صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: التفسير وعلوم القرآن
------------------------------------------
العنوان: أنوار من القرآن الكريم قبس من سورة الحجرات
المؤلف: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
الناشر: د.ن
مكان النشر: د.م
تاريخ النشر: 1413ه/ 1992م
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 152/92
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/884
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 26 شعبان 1446ه/ 25 - شهر 02 - 2025م. أنوار من القرآن الكريم
قبس من سورة الحجرات
الطبعة الأولى 1413 هـ ـ 1992 م (1/1)
صفحة 2
أنوار من القرآن الكريم
قبس من سورة الحجرات
تأليف محمد بن ناصر بوحجام
الطبعة الأولى 1413 هـ ـ 1992 م (1/2)
صفحة 3
بسم
الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .. والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه
أجمعين أما بعد: فمن نعم الله على عباده المؤمنين توفيقهم إلى الإيمان وهدايتهم لترسيخ هذا الإيمان في قلوبهم، والتكرم عليهم بحسن
عبادته، والإخلاص فيها
من أنواع هذه العبادة التدبر في آيات الله الكونية، والآيات القرآنية التي منها يتعلمون دينهم، ويتفهمون فيه، فيعرفون أحكام الله تعالى ليعبدوه عن علم، ويسيروا على هذي منه في الحياة الدنيا التي يرجون أن تكون مطيتهم إلى الآخرة
ما أحوجنا وأحوج شبابنا بخاصة – إلى النهل من منهل القرآن والتداوي به لشفاء ما بهم من أسقام وأمراض، وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. في محاولتنا هذه اجتهدنا في تقديم نموذج من الاستفادة من القرآن
لطلبتنا وناشئتنا، بما يعينهم على السير في هذا السبيل، والإقدام على هذه الموائد القرآنية، ليأخذوا منها ما يوجه حياتهم، ويربيهم على
الإسلام والإيمان، فهم في أمس الحاجة إلى التوجيه والتذكير. (1/3)
صفحة 4
إن «سورة الحجرات» التي اخترناها نموذجاً لذلك، عنيت بترسيخ الإيمان في القلب، وتعليم الآداب العامة في المعاملة
والمعاشرة، وتقديم القواعد الأساسية لبناء المجتمع.
هذه السورة بهذه المعاني كفيلة ببناء النفوس، وتكوين المؤمنين
الأقوياء الذين يحملون الرسالة ويؤدونها بكل ثقة وجدارة
واستحقاق
للوصول إلى الغاية من التربية من خلال هذه السورة فإننا ركزنا على الجانب الاجتماعي كثيراً، لأننا نراه الجانب الأكثر إهمالاً في حياتنا الحاضرة، بسبب المتغيرات التي حدثت في حياة المسلم. أقدم بين يدي هذا العمل ملاحظات تعين على فهم طبيعته (1) حاولت الاختصار قدر الإمكان، وقد تجنبت إيراد الأقوال الكثيرة التي وردت في المعنى الواحد أو في الآية الواحدة: والتأويلات المختلفة في ذلك، إذ لم يكن غرضي التفسير إنما
كان استخراج المعاني وربطها بالواقع المعيش (2 بسطت الأسلوب واللغة قدر المستطاع، ليتحقق لي الغرض من هذه المحاولة، وهو إيصال المعلومات والأفكار إلى الطلبة
والناشئة
اخترت لهذه المحاولة أسلوب الحوار، وجوّ الأسرة والسمر لأنه أثبت نجاعته، ثم من جهة أخرى لاحياء هذه الطريقة في البيوت التي غابت عنها، وما زحزحتها سوى ليالي الجلوس
- 4
- (1/4)
صفحة 5
إلى التلفاز، وجلسات إضاعة الوقت فيما لا يفيد، ومستجدات المدنية التي أسهمت في تفكيك أواصر الأسرة. وقد حاولت أن أساير طبيعة جلسات السمر، والأحاديث التي تدور فيها عادة. فكنت أترك الحديث يدور بطريقة عفوية
وعادية، متميزاً بتوارد الأفكار والخواطر، بعيداً عن التركيز
المفرط.
•
:
(4 أوليت عناية كبيرة لجانب المطالعة، فأكثرت من إيراد المآثر آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة، وأشعار، وأقوال العلماء والحكماء .. وغالباً ما كنت أجري ذلك على لسان الإبن
والبنت، لدعوة الشباب والطلبة إلى الاهتمام بالمطالعة والإكثار منها، لأن القراءة الخارجية توسع أفق المعرفة
•
ه استعنت ببعض الكتب، وبتحليلات بعض العلماء في إعداد هذا الكتاب، من هؤلاء فضيلة الشيخ ابراهيم بن عمر بيوض
—
رحمه الله ـ في تفسيره للقرآن الكريم.
(6 في سرد الآيات القرآنية اعتمدت على رواية ورش عن نافع (1/5)
صفحة 6
وفقنا الله تعالى إلى ما يحبه ويرضاه، ونفعنا بما تعلمناه وبما درسناه من الذكر الحكيم .. وربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة
أعين واجعلنا للمتقين إمامان .. آمين يا رب العالمين
•
القرارة: يوم الثلاثاء 11
?
ربيع الأول 1413 هـ
بتمبر 1992 م
محمد بن قاسم ناصر بوحجام (1/6)
صفحة 7
الأم
طلب الأب من أفراد أسرته الاجتماع اليوم بعد العشاء للسمر معاً في سهرة للأسرة خاصة، تطلّع الجميع لمعرفة السبب، والدافع إلى هذا اللقاء، لأنهم لم يتعودوا على ذلك،
تهامسوا، لكنهم كلهم لم يصلوا إلى نتيجة، ولا إلى معرفة
السبب
الليلة الأولى
حل الوقت الموعود، وحضر الجميع في قاعة الاستقبال، أخذ كل واحد مكانه في القاعة
افتتح
الأب الجلسة بحمد الله والصلاة والسلام على رسول
الله ثم قال: ربما تستغربون هذه الدعوة وهذا الاجتماع.
: نعم. ماذا تغير فيك أيها الزوج العزيز؟
الابن: لماذا لا تتركنا نتفرج على التلفاز، أو نلهو ببعض ما تعوّدنا
عليه كل ليلة؟
البنت: لا أرى ضرورة لهذه الجلسة، فليس لنا ما نشغل به أنفسنا فيها، لذا لم نتعوّد على محادثة أنفسنا، أو مناقشة موضوعات
الأب:
تهم أسرتنا، والسهرة تحلو بالسمر
ود
: صبي
لنا الشاي أيتها الزوجة الصالحة، وقدّمي لنا ما أعددته
- V
- (1/7)
صفحة 8
من حلويات أولاً، بعد ذلك نفتح باب الحوار والنقاش فيما
ذكرتموه واستفسرتم عنه
الأم: حسناً زوجي العزيز، انعش روحك بهذه الرشفات، حتى تقوى على الإجابة والإيضاح والتفسير
الابن: سلمت يداك أماه وأبقاك الله لنا ذخراً، فأنت دائماً في خدمتنا، ساهرة على راحتنا.
البنت: وفقني الله، وألهمني الاقتداء بسيرتك في الاهتمام بالأسرة، والعمل بتوجيهاتك، حتى أكون بنتاً بارّة وامرأة صالحة
تقوم بواجباتها أحسن قيام.
الأم: أحسنتما ولدي العزيزين، أبقاكم الله دائماً بارين بوالديكما تنالا رضاهما، وبعده رضا الله إن شاء الله. المهم أن
حتى
جب أباكما أبا كما ما أعددته له ولكما، فيسرع في إجابتنا عن
يعجب
أسئلتنا، ويخبرنا عن سبب اجتماعنا
الأب: شكراً لكم على هذا الاهتمام، وعلى هذه العناية، وشكراً للأم على ما قدمته لنا مما يُحلي جلستنا ويزينها
في الحقيقة فكرت طويلاً في الحالة التي نعيشها، والرتابة
التي نسير عليها، فلا لقاء، ولا مناقشة، ولا حوار يجمعنا، فقلت: لماذا لا نجتمع ولو مرة بعد حين؟ حتى نكسر هذه الرتابة القاتلة التي نحياها، ونزيل هذا الحاجز الكبير الذي يفصل بيننا، ونتعرف على أحوال بعضنا؟
— ^ — (1/8)
صفحة 9
الابن: هذا شيء جميل، ولكن المشكلة أن الوقت غير مناسب، فالليل ساعة التفرّج على التلفاز، والاجتماع فيه يحرمنا من
مشاهدة الأفلام.
البنت: صدق أخي، ما فائدة الاجتماع؟ وبماذا سنملؤه؟ فكل ما يمكن أن تقوله نقرؤه في الكتب والمجلات والصحف،
ونسمعه في المذياع، ونشاهده في التلفاز.
الأب: هذا هو
الذي آلمني كثيراً، وحز في نفسي، هذا التفكير
هو الذي أضاع لنا كثيراً من الواجبات، وأهمل كثيراً من
الأمور. وكان من الأسباب التي أحدثت في في الأسرة
فجوات، فكانت العلاقة بين أفرادها فاترة، وهو ما ينذر
بخطر كبير، ويهدد باندثار الأسر وتفكك الأواصر. الابن: أنا لم أشعر، ولم أحس بهذا الإحساس الذي أبديته. أرى أنه لا داعي للتخوّف، فنحن في أحسن حال، حياتنا عادية
لا ينقصها شيء
البنت: أخي عنده حق ويستحسن التفاؤل، ثم ما هذه الأمور والواجبات التي تفرض علينا الجلوس معاً في السهرة؟ وتحتم
علينا تغيير نظام حياتنا؟
الأب: هذا هو
ما كنت أخشاه، وأتخوف منه. أن يجني
علينا
الابتعاد عن
أنفسنا
وتتباين رؤانا، ويكون لكل طريقته ووجهته، مما
وعدم الالتقاء، فيتشتت تفكيرنا،
يسبب
90 (1/9)
صفحة 10
آثاراً سلبية على علاقاتنا
•
وأنا أعترف أن لي دوراً كبيراً في هذا الوضع، إذ لم أنبهكم
إلى هذه الأخطار ولم أحاول جمعكم في جلسة واحدة
وكنت منشغلاً عنكم بنفسي وبأموري الدنيوية. وأنا الآن أشعر بالندم والحسرة. غفر الله لي إذ تركتكم أيتاماً، وصدق أحمد شوقي حين قال:
•
إن اليتيم هو الذي تلقى له أما تخلت أو أبا مشغولا الأم: هوّن عليك أيها الزوج العزيز، وخذ لك كأساً من الشاي تسري به عن نفسك، فالوقت لم يفت، فبإمكانك وقد تفطنت إلى خطئك - أن تستدرك الأمر، وتعوّض
ما فات، وتقوم بواجبك باعتبارك أباً ومسؤولاً عن الأسرة
في التوجيه والتربية
الابن: صحيح أنه لابد من اللقاء، لكن لماذا في السهرة بالذات؟ وما هو هذا الواجب الذي نقوم به؟!
البنت: أبتاه، أرجو أن تفصح لنا عن حقيقة ما تريد قوله، وأن
تريح
أنفسنا. فقد طال انتظارنا، ونفد صبرنا.
الأب: حسناً!! هناك أمور كثيرة أريد أن أطلعكم عليها مثل: الأسرة،، حياة الأنبياء والرسل، الصحابة أبطال
تاريخ
الإسلام، سير السلف، التاريخ التاريخ، مناقشة بعض ما
مجتمعنا
يهم (1/10)
صفحة 11
الابن: بعد أن غرق في تفكير طويل تذكرت الآن مقولة سمعتها مراراً: من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم أو منا.: وكنت أظن أنها موجهة إلى المسؤولين وسراة القوم والوعاظ والمرشدين .. لكن الآن عرفت من كلامكم يا أبي أن ذلك
من مسؤولياتنا جميعاً، حتى ولو كنا صغاراً.
البنت: وأنا أيضاً قرأت لأحد المفكرين مقولة يقول فيها: «إذا جهلت أمة تاريخها فقد جهلت نفسها، وإذا جهلت نفسها فقد جهلت مستقبلها وألقت بها في يد غيرها، وكنت أقول أن صاحب المقولة كان يهذي ولا يدري ما يقول، أما الآن فقد عرفت وأدركت أن هذا من ضروريات ما
يجب معرفته
الأب: الحمد لله الذي هداكما إلى معرفة هذا الواجب عليكما ووفقني إلى اقناعكما بما يجب القيام به.
الأم: الآن أرغب - ولدي العزيزين ـ أن أصبّ لكما كأسين
-
من الشاي، إكراماً لكما على هذا الفهم الجيد لرسالتكما
في الوجود.
الأب: حيا الله أمكما، وبارك فيها على هذا العطف والشفقة
والحنان نحوكما.
هي
الابن: واحسرتاه على ما فرطنا في جنبنا، وفي واجباتنا!! كم تلك الليالي الضائعة، التي قضيناها في الأمور التافهة
11 (1/11)
صفحة 12
كالجلوس إلى التلفاز، واللغو في الحديث، واللغو في الحديث، واللهو. بينما أحاديث هامة كهذه التي شوقنا إليها أبونا، أهملناها تماماً، إنها والله الخسارة كبيرة. غفر الله لنا هذا الخطأ.
البنت: حقاً إنه لأسف كبير أن تمرّ علينا كل هذه الأعوام، ولا
نتفطّن لهذا الخلل في حياتنا، ولكن - والحق يقال ـ لكما
أبي وأمي دور كبير في هذا
•
الأب: لنطو هذه الصفحة، ولنفتح صفحة جديدة. عسانا نكون قدوة لبقية الأسر، حتى نؤدّي ما علينا نحو أنفسنا ونحو
مجتمعنا
ما
•
رأيكم في أن نتخذها سُنّة وعادة، ونتعاهد على الاجتماع كل ليلة بعد العشاء، بعد القيام بفروضكم المدرسية من هذا النوع.
والمنزلية فنسمر معاً في أحاديث
الولدان: موافقان على ذلك، ونعاهدكم على المواظبة
الأم
: هل تتقبلونني معكم سامرة ومستمعة؟ الجميع: وجودك معنا ضروري: مفيدة ومستفيدة، فالسهرة لا تحلو
إلا باكتمال الجمع. ثم من يعدّ لنا الشاي، ويقدّمه لنا؟
نحن لا نرضى إلا بكِ في هذه المهمة وهذا الإكرام. الأم: شكراً لكم على هذه الثقة وعلى هذا التفضيل، هيا الآن إلى النوم، فالوقت قد تأخر. وإلى اللقاء في الليلة القادمة
إن شاء الله .. والسلام عليكم ورحمة الله
– 12 –
- (1/12)
صفحة 13
الليلة الثانية
سبق الولدان إلى قاعة الاستقبال، بعد أن قاما بفروضهما
المدرسية.
الأم: تدخل وبين يديها صينية الشاي أراكما قد هيأتما أنفسكما
للسهرة، واستعددتما كامل الاستعداد
البنت: كيف لا! وأبونا قد شوّقنا إلى أحاديث هامة، يتحفنا بها
كل ليلة
•
الابن: بل إن ساعات هذا اليوم مرّت بطيئة، لشدّة انتظارنا لهذه
الساعة السارّة.
الأب: يدخل بعد ذلك سمعت ما كنتم تقولونه قبل أن أدخل عليكم، فسرّني ذلك غاية السرور، بورك فيكم، ومعذرة على هذا التأخر، فقد كنت أعدّ لكم ما يمكن أن نشغل به جلستنا هذه، ريثما تعدّ لنا أمكما ما نحلّي به سهرتنا هذه الأم: هاكم كؤوس الشاي، وهات ما أعددته أيتها الزوج الصالح. الأب: قبل أن أقدم إليكم ما أعددته، أريد أن أعرض عليكم
سؤالاً
، ربما كانت الإجابة عنه محور حديثنا هذه الليلة
ما رأيكم في الأوضاع الاجتماعية الحالية؟
الابن: ما فكرتُ في هذا سابقاً، ولا فيما يُشبهه من موضوعات،
لكنني أحاول الإجابة ما استطعت. باختصار شديد الْحَظُ
-
13 (1/13)
صفحة 14
تغييراً كبيراً في العلاقات الاجتماعية
البنت: فعلا هذا ما يميز حياتنا الحالية
الأب: ما سبب ذلك في رأيكم؟
هو
الابن: يبدو لي أن سبب ذلك
الابتعاد عن شرع الله، والتخلي
البنت: وسبب الابتعاد عن
هو قلة اعتناء مناهجنا التعليمية
عن العمل بسنة رسول الله
ذلك
ووسائلنا التربوية بالتوجيهات الإسلامية والتربية الدينية
الأم: ربما خالفتك الرأي بنيتي العزيزة، فدروس الوعظ
والإرشاد قائمة في كل مسجد ودار، ووسائل الإعلام تنشر وتبث أحاديث دينية في مناسبات عديدة، ومناهج التعليم تخص المتعلمين بدروس في الأخلاق والتربية الإسلامية .. ألا يكفي هذا في التوجيه الديني؟ يبدو لي أن الشباب هو الذي لا يهتم بالتثقيف في دينه والتفقه فيه البنت: قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن مع
برأيي
ذلك فانني
مستمسكة
الابن: مهما تكن الأسباب، فإنَّا نرجو من أبينا الفصل في المسألة. الأب: أحسنتم في هذه المناقشة الجادّة والمهمة. ولولا خوف الإطالة لتركتكم في هذا الحوار الشيّق. إن الأسباب التي أشرتم إليها كلها معقولة، وعلى رأسها الابتعاد عن كتاب الله، وعدم
التأمل والتدبّر في آياته
-
- 1 { (1/14)
صفحة 15
الابن: هذا
صحيح
يا أبي، إننا قرأنا كثيراً من السور في المدرسة،
لكننا في كثير من
الأحيان كنا نمر عليها دون التدبّر فيها بما
تتسع له مداركنا، وبما يفيدنا في توجيه حياتنا، وخاصة
بعض السور والآيات التي تنمي أخلاقنا
الإجتماعية.
وعلاقاتنا
الأب: حسناً يا بني! فمادمت ذكرت أن العلاقات الاجتماعية متغيرة فإنّه آن أن أعرض عليكم ما أعددته لكم، وهو سرد
للمعاني التي وردت في سورة الحجرات، ونحاول توضيحها معاً في هذه الجلسات لأنها اهتمت كثيراً ببناء
المجتمع المسلم الفاضل، وبالعلاقات الاجتماعية بين الناس البنت: هذه السورة التي تبدأ بقوله تعالى: الله الرحمن الرحيم يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا نُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
سميع عليم ال
بسم
الأب: أحسنت بنيتي في هذا الاستذكار. ما رأيكم ـــ قبل بيان تفصيلات هذه السورة – أن أذكركم بالمحاور التي دارت
حولها آياتها
-
الجميع: هذا أفضل ما تفتتح به معنا هذه الأحاديث
الأب: إنّ هذه السورة تضمّنت القواعد الأساسية لبناء المجتمع الإسلامي، والآداب العامة في العلاقات والمعاملات، والحقائق المهمة في العقيدة والشريعة، وحوت كثيراً من
15 - (1/15)
صفحة 16
مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب
وحقائق عن الوجود والإنسانية.
الابن: حسبما ذكرتم أبي، فإنّ هذه الكليات كفيلة ببناء المجتمع على أسس متينة، وتنظيمه تنظيماً محكماً، وصيانته
الاندثار والتلاشي.
من
أسباب
البنت: اسمحو لي، واعذروني إن كان فهمي بطيئاً نوعاً ما، والمثل يقول: الضعيف أمير الركب، اسمحوا لي أبي أن تعيد
علينا سرد هذه الكليات بشيء من التفصيل.
الأم: أحسنت بنيتي في هذا الطلب. فإني نفسي هممت بتقديمه،: لكنني خشيت أن أضيع وقتكم بفهمي الثقيل، فقلت لا
داعي
لذلك، فالحمد لله الذي يسر لي فرصة الاستيعاب
وتدارك ما كان يفوتني.
الأب: سامحك الله أيتها الزوجة الصالحة، لا تعودي لمثل هذا أبداً، بل استوقفينا في كل نقطة تبدو لك غامضة، فنحن نجتمع هنا لنتدبر ونتعلّم، لكن قبل الإجابة عن طلبكم أطلب الشاي أولاً الأم: شكراً لك أيها الزوج الصالح، هاك الشاي وهاتِ الجواب الأب: في السورة بيان للأدب مع الله عزّ وجل، والأدب مع رسوله الله، وتفصيل لآداب تعامل الناس والمسلمين فيما بينهم، وفيها أدب تعامل الإنسان مع نفسه وضميره،
-
16 - (1/16)
صفحة 17
وكيفية التصرف مع هواجسه
البنت: هذه ركيزة مهمة في بناء المجتمع الذي يقوم على الإحترام والتأدب، وعلى معرفة كل لحدوده مع الآخر، وبخاصة
حدود العبد مع الله ورسوله
الأب: أشارت السورة إلى حرية الإنسان في بيته، ونبهت إلى ضرورة التثبت من الأقوال والأفعال، والتأكد والاستيثاق منها قبل إصدار أي حكم، وعدم التسرع في تصديق الفاسقين، وأوجبت الرجوع في كل ذلك إلى الله والرسول. كما بينت طريقة مواجهة الخلافات والفتن والقلاقل التي تخلخل كيان المجتمع، وكل هذه المناهج والطرق منبثقة من قواعد أساسية وأصيلة هي التقوى،
الأخوة، العدل، الإصلاح.
