاد، كيف يجوز أن يكون عدلاً على المسلمين ... غير متّهم عليهم)
(3)
وهذه النظرة التي يطرحها ابن بركة نجدها عند غيره من فقهاء الإباضية، يقول خميس بن سعيد الشقصي: وإن كان أحد من أهل الخلاف ثقة في دينه، فلا يُقبل منه ما رفع أهل الفتوى من المسلمين، فلا يُصدّق فيما يروي من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تقوم الحجة بصحة ذلك، لأنّهم يستحلون تحريف الكلام ليثبتوا به مذاهبهم و لا يرفع خبراً يوجب تصويب مخالفيهم"
(4)
(1)
م. س، 3152
(2) لم أجد تخريجا للحديث بهذا اللفظ لكن هناك أحاديث وردت تقرب من هذا وقد قام الأخ الزميل ناصر السابعي بدراسة الأحاديث الواردة في الخوارج - في رسالة ماجستير - فوجدها ضعيفة وفق منهج المحدثين ر: السابعي ناصر بن سليمان (معاصر)، الخوارج والحقيقة الغائبة، ط 2، مطابع النهضة، نشر مكتبة الجيل الواعد، سلطنة عمان، 1424 هـ، 2003 م.
(3) ابن بركة، الجامع، 269/ 2. (4) الشقصي، منهج الطالبين، 141/ 1. (1/226)
صفحة 227
علوم السنة عند الإباضية
207
ويقول القطب محمد بن يوسف اطفيش: " و لا يحسن الأخذ بقول المخالف ولو ثقة عالماً، إلا إن ظهر أنّه حق، ولا حق معهم فيما خالفونا فيه، فيما لا يجوز فيه الاختلاف، و لا يُصدّق ثقة منهم فيما نسبه إلينا، أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة أو إلى التابعين، كما ينسبون إلى جابر بن زيد، وعدوه في الثّقات، إن لم تُعرف، صحته، وإن عُرفت، أو عضده حديث عندنا جاز الأخذ به، و لا يجوز الأخذ بأحاديثهم إلا أحاديث الترغيب والترهيب ما لا يخالف القرآن، والأحاديث التي لا تخالفه، و لا تخالف ما صح عندنا من الأحاديث، بأن وافقت ما عندنا، أو وردت فيما ليس لنا فيه حديث صحيح، وليسوا طالبين فيه تصحيح ما زاغوا به وإنّما يُؤخذ العلم من عدل ومن ضابط عدل راو عن عدل (1).
وقفنا فيما تقدم على شواهد يظهر منها موقف الرد وعدم قبول الإباضية لمرويات غيرهم، وتحوي النصوص الأخيرة التي عرضناها لبعض علماء
الإباضية نبرة قوة في الرد وعدم القبول، لكن لا ينبغي فهم تلك العبارات علـ
عمومها، فهؤلاء الذين عرضنا كلامهم لم يرفضوا روايات مخالفيهم جملة، فقد سبق لنا أن عرضنا للمتقدمين نماذج قبولهم لروايات غيرهم، كما عرضنا لابن
(2).
بركة نماذج لذلك، وأما الشقصي خميس بن سعيد فيكشف كتابه منهج الطالبين وجود مرويات غير الإباضية فيه، كما أن في كتب القطب محمد بن يوسف. اطفيش نماذج وشواهد كثيرة في أخذه عن غير الإباضية، وكتبه كثيرة جدا وأهم كتبه التي يظهر فيها ذلك كتاب شرح النيل وشفاء العليل (3)، وكتاب شامل الأصل
(1) اطفيش محمد بن يوسف، شامل الأصل والفرع، 15/ 1. (2) الكتاب يقع في عشرين مجلدا، وهو عبارة عن موسوعة متكاملة في الفقه والعقيدة وغيرها من أبواب الشريعة، وقد تقدمت بيانات الكتاب.
(3) كتاب طبع في خمسة عشر مجلدا كبيرا، شرح فيه القطب اطفيش متن النيل للشيخ عبد العزيز الثميني اليسجني الجزائري، وقد اعتمد الكتاب على أنّه مصدر ومرجع لأراء الإباضية الفقهية، والكتاب يحوي الفقه المقارن مع أراء الإباضية:: اطفيش محمد بن يوسف ر: المصعبي (1914/ 1332)، شرح النيل وشفاء العليل مكتبة الإرشاد، جدة، 1985. (1/227)
صفحة 228
علوم السنة عند الإباضية
208
والفرع (1)، وكتاب الذهب الخالص (2)، وكتاب جامع الشمل (3)، وكتاب وفاء
الضمانة (4)
وغيرها.
بقي لنا أن نبين أنهم بجانب القبول أو الرد نجدهم قد يتوقفون عن بعض الأحاديث فلا يميلون إلى واحد منهما، ومن أمثلة ذلك توقف عبد الله بن عبد العزيز فيما روي عن النبي لو أنه قال (من حاز شيئا وعمره عشرين سنة فهوله) (5)، فقد توقف في هذا الحديث لم يصححه ولم يرده فقال:" الله أعلم بوجه حديث النبي غير أن الفريقين من أهل المدينة وأهل العراق قد جاؤوا بهذا الحديث يحملونه ويؤثرونه وما قال النبي الله فهو حق والسنة أحق أن تتبع إذا كانت سنة عن النبي (6).
ويتوقف الإمام عبد الوهاب في حديث (النهي عن أكل ذي مخلب من الطير وأكل ذي ناب من السباع) (7) ويقول: "والله أعلم بما روى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن
(1) كتاب فقهي مقارن حوى في بدايته بعض الأبواب العقدية، طبع في مجلدين، تقدمت
بياناته.
(2) كتاب فقهي من مجلد واحد لكنه عميق في طرحه، اختصر فيه اطفيش كتاب قواعد الإسلام للجيطالي وحاشية أبي ستة عليه، كما نهج فيه المقارنة والتدليل مع التفريع. ر: اطفيش محمد بن يوسف المصعبي (1914/ 1332)، الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، ط 2، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 1419 هـ،1998 م.
(3) كتاب في الحديث الشريف وفي مصطلحه يقع في مجلد واحد، سبقت بياناته. (4) كتاب طبع في ثمانية أجزاء، في الحديث الشريف، جمع فيه القطب اطفيش في كل باب أربعين حديثا، وكأنه مصنف في الحديث الموضوعي، ر: اطفيش محمد بن يوسف المصعبي (1914/ 1332)، وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث، ط 2، مطبعة عمان ومكتبتها،
القرم، مسقط، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1409 هـ / 1988 م. (5) تقدم تخريج مثل هذا الحديث، ص، واقرب لفظ له أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، حديث الحسن بن أبي الحسن البصري، 208/ 7 (6863).
(6) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 234/ 2.
(7) تقدم تخريج هذا الحديث، ص 98. (1/228)
صفحة 229
علوم السنة عند الإباضية
209
كان كما رووا (1)، ويعلق ابن بركة على ما روي من أن النبي (نهى عن الصلاة في الثوب الواحد .. ) (2)، بما يوحي بتوقفه فيه فيقول: "فإن سلم طريق الخبر فهو يدل على قول أصحابنا" (3).
وتوقف أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي في حديثين الأول ما روي من (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أطفال المشركين: هم خدم أهل الجنة) (4) والآخر ما روي من أنّ خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم سألته: أين أولادي منك؟ قال: هم في الجنة قالت: أين أولادي من غيرك؟ هم في النار، وإن شئت أسمعتك صياحهم في النار) (5) يقول أبو عبد الله: " وما قال النبي الله فهو كما قال، ولكن وقع الاختلاف فيما روى عنه فرأينا أن نقف عنهم وقولنا فيهم قول المسلمين، ردوا أمرهم
6
(2)
(3)
الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن مسائل نفوسة، ص 55.
تقدم تخريجه، ص 116.
ابن بركة، الجامع، 1/ 466.
(4) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، باب من اسمه ابراهيم، 302/ 2 (2045)، وأبو يعلى في مسنده، حديث يزيد الرقاشي عن أنس، 130/ 7 (4090)، والروياني في مسنده، حديث أبي رجاء عن سمرة 64/ 2 (838).
(5) ما وجدته رواية عن عائشة قالت سألت رسول الله عن ولدَان المؤمنين أين هم؟ قال في الجنة يا عائشة، وسألته عن ولدان المشركين قال إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار) أخرجه ابن الجعد في مسنده، حديث مسلم بن خالد الزنجي 436/ 1 (2969)، وأحمد في مسنده، حديث السيدة عائشة، 208/ 6 (25784)، وابن عبد البر في التمهيد، 122/ 18 وقد علق ابن عبد البر بتضعيف هذا الخبر "فقال: أبو عقيل - يريد أحد رواته هذا صاحب بهية لا يحتج بمثله عند أهل العلم بالنقل، وهذا الحديث لو صح أيضا احتمل من الخصوص ما احتمل غيره في هذا الباب، ومما يدل على أنه خصوص لقوم من المشركين قوله لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار، وهذا لا يكون إلا فيمن قد مات وصار في النار وقد عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه من الآثار والحمد لله ر: ابن عبد البر، التمهيد،
122/ 18 (1/229)
صفحة 230
علوم السنة عند الإباضية
210
إلى الله هو المتولي الحكم فيهم" (1)، ومثل هذا التوقف يجد له الناظر في كتبهم
نماذج كثيرة ومتعددة.
وهكذا وقفنا على القبول أو الردّ أو التوقف عند الإباضية في تعاملهم مع الروايات الواردة من غير طرقهم، لكن موضوع القبول والرد في تقديري محتاج إلى تتبع في تراثهم أكبر، وعرض لنصوصهم بشكل أوفر، وبيان لتطبيقات ذلك بعدد أكبر، حتى يجلى ذلك ويكشف عنه، ولكي يمكن أن يستخلص منهجهم في
ذلك ويؤطر.
وما عرضناه هنا حسب تقديري غير كاف لذلك، فعسى أن يقيض الله همة أحد الباحثين لذلك، أو ييسر لي مستقبلا بلوغ شيء من ذلك الأمل، بمزيد بيان لمثل هذا الموضوع الجلل ففي ذلك خدمة للتقارب بين المسلمين، ولفهم أعمق لأسباب الخلاف، ومن ثم لمنهجية جامعة مقربة تتخطى هذا الخلاف، فإن لم يكن ممكنا تخطي الخلاف فعلى الأقل فهم كل طرف للآخر ليكون دافعا للتقارب والتأكيد من خلال ذلك الفهم على ما اصطلح عليه بأدب الخلاف.
ولعله من الجدير بنا في نهاية هذا الفصل أن نؤكد على بعض الحقائق بدت جلية خلاله وفي مقدمتها سمة المرونة والاعتدال في أخذ الإباضية ما ورد من غير طرقهم من الروايات، إذ جعلوا الأصل قبولهم الأخذ عن مخالفهم، وهذا النهج بدا مطبقا منذ تأسيس المذهب عند أئمته الأوائل حتى يومنا هذا، فهم لم يجمدوا على ما عندهم على خلاف ما يظن البعض بهم.
وقد رأينا أمثلة تطبيقية متعددة كشفت ذلك عند جابر بن زيد وأبي عبيدة وتلاميذه فضلا عمن جاء بعده، وقد جعلوا شعارهم قبول الحق ممن جاء به کائنا من كان غير أن هذا القبول كما أسلفنا لم يتخذ طابع التقليد، بل قام على قواعد من التمحيص ووفق ضوابط نظروها ثم طبقوا عليها، كالأخذ من الثقة، وخارج
(1) الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 363/ 3 - 364. (1/230)
صفحة 231
علوم السنة عند الإباضية
211
مسائل الأصول التي بنيت على أصول صحيحة واستقرت، وكذلك خارج مسائل
الخلاف التي صحت عندهم واستقر عليها عملهم، وغير ذلك من الضوابط. وقد وجدنا عددا من الأمثلة والتطبيقات للقبول والأخذ عن الغير، بل التلقي عنه ومن ثم التحمل والأداء عنه، وهذا القبول لم يقتصر على الروايات فقط، بل تعداها إلى النقد واعتماد الأحكام والمقاييس النقدية على بعض الرواة. وقد وجدنا أمثلة ذلك ونماذجه منذ فترات مبكرة في تاريخ المذهب ورجاله.
وجاء الرد معبرا ومنذ أوائل أئمتهم - عن منهجية نقدية كشفت دراية بالرواية إذ لم يكن الرد أو التوقف دون حجة ودليل فهم من الحذر بمكان أن لا يردوا الحق أبدا؛ إذ الحق يجب قبوله.
على أنهم صرحوا أن القبول أو الردّ اجتهادي ظنّي، وقد كشف ابن بركة عن أسباب اختلاف في نقل الرواية، أدى تبعا لذلك إلى خلاف بين أبناء الأمة في القبول والرد، وذكر كذلك بعض أوجه اختلاف في بعض الضوابط النقدية أثمر خلافا في القبول أو الرد.
أما التوقف في الرواية فهو نهج وسط بين القبول والرد، وهو ضرب من
التعامل الحذر مع السنة، وقد رأينا نماذج وأمثلة لذلك. (1/231)
صفحة 232
علوم السنة عند الإباضية
212
الباب الثالث
علوم الحديث التي تعنى
بالإسناد عند الإباضية.
الفصل الأول: عناية الإباضية
بعلم الإسناد.
الفصل الثاني: الجرح والتعديل
الفصل الثالث: الشروط العامة
للتحمل والأداء
عند الإباضية وكتابتهم في
الطبقات والتراجم.
الفصل الرابع: موقف الإباضية من
عدالة الصحابة وآثارهم. (1/232)
صفحة 233
علوم السنة عند الإباضية
213
الفصل الأول عناية الإباضية بعلم الإسناد
المبحث الأول: حقيقة الإسناد وتطوره
-أ- حقيقة الإسناد في اللغة والاصطلاح
السَّنَدُ: يطلق على ما ارتَفَعَ من الأرض في قُبل جَبَلٍ أو واد (1)، و يقال:" ناقة سنادٌ أي طويلة القوائم مُسنَدَة السَّنام (2)، وجاؤوا متساندين أي متعاضدين (3)،. والمُسَانَدَةُ: المكافاة، و يُقال: "هو يُسَائِدُه، وهما مُتَسَائِدَانِ: إِذَا كَانَ هذا على قَوْمِه وهذا على قومه لَيْسَ لأحد منهما رياسة على الآخر (4)، والسند: "مُعْتَمَدُ الإنسان كالمُسْتَنَد، وهو مَجاز (5).
(6) ?-
ويمكن إطلاق
وقال الزجاج: "سَنَدَ في الجَبَلِ يَسْتُد سُنوداً: صَعِدَ ورَقِي" المساندة على تقوية الشيء كأنما سوند بعضه إلى بعض (7)، ويقال: "الأَسَانِيدُ: قوائِمُ الأحاديث (8)، وإسنادُ الحديث أي رفْعُه إلى قائله (9)، ويقال:" أسند في الشعر إسناداً
(1) الفراهيدي أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد (786/ 170)، كتاب العين، تح: مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة، الهلال، بيروت، (د. ت)، 228/ 7 الزمخشري جار الله محمود بن عمر (1143/ 538)، أساس البلاغة، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1404 هـ، 1984 م، ص 310.
(2)
(3) م. س، ص 310.
(4) الصاحب اسماعيل بن عباد (995/ 385)، المحيط في اللغة، تح محمد حسن آل ياسين، عالم الكتب، بيروت، لبنان، (د. ت)، 286/ 8
(5) الزبيدي محمد مرتضى الحسني (1791/ 1145)، تاج العروس من جواهر القاموس منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، (دت)، 381/ 2
(6) الزبيدي، تاج العروس، 382/ 2.
(7) الزمخشري، أساس البلاغة، ص 310.
(8) تاج العروس، 382/ 2.
(9) الجوهري إسماعيل بن حماد (1003/ 393)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، دار
الحضارة العربية، بيروت، لبنان، (د. ت)، 617/ 1. (1/233)
صفحة 234
علوم السنة عند الإباضية
214
بمعنى ساند مثل إسناد الخبر (1)، وفى لسان العرب: "المُستند من الحديث ما اتصل إسناده حتى يُسند إلى النبي (2).
والسند اصطلاحا كما يبينه عمرو التلاتي هو عبارة عن الرجال الراوين للمتن الذي هو الحديث أو الخبر الذي روي عنه (3)، أما الإسناد كما يذكر عمرو التلاتي أيضا فهو حكاية الرجال أو رواة المتن الذي قاله أو الخبر الذي روي
عنه (4).
ب - توطئة تاريخية لموضوع الإسناد:
هناك قضيتان مهمتان في الطرح والمناقشة عند الحديث عن الإسناد والعناية، به ولزوم مراعاته والعناية به.
الأولى تتعلق بأصل تحديث الصحابة عن بعضهم، ومعهم بعض كبار التابعين إذ كان الغالب في تحديثهم، ذكر الحديث دون ذكر إسنادهم، على أن هذا لا يعني كما زعم بعض المستشرقين أن قضية الإسناد مخترعة من قبل المحدثين
إطلاقا فكلامهم هذا مردود عليهم.
والثانية مرجع إلحاح المحدثين ورواة الأخبار في طلبهم للإسناد وتفتيشهم، ومن ثم فهم سبب نمو العلوم الإسنادية عندهم، وفي تقديري أن تجلية هاتين القضيتين يساعدنا في تفسير بعض الأمور المتعلقة بالإسناد عند الإباضية
ورواتهم.
وبيانا للقضية الأولى فإنّ الصحابة لم يلتزموا ذكر الإسناد عندما حدثوا بالحديث الذي سمعوه من بعضهم، ولم يفرقوا في تحديثهم بين ما سمعوه من النبي مباشرة أو من بعضهم، بل كانوا يحتجون على طريقتهم ونهجهم، ببراءتهم من
(1) ابن منظور، لسان العرب مادة سند، 222/ 3.
(2)
(3)
(4)
م. س، مادة سند، 221/ 3.
عمرو الثلاتي، رفع التراخي في مختصر الشماخي (مخ)، ص 190.
م. س، ص 190. (1/234)
صفحة 235
علوم السنة عند الإباضية
215
الكذب وسلامتهم، يسأل رجل أنس بن مالك عن حديث حدث به أأنت سمعته من رسول الله، فيغضب أنس غضبا شديدا ويقول: (والله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله له ولكن كان يحدث بعضنا بعضا ولا يتهم بعضنا بعضا) (1)، ويرد مثل هذا عن البراء بن عازب إذ يقول: (ليس كلنا كان يسمع الحديث من النبي، كانت لنا صنعة وأشغال، ولكن كان الناس لا يكذبون، فيحدث الشاهد الغائب) (2)، ومع أن ابن حجر يضعف سند خبر البراء (3)، لكنه معتضد بخبر أنس.
6 (2)
وهكذا يظهر لنا أن هناك علاقة بين عدم بيان الإسناد والكذب، فلما كان الصحابة بعيدين كل البعد عنه، قلّ بيانهم للإسناد، وكانوا يغضبون ممن يسألهم عنه، إذ في سؤاله مثار تهمة يرفضونها.
ونجد هذا النهج عند كبار التابعين، فالحسن البصري يجيب الرجل الذي قال له في حديث لم يسنده: لو كنت تسنده إلى من حدثك، فيقول: (أيها الرجل ما كذبنا ولا كذبنا ولقد غزونا غزوة إلى خراسان ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد ... الخ) (4)، فالحسن يدافع عن عدم ذكره الإسناد، وأنه تلقى عن كثرة كاثرة من الصحابة، ويرى أنّ عدم ذكره الإسناد لا يقلل من قيمة روايته ولا من أهميتها، ومدار الأمر على الصدق والأمانة والنزاهة، ولم يكونوا يرون في عدم ذكر الإسناد ما يقلل من روايتهم، ولا ما يضعفها، وشاع الإرسال عندهم وانتشر
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب معرفة الصحابة، ذكر أنس بن مالك، 665/ 3 (6458).
(2) أخرجه أبو عبد الله الفهري في السنن الأبين، الطبقات، 133/ 1، وانظر: ابن حجر، فتح الباري، 321/ 13.
(3) ابن حجر أحمد بن علي، فتح الباري، 13/ 321.
(4) المزي، جمال الدين أبو الحجاج يوسف (1342/ 742)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال،
تح بشار عواد معروف، ط 3، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1415 هـ / 1994، 6/ 124. (1/235)
صفحة 236
علوم السنة عند الإباضية
216
واختلف المحدّثون في مرسلات الحسن بين قبول ورد (1).
وظاهر قول من ردها ليس مبنيا على عدم ذكره عند تحديثه للسند، وإنما - على حد قولهم أخذوا عليه بعض التساهل في أخذه، وحسن ظنه وتصديقه لمن حدثه، وإلا فإنهم قبلوا مرسلات غيره من معاصريه.
(1) اختلف المحدّثون في مراسيل الحسن البصري، ولست في مقام بسط هذه المسألة وتتبعها، لكني أردت أن أبين ولو قليلا منها لحاجة الاستشهاد بها، وممن نقل عنه قبولها يحيى بن سعيد القطان، إذ أورد الترمذي في العلل عبارة ابن القطان التي يقول فيها:" ما قال الحسن في حديثه قال رسول الله الله إلا وجدنا له أصلا إلا حديثا أو "حديثين ر: الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسي (893/ 279)، العلل الصغير تح: أحمد محمد شاكر وأخرين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت، 1/ 754.
ونقل قبول مراسيل الحسن أيضا عن أبي زرعة الرازي إذ ذكر العلائي أن الترمذي روى عن أبي زرعة قوله: كل حديث قال فيه الحسن قال رسول الله له وجدت له أصلا إلا أربعة أحاديث ر: العلائي أبو سعيد بن خليل بن كيكلدي (1360/ 761)، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، تح: حمدي عبد المجيد السلفي، ط 2، عالم الكتب، بيروت، 1407 هـ،
90/ 171986
ومال أكثر المحدثين إلى تضعيف مراسيل الحسن، فذكر العلائي أن ابن عبد البر حكى عن الجماعة تصحيح مرسلات محمد بن سيرين كمراسيل النخعي وأن مراسيل عطاء والحسن البصري لا يحتج بها لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد، ر: العلائي، جامع التحصيل، 90/ 1، كما أورد أحمد عن محمد بن سيرين تضعيفه لمراسيل الحسن وقول ابن سيرين:" كان أربعة يصدقون من حدثهم أبو العالية والحسن و ... الخ". ر: ابن حنبل، العلل ومعرفة الرجال، 1/ 442، ويعلق الخطيب البغدادي على عبارة ابن سيرين بقوله: أراد ابن سيرين أنهم كانوا يأخذون الحديث عن كل أحد ولا يبحثون عن حاله لحسن ظنهم به، وهذا الكلام قاله بن سيرين على سبيل التعجب منهم في فعلهم وكراهته لهم ذلك ر: الخطيب، الكفاية، 372/ 1، ويقول أحمد بن حنبل: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد ر: العلائي، جامع التحصيل، 90/ 1.
إن المضعفين لمرسل الحسن كما بدا مما تقدم يبنون تضعيفهم على مؤاخذة الحسن بعدم تحرزه في روايته عمن يروي، وحسن ظنه وتصديقه، وليس أمر التضعيف مبنيا على كونه يرسل، وإلا فإنهم قبلوا مرسلات غيره كما هو واضح من كلامهم. (1/236)
صفحة 237
علوم السنة عند الإباضية
217
ونحن إذا أمعنا النظر في معاصريه، وجدنا الإرسال وعدم ذكر الإسناد أو عدم ذكر كامل الإسناد سمة كثير منهم، وكأنه نهج متعارف بين التابعين خاصة كبارهم.
(1)
أما عن القضية الثانية وهي دافع الطلب للإسناد والتفتيش عنه، فمرجع ذلك إلى ظهور الكذب والوضع في الحديث، وتأتي مقالة ابن سيرين في هذا السياق إذ يقول:" لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم لقد أحدثت الفتنة هزة فكرية، وخللا كبيرا، صار ذلك باعثا لضعاف النفوس، إلى الانزلاق في مزالق خطيرة، وأهواء مردية، وباعثا على الكذب والوضع، وبمقابل ذلك كانت باعثا أيضا للنظر والتحقيق في الرواية، ولذلك نجد عند محمد ابن سيرين عبارتين أُخْرَيَين تكشفان ذلك فهو يقول:" إنما هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذونه (2) ويقول: " التثبت نصف العلم" (3)، على أن محمد بن سيرين الذي نقل عنه هذه العبارات، والذي عاب على الحسن البصري وبعض معاصريه ما عابه، وقع في الإرسال (4) وقد صحح بعض المحدثين مراسيله لتثبته ولكن يبقى أنه شارك أقرانه من التابعين، في منهج الإرسال هذا.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، مقدمة صحيح مسلم، باب بيان أن الإسناد من الدين، 15/ 1. (2) الخطيب البغدادي الكفاية، في علم الرواية، 1/ 121.
(4) تقدم
(3) م. س، 166/ 1. فيما سبق ذكر تصحيح بعض المحدثين لمراسيل محمد بن سيرين، وقد ذكر بعض المحدثين بعض الصحابة أو غيرهم روى عنهم ابن سيرين ولم يلتق بهم، فقد ذكر أحمد بن حنبل وعلي بن المديني: أنه أي ابن سيرين - لم يسمع من بن عباس شيئا، وقال شعبة:" ما أرى محمدًا بن سيرين سمع من عقبة بن عبد الغافر شيئا وقال البخاري: لم يسمع بن سيرين من معقل بن يسار" وقال أبو حاتم: لم يسمع بن سيرين من عائشة شيئا، ولم يلق أبا ذر، ولا سمع من أبي الدرداء ذلك بالشام وهذا بالبصرة، ولم يسمع من عبيد الله بن عبد الله بن عباس، ولا أعلم أنه سمع من أبي برزة، وابن سيرين عن كعب بن عجرة مرسل"، وسئل بن معين عن حديث محمد بن سيرين عن عمرو بن وهب كنا عند المغيرة في ذكر المسح على
أظنه (1/237)
صفحة 238
علوم السنة عند الإباضية
218
وهكذا فإن طلب علماء الأمة للإسناد كان دافعه الكذب والوضع الذي بدأ حينذاك، فتطورت علوم الإسناد تلبية لغاية الوقاية منهما، لا سيما حين كثر الكذب والوضع بعد ذلك، ويذكر بعض المحدثين أن عامراً الشعبي أول من فتش عن الإسناد (1).
على أن الإرسال بقي منهجا متبعا، ووجدتُ لابن عبد البر تعليقا على خبر الشعبي يؤكد ما ذكرته من منهجهم، يقول ابن عبد البر: فعلى هذا كان الناس على
البحث عن الإسناد، وما زال الناس يرسلون الأحاديث، ولكن النفس أسكن عند
الخفين فقال: " بينهما رجل وقد ذكر بعضهم الرجل أيوب"، ويذكر ابن أبي خيثمة حديثا رواه ابن سيرين عن عبادة بن الصامت أنه عن مسلم بن يسار عن عبادة، وقال الدارقطني: " لم يسمع بن سيرين من عمران بن حصين، وعلّق العلائي على ذلك بأن روايته عنه في الصحيح، قال خالد الحذاء كل ما قال محمد بن سيرين ثبت عن بن عباس فإنما أخذه عن عكرمة وكان لا يسميه لأنه لم يكن يرضاه، وما ذكرناه هنا جزء مما ذكره المحدثون، ر: أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال 487/ 1، 562/ 1، الدارقطني أبو الحسن علي بن أحمد (996/ 385) العلل الواردة في الأحاديث النبوية، تح محفوظ الرحمن زين الله السلفي، ط 1، دار طيبة، الرياض، السعودية، 1405 هـ، 1985 م، 153/ 7، العلائي، جامع التحصيل في أحكام المراسيل،264/ 1 ابن حجر، مقدمة فتح الباري، 427/ 1.
وهكذا يتبين أن المنادين بالبحث والتثبت من التابعين أرسلوا ولم يلتزموا بالإسناد وهذا مما يدل على كون ذلك منهجا متبعا لديهم، على أنني أقف متعجبا في هذا المقام من إمام جليل القدر، كبير المنزلة عظيم الخطر، كمحمد بن سيرين حين يروي عن عكرمة مولى ابن عباس الحبر، ولا يذكره وهو يأخذ عنه مرويات رواها عن البحر، ويظهر أن الخلاف بين هذين العالمين سبب ذلك الإعراض عن الذكر.
(1) تذكر بعض المصادر أن الربيع بن خيثم حدث الشعبي بحديث، فقال الشعبي للربيع بن خثيم من حدثك بهذا الحديث؟ فقال عمرو بن ميمون الأودي، فلقي الشعبي عمراً بن ميمون فقال له: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلقي ابن أبي ليلى فقال: من حدثك؟ قال: أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله. ر: الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية 211/ 1، ابن عبد البر، التمهيد، 55/ 1. (1/238)
صفحة 239
علوم السنة عند الإباضية
الإسناد وأشد طمأنينة (1) ..
219
وبعد هذه التوطئة لعل سائلا: يقول ما علاقة ما تقدم ذكره بموضوع الإسناد عند الإباضية؟ والجواب أن ما تقدم بيانه في تقديري يفسر بعض ملامح الإسناد
النشأة
عند الإباضية، فقد كانت فترة عهد الصحابة والتابعين تمثل على الدوام عهد لفكر الأمة كلها، والإباضية جزء أصيل منها، ارتبطت نشأتهم بالصحابة بشكل مباشر، وكان لمنهج الصحابة في كيفية الأخذ والأداء عندهم واضح الأثر، كما أن أئمة المذهب الأوائل كانوا من رجالات التابعين بل كانوا فيهم من أولي النظر ولذلك رأينا ظلال أثرهم في موضوع الإسناد، فبقي الإرسال وعدم الإسناد في جانب من روايتهم للسنة والأثر، ولعل هذا يفسر وجود الكثير من الروايات المتناقلة بدون ذكر الأسانيد، إذ لما كان ذلك نهجا لكثير من الصحابة والتابعين، وكان التحديث بتلك الطريقة كما رأوه لا يسيء إلى السنة نفسها، اقتدى بهم الإباضية في ذلك.
وإذا ما ربطنا هذا التفسير بالقضية الثانية التي طرحناها، وهي علاقة طلب الإسناد بظهور الكذب وانتشاره، وإلحاح المحدثين على الإسناد وتفتيشه، لحماية السنة من الوضع والكذب وأهله - والعلاقة في حقيقة الأمر طردية بين الكذب وطلب الإسناد، فكلما انتشر الكذب وزاد زاد الطلب والتفتيش عن الإسناد - وجدنا خلو ساحة الإباضية من مثل هذا الكذب أو الوضع وباعتراف مخالفيهم (2)، وكيف لا يكون كذلك وهم يرون الكذب كبيرة من الكبائر، ويعتقدون في صاحبه إن لم يتب الخلود في النار (3)، وهذا في الكذب، عموما، فكيف بالكذب على الرسول فهو عندهم من أعظم الجرائر.
(1) ابن عبد البر، التمهيد 55/ 1. (2) الخطيب البغدادي، الكفاية، 130/ 1.
(3) لمزيد من التفصيل حول مسألة خلود مرتكب الكبيرة إن لم يتب ر: السالمي، مشارق أنوار العقول، ص 378، الجعبيري، البعد الحضاري، ص 716. (1/239)
صفحة 240
علوم السنة عند الإباضية
220
وقد أدى ذلك التنزه عن الكذب عندهم إلى خلو ساحتهم من الوضع وخلوص ما تناقلوه من السنة فيما بينهم، فلم يكن ذلك الإلحاح على طلب الإسناد، طالما أن السنة تناقلها فيما بينهم أئمة حفاظ فقهاء كانوا أنوار دهرهم، وهذا كله في تقديري أدى إلى ضمور علوم الإسناد بين علومهم. ونحن إن قومنا هذا الأمر وفق منهج المحدثين، فعندئذ يكون هذا الضمور قصورا منهجيا لا يمكننا إلا الإقرار به والاعتراف، وإن حاولنا فهم دافعه وتفسيره.
المبحث الثاني: الإسناد في ما دونه الإباضية:
إن ما سبقت الإشارة إليه من ضمور علوم الإسناد لا يعني عدم وجود الإسناد عند الإباضية، فقد وجد في روايتهم ونقلهم، لكنه لم يكن عاما لكل نقولهم، وسنحاول في هذا المقام عرض نماذج من أسانيدهم والحديث عنها.
ويأتي في مقدمة ما نقل بواسطة الإسناد، ما رواه الحافظ الحجة الربيع بن حبيب المحدّث الثقة عند النقاد (1)، وقد سمّى كتابه المسند وهو مسمى له دلالته عند أهل الإسناد، كما أنه حوى شرف ثلاثيات الإسناد، وفي مقدمة هذه الثلاثيات، ثلاثية ذهبية كل مقطع من مقاطعها علم منير للفضل والرشاد، وهي سلسلة الربيع عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن عبد الله بن عباس، ويعد هذا السند عند الإباضية في الذروة العليا من مراتب الإسناد، ويصفه القطب محمد اطفيش بأنه أصح أسانيد ابن عباس (2)، ويَعتَبِرُ أنّ أصح الأحاديث ما رواه الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المزيد ورع هذا السند وضبطه (3).
ولم يكتسب الإسناد المتقدم هذا الحكم، ويتبوأ هذه المكانة السامقة عندهم، إلا بسبب ما عرف عن رجاله من علو كعبهم، وسعة حفظهم وإتقانهم، وظهور دقتهم
(1)
تقدم بيان ذلك ص. (2)
اطفيش محمد بن يوسف جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 412.
(3) اطفيش محمد بن يوسف، وفاء الضمانة، 7/ 1. (1/240)
صفحة 241
علوم السنة عند الإباضية
221
وضبطهم، وهم مع جلالة قدر علمهم وفقههم ضربوا المثل العالي في نزاهتهم، وتسنموا أرفع المنازل في ورعهم، ودرجوا في أرقى درجات السالكين بعد التهم، ووصلوا إلى أعلى المعارج بتقواهم وعملهم، فاستحقوا رفيع الولاية لظهور فضلهم، ثم إن كل قطعة من مقاطع ذلك الإسناد مترابطة مع الأخرى برباط وثيق لا انفكاك فيه، رباط كثرة التلقي والأخذ من أدناها إلى أعلاها، وطول الصحبة وعمق الملازمة بين رجالاتها، ودقة إتقان الرواية وظهور الثقة عند كل راو عن شيخه بين رواتها، وهذا ما جعل نور الدين السالمي يؤكد على أن ما ورد من رواية المسند بطريق معنعن؛ فعنعنته مقطوع باتصالها، لأن الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة، وأبو عبيدة أخذ عن جابر، وجابر أخذ عن الصحابة، وقد أدرك
(1)
أخذ
جما غفيرا منهم وهناك جملة أسانيد أخرى في المسند يمكن لطالبها الوقوف عليها من الكتاب نفسه، أو الوقوف على بعض الدراسات التي تكشف له مزيدا من جلاء الصورة حول مسند الإمام الربيع (2)، ومن هذه الأسانيد على سبيل المثال إسناد
(1) السالمي نور الدين، شرح الجامع الصحيح، 8/ 1. (2) يمكن لمن أراد مزيد بيان حول مسند الإمام الربيع الوقوف على الدراسات التالية التي عالجت جملة من موضوعاته وسأذكرها وفق الترتيب الزمني وهي كالتالي: 1 - حاشية الترتيب، لأبي ستة محمد بن عمر السدو يكشي الجربي، وهي شرح لغالب الأحاديث الواردة في المسند، وفق ترتيب أبي يعقوب الوارجلاني، مطبوعة عدة طبعات، آخرها في خمسة أجزاء، تحقيق إبراهيم طلاي طبع بمطابع دار البعث قسنطينة، الجزائر، د. ت.
2 - نزهة اللبيب في شرح الترتيب، لعمرو بن رمضان الجربي، وهو مخطوط ولم أر من أشار إليه قبلي، وقد عثرت على جزء منه في المكتبة البارونية بجربه، ويظهر أنه شرح لأحاديث المسند، وما عثرت عليه محفوظ في المكتبة البارونية برقم 589. -3 - شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، لنور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي، طبع عدة طبعات تقدمت الإشارة إلى طبعة منها.
4 الربيع بن حبيب محدثا، وفقيها رسالة ماجستير، قدمها عمرو بن مسعود الكباوي (1/241)
صفحة 242
علوم السنة عند الإباضية
K 222
ضمام بن السائب (1) عن جابر بن زيد عن ابن عباس، فمنه ما كان من طريق الربيع عن ضمام، ومنه ما كان عن أبي عبيدة عن ضمام، وهناك إسناد ليحيى بن كثير (2)، منه طريق يحيى بن كثير عن شعيب (3) عن قتادة (4) عن ابن عباس،
وطريق يحيى بن كثير عن عطاء بن السائب (5) عن عبد الله بن الحارث (1).
جامعة الفاتح، كلية التربية قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، ليبيا، 1403 هـ، 1983 م، المطبعة العربية غرداية، الجزائر. 5 - الإمام الربيع مكانته ومسئده ألفه سعيد بن مبروك القنوبي، وهو رسالة جليلة القدر في الموضوعات التي عالجتها، عرف فيها المؤلف بالربيع وشيوخه وعرف بمسنده،
ونافح عنه ضد من طعنوا في المسند وصاحبه، وقد تقدمت بيانات طبعته. 6 - رواية الحديث عند الإباضية رسالة ماجستير قدمها صالح بن أحمد البوسعيدي، جامعة آل البيت المفرق الأردن،1998 م مرقونة، ولدى الباحث صورة منها.
أحد أبرز أئمة الإباضية الأوائل، كان من التابعين، تزخر كتب المذهب برواياته، وله كتاب الحجة على الخلق في معرفة الحق، ر: الدرجيني، طبقات، 108،246/ 2 248، الشماخي، سير،
(1) الندبي أبو عبد الله ضمام بن السائب، حي في (719/ 100) أصله من أزد عمان، يعد أ.
82 671/ 1
(2) العنبري أبو غسان يحيي بن كثير بن درهم (822/ 206) قال عنه النسائي: "ليس به بأس"، وقال أبو حاتم: "صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات ر: ابن حجر، تهذيب التهذيب،
233/ 11
(3) الأزدي أبو صالح شعيب بن الحبحاب المعولي مولاهم البصري (ت 130 هـ) قال عنه أحمد والنسائي ثقة وقال ابن سعد كان ثقة وله أحاديث ذكره ابن حبان في الثقات. ر: ابن حجر، تهذيب التهذيب 306/ 4
(4) السدوسي
أبو الخطاب قتادة بن دعامة البصري (732/ 113)، إمام من الأئمة الإعلام قال ابن المسيب ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة وقال ابن سيرين قتادة أحفظ الناس، اتهم بالتدليس. ر ابن حجر، تهذيب التهذيب، 315/ 8 (5) أبو يزيد عطاء بن السائب بن زيد الثقفي (754/ 136)، قال يحيى القطان: ما سمعت أحدا من الناس يقول في عطاء بن السائب شيئا في حديثه القديم، قيل ليحيى ما حدث سفيان وشعبة أصحيح هو قال نعم إلا حديثين و البخاري التاريخ الكبير، 465/ 6. (1/242)
صفحة 243
علوم السنة عند الإباضية
223
وقد ذكر سعيد القنوبي أن الأحاديث المرسلة أو المنقطعة في مسند الإمام الربيع قد ثبتت متصلة بطرق أخرى من رواية غير الربيع بأسانيد منها صحيحة أو حسنة (2).
ولا يمكننا تفصيل الحديث حول أسانيد هذا المسند، سواء ما اتفق على كونه من المسند نفسه، أو ما دار عليه الخلاف هل هو من المسند أم ألحق ككتاب العقيدة للربيع، وروايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل، أو روايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب، أو روايات الإمام جابر التي سماها الوارجلاني الأخبار المقاطيع عن جابر بن زيد، ومقصدنا هو عرض نماذج من الإسناد، ويمكن لمن شاء المزيد من بيان ذلك العودة إلى الدراسات التي أشرنا إليها آنفا.
ويكشف لنا أبو غانم الخراساني في مدونته عنايته بالإسناد وقد سبق لنا أن أشرنا إلى ذلك، فقد طلب من عبد الله بن عبد العزيز عندما أجابه عن مسألة أن يكشف إسناده قائلا له: أبرأيك قلت في هذه المسألة أم أثرا اتبعته، قال أثرا اتبعه، قلت حدثني عمن هو؟ قال: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس .. الخ (3)، والإسناد المتقدم يتكرر كثيرا عند أبي غانم الخراساني في مدونته، تارة من طريق عبد الله بن عبد العزيز عن أبي عبيدة، وأخرى من طريق أبي المؤرج عن أبي عبيدة، وأيضا من طريق الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة.
وقد يجمع أبو غانم بين بعض شيوخه في ذكره الرواية وإسناده، ومن أمثلة ذلك قوله: " مما سألتهم عنه وأخبرني من سألهم عنه سألتهما عن التكبير والركوع والسجود فحدثوني عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبـ
(1) المراد به هنا: الصحابي عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب (704/ 84).ر: السالمي عبد الله بن حميد شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، 603/ 3، وأنظر ترجمة عبد الله بن الحارث في الجزري ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة،
208/ 3
(2) القنوبي، الإمام الربيع، ص 147.
(3) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 371/ 1. (1/243)
صفحة 244
، (1)
علوم السنة عند الإباضية
K 224
وقد يسأل أبو غانم شيوخه عن مسألة فقهية فيذكر جواب أحدهما، ثم يُتبع جواب الأول بجواب الثاني، ويورد إسناد شيخه في الاستدلال على الجواب بالسنة المروية عن الرسول الله وفي ذلك يقول: " سألت الربيع أوأرد السلام على الرجل إذا سلّم عليّ وأنا في الصلاة قال: لا، وكذلك قال أبو المؤرج وروى لي عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم عليه أحد وهو في الصلاة ردّ عليه السلام، فسلم عليه رجل وهو يصلي فلم يردّ عليه شيئا، فظن أن النبي له إنما منعه من ردّ السلام عليه مسخطا له، فجلس الرجل حتى انصرف النبي صلى الله عليه وسلم فقال أعوذ بالله ونبيه من سخطهما، سلمت عليك يا نبي الله فلم تردّ عليّ شيئا فقال (إن في الصلاة لشغلا) (2) (3).
ويذكر أبو غانم أنه قد يَردُ شيخه عليه برواية مسندة، من ذلك لما سأل أبا المؤرج عن التقصير في السفر، فأجابه أبو المؤرج بقوله:" حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي الله أنه خرج من المدينة عامدا مكة فصلّى ركعتين ركعتين غير صلاة المغرب". ونجد أسانيد أخرى عند أبي غانم كرواية عبد الله بن عبد العزيز عن أبي عبيدة عن أبي حيان الأعرج (5) عن أبي الشعثاء
(4)
(1)
م. س، 25/ 1.
(2) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب نسخ الكلام في الصلاة وحظره 34/ 2 (855)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب ردّ السلام في الصلاة ... 243/ 1 (923)، وابن ماجة في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، 325/ 1 (1019) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 1/ 47 - 48.
(4)
م. س، 79/ 1.
البصري
الأثرم عن
أبو حيان مسلم بن عبد الله الأعرج ويكنى بأبي حسان أيضا (748/ 130)، قال أحمد مستقيم الحديث أو مقارب الحديث، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة
لا بأس به؛ وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال العجلي بصري تابعي ثقة وقال ابن سعد كان ثقة إن شاء الله تعالى كان ضمن وفد الإباضية الذين وفدوا على عمر بن عبد العزيز. ر: البستي التميمي ابن حبان محمد بن حبان بن أحمد (1558/ 965)، كتاب الثقات، ط 1، دائرة (1/244)
صفحة 245
علوم السنة عند الإباضية
K 225
جابر بن زيد (1)، كما نجده يفسح مجالا لإسناد مخالفه، ولذلك أمثلة عديدة في كتابه (2)، وكما جرى في منهجه مع شيوخه في جمعه طرقهم نجده أيضا يطبق هذا المنهج من جمع الروايات حي يورد روايات بعض مخالفيه (3).
إن وجود الأسانيد لم يقتصر على المصادر المتقدمة الذكر وإنما وجد في غيرها، فالمصادر المؤلفة المشرقية والمغربية حتى القرن الخامس الهجري حوت جملة من الأسانيد تم من خلالها نقل جانب من الروايات وهذه الروايات منها المرفوعة إلى النبي أو الموقوفة على الصحابة، أو أقوال التابعين وأئمة المذهب المتقدمين. وفي تقديري أن التنقيب عن هذه الأسانيد، ودراستها محتاج لدراسة مستقلة، وكذلك تتبع الأحاديث النبوية الواردة في هذه المؤلفات ودراستها محتاج لأكثر من مشروع دراسي، وسنحاول هنا عرض بعض هذه الأسانيد حسب ما يتسع له المقام، وبقدر ما يكشف هذا الأمر للأفهام.
ففي جوابات الإمام جابر بن زيد التي حوت أجوبته الفقهية وروايات موقوفة ومرفوعة أيضا، نجد إسنادا لأبي صفرة، يقول أبو صفرة عبد الملك بن
المعارف العثمانية، 1399 هـ، 1979 م، 5393 ابن حجر، تهذيب التهذيب، 12/ 76، الدرجيني، طبقات، 1/ 87 - 84.
(1) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 261/ 1 - 262. (2) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 10/ 2 من ذلك ما أورده من طريق شيخه ابن عبد العزيز عن حاتم بن منصور عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غانم عن عمر بن خارجة قال: (خطبنا رسول الله ( ... )، وهناك أمثلة متعددة منتشرة في ثنايا الكتاب. الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 231/ 2.
(3)
ومن أمثلة إيراد رواية أبي غانم رواية المخالف له ما نقله عن ابن عباد عن عبد الجبار بن عمر عن ربيعه عن ابن المسيب رفع الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من حاز شيئا وعمره عشر سنين أو عشرين سنة فصاعدا فهو له ثم يقول أبو غانم: قال ابن عباد: قال عبد الجبار: وحدثني عبد العزيز بن عبد المطلب عن زيد بن أسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام مثل الأول، وقد سبق تخريج هذا الحديث ص 85. (1/245)
صفحة 246
علوم السنة عند الإباضية
226
صفرة (1): حدثنا الهيثم (2) عن الربيع بن حبيب عن ضمام بن السائب عن أبي الشعثاء قال ... " (3)، ويقول حبيب بن أبي حبيب صاحب الأنماط (4): حدثنا عمرو ويسند حازم (7) مرة عن تميم
ابن هرم
(5) قال: سئل جابر بن زيد (6)،:
(1) قال:
(1) أبو صفرة عبد الملك بن صفرة، (ت) أوائل ق (9/ 3)، إمام من أئمة الإباضية المتقدمين، وأحد حفاظهم الثقات، أخذ عن الربيع بن حبيب وله روايات كثيرة عنه، وكذلك روى عن محبوب بن الرحيل، كما عاصر محمدًا بن محبوب وتبادلا الأجوبة والمراسلات الكثيرة، قيل إنه انتقل إلى عمان آخر حياته تزخر كل كتب المذهب المشرقية والمغربية برواياته وآثاره، ومن آثاره: روايات أبي صفرة. ر: الشماخي، السير، 166/ 1.
(2) الهيثم بين ق 2 وق (8/ 3 هو أحد الرواة الذين رووا عن الربيع آثاره وأقواله، وقد أخذ عنه أبو صفرة عبد المللك بن صفرة. ر: مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية (ق
المغرب)، ترجمة 524 ترجمة ضمام بن السائب، ص 237.
(3) الأزدي جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 5. (4) البصري الأنماطي حبيب بن أبي حبيب يزيد الحرمي (779/ 162) روي عن قتادة وعمرو بن هرم وغيرهما، كان بن مهدي يحدث عنه، وقال بن عدي أرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له مسلم متابعة. ر: الجرجاني ابن عدي أحمد بن عبد الله بن عدي (976/ 365) الكامل في ضعفاء الرجال، تح يحيى مختار الغزاوي، ط 3، دار الفكر، بيروت، 1409 هـ، 1988 م، 403400/ 2، ابن حبان، الثقات 178/ 6، ابن حجر، تهذيب التهذيب، 158/ 2.
(5) الأزدي عمرو بن هرم البصري (حوالي (731/ 112)، روى عن أبي الشعثاء وغيره، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو داود ثقة وقال النسائي ليس به بأس، وقال العجلي عمرو بن هرم ثقة لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. ر: الرازي أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الحنظلي (939/ 327)، كتاب الجرح والتعديل مصورة ط 1، دائرة المعارف العثمانية، الدكن، الهند، (دت)،،267/ 6، ابن حبان الثقات، 215/ 7، ابن، حجر، تهذيب التهذيب 99/ 8. (6) الأزدي جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 21. (7) لعله حازم بن همام بين ق 2 - 8/ 3 - 9)، كان قائدا وجهه الإمام الصلت بن مالك على رأس جيش إلى سقطرى لاستردادها من أيدي النصارى بعد اعتدائهم عليها، وذكر في بعض المصادر أن حازماً من الرواة عن تميم. ر: تحفة الأعيان 229/ 1 مجموعة باحثين دليل أعلام عمان 49 ابن خلفون أجوبة، 113 - 114. (1/246)
صفحة 247
علوم السنة عند الإباضية
227
سمعت جابرا بن زيد يقول (2)، ومرة أخرى حازم عن تميم، عن أبي حيان (3) قال: سألت أبا سفيان (محبوبا) عن ... قال محبوب بن الرحيل: كان الربيع بن
حبيب يقول: كل دم
(4)
.
وفي كتاب آثار الربيع يقول جميل الخوارزمي (5) حدثنا أبو أيوب وائل بن أيوب عن الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس ... (6).
ويورد ابن خلفون للإمام أفلح بن عبد الوهاب (7) عدة أسانيد، ويقول: "أخبر الإمام أفلح بن عبد الوهاب منها - أخبرني أبو غانم الخراساني عن حاتم بن
(1) أبو المنذر تميم بن حويص الأزدي اليحمدي روى عن ابن عباس وأبي الشعثاء وغيرهما، قال أبو حاتم صالح وقال ابن حبان في الثقات عداده في أهل البصرة، قال العجلي تابعي ثقة، ووثقه النسائي أيضا، ابن حجر، تعجيل المنفعة، 60/ 1.
(2) الأزدي جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 6.
(3)
تقدمت ترجمته.
(4) الأزدي جابر بن زيد من جوابات الإمام جابر بن زيد، ص 16. (5) الخوارزمي جميل (ق 8/ 2) أصله من خوارزم يعد أحد تلامذة الإمام الربيع بن حبيب الذين رووا عنه ونقلوا آثاره، وممن نقل وروى عنهم أبو غانم الخراساني في مدونته، وكان من علماء الإباضية المتقدمين. ر: مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية في المشرق، (مرقون)،
ص 43.
(6) الفراهيدي أبو عمرو الربيع بن حبيب (787/ 170)، آثار أو فتيا الربيع عن ضمام عن جابر بن زيد (مخ) ضمن مجموع المكتبة البارونية، جربة تونس، رقم 42، صورة لدى الباحث، 174/ 1 و.
الرستمي أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم حكم بين 208 - 823/ 258 871) ثالث الأيمة الرستميين، أخذ عن أبيه وجده، كان علامة زمانه، فقيها شاعراً، وله أربع حلق في الفقه والأصول واللغة وعلم الكلام، خرجت جمعا من العلماء، وكان له اهتمام بالحديث وروايته، تزخر الكتب برواياته، بلغت الدولة الرستمية في عهده من الرقي مبلغا كبيرا، ووصلت إلى أوج ازدهارها ر: المالكي ابن الصغير (9/ 3): أخبار الأئمة الرستميين تح محمد ناصر إبراهيم، بحاز، دار الغرب الإسلامي، بيوت لبنان، 1406 هـ، (1/247)
صفحة 248
علوم السنة عند الإباضية
228
منصور الخراساني (1) عن أبي يزيد الخوارزمي (2) عن أبي يزيد الخوارزمي (2) عن عيسى بن علقمة المصري (3) عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس .... وأخبر الإمام أيضا قال: حدثنا بشر بن غانم الخراساني عن حاتم بن منصور عن عمارة بن حيان (4) عن أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه سئل عن ... ؟ فقال: ..... (5). ويظهر أن بعض هذه الأسانيد ظل يتناقل شفاها بين أجيال العلماء، فأبو العباس أحمد بن محمد بن بكر يقول: حكى أفلح بن عبد الوهاب عن أبيه ... (6) وأبو عمرو السوفي يقول: " قال أبو رحمة (7) حكاها أبو زكريا يحيى بن زكريا (1) عن أبي العباس مشافهة" (2).
1986 م، ص 57 - 69، الشماخي: السير، 166/ 1 167. (1) الخراساني أبو منصور حاتم بن منصور (ق 8/ 2) أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، قال عنه محبوب كان فقيها عالما وهو ممَّن روى عنهم أبو غانم الخراساني في مدونته ر ابن سلام: بدء الإسلام، 114،الشماخي: السير،106/ 1.
(3)
(2) الخوارزمي أبو يزيد (ق 8/ 2) أحد تلاميذ أبي عبيدة، كان علامة ضليعا، شهد له فقهاء زمانه باليد طولى في علم الكلام والفقه، ألف في السير كتابا ذهب مع ما احترق بمكتبة تبهرت ر: ابن، سلام بدء الإسلام، ص 135، الشماخي، السير، 88/ 1. المصري عيسى بن علقمة (768/ 150) أصله من مصر، كان أحد علماء الإباضية ورجالاتها، وأحد مشايخ المغرب، وداعية من دعاتهم ألف كتاب التوحيد الكبير، وهو أقدم تأليف في العقيدة في شمال إفريقيا ر: الشماخي: السير، 112/ 1. (4) عمارة بن حيان (ق 7/ 1) عده الشماخي في طبقة تابعي التابعين، أخذ عن جابر بن زيد، وممن أخذ عنه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، قال عنه الربيع: كان الشيخ عمارة عالما صادقاً. ر: الدرجيني: طبقات، 212/ 2، الشماخي: السير،88.
(5)
(6)
ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون، ص 41 - 42
الفرسطائي أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي (504/ 1110)، كتاب
الألواح (مخ)، مكتبة الحاج سعيد، غرداية، الجزائر، د. ر، صورة لدى الباحث، ص 4 و. (7) أبو رحمة حنيني بن القاسم (ق 12/ 6 علامة من علماء وارجلان في عصر نهضتها، أخذ عن أبي زكرياء يحيى بن زكرياء وغيره، وصفه الشماخي بأنه من أهل التحقيق. ر: الشماخي: السير، 150/ 2 (1/248)
صفحة 249
علوم السنة عند الإباضية
229
ويذكر محمد بن جعفر بعض أسانيد في كتابه، منها ما ذكره عن أبي علي الحسن بن أحمد (3) أنه قال: أخبرنا بن المعلى (4) عن الربيع عن جابر أنه
قال ... (5)
ويشير ابن جعفر أيضا إلى حفظهم عن بعضهم الروايات بما يبين أخذهم الروايات عن بعضهم وتدوينها في كتبهم الفقهية فيقول (6): "حفظ سعيد بن الحكم) عن بشير بن محمد بن محبوب عن عزان بن الصقر (8) قال: روي عن
(2)
(1) اليهراسني أبو زكريا يحيى بن زكريا (أواخر ق 5 هـ وأوائل ق 12/ 6)، علامة جليل من أسرة علمية، أخذ عن أبيه وأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر وغيره، وأخذ عنه جملة من طلبة العلم في عصره ر الدرجيني، طبقات، 2/ 442 - 446، الشماخي: السير، 89/ 2 - 91. السوفي، السؤلات ص 442. (3) أبو علي الحسن بن أحمد (ق 9/ 3) أحد أعلام عمان، وعلمائها، كان عالما متبحرا شهد له اء عصره، وقد أثنى عليه أبو سعيد الكدمي وذكر أنه أخذ عنه، له فتاو وأجوبة كثيرة. ر: ابن، مداد سيرة ابن مداد، ص 31
علماء
(4)
الكندي
محمد بن المعلى الفشحي (ق 2 هـ وأوائل ق 9/ 3)، أحد المبرزين من علماء عمان، وأحد حملة العلم إليها، أخذ عن الربيع بن حبيب وغيره، ينسب إلى فشح وهي بلدة بوادي السحتن من ولاية الرستاق، رشح لمنصب الإمام لكنه تعلل بأنه لن يستطيع أن يعلن الشراء، تنتشر رواياته وأقواله في الكتب المؤلفة بعده ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 169/ 1. (5) ابن جعفر، جامع بن جعفر، 335/ 6 - 336
(6) م. س،143/ 6
(7) أبو جعفر سعيد بن الحكم، (ق (9/ 3) علامة فقيه، وهو أحد الذين تتلمذ على يديهم محمـ ابن جعفر صاحب الجامع، وله روايات عنه ر: البطاشي إتحاف الأعيان، 425/ 1 الفارسي ناصر بن منصور (معاصر)، نزوى عبر الأيام معالم وأعلام، ط 1، مطابع النهضة، نشر نادي، نزوى 1415 هـ، 1994 م، ص 98. اليحمدي أبو معاوية عزان بن الصقر، (882/ 268) كان علامة فقيها، وراوية نبيها، أخذ عن محمد بن محبوب، وكان أحد المبرزين من أهل الرأي والحل والعقد بنزوى له آثار كثيرة يرويها عن ابن محبوب تزخر الكتب برواياته وأقواله. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان
(8)
196 - 195/ 1 (1/249)
صفحة 250
علوم السنة عند الإباضية
230
النبي أنه قال: (تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأقنع بالبضع اليسير) (1).
ويكشف ابن جعفر أيضا بعض صور تثبتهم في الأخذ ويقول: "وحفظ محمد
محمد (2)
(3)
بن جعفر عن عمر بن محمد عن موسى بن علي) ... قال محمد بن جعفر:
قرأت المسألات على عمر بن محمد، وقلت له أآخذ عنك هذا؟ قال: نعم
(4)
ونجد عند أبي الحواري في جامعه نماذج للإسناد منها ما نصه:"وأخبر أبو الحواري عن نبهان (5) عن موسى بن علي رحمهم الله أنّه ... " (6).
(1) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير، أحاديث عبد الله بن عباس،
(10244) 140/ 10
(2)
الضبي عمر بن محمد بن القاسم (891/ 277)، من إزكي بعمان كان أحد علماء عمان الأجلاء ومن قضاة الإمام الصلت بن مالك وممن كره عزله ينسب إليه قوله يوم وفاة الصلت اليوم مات إمامكم، فتمسكوا بدينكم. ر: السالمي تحفة الأعيان، 193،241/ 1، البطاشي، إتحاف الأعيان، 432/ 1.
(3) العزري أبو علي موسى بن علي بن عزرة (845/ 230)، من إزكي بعمان، علامة فقيه، وإمام نبيه، انتهت إليه رئاسة العلم بعد محمد بن محبوب، أخذ عن والده وابن محبوب وغيرهم، لقب بشيخ الإسلام، كان رأس العلماء والحل والعقد في عهد الإمام عبد الملك بن حميد والمهنا بن جيفر وتولى القضاء لهما، وفي مبايعة الصلت بن مالك. تزخر كتب المذهب بأقواله ورواياته و السالمي، تحفة الأعيان، 133/ 1، 140، 142، البطاشي، إتحاف
الأعيان 181/ 1.
(4)
ابن جعفر، جامع بن جعفر، 519/ 6.
(5) النزوي السمدي أبو عبد الله نبهان بن عثمان (ق 9/ 3)، من نزوى في عمان، كان علامة فقيها جامعا، وخطيبا مصقعا، وهو أحد الأقطاب الثلاثة الذين رجعت عمان آنذاك إليهم وهم أصم وأعمى وأعرج وكان هو الأعرج، أخذ عن محمد بن محبوب وغيره، وروى عنه كثيرا، وحفظ عنه ونقل أبو الحواري محمد بن الحواري تزخر الكتب برواياته وأقواله. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 208/ 1.
(6) أبو الحواري محمد بن الحواري: جامع أبي الحواري، 198/ 2. (1/250)
صفحة 251
علوم السنة عند الإباضية
231
و يذكر الفضل بن الحواري في جامعه أن محمدا بن محبوب قال: أخبرني محمد بن هاشم (1) عن أبي المعلى (2) عن الربيع أنه قال ... (3).
ويسند محمد بن روح فيقول: أخبرنا أبو الحواري – رحمه الله – عن الصلت بن خميس رحمه الله أنّه أخبره عن محمد بن محبوب رحمه الله
أنه " (4).
(6)
و محمد بن
ونجد أبا سعيد الكدمي يذكر (5) أنه روى عن سعيد بن محرز هاشم عن هاشم بن غيلان (7) عن عبد الله بن نافع (8) عن بشير ... (1) (أن الرسول
( ...
(1) السيجاني محمد بن هاشم بن غيلان (ق 9/ 3) من سيجا بسمائل في عمان، علامة جليل أخذ عن أبيه وموسى بن علي، له روايات تناقلتها الكتب التي جاءت بعده. ر: السالمي تحفة الأعيان، 156/ 1، البطاشي، إتحاف الأعيان، 438/ 1.
(2)
(3)
(4)
هو محمد بن المعلى الكندي المتقدمة ترجمته
السامي
الكندي
(5) الكدمي
الفضل بن الحواري، جامع الفضل بن الحواري، 135/ 2.
محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 16/ 3.
أبو سعيد، الجامع المفيد، 93/ 2.
(6) أبو جعفر سعيد بن محرز بن محمد، (ق 9/ 3)، من نزوي،بعمان، علامة جليل، ورجل صلب في مواقفه كالسيف الصقيل، عاصر الإمامين عبد الملك والمهنا، تزخر الكتب بمواقفه وفتاويه. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 426/ 1.
(7) السيجاني أبو الوليد هاشم بن غيلان في ق 8/ 2 وأوائل ق (9/ 3) من سيجا بسمائل في عمان، علامة جليل يعد أحد كبار العلماء في القرنين الثاني والثالث الهجريين، أخذ عن موسى بن أبي جابر وغيره وأخذ عنه ابنه محمد و موسى بن علي وغيرهما. له سيرة مشهورة. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 176/ 1 - 179. عبد الله بن نافع (ق 9/ 3) علامة جليل من علماء القرن الثالث الهجري، أخذ عنه هاشم بن غيلان وغيره، تنقل رواياته وأقواله في بطون الكتب. ر: الكندي بيان الشرع، 65/ 1 السيابي سالم بن حمود بن شامس (1414 هـ/1994 م)، عمان عبر التاريخ، ط 4، المطبعة الشرقية سلطنة عمان، نشر وزارة التراث القومى والثقافة بسلطنة عمان، 1421 هـ،
(8)
216/ 12001 (1/251)
صفحة 252
علوم السنة عند الإباضية
K 232
وينقل ابن بركة عن شيخه أبي مالك الصلاني يخبر عن أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمة الله أنّ أبا معاوية عزان بن الصقر ... (2).
ويورد أبو عبد الله الكندي إسنادا لابن المسبح (3) يقول فيه: "أخبرنا هاشم
بن الجهم (4) عن جابر بن النعمان (5) عن بن المعلى عن الربيع أنه ... " (6). ويورد أبو عبد الله الكندي بعض الأسانيد لمخالفيه – وهذا منهج متبع وسبق التمثيل ببعض المتقدمين فيه - نجد ذلك في كتابه في مواضع كثيرة منها ما ذكره (7) من الرواية بإسنادها عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي حميد الساعدي أخبره أنّه قال استعمل رسول الله الله ابن اللتبيه - رجل من الأزد – على صدقة ومنها ما ذكره (9) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه قال:
بني سليم ... إلخ
(1)
(8)
الرحيلي بشير بن محمد بن محبوب تقدمت ترجمته، ص. (2) السليمي ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ق 10/ 4)، كتاب التعارف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، 1404 هـ، 1984 م، ص 20.
(3)
ابن مسبح محمد بن القاسم بن المسبح (ق (9/ 3)، قيل أصله من هيل بسمائل في عمان وقيل من نزوى عالم جليل من علماء القرن الثالث ورجالاته البارزين، تنتشر رواياته وأقواله في بطون الكتب. ر السالمي تحفة الأعيان 269/ 1 السيابي عمان عبر التاريخ 202/ 2. هاشم بن الجهم (حي في 852/ 237) علامة فقيه، كان أحد رجال الحل والعقد في بيعة الإمام الصلت ر: السالمي، تحفة الأعيان، 1/ 134،160،السيابي عمان عبر التاريخ
(4)
102/ 2
(5) جابر بن النعمان بن العُلَى، حي في: 207 هـ) علامة، وفقيه عاصر الإمام عبد الملك بن حميد (208 - 226 هـ) و هاشم بن غيلان وموسى بن علي ر: السالمي، تحفة الأعيان 135/ 1. الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع 113
(6)
(7) م. س، 202/ 28. (8) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الحيل، باب في احتيال العامل ليهدى له 2559/ 6 (6578)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال
(1832) 1463/ 3
الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 20/ 29 (1/252)
صفحة 253
علوم السنة عند الإباضية
233
قال رسول الله: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهي، عدل فيما يأمر عدل فيما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى) (1).
وينقل لنا أبو يعقوب الوارجلاني في كتابه العدل (2) رواية أثر بإسناد إلى أبي خزر يغلى بن زلتاف؛ فالوار جلاني قال حدثنيه الشيخ أبو صالح نوح بن ياقي الله عنه عن أبي سليمان (3) صاحبه إلى مصر عن أبي خزر.
رضي
(1) ورد ذكره في كتاب الورع لأحمد بن حنبل أنه قول لسفيان الثوري، ر: الشيباني احمد بن حنبل (856/ 241) الورع، تح: زينب إبراهيم القاروط، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ، 1983 م، 154/ 1.
(2) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 27/ 2.
(3)
تتبعت كتب السير والتراجم بحثا وتنقيبا لمعرفة العلمين اللذين ذكرهما أبو يعقوب في روايته هذه عن أبي خزر فلم أظفر بما يشفي الغليل في شأنهما، وقد وجدت إشارة الشماخي في سيره أيضا إلى أبي سليمان صاحب أبي خزر إلى مصر ولم يذكر اسمه كاملا. ر: الشماخي، السير، 41/ 2، فيا ترى من هو أبو سليمان هذا؟ وبحثت عمن كنيته أبو سليمان وهو معاصر لأبي خزر فلم أجد، وأقرب من جاء بعده ممن يحمل كنية أبي سليمان هو أبو سليمان داود بن إلياس أبو يوسف اليرتاجني الوارجلاني (1069/ 462) فلعله أدرك أبا خزر وأخذ عنه وصحبه، وكان أبو سليمان داود فقيها عالما، شهد له علماء عصره بجلالة القدر وسعة العلم وقدمه أكابر علماء عصره، وأميل إلى أن هناك عالما آخر صحب أبا خزر إلى مصر غير أبي سليمان داود، والله أعلم. ر الدرجيني، الطبقات، 437/ 2
أما أبو صالح نوح فقد أشكل علي أيضا ولم أر في أشياخ أبي يعقوب من يحمل هذا الاسم، ووجدت قريبا من هذا الاسم، ومن يعد من رواة السير والأخبار وعاش في تلك الفترة، وهو عالم اسمه نوح بن نامي الزلقيني، أشار اليه تادوز ليفتسكي في دراسته عن المؤرخين الإباضيين في شمال أفريقيا، ويظهر أنه عالم وراوية كبير، وكان له نشاط ودور عظيم، عاش أواخر القرن الخامس إلى أوائل السادس الهجري.
ر: ليفيتسكي تاديوس (معاصر)، المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية، ترجمة
ماهر جرار، ريما جرار، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000 م، ص 164 - 165. (1/253)
صفحة 254
علوم السنة عند الإباضية
234
إن ما تقدم عرضه نماذج لذكر الإباضية الإسناد حال النقل والرواية سواء لروايات مرفوعة أو آثارا، و إن هذا الأمر كما قلت محتاج إلى رسالة مستقلة يجمع فيها الباحث مثل هذه الأسانيد في كل ما كتبوه خلال القرون المتقدمة ثم يصنفها وينظمها ليتوصل إلى خرائط النقل ومفاصل التلاقي في كل ما دونوه، وذلك لأن التدوين عندهم أخذ طابع الشمول في كل الأبواب فهم يوردون الروايات التي يتناقلونها ضمن ذلك التدوين.
ونجد أنهم قد يلجأون إلى حذف السند أو اختصاره أو اختصار بعضه وهو نهج درج عليه حتى المتقدمون منهم، وله أمثلة متعددة، من ذلك ما أورده أبو غانم الخراساني عن حاتم بن منصور، يقول "حاتم حدثني غير واحد من أهل العلم رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم عليه وفد بني عبد القيس ... الخ" (1). ونجد عند ابن جعفر مثل هذا النهج في قوله (2): محمد بن المسبح وأسند
عن النبي (من أفضى بيده إلى ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ) (3). ويبين لنا ابن بركة أنه اتخذ هذا منهجا في أحد كتبه فيقول:" واعتمدت في ذلك على حذف الأسانيد وشرح الأخبار (4)، ويقول في أحد مواضع الكتاب:" ومن حديث آخر بإسناد عن النبي أنه قال ... (5)، ويذكر مثل ذلك في جامعه فيقول: "وأسند في ذلك قوله ... ونهج اختصار الإسناد أو حذفه نجده أيضا عند غير من ذكرنا من العلماء والفقهاء.
(6)
(1)
الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 55/ 2.
(2) ابن جعفر، جامع ابن جعفر، 392/ 1.
"
(3) أخرجه بمثل هذا اللفظ الطحاوي في شرح معاني الآثار الطهارة، باب مس الفرج هل
يجب ... 74/ 1، وأحمد في المسند، مسند أبي هريرة، 333/ 2 (8385).
(4)
ابن بركة، المبتدأ، (مخ)، ص 8 و.
(5)
ابن بركة، المبتدأ (مخ)، 13 و.
(6) ابن بركة، الجامع 1/ 496. (1/254)
صفحة 255
علوم السنة عند الإباضية:
(235
المبحث الثالث: حَمَلَةُ العلم وسلاسل نسب الدين:
تأتي البعثات العلمية وهي ما عرف بحملة العلم إلى المشرق أو المغرب جسورا في الإسناد الذي عبر به العلم - والرواية جزء أصيل فيه من مركز نشأة الإباضية إلى الأقطار التي انتشر فيها المذهب في شمال أفريقيا وعمان واليمن، وتألفت مجموعة حملة العلم المتجهة إلى شمال أفريقيا من خمسة أشخاص (1) هم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني (2)، (2)، وعبد الرحمن بن رستم (3)، وعاصم السدراتي (4)، وأبو المنيب إسماعيل بن درار
(1) أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر، كتاب السيرة وأخبار الأيمة، 57/ 1، النامي: دراسات عن الإباضية، ص 125.
(2) المعافري الحميري أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح بن عبيد (762/ 144) أصله من اليمن، أحد حملة العلم إلى المغرب، أخذ عن أبي عبيدة وغيره من أئمة المذهب، شهد له أستاذه بجلالة العلم فأباح له الفتوى بما سمع منه، وأشار على الباقي بمبايعته إن قدروا على إقامة الدولة، فبويع بعد ذلك فكان عادلا حسن السيرة، ظل في إمامته أربع سنوات حتى قتل في معركة تاورغا سنة 144 هـ. ر: الشماخي: السير، 113/ 1، 124–125. (3) الرستمي عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى حكم من 160 - 777/ 171 - 788)، علّامة وعلم من أكبر أعلام الإباضية، اعتبر من بين «مائة أوائل» في التاريخ والتراث الإسلامي، أخذ عن أبي عبيدة مسلم وغيره، قال له شيخه: افت بما سمعت مني وما لم تسمع عيّن واليا وقاضيًا على القيروان في دولة أبي الخطاب، نجا من موقعة تاورغا 144 هـ، واتجه مع باقي الإباضية إلى المغرب الأوسط وأسسس تيهرت وبه قامت دولة الإباضية الرستمية ر: الشماخي: السير، 124/ 1 - 125، 139 - 167، ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 28 - 42، بحاز إبراهيم بن بكير (معاصر)، الدولة الرستمية، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985 م، ص 92 وما بعدها. (4) السدراتي عاصم (759/ 141) أصله من جبال الأوراس في الجزائر، أحد أيمة المغرب وأقطاب علمائه، وهو أحد حملة العلم إليه، أخذ عن أبي عبيدة مسلم وغيره كان له دور كبير في الدعوة والتعليم، وتنقل بين البلدان معلما ومفقها وأخذ عنه علماء أجلاء. ر: الدرجيني: طبقات، 290/ 2، الشماخي: السير، 126/ 1. (1/255)
صفحة 256
علوم السنة عند الإباضية
236
الغدامسي (1)، وأبو داود القبلي (2)، وقد استمرت ملازمتهم لشيخهم أبي عبيدة خمسة أعوام أخذوا عنه العلم والرواية وعن غيره من أئمة المذهب، وقد أشار أبو
عبيدة عليهم بتقديم أبي الخطاب المعافري إن كانت لهم قوة ووجدوا من طاقة لإقامة الدولة وتولية أحدهم منصب الإمامة (3).
أنف
وهو
وتكشف لنا المصادر متانة الإعداد والتكوين العلمي الذي حققته هذه البعثة العلمية إلى درجة أن أحد أفرادها ألقى على شيخه أبي عبيدة ثلاثمائة مسألة إسماعيل بن درار الغدامسي فمازحه أبو عبيدة بقوله: أتريد أن تكون قاضيًا يا ابن درار؟ " (4)، علما بأن ابن درار لم يكن الأمكن علميا بين أفراد هذه البعثة، كما
تشير بعض المصادر
ولا عجب في تمكن هذه البعثة علميا، وقد خصص إمامهم أبو عبيدة لهم مجلسا مستقلا لتعليم العلم وتدريبهم للدعوة، وهو أحد ثلاثة مجالس كانت للشيوخ وللعامة ولحملة العلم (5).
(1)
وقد سبق حملة العلم هؤلاء في نقل العلم شخصيّتان فذتان، إحداهما الداعية
الغدامسي أبو المنيب إسماعيل بن درار (حي في 827/ 211 من طرابلس الغرب، علامة جليل وهو أحد حملة العلم إلى المغرب، أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم وغيره، وعند وداعه شيخه سأله ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام، ولي القضاء لأبي الخطاب، وقام بدور في العلم خاصة بعد قتل زميله عاصم، وأخذ عنه عدد جم من حملة العلم بعده ر: الشماخي:
السير، 127/ 1.
(2)
النفزاوي أبو داود القبلي (ق 8/ 2) أصله من نفزاوة بتونس، يعتبر أحد الأعلام الكبار وأحد حملة العلم، أخذ عن أبي عبيدة مسلم وغيره؛ عني بالتدريس ونشر العلم، أخذ عنه جمع كبير قيل إن عبد الوهاب مع غزارة علمه كان إذا جلس معه كأنه صبي يجلس مع معلمه. ر: الدرجيني: طبقات المشايخ، 19/ 1.
(3) أبو زكرياء: سير الأيمة 60/ 1، الدرجيني: طبقات المشايخ، 20/ 1.
(4) أبو زكرياء، سير الأيمة، 60/ 1.
راجع تفصيل دور هذه المجالس في النامي دراسات عن الإباضية، ص 101 - 103. (1/256)
صفحة 257
علوم السنة عند الإباضية
(1)
237
الشهير سلمة بن سعد الحضرمي الذي قام بدور رائد وكان كثير الاجتهاد لنشر مبادئ المذهب وقيام العدل، و كان له أيضا دور التحميس لبعض من صاروا حملة العلم للسفر وتلقي العلم من مصدره في المشرق في مدرسة أبي عبيدة؛ فقد ذكر الشماخي أن سلمة أشار على عبد الرحمن بن رستم بالتوجه نحو البصرة لذلك (2).
والشخصية الثانية هي محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي الجناوني (3)، وتشير المصادر إلى أخذ بن مغطير العلم عن أبي عبيدة، وسفره لأخذ العلم قبل حملة العلم وقبل مجيء سلمة بن سعد، فقد ذكر الشماخي أن ابن مغطير تعلم على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (4).
ونجد من الدراسات الحديثة ما يؤكد أن دور ابن مغطير العلمي سبق حملة
(1) الحضرمي
سلمة بن سعد ابن علي (ق 8/ 2) أصله من اليمن عالم عامل وداعية مناضل، عده الدرجيني في طبقة تابعي التابعين أخذ عن جابر بن زيد، وأبي عبيدة، عرف عن سلمة جده في الدعوة حتى قال: وددت أن لو ظهر هذا الأمر من أول النهار إلى آخره فلا أبالي إن مت بعد ذلك. ر: الشماخي: السير، 91/ 1.
(2)
الشماخي، السير، 123/ 1. (3) الجناوني النفوسي محمد بن عبد الحميد ابن مغطير (ق 8/ 2) من نفوسة بليبيا، علامة جليل، وفقيه متبحر، أول إباضي رحل إلى المشرق، فأخذ عن أبي عبيدة مسلم وغيره، وعاد إلى موطنه، وصار علماً ومرجعاً للفتوى، عُمر ابن مغطير طويلا، واتخذه الإمام عبد الرحمن ابن رستم مرجعا للفتوى في نفوسة، وحضر مجالس علمه ر: الشماخي السير
128/ 1
(4) الشماخي السير: 1/ 128 النامي دراسات عن الإباضية، ص 115، وقد علق مصطفى بن دريسوا أن ذلك لعله كان عقب خروج أبي عبيدة من سجن الحجاج في 95 هـ، ر: ابن دريسو مصطفي (معاصر)، الآراء العقدية عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري،،
رسالة ماجستير، جامعة، بغداد،1998 م، مرقونة، ص 46. (1/257)
صفحة 258
علوم السنة عند الإباضية
238
العلم (1) بل إنه أول مبعوث علمي (2)، فقد قام ابن مغطير بدور رائد، وجهد علمي عظيم، وكان أحد الجسور التي عبر من خلالها العلم، حتى صارت بلاده جبل نفوسة بفضل تلك الجهود له ولغيره قلعة من قلاع المذهب الثابتة من الثلث الأَوَّل من القرن الثاني الهجري إلى يومنا هذا (3).
وإذا كان السبعة المتقدمون يشكلون كما أسلفنا جسر عبور للرواية والعلم، من خلال اتصالهم بعلماء المشرق وأخذهم عنهم، فإنهم صاروا موارد للطبقة التي ظهرت بعدهم وأساتذة الجيل الذي تربى في أحضانهم مستقيا من ينبوع علمهم، فقد برز عدد من العلماء الكبار بين إباضية المغرب عرفوا بطلبة حملة العلم وأشهرهم: عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، وأبو خليل الدركلي (4) بن يانس) وغيرهم ثم يتواصل الإسناد العلمي بعد هؤلاء ليتشكل ما عرف بنسبة أو نسب الدين (7) أو ما يبوب له البعض بباب ذكر من اقتدينا (1).
(5)
(6)
ومحمد
(1) ذكر عمرو النامي أن ابن مغطير صار مفتيا بجبل نفوسة قبل عودة حملة العلم الذين بعثهم سلمة إلى البصرة، انظر النامي دراسات عن الإباضية: 124 (2) ذكر علي يحيى معمر أن ابن مغطير يعتبر أول منفذ لفكرة البعثات العلمية إلى البصرة، انظر: الإِبَاضِيَّة في موكب التاريخ: الحلقة الثانية الإِبَاضِيَّة في ليبيا: القسم الأول والقسم الثاني مكتبة وهبة القاهرة 1964. ص: 43/ 1.
(3) صالح محمد بن ناصر (معاصر): منهج الدعوة عند الإباضية، ط 2، المطبعة العربية، غرداية الجزائر، نشر جمعية التراث بالقرارة في الجزائر، 1419 هـ، 1999 م، ص 150. (4) الدركلي أبو خليل صال (ق 9/ 3)، علامة جليل، وعلم من أعلام نفوسة، أخذ عن حملة العلم الخمسة، وأخذ عنه خلق كثير. ر: الدرجيني، طبقات، 299/ 2 - 304. (5) الدركلي أبو المنيب محمد بن يانس (ق 9/ 3) علامة متبحر خاصة في التفسير وأحد أقطاب نفوسة، أخذ عن عاصم السدراتي وإسماعيل بن درّار، وأخذ عنه جمّ غفير. ر: الشماخي، السير،145/ 1 - 148.
(7)
النامي عمرو، دراسات عن الإباضية، ص 117.
:
ار الباروني أبو عبد الله محمد بن زكريا الجربي (1589/ 997)، نسبة دين المسلمين، رسالة صغيرة محفوظة ضمن مجموع برقم: م 55، المكتبة البارونية بجربة، ص 165 و - الشماخي، السير، 213/ 2 (1/258)
صفحة 259
علوم السنة عند الإباضية
(239
وإذا كان إسناد نسب الدين عند إباضية المغرب كشف عن تسلسل الأخذ بصورة متسلسلة ضيقة، فإن ترتيب طبقات العلماء أخذ صورة موسعة عند الدرجيني إذ جعل كل طبقة في خمسين سنة، وكل طبقة أخذت في الغالب عمن قبلها، فكشف الدرجيني بطبقاته عن تسلسل أوسع للأخذ والتلقي، كل طبقة تأخذ عمن قبلها وتؤدي لمن بعدها وهو يؤكد أن هذا النهج اكتسبه من أبي عمار عبد الكافي في بداية كلامه في ذلك (2)، ويمكن وصف عمل الدرجيني بأنه كان جامعا لمنهج إبراز الإسناد ومنهج الكتابة في علم الرجال حتى وإن كان عمله مختصرا. وسنقصر الحديث هنا على سلسلة نسب الدين، أما موضوع الطبقات فسنشير إليه عند الحديث عن الكتب التي تعرضت للطبقات والسير والتواريخ.
تتصدر سلسلة نسب الدين عبارة تقول: "هذه نسبة دين المسلمين واحدا عن
واحد ثقة عن ثقة من زماننا إلى نبينا محمد (3).
وسنذكر رجال هذه السلسلة مبتدئين بالأعلى إلى الأدنى، عكس ما أوردوه هم من الأدنى إلى الأعلى، حتى نربط الحديث بمن تقدم ذكرهم، وقد تبين لنا أخذ جابر ومن في طبقته عن الصحابة، وأخذ أبي عبيدة عنه وعن الصحابة، ثم أخذ حملة العلم عنه، وأخذ طلبة حملة العلم عنهم. ومن أشهر طلبة حملة العلم الذين جاز عليهم نسب الدين الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن، وأبو المنيب محمد بن يانس، ونجد في رسالة نسب الدين أن أبا خليل صال الدركلي أخذ عن ابن يانس، وأخذ عن أبي خليل أبو عيسى أبان بن
(1) رسالة بعنوان باب ذكر من اقتدينا مخطوط محفوظ ضمن مجموع في البارونية برقم
م 63، (د. تر)، لم يذكر اسم مؤلفه.
(2) الدرجيني، الطبقات، 6/ 1.
(3) الشماخي، السير، 213/ 2. (1/259)
صفحة 260
علوم السنة عند الإباضية
240
وسيم
(1)
(4)
، وعن أبي عيسى أخذ أبو القاسم سدرات بن الحسين (2)، وأخذ عن أبي القاسم أبو هارون الجلالمي (3)، وأخذ عن أبي هارون أبو يحيى الفرسطائي) وأخذ عن أبي يحيى أبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي) (5)، وأخذ عن أبي محمد عمنا يحيى بن سفيان (6)، وأخذ عن عمنا يحيى أبو الربيع سليمان بن أبي هارون موسى بن هارون الملوشائي (7)، وأخذ عن يحيى أبي الربيع أبو زكريا يحيى بن الخير الجناوني (8)، وأخذ عن أبي زكريا أبو سليمان داود بن هارون (1)
(1) الويغوي النفوسي أبو ذر أبان بن وسيم بن نصر (ق 9/ 3)، كان فقيها مفتيا ثقة أجازه شيخه أبو خليل للفتوى، تولى جبل نفوسة للإمام أفلح، تزخر الكتب برواياته وفتاويه، أخد عنه جمع منهم سدرات البغطوري. ر: الدرجيني، طبقات، 301/ 2 - 305 (2) البغطوري أبو القاسم سدرات بن الحسن (926/ 313)، علامة من أعلام جبل نفوسة، أخذ عن أبان بن، وسيم عمر حتى بلغ مائة وثلاثين، وكان مرجع الفتوى ر: الشماخي: السير
201 - 200/ 1
(3) الجلالمي أبو هارون موسى بن يونس (حي بعد: 897/ 283) أخذ عن سدرات، عالم جليل وزعيم نبيل، أسس مدرسة خرجت علماء كبارًا وكان ينفق عليها ثلث ماله. ر: الشماخي: السير 205/ 1.
(4) الفرسطائي أبو يحيى زكرياء بن يونس (بين 283 - 897/ 350–962)، عالم جليل نشأ يتيما، أخذ عن الجلالمي عن الجلالمي، وأخذ عنه خلق كثير، ر: الشماخي: السير، 6/ 2 - 8. (5) التمصمصي أبو محمد خصيب بن إبراهيم (ق 10/ 4)، عالم عدّ من أعلام نفوسة، أخذ عن زكرياء الفرسطائي، كان مرجع الفتوى، أسس مدرسة شهيرة في بلده خرجت فطاحل العلماء ر الشماخي: السير، 251/ 1 - 252 (6) اللالوتي النفوسي أبو زكرياء يحيى بن سفيان، (ق 10/ 4) عالم جليل وحاكم عادل، أخذ عن خصيب التمصمصي وغيره، وأخذ عنه خلق كثير، تولى حكم جبل نفوسة باتفاق أهل الحل والعقد من علماء الجبل. ر: الشماخي، السير، 250/ 1 - 151.:. (7) الملوشائي أبو الربيع سليمان بن موسى بن هارون ق (10/ 4 من نفوسة بليبيا، عالم فقيه راوية، أخذ عن يحيى بن سفيان وغيره، كان مفتيا ذا عزيمة، جد في تلقي العلم وأدائه، أخذ عنه جملة من أقطاب العلم، له مراسلات فقهية وفتاو. ر. الشماخي: السير، 1/ 2 - 4. (8) الجناوني أبو زكرياء يحيى بن الخير (ق 11/ 5)، من نفوسة بليبيا، قطب من المذهب وعلم من أعلامه، كان علّامة محققا جامعا للرواية والعلوم، أخذ عن أبي الربيع
أقطاب (1/260)
صفحة 261
علوم السنة عند الإباضية
241
وأخذ عن أبي سليمان أبو يوسف وجدليش بن يعقوب الأمللي (2)، وأخذ عن أبي يوسف أبو يحيى زكريا بن إبراهيم الباروني (3)، وأخذ عن أبي يحيى يحيى بن
وجدليش (4).
وأخذ عن يحيى بن وجدليش عيسى الطرميسي (5)، وأخذ عن عيسى الطرميسي عمنا أبو عزيز الباروني (6)، وأخذ عنهما أبو ساكن عامر بن علـ
الملوشائي وغيره، وأخذ عنه جمع غفير، كثرت مؤلفاته وتميزت بالعمق وقوة الاستدلال خاصة بالسنة، ومنها كتب الأحكام والنكاح والوضع. ر: الشماخي: 178/ 2 - 179. (1) الباروني أبو سليمان داود بن هارون (ق 11/ 5)، من نفوسة بليبيا، سليل أسرة علمية، أخذ عن يحيى بن الخير وغيره، كان عالما ومتكلما وله حلقة علم أخذ عنه الكثير، أسندت إليه المشيخة الكبرى وله تأليف. ر الشماخي السير، 179/ 1 - 184. (2) الأمللي أبو يوسف وجدليش بن يعقوب (ق 12/ 6) من نفوسة بليبيا، كان عالما تقيا ورعا، أخذ عن أبي سليمان بن داود وغيره وأخذ عنه بعض الأعلام. ر: الشماخي، السير، 185/ 2. (3) الباروني أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم بن زكرياء (ق 13/ 7) من نفوسة بليبيا، عالم جليل وحاكم عادل، أخذ عن وجدليش الأمللي وغيره، كان غاية في العلم والعمل، رزق ثروة طائلة فكان ينفق منها على الأقسام الداخلية في مدرسته التي شارك بالتدريس بها فخرجت جمعا كبيرا. ر: الشماخي: السير، 188/ 2.
(4) أبو زكرياء يحيى بن وجدليش قبل ق 14/ 8) من نفوسة بليبيا، كان عالما عاملاً، أخذ عن زكرياء الباروني وغيره، كانت له حلقة علم، أخذ عنه خلق كثير. ر: الشماخي، السير،
190/ 2
(5) الطرميسي أبو موسى عيسى بن عيسى (1325/ 722) من نفوسة بليبيا، أخذ عن أبي يحيى وجدليش، يعتبر أحد المجدين للعلم، لقب بشيخ الإسلام، يعتبر تلاميذه من المجددين المجتهدين الذين أحيوا المذهب علما وعملا كأبي طاهر الجيطالي وأبي ساكن الشماخي وغيرهم، كما تعتبر مدرسته من أعظم المدارس التي اهتمت بالتأليف. ر: الشماخي: السير،
195 - 193/ 2
(6) الباروني أبو عزيز بن إبراهيم بن أبي يحيى زكرياء (1346/ 746)، من نفوسة بليبيا، أخذ عن عيسى الطرميسي، تولى المشيخة الكبرى، بعد وفاة أستاذه، كان عالما فقيها، له تأليف سمي لقط أبي عزيز. ر الشماخي: السير، 194/ 2. (1/261)
صفحة 262
(1) '
علوم السنة عند الإباضية
242
(3)
الشماخي (4)، ويتواصل إسناد نسب الدين (2) إلى أبي سليمان بن داود التلات والذي أخذ عنه محمد بن زكرياء الباروني (4). كاتب هذه السلسلة من نسب الدين وقد ابتدأ ذكر سلسلته بقوله: "أخذت ديني أنا وأكثر طلبة زماننا هذا عن الشيخ أبي سليمان داود بن إبراهيم التلاتي الجربي وأخذ هو عن شيوخ عدة وقلت له إلى من تسند فقال إلى كل منهم الأول فالأول ... إلخ " (5) وساق ذكر من تقدم من الأدنى إلى
(1) الشماخي أبو ساكن عامر بن علي بن عامر (1390/ 792) من نفوسة بليبيا، علامة محقق وقطب مجتهد، أخذ عن عيسى الطرميسي وأبي عزيز، كان من الحفاظ الكبار، وممن عني بحفظ السنة النبوية، انتصب للتدريس خلفًا لأستاذه في أكثر من بلد، وعكف أيضا على التأليف، تعد تأليفه من الروائع في عمقها ومنهجها المقارن، ومنهج الاستدلال والاستنباط ومنها كتاب الإيضاح في 8 مجلدات. ر: الشماخي: السير 198/ 2 - 200. (2) فقد أخذ عن أبي ساكن أبو الربيع سليمان بن موسى بن عامر، وأخذ عن أبي الربيع عبد الله بن عبد الواحد الشماخي، وأخذ عن عبد الله كل من صالح بن نوح التندميرتي وعمنا يعقوب، وأخذ عن صالح أبو النجاة يونس بن سعيد كما أن أبا النجاة أخذ عن زكريا بن أفلح، وأخذ عن أبي النجاة كل من ابراهيم بن أحمد - من ذرية أبي منصور - ويعقوب بن صالح، أخذ عن يعقوب بن صالح أبو القاسم بن يونس السدويكشي، وقد أخذ أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي عن صالح بن نوح التندميرتي المتقدم ذكره، وتتواصل حلقة إسناد عبد الله بن عبد الواحد الشماخي المتقدم الذكر عبر طريق آخر، إذ أخذ عنه أيضا أبو يوسف يعقوب بن أحمد اليفرني المديوني، وأخذ عن أبي يوسف أبو زكريا يحيى بن أبي يحيى الباروني، ثم أخذ عنه عمنا أبو زكريا بن عيسى الباروني، وأخذ عن أبي زكريا بن عيسى أبو سليمان بن داود التلاتي. ر: الباروني محمد بن زكريا الجربي، نسبة دين المسلمين، (مخ) ص 165 و،
وممن
الشماخي، السير، 213/ 2. (3) تقدمت ترجمته، ص.
(4) الباروني أبو عبد الله محمد بن زكرياء بن عبد الرحمن (1589/ 997) أصله من نفوسة ثم سكن جربة، علامة ومؤرّخ، أخذ عن داود التلاتي، ورحل إلى ميزاب فأخذ عن أبي مهدي المليكي، له عدد من المؤلفات ر ابن، تعاريت رسالة في تراجم علماء جربة (مخ)، 43 - 44 الجربي سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة، ص 115 - 116.
(5)
ر الباروني محمد بن زكريا بن عبد الرحمن (1589/ 997)، نسبة دين المسلمين، (مخ (مج)، المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم 124، (دت)، وبعنوان رسالة الشيخ محمد (1/262)
صفحة 263
علوم السنة عند الإباضية
243
الأعلى، وقد عرضنا نصف السلسلة بدون تفرعاتها إذ يضيق المقام عن عرضها
كاملة.
ويذكر الحيلاتي في رسالته نسبة الدين سلسلة تتفق مع هذه في بعض أعلامها في مواضع وتختلف في مواضع أخرى إذ يذكر أن محمدًا بن يانس أخذ عن أبي خليل ياسين بن صالح (1) وأن ياسين أخذ عن حملة العلم، وأنه أخذ عن ابن يانس أيضا أبو معروف ويدرن بن جواد (2)، وأخذ عن أبي معروف أبو مسور يسجا بن زلتاف (3)، وأخذ عن أبي مسور ابناه موسى (4) وأبو زكريا فصيل بن أبي مسور اليهراسني (5)، وأخذ عنهما أبو نوح سعيد بن زنغيل، وأخذ
الباروني في نسبة الدين (مخ مج) مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب جربة تونس (د. ت)، وقد رأيت في مكتبات وادي ميزاب بالجزائر مجموعة من النسخ المخطوطة لهذه الرسالة، وهذه الرسالة أيضا مطبوعة ضمن كتاب السير للشماخي 214/ 2
(1) هكذا ورد في أصل المخطوط، ولم أعثر على ترجمة من يحمل هذا الاسم في تلك الفترة، ولعل هناك تصحيف وأن المراد أبو خليل صال الدركلي المتقدم ترجمته.
(2) أبو معروف ويدرن بن جواد (حي بعد (897/ 283 عالم وقاض من العلماء المقدمين، أخذ عن ابن يانس وأبي خليل الدركلي، وغيرهم يقول عنه أبو زكرياء كان محدثًا
(3)
شهيرا. ر: أبو زكرياء، السيرة، 153/ 1، 154، الدرجيني طبقات، 325/ 2 - 331. اليهراسني أبو مسور يسجا بن يوجين زلتاف (أواخر ق (9/ 3) من عظماء جربة بتونس، وقطب من أقطاب الإباضية، أخذ عن يحيى السدراتي وأبي معروف وغيرهم، ورحل إلى نفوسة وغيرها للعلم، كان مرجعًا للفتوى وزعيما اجتمع الناس عليه في جربة، أخذ عنه عدد كبير من العلماء، بنى المساجد وأسس حومة السوق في جربة وغيرها من المآثر التي لا تزال قائمة. ر: الشماخي، السير، 32/ 2 - 33، 345 346. (4) اليهراسني موسى بن يسجا بن يوجين (ق 10/ 4) هو ابن أبي مسور، أخذ عن أبيه وعن غيره، وصف بأنه كان ورعا عابدا زاهدا مجتهدا، توفي وهو شاب صغير، ورد ذكره مع أبيه. ر ر: الشماخي، 32/ 2 - 33، 345 346. (5) اليهراسني أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور يسجا (ت بين 420 - 1030/ 440 - 1049)، أفذاذ علماء جربة في تونس، أخذ عن أبيه وأبي خزر وغيرهم كان علامة فقيها حافظا،
من
: (1/263)
صفحة 264
علوم السنة عند الإباضية
244
عن أبي نوح أبو عبد الله بن بكر، ثم ذكر الحيلاتي أن إسناد أهل جربة، مر عبر أبي زكريا فصيل، وأما إسناد أهل المغرب فمر عبر أبي نوح سعيد بن زنغيل، ويبين الحيلاتي أن عبد الوهاب أخذ عنه أفلح بن عبد الوهاب، وأخذ عن أفلح سعد بن أبي يونس (1)، وأخذ عن سعد سحنون بن أيوب (2)، وأخذ عن سحنون أبو القاسم الحامي (3)، وأخذ عن أبي القاسم أبو خزر يغلى بن زلتاف، وأخذ عن أبي خزر أبو نوح سعيد بن زنغيل، وأخذ عن أبي نوح أبو عبد الله بن بكر، وأخذ عن أبي عبد الله أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وأخذ عن أبي الربيع أبو العباس احمد بن محمد بن بكر، وأخذ عن أبي العباس أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي، وتستمر سلسلة (4) نسب الدين هذه (1) إلى سليمان الحيلات
(2)
وهناك
وزعيما مجاهدا، مرابطا، أخذ عنه جملة من العلماء يعتبر صاحب فكرة نظام العزابة، وحث تلميذه محمد بن بكر لتطبيقها. ر: أبو زكرياء السيرة، 216/ 1، 218، 240، 244. (1) الويغوي أبو محمد سعد بن وسيم أبي يونس بن نصرت بعد 897/ 283) من نفوسة بليبيا، رحل إلى تيهرت فأخذ عن الإمامين عبد الوَهَّاب وأفلح، بلغ مبلغا عظيما من العلم والفضل فلما رأى الإمام نبوغه وفضله ولاه قنطرارة فأحسن السيرة، أخذ عنه جمع غفير. ر: الشماخي: السير 184/ 1–185.
(2) سحنون بن أيوب (ق 10/ 4) كان عالما متكلما بارعا، وكان فقيه أوانه، وعمدة مكانه، كثرت عنه الروايات، أخذ عن وسيم بن نصر وسعيد بن يونس وأخذ عنه جمع كبير، له فتاوى ومسائل كثيرة، كما يعد من الأيمة الثقات الحفاظ ر: الدرجيني: طبقات المشايخ،
339/ 2
الاجتهاد
(3) الوسياني الحامي أبو القاسم يزيد بن مخلد (969/ 358) من الحامة في تونس، أخذ عن سحنون بن أيوب و سليمان بن زرقون، رقي حتى صار من كبار الأيمة وبلغ درجة عظمت منزلته لدى الناس والأمراء، يروى أن القيروان كانت تضطرب لمقدمه فيخف الناس للقائه من موافق أو مخالف لجلالة علمه وعظم قدره أمر المعز الفاطمي بقتله بعد أن سمع الوشاة من حاشيته فمات أبو القاسم شهيد الظلم، وقامت الثورة لمقتله لكنها لم تفلح. ر: الشماخي: السير، 33/ 2 - 36
(4) وأخذ عن أبي عمرو ميمون بن تكتيس الورغمي، وأخذ عن ميمون يسفا والأبدلاني، وأخذ عنهما أبو سعيد عثمان الزاراتي، وأخذ عن أبي سعيد أبو البر صالح بن نجم المغراوي، (1/264)
صفحة 265
علوم السنة عند الإباضية:
245
تتميم لإسناد أهل المغرب بعد الحيلات نجده في رسالة لأحد علماء المعاصرين (3).
ونجد في رسالة معنونة بعنوان "باب" في ذكر من اقتدينا"، ذكر سلسلة إسنادية (4) تتفق في بعض مقاطعها مع السلاسل المتقدمة؛ وتنفرد في أخرى؛
وأخذ عن أبي البر أبو الحياة يعيش بن موسى،، وأخذ عن أبي الحياة أبو عمران موسى بن أيوب، وأخذ عن أبي عمران أبو زكريا بن أفلح الصدغياني، وأخذ عن أبي زكريا أبو النجاة يونس بن سعيد بن تعاريت وأخذ عن أبي النجاة أبو يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي، وأخذ عن أبي يوسف أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الحيلاتي، وأخذ عن أبي زيد أبو الفضل قاسم بن سعيد الصدغياني، وأخذ عن أبي الفضل كل من محمد بن عمر أبي ستة القصبي وسليمان بن أحمد الحيلاتي، وأخذ عنهما أبو عبد الله محمد بن يوسف المصعبي المليكي. ر: الحيلاتي أبو الربيع سليمان بن أحمد (1688/ 1099)، نسبة الدين للحيلاتي، (مخ مج) المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم 554، ص 29 - 30
(1)
(3)
م. س، ص 30.
(2) الحيلاتي أبو الربيع سليمان بن أحمد (1688/ 1099) من جربة بتونس، عالم مؤرخ، سليل أسرة عريقة في العلم، أخذ عن قاسم الصدغياني وغيره يعد أحد العلماء الذين أحيوا معالم الدين بمؤلفاتهم المختلفة في التاريخ والفقه ومنها نسبة الدين ورسالة مشاهد علماء جربة وغيرها. ر: سعيد بن تعاريت رسالة في تراجم علماء الجزيرة 72 - 73 الجعبيري: البعد الحضاري، 143 يكشف أبو اليقظان إبراهيم عن سلسلسة إسناده إلى الحيلاتي في رسالة في ذلك. ر: أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي (1973/ 1393)، نسب الدين للشيخ أبي اليقظان، (مخ) مكتبة أبي معقل الوارجلاني، وارجلان، الجزائر، وقفت عليه في مدونات أبي معقل كراس رقم 26 خلال رحلتي البحثية إلى وارجلان. (4) ابتدأ كاتبها بقوله: أخذنا ديننا على الفقيهين التقيين أبي محمد عبد الله بن محمد المجدلي وأبي يحيى توفيق بن يحيى الجناوني، وأخذه أبو محمد عن أبي سليمان داود بن زهرون، وأخذه أبو سليمان عن أبي زكريا يحيى بن الخير الجناوني، وأخذ أبو زكريا عن أبي الربيع سليمان بن موسى الملوشائي، وأخذ أبو الربيع عن أبي زكريا بن رسفين اللاوتي وأبي سهل البشر بن محمد التندميرتي وأبي يوسف وجدليش، ثم افترقت النسبة فأخذ أبو سهل وأبو يوسف عن أبي يحيى يوسف بن زيد الدرقي وأبي نصر زار بن يوسف، وأخذ أبو يحيى (1/265)
صفحة 266
علوم السنة عند الإباضية:
246
وتنتهي إلى حملة العلم، إما من طريق عبد الوهاب الذي أخذ عن أبيه عبد الرحمن وباقي حملة العلم، أو من طريق أبي خليل الدركلي وأبي المنيب محمد بن يانس اللذين أخدا من إسماعيل بن درّار وعاصم السدراتي وغيرهما من حملة العلم، ثم تستمر السلسلة إلى الصحابة وفي آخرها: " وإنما أخذنا هذا الدين عن الثقات ثقة عن ثقة من يومنا هذا إلى جابر بن زيد ... الخ " (1).
وجملة القول أن ما عرضناه هنا لعله جزء مما كانوا يذكرونه أسانيد لنسب الدين عندهم، وقد نقل الدرجيني عن أبي عمار عبد الكافي أنه وجد العزابة يسندون أمر دينهم واحدا عن واحد، أكابر عن أكابر، وثقة عن ثقة، فرأى من حسن نظره أن يكون ذلك جملة عن جملة (2). فهذه الإشارة دالة على أن هناك جملة من السلاسل الإسنادية، وما تقدم مجرد أنموذج لها فقط، وقد انتقل أبو عمار ومن بعده الدرجيني بهذه السلاسل من الصورة المفردة إلى الجملة والجمع على شكل طبقة عن طبقة وهكذا؛ وفي هذا تطوير في التعاطي لفن الرجال والكتابة فيه
وأبو نصر عن أبي محمد يصليطن بن مامد الكباوي، وأخذه أبو محمد عن أبي هارون موسى بن يونس الجلالمي، ثم ذكر صاحب الرسالة أن أبا زكريا أخذ عن أبي محمد التمصمصي وأبي عبد الله محمد بن جلداسن اللالوتي، وأخذ أبو محمد عن أبي يحيى زكريا بن يوسف الفرسطائي وأبي الربيع سليمان بن هارون اللالوتي وأخذه أبو يحيى وأبو الربيع عن أبي هارون بن يونس الجلالمي وزاد أبو يحيى بأخذه عن أبي حسان خيران بن ملال الفرسطائي، وهنا أخذ كلّ من طريق فأخذ أبو حسان عن أبي يونس أيدين الفرسطائي، وأخذ أبو يونس عن أبي ذر صدوق الفرسطائي، وأخذ أبوذر عن أبي مرداس مهاصر السدراتي، وأخذه أبو مرداس عن الإمام عبد الوهاب، وأما أبوهارون الجلالمي فأخذ عن أبي القاسم سدرات بن الحسن البغطوري، وأخذ أبو القاسم عن أبي ذر أبان بن وسيم الويغوي وأخذ أبو ذر عن أبي خليل صال الدركلي وأخذ أبو خليل عن أبي المنيب محمد بن يانس، وأخذ أبو المنيب عن أبي الزاجر إسماعيل بن درّار الغدامسي .. إلخ. ر: مؤلف مجهول رسالة باب ذكر من اقتدينا (مخ
مج المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم م 63، (د. تر).
(1)
م. س، الصفحة نفسها.
(2) الدرجيني، الطبقات، 6/ 1. (1/266)
صفحة 267
علوم السنة عند الإباضية
247
عندهم على شكل طبقات وهو جزء من الكتابة في السير والتاريخ وطبقات
الرجال.
أما
عن المشارقة في عُمان فقد وفر نفي الحجاج بن يوسف الثقفي (1) الإمام جابر بن زيد إلى عُمان، فرصة لنشر العلم، وامتزاجه بقومه مما أدى إلى أثر كبير في أهل عُمان، خاصة إذا ما وضعنا التعاطف القبلي نحوه لكونه ينتسب إلى اليحمد، وهي قبيلة لها مكانتها بين قبائل أزد عُمان، وإضافة إلى مكانته العلمية العالية، فكان لذلك أثره الكبير.
وجاء بعده دور حملة العلم من البصرة إلى عُمان سواء من تلاميذ أبي عبيدة كالربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، أو من تلاميذ الربيع وهم منير بن النير الريامي (2) وبشير بن المنذر النزوي (3) ومحمد بن المعلا الكندي، ومحبوب بن الرحيل (4). وقد عَدَّ الرقيشي هاشم بن غيلان السيجاني منهم (5)، والذي يظهر لي أن أعداد حملة العلم إلى عُمان أكثر من هؤلاء فقد تكونت طبقة كبيرة في
(1) الشماخي: السير: 81/ 1.
(2) الريامي الجعلاني منير بن النير (حي في (852/ 237) من جعلان بعمان، علامة جليل من حملة العلم إلى عمان، أخذ عن الربيع وأخذ عنه الكثير، حضر بيعة الجلندى، له سيرة معروفة، عمر طويلا. ر البطاشي، إتحاف الأعيان، 171/ 1، السيابي، عمان عبر التاريخ
272 - 270/ 2
(3) السامي أبو المنذر بشير بن المنذر (ت 795/ 178) من نزوى بعمان، أحد العلماء الأعلام من حملة العلم إلى عمان أخذ عن أبي عبيدة والربيع كان مرجع العلم في زمانه وسمي بالشيخ الأكبر. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان 166/ 1، السيابي سالم بن حمود (1990/ 1412)، طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، مطابع سجل العرب، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان 1400 هـ، 1980، ص 43. السالمي، شرح المسند، 4/ 1. (5) الرقيشي أحمد بن عبد الله الأزكوي (ق 17/ 11)، مصباح الظلام: (القطعة الخامسة من كتاب شرح دعائم الإسلام شرح لامية ابن النظر) مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، بني يسجن الجزائر رقم م 154 صورة لدى الباحث، ص 31 ب. (1/267)
صفحة 268
علوم السنة عند الإباضية
248
البصرة سواء كما قلنا على يد أبي عبيدة أو الربيع أو غيرهما، وعليه يبقى الحصر في خمسة أو أربعة محل نظر، ونلمح ذلك من عبارة نور الدين السالمي في ذكره المساندين للإمام الجلندى بن مسعود (1) - الذي هو نفسه تكون في البصرة إذ يقول: "حُف الإمام بجملة من الأعلام والعلماء الذين آزروا إمامته وناصروها وهم من تلاميذ الربيع
(2)
وقد سمى سرحان بن سعيد الأزكوي ونور الدين السالمي (3) بعض من جاؤوا معاضدين لهذا الإمام ومساندين له، فذكرا هلال بن عطية الخراساني ويحيى بن نجيح (4)، وذكر السالمي في باب من أخذ عنه أهل عمان دينهم الصحيح غير من ذكرنا طبقة من رجالات العلم وحملته والذين كان لهم الدور الكبير والشرف الباذخ الذي يقل فيه النظير، منهم الجلندى بن مسعود الإمام الولي الشهير، وموسى بن أبي جابر الأزكوي ومحبوب بن الرحيل القرشي، وهاشم بن
(1) الجلندى بن مسعود بن جيفر (751/ 134) أخذ عن أبي عبيدة فهو من حملة العلم إلى إلى عمان، بويع أول إمام في عمان سنة 132 هـ، كان عالما جليلا وإماما عادلا حسن السيرة، مات شهيدا خلال دفاعه عن عمان ضد جيش خازم بن خزيمة في جلفار ر: السالمي، تحفة الأعيان، 72/ 1، 79، محمد قرقش (معاصر)، عمان والحركة الإباضية، ط 1، مؤسسة علوم القرآن بعجمان، الإمارات، ومكتبة مسقط روي سلطنة عمان، 1410 هـ، 1990 م، ص 205 وما بعدها مجموعة باحثين عمان في التاريخ، نشر وزارة الإعلام بسلطنة عمان بالتعاون مع دار إميل للنشر المحدودة بلندن، 1995 م، ص 153.
(2) السالمي: تحفة الأعيان، 72/ 1. (3) الإزكوي سرحان بن سعيد (ق 17/ 11)، كشف الغمة مخطوط محفوظ بمكتبة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، مسقط، لدى الباحث صورة منها، ص 362، السالمي، تحفة الأعيان للسالمي، 1/ 72.
(4)
يحيي بن نجيح (ت 752/ 134) علّامة رباني ورع من تلاميذ أبي عبيدة، كان يجمع التبرعات ويوزعها على الفقراء، التحق بالإمام الجلندى فكان قائد الحملة لرد شيبان الصفري عن عمان وانتصر لكنه قتل إذ سأل ربه الشهادة قبل المعركة ر: الشماخي، السير، 108/ 1، السالمي، تحفة الأعيان للسالمي 64/ 1. (1/268)
صفحة 269
علوم السنة عند الإباضية
249
المهاجر
(1)
،
وعبد الله بن أبي قيس (2)، وسعيد بن المبشر (3)، وعلي بن عزرة (4)، عزرة (4)، وسليمان بن عثمان (5)، وعبد المقتدر بن حكم (6)، ا، ومحمد بن هاشم بن غيلان وموسى بن علي وسعيد بن محرز، والوضاح بن عقبة (7) ومحمد بن محبوب، فلقد ساهم كل هؤلاء في نقل العلم والرواية، وتلقى عنهم جملة من العلماء، وامتد
دورهم زمنا طويلا، وشاركوا في كثير من الأحداث الواقعة في عمان آنذاك. يقول نور الدين السالمي بعد ذكره هؤلاء الأعلام المتقدمين:" ثم امتلأت عمان بالعلماء الفضلاء أهل الثقة والورع والإخلاص وصدق النية حتى ضرب
(2)
أبو المهاجر هاشم بن المهاجر (ق 8/ 2) من حضرموت باليمن، علامة فقيه من كبار الفقهاء، أخذ عن أبي عبيدة، وصفه ابن سلام بالفقيه المفتي، وتنتشر رواياته وأقواله في كتب المذهب. ر: الشماخي 117/ 1، ابن خلفون، الأجوبة، 110. عبد الله بن أبي قيس (حي في 886/ 272) علامة وفقيه جليل، عاش في القرن الثالث الهجري، كان ممن أجمع على التمسك بإمامة الصلت ورفض عزله ر: الكندي، بيان الشرع، 65/ 1، مجموعة باحثين، دليل أعلام عمان، ص 112. سعيد بن المبشر (ق 8/ 2) من إزكي بعمان من العلماء والفقهاء الأجلة وأحد رجال دولة الإمام غسان وممن يرجع إليهم في النوازل وله ولدان كانا من العلماء هما مبشر وسليمان. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 425/ 1. السامي علي بن عزرة (ق 8/ 2) من إزكي بعمان، علامة جليل وأبو بيت أنجب فطاحل العلماء، كان فقيها حكيما يرجع إليه في الملمات وإليه تنسب قبيلة العزور في عمان ر
(3)
(4)
الأزكوي، كشف الغمة، ص 527.
(5)
العقري
أبو عثمان سليمان بن عثمان، ق 8/ 2 من نزوى، بعمان علامة فقيه وقاض نبيه، ولي القضاء للإمامين الوارث وغسان، وكان من أهل الحل والعقد، تزخر الكتب برواياته وأقواله: ر البطاشي، إتحاف الأعيان، 428/ 1.
(6)
عبد المقتدر بن الحكم (ق 8/ 2) عالم وفقيه، يعد أحد العلماء المتقدمين المبرزين في عمان. ر: الكندي، بيان الشرع، 64/ 1، مجموعة باحثين دليل أعلام عمان، 116. (7) النزوي أبو زياد الوضاح بن عقبة (حي في (852/ 237 علّامة وفقيه من كبار علماء أخذ عن موسى بن علي، وكان من أهل الحل والعقد كما كان مبجلا مسموع يرتضيه الناس. ر: البطاشي إتحاف الأعيان، 424/ 1.
عصره،
الكلمة (1/269)
صفحة 270
علوم السنة عند الإباضية
250
بذلك المثل فشبهوا العلم بطائر باض بالمدينة وفرخ بالبصرة وطار إلى عمان، وإنا ذكرنا من علماء المسلمين قليلا من كثير، وبعضهم يتولى بعضا، ليس فيهم من ينقم عليه شيء من سيرته، ولا من يعاب عليه شيء من خليقته، كلهـ أهل بصائر وهدى ماتوا على ما أبصروا من الحق، فرحم الله تلك الأرواح، ونور تلك المضاجع، ورزقنا حسن الاقتداء بهم
(1)
ويضاف لما ذكر من أسماء العلماء التي لمعت آنذاك الفقيه محمد بن عبد الله بن جساس (2) و اشتهر عنه هو وموسى بن أبي جابر الأزكوي تجويزهما الخروج مع الظالم لإزالة ظلم ظالم أشد في ظلمه (3). وبرز أيضا العالم شبيب بن عطية، وكان له دور قيادي في عهد الجلندى وبعده (4)، ومن علماء ذلك العصر أيضا المعتمر بن عمارة (5) وعبد الوهاب بن جيفر (6).
لقد كان لهؤلاء العلماء دور كبير في النهضة العلمية، وأخذ اللاحق من السابق، وقد عمّر بعضهم طويلا، فمن ذلك أن موسى بن أبي جابر الأزكوي
(2)
(1) السالمي، تحفة الأعيان، 59/ 1. محمد بن عبد الله بن جساس (ق 8/ 2)، عالم جليل، كان أحد فقهاء عمان البارزين في القرن الثاني الهجري، وكان له دور في ردّ طغيان بعض الطغاة الذين ابتليت بهم عمان آنذاك. ر: ابن رزيق حميد بن محمد بن بخيت (1858/ 1275)، الشعاع الشائع، تح عبد المنعم عامر، نشر وزارة التراث القومي، سلطنة عمان 1978 م، ص 36.
(3)
السالمي: تحفة الأعيان: 88/ 1
(4) السالمي، تحفة الأعيان، 87/ 1.
(5) الهلالي المعتمر بن عمارة بن سالم (ق 8/ 2) علامة جليل وشيخ بلغ من الفضل منتهاه، أخذ عن أبي عبيدة، فهو أحد حملة العلم، قال عنه محبوب من خيار من أدركه من المسلمين. ر: مجموعة علماء الشماخي السير 101/ 1، الراشدي مبارك بن عبد الله (معاصر)، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وفقهه، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، سلطنة عمان، 1995 م، ص 228 - 229.
(6)
"
عبد الوهاب بن جيفر (ق 8/ 2) عالم جليل من فقهاء عمان في القرن الثاني الهجري، ومن أهل الحل الذين عقدوا البيعة للإمام الجلندى ر مجموعة باحثين دليل أعلام عمان، 116 (1/270)
صفحة 271
علوم السنة عند الإباضية
251
الذي كانت له الرئاسة العلمية في بعض عهود تلك الفترة، جيء به محمولا عندما هموا بتجديد الدولة وإعادة الإمامة بعد استشهاد الجلندى بن مسعود ووقوع بعض الفتن بعده (1)
وقد ساعدت بعض عهود القوة في عهد بعض الأئمة، في انتشار العلم،
(2)
وظهور دعوة المسلمين، كعهد) الإمام الوارث بن كعب الخروصي صي (3)، وعهد الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي (4)، الذي قام كسالفه "بالحق وعمل به وعز الحق في أيامه، وظهرت دعوة المسلمين بعمان (5).
ويظهر أن الزعامة العلمية قبل موسى بن أبي جابر كانت لمحبوب بن الرحيل، ومحبوب صار زعيما بعد الربيع بن حبيب (0)، ثم برز بعد موسى بن أبي جابر موسى بن علي بن عزرة الذي صار في فترة بروزه رأس أهل الحل
(1) ر: الرقيشي: مصباح الظلام (مخ)، 47 ظ السالمي، تحفة الأعيان، 90/ 1، 91، أبو قحطان، سيرة أبي قحطان (ضمن السير والجوابات لمجوعة علماء وأئمة عمان، تح سيدة إسماعيل كاشف مطبعة دار إحياء الكتب العربية القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1406 هـ، 1986 م)، 121/ 1، الأزكوي، كشف الغمة (مخ)، ص 362. (2) أبو قحطان، سيرة أبي قحطان (ضمن السير والجوابات)، 1/ 122. (3) الخروصي الوارث بن كعب (808/ 192) إمام عالم جليل، وهو أحد أئمة العدل بعمان، أحسن السيرة ونهض بالعلم والعمران منذ حكم 794/ 177 إلى وفاته غرقا في سيل الوادي وهو يحاول إنقاذ السجناء وهو يقول "أمانتي". ر: السالمي، تحفة الأعيان، 118/ 11، السيابي، عمان عبر التاريخ 20/ 2 - 34 (4) الفجحي اليحمدي غسان بن عبد الله (823/ 207) إمام عالم فقيه عامل، بويع سنة (192/ 808) سار سيرة مرضية، نهض بالزراعة والعمران، وبنى أسطولا كبيرا فأمن البحر من القرصنة، شهدت عمان في عهده ازدهارا، ونهض بالعلم حتى سميت عاصمته نزوى بيضة
الإسلام ر: السالمي، تحفة الأعيان، 123/ 1 السيابي، عمان عبر التاريخ، 37/ 2 - 69. الرقيشي: مصباح الظلام (مخ)، 41 و، الأزكوي، كشف الغمة (مخ)، 365، السالمي، تحفة
(5)
الأعيان، 99/ 1.
(6) أبو زكرياء، سير الأيمة، 1/ 122. (1/271)
صفحة 272
علوم السنة عند الإباضية
252
والعقد، والمفتي والمرجع لذلك العهد (1). ثم صار - بعد ذلك- محمد بن محبوب
إمام العلم والدين
ومثيل ما تقدم ذكره عند المغاربة من نسب الدين وجد عند المشارقة ما عرف عند العلماء العمانيين بنسب الإسلام، وقد ذكر أبو الحسن البسيوي سلسلة سند المذهب وسماها رفع المذهب، فقد رفعه أبو الحسن البسيوي وشيخه أبو عبد الله محمد بن بركة وسعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب لم يذكر، عن أبي مالك غسان بن الخضر الصلاني وبشير وعبد الله ابني محمد
(4)
(3) ,
ومن بعصرهم ممن
بن محبوب وأبي قحطان وأبي إبراهيم ومن بعصرهم ممن لم يذكر، عن محمد بن محبوب وموسى بن علي وهاشم بن غيلان وسعيد بن محرز والوضاح بن عقبة وعزان بن الصقر ومن بعصرهم ممن لم يذكر، عن موسى بن أبي جابر ومنير بن النير وسليمان بن عثمان ومحبوب بن الرحيل وخلف بن زياد البحراني وشبيب بن عطية ومن بعصرهم ممن لم يذكر، عن الجلندى بن
(1)
(5)
ر: أبو قحطان سيرة أبي قحطان (ضمن السير والجوابات): 123/ 1 - 124، السالمي: تحفة الأعيان: 109/ 1 - 110.
(2) أبو قحطان سيرة أبي قحطان (ضمن السير والجواابات: 124/ 1، الأزكوي: كشف الغمة (مخ)، ص 367، الرقيشي: مصباح الظلام (مخ)، 44.
(3) الرحيلي أبو القاسم سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب (940/ 328) إمام عالم فقيه سليل أسرة علمية، بويع بإمامة الدفاع سنة 932/ 320، سار سيرة الحق والعدل، أثنى عليه العلماء وسطروا أحسن العبارات فيه، له آثار علمية وتزخر الكتب برواياته وأقواله.
ر: السالمي، تحفة الأعيان، 192/ 1 - 195 السيابي، عمان عبر التاريخ، 227/ 2 - 239. (4) الازكوي أبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر بين ق - 9/ 4 - 10 من إزكي في عمان، كان عالما جليلا، وحبرا فقيها، عاصر الكثير من العلماء وكانت بينه وبينهم مكاتبات وأسئلة وردود، يذكر أنه أحد أساتذة أبي سعيد الكدمي. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 434/ 1. (5) البحراني خلف بن زياد (ق 8/ 2) أصله من البحرين (الإحساء (حاليا) لقي أبا عبيدة وأخذ عنه، وانتقل إلى عمان كان عالما جليلا لازم الإمام الجلندى له سيرة تكشف عن سعة علمه
واطلاعه ر: ابن مداد سيرة ابن مداد، ص 9 - 10 السالمي تحفة الأعيان، 37/ 1، 72. (1/272)
صفحة 273
علوم السنة عند الإباضية
K 253
(1)
مسعود والربيع بن حبيب وطالب الحق عبد الله بن يحيى وعبد الرحمن بن رستم والمختار بن عوف (2) وأبي الحر علي بن الحصين (3) وهلال بن عطية ومن بعصرهم ممن لم يذكر، عن أبي عبيدة مسلم بن أبي
وجعفر بن السماك (1)
(1) الكندي أبو يحيى عبد الله بن يحيى بن عمر الشهير بطالب الحق (748/ 130)، من حضرموت باليمن إمام الشراة العالم الجليل، كان أحد أقطاب المذهب في عهود تأسيسه، أخذ عن أبي عبيدة وضمام وغيرهما، تولى القضاء ولما رأى الجور ظاهرا والعسف الشديد سأل شيوخه القيام بالإمامة فشجعوه وأمدوه وبويع في اليمن، تكشف كتب السير والتاريخ حسن معاملته لخصومه وعدله وأمانته وتقواه وجلالة قدره بما يجعله أحد عمالقة التاريخ الإسلامي. ر: الشماخي، السير 91/ 1، الأصفهاني، الأغاني، 111،158/ 23، الجزري ابن الأثير أبو الحسن علي بن محمد (1233/ 630) الكامل في التاريخ، تصحيح محمد يوسف الدقاق، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1995 م، 39/ 5، 51، الحارثي سالم بن حمد (معاصر)، العقود الفضية في أصول الإباضية، دار اليقظة العربية بسورية ولبنان، (د. ت) ص 187 وما بعدها.
(2) السليمي أبو حمزة المختار بن عوف الشاري، (748/ 130)، عالم علم من أعلام تابعي التابعين، أصله من مجز بصحار في عمان أخذ عن أبي عبيدة، يعد من فصحاء الخطباء في الإسلام، بعثه أبو عبيدة مددا لطالب الحق فقاد الجيوش، ودخل الحجاز فأذعنت له وسار في أهلها سيرة حسنة شهدت بها كتب السير والتاريخ، لكن مروان بن محمد سير له جيشا عظيما فقتل أبو حمزة رحمه الله في وادي القرى سنة 130 ه. لمزيد من التفصيل ر السالمي، تحفة الأعيان، 133/ 1، ابن الأثير، الكامل، 49/ 5 - 51، ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن كثير (1372/ 747)، البداية والنهاية، ط 9، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان 1414 هـ، 1994 م، 36/ 10، الحارثي، العقود الفضية، ص 189 وما بعدها. (3) أبو الحر علي بن الحصين العنبري (ت 749/ 131) عماني الأصل، عالم من أشهر علماء الإباضية في الحجاز،، وهو من تابعي التابعين ومن أئمة الإباضية الأوائل، كان أبوه من رجال خالد بن الوليد، أخذ عن أبي الشعثاء وأخذ عنه عدد من العلماء، ذكره البخاري في التاريخ الصغير وأورد ثناء سفيان الثوري فيه، قتل رحمه الله بعد موقعة وادي القرى وهو أسير. ر: البخاري محمد بن إبراهيم بن إسماعيل (869/ 256)، التاريخ الصغير، تح: محود إبراهيم زايد ط 1، مكتبة دار الوعي، حلب والقاهرة، 1397 هـ، 1977 م، 16/ 2، ابن مداد السيرة، 19،8، السيابي سالم بن حمود (1990/ 1412)، الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية (1/273)
صفحة 274
علوم السنة عند الإباضية
254
كريمة وفروة بن نوفل (2) وحوثرة بن وداع (3) ومن بعصرهم ممن لم يذكر، عن
(4)
(5)
عبد الله بن إباض وعروة بن حدير والمرداس بن حدير ومن بعصرهم ممن لم يذكر، عن أبي الشعثاء جابر بن زيد ومن بعصره ممن لم يذكر عن الصحابة (6).
في اليمن والحجاز، مطابع سجل العرب القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1400 هـ، 1980 م، ص 97.
العبدي جعفر بن السماك (حي بين 99 - 718/ 101 - 720) علامة من التابعين، و فقيه جليل، أخذ عن أبي الشعثاء وغيره، وهو أحد شيوخ أبي عبيدة، وكان ضمن الوفد الإباضي الوافد على عمر بن عبد العزيز، قال الدرجيني عنه: "هو شيخ أبي عبيدة، وكان ما حفظ عنه أبو عبيدة أكثر مما حفظ عن جابر ر الدرجيني، طبقات، 233232/ 2، الشماخي، السير،
75 - 74/ 1
(2) الأشجعي فروة بن نوفل (ق 7/ 1) عالم جليل وفقيه وداعية، عاش في القرن الأول الهجري، وهو واحد ممن كان لهم الفضل في نقل العلم والفقه إلى عمان. ر: مجموعة باحثين دليل أعلام عمان 26.
(3) الحوثرة بن وداع (ق 7/ 1)، أحد الأعلام الذين برزوا بعد موقعة النهروان، سير لهم معاوية جيشا قتلهم في مكان يسمى النخيلة ر: مجموعة علماء السير والجوابات، 201/ 1. (4) التميمي عروة بن حدير أو ابن ادية التميمي (678/ 58) وأدية أمه حبر راهب عابد جليل، كان جريئا في قول كلمة الحق، شهد له بالورع والتقوى، انتقد عبيد الله بن زياد علنا أمام الملأ، ودعاه إلى العدل وحسن السيرة، فانتقم منه ابن زياد فأمر بقطع يديه ورجليه، ثم قال له: ما رأيت؟ "، قال: أفسدت على دنياي، وأفسدت عليك آخرتك"، فقتله وقتل بنيه. ر: الشماخي السير، 65/ 1 - 66
(5) أبو بلال مرداس بن حدير التميمي (ت 781/ 61) تابعي من أئمة المذهب الأوائل، لازم الإمام جابرًا وأخذ عنه، وأخذ عن عدد الصحابة، يعتبر من عظماء الشراة وقادتهم، كما يعد أحد الخطباء الأبطال العباد سجنه عبيد الله بن زياد وفر من السجن، لكنه رحمه الله قتل بأسك. اشتهر أبو بلال بالعلم والورع، وكان عالما مجتهدا. ر: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 94/ 4، الدرجيني، طبقات 214/ 2 - 226، الشماخي، السير، 64/ 1. (6) حول سلاسل نسب الإسلام، ر: ابو الحسن البسيوي رسالة الحجة على من أبطل السؤال (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 60 - 61، القلهاتي الأزدي أبو عبد الله محمد (1/274)
صفحة 275
علوم السنة عند الإباضية
255
وقد أكمل ابن مداد ذكر سلسلة نسب الإسلام من عصره إلى عصر أبي الحسن البسيوي، ولا يتسع المقام لذكرها وفي ما ذكر الكفاية.
وبعد أن وقفنا هذه الوقفة وتعرفنا على جوانب مهمة حول الإسناد عند الإباضية يمكننا القول إن المنهج العام لنقل الرواية وفق ضابط الإسناد بقي لفترات طويلة كما تلقوه عن الصحابة والتابعين فلم يتطور عندهم كثيرا، ولعل ذلك مرجعه إلى غياب الدواعي إلى تطور علم الإسناد من انتشار الوضع والكذب عندهم وغير ذلك.
هذا ومع بعض الضمور الملموس لعلوم الإسناد عندهم، وجدنا أنهم لم يتركوا الإسناد، إذ نجده حاضرا في نقل جانب كبير من تراثهم، فهم بذلك شاركوا باقي الأمة في مزية الإسناد بالقدر الذي حضر عندهم. فقد وجد الإسناد في مسند الإمام الربيع ومدونة أبي غانم الخراساني، ووجدت بعض الأسانيد في رسائل الإمام جابر وفي أجوبته أيضا، وفي آثار الربيع بن حبيب، وأجوبة الإمام عبد الوهاب وابنه أفلح وغيرها من الكتب والرسائل المصنفة من قبل أوائلهم.
ووقفنا على نماذج من الإسناد وجدت منبثة وسط الكتب الفقهية والمؤلفات القديمة المختصرة منها و المطولة كأجوبة ابن خلفون، وجامع ابن جعفر، وجامع ابن بركة، وجامع أبي الحواري، ومؤلفات أبي سعيد الكدمي.
كما وجدت بعض الأسانيد في الموسوعات الفقهية الكبيرة مثل الضياء لأبي المنذر العوتبي، بيان الشرع لأبي عبد الله الكندي والمصنف لأبي بكر الكندي وغيرهما، والمتأمل لهذه المصنفات يجد أنه قد تم نقل جانب كبير من الروايات أو الأحكام على الروايات عبرها، ولذلك فمن الأهمية بمكان كبير دراسة حركة
بن سعيد (ق 11/ 6)، الكشف والبيان، تح سيدة إسماعيل، كاشف مطابع سجل العرب القاهرة، ط.،1400 هـ، 1980، 478/ 2 - 479، الأزكوي، كشف الغمة، ص 284، التلاتي أبو
سليمان داود بن إبراهيم، قصيدة مدح المذهب (مخ)، ص 7. (1/275)
صفحة 276
علوم السنة عند الإباضية
256
المرويات ونقلها عبرها، فإن مثل هذه الدراسة مع مقارنتها وتخريجها من كتب الرواية ستقدم لنا الكثير من الفوائد والنتائج.
وهناك جانب مهم عند الإباضية معبر عن نموذج لفن الإسناد والنقل عبر حلقات متصلة قائمة على الأخذ والتلقي والأداء يتمثل في حملة العلم وسلاسل نسب الدين أو نسب الإسلام.
فحملة العلم إلى المغرب والمشرق هم مجموعات علمية حفظت والرواية من مواطنها في الحجاز والعراق، ونقلتها إلى الأقطار التي اتجهت إليها، وكان ذلك مصاحبا لدورها الدعوي الذي تبنى فكر المذهب الإباضي ودعا له.
كما كان هناك دور مكمل لسلسلة نسب الدين عند إباضية شمال إفريقيا، وسلسلة نسب الإسلام عند إباضية المشرق، وهؤلاء كان لهم دور في نقل الروايات والآراء وسائر العلوم، وقد تلقى أوائل هذه السلاسل عن حملة العلم، وتم نقل العلم عبر هذه السلاسل إلى الأجيال المتعاقبة.
إن ما تقدم يكشف عن عناية بالإسناد لا يمكن تجاهلها عند الإباضية، على أن هذه العناية - في تقديري لا تزال محتاجة إلى مزيد من العناية والإبراز والدراسة والتحقيق، وكذلك إلى دراسة جملة الروايات المنقولة عبر تراثهم ومقارنتها، وذلك محتاج إلى رسائل عدة، ولعل مثل هذه الدراسات أن تزيد من جلاء الحقائق المغمورة بما يخدم التقارب بين المسلمين.
وإذا كان هذا الفصل كشف عن جانب من العناية بعلوم الإسناد وهو ما يتعلق بالإسناد وتسلسله، فهناك جانب أخر مكمل له، ومدقق لرجال الإسناد، يعني بصفة مهمة فيهم، ألا وهي العدالة والأمانة، ثم لما كان التعديل فنا مستقلا في علوم الإسناد، عولنا على الوقوف عليه، وجعلنا تمام ذلك في الفصل القادم، الذي هو بعنوان" الجرح والتعديل". (1/276)
صفحة 277
علوم السنة عند الإباضية
257
الفصل الثاني الجرح والتعديل
المبحث الأول: صفة العدالة وتقسيم المعدلين:
شهادة
(1)
قبل الشروع في الحديث عن مسائل التعديل والتجريح عند الإباضية لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن رؤية غالب علماء الإباضية إلى التعديل عامة للشهادة وأحكام الولاية والبراءة، والرواية والنقل للأخبار، وقد سبقت إشارة ابن بركة إلى اعتبار نقل الخبر والرواية كالشهادة في قوله: " ولأن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن هذا لا يعني أن كلهم اشترطوا في الخبر ما اشترطوه في الشهادة، وسيرد مزيد بيان لهذا الربط بين الشهادة والأخبار في محله إن شاء الله. نبدأ أولا بمعرفة بيانهم للعدل والعدالة، فالعدل عند أكثرهم هو الولي، ولذا تأتي عباراتهم موجزة ذلك في مثل قول محمد بن جعفر " والعدل هو الولي الذي له الولاية (2)، وفي مثل عبارة أبي سعيد الكدمي: " وإنما العدل الولي الذي له الولاية" وتتكرر هذه العبارة في كتبه كالجامع المفيد (3) والاستقامة (4).
ويذكر محمد ابن محبوب أن العدل عنده وعند شيوخه الذين أخذ عنهم هو
المسلم الولي الموافق العدل ورضا الله، الذي له الولاية أحد من المسلمين
مع
الذين يعرفون ما تثبت به الولاية، والبراءة، فمن كان وليا فهو العدل، ومن كان
عدوا فهو غير عدل مطروح ساقط (5)،، وهذا البيان من ابن محبوب يوجز تحديد العدل وغير العدل المجروح.
