صفحة 1
بحث مسابقة: آية استئذان المماليك والأطفال .. أحكامها الشرعيّة وآثارها النّفسيّة والتّربويّة والاجتماعيّة
إعداد: الطّالب/ إدريس بن محمّد بن صالح مسعودي
بحث مُقدَّم: لمسابقة ابن عمير للبحث العِلمي
الفصل الخامس (ب) : 1424هـ / 2003م.
معهد العلوم الشّرعيّة - وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة - سلطنة عُمان
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
سلطنة عمان.
وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة.
معهد العلوم الشّرعيّة.
آية استئذان المماليك والأطفال
أحكامها الشرعيّة وآثارها النّفسيّة والتّربويّة والاجتماعيّة
إعداد الطّالب:
إدريس بن محمّد بن صالح مسعودي
بحث مقدّم:
لمسابقة ابن عمير للبحث العلمي
الفصل الخامس/ ب : 1424هـ /2003م .
تنبيهات
01_ يرجى عدم اعتماد شيء مما جاء في هذا البحث إلا بعد عرضه على أهل العلم والحكم عليه، فهذا العمل ما هو إلا جهد المقلّ المقصرّ، وما هو إلاّ للتّدريب على البحث العلميّ وللمشاركة به في مسابقة ابن عمير الثّقافيّة بالمعهد، فما كان فيه صواباً فمن الله وله الحمد والمنّة، وما كان فيه من خطإ فمن نفسي ومن الشّيطان، فأستغفر الله تعالى والله المستعان.
02_ تعديل الخاتمة؛ لأنهّا لا تشتمل على جميع ما جاء في البحث من نتائج.
03_ التأكد من أرقام الصفحات.
الإهداء
إلى والدتي الكريمة التي سهرت على تربيتي،
وإلى روح أبي الذي رباني على دين الفطرة مبرّة وولاء.
ومن لا يفتأ القلب يذكرهما حبًا ودعاءً.
إلى أم محمد مودة ورحمة، جزاء صبرها، عوضها الله أجرًا.
إلى أساتذتي الفاضلاء، وإلى كل معلم أضاء لي حرفا على طريق النور، فجزاهم الله عني وعن الإسلام خيرا.
إلى كل مسلم غيور يسعى إلى خدمة هذا الدين، وإلى وحدة المسلمين.
أبو محمد إدريس
المقدّمة
التّمهيد
بين يدي السّورة
عرض الآية
بسم الله الرحمن الرحيم
- - - - -
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى أشْرَفِ المُرْسَلِينَ، وَبعْدُ: (1/1)
صفحة 2
الحمد لله فارق الفرقان، منزّل القرآن، عالم السّرّ والإعلان، الذي خلق الإنسان وعلّمه البيان، القائل في محكم كتابه: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } (1) ، والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين، سيّدنا محمّد الذي أرشد إلى الآداب والأخلاق الحميدة والذي كان خلقه القرآن، فكان الرّحمة المهداة للعالمين، وعلى صحابته الكرام، والتّابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين، وبعد:
فهذا بحثٌ في تفسير آيةٍ من كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ، والآية الّتي أردت أن أكتب حولها هي من الآيات الّتي اهتمّت بالآداب والأخلاق الإسلاميّة الرّفيعة، والّتي لها ما لها من القيم إن طبّق المسلمون ما جاء فيها، كما هي من الخطورة بمكان إذا لم يلتزموا بما ورد فيها، هذه الآية هي آية الاستئذان داخل البيوت والّتي جاءت في سورة النّور.
فقد بيّنَتْ هذه الآية الكريمة المنهج السّليم الذي يجب أن ينهجه كلّ من ينشد الفلاح في هذه الدّنيا، وكلّ من أراد إجلاء معالم الطّريق الّتي يرضاها الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، وقد اهتمّت بالبيت المسلم لتبيّن أساس العلاقات العفيفة وتكشف منافذ الشّيطان لتقطع له كلّ سبله ومكايده الكفيلة بتهديم الأواصر داخل هذه البيوت، ولتمنع بعد ذلك المجتمع الإسلاميّ من الزّلل بحفظه لتلك الخليّة الأولى، والاستئذان الذي أرشدت إليه الآية لا يعدو أن يكون علاقةً من العلاقات الّتي تربط بين الأفراد ذكوراً كانوا أم إناثاً، فوضعت له ضوابط وشروطاً لتنظّم مثل هذه العلاقات الخطيرة لترسو بها إلى شاطئ الأمان بسلام.
__________
(1) _ القمر: 17. (1/2)
صفحة 3
"فهذا الميدان بين الذّكر والأنثى خضمّ من المجاهل، والّذي هلك فيه تسعةٌ وتسعون في المائة من الهالكين، وهو أخطر ما يُبتلى به إنسان، وهو أكثر ما يؤدّي بأصحابه إلى كبائر أخرى ثمّ إلى النّار، ولعلّ أكثر من سرق سرق من أجل الفسق، وشرب الخمر والدّخان وتعاطى المخدّرات من أجل الفسق" (1) .
فقد تأخّرت هاته الآيتان عن آيات الاستئذان لدخول بيوت الغير والأماكن العامّة كما فُصل بينهما بثمانٍ وعشرين آيةً تتضمّن التّمهيد الّذي يوجب الامتثال للأوامر والنّواهي الواردة فيها، وكلّ هذا من أجل زيادة اعتناء بالاستئذان الدّاخليّ لاسيّما وأنّه غير ساري التّنفيذ، ويدخل فيه التّساهل أكثر من غيره، ممّا يترتّب عليه من الضّرر والأخطاء ما لا تحمد عقباه (2) .
__________
(1) _ في رحاب القرآن، تفسير سورة النّور: فضيلة الشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1316هـ-1401هـ/1899م-1981م)، تحرير عيسى بن محمّد الشّيخ بالحاج، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، طبع سنة 1998م المطبعة العربيّة، غرداية، 06/425.
(2) _ سورة النّور دراسة وتحليل: الدّكتور إسماعيل إبراهيم علي السّامرّائي (معاصر)، دار عماد للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى 2003م، عمّان، الأردن، 526. (1/3)
صفحة 4
فالدّراسات السّابقة قد اهتمّت بالموضوع وعالجته، والمصادر المعتمدة في البحث بالدّرجة الأولى هي التّفاسير القديمة منها والحديثة، ثمّ في الدّرجة الثّانية تأتي كتب الفقه على اختلاف مذاهبها، وكذلك كتب السّنن والمعاجم اللّغويّة والتّراجم وبعض الكتب العلميّة الأخرى، فكتب التّفسير قد درست الموضوع وتناولته بالشّرح ولم أجد صعوبةً في البحث عنها فهي متوفّرةٌ وبكثرةٍ، ولم تكن هناك مشاكل تذكر خلال العمل، غير ما كان في فصل المسائل عن بعضها البعض؛ لأنّني لم أجد أحداً فصّلها ورتّبها كما هو المطلوب للاستفادة منها، وهذا ما أريد في هذه المحاولة إبداعه وهو الجمع بين عدّة أقوالٍ للعلماء قديماً وحديثاً، قدر الإمكان لإثراء الموضوع، ورأيت أن أعرض الموضوع بنوعٍ من التّفصيل وأن أرتّبه إلى أبوابٍ، فحاولتُ أن أتعرّض لكلّ المسائل الفقهيّة الّتي لها علاقة بالآية فوضعتها في مبحثٍ خاصٍّ بها، مع ذكر اختلافات العلماء فيها وترجيح ما أمكن ترجيحه، كما كان من أهداف البحث الوصول إلى الحكم التّشريعيّة من هذه الآية الكريمة وآثار خلق الاستئذان النّفسيّ والتّربويّ والاجتماعيّ، وإنْ كان لا يعلمُ إلا الله تعالى بقدرته وعلمه حكمةَ وعظمةَ أوامره ونواهيه، فكان هذا البحث قد جمع بين التّفسير والفقه مع إسقاطهما على الواقع، واستنطاق النّصوص واستخراج فوائدها، وسعيُنا هذا عبارةٌ عن محاولةٍ لتقديم شرع الله تعالى إلى كلّ من أراد استجلاء مكنونه، والاغتراف من معينه الذي لا ينضب، والقرآن العظيم هذا الدّستور الذي لم تملّه العلماء ولم تنته الجنّ إذ سمعته فقالوا إنّا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرّشد فآمنّا به، فهو في حاجةٍ إلى من يَسبِر أغواره ويخرج كنوزه إلى المسلمين ليتمثّلوا ويطبّقوا ما جاء فيه كي يسعدوا به في دنياهم وأخراهم، ورمياً إلى هذا أردت أن أقدّمه إلى القارئ في صورةٍ مبسّطةٍ يمكن معها الاستفادة أكثر، فقد استهللتُ البحث (1/4)
صفحة 5
بوضع تمهيدٍ له، وقسّمت البحث إلى مبحثين، أوّلهما كان للدّراسة الشّكليّة للآية، وبعض خصائصها وتفسيرها التّفصيلي، وبه ثلاث مطالب، أمّا المطلب الأوّل فيحتوي على الشّرح اللّغوي والتّحليل وعلى النّكت البلاغيّة وعلى أوجه القراءات الواردة في الآية وإعرابها، والمطلب الثّاني يتضمّن المعنى الإجماليّ للآية ولطائفها، ومناسبة وأسباب نزولها، وما قيل في نسخها، وثالثها خصّصته للتّفسير التّفصيلي لما جاء في الآية الكريمة، أمّا بالنّسبة للمبحث الثّاني فكان للأحكام الشّرعيّة والحِكَم المستنبطة منها، وهو مقسّم إلى مطلبين، أوّلها في الأحكام، والثّاني لاستنباط الحِكَم والآثار النّفسيّة والتّربويّة والاجتماعيّة، وحوصلةً للموضوع وضعت خاتمةً له لخّصت فيها نتائج البحث، ثمّ أتبعتها بقائمةٍ للمصادر والمراجع المعتمدة في هذا البحث.
في الأخير أحمد الله تعالى على مدّ يد العون لي وتوفيقه لي بإكمال هذا العمل، وشكري إلى كلّ من دلّني وأرشدني إلى معلومةٍ من الأساتذة وغيرهم، فالله نسأل أن يلهمنا رشدنا ويسدّد خطانا إلى القول في شرعه بما يليق به ويجنّبنا الزّلاّت، فنعوذ بالله من الشّياطين ومغامزهم ومن أن يحضرونا، ونسأله أن يرزقنا أجر الاجتهاد بفضله ـ ءامين ـ .
_ وبه: إدريس بن محمّد مسعودي.
_ مسقط يوم السّبت 12 شوّال 1424هـ.
_ 06 ديسمبر 2003م.
تمهيد
من صفات الأمم المتحضّرة أن تكون لها في علاقاتها ببعضها آداب تمتاز بالرّقي وعادات حسنة يسيرون وفقها متميّزين عن غيرهم من الشّعوب الّتي تعاني الفساد والانحلال أو المتأخرّة في نموّها اجتماعيّاً. (1/5)
صفحة 6
فديننا الحنيف الّذي شرعه الله لنا من فوق سبع سماوات قد استوفى جميع هذه الآداب الّتي يجب أن يسير عليها الفرد المسلم، فوفّاها حقّها بالرّعاية الكاملة وجعلها موازية للذّوق السّليم الفطريّ، فمن هذه الآداب التّي سنّها: الاستئذان والتّحية، فهما الآن من مميّزات أهل الحضر والمدن، فهم لا يتسامحون فيها، وينعتون تاركها بقلّة الأدب والأخلاق، ولم يكن عندهم ظريفاً، غير أنّ الإسلام قد جاء بهذه منذ أجيال وقرون بعيدة، فقد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ ... } (1) ، وقوله في آية أخرى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لِيَسْتاذِنْكُمُ الذِينَ مَلكَتَ اَيمانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ... } (2) .
فالله تبارك وتعالى يؤدّب عباده المؤمنين بالآداب الجليلة و يدعوهم للتّخلّق بكلّ أدبٍ رفيعٍ، فيأمُرهم عند إرادة الدّخول إلى بيوت الغير بالاستئذان، والسّلام على أهل البيت، كما ينهاهم عن الدّخول بغير إذنٍ كي لا تقع عيونُهم على ما يسوء أهل البيت كالإطّلاع على عوراتهم أو على مكروهٍ لا يحبّه أهل البيت؛ لأنّ في الاستئذان والسّلام ما يدفع الرّيبة ويجعل الزّائر محترماً مكرّماً مستأنساً بِهِ (3) .
__________
(1) _ النّور:27.
(2) _ النّور:58.
(3) _ روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن: محمّد علي الصّابوني(معاصر)، الطّبعة الأولى، 1301هـ/1971م، مطبعة دار القلم، بيروت، لبنان، 02/128. (1/6)
صفحة 7
فقد أمر الله المؤمنين بأن يستأنسواْ بمراعاة الأوقات وأن يفكّروا جيّداً قبل القيام بالزّيارة كي تؤتي ثمارها المرجوّة منها، وأن لا يدخلوا البيت ولو كان فيه أهله إذا لم يأمروهم بالدّخول، ولا يدخلوه كذلك إذا كان خالياً من أحد، وقد فصّل في الأحكام وعدّدها بين من هو بالغ وبين من هم دون ذلك، ومن هو حرّ وبين من هو مملوك.
فبتطرّق الإسلام إلى مثل هذه الآداب يكون منهج حياة كامل، "فهو ينظّم حياة الإنسان في كلّ أطوارها ومراحلها، وفي علاقاتها وارتباطاتها، وفي كلّ حركاتها وسكناتها، ومن ثمّ يتولى الآداب اليوميّة الصّغيرة كما يتولّى بيان التّكاليف العامّة الكبيرة وينسّق بينها جميعاً ويتّجه إلى الله في النّهاية" (1) .
فالإسلام لم يغفل أيّ شيء، كيف وقد قال الله تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } (2) ، فالشّيء يحتمل كلّ ما هو موجود، فقد جاء الشّيء منكّرًا ثم نُفي، فهذا غاية في النّفي فسبحان من لا تخفى عنه خافيّة، لذلك لا مجال للاستغراب بما جاء به القرءان الكريم، فكلّما بحثنا وتدقّقنا في معانيه إلاّ واكتشفنا سراًّ آخر وحكمةً إلهيةً.
__________
(1) _ في ظلال القرآن: سيّد قطب،نشر دار الكتاب العربيّ، بيروت، لبنان، الطّبعة الخامسة، 1383هـ-1967م، دار إحياء التّراث العربي، بيروت لبنان، 18 /122.
(2) _ الأنعام: 38. (1/7)
صفحة 8
وفي بحثنا هذا سنحاول استنباط بعض الأحكام مع ذكر اختلافات العلماء إن وجدت وذلك في قوله تعالى في الآية 58 و59 من سورة النّور: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لِيَسْتَاذِنْكُمُ الذِينَ مَلكَتَ اَيمانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيَرةِ ومِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْراتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُواْ كَمَا اسْتَاذَنَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكيِمٌ } ، حيث أنّ هذه الآية في موضوع الاستئذان في دخول البيوت من ما ملكت اليمين والأطفال دون البلوغ، فالله نسأل أن يلهمنا رشدنا ويسدّد خطانا إلى القول في شرعه بما يليق به ويجنّبنا الزّلاّت، فنعوذ بالله من الشّياطين ومغامزهم ومن أن يحضرونا، ونسأله أن يرزقنا أجر الاجتهاد بفضله ـ ءامين ـ .
بين يدي السورة
الآيات السّابقة والمراد تفسيرها من سورة هي فيض من فيوضات رحمة الله وجوده على عباده، فيها أنوارٌ من أنوار الشّريعة والّتي قال فيها عمر بن الخطّاب يوصي أهل الكوفة: علّموا نساءكم سورة النّور، وقالت عائشة رضي الله عنها:لا تُنْزِلُوا النّساء الغرف ولا تعلمونهنّ الكتابة وعلموهنّ سورة النّور والمغزل (1) ،
__________
(1)
(
) _ الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاريّ القرطبيّ، المتوفّى سنة (671هـ/1273م)، نشر دار الكاتب العربي للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1387هـ/1967م، تصدرها وزارة الثّقافة، المؤسّسة المصريّة العامّة للتّأليف والنّشر، 12/158. (1/8)
صفحة 9
وهذا كلّه لأهمّيّتها في حياة المؤمن.
إنّها سورة النّور، ويكفي هذه السّورة عظمةً أن تستمدّ اسمها من أسماء الله الحسنى، ويذكر فيها النّور بلفظه متّصلاً بذات الله تعالى: { اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ } (1) ، ويذكر فيها النّور بآثاره ومظاهره في القلوب والأرواح (2) .
لقد أنزل الله هذه السّورة لتكون آياتها دستوراً عمليّاً للمسلمين في بعض جوانب حياتهم وتكلّمت عن علاقة الرّجل بالمرأة حيث يمنع انحرافها، لتخلق مناعةً داخليّةً، وهي تواجه بالرّدع القانونيّ الحاسم الذي يعاقب المنحرفين ويمنع الاتّهامات غير المسؤولة والإشاعات الطّائشة، فليس للإنسان أن يقول كلّ ما يعلمه من شؤون النّاس (3) .
ومن حيث مكّيّة السّورة ومدنيّتها فقال القرطبيّ أنّها مدنيّة بالإجماع (4) ، نقل الألوسيّ: أنّها مدنيّة كما أخرج ابن مردويه عن ابن عبّاسٍ، وابن الزّبير رضي الله تعالى عنهم، وحكى أبو حيان الإجماع على مدنيّتها ولم يستثن الكثير من آيها شيئاً (5) .
__________
(1) _ النّور: 35.
(2) _ في ظلال القرآن: 18/55،56.
(3) _ تفسير من وحي القرآن: سماحة آية الله العظمى السّيّد محمّد حسين فضل الله، دار الملاك للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانية، 1998م، بيروت، لبنان، 16/214.
(4) _الجامع لأحكام القرآن: 12/158.
(5) _ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسّبع المثاني: للعلاّمة أبي الفضل شهاب الدّين السّيد محمود بن عبد الله الحسينيّ الألوسيّ البغداديّ (1217هـ-1270هـ/1802م-1854م)، نشر وتصحيح، إدارة الطّباعة المنيريّة دار إحياء التّراث العربي، د ت، بيروت، لبنان، 18/74. (1/9)
صفحة 10
فقد اتّفق أهل العلم على مدنيّة السّورة، ومن قال: إنّها مكّيّة فإنّ الشّيخ الطّاهر بن عاشور (1) أرجع سبب ذلك بما وقع في نسخ تفسير القرطبيّ عند قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لِيَسْتاذِنْكُمُ الذِينَ مَلكَتَ اَيمانُكُمْ } في المسألة الرّابعة كلمة (وهي مكيّة) يعني الآية، فنسب الخفّاجي إلى القرطبيّ في حاشيّته على تفسير البيضاويّ (2)
__________
(1) _ محمّد الطّاهر بن عاشور (1296هـ-1393هـ/م-1973م): رئيس المفتين المالكيّين بتونس، وشيخ جامع الزّيتونة وفروعه بتونس، مولده ووفاته ودراسته بها، عيّن عام 1932م شيخاً للإسلام مالكيًّا، وهو من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة، له مصنّفات مطبوعة، من أشهرها، مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، وأصول النّظام الاجتماعي، والتّحرير والتّنوير في تفسير القرآن، وهو والد محمّد الفاضل، (الزّركليّ: 06/174).
(2) _ حاشية الشّهاب المسمّاة عناية القاضي وكفاية الرّاضي: للقاضي شهاب الدّين أحمد بن محمّد بن عمر الخفّاجيّ (ت: 1069هـ) على تفسير البيضاويّ للإمام أبي سعيد ناصر الدّين عبد الله بن عمر بن محمّد (ت: 691هـ)، تحقيق، الشّيخ عبد الرّزّاق المهدي، منشورات محمّد علي بيضون، الطّبعة الأولى، 1997م، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 07/03.. (1/10)
صفحة 11
وتبعه الألوسيّ أنّ تلك الآية مكيّة مع أنّ سبب نزولها الذي ذكره القرطبيّ صريح في أنّها نزلت بالمدينة، كيف وقد قال القرطبيّ في أوّل السّورة (مدنيّة بالإجماع) ولعلّه قد طرأ التّحريف حين النّسخ من تفسير القرطبيّ، وأنّ الصّواب الكلمة (وهي محكمة) بدل (وهي مكيّة) أي غير منسوخٍ حكمها، ومن آيات السّورة قصّة الإفك وهي نازلةٌ عقب غزوة بني المصطلق والأصحّ أنّها كانت سنة أربعٍ قبل غزوة الخندق (1) .
وهناك أدلّة أخرى ساقها صاحب التّحرير والتّنوير تدلّ على أنّ السّورة مدنيّة يطول المقام بذكرها، ولكنّ الخفّاجي يقول: أنّه لا وجه لقول القرطبيّ أنّ السّورة مكّيّة، كما أنّ الدّليل في الآية المدروسة حيث قال: إنّ الآية مدنيّة كالسّورة؛ لأنّ الغلام أنصاريّ والآية مصدّرة بـ (يا أيّها الذين آمنواْ) (2) .
فالسّورة في مجموعها اهتمّت بالقضايا العامّة والخاصّة الّتي تربّي بها الأفراد والجماعات، واشتملت على أحكامٍ وتوجيهاتٍ تتعلّق بالأسرة المسلمة الطّاهرة العفيفة الّتي تعتبر النّواة الأولى لبناء المجتمع، فهي تؤسّس لبنائها؛ لأنّها هي الخليّة الأولى في بناء حضارةٍ إسلاميّةٍ تستحقّ الاستخلاف في الأرض وتقوم به العقيدة قولاً وعملاً، جوهراً ومظهراً، ديناً ودنياً.
__________
(1) _ تفسير التّحرير والتّنوير: الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور (1296هـ-1393هـ/م-1973م)، الدّار التّونسيّة للنّشر، تونس، طبع سنة 1984م، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 18/139.
(2) _ حاشية الشّهاب: 07/86. (1/11)
صفحة 12
فمن الآداب الاجتماعيّة والأخلاق النّفسيّة والعائليّة والجماعيّة الّتي أوردتها السّورة قضيّة الاستئذان عند دخول البيوت، وغضّ البصر وحفظ الفرج، وحرمة اختلاط الرّجال بالنّساء الأجنبيّات وما ينبغي أن تكون عليه الأسرة المسلمة من العفاف والسّتر والطّهر حفاظاً عليها من التّفكّك والانهيار الخلقيّ الذي يهدّم الأمم والشّعوب بتهدّم تلك النّواة الأولى، وقد ذكرت هذه السّورة الكريمة بعض الحدود الشرعيّة كحدّ الزّنى وحدّ القذف وحدّ اللّعان، وكلّ هذه الأحكام شرعت حفاظاً على الأمّة من عوامل التّردّي في حفرة الإباحيّة والفساد، فقد عالجت ناحيّةً من أخطر النّواحي الاجتماعيّة ألا وهي الأسرة وما يحفّها من مخاطر لينقذها إلى شاطئ السّلامة (1) .
والمحور الذي تدور حوله السّورة كلّها هو محور التّربيّة والّتي تشتّد في وسائلها إلى درجة الحدود، وترقّ إلى درجة اللّمسات الوجدانيّة الرّقيقة الّتي تصل القلب بنور الله وآياته في ثنايا هذه الحياة والكون، والهدف في الشّدّة واللّين واحدٌ هو تربيّة الضّمائر واستجاشة المشاعر حتّى تتّصل بنور الله، وقد جمعت أنواعاً من الآداب والأخلاق وكلّها نابعةٌ من معين واحدٍ هو العقيدة في الله (2) .
ومحور هذه السّورة فيه خمسة أشواطٍ:
_الشّوط الأوّل: الإعلان الحاسم الّذي تبدأ به ويليه حدّ الزّنى ثمّ بيان حدّ القذف وعلّة التّشديد فيه ثمّ حديث الإفك، وينتهي بمشاكلة الخبيثين للخبيثات والطيّبين للطّيّبات.
_الشّوط الثّاني: يتناول وسائل الوقاية من الجريمة فيبدأ بآداب البيوت والاستئذان على أهلها والأمر بغضّ البصر والنّهي عن إبداء الزّينة والحضّ على إنكاح الأيامى، والتّحذير من دفع الفتيات إلى البغاء .
__________
(1) _ صفوة التّفاسير: محمّد علي الصّابوني (معاصر)، مكتبة جدّة، الطّبعة الخامسة، 1986م، دار القلم، بيروت، لبنان، 2/324.
(2) _ في ظلال القرآن: 18/55-56. (1/12)
صفحة 13
_الشّوط الثّالث: يتوسّط مجموعة الآداب السّابقة فيربطها بنور الله، ثم يتحدّث عن بيوت الله وفي الجانب المقابل يتحدّث عن الكافرين وأنّ أعمالهم كسرابٍ أو كظلمات بعضها فوق بعض، ثمّ يكشف عن فيوض من نور الله من تسبيح الخلائق لله، وإزجاء السّحاب وتقليب اللّيل والنّهار، وخلق الدّابة من ماء واختلافاتها العجيبة.
_الشّوط الرّابع: يتحدّث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطّاعة والتّحاكم ويصوّر أدب المؤمنين الخالص ويعدهم على ذلك بالاستخلاف في الأرض.
_الشّوط الخامس: يعود إلى آداب الاستئذان في محيط البيوت بين الأقارب[وعلاقة الزّيارة والطّعام بين الأقرباء والأصدقاء] (1) وإلى آداب الجماعة المسلمة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتتمُّ السّورة بإعلان ملكيّة الله لما في السّماوات والأرض وعلمه بواقع النّاس وأنّ رجعتهم إليه وحسابهم على ما يعلمه من أمرهم، وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ (2) .
__________
(1) _ زيادة رأيت من اللاّئق أن تدرج في النّص، وقد يكون المؤلف تركها غفلة.
(2) - في ظلال القرآن: 18 /56. (1/13)
صفحة 14
هذا عن السّورة وما جاء فيها عموماً، أمّا بحثنا هذا فهو بصدد تناول آيتين كريمتين نورانيّتين من هذه السّورة لقصر الجهد والمؤونة، وهما آيتا الاستئذان في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لِيَسْتَاذِنْكُمُ الذِينَ مَلكَتَ اَيمانُكمْ ... كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكيِمٌ } ، فهذه الآيتان اشتملتا على الاستئذان بين الأقارب بعضهم على بعض، أمّا ما تقدّم في أوائل السّورة من قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ... } ، فتناولت استئذان الأجانب بعضهم على بعض (1) .
فالآيتان المراد تفسيرهما قد خصّتا استئذان ما ملكت اليمين من العبيد والإماء والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، وما تنجرّ عليه من أحكام، وحكم الأطفال كذلك إذا بلغوا الحلم على اختلافهم أقاربًا كانوا أم أجانبًا.
- - - - - - -
عرض الآية:
قال تبارك وتعالى في الآية رقم: 58 و59 من سورة النّور:
{
__________
(1) _ تفسير القرآن العظيم: الإمام الجليل الحافظ عماد الدّين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشيّ الدّمشقيّ (701هـ-774هـ/1302م-1373م)، تصحيح وطبع لجنة من العلماء، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانيّة، 1379هـ-1970م، بيروت، 05/123. (1/14)
صفحة 15
يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لِيَسْتَاذِنْكُمُ الذِينَ مَلكَتَ اَيمانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيَرةِ ومِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُواْ كَمَا اسْتَاذَنَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكيِمٌ } .
-
المبحث الأوّل:
الدّراسة الشّكليّة للآية، وبعض الخصائص وتفسيرها التفصيليّ:
(وتندرج تحته ثلاثة مطالب):
المطلب الأوّل: الدّراسة الشّكليّة للآية.
المطلب الثّاني: بعض الخصائص.
المطلب الثّالث: التّفسير والبيان.
01_ المطلب الأوّل:
دراسة بعض ألفاظ الآية، ونكتها البلاغيّة، وأوجه القراءات (وبه ثلاثة فروعٍ):
الفرع الأوّل: اللّغة والتّحليل.
الفرع الثّاني: النّكت البلاغيّة.
الفرع الثّالث: أوجه القراءات وإعرابها.
الفرع الأوّل: اللّغة والتّحليل:
1_ الاسْتِئْذَانُ:
"أَذِنَ بالشَّيء كسمِع، إِذناً بالكسر، ويُحرّك أذاناً وأذانةً: علم به، فأذنوا بحرب، أي كونواْ على علمٍ، وآذنَه الأمر، وبه أعلَمَهُ" (1) .
__________
(1) _ القاموس المحيط: للعلاّمة مجد الدّين محمّد بن يعقوب الفيروز أبادي الشّيرازي (729هـ-817هـ/1329م-1415م)، نسخة مصوّرة عن الطّبعة الثّالثة للمطبعة الأميريّة، سنة 1301هـ، نشر الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، سنة 1977م، فصل الهمزة باب النّون، 04/192. (1/15)
صفحة 16
"وقد قُرِئَ فآذِنُوا بحربٍ من الله ورسوله، معناه: أي أَعْلِمُوا كلّ من لم يترك الرّبا بأنّه حرب من الله ورسوله ... أذنتُ لفلان في أمرِ كذا، وكذا آذن له إذناً، بكسر الهمزة وجزم الذّال، واستأذَنتُ فلاناً استئذاناً ... وآذَنتُه: أعلَمْتُه ... واستأذَنَه: طلب منه الإذن" (1) .
{ لِيَسْتَاذِنكُمُ } : اللاّم لام الأمر، واستأذن: طلب الإذن؛ لأنّ السّين والتّاء للطّلب مثل، استنصر: طلب النّصرة، واستغفر: طلب المغفرة، والاستئذان المذكور في الآية يراد به الإعلام بالحضور والسّماح للمستأذن بالدّخول" (2) .
2_ الحُلُمُ:
الحُلُم: الاحتلام في المنام، وهو دليل على بلوغ الصّبيّ، قال في القاموس: "الحلُم: الرّؤيا، جمعه أحلام، والحلم والاحتلام: الجماع في النّوم" (3) .
وفسّره الشّيخ أطفيّش بأنّه: "العقل الذي يعرف بعلامات البلوغ" (4) ، ومنه نقول بلغ الطّفل الحُلُم إذا بلغ سنّ التّكليف، بلوغ الصّبيّ هو حصول الحلم أي الماء الدّافق، وهو المنيّ الذي يخرج عن لذّة وتشهّي، ويكون في اليقظة والمنام (5) .
__________
(1) _ لسان العرب: للعلاّمة أبي الفضل جمال الدّين محمّد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصريّ، دار صادر للطّباعة والنّشر ، الطّبعة الأولى، 2000م، بيروت، لبنان، مادّة أذن، 01/78.
(2) _ روائع البيان: 02/202.
(3) _ القاموس المحيط: فصل الحاء باب الميم، 04/98.
(4) _ تيسير التّفسير للقرآن الكريم: العلاّمة الفقيه الشّيخ أمحمّد بن يوسف أطفيّش (قطب الأئمة)، وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، طبعة سنة 1407هـ-1987م، 09/147.
(5) _تلقين الصّبيان ما يلزم الإنسان: للعلاّمة المحقّق الإمام نور الدّين السّالميّ، مكتبة الضّامريّ للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الخامسة عشر، 2001م، سلطنة عمان، 23. (1/16)
صفحة 17
"وقال الرّاغب (1) : الحلم زمان البلوغ، وسمّي الحلم لكونه جديراً بالحلم، أي الأناة وضبط النّفس عن هيجان الغضب وفي النّفس منه شيء" (2) ، والصّحيح أنّ الحلم هنا بمعنى الجماع في النّوم وهو الاحتلام المعروف، وأنّ الكلام كناية عن البلوغ والإدراك، يقال: بلغ الصّبيّ الحلم، أي أصبح في سنّ البلوغ والتّكليف (3) .