الابن: ما أحسن هذه التوجيهات، وما أرسخ هذه القواعد، إنها
هي
الكفيلة بنزع الإِحَنِ من القلوب، ونبذ الخلافات بين
الناس، وهي الضامنة لتوازن المجتمع.
الأب: أكمل معكم بقية القواعد والكليات التي اشتملت عليها السورة، فقد تضمّنت أيضاً الإشارة إلى بعض المشاعر النفسية التي تفسد العلاقات، وفي المقابل أرشدت إلى آداب
سلوك المسلمين فيما بينهم كل ذلك حرصاً على حفظ عرض المسلم في غيبته،
17 (1/17)
صفحة 18
وحضوره، وعدم الاستهزاء به ولمزه ونبزه، وبذلك يحفظ
المرء إيمانه، ويسلم من الفسوق.
وسعياً للمحافظة على كرامة المسلم نهت السورة عن
أحد بظنة، وعن تتبع عورات الناس
أخذ
البنت: لقد زدتنا شوقاً لمعرفة تفصيلات أكثر عن هذه الحقائق
والقواعد لعظم المعاني التي تضمنتها
الأب: لكن ليس قبل الانتهاء من سرد بقية القواعد والكليات
بعد ذلك أشارت السورة إلى وحدة الانسانية مختلفة
الأجناس والشعوب، وبينت أن أكرمهم عند الله أتقاهم ثم نبهت إلى نقطة مهمة أساء كثير من الناس فهمها، فانطلقوا في سلوكهم، متنكبين عن الجادة، وهي معرفة حقيقة الإيمان وقد حدّدت معالمه، وبينت الفرق بينه وبين
الإسلام. ثمّ أشارت إلى الهبة الإلهية التي توجب على الإنسان أن يشكر الله عليها. إنها هبة الإيمان، فمن وهبها فقد فاز فوزاً
عظيماً
الأم: حقاً من رزق الإيمان فقد حاز كل فضل. كما فزنا نحن بهذه الجلسات التي حرمنا منها من قبل، نفعنا الله بما يعرض علينا
فيها حتى نحظى بنعمة الإيمان وإلى اللقاء في الليلة
القادمة، والسلام عليكم ورحمة الله
-14 - (1/18)
صفحة 19
الليلة الثالثة
الأب: من منكم يلخص لنا ما تناولناه ليلة أمس؟ الأم: اسمحوا لي لن أنوب عنكم أيها الابناء، فأختبر استيعابي لدروس المسجد، فكم هي الفوائد التي تستفيدها المرأة من
دروس
المسجد التي تحضرها.
الابن: حسناً يا أماه! هات ما عندك
الأم: حفظت من كلام شيخنا ـــ رحمه الله الله ـ ما خلاصته وهو يتحدث عن سورة الحجرات: حقيقة شأنها عظيم رغم
قصرها. فهي تشتمل على كل ما يحتاجه البشر من توجيهات لتكوين مجتمع مؤمن، صالح مسلم، يسوده الأمن، و تسوده العافية والمحبة، وحسن الظن بين أهله، وتسوده العدالة، وتحسن العلاقات بين الناس بعضهم البعض، وبينهم والله تعالى والله تعالى. ويمكن أن يقال جميع التوجيهات التي يُحْتَاجُ إليها: من إرشادات وهداية في تكوين مثل هذا المجتمع الصالح المثالي، الذي تنحل فيه مشاكل العالم كله
كل ذلك يوجد في هذه السورة.
البنت: بارك الله فيك، فقد كنت حافظة وواعية لما سمعته في المسجد، أبقاك الله وأبي لتوجيهنا وإرشادنا
الأب: أحسنت زوجتي الصالحة! هكذا يكون حضور المرأة في
-19 - (1/19)
صفحة 20
المسجد وفي مجلس الذكر ضرورياً ـ بعد الفراغ من أعمال
-
المنزل – لتتفقه في دينها، فتسهم هي بدورها في بناء المجتمع
-
الذي تشير إليه هذه السورة
الابن: شكراً لكم جميعاً على هذه التوضيحات، لنستأنف حديثنا
في محتوى هذه التوجيهات الربانية، وفي البداية هلا بينت
لنا والدي المحترم سبب نزول هذه السورة؟
الأب: يعجبني فيك هذا الاهتمام بالمعرفة، ويكبرك في عيني ذكاؤك، واظب على هذا فستحصل على علم وفير، فحسن
السؤال نصف العلم، ذكر العلماء والمفسرون روايات وأسباباً كثيرة في نزول هذه السورة، وذكروا أسبابا خاصة لبعض آياتها، من هذه الرواية التالية التي ربما تكون الجامعة
كذا
بين كل ما روي قال قتادة: ذكر لنا أن أناساً كانوا يقولون لو أنزل في لو صح في كذا، فَكَرِهَ الله تعالى ذلك، فنزل قوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا نُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ..
الابن: هذا أدب نفسي رفيع مع الله ورسوله، يجب علينا أن
نتعلمه، ونلتزم به کامل حياتنا
•
الأب: وقال العوفي: نُهوا (أي (المؤمنون) أن يتكلموا بين يديه وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله من شرائع
دينكم.
- (1/20)
صفحة 21
البنت: فهمت سبب النزول، ولكنني لم أفهم القصد
هذا
من
النداء، وهذا التوجيه
الأب: أريدك هكذا دائماً حريصة على التفقه في الدين، ملتزمة
بعدم تأويل كلام الله وسنة رسوله الله إلا بالرجوع إلى أهل الذكر. فأنت قد بدأت فعلاً تطبقين توجيهات هذه الآية بفطرتك السليمة، وفي سؤالك تكمن الاجابة
البنت: لم أفهم يا أبي!! الأب: سأوضح لك ذلك، وقبلها أوجّه إليكم السؤال التالي: لماذا افتتح الله السورة بـ: يا أيها الذين آمنوا؟.
الابن: كل ما أعرفه أن هذا النداء يكون غالباً في الآيات المدنية.
البنت: وأن الخطاب يكون موجهاً فيه للمؤمنين
W
•
•
الأب: حسناً! ولكن هناك سرّ أعمق من ذلك. هذا نداء الحبيب لمن يحبهم لتحريك تلك المحبّة في قلوبهم، وإثارة الإيمان فيها، هذا الإيمان الذي قد يكون أصابه جمود وهمود، نتيجة ظروف وملابسات، فهذا النداء يذكر المرء أيضاً بعهد كان الله وهو الإعلان عن إيمانه الذي يستوجب
قد ضربه مع
الابقاء على المحبة لله، والتقرب إليه
•
الابن: أفهم من ذلك أن المرء حين يعلن إيمانه بربه، يجب أن يلتزم بما يأمره به، وبما يُوجِبُهُ هذا الإيمان من سلوك حسن.
البنت: وتبين لي الآن أن اقامة الحجة على المدعوّوين به المنادِينَ
21 (1/21)
صفحة 22
بما يظهرونه من سلوك. فلا يكفي الادعاء بل يجب العمل
بما يفرضه محتوى هذه الكلمة
•
الأب: الحمد لله الذي وفقني إلى ابلاغكما وإفهامكما هذه الفكرة، وهذا التصوّر لأن كل ما ورد في السورة هو
الأم:
التزامات، رباط العقدة فيها جملة الذين آمنوا انه لذا
تكرّرت في السورة مرات
•
سمعت في درس الشيخ بيوض في تعليقه على هذا النداء في القرآن: إنكم مؤمنون وتدعون بأنكم مؤمنون، إذن استمعوا لما يأمركم من تؤمنون به: الله ورسوله. وهل الإيمان إلا الاعتقاد في وجود الله ووحدانيته وبرسالة
رسوله؟!!
الأب: سأل شخص أحد الصحابة قائلاً: عظني، فقال له: إذا سمعت الله يقول: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا له فأعرها سمعك
فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه.
الابن: معنى ذلك أن هذا النداء لا يدعونا إلا إلى ما يسعدنا في دنيانا ويحيينا في أخرانا
البنت: الآن فهمت معنى قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحييكم .. الآية 24 سورة
الأنفال)
الأب: أحسنتما في هذه الإضافات، أرجو أن تستصحبوا هذا الفهم
– 22 – (1/22)
صفحة 23
إلى نهاية حديثنا عن هذه السورة، لنتعاون جميعا على
استيضاح ما فيها من توجيهات
البنت: إن سؤالي مايزال قائما، فما معنى قوله تعالى: {لَا نُقَدِّمُوا بين يدي الله وَرَسُوله
الأب: أي لا تقترحوا على الله ورسوله، ولا تقولوا في أمر أو مسألة قبل قول الله الذي يخبر به رسول الله، ولا
تقضوا في أمر قبل أن ترجعوا إلى الله ورسوله عل وتعرفوا
ما يقولان فيه
الابن: معنى ذلك أننا لا نحلّل حتى يحلّل الله ورسوله نحرم حتى يحرم الله ورسوله الله
لى الله
•
، ولا
الأم: أي لا نسبق الله ورسوله في أمر حتى يأذنا به الأب: نأخذ من ذلك أن المؤمن هو الذي يرجع إلى الله ورسوله في كل أموره. وبما أنّ الرسول
غير موجود بيننا
بجسده فإننا نستلهم روحه في معرفة أحكام الله.
البنت: وهل كل الناس مؤهّلون لذلك؟ بمعنى أن كل فرد بإمكانه
•
استنباط الأحكام وإصدار الفتاوى الأب: أحسنت في هذا السؤال المهم والأساسي. يجب علينا الرجوع إلى أهل الذكر، وأهل الفقه والعلماء الأجلاء،
الذين تشربوا الشريعة والفقه، والراسخين في العلم الذين
يعرفون مصادر التشريع
23 -
- (1/23)
صفحة 24
الابن: إن مشكلتنا اليوم تكمن في كثرة من يدعي العلم والفقه، فيحلل ويحرم، ويتقدّم بين يدي الله ورسوله، فاختلط على المسلمين الأمر، فلم يتبينوا الحلال من الحرام،
والسنّة من البدعة في كثير من الأحيان
•
الأب: هذا ما يجب الابتعاد عنه والحذر منه. والقرآن نفسه يحذرنا من ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {قُلْ أَرَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفتَرُونَ} (الآية 59 سورة يونس). الابن: هنالك أناس اتخذوا أعمالاً وشرائع وكيفيات شرعوها بما لم يأذن به الله
، فهؤلاء تقدموا بين يدي الله ورسوله
عيال
أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُاشَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله
الآية 21 سورة الشورى)
الأب: الإلتزام بهذا الأدب هو القاعدة الأولى التي يرتكز عليها
الدين، ويفسر ذلك ويؤسسه قوله تعالى بعد النداء: وَاتَّقُوا الله له أي تقوى الله تكمن في عدم التقدم بين يدي
الله ورسوله الله بأمر أو نهي، والتقيد بذلك معناه المعاهدة
على اتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه.
البنت: شكراً أبي، وما معنى قوله: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ الله الأب: أي احذروا من التقدم بين يدي الله بالتحليل والتحريم، تسهيلاً للمنحرفين أو تضييقاً على المسلمين، فإن الله لا
24 (1/24)
صفحة 25
تخفى عنه خافية، عليم بحركاتكم، سميع لأقوالكم. الابن: إن المنحرفين المنحلين يميلون إلى تحليل الحرام بتأويلات مختلقة، والجامدين يحرمون ما أحل الله بتأويلات مختلقة
أيضاً
، وكلا الفريقين يقدّمون بين يدي الله ورسوله الله الأب: نعم بنّي! الضلال جاءنا من جهتين: جهة المنحرفين الذين يحللون كلّ شيء يناسب أهواءهم وميولهم، وجهة المتعصبين الذين غلوا في دينهم، فكل ما لا يتماشى مع ورعهم فهو حرام، وقد نهى الله تعالى عن الغلو في الدين يتاهل يَنأَهْلَ
الْكِتَبِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا
الْحَقِّ) سورة النساء
البنت: يقول الشيخ أبو سعيد الكدمي
-
رحمه الله
: «ليس
العالم من حمل الناس على ورعه، إنما العالم من أفتى الناس
بحسب ما يسعهم من العلم
الأب: فكلمة حرام فيما أحل الله ككلمة حلال فيما حرم الله ففي كلتا الحالتين تقدّم بين يدي الله ورسوله، قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ الله مَتَنْعُ قَلِيلٌ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (الآية
???
116، 117 سورة النحل)
(117
الابن: اسمح لي أبي بأن أختم هذه المسامرة بما قيل تعليقاً على هذه
25 -
- (1/25)
صفحة 26
الأم:
الآية: فهو أدب نفسي مع الله ورسوله، وهو منهج في التلقي والتنفيذ، وهو أصل من أصول التشريع والعمل في
الوقت ذاته
وهو منبثق من تقوى الله وراجع إليها، هذه
التقوى النابعة من الشعور بأنّ الله
سميع عليم
: أحسنت بني في هذه الإضافة، بورك فيكم جميعاً .. وإلى
اللقاء في السهرة المقبلة .. والسلام عليكم ورحمة الله
وبر
كاته
26 - (1/26)
صفحة 27
الليلة الرابعة
الأم: اسمحوا لي إن لم أقدّم لكم ليلة أمس الشاي، وما أنسانيه إلا اشتغالي بالتفكير في كتاب الله، والتدبر في الآيات التي وعدنا أبوكم بالتعليق عليها. أعدكم أنني لن أعود لذلك
أبداً، فهاكم الشاي والحلويات
•
الأب: هوّني عليك أيتها الزوجة الصالحة، فإننا لم نشعر بأنّ هناك شيئاً ناقصاً، ونحن بدورنا شُغِلْنَا بالتدبر في آيات الله، فلم
نفكر في الشاي وغيره.
الابن: بوركتِ من أم وزوجة صالحة، تهتم بشؤون منزلها وزوجها وأبنائها، كما تهتم بأمور دينها، هكذا فلتكن المرأة المسلمة
وإلا لا كانت
البنت: أنا استسمحكم بالعودة إلى الآية الأولى التي رأيناها أمس فقد وقع بين يدي صباح اليوم كتاب قرأت فيه تعليقا على
هذه الآية رأيت أن اقرأه عليكم ولا أحرمكم منه
دعامة
الأب: هاتِ ما عندك. بوركت من بنت ذكية وتلميذة نجيبة البنت: يقول الأستاذ: «إنها تقرّر أصلاً عظيماً من أصول الإسلام، وجدير بنا أن نشير إلى هذا الأصل الذي هو الإسلام، وعليه تشاد معاقله، وتُبنى حصونه. هذا الأصل الحكم لله وحده، لا معقب لحمه، وهو أحكم
أن هو
27 - (1/27)
صفحة 28
الحاكمين، ولا يجوز لأحد كائناً من كان أن يقدم بين يدي الله ورسوله أمراً أو حكماً أو نظاماً أو قانوناً أو دستوراً لا يرضى عنه الله تبارك وتعالى، ولا رسوله الأمين الله الابن: معنى ذلك أن التشريع الله وحده ولرسوله المبلغ عنه. وهنا تحضرني آية تقرّر هذا الأصل وهي قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسليما
الأب
سورة النساء)
: وهناك آية أخرى تقرّر هذا الأصل، وتتوسع فيمن يجب الرجوع إليهم أيضاً وهم «أولو الأمر» حتى لا تضيق على الناس السبل، ولا يشكل عليهم الأمر. وبذلك تقوم عليهم الحجة، قال تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأتي منكم فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (الآية 59 سورة النساء)
الأم: أحسنتم في هذه الإضافات، ومع ذلك فإنني أريد مزيداً
من التوضيح في قوله تعالى بين يدي الله له
الأب: من
حقك هذا
،
هذه العبارة لو وعيناها حق الوعي،
وأدركنا ما تدل عليه عليه لاستقامت سيرتنا، واعتدلت مسيرتنا إنها تشير إلى أن الله حاضر مع العباد في كل وقت ومكان، وهو
28 (1/28)
صفحة 29
قائم على كل نفس بما كسبت
البنت: معنى ذلك إذا فعلت فعلاً فكأنني فعلته بين يديه،، أمام تعالى الله وبصره
-
سمعه
عن التشبيه والتجسيد ــ فهو لا تخفى
عنه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
الأب: نعم، وننتقل بعد ذلك إلى الآية الثانية، اقرأها من
يا ابني العزيز
الابن:
سمعاً
وطاعة يا أبتي، قال الله تعالى:
فضلك
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا
لَمُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْلَا
تَشْعُرُونَ)
الأب: هذه الآية تعلمنا التأدب مع النبي عل توقيره واحترامه.
البنت: كيف يتم هذا التوقير وهذا الإحترام؟
الابن: اسمح لي بالإجابة عن ذلك يا أبتي.
الأب: تفضل يا بني!
الابن: بعدم رفع الصوت فوق صوته، وعدم الجهر في مجلسه، وعدم التحدث بصوت عال حين يكون الرسول قريباً من المتحدث، وبالجملة يأمرنا الله أن لا نحادثه ولا نخاطبه
کمخاطبة بعضنا لبعض
هكذا علم القرآن الصحابة الأدب مع رسول الله الله.
خلق الله على الإطلاق.
خير
29 (1/29)
صفحة 30
الأم: معنى ذلك أن الله ينبه المؤمنين إلى أن يكون صوتهم في كل الحالات أخفض من صوت النبي الله وأن يراعوا في محادثته
اللين في القول واللطف في المخاطبة
البنت: لقد قرأت أن العلماء كرهوا رفع الصوت عند قبر الرسول كما كان مكروهاً في حياته، وبين يديه لأن الرسول محترم
:
حيا وفي قبره دائماً وأبداً.
الابن: هذا فقه جديد، ومعلومة أخرى نضيفها إلى ما نتعلمه كل ليلة، لنعبد الله عن علم. بارك الله فيك أختي العزيزة. الأب: لقد أثرت هذه التوجيهات في صحابة رسول الله الله حتى أصبح أحدهم يتحرّج في الحديث في مجلس الرسول لال الليل مخافة أن يحبط عمله لا يشعر؛ استجابة لنداء وهو
الله تعالى
الابن: ما أحلى الإيمان حين يملأ القلب، ويغمر الوجدان، فإنه لا يقود صاحبه إلا إلى الخير، ولا يتركه إلا سابحاً في محبة
الله ورسوله مستجيباً لدعوتهما
البنت: هلاً قدمت لنا – أبي ـ مثلاً على هذا التطبيق الفعلي
والفوري لنداء الله، نتخذه قدوة لنا
•
الأب: ما طلبته هو عين الصواب. ما أحوجنا إلى الإطلاع على
سيرة الصالحين، ومعرفة التاريخ للاعتبار والتأسي.
فقد روي عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: (1/30)
صفحة 31
عالم
، أنا من
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ... الآية الله وكان ثابت بن قيس بن الشماس خطيب رسول الله عله رفيع الصوت، فقال أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله أهل النار، حبط عملي، وجلس في أهله حزيناً، ففقده رسول الله له فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له، تفقدك رسول الله له، مالك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي له، وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي ع فأخبروه. بما قال، فقال النبي عل: لا، بل: لا، بل هو من أهل الجنة الابن: ما أرفع هذا الأدب، وما أحسن هذا الورع الذي يزع عن الوقوع فيما يغضب الله ورسوله، ما أحوجنا إلى الاغتراف من هذا الأدب الإسلامي لتجنّب الوقوع في المزالق، وفيما
:
يحبط الأعمال.
الأم: اسمحوا لي أن أراجع معلوماتي، وأركزها، فأعيد عليكم ما قاله أستاذنا الشيخ بيوض، قال: هذا أدب عال أدبنا الله تعالى به، علّمنا كيف نحترم رسول الله ونجله ونعامله معاملة تختلف عن غيره من سائر الناس. أدبنا بهذا الأدب في ثلاثة مواطن، أول هذه المواطن الحديث بين يديه، الموطن الثاني حال مخاطبته عليه السلام، والحالة الثالثة نداؤه إذا كان غائباً. وهو ما تشير إليه الآية (1/31)
صفحة 32
اللاحقة، التي سوف لا تبخلون بشرحها لنا أيها الزوج
الصالح.