(1)
(2)
ابن بركة، الجامع، 315/ 2.
ابن جعفر، الجامع، 100/ 4.
(3) الكدمي
(4) الكدمي
(5) الرحيلي
أبو سعيد، الجامع المفيد، 38/ 2.
أبو سعيد، الاستقامة، 160/ 1.
محمد بن محبوب، سيرة محمد بن محبوب، مخ مج، ص 134. (1/277)
صفحة 278
علوم السنة عند الإباضية
258
ويوجز موسى بن علي بيان الولي والعدو المجرح بقوله:" ولينا كل من أوفى بكل أمر ألزم الله فيه طاعته، وحق أوجب الله على العباد تأديته في تقوى وورع عن حرماته، وعدونا الناكث بميوله إلى هواه وشهوته وفتنته وغيه المستحلّ لما الله وما نهاه الله عنه استخفافاً بما وعده الله ونقضاً لما عاهد الله حرم
من
الله،
عليه (1)
ويميز ابن جعفر بين العدل وغيره مشيرا بأنّ الذي يعرف بخير ولم يعلم منه أي سوء فهو عدل، أما الذي يعرف بالمعاصي والحرام فهو الذي لا ولاية
له (2).
ونجد في كلام ابن بركة في بيانه صفة العدل مزيد إيضاح وتحديد؛ فالعدل عنده يجب أن يكون موافقاً في القول والعمل، مجتنبا للكبائر والصغائر فلا يقع منه إلا الهفوات، ويروى عنه أيضاً القول بأن الصغائر إذا كثرت من العدل أو كان قليل التقوى لم يعتبر في عداد من تقبل شهادته (3).
ويكشف كلام أبي الحسن البسيوي في بيانه ما تثبت به العدالة والولاية مع ما ذكروه من صفات للعدل صفة البعد عن الابتداع، فقد ذكر أن الولاية ومثلها العدالة تثبت بالوفاء في كل أمر أوجب الله فيه طاعته، وجعل حقا على العباد تأديته سواء كان قولا أو عملا أو نية، فالإيمان قول وعمل واتباع للسنة وموافقة لأهل الحق المستقيمين على الكتاب والسنة دون من خالفهم من حملة الأحداث والبدع (4). وجملة من تقدم كلامهم عن العدالة يجعلون العدالة والولاية كالأمر الواحد، وهناك قول يجعل العدالة دون الولاية، وممن عرض هذا القول أبو سعيد الكدمي فقد نقل قول القائلين بأن العدل والثقة من أهل النحلة والعدالة هو دون
(1)
(2)
(3)
ابن جعفر، جامع ابن جعفر، 181/ 1.
م. س، 101/ 4.
ابن بركة، الجامع، 460/ 2 - 461.
(4) البسيوي أبو الحسن سيرة أبي الحسن البسيوي، مخ مج، ص 90. (1/278)
صفحة 279
259
علوم السنة عند الإباضية:
الولي، من عرف بالأمانة في ظاهر أمره، وأداء الفرائض والانتهاء عن المحارم، غير مواقع كبيرة ولا مصر على صغيرة، ولا تظهر عليه تهمة فيما دان المسلمون بتحريمه من دين وظهرت أخلاقه وسيرته وأعماله، بموافقة قول أهل النحلة (1)
ويعدد أبو بكر الكندي الأقوال في العدل، فقيل هو المقر بجملة الإسلام أو أنّه الثقة أو أنه الولي (2)، ويذكر أنه قد يفرق بين العدل والثقة والولي، إذ يحدّ بعضهم العدل بأنه المؤتمن على الأمانات المسارع إلى الخيرات، لا يعرف بإصراره على شيء من الجنايات، كما أنه يجانب الشبهات، ويؤمن على ما يحمله من الشهادات وإن لم يعرف منه الموافقة أو انتحال غير دين المسلمين، فإذا كان يظهر التمسك بقول المسلمين، في صلاته وزكاته وولايته وبراءته فإن هذا عدل، وقيل: هذا عدل ولي (3).
أما الثقة كما يذكر أبو بكر الكندي - فضابطه أن يكون مأمونا على ما حمل من الشهادة التي شهد بها متصفا بصدقه في الحديث، ووفاء عهده إذا عاهد، وأمانته إذا اؤتمن، وإنصافه من نفسه إذا عامل وانقطاعه إلى الخيرات واجتنابه للشبهات، فهذا هو الثقة فيما حمل من الشهادة. وقيل: إن هذا ولي تثبت ولايته أيضا.
افقته
وأما الولي كما يبين الكندي - فهو من عرف منه ما ذكر آنفا، مع موا للمسلمين في جميع ما يستحق به الولاية، ولذلك قالوا: يكون عدلا وثقة ووليا (4). ويذكر أبو بكر الكندي فرقا آخر بين العدل والثقة من جهة والولي من جهة أخرى؛ فمن كان في حال العدل والثقة، وإن أجيزت شهادته على هذا الحال، فإنه
أبو سعيد، الاستقامة، 160/ 1.
66/ 15
الكدمي
الكندي أبو بكر،
المصنف،
م. س، 151/ 15.
م. س، 152/ 15.
(1)
(2)
(3)
(4) (1/279)
صفحة 280
علوم السنة عند الإباضية
260
يسأل عنه، في كل شهادة شهد بها، وأما من صحت ولايته لا يرجع فيسأل عنه،
حتى يعلم منه غير تلك الولاية (1).
ونجد عند عمرو الثلاتي تمييزا بين العدل والوليّ أيضا إذ يصف المخبر العدل بأنه الثقة الواضع للأشياء في مواضعها (2)، وعند بعض المتأخرين يميّز
بينهما بأن العدل قد يكون بمعنى الشهادة في الحقوق دون الولي في دينه (3).
وفي حقيقة الأمر يظهر من كلام المتقدمين شكل من التعميم في بيان العدل، ولا أخالني أقطع بأن ما أوردته عن أبي بكر الكندي محاولة أكثر تدقيقا في تحديد العدل والثقة والولي، وكأنها نوع من الترقي والتطور في عرض كل من الثلاثة، لكن عرض أبي بكر الكندي وبيانه على كل حال بدا واضحا في نهجه نحو الفرز والتمييز وإن لم يتخلص من التعميم الذي أشرت إليه.
وقد سبق ذكر صفة العدل عند ابن بركة وفيه بعض دلالة تحديد للعدل، لكننا نجد عند أبي يعقوب الوارجلاني في كلامه عن صفة العدل المقبول الخبر تحديدا وبيانا أكثر يقول فيه: "وصفة العدل الذي يجب قبولُ خبره أن يكون ظاهر العدالة غير ساقط المروءة، أما ظهور عدالته فأن يدين بدين الحق وينطق بلسان الصدق في حديث الخلق، وملاك الأمر الورع، والدين غير المبتدع
(4)
ويبين البرادي في أجوبته بأن الفسق نقيض العدالة، وأن العدالة توجب قبول الشهادة لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} (الطلاق 2/ 65)، وأن من لم يكن فاسقا فهو عدل، وأن العدالة عند الإباضية وصف زائد عن الإسلام (5).
(1)
(2)
(3)
م. س، 152/ 15.
التلاتي عمرو، رفع التراخي في مختصر الشامخي، مخ، ص 191.
البشري موس بن عيسى (ق 20/ 14)، كتاب في الفقه، (مخ)، مكتبة سالم بن حمد الحارثي،
المضيرب، سلطنة عمان، د. ر، ص 123.
(4) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 155/ 1.
(5) البرادي أبو القاسم جوابات البرادي، مخ مج، ص 114 ظ. (1/280)
صفحة 281
علوم السنة عند الإباضية
261
ويأتي تعريف العدالة الذي يمكننا اعتماده تعريفا متأخرا، فقد عرف أبو العباس الشماخي العدالة بأنها محافظة دينيه تحمل صاحبها على ملازمة التقوى، والمروءة (1)، ويذكر في بيان التعريف أن هذه العدالة هيئة راسخة في القلب، يستقر بها خوف الله في نفس صاحبها، فتمنعه من المعاصي، وتحضه على الطاعة، وترفع من همته فلا يكون ساقط المروءة (2)، مؤكدا أن الكافر يخرج بقيد (الدينية)، والفاسق بـ (ملازمة التقوى) (3)، ويزيد تعريفه إيضاحا ببيان علامة العدالة، فهي وإن كانت هيئة خفية نفسانية، فإن علامتها التي تمتاز بها هي اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر، ويذكر اختلافهم في حد الكبائر، ويوجز الكبيرة بأنها كل ما نهي الشرع عنه وأوعد عليه العذاب (4).
ويحد عمرو التلاتي العدالة بأنها: " ملكة مانعة له عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة؛ كسرقة لقمة وتطفيف تمرة والرذائل المباحة؛ كمعاشرته الأراذل والحرف الردية كالحجامة وخدمة اليهود والنصارى (5)، مبررا في الموضع نفسه بأن العدالة ملكة تكسب صاحبها الرفق وهي دينية تنسب إلى دين الإسلام، فهي تدور في دائرته وتحمل على خصاله، وهي تبعث صاحبها على عدم مفارقة التقوى، التي هي عبارة عن امتثال المأمور واجتناب المنهي كما تحمل على المروءة وهي كمال الرجولية (6).
ومع أن عمرا التلاتي بين حد العدالة وشرح تعريف الشماخي لها إلا أنه عقب بعد ذلك باختياره تعريف ابن السبكي (7) وشارح كتابه فقال:" والأولى فـ
(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
الشماخي م. س، ص 449.
أحمد بن سعيد، شرح مختصر العدل،
ص
م. س، ص 449.
م. س، ص
449
449
التلاتي عمرو، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 193 - 194.
م. س، ص 193 - 194.
(7) أنظر ذلك في كتاب الابهاج. ر: السبكي علي بن عبد الكافي (1355/ 756)، السبكي تاج (1/281)
صفحة 282
علوم السنة عند الإباضية
262
تعريفها قول العلامة ابن السبكي وشارحه العدالة ملكة أي هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة وتطفيف تمرة والرذائل المباحة أي الجائزة كالبول في الطريق الذي هو مكروه والأكل في السوق لغير "سرقة" ثم يعقب التلاتي بقوله: " إلا أن السرقة والتطفيف والبول المذكورات من الكبائر عندنا – أي الإباضية (1).
ويرى الإباضية تقسيم الناس بالنسبة للتعديل والولاية إلى ثلاثة معروف الولاية ومعروف البراءة وغير معروف بواحدة منهما يحكم فيه بالوقوف عنه، يقول محمد بن محبوب: جاء الأثر عن أئمة المسلمين الأولين أن الناس ثلاثة؛
معروف فتثبت ولايته، ومعروف فتثبت عداوته، ومن لا يعرف فذاك ممسك عنه حتى يعلم منه ما يستحق أحد الحالين"
(2)
ويرى الإباضية أن المنعطف الذي على أساسه بدأ تتبع الناس لمعرفة أحوالهم هو الأحداث التي حصلت في عهد الخليفة عثمان بن عفان وما تبع ذلك من فتن، ويذكر أبو المؤثر الخروصي أن الدار كانت في زمان أبي بكر وعمر دار إسلام، استغنى الناس عن محنة البحث والسؤال يتولون كل من ظهر منه الصلاح والورع على ظاهر أمره، و يبرؤون ممن ظهر منه الكفر، ويقفون عن الذي لم يعرف قوله ولا عمله حتى حدث ما حدث عهد عثمان بن عفان، فاحتاج المسلمون حينئذ إلى معرفة الموافق لهم والمخالف لهم، وبنوا عليها الولاية والقبول والأخذ أو البراءة والردّ أو الوقوف (3).
إن هزة الفتنة العظيمة التي امتحنت بها الأمة الإسلامية جمعاء انقسم الناس بها وتشعبوا، وهي هزة طالت فكر أبناء الأمة وتوجهاتهم فعليها اختلفوا، فكان
الدين عبد الوهاب بن علي (1360/ 771)، الإبهاج شرح المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1416 هـ، 1995 م، 314/ 2 - 315.
(1)
م. س، ص 193 - 194.
(2) الرحيلي محمد بن محبوب، سيرة محمد بن محبوب، مخ مج، ص 134. (3) الخروصي أبو المؤثر، سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس، مخ مج، ص 165. (1/282)
صفحة 283
علوم السنة عند الإباضية
263
هذا دافعا للبحث والتنقيب، والكشف وتمييز الخالص من فكر الأمة من الدخيل الغريب، ويستشهد أبو يعقوب الوارجلاني على حجية منهج التدقيق عقب الفتنة فيقول:" فلما وقعت الفتنة أصبح الناس وقد مزجت عهودهم وأماناتهم فوجب التوقفُ والبحث ليأخذ الناس بما يعرفون، ويدعو ما ينكرون كما قال رسول الله لعبد الله بن عمر بن العاص: (كيف بك إذا مزجت عهود الناس وأماناتهم، قال ما تأمرني به يا رسول الله قال: تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر؛ ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت) " (1).
وإذا كانت الأمة جمعاء ابتليت بتلك الفتنة، فقد وقع لأهل عمان بعد فترة منها فتنة أخرى وابتلاء، حين عزل إمام من أئمتهم الصلحاء، وأحد قادتهم العظماء، فكان لذلك العزل أثر هز وحدتهم، وجدل فكري عمق خلافا بينهم وأنبت نزوعا إلى البحث والتفتيش عن الرجال عند طائفة منهم.
وفي هذا الجانب يذكر أبو المؤثر الخروصي أن أهل عمان عندما أخطؤوا في عزل الصلت بن مالك إمامهم، وتتابعت أحداثهم، لم يُتولّ أحد ظهر منه الصلاح والورع إلا بمعرفة موافقته للمسلمين في جميع الأحداث، فمن ظهر منه موافقة المسلمين فيما دانوا الله به من القول والعمل ثبتت ولايته، ومن عُرف عنه مخالفة ذلك بُرئَ منه، ومن لم يُتَبَيْن قوله وحاله، ولم يظهر منه كفر يُبْرَأُ منه به؛ وقف عنه ووكل علمه إلى الله (2).
ويرى أبو سعيد الكدمي تقسيم الناس حسب أحوالهم إلى أقسام أربعة (3):
وعليه
الأول: من كان ظاهر الأمانة، وقد زالت عنه الخيانة بصحة هذه الأمانة، يجب له الحكم فيما ظهر له الاسم، الثاني: من كان ظاهر الخيانة، قد زالت عنه الأمانة بظهور الخيانة، فهو أيضا يكون حكمه على اسم ما ظهر منه الثالث من
(1) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 155/ 1.
(2) الخروصي أبو المؤثر، سيرة أبي المؤثر الصلت بن خميس، مخ مج، ص 165.
أبو سعيد، الاستقامة، 56/ 2. (3) الكدمي (1/283)
صفحة 284
علوم السنة عند الإباضية
264
لم تصح له الأمانة ولا الخيانة، وأشكل أمره، وهو ليس بمجهول الحال وإنما متناقض الأحوال، فهذا حكمه حكم الظن، والتهمة، فلا يلحقه حكم الأمانة أو الخيانة، فهو مشكل مشتبه، حاله الرابع من كان مجهولا وحاله لا يعرف، فحكمه أنه لا يسمّى ولا يوصف، وفق قاعدة المجهول لا يعرف والمعدوم لا يوصف" (1).
المبحث الثاني: الصيغ والعدد في التعديل والتجريح:
الثقات (2)
IT
يرتبط بموضوع التعديل أمور منها صيغ التعديل وألفاظه وكذلك عدد المعدّلين والمجرحين، وقد تعددت صيغ ألفاظ التعديل المستعملة عند الإباضية لبيان العدالة، منها الوصف بصيغ ألفاظ التوثيق، وقول أبي المؤرج:" ورووه عن وقول أبي غانم الخراساني: حدثني بعض من أثق به (3)، وقول أبي المؤثر "حدثني ... وكان ثقة من ثقات المسلمين (4)، و" حدثنا ... وهو ثقة مأمون (5)، وقول أبي قحطان: حدثني بها ثقة من المسلمين من أهل العلم والورع (6)، وقول محمد بن جعفر أن يمن علينا بثقة مثل أبي الشعثاء" (7)، وقول ابن سلّام: "وإنما يؤخذ بقوله ... فهو الثقة عندهم
? (6) "
(8)
وهناك صيغ تبين علم المعدل وفقهه وفضله كقول ابن سلام" وهو من أكبر فقهاء أصحابنا كان عالمًا مقتصدًا مرضيًا فقيها مفتيًا" (9)، وقوله: "فقية مفت وهو
(1) م. س، 56/ 2. ام. س،
(2) أبو المؤرج، كتاب الصيام روايات أبي المؤرج وغيره، (مخ) ص 27.
(3) الخراساني أبو غانم، المدونة الصغرى، 361/ 1.
(4) الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 56/ 29.
(5) أبو المؤثر الصلت بن خميس، كتاب الأحداث والصفات، مخ مج، ص 228.
(6) أبو قحطان خالد بن قحطان سيرة أبي قحطان، مخ مج، ص 180. (7) ابن جعفر، جامع ابن جعفر، 592/ 3.
(8) ابن سلام، بدء الإسلام وشرائع الدين، ص 130.
(9) م. س، ص 130. (1/284)
صفحة 285
علوم السنة عند الإباضية
265
من أورع الناس" (1)، وقوله: " وهو رجل فقيه عالم فارض ناقد" (2)، وقوله:"عالم فقيه بصير واسع العلم" (3)، وقول ابن بركة: " وهو الغاية في باب الورع والزهد، ومكانه في العلم لا ينكره إلا جاهل به (4)، وقول أبي عبد الله الكندي: "فإن كنت وجدته عند ... فهو الفقيه (5).
وورد في كتاب جامع ابن جعفر من التعاليق المضافة للكتاب مجموعة من الصيغ وهذه الصيغ بعضها يفيد الولاية، أو قبول الشهادة فقط حسب رأي المضيف ولعلها من تعليقات مهنا بن خلفان البوسعيدي الذي حشى على الكتاب وعلق عليه كما ورد في مقدمة الكتاب، فمن الصيغ "مثلا فلان من خيار "الناس" أو "من خيار "المسلمين أو من خيار أهل "بلده أو من أفاضل المسلمين" أو "من المسلمين" أو "من الصالحين "أو " في صالح الناس" أو "أصلح أهل بلده" أو "من
صالحي أهل بلده"، فهذه الصيغ تثبت بها الولاية، وتجوز بها الشهادة (7). صيغ "ثقة في دينه" و"فلان" عدل في دينه" و "عدل" و" فلان أثق به" أأتمنه" أو "أمين" مع "فلان فتقبل بها الشهادة ولا تثبت بها الولاية (8).
أما
أو "أمين عندي
(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
م. س، ص 131.
م. س، ص
159
م. س، ص 159.
ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد، التعارف، ص 19.
الكندي محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 85/ 3.
البوسعيدي أبو زهير مهنا بن خلفان بن محمد (1835/ 1250)، عاش بمسقط مع والده الذي كان وكيلا للإمام أحمد بن سعيد، كان طالب علم مجتهدًا حتى غدا ممن يشار إليه بالبنان فقها و علما عاصر العلامة جاعدًا بن خميس الخروصي، رتب كتاب جامع ابن جعفر وحشى عليه، نسب البعض إليه تأليف كتاب "باب" "الآثار" ر: البوسعيدي أبو زهير مهنا بن خلفان بن، محمد (1835/ 1250) كتاب لباب الآثار، نشر وزارة التراث القومي والثقافة
سلطنة عمان 1984 م، مقدمة كتاب لباب الآثارص 2.
(7) ابن جعفر، جامع ابن جعفر، 104/ 4.
(8)
م. س، 4/ 104. (1/285)
صفحة 286
علوم السنة عند الإباضية
266
وأما صيغ: "فلان معي في الولاية أو في ولاية المسلمين" أو "ولى للمسلمين" أو "يتولاه المسلمون" أو "ولي لي في ديني" أو "ولي الله" أو "ول لأهل الحق" فكل هذا تثبت به الولاية وتجوز به الشهادة (1)، فهذه الصيغ المتقدمة تعدّ أثرا لقول من جعل الولاية مرتبة أعلى من العدالة.
ويذكر ابن جعفر بأنه لا يقبل التعديل من المعدل حتى يقول إنه عدل، وقيل إذا قال: إنه ثقة قبل، لكن ابن جعفر لا يحب الاكتفاء بلفظ" الثقة" وحدها في التعديل ويرى الاكتفاء في ثبوت الولاية بقول القائل: إن فلانا في الولاية (2). أما أبو يعقوب الوارجلاني فيرى أن التزكية لا بدّ فيها اجتماع وصفين بحيث يقال في المزكى إنه عدل رضا فلا بد من الكلمتين معا، وذلك حسب تفسير الوارجلاني أنه قد يكون عدلا لا، رضا أو رضا لا عدلا، وعليه فلا بد من اجتماع الأمرين جميعا، ويستشهد على رأيه بالقرآن، بقول الله عز وجل: واشهدوا ذوي عدل منكم} (الطلاق (2/ 65 وبقوله جل وعلا في موضع آخر: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} (البقرة 282/ 2) (3)، ومثل الوارجلاني ذهب أبو العباس الشماخي يقول: "ويكفي في العدالة، أن تقول، عدل رضا، وفي التجريح أن تقول: فاسق مطلقا، أي من غير شرط، فلا يحتاج إلى ذكر السبب" (4). مسألة قد وتأتي مسألة العدد من المسائل المهمة في التعديل والجرح، وهي
يتداخل كلام كثير منهم عنها في الخبر والشهادة وأحكام الولاية، وقد يفرق بعضهم بينها، والأصل في التعديل أنه يقبل بواحد، يقول محمد بن جعفر: "ويقبل التعديل في الواحد والولاية (5)، ويرى محمد بن روح أن هذا القبول على وجه
(1)
(2)
م. س، 4/ 104.
م. س، 214/ 4.
(3) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 156/ 1.
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 454
(5) ابن جعفر، جامع ابن جعفر، 101/ 4. (1/286)
صفحة 287
علوم السنة عند الإباضية
267
الجواز لا على وجه اللزوم فهو مخير في قبول الولاية بالواحد وبشرط أن يكون الواحد مسلما ثقة في دينه بصيرا بأحكام الولاية والبراءة (1).
وهذا القيد أكده أبو سعيد الكدمي (2)، وفي موضع آخر قيده بأن يكون ثقة مأموناً عالماً (3)، ويري محمد بن روح كما يظهر من كلامه أنه لا يلزم المرفوع إليه إلا بقول اثنين إلا إذا سأل هو عن ولاية المرفوع إليه ولايته، فرفع إليه ولايته واحد ممن "صح وصفه أنه مسلم ثقة في دينه بصير بأحكام الولاية والبراءة لزمه أن يتولاه (4)، بينما ذهب أبو سعيد الكدمي إلى أنها تلزم بالواحد على كل حال، سأل أو لم يسأل، ولا يجعل له التخيير
(5)
ومن الإباضية من شرط التعديل بالاثنين وبعضهم أكثر من ذلك، وقد ذكر أبو سعيد الكدمي أقوالهم إذ يقول: " وقال من قال: لا تقوم إلا بعبارة الشاهدين، وقال من قال: بأربعة عليهم الغلط، وتقوم بمثلهم حجة الشهرة من الخمسة إلى العشرة، وقال من قال: لا تقوم الحجة إلا بعلمه هو الذي لا يشك فيه، أو يلزمه التعبد في شيء من ذلك، بفعل أو ترك، فتقوم عليه حينئذ الحجة، على غير وجه ما يسعه جهله (6).
أما التجريح فنرى اتفاق الإباضية على وجوب أن يوجد فيه اثنان وشذ من قبل الجرح بواحد، وفي التعاليق المضافة إلى جامع ابن جعفر قول من قال بذلك إذ قيل قد يقبل التعديل بواحد والجرح بواحد، واحتج هذا القائل إذ أنه كما قبل التعديل بواحد كان الجرح بواحد لأن ذلك إنما هو في الأحكام (7).
(1)
الكندي
(2) الكدمي
(3)
محمد بن روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 142.
أبو سعيد المعتبر، 19/ 2.
م. س، 69/ 1 - 70.
(4) الكندي
(5) الكدمي
محمد بن روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 142.
أبو سعيد، المعتبر، 19/ 2.
(6) م. س، 1/ 69 - 70.
(7)
ابن، جعفر جامع ابن جعفر، 101/ 4
6 (1/287)
صفحة 288
علوم السنة عند الإباضية
268
لكن القول المعتمد هو اشتراط رجلين عدلين للتجريح، ويذكر محمد بن روح أن الذي حفظه عن المسلمين أنه لا تبطل ولاية الولي إلا بشهادة رجلين عدلين (1).
ويقبل الإباضية تعديل المرأة الواحدة أيضا، يقول محمد بن جعفر:" ويقبل التعديل من المرأة الثقة التي تبصر ما تثبت به الولاية والبراءة إذا لم يوجد من يعرفه من ثقات الرجال (2)، ويظهر أن ابن جعفر قيد قبول المرأة في هذا بكونها ثقة تميز الولاية وعند عدم وجود الرجل، ونجد محمد بن روح (3) وأبا سعيد (4) يقيدان قبول المرأة بما إذا كانت تعرف الولاية والبراءة، وهي تشارك الرجل في التجريح فبطلان الولاية يجوز بشهادة رجل وامرأتين من العدول كما
(5)
يذكر الكدمي إن أقوال علماء المشارقة التي عرضناها آنفا والتي بينت عدد من يكونون حجة في التعديل والتجريح، نجدها لا تختلف في غالبها عند علماء المغاربة، وممن عرض هذه الأقوال أبو الربيع المزاتي وقد ذكر الخلاف في التعديل وأنه قيل في هل يُكتفى في الولاية برجل واحد قولان، وأن بعضهم قال: إذا كان أمينا مسلما، و بعضهم قال لا يُكتفى إلا برجلين متوليين مسلمين، أو رجل وامرأتين ممن تجوز شهادتهم (6).
وأما الجرح والتبريء فيقع إن شهد أمينان أن رجلا من المسلمين بريء من ذلك الرجل فإنه يبرأ منه (7)، ومن طرائف الخبر في هذه المسألة، ما أورده
(1)
الكندي ابن، روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 142.
(2) ابن جعفر، جامع ابن جعفر، 101/ 4.
(3)
(4)
(5)
ابن روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 142.
الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 19/ 2.
م. ش، 19/ 2.
(6) المزاتي أبو الربيع، التحف المخزونة، ص 57.
(7)
م. س، ص 58. (1/288)
صفحة 289
علوم السنة عند الإباضية
269
أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي في كتاب السؤالات، حيث ذكر اختلاف جواب أبي الربيع المزاتي والشيخ منادي وهو شيخ سدراتي من بني مركاس معاصر لأبي الربيع، في رجل من أهل الجملة شهد عليه متولى أنه فعل كبيرة، ثم شهد عليه متولى ثان بعد ذلك، لكن الثاني لم يشهد إلا وقد نسي شهادة الأول، فكان جواب منادي: ليس علي أن أكون حافظا لا أنسى"، وقال أبو الربيع: "بل اثنان حجة"، وبلغ خبر المسألة وجوابهما أبا عبد الله محمد بن بكر (1) فقال أبو عبد الله: "اثنان حجة"، ولما وصل خبر جواب أبي عبد الله إلى منادي نزع قوله، فقال أبو عبد الله: " ما بال منادي نزع قوله؟ من العلماء من يقول ذلك (2).
رجوعه
ويعقب السوفي بمسألة أخرى فرق فيها بين تغير عقل الشاهد أو وذلك بعد الشهادة، إذ بين أنه إذا شهد اثنان ثم تغيرا، أو تغير أحدهما فإنه يحكم بشهادتهما، ولكن إن شهدا ثُمَّ رجعا، أو رجع أحدهما فلا يحكم بشيء (3). ويذكر الوارجلاني الخلاف في عدد المزكين والخلاف في عد الشهادة كالخبر أو التفريق بينهما فيقول: " واختلفوا في عدد المزكين فقال بعضهم اثنان في المخبرين وفي الشاهدين، وقال بعضهم: واحد فيهما جميعاً، وفرق بعضهم فقال اثنان في الشاهدين وواحد في المخبرين (4)، ويستشهد على قبول شهادة الواحد بقبول الرسول و شهادة أعرابي في استهلال الهلال.
(1)
الفرسطائي أبو عبد الله محمد بن بكر النفوسي: (1049/ 440)، قطب من أقطاب إباضية المغرب، بل طود من أطواد المذهب، كان إماما عالما فقيها مصلحا المعيا، يعود إليه الفضل في إنشاء نظام العزابة عند إباضية المغرب بعد ذهاب دولتهم، أخذ عن سعيد بن زنغيل وغيره، كما أخذ عنه جل من صاروا بعده أعلام المذهب كان كثير الرحلة طالبا ومعلما، له الكثير من المنجزات التي أوردتها كتب السير، ورواياته وأقواله وأجوبته تزخر بها كتب كل من جاء بعده، ر: الدرجيني، طبقات، 377/ 2 - 408392،403، الشماخي، السير، 61/ 2 - 67.
(2) السوفي أبو عمرو عثمان بن خليفة، كتاب السؤالات (مخ) ص 202 و.
(3)
م. س، ص 202.
(4) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 156/ 1. (1/289)
صفحة 290
علوم السنة عند الإباضية
270
وأيضا يذكر الوارجلاني: قبول المرأة في التزكية واحدة على واحدة في الموضع الذي تشهد فيه المرأة، وقبول تزكية العبيد للعبيد في تزكية الأخبار (1)، ويعبر عن العدد في التجريح بما يفيد أنه لم يقطع بعدم قبول التجريح دون الاثنين ويقول: "وأما التجريح فالأولى أن لا يقبل فيه إلا اثنان (2).
ويورد أبو يعقوب الوارجلاني أيضا مسألة تعديل الصبي وأن الصبي لا يقبل تعديله وتجريحه على أي حال (3).
ونجد أبا العباس الشماخي يفرق بين الخبر والشهادة، فيرى أنه يكفي في الخبر معدل واحد، وأما في الشهادة فلا بد من اثنين، لأن كل واحد يتبع أصله، محتجا في ذلك بأن رواية العدل الواحد مقبولة، بينما شهادته لا تكفي، مبينا أنه المختار عنده، وأنه لذلك تجب الولاية بالعدل الواحد (4).
أما التجريح، فنجد الوارجلاني تارة يعبر بأن الأحسن فيه اثنان (5)، وتارة يقول: " والتجريح باثنين على الأصح (6)، ويذكر أن التزكية أو تجريح الاثنين أربعة، وفي الأربعة ثمانية، وفي الثمانية ستة عشر (7).
ومثل هذا التعديد في التجريح نجده عند أبي ستة محمد بن عمر في تعليقه على مثل هذا الكلام عند أبي زكريا الجناوني في حاشية كتاب الأحكام (8).
(1) م. س، 156/ 1.
(2)
(3)
م. س، 156/ 1.
م. س، 156/ 1
(4) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 454.
(5)
(6)
(7)
م. س، ص 454.
م. س، ص 453.
م. س، ص
454
(8) السدويكشي أبو ستة محمد بن عمر (1678/ 1088)، حاشية كتاب الأحكام، نشر وزارة
الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، (د. ت)،2/ 1 - 3. (1/290)
صفحة 291
علوم السنة عند الإباضية
271
ونجد الثلاتي في بيانه للتعديل يذكر ما يراه في ذلك فيقول "التزكية لشخص ثبتت له بتعديل عدل واحد (1)، ثم يذكر نفس رأي الشماخي وحجته المتقدمة في
التفريق بين الخبر والشهادة، ثم يذكر قول من قال يثبت التعديل للشخص بتعديل معدلين اثنين في الخبر، وذلك نظرا إلى أنه شهادة فلا بدّ فيه من التعدد (2)، وهذا النظر في جعل الخبر كالشهادة في عدد المعدلين باعتباره شهادة سبق ذكره عن ابن بركة (3)
وقد أورد التلاتي حجة لقول من قال بثبوت التعديل بعدل واحد في الخبر
والشهادة، وذلك لأنهما خبر والخبر لا يشترط فيه التعدد (4).
"
ونجد للتلاتي تعريفا للتجريح بأنه القدح الموجب لسقوط العدالة، ويقول:" يثبت بقدح قادحين اثنين في الخبر والشهادة بناء على القول الأصح أي الأشدّ قوة (5)، كما نجده في أحد كتبه أيضا يؤكد على التفريق بين الخبر والشهادة فيقول: " ومن الرواية الأخبار ... الخ"، يعني: وليس من باب الشهادة، و إلا لم يَجُز فيها إلا عدلان كما في الشهادة في الأموال، ولكن ما ذكر من باب الدين والعمل بالأحاديث كما هو معلوم وبينه صاحب الإيضاح رحمه الله- في رواية الهلال فليراجع قوله (6)
المبحث الثالث: مسائل وأحكام أخرى في التعديل والتجريح
بعد أن عرفنا صفة العدل وألفاظ التعديل وعدد من يكون حجة في التعديل يطرح سؤال نفسه يا ترى ما صفة المعدل ومن هو الحجة في التعديل؟ والجواب عن ذلك أنهم حددوا وصف من يقبل منه التعديل أو التجريح، وقد تقدم ذكر تقييد
(1)
(2)
عمرو الثلاثي، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 197.
(3)
م. س، ص 197.
ابن بركة الجامع، 315/ 2
(4) التلاتي عمرو، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 197.
(5)
م. س، ص 197.
(6) الثلاتي عمرو، روضة المشتاق على زهرة الإشراق، ص 36. (1/291)
صفحة 292
علوم السنة عند الإباضية
محمد بن روح (1) وأبي سعيد الكدمي)
(2)
272
من يقبل منه ذلك بأن يكون ثقة مأمونا
عالماً وأن يكون المعدل مسلما ثقة في دينه بصيرا بأحكام الولاية والبراءة كما
يقول محمد بن روح (3) وأبو سعيد الكدمي)
(4)
ويذكر الكدمي مسألة من مسائل هذا الباب وخلاصتها لو قال عالم ممن اشتهر له اسم في شيء من فنون العلم، وكان عالما في ذلك الفن، حجة في فتيا ذلك، ممن يبصر الولاية والبراءة: إن فلانا عالم حجة فيه، أو إنّه يبصر الولاية والبراءة، اختلف في قوله ذلك، فقيل: إن ذلك قوله حجة، ويصح له ذلك، ويلزم قبول قوله، ويكون حجة في جميع ذلك، كما يكون حجة في رفع الولاية، وقيل: لا يكون ذلك حجة ولا يصح ذلك إلا بالشهرة، وقيل لا يصح ذلك إلا بقول الاثنين ممن هم حجة، وقيل: يجب في ذلك قبول قول الواحد الحجة في ذلك من طريق الأمانة، كما يقبل قوله في الولاية من طريق التصديق والأمانة (5).
إن ما يعنينا من المسألة السابقة - وإن ذكر فيها الخلاف- إنما هو هو التأكيد على صفات من يكون حجّة في التعديل أو التجريح، فهو لا بد أن يتحلى بالعلم، ويكون حجة يؤخذ منه فيه، ويكون ممن يدرك أحكام الولاية والبراءة ويعرفها، وتعبير علماء الإباضية بمن يبصر الولاية أو البراءة دقيق جدا في بيان ذلك، وقد بين أبو الحواري أن المبصر لها لا بد أن يكون من هم أهل الموافقة في قوله: "فلا تسأل عن التعديل إلا أهل الموافقة للمسلمين الذين يبصرون الولاية والبراءة" (6).
ففي كلام أبي الحواري تأكيد على قيد أخذ أحكام التعديل من الموافق، على أن الإباضية في التجريح أكثر تحرزا، وأبعد حزما، يبين لنا ذلك محمد بن جعفر
(1)
محمد بن روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 49.
أبو سعيد، المعتبر، 1/ 69 - 70.
الكندي
(2) الكدمي
الكندي أبو
(3)
(4) الكدمي
(5) الكدمي
(6) القري
محمد بن روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 142.
سعيد المعتبر، 19/ 2.
أبو سعيد، الاستقامة، 63/ 2 - 64.
أبو الحواري، الجامع، 85/ 5. (1/292)
صفحة 293
علوم السنة عند الإباضية
273
في قوله ولا تبرأ منه في شهادته بشهادته حتى يصح ذلك، فتلزمك فيه الحجة بشهرة حكمها حكم العيان أو بشهادة عالمين من أهل البصر بالكتاب والسنة والأثر مع شرحهما بما به العبد قد كفر، الذي شهدا عليه، وأنه لم يتب من ذلك،
وقد أصر فهنالك يلزمك حكم الحجة، وأن تقتفي في ذلك سبيل المحجة" (1). إن التزكية أو التجريح يُقبلان من الثقة الحجة في ذلك كما تقدم، إلا أن الشخص الذي زكّي عنده شخص ما وهو لا يعرفه قبل، فعليه الإطلاع على حاله عليه والتعرف عليه، وألا يكتفي بتزكية غيره كما يظهر من جواب الإمام عبد الوهاب فقد أجاب سائله" بأن التزكية" لا تجوز إلا بإخبار الرجل والاطلاع على حالته وأمانته، ليس يكون ذلك بالخبر، ولا تزكية من زكّاه لك، حتـ حتى تعلم ما وصفت لك من حسن حاله وأمانته (2).
(4) "
ويبقى
وهكذا نجد تأكيد الإباضية على أن المعدل لا بدّ أن يتصف بصفات تؤهله لذلك، ونجد بعضهم يوجز ذلك في وصف جامع كأبي يعقوب الوارجلاني حين يقول: "والأصل لا تقبل إلا تزكية عارف بوجوه التزكية (3)، ويعلق الشماخي على عبارة الوارجلاني بأن الوارجلاني يصحح أنها لا تقبل إلا من عارف أن الحكم بالتعديل والتجريح مع الاحتراز بما تقدم من ضوابط لمن يتولاه - هو ظني بحسب الظاهر، فأحكام الولاية والبراءة والتعديل والتجريح، والتزكية و أحكام أخرى غير ذلك لم يُكلّفنا الله فيها إلا أحكام الظاهر كما يقول أبو القاسم إبراهيم البرادي (5).
(1) ابن جعفر، جامع ابن جعفر، 163/ 1.
(2)
الرستمي عبد الوهاب، الرستمي أفلح، جوابات الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح (مخ)،ص 17.
(3) الوارجلانى أبو يعقوب العدل والإنصاف، 156/ 1. (4) الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 455. (5) البرادي أبو القاسم إبراهيم البحث الصادق (مخ)، ص 256. (1/293)
صفحة 294
علوم السنة عند الإباضية
274
وإذا كان المعدل يشترط فيه ما ذكر، فإن نقل التعديل لا بدّ له من مثل ذلك، يقول ابن جعفر: وقد قيل إذا أشهد شاهد عن شهادة آخر وكان الحامل للشهادة ممن يقبل تعديله فعدل الذي شهد عنه قبل ذلك، وقيل: إذا قال: المعدل في الشاهد إنّى لا أعرفه ولكن قد عدله من أثق به لم يقبل منه حتى يقول من عدله فلان فهو عندي عدل" (1).
ومن مسائل هذا الباب مسألة التعارض بين الجرح والتعديل، ويرى أبو يعقوب الوارجلاني تغليب التجريح إذا اجتمع المجرحون والمعدلون (2)، وهذا رأي أبي العباس الشماخي أيضا، يقول مبينا ذلك: " وإذا تعارض التعديل والتجريح، قدم التجريح على الأصح جمعا بينهما (3)، لكن الشماخي يجعل التعديل أولى إن انتفى سبب التجريح المعين وإلى عموم ترجيح التجريح على التعديل حال التعارض والتنافي ذهب عمرو الثلاتي أيضا (5).
(4)
ويذكر الشماخي أنموذجا لمثل هذا التعارض، فلو قال المجرح مثلا: هذا قتل فلانا بموضع كذا، وقال العدل معارضا لقوله: رأيته حيا بعد ذلك اليوم أو رأيته ذلك اليوم بموضع كذا، بما يدل على أنه كان بعيدا عن موضع التهمة، ففي هذا الحال يصار إلى التجريح، لكن إن ثبتت الحياة بعد ذلك، قدم التعديل وبطل
التجريح
(6)
إن لبلوغ التعديل ودرجة العدل آثارا عدة، منها ما يتعلق بروايته، حين تصير روايته مقياسا يستشف منها حكمه على من يروي عنه، ومن ذلك مسألة رواية العدل عن مجهول الحال هل يمكن عدها تعديلا، له يذكر الوارجلاني
(1) ابن جعفر، جامع بن جعفر، 106/ 4.
(2) الوارجلاني أبو يعقوب العدل والإنصاف، 156/ 1.
(3)
(4)
الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 455.
م. س، ص 453.
(5) التلاتي عمرو، رفع التراخي، (مخ)، ص 198.
(6) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 456. (1/294)
صفحة 295
علوم السنة عند الإباضية
275
الخلاف في ذلك فيقول: "وإذا روى العدل المقبول الرواية عن رجل مجهول هل هو تعديل أم لا قال بعضهم تعديل وبعضهم يقول ليس بتعديل" (1)، ويظهر من كلام الوارجلاني بعد الكلام المتقدم ميله إلى ترجيح أن يكون ذلك تعديلا لقوله إن التعديل بالفعل أقوى من القول (2)، ويشير أبو العباس الشماخي إلى القولين المتقدمين ويذكر معهما ثالثا وهو إن كانت عادة الراوي لا يروي إلا عن عدل ونجد عمرا التلاتي يذكر الأقوال الثلاثة دون ميل لترجيح أحدها (4).
فتعديل
(3)
ويلتحق بما سبق مسألة أخرى هي: هل عمل الراوي برواية المجهول تعديل له، وقد ساق أبو يعقوب الوارجلاني الخلاف في هذه المسألة، فبعض قال: هو تعديل لهما، وذهب بعضهم إلى أنه ليس بتعديل، يقول الوارجلاني: "وأما إن ظهر في الحديث مذهب يذهب إليه الذاهب غير الحديث فليس العمل به تعديلاً له، والصحيح أن التعديل بالفعل كالتعديل بالقول " (5).
ويرى أبو العباس الشماخي أن عمل الراوي برواية المجهول يعتبر تعديلا بشرط أن يكون ممن يرى العدالة شرطا في قبول الرواية، وإلا فلا، وكذلك حكمه بشهادته بشرط أن يكون ممن يرى العدالة شرطا في قبول الشهادة (6)، و"أما إذا كان لا يرى العدالة شرطا في قبول الرواية والشهادة والعمل فليس بتعديل" (7)، ويري عمرو التلاتي أن العمل برواية الراوي تعديل له ويقول: "ومثل ما إن كان العلم عن مجهول الحال تعديلا له يكون عمله، أي عمل العدل برواية مجهول
(1) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 156/ 1.
(2) م. س، 156/ 1.
(3) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 453.
(5)
الثلاتي عمرو، رفع التراخي، (مخ)، ص 198. الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 156/ 1 - 157. أحمد بن سعيد شرح مختصر العدل، ص 456 - 457
(6) الشماخي
(7)
م. س، ص 456 - 457. (1/295)
صفحة 296
علوم السنة عند الإباضية
الحال تعديلا له وإلا لما عمل بروايته (1).
276
ويقابل مسألة العمل برواية الراوي ترك العمل بها، فهل ترك العمل تجريح للراوي أم لا رواية له، يرى أبو يعقوب الوارجلاني المسألة من جانبي الرواية والراوي، فإن كان ترك الراوي استعمال الحديث إلى غيره من أجل الحديث
فجرحه للحديث، وأما إن كان الترك لأجل الراوي فهو تجريح للراوي
(2)
ويذهب أبو العباس إلى بعض التفصيل في المسألة فيقول: " وإذا علم أن الراوي ترك العمل بالحديث لأجل الراوي، فهو تجريح، وإن كان لأجل الحديث، فجرح في الحديث، وأمّا إذا كان عدلا لمن لا يجالس العلماء، فليس بتجريح، وتقبل روايته، وكذا رواية الأمين وإن لم يكن فقيها، ما لم تنكر
(3)
6 (4)
ونجد كلام عمرو التلاتي هو نفس كلام أبي يعقوب الوارجلاني المتقدم ونجد لجميل بن خميس السعدي صاحب قاموس الشريعة - كلاما لعله قريب من هذه المسألة يقول فيه: "ومعي إن كل من روى باطلا عن راو لم يجز أن يصدق أنّه عنه وان كان عدّله، إذا لم يصح فسق ذلك المروي عنه، ولا يصح تكذيبه ولا يجوز قبوله (5).
ومن مسائل هذا الباب من التعديل مسألة شهادة المخالف، ورأي الإباضية فيها، وقد سبق بيان رأيهم في روايتهم، لكننا وجدناهم عند كلامهم في الشهادة والتعديل يذكرون ذلك، فأحببنا ذكر ذلك، ويظهر من كلامهم عموم قبول شهادة المخالف وبالتالي تعديله، فحديثهم كما ذكرنا سلفا عن التعديل في الشهادة وقبولها، متداخل مع الخبر وأحكام الولاية، و لعل الصورة تظهر في شهادة المخالف
(1)
التلاتي عمرو، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 198. (2) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 156/ 1 - 157.
أحمد (3) الشماخي
بن سعيد، شرح مختصر العدل،
ص
457
(4) الثلاثي عمرو، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 198.
(5) السعدي جميل بن خميس، قاموس الشريعة (مخ)، 87/ 109. (1/296)
صفحة 297
علوم السنة عند الإباضية
277
وقبولها أكثر من خلال عرض كلامهم في ذلك، ويذكر أبو الحواري محمد بن الحواري" أنه تقبل شهادة العدول من قومنا في دينهم في الحقوق، ولا تقبل شهادتهم على المسلمين فيما خالفوهم، فإذا كان الرجل من قومنا ثقة في دينه فهو عدل في دينه، وذلك إنّما فارقوا بتأويل تأولوه من كتاب الله". (1).
ويرى أبو سعيد الكدمي جواز شهادة المخالفين، العدول منهم والثقات في دينهم، في جميع ما وافقوا فيه أصول دين المسلمين ولجميع الحقوق في ما يتعلق حكمه في الأموال خاصة، دون المكفرات والحدود والفروج والعتق (2)، ويقول أيضا: " وقد قال من قال من أهل العلم: إن شهادة العدول من أهل النحلة، تجوز على المسلمين في جميع الأحكام من الحقوق والحدود والمكفرات ولا يخرج ذلك من أحكام العدل، لثبوت حكمهم في جملة أهل الاستقامة في التدين" (3).
وقد تقدّم طرف من كلام أبي سعيد الكدمي ونقله قول من قال: إنه يلزمه القبول من أهل الثقة من قومنا، فيما وجب على المرء السؤال فيه بقيد معرفة الموافقة منهم في ذلك الشيء الذي لزمه خارج مسائل الخلاف التي ثبتت صحتها ولا يسعه فيها اتباع المخالفة (4).
ويرى أبو محمد ابن بركة قبول شهادة المخالفين في الأموال دون ما يتعلّق بالذمم لأنهم لا يدينون بأخذ الأموال من مخالفيهم بغير حقها (5)، لكن ابن بركة يرى قبول رواية المخالف وكذا تعديله، وفق الضوابط التي سبق الحديث عنها في فصل رواية المخالف، ورأينا أنه اعتمد توثيق المخالفين وتضعيفهم وفق ذلك (6)، وهناك كما أسلفت تداخل أحيانا في حديث الإباضية عن التعديل بحيث يعممونه
(1) أبو الحواري، الجامع، 70/ 5.
أبو سعيد، الاستقامة، 161/ 1. (2) الكدمي
(3)
م. س، 161/ 1.
(4) الكدمي أبو سعيد، المعتبر، 1/ 77.
(5)
ابن بركة الجامع، 2/ 269 – 270.
(6) أنظر ص من هذا البحث. (1/297)
صفحة 298
علوم السنة عند الإباضية
278
في الشهادة وغيرها حتى عند بعض المتأخرين، وقد اعتبر ابن بركة أنّ " شهادة الثقات من قومنا الذين هم .... ثقات فيما يدعون به تجوز شهاداتهم على بعضهم بعض بالاتفاق في كل شيء، وتجوز على المسلمين في أكثر قول أهل العلم في الحقوق (1)
ونكتفي هنا بذكر مثال واحد في قبول الإباضية تعديل غيرهم أو تجريحه من بين كثير من الأمثلة الموجودة في كتبهم، مثال ذكره أبو العباس الشماخي حيث يقول: " فإن قلت كيف جعلت الأشقاء تحجب إخوة الأب من الأب من الرأي أي من مسائل الرأي - وقد وردت السنة بذلك؟ قلت: قالوا راوي السنة الحارث الأعور وقد رماه الشعبي بالكذب (2).
إن الأقوال الآنفة الذكر تبين لنا قبولا من الإباضية لشهادة مخالفيهم وتعديلهم لكن ذلك القبول مقيد وفق ما سبق ذكره من قيود لقبول المخالف، على أن هذا القبول لا يعني تعديلهم مطلقا لمخالفيهم، فكما أن مخالفيهم لم يطلقوا تعديل فكذلك الإباضية في حكمهم عليهم.
ويورد لنا أبو يعقوب الوارجلاني الأمور التي تؤدي إلى الجرح مبينا رأي الإباضية فيها، ويذكر ما أجمع الناس عليه في هذه المسألة، وما اختلفوا فيه، فقد أجمعوا على أن الكفر والشرك مما يجرح به الراوي، واختلفوا في التفسيق، فذهب الإباضية والقدرية إلى أن الفسوق يجرح به الراوي سواء كان من المعاصي أو كان من البدع، وذكر الوارجلاني أن من الإباضية من يجيز عدالة أهل الفسق من جهة البدع لا من جهة المعاصي في الأحكام خصوصاً، بشرط أن يكونوا بمنزلة من يتولى عندهم لولا البدعة، لكنهم منعوا عنهم الولاية، والسبب أن الولاية جعلوها عندهم من الديانة (3).
(1)
البشري موس ابن عيسى، كتاب في الفقه، (مخ)، ص 123 - 124
(2) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، ص 65.
(3) الوارجلاني أبو يعقوب، العدل والإنصاف، 151/ 1. (1/298)
صفحة 299
: علوم السنة عند الإباضية
279
ومن مسائل هذا الباب مسألة إطلاق التعديل أو التجريح إذ نجد أكث الإباضية يرون الوصف بالتعديل أو التجريح مطلقا، دون لزوم ذكر السبب، فأبو يعقوب الوارجلاني مثلا يؤكد كما تقدم على جمع الوصفين عدل ورضى، ويظهر أنه لا يرى لزوم ذكر السبب (1)، وأبو العباس الشماخي يقول: "ويكفي في العدالة، أن تقول عدل رضا، وفي التجريح أن تقول: فاسق مطلقا، أي من غير شرط، فلا يحتاج إلى ذكر السبب"، وعمرو التلاتي يذكر أيضا أنه بجزئ في التعديل والتجريح الإطلاق وعدم ذكر سببهما اكتفاء بعلم الجارح والمعدل به (3).
(2)
ويفسر عمرو التلاتي الألفاظ التي وردت في كلام الشماخي المتقدم، فعدل: "أي ثقة واضع للأشياء في مواضعها"، ورضا أي مقبولة أفعاله وأقواله"، وفاسق: أي خارج عن الطاعة بفعل المعصية (4).
تبينت لنا مما تقدم بيانه بعض الجوانب المتعلقة بالتعديل والتجريح عند الإباضية، ومن هذه الجوانب تحديد صفة العدالة وصفة العدل الذي يعتمد عليه في الأخذ عن الراوي والتلقي منه، وبدا لنا من خلال كلامهم التقارب بين العدل والولي والثقة، فمنهم من يعمم الوصف فيها فتتداخل المصطلحات الثلاثة عنده، ومنهم من ينحو منحى الفرز ويميز كل مصطلح منها على حدة.
على أن أقوالهم بينت صفة العدل أو الولي أو الثقة وبأي شيء تثبت هذه الصفات، وخلاصة وصف العدل عندهم هو الموفي بكل ما ألزمه الله إياه، البالغ في وفائه درجة الورع.
ولعل التداخل في المصطلحات جاء نتيجة عموم النظرة في التعديل للرواية والشهادة وأحكام الولاية والبراءة، ويظهر من تتبع المصطلحات أنها مرت بعملية
(1) م. س، 156/ 1.
(2) الشماخي
أحمد
بن سعيد، شرح مختصر العدل،
ص
(3)
(4)
454
الثلاتي عمرو، رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، ص 198.
م. س، ص 197. (1/299)
صفحة 300
علوم السنة عند الإباضية
280
تطوير، ولم يَخْلُ بعضها من استفادة، حيث يأتي تعريف العدالة عند الشماخي ومن جاء بعده مستفيدا من مدرسة الأصوليين ومضيفا عليه بما يعبر عن أخذ
ونقل منهجي.
وقد قسم الإباضية الناس بالنسبة للتعديل والولاية إلى ثلاثة، معروف الولاية ومعروف البراءة وغير معروف بواحد منهما يحكم فيه بالوقوف عنه، ورأوا أن الفتنة التي حدثت في عهد عثمان هي التي حدت بالناس إلى البحث عن العدالة والتمحيص فيها، كما أن إباضية عمان وقع فيهم مثل ذلك بعزل الصلت بن مالك.
وقد كشفت لنا نصوص التراث التي وقفنا عليها صيغا للتعديل والتجريح يظهر استنباط بعضها من القرآن أو من السنة أو من دلالات اللغة، ومنها ما عبر عنه بصيغة واحدة أو بأكثر من صيغة، كما رأينا اختلاف علماء الإباضية في شرط العدد في التعديل بين واحد أو اثنين أو أكثر بخلاف التجريح الذي كادوا أن
يتفقوا فيه على الاثنين.
وقد رأينا قبولهم لتزكية المرأة إلا ابن بركة ومن ذهب مذهبه فجعلوا أحكام الأخبار كالشهادة، لكن أكثر الإباضية ذهب إلى التفريق بين الخبر والشهادة، ورأينا أيضا صفة من يتولى التعديل والتجريح ومن يعتبر مؤهلا لخوض هذا الأمر وصفاته سواء ما عبر عن دينه وعدالته أو ما عبر عن علمه ونظره في هذا الفن الجليل الخطير، فلا بد لمن يكون حجة في هذا الباب أن يتصف بصفات تؤهله لذلك، وهذا يصدق على نقل التعديل أيضا.
وفي مسألة التعارض بين الجرح والتعديل نرى الخلاف في ذلك فمن العلماء من مال إلى تغليب الجرح، ومنهم من جعل الأولوية للتعديل وهكذا، وقد رأينا بيانهم أيضا لبعض آثار التعديل والتجريح كبيان خلافهم في مسألة رواية العدل عن المجهول أهي معدلة له أم لا؟ ومسألة عمل الراوي برواية المجهول أتعديل له أم لا؟. (1/300)
صفحة 301
علوم السنة عند الإباضية:
281
وتأتي مسألة شهادة المخالف مما يتعلق بالتعديل، ورأينا عموم قبول الإباضية لشهادة المخالف المعدل الموثوق به في دينه وكذلك تعديله، لكن هذا القبول مقيد بما كان خارج مسائل الخلاف وقيد بعضهم قبول الشهادة في ما دون المكفرات والحدود والفروج والعتاق. ومن المسائل المهمة هنا مسألة إطلاق التعديل أو التجريح وجدنا خلافهم فيها والأكثر منهم على قبولها مطلقا ولو لم
يذكر سببه.
وإن بيان التعديل والتجريح يخدم شرط العدالة الذي هو من أهم ما يراعى في بحث الرواية ويشترط فيها، وهناك مع العدالة شروط أخرى يجب مراعاتها في أخذ الرواية، وأدائها، كما أنها تدور ضمن العناية بعلوم الإسناد، وهذه الشروط كالعدالة وغيرها مهمة جدا بحيث أنها تعد شروطا في قبول الرواية، وهي في حاجة إلى وقفة تبرزها كشروط للرواية، وهو ما نأمل تحققه في الفصل التالي. (1/301)
صفحة 302
توطئة
علوم السنة عند الإباضية
282
الفصل الثالث الشروط العامة للتحمل والأداء
عند الإباضية وكتابتهم في الطبقات والتراجم
نتناول في هذا الفصل موضوعين يرتبطان بعلوم السند أحدهما يتعلق بالتأليف في موضوع تراجم الرجال والطبقات والسير وسيرد في المبحث الثالث والرابع، والآخر يعنى بشروط الراوي المقبول الرواية وهو الذي نبدأ به الحديث في المبحثين الأوليين، وقد سبقت الإشارة إلى بعض الأمور التي ينبغي مراعاتها في قبول الحديث خلال الكلام عن نقد الحديث، وفي هذا الفصل نحاول التركيز ببيان شروط الراوي المقبول الخبر وفق ما رأى الإباضية من شروط.
وتأتي عبارة أبي عبيدة مؤسسة لهذا الأمر في قوله:" لا يؤخذ العلم عن أربعة؛ لا يؤخذ عن مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا عن سفيه مشتهر سفهه، ولا عمن يكذب وإن كان يصدق في فتياه، وعمّن لا يعرف بين مذهبه ومذهب (1)، ويورد مثل هذه العبارة مع بعض التنقيح لها السوفي في السؤالات (2) والجيطالي في شرح النونية (3)، ونجد أبا عبيدة في موضع آخر يؤكد على أخذ العلم عن الثقة (4)، وقد سبق لنا طرح طرف من كلام العلماء ومنهم ابن بركة في تأكيده على اشتراط العدالة والثقة وغير ذلك في قبول الخبر (5).
غيره
(1) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة، (مخ) 12 ظ.
(2) السوفي، السؤالات ص 24.
(3) الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (1350/ 750)، شرح النونية، (مخ) المكتبة
البارونية، الحشان، جربة، تونس، رقم 34، 47/ 1
(4) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة، (مخ)، 12 ظ.
(5)
ر ابن بركة، الجامع، 315/ 2.
• (1/302)
صفحة 303
علوم السنة عند الإباضية
283
ويمكننا القول إن أهم شروط الراوي أو صفات الراوي المقبول الرواية التي ذكرها علماء الإباضية هي الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة والضبط والمروءة وعدم التدليس (1)، وهذه الشروط متفق عليها، ونجد عند بعضهم شروطا لا نجدها
-
عند غيره فلعلها من المختلف فيه وهي: -1 - عدم عمل الروي بخلاف ما يروي، -2 - أن لا يترك الأخذ بروايته غيره من العلماء، -3 أن لا يتأول الرواية راويها، 4 - أن لا يكذب الراوي أصله الذي روى عنه (2). لكن الناظر إلى هذه الشروط يرى بعضها يدخل في بعض، فتتفرع العدالة مثلا عن الإسلام، وهكذا. ويمكننا تنظيم هذه الشروط وفق المبحثين التاليين:
المبحث الأول: الإسلام والعدالة وما يتفرع عنهما من شروط:
کافر (4)
وعدم
يأتي شرط الإسلام (3) في مقدمة شروط مقبول الرواية ولذلك لا تقبل رواية قبول رواية الكافر متفق عليه حتى ولو علم منه التدين و التحرز عن الكذب (5)، والسبب في ذلك رفعة شرف منصب الرواية والكافر لا يمكن الوثوق به في الجملة (6)، على أنه لا يصدق عليه هذا الحكم إن هو أدى بعد التوبة والإسلام؛ فيقبل منه عندئذ على الصحيح (7).
"
وقد عبر السالمي عن هذا الشرط بقوله: أن يكون الراوي متصفا بصفات المسلم من الإقرار بالشهادتين والتصديق بما جاء به محمد الله فلا تقبل رواية
(1)
ر: الوارجلاني، العدل، 194/ 2 - الملشوطي الأدلة،4 ظ، سعيد الجربي جواب
124 و/124 ظ.
(2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 30/ 2 - 37
(3) اطفيش، جامع الشمل، ص 427.
(4)
(5)
(6)
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 449.
•
التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 193،،اطفيش، جامع الشمل، ص 421. التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 193،،اطفيش، جامع الشمل، ص 421. (7) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 193، اطفيش، جامع الشمل، ص 421. (1/303)
صفحة 304
علوم السنة عند الإباضية
284
المشرك إجماعا (1)، كما ذكر أيضا حكم رواية من يلحقه الشرك بوقوعه في تأويل أو عمل يخرجه من الإسلام مع أنه كان أسلم وصدق، وذكر الخلاف في روايته فقيل تقبل وقيل لا (2).
ويتفرع عن شرط الإسلام حكم رواية الفاسق، فالفاسق هو " الخارج عن الطاعة بفعل المعصية" لا تقبل روايته بناء على القول المختار، يقول التلاتي:" وهو قول رحمهم الله؛ فلا يقبل الفاسق في الرواية عندهم سواء كان قوي الفسق كالزاني أو ضعيفه كشارب النبيذ المعتقد حله (3).
أئمتنا
يقول أبو مالك المالكي (من الرجز) (4):
وفَاسِقُ العصيان لَيْسَ يُقْ
بَلُ
بَلُ فِي المَذْهَبِ المُخْتَارِ فِيْمَا يُنْقَلُ (5)
ويقابل الفسق العدالة كما ترتبط بالفسق مسألة الابتداع؛ ولذلك لا بدّ من بيانهما هنا. فأما العدالة فقد تقدم الحديث عنها، وما نريده هنا بإيجاز هو بيان تأكيد الإباضية على اعتبارها شرطا للراوي المقبول الرواية.
(1)
وقد سبق أن ذكرت أن الإباضية تشددوا في مسألة عدالة الراوي حتى أكثر من
السالمي، شرح طلعة الشمس، 32/ 2.
(2) م. س، 32/ 2.
(3)
الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 194.
(4) المالكي أبو مالك عامر بن خميس (1927/ 1346)، من وادي بني خالد بشرقية عمان، علامة جليل، وفقيه محقق، وأديب شاعر، يعتبر أبرز تلاميذ العلّامة السالمي، وصار مرجع عمان ومفتيها بعده، تولى القضاء للإمامين سالم الخروصي ومحمد الخليلي، كان له دور كبير في عمران بيت المال في نزوى كما كان له دور آخر في نشر العلم، فأخذ عنه جمع كبير، وفي التأليف فأخرج تأليف قيمة. ر: الخصيبي محمد بن راشد بن عزيز (معاصر) شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان، ط 2، المطبعة الوطنية، روي، سلطنة عُمان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، 1989 م، 25/ 3 (5) المالكي أبو مالك عامر بن خميس (1927/ 1346)، موارد الألطاف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1405 هـ، 1985 م، ص 35. (1/304)
صفحة 305
علوم السنة عند الإباضية:
285
المحدثين، وبرز منهم خط أكثر تشددا فجعلوا الرواية كالشهادة، ومنهم ابن بركة
فقد قال: " المخبر شاهد؛ وكل شاهد ليس بعدل فهو مردود الشهادة عقوبة على فسقه تقدم كلام ابن بركة واحتجاجه على أن شرط العدالة عندهم بعد
وفجوره" (1)،
وقد
تحققه يفضي إلى وجوب قبول الخبر؛ فالعدل إذا رفع الخبر وجب العمل به والتزام حكمه أمرا كان أم نهيا لأن العدل في هذا حجّة (2)، وقد سبق بيان صفة. العدالة، وذكر تعريفها عند أبي العباس الشماخي (3) وعمرو بن رمضان. وعلى كل حال فإن شرط العدالة لقبول الراوي مؤكد عليه عند الجميع
الجربي
(4)
متقدمين أو متأخرين (5).
وهناك تقارب بين علماء الإباضية في مفهوم العدالة والأمانة في الأداء تجدر الإشارة إليه، فالوارجلاني يقول في إحدى عباراته و إن كان الرجل عدلاً ولم يعرف بمجالسة العلماء فإن خبره مقبول ما لم يكن منكرا، ويُقبل خبر الرجل إذا كان مأموناً ولو لم يكن فقيهاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (رب حامل فقه ليس بفقيه) (6) (7)، فالمأمون في نص الوارجلاني هنا فيما يظهر - يريد به المأمون على النقل، فتقرب الصورة من الضبط، وهذا أمر يؤكد الإباضية عليه فهم يعتبرون الأمانة في ضبط نقل الرواية شرطًا في قبولها. ويكشف ذلك لنا نص آخر عند أبي سعيد الكدمي إذ يقول:" وقال من قال: لا يكون حجة، ولا يلزم قبول قوله إلا مـ أبصر عدل قوله، حتى يكون مأمونا ثقة من المسلمين، ويكون له حجة من ذات نفسه،
(1) ابن بركة، الجامع، 314/ 2
(2) العوتبي، الضياء 256/ 2
(3) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 449. (4) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 194.
من
(5) ر: اطفيش، جامع الشمل، ص 422 السالمي شرح الطلعة 23/ 2 - 33، المالكي، موارد
الألطاف، ص 37.
(6) أخرجه أحمد في مسنده من حديث أطول، مسند أبي ذر، 183/ 5 (21630)، والطبراني في المعجم الأوسط، حديث من اسمه محمد،
(7) الورجلاني، العدل والإنصاف، 157/ 1.
(5179) 233/ 5 (1/305)
صفحة 306
علوم السنة عند الإباضية
286
يفرق بذلك النظر من ذات نفسه من الزلل عن نقصان الحروف التي يدفعها والزيادة فيها، ويكون له رأي من نفسه يحجزه عن الزيادة والنقصان في ذلك، ويفرق به بين الحق والباطل وهذا هو بمنزلة العالم
،
(1)
محلّة
ويقول الكدمي في موضع آخر: كذلك العالم المأمون فيما حمل من العلم، وعلى ما حمل من العلم المتظاهر له في ذلك الأمانة، البريء في ذلك من التهمة والخيانة، حجة على من صح معه علمه وفضله ولو كان ذلك إنما صح في من محال بلده الذي يسكن فيه، ولم يشهر ذلك ولم يصح مع جميع أهله في بلده، وحجة كل من صحت له حجّة في الإسلام (2)، وهكذا يظهر لنا مدلول التعبير بالأمانة في النقل وكأنها مشتركة بين الضبط والعدالة، فالضبط من حيث هو قيمة عقلية، والعدالة من حيث هي قيمة دينية روحية سلوكية يشتركان في مفهوم الأمانة هنا.
ثم إن الإباضية قد يعبرون أحيانا بالأمانة على أنها مساوية للعدالة، واشتهار عالم أو راو في مصر معين بالعدالة والأمانة يجعل منه حجة في ذلك المصر خاصة إذا لم يختلف فيه أهل ذلك المصر في علمه وفضله وأمانته وصدقه وعدله، وقد لا يكون حجة على سائر أهل الأمصار الذين لم يصح معهم علمه ولا فضله وأمانته وعدله (3).
وقد يشتهر عالم بكونه حجة على جميع أهل الأمصار بشهرة علمه وفضله وعدله، إذا شهر له ذلك في جميع الأمصار، مثل عبد الله بن عباس وجابر بن زيد، وغيرهما من علماء المسلمين المشهورين في الأمصار والآفاق (4).
(1) الكدمي، الاستقامة، 78/ 2 - 79.
(2)
(3)
(4)
م. س، 56 - 57.
م. س، 57/ 2 - 58.
م. س، 58/ 2. (1/306)
صفحة 307
علوم السنة عند الإباضية:
287
تقديري
ومن المسائل المرتبطة بالعدالة مسألة البدعة، وحكم رواية المبتدع، وفي أنها من المسائل التي شغلت الأمة عن التقارب والتلاقي، فقد أطلقت كل فرقة حكم التبديع على الفرق الأخرى، وبالغ فئة من العلماء في كل الفرق في إطلاق الأحكام، ومحاكمة كل فرقة مخالفة لهم وفق معتقدهم ومنهجهم، ومهما يكن فلم يكن الإباضية بمعزل عن ذلك.
ولمحاولة التعرف على مفهوم البدعة يجدر بنا الإشارة إلى ورود هذه اللفظة عند المتقدمين، نجد ذلك في أجوبة جابر بن زيد تارة يعبر عن بعض المسائل التي لم ترد في السنة بأنها بدعة ابتدعها الناس (1)، وقد يعبر عنها بقوله:" هو أحدثه الناس لم يكن على عهد رسول الله (2)، أو بقوله: "هذا أمر محدث مما أحدث الناس" (3)، كما يرد وصف بعض المسائل التي لم ترد في السنة بالبدعة عند أبي عبيدة (4)، فكلام جابر وأبي عبيدة يفيد إطلاق لفظ البدعة على الأمور التي لم ترد في السنة وأحدثها الناس.
شيء
ونجد هذا المفهوم للبدعة عند من جاء بعد كهلال بن عطية في سيرته (5)، وسالم بن ذكوان (6)، بل إن إظهار السنة يقابله إخفاء البدعة وإزالتها (7)، وعكس ذلك من غيّر السنة فقد أحدث البدعة (8)، إذن فإن ذلك وجه من وجوه الضلال، إذ
(1) الأزدي جابر، كتاب الصلاة، الربيع بن حبيب، المسند 81/ 1، أبو غانم، المدونة
26
(2) الأزدي جابر بن زيد، أجوبة الإمام جابر، ص 8.
(3)
م. س، ص 9.
(4) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة، (مخ)، ص 9 ظ.
(5)
الخراساني هلال بن عطية، سيرة هلال بن عطية، (مخ)، ص 78.
(6) الهلالي سالم بن ذكوان، سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة)، ص 358. (7) الريامي الجعلاني منير بن النير (حي في 852/ 237)، سيرة منير بن النير، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 394.
(8) الهلالي سالم بن ذكوان سيرة سالم بن ذكوان ضمن منهج الدعوة)، ص 345. (1/307)
صفحة 308
علوم السنة عند الإباضية
(288
يضل المحدثون بخلاف سنّة نبيهم، كما يضلّهم ما أحدثوا من البدع (1)، ولذلك يذكر أبو غانم أنّ على المسلمين مفارقة أهل الأهواء المضلة والبدعة (2)، وعلى المسلم الاتباع والبعد عن الابتداع، يقول أبو الحواري:" وإنما علينا أن نتبع ولا نبتدع ولا نضيق على النّاس ما وسعهم" (3)، وفي طرف كلمة أبي الحواري مفهوم عميق جدا، إذ لا يعني الاتباع حمل الناس على الشدة في الدين، وتضييق ما يسعهم في دين الله.
ولم يقصر الإباضية الابتداع في أمور العبادات أو المعاملات أو ما يتعلق بالأفراد، بل نبهوا إلى ما هو أخطر على الأمة من ذلك كله، فنادوا على حد قول وائل إلى تغيير آثار الظلمة وما أحدثوا من منكر وابتدعو ا (4)، ويقول شبيب بن عطية أنّ البدعة يبتدعها قوم ويتخذونها دينا، يدعون إليها كلما قامت بدعة وضلالة أفنى الله أرواحهم جاءت بدعة أخرى؛ أشباه من قدراتهم على البدع؛ والدعاة إلى الظلم والجور والعلو والعدوان والجبرية (5)، ومن صور البدعة استحلال الحرام بالدين أو تحريم الحلال بالدين في قول أبي بكر الكندي (6)، وكذلك من نصب رأيه دينا ودعى إليه وخطأ من خالفه عليه كان مبتدعاً (7).
الظلمة
إن خطورة البدعة تتعدى مجرد إحداث الحدث، بل كما يقول شبيب بن عطية: "وقد يعلم أولو الألباب أنّ كل محدثة بدعة بتأويل أو شك أو تقصير أو
(1)
م. س، ص 358.
(2) الخراساني أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 344/ 1.
(3) أبو الحواري، الجامع، 99/ 5. (4)
الحضرمي وائل بن أيوب سيرة وائل، مخ مج، ص 34.
(5) العماني شبيب بن عطية سيرة شبيب بن عطية، مخ مج، ص 286.
(6) الكندي أبو بكر، الاهتداء، ص 34.
(7) مؤلف مجهول، رسالة من آثار المسلمين، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، ص 5. (1/308)
صفحة 309
علوم السنة عند الإباضية
289
غلوّ أو عمل بمعصية يهدم بها حق (1)، ومن هذا المنطلق أحدث عزل الإمام الصلت بن مالك في عمان ما أحدث، وكان جواب بعض أهل المغرب ووصفهم لفعل من أحدث ذلك بدعة هدمت صرحا من الحق، يقول أهل المغرب في نص من نصوص رسالتهم: " إنها بدعة وخطأ، وإنها لا تزيل، إمامته، علموا أنّهم مخطئون مبتدعون، فدعوهم إلى ترك ما دخلوا فيه من البدعة ومراجعة الحق فأبوا" (2). ومن الجدير بالذكر في هذا الجانب أن نشير إلى أمور مهمة:
الأول منها وقد سبق ذكره يتعلق بتفسير الجماعة إذ يرى الإباضية أن تفسير الجماعة هو: " ما أجمع عليه المهاجرون والأنصار من السنن والشرائع قبل افتراق الأمة، فمن خالف ذلك في الحال والسيرة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه لأنه يقال: نجا من اتبع وهلك من ابتدع، ولا يوجد الهدى في خلافهم أما الثاني فيتتعلق بالربط بين الكتاب والسنة؛ إذ كل سنة موافقة
فهي
(3)
الكتاب
سنة رسول الله له او ما خالف الكتاب فهو بدعة، لأنّ الكتاب والسنة متفقان مقرونان" (4).
وأمّا الثالث: في رأي كثير من علماء الإباضية فإنّه ليس كل ما استحدث مما لم يكن في عهد رسول الله هو بدعة ضلالة؛ إذ من الأمور المستحدثة وإن تجوز بتسميتها بالبدع لغويا لا شرعيا - ما ليس بالضلال، بل منها ما هو حسن محمود (5)؛ بدليل أنه صح عن النبي أنه قال: من سن سنة حسنة فله أجرها
(1)
العماني شبيب بن عطية، سيرة شبيب بن عطية، مخ مج، ص 293. (2) مجوعة علماء من أهل المغرب سيرة من أهل المغرب إلى الإمام الصلت بن مالك، (مخ)
ضمن مجموع السير العمانية، ص 384.
(3) ابن سلام، بدء الإسلام، ص 92 - 93.
(4) الأصم أبو محمد بن أبي عبد الله، البصيرة، 15/ 2.
(5) ر: العوتبي، الضياء، 131/ 1. (1/309)
صفحة 310
علوم السنة عند الإباضية
290
وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) (1).
وقد ذكر بعض علماء الإباضية مسألة توبة المبتدع إذ سئل الربيع ووائل عن توبة الداعية للبدعة فذهبا إلى أنهما يثبتان له الإسلام بمجرد التوبة، ولكن لا يثبتان له الولاية حتى يأتي من دعاهم إلى ضلال ما فيبين لهم أنه كان يدعو إلى غير الحق (2)، و سئل الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن ذلك فأجاب:" أَنَّ عليه أن يُظهر توبته ويدعو إليها كما ظهرت بدعته ودعا إليها (3)، وذهب أبو سعيد الكدمي إلى أن عليه أن يتوب شهرة ويدعو إلى تضليل الدين الذي كان يدعو إليه كما دعا إلى تصويبه، مستدلا (4) بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن من أنه قال: (أحدث لكل ذنب توبة، السريرة بالسريرة والعلانية بالعلانية واكتفى الجيطالي بالقول: إن عليه أن يرجع عن مقالته والتوبة (6)، غير أن الجيطالي ذكر أن هلال بن عطية كان على مذهب الصفرية ثم تاب، ولم يقبلوا منه، فخرج إلى القوم الذين كان يدعوهم وعرفهم ضلالتهم وما دعاهم به، ثم رجع إلى عمان فقَبلُوا منه، وكان عند الجلندى بن مسعود (7)، ويظهر أن تمييز الحكم قائم على كونه داعية أم لا؟ فمن كان داعية ألزموه بيان بدعته لمن دعاهم، ومن لم يثبت له ذلك اكتفوا منه بالتوبة، وهذا الحكم على المبتدع ولزوم توبته ينسحب على من يتولاه، يقول أبو بكر الكندي:
(1) تقدم تخريجه ص 3. (2) العوتبي، الضياء، 49/ 4.
(3)
(5) 6
الرستمي أفلح بن عبد الوهاب (871/ 258)، جوابات الإمام أفلح، (مخ)، مكتبة الحاج سعيد،
غرداية، الجزائر رقم 202، صورة لدى الباحث، ص 56.
(4)
"
الكدمي، الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، 1/ 22،23.
(5) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الزهد، باب ما ذكر عن نبينا ... 78/ 7 (34325) والطبراني في المعجم الكبير، حديث عطاء عن معاذ بن جبل، 159/ 20 (331).
(6) الجيطالي، شرح نونية أبي نصر، (مخ) ص 11.
(7)
م. س، ص 12. (1/310)
صفحة 311
علوم السنة عند الإباضية
291
وذلك أن المتولي للمبتدع على بدعته به عنه مبتدع، لأن من تولى المبتدع فقد صوبه وصوب بدعته ومن برئ من المبتدع على بدعته فقد خطاه وخطأ بدعته (1).
إن السؤال للأخذ من أهل العدالة لا البدع أمر لازم كما يقول البسيوي ولا يصل أحد إلى ذلك إلا بطلبه والسؤال عنه وعن أهله وعن الحجة فيه، وعن أهل العدالة الذين هم حجة ليحمل دينه عنهم ويتولاهم ويعرف عدلهم دون أهل البدع والمخالفين للحق (2)، لكن هذا الحكم الحازم في أمر الأخذ يوازيه موقف قبول عام في التعايش مع المخالف المبتدع يبيّنه قول ابن ذكوان:" ونرضى من البدعية أن يتقوا الله وأن يعملوا بسنة رسول الله، ويتولوا على العمل بها وإن ضعفوا عنها" (3).
بدعته
6 (4)
إن حكم رواية المبتدع من حيث القبول والرد مختلف فيه عند علماء الإباضية، وقد تقدم كلام أبي عبيدة في من لا يؤخذ عنهم العلم ومنهم المبتدع الذي يدعو إلى ويظهر أن أبا عبيدة لم يقبل من الداعية، بينما يرى الشماخي إطلاق الردّ فهو يقول "و مذهبنا ردّ الجميع (5)، أنه في موضع آخر حكى الخلاف إذ مع يذكر أن من شروط الراوي أنه ليس بمبتدع، وفي المبتدع المظنون الصدق خلاف وأمّا فسوق المعاصي، فلا يقبل على المختار (6). ويقول الثلاتي معلقا على كلام الشماخي: "عندنا وأن يكون ليس بمبتدع أي مبتدع في الدين شيئا بعده قال المصنف في الشرح وروايته عندنا مردودة مطلقا ولم أجد فيه خلافا ونص
(1)
(2)
(3)
الكندي
البسيوي
أبو بكر، الاهتداء، ص 61.
أبو الحسن سيرة أبي الحسن، مخ مج، ص 56.
ابن ذكوان، سيرة ابن ذكوان ضمن منهج الدعوة)، ص 371.
(4) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة، (مخ)، 12 ظ.
(5)
(6)
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 449.
م. س، ص 445 - 446. (1/311)
صفحة 312
علوم السنة عند الإباضية
عليها ابن بركة في الجزء الثالث من ديوانه" (1).
292
وقد تعقب السالمي كلام البدر الشماخي في أنه لم يحفظ خلافا في قبول رواية المبتدع في المذهب، وأن المذهب ردّ، روايته بوجود الخلاف في هذه المسألة عند أصحابه، حتى أن الربيع أجاز شهادتهم -أي أهل البدعة في الأحكام، فذلك يدل على ثبوت القول بقبول روايته عند الإباضية (2)، إن غلبة الظن بالصدق لوجود قرينة التدين بالتحرز من الكذب مفضية إلى قبول الخبر من المبتدع، فكما يقول السالمي في حال "إنا نعلم أنه أي المبتدع - يدين بالتحرز من الكذب كما يدين المؤمنون الخلص؛ فيحصل ظن صدقه من الطريق الذي حصل منه فيه ظن صدق المؤمنين الخلص وهو التحرز من الكذب فوجب قبول خبرهما-أي المؤمن الموفي والمبتدع - لاستوائهما في ذلك" (3).
إن اشتراط العدالة في الراوي يسقط رواية من لا يُعرف حاله أعدل هو أم لا؟ (4) وعليه فضرورة تحقق العدالة تقتضي رد رواية المجهول، ولذلك رأينا اتفاق علماء الإباضية على عدم قبول رواية مجهول (5)، إذ المجهول غير معلوم حاله، وغير معلومة عدالته من عدمها (6)، يقول السالمي:" الشرط في قبول خبر الواحد ظن صدقه، ولا يظن بصدق خبر المجهول بل يستوي فيه الحالان؛ ظن صدقه وظنّ كذبه، وأيضا فلو ظنّ السامع صدقه مثلا من جهالة حالة ما صح له قبول خبره لأن الأدلة السمعية منعت من الظن كما في قوله تعالى: {وَإِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} (الأنعام 116/ 6) {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء 36/ 17) ونحوهما
(1) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 193 - 194.
(2)
السالمي، شرح طلعة الشمس، 34/ 2.
(3) م. س، 33/ 2.
(4) م. س، 35/ 2.
(5)
ار الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 452، التلاتي، رفع التراء
مختصر الشامخي (مخ)، ص 198 السالمي شرح طلعة الشمس، 34/ 2. (6) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 197. (1/312)
صفحة 313
علوم السنة عند الإباضية:
293
من الآيات فحرم اتباع الظنّ عموما، وخصص الإجماع من ذلك العموم قبول خبر العدل لظن صدقة فيبقى ما عداه في حكم التحريم
(1)
أما شرط المروءة فهو ألصق بمعنى العدالة فمن العجب إفراد بعض العلماء له إلا إذا كان من باب ذكر بعض أفراد العموم وخصها بالذكر لمزيد التأكيد عليها، فالشماخي كما سبق في تعريفه العدالة جعلها محافظة دينيه، تحمل على أمور منها المروءة (2)، وفي بيان تعريفه ذكر أنها أي العدالة - ترفع من همته أي المرء- حتى لا يكون ساقط المروءة)، والسالمي بعده رغم أنه أفردها شرطا مستقلا كشرط العدالة إلا أنه قال: أن يكون الراوي ذا مروءة تحفظه من فعل ما يهلكه من المعاصي ومن فعل ما يشينه عند ذوي المروآت وهذه الحالة عندهم -أي العلماء معروفة بالعدالة (4).
المبحث الثاني: شروط أخرى في قبول الرواية:
البلوغ شرط مهم من شروط الراوي المقبول الرواية، فلا يقبل خبر الصبي عند الأكثر حتى وإن كان مميزا ضابطا وأجازه الأقل (5)، وعلة ذلك عائدة إلى أنه قد لا يحترز عن الكذب لعلمه بعدم تكليفه، ولذلك لا يوثق به (6)، وذهب البعض إلى أنه يقبل إن علم منه التحرز عن الكذب (7)، وذكر السالمي تقييد البعض قبول رواية الصبي بما إذا كان مميزا ضابطا لما يحدث (8) لكنه صحح عدم قبوله للعلة
(1) السالمي شرح طلعة الشمس، 35/ 2.
(2) الشماخي شرح مختصر العدل، ص 449.
(3)
م. س، ص 449.
(4) السالمي، شرح طلعة الشمس،34/ 2.
(5) الشماخي أحمد بن سعيد شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 449.
(6) الثلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 193.
(7) م. س، ص 193.
(8)
السالمي، شرح طلعة الشمس، 31/ 2. (1/313)
صفحة 314
علوم السنة عند الإباضية
294
(1)
المتقدمة، ولأن من شروط الراوي العدالة وهي غير متحققة في الصبي وهذا الحكم المتقدم إذا أدى الصبي حال صباه، أما إذا سمع الخبر في صباه
وأداه حال بلوغه فالقول في ذلك مختلف فقيل: لا يقبل لأن السماع من شرطه
(2) ,
البلوغ أيضا وهذا قول الأقل (2)، وذهب الأكثر إلى قبول روايته، واختلف الوارجلاني والشماخي في هذه المسألة فذهب الوارجلاني إلى تصحيح عدم القبول، وذهب الشماخي إلى تصحيح القبول فقال: "وما فهم من كلام المصنف- الوارجلاني - أنه -شرط أي السماع في البلوغ، لأنه جعله من العوارض التي تعترض العدل، والصحيح قبول روايته وشهادته ولو تحملها قبل البلوغ، إذا كان ضابطا" (3)، وجرى التلاتي على تصحيح الشماخي وأيده قائلا عنه: "والأكثر على عدم اشتراط بلوغه عند سماعه وعلى صحة روايته وقبول شهادته لو تحملها قبل البلوغ إذا كان ضابطا كما قال المصنف في شرحه (4)، ويقول أبو مالك (من شرحه (4)،
الرجز) معمما شرط البلوغ للسماع والأداء:
وشَرْطُهُ البُلُوغُ حِيْنَ يَسْمَ
وَحِيْنَ يَرْوِي مَا رَوَى وَيَرْفَعُ (5).
أما العقل فهو شرط أساسي لقبول رواية الراوي، ويؤكد أبو محمد القلهاتي على صفة العقل والنباهة لناقل الرواية وأن الأئمة الذين تلقى عنهم الدين عبر
(6) ,
إسنادهم اتصفوا بذلك سلفا عن سلف وخلفا عن خلف (9)، ولذلك لا تقبل رواية مجنون، وإن بقي معه بعض عقله (7)، واستثنوا من ذلك إذا روى حال صحوه
(1) م. س، 31/ 2.
(2) ر: الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 449، التلاتي، رفع التراخي في (مخ)، ص 193، السالمي، شرح طلعة الشمس، 31/ 2.
(3) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 449.
(4) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 193. (5) المالكي، موارد الألطاف، ص 35.
(6) القلهاتي،
(7)
الكشف والبيان 477/ 2
ر اطفيش محمد جامع الشمل، ص 422 421 السالمي، شرح طلعة الشمس، 31/ 2
ار: (1/314)
صفحة 315
علوم السنة عند الإباضية
295
وزال أثر الجنون منه بالكلية، فعندئذ تقبل لو أدى الرواية بعد ذهاب جنونه وكان لها ضابطا (1)، يقول السالمي: " أن يكون عاقلا أي الراوي - فلا تقبل رواية المجنون والمعتوه اتفاقا لأن المعتبر من النوع الإنساني حصول العقل فعند عدمه ترتفع الأحكام عنه (2).
أما الضبط فقد تقدم بعض الإشارة إليه في نقد الحديث، وما يهمنا هنا هو بيان تأكيدهم على شرط الضبط لقبول رواية الراوي، ولا شك أن مسألة ضبط الرواية من أهم شروط النقل، وهذا الضبط لا بد أن يتوفر عند السماع والإخبار على حد سواء، فيكون الراوي ضابطا مميزا عند السماع، وعند الإخبار، كما أنّه لا بد أن يرجح ضبطه على سهوه (3)؛ فمن رجح سهوه على ضبطه عُدّ من أهل الأوهام والعلل الذين يتوقف في قبول روايتهم فلا تقبل روايتهم اتفاقا كما يقول ا، ويعبر التلاتي عن هذه الصفة المشترطة بالضبط والإتقان، فلابد للراوي " أن يكون ضابطا متقنا لمرويه (5).
السالمي
, (4)
ويقول السالمي مبينا شرط "الضبط أن يكون ضابطا والمراد بالضبط هاهنا
إتقان المعنى عند السماع والمحافظة على حفظه حتى يؤديه كما سمعه" (6).
ويذكر السالمي الخلاف في حالة من يعتريه السهو ولم تكن حالة ضبطه أغلب على حالة سهوه وفيها أقوال قيل بقبول روايته وقيل، بردها، وقيل هي موضع: اجتهاد؛ ينظر فيها، فإن وجد دليل يرجح صدقه فيها قبلت وإلا ردّت، وهذا الذي
المالكي، موارد الألطاف، ص 35.
(1) اطفيش محمد، جامع الشمل، ص 421، 422. (2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 31/ 2 (3) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 449. (4) السالمي، شرح طلعة الشمس،31/ 2. (5) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 193. (6) السالمي، شرح طلعة الشمس، 31/ 2. (1/315)
صفحة 316
علوم السنة عند الإباضية
296
صححه السالمي (1)، كما يذكر السالمي أمورا أخرى تتعلق بالضبط كالخلاف في أداء الرواية باللفظ أو بالمعنى، وأن الخلاف مبني على جواز الأداء بالمعنى أو
عدمه، والذي يراه هو جواز الرواية بالمعنى لمن أتقن ذلك إتقانا تاما (2).
إن الضبط تؤثر فيه بعض الأمور المحيطة بالرواية؛ منها كثرة المجالسة ومباشرة التلقي، والعلم والفقه وغير ذلك، ولذلك فإن رواية الفقيه مقدمة على غير الفقيه إذا تعارضتا لمزية الفقه والفهم المعين على الضبط، كما أن رواية المجالس للعلماء مقدمة على غير المجالس، وذلك لأن كثرة المجالسة تعين الراوي على
مزيد الضبط والإتقان، وقد أكد الشماخي (3) والتلاتي (4) على هذين الجانبين.
ومن شروط الراوي المقبول الرواية أن لا يكون مدلّسا، وموضوع التدليس سيرد مزيد بيان له في مصطلح الحديث (5)، وما يعنينا هنا هو بيان شرط الإباضية لقبول رواية الراوي أن لا يكون مدلسا، فرواية المدلس غير مقبولة (6)، لخطر التدليس على الرواية فهو يخفي عيوبها، ولأن التدليس ضرب من التلبيس، فحيث أن رواية الملبس غير مقبولة فكذلك رواية المدلس (7).
وهناك شروط أخرى ليست محل اتفاق
منها شرط أن لا يعمل الراوي بخلاف ما روى، وذلك لأن من روى رواية ثم عمل بخلاف مدلولها فإن ذلك يوجب التهمة، وهي إما أن تكون في الرواية أو في التساهل في العمل، وكلاههما مخل بقبول الرواية، وقد لا يحكم بسقوط عدالة هذا
(1) م. س،31/ 2 - 32.
(2) م. س،31/ 2.
(3) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 457.
(4) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 199.
(5) انظر ص.
(6)
ر الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1571، الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 452، الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 197، السالمي شرح طلعة الشمس، 35/ 2
(7) السالمي، شرح طلعة الشمس، 35/ 2. (1/316)
صفحة 317
علوم السنة عند الإباضية
297
الراوي، وذلك تغليبا لحسن الظن به أن يكون قد اطلع على ناسخ لها (1). ومن هذه الشروط أن لا يترك الأخذ برواية الراوي غيره من العلماء، وذلك لأن ترك العلماء الأخذ بروايته مع أنهم سمعوا بها منه لا يخلو من أمرين؛ إما أن يكون طعنا في الراوي أو طعنا في الرواية، وفي حال ثبوت عدالة الراوي دل الترك للعمل بها على نسخها بدليل آخر، وذلك لأن العلماء لا يجتمعون على ترك حق سمعوه إطلاقا، وهذا يدخل الشك في تلك الرواية (2)، على أن ترك الأخذ والعمل بالحديث لأجل الراوي، يعد تجريحا له، وأما إن كان لأجل الحديث فهو جرح في الحديث كما يقول الشماخي ومن هذه الشروط أن لا يتأوّل الرواية راويها، فقد رأى العلماء أن تأولها يؤدي إلى وقوف عن قبولها وعن ردها، وذلك لأن ذلك التأويل إنما يكون من الراوي لشيء في تلك الرواية كأن يكون لها حديث معارض أو مثل ذلك، وهنا يحسن الظن بالراوي ويُتوقف عن قبول روايته (4).
(3)
ومن هذه الشروط أيضا أن الراوي لا يكذب أصله الذي روى عنه؛ فإذا روى راو عن ابن عباس مثلا رواية ما، ولكن ابن عباس قال: لم أرو هذه الرواية ولا حدثت بها أحدا؛ فحكم تلك الرواية أنها لا تقبل حتى وإن كان الراوي عدلا، وذلك لحصول الشك فيها، وهذا يؤدي إلى ضعف الظن في صدق الراوي فيها، ولذلك لا تقبل رواية من شك في صدقه كما لا يجرح في عدالة الراوي وأصله الذي أنكر الرواية عنه، إلا إذا صرح أحدهما بتكذيب الآخر، فالذي يصرح بالتكذيب
ابتداء تسقط عدالته (5).
(1) م. س، 35/ 2.
(2) م. س، 35/ 2.
(3)
(4)
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 457.
السالمي، شرح طلعة الشمس، 35/ 2
(5) م. س، 36/ 2 - 37. (1/317)
صفحة 318
علوم السنة عند الإباضية
298
ويذكر السالمي قول من قال من علماء الأمة في هذه المسألة بقبول هذه الرواية، محتجا بأن المعتبر في قبول الرواية هو العدالة، وهذا الإنكار من المروي عنه لأنه نسي ما رواه، ويعقب عليه بقوله: "قلنا لا نسلّم أن المعتبر في قبول الرواية العدالة فقط، بل المعتبر العدالة ومعها أمور أُخَرُ، منها أن يرجع الظن بصدق الراوي وضبطه، ولذا ردّ أبو بكر وعمر قول عثمان في أن رسول الله أذن له في رده الحكم (1)، ولذا أيضا لم يقبل أبو بكر رواية المغيرة بن شعبة في ميراث الجدّة حتى رواها غيره (2) ونحو ذلك مما مر ذكره، على أن الصحابة في ذلك اليوم كانوا جميعا عدولا، وأيضا فالتدليس عيب في الرواية اتفاقا وإن كان من عدل وإن اختلف في قبول بعض أنواعه ... فظهر اعتبار أمور غير العدالة في قبول الرواية فلا تقبل رواية أنكرها من رويت عنه (3).
ويستثني السالمي من الحكم السابق حالة يعذر فيها الراوي لصفة النسيان التي تلازم البشر، فإذا قال المروي عنه: لا أدري هذه الرواية أولا أعلم أني رويتها أولا أحفظ ذلك، وكان الراوي جازما بروايتها عنه فإن تلك الرواية تقبل منه اتفاقا لصحة الذهول والنسيان، وعليه يحتمل أن يكون من رويت عنه نسي ذلك، وأما الراوي عنه فتقبل منه لأنه عدل مظنون الصدق (4).
بقي أن نشير هنا إلى قبول أكثر علماء الإباضية لخبر المرأة والعبد خلافا لابن بركة الذي اشترط مع المرأة وجود رجل آخر راو وجعل خبرها كالشهادة
(1)
خبر نفي النبي أبا الحكم بن أبي العاص إلى الطائف أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، حديث أبي صالح عن ابن عباس 148/ 12 (12724)، ورفض أبي بكر رده لما كلم فيه
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، في خبر الحكم بن أبي العاص، 214/ 3 (3168). (2) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة 419/ 4 (2100)، وابن ماجة في سننه، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، 909/ 2 (2724). (3) السالمي، شرح طلعة الشمس، 37/ 2. (4) م. س، 37/ 2. (1/318)
صفحة 319
علوم السنة عند الإباضية
299
وقد تقدمت الإشارة إلى رأيه (1)، وقد ذكر الوارجلاني والشماخي الجواز، يقول الوار جلاني: ويقبل أخبار من لم تقبل شهادته كالمرأة لا تجوز شهادتها بانفرادها وكذلك العبد وكذلك الظنين في الولاء والنسب تجوز أخباره ... " (2)، ويقول الشماخي: " لا يشترط في الراوي أن يكون حراً، بل تقبل رواية العبد، ولا الذكورية بل تقبل المرأة وحدها، وأيضا تقبل رواية الظنين في النسب والولاء، بخلاف الشهادة في الأربعة (3).
وقد ذكر التلاتي مسألة التعدد للراوي لقبول مرويه، وبيّن أنه لا يشترط التعدد للراوي في القبول لمرويه وإن ذهب إليه بعضهم إذ الراوي الواحد مقبول، وكذلك لا يشترط تعدد الراوي أيضا في قبول ما رواه من الحديث الوارد فيما تعم به البلوى عند غالب الناس، وأيضا لا يشترط تعدد الرواي في قبول ما رواه من الحديث الوارد في الحدود خلافا لمن شرط ذلك (4).
المبحث الثالث كتب الطبقات والتراجم
مر الإباضية خلال مرحلة تكونهم ونشأتهم بفترة كتمان فرضوها على أنفسهم استلزمت إخفاء أعلامهم وندرة الكتابة عن علمائهم، وقلة الترجمة لهم، بل حتى
بعد قيام دول الإمامة الإباضية في عمان وشمال إفريقيا بقيت هذه الإمامة فـ حروب مع العباسيين وغيرهم من القوى التي ظلوا في صراع معها، ولذلك فإن أخبارهم بقيت محدودة الانشار محصورة عند عدد ضيق من رجالات الإباضية وحملة العلم بينهم بصفة خاصة، وهؤلاء كانوا مشغولين عن التصنيف بما يحيط بهم من ظروف وأحوال (5)، وهناك سبب آخر يكشف عن ضياع كثير مما كتبوه
(1) ر: ابن بركة، الجامع، 315/ 2.
(4)
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 157/ 1. (3) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 457. الثلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 203 204. (5) لمعرفة تلك الحقبة من تاريخهم وأثرها ر الدرجيني طبقات المشايخ 250/ 2؛ النامي دراسات عن الإباضية، ص 85؛ جهلان عدون (1988/ 1409)، الفكر السياسي عند (1/319)
صفحة 320
علوم السنة عند الإباضية
300
ودونوه إذ تعرض جانب كبير من تراث الإباضية إلى التلف والدمار بسبب الحروب، وحرق خصومهم لمكتباتهم خلالها، وأبو عبد الله الشيعي مثلا أحرق المكتبة المعصومة بتيهرت بعد سقوطها في يده فأتى على مئات المدونات والمصنفات التي كانت فيها في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي (1)، كما أحرقت مكتبات في عمان، ومنها المكتبة الكبيرة التي أحرقت أثناء الحرب الأهلية في بداية القرن الثاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي، والتي تضم الآلاف من الكتب والمصنفات، احترق الكثير منها وفيها الكثير من الكتب النادرة وهناك عامل آخر لعله وجد عند إباضية عمان أكثر من شمال إفريقيا أشار إليه السالمي في كتابه التحفة، حيث نجده يبدي أسفه من غياب الأخبار وتقطعها في تاريخ عمان خلال القرون الإسلامية الأولى قائلا: "إن أهل عمان لا يعتنون بالتاريخ فلذلك غابت عنا أكثر أخبار الأئمة (3).
(2)
ومهما يكن فقد بقي فيما وصل إلينا اليوم تراث جيد يحسن بنا عرض أهمه حتى تتبين للقارئ مظان تراجم علماء المذهب ومواضع ذكر رجاله.
الإِبَاضِيَّة من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف بن اطفيش، ط 2، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان، 1411 هـ، 1991 ص،33، عوض خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الإباضيَّة: 32. (1) لمعرفة خبر سقوط تيهرت عاصمة الرستميين، وما فعله أبو عبد الله الشيعي في تلك المدينة العظيمة من خراب وحرق والحروب التي دارت قبل سقوط تيهرت ر الباروني سليمان بن عبد الله بن يحيى (باشا) (1940/ 1359)، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، تح محمد علي الصليبي، المطابع العالمية، روي سلطنة عمان، نشر وزارة التراث القومي سلطنة عمان، 1407 هـ، 1987 م، ص 358، بحاز: الدولة الرستمية: 127،
128
(2) المعرفة تفاصيل خبر الحريق وتلك الحرب. ر: السالمي، تحفة الأعيان، 98/ 2.
(3) السالمي،
تحفة الأعيان، 4/ 1. (1/320)
صفحة 321
علوم السنة عند الإباضية
301
:أولا: كتب الطبقات والتراجم:
• كتاب السيرة وأخبار الأيمة: ألفه أبو زكرياء اليهراسني أحد علماء القرن الخامس الهجري (1)، ويعتبر من أقدم كتب الطبقات الإباضية (2)، أرخ للإباضية وأئمتهم في شمال إفريقيا في القرون المتقدمة خصوصا فترة الدولة الرستمية، وتعرض لذكر الدعوة الإباضية في البصرة وبعض أئمتها في المشرق، يعتبر هذا الكتاب مصدرا في مادته، اعتمد عليه من كتب بعده، وكتاب سير الأيمة وأخبارهم (3) والكتاب مطبوع (4).
سيرة
(5)
ة أهل نفوسة ألفه مقرن بن محمد البغطوري وسمي أيضا بسير مشايخ جبل نفوسة عني في كتابه بتراجم علماء المذهب وسيرهم خاصة أهل نفوسة، ابتدأ الكتاب بذكر أئمة المذهب المتقدمين دون أن يفصل الحديث فيهم، وذكر أوائل علماء المغرب وحملة العلم، ثم تكلم عن جبل نفوسة وفضائل أهله، ثم أخذ يترجم ويذكر أخبار علماء نفوسة مفصلا فيها، ويذكر طرفا من رواياتهم،
(1)
اليهراسني أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن سعيد (1078/ 471) من وارجلان بالجزائر، أخذ عن أبي الربيع المزاتي وغيره، وأخذ عنه أبو عمرو السوفي وغيره، كان عالما جليلا، جامعا لعدد من العلوم والمعارف، وبرز مؤرخا عالما اعتمد عليه من جاء بعده من المؤلفين في فن التراجم والسير عني ببث العلم فكانت له حلقة علم. ر: الشماخي: السير، 92/ 2 - 93 فاروق عمر فوزي (معاصر)، الإمامة الإباضية في عمان، نشر جامعة آل البيت، المفرق، الأردن، 1417 هـ، 1997 م، ص 13.
(2)
:
6
(3) أنظر اليهراسني، أبو زكريا، كتاب السيرة وأخبار الأيمة، كل الكتاب. (4) طبع أكثر من طبعة، ومنها بتحقيق عبد الرحمن أيوب، وقد نشرته الدار التونسية للنشر
سنة 1985 م. البغطوري النفوسي مقرن بن محمد (حي في: 1203/ 599) من أجلاء علماء جبل نفوسة، أخذ العلم عن أبي محمد المجدلي، وتوفيق الجنوني، كان عالما فقيها وراوية ألمعيا، يعتبر أحد رجال سلسلة نسب الدين له تأليف في الفقه والسير: الشماخي: السير، 189/ 2 الباروني عبد الله بن يحيى (1914/ 1332): رسالة سلم العامة والمبتدئين في معرفة أيمة
الدين، تح سليمان بن عبد الله الباروني، مطبعة النجاح، 1342 هـ، 1906، ص 31،37. (1/321)
صفحة 322
علوم السنة عند الإباضية
302
وهي كسائر السير تحوي بعض الآراء الفقهية والعقدية، واستمر المؤلف متتبعا ما قبله حتى القرن السادس الهجري الذي عاش فيه، يعتبر كتاب البغطوري من المصادر المهمة في مادته وقد اعتمد عليه الشماخي وترجم لصاحبه، والنسخة التي وقفنا عليها واعتمدناها مخطوطة (1)، ومادته مستقاة من روايات سمعها مقرن عن شيوخه عن شيوخهم، لكنه اختصر الإسناد طلبا للاختصار كما هو مذكور في
آخر المخطوط، وفيه التصريح بأنه لم يأخذ ما كتبه إلا برواية ثقة عن ثقة (2). سير المشائخ: ألفه أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني (3)، عاش في القرن السادس الهجري، ولد بقصطيلية من بلاد الجريد بتونس ونشأ في آجلو، جل ما دونه في كتابه أخبار رواها عن شيوخه، وقد يذكر بإسنادها، وقد يختصر الإسناد كما أشار في مقدمة سيره، وهذه السير حوت مع أخبار رجال الإباضية مسائل منقولة عنهم، وهي أحاديث أو مسائل فقهية وعقدية وغير ذلك، عن
عني
(1) النسخة التي لدي مخطوطة وقفت عليها في مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب الجربي بجربة، نسخها سالم بن يعقوب بنفسه سنة 1385 هـ، 1965 م، من نسخة قديمة كما ذكر، وقد صورت صورة منها، وذكر عمرو النامي أن الذي عثر على هذا الكتاب هو الشيخ سالم بن يعقوب في مكتبة البغطور في جربة وكان يظن أن هذا الكتاب مفقود ر: النامي عمرو بن خليفة (معاصر)، وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقيَّة، مقال منشور في مجلد 15 مجلة الدراسات السلمية"، 1970، ترجمة سلطان بن مبارك الشيباني، مرقون
ص 25
(2) أنظر: البغطوري النفوسي مقرن بن محمد (حي في: 1203/ 599)، كتاب سيرة أهل نفوسة، (مخ)، مكتبة سالم بن يعقوب الجربي، غيزن جربة، تونس، (د. ر)، كل الكتاب. (3) الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام بن حسان (حي في (1162/ 557) أصله من قصطيلية في تونس أخذ عن أبي محمد العاصمي بوادي أريغ، كما رحل إلى وارجلان، كان عالما جليلا ومؤرخا دقيقا اعتنى بجمع الآثار والأخبار وشرط أن يضع في كتابه كما قال:، فأحببت أن أؤلّف لكم منها كتابا مما بلغني وصحَّ عندي، ولم تخالجني فيه الشكوك"، وكان مصدره روايات جملة من العلماء الكبار الذين لقيهم خلال رحلاته ر: الشماخي: السير 113/ 2، الدرجيني، الطبقات، 513/ 2. (1/322)
صفحة 323
علوم السنة عند الإباضية
303
بالقرون الهجرية الثلاثة الأولى، وما بعدها إلى عصره، لا يزال الكتاب مخطوطا (1).
(3) الذي
كتاب طبقات المشايخ (2): لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني) عاش في القرن السابع الهجري، وينسب إلى درجين في بلاد الجريد جنوبي تونس، رتب على طبقات رجال الإباضية كل طبقة في خمسين سنة، عني الكتاب بطبقات علماء الإباضية في المغرب، وترجم للعلماء وأئمة الإباضية في المشرق، خلال القرون الهجرية الأولى معتمدا على رواية أبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي الذي كان من أبرز علماء الإباضية في المشرق بعد الربيع. والكتاب يعتبر حلقة مهمة في الإسناد للرواية عند المشارقة أو المغاربة، وبذلك تكون مادته مصدرا لجمعه الروايات التي تقدمته وإن جاء متأخرا عن أئمة الإباضية من المتقدمين، كما عني الدرجيني بعلماء المغرب في تلك القرون المتقدمة حتى عصره، وقد نحا في هذا الكتاب منحى التراجم، واستفاد من كتابة
(1) وصورة المخطوطة التي لدي نسخة من مخطوطة محفوظة في مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر، وقد صورها الحاج سعيد من أصل مخطوط محفوظ بمكتبة كاراكوف ببولونيا تحت رقم،00277، وعدد أوراقها 208 ورقة، وعدد أسطرها 20 سطرا، وهناك نسخ أخرى رأيتها في مواضع أخرى، منها صورة مخطوط في مكتبة جمعية أبي إسحاق بغرداية، ومخطوط آخر وقفت عليه في المكتبة البارونية بجربة، يقع في 299 صفحة، محفوظ برقم 1. ر: الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام ابن حسان (حي) في 1162/ 557):سير المشائخ (صورة) (مخطوط)، مكتبة الحاج سعيد محمد غرداية، الجزائر، مصورة من مكتبة كاراكوف، ببولونيا رقم 00277، + نسخه مخطوطة بالمكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم 1 (2) كتاب طبقات المشايخ بالمغرب لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، مطبوع بتحقيق إبراهيم طلاي في جزأين، تقدمت بيانات طبعته
(3) الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد بن سليمان (1271/ 670) من درجين جنوب تونس، كان عالما فقيها، ومؤرخا مدققا نبيها، وأديبا شاعرا، تعلم في درجين ثم رحل إلى وارجلان فأخذ عن أبي سهل يحيى بن إبراهيم، يعتبر كتابه الطبقات من المصادر المهمة في تاريخ. وتراجم علماء المذهب ر: الشماخي: السير، 118/ 2 (1/323)
صفحة 324
علوم السنة عند الإباضية
304
من قبله كأبي زكريا في سيره، لكنه في نقله لا ينقل نص أبي زكريا، ولعله يجمع بين ما رواه عن شيوخه من معلومات وبين ما كتب في كتب من قبله. ولم يترجم الدرجيني للصحابة معللا ذلك في مقدمة كتابه باشتهارهم، فكأن ذلك يغني عن كتابته عنهم، ولعل الدرجيني أراد أن هناك من علماء الأمة من كتب فيهم، والأمة كلها تعتبر الصحابة حلقة وصلهم بالنبي (1). • الجواهر المنتقاة لما أخل به كتاب الطبقات (2): ألفه أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، ولد في دمّر في تونس، عاش في النصف الثاني من القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الهجري، ويظهر من عنوانه أنه جعله مكملا لعمل الدرجيني في كتابه الطبقات للفترة التي جاءت ما بينهما، مستدركا عليه ما رأى أنه لم يُعنا به، فمما استدركه عليه ذكر الصحابة، وخاصة أئمة الصحابة، كما تكلم عن الأحداث والفتن التي وقعت في عهدهم وذكر المواقع والحروب التي دارت بينهم. هذا ورغم أن البرادي عَدَّ ذلك استدراكا على الدرجيني فإن الدرجيني في تقديري- اكتفى في موضوع الصحابة بما كتب عنهم من قبل غيره، وذلك لأنه أراد أن ينأى بنفسه عن فتنة الصحابة وما وقع بينهم، وعلى كل حال فكتاب البرادي عني بأحداث القرون الإسلامية الأولى وفصل عهد الصحابة وأخبار أئمة الصحابة وبحور العلم فيهم، حتى أنه كان يبوب لكل سنة هجرية بادئا مادته التاريخية بابتداء الوحي، وأحداث القرون الأولى ومواقف أئمة الإباضية إزاءها، كموقف عبد الله ابن أباض من الأمويين خلال رسائله المتبادلة مع عبد الملك بن مروان وغير ذلك، وقد ضَمَّن البرادي آخر كتابه قائمة بأشهر أسماء الكتب المشرقية والمغربية التي ألفها الإباضية (3).
(1) أنظر: الدرجيني، كتاب طبقات المشايخ بالمغرب، كل الكتاب. (2) الكتاب طبع طباعة حجرية دقيقة الخط في 238 صفحة، كل صفحة في 23 سطرا، وتوجد
للكتاب نسخ مخطوطة منها مخطوطة اطلعت عليها محفوظة في مكتبة الحاج محمد سعيد. (3) أنظر: البرادي أبو القاسم بن إبراهيم (حي في 1407/ 810)، الجواهر المنتقاة لما أخل به كتاب الطبقات، طباعة حجرية طبع بعناية محمد بن يوسف الباروني وسليمان بن مسعود (1/324)
صفحة 325
علوم السنة عند الإباضية
305
• كتاب السير (1) لأبي العباس أحمد بن أبي عثمان سعيد الشماخي، ولد بجبل نفوسة في ليبيا، عاش في أواخر القرن التاسع الهجري وأوائل القرن العاشر، يُعدّ كتابه من أجلّ ما كتب في تراجم علماء الإباضية، ويتميز بالمادة العلمية الغزيرة، وذلك عائد إلى تنوع مصادره المكتوبة قبله وتعدد طرقه في نقل الأخبار وروايتها، ولذلك جاء في مقدمة الكتابات التي كتبت في هذا الجانب.
اعتنى المؤلف في أول كتابه بتاريخ القرون الإسلامية الأولى مبينا وجهة نظر الإباضية في كثير من أحداثها، وترجم لأئمة الإباضية وحملة العلم بينهم، ونشاطهم في البصرة معتمدا كالدرجيني - على روايات أبي سفيان محبوب بن الرحيل وغيرها من روايات علماء المذهب، كما أنه اعتمد على مصادر إباضية مكتوبة لا يزال بعضها مخطوطا إلى يومنا هذا، ويجد الباحث فيه ذكرا لأكثر علماء الإباضية في المغرب إلى عصر الشماخي الذي ترجم لجلهم
(2)
كتاب الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان ومالهم في العدل من الشأن (3): ألفه حميد بن محمد بن رزيق (4)، من بلدة نخل بعمان، كان من علماء رزيق (4)، عمان خلال القرن الثالث عشر الهجري؛ حوى الكتاب تراجم لأئمة عمان، منذ الإمام الجلندى بن مسعود إلى الإمام سلطان بن مرشد اليعربي. وطريقة تصنيف الكتاب قائمة على وضعه منظومة شعرية ضمنها ذكر هؤلاء الأئمة وأجل
المجدلي، مصر، سنة 1302 هـ، كل الكتاب ((مخ)، مكتبة الحاج سعيد، غرداية، الجزائر، رقم 21 كل المخطوط.
(1) كتاب السير لأبي العباس أحمد بن سعيد الشماخي، مطبوع بتصحيح أحمد بن سعود السيابي في جزأين، تقدمت بيانات طبعته.
(2) أنظر: الشماخي، السير، كل الكتاب.
(3) كتاب الشعاع الشائع لابن رزيق حميد بن محمد، مطبوع في مجلد واحد. (4) النخلي حميد بن محمد بن رزيق بن بخيت (1858/ 1275)، مؤرخ وأديب وشاعر، من بلدة نخل، يعد أحد أبرز المؤرخين العمانيين، ألف عددا من الكتب في التاريخ والتراجم والسير، منها الشعاع الشائع الصحيفة القحطانية، كتاب الفتح المبين وغيرها من الكتب التاريخية ر: الخصيبي، شقائق النعمان 128/ 1، مجموعة باحثين دليل أعلام عمان، 53. (1/325)
صفحة 326
علوم السنة عند الإباضية
306
صفاتهم، وأهم الأحداث التي كانت بعصرهم، ثم يشرح كل مقطع متعلق بإمام شرحا يفصل فيه الأحداث التاريخية المرافقة له ويذكر أنساب الأشخاص الذين يذكرهم قدر ما يتيح له المجال، وينحو في طريقة تصنيفه لهذا الكتاب طريقة
التراجم.
وقد عني المصنف بأخبار عمان وأئمتها خلال القرون الإسلامية الأولى، وهو يفصل في بعض الأحداث تفصيلا يميزه عن غيره من المصادر التاريخية الأخرى التي عنيت بتاريخ عمان وسير أئمتها وعلمائها، ويظهر من النظر في هذا كتاب أنه اعتمد على روايات شفوية وأيضا مصادر مكتوبة، غير أنه لا يبين مصادره كلها، إذ يكتفي أحيانا بقوله: .. عن الثقات من أهل عمان، أو أخبرني غير واحد من المشايخ، على أنه يشير أحيانا إلى أسماء بعض من يروي عنهم وينقل، وكتاب شعاع الشائع مطبوع (1).
• كتاب غصن البان في تاريخ وارجلان (2): ألفه أبو معقل أعزام الحاج إبراهيم بن صالح (3)، عاش في القرن الرابع عشر الهجري، وقد ألفه في تاريخ وارجلان الجزائرية، وهذا الكتاب يمكن أن يعدّ تاريخا لمنطقة سدراته
(1) أنظر: ابن رزيق حميد بن محمد كتاب الشعاع الشائع، كل الكتاب. (2) اطلعت على هذا الكتاب عند ورثة أبي معقل في وارجلان خلال زيارتي البحثية عن مظان كتب المذهب، وصورت جانبا منه ولكن النسخة التي رأيتها هناك مدونة في كراسات غير منظمة، واطلعت أيضا على مخطوطة أخرى محفوظة في مكتبة الحاج سعيد بن محمد بغرداية بدون رقم، وتقع في 198 صفحة، وعدد أسطرها 23 سطرا، والمخطوطة مفهرسة، لم يذكر اسم ناسخها ولا تاريخ النسخ.
(3) الوارجلاني إبراهيم بن صالح، بابا حمو أعزام (و 1893/ 1311، ت 1965/ 1384) ولد بتونس، وتتلمذ بوارجلان واستقر بها، كما أخذ عن أكابر علماء وادي ميزاب كالشيخ صالح بن عمر لعلي، اشتغل بالتدريس، وكان مغرماً بالمطالعة و لقب بـ "أعزام"، ويعني بالبربرية القراءة، له مجموعة من الرسائل من أهمها مؤلفه حول تاريخ و ارجلان وعلمائها. ر: علي معمر: الإباضية في موكب، التاريخ،238/ 4 مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية 17/ 2، ترجمة رقم 27 (1/326)
صفحة 327
علوم السنة عند الإباضية
307
ووارجلان، وقد تميزت و ارجلان بأن حظيت بعدد كبير من علماء الإباضية على مدى تاريخها، ولذلك كتب أعزام في تاريخ وارجلان كل ما يتعلق بتاريخها
مفصلا ذلك ومبينا كثيرا من أخبار علماء الإباضية وتاريخهم فيها، ووضع أيضا في جانب من كتابه تراجم لعلماء الإباضية الذين ظهروا في وارجلان منذ القديم وإلى القرن الرابع عشر جاعلا لكل واحد ترجمته الخاصة، والكتاب متنوع المصادر، منها المصادر المكتوبة أو الشفهية، ويشير إلى مظان مادته ومصادرها، وكتاب غصن البان مخطوط (1).
• كتاب ملحق سير الشماخي (2): ألفه أبو اليقظان إبراهيم، عاش في القرن الرابع عشر الهجري، من القرارة بالجزائر، كتبه في تراجم علماء الإباضية وأخبارهم، ابتدأه بالفترة التي تلت أبا لعباس الشماخي، فبدأ أول تراجمه بالشيخ سعيد بن علي الجربي الشهير بعمي سعيد الذي عاش في القرن العاشر الهجري، وقد تتبع أبو اليقظان علماء الإباضية بالذكر إلى عهده، وكتابه حوى تفصيلا لأخبار الفترة التي عالجها، وجمع بين المصادر الكتابية والشفهية، وهو في أغلبه يشير إلى مصادره، والكتاب مخطوط (3).
• إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان (4): ألفه سيف بن حمود البطاشي (1)، عاش في النصف الثاني من القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس
(1) أنظر: الوارجلاني إبراهيم بن صالح بابا حمو أعزام (1965/ 1384)، كتاب غصن البان في تاريخ وارجلان (مخ) مكتبة أبي معقل وارجلان، الجزائر،، (د. ر)، كل الكتاب، + (مخ) مكتبة الحاج سعيد بن محمد، غرداية (د. ر)، كل الكتاب.
(2) المخطوط محفوظ لدى ورثة الشيخ أبي اليقظان بالقرارة في الجزائر، وقد اطلعت عليه أثناء رحلتي العلمية للبحث عن كتب المذهب، ويقع في 593 صفحة، 22 سطرا.
(3) أنظر: أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي (1973/ 1393)، ملحق سير الشماخي (مخ)، مكتبة أبي اليقظان القرارة، الجزائر، (د. ر)، كل الكتاب.
(4) كتاب إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان لسيف بن حمود البطاشي، مطبوع في ثلاثة مجلدات كبيرة الحجم. (1/327)
صفحة 328
علوم السنة عند الإباضية
308
عشر، قام بجهد علمي كبير فتتبع الموسوعات العلمية التي ألفها علماء الإباضية وكتبهم التاريخية والفقهية فاستخرج منها مادة علمية غزيرة في أخبار علماء الإباضية العمانيين، ووضع كتابه في صورة تراجم مرتبة حسب تسلسلها الزمني منذ دخول الإسلام إلى عمان، لكن البطاشي لم يكمل عمله إلى عصرنا الحاضر إذ وافته المنية قبل إتمام هذا العمل الجليل، وقد كشف جهده عن مادة في بطون مدونات علماء المذهب بما يؤكد ما ذكرناه سابقا من أن التصنيف في المذهب ظل قرونا طويلة ينحو منحى التصنيف الشامل في كل الفنون الشرعية والتاريخية (2). ثانيا: كتب الأنساب
أنساب العرب (3): لأبي المنذر سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، من صحار بعمان عاش في القرن الخامس الهجري، وهو كتاب تاريخ نظم على أساس النسب وليس كتاب أنساب يقتصر على تتبع النسب، فهو مشابه لكتاب أنساب الأشراف للبلاذري في طريقة تصنيفه (4)، وتظهر قيمة مادته التي وردت عن علماء الإباضية وأئمتهم لكون مصنفه من أئمتهم وأعلامهم الكبار. على أن
(1) البطاشي سيف بن حمود بن حامد (و 1929/ 1347، ت 1999/ 1420) من وادي الطائيين بشرقية عمان، عالم فقيه، ومؤرخ أديب، ولي القضاء، واشتغل بالتأليف له عدد من الكتب والرسائل في العلوم الشرعية والتاريخية و الخصيبي، شقائق النعمان 161/ 1، البطاشي مقدمة كتاب إتحاف الأعيان، وأنظر تفصيل حياة البطاشي في المحروقي عبد الله بن سلطان بن راشد (معاصر)، تحفة الودود في ترجمة وأسئلة الشيخ سيف بن حمود، ط 1، مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، مسقط، سلطنة عمان، 1408 هـ، 2000 م. (2) انظر: البطاشي سيف بن حمود كتاب إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، كل
الكتاب.
(3) كتاب الأنساب للعوتبي سلمة بن مسلم مطبوع في مجلدين، وقد وقفت على صورة لمخطوطه أصلها محفوظ في دار الكتب المصرية القاهرة، رقم 53891، مصنفة ضمن قسم التاريخ، ويظهر من حجم مادة المخطوط أن المطبوع أقل، فلعل النسخة المطبوع منها
ناقصة.
(4) فاروق عمر فوزي الإمامة الإباضية في عمان، ص 11. (1/328)
صفحة 329
علوم السنة عند الإباضية:
309
الكتاب منه جانب في ذكر قبائل العرب وأنسابها، مع بيان أهم حروبها وأشهر شخصياتها.
وقد تكلم العوتبي عن الفتوح الإسلامية ودور القبائل العمانية في تلك الأحداث، وفصل الحديث عن تاريخ عمان عموما حتى قبل الإسلام، وتكلم عن بداية الدعوة الإباضية في عمان وذكر أسماء حملة العلم الذين توجهوا من البصرة إلى عمان والمغرب، وتكلم عن أئمة عمان ممن كانوا قبله والأحداث التي كانت بعصورهم. وقد ترجم العوتبي لعلماء الدعوة الإباضية وأئمتهم، لكن مادة العوتبي في ذكر ذلك منتشرة وسط ترتيب الكتاب القائم على أساس الأنساب كما أسلفنا.
مرجع
ثم إنّه في تعرضه للأنساب اعتنى بأنساب العرب القحطانية أكثر، ولعل ذلك إلى أنه أراد بيان قبائل عمان التي تعود جذور أكثرها إلى القحطانية، كما نجده يستطرد في أخبار بعض القبائل حتى في الجاهلية، ولعل عذره في ذلك أن الكتاب صنف في الأنساب؛ ولذلك ذكر تفاصيل بعض أخبار تلك القبائل عند ذكر أصولها وتفرعاتها (1).
الصحيفة العدنانية ألفه حميد بن محمد بن رزيق المتقدم الذكر عند بيان كتابه الشعاع الشائع عني فيه بذكر أنساب العرب العدنانية خصوصا القبائل
المقيمة منهم في عمان، مفصلا أصولها وبطونها ذاكرا طرفا من أخبارها.
وكذلك عني بذكر سير وأخبار رجالات العدنانية، وترجم لعلماء الإباضية من تلك القبائل وأئمتهم، فقد كان لبعضهم دور بارز، ومنهم أبو سفيان محبوب بن الرحيل، وابنه محمد بن محبوب، وابناه عبد الله، وبشير، والإمام سعيد بن عبد الله وغيرهم من الأعلام وأئمة الإباضية ممن ينتسبون إلى العرب العدنانية، كما تكلم ابن رزيق عن الأحداث التي عاصرتهم، ويبقى أن الكتاب كسابقه، تنتشر مادته
(1) انظر العوتبي سلمة بن مسلم، كتاب الأنساب، كل الكتاب + (مخ)، دار الكتب المصرية القاهرة، قسم التاريخ، رقم 53891 (1/329)
صفحة 330
علوم السنة عند الإباضية
310
وسط تنظيم الكتاب القائم على النسب، والصحيفة العدنانية لا تزال مخطوطة (1). الصحيفة القحطانية (2): ألفها حميد بن محمد بن زريق المتقدم الذكر، وقد
نهج فيها نهج الصحيفة العدنانية إذ ذكر السير وأخبار رجالات القحطانية. ورغم أن المادة التاريخية عامة منبثة وسط الحديث عن أنساب القبائل في الكتاب فإننا نجد أن ابن رزيق خصص بابا لعلماء اليمانية من أهل عمان وللأئمة اليمانية في عمان من الجلندى بن مسعود حتى عصره، والصحيفة القحطانية لا تزال مخطوطة (3).
ثالثا: كتب التاريخ والسير العامة
وهو
كتاب الكشف والبيان (4): ألفه أبو سعيد محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي، أحد العلماء العمانيين والمؤرخين الكبار، عاش في القرن السادس الهجري. قسم القلهاتي كتابه إلى قسمين تحدث في أحدهما عن التاريخ الإسلامي عموما، وتاريخ علماء الإباضية وأخبارهم ونشاط حركتهم خصوصا في عمان ويعد القسم المتعلق بالتاريخ أقدم كتابة تاريخية عامة كتبها العمانيون وصلت إلينا، كما أن كتابته التاريخية مضمنة رأيه ورأي بعض علماء الإباضية في أحداث
(3)
(1) محفوظة بالمكتبة البريطانية بلندن، ولم أقف عليها، وإنما وقفت على من ذكرها. ر: فاروق عمر فوزي الإمامة الإباضية في عمان، ص 86. (2) تتكون مخطوطة الصحيفة القحطانية من 479 ورقة من الحجم الكبير، ولدي صورة منها، وأصلها محفوظ في جامعة أكسفورد بإنكلترا، وهناك نسخة أخرى منها تقدم ذكر بياناتها. أنظر:: ابن رزيق حميد بن محمد بن بخيت (1858/ 1275)، الصحيفة القحطانية (مخ)، جامعة أكسفورد بانجلترا، رقم 1216، 3، صورة لدى الباحث كل الكتاب. (4) كتاب الكشف والبيان للقلهاتي محمد بن سعيد الأزدي، مطبوع بتحقيق سيدة إسماعيل كاشف في مجلدين كبيرين تقدمت بيانات، طبعته وللكشف والبيان جملة نسخ مخطوطة منها نسخة محفوظة في مكتبة صالح بن عمر ببني يسجن بالجزائر اعتمدت عليها أيضا وسبق ذكر بياناتها، ويعمل في تحقيق الكتاب ودراسته الآن الدكتور محمد عبد الجليل، الأستاذ في جامعة تونس، وقد أنهى العمل في أحد جزئيه. (1/330)
صفحة 331
علوم السنة عند الإباضية
311
التاريخ الإسلامي في القرون الأولى (1)، وقد تعددت مصادر القلهاتي؛ فهو يجمع بين الرواية الشفوية، وما دوّن قبله في بعض السير والكتب الفقهية والعقائدية، وهو يشير إلى أكثر تلك المصادر (2).
كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة (3): ألفه سرحان بن سعيد الإزكوي العماني، من إزكي بعمان، عاش أواخر القرن الحادي عشر الهجري وبداية القرن الثاني عشر الهجري، وتغطي مادته تاريخ عمان من الجاهلية مرورا بالإسلام وعهوده المتتابعة حتى بداية القرن الثاني عشر الهجري، ويحوي التراجم وسير علماء عمان، وهو يجمع مع تاريخ عمان مادة مختصرة في التاريخ الإسلامي العام وبعض موضوعات تتعلق بالعقائد.
لكن كتاب الأزكوي لا يمضي في سرد أخبار القرون على وتيرة واحدة، فبينما نجد تفصيلا مشبعا لبعض الفترات؛ نجد شحا في المادة في فترات أخرى، خاصة تلك الفترات التي اشتهرت في تاريخ عمان بظهور الفتن، ودخول قوى من خارج عمان للسيطرة عليها. وعلى كل فإن الأزكوي أكثر من النقول من المصادر التي سبقته كالسير التي كتبها علماء عمان أو تحدثت عن تاريخ عمان، فمن ذلك كتاب الكشف والبيان للقلهاتي، وكتاب السير لأبي زكريا، وسيرة ابن مداد، وبعض كتب الأنساب كأنساب ابن الكلبي وأنساب العوتبي، وكذلك بعض
(1) فاروق عمر فوزي الإمامة الإباضية في عمان، ص 15. (2) أنظر: القلهاتي، الكشف والبيان، كل الكتاب. (3) كتاب كشف الغمة لسرحان بن سعيد الإزكوي، تتألف مخطوطته من 412 ورقة، لدي صورة منه، وأصل الصورة التي لدي محفوظ في مكتبة وزارة التراث والثقافة بسلطنة عمان، ورأيت نسخة أخرى في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي أثناء عملي باحثا في موضوع هذه الأطروحة، كما أن الأستاذ أحمد عبيدلي البحريني حقق جزءا من كشف الغمة، لكنه للأسف نسبه إلى مجهول رغم اشتهاره في المصادر بأن مؤلفه هو سرحان الإزكوي وقد طبع هذا الجزء، ر: مجهول، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة تحقيق ودراسة وتعليق: أحمد عبيدلي، دلمون للنشر، نيقوسيا قبرص: 1985، سلسلة الجزيرة العربية. (1/331)
صفحة 332
علوم السنة عند الإباضية
312
المصادر الفقهية، بالإضافة إلى نقله من كتب التاريخ العامة كالطبري وغيره، وحوى كتابه كذلك مادة من مصادر شفهية، بطريق الرواية غير أنه يلجأ إلى اختصار الإسناد فيها، أو يقول ذكر بعض أصحابنا دون تعيين من حدثه وأخذ عنه، وكتاب كشف الغمة لا زال مخطوطا (1).
كتاب قصص وأخبار جرت بعمان (2): ألفه أبو سليمان محمد بن عامر المعولي (3)، عاش في القرن الثاني عشر الهجري، عني بسرد تاريخ عمان وذكر علمائها وأئمتها بطريقة حولية، ويظهر أن أكثر مادته مستفادة، ولم يزد على الفترة التي غطاها كشف الغمة إلا بفترة بسيطة (4).
الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين: ألفه حميد بن محمد بن رزيق مؤرخا لتاريخ دولة البوسعيد، لكنه لم يقصره على عهدهم، إذ تعرض لتاريخ عمان فابتدأ بنسب كبرى قبائل أهل عمان خاصة الأزدية، وذكرها من أيام الجاهلية قبل الإسلام، وأرخ للفترات المتقدمة من تاريخ عمان، وقد ذكر الصحابة والصحابيات والعلماء من التابعين وتكلم عن علماء عمان وفقهائها، كما عرض باختصار لذكر أئمة عمان المتقدمين، ثم أرخ لعهد الأسرة الالبوسعيدية إلى سنة 1273 هـ، وتعددت مصادره سواء كانت كتابية أم شفوية، وقد يذكر مصادره،
(1) أنظر الإزكوي، كشف الغمة (مخ)، كل الكتاب. (2) الكتاب محقق ومطبوع في قطعة صغيرة ضمن منشورات وزارة التراث القومي بسلطنة
عمان.
(3) المعولي محمد بن عامر بن راشد (1777/ 1190) من وادي المعاول بعمان، كان فقيها شاعرا، ولي القضاء حيث عينه الإمام أحمد بن سعيد قاضيا له بمسقط، وأحيانا كان يصطحبه في جولاته له عدد من المؤلفات منها كتاب المهذب في الفرائض ويعتبر أوسع كتاب في الميراث. ر: الخصيبي، شقائق النعمان، 78/ 1. (4) ر: المعولي محمد بن عامر بن راشد (1777/ 1190) قصص و أخبار جرت في عمان، تح: عبد المنعم عامر، ط 2، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1983 م، كل
الكتاب. (1/332)
صفحة 333
علوم السنة عند الإباضية
لكنه أحيانا لا يذكرها (1).
313
• كتاب تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (2): ألفه نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، عاش في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجري، لقد كان السالمي قطب عمان في عصره، وألف في شتى العلوم، ورأى أن الكتابة في السير العمانية تعاني من نقص كبير، فأراد بكتابه تحفة الأعيان محاولة لسد ذلك الخلل والنقص، كما أن السالمي أراد تعليم أبناء عصره ومن يأتي بعدهم سيرة الفضل التي كان عليها أسلافهم.
ويبين لنا السالمي الهدف من كتابه فيقول في مقدمته لما كان العدل وسيرة الفضل في عمان أكثر وجودا بعد الصحابة من سائر الأمصار تشوقت نفسي إلى كتابة ما أمكنني الوقوف عليه من آثار أئمة الهدى؛ ليعرف سيرتهم الجاهل بهم، وليقتدي بها الطالب لأثرهم مع قلة المادة في هذا الباب إذ لم يكن التاريخ من شغل الأصحاب، بل كان اشتغالهم بإقامة العدل وتأثير العلوم الدينية وبيان ما لا بد من بيانه للناس أخذا بالأهم فالمهم؛ فلذلك لا نجد لهم سيرة مجتمعة ولا تاريخا شاملا فتتبعت ما أمكنني تتبعه من كتب السير والآثار والتواريخ (3)، وهذا النص يكشف الجهد الذي قام به السالمي لجمع السيرة، وأخبار العلماء والأئمة، كما يكشف النص تنوع المصادر التي اعتمدها السالمي، إذ اعتمد على من قبله من المؤرخين، كالإزكوي وابن رزيق والمعولي، واعتمد على كتب الآثار والفقه التي تضمنت في داخلها مادة تاريخية و كتب التاريخ الإسلامي العام ككتب ابن الأثير وابن خلدون وغيرهما، ثم اعتمد على الروايات الشفهية أيضا ويذكر مصادره
(1)
:
ر ابن رزيق حميد بن محمد (1858/ 1275) الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين، تح عبد المنعم عامر ومحمد مرسي عبد الله، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1397 هـ، 1977 م، كل الكتاب. (2) كتاب تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للعلامة عبد الله بن حميد السالمي، مطبوع بتصحيح وتعليق: أبي إسحاق إبراهيم اطفيش في مجلدين، وقد تقدمت بيانات طبعته.
(3) السالمي، تحفة الأعيان، المقدمة، 2/ 1. (1/333)
صفحة 334
علوم السنة عند الإباضية
314
فيها. ويظهر أنه حاول تتبع الدقة العلمية في أخذه الشفهي. وجملة القول إن كتاب التحفة من أجلّ ما كتب في تاريخ عمان، خاصة أن مؤلفه عد من المبرزين في التصنيف والتأليف في مستوى المدرسة الإباضية خصوصا وفي المدرسة الإسلامية عموما (1).
الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية (2) ألفه سليمان بن عبد الله الباروني (3)، عاش في القرن الرابع عشر الهجري، ولد بجبل نفوسة في ليبيا، أرخ الباروني في هذا الكتاب لأئمة الإباضية الذين بويعوا في شمال أفريقيا ابتداء من إمامة عبدالله بن سعيد التجيبي، إلى آخر الدولة الرستمية، وذكر أخبار علماء الإباضية خلال تلك العهود، كما تكلم عن أئمة الدعوة في البصرة.
