صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: دراسات قرآنية - التفسير وعلوم القرآن - علوم القرآن
------------------------------------------
العنوان: الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
المؤلف: خالد سعيد يوسف تفوشيت
الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1425ه/ 2004م
الطبعة: د.ط
أصله: رسالة ماجستير
الإيداع القانوني: 2004/166
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1826&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/879
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 04 رمضان 1446ه/ 04 - شهر 03 - 2025م. سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
خالد سعيد يوسف (1/1)
صفحة 2
الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
بقلم
خالد سعيد يوسف تفوشيت
1425 هـ / 2004 م (1/2)
صفحة 3
أصل هذا الكتاب رسالة قدمت استكمالاً لمتطلبات شهادة التخصص العالي (الماجستير) في الدراسات الإسلامية من جامعة السابع من إبريل / كلية الآداب والعلوم - قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بإشراف الدكتور / سعيد سالم فاندي
ونوقشت واجيزت بتقدير جيد جداً» (1/3)
صفحة 4
بسم الله (1/4)
صفحة 5
الإهداء
إلى والدي العزيزين اللذين علماني الصدق في القول والعمل واختارا لي سبيل العلم والمعرفة طريقا والقرآن دليلاً وتحملا في سبيل ذلك الكثير من المتاعب. وإلى كل مسلم غيور رباني ..
أهدي هذه العمل المتواضع. (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
مقدمة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وجعله إلى كل خير منهجا، ومن كل شر مخرجاً، أنزله كتابا معجزاً، لا يرقى إلى شأوه كلام البشر ولا تحيط بأسراره العقول والفكر .. وصلى الله على من نزل عليه الكتاب وكان خلقه
القرآن.
أما بعد
مع
قلة
فإن القرآن الكريم هو المعجزة للرسول و تحدى بها الكافرين وطالبهم أن يأتوا ولو بسورة منه في استواء المعنى، وروعة البيان، ودقة الدلالة وقوة الإيحاء، ولكنهم وقفوا عاجزين، ومن لطف الله سبحانه علينا وتيسيره لنا سبل الرشاد، أنه لم يجعل إعجاز القرآن الكريم مقصورا على الوجه البياني، وإنما يناسب مستواه الفكري، وتوجهه الحضاري، أو العلمي مهما كانت لغته أو عصره، فالحديث عن الإعجاز يجب أن يستوعب الوجوه الأخرى حتى يتساوى في فهمه العربي وغيره، إذ الهدف الأساسي من دراسة الإعجاز هو إثبات مصدر القرآن الرباني، وأنه كلام الله، فإذا ثبت إعجازه ثبتت الدعوى، وهي كونه كلام الله. وكان أكثر الباحثين في إعجازه منصرفين إلى استجلاء أسرار بيانه اهتمام بالوجوه الإعجازية الأخرى، علمية وتشريعية وتربوية وبرهانية، فلم يعالجوها في الخطاب القرآني المتكامل، وإن أشاروا إليها فإنها إشارات مقتضبة غير وافية، ولاسيما المنحى التشريعي، وذلك عن طريق استظهار إعجازه بإدراك خصائصه التي تعالج القضايا الإنسانية بما هو أشمل وأدق وأنجع من تشريعات العقل البشري، واستصحاب العقل في الخطاب والاستنباط، والإدراك لمعانيه الصريحة، والكامنة، ومقاصده الناطقة والمستنبطة. فالقرآن يعطي كل عقل ما يتفق مع طبيعته ونشاطه، ففيه إعجاز لايتنبه إليه العقل إلا بعد أن ينشط ويكشف المستور عنه من حقائق وأسرار. (1/7)
صفحة 8
وفيه عطاء لكل جيل، ذلك أن القرآن للعالمين، وتشريعاته شاملة خاتمة، يسلم لها العقل بالتفوق عليه، فهي لا تصادمه، ولكنها تفتح له أفاقا من المعرفة قد يدرك ملامحها، ولكنه يعجز عن تمام تصورها، وتخاطبه بقواعد منهج يعقله لا يستطيع ببشريته المحدودة أن يجمع خصائصه.
وبهذا التحديد لا أنفي الترابط بين تلك الوجوه، فكل منها يكشف عن الآخر،
والباحث فيها يجد نفسه مطالبا بالتعرض إلى جميعها، ولو باختصار
وقد سبقتني إلى الكتابة أقلام باحثة في هذا الموضوع بمناهج تختلف عن المنهج الذي ارتضيته، وكانت المباحث متناولة لجوانب من الإعجاز التشريعي للقرآن، وتغلب عليها صبغة السرد والتجميع للمعلومات المسبوقة بأحكام تحتاج إلى استدلالات عقلية ونقلية، ومع ذلك فقد استعنت بها على توسيع آفاق الموضوع ومن تلك الدراسات:
كتاب القرآن وإعجازه التشريعي» لمحمد اسماعيل ابراهيم، تعرض فيه باختصار لأهم مباديء التشريع الإسلامي، وتاريخ نشأته وتطوره مع الإشارة إلى إعجازه، ويقع كتابه في ثلاثة أبواب، يحوي الباب الأول: تمهيدا عن أحوال العرب في جزيرتهم قبل الإسلام، ونزول الآيات المكية، ثم المدنية، وبيان خصائص وأهداف كل منهما - إلى جانب تعريف عام بالشريعة الإسلامية وبدء نشأتها، ومراحل تطورها، وتفوقها على أي تشريع سابق، أو لاحق.
وجاء الباب الثاني في الجريمة والعقوبة في الإسلام، والقوانين الوضعية. وكان الباب الثالث: عرضا لبعض آيات الأحكام ومستنبطاتها. وهذه الدراسة ركزت على جوانب ثانوية لموضوع الإعجاز التشريعي، وما الباب الثالث إلا سرد لمعظم آيات الأحكام مع قلة الإشارة لمظاهر الإعجاز فيها.
شريعة القرآن من دلائل إعجازه»: لمحمد أبوهزة، وهو عبارة عن مقالات كتبها في مجلة (المسلمون) تناول فيها مجموعة من القضايا باختصار محاولا إبراز ما فيها من مزايا وإعجاز، كأحكام الأسرة، والعقوبة (1/8)
صفحة 9
وعلى الرغم من إيجاز هذه الدراسة، وغلبة الأسلوب الخطابي على منهجها
فإنني أفدت منها في معالجة بعض القضايا التي كانت من محتويات رسالتي. الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية»: عابد بن محمد السفياني، حيث أثبت في مواضع كثيرة من رسالته هذه أن الكمال، والثبات، والشمول مقطوع به في الشريعة الإسلامية، ومن أهم خصائص الإعجاز التشريعي، وأن الإعجاز التشريعي في العموميات الشرعية التي تعد من أهم قواعد الثبات والشمول، وقد ركز الباحث في هذه الدراسة على بعض خصائص الإعجاز التشريعي «الشمول والثبات ولكنه أكثر من التفريعات ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بموضوع
البحث.
الخصائص العامة للإسلام ليوسف القرضاوي، تناول فيه جانبا مهما من جوانب الإعجاز التشريعي ألا وهو الخصائص العامة للتشريع، حيث دمجها
بالخصائص العامة للإسلام كله، بوصفه عقيدة وشريعة ونظام حياة. وقد أشار اثناء كلامه عن هذه الخصائص إلى التشريع القرآني، فأثبت ربانية مصدره ومنهجه وتميز إنسانية الإنسان فيه، وشموليته التي جعلته يستوعب احتياجاته، ويعالج قضاياه، ويدرك كل احتمالاته وتوقعاته ووسطيته وتوازنه وكذلك واقعيته.
وقد تناول القرضاوي تلك الخصائص بمعناها العام وقد دار البحث في فلك ك عام يحتاج إلى التحديد والتعليل.
«واقعية المنهج القرآني» توفيق محمد السبع، تناول خصيصة من خصائص التشريع القرآني، وهي الواقعية في معالجة القضايا والمستجدات وكان منهج دراسته على النحو التالي:
بحث في الفصل الأول: معنى الواقعية، وأبعادها القرآنية، وصاغ الفصل الثاني: في واقعية التصور الإلهي، وأبرز في الفصل الثالث واقعية التشريع القرآني، وبين في الفصل الرابع: واقعية الأخلاق القرانية، وكان حديثه في الفصل الخامس عن (1/9)
صفحة 10
واقعية التعبير، والتصوير القرآني.
وقد شجعتني هذه الدراسات على المضي في كشف أبعاد هذا الموضوع الرحب العميق لعلنا نكمل ناقصا، ونفصل مجملا، ونبين مشكلا أو نولد بعض القضايا من
بعض.
وإشكالية هذا البحث نابعة من عدم التسليم بأطروحة إعجاز هذا التشريع، وصلوحيته لكل زمان ومكان لأنه غير مسلم بها في حق النظم والقوانين الوضعية، نظرا لخضوعها بالنظام الكوني القائم على التطور والتغيير، وبهذا النهج يريدون لأحكام الشريعة الإسلامية أن تلتزم.
وغاب عنهم أن مصدر كل من النظام الكوني، والنظام التشريعي واحد وهو الله عز وجل وهذا ما حاولت إثباته.
فليس التشريع القرآني في جوهره الكلي إلا ذلك القانون الذي ينسق بين حاجات الفطرة الإنسانية، والمصالح الكونية المسخرة له، وهذه المصالح متنوعة ومتفاوتة في الأهمية والترتيب لأن حاجات الفطرة الإنسانية كانت ولاتزال متنوعة ومتفاوتة في الأهمية والترتيب الضروري، فهو يرتبها في سلم دقيق من الأولويات بحيث تنشأ من منظوم هذا السلم مضمون الحكم الشرعي أو متعلقه، فهو منهج شامل لحياة الأفراد والجماعة، أحاط بجميع الأصول العامة، والقواعد الكلية التي يحتاج إليها في كل قانون، وفي نظام منسجم مع النظام الكوني بكل ما فيه من الثوابت والمتغيرات، ففيه أحكام ثابته لا تتبدل، لتعلقها بمصالح وحاجات إنسانية أصيلة لا تتطور ولا تتبدل ففصلها وبينها، وفيه أحكام مجملة، ومعللة بمصالح بنيت عليها، فترك تفاصيلها لاستنباطها من القواعد العامة بما يتناسب مع مستجدات الزمان
والبيئة. ومعالجة لهذه القضية، فقد كان صلب الموضوع في بيان خصائص إعجازه من مقاصد تشريعه، وملاءمة خطابه لأحوال المكلفين، ودقته واتساعه في مجال
عموم (1/10)
صفحة 11
التشريع، وتعميق دائرته أكثر بربطه بالاستنباط العقلي، وبما يوسع آفاق المعاني، ويزيد في بيان وحدة المقاصد بين أجزاء الخطاب، الذي نزل ليكون منهاج حياة غير محدود بتوقيت زمن ولا بمحدودية مكان، وكذلك دراسة الموضوعات ذات الصلة البارزة بموضوعنا كشبهات المستشرقين حول مصداقية المصدر الإلهي للتشريع القرآني، وذلك بإثبات آرائهم وفق تصنيف موضوعي، مع التركيز على أهميتها تمشيا طبيعة بحثنا، وذلك لكثرتهم من جهة ولتعدد جنسياتهم وعقائدهم ولغاتهم من جهة أخرى، وحتى يتأتى لنا نقدها وتحليلها. وعلاقة هذا بالموضوع هو أن الهدف من دراسة الإعجاز – إثبات مصدر القرآن
الرباني.
مع
وقد انصب اهتمامي في الرسالة على القضايا الكلية وضرب الأمثلة الفقهية ذات الدلالة على المقصود، وفق منهج يقوم على مستويين هما الممارسة التحليلة والمنهج الاستنباطي، وذلك من خلال فصول رأيت فيها استجابة مقنعة لما أروم الخوض فيه:
فكان التمهيد في بيان حاجة البشر إلى التشريع الإلهي، حيث إن تلبية حاجات البشر إلى تشريع متكامل متناغم مع حياتهم وحاجاتهم لهو من أسرار إعجاز التشريع القرآني.
عقدت الفصل الأول: مفهوم الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم» الذي أقف من خلاله على ماهية الإعجاز والتشريع، لنصل إلى تحديد مصطلح الإعجاز التشريعي: ثم عرضنا لموقف العلم من المعجزة، ثم وجوه الإعجاز القرآني وعلاقة
بعضها ببعض إلى جانب موقف العلماء قديما وحديثا من الإعجاز التشريعي. أما الفصل الثاني: «خصائص الإعجاز التشريعي فقد حاولت فيه تقديم أهم الخصائص الإعجازية لهذا التشريع من عموم مقاصده، فبيت فيه المقاصد العامة لهذا التشريع، ثم ملاءمة خطابه لأحوال المكلفين كالملاءمة بين الروح والجسد وبين الفرد والجماعة، وبين الجريمة والعقوبة، وبين التحصين والعلاج ثم دقة
11 (1/11)
صفحة 12
خطابه واتساعه في مجال التشريع.
وفي الفصل الثالث: التشريع القرآني والاستنباط العقلي» حيث قدمت فيه أهم دلائل النشاط العقلي في فهم الخطاب التشريعي في القرآن من مقابلة بين الآيات وقياس وتعليل وتصوير وتمثيل وتأويل.
وأما الفصل الرابع: «المستشرقون والتشريع القرآني» فقد تناولت فيه الحديث عن المستشرقين ومصدر التشريع القرآني والمستشرقين ومواطن نزول القرآن والمستشرقين وتعدد الزوجات، والمستشرقين والجهاد وختمته بأقوال المنصفين منهم، وإقرارهم بعجز البشر عن الإتيان بمثل ما في التشريع.
وأما «الخاتمة» فقد سجلت فيها أهم ما انتهت إليها هذه الدراسة من نتائج وتوصيات وقد واجهتني بعض العقبات أثناء البحث منها قلة المصادر والمراجع المتعلقة بالموضوع ودقته واتصاله الوثيق بجل مباحث أصول الفقه والمقاصد، والسياسة الشرعية، واتصاله بمجالات علوم القرآن فهو ظاهر في كل باب من أبواب هذه المجالات بل في كل مسألة من مسائلها ومما زاد في هذه الصعوبة أن كتب الأولين التي لا يمكن الاستغناء عنها على غزارة ما حوته تبحث غالبا في جزئيات المسائل وأحكام الحالات والتفريعات دون أن تهتم بالخصائص العامة للتشريع
الإسلامي وإن تناولتها فهي تأتي عرضا في ثنايا أبحاثهم.
وقد كانت المادة الأولى للموضوع مستمدة من القرآن الكريم مباشرة مع الاستعانة في الرجوع إليها بكتب المعاجم المفهرسة لألفاظه وآياته وكذلك بالرجوع إلى أهم كتب التفسير المثبتة بقائمة المصادر والمراجع في نهاية الرسالة، وأخص بالذكر منها:
- الكشاف: لمحمد بن عمر الزمخشري ت 538 هـ وقد ركز فيه جهوده على الإعجاز القرآني مع الاهتمام ببعض الأسرار التشريعية مضمنة في تخريجاته
البلاغية.
التفسير الكبير او مفاتيح الغيب لمحمد بن عمر الفخر الرازي (ت 606 هـ) وهو تفسير ذو شهرة واسعة بين أهل العلم، بما امتاز به عن غيره بأبحاث في شتى
12 (1/12)
صفحة 13
العلوم التي كانت رائجة في عصره، إلا أنه تجاوز منهج التفسير، وتوسع في استخدامات نأت به عن غرضه التفسيري، حتى قيل فيه إنه حوى كل علم إلا
التفسير.
- الجامع لأحكام القرآن: لابي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت 671 هـ) وهو من أجل التفاسير الفقهية التي اطلعت عليها اعتنى فيه خاصة بآيات الأحكام واستنباط الأدلة وهو من كتب التفسير بالمأثور وبالرأي في آن واحد وهو على الرغم من اهتمامه بالمسائل الفقهية فإنه لم يشف الغليل بإظهار خصائص ومزايا التشريع.
- تفسير القرآن العظيم: لعماد الدين اسماعيل بن كثير (ت 774 هـ) وهو من كتب التفسير بالمأثور ويمتاز بتفسيره للقرآن بالقرآن، ثم بالحديث ثم بالآثار المسندة إلى أصحابها وحين يتعرض لتفسير آيات الأحكام يذكر أقوال العلماء المختلفة ويشير إلى أدلتهم ويوضح اتجاهاتهم ويرجح ما يراه أهلا للترجيح، ويعرض ذلك كله دون إغراق في التفصيل والإسهاب من غير تعرض لأسرار التشريع ومظاهر إعجازه.
- تفسير التحرير والتنوير: لمحمد الطاهر بن عاشور (ت 1393) وقد استفدت منه فوائد تفوق ما أخذناه مما سواه في جل الآيات التي عرضناها فكان فيه عون على اكتشاف أسرارها ومقاصدها وخفايا أحكامها وعلى حسن استغلالها واستخدامها لما امتاز به من عرض لبعض الأسرار التشريعية وهو الذي أشار في مقدمته إلى كون التشريع وجهاً من وجوه إعجاز القرآن فقال: «فترى من أعظم الأساليب التي خالف فيها القرآن أساليب العرب أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه وهما: مقصد، الموعظة، ومقصد التشريع». كما استعنا بكتب الحديث المشهور والصحيحة كصحيح البخاري وهو رأس كتب الحديث وأصحها، وصحيح مسلم وهو ثاني كتب الصحاح مكانة والجامع الصحيح للترمذي، وهو أحد كتب الحديث الأساسية الستة، وقد جمع فيه الترمذي
13 (1/13)
صفحة 14
طريقة البخاري من حيث عنايته بالفقه واستنباط الأحكام وطريقة مسلم بوضع الحديث موضعه مهما تعددت رواياته وانفرد عنهما بوضع مصطلحات علمية، والتعريج على مسائل فقهية لم يشاركاه فيها، وغيرها من كتب الحديث المثبتة بقائمة المصادر والمراجع.
أما كتب الاصول فكان من أهمها:
-
- المستصفى من علم الأصول: لابي حامد محمد الغزالي (ت 505 هـ) وهو كما وصفه مؤلفه: «جامع بين الترتيب والتحقيق ووسط بين الإخلال والإملال» بناه على المنهج الذي سار عليه الشافعية في علم الأصول وقد جعل الغزالي كتابه في مقدمة وأربعة أقسام سَمَّى كل قسم منها قطبا ومن مشكلاته المنهجية تداخل الموضوعات وتعرضها لقضايا لا علاقة لها بموضوعات علم الأصول. الإحكام في أصول الاحكام: علي بن محمد الآمدي (ت 631 هـ) وهو كتاب هام في بابه جامع للكتب السابقة في أسلوب واضح بعيدا عن الاستطراد والاسهاب والإيجاز مما ييسر على الباحث الاستفادة منه دون عناء على الرغم من احتوائه على مباحث ليست أصولية.
- إعلام الموقعين عن رب العالمين لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزيه (ت 751 هـ) وقد بسط في كتابه هذا الأصول من وجهة نظر حنبلية مدعما ما يقول بكثير من الأمثلة المستقاة من المذهب وقد وقف طويلا عند رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في كيفية القضاء لأنه يمثل أهم وأقدم وثيقة مكتوبة تحدد الأصول الأولى لعلم أصول الفقه، وقد أكثر التمثيل لما يقوله، والكتاب مفيد على مافيه من آراء يسودها الجزم مع أنها قابلة للمحاورة العلمية.
-
الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (790 هـ) وهو من أهم كتب المقاصد الشرعية ويتميز بوضوح شخصية مؤلفه حيث بسط فيه القول في مقاصد الشريعة وأصل هذا الفرع العظيم من علم
الأصول.
14 (1/14)
صفحة 15
إلا أنه أثناء تقريره للمسائل وتحقيقه والاستدلال لها يأخذه الاضطراب والخلط والتكرار في المعنى والتعقيد في العبارة، فيجد القاريء عناء في متابعته وقد أفدنا منه جد الإفادة.
وقد أمدتني هذه الكتب وغيرها على اختلاف مناهجها بما يساعدني على توضيح
المقصود.
واستعنت بمراجع حديثة كان منها:
- مقاصد الشريعة الإسلامية: لمحمد الطاهر ابن عاشور «ت 1393 هـ» وهو كتاب مهم ومفيد في بابه، وقد اقتفى فيه أثر الشاطبي غير أنه اقتصر على مقاصد تشريع المعاملات والآداب التي خصها باسم الشريعة مما أدى به إلى تضييقه في جانب من جوانب الشريعة، إلى جانب الإكثار من الأمثلة الفقهية ذات الدلالة على مقصده في البحث كله، مما جعله يغفل عن مهمات المقاصد.
—
- فكرة إعجاز القرآن: لنعيم الحمصي حيث تكلم عن فكرة إعجاز القرآن وتاريخها وأشهر من كتب فيها حتى عصرنا هذا.
وقد سار في تبين فكرة الإعجاز في العصور مبتدئا بالعصر الثاني الهجري مختتما بالعصر الرابع عشر الهجري مراعيا زمن الكتاب واصفا روح عصورهم الأدبية ومدارسهم التي ينتمون إليها وكان أثناء عرضه للأقوال والآراء محايدا بعيدا عن العصبية والتقليد. - من روائع القرآن: لمحمد سعيد رمضان البوطي وهو عبارة عن تأملات علمية وأدبية في كتاب الله عز وجل وأهم أغراضه بيان إعجاز القرآن في مضمونه وأسلوبه.
- البيان في إعجاز القرآن صلاح عبد الفتاح الخالدي، تحدث فيه عن إعجاز القرآن الكريم، حيث قسم كتابه إلى أربعة فصول تناول في الأول: مقدمات لدراسة إعجاز القرآن وعرض في الفصل الثاني فكرة الإعجاز في مسيرتها التاريخية، اختصره من كتاب فكرة الإعجاز: لنعيم الحمصي وتحدث في الفصل الثالث عن الإعجاز في الأسلوب القرآني سرد فيه آراء محمد عبدالله دراز، وسيد قطب،
15 (1/15)
صفحة 16
وأوضح في الفصل الرابع وجوه الإعجاز الأخرى اعتمد فيه على آراء كل من موريس بوكاي ومتولي الشعراوي وعبد المجيد الزنداني في الإعجاز العلمي، واعتمد في الإعجاز التشريعي على تأملات سيد قطب وهي إلى الخواطر الوجدانية أقرب منها إلى النتائج العلمية البرهانية.
وإنني أتقدم بجزيل الشكر والعرفان إلى أستاذي الدكتور سعيد سالم فاندي الذي تولى الإشراف على هذا الموضوع، ومتابعته خطوة بعد أخرى، وأشكره على ماقدمه من إعانه وتوجيه كما اشكر أستاذي الفاضلين عضوي لجنة المناقشة: الاستاذ الدكتور: عمر مولود عبد الحميد والاستاذ الدكتور سعيد محمد الجليدي وأتعهد أن أفيد من الملاحظات التي يبديانها.
ولا يفوتني شكر الاستاذ الدكتور أمين جامعة السابع من أبريل، وأمين مركز الدراسات العليا بالجامعة، وأمين قسم اللغة العربية والدراسات القرآنية بكلية التربية بالزاوية، والأستاذ الدكتور أمين كلية الآداب والعلوم بيفرن، والدكتور الأمين المساعد ومنسق كلية الآداب والعلوم بيفرن منسق الدراسات العليا بها. كما أتوجه بالشكر إلى القائمين على مكتبة كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس ومركز جهاد الليبيين ومكتبة المعهد العالي لإعداد المعلمين بنالوت والمعهد العالي للمهن الشاملة بنالوت. وشكري الجزيل إلى كل من أعانني بكلمة طيبة ونقد بناء، والله أسأل أن ينفع المسلمين بهذه الدراسة القرآنية.
إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود: 88) (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ)
286
(البقرة:286). وصل اللهم وسلام على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله
وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الاربعاء 5/ 5 / 1999 ف. طرابلس.
16 (1/16)
صفحة 17
تمهيد
ضرورة التشريع السماوي
يسير الإنسان في هذه الحياة منذ بدء الخليقة وراء حاجاته الشخصية المتعددة، وتحت تأثير ميولاته الغريزية المختلفة، ولأنه مدني بطبعه، كانت الحياة الإنسانية حياة جماعية يسد كل فرد منها ثغرة في بناء المجتمع، وقد جبلت النفوس على الأثرة، وأشربت حب الذات، فكل امريء يبغي أن يستوفي حظه، ويحرز أكبر قسط من اللذة). من أجل هذا طبع الله الجماعات البشرية منذ القدم على الشعور بحاجتها إلى وضع النظم التي تلم شعتها وترفه عليها الحياة، وتحفظ عليها أسباب النهوض والإنسان مهما بلغت مداركه، فهو محدود الفكرة لا يعلم مقاصده، ولا يخضع للنظام الوضعي خضوعاً تاماً، ولا تتربى نفسه على الآداب ولاتصاغ على الطاعة إلا تحت تأثير قوة قاهرة، فكان من الضروري أن يأتي الحل الذي يعتمد عليه في دفعه إلى الخير وردعه عن الشر، من خارج عالم الإنسان من جهة عليا، هي ذات الله عز وجل، فهو الذي منع الإنسان بسر الإرادة، وأولاه القدرة على التحرك سعياً وراء تحقيق مراده، وهو المرجع الأول، والأخير في تنسيق العلاقات الإنسانية، وتنظيم الحقوق الفردية والجماعية، وتحصينها ضد الرعونات الداخلية والمطامع الخارجية، فالإيمان بالله بكل مقتضياته هو السبيل الى تمكين الأخلاق في النفس الإنسانية باتفاق الحكماء (2).
وبهذا يظهر لنا أن الأخلاق قائمة على أسس دينية، وذلك عن طريق التكليف الملزم القائم على عنصر الاعتقاد ضماناً لعدم الانحراف في ممارستها، وتوطيد
1 - انظر ابن خلدون، عبد الرحمن المقدمة (القاهرة)، دار نهضة مصر للطبع والنشر ط 3) 1/ 337 2 - انظر ابن رشد، الحفيد: تهافت التهافت تحقيق سليمان دنيا (القاهرة)، دار المعرفة، ط 3) 2/ 865.
17 (1/17)
صفحة 18
لكونها وسائل علمية لتحقيق المقاصد الإساسية للمجتمع الإنساني، فليست الأخلاق مجرد سلوك يمارسه الإنسان، وإنما هي اعتقاد قلبي يحرك الإرادة، والإرادة تحرك السلوك حتى تصبح هيئة راسخة في النفس يصدر عنها الإمساك والبذل (1) ..
وتلتقي الديانات السماوية في تأصيل المباديء العقدية والخلقية، حيث أجمعت على أن الاعتقاد الحق سلطاناً بالغ الأثر في ميدان النفس الإنسانية، لا يرتقي إلى مستواه أثر العلم أو توجيه العقل، أو سلطان الضمير، ولاسيما في توجيه الغرائز، وتسديدها، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا إلا أَنا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء (25) (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى
ج
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) الآية الشورى (13) فهي تتحد في المصدر الذي صدرت عنه وتلتقي في الأصل الذي دعت إليه من التوحيد المطلق، ومكارم الأخلاق، وهذا يضفي على القوانين الأخلاقية الضرورة المطلقة، والكلية التي لاتفسدها الوقائع الجزئية، والقداسة التي تفرض على الجميع احترامها وصفة الضرورة للقوانين الخلقية ليست من حيث هي متعلقة بالطبيعة البشرية، ولكن من حيث أنها ملزمة لكل عقل (2)، فالتشريع السماوي هو أساس الأخلاق. إن الإلزام الحقيقي بالقيم الأخلاقية لايكون إلا إذا كان مؤيداً بالمعتقد، وهذا الأساس في غاية الأهمية في الاتجاه الأخلاقي، ذلك أنه يعد السند الذي يعتمد عليه في إقامة النظام الخلقي في عملية الالتزام به، فبغيره تفقد الأخلاق قدسيتها، وعظيم
•
1 - انظر الغزالي، أبو حامد: إحياء علوم الدين (بيروت، دار المعرفة) 252/ 4056053/3.
2 - انظر بالجن، مقداد الاتجاه الأخلاق في الإسلام مصر، مكتبة الخانجي، ط 1 1973) ص 119 ومايليها.
18 (1/18)
صفحة 19
تأثيرها في الإنسان، ولا يمكن أن تطبق الأخلاق تطبيقاً عملياً دقيقاً في السر والعلن إلا إذا اتخذ هذا الأساس في قلوب البشر مكاناً وآمنوا به إيماناً صادقاً (1)، ففكرة الالتزام بالأخلاق مصدرها ديني قائم على الثواب والعقاب، فلا يمكن أن توجد الأخلاق كقوة فاعلة في المجتمع دون قوة الالتزام، لأنه العنصر الجوهري الذي يدور حوله كل النظام الأخلاقي (2).
والتشريع القرآني يقوم المعايير الأخلاقية تقويماً دينياً ويجعل وجه ضرورة الالتزام بها الإيمان بالله بكل ماتستلزمه من تبعات ومكملات، وهو يفترض حرية الاختيار للإنسان، فهو يكلفه، ولكنه لا يلقيه كأمر تعسفي أو تحكمي، بل يخاطب الضمائر ليحصل على موافقتها، مع إبراز المثل الأعلى في ذاته، ليدعم به شرعيته (4)، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة 255) وقال: أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس:99) كما أن هذا
التكليف لا يخرج عن حدود الطاقة البشرية، وإنما هو في الإنسان وطاقته خاضع لإرادته ميسر في واقع الحياة قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (البقرة 286) وقال أيضاً: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَيَّ) الآية (الحج (78). وتنبثق عن فكرة الالتزام فكرة المسؤولية، لأن الإنسن لن يحاسب على أفعاله إلا بعد أن يكون قد علم مسبقاً بأحكامها، وكان واعياً لها أثناء سلوكه {وَكُلَّ إنسن الزمنه طير و في عنقه ونخرج له يوم القِيمَةِ كِتَباً يَلْقَتْهُ مَنشُورًا لله أقرأ كَتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليومَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) الإسراء (13، (14) وقال: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْتَلَنَّهُمْ {أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الحجر (93:92) فهو حر في اختياره، مما يترتب عليه قضيه الجزاء، لان القانون الأخلاقي الذي يلزمنا ويضعنا أمام مسؤولياتنا، يجب أن يضم نظاماً لتقدير مواقفنا وأعمالنا، ومن هنا فإن القرآن يربط بين هذه القضايا برباط وثيق، فالمسؤولية الأخلاقية هي مسؤولية جزاء، والجزاء جزء من العقيدة (4)
1 - انظر الكسيس كارل: تأملات في سلوك الإنسان، ترجمة محمد القصاص، ص 140 2 - انظر دراز، دستور الأخلاق في القرآن (بيروت، مؤسسة الرسالة الكويت دار البحوث العلمية: ط 3، 1980) ص 21.
- انظر م، ن: ص 65 وما يليها. 4 - انظر دستور الأخلاق: ص 171.
19 (1/19)
صفحة 20
فعنصر الاعتقاد مؤيد قوي لفكرة الالتزام في مفهوم الأخلاق، فإن الإيمان بالله وبالحياة الأخرى، وما فيها من ثواب للمحسن، وعقاب للمسيء، إلى جانب الجزاء الدنيوي المتمثل في المتابعة القضائية، ورسم العقوبات الحدية والتعزيرية، وهذا ما قضى به التشريع القرآني، وهو المبدأ الذي تخضع له الأنظمة الوضعية وتقتضيه العدالة الاجتماعية، وترتفع به الأخلاق إلى الواجب الذي يتحتم الالتزام به لذاته وضعف الوازع الديني في القلوب هو أصل الخروج عن النظم الشرعية، والاخلاقيات التي تسودها إنما يرجع إلى فساد العقيدة، فالعقيدة غير الصحيحة هي مصدر الشر والبلاء الذي يقاس به الناس (1) فالعنصر الخلقي ملموس في كل جزئية من جزئيات تشريعه بالإجمال فالقرآن جاء حاضاً على مكارم الأخلاق
سير
وداعياً إليها. فتشريعات القرآن جاءت لتصلح الإنسان عن طريق الأخلاق المرتبطة بالعقيدة التي تمثل قمتها التقوى، وإذا ماتم إصلاح الإنسان فإن الحياة كلها تصبح صالحة، لأن ما يفسدها إنما هي أعمال الإنسان الصادرة عن أخلاقه (2).
إذ المقصود من النظم الشرعية هو غايات أخلاقية، فالعبادات تعظيم لله تعالى، وشكر له على نعمه، وهدفها كرامة الإنسان وحريته، فلايذل إلا لخالقه، الذي هو وحده من ينبغي شكره والخنوع له.
-
أما نظام الشريعة المتعلق بتلبية الغرائز التي ترجع إلى أساسيات الحياة من طعام وشراب ونكاح فإن أحكام الشرع قد ضبطها بكيفية هدفت من ورائها إلى العفة أي السمو بالإنسان عن نهم الحيوان وهمجيته.
والغاية من نظام العقوبات تحقيق الأمن للناس في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم، وذلك بإقامة العدل والقضاء على العدوان والظلم.
والغاية من المعاملات المالية بما في ذلك نظام العقود والتبرع والصدقات وكذلك محاربة تجميد المال والجشع والأنانية التي تفضي إلى الظلم
الزكاة هي
1 - انظر ابن رشد، الحفيد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (بيروت، دار المعرفة، ط 1988/ 9 م) 476/ 2
2 - انظر ابن رشد، الحفيد: فضل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال تحقيق محمد عمارة (القاهرة، ط 2، د:
ت) ص 54، 55.
20 (1/20)
صفحة 21
الاجتماعي، والاستغلال والطبقية المهلكة.
هي
وغاية الشرع من نظام الحكم والسلطة السياسية، ومن كل رئاسة إنما حفظ كيان المجتمع، فبغير سلطة لا يكون هناك مجتمع، وبغير مجتمع لا يكون هناك علم، ولاحضارة؛ لأن العلم نتاج الفكر، ولأن الحضارة ثمرة حركة الفكر والبدن. ولكي يبقى المجتمع قوة متماسكة، لابد من سيادة الأخلاق الاجتماعية القائمة على إحساس الناس بوحدة القلوب، والمصير المشترك الذي يقتضي منهم التعاون كما أنهم جميعاً ينبغي أن يكونوا متضامنين في الدفاع عن كيان المجتمع الذي يتهدده خطر الانحلال وانتشار المنكر، فيجب أن يقوم بناء المجتمع على قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)
ج
إن التشريع القرآني لم يكن وليد التطور، ولا صدى للإرادة الإنسانية المتغيرة، بما يعصف بها من نوازع وأهواء وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} (المؤمنون: (71) إنما هو قانون إلهي ينسق بين حاجات الفطرة الإنسانية المتنوعة والمتفاوتة، والمصالح الكونية المسخرة له، فهو يرتب هذه المصالح في سلم دقيق أحاط بجميع الأصول العامة والقواعد الكلية التي يحتاج إليها كل قانون وفي نطام منسجم من الكون بكل مافيه من الثوابت والمتغيرات فأكثر أصول القوانين قائم على قواعده لتميز بنيته الذاتية عن سائر التشريعات الوضعية التي تتسم بالتطرف نحو اليمين أو اليسار في أصل التشريع، فقد قرر المؤتمر الدولي للقانون المقارن في دورته الثانية المنعقد في مدينة «لاهاي» بهولندا عام 1937 م أن الشريعة الإسلامية تعد مصدرا من مصادر التشريع العام، وأنها حية قابلة للتطور قائمة بذاتها، وليست مأخوذة عن غيرها (2)
كما أصدر مؤتمر المحامين الدولي الذي شهدته مدينة «لاهاي» عام 1948 م الذي اشتركت فيه ثلاث وخمسون دولة - أصدر بناء على اقتراح قدمته لجنة التشريع
1 - انظر بداية المجتهد: 2/ 396، 397 وانظر العبيدي حمادي: ابن رشد وعلوم الشريعة الإسلامية (بيروت، دار الفكر العربي ط 1 – 1991 م) ص 109. انطر عبدالعظيم شرف الدين تاريخ التشريع الإسلامي (بنغازي - جامعة قار يونس، ط 4، 1993 م) ص 8. - انظر عبدالعظيم شرف الدين: تاريخ التشريع الإسلامي ص 9.
21 (1/21)
صفحة 22
المقارن القرار الآتي: اعترافاً بما في التشريع الإسلامي من مرونة، وماله من شأن يجب على جمعية المحامين الدولية أن تقوم بتبني الدراسة المقارنة لهذا التشريع وبالتشجيع عليها (3).
وقد أثبت أستاذ القانون الدولي العام في أكاديمية العلوم الدولية في «لاهاي» أن «فيتوريا» و «سوراس» أول من فكرا في قواعد القانون الدولي، كانا يتمثلان ويتتبعان القواعد الدولية في التشريع الإسلامي، وأن جروسيوس» أبو القانون الدولي نقل عنهما، وعنه نقل جميع فقهاء القانون الدولي الحديث (1)
وعدد «ميتشيل دي توب الكثير مما سبق به التشريع الإسلامي وعلى الأخص نظم الحرب (2)، مما يدل على الأثر الكبير للقواعد الشرعية في القانون الدولي، وقد أكد ذلك «سيديو» الفرنسي في كتابه تاريخ العرب، وشرح ماعدده «ميتشيل دي توب من قواعد دولية إسلامية (3).
ومن الأصول القانونية القائمة على قواعد التشريع الإسلامي، الأحكام الخاصة بنظرية «التعسف في استعمال الحق التي أساسها مقتضيات العدالة، وقواعد الأخلاق (4)، وكذلك الأحكام الخاصة بحوالة الدين ومبدأ الحوادث غير المتوقعة، فهذه الأحكام تتضمن من القواعد ما يعتبر شاهدا من شواهد التقدم في التقنيات الغربية، وإن كان فقهاء الشريعة قد فطنوا إلى ماحدث من أحكام، وأحكموا سبكها وتطبيقها على ماعرض من عصورهم من أقضية لقرون خلت لم يكن ليخطر شيء من ذلك ببال مشرعي القانون الوضعي). ولاشك أن أسبقية الإسلام في هذه الأسس التشريعية العامة مستمد من أسرار القرآن وهو من دلائل إعجازه التشريعي.
1 - انظر منصور، علي: مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية (بيروت، دار الفتح ط 1 1970 م) ص 82.
2 - انظر من: ص 82.
- انظر م، ن: ص 92
- انظر الدريني، فتحي: نظرية التعسف في استعمال الحق (بيروت، مؤسسة الرسالة ط 3، 1981، ص 115). ه- انظر السنهوري، عبدالرزاق: الوسيط في القانون شرح القانون المدني الجديد (القاهرة، دار النهضة
العربية) 1/ 47.
22 (1/22)
صفحة 23
الفصل الأول
مفهوم الإعجاز التشريعي
23
} (1/23)
صفحة 24
مفهوم الإعجاز:
جاء محمد صلى الله عليه وسلم برسالة شاملة، خاتمة، فكان من مقتضيات ذلك أن تقرن بمعجزة باقية، يسلم لها العقل بالتفوق عليه، والتوافق مع أصوله، فهي لا تصادمه، ولكنها تفتح له آفاقاً
من المعرفة قد يدرك ملامحها، ولكنه يعجز عن تمام تصورها وتخاطبه بقواعد منهج يعقله، ولا يستطيع ببشريته المحدودة أن يجمع خصائصه، فالمعجزة تحد للعقل في غير تعد على وظيفته.
والإعجاز كلمة عربية مشتقة من العجز وهي الجدر الثلاثي لهذه الكلمة انبثقت منها كل صور استعمالاتها، مثل: إعجاز، وأعجاز، وعاجز، وعجوز، ومعجزة، وغير ذلك (1) ..
وخلاصة ما أورده ابن منظور (2) عن معنى العجز في معجمه هو: أن العجز: نقيض الحزم، يقال: عَجز فلانُ رأيَ فلان إذا نسبه إلى خلاف الحزم كأنه نسبه
إلى العجز.
والعجز الضعف، تقول: عجزت عن كذا أعجز، أي: ضعفت عنه، وفي حديث عمر: «ولاتُلِثُوا بدارِ مَعْجَرْةٍ، أي: لا تقيموا ببلدة تعجزون فيها عن الاكتساب
والتعيش».
والمعجزة، بفتح الجيم وكسرها - مفعلة من العجز انتقاء القدرة. والتعجيز: التثبيط، تقول، عَجز الرجل غيره وعاجزه أي سبقه فصار الآخر ضعيفاً عاجزاً عن متابعته.
والإعجاز: الفوت والسبق، يقال أعجزني فلان أي: سبقني وفاتني وعجزت عن
1 - انظر الأزهري، محمد: تهذيب اللغة (مصر، الدار المصرية للتأليف) 1/ 340، 342 مادة «عجز». 2 - هو محمد بن مكرم بن علي ابو الفضل - الامام اللغوي الحجة، ولد بمصر سنة 630 هـ وتوفي بها سنة 771 هـ وقد ترك بخطه نحو خمسمائة مجلد، وعمى في آخر عمره، واشهر كتبه لسان العرب» (انظر التبي، ابن شاكر: فوات الوفيات (طبعة مصر (1299 هـ) 2/ 265 وابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة " طبعة حيدر أباد 1950 م) 4/ 262 والزركلي، خير الدين: الاعلام (بيروت دار العلم للملايين، ط 6، 1984) 108/ 7.
24 (1/24)
صفحة 25
طلبه وإدراكه، ومنه قول الأعشى (1):
فذاك ولم يعجز من الموت ربه
ولكن أتاه الموت لا يتأبق (2)
أي وم ذلك لم يستطع أن يهرب من قبضة الموت الذي أتاه ظاهرا عارياً
لايتخفي ("
وقال أبو جندب الهذلي (4)
جعلت عُزان خلفهم دليلا وفاتوا في الحجاز ليعجزوني (0)
(1)
أي فروا إلى بلاد الحجاز ظنا منهم أنهم يفوتونني ويسبقونني (1) وقال الراغب الأصفهاني ()، عن معنى العجز (8): وصار في التعارف اسما للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة قال تعالى (أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ (المائدة: 31) وأعجزت فلانا، وعجزته جعلته عاجزاً قال تعالى:
:
وَاعْلَمُوا أَنَّكُر غَيْرُ مُعْجِزى اللهِ} (التوبة: 2) وقال تعالى (والذين سعوا في آياتنا معاجزين والعجوز: سميت لعجزها في كثير من الأمور قال تعالى
قالَتْ يَوَيْلَتى أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزُ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا» (هود: (72).
يتأبق: يختفي ويستتر وتأبق الشيء: أنكره.
1 - هو ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبه الوائلي، أبو بصير اغفل المؤرخون والرواة تاريخ ولادته لقب بالأعشى لضعف بصره، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات توفي سنة 7 هـ (انظر الاصفاني، أبو الفرج: الاغاني (بيروت، دار (حلب) 77/ 8 ابن قتيبة الشعر والشعراء (القاهرة، دار المعارف ط 1958 م) 1/ 257. -2 - ديوان الأعشى (بيروت، 1998 م) ص 117 والبيت من البحر الطويل.
- انظر الحتي، حنا: شرح ديوان الأعشى الكبير بيروت دار الكتاب العربي ط 1، 1992 م) ص 231.
ه انظر السكري، الحسن: شرح اشعار الهذليين (القاهرة، طبعة مكتبة دار العروبة والبيت من البحر الوافر 1/ 354. 6 - انظر ابن منظور جمال الدين لسان العرب (بيروت، دار الجيل ط 1988 م) (4/ 691 مادة «عجز». - هو حسين بن محمد بن الفضل، أبو القاسم الأصفهاني المعروف بالراغب: أديب من الحكماء العلماء واشتهر حتى كان يقرن بالإمام الغزالي توفي سنة 502 هـ (انظر الاعلام 2/ 255).
- انظر الراغب، حسين: المفردات في غريب القرآن (مكتبة مصطفى الحلبي) ص 322
25 (1/25)
صفحة 26
هو
وتأتي بمعنى مؤخر الشيء، ومنه عجز الأمر، وأعجاز الأمور أواخرها، وعجز الرجل والعجيزة عجيزة المرأة خاصة إذا كانت ضخمة، وعجزة الرجل آخر ولده وأعجاز الليل، والمرأة العجوز (1) واعجاز النخل واعجاز الإبل (2) ويقول الجرجاني (3) في تعريف الإعجاز بمعناه العام الإعجاز في الكلام هو أن يؤدي المعنى بطريق أبلغ من جميع ماعداه من الطرق) (4) وكلمة «معجزة» من مشتقات أعجز فهي اسم فاعل من الفعل الرباعي أعجز يعجز فهو معجز وسميت المعجزة معجزة لعجز من يقع عندهم ذلك عن معارضتها والهاء فيها للمبالغة» ()، وهي في الاصطلاح: أمر خارق للعادة مقرون بالتحديد سالم عن المعارضة (6) أو هي: أمر خارق للعادة خارج عن حدود الاسباب المعروفة يخلقه الله تعالى على يد مدعي النبوة عند دعواه إياها شاهدا على صدقه متحديا المعاندين (7) فهي خارقة للعادة أي: غير خاضعة للمقاييس البشرية، والسنن الكونية لذلك لا يمكن تفسيرها بالأسباب المادية ولا قياسها بها، دون أن تكون مستحيلة بذاتها، بحيث يبطلها العقل، كإبطاله اجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما بل هي محكومة بقانون العلية العام، لانها تصرف ما وراء الطبيعة بالطبيعة، لذلك نجد «فرقا بعيدا بين المعجزة وما جد او يجد في العالم من عجائب العلم، وروائع الاختراع، فالمعجزة ليست لها أسباب معروفة حتى تلتمس بيسر
1 - استوعب صاحب القاموس معاني العجوز سبعة وسبعين معنى، وزاد عليها صاحب التاج بضعا وعشرين (انظر الزاوي، الظاهر: ترتيب القاموس الدار العربية للكتاب ط 3، 1980) 3/ 160، 161.
2 - هو علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني: فيلسوف - من كبار العلماء بالعربية – ولد سنة 740 هـ، وتوفي سنة 816 هـ له نحو خمسين مصنفا منها التعريفات انظر) زاده، طاش كبرى مفتاح السعادة (طبعة حيدر آباد
1329 هـ) 167/ 1)
الجرجاني علي: التعريفات (بيروت - دار الكتاب العربي، ط 4) ص 47.
4 - انظر ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة (مكتب الأعلام الإسلامي 1984 م) 4/ 232، 233
10
انظر ابن حجز محمد: فتح الباري شرح صحيح البخاري (القاهرة دار الريان للتراث ط 14073 هـ وانظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن (بيروت دار الشام للتراث ط 2 1952 م) 1/ 69.
6 - انظر السيوطي: الاتقان في علوم القرآن (بيروت دار المعرفةة ط 4 1978 م) 2/ 148.
7 - انظر العطار، داود: موجز علوم القرآن بيروت مؤسسة الأعلمى للمطبوعات ط 2 1979 م) ص 38.
26 (1/26)
صفحة 27
متى التمسها من طريقها (1) ولذا فإن من يأتي بأمر يبني على الحس والتجربة ليس بمعجزة لانه ليس خرقا للمقاييس البشرية، والسنن الكونية، والأسباب المادية فالصعود إلى القمر مثلا او المريخ ليس بمعجزة لانه مسبوق بتعليم وتدارس وتجارب فاقد لصفة خرق تلك المقاييس والسنن والأسباب كذلك في معالجة الأمراض بالايحاءات النفسية او المواد المشعة، ولان عجز الآخرين عن مثل هذه الأمور ليس عجزا مطلقا بل هو عجز نسبي سببه الجهل بالتجربة والمقدمات العلمية، لذا فإن مثل هذه الأمور ليس فيها خرق للعادة (2) وحدد التعريف بقيد كونه «شاهدا على صدقه» إخراج للخارقة التي تأتي تكذيبا لدعوى النبوة، كأن يقول المدعي للنبوة: آية نبوتي ودليل حجتي أن تنطق يدي أويد هذه الدابة، فنطقت يده أو يد الدابة بأن قالت كذب وليس هو نبي (3).
(د)
أنه
والتقييد بكونه «متحديا بها المعاندين، واحتراز عما يقع من ذلك مصادفة لاعلى وجه التحدي، وإظهار صدق النبوة، فهي عندئذ من نوع الإكرام الإلهي، غير لا يشترط التصريح بالتحدي بل تكفي قرائن الأحوال» (4)
فالتحدي يختص بالمعجزات الموجهة إلى الكفار بصفتها دليلاً للنبي- إذ لابد من التحدي فيها والدعوة الى المعارضة إن استطاعوا فإذا عجزوا عن التحديد ثبت لهم صدق دعوى ذلك النبي بأنه مرسل من الله تعالى.
إن كلمة إعجاز ومعجزة لم تذكرا في القرآن، وإنما ذكرت فيه كلمات مقاربة في المعنى. كما أنهما لم تذكرا في الحديث النبوي، ولا في أقوال الصحابة
ومن تلك الكلمات:
هي
العلامة
- الآية: ورد ذكرها في القرآن الكريم قريبة من معنى المعجزة، الآية: الظاهرة (2) فيكون ما يقدمه النبي من الخوارق آية، أي علامة ظاهرة على نبوته
(°)
1 - الزرقاني، محمد: مناهل العرفان في علوم القرآن (بيروت دار الشام للتراث، ط 3) 1/ 76. 2 - انظر العطار، داود: موجز علوم القرآن: ص 49، 50
- انظر القرطبي / الجامع لأحكام القرآ: 1/ 71.
4 - اظر البوطي، محمد: كبرى اليقينيات الكونية (بيروت، دار الفكر المعاصر، ط، 1982 م) ص 214.
- انظر معجم مقاييس اللغة: 1/ 168 والمفردات للراغب: ص 33.
27 (1/27)
صفحة 28
قال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحاً قَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ
قَدْ جَاءَ تكُم بَيْنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) (الاعراف (73) وقال فرعون لموسى - عليه السلام: (قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِشَايَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (الاعراف: 106).
- البينة: وهي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة» (1) قال صالح لقومه و قَدْ جَاءَ تكُم بَيْنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} (الاعراف:73) وقال موسى - عليه السلام - الفرعون وقومه: هو قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَ يلَ} (الأعراف: 105) وكقوله تعالى:
فَقَدْ جَاءَ كُم بَيْنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ((الانعام: 157). - البرهان: وهو «بيان للحجة وهو أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق لا محالة» (2) قال تعالفَلَانِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَسِقِينَ} (القصص: (32) وقال سبحانه وتعالى: يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُم بُرْهَنُ مِن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مبينا) (النساء: 174)
- السلطان: وهو القوة والقهر والحجة (2) قال تعالى
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِنَايَتِنَا وَسُلْطَنٍ مُّبِينٌ) (المؤمنون: 45) وقال سبحانه وتعالى عن المواجهة بين الأنبياء وبين أقوامهم قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا
بشر مثلنا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ وَ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم) (ابراهيم: 11،10).
- البصيرة: وهي البرهان الواضح واصلها وضوح الشيء .. ويقال بصرت الشيء إذا صرت بصيرا عالماً» (4) قال تعالى عن ناقة صالح عليه
- المفردات: ص 68
2 - من: ص 45.
- انطر معجم مقاييس اللغة: 3/ 95، والمفردات: ص 238.
- معجم مقاييس اللغة: 1/ 254.
28 (1/28)
صفحة 29
السلام: {وَعَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا): (الاسراء: (59) وقال سبحانه عن آيات موسى -عليه السلام إلى فرعون وقومه: في تِسْعِ ايَةٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَسِقِينَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ وَايْتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (النمل: 12، 13) وقال
عن القرآن (قَدْ جَاءَ كُم بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)
(الأنعام: 104). ولقد مضى القرن الأول والثاني، ولم يستخدم الكلمتان بمعناهما الاصطلاحي المعروف، لفقدان الدليل على ذلك، أو مخالفة للمألوف عند اصحاب الديانتين السابقتين اليهودية والمسيحية - من كثرة استخدام أدعياء النبوة للفظ المعجزة بما يدعونه من خوارق يستدلون بها على نبوءاتهم مع أنها ليست من المعجزات. ويرجح نعيم الحمضي» استعمالها بالمعنى الاصطلاحي المعروف في الربع الثاني من القرن الثالث الهجري او بعد منتصفه (1) وذلك عندما اخذ الفكر الفلسفي يناقش من قبل علماء الكلام على ضوء الفكر الإسلامي.
"
وتوافق اصطلاح علماء القرآن في مطلع القرن الرابع الهجري على تسمية آيات الرسل، وحججهم وبيناتهم بالمعجزات وعلى تسمية تحدي القرآن للكفار وعجزهم عن المعارضة بالاعجاز» فقالوا: معجزة النبي وإعجاز القرآن. وظهرت في مطلع هذا القرن كتب تحمل اسم «إعجاز القرآن» مثل کتاب محمد بن زيد الواسطي المعتزلي (2) ولعله ألفه في أواخر القرن الثالث الهجري (3) او في مطلع القرن الرابع الهجري، لأنه توفي سنة 306 هـ فاستخدم العلماء كلمتي معجزة وإعجاز في كلامهم وفي كتاباتهم واضافوهما إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى القرآن وقد جوزوا ذلك للتقارب في المعنى بين المعجزة وبين الألفاظ القرآنية آية وبينة وبرهان وسلطان وبصيرة وكذلك لصحة معنى المعجزة والإعجاز وانطباقه على المضمون.
1 - انظر الحمصي، نعيم: فكرة إعجاز القرآن (بيروت، موسسة الرسالة، ط 2، 1980 م) ص 50
2 - هو محمد بن زيد بن علي بن الحسين الواسطي، أبو عبد الله من كبار علماء الكلام، معتزلي اصله من واسط سكان بغداد وتوفي بها، توفي سنة 307 هـ (انظر الصفدي، صلاح الوافي بالوفيات، دار النشر فرانز شتانير بقيسبادن) 082/ 3 - انظر فكرة إعجاز القرآن: ص 7.