الأب: إن للتربية القرآنية ميزتها الخاصة، فهي تجمع بين الترغيب والترهيب، جتى تترك المؤمن بين الخوف والرجاء، يرجو
رحمة ربه ويخاف عذابه، فبذلك تستقيم سيرته. لا ييأس،
ولا يعيش في الأماني الخادعة
•
البنت: لم أفهم قصدك هذا التعليق أبتاه!! من
الأب: لو تأملت في الآيات القرآنية التي نحن بصدد التعليق عليها لأدركت المعنى الذي أشير إليه. ألم يحذرنا الله تبارك وتعالى
من حبوط
أعمالنا، حين نخالف أوامره؛ بعدم الالتزام
بالأدب الذي أمرنا به مع را
رسوله؟
البنت: بلى! هذا ما وعيته من الآية، وفهمته من مواقف
الصحابة
بعد نزول الآية _ قال أبو بكر الصديق، حتى
-
يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار
حتى ألقى الله
الأب: وماذا قال الله تعالى بعد ذلك؟
البنت: قال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ
امتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُ عَظِيمُ.
الأب: ألم تدركي بعدما جاء في الآية؟
البنت: دعني أتأمل، أي نعم. مدح الذين يمتثلون لهذا النداء،
32 (1/32)
صفحة 33
فيغضون أصواتهم عند رسول الله، وعدهم بالمغفرة والأجر
الكبير
الأب: لماذا كل هذا الفضل؟ لأنهم ممن امتحن، وأختبر في إيمانه وفي تنفيذه لأوامر الله، فكان من المستجيبين له، فوعدهم تعالى بأنه سيثيبهم، ويغفر لهم ذنوبهم. أليس في هذه
الآيات ترهيب ثم ترغيب؟
البنت: بلى يا أبي!! كيف غابت عني هذه الملاحظة، وهذا آه ما أشقانا وما أبعدنا عن فهم ديننا! لابتعادنا
الفهم
6
عن التدبر في آيات الله ومدارسة كتابه
•
الابن: حقيقة ما أعظم تربية القرآن، فإنه إذا ذكر الوعد ذكر بعده الوعيد، والعكس صحيح. فبعد التخويف والتحذير من حبوط العمل في الآية الأولى، جاء الوعد بالمغفرة والأجر العظيم في الآية الثانية. وبهذا يحدث التوازن بين حياة المؤمن، ويساعده على تحسين سيرته. لأنه دائماً يكون بين
الخوف والرجاء
الأب: لأرجو أن لا تفوتكم النكت القرآنية، والدقة في التعبير القرآني، تأملوا كلمتي (امتحن، التقوى).
معي
البنت: نور نفوسنا، وأنر عقولنا بهذه النفحات القانية، جزاكم الله
33
-
•
عنا كل خير (1/33)
صفحة 34
الأب: هؤلاء المؤمنون الذين أمروا بعدم رفع الصوت في حضرة
الرسول لا اختبرهم علي الله فوجدهم متقين الله، محبين لرسوله، محترمين له، فكانوا يغضون ويخفضون أصواتهم في هذه المقامات مع الرسول الله، وفي هذا فضل كبير ومنة ونعمة، نعمة التقوى التي لا تتيسر لكل واحد. لهذا ذكرها الله أولاً، ثم ثنّى بالمغفرة والأجر العظيم.
انتبهوا، هذا تعبير القرآن!!
الابن: ما أجلَّ هذا المعنى، وما أذكاك يا أبي في هذه الملاحظة
الدقيقة
الأب: يقول الإمام الشيخ بيوض في هذا المعنى: أولئك أشار
إليهم بلفظ البعيد، تشريفاً لهم لأنهم في مقام عال، أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، خلّص قلوبهم للتقوى،
ولم يترك فيها شائبة من العصيان أو المخالفة، فكانت قلوبهم
صافية خالصة، ليس فيها إلا التقوى
•
الأم: فالمغفرة أولاً، وهي محو الذنوب، والزحزحة عن النار ثم الأجر العظيم وهو الفوز بالجنة.
الابن: ويقول (سيد قطب) في هذا المعنى: فالتقوى هبة عظيمة، يختار الله لها القلوب بعد امتحان واختبار، وبعد تخليص وتمحيص، فلا يضعها في قلب إلا وقد تهيأ لها، وقد ثبت
أنه يستحقها، والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله قد
34
- (1/34)
صفحة 35
اختبر
الله
قلوبهم وهيأها وقد كتب لهم معها وبها المغفرة والأجر العظيم» إنه الترغيب العميق بعد التحذير المخيف، بها يربي الله قلوب
وهيَّأها لتلقي تلك الهبة، هبة التقوى،
عباده المختارين، ويُعدّها للأمر العظيم الذي نهض به الصدر
الأول على هدي من هذه التربية
البنت: وقد استنتج العلماء من هذا التوجيه، وهذا النداء، وقرروا احترام کلام رسول الله الله، فحين يكون المرء في مجلس
حديث مثلاً، فلا يحسن القيام منه لشخص مهما يكن
مقامه
الابن: ونأخذ منه أيضاً أدباً آخر وهو وجوب احترام العلماء فلا نرفع أصواتنا بين أيديهم، ولا نخاطبهم إلا بالرفق واللين ولا نناقشهم إلا بالتي هي أحسن، ونحادثهم في وقار وأدب مهما يكن اختلافنا معهم في الرأي؛ احتراماً لعلمهم ومقامهم، وتجسيداً لأدب الإسلام في توقير العلماء والكبراء من المؤمنين. (ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا). الأم: بارك الله فيكما وفي هذا الاستيعاب وهذا الفهم، وبارك الله في أبيكما على ما يبذله من جهد في تفقيهنا، قوموا إلى
نومكم فقد تأخر الليل .. والسلام عليكم ورحمة الله (1/35)
صفحة 36
الليلة الخامسة
علمنا
البنت: أبتاه، ذكرتم لنا ليلة أمس أن من بين المواطن التي الله أن نتأدب فيها مع الرسول مع نداءه وهو غائب في
بيته، أرجو أن تبسط لنا القول في هذا الموطن
حتى لا
،
تحبط أعمالنا بجهلنا لهذا الأدب
الأب: ليس قبل أن نشرب الشاي، ونتناول ما أعدته لنا أمك الأم: سمعاً وطاعة أيها الزوج الصالح، هاكم ما طلبتم. الأب: أما الآن فنعم لطلبك أيتها البنت العزيزة، اقرأ بني العزيز
الآيتين المواليتين
•
الابن: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رجير
•
الأب: قبل التعليق على هاتين الآيتين أودّ تقديم مناسبة نزولهما قيل أن الرسول عل كان آخذاً قسطاً من الراحة في قيلولة
من أيام الصيف الحارة، فجاءه وفد من أعراب البادية المعروفين بالغلظة والشدّة والجفاف في الطبع ـ قيل هو من تميم ـ فبدأوا ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد أخرج إلينا، يا محمد أخرج إلينا، وكانوا ينادونه بصوت مرتفع مزعج، أقلقوا راحته، فتأذى الرسول
-
بهذا
36 (1/36)
صفحة 37
التصرف. ثم نزلت الآيتان تعلّمان الناس أدب نداء الرسول
وهو غائب، أو هو في بيته
البنت: ما أحوجنا إلى معرفة هذا الأدب مع أنفسنا أيضاً
لا نقلق راحة بعضنا البعض
، حتى
الأب: وقد أشار القرآن إلى الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم الرسول الله لأنه ما كان يحتجب عن الصحابة كثيراً إلا
الأب
لقضاء مآرب في حجراته أو لأخذ قسط من الراحة
الابن: لما كان النداء صادراً من هؤلاء الأعراب، وهو تصرف مناف للعقل، فلماذا قال الله هو أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ؟: سؤال وجيه وذكي في آن واحد. أغتنم فرصة الإجابة عنه لأنبه إلى أمر مهم يدخل في صميم العلاقات الاجتماعية. إن القرآن دقيق في تعبيره، حريص على التوجيه السليم، فإنه ولاشك أن في جماعة الأعراب من لم يناد، ولم يرض
بهذا التصرف، إذ منعه عقله من هذا السلوك، فلا يعقل تعميم الحكم عليهم لذا استثنى القرآن من لم يشارك في
النداء أو من لم يقبل به
البنت: إنه أدب القرآن الذي ينهانا عن التعميم في الحكم، ووصف الناس بما لم يقترفوه. يجب أن نحتاط دائماً في أحاديثنا، ولا نرمي الكلام جزافاً. فكثير من المشاكل التي تحصل بين الناس، وكثير من العلاقات يصيبها الوهن بسبب هذا التصرف
- TV- (1/37)
صفحة 38
الأب: هذا ما كنت عازماً على الإشارة إليه، فسبقتني إليه، بورك فيك من بنت ذكية نجيبة
الابن: أكمل معنا توضيح ما جاء في الآيتين، ودلّنا على هذه اللفتات المهمة في كتاب الله الكريم.
الأب
: انظروا بعد ذلك إلى خُلُق القرآن وأدبه، إنه دائماً يشير إلى
رحمة الله الواسعة، ومغفرته الحاضرة، متى رجع المرء عن ذنبه وثاب إلى ربه. فكلما أشار إلى خطأ يُرتكب بين أن.
باب التوبة والإنابة مفتوح.
الأم: ما أروع أدب القرآن، وما أبدع تربيته، هدانا الله للأخذ بأساليبه، وتربية أبنائنا على هديه، بدل الالتجاء إلى المناهج الأخرى، التي أفسدت شبابنا وأضلته عن سواء الصراط. الأب: هدانا الله إلى ذلك!! لقد استجاب الصحابة لهذا الأدب والتزموا بهذا النداء كعادتهم دائماً. قيل إن ابن عباس رضي
لأخذ القرآن
الله عنهما كان يذهب إلى أبي بن كعب في بيته عنه، فيقف عند الباب ولا يدق حتى يخرج أبي رضي رضى الله
عنه
الابن: ونحن بدورنا يجب أن نستفيد من هذا الأدب في حياتنا، ونقتدي بالعالم الزاهد أبي عبيدة الذي قال: «ما دققت باباً على عالم قط، حتى يخرج في وقت خروجه»، يجب أن
لا نزعج الناس في بيوتهم وقت راحتهم ووقت جلوسهم مع
-
- (1/38)
صفحة 39
أهلهم وأطفالهم
البنت: هكذا يجب أن يكون أدبنا مع الناس في حياتنا الاجتماعية. وللزيارة أدب إذا كنت حريصاً على قضاء حاجتك».
الأب: الآداب المستفادة هاتين الآيتين آداب المساجد
الأم
: ومن
من
واحترامها، فلا يرفع فيها صوت ولا يعبث فيها. فعمر بن الخطاب سمع مرّة اثنين يرفعان صوتهما في المسجد النبوي فقال لهما: ألا تدريان أين أنتما؟ ثم سألهما من أين أنتما؟ الطائف. فقال لهما: لو كنتما من أهل المدينة
فقالا: من
لجلدتكما
عذرهما لكونهما غريبين، ربما لم يعرفا ما نزل في حق
المساجد بعد
•
: إن المساجد يجب أن تحترم أينما وجدت، لأنها بيوت الله وكذا يجب توقير العلماء والمشايخ وحملة العلم، وحفظة القرآن، والمتصدين للوعظ والإرشاد، لأنهم يؤدون رسالة
الرسول
، ومن لم يفعل ذلك كان من يحتقر العلم،
وممن لا يستجيب لنداء الله في هاتين الآيتين
الأب: في هذا القدر الليلة كفاية، قوموا إلى نومكم، يبدو على وجوهكم آثار الإرهاق والتعب من سهرة أمس التي كانت
طويلة، فلنعوّض ما فاتنا من الراحة فيها هذه الليلة
الأم: ما أرحمك بنا أيها الزوج الصالح، صحبتكم عناية الله والسلام عليكم ورحمة الله
39 - (1/39)
صفحة 40
الليلة السادسة
البنت: قال تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِنَ الْأَمْسِ لَعَنِتُمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَهُ إِلَيْكُم الكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أَوَلَيْكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ الله
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ الله
الأب: يأتي هذا النداء الثالث، ضمن التشريعات والتوجيهات ليبين للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء، وكيف يتصرفون في
الأخبار
، ينبههم إلى أنه يجب التثبت من مصدرها،
والصدق في نقلها، والتروّي في إصدار الحكم اعتماداً عليها
الابن: إن الصدق هو الدعامة التي يبنى عليها كل صرح وكل بناء، وهو أس الأخلاق، ودليل السموّ الإنساني والرقي
الحضاري، وهو الضامن لاعطاء الحقوق وأداء الواجبات
البنت: وهو الكفيل بتوطيد العلاقات الاجتماعية، بزرع الثقة في النفوس، فلا يمكن أن يستغني عنه إنسان مهما تكن مكانته
ومنزلته، إذا كان يعيش في مجتمع يريد له أن يكون متماسكاً
وفاضلاً.
•
الأم: يبدو من تعليقاتكم القيّمة أن الموضوع خطير ومهم، يختاج
40 (1/40)
صفحة 41
إلى تركيز، وربما طالت جلستنا الليلة لهذه الأهمية، لذا أريد
أن أنعش أرواحكم، وأذكى نشاطكم بالشاي المنعنع حتى
تقووا على الحوار والاستيعاب
الأب: صحيح أيتها الزوجة الصالحة، إن الموضوع مهم وخطير فكثير من المشاكل حصلت، وكثير من العلاقات انحلت،
بسبب عدم الالتزام بهذا الأدب الذي تشير إليه الآيات
المذكورة سابقاً. لذا يجب أن نعطي الموضوع
حقه من
التحليل والتوضيح حتى نستوعبه ونطبق ما جاء فيه من
توجيهات قرانية سامية.
الابن: شوقتنا إلى معرفة ما نطقت به الآيات، فهلا عجلت بإفادتنا بهذه الآداب؟!
الأب: أضيف إن هذه الآيات لو عمل بها المسلمون لتخلّصوا من كثير من المظالم، ووقوا أنفسهم كثيرا من الفتن. إن أحكام الناس أغلبها تنبني على الأشخاص والهيئات التي تنقل الأخبار، وتبعاً لذلك تحدّد المعاملة والعلاقة مشوبةً بعدم التثبت والتروّي؛ لذلك نبهنا الله تعالى إلى التأكد والنبأ المقدّم إلينا، والتريث في إصدار الأحكام، خاصة في الأزمنة التي تكثر فيها السعايات والوشايات، ويقل فيها أمناء
نقل الأخبار
من
الخبر
البنت: حقيقة يبدو الموضوع خطيراً ومهماً، يحتاج منا إلى إصاخة
41 (1/41)
صفحة 42
سمع وفتح بصيرة، وإعارة اهتمام
الأب: الخطر قد يأتي من تعمد الكذب، والتزوير على الغير، لغرض ولحاجة في نفس الكاذب. وقد يأتي من بطانة السوء التي تحيط بالرئيس أو المسؤول أو الحاكم، الذي يعطي الثقة فيها، فيصدقها في كل ما تأتيه من أخبار
البنت: لبعض مهرة الكذابين حيل وأساليب قد تخفى على أشد الناس تثبيتاً وعقلاً وحكمة وإدراكاً، خصوصاً في زماننا
أفتك من
هذا، وقد أصبحت أسلحة الدعاية والكذب فيه ما نحارب به، بل أصبح للكذب معامل ومصانع ومطابخ
تهيئ الكذب وتجمّله وتزينه وتصقله، ثم تدس سمّه في الدسم، وتقدّمه طعماً للغافلين الأبرياء من الناس، فتوقعهم
في شباك الكذب من حيث لا يشعرون»
الابن: أحسنت في هذه الاضافة، فقد أكدت ما قاله أبونا، أزيد وأقول أنا: ان الخطر يأتي أيضاً الغفلة
من
، وحسن
النية
في تلقي الأخبار؛ لقصور في المتلقي، ذكاء وفطنة وروية،
ويقع في هذا الرؤساء والقضاة والمسؤولون الذين بأيديهم
إصدار الأحكام.
الأم: وقد يحصل الخطر بسبب القصور أو التقصير في النقل
قدرة وأمانة وتأويلاً
الأب: من
هذه العوامل التي ذكرتم بعضاً منها تكمن (1/42)
صفحة 43
الأخطار التي تَنْجُم عن يؤدّي عدم التثبت إلى الانتقام السريع، فكم من أموال اغتصبت، ورؤوس أطيح بها، ومظالم اقترفت، بسبب عدم الإلتزام بهذا الأدب
أمثال هذه التصرفات. فمثلاً قد
وقد يؤدي عدم التحقق في الأخبار المنقولة إلى إصدار أحكام مجحفة ظالمة في حق بعض الأشخاص
وقد يساعد ذلك أيضاً على كثرة الاشاعات والأراجيف وكثرة الأقاويل التي لا أصل لها، ولهذا قال الرسول الله
التثبت من
الله والعجلة من الشيطان»
الابن: لهذا نادانا الله تعالى بهذا النداء وأمدنا بهذه الركيزة المهمة
والضرورية لبناء صرح المجتمع الفاضل
•
البنت: عوّدتنا ابتاه على ذكر سبب النزول، فما سبب نزول هذه
الآيات؟
الأب: إن كثيراً من المفسرين ذكروا أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حيث بعثه الرسول على عليوس صدقات بني المصطلق. يتصدّقهم فتلقوه بالصدقة، فرجع فقال إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك. زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإسلام. فبعث رسول الله الله خالد
بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ إليهم وأمره أن يتثبت ولا
-
-
يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلماجاؤوا
- (1/43)
صفحة 44
أخبروا خالداً أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول الله الله فأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى
هذه الآيات
البنت: إذن فالآيات تأمر بالتثبت والتمحيص في خبر الفاسق، وفي
كل خبر ينقل إلينا.
•
الابن: من هو الفاسق الذي يتبيّن خبره، ويتثبت منه؟
طاعة الله إلى معصيته ومخالفة أمره
الأب: هو المنتقل من البنت: فهمت لماذا سمّي ناقل الخبر الكاذب فاسقاً، لأنه انتقل من
زمرة الصادقين الذين يتصفون بطاعة الله، ويلتزمون بها إلى
زمرة الكاذبين الذين عصوا ربهم بالافتراء والتزوير
والابتعاد عن سواء الصراط
الابن: ما مدلول كلمة الجهالة هنا؟
الأب: أحسنت في هذ السؤال في هذ السؤال. معلوم أن الجهل معروف عند الناس أنه ما كان ضد العلم. وهذا معنى وارد في الآية. والله ينهى بألا تتصرفوا مع الأخبار المنقولة إليكم بدون علم
حقيقي، لأنكم لم تتأكدوا من صحتها.
كما أن الجهل يعني السفه والطيش، والتسرع والعجلة في
التصرف
هذا المعنى ورد في قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
-
44
- (1/44)
صفحة 45
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُوا
سَلَاما (الآية 63 سورة الفرقان).
فالجاهلون هم السفهاء
البنت: وفي هذا المعنى قال الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
الابن: بهذه الإجابة وهذا التوضيح ـ بارك الله فيكم أبتي ــ يتبين
—
-
لنا خطر هؤلاء الذين يصدرون أحكاماً خاطئة وظالمة، بسبب الجهل بحقيقة الأمر، والذين يتصرفون تصرفات
طائشة، بسبب
السفه
•
الأب: هكذا بدأتم تدركون مضمون هذا التوجيه الرباني، وهذا الأدب القرآني، أضيف إليكم نكتة أخرى، وهى أن الله اختار لفظة فاسق ولو شاء لقال إنسان، لمعنى عميق. فإن الفاسق عادة لا يتورع عن الكذب والتزوير واختلاق الأقوال، وبهذا الاختيار يؤكد الله الفكرة في النفس، وفي
الوقت ذاته ينفّرنا من هؤلاء الناس، ويبعدنا من
التصرفات
هذه
الأم: لقد صدق عمر بن عبدالعزيز حين قال: «إذا جاءني الخصم وفي يده عينه مفرغة (مخلوعة) لا أحكم له، وأقول إنه مظلوم حتى أسمع لخصمه، وأتثبت منه، فلعل هذا قد أفرغ
ذاك وخلع عيني
45
- (1/45)
صفحة 46
الابن: ما أعظم وأفضل من ييسره الله ويوفقه للاستجابة لنداء الله،: ويهديه للسير في الطريق المستقيم
الأب: هذه الآيات تذكرنا أيضاً بأمراض اللسان التي يجب تجنبها، والاستشفاء منها بشفاء القرآن، لأنها حين تنتشر وتذيع
تتسبب في زعزعة المجتمع وتقويض أركانه
البنت: ما هي هذه الأمراض فضلك يا أبي؟ من
الأب:
هي
أن أشير إلى بعضها، منها الكذب
كثيرة، حسبي والغيبة والنميمة والبهتان، والفحش والسب، والجدال والخوض في الباطل، والخصومة والفجور واللعن
والسخرية والاستهزاء وإفشاء السر والمراء ... الخ. الابن: ما أخطر اللسان، وما أضرّه بالإنسان، حين لا يوجّه إلى الخير، ولهذا ورد عن سعيد بن جبير مرفوعاً إلى النبي الله قال: إذا أصبح ابن آدم أصبحت الاعضاء كلها تذكر اللسان، أي تقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت
استقمنا، ولو اعوججت اعوججنا
الأب: وعن ابن مسعود أنه كان على الصفا يلبي ويقول: يا لسان قل خيراً خيراً تغنم، واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فقيل له: يا أبا عبدالرحمن: أهذا شيء تقوله أو شيء سمعته؟ فقال: لا، بل سمعت رسول الله الله يقول: إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه (1/46)
صفحة 47
البنت: أود أن أشير إلى جانب مهم في أخلاقنا الاجتماعية، وهو الكذب في الحديث والرواية والعمل، لا لشيء سوى التخلّص من عتاب صديق، أو دفع تبعة
محتملة
بينته السنة
وكذا المصانعة والمداهنة والرياء والتقية في غير ما
الأب: إذن فلنحذر هذه المزالق، وهذه المهاوي لتستقيم نفوسنا
وتنتظم حياتنا ويتنظف مجتمعنا
الأم: ما أروعكم في التدبر في آيات الله، وفي التفقه في دينكم، وفي محفوظكم من سنة رسول الله الله وفي أقوال الحكماء. فمن بركة القرآن أن وفقنا إلى الاستطراد والاستفادة في
موضوع اللسان ما يجنبنا الوقوع في المهالك أن الجلسة بدأت تطول، والتعب بدأ يأخذ منكم،
يبدو
فلنرجيء بقية الحديث إلى الليلة القادمة إن شاء الله .. والسلام عليكم ورحمة الله
** **
- 47 - (1/47)
صفحة 48
ما
الليلة السابعة
الأب: ما أروع القرآن، وما أحسن ما فيه من بركة، فمن كلمة
واحدة وهي الفاسق التي وردت في سياق الحديث عن تجنّب الكذب، امتدّ بنا الكلام في أمراض اللسان،
لنعرفها، ونجاهد في التداوي منها بطب القرآن، إنها والله
البركة والنماء في الانفاق
كلام الله من
الابن: جعلنا الله ممن يهتدي بهدي القرآن، ويكثر من التدبّر في
آياته ومدارسته
•
الأب: لنستأنف الحديث في بقية الآيات. إن الجهل والحمق اللذين يدفعان الإنسان إلى الانتقام عادة، دفعا بعض الصحابة إلى التحمّس لمحاربة هؤلاء القوم: بني المصطلق، الذين ظنوهم قد ارتدوا عن الإسلام، حسب شهادة الوليد بن عقبة؛ غيرة على الإسلام، فنبههم الله تعالى إلى التريث، وأشار
إليهم أن الرسول بينهم
الأم: هل كان الصحابة يجهلون أن الرسول موجود بينهم حتى
ينبهوا إلى ذلك الله؟ من
الأب: صبّي لنا الشاي حتى نجيبك عن هذا السؤال تفضل زوجي، وأزل ما في نفسي من قصر فهم في التعبير
الأم
القرآني.
