صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علوم القرآن - عقيدة
------------------------------------------
العنوان: الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم
المؤلف: عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي
تقديم: محمد ناصر
الناشر: معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1414ه
الطبعة: 1
الإيداع القانوني: 94/9
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1391&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/909
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 10 رمضان 1446ه/ 10 - شهر 03 - 2025م. سلطنة عُمان
معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد
الحقيقة والمجاز في القُرآن الكريم
عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي
الطبعة الأولى
1414 ه (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
[صفحة فارغة] (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
بسم الله
ديم
«الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم»، بحث جليل، وأجل منه أنه موضوع يتعلق بكلام رب العالمين، لا يتصدى للبحث فيه إلا من أوتى علما وفهما، ولكن هل يعني ذلك ألا يتطلع إلى شرف هذه المنزلة من هو في طريق العلم، وبدايات البحث العلمي، كلا! لأن من معجزات القرآن نفسه أن يكون في متناول فهم كل متامل، كل حسب منزلته العلمية ومستواه الفكري.
ومما يثلج الصدر حقاً، ويملأ النفس أملاً أن يتطلع إلى شرف هذه المنزلة طالب على أبواب التخرج في معهد القضاء الشرعي، مما يدل على مؤهلات قيمة، استعداداً عقلياً، وتكويناً علمياً، وتشبعاً روحياً، وهذه هي الرسالة الشريفة التي حرص المعهد على أدائها والقيام بها، فهو ينفخ دوما هذه الروح الإيمانية في طلابه، مكونا إياهم تكويناً علمياً رصيناً يؤهلهم لما ينتظرهم من مسؤوليات في المستقبل.
وقد رأت إدارة المعهد - من هذا المنطلق - تكريم الطالب عبد الله بن علي الرويشدي الذي قدم هذا البحث مطلباً من مطالب التخرج - بطبع بحثه ونشره، تشجيعا له ولغيره من طلاب العلم، ورجال المستقبل.
على أن الإدارة على يقين بأن القارئ الكريم، ولاسيما المتخصص سيلحظ أن الباحث لم يستوف بعض الجوانب في بحثه، وهذا لا يقلل بحال من أهمية العمل فإن لكل مجتهد نصيب، والكمال لله وحده.
سائلين الله أن يبعث منه ومن أمثاله بدوراً للعلم وقد صاروا أهلة.
وإذا رأيت من الهلال نموه أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً
والله ولـ التوفيق،،،
دكتور / محمد ناصر
مسقط في: 6 ربيع الثاني 1414 هـ
الموافق 22 سبتمبر 1993 م (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
المقدمة -
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبهدايته تُحل المشاكل المعضلات وبرحمته تتنزل البركات وبرأفته تتوالى العطايا والهبات، أحمده حمد من آمن بجلاله، واعترف بكماله وجماله، وأشكره على ماوهب من سيب جوده وعظيم نواله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وسع كل شيء علما وأوسع كل حادث حكما، وأرسل الرسل تترى، وأنزل الكتب تتلى، وجعل القرآن الكريم معجزة خاتم النبيين كتاباً معجزاً، تبيانه، ساطعاً برهانه، محتوياً على الحقيقة والمجاز اللذين هما في القرآن من جملة دلائل الإعجاز، وأشهد أن سيدنا. عبد الله ورسوله جمعت رسالته ماتفرق في الرسالات وخلدت معجزته دون سائر المعجزات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين كانوا هداة البشرية، ومحاة الأمية، وأساتذة العالم،
وبناة التاريخ.
أما
فإنَّ الله عز وجل برأ الخلق لعبادته، ولم يتركهم سدى لأنه لم يخلقهم عيناً وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (1) وقال تعالى: أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وانكم إلينا لا ترجعون (2)، وعبادة الله سبحانه لا تكون مع الجهل فإن الجهل يطمس حقيقتها أمام عين العابد، ولذلك كان أشرف العبادة معرفة الخالق عز وجل حق المعرفة إذ إن في معرفة الله دوام الطاعة والعبادة له، وفي الجهل به نزول رتبة العبادة في نفس صاحبها إن لم يؤد ذلك إلى إنقطاعها، وفي كتاب الله - سبحانه - المنزل على
(17
قلب رسوله ما يعرف العباد بالله حق المعرفة، ويبين لهم كنه ما يعبدون، وحقيقة (4)
الذي يرغبون إليه ويرجون بخطاب ألفوه، ولغة يتفاهمون بها فيما بينهم فوصف
(1) الذاريات: 057،56 (2) نبهني شيخي العلامة أحمد الاحمد الخليلي حفظه الله على خطأ استعمال هذه الكلمة فلين إدراك حقيقة ذات الله تعالى مستحيلة (لا يحيطون به علما)
(2) المؤمنون: 115.
وأرى الصواب تغييرها إلى (صفات)
(ع) كالذي قبله والصواب) وعظم مقام الذي ... الخ)
- Y- (1/7)
صفحة 8
الله نفسه في كتابه بألفاظ لها مدلولاتها المعلومة لدى العالمين ولن يصف الله أعلم بالله من الله، فالله ـ عز وجل - يقول: {يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) (1) ويقول - سبحانه -: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) (2)، ويقول تعالى: وهو الله الذي لا إله إلا هو علم الغيب والشهدة هو الرحمن الرحيم، هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلم المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحن الله عما يشركون، هو الله الخلق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له مافي السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (3)، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي جاءت واصفة الله عز وجل بما يجب أن يوصف به، وجاءت أيضاً الآيات القرآنية منزهة الله عز وجل عن كل مالا يجوز أن يوصف به، فالله سبحانه وتعالى يقول: قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (4)، ويقول عز من قائل: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (5)، وهذه الآية الكريمة نص عاصم من
اعتقاد تشبيه الخالق بالمخلوقين، أو أن يكون له ما يماثله في شيء من صفاته. وكما جاءت في كتاب الله - عز وجل - تلك النصوص التي لا إيهام في المراد بها ولا خفاء وردت في القرآن الكريم نصوص يوهم ظاهرها المشابهة بالحوادث، مثل قوله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه} (1)، وقوله: والسماء بنينها بأيد وإنا لموسعون (7) وقوله ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي (8)
وقوله يد الله فوق أيديهم (1)
(1) البقرة: 21.
vo :?(^)
(2) البقرة: 163. (9) الفتح: 10
(3) الحشر: 23.22.
(4) الاخلاص
(5) الشورى: 11
(6) القصص: 88
(7) الذاريات: 47
-^- (1/8)
صفحة 9
وقوله: ولتصنع على عينى (1) وقوله تجري بأعيننا (2) وقوله: وهو معكم أينما كنتم) (2) وقوله وجاء ربك (4) وقوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (ه)، وقوله: الرحمن على العرش استوي (1) هذه الآيات الكريمة ومثلها أحاديث وردت في السنة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - كانت منشأ خلاف بين العلماء في المراد بها، على أنه لم يظهر هذا الخلاف في المراد بهذه الآيات في العهد النبوي مع تردد الصحابة على رسول الله الله يسألونه عن أمور دينهم ودنياهم، إنما نشأ الخلاف بعد ذلك، بعد أن اتسعت رقعة العالم الإسلامي وعاش أهله استقراراً ورفاهية في العيش كان عاملاً من عوامل النشاط الفكري والثقافي يظهر في مدارس العلم والتاليف، ودخلت في الديانة الإسلامية شعوب مختلفة تحمل أفكاراً متباينه كان لها أثرها غير الهين في توجيه العطاء الثقافي والانتاج الفكري.
إن الذين عاصروا العهد النبوي من الصحابة كان لهم من الدراية بأساليب اللغة ومدلولات الألفاظ ما يجعلهم يقنعون بما يفهمونه من مثل هذه الآيات المتشابهة في القرآن الكريم عند سماعهم لها لأول مرة، والذين يقولون بأنها آيات تُجوز فيها يقولون بأن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يحملونها على معانيها المجازية بينما خالفهم النافون للمجاز، ولكون المجاز مدار التأويل، وبه يُصرف اللفظ عن ظاهر معناه وجه الذين تمسكوا بظواهر ألفاظ الآيات عنايتهم إلى نفي المجاز فمنهم من نفاه من اللغة أصلاً، وبطبيعة الحال فإن نفي المجاز في اللغة يتضمن نفيه من
القرآن الكريم.
(1) طه: 39
(2) القمر: 14
(3) الحديد: 4
(4) الفجر: 22
(5) البقرة: 210
0: ab (9) (1/9)
صفحة 10
ومنهم من نفاه عن القرآن الكريم وتوقف في نفيه من اللغة، كابن تيمية ومن
وافقه.
ومنهم من قضى بوجوده على الإطلاق - أي في اللغة وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله وهو قول جمهورا ر الأمة.
فالموضوع - إذن - له صلة كبيرة بالجانب العقدي، وهو من جملة أسباب
الخلاف بين طوائف الأمة الإسلامية، ويكتسب أهميته الكبرى من هذه الناحية. والذين كتبوا في هذا الموضوع من المتقدمين تكثر في كلام أغلبهم المناقشات الحامية إذا ما وصل بهم الحديث إلى الجوانب العقائدية في هذه المسألة مثل كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، بينما يناقش أغلب الكتاب المتأخرين هذا الموضوع من زاوية أدبية، فإن عماد البلاغة يقوم على المجاز، ولذلك يقول عبد القاهر الجرجاني، «إن من أنكر المجاز في اللغة فقد أسقط منها شطر الحسن»، ومن الكتب الحديثة التي مشت على هذه الطريقة كتاب «الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم» للدكتور علي محمد حسن المدرس بكلية البنات بالقاهرة، وكتاب «المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم للدكتور إبراهيم عبدالعظيم المطعني أستاذ قسم البلاغة والنقد في كلية اللغة العربية بالقاهرة - أيضاً -، ولا أعني بالزاوية الأدبية حصر الخلاف بين الأدباء، إنما أعني الآثار المترتبة على نفي المجاز المؤثرة تأثيراً بالغاً بالحط من رتبة الجانب الأدبي في اللغة دون نظر إلى كون القائل به من الأدباء أو المتكلمين أو الأصوليين أو غيرهم.
أما بالنسبة لطريقة البحث التي اتبعتها في هذا الموضوع فهي كالتالي:
1 - الرجوع إلى كتب البلاغة المتقدمة والحديثة، فمن جملة الكتب القديمة كتابا الإمام عبد القاهر الجرجاني (دلائل الإعجاز»، و «أسرار البلاغة»، وكتاب «مفتاح العلوم» للسكاكي، و «الإيضاح» للقزويني، على أن أكثر أخذي كان من الكتب الحديثة للمتأخرين ككتابي الدكتور علي محمد حسن والدكتور إبراهيم عبدالعظيم المطعني السابق ذكرهما، والبلاغة الواضحة لعلي الجارم ومصطفى أمين، و «علم
1. - (1/10)
صفحة 11
البيان» للدكتور بدوي طبانة، و «البلاغة العربية في ثوبها الجديد للدكتور بكري شيخ أمين وآخرين. وقد رجعت في المباحث الأصولية إلى كتب الأصول للمتقدمين
ككتاب الإبهاج شرح المنهاج لابن السبكي، و «الإحكام» لسيف الدين الآمدي، و «الإحكام» لابن حزم وغيرها، ورجعت ـ أيضاً ـ إلى بعض الكتب التي اختصت بعلوم القرآن ككتاب البرهان في علوم القرآن للزركشي، و «الإتقان» للإمام جلال الدين السيوطي.
2 ـ لاختصاص هذا البحث بمناقشة مسألة وجود المجاز وعدمه في القرآن الكريم استشهدت ـ ما أمكنني ـ الاستشهاد بآيات الكتاب العزيز ولربما عضدتها بشيء من الأحاديث النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - مع تخريجها - ولابد.
- استشهدت - أيضاً - بنخبة من الأبيات الشعرية والكلمات المأثورة عن أهل هذه اللغة يتضمن أغلبها صوراً مجازية من كتب الأدب واللغة العربية.
هذا .. وغني عن القول أن هذا البحث ليس غرضه أن يُحصي مباحث الحقيقة والمجاز وقضاياهما، أو أن يستقصي أسباب الخلاف الواقع في باب المجاز ويتتبع آثاره ويرد على كل شبهة تُثار فيه فإن هذا مما لاطاقة لي به فكيف أدعيه؟ على أني لم بجديد لقلة زادي وماهو إلا كما يأخذ الطير بمنقاره من البحر فبماذا يرجع؟
آت
خطة البحث:
وقد جعلت بحثي هذا محتوياً على بحث تمهيدي وثلاثة فصول وخاتمة.
البحث التمهيدي:
بحثت فيه موضوع دلالة الألفاظ على المعاني مبيناً الصلة بينه وبين الحقيقة
والمجاز
الفصل الأول: تعرضت فيه لذكر الحقيقة وأقسامها وأنواعها وشيء من أحكامها.
وعقبت بخاتمة للفصل.
-11 - (1/11)
صفحة 12
الفصل الثاني: بحثت فيه موضوع المجاز تعريفه ونشأته والفرق بينه وبين الحقيقة ثم ذكرت أقسامه وختمته بتنبيهات في نهايته وإثر بعض أقسامه - أيضاً.
الفصل الثالث: - وهو بيت القصيد - ذكرتُ فيه الخلاف في وجود المجاز في اللغة مطلقاً - أولاً - ثم في القرآن الكريم وعرضت فيه لشيء من أقوال النافين فحاولت تفنيدها ثم أوردت أدلة المجيزين.
الخاتمة: وفيها ذكرت الآثار المترتبة على القول بنفي المجاز، وإشارة إلى كون
المجاز صورة من صور التوسع اللغوي في اللغة العربية - خاصة -.
وقبل أن أختم هذه المقدمة أوجه عناية المسلمين إلى الاهتمام بإزالة كل ما يعوق وحدتهم من حواجز وعراقيل والعمل على إماتة البدع وإحياء السنن بالعودة إلى كتاب الله عز وجل وإلى السنة الثابتة عن رسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام، وانتهاج أفضل السبل الملائمة التي تفضي بالمسلمين إلى الوحدة العامة، والعمل لغاية واحدة، فإن الزمن قد استدار كهيئته يوم أن بعث الله رسوله محمداً عليه الصلاة والسلام فبعث في البشرية حياة جديدة، تقيم منهج الله عز وجل وتعبد الله على هدى
وبصيرة.