وقد تنوعت مصادر الباروني، وتتميز كتابته بمناقشة بعض القضايا التاريخية خلال طرحه لها (4).
بعد هذه الوقفة التي وقفناها مع الشروط العامة للرواية عند الإباضية ومع ما دونوه في فن السير والطبقات يجدر بنا التأكيد على أمور مهمة مرت بنا.
(1) ر: السالمي، تحفة الأعيان، كل الكتاب.
(2) الكتاب مطبوع بنشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، وتقدمت بيانات طبعته (3) الباروني سليمان بن عبد الله بن يحيى (باشا) (و 1870/ 1287، ت 1940/ 1359) يعد أحد أفذاذ العلماء في العالم الإسلامي، وأحد قادة النضال الوطني، ولد بجبل نفوسة بليبيا، أخذ عن أبيه، ورحل إلى جامع الزيتونة بتونس، ثمّ الأزهر الشريف بمصر ثم إلى ميزاب بالجزائر ليدرس على يد قطب الأيمة اطفيش قام بدور بارز في محاربة الاستعمار الإيطالي اعتقل وسجن ثم حكم عليه بالنفي ورفضت كل الدول الاستعمارية استقباله، رحل إلى مصر وإستانبول والحجاز والعراق وعمان واستقبل من قبل حكامها له إنجازات وكتابات ومراسلات لا يتسع المقام لذكرها. لمعرفة دوره وحياته راجع ر مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم 457 الباروني، الأزهار الرياضية، مقدمة كتاب. (4) ر: الباروني سليمان بن عبد الله، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، كل الكتاب. (1/334)
صفحة 335
علوم السنة عند الإباضية
315
من ذلك شرط العدالة التي يُمثل أهم شرط في قبول الرواية من الراوي في نظر الإباضية، وهو يتداخل مع شرط الإسلام.
ونلمس حزمهم في شرط العدالة عند المتقدمين فالمتأخرين، ويتفرع عن الإسلام ردّ رواية الكافر، لكن يقبل منه بعد التوبة والإسلام، كما يتفرع عنه ردّ رواية فاسق العصيان.
وفي تقديري أن الفسق ألصق بتفرعه عن العدالة، وقد ظهر في بيان الإباضية للعدالة شرطًا للرواية أنهم قد يعبرون عنها بالأمانة، أو أن هناك تداخلا بين العدالة والأمانة، ويتفرع عن العدالة حكم رواية المبتدع، ووقفنا على رأي جابر وأبي عبيدة وغيرهما في أن البدعة هي ما أحدث مما لم يرد في سنة رسول الله كما رأينا أن الإباضية لم يحصروا البدعة في جانب دون آخر، سواء في العبادات أو المعاملات أو الأحكام أو غير ذلك، ثم إنّهم لم يميلوا إلى التشدد في كل محدث، إذ أنّ كل محدث لا يعارض روح الشريعة لا إشكال فيه، وإنما الإشكال في معارضة الشريعة أو نقض عراها، وهم يشدّدون في المبتدع الداعية الذي يلزمونه مع الرجوع إبلاغ توبته من دعاهم إلى بدعته، كما يؤكدون على وجوب البحث عن العدالة عند الأخذ والأداء، وشرط المروءة رغم إفرادهم له هو ألصق بمعنى العدالة فهو داخل فيه.
ويعد البلوغ شرطا مهما مرتبطا بالضبط والعدالة معا، فلا يقبل سماع الصبي عند أكثر الإباضية، فالصبا مظنة عدم الضبط وعدم تحقق العدالة، كما أن العقل شرط أساسي مرتبط بالضبط، وعليه لا تقبل رواية المجنون أو المعتوه، لكنهم فصلوهما فى ذكر الشروط من باب التأكيد عليهما.
أما الضبط فهو من أهم الشروط لإبلاغ الرواية سالمة من كل خلل، وهو صفة تتلازم مع الإتقان، فلا بدّ للراوي أن يكون ضابطا متقناً، وهناك أمور مؤثرة في الإتقان والضبط ذكرها الإباضية ككثرة المجالسة وغيرها، ويرتبط
بالضبط مسألة خلافهم في الرواية بالمعنى. (1/335)
صفحة 336
علوم السنة عند الإباضية
316
ومن شروط الرواية السلامة من التدليس، ويشدد الإباضية في هذا العيب حتى عدوه تلبيسا في الرواية.
وهذه الشروط المتقدمة متفق عليها بين أعلام الإباضية، وهناك شروط أخرى لم يتفقوا عليها كلهم كشرط أن لا يعمل الراوي بخلاف ما روى، وأن لا يترك بروايته غيره من أهل العلم، وأن لا يتأول الرواية راويها، وأن لا يكذب الراوي أصله، ولم يجعل الإباضية الذكورة والحرية شرطا فقبلوا رواية المرأة
الأخذ
والعبد.
أما عن كتابة الإباضية في فن السير والتراجم فقد عانى هذا الجانب بعض المعوقات، كضياع جانب مما كتبوه بسبب الحروب والعزلة التي فرضوها على
أنفسهم واحتراق مكتباتهم، لكن ما وصل منه إلى اليوم تراث حسن جيد. وتأتي كتب الطبقات والتراجم في مقدمة هذا التراث، ككتاب السير وأخبار الأئمة لأبي زكريا يحيى بن أبي بكر، وسير نفوسة لمقرن البغطوري، وسير المشايخ لأبي الربيع الوسياني، وكتاب الطبقات لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، والجواهر المنتقاة لأبي القاسم البرادي، وكتاب السير لأبي العباس الشماخي وغيرها.
وتعد كتب الأنساب من مصادر السير والتراجم بما حوته من مادة مهمة في ذكر علماء المذهب وأنسابهم وبيان بعض أخبارهم، لا سيما أن بعضها ألف من قبل علماء كبار في المذهب، ككتاب الأنساب للعوتبي والصحيفة القحطانية أو
العدنانية.
وكذلك تشكل كتب التاريخ العام والسير التي ألفها علماء المذهب موردا خصبا لتراجم علمائه، وذكر أخبارهم وسلاسلهم في الأخذ والأداء، ككتاب الكشف والبيان للقلهاتي وكشف الغمة لسرحان الإزكوي، وكتاب تحفة الأعيان لنور الدين السالمي وغيرها من الكتب. (1/336)
صفحة 337
علوم السنة عند الإباضية
317
ومن المهم التنويه به هنا أن جانبا كبيرا من هذه المصادر مفتقر إلى الدراسة العلمية والتحقيق، بل الكثير منها ما زال مخطوطا، ونسخ بعضها محصور بين أهل العلم، وهناك عناوين كثيرة لم نذكرها لأنها مفقودة لعل العثور عليها يتم بهمة الباحثين كما عثر الشيخ سالم بن يعقوب الجربي على مخطوط سير مشائخ نفوسة بعد أن كان يظن فقده.
وإذا كانت جولتنا المتقدمة في ضوابط الرواية وشروطها وفي الكشف عن مظان ذكر تراجم علماء المذهب وسلاسل فقهائه من القديم إلى الأخير تخدم علوم السند فإن هناك حلقة مهمة في الإسناد وهي جسر التواصل بين النبي ومن جاء بعده، وحلقة الوصل هذه هي الصحابي، فلا بد من وقفة تورد نظرة الإباضية إليه عدالة وآثارا، وهو ما نأمل بلوغه في الفصل الآتي. (1/337)
صفحة 338
علوم السنة عند الإباضية
318
الفصل الرابع موقف الإباضية من عدالة الصحابة وآثارهم
المبحث الأول تعريف الصحابي وعدالته:
أ- تعريف الصحابي:
صحِبَه صُحْبَةً وصحابَةً وصَحابَةً عاشره. والصَّاحِبُ: المعاشر (1) الرجل واصطحبه أي حفظه (2)، وأَصْحَبَ فُلاناً: مَنَعَه، قال تعالى: {وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} (الأنبياء 43/ 21) قال الزَّجَّاج: يَعْنِي الآلِهَة لا تَمْنَعُ أَنْفُسَها، ولا هُم مِنَّا يُصْحَبون: يُجَارُون أي الكُفَّار (3)، وقال قَتَادَةُ: "لا يُصْحَبُون من الله بِخَيْر (4) وقيل: هو من قوله: صَحِبَك الله أي حفظك وكَانَ لَكَ جَاراً (5)، قال أبو عبيدة: وقوله جلّ ثناؤه: ولا هُم مِنَّا يُصْحَبُون، أي: لا يُحفظون" (6)، وفي كتاب العين
أَصْحَبَ الرجلُ: إذا كان ذا صاحب. وكلُّ شَيْءٍ لَاءَمَ شَيئاً فقد استَصْحَبَه (7). ومن معاني صحب التي وردت أطاع وانقاد (8)، يقول ابن منظور: "وصحب وصَحابة، وصحابة، حكاها جميعاً الأخفش، وأكثر الناس على الكسر دون الهاء، وعلى الفتح معها، والكسر معها عن الفراء خاصة (9)، والأصحاب جمع
(1)
ابن منظور، لسان العرب مادة صحب، 519/ 1.
(2) م. س، 519/ 1.
(3) الزبيدي محمد مرتضى الحسني (1791/ 1145) تاج العروس من جواهر القاموس، تح: عبد الستار أحمد فرج، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، 1385 هـ، 1965 م، 188/ 3.
(4)
(5)
م. س، طبعة الكويت، 188/ 3.
م. س، طبعة الكويت، 188/ 3.
(6) الأزدي ابن دريد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (933/ 321)، كتاب جمهرة اللغة، تح:
رمزي منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، (د. ت)، 280/ 1.
(7) الخليل بن أحمد العين 125/ 3
(8)
(9)
الزمخشري، أساس البلاغة مادة صحب، ص 348.
ابن منظور، لسان العرب مادة صحب، 519/ 1. (1/338)
صفحة 339
الجوهري
(2)
علوم السنة عند الإباضية
319
صحب (1)، وأما الصحابة فمصدر، ويجمع الأصحاب على أصاحيب كما يقول ويقول ابن دريد: " والصحب والصحاب والأصحاب والصحابة واحد؛ فإذا قالوا صحابة فهم الأصحاب، وإذا قالوا صَحابة فهم القوم الذين يصحبونه وربما كانت الصحابة مصدراً، يقولون: فلان حسن الصحابة، أي الصحبة (3).
وهذه المعاني اللغوية المتقدمة واضحة بينة في الصحابي فهو المعاشر لرسول
الله و او المدافع عنه والحامي المانع عنه المحافظ عليه الموافق والملائم له. وإذا ما انتقلنا عن المعنى اللغوي إلى الاصطلاحي نجد أبا عمرو السوفي يورد عن يحيى بن ويجمن (4) تعريفه للصحابي بأنه كلّ من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وأخذ عنه (5)، ثم يذكر السوفي في حده أقوالا أخرى فقيل: "من آمن به ورآه"، وقيل: "من آمن به ورآه ومات على الإسلام لم ينكث ولَمْ يرتدّ، فمعنا أنه مات حميدا فقيدا (6) وقد أبرز الفرق بين الصحابي والتابعي بأن حد الصحابي من
صحب النبي، والتابعي من صحب الصحابي
(7)
(1)
م. س، 519/ 1.
(3)
الجوهري، الصحاح، طبعة دار الحضارة 705/ 1
ابن دريد، جمهرة اللغة، 280/ 1.
(4) الهواري أبو زكرياء يحيى بن ويجمن بن محمد (1074/ 467): هو العلامة الورع الذكي، الفطن التقيُّ، الذي سمي صاحب الغوامض الكاشف بذكائه كلَّ غامض خفي، كان من سكان آجلو بوادي أريغ بالجزائر، أخذ العلم عن أبي محمد ويسلان وغيره، كان راسخ القدم في العلم مدونا لكل ما يجمعه، وكانت له حلقة علم تخرج منها جمع من الجهابذه يعد من الرواة الحفاظ للآثار، روى عنه الوسياني والسوفي. ر: أبو زكرياء السيرة 370/ 2، الشماخي: السير،77/ 2.
(5) السوفي، السؤالات، (مخ) ص 183.
(6)
(7)
م. س، ص 184.
م. س، ص 184. (1/339)
صفحة 340
علوم السنة عند الإباضية
320
ونجد عند أبي يعقوب مزيد تفصيل في بيانه حد الصحابي حيث يقول"والصحابي كل من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه و آمن به وأما إن كان رآه قبل أن يبعث أو بعد ما بعث ولم يؤمن به إلا بعد موته فهو من التابعين.
کلامه
وأما الأعمى الذي لا يبصر وقد سمع كلامه، أو كان بموضع لا يسمع أو رآه لكنه أصم لم يسمعه إلا أن هؤلاء كلهم عقلوه ورأوا من هديه شيئاً من أقواله وأفعاله فإن هؤلاء صحابة، ومن رآه من الأطفال وعقله أو عقل عنه شيئاً من أقواله وأفعاله فهو من الصحابة (1)، وهذا التعريف يقرب من تعريف المحدثين (2) غير أن تعريف الشماخي والتلاتي أقرب (3)، حيث يقول الشماخي:" والصاحب من رأى النبي، أو سمعه مؤمنا به (4)، ويقول التلاتي: "الصحابي أي المجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به" (5).
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 149/ 1.
:
(2) باجو مصطفى بن صالح، منهج الاجتهاد عند الإباضية، أطروحة دكتوراه قدمت في جامعة الجزائر، 1420/ 1419 هـ - 1999/ 1998 م، مرقونة، ص 537، وانظر تعريف المحدثين للصحابي في الشهرزوري ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن (1246/ 643) علوم الحديث، تح نور الدين عتر، دار الفكر، دمشق وبيروت، 1406 هـ، 1986 م، ص 293 - 294. وانظر بحثا نفيسا في تعريف الصحابي وطرق معرفته عند اللكنوي أبو الحسنات محمد بن عبد الحي (1887/ 1304)، ظفر الأماني في مختصر الجرجاني، تح: تقي الدين الندوي، ط 1، دار العلم للنشر والتوزيع، دبي، الإمارات العربية المتحدة، 1415 هـ، 1995 م، ص 494 - 513. (3) نجد المحققين من المحدثين كالعراقي وابن حجر يعرفون الصحابي بأنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك. لمزيد من التفصيل ر: العراقي زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن (1404/ 806)، التبصرة والتذكرة (شرح ألفية العراقي)، تصحيح محمد بن الحسين العراقي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (دت)، 2/ 3 - 7، العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي (1449/ 852)، نخبة الفكر (مطبوعة ضمن سبل السلام، دار إحياء التراث، بيروت، (د. ت)، 230/ 1
(4) الشماخي،، شرح مختصر العدل، ص 450.
(5)
التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 192. (1/340)
صفحة 341
علوم السنة عند الإباضية
321
ورغم ذكر الثلاتي التعريف المتقدم نجده في موضع آخر يعتبر تعريف الشماخي المتقدم هو الأولى لكنه أضاف له قيودا مهمة في تقديري فيكون الصحابي الشخص الذي رأى النبي محمدا و وسمعه، وأدرك كلامه، ولم يرتد، وبحال يكون فيها مؤمنا مصدقا بالنبي، سواء كان ذكرا أم انثى، حرا أم عبدا. ثم ذكر التلاتي أن من اجتمع به كافرا يخرج بذلك، فليس بصاحب له لعداوته، وأن من رآه أو سمعه يسمى صحابيا وإن لم يرو عنه شيئا ولم يطل اجتماعه
به (1).
(3)
ونجد من المتأخرين من عرف الصحابي كالقطب محمد اطفيش فقد عرفه بأنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم ولو لحظة وآمن به (2)، ويعرفه خلفان بن جميل السيابي 3 بقوله:" الصحابي من اجتمع بالنبي الله مؤمنا به، ذكرا كان أو أنثى، ولا يشترط طول الصحبة ولا الرواية (4).
وهناك ألفاظ تفيد الصحبة ذكرها العلماء، فالوار جلاني يذكر بعض ألفاظ تثبت الصحبة وأخرى لا تثبتها فمثلا فإذا قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قوله وخبره يقبل، ومثل ذلك إن قال صحبنا رسول الله له أو قال نحن أصحاب رسول الله، أو أنه ذكر شيئا في مشهد من مشاهد رسول الله مما يدل على أنه أمر به
(1)
م. س، ص 195.
(2) اطفيش محمد بن يوسف (1914/ 1332) شرح النيل وشفاء العليل، ط 2، مكتبة الإرشاد جدة، دار الفتح، بيروت، لبنان 1393 هـ/ 1973 م، 9/ 1.
(3) السيابي أبو يحيى خلفان بن جميل (1972/ 1392) من سمائل بعمان، علامة جليل، وفقيه وأصولي، وأديب شاعر، يعتبر أحد أجلاء علماء عمان في القرن الرابع عشر الهجري، كان مجدا في طلب العلم شغوفا به كما كان كثير العبادة، أخذ عن أكابر علماء عصره مثل نور الدين السالمي، ولي القضاء والتدريس، وعني بالتأليف وله عدد من الكتب. ر: الخصيبي محمد بن راشد شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، 51/ 3، مجموعة باحثين دليل أعلام عمان 58. (4) السيابي خلفان بن جميل (1972/ 1392)، فصول الأصول، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1402 هـ، 1982 م، ص 356. (1/341)
صفحة 342
علوم السنة عند الإباضية:
<322
ذلك الوقت فإن قوله يقبل (1)، ونجد الشماخي لا يقطع بمثل الصيغ المتقدمة وإن مال إلى القبول فهو يقول: وإذا قال من عاصر النبي، وهو مسلم عدل صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أنا صاحب قبل، لأن ظاهره الصدق، ولم تكن صحبته مقطوعا بها، لأنه مدع رتبة (2)، وأما الصيغ التي لا تفيد الصحبة عند الوارجلاني فمثل قول الصحابي أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كنتُ في الغزوة الفلانية، أو لقيته بالمدينة أو بمكة، أو رأيته في الموضع الفلاني، أو عاملته أو أهديت إليه فقبل أو ردّ، فهذا ليس فيه مما يدل على صحبته إلا مع وجود قرينة قارنته على حد قول الوارجلاني، ومثل ذلك عنده إن قال أنا عبده فأعتقني أو مولاه أو نسيبه (3)، أما الشماخي فيرى في من قال: أرسلني، أو كنت في غزوة كذا، أو لقيته، فإنه يحتمل الصحبة وغيرها (4).
ب- عدالة الصحابي:
هنا قضيتان من المهم التمييز بينهما في التراث الإباضي في تقديري، قضية الحكم في عدالة الصحابة ومناقشتها من الناحية الأصولية، وقضية الثناء على
الصحابة.
وتلازم القضية الأولى أو تتفرع عنها مسألة الاحتجاج بقول الصحابي، وعليه فمن المهم عدم الخلط بين القضيتين في تقديري، وذلك لأننا حينا نجد عالما يرى أن التعديل ليس مطلقا وحينا آخر نجد له ثناء حسنا عاطرا على جملة الصحابة دون تفريق مما يعطي انطباعا بتناقض في الكلام، والأمر في حقيقته يحمل تنزها عند جمهور علماء الإباضية عند معالجتهم لموضوع الصحابة فتجدهم يجرون الثناء العاطر على جملة الصحابة وفي الوقت ذاته التدقيق العلمي لحكم التعديل
كما يرون.
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 160/ 1.
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 451.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1/ 160. (4) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 452. (1/342)
صفحة 343
علوم السنة عند الإباضية:
323
فإذا ما نظرنا مسألة تعديل الصحابة أصوليا وجدنا الأمة تذهب فيها إلى أقوال عدة، فقيل إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية، وقيل هم عدول على الإطلاق، وقيل إنهم لم يزالوا عدولا إلى حين وقوع الاختلاف والفتن فيما بينهم، وبعد ذلك فلا بدّ من البحث عن العدالة في الراوي أو الشاهد منهم إذا لم يكن ظاهر العدالة وقيل عن البعض بأن كل من قاتل عليا عالما منهم فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجه عن الإمام الحق، ومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم لأن أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معين وقال آخرون بقبول رواية كل واحد منهم وشهادته إذا انفرد لأن الأصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع المخالفة لتحقق فسق أحدهما من غير تعيين. هذه أشهر الأقوال التي أوردها علماء الأصول في كتبهم، ولست في مقام البسط لها ومناقشتها وذكر استدلال كل فريق على قوله، ولا بيان قول من هذا
ولا ذاك وقد أوردته المصادر باستفاضة (1)، ولكنني أردت ذكرها إجمالا دون الخوض في تفاصيلها وأصحابها، ثم الحديث عن رأي الإباضية في ذلك.
وابتداء يمكن القول إن الإباضية تعددت الأقوال معهم فمنهم من ذهب إلى التعديل المطلق كبيوض إبراهيم بن عمر إذ يقول: "أما الكلمة الجامعة في حقهم
(1)
(2)
أنظر لمزيد من التفصيل حول مسألة عدالة الصحابة: ر: الآمدي أبو الحسن علي بن محمد (1233/ 630)، الأحكام، تح سيد الجميلي، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت 1404 هـ 102/ 2، الغزالي أبو حامد محمد بن محمد (1112/ 505) المستصفى، تح: محمد عبد السلام عبد الشافي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413 هـ 1/ 130، المالكي أبو بكر بن العربي المعافري (1149/ 543) المحصول، تح حسين علي اليدري، سعيد فودة،
دار البيارق عمان، 1420 هـ، 1999 م 437/ 4، وغيرها من كتب الأصول. (2) بيوض إبراهيم بن عمر (و 1899/ 1313، ت 1981/ 1401) من القرارة بالجزائر، علامة مجتهد، وداعية مصلح، وزعيم مبجل تمتع بذكاء وحافظة قوية أهلته ليتبوأ أرفع المكانة بين علماء الجزائر، تبنّي الحركة العلمية والنهضة الإصلاحية في ميزاب، وترأس مجلس العزابة، أسس معهد الحياة الذي خرج أجيالا، عني بالتدريس وفي مقدمة ذلك التفسير والحديث (1/343)
صفحة 344
علوم السنة عند الإباضية:
324
فهي الرضا عنهم جميعا والاستغفار لهم، كما أمرنا الله تعالى، والوقوف فيما شجر بينهم ... فأنا أرضى عن الصحابة أجمعين (1)، ومحمد بن حاج سليمان مطهري (2) إذ يقول: فلا نسأل عن عدالة أحدهم، لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأئمة (3)، فعبارتا بيوض ومطهري واضحتا التصريح بالإطلاق في تعديل الصحابة، وفي غيرهما نجد ميلا إلى مثل هذا النوع من التعديل من ذلك بعض عبارات أبي مهدي في أحد أجوبته وردوده حيث يقول في وصف الصحابة: "الهم السهم الأوفر، وسلكوا الطريق الأقصد، ولزموا السبيل الأرشد، فهم أئمة السناء، ونجوم الهدى، أعلام الدين ومنار الإسلام، وكلامهم حجّة، وسكوتهم حجّة، ومخالطتهم غنيمة، والاستئناس بهم حياة، والاقتداء نجاة، ويل للزائغ عن طريقهم، الراغب عن سنتهم .... كان أبي رحمه الله ينهى من يذكر ما جرى بينهم إلا من يذكر عنهم خيرا، رضي الله عنهم ورحمهم، فهذا اعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم"
بهم
(4)
(1)
حيث درس فتح الباري لابن حجر العسقلاني، بعد تدريسه شرح مسند الإمام الربيع للسالمي، ودرس كتب الأصول والفقه، له دور كبير في النضال ضد الاستعمار الفرنسي كما كان له مشاركات فعالة مع إخوانه من علماء الجزائر في كل أدوارهم. ر: مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية في المغرب 20/ 2، ترجمة رقم 33. بيوض إبراهيم بن عمر (1981/ 1401): فضل الصحابة والرضا عنهم: تح: بهون بن يوسف بهون، طبع بالقرارة، معهد الحياة، الجزائر، 1417 هـ، 1996 م، ص 2. (2) المطهري محمد بن سليمان بن بكير (1998/ 1419) من مليكة بغرداية في الجزائر، علامة جليل، تبحر في علوم اللغة والشريعة، وفي مقدمتها علم الحديث حيث ألف فيه كتابه فتح المغيث لا تزال أغلب أعماله تراثا مخطوطار: المطهري محمد بن سليمان، فتح المغيث، مقدمة فتح المغيث، ص 1.
(3) المطهري محمد بن سليمان بن بكير (1998/ 1419)، فتح المغيث، تح: أحمد كروم و عمر بازين، ط 1، المطبعة العربية غرداية الجزائر، 1419 هـ، 1999 م، ص 104. (4) ال المليكي أبو مهدي عيسى بن إسماعيل (1564/ 971)، جواب أبي مهدي على سؤال أبي علي البهلولي (مخ) ضمن مجموع مكتبة الحاج سعيد، غرداية، الجزائر، رقم 13، 16 ظ. (1/344)
صفحة 345
علوم السنة عند الإباضية
325
وقال محمد بن أبي القاسم المصعبي (1): " وندين الله تعالى باتباع كتابه واتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما عليه الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، واعتقادنا في الصحابة رضي الله عنهم أنهم
عدول وأنهم أولياء الله وحزبه، أَلَا إِنَّ حِزب الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ (المجادلة 22/ 58)، فهذا اعتقادنا وعليه اعتمادنا فالله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا، والكعبة قبلتنا، والصحابة قدوتنا، وقد مدحهم الله في كتابه في غير موضع " (2).
ونلمح في تلك العبارات المتقدمة ميلا إلى عموم التعديل وإطلاقه دون تفريق، وهو نهج يتجلى أكثر ويبرز مع مرور الزمن، خاصة مع التلاقح الفكري والتقارب المذهبي بين المسلمين؛ ولذلك وجدنا من ثمرات ذلك توجه كثير من العلماء خاصة المتأخرين إلى الوقوف في مسألة الصحابة، وهذا النهج له أنصاره داخل المدرسة الإباضية حتى من المتقدمين، يقول أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي (3) ناظما من الطويل) سوَى أَنَّ مَا بَينَ الصَحَابَة قَدْ جَرَى
فَإِنَّ التِمَاسِ العُذْرِ فِي ذَاكَ أَسْلَمُ
(1) المصعبي محمد بن الحاج أبي القاسم بن يحيى الشهير بـ «حمو والحاج» (1717/ 1129) عالم جليل من عائلة علمية عريقة أخذ عن أبيه، ترأس الحلقة و مجلس عمي سعيد، كانت له حلقة علم خرجت علماء كبارا، اشتغل بالتأليف فأكثر وأجاد ر: أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) 47/ 1، 57/ 1. الجعبيري: البعد الحضاري، ص 173.
(2)
المصعبي محمد بن الحاج أبي القاسم (1717/ 1129)، جواب أبي القاسم على بعض الطاعنين، (مخ) مكتبة الحاج سعيد غرداية الجزائر رقم 13.12، 19 ضمن مجموع، 3
ظ - 4 و.
?
(
(3) التندميرتي أبو عثمان عمرو بن عيسى (1924/ 1321) من نفوسة بليبيا، أخذ عن عبد الله بن يحيى الباروني وغيره، كان عالما فقيها ولغويا كاتبا، وشاعرا بارعا، شهد له شيوخه بنبوغه، قام ببث العلم والتأليف ر: أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) 113/ 1، معمر علي يحيى، الإباضية في موكب الحلقة الثانية القسم الثاني ص 132؛ 234/ 4. (1/345)
صفحة 346
علوم السنة عند الإباضية
فَذِي فِتَنٌ قد حَارَ فِيهَا ذَوُو النُّهى
لذَلكَ كُلُ النَّاسِ فِيها تَوَرْطُوا
فَكُلِّ يَرِى تَصْويبَ رَأَي جَمَاعَة
تَقُولَ فِي الشَّيْخَينِ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ
فَإِن كُنْتَ ذَا حَزْمٍ وَرُمْتَ سَلَامَة
326
وأشكل وجهُ الحَقِ فِيها عَليهُمُ
ولا فِرْقَةٌ مِنْ ذِي الوَقِيعَة تَسْلَمُ
وَيَقْدَحُ فِي الْأُخْرِى عِنَادَا وَيَشْتِمُ
وحَيْدرة فيه أُناسٍ تَكَلموا
بِيَوم به عِنْدَ المُهَيمِن تَقْدِمُ
فَإِيَاكَ إِيَاكَ التَعَصَبَ خَوفَ أَنْ
تُنقِصَ إِنسَ انَا لَدَى اللَّهُ يُكْرَمُ
ولَا تَقْفُ أَمْرًا لَسْتَ تَعْلَمُ عِلْمَهِ
وَلَا تَتَهَوَّر فَالتَوَقُفُ أَسْ
لَمُ
وَقِفَ عِنْدَ نَهْيِ الهَاشِمِي وَأَمْرِهِ
تَرَحَمَ عَلَيْهِم وَارْضٍ عَنْهُم فَإِنَّمَا
وَلَا تَكُ وَتابا بِرَأْيكَ تَحْكُمُ
حقُوقُهُمُ مَحْضُ الرِضا والتَرَحْمُ (1)
ويقول أبو ستة محمد بن عمر: وإذا تقرر في ذهنك ما حكيناه، واتضح لك ما استدللنا به ونقلناه علمت أن التعلق بما شجر بينهم رضوان الله عليهم أجمعين تكلّف وفضول لمن لا يعلم ذلك، حيث كان مما يسع جهله، وقد وجد في الإعراض عن ذلك سبيل منقول عن العدول، فلم يبق في حقهم حينئذ إلا الجزم بالعدالة لأصلها فيهم، من كونهم كلهم أئمة عدولا يقتدى بهم عدولا يقتدى بهم كما نقل ذلك عن
(1) معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 42/ 2 - 43. (1/346)
صفحة 347
علوم السنة عند الإباضية
327
الرسول صلى الله عليه وسلم والإعراض عما شجر بينهم " (1)، وعبارة أبي ستة تجمع بين النهي عن الخوض في ما شجر بين الصحابة والإمساك والوقوف في ذلك، وبين التصريح بإطلاق العدالة وتعميمها.
ويقول أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (2): " أما الصحابة فلهم مزية عظيمة وهي مزية الصحبة والذب عن أفضل الخلق وإراقة دمائهم في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى فيختار الكف عن الحوادث المشؤومة ويقول أيضا:" وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن (3)، ويقول علي يحيى محسن (3) معمّر (4): إن موضوع الصحابة رضوان الله عليهم أجل من أن يكون موضوعا
11
(1) التعاريتي سعيد بن يونس (1936/ 1356)، المسلك المحمود في معرفة الردود، مرقون،
ص 64.
(2)
اطفيش أبو إسحاق إبراهيم بن محمد (و 1886/ 1305، ت 1965/ 1385)، من بني يسجن بالجزائر، أخذ عن عمه قطب الأيمة اطفيش وغيره، ورحل إلى تونس فأخذ عن الطاهر بن عاشور وغيره، شارك في تأسيس حزب الدستور التونسي، أبعدته فرنسا عن تونس فتوجه إلى القاهرة، وبها استقر، كان علامة محققا ولغويا أديبا مفلقا، آية في النشاط فكثرة إنجازاته، حيث أصدر مجلة المنهاج، وألف الكثير من الكتب والرسائل، وحقق العشرات من الكتب، وحرر الردود على المستشرقين، ونشط في دعم النضال ضد المستعمر، ووثق الصلات بالمفكرين والعلماء، وشارك في تأسيس عدد من الجمعيات علاوة على كونه مرجعا للفتوى والعلم، وبالجملة يندر مثله في تنوع نشاطه رحمه الله. ر: أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) 343/ 2، مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية (المغرب) 24/ 2، ترجمة 37.
(3) معمر علي يحيى، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 45/ 2.
(4)
معمر علي يحيى (و 1919/ 1337، 1980/ 1400)، من نالوت بنفوسة في ليبيا، بدأ تعليمه في ليبيا في حلقات العلم وفي المدارس العصرية، رحل إلى جربة للعلم ثم إلى جامع الزيتونة فاغترف منه ثم رحل إلى القرارة في الجزائر وتتلمذ على الشيخ بيوض وغيره، ثم عاد إلى ليبيا عالما جليلا متضلعا، ومفكرا تربويا لامعا ومؤرخا أديبا كاتبا، تنوعت أنشطته بين تأليف الكتب والمقالات والنشاط الصحفي والتدريس وبث العلم والفكر، يعتبر بحق من أعلام الإباضية في العصر الحديث ولقيت كتاباته قبولا بين الإباضية وغيرهم فهو ممن حملوا لواء التقارب والوحدة بين المسلمين. ر: أمانة الإعلام: دليل المؤلفين العرب الليبيين منذ (1/347)
صفحة 348
علوم السنة عند الإباضية
328
للمهاترات، وحديثا للمشاغبات ودعوة من دعوات العصبيات، فأصحاب رسول الله له هم أولياء كل مؤمن صادق، وهم أعداء كل منافق، وكما لا يحل لمؤمن أن يحمل لهم ذرّة من البغضاء لا يحل له كذلك أن يحارب المسلمين بهم ويزرع الفتنة بين صفوف المؤمنين بدعوى محبتهم والغيرة عليهم، وإذا كان في المسلمين من أي مذهب كان من يحمل لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأحدهم أي معنى لا يليق بجلال مركزهم وشرف، صحبتهم، فإن عليه أن يطهر قلبه بالتوبة والاستغفار وأن يغسل دنس البغضاء بمحبتهم وولايتهم، فإنه لا ألأم ولا أشد كفرانا ومعصية من إنسان يتطرق إلى قلبه شيء من بغض من أحبه الله ورسوله قبل ثلاثة عشر قرنا (1)، إن هذه العبارات مع كونها تنشر عبق تعديل الصحابة، فهي تحمل نيران صواعقها على من حمل في قلبه بغض الصحابة، وهكذا يتبين لنا أن الرأي المتخذ الوقوف عما شجر بين الصحابة صار منهج أكثر علماء الإباضية بل يقترب أن يتفق عليه داخل هذه المدرسة.
وأما التعديل فكما رأينا ميل طائفة إلى التعديل المطلق، ونحت طائفة أخرى منحى التقييد في هذا التعديل، فأبو يعقوب الوارجلاني بعد أن ذكر فضل عموم الصحابة قال: والصحيح أن الصحابة كلهم بالحالة الأولى التي ذكرناها أي من الفضل والعدالة - إلا من ظهر منه ما يخرج به، وقد صدرت منهم أمور من سفك الدماء .... ما لا يخفى على ذي عقل متواتر تواتراً يحصل به العلم الضروري ولا بد أن يجعل للتعديل والتجريح مكاناً وإن كانوا صحابة" (2).
ويقول الشماخي "إعلم أن الصحابة كلهم عدول إلا من ظهر تجريحه، أو ارتداده (3)، ويقول عمرو التلاتي: " الصحابة ... كغيرهم مثل من ليسوا صحابة في
الفتح الإسلامي لليبيا إلى غاية 1396 هـ / 1976 م، دار الكتب طرابلس، 1397 هـ، 1977 م، 286 مجموعة باحثين، معجم أعلام الإباضية 296/ 2، ترجمة 640.
(1) معمَّر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، 52/ 2.
(2)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 147/ 1 - 149.
(3) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 450. (1/348)
صفحة 349
علوم السنة عند الإباضية
329
عدم تيقن عدالتهم فيبحث عنها في الرواية والشهادة إلا من يكون ظاهر العدالة ومقطوعها كالشيخين رضي الله عنهما (1)، ويقول في موضع آخر: "وقلنا الصحابة كغيرهم في عدم الجزم بعد التهم، فإن كانت الواسطة عادلة أو قلنا بعدالة الصحابي قبل، وإلا توقف من قبوله (2)، ويقول القطب محمد اطفيش: "الصحابة كلهم في الولاية لأنهم تحت الإمام العدل وهو النبي، وتحت الصديق والفاروق، إلا من حضر الفتن وزلّ فيها ولم يتب (3) وقال في موضع آخر" ... وهم في الولاية إلا
من تبينت منه كبيرة ولم يتب منها، لأنهم تحت أيمة العدل، ومن حضر الفتن فصوب الضلال برئ منه (4). منه" (4).
وقد ناقش نور الدين أقوال الأمة المختلفة في عدالة الصحابة مناقشة حسنة فقد رد قول القائلين بتجريح جميع الصحابة أو قول من قال بجرحهم إلا من قدم عليا في الخلافة وقال: " فإن هذين القولين أشنع أقوال المسألة وأبعدها من الحق لمضادتها قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (الفتح 18/ 48) وقوله: هو مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (الفتح 29/ 48) وكثير من آي الكتاب يقضي بثبوت الفضل والعدالة على الجملة، ولقوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وتعقب السالمي القول القائل بإطلاق التعديل سواء قبل الفتن أو بعدها، ناقلا عن صاحب المنهاج أن ذلك مبني على قاعدتين باطلتين الأولى أن الإمامة مسألة اجتهادية وليست قطعية والثانية كونها تثبت بالغلبة ولو لفاسق وجاهل، مبينا
(1) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 194 - 195. (2) م. س، ص 199.
(3) اطفيش، وفاء الضمانة، 406/ 3.
(4) اطفيش، شرح النيل، 9/ 1.
(6) (5)
(5) أورده بهذا اللفظ ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كل من ابن عبد البر في الاستذكار، 7/ 4، وأبو عبد
الرحمن السلمي في آداب الصحبة، 117/ 1 (192)، وابن حجر في فتح الباري، 57/ 4.
(6) السالمي، شرح طلعة الشمس، 42/ 2 - 43. (1/349)
صفحة 350
علوم السنة عند الإباضية
330
بطلان ذلك ومؤكدا رأي من ذهب إلى أنّ هذا القول يبطل ثبوت البغي وفسق الباغي، والكتاب العزيز مصرح بثبوت البغي وفسق الباغي بقوله: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (الحجرات 9/ 49) فبين الله حكم الباغية الخارجة عن أمر الله بأن حكمها القتل، وينهي نقله بعبارة: " وكل خارج عن أمر الله حدّه القتل فهو فاسق قطعا كالكافر فإنه خارج عن أمر الله وحده القتل حتى يرجع، وفي هذا كفاية لمن أنصف ولم تجذبه أمراس (1) التعصب والهوى إلى التدهده (2) في مهاوي الردى (3).
ثم يقول السالمي مبينا ترجيحه والقول الذي يتبناه" والقول الفاصل بين الخصوم في هذا المقام، وهو المطابق لظاهر الكتاب والسنة أن نقول إنهم جميعا عدول إلا من ظهر فسقه منهم قبل الفتن، أما بعد الفتن فمن علم منه البقاء على السيرة التي كان عليها رسول الله الله فهو عدل مطلقا، ومن لم يعلم منه البقاء على تلك السيرة فلا يسارع إلى تعديله حتى يمتحن ويختبر لكثرة اختلاط المفتتنين واختلاط الموفين بغيرهم، ولكن هذا في من لم يعلم بقاؤه على العدالة فلا معنى لامتحان من علم منه البقاء على العدالة (4).
واستدل نور الدين السالمي على قوله الذي يراه جامعا للأقوال، فصلا فيها، بظواهر الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (الفتح 29/ 48) وغيرها من الآيات المقتضية تعديل الصحابة، وأما السنة فكقوله: (أصحابي كالنجوم ... )، وبفعل النبي صلى الله عليه وسلم
(1) يطلق أمراس على الحبال لتمرس اليد عليها، ولعل مراد السالمي هنا حبال التعصب وروابطه ر ابن منظور، لسان العرب مادة مرس، 216/ 6 أي السقوط والتدحرج والوقوع من الأعلى إلى الأسفل ر: ابن منظور، لسان العرب مادة دهده، 489/ 13.
(3)
السالمي، شرح طلعة الشمس على الألفية، 43/ 2.
(4) م. س، 44/ 2. (1/350)
صفحة 351
علوم السنة عند الإباضية:
331
فإنه كان يقضي بشهادتهم وأبو بكر في خلافته وعمر في صدر خلافته، فلولا ثبوت العدالة لهم ما حكموا بشهادتهم من غير تعديل، ثم يقول السالمي: " ثم نصب عُمَرُ المزكين بعد أن كثرت الخيانات في الناس وظهرت شهادات الزور، أخذا بالاحتياط وتمسكا بالحزم وتثبتا في أمر الله فعلمنا أن حكمهم قبل الفتن مخالف لحكمهم من بعدها والله أعلم (1).
ونرى هذا القول عند بعض من جاء بعد السالمي كخلفان بن جميل السيابي الذي يختصره بقوله: والصحيح أنهم قبل الفتن عدول إلا من ظهر منهم ما يقدح العدالة، وبعد الفتن كذلك" (2)، وهذا التقييد أيضا مبني على جواز التبدل في
في
حياة الإنسان عموما والصحابة كسائر البشر في ذلك، يقول أبو ستة: {وَمَن بَعْدَ ذَلِكَ} (النور 55/ 24) استدل بهذه الآية في كتاب السير على جواز التبديل والتغيير في حق الصحابة رضي الله عن الموفين منهم إلى الممات (3)
وهؤلاء الذين نقلنا عنهم تقييد التعديل المتقدم نجد لهم حسن الثناء على جملة الصحابة، وهذا ما أردته في إشارتي في بداية الحديث فإنّه لا ينبغي الخلط بين قضية التعديل وتقييده فذلك منهج أصولي - عني بعض العلماء بتفصيله (4) - وبين حسن ثنائهم العاطر على الصحابة، بل ونهيهم عن الوقوع في تجريح الصحابة وسنقف على بعض عباراتهم المعبرة لذلك.
(1)
م. س، 44/ 2.
(2) السيابي، فصول الأصول، ص 356.
(3)
السدويكشي القصبي أبو ستة محمد بن عمر (1677/ 1088)، حاشية أبي ستة على رسالة تلميذه علي بن سالم بن بيان الجربي في التوحيد، ((مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، غيزن، جربة، تونس، (د. ت)، ص 50.
(4) ممن عني بهذا الجانب وفصل فيه الحديث، وعرضه عرضا علميا دقيقا، وبحثه بحثا عميقا، وبنفس علمي مؤصل، العلامة أبو بكر الكندي في كتابه التخصيص، ومن خلال وقوفي عليه رأيت أنه بحث نفيس، ولا يزال مخطوطا، لعل همة أحد الباحثين تنصرف إليه، فتكشف الكنز العلمي الذي فيه ر: الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى (1162/ 557)، التخصيص، (مخ) مكتبة سالم بن حمد الحارثي (د. ت)، صورة لدى الباحث. (1/351)
صفحة 352
علوم السنة عند الإباضية
332
على أن هذا لا يعني عدم وجود خط متحمس لبعض الأحداث التي وقعت، فمالوا إلى العبارة المتشددة في هذه المسألة، فخرجت منهم عبارات لا نقبلها، وأنكر عليه غيرهم من العلماء ذلك، لكن هؤلاء قليلوا العدد، وإن كان لا يمكن عند الطرح الموضوعي أن لا نشير إليهم، كما أننا لا نقبل بالمقابل محاكمة جملة هذه المدرسة من خلال مواقف لا تعدو كونها عبارات أفراد عند مقارنتها باقي عبارات رجال هذه المدرسة وعلمائها.
ومن هؤلاء أحمد بن النضر (1) في لاميته، وفيها كلام قاس في حق عثمان وعلي (2)، كما وجد كلام عند القلهاتي (3) والبرادي (4)، ويندر وجود كلام عن غيره بمثل مستواه، فنجد عند إسماعيل بن موسى الجيطالي إشارة في مسائل الولاية
(1) السمائلي أحمد بن سليمان بن عبد الله بن النضر (1291/ 690) من سمائل بعمان كان علامة عصره ووحيد دهره نشأ في بيت علم وفضل، اشتهر ابن النضر بحافظته القوية وذهنه الوقاد وتبحره الواسع في علوم الشريعة واللغة، يروى أنه كان يحفظ من شعر العرب المتفرق أربعين ألف بيت غير القصائد الطوال، أوتي براعة في النظم، حتى أطلق عليه لقب أشعر العلماء وأعلم، الشعراء قتله أحد ملوك بني نبهان الجورة، وهو خردلة بن سماعة النبهاني، وأحرق مكتبته، ولم يبق من كتبه إلا اليسير ر: البطاشي، إتحاف الأعيان،
299/ 1
(2) السمائلي بن النضر احمد بن سليمان بن عبد الله (1291/ 690)، لامية ابن النظر، (مخ) مكتبة سالم بن حمد الحارثي، المضيرب، عمان، د. ت لدى الباحث صورة منها، ص 2. (3) القلهاتي الأزدي أبو عبد الله محمد بن سعيد (ق 12/ 6) يعد أحد أبرز علماء النصف الثاني من القرن السادس الهجري في عمان، كان علامة فقيها وأصوليا متكلما، ومؤرخا شاعرا، ولغويا أديبا، ألف عددا من المؤلفات أهمها كتاب الكشف والبيان تتسم مؤلفاته بالعمق و التوسع، وتصدر للمنافحة عن كثير من القضايا العلمية والردود. ر: البطاشي، إتحاف الأعيان، 312/ 1، الخصيبي، شقائق النعمان، 29/ 1.
(4) ر: القلهاتي الأزدي أبو عبد الله محمد بن سعيد (ق 12/ 6)، الكشف والبيان، (مخ) مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، بني يسجن الجزائر رقم 32 ك، ص 143 و، 153 ظ، البرادي أبو القاسم بن إبراهيم، الجواهر المنتقاة فى ما أخل به كتاب الطبقات، ص 54 وما بعدها.
6 (1/352)
صفحة 353
علوم السنة عند الإباضية
333
والبراءة، لكنه لم يزد أن أورد رواية أخرجها الطبراني وغيره (1) ولم يعلق
عليها (2)
ومن العلماء الإباضية من يتجنب الخوض في أمر عثمان وعلي ولكنه لا يقبل اتباع النهج ذاته في معاوية وعمرو بن العاص فينقدهما في ما حصل بسببهما - كما يراه من فتنة وفرقة وخلاف، ومن أمثلة هؤلاء العلماء ابن سلام وغيره
ومع
كله (4)
(3)
هذا فإن ما يوجد في التراث الإباضي من كلام في قضية الصحابة لو جمع لا يساوي شيئا مما تكلم به غيرهم بل نجد أن بعض علماء الإباضية
(1)
(1) الرواية هي حديث لفظه:" لعن الله الراكب والقائد والماشي ولا نحب الكلام عنها ولا التعليق، فمن شاء التبين لها فليراجع الطبراني، المعجم الكبير، 71/ 3، ح (2698) (2) ينظر: الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (1349/ 750): قواعد الإسلام، تح: حاج موسى بشير، المطبعة العربية، ط 1، 1418 هـ/1998 م،201،171/ 1. (3) من ذلك قول ابن سلام وظهر أهل الباطل من أصحاب معاوية على أهل الحق، فاختفى المسلمون بالحق الذي تمسكوا به ر ابن سلام بدء الإسلام، ص 126. (4) يمكن للباحث المنصف تتبع كتب المذهب الإباضي التي تعرضت للفتنة التي وقعت بين الصحابة، وسيجد أن ما ذكروه قليل وهين بالنسبة لما ذكره غيرهم من الفرق، ولعل كثيرا منه مستقى من مصادر غيرهم، ونحن اليوم نقف في هذه المسألة، ولا ندافع عن مقالات قيلت، وكذلك لا نغطي ما قيل زاعمين بأنه لم يقل، كما أننا لا يمكننا تخطئة أحد ولا تصويبه ولا البحث عن اعتذار لقول قيل هنا أو هناك، بل نقول بالقول القائل بالإمساك عن الخوض في هذه المسألة برمتها فلا يحاسبنا أحد عليها، وهو نهج جميع علماء الإباضية وباحثيهم اليوم، كما أنه نهج خط واسع منهم من قبل، وبقدر ما نحب التزام موضوعية الطرح نأمل من مخالفي الإباضية البحث في كتبهم بعين الإنصاف.
ومن المصادر التي تعرضت لموضوع الصحابة أيضا: الخروصي أبو المؤثر الصلت بن خميس (892/ 278)، سيرة أبي المؤثر، مطبوعة ضمن السير والجوابات، تح: سيدة إسماعيل كاشف، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1406 هـ، 1986 م. 302/ 2 - 311/ 2،307، الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسي کتاب التخصيص (مخ) ص 15 وما بعدها، الإزكوي سرحان بن عمر بن سعيد، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة من ص 21212 211 - 229، الرقيشي أحمد (1/353)
صفحة 354
علوم السنة عند الإباضية
334
حين يتعرض لهذا الموضوع يطرحه بأسلوب المعاتبة ومن أمثلة ذلك أبو مسلم
الرواحي
(2)
بن عبد الله، مصباح الظلام شرح دعائم الإسلام، (مخ)، 12 و -24 ظ. (1) إن الباحث في كتب الفرق يجد الكثير من الكلام في هذا الموضوع حتى في كتب بعض علماء الأشاعرة، فقد أوردت جملة من مصادرهم أحداثا كثيرة وقعت بين الصحابة، ولا نحب الخوض في هذه المسألة وإنما نورد أسماء المصادر التي استفاضت في هذا الموضوع، ليعلم الواقف عليها أن كل الأمة تكلمت في هذا الموضوع.
بن
ومن هذه المصادر الزهري محمد بن سعد بن منيع (كان حيا في: 1837/ 1253)، الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، د. ت 64/ 3 وما بعدها الدينوري ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم (890/ 276)، الإمامة والسياسة، تح علي، شيري، ط 1، دار الأضواء، بيروت، لبنان، 1410 هـ، 1990 م، ص 5846، 10388، 144125 وما بعدها ابن الأثير، الكامل في التاريخ 42/ 3، فما بعدها 234/ 46،3/ 3 - 242، الذهبي شمس الدين محمد أحمد (1374/ 748)، سير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين تح: بشار عواد معروف، ط 2، مؤسسة الرسالة، 1418 هـ، 1997 م، ص 185 186،188، 194، 195، 201، وغيرها من الكتب الكثيرة التي لا يتسع المقام لعرضها. يعتبر أبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي أحد الذين تناولوا قضية أهل النهروان ولقد رثاهم في عدة قصائد، وبأسلوب راق، بعيد الأثر، عميق الفكر، صادق الذكر، بليغ النظم، ووجه عتابا لسيدنا علي كرم الله وجهه، ومع أن مصاب الإباضية جلل بأهل النهروان، إلا أن أبا مسلم طالعنا بعتاب لطيف مؤثر للغاية، في قصدية طويلة حوت ثلاثين ومائتي بيت اقتطفنا منها بعض أبياتها بغير ترتيب وهي (من الطويل):
(2)
على جَنَّبَاتِ النَّهْرَوانِ عَقَائِر كَما وَقِيَتْ بِالمَشْعَرِينِ نُذُورُ أَبِيْدَ خِيَارُ المسـ لمين بضحوة كَما نُحرت الميسرين جُزُور يَعْجُونَ بِالتَّحْكِيم لله وحْدَه وهَامُهُمُ تَحتَ العَجَاجِ تَطِيرُ فيا أُمَّة المُخْتَارَ هَلْ فِيكَ غيرَة فإِنَّ مُحِبَ اللَّهُ فِيهِ غَيُورُ ويا لرجال الله أَيْنَ مُحَمَد وناصِرُه بِالنَّهْرَوانِ عَقِيرُ ولَو وَقْعَةً كَانَتْ بِعَينِ مُحمدٍ لَمَا قَرَّ عَيْناً أَو يَزُولَ ثَبِيرُ فَمَنْ لِصُدُورِ الخَيْلِ فَوقَ صُدُورِهِم ولله في تلك الصُدُور بُحُورُ أَبَا حَسَنٍ أَيْنَ السَوابِقُ عُودِرَتْ وأنتَ أَخُوهُ وَالعَدِيرُ غَدِيرُ (1/354)
صفحة 355
علوم السنة عند الإباضية
335
ونحن في هذا المقام لا ندافع عن الإباضية قدر ما نحاول وضع القضية في حجمها الحقيقي من خلال ما رأيناه في فكر هذه المدرسة وتراثها، ونرد التضخيم لهذه المسألة عند مخالفيهم الذين حملوا عليهم بأنهم يطعنون في الصحابة، وإن كنا ننتسب لهذه المدرسة، فإننا نشهد من خلال تربيتنا فيها أننا لم نسمع صوت من يسب الصحابة أو يطعن فيهم، لا من عوام الناس فيهم فضلا عن حملة العلم فيهم، وقد أكد هذه الحقيقة قطب عمان في عصره نور الدين السالمي إذ يقول:
-0 -
فَهَذِهِ بِلادُنَا لا تَلْقَى فِيْهَا لِسَبَ الصَحْبِ قَط نُطْقَا
(1).
)
وَهَكَذَا كُلُ بِلادِ الْمَذْهَبِ مَعْ كُلِّ عَالمٍ ومَعْ كُلِّ غَبِي)
وإذا كان النهج السائد عند علماء الإباضية اليوم هو التوقف والسكوت في هذه المسألة - وهو الموقف الذي نراه أسلم وأحوط وأقرب إلى التقارب بين المسلمين ومد جسور الثقة بينهم - فإن الإباضية يطالبون غيرهم من مخالفيهم احترام أهل النهروان وفيهم عدد كبير من الصحابة، لذا فإن على الأمة معاملة
جميع
الصحابة
فَمَالك والأبرار تَنْثُرُ هَامَهُم كَأَنكَ زَرَّاعٌ وَهُنَّ بُذُورُ ذَرَوتَهُم عَصْفاً وَتَبْكِي عَلَيْهِم بَلَى فَابْكَ خَطْبٌ بِالبُكَاءِ جَدِيرُ عَلياً أميرَ المُؤمِنِينَ بَقِيةً كَأَنَّ دَمَاءَ المُؤمِنينَ خَمُورُ سَمِعْنَاكَ تَنْفِي شِركَهُم ونِفَاقَهُم فَأَنْتَ عَلَى أَي الذُنُوبِ نَكِيرُ ومَا النَّاسُ إِلا مُؤمِنٌ أو مُنافِق ومِنْهُم جَحُودٌ بالإله كَفُورٌ وقَدْ قُلتَ مَا فِيهِم نِفَاق ولا بِهِمْ جُحُودٌ وَهَذَا الحُكْمُ مِنْكَ شَهِيرُ فَهَلْ أَوجَبَ الإِيمَانُ سَفْكَ دِمَائِهُم وَأَنتَ بِأَحْكَامِ الدِمَاءِ بَصِيرُ وَكُنْتَ حَفِياً يَا ابنَ عَمٍ مُحَمَدٍ بِحِفْظِ بِمَاءٍ مَا لَهُنَّ خَطِيرُ
لمزيد من معرفة الأبيات العتابية ضمن القصيدة النهروانية انظر: الرواحي أبو مسلم، ديوان أبي مسلم، ص 28 - 31.
(1) السالمي نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد (1914/ 1332)، منظومة كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، ط 2، مكتبة الضامري السيب سلطنة عمان 1423 هـ، 2003 م،
ص 29. (1/355)
صفحة 356
علوم السنة عند الإباضية
بمعيار واحد (1).
336
المبحث الثاني: فضل الصحابة والرضا عنهم
سبق أن ذكرنا أن الثناء الحسن العاطر ظاهر في كتابات علماء الإباضية بارز في ما دونوه وذكرنا طرفا منه واستكمالا لبيانه وكشف هذا الجانب تجنبا للبس الحاصل عند بعض المسلمين بأن الإباضية يطعنون في الصحابة، نحب إبراز هذا الجانب بمزيد من التفصيل، وقد سبق أن ذكرنا بعض العلماء الذين قالوا بالتعديل المقيد، فنبدأ بعباراتهم التي تبين ثناءهم وإجلالهم للصحابة، يقول أبو يعقوب الوارجلاني: " اعلم أن أصحاب رسول الله لهم بالحالة التي ذكرهم الله عز وجل عليها من العدالة والطهارة والنزاهة والثناء والمدحة قال الله عز وجل: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (آل عمران 110/ 3) وقال عز من قائل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة 143/ 2) وقال {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} (الفتح 29/ 48) وقال أيضاً: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (الفتح 18/ 48) (2).
(1) للتفصيل في معرفة المشاركين في النهروان من الصحابة انظر: السابعي، الخوارج والحقيقة الغائبة، ص 75 - 85.
وللدكتور محمود إسماعيل دراسة مَحْصَ فيها الروايات التاريخية حول قضية أهل النهروان وخلص إلى الظلم التاريخي الذي ألحق بهم، وفَنَّدَ جل التهم المنسوبة إليهم، وهذه الدراسة وغيرها من الدراسات جديرة بالإشهار، دفعا لظلم تاريخي ظل يلقى على أهل النهروان، لا لشيء إلا أنهم لم يكن لهم قوة سياسية تدافع عنهم، كما كان لأنصار الإمام علي من شيعته وكما كان لحزب معاوية من أنصار. ر: ابن إسماعيل محمود (معاصر)، قضايا في التاريخ الإسلامي (منهج وتطبيق)، ط 2، مطبعة النجاح الجديدة، نشر دار الثقافة، الدار
البيضاء، المغرب، 1401 هـ، 1981 م، ص 34 - 91.
(2)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1/ 147، 149. (1/356)
صفحة 357
علوم السنة عند الإباضية
337
ويقول الشماخي:" والصحابة قدوتنا وقد مدحهم الله في كتابه في غير ما موضع، قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَان (التوبة/100)، وقال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَّسُولُ الله .... } (الفتح 29/ 48)، وقال: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ... (التوبة 88/ 9)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في مدحهم خصوصا وعموما (1)، ويقول أيضا " ونعتقد فيهم أنهم عدول يهتدى بهم، وأنهم أولياء الله وحزبه {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة 22/ 58) (2)، ويقول سعيد بن علي الجربي: " ونحن قلدنا كتاب الله الذي هو الحجة البالغة والمعجزة القائمة على وجه الزمان وسنة رسوله المبينة له بوسيلة أئمة راشدين مرشدين هادين مهتدين من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اور الله عنهم الذين هم الحجة على الأمة ثم .... (3).
ويقول يوسف بن محمد المصعبي: " المذهب مسند بالتسلسل للصحابة رضـ الله تعالى عنهم - وإلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد علمتم ما ورد في فضلهم؛ مثل قوله: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم) (4)، وقوله: (لا تسبوا أصحابي فلو أن: أحدكم أنفق مثل جبل أحد ما بلغ ( ... ) (5)، وقوله: (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي؛ فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم،
(1) الشماخي الرد على الغدامسي، (مخ)، ص 7 - 8.
(2) م. س، ص 8.
(3)
الجربي سعيد بن علي، أجوبة سعيد الجربي، (مخ)، ص 32 - 33. (4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي ... 1335/ 3 (3450) (3451)، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ... 1964/ 4 (2535).
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ... 1343/ 3
(3470)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله ... 1967/ 4 (2540). (1/357)
صفحة 358
علوم السنة عند الإباضية
338
ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله) (1)، في أحاديث كثيرة في عمومهم وخصوصهم تركتها خوف الإطالة، فنسأل الله أن يثبتنا على طريقتهم التي عليها نحيا ونموت" (2).
ويقول أبو مهدي عيسى بن إسماعيل في رسالة ردا على متهم الإباضية فيها: "فنبدأ بمسألة الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك قولك بلغنا عنكم أنكم تبغضون الصحابة، فيا سبحان الله كيف نبغض الصحابة، مع ورود النصوص في فضائلهم، والثناء عليهم كتابا وسنة يأبى الله ذلك والمسلمون، بل هم عندنا في الحالة التي ذكرهم الله عليها من العدالة والتنزيه والطهارة والثناء والمدحة" (3)، ثم استشهد أبو مهدي بالآيات التي تقدمت كما استشهد ببعض الأحاديث قائلا:" وهم بالحالة التي وصفهم بها رسول الله الله إذ قال: (إن الله قد اختار لي أصحابا فجعل لي منهم أصهارا وأختانا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (4) وقال أيضا: (لا) تؤذوني في أصحابي، فلو انفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفة) (5)، وقال أيضا: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي (6).
. وغير ذلك من المدح والثناء عليهم، اللهم زدنا
حبهم، واحشرنا في زمرتهم، يا أرحم الراحمين (7).
(1)
أخرجه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، 696/ 5 (3862)، وأحمد في المسند، في بقية
حديث مالك بن الحويرث، 54/ 5 (20568).
(2) المصعبي يوسف بن محمد، الرد على أحد المخالفين، (مخ) ص 30.
(3) أبو مهدي، جواب أبي مهدي على البهلولي، 16 ظ.
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ذكر عويم بن ساعدة، 732/ 3 (6656)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، حديث عويم بن ساعدة ... 4/ (1946). (5) تقدم تخريج مثيل هذا الحديث وهو لا تسبوا أصحابي .. ) ص 335. (6) أخرجه الحاكم في المستدرك ضمن حديث طويل، كتاب العلم، 175/ 1 (331)، وابن ماجة في سننه، أول كتاب السنن، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين 16/ 1 (43)، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في السنة مختصرا بهذا اللفظ، باب حدثنا محمد بن يحيى، 27/ 1 (72). (7) أبو مهدي، جواب أبي مهدي على البهلولي، 16 ظ. (1/358)
صفحة 359
علوم السنة عند الإباضية
339
ويقول أبو الربيع الحيلاتي: " وأما الإنكار على بعض الصحابة فكذب وفرية علينا، وهذه كيفية صلاتنا على النبي: اللهم صل وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه" (1).
الله عنهم
ويقول الدرجيني: " أصحاب رسول الله، وفضيلتهم رضي وأسماؤهم ومزاياهم أشهر من أن نحتاج إلى تعدادهم فهم نجوم الهدى، ومصابيح الدجى إلخ (2).
وجاء بعد هؤلاء الأعلام الذين نقلنا طرفا من كلامهم عالم جليل القدر هو بيوض بن إبراهيم، بحث هذه المسألة بنفس طويل، وبكلام نفيس، جعل منهجه الوقوف عمّا شجر بين الصحابة، والرضى عنهم، سالكا سبيل التدليل على عظيم فضلهم، وحميد ذكرهم من كتاب الله وسنة رسوله، في مجموعة من الدروس أخرجت في كتاب مطبوع، ويجدر بنا عرض بعضا من تحليله وبيانه فهو مع كونه نفيسا ملائم في هذا المقام، وقد ذكر في بداية كلامه مجموعة من الآيات استدل بها في بيان فضل الصحابة، منها الآيات الدالة على فضل المهاجرين والأنصار، وقد ربط بيوض بين قول الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض} (الأنفال 72/ 8)، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيل الله وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (الأنفال 74/ 8)، ثم يقول: "فالجماعة التي ذكرناها في الآية الأولى هي نفسها التي كرّر ذكرها في الآية الثانية، ليحكم عليها بهذا الحكم الذي لا يُنقض أبداً، لأنَّ الله تعالى لا يبدل القول لديه (3)، ثم بين بعض اللفتات والمعاني يجدها المتأمل للآية، منها أنه تعالى وصفهم بقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فأشار إليهم بلفظ يدل على البعيد أولئك تشريفاً لهم وتعظيماً وهذا أبلغ وأعظم من مثل
(1)
معمر الإباضية بين الفرق، ص 280
(2) الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، 6/ 1.
(3) بيوض إبراهيم بن عمر، فضل الصحابة والرضا عنهم، ص 14. (1/359)
صفحة 360
علوم السنة عند الإباضية
340
لفظ"هؤلاء"، كما أنه عظمهم بضمير الفصل هُم، وعظمهم بقوله الْمُؤْمِنُونَ} فحكم عليهم بالإيمان بلفظ التعريف، في جانب من الروعة والبلاغة والإشارة إلى عظمتهم وفضلهم، ثم زاد على الوصف لفظ (حقا وهي كلمة لها وزنها ودلالتها، "فالله حكم عليهم بالإيمان الحق، حكماً لا معقب له، وقضاء لا نقيض له" وجزاء الإيمان المغفرة (1).
ويقول بيوض "إبراهيم" ثم بيَّن جزاءهم بقوله: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، والمغفرة تكون – فيما نفهم، وفيما تدل عليه كلمة حقا – لما مضى ولما يأتي، وتنبهوا جيداً لهذه النكت ... " (2) ثم يبين بيوض إبراهيم أنه بذلك يمكن إدراك قول العلماء: إنَّ البدريين لا تقع ذنوبهم إلا مغفورة، وقال: "فقد وعدهم الله تعالى بالمغفرة مسبقاً، ولو كان ما ارتكبوه يستلزم التوبة ما وعدوا المغفرة فإنَّ الله يتوب عليهم كما قال: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} (التوبة 118/ 9)، يعني: يوفقون إلى التوبة والاستغفار، ولا يُصرون على ذنب؛ فالمغفرة حقت لهم، وكأنها حق من حقوقهم، كما أنه ينبغي أن لا ننسى تنكير كلمة (مغفرة، فهو سبحانه وتعالى لم يقل: "أولئك يغفر لهم ذنوبهم أو "الهم الغفران". وإنما قال: {لَّهُم وللتنكير في هذا المقام روعته (3).
مَّغْفِرَةٌ
11
ويكمل بيوض إبراهيم في فضل السابقين منطلقا من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ} (الأنفال 75/ 8)، ويبين أن النكتة المستفادة من قوله: {فَأُولَئِكَ مِنكُمْ يفهم منها أنَّ الجماعة الأولى التي تكونت، قواعدها وأصولها هم المهاجرون والأنصار وهم السابقون الأولون والذين جاؤوا بعد هؤلاء الجماعة وآمنوا وهاجروا معهم قبل الفتح فأولئك منهم، وهذه الآية تفسرها وتبينها آية سورة الحديد من قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً
(1)
م. س، ص 14.
(2)
(3)
م. س، ص 15.
م. س، ص 16 - 17. (1/360)
صفحة 361
علوم السنة عند الإباضية
341
وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} (الحديد 10/ 57)، وآية سورة التوبة وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْرُ الْعَظِيمُ} (التوبة 100/ 9).
يقول بيوض معلقا: "وعبر بالسبق والأولوية وهما وصفان قد يُغني أحدهما عن الآخر، كأن يقول: (والسابقون من المهاجرين والأنصار» أو «الأولون منهم»، ولكنَّ الله تعالى جمع الوصفين معاً السابقون الأولون: الأوائل الذين سبقوا إلى الإيمان بالنبي وإلى الهجرة والنصرة، وإلى تقبل المهاجرين بينهم، فهؤلاء هم السابقون الأولون، والذين اتبعوهم في الإيمان والهجرة هم الذين قال فيهم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ} (الأنفال 75/ 8)، وهذه الآية تعبّر بصريح العبارة أنَّ الهجرة لا تزال، وبابها لا يزال مفتوحاً، ولا يزال من فرَّ بدينه من مكَّة في هذا العهد قبل الفتح يُعتبر مهاجراً، ولكن ليس فضله كالأول السابق" (1).
ويستشهد بيوض في بيان من هم السابقون الأولون بقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد 10/ 57)، وأنه قيل: الفتح صلح الحديبية، والجمهور على أنه فتح مكة، يقول بيوض: "فالنص القرآني إذن ينص على أفضلية الجماعة التي أسلمت وهاجرت قبل الفتح، وأنفقت وقاتلت، وهذه الجماعة منها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ومنها الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا قبل الفتح؛ فهذا هو ترتيب طبقات الصحابة" (2).
ويذكر بيوض الآيات الدالة على المغفرة والرضوان للصحابة مبينا أنها آيات عديدة متنوعة الأساليب، وبعبارات مختلفة، منها قوله: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
(1)
(2)
م. س، ص 2018
م. س، ص 23. (1/361)
صفحة 362
علوم السنة عند الإباضية
342
كَرِيمٌ}، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} (الأنفال 74/ 8)، {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} (التوبة 100/ 9)، مؤكدا أن الله تعالى لا يعود في رضاه، وقد منحه المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.
ومن الآيات أيضا قوله تعالى: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ
تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة 117/ 9)، حيث خص الله تعالى ذكـ المهاجرين والأنصار، الذين كانوا في جيش العسرة، كما أنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانبهم تشريفا لهم، والله تعالى أعلن توبته على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، وهو بهم رؤوف رحيم؛ ومن توبته عليهم أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يوفقهم إلى التوبة مما بدر منهم، ويحفظهم من الوقوع والإلمام بشيء، وإن ألموا بشيء ذكّرهم فإذا هم مبصرون فتابوا وأنابوا" (1).
ومن الآيات أيضا ما ورد في بيعة الرضوان يوم صلح الحديبية إذ يقول الله
تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عزيزاً حكيماً} (الفتح 18/ 48 - 19)، ويحلل بيوض هذه الآية، فاللام في لقد مشعرة بقسم محذوف، فكأن الله قال: وعزتي وجلالي، وزاد هذا التوكيد بـ"قد" التي هي للتحقيق، ثم ذكر أنه رضي عنهم، وأكَّدَّ الرضى بإنزال السكينة عليهم، وذكر الله بأنه أثابهم فتحاً قريباً، ومغانم كثيرة يأخذونها.
يقول بيوض إبراهيم:" يقول للذين يطعنون في الإمام عثمان: إنه لم يشهد بيعة الرضوان، وبيعة الرضوان نفسها وقعت بسبب عثمان ... حتى إذا انتهى المسلمون من المبايعة، ضرب النبي يمناه على شماله فقال: (هذه عن عثمان) (2) (3).
(1)
م. س، ص 26 - 27.
(2) أخرجه ابن حبان بلفظ قريب في صحيحه، كتاب التاريخ ذكر بيعة المصطفى ... 337/ 15 (6909)، والترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب مناقب عثمان، 626/ 5 (3702). بيوض إبراهيم بن عمر، فضل الصحابة والرضا عنهم، ص 28 - 29
(3) (1/362)
صفحة 363
علوم السنة عند الإباضية
343
وحول قوله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الفتح (26/ 48)، يكشف بيوض جملة من المعاني؛ منها: فألزمهم كلمة التقوى أي كأنه ألصقها بهم، وغرزها في قلوبهم فالتزموها في أقوالهم وأفعالهم، وحركاتهم وسكناتهم، وكلمة التقوى هي: لا إله إلا الله، وشجرة التقوى المتمكنة تؤتي أكلها كلَّ، حين، كما ضرب الله بها المثل. ويكمل بيوض بيان ذلك بقوله: " وإذا تأملنا قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى
ثمَّ قوله: {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، نرى العجب والعظمة في ثلاثة أمور: أَوَّلاً - وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى: ومن ألزمه الله شيئا لا يمكن أن ينفك عنه، ولا أن يفكّه عنه أحد، لا شيطان إنس ولا شيطان جنّ.
ثانياً - {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا يعني: هؤلاء هم أحق بالتقوى، فقد يصف الناس أنفسهم بالتقوى، فيقول أحدهم: أنا متَّقِ، أو عندي تقوى، ولكن الأحق بالتقوى هم هؤلاء، وهم أحقُّ بحقيقة الاتصاف بها من غيرهم، ولا يوجد من يماثلهم فيها، والصبغة جاءت على صورة اسم التفضيل.
-
ثالثاً وَأَهْلَهَا: لم يكتف الله تعالى بما تقدَّم فزاد قائلا: {وَأَهْلَهَا، وكأنه يقول: هؤلاء هم أهل التقوى، فإذا سألتهم عن أهل التقوى؟ فهم هؤلاء، وإذا سألتهم: من أحقُّ بالتقوى؟ فهم هؤلاء، وإذا سألتهم عمَّن ألزمهم التقوى، لا تنفك عنهم ولا ينفكون عنها فهم هؤلاء، فلله ما أعظم هذه الأوصاف (1). ومن الآيات التي استشهد بها بيوض قول الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا من بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النحل 110/ 16)، ويبين أن التعبير بلفظ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ أَن الله تعالى جعل نفسه لهم، وأن هذا التعبير أقوى وأعظم من المعيَّة المستفادة من قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل 128/ 16)، فإن لم يكن
(1)
بيوض إبراهيم بن عمر، فضل الصحابة والرضا عنهم، ص 30 - 31 (1/363)
صفحة 364
علوم السنة عند الإباضية
344
أعظم منه، فهو في درجته كما يذكر بيوض، ويبين أسباب استحقاقهم ذلك كما في الآية بقوله: "فالمحنة أوَّلاً، والهجرة ثانيا، والجهاد ثالثا، والصبر في ذلك الجهاد رابعا ... والتعبير بقوله: {مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، يبيِّن أنَّ هؤلاء بمحنهم هذه المتتالية لا يستحقون من الله تعالى إلا المغفرة والرحمة، .. والتنصيص بقوله: من بَعْدِهَا وقوله: {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ، يدلُّ على كثرة المغفرة وعظمتها، إما لكثرة الذنوب، والله تعالى لا يستكثر ذنوبا فلا يغفرها؛ فإذا كان الإخلاص وكانت التوبة، وكانت أسباب المغفرة متوفّرة، يغفرها على كثرتها. وإما أن يكون الذنب عظيما فإنَّ الله تعالى لا يتعاظم عنده ذنب، إذا كانت التوبة من بابها المشروع".
ويستشهد بيوض مع الآيات المتقدمة الذكر بعدد من الأحاديث الدالة علـ فضل الصحابة، منها حديث (دعوا لي أصحابي .... ) (1)، وقد تقدم ذكره، ومنها (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً، بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله سبحانه، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) (2)، ومنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها حيث قيل لها: (إنَّ أناساً يتناولون الصحابة حتّى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون! انقطع عنهم العمل، وأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر) (3)، ويعلق على كلام عائشة بقوله: " هذا كلام جميل لعائشة، معناه: إنَّ هؤلاء السابقين الأولين الذين ذهبوا إلى ربهم وانقطعت أعمالهم، أحب الله تعالى أن لا ينقطع الأجرُ عنهم، من جهة الذين يسبونهم، ومن جهة الذين يستغفرون لهم، وقد قالت عائشة في حديث آخر: (أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبوهم) (4) (1).
(1) لفظه (دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم) أخرجه أحمد في المسند، مسند أنس بن مالك، 266/ 3 (13839)، وعبد بن حميد في مسنده، مسند أبي سعيد الخدري، 287/ 1 (918).
(2) تقدم تخريجه ص 336.
(3) أورده القطب اطفيش، في كتابه وفاء الضمانة، 158/ 6.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التفسير، أول كتاب التفسير، 2317/ 4 (3022)، وإسحاق (1/364)
صفحة 365
علوم السنة عند الإباضية
345
وننقل عبارة بيوض إبراهيم في ختام بحثه النفيس حيث يقول: وبعد هذا لنخرج من هذا المقام الصعب الخوض فيه بنتيجة هي: الرضا عمَّن رضي الله عنهم، وعمَّن رضي عنهم رسوله لله وبشرهم بالجنَّة، والوقوف فيما شجر بينهم، وعدم الخوض فيه وعدم الحكم عليهم بشيء أبدا، إذ لسنا مكلفين بهذا ولا ملزمين و لن يسألنا الله تعالى عنهم، بل يسألنا إذا لم نستغفر لهم، ونلتزم طريقهم حتى نلحق بهم، ونلتزم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحشر (10/ 59) حتَّى ندخل في جملة هذه الطوائف المتتابعة والقوافل المتلاحقة وراء هذا الرعيل الأول، حتى ندخل الجنَّة معهم - إن شاء الله (2)
المبحث الثالث: حجية قول الصحابي وعمله
اختلف علماء الإباضية في مسالة حجية قول الصحابي وعمله وتقليده شأنهم في ذلك شأن باقي الأمة (3)، وحين نتتبع هذه المسألة عندهم، نجد المتقدمين يميلون إلى القول باتباع قول الصحابي وتقديمه على اجتهادا تهم، فجابر يقول:" ورأي من قبلنا أفضل من رأينا الذي نرى، لم يزل الآخر يعرف للأول، وكانوا أحق بذلك المهاجرين مع رسول الله، والتابعين لهم بإحسان، فقد شهدوا وعلموا، فالحق علينا وطء أقدامهم واتباع أثرهم، وأعلم أنه لم يهلك قوم قط حتى نازع
(1)
بن راهويه في مسنده، ما يروى عن عروة بن الزبير، 321/ 2 (847). ر بيوض إبراهيم بن عمر، فضل الصحابة والرضا عنهم، ص 47 - 50. (2) ر: م. س، ص 96.
(3) لمعرفة مزيد من التفصيل حول أراء علماء الأمة في حجية قول الصحابي انظر: الدبوسي أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى (1039/ 430)، تقويم الأدلة في أصول الفقه، تح: خليل
2582001
محي الدين الميس، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 هـ، 2001 م، ص 258 وما بعدها، الشيرازي أبو إسحاق إبراهيم بن علي (1084/ 476)، التبصرة في أصول الفقه،
تح محمد حسن، هينتو، ط 1، دار الفكر، دمشق، سورية، 1980 م، ص 395 - 400 (1/365)
صفحة 366
علوم السنة عند الإباضية
346
(1)
الآخر الأول في العلم إذا تمسك أهل العلم بعلمهم وتبعا لهذا نجده يقدم اجتهاد الصحابة في عدد من المسائل، منها حكم المطلقة في مرض الموت فقد قضى فيها عبد الله بن عباس أن لا صداق لها ولا ميراث، ويقول في ذلك:" ولولا قول ابن عباس في ذلك لسرني، وإن تزوجت إذا عرف الضرر أن تستوجب الأمر كله ما لم يذهب ميراثها (2).
واعتمد جابر في المنكوحة وقت العدة الفرقة الأبدية إن كان دخل الرجل بها، ولزوم تمام العدتين بحيث تقضي بقية عدة الأول وتعتد عدة أخرى من الثاني، فإن كان لم يدخل بها فرق بينهما وليس لها عليه، صداق، وأتمت عدتها، ويصبح هذا الزوج أحد الخطاب، وقد بين جابر أن اعتماده هذا القول لأنه قول عمر بن الخطاب (3)، وقريبا من هذه المسألة يسأل في رجل خطب امرأة في عدتها، غير أنهما كتما ذلك، وأظهراه بعد انتهاء العدة وتزوجها، فذكر جابر أن ابن عباس كان يقول:" بدأ أمرهما بمعصية الله، فأحب إلي أن يفرق بينهما، وأن لا يجتمعا
أبدا" (4).
ويُسأل جابر في إحدى رسائله هل لأهل النعمة نصيب إذا جيء بالميراث؟ فيجيب بقوله: وأما ابن عمر فقد بلغني أنه أتي بميراث مولاه فأعتق عنه به وتصدق، وأما ابن عباس فكان يقول: لا أرى أهل النعمة - إذا لم يكن غيرهم وجعل لهم ولاية - إلا أحق به ((5)).
إن هذه المواقف المتقدمة وغيرها مما لم يذكر يكشف منهج جابر بن زيد في تقديمه رأي الصحابة واعتماده عليه، وعلى هذا النهج مضى خليفة جابر وهو
(1) الأزدي جابر بن زيد رسائل جابر بن زيد، ص 66.
(2)
(3)
م. س، ص 66.
ار: الأزدي جابر بن زيد من جوابات جابر بن زيد، ص 149 - 150.
(4) م. س، ص 130.
(5) الأزدي جابر بن زيد، رسائل جابر بن زيد، ص 67. (1/366)
صفحة 367
علوم السنة عند الإباضية
347
عبيدة الذي جعل من التتلمذ على الصحابة، والأخذ عنهم، والاعتماد عليهم مصدر فخر واعتزاز، ومورد شكر وعرفان لهذه النعمة التي يقول فيها بأوضح بيان: "من لم يكن له أستاذ من الصحابة فليس هو على شيء من الدين وقد من الله علينا بعبد الله بن عباس بن عبد المطلب وهو بن عم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام وهم الراسخون في العلم فعلى آثارهم اقتدينا وعلى سيرتهم اعتمدنا وعلى منهاجهم سلكنا والحمد الله كثيرا" (1).
يوم
ويؤكد أبو عبيدة على إعطاء عهد الصحابة مزية لا يتسنم ذراها أي عهد بعدهم، فيبين أن كل ما لم يكلف الله الناس إياه فالناس في غنى عنه، "وكل مسألة حدثت بعد الصحابة ليس يرغب فيها من له عقل ولب (2)، وينظر أبو عبيدة إلى اجتهادات الصحابة بنظرة الإجلال ويسوقها مستشهدا بها كقوله معلقا على مسألة من المسائل:" كره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك العمل الجمعة خلافا لليهود من تعظيم السبت بترك العمل وتعظيم النصارى" (3)، على أن أبا عبيدة كما سبق الذكر لا يرى الأخذ عن كل ما ينقل إلا بشرط التثبت ومن ذلك ما ينقل عن الصحابة بما يؤكد جلالة قدر ما ينقل عنهم عنده فقد سئل فقيل له: "يرحمك الله يا أبا عبيدة أيعمل بما أفتاه الثقة إذا كان إنما رواه عن الصحابة؟ قال إن عرفت الحق عملت به ... ولا تسلّم لرجل يحدث بكل ما سمع، ولكن تميز المعتمد عليه من الأقاويل، ويسأل من هو أفضل منه علما (4).
وعلى هذا النهج سار ابن سلام في تقديم رأي الصحابي وتقليد قوله، يقول ابن سلام معلقا على رواية عن ابن مسعود: وقال عبد الله بن مسعود كل حدث بدعة)، ومن كان منكم مستنا فليستن بمن كان مات، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة؛ أبرها قلوبا، وأقومها هديا، وأقلها تكليفا، قوم اختارهم الله لمحمد
(1) أبو عبيدة، مسائل أبي عبيدة، (مخ)، 18 ظ، 19 و.
(2)
حظ.
(3)
(4)
م. س،
م. س، 14 و.
م. س، 12 ظ. (1/367)
صفحة 368
علوم السنة عند الإباضية
348
نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما
(2)
6
وهذه دعوة
استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " (1)، من ابن سلام إلى التقيد بمنهج الصحابة وتقليده نجده يستشهد) لها بحديث) عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) (3)، " لكن هذه الأدلة لا تفيد حجية قول الصحابي في مجال الاجتهاد، بل تعم ما رووه من السنن، وما اتفقوا عليه وأجمعوا (4).
ونجد أبا نوح سعيدا بن زنغيل يجعل قول أهل الفقه والرأي من الصحابة سنة حين سئل عن قول الصحابي هل هو سنة؟ (5)، ولعل مراده تعميم لفظ السنة ليدخل فيه ما نقل عن الصحابي، وهو أمر تقدم ذكره وأنه يراه بعض علماء الإباضية، لكننا نجده يميل إلى التشدد في حكمه، حين يرى كفر النعمة يلحق من يخرج عن أقوال الصحابة وأحكامهم، ويعد من كان هذا حاله مرتكبا لكبيرة ومتبعا غير سبيل المؤمنين (6)، ولعل مراد أبي نوح هنا من يخالف الصحابة في نهجهم، وما خطوه من منهج العمل بكتاب الله وسنة رسوله مخالفة عمل لا جحد، فإن كان الأمر كذلك فلا إشكال، وأما إن كانت المخالفة لرأي رأوه، ولنظر اجتهدوا فيه، فإن هذا الحكم فيه من المغالاة ما فيه، وإني أميل إلى أن أبا نوح أراد الأمر الأول إذ هو الأليق بعلمه وإدراكه.
ونجد من أتباع هذا الخط المنادي بتقليد الصحابة أبا طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، وقد سلك مسلك التأصيل لذلك حين جعل الأصول أربعة، هي الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة، مبينا أن الآثار دالة على السنة، ومعللا ذلك
(1) ابن سلام، بدء الإسلام وشرائع الدين، ص 81.
(2)
م. س، ص 82.
(3) تقدم تخريجه ص 336.
(4) باجو مصطفى، منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 35.
(5) أبو نوح سعيد بن زنغيل الرد على من زعم .. ، ص 192. (6) م. س، ص 192. (1/368)
صفحة 369
علوم السنة عند الإباضية
349
بقوله: لأن الصحابة شاهدوا الوحي والتنزيل، وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانه، فمن هذا الوجه رأى العلماء الاقتداء بهم، والتمسك بآثارهم، وذلك بشرط مخصوص وعلى وجه مخصوص (1)، ويقول أيضا في بيان ذلك: " وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال رسول الله، واعتلاق قلوبهم أمورا تدرك بالقرائن فيسدد لهم الصواب من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة، إذ أفاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر عن الخطأ (2)، وهل ظاهر تأصيل الجيطالي السابق وتعليله، اللاحق أنه يرى حجية قول الصحابي إذ جعل قول الصحابي أصلا كالكتاب والسنة والإجماع؟ أم أنه يرى رفع منزلته فقط؟ من غير أن يرى حجية قوله ولزومه، إذ حتى مع عبارته "الأصول أربعة ... ".
لم يأت أبو طاهر بكلام بين يقطع بالحجية ولزوم قول الصحابة، وكان المقام يقتضي منه إيضاح ذلك وبيانه، خاصة أنه أورد في كتابه الذي ذكر فيه ما تقدم عبارة ذكر أنها عن بعض السلف تقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلناه على الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة فنأخذ ونترك، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال (3)، ولم يعلق على هذه العبارة، فلعله أراد عموم التقليد لا اعتبار قول الصحابي حجة كباقي الأصول.
وهكذا يمكن أن تفسر أقوال من تقدموا على أساس " تفضيل رأي الصحابة على رأي غيرهم لا إلزام الناس به (4)، أو من باب التقيد بالحكم الذي وضعه الصحابة (5)، واختياره على أي اجتهاد آخر.
(1) الجيطالي إسماعيل بن موسى قناطر الخيرات، 76/ 1.
(2) م. س، 182/ 1 - 183.
(3)
م. س،182/ 1 - 183.
(4) باجو مصطفى، منهج الاجتهاد عند الإباضية، ص 542.
(5) النامي عمرو، دراسات عن الإباضية، ص 90. (1/369)
صفحة 370
علوم السنة عند الإباضية
350
وهكذا يحمل كلام من تقدموا على أنه لا يفيد أن أقوال الصحابة لها حجيّة ثابتة، فذلك يقود إلى رفع درجة أقوال الصحابة إلى مستوى الأصول المتفق على جعلها مصادر وأصولاً، اللهم إلا إن كان الأمر يتعلق بإجماع الصحابة، فذلك مما يبحث في موضوع الإجماع وحجيته.
ونرى ابن بركة ممن مال إلى القول بتقليد قول الصحابي في باب الأحكام شرط أن لا يخالفه صحابي أخر، فعنده أن الصحابة هم الحجة التامة، وقد قوى احتجاجه بدلائل من الكتاب العزيز (1). ويقول أبو سليمان الخليلي معلقا عليه" وهذا رأي خالفه فيه العلماء الذين جاؤوا من بعده، وناقشوه فيه كما ناقشوه في كثير من المسائل التي كان له أي ابن بركة - فيها رأي منفرد (2).
لكن ابن بركة حين فصل في هذه القضية ذهب إلى أن تقليد الصحابة في الأحكام وما كان طريقه طريق السمع جائز (3)، فهو في مثل ذلك يذهب إلى جواز تقليد الصحابي، فلعل قوله بالوجوب في الأحكام ليس على وجه الحجية، ويذكر ابن بركة معللا حكم الجواز أنه قد يُحكى الإجماع عنهم، بنقل الخبر عن بعضهم وليس بنقله عن جميعهم، وهذا بالطبع في حال لم يُنْقَل خلافٌ عن أحد منهم في ذلك (4)، فإذا نُقل خلاف في ذلك فللمسألة رأي آخر عند ابن بركة إذ يقول:" يجوز تقليد الواحد منهم أيضاً إذا قال قولاً ولم ينكر عليه غيره، وإن علم له مخالف في الصحابة فلا (5)، ويفسر أبو العباس الشماخي كلام ابن بركة بقوله: "وتفسير
(1) ابن بركة، الجامع، 22/ 1.
(2)
الخليلي أبو سليمان أحمد بن حمد (معاصر)، ابن بركة ودوره في أصول الفقه، قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، حصاد) ندوة المنتدى الأدبي احتفاء بذكرى ابن بركة البهلوي (14) 15 محرم، 1419 هـ، 11 - 12 مايو 1998 م، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1422 هـ، 2001 م، ص 36.
(3)
(4)
(5)
ابن بركة، الجامع 221
م. س، 1/ 22.
م. س، 1/ 22. (1/370)
صفحة 371
علوم السنة عند الإباضية
351
كلامه - والله أعلم - أن الصحابة، إذا اختلفوا، تختار بين أقوالهم، ولا تحدث عليهم قولا، وغير الصحابة إذا اختلفوا تجتهد لنفسك وحدك (1).
ذلك جعل ابن بركة لعهد الصحابة مزية أعلى من أن يطولها أي عهد ومع بعدهم حتى لو كان عهد التابعين؛ فيؤكد على أن خلاف التابعي على الصحابة ليس كخلاف بعض الصحابة على بعض، فالتابعي لا يبلغ طبقتهم، ويعلل ذلك باعتبار الصحابة الحجة التامة فالله جعل شهادة الصحابة على الناس مثل شهادة
الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم؛ واستشهد ابن بركة على ذلك بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة 143/ 2)،
فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم إذا كانت شهادتهم كشهادة الرسول ويظهر من هذا الاستدلال حجية نقلهم ولزوم تصديقهم أكثر من تقليدهم
عليهم
في
(2)
أقوالهم، ولعل مراد ابن بركة هو هذا الجانب والله أعلم.
ويرى ابن بركة أن في تقليد الصحابة اتباعا لسبيل المؤمنين مستشهدا بقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُولِّه مَا تَوَلَّى وَنُصله جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً} (النساء 115/ 4)، والخارج من قول الصحابة متبع لغير سبيل المؤمنين (3).
ونبقى في حيرة من عبارة ابن بركة المتقدمة فإن كان أراد بها اتباع ما اتفق عليه بين الصحابة وجرى به العمل في عهدهم فصار كالإجماع عندهم حتى ما كان منه سكوتيا فلا إشكال في ذلك، وأغلب الظن أنه أراد ذلك بدليل أنه استشهد بعد العبارة السابقة بالحديث الذي يعد دليل حجية الإجماع، وهو قول النبي: لا) تجتمع أمتي على ضلال) (4)، وأما إن كان المراد غير ذلك فقد صرح
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 521.
(2)
(3)
ابن بركة، الجامع 221
م. س، 22/ 1.
(4) تقدم تخريجه ص 67. (1/371)
صفحة 372
علوم السنة عند الإباضية
(352
ابتداء بجواز التقليد والاتباع (1).
على أننا نجد لابن بركة ما يدلّ على أنّ الصحابة كلّفوا الاجتهاد وحالهم فيه كباقي الناس، فهو يذكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّفوا أن يجتهدوا في حكم الحوادث التي كلّفهم الله الحكم فيها، و قد كان الواحد منهم يحكم بإباحة فرج، أو تمليك حال، ثم يقف في ذلك على خبر عن رسول صلى الله عليه وسلم بعد اجتهاده، فيرجع إليه ويعمل به، ويترك ما كان عمل به قبل، وفي ذلك ما يدل على أن الإنسان إنّما كلّف أن يأتي بما هو حق عنده (2)، وهذا الذي ذكره ابن بركة يدل على أن قول الصحابي عنده ليس بحجة ملزمة.
وهذا الرأي القائل إن قول الصحابي ليس حجة أكدّه ابن خلفون بقوله:" ولا يجوز لمن له أدنى تحصيل من النظر تقليد عالم وإن عظم قدره وجلت منزلته، صحابيا كان أو غيرهم ممن دونهم لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (النساء 59/ 4)، ويدلّل نور الدين السالمي في ترجيحه كون قول الصحابي ليس حجّة، بأن من لازم القول بحجيته أن لا يختلف الصحابة، والحال ليس كذلك، فالخلاف بين الصحابة قد وقع واشتهر، مع أنهم لم يروا لزوم أن يتبعهم في رأيهم من جاء بعدهم وصار ذلك كالإجماع بينهم، وقد نقل الإجماع على عدم حجية قول الصحابي على صحابي مثله، كما نقل الخلاف على حجيته على من بعده، ويرى نور الدين السالمي أنه إذا لم يكن قول الصحابي حجة على صحابي مثله فكذلك على غير الصحابي إذ لا فرق بينهما (3).
ومن المسائل المصاحبة لحجية الصحابي مسألة التخصيص بقول الصحابي، ويذكر الوارجلاني أن مذهب الصحابي لا يصح أن يخصص به العلم حتى لو كان راويا، وذكر من شواهد ذلك فتيا أبي هريرة في إناء ولغ فيه الكلب، إذ ذهب
(1): ابن بركة، الجامع 1 22 - 23
(2) ابن بركة، التعارف، ص 8. (3) السالمي، شرح طلعة الشمس 65/ 2. (1/372)
صفحة 373
علوم السنة عند الإباضية
353
إلى أنه تجزيه ثلاث غسلات، مع أن أبا هريرة روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (فاغسلوه سبعاً). ويقول الوارجلاني أيضا:" وأما فعل الصاحب إن كان يخص به العام أم لا والجواب هو أولى بمعرفة ذلك، والأصل أن الصحابي - إذا كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم ترك فعله أو حمل معنى حديثه على بعض محتملاته - أنه يسوغ لنا إتباعه وترك إتباعه، ونحمله على حسن الظن في فعله وفي تركه إذ نأخذ بعموم حديثه (1)، أما الشماخي فيرى أن الصحابي، إذا كان راويا لخبر، وحمله على بعض محامله فإنه يتبع، وذلك لأنه لا يحمله إلا بقرينة
في ظاهر الأمر، مثل القرء إذا حمله على الحيض (2).
وتبعا للشماخي يرى التلاتي ذلك في تعليقه على كلام الشماخي مع بعض تفصيل؛ وعبارته الممتزجه بكلام الشماخي يقول فيها:" وإن حمل أي صرف الصحابي ... قوله لله على ظاهره أي المعنى المتبادر منه ... اقتدي به في ذلك الحمل لأن الظاهر أنه إنما حمله عليه بقرينة دلت على مراد الشارع، وإن حمله على غيره أي على خلاف ظاهره كان حمل اللفظ على البعض المجازي دون الحقيقي، والأمر على الندب دون الوجوب؛ فيه خلاف- أي تغاير أقوال العلماء وآرائهم - فقال الأكثر منهم يحمل على ظاهر لا على محمل الصحابي
ويذكر أبو ستة محمد بن عمر أمثلة لعدم سماع المُخصص السَّمعي وقعت لبعض الصحابة، وأنهم لم يسمعوها إلا بعد حين (4)، و منهم: السيدة فاطمة بنت رسول الله حين طلبت ميراثها، فاحتج عليها أبو بكر بقول رسول الله
(1)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 128/ 1 - 129.
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 646. (3) التلاقي، رفع التراخي، (مخ)، ص 204.
(4) أبو ستة، حاشية أبي ستة على مختصر العدل، (مخ)، ص 69 و. (1/373)
صفحة 374
:
علوم السنة عند الإباضية
354
نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ... ) (1) "، وهذا الحديث لم يسمعه كثير من الصحابة، ومنهم عمر -رضي الله عنه- لم يسمع الخبر المخصص في حكم المجوس من عموم قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (التوبة 5/ 9)، فقال:" ما أدري كيف أصنع؟ فذكر له عبد الرحمن بن عوف ما سمعه من قول رسول الله: سنوا بهم سنة أهل الكتاب) (2).
وتجد العلماء يوردون بعض طرق أداء الصحابي على أنها داخلة ضمن قوله وحده، ومنها ما يعتبرونه سنة عن النبي، فالوار جلاني يعتبر قول الصحابي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكذا سنة يجب العمل بها إذا كان مما التزم الناس العمل به، ومثله إذا قال امرنا النبي بكذا وكذا، ويذكر عن بعضهم قولا آخر بأنه لا يجب العمل به حتى يروي لفظ الأمر (3).
و تعتبر عبارة الصحابي وقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بكذا وينهى عن كذا" أقوى من الصيغ المتقدمة، وفيها ذهب أهل التعميم مذهبهم وأهل الوقف على وقفهم (4)، وإذا قال الصحابي: " السنة كذا وكذا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا" فهي سنة ولا كلام في ذلك كما يذكر الوارجلاني (5).
ومما يعتبر سنة أيضا قول الصحابي: " كنا نفعل هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
غير أنه يستثنى ما لم يظهر لرسول الله الله من الأفعال، وقد سأل عمر بعض
(1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الأيمان والنذور، باب في المواريث، 261/ 1 (669) والبخاري في صحيحه، كتاب الفرائض، باب قول النبي لا نورث .. 2474/ 6 (6346)، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير باب قول النبي لا نورث ... 1379/ 3 (1758). (2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس، 278/ 1 (616)، والبزار في مسنده، مسند عبد الرحمن بن عوف، 264/ 3 (1056)
(3)
،
الورجلاني، العدل والإنصاف، 160/ 1.
(4)
م. س، 160/ 1.
(5) م. س، 160/ 1. (1/374)
صفحة 375
علوم السنة عند الإباضية
355
الصحابة عن عمل ما، فقال: هل رآكم رسول الله .... فأقركم) (1).
(2)
ويعلق أبو ستة على عبارة الشماخي: " قول الصحابي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء ثم ينبه بعد ذلك بقوله: يكون هذا من قبيل البيان بعد الإجمال كسابقه، إلا أن هذا من قول الراوي، وذلك من قول المصطفى الله، والله أعلم) ويعرض عمرو التلاتي بعض صيغ تحديث الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم وشرحه لها في شرحه على مختصر العدل، ومنها قول الصحابي:" سمعته"، أو قال:" أخبرني أي أعلمني النبي صلى الله عليه وسلم بكذا"، أو "حدثني أي كلمني بكذا" أو قال: أنبأني وأمرني ونهاني" وحكم هذه الصيغ قبول قوله والرضى به والعمل بمقتضاه والاحتجاج به بلا خلاف على حد قول عمرو التلاتي (3)، ويعلق التلاتي على إحدى الصيغ المتقدمة الذكر عند الوارجلاني وهي قول الصحابي: "سمعته يأمر بكذا وينهى عن كذا" فيقول: " يقبل بناء على القول المختار المستحسن، لأن الظاهر أنه سمعه بلا واسطة (4).
بعد هذه الوقفة المبينة لموقف الإباضية من الصحابة نخلص إلى القول إن الإباضية وقروا الصحابة، وأعطوهم حقهم، واعتبروهم طريق هدايتهم ومشكاة نور في حلقة إسنادهم إلى النبي، وقد عُنوا بموضوع الصحابة في تدوين تراثهم، وجاء تعريفهم للصحابي مقاربا لتعريف المحدّثين وليس نفسه، ويبدو أنهم تناقلوا تعريفا لأحد علمائهم ثم أضافوا عليه قيودا تضبطه، وذكروا تبعا لذلك بعض صيغ تفيد الصحبة وأخرى لا تفيدها.
وتأتي مسألة عدالة الصحابة من مهمات مسائل هذا الباب. والذي يظهر هو أن الإباضية اختلفوا في هذه القضية، فمنهم من ذهب إلى التعديل المطلق، ومنهم
(1)
م. س، 160/ 1
(2) أبو ستة، حاشية أبي ستة على مختصر العدل، (مخ)،ص 140 و.
الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 199.
(4) م. س، ص 199. (1/375)
صفحة 376
علوم السنة عند الإباضية
356
من ذهب إلى التعديل المقيد، على أننا وجدنا من العبارات الكثيرة المعبرة عن فضل الصحابة والثناء عليهم والذكر الحسن لأفضالهم وفضائلهم ما يرفع عن كاهل الإباضية ما يقال هنا وهناك عن موقفهم من الصحابة.
ولقد كثرت عبارات الثناء العاطر على الصحابة، ومنذ فترات طويلة، ووجدنا علماء كبارًا يعدون من أقطاب المذهب يلهجون بالذكر الحسن للصحابة، ومن هؤلاء أبو مهدي عيسى بن إسماعيل، وأبو العباس الدرجيني ومحمد بن القاسم المصعبي، وأبو حفص عمر بن عيسى التندميرتي، وأبو ستة محمد بن عمر القصبي الجربي وأبو الربيع الحيلاتي وأبو إسحاق اطفيش، وعمه محمد بن يوسف، ونور الدين السالمي، وبيوض إبراهيم بن عمر، وغيرهم، وهؤلاء نجوم لامعة في مذهب الإباضية بل هم فيهم شموس ساطعة، ومن ذكرناهم نماذج فقط فمن طالع تراث المذهب وجد أكثر من ذلك.
ويكفي أن مذهب المتأخرين نادى بالسكوت والكف عن فتنة الصحابة، وما شجر بينهم، كل ذلك لا لدنيا أو لطلب رضا طائفة أو فلان وعلان، وإنما المقصد هو رضا الله، وقد رأينا الإبداع والنفس العلمي في كلام بيوض إبراهيم الذي كان في المتأخرين من مجتهدي المذهب ومن علمائه الأفذاذ.
على أن الذين تكلموا في فتنة الصحابة من علماء الإباضية لم يقصدوا الإساءة إليهم بل أنكروا بعض الأمور التي وقعت فهم كما يرون لم يطلبوا بذلك إلا رضا الله، ونحن لا ننكر وجود من تشدد في هذه المسألة فليته سكت عنها وابتعد، ولكن قرب بعضهم من أحداث وقعت جعلهم يتأثرون بها، لا سيما وقعة النهروان حيث اعتبر أئمة الإباضية أهل النهروان سلفا لهم، على أن من أهل النهروان صحابة معروفون، والإباضية ينادون في هذه المسألة بعدم الكيل بمكيالين، فينبغي احترام
كل الصحابة.
وجملة القول أنه ينبغي أن لا يحاكم الإباضية جميعا لرأي جماعة منهم أو لكلام جماعة منهم، فإن في باقي الفرق والمذاهب من تكلم في هذه المسألة بكلام رفضه أصحابه من علماء تلك الفرقة وهكذا. (1/376)
صفحة 377
علوم السنة عند الإباضية
357
أما مسألة حجية قول الصحابي فالذي رأيناه عند بعض المتقدمين كجابر وأبي عبيدة وغيرهما ميل إلى تقديم اجتهاد الصحابي على اجتهادهم، لكنه لا يفيد القول باعتماد قول الصحابي حجة، وعلى هذا النهج سار ابن سلام وأبو طاهر اسماعيل بن موسى الذي وإن أفاد بعض كلامه حجية قول الصحابي نجد أن لديه ما يفيد أنه ليس بحجة. وهكذا نجد علماء الإباضية يرون أن قول الصحابي ليس حجة وإن مال بعضهم إلى تقليده والعمل به وتقديمه على اجتهادهم.
ومن المسائل المتفرعة عن حجية الصحابي مسألة التخصيص بقول الصحابي، وقد ذهب البعض إلى أنّ قول الصحابي لا يخصص به العلم، ويذكرون أمثلة لسماع الصحابي رواية متأخرة فيغيرون اجتهادهم لذلك، وقد وقفنا على نماذج وصيغ للأداء تعبر عن قول الصحابي وحده فلها حكم الوقف لا الرفع ذكروها عند بحثهم موضوع الصحابي. (1/377)
صفحة 378
!
علوم السنة عند الإباضية
358
الباب الرابع
علوم الحديث التي تعنى بالمتن
عند الإباضية.
الفصل الأول: مختلف الـ
حديث
الفصل الثاني: النسخ في الحديث.
الفصل الثالث: غريب ألفاظ الحديث. (1/378)
صفحة 379
علوم السنة عند الإباضية
الفصل الأول علم مختلف الحديث
المبحث الأول: مقدمات في المختلف:
أولا: تعريف المختلف
359
مختلف اسم فاعل من اختلف، ومنه قوله تعـ: {إِنَّكُمْ لَفِي قَولٍ مختلف (الذاريات (8/ 51)، قال صاحب القاموس: "اختلف ضد اتفق (1)،، و" تخالف
(2)
ومعنى
القوم، واختلفوا إذا ذهب كل واحد منهم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر تخالف الأمران واختلفا أي لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف " (3). قال صاحب مفردات القرآن والاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو قوله، والخلاف أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين (4)، وأكثر المحدثين على ضبط كلمة مختلف بضم الميم وكسر اللام، وبذلك تكون اسم فاعل من اختلف كما تقدم، وأما من ضبطها بضم الميم وفتح اللام فعلى أنّها مصدر ميمي بمعنى الاختلاف (5)، أو اسم مفعول من اختلف في الأمر يُختلف في الأمر فهو مختلف فيه.
وأما المعنى الاصطلاحي فنجد أول من عَبَّرَ من الإباضية عنه ابن بركة في قوله:" وأما الأخبار المتعارضة، فمثل ذلك أن يروى عن النبي، خبر بإباحة شيء، ويروي خبر آخر فيحظر ذلك فيوقفا جميعاً، وينظر.
(1) الفيروز أبادي، القاموس المحيط، مادة خلف، 13/ 3.
(2)
(3)
ابن منظور، لسان العرب، مادة خلف، 91/ 1.
م. س، مادة خلف، 90/ 9 - 91.
(6) "
.
(4) الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد (1109/ 502)، المفردات في غريب القرآن،
تح محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (د. ت)، مادة خلف، 156/ 1
(5) أبو شهبة محمد الوسيط فى علوم الحديث ومصطلحه، ص 441.
(6) ابن بركة، الجامع 18/ 1، الكندي أبو عبد الله، بيان الشرع، 19/ 1. (1/379)
صفحة 380
علوم السنة عند الإباضية
360
وقد ذكر أبو سعيد الكدمي - وهو معاصر لابن بركة الاختلاف بين الروايات فقال: " قد اختلف في تعريف اللقطة في ما جاء به الأثر عن النبي، في بعض الأخبار أنّه أمر أن تُعرف اللقطة سنة مجملا، وفي بعض الأخبار أن تعرف ثلاثة أيام مجملا، وقيل ... (1).
ونجد بيان مفهوم المختلف عند أبي محمد الخليل محمد الخليلي في قوله:" وأما المعارض فكروايتين اتحد معناهما وتعارض حكمهما كنهيه عن الشرب قائما وقد شرب هو قائما " (2)، ويحد القطب اطفيش المختلف: بأنه ورود حديثين مختلفين (3)
ثانيا: أسباب التعارض والمختلف:
أول من وجدناه يعدد أسباب الخلاف عموما هو ابن بركة، ولا شك أن أسباب المختلف جزء من أسباب الخلاف ويمكن تحديد تلك الأسباب كما يلي:. كون البعض من الصحابة أو الرواة علم بخبر ما أو بعض الأخبار فقط دون استقصاء للكل، وعليه فهناك من الأخبار ما ليس لهم علم به ولم يشتهر بينهم. • الاختلاف في الأخبار بسبب الاختلاف بين الرواة في انقطاع بعض الأخبار أو اتصالها.
• تفرد بعض الأمة ببعض الأخبار عن غيرهم، وقد يرى ذلك الغير ضعف ما لم يبلغهم.
الاختلاف في الحكم بالتصحيح والتضعيف على بعض الروايات والأخبار وكذلك الاختلاف في مناهج التصحيح والتضعيف.
(1) الكدمي التعقيب على الأشراف، (مخ) ص 339 - 340، تقدم تخريج الحديث ص 180. (2) الخليلي أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد (1871/ 1287)، كرسي أصول الدين (مخ)، مكتبة الشيخ أحمد بن ناصر السيفي نزوى عمان، د. ت صورة لدى الباحث، ص 121. اطفيش، جامع الشمل، ص 428،429.
(3) (1/380)
صفحة 381
علوم السنة عند الإباضية
361
الاختلاف في الأخبار بسبب الاختلاف في تأويلها.
الاختلاف في الأخبار بسبب الاختلاف في حفظها وضبطها.
ثم يقول ابن بركة في آخر كلامه وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي أو الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر، ومنهم من ينسى من الخبر شيئاً فيغير معناه أو يزيد فيه، ومنها ما ينقل على وجه القصص أو لفائدة الأدب أو لغيره، والصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك، وكذلك اختلفت الأخبار وأحكامها، والله أعلم " (1).
هذه أسباب الخلاف التي أشار إليها ابن بركة وهي أشهر أسباب الخلاف التي ذكرها العلماء الذين بحثوا أسباب الخلاف (2).
ثالثا: طرق دفع التعارض
يرى الإباضية أن دفع التعارض الواقع بين الروايات يتم من خلال مسالك وطرق أربع هي: النسخ و الجمع و الترجيح و التوقف، يقول ابن بركة مشيرا إلى بعض هذه الطرق: "فإذا ورد، خبران وثبت صحتهما عند أهل العلم، ولم يُعلم المتقدم منهما من المتأخر ولا الناسخ منهما من المنسوخ، فالواجب عندي استعمالهما إذا أمكن ذلك ولم يعارضهما أو يعارض واحدا منهما دلالة تمنع من استعمالهما أو استعمال واحد منهما، ولا يطرح منهما شيء (3)، كما يشير إلى
(1) راجع عبارات ابن بركة في ذكر أسباب الخلاف في ابن بركة، الجامع، 1/ 546 - 547. (2) بحث علماء الأصول في المذاهب الإسلامية المختلفة موضوع أسباب الخلاف في عدد من المصادر والمراجع ومنها: البطليوسي عبد الله بن محمد بن السيد (1128/ 521) الإنصاف في
مسائل الخلاف تح محمد رضوان الداية، ط 2، دار الفكر، بيروت، 1403 هـ، من ص 33 199، الشاطبي اللخمي الغرناطي إبراهيم بن موسى (1388/ 790)، الموافقات في أصول الشريعة، تح عبد الله دراز محمد عبد الله، دراز، ط 3، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
1424 هـ، 2003 م، 125/ 4، السالمي عبد الله بن حميد معارج الآمال، 12/ 1 - 19.
(3)
ابن بركة، الجامع، 56/ 2 57. (1/381)
صفحة 382
علوم السنة عند الإباضية
362
قاعدة الجمع بأن استعمال الخبرين أولى من إلغاء أحدهما (1)، ويبين بعض طرق الجمع بأنه إذا ورد خبران متعارضان أحدهما عام والآخر خاص أو كان أحدهما مفسراً (2) فإن الخاص والمفسر يقضيان على العام (3)، ويشير إلى الطرق
(4)
الثلاث بقوله: فإن أمكن الجمع حمل عليه؛ وإلا فالمتأخر ناسخ، وإن جهل التاريخ صرنا إلى الترجيح ويذكر الثلاثي النسخ والجمع، فيرى أنّه إن لم يعلم و يعرف المتأخر منهما من المتقدم منهما طلب ما يحصل به الجمع بين الدليلين إن لم يمتنع (5)، ويذكر عمرو التلاتي أيضا في حاشيته - الترجيح والتوقف بقوله: فإن جهل ولم يعلم عين المتأخر منهما أي الواقع بعد الأول منهما فالوقف أي الإمساك عن ترجيح أحدهما على الآخر ... إلى تبين التاريخ أولى أي أحسن من ذلك الترجيح لاستوائهما في احتمال تقدم كل منهما على الآخر (6).
ونجد عند القطب اطفيش ذكرا لطرق دفع التعارض كالجمع والنسخ، فهو يقدم النسخ، فان لم يعلم المتأخر وأمكن الجمع فالجمع (7).
بقي أن نشير هنا إلى أنّهم اختلفوا إذا تعذر الجمع أو الترجيح بعد عدم تبين النسخ؛ فمنهم من ذهب إلى التخيير وعدم التساقط للأدلة كأبي سعيد الكدمي وابن بركة بحيث يختار بأي المتعارضين يعمل (8)، وظاهر عبارة الشماخي جواز الاثنين إذ يقول في موضع: " وإن أشكل التاريخ، وعجزنا عن دليل آخر توقفنا أو
(1) م. س، 514/ 1 - 515.
(2)
(3)
سيرد تفسير اللفظ
ص.
م. س، 321/ 2.
(4) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 606.
(5)
(6)
الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 155.
م. س، ص 148.
(7) اطفيش، جامع الشمل، ص 429 428.
(8) السالمي، شرح طلعة الشمس، 193/ 2، السيابي، فصول الأصول، ص 359. (1/382)
صفحة 383
علوم السنة عند الإباضية
363
تخيرنا (1)، وفي موضع آخر ذهب إلى التخيير فقال: "فإن أشكل التاريخ، طلبنا الدليل المرجح من خارج، وإن لم نجد اخترنا إذ لا سبيل إلى إسقاطهما، ولا إلى العمل بهما، والترجيح من غير مرجّح تحكم، فلم يبق إلا التخيير (2). وقد جرى على قول الشماخي بالاختيار عمرو الثلاتي عند شرحه لكلام الشماخي
(3)
ونجد مثل ذلك عند القطب اطفيش في قوله: فان لم يعرف أي التاريخ فإن أمكن ترجيح أحدهما أحدهما بوجه من وجوه الترجيح متنا أو إسنادا لكثرة الرواة وصفتهم تعين المصير؛ وإلا فيجمع بينهما فان لم يمكن توقف على العمل بأحدهما. ويقرب المختلف من الناسخ والمنسوخ
(4)
المبحث الثاني: من طرق الجمع في مختلف الحديث:
أولا: الجمع بالتخصيص:
(5)
الجمع يطلق على ضم الشيء بعضه ببعض ومنه قولهم: جمعته" فاجتمع" وجَمَعَ الشيء عن تَفْرِقة يَجْمَعُه جَمْعاً إذا ضمّه وألفه (6)، و"جمَعْتُ الشيء إذا جئت به من ههنا وههنا (7)، وورد في القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ} (القيامة 3/ 75)، قال الزمخشري:" والمعنى نجمعها بعد تفرقها، ورجوعها، رميما، ورفاتا مختلطا بالتراب، بعد ما سفتها الريح
وطيرتها في أباعد الأرض (8).
(1)
(2)
الشماخي شرح مختصر العدل، ص 606.
م. س، ص 386.
(3)
التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 155.
(4) اطفيش، جامع الشمل، ص 434،435.
(5)
ابن فارس معجم مقاييس اللغة، مادة جمع، 479/ 1.
(6) القاموس المحيط، مادة جمع، 678/ 1.
(7)
ابن منظور، لسان العرب، مادة جمع، 53/ 8.
(8)
الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف، 259/ 4. (1/383)
صفحة 384
علوم السنة عند الإباضية
364
وقاعدة الجمع تعتبر - في تقديري - من أكثر طرق دفع التعارض ظهورا في باب مختلف الحديث في كتب التراث الإباضي، ولذلك تعددت طرق الجمع، ويأتي الجمع بالتخصيص من أكثرها ورودا.
ويرى ابن بركة أن التخصيص محتاج إلى حجّة، فمدّعي التخصيص لأي خبر لا بد له من إقامة دليل لذلك، و الخبر إذا ورد فالواجب إجراؤه على عمومه ولا يخص إلا بحجة (1)، وفي حالة التعارض والاختلاف فإنه إذا "ورد خبران أحدهما عام والآخر خاص ومفسر كان الخاص والمفسر قاضيين على العام" (2). ومن أمثلة الخاص والعام من الأخبار، خبر: (حيث ما أدركتك الصلاة فصل) (3) وخبر (نهي عن الصلاة في المقبرة والمجزرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق ومعاطن الإبل) (4)، ويذكر ابن بركة أن الأول يفيد عموم جواز الصلاة في كل موضع، بينما ورد الثاني خاصا خص بعض ما اشتمل عليه عموم الخبر الآخر، فيقول: فالخاص يعترض على العام ولا يعترض العام على الخاص (5)، ويورد للخبر العام المتقدم مخصصا آخر هو قول النبي: جعلت لي الأرض مسجداً
(1) ابن بركة، الجامع 630/ 1
(2)
م. س، 2/ 321
(3) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى (وَوَهَبْنَ 1260/ 3 (3243)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، أول كتاب المساجد،
(520) 370/ 1
(4) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية ما يصلّى إليه وفيه، 177/ 2 (346)، وابن ماجة في سننه، كتاب المساجد، باب المواضع التي يكره فيها الصلاة، 246/ 1 (746)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الصلاة، باب الصلاة في ... 383/ 1.
(5) ابن بركة، الجامع 18/ 1. (1/384)
صفحة 385
علوم السنة عند الإباضية
365
وترابها طهوراً) (1)، ويبين أن هذا الخبر الأخص معترض على خبر حيثما أدركتك الصلاة فصلّ الأعم، والأخص" يقضي على الأعم، فإذا أخذنا بالخبرين جميعاً ولم يسقط أحدهما كان قوله: (حيثما أدركتك الصلاة فصل) إلا في موضع ليس بطاهر" (2).
ومن أمثلة هذا النوع من الجمع الجمع بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم (الثيب أحق بنفسها
(4)
من وليّها) (3) وحديث: (أيما امرأة نكحت بغير رأي وليها فنكاحها باطل) فظاهر الخبر الأول أن الولي لا حق له في عقد نكاح الثيب، بل هي مالكة ذلك دونه، وأما الرواية الثانية فعامة لكل امرأة كانت بكرا أو ثيباً في اشتراط الولي، و الخبر الذي ذكر ... أن الثيب أحق بنفسها مخصوص، وخرجت الثيب بالخبر المخصوص وبقي الأبكار على العموم " (5).
ومن نماذج الروايات التي ناقشها ابن بركة وعمد إلى الجمع فيها دفعا للتعارض حديث النبي: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) (6) وقوله: (أيما إهاب
(1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الصلاة، ووجوبها، باب في المساجد ... 108/ 1 (255)، والبخاري في صحيحه جزءا من حديث كتاب الصلاة، باب قول النبي جعلت ... 168/ 1 (427).
(2) ابن بركة، الجامع 18/ 1.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب النكاح، باب استئذان الثيب ... 1037/ 2 (1421)، وابن حبان في صحيحه، كتاب النكاح، باب الولي 398/ 9 (4088) (4) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب النكاح (182/ 2 (2706)، وابن حبان في صحيحة، كتاب النكاح، ذكر بطلان النكاح ... 384/ 9 (4074).
(5) ابن بركة، الجامع، 120/ 2
(6) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب جلود الميتة، 94/ 4 (1278)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الفرع والعتيرة، جلود الميتة، 85/ 3 (4575)، والترمذي في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة، 222/ 4 (1729).
قال أبو عيسى الترمذي معلقا بعد تخريجه:" سمعت أحمد بن الحسن يقول كان أحمد
بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول كان هذا آخر (1/385)
صفحة 386
دبغ فقد طهر)
علوم السنة عند الإباضية
(1)
366
وخلال مناقشته جَمْعَ هذه الروايات ذَكَرَ القول بتضعيف الخبر الأول لنقده من حملة الأخبار؛ فإذا ثبت هذا الخبر نظر فيه فما كان خاصا فإنه يعترض العام، لا العكس، يقول ابن بركة: فقوله: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) لا يفيد أكثر مما أفاد في الآية {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (المائدة 3/ 5) وقول النبي: أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فقد خص بعض تلك الجملة فأدخلها في خبر الإباحة. وإذا كان هذا هكذا وجب أن يعترض بقوله: (أيما إهاب دبغ فقد
طهر) على قوله لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، لأن هذا عام وذلك خاص. ويورد ابن بركة حوارا يحاور فيه من خالفوه في حمل الخاص على العام في المثال السابق، ويبدأ بحجتهم وخلاصتها: إن قال بعض من يحتج بعدم تجويز الانتفاع بالإهاب بعد الدباغ بأن الخبر ورد ههنا لا عموم فيه، وصمد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجلد بعينه وهو قوله: لا تنتفعوا من الميتة بشيء بإهاب ولا عصب) (2) فالتعارض قد وقع، وإن تعارض الخبران وجب أن يوقفا، ورجعنا إلى قول الله جل ذكره: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (المائدة 3/ 5)، والآية توجب تحريم الميتة في جميع جهاتها، فلو كان خبرك يبيح الجلد وخبرنا يمنع منه علمنا أن هذا طريقه الخصوص والعموم.
ثم يورد ابن بركة الرد على ذلك فيقول: "هذا خبر قد تكلم فيه بعض أهل النقل، ولو كان ثابتاً ما لزمنا ما ألزمت، وذلك أن خبرك ورد بتحريم الإهاب، ونحن فلا نبيح استعماله
مع
استحقاق اسم الإهاب ...
(3)
يقولُ أبو بكر الكندي:" وتنازعوا في استعمال جلد الميتة إذا دبغ، واختلف أصحابنا أيضا على قولين فجوزه بعضهم وقال آخرون: الميتة لا يطهرها
أمر النبي، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده". ر: الترمذي،
السنن، موضع التخريج السابق.
(1) تقدم تخريجه ص 73.
(2) نفس الحديث المتقدم تخريجه
(3) ابن بركة، الجامع، 377/ 1 - 379. (1/386)
صفحة 387
علوم السنة عند الإباضية
367
الدباغ. والحجة لمن لا يجوز قولُ النبي: (لا ينتفع من الميتة بشيء)، والحجة لمن أجاز قوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، ومن طريق عائشة رضي الله عنها قالت: (ذكاة الميتة دباغها) (1) ومن طريقها أيضا عنه: (دباغ الجلود طهورها) (2)، والذي نذهب إليه ونختاره إجازة الانتفاع بجلد كل ميتة بعد الدباغ إلا جلد الخنزير والإنسان، فلا يحلّ أبدا، ولا نبيح استعماله مع استحقاقه اسم الإهاب حتى يزول عنه اسم الإهاب، لأنّ العرب إنما تسمي الجلد إهابا ما لم أديما. الدليل من اللغة قول الشاعر حيث عير رجلا من
يدبغ، فإذا دبغ سمي
البسيط)
قَدْ كَانَ نَعَلُكَ قَبْلَ الْيَومٍ مِنْ أَهْبٍ فَصِرْتَ تَخْطُرُ فِي نَعْلِ مِنْ الأَدَم (3).
أمثلة
ومن أمثلة الجمع بالتخصيص ما أورده أبو العباس الشماخي فقد ذكر أنه في حال تعارض العام والخاص فالصحيح أن الخاص قاض على العام"، ومن ذلك حديث: (لا صدقة فيما دون خمسة أو ساق (4) (5)، فهو مخصص لعموم
(6)
(1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الفرع، والعتيرة جلود الميتة، 84/ 3 (4572) والدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب الدباغ، 44/ 1 (9). (2) الحديث أخرجه النسائي في السنن الصغرى بلفظ (دباغ) الأديم ذكاته) وفي رواية أخرى (دباغها طهورها) وبلفظ طهور) كل أديم دباغه) في جماع أبواب الطهارة، باب الآنية، 162/ 1، (211)، (212)، وأخرجه البيهقي بلفظ (دباغ) الأديم ذكاته في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب اشتراط الدباغ (21/ 1 (69)، وأخرجه الدار قطني بلفظ (دباغ كل إهاب طهوره في سننه، كتاب الطهارة، باب الدباغ، 46/ 1، (16).
(3)
الكندي أبو بكر، المصنف، 107/ 3.
(4) الوسق مقياس يساوي ستين صاعا ر البركتي: التعريفات الفقهية، ص 237. (5) أخرجه النسائي جزءا من حديث في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب زكاة الورق 19/ 2 (2255)، وابن ماجة في سننه، كتاب الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة من ...
(1793) 571/ 1
(6) الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 386. (1/387)
صفحة 388
علوم السنة عند الإباضية
حديث: (فيما سقت السماء والعيون العشر) (1).
ثانيا الجمع بحمل المفسر على المجمل (2):
368
من طرق الجمع: الجمع بحمل المفسر على المجمل: يقول ابن بركة: "الخب المفسر يقضي على المجمل، ولا يقضي المجمل على المفسر (3)،، ومن أمثلة ذلك حديث: (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه ثم يعتقه) (4)، وحديث: (من ملك ذا رحم مَحْرَم عتق عليه) (5)، وقد اختلف في تأويل الخبر الأول، والخبر الثاني يعتبر مفسرا، وعليه إذا صح الخبران كان المفسر أولى باتباعه والعمل به أولى من العمل بالمجمل للتأويل" (6).
ومن
أمثلة هذا النوع من الجمع الجمع بين حديث (يدرأ المصلي عن نفسه ما استطاع، فإن أبى أن يمتنع المار فليقاتله فإنما هو شيطان) يطان) (7)، وحديث: (لا
(1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الزكاة والصدقة باب في النصاب، 125/ 1 (331) والبخاري في الصحيح، كتاب الزكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء 540/ 2 (1413)، وابن حبان في صحيحه كتاب الزكاة، باب العشر، 80/ 8 (3285). (2) المفسر اسم يطلق على المكشوف الذي يعرف المراد به على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل، فهو لا يكون محتملا إلا وجها واحدا فقط ر: السرخسي أبو بكر محمد بن أحمد بن
أبي سهل (1097/ 490)، أصول السرخسي، دار المعرفة، بيروت، (د. ت)،165/ 1. والمجمل عكس المفسر فهو لفظ لا يفهم المراد منه إلا ببيان وجه الإجمال فيه حتى يعرف المراد به ر، السرخسي أصول السرخسي، 165/ 1.
(3) ابن بركة، الجامع، 18/ 1. (4) أخرجه أبو عوانة في مسنده، کتاب البيوع باب الخبر الدال على ... 244/ 3 (4831) (4832)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب العتاق، باب الرجل يملك ذا رحم ... 109/ 3.
(5) أخرجه ابن الجارود في المنتقى، باب ما جاء في العتاقة، 244/ 1 (972)، والحاكم في المستدرك وآخره ... فهو (حر)، كتاب العتق، 233/ 2 (2851).
(6) ابن بركة، الجامع، 245/ 2
(7) أخرجه الربيع بلفظ (إن أحدكم إذا كان في الصلاة فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأ ما (1/388)
صفحة 389
علوم السنة عند الإباضية
369
يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم) (1)، " فإذا صح الخبران لم يكن أحدهما ناقضاً للآخر فكأنه قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء إلا ما أمرتكم بقتاله أو إصرافه" (2).
ونجد في تراث الإباضية ضربا من الجمع بين الأدلة المتعارضة استخدموا فيه التأويل والتفسير، ويمكن أن نسميه الجمع بالتأويل، فمن الجمع الذي استعين فيه باللغة في التأويل والتفسير الجمع بين حديث: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بأم القرآن) (3)، وحديث: (كل صلاة لم يقرا فيها فاتحة الكتاب فهي خداج) (4)، ووجهة نظر المحتجين بالحديث الثاني أن النبي لا لا أثبتها صلاة ناقصة، بينما يفيد الحديث الأول نفي أن تكون صلاة بدون الفاتحة وقد فسر ابن بركة الخداج بمعنيين: خداج ينتفع به وهذا الذي يسمّى أخدج، وهو الذي في أطرافه نقصان، وخداج لا نفع فيه، واستشهد عليه بقول أهل اللغة: "خدجت الناقة إذا ألقت جنينها ميتا"، ثم قال " فهذا نقصان لا ينتفع به، فالخداج الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي لا ينتفع به لأنه نفى أن يكون له صلاة في الخبر الأول" (5).
ومن الجمع بالتأويل أيضا: الجمع بين الأخبار التي ورد فيها النهي عن الصلاة بعد العصر والفجر وبين الأحاديث التي تبيح في ظاهرها الصلاة في أي وقت
استطاع فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان في مسنده، كتاب الصلاة ووجوبها، باب الجواز بين يدي المصلي، 103/ 1 (243)، وأخرجه البخاري بلفظ مقارب، في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، 1193/ 3 (3100)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب منع المار ... 362/ 1 (505).
(1) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب من قال لا يقطع الصلاة شيء، 191/ 1 (719)، والدارقطني في سننه، كتاب الصلاة، باب صفة السهو في الصلاة
وأحكامه ... 368/ 1 (5) (6).
(2) ابن بركة، الجامع، 491/ 1.
تقدم تخريج مثيل هذا الحديث ص 43. (4) تقدم تخريجه ص 189.
(5) ابن بركة، الجامع، 514/ 1 - 515. (1/389)
صفحة 390
علوم السنة عند الإباضية
370
كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (1) وقد جمع علماء الإباضية بينهما بحمل النهي على أنّه خاص بصلاة النفل، وقد ناقش ابن بركة أصحاب الرواية في روايتهم الحديث: (لا) تصلّوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة) (2)، وما رووه عن النبي: أنه كان إذا صلى فريضة صلى بعدها ركعتين إلا صلاة الصبح وصلاة العصر) (3)، وما رووا عن علي أيضا أنه صلى بأصحابه في بعض أسفاره صلاة العصر ثم دخل فسطاطه وصلى ركعتين) (4)، وما رووا عن عليّ أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) (5)، وقد سبق لنا ذكر نقد ابن بركة لهذه الروايات وتفصيله الحديث في بعض جوانبه (6)، وقد أول لفظ الشمس مرتفعة بأنه بعد أن تغيب، وارتفاعها هو جوانبه (6)،
ذهابها كما تقول الناس: ارتفعت البركة، وارتفع القحط عن الناس، وارتفع الغلاء عن المسلمين"، وأما صلاة علي في فسطاطه بعد العصر،" فهذا يدل على أنه صلى صلاة كانت عليه ذكرها في ذلك الوقت، ألا ترى أنه هو الذي روى الخبر عن النبي لو أنه قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس) وهكذا جمع ابن بركة بين تلك الروايات بالتأويل.
ثالثا: الجمع بحمل المطلق على المقيد:
(7) ?
أمثلة
ومن طرق الجمع: الجمع بالتقييد، وفيها يحمل المطلق على المقيد، ومن ذلك الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (في سائمة الغنم الزكاة، وفي خمس من الإبل
(1) تقدم تخريجه ص 178.
(2) تقدم تخريجه ص 179.
(3)
(4)
(5)
(6)
تقدم تخريجه ص 179.
تقدم تخريجه ص 179.
تقم تخريجه ص 179.
انظر ص
179.178
(7) ابن بركة، الجامع، 546/ 1 - 548. (1/390)
صفحة 391
علوم السنة عند الإباضية:
371
(1)
سائمة زكاة شاة) مع الروايات التي لم يرد فيها لفظ السائمة (2) وحديث: (ليس في القتُوبة (3) صدقة ولا في الإبل الجارة صدقة) (4)، فلفظ السائمة قيد يخرج غير السائمة (5)، وبذلك يجمع بين الروايات التي ورد فيها ذكر السائمة والتي لم يرد فيها، وذلك بحمل الرواية المطلقة على المقيدة.
ومن
أمثلة هذا النوع من الجمع أيضا، الجمع بين رواية ابن عباس عن النبي أنه قال: (إذا لم يجد المحرم النعلين فليلبس الخفين) (6)، وما روي من طريق
(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب ما يسقط الصدقة عن الماشية 115/ 4 (7181)، وأخرجه ابن حبان جزءا من حديث طويل، كتاب التاريخ، باب ذكر كتبه ... 502/ 14 (6559).
(2)
ذلك حديث (ليس) فيما دون خمس ذود (صدقة الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة، باب زكاة الورق 524/ 2 (1378)، مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، أول كتاب الزكاة، 672/ 2 (979) ابن حبان في الصحيح، كتاب الزكاة، باب العشر، 71/ 8
(3275)
(3) القتُوبة، بالفتح: الإبل التي توضعُ الأَقْتَابُ على ظهورها، والمراد بها هنا الإبل العوامل فليس فيها صدقة، وأصل القتب: الرحل للبعير أو الحمل ر: ابن منظور، لسان العرب مادة قتب، 661/ 1
(4) أخرج الربيع حديث بلفظ ليس في الجارة ولا في الكسعه ولا في النخعه ولا في الجبهة صدقة) وقال الربيع: الجاره الإبل تجرّ بالزمام وتذهب وترجع بقوت أهل البيت، في مسنده الربيع، كتاب الزكاة والصدقة، باب ما عفي عن زكاته، 137/ 1 (338)، ووردت أحاديث تشهد لمعناه، منها (ليس) في الإبل العوامل صدقه أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الزكاة، باب ليس في العوامل صدقة، 103/ 2 (1)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب ليس في العوامل صدقة، 116/ 4 (7183). (5) سامت الماشية أي رعت وأسامها صاحبها أخرجها إلى المرعى ر الرازي مختار الصحاح، 135/ 1 ..
(6) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الحج، باب الإحرام، 92/ 9 (3781)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الحج، الرخصة في لبس الخفين 336/ 2 (3659). (1/391)
صفحة 392
علوم السنة عند الإباضية
<372
ابن عمر عن النبي عل الله أنه قال: (فليقطعهما أسفل من الكعبين) (1) فقد ورد في رواية ابن عمر شرط قطع الخفين من أسفل الكعبين، وهذا الشرط قيد لم يرد في رواية ابن عباس والتي وردت مطلقة، وبذلك تصبح رواية ابن عمر مقيدة لمطلق رواية ابن عباس.
ويعطي ابن بركة مزيد بيان في جمع الروايات المتقدمة فيقول بعد إيرادها:" وعندي - والله أعلم أن ذكر السائمة يُسقط الزكاة في غير السائمة لأن أحد الخبرين فيه بيان غير الآخر، وأحد الخبرين أسقط فيه الراوي زيادة لفظة لم يحفظها الآخر، ولا يوجب إسقاط الزيادة لأن فيها معنى ليس في الخبر الآخر وهكذا يعمل في سائر الأخبار نحو هذا، وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا لم يجد المحرم النعلين فليلبس الخفين، وروي من طريق ابن عمر عن النبي أنه قال: (فليقطعهما أسفل من (الكعبين وكان الخبران يرجعان إلى خبر واحد لأنه بيان عما يلبس المحرم عند عدم النعلين ومن أوجب في العوامل الزكاة فلا بدّ من ترك أحد الخبرين
(2)
رابعا: الجمع بحمل الأمر على الندب:
ومن طرق الجمع: الجمع بحمل الأمر على الندب، ومن أمثلته ما في الأحاديث التي ذكرت عدد التسبيحات في الركوع والسجود، فحديث أنس بن مالك حين صلى خلف عمر بن عبد العزيز قال: (ما صليت وراء أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الشاب، قال: فكنا نسبح وراءه عشرا عشرا) (3) فهذا الحديث يفيد أن التسبيح عشر، وحديث حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبحان ربي العظيم
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الحج، باب الإحرام، 98/ 9 (3788)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب المناسك، باب ذكر الخبر المفسر ... 200/ 4 (2683).
(2) ابن بركة، الجامع، 610/ 1 - 611. (3) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب التطبيق، في عدد التسبيح، 241/ 1 (721)،
والمقدسي في الأحاديث المختارة، حديث سعيد بن جبير عن أنس، 145/ 6 (2140). (1/392)
صفحة 393
علوم السنة عند الإباضية
373
ثلاث مرات) (1)، وهذه الرواية تفيد أن السنة في العدد ثلاث.
ويقول أبو طاهر الجيطالي في جمعه لمسألة العدد الواردة في الروايات ومعلقا على العشر تسبيحات ابتداء بقوله: "وهذا، حسن، ولكن الثلاث إذا كثرت الجماعة أحسن، وأما إذا لم يحضر إلا المتجردون للدين فلا بأس بالعشر، هذا وجه الجمع بين الروايات" (2)،
، وهذا الجمع حمل ما زاد عن الثلاث على الاستحباب والندب
كما لا يخلو وجه الحمل من مراعاة الحال أيضا.