- 48 - (1/48)
صفحة 49
الأب: إن الآية لا تقصد المعنى الظاهري للعبارة، إنما تعني المعنى
الخفي منها، وهو التوجيه إلى كيفية التصرف في مثل هذه
المواقف، وتذكير المؤمنين بأمر مهم، سبقت الإشارة إليه
وهو عدم التقدم بين يدي الله وسوله، وعدم الإقدام على
أمر قبل الرجوع إلى الرسول ع له وهو بينهم، وهو الذي
لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
،
الابن: أفهم من هذا أن هذا لوم وعتاب للمؤمنين، الذين نسوا التوجيهات التي أعطيت لهم، وهو شأنهم في مختلف
الأب
الأزمنة، وفي كثير من القضايا، وهو ما
تذكيرهم من حين إلى حين
يستوجب
: وفي هذا التعبير إعلام للمؤمنين، وإخبار لهم بأن فيهم المرشد والمراقب لتصرفاتهم. إذن تجب طاعته، والاستجابة لأوامره وبذلك يعود الحديث عن تلبية نداء الله والرسول من جديد، وعن التنبيه إلى عدم السبق بالرأي والتعجل في
الحكم.
البنت: ما أروع القرآن في ترابط آياته، وانسجام تعبيراته، وتلاحم حلقاته، إنه يترك المتدبر فيه دائماً في خط واحد في فهم
الموضوع الذي هو بصدده، رغم التفصيلات والتفريعات
التي يقدمها القرآن
الأب: فالرسول تثبت في أمر بني المصطلق، وأرسل خالد بن
— (1/49)
صفحة 50
الوليد ليتأكد من هذه الأنباء، فأعطى للمؤمنين درساً تربوياً في كيفية التصرّف في أمثال هذه المواقف. فهو لم يستجب لحماسة المسلمين واندفاعهم، إنه تصرف بوحي
الله من
الابن: ولكن، ما معنى قوله تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ
الأب: هذا توجيه تربوي قرآني آخر مهم، يعني لو استجاب الرسول الله إلى تصرفاتكم واقتراحاتكم، التي تتسم
بالبشرية، ولم يعمل بالتوجيهات الربانية التي تتسم بالخيرية
لنالكم من
طاعته إياكم عنت وجهد ومشقة وهلاك كبير
البنت: لاشك أن هذه التوجيهات زادت في محبة المسلمين للرسول
والالتفاف حوله، وزاد مقامه عندهم رفعة ومهابة
وتقديراً.
الأب: قيل في تفسير هذه الآية: أي اعلموا أن بين أظهر كم رسول الله، فعظموه ووقروه، وتأدبوا. معه، وانقادوا لأمره فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم أنفسكم، كما قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ} الآية 6 سورة الأحزاب)، وقال:
•
ولو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم أي لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدّى ذلك إلى عنتكم (1/50)
صفحة 51
وحرجكم كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَواتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَنَيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} (الآية 71 سورة
المؤمنون)
الابن: ونحن بدورنا نأخذ من هذا الموقف عبرة تنفعنا في حياتنا، وهي إعطاء الثقة فيمن يسير أمورنا ومصالحنا من المسلمين، فلا نكثر من الانتقادات ولا نندفع بحماستنا وعاطفتنا فنتصرف بما لا تحمد عقباه، فنبوأ بالخسران المبين. إن الثقة عنصر أساسي في العلاقات الاجتماعية، وفي ضمان استمرار
المسيرة، يجب أن نرجع الأمر دائماً إلى أولي الأمر. الأب: ذكرتني ابني العزيز بآية أخرى تشير إلى هذا الأمر، وإلى هذا التوجيه، هي قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرُ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ منهم الآية 83 سورة
منهم
النساء).
•
C
فالآية تحارب الاشاعة وإذاعة الأخبار قبل التثبت منها؛ لأنّ
الإشاعات تنتشر بسرعة، وتثمر نتائج غالباً ـ تكون
—
—
سلبية على المجتمع. لهذا أرشدنا الله تعالى إلى عدم ترويج الأخبار قبل التأكد منها. فالإشاعات مرتع المنافقين
والمغرضين الذين يصطادون في الماء العكر
_01_ (1/51)
صفحة 52
على
تماسك
البنت: كم هي عالية توجيهات القرآن الحريصة دائماً المجتمع وتضامنه، لذا فهي ترجع الأمر في كل الحالات إلى أولي الأمر، وإلى أهل الحل والعقد، ممن أوتي الحكمة
وفصل الخطاب، وبذلك يسود النظام وتبتعد الفوضى،
والشاعر يقول:
?
يصلح القوم فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
الابن: من هم أولو الأمر؟
الأب: أولوا الأمر هم القادرون على الاستنباط، وهم حملة الشريعة والمتفقهون في الدين، من آتاه الله الحكمة وحباه بعد النظر
في
الأمور
، ومن رشحته مؤهلاته لقيادة الأمة وتحمّل
المسؤولية في مختلف المجالات الدينية والسياسية والاجتماعية ... فليحذر الذين هم دون هذه المواصفات أن يحشروا أنفسهم في توجيه الأمة، فلا يفهمنَّ الناس أن كل شخص
في إمكانه توجيه المجتمع البنت: أفهم مما ذكرتم أبتاه أننا مكلّفون ومخاطبون بهذه الآيات فلا نترك الشائعات تروج بيننا، ولا نتصرف فيها بمقتضى أهوائنا ومداركنا القصيرة، بل يجب أن نردّ الأمر إلى أولي
الأمر الذين يقدرون على الاستنباط، وتقدير الصالح لنا أمورنا. فهم الذين يرشدوننا إلى الطريق الأقوم.
من
52 – (1/52)
صفحة 53
الأب: ربما أخذني الشجن فاستطردت في الموضوع، وقد كان قصدي أن أبين توجيهات القرآن في كيفية تسيير المجتمع والحياة، لأن كثيراً من شباب الإسلام وعامته أسهموا في
اضطراب مجتمعاتهم
،
بسبب عدم التقيد بهذا التوجيه
التربوي القرآني الصارم، رزقنا الله العمل بما نعلم. الابن: شكراً أبي على هذه التوضيحات، ولنعد الآن إلى بيان بقية ما تضمنته الآيات، التي نحن بصدد استخراج ما فيها من معان الأب: بعد: بعد أن بين الله تعالى أن الأمر يعود إلى أولي الأمر والرسول منهم طبعاً ـــ وأنه من مصلحة المؤمنين، ومن تمام سعادتهم عدم رضوخ أولي الأمر دائماً لإرادتهم، والاستجابة لاقتراحاتهم ذكر للمؤمنين أن تطبيقكم لهذا التوجيه هو ثمرة الإيمان الذي زينه الله في قلوبكم، وحببه
إليكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. الأم: ما أبدع هذه السورة، وما أروعها، فإنها كلها تدور حول الإيمان والتقوى، إذ لا يكاد يخلو مقطع منها من التذكير
بهما.
البنت: وتشير الآيات إلى أن هذه نعمة
من الله وفضل، إذ ركز
الإيمان في قلوبكم، فالإنسان قد يرى حسناً ما ليس
كذلك، والعكس؛ لذا
صحيح
من وفقه الله تعالى إلى
الإيمان فيختار له ولا يختار لنفسه، فقد حاز نعمة كبيرة (1/53)
صفحة 54
•
وفضلا عظيماً
وهذه النعمة أفضل حتى من نعمة الوجود، التي ان لم
يكتنفها الإيمان كانت وبالاً على صاحبها
•
الأب: أحسنت بنيتي في هذا الاستنتاج، وفي هذا الفهم، وما هداك إلى ذلك إلا الإيمان الذي يغمر قلبك، وفقنا الله جميعاً
إلى ذلك
الابن: اسمح لي أبتي في التعليق على كلمة وزينه التي لها مدلول عميق. إن الشيء إذا كان زيناً عند الإنسان، فإنه يتمسك
به، ولا يفرّط فيه أبداً، والشخص قد يرزق الإيمان في قلبه
الله
يراه زيناً فيعبد أو لا فلا يشعر به، عن تقليد وعن أمعية. وقد يرى في العبادة مشقة وعنتاً، فينقصه الورع الذي يعصمه ويمنعه من ارتكاب الأخطاء واقتراف
الذنوب. بينما حين يكون الإيمان زيناً في قلبه فإنه يحبه
ويتمسك به،
ثُمَّ لا
يسير إلا في الطريق المستقيم
الأب: أحسنت في هذا الاستنتاج، وهذا الفهم، هكذا أريدك دائماً متدبّراً في آيات الله. حتى تقف بنفسك على بعض
أسرارها لتزداد إيماناً ورشاداً.
البنت: هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم يحبون الإيمان، ويكرهون الكفر والفسوق (الكبائر) والعصيان (الصغائر) حصر
الرشد
فيهم فقط وأولئك هم الراشدون
54
- (1/54)
صفحة 55
الأم: ما مدلول كلمة الرشد؟
الأب: الرشد سلوك طريق الخير والحق، والاستقامة مع تصلب فيه، والرشادة هي الصخرة، أي هؤلاء المؤمنون هم المهتدون إلى التي هي أقوم دون غيرهم.
ثم بيّن بعد ذلك أنه عليم بأحوال عباده، خبير بها، حكيم
في تصرفاته خلقه مع
الابن: اسمح لي أبي أن أختم هذه الجلسة بما قيل تعليقاً على هذه الآية: والذي يستوقف النظر هنا هو تذكيرهم بأنّ الله
هو
الذي أراد بهم ذلك الشر: الكفر والفسوق والعصيان، وهو الذي لجعلهم
هذا الخير، وهو الذي خلّص قلوبهم من
بهذا راشدين، فضلا منه ونعمة. وإن ذلك كله كان عن منه وحكمة، وفي تقرير هذه الحقيقة إيحاء كذلك
علم
بالاستسلام لتوجيه الله وتدبيره والاطمئنان إلى ما وراءه من خير عليهم وبركة، وترك الاقتراح والاستعجال والاندفاع فيما قد يظنونه خيراً لهم قبل أن يختار الله لهم. فالله يختار
لهم الخير والرسول الله يأخذ بيدهم إلى هذا الخير»
الأم: أحسنت بنّي في هذه الخلاصة، وأحسنتم في هذه المحاورة
الجميلة اللطيفة. قوموا إلى نومكم فقد تأخر الليل
والسلام عليكم ورحمة الله (1/55)
صفحة 56
الأب
الليلة الثامنة
: حديثنا الليلة متصل بسابقه أمس وفي قوله تعالى:
ج
وَإِن طَابِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحدَتهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
?????????????????????
من
فبعد أن نبه الله تعالى إلى تبين خبر الفاسق، وحذر الحمية والحماسة، قبل التثبت من الأخبار، أشار إلى قاعدة أخرى أساسية لصيانة المجتمع من التفكك والخصام والشقاق، وهي، وهي ما تضمنته هذه الآيات
البنت: مازلت مشدوهة ومشدودة بهذا الترابط في القرآن، وهذه الوحدة في آياته ومعانيه التي لا تظهر إلا للمتدبر فيها
أريد أبي أن اسألك عن مناسبة نزول هذه الآية.
الأب: لا
تهم
•
المناسبة، لقد وردت فيها روايات كثيرة. قيل نزلت
بسبب حادثة، وقيل هي تشريعية. المهم أنها قاعدة عامة ومحكمة لحماية الجماعة الإسلامية من التفرق والتصدّع، ثم إقرار الحق والعدل والصلاح، والاحتكام في كل ما
يحدث بين الإخوة المسلمين إلى تقوى الله.
أن
الابن: صحيح من مقاصد الشريعة الإسلامية توحيد كلمة (1/56)
صفحة 57
المسلمين، ولهذا آمتنَّ الله عليهم بهذه النعمة في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوأَوَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانَا ... الآية 103 سورة
آل عمران). الأب: كما تلحظ يا بني فإن الله الخبير بنفوسنا، العليم بمخابرنا، التي تنطوي على الظلم والاعتداد والنفور، كان لطيفاً بنا في معالجة أحوالنا، ورأب الصدع، ولم الشمل. فحق له أن يمتن على عباده بهذه النعمة
البنت: فكيف عالج الله تعالى هذه الفتن والنزاعات والمخاصمات بين المؤمنين؟ وما هي طريقة القرآن في إصلاح ذات البين؟ الأب: أوجب الله على المسلمين أن يسارعوا إلى الإصلاح بين
يتسع
المتخاصمين من المؤمنين، وأن لا يتركوا الخلاف بينهم، والشقاق يمتد. وفرض استغلال أية طريقة ووسيلة
ممكنة ومشروعة للإصلاح. واعتبر أي تقصير في هذا
السبيل خطاً شرعياً
الابن: ما مدلول كلمة طائفة؟
الأب: كلمة طائفة تطلق على الجماعة الكبيرة والصغيرة، وعلى
الشخص الواحد، وبذلك فإن الاصلاح يكون حتى بين
شخصين اثنين وذلك حفاظاً على وحدة المسلمين
- (1/57)
صفحة 58
البنت: وما مدلول كلمة المؤمنين في هذا السياق؟ وهل المؤمنون
يقتتلون؟
الأب: هنا يظهر انصاف الله لعباده، حين يبين أن المؤمن بشر قد يخطئ، وقد ينزغ الشيطان بينه وبين أخيه، فيرتكب
حماقات، لكن الإيمان الذي في قلبه يمنعه من التمادي في
الخطأ، فيرجع إلى ربه
وقد يكون في المؤمنين ضعفاء، يجب أن نأخذهم بالرفق
في معالجة ما
بهم من ضعف
الابن: في هذا التعبير إشارة خفيّة إلى عدم العنف على المخطيء، وعدم التسرع إلى وصفه بالكفر، وسلب الإيمان منه بمجرد صدور خطأ بسيط منه بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا
تعسروا)
الأم: لله ما أدق تعبير القرآن، وما أعدل الله مع خلقه!! الأب: هكذا أريد ن تشاركينا دائما
-
في أحاديثنا وسمرنا بما
تقدمينه لنا من شاي وحلويات، وما تسهمين به من
تعليقات
فعلا كما قال ابننا أن الله يرشدنا إلى عدم التعجل في الحكم على المذنبين بما لا يليق، ومن جهة أخرى لا نسكت على
أخطائهم، بل نسارع إلى الصلح والإصلاح
الابن: وإن لم يوفق المتدخلون في الصلح، فماذا يجب على الجماعة (1/58)
صفحة 59
الإسلامية؟
البنت: الجواب: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}
الابن: ما معنى البغي؟ وما معنى الفيء؟ الأب: البغي: هنا معناه تجاوز الحد، والتمادي في الظلم وإباء الصلح – والفيء: معناه الرجوع. وفي هذا السياق يعني الرجوع إلى الطريق المستقيم، وإلى الإيمان
البنت: ولكن كيف تتم مقاتلة الباغي المؤمن؟
الأب: في الحقيقة لا يبقى هذا المُتَمَادِي مؤمناً حقيقياً، مادام مصرا على ما أقدم عليه، بعد محاولات الصلح من الجماعة.
الابن: إن القرآن كان دقيقاً في التعبير وفي الوصف، فهذه الفئة لم يسمها باغية أول ما نشب القتال بينها والفئة الأخرى. للملحظ الذي سبق ذكره أولاً. وللتروّي في إصدار الحكم، حتى يعرف الطرف المعتدي ثانياً، وحتى يقوم المسلمون بواجبهم في الصلح فيظهر المؤمن من الباغي، الذي لا يستجيب لدواعي الإيمان ثالثاً، ولكن حين لا تذعن هذه الفئة لأمر المسلمين وحكم الجماعة تكون
باغية، تجب محاربتها وقتالها
•
الأب: لله درّك من ولد نجيب وفطن للنكت القرآنية، زادك الله فقهاً في دينك، وألهمك رشدك
البنت: شكراً لك أبي على هذا التصحيح في المفهومات. غير أن
- (1/59)
صفحة 60
سؤالي مايزال قائماً
الأب: تجب محاربة البغاة وقتالهم حتى يرجعوا إلى أمر الجماعة، ويرضخوا إلى الصلح الذي يتوصل إليه. بعد ذلك يعاملون
كما أوصى الإسلام، أي لا يجهز على جريح، ولا يقتل
أسير، ولا يطلب هارب،
، ولا
ولا يسبى
ولا يقسم فيء كما جاء في الحديث عن عبدالله
6
الذراري والنساء
بن عمر رضي
الله عنهما، فالكل إخوة في
الله
يجمع بينهم الإسلام
والإيمان.
الابن: إذن هذا هو الفرق بين قتال الفئة الباغية من المؤمنين، وقتال
المشركين والكفار
القضاء
البنت: واضح أن الغرض من قتال الفئة الباغية ليس هو عليهم، وإنما هو العمل على ردّهم إلى الصف، وضمّهم
تحت لواء الإخوة الإسلامية.
•
الأب: لهذا فليحذر الذين يقومون بهذا الواجب في الصلح ثم يخطئون في حق إخوانهم؛ بسبب الجهل بالدين، فتتسع الشقة بين المسلمين وهو ما نلمس نتائجه الوخيمة الأليمة
اليوم في مختلف بقاع العالم.
الأم: كذا فليعامل المذنبون الذين ثابوا إلى رشدهم. يجب أن لا نشمت بهم ولا نذكر عيوبهم، ولا نمن عليهم بما قمنا به من أجل توبتهم، كما يفعل الكثير من الجهلة بأصول (1/60)
صفحة 61
التربية والتوجيه القرآني
الابن: وما الفرق بين الصلح الأول والصلح الثاني؟: الصلح الأول هو العمل على إيقاف القتال بين الطائفتين
الأب
المتقاتلتين، والجلوس والتفكير في طريقة المصالحة الصلح الثاني الذي يكون بعد فيء الفئة الباغية إلى الحق
أما
والرضوخ إلى نداء المسلمين، فهو إعطاء كل ذي حق حقه بعد الاضرار التي حصلت في هذا القتال أو هذه المواجهة. أن القتال لا ينشب إلا تعد بسبب، وهو بدوره الأم: صحيح يسبب أضراراً. فلابد أن تكون هناك أموال قد أتلفت، ودماء قد أريقت، وأعراض قد انتهكت، وحرمات قد ديست، فتترتب على ذلك ديات يجب أن تؤدّى،
وتعويضات يجب أن تُعطى
الأب: ولهذا أمرنا بالعدل والقسط في الصلح، والله يحب المقسطين الذين لا تأخذهم عاطفة للانحياز ولا عداوة للتعصب الابن: ثم عقب الله بعد كل ذلك بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
الأب
شنان
: انظر يا بنّي إلى هذا العامل النفسي في هذا التوجيه، فإن الله ذكر بعد هذا الذي يحدث بين المؤمنين من وخصومات، حقيقة المؤمنين وهي أنهم إخوة. فلا يمكن
لهم وهذه صفتهم
أن
يتنافروا فضلا عن يتقاتلوا
•
-71 - (1/61)
صفحة 62
البنت: إن هذا تذكير لهم بما ينسونه عادة، ينسون في مثل هذه المقامات الرابطة الوثيقة بينهم، التي تجمعهم، إنها الأخوّة الإسلامية التي لا يتحقق إيمانهم إلا بها و إنما المؤمنون
إخوة.