إنَّ الناس هم الناس، والجنس البشري في العصر الحاضر هو الجنس البشري الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما زالت المسئولية والأمانة التي علقها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقاب الأمة بأداء رسالته وتبليغها إلى الناس كافة، مازالت هذه الأمانة في أعناق المسلمين جيلاً بعد جيل، فإلى متى؟ إلى متى؟ أيها المسلمون أنتم وراء الشقاق والنزاع والتكفير والتفسيق ساعون؟ إلى متى أنتم وراء المطامع تتساقطون؟ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به أن
تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع (1) وإن في إثارة مثل هذا القول القائل بمنع المجاز وإبطاله إيقاداً لفتنة كانت نائمة،
(1) الأنعام: 70
– 12 – (1/12)
صفحة 13
وصدعاً في جدار الوحدة المنشود أبناء هذه الأمة مما لا يعود على الأمة الإسلامية بخير أبداً ...
هذا وأشكر شيخي الدكتور عثمان الفكي الذي أمدني بمعلومات قيمة تتصل بموضوع البحث، واعتذر عن التقصير فيه لاستعجالي في الأيام الأخيرة بغية عدم التأخر في تقديمه.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل
* عبد الله بن علي بن سالم الرويشدي مسقط في 5 / ربيع الآخر 1414 هـ الموافق 1993/ 9/21 م
- 1 - (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
- تمهيـ
دلالة الألفاظ على المعاني
إن الألفاظ التي ينطق بها الانسان تتصل اتصالاً وثيقاً بعقله وتفكيره، وهي وسيلة من وسائل تعبيره عما يختلج في ضميره، وهي لصلتها بالعقل والعاطفة يتناولها أصحاب علم النفس ولكنها قبل هذا وذاك عنصر من عناصر اللغة، ولهذا يعرض لها اللغويون في بحوثهم ويتناولونها من زاويتهم الخاصة، ودراسات هؤلاء وهؤلاء من أهل العلم تتشابك حدودها، وتتقارب في بعض نواحيها حين تعرض للألفاظ ودلالة الألفاظ.
وبحثنا في موضوع الحقيقة والمجاز له صلة وثيقة بدلالة الألفاظ لأنهما داخلان في تقسيمات الألفاظ وصورة من صور التطور الدلالي لللفظ.
وما دمنا نتحدث عن الألفاظ فلنتبين معنى اللفظ: أولاً: فهو في اللغة بمعنى الطرح والنبذ وحقيقته ماحرك به اللسان مستعملاً كان أم مهملاً تقول: لفظ بالشيء يلفظ لفظاً: تكلم، وفي التنزيل: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (1). ولفظتُ بالكلام وتلفظت به أي تكلمت به، واللفظ واحد الألفاظ، وهو في الأصل وحده ابن حزم بقوله: «هواء مندفع من الشفتين والأضراس والحنك
مصدر»
(2)
والحلق والرئة على تأليف محدود»، قال: «وهذا أيضاً هو الكلام نفسه» (2). وقال
ابن هشام «المراد باللفظ: الصوت المشتمل على بعض الحروف، سواء دل على معنى كزيد أم لم يدل كديز - مقلوب زيد - وقد تبين أن كل قول لفظ، ولا ينعكس»
(4)
(1) ق: 18
(2) لسان العرب ج 7 ص / 461 ط دار صادر - بيروت.
(3) الأحكام / ابن حزم الظاهري - ج 1، م 1 ص 46 - منشورات دار الآفاق - بيروت، وانظر:
التعريفات للجرجاني ص 247 / ط: دار الكتاب العربي - بيروت.
(4) شرح قطر الندى لابن هشام بتحقيق محمد محيى الدين ص 2.
1101 (1/15)
صفحة 16
وهي
فعلة.
وما دامت الألفاظ التي نتكلم بها هي لغة أجناس البشر فلنتبين معنى اللغة أيضاً، جاء في «اللسان»: «اللغة اللّسْنُ، وحدّها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، من لغوت أي تكلمت أصلها لغوة ككُرة وقلة وثبة، كلها لاماتها واوات وقيل: أصلها لُغَي - لغو، والهاء عوض، وجمعها لُغَى مثل: بُرة وبُرى، وفي المحكم الجمع لغات ولغون» وقال ابن حزم: «اللغة ألفاظ يعبر بها عن المسميات وعن المعاني والمراد إفهامها، ولكل أمة لغتهم قال الله عز وجل: وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم) (2) ولا خلاف في أنه تعالى أراد اللغات والظاهر أنه إذا كان لكل قوم وأمة لغتهم فاللغة لاتحد بالأصوات
والألفاظ فحسب، فقد وجد المتتبعون لحياة الحشرات أنها تتفاهم بإطلاق مواد كيميائية لها تركيباتها المعبرة، وصدق الله القائل وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم) (2)، على أن هناك فارقاً كبيراً بين لغة الحشرات ولغة البشر فتلك غريزية وهذه إرادية، وإنما صح إطلاق لفظة «لغة» على وسيلة التفاهم بين الحشرات على سبيل التجوز.
إن النطق بالألفاظ وسيلة من وسائل التفاهم التي ميز الله سبحانه بها النوع الإنساني من بين سائر المخلوقات حتى إن المناطقه لم يجعلوا من فارق للإنسان يمتاز به عن الحيوان غير النطق فقالوا في تعريفه: الحيوان الناطق والله سبحانه يقول في كتابه: الرحمن علّم القرآن خلق الانسن، علمه البيان) (1).
وقد اختلف العلماء في بداية نشأة الكلام، وتداول الناس للألفاظ هل أوقفهم الله سبحانه وتعالى عليها؟ أم اصطلحوا عليها فيما بينهم؟ أم كانت اللغة توقيفية في
(1) لسان العرب ج 15 ص 251، 252 مادة لغا - ط دار صادر - بيروت.
(2) ابراهيم / 4.
(3) الأحكام ج 1 م 1 ص 46، وانظر كتاب التعريفات للجرجاني ص 247 ط (1) دار الكتاب
العربي.
(4) الرحمن: 1، 2، 3، 4.
-17 - (1/16)
صفحة 17
بداية أمرها ثم انتهت إلى الاصطلاح والمواضعة؟ وكيف اصطلحوا عليها؟ .. كلها آراء ونظريات ماتزال موضع أخذ ورد بين العلماء، ويظهر أثر هذا التردد واضحاً في موقف الامام ابن جني في «الخصائص» فهو أحياناً يميل إلى الرأي القائل بأن
الانسان إنما استلهم لغته من أصوات الكائنات المحيطة به، وأحياناً يميل إلى الرأي القائل بأنها توقيف من الله تعالى.
(1)
وفي «الإبهاج» للإمام ابن السبكي ... فالواضع إن كان هو الله تعالى فهو مذهب الشيخ أبي الحسن ومن وافقه وهو المسمى بالتوقيف، وإن كان هو العبد فهو مذهب أبي هاشم وهو المسمى بالاصطلاح والتواطؤ، وإن كان منهما فإما أن يكون ابتداء الوضع من الله والباقي من العبد وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق، أو العكس وهو مذهب ضعيف لم يذكره في الكتاب - لعله يريد المنهاج - وأما. جمهور المحققين كالقاضي فمن بعدها فقد توقفوا في الكل»
(2)
وقد أخذ برأي الأستاذ أبي اسحاق في هذه المسألة الامام ابن حزم فبعد أن قرر توقف اللغة على تعليم الله في بدايتها أثبت أنها صارت الى الاصطلاح والتواطؤ بعد ذلك، واستدل على أن أصل اللغة توقيف بقوله تعالى: وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة (3)، وبعد عرضه لهذا القول عقب عليه بقوله: «إلا أننا لا ننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها بما علموا ماهية الأشياء وكيفياتها وحدودها، ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم ـ عليه السلام - عليها أولاً، إلا أننا نقطع على أنها أتم اللغات كلها، وأبينها عبارة وأقلها إشكالاً، وأكثرها وقوع أسماء مختلفة على المسميات كلها» (4) وأصح الأقوال في المراد بالأسماء في الآية الكريمة أنها أسماء الأجناس دون مفرداتها
(0)
(1) الخصائص لابن جنى تحقيق محمد على النجار ج 1 ص 46، 47 ط دار الكتاب العربي. (2) الإبهاج / ج 1 ص 196 (الطبعة الاولى) 1401 هـ نشر مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة. (3) البقرة / 31.
(4) الاحكام / ج 1 م 1 ص 31 ط دار الآفاق الجديدة - بيروت.
(5) راجع / جواهر التفسير - ج 3 ص 51 ط دار جريدة عمان (1988 م)، کتاب الايمان لابن تيمية ص 85 ط دار الكتب العلمية - بيروت.
- 1 V- (1/17)
صفحة 18
والآراء المختلفة في مسألة نشأة الكلام لا تعدو كونها نظريات تبدأ بالفرض ثم
تسوق له الأدلة والبراهين لعدم القطع في هذه المسألة ولذا أعرض الباحثون المحدثون عن مثل هذه النظريات واتجهوا في محاولتهم لمعرفة نشوء اللغة إلى الاستقراء والتتبع باجراء التجارب، واستعراض الملاحظات، ثم تتكون لهم النتيجة أياما كانت هذه النتيجة، ويؤسسون نظريتهم على ثلاثة أسس:
- دراسة مراحل نمو اللغة عند الأطفال.
- دراسة اللغة في الأمم البدائية.
دراسة تاريخية للتطور اللغوي
(1)
وبحسب ما يؤديه اللفظ لذهن السامع أو يبرز من ذهن المتكلم خدمة للمعنى يكون توصيفه لدى أهل المنطق والأصول، فهم يجعلون اللفظ قرين المعنى إن دل عليه بتمامه سموا ذلك مطابقة، وإن دل على جزء منه سموا ذلك تضمناً، وإن دل على لازم خارج عنه يستتبعه استتباع الرفيق سموا ذلك التزاماً.
مثال المطابقة أن يدل لفظ (الكتاب على مافيه من أوراق وغلاف ونقوش لا يستثنى من ذلك شيء، ومثال التضمن أن يدل لفظ (الكتاب) على الورق وحده أو الغلاف وحده، فلو بعت الكتاب يفهم المشتري دخول الغلاف فيه، ولو أردت بعد ذلك أن تستثني الغلاف لاحتج عليك بدلالة لفظ الكتاب على دخول الغلاف، ومثال الالتزام أن يدل لفظ (الدواة) على القلم، فلو طلب منك أحد أن تأتيه بدواة ولم ينص على القلم فجئته بالدواة وحدها لعاتبك على ذلك محتجاً بأن طلب الدواة كاف في
(2)
الدلالة على طلب القلم وقد قسم أحد اللغويين المحدثين دلالة الألفاظ تقسيماً يعود إلى اللفظ نفسه
(1) دلالة الألفاظ ت د. ابراهيم أنيس ص 43 ط (5) مكتبة الأنجلو المصرية. (2) انظر كتاب الاحكام لسيف الدين الآمدي 1 ص 17،19) (الطبعة الاولى) دار الكتب العلمية - بيروت: كتاب المنطق للشيخ محمد رضا المظفر ص 37، 38 (الطبعة الثانية) دار التعارف -
بيروت.
(3) دلالة الألفاظ ت. د. ابراهيم أنيس ص 44.
-1 A- (1/18)
صفحة 19
من حيث جرسه الموسيقي واشتقاقه، وطريقة تداوله بين الناس وجعل دلالاته أربع
دلالات
بعد
أ - دلالة صوتية:
ومثل لذلك بكلمتي (تنضخ) و (تنضح) لما للأولى من قوة أداء للمعنى أكبر من الثانية في قولك مثلاً: تنضخ العين بالنفط في وسط الصحراء» فإن السامع يتصور سماعه كلمة (تنضخ) عيناً يفور منها النفط فوراناً قوياً بعكس مالو استعملنا كلمة (تنضح) بالحاء المهملة للدلالة على ماذكرنا فإن دلالتها ستكون أقل على ذلك، ومن ذلك قوله تعالى فيهما عينان نضاختان) (1) ويحس الإنسان ذلك من نفسه حينما ينطق بحرف الخاء الذي من صفاته التفخيم كأنما يمثل لنفسه حالة خروج النفط أو السائل في اندفاعه السريع.
ب - دلالة صرفية:
تستمد هذه الدلالة من بنية الصيغ كاختيار المتكلم صيغة (فعال) لفظ يدل على التكثير والمبالغة منه قوله عز وجل (فعّال لما يريد) (2)، وكصيغة (فعول) للدلالة على ذلك أيضاً في قولك: أكول أو شروب أو نؤوم ومنه قول امرئ القيس: «نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضّل».
جـ - دلالة نحوية:
مستمدة من تركيب ألفاظ الجملة الواحدة والتناسق الموجود فيما بينها، ذلك التناسق الذي يطلق على الكلام عند عدمه بأنه ضعيف التأليف فلو حدث واختل ذلك النظام والتناسق لأدى إلى تعسر الفهم للمنطوق به)، مثال ذلك رجوع الضمير على متأخر لفظاً ورتبة كقول حسان ـ رضى الله عنه ـ
(1) الرحمن / 66. (2) البروج / 16.
(")
(3) يعبر بعض اللغويين المحدثين عن هذه الدلالة بمصطلح له رونق وبريق المصطلحات
الجديدة بالدلالة الوظيفية، وانظر ماكتبه في ذلك تمام حسان في بعض كتاباته. (1/19)
صفحة 20
ولو أن مجداً أخلد الدهر واحداً من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
فإن الضمير في «مجده» راجع إلى مطعما» وهو متأخر في اللفظ وفي الرتبة لانه مفعول به، وقول الفرزدق في خال هشام:
وما مثله في الناس إلا مملكاً
د - دلالة معجمية أو اجتماعية:
جميع
أبو أمه حتى أبوه يقاربه
جميع تلك الدلالات السابقة من صوتية ونحوية وصرفية تكون مكتسبة لدى الناس على اختلاف فئاتهم وطبقاتهم في المجتمع عن طريق التلقي والمشافهة وتصبح أنظمتها بمثابة العادات الكلامية يؤديها الواحد دون شعور بخصائصها أو على الأقل دون أن يشعر بها شعور عالم النحو والصرف، فالدلالة الاجتماعية للكلمات تظل تحتل بؤرة الشعور لانها الهدف الأساسي في كل كلام، وليست العمليات العضوية التي نقوم بها في النطق بالأصوات إلا وسائل يرجو بها المتكلم أن يصل عن طريقها إلى ما يهدف من فهم أو إفهام، فهذه الدلالة مترتبة على الدلالات السابقة وكنتيجة لها إذا ما استعملت، سواء أتفهمت معاني تلك الدلالات السابقة لدى المتخصصين أم لم تتفهم لدى العوام من الناس. أ. هـ ولغات جميع الأمم عرضة للتغير والتأثر بمؤثرات متعددة أقوى تلك المؤثرات ضعف تعلق أصحاب اللغة الواحدة بلغتهم، الناشيء إما عن وقوعهم تحت قبضة أمم غالبة تفرض لغتها عليهم، أو اختلاطهم بأجناس الأمم الأخرى، أو تقليد لغيرهم يدفعهم إلى ذلك الرغبة كما دفعتهم الرهبة.