29 (1/29)
صفحة 30
مفهوم التشريع:
إن مادة التشريع والشرعة، وما اشتق منها من أفعال وصفات تدل في أصل الاستعمال اللغوي على مورد الماء» وهذا المعنى نقل إلى الاستعمال الديني، ليدل على ارتواء ظمأ الروح الإنسانية التي تتوق إلى الخير والعدل والوفاق.
- فهذه الاشتقاقات استخدمت في اللغة بمعنيين:
أحدهما: الطريقة المستقيمة، ومن ذلك قوله تعالى:
تمَّ جَعَلْنَك عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} (الجاثية: 18) قول تعالى: يكُل جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: (48) فهي هنا الدين والمنهاج:
الطريق
الآخر: مورد الماء، الشرعة والشريعة في كلام العرب مشرعة الماء، وهي مورد. الشاربة التي شرعها الناس فيشربون منها ويستقون وشرعت الإبل أي: وردت. الماء، قال الشماخ: (1)
فلما شرعت قَصَعَتْ غليلا فأعجلها، وقد شربت غماراً (2)
ما والشريعة والشراع والمشرعة: المواضع التي ينحدر الماء منها، وبها سمي شرع الله للعباد من الصوم والصلاة والحج والنكاح وغيره. (3)
فإذا كان الماء هو السبيل إلى حياة الأجسام، وانتعاشها، فإن الشريعة الإسلامية سبيل إلى حياة النفوس والأمم، وإذا كانت الجادة المستقيمة مريحة للسائر عليها. مطمئنا إلى أنها ستوصله إلى غايته فكذلك أوامر الله سبحانه وتعالى مستقيمة
المنهج، محكمة الوضع لا ينحرف نظامها ولا تعدل عن مقصدها.
1 - هو معقل بن ضرار بن سنان بن أمية، ينتهي نسبه إلى بني سعد بن ذبيان، شاعر فحل مخضرم وضعه ابن سلام فيي الطبقة الثالثة من فحول الجاهلية انظر والشعر والشعراء: 1/ 232 والاغاني: 98/ 8)
2 - ديوان الشماخ بن ضرار الذيباني جمع الهادي صلاح الدين القاهرة دار المعارف، 1968 م) ص 445 والبيت من البحر
الوافر. - انظر لسان العرب: 3/ 298. (1/30)
صفحة 31
وما «التشريع القرآني» إلا قواعد كلية تحدد طريقة العبادة ومباديء المعيشة والاجتماع وقوانين الأحكام المنظمة لحياة الأفراد في المعاملات والعلائق والحدود بين الحلال والحرام.
فهو ينظم حياة الفرد الداخلية والخارجية، وحياة المجتمع وفق التعاليم الإلهية طبقا لقواعد كلية تنزل بطريقة الوحي، وتكمن علاقتها بالإعجاز في تطابقها مع حاجات الفرد، ومصالحة، ومباديء المجتمع، ومقاصده على اختلاف العصور، والمواطن في توازن ينفي التصادم بين رغبات الفرد وغايات المجتمع.
ومفهوم التشريع أعم من الفقه في هذا المعنى الاصطلاحي، فيراد بالتشريع جميع التعاليم المستقاة من الوحي التي تهدي الفرد والجماعة إلى الخير في العبادات والمعاملات إلى جانب القواعد الاعتقادية والخلقية. ويعرف البوطي «إعجاز التشريع القرآني» بأنه ذلك التشريع المتضمن للدقة والتكامل المتعلق بشتى أمور الحياة الخاصة والعامة، الذي عنت لعظمته جباه علماء التشريع والقانون .. (1)
(1)
وسموه
ويعرفه صلاح الخالدي بأنه تشريعات القرآن ونظمه ومناهجه والمباديء التي قررها والقيم التي دعا إليها والاسس التي أرساها، والهداية التي هدف إليها. (2) - ومن خلال هذه التعريفات نستطيع ان نعرف الإعجاز التشريعي في «القرآن» بأنه العجز عن تحدي الأصول التنظيمية التشريعية، التي تضمنها الخطاب القرآني الملائم لحاجات الإنسان ومصالحه.
1 - انظر البوطي، محمد: من روائع القرآن، مكتبة الفارابي، طه 1977 م) ص 185. 2 - انطر الخالدي: البيان في إعجاز القرآن: عمان، دار عمان للنشر والتوزيع) ص 321
31 (1/31)
صفحة 32
المعجزة بين العلم والدين
إن أية معجزة لابد أن يجتمع فيها إقناع العقل، وقهر القوى البشرية المخاطبة بحيث تلائم بين أحوال المخاطبين بها، ولا تعارض البديهيات التي بنيت عليها الأحكام العقلية الثابتة والتي قد يستدل بها على وجود الخالق والمخلوق، لأن الإعجاز تغيير مفاجيء يحدث في ظاهرة عقلية أو حسية (1)، لا من جهة نقض، قانونها، بل من جهة التأثير فيها بالإبقاء أو الإلغاء أو الزيادة، أو النقصان، أو. التحويل على نحو لا يقدر عليه البشر، فهي تخالف القوانين الطبيعية، ولاتخالف. القونين العقلية، وقد أنكر كثير من الفلاسفة، وأصحاب العلم المادي المعجزة وكذلك فعل بعض العلماء المسلمين المحدثين في إنكار أنواع من المعجزات، حيث بهرتهم الحضارة الغربية، واكتشافاتها في مطلع هذا القرن (2).
1 - ليس هناك فرق بين المعجزة العقلية، والمعجزة الحسية أو الكونية إلا أن يراد من المعجزة العقلية ما يكون منشؤه التفوق العقلي المنقطع النظير لمن أتي بالمعجزة فلا يخرج على سنة الكون، وإنما يكون مبلغه أسمى ما يستطيع أي إنسان أن يبلغه. والذين فرقوا بين النوعين أنكروا المعجزة الكونية.
2 - ترددت في كتابات المحدثين هفوات أرادوا بها مضاهاة المذاهب المادية، وإرضاء أهلها، وذلك بتأويل المعجزات وقد سار في هذا الطريق كل من محمد عبده، ورشيد رضا، ومصطفى المراغي، وفريد وجدي ومحمد حسين هيكل، وقد أراد هؤلاء. العلماء أن يثبتوا أن للعقل مكانة كبيرة في الإسلام، وأن الخوارق والمعجزات باستثناء القرآن لا أصل لها في الإسلام جريا وراء الموجة الطاغية في عصرهم في الدعوة إلى العقلانية وبدافع ذلك الافتتان الجديد، وبدعوى الأخذ بالطريقة العلمية فيب البحث شككوا في قيمة السنة فأولوا المعجزات وانكروها ليجعلوا حياة الأنبياء عادية لاتختلف عن حياة الحكماء والعظماء والعباقرة والمصلحين، وإن كان كل ذلك بدافع حسن، وهو ترغيب عقلاء الغرب في الإسلام، وتحبيبه إلى قلوبهم، ومنن عقولهم، فكأن المعجزات الكونية والروايات عنها في كتب الحديث والسيرة أصبحت عيبا على الإسلام وحياة نبيه- عليهه الصلاة والسلام- ولمن أراد أن يطلع على مقالاتهم والرد عليها – فلينظر:
«مجلة نور الإسلام» العدد الثاني، م 2،ص 77، 78 وما بعدها سنة 1931 م ومجلة الأزهر 3 المجلد 11 والمراد على هذه الشبهات وانظر موقف العقل والعلم مصطفى صبري (بيروت - دار إحياء التراث العربي - ط 2 - 1981 م) 4/ 943 وملا يليها وانظر فقه السيرة: للبوطي (دار الفكر / ط 7، 1978 م) ص 116 ومايليها.
32 (1/32)
صفحة 33
ومنشأ إنكار المعجزة، واستبعاد وقوعها، هو قياسهم الإمكان، والاستحالة بمقياس قدرة الإنسان، وينسون قدرة الله التي ليس ببعيد عنها أن تهدم السماوات والأرض، وتنشئها من جديد فقد حاولوا أن يفسروا المعجزة تفسيرا يطابق المعهود من السنن الطبيعية بسبب طول الإلف واستمرار الاتصال بها» (1) ولعل من أسباب الاختلاف حول إمكانية وقوع المعجزة وكونها خارقة لنواميس الكون، ومقاييس الطبيعة، هو معنى المعجزة عند منكريها وعند مثبتيها، فإن هذا الاختلاف لا يرجع إلى المعتقد فحسب بل كذلك يرجع الى اختلاف الدلالة اللغوية للكلمة يقول العقاد: «والمعجزة في لفظها العربي قوامها الاعجاز أي: الإقناع .. وقوامها في اللفظ الافرنجي الإعجاب والإدهاش» (2) ففاطر السماوات والارض لا يعز عليه أن يرسل إلى بني آدم الذين هو خالقهم أيضا رسولا منهم فيوحي إليه ماشاء ويظهر على يديه خارقة من خوارق العادات وفي ذلك يقول ويليام استانلي جون» (3): «القدرة التي خلقت العالم لاتعجز عن حذف شيء منه أو إضافة شيء إليه، ومن السهل أن يقال عنه إنه غير متصور عند العقل، لكن الذي يقال عنه إنه متصور ليس غير متصور إلى درجة وجود العالم» (4) أي: أنه لو لم يكن جزء من هذا العالم موجودا وقيل لواحد ممن ينكر المعجزات والخوارق ولايتصور وجودها: سيوجد عالم بالشكل الفلاني، فإنه سيبادر قائلاً: إن هذا غير متصور، ويأتي نفيه لذلك أشد من نفي المعجزة التي ينكرها، مع انها
1 - انظر العقاد، عباس: ساعات بين الكتب (صيدا - بيروت - منشورات المكتبة العصرية) ص 23 - م، ن: ص 23.
•
- وليم استانلي عالم من علماء المنطق والاقتصاد الانجليز، وأستاذ بجامعتي مانشستر ولندن، وهو من أوائل من استخدموا المنهج الرياضي في التحليل الاقتصادي ولد عام 1835 م وتوفي 1882 م) (انطر الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير کرم (بيروت، دار الطليعة ن ط 19876 م).
4 - نقلا عن صبري، مصطفى: موقف العقل والعلم (بيروت - دار إحياء التراث العربي ط 19812 م) 17/ 4.
33 (1/33)
صفحة 34
بعد وجودها لا تحرك شيئاً من الاستغراب او الدهشة في عقله وينظر إليها دون أن
يقول: إن وجود هذا الشيء أمر غير ممكن أو متصور!!. (1)
والمعجزة عند «دافيد هيوم» (2) قائمة بغير دليل مقنع من جنس القياس المنطقي الذي تجوز به المناقشة، فالبرهان العلمي أو البرهان المنطقي عنده هو الوحيد الصالح للإثبات والنفي والتصديق والتكذيب، فهو يرى أن قوانين الطبيعة تقررت وثبتت بالتجربة الثابته المطردة لكن القول بالمعجزات معناه إنكار القوانين الطبيعية، إذن المعجزات مستحيلة (3)
فهيوم هذا لم ينكر المعجزة فقط، بل أنكر العلم، لأن النظام المسمى بالقوانين الطبيعية والذي يزعم هيوم ومن نهج سبيله: أنه لا يمكن تغييرها هي في حقيقة الأمر. قوانين موضوعة غير ناشئة من طبيعة الأشياء حتى لا يمكن تغييرها، ومعنى كونها قوانين أما قضايا كلية مطردة الصدق اطرادا عاديا غير بالغ مبلغ الضرورة والواجب، فلا يكون خلافه محالاً عقلياً لأن تلك القضايا مبنية على التجربة
"
والتجربة مهما اطردت نتائجها فلا تكفي في استناد القضية الضرورية إليها. لأنها تدل على العادة لا على الضرورة فإذا كانت الضرورة شرطا في القانون ولم يكف اطراد الصدق عادياً، فليس هناك شيء يصح أن يقال «قوانين طبيعية» (4) وقد. ذكر ذلك «أميل سسه» فقال: «إن العلم مع كونه ترقى كثيرا في مطالعة الطبيعة لم:
1 - انظر من: 17/ 4.
•
- فيلسوف ومؤرخ إسكتلندي، مذهبه نتيجة منطقية لفلسفة لوك، وباركلي، ويعرف مذهبه بالشك كطريقة لاكتشاف حقيقةة الاشياء، ولد عام 1711 م وتوفي 1776 متأثرا بمرض السرطان المعوي. انطر الموسوعة العربية الميسرة: ص 1933 وانظر متى كريم الفلسفة الحديثة مركز نقدي (منشورات جامعة بنغازي ط 1974) ص 203
3 - انظر ساعات بين الكتب: ص 24 وانظر بدوي عبد الرحمن: موسوعة الفسلفة (بيروت المؤسسة العربية للدراساتن
والنشر ط 1. 1984 م) 2/ 0450
4 - تمظر موقف العقل والعلم: 4/ 30، 31.
34 (1/34)
صفحة 35
يثبت في وقت من الأوقات أن القوانين الطبيعية قوانين هندسية» (1) يعنى أنها ليست مستحيلة التغيير.
وقال الرياضي الشهير هنري بونكاريه» (2) في كتابه «الفرضية والعلم» «القانون التجريبي عرضة دائماً للتصحيح فهو لايزال يتوقع تبديله بقانون أقوى منه» (3) وقال «جون ستيورت ميل» (4) عند انتقاده لإنكار هيوم المعجزات «إن من لا يؤمن بموجود فوق الطبيعة، ولا بتدخله في شؤون العالم لايقبل فعل إنسان خارق للعادة على أنه معجزة لكن إذا آمن بالله فلا يكون تأثيره في العالم وسلطته عليه فرضية محضة، بل احتمالا جدياً، والحكم بعدم تدخل الله في شؤون العالم إنما يمكن بمعرفة السنة الإلهية في الماضي أو بمعرفة مايلزم منطقيا أن تكون السنة الإلهية
كذلك (5)
فإثبات إمكان وقوع المعجزة من أسهل الأمور بعد ثبوت وجود الله القادر على كل شيء ومن هنا قال «اشلير ماخر» و «ريتجه بل»: «إن الإيمان بالمعجزات لاينفك عن الإيمان بالله» (1) فهو جاعل نظام هذا العالم وخالقه، ومبدعه، وكان مختاراً في جعله وخلقه إياه، فهو قادر على تعطيله، وتغييره متى شاء ذلك، فإذا شاء يسلب الأشياء ما جرت سنته فيها، ويكون هذا السلب خرقا للعادة لاخرقاً للعقل حتى يكون محالاً، فكما تكون النار محرقة، يكون كف النار عن الإحراق بأمر الله، ولافرق بين الحالين بالنسبة إلى قدرة الله إلا بكثرة وقوع الأول، وقلة وقوع الثاني مع تساويهما في إمكانية الوقوع (3).
1 - انظر من: 4/ 31،30 - عالم رياضي فرنسي، وباحث في المناهج العلمية، ونقد العلم، ولد من أسرة ممتازة في نانسى سنة 1854 م وقد كرست أعماله الرئيسية للفيزياء الرياضية - نقد الرياضيات، والعلوم انظر (بدوي: موسوعة الفلسفة وانظر الموسوعة الفلسفية، ترجمة: سمير كرم) ص 90.
3 - عن موقف العقل والعلم: 4/ 31،30
- ولد في لندن سنة 1800 م، وتوفي سنة 1873 م وقد عانى مل في سن العشرين ازمة عقلية اعقبتها فترة طويلة من الكآبة والقلق، وكان يجد عزاءه في أثناء الفترة في قراءة أشعار - ورد زورت.
(انظر الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة مجموعة من الاساتذة (بيروت دار القلم) ص 441)
ه - نقلاً عن موقف العقل والعلم: 4/ 61.
- عن م، ن: 30/ 4
انظر م ن: 4/ 26.
•
35 (1/35)
صفحة 36
ومعنى عموم قدرته: أنه قادر على كل شيء ممكن إمكانا عقليا لكن من الإمكان أوسع بكثير مما يظنه منكرو المعجزات، فيدخل في الممكن كل ما ليس بمحال عقلي، ولا يستلزم المحال كجمع النقيضين ورفعهما والدور والتسلسل (2) ولذا قال استوارت ميل «الله» الذي اوجد سلسلة الأسباب والعلل قادر على تعطيل عمل هذه السلسلة، فلاتكون المعجزة خارقة للعادة بهذا المعنى، ولا يختل قانون السببية فسبب المعجزة إرادة الله ومراده من عدم كون المعجزة خارقة أنها غير مخلة بقانون السبيبة، وهو الناحية المهمة للمسألة لوجود سببها الذي هو إرادة الله وإلا، فالمعجزة تخرق العادة بتعطيل عمل سلسلة الأسباب» (3)
وبهذا فلا يلبث العلم أن يرد على منكري المعجزة عند أول مقابلة معه: بأن نظام السببية ليس أكثر من رابطة مطردة نراها بأعيننا، ولن يكون ذلك مستلزما لوجوب الاستمرار واستحالة الانفكاك، إن المسبب الأول لا يعجزه شيء عن إبطال هذا التلازم، والترابط الصوري الذي نراه.
وإن كان طول الإلف، واستمرار الاتصال يثير فينا العجب، ولا استغراب من قوة ذلك إنه لمن الوهم أن يتخذ الإنسان مما قد اعتاد أن يراه مقياسا لإيمانه. بالاشياء وكفره بها وهو يزعم أنه يترقى صعدا في مدارج الحضارة والفكر.
1 - الدور: توقف الشيئين على الآخر.
التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية - انظر الجرجاني: التعريفات ص 80، 140 وانظر التهانوي، محمد: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، وتحقيق على دحروج بيروت مكتبة لبنان ط 1966 م) 1/ 42.
2 - عن كتاب موقف العقل والعلم: 4/ 33.
36 (1/36)
صفحة 37
وجوه الإعجاز القرآني
إن القرآن معجز في كل دلالة من دلالات، خطابه في مجالات بيانية وبرهانية وتشريعية وعلمية متضافرة على سجود العقل والوجدان لها، سجود الإقرار والإذعان بداية ما نزل منه كآخر ما انتهى إليه، ووسطه كطرفيه، نسق واحد منتظم منسجم، فهو معجز في الصياغة والنظم، ومعجز في التراكيب والمضمون لا في عصر دون عصر بل ما بقيت الحياة، لأنه برهان رسالة الحياتين الأولى والأخرى.
ولسنا الآن بصدد استقصاء وجوه إعجاز القرآن التي ذكرها العلماء، وصنفوا فيها المؤلفات فمنهم من اكتفى بالإعجاز البياني، وجعله عمدة مباحثة في إظهار قوة التحدي الكامنة في جميع سور القرآن، ومنهم من أضاف للإعجاز البياني وجوها أخرى مثل الإعجاز الغيبي، والإعجاز العلمي والإعجاز التشريعي والإعجاز النفسي، والإعجاز البرهاني.
- والدراسة الموضوعية تنظر في موضوع القرآن نفسه أين يكمن إعجازه، وبماذا كان القرآن معجزا إنها تتناول الكلمة القرآنية والجملة القرآنية، والأسلوب القرآني، والمضمون القرآني (1)
وفي هذا المعنى يقول موسى شاهين لاشين أثناء حديثه عن جوه الإعجاز «اقتطف العلماء وجوها كثيرة، ومظاهر عديدة لإعجاز القرآن، وهذه الوجوه تختلف قوتها باختلاف متذوقها والنظر فيها، كالوردة يختلف المعجبون بها، والباحثون في محاسنها وإبداعها باختلاف احاسيسهم واتجاهاتهم فمنهم من يعجب بريحها الطيب ومنهم من يتعشق لونها الجميل، ومنهم من يتلذذ بطعمها، ومنهم من تأخذه روعة تركيبها إلى غير ذلك من النظرات المختلفة في أوجه الحسن المتوافرة» (2)
1 - انظر الخالدي، صلاح: البيان في إعجاز القرآن ص 135. 2 - لاشين
، موسى: اللآلي الحسان في علوم القرآن (مصر - مطبعة دار التأليف - 1968 م) ص 245.
37 (1/37)
صفحة 38
وقد حصر «القاضي عياض» (1) وجماعة من العلماء وجوه الإعجاز في أربع
جهات خلاصتها:
-1 - حسن تأليفه والتئام كلمه، وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة
عادة العرب.
2 - صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه.
ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات وما لم يكن ولم يقع فوجد كما وعلى الوجه الذي أخبر به.
(د)
ورد.
- ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة، والشرائع الدائرة (2) فالإعجاز عنده في الإيجاز والبلاغة والاسلوب الغريب والاخبار بالمغيبات والاخبار عن الأمم الماضية وذكر وجوها أخرى (2) إلا أنه استدرك ذلك بقوله «الاعجاز الوجوه الأربعة التي ذكرناها فليعتمد عليها، وما بعدها من خواص، القرآن وعجائبه التي لا تنقضي)
- وقد اكتفى ابن عاشور (5) وهو من المتأخرين بتحديد وجوه الإعجاز في أربع
جهات هي:
1 - وهو عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي عالم المغرب وإمام أهل الحارة في وقته ولد عام 476 هـ بسبته وتوفي، بمراكش مسموماً عام 544 هـ (انظر ابن خلكان أبي العباس وفيات الأعيان، تحقيق احسان عباس (بيروت دار الثقافة د: ت) 3/ 483 ومفتاح السعادة: 2/ 19 والاعلام: 5/ 99).
2 - انظر اليحصبي، عياض: الشفاء بتعريف حقوق المصطفى - بيروت - دار الكتاب العربي (1984) 1/ 358، 369،
279
- كتعجيز القرآن لقوم في قضايا لم يفعلوها. وما يحدثه من الروعة والتأثير في قلوب السامعين وانه لا يخلق على كثرة الرد. وجمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب، ويعرض لرأي الصرفة أثناء كلامه، فلا ينكر هذا القول بل يثبته اثباتاا مبهما ضعيفا ويقول: انه على هذا القول أيضا معجز انظر الشفاك لعياض، 1/ 358 - 380)
•
- انظر م، ن: 396. ه- وهو محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس مولده بها عام 1879 م ووفاته بها عام 1973 م وكذلك كانت دراسته بها انظر محفوظ محمد: تراجم المولفين التونسيين) بيروت، دار? الغرب الإسلامي، ط 1 (1984 م) 3/ 304 وما بعدها. 1984 م)
38 (1/38)
صفحة 39
الجهة الأولى: بلوغه الغاية القصوى، والطرف الأعلى من البلاغة والفصاحة بحيث يكثر فيه ذلك كثرة لا يدانيها شيء من كلام البلغاء من شعرائهم وخطبائهم. الجهة الثانية: ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في أساليب الكلام البليغ مما لم يكن معهودا عند العرب، ولكنه غير خارج عما تسمح به اللغة. الجهة الثالثة: ما أودع فيه من المعاني الحكيمة، والإشارات العلمية مما لم تبلغ
إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن وفي عصور بعده متفاوته. الجهة الرابعة: وهو ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب» (1)
فابن عاشور هنا يوافق القاضي عياض ومن شاطره الرأي في إرجاع وجوه الإعجاز إلى أربع إلا أن ابن عاشور كان أدق في تحديدها منه، فعياض، كما سبق أن ذكرنا جعل الأول في حسن التأليف والإيجاز والبلاغة، والثاني: في النظم العجيب والأسلوب الغريب، والثالث والرابع فيما انطوى عليه من الإخبار
بالمغيبات فالإعجاز عنده في البيان، والاخبار بالمغيبات. وابن عاشور وافقه في الأول والثاني، وخالفه في الثالث، حيث جعل معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية وجها ثالثا للإعجاز وقد اشار ابن
عاشور إلى أن القاضي عياض قد اغفل هذه الجهة.
وأورد الوجه الرابع من دلائل كون القرآن منزلا من عند الله ولكنه يرى أن «ليس له مزيد تعلق بنظم القرآن ودلالة فصاحته وبلاغته على المعاني العليا ولاهو كثير في القرآن» (2) وقال: «فأما إذا أردنا عد هذا الوجه في نسق وجوه الإعجاز، فذلك فيما نرى من جهة أن العرب لم يكن أدبهم مشتملا على التاريخ إلا بإشارات
نادرة» (2)
1 - انظر ابن عاشور، محمد الطاهر التحرير والتنوير - الدار) التونسية للنشر) 1/ 104.
2 - م، ن: 1/ 129.
3 - م ن: 1/ 126.
39 (1/39)
صفحة 40
فالمتأمل في هذه الأوجه التي ذكر ابن عاشور يلاحظ التداخل فيما بينها. فنجد الجهة الأولى والثانية: متداخلتين ومتعلقتين بالمنهج البياني للقرآن، فبلوغه الغاية القصوى والطرف الأعلى من البلاغة والفصاحة بحيث لا يدانيها شيء من كلام البلغاء يشمل ما أبدعه من أفانين التصرف في أساليب الكلام البليغ غير المعهودةة عند العرب، فهذا كله يتعلق بالمنهج البياني القرآني.
وكذلك الجهة الثالثة: فهي تجمع وجهين منفصلين عن بعضها، وهما الإعجاز التشريعي، والإعجاز العلمي حيث بين ذلك، فقال: «وهذا من جملة ما شمله قول أئمة الدين: إن القرآن هو المعجزة المستمرة على تعاقب السنين لانه قد يدرك إعجازه العقلاء من الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية والحكمية والعلمية والأخلاقية (1)
(1)
وأما الوجه الرابع، فهو مركز على لون من ألوان الإعجاز الغيبي في القرآن. فالغيوب في القرآن ثلاثة (3):
غيب الماضي: وهو إنباء القرآن وقصص السابقين، وما أورده من معلومات، وروايات وتفصيلات تتعلق بهم، ومقارنة هذه الأنباء القرآنية، بأخبار التاريخ، والاكتشافات الأثرية وهو الذي ذكره ابن عاشور.
غيب الحاضر: كإخباره عن الموجودات الحاضرة التي لايراها الإنسان، مثل، الملائكة والجن والشياطين، ويشمل الكشف عن مكائد الكافرين والمنافقين قبل ظهورها في مجالات سلوكهم.
وغيب المستقبل: وهو إخباره عن أشياء وأحداث مستحدثة في المستقبل وتحقيق مدلول ذلك فيما بعد ووقوع تلك الأحداث فعلا كما أخبر.
فابن عاشور ذكر لونا من ألوان الإعجاز ولم يذكرها كلها.
وبناء على ذلك يمكن تقسيم وجوه الإعجاز التي اشتمل عليها القرآن إلى:
1 - م، ن: 1/ 105.
2 - انظر البيان في إعجاز القرآن: ص 234.
40 (1/40)
صفحة 41
1 - الإعجاز البياني: الذي يقوم على البيان والبلاغة والفصاحة فرغم اختلاف العلماء في وجوه الإعجاز، ورغم أن بعضهم أثبت وجوها لإعجازه، ونفى وجوها غيرها فإنهم جميعاً أجمعوا على القول بالإعجاز البياني وإثباته (1) 2 - الإعجاز العلمي: وإن بالغ فيه بعضهم، فهو صالح لإقناع غير العرب بفكرة إعجاز القرآن، وأنه كلام الله ودليل الرسالة الإسلامية. - ويليهما الإعجاز الغيبي: وموضوعه هو أنباء الغيب، وأخباره التي اوردها القرآن حيث اشتمل علي كثير من أنباء الغيب.
وإدراك هذا الوجه يحتاج إلى ثقافة علمية إخبارية تاريخية، وهذه يمكن أن تتوفر لدى العربي وغيره، وهو كما سبق أن ذكرنا ينقسم على ثلاثة انواع من
الغيوب.
- الإعجاز التشريعي: الذي يدور في تلك القواعد العلمية والعملية التي دلت عليها الايات القرآنية في كونها ناجعة في علاج الأدواء الاجتماعية ميسرة تراعى اختلاف أحوال البشر وتفاوت أزمنتهم، ثانية في قواعدها متحركة في تطبيقها على الجزئيات المتغيرة على خلاف القوانين البشرية التي تفتقر إلى القواعد الثابتة والتلاؤم مع الأحداث والأزمات والأفراد والجماعات.
ومن خلال ماسبق تتضح لنا الضوابط الفارقة بين «الإعجاز التشريعي وبين أنواع الإعجاز الأخرى. فالإعجاز التشريعي: يبحث في المضمون القرآني المتعلق بالتشريع، وهذا التشريع له خصائص ومعالم تميزه من غيره من مناهج البشر في النظم والمباديء والقيم والموازين فهو قد أصل قواعد تشريعية نستنبط منها أحكام تعالج قضايا الإنسان الحياتية على اختلاف بيئته وعصره في توافق مع الحياة الدنيوية والحياة التقدمية الأخروية.
وكذلك نجد الإعجاز الغيبي والعلمي: فهما يبحثان في مضمون القرآن إلا أنهما يتناولان هذه القضية من زوايا أخرى، فالإعجاز الغيبي: موضوعه هو أنباء الغيب، وأخباره التي أوردها القرآن، وهي تدل على مصدره، وأنه من عند الله لا من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم لانه لا سبيل له ولا لقومه بتلك الأخبار، ولا بمعرفتها
وتحصيله.
1 - انظر م ن: ص 238
41 (1/41)
صفحة 42
وأما الإعجاز العلمي: فموضوعه هو ما انطوى عليه من القواعد والبحوث،
16
العلمية التي لايزال الباحثون إلى اليوم في طور اكتشافها، والوقوف عليها، ويعده، الباحثون الإسلاميون المعاصرون من أبرز وجوه الإعجاز لأهل هذا الزمان بسبب التقدم العلمي المذهل، والانبهار العالمي بهذا العلم ولذلك دعوا الآخرين، للإيمان بالله وبكتابه المنزل على نبيه عليه افضل الصلاة وأزكى التسليم من باب الإعجاز العلمي القرآني، ودعوا المسلمين لزيادة ايمانهم من هذا الباب ايضا .. لان
هذا الوجه لا يحتاج في فهمه وتذوقه إلى ثقافة بلاغية ومعرفة باللغة العربية (1) وبخلاف ذلك نجد الإعجاز البياني» فهو يختلف عن الوجوه السابقة إذ يبحث في أسلوب القرآن وبيانه وبلاغته، ويبحث في القالب القرآني والشكل القرآني، والصورة القرانية الظاهرة (2)
ورغم هذه الفروق الظاهرة، نجد هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية بجملتها من أقصر الطرق، ويطرق كل أجهزة الاستقبال والتلقي فيها مرة واحدة كلما
خاطبها.
فهو يخاطب العقل والعاطفة معا بالبرهان والبيان فجمع في آياته بل الآية. الواحدة «قوة الحقيقة البرهانية حتى يقنعه بحججه أرباب دقائق الحقائق الباطنة وقوة المتعة الوجدانية حتى يشبع متذوقي القشرة السطحية للعبارة (3) كما يسوق تلك الآيات بأسلوب يجمع بين الإجمال والبيان، وهو أمر لاتجد مثله فيما سواه، وفي أثناء ذلك كله نجده يتفنن في أداء المعنى الواحد بلفظ وطرق متعددة، بين إنشاء وإخبار، وإظهار وإضمار، وتكلم وغيبة وخطاب ومضي، وحضور واستقبال، واسمية وفعلية واستفهام وامتنان، ووصف ووعد ووعيد، وما إلى ذلك.
1 - م، ن: ص 260
2 - م، ن: ص
143
2 - انظر دراز، محمد: النبأ العظيم (الكويت، دار القلم ط 2 1970 م) ص 107، 110
420 (1/42)
صفحة 43
من تصريف القول، فهو ينوع في أساليب بيانه لتلك الأحكام والتشريعات ويغاير في عباراتها وصيغها بما يقتضيه بلاغته التي أفحمت البلغاء، وأعجزت أهل الفصاحة والبيان إلى جانب إعجازها أصحاب الفكر والتشريع، وذلك كله حتى لا يحس المتلقي لتلك الشرائع والأحكام أو السامع بأدنى ملل أو قصور، وحتى لاتسأم النفوس هديه ولا تستثقل حديثه (1)
قال فخر الدين الرازي (2) إن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطا بعضها بالبعض ليكون كل واحد فيها مقويا للآخر ومؤكداً له» (3)
وقال محمد عبده (4) (إن القرآن ليس كتاباً فنياً، فيكون لكل مقصد من مقاصده باب خاص به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ، ينتقل بإنسان من شأن من شؤونه إلى آخر ويعود إلى مباحث المقصد الواحد، المرة بعد المرة، مع تفنن في العبارة والتوزيع في البيان حتى لايمل تاليه وسامعه من المواظبه على الاهتداء» (9) القرآن لا يكتفي ببيان الأحكام وتوضيحها على سنن في القوانين الوضعية، والدساتير البشرية ولكنه يوجه الجزء الأكبر من عنايته إلى النفس الإنسانية، وفي الوقت نفسه يتوجه إلى جوانب الشر فيحد من سطوتها ويغل من حدتها ليجد الخير سبيلاً إلى قيادة النفس وإلزامها المستقيم كما انه يلقى بأحكامه وتشريعاته
1 - انظر مناهل العرفان: 2/ 214 - 313
2 - هو محمد بن عمر بن الحسن، أبو عبدالله فخر الدين الرازي: الامام المفسر قرشي النسب، أصله من طبرستان، ولد في الري سنة 544 هـ وتوفي في هراه سنة 606 هـ (انظر الوفيات: 4/ 248 والبداية والنهاية 13/ 55 والاعلام: 313/ 6) الرازي، محمد: التفسير الكبير (مصر) المطبعة البهية، د. ت) 6/ 24.
4 - هو محمد عبده بن حسن خير الله من آل التركماني، مفتي الديار المصرية، ومن كبار رجال الإصلاح والتجديد في الإسلام ولد سنة 1266 هـ وتوفي سنة 1323 هـ (انظر الاعلام: 252/ 6)
ه رضا، رشيد: تفسير المنار (بيروت، دار المعرفة - ط 2) 2/ 452 وانظر مجلة (الري الإسلامي العدد 104 غرة شعبان
-
1393 هـ – 29 اغسطس (آب) 1973 م، ص 13) (1/43)
صفحة 44
يسمع
في أجواء مختلفة من الوعظ والهداية، وفي كل مرة يحسب السامع، وكأنه شيئاً جديداً، فيقبل عليه بشوق ولهفة دون أن يحس بسآمه أو ملل، وهذا منهج
فريد واستقلال بديع عن كل طرق البحث والتأليف ودليل من دلائل الإعجاز ومن أمثلة امتزاج البيان بالبرهان والبلاغة بالتشريع ما ورد في الايات الآمرة
بالانفاق في وجوه البر والحث عليه في القرآن في نحو ثمانين موضعاً (1). فلم تكتف بأن تسوق الأوامر التي تبين الأحكام، لان ذلك وحده لا يكفي في تحقيق الاستجابة من المخاطبين، بل نرى القرآن الكريم يوجه عنايته الكبرى لعلاج القلوب، فهو يدعو منذراً ومرغباً، كاشفاً عن الدوافع النفسية وراء السلوك مزينا لحب الخير منفراً من الشر (2). قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
(26)
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُشْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
(البقرة: 260، 261) فسياق هذه الآيات يرسم دستور الصدقة عملا تهذيباً لنفس معطيها، وآخذها على السواء حيث الرحمة والرضا من الطرفين مما يتولد عنه التضامن الاجتماعي، الذي تعجز عنه قوانين البشر.
فتتطهر هذه النفس من المشاعر التي تورث الأحقاد وتزرع التمزق والصراعات. بين الفقراء والأغنياء وقد ثبت أن الفقراء في الطبقات السفلى من المجتمعات هم
1 - انظر عبدالباقي، فؤاد: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم بيروت، دار إحياء التراث العربي ط 1945 م) ص 715 .. 2 - انظر بركة عبد الغني: أسلوب الدعوة القرآنية (القاهرة)، مكتبة وهبة ط 1 (1983 م) ص 196 والباجقني، مصطفى:: منهج القرآن في تقرير الأحكام (طرابلس الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ط 19932 م ص 343 - 344 وما بعدها.
44 (1/44)
صفحة 45
ضروب
شر أدواء المجتمع فالفقر يحمل الواقعين تحت سلطانه على إتيان جميع الشرور للحصول على أخص حاجات الحياة، وهو القوت، وفي البيئات التي يشيع فيها الفقر تروج جميع المذاهب المتطرفة، وتستحل الأعمال الوحشية للوصول الى أغراضها» (1).
فالآيات السابقة التي تدعو إلى الإنفاق في سبيل الله لم تعمد إلى البدء بالفرض والتكليف أو الأمر والإلزام إنما بدأت بالترغيب واستجاشة المشاعر والانفعالات الحية في الكيان الإنساني كله وذلك بتصوير المعنى صورة شاخصة تستهوي الوجدان وتستميل القلوب.
إن هذا المشهد الذي تصوره الكلمات، يستثير في النفس كل حواسها ويلقي فيها بإيحاءاته المبهجة التي تشرح الصدر، وتهيء النفس للاستجابة وتدفعها للانقياد والرضا .. وواضح ما في التعبير من تشبيه تمثيلي طرفاه الهيئة المنتزعة من نفقة المنفق، وما يترتب عليها من الأجر الجزيل، والهيئة الحاصلة من بذرة الحب تستنبت في التربة الصالحة فتنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حبة (2) ووجه الشبه هو صورة من يعمل قليلا فيجني من ثمار عمله كثيرا (3) قال الزمخشري (4) وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر» (*) ويلاحظ ما في النظم من إيجاز بالحذف والتقدير: مثل نفقتهم كمثل حبة، أو مثلهم كمثل بادر حبة، وذلك استغناء بدلالة المقام، كما يلاحظ مافيه من مجاز عقلي
1 - طباره، عفيف: روح الدين الإسلامي (بيروت، دار العلم للملايين ط 23، 1982 م) ص 343. 2 - الجامع لأحكام القرآن: 2/ 303.
3 - انظر اسلوب الدعوة القرآنية: 198
4 - هو محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب ولد في زمخشر من قرى خوارزم سنة 467 هـ وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا كان معتزلي المذهب توفي بالجرجانية سنة 538 هـ (انظر وفيات الأعيان: 5/ 168 والاعلام: 178/ 7).
10
- الزمخشري، محمود: الكشاف (دار الكتاب العربي، د. ت) 1/ 310.
45 (1/45)
صفحة 46
في إسناد الإنبات إلى الحبة والمنبت هو الله، ولكنه أسند الإنبات السبب إشارة إلى أهمية. السبب في وجود الفعل، وذلك لأن الحبة تقابل الصدقة، فإذا أسند إليها الإنبات كان ذلك. إيماء إلى أهمية الصدقة بعدها سبب الأجر في تحقيقه للمتصدق، وكذلك التعبير بـ «سبيل الله» عن كل مافيه رضا الله سبحانه على سبيل الكناية، فكل جهة الإنفاق عليها يرضي الله تعالى فهي في سبيله، والكناية أبلغ لتصويرها للمعنى وإبرازه وتأكيده بالإضافة إلى مافيه من إيجاز إذا قورنت بالتعبير الحقيقي عن المعنى. (1) وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ) أي يزيده على السبعمائة، وقيل هو بيان وتأكيد
ما
للسبعمائة، والأول أرجح، لأنه ورد في الحديث (2) مايدل عليه (3) وذلك بحسب يعلمه سبحانه من إخلاصه في عمله، وفيه زيادة ترغيب في الإنفاق، وتنبيه إلى أسباب مضاعفة الأجر حثاً على إخلاص النية والتوجه بالصدقة خالصة لوجه الله أملاً في فضله الرائع. وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمُ) تأكيد للمعاني السابقة، أي: واسع الفضل عليم بنية المنفق .. وللتأكيد دوره الكبير هنا، إذ يزيد اطمئنان القلوب إلى تحقيق الوعد فتستجيب وتنقاد.
قال ابن كثير (4): «وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن أعمال الصالحة ينميها الله عز وجل لصحابها كما ينمي الزرع
1 - انظر أسلوب الدعوة القرآنية: ص 198 2 - الحديث رواه ابن ماجه عن علي بن أبي طالب، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمر، وأبي أسامة الباهلي وعبدالله بن عمرو، و جابر بن عبدالله وعمران بن الحصين كلهم يحدث عن رسول الله أنه قال: «من أرسل بنفقه في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم» ثم تلا هذه الآية (والله يضاعف لمن يشاء) (انظر سنن ابن ماجه تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي (بيروت، المكتبة العلمية) كتاب الجهاد: 2/ 0922
•
•
- انظر ابن جزي، محمد: التسهيل لعلوم التنريل (الدار العربية للكتاب) ص 92 4 - وهو اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، أبو الغذاء عماد الدين: حافظ ومؤرخ وفقيه ومفسر ولد في قرية من أعمال بصري الشام سنة 701 هـ وتوفي بدمشق سنة 774 هـ (انظر الدر الكامنة: 1/ 373، وانظر الشوكاني، محمد: البدر الطالع (بيروت، دار المعرفة، د: ت): 1/ 153 وابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب (بيروت، دار الأفاق الجديدة، د: ت): 231/ 6، والاعلام: 1/ 320). (1/46)
صفحة 47
لمن بذره في الأرض الطيبة» (1)
- فالقرآن نور لا يمكن فصله، والإعجاز مشع في جميع جوانبه التي امتزج فيها البيان والتشريع، والإثارة للوجدان بصور البيان، وإيقاعات أنغام المفردات والتراكيب وإقناع العقل بالبراهين الشافية، والحلول الوافية التي تشفى النفوس وتجلب التوازن للأفراد والجماعات، وتنظم الحياة تنظيماً سوياً يقوم على الخير والعدل والإحسان.
قال تعالى (كِتَبُ أَنزَلْتَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ)
(ابراهيم 1) أي: يخرجهم من ظلمات الكفر والفساد إلى نور الإيمان والصلاح، وقال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ) الآية (الإسراء (9) الأقوم من جميع
الوجوه البيانية والتشريعية والعلمية والتربوية والروحية.
ولا يمكن الفصل بين القرآن وتشريعه في سياق دلائل الإعجاز، وإن لجأ الباحث في القرآن إلى الفصل بينهما عند محاولة تحليل عناصر الإعجاز، وطلب تعليل بعض ما في الآيات من دلالات الإعجاز الشامل والدقيق في معانيه المختلفة المعبر عنها بمفردات، وتراكيب يعجز العرب والعجم والإنس والجن عن محاكاتها ناهيك عن الإتيان بها، قال تعالى {قُل لَبِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهيرا) الإسراء (88
1 - انظر ابن كثير، إسماعيل: تفسير القرآن العظيم (بيروت دار ومكتبة الهلال - ط 1، د: ت) 1/ 459.
47 (1/47)
صفحة 48
الإعجاز التشريعي بين القدماء والمحدثين
تطورت مسألة الإعجاز في التاريخ الإسلامي، من كون الإعجاز دليلاً على النبوة وشاهداً على مصدر القرآن الرباني، ليتحول «إعجاز القرآن» إلى موضوع مستقل. قائم بذاته، يدرس كما يدرس أي علم من العلوم.
وقد تعددت المدارس والاتجاهات في دراسته فظهرت مدرسة المعتزلة ومدرسلة
"
المتكلمين، ومدرسة المفسرين، ومدرسة الأدباء، وتنوعت النظرات واختلفت التحليلات، وتباينت الآراء، وتوسعت مسألة إعجاز القرآن» توسعاً كبيراً فظهرتت مؤلفات كثيرة قديمة وحديثة تبحث في مسألة الإعجاز قدم فيها أصحابها آراء ونظرات، وأضافوا على من سبقهم إضافات كثيرة أمثال: زبي بكر الباقلاني (1) وعبد القادر الجرجاني (2) صاحب نظرية النظم القرآني» في القرن الخامس الهجري وغيرهم.
كما وقع اكثر من بحثوا في الإعجاز من العلماء في التكرار، فكانوا ناقلين لآراءء السابقين وشارحين لها.
وفي عصر النهضة الحديثة اتخذ الاعجاز منحى علمياً بحيث صار من مباحثه الإشارات القرآنية إلى العلوم الكونية الحسية، كما تعمق علماء الشريعة المعاصرون في الجانب التشريعي ومافيه من إعجاز وكانت لهم جهود موفقه في إبراز بعض معالمه.
فلم تكن وجوه الإعجاز غير البيانية، ومنها التشريع مجال بحث مقصود عند القدماء من علماء القرآن، لكنهم لم ينكروها بل رأوها أدلة تدل على مصدر القرآن
1 - وهو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ابوبكر: قاضي من كبار علماء الكلام، انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة ولد في البصرة 403 هـ وسكن بغداد وتوفي بها سنة 950 هـ كان جيد الاستنباط سريع الجواب انظر وفيات الاعيان 4/ 269 والاعلام: 6/ 176.
2 - هو عبد القاهر بن عبدالرحمن بن محمد الجرجاني، أبو بكر واضع أصول البلاغة كان من أئمة اللغة من أهل جرجان له شعر رقيق - توفي سنة 471 هـ (انظر) فوات الوفيات: 1/ 297 ومفتاح السعادة: 1/ 143 والاعلام: 4/ 48).
48 (1/48)
صفحة 49
الرباني وأنه كلام الله وأن وجودها في القرآن وتوفرها فيه يجعل من المستحيل اعتقاد أنه كلام بشر فكأنهم يرون أنها تدل على الإعجاز بالإجمالي، وليس بالتفصيل المتعلق بالآيات التشريعية والعقدية.
ومن أصحاب هذا الرأي رائد الإعجاز البياني صاحب نظرية النظم «عبدالقاهر الجرجاني الذي رأى أن التحدي والإعجاز في تآلف وانسجام المفردات والتراكيب
القرآنية (1).
ومنهم «الزمخشري» الذي طبق نظرية النظم في تفسيره الكشاف» وبين معالم الإعجاز البياني في كتابه نهاية الإيجاز إلى دراية الإعجاز». ومنهم ابن عطية (2) الذي يرى أن إعجاز القرآن بنظمه، وصحة معانية، وتوالي
فصاحة ألفاظه (3).
- ومن العلماء المحدثين الذي ذهبوا إلى هذا الاتجاه «محمود شاكر» فيرى «أن ما في القرآن من مكنون الغيب ومن دقائق التشريع، ومن عجائب آيات الله في خلقه كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز وإن كان مافيه من ذلك كله يعد دليلا على أنه من عند الله تعالى» (4)
ومنهم عدنان زرزور حيث يقول: ونحن لم ننكر أن تكون مضامين القرآن
1 - انظر الجرجاني عبد القاهر: دلائل الاعجاز (بيروت، دار الكتب العربية) ص 55 - 56 وانظر لفهم نظرية النظم: الجندي، درويش نظرية النظم عند عبد القاهر الجراجاني وزرزور: علوم القرآن وشيخون: فكرة الإعجاز في نظم القرآن.
2 - وهو عبد الحق بن غالب بن عبدالرحمن بن عطية المحاربي، أبو محمد مفسر، فقيه، اندلسي من غرناطه عارف بالأحكام والحديث، توفي سنة 542 هـ (انظر التلمساني، أحمد: نفح الطيب، تحقيق إحسان عباس (بيروت دار صادر، ط 1968 م) 526/ 2،وما يليها، وانظر مخلوف، محمد: شجرة النور الزكية (بيروت) دار الكتاب العربي طا 1، 1349 هـ) ص 129 والاعلام: 282/ 3)
39
- انظر ابن عطيه عبد الحق المحرر الوجيز المغرب، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ط 2: 1980 م) 1/ 39. 4 - انظر تقديم: شاکر، محمود لكتاب ابن نبي، مالك: الظاهرة القرآنية (دمشق)، دار الفكر - ط 1981 م) ص 30،31.
49 (1/49)
صفحة 50
من أهم وسائل تعميقه والدعوة إليه. ولكن أنكرنا أن تكون مناط الإعجاز الذي وقع به التحدي» (1)
ومن أصحاب هذا الرأي صلاح عبد الفتاح الخالدي فقد عد الوجوه الأخرى» كلها أدلة شاهدة على مصدر القرآن بجانب الدليل الباهر وفي ذلك يقول: «إن» مضامين القرآن هي أدلة يقينية صادقة على مصدر القرآن وأنه كلام الله أدلة منفصلة مستقلة، تقف شاهدة على مصدر القرآن بجانب الدليل الباهر - وهو. إعجاز القرآن وليست وجوها من وجوه الإعجاز متفرعة عنه ولا تعتبر وجوهاا للإعجاز إلا من التجوز والتسامح والتنازل والتسليم الجدلي، لأن التحدي من لوازم الإعجاز وهذه المضامين ليس فيها تحد» (2) ومن خلال هذا العرض السريع لآراء أصحاب هذا الفريق من العلماء يتبين لنا أن أكثرهم من علماء البلاغة والأدب.
ونجد الفريق الآخر يقول بإعجاز التشريع القرآني وأكثرهم من علماء الأصول، العقيدة وبعض المفسرين فقد أثبتوا إعجاز تشريعاته في معرض حديثهم عن منهج القرآن في عرضه للأحكام وبيانها، وإن لم يكن ذلك مقصودهم ومن غير أن يشيروا إلى أن هذا التشريع وجه من وجوه الإعجاز فأظهروا عظمته وسماحته بما امتازت به أساليبه من التنوع - حيث لم يلتزم أسلوباً واحداً كما هو الشأن في القوانين الوضعية والكتب الفقهية وإنما نوع في أساليب بيانه، وغاير في عباراتها وصيغها
بما تقتضيه بلاغته التي أفحمت البلغاء، وأعجزت أهل الفصاحة والبيان. فعد هؤلاء الأئمة المجتهدون هذا التنوع مجالا فسيحاً خصباً للنظر والتأمل، عند استنباط الأحكام من هذه الأساليب التي ستكون أكبر عون لهم في أداء مهمتهم التشريعية، لاستخراج الأحكام للحوادث المستجدة بما يتلاءم وأحوال العصر، وبما يحقق كمال هذه الشريعة وصلاحيتها للتطبيق الناجع في كل زمان ومكان» (3)
1 - زرزور، عدنان: علوم القرآن (بيروت، المكتب الإسلامي، ط 1، 1401 هـ) ص 252 2 - انظر الخالدي: البيان في إعجاز القرآن: ص 380. - الباجقني: منهج القرآن في تقرير الأحكام: ص 211. (1/50)
صفحة 51
كذلك أشاروا إلى إعجاز تشريعاته عند حديثهم عن أسلوب في التدرج في تشريع
الأحكام، واختياره الزمن المناسب، والحكم الملائم، والطرق الإيجابية لصياغة كل الأحكام التشريعية. فبينوا ما في هذا الأسلوب من حكم وأسرار ومافيه من مراعاة لحالة النفوس والمجتمع والبيئة فليس من السهولة التخلي عن تلك الأوضاع والطبائع والعادات والقيم الكائنة في دنيا الناس. كما نلمح هذه القضية عندهم أثناء حديثهم عن الاجمال والتفصيل في القرآن حيث «عدوه آية من آيات عمومه وصلاحيته الدائمة للتطبيق، وأنه من أجل هذا حض على التفكير وأمر بالبحث والنظر، حتى يكون الإنسان أقدر على الاستهداء بالقرآن في معالجة كل مشكلات الحياة المتنامية المتجددة والتي تختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى آخر» (1).
فالقرآن لم يتعرض في أحكامه للتفاصيل والجزئيات وانما أتت أحكامه مجملة في صورة مقاصد عامة ومباديء كلية يمكن تحكيمها في كل ما يعرض للناس في شئون حياتهم قال الشاطبي (3): تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لاجزئي، وحيث جاء جزئيا فمأخذه على الكلية إما بالاعتبار او بمعنى الأصل إلا ما خصه الدليل» (3)
وقال الشافعي (4): «فليس تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة، إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها» ().
1 - انظر م، ن: ص 257. 2 - هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشهير بالشاطي: أصولي حافظ من أهل غرناطة، كان من أئمة المالكية - توفى سنة 790 (انظر نيل الابتهاج بتطريز الديباج: ص 46، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية: ص 231، والأعلام:
(75/ 1
- الشاطبي: إبراهيم: الموافقات (بيروت، دار المعرفة، ط 2 1975 م) 366/ 3.
- وهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبدالله: أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. وإليه نسبة الشافعية كافة / ولد في غزة بفلسطين سنة 150 هـ وتوفي بمصر سنة 204 هـ (انظر وفيات الأعيان 1
: 447، وطبقات الشافعية 1: 185، وتذكرة الحفاظ 1: 329، والأعلام: 26/ 6).
ه - الشافعي، محمد: الرسالة مصر: شركة الحلبي وأولاده – 1940 م) 1/ 20.
01 (1/51)
صفحة 52
فهو أحاط
أحاط بجميع
الأصول، والقواعد الكلية التي يحتاج إليها في كل قانون، وفي
كل نظام فهذا الفريق لم يكتف بالناحية البيانية فقط، وإنما تعرض للنواحي الأخرى التشريعية وغيرها، وإن كان ذلك بطريق غير مقصود، فمنهم من أشار إلى هذه القضية جملة أثناء حديثه عن وجوه الإعجاز ومنهم من أشار إليها في كتب، والأصول، أو في تفسيره لآيات التحدي، أو عند تعرضه لتفسير آيات الأحكام، واستنباط الحكم الشرعي منها. وأول من تكلم عن إعجاز التشريع القرآني من المتكلمين في القرن الثالث الهجري على بن ربن الطبري» (1) وذلك في كتابه «الدين والدولة في إثبات نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فالمعجزة عنده: هدف الإسلام الإصلاحي وتعاليمه وتحقيقه هذاا الهدف وأوامره ونواهيه، فالقرآن الكريم يأمر بالخير وينهى عن الشر ويقدم شريعة الله والعقيدة في النبوة وإلهام الرغبة في الجنة والبعد عن النار، فعندملا يحمل لنا شخص كتاباً يحمل نفس المميزات ويوحي إلينا بهذه الطلاوة والروعة في القلوب، ويجوز في مثل هذا النجاح، ويكون بنفس الوقت أمياً لم يتعلم أبداً فن الكتابة والبلاغة، فهذا الكتاب بلاشك من علامات نبوته (2).