وممن ذكر هذا الجمع - وإن عزاه إلى الجيطالي - أبو ستة محمد بن عمر في حاشية الوضع، وقد ذكره مستحسنا، له (3)، وكذلك عزا أبو ساكن الشماخي إلى
الربيع القول بالاجتزاء بالثلاث، وحمل ما زاد على الاستحسان أي الندب (4). ومن أمثلة الجمع بالحمل على الندب، الجمع بين الروايات المتعارضة في مسألة ولوغ الكلب كحديث غسل السبع: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات) (5)، وما روي من طريق ابن المغفل (والثامنة بالتراب) (6)، وحديث الثلاث عن أبي هريرة قال: (في الإناء يلغ فيه الكلب: يغسل ثلاث
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التسبيح في الركوع، 305/ 1 (604) وابن ماجة في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب السجود، 287/ 1 (888)، والدارقطني في سننه، كتاب الصلاة، باب صفة ما يقول ... 341/ 1 (1). (2) الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (1350/ 750)، کتاب قناطر الخيرات (القنطرة الثالثة: قنطرة الصلاة ووظائفها من الطهارات تح: طلبة قسم الشريعة بمعهد عمي سعيد بغرداية بالجزائر، ط 1، المطبعة العربية غرداية الجزائر، 1419 هـ، 1998 م، ص 248 - 249 (3) السدويكشي أبو ستة محمد بن عمر، حاشية كتاب الوضع، ص 318. (4) الشماخي عامر بن علي، الإيضاح، دار الفتح، د. ت 500/ 1. (5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، 234/ 1 (279)، والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، 265/ 1 (572) وأخرجه الربيع بلفظ (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات في مسنده كتاب الطهارة، باب جامع النجاسات، 71/ 1 (155). (6) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، 235/ 1 (280)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الأسآر، 114/ 4 (1298). (1/393)
صفحة 394
علوم السنة عند الإباضية
374
مرات) (1)، وقد أورد ابن بركة الروايتين الأوليين، وذكر فتوى أبي هريرة وقوله في موضعين (2)، وذكر أن التطهير يقع لكل النجاسات بالثلاث (3)، لكن ابن بركة لم يصرح في جمعه بحمل ما زاد عن الثلاث على الندب، وإن دل اختياره وقوع الطهارة بالثلاث ومعنى ذلك أن الوجوب بالثلاث وما زاد فهو على الاستحباب، وقد سبق ضمام و جابر بن زيد وغيرهم ابن بركة بالقول في أنه يكتفى بالثلاث (4)، واعتبر نور الدين السالمي قولهم بالثلاث إشارة منهم تدل على أن الأمر بالسبع
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطهارة، باب سؤر الكلب، 123/ 1. وقال الطحاوي عقبه: " فلما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاث يطهرن الإناء من ولوغ الكلب فيه وقد روي عن النبي ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع لأنا نحسن الظن به فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي إلا إلى مثله وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته ولو وجب أن يعمل بما روينا في السبع ولا يجعل منسوخا لكان ما روى عبد الله بن المغفل في ذلك عن النبي الأولى مما روى أبو هريرة لأنه زاد عليه"، وأخرج عبد الرزاق الفتوى بالثلاث عن الزهري، كتاب الطهارة، باب الكلب يلغ في الإناء، 97/ 1 (336)، وأخرج الدارقطني حديثا من طريق إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا) في سننه، كتاب الطهارة، باب ولوغ الكلب، 65/ 1 (13) ولكن الإشكال يلحق هذه الرواية في تقديري وذلك لتعليل النقاد رواية ابن عياش غير الشامية وهي هنا من إسناد مدني. لمعرفة تفصيل تعليل أئمة النقد والرواية لإسماعيل في غير روايته الشامية انظر: ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال، 291/ 1، الجوزجاني، أحوال الرجال، 174/ 1، البستي ابن حبان محمد بن حبان (965/ 354)، المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، مراجعة محمود إبراهيم زايد دار الوعي، حلب سورية، 1396 هـ، 124/ 1، ابن عساكر علي بن حسن بن هبة الله (1156/ 571)، تاريخ مدينة دمشق، تح: محب الدين العمري، دار الفكر، بيروت، 1995 م، 45/ 9 وما بعدها الذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن احمد (1348/ 748)، ذكر من تكلم فيه وهو موثوق، تح محمد شكور أمرير المياديني، ط 1، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، 1406 هـ، 47/ 1.
(2)
(3)
ابن بركة، الجامع 397/ 1 - 398، 401/ 1 - 402.
م. س، 401/ 1.
(4) ر: الفراهيدي الربيع بن حبيب، المسند، 71/ 1. (1/394)
صفحة 395
علوم السنة عند الإباضية
375
للندب (1)، وذكر السالمي والقطب اطفيش أن الإباضية قالوا بالندب في ما زاد على الثلاث (2)، يقول نور الدين السالمي معلقا على فتوى أبي هريرة:"الغرض من ذكر إفتائه بالثلاث بيان المراد من الحديث وأن السبع ليست بواجبة بل مندوبة فقط (3)
خامسا الجمع بحمل النهي على الكراهة:
من طرق الجمع: الجمع بحمل النهي على الكراهة، ومن أمثلة هذا النوع الجمع بين حديث (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعا) (4) وحديث ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة) (5)، فالحديث الأول يقتضي النهي عن الاغتسال بفضل الماء الباقي من اغتسال المرأة، والثاني يقتضي الإباحة، يقول نور الدين السالمي بعد إيراده عددا من الأحاديث في ذلك مبينا الجمع بينها: " فهذه الأحاديث دالة على جواز الوضوء من فضل المرأة، والاغتسال مثله، فيحمل النهي على الكراهة، وفعله على بيان الجواز ... ويمكن حمل النهي على فضل الوضوء من الأجنبية والأجنبي دون الزوجين حينئذ خوف إثارة الشهوة الطبيعية، وهذا معنى لم أظفر به عن أحد وأرجو أن يكون صحيحا إن شاء الله (6).
ومن أمثلة هذا النوع من الجمع، الجمع بين الروايات التي ذكرت حكم شهود المرأة الجنائز، فوردت روايات تبيح ذلك كحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، 211/ 1. (2) ر: اطفيش، شرح النيل، 113/ 1، السالمي، معارج الآمال، 34/ 5. (3) السالمي، شرح الجامع الصحيح،212/ 1.
(4) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب النهي عن ... 21/ 1 (81)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال بفضل الجنب، 117/ 1 (240). (5) أخرجه مسلم من طريق أبي الشعثاء في صحيحه، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء ... 257/ 1 (323)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، 57/ 1 (108). (6) نور الدين السالمي شرح الجامع الصحيح، 2001، ر: الشماخي، الإيضاح 111/ 1. (1/395)
صفحة 396
علوم السنة عند الإباضية
376
(1)
كان في جنازة، فرأى عمر امرأة فصاح بها عمر، فقال: دعها يا عمر ... وروايات تنهى عن ذلك كحديث أم عطية قالت: (نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) (2).
وقد اختلف الناس في الجمع بين النهي والإباحة الواردين في الروايات، فظاهر رواية أبي هريرة الأولى الجواز، وظاهر الرواية الأخرى النهي، وهذا الخلاف موجود عند الإباضية أيضا، ومع أن نور الدين السالمي ذهب إلى حمل النهي على الكراهة فإنّه أورد رأي بعض أئمة المذهب المتقدمين وقولهم بالجواز كالربيع وجابر بن زيد فقال: " ومنها - أي من آداب تشييع الجنازة ألا تكون في المشيعين امرأة، لأنه يكره لها أن تتبع الجنازة"، ويعلق على لفظ: (ولم يعزم
-
علينا) الوارد في حديث أم عطية بقوله: " أي نهينا نهيا غير متحتم، فكأنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير "تحريم
سادسا الجمع باختلاف الأحوال:
(3)
هناك ضرب من الجمع يمكن أن نسميه الجمع باختلاف الأحوال ومن الأمثلة التي وجدتها ويمكن فهمها - في تقديري - من خلال هذا الضرب من الجمع ما أورده ابن بركة من أحاديث في مسألة البيع والشرط، وقد صدر المسألة بذكر حديث النبي: (أنه نهى عن شرطين في بيع) (4)، وأورد حديث بيع جمل جابر، إذ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى من جابر بن عبد الله بعيرا وشرط جابر ظهره
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في البكاء على الميت 505/ 1 (1587)، وأحمد في مسنده، مسند أبي هريرة، 444/ 2 (9729). (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز، 429/ 1 (1219)، ومسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، 646/ 2 (938). (3) السالمي، معارج الآمال، 202/ 12. (4) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع 569227/ 1) والدارمي في سننه، كتاب البيوع، باب في النهي عن شرطين في بيع، 329/ 2 (2560). (1/396)
صفحة 397
علوم السنة عند الإباضية
377
من مكة إلى المدينة فأجاز صلى الله عليه وسلم البيع والشرط) (1) وما روي من (أن عائشة اشترت بريرة لتعتقها فاشترط البائع ولاءها لنفسه فأجاز البيع وأبطل الشرط، وقال: الولاء لمن أعتق) (2) وما روي من أن تميما الداري باع دارا واشترط سكناها فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم البيع والشرط) (3)، وقد فسر ابن بركة كل رواية على أنها حالة مستقلة فقال: " والذي عندي - والله أعلم – أن خبر بريرة كان غير جائز؛ لأنه اشترط ما لا يجوز تملكه وهو الولاء الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم كالنسب لقوله (لحمة الولاء كلحمة النسب) (4) والنسب لا يجوز تملكه لهذا الخبر؛ فلذلك أبطله النبي الله، وأما خبر جابر بن عبد الله في بيع البعير إذ اشترط ركوبه من مكة إلى المدينة لم يكن في نفس عقد البيع وإنه كان على وجه العارية وقد هذا أيضا (5)، وأما خبر تميم الداري فإنّه يحتمل أن يكون الخبر الذي روي أنه اشترط في البيع سكنى الدار أيام حياته فان الجهالة بمدة أيام حياته لا يصح البيع معها لأن ذلك غير معلوم؛ ولذلك بطل البيع والشرط، ولو كان شرط السكني
روي
(1) تقدم تخريجه ص 176.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب إذا اشترط ... 760/ 2 (2061)، والربيع في مسنده، كتاب الطلاق، باب الحداد والعدة، 216/ 1 (535)، ومسلم في صحيحه، كتاب العتق، باب إنما الولاء ... 1143/ 2 (1504).
(3) أخرجه الربيع من طريق ابن عباس في مسنده كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه ... 227/ 1 (570)، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، من طريق عون بن عبد الله عن عتبة، ولم يذكر إبطال البيع، كتاب البيوع والأقضية، باب في الرجل يبيع ... 546/ 4 (23012).
(4) أخرجه البيهقي مرفوعا بلفظ (الولاء بمنزلة النسب لا يباع ولا يوهب أقره حيث جعله الله) في السنن الكبرى، كتاب العتق باب من أعتق مملوكا له 294/ 10 (21331)، وأخرج مثله البيهقي وغيره موقوفا عن عدد من الصحابة. يشير إلى رواية الربيع التي ذكر فيها بعد ذكر رواية جابر - أن ابن عباس قال:" وإنما أجاز النبي ذلك لأن الشرط لم يكن في عقدة البيع. ر: الربيع بن حبيب، المسند، كتاب البيوع، باب ما ينهى ... 227/ 1 (570).
(5) (1/397)
صفحة 398
علوم السنة عند الإباضية:
378
مدة معلومة لكان البيع جائزا لأن البيع إذا شرط فيه شرط له قسط من الثمن
معلوم جاز البيع والله أعلم" (1).
(5)
سابعا: الجمع باعتبار الزيادة
ومن طرق الجمع للروايات الجمع باعتبار الزيادة و الأخذ بها، والأخذ بالزيادة إذا صحت في أحد الخبرين معمول ومأخوذ بها لاسيما إذا كانت لها فائدة (2)، ومن ا، أمثلة هذا الجمع الجمع بين حديث عائشة عن النبي: من اقتنى كلبا لا لزرع، ولا لضرع نقص من أجره كل يوم قيراط (3) (4) وحديث ابن عمر: (من اقتنى كلبا إلا كلبا ضاريا لصيد أو كلب ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان) وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط) (6)، فحديث أبي هريرة زاد فيه صيد الزرع عن حديث ابن عمر، بينما اقتصر حديث عائشة على الضرع أي الماشية كما في الحديثين والزرع، وقد جمع بين حديث ابن عمر وأبي هريرة، بقبول زيادة أبي هريرة. وقد أورد أبو ستة ذكر الجمع بين الروايتين (7)، والجمع يقضي بقبول زيادة أبي هريرة لأنه حافظ ثقة، بل أول بعضهم ما قاله ابن عمر
(1) ر: ابن بركة، الجامع 19/ 1 - 20.
(2)
(3)
ابن بركة، الجامع 397/ 1 - 398
القيراط قياس هو نصف دائق والدائق يساوي نصف درهم ر البركتي، التعريفات
الفقهية، ص 94، 179.
(4) تقدم تخريجه ص 117.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب من اقتنى كلبا ليس ... 2088/ 5 (5163)، ومسلم في صحيحه كتاب المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب وبيان ... 1201/ 3 (1574).
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب وبيان ... 1203/ 3 (1575)، وأبو داود في سننه، كتاب الصيد، باب في اتخاذ الكلب للصيد ... 108/ 3 (2844).
(7) أبو ستة محمد بن عمر، حاشية الترتيب، 125/ 4 (1/398)
صفحة 399
علوم السنة عند الإباضية
379
لما ذكر قول أبي هريرة: (يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع) (1) أن في ذلك تثبيتا لرواية أبي هريرة، و أن سبب حفظه لهذه الزيادة دونه أنه صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلا بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه (2).
ثامنا الجمع بجواز الأمرين:
ومن طرق الجمع: الجمع بجواز الأمرين، ومن أمثلته الجمع بين الروايات الواردة في محلّ سجود السهو، وقد وردت عدة أحاديث في ذلك نقتصر على ذكر حديثين، حديث عبد الله ابن مسعود) أن رسول الله صلى الظهر خمسا، فقيل له أزيد في الصلاة، فقال وما ذاك، قالوا صليت خمسا؛ فسجد سجدتين بعد ما سلم) (3)، وحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليين على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته وإن كان صلى
إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان) (4)، فحديث ابن مسعود يفيد أن محلّ. السهو بعد التسليم، وحديث أبي سعيد يفيد أن محله قبل التسليم، وقد اختلف علماء الإباضية في هذه المسألة كغيرهم، فذهب كثير منهم إلى أن محل السجود بعد التسليم، وهو الذي صححه أبو ساكن الشماخي (5)، وعليه فتوى المذهب كما نص نور الدين السالمي وهناك تفصيل في هذه المسألة مبني على تعدد الروايات لا
(1)
(6)
ورد في رواية مسلم المتقدم تخريجها.
(2) أبو ستة محمد بن عمر، حاشية الترتيب، 125/ 4
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب السهو في الصلاة، باب إذا صلى خمسا 411/ 1 (1168)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ذكر المصلي يصلي خمس ... 131/ 2 (1056).
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد واضع الصلاة، باب السهو في الصلاة ... 400/ 1 (571)، والدارقطني في سننه، كتاب الصلاة، صفة السهو في الصلاة
وأحكامه، 371/ 1 (20).
(5) الشماخي، الإيضاح، طبعة دار الفتح، 648/ 1_649.
(6) نور الدين السالمي، معارج الأمال، 304/ 8. (1/399)
صفحة 400
علوم السنة عند الإباضية
380
يمكننا في هذا الإيجاز تفصيله، وما يعنينا هنا هو الجمع من خلال جواز الأمرين، وممن ذكر هذا القول أبو محمد الخليلي في كرسي الأصول حيث يقول:" فإن لم يقبل التأويل جاز الوجهان كسجود السهو ففيه روايتان من فعله صلى الله عليه وسلم إحداهما قبل التسليم والأخرى بعده وإن كانت الثانية أحوط لأنها زيادة في الصلاة (1).
ونجد نور الدين السالمي يرى إمكانية الجمع على الجواز ويقول: " ويمكن الجمع من جهة أخرى؛ وهو أن تحملها على جواز الأمرين، وكيف لا يجوز ذلك وقد جوزوا الدعاء قبل التسليم بما ليس من القرآن حتى قال بعضهم بجوازه في أمر الدنيا، فكيف لا يجوز سجدتان وجبتا عليه بسبب تلك الصلاة؟ ولعل الخلاف في الأولى من ذلك (2).
"
المبحث الثالث الترجيح في مختلف الحديث وبعض أوجهه:
تعريف الترجيح الترجيح مصدر من رجح وورد هذا اللفظ بجملة من المعاني كالتقوية والتفضيل والتمييل والتثقيل والتغليب ومنه رجحت الشيء أي وزنته
بيدي ونظرت مقدار ثقله، ورَجَحَ الميزانُ يَرْجَحُ ويَرْجُحُ ويرجحُ رُجحاناً يعنـ مال، ومن المجاز قولهم: ربَّحَ أَحَدَ قَولَيْه على الآخر (3)، وورد في اللسان أيضا أن "الرَّاحِحُ: الوازن". " ورَجَحَ في مجلسه: ثَقُل"، و" رجحت الشيء بتشديد الجيم - أي فضلته وقويته" (4).
وأما في الاصطلاح فيعرفه الشماخي" اقتران أمارة بما تتقوى به على معارضة (5)، ويعرفه نور الدين السالمي بأنّه عبارة عن اقتران الأمارة التي يستدل بها على الحكم بما تقوى به علي معارضتها (1)،
(1) الخليلي، سعيد بن خلفان، كرسي أصول الدين، (مخ)، 121. (2) السالمي، معارج الآمال، 305/ 8 - 306
(3) راجع ورود هذه المعاني في: ابن منظور، لسان العرب مادة رجح، 445/ 2 الفيروز أبادي، القاموس المحيط مادة رجح، 221/ 1،، الصحاح مادة رجح، 466/ 1.
(4) ابن منظور، لسان العرب، مادة رجح، 445/ 2.
(5) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 605. (1/400)
صفحة 401
علوم السنة عند الإباضية
381
وقد ذكر العلماء أن الترجيح لا يصح بين بعض الأدلة مثل كون الدليلين قطعيين أو فيما لا دلالة له على الحكم أصلا، ولا بين قطعي وظني ولا بين
6
علتين قطعيتين، وفي حال وقوع التعارض بين الدليلين الظنيين، فإنه يجب العمل بأقواهما ويترجح بوجوه كثيرة (2).
ونجد الترجيح والاختيار منهجا متبعا عند علماء الإباضية من البدايات الأولى لتكونهم، من ذلك سؤال أبي غانم الخراساني عبد الله بن عبد العزيز عن روايتين في مسألة اختار واحدة منهما فيقول له: قلت هذا القول الذي رويت عن عمر بن الخطاب ورغبت في القول الآخر الذي أخذت به عن من رويته؟ أتأثره عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، القول الذي أخذتُ به قول علي بن أبي طالب، وهو أحب إلي من قول عمر بن الخطاب وبه نأخذ (3)، وأمثال هذا كثير مدون
عندهم.
وقد تعددت وجوه الترجيح، وسنعرض لأهمها، مع عرض بعض الأمثلة لجانب من هذه الوجوه إذ يصعب عرض أمثلة لكل الوجوه فذلك محتاج لدراسة مستقلة. ووجوه الترجيح تتوزع كالأتي:
أولا الترجيح من خلال السند أو بحال الراوي وله وجوه عدة:
منها الترجيح بعدالة الراوي، من حيث قوة عدالته وثقته وذلك "بأن يكون أشد تورعا وتحفظا في دينه (4)، يقول القطب اطفيش" وان لم يعلم أي المتقدم ولم يمكن - أي الجمع - ربَّحَ أحدهما وعمل به إن وجد أي مرجحا صريحا ككثرة الرواة وزيادة عدالتهم" (5)، ويرجح ما كان أعدل وأتقى أو أشهر – أي في
(1)
, (2)
السالمي، شرح طلعة الشمس 192/ 2.
ر: الشماخي شرح مختصر، العدل، ص 606605 السالمي شرح طلعة الشمس
194 - 192/ 2
(3) أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز، كتاب النكاح والشغار، ص 147.
(4) السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2.
(5) اطفيش، جامع الشمل، ص 429. (1/401)
صفحة 402
العدالة- (1)
علوم السنة عند الإباضية
382
وبذلك يترجح من طرقهم ما كان أكثر تزكية ومن أمثلة ذلك حديث بسرة بنت صفوان قالت قال رسول الله: من مس ذكره فليتوضأ) (2) على حديث طلق بن علي قال: (خرجنا وفدا إلى النبي، فجاء رجل فقال يا نبي الله ما تقول في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال هل هو إلا مضغة أو بضعة منه) وعلق نور الدين السالمي مبينا سبب ترجيح رواية بسرة لرجحان طريقها في التعديل وشهرته فقال: " إن رواية نقض الوضوء بمس الذكر أكثر وأشهر" وبين أن" الأشهر من الخبرين مقدم على غير
(3)
(4)
ومنها الترجيح للأحفظ على من دونه، يقول الشماخي:" أو أشد تيقظا أو يعتمد على حفظه أي يرجح على من يعتمد على نسخه (5)،، وكذلك تقدم" رواية من علم ضبطه على من لم يعلم منه ذلك (6)، وكذا الترجيح بفقه الراوي، وعبر عنه الشماخي بالأعلم (7)، وقال السالمي: " ومنها علم الراوي وفقهه فإن رواية العالم الفقيه مقدمة على رواية غير الفقيه وإن كان أمينا إذ الظن بضبط العالم الفقيه
أرجح (8)
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 606.
(2) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الطهارة، باب ما يجب من الوضوء، 60/ 1 (116) والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، أول كتاب الطهارة، 230/ 1 (473)، وابن الجارود في المنتقى، باب الوضوء بمس الذكر، 17/ 1 (16) (3) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب نواقض الوضوء، 402/ 3 (1119)، والدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس ... 149/ 1 (17).
(4) السالمي، معارج الآمال، 135/ 2.
(5)
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 606.
(6) السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2. (7) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 606.
(8) السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2. (1/402)
صفحة 403
علوم السنة عند الإباضية:
383
الواقعة (2)،
النبي
ومنها الترجيح لخبر الراوي المباشر لسبب الرواية (1) بكونه صاحب، وقد مثل الشماخي والسالمي لذلك بترجيح حديث ميمونة في تزوج بها وهو محل ولفظه عنها: (أن رسول الله الله تزوجها وهو (حلال) (على رواية ابن عباس وهو محرم، ولفظه عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم) (4)، ومع ترجيح رواية ميمونة بسبب أنها صاحبة الأمر فالزواج وقع معها، فهناك مرجح آخر إذ رويت رواية ميمونة من طريق أبي رافع وكان السفير بينهما وهو الذي خطبها للنبي ()، وقد ذكر ترجيح رواية تزوج النبي ميمونة وهو حلال ابن بركة وساق حديث نهي المحرم عن النكاح
وهو محرم
(6)
ومنها الترجيح لرواية من أخذ بالمشافهة عمن لم يأخذ مثله (7)، ومثاله ترجيح حديث عروة والقاسم عن عائشة في خبر عتق بريرة قالت: وكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله فاختارت نفسها ولو كان حرا لم يخيرها)
(8) '
على
(1)
م. س، 203/ 2.
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 607.
(3) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب النكاح، ذكر شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان بين المصطفى وبين ميمونة ... 442/ 9 (4135)، والدارقطني في سننه، كتاب النكاح، باب المهر،
(67) 262/ 3
(4) تقدم تخريجه ص 142.
(5) السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2.
(6) ابن بركة، الجامع، 72/ 2.
(7) ر: الشماخي، شرح مختصر العدل ص 606، عمرو التلاتي، حاشية على شرح مختصر العدل (مخ)،ص 266، السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2.
(8) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق 1143/ 2 (1504)،
وابن حبان في صحيحه، كتاب الطلاق، ذكر البيان بأن زوج بريرة ... 93/ 10 (4272). (1/403)
صفحة 404
علوم السنة عند الإباضية
384
خبر الأسود عنها: (كان زوج بريرة حرا فخيرها رسول الله) (1) يقول نور الدين السالمي في ترجيح رواية القاسم:" لأنها عمة القاسم فهو محرم لها ويشافهها
وهو ينظر إليها فروايته عنها أكثر تحقيقا ممن روى عنها وهو لا يراها (2). . ومنها الترجيح لرواية أكابر الصحابة على غير الأكابر (3) فرجحت رواية ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا) (4)، على رواية أنس التي تفيد أنه كان قارنا وفيها يقول أنس: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك عمرة وحجا) (5)، يقول نور الدين السالمي: لأن الظن بأن أكابر الصحابة أضبط للشريعة وأخبر بأحوال النبي فخبرهم مقدم على خبر غيرهم عند التعارض
ومنها الترجيح للمتواتر على ما دونه (7)، يقول السالمي:" يرجح المتواتر وإن لم يذكر سنده على الخبر الآحادي
(8)
وفي تقديري أن في اعتبار هذا الوجه من وجوه الترجيح تجوزا؛ وذلك لأن المتواتر قطعي الدلالة وهم قد قرروا أن لا ترجيح بين قطعي وظني، إذ الظني لا
(1) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الرضاع، باب ما جاء في المرأة تعتق ولها زوج 461/ 3 (1155)، وسعيد بن منصور في السنن، كتاب الطلاق ما جاء في خيار الأمة
(1259) 340/ 1
(2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2.
(3) ر: الشماخي شرح مختصر العدل، ص 606، الثلاتي، حاشية على شرح مختصر العدل (مخ)، ص 266، نور الدين السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2. (4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب الإفراد والقران بالحج، 904/ 2 (1231)، والدارقطني في سننه، كتاب الحج، باب المواقيت، 238/ 2 (13)
(5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب إهلال النبي وهديه 915/ 2 (1251)، وابن حبان في صحيحه كتاب الحج، باب ما جاء في حج النبي .. ، 240/ 9 (3930).
(6)
السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2.
(7) ر: الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 606، التلاتي، رفع التراخي (مخ)،ص 266،
السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2.
(8) السالمي، شرح طلعة الشمس، 202/ 2. (1/404)
صفحة 405
علوم السنة عند الإباضية
385
يمكن أن يعارض القطعي.
ومنها الترجيح بكثرة الرواة، يقول الشماخي معللا ذلك:" لأن العدد الأكثر أبعد من الخطأ، من العدد الأقل، وأيضا كل واحد من الرواة يفيد ظنا، فإذا انضمّ إلى الأخر ازداد (1).
ومنها ترجيح المتصل على المرسل (2) مثل ترجيح حديث عليّ الذي رواه أبو جحيفة قال: سألت عليا رضي الله عنه هل عندكم شيء ما في القرآن مما ليس عند الناس فقال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فَهُمَا يُعْطَى رجلٌ، وما في الصحيفة، قلت وما في الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر) (3) على حديث عبد الرحمن بن البيلماني: (أن رجلا من المسلمين قتل رجلا من أهل الكتاب فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله أنا أحق من وفي بذمته ثم أمر به فقتل) وكذلك يرجح مرسل التابعي على غيره (5)، وأيضا ترجيح المتفق على رفعه على المختلف فيه (6)، كترجيح حديث أم سلمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي
(4)
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 606.
(2)
ر الشماخي شرح مختصر العدل ص 608، الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 267. (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب العاقلة، 2531/ 6 (6507)، والنسائي في سننه، كتاب القسامة، باب القود، 220/ 4 (6946).
(4) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب جماع أبواب تحريم القتل، 30/ 8 (15696)، وقد أخرج عبد الرزاق وغيره حديثا بفلظ (أن) رسول الله فرض على كل رجل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم وأنه ينفى من أرضه إلى غيرها) في مصنفه، كتاب العقول، باب دية أهل الكتاب، 92/ 10 (18474). ر الشماخي شرح مختصر، العدل، ص 607، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 266، السالمي، شرح طلعة الشمس، 204/ 2.
(5)
ر الشماخي شرح مختصر العدل 608، الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 267. (1/405)
صفحة 406
علوم السنة عند الإباضية
386
فليمسك عن شعره وأظفاره) (1) على حديث أبي هريرة قال: (من وجد سعة فلم يُضَح معنا فلا يقربن مُصلّانا) (2).
• ومنها الترجيح بعلو الإسناد (3)، فما كان بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم واحد لا شك أنه يرجح على ما بينه وبين الرسول اثنان، وقريب من هذا ترجيح من علمه الرسول علي غيره؛ فرجح ابن بركة رواية أذان أبي محذورة على رواية بلال (4)، وقد ذكر ابن بركة أن أبا محذورة لم يرو التثاوب أنه هو الذي علمه مع النبي الأذان، وأما بلال فروي أنّه كان يتثاوب في أذان الصبح، ولم يكن النبي علمه الأذان بل علمه عبد الله بن زيد الأنصاري، والثقة بخبر من علمه النبي وسمع منه وأخذ منه، أولى بالقبول ممن أخذ من صحابي وغير النبي (5). انيا
ومنها الترجيح لبعض صيغ الأداء على بعض كترجيح من قال: "سمعت رسول الله على من قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن رسول الله، لاحتمال الإرسال وأن يكون سمعه من غيره في مثل هذا (6) وترجح رواية من يروي هذا (6) معنعنا، مثل فلان عن فلان على رواية من يروي إسنادًا إلى كتاب حديث ولو كان مشهورا، ورواية الراوي عن كتاب مشهور بالصّحة على رواية ما كان
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأضاحي، باب الفرع والعتيرة، 1565/ 3 (1977)، وابن حبان في صحيحه كتاب الأضحية، ذكر الخبر الدال على أن الأضحية ... 237/ 13 (5916). (2) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه في كتاب الأضاحي، 7566258/ 4) وابن ماجة
في سننه، كتاب الأضاحي، باب الأضاحي واجبة أم لا، 1044/ 2 (3123). (3) ر: الشماخي شرح مختصر العدل، ص 608، الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 267. (4) تقدم تخريج الروايتين ص 129.
(5)
ابن بركة، الجامع، 442/ 1 - 443.
ر الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 608، الثلاثي، رفع التراخي (مخ)، ص 268 السالمي، شرح طلعة الشمس 202/ 2. (1/406)
صفحة 407
علوم السنة عند الإباضية
387
دونه، ورواية من يروي بقراءة الشيخ عليه، على رواية قراءة الراوي على الشيخ (1).
ومنها ترجيح رواية الراوي الأقرب مجلسا عند الرواية، فالأبعد قد يضطرب سماعه، والأقرب يظن في سماعه القوة (2)، وترجيح رواية الراوي إذ تحمل الرواية بالغا، على من تحملها صغير (3)، والسبب عائد إلى أن البالغ أقوى ضبطا وأصح عقلا وأكمل (4).
ثانيا الترجيح من خلال المتون ويمكن تقسيمه إلى:
1 الترجيح باعتبار لفظ الحديث وله أوجه كثيرة أهمها:
ترجيح ما روي باللفظ على المعنى (3)، أو ما اتفق على لفظه على ما اختلف في لفظه (6)، ومن أمثلة ذلك ترجيح من رجّح رواية ابن مسعود في لفظ التشهد حيث يقول: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن؛ التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا السلام يعني على
(1) ر: الشماخي، شرح مختصر، العدل، ص 608، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 267 - 268. (2) ر: الشماخي، شرح مختصر، العدل ص 608، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 268 السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2.
(3) ر: الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 607، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 268، السالمي شرح طلعة الشمس 204/ 2 (4) السالمي، شرح طلعة الشمس، 204/ 2.
(5)
(6)
م. س، 202/ 2.
ار الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 607، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 268، السالمي، شرح طلعة الشمس، 202/ 2. (1/407)
صفحة 408
علوم السنة عند الإباضية:
388
النبي (4) على رواية غيره من الصحابة كرواية ابن عباس وفيها قال: (كان رسول الله الله يعلّمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات الله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)، وقد اختلف الإباضية في مسألة لفظ التشهد، والصيغة التي ذكر نور الدين أنها اختيار المشارقة أقرب إلى لفظ رواية ابن مسعود، بينما اختار المغاربة تشهد ابن عباس (3) ... وقد ذكر القطب في شامله الألفاظ المختلفة. في ذلك وتنوع اختيار فقهاء الأمة لها (4).
ومنها ترجيح ما كان متنه سالما من الاضطراب مثل ترجيح رواية عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا دبغ الإهاب فقد طهر) (3) على رواية عبد الله بن عكيم) أنّ رسول الله كتب إلى جهينة قبل موته بشهر أن لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (6)، وقد سبق لنا عرض مناقشة ابن بركة لهاتين الروايتين وبيانه وجه ترجيح رواية ابن عباس على الأخرى وأن من بين الأسباب الضعف الوارد على الرواية الأخرى وتكلُمُ نقلة الأخبار فيها (7).
ومنها ترجيح ما كان قولا صريحا على ما كان استدلالا، فقد يكون الاستدلال اجتهادا من الناقل بينما القول الصريح أقرب أن يكون نصا عن النبي
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب الأخذ باليدين ... 2311/ 5 (5910)، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، 302/ 1 (402). (2) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، 302/ 1 (403) وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، ذكر الإباحة للمرء أن يتشهد ... 282/ 5 (1952).
(3) السالمي، المعارج، 203/ 8.
(4) اطفيش، شامل الأصل والفرع، 115/ 2 - 118.
(5) تقدم تخريجه ص 53.
(6) تقدم تخريجه ص 363.
ر ابن بركة الجامع، 377/ 1 - 379 (1/408)
صفحة 409
علوم السنة عند الإباضية:
389
؛ مثل ترجيح حديث ابن عمر) أن النبي الله نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن يستمتع بها سيدها ما دام حيا فإذا مات فهي حرة) على رواية أبي سعيد قال: (كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله وقد ذكر ابن بركة طرفا من هذه المسألة ووجه النهي الوارد عن عمر
(1)
(2) 6
بأنه نهي أدب لا نهي تحريم
(3)
ومنها ترجيح الخبر المومئ إلى علة الحكم لأن ما حوى العلة أقرب إلى البيان، يقول نور الدين السالمي: "لأن المعلل أقرب إلى انقياد سامعه لمضمونه ولدلالته على الحكم من جهتين؛ من جهة لفظه ومن جهة دلالته عليه بواسطة دلالته على علته (4)، ومن الأمثلة هنا ترجيح رواية عدي بن حاتم قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت إنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليكم وإن قتلن إلا أن يأكل الكلب، فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه، وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل) (5) رواية أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله: في صيد الكلب (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يداك)
(6)
على
(1) أخرجه الدارقطني في سننه مرفوعا، كتاب المكاتب، 134/ 4 (34)، وأخرجه في الموضع نفسه عن عمر موقوفا، 134/ 4 (35)، وأخرج ابن حبان في صحيحه عن جابر أن عمر هو الذي نهى، كتاب العتق ذكر البيان بأن عمر ... 166/ 10 (4324). (2) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع، 22/ 2 (2190)، والدارقطني، كتاب المكاتب،
(38) 135/ 4
(3) ر: ابن بركة، الجامع، 246/ 2
السالمي، شرح طلعة الشمس 208/ 2
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الذبائح والصيد، باب إذا أكل الكلب، 5/ 2089 (5166) ومسلم في صحيحه، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة،
(1929) 1529/ 3
(6) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصيد باب في اتخاذ الكلب للصيد، 109/ 3 (2852) وأحمد في مسنده، مسند أبي ثعلبة الخشني، 195/ 4 (17783). (1/409)
صفحة 410
علوم السنة عند الإباضية
390
ومنها ترجيح القول على الفعل (1) ومن أمثلته ترجيح حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) (2) لأنه قول، على حديث وائل بن حجر قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) (3) لأنه فعل، وذلك لأن
-
القول" أقوى دلالة من الفعل بوضعه لها، والفعل إنما يدله بقرينة ... ولأن دلالته - أي القول - متفق عليها دون دلالة الفعل (4)، ولذلك رأينا بعض فقهاء الإباضية في تناولهم الأحاديث الواردة في النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة يرجحون لأنه ورد بالقول في حديث (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط) (5) على حديث ابن عمر أنه وجده بين لَبِنَتَين مُستديرا للقبلة مُستقبلاً لبيت المقدس) (6)، هذا مع أقوال من ذهبوا فيها مذهب الجمع كما هو مبسوط في
النهي
كتبهم
(7)
(1) ر: التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 268 التلاتي، روضة المشتاق على زهرة الإشراق، ص 50 اطفيش شرح عقيدة التوحيد، ص 341. (2) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب التطبيق، باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، 229/ 1 (678)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل ... 222/ 1 (840). (3) أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب التطبيق، باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده، 229/ 1 (676)، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل ... 222/ 1 (838).
(4) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 148 - 149.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل ... 154/ 1 (386)
وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، ذكر الزجر عن استدبار القبلة، 265/ 4 (1417). (6) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الطهارة، باب في الاستجمار، 50/ 1 (78)، والطبراني في المعجم الكبير، حديث يونس مولى الزبير عن ابن عمر، 13312349/ 12). ار: المصعبي، حاشية المصعبي (مخ)، ص 195 و، أبو ستة محمد بن عمر، حاشية كتاب الوضع، ص 146، التلاتي، روضة المشتاق على زهرة الإشراق، ص 50 اطفيش، شرح عقيدة التوحيد، ص 341، السالمي، شرح المسند، 133/ 1 - 134.
, (7) (1/410)
صفحة 411
علوم السنة عند الإباضية
391
ومنها ترجيح رواية القول على التقرير، مثل ترجيح حديث عائشة أم المؤمنين أنها قالت: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك، فصلّى جالسا وصلّى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا صلّى جالسا فصلّوا جلوسا) (1) ومثله حديث أنس وهما من الحديث القولي على حديث عائشة التقريري الذي ذكرت فيه مرضه وأمره ليصلي أبو بكر بالناس وأنه خرج بعد إقامة الصلاة .. فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي الله أن مكانك ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه، قيل للأعمش وكان النبي لا يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر فقال برأسه نعم، وزاد أبو معاوية جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما) (2) وقد اختلف النقل عن بعض أئمة الإباضية كجابر بن زيد في هذه المسألة، فروي عنه تقيده الجواز للصلاة خلف القاعد لأئمة العدل فقط ونقل عنه الجواز مطلقا وإن رجح السالمي نقل القول الأول عنه، وأيد القول بتنزيل الأمر بين الروايتين على حالتين مختلفين، وذكر أن تقريره لهم على القيام دال على
أنهم لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما .. " (3). . ومنها ترجيح الفعل على التقرير (4) مثل ترجيح حديث عدم الزيادة في التلبية على ما قاله الرسول الله وإن سكت عنه كما روى جابر بن عبد الله قال عن تلبية النبي: (فخرج حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة، والإمامة، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، 244/ 1 (656) وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، ذكر البيان بأن القوم صلوا خلف ... 462/ 5 (2104) وأخرج الربيع مقاربا له في مسنده، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في القعود في الصلاة والتحيات، 102/ 1 (240) (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة، والإمامة، باب حد المريض أن يشهد الجماعة، 236/ 1 (633)، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام
(418) 313/ 1 ...
(3)
السالمي، شرح المسند، 354/ 1 - 355.
(4) السيابي خلفان بن، جميل فصول الأصول، ص 362. (1/411)
صفحة 412
علوم السنة عند الإباضية
392
لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، قال وأما الناس يزيدون ذا المعارج ونحوه والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع لا يقول شيئا) (1) ...
وقريب من هذا النوع من الترجيح؛ ترجيح ما جرى بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وسكت عنه على ما جرى في زمانه ولم ينكره
(2)
2 - الترجيح باعتبار دلالة الحديث:
• ومنه ترجيح المنطوق على المفهوم (3) كترجيح حديث ابن عمر المقتضي منطوقه قبول شهادة الواحد العدل في رؤية هلال شهر رمضان، فعن بن عمر قال: (تراءى الناس، الهلال، فأخبرت رسول الله أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه) (9) على حديث الحارث بن حاطب وفيه قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
(5)
ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما) المقتضي مفهوم مخالفته أنه لا تقبل شهادة الواحد العدل لدخول رمضان.
ومنه ترجيح مفهوم الموافقة على مفهوم
المخالفة (6)، ومن ا، ومن أمثلته ترجيح
حديث أبي هريرة: (أن النبي قال: لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت على حديث ابن
6
(7)
(1) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب المناسك، باب إباحة الزيادة في التلبية، 173/ 4 (2626)، وابن الجارود في المنتقى باب المناسك، 121/ 1 (465). (2) ر: الشماخي، شرح مختصر، العدل، ص 608، الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 268، السالمي، شرح طلعة الشمس، 203/ 2.
(3) السيابي خلفان بن جميل فصول الأصول، ص 362.
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه، كتاب الصوم، 515/ 1 (1541) وأبو داود في سننه، كتاب الصوم، باب شهادة الواحد ... 302/ 2 (2340). (5) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصوم، باب شهادة الرجلين ... 301/ 2 (2338)، والدارقطني في سننه، كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤية الهلال، 167/ 2 (1)
(6) السيابي خلفان بن، جميل فصول الأصول، ص 362 (7) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا يُنكح الأب ... 1974/ 5 (4843)، ومسلم في صحيحه كتاب النكاح، باب الوفاء بالشروط في النكاح، 1036/ 2 (1419). (1/412)
صفحة 413
علوم السنة عند الإباضية
393
عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها
سكوتها) (1).
ومنه ترجيح الأقوى دلالة مثل ترجيح حديث أبي أمامة الباهلي (أقلّ الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها وأكثره عشرة أيام) (2) على حديث: (إن الله جعل في كل شهر حيضة وطهرا) (3) وحديث: (إنهن ناقصات عقل ودين فقيل وما نقصان دينهن؟ فقال: تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي) فالحديث الأول دلالته أقوى لنص العبارة قال القطب اطفيش: "فإن الحديث الأول نص في الأقل والأكثر فلا يقاومه الحديثان بعده" (5).
(4)
(1) تقدم تخريجه ص 390.
(2) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الحيض، 218/ 1 (59)، والربيع من طريق أنس في مسنده، کتاب الطلاق، باب الحداد والعدة، 218/ 1 (541).
(3) أورده القطب اطفيش في كتابه شامل الأصل والفرع ولم أعثر على تخريج له. ر: اطفيش، شامل الأصل والفرع، 236/ 1.
11
(4) قال البيهقي: شطر" عمرها أو شطر دهرها لا تصلي فقد طلبته كثيرا فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث ولم أجد له إسنادا بحال والله اعلم ر البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين (1066/ 458) معرفة السنن والآثار، تح سيد كسروي، حسن دار الكتب العلمية بيروت، د. ت 365/ 1.
وقال الزيلعي: " قال بن الجوزي في التحقيق واستدل أصحابنا وأصحاب مالك والشافعي على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما بحديث رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي)، قال وهذا حديث لا يعرف، وأقره صاحب التنقيح عليه".ر: الزيلعي أبو محمد عبد الله بن يوسف (1361/ 762)، نصب الراية، تح: محمد يوسف البنوري، دار، الحديث، مصر، 1357 هـ، 192/ 1.
(5) أطفيش، شامل الأصل والفرع، 236/ 1. (1/413)
صفحة 414
علوم السنة عند الإباضية
الترجيح باعتبار مدلول الحديث:
394
, (2) m
ومن
ومنه ترجيح الإثبات على النفي (1)، قال ابن بركة" وإذا ورد خبران أحدهما ينفي الفعل والآخر يوجب إثباته كان الإثبات أولى إذا لم يعلم المتقدم منهما من المتأخر ولا الناسخ من المنسوخ، وهذا على أصول أصحابنا يصح إلى ما يذهبون إليه من الحظر والإباحة والأوامر، وقد وافقنا الشافعي في هذا المعنى أمثلته ترجيح حديث عائشة المثبت للجهر في صلاة الكسوف على حديث ابن عباس المعارض لذلك، فعن عائشة: أن النبي لا جهر في صلاة الخسوف بقراءته فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات سجدات) (3) وعن ابن عباس قال: كنت إلى جنب رسول الله الله يوم كسفت الشمس فلم أسمع له قراءة) (4)، قال نور الدين السالمي: ورُدَّ على تقدير صحة ذلك بأن مثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد فيكون فعل ذلك لبيان الجواز"، ويعلل السالمي سبب ترجيح المثبت على النافي وذلك لاشتمال المثبت على زيادة علم، ولأن المثبت يفيد التأسيس والنافي يفيد التأكيد، والتأسيس أولى من التأكيد (5).
ومنه ترجيح ما يدرأ به الحدّ على ما يوجبه (6)، فالحدود تدراً بالشبهات والخطأ في ترك الحد أهون من الخطأ في فعله (7)، مثل ترجيح روايات العشر
ر الشماخي شرح مختصر العدل، ص 611 التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 269 السالمي، شرح طلعة الشمس، 207/ 2 (2) ابن بركة، الجامع، 20/ 1.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الكسوف، باب الجهر بالقراءة في الكسوف، 361/ 1 (1016)، ومسلم في صحيحه كتاب صلاة الكسوف، باب صلاة الكسوف، 620/ 2 (901). (4) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، حديث عكرمة عن ابن عباس، 240/ 11 (11612). (5) السالمي، شرح طلعة الشمس، 207/ 2.
(6) ر: الشماخي، شرح مختصر، العدل 611، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 269، السالمي، شرح طلعة الشمس، 205/ 2.
(7) السالمي، شرح طلعة الشمس، 205/ 2. (1/414)
صفحة 415
علوم السنة عند الإباضية
395
دراهم في القطع كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله: (لا قطع فيما دون عشرة دراهم) (1) على ما دون ذلك كحديث عائشة أنها
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) (2). . ومنه ترجيح ما أفاد التخفيف على ما اقتضى الثقل والتشديد (3) مثل ترجيح حديث عائشة في غسل المستحاضة مرة واحدة عند حصول ظن زوال الحيض إذ قالت عائشة: (إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدم فقال لها امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي فكانت تغتسل عند كل صلاة) (4) على حديث أبي سلمة المقتضي وجوب الاغتسال لكل صلاة فعن أبي سلمة قال أخبرتني زينب بنت أبي سلمة: (أن امرأة كانت تهراق الدم وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي) (5).
• ومنه ترجيح النهي على الأمر (6) مثل ترجيح حديث النهي في الأوقات المنهي عنها على حديث الأمر بتحية المسجد الذي روي فيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) (7) وحديث النهي رواه مجموعة من الرواة وبألفاظ مختلفة منها رواية أبي سعيد يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس ولا صلاة بعد
(1) أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الحدود 192/ 3 (326).
(2) تقدم تخريج مثل هذا الحديث ص 59
(3) السالمي، شرح طلعة الشمس، 206/ 2 - 207
(4) تقدم تخريجه ص 149.
(5) أخرجه ابن الجارود في المنتقى باب الحيض، 39/ 1 (115)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب من روى أن المستحاضة ... 78/ 1 (293).
(6) ر: الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 609، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 267،
السالمي، شرح طلعة الشمس، 205/ 2.
(7) تقدم تخريج هذا الحديث ص 195. (1/415)
صفحة 416
علوم السنة عند الإباضية
396
تُصلَّى
العصر حتى تغيب الشمس) (1)، يقول نور الدين السالمي:" فمقتضى مذهبنا أنها لا ذلك الوقت ... والحجة لنا على المنع عموم النهي عن الصلاة في تلك الأوقات وحديث أبي قتادة لا يخصصه؛ إذ ليس في الحديث في أي وقت دخل فنحمله على وقت تجوز فيه الصلاة (2).
ومنه ترجيح المحرّم على المبيح والوجوب على ما سوى الحرمة كترجيح الوجوب على الندب وغيره (3) ومن أمثلة ذلك ترجيح وجوب العمرة المستفاد من
خبر زيد بن ثابت قال: قال رسول الله: إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت) (4) على القول بأنها ندب المستفاد من خبر جابر بن عبد الله (أنّ
وقد
النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أو اجبة هي؟ قال: لا وإن تعتمروا هو أفضل) (5)، اختلف الإباضية في هذه المسألة هذه المسألة فمنهم ذاهب إلى الوجوب ومنهم إلى الندب لكن جمهورهم على الوجوب (19)، وعلق القطب اطفيش على الوجوب بقوله: " وهو مذهبنا" (7)، مرجحا بذلك روايات الوجوب.
(6) ,
ومنه ترجيح ما لا تعمّ به البلوى، يقول الشماخي: "وإذا روى أحدهما بالآحاد ما تعمّ فيه البلوى، والآخر ما لا تعمّ فيه البلوى، فالذي لا تعمّ فيه البلوى ومنه أيضا ترجيح موجب الطلاق والعتاق على نافيهما (1)، وترجيح ما
مقدم
(1)
(8)
تقدم تخريج مثله ص 179.
(2) السالمي المعارج، 78/ 6.
ر الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 612، الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 268 السالمي، شرح طلعة الشمس 205/ 2
) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب المناسك، 643/ 1 (1730) والدارقطني في سننه، كتاب الحج، باب المواقيت، 284/ 2 (217).
(5) أخرجه الترمذي في سننه / كتاب الحج، باب ما جاء في العمرة ... 270/ 3 (931) والدارقطني في سننه، كتاب الحج، باب المواقيت، 285/ 2 (223). الكندي أبو بكر، المصنف، 183/ 8، الشقصي، منهج الطالبين، 152/ 7
(6)
(7) اطفيش، شرح النيل، 6/ 4.
(8) ر: الشماخي شرح مختصر العدل، ص 608، الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 267 (1/416)
صفحة 417
علوم السنة عند الإباضية
(397
أفاد حكما تكليفيًا على ما أفاد حكما وضعيّا (2) وترجيح ما اقترن بالتأكيد على غيره مثل ترجيح حديث عائشة المفيد اشتراط الولي في النكاح إذ قالت رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل) (3) على خبر ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها (صماتها) (4)، وللسالمي تعليق فيه يقول:" المراد أحق بالرضى دون العقد، وأن حق الولي بالعقد، ودلّ أفعل التفضيل المقتضي المشاركة أن لوليها حقا؛ لكن حقها آكد، وحقها لا يتم دون رضاها (5)، وقد ذكر أن فساد التزويج بغير ولي منقول عن الصحابة ومنهم ابن عباس وعليه جمهور أهل العلم (6)
العلم (6).
المبحث الرابع الترجيح بأمر خارجي:
ومنه ترجيح ما وافقه دليل آخر كترجيح ما وافق الكتاب وأيّده (7)، وقد سبق الذكر أن الإباضية جعلوا موافقة القرآن أساسا نقديا، وليست مجرد أمر مرجح وذكرنا في ذلك أمثلة متعددة فلنكتف بما تقدم ذكره (8)، ومنه ترجيح ما وافقه حديث آخر (9)، من أمثلة ذلك ترجيح طهارة سؤر الهرة وذلك لأنها لا يستطاع الامتناع من سؤرها (10)، لقول النبي: إنه من الطوافين عليكم والطوافات)
(1) السالمي، شرح طلعة الشمس، 206/ 2
(2)
م. س، 206/ 2
(3) تقدم تخريجه ص 363.
(4) تقدم تخريج مثله ص 390.
(5) السالمي، شرح المسند، 7/ 3.
(6)
م. س، 5/ 3 - 6
(7) السالمي، شرح طلعة الشمس،206/ 2،اطفيش، جامع الشمل، ص 428 429.
(8) ر: فصل نقد الحديث ص 154.
:
(9) السالمي، شرح طلعة الشمس، 206/ 2
(10) الكندي
المصنف، 174/ 3 - 175. (1/417)
صفحة 418
علوم السنة عند الإباضية
398
(1)، يقول أبو بكر الكندي: " فإن عارض في سؤرها بالتنجيس معارض، فاحتج بما روى عن أبي هريرة عن النبي، أنه قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الهرّ أن يُغسل مرة أو مرتين) (2)، قيل له: لو ثبت هذا الخبر لزم ما قلت إلا أنه قد وردت أخبار صحيحة في طهارة سؤر الهرة معارضة لهذا الخبر، فإن قيل: لم ثبت خبر سؤر الكلب ولم يثبت خبر الهرة؟ قيل له: خبر الكلب لم يرد له معارض فثبت حكمه (3). ويدل على أنّ الهرة ليست بنجسة (4) ما روي عن عائشة: (أن النبي كان يتوضأ بفضل سؤر الهرة) (5).
ومنه ترجيح ما وافق الإجماع مثل ترجيح حديث أم حبيبة في تحديد عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر ليال إذ قالت أم حبيبة: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) (6) على حديث أسماء بنت عميس المقتضي أن حدها
(1) أخرجه ابن الجارود في المنتقى، باب في طهارة الماء و ... 26/ 1 (55) وابن خزيمة فـ صحيحه، كتاب الوضوء، باب الرخصة في الوضوء بسؤر ... 55/ 1 (104). (2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطهارة، باب سؤر الهر، 19/ 1، قال ابن عبد البر:" وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرّة وحده، وقرة ثقة ثبت إلا أنه خالفه فيه غيره فرووه عن ابن سيرين عن أبي هريرة قوله، وذُكر أن أبا قتادة احتج على المرأة التي تعجبت من إصغائه الإناء للهر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجس) فلو كانت عند تنجس ما أصغى لها الإناء لأنها كانت "تفسده ر: ابن عبد البر، الاستذكار، 166/ 1.
(3) الكندي،
المصنف،
174/ 3
(4)
م. س، 175/ 3
(5) لفظ الحديث عن عائشة قالت كنت أتوضأ أنا ورسول الله له من إناء قد أصابت منه الهرة قبل ذلك) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الطهارة، باب أحكام المياه، 72/ 1 (160) وابن ماجة في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بسؤر الهرة 131/ 1 (368) والدارقطني في سننه، كتاب الطهارة، باب سؤر الهر، 69/ 1 (17). (6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب تحدّ المتوفى عنها زوجها،
2042/ 5 (5024) والربيع في مسنده، كتاب الطلاق، باب الحداد والعدة، 216/ 1 (537). (1/418)
صفحة 419
علوم السنة عند الإباضية
11
399
ثلاث إذ قالت: لما أصيب جعفر أتانا النبي فقال: تسلبي ثلاثا ثم اصنعي مـ شئت) (1)، وذكر السالمي أن قوله (لا يحلّ) هو نفي بمعنى النهي على سبيل التأكيد" كما بين أن العشر من الليالي عند الجمهور
(2)
ومنه ترجيح ما وافق القياس مثل ترجيح الحديث المقتضي تكرر الإقرار أربعا لإقامة حد الزنا فقد روى أبو هريرة خبر المقر بالزنا وفيه: (فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال أحصنت؟ قال: نعم يا رسول الله قال اذهبوا به فارجموه) (3) على خبر أبي هريرة أيضا وزيد بن خالد الجهني الدال على أنه يكفي الإقرار مرة واحدة، وهو خبر العسيف وزناه بامرأة الرجل الذي أستأجره ثم حكم النبي بينهم بقوله: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم ردّ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت) (4) حيث يؤيد الرواية الأولى القياس على شهادة الزنا، وقد ذكر ابن بركة الخلاف عند الإباضية فـ ثبوت الحدّ بالإقرار مرة، فمنهم من ذهب إلى ثبوته، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يثبت إلا بالإقرار أربعا مرجّحا رواية الإقرار أربعا (5).
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطلاق باب المتوفى عنها ... 78/ 3 وقال عقبه وكل قد أجمع أن ذلك منسوخ وتعقبه ابن حجر بأنه لا دليل على النسخ وذكر نقدا
وتوجيهات للحديث يضيق المقام عن بسطها. ر ابن حجر، فتح الباري، 9/ 487. (2) السالمي، شرح المسند، 104/ 3 - 105. (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المحاربين من ... باب رجم المحصن، 2499/ 6 (6430) ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم الثيب، 1318/ 3 (1691). (4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المحاربين ... باب رجم المحصن، 6/ 2502 (6440). (5) ر: ابن بركة، الجامع، 527/ 2. (1/419)
صفحة 420
علوم السنة عند الإباضية
400
• ومنه ترجيح ما عمل به الصحابة (1)؛ لأن الظن بثبوت ما عمل به الصحابي أقوى منه فيما لم يعمل به (2)؛ مثل ترجيح حديث أبي هريرة في عدد تكبير صلاة الجنازة فقد روى: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المُصلّى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات) (3) على حديث زيد بن أرقم إذ يقول: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فكبر خمسا فلن ندعها لأحد) (4)، يقول نور الدين السالمي: وهي أربع تكبيرات اتفاقا منا ومن قومنا"، ويذكر السالمي أيضا أن اجتماع الصحابة على العمل بالأربع تكبيرات ليس إجماعا يقطع العذر لكنّه حجة للتمسك به (5)، ويعني كلامه أنها حجة مرجحة
للأربع.
ومن وجوه الترجيح ترجيح ما عمل به راويه (6).
• ومنه أيضا ترجيح ما اقترنت به بعض أمارات التأخر، كأن يقترن "أحد الخبرين بقرينة تدل على تأخيره كتضييق التاريخ أي يوم كذا أو في شهر كذا، لأن التوسيع يظن فيه أن يكون السماع قبل وقت التضييق، وكذا تأخير إسلامه، وكالتشديد لأن التشديد واقع في آخر زمان النبي إن كان أصل أحدهما في كونه غير منسوخ والآخر في نسخه خلاف، قدّم ما لا خلاف فيه (7)، ويرجح
(1) ر: الشماخي، شرح مختصر، العدل ص 612، الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 268
السالمي، شرح طلعة الشمس 209/ 2 (2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 209/ 2. (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنازة أربعا ...
(1268) 447/ 1
(4) الدارقطني في سننه، كتاب الجنائز، باب التسليم في الجنائز والتكبير ... 2/ 73 (5)، (6). (5) السالمي، المعارج،146/ 13 - 149.
(6) ر: الشماخي شرح مختصر العدل، ص 607، التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 267، السالمي، شرح طلعة الشمس 203/ 2
(7) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 613 الثلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 268. (1/420)
صفحة 421
علوم السنة عند الإباضية
401
الخبر المصرح بسبب و روده على غيره؛ لأن ذكر السبب يدل على زيادة اهتمامه بما رواه" (1).
وقريب من هذا ترجيح العام الوارد على سبب خاص على العام المطلق، فيرجح في ذلك السبب دون ما عداه (2)، ومثل له الشماخي والسالمي بحديث شاة ميمونة: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (3).
وبالجملة فإن وجوه الترجيح كثيرة، وننهي الكلام في وجوه الترجيح بقول نور الدين السالمي: "و المرجحات باعتبار الراوي وغيره كثيرة، وضابطها أن ما كان أقوى في الظن كان أرجح في القبول، وما كان أضعف ظنا كان مرجوحا وإن أكثروا في تفصيل المرجحات، فإنّ من كان ذا خبرة بأحوال الرجال وقواعد الألفاظ وأحوال النبي وأحوال الشرع الشريف فلا يخفى عليه ترجيح الراجح منها وتضعيف الضعيف (4).
التوقف عن الترجيح:
يعتبر التوقف المرحلة النهائية لدارس التعارض ومحاول التوفيق بين الأدلة، ويصطلح ابن بركة على تسمية هذا النوع بالأخبار الموقوفة لتعارضها، ويمثل لها بما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الشرب قائماً) (5)، وروي (أنه شرب من صلى الله عليه وسلم زمزم قائماً) (6)، ويقول: " فوجب اتفاق الخبرين، وكان المرجوع إلى قول الله
(1) ر: الشماخي، شرح مختصر، العدل، ص 612، الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 268 السالمي، شرح طلعة الشمس 210/ 2
(2) ر: الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 612، التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 268، السالمي، شرح طلعة الشمس، 210/ 2.
(3) تقدم تخريجه ص 53.
(4) السالمي، شرح طلعة الشمس، 204/ 2.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب كراهة الشرب قائما، 1601/ 3 (2024) والربيع في مسنده، كتاب الزكاة والصدقة باب في آداب الطعام والشراب، 151/ 1 (381).) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب الشرب قائما، 2130/ 5 (5293).
(6) (1/421)
صفحة 422
: علوم السنة عند الإباضية
402
تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} (الأعراف 31/ 7) فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال كان عليها الأكل والشارب إلا أن تخص دلالة في بعض الأوقات وبعض الأحوال" ويمثل أيضا بما روي عنه أنه (نهى عن الشرب من فم السقاء) (1) وروي (وروي (أنه خنث السقا وشرب منه) (2)، ويورد علة نقلت في النهي بقوله: "وأما
الشرب من فم السقا الذي ورد النهي عنه فقيل إنه للإشفاق أن تكون فيه دابة (3)، لكنه يتوقف في الترجيح، ويقول معلقا عليهما في موضع آخر: "وإذا تعارض الخبران ولم يعلم الناسخ منهما من المنسوخ ولا المتقدم منهما من المتأخر وجب اتفاقهما، وكان المرجوع إلى الإباحة وقوله تبارك وتعالى: {وكلوا وَاشْرَبُوا" (4).
ويذكر عمرو التلاتي في حاشيته بأنّه إن جهل التاريخ فلم يعلم عين المتأخر منهما، وأي منهما واقع بعد الأول، فإنّ الوقف والإمساك عن ترجيح أحدهما على الآخر في حقه الله أولى إلى تبيّن التاريخ من الترجيح؛ وذلك لاستوائهما في احتمال تقدم كل منهما على الآخر (5)
ويقول القطب: " فان لم يمكن أي الجمع - توقف على العمل بأحدهما (6).
(1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الزكاة والصدقة، باب في آداب الطعام والشراب، 152/ 1 (382) والبخاري بلفظ ( ... عن الشرب من في السقاء) في صحيحه، كتاب الأشربة باب الشرب من فم السقاء، 2132/ 5 (5305) (5306)، والحاكم في المستدرك، كتاب المناسك، 612/ 1 (1628). (2) أخرجه أبو داود بلفظ (أن رسول الله الله دعا بإداوة يوم أحد فقال: أخنث فم الإداوة، ثم صلى الله عليه وسلم شرب من فيها في سننه، كتاب الأشربة، باب اختناث الأسقية، 337/ 3 (3721).
(3)
ابن بركة، الجامع، 21/ 1.
(4) ابن بركة، الجامع، 310/ 2.
(5) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 148.
(6) اطفيش، جامع الشمل، ص 434،435. (1/422)
صفحة 423
علوم السنة عند الإباضية
403
كشف لنا ما تقدم بيانه في فصل مختلف الحديث هذا عن جانب من عناية الإباضية بمتن الحديث ودرايته، ووقفنا خلاله على ما يعبر عن فقههم للحديث وفهمهم لاستدلاله واستنباطه.
ويأتي فهم أسباب الخلاف وبيانها بيانا للمختلف وأسبابه كما عرضها ابن بركة، وهذا الفهم معين في الوقت ذاته في درء التعارض ودفعه.
ويرى الإباضية أن دفع التعارض يتم من خلال مسالك تتمثل مرتبة حسب الأولوية في النسخ و الجمع و الترجيح، فإن تعذر كل ما سبق فالتوقف لاستواء
الأمرين، وفي التوقف يقع التخيير، أو جواز الاثنين على خلاف بينهم في ذلك. والنسخ يقع إذا عرف ما يدل عليه، فإن تعذر فالجمع أولى لأن إعمال الدليلين أولى كما يظهر من أقوال العلماء، ثم الترجيح بمرجح، ومنهم من يقدم الترجيح على الجمع، ثم التوقف بعد ذلك.
وللجمع طرق كثيرة أهمها الجمع بالتخصيص، وقد رأيت قاعدة الجمع ف التراث الإباضي من أكثر مسالك دفع التعارض حضورا، والجمع بالتخصيص من أكثر طرق الجمع ورودا.
وللجمع بالتخصيص كما رأينا أمثلة كثيرة، غير أن التخصيص محتاج إلى حجة تثبته، ومنها ضرب من الجمع رأينا فيه الاستعانة بالتأويل وقد سميته الجمع بالتأويل، وله أمثلة كثيرة منبثة في التراث لكنه منضبط بضوابط من العلم والدراية والفهم والإدراك للرواية وما يحيط بها، ومنها أيضا الجمع بحمل المفسر على المجمل وبحمل المطلق على المقيد، وبحمل الأمر على الندب أو على الكراهة، أو باختلاف الأحوال، أو باعتبار الزيادة، أو بجواز الأمرين. وكل هذه الطرق من الجمع لها أمثلة وشواهد مثلنا ببعضها، بما يكشف حضورها في تراث
الإباضية.
أما الترجيح فقد كشف لنا عن جانب أخر من إدراك الرواية وفهمها، فالترجيح مرحلة أقوى من سابقها، إذ من لازم الترجيح إدراك المرجحات وأوجه الترجيح، (1/423)
صفحة 424
علوم السنة عند الإباضية
404
وفهم تطبيق ذلك بين الأدلة المتعارضة، وقد عرضنا أهم أنواع الترجيح التي رأينا حضورها في التراث الإباضي، منها الترجيح من خلال السند أو بحال الراوي، والترجيح من خلال المتون، ومنها طلب الترجيح بأمر خارجي، ولكل منها أنواع وأمثلة كثيرة.
فالترجيح من خلال السند أو بحال الراوي، واضح من مسماه اعتماده على تتبع الإسناد ومعرفة أحوال الرواة، وتأتي العدالة في مقدمة المرجحات، وكذلك الضبط واتصال السند وصيغ الأداء، وغيرها من المرجحات التي تلقي بظلالها على السند والراوي قوة أو ضعفا.
أما الترجيح من خلال المتون فرأينا تقسيم العلماء له إلى أقسام، فمنه ما ترجّح
بالنظر إلى لفظه، أو ما ترجّح بدلالة الحديث، أو ما اعتبر فيه مدلول الحديث.
أما الترجيح بالأمر الخارجي ففيه يلجأ المرجح إلى دلائل وأمارات يستعين بها في ترجيحه كموافقة الكتاب أو الإجماع أو القياس، أو ما تأيد بعمل الصحابة
وغير ذلك من المرجحات الخارجية.
ويبقى التوقف عن الترجيح موقفا نهائيا حين يتعذر دفع التعارض بأي وجه من الوجوه المتقدمة.
ولئن كشف لنا فن مختلف الحديث عن منهجية راقية في التعامل مع المتن وفهمه متمثلا في التعرف على قاعدة الجمع أو الترجيح؛ فإن هناك ما يكمل معرفة طرق دفع التعارض متمثلا في قاعدة النسخ، وهي متداخلة مع فن ناسخ الحديث ومنسوخه، ولذلك كان لابد من وقفة مستقلة لبيان النسخ في الحديث عند الإباضية، إذ نأمل تحقيق ذلك في الفصل الأتي. (1/424)
صفحة 425
علوم السنة عند الإباضية
405
الفصل الثاني: النسخ في الحديث:
المبحث الأول تعريف النسخ وذكر شروطه وحقيقة ثبوته
أولا تعريف النسخ:
ورد النسخ في اللغة بأكثر من معنى، فقد ورد بمعنى الإزالة، ومنه قول الله تعالى: {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} (الحج 52/ 22)، أي يزيله ويبطله، ومنه نسخت الريح آثار القوم إذا عفت عليها وأزالتها، ومما ورد بمعنى الإزالة قولهم: نسخ الشيب الشباب ونسخت الشمس الظل. وينسخ الشيء نَسْخاً أي يزيله ويكون مكانه (1)، على أن وروده بمعنى الإزالة كما يظهر من المعاجم يكون تارة بمعني الإزالة فحسب وتارة بمعنى الإزالة مع البدل، إذ ورد النسخ هو إزالتك أمراً كان يعمل به، ثم ينسَخُ بحادث غيره (2).
وورد النسخ بمعنى النقل، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثية 29/ 45)، والمعنى: نستكتبهم - أي الملائكة- أعمالكم (3). وتقول: نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه إلى كتاب آخر، ونجد ورود النسخ بمعنى النقل متعدد الاستخدام في المعاجم اللغوية (4).
(2)
(3)
(4)
ر تاج العروس مادة، نسخ، طبعة مكتبة الحياة، 282/ 2، لسان العرب، مادة نسخ، 61/ 3.
ابن منظور، لسان العرب، مادة نسخ، 61/ 3.
الزمخشري الكشاف، 293/ 4
راجع مع
المصادر المتقدمة الزبيدي، تاج العروس، طبعة مكتبة الحياة، مادة نسخ، 282/ 2، الفيومي أحمد بن محمد بن علي (1368/ 770)، المصباح المنير في غريب الشرح
الكبير (للرافعي)، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان، (د. ت) مادة نسخ 602/ 1 - 603 (1/425)
صفحة 426
علوم السنة عند الإباضية
406
وهناك خلاف بين علماء الأصول في ورود النسخ بمعنى الإزالة أو النقل هل هو على وجه الحقيقة أم على وجه المجاز، فقد ذهب أكثرهم إلى أن النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، بينما ذهب طائفة منهم إلى عكس ذلك فجعلوه حقيقة في النقل مجازا في الإزالة، وقيل هو مشترك بينهما فيكون إطلاقه حقيقة في المعنيين (1).
وقد تعرض علماء الإباضية لمعاني النسخ اللغوية عند حديثهم عن النسخ، ولعل ابن بركة من أوائل من تعرض لذلك فذكر أن النسخ يرد بأوجه ثلاثة أولها: " انتساخ الشيء من كتاب قبله إلى كتاب آخر، وهذا هو النقل لكنه لم يُسمه بذلك، والثاني: التحويل والتبديل.
11
وقد بين ابن بركة أن هذين المعنيين هما المفهومان عند العامة، ثم ذكر الوجه الثالث وهو الإحصاء "فقال: والوجه الثالث: أن يحصي الشيء على عامله ويحتفظ به نحو قول الله جل ذكره و هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثية 29/ 45) " (2).
ويأتي العوتبي بعد ابن بركة فيذكر معنى واحدا من معاني النسخ وهو النقل ويضيف بجعل هذا المعنى هو الأصل في معنى النسخ (3)، لكننا نجده في معـ الإبانة مع إيراده النسخ بمعنى الكتابة من الكتاب إلى غيره وهو النقل وإن لم يسمه بذلك كابن بركة - يورد المعنى الثاني وهو الإزالة مع التبديل فيقول: " و النسخ: أن تزيل أمرا كان من قبل عمل به، ثم تنسخه بحادث غيره
(4)
(1) ر: الآمدي، الأحكام، 113/ 3 - 114، الرازي محمد بن عمر بن الحسين (1210/ 606)، المحصول، تح طه جابر فياض العلواني، ط 1، جامعة الإمام محمد بن سعود، 1400 هـ
423 - 419/ 3
(2)
ابن بركة، الجامع 27/ 1.
(3) العوتبي، الضياء، 218/ 2.
(4) العوتبي، الإبانة، 429/ 4. (1/426)
صفحة 427
علوم السنة عند الإباضية
407
ويذكر أبو يعقوب الوارجلاني بعدهم أوجها ثلاثة للنسخ: الإزالة والإبطال والنقل، وهو يفرق بين الإزالة والإبطال، فالإزالة عنده أخذت من قول العرب: "نسخت الشمس الظل" ويستنتج منه أن الإزالة تتم بزوال المنسوخ وثبوت الناسخ مثلما يزول الظل بمجيء ضوء الشمس مكانه (1)، وبذلك تكون الإزالة جامعة بين زوال الشيء وحلول شيء محله، بخلاف الإبطال فهو يقتضي ذهاب الشيء كنسخ الريح للأثر وذلك بذهابه (2).
وهذا التحديد لمعنى الإزالة والتفريق بينه وبين غيره لا نراه عند أحد معاصري الوارجلاني وهو أبو عمرو السوفي؛ الذي جعل الرفع والإزالة سواء إذ يقول:" والنسخ في اللغة الرفع والإزالة، يقال: نَسَخت الشَّمسُ الظَّلَّ، ونسخت الرِّيحُ الآثار: إذا أزالتها ومحتها وأذهبتها وأعقبت في أماكنها غيرها (3)، ويظهر من تمثيل السوفي أنه جرى في معنى الإزالة كأبي يعقوب في حصول الإزالة مع حلول شيء آخر محلّ المنسوخ المزال، لكنه لم يقصر هذا المعنى على الإزالة بل أشرك الرفع في المفهوم.
ونجد البرادي بعد ذلك يجري على نهج اللغويين الذي تقدم ذكره في جعل النسخ يعني نقلا وإزالة والإزالة على ضربين إزالة على التلاشي تنتهي بإزالة الأثر كنسخ الريح، وإزالة على المعاقبة وفيها لا بدّ من إحلال شيء مكان المزال كنسخ الشمس للظل (4).
ويصحح أبو العباس الشماخي اعتبار النسخ مشتركا بين الإزالة والنقل ويعقب على الوارجلاني في تفريقه بين الإزالة والإبطال بأن الإزالة تعم
الإبطال (5).
(1)
(2)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 161/ 1.
م. س، 161/ 1.
(3) السوفي، السؤالات، ص 230.
(4) البرادي، رسالة الحقائق، ص 43 - 44
(5)
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 469. (1/427)
صفحة 428
علوم السنة عند الإباضية
408
وعلى القول بالاشتراك جرى عمرو التلاتي في حاشيته، لكننا نجده يعتبر الإزالة للشيء تنحيته عن مكانه، ويسمّي النقل تحويلا فيقول:" والنقل للشيء أي تحويله عن مكانه نحو نسخت الشجرة (1)، ويبين معنى اشتراكهما بقوله:" ومعنى اشتراكه بينهما دلالته على كلّ منهما بوضعه له منفردا عن الاخر (2)، وقد ساق الثلاتي باقي الأقوال في المسألة وهما القولان المتغايران فذهب أحدهما إلى أن النسخ موضوع لمعنى الإزالة حقيقة ولمعنى النقل مجازا، وذهب الآخر إلى أن النسخ موضوع لمعنى النقل حقيقة ولمعنى الإزالة مجاز ا (3).
وتتبع نور الدين السالمي عند تناوله لمعنى النسخ تطور دلالة اللفظ، من ورود الكلمة بمعنى الإزالة الحسية إذ النسخ في لسان العرب إزالة الأعيان"، واستعماله في النقل لأن النقل مزيل للمنقول عن مكانه، وكذلك استعمل في نسخ الكتاب لمشابهته المنقول من هذا الوجه، ويَرُدُّ على من ذهب إلى أن النسخ مشترك بين الإزالة والنقل، سواء من قاله بدون تغليب أحدهما على الآخر كالشماخي أو بتغليب أحدهما كما تقدم ذكره، والحجة التي طرحها السالمي في ذلك هي أنه إن أريد نسخ الكتاب حقيقة فهو باطل إذ لم تحصل إزالة ولا نقل حقيقي، وكذلك في عبارة نسخت الريح "الآثار"، ليس معنى النقل حقيقة هنا أولى من كونه حقيقة في
إزالتها من عرصاتها، ثم يقول السالمي: "والأصل عدم الاشتراك فلا وجه له (4). له" (4).
وينهي السالمي بيان تطور دلالة اللفظة بأن العرب استعملوا النسخ للإزالة الحسية وهو إزالة الأعيان، فلما عرضت في إزالة المعاني سموها نسخا مجازا، ثم لما صار السابق للأذهان والأفهام في إطلاق لفظ النسخ على إزالة الأحكام
(1)
(2)
(3)
(4)
التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 205.
م. س، ص 205.
م. س،
، ص 205.
السالمي، شرح طلعة الشمس، 268/ 1. (1/428)
صفحة 429
علوم السنة عند الإباضية
409
الشرعية وليس إزالة الأعيان تبين أن الشرع أطلق النسخ على مثل هذه الإزالة فصار فيه حقيقة شرعية (1).
وإذا ما انتقلنا إلى التعريف الاصطلاحي وجدنا الوار جلاني يحدّ النسخ بأنه "إزالة حكم ثابت شرعا بشرع متقدم بشرع متأخر عنه لولاه لكان ثابت (2)، بينما ذهب السوفي إلى أن "حدّ المنسوخ كل حكم رفع من غير أن يذكر فيه شرط إلى مدة أو غاية (3)، وجرى على هذا الحدّ الملشوطي في الأدلة والبيان (4) وعرفه البرادي بقوله: إزالة شرع ثابت متقدم بشرع متأخر عنه لولاه لكان ثابتا" وساق أقوالا أخرى في تعريفه فقال: " وقيل هو بيان انقضاء مدة العبادة، وقيل رفع الحكم الأول بأمر ثان لولاه لكان ثابتا (5)، واقتصر أبو العباس الشماخي فيه على أنه إزالة حكم شرعي بشرع متأخر (6)، وجرى على هذا عمرو الثلاتي في
(7)
شرحه لتعريف الشماخي)، وعرفه نور الدين السالمي بقوله: رفع حكم شر بعد ثبوته بحكم شرعي آخر (8).
ثانيا شروط النسخ:
وضع
العلماء عددا من الشروط لا بد من وجودها في النسخ هي:
أولا: أن يكون الناسخ خطابا وحكما شرعيا (9)، فيخرج بذلك القياس إذا القياس يخصص ولا يقع ناسخا ولا منسوخا (1)، وكذلك لا يكون الإجماع ناسخا لأنه
(1)
م. س، 269/ 1
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 161/ 1.
(3) السوفي، السؤالات (مخ)، ص 231.
(4) الملشوطي، الأدلة والبيان (مخ (مج)، ص 298
(5)
البرادي: رسالة الحقائق، ص 43 - 44
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 409.
(7)
التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 205.
(8) ر: نور الدين السالمي، شرح طلعة الشمس، 269/ 1 (9) م. س، 284/ 1. (1/429)
صفحة 430
: علوم السنة عند الإباضية
410
حادث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن ينسخ ما ثبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)، ويمكن فهم كون القياس أو الإجماع خارج دائرة النسخ بكون النسخ مرتبطا بعصر الرسالة، إذ هو عصر التشريع لنزول الوحي فيه دون سواه، ولا سلطة لأحد في نسخ حكم إلا المصطفى له المتلقي لشرع الله المبلغ له، ومنه جاء الناسخ والمنسوخ.
ثانيا: أن يرد الناسخ متراخيا عن المنسوخ أي متأخرا عنه منفصلا، وذلك من لازم الرفع للحكم المنسوخ يقول الوارجلاني: "أما النسخ فرفع حكم قد ثبت واستقر ... والنسخ لا بد وأن يكون متراخيا عن زمان المنسوخ (3)، فيخرج بذلك ما لم يصدق عليه هذا الوصف، يقول نور الدين السالمي: " ومنها كون الناسخ منفصلا ومتأخرا عن المنسوخ فإن الاستثناء والغاية لا يسميان نسخا (4). ثالثا: أن يتساوى الناسخ والمنسوخ في درجة الثبوت وقوة الدلالة أو بكون الناسخ أقوى، ومن مسائل هذا الشرط هل ينسخ الآحاد المتواتر وهي مسألة اختلف فيها وسيرد مزيد بيان لها في أقسام النسخ، ومن مسائله نسخ الأثقل بالأخف والعكس، وقد صرح الوارجلاني بجواز ذلك (5)، كما صدر أبو العباس الشماخي القول بجواز نسخ الأثقل بالأخف والمساوي، وأما نسخ الأخف بالأثقل فذكر الخلاف فيه وأن الجمهور على جوازه (6)، ومن مسائل هذا الباب المختلف فيها أن يكون الناسخ والمنسوخ من جنس واحد؛ أي من الكتاب أو السنة (7).
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 473.
(2) م. س، ص 474.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 166/ 1. (4) ر: السالمي، شرح طلعة الشمس، 284/ 1.
(5)
(6)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 168/ 1.
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 480.
(7) ر: السالمي، شرح طلعة الشمس، 284/ 1. (1/430)
صفحة 431
علوم السنة عند الإباضية
411
رابعا أن يكون المنسوخ حكما شرعيا وعليه لا يقع النسخ في الحكم العقلي وهذا من الشروط المتفق عليها، يقول نور الدين السالمي: " فأما الشروط المتفق عليها فمنها كون الناسخ والمنسوخ حكمين شرعيين، فإن العجز والموت كل منهما يزيل التعبد الشرعي مع أنه لا يسمّى ذلك نسخا وكذلك إزالة الحكم العقلي بالحكم الشرعي لا يسمى
نسخا (1)
خامسا أن يقع النسخ في الأحكام العملية الفرعية، ولذلك خص النسخ بباب الأمر والنهي (2)، ويخرج من ذلك الأخبار وأحكام العقائد) وسيرد تفصيل ما يقع
فيه النسخ.
(3)
سادسا: وقوع التعارض بين الناسخ والمنسوخ، إذ تمثل قاعدة النسخ إحدى قواعد حلّ التعارض ودفعه، ويعتبر تبين النسخ لحل التعارض أولى خطوات حل التعارض، ويذكر ابن بركة أن الأخبار المتعارضة، مثل أن يروى عن النبي الله، خبر بإباحة شيء، ويروى خبر آخر فيحظر ذلك" يوقفا جميعاً، وينظر المتقدم منهما من المتأخر بالتاريخ، ليعلم الناسخ من "المنسوخ (4)، ويقول أبو يعقوب الوارجلاني: "وإذا ورد خبران عن الله عز وجل وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم متعارضان، نظر الناس في التاريخ ولا غناء عنه؛ وإن كان أمر التاريخ ليس سهلاً فلو كلفنا معرفته لضاق الحال، فإن عرفوا الآخر منهما نسخوا به الأول، وإن لم يعرف
(1) ر: م. س، 284/ 1.
(2)
ر الوارجلاني، العدل والإنصاف، 163/ 1، الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 471، أبو الربيع المزاتي، التحف المخزونة ص 65، الأصم عثمان بن أبي عبد الله النور
ص 205.
(3)
ار الوارجلاني، العدل والإنصاف، 164/ 1 - 165، الشماخي، شرح مختصر العدل
ص 472.
(4) ابن بركة الجامع، 18/ 1. (1/431)
صفحة 432
علوم السنة عند الإباضية
412
الأول من الآخر اجتهدوا (1)، وهكذا نجد التأكيد على قاعدة النسخ عند فقهاء الإباضية ممن جاؤوا بعدهم كأبي العباس الشماخي (2) و عمرو التلاتي (3)، وغيرهما. -3 - حقيقة ثبوت النسخ حكم النسخ:
يؤكد علماء الإباضية على حقيقة ثبوت النسخ، فأبو سعيد الكدمي يذكر ما تقوم به الحجة من الكتاب والسنة، وأن فيها ما يخرج مخرج الأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ وغيره (4)، ويذكر في كتاب آخر أن شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ناسخة لما قبلها من الشرائع، وأما هي فلا ناسخ لها ولا لشيء من أحكامها بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ لا نبي بعده، "فأحكام" شريعته المحكمة " محكمة أبدا إلى يوم القيامة، وما مات عليه من منسوخ شريعته فهو منسوخ إلى يوم القيامة (5).
و يرى ابن بركة أنّ القرآن والسنة حكمان الله ينسخ كل واحد منهما بالآخر، مستدلا على ذلك بقول الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيّ يُوحَى (النجم 3،4/ 53) فأخبر جلّ ذكره أن الكلّ من عنده وبأمره" (6)، ويقول في موضع آخر: والحجّة لمن أجاز نسخ القرآن بالسنّة، قالوا: لأن القرآن حكم الله جل ذكره، والسنّة حكم الله ينسخ أحدهما بالآخر، واحتجوا بقول الله جل ذكره: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، فالكتاب دال على أنه يخبر عن الله جل ذكره فهو ينسخ أحكامه بعضها ببعض، مرة من الكتاب، ومرة
على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام" (7).
(1) الورجلاني، العدل والإنصاف، 176/ 1. (2) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 386. (3) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 155. أبو سعيد الاستقامة، 19/ 1. (4) الكلمي
(5) الكدمي
أبو سعيد، المعتبر، 184/ 1.
ابن بركة، الجامع 44/ 1.
(7) م. س، 1/ 66 - 67. (1/432)
صفحة 433
علوم السنة عند الإباضية
413
ويذكر ابن بركة أيضا أن الذي عليه جل فقهاء الإباضية هو أنّ القرآن ينسخ بالقرآن والسنة، والسُّنّة تُنسخ بالسنَّة، ويقول أيضا:" وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنة لا تنسخ القرآن (1)، ويورد في موضع آخر حجة من قال بهذا القول. وخلاصتها أنّه لم تقم دلالة من وجوه الدلالة المعتد بها كخبر من الله تبارك وتعالى أو الرسول، أو إجماع الأمة على نسخ السنّة للقرآن، بل قال الله جل ذكره و مَا نَنسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (البقرة 106/ 2) والسنة ليست مثل القرآن وهي وإن كانت حكما من الله تعالى ليست كالقرآن في كونه معجزة، قال الله جل ذكره: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (الإسراء 88/ 17) " فإذا لم تكن مثل القرآن لم يجز أن تنسخ القرآن" (2).
ونجد الوارجلاني بعد ذلك يناقش القائلين بنفي النسخ وإنكاره، ويذكر أنّ اليهود أنكروا النسخ؛ كما ينسب هذا القول إلى أحد التابعين وهو عبيد بن عمر الليثي الذي فستر النسخ بالانتساخ وجعله محصورا في تسجيل الملائكة عمل ابن آدم، وفسر قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِت (الرعد 39/ 13)، بقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجاثية 29/ 45)، فبعد تسجيل الملائكة عمل ابن آدم، ورفعه يثبت الله ما يشاء ويمحو ما يشاء (3).
ثم يقول الوارجلاني: " فالمعنى الذي ذهبنا إليه من النسخ هو المعنى الذي ذهبوا إليه وسموه بيانا للقرآن، فاتفقنا في المعنى واختلفنا في اللفظ، وأبطلوا اللفظ وأطلقوا المعنى فهؤلاء أهون عذرا من الأولين (4). ويقول السالمي في شمس الأصول مبينا جواز النسخ بقوله من الرجز)
(1) م. س، 1/ 66.
(2)
(3)
م. س، 1/ 66 - 67.
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 163/ 1.
(4) م. س، 163/ 1.
163/ 1. (1/433)
صفحة 434
علوم السنة عند الإباضية
<414
وَلَا خِلافَ فِي جَوَازِهِ وَقَدْ صبَحَ وَقُوعُه بِنَقْلِ وَسَند (1)
ثم يورد ما يدل على جواز النسخ عقلا ونقلا، فتجويز العقل من حيث كون النسخ فعلا الله سواء اعتبرت فيه مصالح العباد تفضلا من الله أو لا تعتبر، وفي حال اعتبار المصالح فالجواز ظاهر وذلك لاختلاف المصالح باختلاف الأزمان والظروف، إذ تجوز المصلحة في تشريع حكم في وقت، ثم تتبدل هذه المصلحة بعد ذلك فيقتضي الأمر نسخ الحكم المتقدم، ومردّ الأمر إلى الله العالم الخبير البصير بما يصلح العباد في كل وقت وحال، وكذلك إن لم تعتبر المصالح فالجواز ظاهر لكون الله فاعلا مختارا يفعل ما يشاء، ويريد، فلا يسأل عمّا يفعل (2)
وأما أدلة النقل فمتعددة، منها حلّ الاستمتاع بالأخت في شريعة آدم ثم تحريمه في الشرائع بعده، ومنها جواز الختان في شريعة إبراهيم ثم وجوبه في شريعة موسى، ومنها جواز الجمع بين الأختين في شريعة يعقوب ثم تحريمه في سائر
الشرائع. وقد تتبع السالمي مقالات المنكرين ورد على حججهم، وفند كلامهم
المبحث الثاني التفريق بين النسخ وغيره وذكر ما يقع فيه:
1 - الفرق بين النسخ والتخصيص:
(3)
يفرق العلماء ين النسخ والتخصيص ويمكن ذكر بعض الفوارق من خلال
كلامهم عنهما:
(1) السالمي نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم (1914/ 1332)، شمس الأصول، ط 1،
مكتبة الضامري السيب سلطنة عمان 1423 هـ، 2003 م، ص 30.
(2) ر: السالمي، شرح طلعة الشمس، 270/ 1.
(3) ر: السالمي، شرح طلعة الشمس، 271/ 1 - 272، معارج الأمال 45/ 1 - 52 (1/434)
صفحة 435
علوم السنة عند الإباضية
415
أولا: جواز أن يقع التخصيص بدليل نقلي أو عقلي، والنسخ لا يمكن أن يقع إلا بخطاب شرعي وقد تقدم ذكر ذلك، ولذلك جوزوا كون القياس مخصصا (1).
:ثانيا يشترط في النسخ أن يقع بدليل متراخ عن زمان المنسوخ (2)، بينما التخصيص يقع بالسابق واللاحق والمقارن، ولذلك إذا ثبت عموم الأزمان والأعيان بقول، ثم نسخ بعض تلك الأعيان والأزمان كان تخصيصا لا نسخا" (3) ومن عباراتهم الدالة على التفريق في هذا الأمر:" التخصيص بيان الأعيان، والنسخ بيان الأزمان (4)، ومعنى "العبارة: أن التخصيص استثناء بعض الأفراد من حكم العام، والنسخ تحديد زمان الحكم وإنهاؤه" (5)، غير أن هناك من أوجه التخصيص ما كان ضابطه، الزمان كتقييد الصوم بشهر رمضان والحج بأشهره المعلومات، فهذا مجرد تقييد للحكم ببعض الأزمنة وليس المراد رفع الحكم، بل إن" من لوازم التكليف أن يقع في الزمان إما ممتدا كوجوب الإيمان وتحريم الكفر والمعاصي أو محددا كوجوب الفرائض من الصلاة والصيام والحج
(6)
ثالثا: النسخ يخرج حكم الدليل المنسوخ عن العمل به في مستقبل الزمان ويبطل حجيته، إذ النسخ رفع لذلك الحكم وإن كان قبل قد ثبت واستقر (7)،
(1) ر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، 166/ 1، الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 473. (2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 166/ 1.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 166/ 1 السالمي، شرح طلعة الشمس، 284/ 1 (4) العوتبي، الضياء، 218/ 2، الملشوطي، الأدلة والبيان (مخ)، ص 298 - 299.
(5)
(6)
باجو مصطفى، منهج الاجتهاد، ص 508.
م. س، ص 508.
(7) ر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، 166/ 1. (1/435)
صفحة 436
علوم السنة عند الإباضية
416
بخلاف التخصيص الذي لا يخرج العام من الاحتجاج به؛ بل يبقى العمل به فيما بقي من أفراده بعد تخصيصه (1).
رابعا: يدل النسخ على كون المنسوخ مرادا، أما التخصيص فيدلّ على أن ما خرج عن العموم ليس مرادا، وبعبارة أخرى التخصيص يدل على أن المخرج غير مراد بالحكم ابتداء، وإن دلّ عليه اللفظ وضعا، والنسخ يدلّ على أن المنسوخ كان مرادا" (2).
خامسا: يجوز ورود النسخ على العام وإن لم يبق تحته شيء بخلاف التخصيص؛ إذ لا يجوز وروده على العام بحيث لا يبقى تحته شـ الأفراد (3).
2 الفرق بين النسخ والبداء:
بَدَا الشيءُ يَبْدُو بَدْواً وبُدُوا وبداءً وبدا بمعنى ظهر (4)، وكل شيء ظهر لك
فقد بدا لك. قال الشاعر (من الكامل)
قد كُنَّ يَخْبَأَنَ الوجوهَ تَسَتْراً فالآنَ حينَ بدَوْنَ للنُّظَّارِ (5)
فالبداء يرد بمعنى الظهور بعد الخفاء، قال تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} (الزمر (47/ 39) أي: وظهر لهم من الله ما لم يكن في حسابهم
ار السالمي، شرح طلعة الشمس، 131/ 1 - 132.
الكندي إبراهيم بن احمد، أصول الفقه والأدلة النصية، ص 198.
(3) م. س، ص 198.
(4)
ر ابن منظور، لسان العرب مادة بدا، 64/ 14، القاموس المحيط مادة بدا،302/ 4، ابن عباد، المحيط في اللغة، مادة بدو، 373/ 9.
(5) البيت للربيع بن زياد الحارثي العبسي من قصيدة له يرثي مالك بن زهير العبسي حين قتلته ذبيان ر: البجاوي علي محمد أحمد، محمد أبو الفضل (معاصرون)، أيام العرب في الجاهلية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1361 هـ، 1942 م، ص 257. (1/436)
صفحة 437
علوم السنة عند الإباضية
417
من عدم إخلاف الوعيد، ومن كتابة ما فعلوا ومن عدم الإهمال والنسيان" (1)، ويرد البداء بمعنى التَّكَوُّن أو نُشُوء رأي جديد لم يكن موجودا من قبل ومنه قول الله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حين (يوسف 35/ 12)، ومعناه نشأ لهم رأي جديد في سجن يوسف، إذ أصرت امرأة العزيز من أجل حماية نفسها من كثرة الكلام، أو للضغط على يوسف ليستجيب عن سجنه (2)، ويلزم من معنيي البداء السابقين لمن اتصف به ظهور سجنه (2)، العلم وحدوثه بعد الجهل، وهذا لا يليق بجلال الله وعظمته فصفة العلم له عز وجلّ يراد بها نفي الجهل عنه عزّ وجلّ، وهذه الصفة قديمة أزلية، تعني إحاطة الله بالأشياء وانكشافها له وظهورها له وإدراكه، لها، وهو عالم بما كان وما يكون وعلمه متعلّق بكل معلوم (3)، وهكذا يستحيل إطلاق وصف البداء على الله، وإذن يسقط تعلّق من أنكر النسخ بزعمه أن النسخ من لازمه البداء، كما يسقط قول من قال إن النسخ يجوز على سبيل البداء.
وقد وصف ابن بركة القائلين بهذا القول بالتجاوز والإفراط حتى خرجوا من الدين، ووجه البداء عندهم أنهم قالوا: إن الله يأمر بالشيء وهو لا يريد وقت أمره تغييره أو تبديله ثم يبدو له عقب ذلك تبديله ونسخه، وأنه لا يعلم الشيء حتى يكون إلا ما يقدره فيعلمه على تقديره (4)، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ويستدل ابن بركة في الردّ على هؤلاء في موضع آخر بآيات يذكر أنها حجة
(1) اطفيش محمد بن يوسف بن عيسى (1914/ 1332)، تيسير التفسير، تح: إبراهيم بن محمد طلاي، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1422 هـ، 2001 م، 282/ 12 (2) انظر تفسير هذه الآيات في: الألوسي البغدادي أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود (1854/ 1270)، روح المعاني، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان، (د. ت)، 327/ 12. ر الثمينى ضياء الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله (1808/ 1223)، كتاب النور المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1981 م، ص 108، الجعبيري فرحات بن على البعد
الحضاري، ص 231 - 232
ابن بركة الجامع، 45/ 1 - 46. (1/437)
صفحة 438
علوم السنة عند الإباضية
418
عليهم كقول الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وَقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الأنعام 27/ 6)، وقوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} (الأنعام 28/ 6)، ثم يقول معقبا: " فأخبر بما يقولون قبل أن
يقولوا، وأخبر أنهم لو ردُّوا كيف يكون، ونظائر هذا كثير في القرآن" (1).
الله
ويطرح العوتبي زيادة على جواب ابن بركة - بعد إيراده له حجة مفادها أن الإنسان طالما كانت الحياة خيرا له بتدبيره ثم يميته، ويُصحه ما دامت الصحة أفضل له في تدبيره ثم يسقمه (2).
يحيي
ويورد أبو يعقوب الوارجلاني شبهة بعض من قال بالبداء، وزعم أنه قال بالبداء لينفي عن الله أن يصير طبيعيا، وأفعاله أفعال الطبيعة، وأنه أراد أن يثبت له الاختيار في أفعاله، زاعما أنه يتأول في قوله هذا قول الله تعالى: {يَمْ الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} (الرعد 39/ 13) وأنّه لولا البداء لكان أمر الله الذي أمر به، ثم نهيه الذي نهى به عنه عبثا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وقد فند أبو يعقوب هذه المقالة، وذكر أن شبهتهم هذه أوقعتهم في أمر أعظ فوصفوا الله بالجهل وهو محال عليه، وهو متصف بالحكمة والعلم، وقد علم ما يصلح العباد في وقت الأمر، وما سيصلح لهم في وقت النهي، "وليس بمستنكر في لطف الله تعالى استصلاح العباد بما علم، وأنه صلاح لهم بدليل قول الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً) (النساء 160/ 4) وبقوله: {مَا نَنسَخ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أوْ مِثْلِهَا} (البقرة 106/ 2 ولا ينسب إليه في الحالتين جهلا ولا عبثا (3).
وقد تقدم ذكر بعض الأدلة التي أوردها نور الدين السالمي على جواز النسخ، وقد فصل في الرد على القائلين بإنكاره، ومن قالوا بالبداء، ومن كلامه أن الفعل
(1)
ابن بركة، الجامع، 48/ 1 - 49.
(2) العوتبي، الضياء، 229/ 2.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 162/ 1. (1/438)
صفحة 439
علوم السنة عند الإباضية
419
يكون مصلحة في وقت ومفسدة في وقت فالأمر في وقت المصلحة، والنهي في وقت المفسدة، فلا بداء ولا جهل (1)، ويتبين مما تقدم أن هناك فوارق بين النسخ والبداء ويمكننا تلخيصها في نقاط:
-
النسخ وجه من وجوه الحكمة عند المشرع الحكيم، وهو لا يكون إلا من الله عز وجل، بخلاف البداء الذي هو وجه من وجوه الجهل وهو يلازم البشر، ويستحيل على الله عز وجل.
في النسخ يكون الآمر متصفا بالعلم الأزليّ فيعلم ما يكون عليه الأمر وقت لزومه وصدوره على المكلفين، بخلاف البداء فالأمر لا يعلم فيه من أمره شيئا إلا عند صدوره، وفي أحيان قد يأمر بالشيء فيتبين له الخطأ فيه، فيرجع عنه في ذلك الحال لظهور عدم المصلحة
فيه.
في النسخ يعلم الأمر بوقت الحكم المشرع، وأنه سيرفعه عن العباد في وقت كذا إلى بدل آخر هو كذا، أو يرفعه بدون بدل، وعليه فكل ما يتعلق بالنسخ كالعلم بالحكم المنسوخ وأمده والحكم الذي يحل محله يعلم بها المشرع الحكيم؛ عكس البداء الذي لا يعلم صاحبه من مستقبل حكمه شيئا.
-3 ما يقع فيه النسخ:
تقدم في شروط النسخ أنه لا يقع إلا في الأحكام العملية الفرعية، ولذا كان النسخ مختصا بباب الأمر والنهي (2)، ولا يقع في الأخبار وأحكام العقائد (3)، يقول
(2)
ر السالمي، شرح طلعة الشمس، 271/ 1.
ر الوارجلاني، العدل والإنصاف،163/ 1، الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 471، أبو الربيع المزاتي، التحف المخزونة ص 65، الأصم عثمان بن أبي عبد الله النور
ص 205.
(3) ر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، 164/ 1 - 165، الشماخي، شرح مختصر العدل، (1/439)
صفحة 440
علوم السنة عند الإباضية
420
أبو سعيد الكدمي: " التناسخ بين الشرائع إنما كان في الأمر لا في الإيمان والوعد والوعيد والأخبار، فإن كل ذلك ثابت محكم لا يجوز عليه النسخ من قبل الله تبارك وتعالى في شريعة نبي ولا رسول
(1) ,
ويذكر الكدمي في موضع آخر أن أصل الدين واحد لا يختلف ولا يجوز فيه الاختلاف، ويستدل على كون الدين واحدا عند كل نبي ورسول بآيات من القرآن الكريم منها قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنيبُ} (الشورى 13/ 42)، وقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران (85/ 3، وقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ وَمَا اختَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (آل عمران 19/ 3)، وقوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء 92/ 21)، فتلك الآيات المتقدمة تنص على أن الدين واحد (2) لا يتبدل، لكن التبدل والنسخ يلحق الشرائع والأحكام، وعليه: إنما تختلف من أمور النبيين والمرسلين الشرائع إذا اختلفت (3) مصداقا لقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ووَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهُ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (المائدة 48/ 5)، ويحدد الكدمي الشريعة بالأحكام الواردة أمرًا أو نهيًا، ما كان منها مُحلّا أو مُحرما، فهذه فقط التي يلحقها
النسخ (4).
ص 472.
(1)
الكدمي، المعتبر، 183/ 1 - 184.
(2) م. س، 185/ 1 - 186.
(3)
م. س، 186/ 1.
(4)
م. س، 185/ 1 - 186. (1/440)
صفحة 441
علوم السنة عند الإباضية
421
ويؤكد ابن بركة على جواز النسخ في الأمر والنهي فحسب، وأن الخبر لا يلحقه النسخ، فالله متعال عن الكذب وليس يجوز أن يقول الصادق جلّ ذكره إنه يكون كذا وكذا، ثم ينسخ ذلك بأن يقول إنه لا يكون، أو يقول: إنه لا يكون ثمّ يقول: إنه يكون، وكذلك في الماضي، هذا هو الكذب، والله يتعالى عنه علوا كبيراً (1)، ويُلحق العوتبي مسائل الوعد والوعيد بالأخبار فلا يصح النسخ فيها"قال جابر بن زيد من زعم أن الوعيد منسوخ بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء 48/ 4) فقد كذب لأن الناسخ والمنسوخ في الأمر والنهي أن يأمر عباده بأمر ثم يخفف عنهم أو ينهى عن أمر ثم يرخص لهم فيه، فالله عزّ وجلّ لم ينسخ الأخبار وإنما نسخ الأحكام " (2).
إن القول بالنسخ في الأخبار يفضي إلى الإشراك على حدّ رأي أبي الربيع المزاتي حيث يقول: " وأمر الله ونهيه يتناسخان، ولا يجوز التناسخ في الأخبار، ومن زعم أن الخبر ينسخ أشرك بالله العظيم (3).
ويفسر أبو يعقوب الوارجلاني رأي المزاتي مبينا أن في هذا الكلام عموما؛ فيجوز أن المزاتي أراد بذلك قول من قال بجواز نسخ أخبار الله عز وجل مثل
قوله: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَة وَاحِدٌ) (النساء 171/ 4) وقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (محمد 19/ 47)، وأخبار الآخرة وأمور الدنيا الكائنة، وما أخبر به عن النبيين والمرسلين وأخبار الأمم السالفة، فمن أجاز النسخ في مثل هذا فهو مشرك (4)، ويخرج من حكم الشرك من أجاز" النسخ على الأخبار التي تتعاقب على الأمر والنهي إذا وجب أو زال بإيجاب الثواب مع الأمر وسقوطه بعد الأمر، وإيجاب العقاب مع النهي وسقوطه بعد الأمر، وأن الخبر الأول الذي قال هذا فرض والخبر الأخر الذي قال ليس بفرض خبران مختلفان بإجماع الأمة، وإنما اختلفا
(1) ابن بركة، الجامع، 42/ 1.
(2) العوتبي، الضياء، 215/ 2.
(3)
المزاتي،
التحف المخزونة ص 65.
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 165/ 1. (1/441)
صفحة 442
علوم السنة عند الإباضية
422
في التسمية فمن أجاز النسخ فلا حرج وإن كان مخطئا فإنما أخطأ في اللغة وقد أتى بالمعنى، وإن كان مصيبا فذاك (1).
ويذكر الوارجلاني مع ما سبق ذكره أمورا أخرى لا يقع فيها النسخ كمعرفة
الله والإباحة والندب والأمور العقلية كلها إذ الشرع لا يأتي بخلافها (2).
ونرى السوفي يذكر أيضا ما لا يجوز فيه النسخ ويضيف فيه، فمع الأخبار والتوحيد يذكر الفرائض التي هي دون التوحيد من أفعال القلب، ويقول:" وأما أفعال الجوارح فالنسخ فيها جائز"، ومما لا يجوز فيه النسخ أيضا خصال الشرك، والكبائر التي هي دون الشرك من أفعال القلوب، أما أفعال الجوارح سواء ما كان من الدماء أو الفروج أو الأموال فيجوز فيها النسخ (3).
ونجد النور الدين السالمي تفصيلا للكلام فيما يقع فيه النسخ وما لا يقع، وخلال ذلك التفصيل يؤكد على أمور منها: أنه يشترط في صحة النسخ الواقع في الأمر والنهي أن يكونا فرعيين (4)، ومنها أن لا يقيد الأمر والنهي بقيد محكم يقتضي التأبيد؛ فإن تقيد بما يقتضي تأبيد الحكم فلا نسخ، والتأبيد يعني "أن يؤبد بكلام محكم لا يصح أن يتطرق عليه رفع في وقت من الأوقات كما إذا قال الشارع هذا الحكم دائم مستمر إلى يوم القيامة (5)، ومنها تقسيمه للأخبار إلى: أخبار عن الأحكام الشرعية - وهذه يصح فيها النسخ - وأخبار عن الأحكام العقلية مثل قولهم: العالم، حادث، وأخبار عن الأحكام الحسية مثل قولهم: النار حارة (6)، وهناك تفصيلات يضيق المقام عن الاستطراد فيها.
(1)
م. س،165/ 1.
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 166/ 1.
(3) السوفي، السؤالات، (مخ) ص 227.
(4)
(5)
ر السالمي، شرح طلعة الشمس، 273/ 1.
م. س، 276/ 1.
(6) م. س، 274/ 1. (1/442)
صفحة 443
علوم السنة عند الإباضية
المبحث الثالث: أقسام النسخ وطرق معرفته
423
1 - أقسام النسخ: إن ما يعنينا هنا من أقسام النسخ هو نسخ السنة للقرآن أو القرآن للسنة، ونسخ السنة للسنة، وهذان القسمان يتفرعان إلى
أقسام أخرى.
أولا: نسخ القرآن للسنة
, (1)
بينما
اختلف الإباضية في نسخ السنة بالقرآن، فذهب أكثرهم إلى الجواز ذهب البعض إلى منع ذلك (2)، وحجة المانعين تنطلق من كون السنة جاءت مبينة للقرآن، قال تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل 44/ 16)، والمبين لا يمكن أن ينسخ بيانه (3)، وكذلك مرد البيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسخ ضرب من البيان (4).
(6) ,
'
والحجة الثانية لهم أنه لو وقع نسخ الكتاب بالسنة لكان ذلك منفرا للسامع إذ خالف ما جاء به (5)، وقد رد عليهم في الحجة الأولى بأن المراد بالبيان البلاغ، وحتى مع توجه البيان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعني هذا عدم صحة البيان بغيره خاصة في حالة خطاب القرآن الموجه من الله، وأما الحجة الثانية فجوابها أنه "إذا علم أن جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الله وأنه وحي يوحى فلا تنفير" (7)، أنهم محجوجون بوقوعه مثل مسألة تحويل القبلة، فقد نسخ التوجه في الصلاة
غير
(1) ابن بركة، الجامع 44/ 1 - 45، الورجلاني، العدل والإنصاف 170/ 1، السوفي، السؤالات (مخ)، ص 222، الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 481. (2) ابن بركة، الجامع 44/ 1 - 45، الورجلاني، العدل والإنصاف 170/ 1، السوفي، السؤالات (مخ)، ص 222، الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 482. (3) السوفي، السؤالات (مخ)، ص 222، الورجلاني، العدل والإنصاف 170/ 1. السالمي، شرح طلعة الشمس، 291/ 1.
(5) م. س، 291/ 1.
(6) م. س، 291/ 1.
(7) م. س،291/ 1. (1/443)
صفحة 444
علوم السنة عند الإباضية
424
إلى بيت المقدس وقد كان الرسول يفعله بدون خطاب من القرآن فيه بقوله
تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (البقرة 149/ 2)، وقد فعله الرسول (1)، وكذلك نسخ صوم عاشوراء، إذ كان واجبا بالسنة، فنسخ (2) بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة 185/ 2)، وكذلك استدل القائلون بنسخ السنة بالقرآن بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصَّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ (البقرة 187/ 2)؛ وكان ذلك بعد أن نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
عن مباشرة النساء ليلة الصيام بعد ما كان فرض الصوم من العتمة إلى الغروب فنسخ ذلك بقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصَّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (3)، يقول نور الدين السالمي مضيفا في احتجاجه" وأيضا فإن القرآن أقوى من السنة؛ فيصح نسخها به، ووجه كونه أقوى منها هو أنه معجز بخلافها، وأيضا فرسول الله صلى الله عليه وسلم أقر معاذا (4) في تقديمه الحكم بالكتاب على الحكم بالسنة (5).
ثانيا نسخ السنة للقرآن:
إذا كانت مسألة نسخ السنة بالقرآن قد وجد فيها درجة من الخلاف فإن مسألة نسخ القرآن بالسنة قلّ فيها الخلاف وإن لم ينعدم، وقد ذهب جلّ فقهاء الإباضية إلى جواز نسخ القرآن بالسنة (6)، ووجد القليل ممن رأى غير ذلك (1)، يقول ابن
(1)
ابن جعفر، جامع ابن جعفر، 7/ 2، ابن بركة، الجامع 47/ 1 - 48، العوتبي، الضياء، 230/ 2، الوار جلاني، العدل والإنصاف 170/ 1، السوفي، السؤالات (مخ)، ص 222 الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 481، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 212.
(2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 291/ 1.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 170/ 1
(4) تقدم تخريج حديث معاذ ص 114. (5) السالمي، شرح طلعة الشمس، 291/ 1.
تا
(6) ر: أبو الحواري محمد بن الحواري، سيرة أبي الحواري مخ) (مج)، ص 209 - 210، ابن بركة، الجامع، 47/ 1 - 48، العوتبي، الضياء، 230/ 2، الوار جلاني، العدل والإنصاف 168/ 1 السوفي، السؤالات (مخ)، ص 222، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 212 213 (1/444)
صفحة 445
علوم السنة عند الإباضية
425
بركة و الذي عليه جل فقهاء أصحابنا أن القرآن ينسخ السنّة، وينسخ بالسنة ... وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنّة لا تنسخ القرآن، ولعلّ هذا مذهب بعض البصريين (2)، ولعلّ من هؤلاء الذين أشار إليهم ابن "بركة" أبو غانم الخراساني فقد جاء في مدونته ولا نعلم في كتاب الله شيئا نزل نسخه إلا من القرآن، ولا ينسخ القرآن إلا القرآن ولا نعلم رواية نسخت القرآن، إنّما ينسخ القرآن القرآن" (3).
وقد أورد ابن بركة حجة من حجج القائلين بهذا القول، وخلاصتها أن نسخ القرآن لا يعلم إلا بواحد مما يلي: إما خبر عن الله تبارك وتعالى أو رسوله، أو إجماع من الأمة على النسخ، أو أن دلالة النسخ تقوم من الخطاب نفسه، ولم تقم أي دلالة من وجه من هذه الوجوه، ثم إن الله جل ذكره قال: {مَا نَنسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (البقرة 106/ 2) ولا شك أن السنة ليست مثل القرآن، وهي وإن كانت حكما من الله تعالى لكنها ليست مثل القرآن في كونه معجزة في نفسه، يقول الله جل ذكره: {قُل لِّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (الإسراء 88/ 17) ولما كانت السنة ليست كالقرآن في إعجازه لم يجز نسخها للقرآن (4)، ولا يقتصر عدم المماثلة على الإعجاز، إذ السنة مظنونة والقرآن متيقن، ثم إن الله صرح بأن التبديل يكون بالمثل فقال: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آية (النحل 101/ 16)، ومعلوم أن السنة ليست آية من القرآن (5)، وقد أجيب على
(1)
(1) ابن بركة، الجامع، 47/ 1، العوتبي، الضياء، 230/ 2، الوار جلاني، العدل والإنصاف 171/ 1، السوفي، السؤالات (مخ)، ص 222.
(2)
(3)
ابن بركة، الجامع، 66/ 1.
الخراساني أبو غانم، المدونة، 26/ 1.
(4) ابن بركة، الجامع، 1/ 66 - 67.
(5) الو رجلاني، العدل والإنصاف 171/ 1. (1/445)
صفحة 446
علوم السنة عند الإباضية
426
استدلالهم بهذه الآية بأن الله عزّ وجلّ لم يقل: إنا لا نبدل الآية إلا بآية، فقد وقع النسخ بدون آية كاملة، بل ببعض آية (1).
وقد أورد ابن بركة بعض حجج المجيزين من ذلك أن القرآن والسنة حكمان ينسخ كل منهما الآخر، وحجة ذلك قول الله جل ذكره: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَي) (النجم 3،4/ 53) فالكتاب دال على أنّه يخبر عن الله جلّ ذكره فهو ينسخ أحكامه بعضها ببعض، مرة من الكتاب، ومرة على لسان نبيه عليه السلام (2)، فالسنة تنسخ ما في الكتاب والسنة تصديق الكتاب كما يقول أبو الحواري (3)، يقول ابن بركة: فأما نسخ القرآن بالسنة فقد قال به أكثر أصحابنا، واحتجوا بأن الله فرض علينا سبع عشرة ركعة في كل يوم وليلة، ثم إنّ النبي صلى الله عليه وسلم سن على المسافر بعض ذلك جميعه (4) (5).
ويقول الوارجلاني: "وجائز نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة ونسخ السنة بالقرآن ونسخ القرآن بالسنة (6)، وفي موضع آخر يقول:"اعلم أن القرآن ينسخ السنة والسنة تنسخ القرآن كل واحد منهما ينسخ صاحبه (7).
بقي أن هناك من علماء الإباضية من فَصَّلَ في هذه القضية ففرق بين النسخ للقرآن بالمتواتر أو الأحادي، ومن هؤلاء العلماء أبو العباس الشماخي ونور الدين السالمي اللذين ذهبا إلى عدم جواز نسخ الأحادي للمتواتر سواء كان هذا المتواتر
(1)
م. س، 171/ 1.
(2) ابن بركة، كتاب الجامع، 661 - 67.
(3) أبو الحواري سيرة أبي الحواري، مخ مج، ص 20209.
(4) أخرج الربيع عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على المقيم سبع عشرة ركعة وعلى المسافر إحدى عشرة ركعة يعني بها الصلوات الخمس) في مسنده كتاب الصلاة ووجوبها،
باب في فرض الصلاة في السفر والحضر، 82/ 1 (188).
(5) ابن بركة، الجامع، 47/ 1.
(6) الورجلاني، العدل والإنصاف 168.1.
(7) م. س، 170/ 1. (1/446)
صفحة 447
علوم السنة عند الإباضية
427
(1) -
قرآنا أم حديثا، وعندهما أن نسخ المتواتر بالآحادي لا يصح لأن المتواتر دليل قطعي بينما الآحادي دليل ظني، والظني لا يمكن له أن يعارض القطعي) واستدل السالمي على قوله بردّ عمر خبر فاطمة بنت قيس (2) وقوله: (لا ندع کتاب ربّنا وسنّة نبينا لخبر امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ... لها النفقة والسكنى) (3).
يقول عمرو بن رمضان الجربي التلاتي: ويجوز على الصحيح النسخ بالسنة متواترة أو آحاد للقرآن، وقيل لا يجوز لقوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي (يونس 15/ 10)، والنسخ للسنة تبديل منه، قلنا ليست تبديلا من تلقاء نفسه وما ينطق عن الهوى والدال على الجواز قوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل 44/ 16) وقيل يمتنع نسخ القرآن بالأحادي لأن القرآن مقطوع والآحادي، مظنون، قلنا محل النسخ الحكم ودلالة القرآن عليه ظنية والحق لم يقع نسخ القرآن إلا بالمتواترة وقيل وقع بالآحاد لحديث (لا) وصية لوارث) (4) بأنه ناسخ لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} (البقرة 180/ 2) قلنا لا نسلم عدم تواتر ذلك ونحوه للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقربهم من زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولابن بركة رأي في النسخ هنا إذ ذهب إلى أن هذا الحديث ليس نسخا للآية بل هو بيان لحكمها؛ لأنه من ليس بوارث من والدين وأقربين فإن الوصية واجبة
(5)
(1) ر: الشماخي شرح مختصر، العدل، ص 482، السالمي، شرح طلعة الشمس، 292/ 1. (2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 292/ 1.
(3)
حيحه،
خبر فاطمة بنت قيس ومفاده لا نفقة ولا سكنى للمطلقة ثلاثا، أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء، 114/ 2 (1480)، وقول عمر أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرضاع، باب النفقة، 63/ 10 (4250)، والدارمي في سننه، كتاب
الطلاق، باب المطلقة ثلاثا ... 218/ 2 (2274).
(4) تقدم تخريجه، ص 48.
(5)
التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 212 - 213. (1/447)
صفحة 448
علوم السنة عند الإباضية
428
لهم، ومن لم يقل إنها واجبة ذهب إلى أنّها جائزة؛ فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الوصية لا تجب لمن كان وارثاً (1).
ثالثا نسخ السنة للسنة:
صرح علماء الإباضية بجواز نسخ السنة للسنة (2)، لكنهم اختلفوا في نسخ
المتواتر بالآحادي، فذهب بعضهم إلى جواز نسخ المتواتر بالآحادي، وقد ذكر الشماخي أنه ظاهر كلام ابن بركة (3)، وصرح بهذا القول أبو يعقوب الوارجلاني فقال:" وجائز نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة ونسخ السنة بالقرآن ونسخ القرآن بالسنة وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد وأخبار الآحاد بالتواتر والأخبار المتواترة بأخبار الآحاد (4)، وذهب أكثر الإباضية إلى عدم جواز نسخ الآحاد للمتواترة وقد صرح بذلك أبو عمرو السوفي وأبو العباس الشماخي ونور الدين السالمي وغيرهم، يقول السوفي: " ويجوز نسخ السنة بالسنة والتواتر بالتواتر والآحاد بالآحاد والآحاد بالتواتر، وأما التواتر بالأحاد فلا يجوز (6)، واحتج القائلون بجواز نسخ الآحاد للمتواتر بحجج منها:
(5)
11
(1) ابن بركة، الجامع 45/ 1.
(2) ر: أبو الحواري، جامع أبي الحواري، 77/ 1، سيرة أبي الحواري مخ مج، ص 209 210، ابن بركة، الجامع 18/ 1 - 19، العوتبي، الضياء، 217/ 2، الوار جلاني، العدل والإنصاف،168/ 1، السوفي، السؤالات (مخ)، ص،232 الشماخي شرح مختصر العدل ص 482، الثلاثي، رفع التراخي (مخ)، ص 212 213 - السالمي، شرح طلعة الشمس، 291/ 1.
(3)
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 482 التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 212،
السالمي، شرح طلعة الشمس، 292/ 1
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف 168/ 1.
(5)
السوفي، السؤالات، ص 232 الشماخي شرح مختصر العدل، ص 482، الثلاتي، رفع
التراخي (مخ)، ص 212، السالمي شرح طلعة الشمس، 292/ 1.
(6)
السوفي، السؤالات (مخ)، ص 232. (1/448)
صفحة 449
علوم السنة عند الإباضية
429
أن النبي الله لم ينكر على أهل قباء لما استداروا حين سمعوا مناديه ألا إن القبلة قد تحولت والمنادي كان واحدا، وأجاب معارضوهم على هذه الحجة، بأن الخبر الذي وصل إلى أهل قباء حفته قرائن؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقلب وجهه إلى السماء طالبا ربه توجيهه للكعبة لتكون قبلته والمسلمون كانوا ينتظرون ذلك ويتوقعونه، وكذلك فإن المنادي بمثابة مخبر عن جماعة وقع عندهم خبره وبذلك يخرج عن حالة الآحاد، ثم إن النسخ في حقيقة الأمر واقع بقوله تعالى: فَولٌ
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِد الْحَرَام} (البقرة 149/ 2)، وبخبر النبي صلى الله عليه وسلم للجماعة (1). . إرسال النبي الاول الآحاد مبلغين عنه للأحكام سواء كانت مبتدئة وناسخة وأجيب عن هذا بأنه مسلم لو لم تقم القرائن والشواهد على صدق ذلك المبلغ (2)، أن نور الدين السالمي ذهب إلى القول بعدم جواز نسخ المتواتر بالأحادي ومع
فإنه علق على هذا الجواب بأنه لا يقاوم هذا الاحتجاج، وذلك لأنه لم ينقل أن أحدا ممن كان يرسله الرسول الله إلى الأمصار للتبليغ أجاز للناس ردّ ما جاء به ووسع لهم ترك قبوله، وكان الواحد يرسل إلى أماكن وأقطار بعيدة ولا قرائن أو شواهد
تدل على
صدقه (3).
وقوع النسخ وثبوته بالأحادي كنسخ وصية الوالدين من قوله تعالى إن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (البقرة 180/ 2) بحديث: (لا وصية لوارث) (4)، وكنسخ حبس الزواني في البيوت الثابت بقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ الْبُيُوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (النساء 15/ 4) بحديث النبي: قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب الرجم و ... ) (5)، وكذلك احتجوا
(3)
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 482 - 483،السالمي، شرح طلعة الشمس، 292/ 1. (2) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 482 - 483،السالمي، شرح طلعة الشمس، 292/ 1 السالمي، شرح طلعة الشمس، 292/ 1. (4) تقدم تخريجه ص 53. (5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حد الزاني، 1316/ 3 (1690)، وابن حبان
في صحيحه، كتاب الحدود، ذكر الأخبار عن حكم البكر والثيب .. ، 271/ 10 (4425). (1/449)
صفحة 450
علوم السنة عند الإباضية
430
بنسخ قوله تعالى: {قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً .. } (الأنعام 145/ 6) بحديث (النهي عن كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير) (1)، وأجيب عن الآيتين الأوليين بالجواب عن نسخ آية استقبال القبلة، وأيضا لعدم اختلاف الأمّة فيهما صارا مقطوعا بهما (2)، أما الآية الثالثة فأجيب عنها بأن الحديث مخصص لها لا ناسخ (3).
والذي تطمئن إليه النفس، ويتلاءم مع قوة الاحتجاج هو القول بمنع نسخ الأحادي للمتواتر خاصة أن قوة القطعي لا يرقى إلى معارضتها الظني، ويؤكد ذلك قول جمهور الأمة أن نسخ المتواتر بالآحادي لم يقع شرعا وإن أجازه كثير
عقلا (4). منهم
-2 طرق معرفة النسخ:
تتعدد الطرق التي يعرف بها الناسخ من المنسوخ في الحديث، وأهمها:
(5)
ه خبر النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه للنسخ وتصريحه به وقد مثلوا له بحديث (6): (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها) (7)، وحديث (8): (كنت نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن: لحوم الأضاحي بعد ثلاث ألا فكلوا واتخروا، ونهيتكم عن الأشربة
(1) تقدم تخريجه، ص 98.
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 483 - 484.
(3)
السالمي، شرح طلعة الشمس، 293/ 1.
راجع تفصيل المسألة في الرازي المحصول، 498/ 3، الأمدي، الإحكام، 159/ 3، السبكي علي عبد الكافي، السبكي عبد الوهاب بن علي الإبهاج شرح المنهاج 251/ 2 وما بعدها. ابن بركة، الجامع 66/ 1 - 67، التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 212، اطفيش، جامع
(5)
الشمل،
ص
434
الثلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 212،،اطفيش، جامع الشمل، ص 434.
(7) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الجنائز، باب صلاة الجنائز، 194/ 1 (481)، والحاكم في
المستدرك، كتاب الجنائز، 530/ 1 (1385) (1386).
(8)
ار السوفي، السؤالات، ص 233. (1/450)
صفحة 451
علوم السنة عند الإباضية
431
إلا في ضروب الأديم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا، وعن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا أي لا تدعو بالويل والعويل وبما يسخط الله) (1).
تصريح الصحابي وذكره للنسخ وجزمه به (2) وذلك مثل قول جابر: (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار) (3)، يقول الوارجلاني: "وأما إذا روى الصحابي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقال نسخت آية كيت وكيت، فقوله مقبول (4)، وهذه المسألة غير متفق عليها، ويشير السالمي إلى الخلاف في ذلك بقوله أما قول الصحابي بأن هذا الحكم منسوخ بكذا فلا يقبل عند الأكثر إذا كان المنسوخ قطعيا، أما إذا كان المنسوخ ظنيا فلا خلاف في قبوله" (5)، وذهب أبو مالك إلى تصحيح قبول قول الصحابي بالنسخ في قوله (من الرجز):
إِنَّ الصَحَابِيَّ إِذَا مَا نَقَلَا عَنْ النَّبِيِّ نَسْخَ شَيِئ قُبِلا (6).
العلم بالتاريخ أحد الأهم من طرق معرفة النسخ إن لم يكن أهمها، خاصة أن ترتيب التشريع تقلّ معرفته كلّما ابتعد عهد الناس بالرسالة وتطاول عليهم الزمن، فلما ذهب عن الناس ترتيب التشريع والنزول احتاجوا للتاريخ (7) ليتبينوا المتقدم
(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب استئذان النبي 672/ 2000 (977) وابن حبان في صحيحه، كتاب الأشربة، ذكر البيان بأن اباحة ... 212/ 12 (5390). التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 212،،اطفيش، جامع الشمل، ص 434. (3) أخرجه ابن الجارود فى المنتقى، باب ما جاء في ترك الوضوء، 19/ 1 (24)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب سنن الوضوء، 416/ 3 (1134).
(2)
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 173/ 1.
(5)
السالمي، شرح طلعة الشمس 299/ 1.
(6) المالكي
(7)
أبو مالك، موارد الألطاف، ص 43.
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 175/ 1. (1/451)
صفحة 452
علوم السنة عند الإباضية
432
(1)
وعند العلم
من المتأخر، فبمعرفة المتقدّم من المتأخر يمكن الحكم بالنسخ بالمتقدم من الدليلين المتعارضين من المتأخّر يحكم بنسخ المتأخر للمتقدم (2)
يقول نور الدين السالمي وتكون - أي الحكم بالنسخ- بمعرفة التاريخ بأن يقال نزل هذا في سنة كذا وورد هذا في سنة كذا، أو يقال بأن هذا في الغزوة الفلانية وهذا في الغزوة الفلانية (3).
الإجماع وهو إحدى طرق معرفة النسخ، وقد نص ابن بركة على اعتباره طريقا لذلك في قوله: " أو إجماع الأمة على النسخ (4)، فالنسخ يعرف بإجماع الأمة أن هذه الآية أو الخبر أو الحكم منسوخ (3) وهو طريق من طرق معرفة
النسخ المعتبرة.
وصورة الإجماع من حيث هو طريق لمعرفة النسخ أن يُجْمَعَ على أن "هذا الدليل متأخر عن ذلك لما قام عندهم من دليل على تأخره" (6)، وينبغي التأكيد على مسألة أخرى في هذا المقام هي أنّ الإباضية مع باقي الأمة ذهبوا إلى عدم جواز نسخ الحديث بالإجماع وهي مسألة سبق ذكرها.
• وجود أمارات دالة على النسخ كتأخر إسلام الراوي (7)، ومثل ذلك صغر وحداثة سن الراوي، ولكن في حقيقة الأمر يمكن جعل مثل هذه الأمارات وسيلة يستدل بها في البحث عن النسخ؛ وهي ضمن طريق معرفة النسخ بالتاريخ، فإذا
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 486. (2) ر: السوفي، السؤالات (مخ)، ص 233، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 214، اطفيش جامع الشمل، ص 435 السالمي شرح طلعة الشمس، 299/ 1.
(4)
(5)
السالمي، شرح طلعة الشمس 299/ 1
ابن بركة، الجامع 66/ 1.
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 486، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 214،
السيابي، فصول الأصول، ص 232.
السيابي، فصول الأصول، ص 232.
(7) الكندي إبراهيم بن أحمد الأدلة النصية، ص 208. (1/452)
صفحة 453
علوم السنة عند الإباضية:
433
كان الراوي أكبر سنا رجح خبره لرجحان ضبطه، وهذا داخل ضمن إطار الترجيح كما تقدم ويمكن جعله هنا أمارة للنسخ، وكذلك إذا تأخر إسلامه وقد مثلوا
لذلك بخبر طلق بن علي في الوضوء من مس الفرج وخبر أبي هريرة (1). بيان راوي الحديث للنسخ، وذلك بأن يذكر أن حديث كذا سابق عن حديث كذا (2)، ويعقب أبو يحيى السيابي على ذلك بقوله:" وأما قول الراوي إن هذا الحديث ناسخ لذلك فلا أثر له ولا يثبت به النسخ خلافا لزاعميه، قالوا إن كان عدلا فعدالته تصونه من أن يقول بخلاف ما ثبت عنده، قلنا: ثبوته عنده يجوز أن يكون باجتهاد منه ولا يلزمنا تقليده في اجتهاده" (3).
المبحث الرابع نماذج من ناسخ الحديث ومنسوخه
نجد جملة من الأمثلة المذكورة حول ناسخ الحديث ومنسوخه في الكتـ الإباضية ويمكننا عرض بعض منها حسب ما يتسع له المقام مرتبة حسب تبويبها
الفقهي:
أولا بعض نماذج في أبواب الطهارات:
• نسخ حديث الماء من الماء) (4) بحديث (الغسل واجب إذا التقى الختانان) (1) وحديث إذا قعد الرجل من المرأة بين شعبها وجب الغسل) (2)، يقول أبو عبد الله
(1) تقدم تخريج هذه الأخبار، ص 380.
(3)
السيابي، فصول الأصول، ص 232.
م. س، ص 232.
(4) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الطهارة، باب ما يكون فيه غسل الجنابة، 65/ 1 (135)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء ... 269/ 1 (343)، وابن حبان في صحيحه كتاب الطهارة، باب الغسل 443/ 3 (1168)، وقد ورد عند مسلم الخبر وسببه ولفظه عن أبي سعيد الخدري قال خرجت مع رسول الله يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله الله على باب عتبان فصرخ، به فخرج يجر إزاره، فقال (1/453)
صفحة 454
علوم السنة عند الإباضية:
434
الكندي وأما ما رواه ... وساق رواية (الماء من الماء) فالذي روينا عنه يدلّ على نسخ ما رواه، وعلى ترك قوله عمل أكثر الناس (3)، وقد نص على النسخ أئمة ا، الإباضية المتقدمون ومن بعدهم (4).
• نسخ حديث أبي هريرة (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضؤوا مما مست النار) (3) بحديث عبد الله بن عباس) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) (6) وبحديث جابر بن عبد الله كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعجلنا الرجل، فقال عتبان يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول الله: إنما الماء من الماء). (1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الطهارة، باب ما يكون فيه غسل الجنابة، 64/ 1 (133)، وابن حبان في صحيحه كتاب الطهارة، باب الغسل 456/ 3 (1183)، وابن ماجة في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا ... 199/ 1 (608). (2) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الطهارة، باب ما يكون فيه غسل الجنابة، 64/ 1 (134)، والبخاري في صحيحه، وفيه). . وجهدها .. )، كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان 110/ 1 (287)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الغسل، 456/ 3 (1182). الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 94/ 9 (4) ر: ابن بركة، الجامع 323/ 1، الشماخي، الإيضاح، 168/ 1، التلاتي، رفع الترا (مخ)، ص 212.
(3)
(5)
(5) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، 272/ 1 (352) وابن حبان في صحيحه كتاب الطهارة، باب نواقض الوضوء، 424/ 3 (1146)،وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، الأمر بالوضوء مما مست النار، 105/ 1 (185)
(186)
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب من لم يتوضاء من لحم الشاة و ... 86/ 1 (204)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار 273/ 1 (354)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب نواقض الوضوء،
(1140) 421/ 3 (1/454)
صفحة 455
علوم السنة عند الإباضية
435
الوضوء مما مسته النار) (1) وبحديث (لا يتوضأ أحدكم من طعام أحل الله أكله) (2)، وقد نص علماء الإباضية على نسخ الوضوء مما مستت النار مطلقا دون تمييز بين نوع وآخر طالما أنه طعام حلال (3).
بحديث
• نسخ الحديث الذي أفاد عدم نقض الوضوء بمس الذكر؛ وهو حديث طلق بن علي قال: (خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال يا نبي الله ما تقول في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ، فقال هل هو إلا مضغة أو بضعة منه) بسرة بنت، صفوان قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مس ذكره فليتوضأ) (5) وحديث إذا مست المرأة فرجها فلتتوضأ) (6).
وقد ذهب الإباضية إلى نسخ حديث طلق، لكنهم اختلفوا في تفصيل حدّ النقض في هذه المسألة؛ فمنهم من ذهب إلى أن المس الناقض هو المس باطن الكف مستدلا بقوله أيما رجل أفضى بيده إلى ذكره انتقض وضؤوه) (7)؛ إذ
ننه،
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب نواقض الوضوء، 416/ 3 (1134) وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب ذكر الدليل على أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء مما مست النار أو .. ناسخ لوضوئه كان مما مست النار، 27/ 1 (42) وأبو داود في كتاب الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار، 49/ 1 (192). (2) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، 57/ 1 (104). ابن بركة، الجامع،287/ 1،305، الشماخي الإيضاح، 140/ 1، اطفيش، جامع الشمل ص 434 435، السالمي، معارج الأمال، 288/ 2.
(4) تقدم تخريجه ص 380.
(5) تقدم تخريجه ص 380.
(6) أخرجه الربيع مرسلا من قول النبي في مسنده، كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، 58/ 1 (107)، والحاكم في المستدرك موقوفا على عائشة وصحح الرواية إليها، كتاب الطهارة، 233/ 1 (479) (480) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب
الوضوء من مس المرأة فرجها، 133/ 1 (629).
(7) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من مس الفرج بظهر الكف، 133/ 1 (630)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطهارة، باب مس الفرج (1/455)
صفحة 456
علوم السنة عند الإباضية
436
الإفضاء لا يتحقق إلا بالمباشرة، ومنهم من شدّد في المسألة كأبي عبيدة فكان يتخذ جوارب ليصلي فيها يتقي بذلك أن يصيب مذاكيره مواضع الوضوء من رجليه، وقد علق عليه أبو حيان الأعرج "بقوله: لقد أشقانا الله في ديننا إن كان الأمر كما يقول أبو عبيدة (1) وذهب أبو نوح صالح الدهان إلى أنه لا ينقض الوضوء إلا مس الثقبة التي يخرج منها البول، وعورض بأن الرواية وردت في الذكر فيقتضي أن يكون كله، ونقل عن أبي سفيان محبوب بن الرحيل بأن الدبر والانثيين وموضع الشعر لا ينقض مستهن عندهم (2). وفي حقيقة الأمر أن الذي تطمئن إليه النفس هو النقض بمس الذكر سواء كان بباطن الكف أو بظاهرها إذ المس بظاهر الكف لا يخرج عن كونه مستا وإن ورد أن الأصل في الإفضاء هو المس بباطن الكف (3)، ويؤكده لفظ المس في (من مس
لعلة
فرجه .. حيث عبر بالمس، ويلحق بهذا الحكم مس موضع النجاسة من الدبر التوقي للوضوء، ولأنه يقع عليه مسمّى الفرج؛ وقد وردت روايات بنقض
(4)
الوضوء من مس الفرج فتعم الذكر والدبر.