(1)
ولا أظن أن لغة تضيق عن استيعاب ماتفرزه الحياة من مكتشفات وتطورات فلا تجد لها مصطلحاً يتعارف عليه الناطقون بها، فهذه العبرية وهي لغة قديمة العهد الآن كلغة عصرية لليهود لتكون لغة دولتهم الموعودة في عصر
تدرس
الاكتشافات
(1) مأخوذ من كتاب / دلالة الالفاظ ت. د. ابراهيم أنيس ص 44 وما بعدها (بتصرف). (1/20)
صفحة 21
والتطورات المذهلة.
وما ينعق به سفهاء الأحلام من القول بضعف اللغة العربية عن مسايرة اللغات العصرية، واستيعابها لكل ما يستجد في الحياة الحاضرة دليل واضح على جهلهم بها، وقولهم ناشيء عن ضعف الوازع الديني في قلوبهم إن لم يكن اتباعاً لأعداء
الإسلام الذين يريدون محو اللغة العربية لارتباطها الوثيق بالدين الإسلامي. واللغة العربية واسعة لاتضيق عن ابتداع اسم لمخترع لم يوجد من قبل، أو مادة لم يعهد وجودها فيما سبق من عهد، وكصورة من صور توسع اللغة العربية نجد الألفاظ فيها تنقسم خمسة أقسام مختص، ومشترك، ومنقول، ومرتجل، وحقيقة ومجاز كلها دالة على ما للغة من ثروة في الألفاظ التي تؤدي المعاني واسعة،
وبعبارات مختلفة
(1)
ومن بين هذه الأقسام التي تنقسم إليها الألفاظ مايدور حوله حديثنا في هذا البحث، وما لأجله مهدنا بهذا التمهيد ألا وهو. قسما الحقيقة والمجاز، إذ كلاهما ظاهرة من ظواهر التطور الدلالي في اللغة بمعنى عام وفي اللغة العربية بمعنى أخص وستظهر لنا عبر فقرات هذا البحث - بإذن الله تعالى - صورة التوسع اللغوي التي يمثلها كل من الحقيقة والمجاز، فما الحقيقة؟ وماهو المجاز؟ وأية مكانة
هي
يحتلانها بين أساليب اللغة ووسائل التعبير فيها؟ ...
(1) أنظر / الفصحى لغة القرآن. ت. أنور الجندي ص 12 ط دار الكتاب اللبناني - بيروت. - إعجاز القرآن ت. مصطفى صادق الرافعي ص / 90/ 91 ط دار الكتاب العربي - بيروت.
-- (1/21)
صفحة 22
[صفحة فارغة] (1/22)
صفحة 23
الفصل الأول
الحقيقة في القرآن الكريم
تعريف الحقيقة لغة:
(1)
(*)
قال ابن فارس في «فقه اللغة»: «الحقيقة من قولنا: حق الشيء إذا وجب واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المحكم، يقال: ثوب محقق النسج أي محكمه فالحقيقة: الكلام الموضوع موضعه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل ولا تقديم فيه ولا تأخير كقول القائل: أحمد الله على نعمه وإحسانه وهذا أكثر الكلام، وأكثر آي القرآن وشعر العرب على هذا» وفي اللسان: «حق الأمر يحق ويحق حقاً وحقوقاً صار حقاً وثبت والحقيقة في اللغة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز ما كان بضد ذلك» وفي القاموس: «والأمر يَحُقِّ ويحق حقةً بالفتح وجب ووقع بلاشك ثم قال - والحقيقة ضد المجاز» وقال بعد ذلك بكلام والمحقَّق من الكلام الرصين، ومن الثياب المحكم النسج» وقد اعتبر الغزالي في كتابه «المستصفى» لفظ الحقيقة مشتركاً بين ذات الشيء وحده وبين حقيقة الكلام وذهب العلوي في «الطراز» إلى أن لفظ الحقيقة نفسه مجاز، لأنها مقولة في الأصل على الشيء الثابت غير المنفي المعدوم، ثم إنها نقلت إلى استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، فقد أفادت غير ما وضعت له في الأصل
(3)
(°)
(1) الصاحبي لابن فارس ص 321 - 322 تحقيق السيد أحمد صقر - مطبعة عيسى البابي
الحلبي وشركاه / القاهرة. (2) اللسان ج 1 ص 52 مادة حقق.
(3) القاموس المحيط ج 3 ص 229 فصل الحاء باب القاف ط: الجيل.
(4) المستصفى ج 1 ص 341 ط: دار الفكر.
(5) الطراز ج 1 ص 46 ط: دار الكتب العلمية.
- rr- (1/23)
صفحة 24
- تعريف الحقيقة اصطلاحاً:
عرفها أبو الحسين البصري المعتزلي بقوله: «ما أفاد معنى مصطلحاً عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب
(1)
فقوله: «ما أفاد معنى» عام في المعاني العقلية والوضعية، وقوله «ومصطلحاً عليه» يخرج عنه المعاني العقلية كالدلالة على كون المتكلم بالحقيقة قادراً وعالماً إلى غيرها من المعاني العقلية، وقوله: «في الوضع الذي وقع فيه التخاطب يدخل فيه جميع الحقائق كلها من اللغوية والعرفية والشرعية والاصطلاحية
(*)
وقد ارتضى هذا التعريف العلوي في «الطراز» وصدّر به كلامه في تعريف الحقيقة، وناقش تعريفات كل من أبي عبد الله البصري، والشيخ عبدالقاهر الجرجاني، والشيخ أبي الفتح بن جني، وتعريفاً ذكره ابن الأثير في كتابه «المثل
السائر»
(3)
وتعريف أبي الحسين أولى من قولنا في حدّ الحقيقة بأنها اللفظ المستعمل فيما وضع له، وما أشبه هذا من التعريفات الأخرى التي يتصور السامع عند سماعها بأن هناك وضعاً قد تم في زمن معين، وفي عصر خاص من عصور التاريخ، واصطلح الناس على جعل عدة من الألفاظ موضوعة لحقائق معروفة حتى إذا ما استعملت في غير ما وضعت له عد ذلك مجازاً.
إن إرجاع أمر معرفة كون هذا اللفظ حقيقة إلى مثل هذا الوضع الذي أشرنا إليه أمر متعذر إذا ما نظرنا إلى تطور الألفاظ على مدى الأزمان، ويتعذر بقاء اللغة الأولى والمصطلحات المتقدمة على ماهى عليه دون أن يطرأ عليها نسيان الوضع الأول واشتهار الاستعمال الأخير بحيث يصبح الاستعمال الأخير للفظ هو الحقيقة ولا يدرك معنى الوضع الأول بسبب عدم ا استعماله.
(1) المعتمد ج 1 ص 11 ط: دار الكتب العلمية. (2) الطرز ج 1 ص 47 (بتصرف).
(3) المصدر السابق ص 48 وما بعدها.
- TE- (1/24)
صفحة 25
ولأجل هذا الذي ذكرت اثر بعض الكتاب المحدثين إرجاع أمر معرفة حقيقة اللفظ من مجازه إلى الأثر الذي يحدثه اللفظ في نفس الفرد عند سماعه له بما يتركه في النفس من غرابة أو دهشة وللمجاز أمور أخرى يُعرف بها ولو جهلنا تاريخ الوضع
سنتعرض لها لاحقاً - بإذن الله تعالى ـ.
- أمثلة للحقيقة في كتاب الله تعالى:
أكثر آيات القرآن الكريم والألفاظ التي جاءت فيه حقائق كما صرح بذلك ابن فارس في «فقه اللغة»، والزركشي في «البرهان» (2) كالأرض والسماء والماء والتراب والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، كما قال تعالى الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهر وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (2)، وقال سبحانه: والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا (1).
ومن الآيات التي لم يتجوز فيها الآيات الناطقة بوجود الله تعالى وتوحيده وتنزيهه، والتي تنفي عنه النقائص في أسمائه وصفاته كقوله عز وجل: و إلهكم إله واحد) وقوله: وهو الله الذي لا إله إلا هو علم الغيب والشهادة) (1)، وقوله: قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد (7).
(1) دلالة الألفاظ ص 130،وما بعدها، وسأتعرض لهذا الموضوع فيما يأتي من البحث إن شاء
الله عز وجل.
(2) أنظر: الصاحبي لابن فارس ص 321 - 322 والبرهان ج 2 ص 255 ط: دار المعرفة -
بيروت.
(3) ابراهيم / 32، 33.
(4) فاطر / 11 (5) البقرة / 163 (6) الحشر / 22 (7) سورة الاخلاص.
- YO- (1/25)
صفحة 26
والألفاظ الدالة على جوارح المخلوقين، حقائق، فان نُسبت إلى الله عز وجل كان ذلك على المجاز، للقرينة الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقي فيها عقلاً ونقلاً، كما في مثل قوله عز وجل: إنَّ الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صدقين، ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم، آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاء كم ثم كيدون فلا تنظرون (1)، وقد أكد إرادة المعنى الحقيقي هنا ذكر ما تستعمل فيه كل جارحة، أما في مثل قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم (2) فتؤول بمعنى القدرة نفياً لمشابهة الخلق، وتصديقاً بقوله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (3) وهذا هو الموقف الحق في تأويل ماجاء على هذا السبيل من الآيات الكريمة
(4)
قيل: ومن الحقائق الآيات التي لم تنسخ وهي كالآيات المحكمات، والآيات التي لا تقديم ولا تأخير فيها كقوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (ه).
-
أقسام الحقيقة:
الباحثون في الألفاظ ودلالاتها يقسمون الحقيقة أقساماً ثلاثة هي: الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية والحقيقة الشرعية، وهذا التقسيم لم يختص به البيانيون أو علماء البلاغة وحدهم بل نجده في كتب أهل المنطق والأصول وعلماء الكلام وانقسام الحقيقة إلى هذه الأقسام حسنة من حسنات، اللغة تدعو إليها وفرة
(1) الاعراف / 194، 195. (2) الفتح / 10 (3) الشورى / 11
(4) أنظر / تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ط: دار الكتب العلمية) ة الى الايجاز في بعض أنواع المجاز لابن عبد السلام ص 104 وما بعدها ط: دار المعرفة - دفع شبه التشبيه باكف التنزيه لابي الفرج ابن الجوزي تح حسن السقاف ط: دار الامام النووي. (5) البقرة / 4، وانظر: البرهان للزركشي ج 2 ص 254 - 255 ط: دار المعرفة - بيروت.
- 26 - (1/26)
صفحة 27
الألفاظ، ولها من قابلية النقل ما تستحسنه الطباع، ولا تمجه الأسماع، والوقوع
أكبر برهان ودليل على ثبوت جميع هذه الأقسام.
أ - الحقيقة اللغوية:
أما الحقيقة اللغوية فهي ما وضعها واضع اللغة ودلت على معان مصطلح عليها في تلك المواضعة، وعرّفها بعضهم بأنها هيا اللفظ المستعمل فيما وضع له أولاً في اللغة، وهذا نحو قولنا: السماء والأرض، والإنسان والفرس، والكثيب، والجبل
والبرق والرعد، والمطر، وفي القرآن الكريم وهو الذي يُريكُمُ البرق خوفاً وطمعاً ويُنشئ السحابَ الثقال) (2)، فهذه الألفاظ وما شاكلها تستعمل في معناها الأصلي ويسبق إلى الذهن معناها الذي تدل عليه دون الحاجة إلى تقييدها بقرينة تبين المراد منها، وأمثلتها كثيرة تزخر بها كتب اللغة التي نقلتها مفردة تدل على معانيها الأصلية وهي لايقضي بكونها حقيقة لغوية فيما دلت عليه إلا إذا كانت مستعملة في موضعها الأصلي، فلابد من سبق وضعها أولاً، ومن هنا قال العلماء: إن الوضع الأول للكلمة ليس مجازاً ولا حقيقة، وإنما يكون وصفها بذلك بعد الاستعمال (وبعد الاستعمال فرق بين ما كان استعماله من الألفاظ للحقيقة وبين ما كان استعماله منها للمجاز، فقد نقلت إلينا كتب اللغة عن أهل الوضع تفريقهم بين الحقيقة والمجاز
ب - الحقيقة العرفية:
أن يُنقل الاسم من معناه اللغوي إلى معنى آخر يتعارف عليه الناس فإن كثر عدد المتعارفين سمي الاسم المنقول: حقيقة عرفية عامة، وإن قلوا سمي: حقيقة عرفية خاصة، فهي قسمان عامة وخاصة بحسب قلة المتعارفين وكثرتهم (4)
(1) الطراز ج 1 ص 51 (2) الرعد / 12
(3) الطراز ج 1 ص 8، وانظر: علم البيان - ت. د. بدوي طبانه ص 130 ط: دار الثقافة -
بيروت.
(4) المصدر السابق (علم البيان) ص 131
- rv - (1/27)
صفحة 28
والحقيقة العرفية العامة لها صورتان:
«الأولى»: أن يشتهر استعمال المجاز بحيث يكون استعمال الحقيقة مستنكراً، مثال ذلك:
- حذف المضاف وإقامة المضـ اف إليه مقامه (1)، كقوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم (2) و حرمت عليكم الميتة (3)، أي حرم عليكم نكاح أمهاتكم، وحرم عليكم أكل الميتة، وكقولنا حُرمت الخمر، فالتحريم مضاف إلى الخمر وهو في الحقيقة مضاف إلى الشرب، ومثل ذلك إذا قال القائل: آجرتك الدار والثوب والقدوم والمنشار والقوس ـ ولم يذكر منفعه ـ فإنه يتبادر إلى الأفهام من إجارة الدار السكني، ومن إجارة الثوب اللبس، ومن إجارة القدوم
(4)
النجارة به، ومن إجارة المنشار النشر، ومن إجارة القوس الرمي، وقد صار هذا المجاز أعرف من الحقيقة، وأسبق إلى الفهم. ومثل ذلك أيضاً:
- تسميتهم الشيء باسم ما يشبهه، وهذا نحو تسميتهم حكاية كلام المتكلم بأنه كلامه، كما يقال لمن أنشد قصيدة لامرئ القيس بأنه كلام امرئ القيس، لأن كلامه بالحقيقة هو ما نطق به، وأما حكايته فكلام غيره)، وقد وجدت أبا الحسين
(°)
(1)
البصري يجعل مثل هذا حقيقة مشتركة بين المعنى اللغوي والمعنى العرفي. ومن
هذه الصورة أيضا:
(1) صرح بعض العلماء بأن حذف المضاف ليس من المجاز، أفاد ذلك د. المطعني في كتابه المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج 1 ص 427 ط: مطبعة حسان ـ القاهرة.
(2) النساء / 23 (3) المائدة / 3
(4) الاشارة إلى الايجازت العز بن عبد السلام ص 3 ط: دار المعرفة ـ بيروت.