وكذلك نجد الخطابي (3) وهو من الأدباء الذين جمعوا بين علم الكلام والبلاغة في القرن الرابع الهجري، أشار في معرض حديثه عن إعجاز القرآن بما فيه من المعاني، التي يشهد لها كل ذي لب بالتقدم في أبوابها، والترقي في أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها، فالقرآن صار معجزاً لمجيئه بأفصح الألفاظ
1 - علي بن ربن الطبري ابو الحسن طبيب حكيم انفرد بالطبيعيات كان نصرانياً، ثم أسلم على يد الخليفة العباسي المعتصم، وقيل المتوكل توفي سنة 247 هـ (انظر البداية والنهاية: 10/ 349، والأعلام: 4/ 288)
2 - انظر الطبري، علي: الدين والدولة (تونس المكتبة العتيقة، القاهرة، دار التراث بالقاهرة، د. ت) ص 10398. 3 - هو حمد بن محمد بن إبراهيم الخطاب، أبو سليمان: فقيه محدث من أهل بست من بلاد كابل من نسل زيد بن الخطابي أخو عمر بن الخطاب توفي سنة 388) هـ (انظر) وفيات الأعيان: 2/ 214)
02 (1/52)
صفحة 53
في أحسن نظم التأليف متضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته، ودعائه إلى طاعته، وبيان طريق عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة .. واضعاً كل شيء منها وضعه الذي لايرى شيء أولى منه، ولايتوهم في صورة العقل أمر أليق منه، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة، إنه شعر، ومرة: إنه سحر، فهو يرى أن الإعجاز إنما هو فيما يتناوله القرآن من تشريع دقيق إلى جانب الألفاظ الدالة على الإعجاز البياني (1) وقد عد «القرطبي» (2) ما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام وجهاً من وجوه الإعجاز حيث قال: ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام» (3) وممن أشار لقضية الإعجاز التشريعي ابن قيم الجوزية» (4) في كتابه «إعلام الموقعين وذلك عندما بين خاصية الشريعة الإسلامية بأنها مبنية على مصالح العباد، وعلى اليسر والعدالة فقال: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها، ومصالح كلها وحكمة كلها فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسول الله الله اتم دلالة وأصدقها» ()
(4)
(27
حمد: بيان إعجاز القرآن طبع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن (مصر، دار المعارف ط 2 ص 26 -
1 - انظر الخطابي. 2 - هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الأندلسي، أبو عبدالله القرطبي، من كبار المفسرين صالح متعبد من أهل قرطبة توفي سنة 671 هـ (انظر شجرة النور الزكية: ص 197 وابن فرحون الديباج طبعة. مصر 1351 هـ: 317). الجامع لأحكام القرآن: 1/ 75 - هو أبو عبدالله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، كان بارعاً في عدة علوم ما بين تفسير وفقه وعربية ونحو وحديث وأصول وفروع لزم ابن تيميه وأخذ منه كثير. توفي سنة 751 هـ (انظر ابن تغري، جمال الدين النجوم الزاهرة: طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب: 10/ 249)
- ابن قيم الجوزيه، محمد:: أعلام الموقعين عن رب العالمين (القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى 3/ 14 – 15 وما بعدها.
03 (1/53)
صفحة 54
وممن أشار إلى ذلك الشاطبي في الموافقات وذلك عند حديثه عن أقسام العلوم المضافة إلى القرآن، فبين أن ماهية القرآن هي المعجزة له حسبما نبه إليه الرسول في حديثه «ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أو حاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة (1) فهو بهيأته التي أنزله الله عليها دال على صدق الرسول ل ل و ل صلى الله عليه وسلم وفيها عجز الفصحاء اللسن والخصماء اللد عن الإتيان ما يماثله أو يداينه وفي اللفظ والمعنى يقول الشاطبي عن ذلك: «وجه كونه معجزا يحتاج إلى تقريره في هذا الموضوع لانه كيفما تصور الإعجاز به فماهيته دالة على ذلك فإلى أي نحو منه دل ذلك على صدق رسول،
الله (2)
كما نجد ابن كثير» يرى أن الإعجاز إلى جانب البلاغة هو مضمون القرآن. وموضوعه وأثره في النفوس ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنوناً ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى .. فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يحذى ولايداني فقد أمر بكل خير ونهى عن كل شر {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} (الأنعام 115) صدقا فيما قال وعدلا فيما حكم، صدقاً في الأخبار وعدلاً في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لامرية فيه ولاشك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لاعدل سواه، وكل مانهى عنه فباطل، فإنه لا ينهي إلا عن مفسدة (3) وقال أيضا «وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء» (4) وكذلك «الزركشي» (1) حيث جمع أقوال السابقين، وترك باب البحث مفتوحاً
(°)
1 - أخرجه البخاري في فضائل القرآن (انظر صحيح البخاري بحاشية السندي: 3/ 225.
- الموافقات: 377/ 3.
- انظر تفسير ابن كثير: 1/ 0463/2010
- م، ن: 1/ 30.
•
ه هو بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي، أحد العلماء الأثبات، وعلم من أعلام التفسير والحديث والفقه وأصول الدين،
توفي سنة 794 هـ (انظر الدرر الكامنة: 397/ 3).
54 (1/54)
صفحة 55
لوجوه جديدة وذلك في كتاب البرهان في علوم القرآن» (1)
ومن القائلين بالإعجاز التشريعي «ابن جزي الكلبي» (2) ذكر ذلك في مقدمات تفسيره التسهيل في المقدمة الأولى الباب الحادي عشر، والإعجاز عنده من حيث المضمون والأسلوب.
وجعل مافيه من تشريع وأحكام ضمن الإعجاز بالمضمون حيث يقول «ومنها: ما يشرع فيه من الأحكام، وبين الحلال والحرام، وهدى إليه من صالح الدنيا
والآخرة وأرشد إليه من مكارم الأخلاق، وذلك غاية الحكمة وثمرة العلوم» (3) ومن القدماء الذين أفردوا كتبا في هذا المجال «الدهلوي» (4) المعروف «بشاه ولي الله فهو من أكثر العلماء الذين تحدثوا عن هذه القضية - حيث بين في كتابه «حجة الله البالغة» ما في الشريعة من أسرار ومعان سامية وحكم بالغة، فأشار إلى إعجاز أثناء حديثه عن فوائد التأليف لمثل هذه الكتب فقال: «منها ايضاح معجزة من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه كان أتى بالقرآن العظيم فأعجز بلغاء زمانه، ولم يستطيع أحد منهم أن يأتي بسورة من مثله، ثم انقرض زمان القرن الأول وخفي على الناس وجوه الإعجاز، قام علماء الأمة فأوضحوها ليدركه من لم يبلغ مبلغهم كذلك أتى من الله تعالى بشريعة هي أكمل الشرائع لمصالح يعجز عن مراعاة مثلها
البشر» (5)
1 - انظر الزركشي، محمد البرهان في علوم القرآن (بيروت، دار المعرفة، (2) 2/ 102 - 103 وما بعدها. 2 - وهو محمد بن أحمد بن محمد، بن عبدالله، بن جزي الكلبي، أبو القاسم: فقيه من العلماء بالأصول والفقه من أهل غرناطة توفي سنة 741 هـ (انظر نفح الطيب: 5/ 525 والدرر الكامنة: 3/ 356 والديباج المذهب: 295 مخلوف: شجرة النور الزكية ص (213)
- التسهيل لعلوم التنزيل: ص 14
4 - وهو أحمد بن عبدالرحيم الفاروقي الدهلوي، ابو عبدالعزيز، الملقب بشاه ولي الله: فقيه حنفي من المحدثين من أهل الهند، توفي سنة 1176 هـ (انظر الأعلام: 1/ 149)
ه الدهلوي، أحمد: حجة الله البالغة (بيروت، دار إحياء العلوم، ط 2، 1992 م) 1/ 037 (1/55)
صفحة 56
والمستغرب أن ابن خلدون» (1) على مكانته الكبيرة في عالم الفكر في القرن التاسع الهجري، لم يضف شيئاً جديداً في الإعجاز، بل يجمع وينقل عمن سبقوه إلا أننا نستنبط مما قاله في كتابه «المقدمة» أنه ممن يقرون بالإعجاز التشريعي في القرآن فقد قال: واعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة «القرآن الكريم» المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: «القرآن هو بنفسه الوحي المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له - كسائر المعجزات مع الوحي، فهو واضح الدلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه» (3) ومعنى هذا القول أن النبي لحمل إلى الناس الشريعة وفيها المعجزة التي تشهد له بأنه رسول الله الصادق فيما يخبر عن ربه فمن قرأ آيات من القرآن الكريم، طالع فيها معجزة متحدية تشهد أنها كلمات الله وانه ليس لبشر أن ينطق بمثلها لا في الأسلوب ولا في المضمون.
ومن المحدثين الذي أشاروا للإعجاز التشريعي للقرآن «محمد رشيد رضا» وقد بين ذلك في العديد من كتاباته كالوحي المحمدي وتفسيره المعروف «بالمنار» فجعل هذا الوجه - التشريع - من أظهر وجوه الإعجاز، فإن علوم العقائد الإلهية والغيبية والآداب والتشريع الديني والمدني والسياسي فهي أعلى العلوم وقلما ينبغ فيها المنقطعون لدراستها السنين الطوال فكيف يستطيع رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم ينطق بقاعدة ولا أصل من أصولها، ولانشأ في بلد علم وتشريع أن يأتي بمثل ما في القرآن منها تحقيقا وكمالا، ويؤيده بالحجج والبراهين (3) وقد تحدث عن ذلك عند تفسيره لآيات التحدي في سورة البقرة ويونس
•
1 - هو عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، أبوزيد، الفيلسوف المؤرخ العالم للاجتماع البحاثه، أصله من إشبيلية ومولده بتونس، وتوفي بالقاهرة سنة 808 هـ (انظر الضوء اللامع: 4/ 145 ونفح الطيب: 6/ 171)
2 - ابن خلدون عبد الرحمن: المقدمة تحقيق على عبد الواحد وافي (القاهرة نهضة مصر للطبع والنشر ط 3) 1/ 403
- انظر رضا، رشيد: المنار، 1/ 206، 207.
" (1/56)
صفحة 57
ومن المفسرين المحدثين الذين أشاروا إلى الإعجاز التشريعي في كتاب الله،
وعدوه ضمن وجوه الإعجاز محمد الطاهر ابن عاشور الذي سبق تفصيل ما أجمله في معالم الإعجاز القرآني فقال: «والجهة الثالثة: هي ما أودع فيه من المعاني الحكمية، والاشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية فيما لم تبلغ إليه عقول البشر في عصر نزول القرآن وفي عصور بعده متفاوتة فإعجازه مستمر على تعاقب السنين، لانه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية، والحكمية، والعلمية والاخلاقية، وهي دليل تفضيلي لأهل تلك المعاني وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك (1)
وأما «عبد العظيم الزرقاني» فقد بين رأيه عندما عالج شبهات كثيرة، عن القرآن ومصدره فهو يقول عند إبطال الشبهة التاسعة والى مفادها أن بعض المغرضين لا يسلم بالأسرار البلاغية القرآنية - إن للقرآن نواح أخرى في الإعجاز غير ما يحويه من أسرار البلاغة والبيان، ومن السهل معرفتها على من لم يتمهر في علوم العربية واللسان، منها:
- ما يحويه هذا التنزيل من المعارف السامية، والتعاليم العالية في العقائد والعبادات وفي التشريعات المدنية والجنائية والحربية والمالية، والحقوق الشخصية والاجتماعية والدولية، وإن مقارنة يسيرة بين تلك الهدايات القرآنية وبين ما يوجد على وجه الأرض من سائر التشريعات الدينية وغير الدينية توضح لك ذلك الإعجاز الباهر (2)
ويمضي في إبراز وإظهار النواحي الأخرى لإعجاز القرآن كما تحدث عن الإعجاز التشريعي في القرآن عندما ذكر أهم وجوه الإعجاز، وذلك في الفصل الذي
1 - انظر التحرير والتنوير: 1/ 104، 105.
مناهل العرفان: 1/ 082 (1/57)
صفحة 58
خصصه للإعجاز القرآني فقال: «الوجه الرابع: سياسته في الإصلاح وهي تتمثل بالتدرج في التشريع وحسن الدعوة إلى الإسلام بالموعظة الحسنة» (1)
وممن كان له اهتمام بهذا الوجه الإعجازي محمد أبوزهرة» فقد خصص له. كتابا سماه «شريعة القرآن من دلائل إعجازه» وهو رسالة بالحجم المتوسط تحدث فيها عن شريعة القرآن التي عدها من أقوى الأسباب التي يكون القرآن بها معجزا لكل الناس لا للعرب وحدهم، ولا لجيل من الأجيال. (2)
وقد عقد فيه موازنات بين شريعة القرآن والقانون الروماني وفي بعض أحكام الأسرة، لأنها موضع هجوم الطاغين فرد عليها وعد أحكام الأسرة في القرآن دليل إعجازه، وأن العقل البشري لم يصل إلى مايقاربها (3) وقد تناولت أهم عناصره في التمهيد الذي خصصته للدراسات السابقة.
ومن الكتاب الذين قالوا بالإعجاز التشريعي عباس محمود العقاد» حيث قال: فعندي أن وجه الإعجاز في كتاب رب العالمين يرجع إلى خلود الرسالة التي جاء بها هذا الكتاب وما فيه من هدى ونور وصلاح وإصلاح للبشرية جمعاء في إسعاد الفرد والجماعة» (4)
ومنهم «علال الفاسي» حيث بين ذلك في مواضع كثيرة من كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها إما ببيان خصائص الشريعة والمقارنة بينها وبين القوانين والشرائع الأخرى، أو بالتصريح، كقول وهذا التشريع القرآني وما اشتمل عليه من ضروب الهدى أقوى أدلة إعجاز القرآن الذي لا يبلى على كثرة الرد» (*) وكذلك نجد «محمد عبدالله دراز من بين القائلين بهذا الوجه الإعجازي في
1 - م من: 2/ 361.
2 - انظر أبوزهرة، محمد: شريعة القرآن (القاهرة، دار الثقافة العربية للطباعة (1961 م) ص 17 وما بعدها. - انظر كذلك أقواله في إثبات إعجاز التشريع القرآني كتاباه المعجزة الكبرى الخالدة: ص 391، 292 وأصول الفقه:
ص 81،80.
-0
العقاد، عباس: الإسلام دعوة عالمية (بيروت، دار الكتاب اللبناني ط 1 – 1971) ص 197
ه الفاسي، علال: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها (بيروت، دار الغرب الإسلامي – طه) ص 90.
58 (1/58)
صفحة 59
القرآن حيث أشار إلى ذلك في كتابه «النبأ العظيم فبين أن تشريعاته الدقيقة المحكمة من وجوه الإعجاز إلى جانب الإعجاز اللغوي والعلمي فالإعجاز عنده ثلاثة أضرب لغوي، وعلمي، وتشريعي إصلاحي تهذيبي اجتماعي (1) ومن المهتمين بالمضمون والشكل معاً في قضية إعجاز القرآن» محمد سعيد رمضان البوطي فقد تناول ناحية العظمة الربانية، والفخامة والجلالة في توجه الخطاب، واهتم إلى جانب ذلك بالعمق الإنساني في القرآن، والأخلاق الصالحة لبناء الإنسانية، وبأن القرآن ليس خاصاً بالعرب، بل هو عام للإنسانية جمعاء كما اهتم
(2)
بالمنهج التربوي في القرآن وبفلسفة القرآن التي تبني بتفاعلها الحضارة الإنسانية (2) فخلص من ذلك إلى أن التشريع القرآني منهج متكامل للحياة الإنسانية، وبأنه من أجل مظاهر الإعجاز فيه. ومن البديهي أن آخر ما يتوج به تقدم أي أمة من الأمم هو تكامل البنية القانونية والتشريعية في حياتها، والذي ظهر في الجزيرة العربية بالإسلام عكس هذا القانون تماماً، فقد ظهر تشريع كامل في أمة بدائية لاترى حاجة إلى قانون وليس لهذا اللغز حل إلا أن القرآن وحي من الله.
فإذا عرفت أن هذا التشريع الذي يرجع إلى ماقبل أربعة عشر قرناً، ظهر بين أقوام يعيشون حياة بدائية تحتكم إلى الأعراف السائدة، فسوف تدرك أن التشريع القرآني من أجل مظاهر الإعجاز في هذا الكتاب العظيم (3)
وجاء الوقت الذي فتحت فيه أبواب البحث في الإعجاز التشريعي للقرآن واتسعت آفاقه من أجل حاجة الإنسان الملحة في هذا العصر إلى تشريع أعمق من قوانين البشر المحدودة واوسع من مصادر الإلزام الخلقي الخاضعة للبيئة الإقليمية، وقد صار العالم قرية موحدة بسرعة الاتصالات وتشابك المعاملات،
1 - انظر النبأ العظيم: ص 2 - انظر من روائع القرآن: ص 159، 160
- انظر م، ن: ص 160. (1/59)
صفحة 60
والعلاقات ولعل تقلب الأيديولوجيات وتعاقب النظريات الاجتماعية والقانونية» وتصادم المذاهب الفكرية الإنسانية، سيساهم في استئناس العقول بمباحثة أصول التشريع القرآني ومقاصده بما يظهر خلوده ونجاعته وتوافقه مع حياة الإنسان فرداً أو أمة مرسلا أو مستقبلاً لعناصر الحضارة. (1/60)
صفحة 61
الفصل الثاني
خصائص الإعجاز التشريعي
61 (1/61)
صفحة 62
خصائص الإعجاز التشريعي
يرتكز التشريع القرآني على خصائص كفلت له البقاء الخالد، والاستطاعة المرننة الممتعة، فهو مصدر لا يعجز أمام طواريء الزمان أو المكان، ولا يجمد أمام تغير من تمدن أو بداوة ولايضيق بمطلب حضاري في أية بيئة.
ومن تلك الخصائص التشريعية القرآنية:
أولاً:: عموم
المقاصد الشرعية:
إن المقاصد الشرعية في القرآن من أبرز خصائص إعجازه، فهي المصالح العامة، التي يقصد إليها التكليف الشرعي في أوامره التي تخاطبنا بفعل الصلاح ونواهيه التي تطالبنا بترك الفساد وهي تحوي كليات شاملة ثابتة، وذلك لأن كل طاعة راجعة إليها، وأن كل معصية خارجة عنها، وأنها قائمة على أسس دائمة لا يلحقها التغيير،
فهي المقصودة بقوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الَّذِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى: 13)) وأما قوله تعالى و لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (المائدة: 48) فالمراد به الفروع الجزئية فإنها هي التي قد يقع فيها النسخ الذي لا يتعلق بالأصول العامة والقواعد الكلية لهذا التشريع وهي لا تختص» بمحل دون محل ولاباب دونه
باب، ولا بقاعدة دون قاعدة (((1) وإنها الذكر الذي عناه الله تعالى بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} (الحجر:9) فما الذكر إلا كتاب الله بماا اشتمل عليه من أحكام ومقاصد (3) والمقصد الشرعي من وضع الشريعة في أصولها، وفروعها كلها يرجع إلى إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدالله اختيارا كما هو عبد له اضطرارا) (2) ذلك أن «المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى والمشي مع الأغراض» (4)
-1
الشاطبي: المرافقات 07/ 30 2 - انطرم، ن: 1/ 32، 077 - الموافقات: 2/ 168. 4 - م، ن: 2/ 170.
62 (1/62)
صفحة 63
فشقاء الناس في هذه الدنيا والعذاب الذي ينتظر أكثرهم في الآخرة مصدره اتباع الأهواء الضالة، والخير والسعادة فيهما لا يحصلان إلا باتباع أحكام الشريعة وقهر الهوى الجامح (1).
:
فمقاصد التشريع العامة هي: «المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا: أوصاف الشريعة، وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا ايضا معان من الحكم غير ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها» (1).
ويحصر ابن عاشور المعنى الكلي العام للمقاصد الشرعية في: حفظ النظام، وضبط تصرف الناس على وجه يعصم من الفساد والهلاك وذلك لا يحصل إلا بجلب المصالح ودرء المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس، وجعل الشريعة مهابة مطاعة نافذة، وجعل الأمة قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال .. (3) ولن يتم ذلك إلا بصلاح
الإنسان في نفسه وعقله، وحتى يصلح تصرفه فيما بين يديه مما سخر له (4). ويقرر علال الفاسي أن «المقاصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع» ().
فالتشريع القرآني راع لجميع الحقوق التي تكفل الحياة السعيدة للإنسان منذ اربعة عشر قرنا حيث سبقت وأعجزت كل النظم والقوانين عن بلوغ أدنى مابلغه
1 - انظر م، ن: 2/ 170. 2 - ابن عاشور، محمد الطاهر: مقاصد الشريعة الإسلامية (تونس، الشركة التونسية للتوزيع، ط 1، 1978 م) ص 50. - انظر ابن عاشور مقاصد الشريعة ص
دراز، عبدالله: مقدمة كتاب الموافقات للشاطبي (بيروت، دار المعرفة، د: ت) 1/ 6.
ه الفاسي: علال: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ص 3.
63 (1/63)
صفحة 64
في هذا فشقاء الناس في هذه الدنيا، والعذاب الذي ينتظر أكثرهم في الآخرة مصدره اتباع الأهواء الضالة والخير والسعادة فيهما لا يحصلان إلا باتباع أحكام الشريعة وقهر الهوى الجامح).
فمقاصد التشريع العامة هي: «المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا: أوصاف الشريعة، وغايتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا ايضا معان من الحكم غير ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها» (3).
ويحصر ابن عاشور المعنى الكلي العام للمقاصد الشرعية في: حفظ النظام، وضبط تصرف الناس على وجه يعصم من الفساد والهلاك وذلك لا يحصل إلا بجلب المصالح ودرء المفاسد، وإقامة المساواة بين الناس، وجعل الشريعة مهابة مطاعة نافذة، وجعل الأمة قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال (3) ولن يتم ذلك إلا بصلاح الإنسان في نفسه وعقله، وحتى يصلح تصرفه فيما بين يديه مما سخر
له (4).
ويقرر علال الفاسي أن «المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض واستنباط لخيراتها وتدبير المنافع الجميع» ()
فالتشريع القرآني راع لجميع الحقوق التي تكفل الحياة السعيدة للإنسان منذ أربعة عشر قرنا حيث سبقت وأعجزت كل النظم والقوانين عن بلوغ أدنى مابلغه
1 - انظر م، ن: 2/ 170
2 - ابن عاشور، محمد الطاهر مقاصد الشريعة الإسلامية تونس، الشركة التونسية للتوزيع، ط 1، 1978 م) (ص. انظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة ص 154.
4 - دراز، عبدالله: مقدمة كتاب الموافقات للشاطيء (بيروت، دار المعرفة، د: ت) 1/ 6.
ه الفاسي: علال: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ص 3.
64 (1/64)
صفحة 65
في هذا المجال فقرر مبدأ المساواة بين الناس دون قيد ولا شرط لقوله تعالى يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: (13) فالمساواة بين بني الإنسان في الحقوق والواجبات أساس التعارف بين الأمم والشعوب، كما أن التعارف يقتضي المودة والتعاون في كل شؤون الحياة (1)
القرآن يقرر أن الناس جميعاً أمة واحدة، وأنهم من أصل واحد، خلقهم الله تعالى من نفس واحدة فقال تعالى: يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء (النساء 1)
فقد جاء بهذا المبدأ منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، بينما القوانين الوضعية لم تعرف هذا المبدأ إلا في أواخر القرن الثامن عشر، ولاتزال معظم الدول الأوروبية والولايات الأمريكية تطبق هذا المبدأ تطبيقاً مقيداً.
ومن المباديء التي يقوم عليها هذا التشريع مبدأ العدالة المطلقة» لقوله تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء (58) وقوله:
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة (8) وقوله (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا فَوَامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُن غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} الآية (النساء 135)
فالعدل الذي يأمر به القرآن هو العدل المطلق المثالي بين الناس جميعاً، الذي لا يتأثر بعامل الجنس أو الدين أو القرابة، أو البغض والكراهية، فإذا انتفى العدل سادت الفوضى والفتن واغتال الأقوياء حقوق الضعفاء وتسلط الجبارون على الآمنين المسالمين .. وأصبح المجتمع مهدداً بالاخطار من آثار الخصومات والضغائن والأحقاد (2). من أجل ذلك أوجب القرآن الكريم إقامة العدل بين الناس، ولم يحدد شكلا معيناً
1 - انظر شلتوت، محمد: الإسلام عقيدة وشريعة (بيروت، دار الشروق (طه) ص - انظر الفاسي: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: ص 267 وما بعدها.
472 (1/65)
صفحة 66
لنظام يتبعونه في القضاء وغيره، بل ترك حرية اختيار النظم الكفيلة لتحقيق الهدف (1).
والتشريع القرآني أتى بمصالح الدارين جلبا لها، والتعريف بمفاسدها دفعا لها (2) فمقاصده تنحصر في هذا المبدأ العام، وهو تحقيق المصلحة وذرأ مفسدة ومن هنا اتجهت جهود الباحثين في هذا العالم إلى استقراء المصالح أو المقاصد فصنفوها أصنافاً ثلاثة هي: الضروريات التي تعد المقاصد الأساسية في التشريع القرآني،، أصول المصالح وأسسها والمصالح الحاجية التي هي خادمة ومكملة للضرورية مثلما أن التحسينية خادمة ومكملة للحاجية، فالكل إذن حائم حول الضروريات يقويها ويكملها ويحسنها (3).
فهي
أ - الضروريات الخمس:
وقد اصطلح علماء الأصول على تسميتها بالكليات الخمس، والتي هي:
الدين والنفس والعقل والنسل والمال (4)
حفظ.
ولا يمكن أن توجد حياة إنسانية لها معني إلا بالمحافظة على بقاء هذه الكليات ولذلك كان المقصد الأول للتشريع القرآني إقامتها ودوامها، وكان أصلها والشاهد له () وقد روعيت طريقة الحفظ في هذه الضروريات من ناحيتين (6):
الأولى: تحقيقها وإيجادها، والثانية: المحافظة على بقائها. - حفظ الدين: لم يخلق الإنسان إلا لغاية قد حددها الله سبحانه وتعالى، ومنهج يسير عليه ويعمل وفقا له، ذلك هو الدين) الذي خلق طبقا له وتبعا له ولا يستقر حاله مالم يسر على أحكام الدين وهداه، لأنه دين الخلق والفطرة ومن أراد تغير في الدين، فلا مفر له من أن يغير خلق الله، لكن يكون الخلق جديدا مطابقا للتبديل
1 - انظر شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة، ص 444 وما بعدها.
4/ 27:
2 - انظر الموافقات: - انظر م ن: 08/ 2
10
- انظر البوطي، محمد سعيد: ضوابط المصلحة (بيروت)، مؤسسة الرسالة، ط 4) ص 119.
انظر الموافقات: 1/ 13.
6 - انظر م، ن: 08/ 2 (1/66)
صفحة 67
:
الجديد، ولقد قال (هارولد لاسكي) أحد كبار المفكرين البريطانيين: «إن علينا أن نخلق إنساناً إذا أردنا أن نشرع له» (1) وصدق الله العظيم القائل: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم (30) فالفطرة في هذه الآية مراد بها: الاستعداد لقبول الحق القويم والخلق الكريم، قال ابن عطية: والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة الفطرة: «أنها الخلقة والهيئة .. التي هي معدة ومهيأة لأن يميز به مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه ويؤمن به» (2) وقال الزمخشري: والمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الاسلام غير نائين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوبا للعقل مساوقا للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر» (3). والمراد بالدين: الإسلام لان الخطاب الملحمد الله فهو مأمور بإقامته ومعنى إقامة الوجه للدين القصد إليه والجد فيه (4). قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} آل عمران: 19) وقال سبحانه أَفَفَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} آل عمران: (83).
وقال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران 85) وغيرها من الآيات التي تدل على أن الدين عند الله هو الإسلام.
وتحقيق هذا الدين يكون بالإتيان بأركانه الخمسة المعروفة (1) وسائر عقائده وأصوله وعباداته التي قصد الشارع بها إقامة الدين، وتثبيته في القلوب باتباع الأحكام وحمايته والمحافظه عليه بمجاهدة من يريد إبطاله منعاً للفتنة في الدين
1 - نقلا عن الزنداني، عبد المجيد: توحيد الخالق (بيروت، دار الخير، ط 1، 1990 م) 11/ 3. ابن عطيه، المحرر الوجيز (المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ط 1988 م) 12/ 258. 3 - الزمخشري: الكشاف: 3/ 79.
-
0479/ 3
- انظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية: ص 57، والفاسي: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ص 69
وما بعدها.
ه انظر الموافقات: 2/ 4.
67 (1/67)
صفحة 68
وبمعاقبة المرتد عنه، أو المجاهر بالتحلل منه، أو الذي يبطن العداء له كالزنديق (1) ..
فحماية الدين من تكريم الإنسان لأن التدين خاصة الإنسان من سائر الحيوان فهو أمر باطني فطري في النفوس، وعنوان على سمو الإنسان، بل إن الحرص على تقوية الصلة بالله تعالى من أجل العوامل لاحترام نظام المجتمع، لأن الدين يقوي رقابة الضمير، والوجدان على تصرفات الإنسان فليزم له ضمان حرية الاعتقاد وقد قرر القرآن هذه الحرية فقال سبحانه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ) (البقرة: (256 وعد الفتنة في الدين أشد وأعظم من القتل فقال:
).
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة: 191) وقال وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة:217) وقال سبحانه و فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29).
«فالقرآن يعد تحرر الفكر من غشاوة الكفر والوثنية سببا في انطلاقته الحرة التي يظهر أثرها على أعمال الإنسان، واتجاهاته إذ يوضح بجلاء أن الاعتقادات الوثنية تزيد معتقديها ضلالا وتحول دونهم ودون التقدم في طريق المعرفة
الصحيحة» (2)
فقد أسس حرية الاعتقادات بإبطال المعتقدات الضالة التي أكره دعاه الضلالة. أتباعهم ومريديهم على اعتقادها بدون فهم ولا هدى ولاكتاب منير، وبالدعاء إلى إقامة البراهين على العقيدة الحق، ثم بالأمر بحسن مجادلة المخالفين، وردهم إلى الحق بالحكمة والموعظة، وأحسن الجدل قال تعالى: {أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الآية (النحل: 125) ثم ينفي الإكراه في الدين ولولا أن من أصول الشريعة حرية الاعتقاد ما كان عقاب الزنديق الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان غير مقبولة منه التوبة، وكذلك الأمر بالنسبة لحرية الأقوال والأفعال عد الاعتداء عليها نوع من أنواع الظلم (3)
1 - انظر خلاف عبدالوهاب: علم أصول الفقه (الكويت دار القلم، ط 14، 1981 م) ص
نظرية الضرورة الشرعية (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 4 1985 م) ص 52.
2 - الفاسي: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، بتصرف ص 88.
- انظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 133 وما بعدها.
200
201 والزحيلي، وهية
68 (1/68)
صفحة 69
فهل حققت الفلسفات الوضعية لاسيما الغربية حرية العقيدة في التفكير الديني الحر؟ وهل حفظت للمسلمين حق العبادة بحرية؟ وربما يعترض البعض على معاقبة المرتد بالقتل بأنها تنافي حرية اختيار الدين التي يقرها القرآن.
ويرد اعتراضهم بأن عقوبة الردة لاتتنافى مع الحرية في وقائع الحياة الشخصية، فقتل المرتد كان نتيجة خيانته للملة الإسلامية التي انخرط في عدد أفرادها ثم تنكر لها، وحاله كحال الخارج على النظام الاجتماعي، فالإسلام نظام شامل للسلوك الإنساني مبني على العقل والمنطق، وقائم على الدليل والبرهان، وليس في عقيدته، ولاشريعته ما يصادم فطرة الإنسان، أو يقف حائلا دون الوصول إلى كماله المادي والأدبي، فالمرتد عنه يعد حائداً عن العقل السليم والفطرة المستقيمة، حيث وصل إلى أقصى دركات الانحطاط وإلى الغاية من الانحدار، ومثله لا ينبغي المحافظة على حياته وكرامته.
إن محاربة الإسلام اتخاذ الأديان هزؤاً ولعباً، كان لحماية حرية الفكر، والرأي من هؤلاء العابثين فالعقوبة إذن هي لحماية بيضة الطائفة الإسلامية ممن يكسر وحدتها ويضر بها، وليس لمجرد تغير العقيدة الذي لا يصحبه إذعان ردة» (1) فالقصد من قبل المرتد هو حماية المجتمع الإسلامي لا المساس بحرية الإيمان فالخروج على الاسلام والارتداد عنه إنما هو طعن في البيئة الاجتماعية القائمة على نظام هذا الدين.
حفظ النفس: ويطلقها علماء الأصول على عصمة الشخصية في عناصرها المادية والمعنوية، ومن العناصر المادية للشخصية الإنسانية حق العبادة، وسلامة الجسم واعضائه من الإتلاف أما العناصر المعنوية، فمثل الكرامة، والأفكار
الذهنية المبتكرة والمعتقدات وسائر الحريات العامة أو حقوق الإنسان. وهي تعد من أعلى مراتب التكليف، وأهم المقاصد التي ترتد إليها سائر المقاصد الأساسية في التشريع القرآني بعد المحافظة على الدين، لتوقفها جميعاً إيجادا، وتنمية، وحفاظاً على الإنسان نفسه (2).
-1
-1 الفاسي:: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ص 255. انظر الدريني، فتحي: دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر (بيروت، دار قتيبة ط 1، 1988 م) 1/ 94
69 (1/69)
صفحة 70
فالقرآن الكريم يعد إزهاق النفس الإنسانية بغير حق بمثابة قتل الناس جميعاً،
وأن إحياءها في حكم إحياء الناس جميعاً، قال تعالى:
مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (المائدة: 32)
وفي هذا إيماء بوجوب التكامل الإنساني للعمل على استئصال شأفة هذه الجريمة النكراء من المجتمع البشري كله، لأنها في حكم هذا التشريع تشكل تهديداً خطيراا لوجوده، وتحديداً لمشاعره، وتقويضاً لأمنه واستقراره وهو ما يتنافى مع تشريعات، القرآن في الإصلاح العالمي، ذلك مبلغ عصمة الإنسان في نفسه ودمه وجسمه شرعاً)) فقال تعالى بشأن قتل النفس: {وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء (29) وقال سبحانه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} (البقرة: 195) وقال::
وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ} (الأنعام: (151 فيتضح لنا من خلال هذه الآيات حكم من يقدم على قتل نفسه (2) ويؤكد هذا المعنى أيضا وتبينه السنة الصحيحة، فقد. ثبت فيها تحريم قتل النفس انتحاراً أيا كانت الوسيلة وعدته من الكبائر، حيث، روى أبو هريرة - رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: «من قتل نفسه. بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلداً فيها أبداً. ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى فقتل نفسه، فهو مترد في نار جهنم خالدا مخلداً فيها أبداً» (3)
•
1 - انظرم، ن: 1/ 94. 2 - معظم التشريعات الوضعية، لا تتضمن نصوصاً تمنع الانتحار ولا تعتبره جريمة معاقباً عليها قانونا، ويرى بعضهم أن لاجدوى من إيراد مثل هذه النصول لمعالجة هذه الجريمة إذا العقوبة إنما تشرع في مواجهة المجرم وهو على قيد الحياة. وهذا منتحر قد أصبح جثة هامدة، فكيف تحاكم جثة، ومن هنا كان العنصر الاعتقادي أو الديني في التشريع الإسلامي أنجح في معالجة الجرائم، واستئصالها إذا يترتب عليه نوعين من الجزاء حتى إذا أفلت من الدنيوي فالأخروي بالمرصاد وهو أشد عذابا نكالاً فكان أعظم ردعاً وزجراً من غيرها (انظر الدريني دراسات وبحوث في الفكر الاسلامي المعاصر: 1/ 996
(97 -
3 - أخرجه البخاري: في كتاب الطب انظر صحيح البخاري بحاشية السندي (بيروت) دار المعرفة، ص 1978) 23/ 4، وأخرجه مسلم واللفظ له في كتاب الايمان - انظر صحيح مسلم (مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده) 772/ 1 والترمذي في الجامع الصحيح، وكتاب الطب (مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ط 2/ 1975 م) رقمم الحديث (2043) 4/ 80
)
70 (1/70)
صفحة 71
وكذلك الأمر في إجهاض الأجنة، ومنع النسل، وتقليله بصفة جماعية فهو ليس مما يتفق مع مقاصد التشريع القرآني فالله سبحانه وتعالى أرشدنا في كتابه إلى أن نقاوم كل ما من شأنه أن يمس بحياة الأفراد والجماعات تحت ستار من الأسباب الاجتماعية المختلفة، وذلك كوأد الأجنة في بطون أمهاتها خوفاً من الفقر، أو بسبب الحد من نمو الأمة فلا تحد بزعمهم مايسمونه بالأقل الحيوي والمجال الحيوي، فليس أحد أحق بالحياة من الآخر، وليس لأحد أن يمنع أحداً من الخروج للوجود أو المتمتع بالبقاء فيه إن خرج (1)
وتتحقق وتوجد هذه الحياة بالتزاوج الذي يؤدي إلى بقاء النوع الإنساني، والمحافظة على بقائها يتم بفرض العقوبة على القاتل وهو القصاص أو الإعدام، وذلك لأن حق الحياة مقدس، والاعتداء عليه يؤدي إلى إفناء البشرية وزجها في بحر من الدماء» (2)
فحفظ النفس في نظر تشريعات القرآن مصدر نفع عام مشترك أو مقصد أساسي ترتد إليه المصالح كلها في المجتمع البشري ولايتم هذا إلا على أساس وجوب أن يحيا الإنسان ضرورة، وأن تصان حياته صونا حقيقياً وجدياً وكذلك سائر حقوقه التي تنمي هذه الحياة، لما تعلق بها من مقاصد عليا (3) ولاشك أن كفالة حفظ حياة الإنسان تكفل له حقوقاً أخرى لاتستقيم إلا بحياته مثل: حركة الفكر والعمل، والتعمير وطلب السعادة، وبناء العلاقات الإنسانية والتنقل، حيث إن تلك الحقوق تختفي في ظل التهديد بالاعتداء على النفس
والأطراف.
فحفظ النفس من أجمل ما جاء به هذا التشريع «لأن الإنسان لم يتعود من الدين قبله أن يأمره بهذا الحق، وإنما تعود من أديان كثيرة أن تنهاه عنه، وأن تجعل
زهده في الأرض شرطا لحظوته في السماء» (4)
1 - الفاسي: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها – ص 229 – 230 - الزحيلي: نظرية الضرورة الشرعية: ص 53.
- انظر الذريني: دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر: 1/ 108 0
4 - العقاد، عباس: حقوق الإسلام وأباطيل خصومه (القاهرة)، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، د: ت) ص 140.
71 (1/71)
صفحة 72
حفظ العقل: إن العقل هبة من الله سبحانه وتعالى وأداة السلوك. والاختيار والتمييز بين الخير والشر، وهو وسيلة حماية الإنسان، إذ به يحافظ المرء على سلامته ويبتعد عن المهلكات قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُرَ إِلَى التَهْلُكَةِ (البقرة (195) وهو مصدر الخير والنفع قال سبحانه وتعالى:
ل كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
(النور (61) وقوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْتَهُ قُرَ نَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف 2) ولذلك شرع القرآن حفظ عقول الناس من أن يدخل عليها خلل مما يؤدي إلى فسات عظيم من عدم انضباط التصرف واختلال لتوازن التفكير وتضييع لوظيفته ودخوله على عقول الجماعات وعموم الأمة أعظم ولذلك يجب منع الشخص من السكر، ومنع الأمة من تفشي السكر بين أفرادها، وكذلك تفشي المفسدات مثل الحشيش والأفيون والمورفين والكوكايين والهرويين ونحوها مما كثر تناوله (1) وشرع لسلامته وتنميته العلم والمعرفة والخبرة لانه أداة الهدى والتفكير فكان
من البديهي أن يحض هذا التشريع على المحافظة على قوى العقل قال تعالى: إنَّمَا الخمر والمبيرُ وَالْأَنصَابُ وَالأَظْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة (9) وقال سبحانه وتعالى مشيرا إلى تأثيرها في العقل، وإضعاف طاقته،، بل وفقدانها: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَوَةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} الآية:
(النساء 43).
وللمحافظة على هذه النعمة العظيمة التي ميز الله بها الإنسان من غيره فقد. حرم كل ما يفسده او يضعفه ليكون كل عضو من أعضاء المجتمع سليما يمده. بعناصر الخير، فعقل كل إنسان ليس ملكا خالصا، له فإذا حصل خلل كانت ثغرة يتخلل فيها الفساد، وتذهب بها قواه، ويكون شراً على الجماعة إلى جانب كونه عبئاً عليها تغذيه وتطعمه، فكان من أهداف هذا التشريع العمل على سلامة العقول. بدفع الآثام، ومنع الشرور عنها، ووقايتها باتخاذ أسباب الحماية.
وحارب القانون الوضعي الخمر، ولكنه عجز لانه يفقد قوة الالتزام الباطني، فقد
1 - انظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية ص 80.
72 (1/72)
صفحة 73
حاربت الولايات المتحدة الأمريكية الخمر والإدمان فأصدرت قانونا يحرم الخمر تحريماً باتا وعاماً سنة 1920 م واستمرت إلى عام 1933 م ولكنها أخفقت وفشلت في تجربتها واصدرت الهند كذلك قانوناً مماثلاً واستجابت كثير من الدول لتلك الدعوة استجابة جزئية، فحرمت تقديم الخمر أو تناولها في المحال العامة في أوقات معينة، مما يكشف عن ضعف المشرع ومدى ضعف فاعلية هذا القانون. ولجأت السويد إلى إجراء استفتاء شعبي في 27 اغسطس سنة 1922 م فكانت نتيجة الاستفتاء، كما أعلنت في الرابع من اكتوبر توضح الكثرة في عدد طالبي التحريم، إذ بلغ %78 88960 أما عدد من طالبوا بالاباحة فقد بلغ 224.874 الأمر الذي يكشف عن مدى التحول الذي تشير إليه الكثرة النسبية في عدد من طالبوا بتحريم المسكرات (1).
فلماذا كان العجز عند الوضعين وهذا النجاح في الإسلام؟ إن السبب مرتبط بالقاعدة الفكرية والعقدية التي يقوم عليها البناء الاجتماعي والقانوني في الدولة
الوضعية، وتلك التي تقوم عليها الدولة الإسلامية ففشلهم يتحدد في سببين: الأول الاختلاف في المنهج والآخر: الاختلاف في القاعدة التي بني عليها المنهج (3). ومن ضوابط حفظ العقل في الإسلام تحصينه من الأوهام التي تضلله عن السير في المنهج السليم في طلب الحقيقة سواء أكانت علمية أم عقدية، ومن الآيات التي دعت إلى عصمة العقل من الهوى والوهم قوله تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله الآية (ص: 26) وقوله سبحانه وتعالى (أَفَرَعَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنهُ} الآية (الجاثية: 23) وقوله سبحانه وتعالى في وصف المضللين لعقولهم من الكفار إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ} (النجم (23).
حفظ النسل: وهي المحافظة على النوع الإنساني، إذ النسل المعترف به، إنما هو الذي 1 - انظر لوكه: أحكام شرب الخمر في الشريعة الإسلامية (طرابلس، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، ص 55 وانظر عوضين من محاسن شريعة الإسلام (القاهرة، المؤسسة العربية الحديثة ص 157 وما بعدها. 2 - راجع تفصيل ذلك كتاب المودودي: نحو الحضارة الغربية، ص 52 وما بعدها واحكام شرب الخمر، لوكه، ص 56،55.
73 (1/73)
صفحة 74
يتم نتيجة الاستمتاع بالمرأة على وجه مشروع حال قيام النكاح الصحيح، فإذاا ولدت الزوجة في هذه الحال ولداً لتمام ستة أشهر فصاعدا من حين عقده، ثبت نسبه من الزوج، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها، فلا يثبت نسبه منه إلا إذا ادعاه، ولم يقل إنه من الزنا (1) وذلك يقتضي تنظيم الزواج، ومنع الاعتداء على الحياة الزوجية، ومنع العلاقات غير الشرعية أيا كان نوعها، وعلى أي صفة كانت بل ومنع قذف البريئات، والبراء بالزنا، فكان اعتناء الشريعة بأمر النكاح أسمى مقاصدها، لأن النكاح يحفظ نظام العائلة وأن مقصدها منه قصر الأمة على هذا الصنف من الزواج دون ما عداه مما حكي في حديث عائشة (2) وللمحافظة عليه قرر معاقبة الزاني مائة جلدة لغير المحصن، ومعاقبة غير المحصن بالرجم ومعاقبة القاذف بالفاحشة ثمانين جلدة، لأن سلامة النسل وحفظ الكرامة يجعلان المجتمع قويا نقيا منسجما لاشذوذ فيه، ولا أحقاد. ولا شحناء، فكل مكلف مأمور بحفظ نسله التفاتا إلى بقاء عوضه في عمارة هذه،
-
1 - باشا، قدري: الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية المادة 333 الحديث أخرجه البخاري، وأبو داود عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي و أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان اربعة انحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كأن يقول الرجل لأمراته إذا طهرت من ظمنها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدا حتى يتبين. حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها اصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبطاع، ونكاح آخر يجتمع الرهط مادون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت. ووضعت ومر عليها ليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم.: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يافلان تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافه، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالناط به، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم (انظر صحيح البخاري بحاشية السندي: 3/ 248 وسنن أبي داود (بيروت، المكتبة العصرية) 2/ 281، 282
74 (1/74)
صفحة 75
الدار ورعيا له عن وضعه في مضيعة العاطفة بالرحمة على المخلوق من مائه» (1) وقد قرن الله سبحانه وتعالى جريمة الزنى بالشرك وقتل النفس، فقال سبحانه:
ج
:
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَنَّهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} الآية (الفرقان: (68) وذلك لكون الزنى من أعظم المفاسد لما فيها من منافاة لمصلحة نظام العالم في حفظ الإنسان وحماية الفروج وصيانة الحرمات وتوقى ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس، من إفساد كل منهم امرأة صاحبه أو ابنته أو أخته أو أمه، وفي ذلك خراب العالم، فكانت مفسدته تلي مفسدة القتل في الكبر (2) فالزنى قتل للنسل، لما فيه من اعتداء على انفس كثيرة تريد حياة كريمة فلم تنلها فكان مالها الانحلال والانقراض أو نالتها عيشة ذليلة مهينة.
حفظ المال: لعل من البديهيات التي لاتحتاج إلى توضيح هو أهمية المال بالنسبة للإنسان فهو يعد عصب هذه الحياة وقوامها، وعليه مدار صلاحها في كل زمان ومكان ومنشأ كثير من الصراعات والمنافسات، وربما كان ذلك سبباً لحروب طاحنة أو منازعات ساخنة مستمرة فالإنسان لايستطيع الاستغناء عنه إذ عليه يتوقف نشاطه وسعيه المادي، سواء في التجارة او الصناعة أو الاستثمار بشتى أنواعه، ولهذا كان للمال في نظر التشريع القرآني المكانة السامية، فأخبر بأنه مع البنين من اجمل متع الدنيا فقال سبحانه و الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا) الآية (الكهف (46) فلا غرو أن يهتم هذا التشريع بتقنين طرق اكتسابه وأوجه إنفاقه فشرع لإيجاده السعي في طلب الرزق والمعاملات بين الناس «وقد تقرر عند علمائنا حفظ الأموال من قواعد وكليات الشريعة الراجعة إلى القسم الضروري (3) والمقصود بحفظ الأموال هو صيانتها من الإتلاف ومن الخروج إلى أيدي غير
-
- الشاطبي: الموافقات: 2/ 121
2 - انظر ابن القيم الجوزية: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (بيروت، دار ابن زيدون ط 1 ص 237 3 - انظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية ص 169.
vo (1/75)
صفحة 76
الأمة
بدون عوض، وحفظ أجزاء المال المعتبرة عن التلف بدون عوض» (1)
وأصول ذلك قول الله تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن
تَكُون تَجَرَةٌ عَن تَراضِ مِنكُمْ) (النساء (29)
وللمحافظة عليه وضعت عقوبة السرقة بقطع اليد من المفصل بشروط، وحرم الغش والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل والربا، ووجب ضمان المتلفات والحجر على السفيه وذي الغفلة، ودفع الضرر. (2)
وقال ابن عاشور: «المقصد الأهم هو: حفظ مال الأمة وتوفيره لها .. وحصول حفظه يكون بضبط أساليب إدارة عمومه، وضبط أساليب حفظ أموال الأفراد آئلة. إلى حفظ ملل الأمة، لأن منفعة المال الخاص عائدة إلى المنفعة العامة لثروة الأمة، فالأموال المداولة بأيدي الأفراد تعود منافعها على أصحابها، وعلى الأمة كلها لعدم. انحصار الفوائد المنجزة إلى المنفعتين بدوالها» (3)
فالتشريع القرآني يرمي إلى تداول المال بين الناس دون تداوله بين طائفة خاصة، وقد قيد الشرع حق التصرف في الإنفاق بمنع الإسراف والتقتير، والعمل. على تنمية الثروة بمنع الغش والربا والقمار والاحتكار، ووضع نظما حكيمة تحول دون تضخم الثروات بين أيدي أقلية وتكفل لكل فرد حياة إنسانية كريمة، وتحفظ له مقوماته وحقوقه قال تعالى: {كَنَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ)
(الحشر 7). وتقضي هذه الأحكام بإقرار التوازن في الحقوق بين الأفراد وذلك بمنع التعسف في استعمال الحق الخاص، ومنع الاحتكار في التجارة إلى جانب تشريعه للزكاة بهدف استرداد المال المختزن، وبذلك تنقل الثروة من أيدي أناس إلى أيدي أناس آخرين، كما قصد بتشريعها، إعطاء رأس المال حركة، ودفع صاحبه إلى العمل النافع، وعدم تجميده كأرصدة مخزونة حيث يتقلص رأس المال سنة بعد سنة، وفي
1 - م، ن: ص 80.
2 - انظر خلاف عبدالوهاب علم أصول الفقه، ص 201.
:
- ابن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية، بتصرف، ص 170
76 (1/76)
صفحة 77
ذلك يقول. بحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا (التوبة (103) وإلى جانب ذلك أقام نظام الميراث الذي جاء متمشياً مع ماتقضيه الطبيعة البشرية والنظم الاجتماعية حيث جعل ما يخلفه الميت من ماله لأحب الناس إليه وأكثرهم صلة به وأشدهم تعاوناً معه حتى تتوثق الصلات والروابط وتقوي روح التعاون بين أفراد الأسرة ولاتفتر الجهود عن جمع المال وتعمير الكون إذ إن الإنسان مجبول بطبعه على أن يؤثر ذوي قرابته» (1) فهذا النظام يعد عاملا قويا يربط بين أقرباء المتوفي، مما يحول دون تركيزها في أيد قليلة واقام ايضا نظام دورة الإنفاق الخيرة التي هي علاج لكل مشاكل المجتمعات قال تعالى: (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُرَ إِلَى الهَلَكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة (195) وعادة الإنفاق تكون بمثابة التزام خلقي من قبل الجماعة ووسيلة لشكر الله وعرفانه على رزقه وفضله (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد 7) وبذلك يعالج هذا التشريع العظيم «أزمة السيولة» في التعبير الاقتصادي الحديث، فهو يدعو المسلم إلى أن ينفق مايزيد عن حاجته ولا يكتنز وكل من ينفق سوف يجني عشرة أضعاف ما أنفق والإنفاق ينعت بالقرض الحسن إلى الله وهذا القرض يرده الله إلى الإنسان مضاعفاً بل أضعافاً
مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرُ كَرِيمُ} (الحديد (11).
حفظ العرض: عده كثير من العلماء من المقاصد الضرورية مثل تاج الدين السبكي حيث ذكر الضروريات الخمس، حسب ترتيب الغزالي، إلا أنه كالرازي وغيره استبدل النسل بالنسب ثم زاد إلى الخمسة العرض حيث قال: «و الضروري كحفظ الدين، فالنفس، فالعقل، فالنسب، فالمال، العرض» (2)
قال البناني في حاشيته على جمع الجوامع: «وهذا - يقصد العرض زاده
1 - القرنشاوي: دراسات في الشريعة الإسلامية (بنغازي، منشورات جامعة قاريونس (3) ص 13. 2 - السبكي: جمع الجوامع، بحاشية البناني (مصر)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ط 2، 1937 م)
vv (1/77)
صفحة 78
المصنف كالطوفي، وعطفه بالواو إشارة إلى أنه في رتبه المال، وعطف كلا من الأربعة
قبله بالفاء لإفادة أنه دون ماقبله في المرتبة» (1).
وممن أشار إلى إضافة العرض للضروريات الخمس القرافي، وهو يحكيها عمن قبله قال: الكليات الخمس، وهي: حفظ النفوس، والدين، والأنساب، والعقول والأموال، وقيل: الأعراض» (2)
والظاهر من قول القرافي أنه لا يتبنى هذه الإضافة.