نسخ حديث أن رسول الله لو كان متخذا منديلا يمسح به بعد الوضوء وكان بعض أزواجه يناوله إياه فيجفف (به (5) بحديث ابن عباس عن ميمونة
(1)
هل يجب فيه الوضوء ... 74/ 1، وأحمد في مسنده، مسند أبي هريرة، 333/ 2 (8358). السالمي، شرح المسند، 166/ 3 (2) لمعرفة هذه الأقوال والتفصيل فيها. ر ابن جعفر الجامع 389/ 1 الكدمي، المعتبر 217/ 2، السالمي، المعارج،134/ 2، 122، شرح، المسند، 166/ 3 - 167، اطفيش، شرح النيل، 133/ 1.
(3)
جاء في لسان العرب أفضى بيده إلى الأرض أي مسها بباطن راحته. ر: ابن منظور، لسان العرب مادة فضا، 158/ 15.
كالحديث المتقدم تخريجه إذا) مست المرأة فرجها (فلتتوضأ) وغيره من الأحاديث. (5) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الطهارة، باب في آداب الوضوء وفرضه، 55/ 1 (95)، وأخرج البيهقي حديثا عن عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له خرقة يتنشف بها بعد الوضوء) في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب التمسح بالمنديل، 185/ 1 (842) لكنه ضعفه لأن أحد (1/456)
صفحة 457
: علوم السنة عند الإباضية
437
قالت: (صببت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه ثم قال (1) بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثم تنحى فغسل قدميه، ثم أتى بمنديل فلم ينفض بها) (2)، وقد ذهب أئمة الإباضية المتقدمون إلى القول بالنسخ واستحبابه؛ إذ أورد الربيع بعد روايته الحديث الدال على المسح قول أبي عبيدة" المعمول به عندنا أن يمسح أعضاءه بعد الوضوء، وهو استحباب من أهل العلم وترغيب منهم في نيل الثواب ما دام الماء على أعضائه (3).
لا
ويعلق السالمي على قول أبي عبيدة بقوله: وكأنّهم علموا النسخ بحديث ابن عباس عند البخاري" (4)، ولأبي ستة توجيه آخر لقول أبي عبيدة مفاده احتمال أنه إنما فعله عليه الصلاة والسلام لبيان الجواز فقط، وأن المستحب خلافه خاصة أنّه من قواعدهم أنّه لا حظ للنظر مع وجود الأثر (5)، لكن السالمي
ثبت عندهم
أنه
رواته متروك، ونقل عن ابن عدي بأن إسناده غير قوي وأخرجه الترمذي في سننه وضعفه أيضا، كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء، 74/ 1 (53)، وهذا الحديث أخرجه البيهقي من طرق لم تخل عنده من إشكال عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أنس بن مالك عن النبي،، واخرج البيهقي أيضا حديثا عن معاذ بن جبل (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضا مسح وجهه بطرف ثوبه لكنه ضعفه أيضا، في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب طهارة الماء المستعمل، 236/ 1 (1055) والترمذي في سننه، كتاب أبواب الطهارة، باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء، 75/ 1 (54)
(1)
قال بيده الأرض) تعني ضرب بيده الأرض، والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال كما أنها تطلقه على غير الكلام. ر: العيني، عمدة القاري، 206/ 3 (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة 102/ 1 (256) ومسلم في صحيحه كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، 254/ 1 (317) والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب صفة الغسل من الجنابة، 119/ 1 (251).
(3) الربيع
المسند، /55 (95).
(4) السالمي شرح المسند، 150/ 1
(5) أبو ستة محمد بن عمر، حاشية الترتيب، 115/ 1. (1/457)
صفحة 458
علوم السنة عند الإباضية
438
تعقب هذا التوجيه بأن الحال يقتضي أن ذلك كان قد اتخذه عادة، ولهذا جاءته به ميمونة رضي الله عنها، فالأظهر القول بالنسخ (1)، هذا مع أن جل الروايات التي أخرجها غير الربيع ضعفها أصحابها، لكنها وردت من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وتعدد الرواية عن أكثر من صحابي؛ يقوي ما ذهب إليه السالمي من أن ذلك كان عادة له قبل ثم تركها فوقع النسخ بتركه.
نسخ وجوب الاستجمار المستفاد من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: (أنا) لكم مثل الوالد أعلمكم أمر دينكم، وأمر أن يستنجى بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة وهي العظام البالية) (2) بحديث أفاد حمل دلالة الأمر بالاستجمار على الندب وهو حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: (من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر) (3)، يقول السالمي معلقا على الحديث الأول:" قوله: (أعلمكم أمر دينكم إشارة إلى المأمور به في هذا الموضع والمنهي عنه من أمر الدين الذي لا بد منه، ولعل هذا كان قبل نسخ وجوب الاستجمار، فإنه بقي بعد ذلك سنّة مندوبة" (4).
ثانيا نماذج من أبواب العبادات
نسخ الإباحة للكلام المستفاد من حديث ذي اليدين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه (أن) رسول الله انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم،
(1) السالمي شرح المسند، 150/ 1.
(2)
2 أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الطهارة، باب الاستجمار، 50/ 1 (80)، وابن حبان في صحيحه كتاب الطهارة، باب الاستطابة، 279/ 4 (1431)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب النهي عن الاستطابة بدون ثلاثة أحجار، 42/ 1 (80). (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الاستنثار في الوضوء ... 71/ 1 (159)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الإيتار في الإستنثار والاستجمار، 212/ 1 (237)، والربيع في مسنده، كتاب الطهارة، باب الاستجمار، 51/ 1 (82).
(4) السالمي، شرح المسند، 134/ 1. (1/458)
صفحة 459
علوم السنة عند الإباضية
439
6 (3)
، يقول
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى اثنتين أخريين ثم سلّم ثم كبّر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع) (1) بحديث (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) (2)، وقد ذهب الإباضية مع قولهم بنسخ إباحة الكلام إلى القول بنقض الصلاة بالكلام عمدا كان أم سهوا السالمي معلقا على رواية ذي اليدين: وحاصله أنَّ الحديث عندهم- أي الإباضية محمول على الحال الذي كان قبل نسخ الكلام، كما صرح به غير واحد منهم، وهو الذي يقتضيه كلام الزهري، وكون أبي هريرة قد شهد القصة لا
ينافيه، وإن كان إسلامه عام خيبر لاحتمال أن يكون نسخ الكلام بعد ذلك (4). • نسخ الصلاة بالنعل الوارد في خبر أبي نعامة أن النبي صلّى بنعليه بعض صلاته وفيهما قذر، ثم علم فخلعهما وبنى على صلاته) (3) بقوله (لا صلاة إلا بطهور) (6)، وقد عدّه السوفي من باب نسخ الفعل بالقول (1).
(1) أخرجه البخاري في صحيحه في أبواب السهو، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو وسلم .. ، 412/ 1 (1170) ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له 403/ 1 (573) والربيع في مسنده، كتاب الصلاة ووجوبها، باب السهو في الصلاة، 105/ 1 (248).
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة 381/ 1 (537) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب الكلام في الصلاة على وجه السهو، 360/ 2 (3734) والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الصلاة، باب الكلام في الصلاة لما يحدث في السهو ... 446/ 1. (3) ر: الشماخي، الإيضاح،272/ 1،،السالمي، معارج الأمال، 179/ 11، السالمي شرح المسند، 368/ 1،اطفيش شرح النيل، 417/ 2
(4) السالمي شرح المسند، 368/ 1. (5) تقدم تخريجه، ص 115.
(6) أخرجه مسلم بلفظ: عن ابن عمر قال: إني سمعت رسول الله له يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور .. ) في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، 240/ 1 (224)، وابن الجارود في المنتقى، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، 28/ 1 (65)، وابن حبان في صحيحه، كتاب (1/459)
صفحة 460
علوم السنة عند الإباضية
(3)
440
نسخ حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) (2) بحديث ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم) وقد ذهب الإباضية إلى القول بنسخ حديث (أفطر الحاجم ... ) بحديث ابن عباس (4)، كما كان لهم تأويل لهذا الحديث، يقول ابن بركة في ذلك" وذلك أن النبي الله مر برجل بين يدي حجام يحجمه وهما يغتابان رجلا من المسلمين، فقال: (أفطر الحاجم والمحتجم وهذا الخبر يؤيد ما قال أصحابنا من صحة الخبر الذي قلنا أنّ غيبة المسلم تفطر الصائم" (5) وينقل أبو عبد الله الكندي قول أبي سعيد الكدمي معلقا عل هذه الرواية" وإنّما قيل تأول أصحابنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: أفطر) الحاجم والمحجوم لمعنى أنّهما كانا يغتابان، وهذا خبر خاص في معنى الغيبة يخرج ظاهره في معنى الحجامة (6)، على أن الإباضية كرهوا الحجامة حال الخوف من الضعف (7).
قول من قال بنسخ صدقة الفطر والتي وردت فيها أحاديث منها حديث (عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت سن رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو بُرّ أو شعير أو من أقط (8) وحديث ابن عمر الله عنهما
الصلاة، باب شروط الصلاة، 604/ 4 (1705).
(1)
(2)
السوفي، السؤالات (مخ)، ص 232.
تقدم تخريجه، ص 163.
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الصوم، (15665931) وابن حبان في صحيحه كتاب الصوم، باب حجامة الصائم، 300/ 8 (3531) والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، ذكر اختلاف الناقلين على عبد الله بن عباس في ... 223/ 2 (3215). (4) العوتبي، الضياء، 33/ 6، الشماخي، الإيضاح، 166/ 2، الجيطالي، قواعد الإسلام، 86/ 2. (5) ابن بركة، الجامع، 47/ 2.
(6) الكندي
محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 273/ 20.
(7) لتفصيل المسألة ر: ابن بركة الجامع، 47/ 2 الكدمي، التعقيب على الأشـ الأشراف، (مخ)،
ص 311،312، الكندي محمد بن إبراهيم بيان الشرع، 273/ 20
(8) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الزكاة، باب في النصاب، 136/ 1 (333). (1/460)
صفحة 461
علوم السنة عند الإباضية
441
قال: (فرض رسول الله زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحرّ والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين) (1)، وأنها نسخت بزكاة الأموال، محتجين بحديث قيس بن سعد بن عبادة قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله) (2).
وقد ذهب بعض الإباضية إلى القول بنسخ زكاة الفطر، وذهب جمهورهم إلى عدم النسخ لكنهم اختلفوا فيها على قولين، فذهب المشارقة إلى القول بأنها فرض وهو قول جمهور الأمة أيضا، وذهب المغاربة إلى أنها سنة (3)، وذكر أبو طاهر الجيطالي في القواعد أن أصحابنا من أهل الجبل (4) وأهل المغرب ذهبوا إلى أنها سنة، الأخذ بها فضيلة وليس تركها خطيئة (5)، لكن الجيطالي قال عند تفصيل حديثه في أحكام زكاة الفطر: " واتفقوا على أنها تجب على المرء في نفسه، وأنّها زكاة بدن لا زكاة مال وأنها تجب عليه في أولاده الصغار إذا لم يكن لهم
مال ... " (6).
(1) أ
رجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر ... 547/ 2 (1432) ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر ... 678/ 2 (984) وابن حبان في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، 94/ 8 (3301).
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وقال:" على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، في كتاب الزكاة، 568/ 1 (1491)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الزكاة، باب ذكر الدليل على أن الأمر بصدقة الفطر كان قبل فرض زكاة الأموال، 81/ 4 (2394) والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر قبل نزول الزكاة، 26/ 2 (2286). (3) ر: السالمي شرح المسند، 58/ 2 أبو ستة، حاشية الترتيب، 78/ 2 - 81، الجيطالي، قواعد الإسلام، 59/ 2، الجناوني أبو زكريا، كتاب الوضع، ص 193 - 192.
(4)
يريد
أهل جبل نفوسة بليبيا.
(5) الجيطالي، قواعد الإسلام، 59/ 2
(6)
م. س، 60/ 2. (1/461)
صفحة 462
تأمل
علوم السنة عند الإباضية
442
ويعلق أبو ستة على ذلك بقوله: وفي حكايته رحمه الله الاتفاق على الوجوب ما تقدم عن أصحابنا المغاربة، اللهم إلا أن يقال المراد بوجوبها مطلقا مع إخراجها وهو ماش على ما ذهب إليه المشارقة (1)؛ وعلى هذا فإن إباضية المغرب لم يتفقوا كلهم على سُنيّة زكاة الفطر ومنهم من ذهب إلى فرضيتها، والمسألة تحتاج إلى تتبع لكل أقوالهم وتحقيق لها، وقد علل السالمي قول من ذهب من الإباضية إلى سنيّتها بأنّهم جروا على ظاهر لفظ رواية عائشة: (سَنَّ .. ) (2) على أن القول بسنيّة زكاة الفطر موجود عند غير من ذهب إليه من الإباضية من فقهاء الأمة (3).
وأما القول بالنسخ فذكر السالمي أنه ذهب إليه إبراهيم بن عليَّة وأبو بكر بن كيسان الأصم، وأنه قول في المذهب أيضاً، ودليلهم على ذلك ما رواه النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة؛ وعقب السالمي على ذلك بقوله:" بأنَّ في إسناده راويا مجهولاً، وعلى تقدير الصحة فلا دليل على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول لأنَّ نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر (4)، هذا وإن القول
بالفرضية هو قول الجمهور (5).
(1) أبو ستة، حاشية الترتيب، 81/ 2 السالمي، شرح المسند، 58/ 2
(3) ممن أشار إلى الخلاف في هذه المسألة أبو عمر بن عبد البر إذ ذكر اختلاف المتأخرين من أصحاب مالك في وجوبها؛ حيث ذهب بعضهم إلى أنها سنة مؤكدة وقال بعضهم إنها فرض واجب، كما نقل اختلاف أصحاب داود على القولين، ورجح ابن عبد البر الفرضية مؤكدا أنها قول جمهور الأمة. ر: ابن عبد البر، الاستذكار، 256/ 3
(4) السالمي، شرح المسند، 58/ 2. يقول ابن عبد البر: اختلفوا في نسخها فقالت فرقة هي منسوخة بالزكاة، ورووا عن قيس بن سعد بن عبادة أن ... إلخ، وقال الجمهور من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم هي فرض واجب". ر: ابن عبد البر، الاستذكار، 256/ 3 (1/462)
صفحة 463
علوم السنة عند الإباضية
ثالثا نماذج من أبواب فقهية أخرى:
443
• نسخ حديث إباحة نكاح المتعة، وهو حديث جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أذن لكم أن تستمتعوا يعني متعة النساء) (1) بحديث علي بن أبي طالب قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء يوم خيبر (2)، وقد خالف بعض علماء الإباضية المتقدمين جمهور علماء الإباضية فذهبوا إلى الترخيص في المتعة، ومنهم أبو صفرة عبد الملك بن صفرة ومحمد بن محبوب، ولم يلتفت علماء المذهب إلى قولهم، والقول المعتمد في المذهب منذ القدم بتحريم المتعة والحكم بنسخها (3) يقول السالمي: " وأكثر القول أنه منسوخ، قيل نسخته آية الميراث، وقيل نسخه هذا الحديث (4).
• نسخ حكم وجوب الهجرة بحديث بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال يوم افتتح مكة (لا) هجرة ولكن جهاد ونيّة وإذا استنفرتم فانفروا) (5)،
النبي
بن سعد بن عبادة أن ... إلخ، وقال الجمهور من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم هي فرض واجب". ر: ابن عبد البر، الاستذكار، 256/ 3
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة آخرا، 1967/ 5 (4827) ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ... ثم نسخ، 1022/ 2 (1405) والنسائي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب المتعة،
(5399) 326/ 3
(2) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب النكاح، باب ما يجوز وما لا يجوز من النكاح، 209/ 1 (518) والبخاري في صحيحه كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، 1544/ 4 (3979) ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ... ثم نسخ،
(1407) 1027/ 2
(3)
السالمي شرح المسند، 26/ 3 (4) م. س، 26/ 3.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يحل القتال بمكة ... 651/ 2 (1737)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها ... 986/ 3 (1353) وابن الجارود في المنتقى، باب الهجرة، 257/ 1 (1030). (1/463)
صفحة 464
علوم السنة عند الإباضية
444
يقول أبو سعيد الكدمي بعد بيانه حكم الهجرة أول الإسلام:" ثم نسخ – أي وجوب الهجرة – على لسان رسول الله يوم فتح مكة، وأجمع على ذلك أهل القبلة لا نعلم اختلافا بينهم أنّها منسوخة، وأن نسخها إنّما جرى على لسان رسول الله (1)، ويذكر ابن حجر أن الهجرة كانت فرض عين ثم نسخت بقوله: (لا هجرة بعد الفتح) (2)، و يذكر السالمي أن الهجرة وإن نُسخت فإن الفرار بالدين واجب إن خيف فساده (3).
الفتح) (2)،
قالت
نسخ النهي عن ادخار اللحم فوق الثلاث؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالـ دف ناس من أهل المدينة حضرة الأضحى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلوا وتصدقوا بما بقي بعد ثلاثة أيام، قالت فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله: كان الناس ينتفعون بضحاياهم ويجعلون جم الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله وما ذلك؟ فقالوا يا رسول الله نهيت عن إمساك الضحايا بعد ثلاثة أيام، فقال إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا) قال الربيع الدافة القادمون (4).
ويذكر السالمي في شرح قوله (فكلوا) وتصدقوا وادخروا) أنه أطلق الأمر بالادخار بعدما كان ممنوعاً إلا إلى ثلاث مبيحا لهم ذلك، وذكر اختلاف الناس في هذه الإباحة، فذهب الجمهور ومنهم الإباضية إلى القول بأنها مستمرة وجعلوا ذلك من نسخ السنّة بالسنّة، ولذلك أجاز أبو الشعثاء بيع جلود الأضاحي
(1) الكدمي،
الاستقامة، 167/ 2.
(2) ابن حجر، فتح الباري،259/ 7.
(3) السالمي، شرح المسند، 312/ 1.
(4) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الفرع والعتيرة، باب ما جاء في ادخار لحوم الأضاحي والانتفاع بجلودها، (244/ 1 (621) وابن حبان في صحيحه، كتاب الأضحية، ذكر العلة التي من أجلها نهي عن لحوم الأضاحي ... 250/ 13 (5927)، وأبو داود في سننه، كتاب الضحايا، باب حبس لحوم الأضاحي، 99/ 3 (2812). (1/464)
صفحة 465
علوم السنة عند الإباضية
445
كما نقل عنه الربيع (1)، وقد عدّ السوفي هذا النسخ أنموذجا لنسخ القول بالقول (2)، وهناك من علماء الأمة من ذهب إلى القول بأن الإباحة العلة عدم وجود الدافة، فإذا وجدت ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، وإن لم توجد فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة، قال القرطبي:" حديث أم سلمة وعائشة نص على أنَّ المنع كان لعلّة، فلما ارتفعت ارتفع موجبه فتعين الأخذ به، ويعود الحكم بعود العلّة (3)، قال ابن حجر: "والتقييد بالثلاث واقعة حال، فلو لم تُسدّ الخلة إلا بتفرقة الجميع للزم على هذا التقرير عدم الإمساك (4) ويعلق السالمي على ذلك بقوله: "قلت وما أشبه هذا الخلاف بالخلاف الواقع في سهم المؤلّفة من الزكاة، وهل هو منسوخ أم باق معلّق على احتياج الإمام إلى تأليفهم؟ والظاهر من سياق الحديث بقاء الحكم عند وجود مقتضيه والله أعلم (5).
في نهاية هذا الفصل يجدر بنا التأكيد على بعض الجوانب التي تعرفنا عليها خلاله، حيث وجدنا عناية الإباضية بموضوع النسخ، ببيان تعريفه اللغوي والاصطلاحي، ورأينا التطور والتكامل في بيان هذه المعاني حتى استقرار
المصطلح.
ويأتي ذكر شروط النسخ مبينا ضوابط القول بالنسخ، ومحددا ما يدخل في باب النسخ مما لا يدخل، فلا بد للناسخ أن يكون خطابا وحكما شرعيا، وأن يتراخى عن منسوخه، مع تساويهما في قوة الثبوت، فيكون المنسوخ حكما شرعيا إذ لا يقع في العقلي، وأن يقع التعارض بينهما ويتحقق.
السالمي، شرح المسند، 344/ 3 - 345.
(2) السوفي، السؤالات (مخ)، ص 232.
(3) ابن حجر، فتح الباري، 27/ 10، ولتفصيل القول بالنسخ ر: ابن عبد البر، الاستذكار،
233/ 5، التمهيد، 215/ 3،
(4) ابن حجر، فتح الباري، 27/ 10.
(5) السالمي، شرح المسند، 345/ 3. (1/465)
صفحة 466
علوم السنة عند الإباضية
446
ويؤكد الإباضية على ثبوت حقيقة النسخ، مستدلين على وقوعه بدلائل عدة، مفتدين دعوى من أنكره، محتجين عليهم بدلائل من الكتاب العزيز وغيره. ويفرق الإباضية بين النسخ والتخصيص، فالتخصيص قد يقع بدليل عقلي والنسخ بالشرعي فقط، والتخصيص لا يشترط فيه التراخي كالنسخ، والنسخ يبطل حجية المنسوخ، بخلاف التخصيص فلا تنتفي حجية العام المخصص، وغير ذلك مما ذكر، كما يفرقون بين النسخ والبداء، فالبداء محال على الله إذ من لوازمه
الجهل، بينما تتجلى في النسخ الحكمة والعلم بما يصلح العباد؛ وغير ذلك من فوارق، ويحدد الإباضية ما يقع فيه النسخ، فميدانه الأحكام العملية الفرعية فقط. أما أقسام النسخ فهي نسخ القرآن للسنة ووقع الخلاف بينهم فيه وأكثرهم على جوازه، ونسخ السنة للقرآن وجمهورهم على جوازه، ومنهم من فصل ففرق بين المتواتر والآحاد في نسخ القرآن، ونسخ السنة للسنة وقد صرح الإباضية بجوازه، لكنهم اختلفوا في نسخ المتواتر بالآحادي، وقد رأينا بيانهم لتلك الأقسام وأمثلة ذلك والأدلة المحتج بها في كل موضع والخلاف في مواضع الاختلاف.
وتكشف لنا طرق معرفة النسخ التي بيّنا عن مزيد من التدقيق العلمي مع ذكر شروط النسخ المتقدّمة، وهي تعبر عن الحجج التي يستدل بها على النسخ، كبيان النبي صلى الله عليه وسلم للنسخ وتصريح الصحابي بالنسخ، والعلم بالتاريخ وهو من أهم طرق معرفة النسخ، والاستدلال على النسخ بالاجماع، ووجود أمارات دالة على النسخ، وكذلك بيان راوي الحديث للنسخ.
ويأتي ذكر نماذج من ناسخ الحديث ومنسوخه تطبيقا لمعرفة لفن ناسخ الحديث ومنسوخه، ومؤكدا الحاجة الفقهية لمعرفة الناسخ والمنسوخ، ومبينا أوجه الاختلاف بين من يرى النسخ من عدمه في تلك النماذج والآثار الفقهية المترتبة على ذلك، وما ذكرناه مجرد أمثلة ونماذج مبوبة حسب السياق الفقهي الذي وردت فيه، ولعل تبويبها الفقهي يؤكد ثمرات معرفة الناسخ والمنسوخ الفقهية
المتقدمة الذكر. (1/466)
صفحة 467
علوم السنة عند الإباضية
447
وإذا كان المختلف والنسخ يصبان في فهم وفقه المتن من جهة الاستنباط والاستدلال وجمع الأدلة وفهم ما بينها بما يعين في فقه الحديث وإدراكه من خلال نص المتن كاملا فإن هناك فنا يبين الألفاظ، ويزيح ما يمنع عن فهمها من غرابة، ويجليها بما يعين على معرفة النص ومن ثمّ على فقهه وإدراكه ليكون فقهه سليما دقيقا، وهذا الفنّ يتمثل في بيان غريب ألفاظ الحديث، ولنا معه وقفة في الفصل
الآتي.
الفصل الثالث: غريب ألفاظ الحديث:
المبحث الأول: معنى الغريب وبعض ملامحه في تراث الإباضية: الغريب هو الغامض من الكلام، والكلمة الغريبة الغامضة (1)، وقال صاحب لقاموس: "غَرْب كَكَرم: غمض وخفي (2)، وقال العوتبي: " الغريب من الكلام الغامض، تقول: غَربَت هذه الكلمة فهي تغرب غرابة، وصاحبها مغرب، وفلان يغرب في كلامه (3).
وعلم الغريب وفنه كما يذكر أبو عبد الله الحاكم هو معرفة الألفاظ الغريبة في المتون (4)، وعرف أبو شهبة الغريب بأنّه ما وقع في متون الأحاديث من ألفاظ غامضة بعيدة عن الفهم لقلّة استعمالها، أو لكونها من كلام العرب الضاربين فـ البداوة البعيدين عن المدن والأمصار (5).
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة غرب، 640/ 1.
(2)
الفيروز أبادي، القاموس المحيط، مادة غرب، ص 154.
(3) العوتبي، الإبانة 576/ 3.
(4) الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري (1015/ 405)، معرفة علوم الحديث، تح:
السيد معظم حسين، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1397 هـ، 88/ 1.
(5) أبو شهبة محمد الوسيط في علوم الحديث، ص 431. (1/467)
صفحة 468
علوم السنة عند الإباضية
448
وإذا ما انتقلنا من المعنى إلى وروده في تراث الإباضية نجده حاضرا في معالجتهم لنصوص الأحاديث النبوية، ولم يصنفوا فيه كتابة مستقلة.
وقبل ذكر نماذج من تفسيرهم للغريب يجدر بنا الوقوف على بعض ملامح معالجة الغريب عندهم. وعند تتبع الأمثلة والنماذج التي ستأتي يمكن القول إنّها تمثل أهم أقسام الغريب ويتضمن بعضها أمثلةً له ونماذج:
فمن أقسامه بيان الكلمة المفردة وبيان معناها، ومن أمثلة ذلك تفسير أبي عمرو السوفي: الجعظري بالسيئ الخلق، والجواظ أو الجظ: الجافي الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: الجواظ الذي يخوض في الأمور بالإثم وسيرد النص الذي فسر فيه هذه الألفاظ في موضعه كما سترد أمثلة أخرى
مثله.
6 (1)
ومنها تفسير المؤتلف والمختلف من الألفاظ، وذلك بأن تأتي اللفظتان متفقتين في لفظهما، مختلفتين في نطقهما فيختلف معناهما، ومن ذلك تفسير العوتبي للفظ لَحَنَ، فَلَحَنَ بفتح الحاء يَلْحَنُ: أي: يُفسد، ولَحِنَ يَلْحِنُ بكسر الحاء أي: أصاب، ورجل لحن أي فطن، ولَحْنُ القول أي: مذهبه ووجهه، واللحن وهكذا تعددت معاني اللفظة مع تغير حركاتها، وقد اختصرنا
أي: الفطنة (2) ا ...
تفسير العوتبي وسيرد مع النص المفسر.
ومنها ورود الغريب متفقا ومفترقا، وذلك بورد الكلمة لأكثر من
معنى كتفسير الفدادين بالزراع أصحاب البقر (3)، أو بالذين تعلوا أصواتهم في
حروثهم، أو بالمكثرين من الإبل، أو بالثورين في القرآن
الأقوال مع النص المفسر.
(4)
، وسيرد تفصيل
(1) السوفي كتاب السؤالات، (مخ)، ص 425.
(2) العوتبي، الضياء، 11/ 11.
(3) ابن بركة، الجامع، 102/ 1 - 103.
(4) العوتبي، الإبانة 681/ 3. (1/468)
صفحة 469
علوم السنة عند الإباضية
449
ومنها ما يرد مخفّفا أو مُضعَفا ومشدّدا ويكون بمعنى واحد، من ذلك
لفظ
تفسير الزنّاء بتشديد النون بأنه الحاقن الجامع للبول في مثانته (1)، أو يرد زناء ممدودا غير مشدد النون، وفسروه أيضا بالحاقن وهو الذي يجمع البول في مثانته حتى يضيق به (2). وتتنوع مصادر تفسير الغريب عند الإباضية كما ستكشف النماذج الواردة فيما بعد، ونجمل الإشارة إلى هذه المصادر كما يلي:
أولا: القرآن الكريم فالقرآن معين لغة الضاد، ومفسر لكثير من الألفاظ التـ أصبحت مع اختلاف الأزمان والعصور غريبة، ولا عجب في ذلك فقد حظيت اللغة العربية بحفظ دائم لكونها صارت وعاء الكتاب الخالد المحفوظ من قبل الحافظ العلي القدير، ونجد لذلك أمثلة متعددة، منها بيان العوتبي أحد أوجه تفسير اللحن مستنبطا من قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَول (محمد 30/ 47) بأن المراد مذهبه ووجهه حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم، مستدلا بلحنه وميله في كلامه (3). ثانيا: نصوص السنّة النبوية نفسها، وخير ما فسر به الشيء من داخل البيت، لا سيّما أن المصدر واحد، وتتعدّد الألفاظ بتعدّد الأماكن والأشخاص المخاطبين، ولكون صاحب النطق الشريف صلى الله عليه وسلم فصيح العرب ومشكاة بيانهم، ومن ذلك الحديث الذي أخرجه الربيع من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهو فقيل له يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تزهو قال تحمر) (4).
(1) الربيع، المسند، 124/ 1 (297).
(2)
ابن بركة، الجامع، 124/ 1 - 125، العوتبي، الإبانة، 198/ 3.
(3) العوتبي، الضياء، 11/ 11.
(4) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع، 224/ 1 (558). (1/469)
صفحة 470
علوم السنة عند الإباضية
450
الأعلى
ثالثا من خلال تفسير الصحابة مثل استشهاد أبي بكر الكندي كما سيأتي- في تفسير الإرب بالتقطيع بقول عمر أربت من يد أي قطعها الله (1)، أو تفسير التابعين أو أحد الأئمة المتقدمين، وذلك عبر رواية تفسير الغريب عنهم كرواية تفسير الحنتم بالجرار الخضر والبيض، فقد روى ذلك أبو غانم الخراساني عن أبي المؤرج قال حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد ... إلخ (2) فهؤلاء هم الأعلم بمعنى اللفظة من غيرهم لاشتغالهم بفهم نصوص الحديث النبوي، وإدراك مرمى المعنى، وذلك للتوصل إلى المعنى المراد من خلال فهم المبنى الوارد للألفاظ، حتى يتقنوا فقه الحديث، ويحسنوا الاستدلال به. رابعا: الاستعانة بمصنفات علماء الغريب، وذلك من باب التسليم لأهل كل فن واختصاص في فنهم، والأخذ عنهم بطمأنينة، وذلك لتتبعهم لهذا العلم، وإيرادهم شواهده من لغة العرب، وأشعارهم وأقوالهم، ونجد أنهم ينصون على الكتاب أو عالم الغريب الذي يأخذون عنه، ومن هؤلاء أبو عبيد القاسم بن سلام فقد نص ابن بركة، في أخذه عنه حين يأخذ وكذلك غير ابن بركة، كما في تفسير العجماء مثلا بالبهيمة لأنها لا تتكلم، قال: كذا وجدت عن أبي عبيد القاسم بن سلام" (3) وأخذ أبو بكر الكندي وجها من وجوه تفسير الشغار عن ابن قتيبة ونص بأخذه
عنه فذكر أن الشغار مأخوذ من إشغار الرجل المرأة عند المباضعة والجماع (4). خامسا: الاستعانة بمعاجم اللغة، والكتب المصنفة لبيان الألفاظ العربية، وكلام أئمة اللغة، من أمثلة ذلك نقل العوتبي عن علماء اللغة في تفسيره الغريب؛ كنقله عن الكسائي تفسير النخة النون بالبقر العوامل، وبيان الخليل للنَفَّة والتَفَّة بضم أنهما لغتان وأنه اسم يقع على الحمير وسيرد تفصيله.
الكندي أبو بكر، المصنف، 131/ 4.
(5)
(2) أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 2/ 54.
(3) ابن بركة، الجامع، 444/ 2
(4)
الكندي أبو بكر، المصنف، 103/ 32.
(5) العوتبي، الضياء، 54/ 6 - 55. (1/470)
صفحة 471
علوم السنة عند الإباضية:
451
سادسا: الاستعانة بمأثور كلام العرب، وأشعارهم وأقوالهم التي يستنار به لكشف الحيرة، في تفسير الكلام الغريب، كتفسير أبي بكر الكندي: للفظ "الدائم" وأن معناه في النص الذي سيرد الساكن، مستشهدا بقول الشاعر (من الطويل): عَلَى دَائِمٍ لَا يُغِيِّرُ الفُلْكُ مَوْجَهُ ومِنْ دُونِهَا الْأَهْوَالُ واللُّجِجِ الخُضر (1).
المبحث الثاني: نماذج من تفسير الغريب في الطهارات:
حديث أسماء بنت أبي بكر (أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت، يا رسول الله، إن دم الحيض قد يصيب الثوب، فقال: أقرصيه بالماء) (2). قال أبو بكر الكندي: و القرص يرجع معناه إلى العصر بأصبعين، فدم الحيض قد يصيب القليل والكثير (3)، فأفادنا هذا اللفظ وتفسيره أن دم الحيض محتاج إلى مزيد عناية ذلك إلى صفة دم الحيض، إذ هو ثخين نجس منتن" (4).
في
(1)
غسله، ولعل مرجع
الكندي أبو بكر، المصنف، 329/ 3 - 330. (2) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب حت دم الحيض من الثوب و ... 139/ 1 (275) والنسائي في السنن الكبرى كتاب الطهارة، باب دم الحيض يصيب ... 127/ 1 (285) والدارمي في سننه، كتاب الطهارة، باب دم الحيض يصيب ... 218/ 1 (772).
(3)
الكندي
أبو بكر، المصنف، 286/ 3 ضبط أبو عبيد اللفظ بالتضعيف قرص: وفسر (قَرْصيه بالماء): أي قَطَّعيه، الهروي أبو عبيد القاسم بن سلام (838/ 224)، غريب الحديث، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1406 هـ، 1986 م، 230/ 1 وبنص كلامه فستر الحميدي فقال قرصت الدم من الثوب بالماء أي قطعته، وقرصته بالماء أي قطعته كأنها تقصد إليه من سائر الثوب فتغسله وكأنه قطع وحيازة. ر: الحميدي الأزدي محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله (1057/ 488)، تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم، تح: زبيدة محمد سعيد، ط 1، مكتبة السنة، القاهرة، مصر، 1415 هـ، 1995 م، 548/ 1، وقال الزمخشري "القرص: القبض على الشيء بأطراف الأصابع مع نتر".ر: الزمخشري محمود بن عمر (1144/ 538)، الفائق، تح علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2، دار
المعرفة، لبنان، (د. ت)، 3/ 171.
(4) الشماخي، الإيضاح، 180/ 1. (1/471)
صفحة 472
علوم السنة عند الإباضية
452
• حديث أبي هريرة عن النبي: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة) (1). قال أبو بكر الكندي: الدائم معناه هاهنا الساكن، يقال: أسكنته حتى دام هو، قال أبو صخر الهذلي من الطويل) عَلَى دَائِمٍ لَا يُغيِّرُ الْفُلْكُ مَوْجَهُ ومِنْ دُونِهَا الأَهْوَالُ واللُّجِحِ الخُصْرُ
أدمت
الشيء
يريد بالدائم الساكن هاهنا، ويقال دائم وراكد وواقف وصائم بمعنى، والدائم الذي لا يجري، يقال، أدمت القدرة أي أسكنت فورها بالماء. وقال آخر (من
الطويل)
(3)
سَعَرْنَا عَلَيْكَ الحَرْبَ تَغْلِي قُدُورُهَا فَهَا غَدَاةَ العَيْنَيْنِ تُديمها (2) فأفادنا هذا اللفظ وتفسيره خصوصية حكم مثل هذا الماء، حيث أفرده بالنهي عن البول فيه وإن ورد عموم النهي من البول في أي ماء مستعمل قل أو كثر وزاده نهيا آخر بمنع غسل النجاسة فيه حتى لو كانت على مستوى غسل الجنابة خشية تنجس هذا الماء، وذلك لمزيد من الحفاظ على هذه الثروة القيمة، ولكون هذا الماء غير متجدد فتزول هذه النجاسة.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم، 94/ 1 (236) والربيع في مسنده عن ابن عباس، في كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، 73/ 1 (162). أبو بكر، المصنف، 329/ 3 - 330. فسر أبو عبيدة والأصمعي الدائم بمعنى الساكن، نقل عنهم ذلك أبو عبيد وقال: "دام الماء يدوم وأدمته أنا إدامة إذا سكنته، وكل شيء سكنته فقد أدمته واستشهد أبو عبيد بقول الشاعر (من الطويل)
(2)
الكندي
تَجِيسُ علينا قدرُهم فَنُدِيمُها ونفَتْؤها عنَّا إِذا حَمْيُها غلا
ر الهروي أبو عبيد غريب الحديث 137/ 1، وبتفسير أبي عبيد نفسه فسره الزمخشري ر الزمخشري الفائق، 441/ 1، وقال الحميدي: " الماء الدائم الثابت المحصور في مكان واحد لا مخرج له منه" الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 370/ 1.
(3) الجناوني، الوضع، ص 46. (1/472)
صفحة 473
علوم السنة عند الإباضية
453
• حديث (أيُّما إهاب دُبِغَ فقد طَهُر) (1)، قال أبو عمرو السوفي: "والإهاب هو الجلد ما لم يدبغ، فإذا دبغ فهو أديم، وجمعه: أدم بفتح الألف والدال، كقضيم وقَضَم، قال الشاعر (من البسيط):
قَدْ كَانَ نَعْلُكَ قَبْلَ الْيَوم مِنْ أَهْبِ فَصِرْتَ تَخْطُرُ فِي نَعْلِ مِنْ الْأَدَم والأهب: جمع إهاب بفتح الهمزة والهاء وضمّهما معا، والأُدْمُ بضمّ الهمزة
وإسكان الدال تيوس الجبال والظبا واحدها إدمانة، قال ذو الرمة (من البسيط): يَسمو إلى الشَّرَفِ الْأَقصى كَمَا نَظَرت أُدمٌ أَحَنَّ لَهُنَّ الْقَائِصُ الوَتَرَا والأدم بضم الهمزة والدال -: جمع إدام الطعام (2). فأفادنا لفظ الإهاب وتفسيره إباحة الانتفاع بالجلد بعد دباغه وأن الدباغ مطهّر له، وهذا ما يكشف عن سعة الشريعة ومراعاتها لمصالح العباد، وقد ذهب الإباضية إلى أن الدباغ يعتبر مطهّرا
(3)
لجلود ميتة الحيوان إلا الخنزير، ووقع اختلافهم في السباع • حديث أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب أرماثا لنا في البحر فتحضرنا الصلاة وليس معنا ماء إلا لشفاهنا: أي: لمعاشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟، فقال: هو الطهور ماؤه والحلّ ميتته) (4). قال أبو عمرو السوفي:" والأرمات واحدها رمث: خشبة يشدّ بعضها إلى بعض فيركب عليها،
قال جميل من الطويل)
(1) تقدم تخريجه ص 53.
(2)
السوفي، كتاب السؤالات (مخ)، ص 55 ظ، وفسر الحميدي والزمخشري وابن الأثير الإهاب بالجلد قبل دباغه، واختلفوا في ضبط، جمعه فضبطه الحميدي "أَهَب" على وزن فَعل بالفتح، وقال ابن الأثير: الأهب بضم الهمزة والهاء وبفتحهما جمع إهاب وهو الجلد وقيل إنما يقال للجلد إهاب قبل الدبغ فأما بعده "فلا أنظر الحميدي تفسير غريب الصحيحين، 1/ 148، الزمخشري الفائق، 181/ 2، ابن الأثير، النهاية، 83/ 1.
(3) الشماخي أبو ساكن، الايضاح، 359/ 1.
(4) تقدم تخريجه ص 53. (1/473)
صفحة 474
علوم السنة عند الإباضية
454
تَمَنِّيْتُ مِنْ حُبِّي بَثَيْنَةَ أَنَّنَا عَلَى رَمَتْ فِي البَحْرِ لَيْسَ لَنَا وَكْرُ (1) وقال أبو بكر الكندي والأرماث جمع رَمَتْ، وهو خشب يضم بعضه إلى بعض فيركب عليه في البحر. قال جميل ... واستشهد بالبيت السابق (2)، وقد تقدم ابن بركة السوفي والكندي بتفسير الأرمات "بأنها الخشب المضموم بعضها على بعض واستشهد بقول جميل (3). وقال العوتبي الأرماث: جمع رَمَتْ وهو
المركب (4)
لقد جاء لفظ الأرماث في سؤال الصحابي معبرا عن الضرورة التي تعتريهم، فهم مضطرون لهذا العمل، كما أنهم لا يمكنهم حمل الماء في هذا النوع من الأخشاب البسيطة، فأقرهم رسول الله له ووسع لهم في الإباحة بتقريره لهم ذلك، وبإعطائه للبحر هذا الحكم، سواء لمائه أو لدوابه، ليكشف عن عظمة هذا
التشريع، فالصحابي طرح سؤاله لبعض التخفيف فجاء التشريع بأوسع الإباحة. حديث (لا يصلّي أحدكم وهو زناء) (5)، قال الربيع "الزناء بتشديد النون يعني الحاقن الذي يجمع البول في مثانته (6)، وقال ابن بركة" (زناء) ممدود غير مشدد النون، يريد والله أعلم؛ الحاقن، يعني بذلك الذي يجمع البول في مثانته حتى
(1)
السوفي، كتاب السؤالات (مخ)، ص 56 و. (2) أبو بكر الكندي، المصنف، 363/ 3.
(3) ابن بركة الجامع، 2411 - 242. وقد نقل أبو عبيد هذا التفسير عن الأصمعي، واستشهد له أبو عبيد بقول جميل أيضا، كما فسر الأرماث بهذا التفسير كل من الزمخشري وابن الأثير قال الزمخشري: وهو فعل أي رَمَتْ - بمعنى مفعول من رمثت الشيء إذا أصلحته ولممته". ر الهروي، غريب الحديث 36/ 1،،الزمخشري الفائق،84/ 2، ابن الأثير، النهاية، 261/ 2. (4) العوتبي، الإبانة 327/ 3. (5) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الصلاة، باب جامع الصلاة، 124/ 1 (297) وأخرج أيضا (لا يصلي أحدكم وهو يدافع (الأخبثين) ح (298) وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فرض الجماعة، 430/ 5 (2074).
(6) الربيع، المسند، 124/ 1 (297). (1/474)
صفحة 475
علوم السنة عند الإباضية
455
يضيق به ونقل ابن بركة عن الكسائي وأبي عبيدة نفس التفسير (1). قال العوتبي:" زناء: أي حاقن، بوله، وأزنا الرجل بوله إزناء: إذا احتقنه (2). وقال أبو بكر الكندي:" قال الكسائي: هو الحاقن بوله، يقال عنه قد زنا بوله يزنا زناء إذا احتقن فأزنا بوله إذا حقنه، قال أبو عبيدة: وهو الزناء ممدود، والأصل من المضيق، وكل شيء ضيق فهو زناء (3)، قال الأخطل (من الكامل): وإِذَا دُفِعْتَ إِلَى زَنَاءٍ قَعْرُها غَبْرَاءَ مظلمة من الأَحْفَارِ
(4)
سمي الحافر زناء؛ لأن البول يجتمع عليه فيضيق عليه أفاد لفظ زناء وتفسيره التنبيه إلى حالة لا تصح معها الصلاة وهي صورة من صور مدافعة الأخبثين المنهي عنها (5)، فهذه الحالة تتنافى مع مطالب الصلاة من الراحة الجسمانية، المفضية إلى الاستقرار فالراحة النفسية، ومن ثم تحقق الخشوع الذي هو عمود الصلاة، وبهذا العمود تتحقق المناجاة مع الخالق، ومن ثم
الحصول على المدد الروحي الذي يرقى بالنفس عبر تلك المناجاة. حديث أبي هريرة أن أعرابيا بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه وأهريقوا على بوله ذَنُوبًا من ماء ... ) (6)، قال أبو بكر الكندي: " الذنوب هي الدلو الضخمة، وقال أيضا قال أصحابنا: الذُنُوب: ملء دلو من الماء، والذُّنُوب: الدلو العظيمة، والذُّنُوب أيضا النصيب، قال الله
(1) ابن بركة، الجامع، 124/ 1 - 125. أورده أبو عبيد عن الكسائي، وهو تفسير أبي عبيد وابن الأثير ر: الهروي، غريب الحديث، 94/ 1، ابن الأثير، النهاية، 314/ 2. (2) العوتبي، الإبانة 198/ 3.
•
•
(3) أورده أبو عبيد هذا التفسير ر: الهروي، غريب الحديث، 94/ 1. (4) الكندي أبو بكر، المصنف، 385/ 4 استشهد أبو عبيد والزمخشري بهذا الشاهد ر: الهروي، غريب الحديث 94/ 1، الزمخشري الفائق 124/ 2. قال ابن الأثير: والزَّناء في الأصل الضيق فاستعير للحاقن لأنه يضيق ببوله ابن الأثير، النهاية، 314/ 2. (5) السالمي، شرح المسند، 445/ 1 - 446. (6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قول النبي يسروا ... 2270/ 5 (5777) والربيع في مسنده كتاب الصلاة، باب في المساجد وفضل المسجد، 11/ 1 (263). (1/475)
صفحة 476
علوم السنة عند الإباضية
456
تعالى: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مثلَ} (الذاريات 59/ 51) أي نصيبا، قال علقمة (من
الطويل): وفِي كُلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ فحُقَّ لِشَأْس من نَدَاكَ ذَنُوبُ (1). أفادنا لفظ الذنوب حجم الماء المشروع لتطهير البقعة من البول وكيفية التطهير، كما كشف هذا الحديث عن سعة قلب النبي الله ولطفه وحسن تربيته للنفوس وتوجيهها، وتعليمه لأصحابه وتدريبه لهم ليكونوا هداة رفيقين.
حديث (من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر) (2)، قال ابن بركة الاجتمار إزالة النَّجو بالحجارة الصغار، ويسمّى حصى أيضاً، وتسمّى جمار مكة حصى لصغرها. ألا ترى إلى قول الشاعر (من الطويل):
هي
الشَّمْسُ إِلَّا أَنَّهَا تَسحَرُ الفتى وَلَم أَرَ شَمساً قَبْلَها تُحسِنُ السِّحرا
رَمَت بالحَصى يومَ الحِمَارِ فَلَيتَه بِعَينِي وأَنَّ الله حَوَّلَهُ جَمرا ويقال للمستنجي بالحجارة: استطاب الرجل، ومنه قيل: استطاب، فهو مستطيب إذا استنجى؛ يريد بذلك أنه طيّب نفسه بإزالة الأذى عنها (3)، وقال ابن بركة و الاستنشاق من الاستئثار؛ مأخوذ من النثرة ... و النثرة في اللغة الأنف (4).
(1) الكندي أبو بكر، المصنف، 88/ 3، وقد فسر الحميدي الذنوب بالدلو العظيمة والزمخشري بالدلو الملأى، قال:" واستعير للنصيب كما استعير له الذنوب. ر: الحميدي، تفسير غريب الصحيحين 245/ 1، الزمخشري، الفائق 155/ 2. (2) تقدم تخريجه ص 436.
(3) ابن بركة، الجامع 283/ 1 - 284. وقد نقل أبو عبيد عن الأصمعي أن مالكا فسر الاستجمار بالاستنجاء، وذكر أبو عبيد أن محمدا بن الحسن والكسائي وأبا عمرو فسروه بذلك، ونقل تفسير من فسّر الاستجمار بالاستنجاء بالحجارة ر: الهروي غريب الحديث، 69/ 1، قال ابن الأثير: " الاستجمار: التمسح بالجمار وهي الأحجار الصغار" ابن الأثير، النهاية، 292/ 1 (4) ابن بركة، الجامع، 291/ 1. وفي رواية أبي عبيد (إذا توضأت فأنثر ... ) وفسرها بقوله: "فأنثر يعني ما يسقط من المنخرين عند الاستنشاق ... أمره أن يستنشق في وضوئه" الهروي، غريب الحديث،69/ 1، قال الزمخشري: استنشق الماء ثم استخرج ما
أنفه (1/476)
صفحة 477
علوم السنة عند الإباضية
(1)
457
(3)
جاء ورود لفظي الانتثار والاستجمار مؤكدا على طهارة موضعيهما ضمن التهيؤ للصلاة، ففي الانتثار تأكيد المبالغة في الاستنشاق لمزيد النظافة والطهارة، وهذه المبالغة مؤكد عليها إلا في حال الصيام). وفي الاستجمار الاستطابة بإزالة النجس، وقد وقع الخلاف بين علماء الإباضية في حكم الاستجمار، فمال بعضهم إلى وجوبه وهو ظاهر عبارة الجيطالي (2)، وذهب غيرهم إلى ندبيَّته حيث نسخ وجوبه بفرض الغسل بالماء وهو الذي رجحه السالمي • حديث ابن عباس عن النبي اقالت لا صلاة في المقبرة ولا في المنحرة ولا في معاطن الإبل ولا في قارعة الطريق) (4) وحديث (نهى عن الصلاة في المقبرة والمجزرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق ومعاطن الإبل أبوبكر الكندي: فأما المجزرة فحيث يصل موج البحر ثم يجزر ... وفي الانقطاع جزرا جزرا، وهما يجزران (6)، وأما المَنْحَرَة فَمَنْحَرَة الإبل وغيرها من الدواب، ويقال هي مزبلة (مزبلة) بفتح الباء و ضمها، وأما المَقْبَرَة فالموضع الذي يقبر فيه، يقال مقبرة ومقبرة بفتح الباء وضمها، وهي المَقْبَرى، والمقبر المصدر، والمَقْبَرى موضع القبر، يقول: قبرته فأنا أقبره قبرا ومقبرا" (7)، وقال عبد الله بن
(5) قال
ونثره وقال الفراء: هو أن يستنشق ويحرك النثرة " الزمخشري، الفائق، 406/ 3. (1) الجيطالي، قواعد الإسلام، 176/ 1.
(2) م. س، 166/ 1.
(3) السالمي، المعارج، 74/ 2.
(4) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الصلاة، باب في فضل الصلاة وخشوعها،
(293) 122/ 1
(5) تقدم تخريجه ص 362.
(6) قال ابن الأثير: قال في المصباح المجزر: موضع الجزر، مثل جعفر، وربما دخلته الهاء فقيل: مجزرة، وفي الصحاح بكسر الزاي في الدر النثير: قلت هذا أصح، وبه جزم ابن الجوزي". ر: ابن الأثير، النهاية،267/ 1.
(7) أبو بكر الكندي، 314/ 5. (1/477)
صفحة 478
علوم السنة عند الإباضية
458
سعيد السدويكشي (1): "المجزرة بكسر الميم موضع الجزر وهو الذبح والنحر وتفتح زاؤها وتكسر، معاطن الإبل جمع مَعْطن بكسر الطاء وهو مباركها عند الماء لتشرب عللا وهو الشرب الأول، عَطَنَت الإبل تعطن بضم الطاء وكسرها عطونا إذا روت ثم بركت (2)، وقال السالمي: (معاطن الإبل) "جمع معطن وهو مبرك الإبل حول الماء، وقيل الموضع الذي تبرك فيه الإبل عند الرجوع عن الماء، ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه الإبل أيضا (3).
أعطت الألفاظ الواردة في الحديثين صفة بعض المواضع التي نهي عن الصلاة فيها، وهي داخلة ضمن حسن اختيار المكان اللائق للصلاة، الجامع بين الطهارة والنظافة، مع مراعاة حقوق الغير دون اعتداء، لتصبح مواضع الصلاة مصونة عن كل شبهة، مُحققةً طمأنينة النفس لتلك الرحلة المعراجية الإيمانية. • حديث ابن عباس أن رسول الله الله أتي بكتف مُؤَرَّبَة فأكل ثم صلّى ولم يتوضأ) (4). قال الربيع: المُؤَرَّبَة: المُوَفَّرَة (1)، وقال أبو بكر الكندي: "المُؤربة:
هي
(1)
رة غير الناقصة في اللغة، ويدل عليه قول الكميت من الطويل)
المُوَفرَة
السدويكشي أبو محمد عبد الله بن سعيد بن أحمد بن عبد الملك (1658/ 1068) علامة جليل، وزعيم نبيل، من أعلام جربة بتونس تولّى زعامة مجلس العزابة سنة 1625/ 1034، كان مفتيا للناس، مصلحا يفصل بين المتخاصمين في مسجد لاكين، وكان له حلقة يجتمع إليه الفقهاء والطلبة لأخذ العلم، ومن تلاميذه أبو ستة محمد بن عمر، ترك عددا من التأليف، توفّي بمكّة المكرمة ودفن بها. ر ابن تعاريت رسالة في تراجم علماء جربة، ص 86 - 87، سالم بن يعقوب: تاريخ جربة، ص 51. (2) السدويكشي أبو محمد عبد الله بن سعيد بن أحمد بن عبد الملك (1658/ 1068)، حاشية على كتاب الإيضاح، طبعة دار الفتح (مع الإيضاح)، 434/ 1. (3) السالمي، شرح المسند، 441/ 1. فسر ابن الأثير العطن بمَبْرك الإبل حول الماء وقال: عاطنة وعواطن إذا سقيت وبركت عند الحياض لتُعاد إلى الشرب مرة أخرى. ر: ابن الأثير، النهاية، 258/ 3 وفسر الزمخشري العطن بالموضع الذي تناخ فيه الإبل. الزمخشري، الفائق، 61/ 3. (4) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، 60/ 1 (114) وسبق تخريج لفظ آخر له في معناه.
"عَطَنَت الإبل فهي (1/478)
صفحة 479
علوم السنة عند الإباضية
459
وَلَانتَشَلَت عضوين مِنهَا يُحَابِرٌ وكَانَ لَعَبد القيس عضوٌّ مُؤَرَبُ يعني تاما غير ناقص، يقال قطعت اللحم إربا إربا، والواحد إرب، وفي الحديث أربْتَ من يد) (2): أي قطعها الله، والإرب بالتثقيل: الحاجة المهمة، والمواربة مداهات الرجل ومخاتلته (3).
أكد لفظ المُؤَرَّبَة هنا دلالة الحديث فى نفي وجوب الوضوء مما مسته النار
وأن الوجوب منسوخ كما تقدم في فصل النسخ، وعليه "لا يُنقض الوضوء بأكل ما مسته النار أخذا بما عنه (4).
صح
(4)
حديث (العينان وكَاء (السَّة) (5). قال الربيع: "الوكاء الخيط الذي يشدّ به فم القربة (1)، وقال ابن بركة "الوكاء هو الخيط الذي يشدّ به رأس القربة، فجعل صلى الله عليه وسلم
الربيع
المسند، 60/ 1 (114). وقد فسر أبو عبيدة وأبو عمرو وأبو عبيد والزمخشري وابن الأثير المؤربة بالموفرة، وإنما اختلفوا في أصل أخذ المعنى، فقال أبو عبيد:" ولا أراه أخذ إلا من الإرب وهو العضو، يقال قطعته إربا إرباً، واستشهد بقول الشاعر (من الطويل): وَأُعطيَ فَوق النصف ذو الحَقِّ مِنهُم وَأَظْلَم بعضاً أَو جَمِيعاً مُؤَرَّبًا
كما استشهد بقول الكميت المذكور في الأعلى، وأما الزمخشري فيقول: "الموفرة التي لم يؤخذ شيء من لحمها فهي متلبسة بما عليها من اللحم متعقدة به، أرب من أربت العقدة إذا أحكمت شدها من الناس" انظر: الهروي، غريب الحديث، 25/ 1، الزمخشري، الفائق، 33/ 1. (2) قو) قول لعمر يردّ على سائل سأله وكان قبل سأل رسول الله عنها: (أربت عن يديك سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله الله لكيما أخالف) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب الحائض تخرج ... 208/ 2 (2003) وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الحج، المرأة تحيض قبل ... 174/ 3 (13181)، وفسر أبو عبيد وابن الأثير قول عمر: (أرنت) أي سقطت آرابك من اليدين خاصة. ر: الهروي، غريب الحديث، 82/ 2، ابن الأثير،
النهاية، 33/ 1، 36. (3) الكندي
أبو بكر، المصنف، 131/ 4.
(4) السالمي، شرح المسند، 164/ 1.
(5) أخرجه الدارمي في سننه، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، 198/ 1 (722) وأخرجه
الربيع بلفظ (العينان وكاء الدبر) في مسنده، باب النوم الذي ينقض الوضوء، 61/ 1 (118). (1/479)
صفحة 480
علوم السنة عند الإباضية
460
العينين وكاء الدبر من طريق المجاز وأن السة في اللغة: حلقة الدبر على ما يرى العرب، ويسمى أصل كل شيء السه (2)، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوكاء في
اللقَطَة: (اِعرِف عِفاصها ووكاءها) (3) يريد بذلك الخيط، والعفاص: الوكاء" (4). جاء التعبير بكون العين وكاءً للسه مبينا علاقة متلازمة بينهما مؤثرة في المحافظة على الوضوء، فإذا نامت العينان انطلق الوكاء وذهب الوضوء أدراج الرياح، وبذلك فَصَلَتْ هذه الألفاظ النعاس الناقض من النوم عن غيره، والضابط هو انطلاق الوكاء المقيد بحضور الحاسة، وبيان ذلك أن النوم المذهب للحواس ينطلق معه الوكاء فينتقض الوضوء، فمن ذهب إلى تحقق ذلك بالنوم مطلقا أطلق الحكم في النوم الناقض، ومن حقق حدوثه في الاضطجاع فقط قيد النقض بالاضطجاع، ومن جعل نوم الساجد كالاضطجاع أعطاه حكمه، ومن فرق بين الثقيل والخفيف حكم بالتفريق في حكم النقض، إلى غيرها من أوجه الخلاف (5). المبحث الثالث نماذج من تفسير الغريب في العبادات:
(1) الربيع، المسند، 198/ 1 (722). فسر الأصمعي وأبو عمرو وأبو عبيد والزمخشري وابن الأثير الوكاء: الخيط الذي يشد فم القربة ر: الهروي، غريب الحديث، 145،317/ 1، الحميدي، تفسير غريب الصحيحين 61/ 1، الزمخشري، الفائق، 395/ 1،ابن الأثير، النهاية،
59/ 1
(2) أورد الزمخشري الرواية بلفظ (إن العين وكاء السَّه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فإذا نام أحدكم فليتوضأ) وفسرها بقوله " جعل اليقظة للإست كالوكاء للقربة والسه: الإست أصلها ستة فحذفت العين كما حذفت من مذ وإذا صغرت ردت فقيل: ستيهة". الزمخشري الفائق،
77/ 4
(3) أخرجه البزار في مسنده، ما أسند زيد بن خالد الجهني، 231/ 9 (3773).
(4) ابن بركة، الجامع، 1/ 286 فسر ابن الأثير العفاص بالوعاء الذي تكونُ فيه النفقةُ جلد أو غيره، مأخوذ من العَفْص وهو النَّني والعطف، ولذلك سُمّي الجلد الذي يُجْعَل على رأس القارورة أو غلافها عفاصا ر ابن الأثير، النهاية،263/ 3.
(5) أنظر اختلاف الأقوال في النوم الناقض في السالمي، شرح المسند، 175/ 1–176. (1/480)
صفحة 481
علوم السنة عند الإباضية
461
حديث (كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج) (1). قال ابن بركة: "الخداج هو النقصان (2)، والخداج على ضربين فخداج ينتفع به وهذا الذي يسمّى أخدج إذا كان في أطرافه نقصان، وخداج لا ينتفع به وكما يقال: خَدَجَت الناقة إذا ألقت جنينها ميتاً (3)، هكذا وجدت في كتب أهل اللغة، فهذا نقصان لا ينتفع به فالخداج الذي أراده النبي الله هو الذي لا ينتفع به (4)، وقال العوتبي: " قال الخليل: صلى الله عليه وسلم في الحديث .... فهي خداج): أي بمنزلة السقط من الولد لغير تمام، وأخْدَج صلاته، مُخْدَجة، وكل ناقص مُخدَج؛ كقولهم مُخْدَج إليك، وتقول خَدَجَت الناقة فهي خادج، وأَخْدَجَت فهي مُخْدَج، والولد خديج ومُخْدَج ومَخْدُوج؛ وذلك إذا ألقته وقد استبان، خلقه، ويقال إذا ألقته دما خَدَجت وهي خداج، وإذا ألقته قبل أن ينبت عليه الشعر: قيل أجهضت، وهو الجهاض (5).
وهي
جاء لفظ الخداج دالا على أهمية قراءة الفاتحة مؤكدا فرضيتها، فلا قيمة للصلاة دونها كما لا قيمة للخداج، وقد أكد لفظ "كل" و "خداج" عموم هذا الحكم لأي صلاة افتقرت إلى فاتحة الكتاب، ويوحي لفظ خداج بمعان متعددة كعدم تمام الصلاة ونقصانها، وعدم الانتفاع بها، كما يحمل هذا التشبيه على التنفير من هذا
العمل.
(1) تقدم تخريجه، ص 189.
(2)
فسر الأصمعي وأبو عبيد والحميدي والزمخشري الخداج بالنقصان. ر: الهروي، غريب الحديث، 47/ 1، الحميدي، تفسير غريب الصحيحين 370/ 1، الزمخشري، الفائق، 356/ 1. (3) أورد أبو عبيد والحميدي هذا المعنى ر: الهروي، غريب الحديث، 47/ 1، الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 370/ 1
(4) ابن بركة، الجامع، 514/ 1 - 515.
(5) العوتبي، الضياء، 170/ 5، وقال الحميدي: قال ابن الأنباري فهي خداج أي فهي ذات خداج أي ذات نقصان فحذف ذات وأقيم الخداج مقامه على مذهبهم في الاختصار قال ويجوز أن تكون خداج بمعنى مخدجة أي ناقصة فأحلّ المصدر محلّ الفعل كما قالوا عبد الله إقبال وإدبار وهم يريدون مقبل ومدبر ر الحميدي، تفسير غريب الصحيحين 370/ 1 (1/481)
صفحة 482
علوم السنة عند الإباضية
(1)
462
حديث (ليس في النوم تفريط؛ وإنما التفريط في اليقظة أن تؤخر الصلاة حتى تدخل وقت الأخرى) (1). قال ابن بركة: التفريط في اللغة هو أنّ المتقدم في الشيء يسمّى مُفَرِّطاً لأنه قدم التقصير فيه، ومنه قول الشاعر (من البسيط):
فَاسْتَعْجِلُونَا وَكَانُوا من صَحَابَتِنَا كما تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لوُرَّاد (2).
•
أكد التعبير بعدم تفريط النائم حال نومه سعة الشريعة وعذرها لصاحب العذر وبمقابل ذلك جاء وصف مؤخر الصلاة إلى دخول وقت الأخرى بالتفريط مؤكدا خطورة هذا العمل، فهو تهاون في الواجب واستخفاف بالفرض، كما حمل ذلك الوصف التنفير من الوقوع في مثل هذا التهاون. • حديث جابر بن عبد الله قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يمشي في نعل واحدة أو يشتمل الصَّمَّاء أو يحتبي في ثوب واحد) (3). قال الربيع: " الصَّمَّاء أن يرمي بطرفي إزاره على عاتقه الأيسر ويبقى مكشوفا عورته (4)، ومعنى الاحتباء أن يرمي بطرف إزاره علي عاتقه الأيمن والآخر على عاتقه الأيسر فتبقى عورته مكشوفة إلى السماء (5)، وقال ابن بركة: "وأما الصماء التي نهى النبي الله عنها في الصلاة فهو أن يلبس الرجل ثوبه ويشده
(2)
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائته ... 473/ 1 (681)، وابن الجارود في المنتقى، باب مواقيت الصلاة، 84/ 1 (153). ابن بركة الجامع، 515/ 1 - 516. جاء في اللسان فَرَطَ في الأَمر يَفْرُطُ فَرْطاً أَي قصر فيه وضيعه حتى فات ر ابن منظور، لسان العرب مادة فرط، 368/ 7 (3) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة باب النهي عن اشتمال الصماء 1661/ 3 (2099)، والربيع في مسنده، كتاب الصلاة، باب الثياب في الصلاة 112/ 1
(270)
(4) ذكر أبو عبيد الهروي أن هذا التفسير هو تفسير الفقهاء، وأنهم أعلم بتأويل الكلام فهو أصح المعاني الهروي، غريب الحديث، 271/ 1. (5) الربيع، المسند، 112/ 1 (270). فسر ابن الأثير الاحتباء بأنه "ضمّ الإنسان رجلَيْه إلى بَطْنِه بِثَوْب يَجْمَعُهُما به مع ظهره، ويَشُدُّه عليها " قال: وإنَّما نَهَى عنه لأنه إذا لم يكن عليه
إلا ثوب واحد ربَّما تحرك أو زال الثّوبُ فَتَبْدُو عَوْرَتُه ر: ابن الأثير، النهاية، 335/ 1. (1/482)
صفحة 483
علوم السنة عند الإباضية
463
على بدنه ويديه هكذا عند العرب صفة الصماء إذا تخلل به ولم يرفع منه جانباً، وإنما سميت صَمَّاء لأنه يشد على بدنه، وبدنه كالصخرة الصماء التي ليس فيها صدع ولا خرق (1).
وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة) (2). قال ابن بركة: "وأما السدل الذي نهى عنه النبي في الصلاة وهو أن يرسل الرجل بثوبه على جانبيه ولا يضم طرفيه (3)، فأفاد بيان معنى الصَّمَّاء و الاحتباء معرفة بعض هيئات اللباس المنهي عنها في الصلاة إذ لا تصح الصلاة بها، فعلى تفسير الربيع يكون المحذور من الهيئة انكشاف العورة لأنّه لا تصح الصلاة بانكشافها، وعلى تفسير ابن بركة للصماء لا تتلاءم تلك الهيئة مع استقرار النفس في الصلاة، ولذلك رجّح السالمي نقضها للصلاة خلافا لمن قال بكراهتها" لأنه يمنعه من أدائها على التمام فلا يتمكن من ركوع ولا سجود (4)، أما السدل فهو أيضا عنه خوف انكشاف العورة؛ فجاء النهي في هذه الهيئات سدا لذريعة
منهي
(1) ابن بركة، الجامع، 1 585 أورد أبو عبيد هذا التفسير عن الأصمعي فهو من تفسير أهل اللغة، ونقل الحميدي عن الأصمعي والقتبي تأويل تسمية هذه الهيئة بالصماء وذلك لأن اللابس إذا اشتمل مد على يديه ورجليه المعاقد كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع. الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 217/ 1.
(2) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الحدث في الصلاة، 67/ 6 (2289)
(3)
وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في السدل في الصلاة، 174/ 1 (643). ابن بركة، الجامع 585.1 فسره أبو عبيد والزمخشري بهذا التفسير، لكن أبا عبيدة زاد إن ضَمّ جانبيه فليس بسدل. ر: الهروي، غريب الحديث 156/ 2، الزمخشري الفائق 168/ 2 وفسر ابن الأثير السدل: أن يلتحف الرجل بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد على هذا الحال، قال: "وكانت" اليهود" تفعله فنهوا عنه، وذكر تفسيرا آخر: أن يضع وسط الإزار على رأسه ويُرسل طرفيه عن يمينه وشماله ولا شيء على كتفيه. ر: ابن الأثير، النهاية،
355/ 2
(4) السالمي، شرح المسند، 395/ 1. (1/483)
صفحة 484
علوم السنة عند الإباضية
464
انكشاف العورة، على أن فقهاء الإباضية لم يتفقوا جميعا على نقض الصلاة بهذه الهيئات ما لم تنكشف العورة (1).
حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا اشتد الحر فابردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) (2). قال الربيع فيحها نفسها (3)، وقال أبو غانم الخراساني: أبردوا: أخروا (4)، فأفادنا لفظ "فيح" و "أبردوا" بتوسعة الشارع الحكيم في وقت أداء الظهر حال شدة الحر، وتبقى علة هذا الحكم الخاص محل بحث ونظر إذ" هل الحكمة فيه رفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع، أو لكونها الحالة التي ينشر فيها العذاب (5).
• حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كفن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية ليس فيها قميص ولا عمامة) (6). قال الربيع "السحولية ثياب من موضع
(1)
(3)
(513) 199/ 1
الشماخي، الإيضاح، 423/ 1 - 424، الجيطالي، قواعد الإسلام، 248/ 1. (2) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الصلاة، ووجوبها، باب في الأذان، 78/ 1 (179) والبخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب الإيراد بالظهر ... الربيع، المسند، 78/ 1 (179). فسر الحميدي فيح جهنم بغليانها واشتعالها وانتشار حرها وشدّته ر الحميدي تفسير غريب ما في الصحيحين، 168/ 1، 235. قال ابن الأثير:" الفيح: سطوع الحر وفورانه ... وقد أخرجه مخرج التشبيه والتمثيل أي كأنه نار جهنم في حرها" ابن الأثير، النهاية في غريب الأثر، 484/ 3. هذا وتفسير الربيع أخذا من أصل لفظ فاح أو الفوح الذي هو نشر الرائحة ونفسها، وفي حقيقة الأمر ما نفس جهنم إلا شدة حرارته
(4)
وغليانها. حول معنى فاح وفوح انظر: ابن منظور، لسان العرب مادة فوح، 550/ 2 اطفيش محمد بن يوسف (1914/ 1332)، المدونة الكبرى، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1404 هـ، 1984 م، 35/ 1. قال الزمخشري: فأبردوا: اي صلوها إذا انكسر وهج الشمس بعد "الزوال ر الزمخشري، الفائق، 91/ 1.
:
(5) السالمي، شرح المسند، 253/ 1.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب الكفن ولا عمامة، 1214428/ 1)
والربيع في مسنده، كتاب الجنائز، باب الكفن والغسل، 193/ 1 (474). (1/484)
صفحة 485
علوم السنة عند الإباضية
465
يسمى سَحُولا وهو موضع بأرض اليمن (1)، لعل لفظ سحولية كما فسر الربيع أفاد إباحة استعمال الثياب المجلوبة للكفن، فيجوز التوسع بما استورد وإن من بعيد. • حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جرح العَجْمَاء جُبَار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الرِّكاز الخمس) (2). فستر عبد الله بن عبد العزيز الجبار بقوله: ليس على صاحبها شيء أي مهدور (3) " و الركاز بقوله: " الكنز يجده صاحبه فيعطى خمسه وله سائره (4)، وقال ابن بركة: فسّر أصحابنا: الركاز كنوز الجاهلية (5)، والقول عندي ما قاله أصحابنا، لأن اسم الركاز مأخوذ من أركز الرمح فأثبت أصله (6)، وكذلك فستر أبو سعيد الركاز بكنوز الجاهلية" (7)، وقال ابن بركة: العجماء: البهيمة لأنها لا تتكلم كذا وجدت عن أبي عبيد القاسم
(1)
الربيع،
المسند، 193/ 1 (474). وقد اختلف في تفسير السحولية، ففسرها ابن الأعرابي بالبيض القطنية، والقتبي بالبيض، وقيل: السحولية المقصورة كأنها نسبت إلى السحول وهو القصار لأنه يسحلها، وقيل إنها ثياب منسوبة إلى سحول وهي قرية باليمن، وصحح الحميدي هذا التفسير، وذكر الزمخشري رواية أخرى فى ثوبين حضوريين قال: "سحول وحضور: قريتان من قرى اليمن، واستشهد بقول طرفة من الطويل):
وَبِالسَفَحِ آيَاتٌ كَأَنَّ رَسُومَهَا يَمَانُ وَشَتَهُ رَيدَةً وَسَحُولُ.
ر الحميدي، تفسير غريب الصحيحين 527/ 1، الزمخشري الفائق 159/ 2 (2) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الزكاة والصدقة، باب في النصاب، 136/ 1 (334) والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب زكاة المعدن، 23/ 2 (2274). تفسير الجبار بالهدر فسره أبو عبيد والحميدي والزمخشري ر: الهروي غريب الحديث، 170/ 1، الحميدي، تفسير غريب، الصحيحين 291/ 1، الزمخشري الفائق، 396/ 2 (4) أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 168،169/ 2.
(3)
(5) وبهذا فسره أهل الحجاز، وأما أهل العراق ففسروا الركاز بالمعادن كلها فما يستخرج منه فيه الخمس لبيت المال كما أن أهل الحجاز لا يعتبرون المعادن ركازا؛ فهي كأموال المسليمن في زكاتها سواء ر: الهروي، غريب الحديث، 171/ 1، الزمخشري، الفائق، 396/ 2.
(6)
ابن بركة، الجامع، 1/ 620.
(7) الكدمي
أبو سعيد، الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، 68/ 5. (1/485)
صفحة 486
علوم السنة عند الإباضية:
466
بن سلام (1) وجُبَار أي هدر لا ضمان وإنما يكون جرح العجماء جبار إذا كانت منفلتة" (2)، وفسر ابن بركة البئر جبار بأكثر من تفسير منها:" إن البئر جبار أنه تستأجر عليها صاحبها ويحفرها في ملكه، فتنهار على الحافر فليس على صاحبها ضمان (3)
جاء لفظ الجبار معبرا دالا على المعنى المراد بأوجز لفظ، ولا عجب فالناطق به أفصح العرب لسانا الله، وعبر بالعجماء تأكيدا لصفة الدابة التي لا تبعة لما تحدثه أو تتلفه بشرط عدم تسبب صاحبها في ذلك، ومثل ذلك سقوط التبعة في من استؤجر في خدمة بئر فانهارت عليه، أو في خدمة معدن فهلك، أو في خدمة جدار فسقط عليه، أو فلج فأنهار عليه، أو ما شابه ذلك، وذلك لاتحاد المعنى كما يذكر السالمي (4)، وجاءت تسمية المعادن المدفونة بالركاز مبرزة صورة هذا النوع ومميزة له متلائمة مع تميز حكمه عن كل معدن في زكاته، ومعبرة بأوجز
لفظ
•
ما روي عن عمر أنه بعث أحد سُعاة الصدقة وقال له: (أخبرهم أنه لا تؤخذ الأكولة والرَّبَّى والماخض والفحل) (5) قال الإمام عبد الوهاب:" الأكُوله من الغنم السمينة المحروسة للشحم، والرَّبَّى التى تربى ولدها، والماخض الحامل (6)،
منهم
(1) أورده أبو عبيد في الغريب. ر: الهروي، غريب الحديث، 170/ 1.
(2) ابن بركة، الجامع، 444/ 2
(3)
م. س، 445/ 2.
(4) السالمي، شرح المسند، 60/ 2 - 61.
(6)
(5) أخرجه مالك في الموطأ ضمن حديث طويل، كتاب الزكاة، باب ما جاء فيما يعتد به من السخل في الصدقة، 265/ 1 (601) وعبد الرزاق في المصنف، كتاب الزكاة، باب ما يعد وكيف تؤخذ الصدقة، 11/ 4 (6808). الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن كتاب مسائل نفوسة ص 70. وفسر الزمخشري الماخض بأنها التي ضربها المخاض وهو الطلق ر الزمخشري الفائق 45/ 2، وفسر الأكولة بالتي ربيت للأكل، والربّى بالتي جعلت للبن أو الحديثة النتاج على قول ر: الزمخشري الفائق، 57/ 3 (1/486)
صفحة 487
علوم السنة عند الإباضية
467
وقال أبو زكريا يحيى بن الخير" الربى: هي التي تربي ولدها، والماخض: الحامل، والأكُولة: المعلوفة للذبح (1). لقد جاء الاستثناء للأكُولة والرَّبَّي و ... إلخ مؤكدا يسر الشريعة ومرونتها، حيث يصاحب تطبيق الفرض مراعاة من يطبق عليهم بما ييسر معيشتهم فلا يضارهم، وبما يكفل تجدد هذه الثروة ونموها لتعطي قدرا أكبر في إنتاجها، وبما يؤكد عظمة هذا التشريع في نظرته العاجلة والآجلة، فهو لم يفرض إلا لصلاح العباد وإصلاحهم.
حديث معاذ بن جبل قال: لم يقل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقاص من البقر شيئا) (2). قال أبو غانم الخراساني: "الأوقاص وهي ما بين الفريضتين (3). ويأتي الترخيص في ما بين الفريضتين أيضا ميسرا للعباد في تطبيق الأمر، ومراعيا سهولة التطبيق على المصدق في هذه المرة، وأيضا لدفع اجتهادات التطبيق حيث
يعسر التقدير حال عدم ضبط العدّ بما يدفع التنازع والاختلاف بين الطرفين. • حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في الجَارَّة ولا في الكسعة ولا النَّخْة ولا في الجَبْهَة صدقة) (4) قال الربيع: " الجَارَّة الإبل التي تجر بالزمام.
في
(1) الجناوني، الوضع، ص 190 - 191. (2) تقدم تخريجه ص 100.
(3) الخراساني أبو غانم المدونة الصغرى، 225/ 2 فسر علماء الغريب الوقص بالتحريك بأنه ما بين الفريضتين أيضا، وخالف أبو عمرو في تفسير الوقص بأنه ما وجبت الغنم فيه من فرائض الإبل ما بين الخمس إلى العشرين، وتعقبه أبو عبيد بأنه لو كان كما فسر لم يقل معاذ لم يأمرني رسول الله له فيه بشيء وسنة النبي ناصة أنّ في كل خمس من الإبل شاة ر: الهروي، غريب الحديث،244/ 2، الزمخشري، الفائق 16/ 1 ابن الأثير، النهاية
213/ 5
6
(4) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الزكاة والصدقة، باب ما عفي عن زكاته، 137/ 1 (338)، ووردت أحاديث تشهد لمعناه، منها ليس في الإبل العوامل (صدقة أخرجه الدارقطني في سننه كتاب الزكاة، باب ليس في العوامل صدقة، 103/ 2 (1)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب ليس في العوامل صدقة، 116/ 4 (7183). (1/487)
صفحة 488
علوم السنة عند الإباضية
468
وتذهب وترجع بقوت أهل البيت، و الكسعة الحمير (1)، والنُّخة الرقيق (2)، و الجَبْهَة الخيل (3)، قال الربيع قال أبو عبيدة: ليس في شيء من هذا صدقة ما لم تكن للتجارة (4)،، وقال ابن بركة: الكَسعَة هي العوامل من الإبل والبقر والحمير، وإنما سميت كَسْعَة لأنها تكسع أي تضرب والكسع أن يضرب الضرع باليد بعد أن ينضج بالماء البارد ليصعد اللبن .. ، و الجَارَّة التي تجر بأزمتها، وسميت جارة في معنى مجرورة كما يقال أرض عامرة إذا عمرها الماء، مفعولة في معنى
فاعلة (5)
(6) ?
قال العوتبي: " الجَبْهَة الخيل و النُّحَّة الرقيق و الكسعة: الحمير، قال الكسائي وغيره: النخة بضم النون، وفسروها بالبقر العوامل، وقال الخليل: النُّفَّة والتخة لغتان؛ وهو اسم يقع على الحمير" وقال العوتبي أيضا: " النَّخة و النُّخَة لغتان: اسم جامع للحمر (7). وقال أبو عبد الله الكندي: الكَسْعَة: هي سائر الدواب التي تساق عليها في الأعمال (8) أفاد الحديث التأكيد بعدم إيجاب الزكاة في بعض الأصناف، فالجارة عبرت عن الإبل أو البقر المستخدمة في بعض
(1)
•
فسر أبو عبيدة والكسائي وأبو عبيد والزمخشري الكسعة بالحمير ر الهروي، غريب الحديث 16/ 1 - 17، الزمخشري، الفائق، 184/ 1. (2) اختلف علماء الغريب في تفسير النخة فيبنما فسرها أبو عبيدة والزمخشري بالرقيق، فسرها الكسائي بالبقر العوامل، ونسب هذا المعنى إلى أهل الحجاز واليمن، وقد نقل أبو عبيد عن الكسائي هذا التفسير، كما أورد الزمخشري أنه مأخوذ من النخّ وهو السوق الشديد. ر: الهروي غريب الحديث 16/ 1 - 17، الزمخشري الفائق، 184/ 1. (3) فسر أبو عبيدة والكسائي وأبو عبيد والزمخشري الجبهة بالخيل، وأورد الزمخشري تفسير بعضهم بكرام. الخيل ر الهروي، غريب الحديث، 16/ 1 - 17، الزمخشري، الفائق، 184/ 1.
(4)
(5)
) الربيع،
المسند، 137/ 1 (338).
ابن بركة، الجامع، 1/ 619.
(6) العوتبي، الضياء، 54/ 6 - 55.
(7) العوتبي، الإبانة، 427/ 4.
(8) أبو عبد الله الكندي، بيان الشرع، 108/ 18. (1/488)
صفحة 489
علوم السنة عند الإباضية
469
الأعمال، وفي ذلك تأكيدا لرفع الزكاة عن العوامل، وكذلك أفادت تلك الألفاظ الواردة عدم وجوب الزكاة في الرقيق والحمير والخيل، لكن هذا الترخيص في عدم زكاتها محمول على ما لم يستخدم للتجارة، فما توجر به لحقته الزكاة من باب عروض التجارة، كما تقدم من كلام أبي عبيدة.
• حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سَوِيّ ولا لمتأثل ما لا) (1). قال الربيع: "ذو المرة السوي: القوي المحترف، والمتأثل الجامع للمال (2)، وقال ابن بركة: "المرة: القوة (3). تكشف ألفاظ هذا الحديث عناية الرسول صلى الله عليه وسلم بحث أبناء المسلمين على الكسب والعمل وتنمية المهارات والقدرات في مسعى لحث الأمة على الإنتاج، وتنبيها منه للمتصدق إلى تلمّس مواطن الحاجة فلا يرمي بصدقته عند من لا يستحق، يقول السالمي: " لأن الله شرعها لأصناف مخصوصين لا تحلّ لغيرهم ولو حلّت لمن يجمع الأموال ويتأصلها لأفضى إلى استبداد الأغنياء بها (4). • حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوم جُنَّة فإذا كان أحدكم صائما فلا يَرْفَتْ ولا يَجْهَل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم) (5). قال أبو
(1) أخرجه الربيع في مسنده كتاب الزكاة والصدقة، باب من تكره له الصدقة والمسألة 144/ 1 (356) والحاكم في المستدرك، كتاب الزكاة، 565/ 1 (1477).
(2) الربيع، المسند، 144/ 1 (356).
(3) ابن بركة، الجامع 6281 فسر أبو بكر السجستاني المرة بالقوة، والزمخشري بالقوة والشدة، وقال السجستاني: " وأصل المرة الفتل ويقال إنه لذو مرة إذا كان ذا رأي محكم ". ر: السجستاني أبو بكر محمد بن عزيز (942/ 330) غريب القرآن: تح محمد أديب عبد الواحد، جمران دار ابن قتيبة 1416 هـ، 1995 م، 457/ 1 المصري شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم (1413/ 815)، التبيان في تفسير غريب القرآن، تح: فتحي أنوار الدابولي، ط 1، دار
الصحابة للتراث، مصر، 1412 هـ، 1992 م، 394/ 1، الزمخشري الفائق، 362/ 3 (4) السالمي، شرح المسند، 97/ 2. (5) أخرجه الربيع في مسنده کتاب الصوم، باب فضل، رمضان 134/ 1 (330) والدارمي في سننه، كتاب الصوم، باب في فضل الصيام، 40/ 2 (1771). (1/489)
صفحة 490
علوم السنة عند الإباضية
470
اليقظان مُحمَّد بن الحاج قاسم (جُنَّة)، أي: سترة، لأن الصائم تضعف شهوته، فكأن الصوم حافظ للدين وحرز، له (1)، وفسر أبو اليقظان لُغْزَ من ألغز سائلا ما عفاص الدين بقوله: أما عفاصه فهو الصوم، والعفاص في اللغة الوعاء، وإنما كان الصوم وعاء للدين لقوله: (الصوم جنَّة) " (2).
حديث (الصوم مَجْفَرَة) (3). قال ابن بركة: ( ... مَجْفَرَة): يريد بذلك مقطعة
للنكاح وأنه ينقص الماء والله أعلم" (4).
أبان وصف "الجُنَّة" و"مَجفَرَ" للصيام عن بعض فوائد الصوم وآثاره التهذيبية، فهو معين لتحقيق الدين بعض أهدافه، ككونه سترة ووقاية وحماية للنفس، وكسرا لبعض قوتها وحدتها، بما يساعد هذه النفس لتنضوي في رتبة المتهذبين المتربين بعبادات هذا الدين وفرائضه، وبما يؤكد أن العبادات شرعت لصلاح العباد
وإصلاحهم.
• حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي، فالصيام لي، وأنا أجازي به) (5). قال العوتبي: يقال: خَلَف الفم والطعام يَخلَف خُلُوفا إذا تغيّر" وفي
(2)
(1)
(1) أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي (1973/ 1393)، جواب أبي اليقظان، (مخ)، مكتبة أبي اليقظان القرارة، الجزائر، (د. ت)، ص 13. م. س، ص 13.قال الحميدي: " الصيام جُنّة أي ستر حائل عن القبائح زاجر عنها والجنة ما استترت به من سلاح أو غيره ومن ذلك المجن وهو الترس وهو أيضا جُنَّة من عذاب الله". ر: الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 274/ 1.
(4)
(3) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، حديث عثمان بن مظعون الجمحي، 38/ 9 (8320). ابن بركة، الجامع 128/ 2 ممن فسر المجفرة بهذا التفسير أيضا أبو عبيد الهروي والزمخشري وابن الأثير، قال الزمخشري: مجفرة أي مقطعة للنكاح يقال: جفر الفحل عن الضراب جفورا: إذا انقطع عنه. ر: الهروي غريب الحديث، 248/ 1، الزمخشري الفائق، 219/ 1، ابن الأثير، النهاية، 278/ 1. (5) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الصوم، باب فضل، رمضان 133/ 1 (327) والبخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، 670/ 2 (1795). (1/490)
صفحة 491
علوم السنة عند الإباضية
471
الحديث بيان فضل الصائم، إذ خُلُوفُه أطيب من المسك فضلا عن باقي عمله، كما حوى ترغيبا للصيام، فالمرء ينفر من رائحة تغيير الفم بينما هي مزية للصائم.
المبحث الرابع نماذج تفسير الغريب من البيوع والأحكام والمحرمات: • حديث ابن عباس (عن النبي أنه نهى عن بيع المُلامَسَةِ والمُنَابَدَة وعن بيع حَبَلِ الْحَبَلَة وعن المَلاقِيح والمَضامين) (2). قال الربيع:" المُلامسة: أن يلمس الرجل طرف الثوب ولا ينشره ولا يعلم ما فيه فيلزمه البيع (3)، والمُنَابَذة: أي يرمي الرجل ثوبه للآخر ويرمي له الآخر ثوبه ولم ينظر كل واحد منهما ثوب صاحبه (4)، وحَبَل الحَبَلَة: وهو حبل ما في بطن الناقة (5)، و الملاقيح: ما في ظهور الفحول والمضامين: ما في بطون الإناث (6)، ويقول العوتبي:" المُلامَسَة:
(1) العوتبي، الإبانة 53/ 3 فسر الأصمعي والكسائي وأبو عبيد والزمخشري والحميدي الخلوف بتغير رائحة فم الصائم، قال الهروي: خلف يخلُفُ خُلُوفا". ر: الهروي، غريب
الحديث، 197/ 1 - 198، الزمخشري الفائق، 274/ 1، الحميدي، غريب الصحيحين، 387/ 1. (2) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع، 223/ 1 (557) وأخرج البخاري (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله نهى عن الملامسة والمنابذة في صحيحه، كتاب البيوع، باب النهي عن الملامسة والمنابذة، 754/ 2 (2039) كما أخرج حديث النهي عن بيع حبل الحبلة عن ابن عمر في كتاب السلم، باب السلم إلى أن تنتج الناقة، 785/ 2 (2137) وأخرج الطبراني النهي عن الثلاثة عن المضامين والملاقيح وحبل
الحبلة، في حديث عكرمة عن ابن عباس 230/ 11 (11581).
:
(3) أورد الحميدي للملامسة معنى قريبا من هذا ر الحميدي، غريب الصحيحين، 227/ 1. (4) أورد الحميدي هذا التفسير للمنابذة كتفسير الربيع مقيدا بنبذ الثوب، بينما فسرها آخرون غير مقيد وإنما بأي متاع ينبذ ر الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 227/ 1. (5) فسره بذلك أبو عبيد والحميدي والزمخشري، وسماه ابن الأنباري: نتاج النتاج، فالحبل الأول هو ما في بطون النوق، والحبل الآخر هو حبل الذي في بطون النوق، قال الزمخشري: " مصدر سمى به المحمول كما سمى بالحمل وإنما أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه ". ر: الهروي، غريب الحديث، 128/ 1، الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 487/ 1، الزمخشري، الفائق، 251/ 1. (6) الربيع، المسند، 223/ 1 (557). فسر أبو عبيد والزمخشري والحميدي وابن الأثير الملاقيح (1/491)
صفحة 492
علوم السنة عند الإباضية
472
أن يقول إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع بكذا وكذا، ويقال بل معنى المُلامَسَة: هو أن المشتري يلتمس الشيء بيد من وراء الثوب، ولا ينظر
(1) ,
إليه بعينه فيقع البيع، وهكذا كانت الجاهلية تفعل، والمُنَابَذة: هو أن يقول أحد المتبايعين لصاحبه انبذ الثوب أو غيره من المتاع إلي، فإذا ألقاه إليه وجب
البيع
(2)
ا، فهذه بيوع بين العرب كانت جائزة فجاءت الشريعة بتحريمها (3). حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تَنَاجَشوا ولا تَتَلَقَّوا الركبان للبيع ولا يبع حاضر لباد ولا تَصُرُّوا الإبل والغنم) (4). قال الربيع في تفسير (لا تَصُرُّوا): أي لا تحولوا بين الشاة وولدها وتتركوا اللبن في ضرعها حتى يعظم، وقال ابن بركة: ومعنى قوله: (لا تَصُرُّوا) بمعنى
هي
6
(5)
فيظن المشتري كذلك لا تحقنوا الألبان في ضروعها لتغروا بها المشتري (6) وقال أيضا (7) فأما النجش: فهو أن يزيد الإنسان في السلعة غيره عند البيع ليزداد المشتري رغبة فيها فيزيد
بأنه ما في بطون النوق، وأما المضامين فهو ما في أصلاب الفحول من الإبل، وقد فسرها مالك كتفسير الربيع، كما ذكر ابن الأثير أن الأزهري حكاه عن مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب، وحكاه أيضا عن ثعلب عن ابن الأغرابي. ر: مالك، الموطأ، كتاب البيوع، باب ما لا يجوز من بيع الحيوان (654/ 2 (1343) الهروي، غريب الحديث، 128/ 1، الحميدي،
غريب الصحيحين، 142/ 1، الزمخشري الفائق،324/ 3، ابن الأثير، النهاية، 102/ 3. (1) أورد أبو عبيد والزمخشري هذين المعنيين في الملامسة وأورد ابن الأثير المعنى الأول. ر: الهروي، غريب الحديث، 142/ 1، الزمخشري الفائق، 400/ 3، ابن الأثير، النهاية، 269/ 4
(2) راجع التفسير نفسه عند الهروي، غريب الحديث، 142/ 1، الزمخشري، الفائق، 399/ 3 (3) العوتبي، الضياء، 117/ 17. (4) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع، 225/ 1 (562) والطبراني في مسند الشاميين، حديث شعيب عن أبي الزناد ... 294/ 4 (3344).
(5) الربيع
(6)
المسند، 225/ 1 (562).
فسره أبو عبيد والزمخشري بهذا المعنى ولكن بعبارة أخرى. ر: الهروي، غريب الحديث،
340/ 1، الزمخشري، الفائق، 399/ 3
(7) ابن بركة الجامع، 293/ 2 (1/492)
صفحة 493
علوم السنة عند الإباضية
473
ثمنها (1) وقال العوتبي: " النَّجش: أن يزيد على ثمن السلعة ولا يريد شراءها ليزاد عليها لزيادته (2).
• حديث أبي سعيد الخدري قال: (نهى رسول الله عن المُرَابَنَة والمُحَاقَلَة فالمزابنة بيع التمر بالتمر على رؤوس النخل (3) والمُحَاقَلَة كراء الأرض) (4). قال ابن بركة: المُزابَنَة: هو بيع الثمر من رؤوس النخل إلى أجل معلوم، وكذلك إذا كان عنبا بزبيب معلوم إلى أجل معلوم، وهو الذي تسميه أهل العراق القراح (5)، والمُحَاقَلَة: هو أن يبيع الرجل سنبل زرعه بحب معلوم كيله إلى أجل، وقال بعض الفقهاء: الحقل هو الزرع وفي موضع آخر من كتابه قال: وجدت من طريق
اللغة أن المُزابَنَة مأخوذ من طريق الدين وهو التدافع والتخاصم، فنهى النبي عن المُزابَنَة؛ لأن المتبايعين إذا وقفا على الغبن وأراد المغبون أن يفسخ، والآخر يريد أن يمضي البيع تزابنا؛ أي تدافعا واحتكما، والزَّبْن هو الدفع، يقال: زَبَنَت الناقة برجلها: أي دفعته (6). ويفصل ابن بركة بيان المُحاقلة فـ. في قوله:" فأما التي ورد النهي عنها من رسول الله ... فإن الناس اختلفوا في تأويل ذلك إلى ثلاثة أقوال: فقال قوم: المُحاقلة: بيع الزرع بالحب، وقال آخرون هو
المُحَاقَلَة
(1)
م. س، 325/ 2. فسره أبو عبيدة والزمخشري والحميدي بهذا التفسير، قال الزمخشري: "وأصل النجش الإثارة يقال نجش الصيد إذا أثاره. ر: الهروي، غريب الحديث، 214/ 1، الزمخشري الفائق، 407/ 3، الحميدي، تفسير غريب الصحيحين،192/ 1. (2) العوتبي، الإبانة 6/ 3، وانظر: العوتبي، الضياء، 118/ 17. (3) قَصَرَ علماء الغريب تفسير المزابنة على هذا المعنى، ر: الهروي، غريب الحديث، 140/ 1، الزمخشري الفائق، 298/ 1، الحميدي، غريب الصحيحين، 205/ 1، ابن الأثير، النهاية، 294/ 2. (4) أ
) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه من البيوع، 226/ 1 (566) والبخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع المزابنة ... 763/ 2 (2074). (5) أورد أبو عبيد عن أهل العراق تسميتهم للمحاقلة بذلك. ر: الهروي، غريب الحديث، 140/ 1. (6) ابن بركة، الجامع 632/ 1. (1/493)
صفحة 494
علوم السنة عند الإباضية
474
اكتراء الأرض بالحب، وقال آخرون: هي المزارعة على الثلث والربع (1)، والأول هو الذي يذهب إليه أصحابنا والنظر يوجبه، والحقل مأخوذ اسمه من المراح، والمُحاقلة مفاعلة، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين مثل مضاربة معاملة و مخاصمة " (2). ويقول العوتبي: المُزابَنَة بيع ثمرة النخلة بمكيله من التمر، والمُزابَنَة: هو زَبْن الثمرة في الأوعية فأجري عليه هذا الاسم، يقول لا يجوز بيع زبنين بزبنين ثمرة (3).
أكدت تلك الألفاظ في الأحاديث المتقدمة مع ووردها في سياق النهي حرمة بعض التعاملات التي كانت موجودة ولكن الشريعة نهت عنها، وجاء تأكيدها بما حملته معانيها من دلالات التحريم، إذ تظهر فيها صور الجهالة والغرر في المعاملة وعدم العلم بجنس المبيع وغير ذلك، وعليه لم يستوف البيع شروطه ولم يسلم من أي محذور مفض إلى الحرمة والشريعة جاءت بضوابط تكفل حق البائع والشاري وتبتعد بالمعاملات عن كل لبس. كما كشفت الأحاديث الجانب الخلقي الإسلامي في المعاملات بما يؤكد عظمة هذا الدين وأنه ينأى بالمتعامل عن الانزلاق في نظره إلى الجانب الربحي والمنظور النفعي فقط في معاملاته، وأيضا كشفت لنا النصوص الثلاثة المتقدمة بما حملته من تنوع صور المعاملات شمول النظرة الإسلامية في تنظيم المعاملات وضبطها سواء ما يتعلق بالبيوع أو الكراء أو بعض ضروب الشركة أو حتى ما يمكن وصفه بأخلاقيات المعاملة في السوق وغير ذلك. • حديث أبي سعيد: أن رسول الله الرخص لصاحب العَرَايَا أن يبيعها بخرصها تمرا وقال الربيع قال جابر: بلغنا ذلك أيضا عن زيد بن ثابت رفعه
(1) أورد علماء الغريب هذه التفسيرات التي ذكرها للمحاقلة، ر: الهروي، غريب الحديث، 139/ 1، الزمخشري الفائق، 298/ 1 الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 115/ 1،
ابن الأثير، النهاية، 294/ 2.
(2)
م. س، 377/ 2.
(3)
العوتبي، الضياء، 244/ 18. (1/494)
صفحة 495
علوم السنة عند الإباضية:
(1)
475
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم). قال الربيع: العَرَايَا" نخل يعطي الرجل ثمرها للآخرين ثم يقول له بعد ذلك لا طريق لك علي فرخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها بخرصها تمرا" (2)، وقال العوتبي:" والنخلة العريَّة: التي تعول من جملة النخل عند البيع، وهو أن تجعل ثمرتها لمحتاج عامها ذلك أو لغير محتاج، والجميع: العرايا، والفعل عرا، ومنه الإغراء، قال فيها من الطويل)
ليست بِسَنْهَاء ولا رُجَبِيَّةٍ ولكن عرايا في السنين الجوائح
(3)
فقد جاء الترخيص في العرايا مبينا مرونة الشريعة ومراعاتها لما يحيط بالعباد من ظروف تحتاج من الشارع الحكيم إلى عناية، فيشرع لهم ما ييسر طرق معيشتهم دون إضرار يقع بهم، ودون خلل في المطالب الموجهة إليهم من أمر أو
نهي.
• حديث أبي هريرة) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تجوز شهادة ذي الظنة وذي الجِنَّة وذي الجنَّة) (4). قال أبو غانم الخراساني: " قلت لعبد الله بن عبد العزيز أبلغك أن رسول الله قال: (لا تجوز شهادة ذي الظنَّة وذي الجنَّة وذي الجنة)
(1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب البيوع، باب في الربا والانفساخ والغش، 230/ 1 (580) والبخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام
(2064) 760/ 2
(2) الربيع، المسند، 230/ 1 (580).
(3) العوتبي، الإبانة 511/ 3 أورد أبو عبيد للعريّة تفسيرين أحدها: النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا فيجعل له ثمر عامها، ورخص له بيع ثمرها بتمر لموضع حاجته، والثاني: النخلة في وسط نخل كثير لرجل آخر فيتأذى هذا بدخول صاحب النخلة الواحدة نخله فرخص له شراء ثمر نخلته بتمر، واختار أبو عبيد المعنى الأول لدلالة البيت ... ولكن عرايا ... إلخ. الهروي، غريب الحديث، 140/ 1، قال الزمخشري: سميت عرية لأنه إذا وهب ثمرتها فكأنه جردها من الثمرة وعراها منها ثم اشتق منها الإعراء. ر: الزمخشري، الفائق، 298/ 1 - 299. (4) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وقال: " على شرط مسلم"، كتاب الشهادات 111/ 4 (7049) وعبد الرزاق في المصنف، كتاب الشهادات باب لا يقبل منهم ولا جار إلى نفسه ولا ظنين ... 320/ 8 (15366). (1/495)
صفحة 496
علوم السنة عند الإباضية
476
(3) (2)
قال بلغنا ذلك عن الثقة، قلت: فما الظنَّة؟ قال: المتهم (1)، قلت: وما الجنَّة؟ قال: الحنة التي تكون بين رجلين، قلت: وما ذو الجنَّة؟ قال: (الجنون • حديث لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة، ولا القَانِع مع أهل البيت لهم) (4). قال أبو عمرو السوفي: ذي غمر) بكسر الغين - وهي العداوة (5)، (ولا) ظنين في ولاء ولا قرابة): وهو المتهم (6)، و (لا القانع مع أهل البيت لهم، والقَانِع: الخادم السائل، فلا لمال المرء يصلحه فيغني مَفَاقِره أعني: من القُنُوع (7)، و (الظَّنَّة) بكسر الظاء - التهمة، و (الجنَّة) بكسر الحاء - التَّحَنُن، ومن رواه الإحْنَة بكسر الهمز- وهي العداوة والبغضاء، قال الشاعر (من البسيط):
(1) أخذت من ظن يظن، قال الزمخشري: الأصل يظتن ثم يظطن بقلب التاء طاء لأجل الظاء ثم قلبت الطاء ظاء فأدغمت فيها ويجوز قلب الظاء طاء وإدغام الطاء فيها وأن يقال يظن". ر: الزمخشري، الفائق، 381/ 2، قال ابن الأثير: " وقد تكرر ذكر الظَّنِّ والظَّنَّة، بمعنى الشك والتهمة ر: ابن الأثير، النهاية، 163/ 3. (2) أخذ اللفظ من الاجتنان وهو الاستتار؛ وسميت الجنَّة لكون شدّة التفافها يستر ما تحويه، والجن لاستتارهم عن الأبصار، والجنون لأنه استتار العقل واختفاؤه، وفي حديث ماعز سأل
الرسول صلى الله عليه وسلم عنه أيَشْتَكِي أم به جنَّةَ؟ أي جُنون. ر: ابن الأثير النهاية 307/ 3–309. (3) أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 109/ 2. (4) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الشهادات، باب في من لا تجوز شهادته، 545/ 4 (2298) وعبد الرزاق في مصنفه، كتاب الشهادات، باب لا يقبل متهم ولا جار إلى نفسه ولا ظنين 320/ 8 (15364).
(5) فسر أبو عبيد وابن الأثير الغمر بالعداوة والشحناء ر: الهروي، غريب الحديث، 290/ 1، ابن الأثير، النهاية، 384/ 3
(6) أورد أبو عبيد أكثر من تفسير للظنين ففسر بالمتهم بالادعاء إلى غير أبيه أو المتولي غير مواليه، أو المتهم في شهادته لأقاربه كالوالد للولد أو العكس وغيرهما من الأقارب، أو المتهم في دينه وإليه مال أبو عبيد: الهروي غريب الحديث، 290/ 1 - 291
(7)
فسر أبو عبيد القانع بالرجل يكون مع القوم في حاشيتهم كالخادم والتابع والأجير ونحوه، وأصله الرجل يكون مع رجل يطلب فضله ومعروفه ر: الهروي، غريب الحديث، 291/ 1. (1/496)
صفحة 497
علوم السنة عند الإباضية
477
لا تَجْعَلَنِّي كَمَنْ فِي صَدْرِهِ لَكُمُ أَبَدُ العَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالْإِحَنِ (1). أوجزت الألفاظ الواردة في الحديثين المتقدمين صفة بعض من ترد شهادتهم فلا تقبل، وأوحت من خلال دلالتها ومعانيها بعلة دفع شهادة هؤلاء، فمن العلل ما يرجع إلى صفة عاطفية تتمثل في العداوة والحقد كالجنَّة، ومنها ما يرجع إلى صفة عقلية كالجنّة، أو يرجع إلى مظنة الخيانة والتهمة كذي الغمر والظنَّة وغير ذلك، وفي ذلك يكشف دقة التشريع في إحقاق الحق وحمايته. حديث زيد بن خالد الجهني) أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللُّقَطَة فقال احفظ
عِفَاصَها ووكَاءَها ثم أعرضها سنة ثم إن جاء صاحبها فردها إليه) (2). قال ابن بركة " عِفَاصُها ووكَاؤُها هو الوعاء الذي يكون فيه من خرقة أو جلدة أو غير ذلك يقوم مقامه، أو يكون في معنى ذلك، وكذلك سمت العرب ما يشدّ به رأس القارورة عِفَاصَها، لأنه كالوكاء: شيء كالوعاء، والصمام ما يدخل في فم القارورة فهو سدّ به رأسها وليس ذلك عفاصها، والوكاء هو الخيط الذي يشد به، يقال: أَوْكَيْت إيكاء وعَفَصْتُها اعْقَاصا إذا شدَّ العِفَاصَ عليها، وإذا جعل
لها الجاعل
عقاصاً، فقال: عَفَصْتُها (3).
جاء جواب النبي للسائل مؤكدا حقوق الناس وأملاكهم، فعبر بالعفاص والوكاء مبالغة في ذلك، إذ على اللاقط حفظ ما تشدّ به تلك اللقطة فضلا عما بداخلها، أضف إلى ما يحمله لفظ الوكاء من دلالات الحفظ والضبط والصون، وكلها تخدم المعنى الفقهي المراد في حكم اللقطة والمحافظة عليها بما يؤكد حزم الشريعة في حماية ملك الغير وتربيتها أتباعها على النزاهة والأمانة.
(1) السوفي، السؤالات (مخ)، ص.207. قال ابن الأثير: " الجنّة العداوه وهي لغة قليله في الإحته وهي على قلتها قد جاءت في غير موضع من الحديث ر: ابن الأثير، النهاية
453/ 1
(2) أخرجه البزار في مسنده، ما أسند زيد بن خالد الجهني، 231/ 9 (3773).
(3)
ابن بركة، الجامع، 217/ 1. وقد تقدم بيان العفاص والوكاء. (1/497)
صفحة 498
علوم السنة عند الإباضية
478
• حديث (عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلي فأحكم بينكم ولعل بعضكم أَلْحَنُ بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من نار) (1). قال الربيع: " أَلْحَنُ: أقطع وأبلغ وأحق (2)، وقال العوتبي:" ألحن بحجته: يعني أفطن لها وأجدل (3)، واللحن أيضا: الفساد، يقال لَحَنَ بفتح الحاء لحنا فهو لاحن إذا يلحن: يُفسد، ويقال فلان يلحن أي يفسد، وقد لحن فلان من القرآن: أي أفسد، وقد جاء في كلام العرب: اللحن بمعنى الصواب، يقول لحن يلحن بكسر الحاء فهو لحن بكسر الحاء من الصواب، ويقال منه رجل لحن إذا كان فطنا، .. ، قال بعضهم: الرجل إذا فطن لحجته يلحن لحنا، ومنه قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَولِ} (محمد 30/ 47) أي في مذهبه ووجهه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم، يستدلّ بذلك على ما يرى من لحنه؛ أي من ميله في كلامه، واللحن لعله الفطنة بفتح الحاء أيضا، ومنه قول عمر بن عبد العزيز: عجبت ممّن لاحَنَ الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم، ويقال منه رجل لحن إذا كان فطنا، قال لبيد يذكر رجلا كاتبا (من الكامل)
مُتَعَوِّدٌ لَحِنٌ يُعِيدُ بِكَفِّهِ قَلَماً عَلَى عُسُبٍ ذَبْلنَ وَبَانِ (4).
(1) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الأحكام، باب الأحكام، 223/ 1 (588) والبخاري في صحيحه کتاب الشهادات باب البينة بعد اليمين ... 2534952/ 2). (2) الربيع، المسند، 223/ 1 (588). وأورد الزمخشري قريبا من هذا المعنى وقال:" يلحن معناه أنه يحسن الفهم ويبين الحجة ر: الزمخشري، الفائق، 377/ 2. (3) أورد الزمخشري والحميدي وابن الأثير مثيلا لهذا المعنى. ر: الزمخشري الفائق، 377/ 2، الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 560/ 1، ابن الأثير، النهاية، 241/ 4. العوتبي، الضياء، 11/ 11. وانظر تفصيلا حسنا في معاني لحن في القالي البغدادي أبو علي إسماعيل بن القاسم (967/ 356)، كتاب الأمالي، تصحيح وتعليق عبد الجواد الأصمعي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، (د. ت)، ص 5.
(4) (1/498)
صفحة 499
علوم السنة عند الإباضية
479
فقد أفاد لفظ لَحَن في الحديث التحذير من استخدام المرء منطقه وحسن بيانه لحيازة الآخرين، ووجّه المتخاصمين فى مجلس القضاء إلى نطق الحق وحذرهما من استخدام حسن المنطق في التأثير على القاضي، وحمل النص تنبيها للقاض
وقد
وأيضا عذرا له إذ هو يحكم من خلال ما يرى ويعلم، وغير ذلك من الفوائد. • حديث أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس في الإكسال إلا الطهور) (1). قال ابن بركة: "الإكسال هو انكسار الذكر قبل الإنزال كذا ذكر ثعلب (2)، سبق ذكر وبيان نسخ مثل هذا الحديث بأحاديث أخرى تفيد وجوب الغسل وقد اتفقت الأمة على ذلك (3)، جاء لفظ الإكسال هنا معبرا عن المعنى المراد بإيجاز مع حسن اختيار للفظ المكتسي بأدب الإسلام في مثل هذه الأمور، ولا عجب فهو تعبير النبي الفصيح المؤدب المربي.
• حديث ابن عباس أن النبي نهى عن وطء السبايا من الإماء فقال لا تطئوا الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى يَحضن) (4). قال الربيع: "الحائل التي يأتيها الحيض حالا بعد حال (5)، وقال ابن بركة: الحائل التي يأتيها الدم حالاً
(2)
(1) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطهارة، باب الذي يجامع و ... 54/ 1، وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الطهارات، باب من كان يقول الماء من ... 87/ 1 (964). ابن بركة، الجامع 324/ 1 ذكر ابن قتيبة و ابن الجوزي أن الإكسال مأخوذ من أكسل الرجل إذا جامع ثم أدركه فتور منعه الإنزال ر الدينوري أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة (890/ 276)، غريب الحديث، تح: عبد الله الجبوري، ط 1، مطبعة العاني، بغداد، 1397 هـ، 165/ 1، ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (1201/ 597) غريب الحديث، تح: عبد المعطي أمين قلعجي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1405 هـ، 1985 م، 290/ 2. وهذا تفسير الزمخشري وابن الأثير أيضا. ر: الزمخشري
الفائق، 259/ 3، ابن الأثير، النهاية، 174/ 4.
(3) ر: ص 431 من هذا البحث.
(4) تقدم تخريجه ص 58.
(5) الربيع،
المسند، 211/ 1 (526). (1/499)
صفحة 500
علوم السنة عند الإباضية:
480
بعد حال" (1). وقال العوتبي: " الحَوائِل في اللغة: هي التي تغير عما كانت عليه من الحمل، وكأنها في كل عام عليها تغيير، وكذلك الحائض، ويدل على ذلك قول النبي: (نعوذ بالله من الحول بعد الكون)؛ فكأنه يتعوذ من أن يكون على حالة فينتقل إلى غيرها، قال الخليل: الناقة الحائل التي لا تحمل تلك السنة، وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل سنة أو سنوات وهي حائل حتى تحمل، يقال حالت تحول حيالا وحوولا ... قال الشاعر (من المتقارب):
ورَاداً وَحُوا كَلُونِ البُرُودِ طوال الخُدُودِ فَحَولاً وَحَولا (2).
فهنا أبان لفظ الحائل والحامل صفة بعض من شرع فيهن الاستبراء وهو استكشاف براءة الرحم من حصول الحمل (3)، كما دلّ على حزم الشريعة في حماية السلالة والأنساب، والذي عليه أكثر الإباضية أن "الاستبراء تعبدي وأنه يجب في حق الصغيرة وكذا في حق البكر والآيسة (4).
حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شغَار ولا جَلَب ولا جَنَّب ولا إسعاد في الإسلام) (5). قال أبو المؤثر: الشغار" أن يقول الرجل للرجل: أختك وأُزوِّجُكَ بِأُختِي، ويجعل كلُّ واحد منهما صداق أخته نكاحها ولا
زوجني
يفرضان لهما صداقا
سوي
(1) ابن بركة الجامع، 1/ 145.
(2)
ذلك" (6)
العوتبي، الضياء، 333/ 10 وأصل الحائل المتغير من البلى " وكل متغير اللون حائل"، فلعل غير الحامل سميت بذلك لتغير عادتها، وقد فستر أبو عبيد وابن الأثير الحائل بالتي لم تحمل أو وطئت ولم تحمل ر: الهروي غريب الحديث، 407/ 1، ابن الأثير، النهاية، 463/ 1. (3) السالمي، شرح المسند، 30/ 3.
(4)
م. س، 30/ 3
(5) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب النكاح، باب الشغار، 184/ 6 (10437) والطبراني في المعجم الأوسط، حديث من اسمه إسحاق، 228/ 3 (2999).
(6) أبو ستة مُحمَّد بن عمر، حاشية أبي ستة على مختصر العدل (مخ)، ص 140 و. فسر علماء الغريب الشغار بهذا التفسير كأبي عبيد وابن قتيبة والزمخشري وابن الأثير وابن (1/500)
صفحة 501
علوم السنة عند الإباضية:
481
وقال ابن بركة: " يجعلون صداق هذه صداق الأخرى يقول أحدهما لصاحبه: أشغرني أختك على أن أشغرك ابنتي، وأصل الشغر مأخوذ من شغر الكلب، وهو أن يرفع رجله فيبول، كنى بذلك عن هذا الاسم، وجعله علما له (1). وقال أبو بكر الكندي: " وقال القتيبي: سمّي الشغار من إشغار الرجل المرأة عند المباضعة والجماع" (2). وقال أبو ستة محمد بن عمر: وأما نكاح الشغار فسر بأن يزوج الرّجلُ أخته رجل آخر على أن يزوجه أخته بلا مهر يجعلانه لهما، يقال: شغرنيه فلان فأشغر، .. والجلب: هو جذم الأنف (3)، والجنب: هو الرهان، وهو سباق الخيل؛
من
فمن سبق فرسه كان له القمار، وهو شيء يجعلونه للمسابق (1) وهذا كله حرام. والسعاد والإسعاد هو المعاونة في البكاء (2)، فإذا نزلت مصيبة بأهل بكى معهم أناس آخرون (3).
•
الجوزي وغيرهم، قال أبو عبيد: وأما الشغار فالرجل يزوج أخته أو ابنته على أن يزوجه الآخر أيضا ابنته أو أخته ليس بينهما مهر غير هذا وهي المشاغرة ر: الهروي، غريب الحديث، 435/ 1، الزمخشري، الفائق 17/ 1، ابن قتيبة غريب الحديث، 207/ 1، ابن الجوزي غريب الحديث، 547/ 1، الحميدي، غريب الصحيحين، 218/ 1، ابن الأثير، النهاية،
482/ 2
"
(1) ابن بركة، الجامع، 160/ 2 أورد ابن قتيبة وابن الجوزي طرفا من هذا المعنى وذكر ابن الجوزي أيضا أنه من شغر المهر أي رفعه ر: ابن قتيبة غريب الحديث، 207/ 1، ابن
الجوزي، غريب الحديث، 547/ 1. (2) أبو بكر الكندي، المصنف، 103/ 32.
(3) فسره علماء الغريب بمعان: أحَدُها عند قدوم المُصَدِّق على أهل الزكاة فينزل موضعا ثم يُرْسلَ مَنْ يَجلب إليه الأموال من أماكنها لأخذ صدقتها فنهي عن ذلك وأمر بأخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم الثاني في السباق يتبع الرجلُ فرسَه فَيَزْجُرُه ويَجْلِب عليه ويصيح حياله على الجرى فنهي عن ذلك وفسره الزمخشري بالجلبة بمعنى التصويت. ر: الهروي،
غريب الحديث، 434/ 1 - 435، الزمخشري الفائق، 224/ 1، ابن الأثير، النهاية، 281/ 1 (1/501)
صفحة 502
#1
علوم السنة عند الإباضية
482
بَيَّنَ الحديث بعض الأفعال التي كان أهل الجاهلية يعملونها فجاء الإسلام بتحريمها، وأكد الشرع من خلال التحريم مراعاته لمصالح العباد، ففي الشغار
إجحاف بحق المرأة التي كرمها الإسلام فلا يقبل جعلها كالسلعة، كما أن فـ تحريمه سدا لأبواب النزاع الذي قد يفضي إلى هدم أسرتين معا في حال ترابطهما، وفي تحريم الجلب والجنب إبعاد عن كل ما يفضي إلى العداوة والضغائن، ففي ذلك بعد عن مقصد إسلامي نبيل يتمثل في الألفة والوحدة، وفي الإسعاد صورة عدم الصبر على المصاب وإذكاء المصيبة بما لا يتفق وتسليم المسلم ورضاه بقضاء الله وقدره.
المبحث الخامس: نماذج تفسير الغريب في أبواب أخرى: • حديث وفد بني عبد القيس وفيه ... وأنهاكم عن أربع: عن الحَنْتَم والدُّبَاء والنَّقير والمُرَفَّت .. ) (4).
تفسير الحنتم: قال أبو غانم الخراساني: سألت أبا المؤرج عن نبيذ الجَرّ قال حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه سئل عن الحناتم فقال الجرار الخضر (5) والبيض (1)، وقال الربيع الحنتم هي الجرار وهو كل ما كان في فخار الأبيض والأخضر (2).
(1) قال أبو عبيد: " وأما الجنّب فهو أن يجنب الرجل خلف فرسه الذي سابق عليها فرسا عريا ليس عليه أحد، فإذا بلغ قريبا من الغاية ركب فرسه العري فسبق عليه، لأنه أقل إعياء وكلالا. ر: الهروي، غريب الحديث، 435/ 1. وأنظر قريبا منه في الزمخشري، الفائق، 224/ 1. (2) انظر مثل هذا التفسير في الزمخشري، الفائق 178/ 2 ابن الأثير، النهاية، 366/ 2.
(3) أبو ستة محمد بن عمر، حاشية أبي ستة على مختصر العدل، (مخ)، ص 140 و. (4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، 29/ 1 (53) وأبو عوانة في المسند، كتاب الحدود، باب بيان إبطال سن العاض، 117/ 5 (8034). (5) فسرها الأكثرون بالجرار الخضر. ر: الهروي، غريب الحديث، 305/ 1، الزمخشري الفائق، 407/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث 246/ 1، ابن الأثير، النهاية في غريب الأثر، 448/ 1. وفسرها ابراهيم النخعي وابن أبي ليلى بالجرار الحمر كما رواه عنهما أبو إسحاق الحربي في كتابه الغريب ونفى ابن أبي ليلى أن تكون خضرا، وروى عن غيرهما تفسيره (1/502)
صفحة 503
علوم السنة عند الإباضية
483
تفسير المُزَفَّت: قال أبو غانم الخراساني: "والمزفت التي يؤتى بها من مصر قلت لأبي عبيدة ما ألد به قال القَرْع (3).
تفسير النقير: ورد تفسير النقير في رواية مسلم للحديث المتقدم وفيه أن أحد وفد بني عبد القيس قال: يا رسول الله ما يدرينا بالنقير، قال: (جذع ينقرونه ثم يقذفون فيه من القطيعا والماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى أنّ أحدكم يضرب بني عمه بالسيف) (4)، قال الربيع النقير ما كان في عود (5).
لها بالخضر. ر: الحربي أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق (899/ 285)، غريب الحديث، تح: سليمان إبراهيم محمد العائد، ط 1، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1405 هـ، 667/ 2. وقال القاضي عياض: فسره أبو هريرة في الحديث الجرار الخضر، وقيل هو الأبيض، وقيل الأبيض والأخضر، وقيل هو ما طلي بالحنتم المعلوم من الزجاج وغيره وقيل هو الفخار كله وقيل هو معنى قوله هنا الخضر أي السود. ر: اليحصبي القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض السبتي (1150/ 544)، مشارق الأنوار المكتبة العتيقة، (د. ت)، 202/ 1. (1) أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى، 2/ 54.
(2)
م. س، 99/ 2.
6
(3) أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى 58/ 2 لعلها كانت تجلب من مصر، فقد فستر علماء الغريب المزفت بالأوعية التي طليت بالزفت وهو القار. ر: الهروي، غريب الحديث، 305/ 1، الزمخشري، الفائق،407/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث، 427/ 1، قال الزمخشري: " وهي أوعيه تسرع بالشدة في الشراب وتحدث في التغير ولا يشعر به صاحبه فهو على خطر من شرب المحرم ر: الزمخشري الفائق 407/ 1. وقال القاضي عياض: نهي عنه لأنه يسرع فساد الشراب ويعجله للسكر". ر: القاضي عياض، مشارق الأنوار
312/ 1
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله، 48/ 1 (18). (5) أبو غانم الخراساني، المدونة الصغرى 99/ 2 أصل النقير هو أن النخل يُنقَر وسطه ثم يُنْبَذُ فيه التمر ويُلْقَى عليه الماء ليصير نبيذاً مُستكرا، قال ابن الأثير:" والنهي واقع على ما يُعمل فيه، لا على اتخاذ النقير فيكون على حذف المضاف تقديره عن نبيذ النقير".ر: ابن الأثير، النهاية، 103/ 5، وانظر تفسيره في: الهروي، غريب الحديث، 305/ 1، الزمخشري الفائق، 134/ 3، ابن الجوزي غريب الحديث،430/ 2، الحميدي، تفسير غريب الصحيحين، 175/ 1، القاضي عياض، مشارق الأنوار، 27/ 2. (1/503)
صفحة 504
علوم السنة عند الإباضية:
484
• حديث عائشة (قالت سئل رسول الله له عن البتع فقال كل شراب أسكر فهو حرام) (1). قال أبو عمرو السوفي: البتّع: نبيذ العسل (2).
تنوعت طرق تحضير النبيذ عند العرب وبآنية ومواد عدة، فجاء النهي عن هذه الأنواع الواردة في الأحاديث المتقدمة مؤكدا حرمة تلك الأنواع والتي كما يظهر - يبلغ الانتباذ بها بالشراب إلى درجة قوية من الإسكار قد لا يفطن لها، ولذلك ورد النهي مؤكدا قويا بصيغة النهي الجازمة، وجاء وصف شارب أحد تلك الأنواع من قبل الرسول بنفي الحاسة عنه حال شربه حتى إِنَّهُ يَضْرِبُ بني عمه بالسيف، وكشفت بعض تلك النصوص عمق معرفة النبي ببيئة العرب ومصطلحاتها أكثر مما يعلمه بعضهم عن بيئته الخاصة ولذلك سألوه عن النقير. حديث (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمقُلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي
ه
: أي
الآخر شفاء وأنه يقدم الداء ويؤخر الدواء) (3). قال الربيع: أمل اغمسوه (4) وقال العوتبي: " فأمقُلوه: أي اغمسوه ليخرج الشفاء كما خرج الداء (5)، وقال أبو بكر الكندي: "المقل هو الغمس، وهو الغط، والتماقل في النعاظ (6).
(2)
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب الخمر من العسل ... 2121/ 5 (5263) والربيع في مسنده، كتاب الأشربة من ... ، باب تحريم بيعها وشربها، 247/ 1 (629). السوفي، السؤالات (مخ)، ص.55 فسره أبو عبيد والزمخشري والقاضي عياض وابن الجوزي وابن الأثير وغيرهم بأنه نبيذ العسل. ذكر القاضي عياض البتع بكسر الباء وسكون التاء أنه شراب، العسل وأن أهل اللغة ذكروا فيه فتح التاء ولم يختلفوا في كسر الباء. ر: القاضي عياض، مشارق الأنوار، 1/ 77، الهروي، غريب الحديث، 302/ 1، الزمخشري الفائق، 72/ 1، ابن الجوزي غريب الحديث،53/ 1، ابن الأثير، النهاية، 94/ 1. (3) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الزكاة والصدقة، باب أدب الطعام والشراب 148/ 1 (371) وأبو داود في سننه، كتاب الأطعمة، 365/ 3 (3844).
(4)
الربيع، المسند، 148/ 1 (371).
(5) العوتبي، الإبانة، 289/ 4.
(6)
الكندي
المصنف، 163/ 3. ورد تفسير المثل بالغمس. ر: الزمخشري، الفائق، 380/ 3،
ابن الأثير، النهاية، 347/ 4 (1/504)
صفحة 505
علوم السنة عند الإباضية
485
أفاد الأمر بمقل الذباب كما ورد في الحديث طهارة الذباب حتى ولو مات، إذ قد يموت حال المقل (1)، كما أشار الحديث إلى الضرر الحاصل من الذباب إذ يحمل جانب منه الداء، ففي ذلك دعوة عامة إلى النظافة والحذر منه.
• حديثابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن عسيب الفحل) (2). قال ابن بركة: قال" أكثر أهل اللغة: إنه إنما نهى عن الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، فذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من كسب المال، وقال أحد الشعراء من الوافر)
وَلَولا عَسْبُهُ لَرَدَدتُموهُ وَشَرُّ مَنيحَة عَسبٌ مُعار (3).
أفاد الحديث حكم التكسب بمثل هذه الطريقة وأنها حرام، وجاء تعبير النبي عن ذلك مؤكدا بلاغته وعلمه بمفردات اللغة وطرق مجازها.
حديث (عن أبي مسعود الأنصاري قال أشار النبي بيده نحو اليمين فقال ألا إن الإيمان ها هنا وإن الفتنة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر) (4)، وحديث (الجفاء والقسوة في الفَدَادِين) (5).قال ابن بركة في (الفَدَادِين) يعني الزراع أصحاب البقر التي يُحرث عليها والفَدَادون هي البقر، واحدها فَدَان بالتخفيف (6)، فأجرى على أربابها
(1) السالمي شرح المسند، 117/ 2.
(2) أخرجه ابن الجارود في المنتقى، باب في التجارات، 150/ 1 (582) والدارقطني في سننه، كتاب البيوع، 47/ 3 (195). (3) ابن بركة، الجامع، 102/ 1 - 103 فسر العسب بضراب الفحل أو بالكراء عليه. ر: الهروي، غريب الحديث، 97/ 1، الزمخشري، الفائق،428/ 2 الحميدي، غريب الصحيحين، 199/ 1، ابن الأثير، النهاية، 234/ 3. 4) أخرجه الربيع في مسنده، باب الإيمان والشرائع، (43/ 1 (58) والبخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب خير ما المسلم غنم يتبع به .. ، 1202/ 3 (3126).
(4)
(5) أخرجه الطبراني في الكبير، حديث قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود، 17/ 208 (564). (6) هكذا ضبطها ابن بركة، وكضبطه للفدادين ضبطها أبو عمرو بن العلاء، وضبطها آخرون بالتشديد (الفَدَّادين). ر: القاضي عياض، مشارق الأنوار، 148/ 2، ابن الأثير، النهاية،419/ 3.
: (1/505)
صفحة 506
علوم السنة عند الإباضية
486
اسمها " (1)، وقال العوتبي: الفداد مختلف فيه؛ قال الأصمعي: هم الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم، وبه قال الأحمر (2)، يقال منه: فت الرجل يفد، قال الشاعر (
من الرجز)
أنبئتُ أخوالي بني يزيد ظلما علينا لهم فديد
البقر
وهم الفَدَادون، قال أبو عمرو: الفَدَادين مخففة واحدها فدان مشددة: هي التي تحرث، قال أبو عبيد: وليس الفدادون من هذا في شيئ، وكان يقول: هم المكثرون من الإبل يملك أحدهم منها المائتين إلى الألف واحدهم فداد (3) .. وقيل هي البقر التي يحرث عليها فأجري على أربابها اسمها ... وقال الخليل: الفدان: أداة ثورين في القرآن، وكل هذا تفسير الحديث: (إن الجفاء والقسوة في الفدادين وكل ذهب في تفسيره إلى وجه" (4). أبان لنا ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الفدادين والجفاء أو القسوة عن نظرة تربوية مهمة جدا، تبدي أثر المال والثراء في إضعاف الإيمان وزيادة قسوة القلب وكأنه يحذر من آثار ذلك لينتبه له، وهناك جانب آخر يتمثل في طبيعة رعاة الإبل أو البقر أو
جمع
(1)
ابن بركة، الجامع 102/ 1 - 103. نقل تفسير الفدادين بالبقر عن أبي عمرو بن العلاء ر: الحميدي، غريب الصحيحين 120/ 1، القاضي عياض، مشارق الأنوار، 148/ 2، الهروي، غريب الحديث، 125/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث، 181/ 2 وتعقب أبو عبيد تفسير أبي عمرو فقال:" ولا أرى أبا عمرو يحفظ هذا وليس الفدادين من هذا في شيء ولا كانت العرب تعرفها إنما هذه للروم وأهل الشام وإنما افتتحت الشام بعد النبي ولكنهم الفدادون - بالتشديد - وهم الرجال واحدهم فداد قال الأصمعي .. الخ. ر: الهروي، غريب
الحديث، 125/ 1.
(2)
انظر ورود قول الأصمعي والأحمر ر الهروي، غريب الحديث،125/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث، 180/ 2.
(3) أنظر ورود قول أبي عبيد ر الهروي، غريب الحديث، 125/ 1، القاضي عياض، مشارق الأنوار، 148/ 2، ابن الجوزي، غريب الحديث، 180/ 2.
(4) العوتبي، الإبانة 681/ 3. وللزمخشري تفسير أورده وأطال بيانه والاستشهاد له، ففسر
الفدادين بالجلبة الحاصلة من الفلاحين والرعاة من عملهم. ر الزمخشري، الفائق، 93/ 3. (1/506)
صفحة 507
علوم السنة عند الإباضية
487
ملاكها فلعلهم يكتسبون تلك القسوة، ومع انشغالهم الدائم يبتعدون عن الجوانب الروحية التي توفر التوازن فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبه لذلك.
حديث قبيصة بن مخارق قال: (تَحمَّلت حَمَالَة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، قال ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حَمَالَة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا) (1). قال ابن بركة: "الفاقة: الفقر (2)، والسداد: كل شيء سَدَدْت به حالاً فهو سداد بكسر السين (3)، ولذلك سداد القارورة وهو صمامها لأنه يَسُدّ سمي رأسها، وأما السداد بفتح السين فإنه الإصابة في المنطق، يقال: إنه لذو سداد في منطقة وتدبيره (4).
أفاد الحديث جملة من الفوائد منها مشروعية تحمل الحمالة والسعي فيها، ورغب النبي فيها بإباحة وضع الصدقة فيها، وبين بعض مواضع وضع الصدقة، لكنه قيد إعطاء الصدقة بسد الحاجة ولتبلغ سداد العيش، وجاء استعماله بعض الألفاظ الدالة على ذلك مثل "سداد" و"الفاقة" وغيرهما مؤكدا هذه المعاني.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة 1044722/ 2) وابن حبان في صحيحه، كتاب الزكاة، باب المسألة والأخذ، 190/ 8 (3396). (2) تُسمّى الفاقة فقرا وحاجة. ر: الحميدي، غريب الصحيحين، 49/ 1، ابن الأثير، النهاية،
480/ 3
(3) ورد أن السداد بالكسر كلُّ شيء سَدَدت به خَلَلاً. ر الحميدي، غريب الصحيحين، 57/ 1،
ابن الأثير، النهاية، 353/ 2.
(4) ابن بركة الجامع، 608/ 1. (1/507)
صفحة 508
: علوم السنة عند الإباضية
488
• حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية) (1). قال ابن بركة: ال اختنَاث للأسقية كسر أفواهها وتعطف ليشرب منها، والاختناث مأخوذ من التكسير، ولذلك سمي المتكسر في مشيه وتعطفه مخنثاً" (2). قد أفاد الحديث النهي عن الشرب من أفواه الأسقية، وجاء اللفظ الدال على كسر أفواهها ليشرب منها مقويا النهي عن صورة منفرة من طرق الشرب، ضارة بالشارب وربما ملوثة لفم السقاء ومنفرة لمن يشرب بعد ذلك. • حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرحم شجنّة من الرحمن فقال الله من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته) (3). قال ابن بركة: قال أبو عبيد: يعني قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، قال أبو عبيد: إنما قوله "الحديث ذو شُجُون": إِنَّمَا يمسك بعضه بعضا وهو من هَذَا، وقال غيره من أهل العلم: هَذَا شَجْن مُشتجِّن إذا التف بعضه ببعض وهو من هَذَا، ويقال: رحم واشجة أي: مختلطة (4). وقد جاء وصف الرحم بالسُّجِّنَة معبرا عن تشابك الأرحام بما يحث على معرفة هذا التشابك لأداء حقه، وأكد النبي على هذا الحق بذكره وصل
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأشربة، باب اختناث الأسقية، 2132/ 5 (5302)
(2)
ومسلم في صحيحه، كتاب الأشربة باب آداب الطعام والشراب، 1600/ 3 (2023). ابن بركة، الجامع، 310/ 2 فسر علماء الغريب كأبي عبيد والزمخشري والقاضي عياض وابن الجوزي وابن الأثير الاختناث بهذا التفسير وأنه مأخوذ من خَنَتْ أي ثنى أفواهها إلى خارج، وذكروا وجهين لعلة النهي وذلك لأنه ينتنها أو لكراهة أن تكون فيها دابة. ر: الهروي، غريب الحديث 362/ 1، الزمخشري، الفائق، 399/ 1، القاضي عياض، مشارق
الأنوار، 241/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث، 309/ 1، ابن الأثير، النهاية، 82/ 2. (3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله، 2232/ 5 (5642)
وابن حبان في صحيحه كتاب البر والإحسان، باب صلة الرحم وقطعها، 188/ 2 (444). (4) ابن بركة المبتدأ، (مخ) ص 28 و. وضبط أبو عبيد اللفظ: شجنة أو شجنة بالضم أو بالكسر، وحكى القاضي عياض فيها الفتح. ر: الهروي، غريب الحديث، 129/ 1، القاضي عياض، مشارق الأنوار، 245/ 2، ابن الجوزي غريب الحديث، 521/ 1، ابن الأثير، النهاية،
447/ 2 (1/508)
صفحة 509
علوم السنة عند الإباضية:
489
الله واصل الرحم وقطعه قاطعها، كما جاء التعبير بالوصل والقطع ملائما جدا للموقف.
حديث جابر بن عبد الله قال: (ذبح النبي الله يوم الذبح كبشين أقرنين أَمْلَحَين مَوجُوعَين فلما وجههما قال إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي الله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح) (1). فسر الربيع الوجاء: يعني خصاء، وقال:" والأملحان الابلقان. قال ابن بركة: الأملحان اللذان في أعينهما بياض على ما رفع إلي (مَوجُوءَين) والمَوجُوء من الإبل هو الذي تضرب أنثياه وتُرَضان بالحجارة حتى يذهب الضّراب منه، ووجدت عن أبي زيد وغيره في الوجاء أنه يقال للفحل إذا ضرب أنثياه قد وَجَأَ وَجْتَاً وقد وَجَاه، فإذا نزغن نزغاً فهو خصاء (3)، وقوله (فإنه وجاء) في حديث الصوم يعني أنه يقطع النكاح لأن الوجاء لا يضرب" (1).