(5) الطراز ج 1 ص 52
(6) المعتمد ج 1 ص 22
- YA- (1/28)
صفحة 29
تسميتهم الشيء باسم ماله تعلق به كاسم «الغائط» فانه في أصل اللغة للموضع المطمئن من الأرض ونقل بالعرف إلى الخارج المستقذر من الإنسان، وهم إنما سموه بذلك لنفرة الطباع عن التصريح باسمه الخاص به، فيكنون عنه باسم ما انتقل عنه وذهب شيخنا القطب - رحمه الله - في الذهب إلى أن لفظة الغائط مجاز مرسل، وتسميته بهذا الإسم تسمية باسم محله، فعلاقته الحالية أو المحلية أو هما معاً، فإن الغائط حقيقة المكان المنخفض (2). «الثانية»: أما الصورة الثانية من الحقيقة العرفية العامة فهي كأن يكون الاسم قد وضع في اللغة لمعنى عام ثم يخصص بالعرف ببعض ماكان يفيده معناه اللغوي، وبعبارة أخرى قصر الإسم على بعض مسمياته وتخصيصه به، وذلك كلفظ «الدابة» ـ مثلاً ـ فإنها في أصل الوضع موضوعة لكل ما يدب على الأرض، فلربما أطلقت على الانسان بحسب المعنى اللغوي، وفي القرآن الكريم وإن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون) (3)، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (4)، وقد غلب على هذا اللفظ استعمال العامة له في ذوات الأربع فهم يقصرونه عليها، ولا يتبادر منه عند الإطلاق إلا ذلك، ومثل لهذه الصورة في «الطراز» بلفظتي «الجن» و «القارورة»، فإن الأول موضوع لكل ما استتر - ومن ذلك تسمية «الجنة جنة لاستتارها بما التف من الأشجار حولها - واختص هذا اللفظ ببعض من يستتر عن العيون، وأما اللفظ الثاني - وهو القارورة ـ فإنه موضوع في الأصل لمقر المائعات، ثم اختصت ببعض الآنية دون غيرها مما يستقر
(3)
(1) الاحكام - ت: سيف الدين الآمدي ج 1 ص 27 ط: دار الكتب العلمية، وانظر كذلك: الابهاج للسبكي ج 1 ص 275 ط: مكتبة الكليات الازهرية القاهرة.
(2) الذهب الخالص ص 102 ط: المطابع العالمية - سلطنة عمان، وانظر / الاشارة الى الايجاز
19.00
(3) الانفال / 55
(4) هود / 6
(5) الطراز ج 1 ص 53 (1/29)
صفحة 30
والحقيقة العرفية الخاصة:
هي ماتعارف عليها أهل عرف خاص، وتسمى «اصطلاحية، أيضاً، وذلك كمصطلحات العلوم عند أصحابها، كلفظ «الفعل» عند النحاة ـ مثلاً ـ اسم لنحو «ضرب، وأخبر» وهو عرف خاص بهم لأنه في أصل الوضع اسم للحدث مطلقاً ومثله الحال والتمييز والظرف والاشتغال وغير ذلك، ومثل ذلك أيضا لفظة «الحب» فإنها تطلق في اصطلاح بعض النواحي على الأرز خاصة، فإن أرادوا به غيره قيدوه بالإضافة فهي حقيقة في عرفهم لكنها خاصة بهم.
(1)
ويتحدث أبو الحسين البصري عن كيفية انتقال الاسم بالعرف فيذكر أنه يتعذر تواطؤ أهل اللغة على نقل اسم عرفاً، ولكن لا يمتنع أن ينقل الاسم طائفة من الطوائف ويستفيض فيها ثم يتعدى إلى غيرها فيشيع في الكل على طول الزمان، ثم ينشأ القرن الثاني فلا يعرفون من إطلاق ذلك الاسم إلا ذلك المعنى الذي نقل
إليه
(*) ,
وقد حاول ابن تيمية في كتابه «الإيمان» الرد على من أثبت الحقيقة العرفية ونقض ما بنوا على أساسها وهدم ما تبنوا من وجودها ووقوعها، وقد مشى مع الذين أثبتوا الحقيقة اللغوية وكأنه يريد أن يرجع الحقيقتين العرفية والشرعية إلى حقيقة واحدة هي اللغوية إذ شابه عنده نقلهما المجاز، و لبغضه الشديد للمجاز حاول نفي كل ما شابهه ولو من جهة واحدة، فقد قال بعد أن سرد الحقيقتين اللغوية والعرفية ومثل لكل منهما. والمقصود أن هذه الحقيقة العرفية لم تصر حقيقة لجماعة تواطئوا على نقلها، ولكن تكلم بها بعض الناس وأراد منها ذلك المعنى العرفي ثم شاع الاستعمال فصارت حقيقة عرفية بهذا الاستعمال، ولهذا زاد من زاد منهم في حدّ الحقيقة (في اللغة التي بها التخاطب، ثم هم يعلمون ويقولون إنه قد يغلب الاستعمال على بعض الألفاظ فيصير المعنى العرفي أشهر فيه، ولا يدل عند
»
(1) شرح طلعة الشمس للسالمي ج 1 ص 195 ط: وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة
عمان
(2) المـ المعتمد ج 1 ص 22.
- r. - (1/30)
صفحة 31
الاطلاق إلا عليه، فتصير الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية، واللفظ مستعمل في هذا الاستعمال الحادث العرفي وهو حقيقة من غير أن يكون لما استعمل فيه ذلك تقدم وضع فعلم أن تفسير الحقيقة بهذا لايصح» أ. هـ. (1).
وكلامه هذا لايدل على ما أراده ولايتم به ما ابتغى من إبطال حدّ الحقيقة، فحدّها المذكور صادق على أنواعها الثلاثة، جميعها، ولم تخرج الحقيقة العرفية من هذا التعريف، فالألفاظ التي دلت على معنى عرفي يعتبر وضعها كالوضع الذي تم للحقيقة اللغوية إذا ما استعملها قوم للمعنى الذي يتعارفون بها عليه فيما بينهم وقد نفى ابن تيمية أن يتقدم وضع أول للحقيقة العرفية وهذا لا يسلم له، كيف وقد أورد هو نفسه حقائق عرفية وضعت لمعنى أوّلي في اللغة ثم نقلت إلى معناها العرفي كالدابة والمزادة والضعينة والراوية (2).
(2)
والظاهر أن اللفظ في حالة كونه حقيقة لغوية يكون بذلك قد وضع وضعاً أولياً فإذا تعورف به على معنى آخر بينه وبين معناه الأول مناسبة وعلاقة كان قد وضع بذلك وضعاً ثانياً فإذا كان هذا الوضع الثاني من قبل الله تعالى سمّى لأجل شرف الواضع ورفعته شرعياً تمييزاً له عن وضع العباد الذي يطلق عليه حقيقة عرفية، ولا يخرج اللفظ عن وصف الحقيقة سواء في الوضع الأول أو الثاني ولا يسمى استعماله في غير ما وضع له حقيقة بل ذلك هو عين المجاز، والفرق بينهما أن اللفظ وهو حقيقة دائم الرسوخ في معناه الحقيقي لا ينفك عنه غالباً دال عليه بداهة فإذا استعمل في غير معناه الحقيقي كان كأنما خرج عن إطار وضعه لحاجة طارئة، ومناسبة لازمة، وقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي ثم لا ينفك أن يعود بعدها إلى أصل وضعه الطبيعي ولهذا موضع بسط ليس هذا محله.
(1) الإيمان لابن تيمية ص 88: دار الكتب العلمية - بيروت.
(2) الإيمان ص 87
-- (1/31)
صفحة 32
الحقيقة الشرعية:
:
وهي
اللفظة التي يستفاد من جهة الشرع وضعها لمعنى غير ما كانت تدل عليه في أصل وضعها اللغوي، وقد وضعت بوضع الشارع لا بوضع أهل الشرع.
وذلك كلفظة «الصلاة» فإنها في اللغة بمعنى الدعاء، قال الأعشى: تقول بنتي وقد قربت مرتلاً يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا واستشفعت من سراة الحي ذا شرف فقد عصاها أبوها والذي شفعا مهلا بني فإن المرء يبعثه هم إذا خالط الحيزوم والضلعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا (1) وقال أيضاً:
وصهباء طاف يهوديها وأبرزها وعليها خُم
وقابلها الريح في دنها وصلى على دنّها وارتَسَمْ (2)
وقال أيضاً:
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما (3) - وكذلك لفظة «الصوم» الذي هو بمعنى الصيام المخصوص المعروف في الشرع أصله في اللغة بمعنى الإمساك، قال النابغة الذبياني:
-
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما (4)
(1) ديوان الأعشى الكبير ص 104 - 105 ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
(2) المصدر السابق ص 168.
(3) المصدر نفسه ص 164.
(4) لسان العرب ج 12 ص 351، ولم أجده في ديوان النابغة: ط: دار الكتب العلمية (1/32)
صفحة 33
وقال جرير:
(1)
ظللنا بمستن الحرور كأننا لدى فرس مستقبل الريح صائم)
ومثل ذلك «الحج» فإنه في اللغة بمعنى القصد، قال المخبل السعدي:
وأشهد من عوف حلولاً كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا)
()
قال ابن السكيت يكثرون الاختلاف اليه، والحج في الشرع اسم للمناسك المعروفة.
ونقل ابن السبكي عن صفي الدين الهندي أن أقسام الحقيقة الشرعية الممكنة
أربعة
الأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، مثاله كلفظ الرحمن» الله، فإن هذا اللفظ كان معلوماً لهم، وكذا صانع العالم كان معلوماً لهم بدليل قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) (4)، لكن لم يضعوه الله تعالى ولذلك ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة حين نزل قوله تعالى: قل
ادعوا الله أو ادعوا الرحمن (6).
(1) ديوان جرير ص 454 ط: دار بيروت للطباعة والنشر (2) لسان العرب ج 2 ص 226 مادة (حجج)
(3) المصدر السابق ص 226
(4) الزمر / 38
(5) الحق أن انكار العرب للرحمن ناشيء عن تعنتهم في الكفر، واصرارهم على التكذيب، والا فقد كانوا غير جاهلين، به كيف وقد ورد في أشعارهم كما ذكره ابن جرير، ومنه قول احد الجاهليين الجهلاء. الا ضربت تلك الفتاة هجينها ألا قضب الرحمن ربي يمينها
وقول سلامة بن جندب الطهوي:
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم وما يشا الرحمن يعقد ويطلق وانظر / جواهر التفسير ج
1 ص 208 (6) الاسراء / 110
- (1/33)
صفحة 34
الثاني: أن يكون اللفظ والمعنى غير معلومين لأهل اللغة وذلك كأوائل السور عند من يجعلها اسماً للسورة أو للقرآن فإنها ما كانت معلومة على هذا الترتيب لا للقرآن
ولا للسور
الثالث: أن يكون اللفظ معلوماً لهم والمعنى غير معلوم، وذلك كلفظ الصلاة والصوم وأمثالها، فإن هذه الألفاظ كانت معلومة ومستعملة عندهم في معانيها المعلومة، ومعانيها الشرعية ماكانت معلومة لهم.
الرابع: عكس الثالث، وهو أن يكون اللفظ غير معلوم لهم والمعنى معلوماً وذلك كلفظ «الأب» فإنه قيل: إن هذه الكلمة لم تعرفها العرب ولذلك قال عمر ـ رضى الله عنه ـ لما نزل قوله تعالى: وفاكهة وأبا (1) هذه الفاكهة فما الأب؟، ومعناه كان معلوماً لهم بدليل أنَّ له اسماً آخر عندهم نحو العشب ... أ. هـ (2)
وجعل ابن السبكي القسمين الأول والثاني من المنقولة الشرعية، وجعلها أخص من الحقيقة الشرعية
(2)
- ومن جملة الحقائق الشرعية «الإيمان» فإنه في اللغة بمعنى التصديق قال تعالى: وما أنت بمؤمن لنا (4) أي بمصدق، ونقل في الشرع إلى معنى اعتقاد صدق ماجاء به الرسول الله والإقرار بالعمل والنطق باللسان كل ذلك يسمى إيماناً وهو مرادف للإسلام.
لبيد:
-
- ومن جملة الحقائق الشرعية الكفر» فإنه في اللغة بمعنى الستر والإخفاء، قال
يعلو طريقة متنها متواتراً في ليلة كفر النجومَ عَمَامُها
(0)
(1) عبس / 31
(2) الابهاج - ج 1 ص 275.
(3) المصدر السابق
(4) يوسف / 17
(5) مختار الشعر الجاهلي ت: مصطفى السقاج 2 ص 391 ط: المكتبة الشعبية (1/34)
صفحة 35
وخص هذا اللفظ عرفاً بإخفاء النعمة وجحدها وإنكار المنعم بها، وقد غلب إسم الكفر على انكار الخالق تعالى أو انكار صفة من صفاته أو فعل من أفعاله.
- ومن جملة الحقائق الشرعية - أيضاً - لفظ «النفاق» مأخوذ في اللغة من نافق اليربوع نفاقاً إذا دخل في نافقائه، ولبيته ذلك بابان ظاهر وخفي، فإذا أراد أحد اصطياده وترصد له في بابه الظاهر خرج من بابه الخفي وفات المصطاد، ويسمّى الظاهر قاصعاء والخفي نافقاء، وقد نقل لفظ النفاق من هذا المعنى إلى معنى الدخول الى الإسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر، وهو بهذا المعنى إسم جاء به القرآن ولم تكن العرب تعرفه في جاهليتها قال سبحانه: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) (1). «وقد أثبت المعتزلة أيضاً مع الشرعية حقائق دينية فقالوا: إنّ ما استعمله الشارع في معان غير لغوية ينقسم إلى قسمين:
الأول: الأسماء التي أجريت على الأفعال وهي الصلاة والصوم والزكاة ونحو
ذلك.
الثاني: الأسماء التي أجريت على الفاعلين كالمؤمن والكافر والفاسق ونحو ذلك، فجعلوا القسم الأول حقيقة شرعية والقسم الثاني حقيقة دينية، وإن كان الكل على السواء في أنه عرف شرعي.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض المتأخرين ورجحه الرازي إنها مجازات لغوية غلبت في المعاني الشرعية لكثرة دورانها على ألسنة أهل الشرع وثمرة الخلاف أنها إذا وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة هل تحمل على المعاني الشرعية أو على اللغوية فالجمهور قالوا بالأول، والباقلاني ومن معه قالوا بالثاني، قالوا: أما في م المتشرعة فيحمل على الشرعي اتفاقاً، لانها قد صارت حقائق عرفية بينهم، وإنما النزاع في كون ذلك بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدل على تلك المعاني
كلا.