وقد دافع الشوكاني عن عد «العرض من الضروريات الخمس، فقال: «وقد زاد. بعض المتأخرين سادساً وهو «حفظ الأعراض فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم, وأموالهم دون أعراضهم. وما فذي بالضرورة، فهو بالضرورة أولى، وقد شرع في الجناية عليه بالقذف، الحد. وهو أحق بالحفظ من غيره فإن الإنسان قد يتجاوز.
عمن جنى على نفسه أو ماله، ولا يكاد أحد أن يتجاوز عمن جنى على عرضه» (3) وقد اعترض الشيخ ابن عاشور، على من جعلوا حفظ العرض من الضروريات وعده من الحاجيات فقط. كما أنه لم يقبل جعل حفظ النسب من الضروريات إلا باعتباره يفضي إلى حفظ النسل (4)
وعلى الراجح أنه لو جاز لنا إضافة ضرورة العرض والنسب إلى الضرورات الخمس، فمن باب أولى جواز إضافة ضرورة العبادة، وضرورة الكسب، وضرورة الأكل .. إلى غير ذلك من الضرورات الحقيقية، المندرجة في الضرورات الخمس والخادمة لها، فما كان هذا شأنه فهو مكمل للضرورة.
وقد دعا أحمد الريسوني إلى إعادة النظر في حصر الضروريات في الخمس المعروفة، نظراً لأن هذا الحصر من اجتهاد العلماء وأن الزيادة على الخمس، أمر وارد منذ القديم كما رأينا وفي ذلك يقول: وعلى كل فحصر الضروريات في هذه
1 - حاشية البناني على جمع الجوامع (مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ط 2، 1937 م) 2/ 280. 2 - القراني: شرح تنقيح الفصول مصر، منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، ومن السكر، ط 1) ص 391
الشوكاني: إرشاد الفحول دار الفكر ط 1231 هـ) ص 216.
4 - ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية: ص 81، 82.
VA (1/78)
صفحة 79
الخمسة، وإن كان قد حصل فيه مايشبه الإجماع يحتاج إلى إعادة النظر والمراجعة» (1)
وهو رأي ابن رشد - الحفيد - حيث بني مقاصد الشريعة الإسلامية على الفكرة الخلقية وكاد يؤسس نظرية فلسفية خاصة بهذا المنحى في الشرع- فالشريعة في نظره جاءت لتصلح الإنسان عن طريق الأخلاق التي تمثل قمتها، التقوى وإذا ماتم إصلاح الإنسان فإن الحياة كلها تصبح صالحة، لأن ما يفسدها إنما هي أعمال الإنسان الصادرة عن أخلاقه (2)، فابن رشد ينطق من مبدأ عام مفاده أن أحكام الشرع تهدف كلها إلى غرس الفضائل فيقول: «وينبغي أن تعلم أن السنن المشروعة العملية (النظم الشرعية) المقصود منها هو الفضائل النفسانية» (3) ثم يأخذ في تفصيل نظم الشريعة مبينا ما يهدف إليه كل نظام من غايات أخلاقية فيذكر أن العبادات تعظيم لله تعالى، وشكر له على نعمه، وهدفها كرامة الإنسان وحريته (4).
وأما نظام الشريعة المتعلق بتلبية الغرائز من طعام وشراب ونكاح فهي مضبوطة بكيفية هدفن من ورائها إلى العفة) وأرجع نظام العقوبات، الذي يحقق الأمن إلى العدل والقضاء على العدوان والظلم () وأما نظام العقود والمعاملات المالية وأدخل الزكاة والصدقة في هذا النظام لأن غايتها واحدة وهي محاربة تجميد المال، الجشع والأنانية وهي «التي يقصد
بها طلب الفضيلة التي تسمى السخاء - وتجنب الرذيلة التي تسمى البخل» (6) الريسوني، أحمد: نظرية المقاصد عند الشاطبي (بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع طا، 1992 م) ص 47، 314
2 - انظر العبيدي، حمادي: ابن رشد وعلوم الشريعة الإسلامية (بيروت، دار الفكر العربي ط 1، 1991 م ص 107، 104. ابن رشد محمد الحفيد بداية المجتهد ونهاية المقتصد (بيروت، دار المعرفة (9) 2/ 475
- انظر م، ن: 2/ 475.
ه انظرم، ن: 2/ 475.
/2
6 - م، ن: 2/ 475.
79 (1/79)
صفحة 80
وأما الغاية من نظام الحكم والسلطة، إنما هي كيان المجتمع فبدون سلطة: لا يكون هناك مجتمع، وبدون مجتمع لا يكون هناك علم، ولا حضارة أن العلم نتيجة حركة الفكر، ولان الحضارة نتيجة حركة الفكر والبدن (1).
ويرى أن النظام السياسي، لا يكفي في تماسك المجتمع وقوته، بل لابد من سيادة. الأخلاق الاجتماعية القائمة على إحساس بوحدة القلوب، والمصير المشترك الذي يقتضي منهم التعاون في الدفاع عن كيان المجتمع الذي يتهدده خطر الانحلال، وعلى ذلك فإن المجتمع يجب أن يقوم بناءه على قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
فابن رشد كان على وشك أن يقيم فلسفة كاملة في مقاصد الشريعة الإسلامية وقد وضع المباديء العامة لهذه الفلسفة في مقاصد الشريعة الإسلامية وقد انتهى إلى ما انتهى إليه العلم الحديث في علاقة القانون بالأخلاق).
ووافقه أحمد الخميليش في عد العدل وحقوق الفرد وحريته، ضمن الضروريات من مقاصد الشريعة (2).
أما بالنسبة للحاجيات: فهي المفتقر إليها للتوسعة ورفع الحرج، دون أن يبلغ فقدانها مبلغ الفساد العام والضرر الفادح» (4) فهي لابد منها لقضاء الحاجات، كتشريع البيع والإجارة والنكاح وسائر ضروب المعاملات، وهي تابعة للضروريات ومحققة لأغراضها ومن ذلك أن أحكام النكاح هادفة إلى المحافظة على النسل، وأن أحكام التجارة والإجارة هادفة إلى الحصول على المال) فهي «إذا فقدت لايختل نظام حياتهم ولاتعم فيهم الفوضى كما إذا فقد الضروري، ولكن ينالهم الحرج والضيق، والأمور الحاجية للناس بهذا المعنى ترجع إلى رفع الحرج عنهم، ليحتملوا مشاق التكليف وتيسر لهم طرق التعامل وسبل العيش (1) فهي
1 - انظر ابن رشد: بداية المجتهد: 2 - انظر م، ن: 2/ 476
0476/ 2:
3 - انظر الخمليش، أحمد: وجهة نظر الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط 1، 1998 م) ص 249، 250، 300
الشاطبي: الموافقات، 2/ 11.
80
- انظر م، ن: 4/ 28، 29 (1/80)
صفحة 81
تشتمل على الرخص وكل مافيه تيسير وتوسعة، وذلك لتمكين المكلف من القيام بما کلف به دون أن تحول المشقة بينه وبين ذلك ولهذا الغرض أبيح له أكل الميتة، وأبيح له التيمم عند تعذر الطهارة بالماء وأبيح له قصر الصلاة، وفطر رمضان في السفر ليحافظ على أركان الدين ما استطاع (2). المصالح التحسينية:: «هي كل ما يعود إلى العادات الحسنة والأخلاق الفاضلة والمظهر الكريم، والذوق السليم، مما جعل الأمة الإسلامية أمة مرغوباً في الانتماء إليها والعيش في أحضانها» (3) ويندرج في هذا النوع من المصالح اجتناب الإسراف والبخل ومراعاة الكفاءة في اختيار الأزواج وآداب الطعام وحسن المعاشرة، وستر العورة، والطهر من النجاسة والابتعاد عما خبث من الطعام، وغير ذلك من مكارم الأخلاق والعادات الحسنة (4).
وبهذا يظهر أن الضروريات الخمس، تعبد أصول المصالح وأسسها، والمصالح الحاجية إنما هي خادمة ومكملة للضرورية، مثلما أن التحسينية خادمة ومكملة للحاجية، فالكل إذن، حائم حول الضروريات يقويها ويكملها ويحسنها (5) «فالشارع سبحانه .. جعل الأدنى تابعا للأعلى، ومتأخرا عنه في الاعتبار، فلا ينبغي أن تستعمل في تعطيل بعضها بعضا، وخاصة تعطيل الأعلى بالأدنى، بل هي موضوعة ليقوي بعضها البعض، ويجلب بعضها البعض، ويحمي بعضها
البعض» (1).
والمقاصد الشرعية كلها بأقسامها الثلاثة من ضروريات حاجيات، وتحسينات قد جاء بها القرآن أصالة، وأما السنة فهي تفرع مافيه وتبينه، وفي هذا يقول الشاطبي: إذا نظرنا إلى السنة وجدناها لاتزيد على تقرير هذه الأمور، فالكتاب أتى بها أصولا يرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعا على الكتاب وبيانا لما فيه منها (7)
1 - خلاف: علم أصول الفقه، ص 200.
2 - انظر الشاطبي، الموافقات: 4/ 29
- ابن عاشور: مقاصد الشريعة الاسلامية ص 83.
- البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: ص.
ه انظر الشاطبي: الموافقات 2/ 8.
•
6 - الريسوني: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص 119.
الموافقات: 4/ 27.
81 (1/81)
صفحة 82
المسماة.
فالمقاصد الشرعية في القرآن من أبرز خصائص الإعجاز التشريعي، فقد شملت أصول حقوق الإنسان على تنوعها وتدرجها مما يتعلق بجوانب الحياة المتعددة. وبناء عليه أسس الشاطبي نظريته في الإذن الشرعي، المسماة اليوم بنظرية «استعمال الحق وما يتصل بها من قضية تجاوز الإذن الشرعي بالتعسف في استعمال الحق» وقد بحثها الشاطبي بكيفية رأي بعض الدارسين المعاصرين للشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية أنه فارقه فيه جميع الذين تناولوها من علماء القانون الغربيين (1).
وحاصل هذه النظرية أن الفعل إذا كان جائزا شرعا فإنه لا يلزم من جوازه، أن يكتسب صاحبه الحق في تنفيذه، بل لابد من النظر إلى نتائجه فإن كان لا ينتج عنه إضرار بالغير، بقى جائزا على أصله من الإذن الشرعي «ولا حاجة إلى الاستدلال عليه، لثبوت الدليل على الإذن ابتداء» (2)
(°)
فإن كان ينتج عن الفعل المأذون فيه ضرر، فإنه يقع النظر هنا إلى قصد الفاعل، فإن كان قصده من استعمال الحق المأذون له فيه شرعا، الإضرار فلا إذن له لاضرر ولا ضرار (3) وتبعا لقاعدة مراعاة القصد في الأفعال» (4) الوارد بها قوله «إنما الأعمال بالنيات الحديث (5). وإن لم يكن قصده الإضرار لا بنفسه، ولا بالغير وإنما قصده جلب مصلحة لنفسه أذن له إذا كانت تلك المصلحة خالية من المفسدة، ومن الضرر العام والخاص لأن الشارع لا يأذن في ضرر أو فساد ().
1 - المحمصاني: صبحي: فلسفة التشريع في الإسلام (بيروت، دار العلم للملايين، ط 4، 1975 م) ص 293 الموافقات: 2/ 349.
رواه ابن ماجه في السنن عن طريق عبادة ابن الصامت: 2/ 784 - والبيهقي في السنن الكبرى - بيروت دار المعرفة طا، 1352 هـ 6/ 69، 70 والحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (بيروت دار
المعرفة) 2/ 59 600.
- انظر الموافقات: 2/ 349
5 - رواه البخاري (انظر صحيح البخاري بحاشية السندي: 6/ 1)
6 - انظر الموافقات: 2/ 349.
82 (1/82)
صفحة 83
فالشاطبي ينبه على أنه أقامها على المقصد الكلي للشريعة الذي ينحصر في تحقيق المصالح وإبطال المفاسد والأضرار، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أولهما معا (1).
فالتأمل في هذه النظرية يجدها معبرة بحق عن روح الشريعة الإسلامية التي تتوخى دائماً الرفق والانصاف وتحريم الضرر، وتطهر النوايا والأعمال من النظرية الحديثة لسوء استعمال الحق» (2).
المفاسد، كما أنها هي بـ
1 - انظرم، ن: 1/ 199.
2 - المحمصاني صبحي: النظرية العامة للموجبات والعقود (بيروت، دار العلم ط 2) 53/ 1.
83 (1/83)
صفحة 84
ثانيا: الخطاب التشريعي وملاءمة أحوال المكلفين:
يتمشى الخطاب التشريعي في القرآن الكريم مع الفطرة البشرية في كيانها الشامل المترابط إذ يجعل دستوره شاملا للعقيدة والواقع، فهو ليس خواطر صوفية خائرة ولا أفكار فلسفية حائرة، ولكنه منهج للحياة حسب قوانين الاجتماع التي سنها الله لخلقه، وما عمله الأسمى سوى التوفيق التام بين حق الجسد وحق الروح في الحياة الإنسانية، وبين الحياة الفردية بجميع تفصيلاتها والحياة الجماعية في كل نواحيها، وبين الجريمة الضارة والعقوبة الرادعة، فكلها تنبع من منبع واحد، وتتجه وجهة واحدة .. فلا يختص بالحياة الواقعية دستور مستقل بالحياة التعبدية ناموس مخالف. ولا يعاقب الجاني إلابما يستحقه، وعلى قدر جريمته مع ترك فسحة للعفو والصلح إذا كان فيها زجر وجبر، فهو دستور واحد يشمل هؤلاء جميعا، وتصدر عنه التشريعات جميعا على أساس التوازن والشمول والعدل والكمال فلا يتفرق الإنسان ممزقا بين واقعه وفكره، ولابين فرديته وجماعيته ولابين مبادئه وسلوكه، ولا بين دنياه وأخرته، وإنما يكون شخصا واحدا في هؤلاء جميعا، يتعامل مع القوى كلها بكيانه المجتمع المترابط، ويسلك سلوكه بذلك الكيان، وذلك أوضح دليل على أن هذا التشريع من الفطرة، ومظهر من مظاهر الإعجاز، لتمام التوازن فيه بين الخير والعدل والسعادة للفرد والأمة.
أ - الملاءمة بين الروح والجسد:
إن الإنسان مخلوق مزدوج الطبيعة، يقوم كيانه على عنصر أرضي، يتمثل في جسمه الذي يطلب حظه مما خرج من الأرض من متاع وزينة. وفيه عنصر سماوي يتمثل في روحه التي تتطلع إلى هداها مما نزل من السماء.
وإن أخطر ما قدمته بعض الفلسفات القديمة والحديثة من مفهوم عن الإنسان هو الفصل بين هذين العنصرين - الروح والجسد - وقد أدى هذا الفصل إلى إحدى نتيجتين: إما كبت الجسد، وإما كبت الروح وما لهاتين من انحرافات تفصيلية تندرج تحتها وجعل لكل منهما دستورا ومنهجا مختلفا عن الآخر.
?? (1/84)
صفحة 85
فهناك نظم وفلسفات أهملت الجسد واحتقرته ونبذته، وكبتت نوازعه الفطرية وضرورته القاهرة، فلا تقضيها أصلا، أو تقضيها بتقزز ونفور كالهندوسية (1) والبوذية (3) وأصحاب الرياضيات ومن نحا نحوهم من الديانات والفلسفات والعقائد فهؤلاء تحكمهم الروحانية في تقاليدهم وطقوسهم، وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية.
ونشأ عن ذلك اختلال داخل النفس واختلال في الحياة، فرانت السلبية على النفوس وتأخر المجتمع وانحسر التقدم والانطلاق. وهناك نظم وفلسفات أخرى أهملت الروح، ونبذت كل مايتصل بها من قيم فاتجهت إلى اللذة المحضة، فلا هم لها إلا الحظوظ الجسدية، كاليهودية، وكالإبيقورية (3) والمادية الأوروبية الحديثة، حيث كبتت الروح لتعلى من الإنتاج المادي والمتاع الجسدي، فوصلت إلى مايشبه الحيوانية في صلات الناس بعضهم ببعض من استعمار واستعباد واستغلال وهبوط خلقي وروحي في أمور الجنس
خاصة .. الحيوانية غير اللائقة بالإنسان).
وحيث تضل تلك النظم والفلسفات فتفصل بين نشاط الجسم ونشاط الروح، فإن التشريع القرآني يلتقي مع الفطرة على طبيعتها «فالروح والجسد في القرآن الكريم ملاك الذات الإنسانية تتم بهما الحياة ولاتنكر أحدهما في سبيل الآخر، فلا يجوز للمؤمن بالكتاب ان يبخس للجسد حقا ليوفي حقوق الروح، ولا يجوز له أن يبخس للروح حقا ليوفي حقوق الجسد، ولا يحمد منه الإسراف في مرضاة هذا ولا مرضاة ذاك ().
1 - نسق من الأفكار والمفاهيم التي سادت في الدين والأخلاق والفلسفة في الهند ويشمل مجال الهندوسية معظم العبادات والمذاهب الدينية التي تقوم على عبادة الإلهين فيشتو وسيفا. (أنظر الموسوعة الفلسفية: بإشراف روزنتال ويودين ترجمة کرم (بيروت دار الطليعة 5، 1985 ص 562).
2 - ديانة عالمية تبشر بالخلاص من الألم عن طريق ترك الرغبة، وتحقيق التنوير الأعلى الذي يعرف باسم النيرفانا وقد نشأت البونية في الهند في القرن السادس قبل الميلاد وهي منتشرة في اليابان والصين ونيبال وبورما وغيرها من البلاد (أنظر الموسوعة الفلسفية، ورزنتال: ص 91). 3 - نسبة إلى أبيقور فيلسوف مادي والحادي من العصر الهليني كان ينكر تدخل الآلهة في شئون العالم، ويعترف بخلود المادة التي تملك مصدرا داخليا للحركة (الموسوعة الفلسفية: ص 8).
4 - انظر قطب، محمد: دراسات في النفس الإنسانية (بيروت - دار الشروق - ط 10) ص 62، 63.
ه - العقاد، محمود: الإنسان في القرآن (بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط 1، 1974 م) ص 383.
85 (1/85)
صفحة 86
إن التشريع القرآني أعلن أنه لا يوجد صراع بين الجسم والروح، فأسقط مفهوم العزلة والزهادة في متاع الحياة كما أسقط مفهوم الإسراف والإباحية، ونظر إلى الإنسان نظرة متكاملة، فكرمهما معاً ودعا إلى الاهتمام بهما طهارة ونظافة وزينة من غير إسراف ولا خيلاء. (1) فهذا التشريع لا يفصل بين أجزاء الكيان الإنساني المترابط إلى جانب مراعاته لما في هذا الكيان من، ازدواج، فهو يأكل ويشرب ويجعل ذلك مسألة إنسانية لاحيوانية .. ويقوم بنشاطه الجنسي ليرضى جانب الجسد من كيانه .. وذلك كله لايتم بجسده وحده، وإنما بالمزاج المترابط بين الجسم والروح- وإن برز فيها الجانب الجسدي - فيجعل الأكل عبادة، والنشاط الجنسي عبادة، إذ يربطها بذكر اسم الله عليها وبالقيم المستمدة من التوجه إلى الله، قيم النظافة والطهارة والترفع عن مستوى الحيوان
فالطعام ينبغي أن يكون من حلال {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا)
(البقرة (168) (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ عَلَلا طيباً) (المائدة (88)
وأن يذكى هو ذاته قبل تناوله بذكر اسم الله عليه، أي يربط بالله في الوجدان وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرٍ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام 121). وألا يسرف الإنسان بلا ضابط وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف 31).
وألا يستأثر به وحده فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ) (الحج (28). وبهذا كله يصبح الطعام مسألة جسمية وروحية، وفي النشاط الجنسي يشترط أن يكون حلالا طيبا لا عن طريق الفاحشة
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌ
لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌ هَم وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا اتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَخِذِي أَخْدَانٍ (المائدة ه)
1 - انظر الجندي، أنور: معلمة الإسلام (القاهرة)، دار الصحوة للنشر، ط 2 1989 م) 1/ 130
86 (1/86)
صفحة 87
وكونه نظيفاً طاهراً (وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة (222) وكونه وسيلة لهدف أقوم وهو بقاء النسل و نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) الآية (البقرة (223) والإشارة في الحرث واضحة إلى البذرة والإنبات أي النسل على طريق المجاز قال الزمخشري: «وهذا مجاز شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بالبذور).
وكونه علاقة روحية وجدانية إلى جانب كونه علاقة جسدية
) هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} (البقرة (187) (وَمِنْ آيَنَيْهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) الآية (الروم (21). وبهذا يصبح الجنس نشاطاً جسمياً روحياً فلا يصبح شيء من هذا النشاط ضرورة غليظة يقضيها الإنسان بمعزل عن إشراقة الروح التي تلطفها ويمنحها معناها الإنساني اللطيف الشفيف. (2)
حركة
والإنسان في هذا التشريع يتعبد، ليرضى نداء الروح وحاجة الجسد إلى الاتزان بين الحركة والسكون والتزود والتزهد، كالصلاة حركة جسم متطهر إلى جانب روح متطلعة تحاول في خشوعها أن تتصل بالله، وهي لاتصح دون تهيؤ الجسم لها بالتطهر والوضوء، واشتراكه في القيام والركوع والسجود، ولا تصح دون تهيؤ الروح بالوعي والخشوع والتطلع إلى الله و قَدْأَ فَلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُم في صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} (المؤمنون 1، 2).
وكذلك الصيام فهو ليس امتناع جسمي عن الطعام والشراب والجماع فقط دون أن تشاركه الروح بالتقوى، والامتناع عما يفسد جو الصيام من قتال وخصام وفحش في القول والنظر والفعل إلى جانب تقوى المشاعر يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ علَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة 183).
1 - الزمخشري: الكشاف 1/ 266.
2 - انظر قطب:، محمد دراسات في النفس الإنسانية ص 64، وما يليها 236.
87 (1/87)
صفحة 88
وكذلك الزكاة فهي لاتصح بأحد العنصرين دون الآخر، فلا تصح بالإنفاق دون طهارة النفس من الشح، والبذل عن طيب خاطر خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بَهَا) (التوبة (103) والحج كذلك أعمال جسدية وحركة روحية، ولا يصح بأحد العنصرين دون الآخر. لا يصح بدون الحركة الجسدية من توجه وانتقال وسفر وتجرد من المخيط والمحيط .. الخ
ولا يصح دون التزام التقوى والتطهر والخشوع {الْحَجُ أَشْهُرُ مَعْلُومَتُ فَمَن
فرض فيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوفَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج} (البقرة 197). وبذلك يرتبط العمل بالعبادة ويمتزجان كامتزاج الجسم والروح في داخل كيان الإنسان فلا ينعزل بروحه حتى في عبادته - عن واقعه الجسدي، ولا يجعل العبادة رهبانية وعزلة عن الحياة (1).
وَابْتَغِ فِيمَاءَ اتَنكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن
كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ} الآية (القصص (77).
فهذا التشريع الحكيم يلائم بين العنصرين معا قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة 143) أي أعطاها جميع حقوق الإنسانية، فإن الإنسان جسم وروح، وحيوان وملك، فكأنه قال: جعلناكم أمة وسطا تعرفون الحقين وتبلغون الكمالين (2)
لقد صدقت الأبحاث الاجتماعية الحديثة التشريع القرآني وكشفت عن مدى الخطر الذي يواجهه الإنسان حين يفصل بين العنصرين، فالانغماس في الملذات الجسدية وإهمال القيم الروحية أدى إلى تصادم هذه القيم المقطوعة من جذورها المشتركة وإلى الصراع المدمر العنيف والشد والجذب في داخل النفس بصورة تتلف المشاعر وتمرض الأعصاب، فوصلت حوادث الجنون والانتحار وضغط الدم والأمراض العصبية والنفسية إلى درجة لامثيل لها في التاريخ، كما هو مشاهد لدى المجتمع الغربي في عصرنا، فقد بينت هذه الأبحاث أن دول الرفاهية لاتزيد من
1 - انظر م، ن: ص 67، 68، 237.
2 - انظر رضا، رشيد: تفسير المنار 2/ 3.
88 (1/88)
صفحة 89
سعادة الفرد كما هو متوقع، وإنما تضعف شخصيته وإحساسه بالمسئولية، مما ينتج عنه خلق شخصية متحللة، نعم لقد أعطت الحضارة زخرفها وبريقها الزائف من ثروة ومتعة، ولكنها عجزت عن أن تعطي النفوس حاجتها إلى السكينة والرضى والطمأنينة، التي تحول بينها وبين تدمير نفسها بالمخدرات والمغيبات، وتدفعها إلى الانتحار، أو تجعلها تسقط في هاوية الأمراض العصبية والنفسية التي لم تعد تحدث نتيجة الكبت فقط، ولكنها جاءت نتيجة الإسراف والاندفاع من غير ضوابط وقيود.
وكذلك الخطر في تعذيب الجسد، وهضم حقوقه، وحرمانه من جميع ما أعده الله له في الحياة، واختراع لأنواع الرياضات الشاقة التي تقضي على رغباته، فإن حرمان الجسد من حاجاته قمع للشعور السوي، وغمط لشفافية الروح. وبخلاف ذلك كله جاءت تشريعات القرآن متزنه متوسطة بين ذلك جامعة للعنصرين تدعو إلى المجاهدة والكظم ومواجهة الأهواء والمطامع والرغبات المذلة فهي تقوم على أساس الاعتراف بالرغبات النفسية والحسية والسمو بها حتى تتحقق المقدرة المادية، الموازنة للقوة الروحية فالمسلم لايقع مطلقا تحت تأثير عقد الكبت لأن الإسلام يترك لغرائزه مجالا سوياً راشداً يقود إلى بناء الشخصية ولايهدمها، فغريزة الجنس تتحرك في مجال الزواج المشروع
هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف 189) وغريزة التملك متحركة نحو غايتها في حدود الكسب المشروع قال تعالى: {كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ} (البقرة (57) وغريزة التروع مهذبة بالجهاد وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُ وإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
(البقرة 190).
وغريزة حب النساء والبنين غير محاربة في القرآن ولكنه حذر من الانحراف بها زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} الآية (آل عمران (14) ولكن هذا الترغيب المباح محفوف بالخطر عندما يلهى عن العبادة والجهاد والبناء إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} الآية (التغابن: 14).
89 (1/89)
صفحة 90
ب- الملاءمة بين الفرد والجماعة:
لقد اضطربت كثير من النظم والفلسفات بين هاتين الترعتين الفردية والجماعية. بين مهتم بترعة ومهمل لأخرى، فبعضها يوسع دائرة الفردية حتى تصل إلى. الأنانية المرذولة، وإلى أدنى دركات الأثرة، وتفكيك روابط المجتمع وتشتيت
طاقاته.
وبعضها يوسع الدائرة الجماعية حتى تقضي على كيان الفرد وتكاد تلغي وجوده وتسلب حريته، وتتحكم في رزقه، وتزري بفكره وشعوره، إذ لاتحسب له كيان إلا بوصفه فرداً في القطيع. وتحولت هاتان النظرتان، إلى مذاهب متعارضة، ونظم متناحرة كل منهما يقوم على اتجاه.
فالرأسمالية (1) في الغرب كانت قائمة على أساس فردية الإنسان فتوسع له في حدود فرديته، وتترك له حرية التصرف في كثير من الأمور حتى يصل إلى حد إيذاء الآخرين وتدعه يعمل ويمر كيفما يشاء.
والشيوعية (2) في الشرق كانت قائمة على فلسفة جماعية الإنسان فتوسع في دائرة الدولة وتحجر على كل نشاط للأفراد، فتمنع اشتراك الناس في سياسة المجتمع وتفرض عليهم النظم والترتيبات بحجة انها أعرف بمصالحهم فلا تترك لهم سبيلا للاختيار وتحكمهم بالحديد والنار (3) فهذه النظم والفلسفات لا تحقق التوازن الذي تحققه تشريعات القرآن، فمن جهة عملت هذه النظم على تسخير الفرد لصالح الجماعة تسخيراً تاماً وأسقطت من حسبانها الكيان الفردي، والنوازع الشخصية، وجعلت الإنسان ترساً في آلة كبيرة يفني فيها. وأدى ذلك إلى تبديد جو التعامل والقضاء عليه، وتحويله إلى الاحتكار، ومن جهة أخرى تطلق 1 - الرأسمالية: هي الشكل الاقتصادي الذي حل محل الإقطاع وتقوم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج واستغلال في العمل المأجور، واستخلاص فائص القيمة هو القانون الأساسي للانتاج الرأسمالي، وفوضى الانتاج والأزمات الدورية والبطالة المزمنة، وفقر الجماهير، والمنافسة والحرب، هي الملامح المميزة للرأسمالية (روزنتال: الموسوعة الفلسفية: ص 284). الشيوعية: وهي المرحلة الأعلى للاشتراكية، وهي التي لا توجد في ظلها أية ملكية خاصة، بل ملكية عامة والملكية العامة في ظل الشيوعية هي ملكية الشعب (انظر روزنتال: الموسوعة الفلسفية ص 34)
2?
- انطر الخطيب، عمر: المسألة الاجتماعية بين الأسلام والنظم البشرية (بيروت، مؤسسة الرسالة طه، 1970) ص 183
90
\ AE. (1/90)
صفحة 91
أخرى تطلق باسم الحرية الشخصية للنفس عنان الشهوات، وتحطم الأخلاق، ولا تعترف بحق أحد في توجيهه، وضبط تصرفاته، ولاشك أن الإبداع فردي في حقيقته، فإذا تسلط المجتمع على الفرد يحد من مواهبه وقدراته كما أن تسلط الفرد على المجتمع يولد الاستبداد والظلم. والتشريع القرآني لا يلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا يتركها تتلاشى في شخصية الجماعة او الدولة وإنما يطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء.
والإنسان في منطق القرآن لم يخلق من أجل أن يحيا لنفسه، ومصالحه، بل ليحيا حياة جماعية يسد كل فرد منها ثغرة في بناء المجتمع فاتجه القرآن إلى تهذيب الفرد تهذيباً يقوم على الجانب الروحي، ثم اتجه إلى الأسرة، ثم إلى بناء الأمة، وإلى الارتباط بين الناس جميعاً على اختلاف نحلهم وألوانهم وألسنتهم وأوطانهم ارتباطاً ينشر المحبة والمساواة والسلام، فطريقته في تهذيب الفرد ترتكز على دعائم تتلخص في ثلاث: الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والعمل الصالح، يقول الله
سبحانه وتعالى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَلِحَا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة (62) فعلى هذه الدعائم يقوم تكوين الفرد، فإذا اكتملت تمت شخصيته الروحية المنبعثة من اليقين الصادق بخالق الكون ومدبره (1)
قال تعالى: (فَعَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُتِيَ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ. وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (الاعراف (158) وقال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْمَانَ يَهْدِى
لِلَّتِي هِيَ أَقومُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ هُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الاسراء: 9، 10) وقال سبحانه وتعالى {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل 97 ولأن الإنسان مدني بطبعه لايستطيع أن يعيش منفردا (2) اتجه التشريع القرآني إلى وضع الأسس القوية للحياة الاجتماعية وللراوبط بين الفرد
1 - انظر رضا، رشيد: الوحي المحمدي (مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر د: ت) ص 191، 193 2 - انظر ابن خلدون المقدمة: 1/ 337
91 (1/91)
صفحة 92
وغيره، ثم تدرج من الاسرة في محيط الأقارب ثم في المحيط الواسع، إلى الأمة ثم إلى الإنسانية، ويضع لكل ذلك من التوجيه والإرشاد ما يكفل الحياة المثالية ويحقق التوازن والتلاؤم بين الترعتين وهذا ما يعجز عن الإتيان بمثله أيديولوجيات الفكر. الغربي والشرقي على السواء قال تعالى: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات (13) وقال: (وَالَّذِينَ تَبوء والدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا تَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأَوَلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر 9) وقال:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات 10) والفقير يشجعه القرآن على التعفف والسعي، فيصف المؤمنين الفقراء بأنهم لا يَسْتَلُونَ النَّاسَ الْحَافًا} (البقرة (273) ويحث الأغنياء على شكر نعمة الله بالصدقة (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِتْ} (الضحى (11) ويقول جل ذكره في وصف المؤمنين (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَرَاءِ) الآية (آل عمران 134) يقول الكاتب الفرنسي (مارسيل كابي: القرآن كتاب موحى به، وهو يفوق ماعرف من هذا النوع كثير فهو يحمل للناس باسم الإيمان الثابت على وجه الإطلاق أصول العدالة الاجتماعية الذي يخضع الفرد المراعاة آداب الاجتماع، ويفرض على الجماعات حماية الأفراد» (1) ويقول المستر «جب» أخذ المسلمون يسلكون سبيلا وسطا فيأخذون خير ما في الشرق وخير ما في الغرب وسيؤدي هذا إلى ظهور المثل العليا الجديدة للثقافة العربية» (1)
وكما أن القرآن يؤكد على المسؤولية الفردية المستوحية للجزاء، فإنه يؤكد كذلك المسؤولية الجماعية المشتركة في بعض القضايا التي يتلاحم فيها أفراد المجتمع مثل الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتضامن الاجتماعي يقول الله جل
1 - نقلا بتصرف عن الفاسي: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها ص 205. 2 - نقلا عن: م، ن: ص 205.
92 (1/92)
صفحة 93
وعلا في تقرير المسئولية الفردية: {وَكُلَّ إِنسَنِ أَلْزَمْتَهُ طَبِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوم الْقِيِّمَةِ كِتَبَا يَلْقَهُ مَنشُورًا} الآية (الاسراء (13) ويقول في تقرير المسؤولية الجماعية {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةً) الآية (الأنفال: 25) ويقول سبحانه: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران: (104
ثانياً: الملاءمة بين الجريمة والعقوبة:
قانون
اشتمل القرآن الكريم على تشريع خالد، فيه علاج لكل القضايا التي تمس حاجة الناس في حياتهم ليحقق نشر الفضيلة والأمن والاستقرار في المجتمع، ومن أجل صيانة هذا التشريع من عبث الناس به أو نقضهم لأحكامه، اقتضت إرادة الله تعالى: العليم بغرائز النفوس وخفايا القلوب أن يتضمن هذا التشريع أحكاماً جنائية صونا للجماعة عن التدهور والانحلال وردعاً للنفوس الطاغية عن ارتكاب الجرائم والمحرمات، ما ظهر منها وما بطن، فهو يتفق في أحكامه مع الأخلاق اتفاقاً تاماً، فكل ما هو شر في حكم الأخلاق يعاقب عليه هذا التشريع، بيد أن هذا العقاب قائم على المساواة بينه وبين الجريمة وجعل العقوبة من جنس الجريمة ما أمكن ذلك ليكون أشفى لصدور المجني عليه وذويه، ولتكون العقوبة مماثلة للجريمة لأن دفع الاعتداء يكون بمثله انطلاقاً من عموم قوله تعالى: ووَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُو قِبْتُم بِهِ} (النحل (126).
والقوانين الحاضرة رجحت حق المجتمع في العقاب ولم تتجه إلى حق المجني عليه، فالقانون الفرنسي مثلا يكتفي بمعاقبة السارق بالحبس والغرامة، وهذه العقوبة لاتردع السارق ولاتؤثر في نفسه، ولهذا نرى السرقات في ازدياد لانها غير زاجرة وقد يهمل القانون الوضعي الحق الاخلاقي الاجتماعي فأسس العقاب عندهم في الزنا أن يكون من الشخص اعتداء على غيره، وإذا تراضى اثنان على هذه المواقعة فلا مساس.
كما ان بعض تلك القوانين الوضعية الحديثة تعاقب بالاعدام على القتل فقط، ولاتعاقب على الجراح بل تكتفي بعقوبة الجارح بالغرامة والحبس أو بأحدهما،
93 (1/93)
صفحة 94
وهذا شأن أي نظام جنائي وضعي يعجز عن الوصول إلى بعض ماقرره النظام الجنائي في التشريع القرآني ولعل السر في ذلك هو أن عقوبات هذا التشريع وضعت ملاءمة لطبيعة الإنسان (1) حيث حصرت الاعتداءات الخطيرة التي من شأنها أن تقضي على جوهر الضرورات الخمس في جرائم الحدود والقصاص .. فوضعت لكل جريمة مايناسبها من عقاب على قدر الجرم الذي وقع دون إفراط في الشدة. أو تفرط في الردع الحاسم (2) فهذه العقوبات «وإن كانت تبدو قاسية فليست بدرجة القساوة والألم الذي يحدثه المجرم في نفوس الأفراد من هتك للأعراض وإزهاق للأرواح وإدخال الهلع والفزع على النفوس الآمنة وهو لن يقف على إجرامه إلا إذا ارتدع بالعقوبة الملائمة التي يتذكرها قبل الإقدام عن ارتكاب أي جريمة فتجعله يكف عن إجرامه» (3)
يقول ابن القيم في ذلك «أحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما استحقه الجاني من الردع فلم يشرع لهم في ذلك إلا ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله لنزول النوائب وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان ويقتنع كل إنسان بما اتاه مالكه وخالقه فلا يطمع في استلاب غيره حقه» (4) فالتشريع الحكيم راعي مراتب العقوبات مع ما يناسبها من الجنايات جنسا ووصفا وقدرا مايليق بها من النكال، وجعلها كفارات لأهلها وطهرة تزيل عن الحياة المؤاخذة إذا أقدموا على الجناية (0). فمن الخطأ عد العقوبة في هذا التشريع غير عادلة او غير ملائمة ومتكافئة مع
1 - انظر عودة، عبد القادر: التشريع الجنائي الإسلامي (بيروت، مؤسسة الرسالة) 1/ 714. 2 - انظر البوطي، محمد: منهج العودة إلى الإسلام (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2) ص 412.
- الباجقني، مصطفى: منهج القرآن في تقرير الأحكام (مصراته الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ط 2، 1993 م) ص
421
4 - ابن قيم الجوزيه: إعلام الموقعين عن رب العالمين: 2/ 96،95
ه انظر: م، ن: 096/ 2
94 (1/94)
صفحة 95
الجريمة ومتفقة مع منافع الناس فالزنى» مثلاً مدمر لمصلحة «النسل» تدميراً جوهرياً مباشراً، ويحمل خبائث الأمراض إلى الأصحاء ويضيع الأنساب، وينحل المجتمع وتنحل معه الأسرة فوضع العقوبة على قدر هذه الآلات، يمنع الإنسان من التردي إلى الحيوانية، فكانت عقوبة المحصن القتل لزوال العذر عنه من جميع الوجوه في مواقعة الحرام، لأنه قد أحرز نفسه، وحصنها بالزواج، فكان الأحرى به أن يعف نفسه عن الفروج المحرمة فكانت العقوبة على قدر جرم الخيانة، وهي الرجم بالحجارة.
وأما البكر فكانت العقوبة بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد، وذلك لشدة الداعي عند البكر وعدم المعوض، فكان ذلك سببا لإسقاط القتل عنه، ولم يكن الجلد وحده كافياً في الزجر، فغلط بالنفي والتغريب، ليذوق من ألم الغربة، ومفارقة الوطن، ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجر عن المعاودة، ويبعث على القنع بما رزقه من الحلال. وهذا في غاية الحكمة والمصلحة للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه. (1)
الله
قال تعالى: هو الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَأَجَلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذَكُم بِهِمَارَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية (النور 2). وكذلك «السرقة» فليست الجريمة في السرقة هي ضياع عشرة دراهم أو ربع دينار ذهبا، كما يفهم من ظواهر العبارات الفقهية، وإنما فيما تحدثه من إزعاج الآمنين وتهديد المطمئنين فاليد التي تذوق طعم السرقة، تستحيل إلى جرثومة فتاكة تدمر مصلحة المال تدميراً فالإسلام لا يصنف جريمة السرقة مع العفوية العابرة بل يعدها مرضاً خطيراً تصاب به اليد التي اعتادت على السرقة وذاقت طعمها فهي تغدو بذلك آفة من الآفات الاجتماعية التي لا يكاد يعثر العلماء
الانزلاقات
والمربون على مخلص منها وقد دلت الدراسات النفسية على هذه الحقيقة» (2) فكان أليق العقوبات به قطع هذه اليد التي جعلت وسيلة إلى أذى الناس، وأخذ
1 - انظرم، ن: 97/ 2 - 107.
- البوطي: منهج العودة إلى الإسلام، ص 128.
95 (1/95)
صفحة 96
أموالهم ظلما وعدواناً (1)، قال تعالى (وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا
جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة (38).
فهذه العقوبة أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد، ولم تبلغ العقوبة إلى القتل ولما كان. ضرر المحارب أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم، فهي من أخطر الجرائم على. الأمن العام وعلى أمن الأفراد وحياتهم وأموالهم .. فضم إلى قطع يده قطع رجله. من خلاف لئلا يفوت عليه منفعة الشق بكامله، وليكف ضرره وعدوانه، وإن قطع الطريق ولم يرتكب قتلا ولا سرقة .. تعين نفيه عن المكان الذي أظهر فيه الجبروت
والبطش فإن ارتكب جريمة القتل إلى جانب ذلك كله، كان جزاؤه القتل (2).
وذلك في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَلُوا أَوْ يُصَلَبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا
مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة (33).
وكذلك القذف الذي هو رمي الرجل أو المرأة بالزنى من غير دليل (3) إذ هو
1 - وقد عبر أحد الشعراء عن شبهة قطع اليد في سرقة قد لايقارن مقدراها بقيمة هذا العضو الفعال فقال:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار؟
تناقض مالنا إلا السكوت له نعوذ بالله بارينا من النار وهما ينسبان إلى أبي العلاء المعري وليس في السقط ولا في اللزوميات. وهما من البحر البسيط
فأجاب عن هذه الشبهة شاعر فقيه فقال:
يد بخمس مئين عسجد وديت لكنها قطعت في ربع دينار
عز الأمانة أغلاها وارخصها ذل الخيانة فافهم حكمه الباري
(أنظر أبن القيم: إعلام الموقعين تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد: 2/ 63 وانظر ابن عاشور: التحرير والتنوير:
(193/ 6
-2 - انظر إعلام الموقعين: 2/ 97،96.
- ويعرفه ابن عرفة بقوله: «القذف الأعم نسبة آدمي غيره لزنا أو قطع نسب مسلم والأخص لإيجاب الحد نسبة آدمي مكلف غيره حراً عفيفاً مسلماً بالغاً أو صغيراً تطيق الوط، لزنا أو قطع نسب مسلم انظر شرح حدود ابن عرفه لابي عبدالله الأنصاري - تحقيق الشاذلي النيفر (تونس - المطبعة الدينية 1350 هـ) ص.
96 (1/96)
صفحة 97
مفسدة يشيع الفاحشة، ويخدش الحياء العام، ويؤدي إلى سهولة هذه الجريمة
في قلوب الضعفاء، وفوق ذلك فإن ترداد الكلام في هذا الأمر يوجد حكما فاسداً ورأيا عاماً ينطق بالرذيلة وبذلك يعم الفساد في الأرض، وتنحل الأخلاق، لذلك كان
عقاب الرامي بالزاني من غير إثبات، ثمانين جلدة ورد الشهادة فقد قال تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَوْ يَأْتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا
وأوليك هُمُ الْفَنسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
(النور: 5:4). وبهذا كله يتضح لنا أن العقوبة في التشريع القرآني متوافقة مع الجريمة فعاقب السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه وهذا في غاية الحكمة، إذ ليس من الحكمة والمصلحة أن يتلف كل عضو ارتكب به الجاني جنايته فلم يشرع قلع عين من نظر إلى المحرم وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدوانا، ولم يلحق الخدشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم بالخفيف بالقذف بالزنا، والقدح في الإنسان ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الكثير العظيم فلما تفاوتت مراتب الجنايات كان لابد من تفاوت مراتب العقوبات إذ لا يخفى على أحد ما في العقوبة من الإسراف والتجاوز وقلب لمراتبها عند إهمال تفاوت مراتب الجنايات فرحمة الله ورأفته بعباده تأبى ذلك، فليس القصد هو محض الأمن من المعاودة، وإنما المقصود هو الزجر والنكال، والعقوبة على الجريمة وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب، وأن يعتبر به غيره (1)
وهذا في غاية الإحكام الذي تعجز عنه التشريعات البشرية، فلو أوكلت إليها معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجنابة جنساً ووصفاً وقدراً لذهبت الآراء كل مذهب وضاعت المطالب والمقاصد ..
1 - انظر إعلام الموقعين: 2/ 106، 107.
97 (1/97)
صفحة 98
ثالثا: الجمع بين التحصين والمعالجة:
لأنه
تقتضي طبيعة الإنسان أن يتزود في تربية سلوكه بمنهجي التحصن والعلاج يجمع بين النزوع إلى الخير والشر، فهو خطاء، ولكنه متألم بخطيئته والقرآن الكريم أصل مبدأين عظيمين في هذين السبيلين تمشياً مع الطبيعة البشرية، وهما: مبدأ التحذير والإنذار من مقاربة الخطأ ومبدأ التوبة والعزم على ترك معاودةة الاقتراف، فحذر مقاربة الرسائل المؤدية إلى الذنوب الكبيرة التي قد لا يملك الإنسان نفسه عند مشارفتها من الوقوع فيها فقال تعالى:
وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (الاسراء: 32) فالقرآن يحذر من مباشرة أسباب الزنا، وهي مبالغة في التحرز، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفةة فالتحرز من المقارنة أضمن.
وتوقيا من الوقوع فيه .. نهت هذه الآية عن مجرد الدنو منه، فهي تقرير واضح للنهي عن مباشرة مقدماته، كاختلاط وخلوة، وتبرج ونحوه، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لايخلون رجل بامرأة إللا مع ذي محرم.» (1) وقال سبحانه وتعالى النهي عن النظر المؤدي إلى الزنا والنهي
ج دو رو
عن التبرج بالزينة: {قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
الآية (النور (31)
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)
وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى
أن يوقعها في الحرام أو ما عسى أن يكلفها صبراً شديداً عليها» (3)
1 - رواه البخاري في كتاب النكاح، البخاري بحاشية السندي: 3/ 266 ومسلم في صحيحة كتاب السلام 07/ 7
2 - رواه الترمذي في السنن: كتاب الرضاع رقم الحديث (1171) 3/ 474.
- ابن عاشور: التحرير والتنوير 18/ 204.
•
98 (1/98)
صفحة 99
وقال في النهي عن ضرب الأرجل حتى لاتثار الفتنة في القلوب:
وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور (31) وهذا يقتضي النهي عن كل ما من شأنه أن يذكر الرجل بلهو النساء ويثير منه إليهن من كل مايرى أو يسمع من زينة أو حركة كالتثني والغناء الغزل، ومن ذلك رقص النساء في مجالس الرجال، ومن ذلك التلطخ بالطيب الذي يغلب عبيقه، وقد أومأ إلى علة ذلك قوله تعالى و لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ (1) (النور (31) كما حض على الزواج لمن استطاع الباءة، وأوصى بالصوم لمن لا يستطيع وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (2) وقال سبحانه وتعال: {وَأَنكِحُوا الأَيْمَى مِنكُرُ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْ إِن
يَكُونُو فُقَرَأَئَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور (32). فهذه الآية «أردفت أوامر العفاف بالإرشاد إلى ما يعين عليه، ويعف نفوس المؤمنين والمؤمنات ويغض من أبصارهم فأمر الأولياء بأن يزوجوا أياماهم ولا يتركوهن متأيمات لأن ذلك أعف لهن وللرجال الذين يتزوجوهن وهذا وسيلة لابطال البغاء» (3)
فهو يكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور، وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم ويوقع اشد العقوبة على الجريمة حين تقع زجراً وجبراً، فالعقوبات
كفارات لأهلها، كما ذهب أكثر العلماء (4)
1 - م، ن: 18/ 213 – 214 2 - رواه البخاري في صحيحه كتاب النكاح: 3/ 238. ابن عاشور: التحرير والتنوير: 18/ 215. 4 - يرى الحنفية أن الحدود، والتعزيزات شرعت فقط زجراً لأرباب المعاص، ولا يحصل التطهر من الذنب في الآخرة إلا بالتوبة واستدلوا بعموم آيات العقاب، ويرى جمهور أهل العلم أن العقوبات الشرعية زيادة عن كونها أصلا للزجر في الدنيا تعد جوابر لسقوط العقوبة في الآخرة بالنسبة للمسلم إذا أقيمت عليه في الدنيا، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولاتزنوا، ولاتسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له الحديث رواه البخاري بلفظ بايعوني النظر البخاري بحاشية السندي كتاب الحدود 4/ 172 والظاهر أن الحدود تعتبر كفارة فيما هو حق لله تعالى دون حق الآدمي في جميع الجنايات والجرائم (انظر فتح الباري: 12/ 86).
99 (1/99)
صفحة 100
وقال تعالى في تحريم الخمر والميسر والتحذير من بعض المضار والمفاسد التي تسببها: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخمر والميسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بينَكُمُ العداوة والبغضاء في الخمر والميسر
وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَة فَهَلْ أَنتُم مُنتَهُونَ) (المائدة 90، 91)) فتحريمها كان وقاية للإنسان من التردي في مستنقع الرذيلة فالخمر أسم الخبائث، لما تحدثه من إضعاف للشخصية وإذهاب مقوماتها، ولاسيما العقل فبذهابه يصدر عن المرء من الشرور والفساد مالا حد له فالقتل، والعدوان والفحش وإفشاء الأسرار وخيانة الأوطان كل ذلك من آثارها.
والميسر والقمار - يصد عن الطريق القويم لكسب العيش، ويعود على الكسل وانتظار الرزق من السبل الوهمية، ويضعف مواهب العقل بترك الأعمال المفيدة إلى جانب تخريبه البيوت بالانتقال من الغنى إلى الفقر بسبب ما يحدثه من التبذيرر والإسراف في الأموال قال القرطبي: «فكل لهو دعا قليله إلى كثير وأوقع العداوةة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو كشرب الخمرر وأوجب أن يكون حراماً (1).
ومبالغة في سد ذرائع الفساد نهى عن سب آلهة الكفار حتى لايسبوا الله فقال سبحانه
وتعالى: (وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ (الانعام (108) فقد منعنا من سب ما يعبده المخالفون لنا من أوثان وأصنام لان ذلك يؤدي إلى سب الله جل وعلا.
وفتح باب التوبة أمام المذنبين معالجة لأدوائهم فلم يتركهم يعترفون لبشرر يتوسط بينهم وبين الله بل جعل التوبة عزماً في النفس على ترك الذنوب إلا إذا كانت حقا من حقوق العباد فلابد فيها من الاقتصاص أو الصفح من المجنى عليه فقال تعالى: {قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: (52) وقرر أن اقتراف الذنب لا يذهب الايمان ولا يقطع ..
1 - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 3/ 291
100 (1/100)
صفحة 101
الصلة بين العبد وربه إذا ما تاب وأناب فقال تعالى في وصف المؤمنين من أصحاب الجنة: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُ وا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
آل عمران (135 فهو يدرك ضعف هذا المخلوق البشري الذي تهبط به ثقلة الجسد أحياناً إلى درك الفاحشة فلايقسو عليه، ولايبادر إلى طرده من رحمته سبحانه حين يظلم نفسه، حين يرتكب الفاحشة ولا يغلق في وجهه باب التوبة، بل يطمعه في المغفرة ويدله على الطريق، وحتى لا تكون التوبة متكأ العاصي في التحلل والتفسخ، فقد ضبطها القرآن بسرعة المراجعة، وتحقق العزم، والإنسان متمكن من الاختيار والترك، فقال تعالى إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ
تُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَتِّيكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ
اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَار أُولَتيك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
(النساء (18،17 فالتوبة التي يقبلها الله هي التي تصدر من النفس فتنشئها نشأة أخرى قد هزها الندم من الأعماق، ورجها رجاً شديداً حتى استفاقت فتابت وأنابت في فسحة من العمر يقول صاحب قوت القلوب: «من شرط التوبة أنه ينبغي للتائب المنيب أن يبدأ بمباينة أهل المعاصي، ثم بنفسه التي كان يعصى الله تعالى بها، فلا ينيلها إلا ما لابد منه، ثم الاعتزام على أن لا يعود في معصيته أبداً، ويلقي عن الناس مئونته ويدع كل ما يضطره إلى جريرة وإتباع هوى» (1) فهي أعظم معين للإنسان للتغلب على التوترات والصراعات التي يتعرض لها والتي تؤدي به إلى الوساوس والهستيريا أو غيرها فهذه الامراض العصبية ما هي إلا أمراض الضمير تحدث بسبب الهروب من تعذيب النفس أو الذات أو تأنيبها وقد عد بول إرنست أودلف الشعور بالإثم أو الخطيئة والحقد والخوف والقلق والكبت والتردد بأنها ذاتها الاضطرابات التي جاءت الأديان لتحذر منها فقال في بيان أهمية العفو والتوبة 1 - ابو طالب الملكي، محمد: قوت القلوب (دار صادر، د: ت) 1/ 181.
هي
101 (1/101)
صفحة 102
إن المذنبين الذين ينالهم هذا الصفح تتجلى في نفوسهم روح الله فيذهب عنهم. الخوف والقلق، ولا يكون هنالك سبيل إلى إصابتهم بالكبت والغيرة والأثرة فعندما تحل محبته في القلوب تفارقها الشرور والاثام، ولا ينتابها السأم، وتفيض بالآمال الحية التي تنبعث منها الحياة (1) فالقرآن يقر بمبدأ الاعتراف الذي يعيد إلى النفس المضطربة اتزانها وطمأنينتها (2) فيستطيع الإنسان أن ينفس عن مشاعره ويعالجها بالالتجاء إلى ربه والاعتراف له بذنبه وطلب المغفرة منه قال سبحانه وتعالى:
وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا الله (النساء (110) فالاعتراف بالذنب وطلب المغفرة من الله ينزع عن المذنب الشعور بالإثم ويدخل إلى قلبه الطمأنينة التي هي المدخل الى الصحة النفسية. وتعد الكفارات الواردة في القرآن علاجا ناجعاً لبعض الذنوب فكفارة قتل الخطأ
تخفيف وتطهير قال تعالى:
وَمَن قَتَلَ
مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى
أَهْلِهِ، إلا أن يَصَدَقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوَلَكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّشَقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيما الله (النساء 92).