3_ الظَّهِيرَةُ:
ظهر: "والظّهيرة: الهاجرة، وفي الحديث ذكر صلاة الظّهر ... وهو اسم لنصف النّهار، سمّي به من: ظهيرة الشّمس، وهو شدّة حرّها ... وهو شدةّ الحرّ نصف النّهار، قال:ولا يقال في الشّتاء ظهيرة، والظّهيرة حدّ انتصاف النّهار" (4) .
"هي حدّ انتصاف النّهار أو إنّما ذلك في القيظ وقت الظّهر" (5) ، ويقصدُ بالقيظ وقت الحرّ وهو الصّيف، والظّهيرة تبدأ من الزّوال وقت الظّهر، وهو ما يسمّى بالقيلولة.
4_ العِشَاءُ:
عَشَا: العَشَا، مقصور: سوء البصر باللّيل والنّهار ... والعشاء: أوّل الظّلام من اللّيل، وقيل: هو من صلاة المغرب إلى العتمة، والعشاءان المغرب والعتمة ... صلاة العشاء هي الّتي بعد المغرب، ووقتُها حين يغيب الشّفقُ (6) .
__________
(1) _ الرّاغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمّد بن المفضل(502هـ-1108م): أديب من الحكماء العلماء من أهل أصبهان، سكن بغداد، واشتهر حتّى كان يقرن بالإمام الغزالي، من كتبه: محاضرات الأدباء، وجامع التّفاسير، وقد أخذ عنه البيضاوي في تفسيره وكتب أخرى، (الزّركلي: 02/277).
(2) _ روح المعاني: 18/212.
(3) _ روائع البيان: 02/202.
(4) _ لسان العرب: مادّة ظهر، 09/200.
(5) - القاموس المحيط: فصل الظّاء، باب الرّاء، 02/80.
(6) _ لسان العرب: مادة عشا، 10/162. (1/17)
صفحة 18
العشاء: المراد بها العشاء الآخرة والعرب تسمّيها العَتَمَة وفي الحديث عن ابن عمر (1) : "لا تغلبنّكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنّما هي العشاء وإنّما يقولون العتمة لإعتامهم بالإبل" (2) ، والمغرب تسمّى العشاء الأولى أمّا العشاءين يعني المغرب والعشاء، وممّا ورد من الشّواهد الشّعريّة على تسميّتها بالعشاء ما قاله حسّان بن ثابت الأنصاريّ (3) :
_ وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعمٌ وشتاءُ
فدع هذا ولكن من لطيفٍ يؤرّقني إذا ذهب العشاءُ (4)
وقال في موضعٍ آخر:
_ مَنَعَ النَّومَ بالعشاءِ الهُمومُ خيالٌ إذا تغورُ النُّجُوم (5) ُ).
5- العَوْرَةُ:
__________
(1) _ أبو عبد الرّحمان عبد الله بن عمر بن الخطّاب (رضي الله عنهما): القرشي العدوي أسلم مع أبيه وهو دون الحلم وهاجر معه إلى المدينة، كان من أهل الورع والعلم، كان كثير الإتّباع لآثار الرّسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل كان أعلم الصّحابة بمناسك الحجّ، توفّي بمكّة سنة ثلاث وسبعين وهو ابن 84 سنة، وقد قتل بأمر من الحجّاج، (وفيات الأعيان: 03/28).
(2) _ منتخب كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، الذي بهامش مسند الإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي للطّباعة والنّشر، دت، 03/163.
(3) _ أبو الوليد حسّان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري الصحابيّ( ... -54هـ/ ... -674م): شاعر النّبي - صلى الله عليه وسلم - وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهليّة والإسلام، عاش ستّين سنة في الجاهليّة ومثلها في الإسلام، كان من سكّان المدينة، (الزّركلي: 02/175).
(4) _ ديوان حسّان بن ثابت الأنصاريّ: دار بيروت للطّباعة والنّشر، د ت، دار صادر، بيروت، 07.
(5) _ المصدر السّابق : 224. (1/18)
صفحة 19
"العَوَرُ: ذهاب حسّ إحدى العينين ... وعَوَرَت عينه إذا ذهب بصرها ... وكلّ أمرٍ يستحيا منه : عورة ... والعورة كلّ خلل يُتخوّف منه من ثغرٍ أو حربٍ، والعورة كلّ مكمنٍ للسّتر، وعورة الرّجل والمرأة: سوأتهما ... والنّساء عورة ... والعورة: السّاعة الّتي هي قمنٌ من ظهور العورة فيها، وهي ثلاثة ساعات: ساعة قبل صلاة الفجر، وساعة عند نصف النّهار، وساعة بعد العشاء الآخرة" (1) .
وقال الشّيخ الطّاهر بن عاشور: " ... ومنه عورة الحيّ وهي الجهة غير الحصينة منه بحيث يمكن الدّخول منها كالثّغر، قال لبيد (2) :
حتّى إذا ألقت يداً في كافرٍ وأجنّ عورات الثّغور ظِلامُها. (3)
وقال تعالى: { يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } (4) ، ثم أطلقت على ما يكره انكشافه كما هو الحال هنا، وكما سمّي ما لا يحبّ الإنسان كشفه من جسده عورة، وفي قوله: { ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } نصّ على علّة إيجاب الاستئذان فيها" (5) ، وهي كناية عن وضع اللّباس في ذلك الوقت وانكشاف العورة فيه لذلك أطلق عليها اسم العورة كنايةً.
__________
(1) _ لسان العرب: مادّة عور، 10/330.
(2) _ أبو عقيل لبيد بن ربيعة بن مالك العامري: أحد الشّعراء الفرسان الأشراف في الجاهليّة، من أهل عاليّة نجد، أدرك الإسلام، ووفد على النّبي - صلى الله عليه وسلم - ويعدّ من الصّحابة، ومن المؤلّفة قلوبهم، ترك الشّعر ولم يقل إلاّ بيتًا واحداً، سكن الكوفة، وعاش عمراً طويلاً، وأحد شعراء المعلّقات.
(3) _ رجال المعلّقات العشر: الشّيخ مصطفى الغلاييني، منشورات المكتبة العصريّة، الطّبعة الثّانيّة، صيدا، بيروت، 186.
(4) _ الأحزاب: 13.
(5) _ تفسير التّحرير والتّنوير: 18/294. (1/19)
صفحة 20
وزاد الفخر الرّازي (1) : "سمّى الله كل واحدة من تلك الأحوال عورة؛ لأنّ النّاس يختلّ حفظهم وتستّرهم فيها" (2) .
"العَوَرَات:جمع عورة، وحكم ما كان على فعله من الأسماء تحريك العين في الجمع نحو: جَفْنَة وجَفَنَات، إلاّ أنّ عامّة العرب كرهوا تحريك العين فيما كان عينه واوًا أو ياءً ... فأسكنوا وقالوا: عَوْرات وبيْضاتٍ، إلاّ أنّ هذيلاً حرّكوا العين منها فقالوا: عَوَراتٍ ولَوَزاتٍ وأنشد بعضهم:
أخُو بَيَضاتٍ رائحُ متأوّبٌ رفيقٌ بِمسْحِ المنكبَيْنِ سَبُوحُ
فحرّك العين من بيَضات والجيّد عند النحويّين الأوّل" (3) .
6_ الجُناحُ:
__________
(1) _ أبو عبد الله محمّد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التّميمي البكري، فخر الدّين الرّازي: الطّبرستاني الأصل، الرّازي المولد، المعروف بابن الخطيب، الفقيه الشّافعي، فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، له تصانيف كثيرة منها: تفسير القرآن العظيم، ولد في 25 رمضان 544هـ، وقيل 543هـ بالريّ، وتوفّي يوم الإثنين في عيد الفطر 606هـ بهراة، (وفيات الأعيان: 04/248).
(2) _ التّفسير الكبير: تأليف أبو عبد الله محمّد بن عمر بن حسين فخر الدّين الرّازي (544هـ-606هـ/1150م-1210م)، الطّبعة الثّالثة، د ت، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، 24/31.
(3) _ مجمع البيان في تفسير القرآن: الشّيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطّبرسي، منشورات دار مكتبة الحياة، د ت، دار مكتبة الحياة للطّباعة والنّشر، بيروت، لبنان، 19/72. (1/20)
صفحة 21
"جَنَحَ يَجْنَحُ ويَجنُحُ ويَجنِحُ جُنُوحاً: مَالَ" (1) ، قال ابن منظور: "جناح: مائلة عن القصد ... والجُناح بالضمِّ: الميل إلى الإثم، وقيل هو الإثم عامّة ... لا جناح عليكم، أي لا إثم عليكم ولا تضييق" (2) ، وقال الصّابوني: "الجُناحُ: بالضمِّ هو الإثم، وأصله من الجُنُوح وهو الميلُ عن القصدِ" (3) .
7- بَعْدَ:
"ولك أن تجعل بعد بمعنى: دون، أي في غير تلك الأوقات الثّلاثة كقوله تعالى: { فَمَنْ يَّهدِيه مِن بَعْدِ اللهِ } (4) " (5) .
8_ الطَّوَافُ:
"طَوَفَ: ... طاف بالقوم وعليهم طوْفاً وطَوفاناً ومطافاً وأَطافَ: استدار وجاء من نواحيه، وأطافَ فلان بالأمر إذا أحاط به ... والطّوَّافون: الخدم والمماليك ... والطَّائف: هو الخادم الذي يخدمك برفقٍ وعنايةٍ " (6) .
"طوّافون: جمع طوّاف بالتّشديد وهو الذي يدور على أهل البيت للخدمة، والطّواف في الأصل الدّوران حول الكعبة، ووصف هؤلاء الخدم بالطّواف؛ لأنّهم يذهبون في خدمة السّادة ويرجعون، ومنه الحديث في الهرّة حيث قال عليه السّلام: «إنّها ليست بنجسٍ، إنّما هي من الطّوّافين عليكم أو الطّوّافات» (7) ، والمراد في الآية أنّهم خدمكم يدخلون ويخرجون عليكم للخدمة فلا حرج عليكم ولا عليهم في الدّخول بغير استئذان في هذه الأوقات" (8) .
الفرع الثّاني: النُّكت البلاغيّة:
01_ النّكتة الأولى:
__________
(1) _ القاموس المحيط: فصل الجيم باب الحاء، 10/217.
(2) _ لسان العرب: مادّة جنح، 03/212.
(3) _ صفوة التّفاسير: 01/128.
(4) _ الجاثية: 23.
(5) _ التّحرير والتّنوير: 18/294.
(6) _ لسان العرب: مادّة طوف، 09/160.
(7) _ سنن التّرمذيّ وهو الجامع الصّحيح: الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة التّرمذي (209هـ-279هـ)، تحقيق وتعليق، إبراهيم عطوه عوض، دار إحياء التّراث العربي، أبواب الطّهارة، باب ما جاء في سؤر الهرّة، رقم الباب، 69، الحديث رقم، 92.
(8) _ روائع البيان: 02/204. (1/21)
صفحة 22
أ_ "للسّائل أن يقول: لم قال في الآية الأولى: الآيات، وفي الثّانية: آياته؟ والجواب: أنّه لمّا تقارب اللّفظ الواحد عدل عن تكراره بلفظ واحد فيما تقارب على عادة العرب في استثقالها تكرّر اللّفظ الواحد بعينه في بيت واحد من الشّعر أو ما تقارب من الكلام، ما لم يحمل على ذلك حامل من المعنى، فجيء بالآيات في الأولى معرّفا بالألف واللاّم للعهد ... وفي الآية الثّانية مضافاً إلى الضّمير المتّصل لتحصل نسبة الآيات لمن هي له تعالى، كانت الثّانية هي المضافة؛ لأنّها مع ما تعطيه من النّسبة مبيّنة للأولى بياناً تأكيديًّا، إذ من المعلوم أنّها آياته سبحانه وتعالى" (1) .
__________
(1) _ ملاك التّأويل القاطع بذي الإلحاد والتّعطيل في توجيه المتشابه اللّفظ من آي التّنزيل: الإمام الحافظ العلاّمة أحمد بن إبراهيم بن الزّبير الثّقفيّ العاصميّ الغرناطيّ، تحقيق، سعيد الفلاّح، نشر دار الغرب الإسلاميّ، بيروت، لبنان، الطّبعة الأولى، 1403هـ/1983م، طبع مطبعة المتوسّط، بيروت، لبنان، 02/887. (1/22)
صفحة 23
ب_ "قوله تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ } رقم 59، ختم الآية بقوله: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ آيَاتِهِ } ، وقبلها وبعدها الآيات رقم 58 و61 [ختمها بقوله تعالى: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ } وذلك] (1) لأنّ الذي قبلها والذي بعدها يشتمل على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى: { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيَرةِ ومِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَاءِ } رقم 58، وفي الأخرى: { مِنْ بُيُوتِكُمُ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمُ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُم ... } رقم 61، فعدّ فيها آياتٍ كلّها معلومة، فختم الآيتين بقوله: { لَكُمُ الآيَاتِ } ، ومثلها: { يَعِظُكُم اللهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُّومِنِيَن وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (2) ، يعني حدّ الزانيين وحد القاذف، فختم بـ (الآيات)، أمّا بلوغ الأطفال فلم يذكر له علامات يمكن الوقوف عليها، بل تفرّد سبحانه بعلم ذلك، فخصّها بالإضافة إلى نفسه، وختم كل آية بما اقتضى أوّلها" (3) .
__________
(1) _ زيادة للتّوضيح رأيت أن أدرجها.
(2) _ النّور: 17-18.
(3) _ أسرار التّكرار في القرآن: تاج القرّاء محمود بن حمزة بن نصر الكَرَمَاني، دراسة وتحقيق، عبد القادر أحمد عطا، دار بوسلامة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، 1983م، تونس، 152. (1/23)
صفحة 24
ولتوضيح التّوجيهيْن السّابقين نستعرضُ آيةً أخرَى من سورة البَقَرَة وهي قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } (1) ، وبعد آيتين يقول تعالى: { وَلاَ تَنْكِحُواْ المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُومِنَّ وَلأَمَةٌ مُّومِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوَ اَعْجَبَتْكُمْ ... وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } (2) .
فلعلّ _والله تعالى أعلم _ أنّ التّوجيهين الأوّلين ينطبقان على هذه الآية كذلك، فعلى التّوجيه الأوّل نجد أنّ الله تعالى ذكر (الآيات) في الأولى معرّفة بالألف واللاّم للعهد، و في الثّانية مضافة إلى الضّمير المتّصل ومنسوبة له تعالى، كما أنّها مبيّنة للأولى بياناً تأكيديًّا على أنّها آياته سبحانه وتعالى، وعلى التّوجيه الثّاني فإنّ الله تعالى ذكر الآيات معرّفة بالألف واللاّم؛ لأنّها تشتمل على علامات يمكن الوقوف عليها وذلك في منافع ومضارّ الخمر التّي ذكرتها الآية، والتّي قد درسها العلم ومحّصها وبيّن الضّار والنّافع منها وهي معلومة، أمّا في الآية الثّانية فذكرها مضافة إليه تعالى؛ لأنّه اختصّ بمعرفة المؤمنين والمشركين المعرفة الحقيقيّة إذ من الممكن أن تخفى حقيقتهم على البشر الذين لا يعلمون سرائر النّفوس ومكامن القلوب فهو تعالى من يعلم سرّها وهو أعلم بمن اتقى.
من هنا يتّضح لنا أنّ كلا التّوجيهين واردٌ وصالحٌ في هذه الآيات، ولعلّ التّوجيه الثّاني أقوى، ولأهل اللّغة والبلاغة والتّفسير أن يحكموا بصحّة هذا أو عدمه، أو ترجيح أحدهما على الآخر _ والله تعالى أعلى وأعلم _.
02_ النّكتة الثاّنيّة:
__________
(1) _ البقرة: 219.
(2) _ البقرة: 221. (1/24)
صفحة 25
قوله تعالى: { ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } ، إطلاق العورات على الأوقات الثّلاثة التّي يكثر فيها التّكشّف للمبالغة وكأنّ هذه الأوقات هي عورات، والجملة جاءت في سياق تبيين وجوب الاستئذان، فالمعنى هو أنّ هذه أوقات ظهور العورات فلا تدخلوا إلاّ بعد الاستئذان (1) .
الفرع الثّالث: أَوجُهُ القِرَاءَاتِ وإِعرَابُهَا:
من المعلوم أنّ كلّ زيادة في المبنى هي زيادة في المعنى، ومنه فكلّما اختلفت الرّوايات اختلفت التّفسيرات والتّأويلات، ففي هذا الجزء نحاول استعراض القراءات الواردة في هذه الآية وذكر اختلاف العلماء في إعرابها، مع إعراب بعض ما اتُّفِق في قراءته وذلك لزيادة الفهم والتّوضيح.
01_ { الحُلُمُ } : وهو كما بينّا معناه في مناسبة سابقة معتمدين في ذلك على ما قاله علماء اللّغة وأنّها تُنطق بضمّ اللاّم، أمّا بالنّسبة للقراءة فمعظمهم قرأها بضمّ حرف اللاّم على عادة العرب وهي قراءة الجمهور، غير ما قرأ به ابن عمر { الحُلْم } بالسّكون (2) .
زاد القرطبي (3)
__________
(1) _ روائع البيان: 02/207.
(2) _ أنموذج جليل في بيان أسئلة وأجوبة من غرائب آي التّنزيل: محمّد بن أبي بكر بن عبد الله القادر الرّازي، 02/87، الذي هو بهامش كتاب: إملاء ما منّ به الرّحمان من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن، للإمام الشّهير والعلاّمة النّحرير أبي البقاء عبد الله بن الحسين ابن عبد الله العكبري، د ت، المطبعة اليمنيّة، مصر.
(3) _ أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح القرطبي الأنصاري الخزرجي الأندلسي ( ... -671هـ/ ... -1273م): من كبار المفسّرين، صالح متعبّد،
من أهل قرطبة، رحل إلى الشّرق واستقرّ بمنية ابن خصيب بمصر، وتوفّي بها، من كتبه (الجامع لأحكام القرآن) في التّفسير، وغيرها، كان ورعاً متعبّداً، (الزّركلي: 05/322). (1/25)
صفحة 26
أنّ ممّن سكّنها الحسن بن أبي الحسن لثقل الضّمّة وكان أبو عمرو يستحسنها (1) .
02_ { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } : قرأها الجميع بالنّصب، ولم أجد في ذلك خلافاً، أمّا عن إعرابها ففيه أوجه، وهي:
أ _ "انتصب { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } على أنّه مفعول مطلق لِـ { لِيَسْتَاذِنْكُمُ } ؛ لأنّ مرّات في قوّة استئذانات" (2) .
ب_ "قوله تعالى: { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } ، مرّة: في الأصل مصدر، وقد استعملت ظرفًا فعلى هذا ينتصب (ثلاثَ مرات) على الظّرف والعامل (ليستاذن)، وعلى هذا في موضع (من قبل صلاة الفجر) ثلاثة أوجه (3) .
و(ثلاثَ مرّاتٍ) نُصب على الظّرف؛ لأنّهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثاً، إنّما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطنٍ، والظّرفيّة في (ثلاثٍ) بيّنة وهي ما ذكرته الآية من الأوقات ولا يجب أن يستأذن ثلاثَ مرّاتٍ في كلّ وقتٍ (4) .
03_ { مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ } : فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدها: النّصب، بدلاً من ثلاثٍ، والثّاني: جرٌّ، بدلاً من مرّاتٍ، والثّالث: رفعٌ، على أنّه خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هي من قبل وتمام الثّلاث معطوفٌ على هذا" (5) .
04_ { وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ } : عن أبدانكم، (حين) منصوبة على الظّرفيّة عطفاً على (من قبل)؛ لأنّ المعنى: وقتاً من قبل، أو على إبدال (من قبل) من مرّات بمعنى أوقات، فحين: مجرور مبني، ولو أضيف لمضارعٍ معربٍ كقوله تعالى: { هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ } (6) .
__________
(1) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/305.
(2) - التّحرير والتّنوير: 18/293.
(3) _ أنموذج جليل: 02/87.
(4) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/305.
(5) _ المصدر السّابق: 02/87، أنظر: التّحرير والتّنوير: 18/293.
(6) _ تيسير التّفسير: 09/145، أنظر: أنموذج جليل: 02/87. (1/26)
صفحة 27
05_ " { مِنَ الظَّهِيرَةِ } : يجوز أن تكون (مِن) لبيان الجنس، أي حين ذلك من وقت الظّهيرة، وأن تكون بمعنى: في، وأن تكون بمعنى: من أجل حرّ الظّهيرة " (1) .
06_ { ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } : قرأه الجمهور مرفوعاً (2) ، وقرأ أهل الكوفة غير حفص (3) بالنّصب (4) ، وقرأ حمزة (5) والكسائيّ (6) وأبو بكر (7)
__________
(1) _ أنموذج جليل: 02/87.
(2) _ التّحرير والتّنوير: 18/293.
(3) _ أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الأزدي ( ... -246هـ/ ... -860م): إمام القراءة في عصره كان ثقة ثبتاً ضابطاً، وله مؤلّفات عدّة، وهو أوّل من جمع القراءات، كان ضريراً، نسبته إلى "الدّور" محلّة ببغداد، (الزّركلي: 02/264).
(4) _ مجمع البيان: 19/71.
(5) _ حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل التّميمي الزيّات (80هـ-700م/156هـ-773م): أحد القرّاء السّبعة، كان عالماً بالقراءات، انعقد الإجماع على تلقّي قراءته بالقبول، قال الثّوري: ما قرأ حمزة حرفاً من كتاب الله إلاّ بأثر، (الزّركلي: 02/277).
(6) _ أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الكسائيّ الأسديّ بالولاء الكوفي: أحد القرّاء السّبعة، كان إماماً في النّحو واللّغة والقراءات، ولم تكن له يد في الشّعر، حتّى قيل: ليس في علماء العربيّة أجهل من الكسائيّ في الشّعر، روى الكسائيّ عن أبي بكر ابن عيّاش وحمزة الزيّات وغيرهم، كما روو عنه، توفّي سنة: 189هت بالريّ، وقيل: 182هـ.
(7) _ شعبة أبو بكر بن عيّاش بن سالم الأسديّ (95هـ-714م/193هـ-809م): المقرئ الفقيه، المحدّث، شيخ الإسلام وبقية الأعلام، اشتهر باسم شعبة، جوّد القرآن ثلاث مرّات على عاصم وحدّث عنه، وممّن حدّث عن شعبة الكسائيّ، (سير أعلام النّبلاء: 01/303).. (1/27)
صفحة 28
عن عاصم (1) كذلك بالنّصب، على البدل من (ثلاثَ مرات) (2) .
أمّا بالنّسبة لإعرابها فقال أبو عليّ (3) : من رفع كان خبر المبتدأ محذوفًا، كأنّه قال: هذا ثلاثُ عورات، فأجمل بعد التّفصيل، ومن نصب جعله بدلاً من قوله: (ثلاثَ مرات)، فإن قلت: إنّ قوله: (ثلاث مرات) زمان، بدلالة أنّه فُسِّرَ بزمان في الآية التي بيّنت الأوقات الثّلاث المنهيّ فيها الدّخول بدون استئذان، وليس العورات بزمان! فكيف يصحّ في حين أنّ العورات ليس بزمان؟ قيل: يكون ذلك على أن تضمر الأوقات فتقول: أوقات ثلاث عورات، فلمّا حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعراب المضاف (4) .
وقيل يعرب بالنّصب على البدل من الأوقات المذكورة أو من ثلاث الأولى أو على إضمار: أعني (5) .
__________
(1) _ أبو بكر عاصم بن أبي النّجود بهدلة: كان أحد القرّاء السّبعة المشار إليهم في القراءات، ممّن أخذ القراءة عنه أبو بكر ابن عياش وأبو عمر البزّار، توفّي عاصم في سنة 127 بالكوفة، (وفيات الأعيان: 03/09).
(2) _ التّحرير والتّنوير: 18/293.
(3) _ أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي (288هـ-377هـ/900م-987م): فارسيّ الأصل، أحد الأئمّة في علم العربيّة ولد في (فسا) من أعمال فارس، تجوّل في كثير من البلدان، صحب عضد الدّولة ابن بويه، فعلّمه النّحو، توفّي ببغداد، له تآليف في النّحو والقراءات وغيرها، (الزّركلي: 02/179).
(4) _ مجمع البيان: 19/71، أنظر: التّحرير والتّنوير: 18/293.
(5) _ أنموذج جليل: 02/87. (1/28)
صفحة 29
فجمهور السّبعة قرؤوا بالرّفع، والنّصب على البدل من الظّرف (ثلاث مرّات) قال أبو حاتم النّصب ضعيفٌ مردودٌ وقال الفرّاء: الرّفع أحبّ إليّ، قالّ وإنّما اخترت الرّفع؛ لأنّ المعنى: هذه الخصال ثلاثُ عوراتٍ، والرّفع عند الكسائي بالابتداء والخبر عنده ما بعده، ولم يقل بالعائد، وقال نصاًّ بالابتداء، قال: و(العوراتُ) السّاعاتُ الّتي تكون فيها العورة إلاّ أنّه قرأ بالنّصب، والنّصب فيه قولان: أحدهما أنّه مردودٌ على قوله: (ثلاث مرّاتٍ) ولهذا استبعده الفرّاء، وقال الزّجاج المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (1) .
"والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب" (2) .
__________
(1) _الجامع لأحكام القرآن: 12/305.
(2) _ تفسير القرآن العظيم: الإمام الجليل الحافظ عماد الدّين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشيّ الدّمشقيّ (701هـ-774هـ/1302م-1373م)، نشر دار الفكر، 1401هـ، بيروت، 18/163. (1/29)
صفحة 30
07_ { عَوْرَاتٍ } : لقد سبق دراسة كلمة (عورات) في اللّغة، وتبيّن لنا أنّ العرب استحسنت نطقها بتسكين الواو وذلك في كلّ ما كانت عينه واواً أو ياءً، أمّا بالنّسبة للقراءة المتواترة في هذه الآية فقد قرأها الجمهور بالفتح، إلاّ ما رُوي عن الأعمش (1) أنّه شذّ وقرأها { عَوَرَاتٍ } بفتح الواو (2) ، وقال الزّمخشري أنّها لغة هذيل (3) .
08_ " { لَكُمْ } : متعلّق بِـ (عورات) " (4) .
09_ { لَيْسَ عَلَيْكُمْ } : "فإن قلت ما محلّ ليس عليكم؟ قلت: إذا رفعت (ثلاث عورات) كان ذلك في محلّ الرّفع على الوصف، والمعنى: هنّ ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محلّ وكان كلاماً مقرّراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصّة" (5) .
__________
(1) _ أبو محمّد سليمان بن مهران الأعمش الكوفي، مولى بني كاهل من ولد أسد: الإمام المشهور كان ثقة عالما فاضلاً، روى عن عبد الله بن أبي أوفى حديثاً واحداً، ولقي كبار التّابعين رضي الله عنهم، وروى عن كثير من جلّة العلماء، وكان لطيف الخلق مزّاحاً، ولد بالكوفة سنة: 60هـ، وقيل: ولد يوم مقتل الحسين رضي الله عنه يوم عاشوراء سنة: 61هـ، توفّي في ربيع الأوّل 148هـ، وقيل: 147هـ، وقيل: 149هـ، (وفيات الأعيان: 02/400).
(2) _ مجمع البيان: 19/71.
(3) _ تفسير الكشّاف عن حقائق غوامض التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل: تأليف الإمام أبي القاسم جار الله محمود بن عمر بن محمّد الزّمخشري (467هـ/538هـ)، رتّبه وضبطه وصحّحه محمّد عبد السّلام شاهين، منشورات محمّد علي بيضون، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان، الطّبعة الثّالثة، 1424هـ-2003م، 03/246،
(4) _ التّحرير والتّنوير: 18/293.
(5) _ تفسير الكشّاف: 03/246. (1/30)
صفحة 31
10_ " { بَعْدَهُنَّ } : التّقدير: بعد استئذانهنّ فيهنّ، ثمّ حذف حرف الجرّ والفاعل فبقي بعد استئذانهنّ ثمّ حذف المصدر" (1) ، "وضمير { بَعْدَهُنَّ } عائد إلى (ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ) " (2) .
11_ "وقوله: { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } : خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم طوّافون، يعود على (الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُمْ)، والكلام استئناف بياني" (3) .
__________
(1) _ أنموذج جليل: 02/87.
(2) _ التّحرير والتّنوير: 18/293.
(3) _ التّحرير والتّنوير: 18/295. (1/31)
صفحة 32
وقد قرأ ابن أبي عبلة (1) (طَوَّافِينَ) بالنّصب على الحال (2) ، كما أجاز ذلك الفرّاء (3) ؛ لأنّه نكرة، والمضمر في (عليكم) معرفة، ولا يُجيزُ البصريّون أن يكون حالاً من المضمرَيْنِ اللّذَيْنِ في (عليكم) وفي (بعضكم) لاختلاف العاملين، ولا يجوز: مررت بزيدٍ ونزلت على عمرٍ العاقلَيْنِ، على النّعت لهما (4) .
12_ { بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } : فإن قيل: بم ارتفع (بعضُكم)؟ الجواب: بالابتداء وخبره (على بعض)، بمعنى: طائفٌ على بعضٍ، وإنّما حُذِف لأنّ طوّافين يدلّ عليه، ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمراً لتلك الدّلالة (5) .
"ويتعلّق قوله: { عَلَى بَعْضٍ } بخبر محذوف تقديره: بعضكم طواف على بعضٍ" (6) .
__________
(1) _ أبو إسماعيل إبراهيم بن أبي عبلة، واسمه شِمْر بن يقظان بن المرتحِل العقيليّ: كان الوليد بن عبد الملك يوجّهه إلى بيت المقدس يقسّم فيهم العطاء، وقال علي بن المدينيّ: كان أحد الثّقاة، وقيل صدوق، مات سنة 151هـ وقيل 152هـ، (تهذيب الكمال في أسماء الرّجال: 01/385، ر: 207).
(2) _ فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير: محمّد بن علي بن محمّد الشّوكانيّ اليمانيّ الصّنعانيّ ( ... -1250هـ/عمره 76 سنة)، د ن، رمضان 1350هـ، مطبعة مصطفى البابيّ الحلبي وأولاده، مصر، 04/49.
(3) _ أبو محمّد الحسن بن مسعود بن محمّد الفرّاء البغويّ (نسبة إلى بلدة في خراسان): الفقيه الشّافعي المحدّث المفسّر، كان بحراً في العلوم، صنّف في التّفسير، وأوضح المشكلات من قول النّبي - صلى الله عليه وسلم - وروى الحديث ودرّس، وصنّف كتباً كثيرةً،توفّي في شوّال سنة 510هـ بمرورود، وقيل 516هـ، (وفيات الأعيان: 02/136).
(4) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/306.
(5) _ تفسير الكشّاف: 03/246، أنظر التّفسير الكبير: 24/33.
(6) _ التّحرير والتّنوير: 18/295. (1/32)
صفحة 33
"وقوله تعالى: { بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } ، أي يطوف على بعض، فيجوز أن تكون الجملة بدلاً من الّتي قبلها وأن تكون مبيّنةً مؤكّدةً " (1) .
13_ { كَمَا اسْتَاذَنَ ... } : فالكاف نعت مصدر محذوف: أي استئذاناً كما استأذن الذين من قبلهم (2) .
02_ المطلب الثّاني:
الآية، لطائفها، مناسبتها، أسباب نزولها، وما قيل في نسخها
(وبه ستّة فروعٍ):
الفرع الأوّل: المعنى الإجمالي للآية.