(1) التحريم / 9
- ro_ (1/35)
صفحة 36
بلا قرينة فتكون حقائق شرعية أو بغلبتها في لسان أهل الشرع فقط ولم يضعها الشارع بل استعملها مجازات لغوية لقرائن فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية ... أ. هـ.
(1)
وسبب
«والذي نقل عن القاضي الباقلاني والقشيري أنهما انكرا وقوع الحقيقة الشرعية مع أنهما لم يمنعا إمكانها، وقد توقف الآمدي في وقوعها لتعارض الأدلة إنكار من أنكر إمكان الحقيقة الشرعية ومن أنكر وقوعها فقط إنما هو إنكار النقل للفظ عن معناه الأصلي إلى معنى آخر لأنه يقبح عندهم ذلك ولا مصلحة فيه، والحق أنَّ النقل إذا كان لغرض فلا قبح فيه كالغائط لما نقل إلى الشيء المعروف وكان أصله للمكان المنخفض والغرض في نقله هو استسماج النطق باسم ذلك الشيء فعدلوا إلى ماهو أحسن منه لفظاً. ما بينهما من المناسبة لكون ذلك المكان المنخفض ظرفاً مع لذلك الحدث، وكالدابة لما نقلت لذوات الأربع خاصة لكثرة الدبيب فيها دون غيرها من الحيوانات، والفائدة في نحو هذا غير مجهولة وكذا الشرع قد شرع أشياء حسن أن يضع لها أسماء إما مرتجلة وإما منقولة كالصلاة للعبادات المخصوصة والوقوع دليل الصحة.
وقد احتج المنكرون لإمكانها بأنه لو سلب الإسم عن معناه وعوض غيره انقلبت الحقائق، وأجيب بأنه إنما يلزم ذلك لو استحال خلو الإسم عن المعنى، والمعلوم أن تسمية المسميات تابعة للاختيار بدليل انتفاء الإسم عن المعنى قبل المواضعة فإنا نعلم ضرورة أنه كان يجوز أن يسمى المعنى بغير الإسم الذي يسمى به، وأنه يجوز أن يسمى السواد بياضاً ونحو ذلك.
واحتج المنكرون لوقوعها بأن معانيها الأصلية باقية لم تنقل عنها والزيادات شروط ألا ترى أن الصلاة اسم للدعاء، والدعاء في الصلاة الشرعية باق، وكذلك الصوم في الأصل للإمساك وفي الشرع هو إمساك عن المفطرات فلم ينتقل كل واحد من الصلاة والصوم عن معناه الأصلي لكن زادت فيه بعض الشروط في الشرع.
(1) إرشاد الفحول للشوكاني ص 21: 22 ط: دار المعرفة - بيروت.
- 36 - (1/36)
صفحة 37
والجواب عن هذا أنه لما كانت هذه الألفاظ لم تطلق في الشرع على معناها اللغوي
بل زاد فيها الشارع قيوداً أو شروطاً علمنا أنه نقلها من معناها الأصلي إلى هذا المعنى المذكور، وأيضاً فإن المصلّي لم يقصد بصلاته الدعاء وإنما يقصد أداء المشروع وهو مصل إجماعاً، فعلمنا أن الصلاة شرعاً غير الصلاة لغة وكذا نظائرها فثبتت الحقيقة الشرعية (1) أ. هـ.
أنواع الحقيقة بتعدد أفرادها:
إن الإسم الواحد قد يكون حقيقة في أشياء كثيرة مختلفة ليس بعضها أولى به وضعاً من بعض، ويسمى مثل هذا بالمشترك، وأظهر مثال له لفظ «العين»، فقد نقل السيوطي عن ابن خالويه أنها تنقسم ثلاثين قسماً منها الباصرة والذهب والشمس وعين الماء وأشياء أخرى يطول استقصاؤها عرض لذكرها السيوطي في موضعين من كتابه «المزهر» (
" (1)
وتروى عن الخليل ثلاثة أبيات على قافية واحدة يستوي لفظها ويختلف معناها:
ياويح قلبي من دواعي الهوى إذ رحل الجيران قبل الغروب أتبعتهم طرفي وقد أزمعوا ودمع عيني كفيض الغُروب
كانوا وفيهم طفلة حرة تفتر عن مثل أقاحي الغُروب
فالغروب في البيت الأول لوقت المغرب، وفي الثاني للدلاء جمع دلو، وفي الثالث للوهاد المنخفضة (2).
والأكثر من أحوال اللفظ أن يكون حقيقة لشيء واحد فقط، وذلك الشيء الواحد إما أن يكون متشخصاً وهو العلم العيني كـ «زيد» مثلاً ويسمى عند المناطقة الجزء الحقيقي، وإما أن يكون غير متشخص فهو إما أن تكون أفراده الذهنية
(1) شرح طلعة الشمس ج 1 ص 196 (2) المزهر ج 1 ص 372 - 454 ط: دار الجيل - بيروت
(3) المصدر السابق ص 376
- TV- (1/37)
صفحة 38
والخارجية متساوية فيه لا أحد يفضل صاحبه کـــ «زيد» و «عمرو» و «خالد» بالنسبة إلى الإنسان والفرس والطائر والسابح بالنسبة إلى الحيوان، ويسمى متواطئاً أي متفق الأفراد، وإما أن يكون حصول بعض أفراده أولى من بعض كالبياض بالنسبة إلى العاج والثلج، أو أقدم كالوجود بالنسبة إلى الواجب والممكن مشككاً، فيسمى وإنما سمي بذلك لكونه يشكك الناظر هل متواطئ لوحدة الحقيقة فيه، أو مشترك لما بينهما من الاختلاف، وقد يكون للشيء الواحد اسمان فصاعداً كالآدمي والبشر والإنسان لأولاد آدم، وكالكتاب والقرآن للكلام المنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، وكالبر والقمح للطعام المخصوص ويسمى هذا النوع مترادف .. » (1) وإليكم هذا الشكل للتوضيح: -
حقيقة لأشياء (مشترك)
الحقيقة
متشخص
العلم العيني - الجزء الحقيقي
(1) شرح طلعة الشمس ج 1 ص 197
حقيقة لشيء
اسمان فصاعداً
(مترادف)
غير متشخص
متواطيء
مشكك (1/38)
صفحة 39
من أحكام الحقيقة:
إن الألفاظ على كثرتها لاتخرج عن الأسمية، والفعلية، والحرفية، أما الأسماء فقد وجد النقل فيها، وقد قدّمنا انقسامها الى مترادفة ومتواطئة، ومشتركة، ومشككة، وزاد بعضهم المتباينة أي الألفاظ المختلفة الموضوعة لمعان مختلفة، ويعبر عنها بتكثر اللفظ والمعنى، وهى في الشرع كالصوم والصلاة، وأما بالنسبة للفعل والحرف فقد ذهب الإمام البيضاوي وتابعه صاحب الطراز إلى أنه لا وجه لكون الحرف شرعياً بدليل الاستقراء وأنه دال على معنى في غيره، وأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء ووجد بطريق التبعية لأن الفعل صيغة تدل على صدور المصدر من الفاعل، فالمصدر إن كان شرعياً كالصلاة كان الفعل أيضاً كذلك كصلى وإن كان لغوياً كان مثله، قال ابن السبكي شارح المنهاج: «وكلام المصنف مصرح بأن الحرف لم يوجد لا بطريق الأصالة ولا بطريق التبعية والحق مساواته للفعل فإن نقل متعلق معاني الحروف من المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية مستلزم لنقلها أيضاً، فلا فرق في ذلك بين الفعل والحرف كما في أنواع المجاز» (أ. هـ. وفي كلامه رد أيضاً على ماذهب إليه العلوي في الطراز من عدم اعتبار الحرف شرعياً كما
(2)
(1)
سبق ذكره والفعل ينقسم إلى ماض ومضارع وأمر، والأسماء المتصلة بالأفعال ثمانية المصدر، واسم الفاعل واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة، أما الفعل المضارع فلم يستعمل في الشرعية في شيء أصلاً إلا لفظ «أشهد» في الشهادة فإنها تعينت ولم يقم غيرها مقامها، وكذا في اللعان سواء قلنا: إنه يمين أو شهادة أو فيه شائبتان، ويجوز في اليمين أقسم بالله وأشهد ولا يتعين ولا مدخل له في الانشاءات، وأما الفعل الماضي فيعمل في الانشاءات خلا الشهادة واللعان فمن الانشاءات التي يعمل فيها العقود كلها والطلاق، وأما
(1) الإبهاج / ج 1 ص 288
(2) الطراز ج 1 ص 60
-
-19 - (1/39)
صفحة 40
فعل الأمر فهو مسألة الإيجاب والاستحباب في العقود والطلاق وفي الوكالة لو أتى بصيغة أمر نحو بع واشتر إذ أن فعل الأمر يعمل به في كل موضع يعمل بالماضي على الصحيح.
وأما اسم الفاعل ففي الطلاق في قوله: أنت طالق ويعمل به في الضمان، وأما اسم المفعول فيستعمل في الطلاق والعتق والوكالة، وأما المصدر فقد استعمل في الطلاق في قوله: أنت الطلاق، وهل هو صريح أو كناية فيه خلاف أ. هـ.
(1)
ومن جملة أحكام الحقيقة «أنه لا يصح نفي المعنى الذي وضعت له بخلاف المجاز فلا يقال في «الأب»، ليس أباً بينما يمكن أن يقال في «الجد» ليس أباً أما قوله تعالى: ما هذا بشرا (2) فليس المراد منه نفي الحقيقة وإنما المراد منه المبالغة
في تشريف يوسف وتعظيمه والكلام في نفي الحقيقة رأساً على سبيل التجوز. ومنها أن الحقيقة ترجح على المجاز إذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة هي الراجحة فيه لأنها لاتحتاج إلى قرينة خارجية تهدي إلى المراد منها، وإنما يفهم المراد منها بنفس إطلاقها والمجاز يحتاج إلى القرينة.
ومنها أن الحقيقة المشتركة يرجح عليها المجاز لوضوحه وكثرة دورانه في ألسن العرب مثال ذلك لفظ «النكاح» فإنه يحتمل أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وأنه مشترك بينهما فالمجاز، أقرب لأن الاشتراك يخل بالفهم عند خفاء القرينة بخلاف المجاز لأن القرينة الهادية إلى المراد منه لا تفارقه ولأن المجاز أغلب من المشترك بالاستقراء فاللائق إلحاق الفرد بالأعم الأغلب ولأن المشترك قد يؤدي إلى مستبعد كما إذا كان حقيقة في ضدين فإن إعطاء الضدين حكماً واحداً مستبعد إذ المعهود من الأضداد تعاكسهما في الأحكام لأنَّ العلة التي رجح بها المجاز عليها ـ وهي إخلال
المشترك بالتفاهم - معدومة حينئذ أ. هـ
(1) الابهاج / ج 1 ص 288 - 289 (2) يوسف / 31
(3) شرح طلعة الشمس ج 1 ص 198
(د) (1/40)
صفحة 41
خاتمة للفصل:
وعند نهاية هذا الحديث ينتهي بنا في الكلام على الحقيقة وأقسامها والكلام عليها باب الدخول إلى فناء المجاز الذي يصح أن يطلق عليه لفظ الفناء وأن يطلق على الحقيقة لفظ الباب لسعة المجاز وشموله وشهرته ولربما انقلب فصار حقيقة، على أن كلا اللفظتين - الحقيقة والمجاز - استعمالان يعتورهما التبدل والتجديد كلما مر دهر وتغير ناس ولهذا نرى كثيراً من الألفاظ التي كان يتبادلها الشعراء ويتجوزون بها صارت مهجورة مهملة يرغب أغلب الشعراء المحدثين عن تكرار التجوز بها في شعرهم، وصاروا يلتمسون ألفاظاً جديدة تحدث للسامع من الغرابة والاستجادة ما كانت تحدثه الألفاظ المبتذلة.
إنَّ من أقسام الحقيقة باب العرف وهو باب واسع تدلف إلى ساحة الحقيقة عن طريقة ألفاظ كثيرة، ويتعارف الناس بمختلف فئاتهم وتخصصاتهم على ألفاظ يعينهم التعارف عليها على تيسير التفاهم بينهم، وسهولة مايريدون الوصول إليه معرفة وعلماً، تخدمهم في ذلك سعة اللغة التي يتحدثون بها، وتقبلها للتجديد والتغيير، هانحن نستعمل فيما بيننا لفظة «البارد» فتنصرف الأذهان إلى قناني المرطبات التي نشربها، مع أن لفظة «البارد» في اللغة تعني ضد «الحار»، ونلاحظ المناسبة بين المعنى اللغوي الذي نقلنا منه اللفظ وبين المعنى العرفي الذي جعلنا له اللفظ ألا وهي البرودة الموجودة غالباً في المعنى العرفي، وقس على ذلك ماشئت ..