فكان عليه أن يبالغ في الاحتياط والتحفظ حتى لا يذهب على يديه امرؤ محقون الدم فلو لم يشرع له ذلك لعاقبه على أسباب الخطأ (3).
1 - عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم، تأليف نخبة من العلماء الأمريكيين ترجمة الدمرداش عبدالمجيد سرحان (القاهرة، مؤسسة الحلبي وشركاه، ط 3، 1968 م) ص 137. 2 - وفي هذا اكتشف فرويد منهج التداعي الحر، وهو منهج في تفسير الأحلام وفلتات القلم، ويتلخص في أن يطلب من المريض التحدث بكل ما يرد إلى ذهنه دون قيد أو شرط بعد الاستلقاء في غرفة خافتة الضوء بعيدة عن الضوضاء حتى تتاح له فرصة الاسترخاء بقدر الإمكان ضمن شروط يجب توافرها في الطبيب النفساني المعالج لا مجال هنا لذكرها. (انظر روزنتال ويودين: الموسوعة الفلسفية ص 116)
- انطر التحرير والتنوير 5/ 62.
102 (1/102)
صفحة 103
وكفارة من أفطر في رمضان عمداً تعد علاجاً وتكفيراً لهذه المخالفة فمن خالف الشارع فجامع في رمضان أو أكل أو شرب عامداً وجب عليه أن يكفر عن هذه المخالفة بفعل واحد من ثلاث عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا يقدم لكل مسكين مدا من بر أو شعير أو تمر بحسب الاستطاعة وذلك
لحديث الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان فاستفتى الرسول صلى الله عليه وسلم فأمره أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين أو اطعام ستين مسكين فقال لا أجد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر والعرق المكتل (1) قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به فقال الرجل على أفقر مني يارسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه (2) ثم قال: أطعمه أهلك (3). وتعدد الكفارة بتعدد المخالفة، فمن جامع في يوم وأكل أو شرب في يوم آخر فإن
عليه كفارتين (4) وذلك صونا للشريعة من التلاعب بها وانتهاك حرمتها. وكفارة اليمين: وهي التي وضحتها الآية التالية: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَد ثُمَّ الْأَيْمَنَ
فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَوْكَسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَنَكُمْ} (المائدة (89)
أوجبها الله تعالى في كتابة للخروج من اليمين المنعقدة والتحلل مما ألزم الإنسان به
1 - انظر التحرير والتنوير: 62/ 5 2 - قوله بمكتل بكسر الميم وفتح المثناة الفوقية شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعاً وقوله العرق بفتح الراء وقد تسكن وهو ما نسج من الخوص فيه تمر انطر) السندي في حاشيته على صحيح البخاري 1/ 331). 3 - قال الشوكاني: سبب ضحكته - عليه السلام - مايشاهده من حال الرجل حيث جاء خائفاً على نفسه راغباً في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أكل الكفارة (انظر الشوكاني، محمد: نيل الأوطان (مصر المطبعة العثمانية طا د: ت) 4/ 216.
- رواه البخاري في صحيحه كتاب الصيام: انظر البخاري بحاشية السندي: 1/ 331. ه انظر ابن جزي: القوانين الفقهية (الدار العربية للكتاب ط 1988 م) ص 128، 129. (1/103)
صفحة 104
نفسه، وهذا الخروج أو التحلل بالكفارة من المنعقدة يعد رخصة، ومخرجاً مزن ضيق وشدة قد يوقع المرء نفسه فيهما، فالحنث في اليمين مع الكفارة أفضل من التمادي إذا كان في الحنث مصلحة للفرد أو الجماعة، ومما يدعم ذلك قوله تعالى:
قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَنَكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (التحريم 2). فقد بين الله في هذه الآية لنبيه الا أن له سعة في التحلل مما التزم تحريمه على نفسه، وذلك فيما شرع الله من كفارة اليمين فأفتاه الله أن يأخذ برخصته في كفارة اليمين المشروعة للأمة كلها» (1)
وكذلك كفارة الظهار، وهي المذكورة في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِّسَاءَهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ
لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَا شَأْ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ
يهِ، وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَنَا بِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتمَا سَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِيِّينَ مِسْكِينَا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المجادلة: 4،3)
فقد روعي فيها التشديد، محافظة على العلاقة الزوجية، منعا من ظلم المرأة فإن الرجل إذا رأى أن الكفارة يثقل عليه الوفاء بها احترم العلاقة الزوجية وامتنع عن ظلم زوجته إلى جانب كونه منكرا من القول وزورا فيحرم الإقدام عليه. ويلحق بالكفارات التي سبق ذكرها ما كان هديا أو فدية او جزاء في الحج مماا ورد في القرآن، وبينته السنة النبوية على صاحبها افضل الصلاة وأزكى التسليم التي تعد جوابر ووسائل للعلاج خفف بها على عباده مما أوقعوا أنفسهم فيه من
ضيق وحرج. وكذلك الصلوات المفروضة (2) إلى جانب السنن والنوافل قال تبارك وتعالى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُ لَفَا مِنَ
اليْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلمذاكرين (هود 114) ..
•
1 - التحرير والتنوير: 28/ 347. 2 - وقال رسول الله و الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لمن بينهن إذا اجتنبت الكبائر. الحديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح عن أبي هريرة، انظر الجامع الترمذي: 1/ 4190418، ورقم الحديث 214.
104 (1/104)
صفحة 105
وأيضاً إنفاق المال في سبل الخير قال سبحانه وتعالى
و خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكيهم بها) (التوبة 103)
فالإنفاق سواء كان زكاة أو صدقة، فهو كفارة للذنوب وجلبة للثواب العظيم. والصوم سواء كان في شهر رمضان أو في غيره من الشهور التي ورد تفضيل الصوم فيها، فهو يقي الإنسان من ارتكاب الآثام، فالصوم جنة وطهرة من رذائل
الأخلاق.
هذا بالنسبة للصغائر قال تعالى
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَيرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّهُمَّ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ)
(النجم (32) واللمم هي صغار الذنوب وهو من ألم بالشيء إذا لم يتعمق فيه ولم يلزمه ويقال اللمم أن يلم الرجل بالذنب ولا يعود» (1) فإلى جانب مافي هذه الكفارات من صون للشريعة من التلاعب والانتهاك فهي وسيلة إلى تطهير نفس المسلم من آثار ذنب المخالفة التي ارتكبها بلاعذر. وبهذا كله يتضح لنا أن التشريع القرآني بحكم مافيه من تناسق شامل يلبي حاجات النفس البشرية في كل مجال للنشاط الإنساني فهو يلبي حاجة الجسد وحاجة الفكر، وحاجة البوح، وشعائرها سواء. وهو يلبي حاجة الأفراد، وهم منتظمون في الجماعة، فلا تصادم رغباتهم الفطرية السليمة، ولا تكتب طاقاتهم الطبيعية القويمة، وفي الوقت نفسه تمنع النشاط الشاذ الذي يضيرهم أفرادا وجماعات فلا مجال كذلك لشعور الفرد بالحاجة إلى التمرد لتحقيق شخصيته والشعور بالاستعلاء تجاه فرد في هيئة أو جماعة.
والعقوبة رادعة وعادلة فهي متناسقة مع الجرم الذي يحدثه هذا الفرد كما تعالج نفسيته من الرجوع إلى ارتكابه للآثام، وكذلك معظم الجزاءات فهي تقي المكلف من الانزلاق في الشهوات وتحرزه عن الاعتداء على الحرمات.
1 - انظر القرطبي الجامع لأحكام القرآن: 17/ 106.
1.0 (1/105)
صفحة 106
رابعاً: الخطاب الشرعي بين الدقة والسعة
وصف الله سبحانه وتعالى كتابه بأنه مبين فقال تِلْكَ ايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْآنِ مُّبِينٍ (الحجر (1) والبيان يتعلق بوضوح أصل الدلالة، وهو لا ينا في اكتناز الدلالة القرآنيةة لكثير من المعاني الخفية التي تحتاج إلى استنباط وإعمال عقل والتأمل البصير الذيب قد يستغرق وقتا ويتطلب جهداً وزيادة على ذلك فإن القرآن تتسم دلالته باتساعها. فتشمل أقصى مايتصوره الذهن من المعاني، ولكن في حدود تضبط المقصود من، العبارة عند استعمالها في كلام العرب، وفي مسار سياقها في التركيب الخطابي للقرآن، بحيث تلائم سياقها ولحاقها من الآيات، فهو يجمع بين سعة معني الدلالة ودقتها التي هي دلالة جامعة لم تدل عليه المفردات والتراكيب، وهي مانعة لما تدل، عليه غيرها من الدلالات وتأخذ هذه الخصيصة صوراً مختلفة يتمثل بعضها فيما
يلي: أ- الألفاظ المشتركة: في دراسة هذا النوع من الدلالات ما يوضح اجتماع الدقة: والسعة في الألفاظ القرآنية.
والمشترك: هو اللفظ الذي له أكثر من معنى، وقد وضع لكل معنى بوضع خاص (1) كلفظ القرء في قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ) (البقرة (228) فإنه يطلق على الحيض والطهر الفاصل بين الحيضتين، وقد وضع لكل منهما بوضع خاص وكلفظ المولى فإنه يطلق على كل من السيد والعتيق وقد وضع لكل منها بوضع خاص فاستخدام القرآن لبعض الألفاظ المشتركة في الخطاب التشريعي دعوة إلى التوسع في تقليب وجوه المعاني وإذكاء للقدرة العقلية على الاستنباط والترجيح فلو جاء محدداً بلفظ الظهر أو الحيضة لما كان موضوعاً مشجعاً على النظر والترجيح، وعند من يرى أن المشترك يمكن حمله على جميع معانيه يكون لفظ القرء في الآية محمولا على الطهر والحيض معاً بحسب أحوال كل
1 - انظر شعبان، زكي الدين: أصول الفقه الإسلامي (بنغازي منشورات جامعة قلويونس ط 6، 1995 م ص 341.
1.7 (1/106)
صفحة 107
بيئة، وما يناسبها من استظهار للعدد بالأطهار أو الحيضات، وهذا ما يناسب شمولية الخطاب القرآني (1) وهذا من واسع رحمته علينا: فأهل العلم يجتهدون في إعلاء دلالة على أخرى، والمطلقات مخيرات بين طريقين من طرق احتساب العدة، أحدهما قد يكون أقصر من الآخر فالذين جعلوا القروء أطهاراً راعوا التخفيف عن المرأة، مع حصول الإمهال للزوج، واعتضدوا بالأثر، والذين جعلوا القروء حيضات، زادوا للمطلق إمهالاً لأن الطلاق لا يكون إلا في طهر عند الجميع .. واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه معدود في الثلاثة القروء» (2) وهذه فسحة تشريعيه لها (3) وقد يكون الاشتراك في التركيب، وليس في الفرد.
1 - يرى الشفاعية أن المشترك يجوز أن يراد به في نص واحد جميع معانية بشرط ألا يكون ضدين واستشهدوا بقوله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من لناس) (الحج (18) ووجه الاحتجاج أنه اسند السجود إلى هؤلاء المذكورين والسجود مشترك بين وضع الجبهة على الأرض وبين الانقياد القهري للسنن الإلهية، فالسجود من الناس بمعنى وضع الجبهة على الارض والسجود من الجمادات وبقية الاشياء يكون بالانقياد القهري وكلاهما مراد من قوله تعالى: (يسجد) فيكون دليلاً على استعمال المشترك في معنييه معاً في نص واحد (انظر السبكي على وولده تاج الدين: الابهاج في شرح المنهاج، تحقيق: شعبان محمد اسماعيل (القاهرة مكتبة الكليات الأزهرية ط 1، 1981 م) 1/ 255، 260).
2 - التحرير والتنوير: 2/ 390 – 391.
فلو طلق امرأته في طهر قبل مجيء حيضها بيوم، فإن قلنا أن القروء هي الاطهار كان لنا أن نعد هذا اليوم الواحد قرءاً فيبقى عليها أن تتربص زمان طهرين، ولا يكادان معا يتجاوزان شهرين وإذا ما كانت غير راغبة في الزوج المطلق أو كان غير مأمون عليها وسعدت بفراقه فيإمكان القاضي حينئذ أن يحكم بانقضاء عدتها إذا أراد الزوج مراجعتها بعد أن طعنت الحيضة الثالثة على القول بأن القرء هو الطهر - وله أن يأخذ بالقول الآخر الذاهب إلى أن القرء هو الحيض إذا ما كان الزوج المطلق في طهر غنياً أو ذا ميراث والمطلقة في حاجة أو لها يد في تكوين هذه التركه فمات بعد أن طعنت في الحيضة الثالثة، فإن للقاضي أن يحكم بعدم انقضاء العدة اعتماداً على هذا القول الذاهب إلى أن الإقراء هي «الحيض» فيحكم لها بنصيبها في الميراث فلا يخفى مالدقة هذا الخطاب التشريعي وسعته من أثر في استنباط الأحكام وتقريرها. (انظر سعيد، محمود: دلالة الالفاظ عند الاصوليين: (مصر، مطبعة الأمانة، ط 1، 1987 م ص 356)
107 (1/107)
صفحة 108
كما في قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ فِي يَتَمَى النِّسَاءِ
التي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ) (النساء (127)
فقد يكون المراد بجملة وترغبون أن تنكحوهن ترغبون عن نكاحهن، أو يراد بها وترغبون في نكاحهن وهذا النوع أقرب إلى إمكان الجمع بين معنييه، فقد يكوت فريق راغبا في نكاح اليتيمات، وفريق معرض عن نكاحهن).
(2)
ووردت في القرآن الكريم ألفاظ مشتركة بين معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي شرعي فلفظ (الطلاق) وضع لغة لحل أي قيد، ووضع شرعاً لحل قيد الزوجية الصحيحة قال تعالى: {الطَّلَقُ مَرَّتَانِ} (البقرة (229) فلفظ الطلاق يراد به المعنى الشرعي (") وكقوله تعالى {وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (المائدة (38)) فلفظ اليد في الآية مشترك بين عدة معان لغوية بين الذراع، وبين الكف والساعد وبين اليمنى واليسرى وقد ثبت بالسنة العملية تحديد المراد منها في الآية وهور اليمين من الرسغ (2).
ب العبارة والإشارة: قد يدل النص القرآني بعبارته اللفظية الظاهرة على حكمم من الأحكام الشرعية بالأصالة وعلى أحكام أخرى بالتبعية مثل قوله تعالى:: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبوا} (البقرة (275) فقد دل بأصالته على أن البيع لا يمائل الربا وبالتبعية على أن البيع حلال والربا حرام، وكان المعنى الأولى مقصوداً بالأصالة، لأن الآية نزلت للرد على الذين يدعون أن البيع مثل الربا). ومثل قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا) (النساء (3) فقد دل بأصالته على إباحة الزواج بأكثر من واحدة إلى أربع عند أمن الخوف من الجور، ووجوب الاقتصار على واحدة عند الخوف من وقوعه،، وبالتبعية على إباحة الزواج، وكان المعنى الأول مقصوداً أصالة، لأن الآية وردت.
1 - انظر التحرير والتنوير 5/ 213، 214. 2 - انظر خلاف: علم أصول الفقه، ص 179. - انظر م، ن: 180.
- انظر ابن عطيه: المحرر الوجيز: 2/ 346.
108 (1/108)
صفحة 109
في شأن الذين كانوا يتحرجون من الوصاية على اليتامى خوفا من الوقوع في ظلمهم وأكل أموالهم، مع أنهم كانوا لا يتحرجون من ظلم الزوجات حيث كان
(1)
الواحد منهم يجمع في عصمته ماشاء منهن من غير حصر ولا يعدل بينهن وقد يدل النص على حكم غير مقصودا أصالة ولا تبعاً من النص، بل بطريق الالتزام مثل قوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الإنسانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنا حَمَلَتْهُ أُمَّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كرْهَا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا} (الاحقاف (15) مع قوله تعالى في آية أخرى وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمَّهُ وَهَنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) (لقمان (14) فدلالة أصل العبارة المفهومة من سياق الآيتين هو الوصية بالاحسان للوالدين وبيان فضل الأم وما تلاقيه من ألم في الحمل والرضاعة.
ودلالة الإشارة الخفية المستنبطة من الجمع بينهما أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لاختلاف التقدير بين الايتين بفارق ستة أشهر (2).
ومثل قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ) إلى قوله فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} (البقرة) (187) فقد دل هذا النص بعبارته على إباحة المباشرة في جميع ليالي الصيام حتى آخر جزء من الليل، ويدل بإشارته على صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ضرورة، وذلك يستدعي تأخر غسله إلى
النهار (3).
ج الاجمال والتفصيل: إن أكثر آيات الأحكام جاءت مجملة في صورة قوانين عامة ومباديء كلية، يمكن تحكيمها في كل ما يعرض للناس في شؤون حياتهم، لأنها تحيل بيان
1 - انظر شعبان، زكي الدين: أصول الفقه الإسلامي، ص 368.
-2
- انظر
م، ن: ص
371
•
3 - انظر الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام: 3/ 73 وانظر الاسنوي، نهاية السول في شرح منهاج الوصول: عالم الكتب د ت 2/ 203. أحكام جزئياتها على السنة النبوية فهي مجملة المعنى جامعة لقواعد العبادات والمعاملات.
109 (1/109)
صفحة 110
العلاقات قال تعالى: {وَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ} (النحل (89) أي
من حيث إنه أحاط بجميع الأصول العامة والقواعد الكلية التي يحتاج إليها في كل قانون وفي كل نظام مع تبيان عللها والمصالح التي بنيت عليها وعدم التعرض للأحكام الجزئية التفصيلية إلا في الأمور التي تكون المصلحة فيها ثابته لاتتغير بتغير الزمان والبيئة مثل أحكام المواريث والاسرة بصفة عامة قال تعالى:: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ} (النحل 44) فبين عليه السلام ملا لا يوصل إلى علمه إلا به، وترك كثيرا من الأحكام لأرباب الاجتهاد يدركون مراميهاا ومقاصدها بإعمال الفكر على ضوء ما تقتضيه دلالة الخطاب القرآني من الدقة والسعة والشمول، وماتقتضيه المصلحة في عصرهم.
فكانت الصلاة مجملة في هيئاتها وأوقاتها وخصائصها واكتفى الخطاب القرآني بالحث على إتقانها وأدائها في أوقاتها كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ)) الآية (البقرة (110) وقوله: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتاً). واشار إلى أوقاتها إشارة مجملة فقال: (وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ) (هود 114) وقال سبحانه (أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْهَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِكَانَ مَشْهُودًا) * (الاسراء (78) وقد تولى تبيانها الرسول صلى الله عليه وسلم إما بأقواله وإما بأفعاله.
فأكثر الأحكام التشريعية جاءت مجملة، ثم بينتها السنة، وذلك نأي بها عن مواطن الخلاف فيقل القياس والتفسير المنفرد فيها (1) إلا أحكاماً تتعلق بحقوق النساء، والطلاق وحقوق الورثة من أجل الاختلاف في بعض جزئياتها يؤدي إلى الأسرة، وقطع الأرحام فجاءت أحكام الميراث مفصلة تفصيلا لم تحظ به غيرها من الأحكام، وكذلك أحكام الأسرة، فقد عنى القرآن بها وعرض الكثير من
هدم
أحكامها بشيء من التفصيل والبسط.
1 - انظر ابوزهرة، محمد: أصول الفقه الإسلامي، ص 94.
وبلغ الاجمالي مداه في أن أحال القرآن الكريم بعض الحدود والحقوق إلى السنة الشريفة.
110 (1/110)
صفحة 111
كما في حد الزاني المحصن، لأنه لا يتصور وقوعه في مجتمع مسلم معصوم
بالإيمان والتقوى.
د التعميم والتخصيص: قد يكون الخطاب القرآني الموجه للمكلفين بالتشريع يسع جميع المكلفين على وجه العموم، وقد يتوجه إلى بعضهم فيكون خاصا، وكذلك فيما يتعلق بالمأمورات والمنهيات المكلف بها قد تتسع وقد تضيق، فتتردد العبارة القرآنية التشريعية بين العموم والخصوص على حسب استغراقها لجميع جزئيات المعنى دون حصر (1).
ومن أمثلة الدلالات العامة التي تدل على اتساع العبارة القرآنية قوله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور (31) فلما كانت التوبة بابا يلجه كل مؤمن ناسب العموم واتساع دلالة العبارة، ومن مثل
C
قوله تعالى: {وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَةً) (التوبة (36) جاءت الدلالة على التكليف شاملة لجميع أفراد المشركين لأنهم جميعاً يسعون الى إضعاف المسلمين في كل حين، وبمثل ذلك اتسعت العبارة في النهي عن الصلاة على المنافقين فقال تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) (التوبة (84) ومن عموميات الاحكام المتعلقة بنوع من الافراد المخاطبين بالتكليف قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ) (البقرة (228) فهذا عام على كل مطلقة أن تعتد ثلاثة قروء سواء كان طلاقها قبل الدخول أم بعده حاملا أم غير حامل صغيرة أم كبيرة.
أما إذا كان مقتضي التكليف يقتضي التخصيص فإن الخطاب القرآني يرد في صورة لاتعم جميع جزئيات متعلق الحكم والتخصيص قصر طلب التكليف على بعض الأفراد المخاطبين دون بعض قال السيوطي: وأمثلته في القرآن كثير جداً وهي أكثر من المنسوخ إذ ما من عام إلا وقد خصص» (2) كقوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَانُ بِالْإِيمَنِ) (النحل (106)
1 - انظر السبكي: الابهاج في شرح المنهاج: 2/ 81080
2 - انظر السيوطي، جلال الدين: الاتقان في علوم القرآن 2/ 22.
111 (1/111)
صفحة 112
فاقتصر إلصاق حكم الردة على من لم يكن مكرهاً، وخرج الأفراد الذي يتسلط عليهم بالأكراه على أن ينطقوا بلفظ الكفر، وقد يكون التخصيص في الحكم مثل تخصيص غسل اليدين بحد المرفقين والرجلين بحد الكعبين في قوله تعالى:
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (المائدة (6) وقوله:
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (المائدة (6).
فلو كانت دلالات القرآن المكونة للعبارة التشريعية كلها محمولة على العموم لانفرط نظم الكتاب عن الدقة ولو كانت كلها محمولة على الخصوص لضاقت القواعد التشريعية عن استيعاب جنس المخاطبين، وعموم الزمان والمكان
والأحوال.
هـ - الإطلاق والتقييد: المطلق هو: ما كان دالاً على حقيقة أفراده بلا قيد من صفة أو شرط (1) وأكثر وروده أن يكون في صورة النكرة المثبتة، ككلمة أيام في قوله تعالى: ومَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَبَامٍ أُخَرَ) (البقرة 185) فجاءت «أيام» مطلقة الدلالة فللمسلم الذي أفطر لعذر شرعي أن يصوم في أي وقت شاء من السنة، ودون شرط التتابع في ترتيب أيام القضاء.
ومن أمثلته كذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (البقرة (234) فلفظ «أزواجاً» يقتضي أن العدة واجبة على الزوجة المدخول بها وغير المدخول بها.
أما المقيد: فهو مادل على حقيقة أفراده بعبارة مقيدة، كقوله تعالى: إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَ مَا مَسْفُوحًا) الانعام (145 حيث قيد تحريم الدم بصفة السفح. وقد يحمل بعض القرآن المطلق على المقيد، لما يؤكد الوحدة المعنوية بين الآيات وذلك مثل تقييد الرقبة بالايمان بين قوله تعالى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَا سَا) (المجادلة (3) في كفارة الظهار حيث لم يذكر فيها قيد الإيمان للرقبة المأمور
1 - م. ن: 2/ 40.
112 (1/112)
صفحة 113
«بتحريرها» وذكر الايمان في حكم كفارة القتل، وكذلك في تقييد الدم المحرم تناوله بالمسفوح بين قوله تعالى: إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَ مَا مَسْفُوحًا .. ) الآية (الانعام (145) وقوله: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... ) الآية (المائدة (3) حيث لم يذكر في الآية الأخيرة قيد التحريم وصفة السفح للدم، وذكره في الأولى.
وجمع القرآن بين الإطلاق والتقييد مظهر من مظاهر تحقيق سعة الدلالة في الإطلاق ودقتها في التضييق وقد يقيد الحكم بمقاصده كما في قوله تعالى: وَقَتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ} الآية (البقرة 190) حيث قيد القتال بغاية سامية، وهي أن يكون في سبيل الله وتكرر هذا التقييد في أكثر آيات القتال، وكذلك في الآيات التي تحث على الإنفاق في سبيل الله فهو قيد يطلق على الأعمال التي تؤدي
خالصة لوجه الله من غير أن يشوبها شيء من شوائب الأهواء والشهوات. ومن التقييد الذي يدل فيه الخطاب القرآني على الاحتراس من الأضرار بحمل المعنى على اطلاقه قوله تعالى {وَلَا نَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الأنعام 152) و (الاسراء (34) فقد قيد النهي عن استعمال مال اليتيم فيما إذا كان خاليا من وصف الإحسان، لئلا يكون ذلك سببا في ترك استثمار مال اليتيم وأكل الفقير منه بالمعروف بدليل قوله تعالى
وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَا كُلِّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء (6). فهذه السمة في التشريع القرآني – الدقة والسعة في خطابه تعد آية من آيات عمومه وصلاحيته الدائمة للتطبيق، وأنه معجز، ومن أجل هذا، حث على التفكير وأمر بالبحث والنظر حتى يكون الإنسان أقدر على الاستهداء به في معالجة كل مشكلات الحياة المتنامية المتجددة والتي تختلف من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان ومن حال إلى حال وجاءت آياته التشريعية متسقة في أنواع الدلالة تطابقية (1)
-1
التطابقية: ماطابقت الدلالة فيها المدلول، او هي: دلالة اللفظ على الموضوع تمام ما وضع له كدلالة الانسان على الحيوان الناطق.
113 (1/113)
صفحة 114
والتزامية (1) وتضمنية (2) لتساعد على تأصيل القواعد الشرعية ورد الجزئيات
إلى الكليات وقياس الأشباه على نظائرها في توافق بين حركة العقل الراشد المستنبط، ومجال السلوك المنضبط الملتزم، ودلالة واضحة على التئام الآيات والسور القرآنية، حيث إن القرآن على الرغم من استغلال عباراته في دلالات تامة مستقلة يجتمع في وحدة معنوية ترمي إلى مقاصد متجانسة، وتعالج قضايا تتحكم في مصير الإنسان الذي خاطب القرآن عقله ووجدانه وكيانه كله خطاب التقويم
والتسديد.
1 - الالتزامية هي التي يؤدي تصور متبوعها من المعنى الى تصورها مثل كون العلم يستلزم الحياة أو هي دلالة اللفظ على
خارج لازم لما وضع له لزوماً ذهنيا بيناً بالمعنى الاخص كدلالة العمى على البصير.
2 - التضمنية: دلالة اللفظ على الموضوع على جزء ما وضع له، كدلالة الإنسان على الحيوان، أو الناطق (انطر الجرجاني: التعريفات ص 217 وانظر بكري، عبدالنبي: دستور العلماء (بيروت مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ط 2، 1975 م)
114 (1/114)
صفحة 115
الفصل الثالث
التشريع القرآني والاستنباط العقلي
115 (1/115)
صفحة 116
التشريع القرآني والاستنباط العقلي: أنزل الله القرآن منجماً؛ ليثبت فؤاد المنزل عليه - صلى الله عليه وسلم – وقلوب أصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - وليمكن عقول المتلقين من فهمه؛ وليستقبلوا آياته العقدية، والحكمية والخلقية بالتدبر والتفكير، واقترنت بعض آياته بأسباب نزوله؛ لتبرز المعاني، وتظهر الأحكام للإفهام التي اعتقدت بما نزل من وحي. مصلح لمناهج تفكير العقول، ومسالك سلوك المجتمعات، فكان مقوما للتفكير، ومرشداً إلى الخير: هو إِنَّ هَذَا الْقُرْء آنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقومُ الآية [الإسراء: 9] كتَب أَنزَلَتَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكَ لِيَدَّبَّرُوا ايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الألب) [ص: 29] فالعقل
معجز
9]
يستجيب لوحي القرآن بالإيمان لما يراه من إعجاز مبين في البيان والتشريع والعلم والبرهان والقرآن يفسح المجال للعقل في الإدراك الرشيد لمعانيه الصريحه، والكامنة، ومقاصده الناطقة والمستنبطة.
ومن دلائل النشاط العقلي في فهم القرآن ما يلي:
أ- المقابلة بين الآيات
يردد المفسرون عبارة " القرآن يفسر بعضه بعضاً، كلما وجدوا أنفسهم أمام آية قرآنية تزداد دلالتها وضوحاً بتفسيرها في ضوء آية أخرى، وإن لهم أن ينهجوا في تأويل القرآن هذا المنهج؛ لأن دلالة الآية في القرآن تمتاز الدقة والإحاطة، والشمول، فلا يوجد عام أو مطلق أو مجمل، ينبغي أن يخصص، أو يقيد أو يفصل إلا تم ليفي موضع قرآني آخر أو حديث نبوي ما ينبغي له من تخصيص أو تقيد أو تفصيل، وتلك عملية عقلية يتفهم فيها العقل العام من الخاص، والمطلق من المقيد، المجمل من المفصل، والمشكل من المبين، واللفظ المصروف عن معناه الحقيقي إلى المجازي، والمحذوف المقدر من فهم النص عقلاً، أو مما تقتضيه صحة معناه شرعاً - على ما هو مبسوط في علم الأصول - فينتهي بذلك إلى وضع الأحكام في
مواضعها
•
والقرآن احتوى آيات كثيرة لها علاقة البيان بآيات أخرى فقوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ظاهرة شموله لجميع المطلقات، فكلمة
راجع الزركشي: البرهان في علوم القرآن:2/ 176،175
116 (1/116)
صفحة 117
المطلقات من صيغ العموم تشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن،
والحامل والحائل، والصغيرة والكبيرة وحكم النص وجوب العدة على هذه المطلقات، وإذا تدبرنا الآيات الواردة في هذا الموضوع ندرك أن عموم هذه الآية قد خصص في آيات أخري بخروج غير المدخول بهن المنصوص على أنه لا عدة عليهن في الأصل؛ لقوله تعالى (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [الأحزاب: 4] فقد نفت هذه الآية وجوب العدة على من طلقت قبل الدخول بها فهذا تخصيص عند الجمهور، خلافاً للحنفية؛ لأن الدليل الصارف عن العموم جاء مستقلاً منفصلاً (1)، وكذلك الأمر في الحوامل فقد نصت آية أخرى على أن عدتهن وضع الحمل، وذلك في قولة: {وَأُولَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [الطلاق: 4] كما بينت آيات أخر حكم اللواتي لا يحضن؛ لكبر أو صغر بأن عدتهن ثلاثة أشهر، وذلك في قوله تعالى:
وَالَّتِي بَينَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَا بِكُم إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ) الطلاق: 4]، وكذلك عدة الوفاة حيث ورد الأمر فيها بصيغة العموم، وذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: 234:] فظاهر هذه الآية الكريمة أن كل متوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، ولكنه بين في موضع آخر أن محل ذلك ما لم تكن حاملاً، فإن كانت حاملاً كانت عدتها وضع حملها، وذلك في قوله تعالى (وَأُولَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: 4] ويزيده إيضاحاً ما ثبت في الصحيحين (1) من إذن النبي – صلى الله عليه وسلم - لسبيعة الأسلمية في الزواج؛ بوضع حملها بعد وفاة زوجها بأيام خلافاً لمن قال تعتد بأقصى الأجلين
(1) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 14/ 202
(2)
- وانظر بدران، أبو العينين: أصول الفقه الإسلامي) الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة) ص 376.
(2) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الطلاق – صحيح البخاري بحاشية السندى: 3/ 281
ومسلم في صحيحه كتاب الطلاق - باب اقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل: 4/ 201.
117 (1/117)
صفحة 118
وروي
ذلك عن علي وابن عباس (1).
وإذا تأملنا قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الآيه [البقرة: 231] لوجدنا أن ظاهر قوله: "فبلغن أجلهن “ انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه بين في موضع آخر أنه لا رجعة إلا في زمن العدة خاصة، وذلك في قوله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِدَهِنَّ فِي ذَلِكَ) الآية [البقرة: 228]؛} لأن الإشارة في قوله “ذلك “ راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه بثلاثة قروء في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ) الآية - انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها. كما أن ظاهر قوله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] أن أزواج كل المطلقات أحق بردهن لا فرق في ذلك بين رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَةٍ تَعْتَدُونَهَا} [الأحزاب 49]؛ لأن الطلاق من قبل الدخول بائن، كما أشار إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها في قوله تعالى: {وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228]؛ لأن الإشارة بقوله “ ذلك ذلك “ - كما سبق أن ذكرنا. راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء، واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن: إرادتهم الإصلاح، بتلك الرجعة، فقال: إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في مواضع أخر: أن زوج الرجعية إذا ارتجعها لا بنية الإصلاح، بل بقصد الإصرار به؛ لتخالعه، أو نحو ذلك أن رجعتها حرام عليه، كما يدل عليه النهى في
قوله تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارً ا لِتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌ وَلَا تَتَّخِذُوا ايَتِ اللهِ هُزُوا} [البقرة: 231] فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعاً، كما دل عليه مفهوم الشرط المصرح به في قوله: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِنَعْنَدُوا وَمَن يَفْعَلْ) وصحة رجعته حينئذ بالنظر إلى ظاهر الأمر، فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها.
(1) نظر الجصاص أبو بكر: أحكام القرآن، بيروت، دار الكتاب العربي، مصورة عن ط 1، 1335 هـ): 1/ 415.
118 (1/118)
صفحة 119
بقصد الضرر؛ لأبطل رجعته كما ذكر ().
وإذا تأملنا الآيات التي ورد فيها الأمر بتحريم الميتة والدم، ندرك أنها مطلقة من غير تقييد، فقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [البقرة: 173] وقال في النحل إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزيرِ وَمَا أَهِلَّ بِهِ} [النحل: 115] وقال في المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير) الآية [المائدة:3]. فظاهر هذه الآيات أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، وهذا يشعر بالتضيق والحرج، فقيدها في مواضع أخرى، فميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم وهو في قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} الآية [المائدة: 96] إذ ليس للبحر طعام
غير الصيد إلا ميتته، وهو قول جمهور العلماء (2)
كما قيد تحريم الدم، بكونه مسفوحاً في قوله تعالى: {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْدَ مَا مَسْفُوحًا) [الأنعام: 145] فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر
تقطيع اللحم ليس بحرام؛ إذ لو كان كالمسفوح؛ لما كان التقيد بقوله مسفوحاً. فيستطيع المجتهد تعيين المراد من خلال النظر في نصوص أخرى، والمقابلة بينها واستنباط الحكم منها، فالمقام مقام إثبات؛ لاتحاد السبب والحكم معاً، فحمل فقهاء الإسلام المطلق على المقيد، وقالوا بتحريم الدم إذا كان مسفوحاً. أما إذا لم يكن، فإنه حلال لا شيء فيه (3)
فقد قيدت الآية السابقة الدم المسفوح أي: المهراق؛ لأنه كثير لو تناوله الإنسان اعتاده، ولو اعتاده أورثه ضراوة، فتغلظ طباعه، ويصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة، لذا عفت عما يبقى في العروق بعد خروج الدم المسفوح بالذبح، أو النحر، وقاس كثير من الفقهاء نجاسته على تحريم أكله (4).
(1) انظر الشنقيطي: أضواء البيان:1/ 157 1880
(2) انظر من: 1/ 90
(3) انظر الآمدي: الإحكام في الإحكام: 2/ 162 وما يليها، وانظر الشوكاني: إرشاد الفحول: ص 164 وما يليها.
(4) انظر التحرير والتنوير: 2/ 118.
119 (1/119)
صفحة 120
وكذلك الأمر في قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3]، [المائدة: 89] |
فالرقبة في كفارة الظهار وكفارة اليمين مطلقة، وقد قيدت بالإيمان في كفارة القتل الخطأ في قوله سبحانه وتعالى: وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) [النساء: 92] فإذا تأملنا سبب كفارة العتق في الآيات السابقة لوجدنا مختلفاً،
"
فهو في رقبة الظهار إرادة العودة إلى الاستمتاع بالزوجة، وفي رقبة اليمين، إرادة الحل منه، وفي رقبة القتل القتل الخطأ، كما نجد أن الحكم في الآيات متحد، وهو وجوب الإعتاق، فيحمل المطلق على المقيد - على رأى الجمهور خلافاً للحنفية ومن وافقهم (1)؛ حتى لا يكون هناك تخالف بين النصوص الواردة في شيء واحد؛ لأن القرآن كله كالكلمة الواحدة في وجوب بناء بعضه علي بعض. (1) قال الشوكاني: ولا يخفاك أن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل .... فالحق ما ذهب إليه القائلون بالحمل».
>>:
وبالنظر إلى قول الله جل في علاه فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله [البقرة: 222] فلم يبين هنا محل الإتيان المعبر عنه بلفظه “ حيث “ المحال على الأمر به هنا، ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين: إحداهما: هي قوله نِسَاؤُكُمْ حَرْتُ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]؛ لأن قوله فأتوا أمر منه تعالى بالإتيان بمعنى الجماع وقوله “ حرثكم " يعين محل الإتيان المأمور به وإنه في محل حرث الأولاد يعني بذر الولد بالنطفة، وهو القبل دون الدبر؛ لأنه ليس محل بذر للأولاد. والثانية قوله تعالى: {فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) [البقرة: 187] فقوله “ باشروهن " أي جامعوهن، والمراد “ بما كتب الله لكم، الولد على التحقيق، وهو قول الجمهور، وعليه فالمعنى جامعوهن، وابتغوا ما كتب الله لكم، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو الجماع في القبل، فالقبل هو المأمور بالمباشرة فيه، بمعنى الجماع، فيكون معنى الآيه: فالآن: باشروهن، ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد الذي هو القبل دون غيره؛ بدليل قوله: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ} [البقرة: 187] يعني الولد (3).
66
ص.
1 - انظر خلاف: أصول الفقه، 2 - إرشاد الفحول: ص 165. - انظر أضواء البيان: 143/ 1.
120 (1/120)
صفحة 121
فالمقابلة بين هذه الآيات؛ تبين لنا ما أُجْمِل في الأولى، وهذه وأشباهها في كلام الله
آداب حسنة جاءها لغرض أن يتعلمها المؤمنون ويتأدبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاوراتهم ومكاتباتهم. كما أن ظاهر عموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم
الأصناف سوي
تُحصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ} [النساء: 24] يقتضي حل كل ما المذكورة في آيتي التحريم، إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخرى سوى هؤلاء
المذكورين.
فمن التخصيصات الداخله في هذا العموم (1)
- المطلقة ثلاثاً فلا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره؛ لقوله تعالى: فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]
- ومنها نكاح المعتدة حتى تخرج من العدة؛ لقوله تعالى:
وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228]
- وكذلك المتزوج من الحرة لا يجوز له أن يتزوج بالأمة (2)، وهذا بالاتفاق، وعند الشافعي: القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة؛ وذلك لقوله وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَكُم
[النساء: 25]
- ومنها حرمة الزواج بالمشركة فظاهر الآية يثبت المشركات للمسلم، حيث إنهن لم يذكرن في آية التحريم قبلها، ولكن قوله تعالى: (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ} [البقرة: 221] قد خصص قوله: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ.
(1) انظر الفخر الرازي: التفسير الكبير، 10/ 38،37.
(2) انظر الشافعي، محمد، كتاب الأم (دار قتيبة، ط 1، 1996)
121 (1/121)
صفحة 122
- ومن هذه التخصيصات نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الجمع بين المرأةة وعمتها وبينها وبين خالتها حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» (1) - وكذلك الملاعنة فهو حرام المراجعة بين الزوجين، ودليله قوله - عليه الصلاقة والسلام - «المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبداً (2) وإذا تأملنا قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ} [البقرة: 221]] لأدركنا أن ظاهر عمومة شمول الكتابيات وقد روي عن ابن عباس أن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات (3)؛ لأن أهل الكتاب يدخلون في اسم المشركينة
كما صرح تعالى في قوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِم يُضَهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَتَلَهُمُ الله أَن يُؤْفَكُونَ أَخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورهبنهُمْ أَربابا من دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا
لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
[التوبه 30: 31]، فقد عدهم سبحانه وتعالى من المشركين لمضاهاتهم الذين كفروا بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وأبوة الله تقتضي ألوهية الابن وإلى هذا المعنى جنح ابن عمر فقال: «إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا علم من الإشراك شيئا أكبر أن تقول ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله» (4) وبهذا يتضح لنا أن لفظ الآية يفيد العموم في كل كافرة، والمراد بها الخصوص في الكتابيات وبينت الخصوص آية المائدة، ولم يتناول قط الكتابيات، فهو عموم خص منه،
(1) أخرجه البخاري عن أبى هريرة كتاب النكاح: صحيح البخاري بحاشية السندي: 3/ 245 ومسلم في صحيحه كتاب النكاح: 4/ 135. (2) الحديث رواه الدار قطني في السنن: كتاب النكاح (القاهرة، دار المحاسن للطباعة ط 1966 م) 3/ 276، 277. والبيهقي في السنن الكبرى - كتاب اللعان: 7/ 401،400، وقال صاحب التنقيح: إسناده جيد، انظر، أبادي الطيب: التعليق المغنى على الدار قطني) القاهرة، دار المحاسن للطباعة ط 2000، 5 (3) أبو حيان: البحر المحيط: 2/ 173. (4) صحيح البخاري بحاشية السندي: 3/ 274.
276/
122 (1/122)
صفحة 123
الكتابيات وبه قال قتادة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وهو قول جل المفسرين (1) فلسن داخلات في هذا التحريم، قال تعالى (وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ)
[المائدة: 5].
- وكقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ) [البقرة: 198]، فلم يوضح لنا في هذه الآية ما هو الفضل الذي لا جناح في ابتغائه
أثناء الحج أهو الثواب العظيم؟
أم هو الرزق الحسن، أم ماذا؟ وبالنظر في الآيات التي تكرر فيها ذكر هذا الفضل، نتوصل إلى أن المقصود به المال، وابتغاء الفضل: التجارة؛ لأجل الربح، فقوله تعالى: وَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} الآية [المزمل: 20]؛ لأن الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية يسافرون يطلبون ربح التجارة وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) [الجمعة: 10] أي البيع والتجارة؛ بدليل قوله قبله: {وَذَرُوا الْبَيْعَ) أي فإذا اتقضت صلاة الجمعة فاطلبوا «الربح الذي كان محرما عليكم عند النداء، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة وعبر عنه بالفضل؛ لبيان أنها لا تنافي المقصد الشرعي إبطالا لما كان عليه المشركون إذ كانوا يرون التجارة للمحرم بالحج حراماً. وكقوله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَا مَا مَعْدُودَاتِ} البقرة: [184،183]، فالأيام المعدودات في الآية هنا غير محدودة، وغير معروفة وهي تثير في نفس السامع تساؤلاً عن هذه الإيام، فبينها بقوله سبحانه: هو شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَنَ} [البقرة: 185] ويؤيد ذلك قراءة مجاهد شهرا بالنصب على البدلية من
66
(183
أياماً: بدل تفصيل، كما أنه لم يبين في الآية الثانية وقت نزول القرآن هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ وبينه في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ) [الدخان: 3] والليلة المباركة ليلة القدر على التحقيق. (2) لقوله: {إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1].
(1) انظر أبو حيان: البحر المحيط: 2/ 173، ابن عطية: المحرر الوجيز: 2/ 176،175.
(2) أضواء البيان: 1/ 140.
123 (1/123)
صفحة 124
فلم يبينها في آية البقرة، واكتفى بقوله الذي أنزل فيه القرآن؛ لأن الغالب في صلة الموصول أن يكون السامع عالماً باختصاصها بمن أجرى على الموصول؛ «ولأن مثل هذا الحدث الديني من شأنه ألا يخفى عليهم، فيكون الكلام تذكيراً بهذا الفضل العظيم أو يكون إعلاماً به (1)
وكقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةُ) [البقرة: 228] فما هي الدرجة التي: يمتاز بها الرجال على النساء؟ إن القرآن لم يتركنا نتساءل دون أن يبين لنا هذه
الدرجة.
فإذا تأملنا قوله تعالى و الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللهُ بَعْضَهُمْ. عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَلِهِمْ} [النساء: 34] علمنا أن الرجل شرف بزيادة التكليف، وقوامة النفقه، ومصارعة الأعداء، ولهذه الحكمة المشار إليها جعل ميراثه مضاعفاً على ميراثها، لأن من يقوم على غيره مترقب للنقص، ومن يقوم عليه غيره مترقب للزيادة، وإيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة ظاهر
الحكمة (2)
•
وهناك آيات كثيرة تفسر بآيات أخرى أو بمقاصد عامة من السورة التي وردت فيها أو بالسورة التي تحمل مضمونها، ولا يتم ذلك إلا بإرشاد من حديث مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو روية العاقل المتفكر الذي يفقه المعاني قبل
قراءة الحروف القرآنية.
124
"
(1) التحرير والتنوير:2/ 171.
(2) انظر أضواء البيان: 1/ 158، 159، 148 (1/124)
صفحة 125
ب القياس والتعليل:
نهج القرآن الكريم في شرعية الأحكام منهجاً بديعاً محكماً، فلم يلج الطريقة الملتوية التي تكل منها العقول، ولم يسرد أحكامه سرداً، بل عللها وبين أسبابها فالقارئ لايجد في تعليله كلمة نابية، لبست ثوب الاصطلاح المصنوع في العصور المتأخرة، ولم يسر في تعليله وبيان الأسباب سيرة واحدة، حتى تسأم منها النفوس وتملها الأسماع، بل غاير ونوع، وفصل وأجمل، أبان ما في بعض الأفعال المفاسد حثاً على اجتنابها، وما في بعضها من المصالح ترغيباً في إتيانها؛ وذلك حتى يتسنى لنا استخدام عقولنا، وقياس ما يجد من وقائع وحوادث على تلك العلل
من
التي علل بها أحكامه فما وافق الحلال حللناه، وما وافق الحرام حرمناه. - فهو تارة يذكر وصفاً مرتباً عليه حكما، فيفهم السامع أن هذا الحكم يدور مع ذلك أينما وجد: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ} [المائدة: 38]؛ لأن التقدير من زنى فاجلدوه ومن سرق فاقطعوه {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُ وا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوا مُّبِينًا) [النساء: 101، وما يليها] (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ: عَامِهِمْ هذا} [التوبة: 28]
- وأخرى يذكر مع الحكم سببه، مقروناً بحرف السببية مقدماً أو مؤخراً أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج: 39] فَبِظُلْمِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا:
عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِ بِلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ)
(1) انظر إرشاد الفحول: ص 212.
125 (1/125)
صفحة 126
ومن هذا النوع قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ. تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَ اللَّهِ وَعَدُوكُمْ} [الأنفال: 60] فقد علل الله سبحانه وتعالى:: أمره للمؤمنين باتخاذ العدة والقتال بقوله: ترهبون .. الآية؛ وذلك لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للجهاد، واستعدادهم له بجميع أنواع القوة، خافوهم. فالقصد من هذه العلة هو دفع عدوان الكفار، والأخذ بأسباب التمكين في الأرض
من أجل إقامة الحق، فقد جعله الله سبباً لمنع الحرب لا سبباً في إيقادها. ومنه قوله تعالى في شأن زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم من زينب فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَازَ وَحْتَكَهَا لِكَى لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَجِ أَدْعِيَا بِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرَ أَوَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37]
فقد أمر الله رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - بزواجها معللا هذا الحكم بقطع مفاسد التبنى وجعل رسوله الكريم - عليه الصلاة وسلم – القدوة فيه؛ لدفع الحرج والضيق اللاحق بالمؤمنين في إقدامهم على ذلك الفعل، لو لم يفعل الرسول ذلك أولا.
وكذلك قوله تعالى: {قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور: 30]
ج
فقد علل أمره بغض البصر بأنه أزكى وأطهر لهم من الذنوب، وأنمى للأعمال في الطاعة. وعلل قوله في آية الحجاب لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيان المفاسد التي تدفع، والمصالح التي تجلب، فقال سبحانه: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَنَعَا فَتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} الآية [الأحزاب: 53] فلأهمية هذا الحكم ومجيئه مخالفا للعوائد، أكد التعليل فيه ببيان المفاسد
(1) انظر شلبي، محمد: تعليل الأحكام (بيروت، دار النهضة العربية، ط 1981 م) ص 18. (1) انظر من: ص 18.
126 (1/126)
صفحة 127
التي تدفع والمصالح التي تجلب؛ وذلك صوناً للقلوب من تسرب الشك إليها، ودفعاً للأذى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - طهارة للجميع، فلم يمنع المؤمنين منعاً باتاً من سؤال أمهات المؤمنين حتى يقعوا في الحرج، ولم يفتح الباب على مصراعيه حتى يؤذوا رسول الله - عليه الصلاة والسلام – أو يوجد الشك في نفوس بعض الناس، بل توسط في الأمر وأباح السؤال لحاجة أو فتوى من وراء
الحجب.
وقد علل – سبحانه وتعالى سبحانه وتعالى – نهيه عن دخول الأجانب بيوت الغير من غير استئذان بأنه خير فقال: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27]؛ وذلك لما فيه من حفظ للعورات وكف الأذى عن الناس، وإيناس لهم، وإزالة للوحشة من النفوس واطمئنان للقلوب حتى لا يدخلها الشك والريبة بدخول
الأجنبي، ونظراً للجزع الذي يلحق النفوس من الرد وعدم الإذن، ظناً منها أن ذلك هوان أو احتقار؛ علل الرجوع إن لم يؤذن لهم بأنه أزكى لهم، رفعاً لهذا الإيهام فقال {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ ازَكَى لَكُمْ} الآية [النور: 28] كما علل سبحانه تقسيم الفيء في قوله: {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ
وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَينَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) [الحشر: 7] علله بألا يكون متداولاً بين الأغنياء والأقوياء ويحرم منه الفقراء و الضعفاء؛ حتى لا يعودوا إلى ما كانوا عليه من حكم الجاهلية.
وعلل القتل العمد بما يترتب عليه من المفاسد، فقال: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِ يلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جميعًا} [المائدة: 32]، فالآية الكريمة تدل على أن العلة في تشريع القصاص، والتشديد فيه هو القتل العمد الذي ارتكبه ابن آدم - عليه السلام؛
(1) انظر م، ن: ص 19
(2) انظر شعبان، زكي الدين: أصول الفقه الإسلامي: ص 150.
127 (1/127)
صفحة 128
وذلك لما حواه من مفاسد وأضرار، علم الله أن ما شرعه هو الدواء الشافي لذلك الداء .. فإذا تأملنا قوله: (فأصبح من الخاسرين، وقوله فأصبح من النادمين) علمنا أن القتل العدوان مشتمل على جميع الخسران في الدنيلا والآخرة، وأنه مما يوجب الحسرة والندامة.
ومن أكبر الأدلة على أن التشريع القرآني جاء لمقاصد عظيمة بين المولى سبحانه بعضها، تعليله لما حرمه على اليهود من الطيبات فقال: {فَبِظُلْمِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] أخبرنا في هذه العبارة القرآنية أن تحريم ما حرم عليهم إنما كان عقاباً لهم بسبب ظلمهم؛ وفي ذلك تنبيه للمخاطبين أن يبتعدوا عن الظلم حتى لا يكون سبباً في تحريم ما حرم عليهم.
كما علل – سبحانه وتعالى - فرضه للصوم على عباده؛ ليكون الإنسان تقيا مرتبطاً بخالقه في جميع حالاته محباً للخير ولإخوانه، فلا يصدر منه سلوك يسيء؛ للآخرين، فقال سبحانه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى، الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فهو لن يصل إلى درجة التقوى،
التي تنمي لديه الإحساس المرهف برقابة الله تعالى إلا بالصيام والمحافظة عليه. وأورد عللاً أخرى لفرضية الصوم فقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ.
الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة: 185]، فإن مجموع هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ إلى قوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 185] والمعنى: يريد الله أن تكملوا العدة وأن تكبروا الله وإكمال، العدة يحصل بقضاء الأيام التي أفطر من وجب عليه الصوم ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة، فإن في تلك العلة حكمة تجب المحافظة عليها، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع
وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف.
(1) انظر شعبان: أصول الفقه الإسلامي، ص 149، وشلبي: تعليل الأحكام، ص 20. (2) انظر التحرير و التنوير: 6/ 26،26، وانظر تعليل الأحكام: ص 19.
128 (1/128)
صفحة 129
وقوله: {ولعلكم تشكرون (تعليل آخر وهو أعم من مضمون ولتكبروا الله على ما هداكم، فإن التكبير تعظيم يتضمن شكراً، والشكر أعم؛ لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم الله تعالى ويكون بفعل القرب في أيام الصيام وأيام
الفطر (1).