(2) =
(1) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا، 95/ 3 (2795) والحاكم في المستدرك، كتاب الأضاحي، 253/ 4 (7547). (2) اختلف في تفسير الأملحين فذهب الأصمعي أن الأملح الذي يشوب بياضه شيء من سواد كلون الملح، وقال أبو حاتم الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل الذي يعلو سواده حمرة، وفسره
ابن الأعرابي بالنقي البياض والكسائي بالذي فيه بياض وسواد والبياض أكثر، وفسره الخطابي بالذي في بياضه طاقات سود، وقال الداودي: هو مثل الأشهب. ر: الهروي، غريب الحديث، 320/ 1، القاضي عياض، مشارق الأنوار، 379/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث، 271/ 2، ابن الأثير، النهاية، 354/ 4. (3) فسر لفظ الموجوعين، بالخصيّين، والوجاء بالخصاء ر: الحميدي، غريب الصحيحين، 93/ 1 ابن الأثير النهاية 151/ 5، ابن منظور، لسان العرب مادة وجأ، 191/ 1، واختلفوا في ضبط الكلمة، قال ابن الأثير: " بِكَبْشَين موجُوءَين أَي خَصِيَّين ومنهم من يرويه مُوجَأين بوزن مُكْرَمين وهو خطأ، ومنهم من يَرْوِيه مَوْجِيَّيْن بغير همز على التخفيف ويَكُون مِن وَجيْتُه وَجْياً فهو مَوْجِي، وقال الخطابي: " وأصحاب الحديث يقولون مَوْجِيَّيْن والصواب موجُوعَين من وَجَأته أجَوْه والاسم من الوِجَاء ر: ابن الأثير، النهاية في غريب
، (1/509)
صفحة 510
علوم السنة عند الإباضية
490
وقد جاء لفظ جابر في روايته محددا صفة أضحية النبي صلى الله عليه وسلم وهديه فيها وفي كيفية ذبحها وما قاله ليقتدى به، وبيان تلك الألفاظ بيان لهديه. حديث (التوحيد جب لما قبله) (2). قال أبو عمرو السوفي: (جَبِّ) بفتح الجيم أي قطع يقال للناقة جب إذا لم يكن لها سنام وكذلك دكاء، والجباجب: المنازل (3). أفاد الحديث رحمة الله وقبوله الراجع إليه، وأن الإسلام
يمحو ما قبله من ظلمات الكفر وآثاره، فيقبل المسلم إلى دينه بعزيمة لفضل هذه
يوم
ذاك.
التوبة كأنه ولد • حديث: قال رسول الله الرجل بعد أن سأله فأجاب بكلام غريب: (أعوذ بالله من خمسة من العَيْمَة والغَيْمَة والأَيْمَة والقَرَم والكَرم) (4). قال أبو عمرو السوفي: " العَيْمَة - غير معجمة -: شدة الشوق إلى اللبن (5)، والغَيْمَة -معجمة-:
الأثر، 151/ 5 الخطابي البستي حمد بن محمد بن إبراهيم (98/ 388)، إصلاح غلط المحدثين، تح محمد علي عبد الكريم الرديني، ط 1، دار المأمون للتراث، دمشق، 1407 هـ،
98/ 1
(1) ابن بركة الجامع، 128/ 2. (2) لفظ الحديث المخرج (الإسلام يجب ما قبله أخرجه البيهقي ضمن خبر طويل، في السنن الكبرى، كتاب السير، باب ترك أخذ المشركين، 122/ 9 (18069) وأحمد في المسند، حديث عمرو بن العاص 189/ 4 (171812).
(3) السوفي، كتاب السؤالات، ص 53 الجَبُّ هو القطع والمراد في الحديث وأمثاله أن الإسلام أو التّوبة أو التوحيد يَجُب ما قبله، أي يقطع ويَمْحُو ما تقدم من كفر ومعصية. ر: ابن الأثير، النهاية، 234/ 1، ابن منظور، لسان العرب مادة جبب 249/ 1. قال النووي:" والذي وقع في المهذب يَجُبُ بالجيم والباء الموحدة وروينا في كتاب الأنساب للزبير بن بكار يَحْتَ بالحاء والتاء المثناة وهو صحيح أيضا بمعنى الأول". ر: النووي يحيى بن شرف (1278/ 676)، تهذيب الأسماء، تح مكتب البحوث والدراسات ط 1، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1996 م،
43/ 3
(4) ذكره السوفي في كتاب السؤالات، ص 254.
(5) فسرها بهذا ابن قتيبة والزمخشري والحسن العسكري وابن الجوزي وابن الأثير ر: الزمخشري، الفائق،42/ 3 ابن قتيبة غريب الحديث، 338/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث (1/510)
صفحة 511
علوم السنة عند الإباضية
491
شدة الشوق إلى الماء (1)، والأَيْمَة: شدة الشوق إلى النكاح (2)، والقرم: شدة الشوق
إلى اللحم (3)، والكرم: البخل، وقيل الكزم: الأكل (4) (5).
• حديث أنس بن مالك قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لست من دَدِ وَلَا الدَّدُ مني) قال أبو عمرو السوفي: " الدّد: اللهو واللعب (7)، يقال: دَدن، قال الشاعر (من
الرمل)
(6)
140/ 2، ابن الأثير، النهاية، 331/ 3، العسكري أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد (382/ 993)، تصحيفات المحدثين، تح: محمود أحمد، ميرة، ط 1، المطبعة العربية، القاهرة،
373/ 1.1402
(1)
6
ورد تفسير الغيمة بشدة العطش وكثرة الاستسقاء للماء. ر: الزمخشري الفائق، 42/ 3 ابن الجوزي، غريب الحديث 170/ 2، ابن الأثير النهاية، 403/ 3، ابن منظور، لسان العرب، مادة غيم، 448/ 12. (2) فستر علماء الغريب كابن قتيبة والزمخشري وابن الجوزي وابن الأثير الأيمة بطول التعزب ر: الزمخشري الفائق،42/ 3 ابن قتيبة غريب الحديث، 158/ 2، ابن الجوزي غريب الحديث، 49/ 1، ابن الأثير، النهاية 86/ 1، ابن منظور، لسان العرب، مادة أيم،
40/ 12 (3)
فسره أهل الغريب بهذا التفسير ر ابن قتيبة غريب الحديث، 339/ 1، الزمخشري، الفائق، 43/ 3، ابن الجوزي، غريب الحديث،237/ 2، ابن الأثير، النهاية، 170/ 4، ابن منظور، لسان العرب مادة قرم، 473/ 12. ورد تفسير الكزم بالمعنيين البخل أو بشدة الأكل. ر: الحربي، غريب الحديث، 376/ 2، الزمخشري، الفائق،42/ 3 ابن الجوزي غريب الحديث 288/ 2 ابن الأثير النهاية، 49/ 4.
(4)
(5) السوفي، كتاب السؤالات (مخ)، ص 254.
(6) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات باب من كره كلما لعب الناس ... 217/ 10 (20754) والطبراني في العجم الأوسط، باب من اسمه إبراهيم،
(413) 132/ 1
(7) هكذا فسره أهل الغريب ر، الهروي غريب الحديث، 34/ 1، الزمخشري الفائق، 421/ 1، ابن الجوزي غريب الحديث 329/ 1 - 330، ابن الأثير، النهاية، 109/ 2. وقد نقل أبو عبيد عن الأحمر أن في الدد ثلاث لغات: يقال هذا دَد على مثال يد ودم، وهذا دَدًا على (1/511)
صفحة 512
علوم السنة عند الإباضية
492
أَيُّها القلبُ تَعَلَّلُ بدَدَن إنَّ هَمَّي في سماع وأَذَن (1) • حديث سراقة بن مالك عن النبي) أنّ أهل الجنة الضعفاء المغلوبون، وأهل النار كلَّ جَعْظَرِي جَوَاظٌ جَظٌ مستكثر جماع) (2). قال أبو عمرو السوفي:" الجَعْظَري: السيّئ الخلق، وقيل: الفظ الغليظ (3)، والجواظ والجطّ: الجافي الكثير اللحم المختال في مشيته (4)، وقيل: الجواظ الذي يخوض في الأمور بالإثم (5)، تقول: جَاظٌ يَجُوظُ جَوَظانا (6).
مثال قفا
وعَصَا، وهذا دَدَن على مثال حَزَن. وقال ابن الأثير: وهي – أي دد - محذوفة اللام وقد استعملت متمَّمة دَداً كَندًى ودَدَنٌ كَبَدَن، ولا يخلو المحذوف أن يكون ياء كقولهم يَدٌ في يَدْي، أو نونا كقولهم: لَدُ في لَدُنْ، ومعنى تنكير الدَّدِ في الجملة الأولى الشياع والاستغراق وأن لا يبقى شيء منه إلا وهو منزه عنه، أي ما أنا في شيء من اللهو واللعب". ر: الهروي، غريب الحديث،34/ 1، ابن الأثير، النهاية،109/ 2.
(1)
(3)
6
السوفي، كتاب السؤالات، (مخ)، ص 324 و. (2) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم، كتاب التفسير تفسير سورة ن والقلم ... 541/ 2 (3844) والطبراني في الأوسط، حديث من اسمه بكر، 283/ 3 (3157). فسر الجعظري بهذين التفسيرين، وقيل هو الفظ الغليظ المتكبّر، أو المنتفخ المتعاظم بنفسه، أو الأكول الغليظ، أو القصير المنتفخ بما ليس عنده، أو الذي يتمدح وينتفخ بما ليس عنده وفيه قصر ر: الزمخشري، الفائق،73/ 3، ابن قتيبة غريب الحديث، 256/ 1 القاضي عياض، مشارق الأنوار، 158/ 1، ابن الجوزي غريب الحديث، 159/ 1، ابن الأثير، النهاية، 276/ 1 فسر الجظ بالضخم المنتفخ، أو الكثير اللحم، أو السمين القصير. ر: ابن قتيبة غريب الحديث، 258/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث 157/ 1، ابن الأثير، النهاية، 274/ 1، ابن منظور، لسان العرب مادة جظظ، 438/ 7. (5) اختلف في تفسير الجواظ، ففسر بالجموع المنوع، أو الكثير اللحم المختال في مشيته، أو الغليظ الرقبة والجسم، أو الفاجر، أو الذي لا يستقيم على أمر واحد يصانع هنا وهنا، أو الصخاب المهذار. ر: الزمخشري الفائق 247/ 1، ابن قتيبة غريب الحديث، 256/ 1، القاضي عياض، مشارق الأنوار، 165/ 1، ابن الجوزي غريب الحديث، 180/ 1، الحميدي،
(4)
تفسير غريب ما في الصحيحين، 70/ 1 ابن الأثير، النهاية في غريب الأثر، 316/ 1. (6) السوفي كتاب السؤالات، (مخ)، ص 425. (1/512)
صفحة 513
علوم السنة عند الإباضية:
493
• حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الكبر والألق والسَّخيمة والألس) (1) قال أبو عمرو السوفي:"الألس: الخيانة، وقيل: إنَّه اختلاط العقل (2)،قال الشاعر (من البسيط):
وهو
فَإِن تَبَدَّلتُ مِن قَومِي عَدِيَّكُمُ إِنِّي إِذا لَضَعِيفُ الرَأْيِ مَأْلُوسُ. والألق: الكذب (3)، قال الله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} (النور 15/ 24)،تقرأ عائشة بكسر اللام وتخفيـ ـف القاف (تلقونه) من الْوَلْق (4) و الكذب، والسَّخيمة: العداوة (5) (6). تكشف النصوص الحديثية المتقدمة علم النبي بغريب ألفاظ العرب، فحين كلمه الوافد إليه ببعض الكلام الغريب أجابه حسب منطقه، وأكد في النص الأول استعاذته بالله من كل سلوك يحمل على الشراهة سواء لطعام أو شراب أو شهوة أو غير ذلك، كما أكد في النص الثاني أن ليس من خلق النبي صلى الله عليه وسلم الميل إلى اللهو واللعب، وكشف في النص الثالث عن صفات بعض من تميل بهم هذه الصفات
(1) ذكره السوفي في كتاب السؤالات، (مخ)، ص 453.
(2)
ورد التفسيران عند علماء الغريب ر: الهروي، غريب الحديث، 459/ 2، ر: الزمخشري الفائق 55/ 1 ابن الجوزي غريب الحديث 34/ 1، ابن الأثير، النهاية في غريب الأثر، 60/ 1 وفسر صاحب اللسان الألس بجملة من المعاني منها: الخداع والغش والسرق والأصل السوء والغدر والكذب وذهاب العقل وتذهيله وغيرها من المعاني. ر: ابن منظور، لسان العرب، مادة ألس، 7/ 6.
(3)
فسر علماء الغريب الألق بالجنون أو الكذب. ر: الهروي، غريب الحديث، 459/ 2، ر: الزمخشري الفائق، 55/ 1 ابن الجوزي غريب الحديث،35/ 1 ابن الأثير، النهاية، 60/ 1. (4) ذهب إلى هذا القتيبي وأن الألق من الولّق فأبدل الواو، همزة، وردّ عليه ابن الأنباري محتجاً بأن إبدال الهمزة من الواو المفتوحة لا يجعل أصلا يقاس عليه وإنما يتكلم بما سمع منه ر: ابن الأثير، النهاية،61/ 1، ابن منظور، لسان العرب، 9/ 10. (5) فسرت السَّخيمةُ أيضا بالحقد أو الموجدة في النفس أو الضغينة، ر: الهروي، غريب الحديث 460/ 2، ر: الزمخشري، الفائق 66/ 2 ابن الجوزي غريب الحديث، 469/ 1، ابن الأثير، النهاية، 350/ 2.
(6) السوفي، كتاب السؤالات (مخ)، ص 453. (1/513)
صفحة 514
علوم السنة عند الإباضية
494
إلى النار والعياذ بالله ليتحسس المرء خلقه وصفاته فيبتعد عن تلك الصفات، وفي النص الرابع استعاذ النبي من بعض الصفات والأخلاق السيئة كالخيانة
والكذب وغيره من خلال ذكر ألفاظها كما عبر بعض العرب في غريبهم عنها. • حديث: (أربعة دواء لكل داء إلا السام: السَّنا والتَّفَاء و السنوت والحبة السوداء) (1). قال أبو عمرو السوفي: "التّفاء (2): الحرف وهو حب الرشاد، والسنا: العتالقة اهجر جر (3)، و السنوت الكمون، وقيل السمن، وقيل العسل (4) (5).
(1) أخرج المقدسي حديثا بلفظ أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث فيهن شفاء من كل داء إلا السام السنا والسنوت قالوا هذا السنا قد عرفناه فما السنوت قال لو شاء الله لعرفكمه قال محمد ونسيت (الثالثة في الأحاديث المختارة، حديث عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، 237/ 6 (2255) وابن ماجة في سننه، كتاب الطب، باب السنا والسنوت، 1144/ 2 (3457) وأما حديث الحبة السوداء فأخرجه البخاري بلفظ) عن عائشة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام قلت وما السام قال الموت في صحيحه، كتاب الطب، باب الحبة السوداء، 2153/ 5 (5363). (2) لم أجد اللفظ في الروايات والمعاجم وكتب الغريب التي نظرتها فلعل العبارة فيها إدراجا. هكذا ورد في كلام السوفي فلعلها لغة بربرية والسنا نبت يتداوى به أو ورق هذا النبت. ر: الزمخشري، الفائق 201/ 2، العسكري، إصلاح غلط المحدثين، 165/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث، 501/ 1، وضبطه ابن الأثير مقصورا (السنى). ر: ابن الأثير،
(3)
النهاية، 407/ 2.
(4)
فسر السنوت بالعسل أو الرُّبِّ أو الكمون وقيل: ضرب من التمر، وأورد ابن قانع قول من فسره بالشونيز، وضبطه ابن الأثير بضم السين وذكر أن الفتح أفصح. ر: الزمخشري، الفائق، 247/ 1، ابن قتيبة غريب الحديث 358/ 1، ابن الأثير، النهاية، 407/ 2، أبو الحسين عبد الله بن قانع (963/ 351)، معجم الصحابة، تح صلاح بن سالم المصراتي، ط 1، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، 1418 هـ، 107/ 2.
(5) السوفي، كتاب السؤالات (مخ)، ص 452 - 453 (1/514)
صفحة 515
علوم السنة عند الإباضية
495
أبان الحديث عن علم النبي بالأدوية والنباتات التي يمكن استخدامها أذويَةً، ودل الحديث على شرعيّة طلب الدواء والعلاج مما يصيب المرء وحثه عل
ذلك.
حديث ابن عباس قال قال رسول الله له من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجْدَم) (1). قال الربيع: " الأجدَم المقطوع اليد (2) وقال العوتبي:" قال أبو عبيد: الأَجْدَم: مقطوع اليد واحتج بقول المتلمس: (من الطويل):
وَهَل كُنتُ إِلا مِثْلَ قَاطِعٍ كَفِّهِ بِكَفِّ لَهُ أُخرى فَأَصْبَحَ أَجِذْما (3). أفاد لفظ "أجذم" التحذير من إهمال القرآن ونسيانه ودل الحديث على "الوعيد الشديد على نسيان القرآن بعد تعلمه (4)، وفي ذلك حث على العناية بالقرآن تلاوة
وعملا بما يناسب كونه دستور المسلم ومشكاة هدايته وسبيل نجاته وسعادته. . حديث أبي هريرة عن النبي من حديث أطول وفيه .. بل أنتم أصحابي وإنما إخواني الذين يأتون من بعدي وأنا فرطهم على الحوض قالوا يا رسول الله
(1) أخرجه الربيع في مسنده، باب في ذكر القرآن 25/ 1 (6) والدارمي في سنه، كتاب فضائل القرآن، باب من تعلم القرآن ثم نسيه، 529/ 2 (3340).
(2) الربيع، المسند، 25/ 1 (6). (3) العوتبي، الإبانة 370/ 2، وانظر: الهروي، غريب الحديث، 399/ 1. وهذا التفسير للأجذم أي مقطوع اليد من الجذم أي القطع استدل له أبو عبيد بحديث علي (من نكث بيعته لقي الله وهو أجذم ليست له يد)، وذهب القتيبي إلى أن الأجذم هنا الذي ذهبت أعضاؤه كلها فليست اليد أولى بالعقوبة من باقي الأعضاء، يقول عبد الكريم الرافعي:" ونصر الأكثرون أبا عبيد منهم ابن الأنباري وأبو الحسين بن فارس وأبو سليمان الخطابي وغيرهم وذكروا أن سويدا بن جبلة الفزاري سبق أبا عبيد إلى تفسيره وأجابوا إلى الاحتجاج لمشاكله"، أقول وليس سويد هو الوحيد الذي تقدم أبا عبيد وفسره؛ فها هو الربيع أيضا فسره بهذا التفسير، وأول ابن الأعرابي الحديث بأن من نسي القرآن لقي الله خالي اليد من الخير والثواب فكني باليد عما تحويه اليد ر: الرافعي القزويني عبد الكريم بن محمد (1226/ 623)، التدوين في أخبار قزوين تح عزيز الله العطاري، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987، 163/ 1، ابن الأثير، النهاية، 251/ 1
(4) السالمي، شرح المسند، 17/ 1. (1/515)
صفحة 516
علوم السنة عند الإباضية
496
كيف تعرف من يأتي بعدك قال أرأيتم لو كان الرجل خيلٌ غُرَّ مُحَجَّلة في خيلِ دُهُم بُهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنهم يأتون يوم القيامة غُرا مُحَجَّلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض وليُذادَنَّ رجال عن حوضي كما يُذَادُ البعير الضال فأناديهم ألا هَلُمّ فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فَسُحقاً فَسُحقا) (1). قال العوتبي: الدُهْم السود (2)، و البُهم التي لا يخالط سوادها لون أخر (3)، يقال: أسود بهيم وكميت بهيم، قال أمية (من الخفيف):
زَارَنِي مُوهِناً وَقَد نَامَ صَحِبَيَ وَسَجا اللَّيْلُ بِالظَّلامِ البَهِيمِ ويقال أمر أغرّ محجّل: إذا كان واضحا بينا، قال الجعدي من الطويل) ألا حَيِّيَا لَيلِي وَقُولا لَهَا هَلا فَقَد رَكَبَت أَمراً أَغَرَّ مَحجَّلا
وغرّة الهلال: ليلة يرى والغُرَر: ثلاثة أيام من أول الشهر (4). قال العوتبي: أنا فرطكم على الحوض أي أنا أتقدمكم إليه حتى تردوه علي" (5)، وقال أبو ستة محمد بن عمر: غُرّ" بالضم على وزن فعل جمع أغر؛ كحُمر جمع أحمر، وهو مأخوذ من الغُرّة بالضم وهي في اللغة بياض في جبهة الفرس فوق
(1) أخرجه الربيع، باب الأمة أمة محمد، 37/ 1 (43)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرّة والتحجيل في الوضوء، 218/ 1 (249) وأخرجه البخاري مختصرا بلفظ (إن أمتى يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء) في صحيحه، كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء .. ، 63/ 1 (136) (2) الدهم: السود أو الجمع الكثير. ر: اليحصبي، مشارق الأنوار،262/ 1، ابن الأثير، النهاية
145/ 2
(3) نقل هذا التفسير عن عمرو بن العلاء، ولأبي عبيد تأويل للمراد وهو أنهم يحشرون بأجساد مصححة لخلود الأبد، بلا آفة من عمى وعرج وغيره، وقال الزمخشري: ليس معهم شيء من أعراض الدنيا شبه خلو جسد العاري من عرض يكون معه بخلو نقبة الفرس-أي بوجه من دوائره عن شية مخالفة لها. ر:: الهروي غريب الحديث، 122/ 1 الزمخشري الفائق، 137/ 1، ابن الجوزي، غريب الحديث، 93/ 1.
(4) العوتبي، الإبانة 591/ 3. (5) م. س، 546/ 3. (1/516)
صفحة 517
علوم السنة عند الإباضية
497
الدرهم استعيرت للنور الذي يكون في وجه المؤمن يوم القيامة من أثر الوضوء، (محجلين) جمع محجل وهو مأخوذ من التحجيل، قال في الصحاح والتحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها أو في رجلين قال أو أكثر بعد أن يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين لأنها مواضع الأحجال وهي الخلاخيل والقيود ... إلخ ثم استعير التحجيل للنور الذي يكون في أرجل المؤمنين يوم القيامة من أثر الوضوء" (1).
(2)
حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لن يدخل الجنة أحد بعمله قيل ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) قال الربيع "يعني يكسوني برحمته ويغمدني بها كما يغمد السيف في
جفنه (3).
قال العوتبي:" يتغمدني: يسترني، أخذ من غمدت السيف في غمده: إذا سترته، قال الشاعر (من الطويل)
نُصَبْنَا رِمَاحَاً فَوْقَهَا جَدُّ عَامِرٍ كَظِلُّ السَّمَاءِ كُلَّ أَرْضِ تَعَمَّدَا
أي ظل السماء يستر كل أرض ويظلها، وكذلك نحن نقهر ونغلب كل منازع (4). أفاد الحديثان المتقدمان عددا من الفوائد منها فضل الوضوء وجاء التعبير بالغرّة والتحجيل في وصف الرسول له مؤكدا ذلك، وأنهما علامة يميز بها النبي العرض، وجاء التعبير بالبُهم والدهم فى الصورة العامة مقويا صورة إشراق المؤمنين خلافا لباقي الخلائق، غير أنه أكد أن ذلك مرهون
بني
أمته
يوم
(1) أبو ستة محمد بن عمر، كتاب الوضع، 120/ 1 - 121.
(2) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الأيمان والنذور، باب الآداب 282/ 1 (736) وابن حبان في صحيحه، كتاب البر والإحسان، ذكر الأمر بالتشديد في .... 60/ 2 (348). (3) الربيع، المسند، 282/ 1 (736). (4) العوتبي، الإبانة 598/ 3. والتأويل ليتغمدني برحمته أي يسترني بها ويلبسنيها كمثل غمد السيف الذي يصونه ويستره ر، الزمخشري الفائق،76/ 3، القاضي عياض مشارق الأنوار، 135/ 2، ابن الجوزي غريب الحديث 162/ 2، ابن الأثير، النهاية، 383/ 3. (1/517)
صفحة 518
علوم السنة عند الإباضية
498
بالخاتمة؛ فمن بدل وغيّر حتى لو كان من أصحابه فلا مكان له عند الشرب من حوضه، ثم إنّ الحديث الثاني أكّد أن الأمر قائم على رحمة الله فلا يعتبر المرء
نجاته بعمله فحسب.
أبان لنا الفصل المتقدم عن جوانب من إدراك اللغة وفهم مقتضى ألفاظها ودلالاتها لدى علماء الإباضية، وجاءت معرفتهم بالغريب متنوعة، فمنها ما هو
ذاتي ومنها ما هو مستفاد من علماء الغريب الذين اشتغلوا بهذا الفن واعتنوا به. وقد رأينا حضور الغريب بأقسامه؛ من بيان للكلمة المفردة، وتفسير لما اختلف أو أتلف من الألفاظ، ولما ورد متفقا أو مفترقا، وما ورد مخففا أو مضعفا وغير ذلك.
وقد رأينا أيضا تنوع مصادر تفسير الغريب عندهم، كالقرآن الكريم، والسنة
النبوية نفسها، وتفسير الصحابة لدرايتهم بمعاني الألفاظ التي نطق بها النبي لمباشرتهم الرواية وقربهم منها مع كونهم عربا أقحاحا يعرفون هذا الغريب والاستعانة بمعاجم اللغة ومصنفات علماء الغريب، والاستعانة بمأثور كلام
العرب.
وتكشف لنا النماذج المتقدم عرض بعضها عن ثروة لفظية هائلة، وعن آثار فقهية وتربوية بدت أكثر وضوحا بجلاء معاني ألفاظ الغريب، وجاء ترتيبها وفق التبويب الفقهى مؤكّدا تعلّق الكثير من الآثار الفقهية بتفسيرها، فتفسير "القرص" لدم الحيض علّم المرأة كيفية التخلّص من نجاسة دم الحيض، ولفظ "الدائم" في وصف الماء، أعطى للماء القليل الساكن حكما خاصا، وتفسير "الدباغة" بين حكم الجلد بعد تحققها فيه، وبذلك استبان التيسير للعباد في أمور، معاشهم، كما أن تفسير "الزنّاء" بالحاقن كشف عن صفة هذه الحالة المنافية للخشوع، وتفسير "المؤربة" في وصف اللحم أكد المعنى الفقهي المراد من النص وأنّه لا وضوء من طعام أحلّ أكله، وجاء تفسير الوكاء والسَّه مبينا ضابط النوم الناقض للطهارة، كما جاء وصف الخداج مؤكدا فرض قراءة الفاتحة وأهميتها في الصلاة. (1/518)
صفحة 519
علوم السنة عند الإباضية
499
وهكذا فإن بيان هذه الألفاظ مفيد لكشف الكثير من الدلالات الفقهية والمعاني
الشرعية التي ينبغي للمتعبد الالتفات إليها. (1/519)
صفحة 520
علوم السنة عند الإباضية
500
الباب الخامس
مصطلح الحديث عند الإباضية
الفصل الأول: تقسيم الحديث
بتعدد طرقه
الفصل الثاني: الحديث المقبول.
الفصل الثالث: الحديث المردود.
الفصل الرابع: الحديث المشترك
بين القبول والرد. (1/520)
صفحة 521
علوم السنة عند الإباضية
توطئة:
501
يعنى فن المصطلح بالجانب الاصطلاحي للحديث وأنواعه، وسنعرض في فصول هذا الباب هذه الأنواع وفق تقسيم يجمع أنواعها المتعدّدة قدر ما يمكن وسيشمل الفصل الأول تقسيم الحديث من خلال تعدد طرقه كالمتواتر والآخاد وغيرهما، وأما الفصول الأخرى ستعالج أقسام الحديث من حيث القبول وعدمه، فالفصل الثاني في أنواع الحديث المقبول كالصحيح والحسن وما التحق بهما، والثالث في أنواع الحديث المردود كالضعيف وأنواعه المتفرعة عنه، ويأتي الرابع مكملا لهما ببيانه الأنواع المشترك بين القبول والرد.
الفصل الأول: تقسيم الحديث بتعدد طرقه
المبحث الأول: المتواتر:
معنى المتواتر لغة واصطلاحا:
ورد التواتر لغة بمعنى التتابع مطلقا، أو بمعنى تتابع الأشياء وبينها فَجَواتُ
وفترات، قال اللحياني: تواترت الإبل والقطا وكل شيء إذا جاء بعضه فـ إثر بعض ولم تجئ مُصْطَفَةً وقال الأصمعي: "واتَرْتُ الخبر: أتبعتُ وبين الخبرين هُنَيْهةً، وأصله من الوتر، وهو الفَردُ، فسمّي المتعدد متواترا إذ جعل كل واحد بعد صاحبه فَرْداً فَرْداً ولكن بشرط أن لا تكون المُواتَرَةُ بينها فترة؛ وإلا تكون مُدارَكَة ومواصلة (1).
أما المتواتر اصطلاحا فنجد أنّ أول من عرفه أبو عبد الله الكندي إذ يقول:" وأمّا أخبار التواتر فهو أن يخبرنا جماعة عن جماعة لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب ... ويكون عن مشاهدة يستند إليها (2)، وتأتي عبارة أبي بكر الكندي مقتضبة لعبارة أبي عبد الله فيقول: " التواتر أن تخبر جماعة لا يجوز عليهم
(1)
ابن منظور، لسان العرب مادة وتر، 5/ 275.
(2)
الكندي
أبو عبد الله بيان الشرع، 21/ 1 (1/521)
صفحة 522
علوم السنة عند الإباضية
502
(1)
التواطؤ على الكذب و يكون عن مشاهدة يستند اليها لكن عبارة أبي عبد الله
أدلّ على المراد إذ اقتضت حضور التواتر طبقة عن طبقة.
ويعاصر أبا عبد الله وأبا بكر كل من الملشوطي وبعده السوفي من المغاربة لكن تعريفهما يكون أجمع وأدلّ فيعرفان المتواتر بأنه ما نقلته جماعة عن جماعة متصلة فيما بين المخبر والمخبر عنه ممّا لا يصح عليهم التواطؤ ولا التساعي ولا اتفاق الهمم ولا دعاهم إلى ذلك اعتقاد مذهب ولا إلحاد، ويكون أصل علمهم بذلك المشاهدة (2)، ونجد سعيدًا الجربي حين يحاول تعريف التواتر يبينه من خلال بيان ضابط من ضوابطه فيقول: " وأهل التواتر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، فاستحالة الكذب مستندة إلى العادة لا إلى العقل (3)، وفي موضع آخر يقول:" المتواتر إخبار جماعة عن جماعة يستحيل عادة تواطئهم على الكذب (4) ويعرفه أبو العباس الشماخي بأنه "خبر جماعة عن جماعة يفيد العلم بنفسه العلم بصدقه" (2)، ولم يخرج عمرو التلاتي عن تعريفه واقتصر في حاشيته على شرح التعريف (6).
أما تعريف السالمي المتواتر "بأنه ما رواه جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة عن جماعة مثلهم، بحيث أنه لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة أيضا حتى ينتهي به النقل كذلك إلى الرسول (7) فهو تعريف حسن، لكنه كرر عبارة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة بلا حاجة إلى ذلك في تقديري.
(1)
الكندي
بكر عينه.
أبو بكر، المصنف،44/ 1، وانظر الشقصي، المنهاج 80/ 1، فقد أورد تعريف أبي
(2) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ (مج)، ص 295، السوفي، السؤالات، (مخ)، ص 246.
(3) الجربي سعيد، جوابات سعيد الجربي، (مخ)، 124 و.
(4)
م. س، 127 - 128.
(5) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 434.
(6) الثلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 186.
(7) السالمي، شرح الطلعة 8/ 2 (1/522)
صفحة 523
علوم السنة عند الإباضية
503
وقد تلافي القطب اطفيش مثل هذا في تعريفه المتواتر بأنه" الذي يرويه عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من ابتدائه إلى انتهائه، وينضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم السامعه (1)، وليت القطب اطفيش أكمل لنا التلاف فاكتفى في آخره: " مع إفادة العلم لسامعه.
ويعرف خلفان السيابي المتواتر بأنّه: ما رواه جماعة عن جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة ويفيد العلم مع اجتماع شرائطه (2).
ويقيد أبو أحمد الكندي تعريفه المتواتر بأن يمتنع التواطؤ على الكذب في العصور الثلاثة الأولى وذلك لأن النقل بعدئذ صار بطريق التدوين، وكأنه جرى في ذلك على نهج بعض الأصوليين (3).
ويعرفه سعيد القنوبي بأنه الذي روته جماعة عن جماعة تمنع العادة تواطؤهم أو توافقهم على الكذب إلى أن يصل النقل إلى رسول الله وكان مستندهم
الحس
(4)
والتعريف الذي أرتضيه تعريف القطب اطفيش مع بعض التعديل بحيث يكون كالتالي: المتواتر هو الذي يرويه عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من ابتدائه إلى انتهائه، ويكون مستندهم الحس ويفيد العلم، لسامعه، وذلك لأن قيد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب" يغني عن لفظ "جماعة"، وقيد "من أول ابتدائه إلى انتهائه" يؤكد وجود التواتر في كل طبقاته ويغني عن شرط القرون الأولى إذ إن غالب النقل كان فيما بعدها بالتدوين لكن بقي جانب من النقل شفويا بعدها، ومن جهة أخرى فإن تحقق التواتر في أول السند يحمل تحققه في الغالب في آخر السند، وذلك لكثرة انتشار الروايات وكثرة حملة علم الإسناد على امتداد الزمان
(1) اطفيش، وفاء الضمانة 11/ 1.
(2) السيابي، فصول الأصول، ص 238.
(3)
الكندي إبراهيم، أصول الفقه والأدلة النصية، ص 142.
(4) القنوبي سعيد، مقدمات في علوم الحديث، ص 5 (1/523)
صفحة 524
علوم السنة عند الإباضية
504
أضف إلى ذلك أنه لا اعتبار لمتواتر الأخبار بعد القرن الثالث فكثير من أخبار
الآحاد دخلت حد التواتر بعد ذلك كما ذكر السالمي
أقسام التواتر:
(2)
(1)
يقسم الإباضية المتواتر كالجمهور) إلى: متواتر لفظي ومعنوي:
فالتواتر اللفظي مفهومه وضابطه " إن اتفق ذلك العدد - أي الراوي للمتواتر - في اللفظ والمعنى فهو التواتر اللفظي (3)، يقول السالمي:" فإن نقل اللفظ بعينه يسمى تواترا لفظيا" (4)، ونجد منهم من يمثل للفظي بمقادير الزكاة، ومواضع المناسك، ووقت الصيام من السنة ونحو ذلك كما مثل بعضهم بحديث (5) (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (6) وغير ذلك من الأمثلة.
والتواتر المعنوي يكون إن اختلف الرواة للتواتر في اللفظ مع وجود معنى كلّي جامع لروايتهم (7) يقول السالمي: " وإن نقل المعنى فقط سمّي توترا
(1) السالمي، شرح الطلعة 13/ 2
(2) لمعرفة مزيد من التفصيل حول تقسيم المتواتر عند جمهور المحدثين والأصوليين. انظر: السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (1506/ 911)، تدريب الراوي، تح: عبد الوهاب عبد اللطيف مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، (دت) 180/ 2،176 وما بعدها، الكتاني أبو عبد الله محمد بن جعفر (1927/ 1345)، نظم المتناثر في الحديث المتواتر، تح: شرف حجازي، دار الكتب السلفية، مصر، (دت) 9/ 1 - 18، القاسمي محمد جمال الدين،
قواعد التحديث، 146،271/ 1.
(3) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 187.
(4): السالمي، شرح طلعة الشمس 8/ 2 وانظر قريبا من ذلك الجربي سعيد بن علي
أجوبة، (مخ)، 124 و.
(5)
ار السوفي، السؤالات (مخ)، ص 246، التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 187،
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 430.
(6) تقدم تخريجه ص 109.
(7)
م. س، ص 187. (1/524)
صفحة 525
ة علوم السنة عند الإباضية
505
معنويّا (1)، ويمثلون للمعنوي بشجاعة علي بن أبي طالب وشجاعة عمرو بن معدي كرب، وسخاوة حاتم بن عبد الله الطائي (2).
شروط التواتر
اشترط الإباضية شروطا لا بد من وجودها في المتواتر حتى ينال درجته ومنزلته وهي كالآتي:
1 - العقل وهو شرط مهم في قبول كل الأخبار لكن الوارجلاني جعله شرطا للمتواتر لمزية التأكيد عليه؛ إذ المجانين والصبيان والذين لا يعقلون لا يوثق ا، وقد أكد على ضرورته وشرطه الشماخي (4)، وجرى على تأكيده عمرو الثلاثي في شرحه لكلامه (5).
بأخبارهم
(6)
(3)
2 - المشاهدة بحيث يستند خبر الناقلين عليها؛ فأخبار من لم يشاهد لا يوثق، فلا بد أن يكون الرواة في خبرهم مستندين إلى المشاهدة، مثل الإخبار عن البلدان والملوك والأصوات والمطعومات والمشمومات؛ ويخرج بذلك الإخبار عن الأمور العقلية؛ مثل لو أخبر جمع كثير من جهات العالم المختلفة أن العالم حادث وما أشبه ذلك، فخبرهم يخرج عن مفهوم التواتر المصطلح عليه؛ وذلك لأن الأمور العقلية مما يمكن النظر فيها لكل عاقل، وليس لكثرة المخبرين فيها أي أثر (7).
(1) السالمي، شرح الطلعة 8/ 2 وانظر قريبا من ذلك: سعيد الجربي، أجوبة، (مخ)، 124 و. ر السوفي السؤالات (مخ)، ص 246، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 187، اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 430
(3)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1/ 139. (4) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 434.
(5)
(6)
(7)
التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 187.
م. س، 1/ 139.
السالمي، شرح الطلعة 10/ 2 الشماخي، شرح مختصر، العدل، ص 434، التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 187،،اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 431. (1/525)
صفحة 526
علوم السنة عند الإباضية:
506
وقد عبّر الشماخي وغيره عن المشاهدة بما هو أعم وهو الحس؛ فذكر أنّ من شرطه استناده إلى الحس (1)، على أن عمرو الثلاتي فستر الحس الذي ذكره الشماخي أيضا بالمشاهدة وإن عمّم تفسيره في قوله: أي المشاهدة بأن يكون خبرهم عن أمر محسوس بإحدى الحواس الخمسة الظاهرة، كجود حاتم ولو في الطبقة الأولى فيكون عن حس، بواسطة الأولى (2)، وفي تقديري أن تعبير الشماخي بالحس أجمع وأشمل من المشاهدة، وتبقى الحواس التـ أشار إليها الثلاثي مجرد أدوات للحس.
وينطلق القطب اطفيش إلى مجال أرحب بالحسّ حين يذكر أن المراد بالمحسوس هو ما كان محسوسا ولو بواسطة أو محسوسا في الأصل، فيشمل الطبقات المتعدده، ويمثل لذلك بما إذا رأى مكة، جماعة، وأخبروا جماعة بوجودها، وتلك الجماعة أخبروا جماعة، فإنّه يصدق عليه باعتبار ما بعد الطبقة الأولى أنه محسوس بواسطة الطبقة الأولى، وفي الأصل أي بالنظر للأولى)
(3)
3 - العدد وضابطه أن يكون من عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب، و يكونون كثرة عن كثرة إلى من شاهد ورأى ممن يؤمن عليه الخطأ (4)، ويبقى تحديد العدد محل اجتهاد ونظر، وقد أكد السوفي أنّه لا حدّ للعدد في قوله: "ليس للتواتر عندنا حد (5) وهذا التأكيد نص عليه الملشوطي أيضا قبله (6)، ونلمس من عبارة الشماخي التأكيد على ذلك بقوله: وشروطه" العدد غير المتواطئين على الكذب المستوون في الطرفين والوسط ... خلافا لمن قال بتعيين العدد " (7).
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 434.
(2)
الثلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 187.
(3) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 431.
(4)
(5)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، 1/ 139.
السوفي، السؤالات، (مخ)، ص 116.
(6) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ مج)، ص 295.
(7) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 434. (1/526)
صفحة 527
علوم السنة عند الإباضية
507
وقد شرط الملشوطي والسالمي أن لا يقلّ عن أربعة؛ وذلك لأن ما نقله الأربعة ليس بمتواتر قطعا؛ إذ الأربعة ليس بكثرة (1)، ثم إنه لا يحقق الشرط والصفة في الناقلين، إذ لا بد أن يكون عدد الناقلين لا يمكن في العادة أن يتواطأ
مثلهم على الكذب، على أن هذه الصفة مرتبطة بأحوالهم من كثرة أو غيرها (2).
ويعلق القطب اطفيش على قول بعضهم يستحيل تواطؤهم على الكذب عقلا؛ بأن ذلك إما وهم أو يؤول بأن العقل يحكم بالاستحالة بالنظر إلى العادة لا بالنظر إلى التجويز العقلي مجردا عن العادة (3).
ونجد عند البعض التأكيد على شروط أخرى مثل:
4 - أن يتوافق الطرفان في الخبر كما يذكر اطفيش (4)، وهذا الذي ذكره اطفيش
تقدمه الشماخي في الإشارة إليه بقوله: وأن يستوي طرفا المخبرين، ووسطهم يبلغ كل من الأعلى والأوسط والأخير عدد التواتر (5)، ويعلق عمرو التلاتي على كلام الشماخي في شرحه بقوله: " في الطرفين أي بالنظر إلى الطبقة الأولى والأخيرة وبالنظر إلى الوسط أي ما بين الطبقة الأولى والآخرة من الطبقات بأن يكونوا ذلك الجمع من كل الطبقات من هذا يتبين أن التواتر في الطبقة الأولى قد يكون آحادا فيما بعدها ... وبهذا علمت أن ذاك الاستواء شرط في إفادة التواتر العلم لا في وجوده كما هو ظاهر كلام المصنف رحمه الله - يريد الشماخي-
والأولى أن يقول المستوي طرفاهم ووسطهم كما يفيده كلامه في الشرح (6).
5 - يشترط في التواتر الداخل في المفهوم الاصطلاحي في إفادته الاضطرار؛ أن يكون هذا الاضطرار ضروريًا ومحتاجا إليه في علم من أخبر به، وفي هذا
(1) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ (مج)، ص 295، السالمي، شرح الطلعة 8/ 2. (2) السالمي، شرح الطلعة، 8/ 2 - 9.
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 430.
(4) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 430. (5) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 436.
(6) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 187. (1/527)
صفحة 528
علوم السنة عند الإباضية
508
احتراز عن أمر لم يضطروا إلى العلم به كإخبار اليهود عن قتل المسيح، وبلوغ المخبرين عدد من يستحيل تواطؤهم على الكذب، قال: اطفيش: "بل هذا مذكور في الحدّ، وزاد أصحابنا - شيخنا ومن تقدمه - أن لا يدعوهم إلى تصحيح مذهب إلى ما تواطؤوا عليه (1)
6 - أن لا يكون السامع على علم بالخبر كما أنه لا يكون له علم نقيضه (2) 7 - أن يكون المخبرون مع استنادهم إلى الحسّ عالمين بما أخبروا به (3) حجية المتواتر وحكمه
ذهب الإباضية مثل جمهور الأمة (4) إلى أنّ المتواتر حجة، وأنه يوجب العلم والعمل، بل إنّ خبر التواتر يوجب العلم ضرورة (5)، ويؤكد على ذلك أبو المنذر
بشير بن محمد
6
(6)
أبو سعيد الكدمي علم التواتر علم الشهرة، ويقول:" إن ويسمي
علم الشهرة أوجب من علم العيان وأوجب من علم ما وعته الآذنان من المتكلّم باللسان (7) ويقول أيضا:" هذه الحجّة أوجب العلوم وأثبتها وأوضحها محجة ولا نعلم في الإسلام أوضح من علم الشهرة لأنها توجب علم ما سلف من الدهور وما مضى عليه السنوات والشهور، كما يسميه علم التواتر أيضا (8)، ويؤكد في كتابه
(1) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 430.
(2) م. س، ص 430.
(3)
(4)
م. س، ص 430.
حول حجية المتواتر ر: الكتاني نظم المتناثر،12/ 1 السيوطي، تدريب الراوي
•
123/ 1، القاسمي، قواعد التحديث 146/ 1.
(5)
(6)
(7)
(8)
ابن بركة، التعارف، ص 37.
الرحيلي بشير بن محمد المحاربة، (مخ)، 3 و.
المعتبر 1 - 86 - 87.
الكدمي،
م. س، 1 - 86 - 87. (1/528)
صفحة 529
علوم السنة عند الإباضية
509
الاستقامة على علم اليقين المستفاد من التواتر (1)، ويذكر عمرو التلاتي الجربي
أيضا أن التواتر يوجب العلم اليقيني
(2) ?
إن العلم الحاصل من التواتر هو علم ضروري يحصل في النفس بداهة
لكن اختلف في العلم الحاصل أهو ضروري أم نظري فذهب كثيرون إلى أنه علم ضروري دون الحاجة إلى أي مقدّمات نظريّة كما نص على ذلك علماء الإباضية قديما وحديثا (3)، يقول السالمي: " العلم المستفاد منه ضروري فلو كان نظريا لافتقر إلى مقدمتين كسائر النظريات ولاختلاف العقلاء في العلم به، والحال خلاف ذلك فدل على أنه علم ضروري
(4)
ونجد أن الوارجلاني مع اتفاقه مع باقي علماء المذهب في حصول العلم الضروري، يفصل في ذلك؛ فيذكر أن معرفة من حصل له العلم بالخبر المتواتر من جهة الضرورة هي ضرورية، لكن من لم يسمعه إلا نادرا كان في حقه كسبيا، ومع ذلك فصفة الكسبيّة تكون على حد قوله ابتداء، ومن ثمّ يكون عنده
ضروريا (5).
ويستدل الشماخي على إفادة المتواتر للضروري بما نجده من أنفسنا من العلم بوجود مكة، وبغداد، والأنبياء والرسل، والصحابة ضرورة، ويقول بعد ذلك:" يفيد العلم ضرورة مطلقا وهو قول الأكثر (6)، ولكن يظهر من كلام
(1) الكدمي، الاستقامة، 112/ 1
(2)
الثلاتي، روضة المشتاق على زهرة الإشراق، (مخ) ص 38. (3) ر: ابن بركة المبتداء (مخ)، ص 106، الكدمي، المعتبر، 861، الكندي، المصنف المبتداء (مخ)، ص 106 44/ 1، الملشوطي، الأدلة والبيان، مخ، (مج)،295، الوارجلاني، العدل، 139/ 2، التلات رفع التراخي، (مخ)، ص 187، السالمي، شرح الطلعة، 12/ 2 - 13.
(4) السالمي، شرح
(5)
الطلعة، 12/ 2.
الوارجلاني، العدل، 142/ 1.
(6) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 435. (1/529)
صفحة 530
علوم السنة عند الإباضية
510
الشماخي المتقدم أنّه لا يميل إلى الإطلاق في إفادة المتواتر العلم الضروري وأنه يحصل في النفس بداهة.
ويؤكد الجيطالي والسالمي من بعده على أمور مستفادة من المتواتر، فهو يتفرع عن كون الخبر المتواتر مفيدا للقطع واليقين؛ أمور كوجوب الاعتقاد في ما كان من الأمور الاعتقادية، وجوب الاتباع في ما كان من المسائل العملية (1). ويطرح البسيوي بعض الحجج الدالة على حجيّة تواتر الأخبار باعتبار الناس وقبولهم ما اشتهر من أخبار المدن والبلدان البعيدة المشتهرة، وكذلك أخبار وأصحابه بنقلها وتصديقها فمن هذه الوجوه تقوم حجة التوتر على العقلاء المكلفين (2)، يقول أبو عبد الله الكندي:" فإن قيل: فما الدليل على أن تواتر الأخبار يفيد علما؟ قيل له ما يعلمه من البلدان التي لم يشاهدها والأشياء التي لم يعلمها إلا بنقل المخبرين لها وإن لم يعاينها، نحو الحروب الكائنة في المواضع البعيدة والمحن النازلة فى البلدان القاصية وما نعرفه من أحوال الناس الواردة
النبي
إلينا" (3). ويعتبر اطفيش أن حصول العلم من خبر بمضمونه يعتبر علامة اجتماع شرائط التواتر في ذلك الخبر (4).
إن المتواتر يوجب العلم والعمل (5)، لكنه يثبت بنفسه و بذاته العلم لا بقرينة، كما أن العلم المستفاد كما تقدم ذكره يقيني؛ أي إنّه علم اعتقاد غير قابل
(1) الجيطالي، القواعد، 47/ 1، السالمي، شرح الطلعة، 12/ 2. (2) البسيوي، سيرة أبي الحسن البسيوي، (مخ مج)، ص 42.
(3) الكندي
محمد بن إبراهيم، بيان الشرع 314/ 3، وانظر مثل ذلك في الأصم عثمان بن
أبي عبد الله: النور، ص 193 - 194.
(4) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 432.
(5) الوارجلاني، العدل، 143/ 1، الجربي سعيد بن علي، أجوبة فقهية، (مخ)، ص 28
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 435 (1/530)
صفحة 531
علوم السنة عند الإباضية
511
للتغيّر، يجزم بصدقه و مطابقة حكمه للواقع كما يعبر الثلاتي (1)، يقول اطفيش" المتواتر مجزوم به - أي مقطوع ومفيد للعلم بلا قرينة متصلة (2).
وقد ذكروا أمثلة كثيرة للتواتر: فابن بركة يقول: "والرواية متواترة (أن النبي صلى صلاة العيد) (3) (4)، وأبو سعيد الكدمي يذكر أن في فرضية الصلاة
ووجوبها تواترت الأخبار النبوية
(5)
ا، وسعيد الجربي يمثل للتواتر (0) بتواتر حديث (بني الإسلام على خمس) (7) وحديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... ) (8) و غير ذلك من الأمثلة التي ذكروها.
المبحث الثاني: خبر الآحاد
يشير لفظ الآحاد إلى الإنفراد ويقال: اسْتَأحَدَ الرجل: انفرد (9)، قال ابن منظور و الأحد بمعنى الواحد وهو أول العدد، تقول: أحد واثنان و أحد عشر: وإحدى عشرة (10)، يقول أبو أحمد الكندي:" والآحاد جمع أحد كأبطال أحد كأبطال جمع بطل،
(1) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 186.
(2)
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 435. (3) حديث (عبد الله بن عمر أن رسول الله كان يصلي في الأضحى والفطر ثم يخطب بعد الصلاة) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العيدين باب المشي والركوب إلى العيد
والصلاة ... 326/ 1 (914).
(4) ابن بركة، الجامع 590/ 1
(5) الكدمي، المعتبر، 183/ 4.
(6) الجربي سعيد بن علي فتاوى فقهية، (مخ)، ص 27 - 28.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، 12/ 1 (8)، ومسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، 45/ 1 (16)، وابن حبان في صحيحه في كتاب الإيمان، 294/ 4 (1446)، وابن خزيمة في صحيحه في كتاب الصلاة 159/ 1 (308).
6
(8) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبي ... 1077/ 3 (2786) والربيع في مسنده، كتاب الجهاد باب جامع الغزو، 188/ 1 (464).
(9)
ابن منظور، لسان العرب، 3/ 70.
(10)
م. س، 3/ 70. (1/531)
صفحة 532
علوم السنة عند الإباضية
512
وهمزة أحد مبدلة من واو الواحد، وأصل آحاد: أ أحاد بهمزتين، أبدلت الثانية ألفا تخفيفا كآدم وأصله أأدم (1)
(2)
وحده الشماخي بقوله: " و الآحاد غير المتواتر) ويعرف التلاتي الآحاد بقوله: و الخبر الآحاد هو خلاف المتواتر وهو خبر من لا يفيد خبره بنفسه العلم بصدقه واحدا كان راويه أو أكثر (3)، ويحده أبو محمد الخليلي بما كان الرافع فيه فردا (4)،
(5) ?
ويعرفه اطفيش "بقوله: خبر الآحاد ما لم يستكمل عدد التواتر) وهذا تعريف مقبول بخلاف تعريفه الذي أورده في كتاب النيل: الحديث الذي رواه جماعة عن
الثقات واستوى في معرفته الخاص والعام (6)، وهذا لا يصدق على حد الآحاد.
ويذكر السالمي خبر الآحاد بأنه الخبر غير المستكمل لشروط المتواتر وأن تسميته بالآحاد نسبة له إلى آحاد النقلة، ويراه خبرًا غير متّصل اتصالا كاملا كالمتواتر (7)، وهذا الكلام أقرب إلى بيان المفهوم منه إلى التعريف، وجرى على
تحديد السالمي محمد البطاشي (8) في منظومته (9).
(1)
الكندي إبراهيم، الأدلة النصية، ص 146. (2) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 439.
(3) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 189. (4) الخليلي، كرسي الأصول، (مخ)، ص 120. (5) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 435
(6) اطفيش، شرح النيل 364/ 2
(7) السالمي شرح الطلعة، 12/ 2.
(8)
البطاشي محمد بن شامس بن خنجر (1998/ 1420) من مسفاة بني بطاش بعمان، علامة جليل، وفقيه نبيه تعلم ابتداء ببلده، ثم رحل إلى نزوى، فتلقى العلم على أكابر علماء عصره فيها، ولي القضاء فكان أحد رجالاته اللامعين نظم الشعر في عدد من الفنون الأدبية والفقهية له عدد من المؤلفات و الخصيبي، شقائق النعمان،98/ 3، البطاشي، مقدمة كتاب
سلاسل الذهب.
(9) البطاشي محمد بن شامس (1998/ 1420)، سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب، (1/532)
صفحة 533
علوم السنة عند الإباضية
513
ونجد عند أبي مالك المالكي تعريفا للآحاد في قوله (من الرجز: وَخَبَرُ الْأَحَادِ مَا يَنْقُلُهُ في الأَصل واحدٌ صَحِيحٌ نَقلُهُ (1)
:
ويعرفه السيابي "بقوله خبر الواحد وهو ما لم ينته إلى التواتر، كان راويه واحدا أو أكثر (2)، وهذا التعريف مجز في تعريف خبر الآحاد.
أقسام خبر الواحد
يقسم الإباضية خبر الآحاد إلى مستفيض وغير مستفيض، ومنهم من يسمّى المستفيض بالمشهور، وقد حدّ الوارجلاني وسعيد الجربي الخبر المستفيض بما نقله الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و استفاض به الخبر، وأنه دون المتواتر (3)، يقول القطب اطفيش" والمستفيض من الآحاد (4)، وعرف الشماخي الخبر المستفيض بأنه ما زاد على ثلاثة وتلقته الأمة بالقبول (5)، كما يعرفه التلاتي بمثل تعريفه فيقول خبر زاد رجال نقله أي روايته أو ناقلوه على ثلاثة رجال وتلقته الأمة بالقبول ()، وحده اطفيش بأنه "ما شاع من أصل، وهو الإمام الذي يرجع إليه " (6) الناقلون"، قال:" وقد يسمى مشهور (7).
والمستفيض يعبر عنه السالمي بالمشهور ويحده بقوله من الرجز) وَدُونَ ذَاكَ رُتْبَةُ المَشْهُورُ
وَهُوَ الَّذِي فِي أُولِ القُرونِ لَمْ يَتَصفُ بِشَرطِهِ المَصُّونِ
لَكِنَّهُ اسْتَفَاضَ فِيهِم وَاشْتَهَرْ
وقَبِلُوهُ عِندَ ذَاكَ وَاسْتَمَرْ
نشر وزارة التراث القومي (د. ت)، 221/ 2 (1) المالكي، موارد الألطاف، ص 36 (2) السيابي، فصول الأصول، ص 242.
(3)
(4)
الوارجلاني، العدل،142/ 2، سعيد الجربي جوابات الجربي (مخ)، 124 و.
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 435.
(5) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 439.
(6)
(7)
الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 189.
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل، ص 338/ 337. (1/533)
صفحة 534
علوم السنة عند الإباضية
514
ثم يقول معلقا:" وحاصله أن المشهور من الأخبار هو الذي لم يتصف في القرن الأول وهو قرن الصحابة بشرط التواتر ... ثم اشتهر ذلك الخبر في القرن الثاني والثالث فقبلوه واستمر معهم على القبول" (1)
ويعرفه أبو يحيى السيابي بقوله: ومنه المستفيض وهو الشائع عن أصل، وقد يسمّى مشهورا وأقل رواته اثنان وقيل ثلاثة" (2).
وللملشوطي والسوفي تقسيم آخر للآحاد، فقد قسما خبر الآحاد إلى: ثلاثة مسند ومرسل ومنقطع (3).
يقول أبو يعقوب الوارجلاني" وأما أخبار الآحاد فعلى ضربين: ضرب نقلته الصحابة عن رسول الله و استفاض به الخبر وهو دون المتواتر، فبعض قصره إلى المسند وبعض جعله من نفس المتواتر حين كانت فيه مزية استفاضة (4) ويفصل هذه العبارة سعيد الجربي بقوله: وأخبار الآحاد على ضربين، ضرب نقلته الصحابة واستفاض به الخبر دون التواتر، فبعض عزاه إلى المسند الصحيح ما نقلته الثقات عن الثقات من طريق أو طرق إلى رسول الله، لم يدخله وهن من جهة السند ولا من جهة المتن ولا ذكر فيه مجهول ولا ضعيف ولا مختلف فيه، فالمتواتر يوجب العلم والعمل وهذا العمل دون العلم (5)، وقد أشار الوارجلاني والجربي إلى الضرب الثاني وهو ما دون المستفيض من الآحاد (6). وقد تبين مما تقدم أن تحديد عدد الرواة في خبر الآحاد إنما كان لتميز المستفيض أو المشهور، ولم أجد من حدد للآحاد عددا إلا ما ذكره عمرو الثلاثي
(1) السالمي، شرح الطلعة، 13/ 2
(2) السيابي، فصول الأصول، ص 242.
(3) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ (مج)، ص 295، السوفي، السؤالات (مخ) 116.
(4) الوارجلاني، العدل 142/ 2.
(5) الجربي سعيد بن علي فتاوى فقهية (مخ)، ص 28.
(6)
الوارجلاني العدل،142/ 2، الجربي سعيد بن علي فتاوى فقهية (مخ)، ص 28. (1/534)
صفحة 535
علوم السنة عند الإباضية
515
في قوله " كأن يكون أقل من خمسة رواة على قول في عدد التواتر " (1).
حكم خبر الآحاد وحجيته
ذهب الإباضية إلى الاحتجاج بخبر الآحاد في المسائل العملية، وأنّه موجب للعمل، ولم يقبلوا الاحتجاج به في المسائل الاعتقادية، وذهبوا إلى أنّه لا يوجب العلم (2).
واستدلوا على حجيته في المسائل العملية بعدد من الأدلة، كاستدل ابن بركة بما روي عن ابن عمر قال: (بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل عليه القرآن وأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها) (3)، قال ابن بركة: "وفي هذا الخبر دليل على وجوب العمل بخبر الواحد" يقول ابن جعفر معلقا على هذا الخبر: وفي الحديث دليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وكانت وجوههم نحو الشام، فاستداروا إلى الكعبة (5).
"
(4)
ويستدل الوارجلاني على وجوب الأخذ بخبر الواحد (6) بحديث عمر: (ما أدري ما أصنع بالمجوس، أنشد الله إمرءا سمع فيهم شيئاً إلا رفعه إلينا، فقال عبد الرحمن بن عوف، أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، فأخذ عمر الجزية منهم وأقرهم على دينهم وفرق بينهم وبين أهل الكتاب فيما سوى ذلك) (7).
(1) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 169.
(2)
ر ابن بركة الجامع 489/ 1، العوتبي، الضياء 262/ 2 - 264، الوارجلاني، العدل 153/ 1 154، السالمي، شرح الطلعة 2015/ 2.
(3) تقدم تخريج خبر تحويل القبلة.
(4) ابن بركة الجامع 489/ 1.
(5) ابن جعفر، الجامع، 11/ 2
(6) الوار جلاني، العدل 153/ 1.
(7) تقدم تخريج هذا الحديث ص 353. (1/535)
صفحة 536
علوم السنة عند الإباضية
516
إن الواحد حجّة في المسائل العملية الفرعية؛ فكل ما كان مخرجه مخرج الشريعة ونقل الشريعة، فذلك تقوم به الحجة فى الفتيا من الواحد" لكن ذلك مقيد بالواحد العالم الثقة المسلم المأمون كما يقول الكدمي) (1)، ومع ذلك لم تخلو المسألة من خلاف في تحديد العدد في الحجّة، فابن بركة ذهب إلى أنه لا يكون الواحد حجة حتى يكونا اثنين، ورفع محمد بن روح عن أبي الحواري أنه قال: العالم حجة، وفسر ابن روح ذلك بالعالم الذي يكون عالماً بجميع أحكام الكتاب والسنة وما اختلفت فيه الأمّة فذلك هو الحجّة (2).
وهذا الكلام في الحجّة في الفتيا، لكن ابن جعفر يجعل الفتيا والخبر واحدا فيقول: " وقد قبل المسلمون الكتاب في جميع الأحكام بيد العدل الثقة الواحد وينفذه ويقبل قول الواحد الثقة (3)، ويزيد الوارجلاني هذا الأمر تأكيدا باستدلاله إذ يقول: "الدليل الدال على قبول خبر الواحد توجيه السعاة إلى الصدقات بكتبه وأخباره
وأوامره، وقبول أهل النواحي عن الرسل بما جاءت به عن رسول الله).
ويذكر عبد الله الفزاري (3) في مسائل مستاوة أنّ الواحد حجة في دين الله إذا كان من أهل دين الله مستدلا على ذلك من الأصل ومن الفرع جميعا، أما الأصل: فإن الله حاج عباده فيما تعبدهم به برسول واحد، وقطع بذلك عذرهم، فلو
(1) الكدمي، الاستقامة، 20/ 1.
(2)
(3)
ابن جعفر، الجامع، 194/ 1.
م. س، 47/ 2.
(4) الوارجلاني، العدل 153/ 1
(5) الفزاري عبد الله بن يزيد (ق 9/ 3) عالم مغربي من المتقدمين، مال إلى أقوال النكار - وهم جماعة خالفوا جمهور الإباضية فانشقوا عنهم - وصار مدافعا لها، له مقالات وفتاوى وكتب في الفقه وله كتاب في علم الكلام، عنوانه: الردُّ على الروافض، ولهذا الردّ ردُّ ألّفه زيدي، وله أيضا كتاب التوحيد وكتاب الردّ على المعتزلة ر: ابن النديم أبو الفرج محمد بن إسحاق (996/ 385)، الفهرست، دار المعرفة، بيروت، 1398 هـ، 1978 م 258/ 1، ابن سلام: بدء الإسلام، ص 17،72، 133، الدرجيني: 477/ 2 ..
= (1/536)
صفحة 537
علوم السنة عند الإباضية
(517
كان الواحد لا يكون حجّة لما أقام الله به حجته على خلقه، وكذلك من فعل رسول الله إذ أنه يرسل إلى الناس في آفاقهم رسولا واحدا يحتج به عليهم، وأما من
الفرع: فإن الأمة تولّي واحدا، وتستفتي واحدا، وتستعمل واحدا، وتستقضي واحدا، فيكون ذلك الواحد حجّة عندهم في كل ما هو فيه، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات 6/ 49) فدل قوله عز وجلّ على أنّه لو كان غير فاسق ما وجب عليهم التثبت، وفي الآية إشارة إلى أنّ الواحد حجّة إذا كان غير فاسق
(1)
ويردُّ الوارجلاني على من خص التواتر بالحجيّة بأنّه من لازم تعليق الحجية على التواتر فقط إبطال جلّ أحكام الشريعة لعدم التواتر في جلّها، وإذا أبطل أخبار الآحاد فقد أبطل ما بنيت الشريعة وأحكامها عليه (2).
وفي مسألة قبول خبر الواحد في ما تعمّ به البلوى يقول الشماخي "اعلم أنّ رواية العدل الواحد تقبل مطلقا، أي سواء كان مما تعمّ فيه البلوى، أو في الحد، أم غيرهما" (3) ويستشهد الشماخي بأمثلة لمثل هذا القبول خاصة برجوع الصحابة
إليه - أي خبر الواحد، في مواطن كثيرة، مثل خبر السيدة عائشة (إذا التقـ الختانان وجب الغسل) (4) والخبر الوارد في نقض الوضوء من مس الذكر (5) وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من النوم (6)، قال الشماخي: "وهذا مما تعمّ فيه البلوى، وقد قبلوه (1).
(1) الفزاري عبد الله بن يزيد (ق 9/ 3)، مسائل مستاوة، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب،
غيزن، جربة، تونس (د. ر)، ص 2018
(2) الوارجلاني، العدل، 78/ 1 - 79. الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 465.
(3)
(4) تقدم تخريجه ص 432.
(5)
تقدم تخريجه ص 381.
(6) حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا لأنه لا يدري أين باتت يده أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب (1/537)
صفحة 538
علوم السنة عند الإباضية
518
وإذا كانت حجيّة الآحاد في مسائل العمل مسلمة لا نقاش فيها فإن القضية تختلف في مسائل العلم، فقد ذهب الإباضية كغيرهم ممن ذهب معهم من الأمة (2) إلى عدم الاحتجاج بالآحاد في مسائل الاعتقاد، فخبر العدل وإن كان مقبولا ويجب العمل به حكماً، لا يوجب علماً كما يقول ابن بركة (3)، ويوطئ ابن بركة بتنظير للمسألة حين يذكر أن شهادة الشاهدين لا توجب علما بالحقيقة، ولكن يمكن اعتماد نقلهما تقليدا لهما من طريق الشريعة؛ بل إننا لو تركنا وصحة اليقين ما صح لنا علم بشهادة الشاهدين ولا بشهادة عشرة عدول؛ وعليه فجواز شهادة الشاهدين من جهة الشريعة لا من طريق العلم (4).
و شبيه بهذا الذي ذكره ابن بركة ما أشار إليه البرادي فذكر أن أخبار الآحاد لا تدخل في الأصول، من حيث أنّها لا توجب علما ولا تثبت حكما مقطوعا بها بنفسها بل بقطع قبلها، وهو قول الله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر (7/ 59)، فإذا غلب على ظننا أنها مما أتى به الرسول
الوضوء، باب الاستجمار، وترا، 72/ 1 (160)، والربيع في مسنده، كتاب الطهارة، باب في آداب الوضوء وفرضه، 53/ 1 (87).
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 646.
(2) لمعرفة مزيد من التفصيل حول آراء الأمة في حجيّة الواحد ر الظاهري ابن حزم علي بن أحمد (1064/ 456) الإحكام في أصول الأحكام، ط 1، دار الحديث، القاهرة، 1404 هـ، 112/ 1، الغزالي أبو حامد محمد بن محمد (1112/ 505) المستصفي في علم الأصول، تح: محمد عبد السلام الشافعي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1419 هـ، 1998 م، 117/ 1، الحراني ابن تيميه أحمد بن عبد الحليم (1328/ 728) المسودة: تح: محمد صبحي الدين عبد الحميد، دار المدني، القاهرة، 320/ 1، المقدسي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة، (1224/ 620)، روضة الناظر وجنة المناظر، تح عبد العزيز بن عبد المحسن السعيد، ط 2، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض، 1399 هـ، 111/ 1.
(3) ابن بركة الجامع 20/ 2.
(4)
السليمي أبو محمد عبد الله بن محمد ابن بركة (ق 10/ 4)، تقييدات ابن بركة، (مخ مج)،
مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، م 82، 17 و. (1/538)
صفحة 539
علوم السنة عند الإباضية
519
أو نهى عنه، فقد وجب علينا العمل به (1)، ويطرح البرادي تساؤلا كأنّه موجه إليه فكأن سائلا قال له: لقد قلت إن أخبار الآحاد من الأصول وأنت ذكرت أنها لا تفيد علما ونفيت أصالتها فهذا كالتناقض، فيقول "مجيبا:" إنّها وإن كانت لا تفيد العلم ولا تعدّ من الأصول، فالذي تثبت به أدلّة على الأحكام يفيد العلم وهو من الأصول (2) ويقول في موضع آخر: الآحاد ضعيفة عند أهل الأصول توجب العمل دون العلم والقطع (3).
ويؤكد الشماخي وعمرو الثلاتي على أنّه لا يحصل بخبر الواحد العلم والاعتقاد الجازم الذي لا يقبل التغيير مستدلا بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (الإسراء 36/ 17) وقوله عزّ وجلّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ (الأنعام 116/ 6) وأن الطلب والأمر الوارد في هذه الآيات في العلم من أصول الدين كوحدانية الله تعالى وتنزيهه عمّا لا يليق به، وذلك لأنّه ثبت من العمل بالظن في الفروع بأدلّة أخرى أفادت ذلك (4).
ويعلّل السالمي القول برد الاحتجاج بخبر الآحاد في مسائل العلم والاعتقاد بأنه يؤدي إلى الوقوع في التناقض؛ إذ لم يميّز أصحابه في الشريعة بين الأمور الاعتقادية الواجب فيها اليقين وبين الفرعيّات التي يكفي فيها غلبة الظن ورجحان الصدق، وبالتالي تختلط أصولهم الدينية بفروعهم العملية (5)، ويذكر السالمي أيضا أننا أمرنا باتباع خبر الواحد ووجوب العمل به للأدلة التي على ذلك واقتضت ونهينا في الوقت ذاته عن اتباع الظنّ فيما يكون فيه العلم وهو المسائل الاعتقادية فمسائل الاعتقاد تبنى على اليقين؛ لذلك نهينا فيها عن
(1) البرادي، البحث الصادق، (مخ)، ص 68 و.
دلت
(2)
(3)
م. س، ص 68 و.
م. س، ص 213 ظ.
(4) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 440 - 442، التلاتي، رفع التراخي، (مخ)،ص 190 -
191
(5) السالمي، شرح الطلعة 20/ 2. (1/539)
صفحة 540
علوم السنة عند الإباضية
520
اتباع الظن، بينما مسائل العمل غير مبنيّة على اليقين فقط بل تكون بالدليل القاطع وتكون بالظني، ثم قال: وحاصل الردّ إنّ مسائل أصول الدين إنما يؤخذ فيها باليقين، وخبر الآحاد لا يثمر اليقين؛ فلا يجوز ترك ما يثمر العلم لأجل ما يثمر الظنّ، كما لا يقبل أخبار مخبر اقتضى خلاف ما نشاهده" (1).
يقول سعيد القنوبي: "الإباضية لا يرون إثبات العقائد بأخبار الآحاد؛ لأن العقائد مبناها اليقين، وخبر الآحاد مبناه الظن؛ إذ قد يعرض لرواته الغفلة والنسيان وإن كانوا عدولا ثقات ولورود التعارض بين أخبار الآحاد، وهذا ما لا
يكون في الخبر المتواتر مما يدل على أنها لا تفيد القطع فلا يعتمد عليها فـ قضايا العقائد، ولأنّ الصحابة ردّوا بعض الأحاديث لما اعتراها من مخالفة لقطعيات القرآن ومتواتر السنة (2)، ويقول أيضا: "كما أن تصحيح الأخبار وتضعيفها والحكم بالوضع فيها ونحو ذلك أمور ظنية فلا يمكن بناء قطعي على أمر قائم على الظن (3).
ويضيف أيضا بأن الكثير من الأحاديث رويت بطريق المعنى، وأنّه مع اختلاف الرواة في ذلك وتفاوتهم في ضبط المعاني باختلاف مداركهم وإتقانهم لغة العرب يكون حديث الآحاد مظنة لاحتمالات المعاني؛ ولذلك لا يحتج به في القطعيات (4).
ولم نجد فيما وقفنا عليه من أقوال علماء المذهب من قال بقبول خبر الواحد في مسائل الاعتقاد إلا إشارة واحدة عند أبي العباس الشماخي تذكر قبوله بشرط أن تحفه قرينة، وعبارة الشماخي التي ذكر فيها ذلك هي قوله وأعلم أن الفعل يجب
(1)
م. س، 18/ 2 - 19.
(2) القنوبي سعيد بن مبروك (معاصر)، السيف الحاد، ط 3، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان 1418 هـ، ص،19، القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، ص 13
(3) القنوبي، الإمام الربيع مكانته ومسنده، ص 13.
(4)
م. س، ص 13 (1/540)
صفحة 541
علوم السنة عند الإباضية
521
بهما بيانا، أي بالمستفيض وغيره من الآحاد إذا اتصل سنده، ورواه عدل، ولا يوجبان علما إلا بقرينة كما إذا أخبر السلطان عن موت ابنه مشرفا على الموت،
مع
مع صراخ وجنازة، وخروج المخدرات على حال منكرة، غير معتادة فلا يفيدنا علما لجواز موت ابن له آخر، والعلم هو الذي لا يتطرق احتمال إلى متعلقه، أنا لا نقطع بصدقه كما تقدم، ولا بغير قرينة خلافا لمن قال: يفيد مطلقا ولمن قال يفيد بقرينة (1)، ويظهر أن هناك اضطرابا في عبارته، إذ يصرح في أخرها بأنه لا يقطع بالتصديق، فعلى مفهوم آخر كلامه أنهما ولو احتفا بالقرائن لا يقطع
بهما.
هذا ويذكر أبو الحواري صورة يُتَوَسَّع فيها، يذكر أنّه قد تتسع دائرة خبر الآحاد فيعمل به في باب التوحيد عند الضرورة، وحدّد هذه الضرورة ومثل لها بكون رجل في معزل من الأرض على دين آخر كدين عيسى عليه السلام ولم يسمع بمحمد الله فلقيه أعرابي جاف أو امرأة جافية فأخبروه بمبعث الرسول، يقول أبو الحواري: فقد بلغته الدعوة ولزمته الحجّة وانقطع عذره فيجب عليـ الإيمان بمحمد و والعمل بما جاء به (2).
بقي أن نذكر هنا قيدا في قبول خبر العدل في مسائل الاعتقاد أو العمل أكد عليه ابن بركة، ففرق في القبول بين خبر العدل الذي للعقل فيه مدخل وما لا مدخل للعقل فيه، فالتوحيد لا يكون فيه العدول حجة دون العقل وهم حجة مع العقل، كما لا يكون الواحد حجّة ولا الاثنان إذا كان الخبر يدفعه العقل فإن قبله
العقل جاز العلم به والتدين "به
(3)
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 439 - 440. (2) أبو الحواري، جامع أبي الحواري 26/ 1.
(3)
ابن بركة التقييد (مخ)، ص 334،336. (1/541)
صفحة 542
علوم السنة عند الإباضية
المبحث الثالث: العزيز والفرد والغريب
أولا: العزيز:
522
العزيز هو القوي وأخذ من عَزَّ يَعز، ومنه قوله تعالى: {فَعَزَرْنَا بِثَالِثِ (يس 14/ 36) يُخفف ويُشدد أي قَوَّينا وشَدَدْنا، وترد بمعنى القليل قالو: عَزَّ الشيء فهو عَزيزٌ إذا قلّ فلا يكاد يوجد (1)، وعليه يجري المعنى الاصطلاحي فهو لقلته
عزيز، وهو لوروده من طريق آخر صار قويا أقوى من الفرد أو الغريب.
وعرفه اطفيش بأنه: "ما تفرد به "راويان وقال: سمّي ما تفرد به راويان عزيزا لعزته أي قوته لمجيئه من طريق آخر ولقلة وجوده (2)، وقد ذكر اطفيش أن هذا التعريف هو تعريف أهل الحديث (3).
وعرفه السالمي بقوله: العزيز ما انفرد بروايته اثنان أو ثلاثة دون سائر
رواة الحفاظ المروي عنه (4)، وقد جعله السالمي قسما من أقسام الشاذ (5).
وعرفه أبو عبيد السليمي (6) بأنه ما رواه اثنان عن اثنين (7)، وذكر مثاله حديث الشيخين المروي من طريق أنس، إذ رواه قتادة وعبد العزيز عن أنس، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم:: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس
(1) الرازي، مختار الصحاح، 180/ 1.
(3)
اطفيش، جامع الشمل، ص 422.
م. س، ص 422.
(4) السالمي، شرح الطلعة، 51/ 2.
(5) م. س، 51/ 2.
(6) السليمي أبو عبيد حمد بن عبيد بن مسلم (1968/ 1390) أصله من إزكي بعمان علامة فقيه، وأصولي نبيه، وأديب، شاعر، ولي القضاء والتدريس، أخذ عن النور السالمي وغيره
وأخذ عنه جمع كبير، له مؤلفات قيمة. ر الخصيبي، شقائق النعمان 275/ 3. (7) السليمي أبو عبيد حمد بن عبيد بن مسلم (1968/ 1390)، مشكاة الأصول، (مخ)، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، رقم 53 ب فقه، ص 113. (1/542)
صفحة 543
علوم السنة عند الإباضية
523
أجمعين) (1)، وساق السليمي أقوالا أخرى فقال: وقيل هو ما انفرد بروايته اثنان أو ثلاثة دون من حفظ عنه، وقيل ما رواه اثنان عن واحد كحديث ضمرة ابن سعيد وتفرد به عبيد الله عن واقد الليثي أنه قرأ في الفطر والأضحى بقاف واقتربت (2)، وكحديث الفضل بن طاهر من طريق سفيان بن عيينة عن وائل بن
داود عن أنس) أن النبي له أولم على صفية بسويق وتمر) (3) (4).
وذكر القنوبي ثلاثة تعريفات للعزيز:
1 - قيل ما تفرد بروايته اثنان ولو في طبقة واحدة من الطبقات شرط أن لا يقل الرواة عن اثنين في كل الطبقات.
2 - وقيل ما تفرد بروايته اثنان أو ثلاثة ولو في طبقة واحدة من الطبقات وإليه ذهب ابن منده وتابعه ابن الصلاح (5).
-3 - وقيل ما تفرد بروايته أربعة ولو في طبقة واحدة من الطبقات (6). وذكر أن ابن حبان ذهب إلى أن رواية اثنين عن اثنين لا توجد أصلا (7)، وعقب على ذلك بقوله: " فإن كان يريد رواية اثنين فقط عن اثنين فقط، وهكذا إلى
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الايمان، باب حب الرسول ... 14/ 1 (14) ومسلم في صحيحه کتاب الايمان باب وجوب محبة الرسول ... 67/ 1 (44) (2) أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القراءة للعيدين،
(1282) 408/ 1
(3) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب النكاح، ذكر الخبر الدال على أن هذا الأمر ندب لا
حتم، 368/ 9 (4061).
(4)
السليمي
، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 113 - 114.
انظر تعريف ابن مندة وابن الصلاح للعزيز إذ حَدَّاه بما رواه اثنان أو ثلاثة واشتركا فيه.
ر ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 270. مقدمات في علوم الحديث، ص 7.
(6) القنوبي،
(7) انظر دعوى ابن حبان في أن رواية اثنين عن اثنين غير موجودة ورد المحدثين عليه،
وذكر أمثلة أخرجها الشيخان في السيوطي، تدريب الراوي، 181/ 2. (1/543)
صفحة 544
علوم السنة عند الإباضية
524
النبي صلى الله عليه وسلم سلّمنا له، وإن كان يريد صورة العزيز فمردود عليه لوجودها في بعض الأحاديث (1).
وذكر محمد المطهري عددا من تعريفات العزيز وارتضى ما رواه اثنان (2) وهذا التعريف هو الذي تميل النفس إلى اعتماده لا سيما أن ابن حجر رجحه واعتمده (3)، وخلاصة القول أن من تقدّم النقل عنهم في بيانهم للعزيز لم يخرجوا عن كلام علماء مصطلح الحديث، ولم نجد من عرفه منهم من المتقدمين، وإذن يمكن القول إنهم استفادوا ذلك من علماء مصطلح الحديث.
ثانيا: الغريب
يرى يحيى بن أبي بكر أن الغرابة إما أن تكون في الصحة وهو أن تكون روايته عن غاية العدالة (4)، ويشهد لقوله قول العرب في لغتهم:" أَغْرَبَ الفرسُ في جريه: وهو غاية الإكثار (5)، وكأن الإغراب هنا في بلوغ الغاية في الصحة، وإما في الشيخ وهي أن يروى عمن لم تجر العادة بالرواية عنه (6) وعليه فالغرابة هنا مأخوذة من الأمر الغريب غير المتوقع، قالوا: " أغرَبَ جاء بشيء غريب وأغرب أيضا صار غريبا (7).
وأما الغرابة التي يميل المحدّثون إلى الاصطلاح عليها، فيشهد لها حديث: (إنّ الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) قال ابن منظور: أي
(1)
م. س، ص 7.
(2)
(3)
(4)
) محمد المطهري، فتح المغيث، ص 275
ابن حجر، نخبة الفكر، 1/ 1.
اطفيش، جامع الشمل، ص 419.
(5) ابن منظور، لسان العرب، 641/ 1. (6) اطفيش، جامع الشمل، ص 419. (7) الرازي، مختار الصحاح، 197/ 1. (1/544)
صفحة 545
علوم السنة عند الإباضية
525
إنه كان في أوَّل أَمْرِه كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده، لقلة المسلمين يومئذ " (1).
ويعرف اطفيش الغريب بأنه: "ما تفرد به راو" وذكر أنه عن أهل مصطلح الحديث. (2).
ويعرف السالمي الغريب بأنه ما انفرد" راو بروايته أو برواية زيادة فيه عمن يجمع حديثه كالزهري أحد الحفاظ في المتن أو السند (3).
ويقسم السالمي الغريب إلى:
غريب صحيح كالأفراد المخرجة في الصحيحين.
غريب ضعيف قال: "وهو الغالب على الغرائب".
غريب حسن (4).
ويعرفه القنوبي بقوله: قيل" هو ما تفرد بروايته راو واحد ولو في طبقة واحدة
من الطبقات (5)
وممّا يشار إليه أن تعريفات المتأخرين لا تخرج عن تعريفات علماء
المصطلح.
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة أغرب، 1/ 639.
(2)
اطفيش، جامع الشمل، ص 422. وانظر تعريف الغريب هذا وغيره عند علماء مصطلح الحديث في: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 270، ابن حجر، نخبة الفكر، 1/ 1، الحاكم، معرفة علوم الحديث، 94/ 1، ابن جماعة محمد بن إبراهيم بن جماعة (1033/ 733)، المنهل الروي، تح: محي الدين عبد الرحمن رمضان، ط 2، دار الفكر، دمشق 1406 هـ، 55/ 1،
وغيرها من كتب المصطلح. السالمي، شرح الطلعة 51/ 2
(4)
م. س، 51/ 2.
(5) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 7.
، (1/545)
صفحة 546
علوم السنة عند الإباضية
526
ثالثا: الفرد
الفَرْدُ: الوَتْر والجمع أفراد، وجاؤوا فُراداً و فُرادَى منونا وغير منون أي واحدا واحدا، و فَرد بمعنى انفرد، ويقال: فَرَدَ برأيه وأَفْرَدَ وفَرَّدَ و استَفْرَد بمعنى انْفَرَدَ به (1)
وقد استخدم ابن بركة لفظ التفرد بمدلوله الاصطلاحي في قوله معلقا على حديث: (قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: أجب النداء) (2) وقيل: إنه أمر أن
يشد له حبل إلى المسجد، وخبر شدّ الحبل انفرد به أصحابنا وفيه نظر (3).
ويعرف السالمي الفرد المطلق بقوله: الفرد يكون مطلقا بأن ينفرد الراوي
الواحد عن كل واحد من الثقات وغيرهم ويكون بالنسبة إلى صفة خاصة (4). ويحدّ اطفيش التفرد المطلق بالحديث الفرد الذي لم يوجد ما يشاركه من وجه بلفظه أو معناه (5)، ويذكر أن الكتب المصنفة في الاطراف هي مظان معرفة الطرق والكشف عنها، وبمعرفة هذه الطرق تنتفي الفردية
(6)
(1) ر: ابن منظور، لسان العرب مادة، وتر، 3/ 333، الرازي، مختار الصحاح، 208/ 1. (2) لفظ الحديث عن أبي هريرة قال: (أتى النبي رجل أعمى، فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله أن يرخص له فيصلّي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال هل تسمع النداء بالصلاة فقال نعم قال فأجب) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب يجب إتيان المسجد على من سمع 452/ 1 (653) والحاكم في المستدرك، كتاب معرفة الصحابة، ذكر عمرو بن أم مكتوم المؤذن، 736/ 3 (6673) والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الإمامة في الجماعة، باب التشديد التخلف عن الصلاة، 297/ 1 (921) وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب التشديد في
في
ترك الجماعة، 151/ 1 (553).
(3)
ابن بركة، الجامع، 1/ 505. (4) السالمي، شرح الطلعة، 51/ 2.
(5)
اطفيش، جامع الشمل، ص 424.
النداء،
(6)
م. س، ص 424. (1/546)
صفحة 547
علوم السنة عند الإباضية
527
ويعرف محمد المطهري الفرد بقوله: " هو الذي تفرد بروايته شخص واحد عن آخر من أوله إلى منتهاه، وهو الفرد المطلق الذي لم يقيد بقيد ما (1)
ويقول المطهري مبينا حكمه: ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فإذا كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط الحافظ المقبول تفرده استحسنًا حديثه لذلك، ولم نحطّه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به (2).
ويذكر السالمي واطفيش أن الحكم بالتفرد يكون بعد تتبع طرق الحديث الذي يظن أنه فرد هل شاركته رواية أخرى أم لا (3).
إنّه من المهم جدا في نهاية هذا الفصل إعادة التأكيد على بعض الحقائق المتقدمة الذكر خلاله، من ذلك أن تقسيم الحديث بتعدد طرقه إلى متواتر وآحادي جاء وفق منهج الفقهاء، فالفقهاء هم الذين عنوا بهذا التقسيم أكثر من المحدثين، ورأينا عناية علماء الإباضية بالمتواتر تعريفا له وبيانا لشروطه، وذكرا لحكمه وما يترتب عليه منذ فترة مبكرة، ويأتي تعريف أبي عبد الله الكندي في القرن الخامس أول تعريف عثرنا عليه للمتواتر، وبعده ابن عمه أبو بكر الكندي في الفترة نفسها، والتعريف المختار للمتواتر هو أنه الذي يرويه عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من ابتدائه إلى انتهائه، ويكون مستندهم الحس ويفيد العلم لسامعه، وهذا التعريف جامع لشروط المتواتر التي رأوا ضرورة تحققها فيه، كالعقل والمشاهدة والعدد الذي يستحيل تواطؤه على الكذب وتوافق الطرفين وإفادة التواتر الاضطرار والاستناد إلى الحس وغيرها من الشروط، وجاء تقسيمهم المتواتر إلى لفظي ومعنوي كتقسيم الجمهور، وكذلك في حكمهم لحجية المتواتر بكونه موجبا للعلم والعمل.
(1) محمد المطهري، فتح المغيث، ص 272.
(2)
م. س، ص 272.
(3) السالمي، شرح الطلعة 51/ 2،اطفيش، جامع الشمل، ص 424. (1/547)
صفحة 548
علوم السنة عند الإباضية
528
أما خبر الآحاد فهو ما لم يستكمل شروط التواتر، وسمي بذلك لآحاد نقلته، ويقسمه الإباضية إلى مستفيض وغيره، ويسمي بعضهم المستفيض بالمشهور، وأكثرهم على عدم تحديد العدد المقيّد للأحاد، بل إنّ كلّ ما نزل عن درجة المتواتر صار آحاديا، وكذلك لا تحديد لعدد عندهم في المتواتر إذ الضابط الطمأنينة بعدم التواطؤ على الكذب.
وخبر الآحاد عند الإباضية موجب للعمل لكنه لا يفيد العلم، لأن قصارى فائدة الآحاد الظنّ لا القطع، وبذلك لا يستدل به في مسائل الاعتقاد التي تبنى على الأدلّة القطعية التي لا تقبل الاحتمال لا الأدلّة الظنية الدائرة في إطار الاحتمال، ويرى الإباضية أن مثل هذا النهج يصون المعتقد من مزالق التناقض، كما أن فيه تمييزا لمسائل العقيدة عن الفرعيات، وذلك لأنّ مسائل العقيدة تمثل الأصول بخلاف غيرها مما يمثل الفروع
ويمثل العزيز والغريب والفرد بعض أنواع من الآحاد، لكن يجري فيها تحديد العدد فالعزيز ما رواه اثنان أو ثلاثة على خلاف هل في كل طبقاته أم بعضها، وقل من جعل العزيز في الأربعة، أما الغريب فهو ما تفرد بروايته واحد ولو في إحدى طبقاته، أما الفرد فظاهر من تسميته بأنه ما انفرد بروايته واحد، فإن تحقق التفرد بالواحد في كل حلقات السند فهو الفرد المطلق وإلا فالفرد النسبي. بقي أن نؤكد أن استفادة علماء الإباضية في تعريف العزيز والفرد والغريب من مدرسة مصطلح الحديث، واضحة، وهم ينسبون ما يأخذونه عنها بكل دقة وأمانة، وهذا يصب في منحى التقارب والأخذ بين المسلمين بعضهم من بعض. لقد كانت وقفتنا هذه مع تقسيم الحديث وفق طرقه تمثل جزءا من موضوع علم مصطلح الحديث، ولا زلنا في حاجة إلى بيان وعرض تقسيم الحديث على أساس القبول أو الرد، فهو يمثل عمق فن مصطلح الحديث، ولعل وقفاتنا في الفصول
القادمة تحقق هذا الغرض، وأولها عرض الحديث المقبول في الفصل القادم. (1/548)
صفحة 549
علوم السنة عند الإباضية
الفصل الثاني الحديث المقبول
المبحث الأول: الحديث الصحيح والحسن:
أولا الصحيح:
529
تعريف الصحيح يسمي الوارجلاني الحديث المقبول بالمسند الصحيح ويعرفه بأنه ما نقلته الثقات عن الثقات من طريق أو طرق إلى رسول الله، ولم يدخله وهن من جهة السند ولا من جهة المتن ولا ذكر فيه مجهول ولا ضعيف ولا مختلف فيه" (1).
وعرف الصحيح بمثل هذا التعريف أبو عمرو السوفي (2) وسعيد بن علي
الجربي
(3)
ويعرف اطفيش الصحيح بأنه: "ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله وسلم من شذوذ وعلة ويعلق شارحا تعريفه بأنه يعني بالمتصل: هو ما لم يكن مقطوعا بأي وجه من وجوه القطع كان، وبالعدل يعني: هو من ظهرت عدالته ولم يكن مجرحا (4)، وفي كتاب آخر يقول: ومعنى كونه صحيحاً: أن إسناده قويّ لا أنّه مقطوع به في نفس الأمر لجواز خطا الضابط الثقة ونسيانه نعم يقع إذا
تواتر (5)
ويظهر من كلام أبي محمد الخليلي أن حدّ المسند صحيح عنده هو الذي عُدل
(1) الوارجلاني، العدل 142/ 1 - 143. (2) الملشوطي الأدلة والبيان، (مخ مج) 295. (3) الجربي جوابات سعيد الجربي، 124 و /124 ظ. (4) اطفيش، وفاء الضمانة 7/ 1.
(5) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 411. (1/549)
صفحة 550
علوم السنة عند الإباضية
مسندوه ويكون مرفوعا إلى النبي (1).
530
وعرفه محمد المطهري بأنه الذي ينقله عدل ضابط عن مثله من أوله إلى منتهاه، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو التابعي غير شاذ ولا معلّل (2)، وهذا التعريف جمع بين منهج المحدثين والفقهاء، إذ راعى الجمع بين نظرة كل منهم في تصحيح الحديث.
وعرفه القنوبي بقوله: الحديث الصحيح هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة قادحة (3)، وذكر أن: قيد ما اتصل سنده: قيد يخرج رواية المدلس تدليس الإسناد، والمرسل بناء على القول القائل بعدم تصحيح المرسل، والمنقطع، والمعلّق، والمعضل، والمرسل الخفي والتعريف الذي ذكره القنوبي هو التعريف المرتضى، خاصة أنه تعريف المحققين من علماء مصطلح الحديث (5).
أقسام الصحيح:
(4) -
نجد أن أول محاولة لتقسيم الحديث جاءت عند ابن بركة إذ يقول: "باب في الأخبار المروية عن النبي، وهي التي تتعلق الأحكام بها، ويختلف الفقهاء في معانيها؛ فمنها أخبار المراسيل وأخبار المقاطيع والأخبار الموقوفة وأخبار المتن
(1) الخليلي، سعيد بن خلفان، كرسي أصول الدين، (مخ)، ص 120.
(2) المطهري
محمد، فتح المغيث، ص 177.
مقدمات في علوم الحديث، ص 10.
(3) القنوبي،
م. س، ص 10.
(4)
(5)
ر ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 11 - 12، ابن جماعة المنهل الروي، 33/ 1، العراقي، التبصرة والتذكرة، 12/ 1 - 13، العراقي زين الدين عبد الرحيم بن الحسين (1404/ 806)، التقييد والإيضاح لما أطلق أو أغلق من مقدمة ابن الصلاح، ط 3، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1995 م، ص 24، البيقوني طه بن محمد فتوح (1669/ 1080)، منظومة البيقوني، تح: فواز أحمد زمرلي، ط 4، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1417 هـ، 1/ 1 - 2. (1/550)
صفحة 551
علوم السنة عند الإباضية
531
وخبر الصحيفة والخبر الزايد والخبر الناقص والخبر المعارض لغيره من الأخبار والخبران يردان من طريق أو طريقين يكون أحدهما خاصا والآخر عاما والخبران يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا ثم شرح كل قسم على حدة ومثل له (1)، وهذا التقسيم يحوي عموما وإن كان ابن بركة يميل إلى جعل هذه الأقسام تدخل في باب الحديث المقبول عنده، خاصة أن من هذه الأقسام ما جعله العلماء ضمن فنون عامة في الحديث كمختلف الحديث والناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما يدخل فيه الصحيح والحسن، وفي تقديري أن ابن بركة أراد بهذه الأقسام المقبولة
عنده.
(2) 6
وجرى على هذا التقسيم بعض من جاء بعد ابن بركة من المشارقة، كأبي عبد (5)، الذي تأخر عنهم عددا من القرون وظل بعض العلماء على هذا التقسيم، فلم يخضعوه إلى تعديل أو تطوير، ولكن لا يعني هذا أن هذا التقسيم ظل السائد، فقد جاء من العلماء بعد ذلك في المشرق من قسم غير هذا التقسيم.
الله الكندي و العوتبي (3) وأبي بكر الكندي (4)، بل حتى خميس الشقصي
وأما عند المغاربة فنجد أن أبا يعقوب الوارجلاني كان أكثر دقة في تقسيمه وأقرب إلى الفنّ الإصطلاحي فقد قسم الأخبار صحاحًا وضعافا؛ وذكر في تقسيمه للحديث عشرة أقسام: والصحاح منها خمسة: وهي الخبر المتواتر، وأخبار الآحاد - ووصف هذين القسمين بالأخبار المسندة - وأخبار المراسيل وأخبار الصحيفة والموقوفة (6).
وقد جرى عدد من علماء المغرب بعده على تقسيمه، منهم سعيد الجربي
(1) ابن بركة الجامع، 16/ 1 وما بعدها.
(2) الكندي
محمد بن إبراهيم بيان الشرع 17/ 1 وما بعدها.
(3) العوتبي، الضياء 253/ 2
(4)
الكندي
أبو بكر، المصنف، 39/ 1.
(5) الشقصي، المنهاج 75/ 1 - 76.
(6) الوارجلاني، العدل 142/ 1. (1/551)
صفحة 552
علوم السنة عند الإباضية
532
ويقول: اعلم أن الأحاديث الواردة عن النبي على عشرة أنواع، ونوعها بعض الفقهاء إلى أربعة وعشرين وكلها راجعة إلى عشرة أنواع خمسة صحاح وخمسة ضعاف ساقطة، والصحاح المتواتر ثم أخبار الآحاد ثم المرسل ثم أخبار الصحيحة ثم الموقوفة .... (1)
إن هذا التقسيم الذي جرى عليه فقهاء الإباضية المتقدمون جاء وفق نظرتهم الفقهية القائمة على أن التقسيم يراعى فيه المقبول عندهم من المردود، غير أن منهج المحدثين ينطلق منطلقا آخر في تقسيم الصحيح (2)، ووجدنا هذا النهج من التقسيم عند بعض علماء الإباضية المتأخرين؛ إذ يقسم محمد المطهري الصحيح إلى: صحيح بنفسه، وصحيح بغيره ويكون بمصحح آخر وارد عليه (3).
وأورد القنوبي تقسيم المحدثين الحديث إلى مقبول ومردود، وتقسيم المقبول إلى صحيح وحسن، وتقسيم الصحيح إلى صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وهناك من قسم الحديث إلى صحيح وضعيف، وذكر القنوبي اعتراض من اعترض على تقسيم الحديث إلى صحيح وضعيف، وأن الحسن مندرج ضمن الصحيح بكون الحسن والصحيح يتشاركان؛ وفي حالة القبول لا إشكال، ولكن الإشكال يظهر في حالة التعارض فعندئذ لا بد من الفصل بينهما، وأنه أجيب بكون الصحيح يشمل
(1) الجربي سعيد جوابات سعيد الجربي، ص 27 يقسم المحدّثون الصحيح إلى صحيح لذاته وهو مقصودهم في تعريف الصحيح، وصحيح لغيره وذلك مثل الحسن فإذا روي من غير وجه ارتقى بما عضده من درجة الحسن إلى منزلة الصحة، وغير ذلك من الوجوه التي يعتضد بها الخبر فيبلغ درجة الصحة، ويسمي بعضهم ذلك رتب الصحيح، يقول القاسمي: " تتفاوت رتب الصحيح بسبب تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنّها لما كانت مفيدة لغلبة الظنّ الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية؛ وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح مما دونه. لمزيد من التفصيل انظر: ابن حجر، نخبة الفكر، 1/ 1، السيوطي، تدريب الراوي، 68/ 1 وما بعدها القاسمي، قواعد التحديث، 80/ 1. (3) المطهري، فتح المغيث، ص 176. (1/552)
صفحة 553
علوم السنة عند الإباضية
533
أنواعا وله رتب متفاوتة؛ فيكون الترجيح مبنيا على هذا التفاوت (1)، وهذا التفاوت أشار إليه القطب اطفيش: فلو قيل هذا حديث حسن الإسناد أو صحيحه فهو دون قولهم حديث حسن صحيح أو حديث حسن؛ لأنه قد يصح أو يحسن الإسناد لاتصاله وثقة روايته وضبطها دون المتن كشذوذ أو علة (2).
و يذكر اطفيش مسألة أصح الأسانيد إذ يرى أنّ المختار عدم الجزم في سند بأنه أصح الأسانيد مطلقا غير مقيد بصحابي، وذلك لعسر الاطلاع إذ يتوقف ذلك على وجود درجات القبول في كل فرد ممن روى ذلك السند المحكوم له إن قيّد بصاحبها جاز ذلك، " فيقال أصح أسانيد ابن عباس رضي الله عنه: الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس (3)، وقد صرح بعض من أئمة المحدثين التوقف عن القول بالإطلاق في أصح الأسانيد (4).
لكنه
المحققين
إن عملية الحكم بالتصحيح تستلزم علما ودراية بفنّ الرواية ودربة في طرق الكشف عن الصحيح من السقيم، ويطرح اطفيش الخلاف في الحكم بالتصحيح، فلا يحكم بتصحيح إلا أن ينص على صحته من يعتمد عليه من حفاظ النقاد، وقيل بجواز تصحيح من تمكنت معرفته وقرب إدراكه وقد صححه اطفيش (5).
(1)
(2)
(3)
(4)
القنوبي مقدمات في علوم الحديث، ص 10
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 413 - 414.
م. س، ص 412.
يقول العراقي في ألفيته:
إمسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلَى سَنَدْ بِأَنَّهُ أَصَحٌ مُطْلَقًا وَقَدْ.
ر العراقي زين الدين عبد الرحيم بن الحسين (1404/ 806) ألفية العراقي في مصطلح الحديث، ط 1، المطبوعات الأهلية، الرباط، المغرب، 1345 هـ، ص 2، وقد علل رأيه في الشرح وذلك لأن تفاوت مرتبة الصحة مرتب على تمكن الإسناد من شروط الصحة، ويَعرُ وجود أعلى درجة القبول في كل فرد من ترجمة واحدة بالنسبة لجميع الرواة" وقد أورد كلام
الحاكم وغيره ممن يرى عدم الإطلاق. ر العراقي، شرح ألفية العراقي، 15/ 1 - 16.
(5)
م. س، ص
412 (1/553)
صفحة 554
علوم السنة عند الإباضية
534
شروط الصحيح وحكمه تتلخص شروط الحديث الصحيح في خمسة شروط: العدالة والضبط، والاتصال، وعدم الشذوذ، وعدم العلة (1)، وقد سبق التعرض لبعض هذه الشروط في الفصول السابقة، والباقي سيرد بيانها في محلّه، ويمكن القول إن شروطهم للحديث الصحيح هي الشروط نفسها التي اشترطها المحدّثون في الحديث الصحيح (2).
أما حكم الصحيح فهو الاحتجاج به في الأمور العملية، إلا إذا بلغ درجة التواتر فصار حجة في العقائد (3)، وقد سبق ذكر ما يكون حجة في العقائد في باب
المتواتر بالتفصيل.
ثانيا: الحديث الحسن
تعريف الحسن: عرف اطفيش في كتابه جامع الشمل الحديث الحسن وهو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله قال: أي واتصل سنده، وقد أضاف لفظ واتصل سنده، وعلّق على التعريف: "قاله ابن الصلاح وقوم"، فكأن اطفيش على حد وصفه جمع في تعريفه قول ابن الصلاح وغيره
هذا وفي نسبته هذا التعريف إلى ابن الصلاح، نظر فإن ابن الصلاح رواه عن الخطابي والمعروف عند المحدثين أنّه تعريف الخطابي (5) وأنّه أورده في معالم
السنن (6)
(1) ر: المطهري، فتح المغيث، ص 178، القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 10 - 13. (2) انظر تفصيل كلام المحدثين في ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 12، العراقي، شرح ألفيته، 12/ 1 - 13، العراقي، التقييد والايضاح، ص 24 - 25، القاسمي، قواعد التحديث 80 - 79/ 1، وغيرها من كتب المصطلح.
(3) ر: المطهري، فتح المغيث، ص 178، القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 19.
(4)
(5)
(6)
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 413.
ر ابن الصلاح، معرفة علوم الحديث، ص 30، ابن جماعة، المنهل الروي، 35/ 1. الخطابي البستي حمد بن محمد بن سليمان (998/ 388)، معالم السنن، دار المعرفة (د. ت)، 11/ 1. (1/554)
صفحة 555
علوم السنة عند الإباضية
535
وقد اشتهر تعريف الخطابي وبعض تعريفات المحدثين للحديث الحسن (1). وعرف اطفيش الحسن أيضا في كتاب وفاء الضمانة بتعريف آخر كأنه وضعه بنفسه فقال:" الحسن هو مسند من قرب من درجة الثقة أو مرسل ثقة، وروي كلاهما من غير وجه وسلم عن شذوذ وعلّة ثم ذكر أنه لو عرف الحسن بهذا التعريف لكان أجمع الحدود وأضبطها وأبعدها عن التعقيد (2).
ويشرح اطفيش تعريفه للحسن الذي ذكره في جامع الشمل: فقوله: "عرف مخرجه أي من كونه حجازيًا أو شاميّاً أو عراقيّاً أو مكيّاً أو كوفياً، مثل أن يكون الحديث عن راو صار مشتهرا برواية أهل بلده وذلك كقتادة في البصريين؛ فحديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه فإنه مخرجه يكون معروفاً بخلافه من غيره، وقيد "اتصل سنده يفيد بأنّ المراد والمعتبر هو الاتصال؛ وعليه فكل واحد من المنقطع والمرسل والمعضل يخرج من دائرة الحسن بقيد الاتصال؛ فلا بدّ من وجوده لأنه بغيبة بعض رجاله لا يعلم مخرج الحديث منها؛ فلا يسوغ الحكم بمخرجه، ولذلك فالمعتبر الاتصال ولو لم يعرف المخرج متصلا لا العكس، وأمّا
(1)
ومن هذه التعريفات تعريف الترمذي وعبر عنه بقوله: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذا ويروى من غير وجه نحو ذالك فهو عندنا حديث حسن ر: الترمذي، العلل الصغير، 758/ 1. وقد تعقب ابن الصلاح تعريف الخطابي والترمذي واصفا تعريفهما بأنّه لا يشفي الغليل وأنّه ليس في كلامهما ما يفصل الحسن من الصحيح، وحاول أن ينقّح جامعا تعريفات من تقدّم فطرح للحسن قسمين لكنّه أطال في بيان صفة القسمين وحدهما بما يجعله أقرب إلى التفريع والشرح منه إلى التعريف المختصر الموجز.
لمزيد من التفصيل أنظر ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 30 - 31، وقد تعقب علماء الحديث بعد ابن الصلاح عليه في تعقيبه وتعريفه لمزيد من التفصيل انظر: العراقي، التقييد والإيضاح، ص 48، ابن جماعة، المنهل الروي 35/ 1 وما بعدها الطيبي، الخلاصة،
ص 42 - 46،
(2) اطفيش، وفاء الضمانة 10/ 1. (1/555)
صفحة 556
علوم السنة عند الإباضية:
536
شهرة رجاله: فبالعدالة والضبط دون الصحيح (1).
وعرف أبو عبيد السليمي الحسن بأنه ما عرف مخرجه، واشتهرت رجاله عدالة وضبطا اشتهارا دون رجال الصحيح (2).
وعرفه محمد المطهري: بأنه ما اتصل سنده بعدل خف ضبطه من غير شذوذ ولا علة (3)
وعرفه القنوبي بتعريفين فقال: الحسن هو ما توافرت فيه شروط الصحيح إلا تمام الضبط، أو هو ما أتصل سنده بنقل العدل الذي خفٌ ضبطه قليلا من غير شذوذ ولا علة قادحة (4)، والتعريف الذي أرتضيه وأراه أقرب إلى الدلالة على
الحسن هو التعريف الثاني من هذين التعريفين.
والذي يظهر لي أن علماء الإباضية في تعريفاتهم للحسن استفادوا من جملة تعريفات المحدثين، وهذا يصدق على غير الحسن من التعريفات الاصطلاحية أيضا، غير أنّ كلّ واحد منهم نقّح التعريف حسب ما يراه وأضاف عليه وعدل، ويصعب في مقامنا هذا التوسع والتقصي في مقارنة التعريفات والقيود المستفادة
المضافة لكون ذلك يطول كثيرا ويحتاج تتبع مثل هذا إلى رسالة مستقلة.
حكم الحسن
ذكر القطب اطفيش أن الحسن بأنواعه سواء ما قيل فيه حسن صحيح بإسناده، أو حسن بآخر، أو حسن أي لذاته هو ما قبله أكثر العلماء واستعمله الفقهاء (5)، وقال في وفاء الضمانة: " والحسن حجة كالصحيح ويري اطفيش أن الحسن
(1)
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 413.
(2) السليمي
حمد بن عبيد، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 118.
(3) المطهري، فتح المغيث، ص 183.
(4)
القنوبي
مقدمات في علوم الحديث، ص 19.
(5) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 414.
(6) اطفيش، وفاء الضمانة 10/ 1.
(6) (1/556)
صفحة 557
علوم السنة عند الإباضية
537
إذا ما روي من وجه آخر ترقّى من الحسن إلى الصحيح لقوته من الجهتين، فكل منهما يعضد الآخر، قال: "ونعني بالترقي أنّه يلحق في القوة بالصحيح لا أنّه عينه" (1).
ومذهب الجمهور قبول الحسن لذاته في الأمور العملية، وكذلك ذهب الجمهور في الحسن لغيره أنه حجّة إلا ابن القطان الفاسي (2)، إذ ذهب إلى أنه ليس بحجة إلا ما وافق ظاهر الكتاب أو السنّة الصحيحة، أو كان له شاهد صحيح أو حسن أو جاء من وجوه كثيرة جدا، وهذا القول اعتمده القنوبي وصححه (3). المبحث الثاني: الحديث المرسل:
تعريف المرسل: ورد في لغة العرب قولهم: "أرسل الشيء: أطلقه وأَهْمَلَه (4)، والخبر المرسل أي المطلق لأنه من الإرسال وهو الإطلاق كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزا (مريم 83/ 19)؛ فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده بجميع رواته (5).
(1) م. س 10/ 1.
(2)
حول حجية الحسن. ر: ابن الصلاح علوم الحديث، ص 32 وما بعدها، ابن جماعة، المنهل الروي، ص 36 - 37، الطيبي الحسين بن عبد الله (1343/ 743)، الخلاصة في أصول الحديث، تح: صبحي السامرائي، ط 1، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1405 هـ، 1985 م، ص 43 - 47، الحنبلي ابن رجب (1393/ 795)، شرح علل الترمذي، تح: همام عبد الرحيم سعيد ط 1، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، 1407 هـ، 606/ 2 وما بعدها، العراقي، التقييد والإيضاح، ص 60 - 61.
ولأبي الحسنات اللكنوي بحث نفيس حول حجيّة الحسن جمع فيه أقوال المحدثين والعلماء وتعقيبات بعضهم على بعض ومناقشاتهم. ر، اللكنوي، ظفر الأماني، ص 187
198
(3)
القنوبي،
مقدمات في علوم الحديث، ص 19.
(4) ابن منظور، لسان العرب مادة رسل، 285/ 11.
(5) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 191، الكندي إبراهيم، الأدلة النصية، ص 159. (1/557)
صفحة 558
علوم السنة عند الإباضية
538
عرف ابن بركة المرسل: بكونه أن يروي التابعي الخبر عن النبي ولم يشاهد النبي " وقال: ويجب أن يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم صحابي فلا يذكره إمّا أن يكون قد سمع من الصحابي فاقتصر على ما روى له ولم يحتج إلى ذكر من أخبره أو أن يكون صح عنده الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإخبار عن ذلك الصحابي ويسنده إلى النبي (1)، وجرى على هذا التعريف أبو عبد الله الكندي (2)، وأبو) المنذر العوتبي (3)، وأبو بكر الكندي (4).
(5)
وقال يحيى بن أبي بكر: سمي مرسلا لإهمال ذكر بعض الرواة في سنده وعرفه الوارجلاني بأنه خبر أسنده الراوي إلى رسول الله، ومعلوم أن الراوي الذي أسنده لم يصحب ولم يدرك ولم تقع له صحبة مع رسول الله (6) وبمثل هذا التعريف عرفه سعيد الجربي (7).
وعرفه الملشوطي والسوفي بأنه: " ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتصل سنده لترك الراوي رجلا في الوسط أو أكثر" (8).
وعرفه الشماخي بقوله: المرسل قسيم المسند، وهو ما أخبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم من لم يسمع عنه الخبر (9).
وعرفه عمرو التلاتي: بأنه قول غير الصحابي تابعيًا كان أو من بعده: قال النبي كذا مسقطا الواسطة بينه وبين النبي (1)، قال: "وهذا في اصطلاح
(1) ابن بركة، الجامع 16/ 1.
(2) الكندي، محمد بن إبراهيم، بيان الشرع، 16/ 1.
(3) العوتبي، الضياء 253/ 2.
(4) الكندي أبو بكر، المصنف 39/ 1.
(5) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 406،407.
(6) الوارجلاني، العدل، 142/ 1.
(7) الجربي سعيد بن علي، جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 28
(8) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ (مج)، ص 296، السوفي، السؤالات، ص 246. (9) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 443. (1/558)
صفحة 559
: علوم السنة عند الإباضية
539
الأصوليين، وأما في اصطلاح المحدثين فهو قول التابعي قال النبي .. (2).
وأما السالمي فقد قال في نظم الطلعة من الرجز)
وَمُرْسَلُ الْأَخْبَارِ فَهُوَ الْمُنْفَصِلْ فَإِنْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابِيِّ قُبِلْ
بِلا خِلافِ وَالخِلافُ قَدْ وَرَدْ فِي التَّابِعِيِّ والصَحِيحُ لا يُدْ كَذَاكَ مِنْ أَئمة السُرَاةِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَرْوِي عَنْ الثِقَاتِ ثم في شرح الأبيات ذكر الاختلاف في حدّ المرسل على أقوال ثلاثة، الأول قول الأصوليين وعرفوه بأنه "ما" سقط من إسناده راو واحد فأكثر من أي موضع كان" والثاني قول المحدثين وعرفوه بأنه: ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان من كبار التابعين كجابر بن زيد وسعيد بن المسيب و ... أو من صغار التابعين كالزهري و ... ، والثالث لبعض أهل الحديث وهو ما رفعه التابعي ولم يذكر السالمي التعريف المختار عنده، وذكر أبو أحمد
، (3)
الكبير إلى النبي " الكندي التعريفات نفسها التي عرضها السالمي، لكنه مال إلى تعريف
الأصوليين (4) لكونه أعم فيشمل تعريف المحدّثين)
(1)
(2)
التلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 189، 191.
م. س، 191.
(1)
(3) السالمي، شرح الطلعة، 44/ 2 - 45. وانظر تفصيل تعريفات المرسل عند العلائي في جامع التحصيل، فقد ذكر هذه التعريفات، وأفاض في ذكر تعريفات المحدثين والفقهاء والأصوليين. ر: العلائي أبو سعيد بن خليل بن كيكلدى جامع التحصيل في أحكام المراسيل
ص 25 - 31.
(4) فصلت بعض المصادر الأصولية الحديث عن المرسل معناه وحجيته ومنها راجع الرازي، المحصول،650/ 4 - 465، البصري أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب (1045/ 436) المعتمد، تحقيق خليل الميس، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1403 هـ، 143/ 2 - 151، السمعاني أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار (1096/ 489) قواطع الأدلة، تح: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418 هـ، 1997، 376/ 1 - 386. (1/559)
صفحة 560
علوم السنة عند الإباضية:
540
وعرفه محمد اطفيش "بأنه قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا" (2).
وعرفه محمد المطهري بأنه ما سقط منه الصحابي مطلقا (3).
وعرفه القنوبي: بأنه ما أضافه الصحابي أو التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما سمعاه من غيره" (4). وأميل إلى اختيار هذا التعريف؛ لشموله كل أقسام السنة، فقد أفاد ذلك لفظ أضاف ولشموله ما سمي بمرسل الصحابي فيدخل في التعريف وإن
خص في الحكم.
تقسيمات المرسل:
المرسل وفق التعريفات المتقدمة نوعان: مرسل الصحابي ومرسل التـ وهذا ينقسم إلى مرسل كبار التابعين وإلى صغارهم، وهذا التقسيم مبن اختلافهم في أحكامها.
علـ
إن المراسيل تقع في أخبار الصحابة وإن صحبوا، ويظهر ذلك خاصة إذا علم منهم أنهم لم يسمعوا من رسول الله، وقد يقول الصحابي حدثني صحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ومنه ما يفهم أنه لم يسمعه من النبي؛ كالذي يجري لأصاغر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يروون أموراً لم يشاهدوها، ولعلهم وهم بحال الصغر ممن لا يضبط ذلك، أو أن الواحد منهم غائب عن القصة التي وقع فيها، ومن أمثلة ذلك رواية ابن عباس عن رسول الله أنه قال لبني النضير حين اجلاهم وذكروا ديونهم عند الأنصار: (ضعوا وتعجلوا) (2) وكان ابن عباس إذ ذاك بمكة صغيرا، ولهذا قال ابن عباس: (نحن
(1)
الكندي إبراهيم، الأدلة النصية، ص 159.
(2) اطفيش، الضمانة 15/ 1.
(3) المطهري، فتح المغيث، ص 190.
(4) القنوبي، الإمام الربيع 156
(5) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، كتاب البيوع، 61/ 2 (2325) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب البيوع، باب من عجل له أدنى من حقه، 28/ 6 (10920) والدارقطني في سننه، كتاب البيوع، 46/ 3 (190) والطبراني في المعجم (1/560)
صفحة 561
علوم السنة عند الإباضية
541.
أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم نروي عن رسول الله له ما سمعناه من بعضنا ولا يكذب بعضنا بعضاً ولا نكذب (1)) (2).
فهي
ويرتب الملشوطي المرسل حسب درجاته مبتدئا بالأعلى درجة منها وهو مرسل الصحابة، فيذكر أن أقوى المراسيل إرسال الصحابة بعضهم عن بعض والمسند، سواء، مستدلا بقول الرسول: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) (3)، ثُمَّ يلي مرسل الصحابي إرسال التابعي عن النبي الله، وذهب الملشوطي إلى أنه كالأول يحتج به، معللا حكمه بما علم من حال التابعي أنه لا يروي إلا عن صحابي. ولعل الملشوطي أراد هنا مرسل التابعي الكبير فهو الذي في الغالب لا يروي إلا عن الصحابي، ثم يليه إرسال من يروي عن صحابي وغيره، وعن تابعي وترك فيه واسطته فلم يذكره، وذكر الخلاف في قبوله (4). الفرق بين المرسل والمقطوع:
يذكر الوارجلاني الفرق بين المرسل والمقطوع من حيث إنّ المرسل مجهول الصحابي الراوي عن الرسول الله، فالساقط من السند أعلاه وهو الصحابي، أما في المقطوع فيكون الراوي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، معلوما، غير أن القطع في واقع
الأوسط، في حديث من اسمه إبراهيم، 249/ 1 (817).
(1) لم أعثر على هذا الأثر، وقد تقدم مثله عن البراء بن عازب.
(2) الوارجلاني، العدل 143/ 1، ر: سعيد الجربي، جوابات الجربي، (مخ)، ص 124 ظ. (3) أخرجه ابن عبد البر، وقال: هذا إسناد لا تقوم به الحجة؛ لأن في سنده الحارث بن غصين وهو مجهول. وقال البزار: هذا الحديث لا يصح. انظر: ابن عبد البر، جامع العلم وفضله
90/ 2
وأخرجه محمد بن إسحاق بن محمد في الفوائد، في الصحابة كالنجوم، 29/ 1 (11)، وقال: إسناده ساقط والحديث موضوع، وأخرجه ابن حجر في الأمالي المطلقة، في المجلس الثامن والتسعين 60/ 1، وقال بعد أن ذكر إسنادين لهذا الحديث، وقع لنا بإسناد أمثل من هذين من طريق جابر بن عبد الله، فكأنه يصحح طريقه إليه والله أعلم.
(4) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ (مج)، ص 296. (1/561)
صفحة 562
علوم السنة عند الإباضية
الوسط، ومن ثَمّ فهو ليس متصل السند (1).
542
ويشير السوفي في ثنايا كلامه عن المرسل إلى هذا التفريق وأن القطع قد يكون بترك الراوي رجلا في الوسط أو أكثر (2)، وقد ذكر سعيد الجربي هذا ا، التفريق الذي قال به الوارجلاني (3).
حكم العمل بالمرسل:
ذهب أكثر الإباضية إلى القول بالعمل بالمرسل والاحتجاج به (4) وقد ترد عبارات بعضهم معبّرة بالعمل به دون تفصيل، وهناك من نجد عنده تفصيلا وبيانا أكثر، يقول الوارجلاني: " وأكثر العلماء على أن العمل بالمراسيل واجب (5) وجاءت عبارة الشماخي مثله في قوله: والأكثر على وجوب العمل به (6)، وبنفس
عبارتيهما قال سعيد الجربي
(7)
(1) الوارجلاني، العدل، 144/ 1.
(2)
السوفي، السؤالات (مخ)، ص 246.
(3) الجربي، أجوبة سعيد الجربي، (مخ)، ص 28
(4)
ر ابن بركة الجامع 16/ 1، العوتبي، الضياء،199/ 3، الوار جلاني، العدل 142/ 2، الملشوطي الأدلة، مخ)، (مج)،، ص 296، السوفي، السؤالات، ص 246، الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 442، التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 192، الجربي، أجوبة سعيد الجربي، (مخ)، ص 28، السالمي شرح الطلعة 44/ 2 - 46، القنوبي، الإمام الربيع، ص 157/ 156 مقدمات في علوم الحديث، ص 23، الكندي إبراهيم الأدلة النصية، ص 161، بكوش يحيى محمد (معاصر) فقه الإمام، جابر، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان 1407 هـ، 1986 م، 43/ 1، المنذري خلفان بن محمد مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي، أطروحة دكتوراه قسم الشريعة بكلية دار العلوم بالقاهرة، 1419 هـ، 1998 م،
مرقونه، ص 426.
الوارجلاني، العدل، 144/ 1.
(6) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 442.
(7) الجربي،
أجوبة سعيد الجربي، (مخ)، ص 28. (1/562)
صفحة 563
علوم السنة عند الإباضية
543
يقول الشماخي: " إرسال الأئمة كجابر بن زيد والحسن وغيرهما كان مشهورا مقبولا فيما بينهم ولم ينكره أحد فكان إجماعا أعني إجماعا بالاستدلال" (1). ويذكر عمرو التلاتي أن الجمع الأكثر متفقون على الوجوب وتحتم العمل به والإتيان بمقتضاه مطلقا؛ وذلك لأن العدل لا يسقط الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو عدل عنده، لكن التلاتي بعد ذلك صحح القول بقبول مرسل كبار التابعين وأئمتهم؛ وذلك لأن إرسال الأئمة جابر بن زيد والحسن وغيرهما كان مشهوراً كما أنه كان مقبولا عندهم لم ينكره واحد منهم إن مرسل الصحابي هو أعلى المراسيل وهو حجّة، يقول السالمي: "فالصحابي العدل يتحاشى عن أخذ الرواية من الفاسق، فوجب الأخذ بمراسيل الصحابي" (3)، ولأن الصحابة قد أرسلوا ولم ينكره أحد منهم، بل كانوا فيه بين عامل به ومصوب له (4).
فيما بينهم،
(2)
يقول اطفيش وأما مرسل الصحابي كابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسين بن علي من صغار الصحابة عنه له مما لم يسمعوه منه فهو حجة" (5).
ولم أجد من ذكر إطلاق عدم الاحتجاج بمرسل الصحابي عند علماء الإباضية إلا عبارة عند خلفان بن جميل السيابي يقول فيها والصحيح رد الاحتجاج بالمرسل إن لم يوجد معه عاضد، وعليه الأكثر (6)، والقاضي أبو بكر الباقلاني،
(1) الشماخي، شرح المختصر، ص 442. الثلاثي، رفع التراخي (مخ)، ص 192.
(3) السالمي، شرح الطلعة، 45/ 2.
(4) م. س، 46/ 2.
(5) اطفيش، وفاء الضمانة 14/ 1.
(6)
لم يتفق المحدّثون كلّهم على ردّ المرسل فمنهم من ذهب إلى قبوله، وممن ذهب إلى قبوله منهم مالك وروي قولا عن أحمد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وهؤلاء من أئمة المحدثين وغيرهم، وذهب أكثرهم إلى رده، وذهب الشافعي إلى قبول مرسل التابعي الكبير (1/563)
صفحة 564
علوم السنة عند الإباضية
544
وهو الظاهر من كلام مسلم، في صدر صحيحه مذهب أهل العلم بالأحاديث
? (1) |
وذلك للجهل بعدالة الساقط، وإن كان صحابيا لاحتمال أن يكون طرأ له "قادح وعبارة السيابي تحوي بعض الغموض، فإنه بدأ الكلام حول حكم المرسل مطلقا ونقل قول من ذهب إلى ردّ المرسل، ولكن هؤلاء ردّوا المرسل دون مرسل الصحابي.
ويفصل محمد اطفيش في مسألة الاحتجاج بالمرسل، لكني أرى في تفصيله أنه لم يسلك مسلكا واحدا فهو تارة يقول: وعلى الاحتجاج به، وهو أضعف من المسند الذي اتصل سنده، ولم يسقط منه أحد خلافاً لقوم" (2)، ثم يقول:" فإن كان المرسل لا يروى إلا عن عدل - كأن عرف ذلك من عادته كابن المسيب فإنّه لا يروي إلا عن أبي هريرة وهو صهر أبي هريرة - قبل مرسله لانتفاء الجهل بعدالة الساقط وهو حينئذ مسند حكما لأن إسقاط العدل كذكره (3)، ويقول أيضا: " والصحيح ردّ الاحتجاج بالمرسل إن لم يوجد معه عاضد وعليه الأكثر منهم الشافعي" (4).
ويذكر اطفيش في ثنايا كلامه عن المرسل تحديد كبار التابعين وصغارهم: فالمراد بكبار التابعين من أكثر روايتهم عن الصحابة، والمراد بصغار التابعين
مثل سعيد بن المسيب بشرط أن يسند من طريق آخر أو يتقوى بمرسل مقبول أو قول صحابي.
لمزيد من التفصيل ر الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس (820/ 204)، الرسالة، تح أحمد محمد شاكر، القاهرة 1358 هـ، 1939 م، 470/ 1، السجستاني أبو داود سليمان بن الأشعث (889/ 275) رسالة أبي داود، تح محمد الصباغ، دار العربية، بيروت، (د. ت)، 24/ 1، ابن جماعة، المنهل الروي، 43/ 1، الخطيب الكفاية، 384/ 1، الحاكم، معرفة علوم
الحديث، 26/ 1، ابن عبد البر، التمهيد، 4/ 1.
(1) السيابي: فصول الأصول ص 258.
(2) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 407.
(3)
(4)
م. س، ص 408.
م. س، ص 407. (1/564)
صفحة 565
545
علوم السنة عند الإباضية
من أكثر روايتهم عن التابعين (1).
إن المرسل قد يعتضد حتى بالضعيف كما يقول اطفيش؛ وهذا العاضد الضعيف يشترط فيه أن يكون صالحا للترجيح وضعفه ليس شديدا، ويمثل اطفيش لهذا النوع من العاضد بقول الصحابي أو فعله، أو قول الأكثر من العلماء وإن ليس فيهم صحابي، وكذلك من أمثلة العاضد الضعيف التي ذكرها اطفيش وجود مسند آخر ضعيف ورد من طريق مرسله واشتمل المسند على ضعف، ومن أمثلة ذلك أيضا أن يرسله راو آخر يروى عن غير شيوخ الأول (2).
ومن أنواع عاضد المرسل أيضا القياس المؤيد للمرسل، وانتشار هذا المرسل بلا نكير وإن لم يصل إلى حد الإجماع، وعمل أهل العصر على وفقه وإن لم يصل إلى حد الإجماع أيضا مع كون المرسل وحده ليس حجة، وذلك العمل وحده ليس حجة أيضا؛ لضعف كل منهما منفردا
(3)
ويذكر اطفيش أيضا في تفصيله حكم مرسل صغار التابعين بقوله:" وأما مرسل صغار التابعين فلا يحتج به ولو عوضد لشدة ضعفه كالزهري" (4)، لكن اطفيش يطبق قاعدة العمل بالاحتياط المعمول بها عند علماء المذهب، في المرسل المجرد من العاضد ولا يوجد دليل في الباب سواه لكن مدلوله المنع من شيء، فيرى أن الأظهر الكف عن ذلك الشيئ لأجله احتياطاً (5).
إن المرسل لا يقدح فيه إلا حفظ في عدالة الواصل على الصحيح كما يقول اطفيش، والحكم عنده يكون للرافع لكونه مثبتا لا للواقف لأنه ساكت ولو نفي، ويبني اطفيش رأيه على قاعدة أن المثبت مقدّم، وعلى كون زيادة الثقة تقبل على
م. س، ص 408.
م. س، ص 408.
م. س، ص 408.
م. س، ص 408.
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 408،409.
(1)
(2)
(3)
(4)
(5) (1/565)
صفحة 566
ة علوم السنة عند الإباضية
546
الصحيح، سواء كانت من واحد بأن يرويه مرة ناقصاً ومرة أخرى فيه تلك الزيادة، أو كانت تلك الزيادة من غير من رواه ناقصاً (1).
ويذكر اطفيش أيضا أن الترجيح بالمرسل جائز مبينا بعض قواعد الترجيح من خلال درجات الأدلة؛ فمرسل الصحابي كابن عباس وابن عمر وغيرهما من صغار الصحابة حجة، والمتصل يقدم على المرسل والحكم به إذا ما استوى السند، ومن أمثلة ذلك حديث (لا) نكاح إلا بولي) (2) رواه الثورى وشعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن النبي، ورواه إسرائيل وجماعة بذلك السند عن أبي موسى عنه، ولا يسمى - إن ترجح - رواية متصلا كجابر بن زيد إذ رواه متصلاً، و"كلما كانت العدالة والضبط كان أدخل في التقدم على المرسل (3). وهذه الضوابط والقواعد الترجيحية التي ذكرها اطفيش أقرب إلى منهج الأصوليين والفقهاء منها إلى منهج المحدثين.
يقول السالمي: رد المرسل بدعة حدثت بعد المائتين لما تسرب الوضع والكذب إلى الرواية، ومن ثمّ فلا وجه لدفعه وبخاصة مراسيل كبار التابعين كجابر بن زيد وسعيد بن المسيب (4)، ويقول أيضا: " القول بأن مرسل العدل
مقبول مطلقا هو الصحيح عندي لما ذكرته من إجماع الصحابة والتابعين (5). وذهب بعض علماء الإباضية إلى تضعيف مرسل غير الصحابي، يقول محمد مطهري: وأما حكمه فحكم الحديث الضعيف؛ لجهلنا برواية الحديث عن رسول الله مشافهة أو حكما، ذاتا أو صفة، وهو المشهور عند أكثر المحدثين (6)، ومال القنوبي إلى الإطلاق في الاحتجاج بمرسل الصحابي فقط، وأما غيره ففصل
(1) م. س، ص 410.
(2) تقدم تخريج مثل هذا الحديث ص 198.
(4)
،اطفيش جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 409
السالمي، شرح الطلعة 47/ 2.
(5)
(6)
م. س، 47/ 2.
المطهري، فتح المغيث، ص 190 - 191. (1/566)
صفحة 567
: علوم السنة عند الإباضية
547
فيه، حيث يقول:"وأقوى ما يقال في المرسل أنّه ليس بحجة مطلقا إلا إذا كان مرسل صحابي، أما مرسل التابعي إذا كان صغيرا فليس بحجة حتى ولو تأيد بمؤيّدات؛ كأن يأتي من طرق متعددة ولو كانت مسندة صالحة للاعتضاد لاحتمال أن يكون المرسل أسقط نفس الشيخ الذي روى عنه في الرواية المتصلة إذا احتمل اللقاء بينهما لكونه من شيوخه فلا يكون المرسل قويا باعتضاده بتلك، أما إذا كان التابعي كبيرا وتأيّد بمؤيّدات فهذا قد تطمئن إليه النفس (1).
وخلاصة القول من خلال عرض الأقوال المتقدمة، أنّ الإباضية اختلفوا فـ مسألة الاحتجاج بالمرسل فالكثير منهم ذهب إلى الإطلاق في الاحتجاج بالمرسل ومنهم من فصل في المسألة، فجعل القبول لمرسل الصحابي، وقيد القبول لمرسل التابعي بقيود، ومنهم من ردّ مرسل التابعي.
وهذا الخلاف في تقديري مبني على اختلاف المنهج في تناول هذه المسألة فمن غلب منهج الفقهاء قبل المرسل مطلقا، ومن غلب منهج المحدثين ردّ المرسل إلا مرسل الصحابي، ومن جمع بينهما قبل مرسل غير الصحابي بقيود، وأجدني أميل إلى قبول مرسل الصحابي مطلقا، وقبول مرسل كبار التابعين ممن اشتهروا بالحيطة في الأخذ والدقة في الرواية وإن لم نجد لبعض رواياتهم مؤيدات، فكونهم اشتهروا بالضبط والدقة والحزم في الرواية في عموم رواياتهم كاف في تسويغ القبول منهم، علاوة على أنّهم وكما قدمت في بعض الفصول اكتسبوا هذا المنهج من الصحابة، ولم يروا في العمل به إخلالا بالرواية.
المبحث الثالث: زيادة الثقة
مفهوم زيادة الثقة:
نجد أول ذكر للزيادة في الخبر عند ابن بركة، وسمى مثل هذا الضرب بالخبر الزائد والناقص إذ يقول: "وأما الخبر الزائد والناقص فإنه إذا ورد خبر عن النبي من وجه، وروي ذلك الخبر أيضاً من وجه آخر إلا أن أحد الخبرين فيه زيادة
(1) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 24. (1/567)
صفحة 568
علوم السنة عند الإباضية
548
لفظة، استعمل الزائد من الخبرين، لأن فيه فائدة لم تذكر في الخبر الآخر، ولم يوردها الراوي الثاني معه لما قد يجوز أن يكون أحدهما شاهد القصة إلى آخرها فيسمع ما لم يسمع الآخر ويشاهد ما لم يشاهد الآخر، فذلك استعمل الزائد من الأخبار (1).
ونجد هذا الكلام المتقدم عند من جاء بعد ابن بركة كأبي عبد الله الكندي في بيان الشرع (2)، وسلمة العوتبي في الضياء (3)، وأبي بكر الكندي في المصنف (4). يقول أبو محمد الخليلي: " والزائد في أحد الخبرين كخبر قام بنفسه" (5)، ويقول السالمي مبينا زيادة الثقة: الزيادة في الخبر إذا رواها الثقة بمعنى أنه إذا روى الحديث ثقة، ورواه ثقة آخر وفيه زيادة على رواية الثقة الأول فإن تلك الزيادة من ذلك الثقة مقبولة)، فزيادة الثقة من خلال حدهم هي الزيادة الواردة في رواية ما بنقل ثقة وتكون في المتن والإسناد وإن اقتصر ظاهر كلامهم على
المتن.
حكم زيادة الثقة و نماذج منها
يذكر ابن بركة مسألة نجاسة سؤر الكلب والدليل لمن قال بتنجيسه وهو الحديث المروي من طريق أبي هريرة عن النبي لو أنه قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبع مرات أولاهن وأخراهن بالتراب) (7)، ثم يذكر الزيادة المروية من طريق ابن المغفل ( ... و الثامنة بالتراب) (8)، ويعلّق بعدها
(1) ابن بركة، الجامع 17/ 1.
(2)
الكندي محمد بن ابراهيم بيان الشرع، 17/ 1.
(3) العوتبي، الضياء، 253/ 2
(4) الكندي، المصنف، 40/ 1.
(5) الخليلي سعيد بن خلفان كرسي أصول الدين، (مخ)، ص 122.
(6)
السالمي، شرح الطلعة 27/ 2.
(7) تقدم تخريج هذا الحديث ص 372.