الفرع الثّاني: لطائف التفسير.
الفرع الثّالث: مناسبة الآية لما قبلها.
الفرع الرّابع: أسباب نزول الآية.
الفرع الخامس: تخصيص الآية.
الفرع السّادس: ما قيل في أن الآية ناسخة ومنسوخة.
الفرع الأوّل: المعنى الإجماليّ للآية:
لقد سبقت في أوائل السّورة أحكام الاستئذان للدّاخل إلى البيوت، أمّا هذه الآيات فهي تبيّن أحكام الاستئذان داخل البيوت نفسها، فيقول جلّ ثناؤه ما معناه:
يا أيّها المؤمنون الذين صدّقوا بالله ورسوله وأيقنوا بشريعة الله نظاماً، ودستوراً ومنهاجاً، ليستأذنكم خدمكم ممّا ملكت أيمانكم وأطفالكم دون الحلم في ثلاث أحوال:
الأولى: من قبل صلاة الغداة؛ لأنّ النّاس إذ ذاك يكونون نياماً في فرشهم، وفي ثياب النّوم عادةً أو بصدد تغييرها بلباس الخروج.
والثّانيّة: حين تضعون ثيابكم من الظّهيرة، أي في وقت القيلولة، وهو عرضة لتغيير الملابس للرّاحة؛ ولأنّ الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله.
والثّالثة: من بعد صلاة العشاء؛ لأنّه وقت النّوم وخلع الثّياب لغرض ارتداء ثياب اللّيل، والّتي عادةً ما تكون خفيفةً مّما تسهّل انكشاف العورة، ولهذا يؤمر الخدم والأطفال أن لا يدخلوا البيوت في هذه الأحوال دون استئذان؛ لأنّها أوقات يختلّ فيها التّستّر، والتّكشّف فيها غالب، ولما يخشى من أن يكون الرّجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال.
__________
(1) _ أنموذج جليل: 02/87.
(2) _ فتح القدير: 04/49. (1/33)
صفحة 34
ولماّ قال تعالى: { ثَلاَثُ عَوْراتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } ، أي إذا دخلوا في غير هذه الأحوال فلا جناح عليهم إذا رأوْا شيئاً فيها؛ لأنّه قد أذن لهم في الدّخول بنصّ الآية، وأباح لهم الدّخول بغير استئذان؛ لأنّهم يقومون على خدمتكم والله لا يكلّفكم ما فيه حرجٌ أو ضيقٌ عليكم، فلذلك يغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم من البالغين والأجانب (1) .
ثّم قال: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم، أي إذا بلغ الأطفال الذين كانوا يستأذنون في العورات الثّلاث فقط، إذا بلغوا الحلم وجب عليهم أن يستأذنوا على كلّ حال كالكبار، وفي قوله: كما استأذن الذين من قبلهم، يعني كما استأذن الكبار من ولد الرّجل وأقاربه، وكما هو شأن سائر الرّجال، فحين يدركون سنّ البلوغ فإنّهم يدخلون في حكم الأجانب الذين يستأذنون في كلّ وقتٍ كما نصّت عليها الآية، فيجب تعليمهم الأدب السّامي ألاّ يدخلوا عليكم إلاّ بعد الاستئذان، كما أمر الكبار من قبل، وذلك هو أدب الإسلام الذي ينبغي أن يتمسّك به المؤمنون.
وتعقيب لهذا التّأديب يبيّن أنّ الله عليم حكيم، يأمر بما فيه الحكمة والصّواب؛ ولأنّ المقام مقام علم الله بنفوس البشر وما يصلحها من الآداب، ومقام حكمته تعالى في علاج النّفوس والقلوب فهو سبحانه وحده يتفرّد بعلم مقتضيات الأمور ويبيّن آياته للنّاس وهو جلّ وعلا العليم الحكيم (2) .
الفرع الثّاني: لطائفُ التّفسير:
01_ اللّطيفة الأولى:
__________
(1) _ تفسير القرآن العظيم: (طبعة سنة 1379هـ)، 05/123، أنظر روائع البيان: 02/705، وانظر في ظلال القرآن: 18/123، وانظر التّفسير الحديث: محمّد عزّة دروزة، طبعة سنة، 1383هـ/1963م، طبع مطبعة عيسى البابيّ الحلبيّ وشركاه، 10/74.
(2) _ تفسير القرآن العظيم: (طبعة سنة 1401هت)، 05/125، أنظر في ظلال القرآن: 18/123، وانظر روائع البيان: 03/705. (1/34)
صفحة 35
قال الصّابوني إنّ: "تصدير الخطاب بلفظ الإيمان مشعر بعلوّ مكانة المؤمن عند الله، فالمؤمن أهل للتّكليف والخطاب، والكافر كالدّابة والحيوان ليس بأهل للتّكريم أو الخطاب، وصدق الله إذ يقول: { أُوْلاَئِكَ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ } ، وهذا هو السّرّ في نداء المؤمنين بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا } " (1) .
وقال الشّيخ بيّوض (2) : إنّه لمّا كان المؤمنون يراقبون الله فيما يفعلون ويذرون، ويسيّرهم إيمانهم الذي تمكّن فيهم ناداهم الله باسم هذا الإيمان (3) .
02_ اللّطيفة الثّانية:
__________
(1) _ روائع البيان: 02/130.
(2) _ الشّيخ بيّوض: إبراهيم بن عمر بيّوض (1899م/1401هـ-1981م)، ولد بالقرارة ولاية غرداية في وادي ميزاب بالجزائر، كان والده من أعيان الإصلاح في البلد، استظهر القرآن قبل البلوغ، أخذ مبادئ الفقه والعربيّة عن مشائخه الحاج إبراهيم البريكي وأبو العلا عبد الله والشّيخ بالحاج عمر بن يحي، وكان ذكيّاً وذلقاً فناب شيخه في بعض دروسه، دخل عضواً في حلقة العزّابة ثمّ عيّن شيخاً واعظاً وبعدها مفتياً، ترأّس مجلس العزّابة بعد فترة، أسّس معهد الشّباب الإسلامي، درّس فتح الباري شرح صحيح البخاري، وقبله شرح مسند الرّبيع وغيره، كما فسّر القرآن الكريم كدروس تلقى في المسجد مدّة 27 عاماً، وهو رائد النّهضة العلميّة الإصلاحيّة بالجنوب الجزائريّ، وكان ممّن حمل على عاتقه القضيّة الوطنيّة خلال الثّورة التّحريريّة، (معجم أعلام الإباضيّة: 02/36).
(3) _ في رحاب القرآن: فضيلة الشّيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1316هـ-1401هـ/1899م-1981م)، نقله عن الشّريط المسجّل تلميذه، عيسى بن محمّد الشّيخ بالحاج، ولخصّه وأخرجه تلميذه الشّيخ ناصر بن محمّد مرموري، الطّبعة الأولى، 1980م، طبع المطبعة العربيّة، غرداية، 138. (1/35)
صفحة 36
قوله تعالى: { مِنْكُمْ } يدلّ على أنّ المراد به الأطفال من الأحرار؛ لأنّه تعالى قد ذكر العبيد والإماء بقوله: { مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ } ثمّ أضاف { مِنْكُمْ } فدلّت هذه المقابلة على أنّ المراد به هم الصّغار الأحرار (1) .
03_ اللّطيفة الثّالثة:
قوله تعالى: { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } ، لم يرد بها أنّ الاستئذان ثلاث مرّات، وإنّما في ثلاث أوقاتٍ، بدليل ذكره بعد ذلك ثلاث أوقات وهي: الفجر والظّهيرة والعشاء (2) .
قال أبو السّعود (3) : "(ثلاث مرّات) أي: ثلاثة أوقاتٍ في اليوم واللّيلة والتّعبير عن الأوقات بالمرّات للإيذان بأنّ مدار وجوب الاستئذان مقارنةُ تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا أنفسها" (4) .
04_ اللّطيفة الرّابعة:
__________
(1) _ روائع البيان: 02/207.
(2) _ المصدر السّابق: 02/207.
(3) _ أبو السّعود محمّد بن محمّد بن مصطفى العماديّ (898هـ-982هـ/1493م-1574م): مفسّر شاعر، من علماء التّرك المستعربين، ولد بقرب القسطنطينيّة ودرس ودرّس في بلادٍ متعدّدة، وتقلّد القضاء في (بروسة) وغيرها، وأضيف إلى الإفتاء سنة 952هـ، وكان حاضر الذّهن سريع البديهة، وهو صاحب التّفسير المعروف باسمه، وله عدّة رسائل، (الزّركلي: 07/59).
(4) _ تفسير أبي السّعود المسمّى إرشاد العقل السّليم إلى مزايا القرآن الكريم: لقاضي القضاة الإمام أبي السّعود محمّد بن محمّد العماديّ ( ... /951هـ)، نشر دار إحياء التّراث العربي، بيروت، لبنان، د ت، 06/193. (1/36)
صفحة 37
قوله تعالى: { وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيَرةِ } ، صرّح تعالى في هذا الوقت بخلع الثّياب وهذا في الظّهيرة وقت القيلولة وعبّر بقوله: { حِينَ } وهي تفيد التّقليل في هذا الموضع، كما أنّه لم يذكر وضع الثياب في الوقتين الآخرين وذلك لوضوح أنّ وضع الثّياب فيها غالبٌ وكثيرٌ لا يحتاج إلى تصريح، فإذا نهى عن الدّخول بدون استئذان في الظّهيرة فالوقتين الآخرين أولى (1) .
05_ اللّطيفة الخامسة:
قوله تعالى: { فَلْيَسْتَاذِنُوا } ، وذلك بعد بلوغ الأطفال الحلم، ولم يقل: فليستأذنوكم، كما قال في الأولى: { لِيَسْتَاذِنْكُمُ } ، بسبب أنّ الأطفال غير مخاطبين ولا متعبّدين قبل بلوغهم، أمّا وقد بلغوا الحلم فهم مخاطبون بالشّرع ومتّعبدون بأوامره ونواهيه، فالتّكليف عليهم واقعٌ، فدقّق النظر (2) .
06_ اللّطيفة السّادسة:
__________
(1) _ روائع البيان: 02/207.
(2) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/308. (1/37)
صفحة 38
بعد أن ذكّرنا الله تعالى بما ذكّرنا به ووعدنا بما وعدنا به إن نحن أقمنا شعائر الله ابتغاء وجهه، يرجع بنا إلى بقيّة الأحكام التّي تتعلّق بصيانة الأمر وتأديبها بالآداب الإسلاميّة العاليّة، وهذه طريقة القرآن البديعة فهو يخلّل الأحكام والقوانين بالوعظ والإرشاد حتّى يحدث في قلوب المؤمنين خلُق المراقبة والتّقوى، فيطبّقون هذه الأحكام خوفًا منه تعالى طواعيّةً وطمعًا في رحمته وجنّته، فليست الصّلاة و الزّكاة والصّوم وغيرها من الأعمال الصّالحات محقّقة معنى العبادة وروحها ما لم يكن المراد منها وجه الله تعالى وامتثال أمره، حتّى إذا سئل أحدنا: لماذا فعلت كذا أو تركت كذا؟ يقول: امتثالاً وطاعةً لأمر الله، وذلك ما يريده الله تعالى منّا، على عكس كتب القوانين فهي تسردها سردًا جافًّا لا يتخلّلها شيء من التّذكير فهي تعتمد على الزّجر فقط، فشتّان بين الطّريقتين وما أبعد بينهما (1) .
الفرع الثّالث: مناسبة الآية لما قبلها:
"الآيات الّتي تقدّمت في صدر السّورة كانت في بيان حكم الزّنى وبيان ضرره وخطره، وبيان أنّه قبيح ومحرّم وأنّ مرتكبه يستحقّ العذاب والنّكال وما يتعلّق به من أحكام، ولمّا كان الزّنى طريقه النّظر والخلوة والإطّلاع على العورات...وكان دخول النّاس في غير بيوتهم مظنّة حصول ذلك كلّه أرشد الله عزّ وجلّ عباده إلى الطّريقة الحكيمة الّتي تجب أن يتّبعوها إذا أرادوا دخول هذه البيوت، حتّى لا يقعوا في ذلك السّرّ الوبيل والخطر الجسيم، الذي يقضي على أواصر المجتمع، ويدمّر الأسر ويشيع الفحشاء بين النّاس" (2) .
__________
(1) _ في رحاب القرآن، (طبعة سنة 1980م): 138.
(2) _ روائع البيان: 02/129. (1/38)
صفحة 39
فما أرشد الله إليه من الآداب والضّوابط الّتي تنظّم علاقة الزّائر والدّاخل على البيوت في أوّل السّورة في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ... } (1) كذلك أرشد في هذا الموضع إلى نفس الآداب لكن مع فئةٍ هي من أشدّ الفئات مخالطةً ومعاملةً وهم الأطفال والخدم وأتباع العائلة، وذلك داخل البيوت نفسها عندما يريدون الدّخول إلى الغرف والبيوت الخاصّة بالأفراد، وذلك درءاً ومنعاً لأيّة نظرةٍ طائشةٍ قد تتبع من ورائها نظراتٍ ثمّ تورث بعدها العبرات.
ففي الآية استئناف انتقاليّ إلى غرضٍ من أحكام المخالطة والمعاشرة وهو عود إلى الغرض الذي ابتدأت به السّورة في أحكام الاستئذان على البيوت، حيث يبيّن هنا أحكام الاستئذان داخل البيوت، كما ننبّه على أنّ الآية (31) من هذه السّورة أباحت للمرأة إبداء زينتها ومفاتنها للأطفال الذين لم يبلغوا سنّ الشّهوة وللعبيد، فالظّاهر أنّ هذه الإباحة استتبعت إساغة دخول هؤلاء على النّساء في أيّ وقتٍ وبدون استئذانٍ، فكانت المراجعة حيث نزلت الآيات للاستدراك، وجاءت عبارتها مطلقةً ليشمل التّأديب الذي احتوته الرّجال والنّساء معاً، وهو تأديبٌ رفيعٌ في التزام واجب الحشمة والحياء حتّى أمام الأطفال والخدم (2) .
الفرع الرّابع: أسباب نزول الآية:
"الواقع توجد روايات متعدّدة للمفسّرين في أسباب نزول هذه الآيات وإكمالاً للفائدة العلميّة والتّربية القرآنيّة نستعرضها كلّها" (3) .
__________
(1) _ النّور: 27.
(2) _ التّفسير الحديث: 10/75.
(3) _ أنوار من سورة النّور: الدّكتور محمّد صالح ناصر (معاصر)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الطّبعة الثّانية، 1414هـ-1993م، مطبعة النّخلة، بوزرّيعة، الجزائر، 185. (1/39)
صفحة 40
01_ "قال ابن عبّاس (1) : وجّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلاماً من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو (2) إلى عمر بن الخطّاب_ رضي الله عنه _ وقت الظّهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر بحالةٍ كره عمر رؤيته ذلك، فقال يا رسول الله وددت لو أنّ الله تعالى أمرنا ونهانا في حال الاستئذان، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (3) .
"وفي رواية: ثم انطلق _ أي عمر_ إلى رسول الله فوجد هذه الآية قد أنزلت، فخرّ ساجداً شكراً لله، وهذه إحدى موافقات رأي عمر للوحي" (4) .
__________
(1) _ أبو عبّاس عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب (03 ق هـ-619م/68هـ-687م): القرشي الهاشمي، حبر الأمّة، الصّحابيّ الجليل، ولد بمكّة، ونشأ في بدء عصر النّبوّة، فلازم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه نحو 1660 حديثاً، كفّ بصره في آخر حياته، فسكن الطّائف وتوفّي بها، قال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن بن عبّاس، (الزّركلي: 04/95).
(2) _ مدلج بن عمرو ذكر في لسان الميزان باسم: مدلاج بن عمرو السّلمي، وقال: لا يدرى من هو، وقيل: أنّه من أهل بدر، ولم يتخلّف عن ذكره أحد ممّن صنّف في الصّحابة، وذكر ابن عبد البرّ أنّ بعضهم سمّاه مدلج بن عمرو وأنّ بعضهم نسبه أسلمياًّ، (لسان الميزان: 06/15).
(3) _ أسباب النّزول وبهامشه النّاسخ والمنسوخ: تأليف الإمام أبي القاسم هبة الله بن سلامة أبي نصر، تصنيف الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النّيسابوريّ، د ت، دار المعرفة بيروت، لبنان، 248.
(4) _ التّفسير المنير في العقيدة والشّريعة والمنهج: الدّكتور وهبة الزّحيليّ (معاصر)، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، الطّبعة الأولى، 1411هـ-1991م، دار الفكر، دمشق، سوريّة، 18/291. (1/40)
صفحة 41
02_ "روي عن مقاتل بن حيّان (1) أنّه قال: بلغنا أنّ رجلاً من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنّبي - صلى الله عليه وسلم - طعاماً فقالت أسماء: يا رسول الله، ما أقبح هذا ؟ إنّه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد_ غلامهما_ بغير إذن، فأنزل الله في ذلك هذه الآية يعني بها العبيد والإماء" (2) .
ولقد أورد ابن كثير بدل أسماء بنت مُرشِدة في الأثر أسماء بنت مُرشِد، واختلف الاسم كثيرا مع نفس الأثر والذي حكاه صاحب التّفسير الكبير وهو أسماء بنت أبي مرثد (3) .
03_ "عن السّديّ (4) قال: كان أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه السّاعات فيغتسلوا ثمّ يخرجوا إلى الصّلاة فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان ألاّ يدخلوا عليهم في تلك السّاعات إلاّ بإذنه" (5) .
__________
(1) _ أبو بِسطام مقاتل بن حيّان النّبطيّ البلخيّ الخرّاز: مولى بكر بن وائل، ثقة صالح، له أربعة إخوة وهم من أهل بلخ، كان ناسكاً فاضلاً، مات بكابل، مات قبل 150هـ، (تهذيب الكمال، 18/339، ر:6754).
(2) _ فتح البيان في مقاصد القرآن: العلاّمة المحقّق صديق حسن خان (1307هـ)، النّاشر عبد المحيي علي محفوظ، د ت، مطبعة العاصمة، شارع الفلكي، القاهرة، 06/ 398.
(3) _ التّفسير الكبير: 24/29.
(4) _ إسماعيل بن عبد الرحمان السّديّ ( ... - 128 هـ / ... -745 م): تابعيّ، حجازيّ الأصل، سكن الكوفة، قال فيه ابن تغري بردي: "صاحب التّفسير والمغازي والسّير وكان إمامًا عارفاً بالوقائع وأيّام النّاس"، (الزّركلي: 01/317).
(5) _ فتح البيان في مقاصد القرآن: 06 / 398. (1/41)
صفحة 42
04_ "وقال الزّهري (1) : يستأذن الرّجل على أمّه، وفي هذا نزلت هذه الآية" (2) .
"والرّوايات محتملة الصّحة؛ لأنّ التّشريع والتّأديب القرآنيّ كان ينزل في كثير من الظّروف جواباً على الأسئلة والاستفتاءات والمراجعات على ما مرّ في مناسبات كثيرة، وعلى كلّ حال فالآيتان فصل تشريعيّ واحد احتوى ما شكي للنّبي - صلى الله عليه وسلم - منه، واحتوى تتمّة له " (3) .
الفرع الخامس: تخصيص الآية:
وبمفهوم الزّمان بين الآيتين يقتضي التّخصيص لقوله تعالى: { لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } ؛ لأنّ ذلك عامّ في الأشخاص والأوقات، لذلك يكون قوله تعالى: { الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ } إلى قوله: { وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ العِشَاءِ } وهي تقتضي استئذانهم في هذه الأوقات وعدم الاستئذان في غيرها، فكان المفهوم مخصّصًا لعموم النّهي في قوله: { لاَ تَدْخُلُواْ } ، وهذا الأمر مخصّص عموم قوله تعالى: { مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُهُنَّ } (4) وعموم قوله: { أَوِ الطِّفْلِ الذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } من قوله: { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } (5) .
وقال القرطبيّ: إنّ في هذه الآية تخصيص بعض المستأذنين المذكورين في آية الاستئذان الأولى، كما أنّه يُتأوّل في الأولى جميع الأوقات عموماً، وخصّ في هذه الآية بعض الأوقات (6) .
__________
(1) _ أبو بكر محمّد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزّهري (58هـ-678م/124هـ-742م): من بني زهرة بن كلاب من قريش، أوّل من دوّن الحديث، وأحد أكابر الحفّاظ والفقهاء، تابعيّ، من أهل المدينة، مات بشَغْب بين الحجاز وفلسطين، (الزّركلي: 07/97).
(2) _ فتح القدير: 04/50.
(3) - التّفسير الحديث: 10/75.
(4) _ النّور: 31.
(5) _ التّحرير والتّنوير: 18/291-292.
(6) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/302. (1/42)
صفحة 43
الفرع السّادس: ما قيل في أنّ الآية ناسخة ومنسوخة:
01_ الخلاف في نسخ الآية لما قبلها:
أ_ القائلون بعدم نسخها لما قبلها:
قال الفخر الرّازيّ: من النّاس من قال: الآية الأولى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } ، أُريدَ بها المكلّف لأنّه خطاب لمن آمن، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلّف، فقيل فيه: إنّ في بعض الأحوال لا يدخل إلاّ بإذن، وفي بعضها بغير إذن، فلا وجه لحمل ذلك على النّسخ؛ لأنّ ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثّانية أصلاً (1) .
ب_ القائلون بنسخها لما قبلها:
ومن النّاس من قال: إنّ في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ... } دلالة على أنّ الاستئذان واجبٌ في كلّ حال، وصار منسوخاً بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثّلاثة (2) .
والشّيخ الطّاهر بن عاشور يقول: إنّه إذا صحّ أنّ ما روي عن أسماء بنت مرثد هو سبب النّزول كانت الآية نسخاً لعموم قوله تعالى: { أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُهُنَّ } وعموم قوله تعالى: { أَوِ الطِّفْلِ } ؛ لأنّها تقتضي أنّه عمل بالعموم ثمّ خصّص بعد ذلك بهذه الآية، والتّخصيص كما نعلم إذا ورد بعد العموم صار العامّ منسوخاً (3) .
في الآية السّابقة في موضوع الاستئذان قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ... } ثمّ قال: { أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ } فاستثنى ما ملكت اليمين من المحظور، ثمّ استثنى في ملك اليمين هذه الأوقات الثّلاثة، فلا يدخل العبد كيفما كان ولا أمةً إلاّ بعد استئذان (4) .
02_ الخلاف في أنّ الآية منسوخة أو محكمة:
__________
(1) _ التّفسير الكبير: 24/32.
(2) _ المصدر السّابق: 24/32.
(3) _ التّحرير والتّنوير: 18/292.
(4) _ أحكام القرآن لابن العربي: 03/1397. (1/43)
صفحة 44
أ_ القائلون بأن الآية منسوخة:
فقد زعم البعض أنّ حكم الاستئذان في الأوقات الثّلاثة منسوخٌ بدليل جريان عمل الصّحابة والتّابعين في الصّدر الأوّل على خلاف ذلك، أو أنّه كان يُعمل بها عند عدم وجود ستورٌ للبيوت (1) .
ب_ القائلون بأن الآية محكمة:
__________
(1) _ التّفسير المنير: 18/293، أنظر: روائع البيان: 02/211-212. (1/44)
صفحة 45
ورُدَّ على الفريق الأوّل بأنّ هذه الآية كان العمل بها جارياً في الصّدر الأوّل؛ لأنّه لم تكن لهم أبوابٌ تغلق ولا ستورٌ ترخى، واستدلّوا بما روي: "أنّ نفراً من أهل العراق سألوا ابن العبّاس فقالوا: يا ابن العبّاس! كيف ترى في هذه الآية الّتي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد؟ قول الله عزّ وجلّ: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لِيَسْتَاذِنْكُمُ ... } ، قال ابن عبّاس: إنّ الله حليمٌ رحيمٌ بالمؤمنين يحبّ السّتر، وكان النّاس ليس لبيوتهم ستورٌ ولا حجالٌ (1) ، فربّما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرّجل، والرّجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم الله بالسّتور والخير، فلم أر أحداً يعمل بذلك بعد" (2) ، والصّحيح أنّ الآية ليست منسوخة، وكلام ابن عبّاس لا يدلّ على النّسخ، فالأمر بالاستئذان عنده كان متعلقاً بسبب فلمّا زال السّبب زال الحكم، وهذا يدلّ على أنّه لم ير الآية منسوخة، وأنّ مثل ذلك السّبب لو عاد لعاد الحكم وهذا ليس بنسخ (3) .
__________
(1) _ الحجال: الحجَلَة بالتّحريك، هو بيت كالقبّة يستر بالثّياب ويكون له أزرار كبار، وحجلة العروس معروفة وهي بيت يزيّن بالثّياب والأسرّة والسّتور، (لسان العرب: 04/45).
(2) _ سنن أبي داود: تصنيف وجمع الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزديّ السّجستانيّ رحمه الله، وعليه تعليقات لفضيلة الأستاذ الشّيخ أحمد سعد علي، الطّبعة الأولى، 1371هـ-1952م، ملتزم الطّبع والنّشر شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ وأولاده، مصر، باب الاستئذان في العورات الثّلاث، 02/640.
(3) _ روائع البيان 02/211-212. (1/45)
صفحة 46
عن ابن عبّاس: ثلاث آياتٍ جحدهنّ النّاس: الإذن كلّه، والآية (13) الّتي في الحجرات: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ } فقال ناس: أعظمكم بيتاً، والآية (08) الّتي في سورة النّساء: { وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُوْلُواْ القُرْبَى } (1) .
"وعن ابن عبّاس قال:لم يؤمن بها أكثر النّاس (آية الإذن)، وإنّي لآمر جاريتي هذه تستأذن عليّ، (رواه أبو داود)" (2) .
"وقال الثّوريّ (3) عن موسى بن أبي عائشة (4) : سألت الشّعبيّ (5) { لِيَسْتَاذِنْكُمُ الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ } ؟ قال: لم تنسخ، قلت: فإنّ النّاس لا يعملون بها، فقال: الله المستعان" (6) .
__________
(1) _ تفسير الكشّاف: 03/246.
(2) _ تفسير القرآن العظيم: (طبعة سنة 1379هـ) 05/124.
(3) _ أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثّوري (97هـ-716م/161هـ-778م): من بني ثور بن عبد مناة، من مضر، أمير المؤمنين في الحديث، كان سيّد أهل زمانه في علوم الدّين والتّقوى، ولد ونشأ في الكوفة، مات في البصرة، له من الكتب الجامع الكبير، والجامع الصّغير في الحديث والفرائض، (الزّركلي: 03/104).
(4) _ أبو الحسن موسى بن أبي عائشة الهمدانيّ الكوفي: أحد العلماء العابدين، حدّث عن سعيد بن جبير وغيره، وحدّث عنه شعبة وسفيان الثّوري وآخرون،(تهذيب سير أعلام النّبلاء: 01/221، ر: 905).
(5) _ أبو عمرو عامر بن شَراحيل بن عبد بن ذي كبار: هو من حمير، وهو كوفي تابعيّ جليل القدر وافر العلم، قال الزّهري: العلماء أربعة، منهم الشّعبي في الكوفة، ويقال أنّه أدرك خمسمائة صحابيّ، كانت ولادته ما بين أربع سنين بقين من خلافة عمر رضي الله عنه إلى السّنة 31هـ باختلاف الرّوايات، ووفاته ما بين 103هـ إلى 105هـ باختلاف الرّواة، وكانت وفاته فجائيّة، (وفيات الأعيان: 03/12)
(6) _ تفسير القرآن العظيم: (طبعة سنة 1379هـ)، 05/124. (1/46)
صفحة 47
والصّحيح أنّ الحكم معلّل بعلّة قد أشارت إليها الآية، فإن كان هناك ما يقوم مقام الاستئذان كمن فتح بابًا ففتحُه دليل على الدّخول، أو رفع ستراً أو تردّد الدّاخل أو نحو ذلك فهذا يعني عن الاستئذان، وإن لم يكن ما يقوم مقامه فلابدّ منه، فإذا وجدت العلّة وجد الحكم، وإذا انتفى انتفت (1) .
ومما يدلّ كذلك على أنّ الآية محكمة ولم تنسخ قوله تعالى: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (2) .
إنّها محكمةٌ واجبةٌ ثابتةٌ على الرّجال والنّساء، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم القاسم وجابر بن زيد (3) والشّعبي، وحكمها قائمٌ كما كان، بل حكمها إلى اليوم ثابتٌ في كثيٍر من مساكن المسلمين في البوادي والصّحاري" (4) .
وممّا نستدلّ به عقلاً على عدم النّسخ هو تبيينه تعالى للعلّة الموجبة للإذن في الآية وهي الخلوة حال العورة، فتعيّن امتثاله وتعذّر نسخه (5) .
__________
(1) _ زاد المعاد في هدي خير العباد: الإمام الحافظ أبي عبد الله بن القيم الجوزيّة (691هـ751هـ)، مطبوعات مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده، دت، بميدان الأزهر، 02/30، أنظر كذلك فتح البيان: 06/397.
(2) _ تفسير القرآن العظيم: (طبعة سنة 1379هـ)، 05/125.
(3) _ أبو الشّعثاء جابر بن زيد الأزديّ البصريّ (21هـ-642م/93هـ-712م)، تابعيّ فقيه، من الأئمّة من أهل البصرة، أصله من عمان، صحب ابن العبّاس، وكان من بحور العلم، وصفه الشّمّاخيّ بأنّه أصل المذهب الإباضيّذ، نفاه الحجّاج إلى عمان، وفي كاتب الزّهد للإمام أحمد قال: لمّا مات جابر قال قتادة: اليوم مات أعلم أهل العراق، (الزّركليّ: 02/104).
(4) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/303.
(5) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/306. (1/47)
صفحة 48
والأصحّ أنّ الحكم محكم غير منسوخ، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة _ رحمه الله _: لم يصر أحد من العلماء إلى أنّ الأمر بالاستئذان منسوخ (1) .
03_ المطلب الثّالث:
التّفسير والبيان، (وبه أربعة فروعٍ):
الفرع الأوّل: تفسير قوله تعالى:
{ يا أيّها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت ايمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرّات } .
الفرع الثّاني: تفسير قوله تعالى:
{ من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظّهيرة ومن بعد صلاة العشاء } .
الفرع الثّالث: تفسير قوله تعالى:
{ ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهنّ طوّافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبيّن الله لكم الآيات والله عليمٌ حكيمٌ } .
الفرع الرّابع: تفسير قوله تعالى:
{ وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستاذنوا كما استاذن الذين من قبلهم كذلك يبيّن الله لكم آياته والله عليمٌ حكيمٌ } .
الفرع الأوّل: تفسير قوله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لِيَسْتَاذِنْكُمُ الذِينَ مَلَكَتَ اَْيمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ
مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } :
__________
(1) _ التّفسير المنير: 18/293، أنظر: روائع البيان: 02/211-212. (1/48)
صفحة 49
"يوجّه الله سبحانه وتعالى الأمر إلينا؛ لأنّ أمر عبيدنا وأولادنا قبل بلوغهم يتعلّق بنا فنحن المسؤولون عليهم وهم رعيّتنا وكلّ راع مسؤولٌ عن رعيّته، وهؤلاء العبيد والإماء خدمٌ في البيوت وكذلك الأولاد، فهم يتردّدون عليها دخولاً وخروجاً، فوضع الله لدخولهم علينا حدوداً وآداباً لابدّ بمراعاتها؛ لأنّ الأوقات تختلف فهناك ساعاتٍ لا يكون في دخولهم بغير استئذان حرجٌ، وهناك ساعاتٌ لا يليق فيها ذلك، فبيّن الله العليم الخبير هذه الأوقات الّتي يجب أن نأمر فيها العبيد والإماء والصّبيان الذين يميّزون بين العورة وغيرها بالاستئذان قبل الدّخول علينا وإن كانوا من أهل بيوتنا وذلك في ثلاثة أوقات" (1) .