وكقوله تعالى: في شأن الوالدين: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفِّ وَ} [الإسراء: 23] فالنص يدل على نهي الولد أن يقول لوالديه أف، والعلة في هذا النهي؛ ما في هذا القول من الإيذاء، وهذه العلة موجود في أنواع أخرى أشد إيذاء وإيلاماً من التأفف، كالضرب والشتم والحبس، ومنع الطعام عنهما، فيتبادر إلى الفهم أنها يتناولها النص، وتكون محرمة بالنص الذي حرم التأفف، حيث إن ثبوت الحكمة في المسكوت عنه هنا أولى من ثبوته للمنصوص عليه؛ لوجود الإيذاء فيه بصورة أتم من وجوده في التأفف (2)
وكقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسيصلون سَعِيرًا} [النساء: 10] فعلة تحريم أكل أموال اليتامى العاجزين عن المحافظة عليها وتفويتها عليهم الظلم، وهذه العلة متحققة في أمور سكت الشارع عنها، وهي إتلاف مال اليتيم بإحراقه، أو تبديده، أو التقصير في حفظه، وما أشبه ذلك؛ فتكون حراماً كالأكل المنصوص عليه في الآية لمساواتها للمنصوص عليه في العلة التي استوجبت الحكم فيه (1)
•
ولما كانت نصوص القرآن متناهية ومحدودة، والوقائع متجددة، كان من الضروري النظر في علل وأسرار الأحكام الواردة فيها حتى يمكن تعدية هذه الأحكام إلى كل واقعة تحققت فيها تلك العلل، ولم ينص على حكمها وبهذا يتوصل المجتهد إلى ظهور تناول النصوص الشرعية للحوادث، والوقائع التي لم يرد فيها نص عن طريق القياس.
(1) انظر التحرير والتنوير: 2/ 175 وما يليها.
(2) انظر خلاف: علم أصول الفقه، ص 148 (3) انظر شعبان: أصول الفقه الإسلامي، ص 373
129 (1/129)
صفحة 130
الذي يرد النظير إلى نظيره لعلة جامعة بينها. وهو من أخصب المصادر. الأصولية التشريعية التي تساعد الفقيه، والمجتهد على إيجاد الحلول الصحيحة؛ وذلك بتطبيق هذه الأداة مراعاة للفطرة السليمة، والمنطق الصحيح، فإن من نهي عن شراب؛ لأنه سام يقيس عليه كل مسموم، ومن حرم عليه تصرف؛ لأن فيه اعتداء وظلما لغيره يقيس عليه كل ماجر ظلما لغيره، ولا يعرف بين الناس اختلاف في أن ما جرى على أحد المثلين يجرى على الآخر ما دام لا فارق بينهما. فلكي يتوصل المجتهد إلى معرفة أي حكم، فعليه أن يحصر الأوصاف الموجودة في الحكم والصالحة للتعليل، ويختبر مدى صلاحية كل صنف منها، فما ثبت صلاحيته أبقاه، وما لم يثبت ألغاه، وبذلك يتوصل إلى الحكم بأن هذا الوصف علة، ويمكنه أن يعدى حكم الأصل إلى كل واقعة وجد فيها هذا الوصف.
فإذا أراد المجتهد أن يعرف مثلاً ثبوت ولاية الأب على تزويج بنته البكر الصغيرة التي لم يدل نص ولا جماع على ثبوتها، فالمجتهد يتردد في العلة بين كونها بكراً، وبين كونها صغيرة، ويستبعد البكارة؛ لأن الشارع لم يعتبرها للتعليل بنوع من أنواع الاعتبار، ويستبقى الصغر؛ لأن الشارع جعله علة للولاية على المال، فقال: {وَابْتَلُوا اليَتَمَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَهَهُمْ) [النساء: 6] فالحكم الثابت بهذا النص؛ أن من لم يبلغ الحلم من اليتامى تثبت الولاية على ماله لوليه، وقد ثبت بالإجماع أن علة ثبوت الولاية المالية على الصغير صغره - وهى والولاية على التزويج من جنس واحد فيحكم بأن العلة الصغر، ويقيس على البكر الصغيرة الثيب بجامع الصغر.
وكذا ورد النص بتحريم شرب الخمر، ولم يدل نص على علة الحكم فالمجتهد يردد العلية بين كونه من العنب أو كونه سائلا أحمر اللون، أو كونه مسكراً، ويستبعد الوصف الأول؛ لأنه قاصر على الأصل، ولم يتعداه إلى الفرع، والثاني؛ لأنه طردي غير مناسب للحكم؛ لأنه لا يترتب على تشريعه منفعة للعباد، ويستبقى الثالث فيحكم بأنه علة.؛ لأنه ظاهر يمكن التحقق بالحس من وجوده، وعدم وجوده، ومناسب للحكم إذ
130 (1/130)
صفحة 131
يحصل من ترتيب الحكم عليه، وهو الحرمه منفعة العباد، وهي حفظ العقول (1) وإذا ثبت أن علة تحريم شرب الخمر الإسكار الذي تترتب عليه المفاسد والمضار الدينية والدنيوية، وهذا ثابت بالقياس على الخمر المنصوص عليه بعد معرفة علة
التحريم.
وخلاصة القول: أن المجتهد عليه أن يبحث في الأوصاف الموجودة في الأصل، ويستبعد مالا يصلح أن يكون علة منها، ويستبقى ما هو علة حسب رجحان ظنه، وهاديه في الاستبعاد والاستبقاء بتحقق شروط العلة، بحيث لا يستبقى إلا وصفا ظاهراً منضبطا متعديا مناسبا لنوع من الاعتبار، وفي هذا يتفاوت المجتهدون؛ لأن
منهم من يرى المناسب هذا الوصف، ومنهم من يرى المناسب وصفا أخر. فالحنفية: رأوا المناسب في تعليل ثبوت الولاية على البكر الصغيرة؛ لانتفاء
البكارة التي هي العلة في ثبوت الولاية.
والشافعية: رأوه في البكارة، ولا تثبت على الثيب الصغيرة؛ لانتفاء البكارة
التي هي العلة في ثبوت الولاية.
وكذلك في تحريم ربا الفضل والنسيئة في مبادلة الشعير بالشعير، فلم يدل نص ولا إجماع على علة هذا الحكم فسلك المجتهدون بمعرفة هذا الحكم مسالك عدة، فالحنفية: رأوا المناسب في تعليل التحريم في الأموال الربوية القدر مع اتحاد الجنس والشافعية: رأوه الطعم مع اتحاد الجنس، والمالكية: رأوه القوت والادخار مع اتحاد الجنس.
وبهذا يتضح لنا أن التشريع القرآني واف بجميع الأحكام صالح للتطبيق في كل
زمان ومكان.
(1) انظر الغزالي: المستصفى: 2/ 297،296، وخلاف: علم أصول الفقه، ص 69.
وشعبان، زكي الدين: أصول الفقه الإسلامي، ص 147.
131 (1/131)
صفحة 132
ج - التصوير والتمثيل:
إن هدف التشريع القرآني هو تهذيب النفس البشرية وتربيتها، وإذكاء الإدارة حتى يتم التغير بالمسير في الإصلاح، ولن يصل بالنفس الإنسانية إلى الإيمان بما يدعوها إليه إلا إذا تعامل مع ملكاتها المتعددة، وجوانبها المختلفة العقلية منها والوجدانية، فهو يخاطبها كلها، فإذا أدرك العقل واستوعب مضمون هذا الخطاب. حمل إلى مكامن الإحساس والوجدان من ذلك المعنى ما يلائمه من التأثيرات المختلفة فتفاعل الإحساس بها وتأثر.
فالخطاب لا يقتصر على العقل وحده، على نحو ما تعلم من طبيعة سائر أنواع الكلام البرهاني، ولكنه يحمل إلى العقل معنى يخاطبه به، وينهيه إليه، وينفث في المشاعر والخيال إحساساً بصورة ذلك وينبهها إلى ما فيه من حركة وحياة، وهو لا يتكلف هذا السبيل في الخطاب اتفاقاً أو يتهيأ له، حتى إذا تجاوز ذلك عاد إلى النسق المألوف والكلام المعتاد، بل هو في القرآن نسق مطرد، وطريقة متبعة، وسبيل عرفت بها؛ فلكل من المعنى واللفظ شأن آخر!
- فليست المعاني في القرآن مجردات محضة لا يدركها إلا العقل، إنما هي صورة حية تمر بخيال القارئ ويلمسها إحساسه.
وليست الألفاظ فيه تلك الحروف الصوتية الجامدة التي لا تدل على المعاني المجزأة، بل هي ينبوع يفيض بالصور والأحاسيس، وليس التركيب والنظم مناط البلاغة، ومظهر الروعة البيانية، بل للصورة أثرها، وللإيقاع إيحاؤه، وللتشخيص إثارته، وخلود الكلمة يرجع إلى إصابة هدف الحقيقة، وتحريك جذوة الإرادة،
وإرواء ظمأ الشعور، وهذا ما لا يوجد متلائماً متناغماً إلا في العبارة القرآنية. حيث تعد أمثلة القرآن على اختلافها لوحات فنية رائعة لتصوير مشاهد الطبيعة بأشكالها وأنواعها المختلفة، وكذلك تصوير مصائر الغابرين، ومصارع الظالمين، والقرآن إذ يضرب الأمثلة بمشاهد منتزعة من مظاهر الكون وصوره، يؤلف بين القيم والمبادئ المجردة التي تنزل من أجلها، والمشاهد الطبيعية التي يعيش الإنسان في أكنافها؛ وفي تلك اللوحات
132 (1/132)
صفحة 133
مشاهد ألفتها العرب، وعرفتها في حياتها النوعية الخاصة وفيها مال تعرفه وكثيراً ما تأتي أمثلة القرآن من غير ذكر للمعنى، فيكون الممثل له مطوياً يشار إليه في تضاعيف المثال ذاته، بحيث لا يجهل السامع، أو القاري المعنى الكلي الذي سيق له المثال. (1)
فالمعنى مهما ألبس ثوباً نظراً من البيان والإشراق، فإنه يظل بعيداً عن الإدراك
66
التام حتى يتجسد في التصوير والتمثيل، وفي ذلك يقول عبد القادر الجرجاني واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو أبرزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها وشب نارها .. (2)
""
فهو يقرب المعنى المراد للعقل، ويصوره بصورة المحسوس؛ لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها الحواس، ومن ثم كان الغرض منه تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالمشاهد، وذلك ما تحسسه الزمخشري من قبل فرأى أن ضرب الأمثال له “ شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صوره المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامع الأبي فانظر إلى قوله سبحانه وتعالى حين يعمد إلى معنى فكري مجرد يخرجه لك في مظهر حرب متلاحقة بين طرفين، فيصور أحداثها أمامك حية مجسمة يقول سبحانه وتعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدَ مَعَهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ} [الأنبياء:18]، فالقذف والدمغ والزهق كلمات ما كان ليخطر في بال أي متأمل أن يستعملها في مجال التعبير عن أن الحق هو الذي تقبله النفوس، والعقول الحرة دائماً، ولكن المعجزة
(1) انظر البوطي: من روائع القرآن ص 217،216. (2) الجرحاني: أسرار البلاغة تحقيق هـ، ريتر) القاهرة، مكتبة المتنبي، ط 2، 1979 م) ص 102،101. (3) الزمخشري، الكشاف: 1/ 195.
133 (1/133)
صفحة 134
القرآنية هي التي طوعت ألفاظ اللغة لمختلف المعاني والأفكار، فأخرجت منها
صورة فنية مجسمة نابضة بالحركة والحياة.
وكذلك قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ) الآية [البقرة: 261]، فقد صور التعبير القرآني المعنى الذهني، وهو الأجر. للمنفقين في سبيله ومضاعفته إلى سبعمائة ضعف في صورة حبة كأنها ماثلة أمام عيني الناظر إحضاراً لصورة التضعيف في الأذهان يتمثلها خياله، فيرى الحبة تلقى في التربة الصالحة، فلا تلبث أن تكون زرعاً نضيراً سرعان ما يثمر سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل فيضاف الشاهد العيني إلى الشاهد الإيماني القرآني، فيتجه بالضمير البشري إلى البذل، فتسخو نفسه بالإنفاق.
ولم يكتف القرآن بهذا التصوير لحال المنفقين، بل يتبعه بما يزيد تقريره ووضوحه، فيورد مشهدين متعاقبين: يصور الأول إنفاق المرائي وعاقبته، ويبرز الثاني إنفاق المخلص وثمرته.
فيصور حال المنفق رياء بقوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلد ا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} الآية [البقرة: 264] تشبيه تمثيلي يشبه حال المنفق ماله رياء في عدم حصوله على جزاء لإنفاقه، بحالة حجر أملس لا ينبت غطته طبقة خفيفة من التراب، نزل عليه مطر غزير؛ وبدلاً من أن يهيئه للخصب، والنماء إذا به يتركه أملس صلباً، لم ينبت به شيء، فالتغير بـ صفوان وهو الحجر الأملس، وما يوحي به من قساوة وجذب يناسب قلب المرائي، وخلوه من المعاني الإنسانية والرحمة، فلا يرجى منه نفع ولا فائدة، وقوله تعالى: {عَلَيْهِ تُرَابُ) إشارة إلى ما علق به من أثر الصدقة ولكنه كالغشاء الزائف سرعان ما ينكشف، ويتبدد ولا يجني من
(1) انظر البوطي: من روائع القرآن: ص 52، وانظر بدوي: من بلاغة القرآن، ص 219 (2) انظر ابن القيم: التفسير، جمعه محمد أويس الندوي، حققه محمد حامد الفقي (بيروت، دار الكتب العلمية) ص 154.
134 (1/134)
صفحة 135
ورائه خيراً لبطلانه وزواله (1).
ثم يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء فيصور حال المخلص في الإنفاق حتى تكون الموازنه واضحة:
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ
وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ
فَتَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
""
[البقرة: 265]
فهذا التمثيل يؤدي دوره في إيضاح المعنى في صورة مؤثرة قوية، وذلك بما تشمله من قيود في المشبه به تزيد الصورة تأثيراً وإيحاء يقنع العقل، ويستميل النفس ويستهوي الوجدان، فهو يشبه حال المخلصين في الإنفاق، وما يترتب عليه من مضاعفة الأجر بـ “ جنة بربوة " عالية أصابها المطر فازدهرت وآتت ثمرها مضاعفاً، فأن لم يصبها المطر الكثير كفاها القليل منه في إثمارها لطيب تربتها وكرم منبتها و التعبير “ الجنة وتقيدها بأنها “ بربوة " وهو المكان المرتفع، يلقى في النفس الشعور بالبهجة والسرور والإحساس بالجمال والنماء والخير؛ لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح، وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، فكانت أنفح ثمراً وأنضره وأكثره، و الجنة هنا تقابل الصفوان هناك، حيث الجذب والقساوة وهذا “ الوابل وهو المطر الشديد العظيم القدر مشترك بين الحالتين، ولكنه في الحالة الأولى يمحو ويمحق، وفي الثانية يربى ويخصب، وفي الحالة الأولى: يصيب صفوان، فيكشف عن وجه كالح كالأذى، وفي الثانية يصيب الجنة، فيمتزج بالتربة، ويخرج أكلاً، فإن لم يكن وابلاً فطلاً؛ لأن فيها من الخصب والاستعداد للإنبات ما يجعل القليل من المطر يهزها ويحييها، وتنويع المطر بين الوابل والطل، يشير إلى أن النفقة كثرت أو قلت تؤتى ثمرها مضاعفة في الأجر؛ بصدورها ابتغاء لمرضاة الله، كما يضاعف المطر الكثير، أو القليل ثمر الجنة؛ لكرم منبتها وطيب مغرسها (2)
فهذا مشهد كامل متقابل المناظر، منسق الجزئيات، معروض بطريق معجزة التناسق
(1) انظر التفسير القيم لابن القيم: ص 160، وأسلوب الدعوة القرآنية: ص 202.
(2) انظر التفسير القيم: ص 160، 161.
135 (1/135)
صفحة 136
والأداء ممثل بمناظره الشاخصة لكل خالجة في القلب، وكل خاطرة مصور للوجدانات بما يقابله من الحالات والمحسوسات فقد اعتمدت الصورتان على
الواقع الحسي؛ ليكون التأثير أبلغ وأشد وقعاً وتحريكاً للعقل والمخيلة. وفي ذلك مبالغة في إيجاد العمل بمقتضى النهي، والتذكير بالإيمان الذي يقتضي الطاعنة والاستسلام وهي تصرح بأن المن والأذى يبطلان ثواب الصدقة ويمحوان أثرها. وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِي عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأَوَلَتَبكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَذِهِ والحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحَ فِيهَا
صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا
ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117،116]].
فالقرآن لم يعبر عن معنى هذه الآيات تعبيراً ذهنياً وصورياً، بل عرضه في مشهد تصوير حافل ينبض بالحركة، ويفيض بالحياة، فدقة التناسق تكتمل في صورةة منتظمة، حيث التحمت صورة إنفاق أهل الشرك في الحياة بما لا يجد نقيراً، بصورة من يملك زرعاً قد تهيأ للإثمار، وهو ينتظر بسرور وشغف عطاءه، وإذاا بريح عاصفة تهب، فتحرق هذا الزرع بما فيها من صر فتذره حطاماً! وإذا الحرث كله يباب! ذلك مثل إنفاق الذين كفروا في هذه الدنيا، ولو كانوا ينفقون فيما ظاهره
(1)
الخير والبر وفي النهي عن ظاهرة عجزت القوانين الوضعية عن إبطالها يستخدم القرآن قوة البرهان وتأثير البيان فيقول تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسَ الآية [البقرة: 275] تصوير مرعب لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِ ما أشنع صورة الممسوس الذي يصرعه الشيطان، وهو يعجز عن القيام فضلاً عن الحركة السوية والكلام،
إنها صورة للمرابي الذي يأكل أموال الناس بأشنع وسائل الكسب الحرام. وكقوله سبحانه: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أَحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضربا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاس الحافا} [البقرة: 273]
(1) انظر السلامي، عمر: الإعجاز الفني في القرآن)،تونس، مؤسسة عبد الكريم عبد الله، ط 1، 1980 م) ص 202
136 (1/136)
صفحة 137
فهذا النص تصوير معجز لهذا النموذج البشري الذي يوحي به القرآن الكريم. إنهم فقراء أحاطت بهم واجباتهم ورمقتهم الحياة، ولكنهم يسترون حاجتهم وتمنعهم كرامتهم أن يسألوا الناس ما يدفعون به فقرهم، تعففا، وإذا سألوا فإنهم
لا يلحون.
وكقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبسُطها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا) [الإسراء: 29] فالآيات تصور حال البخيل في امتناعه عن الإنفاق، وحاله في الإسراف والتبذير تصويراً محسوساً، يرسم البخل والإسراف في صورة بغيضة منفردة، يد مغلولة إلى العنق لا تقدر على الحراك، ولا تستطيع أن تمتد بإنقاق ولا عطية، فهي مضمومة إلى العنق بطوق من حديد، ويد مبسوطة كل البسط لا تمسك شيئاً، فإذا الذي يبعثر ماله يميناً، وشمالاً دون مراعاة لما فيه مصلحتة، مآله الندم والحسرة، ويرسم نهاية الإسراف قعدة المذموم من الخلق والخالق النادم المنقطع الذي لا شيء عنده، هكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى قوياً مؤثراً. كما أن التلازم الوثيق الذي لا يتخلف أبداً بين التعبير، وأن هذا التعبير لا يصلح إلا لهذا المعنى (1) وقال سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَما ربياني) رَبَّيَانِي [الأسراء: 24] تصوير معنوي، حيث جعل للذل جناحاً؛ وذلك لما توحيه كلمة “ الذل من الانكسار والضعف، وكلمة " الجناح “ من رفعة، فهذه المناسبة الدقيقة في قوله تعالى: " واخفض “ تشيع عمقاً فلسفياً في دلالة الآية تنبهر دونه الأنفاس؛ وذلك بما تترك في نفس الإنسان من شعور بالنزول إلى مستوى أبويه الضعيفين، مظللاً إياهما باللين والرحمة والحب والإشفاق - ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين، بحيث لايبقى الولد من لهما الاستكانة مركباً، احتيج من الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير الجناح؛ لما فيه من المعاني ما لا تحصل إلا من خفض الجناح لأن من قيـ يل جانبه إلى جهة
66
(1) انظر الجمل، سليمان: الفتوحات الإلهية (القاهرة، مطبعة الاستقامة ط 1996 م) 2/ 623.
137 (1/137)
صفحة 138
السفل أدنى ميل عليه أنه خفض جانبه (1).
وقال تعالى: (وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) ب [الحجرات: 12] فتأمل كيف ضرب الله هذا المثل للتنفير، حيث يكون الممثل به مملا تكرهه النفوس، وتنفر منه، فتمثيل الاغتياب إنما هو ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم، وهذا مماثل لأكل لحم الإنسان لحم من يغتابه، ومعلوم أن لحم الآدمي مستكره عند إنسان آخر مثله، إلا أنه يكون مثل كراهة لحم أخيه، وهذا القول مبالغة في الاستكراه لا أمد فوقها، وأما قوله " ميتا؛ فلأجل أن المغتاب لا يشعر. بغيبتة ولا يحس بها (2)
وقال عز وجل: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} الآية [البقرة: 223] فالآية صورت. المعاشرة الزوجية في صورة مؤدبة مهذبة، فقد جاءت كلمة الحرث تحمل معاني شرعية ضابطة لسلوك التزاوج ومقصده، فلا وطء إلا في المحل المناسب، وتحمل تهذيباً بالتأدب حيث كني عما لا يحسن التصريح به، وتحمل صورة موضحة للمعنى المكنى عنه، ومؤثرة في النفس باستحسان ما يليق، واستقباح ما لا يليق عن معاشرة الأزواج، كل ذلك قد اجتمع في كلمة واحدة، وفي تعريف الكلمة القرآنية الدلالة الدقيقة الموافقة للحق، والمعبرة عن المعنى أتم ما يكون التعبير.
تصوير مع
قال تعالى في تصوير امتناع يوسف – عليه السلام -: {وَلَقَدْ رَوَدلَّهُ عَن نَفْسِهِ فَأَسْتَعْصَمَ) [يوسف: 32] فمجيء الكلمة على هذا الوزن استحكام في الامتناع، وقال تعالى في نكارة صوت المجاهرين به: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19] فلم يقل الحمار مع أنه أوفق لكلمة صوت المحاورة؛ لأن اجتماع أصوات الحمير أشنع، وأكثر إزعاجاً.
(1) انظر الزركشي: البرهان في علوم القرآن: 3/ 433
•
(2) انظر بدوي،، أحمد: من بلاغة القرآن الكريم (القاهرة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، د: ت) ص 226 - 227.
138 (1/138)
صفحة 139
وقال تعالى (أو تهوي به الريح في مكان سحيق) [الحج: 29] ولم يقل ساحق أو شاهق، ليدل بالإيقاع الصوتي على بعد مسافة السقوط.
وإن القرآن الكريم كله ملئ بهذه الصور الحية المشعة حيثما تعرض لغرض من الأغراض، وحيثما شاء أن يعبر عن معنى مجرد أو حالة نفسية أو صفة معنوية، أو نموذج إنساني، أو حادثة واقعة أوقصة ماضية، أوحكم شرعي، أو مشهد من مشاهد يوم القيامة، أو حالة من حالات النعم والعذاب.
ففتح بهذه الخاصية المجال أمام ملكات النفس البشرية، فخاطب العقل بما يدركه ويستوعبه، وتعامل مع مكامن النفس، وعقد الصلة بين العقل والوجدان والحس في إقناع وإمتاع رفعا الأدب من متنفس عن الذات الشاعرة، أو المميزة إلى أفق رحب من الإبراز للقضايا الفكرية الإنسانية في تصور حي، وتأثير معجز؛ لأنه صادر من اللطيف الخبير، الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.
139 (1/139)
صفحة 140
د – التأويل إن التأويل حركة عقلية تدور مع الدلالة القرانية من أجل كشف أبعادها وأعماقها غير المنكشفة بالنظر المتبادر، وهي تجري في مجال تحديد المعنى بين، الحقيقة والمجاز، والمعنى اللغوي الأصلي والمعنى الاصطلاحي المستعمل، أو. التوفيق بين النصوص المتعارضة في الظاهر، والمتوافقة في السياق الداخلي والمقصد الذي يتجه إليه السياق، فهو تصرف عقلي في المعاني لا في الألفاظ تحقيقاً وتنسيقاً، وهو أمر لا معدى عنه بالنسبة إلى كل مفسر، وفي كل عصر. (1) فالتقدير العقلي: المناط الذي يقوم عليه معنى التأويل، ويؤكد ذلك ابن منظور. بقوله: التأويل تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، وتعيين المراد منه بشيء غير لفظه من القرآئن والأدلة. (2)
ولا شك أن في ذلك إفساح المجال الاجتهاد، فهو نوع من الاستنباط الذي يعود إلى تأمل المفردات والتراكيب القرآنية التي جاءت على نحو يحقق وجوه الإعجاز فيه بما يحفظ للمعنى ثبوت حكمه، واستمراره، ويتضح ذلك فيما يعرضه الشافعي حيث يقول ما نصه، فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها، على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها، اتساع لسانها، وأن فطرته، أن يخاطب بالشيء منه عاماً ظاهرا يراد به العام الظاهر، ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعاماً ظاهراً يراد به العام، ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعاماً ظاهراً يراد به الخاص، وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام، أو وسطه، أو آخره ..... (3) ورب معترض يسأل لماذا لا يكون النص كله ظاهراً، تدل حروفه على معانيه دلالة
تطابقية صريحة؟
(1) انظر الآمدى: الإحكام في أصول الإحكام: 72/ 3.
وما يليها، والموافقات: 4/ 87 ومايليها وإرشاد الفحول، ص 177
(2) انظر ابن منظور: لسان العرب: 1/ 131.
(3) الشافعي: الرسالة، ص 52،51.
140 (1/140)
صفحة 141
والمتأمل في هذه القضية يلاحظ أن حرفية النص تؤدي إلى تضييق دلالته، وسوء
فهم المتلقي، لا سيما إذا كان متعدد العصر، والثقافة، والبيئة، والبنية الفكرية، فما يخاطب به العرب الذين نزل عليهم القرآن سيخاطب به غيرهم على اتساع رقعة العالم وتنوع مظاهرها الحضارية، واختلاف معالمه الزمانية والمكانية، فلا مناص من أن يكون النص حاملاً للدلالة التلميحية التضمنية والتلازمية مع الدلالة التطابقية الظاهرة.
والجمود على حرفية النص هو الذي جعل النصارى يحرفون المعاني إلى مقاصد غير مراده في روح النص، وإن كانت مذكورة في ظاهر النص ككلمة الأب التي سيقت للدلالة على الرحمة والحنو، فحملها المتلقون من الحرفيين على معنى الأبوة، فكان فساداً في العقيدة، وطعناً في الدين.
فمن محاسن التأويل أنه يعقد الصلة بين العقل والوحي، ويوسع آفاق المعاني ويزيد في بيان وحدة المقاصد بين أجزاء النص الذي نزل ليكون منهاج حياة غير محدودة بتوقيت زمن، ولا بمحدودية مكان.
وإذا كان التأويل أمراً لا مندوحة عنه، فأنه مجال لاجتهاد العقول التي تتفاوت في الفهم، ويكون التوفيق أقرب لمن يوافق تأويله الأصول والقواعد اللغوية الشرعية التي اتسم بها النص، وهي الشواهد التي نصبها الشارع نفسه للمجتهد، تأكيداً لمطفياتها، وفي هذا المعنى يقول ابن رشد: “والسبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن - المعاني التدقيقية، والمرامي البعيدة التي يستقل بفهمها العلماء - هو اختلاف نظر الناس، وتباين قرائحم في التصديق، والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه، هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها (1) أي انتهاج سبيله العقلي للتنسيق بين معاني النصوص، ولا سيما عند استنباط الأحكام منها.
(1) ابن رشد، الحفيد: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق: محمد عمارة (القاهرة، دار المعارف، ط 2 بدون تاريخ) ص 34،33.
141 (1/141)
صفحة 142
ومثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ
وَ آخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} الآية [الأنفال: 60] فالشارع هنا قد يقصد من الخطاب العام، وجهين من العموم والخصوص في وقت واحد، مما يشبه أن يكون فيذلك شيء من التناقض، غير أن إعمال العقل في مورد الطلب المتضمن في الخطاب، يرى لإيجاد الفعل، وهو الجهاد بقطع النظر عمن يقوم به، وهو ما يطلق عليه الفروض الكفائية، وهذا يتطلب – عقلاً وسيلتين:
أولاهما تهيئة الوسائل والأدوات الملائمة والضرورية، والناجعة لإيجاده كإعداد الجيش؛ ليبلغ الكفاءة القتالية على أرفع مستوى من التقنية، وهذا مورد العام، ومتعلقة؛ ولذا جاء الخطاب فيها عاماً موجهاً إلى الكافة؛ ليقوموا بإعداد هذه
الوسائل.
والثانية: المتخصصون في العلوم العسكرية، للقيام بتحقيق ذلك العمل المفروض وهو " الجهاد (1)
فدور التأويل التصرف في معنى العموم المتبادر من ظاهر اللفظ، ولكن النظر العقلي، تصرف في العام في وجوه البيان مما للعقل دور في تبيين تلك الوجوه، على أن هذا التأويل لا يتنافى مع وجوب تدريب القادرين على حمل السلاح، من الرجال و النساء على السواء، إذا اقتضى الحال ذلك، حين يصبح فرض الجهاد عينياً - لا كفائياً فحسب - وذلك في حالة مداهمة العدو المغتصب ديار المسلمين، واحتلال جزء من أوطانهم فعلاً، عنوة وبقوة السلاح، إذ يتجه الخطاب حينئذ إلى القادرين من أفراد الأمة كافة، بل ويتعين ذلك، كسراً لشوكة العدو، ودحره وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) [البقرة:191] ومن النصوص التي يجب تأويلها على معانيها المقصودة لا على مقتضي ظاهر لفظها ما جاء في قوله تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195] وهو ضرب من التأويل لظواهر الأمثال التي
(1) انظر الدرني، فتحي: دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر: ص 303 (2) انظر م، ن: ص 303، 304.
142 (1/142)
صفحة 143
تجرى على الألسنة اقتباساً من حياة الناس بمضمون جم المدارك عميق الدلالات المقصودة فيؤول الطبري ظاهر قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُرَ إِلَى التَهْلُكَةِ) على المقصود من المعنى لا المذكور من اللفظ، فيقول: " وذلك مثل، والعرب تقول للمستسلم للأمر) أعطى فلان بيديه)، وكذلك يقال للمتمكن من نفسه مما أريد به (أعطى بيديه (فمعنى قوله: (ولا) تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ولا تستسلموا للهلكة، فتعطوها أزمتكم فتهلكوا (1)
ويفضل القول في ذلك المعنى المقصود الذي يقرره السياق " والتارك النفقة سبيل الله عند وجوب ذلك عليه مستسلم للهلكة .... وكذلك الآيس من رحمة الله وكذلك التارك جهاد العدو في حالة وجوب ذلك عليه .. (2)
وتختلف أوجه الدلالات المستفادة من التأويل، فقد تكون تخصيصاً لعام بالمقابلة بين نصين، كما أول النبي - صلى الله عليه وسلم - الظلم بالشرك في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] استمداداً من قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُمُ عَظِيمُ) [لقمان: 13]. وقد يكون دفعاً للبس كما في قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) 1 غافر 60] حيث دفع النبي - صلى الله عليه وسلم توهم أن الله يستجيب أي دعاء، ولو من عبد غذي بالحرام، وداوم على المعصية، فيفسر الدعاء بالعبادة.
119
(1) الطبري، ابن جرير: جامع البيان في تفسير القرآن (بيروت - دار المعرفة، ط 1989) 2 / (2) م. ن: 2/ 119.
143 (1/143)
صفحة 144
،،
قاعدة مستمدة من تأويلات النبي - صلى الله عليه وسلم – وتطبيقاته فذكروا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (2) فما نزل من الأحكام القرآنية ليس خاصاً بالأفراد الذين طلبوا البيان من النبي - صلى الله عليه وسلم – فنزل النص القرآني ليبين لهم الحكم، ولكن ذلك الحكم الصادر في النص ينطبق علي غيرهم؛ لأن القرآن خطاب إلى الناس جميعاً، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللهُ) الآية [النساء: 105].
(د)
فما نزل من آيات تبين حكم القاذفين كان بسبب هلال بن أمية، وشريك بن سحماء، وكذلك عاصم بن عدي، وعويمر العجلاني (3)، ولكنه عام في كل من صدر منه القذف لزوجته)؛ لعموم الموصول في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَهُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ) [النور: 6].
(1) م، ن: 2/ 119.
(2) انظر السبكي، تاج الدين: الأشباه والنظائر تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، وعلى محمد عوض (بيروت، دار الكتب
العلمية، ط 1991.1 م) 2/ 134
23،22
(3) انظر السيوطي: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر) 5 / (4) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 12/ 185، وأبو حيان الأندلسي: البحر المحيط: 397/ 6.
144 (1/144)
صفحة 145
ومما يحقق المواءمة بين التأويل والنص، بين الوحي والعقل ما ورد من آيات في شأن الأحكام العقدية التي تتحدث عن الصفات الإلهية، والتي حملها الحرفيون من علماء المسلمين على حقيقة أصولها الدلالية في الوضع، فكانت موهمة للتشبيه وحملها الغائيون منهم على المجاز تأويلاً ليخرجوا من هذا المحذور، واشتهر عندهم أن الصفات المشابهه للمخلوقين في وصفها تحمل على غاياتها لا على بداياتها أرشد إلى هذا التأويل ما نزل من آيات محكمات هي مرجع التأصيل في حركة التأويل. (1) فقوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] وقوله: {وَاصْبِرُ الحُكْر رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] وقوله إنَّ اللهَ مَعَنا} [التوبة: 40] وقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَلِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] تأول بالرجوع إلى قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
ولكن الحركة العقلية في التأويل يجب أن تكون منضبطة باللغة وقواعد الشرع حتى لا يضل المؤول سواء السبيل، فيحرف المعنى ويناقض الحق ويجاوز بالعقل حدوده، وينأى بخطاب الوحي القرآني عن مقاصده. إن الخطاب التشريعي في القرآن لم تنين أحكامه على التلقي المحض الذي يأمر الإرادة الإنسانية بتغريب العقل وتغيبه في مأمورات ومنهيات لا يتقبلها، بل سلك سبيلا مغايراً لذلك حتى يخلد خطابه بتقبل العقل، ويخلد العقل بهداية الخطاب؛ ليكون نشاطه راشداً مهتدياً بالوحي، ليكون نشاط الإرادة الإنسانية مصحوباً بتأييد العقل والشرع معاً في تطبيق الأحكام، وهذا دليل على صلاحيته لكل زمان ومكان وأنه في غاية قصوى من الإعجاز.
(1) انظر الجويني، أبو المعالي: كتاب الإرشاد) مصر مكتبة الخانجي، ط 1950 م) ص 155 وما يليها وانظر
ابن رشد: فصل المقال، ص
145 (1/145)
صفحة 146
[صفحة فارغة] (1/146)
صفحة 147
الفصل الرابع
المستشرقون والتشريع القرآني
147 (1/147)
صفحة 148
المستشرقون والتشريع القرآني
إن المستشرقين قوم من الغرب تخصصوا في دراسة الشرق وحضاراته، وكان
اهتمامهم منصباً على الفكر الإسلامي وحضارته واللغة العربية وآدابها. وكانت أكثر أبحاث المستشرقين تصب في مجرى العداوة للإسلام والعروبة. - ونظراً لما نال الفكر الإسلامي من تشويه بسبب الاستشراق" فإن مصطلح الاستشراق صار يمثل ظاهرة غير مرغوب فيها عند كل من له غيرة على دينه وأمته مما دفع الغربيين إلى استخدام مصطلح آخر يتفق مع مضمون الاستشراق وهو مصطلح [خبير الشرق الأوسط] الذي يعنى “مستشرق؛ ومصطلح [الدراسات الشرق أوسطية] الذي يحقق دلالة الاستشراق".
""
وهكذا أصبح استخدام المصطلح الجديد شائعاً منذ النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تنتشر فيها العديد من مراكز إعداد هؤلاء الخبراء (1).
ولما انعقد المؤتمر الدولي التاسع والعشرون للمستشرقين بباريس سنة 1973 م تم الاتفاق على أن يطلق عليه “المؤتمر الدولي للعلوم الإنسانية لآسيا وأفريقيا الشمالية " بدلاً من التسمية الاستشراقية. (2)
هذا وتشير المصادر إلى أن أول استعمال لكلمة مستشرق كان سنة 1630 م حين أطلق على أحد أعضاء الكنيسة الشرقية، ثم في سنة 1690 م وصف صمويل كلارك (3) بأنه استشراقي نابه حين عرف بعض اللغات الشرقية، ثم دخلت هذه الكلمة إلى المعجم الإنجليزي سنة 1779 م، ثم إلى معجم الأكاديمية الفرنسية سنة 1838 م).
وبعض من أولئك المستشرقين ممن لديهم الرغبة الصادقة، أو النية الحسنة اتجهوا ببحوثهم إلى تحقيق أهداف علمية وخالصة ومع ذلك فإنهم لم يسلموا من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق إما لقلة إلمامهم باللغة العربية وإما لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها. (1) انظر: سعيد، إدوارد: تغطية الإسلام، ترجمة: سمير خوري (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية) ص 49 وما بعدها. (2) أربري: المستشرقون البريطانيون، ترجمة: محمد النويهي (لندن 1946) ص 8.
(3) كلارك، صمويل (1625 - 1669 مستشرق إنجليزي، تخرج من كلية ميرثون في جامعة إكسفورد، وعين أول مشرف على مطبعتها (1649) (انظر العقيقي: المستشرقون (القاهرة، دار المعارف، ط 4، د: 2/ 44) (4) انظر الحاج، ساسي: الظاهرة الاستشراقية مركز دراسات العالم الإسلامي، ط 1 - (1991 م) 2/ 296، 297 وما
يليها.
148 (1/148)
صفحة 149
ولما كان القرآن هو الكتاب الإلهي الذي صدرت عنه عقائد الدين الإسلامي وشريعته وانبثقت منه أخلاق الإسلام وآدابه.
من أجل ذلك اتجهت جهود المناهضين للإسلام قديماً وحديثاً إلى محاولة زعزعة الاعتقاد في أصل القرآن، ومصدره، فالوثنيون بذلوا قديماً جهدهم في مقاومة فكرة أن القرآن وحي من الله فزعموا (إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ اخَرُونَ} [الفرقان: 4]، وأنه أسطيرُ الأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5]، وأن محمداً إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرُ) [النحل: 13]، أو أن القرآن قول ساحر أو كاهن، وكانوا يقصدون من وراء ذلك كله إلى إبطال القول بأنه وحي السماء إلى محمد - صلى الله عليه وسلم لهداية البشر. وعلى نهجهم سار أكثر المستشرقين فشككوا في مصداقية المصدر الإلهي للقرآن الكريم، وحاولوا أن يثبتوا أثر المصادر السابقة في القرآن، وأرجعوا مصادر القرآن إلى عوامل داخلية وخارجية وردد كثير منهم اعترافات الوثنيين رغم دحض القرآن لها.
فيرى المستشرق المجري (جولدزيهر) (1)، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكاراً أخذ يجترها في قرارة نفسه وهو منطو في تأملاته أثناء عزلته، واختلطت هذه الأفكار بما يلاحظه من قساوة الحياة واضطهاد الفقراء، وطغيان الأغيناء بمكة، فتملكه شعور بأن الله يدعوه بقوة تزداد شيئاً فشيئاً ليذهب إلى قومه منذراً إياهم بما يؤدى بهم ضلالهم من الخسران المبين (2). والمستشرق (جورج سيل) (3) في مقدمة ترجمته الإنجليزية لمعاني القرآن التي صدرت عام 1736 م
(1) اجنيس جولد تسهير [1850 - 1921 م] مستشرق مجري يهودي درس في برلين، ولا يبسيغ، وبودابشت، والأزهر، (انظر بدوي: موسوعة المستشرقين، ص 119، وأنظر العقيقي: المستشرقون: 3/ 41،40) (2) جولدزيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمه: محمد يوسف موسى وآخرون (بيروت، دار الرائد العربي ط 1946 م) ص 7. (3) سيل، جورج [1697 - 1736] مستشرق إنجليزي، محام درس العربية في أوقات فراغه، واقتنى مجموعة وافرة من مخطوطاتها، أودعت المكتبة البودلية، واشتد اهتمامه بالإسلام حتى وصف بأنه نصف مسلم (انظر العقيقي المستشرقون 2/ 47).
149 (1/149)
صفحة 150
،،
أن محمداً مؤلف القرآن فقال: أما أن محمداً كان في الحقيقة مؤلف القرآن والمخترع الرئيسي له فأمر لا يقبل الجدل، وإن كان من المرجح- مع ذلك أن المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطته هذه لم تكن معاونة يسيره، وهذا واضح في أن مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك (1) وقد أصبحت قصة تأليف محمد للقرآن لدى المستشرقين أمراً لا يقبل الجدل فقد جعل (كازيميز سكي) (2) من خلاصة آراء - جورج سيل- مقدمة لترجمته الفرنسية لمعاني القرآن التي صدرت عام 1841 م، وقد استطاعت هذه المقدمة أن تثبت وجودها زمناً طويلاً في أذهان المستشرقين من حيث اشتمالها على عرض شامل للدين الإسلامي (3).
وحاول المستشرقون حبك فريتهم هذه ببيان المصادر التي اعتمد عليها محمد - على حسب زعمهم – في كتابته للقرآن ...
فأرجعوا مصادر القرآن إلى عاملين رئيسين:
أحدهما: داخلي، وهو مستمد من أعراف الجاهلين ودياناتهم، ومن أوامر أولى الأمر، ومن أحكام ذوي الرأي والمكانة العالية بين أقوامهم.
الآخر: خارجي، وهو مستمد من القانون الروماني ومن تعاليم الديانتين
اليهودية والمسيحية، من حكم ومواعظ، ومبادئ وأوامر ونواه، وقصص. ومن الشعائر التي طعن فيها المستشرقون وعدوها من بقايا الوثنية الحج، فقد قال هنري ماسيه) (4) عنه: بأنه مزيج من البقايا الوثنية والطقوس الجديدة وبأن المزارات
(1)
.
نقلاً عن زقزوق، محمد الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري القاهرة، دار المنار، ط 2، 1989 م) ص
(2) كازيميرسكي، البر (1808) - 1887) مستشرق من بولونيا، تلقى العلم في فرسوفيا، وتخرج من برلين على فيلكن ورحل إلى الشرق (1839) - 1840)، ثم استقر في فرنسا، له ترجمة للقرآن بالفرنسية، وهي تعوزها بعض الأمانة العلمية
(انظر العقيق المستشرقون 2/ 498). (3) الاستشراق والخلفية الفكرية: ص 104.
(4) ماسه هنري (1886 - 1969) مستشرق فرنسي، وكان مديراً بالمعهد الفرنسي بالقاهرة، وقد عين أستاذا في جامعة الجزائر ومديراً للمدرسة الوطنية للغات الشرقية وغيرها من المهام واختارته اليونسكو في لجنة المستشرقين (انظر العقيقي: المستشرقين 1/ 273).
10. (1/150)
صفحة 151
التي يزورها الحاج في مكة هي أماكن عبادة قبل الإسلام (1).
- وأن هذه المناسك والأعمال من صنع محمد - صلى الله عليه وسلم - لتحقيق آمال القرشيين ولاجتذاب قلوبهم إلى الإسلام وتقريبهم من تعاليمه (3) ويقول (فليب حتى) (3): أقر - الحج إلى الكعبة ولثم الحجر الأسود فيها، وهما من فروض الدين المرعية
في الجاهلية وقال: “في وسطها - وسط الكعبة - قام نصب هو عبارة قطعة من
(8) 66
الحجر البركاني الأسود يعبدونه (4) فهو يدعى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى بتقديس وتقبيل الحجر الأسود وهو شبه الحجارة المقدسة الأخرى بقايا وثنية جاهلية، وهذا أيضاً من شاطحات المستشرقين فلا قدسية لأحجار الكعبة بذاتها، وإنما القدسية للأمر الإلهي وحده، فالتقديس هنا معنوي بدليل لو رفع هذا الأمر الإلهي لرفع معه تقديس المكان، واتجاه المسلمين إلى الكعبة رمز لوحدة العقيدة والهدف، وهو اتجاه بالجسد وحده، وأما القلب والروح فإلى الله اتجاههما و به تعلقهما، وما خطر ببال أحد من المسلمين أنه يتوجه إلى الكعبة لذاتها، أي الحجارتها، بل يدرك أنه يتجه بفكره وروحه وقلبه إليه تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] ولسان الحاج يثبت هذا، فقلبه ولسانه يقولان: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك
لبيك ... فالتلبية استجابة لأمر الله، وليست للكعبة، وما سمعناه عن أحد أنه قال: لبيك يا كعبة لبيك .. فلا عبادة للكعبة مطلقاً، وما قال بهذا مسلم). وأما الشبهة التي أثيرت حول الحجر الأسود فإن العرب في جاهليتهم لم يكن بالحجر الأسود لم من آلهتهم، بل كانت له مكانة محترمة؛ لأنه من بقايا بناء إبراهيم
-
(1) انظر ماسيه، هنري: الإسلام، ترجمة: بهيج شعبان (بيروت، باريس، منشورات عويدات – ط 3 1988 م) ص 167. (2) انظر دار منغم، أميل: حياة محمد، ترجمة: عادل زعيتر دار إحياء الكتب العربية، ط 4، د: ت ص 367). (3) حتى، فليب خوري (1886) - (1978) ولد في لبنان سنة 1886 م، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة وأتم دراسته وعين مستشاراً لوزارة الخارجية الأمريكية في شؤون الشرق الأوسط (انظر العقيقي: المستشرقون: 3/ 148).
(4) نقلا عن أبو خليل، شوقي: موضوعية فيليب حتى في كتابه تاريخ العرب المطول دار الفكر ط 1 ص 163، 139. (5) انظر م، ن: ص 139 140 وانظر مقال السايح على حسين في مجلة كلية الدعوة، العدد الثالث عشر – 1996 ف -
ص 224.
151 (1/151)
صفحة 152
66
للكعبة، وعلى ذلك فالإسلام لم يقر وثنية كانت في الجاهلية، وإن استلام الحجر الأسود في الحج يرجع إلى معنى رمزي، لا إلى تقديس الحجر ذاته .. فقد وقف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يوماً أمام هذا الحجر وقال: “إني أعلم أنك حجر لاتضر ولا تنفع، ولو لا أنني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك (1) وزعموا أن رمي الجمرات شعيرة أخذها الإسلام من الوثنية فلم ينص عليها في القرآن، ولكن السنة بينت ما أجمله القرآن في ذلك، وفصلته، فقد كان عليه الصلاة والسلام، يحرص على أن لا يدخل على المسلمين في عملهم وقولهم واعتقادهم شئ من شائبة الإشراك بالله، فرمي الجمرات كان من شعائر الحج قديماً في دين إبراهيم وبقيت منه بقايا توارثها العرب، ودخلها كثير من التحريف، ففي أيام الوثنية كانت لدى الجمرات أنصاب مخضبة بالدماء تنحر عندها الأضاحي وكانت النصب والأصنام قال تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء: 81]، فلما جاء الإسلام أعاد شعائر الحج عبادة خالصة لله وحده، فأقر معظم شعائر الحج التي كان العرب يؤدونها، ونفى كل ما يمت إلى الأوثان والأوهام الجاهلية، وربط الشعائر التي أقرها بالتصور القرآني الجديد بوصفها شعائر إبراهيم التي علمه ربه إياها (2).
والصلاة الإسلامية عند المستشرقين متأثرة بالطقوس العبرانية، وبأنها لم تحدد في حياة محمد (3) فهم يرون أن الصلاة كانت في البداية مرتين في اليوم والليلة، ثم أضيفت في المدينة صلاة ثالثة، وهي صلاة العصر ويدعون أن القصد من ذلك محاكاة اليهود (4) وقد ذهب الوهم بأخرين إلى ما هو أبعد من ذلك فأرخ
مبدأ إقرار.
(1) رواه الجماعة، انظر الشوكاني، محمد: نيل الأوطار (مصر - المطبعة العثمانية المصرية، ط 1 5/ 46. قلل الطبري: إنما قال عمر ذلك لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشى أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية. فأراد أن يعلم الناس في استلامه ابتاع لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الحجر لا يضر وينفع بذاته كما كانت الجاهلية تعبد الأوثان (انظر نيل الأوطار: 47/ 5).
(2) انظر حمدان، نذير الرسول في كتابات المستشرقين (مطبوعات رابطة العالم الإسلامي للطباعة بجده دار الأصفهاني) ص 124.
(3) انظر ماسيه الإسلام، ص 104، 155، وانظر دائرة المعارف الإسلامية: باب الصلاة 4/ 280، 281. (4) انظر ج، ديمومبين: النظم الإسلامية و ص 66، وأندرا: "محمد" ص 81، وانظر دائرة المعارف الإسلامية: باب. الصلاة: 4/ 280، 281.
152 (1/152)
صفحة 153
الصلوات الخمس بعهد عمر بن عبدالعزيز (1)،
أنه
ويدعون
-
محاكاة لليهود -
تحولت القبلة إلى بيت المقدس، ثم نسخ فيما بعد بسبب موقف اليهود العدائي من الإسلام (2)، وقد أرجع ديمومبين ذلك إلى تأثر التشريع التعبدي بالتقلبات السياسة. (2)
إن تأثر الصلاة الإسلامية بالطقوس العبرانية دعوى واهية، فالصلاة الواجبة عندهم ثلاث صلوات هي:
الأول
""
صلاة الفجر: ويسمونها صلاة السحر ولفظها العبري شحاريت ووقتها حسب ما قررته المشنا" منذ أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأزرق إلى ارتفاع عمود النهار، وتتكون من أربع ركعات يفصل بين ركعة وأخرى منها أدعية وأذكار خاصة .. الثانية - صلاة نصف النهار: أو القيلولة “منحه وتجب منذ انحراف الشمس عن نقطة الزوال إلى ما قبل الغروب، وهي بدورها تتكون من أربع ركعات وتقام كصلاة
الفجر. الثالثة
-
""
صلاة المساء: ويسمونها صلاة المغرب عربيت ووقتها من غروب الشمس وراء الأفق إلى أن تتم ظلمة الليل الكامل، أي ما يقابل وقت العشاء عند المسلمين وهي تقام كالصلاتين السابقتين (4).
(4)
فادعاءات المستشرقين يفندها الواقع والتاريخ فليس هناك خلاف بين المذاهب والأئمة في عدد الصلوات الخمس ولا في الإقرار بعددها منذ عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد أشار القرآن إلى ذلك بإيجاز في عدة مواضع كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَان مشهودا} [الإسراء: 78] وقوله فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيَّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17 - 18] فالمراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة وقوله سبحانه {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ أَنَا بِي الَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لعلك ترضى} [طه: 130] فقد قال أكثر المتأولين أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس (2) وكقوله (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اليْلِ
(°)
(1) انظر دائرة المعارف الإسلامية: باب الصلاة: 4/ 281
(2) أندريه محمد حياته ودعوته ص 137، 138
(3) ديمومبين: النظم الإسلامية: ص 68.
(4) انظر المشنا – البركان 2/ 3 - 4، ودانيال 6/ 10، وأخبار الأيام الأول: 33/ 30 نقلاً عن ظاظا حسن: الفكر الديني
اليهودي (دمشق، دار القلم ن وبيروت، دار العلم، ط 2 ص 141 – 152.
(5) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 6/ 261
153 (1/153)
صفحة 154
[هود: 114]. فالعمل المتواتر بخمس صلوات هي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، كان بياناً لآيات كثيرة في القرآن كانت مجملة في تعيين أوقات
الصلاة (1)
وأما القبلة، فقد كان المؤمنون يولون وجوههم في الصلاة إلى بيت المقدس فترة قبل الهجرة روى البخاري عن البراء بن عازب - رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - - صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله قد نرى تقلب وجهك في السماء “ فتوجه نحو الكعبة .. الحديث “ (2).
وأما ادعاؤهم بأن التوجه إلى بيت المقدس في البداية كان محاكاة لليهود فهو ادعاء واه يتضمن تداخلاً في التواريخ، فاستقبال اليهود لبيت المقدس ليس من أصل دينهم؛ لأن بيت المقدس إنما بني بعد موسى عليه السلام بما يزيد على أربعمائة سنة بناه داود وأتمه سليمان عليه السلام - فلا تجد في أسفار التوارة الخمسة ذكراً لاستقبال جهة معينة في عبادة الله تعالى، ولكن سليمان لما أتم بناءه، بسط يديه بدعاء جاء فيه “ .. وإذا خرج الشعب لمحاربة العدو، وصلوا إلى الرب نحو المدينة التي اخترتها والبيت الذي بنيته لاسمك فاسمع صلاتهم وتضرعهم ... الخ (3).
وذكر الفخر الرازي أن اليهود كانوا يستقبلون جهة المغرب وأن النصارى يستقبلون الشرق، فلم تكن لهم في صلاتهم جهة معينة يستقبلونها، وإنما توجهوا في صلاتهم ودعائهم قبل بيت المقدس تيمناً وتبركاً ولأجل تحقيق قبلوها، فلما تقرر ذلك عادة عندهم توهموه من الدين وتعجبوا من مخالفة المسلمين في ذلك (4).
(1) انظر ابن عاشور: التحرير والتنوير: 12/ 179.
(2) انظر صحيح البخاري بحاشية السندي - كتاب الصلاة باب التوجه نحو القبلة: 1/ 82.
(3) انظر التحرير والتنوير: 2/ 9.
(4) انظر الفخر الرازي: التفسير الكبير، 2/ 84، 86، وانظر من: 2/ 10.