(8) تقدم تخريج هذا الحديث ص 372. (1/568)
صفحة 569
علوم السنة عند الإباضية
549
قائلا: " والزيادة عند أصحاب الحديث معمول بها إذا صحت في أحد الخبرين كانت فائدة (1). عندهم
ويذكر ابن بركة في خبر صدقة الفطر: (أن النبي لو أوجب صدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى من (المسلمين) (2) ثم يقول: "ومن طريق محمد بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تمونون (3) (4) وكان هذا الخبر على الأول، والزيادة مقبولة في الأخبار والأخذ بها أوجب (5)، ويقول فـ موضع آخر مبينا حكم الزيادة في الخبر ومعللا قبوله الزيادة في أحد الأخبار: "لأن الأخذ بالخبرين بما فيهما من الزيادة أولى من إسقاط أحدهما (6).
زائدا
ويذكر التلاتي بعض قيود قبول الزيادة في الحديث ومنها أن الزيادة تخرج عن زيادة الكذب فإن هذه، مردودة، وضابط الزيادة المقبولة أن يرويها العدل، فإن رواها ونقلها راو عدل ثقة قبلت وعمل بها إلا إذا دلت قرينة على ضعفها، واطلع على أمر خارج عنها دال على سقوطها؛ فعندئذ لا تقبل (7).
(1) ابن بركة، الجامع، 1/ 397 - 398. (2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، 547/ 2 (1433) وابن حبان في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، 94/ 8 (3301) وأبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب من لم يؤدي صدقة الفطر ...
(1611) 112/ 2
(3) مانَه يَمُونُه مَوْناً إِذا احتمل مئونته وقام بكفايته، وعن ابن السكيت: مانَ الرجلُ أَهله يَمُونُهُمْ مَوْناً و مَنُونةً: كفاهم وأنفق عليهم وعالهم وقال ابن الأعرابي: التَّمَوْنُ كثرة النفقة على
العيال. ر: ابن منظور، مادة، مون لسان العرب، 425/ 13 (4) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب إخراج زكاة الفطر بنفسه، 161/ 4 (7471) والدارقطني في سننه، كتاب زكاة الفطر، 140/ 2 (11)، 141/ 2 (12)
والشافعي في مسنده، كتاب الزكاة 93/ 1.
(5) ابن بركة، الجامع، 31/ 2 – 32.
(6)
ابن بركة، الجامع، 621/ 1.
الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 202. (1/569)
صفحة 570
علوم السنة عند الإباضية
550
ويفصل التلاتي بيان ما يوجب عدم قبول الزيادة؛ كمثل بلوغ عدد غير الراويين للزيادة كثرة لا يتصور معها غفلة مثلهم عن مثل تلك الزيادة خاصة إذا كان المجلس، واحدا، وكذلك إذا توفرت دواعي نقلها وكانت من عادة الرواة عن الشيخ المروي عنه يتتبعون روايته ولا يغفلون عن مثل تلك الزيادة (1).
ومما يوجب ردّ الزيادة أن يردّ الشيخ المروي عنه رواية الراوي الذي زاد في الخبر وينكر الرواية عنه بتلك الزيادة؛ فحكم الزيادة في الحديث المروي السقوط، وإذا كذبه كانت المسألة أبلغ، ولكن بشرط أن يكذب المروي دون قدح في الراوي لأنه إن قدح عظمت المسألة، و جرح المتقدّم بالتجريح فيهما إن كانا عدلين متساويين؛ إذ في تكذيب الرواية دون جرح تسقط الرواية، وتبقى عدالتهما لأنها متيقنة، والكاذب غير معين واليقين لا يزول بالشك، وإن قال الشيخ لا أدري ولا أعلم قبلت الرواية والزيادة؛ لجواز الذهول والغفلة فالقبول هنا أرجح منه فيما قبله وأأكد (2).
يقول محمد اطفيش وتقبل زيادة الثقة على الصحيح كانت من واحد بان يرويه مرة ناقصاً ومرة فيه تلك الزيادة أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصاً (3).
لكن اطفيش يؤكد اشتراط بعض القيود منها أن ذلك مبني على معرفة أن لا يكون المجلس واحدا، فإن جهل تعدّد المجلس فالأولى عندئذ القبول من صورة اتحاده، وان تعدّد يقينا قبلت اتفاقاً (4).
وهذه القيود التي نبه عليها التلاتي واطفيش نجد مثيلها عند السالمي، فهو يقيد القبول لزيادة الثقة في حال لم يدلّ دليل يرجّح أنّ الراوي غافل في روايته تلك
(1)
م. س، ص 202.
(2) التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 202 - 203.
(3)
اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 410. (4) اطفيش، جامع الشمل في حديث خاتم الرسل ص 410. (1/570)
صفحة 571
551
علوم السنة عند الإباضية:
الزيادة، أو أنه واقع في الوهم، فلو أن جماعة كبيرة حضرت المجلس، ولا تقضي العادة باجتماعهم على الغفلة عن رواية تلك الزيادة فيرويها واحد من بينهم فالعادة هنا تقضي بغفلة ذلك الواحد من دون الجماعة (1).
ويذكر السالمي خلاف العلماء في مسألة قبول زيادة الثقة إلى أقوال ثلاثة: القول بقبولها مطلقا بشرط أن يكون الراوي ثقة، ونسبه إلى
الجمهور (2).
القول بعدم القبول بها، ونسبه إلى بعض أهل الحديث (3).
(1) السالمي، شرح الطلعة، 27/ 2.
(2) فصلت بعض المصادر الحديث عن زيادة الثقة وأوردت أقوالا عدة ذهب إليها العلماء من المحدثين والأصوليين سواء ما أفاد القبول المطلق أو الرفض المطلق أو القبول المقيد، وفى القبول المقيد ذكر جملة من قيود القبول انظر منها الخطيب الكفاية، 424/ 1 وما بعدها، ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 85 - 88، ابن رجب شرح علل الترمذي، 635/ 2 وما بعدها، الشيرازي، التبصرة، ص 321 - 325، الغزالي، المستصفى، 133/ 1. يقول النووي في المجموع: " قد تقرر وعلم أن المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور من أصحاب الحديث والفقه والأصول قبول زيادة الثقة". ر: النووي محي الدين يحيى بن شرف
(3)
(1565/ 972) المجموع شرح المهذب، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1997 م، 214/ 4. ذكرت بعض المصادر قول من قال بعدم اعتبار زيادة الثقة وأن التفرد علة من العلل، ونسب ابن كثير القول بردّها إلى أكثر المحدثين، وفي كلامه نظر؛ وذلك لتصريح ابن الصلاح بأن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث قبلوا زيادة الثقة خلافا لمن ردّها من المحدثين، فهذا يدل على أن البعض من المحدثين ذهب إلى ردّها وقبلها جمهورهم المعرفة مزيد من التفصيل حول قول من قال بردها ر ابن کثير عماد الدين أبي الفداء (1373/ 774)، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، شرح أحمد محمد شاكر تحقيق وتعليق ناصر الدين الألباني، علي بن حسن الأثري الحلبي، ط 1، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض السعودية، 1415 هـ، 190/ 1، ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 85، ابن رجب، شرح علل الترمذي، 635/ 2، الزرعي ابن القيم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب (1351/ 751)، حاشية ابن القيم، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1415 هـ،
6
187/ 1.1995 (1/571)
صفحة 572
أهمها.
: علوم السنة عند الإباضية
552
والقول بالتفصيل في المسألة وقبولها بالقيود (1) التي سبق ذكر
وحجة المانعين مطلقا تتلخص في أن الحفاظ إذا شاركوا الراوي للزيادة؛ فإن ذلك يورث التهمة في حقه، ثم إنّه يجوز أن يكون قد سها، وأجيبوا بأن عدالته وضبطه مع احتمال وقوع الغفلة والسهو من الآخرين رافع للتهمة عنه، وكذلك فإن إمكانية سهوه في أنه سمع ما لم يسمع ما لم يسمع أبعد من احتمال وقوع السهو عنده بعدم سماع ما سمع (2).
يقول السالمي: " لنا على قبولها ما لم يقم دليل يقتضي غفلة الراوي هي أن المعتبر في قبول الرواية العدالة، فإذا كان العدل يجب قبول خبره لعدالته، وجب قبول زيادته أيضا، لأن الزيادة مع المزيد عليه بمنزلة خبرين، ولو روى واحد خبرين؛ وروى غيره أحدهما؛ قبلت راويته الخبرين بالاتفاق؛ كذلك هذا، ولأن الزيادة يتعلق بها حكم ورواية الثقة كالخبر المبتدأ (3).
وفي ختام هذا الفصل الذي كشف لنا بعض أنواع الحديث التي تعتبر من الحديث المقبول عند الإباضية لا يفوتنا التأكيد على أمور منها أن الحديث الصحيح في أعلى هرم أنواع الحديث المقبول، وتعريف الحديث الصحيح بأنه "ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه دون شذوذ أو علة قادحة تعريف جامع، وهو بقيوده مفصح عن شروط الحديث الصحيح التي ذكروها، كما أنه لم يخرج عن تعريف علماء مصطلح الحديث بل يمثل تعريف المحققين منهم. ويظهر أن فقهاء الإباضية في بيان أقسام الحديث المقبول عكسوا منظورهم الفقهي فجاء شرط الاتصال بما يفيد اطمئنان النفس وسكونها لهذا الاتصال، ولذلك قبلوا المرسل، وقبل بعضهم الموقوف أو المنقطع وخبر الصحيفة، وغير ذلك من
(1) السالمي، شرح الطلعة، 29/ 2 م. س، 29/ 2.
(2)
(3)
م. س، 30/ 2 (1/572)
صفحة 573
علوم السنة عند الإباضية
553
أصناف لم يتجلّ اتصالها بدقة كاملة، على أن من نَهَج منهم طريق أهل الحديث لم
يقبل مثل هذه الأقسام في المقبول من الحديث.
وعَبَّر تعريف الحسن عندهم عن استفادته من علماء المصطلح، والتعريف الذي اخترناه في الحسن هو أنّه ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خف ضبطه قليلا
من غير شذوذ ولا علة قادحة"، وقد ذهبوا إلى أن للحسن حجية كالصحيح. أما المرسل فوجدنا عناية ببيانه وتعريفه عند المتقدمين منهم، فابن بركة عنى بتعريف المرسل وبيانه وجرى على تعريفه طائفة بعده، والتعريف المختار بأنّه ما أضافه الصحابي أو التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما سمعاه من غيره" هو الأجمع بين باقي التعريفات لشموله أنواعه من مرسل الصحابي أو التابعي.
والذي رأيناه في التراث الإباضي قبول أكثرهم للمرسل والعمل به والاحتجاج به وذهب القليل منهم إلى ردّ المرسل وعدم الاحتجاج به ما عدا مرسل الصحابي الذي يكادون يتفقون على قبوله والاحتجاج به على أن المرسل عندهم أيضا قد يعتضد ويتقوى بأدلة تقويه، وهو كما ذكر اطفيش قد يعتضد بالضعيف الصالح للترجيح، وقد ذكر بعض الضوابط والقواعد الترجيحية التي يعتضد بها المرسل لكنها في تقديري - أقرب إلى منهج الأصوليين والفقهاء منها إلى منهج المحدثين.
الخلاف حول المرسل كما أسلفت مبني على اختلاف المنهج في تناول المسألة فمن غلب منهج الفقهاء قبل المرسل مطلقا، ومن غلب منهج المحدثين رد المرسل إلا مرسل الصحابي، ومن جمع بينهما قبل مرسل غير الصحابي بقيود. ويأتي قبول زيادة الثقة فرعا عن تسميتها؛ فبتحقق صفة الثقة لراوي الزيادة وإتقانه قبلت، ولذلك قبل فقهاء الإباضية الزيادة المنضبطة بذلك، وجرت أقوالهم على ذلك من ابن بركة فمن بعده على أن علماء الإباضية الذين فصلوا بيان هذه المسألة وضعوا قيودا وضوابط أخرى، على أنها من التدقيق في قبولها، وإن كان الأصل قبولها عندهم، ومن هذه القيود عدم اتحاد المجلس، ودلالة (1/573)
صفحة 574
علوم السنة عند الإباضية
554
الدلائل على عدم غفلة من زاد أو سهوه ه أو وهمه أو غلطه، وغير ذلك من القيود الضابطة التي تحمي الرواية من الأوهام وتدرأ عنها الخطأ والخلل. هذا، ولما كانت صورة أقسام الحديث ضمن مصطلح الحديث لا تكتمل بذكر المقبول منها دون المردود، عولنا على ذكر أقسام المردود في الفصل الآتي علَّ صورة بيان الأحاديث تكتمل بذاك. (1/574)
صفحة 575
علوم السنة عند الإباضية
555
الفصل الثالث الحديث المردود
المبحث الأول الحديث الضعيف وتقسيمه
تعريف الحديث الضعيف
عرف الشماخي الضعيف بأنه ما وقع وهن في روايته، أو متنه (1).
وعرفه التلاتي: بأنه ما حصل وهن وضعف في نقله كعدم عدالة أو ضبط أصحابها أو في متنه و لفظه كأن يسقط منه شيء لفظه كأن يسقط منه شيء (2). وهذا التعريف شرح به تعريف الشماخي.
وعرفه اطفيش بأنه: "ما لم تجتمع فيه صفات الصحيح أو الحسن" ثم قال" قاله ابن الصلاح (3)، وعرفه في كتاب وفاء الضمانة بتعريفين فقال: "والضعيف ما لم يجتمع فيه شروط الصحة والحسن، ثم قال: وإن شئت فقل الضعيف ما قصر عن درجة الحسن (4).
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 442. (2) الثلاتي، رفع التراخي (مخ)، ص 192.
1
(3) اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 415. وانظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 41، وجرى على تعريف ابن الصلاح كثير ممن دونوا في علم المصطلح من علماء الحديث كابن جماعة في المنهل الروي والطيبي في الخلاصة والعراقي والنووي والسيوطي وغيرهم. ابن جماعة، المنهل الروي، ص 38، الطيبي، الخلاصة، ص 48، العراقي، التقييد والإيضاح ص 62، السيوطي، تدريب الراوي، 179/ 1.
وقد عد السيوطي شروط الصحيح والحسن ستة وعبر عنها بصفات القبول الستة و"هي الاتصال والعدالة والضبط والمتابعة في المستور وعدم الشذوذ وعدم العلة". ر: السيوطي، تدريب الراوي 179/ 1
(4) اطفيش، وفاء الضمانة، 11/ 1، ومن المحدثين من عرف الضعيف بأنه ما لم يجمع صفات الحسن، وقد حدّه بذلك ابن دقيق العيد ومال إليه السيوطي في التدريب. ر: السيوطي، تدريب الراوي، 179/ 1. (1/575)
صفحة 576
علوم السنة عند الإباضية
556
يقول نور الدين السالمي (من الرجز)
أَمَّا الضعيفُ فَهُو مَا فِي سَنَده وَهْنٌ كَطَعْنِ جَاءَ فِي مُستَنَدِة وعرفه في شرح البيت بأنه: ما قصر عن درجة الحسن بسبب وهن في سنده
كالطعن في بعض رواته" (1).
وعرفه أبو مالك المالكي بقوله (من الرجز)
وَالخَبَرُ الضَعِيفُ مَا الوَهْنُ حَصَلْ فِي نَقْلِهِ وَمَثْنِهِ لَمْ يَتَّصِل (2). وعرفه القنوبي بأنه: ما لم تتوفّر فيه شروط القبول (3)، وهو تعريف أراه حسنا يصدق على الضعيف، ويميزه عن الحسن بضابط القبول وعدمه.
تقسيمات الضعيف:
أول تقسيم للأخبار الضعيفة وجدناه عند الوارجلاني فقد ذكر خمسة أنواع ووصفها بأنها خمسة ضعاف ساقطة، وعَدَّدَها بقوله: " وأما الخمسة الأخر فالخبر الضعيف ثم المقاطيع ثم الشواذ ثم المناكير ثم الكذب (4)،، وجرى على تقسيمه
(5)
سعيد الجربي ومما يستغرب له أن الشماخي - وقد اختصر كتاب العدل للوار جلاني ثم شرحه - لم ينص على تقسيم الضعيف وإن ذكر بعض تعريفات أنواعه، وكذلك عمرو التلاتي في حاشيته على شرح الشماخي، وعلى كل حال فإن هذا التقسيم الذي ذكره الوارجلاني ناقص ولم يستوف كل أنواع الضعيف.
(1) م. س، 50/ 2.
(2) المالكي، موارد الألطاف، ص 37.
(3)
القنوبي
مقدمات في علوم الحديث، ص 20.
(4) الوارجلاني، العدل، 142/ 1.
(5) الجربي، جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 27. (1/576)
صفحة 577
علوم السنة عند الإباضية
557
وقد ذكر محمد المطهري أقسام الضعيف، وهي كما عددها المرسل والمنقطع، والمعضل، والمدلس والمعلل، والمضطرب، والمقلوب، والشاذ، والمنكر، والمتروك، وهذه الأقسام عدها الإباضية ضعيفة وإن لم نجد ترتيبها من حيث هي أقسام للضعيف ماعدا المرسل وقد تقدم خلافهم حوله، وسبق ذكر رأي محمد المطهري في المرسل وأنه ذهب إلى تضعيفه تبعا لمنهج المحدثين (1).
ويذكر القطب اطفيش أنّه من أنواع الضعيف المهمل، ويحدّ المهمل بأنه ما روى من غير العدل (2)، قال: " ويسمّى المردود (3)، وأكد على أن الضعف تارة يكون في السند وتارة يكون في الكلام المروي (4).
ويذكر السالمي واطفيش المُضعَف ويعرفانه بأنه ما لم يُجتمع على ضعفه، بل في متنه أو سنده تضعيف لبعضهم وتقوية للبعض الآخر (5)، قال اطفيش:" وهو
أعلى من الضعيف"
حكم الضعيف:
(6)
نجد أول ذكر للضعيف وحكمه في التراث الإباضي عند أبي عبيدة مسلم بن كريمة، إذ يكشف لنا عن احتجاجه بالضعيف في الرغائب، ويروي في ذلك رواية عن ابن عباس يقول فيها: بلغني عن ابن عباس أنه قال: من بلغه حديث في الرغائب والفضل في العمل، واجتهد فيه؛ فإن كان الحديث كما بلغه كان له أجران، وإن كان الحديث على غير ما بلغه كان له أجره على نحو ما بلغه، لأن الله لا يضيع أجر المحسنين فلا يذهب أجر اجتهاده في بدعة (7)،
(1) المطهري، فتح المغيث، ص 188.
،
اطفيش كتاب جامع الشمل، ص 427
وهكذا.
(3)
(4)
(5)
(6)
م. س، ص 427.
م. س، ص 415.
السالمي، شرح طلعة الشمس 50/ 2، اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 414.
اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 414.
1 (7)
) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة (مخ)، 5 و. (1/577)
صفحة 578
علوم السنة عند الإباضية
558
تحصل لنا القول الأول في حكم الضعيف وهو جوازه في الفضائل والرغائب، وقد مال القطب اطفيش إلى هذا القول وعزاه إلى العلماء دون تحديد من هم فلعله اطلع على قول بعض علماء المذهب في ذلك، لكنّه أكد على منعه وعدم جوازه في أحكام الحلال والحرام (1).
وهناك من ذهب إلى عدم الاحتجاج بالضعيف والعمل به إلا أن يقويه ما يرفع ضعفه ويزيله، يقول محمد مطهري: " أنواع الأحاديث الضعيفة التي لا تصلح لأي منهما - أي الاحتجاج والعمل وهي عشرة، إلا إن ورد ما يقويها من شاهد أو متابع أو مثال" (2).
وقد ذكر القنوبي أقوال جمهور الأمة في الحديث الضعيف وأهمها: الأول: الضعيف الشديد الضعف كالمتروك والمطروح، ليس حجة باتفاق
الأمة.
الثاني: ما لم يكن ضعفه شديدا؛ فإنه ليس بحجة إلا إذا جاء من طرق كثيرة فلعلها تجبر، بعضها، وأما ما جاء من طريقين متساويين فحكمه يدخل ضمن حكم الحسن لغيره (3).
(1) اطفيش، وفاء الضمانة، 11/ 1.
(2) المطهري، فتح المغيث، ص 188.
(3) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 20.
يمكن القول إن علماء الحديث اختلفوا في هذه المسألة إلى أقوال أهمها:
القول الأول: عدم الاحتجاج بالضعيف مطلقا، ونقل هذا القول عن يحيى بن معين، نسبه إليه ابن سيد الناس اليعمري في عيون الأثر، كما أنه قول البخاري ومسلم، وصرح به أبو إسحاق الجوزجاني في أحوال الرجال، وذهب إليه ابن حزم الظاهري وأبو بكر بن العربي وغيرهما ر: الجوزجاني أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب (873/ 259)، أحوال الرجال، تح صبحي البدري السامرائي، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1405 هـ، 33/ 1، اليعمري بن سيد الناس أبو الفتح محمد بن محمد (1334/ 734) عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير تح محمد العيد الخطراوي، محي الدين مستو، ط 1، دار ابن
6 (1/578)
صفحة 579
علوم السنة عند الإباضية
559
وذكر القنوبي الخلاف في الاحتجاج به في الوعظ والرغائب؛
- فقد قيل بعدم الاحتجاج به وصوب هذا القول وقال "وهو قول البخاري ونسب إلى مسلم و ..... وإليه ذهب بعض المتأخرين كأحمد شاكر وهو الصواب (1)، وهو قول يحسن العمل به الآن لبلاء التساهل الذي عمّ الأمة اليوم، وحاجتها إلى ما يقوي دينها، وأن تبنى كل أعمالها على القوي
الثابت.
كثير، بيروت، لبنان، 1413 هـ، 1992 م، 65/ 1، السيوطي، تدريب الراوي 299/ 1 القاسمي، قواعد التحديث، 113/ 1 - 114.
القول الثاني: أنه يعمل به مطلقاً، قال السيوطي في موضع من كتابه:" وقيل يعمل به مطلقا وتقدم عزو ذلك إلى أبي داود وأحمد وأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال". ر: السيوطي، تدريب الراوي، 299/ 1
القول الثالث يعمل به بشرط أن لا يرد خلافه، وقد ذكر ابن رجب الحنبلي أن أحمد بن حنبل حين ذهب إلى الاحتجاج بالمرسل بنى احتجاجه على قاعدة معروفة عنه وهي العمل بالحديث الضعيف ما لم يرد خلافه، وهذا القول عزي أيضا إلى أبي داود ومرجع ذلك أن أبا داود وأحمد يريان الضعيف أقوى من رأي الرجال. ر ابن رجب شرح علل الترمذي، 192/ 1، القاسمي، قواعد التحديث، 113/ 1 - 114،
القول الرابع: يعمل به في الفضائل بشروط، وهو القول المعتمد عند عدد من الأئمة نسب إلى عبد الرحمن بن مهدي وابن المبارك، وحكاه الحاكم عن أبي زكريا العنبري، ونقل عن أحمد ما يدل عليه، ولا يتسع المقام لبيان كامل الشروط وذكر أصحابها. فليراجع الأمر في مواضعه، ومنها بحث نفيس لأبي الحسنات اللكنوي في الأجوبة الفاضلة حول قبول الضعيف في الفضائل، وقد فصل في الموضوع وذكر الشروط في ذلك. ر: اللكنوي أبو الحسنات محمد بن عبد الحي (1887/ 1304)، الأجوبة الفاضلة في الأسئلة العشرة الكاملة، تعليق عبد الفتاح أبو غدة، ط 3، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، 1414 هـ، 1994 م، السيوطي، تدريب الراوي 298/ 1 وما بعدها القاسمي، قواعد التحديث، 113/ 1 - 114. (1) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 20. (1/579)
صفحة 580
علوم السنة عند الإباضية:
560
- وقيل يجوز العمل به وروايته في الفضائل بشرط أن لا يكون موضوعا (1)، وقد قدمت أنه قول أبي عبيدة ومال إليه اطفيش.
- وقيل تُشترط في الاحتجاج به شروط منها: عدم كونه موضوعا،
(2)
وأن يندرج تحت أصل عام، وأن لا يعتقد العامل به أنه ثابت عن الرسول (2).
المبحث الثاني الحديث الشاذ والمنكر:
تعريف الحديث الشاذ (3):
جاء لفظ شاذ اسم فاعل من شذ عنه يَشذَّ و يَشُذُّ بالضم والكسر شُذوذاً بمعنى انفرد عن الجمهور وندر، فهو شاذ، وسَمَّى أهل النحو ما فارق عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذا (4)، يقول البرادي" والشواذ أي: الأمر
(1)
(2)
(3)
م. س، ص 20.
م. س، ص 20.
اشتهر عند علماء مصطلح الحديث تعريفات ثلاثة للشاذ
هي:
تعريف الشافعي: إذ نقل عنه أن ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثا فيشذ عنهم واحد فيخالفهم". قال ابن الصلاح أو انفرد به من ليس له من الضبط والثقة ما يجبر تفرده. تعريف أبي يعلى الخليلي وذكر أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به شيخ ثقة
كان أو غير ثقة.
الشاذ تعريف الحاكم: هو ما انفرد به ثقة وليس له أصل متابع.
ر: الخليلي أبو يعلى الخليل بن عبد الله القزويني (1054/ 446)، الإرشاد، تح: محمد سعيد عمر إدريس، ط 1، مكتبة الرشد الرياض السعودية، 1409 هـ، 176/ 1، الخطيب، الكفاية،
6
141/ 1، الحاكم، معرفة علوم الحديث، 119/ 1، ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 76 - 77، ابن جماعة المنهل الروي، ص 50، السيوطي، تدريب الراوي،232/ 1، ابن حجر، نخبة الفكر، 229/ 1.
ابن منظور، لسان العرب مادة شذ،3،/494، الرازي مختار الصحاح،1/ 140. (1/580)
صفحة 581
علوم السنة عند الإباضية
561
القليل، وشدّ بالدال الموسومة بمعنى قل (1) وهذا المعنى اللغوي واضح الأثر في الإطلاق الاصطلاحي
ونجد أن الإباضية استخدموا لفظ الشاذ بمدلوله الاصطلاحي في فترة مبكرة، فعبد الله بن عبد العزيز يقول: "إن الأحاديث التي كانت مشهورة بين الصحابة والتابعين هي التي يجب أن تعتمد أما الشواذ فينبغي ألا تؤخذ بعين الاعتبار (2)، ويرد مثل هذا عند أبي المؤرج إذ يعلق على المسألة بقوله:" ولا يترك ما اجتمعوا عليه من سنة الصيام ... لرأي ولا لحديث شاذ (3).
ويبين أبو المؤثر في تعليقه على مسألة من المسائل، أنه علمها من القرآن والسنة وآثار المسلمين المجتمع عليها غير الشاذة، وأن الشاذ من الآراء والرواية
والأقوال غير معمول به
(4)
ويُسأل أبو العباس بن بكر عن الرواية الشاذة فيمثل لها برواية انفردت وخالف فيها صاحبها ما رواه الناس وذكروه وقالوا به ونقلوه (5)، ويعبر أبو يعقوب الوارجلاني عن الشذوذ بانفراد أحد الرواة بخبر فيقول: وأما الشذوذ فأخبار ترد عن عالم من وجه شاذ، وقد كانت له تلامذة فلم يرو ذلك الخبر أحد غير
الراوي" (6).
(1)
ذلك
ويعرف الشماخي الشاذ بأنه: " ما قلت رواته (7)، ويجري التلاتي على تعريف
البرادي، البحث الصادق (مخ)، ص 12 ظ. (2) الزواري أبو زيدت عبد الرحمن بن سليمان (مجهول) التاريخ الديوان المعروض من قول قتادة، كتاب أبواب البيوع، (مخ) ضمن مجموع جمعه عبد الرحمن الزواري، المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم،111 صورة لدى الباحث، ص 5
(3) أبو المؤرج، كتاب الصيام روايات أبي المؤرج وغيره، (مخ)، ص 39.
(4) الكندي أبو عبد الله، بيان الشرع، 144/ 28.
(5) الفرسطائي أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر، كتاب الألواح، (مخ) ص 5 ظ.
(6) الوارجلاني، العدل، 144/ 1.
(7) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 442. (1/581)
صفحة 582
علوم السنة عند الإباضية
562
قلت أي:
الشماخي فيقول في شرحه عبارة الشماخي " و الخبر الشاذ هو خبر، قلت ندرت رواته: أي ناقلوه (1)، وقد جاء تعريفا الشماخي والتلاتي مستوحيين من أحد معاني الشاذ اللغوية لكنّه في تقديري غير دال على المدلول الاصطلاحي، ولعل كلام الوارجلاني وإن جاء طويلا وليس على شكل تعريف موجز - دال على المعنى الاصطلاحي أكثر منهما.
ويعرف اطفيش الشاذ بأنه: " ما انفرد به الراوي مخالفا لما رواه من هو أحفظ
منه" (2).
وعرفه السالمي بقوله:" الشاذ ما قلت رواته وينقسم إلى غريب وعزيز
وفرد (3)
يقول أبو مالك المالكي (من الرجز:
11
وَالشَّاذُ قِيلَ هُوَ مَا يَقِـ
رِوَايَةَ لُو صَحَ فِيهِ النَّقْلُ (4)
وعرفه القنوبي بقوله: " والشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه بحيث لا
يمكن الجمع بينهما (5).
تقسيم الحديث الشاذ:
يقسم
الشاد
في
(6)
آخر
إلى شاذ في المتن وشاذ في السند، ويعرف محمد المطهري الشذوذ
السند بأنه ما رواه الفرد بسنده مخالفا لما رواه من هو أوثق منه بسند
(1) التلاتي رفع التراخي، (مخ)، ص 193. (2) اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 417. (3) السالمي، شرح طلعة الشمس، 50/ 2.
(4) المالكي، موارد الألطاف، ص 37.
(5)
القنوبي
، مقدمات في علوم الحديث، ص 13.
(6) المطهري، فتح المغيث، ص 218. (1/582)
صفحة 583
علوم السنة عند الإباضية
563
ويذكر اطفيش أن الشذوذ يكون في برواية الترمذي والنسائى وغيرهما من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار وعن عوسجة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رجلاً توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثا إلا مولى هو (أعتقه فحماد بن زيد رواه عن عمرو مرسلا بدون ذكر ابن عباس، لكن ابن عيينة رواه موصولا، وتابعه على وصله ابن جريج وغيره (3)، وإذن تكون رواية حماد المرسلة شاذة.
السند (1)، ويمثل مع المطهري لشاذ المتن (2)
أما الشذوذ في المتن فيقع بمخالفة الرواي من هو أحفظ وأوثق وأضبط منه لفظ الرواية (4).
(1) اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 417.
(2) ر: اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 417، المطهري، فتح المغيث، ص 220. (3) لفظ الحديث للحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رجلا مات فقال النبي التمسوا له وارثا فلم يوجد إلا مولى له هو الذي أعتقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوه إياه). أولا الطريق الموصولة من طريق ابن جريج أو ابن عيينة:
في
أخرجه موصولا الحاكم من طريق ابن جريج وابن عيينة في المستدرك وقال فيه:" هذا حديث صحيح على شرط البخاري"، كتاب الفرائض (385/ 4 (8013) والنسائي أيضا من طريقهما في السنن الكبرى، كتاب الفرائض، باب إذا مات العتيق وبقي المعتق، 88/ 4 (6409) (6410) والترمذي في سننه من طريق سفيان، كتاب الفرائض، باب في ميراث المولى الأسفل،
(2016) 423/ 4
ثانيا طريق حماد المرسل
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض، باب الميراث بالولاء، 242/ 6 (12176) وعلق عليه البيهقي بقوله:" قال القاضي هكذا رواه حماد بن زيد مرسلا لم يبلغ به ابن
عباس".
ثالثا طريق حماد الموصول
أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الفرائض، 385/ 4 (8013) وأبو داود في سننه، كتاب الفرائض، باب ميراث ذوي الأرحام، 124/ 3 (2905)
(4) ر: اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 417، محمد المطهري، فتح المغيث، ص 220
221 (1/583)
صفحة 584
علوم السنة عند الإباضية
564
ومثل له اطفيش بحديث أيام التشريق أيّام أكل وشرب) (1) فقد روي في جميع طرقه بهذا اللفظ، ورواه بزيادة (يوم عرفة) (2) موسى بن عليّ بالتصغير - بن
رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر، قال اطفيش: أشار إليه ابن عبد البر، على
أنه قد صحح حديث موسى هذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال على شرط مسلم (3) وقال الترمذي حسن صحيح (4) وكان ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة (5). وقد يقع الشذوذ في السند والمتن ومثل له المطهري (6) بحديث عائشة الذي أخرجه الدارقطني (7).
(1) أخرجه طائقة من طرق عدة منهم مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق 800/ 2 (1141).
(2) لفظ هذا الحديث عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهنّ أيّام أكل وشرب) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، كتاب الصوم، 600/ 1 (1586) وابن حبان في صحيحه، كتاب الصوم، في ذكر العلة التي من أجلها نهى ... 368/ 8 (3603) وابن خزيمة في صحيحه کتاب الصيام، باب فضل صوم يوم عرفة ... 292/ 3 (2100) والترمذي في سننه، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق، 143/ 3 (773).
(4)
(3) أخرج ابن عبد البر هذا الحديث في التمهيد ر: ابن عبد البر، التمهيد، 70/ 23. عبارة الترمذي في تصحيحه: قال أبو عيسى وحديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم و الترمذي، السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق، 143/ 3 (773).
:
(5) اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 417. (6) المطهري، فتح المغيث، ص 221.
(7) حديث عائشة قالت:) كان رسول الله الله يقبل في شهر (رمضان) قال الداقطني: "هذا إسناد صحيح، وتابعه أبو بكر النهشلي عن زياد بن علاقة مثل لفظه، وهو من الثقات"، أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب الصيام، باب القبلة للصائم، 180/ 2 (1)، ولعلّ الشذوذ مرجعه أن الرواة رووه كان يُقبلني .. )، وورد هنا (يُقبل .. ). (1/584)
صفحة 585
علوم السنة عند الإباضية
حكم الحديث الشاذ:
565
رغم إدراج العلماء ذكر الحديث الشاذ ضمن الحديث الضعيف، واعتبار أحد شروط الصحيح المقبول خلوه من الشذوذ، إلا أنهم لم يتفقوا على ردّه، وقد ذكر الوارجلاني: حالة يقبل فيها الشاذ وهي إذا كان الراوي ثقة عالماً معروفاً بصحبة العالم فربما يقبل الخبر على شذوذه، ومثل لذلك بالخبر الذي رواه جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثماني وسبعاً وأربعاً وأربعاً وثلاثاً وأربعاً في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر) (1) قال الوارجلاني:" ولم يروه أحد من أصحاب ابن عباس إلا، جابر، وقال مالك: إن جابراً ثقة، فقال له رجل أترى رسول الله فعل ذلك، فقال مالك: أراه تخفيفاً على أمته (2) ذكر سعيد الجربي هذا المثال وقبوله أيضا (3). ويذكر الوارجلاني مثالا آخر قُبل فيه الشاذ، وهو الحديث المروي أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه في أمثالها) (4) (5).
وقد
(1) لفظ الحديث الذي وجدته عن ابن عباس: أن النبي صلّى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء الآخرة جميعا في غير خوف ولا سفر ولا سحاب ولا مطر) أخرجه الربيع في مسنده، كتاب الصلاة ووجوبها، باب السهو في الصلاة، 106/ 1 (251) ومسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، 489/ 1 (705) وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب مواقيت الصلاة
(1596) 471/ 4
(2) الوارجلاني، العدل، 144/ 1.
(3) الجربي، جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 28 - 29.
(4) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الحدود 408/ 4 (8098) والنسائي في السنن الكبرى، كتاب القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك، 218/ 4 (6938) (6939)، وأبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب من قتل عبده أو مثل به أيقاد منه، 176/ 4 (4515)، وابن ماجة في سننه، كتاب الديات، باب هل يقتل حر بعبد، 888/ 2 (2663).
(5) الوارجلاني، العدل، 144/ 1. (1/585)
صفحة 586
علوم السنة عند الإباضية
566
ويبين الوارجلاني حكم ظهور الخبر الشاذ بعد الإجماع فيقول:" وأما الخبر الشاذ إن ظهر عن رسول الله بعد الاجتهاد والإجماع، فإن كان ما ثبت به قواعد الدين نظر إلى الصحابة فإن تمادوا على رأيهم صار منسوخاً وإن رجعوا إليه كان إجماعاً كما قدمنا، وإن اختلفوا كان قولة، وقلّما ينعقد إجماع فيظهر للرسول بعده شيء يحلّه أو ما يخالفه وربما يقع الاجتهاد قبل وقوع الإجماع وظهور الخبر" (1).
ويعطي السالمي حكمه على الشاذ من خلال تقسيمه المتقدم الذكر، فقد قسمه إلى غريب صحيح ويمثل له بالأفراد المخرجة في الصحيحين، وإلى غريب حسن وحكمه حكم الحسن، وإلى غريب ضعيف قال: وهو الغالب على الغرائب (2)، والذي ذهب إليه السالمي مقارب لما ذهب إليه بعض أئمة المحدثين (3).
(1)
م. س، 14/ 2.
(2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 51/ 2.
(3) هناك خلاف بين المحدثين في حكم الشاذ، فشدّد بعضهم فيه كأبي يعلى الخليلي إذ ذهب إلى أن ما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل وما كان عن ثقة يتوقف فيه، وذهب غيرهم كابن الصلاح إلى تصحيح التفصيل في المسألة، فذكر أن ما خالف مفرده من هو أحفظ منه وأضبط فهو شاذ مردود وإن لم يخالف - وهو عدل ضابط فصحيح، أو يكون صاحبه غير ضابط ولا بعيد عن درجة الضابط فحكمه حكم الحسن، غير أنه إن بَعْدَ فشاذ منكر، ومع ذلك لم يخلو تفصيل ابن الصلاح من تعقيب المعقبين عليه، لمزيد من التفصيل في أنظر الخليلي 176/ 1، الخطيب، الكفاية، 141/ 1 وما بعدها، الحاكم، معرفة علوم الحديث، 119/ 1، ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 76 - 77، ابن جماعة، المنهل الروي، ص 50، السيوطي، تدريب الراوي 232/ 1، القاسمي، قواعد التحديث، 100/ 1.
:
المسألة (1/586)
صفحة 587
علوم السنة عند الإباضية
567
الحديث المنكر:
تعريف الحديث المنكر وحكمه
أصل المعنى الإنكار هو الجُحُودُ، والنَّكِرَةُ: إنكارك الشيء، وهو نقيض المعرفة أو خلاف المعرفة، وتقول نَكِرَ الأمر نَكيراً و أَنْكَرَه إِنكاراً و نُكْراً
جهله (1)
يقول الوارجلاني مبينا الأخبار المنكرة: " وأما المناكير فأخبار ترد من عند رسول الله الله لا يقول بها أهل العلم العارفون بطرق أهل الحديث وجميع ما يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تشبيه الباري سبحانه بعباده" (2)
وجرى عمرو
ويحدّ الشماخي الحديث المنكر: بأنه ما لا يقبله العلماء) (3) التلاتي على حده، إذ يذكر أن الأخبار المناكير أي المنكرات والمردودات- هي الأخبار التي لا يقبلها ولا يرضى بها علماء الأخبار؛ لأمور تقتضي عدم قبولها كالوضع لها، والجهل براويها وغير ذلك (4).
يقول سعيد الجربي: " وأما المناكير فأخبار ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول بها أهل العلم العارفون بطرق الحديث؛ كجميع ما يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تشبيه الباري جلّ وعلا وما لا يليق بذاته جل وعلا (5).
ويظهر من خلال كلام من عرضنا كلامهم أنهم أرادوا بالحديث المنكر بمعناه العمومي الذي استخدمه علماء الحديث للدلالة على ردّ حديث ما (6)، ولكن ليس
(1)
ابن منظور، لسان العرب مادة نكر 233/ 5
(2) الوارجلاني، العدل، 145/ 1.
(3) (4)
الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 442.
الثلاتي رفع التراخي، (مخ)، ص 193.
(5) الجربي، جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 29.
(6)
استخدم بعض علماء الحديث التعبير بالمنكر ووصفوا بعض الرواة بأنهم منكرو الحديث
معبرين بذلك عن ردّ روايتهم، ومن هؤلاء البخاري في إطلاقه المنكر على من لا تحل (1/587)
صفحة 588
علوم السنة عند الإباضية
568
بالمعنى الاصطلاحي الذي اصطلح عليه علماء مصطلح الحديث (1)، ونجد رأيا من الآراء الاصطلاحية التي ذكرها علماء المصطلح في حد المنكر عند اطفيش إذ حدّ المنكر بقوله: والمنكر الصواب فيه أنّه بمعنى الشاذ" (1).
الرواية عنه، كما نص على ذلك اللكنوي في الرفع والتكميل، وقد عبّر ابن حجر في كتابه الإمتاع بمثل ذلك فسمى المردود بالمنكر الذي لا يجوز العمل به بحال ر: اللكنوي أبو الحسنات محمد عبد الحي (1887/ 1304)، الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، تح: عبد الفتاح أبو غدة، ط 3، دار الأقصى للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1407 هـ، 1987 م، ص 210، العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي بن محمد (1449/ 852)، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، تح: محمد حسن محمد الشافعي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
1418 هـ.
(1) يمكننا إعتبار أهم أقوال علماء مصطلح الحديث في حد المنكر كالتالي:
القول الأول: إطلاق النكارة على التفرد مطلقا، وخلاصة حده الذي حده أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي في تعريفه له بأنه الحديث الذي انفرد به راويه، ولا يعرف متن ذلك الحديث إلا من ذلك الطريق الذي رواه به فقط. وعلى إطلاق النكارة للتفرد جرى بعض
أحمد
المحدثين ومنهم بن حنبل وأبو داود والنسائي. القول الثاني: ما انفرد الراوي الضعيف به وممن ذهب إلى هذا الذهبي في الموقظة، لكنه ذكر أنه قد يعدّ ما انفرد به الصدوق منكرا.
يقول محمد شمس الحق الآبادي في عون المعبود: اعلم أنّ المنكر ينقسم إلى قسمين، الأول ما انفرد به المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو الضعف في بعض مشائخه خاصة، أو نحوهم ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده بما لا متابع له ولا شاهد، وعلى هذا القسم يوجد إطلاق المنكر لكثير من المحدثين كأحمد والنسائي، وإن خولف مع ذلك فهو القسم الثاني من المنكر وهو المعتمد على رأي أكثر المحدثين.
القول الثالث: ما انفرد الراوي الضعيف به وخالف الثقة، ويفهم هذا من كلام ابن حجر، إذ يظهر من كلامه في النخبة أنه شرط في تسمية المنكر شرطين؛ الأول: أن يكون راويه ضعيفا، والثاني: أن يخالف بذلك الثقة
لمزيد من التفصيل. ر: ابن رجب، شرح علل الترمذي، 563/ 2، الذهبي شمس الدين محمد بن أحمد (1348/ 748)، الموقظة في علم مصطلح الحديث، تح عبد الفتاح أبو غدة، ط 1، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، 1405 هـ، ص 42 ابن حجر، نخبة الفكر 229/ 1
6 (1/588)
صفحة 589
علوم السنة عند الإباضية
569
ويذكر السالمي في منظومته تعريفا وفي الشرح تعريفا أخر يقول في النظم (من
الرجز):
وَمُنْكَرُ الحَدِيثِ مَالا يقبلُ
ويقول في الشرح المنكر الذي لا يعرف متنه من غير جهة راويه فلا متابع له ولا شاهد (2)، ويمثل له السالمي بحديث (3) أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: (كلوا البلح بالتمر) (4).
السيوطي، تدريب الراوي، 238/ 1 - 239، القاسمي، قواعد التحديث، 131/ 1، الآبادي محمد شمس الحق العظيم (1911/ 1329)، عون المعبود شرح سنن أبي داود، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1995 م، 290/ 1 وللسخاوي كلمة مبينة للمنكر ومفرقة بينه وبين الشاذ يجدر ذكرها إذ يقول: "إن
المقبول فهذا أحد الشاذ،
قسمي
6
الصدوق إذا تفرد بما لا متابع له فيه ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرا، وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط فهذا القسم الثاني من الشاذ.
وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو الضعف في بعض مشائخه خاصة أو نحوهم ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده بما لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد إطلاق المنكر لكثير من المحدثين كأحمد والنسائي، وإن خولف مع ذلك فهو القسم الثاني من المنكر، فالحاصل أن كلا من الشاذ والمنكر قسمان يجتمعان في مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة، ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق غير ضابط والمنكر راويه ضعيف لسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك". ر: السخاوي محمد بن عبد الرحمن (1496/ 902)، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، مطبعة لكنو، الهند،
1303 هـ، ص 162.
(1)
اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 417.
(2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 50/ 2.
(3)
م. س، 50/ 2.
(4) لفظ الحديث عن عائشة قالت: (قال رسول الله له كلوا البلح بالتمر كلوا الخلق بالجديد فإن الشيطان يغضب ويقول بقي ابن آدم حتى أكل الخلق بالجديد أخرجه الحاكم في (1/589)
صفحة 590
علوم السنة عند الإباضية
570
ويذكر أبو عبيد السليمي القول بالتفريق بين المنكر والشاذ؛ فالمنكر ما رواه ضعيف، والشاذ ما رواه ثقة أو صادق، قال: "وقيل" هما بمعنى واحد (1).
ويعرف محمد المطهري الحديث المنكر بأنه " الذي تفرد به راو فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه أو نحو ذلك، ويشترط فيه كذلك مخالفة غيره من كالشاذ في المخالفة (2). وهو في
الحفاظ،
وأما حكمه فقد تبين من خلال كلام بعض من تقدم كلامهم رده وإنكاره، يقول محمد المطهري مفصلا في حكمه:" فإن كان على الوصف الأول - أي الذي ذكره في تعريفه فمنكر مردود، وأما إن لم يكن عدلا ضابطا أو وهم في السند فقط، أو تفرد به متنا أو سندا ووجد له مرجح من المتابعات قبل شرعا، وإن
أطلق عليه اسم المنكر لغة لأنه محفوظ عمّن هو أكثر أو أعدل (1).
المستدرك، كتاب الأطعمة (135/ 4 (7138) والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الوليمة البلح بالتمر، 166/ 4 (6724) وابن ماجة في سننه، كتاب الأطعمة، باب أكل البلح بالتمر 1105/ 2 (3330) وأبو يعلى في مسنده، مسند عائشة، 365/ 7 (4399)،
هذا الحديث تكلم فيه النقاد ففي إسناده أبو زكير يحيى بن محمد بن قيس وهو ضعيف، وقال النسائي:" هذا حديث منكر، وقال ابن الصلاح: تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح"، وبمثله قال أبو يعلى الخليلي، وضعفه ابن معين وابن حبان والعقيلي، وعد ابن الجوزي هذا المتن في الموضوعات، وقال الدارقطني: تفرد به يحيى بن محمد أبو زكير بن هشام، وقال ابن حبان: أبو زكير لا يحتج به يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل روى هذا الحديث ولا أصل
له ومدار الحديث".
فكلام هؤلاء النقاد يبين أن متنه منكر وفي سنده ضعفاء والمنكر نوع من الضعف، فالحديث على هذا ضعيف إن سلّم بعدم وضعه. ر: الكناني أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل (1437/ 840)، مصباح الزجاجة، تح محمد المنتقى الكشناوي، ط 2، دار العربية، بيروت، 1403 هـ، 229/ 1، المناوي عبد الرءوف بن تاج العارفين بن علي (1621/ 1031)، فيض القدير، ط 1، المكتبة التجارية، مصر، 1356 هـ، 44/ 5.
(1) السليمي، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 115.
(2) المطهري، فتح المغيث، ص 223.
6 (1/590)
صفحة 591
علوم السنة عند الإباضية
571
ويمثل المطهري لمنكر السند بحديث مالك عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) (2)، فقد خالف مالك في ضبط اسم عُمر، وكل من رواه عن الزهري رواه عن عمرو، ثم يقول المطهري: والحديث مقبول لأن النكارة جاءت في السند فقط، ومن عالم حافظ ضابط عدل، والمتن محفوظ صحيح وهو
الحجة (3)
(1)
م. س، ص 224.
(2) الحديث رواه تلاميذ الزهري بضبط عمرو ما عدا مالكا، فأخرجه البخاري من طريق ابن جريج عن الزهري في صحيحه كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر 2484/ 6 (6383) ومسلم في صحيحه، كتاب الفرائض، 1233/ 3 (1614) وابن حبان في
صحيحه كتاب الفرائض ذكر البيان بأن الله جل وعلا ... 394/ 13 (6033). وأما طريق مالك، فأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل، 519/ 2 (1082) والنسائي، في السنن الكبرى، في الموارثة بين المسلمين والمشركين، 80/ 4 (6372)، لكنه أخرج روايات أخرى من طريق مالك كروايات زملائه من تلاميذ الزهري، 81/ 4 (6373) (6374).
السابق.
قال أبو عبد الرحمن النسائي معلقا على هذه الروايات: "والصواب من حديث مالك عمرو بن عثمان، ولا نعلم أن أحدا من أصحاب الزهري تابعه على ذلك، وقد قيل له فتثبت منه قال: هذه داره. ر: النسائي، موضع التخريج قال ابن عبد البر: لم يتابع أحد من أصحاب ابن شهاب مالكا على قوله في الحديث الأول المسند عن عمر بن عثمان، فكل من رواه عن ابن شهاب قال فيه عمرو بن عثمان إلا مالكا فإنه قال فيه عمر بن عثمان، وقد وافقه على ذلك يحيى القطان والشافعي وبن مهدي وأبى إلا عمر بن عثمان، وذكر ابن معين عن عبد الرحمن بن مهدي قال قال لي مالك: تراني لا أعرف عمر من عمرو، وهذه دار عمر وهذه دار "عمرو وقال أبو عمر: لا يختلف أهل النسب أنه كان لعثمان ابن يسمّى عمر وابن يسمى عمروا إلا أن هذا الحديث لعمرو عند جماعة أهل الحديث لا لعمر، وله أيضا من البنين أبان والوليد وسعيد، ولكن صليبة أهل
بيته في ذلك عمرو بن عثمان" ر: ابن عبد البر، الاستذكار، 367/ 5.
(3) المطهري، فتح المغيث، ص 223. (1/591)
صفحة 592
علوم السنة عند الإباضية
572
المبحث الثالث الحديث المدلس والمنقطع والمعضل والمعلل:
تعريف التدليس:
ورد لفظ دلس بمعنى الخديعة ويقال: دَلَّسَ لي سِلْعَة سَوْءٍ، و اندلس الشيءُ إِذا خَفِيَ، و دَلَّسْتُه فَتَدَلَّسَ و تَدَلَّسْتُه: أي: لا تشعر به" والتدليس: إخفاء العيب (1).
وعرف الوارجلاني الحديث المدلس بأنه الحديث على من لم تره أو تأته ولم يحدثك (2).
وعرف الشماخي التدليس بقوله: أن يروي عمّن لم يسمع منه، موهما أنّه رهما أنه سمع منه، أو يذكر الراوي بغير اسمه المشهور، لنقص في اسمه المشهور، أو يكون اسما واحدًا لعدل ومجرح، فيروي عن هذا الاسم، ولم يعينه، ولم يبينه" وقال: اعلم أن التدليس عيب في الرواية (3).
وبمثل تعريف الشماخي جرى التلاتي فذكر أن التدليس هو أن يروي الراوي وينقل الراوي الحديث عن شيخ لم يسمعه و لم يدركه موهما أنه سمع مرويه، أو أنه يجريه على لسان الراوي للحديث بخلاف اسمه المنتشر بين الناس لعيب فيه، أو أن يذكر الراوي شيخه باسم علم شيخ عدل ثقة مستفيدا من مشاركة غير العدل في ذلك الاسم، ولم يوضح ذلك الاسم بتعين مسماه (4).
وجعل سعيد الجربي حديث المدلسين من المكاذيب وذكر أنّهم الذين يزيدون في الحديث وينقصون منه (5)، وفي هذا الكلام تعميم بعيد عن الفن الاصطلاحي.
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة دلس، 86/ 6.
(2)
الوارجلاني، العدل، 157/ 1.
(3) الشماخي شرح مختصر العدل، ص 452، (مخ) ص 196.
(4) الثلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 197.
(5) الجربي جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 29. (1/592)
صفحة 593
علوم السنة عند الإباضية
573
ويعرف اطفيش التدليس "بقوله " والتدليس أن يروي عن الثقات ولم يسمع عنهم، أو أن يروي عن قوم يحدّثون عن قوم مجهولين أو عن قوم مخرجين بغير أسمائهم وبكناهم حتى لا يعرفو، أو عن شيوخ لم يرهم ولم يسمع منهم، أو أن يسمع الكثير وفاته اليسير فيدلس بها، أو أن يقول: قال فلان فإذا نوقش وسئل هل سمعته من فلان قال لا ولكنّه أخرج كتابا فدفعه إلي (1). وقد ذكر اطفيش هنا عددا من صور التدليس وأنواعه، فصار كلامه أقرب إلى الشرح منه إلى التعريف
الموجز.
وتأتي عبارة السالمي في بيان معنى التدليس بنفس منهج اطفيش على صورة الشرح والتفصيل إذ يقول: " وصفة التدليس أن يروي الراوي الرواية ويوهم أنّها عن غير من أخذها عنه ليقبل السامع ما روى، كما إذا روى عنه اسم مشهور يدل على نقصان فيه فيترك ذلك الاسم ويسمّيه باسم آخر عن الاسم الذي شهر به، أو كان من روى فلان ولم يبينه بصفة تميزه عن ذلك الفاضل المشهور ليقبل السامع الرواية، إذ المتبادر من ذلك الاسم هو الرجل المشهور الفاضل، فأنواع التدليس ثلاثة كلها عيب في الرواية" (2).
والأولى في تعريف التدليس تعريف كل نوع على حدة وفق أقسامه: تدليس الإسناد وحكمه و عرفه عمرو التلاتي بقوله: " وهو أن يحدث عن الشيخ الأكبر ولعله ما رآه، وإنّما. سمعه ممّن هو دونه أو ممن سمعه منه، ونحو
ذلك (3).
وعرفه محمد المطهري مبينا أخذه عن أهل الفنّ كما مثل له بعد التعريف: وهو أن يروي عمّن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه، أو عمّن عاصره و لم يقله موهما أنه قد لقيه وسمعه منه، وقد يكون بينهما واحد، وقد يكون أكثر (1).
(1)
اطفيش، کتاب جامع الشمل، ص 426. (2) السالمي، شرح طلعة الشمس، 36/ 2.
(3)
التلاتي، رفع التراخي، (مخ)، ص 196. (1/593)
صفحة 594
علوم السنة عند الإباضية:
574
وهذا التعريف الذي عرف به المطهري التدليس تعريف شهير بين (2) علماء مصطلح الحديث أورده القنوبي أيضا وذكر معه تعريفات أخرى نذكر أولها فقط لضيق المقام:
رواية الراوي عمّن سمع منه ما لم يسمعه منه موهما أنّه سمعه منه بصيغة تحتمل السماع وعدمه" (3).
وأما حكم تدليس الإسناد فمختلف فيه فمن المحدثين والفقهاء من جعله جرحا، ومنهم من قال تقبل روايته (4)، قال المطهري: " والصحيح التفصيل؛ وأن ما رواه المدلّس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال فحكمه حكم المرسل وأنواعه وما رواه بلفظ مبين للاتصال نحو سمعت وحدثنا وأخبرنا وأشباههما فهو مقبول محتج به (5).
تدليس الشيوخ والتعريف الذي عرفه به المطهري (هو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا
يعرف (6)
وعرفه القنوبي بقوله: " وهو أن يسمّي المدلّس شيخه أو يصفه بغير ما شهر به فيتبادر إلى الذهن خلافه قال: " وحكمه أن ينظر في مقصده فإن كان حسنا ولم تكن فيه مضرة لأحد قبل، وإن كان مقصده خبيثا كإيهام ونحوه لم يقبل (1).
(1) محمد المطهري، فتح المغيث، ص 200.
(2)
وهو تعريف ابن الصلاح لتدليس الإسناد ر ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 73.
:
(3) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 32، وأنظر
(4) راجع أقوالهم في: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 74 - 76، ابن رجب، شرح العلل، 586 - 583/ 2، الفسوي أبو يعقوب يوسف بن سفيان (891/ 277)، المعرفة والتاريخ، تح:
خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1419 هـ، 1999 م، 13،94/ 3. (5) محمد المطهري، فتح المغيث، ص 202. محمد المطهري، فتح المغيث، ص 201، وانظر هذا التعريف في: ابن الصلاح، علوم
الحديث، ص 74. (1/594)
صفحة 595
علوم السنة عند الإباضية
575
وهناك أقسام أخرى للتدليس ذكرها المطهري والقنوبي وذكرا تفصيلاتها كتدليس السكوت والقطع وتدليس التسوية (2)، لا يتسع المقام لعرضها، وذلك لأنّ
موضوع المصطلح برمته لا يمكن طرحه في فصل واحد فقط.
الحديث المنقطع:
عرف ابن بركة المنقطع وسماه أخبار المقاطيع بقوله أن يروي الرجل الخبر عن النبي فيسقط في الوسط رجلا فلا يذكره في إسناده، فإذا ترك الرجل انقطع الخبر إلى حيث ترك الرجل (3)، وجرى على تعريفه من بعده بعض المشارقة كأبي عبد الله الكندي والعوتبي وغيرهما (4).
- وعرفه أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بأنّه إسقاط راو من سند قبل الوصول إلى التابعي" (5).
وعرفه التلاتي بأنه: " ما سقط منه راو واحد غير الصحابة" (6).
وعرفه اطفيش بأنه: ما سقط منه راو فأكثر ثم قال: " ولا حد للأكثر، فإن توالى السقوط سمي منقطعاً من موضع، وإلا سمي منقطعا من موضعين أو من ثلاثة أو أكثر، وسواء كان الساقط صحابياً أو تابعياً أو غيرهما (7)، وبمثل تعريف
(1) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 34.
ر المطهري، فتح المغيث، ص 203 وما بعدها القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 33 وما بعدها، وانظر أيضا تفصيلات أقسام التدليس ومراتب المدلسين عند علماء المصطلح في العلائي، جامع التحصيل، 97/ 1، العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي (1449/ 852)، طبقات المدلسين تح عاصم بن عبد الله القريوتي، ط 1، مكتبة المنار، عمان، الأردن، 1403 هـ، 1983 م، 13/ 1 إلى آخر الكتاب حيث عرض مراتبهم وأحكامهم. (3) ابن بركة، الجامع 17/ 1. ار: الكندي أبو عبد الله بيان الشرع، 17/ 1، العوتبي، الضياء، 253/ 2.
(4)
(5) اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 410.
(6) الثلاثي، رفع التراخي، (مخ)، ص 189. (7) اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 410. (1/595)
صفحة 596
علوم السنة عند الإباضية:
576
اطفيش عرفه أبو عبيد السليمي (1)، وعرفه أطفيش في كتاب وفاء الضمانة بأنه: "ما سقط من رواته واحد قبل الصحابي، وكذا من مكانين وأكثر، بحيث لا يزيد ما سقط من كل مكان على راو واحد أولا أو وسطا أو آخر ا" (2).
وعرفه السالمي بقوله: أما المنقطع وهو ما سقط من رواته واحد من مكان
واحد، أو من مكانين وأكثر لا يزيد كلها سقط منها راو واحد فقط (3).
وعرفه المطهري بأنه الحديث الذي سقط من إسناده رجل، أو ذكر فيه رجل
مبهم
(4)
وعرفه القنوبي بأنه:" ما سقط منه راو فأكثر لا على التوالي من وسط الإسناد (5).
أما
عن حكمه فقد اختلف فيه عند الإباضية، فمنهم من نظر إلى حالة الاطمئنان في الانقطاع الحاصل فيه وجعله كالمرسل في الحكم فقبله، وقد صحح السالمي قبوله (6)، ومنهم من عامله معاملة الضعيف فلم يحتج به إلا بشرط تقويته ووصله من طريق آخر، يقول المطهري: " ولا يحتج به إلا إن وجد موصولا بمتابع أو شاهد أو نحوهما (7).
الحديث المعضل (3) وحكمه
(1)
السليمي، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 126.
(2) اطفيش، وفاء الضمانة 15/ 1
(4)
(5)
السالمي، شرح طلعة الشمس، 52/ 2
محمد المطهري، فتح المغيث، ص 194.
القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 21.
(6) السالمي، شرح طلعة الشمس، 52/ 2. (7) محمد المطهري، فتح المغيث، ص 195.
(8)
حده الخطيب بأنه ما رواه تابعي التابعين وذكر أنّه أخفض من المرسل، أما الحاكم فذكر أن المعضل من الروايات أن يكون بين المرسل إلى رسول الله له أكثر من رجل، وحده ابن الصلاح بأنّه ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، وقيده بعض المحدثين بتوالي الانقطاع. ر: (1/596)
صفحة 597
علوم السنة عند الإباضية
577
أعْضَلَ الأمر اشتدَّ وغَلُظَ واسْتَغلق، وأمر مُغضل لا يهتدى لوجهه، والمُعْضلات الشدائد (1)، ولعل تكرر الانقطاع أعضل الحديث وغَلَّظَ الإشكال فيه، فصار صورة من صور الأمر المُعضل الذي لا يهتدى لوجهه؛ فلذلك سمّي الحديث بالمُعْضَل، ويقول اطفيش: " وسمّى مُعْضَلا لأنّ الراوي مال عن الحديث ميلاً كثيراً بسبب ما اسقط من سنده فأعضله؛ أي كأنه عطله ومنعه (2)
وقد عرفه عمرو التلاتي بقوله: " المُعضل بفتح الضاد وهو ما سقط منه راويان فأكثر (3).
وعرفه اطفيش بأنه ما سقط منه راويان أو أكثر ويشترط توالي السقوط (4)، وجاء تعريف السالمي مثله وبعبارة أوجز: " ما سقط من رواته اثنان فأكثر مع وعرفه القنوبي بهذا التعريف نفسه
التوالي"
، (5)
(6)
وعرفه اطفيش أيضا في كتاب وفاء الضمانة فقال: " والمُعضل ما سقط من رواته قبل الصحابي اثنان فأكثر مع التوالي
(7) "
وعرفه المطهري بأنّه: "ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا بشرط التوالي (8). والفرق بين المنقطع والمُعْضل كما يقول اطفيش أن الانقطاع إذ توالى فهو معضل وإن لم يتوال فمنقطع؛ وعليه فالمنقطع أعم مطلقاً من المُعْضل؛ وذلك
الخطيب، الكفاية، 21/ 1، الحاكم، معرفة علوم الحديث، 36/ 1، ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 59، ابن جماعة المنهل الروي، ص 57، السيوطي، تدريب الراوي، 211/ 1 (1) ابن منظور، لسان العرب 452/ 11، الرازي مختار الصحاح، 184/ 1. (2) اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 410.
(3) التلاقي رفع التراخي، (مخ)، ص ص 191 - 192.
(4) اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 410.
(5) السالمي، شرح طلعة الشمس، 52/ 2. (6) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 21. (7) اطفيش، وفاء الضمانة 15/ 1.
(8) محمد المطهري، فتح المغيث، ص 198. (1/597)
صفحة 598
علوم السنة عند الإباضية
578
لانفراده في سقوط راو واحد وفي سقوط راويين على غير التوالي، فكل مُعْضَل منقطع ولا عكس (1)، يقول المطهري:" وهو لقب لنوع خاص من المنقطع، فكل مُعْضَل منقطع، وليس كل منقطع مُعْضَلا" (2).
وجعلهما السالمي من المرسل وأعطاهما حكمه عنده، يقول السالمي:" فهما من نوع المرسل والصحيح قبولهما (3)، وقد نهج السالمي فيه نهج الفقهاء فمن الفقهاء من سمّى المعضل مرسلا (4).
وجعلهما أبو عبيد السليمي فرعا عن المرسل: "فإن كان المرسل من تابع التابعين فهو منقطع، وإن كان من بعد تابع التابعين فهو مُعْضَل (5).
ويلحق المعضل من حيث حكمه الخلاف السابق في المُعْضل، بل المُعضل أسوأ حالا من المنقطع، وإذا كان الانقطاع في موضع واحد أسوأ حالا، فانقطاعه
(1) اطفيش - كتاب جامع الشمل، ص 410 - 411.
(2)
محمد المطهري، فتح المغيث، ص 198. (3) السالمي، شرح طلعة الشمس، 52/ 2
(4) نقل بعض أئمة الحديث تسمية الفقهاء للمعضل مرسلا وعزا ابن الصلاح إلى الخطيب تسميته له في بعض كلامه مرسلا لكن لم يذكر موضعه، ولم أقف على قوله، وما تقدم ذكره عن الخطيب في حدّ المعضل وجعله له أخفض من المرسل، غير أن غير ابن الصلاح أيضا عزا مثل هذا القول إلى المتقدمين ر ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 60، ابن جماعة، المنهل الروي، ص 47، السيوطي، تدريب الراوي، 211/ 1.
وللعلائي كلمة يحسن إيرادها يمكن أن يُتَعقب بها ابن الصلاح يقول فيها:" وأما المعضل وهو ما سقط من إسناده رجلان فأكثر فهو والمرسل سواء عند الحنفية وإمام الحرمين ومن تابعه وعند الجمهور هو أخص من المنقطع والمرسل، فكل معضل منقطع وليس كل منقطع معضلا، ومن قصر المرسل على ما سقط منه الصحابي فقط دون ما إذا سقط ذكر الصحابي والتابعي كما حكاه الخطيب عن أكثر أهل الحديث فهما عنده أعني المرسل والمعضل متباينان لا يُطلق أحدهما على الآخر والله أعلم ر: العلائي أبو سعيد،
جامع التحصيل، 32/ 1.
(5) السليمي، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 126. (1/598)
صفحة 599
علوم السنة عند الإباضية
579
في موضعين أسوأ منه، ولذلك لا تقوم به الحجة كما قال المطهري (1).
الحديث المعلل:
معنى العلة ومفهومها:
العلة
تعني المَرَضُ، يقال: "عَلَّ يَعِلُّ و اعْتَلَّ أي مرض، فهو عَلِيلٌ، ولا أَعَلَّك الله أي لا أصابك بعلَّة، والعِلَّةُ: الحَدَث يشغل صاحبَه عن حاجته، كأنَّ تلك العلة صارت شُغلاً ثانياً مَنَعَه عن شغله الأول (2)، وهذان المعنيان واردان في معنى العلة الاصطلاحي فهي وهن كالمرض يضعف الرواية، وهو حدث منع الرواية وحولها عن حالها الأول، فنقلها من الصحة إلى الضعف.
ونجد في كتب التراث الإباضي استخدام لفظ العلة والتعليل وأن المراد به تضعيف الحديث ففي سيرة محمد بن روح تعليل يذكر أن الدليل على تعليل الحديث في أولاد خديجة من غيره فيما يروى عنه من قوله: (إن شئت أسمعتك ثغاءهم في النار) (3)، ثم ساق وجه التعليل كما يراه، وقد تقدم بعض ذلك في فصل النقد (4).
وجاء التعبير عند أبي إسحاق الحضرمي بالمعلول للإشارة إلى علة الاختلاف في قوله: فأما الأصل المعلول المختلف في صحته عند وروده فما ورد به أخبار ... (5)
ويعرف اطفيش الحديث المعلل "بقوله " المعلل عبارة عمّا فيه سبب قادح أن الظاهر السلامة منه، أشار إليه ابن الصلاح" (6)، ويقول أيضا:
غامض مع
(1) المطهري، فتح المغيث، ص 198.
(2)
(3)
ابن منظور، لسان العرب مادة علل 11/ 471، الرازي، مختار الصحاح، 189/ 1.
تقدم تخريج هذا الخبر ص 208.
(4) الكندي محمد بن روح سيرة محمد بن روح، (مخ) ص 22 - 23.
(5) الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن قيس كتاب مختصر الخصال، ص 16. (6) اطفيش، كتاب جامع الشمل ص 419 وأنظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 90. (1/599)
صفحة 600
11
علوم السنة عند الإباضية
و المعلول ما دخله قدح في بعض رواته (1).
580
وعرف المطهري العلة وذكر أنّها في اصطلاح المحدثين (2):"لسبب غامض خفي يقدح في الحديث مع ظهور السلامة منه (3).
وجاءت عبارة القنوبي بأنّ العلة: الشيء خفي يقدح في صحة الحديث وظاهر
الحديث السلامة منه (4).
من أسباب العلة وأنواعها
يكشف لنا الوارجلاني عددا من الأسباب التي تؤدي إلى العلة والوهم والضعف في الحديث بصورة مجملة؛ فمنها العوارض التي يتعرض لها العدل فإنّه وإن كان صالحاً لحمل الأخبار في حال من الأحوال قد يأتي عليه حال لا يحسن حملان الحديث وتأويله وتصريفه، وأيضاً بما كان من كبر السن والنسيان والذهول والضعف، والتأويل الذي يخرجه من الدين، والانتصار لمذهبه، ويكون أعرابيا من أهل البوادي ليس له طول دراية بالفقه وما يتعلّق به من الأحكام، وبالوهم في الحديث، وسماع بعض أي من الرواية وفوات بعض
ويذكر اطفيش أنواعا من العلل بصورة مجملة مركزة مثل: "مخالفة راوي الحديث غيره ممن هو أحفظ وأضبط وأكثر عددا، أو تفرده وعدم المتابعة عليه مع قرائن منه على وهمه في وصل مرسل أو رفع موقوف أو إدراج حديث في
(1) اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 419. (2) تعريف الحديث المعلل بأنه ما اطلع فيه على علّة تقدح في صحته مع ظهور السلامة هو تعريف ابن الصلاح، وجرى عليه علماء المصطلح من بعده ر: ابن الصلاح، علوم الحديث ص 90 ابن جماعة، المنهل الروي، ص 52، السيوطي، تدريب الراوي 252/ 1، القاسمي
قواعد التحديث، 131/ 1.
(3) المطهري، فتح المغيث، ص 205.
(4) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 13
(5) الوارجلاني، العدل، 155/ 1 (1/600)
صفحة 601
علوم السنة عند الإباضية
581
حديث، أو لفظة ما أو جملة ليست من الحديث أدرجها فيه، أو وهم بإبدال أو ضعيف بثقة " (1).
ويمثل اطفيش للعلة الواقعة في المتن أو في الإسناد، فمثال العلة الواقعة في المتن (2): حديث مسلم من جهة الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس أنه حدثه أنّه قال: صليت خلف النبي لا وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها) (3).
وذكر اطفيش أن الشافعي قرأ بالبسملة، وأما غيره فعدّها زيادة، لكن كثيرا من الرواة اتفقوا على أنّ الاستفتاح بالحمد لله رب العاملين، ولم يذكروا البسملة (4)،
(1)
(2)
اطفيش، کتاب جامع الشمل، ص 419.
م. س، ص 419.
(3) هذا اللفظ أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة، 299/ 1 (399). (4) رواية البخاري: عن قتادة عن أنس أنّ النبي وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة ب الحمد الله رب العالمين) أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب صفة الصلاة، باب ما يقول بعد التكبير، 259/ 1 (710) وابن الجارود في المنتقى، باب صفة صلاة رسول الله ... 55/ 1 (181) والبيهقي في السنن الكبرى، في جماع أبواب صفة الصلاة، باب افتتاح القراءة في الصلاة، 51/ 2 (2244).
قال البيهقي معلقا على هذه الرواية بعد تخريجها وهذا اللفظ أولى أن يكون محفوظا، فقد رواه عامة أصحاب قتادة عن قتادة بهذا اللفظ، منهم حميد الطويل وأيوب السختياني وهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد العطار وحماد بن سلمة وغيرهم. ر: البيهقي، السنن الكبرى موضع التخريج السابق.
قال أبو الحسن الدارقطني: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس، قال الشيخ رحمه الله: وكذلك رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني عن أنس بن مالك، وكذلك رواه أبو الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها عن النبي كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين" وقال معلقا على رواية مما ثلة بعدها برقم (2245): قال الشافعي يعني يبدؤون بقراءة أم الكتاب قبل ما يقرأ بعدها والله أعلم، ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم". (1/601)
صفحة 602
علوم السنة عند الإباضية
582
قال اطفيش مبينا أصل جواب أنس: " والمعنى أنهم يبدؤون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، ولا يعني أنهم يتركون البسملة، وحينئذ فكأن بعض رواتهم فَهِمَ ذلك من الاستفتاح، فصرح بما فهمه وهو مخطئ في ذلك" (1).
وذكر اطفيش ما يؤيد تفسيره بما صح عن أنس أنه سئل أكان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو بسم الله الرحمن الرحيم فقال للسائل: (انك سألتني عن شيء ما أحفظه، وما يسألني عنه احد قبلك) (2).
ويستدل اطفيش في تعليله من حال الراوي وهو قتادة فقد كان أكمة، وكاتبه لا يعرف، قال: وهذا أعمّ في التعليل، وهذا من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا ذو فهم ثاقب وحفظ واسع ومعرفة تامة بمراتب الرواية، وملكة قوية بالأسانيد والمتون، وقد تقصر عبارة المعلّل عن إقامة الحجة على دعواه في نقد الدينار والدرهم" وفي نقده لضبط قتادة بهذه الطريقة نظر، إذ الإشكال الذي أراد اطفيش بيانه لم يكن من قتادة كما كشف عنه التخريج بل ممن روى عن قتادة، فالحفاظ عن قتادة رووه دون ذكر موضوع البسملة، كما هو واضح من كلام البيهقي في تعليقه على الرواية المخرجة.
6
(3)
وأما مثال العلة في السند فحديث يعلى عن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار: (البيعان بالخيار)، إذ صرح النقاد بأن يعلى غلط، فقال: عن عمرو بن
(4)
دينار، والصحيح إنما هو عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينار، وقد شذ بذلك
(1)
(2)
(3)
اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 419.
م. س، ص 419.
م. س، ص 420.
(4)
الطريق الصحيح فيه من طريق الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن الجارود في المنتقى، باب القضاء في البيوع، 157/ 1 (617) والنسائي في السنن
الكبرى، باب وجوب الخيار قبل افتراقها 9/ 4 (6072) وهذا الحديث له طرق أخرى. (1/602)
صفحة 603
علوم السنة عند الإباضية
583
عن سائر أصحاب الثورى، ويعود سبب الاشتباه إلى اتفاقهما في اسم الأب وفي غير واحد من شيوخهما، وتقارب وفاتهما (1).
المبحث الرابع الحديث المدرج والمقلوب والمضطرب والمكذوب
يطلق الإدراج على لف الشيء في الشيء؛ ودَرَجَ الشيء في الشي وأدرجه طواه وأدخله .... وأَدْرَجَ الكتاب في الكتاب: أدخله وجعله في دَرْجِهِ؛ أَي فـ طيّه ودَرْجُ الكتاب: طَيَّه وداخِلُه" (2)، وهذه المعاني أخذ منها معنى الإدراج في الحديث، فهو إدخال لفظة وضمّها ولفها في داخل الحديث وفي
طيه.
وقد حد اطفيش الحديث المدرج بأنه ما أدرج فيه كلام الصحابي" وذكر منه قول عبد الله بن مسعود: علمنا رسول الله له التشهد وهو التحيات ... فإذا قلت هذا فقد تمت صلاتك ... إلخ) إلخ) (3) فلفظ: " فإذا قلت هذا فقد تمت صلاتك " من كلام ابن مسعود، وقد يتوهم المتوهم أن ذلك من تمام الحديث ويظن سامعه أنه من الحديث (4)، على أن الإدراج يعم قول الصحابي أو غيره من الرواة، فيمكن حده بما أدرجه الراوي ضمن الرواية متنا أو إسنادا.
والإدراج يقع في المتن والإسناد؛ ويمثل اطفيش بما يقع في المتن، ففي أوله وقع في حديث أبي هريرة: (ثم أسبغوا الوضوء فان أبا القاسم قال ويل للأعقاب من النار) (5)، قال: "فأسبغوا من كلام أبي هريرة والباقي مرفوع"، كما يقع في داخل الحديث ووسطه وفي آخره، قال: "وهو الأكثر" ومثاله حديث ابن مسعود
(1) اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 420
(2) ابن منظور، لسان العرب 2/ 269
(3) تقدم تخريج حديث ابن مسعود في التشهد ص 386.
(4) اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 427.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب ... 73/ 1 (163) ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، 214/ 1 (242) وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب سنن الوضوء، 368/ 3 (1088). (1/603)
صفحة 604
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علوم الحديث
------------------------------------------
العنوان: علوم السنة عند الإباضية
المؤلف: أحمد بن يحيى الكندي
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: د.ت
الطبعة: د.ط
أصله: أطروحة دكتوراه
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/406
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 06 محرم 1447ه/ 02 - شهر 07 - 2025م. ?
علوم السنة عند الإباضية
584
أنه علمه التشهد في الصلاة فقال التحيات لله ... إلخ)، قال اطفيش: " أدرج فيه أبو خيثمة زهير بن معاوية أحد رواته عن الحسن بن الحر كلاما لابن مسعود، وهو قوله:" فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وان شئت أن تقعد فاقعد " (1).
الحديث المقلوب
جاء لفظ قَلَبَ بمعاني متعددة في لغة العرب منها قولهم: "قلبه عن وجهه صرفه و قَلَبَ الثوبَ، والحديث، وكلَّ شيء أي: حوله (2).
آخر يوم
وأول ذكر لقلب الحديث وجدناه عند أبي المؤرج فقد ذكر في تعليقه على رواية: (لأن أفطر يوما من رمضان أحب إلي من أن أصوم اليوم الأخير من شعبان) أن في هذا الحديث قلبا، يقول أبو المؤرج: " ولسنا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا، لأن صوم رمضان فريضة فرضها الله عليه ولم يحرم عليه صوم شعبان أو منه، حدثنا هارون بن اليماني في هذا الحديث أنه قال: حديث مقلوب اللفظ، قال رسول الله: (لأن أصوم آخر يوم شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان) (3)، حدثنا هارون بن اليماني رفع الحديث إلى أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال السّحاب دونه في صومه فعدّوا له، وإن حال السحاب دونه في فطره فأكملوا العدة ثلاثين يوما)
(5) (4)
(1)
(2)
اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 427 - 428.
ابن منظور، لسان العرب، مادة قلب، 686/ 1.
(3) هذا الحديث أخرجه البيهقي موقوفا على عائشة، كتاب الصيام، باب الخبر الذي ورد في
صوم سرر شعبان، 211/ 4 (7760).
(4) تقدم تخريج حديث (صوموا لرؤيته) ص 40.
(5) أبو المؤرج، كتاب الصيام روايات أبي المؤرج وغيره (مخ)، ص 32. (1/604)
صفحة 605
علوم السنة عند الإباضية
585
ويعرف اطفيش الحديث المقلوب بأنه: ما تقلب أسانيده فيكون مشهورا عن فلان فيجعل عوضه غيره لم يعرف؛ فيصير غير شائع فهو القلب ويصير الحديث مرغوبا فيه بسبب روايته عن غير من شهر عنه (1).
ويقول اطفيش في موضع آخر:" المقلوب كحديث متنه مشهور براو كسالم، أبدل بواحد من الرواة نظيره في سبقه كنافع ليرغب فيه لغرابته، أو قلب مند لمتن آخر مروي بسند آخر بقصد امتحان المحدث كقلب أهل بغداد على البخاري مئة حديث امتحانا فردّها على وجوهها (2).
ويعرفه أبو عبيد السليمي بأنه: تبديل من يعرف بروايته حديثا بغيره" وهذا أقرب إلى تعريف عملية القلب نفسها (3)، ويمكن اختيار تعريفه مع تعديل فنقول:
هو الحديث الذي لحقه تبديل لحديث معروف بحديث غيره متنا أو سندا. وعرفه المطهري بأنّه في اصطلاح أهل الفن (4):" حديث دخله القلب في متنـ أو سنده، وإنما يقع القلب في السند كما يكون في المتن (5).
وقد يقع القلب في المتن أو الإسناد، والقلب في الإسناد قد يقع خطأ من بعض الرواة في اسم الراوي أو نسبه، وقد يقع سهوا لا عمدا، ولكنه كما يؤكد مطهري موجب لضعف الحديث، فإذا وقع عمدا كان ذلك من ضروب الوضع والكذب
(1) اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 425 - 426.
(2) اطفيش كتاب جامع الشمل، ص 433. (3) السليمي، مشكاة الأصول (مخ)، ص 119.
6
(4) الحديث المقلوب في تعريف أهل فنّ الإصطلاح هو حديث أبدل فيه راويه شيئا بآخر، سواء في السند أو المتن، سهوا أو عمدا ر، القاسمي قواعد التحديث 132/ 1. ورأيت أن الصنعاني ومحقق كتابه محمد محيي الدين كتبا عن المقلوب وفصلا القلب وعرفاه وبينا أقسامه كأحسن ما رأيته في هذا الموضوع ر: الصنعاني الحسني محمد بن إسماعيل (1769/ 1182)، توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (د. ت)، 98/ 2 - 107.
(5) المطهري، فتح المغيث، ص 214. (1/605)
صفحة 606
علوم السنة عند الإباضية
586
والاختلاق (1)، يقول المطهري أيضا: الحديث المقلوب موصوف بالضعف حتى يصحح، وذلك لقلة الحفظ وسوء الفهم والوهم؛ لأن تقديم المؤخر وتأخير المقدم ناشئ عن ذلك" (2)، ويعلّق أبو عبيد السليمي على المقلوب بأنّه من أقسام الحديث
الضعيف (3).
ويذكر اطفيش المنقلب وأنه "الذي ينقلب بعد لفظه على الراوي فيتغير معناه (4) ومثل له بحديث البخاري في باب إن رحمة الله قريب من المحسنين، حيث روى البخاري عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا: (اختصمت الجنة والنار إلى ربّهما ... إلخ (الحديث)
(1) م. س، ص 214.
(5)
(2)
م. س، ص 217.
(3) السليمي، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 119.
(4) اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 434.
وقد أورد ابن حجر رأي ابن القيم والبلقيني، يقول في ذلك: " وقد قال جماعة من الأئمة إن هذا الموضع مقلوب، وجزم بن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله تعالى أخبر بان جهنم تمتلئ. من إبليس وأتباعه، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً. ر: ابن حجر، فتح الباري، 437/ 13.
وكذلك نقل العيني هذا الرأي عن الكرماني حيث يقول: " قال الكرماني: واعلم أن هذا الحديث مر في سورة ق بعكس هذه الرواية قال ثَمَّة وأما النار فتمتلئ ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشيء لها خلقا، كذا في صحيح مسلم، وقيل هذا وهم من الراوي". ر: العيني، عمدة القاري، 137/ 25
(5) لفظه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم، وقالت النار: يعني أو ثرت بالمتكبرين فقال الله تعالى للجنة أنت، رحمتي، وقال للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، قال فأما الجنّة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا، وإنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها ... ) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ما جاء في قول الله تعالى {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}، 2711/ 6 (7010). (1/606)
صفحة 607
علوم السنة عند الإباضية
"
587
أنه غلط،
يقول اطفيش:" وفيه انه ينشئ النار خلقا صوابه كما رواه في موضع آخر من طريق عبد الرزاق .. عن أبي هريرة بلفظ: (فأما الجنّة فينشئ الله لها خلقا) (1) فسبق لفظ الراوي من الجنة إلى النار وصار منقلبا، ولذا جزم ابن القيم ومال البلقيني إلى القول بوقوع الغلط في الرواية فأنكر هذه الرواية واحتج بقوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} (الكهف 49/ 18) (2).
(1) لفظه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال يلقى فيها {وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فينزوي بعضها إلى بعض ثم تقول قد قد بعزتك وكرمك، ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل (الجنة) أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله: و هو العزيز الحكيم ... 2689/ 6 (6949).
وأعلم أن القدم هنا مؤول بما يليق بجلال الله، فقيل المراد به التقدم والمعنى يضع الله فيها من قدمه لها من أهل العذاب، وقيل وضع القدم عبارة عن الزجر والتسكين لها كما يقال جعلته تحت رجلي ووضعته تحت قدمي، يقول القدم الذي أضيف إليه في هذا الخبر بمعنى الخلق والملك على أحد الوجهين اللذين ذكرنا تأويلهما، أو على معنى ما قاله النضر بن شميل: أن ذلك على معنى ما تقدّم في علم الله ممن يكفر به من خلقه، وعليه يتأول قول من روى في هذا الخبر حتى يدلي فيها رب العالمين قدمه فتنزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط، وذلك بإدلاء الخلق فيها، وهم القدم على معنى أنهم هم الذين تقدم لهم العلم من الله جل ذكره أنهم يدخلونها لمزيد من التفصيل انظر: الأصبهاني ابن فورك أبو بكر محمد بن الحسن (1016/ 406)، مشكل الحديث وبيانه، تح: موسى محمد علي، ط 2، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1985 م، 386/ 1، العيني، عمدة القاري، 137/ 25، السالمي، مشارق الأنوار،
ص 276 - 277.
(2) اطفيش، کتاب جامع الشمل، ص 434.
وقد أورد ابن حجر رأي ابن القيم والبلقيني، يقول في ذلك وقد قال جماعة من الأئمة إن هذا الموضع مقلوب، وجزم بن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحدا. ر: ابن حجر، فتح الباري، 437/ 13.
وكذلك نقل العيني هذا الرأي عن الكرماني فقال: قال الكرماني واعلم أن هذا الحديث مر في سورة ق بعكس هذه الرواية، قال ثَمَّة وأما النار فتمتلئ ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما (1/607)
صفحة 608
علوم السنة عند الإباضية
الحديث المضطرب
588
(1)
ورد الوصف بالاضطراب للأحاديث عند الكدمي في قوله:" إن الأخبار في القسامة مضطربة، ونفاها بعضهم وحد اطفيش المضطرب بأنه: ما اختلط به الرواة فيرويه بعض على وجه،
وبعض على وجه آخر (2)، وبمثل هذا التعريف عرفه أبو عبيد السليمي (3).
ويعرفه المطهري باصطلاح أهل الفن بأنه الحديث الذي يروى من قبل راو
(5)
واحد، أو رواة متعددين على أوجه مختلفة متساوية، لا يمكن الترجيح بينها" (4). يقول اطفيش: " وقد يكون الاضطراب في المتن وقل أن يوجد مثال سالم، قيل كحديث نفي البسملة إذ زال الاضطراب عنه بحمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر وأما حكم المضطرب فإنه ضعيف؛ إذ الاضطراب سواء كان في السند أو في المتن موجب للضعف، لأنه مشعر بعدم ضبط الرواي (6)، ويستثني محمد ا، المطهري من ذلك حالة واحدة، وهي وقوع الاختلاف في اسم الراوي أو اسم أبيه أو نسبته، بشرط أن يكون الراوي ثقة؛ فإنه يحكم للحديث بالصحة، ولا يضرّ الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربا؛ وذلك لورود أحاديث كثيرة في
الجنة فإن الله ينشيئ لها خلقا، كذا في صحيح مسلم، وقيل هذا وهم من الراوي". ر: العيني، عمدة القاري، 137/ 25. الكدمي، الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد 316/ 5، الاستقامة، 112/ 1.
(2) اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 429.
(3) السليمي، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 125.
(4) المطهري، فتح المغيث، ص 210. وانظر تعريفه في: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 93 - 94، ابن جماعة، المنهل الروي، ص 52، السيوطي، تدريب الراوي، 262/ 1،
القاسمي، قواعد التحديث 132/ 1
(5)
(6)
اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 429 - 430.
:ر، اطفيش كتاب جامع الشمل، ص 430، المطهري، فتح المغيث، ص 210 (1/608)
صفحة 609
علوم السنة عند الإباضية:
589
الصحيحين بهذه الصفة، وقد جرى العمل بها (1)، وهذا الذي استثناه نص عليه بعض علماء الحديث (2).
وقد عد أبو سليمان أحمد بن حمد الخليلي حديث الرؤية مضطربا، فهو من أمثلة الأحاديث المضطربة المشكلة (3).
الحديث المتروك:
حد اطفيش المتروك: بأنّه الذي لا يعول عليه من حديث غير العدل ومن شهر بالكذب أو بكثرة السهو ومن كان دون العدالة وليس مجهولا، فحديثه متروك (4). ويذكر المطهري أنه يسمّى المطروح، والترك والطرح بمعنى واحد وهو الإسقاط والإبطال، ويعرفه بأنّه الحديث الذي يرويه متهم بالكذب في الحديث النبوي، أو كذاب في كلامه، أو من ظهر فسقه بالقول أو بالفعل، أو من كثر فحشه وغلطه، أو كثرت غفلته أو جهالته أو بدعته، فحدّث على خلاف المعروف عن النبي (5)
(1) المطهري، فتح المغيث، ص 210.
(2) قد يجتمع الاضطراب والصحة ويقع الاختلاف في اسم رجل واحد أو أبيه أو نسبته ونحو ذلك ويكون ثقة فالحديث يحكم فيه بالصحة، قال الزركشي: "قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن ر: السيوطي، تدريب الراوي، 262/ 1، القاسمي، قواعد التحديث 132/ 1
(3)
ر السالمي، مشارق الأنوار، تعليقات أبي سليمان الخليلي على مشارق الأنوار للسالمي، 367/ 1، وأنظر مناقشته لهذا الحديث، وإيراد بعض أقوال علماء الحديث واختلافهم فيه في: الخليلي أحمد بن حمد بن سليمان الحق الدامغ ص 55 - 60، وانظر أيضا مناقشة أحاديث الرؤية عند حسن السقاف فقد درسها وفق ضوابط المحدثين وخلص إلى وجود الإشكال فيها. ر السقاف حسن بن علي (معاصر) صحيح شرح العقيدة الطحاوية، ط 2، دار النووي عَمَّان، الأردن، 1419 هـ، 1998 م، ص 586 - 587.
(4)
اطفيش، كتاب جامع الشمل، ص 421.
(5) المطهري، فتح المغيث، ص 226 (1/609)
صفحة 610
علوم السنة عند الإباضية
590
الحديث المكذوب أو الموضوع:
أصل الكذب هو الإخبار بغير الواقع وسمّي الحديث المكذوب بذلك لكونه في الواقع لم يقله الرسول، ثم صار علما واسما للأحاديث التي انتشرت ويرى الناظر والمدقق استحالة أن تكون من قول الرسول.
وقد وصف هلال بن عطية الروايات المخالفة للقرآن المصادمة للكتاب بالروايات الكاذبة التي ليس لها أصل (1)، ونعى في موضع آخر على من ليس لهم علم نافذ يتبعون الروايات الكاذبة التي يدحضها كتاب الله استمدوا تلك الأحاديث عن بشر مثلهم وتركوا كتاب الله (2). وبذلك نفهم أن الاستخدام الفني للفظ الحديث الكاذب أو المكذوب - كما وصف هلال بن عطية - هو المصادم للكتاب بحيث لا يمكن الجمع بينهما.
وهذا المعنى أكّده وائل بن أيوب حين حذر من بعض الروايات الكاذبة والأحاديث المبتدعة، وبيّن أنّها كذب وباطل، ليخلص إلى قاعدة مفادها أن سنة افقة لكتاب الله تعالى لا تخالفه (3).
النبي
ونجد هذا المعنى عند عمروس في قوله: ألجأهم ثقل كتاب الله واستوحشوا منه، ونفروا عن الحق واستأنسوا بالروايات الكاذبة (4)، وقد عرضنا طرفا من هذا الموضوع في الفصول المتقدمة، وما أردنا التأكيد عليه هنا هو المدلول الفنّ للحديث المكذوب أو الكاذب، وأن أحد وجوه الدلالة على الحديث المكذوب
(1)
الخراساني هلال بن عطية سيرة هلال بن عطية (مخ مج)، ص 80. (2) م. س، ص 81.
التي
(3) الحضرمي وائل بن أيوب (808/ 192)، صفة الإسلام) مطبوع ضمن جامع ابن جعفر) مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، (د. ت)، 109/ 1، 110.
المساكني عمروس بن فتح أصول الدينونة الصافية، ص 67. (5) لمحمد ضياء الرحمن الأعظمي بحث حسن ضمن كتابه دراسات في الجرح تكلم عن الدلالات التي يعرف بها الكذب في الرواية ر: الأعظمي محمد ضياء الرحمن (معاصر)، (1/610)
صفحة 611
علوم السنة عند الإباضية
591
يَردُ التأكيد عليها عند الإباضية هو المصادمة للكتاب مصادمة لا يمكن معها الجمع، فعندئذ يحكمون على الحديث بالكذب أو الوضع.
يقول أبو يعقوب الوارجلاني مبينا أحد وجوه أخبار الكذب: "وأما الكذب في الحديث فأخبار الزنادقة مما يرونه عن رسول الله، وإشاعته في أيدي الأمة، فقبلتها العامة وانتشرت على أيدي ضعفاء الأمة وجهالها " (1).
يقول سعيد الجربي وأمّا المكاذيب فأخبار الزنادقة مما يروونه عن رسول الله، وإشاعته في أيدي الأمة فقبلته العامة وأهل البدع والأهواء، وانتشرت على أيدي ضعفاء الأمة وجهالها كابن أبي العوجاء وأبي شاكر الديصاني، وفرع من هذا حديث المدلسين وهم الذين يزيدون في الحديث وينقصون منه بعد قوله من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (2)، وقوله: (ما أتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله الحديث" (4).
(3)
ويظهر من كلام الوارجلاني والجربي عموم تسمية المكذوب ودخول الموضوع في مسماه، وأما التدليس المشار إليه في عبارة الجربي فهو تعمد التدليس واعتماده طريقة للكذب والوضع فهذا لا شك في دخوله حدّ المكذوب أو
الموضوع.
وعلى هذا فالحديث الموضوع والمكذوب واحد، لكن لفظ الوضع أشنع في الدلالة والتعبير، ولذك قد يرد الحديث ويتهم بالكذب صاحبه، لكن لا تصل عبارة الناقد القول بأنه موضوع، ولذلك يكون الوصف بالوضع أبلغ وأقوى، وقد يسمون
دراسات في الجرح والتعديل، ط 1، عالم الكتب، بيروت، لبنان 1415 هـ، 1995 م،
ص 85 - 90.
(1) الوارجلاني، العدل، 145/ 1.
(2) تقدم تخريجه ص 109. (3) تقدم تخريجه ص 110.
(4) الجربي، جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 29. (1/611)
صفحة 612
علوم السنة عند الإباضية
592
الموضوع بالمكذوب أو العكس، وهناك من لا يسمّي الموضوع حديثا أصلا، وفي الحقيقة هو ليس حديثا، لكن تجوزوا في تصنيفه وتسميته.
يذكر اطفيش الموضوع ويبين لنا بعض طرق معرفته، فيصفه بالمكذوب، وأنه
يعرف بركاكة القول أو إقرار الواضع أو قرينة في الراوي والمروي (1).
ويقول مبينا حكمه وسببه: " ويسمّى الموضوع المختلق، وتحرم روايته مع العلم به إلا مبينا والعمل به مطلقاً، وسببه (2) نسيان أو افتراء أو نحوهما (3) ويسمي اطفيش الموضوع في موضع آخر بالمزوّر الذي لا يقبل لأنه وقف على من وضعه، وأنه (4) يعرف أيضا بإقرار واضعه أو بركاكة لفظه وما أشبه ذلك (5)، وفيه تكرار لبعض كلامه السابق.
ويعرف محمد المطهري الموضوع وفق تعريف أهل فن المصطلح بأنه:" الكلام المختلق المصنوع من الكذابين (6).
(1)
اطفيش، کتاب جامع الشمل، ص 420.
(2)
ذكر بعض العلماء أسباب الوضع راجع بيان ذلك وتفصيله في الصنعاني، توضيح الأفكار، 74/ 2، القاسمي، قواعد التحديث، 150/ 1 وما بعدها.
(3)
(4)
م. س، ص 420.
ذكر ابن القيم جملة ضوابط يعرف بها الحديث الموضوع في كتاب نقد المنقول، منها ما يتعلق بتضلع الناقد وسعة علمه، ومنها ما يتعلّق بالحس وتكذيبه للموضوع، ومنها مناقضة الموضوع للسنة الصحيحة أو مصادمته للقرآن، ومنها أنه لا يشبه كلام الأنبياء، وغير ذلك، كما أنه أورد نماذج وأمثلة للموضوع. ر: الزرعي ابن القيم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب (1351/ 751) نقد المنقول، تح: حسن السماعي السويدان، ط 1، دار القادري، بيروت، لبنان، 1411 هـ، 1991 م، 32/ 1، 41، 48،53، 68.
(5)
م. س، ص 426
(6) المطهري، فتح المغيث، ص 229، وأنظر تعريف الموضوع في السيوطي، تدريب الراوي، 274/ 1، الصنعاني، توضيح الأفكار، 69/ 2 وما بعدها. (1/612)
صفحة 613
علوم السنة عند الإباضية
593
ويقول "أيضا وهو شرّ الضعيف، بل هو ليس بحديث أصلا، وتحرم روايته مع العلم به في أي معنى كان إلا مبيّنا وضعه (1)، وقد ذكر أسباب الوضع وبعض طرق الكشف عن الموضوع بما لا يتسع المقام لبسطه (2).
وقد وقفت على رسالة مخطوطة لعمرو التلاتي تعرض فيها لطائفة من الأحاديث الموضوعة ضمن كتاب متنوع أسماه نزهة اللبيب وريحانة الأديب أورد جملة من الأحاديث الموضوعة خاصة في أبواب العقائد، والتي علق عليها بقوله: "هذه الأحاديث كلّها موضوعة على رسول الله ونسبت إليه باطلا وزورا .. " ثم أورد أحاديث أخرى صحيحة تردها قائلا:" واسْمَعْ ضدها من الأحاديث التي توافق القرآن .. " (3).
وضمن أقسام الخبر يذكر القنوبي الأخبار المقطوع بكذبها، ومنها المخالف للواقع ضرورة أو استدلالا، أو المخالف لدلالة العقل السليم، أو المخالف لكتاب الله العزيز بحيث لا يمكن الجمع بينهما بأي وجه من أوجه الجمع، أو المخالف للسنة المتواترة عن الرسول مخالفة ولا مجال للجمع بينهما من خلال وجوه الجمع، أو المخالف للإجماع القطعي لكن هذا مبني على قطعية الإجماع، أو خبر
من كذبه الله ورسوله، وغير ذلك مما عدده من الأخبار المقطوع بكذبها (4).
إن ما تقدم بيانه يؤكد رفض الإباضية للوضع والوضاعين للحديث، ويشهد لرفضهم هذا سلوكهم المشهود له ببعدهم عن الكذب أو الوضع في الحديث، ولا أحب الإطالة في هذا الجانب فقد نأيت بأطروحتي عن سلوك منهج الرد والمقارعة لما أدعي فيه على الإباضية في هذا الجانب أو غيره، وأردت أن أقدم
(1)
م. س، ص 229.
(2) ر: م. س، ص 230 - 235
235 - 230 p
(3) الثلاثي
أبو حفص عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187)، نزهة اللبيب وريحانة
الأديب، (مخطوط) ضمن مدونات سالم بن يعقوب) مكتبة سالم بن يعقوب الجربي، غيزن،
جربة، تونس، (د. ر)، (د. تر).
(4) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ببعض تصرف)، ص 3 - 4. (1/613)
صفحة 614
علوم السنة عند الإباضية
594
الطرح العلمي الذي هو كفيل ببيان الحق وإثبات الحجّة. كما أن مسألة تنزه الإباضية عن الكذب والوضع وبراءتهم منه يحتاج بيانها إلى تفصيل لا يتسع المقام لعرضه، ومن شاء معرفة شهادة من شهد بخلو ساحة الإباضية من الكذب والوضع فليعد إلى مظانّ ذلك (1).
كشفت لنا الوقفة المتقدمة أنواع الحديث المردود عند الإباضية، وفي مقدمة هذه الأنواع الحديث الضعيف، على أن هذا النوع جامع لأنواع أخرى مردودة، وذلك يؤخذ حتى من تعريفه بكونه " ما وقع وهن في روايته، أو متنه" أو "ما لم تتوافر فيه شروط القبول وقد ذكروا أقساما عدة للضعيف.
وعكس اختلافهم في أنواعه اختلافا في منهج نظرتهم، فالذين غلبوا منهج المحدثين حكموا بضعف بعض الأنواع، بينما ذهب المغلبون لمنهج الفقهاء إلى قبولها، وعليه دار خلافهم في المرسل والمعضل وحتى الشاذ. لكنهم اجتمعوا على تضعيف المدلس والمضطرب والمنكر والمتروك والمعلل وعلى رد المكذوب. وكذلك اختلفوا في حكم الضعيف فمنهم من مال إلى ردّه، ومنهم من احتج به في الرغائب، ومنهم من ذهب إلى العمل به بقيود وشروط
(1)
حين يعالج العلماء والباحثون هذا الموضوع يذكرون الإباضية ضمن رأيهم في الخوارج وقد حقق عدد من العلماء والباحثين في هذه المسألة وشهدوا للخوارج بتنزههم عن الكذب والوضع، وفندوا دعوى وقوع الخوارج في الوضع التي ادعاها بعض خصومهم، ومن العلماء الذين وجدنا في كتبهم هذه الشهادة الخطيب البغدادي وأبو داود وابن تيمية والدكتور مصطفى السباعي ومحمد عجاج الخطيب وغيرهم، ونكتفي بعبارة واحدة في هذا المقام وهي قول الخطيب البغدادي واصفا سبب قبول المحدثين لروايات الخوارج:" لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم الكذب وحفظهم أنفسهم عن المحظوارت من الأفعال". لمزيد من التفصيل انظر الخطيب الكفاية، 125/ 1،130 السباعي مصطفى (معاصر) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ط 4، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1995 م، 82 - 83،
الخطيب محمد عجاج ((معاصر) السنة قبل التدوين دار الفكر، بيروت، لبنان، 1988 م. (1/614)
صفحة 615
علوم السنة عند الإباضية
595
ولقد رأينا خلال الكلام عن الشاذ استعمال علماء الإباضية للفظ الشاذ بمدلوله الاصطلاحي الذي يدور حول الانفراد ومخالفة الثقة، والتعريف المختار للشاذ هو أنّه "مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه بحيث لا يمكن الجمع بينهما"، وقد اختلف الإباضية في حكمه فمنهم من رده، ومنهم من قبل بعض صوره، ومنهم من قسمه إلى غريب صحيح وغير صحيح كالسالمي. أما الحديث المنكر فهو مردود عندهم سواء من جرى على حد المنكر بالمردود الذي ينكره العلماء ولا يقبلونه، أو على من حدّه وفق حدّ أهل المصطلح بالضعيف المخالف، فكلا النوعين مردود.
والمدلّس نوع من الضعيف، وقد رأينا تشديد علماء الإباضية في قضية التدليس، وإنكارهم إياه على أصحابه والذي يظهر أن تعريف التدليس وتقسيماته إلى تدليس الإسناد أو القطع أو التسوية أو غيرها وتعريفات هذه الأقسام مزج فيها
علماء الإباضية بين كلامهم والكلام المستفاد من علماء مصطلح الحديث.
والمنقطع سماه. بعضهم بالمقطوع ورأينا تعريفه عند ابن بركة بما سقط منه رجل في وسطه، وجرى على تعريفه من جاء بعده، وعرفه يحيى بن أبي بكر بما سقط راو من سنده قبل الوصول إلى التابعي، وآخر تعريف من تعريفاتهم هو تعريف القنوبي وهو ما سقط منه راو فأكثر لا على التوالي من وسط الإسناد"، ويظهر أنّ الإباضية استفادوا من بعضهم في تطوير المصطلح أكثر من أخذه من غيرهم، وقد اختلفوا في حكمه فمنهم من ضعفه ومنهم من نظر إلى حالة الطمأنينة فقبل ما يطمئن إليه كالسالمي، وقريب منه خلافهم في المعضل كذلك،
وأما في حده فدار قولهم على ما سقط منه راويان فأكثر مع توالي السقوط. وأما الحديث المعلل فيظهر استخدامهم المبكر للفظ العلة بدلالتها المفيدة للتضعيف، لكن دلالتها على التضعيف الخفي - وكذلك التعريف الاصطلاحي جاءت متأخرة مستفادة من أهل مصطلح الحديث، وقد ذكر الوارجلاني أسباب العلة في محاولة ذاتية لبيان تلك الأسباب على ما يبدو. (1/615)
صفحة 616
علوم السنة عند الإباضية
596
ومن أنواع الضعيف الأخرى المدرج والمقلوب والمضطرب، وقد حكم الإباضية بضعفها، والذي يظهر وجود استعمال هذه المصطلحات عندهم وحتى عند المتقدمين منهم، لكن التعريفات الاصطلاحية أخذت منحى التطور مستفيدة من معالجة علماء المصطلح لهذه الموضوعات. وأما الحديث المكذوب ويعبر عنه بعضهم بالموضوع فقد ورد التعبير عنه والاصطلاح عليه من فترات مبكرة لديهم، وجاء حكمهم عليه حازما مبينا رفضهم لنهج الكذب والوضع في الحديث متبرئا منه، وقد بينوا بعض أصناف من كذبوا وبعض طرق الكشف عن الكذب والوضع، وبعض الضوابط التي يمكن الاستدلال من خلالها على الوضع والكذب.
ولعل صورة أقسام الحديث من مردود أو مقبول لا تتكامل إلا ببيان بعض
الأنواع المشتركة بينهما وهو ما نأمل بلوغه في الفصل الآتي. (1/616)
صفحة 617
علوم السنة عند الإباضية
597
الفصل الرابع الحديث المشترك بين القبول والرد:
المبحث الأول الحديث المرفوع والموقوف:
الرَّفْعُ: ضدّ الوضع، يقال: رَفَعْته فارتَفَع "، والرفع نقيض الخفض كل شيء، وورد رَفَعَ فلان على العامل رفيعة وهو ما يرفعه من قصته ويبلغها، وبمعنى أذاع خبره، وفي الأثر) كل رافعة رفعت علينا من البلاغ .. ) بمعنى كل جماعة مبلغة تبلغ عنا فلتبلغ (1)، وهكذا فإن المعنى اللغوي موجود في معنى الرفع في الاصطلاح؛ إذ الرفع إلى النبي هو بلوغ بالحديث إليه وتبليغ عنه، وإذاعة للخبر عنه، ورفع للحديث إلى أعلى منازله برفعه إليه.
ونجد ورود لفظ الرفع في التراث الإباضي كالتعبير بالرفع بمعنى البلوغ بالمرفوع إلى الصحابي أو إلى النبي، مثل قول عبد الوهاب بن عبد الرحمن": رفعوا ذلك إلى عمر بن الخطاب (2)، وكقول ابن جعفر: "الحديث، ويعبر ابن بركة بالحديث الذي يرفعه
المرفوع في الرواية، أن النبي صلى الله عليه وسلم
11
(3) "
الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبينا حكمه (4)، دون أن يعطي تعريفا للحديث المرفوع رغم أنه عرف الموقوف كما سيأتي.
ويعرف اطفيش المرفوع "بأنه ما أضيف إلى النبي خاصة قولا أو فعلا ويدخل فيه المتصل والمنقطع والمرسل" قال: " كذا قال ابن الصلاح" (5).
(2)
(3)
(4)
(5)
ويعرفه أبو عبيد السليمي بأنه ما أضيف إليه و قولا أو فعلا (6).
ر ابن منظور، لسان العرب 8/ 131، 129، الرازي، مختار الصحاح 1/ 105. عبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم - کتاب مسائل نفوسة، ص 73
ابن جعفر، كتاب الجامع، 89/ 2.
ابن بركة، الجامع، 26/ 1.
اطفيش، جامع الشمل، ص 415 وأنظر التعريف عند ابن الصلاح في: ابن الصلاح، علوم
الحديث، ص 45.
(6) السليمي، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 123. (1/617)
صفحة 618
علوم السنة عند الإباضية
598
ويعرفه المطهري بأنه ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ولا يقع لقائله على غير ذلك، ويكون قولا وفعلا، وتقريرا، سواء أضافه صحابي أو تابعي أم بعدهما " (1).
"
متصل (2)
ويعرفه القنوبي بأنه: ما أضيف إلى النبي سواء كان متصلا أو غير. وهذا التعريف حسن في تقديري - إذ قيد "ما" أضيف" يشمل القول والفعل وحتى الصفة لأن "ما" تفيد العموم، وقيد "غير المتصل" يشمل المرسل والمنقطع وغيره، وبذلك لا حاجة إلى تفصيلها في التعريف.
وتتفق التعريفات السابقة على أن المرفوع هو المضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء ما ورد مفصلا أم موجزا، وتبقى استعمالات بعض الأقدمين للفظ المرفوع كاستعمال عبد الوهاب للرفع إلى الصحابي، واستعمال ابن بركة المرفوع لمـ يرفعه الصحابي وهو في ذلك مماثل لبعض المحدّثين
(3).
وحكم الحديث المرفوع أنه حجّة في حالة صحة رفعه إلى النبي، قال ابن بركة: "وإذا رفع الصحابي خبراً عن الرسول صلى الله عليه وسلم بإيجاب فعل وجب العمل به على من بلغه من المكلّفين إلى أن يلقى خبراً غيره ينسخ ذلك الخبر، وكان على
(1)
(2)
الهري، فتح المغيث، ص 260.
القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 27.
(3) أكثر المحدثين على أنّ المرفوع هو ما أضيف إلى النبي خاصة من قول أو فعل أو تقرير سواء أكان متصلا أو منقطعا، ومنهم من يوجز العبارة ومنهم من يفصل، وذهب الخطيب إلى أنّه ما أخبر به الصحابي من قول النبي أو فعله، فقد خصه بالصحابي، وهناك من المحدثين من جعل المرفوع في مقابله المرسل، وأول ابن الصلاح ذلك بأنهم عنوا بالمرفوع المتصل ر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 45، ابن جماعة، المنهل الروي، ص 40، السيوطي، تدريب الراوي 183/ 1. (1/618)
صفحة 619
علوم السنة عند الإباضية
599
من عمل بالخبر الأول الرجوع إلى الثاني وترك العمل بالأول (1)، وهكذا فهو حجة إذا توافرت فيه شروط القبول " (2).
ويذكر اطفيش صورا لها حكم الرفع وبعضها اختلف فيها، منها إن أضاف الصحابي إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول جابر: (كنا نعزل على عهد رسول الله (3) فمثل هذا من قبيل المرفوع وإن كان لفظه موقوفا؛ وذلك لأن غرض الرواي هنا بيان الشرع، وقيل لا يعدّ مرفوعاً، ومنها "قول الصحابي من السنة كذا، أو أمرنا بضم الهمزة، أو كنا نؤمر، أو نهينا، أو أبيح، فحكمه الرفع أيضا كقول الصحابي: (أنا أشبهكم صلاة به (4)، و (يقرعون بابه بالأظافر) (5) (6). هلال (
(1) ابن بركة، الجامع 26/ 1 (2) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 27.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب العزل، 1998/ 5 (4911) ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب حكم العزل 1065/ 2 (1439) وابن ماجة في سننه، كتاب النكاح، باب العزل، 620/ 1 (1927).
(4) (قول أبي هريرة إني أشبهكم صلاة برسول الله) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير ... 294/ 1 (392)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الصلاة، باب الإمام يقول سمع الله لمن حمده، 240/ 1، وأبو يعلى في مسنده، مسند أبي هريرة، 357/ 10 (5949).
(5)
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، فصل في الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن له وإلا رجع
(8821) 442/ 6
(6) اطفيش، جامع الشمل، ص 416. (1/619)
صفحة 620
علوم السنة عند الإباضية
الحديث الموقوف (1):
600
نجد في التراث الإباضي اتجاهين في تحديد الموقوف فمن العلماء من يحصر الوقف فيما وقف على الصحابي، ومنم من يجعله فيما وقف على الصحابي والتابعي.
ويعرف ابن بركة الموقوف بقوله:" وأما الخبر الموقوف من الأخبار، فهو أن يُروى الخبر عن الصحابي والتابعي فيوقف الخبر عليهما (2)
وقد تبع ابن بركة في هذا التعريف أبو عبد الله الكندي في البيان (3)، في الضياء (4)، وأبو بكر الكندي في المصنف (5).
والعوتبي
ويعرفه الوارجلاني بقوله: " وأما الموقوف من الأخبار فما وقف به علـ الصحابي ولم يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم
(6)
ويعرفه الشماخي بأنه: " ما أخبر به عن الصحابي على تعريفه ولم يزد عن شرحه وبيانه (8).
(7) ~
الثلاث وجرى عمرو
(1) حده أهل المصطلح عند الإطلاق بما روي عن الصحابي من قوله أو فعله أو نحو ذلك متصلا كان أو منقطعا، وذهبوا إلى أنه قد يستعمل في غير الصحابي مقيدا مثل وقفه على فلان أو وقفه فلان وهكذا ر ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 46، السيوطي، تدريب
الراوي، 184/ 1.
(2) ابن بركة، الجامع، 17/ 1. الكندي، بيان الشرع، 17/ 1.
(3)
(4) العوتبي، الضياء، 253/ 2.
(5)
الكندي
أبو بكر، المصنف، 39/ 1.
(6) الوارجلاني، العدل، 144/ 1.
(7)
الشماخي شرح مختصر العدل، ص 442
(8) الثلاثي رفع التراخي، (مخ)، ص 192. (1/620)
صفحة 621
علوم السنة عند الإباضية
601
ويعرف سعيد الجربي الموقوف بقوله: " والموقوف فما وقف به على صحابي ولم يبلغ به رسول الله (1)، وتعريف الجربي مثل تعريف الوارجلاني مع تغيير
طفيف.
ويعرفه اطفيش بأنه "ما أضيف إلى صحابي خاصة قولا أو فعلا ولو منقطعا (2)، ويجعله قسما من المسند إذ يقول: والمسند ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه لقال رسول صلى الله عليه وسلم، قيل فإن لم يذكر رسول صلى الله عليه وسلم فهو الموقوف (3)، لكنّه يقول في الموضع نفسه وهو من أقسام المرسل، قيل منه ما يتصل بالإسناد إلى الصحابي، ومنه ما لا يتصل ويسمى الأثر (4)، ويؤكّد على تسميته بالأثر فيقول:"
وهل يسمّى أثرا؟ نعم ومنه قول الصحابي كنا نفعل ما لم يضفه إلى النبـ
(5)
ويعرفه السالمي بقوله: الموقوف ما قصر على الصحابي قولا ولو منقطعا (6).
ويعرفه أبو عبيد السليمي بأنه " ما وقف به إلى صحابي قولا أو فعلا (7). والتعريف الذي مال إليه القنوبي من تعريفات أهل المصطلح: "هو ما أضيف إلى الصحابي وخلا مما يدل على الرفع"، قال: وهذا الشرط لا بد من توافره لأنّ الأحاديث موقوفة لفظا مرفوعة معنى، وذلك كالأحاديث التي لا يمكن أن
بعض
يقولها الصحابي"
(8) ,,
(1) الجربي، جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 28.
(2) اطفيش، جامع الشمل، ص 415.
(3)
(4)
(5)
م. س، ص 415.
م. س، ص 415.
م. س، ص 416. .
(6) السالمي، شرح طلعة الشمس، 50/ 2.
(7) السليمي، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 123.
(8) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 27. وانظر ورود هذا التعريف عند ابن الوزير ص.27 (1/621)
صفحة 622
علوم السنة عند الإباضية
حكم الموقوف (1):
602
ذهب الوارجلاني إلى أنّ حكم الموقوف صحيح لإدراجه ضمن الأخبار الصحيحة، ويعلّل الوارجلاني رأيه بأنّ الظن بالصحابة أن لا يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " وبخاصة إذا كان ما رووه مما لا يدركونه بعقولهم ولا يبلغونه إلا بتوقيف من الرسول ل أو ممن أخذ عنه (2)، لكن مقتضى كلامه الأول التعميم، ومقتضى آخر كلامه التفصيل فيعطى حكم المرفوع ما دلت الدلائل أنه ليس من قولهم.
ويدلل الوارجلاني على قوله بمزيد كلام وتوجيه فيقول: "ومعلوم أن الصحابة بالأمس أهل جاهليّة جهلاء لا ينسب إليهم من العلم شيء، فأتاهم الله بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا من القرآن ومن السنّة فوقفوا الحديث على أنفسهم، فحدثوا بما لا يُظن به فيهم إلا خير ولم يكن ما رووا مما يدركونه بعقولهم ولا يبلغونه إلا بتوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أيضاً الذين أخذوا عنه، وجُلُّ حديث ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، موقوف، ولقد قال ذات يوم حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكر الحديث ثم بدا له فقال: دون هذا أو فوق هذا أو مثل هذا ما شاء الله .. " (3)
وقد عرض القنوبي تفصيلا للقول بحكم الموقوف على أقوال هي:
ما كان من قبيل الرأي المحض وأمكن أن يقولوا به، مع عدم وجود دلالة على رفعه فهو ليس بحجة، وهو قول جمهور الإباضية (4) مع
:
اليماني والصنعاني شارح كتابه ر الصنعاني توضيح الأفكار، 261/ 1. يقول ابن جماعة مبينا حكمه:" الموقوف وإن اتصل سنده ليس بحجة عند الشافعي وطائفة
(1)
من العلماء وهو حجة عند طائفة. ر: ابن جماعة، المنهل الروي، ص 42.
(2) الوارجلاني، العدل، 144/ 1.
(3)
م. س، 144/ 1.
(4) تقدم بيان ذلك في فصل الصحابي في مسألة حجية قول الصحابي ص. (1/622)
صفحة 623
علوم السنة عند الإباضية:
603
جمهور
الأمة (1)،
وفي تقديري يكون هذا من قول الصحابي وقد سبق
تفصيل مسالة حجية قول الصحابي في فصل الصحابي.
ما لا يمكن عده من قبيل الرأي، كما أنّه ليس له دخل
بالإسرائيليات، فهذا حكمه الرفع حتى لو كان الصحابي يروي
الإسرائيليات.
ما كان محتملا الرفع وعدم الرفع مع كونه له دخل بالإسرائيليات، فالحكم أن ينظر فإن كان الصحابي يروي الإسرائيليات فلا يقبل، ولا يحكم عليه بالرفع، وإذا لم يكن يروي عن الإسرائيليات فيقبل. ما كان محتملا الرفع وعدمه ولا دخل له بالإسرائيليات فحكـ
هذا النوع كل حديث على حدة (2).
المبحث الثاني الحديث المقطوع والمتصل والمسند والمسلسل:
يوجد تداخل بين تعريفات المقطوع والمنقطع عند بعض العلماء، وقد سبق ذِكْرُ الخبر المقطوع عند ابن بركة ولكنه عرفه بتعريف المنقطع وقد سبق ذكرُ ذلك في الفصل السابق، و ذكْرُ من جرى بعد ابن بركة على تعريفه (3).
وعرفه الوارجلاني بقوله: "المقاطيع هي كل خبر منقطع في الوسط، وذلك أن يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يره و لم يتصل إسناده، بانقطاع واحد أو اثنين أو أكثر بين الراوي وبين من روى عن رسول الله (4)، وتعريف الوارجلاني جمع بين تعريف المقطوع والمنقطع، فوجود الإشارة إلى التابعي الراوي لكون من
(1)
:
لمزيد من التفصيل في هذه المسألة انظر الصنعاني، توضيح الأفكار، 262/ 1 - 264، الدبوسي، تقويم الأدلة، ص 258، الشيرازي، التبصرة، ص 395 وما بعدها، القاسمي، قواعد
التحديث، 130/ 1
(2) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 27.
(3)
ر الفصل السابق ص.
(4) الوارجلاني، العدل، 144/ 1. (1/623)
صفحة 624
علوم السنة عند الإباضية
604
يحدّث عن الرسول هو من لم يره، ولكونه منقطعا بواحد أو أكثر صار ذلك سمّاه الوارجلاني مقطوعا.
منقطعا، ومع
ونجد الملشوطي والسوفي عكس الوارجلاني وابن بركة في مسلك تسميتهما لهذا النوع من الأحاديث، فقد سميا هذا النوع بالمنقطع، وتعريف المنقطع عندهما: هو ما لم يتصل برسول الله، بل بصحابي أو تابعي أو من دونهما (1).
(2) ?
ويأتي تعريف يحيى بن أبي بكر أقرب تعاريف المتقدمين إلى تعريف أهل المصطلح فهو يحدّ المقطوع بأنه الذي ينتهى إلى التابعي ويحدّ الشماخي المقطوع بأنّه: " ما لا يتصل فيه طريق النقل (3)، وجرى على تعريفه الثلاتي فلم يزد على شرح تعريفه (4).
ويعرف اطفيش المقطوع: بأنه ما وقف به على التابعي قولاً أو فعلاً فهو غير المنقطع (5).
ويعرفه السالمي بقوله: "المقطوع" ما جاء عن تابعي من قوله أو فعله موقوفا عليه" (1).
(1) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ (مج)، ص 296، السوفي، السؤالات، (مخ)، ص 247. ويظهر أن إطلاق المقطوع على المنقطع أو العكس مسلك اتبعه بعض علماء الأمة وقد ذكر ابن الصلاح أنه قد استعمله الشافعي وأبو القاسم الطبراني، وأقول إني وجدت إشارة في استعمال ذلك أيضا نقلها الخطيب عن عبد الله بن الزبير الحميدي ر: الخطيب، الكفاية، 290/ 1، ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 47.
(2) اطفيش، جامع الشمل، ص 411.
وأنظر تعريف علماء مصطلح الحديث للمقطوع بأنه ما جاء عن التابعين من أقوالهم وأفعالهم موقوفا عليهم في ر ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 47، الطيبي، الخلاصة، ص 64، ابن كثير، ابن جماعة، المنهل الروي، ص 42، الباعث الحثيث، 147/ 1.
(3) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 442.
(4)
الثلاتي رفع التراخي، (مخ)، ص 192.
(5) اطفيش، جامع الشمل، ص 411. (1/624)
صفحة 625
علوم السنة عند الإباضية
605
ويعرفه المطهري بأنه: ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم
وأفعالهم (2).
ويعرفه القنوبي بأنه: " ما أضيف إلى التابعي أو من هو دونه" (3)
أما عن حكم المقطوع فنجد خلافا بين الإباضية في قبوله، فقد ذهب الوارجلاني إلى القول بجواز العمل به (4)، وتبعه على هذا القول سعيد الجربي (3)، وذهب التلاتي إلى أن حكم المقطوع أنه ضعيف غير مقبول إلا بقرينة، وأورد قولا قيل فيه إنه كالمرسل (6)، والأكثر على أنه ليس بحجة، يقول اطفيش: " وليس المقطوع حجة ويقول السالمي في ألفية الأصول (من الرجز):
6 (7)
وَلَيْسَ بِالمَقْطُوعِ وَالمَوقُوفِ تَقُومُ حُجَّةٌ وَلا الضعيف (8).
وقال في الشرح عن المقطوع إنّه ليس بحجة (9).
ويفرق الوارجلاني بين المرسل والمقطوع بكون المرسل مجهول الصحابي
الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما الراوي عن الرسول صلى الله عليه وسلم في المقاطيع معلوم، غير
أن القطع في الوسط ولم يتصل السند (10)، وهذا مبني على حده المقطوع
تقدم.
كم
(1)
(2)
السالمي، شرح طلعة الشمس 50/ 2
الهري، فتح المغيث، ص 196.
(3) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 27.
(4) الوارجلاني، العدل، 144/ 1.
(5) الجربي جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 28.
(6)
(7)
(8)
(9)
الثلاتي رفع التراخي، (مخ)، ص 192.
اطفيش، جامع الشمل، ص 411.
السالمي، شرح طلعة الشمس، 49/ 2.
م. س، 50/ 2
(10) الوارجلاني، العدل، 144/ 1. (1/625)
صفحة 626
علوم السنة عند الإباضية
606
ويذكر اطفيش بعض صور من المقطوع؛ مثل لو قال تابعي كنا نفعل فهذا ليس بمرفوع ولا موقوف إن لم يضفه لزمان الصحابة بل مقطوع، لكنه إن أضافه لزم احتمال الوقف؛ وذلك لأن الظاهر إطلاعهم عليه وتقريرهم، ويحتمل عدمه وذلك لان تقرير الصحابي قولا ينسب إليه بخلاف تقريره (1).
الحديث المسند والمتصل:
يراد بالإسناد في الحديث رفعه إلى قائله (2)، ولفظة الاتصال بنفس دلالتها الحديثية لها ما يشهد لها مما عبر عنه العرب في كلامهم، فالوصلة: ما اتصل بالشيء، قال الليث: "كلُّ شيء اتصل بشيء فما بينهما وصلة، والجمع وصل" و" الوصل: وصل الثوب والخُفْ" و"الموصل: ما يُوصل من الحبل"، قال ابن سيده: و الموصل معقد الحبل في الحَبْل " (3).
ونجد وجود التعبير الفني للاتصال والإسناد عند الإباضية من بداياتهم الأولى، إذ يعبر أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز عن اعتماده في مسألة على حديث مخالفا به رأي أحد أساتذته فيقول: " ولكن أخالفه للحديث الذي جاء مسندا، وإسناده متصل (4).
ويظهر من تعبير عبد الله بن عبد العزيز أنه أراد بالمسند المسند إلى الرسول، وبالمتصل كون سلسلة الرواة ظهر فيها الاتصال بحيث كل راو أخذ عمّن فوقه، وهذا يعني أن الاتصال والإسناد كلّ له معناه على أن هناك من ذهب إلى التداخل والتمازج بين المعنيين كما سنرى.
ويعرف الوارجلاني المسند الصحيح بأنه: " ما نقلته الثقات عن الثقات من طريق من طرق إلى رسول الله، لم يدخله وهن من جهة المسند ولا من جهة
(1) اطفيش، جامع الشمل، ص 411.
(2)
(3)
ابن منظور، لسان العرب مادة سند 220/ 3، الرازي مختار الصحاح، 133/ 1.
ابن منظور، لسان العرب مادة، وصل، 11/ 727 - 728. (4) أبو المؤرج، كتاب الصيام روايات أبي المؤرج وغيره، (مخ)، ص 25. (1/626)
صفحة 627
علوم السنة عند الإباضية
607
المتن، ولا ذكر فيه مجهول ولا ضعيف ولا مختلف فيه (1)، وهذا التعريف صادق في أكثر حدوده على الحديث الصحيح، وقد تقدّم في حد الصحيح، لكن ما يعنينا فهمه هنا هو عبارة من طريق أو من طرق فكأن الوارجلاني أراد- وكما ذكر بعد التعريف وإن لم يبيّنه بشكل جلي وضع تقسيم للمسند الأحادي على ضربين ضرب نقلته الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و استفاض به الخبر وهو دون المتواتر، وضرب دون المستفيض (2)، وتبع الوارجلاني في مثل هذا الطرح سعيد بن علي الجربي (3).
ويعرف الملشوطي المسند بأنه: " ما رواه الثقات المعروفون فيما بين رسول الله
والسامع له، ولا يُعتبر في ذلك عدد بحال، بل تعتبر العدالة والاتصال" (4). ويقسم السوفي أخبار الآحاد إلى ثلاثة أقسام: مسند ومرسل ومنقطع، ويعرف المسند بأنه: "ما رواه الثقات المعروفون فيما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والسامع له" (5). ويحدّ الشماخي المسند بأنه: "ما اتصل فيه طريق "النقل"، أو " ما اتصل فيه طريق المتن" (6).
ويحدّ الثلاتي المسند بأنه خبر وصل فيه طريق النقل إلى النبي كأن يقال عن فلان عن فلان عن فلان عنه الله أنه قال كذا أو فعل كذا
انه
(7)
ويعرف اطفيش المسند بأنه: "ما" اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه لقال رسول (8)، وهذا التعريف يجمع بين المسند والمتصل.
(1) الوارجلاني، العدل، 142/ 1.
(2)
(3)
م. س، 142/ 1.
الجربي، جوابات سعيد الجربي، (مخ)، ص 28.
(4) الملشوطي، الأدلة والبيان، (مخ مج)، ص 296.
(5) السوفي، السؤالات، (مخ) ص 246. (6) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 439.
(7)
الثلاثي رفع التراخي، (مخ)، ص 190.
(8) اطفيش، جامع الشمل، ص 415. (1/627)
صفحة 628
علوم السنة عند الإباضية
608
وعرف اطفيش الحديث المتصل بقوله: " و الموصل ويسمّى المتصل، وهو ما اتصل سنده رفعا ووقفا، لا ما اتصل بالتابعي، نعم يسوغ أن يقال متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري مثلاً (1)، وكأن اطفيش يريد أن التعبير بالاتصال إنما يكون للمرفوع والموقوف، أما المقطوع على التابعي فمن دونه يقال فيه متصل إلى فلان.
وعرف اطفيش المتصل في وفاء الضمانة بأنه " ما اتصل سنده من راويه إلى منتهاه رفعا إلى النبي أو وقفا دونه (2).
ونجد السالمي في بيانه للحديث المتصل قد ذكر أن الحديث المنقول عن النبي إما أن يتصل نقله به وذلك بأن يرويه الراوي حتى ينهيه إلى النبي، أو أن ينفصل في روايته عنه فلا ينتهي الراوي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل يقتصر به على الصحابي أو ... إلخ ما ذكره السالمي، ثم يقسم المتصل إسناده بالنبي إلى نوعين: المتصل اتصالا غير كامل وهو المستفيض وباقي الأحادي، والمتصل اتصالا كاملا وهو المتواتر (3)، ولم أجد من قسم هذا التقسيم غير السالمي، ولعله راعى في المتصل كاملا القطع بهذا الوصف والمتواتر يفيده، أما المتصل غير كامل فلكونه ظني الاتصال، وعلى كل حال فالسالمي كان آية في الذكاء والابتكار فأحرى به ذلك.
والتعريف الذي اختاره المطهري للمسند هو التعريف المختار من ابن الصلاح كما يذكر (4) وهو: " ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه مرفوعا إلى النبي
(5)
(1) م. س، ص 414.
(2) اطفيش، الضمانة، 12/ 1.
(3) السالمي، شرح طلعة الشمس، 8/ 2.
(4)
عرفه ابن الصلاح بذلك قال:" وأكثر ما يستعمل ذلك فيما جاء عن رسول الله دون ما
جاء عن الصحابة وغيرهم. ر ابن الصلاح علوم الحديث، ص 42 - 43.
(5)
المطهري، فتح المغيث، 261. (1/628)
صفحة 629
علوم السنة عند الإباضية:
609
وعرف المتصل بأنّه هو ما اتصل سنده، سواء كان مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو موقوفا على الصحابي أو من دونه (1).
وعرف القنوبي المتصل "بأنه ما رواه كل راو عمن فوقه من أوله إلى منتهاه حتى يصل إلى قائله (2).
وساق أكثر من تعريف لأهل المصطلح للمسند، ومن ذلك:
- " مرفوع صحابي بسند ظاهر (3).
" ما اتصل سنده إلى قائله"، وذكر أنه قول أهل التحقيق من المحدثين (4)، وعليه فهو مرادف للمتصل.
(1)
- " ما أضيف إلى النبي متصلا كان أو منقطعا (5).
م. س، 261.
(2) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 26.
وهناك بعض تعريفات لعلماء المصطلح قريبة من هذا التعريف كتعريف ابن جماعة أنه ما اتصل سنده بسماع كل راو له ممن فوقه إلى منتهاه، والسيوطي بأنه" ما اتصل إسناده مرفوعا كان أو موقوفا على من كان وغيرهما ر ابن جماعة، المنهل الروي، ص 40، السيوطي، تدريب الراوي، 183/ 1
ولمزيد من التفصيل حول تعريف المتصل انظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 44، العراقي، التبصرة والتذكرة،12/ 1 التقييد والإيضاح، ص 65، الصنعاني، توضيح الأفكار، 260/ 1، الطيبي، الخلاصة، ص 49، الذهبي، الموقظة، ص 42، اللكنوي، ظفر الأماني
ص 226.
(3)
عرفه ابن حجر في النخبة بقوله: والمسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال ر: ابن حجر، نخبة الفكر، 231/ 1.
(4) بمثله عرف الخطيب ولكن ذكر أنّ أكثر ما يستعمل فيما أسند إلى النبي، وقد عزاه أيضا إلى أهل الحديث. ر: الخطيب الكفاية، 21/ 1، ابن جماعة المنهل الروي، ص 39، السيوطي، تدريب الراوي 182/ 1.
وذهب إليه ابن عبد البر كما هو ظاهر كلامه في التمهيد، وكما عزاه إليه علماء الحديث. ر ابن عبد البر، التمهيد 21/ 1 - 22، ابن جماعة، المنهل الروي، ص 39، السيوطي، تدريب (1/629)
صفحة 630
علوم السنة عند الإباضية
: "ما اتصل سنده إلى النبي (1) (2).
610
وهكذا يتبين تداخل النظرة إلى المتصل والمسند معا عند بعض العلماء ولذلك
جعلناهما معا.
الحديث المسلسل (3):
من معاني يَتَسَلْسَلُ الماء التي وردت أنه إذا جرى أو ضربته الريح يصير كالسلسلة والشيء المسلسل هو متصل بعضه ببعض، ومنه سلسلة الحديد، قال: حسان بن ثابت في مدح آل جفنة ملوك الغساسنة (من الكامل):
يَسْقُونَ مَن وَرَدَ الْبَرِيصَ عَلَيهِمُ بَرَدَى يُصَفِّقُ بِالرَحيقِ السَلسَلِ. وقال الليث: " هو السلسل وهو الماء العذب الصافي إذا شُرب تسلسل في الحلق، وتَسَلْسَلَ الماء في الحلق جَرى سَلْسَلْته أَنا صَبَيْته فيه" (4)، وهكذا فوجود المعنى اللغوي في مفهوم الحديث المسلسل وارد كما سيتبين من
الراوي، 182/ 1.
(1)
وقد نص عليه الحاكم، وقال أيضا به غيره، يقول الحاكم والمسند من الحديث أن يرويه المحدّث عن شيخ يظهر سماعه منه لسنّ يحتمله وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله ر: الحاكم معرفة علوم الحديث، 17/ 1، ابن جماعة، المنهل الروي، ص 39، السيوطي، تدريب الراوي، 182/ 1. (2) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 27. (3) ذكر الحاكم أن للمسلسل أنواعا ثمانية وأورد أمثلتها، وتعقبه ابن الصلاح بأن ذلك صور وأمثلة للمسلسل وأنّها لا تنحصر في ثمانية وصورة المسلسل كما عرفها ابن الصلاح وطائفة من علماء المصطلح، وهي ما تتابع رجال إسناده عند روايته على صفة أو حالة سواء في الراوي أو في الرواية، وصفة الراوي إما أن تكون قولا أو فعلا أو غير ذلك، وذكروا أن أفضل المسلسل هو ما دلّ على اتصال السماع، كما ذكروا أن لهذا النوع فوائد منها زيادة الضبط للمروي. ر: الحاكم، معرفة علوم الحديث، 3330/ 1، ابن الصلاح، علوم الحديث، ص 275، السيوطي، تدريب الراوي 187/ 2. (4) ابن منظور، لسان العرب مادة سلسل 344/ 11، الرازي، مختار الصحاح، 130/ 1. (1/630)
صفحة 631
علوم السنة عند الإباضية
611
تعريفه، وذلك لأن المسلسل تظهر فيه مؤكدات الأخذ وتسلسل الأخذ من الأدنى إلى الأعلى فكأنه بتلك المؤكدات صار في قوة تماسك طريقه كسلسلة الحديد القوية المتسلسلة.