فالأوقات الثّلاث ما بين اليوم واللّيلة، وعبّر بالمرّات عن الأوقات؛ لأنّ أصل وجوب الاستئذان هو سبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس الأوقات ... والظّاهر من قوله ثلاث مرّات ثلاث استئذانات؛ لأنّك إذا قلت ضربتك ثلاث مرّات لا يفهم منه إلاّ ثلاث ضربات، ويردّ بأنّ الظّاهر هنا متروك للقرينة المذكورة وهو التّفسير بالثّلاثة الأوقات (2) .
الفرع الثّاني: تفسير قوله تعالى:
{ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيَرةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَاءِ } :
__________
(1) _ في رحاب القرآن، (طبعة سنة 1980م): 138.
(2) _ فتح القدير: 04/48-49. (1/49)
صفحة 50
قال جابر بن زيد: إنّه على أبناء المؤمنين الذين عقلوا ولم يبلغوا الحلم من الغلمان والجواري أن يستأذنوا على آبائهم، قبل صلاة الفجر وحين يقيلون ويخلون، وبعد صلاة العشاء وهي العتمة، فإذا بلغوا الحلم استأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم إخوانهم إذا كانوا رجالاً ونساء، فلا يدخلون على آبائهم إلاّ بإذنٍ ساعة يدخلون أيّ ساعةٍ كانت (1) .
عن ثعلبة بن أبي مالك القرظيّ، "أنّه ركب إلى عبد الله بن سويد_أخي بني حارثة بن الحارث_يسأله عن العورات الثّلاث، وكان يعمل بهنّ، فقال: ما تريد؟ فقلت: أريد أن أعمل بهنّ، فقال: إذا وضعتُ ثيابي من الظّهيرة لم يدخل عليّ أحد من أهلي بلغ الحلم إلاّ بإذني، إلاّ أن أدعوه فذلك إذنه، ولا إذا طلع الفجر وعُرف النّاس حتّى تصلّي الصّلاة، ولا إذا صلّيت العشاء ووضعت ثيابي حتّى أنام" (2) .
فأوّل وقتٍ منهيّ عن الدّخول فيه هو قبل صلاة الفجر، وقد حدّد الوقت بالصّلاة؛ لأنّ المؤمن طبعه وديدنه يقوم عند الفجر للصّلاة، ولا يعقل أن يتركها، ومن تركها فليس بمؤمن ولا ينتفع بالخطاب، فالمؤمن من يقوم للصّلاة وبعدما يؤدّيها يتشمّر للعمل والكدّ ولا يرجع إلى حالة الاسترخاء بعدها (3) .
__________
(1) _ أحكام القرآن: لحجّة الإسلام الإمام أبي بكر أحمد بن علي الرّازي الجصّاص، تحقيق، محمّد الصّادق قمحاوي، نشر دار إحياء التّراث العربي، 1992م، بيروت لبنان، 05/192.
(2) _ الأدب المفرد: للإمام أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاريّ (194هـ/256هـ)، تحقيق، صالح أحمد الشّاميّ، دار القلم، الطّبعة الأولى، 2001م، دمشق، آداب الاستئذان، باب العورات الثّلاث، رقم 1052، 209.
(3) _ في رحاب القرآن، (طبعة سنة 1980م): 138. (1/50)
صفحة 51
والوقت الثّاني المنهيّ عنه هو حين وضع الثّياب الّتي تلبس في النّهار وتخلع لأجل القيلولة، والظّهيرة هي شدّة الحرّ عند انتصاف النّهار وهو بيان للحين، والتّصريح بمدار الأمر وهو وضع الثياب في هذا الحين دون الأوّل والآخِرِ لما أنّ التّجرّد عن الثّياب فيه لأجل القيلولة لقلّة زمانها، كما ينبّئ عنها إيرادُ الحين مضافاً إلى فعلٍ حادثٍ متقضٍ، ووقوعها في النّهار الذي هو سبب في كثرة الورود والصّدور ومظنّةٌ لظهور الأحوال وبروز الأمور، فهو ليس من التّحقّق والاطّراد بمنزلة ما في الوقتين المذكورين، فإنّ تحقُّق التّجرّدِ واطّرادِه فيهما أمرٌ معروفٌ لا يحتاج إلى التّصريح به (1) .
فقد اعتاد النّاس أن يدخلوا إلى مضاجعهم بعد منتصف النّهار لأخذ قسطٍ من الرّاحة، لاسيّما في البلاد الحارّة يقيلون ثمّ ينهضون بعدها، ووقتٌ آخر هو بعد صلاة العشاء، ويحدّد هذا الوقت أيضًا بصلاة العشاء؛ لأنّ المؤمن لا ينام قبل تأديّتها، وقد صحّ الحديث بالنّهي عن النّوم قبل صلاة العشاء والسّهر بعدها، فهذه أوقات خاصّة بالنّوم فإذا خلا أحدٌ إلى مضجعه ومع زوجته فإنّه يتخفّف في لباسه، كما أنّ أوقات النّوم يكون فيها النّائم في أوضاعٍ غير عاديّةٍ فلربّما يتقلّب في فراشه فتنكشف عورته، ولذلك عبّر القرآن عن هذه الأحوال بالعوراتِ، والعوراتُ يحرم النّظر إليها، فلا يجوز الدّخول حينئذٍ إلاّ بإذنٍ، أمّا في غيرها من الأوقات فجائزٌ للعبيد والأولاد الذين يسعَوْن في خدمة شؤونِ البيتِ (2) .
__________
(1) _ تفسير أبي السّعود: 06/193.
(2) _ في رحاب القرآن: 06/426، وانظر: في رحاب القرآن، (طبعة سنة 1980م): 138-139. (1/51)
صفحة 52
لكن الوقت الممتد بين صلاة العشاء والفجر يدخل في حيز المنع وذلك لوجود علة انكشاف العورة وبروزها، فهذا الوقت هو وقت النوم الأصلي والفطرة السليمة تدرك أن الدخول في هذه الحال يستلزم الاستذان، فلا يمكن الهجوم على النائم دون أخذ الإذن منه، وإلاّ فهذه الحالة من أكثر الحالات التي يمكن للأزواج المواقعة فيها، فمنع الدخول دون الإذن آكد.
الفرع الثّالث: تفسير قوله تعالى:
{ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } :
لقد أخبر عن هذه الأوقات بالعورات لظهورها فيها، مثل: ليلُك نائمٌ ونهارك صائم (1) ، فهذه الأوقات لا حرج عليكم، إذ المعنيّ به هم المؤمنون الأحرار، (ولا عليهم) والمقصود بهم الخدم والغلمان، فلا حرج في غير هذه الحالات أن يدخل عليكم من يسعى في خدمة البيت من العبيد والإماء والحفدة بدون استئذان؛ لأنّ الوقت هو لغير النّوم، فالمرأة تكون في لباسها السّاتر وفي مزاولة خدماتها البيتيّة، والرّجل إمّا يكون خارج البيت أو داخله في لباسه السّاتر، اللّهم إلاّ في حالات استثنائيّة، قد يأمر الأب أو الأمّ بعدم دخول أحد عليهما إلاّ باستئذان، كأن يدخل أحدهما المستحمّ ليغتسل أو ينكشف لمعالجة مرضٍ أو قضاء مآرب خاصّة به، أو محادثة مع الغير لا يرضى إفشاءها، أمّا في غيرها من الأوقات فلا حرج على المستأذن ولا على الدّاخل من الفتيان أو الأولاد، بل الحرج في تكرير الاستئذان في كل مرّة من المرّات الكثيرة الّتي يتردّدون فيها على شؤون الخدمة داخل البيت وخارجه (2) .
__________
(1) _ التّفسير المنير: 18/289.
(2) _ في رحاب القرآن (طبعة سنة 1980م): 138-140، وانظر في رحاب القرآن (طبعة سنة 1998م): 06/430، (1/52)
صفحة 53
والأوقات الثّلاثة خرّجت مخرج الغالب وما جرت عليه العادة، فنفي الجناح في عدم الاستئذان في غيرها من الأوقات ليس على عمومه، فمتى تحقّق أو ظنّ أنّ أهل البيت في حالة يكرهون الاطّلاع عليهم فلا ينبغي الدّخول عليهم بدون استئذان سواءً أكان ذلك في إحدى العورات الثّلاث أو غيرها (1) .
فإذا علمنا أنّه مباحٌ للخدم الدّخول بدون استئذانٍ في غير هذه الأوقات، فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم؟ الجواب: لا طبعاً، وإنّما أباح الله تعالى ذلك للعادة وكون العورة لا تنكشف فيها، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظنّ دخول الخدم حرم عليها ذلك، ويحرم على الخدم ذلك إن كان ممّن يتناوله التّكليف (2) .
إنّ من خصائص التّشريع الإسلاميّ التّيسير لا التّعسير، والرّحمة لا الفظاظة، فما دام هؤلاء الخدم والأطفال الصّغار بحكم قربهم من أهلهم وحاجتهم إليهم في الخدمة وقضاء الحاجات أحلّ الله لهم أن يدخلوا على أهلهم بدون حرج، اللّهم إلاّ في الأوقات المذكورة المحدّدة وهذا تفسير لقوله تعالى: { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } أي أنّ بعضكم يحتاج إلى بعض، وفي هذا دلالة على تعليل الأحكام كما نبّه إلى علّة طلب الاستئذان بقوله: { ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ } ، كما هو الحال هنا أنّ الطّواف علّة الإباحة في غير الأوقات الثّلاثة، ويغتفر للطّوافين دفعاً للحرج والمشقّة ما لا يغتفر لغيرهم (3) .
__________
(1) _ سورة النّور دراسة وتحليل: 526.
(2) _ التّفسير الكبير: 24/32.
(3) _ أنوار من سورة النّور: 191. (1/53)
صفحة 54
وحلّل أبو السّعود معنى قوله تعالى (بعدهنّ) فبيّن أنّ البعديّة هو الوقت الذي يأتي بعد كلّ واحدةٍ من تلك العورات الثّلاث، وهي الأوقات المتخلّلة بين كلّ اثنتين منهنّ، وإيرادها بالبعديّة مع أنّ كلّ وقتٍ من تلك الأوقات يكون قبل عورةٍ من العورات كما أنّه يكون بعد أخرى منهنّ إذ الزّمن عبارة عن ساعاتٍ متداولةٍ بعضها يتّصل ببعضٍ، فالتّعبير عنها بهذا ينتج عنه توفية حقّ التّكليف والتّرخيص الذي هو عبارةٌ عن رفع ذلك التّكليف، إذ الرّخصة إنّما تتصوّر في فعلٍ يقع بعد زمان وقوع الفعل المكلّف به فتأمّل (1) .
وقد أشار إلى العلّة قوله تعالى: { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } ، وفي قوله: { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } فيه اكتفاء تقديره: (وأنتم طوّافون عليهم) دلّ عليه قوله: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } وقوله عقبه: { بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } (2) .
ففي (طوّافين) استئناف ببيان العذر المرخّص في ترك الاستئذان المذكور وذلك بسبب المخالطة الضّروريّة وكثرة المداخلة والخدمة، وفيه دليلٌ على تعليل الأحكام وكذا في الفرق بين الأوقات الّتي هي عورة والّتي ليست كذلك (3) .
__________
(1) _ تفسير أبي السّعود: 06/194.
(2) _ التّحرير والتّنوير: 18/294.
(3) _ تفسير أبي السّعود: 06/194. (1/54)
صفحة 55
والكاف في (كذلك) تعني التّشبيه بالمعنى المتحصّل من الآية وهو بيان آيات الأحكام وهو المشبّه بالمشبّه به وهو البيان الواضح في الآيات الدّالة على التّوحيد والإعجاز السّابقة في قوله: { لَقَدَ اَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيَّنَاتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَّشَاءُ اِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ، وحاصل التّشبيه كما قال أبو بكر العربي: "المعنى: يبيّن الله الآيات الدّالة على المعجزة والتّوحيد كما يُبيّن الآيات الدّالة على الأحكام" (1) .
"ويختتم الآية بوصفه تعالى نفسه بالعلم والحكمة، فهو عليمٌ بطباعكم وعواطفكم وغرائزكم، عليمٌ بطباع وغرائز الصّبيان، فلعلّكم تقولون: هذا طفلٌ صغيرٌ لا يدرك شيئاً، فالله الذي خلقكم وخلق ذلك الصّغير، وخلق العبد والأمة، وهو الذي يعلم ما يجوز وما لا يجوز النّظر إليه، وهو حكيمٌ يضع الأشياء مواضعها، والحكمة وضع الشّيء موضعه، فإذا أمر فإنّ الخير فيما أمر، فلِنعْلمَ أنّ الخير في إتيانه، وإذا نهى فإنّ الشّرّ فيما نهى عنه، وأنّ الخير في اجتنابه" (2) .
الفرع الرّابع: تفسير قوله تعالى:
{ وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُواْ كَمَا اسْتَاذَنَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ ءَايَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكيِمٌ } :
"قد يجوز أن يظنّ ظانّ أنّ من خدم في حال الصّغر فإذا بلغ يجوز له أن لا يستأذن! ويفارق حاله حال من لم يخدم ولم يملك، فبيّن الله تعالى أنّه كما حظر على البالغين الدّخول إلاّ بالاستئذان، فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا وإن تقدّمت لهم خدمة أو ثبت فيهم ملك لهنّ " (3) .
__________
(1) _ أحكام القرآن: لأبي بكر محمّد بن عبد الله المعروف بابن العربي (468هـ-543هـ)، تحقيق علي محمّد البجاويّ، دار الجيل، سنة 1408هـ- 1987م، 03/1399.
(2) _ في رحاب القرآن، (طبعة سنة 1998م): 06/430، أنظر: فتح القدير: 04/50.
(3) _ التّفسير الكبير: 24/29. (1/55)
صفحة 56
كما أنّه قد مرّ في السّورة الكريمة حكم استئذان الرّجال الأجانب واستثنى من ذلك { أَوِ الطِّفْلِ الذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } ، أي أنّ الطّفل الذي لم يظهر على العورات بالبلوغ، فإنّه مباح له الدّخول بدون استئذان، ثم خصّص الاستئذان حتىّ على هؤلاء الأطفال في الأوقات الثّلاث الّتي مرّت بنا سابقًا، فهنا يخصّص هذه الآية للأطفال إذا بلغوا الحلم وأصبحوا في عداد الرّجال، فعليهم حينئذٍ أن يستأذنوا كالأجانب والأقارب الكبار الذين سبقوهم (1) .
والمقصود من (الذين) في قوله تعالى: (كما استاذن الذين من قبلهم) هم من قيل فيهم لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا، ووصفهم بكونهم قبل هؤلاء باعتبار ذكرهم قبل ذكرهم، لا باعتبار بلوغهم قبل بلوغهم كما قيل، لما أنّ المقصود بالتّشبيه بيان كيفيّة استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه، ولا يتسنّى ذلك إلاّ بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السّامع، ولا ريب في أنّ بلوغهم قبل بلوغ هؤلاء لا يخطر ببال أحدٍ، وإن كان الأمر كذلك في الواقع، وإنّما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم، أي فليستأذنوا استئذانا كائناً مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات، ويرجعوا إن قيل لهم ارجعوا حسبما فصّل فيما سلف (2) .
__________
(1) _ أنوار من سورة الّنور: 192.
(2) _ تفسير أبي السّعود: 06/195. (1/56)
صفحة 57
فالآية تفيد أنّ الاستئذان واجب على البالغين في غير الأوقات الثّلاثة، ولو كانوا أولاد المدخول عليهم (1) ، وقد قال سعيد بن المسيّب (2) : "ليستأذن الرّجل على أمّه فإنّما نزلت هذه الآية في ذلك" (3) .
فيفرض عليهم الاستئذان دائمًا وفي كل وقت عند الدّخول ولو على آبائهم وأمّهاتهم، وبلوغ الحلُم يكون بظهور علامات البلوغ مثل نبت الشَّعْر من ثلاث فصاعدًا في العانة، وخروج المنّي وغيرها، فعند البلوغ يتحمّل البالغ جميع تكاليف العبادة كالكبير، وهذه أحكام الله مبسوطة في آياته فلا يحيد عنها إلاّ ظالمٌ لَمْ يُرِدِ الله أن يهديه والله عليم بمن هو أهلٌ للاهتداء وعليمٌ بما يصلح، وعليمٌ بنوازع النّفوس وميول الأهواء، حكيم يشرّع من الأحكام ما يصلح به أمر الدّين والدّنيا (4) .
" { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، القول في هذا الجزء من الآية كالقول في نظيره المتقدّم آنفاً، وهو تأكيدٌ له بالتّكرار لمزيدٍ من الاهتمام والامتنان، لقد أضيفت الآيات هنا لله تعالى خلافاً للأولى لمزيدٍ من التّفنّن ولتقوية وتأكيد معنى كمال التّبيين الحاصل من قوله: { كَذَلِكَ } وتأكيد معنى الوصفين { عَلِيمٌ حَكِيمٌ } " (5) .
- - - - - - - -
المبحث الثاني: الأحكام الشّرعيّة والحِكَم والآثار المستنبطة من الآية.
(يحتوي على مطلبين):
__________
(1) _ التّفسير الحديث: 10/75.
(2) _ أبو محمّد سعيد بن المسيّب بن حزن المخزوميّ القرشيّ (13هـ-94هـ/634م-713م): سيّد التّابعين أحد الفقهاء التّسعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزّهد والورع كان أحفظ النّاس لأحكام عمر بن الخطّاب وأقضيّته، حتّى سمّي رواية عمر، توفّي بالمدينة، (الزّركلي: 03/102).
(3) _ مجمع البيان: 19/73.
(4) _ في رحاب القرآن، (طبعة سنة 1980م): 140، وانظر: فتح القدير: 04/50.
(5) _ سورة النّور دراسة وتحليل: (بتصرف)، 528. (1/57)
صفحة 58
01_ المطلب الأوّل: الأحكام الشّرعيّة المستنبطة من الآية.
02_ المطلب الثّاني: الحِكَم التّشريعيّة في الآية الكريمة والآثار النّفسيّة
والتّربويّة والاجتماعيّة.
01 _ المطلب الأوّل:
الأحكام الشّرعيّة المستنبطة من الآية، (وبه سبعة فروع):
الفرع الأوّل: المقصودون في الآية
الفرع الثّاني: أحكام الأطفال
الفرع الثّالث: الأحكام المتعلّقة بالاستئذان
الفرع الرّابع: حكم بعض الأوقات
الفرع الخامس: حكم بعض أحوال الدّاخلين
الفرع السّادس: النّهي عن تسمية العشاء عتمةً
الفرع السّابع: هل يمكن تعليل الأحكام الشّرعيّة
والعمل بها عند وجود العلّة ؟
الفرع الأوّل: المقصودون في الآية:
01 _ المقصود بـ: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ }
قال ابن عمر ومجاهد، قوله: { لِيَسْتَاذِنْكُمُ } عنى به الذّكور دون الإناث؛ لأنّ قوله تعالى: { الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ } صيغة الذّكور لا صيغة الإناث، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما هي في الرّجال والنّساء يستأذنون على كلّ حال باللّيل والنّهار، والصّحيح أنّه يجب إثبات هذا الحكم في النّساء. (1)
"قال الفخر الرّازي: قال القاضي: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ } وإن كان ظاهره الرّجال فالمراد به الرّجال والنّساء، ويبيّن ذلك قوله تعالى: { الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ } ؛ لأنّ ذلك يُقال في الرّجال والنّساء والأولى عندي أنّ الحكم ثابت في النّساء بقياس جليّ؛ وذلك لأنّ النّساء في باب حفظ العورة أشدّ حالاً من الرّجال، فهذا الحكم لمّا ثبت في الرّجال فثبوته في النّساء بطريق أولى؛ ولأنّ الإنسان كما يكره اطّلاع الذّكور على أحواله فقد يكره أيضاً اطلاع النّساء عليه، ولكنّ الحكم يثبت في النّساء بالقياس لا بظاهر اللّفظ" (2) .
__________
(1) _ التّفسير الكبير: 24/29.
(2) _ التّفسير الكبير: 24/28. (1/58)
صفحة 59
فالخطاب في الآيات يتناول الرّجال والنّساء كما هو الشّأن في الآية 27 من السّورة (1) .
فإذا صحّ أنّ سبب النّزول قصّة أسماء المتقدّمة كان قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ } خطاباً للرّجال والنّساء عن طريق التّغليب؛ لأنّ دخول سبب النّزول في الحكم قطعيٌّ كما هو الرّاجح في علم الأصول (2) .
واختار بعض المفسّرين أنّ قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ } ليس خطاباً للذّكور بطريق التّغليب وإنّما هو خطابٌ لكلّ من اتّصف بالإيمان رجلاً كان أو امرأةً، فيدخل فيه الرّجال والنّساء معاً فيكون المعنى: يا من اتّصفتم بالإيمان وصدّقتم بالله ورسوله ليستأذنكم في الدّخول عليكم عبيدُكم وإماؤُكم ... الخ، فكلّ نداءٍ بالإيمان يشمل الذّكور والإناث (3) .
"وأضعفها قول السُّلَميِّ؛ لأنّ (الذين) لا يكون للنّساء في كلام العرب إنّما يكون للنّساء (اللاّتي واللّواتي) وقول ابن عمر يستحسنه أهل النّظر؛ لأنّ (الذين) للرّجال في كلام العرب وإن كان يجوز أن يدخل معهم النّساء فإنّما يقع ذلك بدليلٍ والكلام على ظاهره" (4) .
يقول ابن كثير: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصّواب قول من قال عني به الذّكور والإناث؛ لأنّ الله عمّ بقوله الذين ملكت أيمانكم جميع أملاك أيماننا ولم يخصّص منهم ذكراً ولا أنثى فذلك على جميع من عمّه ظاهر التّنزيل" (5) .
02 _ المراد بملك اليمين
أ _ هل المراد بهم الذّكور أو الإناث ؟
والعلماء لهم في المسألة ثلاثة أقوالٍ وهي:
__________
(1) _ التّفسير الحديث: 10/75، روح المعاني: 18/209.
(2) _ التّفسير المنير: 18/292.
(3) _ روائع البيان: 02/209.
(4) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/303.
(5) _ تفسير القرآن العظيم: (طبعة سنة 1401هـ)، 18/161. (1/59)
صفحة 60
01_ القول الأوّل: قالوا: إنّ المراد بهم النّساء خاصّة من الأرقّاء، أي الإماء، أمّا الرّجال فعليهم الاستئذان مطلقًا، وهو قول غريبٌ لا يعوّل عليه، وهذا مرويٌّ عن السّلميّ (1) ، ورواه اللّيث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر وسفيان عن أبي حصين عن أبي عبد الرّحمن (2) .
قال أبوبكر: أنكر بعضهم هذا التّأويل، قال: لأنّ النّساء لا يطلق فيهنّ الذين إذا انفردن وإنّما يقال اللاّتي، قال أبو بكر: هذا يجوز إذا عبّر بلفظ المماليك كما أنّ النّساء إذا عبّر عنهنّ بالأشخاص وكذلك جائز أن تذكّر الإناث إذا عبّرت عنهنّ بلفظ المماليك دون النّساء ودون الإماء؛ لأنّ التّذكير والتّأنيث يتبعان اللّفظ كما تقول: ثلاثَ ملاحف وإذا عبّرت بالأزر قلت: ثلاثة أُزُرٍ.
02_ القول الثّاني: إنّ المراد به أرقّاء الذّكور الصّغار منهم والكبار وهذا قول قاله ابن عباسٍ (3) وابن عمر (رض) ومجاهد، وروي ذلك عن أبي جعفر، وأبي عبد الله رضي الله عنهما (4) .
قال الشّيخ السّالميّ راداًّ على أصحاب هذا القول: ويردّ بأنّها وإن كانت بصيغة الذّكر فهي مستعملة مجازاً في الذّكر والأنثى عملاّ بصيغة المجاز (5) .
__________
(1) _ سورة النّور دراسة وتحليل: 520، نقلاً عن تفسير الماوردي 03/140، روح المعاني: 18/210، أحكام القرآن لابن العربي: 03/1396.
(2) _ أحكام القرآن للجصّاص: 05/191.
(3) _ أحكام القرآن لابن العربي: 03/1396.
(4) _ روح المعاني/ 18/210.
(5) _ معارج الآمال على مدارج الكمال: للإمام عبد الله بن حميد السّالميّ، وزارة التّراث القوميّ والثّقافة، 1983م، 02/178. (1/60)
صفحة 61
03_ القول الثّالث: قالوا أنّ المراد بملك اليمين في الآية هم الذّكور والإناث من الأرقّاء صغارًا كانوا أو كبارًا (1) ، والجمهور على أنّ الخطاب عامٌ في الذّكور والإناث الكبارُ منهم والصّغار (2) ، وكما يظهر من كلام الجصّاص أنّ المرجّح لديه هم الذّكور والإناث، وليس العبيد؛ لأنّ العبيد مأمورين بالاستئذان في كل وقتٍ (3) .
فالآية شاملةٌ للذّكور والإناث من المماليك والصبيان؛ لأنّ النّساء يدخلن في خطاب الذّكور، وكثيرٌ من آي القرآن بصيغة الذّكور تشريفاً لهم والنّساء داخلات في الغالب من الأحوال.
ب _ هل المراد بهم الكبار أو الصّغار ؟
01_ الفريق الأوّل: أنّها خاصّة في الصّغار: فظاهر قوله تعالى: { الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ } يدخل فيه البالغون والصّغار، وحُكي عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) أنّ المراد الصّغار، واحتجّوا بأنّ الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلاّ إلى ما يجوز للحرّ أن ينظر إليه، قال ابن المسّيّب: لا يغرنّكم قوله تعالى: { وَمَا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ } لا ينبغي للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشيءٍ من محاسنها.
قد أنكر بعضهم على من يقول أنّ ... المراد بهم الكبار؛ لأنّ العبد البالغ بمنزلة الحرّ البالغ في تحريم النّظر إلى مولاته فكيف يجمع إلى الصّبيان الذين هم ليسوا مكلفين، فقيل: الأظهر هم العبيد الصّغار والإماء وصغارنا الذين لم يبلغوا الحلم، وقد روي عن ابن عباس أنّه كان يقرأ (ليستاذنكم الذين لم يبلغوا الحلم ممّا ملكت أيمانكم) (4) ، والمعنى من هذا أنّ ملك اليمين المقصودين هم ما دون البلوغ.
__________
(1) _ أحكام القرآن لابن العربي: 03/1396، روح المعاني: 18/210.
(2) _ التّفسير المنير: 18/293.
(3) _ أحكام القرآن للجصّاص: 05/191.
(4) _ المصدر السّابق: 05/192. (1/61)
صفحة 62
ويظهر من كلام القطب أنّ المقصود بملك اليمين هم غير البلّغ، وقد فسّر قوله تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ } أنّ الطّفل من الكافر أو الطّفل العبد إذا بلغ استأذن في غير بيتٍ يَبيتُ فيه مسكناً له للمسلمين أو الكافرين (1) .
"وقال ابن جريج: قلت لعطاء: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا)، قال: واجبٌ على النّاس أن يستأذنواْ إذا احتلموا، أحراراً كانوا أو عبيداً" (2) ، أي أنّ الآية الأولى تعني صغار العبيد أمّا الكبار فيستأذنون.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه خاصٌّ بالصّغار وهو خلاف الظّاهر جداًّ (3) .
02_ الفريق الثّاني: أنّها عامّة: وعلى عكس الفريق الأوّل قيل: إنّ البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله، وظاهر الآية يدلّ على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال الأحرار بإباحة ما حظره الله تعالى على جماعة المؤمنين في قوله: { لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } فإنّه أباح لهم إلاّ في الأوقات الثّلاثة وجوّز دخولهم مع من لم يبلغ الحلم بغير إذنٍ.
__________
(1) _ تيسير التّفسير: 09/146.
(2) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/308.
(3) _ روح المعاني: 18/210، أحكام القرآن لابن العربي03/1396. (1/62)
صفحة 63
أقول: إنّ قوله تعالى: { لِيَسْتَاذِنْكُمُ الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ } فيه إشارة إلى أنّ المقصود بالمملوكين الصّغار منهم والكبار، فمن قال: إنّ المملوكين المقصودين في الآية هم الصّغار دون الكبار، قلنا: ما فائدة الفصل بين صغار العبيد وصغار الأحرار مادام حكمهم واحدٌ؟ إذن لكانت الآية: (ليستاذنكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم) فيكون العبيد الصّغار داخلين في الحكم ضمنيًّا مع الأطفال الأحرار، كما يكون حكمهم بعد البلوغ كحكم البالغين من الأحرار في الآية الّتي بعد هذه، فالظّاهر أنّ الفصل بين صغار العبيد وبين الأحرار دليل على مغايرة صفتهم وحكمهم لهم، فالحاصل من الفصل بينهم أنّ حكم المماليك الكبار كالصّغار وهو الاستئذان في الأوقات الثّلاثة، وما يؤكد هذا المعنى هو أنّه قال: { وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ ... } فمن قال: إنّ المماليك المقصودين هم الصّغار فقط عليه أن يتساءل هنا فيقول: ما هو حكمهم يا ترى بعد البلوغ؟ فلماذا لم ينصّ عليهم كما في الآية الأولى باسمهم منفردين؟ فإن قيل: إنّ حكم صغار المماليك ضمنيّ في حكم أطفال الأحرار إذا بلغوا، قلنا: لماذا فصل بينهم في الآية الأولى وأدرجوا تحتهم في الثّانية؟ إذن نخلُصُ إلى أنّ ذِكرهم منفصليْن لسبب مخالفة أحكامهم لهم، فعدم النّصّ عليهم في الآية الثّانية دليلٌ على بقاء حكمهم السّابق كما هو، فلمّا استثني حكم الأحرار إذا بلغوا فُهِم أنّ المماليك حكمهم صغارًا كانوا أم كبارًا واحدٌ _ والله تعالى أعلم _
وفي مقابلةٍ مع الشّيخ أحمد الخليليّ حيث قال: هي في الصّغار والكبار من الأرقّاء. (1/63)
صفحة 64
والدّكتور محمّد ناصر في كتابه يميل إلى من يقول: إنّه في الكبار والصغار هذا فمادام أنّه لم يذكر المماليك هنا فهذا لبقاء الحكم السّابق مقرّرًا عليهم وهو الاستئذان في أوقاتٍ ثلاثةٍ فقط؛ لأنّ حكم المماليك كبارًا وصغارًا واحد (1) .
"والملاحظ على هذه الأقوال أنّ القدر المتّفق عليه فيها هم الصّغار الأرقّاء، ولذلك قال بعض العلماء: إنّ الأظهر في المراد بـ { الذِينَ مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ } هم العبيد الصّغار" (2) .
وملك اليمين هم الخدم المملوكون الأرقاء، وهؤلاء لا وجود لهم في عصرنا الحاضر، أمّا خدم هذا العصر فهم أجانبٌ من الأحرار، فلا يجوز التّكشّف أمامهم أو أمامهنّ، ولا الخلوة بأحدهم، ولا السّماح لهم بالدّخول دون استئذانٍ في أي وقتٍ (3) .