154 (1/154)
صفحة 155
وأما تغيير القبلة نحو الكعبة عند المسلمين، فهو تغيير له ما يبرره في القرآن
قال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاهُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَنَهُمْ عَن قِبْلَهُمُ الَّى كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة: 142] فالله سبحانه وتعالى أنزل هذه الآية قبل الآيات التي نسخت استقبال بيت المقدس والأمر بالتوجه في الصلاة إلى جهة الكعبة؛ لئلا يكون القرآن الذي فيه الأمر باستقبال الكعبة نازلاً بعد مقالة المشركين فيقولوا غير محمد قبلته من أجل اعتراضنا عليه فكان نزولها قبل آية النسخ وهي قوله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) الآيات [البقرة: 144]، لأن مقالة المشركين أو توقعها حاصل قبل نسخ استقبال بيت المقدس، وناشيء عن التنويه بملة إبراهيم والكعبة (1)، وهذا يبين لنا أن تحويل القبلة كان قبل ظهور عداوتهم بسنتين فالتحويل كان في رجب سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بشهرين وقيل يوم الثلاثاء نصف شعبان منها على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدم رسول الله - - سنة 623 م، وعداوة اليهود بدأت في السنة الرابعة من الهجرة 625 م
(")
وفي كون الزكاة: "كانت استجابة لاختلاف أحوال البيئة الداخلية للنبي – - يقول “شاخت‘ (2) فيما كتبه عن “الزكاة وفي الحديث أحوال تؤدى فيها الزكاة، لا تتفق مع نظام الزكاة الذي جاء بعد ذلك، ومهما يكن من شيء فإن طبيعة الزكاة في أيام النبي - - كانت لاتزال غامضة، ولم تكن ضريبة من الضرائب التي يقتضيها الدين (4).
(1) ابن عاشور: التحرير والتنوير: 2/ 6.
(2) انظر ابن هشام ك السيرة النبوية: 2/ 248، وابن القيم: زاد المعاد في هدى خير العباد (بيروت، مؤسسة الرسالة) 2/ 83 - والذهبي: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 145. (3) شاخت، جوزيف (1902) - 1969) مستشرق ألماني تخرج من جامعتي برسلاو، وليبريج وعين أستاذاً في ايبورج ثم جامعة كونسيرج، وفي الجامعة المصرية، ومحاضراً للدراسات الإسلامية في جامعة إكسفورد وغيرها من المناصب والمهام (انظر العقيقي: المستشرقون: 2/ 469).
(4) دائرة المعارف الإسلامية: الترجمة العربية مادة الزكاة: 10/ 358. (1/155)
صفحة 156
فشاخت في زعمه هذا لم يحدد هذه الأحاديث ولم يشر إلى واحد منها، فلا قيمة لزعمه إذ أن القرآن لا يكاد يفصل بين الصلاة والزكاة وإن كانت بعض أحكام الزكاة بينتها آيات مدنية.
فأين هذا الغموض والقرآن بين مصارفها على وجه التفصيل في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمُ حَكِيمُ) [التوبة: 60] وفي قوله سبحانه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103] بين أن الزكاة تجب على بعض المال، وأتى بصيغة الجمع ليبين أن الزكاة مشتملة على أجناس المال (1) كما بينت السنة الأنواع التي تجب فيها الزكاة وكذلك أوقاتها ونصاب كل منها، وعلى من تجب إلى غير ذلك مما يبين مجملها أفضل
جميع
بيان (2).
ومن الشبهات التي أثيرت حول مصدر القرآن شبهة “تأثر تشريعاته بالقانون
66
الروماني وخلاصة هذه الشبهة: أن القانون الروماني تسرب إلى التشريع القرآني عن طريق الديانة اليهودية التي أثرت بدورها في تكوينه، كما دخل إليه عن طريق المدارس القانونية الرومانية الموجودة في الشرق كمدرسة بيروت والإسكندرية، وكذلك عن طريق فئة مثقفة ثقافة إغريقية عالية تتخللها بعض المبادئ القانونية الرومانية، كما أن هناك العديد من التشابه (3)، بل والتطابق بين بعض مصطلحات وأحكام التشريع والقانون الروماني.
وقد اختلف المستشرقون حول هذا التأثر، فمنهم من اعتقد جازماً أنه حقيقة علمية لا مناص لنا من التسليم بها، وبذلوا غاية جهدهم للبرهنة على صحتها ومن هذا الفريق جولد زيهير
(1) انظر الطبرسي: مجمع البيان (بيروت، دار مكتبة الحياة) 3/ 133. (2) انظر ابن القيم: زاد المعاد: 1/ 147.
(3) إن القول بالتشابه بين التشريع الإسلامي والقانون الروماني لا يعني بالضرورة التأثرة، وعلى الرغم من هذا التشابه الظاهري في بعض النظم والقواعد فإن هناك اختلافات كثيرة وأساسية بينهما، إذ تقوم الشريعة الإسلامية على أساس الوحي الإلهي بينما يعتمد القانون الروماني على العقل البشري، لذلك فإن الصلة بينهما منقطعة كما يقول العالم الفرنسي زيس" (انظر زقزوق - الاستشراق والخلفية الفكرية: ص 131).
???? (1/156)
صفحة 157
وسانتيلانا
(1)
6
ودي بوير (2) وكاروزي (3)، وفون كريمر (4)، ولامبير (0) وردت
على ألسنتهم تلك العبارات التعسفية مثل: إن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية الشرقية، معدلاً وفق الأحوال السياسية في الممتلكات العربية (1) ومثل: “القانون المحمدي ليس سوى قانون جستنيان في لباس
عربي
،،
(7)،،
وهناك فريق آخر ممن أنكر هذا التأثير الأجنبي مهما كان نوعه ورأوه منهجاً عربياً إسلاميا خالصاً في نشأته وتكوينه وقواعده وأحكامه، منهم: فيتزجيرالد (8)، وكذلك “هنري بوسكيه (1).
(1) وسانتيلانا، د (1855) - 1931) مستشرق إيطالي ولد في تونس، والتحق بجامعة رومه حيث أحرز الدكتوراه في القانون، واشتهر في فقه الإسلام وفلسفته، كما برز في الفلسفة الإسلامية واليونانية والسريانية (انظر العقيقي: المستشرقون 1/ 428). (2) دي بوير، ت. ج. (1866 - 1942) مستشرق هولندي، من أساتذة الفلسة في جامعة أمستردام وله مقالات كثير عن المفكرين المسلمين ومقالات عن الفلسفة الإسلامية (انظر العقيقي: المستشرقون: 317/ 2). (3) وكاروزي - مستشرق إيطالي له العديد من المؤلفات منها صلات القانون الروماني بالقانون الإسلامي والقانون السوري الروماني، والتشريع العربي وغيرها (انظر العقيقي: المستشرقون: 1/ 424). (4) كريمر، البارون فون (1828) - (1889) مستشرق نمساوي، ولد في فيينا، وتخرج من جامعتها، فأرسلته دولته قنصلاً لها إلى مصر، ثم إلى بيروت، عرف بجده السياسي ونشاطه الاستشراقي حتى وفاته (انظر العقيقي، المستشرقون:
(278/ 2
(5) لامبير (1888 - 1961) مستشرق فرنسي من أساتذة السوريون، وأعضاء مجمع الكتابات، والآداب له اهتمامات بالعمارة الإسلامية (انظر العقيقي: المستشرقون: 1/ 398).
(6) انظر محمصاني، صبحي: فلسفة التشريع في الإسلام (بيروت، دار العلم للملايين، ط 4. 1975 م) 222. (7) م. ن: ص 222.
(8) فيتزجيرالد، إدوارد، مستشرق إنجليزي له مجموعة من الأبحاث منها - رباعيات عمر الخيام، وكتاباً عن المغاربة في إسبانيا شمالي أفريقيا (انظر العقيقي: المستشرقون: 73/ 2).
(9) بوسكه، ج. هـ. مستشرق فرنسي، من أساتذة كلية الحقوق، وعلم الاجتماع في الجزائر. (انظر العقيقي:
المستشرقون: 1/ 331. (1/157)
صفحة 158
66
والآنسة نللينو‘“ (1) فقد أورد “بوسكيه العديد من الشواهد التي حاول من خلالها إثبات العلاقة بين تشريعات القرآن، والشرائع اليهودية، ولكنه بعد أن استعرضها أكد بأنها ليست دليلاً قوياً على ذاك التأثر، بل إنه قدم العديد من الأدلة التي تبرهن على وجود اختلافات جوهرية وعميقة بين الشريعتين، تحدد في تكوين الأنظمة الفقهية لكليهما، وفي الأنظمة ذاتها وفي كيفية عرضها. ففي الأنظمة الفقهية ذاتها لا يمكن الاعتماد على بعض تلك المتشابهات المادية بينهما، فهي لا تكفى لإثبات علاقة التأثر والتأثير بينهما، فالمتشابهات بين النظامين ضعيفة جدا، ومن السهولة بمكان إثبات نقيضها تماما (2)، وفي أصالة التكوين هناك
فرق بين فلا يوجد في الشرائع اليهودية ما يقابل علم الأصول الإسلامي. كما أنه لاشيء في اليهودية يشابه مهمة الحديث في تكوين الفقه الإسلامي. ثم إن التشريع الإسلامي يعترف بأربعة مصادر رئيسية (3)، بينما لا تعترف الشريعة اليهودية إلا بمصدرين فقط (4) هما الكتب المقدسة، ونشاط العلماء التلمود (2) - ولكن هذين المصدرين لم يتكونا على هيئة نظرية كما هو الحال بالنسبة إلى نظام التشريع الإسلامي، فهو يسمو على الشرائع اليهودية بسرعة التكون.
اليهود.
-
فعلم أصول الفقه تكون بسرعة مذهلة خلال قرن ونصف، أو قرنين على الأكثر بعد وفاة الرسول - - بينما تكون التلمود بعد أربعة قرون من تخريب المعبد بل إن أصوله المكتوبة قد تكونت بعد قرون من ذلك التاريخ (1)
(1)
(1) نللينو، باريا (1908) - (1974) كريمة كارلو اكللينو مستشرقة إيطالية. وقد تخرجت عليه ورافقته في أسفاره، واستأنفت نشاطه من بعده فخلفته في مجلة الشرق الحديث. واحتلت منزلة مرموقة بين المستشرقين، فاختيرت عضواً مراسلاً للمجمع اللغوي في مصر (1956) (انظر العقيقي: المستشرقون: 1/ 454).
(2) انظر الحاج: الظاهرة الاستشراقية: 4/ 502،501.
(3) وهي (الكتاب والسنة والإجماع، والقياس) (انظر الأنصاري: فواتح الرحموت، بهامش المستصفى: للغزالي - بيروت دار الفكر - 02/ 21
(4) انظر شلبي: مقارنة لأديان - قسم اليهودية (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط 8، 1988) 1/ 230، 265. (5) وهو عبارة عن تعاليم ديانة اليهود، وآدابهم، وهو يتكون من المشنا والجمارا وهما عبارة عن تعاليم شفوية وروايات متناقلة وحواشي وشروح مسهبة من قبل الحاخامات وعلماء اليهود ويعتبر أكثر اليهود التلمود كتاباً منزلاً ويضعونه في منزلة التوراة. انظر شلبي: مقارنة الأديان - قسم اليهودية: 1/ 265 - 266).
158 (1/158)
صفحة 159
أحد
ويتحسر على النتيجة التي حاول قدر استطاعته البرهنة على ضدها، ولكن الشواهد المادية والحوادث التاريخية قد خذلته فقال: “إنني متحير جداً، وأتساءل أحياناً: هل من المناسب الإقرار بأن الفقه الإسلامي نظام إسلامي خالص؟ .. ولم ينشأ خارج القرآن والأنظمة العربية القديمة. فهو يبدو كنتاج جوهري إسلامي خالص وإن نشأته تعبر عن ظاهرة غير معتادة (2) ويري “بنيامين دي فرايز أن مفهوم المنهاج - العرف اليهودي، وهو مصادر قانونهم قريب من مفهوم الإجماع الإسلامي. وقد حاول اليهود في موسوعتهم البرهنة على أن الإجماع الإسلامي مأخوذ من المنهاج اليهودي، وعده بعض الكتاب المسيحيين الإجماع المعروف في القانون الروماني، ويتضح لنا فساد هذا الرأي نظراً لاختلافهما في السند وفي الأداة وفي الشروط المطلوبة لإقرارهما خاصة أن المنهاج اليهودي لا يعرف “إجماع العلماء
المجتهدين الذي هو أساس الإجماع الفعلي العملي في الشريعة الإسلامية. فالإجماع الإسلامي: يستند إلى الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول، والعقل بينما لا يعتمد المنهاج اليهودي على التوراة، فهو مصدر تاريخي للشرع وما قيل من تأسيسه على سفر الخروج ليس صحيحاً؛ لأن هذا السفر ليس جزءاً من
التوراة المنزلة على موسى
""
وإذا كان هناك مستند ترتكز عليه هذه الأعراف اليهودية، فهو الضمير الجماعي للأمة اليهودية، ولا علاقة لها بالمصادر المقدسة الأخرى (3).
وقد نفت “نللينو“ شبهة تأثر التشريع الإسلامي بكتب الكنيسة المسيحية الشرقية - التي قام رهبانها بترجمة بعض الكتب القانونية الرومانية، ورأت أن الرأي الأقرب إلى الصواب هو أنه عندما دخل العرب الشام لم تستمر المؤسسات القضائية في أعمالها وربما فوضت واجباتها إلى أهل الكنيسة في أكثر النواحي، ثم إن فرضيات من ذهبوا إلى التأثر لا تتفق مع الحقائق العلمية؛ لأن هذا التأثر
(1) نقلا عن الظاهرة الاستشراقية بتصرف: 0502/ 4
(2) عن م، ن بتصرف: 4/ 502.
(3) انظر الظاهرة الاستشراقية: 507/ 4.
159 (1/159)
صفحة 160
لو فرضنا صحة حدوثه فلا بد أن تكون الإدارة القضائية استمر عملها بأسلوب منظم في القرن الأول بعد الفتح الإسلامي، وإن الفاتحين الجدد قد اعتنوا بالإدارة القضائية لمصلحة رعيتهم غير المسلمة. والحق أن المسلمين لم يتدخلوا في أمور أهل الذمة، وذلك طبقاً للأوامر القرآنية القاضية بأن يكون لكل ملة قانونها ثم إن العرب لم يستفيدوا إطلاقاً من المحاكم العدلية التي استمرت تحت إدارة الأساقفة والربيين (1).
وكذلك نفى بوسكيه هذه الشبهة، فهو لا يرى تشابهاً بين القانونين بل إن
الاختلاف أكثر وضوحاً بينهما، وتتمثل هذه الاختلافات في عدة نقاط منها: 1 - لا تتمتع طبيعة القانون الكنسي بالديمومة والثبات؛ لأن الكنيسة تسمح دوماً بتطوره وتغيره طبقاً لمقتضيات الظروف، بينما يتميز التشريع الإسلامي بالدوام والثبات والاستقرار
2 – إن تكوين التشريع الإسلامي يختلف اختلافاً جذرياً عن تكوين القانون. الكنيسي فهذا القانون ليس نتاج مؤلفات العلماء واجتهاداتهم، فالقرارات الجبرية لها أهميتها الحاسمة في هذا الخصوص، بينما لا يمكن القول بوجود أي نص من أي مصدر كان في التشريع الإسلامي عدا القرآن والحديث، ولم تكن هناك أية سلطة مدنية، أو دينية حاولت إلغاء قرارات العلماء إضافة إلى أن الأحكام. القضائية في الإسلام لا تتمتع بسلطة التشريع.
- والتشريع الإسلامي منهج متكامل يعالج جميع مناحي الحياة البشرية من عبادة ومعاملات وأخلاقيات وغيرها، فهو ينظم هذه الأمور مجتمعة، بينما لا يتمتع القانون الكنسي بهذه الشمولية فهو لا يهتم تنظيم المسائل المدنية، ولا ينفرد. بالتشريع، وليست لأحكامه عالمية التطبيق على رعايا الكنيسة واتباعها. 4 - والقانون الكنيسي يتصف بالطابع القانوني الصرف؛ لتأثره بالقانون الرماني، فهو لا يهتم بالمسائل العقدية والأخلاق، بينما نجد التشريع الإسلامي نقيض ذلك، فالمفتي المسلم يفتي برأيه في
(1) انظر نللينو: نظرات في علاقات الفقه الإسلامي بالقانون الرماني: ص 54، 55، وانظر مقالها الذي ترجمه حميد الله، إلى الإنجليزية ونشره في مجلة إسلاميك رفيد عدد كانون الأول 1953 م ص 9.
160 (1/160)
صفحة 161
المسائل الأخلاقة والقانونية، بينما لا يتمكن المتخصص بالقانون الكنيسي من إعطاء رأيه في هذه المسائل، ولا يحتاج أن يكون متخصصاً بعلم العقيدة أو الأخلاق.
ه - والتشريع الإسلامي يطرح المسائل الفقهية المفترضة والتخيلية، ويبحث لها عن حلول مع إثرائها بالمنافسات المجردة والمشوبة بالتفاصيل والتفريعات الكثيرة، ولا وجود لذلك في القانون الروماني. 6 - إن مفهوم القانون لم يكن واضحاً عند فقهاء المسلمين خاصة أنهم يرون أن القواعد الدينية هي التي يجب أن تحكم الجماعة الإسلامية، وهذا أمر يتعارض بشدة مع روح القانون الروماني الذي يفصل بين القانون والدين الأمر الذي يرفضه فقهاء الإسلام؛ لأنه يتعارض مع جوهر نظامهم (1)، وإذا كان لكل نظام تشريعي مستند من أصول يرجع إليها فإن أصول نظام التشريع الإسلامي له خصائصه، التي تميزه عن أي قانون أو تشريع، وذلك وحده كاف في دحض هذه
الشبهة.
1 - انظر الظاهرة الإستشراقية: 4/ 501، 521، 523،522.
161 (1/161)
صفحة 162
ب - المستشرقون ومواطن نزول القرآن
ومن الشبهات التي أثارها المستشرقون قولهم: إن القرآن المكي خال من التشريع والأحكام بينما يحتوي المدني على تفاصيل العبادات والمعاملات (1) وهذا في ظنهم يدل على بشرية القرآن.
والصواب أن القسم المكي اهتم بالجانب العقدي مع تعرضه للتشريع في صورة إجمالية، ومعلوم أن مقاصد الدين الخمسة قد عرض لها القرآن في المرحلة المكية، وهي حفظ الدين والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
66
فجميع تشريعات القرآن راجعة في أصولها إلى تلك المقاصد، فطبيعة التشريع القرآني بمكة كانت تأصيلية؛ وذلك بوضع الكليات العامة للإسلام وكانت طبيعة التشريع المدني تتوجه إلى معالجة القضايا التشريعية المكتثرة في تلك القواعد العامة، يقول الشاطبي في ذلك: " وإنما كانت الجزئيات المشروعة بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول أكثر، ثم لما خرج رسول الله - إلى المدينة، واتسعت خطة الإسلام، كملت هنالك الأصول الكلية على التدريج .. (2) وإن احتواء التشريع في الآيات المدنية على بعض التفصيلات كان أثراً من استقرار الدعوة الإسلامية بالمدينة - التي اختتمت ببناء المجتمع الجديد بما فيه من تنظيمات، ومن المناسب في هذه المرحلة أن تترسخ الحقائق الشرعية في العبادات والمعاملات وأن ترسم حدود بين الحلال والحرام، وأن تنظم العلاقات الدولية في أحوال الحرب والسلم، وتظهر تشريعات الحدود، وتضبط العلاقات بين أفراد المجتمع الإسلامي، وروج بعض المستشرقين لشبهة أخرى يتحججون بها على بشرية القرآن وهي: احتواء القسم المدني من التشريع على معالجات لمشكلات الرسول -- الأمر الذي رسخ عبادة شخصية الرسول - عليه الصلاة والسلام - وهو عندهم دليل على بشرية القرآن، لأنه لو كان من عند
الله لما اهتم بهذه الأمور الشخصية (3).
1 - انظر م ن: 2/ 434.
2 - الموافقات: 1/ 103.
- انظر الظاهرة الاستشراقية: 2/ 438.
162 (1/162)
صفحة 163
وما من شك في أن القرآن عندما ينظم أمور الرسول العائلية؛ فذلك بصفته
أسوة للمسلمين وخطاب الرسول موجه إلى المسلمين كافة، وكلما عالج القرآن تشريعاً عائلياً كان التشريع يعالج قضايا الأمة جميعها، وكلما جاءت الآيات تحث نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل شيء أو اجتنابه كانت هذه التعليمات موجهة إلى بقية نساء المسلمين. (1)
وقد تقرر من اصطلاح القرآن أن خطاب النبي بتشريع تدخل فيه أمته إلا إذا دل دليل على اختصاصه كحلية زواجة بأكثر من أربع، وتحريم نسائه التزوج بعده؛ لأنهن أمهات المؤمنين، وقد علم المسلمون ذلك، وشاع بينهم بحيث ما كانوا يسألون عن اختصاص حكم إلا في مقام الاحتمال القوي (2).
فالقرآن لا يعكس شخصية الرسول كما توهم المستشرقون، بل يوجهه ومن يتبعه إلى الحق في الاعتقادات والخير في المعاملات، وفيما يتعلق بأفراحه وأحزانه الخاصة، فلا نجد أي صدى لآلامه، وبخاصة عندما فقد أكرم زوجة، وأفضل عم، وما كان لديه من الحنو النبوي تجاه الشخصيتين، وفقد معهما العون المعنوي، الذي كان يسانده أمام الصعوبات التي كانت تقابله في سبيل نشر دعوته حتى أطلق على ذلك العام، الذي توفيا فيه بعام الحزن، فقد انعدم الطابع الشخصي في الخطاب القرآني، الذي لا يرد فيه الضمير المحمدي إلا بصورة الفرد المخاطب (3).
1 - انظر الأسنوي، جمال الدين نهاية السول القاهرة، عالم الكتب، ط 1343 هـ) 359،358/ 2. 2 – التحرير والتنوير، بتصرف: 181/ 15.
- انظر ابن نبي مالك: الظاهرة القرآنية، ترجمة: عبد الصبور شاهين دمشق، دار الفکر، ط 1، 1981 م) ص 159، 160 وانظر دراز: مدخل إلى القرآن ترجمة: محمد عبد العظيم، والسيد بدوي (الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية) ص 170
163 (1/163)
صفحة 164
جـ - المستشرقون والنسخ
ومن مجالات الطعن في صحة النص القرآني عند المستشرقين قضية النسخ
66
66
في القرآن (1) فهي تعد عندهم دلالة على تضاربه وحجة على بشريته كلما وجد الرسول وسيلة يلجأ من خلالها إلى تغيير الأحكام التي لا يراها متفقة ومتماشية والأحوال المستجدة التي يواجهها، فلو كان القرآن من وهو العالم بكل شيء لما قرر حكما، ثم نسخه بحكم آخر مراعاة لتطور التشريع، وهو يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، وهو يعلم طبائع العباد، ومدى قدراتهم على تقبل الأحكام الجديدة. وأشهر القائلين بهذه الشبهة روبير برونشفج (2) في دراساته الإسلامية وذلك عندما عالج موضوع المنطق والقانون في الإسلام وكذلك مونتجمري وات (3) في كتاب (محمد) في مكة) وكذلك رودنسون) فقد استشهد في كتابه محمد بآراء ريتشار دبل“ الذي زعم فيها أن القرآن الموجود بين أيدينا تعرض إلى مراجعات عديدة والتي تبين أنها خضعت لدراسة قامت على وثائق مكتوبة وأن هذا العمل قد أنجز تحت رعاية محمد إن لم يكن قد قام به من تلقاء نفسه (). وتندفع هذه الشبهة بتقرير أن الحكم، والمصالح تختلف باختلاف الناس، وتتجدد بتجدد أحوالهم، وأن الأحكام وحكمها والعباد ومصالحهم، والنواسخ والمنسوخات كانت كلها معلومة الله من
،،
1 - ومفهوم النسخ طبقاً لتعريفات الأصوليين هو خطاب الشارع المانع من استمرار ماثبت من حكم خطاب شرعي سابق (الآمدي: الأحكام في أصول الأحكام دار الكتبا العلمية، 1983 م) 3/ 155) ومن العلماء من عرفه بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً به مع ترخيه عنه الغزالي: المستصفى (المطبعة الأميرية ببولاق - ط 1، 1322 هـ) 1/ 107).
2 - برونشفج (المولود عام (1901 مستشرق فرنسي، أستاذ اللغة العربية وحضارتها في كلية الآداب بجامعة بوردو، ثم كلية الآداب بباريس، تولى مع شاخت الإشراف على مجلة الدراسات الإسلامية (انظر العقيقي: المستشرقون: 1/ 315). - مونتجومري، وات. مستشرق إنجليزي، عميد قسم الدراسات العربية في جامعة إدنبرا له مصنفات عديدة منها. عوامل انتشار الإسلام، ومحمد في مكة (انظر العقيقي المستشرقون: 2/ 132).
4 - رودنسون، مكسيم، المولود) عام (1915) في باريس، وحصل على الدكتوراه في الآداب ثم على شهادة المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية والمدرسة العلمية للدراسات العليا ونال منحة الصندوق الوطني للأبحاث العلمية - انظر
العقيقي: المستشرقون: 1/ 359).
ه - انظر الظاهرة الاستشراقية: 2/ 448 - 449.
164 (1/164)
صفحة 165
قبل، ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه، والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى لعباده لاظهور ذلك له (1).
فحكمة النسخ تتجلى في تحقيق مصالح الناس التي هي المقصود الأصلي في تشريع الأحكام (2)؛ لأن هذه المصالح تتحقق في بداية دعوة الإسلام، حيث يتم ترويض نفوس المكلفين الذين لم يتعودوا على بيئة إسلامية من قبل، فتتقبل قلوبهم وعقولهم الأحكام الأولى؛ لخفتها، أو ملائمتها لأحوالهم وطباعهم قاعدة متأصلة وميولهم ثم ينزل الحكم الثابت الذي لا يقبل التغيير، والذي يصبح في المجتمع الإسلامي القائم على قواعد الكتاب والسنة، ألم تر أن فقهاء القانون إذا أصدروا مواد قانونية جديدة لتنظيم المجتمع، أفسحوا المجال لها بالتمهيد، وتجنب الفجاءة بإيقاف القوانين القديمة حتى يألف الناس ما يلقى إليهم، وتلك الحكمة في الدعوة والتشريع كما هي حكمة في العلم والتربية. ومعلوم أن المشرع الناجح لا يعامل الناس في مرحلة الانتقال بالطريقة التي يعاملهم بها بعد أن وصل نضجهم إلى مرحلته الأخيرة.
وهذا يبين لنا أن النسخ في القرآن يدل على وجود الوحي في الزمان الذي يدخل فيه بالتطور دون أن يكون منحصراً في دورة من دوراته؛ ولكي يكون الوحي مهيمناً على الزمان أراد الله لأصوله أن تكون مجملة متسمة بالثبات، وأراد لبعض نصوصه المنظمة للسلوك الإنساني المتغير أن تتحرك في مجال التبديل في بعض أحكام محدودة القدر، ومحصورة الدلالة حتى تعطى إذناً من المنزل سبحانه وتعالى إلى المجتهدين من الفقهاء في أن يستنبطوا للحوادث الزمنية
المستجدة أحكاماً توافقها من الأحكام التشريعية الثابتة في مجال النص. فالنسخ: مدرسة في تربية النفوس على التآلف مع التشريع وليس تناقضاً بين النصوص الشرعية كما يزعم المستشرقون.
1 - انظر الزرقاني: مناهل العرفان: 2/ 198، 199. 2 - انظر شعبان، زكى الدين: أصول الفقه الإسلامي، ص 396.
??? (1/165)
صفحة 166
المستشرقون وتعدد الزوجات
إن قضية تعدد الزوجات كانت مثاراً للجدل والنقد من قبل المستشرقين فقد. نظر أكثرهم إلى هذه القضية على أنها إهدار لكرامة المرأة، واعتداء على مبدأ المساواة بينها وبين الرجل، وأنه يؤدى إلى أضرار بليغة في حياة الأسرة وحياة الجماعة، فهو مدعاة للنزاع الدايم بين الزوج والزوجات المتعددات وإلى الظلم وإيغار الصدور، ومدعاة إلى كثرة النسل المؤدى إلى الفقر وضعف التربية (1). والتشريع القرآني لا يجيز المرأة على أن تتزوج على أمرأة أخرى، بل يترك، لها الحرية في قبول الزواج أو رفضه، وكذلك ترك للزوجة السابقة البقاء في العصمة، أو طلب الطلاق لاسيما عند عجز الزوج عن الوفاء بالتزاماته المادية. والمعنوية، مثل النفقة والسكنى والمعاشرة في عدالة بين زوجاته. وأجاز لأي من الزوجات في حالة تضررها من جراء التعدد أن ترفع أمرها إلى. القضاء كي تحمي نفسها من الضرر يقول مصطفى صبري: “إن في تعدد الزوجات ضرراً واحداً خاصاً بالزوجة، وهو كون زوجها تزوج بامرأة أخرى، وهو ضرر إن أخل باستئثارها، فلم يخل بشرفها؛ لأن زوجها استعمل حقه الذي أعطاه قانون الإسلام .. (2). ثم يقول العقاد: " .. ، ولكن التعدد يكرهها على حالة واحدة، لاتملك غيرها حين تلجئها الضرورة إلى الاختيار بين الزوجين، فإذا التزم كل منهما بما له وما عليه من حقوق وواجبات، استقام أمرهما وأمر الأسرة، وإن أهملا ذلك ساد الشقاق
""
والنزاع سواء أكان الزواج بواحدة، أو أكثر.
وأما كثرة النسل، فليس شراً في ذاتها، فقد سخر الله لنا الأرض وحتى الآن لم يستغل الإنسان من خبراتها إلا القليل، فلماذا نضيع الوقت في البحث عن حد النسل والتعدد، وإبادة الخلق وقطع الحبل للإنتاج الإنساني بدعوى ضرورة
توافق عدد السكان مع مستوى الإنتاج ولا نلتفت إلى الإعمال والاستثمار. وقد يقال: إن المرأة أولى بتعدد الأزواج من الرجل بتعدد الزوجات؛ لما ينطوي على طبيعتها من الجاذبية والإغراء للرجال .. فبحكم الطبيعة البشرية جينئذ،
1 - نظر وافي، عبد الواحد: المرأة في الإسلام (مصر، دار نهضة مصر للطبع والنشر، ط 2، د: ت) ص 134، 135. 2 - صبري، مصطفى: قولي في المرأة (بيروت، دار الرائد العربي، ط 2، 1982 م) بتصرف. ص 18 – 19. - العقاد، عباس: المرأة في القرآن (بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط 1، 1975 م، ص 89).
??? (1/166)
صفحة 167
فيقول لهم أن الرجل الذي يجمع أكثر من واحدة ويتحمل مسؤولية الأولاد منهن جميعهن في غير شبهة واختلاط فإليه ينتسبون مهما كثر أم قل عددهم، فمن يتحمل مسئولية الرجال الأربعة لزوجة واحدة، أهي الزوجة نفسها، أم واحد من الأزواج وأيهم، أم هم جميعاً مسئولول مسئولية مشتركة متضامنة عن المرأة؛ وكذلك مسئولية الأولاد من يتحملها من الرجال الأربعة، وإلى أي منهم ينتسبون؛ الواحد منهم أم لهم جميعاً .. ؟ ثم هل تستطيع هذه الزوجة أن تعاشر هؤلاء الرجال معاشرة جنسية بصفة مستمرة، وفي غير انقطاع، وبمالها من وقت حيض ونفاس، وبما تقوم به من إرضاع ورعاية للأولاد؛ أتستطيع ذلك وهي مقبلة بنفس راغبة؟ أم أن ذلك يؤدي إلى الفناء البطيء لها، والهرب من الحياة على الأقل؟
(1)
66
زد على ذلك الأمراض الجنسية الخطيرة التي تنجم عن هذا السلوك الشاذ. وبنظرة واعية في الديانات السابقة، فإن اليهودية لم تمنع التعدد، فقد أباحته بمشيئة الزوج حسب رغبته، واقتداره، وإنما جاء المنع عن المجامع البشرية كاتفاقهم في مجمع عقد في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي وهو مجمع ورمز الرباني، فالتوراة تقرر أن الأنبياء جميعاً قد عددوا الزوجات وكذلك التلمود (2). يقول “نيوفلد صاحب كتاب “قوانين الزواج عند العبرانيين الأقدمين: “ أن التلمود والتوراة معاً قد أباحا تعدد الزوجات على إطلاقه، وإن كان بعض الربانيين ينصحون بالقصد في عدد الزوجات، وإن قوانين البابليين وجيرانهم من الأمم التي اختلط بها بنو إسرائيل كانوا جميعاً على مثل هذه الشريعة في اتخاذ الزوجات والإماء (3). وأما المسيحية، فقد بقى تعدد الزوجات فيها مباحاً إلى القرن السادس عشر، كما جاء في تواريخ الزواج بين الأوربيين، فقد أورد وستر مارك‘ (4) في تاريخه العديد من الملوك الذين كانت لهم أكثر من زوجة أمثال دياومات ملك أيرلندا، وملوك الميرو فنجيين، وشرلمان () وأن هذا التعدد
""
1 - البهي، محمد: الفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر (مصر) - مكتبة وهبة ط 3 - 1992 م ص 242. 2 - انظر سفر القضاة: 8/ 30، 31، وسفر العدد 3/ 30، وسفر التثنية: 21/ 15، وسفر التكوين: 26/ 28، 34، وسفر الخروج 21/ 10. - نقلاً عن العقاد: المرأة في القرآن، ص 72. - وستر مارك، إدوارد (1862) - 1939)، أنتروبولوجي فنلندي، أستاذ علم الاجتماع بلندن حجة في تاريخ الأخلاق، وعادات الزواج، أهم كتبه "تاريخ الزواج عند الإنسان" (انظر الموسوعة العربية الميسرة بإشراف محمد شفيق غربال دار الشعب، ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر: ص 1951).
ه - شارلمان هو شارل مارتيل، استحق هذا اللقب “شارلمان وشارل الكبير لاقتحامه بناء الإمبراطورية الفرنسية التي بدأها أسلافه، وقد كان له أياد بيضاء على فن الحكم .. فقد قسم مملكته وفصل بين مختلف الوظائف وفي عهده أصبحت الكنيسة الكاثوليكية قوة زمنية وروحية بحق وحقيق انظر) شيخاني، سمير: كع الخالدين (بيروت مؤسسة عز الدين، ط 1991) ص 553، 554).
167 (1/167)
صفحة 168
لم يكن مجهولاً بين رجال الدين أنفسهم وقد أبرم عقد الزواج المتعدد مع اثنين
هم “فيليب أوف هيس‘ (1) و فردريك وليام الثاني و فردريك وليام الثاني (2) البروسي بموافقة. القساوسة الوتريين، وأقره “مارتن لوثر (2) و ملانكتون (5) وكان لوثر يتكلم في شتى المناسبات عن تعدد الزوجات بغير اعتراض فإنه لم يحرم بأمر من الله. - ولم يقف الحد عند الإقرار به فقط، بل ذهبت بعض الطوائف المسيحية إلى. إيجاب التعدد ففي عام 1031 م نادى اللامعدانيون في مونستر صراحة بأن المسيحي ينبغي أن تكون له زوجات متعددات، ويرى المرمون أن تعدد الزوجات نظام إلهي مقدس (5).
وبهذا يظهر لنا أنه لم يرد في كتب المسيحية نص صريح بتحريم تعدد الزوجات وكل ما في الأمر أنه ورد في كلام بولس (1) استحسان الاكتفاء
66
1
فيليب: (1396 - 1467)، دوق بر جنديا اكتسب بالزواج والمعاهدات والفتوح والشراء هينو، وهولندا، وزيلاند، ساعد على إقامة الحكم الإنجليزي في فرنسا كان بلاطه أفخم بلاط في أوروبا (انظر الموسوعة العربية الميسرة: ص
(1354
2 - فردريك وليم: (1882) - 1951)، كان ولي عهد بروسيا وألمانيا ابن وليم الثاني، كان قائد القوات الألمانية التي هاجمت فردان 1916 م) انظر الموسوعة العربية الميسرة: ص 1285).
- لوثر، مارتن: (1483 - 1546) زعيم الإصلاح البروتستاني، نال شهادة أستاذ في العلوم من جامعة ايرفورت، دخل ديراً للرهبان الأرغيطينين، حيث رسم قسيساً 1507 م، ثم عين لرعاية كنيسته (انظر الموسوعة العربية الميسرة: ص
(10/ 1
4 - أو ملانشتون: فيليب: 1497 - 1560 من الزعماء الدينيين والإنسانيين الألمان، كان أستاذا للغة اليونانية في جامعة فتنبرج، كان من أصدقاء مارتن لوثر، واصبح حلقة اتصال بين الإصلاح البروتستانتي والحركة الإنسانية (انظر الموسوعة العربية الميسرة: ص 1739).
73
ه - انظر المرأة في القرآن: ص 6 - بولس القديس من أعظم رجال التاريخ المسيحي، ولد في طرسوس بآسيا الصغرى اسمه الأصلي شاءول درس في القدس، ونشأ نشأة يهودية كلف من قبل رئيس الكنيست بمقاومة المسيحية بدمشق، ثم أصبح من أنشط المبشرين بالمسيحية في القرن الأول بالشرق الأوسط والعالم اليوناني واعظاً هادياً مؤسساً للكنائس (الموسوعة العربية الميسرة
: ص 440).
168 (1/168)
صفحة 169
بزوجة واحدة لرجل الدين المنقطع عن مارب دنياه، ذهاباً إلى الرضى بأهون الشرين، وقياساً على أن ترك الزواج لمن استطاعه خير من الزواج (1). وأنصف القول في هذه القضية كثير من المستشرقين والمفكرين الغربيين، وذلك بعدما حققوا الموضوع تحقيقاً محايداً، فقارنوا بين التعدد الشرعي في الإسلام، وبين البغاء وتوصلوا إلى أنه - أي التعدد الشرعي- من أرقى أساليب الحضارة المدنية، وعلاج علمي لمشاكل النساء البائسات، والبغاء، واتخاذ المحظيات والخليلات.
فذهب “غوستاف لوبون (2) الفرنسي إلى القول بأنه: نظام حسن، يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تمارسه، ويزيد الأسر ارتباطاً، ويمنح المرأة احتراماً وسعادة لاتجدها في أوروبا (3).
وصرح “فون أهر مسلس“ الألماني بأن قاعدة تعدد الزوجات لازمة أو ضرورية للسلائل الآرية، أي نموها وبقائها. (4)
ودافع “فونس إيتين رينيه عن تعدد الزوجات، وأدرك أن الإسلام لا يتمرد على الطبيعة التي لاتغلب، وإنما يساير قوانينها مما يجعلها أكثر قبولاً، وأسهل تطبيقاً في الإصلاح، وهو القائل: "إن تعدد الزوجات قانون طبيعي سيبقى ما بقى العالم مع أن نظرية التوحيد في الزوجة، وهي النظرية الآخذة بها المسيحية ظاهراً، تنطوي تحتها سيئات متعددة، ظهرت على الأخص في ثلاث نتائج واقعية شديدة الخطر جسيمة البلاء تلك هي: الدعارة، والعوانس من النساء، والأبناء غير الشرعيين (5).
1 - انظر المرأة في القرآن: ص 73.
2 - لوبون، غوستاف: 1841 – 1931، عالم نفس واجتماع فرنسي، كان معروفاً بنزعته المضادة للديمقراطية، وهو من الكتاب المنصفين للحضارة العربية والإسلامية (انظر الموسوعة العربية الميسرة، ص 1569).
- انظر كتابه حضارة العرب، ترجمة: عادل زعتير (القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ط 1950 ص 398، 412، 415. - نقلا عن رضاء رشيد: نداء للجنس اللطيف، تعليق: محمد ناصر الدين الألباني (المكتب الإسلامي، د: ت) ص 83. ه - نقلا عن الحسيني: المرأة وحقوقها في الإسلام (بيروت - دار الكتب العلمية، د: ت) ص 181.
169 (1/169)
صفحة 170
وممن أنصف الإسلام في الإسلام في هذه القضية “آني بزانت وذلك إثر حديث طويل
بينت فيه مساوئ نظام الزوجة الواحدة المتبع في بلاد الغرب، ووصفها له بأنه نظام ادعائي، أو طريقة تصنيعية، حيث ختمته بقولها: إن من المستحسن جداا للمرأة واحترامها أن تعيش في نظام الإسلام المبيح لتعدد الزوجات، حاملة فوق ذراعيها طفلاً شرعياً ... (1) فليس الشر في التعدد ولكنه في عجز الزوج عن القيام على شؤون زوجاته والإيفاء بحقوقهن، والخروج عن العدل في معاملتهن قال، تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} الآية [النساء: 3] فقد حسم القرآن هذه القضية عندما قصر التعدد على القادرين المنصفين في المعاملة بين الزوجات.
1 - عن م، ن: ص 182.
170 (1/170)
صفحة 171
هـ - المستشرقون والجهاد
يزعم المستشرقون أن الجهاد في الإسلام ظاهرة عدوانية تستجيب لدعوات الآيات والأحاديث بمقاتلة الشعوب غير المسلمة، فقد اعتادوا أن يفسروا كلمة الجهاد تفسيراً منكراً حتى أصبحت هذه الكلمة دلالة على شراسة الطبع والخلق والهمجية وسفك الدماء (1).
66
فيقول بعضهم: "كان الإسلام دائماً وسيبقى دائماً دين السيف؛ لأنه لا يمكن العثور على أي فكرة للحب في القرآن (2) وقالوا: بأن المسلمين قد فرضوا دينهم بالقوة، وقالوا للناس أسلموا أو موتوا بينما أتباع المسيح ربحوا النفوس ببرهم وإحسانهم. (3). ويقول “ماكدونالد (4): " إن نشر الإسلام بالسيف فرض كفاية على المسلمين كافة) وقال نيلس“ (6): " وأخضع سيف الإسلام شعوباً إفريقية وأسيوية شعباً بعد شعب (7).
""
""
وزعم “ أندرسون (8) أن الجهاد اليوم ليس بفرض، بناء على قاعدة تغير الأحكام بتغير
1 - انظر جولدزيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام، ص 27، 106، 105، وانظر الزجلي، وهبة: آثار الحرب في الفقه الإسلامي (دمشق، دار الفکر، ط 4، 1992 م) هامش ص 34، وانظر بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 78، وانظر أبو خليل، شوقي: الإسلام في قفص الاتهام (دمشق، دار الفكر، ط 3، 1977) ص 86. محمد: ظاهرة انتشار الإسلام وموقف المستشرقين منه (بيروت، دار قتيبة، ط 1، 1990 م) ص
2 - نقلا عن الزيادي،
108
- انظر أبو خليل، الإسلام في قفص الاتهام، ص 86.
4 - ديكان بلاك ماكدونالد 1863) - (1943) مستشرق أمريكي تعلم في جلاسجو، ثم رحل إلى برلين، وأخذ اللغات الشرقية علي زاخا. ثم قصد هارتفورد لتعلم اللغات السامية، أنشأ بمعاونة صمويل زويمر: مجلة علم الإسلام (انظر
العقيقي: المستشرقون: 3/ 130).
ه - دائرة المعارف الإسلامية: ماكدونالد، مجلد 7، ص 188.
6 - نيلسن مستشرق دنماركي له مصنفات عن شمال الجزيرة العربية، وسجل لآثار اليمن في أوائل القرن العاشر (انظر العقيقي المستشرقون: 2/ 525).
7 - نقلا عن فروخ، محمد - والخالدي، صلاح الدين: التبشير والاستعمار (بيروت، المكتبة العصرية، ط 3، 1964 م) ص
{\
- أندرسون: مستشرق إنجليزي: من أشهر مؤلفاته تاريخ ذو القرنين بالعربية، وتاريخ الإسكندرية بالحبشة وغيرها وله قصيدة دينية من العصر العباسي (انظر العقيقي: المستشرقون، 106/ 2).
171 (1/171)
صفحة 172
الأزمان حيث حاول أن يضفي عليه طابع العصرية واتخذ وسيلة إلغاء فرضيته بهذه القاعدة وبأن الجهاد الآن يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، وشريعة حقوق الإنسان، ويصادم روح العصر (1).
إن تشريع القتال أمر متقدم في الأمم، فلولاه لما صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات ولتغلب على الحق في كل أمة، ولما بقي الدين الذي يذب عنه، قال تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بعض دِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَتَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا} [الحج: 40] أي: لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد -صلى الله عليه وسلم- المساجد (2). فجميع الأمم الحديثة تلجأ إلى الحرب من أجل تأمين حضارتها، وضمان حرية وكرامة شعوبها، وهو ما عبر عنه ميثاق الأمم المتحدة الذي حاول أن يضع أسساً لإقرار السلام الدولي تمهيداً لإطفاء نار الحرب، فقد عبر الميثاق عنه في الديباجة، وفي الفقرة (1) من المادة (1) حين قال: وأن تكفل بقبولنا مبادئ معينة ورسم الخطط اللازمة لها ألا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة (3). والجهاد من المصطلحات الشرعية التي تضبط مفهوم الحرب في مجال حماية الحق، فقصد الإسلام من القتال دفع الظلم والفساد وتثبيت الصلاح في النفوس، ونشر العدل في المجتمعات، ببذل أقصى ما يمكن من جهد ومال؛ من أجل هذا الهدف الذي يسمو فوق الأغراض الذاتية والمادية المحدودة.
وأول ما يطالعنا في القرآن من دلائل بطلان هذه الشبهة، قوله سبحانه وتعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} [البقرة: 256] وقوله: {أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وقوله: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، وقوله: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِرُ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21].
1 - انظر الزحيلي، وهبه: آثار الحرب في الفقه الإسلامي بهامش ص 95، وانظر المقال الذي نشر في مجلة حضارة الإسلام لمصطفى السباعي: بعنوان الاستشراق والمستشرقون، عدد 10، سنة 3 مايو 1963 م. 2 - انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 12/ 70.
-
نقلا عن النظام الدولي والسلام العالمي - إينس كلود، ترجمة: عبد الله العريان (القاهرة دار النهضة العربية، ط 1964 م. الملحق الخاص بميثاق الأمم المتحدة – ص 654).
172 (1/172)
صفحة 173
وقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَا مَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مؤْمِنِينَ} [يونس: 99].
""
فالقرآن هنا صريح في نفي الإكراه في الدين، وصرح في التشديد على حرية الاعتقاد، فهو شيء يخص الإنسان وحده، والواجب على المسلمين هو إبلاغ الدعوة إلى جميع الناس ثم تركهم بعد ذلك، قال سحبانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) [القصص: 56] ويقول: {أَفَأَنتَ تُمِعُ الصُّمَّ أو تَهْدِى الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الزخرف: 40] وقال: {قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلَّ عَلَيْهَا وَمَا أنا عَلَيْكُم بِوَكِيلِ} [يونس: 108] فالعقيدة محلها القلب ولا تستطيع أي قوة أن تغيرها إلا بطريق الحجة والأثر الروحي؛ ولذلك فإن مهمة الرسول -- تنحصر في الموعظة بالرفق واللين والمجادلة بالبرهان كما في قوله تعالى: وَحَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وغيرها من الآيات الموافقة لها في القصد، وأقر المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون بهذه الحقيقة فقال: إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم؛ فذلك لما رأوا من عدل العرب الغالبين مالم يروا مثله من سادتهم السابقين“ (1)، ومن مواقفة التي تتجلى فيها حرية العقيدة العهد الذي أعطاه لنصارى نجران في اليمن حين قال: بأنها وحاشيتها في جوار الله، وذمة رسوله على أنفسهم، وملتهم وأرضهم وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وتبعهم، لا يغير أسقف من أسقفيته ولاراهب من رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين (2) وقد أشار “توماس کارليل (2) في كتابه (الأبطال) إلى أن اتهامه بالتعويل على السيف، في حمل الناس على الاستجابة لدعوته خطأ فادح واتهام جائر، وأرجع سبب انتشار دعوته إلى قوتها وتمكنها من القلوب، وأنها الحق الذي ينشر نفسه بأية طريقة
حسبما تقتضيه الحال،
1 - حضارة العرب، ص 127، 128.
2 - انظر ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدى خير العباد · بيروت، مؤسسة الرسالة، والكويت مكتبة المنار الإسلامية: 3/ 635). - توماس كارليل (1795 – 1881) مستشرق إنجليزي، من اشهر مصنفاته: الأبطال (1840) وقد عقد فيه فصلا رائعاً عن النبي نقله إلى العربية، علي أدهم، وكذلك له الثورة الفرنسية وغيرها (انظر العقيقي: المستشرقون: 2/ 55). 4 - انظر كتابه الأبطال، ترجمة: علي أدهم (بيروت، دار الرائد العربي، 4، 1982 م) ص 79، 80.
173 (1/173)
صفحة 174
وأورد أن النصرانية كانت لا تأنف أن تستخدم السيف، واستشهد بما فعل شارلمان بقبائل السكسون (4).
وقال “الكونت دى كاستري (1) ‘ فلم يكره أحد عليه بالسيف ولا باللسان بل دخل القلوب عن سوق واختيار وكان نتيجة ما أودع القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالألباب“ (2).
وقال “جيمس متشنر: فالقرآن صريح في تأييده حرية العقيدة والدليل قوى على أن الإسلام رحب بشعوب مختلفة الأديان ما دام أهلها يحسنون المعاملة ويدفعون الجزية (2).
فليس من مهمة المسلمين إكراه الناس على اعتناق الإسلام، ولو أراد النبي - ذلك لما كانت هناك حاجة لأن يبرم عهوداً مع اليهود في المدينة، ومن تلك العهود ما نصه: وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم، فإنه لا يرتغ إلا نفسه وأهل بيته (4)، والتاريخ الإسلامي مليء بالصور الرائعة للأخلاق الإسلامية في الحرب والسلم وهي صور تتجلى فيها الإنسانية في أسمى معانيها، والرحمة بأعظم صورها مما جعل شعوب البلاد المفتوحة تقبل أفواجاً على اعتناق الإسلام تقول المستشرقة (لورافيشيا فاغليري) (): " إن أحداً لا يستطيع اليوم أن يزعم
66
أن سيف الفاتح هو الذي يمهد السبيل أمام الإسلام“ (1).
1 - الكونت دى كاستري 1850 - 1927 م مستشرق فرنسي مقدم في الجيس تعاون مع دى سنيفال على إصدار مجموعة بعنوان مصادر غير منشورة عن تاريخ المغرب (انظر العقيقي المستشرقون: 1/ 210).
2 - أبو خليل، شوقي: الإسلام في قفص الاتهام: ص 126.
- نقلا عن ظاهرة انتشار الإسلام: ص 187.
- ابن هشام، السيرة النبوية: 503/ 1.
ه - فيشيا فاغليري: باحثة إيطالية انصرفت إلى التاريخ الإسلامي قديماً وحديثاً، وإلى فقه العربية وآدابها. ولها العديد من المصنفات من أهمها كتاب دفاع عن الإسلام (أنظر العقيقي: المستشرقون: 1/ 466).
6 - في كتابها: دفاع الإسلام، ترجمة: منير البعلبكي (بيروت، دار العلم للملايين، طه، 1981 م ص 40).
174 (1/174)
صفحة 175
وأغلب المصادر التاريخية تحدثنا بأن الفترة التي نشطت فيها الدعوة إلى
الإسلام هي تلك الفترة التي اتسمت بالاستقرار، والبعد عن الحرب بعد صلح الحديبية، وقبل فتح مكة، حيث شهدت إسلام الكثيرين، وفي حروب المسلمين مع الفرس والروم كانت الدعوة لا تنتشر، ولا يعلو شأنها إلا بعد أن تغمد السيوف، وتنطفئ نار الحرب، يقول (كيرك) (1): إن غالبية أهل الشام “الوجه البحري ومصر السفلى في القرن التاسع الميلادي، كانت لاتزال مسيحية على الرغم من أن الإسلام كان قد مضى عليه في هذه البقاع أكثر من قرنين والإسلام الذي زحف إلى إفريقيا وبعض أجزاء من آسيا وزحف في العصر الحاضر إلى بلدان أوروبا وأمريكا لم يكن يزحف تحت ظلال السيوف؛ ذلك أن السيوف لم تصل تلك البقاع فقط، وإنما وصل إليها عن طريق التجار والمسافرين والمتصوفة الذين استطاعوا بسلوكهم الإسلامي السوي أن ينقلوا الدعوة
الإسلامية صورة عملية تلقفها الناس بالقبول.
(Y)".
1 - ج. كيرك (المولود عام (1911) مستشرق أسباني، تعلم في كامبردج، ومدرسة العلوم الأثرية في أثينه والقدس وأرسل في بعثة لفك الخطوط إلى فلسطين (1935) - (1938) والتحق بالقيادة العليا لقوات الشرق الأدنى وعين مدرساً في مركز الشرق للدراسات العربية وغيرها من المناصب والمهام التي تقلدها انظر العقيقي المستشرقون: 2/ 559). 2 - نقلا عن شلبي: الإسلام: ص 196.