الابن: وكما يذكرهم الله بالتقوى، يشير لهم بأنهم لن يرحموا إلا إذا كانوا متقين، ومن تمام التقوى الاتصاف بصفة الأخوّة: إنها حقاً استجاشة وإثارة لمن سبق الإيمان إلى قلبه. فتحريك
الأب
نفسه، وتذكيره بهذا الإيمان، وما يتصل به يكون سهلاً
ميسوراً ومفيداً
•
الأم: إنه الأدب القرآني الذي علّمنا كيف نتعامل مع المخطئين، وكيف نساعدهم على الأوبة والعودة عن غلطاتهم. فلا
نسهم في إبعادهم عنا بسوء التصرف معهم الأب: ألا تلحظون تكرير الصلح في هذه الآيات؟ كل ذلك حرصاً من القرآن على توجيهنا إلى العمل على التوحد
الابن
والتآلف.
: لكن هل هناك فرق بين أصلحوا بينهما في صدر الآية
الأولى
، وبين أصلحوا بين أخويكم؟
البنت: اسمح لي أن أجتهد رأيي في الفهم والتفسير
الأب: تفضلي، اختبري قدرتك على الاستنباط والتأويل. البنت: الصلح الأول يجيء بعد القتال الذي ينشب بين فريقين
-
62
- (1/62)
صفحة 63
اختلفا وتعاركا. والإصلاح الثاني يكون بعد خلاف ونزاع يكون بين اثنين دون أن يفضي إلى قتال أو حرب. الأب: أحسنت في التأويل والفهم. إذن لا يفهمن أحد أن الإصلاح لا يكون إلا بعد أن ينشب قتال بين فريقين. بل يجب المسارعة إلى الصلح حتى حين ينشأ خلاف بين أخوين مهما يكن هذا الخلاف، ومهما تكن النتيجة التي تنتج عنه الأم: صحيح، فإن النزاع لا يكون بين فئتين فقط، فقد يكون بين الزوج وزوجته، والابن وأبيه، والشريك مع شريكه، والجار وجاره، والعامل ورب العمل ... لذا يجب الإسراع في الصلح مع كل هؤلاء. إن الآية كانت دقيقة في التعبير
الابن: بارك الله فيكم على هذا التوضيح. فهمت الآن وأدركت براعة النسج القرآني. فبعد أن أتى بهذه المُسلَّمَة أن وهي المؤمنين لا يكونون إلا إخوة، قرّر وأوجب ألا يكون الشقاق والنزاع حتى بين اثنين وإلا سلب منهم الإيمان إن لم يرجعا إلى بعضهما البعض، كما لا يعذر المؤمنون إن لم
يقوموا بواجب الإصلاح.
البنت: وفي الإتيان بالفاء في فأصلحوا دلالة عميقة. الفاء تدل على
الترتيب مع
التعقيب. فيترتب على الاتصاف بالإخوة الإسراع
بدون تراخ في الإصلاح حين ينشب خلاف بين أخوين.
الأم: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله:
- 63 -
- (1/63)
صفحة 64
الأب
«لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق
ثلاث فمات دخل النار» رواه أبو داود.
: انظروا إلى وعيد الله في الهجران والتنافر بين المسلمين، كل ذلك حرصاً على الوحدة والاتحاد، وفي المقابل وعد الساعين في الإصلاح خيراً كثيراً. عن أبي هريرة أيضاً
قال: قال رسول الله الله كل سلامي من الناس عليه
صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة» الحديث متفق عليه
•
الابن: ويقول الرسول الله: «ألا أدلكم على أفضل من درجة الصيام والصدقة؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح
ذات البين» (طبعاً النفل منها وليس الفرض).
البنت: بهذا يكون الاصلاح في الآية الأخيرة تأسيساً لقاعدة أخرى في صرح الوحدة، وليس تأكيداً.
الأب: وأخيراً يختم إذا أردتم أن يسود مجتمعكم سلام ووئام وانسجام والتئام
الله هذه التوجيهات بالرحمة، حيث بين أنه
فاسعوا إلى الصلح فتنالكم بذلك رحمة الدنيا، وبعدها رحمة
الآخرة وهي الفوز بالجنة
•
:
الأم: ومن تمام الرحمة بأنفسنا أن نشفق عليها فلا نرهقها. فقد طالت السهرة فلنأو إلى فُرِشنا .. والسلام عليكم ورحمة
الله
64 - (1/64)
صفحة 65
الليلة التاسعة
الأب: مايزال الكلام متصلاً في وحدة المسلمين، وتآلف قلوبهم، فبعد التأكيد على صفة الإيمان، وتأسيس قواعد في الأخوّة
الإسلامية؛ بالدعوة في الإسراع إلى محو كل آثار الخلاف ليبقى المجتمع متماسكاً، حذر الله المؤمنين من أسباب
الفرقة، ومن عوامل الشحناء والبغضاء. وهو ما تضمنته
الآية الكريمة: تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَسْخَر قَومٍ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ يَسْخَرقوم وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِرُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَرُوا بِالأَلْقَبِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَيتَهُم
الظَّالِمُونَ
11
البنت: قيل إن السخرية بالخلق والإزدراء بالناس واللمز والتنابز بالألقاب ما هي إلا عوامل للفساد ومعاول لهدم الأخوة بين
المؤمنين، بل هي الفسوق الذي لا يناسب الإيمان، الذي
الله
يتحلّى ويتجمل به المؤمنون البررة، لذا نهى عز وجل
في هذه الآية الكريمة عن هذه العوامل المهلكة المكدرة لصفو
المجتمع، والتي تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب
الابن: نلحظ أن ما سبق كله كان أوامر أمرنا الله تعالى بالإتيان
بها، بينما كل ما في هذه الآية نَواه نهانا عن إتيانها
-
، ?? (1/65)
صفحة 66
الأب: أحسنت في هذه الملاحظة الدقيقة، لهذا فلتعلم أن كثيراً من
الأوامر تدخل في إطار الفرض الكفائي أنه إذا قامت
يعني
بتنفيذها جماعة من المسلمين سقط الفرض عن الباقين، بينما
النواهي هي كلها تدخل في مفهوم الفرض العيني، بمعنى
أن كل مسلم مطلوب بعينه
الكف عنها
•
البنت: قبل الشروع في تفسير الآية، واستخراج ما تضمنته من معانٍ، أريد الاستفسار عن معاني بعض الألفاظ
معنى: السخرية واللمز والتنابز بالألقاب؟
•
ما
الابن: السخرية: هي الاستهزاء والنظر إلى المسخور منه بعين النقص والإزدراء به قولاً أو فعلاً بحضرته
اللمز: هو الطعن في العرض والشرف والكرامة، وذكر
المعايب قصد الشماتة في حضرة المعني، ومن معانيها الهمز
والغمز
•
التنابز بالألقاب: أي لا تداعوا بالألقاب ولا تعايروا بها الأب: لا تسألوني عن مناسبة نزول الآية. فقد ذكرت في ذلك
عدة روايات، ثم إن العبرة في مثل هذه المواطن بعموم
لا بخصوص السبب
اللفظ
الابن: لكن معرفة المناسبات تعين على فهم المعنى وتركيزه في
القلب
الأب: مادمت مُصراً على ذلك فإنني أذكر إحدى هذه الروايات
66 (1/66)
صفحة 67
الأم:
الأب
قيل نزلت ولا نساء من نساء في نساء النبي الله إذ كن سخرن من أم سلمة وعيّرنها بالقصر، وأشرن إليها بأيديهن. أرجو أن تنتبهوا إلى النكتة في هذه الرواية التي اخترتها عمداً
: فهمت أن السخرية تكون بأقل ما يصدر من الإنسان من فعل وقول إذا كان يقصد الإزدراء والتحقير، فالأعمال بالنيات، فلنحذر الأعمال البسيطة، والنوايا الخفية إذا
كانت في هذا السبيل
: انظروا إلى هذه الإشارة الخفيّة. فلا غرابة في ذلك فإن السخرية تكون أكثر ما تكون في مجتمع النساء. ولهذا خصهن الله تعالى بالذكر في هذه الاية ولا نساء من نساء بعد أن ذكر قوم من قوم.
فالقوم في أحد معانيه يعني الرجال والنساء، والقرآن نفسه - في أغلب خطاباته يخاطب الرجال والنساء معاً
بالذكورة، ومع
-
ذلك نص عليهن في هذا الموطن.
فالتخصيص هنا جاء لعلة
الأم: لماذا هذا التعريض دائما - فإن الله
-
تعالى فضلكم علينا
لتعلّمونا لا لتعيرونا. الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (الآية) 34) سورة النساء). فحق القوامة يقابله واجب التعليم والتربية.
67 - (1/67)
صفحة 68
الأب: معذرة، إنني لم أقصد إهانتك، وإنما رميت إلى التنبيه إلى
دقة القرآن في التعبير
الابن: أرجو أن لا يكون تأثر أمي بهذه الإشارة سبباً في حرماننا من تقديم الشاي إلينا، فطالما تطلعت عيوننا إلى ذلك الإبريق
وشغلنا عن تتبع الموضوع بكل عناية وتركيز.
الأم: أبداً، لم أجد في قلبي منكم ولا من هذه الأحاديث الشيقة المفيدة، إنما قصدت أنا بدوري إلى تنبيه الرجال إلى واجب تربية نسائهم وتعليمهن، هذا الواجب الذي طالما أهملوه وتناسوه، مع أنهم استفادوا من حق القوامة عليهن. فهاكم
ما طلبتم من الشاي والحلويات
البنت: شكراً لكم على هذه الدردشة، وعلى هذه المداعبات، والآن أسألك أبتاه عن سبب ذكر الله تعالى القوم والنساء
بالتنكير؟
الأب: ذكر الله بالتنكير ليكون الحكم عاماً يشمل كل الطبقات والفئات والأشخاص. لا يسخر غني من فقير، ولا كبير
من صغير، ولا عالم من جاهل، ولا شريف من وضيع
النسب، ولاسيد من مسود
أن يكون هؤلاء المسخور منهم أفضل وخيراً
من
الابن: عسى الساخرين، وقد يكونون كذلك عند الله، فموازين الله
تعالى غير موازين البشر، والمظاهر لا تدل دائماً على المخابر
،
- 68 - (1/68)
صفحة 69
:
وقد قال الشاعر في هذا المعنى
ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد
هصور
البنت: لهذا قيل: فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه ربِّ الحال أو ذا عاهة في بدنه،، أو صغيراً في وظيفته، أو فقيراً في مظهره، أو متواضعاً في شهادته، أو ضعيفاً في حاله. فلعل هذا الذي تسخر منه أيها الإنسان وتستهزئ به، لعله يكون أخلص منك ضميراً وأنقى قلباً، وأطهر ذيلاً، وأصفى روحاً، وأسمى خُلقاً، وأرفع منزلة عند الله منك، فلا تظلم نفسك بتحقير من وقره الله تعالى، والاستهانة بمن عظمه الله تعالى وأكرمه
برضاه»
الأب: ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ع: ربَّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به، لو أقسم على الله
لأبره.
الأم: يروى أن الرجل يوماً خاطبت الرأس في البدن، فقالت: أيها الرأس لا تشمخ بأنفك على، ولا تترفع بما وهبك الله
من سمع وبصر ولسان، ولا تغتر بعلوك على سائر أعضاء البدن، وإياك أن تسخر مني وتهزأ بي وتقول إنك موطن الحذاء، ومداس الأقذار، فإنك أيها الرأس لولاي أنا الرجل
ما سرت على الأرض
69
- (1/69)
صفحة 70
الأب: هكذا يجب أن يكون المجتمع نظيفاً يتجنّب هذه الأخلاق من الحقارة والإزدراء والاستهزاء، فاحتقار أي عضو في
المجتمع معناه إبعاده عنه وقطعه عن بقية الأعضاء،
ثمّ
تهميشه، وتعطيل طاقته، كان المفروض أن تقدم عملاً
ومجهوداً للمجتمع تماماً مثلما يحدث للجسم إذا قطع
أو منه عضو لاحتقاره.
عنه
الابن: هكذا تكشف السخرية عن انحطاط في الخُلق، ونقص في العقل، ومرض في القلب، وضعف في الإيمان
الأب: لقد أثرت هذه التوجيهات في نفوس بعض السلف، وخافوا من الإتصاف بالصفات الرذيلة التي ذكرتها الآية، فأصبحوا يراقبون أنفسهم مراقبة شديدة، حتى لا يقعوا فيما نهى الله عنه. قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه خشيت أن أصنع الذي صنعه الأم: عبدالله وعن بن مسعود قال: البلاء موكل بالقول، ولو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.
البنت: لماذا قال تعالى ولا تلمزوا أنفسكم ولم يقل ولا يلمز بعضكم بعضاً؟
الأب: لأن الله يعتبر المؤمنين نفساً واحدا وجسداً واحداً، إذا مس عضو واحد منهم فكأنما مس الجميع. والحديث مايزال متصلاً ومتواصلاً في الوحدة والاتحاد، ومن جهة ثانية فإن
- (1/70)
صفحة 71
لمز الأخ أخاه يسبب في الرد عليه بالمثل. فيكون اللامز لأخيه هو في الحقيقة لامزاً لنفسه، هذا على غرار قوله تعالى: ... وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
(الآية 29 سورة النساء)
الابن: وقد بين هذا المعنى في آية أخرى بشكل بارز (وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلْمٍ ..
الأم
(الآية 108 سورة الأنعام)
: انظروا إلى حرص الإسلام على حفظ الكرامة. نهى عن سبّ
المشركين
، حتى لا يكون ذلك سبباً في سبّ الله تعالى.
البنت: إنه القرآن في سموّ معانيه، وبلاغة تعبيره
طيب، وما معنى: ولا تنابزوا؟
الأب: أي لا تتعايروا بالألقاب القبيحة، فالقرآن ينهانا أن ننادي شخصاً بلقب لا يرضاه. فمخالفة هذا التوجيه تسبّب
العداوة والبغضاء، فيحذر الذين لا يتقيدون بهذا النداء
الابن: هذا سلوك يكشف عن دناءة في النفس ويعكس حالة سيئة
يتصف بها الإنسان
الأم: صحيح إنَّه لا يقدم على ذلك إلا من كان سيء الطوية،
متصفاً بالعيوب
البنت: قال بكر بن عبد الله المزني: إذا أردت أن تنظر إلى العيوب جمة، فتأمل عيّاباً، فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب
- VI (1/71)
صفحة 72
الابن: وقيل: من سعادة المرأة أن يشتغل بعيوب
نفسه عن عيوب
غيره.
الأب: وقال الشاعر:
المرء إذا كان عاقلا ورعا أشغله
عن عيوبه ورعه
كما السقيم المريض يشغله عن وجع الناس كلهم وجعه الأم: لذا اعتبر الله تعالى هذه الأعمال التي أشارت إليها الآية ظلماً
لابد
من
الأشياء
التوبة منها. فالظلم مرتعه وخيم كما قيل: «أسرع
صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم»، وقد
خاطب الله تعالى هؤلاء بإشارة البعيد أولئك هم
الظالمون أي المطرودون المبعدون.
الابن: فنظراً لشناعة هذه الأعمال، وهذه الأخلاق السيئة: السخرية، اللمز، التنابز بالألقاب، فإن الله يحرك فينا عاطفة الغيرة على أنفسنا، فيذكرنا ويرجعنا إلى إيماننا الذي أتصفنا به، ولأن هذه الأعمال تخرج الإنسان من الإيمان
إلى الفسق، والفاسق مآله النار إن لم يتب إلى ربه
البنت: وقد عمد إلى أسلوب الذم (بئس) ليسخر من تصرفاتنا
وسوء تدبيرنا
الأب: لكن
الله
رحيم
بنا ـ دائماً ـ رؤوف يفتح باب التوبة
—
والأوبة إليه، فهو يحب لنا الخير. فإذا صدر من إنسان مثل
هذه السلوك وأستغفر من ذنوبه يجد الله غفوراً رحيماً
72 - (1/72)
صفحة 73
الابن: وكيف تكون التوبة من هذه الذنوب؟
الأب: تكون أولاً: بالإقلاع عن المعصية، ثانياً: بالندم على اقترافها ندماً حقيقياً، ثالثاً: المعاهدة على عدم العودة إلى الذنب ثانية، رابعاً: ردّ المظالم إلى أصحابها، والعمل على
ترضيتهم بما يزيل عنهم يزيل عنهم الضرر الذي لحقهم
بسبب هذا
الظلم، أو طلب العفو منهم. ومن لم يفعل ذلك استوجب
سخط الله وحُرِمَ المغفرة
الأم: شكراً لكم جميعاً على هذه المسامرة المهمة، وعلى هذه المعلومات القيمة، دمتم في رعاية الله وحفظه .. والسلام
عليكم ورحمة الله
** ** **
73
- (1/73)
صفحة 74
الليلة العاشرة
الأم: رأينا كيف أن الله كان حريصاً على أن يبقي المجتمع
الإسلامي محافظاً على سلامته واتحاده. فأمر بإصلاح ذات
البين، إذا وقع نزاع، وأمر بالإصلاح والمصالحة، إذا حصل قتال، ونهى عن أسباب الشقاق التي تثير الفتن، وهي التعيير والسخرية واللمز والتنابز بالألقاب
الأب: فعلاً هذا ما تناولناه ليلة أمس، لكن أين البنت، فإني لا أراها معنا هذه الليلة؟
الابن: لعلها ذهبت لتنام، فربما استغنت عن الإستفادة والتعلّم البنت: (تدخل وبين يديها صينية الشاي والحلويات سامحك الله
يا أخي، لماذا سوء الظن هذا بي؟ إني آثرت أن أخدمكم الليلة ـ بنفسي، فقلت لأمي إن تحضير الشاي والحلويات على هذه المرة. أردت أن أسهم في عمل البيت إلى جانب
-
التعلم والتحصيل
الابن: سامحيني يا أختي على ما بدر مني، فما كان، فما كان ينبغي ان يصدر هذا التصرف، ونحن حول مائدة القرآن، ننهل من
مني
توجيهاته ما يثبت إيماننا وينميه
البنت: سامحتك أخي مادمت قد اعتذرت وتفطنت إلى خطئك، فالإنسان نساء وخطاء، والعاقل هو الذي يتذكر إذا ذُكِر
VE - (1/74)
صفحة 75
ويتوب حين يُذنب
الأب: بورك فيكما وفي أخلاقكما، إن ذلك من بركة الإيمان التي أنتجت هذه النتائج الحسنة، وبالمناسبة فإني أذكر ما جاء
في القرآن في موضوع الظنّ، وما تضمنته الآية الموالية لما
تناولناها من قبل
الأم: اسمحوا لي قبل ذلك أن أقدم شكري لبنتي العزيزة على ما قدمته لنا من الشاي والحلويات، وعلى إتقانها لعملها، وهذا نابع من شعورها بواجبها باعتبارها أنثى لها فروض في
البيت. إنني أتفرّس فيها الأم والمربية والمعلمة الناجحة في
حياتها إن شاء الله
الأب: أقرأ عليكم الآية التي أشرت إليها آنها: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِنَّهُ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ
ال
}
الابن: هذه الآية وما فيها من توجيهات كلها تدعو إلى الستر على
المؤمن حفاظاً على حرمته وكرامته
البنت: ما هو الظن الذي نُهينا عنه؟
•
أن الأب: لتعلمي وهو ما نُهينا عنه في الآية السابقة، لأنه يؤدّي إلى امتلاء القلوب غيظاً وحقداً، وإلى إثارة الفتن، ثمّ زعزعة المجتمع
سوء الظن مدعاة إلى التحقير والسخرية واللمز
Vo (1/75)
صفحة 76
وزرع القلاقل فيه
الابن: وقد سماه الرسول الله أكذب الحديث، في قوله: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»
الأب
: إن الظن أمر خفي لا يطّلع عليه كثير من الناس، فقد يظن أحد بأخيه سوءًا دون أن يحرّك لسانه، ولا يبدي حركة
تكشف عنه
وقد نُهينا عن الظنون السيئة والخواطر
القبيحة، حتى لا تكون تلك عادة فينا، فتختل حياتنا،
وتتصدع وحدتنا
•
البنت: فالله تبارك وتعالى أراد تطهير ضمائرنا ومخابرنا، لتكون مثل
مظاهرنا نظيفة كما أشارت إلى ذلك الآية السابقة. كل ذلك
حفاظاً
وحدته
على تماسك المجتمع، ومحاربة لكل ما ينال من
الابن: إن ظناً سيئاً واحداً برجل بريء قد يؤدي بالمتسبب فيه إلى
النار، بسبب ما قد يقترف في حقه من ظلم.