الفرع الثّاني: أحكام الأطفال:
01 _ أيّ الأطفال مقصود ؟
قال الزّمخشري: { وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنكُمْ } أي من الأحرار (4) ، وهم الصّبيان من الذّكور والإناث، سواء أكانوا أجانباً أم محارم وهم المراهقون كما أنّ (الأطفال) في الآية يراد بها الجنس (5) ، فالأطفال في الآية مطلقةٌ تشمل أبناء المستأذن عليهم وغيرهم (6) .
فيعني بالذين لم يبلغوا الحلم منكم: المميّزون من الأطفال قبل البلوغ، والدّليل على تقييدهم بالتّمييز قوله تعالى: { ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ } (7) .
__________
(1) _ أنوار من سورة النّور: 192.
(2) _ سورة النّور دراسة وتحليل: 520.
(3) _ أدب المسلم في العبادات والمعاملات والعادات المعاصرة: محمّد سعيد مبيّض(معاصر)، دار الثّقافة، الدّوحة، الطّبعة الثّالثة، 1988م، مكتبة الغزالي، إدلب، سوريا، 52.
(4) _ تفسير الكشّاف: 03/247.
(5) _ التّفسير المنير: 18/292.
(6) _ التّفسير الحديث: 10/75.
(7) _ الميزان في تفسير القرآن: العلاّمة السيّد محمّد حسن الطّباطبائي، مؤسّسة مطبوعاتي اسماعيليان، قم، جاب، نشر، صحافي، وجلد سازي، د ت، إيران، 15/163. (1/64)
صفحة 65
قد يتبادر إلى الذّهن لأوّل وهلة قوله تعالى: { وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ } وقوله: { وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ } أنّ المقصود به الذّكور من الأطفال، غير أنّه بعد التّمعّن في الموضوع يتبيّن أنّه يشمل ذكور الأطفال وإناثهم؛ ولأنّ تعبير (بلوغ الحلم) يصحّ أن يستعمل لكلا الجنسين، فإيجاب الاستئذان على إناث الأطفال في العورات الثّلاث وعلى البالغات منهنّ في غير العورات أمر بديهيّ وأولويّ، وهذا كلّه قياس على آية الاستئذان الأولى من السّورة (1) .
وهذا ما يميل إليه العقل إذ كلّ الأطفال المميّزون معنيّون، ولا يمكن أن نفرّق بين من هم أبناؤنا وغيرهم من الأطفال، فمادام الأمر للتّمييز فكلّ مميّزٍ يستأذنُ.
02 _ كيف يخاطب الله الصّغار ولا تكليف قبل البلوغ ؟
فإن قيل: كيف أمر الله تعالى بالاستئذان الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار؟ قلنا: هو في المعنى أمرٌ للآباء والأمّهات بتأديب الأطفال وتهذيبهم لا للأطفال" (2) .
فالخطاب في الآية ظاهره للصّغار دون البلوغ، ولكنّ المراد به الكبار، فقد أمر الله الرّجال أن يعلّموا مماليكهم وصبيانهم الاستئذان، كما أمرهم أن يعلّموهم الصّلاة فقد روي أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مروا صبيانكم بالصّلاة في سبع سنين واضربوهم عليها في عشرة وفرّقوا بينهم في المضاجع» (3) . (4)
"فلا يردّ كيف أمرهم الله بالاستئذان؟ مع أنّهم غير مكلّفين، ولو كان المقصود أمرهم بالذّات لما كان لتخصيص النّداء والخطاب بالمؤمنين وجه" (5) ، فكون الآية افتتحت بـ (يا أيّها الذين آمنوا) يُفهم منه مباشرةً أنّ المخاطبين هم المكلّفون البالغون.
__________
(1) _ التّفسير الحديث: 10/75.
(2) _ الأنموذج الجليل: 02/46.
(3) _ سبق تخريجه.
(4) _ روح المعاني: 18/210.
(5) _ فتح البيان:06/398. (1/65)
صفحة 66
فمسؤوليّة الأولاد وتربيتهم على الآباء والأمّهات فهم المأمورون في الآية والحجّة واللّوم عليهم، فإن حدث خللٌ بأن دخل صغير دون استئذان فصادف ما يشين، فهذا بسبب تهاون من عليه المسؤولية في التّربية والتّأديب وعدم الأخذ بالأسباب.
03 _ هل يؤمر الطّفل بفعل الفرائض والطّاعات ؟
استدلّ بعض الفقهاء من قوله تعالى: { وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ } على أنّ من لم يبلغ وقد عقل يُؤمر بفعل الشّرائع ويُنهى عن ارتكاب القبائح، إن لم يكن من أهل التّكليف، على وجه التّعليم، فإنّ الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقد قال عليه السّلام: «مروا صبيانكم بالصّلاة في سبع سنين واضربوهم عليها في عشرة وفرّقوا بينهم في المضاجع» (1) ، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال: "نعلّم الصّبيّ إذا عرف يمينه من شماله"، وعن زين العابدين أنّه "كان يأمر الصّبيان أن يصلّوا الظّهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، فقيل: له يصلّون الصّلاة لغير وقتها، فقال: هذا خيرٌ من أن يتناهوا عنها"، وروي عن ابن مسعود (2) رضي الله عنه أنّه قال: "إذا بلغ الصّبيّ عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السّيّئات حتّى يحتلم" (3) .
__________
(1) _ سنن البيهقيّ الكبرى: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقيّ (384هـ-458هـ)، تحقيق، محمّد عبد القادر عطا، نشر، مكتبة دار الباز، مكّة المكرّمة، سنة، 1994م، كتاب الصّلاة، باب في مواقيت الصّلاة، 01/311.
(2) _ أبو عبد الرّحمان عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذليّ ( ... -32هـ/ ... -653م): صحابي من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من الرّسول - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكّة، أوّل من جهر بقراءة القرآن بمكّة، وكان الخادم الأمين للرّسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحب سرّه، يدخل عليه في كلّ وقت ويمشي معه، مات بالمدينة ودفن بالبقيع، عاش نحو 63 عاماً، (الزّركلي: 04/137).
(3) _ روائع البيان: 02/215. (1/66)
صفحة 67
قال أبو بكر الرّازي (1) المشهور بالجصّاص: إنّما يؤمر بذلك على وجه التّعليم والتّأديب ليعتاده ويتمرّن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ، كما يجنّب وينهى عن المحظورات؛ لأنّه إذا لم يمنع في الصّغر يصعب عليه الامتناع في الكبر، وقد قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } (2) ، قيل في التّفسير، أي: أدّبوهم وعلّموهم (3) ، فعندما يعلّم الصّبيّ في صغره ويعوّد يكون أسهلَ عليه حال الكبر ومتمرّناً عليه وأقلّ نفوراً منه.
04 _ ما حدّ الطّفل الذي يستأذن ؟
"قال أبو إسحاق الفزاريّ: قلت للأوزاعيّ: ما حدّ العربيّ الذي يستأذن؟ قال: أربع سنين، قال: لا يدخل على امرأةٍ حتّى يستأذن" (4) .
والطّفل الخماسيّ من له خمس سنين فما فوق ولو مملوكاً أو طفلةً، والخماسيّ هو للتّمييز، وقالوا السّداسيّ، والمدار على التّمييز الصّحيح في أمر العورة ووَصْفُ تلك الحال في نفسه، فإن وُجد ممّن دون الخماسيّ كره له الدّخول فيها بلا إذنٍ وإن كان أحد فوقها لكنّه غير مميّز فلا يُكره له (5) .
فالضّابط أنّهم المميّزون من الأطفال الذين يعيشون أجواء المعاني الجنسيّة للعلاقات بحيث يميّزون بين وظائف الأعضاء ويفهمون طبيعة ذلك كلّه (6) .
__________
(1) _ أبو بكر أحمد بن علي الرّازي (305هـ-917م/370هـ-980م): فاضل من أهل الريّ، سكن بغداد ومات فيها، انتهت إليه رياسة الحنفيّة وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع، ألّف كتاب أحكام القرآن وكتاباً في أصول الفقه، (الزّركلي: 01/171).
(2) _ التّحريم: 06.
(3) _ أحكام القرآن للجصّاص: 05/195.
(4) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/308.
(5) _ شرح النّيل وشفاء العليل: للإمام العلاّمة محمّد بن يوسف أطفيّش، نشر دار الفتح، بيروت، الطّبعة الثّانية، 1972م، طبع مكتبة الإرشاد، جدّة، 05/380.
(6) _ تفسير من وحي القرآن: 16/359. (1/67)
صفحة 68
05 _ ما هي سنّ البلوغ التي يلزم به التّكليف ؟
يحسن بنا ونحن نبحث في السّنّ الّتي يلزم بها التّكليف أن نعرّف المقصود بالبلوغ.
"بلغ الغلام: احتلم، كأنّه بلغ وقت الكتاب عليه والتّكليف، وكذا بلغت الجارية، وفي التّهذيب: بلغ الصّبيّ والجارية إذا أدركا" (1) .
فالوعاء اللّغويّ لكلمة البلوغ يحمل معنىً واسعاً وعاماً، وعادةً تطلق هذه اللّفظة على مجموعة التّغيّرات العضويّة والنّفسيّة الّتي تحصل في المدّة الفاصلة ما بين مرحلتي الطّفولة والشّباب أو النّضج، ويطلق البلوغ ويراد به: البلوغ الجسميّ والبلوغ النّفسيّ والبلوغ الاقتصاديّ والبلوغ الاجتماعيّ والبلوغ الشّرعيّ (2) .
أمّا البلوغ الذي يهمّنا في موضوعنا فهو البلوغ الشّرعي، فكلّ من بلغه يصبح في دائرة التّكليف وتجب عليه الواجبات الشّرعيّة والفرائض، والفقهاء على خلافٍ ظاهرٍ في تحديد السّنّ الّتي يعتبر فيها الطّفل بالغاً، وسنذكر ذلك بشيءٍ من التّفصيل.
أشارت الآية الكريمة إلى أنّ الطّفل يكون مكلّفاً بمجرّد الاحتلام في قوله تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ } ، وقد اتّفق العلماء على أنّ الطّفل إذا احتلم فقد بلغ، وكذلك الفتاة إذا احتلمت أو حاضت أو حملت فقد بلغت، فالاحتلام علامةٌ واضحةٌ على البلوغ لكلا الجنسين، وهذا بإجماع الفقهاء بدون خلافٍ (3) ، غير أنّ الخلاف وقع في تقدير السنّ الّتي يصبح فيها الإنسان مكلفاً، فهم على رأييْن:
__________
(1) _ لسان العرب: 02/143.
(2) _ دنيا المراهقات: الدّكتور محمّد رضا الشّرفي، دار النّبلاء، الطّبعة الأولى، 1998م، بيروت، لبنان، 35.
(3) _ روائع البيان: 02/212. (1/68)
صفحة 69
01_ الأحناف: في المشهور قالوا: إنّ الطّفل لا يكون بالغاً حتّى يتمّ ثماني عشرة سنةً ودليلهم قوله تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } وأشدّ الصّبيّ كما رُوي عن ابن عبّاس هو ثماني عشرة سنةً، أمّا الإناث فنشوؤهنّ وإدراكهنّ أسرع فنقص في حقّهنّ سنةً، فيكون سبعة عشرة سنةً.
وعن أبي عبيدة أنّ الصّبيّ إذا بلغ سبع عشرةَ سنةً أو ثماني عشرةَ سنةً فهو بمنزلة البالغ (1) .
02_ أمّا الشّافعيّة والحنابلة وصاحِبَا أبي حنيفة: قالوا: إنّ بلوغ الغلام والجارية خمس عشرة سنةً، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة، وقالوا: إنّ العادة جاريةٌ على أنّ الغلام والجارية لا يتأخّر بلوغهما عن هذه السنّ، واستدلّ بعضهم بما روي عن سفيان عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ (2) عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنةً فلم يُجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنةً فأجازه (3) ». (4)
__________
(1) _ المصنَّف: العلاّمة أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكنديّ السّمديّ النّزويّ ، نشر وزارة التّراث القوميّ والثّقافة، سلطنة عمان، 1405هـ- 1984م، 23/221.
(2) _ أبو عبد الله نافع مولى ابن عمر ( ... -117هـ/ ... -195م): من أيمّة التّابعين بالمدينة، كان علاّمة في فقه الدّين، متّفقاً على رياسته، كثير الرّواية للحديث، ثقة لا يعرف له خطأ في جميع ما رواه، وهو ديلميّ الأصل، مجهول النّسب، أصابه عبد الله بن عمر صغيراً في بعض مغازيه، ونشأ في المدينة، وأرسله عمر بن عبد العزيز إلى مصر ليعلّم أهلها السّنن، (الزّركلي: 08/05).
(3) _ سنن أبي داود: كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحدّ، 02/453.
(4) _ روح المعاني: 18 /210. (1/69)
صفحة 70
واعترض أبو بكر الرّازي على حديث ابن عمر أنّه عرض يوم أحدٍ وله أربعة عشر سنةً فلم يُجِزه وعُرض عليه يوم الخندق وله خمسة عشر سنةً فأجازه بما يلي:
01 _ أنّه مضطرب؛ لأنّ الخندق كان في سنة خمسٍ وأحدٌ في سنة ثلاثٍ، فكيف يكون بينهما سنةً ؟
02 _ ثمّ مع ذلك فإنّ الإجازة في القتال لا تعلّق لها بالبلوغ؛ لأنّه قد يردّ البالغ لضعفه، ويجاز غير البالغ لقوّته، كما أنّه لا دلالة فيه على أنّها حدٌّ للبلوغ (1) ، وممّا يدلّ عليه عدم إجازته عليه الصّلاة والسّلام ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في المرّة الأولى إنّما كان لاعتبار حاله في قوّته وضعفه، ويشعر بذلك أنّه - صلى الله عليه وسلم - ما سأله عن الاحتلام والسّنّ (2) .
__________
(1) _ أحكام القرآن للجصّاص: 05/193.
(2) _ روح المعاني: 18/211. (1/70)
صفحة 71
وما يؤيّد هذا الأخير من كلام الجصّاص ما قاله نافع: فحدّث بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا حدّ بين الصّغير والكبير، ثمّ كتب أن يفرض لمن بلغ الخمسة عشرة، حدّثنا بن أبي عمر (1) حدّثنا سفيان بن عيينة (2) عن عبيد الله (3) نحوه بمعناه، إلاّ أنّه قال عمر بن عبد العزيز: هذا حدّ ما بين الذّريّة والمقاتلة، ولم يذكر أنّه كتب أن يفرض" (4) .
وقد تكلّم الجصاص بكلامٍ كثير انتصر فيه لمذهب أبي حنيفة _رحمه الله_
وردّ على كلام الجصّاص بما يلي:
__________
(1) _ أبو عبد الله محمّد بن يحي بن أبي عمر الدّاوردي العدني ( ... -243هـ/ ... -858م): يقال له ابن أبي عمر، عالم بالحديث، كان قاضي عدن، جاور بمكّة، وحدّث عن فضيل بن عياض وطبقته، وسمع منه مسلم بن الحجّاج والتّرمذي، عاش طويلاً وحجّ 77 حجّة ماشياً، (الزّركلي: 07/135).
(2) _ أبو محمّد سفيان بن عيينة بن ميمون بن الهلالي الكوفي (107هـ-725م/725هـ-814م): محدّث الحرم المكّي من الموالي، ولد بالكوفة، وسكن مكّة وتوفّي بها، كان حافظاً ثقةً، واسع العلم، كبير القدر، قال الشّافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، وكان أعوراً، حجّ سبعين سنة، له الجامع في الحديث وكتاب في التّفسير، (الزّركلي: 03/105).
(3) _ أبو عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب ( ... -147هـ/ ... -764م): القرشيّ العدويّ المدنيّ العمريّ، أخو عبد الله و أبي بكر وعاصم، أحد الفقهاء السّبعة والعلماء الأثبات بالمدينة، كان من ساداتها ومن أشراف قريش فضلاً وعلماً وشرفاً وحفظاً، توفّي بالمدينة، (الزّركلي: 04/195)، ينظر كذلك: (تهذيب الكمال: 12/246).
(4) _ سنن التّرمذي: كتاب الجهاد، رقم الكتاب 24، باب ما جاء في حدّ بلوغ الرّجل ومتى يفرض له، رقم الباب 31، رقم الحديث 1711، الجزء الرّابع. (1/71)
صفحة 72
01 _ وأُجيب على اعتراض أنّ الحديث مضطربٌ: بأنّه يُحتمل أن يكون ابن عمر في أحدٍ كان أوّل ما طعن في الرّابعة عشر وكان في الأحزاب استكمل الخمس عشرة (1) .
02 _ وأقول بالنّسبة للرّدّ الثّاني: أنّ ابن عمر كان قد ردّه النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لضعفه وليس لعدم بلوغه، فإذا رَجَح لديه هذا التّأويل هنا فلماذا قالوا في الدّليل الذي اعتمدوا عليه وهو قوله تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... } أنّ الأشدّ في الآية كما قال ابن عبّاس يكون في الثّامنة عشر هو دليلٌ على البلوغ، في حين أنّ الآية تقرّر أنّ هذا الأشدّ في موضوع المخالطة الماليّة وتمكينه من ماله وليس البلوغ، وعلى هذا يكون الرّدّ، كما أنّ الذي يبلغ الأشدّ والله أعلم يكون قد مرّ عليه زمنٌ بعد بلوغه.
وقال الجصّاص: قوله تعالى: { وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ } يدلّ على بطلان قول من جعل حدّ البلوغ خمس عشرة سنةً إذا لم يحتلم قبل ذلك؛ لأنّ الله تعالى لم يفرّق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وقد رُوي عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من جهاتٍ كثيرةٍ: «رُفع القلم عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتىّ يعقل، وعن الصبيّ حتّى يحتلم» (2) ، ولم يفرّق بين من بلغ خمس عشرة سنةً وبين من لم يبلغها (3) .
فإن قيل أنّ هذا الكلام يُبطل التّقدير أيضاً بثماني عشرة سنةً، قلنا: بأنّنا قد علمنا بأنّ العادة في البلوغ خمس عشر سنةً وكلّ ما كان مبنياًّ على طريق العادات قد تجوز الزّيادة فيه والنّقصان منه، وقد وجدنا من بلغ في اثنتي عشر سنةً (4) .
__________
(1) _ فقه الاستئذان: 116.
(2) _ سنن أبي داود: كتاب الحدود، باب في المجنون يرقّ أو يصيب، 02/453.
(3) _ أحكام القرآن للجصاص: 05/193.
(4) _ التّفسير الكبير: 24/29. (1/72)
صفحة 73
التّرجيح: والصّحيح هو أصحاب القول الثّاني وهو قول الجمهور لما علمنا أنّ مثل هذا إنّما يثبت بحكم العادة، وقد جرت العادة في الأغلب على الاحتلام في مثل هذا السّنّ (15 سنة)، فيكون هو سنّ البلوغ المعتبر في التّكليف، وقد نصّ فقهاء الحنفيّة على أنّ الفتوى بقول الصّاحبين، وهي فتوى عن الإمام أبي حنيفة أيضاً، فيكون هو المعتبر وكفى الله المؤمنين القتالَ (1) .
وقال القطب رحمه الله: وإذا خرجت النّطفة من ذكر أو أنثى أو حاضت أو جبلت أو تكعّب لها ولو ثديٌ واحدٌ فبلوغٌ، وقد تبلغ الأنثى في السّنة السّابعة، وتحمل، وقد تبلغ الأنثى أو الذّكر في التّاسعة، وإذا لم توجد علامةٌ فالأنثى لثلاث عشرة، والذّكر لأربع عشرة أو هي لها، وهو لخمس عشرة، أو هما لخمس عشرة (2) .
"وعند الإباضيّة: إذا بلغت المرأة ثلاث عشرة سنةً، والرّجل إذا دخل الرّابعة عشرة من عمره، وهذا المعمول به والمفتى به عندنا معشر الإباضية، إلاّ في حالاتٍ استثنائيّةٍ تزيد أو تنقص، على أن يكون الحساب بالسّنة القمريّة لا الشّمسيّة" (3) .
قيل إذا بلغ الصّبيّ خمسة عشر سنةً وقيل سبع عشر سنةً وبلغ أترابُه وكانت علامات الرّجال فيه ظاهرةً حُكِم عليه بالبلوغ، ويشهد عليه بذلك الشّهود ولو لم تخرج لحيته (4) .
__________
(1) _ روائع البيان: 02/213.
(2) _ تيسير التّفسير: 09/144.
(3) _ في رحاب القرآن: 06/432.
(4) _ المصنَّف: 23/221. (1/73)
صفحة 74
ليس القولان في أنّ البلوغ يكون في السّنّ الثّامنة عشرة سنةً والخامسة عشرة بمبنِيَيْن على نصٍّ في الشّريعة وإنّما مبنيين على الاجتهاد الفقهيّ، فليس من الضّروريّ أن تقرّر خمس عشرة أو ثماني عشرة سنةً هي حدّ البلوغ في أمر الأولاد غير المحتلمين والبنات غير الحائضات في الدّنيا كلّها، فإنّ أحوال نموّ الجسد الإنسانيّ تختلف باختلاف الأقطار والزّمان (1) .
فوقت البلوغ يختلف من أمّة لأمّة كما يختلف بين الفتى والفتاة، فهي أسرع نمواًّ منه فتبلغ عادةً قبله، وفي البلاد الحارّة يكون البلوغ مبكّراً أكثر منه في البلاد الباردة، كما أنّ ذلك يختلف نظراً لبعض العوامل الوراثيّة، وقد لاحظ فقهاء الإسلام أنّ البلوغ عند الفتاة يبكر جداًّ فيكون في التّاسعة أحياناً، وقد يتأخّر في المناطق الباردة إلى سنّ الثّامنة عشر، وأغلب وقوعه ما بين الثّانية عشر والخامسة عشر في البلاد الحارّة، والرّابعة عشر والسّادسة عشر في الباردة منها، وكلّ ذلك طبيعيّ ولا يحتاج إلى تدخّل علاجيّ، ومن الغريب ملاحظة الإمام الشافعيّ لفتاةٍ صارت جدّةً وهي في سنّ الحادي والعشرين في صنعاء باليمن، فقد بلغت في التّاسعة وتزوّجت فأنجبت وهي لم تتجاوز العاشرة إلاّ قليلاً، وكذلك فعلت ابنتها فأصبحت جدّة في شرخ الشّباب، وقد رأيت شخصياًّ أثناء دراستي في كلّيّة الطّبّ بالقاهرة فتاةً تلد وهي في الحادي عشر من عمرها وقد تمّت ولادتها بالعمليّة القيصريّة لتعسّر الولادة آنذاك (2) .
06 _ هل يعتبر الإنبات دليلاً على البلوغ ؟
__________
(1) _ تفسير سورة النّور: لأبي الأعلى المودوديّ، تعريب، محمّد عاصم الحدّاد،دار الفكر ، 1379هـ/1960م، دمشق، ص:261.
(2) _ خلق الإنسان بين الطّبّ والقرآن: محمّد علي البار، الدّار السّعوديّة للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الحادي عشر، 1999م، جدّة، السّعوديّة، 47-48. (1/74)
صفحة 75
الرّاجح عند الفقهاء أنّ البلوغ لا يكون إلاّ بالاحتلام أو بالسنّ وهي خمس عشرة سنةً، وقد روي عن الإمام الشّافعي أنّه اعتبر الإنبات دليلاً على البلوغ، والمراد بالإنبات هو نبات شعر العانة من الأسفل.
واستدلّ بما رُوي عن عطيّة القرظي (1) : «أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحيا من لم ينبت، قال: "فنظر إليّ فلم أكن أنبتّ فاستبقاني» (2) ، أمّا بقيّة الفقهاء لا يعتبرون الإنبات دليلاً على البلوغ (3) .
حتّى قال الجصّاص: ظاهر قوله تعالى: { وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُمْ } ينفي أنْ يكون الإنبات بلوغاً إذا لم يحتلم كما نفى كون سنّ الخمسة عشر بلوغاً، وقوله عليه السّلام: «رُفع القلم عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتىّ يعقل، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم» (4) ، كذلك يقرّر أنّ البلوغ بالاحتلام.
ثمّ إنّ حديث عطيّة القرظيّ لا يجوز إثبات الشّرع بمثله لوجوهٍ:
01_ أحدها: أنّ عطيّة هذا مجهولٌ لا يعرف إلاّ من هذا الخبر، ولا سيما مع اعتراضه على الآية والخبر في نفي البلوغ إلاّ بالاحتلام.
02_ ثانيها: أنّ الحديث مختلف الألفاظ ففي بعض الرّوايات أنّه أمر بقتل من مرّت عليه المواسي، وفي بعضها من اخضرّ أزره، ومعلومٌ أنّه لا يبلغ هذه الحالة إلاّ من تقدّم في بلوغه زمناً.
03_ ثالثها: أنّ الإنبات يدلّ على القوّة البدنيّة، فالأمر بالقتل لتلك القوّة لا للبلوغ (5) .
__________
(1) _ عطيّة القرظيّ: له صحبة، قال: كنت من سبي قريظة وكانوا ينظرون فمن أنبت الشّعر قتل ومن لم ينبت ترك، فكنت فيمن لم ينبت فتركت، لا يعرف له حديث غير هذا الحديث، (تهذيب الكمال: 13/97، ر:4546).
(2) _ سنن أبي داود: كتاب الحدود، في الغلام يصيب الحد، 02/453.
(3) _ روائع البيان: 02/213-214.
(4) _ سبق تخريجه.
(5) _ أحكام القرآن للجصّاص: 05/194. (1/75)
صفحة 76
قال الشّافعي رحمه الله: هذه الاحتمالات مردودةٌ بما روي أنّ عثمان بن عفّان رضي الله عنه سُئِل عن غلامٍ، فقال: هل اخضرّ عذاره؟ وهذا يدلّ على أنّ ذلك كان كالأمر المتّفق عليه فيما بين الصّحابة (1) .
وتعليقاً على كلام الجصّاص نقول: مادام أنّ كلّ من اخضرّ عذاره ووصل درجة الحلق وتمرير المواسي فهو ممّن تقدّم في بلوغه زمناً، فإنّ المعنى أنّ الاخضرار يكون بعد سنّ الثّامنة عشر وهذه هي السّنّ الّتي كان رجّح أنّها سنّ البلوغ، لكنّ العادة جرت أن يكون الاخضرار وتكرار الحلق قبل سنّ الثّامنة عشر، ومنه فمادام الحلق يكون عنده بعد البلوغ فإنّ من حلق ولو قبل السّنّ الّتي حدّدها فهو بالغٌ، والجميع على أنّ ذلك حاصلٌ قبل تلك السّنّ، فيكون قول من قال إنّ الإنبات من علامات البلوغ صحيحٌ حتّى ولو كان في سنّ متقدّمة _ والله أعلم _.
أمّا الشّافعيّ كما نبّه بعض العلماء أنّه جعل الإنبات دليلاً على البلوغ في حقّ الأطفال الكفّار لإجراء أحكام الأسر والجزية والمعاهدة وغيرها من الأحكام ولم يجعله دليلاً على البلوغ مطلقاً (2) .
ومع ذلك فالحقّ أنّ ثلاث شعراتٍ سودٍ غلاظٍ في إبطٍ أو عورةٍ من ذكرٍ أو أنثى بلوغٌ، كما قال عثمان، وجرت عليه الصّحابة أنّ الإنبات بلوغ، وكما جاء عن عطيّة القرظي، ولو كان غير معروفٍ إذ جاء عن غيره أيضاً: أنّه استحيا - صلى الله عليه وسلم - من لم يُنبتوا، وأنا منهم وقتل من أنبت، وذلك في حرب قريظة، واختلاف الرّوايات بلا تناقضٍ لا بأس به، كما روي في هذا أنّه - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل من جرت عليه الموسى، ودعوى أنّه أمر بقتل المُنبت لقوّته؛ لا لأنّ الإنبات بلوغ تكلّفٍ غير واردٍ؛ لأنّ من لم يبلغ غير مكلّف فكيف يعاقب بالقتل، ولا دليل على أنّ قتله كان لدفع ضرّه عن المسلمين (3) .
__________
(1) _ التّفسير الكبير: 24/30.
(2) _ روائع البيان: 02/214.
(3) _ تيسير التّفسير: 09/144. (1/76)
صفحة 77
وما نُقِلَ عن الشّيخ السّالميّ في جواباته لمّا سُئل عن علامات البلوغ الخَمْس وهي: الإنبات والاحتلامُ والسّنونُ والحيض والحمل، أنّه قال: كلّ واحدةٍ منها علامة ٌعلى البلوغ، فمن وجد شعراً في عانته أو لحيته أو في إبطه حكمنا ببلوغه، وكذلك من احتلم ولو لم ينبُت فيه الشّعر وكذلك من حاضت من النّساء ولو لم تحمل ولم تبلغ خمسة عشر، وأمّا التّحديد بالسّنين فإنّما هو لمن لم توجد فيه العلامات قبل تلك السّنّ، فالإنبات والسّنين يشترك فيها الرجل والمرأة، وقيل الاحتلام يختصّ بالرّجل دون المرأة وقيل هو لهما معاً، أمّا الحيض والحمل وتكعّب الثّديين فهو خاصّ بالنّساء (1) .
وقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاحتلام والإنبات حداًّ للبلوغ، فقيل في العانة أنّها من علامات البلوغ وقيل ليست كذلك، فإذا نبت الصّبيّ وجب عليه الفرض لثبوت الخبر عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه جعل من أنبت بالغاً وأمر بقتله، ولمّا حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بقتل من جرت عليه المواسي، قال النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع أرقعة» (2) .
واحتلام الصّبيّ يعرف بأمورٍ منها انفراق طرف الأرنبة ومنها تغيّر ريح الإبط ومنها الإنباتُ ومنها غلظ الصّوت، ومن البلوغ الصّحيح إذا نبتت لحية الغلام أو نبت شاربه واسودّ شعر شاربه أو لحيته فهو بالغٌ لا شكّ فيه يحكم عليه بالبلوغ، وأمّا نبات العانة وشعر الإبطين من الغلام والجارية فما أراه بلوغاً صحيحاً، والله أعلم (3) .
__________
(1) _ جوابات الإمام السّالميّ: للإمام نور الدّين عبد الله بن حميد السّالميّ (1286هـ- ... /1332هـ-1914م)، تنسيق ومراجعة الدّكتور عبد السّتّار أبو غدّة، الطّبعة الثّانيّة، 1999م، د ن، د ت، د ط، 05/155.
(2) _ المصنّف: 23/217.
(3) _ المصدر السّابق: 23/219-221. (1/77)
صفحة 78
وقد سألت الشّيخ أحمد الخليليّ على معتمد من جعل البلوغ بانفراق الأرنبة، فقال: هي من علامات البلوغ لكن لم تكن هناك سنّةٌ معتمدةٌ بل اجتهادٌ من العلماء.
وممّا يروى عن بعض السّلف أنّ طول الغلام من علامات البلوغ عندهم، فقال الآلوسي: ومن الغريب أنّه روي من قومٍ من السّلف أنّهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبارٍ، غير أنّ أكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب؛ لأنّ الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً وقد يكون العكس، وعليه فلا عبرة لذلك (1) ، وهذا النّوع من البلوغ قد يكون هو المقصود بالبلوغ الجسميّ عند علماء الأحياء، إذ في الشّرع لا يكون دليلاً على البلوغ الذي يجب به التّكليف.
07 _ هل البلوغ الشّرعيّ هو البلوغ الجنسيّ ؟
ممّا سبق علمنا أنّ هناك ما يسمّى بالبلوغ الجنسيّ لدى الطّفل، فمتوسّط هذا النّوع من البلوغ لدى الفتيات قدّره العلماء المختصّون بثلاثة عشر عاماً، فيما يشير معدّل البلوغ لدى الفتيان لسنّ الرّابعة عشر عاماً إلى ستّة عشر عاماً ونصف العام، بحيث إنّ نسبة خمسين من المائة من مجموع الفتيان يبلغون في سنّ الرابعة عشر إلى الخامسة عشر، والباقي يتأخّرون أو يتقدّمون عن هذا، وهو ما يُصطلح عليه بالبلوغ المتأخّر أو المتقدّم (2) .