ويقسم المطهري المسلسل إلى قسمين:
الأول: وهو حديث اتفق رواته في وصف من الأوصاف، سواء كان قوليا أو فعليا أو هما معا.
والثاني: وهو حديث اتفق رواته فى وصف الأداء وكيفيته ولفظه (1).
ثم ساق فيه المطهري تعريفات منها تعريف ابن حجر إذ يقول:" وإن اتفق الرواة في إسناد من الأسانيد في صيغ الأداء؛ كسمعت فلانا، أو حدثني فلان، أو قال: حدثنا فلان وغير ذلك من الصيغ .... أو غيرها - أي غير الصيغ- من الحالات القولية؛ كسمعت فلانا يقول: أشهد بالله لقد حدثني فلان (2).
ويحد اطفيش المسلسل "بقوله والمسلسل سماع الظاهر الذي لا غبار عليه مثل أن يقول سمعت فلاناً إلى آخر السند ويحكى في الرواية فعلا من الأفعال يذكره كل واحد منهم عن صاحبه بعينه (3).
ويمثل اطفيش لذلك بمثل قول أبي أيوب الأنصاري لإنسان: (صُبَّ علي فصَبَّ فغسل رأسه إجابة لسوأل رسول ابن عباس كيف كان يغسل رسول صلى الله عليه وسلم رأسه وهو محرم) (4).
(1) المطهري، فتح المغيث، 281
(2)
هري، فتح المغيث، ص 281. وأنظر وروده في ابن حجر، نخبة الفكر، 231/ 1
(3) اطفيش، جامع الشمل، ص 412.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب الاغتسال للمحرم، 653/ 2 (1743) ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب جواز غسل المحرم بدنه ورأسه 864/ 2 (1205) وابن حبان في صحيحه، كتاب الحج، باب الإباحة للمحرم أن يغسل رأسه، 264/ 9 (3948). (1/631)
صفحة 632
علوم السنة عند الإباضية
612
ومثل قول الربيع: (صُبَّ عليّ حتّى أريك وضوء جابر بن زيد، فإن جابراً قال صُبَّ عليّ حتّى أريك وضوء ابن مسعود، فإن ابن مسعود قال صب علي حتى أريك وضوء رسول صلى الله عليه وسلم)، يقول اطفيش: " سواء كانت الزيادة بعد ذلك؛ مثل أن يقول فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي صبّ عليّ حتّى أريك وضوء جبريل عليه السلام، أم لم تكن (1).
ويعطي اطفيش صورة إجمالية للمسلسل مبيّنا تعدّد صور العبارة التي تندرج تحته فيقول: وحاصله" أنّ الحديث الذي اشتمل على مزيد الضبط؛ كقوله أشهد بالله لقد حدثني فلان ... الخ، أو يقول سمعت فلاناً يقول سمعت فلاناً ... إلخ، أو يقول حدثني فلان بعد صلاة الجمعة قال حدثني فلان بعد صلاة الجمعة، أو يأتي بصفة لزمها كل راو كقوله حدثني فلان ورأيت خاتمه في يمينه أو يقول أضافنا فلان على الأسودين التمر والماء ... إلى عليّ قال: (أضافنا رسول صلى الله عليه وسلم على الأسودين: التمر والماء وقال من أضاف مؤمناً فكأنما أضاف آدم عليه السلام)
ونحو ذلك (2)
:
المبحث الثالث أقسام أخرى في الحديث المشترك: الحديث المُعلَّق:
ورد العَلَق بمعنى الحبل الذي في أعلى البكرة التي يُجْذَبُ بها الماء؛ وعلق القربة هو السير الذي تعلق به و كل شيء عُلق به شيء فهو مغلاقه (3) ولعلّ لفظ الحديث المُعلّق أخذ من تعليق الجدار أو تعليق الطلاق لاشتراك هذه المعاني مع المعاني اللغوية في دلالة عدم تتابع الاتصال واستمراره؛ وعليه فلا يبعد أن تكون المعاني اللغوية السابقة تشكل جزءا من أصله اللغوي.
(1)
اطفيش، جامع الشمل، ص 412 413.
(2) م. س، ص 413.
(3)
ابن منظور، لسان العرب مادة علق، 266/ 10، الرازي مختار الصحاح، 189/ 1. (1/632)
صفحة 633
علوم السنة عند الإباضية
613
ويعرفه اطفيش بأنه "ما" حذف من أول إسناده لا، وسطه مأخوذ من تعليق الجدار لقطع اتصاله (1)، وبمثل هذا التعريف عرفه في وفاء الضمانة (2)، أنه غير حده في موضع آخر بقوله: فإن لم يتصل بأن حذف من أول سنده أو جميعه لا وسطه فمعلّق (3)، فالقطع وفق التعريف الأول في أول السند فقط، والقطع وفق الحد الآخر يمكن أن يكون في الأول أو غيره مما عدا الوسط.
ويعرفه أبو عبيد السليمي بأنّه: ما حذف بعض الرواة في أول سنده (4). ويعرفه محمد المطهري بتعريف أهل المصطلح بأنّه ما حذف من مبدأ سنده واحد فأكثر على التوالي، ويعزى الحديث إلى من فوقه من رواته (5).
ويعرفه القنوبي بأنه: ما سقط منه راو فأكثر على التوالي من أول الإسناد (6) وهو التعريف السابق مع بعض تصرف.
يقول المطهري:" والمعلّق في كتاب البخاري على نوعين: أحدهما ما يكون في موضع آخر من كتابه موصولا، فهو يتصرف في إسناده باختصار، والآخر ما لا
(1)
اطفيش، جامع الشمل، ص 428. وقد أورد ابن حجر في تغليق التعليق رواية رواها عن ابن الصلاح في بيان أصل معناه؛ فكأنه أخذ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوه، وذلك لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال، ويعلق ابن حجر بقوله: قلت أخذه من تعليق الجدار وأما أخذه من تعليق الطلاق وغيره فهو أقرب للسببيه لأنّهما معنويان". ر: العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي (1449/ 852)، تغليق التعليق، تح: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، ط 1، المكتب
الإسلامي، بيروت، لبنان، 1405 هـ، 7/ 1.
(2)
اطفيش، وفاء الضمانة 16/ 1.
(3) اطفيش، جامع الشمل، ص 412.
السليمي، مشكاة الأصول، (مخ)، ص 124.
(5) المطهري محمد فتح المغيث، 268. وانظر ورود عين هذا التعريف في: القاسـ
قواعد التحديث، 124/ 1،
(6) القنوبي، مقدمات في علوم الحديث، ص 21. (1/633)
صفحة 634
علوم السنة عند الإباضية
614
يكون إلا معلّقا فهو يورده بصيغة الجزم، ويستفاد منه الصحة إلى من علق عنه (1). وينقل المطهري عن النووي قوله في حكم المسلسل: "فما كان منه بصيغة الجزم؛ كقال وفعل وأمر وروى وذكر معروفا فهو حكم بصحته من المضاف إليه (2)، ثم يعلق على ذلك بقوله: وعلى كل فعلى المدقق إذا رام الاستدلال به أن ينظر في رجاله وسنده وتخريجه في المستخرجات ليرى صلاحيته للحجة وعدمها، والمحققون من أهل الفن يدرجون المعلقات في المنقطع (3).
إليه (2)،
معرفة الاعتبار والمتابع و الشاهد:
يبين اطفيش أن الاعتبار هو البحث عن الحديث الذي انفرد به راويه وهل هو ثقة (4).
ويفسر المطهري الاعتبار بأن يعمد الباحث أو الناقد إلى حديث لبعض الرواة يظن أنه فرد، فيقوم بتتبع طرقه من مظانّها كالجوامع والمسانيد والأجزاء، هذا التتبع عند علماء الحديث بالسبر (5).
ويسمى
وقد يكون هذا التتبع أيضا لمعرفة ما إذا كان هذا الحديث لفرد قد رواه راو أخر غيره باللفظ أو بالمعنى أم لا، فإذا وجد باللفظ أو المعنى كان للحديث عندئذ أصل يرجع إليه، وإلا كان فردا مطلقا، أو غريبا، وما يجده الناقد قد يكون متابعا وقد يكون شاهدا (6).
يقول اطفيش مبينا عملية التتبع ومعنى التابع والشاهد:" والحكم بالتفرد يكون بعد تتبع طرق الحديث الذي يظن أنّه فرد هل شارك راويه آخر أم لا، فإن وجد
(1)
المطهري، فتح المغيث، 270
(2) انظر ورود كلام النووي في تدريب الراوي: السيوطي، تدريب الراوي، 117/ 1.
(3) المطهري، فتح المغيث، 270
(4) اطفيش، جامع الشمل، ص 429.
(5) المطهري، فتح المغيث، 239.
(6)
م. س، 240. (1/634)
صفحة 635
علوم السنة عند الإباضيـ
615
بعد كونه فردا أو راويا آخر ممن يصح أن يخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد وافقه فان كان التوافق في اللفظ سمّي متابعا وإن كان بالمعنى سمّي شاهدا، وان لم يوجد من وجه بلفظه أو معناه فانه يتحقق فيه التفرد المطلق حينئذ، ومظنته معرفة الطرق التي يحصل بها المتابعات والشواهد وتنتفي بها الفردية الكتب المصنفة في الأطراف" (1).
فالحديث المتابع كما يعرفه المطهري هو الحديث الذي يرويه بلفظ الحديث الأول راو يصلح حديثه عمن روى عنه الراوي الأول، فيقال: هذا حديث له متابع، رواية فلان عن فلان، أو تابعه يعني الراوي فلان" (2). ويعرف الشاهد بأنه: " حديث يروى بمعنى الحديث الأول، وذلك بأن يروى متن الحديث الأول من رواية صحابي آخر فيقال له شاهد من رواية فلان قال المطهري: " وإطلاق المتابع على ما يكون باللفظ والشاهد على ما يكون بالمعنى هو غالب الاستعمال، وقد يطلق المتابع على الشاهد والعكس (4). الحديث النازل والعالي
(3)
يعرف اطفيش النازل بأنه: " ما روي عما دون الثقات المشهورين، وربما يقع فيه خلل (5)، أما العالي فيعرفه بأنه: ما روي عن الثقات المشهورين" (6).
ويمثل بالإسناد العالي المطلق بقوله: وبالنسبة لمطلق الأسانيد كرواية الربيع بن حبيب فإنه أقرب إلى رسول الله الله ممن جاء بعده من مصنفي كتب الحديث (7).
(1) اطفيش، جامع الشمل، ص 424.
(2)
المطهري، فتح المغيث، 240.
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
م. س،
240
م. س، 240.
اطفيش، جامع الشمل، ص 429.
م. س، ص 429.
م. س، ص 433. (1/635)
صفحة 636
علوم السنة عند الإباضية
616
ويعرف المطهري العالي بأنه الذي قلت رجال إسناده أي عدد رجاله بالنسبة
إلى غيره (1)، ويورد تقسيمه إلى خمسة أقسام:
(1)
(2)
الأول: العلو المطلق: وهو قرب الراوي من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدد قليل مقارنة بسند آخر يرد بذلك الحديث بعينه بعدد كثير أو بالنسبة لمطلق
الأسانيد.
الثاني: قرب الراوي من الإمام وذلك مثل أئمة الحديث بصفة عالية
مثل الحفظ والضبط كمالك والشافعي وأبي عبيدة وضمام. الثالث: قرب الراوي من رواية الشيخين والربيع وأصحاب الصحاح
والسنن.
الرابع: العلو بتقدّم وفاة راو عن شيخ على وفاة راو آخر عن الشيخ نفسه، سواء كان سماعه مع تأخر الوفاة في وقت واحد أو قبله. الخامس: العلو بتقدم السماع من الشيخ فالذي تقدم سماعه من شيخ ما
بعد (2).
يعد أعلى ممن سمع ذلك الشيخ نفسه من بعد
ويعرف المطهري النازل بأنّه الحديث الذي كثر رجال إسناده بالنسبة إلى
(3)
، ويورد المطهري أقسامه الخمسة:
الأول: النزول المطلق وهو بعد الراوي من رسول الله بعدد كثير من الأشخاص الرواة مقارنة بسند آخر يرد بذلك الحديث بعينه بعدد قليل. الثاني: بعد الراوي من إمام من أئمة الحديث متصف بصفة عالية من
الحفظ والضبط، مثل مالك والشافعي وأبي عبيدة وضمام.
الثالث: البعد بالنسبة لرواية الربيع والشيخين وأصحاب السنن.
المطهري، فتح المغيث، 278.
ببعض تصرف: ر المطهري، فتح المغيث، 278 - 279.
(3) المطهري، فتح المغيث، 280. (1/636)
صفحة 637
علوم السنة عند الإباضية
617
الرابع: النزول الحاصل بتأخر وفاة الراوي عن شيخ ما عن وفاة راو
آخر عن ذلك الشيخ.
الخامس: النزول بتأخر السماع من شيخ ما، فالذي تأخر سماعه من
الشيخ يعد أنزل ممّن سمع من ذلك الشيخ نفسه قبل ذلك (1).
خبر المتن
ورد ذكر خبر المتن بداية عند ابن بركة وعرفه بقوله: وأما أخبار المتن، فهى التي تروى عن النبي، ولا يذكر من رواها من الصحابة، ويعتمد على صحتها، وتسمى مثل هذه الأخبار المتن. (2).
ويظهر من كلام ابن بركة أنّها أخبار تعورف على صحتها وتنوقلت باختصار إسنادها، إذ أن قوله واعتمد على صحتها يقتضي أنها صحيحة وقبلت وتنوقلت باعتبارها متونًا.
وقد تبع ابن بركة في هذا التعريف أبو عبد الله الكندي في البيان (3)، في الضياء (4)، وأبو بكر الكندي في المصنف (5).
والعوتبي
ويحد الشماخي المتن بأنه: " ما تضمنه الكلام من خبر، واستخبار، وأمر، ونهي وعام، وخاص، ومجمل، ومبيّن، ومنطوق، ومفهوم، ونحوها (6).
ويعرف أخبار المتن بأنها " ما أخبر به من غير سند اعتمادا على صحته (7).:
(1)
ببعض تصرف: ر المطهري، فتح المغيث، 280.
(2) ابن بركة، الجامع 17/ 1.
(3)
الكندي
أبو عبد الله، بيان الشرع، 18/ 1.
(4) العوتبي، الضياء، 253/ 2.
(5)
الكندي
أبو بكر، المصنف، 39/ 1.
(6) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 439.
(7) م. س، ص 442. (1/637)
صفحة 638
علوم السنة عند الإباضية
618
ويؤكد ما قلناه إنّ مرادهم بأخبار المتون هي متون الأحاديث التي ثبتت صحتها قول عمرو التلاتي شارحا تعريف الشماخي فيقول: "أخبار المتن أي الأحاديث المسماة بهذا الاسم، هي "ما" أي شي من الأخبار، "أخبر" أي: أعلم به، "راويه": سامعه من غير "سند" أي من غير ذكر رواته وإنما لم يذكرهم، "اعتمادا" إي: لأجل استناده في عدم ذكرهم على صحته" أي: ثبوته عنه وعدم احتياجه إلى ذكرهم كأن يقال: قال: (إنما الأعمال بالنيات الحديث) (1) (2). خبر الصحيفة:
يذكر ابن بركة خبر الصحيفة بقوله: "وأما" خبر الصحيفة، فهو أن يروي الراوي الخبر إلى أن ينتهي به إلى رجل فيقول: عن أبيه عن جده ولم يذكر ذلك المذكور النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان هذا الخبر على هذا الوصف ونحوه سـ الصحيفة (3).
خبر
ويظهر من كلام ابن بركة أنه يشير إلى مثل صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي تقديري أن عبارة ابن بركة التي نقلت في كتابه، ناقصة، فلعله أراد التمثيل بصحيفة عمرو بن شعيب التي نقلها وهي صحيفة جده عبد الله بن عمرو، وتبقى عبارة ابن بركة لا تخلو من إشكال في صياغتها الحالية، ويظهر الإشكال أيضا في نقل من نقل عنه من العلماء، فقد جرى على تعريف ابن بركة أبو عبد الله الكندي في البيان (4)، والعوتبي في الضياء (5)، وأبو بكر الكندي في
المصنف (6).
(1) تقدم تخريجه ص 39.
(2)
الثلاتي رفع التراخي، (مخ)، ص 193.
(3) ابن بركة، الجامع، 17/ 1.
(4) الكندي أبو عبد الله، بيان الشرع، 17/ 1.
(5) العوتبي، الضياء، 253/ 2.
(6)
الكندي
أبو بكر، المصنف، 40/ 1. (1/638)
صفحة 639
علوم السنة عند الإباضية:
619
ويبين الوارجلاني مسألة أخبار الصحيفة بقوله: "وأما أخبار الصحيفة فناس كانوا يكتبون كلما سمعوا عن رسول الله ل عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله الله، وذلك أن عبد الله بن عمرو بن العاص استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب كل ما سمع منه، فقال عليه الصلاة والسلام: اكتب، فقال: أكتب ما سمعت منك ولو في حال الغضب يا رسول الله؟ فقال له اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق يريد لسانه (1)) (2).
ثم يذكر التلاتي اسم بعض من اشتهر بالصحائف مثل عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص وبهز بن حكيم بن معاوية بن حمدة القشيري كان يحدث عن أبيه عن جده في مثل هذا (3).
ويذكر الوارجلاني أنهم - يريد جملة المحدثين (4) - لم يقووا خبر الصحيفة، كما أنهم لم يطرحوه، ولكن استثني من الصحائف صحيفة عمرو بن حزم فهي
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب العلم، 187/ 1 (359)، والدارمي في سننه، في المقدمة، باب من لم ير كتابة الحديث، 136/ 1 (484)، والخطيب البغدادي، في تقييد العلم، القسم الثالث، الفصل الأول، باب ذكر الروايات عن عبد الله، 81/ 1.
(2) الوارجلاني، العدل، 143/ 1. (3) الوارجلاني، العدل، 143/ 1.
(4)
دار الخلاف بين العلماء في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قيل بعدم سماع عمرو عن أبيه، وقيل إنّه منه، وإنما رواية عمرو عن أبيه عن جده كتابا وليس سماعا، سمع ومنهم من ذهب إلى توثيق رواية عمرو عن أبيه عن جده، بل ذهب بعضهم إلى أن رواية عمرو عن أبيه عن جده هي سماع وليس كتابا.
ووجدنا تصحيحا لروايات معينة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حتى عند علماء فنّ علل الحديث، وهم من أكثر الناس تدقيقا كيحيى بن معين والدارقطني وابن الجوزي وغيرهم، وصوّب ابن أبي حاتم رواية سئل عنها فذكر أن صوابها جاءت من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وتبقى صورة روايتهم كتابا هي محل نظر ذلك فقد اختلف النقل حتى عند هؤلاء العلماء الذين نقل عنهم التصحيح لروايتهم
ومع
النقاد.
فنقل عنهم التعليل أيضا، فنقل الدوري مثلا عن يحيى بن معين أن روايتهم كتابا ولذلك جاء (1/639)
صفحة 640
علوم السنة عند الإباضية:
620
صحيحه وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم هذه الصحيفة، ثم بعثه بها إلى اليمن عاملاً، وهي تحوي جملة من سنن رسول الله، ذكر أن صلى الله عليه وسلم، فيها سنن العقول والديات وغيرها (1).
ويذكر الوارجلاني أن ابن عبد البر ذكر في بعض كتبه أن جابرا بن زيد رحل إلى صحيفة عمرو بن حزم، وتوسل إلى آل حزم ليوقفوه عليها فأوقفوه
عليها فقرأها كلها، وأشهر ما فيها عند العلماء حتى كادت أن تعد من المسند (2).
وعلى كل حال فسبب تضعيف خبر الصحائف كما ذهب إليه من ذهب من المحدثين راجع إلى أن هذه الصحائف قد توارثها الأبناء عن الآباء ولذلك ضعفوها، فلعلها لم يتحقق فيها السماع (3).
ضعفه، بينما نقل عن يحيى في مصادر أخرى توثيقه وورد اختلاف القول عند أحمد كما ورد الاختلاف عن غيرهما، ولا يتسع المقام للإطالة.
لمزيد من تفصيل الأقوال معزوة إلى أئمة المحدثين وعلماء العلل انظر: ابن معين التاريخ 462/ 4، ابن معين أبو زكريا يحيى بن معين (845/ 230)، من كلام أبي زكريا في الرجال، تح: أحمد محمد نور سيف دار المأمون للتراث، دمشق، 1400 هـ، ص 48، الرازي ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد (855/ 240)، علل الحديث تح: محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1405 هـ، 469/ 1، الشيباني أبو عبد الله احمد بن حنبل (856/ 241)، سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل، تح زياد محمد منصور، ط 1، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، 1414 هـ، 230/ 1 - 231 البغدادي ابن شاهين عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد (995/ 385)، ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه، تح: حماد بن محمد الأنصاري، ط 1، مكتبة أضواء السلف الرياض السعودية، 1419 هـ، ص 60، ابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (1201/ 597) العلل المتناهية، تح خليل الميس، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1403 هـ،،721/ 2، الدارقطني، العلل الواردة في الأحاديث
النبوية، 154،156/ 2
،
(1) الوارجلاني، العدل، 143/ 1.
(2)
(3)
م. س، 144/ 1.
م. س، 144/ 1. (1/640)
صفحة 641
علوم السنة عند الإباضية
621
ونجد عند الشماخي تعريفا لأخبار الصحيفة بأنها: " ما يرويه الراوي عن أبيه عن جده، من صحيفة عندهم، كأخبار عمرو بن شعيب وكصحيفة عمرو بن وجرى على تعريفه عمرو التلاتي (2).
حزم
(1)
كانت هذه الوقفة المتقدمة مع الأخبار التي تشترك بين القبول والردّ، وفكرة هذا التشارك أن القبول لا يعتمد على وصفها وحدها ولكن بصفات أخرى تؤثر فيها، وتبعا لهذه الصفات يجري حكم قبولها من عدمه، فما توفرت فيه صفات الصحة
صح.
ويأتي الحديث المرفوع في مقدّمة هذه الأنواع، وقد عبر أئمة الإباضية المتقدمون عن الرفع بمعناه الاصطلاحي، وتدور تعريفاته على ما أضيف إلى النبي، ويحكم له بالحجية في حال صحته، وهناك صيغ تقتضي الرفع وأخرى لا تقتضيه بينوها وذكروها.
أما الموقوف فحدّه عندهم على قولين؛ قيل ما وقف على الصحابي، وقيل ما وقف على الصحابي والتابعي، وقد وجد تعريفه مبكرا؛ فعرفه ابن بركة وجاءت تعريفات المتأخرين آخذة منه ومن تعريفات أهل المصطلح، واختلفوا في حجيته وتصحيحه، فمنهم من صححه وقبله ومنهم من قيد قبوله بقيود وفصل في هذا
القبول.
أما المقطوع فمنهم من جعل مسماه والمنقطع سواء كابن بركة والملشوطي والسوفي، ومنهم من حده بما أضيف للتابع أو للتابعي ومن دونه على قول آخر، والقول الصحيح المعتمد في المذهب تضعيفه وإن أجاز الوارجلاني وسعيد الجربي العمل به، ولعلّ إجازتهما له إذا لم يوجد في المسألة قول غيره.
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 445.
(2)
التلاتي رفع التراخي، (مخ)، ص 193. (1/641)
صفحة 642
علوم السنة عند الإباضية
(622
أما المسند أو المتصل فهو معبر عن وصف للإسناد يقتضي تحقق صفة من صفات الصحة لكن لا بد من تحقق باقي صفات الصحة، وقد رأينا التعبير الفني للمسند أو المتصل موجودًا عند أئمة الإباضية المتقدمين، وجاء التعريف بهما عند من جاؤوا بعدهم كالوار جلاني ومن بعده وقد رأينا تداخل النظرة للمسند والمتصل عند بعضهم فجمعناهما في العرض، والاتصال يقتضي الرفع جاءت بعض التعريفات معبرة عن ذلك، وقد استفاد المتأخرون في تعريفاتهم للمسند والمتصل من مدرسة المصطلح استفادة ملحوظة.
لذلك
أما المسلسل والمعلّق والعالي والنازل نجدها أكثر عند المتأخرين فهـ وتعريفاتها مأخوذة من أهل الاصطلاح وقد عزاها العلماء الذين ذكروها إليهم. بقي أن نشير أنا وجدنا ذكرا لأخبار المتن والصحيفة عند المتقدمين فأوردناهما، ومرادهم بأخبار المتن ما صح منها ولذلك صححها من ذكرها، وأما أخبار الصحائف فالذي يظهر أنها المدونة في الصحائف، كصحيفة عمرو بن حزم وصحيفة عمرو بن شعيب، وهذه اختلف فيها علماء الأمة، ولعل من صححها من علماء الإباضية لم يكن وحده الذي صححها والله أعلم. (1/642)
صفحة 643
علوم السنة عند الإباضية
623
الخاتمة
عني الإباضية بالسنّة وتناولوها بالدّراسة والتدقيق والاستنباط، وقد كشفت لنا هذه الدراسة عن جوانب متعددة لهذه العناية. وقد تجلّى من خلال هذه الدراسة الكثير من الحقائق والمعارف التي ظلت دفينة التراث الإباضي الواسع المخطوط والمطبوع على السواء؛ إذ كان نهج التدوين الشامل لهذا التراث مخفيا لهذه الحقائق، وأبرزت هذه الدراسة التواؤم ونسيج الترابط بين الإباضية وباقي الأمة في أخذهم وعطائهم بما يسكت الأصوات التي تحاول عزل هذه الفرقة عن باقي الأمة جماعة وأفرادا، هذه الأصوات التي جعلت من فُرقة المسلمين هدفا ومرادا. وعلى كل حال فإن الكثير من الحقائق التي تجلت خلال الدراسة يصعب عرضها لكننا سنختار في قطافنا هذا بعضا من ثمرها الحلو، ونتعرض لبعض من شذا أريجها الطيب. استعمل الإباضية مصطلح السنّة بدلالاته الفقهية والحديثية والأصولية وعنوا بتعريفه وتحديده، ونظروا إلى السنّة نظرة الشمول لكل جوانب الحياة ومناحيها، واختلفت نظرتهم في توسع دلالة السنة في علاقتها بالخبر والأثر بين شمولها لهما وبين تحديد كل على حدة. قسم الإباضية السنة إلى قوليّة وفعليّة وتقريريّة، وتعددت أوجه ورودها عندهم مؤكدة أو مبينة أو ناسخة أو مستقلة الحكم، وظهرت عنايتهم بهذه التقسيمات والأوجه خاصة البيان الذي تنوع عندهم إلى بيان القول والفعل والترك، وتعددت أوجه البيان من تخصيص لعام أو تقييد لمطلق
أو غير ذلك بما يجلي عنايتهم بهذه الأقسام وإدراكا منهم لفهم السنة. مثلت السنة مصدر الهداية والتشريع الثاني عند الإباضية، وقد أصلوا ذلك بالتدليل على حجية السنة من القرآن وفرعوا تبعا لذلك أصولا فرعية كوجوب الالتزام بالسنة والتقيد بها، وجاء من ثمرة ذلك الفتوى برد كل ما خالف السنة والحكم ببطلانه، ورفض التقليد غير الموافق (1/643)
صفحة 644
: علوم السنة عند الإباضية
624
للسنة، واعتبارها قرينة القرآن في الاستدلال واشتراط العلم بها
الفتوى
اعتنى الإباضية بنقد الحديث طلبا لتصحيحه وصونه، وكان لأئمتهم من التابعين كجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم فضل تأسيس نقد الحديث عندهم، وبنى هذان الإمامان نقدهما على معرفة الروايات وإدراك أحوال الرواة، وجاء دور ابن بركة النقدي ومن بعده من العلماء مكملا لأئمة المذهب قبله، وقام نقدهم على أساس القبول ثمرة للتصحيح، والرد ثمرة للتضعيف، والتوقف عند عدم تحقق أي واحد منهما.
بدت سمة التداخل واضحة بين جوانب من نقد السند والمتن في تراث الإباضية، ولعل مرجع هذا التداخل إلى معالجتهما معا ضمن تعاليقهم على الروايات وعلى كل حال فقد كان النقد منطلقا ضمن ضوابط وقواعد تظهر من خلال كلامهم على الروايات وإن لم تفرد كقواعد مصطلح عليها، وقد كشفت الدراسة وجود عدد من قواعد نقد الإسناد، كالعدالة والضبط واتصال السند وخلو المروي من العلل كعلة مخالفة الأصول من القرآن وصحيح السنة والإجماع.
كشفت الدراسة عن بعض خصائص المدرسة الإباضية النقدية، ففـ شرط العدالة كانت كالمحدثين بل أشد، وفي اتصال السند اقتربت من منهج الفقهاء ومالت إلى حالة الطمأنينة في الاتصال، وهذا عائد إلى امتزاج منهج الفقهاء والمحدّثين النقدي لديها، فبحكم الإطار الفقهي لها عكست منظور الفقهاء، وبالتلقي المباشر عن الصحابة والتابعين وأهل الرواية تأثرت بمنهج أهل الرواية، وهي أيضا بحكم تنقل أئمتها الأوائل و تقلبهم بين العراق - حيث- مدرسة الرأي والحجاز – حيث مدرسة الأثر - تأثرت بهما معا.
-
عکست قواعد نقد المتن عند الإباضية عناية فائقة بالمتن ترجمت المنظور الفقهي لهذا النوع من النقد وفي مقدمة هذه القواعد نقد الحديث (1/644)
صفحة 645
علوم السنة عند الإباضية
625
بعرضه على القرآن وصحيح السنة والنقد بمخالفة العقل والنقد بمخالفة العقل والحق وصحيح الحقائق المشتهرة، ورأينا معالجة المتن من خلال منهج التأويل والأخذ بالاحتياط معتنى به بشكل واضح في تراثهم. أبرزت الدراسة بعض الدقائق المعتنى بها في النقد عند الإباضية ككون الحكم صحة أو ضعفا هو ظني، واعتبار المجمع على تصحيحه مع غيرهم من أبناء الأمة أعلى أنواع الصحيح إذ أفرزوه بمسمى "المجمع على تصحيحه، ورفض أي صورة مصادمة للكتاب العزيز. أفرز جو الاعتدال الذي اتسم به الإباضية في نشأتهم وتعاملهم مع غيرهم اعتدالا في التلقي والأخذ عن مخالفيهم فلم يوصدوا باب الأخذ من غير طرقهم كما فعلت بعض الفرق ومال منهجهم إلى تغليب القبول، وكان شعار أئمتهم قبول الحق ممن جاء به كائنا من كان لكن هذا القبول لم يتخذ طابع التقليد، بل قام على قواعد من التمحيص نظرها الإباضية ثم طبقوا عليها، فما لم يحظ بشرط القبول وقع بين الردّ أو
التوقف.
كشفت الدراسة عن بعض جوانب من عناية الإباضية بفن الإسناد، غير أن بعض الضمور يكتنف هذه العناية، ولعل مرجع ذلك إلى خلو ساحتهم من الكذب والوضع إذ كان تطور هذه العلوم ثمرة لذلك، أضف إلى
أن
ذلك وجود التحديث بدون إسناد عند الصحابة والتابعين على الدراسة أبانت عن جانب كبير من النقل تم بواسطة الأسانيد وحملة العلم
إلى المشرق والمغرب الذين نقلوا العلم والرواية من الحجاز والعراق
وسلاسل نسب الدين ونسب الإسلام التي تلقت عنهم مغربا ومشرقا. أخذت عناية الإباضية بفن الجرح والتعديل جانب العموم في الرواية والشهادة وأحكام الولاية والبراءة، وأثمر هذا العموم تداخل مصطلحات العدل والولي والثقة في التعبير بها في الجوانب المتقدمة، وكشفت وجود (1/645)
صفحة 646
علوم السنة عند الإباضية
626
فرعيات مسائل الجرح والتعديل داخل تراث الإباضية لكنها غير مفردة وحدها.
عبرت الشروط العامة للراوي عن مزيد التدقيق في قبول الرواية، وتعددت هذه الشروط بين متفق عليها بين الإباضية ومختلف في، بعضها، فالإسلام والعدالة والبلوغ والعقل والضبط والمروءة وعدم التدليس متفق عليها، وتندرج تحت بعضها فرعيات أخرى، فالبدعة والجهالة مثلا تتفرع عن العدالة، وقد شدد الإباضية في شرط العدالة وعدم التدليس أكثر حتى من المحدثين.
جاءت كتابة علماء الإباضية في تراجم علمائهم وتاريخهم معتنية بتقييد أخبارهم وآثارهم، لكنّها اتخذت شكلا عموميا في بيان حياة كل مترجم له وتاريخه وأخباره، ولم تأت على نسق ما كتبه المحدثون في تراجم الرجال، ولعل سبب ذلك عائد إلى نهج التدوين التاريخي العام لكتابات علماء المذهب، واتسمت هذه الكتابات بالاختصار وحذف الأسانيد تخفيفا، ورغم ضياع الكثير مما كتب في هذا الجانب فقد كشفت الدراسة عن عدد كبير من المصادر في الطبقات والتراجم والتاريخ والسير وكتب الأنساب، وكثير منها مخطوط يحتاج إلى عناية وإبراز. أبرزت الدراسة توقير الإباضية لأهم حلقة في الإسناد إلى النبي وهم الصحابة، وأكدت حقيقة تنزه علماء الإباضية في ذلك، وأن علماءهم اليوم اتخذوا الوقوف عن الخوض فيما شجر بين الصحابة مسلكا، وهذا المسلك امتداد لمسلك طائفة كبيرة من متقدميهم على أن وجود أناس من الإباضية تكلموا في قضية الفتنة بين الصحابة حقيقة أشارت إليها الدراسة، لكن ليس من العدل محاكمة مدرسة كاملة بمقالة عدد قليل
منهم.
وفي مسألة حجية قول الصحابي قل الخلاف، إذ ذهب جمهور الإباضية إلى أن قوله ليسوا حجة، وذهب البعض منهم إلى اعتباره حجة، فيبقى (1/646)
صفحة 647
علوم السنة عند الإباضية
627
تقليد قول الصحابة على الاختيار وإن صرح جملة من الإباضية باعطاء عهدهم مزية لا يرقى إليها أي عهد بعدهم.
كشفت الدرسة عناية الإباضية بمتن الحديث و درايته، ووقفنا خلالها على
المتون
ما يعبر عن فقه الحديث استدلالا واستنباطا، ويأتي في مقدمة ذلك فن مختلف الحديث الذي أبدى منهجية عميقة في التعامل المتعارضة من خلال قواعد درء التعارض بالجمع أو الترجيح.
مع
وبرز فن ناسخ الحديث ومنسوخه مكملا جانب العناية بالمتن وفقهه مقيدا بضوابطه وشروطه، وقد وجدنا عناية الإباضية به وتأكيد شرعيته، وجواز نسخ السنة للقرآن عندهم والعكس عند جمهورهم، وأكدوا على الأمارات التي يستدل بها على النسخ؛ وحوت مكنونات تراثهم على بيان واسع للنسخ ونماذجه وصوره.
وتتكامل صورة العناية بالمتن بفن غريب ألفاظ الحديث، الذي عني به الإباضية في الإفصاح عن معاني الألفاظ ليعين في فقه المتن وإدراكه، وجاءت تفسيرات الغريب عندهم متوافقة مع تفسير علماء الغريب، وحوى تراثهم بيان ألفاظ المتون بحيث لو تتبع لشكل مادة واسعة لأطاريح ودراسات عدة.
أبرزت الدراسة عناية الإباضية بعلم مصطلح الحديث وتقسميات الحديث وأحكامها، وتجلت العناية بعدد من مصطلحات هذا الفن الجليل منذ فترة مبكرة سواء ما كان على صورة الاستعمال الفني للمصطلحات أو التحديد والتعريف والحكم. وبدا فن المصطلح مترجما لتنوع منهج الأخذ به داخل المدرسة الإباضية، فمن مال إلى منهج الفقهاء انعكس في بعض أحكامه الاصطلاحية، ومثله من غلب منهج المحدثين.
كشفت لنا فصول مصطلح الحديث عن تطور المصطلحات وتنقيحها عبر العصور من الاستعمال لدلالة اللفظة إلى المفهوم والتعريف، وجاء هذا التطور معبرًا عن حراك فكري وعلمي منه ما كان ذاتيا داخل (1/647)
صفحة 648
علوم السنة عند الإباضية:
628
إطار المدرسة الإباضية ومنه ما كان مستفادا من الغير عبر التلاقح والتكامل المعرفي خاصة مع مدرسة علم مصطلح الحديث.
لا زال فن المصطلح - في تقديري - محتاجًا لمزيد من الدراسة وليس أقل من أطروحة تتبع مصطلحات علماء الإباضية الحديثية من بداية تدوينهم حتى اليوم آخذة بالحسبان تطور هذا العلم كاشفة مادته مقارنة بينه وبين علم المصطلح ومبينة جوانب الاستفادة من هذا الفن. وتحتاج نصوص الأحاديث التي تمتلئ بها مصنفات الإباضية وجوامعهم القديمة إلى دراسة وتتبع لكيفية ورودها وتخريجها وهو عمل ضخم يستوعب عددا كبيرا من الدراسات والأطاريح.
كما تحتاج رواياتهم الشفهية التي دونوها في كتبهم إلى دراسة وجمع لطرقها وسلاسلها حتى تظهر خريطة النقل الشفهي مشرقية كانت أم مغربية وهو عمل في تقديري ومن خلال وقوفي على التراث الواسع يستوعب دراسات وأطاريح.
إن موقف الإباضية من الروايات الواردة من غير طرقهم محتاج إلى مزيد تتبع وبيان بدراسات تتعمق في التراث الإباضي لتكشف لنا حجم المرونة والانفتاح الذي تميزت به هذه المدرسة من القديم بما يكشف عن جوهر التعددية الفكرية وقبول الآخر، وبما يؤكد ما قلناه من مرونة هذه المدرسة، هذا، وما وقفت عليه من تتبع تراثهم الكثير من ذلك، والأعجب أن مدرسة هذا منهجها وما يزال يُظَنُّ بها وتوصف بسمات التعصب والانغلاق، وذلك لعمري حكم ظالم، يكشف عن انغلاق قائله فلو أنه فتح كتابا من كتبهم لرأى خلاف ما قاله رأي العين.
وهكذا في ختام هذه الوقفة أدعو الله أن ييسر من يعتني بما اقترح للدراسة سائلا الله عز وجل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه وأن يفض علينا من أنوار حكمته، ويفتح لنا أبواب رحمته ويغمرنا بسحائب فضله وكرمه. (1/648)
صفحة 649
علوم السنة عند الإباضيه
فهرس المصادر والمراجع
أولا: القرآن الكريم
631
-1 برواية حفص عن عاصم
ثانيا: المخطوطات:
ابن تعاريت سعيد بن الحاج علي (1872/ 1289):
-2 - رسالة في تراجم علماء جربة (مخ) مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، غيزن، جربة، تونس، (د. ر).
ابن رزيق حميد بن محمد بن بخيت (1858/ 1275):
3 - الصحيفة القحطانية (مخ)، جامعة أكسفورد بانجلترا، رقم s 3،1216،
صورة لدى الباحث.
ابن رقوش (مجهول التاريخ
4 - كتاب ابن رقوش (مخ) ضمن مجموع مكتبة إروان العطف
الجزائر، رقم 38.
أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز (ق 8/ 2):
5 - كتاب النكاح والشغار (مخ) ضمن مجموع، مكتبة الشيخ بابانو، بني
يسجن، غرداية، الجزائر، رقم ب 47.
أبو اليقظان إبراهيم بن عيسى حمدي (1973/ 1393):
(د. ت).
(د. ر).
6 جواب أبي اليقظان، (مخ)، مكتبة أبي اليقظان القرارة، الجزائر
-
7 ملحق سير الشماخي (مخ)، مكتبة أبي اليقظان القرارة الجزائر
8 نسب الدين للشيخ أبي اليقظان، (مخ) مكتبة أبي معقل الوارجلاني
وارجلان، الجزائر، وقفت عليه في مدونات أبي معقل كراس رقم 26. (1/649)
صفحة 650
علوم السنة عند الإباضية
أبو قحطان خالد بن قحطان (ق 9/ 3)
632
9 - سيرة الشيخ أبي قحطان (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، محفوظ بمكتبة الإمام غالب بن علي الهنائي، الدمام، السعودية (د. ر). أبو نوح سعيد بن زنغيل (ق 10/ 4):
10 - الرد على من زعم أن الله استوى على العرش على ما يعقل (مخ)، مكتبة آل، خالد، بني يسجن، غرداية، الجزائر، رقم م 152. اطفيش محمد بن يوسف (1914/ 1332): 11 ترتيب نوازل نفوسة، (مخ)، مكتبة الاستقامة، بني يسجن، غرداية، الجزائر، رقم ج 8. الإزكوي ابن جعغر أبو جابر محمد بن جعفر (حي في 891/ 277): 12 الجامع المضاف لابن جعفر مكتبة القطب، بني يسجن، الجزائر،
رقم 45.
6
-13 جامع ابن جعفر (جامع الأحكام)، (مخ)، مكتبة الشيخ السيفي، نزوى، سلطنة عمان، (د. ر)، صورة لدى الباحث. الازكوي سرحان بن سعيد (ق 18/ 12)
أحمد بن ناصر
-14 كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، (مخ)، مكتبة السيد محمد بن
أحمد
بن سعود البوسعيدي السيب سلطنة عمان رقم +571 نسخة وزارة التراث
القومي والثقافة، صورة منها لدى الباحث.
الباروني أبو عبد الله محمد بن زكريا الجربي (1589/ 997):
15 - رسالة الشيخ محمد الباروني في نسبة الدين (مخ مج) مكتبة الشيخ
سالم بن يعقوب، غيزن، جربة تونس (د. ت).
-
16 رسالة نسبة دين المسلمين، (مخ (مج)، المكتبة البارونية، الحشان،
جربة، تونس، رقم م 55.
17 - نسبة دين المسلمين (مخ (مج)، المكتبة البارونية، جربة، تونس،
رقم 124، (د. تر).
البرادي أبو القاسم بن إبراهيم (حي في: 1407/ 810): (1/650)
صفحة 651
علوم السنة عند الإباضيه
633
18 البحث الصادق والاستكشاف عن معاني العدل والإنصاف (مخ)
مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر، در، لدى الباحث صورة. -19 - الجواهر المنتقاة لما أخل به كتاب الطبقات، (مخ)، مكتبة الحاج
سعيد، غرداية، الجزائر، رقم 21
-20 جوابات البرادي ((مخ)، مكتبة إروان العطف الجزائر، مج 18.
البسيوي أبو الحسن علي بن محمد (ق 10/ 4): -21 سيرة الشيخ أبي الحسن علي بن محمد البسيوي، مخ مجموع السير العمانية. 22 رسالة الحجة على من أبطل السؤال (مخ) ضمن مجموع السير
العمانية.
23 - رسالة لأبي الحسن البسيوي، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية. 24 - في الرد على محمد بن سعيد (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
البشري موس ابن عيسي (ق 20/ 14):
25 كتاب في الفقه، (مخ)، مكتبة سالم بن حمد الحارثي المضيرب
سلطنة عمان، د. ر.
البغطوري النفوسي مقرن بن محمد (حي في: 1203/ 599): 26 - كتاب سيرة أهل نفوسة، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب
الجربي، غيزن، جربة، تونس، (د. ر).
الثلاتي أبو حفص عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187): 27 - الأزهار الرياضية على المنظومة الرائية، (مخ)، المكتبة البارونية،
الحشان، جربة، تونس، رقم 31.
28 رفع التراخي في مختصر الشامخي (مخ)، مكتبة الحاج سعيد محمد،
غرداية، الجزائر (د. ر)، لدى الباحث صورة منها.
29 - العقد النضيد على نكتة التوحيد (مخ)، مكتبة القطب، بني يسجن، غرداية، الجزائر، صورة لدى الباحث رقم و /40، (د. تر). (1/651)
صفحة 652
علوم السنة عند الإباضيه
634
30 - نتيجة الأفكار في تعليق عقيدة الأبرار، (مخ)، مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، بني يسجن، غرداية، الجزائر، رقم م.49. 31 - نزهة اللبيب في شرح الترتيب، (مخ) المكتبة البارونية، الحشان، جربة، تونس، رقم 589. 32 - نزهة اللبيب وريحانة الأديب، (مخطوط) ضمن مدونات سالم بن يعقوب) مكتبة سالم بن يعقوب الجربي، غيزن، جربة، تونس، (د. ر). التلاتي أبو سليمان داود بن إبراهيم (1560/ 967):
33 - قصيدة مدح المذهب (مخ) ضمن مجموع، مكتبة البكري، العطف،
الجزائر، رقم م 29.
التميمي عبد الله بن اباض (705/ 86):
-34 رسالة عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان (مخ) ضمن
مجموع السير العمانية، بيد الباحث صورة منه.
الجربي سالم بن يعقوب (1988/ 1408):
35 مدونات سالم بن يعقوب، (مخ) محفوظة في مكتبته، جربة، تونس،
(د. ر)، (د. تر).
36 مدونات سالم بن يعقوب حول تأليف التلاتي، (مخ) بخط يده في مسودات محفوظة في مكتبته، غيزن، جربة، تونس، (د. ر)
الجربي سعيد بن علي (1492/ 898):
37 - فتاوي وأجوبة فقهية (مخ)، مكتبة، إروان العطف، الجزائر، د. ر،
لدى الباحث صورة منه.
الجعلاني الريامي منير بن النير (حي في 852/ 237)
38 - سيرة منير بن النير، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (1350/ 750)
39 - شرح النونية، (مخ) المكتبة البارونية، الحشان، جربة، تونس،
رقم 34. (1/652)
صفحة 653
علوم السنة عند الإباضيه:
الحضرمي أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله (ق 12/ 6):
635
40 - الدلائل والحجج، ص 48 (مخ)، مكتبة الحاج مسعود الغرداوي،
غرداية، الجزائر، رقم 14.
الحضرمي وائل بن أيوب (808/ 192):
41 - سيرة وائل بن أيوب، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، مكتبة الإمام غالب بن علي الهنائي، الدمام، السعودية (د. ر)، بيد الباحث صورة منه. الحيلاتي أبو الربيع سليمان بن أحمد (1688/ 1099):
-
42 نسبة الدين للحيلاتي، (مخ (مج) المكتبة البارونية، الحشان، جربة
تونس، رقم 554.
الخراساني أبو غانم بشر بن غانم (ق 8/ 2):
43 - ديوان أبي غانم، (مخ (مج)، مكتبة الشيخ صال بن عمر لعلي، بني
يسجن، الجزائر، رقم ج 35.
الخراساني هلال بن عطية (752/ 134):
44 - سيرة هلال بن عطية، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، بيد
الباحث صورة منه.
الخروصي أبو المؤثر الصلت بن خميس (892/ 278):
-
45 كتاب الأحداث والصفات، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية، بيد
الباحث صورة منه.
الخروصي أبو نبهان جاعد بن خميس (1822/ 1237): 46 - رسالة الشيخ جاعد ضمن الصحيفة القحطانية (مخ)، جامعة أكسفورد بانجلترا، رقم 1216، s 3، صورة لدى الباحث. 47 أجوبة الشيخ أبي نبهان (مخ)، مكتبة وزارة التراث القومي
والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، رقم 271
الخليلي أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد (1871/ 1287):
48 - كرسي أصول الدين (مخ)، مكتبة الشيخ أحمد بن ناصر السيفي،
نزوي،عمان، د. ت صورة لدى الباحث. (1/653)
صفحة 654
التميمي
علوم السنة عند الإباضيه
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (763/ 145):
636
-49 مسائل أبي عبيدة، (مخ) ضمن مجموع مكتبة الحاج محمد بن سعيد، غرداية، الجزائر، د. ر) () (مخ) (مج)، مكتبة الشيخ صالح لـ، بني يسجن، غرداية، الجزائر، رقم م 82.
الرحيلي أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب (حي في: 887/ 273):
(د. ر).
50 الحجج والبراهين، (مخ)، مكتبة، إروان العطف، غرداية، الجزائر
العمانية.
51 سيرة بشير في الحدث الواقع بعمان، (مخ) ضمن مجموع السير
52 - كتاب المحاربة، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
53 - كتاب المستأنف، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية. الرحيلي القرشي أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل، (874/ 260): 54 سيرة الشيخ محمد بن محبوب (مخ) ضمن مجموع السير
العمانية.
55 المختصر من أبواب السنة، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب
غيزن، جربة، تونس، (د. ر).
الرستمي أفلح بن عبد الوهاب (871/ 258):
56 جوابات الإمام أفلح، (مخ)، مكتبة الحاج سعيد، غرداية، الجزائر،
رقم 202، صورة لدى الباحث.
الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن (824/ 208)، الرستمي أفلح بن عبد الوهاب
: (871/ 258)
57 جوابات الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح، (مخ)، مكتبة الشيخ صالح
بن عمر لعلي، بني يسجن، الجزائر، رقم 131.
الرقيشي
أحمد بن عبد الله الأزكوي (ق 17/ 11): (1/654)
صفحة 655
علوم السنة عند الإباضيه
637
58 - مصباح الظلام (القطعة الخامسة من كتاب شرح دعائم الإسلام
شرح لامية ابن النظر) مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، بني يسجن، الجزائر رقم م 154 صورة لدى الباحث.
الرواحي أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم (1911/ 1329):
59 - نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، (مخ) بخط المؤلف، تصوير
ونشر سالم بن محمد الرواحي، زنجبار، نسخة لدى الباحث.
الزواري أبو زيدت عبد الرحمن بن سليمان (مجهول التاريخ)
60 الديوان المعروض من قول قتادة (مخ) ضمن مجموع جمعه عبد الرحمن الزواري، المكتبة البارونية جربة، تونس، رقم 111، صورة لدى
الباحث.
61 - الوصايا والرقبة والسكنى والعمرى والشفعة (فتاوي لبعض أئمة الإباضية المتقدمين)، (مخ) ضمن مجموع جمعه عبد الرحمن الزواري، المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم،111، صورة لدى الباحث.
62 كتاب العمال مما اتفق عليه علماء الإباضية (كتاب الممتنعين من الحدود)، مجموعة روايات وفتاوي لعلماء الإباضية المتقدمين، جمع عبد الرحمن الزواري، مخ مج، مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، رقم 24، بني يسجن، الجزائر، صورة لدى الباحث.
السدويكشي أبو ستة محمد بن عمر القصبي (1678/ 1088): 63 - حاشية أبي ستة على مختصر العدل والإنصاف (مخ)، مكتبة الحاج
سعيد محمد، غرداية الجزائر، (د. ر)، لدى الباحث صورة منها. 64 أجوبة أبي ستة، (مخ) ضمن مجموع، مكتبة أوزكري، بني يسجن،
غرداية، الجزائر، رقم ح 99.
65 - حاشية أبي ستة على رسالة تلميذه علي بن سالم بن بيان الجربي
في التوحيد، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، غيزن جربة، تونس، (د. ت).
السعدي جميل بن خميس بن لافي (ق 19/ 13) (1/655)
صفحة 656
علوم السنة عند الإباضيه
638
66 - قاموس الشريعة (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي،
المضيرب، سلطنة عمان (د. ر).
السليمي أبو عبيد حمد بن عبيد بن مسلم (1968/ 1390):
67 - مشكاة الأصول، (مخ)، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
رقم 53 ب فقه.
السليمي أبو محمد عبد الله بن محمد ابن بركة (ق 10/ 4) 68 - تقييدات ابن بركة، مخ (مج)، مكتبة الشيخ صالح بن عمر
م 82.
69 سيرة الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
70 - كتاب التقييد (مخ)، مكتبة السالمي، بدية سلطنة عمان، رقم 20
لدى الباحث صورة منه.
71 - كتاب المبتدأ، (مخ)، مكتبة الشيخ صالح بن عمر لعلي، بني يسجن،
الجزائر، رقم م 137، بيد الباحث صورة منه.
72 - كتاب الموازنة، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
السمائلي بن النضر احمد بن سليمان بن عبد الله (1291/ 690):
73 - لامية ابن النظر، (مخ)، مكتبة سالم بن حمد الحارثي، المضيرب،
عمان، د. ت لدى الباحث صورة منها.
السوفي أبو عمرو عثمان بن خليفة المار غني (ق 12/ 6): المارغني (ق 12/ 6):
74 - رسالة في بيان الفرق، (مخ)، مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية،
الجزائر، رقم 76.
75 - كتاب السؤالات، (مخ)، مكتبة جمعية أبي إسحاق، غرداية
الجزائر، د. ر، لدى الباحث صورة منها.
السيجاني هاشم بن غيلان (ق 8/ 2):
76 - مسائل عن هاشم بن غيلان مخ ضمن مجموع مكتبة الاستقامة
ببني يسجن بالجزائر، (د. ر). (1/656)
صفحة 657
الشماخي
علوم السنة عند الإباضيه
أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (1522/ 928)
639
77 - الرد على الغدامسي، (مخ) ضمن مجموع، مكتبة، إروان العطف
الجزائر، د. ر، لدى الباحث صورة.
78 رفع التراخي شرح مختصر الشماخي (مخ)، مكتبة الحاج سعيد
محمد غرداية الجزائر، رقم 6.
العماني شبيب بن عطية (ق 8/ 2)
العوتبي
79 - سيرة شبيب بن عطية، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
أبو المنذر سلمة بن مسلم الصحاري (ق 11/ 5) 80 كتاب الأنساب، (مخ)، دار الكتب المصرية، القاهرة، قسم التاريخ
رقم 53891.
الفراهيدي أبو عمرو الربيع بن حبيب (787/ 170):
81 آثار أو فتيا الربيع عن ضمام عن جابر بن زيد (مخ) ضمن
مجموع، المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم،42، صورة لدى الباحث. 82 مسائل سئل عنها الربيع بن حبيب، (مخ)، مكتبة الشيخ صالح بن
عمر لعلي، بني يسجن، غرداية، الجزائر، رقم ب 47.
الفرسطائي أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي (504/ 1110): 83 - كتاب الألواح، (مخ)، مكتبة الحاج سعيد غرداية، الجزائر، د. ر،
صورة لدى الباحث.
الفزاري عبد الله بن يزيد (ق 9/ 3):
84 - مسائل مستاوة، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، غيزن، جربة،
تونس، (د. ر).
القدمي أبو المؤرج عمر بن محمد (ق 8/ 2):
85 كتاب الصيام روايات أبي المؤرج وغيره، (مخ) ضمن مجموع
المكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم،42 صورة لدى الباحث. (1/657)
صفحة 658
علوم السنة عند الإباضيه:
640
القرشي الرحيلي محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة (ق 8/ 2) 86 - سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عُمان، (مخ) ضمن مجموع
السير العمانية.
القري أبو الحواري محمد بن الحواري (886/ 272):
87 - الرواية وكنز الغناية في منتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسيـ خمسمائة آية (مخ) مصورة دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، لبنان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1394 هـ، 1974 م. 88 سيرة أبي الحواري، (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
-
القلهاتي الأزدي أبو عبد الله محمد بن سعيد (ق 12/ 6): 89 الكشف والبيان، (مخ) مكتبة الشيخ صالح بن عمـ
يسجن، الجزائر، رقم 32 ك.
القنوبي سعيد بن مبروك (معاصر):
العلم
90 مقدمات في علوم الحديث، (مخ)، بيد الباحث صورة منه. الكدمي الناعبي أبو سعيد محمد بن سعيد (حي في 886/ 272): سعيد (حي): 91 - التعقيب على كتاب الأشراف، (مخ)، مكتبة الشيخ السالمي، بدية،
سلطنة عمان، رقم 9
الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسي (1162/ 557): 2 - التخصيص (مخ) مكتبة سالم بن حمد الحارثي، (د. ت)، صورة لدى
الباحث.
الكندي أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي (ق 10/ 4): 93 كتاب سيرة الشيخ محمد بن روح ((مخ)، مكتبة السالمي، بدية،
سلطنة عمان، رقم 3
المساكني عمروس بن فتح النفوسي (897/ 283):
94 - الرد على الناكثة، (مخ) ضمن مجموع مكتبة الشيخ صالح بن عمر
لعلي، بني يسجن الجزائر، رقم،192، صورة لدى الباحث. (1/658)
صفحة 659
علوم السنة عند الإباضيه:
المصعبي محمد بن الحاج أبي القاسم (1717/ 1129):
641
95 جواب أبي القاسم على بعض الطاعنين، (مخ) مكتبة الحاج سعيد،
غرداية، الجزائر، رقم،13.12، 19 ضمن مجموع.
المصعبي يوسف بن محمد (1774/ 1187):
96 - حاشية المصعبي على مختصر العدل (مخ)، مكتبة جمعية أبي
إسحاق، غرداية الجزائر، د. ر، لدى الباحث صورة.
97 - رد يوسف المصعبي على أحد المخالفين، (مخ) ضمن مجموع،
مكتبة إروان العطف الجزائر، د. ر، صورة لدى الباحث.
الملشوطي، تبغورين بن عيسى (ق 12/ 6): 98 - الأدلة والبيان (مخ) ضمن مجموع مكتبة السالمي، بدية سلطنة
عمان، رقم 2، لدى الباحث صورة.
المليكي أبو مهدي عيسى بن إسماعيل (1564/ 971):
99 جواب أبي مهدي على رسالة أهل عُمان، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم
بن يعقوب، غيزن، جربة، تونس، در صورة لدى الباحث. 100 جواب أبي مهدي على سؤال أبي علي البهلولي، (مخ (مج)، مكتبة
الحاج سعيد، غرداية، الجزائر، رقم 13.
المنحي نجاد بن موسى (1120/ 513)
101 - كتاب الأكلة وحقائق الأدلة، (مخ)، مكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، د. ر، المضيرب، سلطنة عمان، لدى الباحث صورة. النزوي صالح بن عمر (ق 16/ 9):
102 - قواعد الهداية في تفسير الأية والرواية والإجماع من أهل الهداية (أو) سقط الزند)، (مخ)، مكتبة السالمي، بدية سلطنة عمان، رقم 14. الوارجلاني إبراهيم بن صالح بابا حمو أعزام (1965/ 1384):
103 - كتاب غصن البان في تاريخ و ارجلان، (مخ) مكتبة أبي معقل،
وارجلان الجزائر، (د. ر) + (مخ) مكتبة الحاج سعيد بن محمد، غرداية (د. ر). (1/659)
صفحة 660
علوم السنة عند الإباضيه:
642
الوسياني أبو الربيع سليمان بن عبد السلام ابن حسان (حي في 1162/ 557):
103 - سير المشائخ (صورة (مخطوط)، مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر، مصورة من مكتبة كاراكوف، ببولونيا رقم 00277، + نسخه مخطوطة بالمكتبة البارونية، جربة، تونس، رقم 1.
الويراني قاسم بن يحيى (1663/ 1073)
104 - شرح قاسم على متن أبي يعقوب الوارجلاني، (مخ) ضمن مجموع مكتبة الشيخ سالم بن يعقوب، جربة، تونس، د. ر.
اليحمدي راشد بن سعيد (1054/ 445):
105 - سيرة الإمام راشد بن سعيد (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
لعلي صالح بن عمر بن داود (1928/ 1347): 106 وصية الشيخ صالح بن عمر لعلي للعزابة، (مخ)، محفوظة في مكتبته، بني يسجن، غرداية، الجزائر، (د. ر)، لدى الباحث صورة منها. مجوعة علماء من أهل المغرب
107 سيرة من أهل المغرب إلى الإمام الصلت بن مالك، (مخ) ضمن
مجموع السير العمانية.
مؤلف مجهول
108 رسالة بعنوان باب ذكر من اقتدينا، (مخ (مج)، المكتبة البارونية،
الحشان، جربة، تونس، رقم م 63، (د. تر).
-109 - رسالة من آثار المسلمين (مخ) ضمن مجموع السير العمانية.
ثالثا: المطبوعات
أ- المصادر والمراجع العامة:
ابن إسماعيل محمود (معاصر):
-110 - قضايا في التاريخ الإسلامي منهج وتطبيق، ط 2، مطبعة النجاح الجديدة، نشر دار الثقافة الدار البيضاء، المغرب، 1401 هـ، 1981 م.
ابن الجنيد أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الختلي (874/ 260): (1/660)
صفحة 661
علوم السنة عند الإباضيه
643
-111 - سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين تح: أحمد محمد نور سيف،
"
ط 1، مكتبة الدار المدينة المنورة، 1408 هـ، 1988 م. ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (1201/ 597): 112 العلل المتناهية، تح خليل الميس، ط 1، دار الكتب العلمية
بيروت، لبنان، 1403 هـ.
113 - غريب الحديث، تح: عبد المعطي أمين قلعجي، ط 1، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، 1405 هـ، 1985 م.
114 نواسخ القرآن، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ.
ابن النديم أبو الفرج محمد بن إسحاق (996/ 385):
115 الفهرست، دار المعرفة، بيروت، 1398 هـ، 1978 م.
ابن باجيه صالح (معاصر)
116 الإباضية بالجريد، ط 1، دار بو سلامة للطباعة والنشر والتوزيع
تونس، 1396 هـ، 1976 م.
ابن جماعة محمد بن إبراهيم بن جماعة (1033/ 733):
117 - المنهل الروي، تح: محي الدين عبد الرحمن رمضان، ط 2، دار
الفكر، دمشق، 1406 هـ.
ابن جميع أبو حفص عمرو (ق 12/ 7):
118 - عقيدة العزابة، تح عمر بن احمد، بازين ط 2، المطبعة العربية،
غرداية، الجزائر، 1421 هـ، 2000 م.
ابن خلفون أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي (ق 12/ 6)
(د. ت).
119 أجوبة ابن خلفون، تح عمرو خلفية النامي، دار الفتح، بيروت،
ابن رزيق حميد بن محمد بن بخيت (1858/ 1275)
120 - الشعاع الشائع، تح عبد المنعم عامر، نشر وزارة التراث القومي،
سلطنة عمان، 1978 م. (1/661)
صفحة 662
علوم السنة عند الإباضيه:
ابن سلام لواب بن سلام (887/ 273):
644
121 - بدء الإسلام وشرائع الدين، تح الشيخ سالم بن يعقوب والمستشرق فيريز شفارتس، مطابع دار صادر، بيروت: 1986.
ابن عساكر علي بن حسن بن هبة الله (1156/ 571):
1995 م.
122 - تاريخ مدينة دمشق، تح محب الدين، العمري، دار الفكر، بيروت،
ابن عطية أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي (1146/ 541):
123 - "تفسير ابن عطية "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تح: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، السيد عبد العال السيد إبراهيم، محمد الشافعي العناني، ط 1 مؤسسة دار العلوم، قطر الدوحة، 1402 هـ -1982 م.
ابن فتى جناو، ابن خلف عبد القهار (ق 9/ 3)
124 أجوبة علماء فزان المجموعة الأولى، تح: عمرو خلفية النامي
إبراهيم محمد طلاي، 1411 هـ، 1991 م.
ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن كثير (1372/ 747)
أحمد
125 - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، شرح شاکر، تحقيق وتعليق ناصر الدين الألباني، علي بن حسن الأثري الحلبي، ط 1، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض السعودية، 1415 هـ. 126 البداية والنهاية، ط 9، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، 1414 هـ،
1994
127 - تفسير القرآن العظيم، ط 4، مؤسسة الريان، لبنان، بيروت،
1418 هـ، 1998 م.
ابن محمد محفوظ (معاصر)
-128 - تراجم المؤلفين التونسين دار الغرب الإسلامي، بيروت،
1982
ابن مداد عبد الله بن مداد النزوي (ق 17/ 12): (1/662)
صفحة 663
علوم السنة عند الإباض
645
1984
129 - سيرة ابن، مداد نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
ابن معين أبو زكريا يحيى بن معين (845/ 230):
130 التاريخ برواية الدوري، تح: أحمد محمد نور سيف، نشر مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز، ط 1،
1399 هـ، 1979 م. 131 من كلام أبي زكريا في الرجال، تح: أحمد محمد نور سيف، دار المأمون للتراث، دمشق، 1400 هـ.
ابن مندة محمد بن إسحاق بن محمد (1005/ 395):
132 شروط الأئمة، تح: عبد الرحمن عبد الجبار الفريائي، ط 1، دار
-
المسلم، الرياض، السعودية،1414 هـ.
اطفيش قطب الأئمة محمد بن يوسف المصعبي (1914/ 1332): 133 الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، ط 2،،، مكتبة الضامري،
سلطنة عمان، 1419 هـ،1998 م.
134 - المدونة الكبرى، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان
1404 هـ، 1984 م
135 - تيسير التفسير، تح إبراهيم بن محمد طلاي، المطبعة العربية
غرداية، الجزائر، 1422 هـ، 2001 م.
136 - جامع الشمل في حديث خاتم الرسل المطبعة الشرقية، مطرح، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1412 هـ، 1992 م 137 رسالة محمد بن يوسف اطفيش لبعض علماء عُمان في الرد على الصفرية والأزارفة، طبعة حجرية طبعه داود بن إبراهيم اليسجني، 1314 هـ،
بيد الباحث صورة منه.
138 - شامل الأصل والفرع، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة
عُمان، 1404 هـ، 1984 م. (1/663)
صفحة 664
علوم السنة عند الإباضيه:
646
139 شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مطبعة أمون للتجليد والطباعة
القاهرة، مصر، نشر وزارة التراث القومى والثقافة بسلطنة عمان، 1406 هـ 1986 م + طبعة مكتبة الإرشاد، جدة، 1985.
140 وفاء الضمانة بأداء الأمانة فى فن الحديث، ط 2، مطبعة عمان ومكتبتها، القرم، مسقط، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان
1988/ 1409
أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني (1683/ 1094):
141 - كليات أبي البقاء، تصحيح عدنان، درويش محمد المصري، ط 2،
دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، 1413 هـ، 1992 م.
أبو الحسين عبد الله بن قانع (963/ 351):
142 - معجم الصحابة، تح صلاح بن سالم المصراتي، ط 1، مكتبة
الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، 1418 هـ.
أبو السعود محمد بن محمد العمادي (1545/ 951):
143 - تفسير أبي السعود، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د. ت).
أبو زهرة محمد بن أحمد (1974/ 1394):
144 - أصول الفقه، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، (دت).
أبو زهو محمد محمد (معاصر)
145 - الحديث والمحدثون، مطبعة، مصر، نشر دار الفكر العربي، القاهرة،
مصر، (د. ت).
أبو شهبة محمد بن محمد (معاصر):
(د. ت).
146 - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، دار الفكر العربي، القاهرة،
أبو قحطان خالد بن قحطان (ق 9/ 3)
147 سيرة أبي قحطان (ضمن السير والجوابات لمجوعة علماء وأئمة
عمان، تح سيدة إسماعيل كاشف، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1406 هـ، 1986 م. (1/664)
صفحة 665
علوم السنة عند الإباضيه
الآبادي محمد شمس الحق العظيم (1911/ 1329):
647
148 عون المعبود شرح سنن أبي داود، ط 2، دار الكتب العلمية،
بيروت، 1995 م.
الأحدب خلدون (معاصر):
149 - أسباب اختلاف المحدثين، ط 2، الدار السعودية للنشر والتوزيع،
جدة، السعودية، 1407 هـ، 1987 م.
الإزكوي ابن جعغر أبو جابر محمد بن جعفر (حي في 891/ 277): 150 جامع ابن جعفر، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، نشر وزارة
التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان (د. ت).
الأزدي أبو الشعثاء جابر بن زيد (712/ 93):
151 - من جوابات الإمام جابر بن زيد ترتيب سعيد خلف الخروص ط 2، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1984 م. الأصبهاني ابن فورك أبو بكر محمد بن الحسن (1016/ 406): 152 مشكل الحديث وبيانه تح موسى محمد علي، ط 2، عالم الكتب،
بيروت، لبنان، 1985 م.
الأصبهاني أبو نعيم، أحمد بن عبد الله (1039/ 430):
153 حلية الأولياء، ط 4، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405 هـ.
الأصفهاني أبو الفرج. علي بن الحسين (967/ 356):
153 الأغاني، مطبعة التقدم، القاهرة (د. ت)
الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد (1109/ 502):
154 - المفردات في غريب القرآن، تح محمد سيد كيلاني، دار المعرفة
بيروت، لبنان (د. ت)
الأصم أبو عبد الله عثمان بن أبي عبد الله (1137/ 631):
156 - البصيرة، مطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر، روي، سلطنة
عمان، 1984 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان
،1404 هـ،،1984 م. (1/665)
صفحة 666
علوم السنة عند الإباضيه:
648
157 - كتاب النور، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، مصر، نشر
وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1404 هـ، 1984 م. الأعظمي محمد ضياء الرحمن (معاصر): 158 دراسات في الجرح والتعديل، ط 1، عالم الكتب، بيروت، لبنان،
1415 هـ، 1995 م.
الألوسي البغدادي أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود (1854/ 1270). 159 - روح المعاني، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان، (د. ت).
الآمدي أبو الحسن علي بن محمد (1233/ 630)
160 - الأحكام، تح سيد الجميلي، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت،
1404 هـ.
الأيوبي ياسين الهواري صلاح الدين (معاصران):
161 - شرح المعلقات العشر، ط 1، عالم الكتب، لبنان.
بيروت، 1415 هـ، 1995 م.
الباروني سليمان بن عبد الله بن يحيى (باشا) (1940/ 1359):
162 - الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، تح محمد علي
الصليبي، المطابع العالمية، روي، سلطنة عمان، نشر وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، 1407 هـ، 1987 م.
الباروني عبد الله بن يحيى (1914/ 1332):
163 - رسالة سلم العامة والمبتدئين في معرفة أيمة الدين، تح: سليمان
بن عبد الله الباروني، مطبعة النجاح، 1342 هـ، 1906. البجاوي علي محمد أحمد، محمد أبو الفضل (معاصرون):
164 أيام العرب في الجاهلية، دار إحياء التراث العربي، بيروت،
1361 هـ، 1942 م.
البخاري أبو عبد الله محمد بن اسماعيل (870/ 256):
165 - التاريخ الكبير، تح: السيد هاشم الندوي، دار الفكر، (د. ت) (1/666)
صفحة 667
علوم السنة عند الإباضيه
649
166 - التاريخ الصغير، تح محود إبراهيم زايد، ط 1، مكتبة دار الوعي،
حلب والقاهرة، 1397 هـ، 1977 م.
البرادي أبو القاسم بن إبراهيم (حي في 1407/ 810):
167 الجواهر المنتقاة لما أخل به كتاب الطبقات، طباعة حجرية طبع
بعناية محمد بن يوسف الباروني وسليمان بن مسعود المجدلي، مصر، سنة
1302 هـ.
168 رسالة الحقائق، طبعة حجرية ضمن مجموع في الجزائر، (د. ت).
البركتي محمد عميم الإحسان (معاصر):
•2003
169 - التعريفات الفقهية، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1424 هـ،
البستي التميمي ابن حبان محمد بن حبان بن أحمد (965/ 354):
170 المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، مراجعة محمود
إبراهيم زايد دار الوعي حلب سورية، 1396 هـ. 171 - كتاب الثقات، ط 1، دائرة المعارف العثمانية، 1399 هـ، 1979 م.
البسيوي أبو الحسن علي بن محمد (ق 10/ 4)
172 جامع أبي الحسن البسيوي، دار جريدة عمان للصحافة والنشر،
نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عُمان، 1404 هـ، 1984 م. البصري أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب (1045/ 436):
173 المعتمد، تحقيق خليل الميس، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت،
لبنان، 1403 هـ.
البطاشي سيف بن حمود بن حامد (1999/ 1420):
174 اتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ط 1 1413 هـ
/1992 م، مطابع النهضة، سلطنة عُمان.
البطاشي محمد بن شامس (1998/ 1420):
175 - سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب، نشر وزارة التراث
القومي، (د. ت). (1/667)
صفحة 668
علوم السنة عند الإباضيه
البطليوسي عبد الله بن محمد بن السيد (1128/ 521):
650
176 - الإنصاف في مسائل الخلاف تح محمد رضوان الداية، ط 2، دار
الفكر، بيروت، 1403 هـ.
البغدادي الخطيب أحمد بن علي بن ثابت (1071/ 463):
177 - الجامع لأخلاق الراوي والسامع تح محمود الطحان، مكتبة
المعارف، الرياض، 1403 هـ.
178 - الكفاية في علوم الرواية، تح: أبو عبد الله السورقي، إبراهيم
حمدي المدني المكتبة العلمية، المدينة المنورة، (د. ت).
البغدادي ابن شاهين عمر بن احمد (996/ 385): 179 تاريخ أسماء الثقات، الدار السلفية، الكويت، 1404 هـ، 1984 م 180 - ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه، تح: حماد بن محمد
الأنصاري، ط 1، مكتبة أضواء السلف الرياض السعودية، 1419 هـ. البوسعيدي أبو زهير مهنا بن خلفان بن محمد (1835/ 1250) 181 - كتاب لباب الآثار، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة
عمان، 1984 م.
البيقوني طه بن محمد فتوح (1669/ 1080):
182 - منظومة البيقوني، تح فواز أحمد زمرلي، ط 4، دار الكتاب
العربي، بيروت، لبنان، 1417 هـ.
الترمذي أبو عيسى محمد بن عيسى (893/ 279):
183 العلل الصغير، تح: أحمد محمد شاكر وأخرون، دار إحياء التراث
العربي، بيروت، (د. ت).
التلاتي عمرو بن رمضان الجربي (1747/ 1187):
184 - روضة المشتاق على زهرة الإشراق المطبعة العربية، غرداية،
الجزائر، (د. ت).
الثميني ضياء الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله (1808/ 1223): 185 كتاب النور، المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1981 م. (1/668)
صفحة 669
علوم السنة عند الإباضيه
651
186 التاج على المنهاج نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة
عمان، 2003 م.
الجربي سالم بن يعقوب (1988/ 1408):
187 تاريخ جزيرة جربة، دار الجويني للنشر، تونس، 1986/ 1406.
أحمد الجرجاني ابن عدي بن عبد الله بن عدي (976/ 365): 188 - الكامل في ضعفاء الرجال، تح يحيى مختار الغزاوي، ط 3، دار
الفكر، بيروت، 1409 هـ، 1988 م.
الجرجاني أبو الحسن علي بن محمد (1417/ 819):
189 - التعريفات فهرسة محمد باسل، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت،
لبنان، 1421 هـ، 2000 م.
الجزري ابن الأثير أبو الحسن علي محمد بن محمد الشيباني (1233/ 630): 190 - أسد الغابة في معرفة الصحابة، تح علي محمد معوض، عادل أحمد موجود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، توزيع مكتبة الباز بمكة المكرمة (د. ت).
191 الكامل في التاريخ، تصحيح محمد يوسف الدقاق، ط 2، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1995 م.
192 - اللباب في تهذيب الأنساب، دار صادر، بيروت، 1400 هـ. الجزري ابن الأثير أبو السعادات المبارك بن محمد (1210/ 606): 193 جامع الأصول من أحاديث الرسول، تصحيح محمد حامد الفقـ
ط 1، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1368 هـ، 1948 م 194 - النهاية في غريب الأثر، تح طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد
طناحي، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان، 1399 هـ.
الجعبيري فرحات بن علي (معاصر):
195 - البعد الحضاري للعقيدة الإباضية مطبعة الألوان الحديثة،
1408 هـ، 1987 م. (1/669)
صفحة 670
علوم السنة عند الإباضيه:
652
196 - نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المطبعة العصرية، نشر المعهد القومي للآثار والفنون المكتبة التاريخية، تونس، 1975. أبو زكريا يحيى بن الخير (ق 11/ 5):
الجناوني
197 كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه، تعليق إبراهيم اطفيش، دار بو سلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، (د. (ت).
الجوزجاني أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب (873/ 259):
198 أحوال الرجال، تح: صبحي البدري السامرائي، ط 1، مؤسسة
الرسالة، بيروت، لبنان، 1405 هـ.
الجيطالي أبو طاهر إسماعيل بن موسى (1350/ 750):
199 - قواعد الإسلام، تح بكلى عبد الرحمن بن عمر، ط 3، مكتبة
الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان 1416 هـ، 1995 م تح: حاج موسى بشير المطبعة العربية، ط 1، 1418 هـ،
1998
6
200 كتاب قناطر الخيرات القنطرة الثالثة: قنطرة الصلاة ووظائفها من
الطهارات)، تح: طلبة قسم الشريعة بمعهد عمي سعيد بغرداية بالجزائر، ط 1، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1419 هـ، 1998 م.
الحارثي سالم بن حمد (معاصر):
201 - العقود الفضية في أصول الإباضية دار اليقظة العربية بسورية
ولبنان، (د. ت).
الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري (1015/ 405):
202 - معرفة علوم الحديث، تح: السيد معظم حسين، ط 2، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، 1397 هـ.
الحراني ابن تيميه أحمد بن عبد الحليم (1328/ 728):
203 المسودة، تح محمد صبحي الدين عبد الحميد، دار المدني، تح: محمد
القاهرة.
الحربي
أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق (899/ 285): (1/670)
صفحة 671
علوم السنة عند الإباضيه
653
204 - غريب الحديث، تح سليمان إبراهيم محمد العائد، ط 1، جامعة أم
القرى، مكة المكرمة، 1405 هـ.
الحضرمي أبو إسحق إبراهيم بن قيس بن سليمان (ق 11/ 6):
205 مختصر الخصال دار نوبار للطباعة، نشر وزارة التراث القو
والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1404 هـ/1984 م.
الحضرمي وائل بن أيوب (808/ 192):
206 - صفة الإسلام (مطبوع ضمن جامع ابن جعفر) مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان (د. ت). الحميدي الأزدي محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله (1057/ 488): 207 - تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم، تح: زبيدة محمد
سعيد، ط 1، مكتبة السنة القاهرة، مصر، 1415 هـ، 1995 م. الحنبلي ابن رجب (1393/ 795)
208 - شرح علل الترمذي، تح: همام عبد الرحيم سعيد، ط 1، مكتبة
المنار، الزرقاء، الأردن، 1407 هـ.
الحيلاتي سليمان بن أحمد (1689/ 1099):
2019 رسائل الشيخ سليمان الحيلاتي (علماء جربة)، تح: محمد قوجه،
ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998 م. الخراساني أبو غانم بشر بن غانم (ق 8/ 2)
210 - المدونة الصغرى، أمون للتجليد والطباعة القاهرة، مصر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1404 هـ، 1984 م. الخروصي أبو المؤثر الصلت بن خميس (892/ 278):
211 سيرة أبي المؤثر، مطبوعة ضمن السير والجوابات، تح: سيدة
إسماعيل كاشف، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، نشر وزارة التراث
القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1406 هـ، 1986 م. (1/671)
صفحة 672
علوم السنة عند الإباضيه
654
الخصيبي محمد بن راشد بن عزيز (معاصر):
212 شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان، ط 2، والثقافة
المطبعة الوطنية، روي، سلطنة عُمان، نشر وزارة التراث القومي
?1989.
الخطابي البستي حمد بن محمد بن إبراهيم (998/ 388):
213 - إصلاح غلط المحدثين، تح محمد علي عبد الكريم الرديني، ط 1،
دار المأمون للتراث، دمشق، 1407 هـ.
214 معالم السنن دار المعرفة (د. ت).
الخطيب محمد عجاج (معاصر)
215 أصول الحديث، علومه ومصطلحه دار الفكر، بيروت، لبنان،
1409 هـ،1989 م.
216 - السنة قبل التدوين دار الفكر، بيروت، لبنان، 1988 م.
الخليلي أبو سليمان أحمد بن حمد بن سليمان:
217 الحق الدامغ، مطابع النهضة، مسقط، 1409 هـ.
218 الفتاوى الكتاب الأول)، مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة، نشر دار الأجيال، روي، سلطنة عمان، 1423 هـ، 2003 م. -219 - زكاة الأنعام، ط 1، مكتبة، الإستقامة، روي، مسقط، سلطنة عمان،
1423 هـ، 2003 م. الخليلي
أبو محمد سعيد بن خلفان بن أحمد (1871/ 1287): -219 تمهيد قواعد الإيمان، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1407 هـ، 1987 م.
الخليلي أبو يعلى الخليل بن عبد الله القزويني (1054/ 446): 220 - الإرشاد، تح محمد سعيد عمر إدريس، ط 1، مكتبة الرشد، الرياض، السعودية، 1409 هـ (1/672)
صفحة 673
علوم السنة عند الإباضيه:
الدارقطني أبو الحسن علي بن أحمد (996/ 385):
655
221 العلل الواردة في الأحاديث النبوية، تح محفوظ الرحمن زين الله
السلفي، ط 1، دار طيبة، الرياض، السعودية 1405 هـ، 1985 م.
دبوسي
أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسي (1039/ 430):
222 - تقويم الأدلة في أصول الفقه، تح خليل محي الدين الميس، ط 1،
دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 هـ، 2001 م.
الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد (1272/ 670):
223 طبقات المشايخ بالمغرب: تح إبراهيم طلاي، مطبعة البعث:
قسنطينة، الجزائر، (د. ت).
الدينوري ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم (890/ 276):
224 - الإمامة والسياسة، تح علي شيري، ط 1، دار الأضواء، بيروت،
لبنان، 1410 هـ، 1990 م.
225 - غريب الحديث، تح: عبد الله الجبوري، ط 1، مطبعة العاني، بغداد،
1397 هـ.
الذهبي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن احمد (1348/ 748): 226 - الموقظة في علم مصطلح الحديث، تح عبد الفتاح أبو غدة، ط 1،
:
دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، 1405 هـ. 227 - تذكرة الحفاظ تح عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1374 هـ. 228 ذكر من تكلم فيه وهو موثوق، تح محمد شكور أمرير المياديني، ط 1، مكتبة المنار، الزرقاء، الأردن، 1406 هـ -229 - سير أعلام النبلاء (سير الخلفاء الراشدين تح: بشار عواد
معروف، ط 2، مؤسسة الرسالة، 1418 هـ،1997 م.
230 ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ط 1، دار الكتب العلمية بيروت
لبنان، 1995 م.
الرازي الجصاص أبو بكر أحمد بن علي (982/ 370): (1/673)
صفحة 674
علوم السنة عند الإباضيه:
656
أ 231 - حكام القرآن تح محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث، بيروت، 1405 هـ.
الرازي أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد الحنظلي (939/ 327): 232 - علل الحديث: تح محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت،
لبنان، 1405 هـ.
233 كتاب الجرح والتعديل مصورة ط 1، دائرة المعارف العثمانية
الدكن، الهند، (د. ت).
الرازي محمد بن عمر بن الحسين (1210/ 606):
234 المحصول تح طه جابر فياض العلواني، ط 1، جامعة الإمام
محمد بن سعود، 1400 هـ.
الراشدي مبارك بن عبد الله (معاصر):
235 - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه، مكتبة الضامري للنشر
والتوزيع، سلطنة عمان، 1995 م.
الرافعي القزويني عبد الكريم بن محمد (1226/ 623)
236 التدوين في أخبار قزوين تح عزيز الله العطاري دار الكتب
العلمية، بيروت، 1987.
الرامهرمزي الحسن بن عبد الرحمن (971/ 360):
237 - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي تح محمد عجاج الخطيب،
ط 3، دار الفكر، بيروت، لبنان 1404 هـ، 1984 م. الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (824/ 208):
238 - كتاب مسائل نفوسة، تح إبراهيم بن محمد طلاي، المطبعة
العربية غرداية الجزائر، (د. ت).
الرواحي أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم (1911/ 1329):
239 ديوان أبي مسلم، تح عبد الرحمن الخزندار، نشر صالح بن عيسي
الحارثي، مطابع دار المختار 1406 هـ، 1986 م. (1/674)
صفحة 675
علوم السنة عند الإباضيه:
657
الزرعي ابن القيم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب (1351/ 751) 240 حاشية ابن القيم، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
1415 هـ، 1995.
241 - نقد المنقول، تح: حسن السماعي السويدان، ط 1، دار القادري،
بيروت، لبنان، 1411 هـ، 1991 م.
الزركشي بدر الدين (1349/ 794)
242 - الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة، تح: سعيد الأفغاني،
ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت، 1394 هـ.
الزركلي خير الدين (معاصر)
243 - الأعلام) قاموس تراجم الأشهر الرجال والنساء)، ط 7، دار العلم
للملايين، بيروت، لبنان، 1986.
الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمر (1089/ 538):
244 الفائق، تح علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، ط 2،
دار المعرفة، لبنان، (د. ت).
(د. ت)
245 الكشاف، تح: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث، بيروت،
الزهري محمد بن سعد بن منيع (كان حيا في:1837/ 1253): 246 - الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، (د. ت).
السابعي ناصر بن سليمان (معاصر):
247 - الخوارج والحقيقة الغائبة، ط 2، مطابع النهضة، نشر مكتبة الجيل
الواعد، سلطنة عمان، 1424 هـ، 2003 م.
السالمي نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد (1914/ 1332):
248 جوهر النظام، تصحيح أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، مطبعة النصر،
1394 هـ.
249 - اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، مطابع سجل العرب، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1983 م. (1/675)
صفحة 676
علوم السنة عند الإباضيه
658
250 تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، تصحيح وتعليق: اطفيش أبو
إسحاق إبراهيم، ط 2، مطبعة الشباب، القاهرة: 1250 هـ.
251 شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، تقديم عز
الدين التنوخي، مكتبة الاستقامة، سلطنة عُمان، (د. ت).
252 - شرح طلعة الشمس، ط 2، المطبعة الشرقية، مطرح، سلطنة عمان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1405 هـ، 1985 م. 253 شمس الأصول، ط 1، مكتبة الضامري، السيب، سلطنة عمان،
1423 هـ، 2003 م.
254 مشارق أنوار العقول، تعليق احمد بن حمد الخليلي، تح: عبد المنعم
العاني، ط 1، دار الحكمة دمشق، سوريا، 1416 هـ، 1993 م.
255 - معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تح: محمد محمود إسماعيل، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان
1403 هـ،1983 م
256 - منظومة كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، ط 2، مكتبة الضامري،
السيب، سلطنة عمان، 1423 هـ، 2003 م.
السامي أبو محمد الفضل بن الحواري (892/ 278):
257 - جامع الفضل بن الحواري، مطابع سجل العرب، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1406 هـ، 1985 م. السباعي مصطفى (معاصر):
258 - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ط 4، المكتب الإسلامي،
بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1995 م.
السبكي علي بن عبد الكافي (1355/ 756)، السبكي عبد الوهاب بن
علي (1360/ 771):
259 - الإبهاج شرح المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
1416 هـ، 1995 م. (1/676)
صفحة 677
علوم السنة عند الإباضيه
السجستاني أبو بكر محمد بن عزيز (942/ 330):
659
260 غريب القرآن، تح محمد أديب عبد الواحد جمران، دار ابن قتيبة،
1416 هـ، 1995 م.
السجستاني أبو داود سليمان بن الأشعث (889/ 275):
(د. ت).
261 رسالة أبي داود: تح محمد الصباغ دار العربية، بيروت،
السخاوي محمد بن عبد الرحمن (1496/ 902): 262 فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، مطبعة لكنو، الهند، 1303 هـ. السدويكشي أبو ستة محمد بن عمر القصبي (1678/ 1088):
263 حاشية أبي ستة على كتاب القواعد تح بشير موسى الحاج،
6
مطبوع مع الأصل قواعد الإسلام للجيطالي، ط 1، المطبعة الغربية، غرداية،
الجزائر، 1422 هـ، 2001 م.
264 حاشية الترتيب، تح إبراهيم طلاي مطابع دار البعث، قسنطينة،
الجزائر، (د. ت).
265 حاشية كتاب الأحكام، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية،
سلطنة عمان، (د. ت).
266 حاشية كتاب الوضع، طبعة حجرية، لدى الباحث صورة منها. السدو يكشي أبو محمد عبد الله بن سعيد بن أحمد بن عبد الملك (1658/ 1068): 267 - حاشية على كتاب الإيضاح، طبعة دار الفتح (مع الإيضاح)،
(د. ت).
السرخسي أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل (1097/ 490): 268 أصول السرخسي، دار المعرفة، بيروت، (د. ت).
السقاف حسن بن علي (معاصر):
269 صحيح شرح العقيدة الطحاوية، ط 2، دار النووي، عَمَّان، الأردن،
1419 هـ، 1998 م.
السليمي ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد البهلوي (ق 10/ 4) (1/677)
صفحة 678
علوم السنة عند الإباضيه
660
270 - كتاب الجامع، تح عيسى يحيى الباروني، المطبعة الشرقية ومكتبتها، سلطنة عمان، مطرح، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة
عمان، (د. ت).
1984
271 - كتاب التعارف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، 1404 هـ،
السمعاني أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار (1096/ 489):
272 - قواطع الأدلة، تح: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية،
بيروت، لبنان، 1418 هـ، 1997.
السوفي أبو عمرو عثمان بن خليفة المارغني (ق 12/ 6):
273 رسالة في فرق النكار الست وما زاغت به عن الحق وبعض الفرق الأخرى، تح ونيس عامر، ط 1، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، 2002 م. السيابي خلفان بن جميل (1972/ 1392):
274 فصول الأصول، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
1402 هـ، 1982 م.
السيابي سالم بن حمود بن شامس (1414 هـ / 1994 م):
275 - الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضية في اليمن والحجاز، مطابع
سجل العرب، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان
1400 هـ، 1980 م.
276 - عمان عبر التاريخ ط 4، المطبعة الشرقية سلطنة عمان، نشر
وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1421 هـ، 2001 م.
277 طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، مطابع سجل العرب، القاهرة، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1400 هـ،
1980
السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر (1506/ 911):
278 - تدريب الراوي، تح عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة الرياض
الحديثة، الرياض، (د. ت). (1/678)
صفحة 679
علوم السنة عند الإباضيه:
661
الشاطبي اللخمي الغرناطي إبراهيم بن موسى (1388/ 790): 279 - الموافقات في أصول الشريعة، تح عبد الله دراز، محمد عبد الله دراز، ط 3، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1424 هـ، 2003 م. الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس (820/ 204):
20 - أحكام القرآن، تح عبد الخالق عبد الغني دار الكتب العلمية بيروت، 1400 هـ.
281 جماع العلم، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1405 هـ. 282 - الرسالة، تح: أحمد محمد شاكر، القاهرة، 1358 هـ، 1939 م. الشقصي خميس بن سعيد بن علي (ق 17/ 11): 283 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تح سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1979 م. الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد (1522/ 928):
284 كتاب السير، تح أحمد بن سعود السيابي، نشر وزارة التراث
القومي والثقافة سلطنة عمان، 1407 هـ / 1987 م.
285 - شرح مقدمة التوحيد، تصحيح وتعليق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش،
مكتبة الاستقامة، مسقط، سلطنة عمان، 1409 هـ.
الشماخي العامري قاسم بن سعيد بن قاسم (1916/ 1334): 286 - كتاب القول المتين، ط 2، مكتبة الضامري السيب، سلطنة عمان،
19921413
الشماخي أبو ساكن عامر بن علي (1389/ 792): 287 - كتاب الإيضاح، مطابع أمون للتجليد والطباعة، القاهرة، نشر
وزارة التراث القومي بسلطنة عمان، 1403 هـ، 1983. الشهرزوري ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن (1246/ 643): 288 علوم الحديث، تح نور الدين عتر، دار الفكر، دمشق وبيروت، 1406 هـ، 1986 م. (1/679)
صفحة 680
علوم السنة عند الإباضيه
الشيباني أبو عبد الله احمد بن حنبل (856/ 241):
662
289 - العلل ومعرفة الرجال، تح: وصي الله بن محمد عباس، ط 1، المكتب
الإسلامي، الرياض، السعودية، 1408 هـ، 1988 م
290 سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل، تح زياد محمد منصور، ط 1،
مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، 1414 هـ.
الشيرازي أبو إسحاق إبراهيم بن علي (1084/ 476):
291 - التبصرة في أصول الفقه، تح محمد حسن هينتو، ط 1، دار الفكر،
دمشق، سورية، 1980 م.
الصنعاني الحسني محمد بن إسماعيل (1769/ 1182):
29 - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، تح: محمد محي الدين عبد
الحميد دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (د. ت).
الطبري محمد بن جرير (923/ 310):
293 - تفسير الطبري، ط، دار الفكر، لبنان بيروت، 1405 هـ.
الطيبي الحسين بن عبد الله (1343/ 743):
294 - الخلاصة في أصول الحديث، تح: صبحي السامرائي، ط 1، عالم
الكتب، بيروت، لبنان، 1405 هـ، 1985 م.
الظاهري أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (1064/ 456): 295 الإحكام في أصول الأحكام، ط 1، دار الحديث، القاهرة، 1404 هـ. 296 المحلى تح لجنة إحياء التراث العربي، دار الأفاق الجديدة، بيروت، لبنان، (د. ت).
العراقي زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن (1404/ 806): 297 - التبصرة والتذكرة) شرح ألفية (العراقي)، تصحيح محمد بن
الحسين العراقي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د. ت. 298 التقييد والإيضاح لما أطلق أو أغلق من مقدمة ابن الصلاح، ط 3،
مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1995 م. (1/680)
صفحة 681
علوم السنة عند الإباضيه
663
-299 ألفية العراقي في مصطلح الحديث، ط 1، المطبوعات الأهلية،
الرباط، المغرب، 1345 هـ.
محمد
العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني (1449/ 852): 300 الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، تح محمد حسن محمـ الشافعي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418 هـ. 301 - تغليق التعليق، تح: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي، ط 1، المكتب
الإسلامي، بيروت، لبنان، 1405 هـ.
302 - تهذيب التهذيب: تح مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1994 م.
303 طبقات المدلسين، تح عاصم بن عبد الله القريوتي، ط 1، مكتبة
المنار، عمان، الأردن، 1403 هـ، 1983 م.
304 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، تح محمد فؤاد عبد الباقي
محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379 هـ. 305 - نخبة الفكر (مطبوعة ضمن سبل السلام، دار إحياء التراث،
بيروت، (د. ت).
العسكري أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد (382/ 993): 306 تصحيفات المحدثين تح: محمود أحمد ميرة، ط 1، المطبعة
العربية، القاهرة، 1402 هـ.
العقيلي أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى (934/ 322)
307 - كتاب الضعفاء، تح: عبد المعطي أمين قلعجي، ط 1، دار المكتبة
العلمية، بيروت، 1404 هـ.
العلائي أبو سعيد بن خليل بن كيكلدي (1360/ 761):
308 جامع التحصيل في أحكام المراسيل تح حمدي عبد المجيد
السلفي، ط 2، عالم الكتب، بيروت، 1407 هـ، 1986 م. (1/681)
صفحة 682
علوم السنة عند الإباضيه
664
العوتبي أبو المنذر سلمة بن مسلم الصحاري (ق 11/ 5) 309 - الأنساب، مطابع جريدة عمان للصحافة والنشر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان مسقط، 1404 هـ / 1984 م. -310 - كتاب الضياء، ط 1، مطبعة عمان ومكتبتها المحدوة، نشر وزارة
التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1411 هـ، 1991 م.
العيني بدر الدين محمود بن أحمد (1452/ 855):
311 عمدة القاري، دار إحياء التراث، بيروت، لبنان، (د. ت).
الغزالي أبو حامد محمد بن محمد (1112/ 505):
312 - المستصفى، تح: محمد عبد السلام عبد الشافي، ط 1، دار الكتب
العلمية، بيروت، 1413 هـ.
الفارسي ناصر بن منصور (معاصر):
313 نزوى عبر الأيام معالم وأعلام، ط 1، مطابع النهضة، نشر نادي
نزوي، 1415 هـ، 1994 م.
الفاسي ابن القطان أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك (1231/ 628): 314 بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، تح الحسين آيت سعيد،
ط 1، دار طيبة المدينة المنورة، السعودية، 1418 هـ، 1997 م.
الفسوي أبو يعقوب يوسف بن سفيان (891/ 277)،
315 المعرفة والتاريخ، تح خليل المنصور، دار الكتب العلمية،
بيروت، لبنان، 1419 هـ، 1999 م.
القاسمي جمال الدين بن محمد (1914/ 1332):
316 - قواعد التحديث، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1399 هـ
القالي البغدادي أبو علي إسماعيل بن القاسم (967/ 356):
317 كتاب الأمالي، تصحيح وتعليق عبد الجواد الأصمعي، دار الكتاب
العربي، بيروت، لبنان، (د. ت). (1/682)
صفحة 683
علوم السنة عند الإباضيه
القرطبي ابن عبد البر يوسف بن عبد الله (1071/ 463):
665
318 - الاستذكار، تح سالم محمد عطا، محمد علي معوض، ط 1، دار
الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2000 م.
319 - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تح: مصطفى أحمد العلوي و محمد عبد الكبير البكري، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 هـ، 1967 م.
القشيري ابن دقيق العيد أبو الفتح محمد بن علي بن وهب (1302/ 702): -320 الإلمام في أحاديث الأحكام، مراجعة محمد المولوي، ط 1، مطبعة
دار الفكر، دمشق، 1388 هـ، 1963 م.
القلهاتي الأزدي أبو عبد الله محمد بن سعيد (ق 11/ 6):
321 - الكشف والبيان، تح سيدة اسماعيل كاشف، ط 1، مطابع سجل
العرب، القاهرة، 1400 هـ،1980.
القنوبي سعيد بن مبروك (معاصر):
322 - الإمام الربيع مكانته ومسنده، ط 1، مكتبة الضامري، السيب،
سلطنة عمان، 1416 هـ، 1995 م.
323 - السيف، الحاد، ط 3، مطابع النهضة، مسقط، سلطنة عمان
1418 هـ.
الكباوي عمرو بن مسعود (معاصر):
324 الربيع بن حبيب محدثا وفقيها المطبعة العربية، غرداية،
الجزائر، (د. ت).
الكتاني أبو عبد الله محمد بن جعفر (1927/ 1345):
325 نظم المتناثر في الحديث المتواتر، تح شرف حجازي، دار الكتب
السلفية، مصر، (د. ت). (1/683)
صفحة 684
علوم السنة عند الإباضيه:
الكدمي الناعبي أبو سعيد محمد بن سعيد (حي في 886/ 272):
666
326 - الاستقامة، مطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر، روي، سلطنة عمان 1985 م، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان،
1405 هـ، 1985 م.
327 - الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد مطابع سجل العرب، نشر
وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1406 هـ، 1986 م.
328 المعتبر دار جريدة عمان للصحافة والنشر، سلطنة عمان، روي، 1984 هـ، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة
الكرمي مرعي بن يوسف بن أبي بكر (1623/ 1033):
329 الناسخ والمنسوخ، تح سامي حسن عطا دار القرآن الكويت،
1400 هـ
الكناني أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل (1437/ 840)،
330 - مصباح الزجاجة، تح محمد المنتقى الكشناوي، ط 2، دار العربية،
بيروت، 1403 هـ.
الكندي إبراهيم بن احمد بن سليمان (معاصر):
331 - أصول الفقه والأدلة النصية، ط 1، مكتبة الضامري للنشر
والتوزيع السيب، سلطنة عمان، 1419 هـ، 1998 م.
الكندي أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى (1162/ 557):
332 - كتاب الإهتداء والمنتخب من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام
وأئمة وعلماء، عمان، تح: سيدة إسماعيل كاشف مطبعة دار إحياء الكتب العربية، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، سلطنة عمان، 1406 هـ، 1985 م. 333 - المصنف، تح: عبد المنعم عامر جاد الله أحمد، مطبعة عيسى البابي
6
الحلبي وشركاه نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، د. ت. الكندي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سليمان السمدي النزوي (1115/ 508): (1/684)
صفحة 685
667
علوم السنة عند الإباضيه:
334 - بيان الشرع الجامع للأصل والفرع المراجعة والتصحيح لسالم بن
حمد الحارثي، مطبعة عمان ومكتبتها، سلطنة عمان مطرح، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1404 هـ، 1984 م.
اللكنوي أبو الحسنات محمد بن عبد الحي (1887/ 1304):
335 - الأجوبة الفاضلة في الأسئلة العشرة الكاملة، تعليق عبد الفتاح أبو غدة، ط 3، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، 1414 هـ، 1994 م. 336 الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، تح عبد الفتاح أبو غدة، ط 3،
دار الأقصى للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1407 هـ، 1987 م. 337 - ظفر الأماني في مختصر الجرجاني، تح: تقي الدين الندوي، ط 1، دار العلم للنشر والتوزيع، دبي، الإمارات العربية المتحدة، 1415 هـ، 1995 م. المالكي ابن الصغير (ق 9/ 3)
338 - أخبار الأئمة الرستميين تح محمد ناصر إبراهيم بحاز، دار
الغرب الإسلامي، بيوت لبنان 1406 هـ، 1986 م. المالكي أبو بكر بن العربي المعافري (1149/ 543):
6
339 المحصول، تح حسين علي اليدري سعيد فودة، دار البيارق
عمان، 1420 هـ، 1999 م.
المالكي أبو مالك عامر بن خميس (1927/ 1346):
340 موارد الألطاف، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
1405 هـ، 1985 م.
المباركفوري أبو العلاء محمد بن عبد الرحمن (1937/ 1353):
341 - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، ضبط وتوثيق: صدقي محمد
جميل، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1415 هـ، 1995 م.
المحروقي عبد الله بن سلطان بن راشد (معاصر)
342 - تحفة الودود في ترجمة وأسئلة الشيخ سيف بن حمود، ط 1،
مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، مسقط، سلطنة عمان، 1408 هـ،
2000 (1/685)
صفحة 686
علوم السنة عند الإباضيه
المرادي النحاس أحمد بن إسماعيل (952/ 339):
668
343 - الناسخ والمنسوخ، تح محمد عبد السلام محمد، ط 1، مكتبة
الفلاح، الكويت، 1408 هـ.
المراكشي أبو عبد الله محمد ابن عذاري (1295/ 695):
344 - البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تح: ج. س. كولان
إليفي بروفنصال دار الثقافة، بيروت، 1984 م.
المروزي أبو عبد الله محمد بن نصر (907/ 294):
345 اختلاف العلماء، تح صبحي السامرائي، ط 2، عالم الكتب، بيروت، 1406 هـ.
المزي، جمال الدين أبي الحجاج يوسف (1342/ 742)
346 تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تح بشار عواد معروف، ط 3،
مؤسسة الرسالة، بيروت، 1415 هـ/ 1994.
المساكني أبو حفص عمروس بن فتح النفوسي (897/ 283):
347 - أصول الدينونة الصافية، تح: احمد كروم، ط 1، مطبعة عمان ومكتبتها المحدودة، مسقط، سلطنة عمان، نشر وزارة التراث القومي والثقافة
بسلطنة عمان، 1420 هـ، 1999 م.
المصري شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم (1413/ 815):
347 التبيان في تفسير غريب القرآن تح: فتحي أنوار الدابولي، ط 1،
دار الصحابة للتراث، مصر،، مصر، 1412 هـ، 1992 م.
المطهري محمد بن سليمان بن بكير (1998/ 1419):
348 - فتح المغيث، تح: أحمد كروم و عمر بازين، ط 1، المطبعة
العربية غرداية، الجزائر، 1419 هـ، 1999 م. المعولي محمد بن عامر بن راشد (1777/ 1190):
349 قصص و أخبار جرت في عمان، تح: عبد المنعم عامر، ط 2، نشر
وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1983 م. (1/686)
صفحة 687
علوم السنة عند الإباضيه:
669
المقدسي 350 - روضة الناضر وجنة المناظر، تح: عبد العزيز بن عبد المحسن
أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة، (1224/ 620):
السعيد، ط 2، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض، 1399 هـ. المناوي محمد عبد الروءف بن تاج العارفين (1621/ 1031): 351 - التعاريف تح محمد رضوان الداية، ط 1، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1410 هـ.
352 فيض القدير، ط 1، المكتبة التجارية، مصر، 1356 هـ.
النامي عمرو بن خليفة (معاصر):
353 - دراسات عن الإباضية، ترجمة ميخائيل خوري، ماهر جرار،
المراجعة والتصحيح لمحمد صالح ناصر ومصطفى صالح باجو، ط 1، دار
الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2001 م.
النووي محي الدين يحيى بن شرف (1278/ 676):
354 - تهذيب الأسماء، تح مكتب البحوث والدراسات، ط 1، دار الفكر
بيروت، لبنان، 1996 م.
355 المجموع شرح المهذب، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1997 م.
الهروي أبو عبيد القاسم بن سلام (838/ 224)
356 غريب الحديث، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
1406 هـ، 1986 م.
الهلالي سالم بن ذكوان (720/ 101):
357 سيرة سالم بن ذكوان مطبوعة ضمن كتاب: محمد صالح ناصر،
منهج الدعوة عند الإباضية، ط 2، المطبعة العربية غرداية الجزائر، نشر جمعية
التراث بالقرارة في الجزائر، 1419 هـ،1999 م.
الوارجلاني أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (1175/ 570):
358 - العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، دار نوبار
للطباعة، نشر وزارة التراث القومى والثقافة سلطنة عمان، مسقط، 1404 هـ
1989 م. (1/687)
صفحة 688
علوم السنة عند الإباضيه
670
اليحصبي القاضي أبو الفضل عياض بن موسى السبتي (1150/ 544):
359 مشارق الأنوار، المكتبة العتيقة، (د. ت).
اليعمري بن سيد الناس أبو الفتح محمد بن محمد (1334/ 734)
360 عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، تح: محمد العيد
الخطراوي، محي الدين مستو، ط 1، دار ابن كثير، بيروت، لبنان، 1413 هـ،
1992
اليهراسني أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر بن سعيد (1078/ 471): 361 - كتاب السيرة وأخبار الأيمة، تح عبد الرحمن أيوب الدار
التونسية للنشر، 1985 م.
أمانة الإعلام:
362 دليل المؤلفين العرب الليبيين منذ الفتح الإسلامي لليبيا إلى غاية 1396 هـ/1976 م، دار الكتب، طرابلس، 1397 هـ، 1977 م.
بابا
عمي
محمد بحاز إبراهيم، باجو، مصطفى شريفي مصطفى (معاصرون): 363 معجم أعلام الإباضية قسم المغرب الإسلامي)، ط 2، دار الغرب الإسلامي، نشر جمعية التراث بالقرارة، الجزائر، 1421 هـ، 2000 م. بحاز إبراهيم بن بكير (معاصر):
364 الدولة الرستمية، مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985 م.
بكوش يحيى محمد (معاصر)
365 - فقه الإمام، جابر، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان،
1407 هـ، 1986 م.
بيوض إبراهيم بن عمر (1981/ 1401):
366 - فضل الصحابة والرضا عنهم تح بهون بن يوسف بهون، طبع
بالقراة، معهد الحياة، 1417 هـ، 1996 م.
جهلان عدون (1988/ 1409): (1/688)
صفحة 689
علوم السنة عند الإباضيه
671
367 - الفكر السياسي عند الإِبَاضِيَّة من خلال آراء الشيخ محمد بن
يوسف بن اطفيَّش، ط 2، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان،
19911411
خليفات عوض بن محمد (معاصر):
368 - الأصول التاريخية للفرقة الإباضيَّة: نشر الجامعة الأردنية، عمان،
الأردن، (د. ت).
شاخت
369 مدخل إلى الشرع الإسلامي، طبعة أوكسفورد، 1964، رقم 18. صالح محمد بن ناصر (معاصر) 370 - منهج الدعوة عند الإباضية، ط 2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، نشر جمعية التراث بالقرارة في الجزائر، 1419 هـ، 1999 م. فاروق عمر فوزي (معاصر)
371 - الإمامة الإباضية في عمان، نشر جامعة آل البيت المفرق
الأردن، 1417 هـ، 1997 م. ليفيتسكي تاديوس (معاصر):
372 المؤرخون الإباضيون في أفريقيا الشمالية، ترجمة ماهر جرار، ريما جرار، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000 م. محمد قرقش (معاصر) 373 عمان والحركة الإباضية، ط 1، مؤسسة علوم القرآن بعجمان، الإمارات، ومكتبة مسقط روي، سلطنة عمان، 1410 هـ، 1990 م
مجموعة باحثين:
374 عمان في التاريخ نشر وزارة الإعلام بسلطنة عمان بالتعاون مع
دار إميل للنشر المحدودة بلندن، 1995 م.
375 - دليل أعلام عمان، ط 1، جامعة السلطان قابوس 1412 هـ
مجموعة باحثين:
1991 م. (1/689)
صفحة 690
علوم السنة عند الإباضي
معمر علي يحيى (1980/ 1400):
672
376 - الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثالثة: الإباضية في ليبيا،
ط 2، مكتبة وهبه، القاهرة، 1414 هـ / 1993 م طبعة 1964.
377 - الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، الإباضية في الجزائر، تصحيح: أحمد عمر أوبكة، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر،
1986
ب - كتب تخريج الحديث
ابن إسحاق محمد بن محمد بن يحيى (1004/ 395):
378 الفوائد، تح مجدي السيد إبراهيم، مكتبة القرآن، القاهرة، (د. ت).
ابن منصور سعيد (841/ 227):
379 - سنن سعيد بن منصور، تح سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل
حميد، ط 1، دار العصيمي، الرياض، 1414 هـ.
الأزدي السجستاني أبو داود سليمان بن الأشعث (839/ 225):
(د. ت).
380 سنن أبي داود، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر،
الاسفرائيني أبو عوانة يعقوب بن إسحاق (929/ 316):
381 - مسند أبي عوانة دار المعرفة، بيروت، لبنان، (د. ت).
الأصبحي أبو عبد الله مالك بن أنس (796/ 179):
(د. ت).
382 موطأ مالك، تح محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث، مصر،
البخاري الجعفي أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (870/ 256):
383 - صحيح البخاري، تح مصطفى ديب البغا، ط 3، دار ابن كثير،
بيروت، 1407 هـ 1987 م.
البزار أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق (905/ 292)
384 - مسند البزار، تح محفوظ الرحمن زين الله، ط 1، مؤسسة علوم
القرآن، بيروت، 1407 هـ. (1/690)
صفحة 691
علوم السنة عند الإباضيه
البستي التميمي محمد بن حبان بن أحمد (965/ 354):
673
385 - صحيح ابن حبان، تح: شعيب الأرنؤوط، ط 2، الرسالة، بيروت،
1414 هـ، 1993 م.
البغدادي ابو الحسن علي بن الجعد بن عبيد (844/ 230):
386 - مسند ابن الجعد، تح: عامر أحمد حيدر، ط 1، مؤسسة نادر،
بيروت، 1410 هـ، 1990 م.
البيهقي أحمد بن الحسين بن علي بن موسى (1066/ 458): 387 - سنن البيهقي الكبرى، مراجعة محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار
الباز، مكة المكرمة 1414 هـ، 1994 م.
388 - شعب الإيمان، تح محمد السعيد بسيوني زغلول، ط 1، دار الكتب
العلمية، بيروت، 1410 هـ.
389 - القراءة خلف الإمام تح محمد السعيد بن بسيوني زغلول، ط 1،
دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ.
390 - معرفة السنن والآثار، تح سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، (د. ت).
الترمذي السلمي أبو عيسى محمد بن عيسى (883/ 279): 391 سنن الترمذي، تح: أحمد محمد شاكر وأخرون، دار إحياء التراث،
بيروت، (د. ت).
التميمي أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى (920/ 307):
392 مسند أبي يعلى مراجعة حسين سليم أسد، ط 1، دار المأمون
للتراث، دمشق 1404 هـ، 1984 م.
393 معجم أبي يعلى تح إرشاد الحق الأثري، ط 1، إدارة العلوم
الأثرية، فيصل آباد، الهند، 1407 هـ.
الحميدي أبو بكر عبد الله بن الزبير (833/ 219)
394 - مسند الحميدي، تح حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية،
بيروت، (د. ت). (1/691)
صفحة 692
علوم السنة عند الإباضيه:
البغدادي الخطيب أحمد بن علي بن ثابت (1071/ 463): 395 - تقييد العلم، دار إحياء السنة، (د. ت).
الدارقطني أبو الحسن علي بن عمر (996/ 385)
674
396 - سنن الدار قطني مراجعة السيد عبد الهاشم يماني المدني، دار
المعرفة، بيروت 1386 هـ، 1966 م.
الدارمي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن (869/ 255):
397 - سنن الدارمي مراجعة: فواز أحمد زمرلي خالد السبع العلم
دار الكتاب العربي، بيروت، 1407 هـ، 1987 م.
الصنعاني الأزدي معمر بن راشد (768/ 151):
398 الجامع، تح: حبيب الأعظمي، ط 2، المكتب الإسلامي، بيروت،
1403 هـ.
الصنعاني أبو بكر عبد الرزاق بن همام (825/ 211):
399 مصنف عبد الرزاق، تح حبيب الرحمن الأعظمي، ط 2، المكتب
الإسلامي، بيروت، 1403 هـ.
الطحاوي أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة (934/ 321):
400 - شرح معاني الآثار، مراجعة محمد زهير النجار، ط 1، دار الكتب
العلمية، بيروت، 1399 هـ، 1979 م.
الطيالسي البصري أبو داود سليمان بن داود (822/ 204): 401 - مسند أبي داوود الطيالسي دار المعرفة، بيروت، (د. ت). الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب (971/ 360): 402 - مسند الشاميين تح حمدي عبد المجيد السلفي، ط 1، مؤسسة
الرسالة، بيروت، 1405 هـ، 1984 م.
403 - المعجم الأوسط، تح طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن
بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين القاهرة، 1415 هـ.
404 - المعجم الصغير تح محمد شكور محمود الحاج أمرير، ط 1،
6
المكتب الإسلامي، بيروت 1405 هـ، 1985 م. (1/692)
صفحة 693
علوم السنة عند الإباضيه
675
405 - المعجم الكبير، تح: حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط 2، مكتبة
العلوم والحكم، الموصل 1404 هـ 1983 م.
الروياني أبو بكر محمد بن هارون (920/ 307):
406 - مسند الروياني، تح أيمن علي أبو، يماني، ط 1، مؤسسة قرطبة،
القاهرة، 1416 هـ.
الزيلعي أبو محمد عبد الله بن يوسف (1361/ 762):
407 - نصب الراية، تح محمد يوسف البنوري، دار الحديث، مصر،
1357 هـ.
السلمي أبو عبد الرحمن (1013/ 412):
408 آداب الصحبة، تح مجدي فتحي السيد، ط 1، دار الصحابة للتراث،
مصر، 1410 هـ، 1990 م.
الشافعي محمد بن إدريس (820/ 204)
409 - مسند الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، (د. ت). الشيباني أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو (901/ 287) 410 - الآحاد والمثاني، تح: باسم أحمد الجوابرة، ط 1، دار الراية،
الرياض، 1411 هـ، 1991 م.
الشيباني احمد بن حنبل (856/ 241)
411 - مسند أحمد، مؤسسة قرطبة، مصر، (د. ت).
412 - الورع، تح: زينب إبراهيم القاروط، ط 1، دار الكتب العلمية،
بيروت، 1403 هـ، 1983 م.
الشيباني عمرو بن أبي عاصم الضحاك (901/ 287)
413 السنة، تح: محمد ناصر الدين الألباني، ط 1، المكتب الإسلامي،
بيروت، 1400 م.
العسقلاني ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني (1449/ 852): 414 الأمالي المطلقة، تح: حمدي عبد المجيد السلفي، ط 1، المكتب الإسلامي، بيروت، 1416 هـ. (1/693)
صفحة 694
علوم السنة عند الإباضيه
الفراهيدي البصري أبو عمرو الربيع بن حبيب (787/ 170):
676
415 مسند الإمام الربيع بن حبيب، تح محمد إدريس، عاشور بن
يوسف، ط 1، دار الحكمة، بيروت، 1415 هـ.
الفهري أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد (1322/ 721)
416 - السنن الأبين، تح: صلا بن سالم المصراتي، ط 1، مكتبة الغرباء
الأثرية، المدينة المنورة، 1417 هـ.
القزويني أبو عبد الله ابن ماجة محمد بن يزيد (889/ 275): سنن ابن ماجة تح محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، (د. ت). القضاعي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر (1062/ 454): 417 - مسند الشهاب، تح: حمدي عبد المجيد السلفي، ط 2، مؤسسة
الرسالة، بيروت، 1407 هـ، 1986.
-
الكسي أبو محمد عبد بن حميد بن نصر (864/ 249): 418 مسند عبد بن حميد تح: صبحي البدري السامرائي، محمود محمد خليل الصعيدي، ط 1، مكتبة السنة، القاهرة، 1408 هـ، 1988 م.
الكوفي عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (850/ 235)
419 - مصنف ابن أبي شيبة تح كمال يوسف الحوت، ط 1، مكتبة
الرشد، الرياض، السعودية، 1409 هـ.
المقدسي أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد (1159/ 643):
420 الأحاديث المختارة، تح عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، ط 1،
مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، 1410 هـ.
المنذري أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي (1162/ 656):
421 - رسالة في الجرح والتعديل، تح عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، ط 1، مكتبة دار الأقصى، الكويت، 1406 هـ.
النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب (916/ 303):
422 سنن النسائي الصغرى (المجتبى)، تح عبد الفتاح أبو غدة، ط 2،
مكتبة المطبوعات، حلب سوريا 1406 هـ، 1986 م. (1/694)
صفحة 695
علوم السنة عند الإباضيه:
677
423 - سنن النسائي الكبرى تح عبد الغفار البنداري، سيد كسروي
حسن، ط 1، دار الكتب العلميه، بيروت، 1411 هـ، 1991 م. النيسابوري القشيري أبو الحسين مسلم بن الحجاج (875/ 261)
424 - صحيح مسلم، تح محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث، بيروت، (د. ت). النيسابوري أبو محمد عبد الله بن علي بن الجارود (920/ 307): 425 - المنتقى من السنن المسندة، تح: عبد الله عمر البارودي، ط 1،
مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت، 1408 هـ، 1988 م. النيسابوري الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله (1006/ 405):
426 - المستدرك على الصحيحين تح مصطفى عبد القادر عطا، ط 1،
دار الكتب العلمية، بيروت، 1411 هـ، 1990 م. النيسابوري السلمي محمد بن إسحاق بن خزيمة (924/ 311) 427 - صحيح ابن خزيمة، تح محمد مصطفى الأعظم
الإسلامي، بيروت، 1390 ه، 1970 م.
الهروي أبو عبيد القاسم بن سلام (838/ 224)
المكتب
428 الأموال، تح خليل محمد هراس دار الفكر، بيروت، 1408 هـ.
ج- القواميس والمعاجم اللغوية
ابن منظور محمد بن مكرم (1311/ 711):
429 لسان العرب، دار صادر، (دت).
الأزدي ابن دريد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (933/ 321):
-430 كتاب جمهرة اللغة تح رمزي منير البعلبكي، دار العلم للملايين
بيروت، لبنان، (د. ت).
الجوهري إسماعيل بن حماد (1003/ 393)
-
431 الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية تح: أحمد عبد الغفور عطار
ط 2، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1399 هـ، 1979 م (1/695)
صفحة 696
علوم السنة عند الإباضيه
الرازي محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (1322/ 721)
"
678
432 - مختار الصحاح، تح محمود خاطر مكتبة لبنان ناشرون، بيروت،
1415 هـ، 1995 م.
الزبيدي محمد مرتضى الحسني (1791/ 1145):
433 تاج العروس من جواهر القاموس، منشورات دار مكتبة الحياة
بيروت، لبنان (د. ت) تح عبد الستار أحمد فرج، مطبعة حكومة الكويت،
الكويت، 1385 هـ، 1965 م.
الزمخشري جار الله محمود بن عمر (1143/ 538):
434 أساس البلاغة، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، لبنان
1404 هـ، 1984 م.
الصاحب اسماعيل بن عباد (995/ 385):
435 المحيط في اللغة، تح محمد حسن آل ياسين، عالم الكتب، بيروت،
لبنان، (د. ت).
العوتبي أبو المنذر سلمة بن مسلم الصحاري (ق 11/ 5):
436 - كتاب الإبانة في اللغة العربية، تح: عبد الكريم خليفة، نصر عبد الرحمن، صلاح جرار محمد حسن عواد، جاسر أبو صفية، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، مسقط، 1420 هـ، 1999 م.
الفراهيدي أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد (786/ 170):
437 كتاب العين تح مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي، دار
ومكتبة الهلال، بيروت، (د. ت).
الفيروز آباذي مجد الدين محمد بن يعقوب (1414/ 817):
الفيومي
438 القاموس المحيط دار المعرفة، بيروت، لبنان، (د. ت).
أحمد بن محمد بن علي (1368/ 770)
-439 المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (للرافعي)، المكتبة
العلمية، بيروت، لبنان، (د. ت). (1/696)
صفحة 697
علوم السنة عند الإباضيه!
القزويني أبو الحسين احمد بن فارس بن زكريا (1004/ 395)
679
440 - معجم مقاييس اللغة، تح عبد السلام هارون، ط 1، دار الجيل،
بيروت، لبنان، 1411 هـ، 1991 م.
البحوث والمقالات
الخليلي أبو سليمان أحمد بن حمد (معاصر)
441 ابن بركة ودوره في أصول الفقه، قراءات في فكر ابن بركة البهلوي حصاد) ندوة المنتدى الأدبي احتفاء بذكرى ابن بركة البهلوي (14 - 15 محرم، 1419 هـ، 11 - 12 مايو 1998 م، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1422 هـ، 2001 م
-
442 التأصيل الفقهي عند الإمام أبي سعيد الكدمي، قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، حصاد) ندوة المنتدى الأدبي احتفاء بذكرى أبي سعيد الكدمي (11 - 12 صفر، 1421 هـ، 15 - 16 مايو 2000 م، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1422 هـ، 2001 م.
باجو مصطفي (معاصر):
443 - تطور علم الأصول في المصادر العمانية، الملتقى العلمي الأول حول تراث سلطنة عمان الشقيقة قديما وحديثا، جامعة آل البيت، المملكة الأردنية
الهاشمية، 1423 هـ، 2002 م. السيابي أحمد بن سعود (معاصر):
444 - أبو مسلم البهلاني الرواحي حياته، شيوخه، قراءات في فكر أبي مسلم البهلاني الرواحي، حصاد) ندوة المنتدى الأدبي احتفاء بذكرى أبي مسلم البهلاني الرواحي (1614 رجب، 1415 هـ، 17 - 19 ديسمبر 1994 م، ط 1، نشر وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1418 هـ، 1998 م.
رابعا: المرقون
ابن دريسو مصطفي (معاصر)
445 - الآراء العقدية عند الإباضية حتى نهاية القرن الثالث الهجري
رسالة ماجستير جامعة بغداد، 1998 م، مرقونة. (1/697)
صفحة 698
علوم السنة عند الإباضيه!
الأزدي أبو الشعثاء جابر بن زيد (712/ 93):
680
446 رسائل جابر بن زيد، ترتيب أحمد كروم، عمر بازين، مرقون، بيد الباحث صورة منه (النسخة المرقونة التي اعتمدنا عليها تحوي 18 رسالة). 447 - كتاب جابر بن زيد روايات عمرو بن، هرم مرقون من أصل
مخطوط بدار الكتب المصرية القاهرة، رقم 21582 ب.
البوسعيدي صالح بن احمد (معاصر):
448 - رواية الحديث عند الإباضية، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت
المفرق، الأردن، 1998 م.
التعاريتي سعيد بن يونس (1936/ 1356):
-449 المسلك المحمود في معرفة الردود، مرقون
الحضرمي
منه.
أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله (ق 12/ 6)
450 - الدلائل والحجج، تصحيح أحمد كروم، مرقون بيد الباحث صورة
الشماخي أبو العباس أحمد بن سعيد (1522/ 928):
-
451 شرح مختصر العدل والإنصاف، دراسة وتحقيق مهني التويجني،
مرقون، لدى الباحث صورة منه.
الفرسطائي أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر النفوسي (504/ 1110): 452 - تبيين أفعال العباد، تح باحمد بن أمحمد خلفاوي
مرقون لدى الباحث نسخة منه.
المزاتي أبو الربيع سليمان بن يخلف (1079/ 471):
453 - التحف المخزونة، تح: محمود الأندلسي، مرقون
المنذري خلفان بن محمد (معاصر):
454 - مختلف الحديث وأثره في الفقه الإباضي، أطروحة دكتوراه، قسم
الشريعة بكلية دار العلوم بالقاهرة، 1419 هـ، 1998 م، مرقونه.
ليفتسكي تادوز:
! (1/698)
صفحة 699
681
علوم السنة عند الإباضيه
455 - الإباضية بحث عن دائرة المعارف الإسلامية حول كلمة:
"الإباضيَّة": ترجمة من الفرنسية: يحي بكوش، 1984.
456 جماعة المسلمين بالبصرة (محاضرة مترجمة عن
البولونية مرقونة لدى الباحث صورة منها.
مجموعة باحثين (معاصرون):
457 معجم أعلام الإباضية في المشرق (مرقون).
مؤلف مجهول:
458 - كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة تحقيق ودراسة وتعليق أحمد
عبيدلي، نيقوسيا قبرص: 1985، سلسلة الجزيرة العربية.
النامي عمرو بن خليفة (معاصر):
459 وصف مخطوطات إباضية مكتشفة حديثا في شمال إفريقية، مقال
منشور في مجلد 15، مجلة الدراسات السلمية"، 1970، ترجمة سلطان بن مبارك
الشيباني، مرقون.
باجو مصطفي بن صالح (معاصر):
-460 منهج الإجتهاد عند الإباضية، أطروحة دكتوراه قدمت في جامعة
الجزائر، 1420/ 1419 هـ - 1999/ 1998 م مرقونة.
المراجع الأجنبية منها ما استفدنا منه في الحاشية وأكثرها كانت استفادة جملية لصعوبة جانب اللغة واعتمدنا في عدد منها على المترجم ولكننا أثبتناها هنا في الفهرس).
Ennami A.K.
461 - Studies in Ibadism Cambridge for the degree of Doctor of Philospgy. Fitxw illiam College Cambridge May 197 Freeman-grenville. G.S.P.
462 - The Ibadis in religion Calendras. Table one: The Hijra year and the chistian year p 14 - 59 . London Oxford University Press New York oronto 1963 .
Marcy,
463 - Le Dieu des Ibadites et de Bargwata, Hesperis, XXII, Fasc 1, 1936, 33 - 56. (1/699)
صفحة 700
Lewiski ? .
682
علوم السنة عند الإباضيه:
464 - The Ibadites in arabia and Africa, dans le journale World History, 13, 1971.
465 - Les historiens, biographes et traditionnistes ibadites wahbites de l'Afrique du Nord du 8 au 16 s . extrait des folio orientalia, Vol. 3, 1961, Karkow, 1962.
P. Cuperly,
466 - L'Ibadisme au XIIème Siècle ;La cAqida de Abu Sahl Yahya,IBLA, No 143,, 67 - 89, No 144, 1979.
466 - Introduction a l'étude de l'Ibadisme et de sa
theologie, Alger, Office des Publications Universitaires, S. D. Rubinacci R
467 - The Ibadis in religion in the Middle East A j . Arberry . V 2 Islam Candridge et the University Press 1969 p 302 - 317. Schacht, j. a)
468 - An Introduction to Islamis law,Oxford, 1964. (1/700)
صفحة 701
الصفحة
1
2
2
7
21
39
39
45
52
65
65
73
83
97
98
98
104
114
122
124
133
143
755
علوم السنة عند الإباضيه
فهرس الموضوعات
الموضوع
الباب الأول: السنة معناها ومكانتها عند الإباضية. الفصل الأول السنة المعنى والمدلول عند الإباضية. المبحث الأول المعنى اللغوي
المبحث الثاني الدلالة اللغوية والفقهية والأصولية.
المبحث الثالث الدلالة الحديثية.
الفصل الثاني تقسيمات السنة عند الإباضية المبحث الأول السنة القولية والفعلية والتقريرية.
المبحث الثاني الأوجه التي ترد بها السنة.
المبحث الثالث البيان بالسنة.
الفصل الثالث حجية السنة عند الإباضية.
المبحث الأول أدلة حجية السنّة.
المبحث الثاني: حكم رد السنة أو حكم منها أو عدم
العمل به.
المبحث الثالث منزلة السنة عند الإباضية ومكانتها في التشريع.
الباب الثاني منهج نقد الحديث عند الإباضية. الفصل الأول ظهور عناية الإباضية بنقد الحديث وتصحيحه.
المبحث الأول معنى النقد وبدايات ظهوره. المبحث الثاني النقد عند ابن بركة ومن جاء بعده. المبحث الثالث: صيغ التصحيح والتضعيف والتوقف.
الفصل الثاني من قواعد نقد السند عند الإباضية.
المبحث الأول نقد الحديث بالعدالة والضبط. المبحث الثاني نقد الحديث باتصال السند وخلوه من بعض العلل.
المبحث الثالث نقد الإباضية الحديث بما صح عندهم من طرق. (1/701)
صفحة 702
756
156
156
165
171
178
189
189
200
212
213
213
220
235
257
257
264
271
282
283
293
299
علوم السنة عند الإباضيه:
الفصل الثالث من قواعد نقد المتن عند الإباضية. المبحث الأول نقد الحديث بعرضه على القرآن.
المبحث الثاني نقد الحديث بالحديث الصحيح.
المبحث الثالث نقد الحديث بمخالفة العقل والحق وصحيح
الحقائق.
المبحث الرابع النقد بالتأويل ومنهج الاحتياط.
الفصل الرابع منهج الإباضية مع الروايات الواردة من غير
طرقهم.
المبحث الأول قبولهم لهذه الروايات.
المبحث الثاني ردهم للرواية الواردة من غير طرقهم أو توقفهم
فيها.
الباب الثالث علوم الحديث التي تعنى بالإسناد عند الإباضية.
الفصل الأول عناية الإباضية بعلم الإسناد.
المبحث الأول حقيقة الإسناد وتطوره. المبحث الثاني الإسناد في ما دونه الإباضية. المبحث الثالث: حَمَلة العلم وسلاسل نسب الدين.
الفصل الثاني الجرح والتعديل
المبحث الأول صفة العدالة وتقسيم المعدلين.
المبحث الثاني الصيغ والعدد في التعديل والتجريح. المبحث الثالث مسائل وأحكام أخرى في التعديل والتجريح. الفصل الثالث الشروط العامة للتحمل والأداء عند الإباضية
وكتابتهم في الطبقات والتراجم المبحث الأول الإسلام والعدالة وما يتفرع عنهما من شروط.
المبحث الثاني شروط أخرى في قبول الرواية.
المبحث الثالث كتب الطبقات والتراجم.
! (1/702)
صفحة 703
علوم السنة عند الإباضيه:
الفصل الرابع موقف الإباضية من عدالة الصحابة وآثارهم.
المبحث الأول تعريف الصحابي وعدالته.
المبحث الثاني فضل الصحابة والرضا عنهم.
المبحث الثالث حجية قول الصحابي وعمله.
الباب الرابع علوم الحديث التي تعنى بالمتن عند الإباضية.
الفصل الأول مختلف الحديث
المبحث الأول مقدمات في المختلف.
المبحث الثاني من طرق الجمع في مختلف الحديث.
المبحث الثالث الترجيح في مختلف الحديث وبعض أوجهه.
المبحث الرابع الترجيح بأمر خارجي.
الفصل الثاني: النسخ في الحديث.
المبحث الأول تعريف النسخ وذكر شروطه وحقيقة ثبوته.
المبحث الثاني التفريق بين النسخ وغيره وذكر ما يقع فيه. المبحث الثالث: أقسام النسخ وطرق معرفته.
المبحث الرابع نماذج من ناسخ الحديث ومنسوخه. الفصل الثالث غريب الفاظ الحديث
المبحث الأول معنى الغريب وبعض ملامحه في تراث الإباضية
المبحث الثاني نماذج من تفسير الغريب في الطهارات المبحث الثالث نماذج من تفسير الغريب في العبادات المبحث الرابع نماذج تفسير الغريب من البيوع والأحكام
والمحرمات
المبحث الخامس نماذج تفسير الغريب في أبواب أخرى الباب الخامس مصطلح الحديث عند الإباضية الفصل الأول: تقسيم الحديث بتعدد طرقه: المتواتر الآحاد
العزيز
757
318
318
336
345
358
359
359
363
380
397
405
405
414
423
433
447
447
451
460
471
482
500
501 (1/703)
صفحة 704
501
511
522
529
529
537
547
555
555
560
572
583
597
597
603
612
631
683
689
704
708
711
715
758
علوم السنة عند الإباضيه:
المبحث الأول المتواتر.
المبحث الثاني خبر الآحاد.
المبحث الثالث العزيز والفرد والغريب.
الفصل الثاني الحديث المقبول.
المبحث الأول الحديث الصحيح والحسن.
المبحث الثاني الحديث المرسل.
المبحث الثالث زيادة الثقة.
الفصل الثالث الحديث المردود.
المبحث الأول الحديث الضعيف وتقسيمه.
المبحث الثاني الحديث الشاذ والمنكر.
المبحث الثالث الحديث المدلس والمنقطع والمعضل والمعلل.
المبحث الرابع الحديث المدرج والمقلوب والمضطرب
والمكذوب.
الفصل الرابع الحديث المشترك بين القبول والرد. المبحث الأول الحديث المرفوع والموقوف.
المبحث الثاني الحديث المقطوع والمتصل والمسند والمسلسل.
المبحث الثالث أقسام أخرى في الحديث المشترك.
فهرس المصادر والمراجع
فهرس الآيات
فهرس الأحاديث النبوية
فهرس الآثار
فهرس الأشعار
فهرس أهم المصطلحات المعرفة
فهرس المصطلحات الحديثية (1/704)
صفحة 705
759
718
721
724
743
751
753
755
760
علوم السنة عند الإباضيه:
فهرس أهم المصطلحات الفقهية
فهرس أهم القواعد والضوابط الفقهية فهرس الأعلام الواردين في متن الرسالة فهرس الأعلام المترجم لهم في الحاشية فهرس الطوائف والجماعات والقبائل فهرس البلدان والأماكن
فهرس الموضوعات
ملخص الأطروحة باللغة الإنجليزية (1/705)