- {1 - (1/41)
صفحة 42
[صفحة فارغة] (1/42)
صفحة 43
الفصل الثاني المجاز في القرآن الكريم
- تعريف المجاز لغة:
قال ابن فارس: «وأما المجاز فمأخوذ من جاز يجوز إذا استن ماضياً تقول: جاز بنا فلان، وجاز علينا، فارس، هذا هو الأصل ثم تقول: يجوز أن تفعل كذا: أي ينفذ ولا يُرَدّ ولا يمنع، وتقول: عندنا دراهم وَضْحُ وازنة وأخرى تجوز جواز الوازنة أي: إن هذه إن لم تكن وازنة فهي تجوز مجازها وجوازها لقربها منها، فهذا تأويل قولنا: «مجاز» أي: ان الكلام الحقيقي يمضي لسننه لا يعترض عليه»
(1)
وفي لسان العرب: «المجاز والمجازة الموضع قال الأصمعي: جزت الموضع سرت فيه، وأجزته خلفته وقطعته، وأجزته أنفذته، ثم قال: وتجوز في كلامه أي تكلم
بالمجاز، وقولهم: جعل فلان ذلك الأمر مجازاً إلى حاجته أي طريقاً ومسلكاً» (2). وقال في القاموس: «جاز الموضع جَوْزاً، وجؤوزاً، وجوازاً، ومجازاً، وجاز به جاوزه جوازاً: سار فيه، وخلّفه وأجاز غيره وجاوزه، ثم قال: وفي كلامه: تكلّم بالمجاز، والمجاز الطريق إذا قطع من أحد جانبيه إلى الآخر، وخلاف الحقيقة (3) «ووزن المجاز، مفعل، لأن أصله مجوز فقلبت واوه ألفاً بعد نقل حركتها إلى الجيم، والمفعل يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر» (4)
فالذي يظهر مما نقلناه أن لفظ «المجاز» مصطلح تعارف عليه العلماء كما تعارفوا على مصطلحات العلوم الأخرى، والمناسبة ظاهرة بين المعنى اللغوي والمعنى العرفي فحقيقته الانتقال من مكان إلى مكان وجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى
(1) الصاحبي لابن فارس ص 322
(2) لسان العرب ج 5 مادة (جوز) ص 326 (3) القاموس ج 2 ص 176 فصل الجيم باب الزاي
(4) الإبهاج / ج 1 ص 273
- {- (1/43)
صفحة 44
محل كقولنا - حال رؤيتنا زيداً وهو يرمي - رأينا أسداً يرمي: ـ: فإن «زيداً» إنسان، والأسد هو هذا الحيوان المعروف، وقد جزنا من الإنسانية إلى الأسدية أي عبرنا من هذه إلى هذه الوصلة بينهما وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة على أن العرب كانوا يتجوزون في كلامهم دون أن يتعارفوا بينهم على تسمية تجوزهم ذاك بالمجاز كما لم يتعارفوا على المصطلحات التي تواضع عليها العلماء بعد باستقراء كلام العرب. - تعريف المجاز اصطلاحاً:
لأرسطو طاليس - الفيلسوف اليوناني المعروف - كلام في تعريف المجاز قال فيه: هو نقل اسم يدل على شيء إلى شيء آخر، والنقل يتم إما من جنس إلى نوع، أو من نوع إلى جنس أو من نوع إلى نوع، أو بحسب التمثيل) وكلامه في تعريف المجاز وإن كان غير دقيق فإن فيه كثيراً من الصواب، لأن المجاز متوقف على النقل الذي لحظه أرسطو. ويعرّف عبدالقاهر الجرجاني المجاز تعريفاً يلائم تعريفه للحقيقة بقوله: «كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع الواضع لملاحظة بين الثاني والأول وعرفه السكاكي بقوله: «المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ماهي موضوعة له بالتحقيق استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينة مانعة من إرادة معناه في ذلك النوع»
(د)
(2)
وقال العلوي في تعريفه: «ما أفاد معنى غير مصطلح عليه في الوضع الذي وقع
(4)
فيه التخاطب العلاقة بين المعنى الأول والثاني ولم يذكر القرينة في تعريفه.
(1) نقله عنه الدكتور المطعنى في كتابه المجاز في اللغة وفي القرآن ج 2 ص 1051، والدكتور بدوي طبانة في كتابه (علم البيان ص 1
121
(2) أسرار البلاغة ص 304 ط: دار المعرفة - بيروت.
(3) مفتاح العلوم ص 359 ط: دار الكتب العلمية - لبنان
(4) الطراز ج 1 ص 65
- {{- (1/44)
صفحة 45
واختار شيخنا السالمي - عليه رحمة الله تعالى - تعريف المجاز بقوله: «هو المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي
وتعريفه أتم.
اللفظ
(1)
«إن إطلاق لفظة «الأسد» - مثلاً - على الرجل الشجاع من قولنا: رأيت أسداً على فرس، فالأسد في الرجل مجاز والعلاقة بينهما المشابهة في الشجاعة، وقولنا «على فرس» قرينة صارفة للفظ الأسد عن معناه الحقيقي لأن الأسد الذي هو الحيوان المخصوص لايرى عادة على فرس
(2)
«فإن قال قائل: إنَّ ما جعلتموه حداً للمجاز يوجب عليكم أن تكون اللفظة الشرعية كالصلاة والزكاة وما أشبهها مجازاً، لأن لفظ الصلاة والزكاة أفادا معنى غير مصطلح عليه وغير ما وضعا له فيلزم أن يكونا مجازين، وقد قررتم أنها حقائق
شرعية؟
فالجواب: أنَّ في قولنا: (في غير ما وضع له ما يدرأ هذا الاعتراض، لأن لفظ الصلاة والزكاة وإن أفادا غير ما وضعا له فإنما ذلك باعتبار وضع اللغة لا باعتبار وضع الشارع فإنهما في وضع الشارع أفادا ما وضعا له فلهذا كانا بالحقائق الشرعية أخلق وأولى»
(3)
- نشأة البحث المجازي عند العرب:
يحلو لكثير من الباحثين أن يعزوا أسس الحضارة الإسلامية إلى المحاكاة والتقليد وفي المجاز بالذات يقولون: إنَّ العرب قلدوا فيه حضارة اليونان وحاكوها، فكتابات أرسطو في المجاز هي التي أوحت إلى الرواد العرب بفكرة المجاز
(4)
(1) شرح الطلعة ج 1 ص 199 (2) المصدر السابق ص 199 - 200
(3) الطراز ج 1 ص 65
(4) أنظر: نقد النثر - تمهيد في البيان العربي - ص 1 - 31 ط: دار الكتب العلمية - بيروت
1801 (1/45)
صفحة 46
وقد فنّد هذه الفرية الدكتور عبد العظيم المطعني بقوله: .... والواقع أن هذا القول
لا سند له، ولم يقم عليه دليل، فإن المجاز عرف عند العرب قبل أن تترجم كتب أرسطو التي يزعمون أن العرب استقوا فكرة المجاز منها فأبو زيد القرشي يعد أول من ورد مصطلح المجاز عنده أكثر من مرة مضافاً إلى المعاني (مجاز المعاني)، والذي يرجح لدى الباحث أنه كان يقصد التصوير المجازي الذي استقر مفهومه فيما بعد، وفي استشهاده على ما أسماه مجاز المعاني أورد نصوصاً مأثورة وحللها تحليلاً مجازياً عد بعده في صور المجاز المختلف الأنواع مجاز عقلي، ومرسل واستعاري، والراجح أن أبا زيد توفي عام (170) هـ)، ومن قبله أومأ أبو عمرو بن العلاء إلى الاستعارة وسماها باسمها وأبو عمرو توفي عام (184 هـ)، وكذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفي عام (175) هـ) نقل عنه سيبويه بعضاً من النصوص المصروفة صرفاً مجازياً، أما سيبويه نفسه فإنه أكثر من شيخه حوماً حول حمى المجاز، وأبو عبيدة معمر بن المثنى وضع كتاباً سماه «مجاز القرآن» وقد طبقه على آيات كثيرة ناهجاً فيها نهجاً مجازياً كذلك (2)، وأبو عبيدة توفي عام (210 هـ)، والجاحظ ممن أكثروا القول في المجاز والاستعارة، ووفاة الجاحظ كانت عام (255 هـ)، ثم تلاه ابن قتيبة وله مع المجاز جولات، وابن قتيبة توفي عام (276 هـ).
أما كتب أرسطو فإن حنين بن إسحق مترجم كتاب «الخطابة» توفي عام (284 هـ)، ولم يعرف أنه ترجم كتاب «الخطابة» قبل أن يضع ابن المعتز كتابه «البديع» عام (274 هـ)، وأياً كان الأمر فإن كتاب أرسطو «الخطابة» يستحيل أن يكون له تأثير في معرفة العرب بالمجاز لظهوره عندهم - يقيناً ـ قبل ترجمة كتب أرسطو فالتأثير وإن كان محتملاً في ابن المعتز فغير محتمل فيمن سبقه، ومن يقرأ كتاب «البديع» لابن المعتز، وكتاب «الخطابة» لأرسطو لا يجد دليلاً قوياً على تأثر
(1) أنظر ص 85 من هذا البحث.
(2) لم يعن أبو عبيدة بكلمة المجاز المصطلح المتعارف عليه وانما اراد بها معنى أوسع من ذلك، ومع هذا فلم يخل كتابه من حمل بعض الآيات على المجاز المعروف وهو المطلوب.
- {1 - (1/46)
صفحة 47
عنه
ابن المعتز بارسطو، وقد جازف الدكتور طه حسين حين كاد يجزم بتأثير أرسطو في ابن المعتز مع أنه اعترف بأنه لم يقرأ ولم يطلع على كتاب «البديع» وإنما سمع. وصفاً ممن وصفه له، أما كتاب «فن الشعر» لأرسطو فقد تأخرت ترجمته إلى القرن الرابع فهو ـ يقيناً - لا أثر له في معرفة العرب بالمجاز أول ما عرفوه» أ. هـ (1).
الفرق بين الحقيقة والمجاز:
ذكر الأمدي () أن المجاز يعرف بأمور منها:
أولاً: النقل عن أهل اللغة، ويعني بذلك أن ينص أئمة اللغة ـ مثلاً ـ على أن لفظ الأسد مجاز في الرجل الشجاع، أو أن الخمر مجاز في العصير أو أن العين مجاز في الجاسوس ... إلى غير ذلك.
ثانياً: إن لم يكن نقل يُعرف بصحة نفيه في نفس الأمر، ويعرف كون اللفظ حقيقة بعدم ذلك، ولهذا فإنه يصح أن يقال لمن سمّى من الناس حماراً لبلادته: إنه
ليس بحمار ولا يصح أن يقال: إنه ليس بإنسان في نفس الأمر لما كان حقيقة فيه. ثالثاً: أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة مع عدم العلم بكونه مجازاً بخلاف غيره من المدلولات فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، وغيره هو المجاز.
رابعاً: ألا يكون اللفظ مطرداً في مدلوله مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة إذ هو غير مطرد في كل طويل، ويريد بقوله: مانع شرعي، أن الشرع قد يمنع إطلاق بعض الألفاظ على الله تعالى مع أن معناها موجود في حقه سبحانه كلفظ السـ السخي ـ مثلاً ـ فهو حقيقة في الكريم، وهذا المدلول في حق الله تعالى ولكن لا يقال له سخي فلا يعترض بمثل هذا فيقال: إنَّ من الحقائق مالا يطرد إطلاقه لأنه منع من الاطراد مانع شرعي، وهذه القضية لا تنعكس أي: لا يقال: إن الاطراد أمارة الحقيقة حتى يلزم ماقيل، بل
(1) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم د. عبد العظيم المطعنى ج 2 ص 1054 - 1074 (بتصرف) (2) الإحكام ج 1 ص 29
— {Y- (1/47)
صفحة 48
الدعوى أن عدم الاطراد دليل المجاز، لإيضاح هذه الدعوى نقول: إن من حق الحقيقة الاطراد أي إذا وضع لفظ لشيء من الأشياء فحق ذلك اللفظ أن يطرد في جميع ذلك الشيء كالإنسان فإنه حقيقة في بني آدم وهو مطرد في جميع أفرادهم بمعنى أنه يصح اطلاقه على كل فرد من أفراد هذا الجنس وأما المجاز فلا يصح إطراده في كل ما وجدت فيه تلك الصفة التي تُجوّز باللفظ لأجلها، وقد اعترض شيخنا السالمي. - رحمه الله - على اعتبار عدم الإطراد علامة للمجاز وعلل بأن عدم الاطراد في المجاز مبني على اشتراط نقل أفراد المجازات واعتبار شخص العلاقة لا نوعها، قال: والصحيح ما قدمت لك من اعتبار نوع العلاقة فقط فلا يكون عدم الاطراد على هذا علامة للمجاز، وقد جريت بذكره في النظم مجرى جمهور الأصوليين والصواب عدم ذكره، والله أعلم خامساً: أن المجاز يلتزم تقييده للفرق بينه وبين الحقيقة مثل: جناح الذل أي: لين الجانب، ونار الحرب أي شدتها، بعكس الحقيقة فإن الحقيقة لا يلتزم تقييدها وإن كانت مشتركة، والفرق بين المجاز والحقيقة المشتركة هو التزام التقييد بالقرينة في المجاز وعدم التزامه في الحقيقة المشتركة، ذكر هذا الفرق شيخنا السالمي ـ رحمه
الله -
(2)
(1)
سادساً: ذكر شارح المنهاج متابعة للإمام البيضاوي ونص عليه العلوي في الطراز: أنَّ من علامات المجاز الإطلاق على المستحيل، أي إطلاق اللفظ على ما يستحيل تعلقه به عقلاً أو شرعاً، أما من جهة العقل فمفهوم، وأما من جهة الشرع فكقوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم (3) أي قدرته، خشية تشبيه الله تعالى بخلقه إذا ما أثبتنا المعنى الحقيقي لليد، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وكقوله سبحانه ولتصنع على عيني) (4) وقوله: (تجري بأعيننا (5)، والذي
(1) أنظر: شرح طلعة الشمس ج 1 ص 209، وفي كلامه على اعتبار نوع العلاقة ص 203 (2) المصدر السابق ص 209
(3) الفتح / 10 (4) طه / 39
(5) القمر / 14
— {A — (1/48)
صفحة 49
ألجأ إلى القول في هذه الآيات بالمجاز تنزيه الخالق عز وجل عن مشابهة الحوادث
وحدود
فالله عز وجل يقول: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (1). سابعاً: ذكر أحد الباحثين (أنَّ «للأثر الذي يتركه اللفظ في نفس السامع من الغرابة أو الدهشة عاملاً مهماً في الحكم على الحقيقة أو المجاز، وذلك لأن الحقيقة لا تعدو أن تكون استعمالاً شائعاً مألوفاً للفظ من الألفاظ وليس المجاز إلا انحرافاً عن ذلك المألوف الشائع، وشرطه أن يثير في ذهن السامع دهشة أو غرابة أو طرافة تلك الغرابة أو الطرافة تختلف باختلاف تجارب المرء مع الألفاظ وباختلاف وسطه الاجتماعي أو الثقافي .... فنحن مثلاً حين نقرأ ما يروى عن المعظم عيسى بن الملك العادل حين قال في صفة مشروب يعالج به داء الذنوب: «شراب مركب نافع لشاربه يوم الفزع الأكبر شافع، يؤخذ من مستحكم مرير الصبر، وما احلولى من لذيذ الذكر، فيغربلان بغربال التفكر السهري، ويدافان بماء العين النظري، ثم يصفى المجموع بلباب العلم التجردي، ثم يعجن بعسل المحبة الإلهية فالمرء عادة حين يقرأ مثل هذه القطعة لا يكاد يتمالك نفسه من الإبتسام لأن ما يثيره استعمال ألفاظها قد جاوز الحدود المألوفة ومع ذلك فقد يقف الصوفي من مثل هذه القطعة موقفاً مبايناً فيتبين فيها نواحي من الجمال، وتحل من نفسه محل الرضا
والإعجاب.
إنَّ الغرابة أو الدهشة والطرافة قد تلازم المجاز في الاستعمال زمناً ما بعده قد يفقدها، ويصبح من الألفة والذيوع بحيث تنسى مجازيته ويصير من الحقيقة، وهناك نوع آخر من المجاز يتميز بالطرافة، ويصادف من جمهور الناس الإعجاب، ويُنظر إليه على أنه نوع من الابتكار والاختراع ذلك هو ما تتفتق عنه قرائح الأدباء والشعراء والصفوة من أصحاب البلاغة واللسن، حين يعمدون إلى الألفاظ فينحرفون بها عن عمد وقصد إلى مجال آخر، وتلك هي الصفة التي يتنافس فيها أصحاب الشعر والأدباء (). أ ..