وعلى ضوء التّعريف الشّرعيّ السّابق للبلوغ مع ما كان فيه من الخلاف بين الفقهاء، وبناءً على تعريف البلوغ الجنسيّ نتساءل: هل توجد هناك علاقةٌ بين البُلوغَين، الشّرعيّ والجنسيّ؟ وأنهّما تعريفان لبلوغٍ واحدٍ من طرفين مختلفين، وكلٌّ قد عرّفه من الجوانب الّتي يقتضيها اختصاصه ليس إلاّ؟ أم هما مختلفين ولا واحد منهما له علاقة بالآخر؟
__________
(1) _ روح المعاني: 18/211.
(2) _ دنيا المراهقات: 33. (1/78)
صفحة 79
فالجواب على السّؤال يُوجِب علينا معرفة البلوغ الشّرعيّ ومُراد المولى عزّ وجلّ منه، وإذا علمنا أنّ البلوغ في الشّرع يكون أحياناً بالبلوغ الجنسيّ وهذا لا يخفى مثل احتلام الصّبيّ وغيرها من العلامات الأخرى، فهل العبرة فيه هو البلوغ الجنسيّ فقط أم هناك اعتباراتٌ أخرى؟ أي: هل كلّ علامات البلوغ الشّرعيّ هي علاماتُ بلوغٍ جنسيّة أم له علامات أخرى غير جنسيّة؟ ومثاله نبت شعر العانة والإبط، ونتساءل كذلك: هل كلّ علامات البلوغ الجنسيّ تعتبر دليلاً على البلوغ الشّرعيّ أم لا؟ وذلك كغِلَظِ الصّوت مثلاً، ونعومته عند الفتاة، وظهور حبّ الشّباب، وغيرها من التّغيّرات الفيزيولوجيّة الأخرى.
فإذا كان الجواب: إنّ كلّ علامات البلوغ الشّرعيّ الّتي جعلها الشّارع دليلاً على البلوغ بعد استقصائها هي علامات للبلوغ الجنسيّ الّتي يقرّ بها علماء الطّبّ، فإنّ مذهب الجمهور القائل بأنّ حدّ البلوغ الأقصى بالسّنوات للذّكور هو سنّ الخامسة عشر والإناث دونهم بسنةٍ أو اثنتين هو المذهب الذي يؤيّده العلم؛ لأنّ معدّل البلوغ الجنسيّ لدى الذّكور كما سبق هو من أربعة عشر عاماً إلى ستّة عشر على أكثر تقدير وللفتيات ثلاثة عشر، وعليه يكون مذهب الجمهور هو الأقوى والأظهر من سواه، ممّن قال: إنّ البلوغ الأقصى بالسّنوات هو سنّ الثّامن عشر كالجصّاص وما روي عن أبي حنيفة.
الفرع الثّالث: الأحكام المتعلّقة بالاستئذان:
01 _ هل الاستئذان واجبٌ أو مندوبٌ ؟
قال الفخر الرّازيّ: من العلماء من قال: الأمر للنّدب والاستحباب ومنهم من قال: إنّه للوجوب وهذا أولى، لما ثبت أنّ ظاهر الأمر للوجوب (1) .
__________
(1) _ التّفسير الكبير: 24/29. (1/79)
صفحة 80
وظاهر الأمر في قوله تعالى: (ليستاذنكم) للوجوب، وبهذا قال بعض العلماء، أمّا الجمهور فقالوا: إنّه استحبابٌ وندبٌ، وإنّه من باب التّعليم والإرشاد إلى محاسن الآداب، فالبالغ يستأذن في كلّ وقتٍ والطّفل والمملوك يستأذن في العورات الثّلاث.
"وقالت طائفة: أمر ندبٍ وليس معها ما يدلّ على صرف الأمر عن ظاهره" (1) ، غير أنّ ظاهر الأمر في الآية كما هو واضحٌ أنّه للوجوب بدايةً وليس للنّدب.
"قال سعيد بن جبير (2) : إنّ الأمر للنّدب لا للوجوب، وقيل كان ذلك واجباً حيث كانوا لا أبواب لهم، ولو عاد الحال لعاد الوجوب" (3) .
وأمره بما ذكر ونحوه من باب التّأديب والتّعليم ولا إشكال فيه، وقيل الأمر للبالغين من المذكورين على الحقيقة ولغيرهم على وجه التّأديب، وقيل هو للجميع على الحقيقة، والتّكليف يعتمد التّمييز ولا يتوقّف على البلوغ فالمراد بالذين لم يبلغوا الحلم المميّزون من الصّغار، هذا عند من قال:إنّ التّكليف يعتمد التّمييز ولا يتوقّف على البلوغ وهو خلاف ما عليه جمهور الأيمّة (4) .
والقول القائل بأنّ الأمر للبالغين على الحقيقة ولغيرهم على وجه التّأديب هو الأرجح؛ لأنّه لا يتصوّر الإثم على غير البالغ فلا يكون الأمر عليه حقيقةً.
__________
(1) _ زاد المعاد: 02/29.
(2) _ أبو عبد الله وقيل أبو محمّد، سعيد بن جبير بن هشام السّديّ بالولاء، كوفي، أحد أعلام التّابعين، وكان أسوداً، أخذ العلم عن عبد الله بن العبّاس وعبد الله ابن عمر رضي الله عنهم، وعن ابن عبّاس أخذا القراءة أيضاً عرضاً، وسمع منه التّفسير وأكثر روايته عنه، قتل في شعبان سنة 95هـ بواسط، وقبر فيها، كان عمره 49 سنةً، قتل بأمر من الحجّاج، (وفيات الأعيان: 02/371).
(3) _ فتح القدير: 04/50.
(4) _ روح المعاني: 18/210-213. (1/80)
صفحة 81
"عن الزّهري عن سهل بن سعد السّاعدي (1) : أنّ رجلاً اطّلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جحرٍ في حجرة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومع النبّيّ - صلى الله عليه وسلم - مدراةٌ يحكّ بها رأسه فقال - صلى الله عليه وسلم - : «لو علمت أنّك تنظر لطعنت بها في عينك، إنّما جعل الاستئذان من أجل البصر» (2) .
فترتّب الطّعن الوارد في الحديث بسبب عدم الاستئذان يدلّ على أنّه من قبيل الوجوب في البالغين على الأقلّ، فالذي نظر من الجحر كان رجلاً بالغاً كما دلّ عليه نصّ الحديث.
وما روي عن ابن عبّاس أنّه قال: "آية لا يأمر بها أكثر النّاس (آية الإذن)، وإنّي لآمر جاريتي تستأذن عليّ " (3) (سنن أبي داود) ، فلا أدري إن كان أمره لها على سبيل الوجوب أم للإرشاد والتّأديب؟
فلو حدث دخول بغير استئذان لم يكن ذلك معصيّة، وإنّما خلاف الأولى، وإخلالٌ بالأدب فإن علم الخادم أنّ في دخوله على سيّده إيذاءٌ له، حرم الدّخول بسبب الأذى لغيره، والظّاهر من الآية أنّها للوجوب لكن قال الجمهور (4) : إنّه مصروف إلى النّدب و الاستحباب، والتّعليم والإرشاد إلى محاسن الآداب، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - : "مروا صبيانكم بالصّلاة في سبع " (5) .
__________
(1) _ سهل بن سعد الخزرجيّ الأنصاريّ ( ... -91هـ/ ... -710م): من بني ساعدة صحابيّ من مشاهيرهم، من أهل المدينة، عاش نحو مائة سنة، له في كتب الحديث 188 حديثاً، (الزّركلي:03/143).
(2) _ سنن التّرمذيّ: كتاب الاستئذان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، باب من اطّلع في دار قومٍ بغير إذنهم، رقم الحديث، 2852، 04/165.
(3) _ روائع البيان: 02/211.
(4) _ التّفسير المنير: 18/292.
(5) _ سبق تخريجه. (1/81)
صفحة 82
فيكون الاستئذان واجباً سواءً أكان المدخول عليه أو الدّاخل رجلاً أو امرأةً، ورواية أسماء التّي رويت كسببٍ لنزول الآية ممّا يستأنس به على ذلك (1) ، والدّخول بغير استئذانٍ معصيةٌ ما ندري أهو عند الله صغيرٌ أم كبيرٌ، قيل هو كبيرةٌ وهو الصّحيح، وإن أُمر بالرّجوع فلم يرجع فقد أصرّ والإصرار كبيرةٌ (2) .
02 _ كم عدد الاستئذان ؟
" قال بعض أهل العلم إن الاستئذان ثلاثاً مأخوذٌ من قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمنُواْ لِيَسْتاذِنْكُمُ الذِينَ مَلكَتَ اَيمانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } ، قال يزيد: ثلاث دفعاتٍ، قال: فورد القرآن في المماليك والصّبيان، وسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجميع، قال ابن عبد البرّ ما قاله من هذا وإن كان له وجهّ فإنّه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية الّتي نزع بها، والذي عليه جمهورهم في قوله: { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } أي في ثلاث أوقاتٍ، ويدلّ على صحّة هذا القول ذكره فيها { مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيَرةِ ومِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَاءِ } " (3) .
__________
(1) _ التّفسير الحديث: 10/75.
(2) _ شرح النّيل وشفاء العليل: 05/378.
(3) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/304. (1/82)
صفحة 83
واختار في البحر أنّ المعنى ثلاث استئذانات كما هو الظّاهر فإنّك إذا قلت: ضربتك ثلاث مراتٍ لا يفهم منه إلاّ ثلاث ضرباتٍ (1) ، ويؤيد هذا ما روي أنّ أبا سعيد الخدريّ قال: كنّا في مجلسٍ عند أبيّ بن كعب فأتى أبو موسى الأشعريّ مغضباً حتّى وقف فقال: أنشدكم الله، هل سمع أحدٌ منكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلاّ فارجع، قال أبيّ: وما ذاك، قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرّات فلم يؤذن لي فرجعت ثمّ جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أنّي جئت أمس فسلّمت ثلاثاً ثمّ انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذٍ على شغلٍ فلو ما استأذنت حتّى يؤذن لك، قال: استأذنت كما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال: فوالله لأوجعنّ ظهرك وبطنك أو لتأتينّ بمن يشهد لك على هذا، فقال أبيّ بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلاّ أحدثنا سناًّ، قم يا أبا سعيد، فقمت حتّى أتيت عمر فقلتُ: قد سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا (2) .
فما قاله ابن عبد البرّ أن الاستئذان ثلاث مرّات مستفادٌ من الآية على غير ما قاله العلماء في تفسير الآية قد يعضده الحديث السّابق إذ أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بذلك.
وروي النّسائي أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - : «الاستئذان ثلاثاً: الأولى يستنصتون والثّانية يستصلحون والثّالثة يأذنون أو يردّون».
وعن أبي موسى الشعريّ أنّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك فادخل، وإلاّ فارجع» (3) .
__________
(1) _ روح المعاني/ 18/212.
(2) _ صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيريّ النّيسابوريّ (206هـ/261هـ)، تحقيق، محمّد فؤاد عبد الباقي، نشر دار التّراث العربي، بيروت، لبنان، كتاب الآداب، باب الاستئذان، رقم الحديث 2153، 03/1694.
(3) _ موطّأ الإمام مالك: كتاب الجامع، باب الاستئذان، رقم الحديث 1754، صفحة 685. (1/83)
صفحة 84
الفرع الرّابع: حكم بعض الأوقات:
01 _ ما حكم الوقت الممتدّ بين صلاة العشاء والفجر؟
قال أبو السّعود العماديّ: إنّ القبليّة والبعديّة المذكورتين في قوله تعالى: (من قبل صلاة الفجر) وقوله: (ومن بعد صلاة العشاء) ليس المراد بهما مطلقهما المتحقّق في الوقت الممتدّ والمتخلّل بين الصّلاتين، كما في قوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ } (1) ، بل ما يعرض منهما لطرفي ذلك الوقت الممتدّ المتّصل بالصّلاتين المذكورتين اتّصالاً عاديّاً (2) .
ويقول ابن العربي: إنّ الأوقات الثّلاثة هي أوقات الخلوة الّتي يكون فيها التّصرّف بخلاف اللّيل كلّه، فإنّه وقت خلوةٍ، ولكن لا تصرّف فيه؛ لأنّ كلّ واحدٍ مستغرقٌ في نومه، أمّا هذه الأوقات فهي للخلوة والتّصرّف، فنُهِي فيه عن الدّخول بغير إذنٍ لكيلا يصادفوا منظراً مكروهاً (3) .
فالظّاهر من كلام أبي السّعود أنّ الوقت الممتدّ بين صلاة العشاء والفجر فالجناح فيه مرفوعٌ عن عدم الاستئذان، وذلك كمنتصف اللّيل مثلاً؛ لأنّ المقصود بالبعديّة في صلاة العشاء والقبليّة في صلاة الفجر الوقت اليسير، كما أنّ المفهوم من كلام ابن العربي كذلك رفعُ الجناح، وهذا لنصّه على أنّ الأوقات الثّلاثة هي أوقات خلوةٍ وتصرّفات كأن يكون أحد الزّوجين بصدد تغيير الثّياب أو هو في ثوب خفيفٍ أو هو في قضاء حاجته مع زوجه، أمّا وقت اللّيل المتخلّل بين الصّلاتين فلا يقع فيها شيءٌ من هذا القبيل.
__________
(1) _ يوسف: 03.
(2) _ تفسير أبي السّعود: 06/194.
(3) _ أحكام القرآن لابن العربي: 03/1397. (1/84)
صفحة 85
لكن أليس اللّيل وقت عورةً في العادة ومن أكثر الأوقات عرضةً للكشفة والعري؟ فكيف يسمح بالدّخول فيه بغير إذنٍ، إذ من المعلوم أنّ النّائم يتقلّب في فراشه عدّة مراتٍ طوال اللّيل ممّا يؤدّي به إلى انكشاف عورته أو شيءٍ منها، ثمّ لنلاحظ النّهي عن الدّخول وقت الظّهيرة الذي شمل كامل وقت النّوم بدايته ووسطه ونهايته، فوقت الخلوة والتّصرّف فيه هو البداية والنّهاية حين وضع الثّياب وتغييرها فقط، أمّا الوقت الممتدّ بينهما فهو للخلوة والنّوم دون التّصرّف، لكنّ النّهي شملها جميعاً، فإذا كان كذلك فوقت اللّيل الممتدّ بين الصّلاتين أولى في المنع لطوله، ولشدّة الاستغراق فيه في النّوم، وإذا علمنا أنّ سبب نزول الآية الكريمة هو دخول الغلام على عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند الظّهيرة وقت النّوم وانكشاف عورته ألا يكون هذا سبباً في إيجاب الاستئذان وقت النّوم في اللّيل حيث هو الأشدّ في انكشاف العورات، وبعد هذا إنْ علمنا أنّ الحكم يدور مع العلّة وجوداً وعدماً فإنّنا نسحب حكم المنع من الدخول وقت الظّهيرة على وقت النّوم الأصلي وهو اللّيل، فمن هذا الباب يجب الاستئذان فيه للعلّة المذكورة ولو لم تنصّ عليها الآية، وهذا أخذاً بالأحوط وسداًّ لباب الذّرائع، ولا مشقّة تخشى من هذا لقلّة وجود من يدخل في هذا الوقت، فيبدو أنّ الصّحيح والأولى المنع، وأنّ هذا الوقت داخلٌ في وجوب الاستئذان.
وسألت سماحة المفتي الخليليّ فأجاب: أنّ الاستئذان فيه كالأوقات الثّلاثة، وفي هذا يقول الدكتور محمّد ناصر: إنّ الوقت الممتدّ بين العشاء والفجر يدخل في وقت المنع قبل صلاة الفجر من باب أولى، وإنّما سكت عنه النّصّ لندرة الدّخول فيه بسبب النّوم؛ ولأنّ المعمول به عادةً حصول الاستئذان فيه، منعًا من التّهمة وسوء الظّنّ (1) .
__________
(1) _ أنوار من سورة النّور: 190، أنظر: التّفسير المنير: 18/294. (1/85)
صفحة 86
وهذا ما ذهب إليه الألوسيّ حيث يقول: إنّ عدم التّعرّض للأمر بالاستئذان في الباقي من الوقت الممتدّ إمّا لانفهامه بعد الأمر بالاستئذان في الأوقات المذكورة من باب أولى، وإمّا لندرة الوارد فيه جداًّ كما قيل، وقيل: إنّ ذاك لجريان العادة على أنّ من ورد فيه لا يرِدُ حتّى يعلم أهل البيت لما في الورود ودخول البيت فيه من دون إعلام أهله من التّهمة ما لا يخفى، غير أنّ ظاهر الآية أن لا حرج في الدّخول بغير استئذان في الوقت المتخلّل بين الصّلاتين بالمعنى السّابق للبعديّة والقبليّة كما نصّ عليه أبو السّعود لكن بمقتضى ما سبق يثبت الحرج فيها فيكون كالمستثنى ممّا ذكر (1) .
"قد يقول أحدٌ: لماذا لم يذكر الله تعالى اللّيل وهو وقت النّوم الأصليّ؟
ذلك لأنّ اللّيل ينام فيه الجميع، وإنّما ذكر الأوقات الّتي يمكن فيها الدّخول على المرء في بيت نومه، كأن يدخل الخادم أو الوليد ليوقظ أباه أو أمّه قبل الفجر، أو ليناوله شيئاً بعد صلاة العشاء قبل الاستغراق في النّوم، فعلى هؤلاء في هذه الأوقات الاستئذان قبل الدّخول، والدّاخل إلى نومه في حكم النّائم، ولو كان مستيقظاً، فما لم يخرج من بيته يحرم الدّخول عليه من غير استئذان، سواءً في أوّل اللّيل أو آخره أو في الظّهيرة" (2) .
02 _ هل يقتصر الاستئذان في هذه الأوقات الثّلاثة أو يتعدّاها ؟
ذكر الألوسي أنّه لا يقتصر على هذه العورات الثّلاث بل يتعدّاها، فنفيُ الجناح بعدهنّ على من ذُكر ليس على عمومه، فإنّه متى تحقّق أو ظُنّ أنّ أهل البيت على حالٍ يكرهون اطّلاع المماليك والمراهقين من الأحرار عليها فلا ينبغي الدّخول عليهم بدون استئذانٍ سواءً كان ذلك في العورات الثّلاث أو في غيرها فالأمر بالاستئذان فيها ورفع الجناح في غيرها بناءً على العادة الغالبة (3) .
__________
(1) _ روح المعاني: 18/213.
(2) _ المصدر السّابق: 429.
(3) _ روح المعاني: 18/213، سورة النّور دراسة وتحليل: 526. (1/86)
صفحة 87
فنجد أن الأوقات الثّلاثة خرّجت مخرج الغالب وما جرت عليه العادة، فنفيُ الجناح عن عدم الاستئذان في غيرها من الأوقات ليس على إطلاقه، فمتى أراد أحد الدّخول ورجح لديه أنّ المدخول عليه في حالةٍ لا تليق أن يراه عليها أحدٌ فلا ينبغي الدّخول عليه بدون استئذان سواءً أكان ذلك في إحدى العورات الثّلاث أو غيرها.
03 _ ما حكم الاستئذان حال وجود الأبواب وعدمها ؟
01_ أن لا تكون للبيوت أبوابٌ: وهو حال أكثر البيوت في صدر الإسلام، ففي هذه الحالة يجب على الأولياء السّادة أن يعلّموا خدمهم وصبيانهم الاستئذان في هذه الأوقات الثّلاث، ومن لم يلتزم به فهو مخالف لإرشاد الآية.
02_ أن تكون للبيوت أبواباً يسهل ولوجها، لعدم إحكام غلقها، وإمّا لبقائها مفتوحةً، فهذه كسابقتها يلزم الاستئذان فيها.
03_ أن تكون أبواب البيوت محكمة الإغلاق بقفلٍ أو غيره، في الأوقات الثّلاثة بنيّة العمل بالآية، إذ يكون مراد الشّارع حاصلاً فعلاً، ومع هذا يحسن تعليم الخدم والصّبيان ما أمرت به الآية، و في هذه الحالة ترك بعض الصّحابة العمل بالآية؛ لأنّ الله قد فتح عليهم بالسّتور والخير كما ذكر في حديث ابن عبّاس (1) .
الفرع الخامس: حكم بعض أحوال الدّاخلين:
01 _ هل على المحارم استئذان ؟
قد يقول القائل: لماذا يستأذن الولد إذا كان بالغاً على أبيه وأمّه؟
__________
(1) _ سورة النّور دراسة وتحليل: 526. (1/87)
صفحة 88
ومن الآداب السّامية أن يستأذن الإنسان على المحارم لما روي عن عطاء بن يسار: «أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأله رجلٌ فقال: يا رسول الله، أستأذن على أمّي؟ فقال: نعم، قال الرّجل: إنّي معها في البيت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أستأذن عليها، فقال الرّجل: إنّي خادمها، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : استأذن عليها، أتحبّ أن تراها عُريانة! قال: لا، قال: فاستأذن عليها» (1) .
وعن ابن مسعود قال: "عليكم إذنٌ على أمّهاتكم"، وعنه قال: "يستأذن الرّجل على أبيه وأمّه وأخيه وأخته" (2) .
وعن عطاء قال: "سألت ابن عبّاس رضي الله عنهما فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: نعم، فأعدت فقلت: أختان في حجري، وأنا أمونهما وأنفق عليهما، أستأذن عليها؟ قال: نعم، أتحبّ أن تراهما عريانتين؟ ثمّ قرأ الآية" (3) ، وعن ابن مسعود كذلك أنّه قال: "عليكم أن تستأذنوا على أمّهاتكم وأخواتكم".
"فأوجب ابن مسعود وابن عبّاس وابن جبير استئذان البالغ والأب والأخ ونحوهم من الذّكور والإناث على الأمّ والأخت ونحوهما، ولو في بيت سكناهم مع هؤلاء إلاّ الزّوجين والسّيد والسّرية، ونُقل عن ابن عبّاس وجوب الاستئذان بينهم أيضاً، وليس يصحّ" (4) .
__________
(1) _ موطّأ الإمام مالك: رواية يحي بن يحي اللّيثيّ، إعداد أحمد راتب عمروش، دار النّفائس، الطّبعة العاشرة، 1987م، بيروت، كتاب الجامع، باب الاستئذان، رقم الحديث 1753، صفحة 684.
(2) _ الأدب المفرد: آداب الاستئذان، باب يستأذن على أخيه، رقم الحديث 1064، 218.
(3) _ الأدب المفرد: آداب الاستئذان، باب يستأذن على أخته، رقم الحديث 1063، 217.
(4) _ تيسير التّفسير: 09/147. (1/88)
صفحة 89
وروي عن جابر بن زيد: أنّه على أبناء المؤمنين الذين عقلوا ولم يبلغوا الحلم من الغلمان والجواري أن يستأذنوا على آبائهم، فإذا بلغوا الحلم استأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم إخوانهم إذا كانوا رجالاً ونساءً، فلا يدخلون على آبائهم إلاّ بإذنٍ وفي كلّ الأوقات (1) .
فالمرء إذا خلا بنفسه وشعر بأنّه لا يراه أحدٌ فقد يترخّص في الكشف وهو لا يقبل أن يدخل عليه أحدٌ دون شعور منه ولو كانت زوجته، وإن كان لا عورة بينهما فكون الرّجل يريد معرفة الدّاخل عليه من طبع الكرام من الرّجال والنّساء (2) .
فالاستئذان على الزّوجة من الآداب الحميدة، فإعلامها بقدومه برفع صوته أو خفق نعاله أو تَنَحْنُحِه أو كلّ ما يدلّ على مجيئه يمنع مفاجأتها في حالة تبذّلها وعدم لباقتها وكلّ ما تكره أن تقع عليه عين زوجها (3) .
نقل صاحب تفسير الميزان من تفسير القمّي: أنّ الله تبارك وتعالى نهى عن أن يدخل أحدٌ في هذه الثّلاثة الأوقات على أحدٍ لا أبٍ ولا أختٍ ولا أمٍّ ولا خادمٍ إلاّ بإذنٍ (4) .
__________
(1) _ أحكام القرآن: لحجّة الإسلام الإمام أبي بكر أحمد بن علي الرّازي الجصّاص، تحقيق، محمّد الصّادق قمحاوي، نشر دار إحياء التّراث العربي، 1992م، بيروت لبنان، 05/192.
(2) - في رحاب القرآن، (طبعة سنة 1980): 06/431.
(3) _ سورة النّور دراسة وتحليل: 30.
(4) _ الميزان في تفسير القرآن: 15/168. (1/89)
صفحة 90
وهذه فتوى للشّيخ نور الدّين السّالميّ لمّا سُئل عن دخول الولد غير البالغ على والديه في بيتهما لغرضٍ من الأغراض، وهل يصحّ له الدّخول بدون إذنٍ في غير المواضع الّتي ذكرها القرآن، فأجاب: أنّ الله تبارك وتعالى قال: { وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُواْ } ويقول للسّائل: اعلم أنّه لا بأس بدخول البيوت المباحة لكلّ أحدٍ مَحْرما أو غير مَحرم، وكذلك إذا أبيحت لأناسٍ مخصوصين فليس عليهم إذنٌ إذا كانوا لا يمنعون في كلّ وقتٍ وعليهم أن يستأذنوا في دخول الأمكنة المعدّة للخلوات كالصّفيف (1) والغرف والمصلّى، وأمّا في غيرها فعلى حسب العادة (2) .
02 _ هل على الغاضّ بصره والأعمى استئذانٌ ؟
قد يقول قائلٌ: إنّ موجب الاستئذان هو البصر كما جاء في الحديث، ومنه فإنّ للأعمى أن لا يستأذن إذا أراد دخول البيوت، وكذلك الذي يغضّ بصره عن الحرمات، لكن يظهر أنّ موجب الاستئذان حين التّدقيق في معناه هو الإيذاء إمّا بالنّظر أو غيره من أنواع الإيذاءات.
فظاهر الآية يقتضي دخول الأعمى أو الغاضّ بصره أو ساتره دون استئذان وهو غير ظاهر، فلعلّ المراد أنّ ما شُرع له الاستئذان هو النّظر كقوله - صلى الله عليه وسلم - : "الحجّ عرفة"، أي معظم أركانه وقوف عرفة، أو المراد خصوص النّظر، لكنّ علّة تحريمه هي الإيذاء، والإيذاء موجودٌ في السّمع واللّمس وغيرها، فالتحق غير النّظر لعلّة الإيذاء (3) .
03 _ هل على السّيّد استئذانٌ على عبده وأمته ؟
قيل: إنّ للسّيّد أن يدخل منزل عبده بلا استئذانٍ إن كان العبد وحده، وإن كان له زوجةً فلا، وقيل: لا يدخل على عبده ولا على أمته ولو لم يكن لهم أزواجٌ، حتّى يكون منه ما يعرفون به دخوله فيستترون.
__________
(1) _ الصّفيف جمع: صفة:لغة عمانيّة وهي مساكن في البيوت.
(2) _ جوابات الإمام السّالميّ: 05/520.
(3) _شرح النيّل وشفاء العليل: 05/380. (1/90)
صفحة 91
والشّيخ الطّاهر بن عاشور يدقّق الملاحظة في معنى الآية ليصل به على الحكم أنّ على السّيّد استئذانٌ مثل ما على العبيد، فيقول: عند نفي الجناح عن المخاطبين: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ } بعد أن كان الكلام على استئذان المماليك والأطفال إيماءٌ إلى لحن الخطاب حاصلٌ من قوله تعالى: { لِيَسْتَاذِنْكُمُ الذِينَ ... الحُلُمَ مِنْكُمْ } فإنّ الأمر باستئذان هؤلاء عليهم يقتضي أمر أهل البيت بالاستئذان على الذين ملكت أيمانهم إذا اضطرّوا للدّخول عليهم في تلك الأوقات، وإنّما لم يصرّح بأمر المخاطبين بالاستئذان لندور دخول السّادة على عبيدهم أو على غلمانهم، إذ العادة إذا دعتهم الحاجة إليهم أن ينادوهم، أمّا إذا دعت الحاجة إلى الدّخول عليهم فالحكم فيهم سواء (1) .
والصّحيح أنّه ما دام للعبد عورةٌ، وأنّ عورته لا يجوز إظهارها وجب على من يدخل عليه الاستئذان ولو كان سيّده، فالعورة محفوظةٌ وغير منتهكةٍ (2) .
04 _ ما حكم الدّاخل بغير استئذان إذا جُنِيَ عليه ؟
اختلف الفقهاء إلى فريقين فيما لو اطّلع إنسانٌ على دار غيره بغير إذنه، فرأى أهل الدّار أحداً يطّلع عليهم من ثقب الباب فطعن أحدهم عينه فقلعها أو فقأها، فهل يجب أن يُقتصّ من الجاني أم لا يقتصّ منه؟ وما الحكم؟
الفريق الأوّل: ذهب الإمامان الشّافعي وأحمد إلى أنّه لو فُقِئت عينه فهي هدرٌ ولا قصاص، وهو ما أفتى به الشّيخ أحمد الخليليّ من الإباضيّة.
الفريق الثّاني: وذهب مالك وأبو حنيفة إلى القول بأنّها جنايةٌ يجب فيها الأرش أو القصاص.
(01) _ دليل الشّافعيّة والحنابلة:
أ_ حديث أبي هريرة عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو اطّلع رجل في بيتك، فخذفتَه بحصاةٍ، ففقأْت عينه ما كان عليك جناحٌ» (3) .
__________
(1) _ التّحرير والتّنوير: 18/294.
(2) _ معارج الآمال على مدارج الكمال: 02/172.
(3) _ الأدب المفرد: آداب الاستئذان، باب إذا نظر بغير إذن تفقأ عينه، رقم الحديث 1068، 210. (1/91)
صفحة 92
ب_ حديث سهل بن سعد قال: «اطّلع رجلٌ من جُحْرٍ في حُجَرِ النّبي - صلى الله عليه وسلم - ومع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مدرًى (آلة رفيعة من الحديد) يحكّ به رأسه، فقال: لو أعلم أنّك تنظُرُ لطعنتُ به في عينِك، إنَّمَا جُعِل الاستئذان منْ أجلِ البصرِ» (1) .
(02) _ دليل المالكيّة والأحناف:
أ_ عموم قوله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... } ، فمن أقدم على هذا النّحو كان جانياً، وعليه القصاص، إن كان عامداً والأرش إن كان مخطئاً.
ب_ واستدلّوا بإجماع العلماء على أنّ من دخل دارًا بغير إذن أهلها فاعتدى عليه بعض أهلها بقلع عينه فإنّ ذلك يعتبر جنايةً تستوجب القصاص، قالوا: فإذا كان دخول الدّار اقتحاماً على أهلها مع النّظر إلى ما فيها غير مبيحٍ لقلع عين ذلك الدّاخل، فلا يكون النّظر وحده من ثقب الباب مبيحاً لقلع عينه من باب أولى.
ج_ وتأولّوا الحديث الذي استدلّ به الشّافعيّة والحنابلة على أنّ من اطّلع في دار قومٍ ونظر إلى حرمهم ونسائهم ثمّ مونع فلم يمتنع وقاوم وقاتل فقلعت عينه بسبب المقاومة والمدافعة فهي هدرٌ؛ لأنّه ظالم في هذه الحالة (2) .