الأب: لقد أمرنا بدفع الظنون السيئة التي يلقيها الشيطان في قلوبنا
كما جاء في الحديث النبوي الشريف. روى الطبراني عن
الله
حارثة بن النعمان رضي عنه قال: قال رسول الله الله ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة والحسد وسوء الظن. فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ فقال رسول الله الله: إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق،
76 - (1/76)
صفحة 77
وإذا تطيرت فأمض»
الأم: الحمد لله! لقد فرجت عن قلبي زوجي العزيز، فكم كنت مهمومة، لما سمعته عن عاقبة الظن والوعيد الشديد لمن ينتابه هذا الهاجس، فإن ظنوناً كثيرة تخطر في قلبي، غير أني
-
والحمد لله - لا أنفذها ولا أحققها. فهذه نعمة
من
الله علي إذ كنت أطبق شرع الله بالفطرة، وقد اطمأن قلبي
بالاطلاع على هذا الحكم. جزاك الله عنا خيراً. الأب: هذه رحمة الله تعالى بعباده، يتجاوز عن كثير من أخطائهم، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به، فيعفو عن
حديث النفس والخواطر والشك الزائل.
الابن: وما معنى لو اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْم
مادام
الله ينهانا عن الظن، فلماذا يستثني بعض الظنون؟ الأب: أكثر الظنون سيئة، أمرنا بإجتنابها، لكن هناك ظنوناً حسنة يمكن تحقيقها، بل أحياناً تكون واجبة التنفيذ. وقد قص الله مثلاً لها في حادثة الإفك، قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكُ
بين الله (الآية 12 سورة النور)
فالمؤمنون لم يروا كلهم عائشة حين تأخرت، يقودها صفوان بن المعطل، فكان على هؤلاء أن يظنوا خيراً ويؤولوا
خيراً الخبر الذي سمعوه
-
77
- (1/77)
صفحة 78
البنت: على المسلم أن يتأدب بهذا الأدب، فيظن بأخيه المؤمن خيراً، حين يأتيه خبر عنه، فيدفع ما يسمعه عنه من شر يمكن أن ينسب إليه، حتى يثبت العكس، فهذا ظن
مقبول.
الأب: من الظنون الحسنة الظن في أمور المعاش، الظن في الأحكام
الشرعية غير الثابتة بأدلة قطعية
•
الابن: أظن أنه يدخل فيما ذكرتم الظن في أحد يريد بآخر سوءًا، حتى يحترس ويأخذ حذره منه
الأب: هذا من تمام الفطنة والكياسة، فالمؤمن فطن كيس، لكن بشرط أن لا يقدم على تنفيذ أمر بهذا الظن فقط، ولا يدر
حكماً به، حتى يتحقق منه
الأم: حقيقة ما أدق القرآن في التعبير، وما أعدل الله في الأحكام وفي الجزاء، وما ألطف الله تعالى بعباده، إنه والله يريد لهم
الخير، ولكن الناس أنفسهم يظلمون
•
الأب: المهم أننا أمرنا بأن نطهر قلوبنا وضمائرنا من الظن السيء، ومن الهواجس والشكوك، حتى لا نقع في الإثم
الابن: ورد تعليقاً على هذه الآية: (بهذا يطهر القرآن الضمير من داخله أن يتلوّث بالظن السيء، فيقع في الإثم، ويدعه نقياً بريئاً من الهواجس والشكوك، أبيض يكن لأخيه المودّة التي
لا يخدشها ظن السوء، والبراءة التي
-
78 - (1/78)
صفحة 79
لا تلوثها الريب والشكوك، والطمأنينة التي لا يعكرها القلق والتوقع، وما أروح الحياة في مجتمع بريء من
الظنون
•
الأب: حقاً ما أروح الحياة حين تزول منها الظنون السيئة، ثمّ يجانبه التجسس، وتتبع عورات المسلمين، لذا جاء النهي عن التجسس مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً باجتناب الظن. والتجسس يكون في كثير من الأحيان حركة تالية لسوء
الظن.
البنت: هكذا نُهينا عن التجسس على إخواننا المؤمنين، بل من حق المسلم على أخيه المسلم ستر عوراته، ومن ستر على مسلم
ستر
الله عليه في الدنيا والآخرة.
الابن: وجدت رواية عن رسول الله الله يقول: «إنك إن أتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» رواه أبو
داود.
الأب: وفي هذا التوجيه حفظ لكرامة المسلم، ومنع لإشاعة: الفاحشة، وعون للمقترف للذنب على العودة إلى ربه، بدل التمادي فيه والمجاهرة بما اقترفه، إذ لا يجد مشقة ولا صعوبة في التوبة؛ لأن الناس لا يعرفون عن ذنوبه شيئاً،
أو يكون القليل فقط هم الذين يعرفون عنه ذلك
الأم: والله إنه لتوجيه سليم وتربية عالية للنفوس، وعون على السير
79 (1/79)
صفحة 80
في طريق الخير، وعلى الأوبة لمن أخطأه.
الابن: إذن أمرنا أن لا نتجسس على الناس في بيوتهم، ولا نتجسس عليهم في السِّر، وهو الاستماع إلى حديث الناس وهم
كارهون.
البنت: كم يخطيء الناس في هذا المجال، فيسترقون السمع. ويتصنتون لأحاديث الآخرين بمختلف الوسائل والأسباب الأمثلة التي
الخطاب
الأب: في السير وأخبار الماضين والصحابة الكثير من تكشف عن الإلتزام بهذا الأدب. فسيدنا عمر بن مثلاً خرج مرة يعس ليلاً مع عبدالرحمن بن عوف، فسمع حركة في دار مغلقة على أصحابها، فخطر بباله أن فيها أناساً يشربون الخمر، فهم بالدخول عليهم فقال له عبدالرحمن: لا، قد نهانا الله عن التجسس، فقال له عمر: صدقت، فلم يفعل. البنت: حُكي عن الأعمش عن زيد قال: أُتي ابن مسعود برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال عبدالله: «إِنَّا
نأخذ به.
تهينا عن التجسس، ولكن أن يظهر لنا شيء الابن: وعن أمامة عن النبي عل الله قال: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة
الأم:
في الناس أفسدهم
بهذه الآداب يعيش الناس مطمئنين على أنفسهم وبيوتهم، آمنين على أسرارهم. إن الناس مأمورون بمعاملة بعضهم (1/80)
صفحة 81
البعض حسب ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب أخاه ولا أن يتوقع منه خُلقاً أو تصرفاً هكذا ظناً بالسوء. الابن: من أحسن ما قرأته في مطالعاتي تلخيصاً لما مر بيانه من هذه الآية قول سعيد بن المسيب: قال كتب إلي بعض إخواني: أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظننَّ بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملا. ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وعليك بإخوان الصدق، فكن في اكتسابهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة عند عظيم البلاء، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله تعالى، وشاور في
أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب.
حقا الأب: إن هذه الفقرة تشرح
—
--
روح الآية، وتتضمن
كثيراً من المعاني التي ناقشناها. فبارك الله في مطالعاتك،
دم على هذه الطريقة، وفي هذا السبيل، فالتوفيق حليفك
إن شاء الله
الأم: في هذا القدر الليلة كفاية .. والسلام عليكم ورحمة الله
- (1/81)
صفحة 82
الليلة الحادية عشرة
الأب: مايزال الحديث متصلاً فيما يفسد العلاقات الاجتماعية. ويوهن الروابط، ويثير الفتن. فبعد سوء الظن والتجسس تأتي الغيبة التي تقترن غالباً بهما، وتسير معهما. هذه الغيبة
التي قال عنها الرسول علعل الله إنها تنقض الوضوء وتفطر الصائم
وتهدم
الأعمال هدماً
الابن: فما هي الغيبة أبتاه؟
الأب: هي كما قال الرسول كما قال الرسول ع ع: ذكرك أخاك بما يكره. ويعتبر غيبة ما كان الذكر فيه صراحة أو كتابة أو إشارة أو رمزاً. وكل ما اغتيب فيه شخص سواء تعلق ذلك بدينه أو دنياه وهناك من العلماء من أعتبر الغيبة من الكبائر.
البنت: هل يكون ذلك على الاطلاق؟، بمعنى إذا ذكرت في غيبة
أحد عيباً يتصف به، هل أعتبر مغتاباً؟
هي
الغيبة الحقيقية، أما إذا ذكرت شيئاً من
هذه الأب: نعم، العيوب أو تكلمت في أخيك أو أختك بما ليس فيهما فقد
من من يعتبر تعيير أخ في محضره
بهتهما. بل هناك العلماء
وذكر ما فيه من العيوب هو أيضاً غيبة حكماً
الأم: هذا معقول جداً، لأن المغتاب قد يكون صاحب نفوذ أو - قوة أو جاه، بينما الذي تُكَلِّم فيه يكون ضعيفاً لا يقوى
82 (1/82)
صفحة 83
على الردّ، وعلى الدفاع عن نفسه، فتداس كرامته، ويصاب في عرضه، والغيبة حرّمت؛ لضمان الحرمة
والكرامة.
الابن: يبدو أن المستمع للمغتاب، الذي لا يظهر استنكاره يكون أيضاً مذنباً، لأنه بتصرفه هذا يشجع على انتشار الغيبة الأب: صدقت في ذلك يا بني، فإن المغتاب لو لم يجد آذانا صاغية لما تكلّم أو تمادى في فعلته تلك
ذكر الطبري رؤيا ميمون بن شاه، قال ميمون: بينما أنا نائم إذا بجيفة زنجي وقائل يقول: كل يا عبدالله، قلت وَلِمَ آكل، قال بما اغتبت عندك فلان، قلت والله ما ذكرت فيه خيراً ولا شراً. قال: لكنك استمعت ورضيت. وكان ميمون بعد ذلك لا يدع أن يغتاب عنده أحد. الأم: هكذا فليكن المسلم، إذا ذُكِّر بشرع الله امتثل وطبق. ليت المسلمين كلهم ينصاعون لأوامر الله، فيسود الأمن والرخاء
في المجتمعات الإسلامية.
أخيه المسلم
الأب: في مقابل ذلك وعد وبشرى لمن دافع عن ودفع الغيبة من مجالس الناس، وما أكثرها. روى أن النبي صلى الله قال: «من حمى مؤمناً من منافق يغتابه بعث الله إليه يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمي مؤمناً بشيء يريد سبه، حبسه الله تعالى على
ملكاً
- 83 0
- (1/83)
صفحة 84
جسر جهنم حتى يخرج مما قال
الابن: هكذا أمرنا بالتستر على المسلم محافظة على كرامته وحرمته،
الأب
:
قال الشاعر:
لا تكشفن مساوي الناس ماستروا فيهتك الله ستراً من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداً منهم بما فيكا: وليس المراد بالستر هو الرضى بالفاحشة، والمعاصي، أو
عدم القيام بالواجب في النهي وتغيير المنكر، إنما المراد هو النهي عن التشهير والفضح مع القيام بواجب النصح
والإرشاد بالتي هي أحسن في ستر وسرية ما أمكن البنت: نحن تعرفنا على وعيد المستمع للغيبة، الذي لم يستنكر وعرفنا الوعد الذي ضربه الله تعالى للواقف في وجه
المغتاب، ولكن ما هو وعيد المغتاب نفسه؟
الابن: يكفي شناعة به وتحقيراً له ما وصفه الله
به
الحقارة
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ الأب: في هذا الوصف بيان لمكانة المغتاب عند الله من والدناءة، فلم يكتف القرآن بوصفه بأنه أكل لحم، أضاف أن هذا المأكول ميت، أي جيفة. للمغتاب أن يتأمل في هذا التشبيه ليعرف مدى الجرم الذي اقترفه، وشناعة ما أقدم عليه. إن كان له حس إنساني،
الإنسان
وذوق فطري.
— ^ E - (1/84)
صفحة 85
البنت: ومن براعة القرآن في التعبير، والدقة في التصوير، بيال حقيقة ما يُقدِم عليه، وتحسيس أصحابه به، إذ ذكر أن
هؤلاء المغتابين يكرهون هذا العمل، لا يحبون أن يؤكل لحم
الأخ الميت، أو يكرهون أكل الميتة، أو يكرهون أن يغتابهم
الناس، كل هذه المعاني تحتملها العبارة وفكرهتموه، إذن فالقرآن يخاطبنا: ابتعدوا عن غيبة الأخ المسلم.
الابن: وقد ورد عن أنس بن مالك رضي
الله
عنه قال: قال رسول
الله: لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار
من
نحاس
يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا
جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون
في أعراضهم
البنت: بئس المنقلب منقلب هؤلاء، ليت القوم يعقلون ويتذكرون.
الأم: التاريخ مليء بالقصص التي تجسد هذه المعاني، وتبين هذا المصير. فيها عبر لم يعتبر. هناك قصة المرأتين اللتين جلستا تغتابان الناس، وكانتا صائمتين، فدعاهما النبي الله وقال
لهما: قيئا فقاءتا دماً ولحماً.
الابن: وقصة الرجلين اللذين قال لهما الرسول: أرى على أفواهكم أثر لحم ودم أو فاكهة. أو كما قال. فقالا: ما أكلنا لحماً يارسول الله، فقال ما كنتما فيه من الغيبة شر
ذلك
من
-10.
- (1/85)
صفحة 86
الأب: وعلى المسلم الذي يبلغه أنه أغتيب أن لا يردّ بالمثل، بل
عليه أن يتخلّق هو بدوره بخلق الإسلام، متمثلاً بقول
المقنّع الكندي:
وان الذي بيني وبين بني أبي
وبين بني عمي
لمختلف جدا
فإن أكلوا الحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي زجرت بهم
طيرا تمر بهم سعدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس كريم القوم من يحمل الحقدا
الأم: هذا هو اللحوم الميتة، والجيف المنتنة، ونستبدل بها رائحة النعناع،
خُلق القرآن، ما رأيكم لو نغير الجو، وننظفه من
وطعم الشاي، وحلاوة المرطبات
الأب: حسناً تفعلين أيتها الزوجة الصالحة
البنت: بعد فترة (استراحة لنعد إلى الموضوع ثانية أسباب الغيبة؟
فأسأل
عن
الابن: أسبابها نفسية غالباً، قد يكون سببها ثورة غضب وغيظ تملأ قلب شخص فيحاول إفراغ نفسه منهما، فيلجأ إلى الغيبة. وقد يكون دافعها الحسد والحقد. كما أن للاحتقار
والإزدراء دورهما في الغيبة، إذ يحاول المغتاب ـ أحياناً ـ
الحط
من غيره،
، بسرد مثالبه وعيوبه، ليرفع من نفسه
—
وقد يكون دافعها مجاملة الرفقاء والأصدقاء، أو بعض من
تربطهم بالمغتاب مصلحة، فيجامله بالنيل من شخص ما
-17 - (1/86)
صفحة 87
الأم:
نلحظ أن كثيراً من أسباب الغيبة أخلاق نفسية سيئة، كما أن الغيبة تكون نتيجة خبث يصيب النفس وداغلة تسكن
القلب
الأب: لهذا علينا تجنب الأخلاق السيئة، وتربية نفوسنا على الخلال الحسنة والسجايا الحميدة
البنت: يفرز الغيبة أيضاً فراغ ولعب ولهو وهزل ومفاكهة ومزاح. لذا فلنحذر من اضاعة الوقت بالقيل والقال، ولنتجنَّب
الآداب
المزاح الكثير، والمفاكهة الخارجة عن حدود الأب:: بقي لي أن أشير إلى أن من الغيبة ما يجوز، وهو في الحقيقة غيبة. وذلك حين يكون الكلام في الذين عرف
لا
يسمى
عنهم الفسق، الذين تكون في سيرهم ريبة وذلك بنية:
اذكروا الفاسق بما فيه ليعرفه الناس»
يفعل ذلك ليحتاط الناس منهم في شهاداتهم، ومواقفهم، أو في إسناد مهمات إليهم. ووضع الثقة فيمن يقضي لهم ما ربهم. بل يكون ذلك واجباً إذا كانت لمصالح المجتمع
والمسلمين علاقة بهم.
الابن: أحسنت أبي في هذا التوضيح، إنه لمما يزيدنا تفقهاً في ديننا. فمن أراد الله به خيراً فقهه في دينه وألهمه رشده.
البنت: وروي عن الحسن أنه قال: ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب الهوى، والفاسق المعلن، والإمام الجائر
- 87 (1/87)
صفحة 88
الأب: أخيراً أنظروا معي إلى هذه الخاتمة التي يختم بها الله تعالى كل توجيهاته، إنه يختمها بتذكيرنا بالتقوى، وأن كل أعمالنا التي نأتيها مرتبطة بها، فإن امتثلنا أوامر الله كنا متقين،
وإن خالفناها كنا غير متقين. فلينظر أحدنا أين يضع
نفسه
•
ومع
بنا ذلك فحتى لو عصيناه فإنه تواب رحيم
إن رجعنا إليه واستغفرناه من ذنوبنا
أية
الأم: يحب الخير لكل الناس، ويمنحه لهم إلا من أباه. دمتم في رعاية الله وحفظه .. والسلام عليكم ورحمة الله
رحمة أكثر من هذه، وأي صفح فوق هذا. إن الله تعالى
Leve we were veve
88 (1/88)
صفحة 89
الليلة الثانية عشرة
الأب: بعد النداءات الخمسة التي أطلقها الله تعالى لاصلاح المجتمع المسلم، ينتقل إلى الأمر العام الذي يصلح البشرية جمعاء
فيقول:
ها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ
13
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
الابن: كان العرب ـ قبل الإسلام - يعيشون في ظلام دامس من
-
الجهل والعصبية والتفاخر بالأنساب والتناحر
•
البنت: لهذا لما بزغ نور الإسلام حارب هذه الهمجية، وهذه الأخلاق الفاسدة، ونزلت هذه الآية الكريمة، لتخاطب البشرية جمعاء، ولتقرر مبدأ أصيلاً من مبادئ الإسلام، وهو المساواة بين الناس، فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لغني على فقير، ولا لكبير على
الأب
:
مغير إلا بالتقوى
روي أن رجلاً قال لسيدنا عيسى عليه السلام: أي الناس أفضل؟ فأخذ قبضتين من تراب وقال، أي هاتين أفضل؟
الناس خُلقوا من تراب، فأكرمهم أتقاهم.
الابن: إن هذا النداء يشير إلى الغاية من جعلكم شعوباً وقبائل.
- 19 -
- (1/89)
صفحة 90
إنها ليست التناحر والخصام، وإنما هي التعارف والوئام، فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا
يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف، والوفاء بجميع الحاجات»
البنت: أنظروا إلى حكمة الله في هذا الاختلاف، إنه اختلاف للتعاون واختلاف لتلبية حاجات الناس في هذه الدنيا،
الصعبة تكاليفها، والكثيرة حاجاتها، إذ لا يمكن للشخص
الواحد ولا للجماعة الواحدة، التي تتميز أو تتصف بصفات معينة خاصة، وبمؤهلات معينة خاصة أيضاً أن
تتحملها وحدها
الابن: «ليس للون والجنس واللغة والوطن، وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله. إنما هناك ميزان واحد تتحدد به
القيم، ويعرف به فضل الناس وإن أكرمكم
عند الله
أتقاكم والكريم حقاً هو الكريم الله عند، وه هو يزنكم عن
علم وعن خبرة بالقيم والموازين و إن الله عليم خبيره
)
البنت: والقرآن عبر بعبارة لتعارفوالله لينفي وينكر على الناس
-
كون اختلافهم هو للتناكر والتباغض والتحاسد والتقاتل، وقد بيّن في آية أخرى وآمتن على عباده في هذا الاختلاف، ليعوا ما هم فيه من فضل وخير، وَمِنْ ءَايَيْهِ
90 (1/90)
صفحة 91
خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَيْكُمْ وَأَلْوَيَكُمْ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآيَتِ لِلْعَلِمِينَ (الآية 22 سورة الروم). الابن: وقد بيّن الله تعالى في آية أخرى أنه قسم بين الناس معيشتهم في الحياة الدنيا، ليُسَخّر كل واحد أخاه في خدمته، وقضاء مآربه، وبهذا تتكامل الحياة، ولا تتعطل أية عجلة منها: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحيوةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنَا بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم
بعضا سُخْرِيَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (الآية ناک کام
32 سورة الزخرف)
الأب: لا يفهمنّ أحد أن هذه الآية تدعو إلى الطبقية، ولا القسمة هنا تعني المال فقط، بل تعني القسمة في كل شيء في المال
والصحة والجاه والذكاء، والعلم واللون والطباع والقوة فلو استوى الناس في هذه الأشياء لما عمرت الأرض، فكل ميسر لما خلق له، تبعاً لمستواه وطبيعته ومؤهلاته، إذن فلا
طبقية ولا مساواة للناس في المؤهلات
الأم: بورك فيكم وفي مطالعاتكم، وفي اهتمامكم بدينكم، خذوا كؤوس الشاي لتقووا على تحمل عناء السهرة، التي يبدو
أنها ستطول هذه الليلة، ولتتمكنوا من مناقشة هذا الموضوع
المهم الذي هو محور جلستنا
الأب:: الله في نداء الله تعالى: يا أيها الناس بعد النداءات الخمسة
91 (1/91)
صفحة 92
الأم
السابقة المصدرة بيا أيها الذين آمنوا تعبير لافت للنظر نترك
للشيخ بيوض توضيحه
هلا سمحتم لي بإعادته عليكم كما سمعته في المسجد الأب: تفضلي أيتها الزوجة الصالحة، فأنت مثال للمرأة المسلمة
التثقف
المتشبعة بروح الإسلام، الموفقة في عملك بين القيام بشؤون البيت مربيةً للأولاد، وراعية لأمور الزوج، وبين والتفقه في الدين، لتوجيه الأبناء توجيهاً إسلامياً صحيحاً.