(1) الشورى / 11
(2) د. ابراهيم أنيس
(2)
(3) دلالة الألفاظ ص 129 - 130 - 131 بشيء من التصرف.
- {9 - (1/49)
صفحة 50
أقسام المجاز:
يقسم علماء البلاغة المجاز إلى قسمين:
أ - المجاز العقلي:
ويكون في الإسناد ونسبة الشيء إلى غير ما هو ا له، ويسمى المجاز الحكمي والإسناد المجازي، والمجاز الإسنادي، ولا يكون إلا في التركيب.
ب - المجاز اللغوي:
ويكون في نقل الألفاظ من حقائقها اللغوية إلى معانٍ أخرى بينها صلة ومناسبة، وهذا المجاز يكون في المفرد كما يكون في التركيب المستعمل في غير ما وضع له، وهذا النوع اللغوي قسمان:
مجاز تكون العلاقة فيه بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي المشابهة ويسمى (الاستعارة) أو المجاز الاستعاري.
(1)
مجاز لا تكون العلاقة فيه المشابهة ويسمى (المجاز المرسل)، وسُمّي مرسلاً لأنه لم يقيّد بعلاقة المشابهة كما في القسم الأول (المجاز الاستعاري ... أ. هـ وها نحن نتعرض لجميع هذه الأقسام:
أ - المجاز العقلي:
لقد ذكروا في تعريف المجاز العقلي بأنه إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ماهو له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة الإسناد الحقيقي (") وهذا التعريف يقودنا إلى
التفريق بين الإسناد الحقيقي والإسناد المجازي العقلي، فالإسناد الحقيقي كان نقول: جاء زيد، أو بكر كاتب، فإسنادنا الكتابة إلى بكر إسناد حقيقي لأن بكراً ذاته هو الذي اتصف بالكتابة، وكذلك إذا قال الرجل المؤمن أنبت الله الزرع، فإن إسناد
139
(1) علم البيان / د. بدوي طبانة. ص (2) التعريف مستفاد من كتاب البلاغة العربية في ثوبها الجديد ج 2 ص 81 - 82 تأليف د. بكري شيخ أمين ط: دار العلم للملايين. وأنظر / تلخيص المفتاح للقزويين الخطيب من كتاب مجموع مهمات المتون ص 621 ط. شركة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
10.11 (1/50)
صفحة 51
الفعل (أنبت) إلى الله إسناد حقيقي، وهو في عقله المؤمن يدرك متيقناً أنه الذي ينبت الزرع وليس سواه - ويدعى هذا حقيقة عقلية - أما إذا قال المؤمن: أنبت الربيع الزرع، فإن إسناده للفعل (أنبت) إلى الربيع إسناد مجازي، لأنه يؤمن أن الذي ينبت الزرع هو الله وليس الربيع، وما الربيع إلا الزمن الذي يكون فيه الانبات ويدعى هذا مجاز عقلي.
(1)
و معنى قولهم في تعريف هذا النوع من المجاز: إسناد الفعل أو ما في معناه أي المشتقات التي تعمل عمل الفعل كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وإسم التفضيل، وقد ذُكر في التعريف أن هذا الإسناد المجازي للفعل أو
ما في معناه لغير فاعله الحقيقي يكون العلاقة، وهذه العلاقة أنواع، فمنها:
العلاقة السببية:
فيما بني للفاعل وأسند للسبب مجازاً، مثل: بني الأمير المدينة والقلعة والقصر، فإن الأمير لم يبن بنفسه ولم يزاول عملية البناء، وفي القرآن: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى (2) فإن هذا الفعل يقوم به أتباعه ولكنه لما كان الأمر به نسب إليه، وكذلك قوله تعالى: وإذا تليت عليهم آيته زادتهم إيمانا (3) فأما الذين أمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون (4) فقد نسبت الزيادة التي
نساءهم)
هي فعل الله تعالى إلى الآيات في الآية الأولى وإلى السورة في الآية الثانية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «شيبتني هود وأخواتها» () وقد جعل الامام عز الدين ابن عبدالسلام هذا النوع خمسة أقسام أورد أربعة منها الإمام ابن القيم في كتابه «الفوائد المشوّق» إلى علوم القرآن وعلم البيان فالمجاز العقلي ينقسم من حيث علاقته السببية عندهم
إلى:
(1) البلاغة العربية في ثوبها الجديد / ج 2 ص 81 - 82 (2) القصص / 4
(3) الأنفال / 2 (4) التوبه / 144
(5) في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح من رواية عقبة بن عامر ج 7
ص
40 ط: مؤسسة المعارف.
-01 - (1/51)
صفحة 52
1 - نسبة الفعل إلى، مثل قوله عز وجل: ومن عمل صالحاً فلا نفسهم يمهدون (1) الماهد على الحقيقة هو الله عز وجل فنسب إليهم المهد التسببهم إليه بالعمل الصالح.
2 - نسبة الفعل إلى سبب سببه، كقوله تعالى قالوا ربنا من قدّم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار (2) نسبوا صلي النار إلى سبب سببه لأن الكبراء أمروهم فامتثلوه، والمقدّم على الحقيقة هو الله عز وجل وسببه كفرهم، وسبب كفرهم أمر رؤسائهم إياهم بالكفر.
3 ـ نسبة الفعل إلى سبب سببه، وذلك كقوله تعالى ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني (3) نسب الفتنة إلى الرسول ل لأنه إذا أمره بالخروج كان ذلك سبباً في خروجه، وكان خروجه سبباً لرؤيته بنات الأصغر، وكانت رؤيته إياهن سبباً لافتتانه بهن، ولم يورد الإمام ابن القيم هذا في كتابه.
4 - نسبة الفعل إلى الآمر به كقوله تعالى ونادى فرعون في قومه (4) أي: وأمر من ينادي في قومه، وكذلك قوله يذبح أبناءهم (5) أي: يأمر
بتذبيحهم.
ه - نسبة الفعل إلى الآذن فيه، ومنه قوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً (1) فالآخذ على الحقيقة هو الولي، والمرأة الاذنة فيه، وهذا أخذ مجازي ونسبته إليهن مجازية أيضاً كما ذكرناه، وقد اختلف في الميثاق فقيل: إنه العقد، وقيل: إنه قول الولي زوجتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح
بإحسان» أ. هـ
(1) الروم / 44
71/ 00 (9)
(3) التوبة / 61 (5) القصص / 4
(V)
(4) الزخرف / 51 (6) النساء / 21
(7) أنظر / الاشارة الى الايجاز ص 42 فما بعدها - الفوائد المشوق ص 29 - 30 ط: دار الكتب العلمية (1402 هـ - 1982 م) (1/52)
صفحة 53
العلاقة الزمانية:
فيما بني للفاعل وأسند للزمان لمشابهته الفاعل الحقيقي في ملابسة الفعل لكل منهما، مثل: نهاره صائم وليله قائم، لأن النهار لايصوم، والليل لايقوم، وإنما يُصام في النهار، ويُقام في الليل، والصائم والقائم حقيقة هو الإنسان، وكذلك قوله تعالى: فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا) (1) نسب فيه الفعل إلى الظرف «يوماً» لو قوعه فيه، ومنه قوله تعالى: {والضحى والليل إذا سجي (2). ومعنى «سجى: سكن والليل لايسكن وإنما تسكن حركات الناس فيه فأجرى سبحانه وتعالى صفة السكون عليه لما كان السكون واقعاً فيه (3) وشبيهة بهذه الآية قوله عز من قائل في صفة نقيض الليل والصبح إذا تنفس) (4)، ومن ذلك أيضاً قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ماكنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود
العلاقة المكانية:
1
(0)
فيما بنى للفاعل وأسند للمكان لمشابهته الفاعل الحقيقي في ملابسة الفعل لكل منهما، مثال ذلك قوله تعالى: (وجعلنا الأنهر تجري من تحتهم (6) فقد أسند الجري إلى الأنهار وهي أمكنة للمياه، وليست هي الجارية بل الجاري ماؤها، وكذلك قوله تعالى فيها عين جارية (7)، ونحو بيت ساكن، وحديقة
غناء (8)
(1) المزمل / 17 (2) الضحى / 1 - 2 (3) علم البيان ص 144
(4) الكشاف ج 4 ص 224 ط: مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر
(5) ملعقة طرفة بن العبد ص 796) من كتاب (مجموع مهمات المتون ط: شركة مصطفى البابي
الحلبي. (6) الأنعام / 6 (7) الغاشية / 12
(8) علوم البلاغة تأليف / احمد مصطفى المرغي ص 71 ط: دار القلم - بيروت وانظر / حلية اللب المصون ص 45 توزيع مكتبة اليمن الكبرى. (1/53)
صفحة 54
العلاقة المصدرية:
فيما بني للفاعل وأسند إلى المصدر مجازاً «نحو قول أبي فراس:
سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فقد أسند الجد إلى الجد أي الإجتهاد وهو ليس بفاعل له بل فاعله الجاد فاصله جد الجاد جداً، أي: اجتهد اجتهاداً، فحذف الفاعل الأصلي وهو الجاد وأسند الفعل إلى الجد» (1)، «ومن ذلك قول أبي تمام».
تكاد عطاياه يجن جنونها إذا لم يعوّذها برقية طالب
فقد أسند الفعل «يجن» إلى الجنون وهو مصدر «يجن» بدلاً من إسناده إلى الرجل
الذي يكون منه الجنون
العلاقة الفاعلية:
(2)
فيما بني للمفعول وأسند للفاعل الحقيقي مثل سيل مفعم، لأن السيل هو الذي يُفعم أي يملأ، وأصله: أفعم السيل الوادي أي ملاه (1) قال الله عز وجل: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا () فالحجاب في أصله ساتر وليس مستوراً، ولهذا فقد أسند الوصف المبني للمفعول إلى الفاعل، ومثل ذلك قوله تعالى: إنه كان وعده
ماتيا (4) أي: آتيا.
العلاقة المفعولية:
فيما بني للفاعل وأسند إلى المفعول به الحقيقي كقوله تعالى: {عيشة راضية (5) إذ هي مرضية، فالإسناد مجازي، وأصله: رضي المؤمن عيشته
(1) المصدر السابق، وأنظر / حلية اللب المصون ص 45
(2) البلاغة الواضحة ص 117، 118 نشر ماكميلان و شركاه بلندن
(3) حلية اللب المصون للدمنهوري مع حاشية الشيخ مخلوف المنياوي ص 45 (4) الاسراء / 45 - وانظر / أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 596
(5) مريم / 61
(6) الحاقه / 22 - وانظر / أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 596
- (1/54)
صفحة 55
فأقيمت «عيشته» مقام المؤمن في تعلّق الفعل وهو الرضا بكل فأسندت «راضيه» للضمير المستتر الذي هو للعيشة، وكذلك قولك: ثوب لابس، فالأصل: لبس الرجل ثوباً، ثم أسند الفعل إلى المفعول في التقدير من غير أن يبنى له فصار: لبس ثوب وهو معنى كونه مجازاً ثم سبك من الفعل اسم فاعل وقيل ثوب الابس
"
(1)
قال ابن فارس: «تقول: سرُّ كاتم أي: مكتوم، وفي كتاب الله جل ثناؤه: لا عاصم اليوم من أمر الله له (2) أي: لا معصوم و من ماء دافق (3) أي: مدفوق و عيشة راضية) (4) أي مرضى بها، و جعلنا حرماً أمنا) (ه) أي: مأموناً فيه، ويقول الشاعر:
إنَّ البغيض لمن يمل حديثه فانقع فؤادك من حديث الوامق
أي: الموموق» أ. هـ
(1)
ومن هجاء الحطيئة للزبرقان بن بدر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
أي: المطعوم المكسو.
أقسام المجاز العقلي:
«المراد أقسامه باعتبار طرفيه - وهما المسند والمسند إليه ـ فهي أربعة أقسام
لاغير.
أ - لأنهما إما حقيقتان، كقولنا: أنبت الربيع البقل» وعليه قوله:
فنام ليلي وتجلّى همي
وقوله: وشيب أيام الفراق مفارقي
(1) حلية اللب المصون - 45
(2) هود / 43
(3) الطارق / 6
(4) الحاقه / 21
(5) العنكبوت / 67
(6) الصاحبي لابن فارس ص 366 (1/55)
صفحة 56
وقوله: ونمت وما ليل المطي بنائم
ب - وإمّا، مجازان، كقولنا أحيا الأرضَ شباب الزمان»، وكقولنا: «أحيا الأرض
(1)
الربيع، أ. هـ (1)
ولابد من قرينة إما لفظية كما في قول أبي النجم: ميّز عنه قنزُعاً عن قُنْزُع جذب الليالي أبطنى أو أسرعي
ثم قال عقيبه:
أفناه قيلُ الله للشمس اطلعي حتى إذا واراك أفق فارجعي
المسند.
وقد تكون القرينة غير لفظية كاستحالة
صدور من المسند إليه المذكور أو
قيامه به عقلا كقولك «محبتك جاءت بي إليك»، أو عادة كقولك: «هزم الأمير الجند» و «كسا الخليفة الكعبة» و «بنى الوزير القصر» وكصدور الكلام من الموحد في مثل
قوله:
أشابَ الصغير وأفنى الكبير كرُّ الغداة ومَرُّ العشى» أ. هـ (2).
من أحكام المجاز العقلي
1 - لايختص المجاز العقلي بالخبر بل يجري في الإنشاء كقوله تعالى: {وقال فرعون پاهامان ابن صرحاً) (3). وقوله فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا (4)، وقوله: (فلا يخرجنكما من الجنة
فتشقى (5).