"والفقهاء على خلاف ظاهر الحديث، وهذا من أحاديث أبي هريرة الّتي تردّ لمخالفتها الأصول، مثل ما روى: أنّ ابن الزّنى لا يدخل الجنّة، ومن غسّل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضّأ، ثم قال: ولا خلاف أنّه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً وعليه القصاص.
__________
(1) _ صحيح البخاري: للإمام أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردز الجعفيّ البخاريّ، اعتنى به أبو عبد الله محمود بن الجميل، نشر مكتبة الصّفا، 2002م، طبع مطابع دار البيان الحديثة، القاهرة، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، رقم الحديث،6241، 03/189.
(2) _ روائع البيان: 02/139-140. (1/92)
صفحة 93
قال الفخر الرّازي من فقهاء الشّافعيّة وهو صاحب التّفسير الكبير: واعلم أنّ التّمسّك بقوله تعالى: { وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ ... } في هذه المسألة ضعيفٌ، وأمّا قوله: إنّه لو دخل لم يجز فقأُ عينه فكذا إذا نظر! قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهرٌ؛ لأنّه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستّروا، فأمّا إذا نظر من ثقب بابٍ مثلاً فقد لا يكونون عالمين بذلك، فيطّلع على ما لا يجوز الاطّلاع عليه، فلا يبعد في حكم الشّرع أن يبالغ هاهنا في الزّجر حسماً لباب هذه المفسدة (1) .
وقيل: إنّ دم من دخل بغير استئذانٍ عمداً مهدورٌ، وقيل لا يضرب حتّى يُعلم حاله وجاز ضربه إن علم أنه متعدٍّ (2) .
وقال الشّيخ السّالمي (3) في منظومته جوهر النّظام:
فإنّ الاستئذان من أجل النّظرْ إدخاله من غير إذنٍ محتجرْ
همّ النّبيّ يفْقأنْ عَيْنَ مَنْ مِنْ كوّة البيت إليه ينظرنْ (4)
أقول: ولعلّ ما ذهب إليه الشّافعيّة والحنابلة ومال إليه بعض فقهاء الإباضيّة ومن ذهب مذهبهم هو الأرجح لقوّة أدلّتهم والله تعالى الأعلم.
الفرع السّادس: النّهي عن تسمية العشاء عتمةً:
__________
(1) _ المصدر السّابق: 02/139-140.
(2) _ شرح النّيل: 05/378.
(3) _ الإمام أبو محمّد عبد الله بن حميد بن سلّوم السّالميّ ( ... -1332هـ/ ... -1914م): مؤرّخ فقيه، من أعيان الإباضيّة، انتهت إليه رياسة العلم عندهم في عصره، مولده ووفاته في عمان، كان ضريراً، من تصانيفه جوهر النّظام في علمي الأديان والأحكام، وغيرها من التّآليف، (الزّركليّ: 04/84).
(4) _ جوهر النّظام في علمي الأديان والأحكام: أبو محمّد عبد الله بن حميد بن سلّوم السّالمي، تصحيح وتعليق، أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش، طبع سنة، 1346هـ، المطبعة السّلفيّة ومكتبتها، القاهرة، 04/219. (1/93)
صفحة 94
"السّابعة: قوله تعالى: (ومن بعد صلاة العشاء) يريد العتمة، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تغلبنّكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنّها العشاء وهو يعتمون بالإبل»، وفي رواية: «فإنّها في كتاب الله العشاء وإنّها تُعتِم بحلابِ الإبل»، والأحاديث كثيرةٌ في تسميّة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء، والصّحابة كانوا يسمّونها العشاء فعن أبي بَرْزَة: «كان النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يؤخّر العشاء، وقال أنسٌ: أخّر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة» (1) ، وهذا يدلّ على العشاء الأولى، وفي الصّحيح: فصلاّها، يعني العصر بين العشائين المغرب والعشاء.
وفي البخاري وغيره ورد تسميّتها بالعتمة: «لو يعلمون ما في العتمة والفجر» (2) ، وعن جابر ابن سمُرة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّي الصّلوات نحواً من صلاتكم وكان يؤخّر العتمة بعد صلاتكم شيئاً، وكان يُخِفُّ الصّلاة» (3) . (4)
قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: وهذه أخبارٌ متعارضةٌ، لا يُعلم منها الأوّل من الآخر بالتّاريخ، لكن كلّ حديث بذاته يبيّن وقته، ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن تسميّة المغرب عشاء وعن تسميّة العشاء عتمة ثابتٌ فلا مردّ له من أقوال الصّحابة فضلاً عمّن عداهم (5) .
__________
(1) _ صحيح البخاريّ: كتاب مواقيت الصّلاة، باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعاً، 01/132.
(2) _ المصدر السّابق: كتاب مواقيت الصّلاة، باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعاً، 01/132.
(3) _ صحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصّلوات، باب وقت العشاء وتأخيرها، 05/142
(4) _ الجامع لأحكام القرآن: 12/306-307- 308.
(5) _ أحكام القرآن لابن العربي: 03/1398. (1/94)
صفحة 95
وقد كان ابن عمر يقول: من قال صلاة العتمة فقد أثم، وقال ابن القاسم: قال مالك: (ومن بعد صلاة العشاء) فالله سمّاها صلاة العشاء فأحبّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن تسمّى بما سمّاها الله تعالى به، ويعلّمها الإنسان أهله وولده، ولا يقال عتمةً إلاّ عند خطاب من لا يفهم.
... وقد قيل إنّ هذا النّهي عن اتّباع الأعراب في تسميتهم العشاء عتمةً، إنّما كان لئلاّ يعدل بها عمّا سمّاها الله تعالى في كتابه إذ قال (ومن بعد صلاة العشاء)، فكأنّه نهيُ إرشاد إلى ما هو أولى، وليس على جهة التّحريم، ولا على أنّ تسميتها العتمة لا يجوز، ألا ترى أنّه قد ثبت أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قد أطلق عليها ذلك وقد أباح تسميّتها بذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما،
وقيل: إنّما نهى عن ذلك تنزيهاً لهذه العبادة الشّريفة الدّينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلةٍ دنيويّةٍ وهي الحَلْبة الّتي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمّونها العتمة ويشهد لهذا قوله: "فإنّها تعتم بحلاب الإبل".
قال الصّابوني: أنّه قد ورد تسميّتها في الكتاب والسّنّة بالعشاء فالأفضل الاقتصار على ذلك، ففي الحديث الصّحيح: «من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة، ومن صلّى العشاء والفجر في جماعة كان له قيام ليلةٍ (1) » (2) . ...
الفرع السّابع: هل يمكن تعليل الأحكام الشّرعيّة والعمل بها عند وجود العلّة:
عندما نستقرئ بعض الأحكام الشّرعيّة نجد أنّها ضُبطت ورُبطت بحالةٍ معيّنةٍ، وأنّ تلك الحالة إذا وجدت وتحقّقت كانت دافعاً وموجباً للعمل بالحكم الذي تعلّق بها، فبعض الأحكام تدور مع العلّة وجوداً وعدماً.
__________
(1) _ سنن التّرمذيّ: أبواب الصّلاة، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، رقم الباب 165، رقم الحديث 221.
(2) _ روائع البيان: 02/203. (1/95)
صفحة 96
والآية الكريمة في موضوعنا دالةٌ على أنّ الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن؛ لأنّه تعالى نبّه على العلّة الموجبة للاستئذان في هذه الأوقات الثّلاثة من وجهين:
1_ أحدها: بقوله تعالى: { ثَلاَثَ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } ، أي أنّ سبب منع الدّخول في هذه الأوقات دون استئذانٍ هو كونها أوقاتٌ يكثر فيها التّكشّف وظهور العورات، فالعلّة هنا ظاهرة في إيجاب الإذن.
2_ وثانيها: بالتّنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثّلاثة وبين ما عداها بأنّه ليس ذلك إلاّ لعلّة التّكشّف فيها، وأنّه لا يُؤمَن وقوع ذلك، وليس غيرها مثلها (1) .
فقوله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } يعني عقلاً أنّ تلك البعديّة تعني مغايرة حال ما سبق ذكره وهي أوقات العورة على ما سيأتي بعدها، فما بعد هذه الأوقات يقتضي أن لا يكون مثلها، أي لا يكون وقتاً ذا عورةٍ يُخْشى من ظهورها، فإذا رُفع الجناح هنا فإنّ ذلك للعلّة المذكورة وهي كونها غير عورة، فالحكم بالاستئذان معقودٌ على مظنّة انكشاف العورة، وهذا دليل على تعليل الأحكام.
وبيّن كذلك على علّة ترك الاستئذان في غير هذه الأوقات بقوله تعالى: { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } فهذا بيانٌ للعذر المرخّص في ترك الاستئذان، وهو لكثرة المخالطة والمداخلة والسّعي في خدمة أهل البيت، وهذا فيه كذلك دليلٌ على تعليل الأحكام، إذا اطُّلِعَ على العلّة لا على الإطلاق (2) .
__________
(1) _ التّفسير الكبير: 24/31.
(2) _ حاشيّة الشّهاب: 07/85. (1/96)
صفحة 97
ويمكن استفادة جواز تعليل الأحكام من غير الآية ولكنْ من الموضوع نفسه، وهو كما مرّ بنا في مناسبة سابقةٍ في النّفر الذين قدموا من العراق إلى ابن العباس وسألوه عن الآية الّتي أمرنا بما فيها ولا يعمل بها أحد، حيث قال: إنّ الله حليمٌ رحيمٌ، قد جاء بالخير والسّتور فلم أر أحداً يعمل بها، فأخبرهم أنّ الأمر بالاستئذان كان متعلقاً بسببٍ فلمّا زال السّبب زال الحكم.
02_ المطلب الثّاني:
الحِكَم التّشريعيّة في الآية الكريمة والآثار النّفسيّة والتّربويّة
والاجتماعيّة (وبه خمسة فروع):
الفرع الأوّل: مراعاة النّفس البشريّة.
الفرع الثّاني: مكانة خلق الاستئذان في الإسلام.
الفرع الثّالث: حكمة الاستئذان ثلاثا
الفرع الرّابع: الحاجة إلى خلق الاستئذان
01 _ الحاجة الدينية في تربية الطفل وتأديبه.
02 _ حفظ غريزة الطفل منذ الصغر.
03 _ الحاجة الاجتماعية على خلق الاستئذان.
04 _ الحاجة النفسية إلى الاستئذان لدى الطفل.
الفرع الخامس: آثار الاستئذان التّربويّة
01 _ الآثار التربوية داخل الأسرة.
02 _ الآثار التربوية في المجتمع الواحد.
03 _ الآثار التربوية في الأمة الإسلامية.
الفرع الأوّل: مراعاة النّفس البشريّة: (1/97)
صفحة 98
توزّع آيات الاستئذان في هذه السّورة يحوي حكماً تشريعيّةً، فالسّورة لها وحدتها، فليس هناك آية إلاّ وهي في محلّها الأكمل، فنجد السّورة فيها كلّ خصائص القرآن من كونه مذكراً وواعظاً ومعلّماً ومربّياً وهادياً، فتعرض السّورة كلّ ذلك بأسلوب إلهيّ حكيمٍ، ثمّ ولو تعدّدت معانيها فإنّ كلّ معنًى يخدم المعاني الأخرى، ويؤسّس لها بشكل لا يملّ معه الإنسان وبشكلٍ يملأ العقل والقلب، فهناك معانٍ تحتاج إلى عشر مقدماتٍ وآخر إلى مقدّمتين من أجل أن يعطيَ ثماره في القلب من أقرب طريقٍ، فيكون أحدهما في مكانٍ والآخر في مكانٍ، والنّفس البشريّة تحتاج على جرعاتٍ متفاوتةٍ بحسب الاحتياج، والنّفس البشريّة ملولٌ ومن متعتها المشاهد، وهي تحتاج أن تأخذ بعض المواضيع متداخلةً وأحياناً متسلسلةً، وتحتاج أن تأخذ المعنى الواحد في إطارٍ والآخر في إطارٍ، والتّكليف فيه مشقّة فإنّه يجزّأ ويوضع كلّ جزءٍ منه في الإطار الذي تتقبّله النّفس، فكلّ هذه المعاني وغيرها بعض الحِكَم الّتي عرضها القرآن بشكلٍ لا يمكن أن يعلم حقّه وحدوده إلاّ الله، وهو الذي خلق الإنسان ويعلم تركيبه العقليّ والنّفسيّ والشّعوريّ (1) .
إنّ آيات استئذان الأجانب أولى بها أن تكون في سياق عمليّة التّطهير النّفسيّ والقلبيّ للمسلم في قضيّة تمسّ العرض في بداية السّورة كقضيّة الإفك، وآيات استئذان الأقارب أولى أن تكون ضمن سياق كون هذا القرآن بيّناتٍ وأنّ الله يهدي من يّشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.
__________
(1) _ الأساس في التّفسير: سعيد حوّى، نشر دار السّلام للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانية، 1989م، د م، 07/3816. (1/98)
صفحة 99
إنّ القرآن ليس كبقيّة الكتب يضع الموضوع بجانب الموضوع ليشكّل في النّهاية كتاباً موضوعه جزءٌ من أجزاء الحياة، بل القرآن كتاب حياةٍ وكتاب الإنسان وكتاب الكون والدّنيا والآخرة وكتاب كلّ شيءٍ، وقد أعطت كلّ سورةٍ من سُوره هذا الإنسان ما يناسب كينونته مناسبةً ما، وكذلك مجموعة السّور، فكان هذا القرآن مناسباً للكينونة البشريّة في الزّمان والمكان (1) .
الفرع الثّاني: مكانة خلق الاستئذان في الإسلام:
الإسلام رسالة إصلاحيّة فاضلة، وآداب اجتماعيّة ساميّة، ومثل إنسانيّة رفيعة، حوى خير ما في التّشاريع من نظمٍ ومبادئ، وخير ما في الأديان من سموّ وأخلاق، فتعاليمه تدعوا إلى الكمال، ومبادئه الإنسانيّة تهدف إلى الإصلاح وإن شئت فقل: إنّه رسالة الفضائل والآداب، بل إنّه رسالة حياة، وفي هذه الآيات الكريمة دعوة إلى الآداب الإنسانيّة، وإلى آداب البيوت، وأن يعلّموا أطفالهم وخدمهم هذه الآداب الحميدة لتبقى الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم في منأى عن المفاسد الّتي تعجّ بها المجتمعات الأخرى (2) .
الفرع الثّالث: حكمة الاستئذان ثلاثاً:
ذهب العلماء إلى أنّه مستحبّ، وهو من محاسن الآداب ومكارم الأخلاق، فإن أذن له فيدخل وإن لم يؤذن فليرجع، وليس له أن يلحّ في الدّخول، بل يرجع وليس عليه أن يجد في نفسه غضاضةً أو النّفرة من أهل البيت بل للنّاس أسرارهم وأعذارهم خاصّة إذا كانوا من أناسٍ مرتاضين (3) .
__________
(1) _ المصدر السّابق: 07/3817.
(2) _ روائع البيان: 02/217-218.
(3) _ فقه الاستئذان وآثاره النّفسيّة والاجتماعيّة: محمّد بن راشد الغمّاريّ (معاصر)، وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة، طبع المطابع الذّهبيّة، 1999م، سلطنة عمان، 61، وما بعدها. (1/99)
صفحة 100
وتكرار الاستئذان ثلاثاً من محاسن الآداب؛ لأنّه في أوّل مرّةٍ قد يمنع المدخول عليه لبعض الشؤون، وفي الثّانية ربّما هناك ما يمنع، فإذا لم يُجِب في الثّالثة استدلّ على عدم الإذن، ولا يجب أن تكون المرّات متّصلةً بل يفصل ببينها بوقتٍ (1) .
الفرع الرّابع: الحاجة إلى خلق الاستئذان:
01 _ الحاجة الدّينيّة في تربيّة الطّفل وتأديبه:
فعندما يعلم الصغير الاستئذان ويؤدب به يعتاده ويتمرّن عليه فينشأ على ذلك ويسهل عليه بعد البلوغ، كما يُمنع ويُنهى عن المحظورات؛ لأنّه إذا لم يُمنع في الصّغر وترك يفعل ما تمليه عليه شهواته وما يؤثره صعب عليه الامتناع والإقلاع عنها في حال الكبر (2) ، فعندما يعلّم الصّبيّ في صغره ويعوّد يكون أسهلَ عليه حال الكبر ومتمرّناً عليه وأقلّ نفوراً منه.
"وفي الآية دلالة أيضاً على أنّ المميّز غير البالغ يعوّد على الآداب والنّظام والانضباط والإعداد لتحمّل المسؤوليّة والتّكاليف الشّرعيّة، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } ، أي أدّبوهم وعلّموهم" (3) .
فممّا يُؤمر به وليّ الصّبيّ أن يقوم بسياسته وحفظه من الأحوال الّتي يكون عليها الضّرر إمّا البدنيّ أو الخلقيّ أو الماليّ، وأن يراعى له الأصلح في جميع أموره، فيردع بالسّياط إذا لم يزدجر بدونه، وعليه أن يأمره بما يقدر على فعله من خصال الإسلام، كتجنّب النّجاسات والتّطهّر، كما يعلّمه الصّلاة إذا بلغ سبع سنين ولا يضربه على تركها حتّى يبلغ عشر سنين، وكذا يُؤمر بالصّيام مخافة أن تزيّن له نفسه تركه وترك ما يلزم، ويعلّمه القرآن وعلم الأدب وكلّ ما يستطيعه من الحِكم الدّنيويّة والأخرويّة (4) .
__________
(1) _ معارج الآمال على مدارج الكمال: 02/166.
(2) _ أحكام القرآن للجصّاص: 05/195.
(3) _ التّفسير المنير: 18/295.
(4) _ تلقين الصّبيان ما يلزم الإنسان: 21. (1/100)
صفحة 101
02 _ الحاجة إلى حفظ غريزة الطّفل منذ الصّغر:
فربما النّظرة الطّائرة غير المقصودة قد تتكرّر وتتحوّل إلى قصد فتحرّكها الميول التّي أيقظتها النّظرة الأولى وتحوّلها إلى علاقةٍ آثمةٍ، فتنشأ عنها العقد النّفسيّة والانحرافات، فكلّ نظرةٍ يتعرّض لها الإنسان إنمّا هي من فضول النّظر، ورُبّ نظرةٍ أورثت حسرةً بل حسراتٍ، وفي هذا يقول الشّاعر:
... كلّ الحوادث مبداها من النّظرْ ومُعظم النّار من مستصغرِ الشّررْ
... كم نظرةٍ فعلَتْ في قلب صاحبها فتك السّهام بلا قوسٍ ولا وترْ
... والمرء ما دام ذا عينٍ يقلّبها في أعين النّاس موقوفٌ على الخطرْ
... يسرّ مقلته ما ضرّ مهجته لا مرحباً بسرورٍ جاء بالخطرْ
03 _ الحاجة الاجتماعيّة إلى خلق الاستئذان:
الاستئذان هو لونٌ من ألوان الآداب الاجتماعيّة، فالحديث عن كيفيّة دخول الأولاد والرّقيق على الكبار من أهل البيت يكفُل أن تتبنّى التّربيّة خطاًّ محدّداً في هذا المجال، فيمنع الانحراف من جهةٍ ويوحي باحترام حريّة الفرد في حياته الخاصّة، وخاصّة في حالات الاسترخاء الّتي يخلو فيها الإنسان لأهله ولنفسه دون قيدٍ، ممّا يجعل البيت يعيش نظاماً متوازناً يعرف فيه كلّ واحدٍ موقعه وحدوده في ما يتعلّق باقتحام خلوات الآخرين طفلاً كان أو بالغا (1) ً).
ولقد كانوا في الجاهليّة يهجمون على البيت فربّما تقع عين الدّاخل على ما لا يجوز نظره كأن يرى المرأة عاريّة هي أو الرّجل، فهذا يؤذي ويجرح النّفوس وممّا يفقد البيوت أمنها وسكينتها، وكما يعرّض النّفوس إلى الفتنة، ومن أجل كلّ هذا أدّب الله المسلمين بأدب الاستئذان، وهو أدب يوحي بلطف قدوم الدّاخل مما يجعل النّفوس تستأنس به وتستعدّ لاستقباله في حالة لائقة (2) .
__________
(1) _ تفسير من وحي القرآن: 16/359.
(2) _ روائع البيان: 02/133. (1/101)
صفحة 102
وحكمة الاستئذان هو حصول الأُنْس، فإن دخول الإنسان بيت أخيه من غير إذنٍ هو مصدرٌ للوحشة وسببٌ في الجفوة؛ لأنّ من طبع الإنسان ستر العورة، والعورة تكون في البدن واللّباس وغيرها (1) .
فالمستأذن إذا أتى بهذه الصّفة فإنّه يُدخل الأنس في القلوب ويشعر المدخول عليه بالارتياح له؛ لأنّه يعتبر محترماً ومتأدّباً وليس مصدراً للوحشة والقلق الذي من شأنه أن يؤدّي إلى اختلاف القلوب.
كان في عرف النّاس أن لا يتحرجّوا من اطّلاع المماليك عليهم إذ هم خَولٌ وتبعٌ، وقد تقدّم ذلك آنفاً في قوله تعالى: { أَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُهُنَّ } ، وأمّا الأطفال فلأنّهم لا عناية لهم بتطّلع أحوال النّاس، وتقدّم آنفاً عند قوله تعالى: { أَوِ الطِّفْلِ الذِي لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } ، فلقد كانت الأوقات الثّلاثة أوقاتاً يتجرّد فيها أهل البيت من ثيابهم كما آذن به قوله تعالى: { وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيَرةِ } ، فكان من القبيح أن يرى المماليك والأطفال عورات أسيادهم فهو منظر مخجل وينطبع في نفس الطّفل؛ لأنّه لم يعتد رؤيته؛ ولأنّه يجب أن ينشأ الأطفال على ستر العورة كي تكون سجيّة فيهم (2) .
04 _ الحاجة النّفسيّة إلى الاستئذان لدى الطّفل:
__________
(1) _ جواهر التّفسير أنوار من بيان التّنزيل: سماحة الشّيخ أحمد بن حمد الخليليّ، مكتبة الاستقامة، الطّبعة الأولى، 1948م، 01/102.
(2) _ التّحرير والتّنوير: 18/292. (1/102)
صفحة 103
ليس المراد من قوله هذا أنّ الذين لم يبلغوا الحلم يجوز لهم الدّخول، ولا يقولنّ أحد: هذا ولدٌ صغيرٌ أو طفلةٌ صغيرةٌ لا يدركان شيئاً ممّا يريانه ... كلاّ، فللصّبيان إدراك وما يشاهدونه ينطبع في عقولهم ونفوسهم، ويكيّف حياتهم تكييفاً كبيراً، فعلماء التّربية في هذا المجال يقرّون أنّ لهذا تأثيراً قوياً على عقولهم وعلى نفوسهم، وقد يترك ما يشاهدونه عقداً نفسيّة، فلنحذر ممّا يراه أبناؤنا، ولا يتهاون ويقول قائل: إنّه صغير فعندما يكبر سينسى، كلاّ إنّه لن ينسى أبدًا، فتلك الصّور تنطبع في ذهنه أكثر، كما أنّ الإنسان يتذكّر ما جرى له في صغره أكثر ممّا حدث له وهو كبير، فسل شيخًا عن أمرٍ وقع له حديثا سيقول لك: نسيت، ولكن عد به خمسين عاماً للوراء إلى صغره وصباه فإنّه يذكر التّفاصيل والحسن والقبيح (1) .
وهو أدب يغفله الكثير في حياتهم المنزليّة، مستهزئين بآثاره النّفسيّة والعصبيّة والخلقيّة ظانّين أنّ الخدم لا تمتدّ أعينهم إلى عورات السّادة، بينما يقرّر علماء النّفس اليوم أنّ بعض المشاهد التّي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التّي تأثّر في حياتهم كلّها، وقد تصيبهم بأمراض نفسيّة وعصبيّة يصعب شفاؤهم منها (2) .
__________
(1) _ في رحاب القرآن: 06/428.
(2) _ في ظلال القرآن: 06/23. (1/103)
صفحة 104
والحكمة من هذا الاستئذان وغيره من الدّاخل إمّا الخدم أو غيرهم هو تلافي وقوع أنظارهم على عورات أهليهم، وهذا أدب يغفله الكثيرون في الحياة المنزليّة، مستهزئين بآثاره النّفسيّة والعصبيّة والخلقيّة، ظانّين أنّ الخدم لا تمتدّ أعينهم إلى عورات السّادة وأنّ الصّغار لا ينتبهون ولا يأبهون لمثل هذه المناظر لعدم إدراكهم للغريزة الجنسيّة، بينما يقرّر النّفسانيّون اليوم _ وهذا بعد تقدّم العلوم النّفسيّة _ أن بعض المشاهد التّي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي تؤثّر في حياتهم كلّها، بحيث يصابون بأمراض نفسيّة وعصبيّة يصعب شفاؤهم منها، والعليم الخبير يؤدّب المؤمنين بهذه الآداب، وهو يريد أن يبني أمّة سليمة الأعصاب والصّدور، طاهرة القلوب، ومن الحكمة أنّه خصّص هذه الأوقات الثّلاثة حرصًا على عدم الإطّلاع على العورات وإزالة الحرج والمشقّة لو حتّموا بالاستئذان كالكبار (1) .
الفرع الخامس: آثار الاستئذان التّربويّة:
01 _ الآثار التّربويّة داخل الأسرة:
أ _ عدم الاطّلاع على عورات المتساكنين وخصوصاً في الأوقات الّتي يتأكّد فيها التّخفّف من الثّياب، والزّمن الذي يحتمل فيه التّقرب واللّقاء بين الزوجين.
ب _ تعليم الأولاد الآداب والأخلاق القويمة الّتي يجب أن ينشأوا عليها عندما يكبرون.
ج_ حتّى لا يصاب الأولاد بنفورٍ من والديهما عندما يطّلعون عليهما في وضعٍ لا يليق أن يراهما فيه أحدٌ.
د _ إعلاءٌ من شأن العفّة وكرامة الإنسان أن يُرى في وضعٍ لا يريد رؤيته فيه أحدٌ.
02 _ الآثار التّربويّة في المجتمع الواحد:
أ _ لتُحفَظ العورات وألاّ تكون فيها لكلّ إنسانٍ حيث تُطلق جماح أعين من في قلبه مرضٌ تنهك عورات وأجساد المسلمين والمسلمات، فينهاه الإسلام عن كلّ ذلك.
ب _ تحصين المجتمع من الأمراض الجنسيّة، ووضع سياجٍ طاهرٍ من يقظة الضّمير ونقاء النّفس وهو مطلبٌ اجتماعيّ كبيرٌ.
__________
(1) _ المصدر السّابق: 18/123. (1/104)
صفحة 105
ج_ حفظ المجتمع من مكائد الرّذيلة وضعف قدراته وتصدّع أركانه وتهتّك أبنائه ومن ثمّ السّموّ به إلى المعالي.
د _ شيوع مبدأ الاستئذان يحفظ احترام الأفراد ويبعث على الاطمئنان النّفسيّ والارتياح الدّاخليّ لكلّ فردٍ من أفراد المجتمع ومن ثمّ يسود الاستقرار في جميع مناحي الحياة ويضحى المجتمع آمناً مستقراًّ يتمتّع بالهدوء السّكنيّ ويتذوّق طعم الحياة النّقيّة ويعيش طهر السّماء ونقاء الملأ الأعلى.
هـ _ وأدب الاستئذان قاطعٌ للألسنة الخائضة في أعراض النّاس والنّفوس المريضة الّتي تشكّ في كلّ من حولها، فلو لم يشرّع الاستئذان لكانت الاتّهامات تلقى في كلّ وقتٍ دون حسابٍ.
03 _ الآثار التّربويّة في الأمّة الإسلاميّة:
أ _ شيوع روح الأخوّة وإرساء شيم الاحترام والتّسامي في المعاملة.
ب _ تمتع الأمّة بصفاتٍ ساميةٍ تنفرد بها عن غيرها من المجتمعات الأخرى من حيث العفّة وغضّ البصر، ونقاء القلب وصدق المعاملة وحسن الاستئذان وعدم وُلوج بيوتٍ دون إذنٍ أو دخول أماكن تتواجد فيها النّساء وحدهنّ أو الفتيات منفرداتٍ دون استئذانٍ وهذا يقوّي أركان الأمّة ويعزّز مكانتها.
ج_ عدم السّماح لأيّ فردٍ من الأمّة بتسوّر بيوتات النّاس والتجسّس عليها وتحسّس ما يدور فيها حتّى لا يتعرّض فاعل ذلك لعذاب الله ونقمته.
د _ إذا شاع هذا الخلق وانتشر انتشرَتْ معه الفضيلة وذهبت الرّذيلة وقويت الأمّة وانتصرت على ما سواها بأخلاقيّاتها وسموّ معتقداتها. (1/105)
صفحة 106
هـ _ هذا يساعد على نشر الإسلام وتقدير أهله حيث أنّ المجتمعات الأخرى ضاعت فيها هذه القيم والأخلاق ولذلك كثرت الفواحش وانتشرت فيها الأمراض ومات كثيرٌ منهم، وتهتّك الآخرون وضاعت أنسابهم وبالتّالي ضياع الأوطان وضُعف البلاد والعباد وتصدّع أركان الأمم جرّاء عدم العفّة واندثار خُلق الاستئذان والجري وراء الأهواء والشّهوات (1) ، وهو خلقٌ يستعمل حتّى مع الكافر؛ لأنّ لكلّ إنسانٍ حقوقه فلا تهضم، ولهم عوراتٌ فيجب أن لا يدخل عليهم بدون إذنهم، وعلى المسلم أن يتمثّل الإسلام على أحسن صورةٍ كي يكون داعيةً بالعمل الصّالح إلى دين ربّه { أُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ } (2) (3) .
والحكمة الإلهيّة تتجلّى واضحةً وهو وحده تعالى يعلم النّفس البشريّة فأمرها بما يُصلح حالها ويقوّم لها الطّريق من البداية حيث قال تعالى: { قُلْ لِّلْمُومِنِينَ يَغُضُّواْ مِنَ اَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمُ إِنَّ اللهَ خَبِيٌر بِمَا يَصْنَعُونَ } (4) ، وقد أمرهم أن لا يقربوا الزّنى { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً } (5) ، وترك الاقتراب يكون بالابتعاد عن السّبب الأوّل في الفتن وهي النّظرة الأولى والمتعمّدة فهي سهمٌ من سهام إبليس، أعاذنا الله منها وزرقنا العفّة في الدّنيا والتّمتّع بالنّظر إلى ما أحلّه الله لنا من الأزواج الطّاهرة وبعد ذلك إلى الحورِ العينِ في الجنانِ -آمين-
- - - - - - - -
الخاتمة :
__________
(1) _ مقال للدّكتور جمال عبد العزيز، أستاذ بكليّة دار العلوم بالقاهرة، ومعهد العلوم الشّرعيّة بمسقط عمان.
(2) _ النّحل: 125.
(3) _ فقه الاستئذان: 140.
(4) _ النّور: 30.
(5) _ الإسراء: 32. (1/106)
صفحة 107
يحسن بنا أن نلخّص في نهاية هذا البحث ما جاء فيه إلى عناصر ونقاط، وذلك جمعاً لجوانب هذا الموضوع وسهولةً لاستيعابها عند القارئ، وهي كالتّالي:
01 _ الاستئذان هو طلب الإذن في الدّخول لمحلٍّ، وهو قسمين داخليٌّ في الأقارب بعضهم على بعضٍ، وخارجيّ في الأجانب بعضهم على بعضٍ، وحكمهما أنّهما واجبان، أمّا على الطّفل في داخل البيت فالجمهور على أنّه على النّدب.