ولعل السرَّ في كل ذلك، وفي نشأتك هذه النشأة
الصالحة، يرجع إلى ارتيادك المسجد كلما سمحت لك
الظروف بعد الفراغ من
أعمال المنزل
•
الأم: شكراً لك أيها الزوج الصالح على هذا الإطراء، وعلى هذه
الثقة
قال الشيخ بيوض حين فسر هذه الآية الكريمة: جاء هذا الأمر العام تعلقاً بالبشر جميعاً، مؤمنهم وكافرهم؛ إذ من المعلوم أن المجتمع المسلم يكون مجاوراً أو متصلاً بمجتمعات أخرى كافرة، ومن طبيعة هذه الأرض أن يختلط بعضهم ببعض، مؤمنهم بكافرهم، يهوديهم بنصرانيهم، لذا خاطب الناس
جميعاً و لم يخص المؤمنين فقط كما فعل في النداءات السابقة
البنت: أفهم من هذا أن الله تعالى أراد اشراك هؤلاء غير المسلمين في الخطاب، حتى لا يفهمنَّ أحد أنهم مهمشون، وأن الله
— (1/92)
صفحة 93
لم يرد لهم الخير حين ينساهم حاشا الله - فالله «دائماً»
-
يحب الخير لعباده، وما هو بظلام للعبيد
الابن: كما أفهم أنا أيضاً أنّ في هذا النداء تقريراً لمبدأ معاملة الناس معاملة حسنة، مهما تكن ديانتهم، إلا في الأحكام الشرعية التي بينتها الشريعة. وفي هذا تأليف لقلوبهم، وتقريبهم إلى
الإسلام، وتحبيبه إليهم.
الأب: فكم من المشركين والكفار الذين دخلوا الإسلام، بفضل المعاملة الحسنة التي وجدوها من المسلمين، فلنجتهد في هذا
السبيل، لننشر الدعوة ونبلّغ الرسالة
البنت: شكراً لكم على هذه التوضيحات، اسمحوا لي وتكرموا علي بإفادتي بمعنى قوله تعالى: وإنا خلقناكم من ذكر وأنثى. الأب: يذكر الشيخ بيوض: أن التعبير يحتمل معنيين كل واحد يكمل الثاني، الأول يعني أن الذكر هو آدم، والأنثى هي حواء. والمعنى الثاني: اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون بقاء النوع الإنساني مرتبطاً باتصال الجنسين، كما اقتضت حكمته ذلك في الأشياء الأخرؤى {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الآية 49 سورة الذاريات)
البنت: فالتعبير إذن يعني أن أبانا الأول هو آدم، وأمنا الأولى حواء، ويعني أيضاً أن كلاً منا ابن رجل وامرأة.
هي
الابن: إذن، فلِمَ التفاخر ولِمَ التعالي، ولم التكبر، كما قال
- (1/93)
صفحة 94
ابو بكر الصديق - رضى الله عنه - لرجل: لم تتكبر
على الله وقد نزلت من مجرى البول مرتين، مرة من صلب
أبيك ومرة من رحم
أمك
الأب: إنا نُهينا عن التكبّر الذي يسببه عادة الشعور بالرفعة
—
-
في النسب والجاه. فعن حذيفة قال، قال رسول الله علعل الله كلكم» بنو آدم، وآدم خُلِقَ من تراب، ولينتهين قوم
يفخرون بآبائهم، أو ليكوننَّ أهون على الله تعالى من
الجعلان
البنت: والله درّ سلمان الفارسي حين قال:
أبي الإسلام لا أباً لي سواه إذا انتسبوا لقيس أو تميم
وجهه:
الابن: وقال علي بن أبي طالب كرم الله الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشاكلة وأعظم خُلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهم من أصلهم ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ماكان يحسنه وللرجال على الأفعال سيماء الأم: هكذا أعتبر الدين الإسلامي المسلمين جسداً واحداً، ولم يعترف بهم إلا أمة واحدة: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (الآية 52 سورة المؤمنون).
حسب يفاخرون به الطين والماء
البنت: هذه المعاني تمثل بها الأوائل، وبها نجحوا في أداء رسالتهم،
94 - (1/94)
صفحة 95
وقد فتحوا (أي المسلمون مشارق الأرض ومغاربها، ودانت لهم الدنيا بالطاعة. وما كان يمكن أن تسير قبائل العرب وشعوب العجم تحت راية الإسلام، تقاتل مخالفيه، وتنشر تعاليمه النيّرة، وتثبت قواعد التوحيد، وتنشر العدل والمساواة بين الناس، ما كان يمكن أن تفعل هذه الأعاجيب في ذلك الظرف القصير لو استمرت على عصبيتها الجاهلية، تفخر القبائل على القبائل، والشعوب على الشعوب ... ». الابن: ليت الشعوب الإسلامية تفقه هذا المعنى، وتعي هذه
البنت
من
الدروس، وترجع إلى بعضها البعض، عساها تتخلّص أعدائها الكثيرين، الذين استغلوا وصمة التفرق بينهم،
وضرب بعضهم البعض؛ بسبب العصبية الجاهلية، فمزقوا أكثر، وزادوا في الإبعاد بينهم، وتقسيم أراضيهم
شملهم
وما يزالون!!
الله در شاعر الإسلام محمد إقبال الذي نادى العرب
والمسلمين:
كل شعب قام يبغي نهضة وأرى بنيانكم منهدما في قديم الدهر كنتم أمة لهف نفسي كيف صرتم أمما الأب: حقاً إنه لعار وعيب كبير أن يفترق المسلمون، ودينهم دين الوحدة، وإنه لحسرة أن يتكالب الأعداء على بلاد
المسلمين، ويجدون المساعدة
من أهلها؛ بسبب ما هم فيه
95
- (1/95)
صفحة 96
من العداوة والتنافر
•
البنت: وليس المنقذ من هذه الوصمة والمخرج من
هذا الهاوية،
الابن
والعاصم من
هذا العار سوى التقوى، كما قال الله تعالى:
وإن أكرمكم عند الله أتقاكم وكما جاء في آية المؤمنون .. وأنا ربكم فأتقون).
: إن لواء التقوى الذي رفعه الله في هذه المواقف ينقذ البشرية العصبية للجنس والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، من
والعصبية للبيت، وكلها من الجاهلية وإليها، وكلها جاهلية
عارية من الإسلام
البنت: وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة، راية الله، لا راية الوطنية، ولا راية القومية، ولا
راية البيت، ولا راية الجنس، فكلها رايات زائفة لا يعرفها
الإسلام.
الأم: ويختم الله تعالى هذه التوجيهات، فيقرر أنه عليم بأحوال الناس وأعمالهم، خبير بنواياهم، فلا نعبث مع الله، ولا نحاول مخادعته، لأن الذين يخادعون الله إنما يخادعون أنفسهم
وهم
لا يشعرون
الأب: شكراً لكم على هذا الاستطراد، وعلى هذه المعلومات، أسمحوا لي أن أرجع إلى عبارة والتعارفواكه تذكرت فيها
96 (1/96)
صفحة 97
مسائل كنت سمعتها من أستاذنا الشيخ بيوض ـــ رحمه الله ـــ لابد من الإشارة إليها؛ لأنها من مسائل الدين التي تجب
معرفتها. وكثير من الحقوق ضاعت، بسبب جهلها أو
إهمالها
•
البنت: أفدنا جزاك الله عنا كل
خير
الأب: التعارف ليس معناه التآلف فقط، بل يعني أيضاً أنه لابد من أن يعرف بعضنا البعض. نعرف آباءنا وأمهاتنا
وأجدادنا وأخوتنا، وأعمامنا وأخوالنا وجيراننا
الابن: فعلاً إن معرفة الأنساب تبدو ناقصة اليوم كثيراً، فكثير من شباب اليوم لا يعرفون حتى أقرب الناس إليهم.
الأم هذا ضعف في الدين، وتقصير في الواجب الأب: فللاخوة على بعضهم حقوق كلما اتصلت الدماء وأقتربت الأرحام، أنظروا حتى في الإنذار والدعوة والنصح والإرشاد فرض الله تعالى على القريب القيام بهذا الواجب نحو قريبه. قال الله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)
علية
(الآية 214 سورة الشعراء) القول موجه للنبي له ولكن
الأمر يعمّ كل المسلمين
البنت: إذن هناك واجبات علينا ضيعناها، بسبب عدم قيامنا
الأم:
بواجب التعارف على أتم وجه
هناك مسؤولية كبيرة على الآباء والأمهات، الذين لا (1/97)
صفحة 98
يقومون بواجب تعريف الأبناء بأقاربهم وذوي أرحامهم
وإعلامهم بما يترتب على ذلك من حقوق.
الأب: فأنتبهوا أيها الأبناء، وقوموا بواجبكم في التعارف ومعرفة أنسابكم، وأنقلوا ذلك إلى إخوانكم الشباب، وحذروهم
من
أو
الفكرة التي تقول: لا حاجة للإنسان من معرفة قريبه
رحمه،
الأم: بارك الله فيكم جميعاً، نفعنا الله بما تعلمنا، وعلمنا ما ينفعنا، وإلى اللقاء بحول الله .. والسلام عليكم ورح
ورحمة الله
98 (1/98)
صفحة 99
الليلة الثالثة عشرة
الابن: موضوعنا اليوم هو حول الإيمان، وهو الموضوع الذي ختمت به السورة، وقد توّج الله تعالى بها التوجيهات التي قدمها إلينا، وبيّن أنه الثمرة التي يحصل عليها المتقيد بهذه
الإرشادات
البنت: يعني ذلك أن المؤمن الحقيقي هو الذي يتمكن من الإلتزام بهذه الأوامر، ويجاهد في سبيل البقاء في دائرة الإيمان، وهي
درجة لا تنال إلا بالعمل الدؤوب المستمر
الأب: لهذه الحقيقة فإن الله في ختام هذه السورة يوضح صفة الإيمان، حتى يتبين الناس حقيقة ما يقومون به من أعمال، ويعرفوا هل هي في صميم الإيمان أم لا، وما هي درجة
إيمانهم بربهم.
الابن: إذن نقرأ الآيات التي تناولت الموضوع:
قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلتَكُر مَنْ
أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ)
الأم: خذوا كؤوس الشاي أولاً ثم استأنفوا حديثكم .. البنت: شكراً لك أماه، هل لك أبي أن تبين لنا مناسبة نزول هاتين الآيتين، فإن المناسبة تضيء لنا بعض جوانب الموضوع؟؟
99 (1/99)
صفحة 100
الأب: حسناً، ذكر الزمخشري في الكشاف، قال ابن عباس: إن
الابن
:
فأظهروا
نفراً من بنى أسد قدموا المدينة في سنة جدبة، الشهادة، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا
الله
أسعارها، وهم يغدون ويروحون على رسول الله ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها،
وجئناك بالأثقال والذراري، يريدون الصدقة، ويمنون عليه
، فنزلت الآيتان الكريمتان
أفهم أن المعنى الذي ذكره الله تعالى هو الإستسلام لرسول الله الله والإذعان له، ولو كان تصرف هؤلاء هو تصرف الأعراب الذين يكون في طبعهم غلظة وجفاف، بما صنعوه
في المدينة من
فساد، وبما أظهروه من مَنَّ على النبي عالي هل معنى ذلك أن إسلامهم كان ظاهرياً فقط، وربما كانوا
الأم:
منافقين؟
الأب: لا يمكن أن نفهم من هذا التعبير أنهم منافقون خائنون، إنما نستطيع أن نقول: إن إسلام هؤلاء يفتقر ويحتاج إلى درجة
أعلى وهي الإيمان.
البنت: إذن فما معنى قوله تعالى: ولم تؤمنوالله ولما يدخل
الإيمان في قلوبكم الله ما الفرق بين لَمْ، وَلمَّا في هذين
الاستعمالين؟
ما الأب: أحسنت في هذا السؤال الوجيه، وهو
يتيح لي فرصة (1/100)
صفحة 101
توضيح الإشكالية التي عرضتها أمك من قبل. فالله تعالى أقر أن هؤلاء الأعراب لم يؤمنوا كما كانوا يدعون، ولكن ليس معنى ذلك أنهم لن يكونوا مؤمنين. بل يتوقع منهم الإيمان الحقيقي، أفادت ذلك لفظة لما له لأنها تفيد
نفي حصول الشيء في الوقت الحاضر، وتفيد حدوثه فيما
ومن
هنا
بعد وما يأتي من الزمان، ولا تنفيه نفياً مطلقاً يستبعد عن هؤلاء الأعراب النفاق، بل ينتظر منهم الإيمان
الكامل.
الابن: شكراً لك يا أبي على هذا التوضيح، ويمكن أن أفهم أن
الأم
ذلك يفيد أن إيمان المرء قابل للزيادة
•
هذا ما نلحظه في أنفسنا، فإن الواحد منا كلما تقدم في الإخلاص في العبادة في شتى أنواعها شعر بحلاوة الإيمان
ورسوخه في قلبه أكثر فأكثر.
الأب: هذا ما يحملنا على شمول أبنائنا – الذين ماتزال عقولهم غير
ناضجة وإيمانهم ضعيفاً ـ بالرعاية الحسنة، والتوجيه
—
السديد فلا نغلظ عليهم في القول، ولا نقسو عليهم في المعاملة، حتى ننمي فيهم هذا الإيمان، ولا نجابههم بما يجرح كرامتهم حين يخطئون، حتى لا نخسرهم. ومثل هذا يجب أن نسلكه مع حديثي العهد بالإسلام.
البنت: إذن فالإنسان قد يسلم أولاً ويستسلم ويذعن، ثم يبدأ
101 (1/101)
صفحة 102
الإيمان يدخل قلبه شيئاً فشيئاً، حتى يصل إلى درجة يقال له إنك مؤمن إيماناً حقيقياً أو كاملاً، لكن دون الوصول
إلى ذلك وقت طويل ومجاهدة وعمل كبير
لهذا عبر الله تعالى عن المؤمنين الحقيقيين أنهم هم الذين لم يرتابوا، أي لم يشكُوا في شيء جاء من عند الله، اطمأنت نفوسهم وسكن الإيمان قلوبهم، فأقدموا على الأعمال
الصالحة بقوة.
الابن: ومع
ذلك فإن الله
يقبل الأعمال الصالحة التي تصدر من المؤمن ولو كان لم يصل بعد إلى درجة المؤمن إيماناً كاملاً
تأليفاً له، وتدريباً على فعل الخير وإتيان الصالحات من
الأعمال.
البنت: وقد بين ذلك للأعراب الذين أسلموا ولما يؤمنوا أن أعمالهم الصالحة التي يقومون بها لا تضيع، فهي مسجلة، ويجزون عليها الجزاء الأوفى، بشرط أن يبقوا على الطاعة والاستسلام
الله
ما أعدلك يارب مع خلقك، وما أرحمك
تأخذهم بهم
الأم: بالرفق، وتسهل لهم سبل الهداية، وتقبل منهم القليل مما
يقدمونه إليك، وتعفو عن كثير مما فيه من نقص
الأب: بل إن بل إن الله تعالى يغفر تقصيرنا في حقه، ويرحمنا ويجازينا حسب نياتنا، حتى ولو كانت أعمالنا قليلة، وجهادنا
102 (1/102)
صفحة 103
ضعيفاً في حقه
البنت: كلّ ما رأيناه مفيد ينفعنا في سلوكنا، وفي عبادتنا، لكننا
لم نتعرف بعد على حقيقة الإيمان.
•
الابن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ هُمُ الصادقون امام
فالمؤمن الحقيقي الذي يرتقي من درجة الإسلام إلى درجة الإيمان هو الذي لايشكّ في ربه، ولا فيما يحدث في هذه الحياة الدنيا من أمور، بل يسلم وجهه، ويفوّض أمره كله له، ويرضى بكل ما قسم الله وقضاه وقدره، ثم يجتهد في تجسيد هذا الإيمان في الواقع بالجهاد بالمال والنفس، ويكون بذلك هو الصادق فيما يدعيه بأنه مؤمن مستقيم. الأب: ربما تلحظون معنى مهماً متولداً من لفظة «ثمّ» في قوله تعالى الذين آمنوا ... ثم لم يرتابوالله فثم تدل على الترتيب مع التراخي وهو ما يفيد أن الإنسان يؤمن ثم يحتاج إلى وقت ليرسخ إيمانه، بعد أن يمر بمراحل يتعهده فيها بالنمو والزيادة. البنت: يفهم من هذا أن المؤمن قد تعترض حياته أسباب وفتن من شياطين الإنس والجنّ، ومحن ورزايا من سجن وتعذيب
وفقر وغنى ومرض فيمتحن في إيمانه، ليعلم درجة يقينه
ورضاه بما أراد الله تعالى
103 (1/103)
صفحة 104
الأب
: وهذا مصداق لقوله تعالى: هِ المَ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتَرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ لَوَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ)
الآيات) 1، 2، 3 سورة العنكبوت). 3
الابن: إذن على المؤمن أن يعرف أن الحياة امتحان، فلا يستسلم لحوادث الزمان، ولا يترك إيمانه يضعف، بل عليه أن يسعفه بما يقويه وينميه. وليس كالقرآن مسعفاً وشافياً
مدارسته والتدبّر في آياته، ثم مجاهدة النفس في الله كفيلة
بالهداية إلى سبل تقوية الإيمان
•
الأم: وعلى المجتمع أن لا يقسو على الخاطئين، بل عليه تصليح أخطائهم وإزالة ما يسبب لهم ضعفاً في الإيمان. حتى يسود الأمن وطمأنينة النفس، وهو ما يعين على الإيمان والتصديق، والإذعان إلى الحق، ومن ثم يدعو إلى تقوى
الله وخشيته
•
الابن: في هذا المعنى جاء: (أن النفس المؤمنة لتصطدم في الحياة بشدائد تزلزل، ونوازل تزعزع، والتي تثبت فلا
تضطرب، وتثق فلا ترتاب، وتظل مستقيمة موصولة،
هي
التي تستحق هذه الدرجة عند الله
والتعبير على هذا النحو ينبه القلوب المؤمنة إلى مزالق الطريق وأخطار الرحلة لتعزم أمرها، وتحتسب وتستقيم، ولا ترتاب
1.8
- (1/104)
صفحة 105
عندما يدلهم الأفق، ويظلم الجو، وتناوحها العواصف
والرياح». الأب: وقد أشار الله تعالى في موضع آخر إلى صفات المؤمنين الحقيقة. وهي صفات يمكن اعتبارها منميات للإيمان مقويات له. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةً وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَيْتَهُم الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِية اله الآيات 2، 3، 4 سورة الأنفال).
الابن: هذه الصفات هي: وجل القلب عند ذكر الله عز وجل، إزدياد الإيمان واليقين عندما تتلى آيات الله، الاعتماد على الله
في الوصول إلى تحقيق أية غاية، إقامة الصلاة، الإنفاق في
سبيل الله
البنت: هذه صفات المؤمنين الذين ينالون درجات عند الله تعالى كبيرة، ومغفرة ورزقاً كريماً، وهي توجيهات ربانية لمن أراد
تقوية إيمانه وتزكيته، إن دخله ما يشينه، وهي
أسباب
للوصول إلى اليقين، والظفر بالإيمان الحقيقي الأب: فلتعلموا أن هذه الآيات تخاطب الناس كافة في مختلف الأزمنة. هناك كثير من الناس في قلوبهم شكوك وريب،
قد يكون مصدرها الثقافة التي تصبغ بالصبغة الدينية،
1.0. (1/105)
صفحة 106
والتربية التي لم يراع فيها جانب الدين والشريعة، وقد يكون مصدرها الفتن التي تصيب من لم يرسخ الإيمان في قلبه وقد صوّر الله تعالى ذلك في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ، ا مَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ ..