170 (1/175)
صفحة 176
فهاهو الكاتب المسيحي الفرنسي (هوبيرديشان) (1) حاكم المستعمرات الفرنسية بأفريقيا سنة 1950 م يقول: إن انتشار دعوة الإسلام في أغلب الظروف لم تقم على القسر وإنما قامت على الإقناع الذي كان يقوم به دعاة متفرقون لا يملكون حولاً، ولا طولاً إلا إيمانهم العميق بربهم، وكثيراً ما انتشر
(4)
66
الإسلام بالتسرب البطيء من قوم إلى قوم (2) وقد دلل دار منغم على تسامح الإسلام بدخول شعوب البلاد المفتوحة أفواجاً فيه رغبة منهم لا قسراً، أو إكراهاً، فقال بعد أن أورد قصة دخول عمر بن الخطاب القدس فاتحاً ومافيها من تسامح: وهنا نقول ما أعظم الفرق بين دخول المسلمين القدس فاتحين، ودخول الصليبين الدذي ضربوا رقاب المسلمين فسار فرسانهم في نهر من الدماء (3) وقد تحدث (توماس أر نولد) (4) عن هذه الحالات تفصيل كبير، وكان في كثير من الأحيان يعلن أن حالات التحول إلى الإسلام بين المسيحيين لم تكن تحت ضغط، ولم تكن تحت تأثير سيف، بل كانت نتيجة الجهود المكثفة للدعاة المسلمين، ونتيجة ما عرف عن المسلمين من أخلاق عالية، ومعاملة حسنة أخذت ألباب المسيحيين، وجعلتهم ينبذون ديانتهم، ويعتنقون الإسلام، وقد أشار إلى هذا التأثير حين تحدث عن حالات التحول إلى الإسلام أثناء الحروب الصليبية فقال: ويظهر أن أخلاق صلاح الدين)، وحياته التي انطوت على البطولة قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيراً سحرياً خاصاً حتى أن نفراً من الفرسان المسيحيين قد بلغ قوة انجذابهم إليه أن هجروا ديانتهم المسيحية، وهجروا قومهم وانضموا إلى المسلمين (6).
66
1 - هوبير: مستشرق فرنسي (توفي عام (1884) من أوائل الذين اكتشفوا الكتابات السبئية الحميرية في اليمن وشمال الجزيرة، وعمل على حل رموزها، وقد قتل في الصحراء. انظر العقيقي المستشرقون 1/ 388).
2 - نقلا عن شلبي: الإسلام، ص 198. - أميل دار منغم: حياة محمد، ص
370
- أرنولد، توماس (1864 - 1930) مستشرق إنجليزي، تعلم في كامبردج وعمل أستاذا للفلسفة بالهند كان أول أستاذ في قسم الدراسات العربية بمدرسة اللغات الشرقية بلندن تتسم كتاباته عن تاريخ الإسلام بالحياد والإنصاف وأهمها دعوة الإسلام" (الموسوعة العربية الميسرة: ص 125).
المملكة
ه - يوسف بن أحمد بن غازي الأيوبي ويلقب بصلاح الدين من أمراء الدولة ولد سنة بضع و 770 في حجر وصفه السخاوى بالملك الجليل العالم نشأ شجاعاً بطلاً، ثم تفنن في عدة علوم انظر الضوء اللامع: 10/ 193 - 294
والأعلام: 215/ 8)
6 - أرنولد، توماس: الدعوة إلى الإسلام تر حسن إبراهيم وآخرين (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط 3، 1970 م ص 111.
176 (1/176)
صفحة 177
والجهاد في التشريع القرآني لم يشرع إلا لغايتين هما:
أ - دفع الظلم ورد أي أعتداء على الإنسان؛ وهذا حق تتفق على شرعيته جميع الأمم والمذاهب والأديان، يقول الحق تبارك وتعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)
[الحج: 40،39].
وتقول المستشرقة لورافيشيا فاغليري كان الصراع يدور بين الفوضوية ومادية الوثنين المتبربرين ومخاصمات وأكاذيب اليهود غير المتسامحين على الرغم من تحضرهم البعيد من ناحية، وبين مثل أعلى رفيع في التجديد الديني والاجتماعي من ناحية ثانية، ذلك كان المثل الأعلى الذي أراد محمد -صلى الله عليه وسلم- أن
يحققه بأي ثمن فقاتل قتال الرجل الوديع ضد الغطرسة، والطغيان (1). ب – نصرة الحق وهو القتال لأجل نصرة المظلومين، والمستضعفين في الأرض، وتقرير منهج الله في الحياة البشرية، وإقامة نظامه العام، وتحرير
الإنسان من العبودية لغير الله
وَمَا لَكُمْ لَا تُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ
الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ
نصيرا [النساء: 75]
وهذا من الأمور التي اتفقت عليها الشرائع الربانية الثلاث اليهودية، والمسيحية والإسلام، قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم
بات لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ
وَالْقُرْمَانِ وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا
ببَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 111]
وكان لآثار الحرب مجال طعن من المستشرقين، وكانت أكثر طعونهم من خلال ظاهرة الاسترقاق متجاهلين أن التشريع القرآني قد فتح أبواب الحرية، وأدخل
1 - لورافيشيا: دفاع عن الإسلام، ص 30.
177 (1/177)
صفحة 178
عتق الرقبة في الكثير من المناسبات والقربات، وجعلها تطهيراً لبعض الآثام، كما في كفارة اليمين فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ [المائدة: 89] جعلها في كفارة الظهار {وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِّسَابِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رقبة} [المجادلة: 3].
وجعلها في كفارة القتل الخطأ فقال سبحانه وتعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] كما جعلها كفارة للفطر في رمضان). وجعل عتق الرقبة وجهاً من الوجوه التي تصرف فيها الزكاة إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} الآية [التوبة: 60] وجعل تحريرها قربة من القرب التي بها يصل الإنسان إلى رضى ربه (2) فَلَا أَقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ الآيات [البلد: 11، 12، 13] وَمَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَنكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ)
[البقرة: 177].
والحق أن القرآن لم يغلق باب الرق، بل ضيق فيه وجعله محصوراً في أسارى الحرب، وذلك من أنجح المعالجات الإلهية لأثر خطير من آثار الحرب سواء في حفظ قوة الأمة المنتصرة أو في حفظ حياة مجتمع الأمة المنهزمة فلو نسخ الرق؛ للجأ المسلمون في معالجة اثار الحرب إلى قتل الأسرى مضطرين خوفاً من ظهورهم عليهم، ولكن استعبادهم يجعلهم تحت سيطرة المسلمين فلا يفكروا في العدوان، ويحفظ لهم حياتهم آمنين وإن كانوا أذلاء، طامعين في الحرية حين ينعم عليهم بالعتق وهم مخيرون في اعتناق دين الحق
وقد أنصف فريق من المستشرقين والمفكرين الغربيين التشريع القرآني، فأقر بعجز البشر عن الإتيان بمثله، وشهد له في المجامع القانونية، والمؤتمرات الدولية، ومن ذلك قول “إدوار مولييه“: القرآن في الحقيقة ذو قيمة خارقة للعادة
1 - فقد روى أبو هريرة أن رجلاً أتى النبي - - فقال: "هلكت يا رسول الله، قال: ما شأنك، قال: وقعت على أمرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله هل تجد رقبة تعتقها قال لا .. الخ والحديث تقدم ذكره، رواه البخاري في كتاب الصوم: انظر صحيح البخاري بحاشية السندي: 1/ 331. 2 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيما رجل أعتق مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً منه من النار" رواه البخاري في كتاب العتق انظر صحيح البخاري بحاشية السندي: 2/ 79.
178 (1/178)
صفحة 179
فهو بين الكتب الدينية من أعظمها شأناً).
66
وقول مارسيل كابي: " والقرآن يحمل الناس باسم الإيمان الثابت على وجه الإطلاق يحمل إلى الناس بدون سفسطات بيانية ولا خيالات غير طبيعية أصول
(2)،،
العدالة والنظام الاجتماعي. وقول: شبلي شميل: “إن في القرآن أصولاً اجتماعية عامة، فيها من المرونة ما يجعلها صالحة للأخذ بها في كل زمان ومكان (3).
يحوي
66
ويصف رينولد نيكلوسون القرآن الكريم بأنه وثيقة إنسانية رائعة وأنه مادة فريدة لا تقبل الشك، أو الجدل نستطيع خلالها أن نتتبع سير الإسلام منذ نشأته وظهوره في التاريخ المبكر، وهذا ما لا تجد له مثيلاً في البوذية أو المسيحية، أو أي دين من الأديان القديمة). وقد قال أدموند بيرك عن هذا التشريع إن القانون المحمدي، قانون ضابط للجميع من الملك إلى أقل رعاياه، وهذا قانون نسج بأحكام نظام حقوقي .. لم يسبق قط للعالم إيجاد نظام مثله، ولا يمكن فيما بعد .. (5). ويصفه “فريتجون شيون بأنه: صورة عن كل مافي وسع الدماغ البشري أن يفكر فيه ويحس به، وأنه مثل كل وحي، تعبير ساطع شفاف عن كل ما هو طبيعي بشكل خارق للطبيعة في نظر الإنسان، أي إدراك لمكانتنا في الكون، وارتباطنا الأونطولوجي والأخروي؛ ولهذا فإنه فرقان وذكرى، ونور في غياهب منفانا
66
الأرضي). وقال أتريكو أنسياتو ": "إن الشريعة الإسلامية تفوق في كثير من بحوثها الشرائع الأوربية بل هي التي تعطي العالم أرسخ الشرائع ثباتاً). ويقرر هوكنج: أن الشريعة الإسلامية استعداداً داخلياً للنمو، وأنها تحتوي
بوفرة على جميع المبادئ اللازمة للنهوض (8).
1 - الجندي، أنور: معلمة الإسلام: 1/ 97،96.
2 - القاسي، علال: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: ص 209. - حمدان: الرسول في كتابات المستشرقين، ص 40.
- علوان: الإسلام شريعة الزمان والمكان دار السلام للطباعة والنشر، ط 3، د: ت ص 80.
- من: ص
A.
6 - انظر شيون، فريتجون: كيف نفهم الإسلام، ترجمة: عفيف دمشقية (بيروت - دار الآداب، ط 2 د: ت) ص 57.
7 - نقلا عن معلمة الإسلام: 1/ 0581
- علوان: الإسلام شريعة الزمان والمكان – بتصرف – ص 23.
179 (1/179)
صفحة 180
وقد أعلن “شيرا‘ عميد كلية الحقوق في جامعة فينا في مؤتمر الحقوقيين عام 1927 م بأن “البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد، إذ إنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة (1)
""
،،
وقال “كارليل في القرآن: هذا صدى متفجر من قلب الكون نفسه (2)، وفي هذه الصرخة الفلسفية، نجد بعض ما يشبه الاعتراف التلقائي لضمير إنساني سام بهت أمام عظمة القرآن وإن العقل البشري إذا تجرد من هواه، ونظر في معالم التشريع القرآني لأدرك إعجازه، وقوة برهانه في كونه وحي من التنزيل، وليس اجتهاداً من صنع العقول، ولعل تقدم البحث العلمي وطرائقه سيكشف عن مزيد من ذلك الإعجاز، ويساعد على انتشار دعوة القرآن.
1 - نقلاً عن الزنداني، عبد المجيد: توحيد الخالق (بيروت، دار الخير، طه د: ت) 1/ 88.
2 - كارليل، توماس: الأبطال.
180 (1/180)
صفحة 181
الخاتمة
وبعد: فإننا بعد هذه الدراسة للإعجاز التشريعي في القرآن بفصولها الأربعة، نستخلص أن تشريعات القرآن شاملة خاتمة، يسلم لها العقل بالتفوق عليه، والتوافق مع أصوله، فهي لا تصادمه، ولكنها تفتح له آفاقاً من المعرفة قد يدرك ملامحها، ولكنه يعجز عن تمام تصورها، وتخاطبه بقواعد منهج يعقله، ولا يستطيع ببشريته المحدودة أن يجمع خصائصه، فالمعجزه تحد للعقل في غير تعد على وظيفته فالعقل يستجيب لوحي القرآن بالإيمان لما يراه من إعجاز مبين في البيان، والتشريع، والعلم والبرهان، والقرآن يفسح المجال للعقل في الإدراك الرشيد لمعانيه ومقاصده.
والتشريع القرآني يرتكز على عدة خصائص كفلت له البقاء الخالد، والاستطاعة المرنة، فهي مصدر لا يعجز أمام طوارئ الزمان أو المكان، ولا يجمد أمام تغير من تمدن أو بداوة، ولا يضيق بمطلب حضاري في أية بيئة كانت، فهو يتمشى في كيانها الشامل المترابط، إذ يجعل دستوره شاملاً للعقيدة والواقع، فلا يختص بالحياة الواقعية دستور مستقل، وبالحياة التعبدية ناموس مخالف، ولا يتفرق فيه الإنسان ممزقا بين واقعه وفكره، ولا بين فرديته و جماعته، ولا بين مبادئه وسلوكه ولا بين دنياه وآخرته، وإنما يتعامل مع القوى كلها بكيانه المجتمع المترابط، ويسلك سلوكه بذلك الكيان، هذا إلى جانب اتساق آياته التشريعية في أنواع الدلالة واتسامها بالدقة والسعة مما يساعد المجتهد على تأصيل القواعد الشرعية، ورد الجزئيات إلى الكليات وقياس الأشباه على نظائرها في توافق بين حركة العقل الراشد، ومجال السلوك المنضبط الملتزم وذلك من آيات عمومه وصلاحيته الدائمة للتطبيق، وأنه معجز.
181 (1/181)
صفحة 182
وهذا كله دليل كاف في إثبات مصداقية مصدر القرآن الرباني، وأنه كلام الله سبحانه وتعالى: أوحى به إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْى يُوحَى} [النجم
: 3، 4] وهو كاف لرد شبهات المستشرقين، ومزاعم الملحدين.
وفيما يلي نتائج هذه الدراسة:
- إن القرآن الكريم معجز في كل دلالة من دلالات خطابه، في مجالات بيانية وبرهانية وتشريعية وعلميه لا في عصر دون عصر، بل ما بقيت الحياة؛ لأنه برهان رسالة الحياتين الأولى والأخرى.
-
أحاط التشريع القرآن بجمع الأصول، والقواعد الكلية التي يحتاج إليها كل
قانون، وفي كل نظام.
اتجه العلماء في دراستهم للإعجاز القرآني اتجاهين:
الاتجاه الأول: قصر الإعجاز في المجالات البيانية وعدّ الوجوه أدلة شاهدة على
مصدر القرآن، وأكثر أصحاب هذا الاتجاه من علماء البلاغة والأدب.
الاتجاه الثاني: أثبت الوجوه الأخرى، ومن بينها التشريع، وأكثر أصحابه من علماء الأصول والعقيدة، والمفسرين، ولا تزال الجهود محدودة في المنحى التشريعي للإعجاز
-
إن المقاصد الشرعية في القرآن من أبرز خصائص إعجازه التشريعي، حيث شملت أصول حقوق الإنسان على تنوعها وتدريجها مما يتعلق بجوانب الحياة المتعددة لاحتوائها على المصالح العامة التي قصد إليها التكليف الشرعي في أوامره ونواهيه، واحتوائها على كليات ثابتة. صدرت تشريعات القرآن جميعاً على أساس التوازن والشمول والعدل والكمال، فهو يلائم بين واقع الإنسان وفكره، وبين روحه وجسده، وبين فرديته وجماعيته وبين دنياه وأخرته، وبين الجناية وما يناسبها من العقاب، وبين التحصن
182 (1/182)
صفحة 183
والعلاج، فهو يتعامل مع القوى كلها بكيانها المجتمع المترابط، ويسلك سلوكه بذلك الكيان، وذلك أوضح دليل على أن هذا التشريع مع الفطرة، من خصائص إعجازه.
جمع بين سعة معنى الدلالة، ودقة المفردات والتراكيب في خطابه وهذا آية من آيات عمومه وصلاحيته الدائمة للتطبيق، وأنه معجز. أفسح المجال للعقل في الإدراك الرشيد لمعانيه الصريحة والكامنة ومقاصده الناطقة و المستنبطة.
- تعددت اتجاهات المستشرقين في زعزعة الاعتقاد بمصداقيته المصدر الإلهي للقرآن الكريم، عن طريق تلمس الشبهات للتشويه والتزيف.
- أرجع المستشرقون مصادر القرآن إلى عوامل داخلية مستمدة من أعراف الجاهلين ودياناتهم، وعوامل خارجية مستمدة من القانون الروماني ومن تعاليم الديانتين اليهودية، والمسيحية.
إن ما يذهب إليه عامة المستشرقين من أخذهم بالمناهج العلمية في دراسة التشريع الإسلامي، يدحضه اعترافات فريق منهم بمكانة الإسلام وفضله، وعجز البشر عن الإتيان بمثله في المجامع العلمية المؤتمرات الدولية.
هذا وإن دراستي هذه إفساح أمام الباحثين؛ لإثراء هذا المنحى من الإعجاز، وما هي إلا لبنة في بناء يحتاج إلى جهود من باحثين جادين في مجالات الإعجاز القرآني ولا سيما المجال التشريعي.
التوصيات:
- عقد الندوات واللقاءات العلمية إصدار المجالات المتخصصة في الإعجاز القرآني. الإهتمام بدراسة الجانب الفقهي في الإعجاز القرآني بإبراز خصائصه ومميزاته. - الإشتراك في المجامع العلمية، والمؤتمرات الدولية القانونية بإبراز أهمية
183 (1/183)
صفحة 184
التشريع القرآني وأثره في القانون العام.
- الإلتقاء بالمتخصصين من الغرب في الدراسات الشرقية والإسلامية لمحاورتهم محاورة علمية توضح لهم مقاصد القرآن، وتقيد من جهودهم.
184 (1/184)
صفحة 185
الفهارس العامة
185 (1/185)
صفحة 186
فهرس المصادر والمراجع
(
1 - ابن تغري، جمال الدين:
- النجوم الزاهرة (طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب). 2 - ابن جزي محمد بن أحمد:
- التسهيل لعلوم التنزيل) الدار العربية للكتاب). القوانين الفقهية (الدار) العربية للكتاب، طبعة (1988 م).
- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي:
-
- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (طبعة حيدر أباد، 1950 م). فتح الباري شرح صحيح البخاري (القاهرة، دار الريان للتراث، الطبعة
الثالثة، 1407 هـ)
ابن خلدون، عبد الرحمن
المقدمة، تحقيق: علي عبد الواحد وافي (القاهرة، دار نهضة مصر للطبع
والنشر: الطبعة الثالثة، د: ت).
ه ابن خلكان أبو العباس:
-وفيات الأعيان، تحقيق: إحسان عباس) بيروت، دار الثقافة، د: ت).
6 - ابن رشد، محمد الحفيد:
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد (بيروت، دار المعرفة، الطبعة التاسعة، 1988 م). - تهافت، تحقيق: سليمان دنيا (القاهرة، دار المعرفة، الطبعة الثالثة، د: ت). فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق محمد عمارة (القاهرة) الطبعة الثانية، د. ت).
ابن عاشور، محمد الطاهر:
- التحرير والتنوير (الدار) التونسية للنشر، د: ت).
- مقاصد الشريعة الإسلامية) تونس، الشركة التونسية، الطبعة الأولى، 1978 م).
186 (1/186)
صفحة 187
- ابن عطية عبد الخالق:
المحرر الوجيز) المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الثالثة،
1980 م). -9 - ابن العماد الحنبلي، أحمد بن محمد:
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب (بيروت، دار الأفاق الجديدة، د: ت). 10 - ابن فارس، أحمد:
- معجم مقاييس اللغة) مكتبة الإعلام الإسلامي، 1984 م).
11 - ابن فرحون، إبراهيم بن أحمد:
- الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب (طبعة مصر،1351 هـ). 12 - ابن قتيبة عبدالله ابن مسلم
الشعر والشعراء (القاهرة، دار المعارف، طبعة 1958 م). 13 - ابن قيم الجورية، محمد بن أبي بكر:
- إعلام الموقعين عن ربي العالمين، تحقيق: محي الدين عبد الحميد (القاهرة، المكتبة التجارية الكبرى، د: ت).
-
التفسير القيم، لابن القيم: جمع، محمد أويس الندوي، تحقيق: محمد حامد الفني (بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، د: ت). الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (بيروت، دار بن زيدون، الطبعة الأولي د: ت). - زاد المعاد في هدي خير العباد (بيروت، مؤسسة الرسالة، د: ت). 14 - ابن كثير، إسماعيل بن عمر: - تفسير القرآن العظيم (بيروت، دار ومكتبة الهلال، الطبعة الأولى، د: ت). 15 - ابن ماجه، محمد بن يزيد:
- سنن بن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي (بيروت، المكتبة العلمية، د: ت). 16 - ابن منظور، جمال الدين - لسان العرب (بيروت، دار الجيل، طبعة 1988 م).
:
17 - ابن نبي، مالك: - الظاهرة القرآنية (دمشق، دار الفكر، الطبعة (1981 م).
187 (1/187)
صفحة 188
18 - ابن هشام، أبو محمد
:
-
السيرة النبوية، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري (بيروت، دار الكتاب
العربي، الطبعة الخامسة، 1996 م).
- أبو خليل شوقي:
- موضوعية فيليب حتى في كتابه تاريخ العرب المطول (بيروت، دار الفكر
الطبعة الأولى، د: ت).
-
الإسلام في قفص الاتهام (دمشق، دار الفكر الطبعة الثالثة، 1977 م).
20 - أبو داود سليمان بن الأشعت:
- سنن أبو داود (المكتبة العصرية، د: ت).
21 - أبو زهرة، محمد:
- أصول الفقة الإسلامي (بيروت، نشر دار الفکر، د: ت). - شريعة القرآن (القاهرة، دار الثقافة العربية للطباعة، طبعة، 1961).
- أربيري:
-
المستشرقون البريطابيون، ترجمة: محمد النويهي (لندن، طبعة 1946 م).
23 - أرنولد، توماس:
الدعوة إلى الإسلام، ترجمة: حسن إبراهيم وأخرون (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة، 1970).
24 - الأزهري، محمد: - تهذيب اللغة (مصر، الدار المصرية للتأليف، د: ت).
25 - الأسنوي، جمال الدين: - نهاية السول في شرح منهاج الأصول (عالم الكتب، د: ت).
26 - الآمدي، علي بن محمد:
- الإحكام في أصول الأحكام) دار الكتب العلمية، 1983 م).
27 - الأصفهاني، أبو الفرج عل الحسين:
- لأغاني (بيروت، دار حلب، د: ت).
188 (1/188)
صفحة 189
28 - الأنصاري، أبو عبد الله:
- شرح حدود ابن عرفة، تحقيق: الشادلي النيفر (تونس، المطبعة التونسية،
طبعة 1350 هـ).
29 - إينس لكود:
- الملحق الخاص بميثاق الأمم المتحدة، ترجمة عبد الله العريان (القاهرة، دار
النهضة العربية، طبعة 1964 م).
30 - الباجقني مصطفى:
(ب)
- منهج القرآن في تقرير الأحكام (مصراته، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع،
الطبعة العربية، طبعة 1964 م).
-
31 البخاري، محمد بن إسماعيل: - الجامع الصحيح، بحاشية السندي (بيروت، دار المعرفة، طبعة 1978 م). -2 - بدران، أبو العنين:
- أصول الفقة الإسلامي) الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، د: ت). 33 - بدوي، أحمد - من بلاغة القرآن الكريم (القاهرة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، د: ت)
-34
:
بدوي عبدالرحمن: - موسوعة الفلسفة، ترجمة: سمير كرم (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1983 م).
35 - بركة، عبد الغني: - أسلوب الدعوة القرآنية) القاهرة، مكتبة وهبة، الطبعة الأولى 1983 م).
36 - البناني:
- حاشية البناني على جمع الجوامع (مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الثانية، 1937).
37 - البهي، محمد: - الفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر (مصر) مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، 1992).
189 (1/189)
صفحة 190
38 - البوطي، محمد سعيد رمضان - ضوابط المصلحة (بيروت، مؤسسة الرسالة الطبعة الرابعة، د: ت). - كبرى اليقينيات الكونية (بيروت، دار الفكر المعاصر، الطبعة الثامنة، 1982 م).
فقة السيرة (بيروت، دار الفكر المعاصر، الطبعة السابعة، 1982 م). - من روائع القرآن الكريم (مكتبة الفارابي، الطبعة الخامسة، 1977). - منهج العودة إلى الإسلام (بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة، د: ت).
(ت)
39 - الترمذي، محمد بن عيسى: - الجامع الصحيح) مصر، مطبعة مصطفى البابي والحلبي وأولاده، الطبعة
الثانية (1975 م.
40 - توفيق، محمود:
- دلالة الألفاظ عند الأصوليين، مصر، طبعة الأمانة، الطبعة الأولى، 1987).
41 - توماس كاريل:
- الأبطال، ترجمة: علي أدهم (بيروت، دار الرائد العربي، الطبعة الرابعة،
1982 م).
42 - التهانوي، محمد أعلى الفاروقي:
- كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تحقيق: علي دحروج (بيروت، مكتبة
لبنان، طبعة 1966 م.
43 - الجرجاني، عبد القاهر:
(ج)
دلائل الإعجاز (بيروت، دار الكتب العربية د: ت).
44 - الجرجاني، علي بن محمد:
- التعريفات (بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، د: ت).
45 - الجصاص، أحمد بن علي الرازي:. أحكام القرآن) بيروت، دار الكتاب العربي، طبعة مصورة على الطبعة
-
الأولى، 1353 هـ).
190 (1/190)
صفحة 191
46 - الجمل، سليمان:
- الفتوحات الإلهية (القاهرة، مطبعة الاستقامة، طبعة 1996 م). 47 - الجندي، أنور: - معلمة الإسلام (القاهرة، دار الصحوة للنشر، الطبعة الثانية، 1982).
48 - جولد زيهر:
- العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف موسى وآخرون (بيروت، دار الرائد العربي، طبعة 1946 م).
45 - الجويني، أبو المعالي:
كتاب الارشاد (مصر، مكتبة الخانجي، طبعة 1950 م).
50 الحاكم،
(ح)
- المستدرك على الصحيحين (بيروت، دار المعرفة، ط، د: ت).
:
51 - الحاج، ساسي: - أثر الظاهرة الإستشراقية في الدراسات الإسلامية (مركز دراسات العالم
الإسلامي، الطبعة الأولى، 1991 م).
52 - الحتي، حنا: - شرح ديوان الأعشى الكبير (بيروت، دار الكتاب، ط، د: ت).
53 - حسين السائح: - مجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد الثالث عشر، سنة 1996 م).
54 ـ الحسين،
- المرأة وحقوقها في الإسلام (بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة،
1980 م).
55 ـ الحمصي نعيم
- فكرة إعجاز القرآن الكريم (بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة
الثامنة، 1980).
56 - حمدان، نذير:
- الرسول في كتابات المستشرقين (جده، مطبوعات رابطة العالم الإسلامي
للطباعة، دار الأصفهاني، ط، د: ت).
191 (1/191)
صفحة 192
(خ)
57 - الخالدي، صلاح عبد الفتاح: - البيان في إعجاز القرآن (عمان، دار عمار للنشر والتوزيع).
58 - الخطابي، أحمد بيان إعجاز القرآن (طبع ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، مصر، دار
المعارف، الطبعة الثانية، د: ت).
59 - الخطيب عمر:
-
المسألة الاجتماعية بين الاسلام والنظم البشرية (بيروت،
60 - خلاف عبد الوهاب:
-
علم أصول الفقه (الكويت دار القلم، الطبعة الرابعة عشر، 1981). 61 - دار القلم، بيروت: الموسوعة الفلسفية المختصرة ترجمة مجموعة من الاساتذة
(د)
62 - الدار قطني، علي بن عمر: - سنن الدارقطني (القاهرة، دار المحاسن للطباعة، طبعة، 1966 م).
63 - دار منغم، أميل: - حياة محمد، ترجمة: عادل زعيتر (دار) أحياء الكتب العربية، الطبعة الرابعة،
د: ت).
64 - دراز، محمد عبدالله:
?
دستور الأخلاق في القرآن (بيروت، مؤسسة الرسالة، الكويت، دار البحوث
العلمية، الطبعة الثالثة، د: ت).
- النبأ العظيم (الكويت، دار القلم، طبعة 1970 م).
- مدخل إلى القرآن ترجمة: محمد عبد العظيم، والسيد بدوي) الإسكندرية دار المعرفة، الطبعة الثالثة، د: ت).
65 - الدريني، فتحي:
دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر (بيروت، دار قتيبة، الطبعة
الأولى، 1988 م).
نظرية التعسف في استعمال الحق (بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة،
1981 م).
192 (1/192)
صفحة 193
66 - الدهلوي، أحمد
- حجة الله البالغة (بيروت، دار الإحياء والعلوم، الطبعة الثانية، 1992 م).
(ر)
67 - الرازي، محمد بن عمر: – التفسير الكبير، أو مفاتيح الغيب (مصر، المطبعة البهية، د: ت). 68 الرافعي، مصطفى صادق:
- إعجاز القرآن (بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، د: ت). 69 - الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد:
-
- المفردات في غريب القرآن) مكتبة مصطفى البابي الحلبي، د: ت). 70 رضا، محمد رشيد: - نداء للجنس اللطيف تعليق: محمد ناصر الدين الألباني (المكتب الإسلامي
،
د: ت). الوحي المحمدي (مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة، د: ت). - تفسير المنار، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، د: ت).
-71 روزنتال ريودين: - الموسوعة الفلسفية، ترجمة: سمير كرم، بيروت، دار الطليعة، الطبعة
الخامسة، 1985 م). 72 - الريسوني، أحمد:
-
نظرية المقاصد عند الشاطبي) بيروت، مؤسسة جامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1992).
الزاوي، الطاهر:
(ز)
- ترتيب القاموس المحيط الدار العربية للكتاب، الطبعة الثالثة، 1980 م).
74 زاده، طاش کبري:
- مفتاح السعادة ومصباح السيادة (طبعة حيدر أباد، 1329 هـ).
75 - الزحيلي، وهبه:
- نظرية الضرورة الشرعية (بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة، 1985 م). - آثار الحرب في الفقه الإسلامي (دمشق، دار الفكر، الطبعة الرابعة، 1992).
193 (1/193)
صفحة 194
76 زرزور، عدنان:
- علوم القرآن (بيروت، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1340 هـ). 77 - الزرقاني، محمد عبد العظيم:
-
مناهل العرفان لعلوم القرآن (بيروت، دار الشام للتراث، الطبعة الثانية
1952 م).
78 - الزركشي، محمد بن عبدالله: - البرهان في علوم القرآن (بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، د: ت). الزركلي، خير الدين:
- الأعلام (بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة السادسة، 1984 م).
--- زقزوق، محمد:
- الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري (القاهرة، دار المنار،
الطبعة الثانية، 1990 م).
-81 الزمخشري، محمود بن عمر:
- الكشاف عن الحقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (دار الكاتب
العربي، طبعة 1992 م). الزنداني، عبد المجيد:
- توحيد الخالق) بيروت، دار الخير، الطبعة الأولى، 1992 م).
الزيادي، محمد:
- ظاهرة انتشار الإسلام وموقف المستشرقين منه (بيروت، دار قتيبة، الطبعة
الأولى، 1990 م).
84 - السبكي، تاج الدين:
(س)
- جمع الجوامع، بحاشية البناني) مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الثانية، 1937 م). - الأشباه والنظائر، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد عوض)
بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1991 م).
- الإبهاج في شرح المنهاج، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الأولى، 1981 م).
194 (1/194)
صفحة 195
85 - السكبي، علي:
- الإبهاج في شرح المنهاج، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الأولى، 1981
86 - السباعي، مصطفى:
-
(1
- الاستشراق والمستشرقون مقال في مجلة حضارة الإسلام، العدد العاشر
السنة الثالثة، مايو 1963).
87 - سعيد، إدوارد:
- تغطية الإسلام، ترجمة: سمير خوري (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط
د: ت).
88 السكري، الحسن:
- شرح أشعار الهذليين (القاهرة، طبعة مكتبة دار العروبة، د: ت).
89 - السلامي، عمر: - الإعجاز الفني في القرآن (تونس، مؤسسة عبد الكريم عبد الله، الطبعة الأولى،
1980 م).
-
-
السنهوري، عبد الرزاق:
الوسيط في القانون شرح القانون المدني الجديد (القاهرة، دار النهضة
العربية، ط د: ت).
91 - السيوطي، جلال الدين:
- الإتقان في علوم القرآن (بيروت، دار المعرفة، الطبعة الرابعة 1972 م). - الدر المنثور في التفسير بالمأثور (بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، ط، د: ت). - الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية (بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1983 م).
-
-
92 الشاطبي، إبراهيم بن موسى: - الموافقات، تحقيق محمد عبد الله دراز (بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، 1975 م). - وطبعة دار إحياء الكتب العربية، البابي الحلبي تعليق: محمد الخضر حسين.
195 (1/195)
صفحة 196
93 الشافعي، محمد بن إدريس:
- الرسالة (مصر، شركة الحلبي وأولاده، 1940 م).
94 - شعبان، زكي الدين:
- أصول الفقه الإسلامي) بنغاري، دار النهضة العربية، طبعة 1981 م).
95 - شلبي، محمود: - تعليل الأحكام (بيروت، دار النهضة العربية، طبعة 1981 م).
96 - شلتوت، محمد:
- الإسلام عقيدة وشريعة (بيروت، دار الشروق، الطبعة الخامسة، د: ت). 97 - شيخاني، سمير: - مع الخالدين (بيروت، مؤسسة عز الدين، طبعة 1991 م).
الشوكاني، محمود بن علي:
- البدر الطالع في أعيان القرن التاسع (بيروت، دار المعرفة، د: ت). - إرشاد الفحول) دار الفكر، طبعة 1231 هـ).
- نيل الأوطار (مصر، المطبعة العثمانية، الطبعة الأولى، د: ت).
99 - الشنقيطي، محمد الأمين - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) بيروت، عالم الكتب، د: ت).
10 - شيون، فريتجون:
- كيف نفهم الإسلام، ترجمة: عفيف دمشقية) بيروت، دار الآداب، الطبعة
الثانية، د: ت).
101 - صبري، مصطفى:
-
(ص)
- موقف العقل والعلم من رب العالمين، (بيروت، دار إحياء التراث العربي،
الطبعة الثانية، 1982 م).
- قولي في المرأة (بيروت، دار الرائد العربي، الطبعة الثانية، 1982 م).
196 (1/196)
صفحة 197
102 - الصفدي، صلاح الدين:
- الوافي بالوفيات) دار النشر، فرانز شتانير بقيسبادن، د: ت).
103 - صبارة عفيف:
(ط)
- روح الدين الإسلامي (بيروت، دار العلم للملاين، الطبعة الثالثة والعشرون
1982 م). 104 - الطبرسي،
- مجمع
البيان (بيروت، دار مكتبة الحياة، د: ت).
105 - الطبري، محمد بن جرير
- جامع البيان عن تأويل القرآن (بيروت، دار المعرفة، طبعة، 1989 م). 106 - الطبري، علي بن ربن: - الدين والدولة (تونس، المكتبة العتيقة، القاهرة، دار التراث، د: ت).
107 - ظاظا، حسن:
(ظ)
الفكر الديني اليهودي) دمشق، دار القلم، بيروت، دار العلوم، الطبعة الثانية، د: ت)
(ع)
108 - عبد الباقي، محمد فؤاد: - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (بيروت، دار إحياء التراث، د: ت). 109 - عبد العظيم، شرف الدين:
- تاريخ التشريع الإسلامي (بنغاري، جامعة قاريونس، الطبعة الرابعة
1993 م).
110 - العطار، داود:
- موجز علوم القرآن (بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثانية،
1979 م).
111 - العقاد، عباس محمود:
- ساعات بين الكتب) صيدا، بيروت، منشورات المكتبة العصرية، د: ت). - المرأة في القرآن (بيروت، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى، 1975 م). - الإسلام دعوة عالمية (بيروت، دار الكتاب للبناني، الطبعة الأولى، 1971 م). - حقائق الإسلام وأباطيل خصومه (القاهرة، مصر للطباعة والنشر والتوزيع، د: ت).
197 (1/197)
صفحة 198
- الإنسان في القرآن (بيروت، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى، 1674 م).
112 - علوان
- الإسلام شريعة الزمان والمكان دار) السلام للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، د: ت). 113 - عودة، عبد القادر: - التشريع الجنائي الإسلامي (بيروت، مؤسسة الرسالة، د: ت). 114 - عوضين، إبراهيم: - محاسن شرعية الإسلام (القاهرة، المؤسسة العربية الحديثة، د: ت).
115 - غربال، محمد:
(غ)
- الموسوعة العربية الميسرة) دار الشغب، ومؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، د 116 - الغزالي، أبو حامد:
- إحياء علوم الدين (بيروت، دار المعرفة، د: ت).
- المستصفي (المبعة الأسيرية ببولاف، الطبعة الأولى، 1322 هـ).
117 - الفاسي، محمد:
ت
- مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها (بيروت، دار الغرب الإسلامي، الطبعة
الخامسة، د: ت).
118 - فاغليري، لورافيشسا:
(ف)
- دفاع عن الإسلام، ترجمة: منير البعلبكي (بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة، 1981 م).
119 - فروخ، عمر - والخالدي، صلاح عبد الفتاح:
- التبشير والاستعمار) بيروت، المكتبة العصرية، الطبعة الثالثة، 1964 م).
120 - القرافي
-
(ق)
شرح تنقيح الفصول) منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، ودار الفكر،
الطبعة الأولى، د: ت).
198 (1/198)
صفحة 199
121 - القرطبي، محمد بن أحمد:
- الجامع لأحكام القرآن (بيروت، دار الشام للتراث، الطبعة الثانية، 1952 م).
122 - القرنشاوي،
- دراسات في الشريعة الإسلامية) بنغازي، منشورات جامعة قاريونس
الطبعة الثالثة، د: ت).
123 - قطب، محمد:
).
- دراسات في النفس الإنسانية (بيروت، دار الشرق، الطبعة العاشرة، د: ت)
124 - الكتبي، محمد بن شاكر:
(ك)
- فوات الوفيات (طبعة مصر، 1399 هـ).
125 - کرم، سمير: - مترجم الموسوعة الفلسفية (بيروت، دار الطليعة، الطبعة السادسة، 1987 م).
126 - لاشين، موس شاهين
(ت)
- اللألي الحسان في علوم القرآن) مصر، طبعة دار التأليف، طبعة 1968 م). 127 - لوكة، المنير أحمد: أحكام شرب الخمر في الشريعة الإسلامية) طرابلس، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الأولى، 1994 م).
128 - لوبون، غوستاف: - حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر) القاهرة، دار إحياء الكتب العربية
طبعة 1950 م).
129 - ماسيه، هنري:
(م)
- الإسلام، ترجمة: بهيج شعبان (بيروت، باريس منشورات عويدات، الطبعة
الثالثة، 1988).
130 - ماكدونالد:
- دائرة المعارف الإسلامية، المجلد السابع، طبعة 1984 م).
199 (1/199)
صفحة 200
131 - المحمصاني، صبحي
- فلسفة التشريع في الإسلام (بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة
1975 م)
- النظرية العامة للموجات والعقود (بيروت، دار العلم، الطبعة الثانية، د: ت). 132 - محفوظ، أحمد:
- تراجم المؤلفين التونسيين (بيروت، دار الغرب الإسلامي، طبعة 1984 م). 133 - مخلوف، محمد:
- شجرة النور الزكية (بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى، 1349 هـ). 134 - متي، كريم: - الفلسفة الحديثة عرض نقدي (منشورات جامعة بنغاري، الطبعة 1974 م). 135 - مسلم بن الحجاج: - صحيح مسلم (مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده، د: ت).
136 - منصور، علي - مقارنات بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية (بيروت، دار الفتح،
الطبعة الأولى، 1349 هـ).
137 - نكري، عبد النبي:
(ن)
- دستور العلماء (بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثانية، د: ت).
138 - نللينو: - نظرات في علاقات الفقه الإسلامي بالقانون الروماني.
- مجلة إسلاميك رفيد، عدد كانون الأول 1953 م ترجم المقال إلى الأنجليزية
حميد الله.
139 - وافي، علي عبد الواحد:
(و)
- المرأة في الإسلام) مصر، دار نهضة مصر للطبع و النشر، الطبعة الثانية، د: ت).
200 (1/200)
صفحة 201
140 - الهادي، صلاح:
(هـ)
- ديوان الشماخ إبن ضرار الديباني، جمع صلاح الدين الهادئ (القاهرة، دار
المعارف طبعة 1968 م).
141 - يالجن، مقداد:
(ي)
- الاتجاه الأخلاقي في الإسلام) مصر مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، 1973 م).
201 (1/201)
صفحة 202
رقم الصفحة
فهرس الأعلام
(i)
اسم العـ
إبراهيم النبي
ابن أمية (هلال بن أمية) (صحابي) ابن جبير سعيد بن جبير)
ابن جزي الكلبي محمد
ابن الخطاب، عمر
ابن خلدون، عبد الرحمن
ابن رشد، محمد الحفيد
ابن سحماء (شريك بن سحماء) (صحابي)
ابن عاشور (محمد الطاهر)
ابن عازب (البراء بن عازب) (صحابي)
ابن عباس، عبدالله
ابن عبد العزيز، عمر
ابن عدي (عاصم بن عدي) (صحابي)
ابن عطية عبد الحق
ابن عمر عبد الله
ابن قيم الجوزية
ابن كثير، أبو الفذا محمد إسماعيل
اين منظور محمد
أبو زهرة، محمد
أبو هريرة أتريكو، أسياتو
202 (1/202)
صفحة 203
اسم العلم
رقم الصفحة
(ب)
أرنولد، توماس
الأسلمية سبيعة (صحابية)
الأعشى، أبو بصير
أندرسون
أوف هيس، فيليب
أهر مسلس، فون
إيتين رينيه، فونس
البخاري، أبو عبدالله إسماعيل
برونشفج، روبير
بزانت، آني
بوسكيه، هنري
بيرك، أدموند
البناني،
البوطي، محمد سعيد رمضان
بونكاريه، هنري
""
66
المتر
الجرجاني، عبد القادر الجرجاني، علي بن محمد
جون، ويليام استانلي
الحمصي، نعيم
حتى، فيليب
(ج)
(ح)
203 (1/203)
صفحة 204
الخطابي
اسم العلم
، محمد بن محمد
(خ)
رقم الصفحة
37
دراز، محمد بن عبدالله
الدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم
دي بوير
د ياومات
ديمومبين
دي فرايز، بنيامين
الرازي، فخر الدين
الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد الرافعي، مصطفى صادق
رضا محمد رشيد
ريتشارد بل
ريتجه بل
الريسوني، أحمد
(د)
(ر)
(ز)
الزرقاني، عبد العظيم
زرزور عدنان
الزمخشري، محمود بن عمر
زيهر، جولد
(س)
السبكي، تاج الدين (1/204)
صفحة 205
رقم الصفحة
اسم العلم
سانتيلانا
سليمان (النبي) سيه، أميل
سيل، جورج
شاکر، محمود شاخت
الشاطبي، إبراهيم الشافعي، محمد إدريس
الشماخ، ابن ضرار الذيباني الشوكاني، محمود بن علي
شرلمان
شيرا
شميل، شلبي
شيون، فريتجون
الطبري، علي بن ربن:
عائشة أم المؤمنين:
عبده،
، محمد:
العجلاني، عويمر: العقاد، عباس محمود:
(ش)
(ط)
(ع)
(غ)
الغزالي، أبو حامد:
(ف)
205 (1/205)
صفحة 206
الفاسي، علال:
فاغليري، لورافيشيا
فيتز جيرالد:
اسم العلـ
رقم الصفحة
(ق)
(ك)
(J)
(م)
قتادة،
القرافي،
القرطبي، أبو عبدالله:
كابي، مارسيل:
كارليل، توماس
کاروزي:
كلارك، صمويل:
كريمر، فون:
كيرك:
لاسكي، هارولد
لاشين، موسى شاهين:
لامبير:
لوثر، مارتن:
لوبون، غوستاف:
ماسيه، هنري:
ماكدونالد:
متشز، جيمس:
مجاهد، (1/206)
صفحة 207
المراغي، مصطفى:
ملانكتون:
اسم العلم
ميل جون ستيورت:
ميتشل دي توب:
نللينو، الأنسة
:
نيكلوسون، رينولد:
نيوفلد:
وات، مونتجمري:
الواسطي، محمد بن يزيد:
وجدي، محمد:
وستر مارك:
(ن)
(و)
(هـ)
هوبير ديشان:
هوكنج:
هيكل، محمد حسين:
اليحصبي، القاضي عياض:
يوسف، النبي:
(ي)
رقم الصفحة (1/207)
صفحة 208
اسم
رقمها
السورة
البقرة
فهرس الآيات القرآنية
الآية
رقمها
كلوا من طيبات ما رزقناكم
من آمن بالله واليوم الآخر
وأقيموا الصلاة
رقم الصفحة التي وردت فيها
فأينما تولوا فثم وجه الله
وكذلك جعلناكم أمة وسطا
يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا | 168
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
وآتي المال علي حبه
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام
ومن كان مريضا أو على سفر
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم
فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم
وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم
والفتنة أشد من القتل
وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم
والفتنة أكبر من القتل
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
ويسألونك عن المحيض
ولا تقربوهن حتى يطهرن (1/208)
صفحة 209
اسم
رقمها
السورة
الآية
فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله
نساؤكم حرث لكم
الطلاق مرتان
رقمها
رقم الصفحة التي وردت فيها
وبعولتهن أحق بردهن
وللرجال عليهن درجة
فإن طلقها فلا تحل له من بعد
وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن
ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا
لا إكراه في الدين
والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة
فمثله كمثل صفوان علية تراب فأصابه وابل.
ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله.
للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله
آل عمران
زين للناس حب الشهوات
إن الدين عند الله الإسلام
أفغير دين الله تبغون
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير
إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم
إن الذين ينفقون في السراء والضراء
والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله
النساء
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة (1/209)
صفحة 210
اسم
رقمها
الآية
رقمها
السورة
مثنى وثلاث ورباع
رقم الصفحة التي وردت فيها
إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً.
ومن كان غنيا فليستعفف
وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح
إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً
إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة | 17 - 18/ 85
وأحل لكم ما وراء ذلكم
ومن لم يستطيع منكم طولاً أن ينكح المحصنات
ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.
فانكحوا ما طاب لكم من النساء.
لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون.
وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل
ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله
ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة
وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن | 101
تقصروا في الصلاة
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس | 105
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله
يجد الله غفورا رحيما.
ويستفتونك في النساء
يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط
فيظلم من الذين هادوا
يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم (1/210)
صفحة 211
رقم الصفحة التي وردت فيها
161
رقمها
الآية
أحل لكم صيد البحر وطعامه.
أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب
فكفارته إطعام عشرة مساكين
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله
يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب | 91،90
فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
حرم عليكم الميتة والدم
لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.
والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب.
من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل.
فأصبح من الخاسرين.
فأصبح من النادمين.
وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا.
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.
إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا.
ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله.
اسم
رقمها
السورة
المائدة
الأنعام (1/211)
صفحة 212
اسم
رقمها
السورة
الأعراف
الأنفال
التوبة
الآية
رقمها
رقم الصفحة التي وردت فيها
فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة
قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه
وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن
ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق
ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق | 121
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا
هو الذي خلقكم من نفس واحدة
فأمنوا بالله ورسوله النبي الأمي
وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله
إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين.
قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية.
قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل.
واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل | 191 إنما الصدقات للفقراء والمساكين خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم
وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة
ولا تصل على أحد منهم مات أبدا
قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى
المسيح ابن الله (1/212)
صفحة 213
رقم الصفحة التي وردت فيها
اسم السورة
رقمها الآية رقمها
إنما المشركون نجس
إن الله معنا
واعلموا أنكم غير معجزي الله
أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين
ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً
قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم
قالت يا ويلتي ءالد و أنا عجوز وهذا بعلي شيخاً 72
أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل
إنا أنزلناه قرءاناً عربياً لعلكم تعقلون
ولقد راودته عن نفسه فاستعصم
كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور
قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا
وعلى الله فليتوكل المتوكلون
تلك آيات الكتاب وقرآن مبين
فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له حافظون
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان | 106
ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء
وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس
إنما يعلمه بشر
يونس
هود
يوسف
ابراهيم
الحجر
النمل (1/213)
صفحة 214
اسم السورة رقمها الآية رقمها
رقم الصفحة التي وردت فيها
الاسراء
الكهف
طه
الأنبياء
الحج
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير | 115
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن
أدع إلى سبيل ربك بالموعظة الحسنة | 125
وجادلهم بالتي هي أحسن
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم
وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه
فلا تقل لهما أف
واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك
قل جاء الحق وزهق الباطل
وءاتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها
أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل
قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا 88
بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله.
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
المال والبنون زينة الحياة الدنيا
وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها
وما أرسلنا قبلك من رسول إلا نوحي إليه
أنه لا إله إلا أنا فاعبدون
أو تهوي به الريح في مكان سحيق.
أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا (1/214)
صفحة 215
اسم السورة رقمها الآية رقمها
رقم الصفحة التي وردت فيها
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض
والذين سعوا في آياتنا معاجزين
وما جعل عليكم في الدين من حرج
قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون
ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا
وسلطان مبين
ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات و الأرض
وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائه جلدة
والذين يرمون المحصنات
والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء
يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير 27
بيوتكم
إن قيل لكم ارجعوا فارجعوا قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم
ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من
زينتهن وأنكحوا الأيامى منكم
كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون
إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه
بكرة وأصيلا
والذين لا يدعون مع الله إلها آخر
فذانك برهانان من ربك الى فرعون وملائه
إنك لا تهدي من أحببت
المؤمنون
النور
الفرقان
القصص (1/215)
صفحة 216
اسم السورة رقمها الآية رقمها
رقم الصفحة التي وردت فيها
الروم
لقمان
الأحزاب
ص
الزمر
غافر
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة
ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا 21 فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون | 18،17
فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها.
إن الشرك لظلم عظيم
ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن.
إن أنكر الأصوات لصوت الحمير. فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن
وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
وقال ربكم ادعوني استجب لكم
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا
أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي
إنا أنزلناه في ليلة مباركه
ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه (1/216)
صفحة 217
اسم السورة رقمها الآية رقمها
رقم الصفحة التي وردت فيها
ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً
يد الله فوق أيديهم
إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم
ولا يغتب بعضكم بعضاً
يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى
واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم.
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه.
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا
والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا. وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول.
كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم.
الأحقاف
الفتح
الحجرات
الطور
النجم
الرحمن
الحديد
المجادلة
الحشر
والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم
الجمعة
التغابن
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم.
الطلاق
واللائي يئسن من المحيض من نسائكم
وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن. (1/217)
صفحة 218
اسم
رقمها
الآية
السورة
التحريم
قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم
المزمل
وآخرون يضربون في الأرض
فذكر إنما أنت مذكر لست عليه بمسيطر.
البلد
الضحى
القدر
فلا اقتحم العقبة
وأما بنعمة ربك فحدث
إنا أنزلناه في ليلة القدر
رقمها
رقم الصفحة التي وردت فيها (1/218)
صفحة 219
الحديث
فهرس الأحاديث النبويه
- أن النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء
- إن الله حرم المشركات على المؤمنين
-
إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع
- إنما الأعمال بالنيات
أيما رجل أعتق مسلما
- تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا
- خذ هذا فتصدق به
- الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة
- كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً
- لا ضرر ولا ضرار
- لا يجمع بين المرأة وعمتها
-
-
- لا يخلون رجل بإمرأة إلا مع ذي محرم
لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما
- ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر - المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا - من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم بسبعمائة درهم
- من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم - هل تجد رقبة تعتقها
- يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج
الصفحة
شه يه په (1/219)
صفحة 220
الصفحة
فهرس المحتويات
الموضوع
المقدمة
التمهيد
الفصل الأول
مفهوم الإعجاز التشريعي
مفهوم الإعجاز لغة
معنى كلمة معجزة
المعنى الاصطلاحي لكلمة الإعجاز
مفهوم التشريع
المعنى الاصطلاحي للإعجاز التشريعي
المعجزة بين العلم والدين
وجوه الإعجاز القرآني
الإعجاز التشريعي بين القدماء والمحدثين
الفصل الثاني
خصائص الإعجاز التشريعي أولاً عموم المقاصد الشرعية
أ - الضروريات الخمس
- حفظ الدين
- حفظ النفس
- حفظ العقل
220 (1/220)
صفحة 221
- حفظ النسل
- حفظ المال
- حفظ العرض
المصالح الحاجية
المصالح التحسينية
ثانياً: الخطاب التشريعي وملاءمته لأحوال المكلفين
أ - الملاءمة بين الروح والجسد
-
ب الملاءمة بين الفرد والجماعة
ج - الملاءمة بين الجريمة والعقوبة
ثالثاً - الجمع بين التحصين والمعالجة رابعاً: الخطاب الشرعي بين الدقة والسعة
أ - الألفاظ المشتركة
ب العبارة والإشارة
ج الإجمال والتفصيل
د التعميم والتخصيص
-
- الإطلاق والتقييد
الفصل الثالث
التشريع القرآني والاستنباط العقلي
أ - المقابلة بين الآيات
ب- القياس والتعليل
ج التصوير والتمثيل
د التأويل
221 (1/221)
صفحة 222
الفصل الرابع
أ- المستشرقون والتشريع القرآني
- شبهة تأثر تشريعات القرآن بالقانون الروماني
ب المستشرقون ومواطن نزول القرآن
ج المستشرقون والنسخ
-
د المستشرقون وتعدد الزوجات
هـ - المستشرقون والجهاد
الخاتمة
الفهارس العامة
فهرس المصادر والمراجع
222 (1/222)
صفحة 223
[صفحة فارغة] (1/223)
صفحة 224
رقم الأيداع: 166/ 2004 م (1/224)