02 _ الأوقات الّتي يستأذن فيها الأطفال وملك اليمين هي ثلاثة أوقاتٍ: ما قبل صلاة الفجر، ووقت الظّهيرة، وما بعد صلاة العشاء.
03 _ لا يطلب من الخادم أن يستأذن في كلّ وقت لضرورة قيامه بالخدمة لسيّده.
04 _ المخاطبون في الآية بـ (يا أيها الذين آمنوا) هم الذّكور والإناث من المؤمنين البالغين.
05 _ والمراد بملك اليمين هم الذّكور والإناث صغاراً كانوا أو كباراً.
06 _ الأطفال الذين يستأذنون هم الذين لم يبلغوا سنّ التّكليف وهم المميّزون للعورة، وعلامات بلوغهم هي: الاحتلام ونبات الشّعر في العانة والإبط واللّحية، أمّا إذا لم تظهر هذه العلامات فببلوغ خمسة عشر سنةً على الرّاجح، ومن علامات الأنثى الاحتلام والحيض والنّفاس والحمل وتكعّب الثّديين، أو بلوغ خمس عشرة سنةً على قولٍ.
07 _ الأطفال غير مخاطبين ولا مكلّفين وأمرهم بالاستئذان من باب الأدب والتّعليم.
08 _ لا يجوز الدّخول على المحارم دون إذنٍ، ويستحسن الإذن على الزّوجة.
09 _ يجب الاستئذان على الأجانب ولو كان الدّاخل أعمى أو غاضاًّ بصره.
10 _ يجوز فقأُ عين من نظر من ثقب الباب من غير إذنٍ ولا ديةَ له ولا قصاصَ.
11 _ الوقت الممتدّ بين صلاة العشاء والفجر حكمه كحكم الأوقات الثّلاثة المنهيّ الدّخول فيها.
12 _ وباستطاعة الوالدين وغيرهما منع الآخرين من الدّخول عليهما في أيّ وقتٍ أرادوا ولو في غير الأوقات المنهيّ عنها.
13 _ يُشرع في الاستئذان أن يكون ثلاث مرّاتٍ بينهما فترة كافية. (1/107)
صفحة 108
14 _ النّهي عن تسميّة العشاء عتمةً هو على سبيل الإرشاد فقط.
15 _ بدليل الآية نستطيع تعليل الأحكام إذا كانت العلّة ظاهرةً ولا يتأتّى ذلك إلاّ من هو عالمٌ بأمور الشّريعة.
16 _ على السّيّد أن يستأذن على عبده وأمته إن كانا متزوّجين، وكذلك إنّ العبد وحده فعورته لا يحلّ النّظر إليها.
17 _ والسّؤال المطروح هو: هل البلوغ الجنسيّ هو نفسه البلوغ الشّرعيّ، فيعتبر كلّ من بلغ جنسياًّ هو بالغٌ شرعاً بالتّبع أم كلٌّ وضوابطه ؟ وللعلماء المختصّين في فروع الشّريعة النّظر في المسألة، ففيها الحلّ للخلاف الذي هو حاصل بين من يقول بالبلوغ في سنّ الخامسة عشر ومن يقول هو في سنّ الثّامنة عشر؛ هذا لأنّ البلوغ الجنسيّ يكون في الخامسة عشر تقريباً على ما قرّره المختصون.
هذا ونرجو أن تكون هذه المحاولةً تتلوها محاولاتٍ، وخطوةً في طريق الهدى تتلوها خطواتٍ، فالله نسأل أن ينفعنا بما علّمنا ويجعنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولائك الذين هداهم الله وأولائك هم أولوا الألباب، وأن يجعل هذا الفيض الربّاني من سورة النّور أنواراً في بصائرنا فلا تزيغ عنه، وهدياً في خطواتنا فلا تضلّ عنه، وعلماً نافعاً يملأ عقولنا بعلم الله الذي يقول فيه: { وَلَوَ اَنَّمَا فِي الاَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ اَقْلاَمٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (1) .
هذا فإن أصبتُ فمن الله وإن أخطأت فمنّي ومن الشّيطان، وما أبرّأ نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلاّ ما رحم ربّي إنّ ربّي لغفورٌ رحيمٌ.
ونسأل الله الأجر والمثوبة والقبول والرّضى، إنّه وليّ التّوفيق والهادي إلى الصّراط المستقيم.
تم بحمد الله
- - - - - - - -
قائمة المصادر والمراجع:
__________
(1) _ سورة لقمان: 27. (1/108)
صفحة 109
01_ أحكام القرآن: لأبي بكر محمّد بن عبد الله المعروف بابن العربيّ (468هـ-543هـ)، تحقيق علي محمّد البجاويّ، دار الجيل، سنة 1408هـ- 1987م، الجزء الثّالث.
02_ أحكام القرآن: لحجّة الإسلام الإمام أبي بكر أحمد بن علي الرّازي الجصّاص، تحقيق، محمّد الصّادق قمحاويّ، نشر دار إحياء التّراث العربيّ، 1992م، بيروت لبنان، الجزء الخامس.
03_ أدب المسلم في العبادات والمعاملات والعادات المعاصرة: محمّد سعيد مبيّض (معاصر)، دار الثّقافة، الدّوحة، الطّبعة الثّالثة، 1988م، مكتبة الغزالي، إدلب، سوريا.
04_ الأدب المفرد: للإمام أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاريّ (194هـ/256هـ)، تحقيق، صالح أحمد الشّاميّ، دار القلم، الطّبعة الأولى، 2001م، دمشق.
05_ الأساس في التّفسير: سعيد حوّى، نشر دار السّلام للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانية، 1989م، د م، الجزء السّابع.
06_ أسباب النّزول وبهامشه النّاسخ والمنسوخ: تأليف الإمام أبي القاسم هبة الله بن سلامة أبي نصر، تصنيف الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحديّ النّيسابوريّ، د ت، دار المعرفة بيروت، لبنان.
07_ أسرار التّكرار في القرآن: تاج القرّاء محمود بن حمزة بن نصر الكَرَمَانيّ، دراسة وتحقيق، عبد القادر أحمد عطا، دار بوسلامة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، 1983م، تونس.
08_ الأعلام: خير الدّين الزّركلي، دار العلم للملايين، الطّبعة السّابعة، سنة 1986م، بيروت، لبنان.
09_ أنموذج جليل في بيان أسئلة وأجوبة من غرائب آي التّنزيل: محمّد بن أبي بكر بن عبد الله القادر الرّازيّ، الجزء الثّاني، الذي هو بهامش كتاب: إملاء ما منّ به الرّحمان من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن، للإمام الشّهير والعلاّمة النّحرير أبي البقاء عبد الله بن الحسين ابن عبد الله العكبريّ، د ت، المطبعة اليمنيّة، مصر. (1/109)
صفحة 110
10_ أنوار من سورة النّور: الدّكتور محمّد صالح ناصر (معاصر)، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الطّبعة الثّانية،1414هـ-1993م، مطبعة النّخلة، بوزرّيعة، الجزائر.
11_ تفسير أبي السّعود المسمّى إرشاد العقل السّليم إلى مزايا القرآن الكريم: لقاضي القضاة الإمام أبي السّعود محمّد بن محمّد العماديّ ( ... /951هـ)، نشر دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت، لبنان، د ت، الجزء السّادس.
12_ تفسير التّحرير والتّنوير: الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور (1296هـ-1393هـ/م-1973م)، الدّار التّونسيّة للنّشر، تونس، طبع سنة 1984م، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، الجزء الثّامن عشر.
13_ التّفسير الحديث: محمّد عزّة دروزة، د ن، طبعة سنة، 1383هـ/1963م، طبع مطبعة عيسى البابيّ الحلبيّ وشركاه، الجزء العاشر.
14_ تفسير القرآن العظيم: الإمام الجليل الحافظ عماد الدّين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشيّ الدّمشقيّ (701هـ-774هـ/1302م-1373م)، تصحيح وطبع لجنة من العلماء، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانيّة، 1379هـ-1970م، بيروت، الجزء الخامس.
15_ تفسير القرآن العظيم: الإمام الجليل الحافظ عماد الدّين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشيّ الدّمشقيّ (701هـ-774هـ/1302م-1373م)، نشر دار الفكر، 1401هـ، بيروت، الجزء الثّامن عشر.
16_ التّفسير الكبير: أبو عبد الله محمّد بن عمر بن حسين فخر الدّين الرّازيّ (544هـ-606هـ/1150م-1210م)، الطّبعة الثّالثة، د ت، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت، الجزء الرّابع والعشرون.
17_ تفسير الكشّاف عن حقائق غوامض التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل: تأليف الإمام أبي القاسم جار الله محمود محمّد الزّمخشريّ (467هـ/538هـ)، رتّبه وضبطه وصحّحه محمّد عبد السّلام شاهين، منشورات محمّد علي بيضون، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان، الطّبعة الثّالثة، 1424هـ-2003م، الجزء الثّالث. (1/110)
صفحة 111
18_ التّفسير المنير في العقيدة والشّريعة والمنهج: الدّكتور وهبة الزّحيليّ (معاصر)، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، الطّبعة الأولى، 1411هـ-1991م، دار الفكر، دمشق، سوريّة، الجزء الثّامن عشر.
19_ تفسير سورة النّور: لأبي الأعلى المودوديّ، تعريب، محمّد عاصم الحدّاد، دار الفكر، 1379هـ/1960م، دمشق.
20_ تفسير من وحي القرآن: سماحة آية الله العظمى السّيّد محمّد حسين فضل الله، دار الملاك للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانية، 1998م، بيروت، لبنان، الجزء السّادس عشر.
21_ تلقين الصّبيان ما يلزم الإنسان: للعلاّمة المحقّق الإمام نور الدّين السّالميّ، مكتبة الضّامريّ للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الخامسة عشر، 2001م، سلطنة عمان.
22_ تهذيب الكمال في أسماء الرّجال: للحافظ المتقن جمال الدّين أبي الحجّاج يوسف المزّي (654هـ/742هـ)، تحقيق الدّكتور بشّار عوّاد معروف، مؤسّسة الرّسالة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، 1992م، بيروت.
23_ تيسير التّفسير للقرآن الكريم: العلاّمة الفقيه الشّيخ أمحمّد بن يوسف أطفيّش (قطب الأئمة)، وزارة التّراث القوميّ والثّقافة، سلطنة عمان، طبعة سنة 1407هـ-1987م، الجزء التّاسع.
24_ الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاريّ القرطبيّ (671هـ/1273م)، نشر دار الكاتب العربيّ للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1387هـ/1967م، تصدرها وزارة الثّقافة، المؤسّسة المصريّة العامّة للتّأليف والنّشر، الجزء الثّاني عشر.
25_ جوابات الإمام السّالميّ: للإمام نور الدّين عبد الله بن حميد السّالميّ (1286هـ- ... /1332هـ-1914م)، تنسيق ومراجعة الدّكتور عبد السّتّار أبو غدّة، الطّبعة الثّانيّة، 1999م، د ن، د ت، د ط، الجزء الخامس.
26_ جواهر التّفسير أنوار من بيان التّنزيل: سماحة الشّيخ أحمد بن حمد الخليليّ، مكتبة الاستقامة، الطّبعة الأولى، 1948م، الجزء الأوّل. (1/111)
صفحة 112
27_ جوهر النّظام في علمي الأديان والأحكام: أبو محمّد عبد الله بن حميد بن سلّوم السّالمي، تصحيح وتعليق، أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش، طبع سنة، 1346هـ، المطبعة السّلفيّة ومكتبتها، القاهرة، الجزء الرّابع.
28_ حاشية الشّهاب المسمّاة عناية القاضي وكفاية الرّاضي: للقاضي شهاب الدّين أحمد بن محمّد بن عمر الخفّاجيّ (ت: 1069هـ) على تفسير البيضاويّ للإمام أبي سعيد ناصر الدّين عبد الله بن عمر بن محمّد (ت: 691هـ)، تحقيق، الشّيخ عبد الرّزّاق المهدي، منشورات محمّد علي بيضون، الطّبعة الأولى، 1997م، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الجزء السّابع.
29_خلق الإنسان بين الطّبّ والقرآن: محمّد علي البار، الدّار السّعوديّة للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الحادي عشر، 1999م، جدّة، السّعوديّة.
30_ دنيا المراهقات: الدّكتور محمّد رضا الشّرفي، دار النّبلاء، الطّبعة الأولى، 1998م، بيروت، لبنان،
31_ ديوان حسّان بن ثابت الأنصاريّ: دار بيروت للطّباعة والنّشر، د ت، دار صادر، بيروت.
32_ رجال المعلّقات العشر: الشّيخ مصطفى الغلايينيّ، منشورات المكتبة العصريّة، الطّبعة الثّانيّة، صيدا، بيروت.
33_ روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن: محمّد علي الصّابونيّ (معاصر)، الطّبعة الأولى،1301هـ/1971م، مطبعة دار القلم، بيروت، لبنان، الجزء الثّاني.
34_ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسّبع المثانيّ: للعلاّمة أبي الفضل شهاب الدّين السّيد محمود بن عبد الله الحسينيّ الألوسيّ البغداديّ (1217هـ-1270هـ/1802م-1854م)، نشر وتصحيح، إدارة الطّباعة المنيريّة دار إحياء التّراث العربيّ، د ت، بيروت، لبنان، الجزء الثّامن عشر.
35_ زاد المعاد في هدي خير العباد: الإمام الحافظ أبي عبد الله بن القيم الجوزيّة (691هـ751هـ)، مطبوعات مكتبة ومطبعة محمّد علي صبيح وأولاده، د ت، بميدان الأزهر، الجزء الثّاني. (1/112)
صفحة 113
36_ سنن أبي داود: تصنيف وجمع الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزديّ السّجستانيّ رحمه الله، وعليه تعليقات لفضيلة الأستاذ الشّيخ أحمد سعد علي، الطّبعة الأولى، 1371هـ-1952م، ملتزم الطّبع والنّشر شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ وأولاده، مصر.
37_ سنن البيهقيّ الكبرى: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقيّ (384هـ-458هـ)، تحقيق، محمّد عبد القادر عطا، نشر مكتبة دار الباز، سنة 1994م، مكّة المكرمة.
38_ سنن التّرمذيّ وهو الجامع الصّحيح: الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة التّرمذيّ (209هـ-279هـ)، تحقيق وتعليق، إبراهيم عطوه عوض، دار إحياء التّراث العربيّ، د ت.
39_ سورة النّور دراسة وتحليل: الدّكتور إسماعيل إبراهيم علي السّامرّائي (معاصر)، دار عماد للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى 2003م، عمّان، الأردن.
40_ سير أعلام النّبلاء: الإمام شمس الدّين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبيّ (748هـ-1374م)، تحقيق وتخريج شعيب الأرناؤوط، مؤسّسة الرّسالة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة السّابعة 1990م، بيروت.
41_ شرح النّيل وشفاء العليل: للإمام العلاّمة محمّد بن يوسف أطفيّش، نشر دار الفتح، بيروت، الطّبعة الثّانية، 1972م، طبع مكتبة الإرشاد، جدّة، الجزء الخامس.
42_ صحيح البخاريّ: للإمام أبي عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردز الجعفيّ البخاريّ، اعتنى به أبو عبد الله محمود بن الجميل، نشر مكتبة الصّفا، 2002م، طبع مطابع دار البيان الحديثة، القاهرة.
43_ صحيح مسلم: مسلم بن الحجّاج أبو الحسين القشيريّ النيسابوريّ (206هـ/261هـ)، تحقيق، محمّد فؤاد عبد الباقي، نشر دار التّراث العربيّ، بيروت، لبنان.
44_ صفوة التّفاسير: محمّد علي الصّابونيّ (معاصر)، الطّبعة الرّابعة، 1981م، دار القرآن الكريم، بيروت، الجزء الثّاني. (1/113)
صفحة 114
45_ فتح البيان في مقاصد القرآن: العلاّمة المحقّق صديق حسن خان (1307هـ)، النّاشر عبد المحيي علي محفوظ، د ت، مطبعة العاصمة، شارع الفلكيّ، القاهرة، الجزء السّادس.
46_ فتح القدير الجامع بين فنّي الرّواية والدّراية من علم التّفسير: محمّد بن علي بن محمّد الشّوكانيّ اليمانيّ الصّنعانيّ ( ... -1250هـ/عمره 76 سنة)، د ن، رمضان 1350هـ، مطبعة مصطفى البابيّ الحلبيّ وأولاده، مصر، الجزء الرّابع.
47_ فقه الاستئذان وآثاره النّفسيّة والاجتماعيّة: محمّد بن راشد الغمّاريّ (معاصر)، وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة، طبع المطابع الذّهبيّة، 1999م، سلطنة عمان.
48_ في رحاب القرآن: فضيلة الشّيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1316هـ-1401هـ/1899م-1981م)، نقله عن الشّريط المسجّل تلميذه، عيسى بن محمّد الشّيخ بالحاج، ولخصّه وأخرجه تلميذه الشّيخ ناصر بن محمّد مرموري، الطّبعة الأولى، 1980م، طبع المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر.
49_ في رحاب القرآن، تفسير سورة النّور: فضيلة الشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بيّوض (1316هـ-1401هـ/1899م-1981م)، تحرير عيسى بن محمّد الشّيخ بالحاج، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، طبع سنة 1998م، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، الجزء السّادس.
50_ في ظلال القرآن: سيّد قطب، نشر دار الكتاب العربيّ، بيروت، لبنان، الطّبعة الخامسة، 1383هـ-1967م، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت لبنان، الجزء الثّامن عشر.
51_ القاموس المحيط: للعلاّمة مجد الدّين محمّد بن يعقوب الفيروز أباديّ الشّيرازيّ (729هـ-817هـ/1329م-1415م)، نسخة مصوّرة عن الطّبعة الثّالثة للمطبعة الأميريّة، سنة 1301هـ، نشر الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، سنة 1977م.
52_ لسان العرب: للعلاّمة أبي الفضل جمال الدّين محمّد بن مكرم ابن منظور الإفريقيّ المصريّ، دار صادر للطّباعة والنّشر ، الطّبعة الأولى، 2000م، بيروت، لبنان. (1/114)
صفحة 115
53_ لسان الميزان: للإمام الحافظ شهاب الدّين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلانيّ ( ... /752هـ)، دار الفكر للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، 1987م، بيروت، لبنان، الجزء السّادس.
54_ مجمع البيان في تفسير القرآن: الشّيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطّبرسيّ، منشورات دار مكتبة الحياة، د ت، دار مكتبة الحياة للطّباعة والنّشر، بيروت، لبنان، الجزء التّاسع عشر.
55_ المصنَّف: العلاّمة أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكنديّ السّمديّ النّزويّ، نشر وزارة التّراث القوميّ والثّقافة، سلطنة عمان، 1405هـ- 1984م، الجزء الثّالث والعشرون.
56_ معارج الآمال على مدارج الكمال: للإمام عبد الله بن حميد السّالميّ، وزارة التّراث القوميّ والثّقافة، 1983م، الجزء الثّاني.
57_ معجم أعلام الإباضيّة منذ القرن الأوّل الهجري إلى العصر الحاضر (قسم المغرب): تأليف لجنة من الأساتذة، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، غرداية، الجزائر، 1999م، طبع المطبعة العربيّة، غرداية، الجزء الثّاني.
58_ مقابلة: مع سماحة الشّيخ أحمد بن حمد الخليليّ المفتي العامّ لسلطنة عمان.
59_ مقال: للدّكتور جمال عبد العزيز، أستاذ بكليّة دار العلوم بالقاهرة، ومعهد العلوم الشّرعيّة بمسقط عمان.
60_ ملاك التّأويل القاطع بذي الإلحاد والتّعطيل في توجيه المتشابه اللّفظ من آي التّنزيل: الإمام الحافظ العلاّمة أحمد بن إبراهيم بن الزّبير الثّقفيّ العاصميّ الغرناطيّ، تحقيق، سعيد الفلاّح، نشر دار الغرب الإسلاميّ، بيروت، لبنان، الطّبعة الأولى، 1403هـ/1983م، طبع مطبعة المتوسّط، بيروت، لبنان، الجزء الثّاني.
61_ منتخب كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال: الذي بهامش مسند الإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلاميّ للطّباعة والنّشر، د ت، الجزء الثّالث.
62_ موطّأ الإمام مالك: رواية يحي بن يحي اللّيثيّ، إعداد أحمد راتب عمروش، دار النّفائس، الطّبعة العاشرة، 1987م، بيروت. (1/115)
صفحة 116
63_ الميزان في تفسير القرآن: العلاّمة السيّد محمّد حسن الطّباطبائي، مؤسّسة مطبوعاتي اسماعيليان، قم، جاب، نشر، صحافي، وجلد سازي، د ت، إيران، الجزء الخامس عشر.
64_ وفيات العيان وأنباء أبناء الزّمان: لأبي العبّاس شمس الدّين أحمد بن محمّد بن أبي بكر بن خلكان (608هـ/681هـ)، اعتنى بها مكتب التّحقيق، دار إحياء التّراث العربيّ للطّباعة والنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، سنة 1998م، بيروت، لبنان.
- - - - - - - -
المحتويات
العناوين ... ص
- إهداء ... أ
- المقدّمة ... 2
- التّمهيد ... 5
- بين يدي السّورة ... 7
- عرض الآية ... 12
المبحث الأوّل: ... 13
الدّراسة الشّكليّة للآية وبعض الخصائص وتفسيرها التفصيليّ
01_ المطلب الأوّل: ... 13
دراسة بعض ألفاظ الآية، ونكتها البلاغيّة، وأوجه القراءات فيها وإعرابها
- الفرع الأوّل: اللّغة والتّحليل ... 14
- الفرع الثّاني: النّكت البلاغيّة ... 19
- الفرع الثّالث: أوجه القراءات وإعرابها ... 21
02_ المطلب الثّاني: الآية، لطائفها، مناسبتها، أسباب نزولها، وما قيل في نسخها ... 27
- الفرع الأوّل: المعنى الإجماليّ للآية ... 28
- الفرع الثّاني: لطائفُ التّفسير ... 29
- الفرع الثّالث: مناسبة الآية لما قبلها ... 31
- الفرع الرّابع: أسباب نزول الآية ... 32
- الفرع الخامس: تخصيص الآية ... 34
- الفرع السّادس: ما قيل في أنّ الآية ناسخة ومنسوخة ... 35
01 _ الخلاف في نسخ الآية لما قبلها ... 35
أ _ القائلون بعدم نسخها لما قبلها ... 35
ب_ القائلون بنسخها لما قبلها ... 35
02 _ الخلاف في أنّ الآية منسوخة أو محكمة ... 36
أ _ القائلون بأن الآية منسوخة ... 36
ب_ القائلون بأن الآية محكمة ... 36
03_ المطلب الثّالث: التّفسير والبيان ... 39
- الفرع الأوّل: تفسير الجزء الأوّل من الآية ... 40
- الفرع الثّاني: تفسير الجزء الثّاني من الآية ... 40
- الفرع الثّالث: تفسير الجزء الثّالث من الآية ... 42
- الفرع الرّابع: تفسير الجزء الرّابع من الآية ... 44 (1/116)
صفحة 117
المبحث الثاني: الأحكام الشّرعيّة والحِكَم والآثار المستنبطة من الآية ... 47
01_ المطلب الأوّل: الأحكام الشّرعيّة المستنبطة من الآية ... 47
- الفرع الأوّل: المقصودون في الآية ... 48
01 _ المقصود بـ: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ } ... 48
02 _ المراد بملك اليمين ... 49
أ _ هل المراد بهم الذّكور أو الإناث ؟ ... 49
ب_ هل المراد بهم الصّغار أو الكبار ؟ ... 50
- الفرع الثّاني: أحكام الأطفال ... 52
01 _ أيّ الأطفال مقصود ؟ ... 52
02 _ كيف يخاطب الله الصّغار ولا تكليف قبل البلوغ ؟ ... 53
03 _ هل يؤمر الطّفل بفعل الفرائض والطّاعات ؟ ... 54
04 _ ما حدّ الطّفل الذي يستأذن ؟ ... 55
05 _ ما هي سنّ البلوغ التي يلزم به التّكليف ؟ ... 55
06 _ هل يعتبر الإنبات دليلاً على البلوغ ؟ ... 60
07 _ هل البلوغ الشّرعيّ هو البلوغ الجنسيّ ؟ ... 63
- الفرع الثّالث: الأحكام المتعلقة بالاستئذان ... 64
01 _ هل الاستئذان واجبٌ أو مندوبٌ ؟ ... 64
02 _ كم عدد الاستئذان ؟ ... 66
- الفرع الرّابع: حكم بعض الأوقات ... 67
01 _ ما حكم الوقت الممتدّ بين صلاة العشاء والفجر ؟ ... 67
02 _ هل يقتصر الاستئذان في الأوقات الثّلاثة أو يتعدّاها ؟ ... 69
03 _ ما حكم الاستئذان حال وجود الأبواب وعدمها ؟ ... 69
- الفرع الخامس: حكم بعض أحوال الدّاخلين ... 70
01 _ هل على المحارم استئذان ؟ ... 70
02 _ هل على الغاضّ بصره والأعمى استئذانٌ ؟ ... 72
03 _ هل على السّيّد استئذانٌ على عبده وأمته ؟ ... 72
04 _ ما حكم الدّاخل بغير استئذان إذا جُني عليه ؟ ... 73
- الفرع السّادس: النّهي عن تسمية العشاء عتمةً ... 75
- الفرع السّابع: هل يمكن تعليل الأحكام الشّرعيّة والعمل بها عند وجود العلّة ... 76
02_ المطلب الثّاني: ... 78
الحِكَم التّشريعيّة في الآية الكريمة وآثارها النّفسيّة والتّربويّة والاجتماعيّة
- الفرع الأوّل: مراعاة النّفس البشريّة ... 79
- الفرع الثّاني: مكانة خلق الاستئذان في الإسلام ... 80
- الفرع الثّالث: حكمة الاستئذان ثلاثاً ... 80 (1/117)
صفحة 118
- الفرع الرّابع: الحاجة إلى خلق الاستئذان ... 81
01 _ الحاجة الدّينيّة في تربيّة الطّفل وتأديبه ... 81
02 _ الحاجة إلى حفظ غريزة الطّفل منذ الصّغر ... 81
03 _ الحاجة الاجتماعيّة إلى خلق الاستئذان ... 82
04 _ الحاجة النّفسيّة إلى الاستئذان لدى الطّفل ... 83
- الفرع الخامس: آثار الاستئذان التّربويّة ... 84
01 _ الآثار التّربويّة داخل الأسرة ... 84
02 _ الآثار التّربويّة في المجتمع الواحد ... 84
03 _ الآثار التّربويّة في الأمّة الإسلاميّة ... 85
- الخاتمة ... 87
- قائمة المصادر والمراجع ... 89
- المحتويات ... 94
زيادات:
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :
يعني إذا بلغ الأطفال الذين إنما كانوا يستأذنون في العورات الثلاث إذا بلغوا الحلم وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال ، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته ، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث . قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير : إذا كان الغلام رباعياً فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه ، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال ، وهكذا قال سعيد بن جبير.
ولأن الطفل لو رأى شيئاً مما يقع بين الزوج وزوجته لرسخ ذلك في مُخيّلته، ولكان له الأثر السلبي على حياته، إذ أنّ أمه وأباه هم القدوة في حياته، ثم يراهم على ذلك الوضع !
فيجب أن يُعوّد الأطفال على ذلك، وأن يؤمروا أن لا يدخلو غرفة نوم والديهم إلا بعد الاستئذان، وقرع الباب، فإن أُذِن له وإلا فليرجع ولا يدخل.
يقول الأستاذ عدنان با حارث في كتاب مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة:
ويحذر الأب كل الحذر من نوم الولد بعد السنة الأولى من عمره في غرفة نومه الخاصة به مع أهله ؛ خشية أن يرى الولد ما يكره من العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة . اهـ . (1/118)
صفحة 119
وأما اللباس المعتاد للرجل في بيته، فهو ما يستر عورته، وإذا كان مِن عادته أن يُخصص للبيت لباساً فليحرص أشدّ الحرص على أن يكون اللباس ساتراً للعورة، أو أن يلبس تحته ما يستر العورة ؛ لأن الطفل إذا شاهد تساهل والده في ستر العورة حذا حَذوه، وسار بسيره، وربما يُفاجأ الأب في يوم من الأيام إذا انتهر طفله ( ذكراً أو أنثى ) آمراً إياه أن يستر عورته، ربما يُفاجأ بما لم يكن في حسبانه من ردّ الطفل: وأنت تفعل هذا !
يعني أنك محلّ قدوة، وتفعل هذا !
وكيف تنهى عن أمر أنت تفعله ؟!
وربما ظن بعض الآباء أن الطفل لا يُدرك، ولكن لو ألقى سمعه لبعض همسات طفله لمن هم في مثل سِنِّه لسمع ما لم يكن يتوقعه !
فالطفل شديد العناية بتصرفات والديه، دقيق الملاحظة لكل ما يصدر منهما.
وأما لباس المرأة فإنه يجب أن يكون أشدّ عند الصغار؛ لأنهم ربما نقلوا ما اطّلعوا عليه من عورات النساء
قالت أم سلمة رضي الله عنها: دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث، فسمعه يقول لعبد الله بن أمية: يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بابنة غيلان، فإنها تُقبل بأربع وتُدبر بثمان ! فقال النبي صلى الله عليه ولم: لا يدخل هؤلاء عليكم . رواه البخاري ومسلم .
فقد تتساهل المرأة في لباسها في بيتها بحجة أنها في بيتها، وأمام زوجها تُريد أن تتزيّن له، وهي لا تشعر بلحظ الأطفال لكل حركة وسكنة !
أو في حال رضاع الصغير، ونحو ذلك .
وربما تحدّث الطفل عند الكبار مما رأى !
ورأى طفل سوءة امرأة لم تهتم به بحجة أنه طفل، فجاء يُحدّث أهله بما رأى وقد اجتمعوا على العشاء ! ثم شبّه سوءة تلك المرأة بسوءة أخته التي كانت هي الأخرى لا تهتم بنظر الطفل الصغير !
فأخذت تحثو التراب في وجهه، وكانت أحق به وأولى ! (1/119)
صفحة 120
وشاب دخل البيت نهاراً فرأى ما لا يسرّ من علاقة أبيه بأمه ! فلما اجتمعوا في الليل: سأل أباه عما كان يفعل بأمه ؟! فأخذت أمه تحثو عليه التراب!
لقد كانوا في غنى عن ذلك السؤال !
وربما يظن بعض الناس أن الطفل لا ينتبه، بينما هو شديد الملاحظة، حادّ النّظرة، ربما يَخزن المعلومات فتكون الفضيحة وقت إبراز ذلك المخزون !
وربما تمنّت المرأة أو تمنّى الرجل وقتها أن الأرض انشقّت وابتلعته ولم يسمع عَرْضَ تلك الفضيحة، ولم يسمع ذلك القول على الملأ !
الطفل فطرته سليمة، فيجب أن تبقى على هذا النقاء، وأن يُحافظ على ذلك الصفاء، لا كما يدعو إليه من لا خلاق له بوجوب تعليم الأطفال الجنس، ويزعمون أنه من باب تثقيف الأطفال !
ولذلك في المدارس الأوربية – غالباً - لا توجد أبواب للمراحيض في المدارس !
فيذهب الحياء ويذهب معه كل خُلُق فاضل، وينشأ الذكور والإناث على حياة بهيمية لا تُتستر فيها عورة، ولا يُستحيا فيها من إبداء سوءة !
إن لباس نساء سلف هذه الأمة في البيوت يُغطي الساقين والذراعين، ولا يظهر منها إلا ما يظهر حال المهنة والخدمة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. (1/120)