الآية 10 سورة العنكبوت)
•
فلنحذر هذه المزالق، ولنحاول الاتصاف بما ذكره الله
حتى
نكون من الصادقين الأم: إن العاصم من اعتقاد المسلم أن الإيمان عقيدة وقول وعمل، وأن
هذه المزالق والموصل إلى مغفرة الله والرزق
الكريم هو
نقص أحد هذه الثلاثة يخدش في إيمانه ويعرضه للهلاك
وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه .. والسلام عليكم ورحمة الله
•
** ** **
-1.7 (1/106)
صفحة 107
الأب
الليلة الرابعة عشرة
: تتابع الآيات الحديث عن إيمان الأعراب، تعاتبهم هذه المرة: {قُلْ أَتُعَلِمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي
16
السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُونَ عَلَيْكَ
أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُوا عَلَى إِسْلَامَكُو بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ لا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ
بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ الله الله
الابن: لم هذا العتاب يا أبتي؟
الأب: إنه لما سمع وفد بني أسد ــ الذين وفدوا على النبي الله
-
ــ
قول الله تعالى لهم أن الإيمان لم يدخل قلوبهم، فهم مسلمون فقط، جاؤوا الرسول الله يحلفون له أنهم مؤمنون
صادقون، فأنزل الله تعالى هذه الآيات
فيظنون
البنت: فالله تعالى يوبّخ هؤلاء الذين يتطاولون على الله أن الله تعالى لا يعلم عن إيمانهم، وعن الدين الذي هم عليه، بينما علمه يحيط بكل شيء: علم السماوات والأرض
وما فيهما
•
الأب: ومما يدل على نقص في إيمانهم، وأنهم لم يدركوا حقيقة الإيمان بعد مَنْهِمْ على الرسول بإسلامهم. فقد قالوا للرسول
: جئناك مؤمنين من غير قتال بينما غيرنا قاتلك
107
- (1/107)
صفحة 108
وحاربك، جاؤوا يفتخرون بهذه المزية، وربما كانوا يطمعون أن يعطيهم الرسول شيئاً مما يغنمه من فيء، وما
يتوفر لديه أموال من
البنت: والله حرّم على المؤمنين المنّ، وجعله مبطلاً للصدقات ولكل الأعمال؛ لأنه مؤذ للممنون عليه، ومشعر بالرياء، ومفقد
للإخلاص، الذي هو سرّ العبادة وروحها.
الأب: ويبين للأعراب من هو أحق بالمن، إنه هو عزّ وجل
والخطاب موجه إلى كل المؤمنين في كل زمان ومكان
•
الابن: نعم المنة لله تعالى الذي هداهم للإيمان، لأن نعمة الإيمان أغلى من كل نعمة، فإن كنتم صادقين في إيمانكم مخلصين
فيه، مقدّرين الفضل الذي أنتم فيه اعترفوا بذلك
•
البنت: المنّ مرض خطير وخُلق
لأنه
إذا أصاب المرء أصابه سيء
؛
في روحه وجوهره. فهو مورث للعجب والرياء والنفاق، ويفرز أغرب النتائج ويؤدي إلى قلب الموازين، ويو الإنسان أن من المنّة ترك القبيح كما قال الشاعر مجسداً هذا
الخلق السيء:
إنا لفي زمن ترك القبيح به من أكثر الناس إحسان وإجمال الابن: ما أسخف هذا التفكير. إنه يدل على دناءة وضعة في النفس. فإن الإنسان بدل أن يتسابق إلى فعل الخيرات ولا يمن على ذلك فإنه يفتخر أنه لم يظلم، ولم يسب ولم يشتم
-
108 - (1/108)
صفحة 109
و لم يعتد ويعتبر ذلك منة وفضلاً
الأب: لذا حارب الله تعالى هذا الخُلق، وبين أن المنّة له، وأنه
الأم:
هو المتفضل على الناس
وركز على منة الإيمان لأنها الضامنة لحياة السعادة والهناء وعلم الإنسان أن يقول الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا
لنهتدي لولا أن هدانا الله
: هل لك أيها الزوج العزيز، أن تبين لنا حقيقة هذه المنة، منة الإيمان، بعد أن نتناول الشاي فهو جاهز؟!
الأب: شكراً أيتها الزوجة الصالحة!
،
إن نعم الله كثيرة لا تحصى كثيرة لا تحصى، وأعظمها نعمة الإيمان التي
الله
يهدي إليها الإنسان. كل ما في الوجود يدل على فضل علينا، فكيف نمنّ عليه بعد ذلك بأننا آمنا به. بئس العمل المنّ على الله. فمن أنعم الله تعالى عليه بأن خلقه ومكن له الصحة والمال، ويسر له فرص التمتع بملذات الدنيا كلها، وسلب منه الإيمان، ثم حشره في جهنم وبئس المصير، فماذا تكون قد نفعته تلك النعم!
الابن: ولهذا قال تعالى في الكفار: أَفَرَيْتَ إِن مَّتَعْنَهُمْ سِنِينَ تُوجَاءَ هُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَعُونَ)
(الآيات
206،200 ·
207 سورة الشعراء)
الأب: قال الله تعالى ذلك ليصبر المؤمنين الذين ربما يضيقون ذرعاً
109
- (1/109)
صفحة 110
-
في حالة ضعف الإيمان أو مرورهم بحالات نفسية ما بما يشاهدونه من توفر النعم للكفار والمشركين الذي هيئت هم كل أسباب العيش ـ ظاهرياً ـ في الدنيا، بينما هم
-
يرون أنفسهم محرومين من ذلك رغم إيمانهم وكفر أولئك. وبين لهم أنه منح لهم ما يضمن لهم السعادة الأبدية
الإيمان.
ألا
وهو
يستحق الله تعالى الشكر على ذلك، وينفرد بالمنّ على
عباده؟!
حقيقة هذه منّة كبيرة، ونعمة عظمى، هدانا الله تعالى لتقديرها، وهدى شباب الإسلام لإدراكها، ليزدادوا إيماناً
بعد إيمان وليخلصوا العبادة الله.
البنت: بل إن الكافر سيزداد حسرة وكمداً وندماً، حين يقف على حافة جهنّم يوم القيامة ويستعد للعذاب الدائم المقيم
الله
ويتذكر النعيم والرفاهية التي كان يعيش فيها، والتي سلبته إيمانه فنسي، واستغرق في الاستكبار في الأرض والفسوق فيها. {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيْبَتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ نَفْسُقُونَ}
الآية 20 سورة الأحقاف)
الأم:: بينما يقف المؤمن على ما أعده الله له السعادة الأبدية، من
110
-
- (1/110)
صفحة 111
وما حرم به نفسه من ملذات الدنيا بوازع الإيمان وبسببه، فيخرج ويتذكر منة الله تعالى عليه في الدنيا التي كانت سبب
سعادته الدائمة في الآخرة
الأب: هكذا يجب أن يستشعر المؤمن هذه المنّة في الدنيا حتى يضيق بما يصيبه فيها من منغصات. ونحن دائماً ندعو ونقول
لا
اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا. نطلب ذلك لأننا لا نملك
من أمرنا شيئاً إلا أن يهدينا الله تعالى إلى سواء الصراط.
أليست هذه منة يا قوم؟
الابن: إن كتب السير والتاريخ مليئة بقصص المبتلين، الذين صبروا
على
الأذى والمرض، وما نزل بهم، وذلك بفضل إيمانهم. التي ورد فيها عبر
و في قصص الأنبياء الكثير من هذه الأمثلة
ودروس، للإيمان واليقين في الله
البنت: فسيدنا أيوب عليه السلام ـ مثلاً ـ ابتلي بلاءً شديداً في
-
—
الله
جسمه لكنه صبر وبقي معتقداً أن هذا امتحان من تعالى، فلم يضجر لأنه وهب نعمة الإيمان. شفاه الله تعالى
بعد ذلك، وجعل ثوابه كثيراً وجزاءه عظيماً، لصبره
وإيمانه
الأب: وسيدنا يونس الذي كان يسب في بطن الحوت، لولا أنه
كان من
المؤمنين المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون
إذن لم ينقذه من ظلمة الحوت إلا إيمانه ظلمة الحوت إلا إيمانه .. فلنعتبر
111
- (1/111)
صفحة 112
:
أنظروا إلى نعمة الإيمان فإنها تنقذ الإنسان حتى في الدنيا، الأجر الكبير الذي يناله في الآخرة. أية نعمة
فضلا عن
هذه. ألا يحق الله
أكبر من تعالى أن يمن على عباده؟! الابن: أصيب رجل بمرض شديد، فمر عليه ناس سألوه عن
حاله، فشكر الله تعالى على نعمه عليه، فقالوا: أية نعمة أنت عليها بعد هذه الشدة، أجاب: الحمد لله الذي أعطاني
قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً، وإني لأرجو برهما وذخرهما عند
الله
البنت: إن المصائب قد تحيط بالإنسان المؤمن، وقد تسلبه كل
شيء، وقد يفارق الحياة بعد أن يذهب عنه بصره وسمعه وصحته. لكن يبقى له إيمانه الذي يأخذه معه، ليبوئه مقعد
صدق عند مليك مقتدر. إذن بل الله يمن عليكم أن هداكم
للإيمان إن كنتم صادقين
الأب: فالإنسان ينتقل من صادق حين يعترف بمنة الله تعالى عليه إلى الصادق حين يرسخ الإيمان في قلبه، فتأملوا في تعبير
القرآن وإن كنتم صادقين، وأولئك
هم
الصادقون
الابن: إن نعمة الإيمان على المؤمن، في توجيه حياته، وصبغها بصبغة الطمأنينة تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة، وتجعل له في نظام الكون دوراً أصيلاً عظيماً،
- 112 (1/112)
صفحة 113
الأب
البنت: من هذه المعرفة تختفي مشاعر القلق والشك والحيرة: الإيمان الذي يحقق كل هذه الأهداف، ويبعث الأمن والطمأنينة في القلب ويجنب الإنسان العقد النفسية، ويوضح الرؤية له في حياته، ويزيل عنه ما يعكر صفو حياته، ويقربه من ربه ويقوده إلى النعيم المقيم. . ألا يستحق
صاحبه الشكر، ويحق له المنّ على عباده؟! بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين له
الله
الابن: حقاً إن الله تعالى يستحق الشكر، ويحق له أن يمن على من أنعم عليهم بما لا يحصيه إلا هو. أريد منكم أبتاه تعليقكم
الأب
على ما جاء في خاتمة السورة
شيء
•
: ختم الله تعالى السورة بما يشعرنا به بأنه محيط علما بكل، وبما نقوم به من أعمال لا تخفى عنه خافية، فقد تنطق ألسنتنا بما ليس في قلوبنا. وبخاصة في قضية الإيمان فندعي الإسلام ولا نعتقده في قلوبنا كما وصفه الله وحدّد حقيقته، فلنحذر إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملونه
الأم: يضيف الشيخ بيوض: إن في الآية وعداً ووعيداً، يعد المؤمنين ويبشرهم بأن أعمالهم الخيرية لا تذهب سدى، بل يجزون عليها. ويوعد العصاة والكفرة، وينذرهم بأن ليس شيء من أعمالهم القبيحة تخفى على الله
- 113
- (1/113)
صفحة 114
الأب
: فالمسلم الذي يتيقن أن الله
بصير
بما يعمل، مطلع على كل ما يقوم به، رقيب له في كل زمان ومكان. فإنه يفكر كثيراً قبل أن يقدم على أية حركة يقوم بها، مهما تكن.
وهو
ما يمنعه من التهاون في أوامر الله. أما من نزعت من قلبه رقابة الله، وسلب منه الإيمان، فإنه يتساهل في أوامر، ولا يتورع في انتهاك حرماته. ألا يكون بعد ذلك الإيمان نعمة من الله ومنة؟!
الله
أيها الأبناء، هكذا من الله تعالى علينا بتوضيح بعض المعاني
في سورة الحجرات، فله الحمد كله والشكر كله غداً إن شاء الله نخصصه لتلخيص ما تناولناه في الليالي الأربع
عشرة.
الأم: إذن فلنهيء أنفسنا للإمتحان والإختبار. وفقنا الله تعالى فيه. إلى اللقاء بحول الله .. والسلام عليكم ورحمة الله
??????
- 118 (1/114)
صفحة 115
الليلة الخامسة عشرة
الأم: أعددت لكم طبقاً خاصاً
من الحلوى، وأعتنيت عناية
خاصة بإعداد الشاي لهذه الليلة، لأن اليوم يوم الإمتحان
فيه يكرم المرء أو يهان
الابن: شكراً لك أمّاه على هذه العناية، وهذا الاهتمام، لم تكوني أبداً - مقصرة في حقنا في يوم من الأيام، وفقنا الله
لرد بعض جميلك علينا
البنت: أحسنت - والله - صنعاً أماه، وأسديت معروفاً، إنا نرجو أن نوفق جميعاً في اجتياز عقبة الإمتحان بأمان،
فنكرم ولا نهان بوجودك معنا، وعطفك علينا
وبدعواتك الصالحة. وبفضل إخلاص أبينا في تبليغنا هذه
المعاني، وتفهيمنا إياها لن نخفق إن شاء الله.
الأب: شكراً لأمكم على هذه الرعاية، وشكراً لكم على هذا الاهتمام، وعلى هذه الثقة في أنفسكم، والثقة أساس النجاح في الحياة، إنها نابعة من إيمانكم، ومن أجتهادكم في التلقي. وهذا هو أول نتاج وأول ثمرة من ثمرات هذه اللقاءات
والحمد لله
الابن: تفضل أبي، اسألنا ونحن نحاول الإجابة. الأب: ما هي أهم قضية أشارت إليها السورة؟
-
110 (1/115)
صفحة 116
البنت: إنها قضية الإيمان يا أبي. بداية السورة كانت بالإيمان ونهايتها
•
كانت حديثاً عن الإيمان
الأب: كيف ذلك؟
الابن: أفتتح الله تعالى السورة بالنداء المحبوب إلى النفس ياأيها الذين آمنوا له، وأنهاها بالتأكيد على نعمة الإيمان على العبد،
الأم:
ثمّ تسجيل أحقية المن على عباده في ذلك: وما بينهما كان الحديث عن الإيمان، في كل مر مرة يذكّر المسلمين بأنهم مؤمنون، يجب أن يتجنبوا ما يخدش هذا الإيمان .. مع بيان حقيقة الإيمان، وتقديم وصف للمؤمنين
الحقيقيين
الأب: وكأنَّ الله يتعهد هذا الإيمان بالرعاية والعناية، ويشير إلى ما يطهر مظاهر المسلمين ومخابرهم، ليظل المجتمع الإسلامي
نظيفاً
يسوده الأمن والطمأنينة
البنت: وكأنَّ الله تعالى يؤكد على صفة الإيمان بتركيزه على التقوى
والخشية ومخافة الله و مراقبته
•
الابن: كما نبه وركز على الطاعة والإمتثال لأوامر الله ورسوله وأولي
الأم
الأمر الذين يراعون حقوق الله، وهذا من صميم
وهذا حذر من التقدم بين يديه ورسوله علم
الإيمان
ونبهت الآيات المسلم إلى تعهد إيمانه بالنماء، وذلك بالإكثار
الطاعات والعبادة بمفهومها الواسع، وبخاصة بالنسبة من
116
- (1/116)
صفحة 117
للشخص البالغ سن التكليف وحديث العهد بأداء الفرائض، على أوليائه رعايته والأخذ بيده في هذا السبيل
حتى يرسخ إيمانه بالتدريج.
الأب: هذا السؤال الأول قد نجحتم فيه، فإليكم السؤال الثاني كيف عالج الله تعالى مسألة وحدة المسلمين؟
البنت: ركزت السورة على وحدة المسلمين تركيزاً كبيراً ونهت عن اقتراف ما يسهم في النيل من هذه الوحدة
الابن: حذرت من الأخلاق التي تمس هذه اللحمة، وتخلخل كيان المجتمع سواء ما كان منه ظاهراً أم خفياً
الأم:
بل دعت إلى الإسراع في الإصلاح والمصالحة، كلما حدث ما ينال هذه الوحدة وبيّنت أن ذلك واجب المسلمين. وكل إخلال بهذا الفرض اعتبرته خطأ يرتكب في حق التقوى والإيمان، ولذلك ركزت كثيراً على الإخوة الإسلامية. الابن: والسورة حرصت كثيراً أيضاً على حفظ كرامة المسلم وحرمته، وصيانة حقوقه وحريته، سعياك إلى بناء المجتمع
الإسلامي الفاضل والمتماسك
البنت: ما ورد في السورة توجيهات تربوية سامية لانشاء الجماعة
الإسلامية على أسس صحيحة، إنها العناية الإلهية
الأب: تمثل هذا في تنبيه المسلمين إلى أمور كثيرة، منها إعانة الشباب على السير في الطريق السليم المستقيم، والأخذ بيده
-1! Y- 117 (1/117)
صفحة 118
بالتي هي أحسن، ومساعدة المخطئين على الأوبة والعودة إلى
الله بالحكمة والموعظة الحسنة
الأم: لهذا فإن السورة راعت النمو الطبيعي للمجتمع أو للجماعة الإسلامية في توجيهاتها، وفي تسلسل تقديم الأوامر والنواهي
إليها
الأب: شكراً لكم على هذه الإجابات الموفقة، بقي لكم شيء لم
تشيروا إليه في هذا الموضوع.
البنت: دعنا نفكر قليلاً!
الأب: طال الوقت، لا بأس أن أذكركم به أنا مع كل التوجيهات
التي قدمتها السورة، وتحذيراتا من ارتكاب ما نهى
الله
عنه. فإنها كانت تشير إلى رحمة الله الواسعة لعباده
المخطئين، وإلى بابه المفتوح لمن أراد العودة إليه
الابن: نسينا - والله - هذه الملاحظة المهمة، وهذه النعمة من ـ
الله على عباده فإن ذلك وسيلة من وسائل تأليف القلوب
الله
•
وتقريبها من وعدم تركها سادرة في غيّها الأب: شكراً، وما هي الجوانب الأخرى التي تضمنتها السورة
أيضاً؟؟
البنت: تحدثت عن الآداب العامة التي يجب أن يتحلّى بها المسلم:
آداب مع
الله تعالى ورسوله الله
وأخيه في الإنسانية.
، ومع أخيه المسلم،
– 118 – (1/118)
صفحة 119
الابن: السورة تضمّنت قواعد أساسية وركائز صلبة لبناء المجتمع ولابد من معرفتها، والعمل بها حتى يسود الأمن والاستقرار
والوئام حياة المؤمنين
الأب: ما رأيكم في هذه الطريقة، وهذه السنة في إحياء الليالي وأحاديث مفيدة تعليمية تكوينية؟
بسمر
الأم: والله إنها لطريقة جيدة ومهمة وضرورية للتكوّن والتثقيف والتفقه. جزاك الله تعالى خير الجزاء في تفكيرك في إحياء
هذه السنة وهذه العادة الحسنة، التي عرفت عن أجدادنا
وعن الأسر الإسلامية الحريصة على التربية والبناء
الابن: لقد استفدنا كثيراً، وتعلمنا كثيراً، والله إني لمتحسّر جد التحسر على الأوقات التي قضيتها سدى دون فائدة، غفر
الله لنا ما ضيعناه من وقت فيما لا يغني، رحم
القائل:
الله
در
،
إذا مر بي يوم ولم أتخذ يدا ولم أستفد علما فما ذاك من عمري البنت: وأنا بدوري لم أجد العبارة المفصحة عما في قلبي من تقدير لهذه اليد التي قدمتها إلينا يا أبي، وماأفدتنا وأتحفتنا به من فقه وعلم وأدب في هذه الليالي الغراء، فإن ما في الآخرة لك وأبقى مما نقدمه لك في الأولى
من الجزاء الأوفى خير
الأب: الحمد لله على هذا التوفيق، وعلى هذا النجاح في مهمتي أباً مربياً مسؤولاً في التوجيه والإرشاد والتوعية والتربية:
– 119 – (1/119)
صفحة 120
(ر) أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتى إني
تبت إليك وإني من المسلمين)
الابن: أبي أجمعنا من حين إلى حين حول هذه الأحاديث، وحول
هذا السمر المثمر المفيد
البنت: لا تباعد بين أسمارنا ولقاءاتنا أبتاه، حتى لا تصدأ قلوبنا، ولا تصيبنا الغفلة
الأب: بورك فيكما من ولدين بارين نجيبين، لقد أعجبت بكما
كثيراً، وبمناقشاتكما ومحاوراتكما
و حسن
مطالعاتكما
هكذا فليكن التلميذ المجتهد والابن النجيب وهكذا يجب أن يكون الأولياء تجاه أبنائهم، عناية وتربية وتعليما. ومثل هذا يجب أن يكون بين المسلم عامراً بذكر الله تعالى. يجب أن لا نحوّل بيوتنا مقابر لا يذكر فيها اسم الله، ولا يقرأ فيها القرآن، ولا يدرس، فان البيت الذي لا يتلى فيه القرآن يسكنه الشيطان الأم:: اللهم أكرمنا بنور العلم والفهم، وأخرجنا
من
ظلمات
الجهل والوهم، وافتح علينا حكمتك ويسر لنا من خزائن علمك. ورَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ
إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ.
– 120 (1/120)
صفحة 121
رقم الإيداع: 152/ 92 (1/121)