(1) الإيضاح للخطيب القزويني ص 32 ط: دار الكتب العلمية
(2) المصدر السابق ص 34
(3) غافر / 36
(4) القصص / 38
(5) طه / 117
- 56 - (1/56)
صفحة 57
2 ـ قال الإمام عبد القاهر الجرجاني. إعلم أنه ليس بواجب في هذا المجاز أن
يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أن تقول في ربحت تجارتهم) ربحوا في تجارتهم، فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء،
ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل - في قولك: «أقدمني بلدك حق لي على إنسان» - فاعلاً. سوى الحق، وكذلك لاتستطيع في قول أبي نواس:
يزيدك وجهه حسناً
إذا مازدته نظرا
وقول ابن البواب وصيرني هواك وبي لحيني يضرب المثل أن تزعم أنَّ لـ (يزيد) فاعلاً قد نقل عنه الفعل فجعل لـ (وجهه)، ولا لـ (صيرني) فاعلاً غير الهوى، فالاعتبار إذاً بأن يكون المعنى الذي يرجع إليه الفعل وجوداً في الكلام على حقيقته، معنى ذلك أن (القدوم) في المثال المتقدم موجود على الحقيقة، وكذلك (الزيادة) و (الصيرورة موجودتان على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظ موجوداً على الحقيقة لم يكن المجاز فيه نفسه بل لا محالة في الحكم»
أ. هـ
(2)
وقد خالف الخطيب القزويني الامام عبدالقاهر في رأيه هذا فقال: « ... اعلم أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقة ... وذلك قد يكون ظاهراً كما في قوله تعالى: فما ربحت تجارتهم (3): فما ربحوا في تجارتهم، وقد يكون خفياً لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل .... ثم أورد أمثلة لذلك من بينها الأمثلة التي ذكرها الإمام عبدالقاهر، وذكر أن التقدير في قولك: «أقدمني بلدك حق لي على فلان أقدمتني نفسي بلدك لأجل حق لي على فلان وقال في تقدير بيت أبي نواس أي: يزيدك الله حسنا في وجهه ـ لما أودعه من دقائق الجمال - متى تأملته، وفي بيت ابن البواب: أي: وصيرني الله لهواك وحالي هذه، أي: أهلكني الله ابتلاء بسبب هواك» أ. هـ
(1) البقرة / 16
(2) دلائل الإعجاز ص 229 ط: دار المعرفة - بيروت. (3) البقرة / 16
(4)
(4) الإيضاح ص 35 - 36 وانظر / مفتاح العلوم للسكاكي ص 398 ط: دار الكتب العلمية
- OY - (1/57)
صفحة 58
وقال الشيخ مخلوف المنياوي عقب نقله لرأي الإمام عبد القاهر الجرجاني: «رده الإمام فخر الدين الرازي بأنَّ الفعل لابد أن يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لا عن فاعل فهو إن كان ما أسند إليه الفعل فلا مجاز وإلا فيمكن تقديره. قاله السعد، قال الصبان المناسب: وإلا فلا بد من تقديره ليكون مناسباً للدعوى. أقول فيه: إن إمكان التقدير في المسند إسناداً مجازياً مستلزمات لثبوت الفاعل الحقيقي إذ لا يمكن عند انتفائه كما هو ظاهر، والثبوت المذكور هو المطلوب، بل هذا المناسب يفيد أن كل فعل أسند إسناداً مجازياً يجب تقدير فاعله الحقيقي وليس كذلك ألا ترى أنَّ الغالب في «سرتني رؤيتك» عدم التقدير .. تأمل منصفا» أ. هـ (1).
أ.
ـ أنكر السكاكي هذا النوع من المجاز، ولعل منشأ اضطرابه فيه سوء فهمه للإسناد الذي جاء في حديث: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم» (2) وقال: «الذي عندي نظمه في سلك الإستعارة بالكناية بجعل الربيع مثلاً في قولك: «أنبت الربيع البقل» إستعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه» أ. هـ (وجعل نسبة الإنبات إلى الربيع قرينة للاستعارة، وقد رد هذا بأنه يستلزم
أن لاتصح الإضافة في نحو فما ربحت تجارتهم (4) لبطلان إضافة الشيء إلى نفسه، وألا يكون الأمر بالبناء لهامان في قوله: {ياهامان ابن لي صرحا (5) لأن المراد به حينئذ العملة أنفسهم، وأن يتوقف جواز التركيب في نحو أنبت الربيع البقل على السمع لأن أسماء الله توقيفية، وكل هذه اللوازم منتفية فتنتفي ملزوماتها ...
(1)
(1) حاشية الشيخ مخلوف على حلية اللب المصون ص 47 (2) أخرجه البخاري في / الجهاد: باب فضل النفقة في سبيل الله 87/ 8 - ومسلم في الزكاة: باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا 2/ 727 - وأحمد ج 3 ص 7، 21، 91 كلهم من حديث أبي
سعيد الخدري.
(3) مفتاح العلوم للسكاكي ص 400 - 401
(4) البقرة / 16
(5) غافر / 36
(6) الإيضاح للقزويني بشرح د. محمد عبد المنعم خفاجي ج 1 ص 102 ط: مكتبة الكليات
الأزهرية - وانظر / علوم البلاغة للمراغي ص 274 (1/58)
صفحة 59
(1)
4 ـ تحدث الإمام عبد القاهر الجرجاني عن بلاغة المجاز العقلي في كتابه «أسرار البلاغة وذلك في فهم أدبي سليم، وذوق عربي مطبوع، ويحسن بنا هنا أن نذكر ذلك العرض الموجز للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي لجملة ماذكره عبد القاهر في المجاز العقلي وهو: -
أ - إثبات وجود المجاز العقلي وبيان سر الفرق بينه وبين المجاز في الكلمة.
ب - بيان أن المجاز في الإثبات عقلي وفي الكلمة المثبتة لغوي.
جـ - بيان حد هذين النوعين في المجاز المجاز الحكمي والمجاز في المفرد). د - بيان القرينة على التجوز في المجاز العقلي، والفرق بينه وبين الأحاديث الكاذبة. هـ ـ الكلام على بلاغة المجاز العقلي ودرجاته في البلاغة من العامية والخاصية وأن تقدير الحقيقة في الإسناد المجازي قد لا يتأتى في الأسلوب، وتوضيح سردقة الأساليب الخاصية في المجاز العقلي، وتأويل نظرية علماء النحو التي يذهبون فيها إلى أن أسلوب المجاز الحكمي على تقدير مضاف، والدفاع عن بلاغة المجاز الحكمي التي يهتضمها مثل هذا التقدير والتأويل البعيد.
ويلاحظ أنَّ عبد القاهر ليس هو أول من تكلم على أسلوب المجاز العقلي بل تقدمه كثير من علماء العربية كسيويه والمبرد والآمدي وابن فارس فليس صحيحاً ماذكره الدكتور طه حسين من أن المجاز العقلي هو من ابتداع عبد القاهر وحده، وبلاغه المجاز العقلي كما فهمها عبد القاهر سبق إلى بيانها باختصار وفي خفية المبرد والآمدي، أ. هـ)
(1) أسرار البلاغة ج 2 ص 255 فما بعدها ط: مكتبة القاهرة
(2) المصدر السابق ص 251
- (1/59)
صفحة 60
ب - المجاز اللغوي:
يقسمه البلاغيون إلى مجاز مرسل واستعارة، والأول منهما لا يكون إلا مفرداً، أما الثاني فيكون مفرداً ويكون مركباً.
1 - المجاز المرسل:
قد ذكرت فيما سبق أن المجاز اللغوي ينقسم إلى قسمين بحسب العلاقة القائمة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي: إما إلى استعارة إن كانت العلاقة المشابهة وإما إلى مجاز مرسل إن كانت العلاقة غيرها، والعلاقة هي الصلة القائمة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي وعلاقة المجاز المرسل التي هي غير المشابهة متعددة ولهذا فقد نُعت هذا النوع بالمرسل لكثرة علاقاته وتعددها حيث إنه لم يقيد بعلاقة خاصة منها، ولقد سرد شارح المنهاج الإمام ابن السبكي ستاً وثلاثين علاقة (1) وأكثر العلماء البلاغيين يقتصرون على الثماني والتسع منها، وقد تعرض الإمام ابن القيم لذكرها في كتابه البلاغي القيم فسرد منها أربعاً وعشرين)
(2)
قالوا في تعريفه: كلمة استعملت في غير معناها الأصلي لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، وعلاقاته كثيرة منها:
السببية:
(3)
بأن يطلق لفظ السبب ويراد المسبب نحو قولهم: رعينا الغيث أي النبات الذي سببه الغيث فسمى النبات غيثاً لأن الغيث سبب النبات. ومنه تسمية القدرة يداً في قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم (4) أي قدرته فإن اليد سبب القدرة وبها يكون البطش والضرب والقطع والأخذ والدفع والوضع والرفع وغير ذلك من الأفعال التي تنبئي عن وجود القدرة ومكانها، ومنه إطلاق الإيمان على مانشأ عنه من الطاعة كقوله تعالى: وماكان الله ليضيع إيمانكم) (5) أي: صلاتكم، وعلى
(1) الإبهاج / ج 1 ص 309
(2) الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان ص 16
(3) انظر / الايضاح للقزويني ص 274 - 277 ط: دار الكتب العلمية / وحلية اللب المصون ص 136 - 137 / والبلاغة الواضحة ص 110.
(4) الفتح / 10 (5) البقرة / 143
- 1.- (1/60)
صفحة 61
هذا - أيضاً - قوله عز وجل: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (1) سُمِّيَ جزاء الاعتداء اعتداءً لأنه مسبب عن الاعتداء، وكذا قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها) (2) تُجوّز بلفظ السيئة عن
(3)
الاقتصاص لأنه مسبب عنها، وقيل: إن عُبّر ممَّا ساء - أي أحزن ـ لم يكن مجازاً، لأن الاقتصاص محزن في الحقيقة كالجناية. وهاتان الآيتان جاء لفظ المجاز فيهما مضاهياً للفظ الحقيقة وهو ما يسمى بالمشاكلة وهى التعبير عن الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته
المسببية:
(4)
فيما إذا ذكر لفظ المسبب وأريد السبب، مثل قوله تعالى: {ويُنزّل لكم من السماء رزقا (5) إذ المراد المطر الذي ينشأ عنه النبات فيكون منه طعامنا ورزقنا فالرزق مسبب عن المطر، وكذلك قوله تعالى: إنما يأكلون في بطونهم نارا (6)، وقولهم: فلان أكل الدم، أي: الدية التي هي مسببة عن الدم، ومن ذلك أيضاً ـ قول الله تعالى: {والرجز فاهجر (7) تجوز بالرجز وهو العذاب الشديد عن عبادة الأصنام لأن العذاب مسبب عنها، ومن ذلك ـ أيضاً ـ قوله سبحانه وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة (8) لأنّ القوة على قتال الأعداء مسببة عن الأسلحة وناشئة عن امتلاكها، فأطلق اسم القوة على السلاح من إطلاق المسبب على السبب، ولم يمنع العلامة ابن القيّم أن تُحمل الآية على المجاز بالحذف
ويكون التقدير وأعدوا لهم ما استطعتم من أسباب القوة أو من أدوات القوة)
(1) البقرة / 194
(2) الشورى / 40
(3) الإيضاح للقزويني ص 280 ط: دار الكتب العلمية
(4) شرح طلعة الشمس ج 1 ص 209
(5) غافر / 13
(^)
(6) النساء / 10
(7) المدثر / 5
(8) الانفال / 60
(9) الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان ص 27
-11 - (1/61)
صفحة 62
الكلية:
فيما إذا ذكر اسم الكل وأريد الجزء نحو قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (1)، وقد ذكر الزركشي في «البرهان أن إمام الحرمين (ت 478 هـ) استشكل هذه الآية من جهة أن الجزاء إنما يكون بعد تمام الشرط، والشرط أن يشهد الشهر وهو اسم لثلاثين يوماً، قال الزركشي، «وحاصل جوابه: أنه أوقع الشهر وأراد جزءاً منه، وإرادة الكل باسم الجزء مجاز شهير (2) أ. هـ، ومنه قوله تعالى و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) (3) ومعلوم أنه لم ير جملتهم وإنما دائر وجوههم وما يبدأ منهم، وكذلك قوله عز وجل: ادخلوا مصر (4) ومعلوم أنهم لم يستوعبوها، وفي المباحث الأصولية كإطلاق اللفظ العام مع إرادة الخصوص
(0)
- الجزئية:
وهي تسمية الشيء باسم جزئه كالتعبير بالقيام عن الصلاة في قوله تعالى: قم الليل إلا قليلا) (6) أي: صلّ، وقوله: (لا تقم فيه أبداً (7) أي: لا تصل فيه أبدا، وقوله: فتحرير رقبة مؤمنة (8) وحقيقته: فتحرير عبد مؤمن، وعلى هذا يؤول قوله عز وجل: كل شيء هالك إلا وجهه (9) فالمراد: ذاته، وكذلك قوله سبحانه ويبقى وجه ربك} (10) أي ذاته ومن هذا الضرب التعبير باليدين عن الجملة كقوله تعالى ذلك بما قدمت يداك (11)، والتعبير بالعضد عن الجملة كقوله تعالى: سنشد عضدك بأخيك (12).
(1) البقرة / 185
(2) البرهان ج 2 ص 263
(3) المنافقون / 4
(4) يوسف / 99
(5) المحصول للرازي ج 1 ص 136 ط: دار الكتب العلمية ولم يرتض الامام ابن السبكي هذا قال: لان دلالة العموم من باب الكلية لامن باب الكل، والفرد منه من باب الجزئية لا من باب الجزء أ. هـ الابهاج ج 1 ص 202
(6) المزمل / 2 (7) التوبة / 108 (8) النساء / 92 (9) القصص / 88 (10) الرحمن / 27 (11) الحج / 10 (12) القصص / 35
-15 - (1/62)
صفحة 63
الماضوية
ويسميها بعض علماء البلاغة اعتبار ماكان، أي: تسمية الشيء باسم ماكان عليه نحو قوله سبحانه واتوا اليتامى أموالهم (1) المراد الذين كانوا يتامى فإنهم لايسمون يتامى بعد البلوغ الذي تدفع إليه أموالهم وكذلك قوله تعالى: إنه من يأت ربه مجرما (2) سماه مجرماً باعتبار ماكان عليه في الدنيا من الإجرام، ومنه قوله فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن (3) معناه: الذين كانوا أزواجهن، لأنها نزلت في معقل بن يسار وأخته لما حلف أنه لا يزوجها من زوجها عبدالله بن رواحة - رضي الله عنه ـ، وكذلك قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا (4) فإن الزوجية تنقضي بالموت، ومن ذلك إطلاق العبد على الحر في قوله: «من أعتق شقصاً من عبد قوم عليه الباقي فتسميته عبداً من بعد العتق مجاز، والعلاقة فيه تسمية الشيء باسم ماكان عليه لأنه كان قبل العتق عبداً، وأطلق بعضهم على هذه العلاقة لفظة «الكون».
(0)
(1) النساء / 2
(2) طه / 74
2/
(3) البقرة / 232 وانظر سبب النزول في (زاد المسير) لابن الجوزي ج 1 ص 268 ط: المكتب
الاسلامي (4) البقرة / 234
(ه) أورده الشيخ السالمي - ب - رحمه الله - في شرح «الطلعة ج 1 ص 200 ولم اجده بلفظه في (مجمع الزوائد للهيثمي) ج 4 كتاب الرقيق وبمعناه عند احمد عن سعيد بن المسيب قال: حفظنا عن ثلاثين من أصحاب النبي الاول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أعتق شقيصاً في مملوك ضمن بقيته، وفيه الحجاج بن أرطاه وهو ثقه ولكنه مد لس وبقية رجاله رجال الصحيح، وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اعتق شقيصاً له من رقيق فإن عليه أن يعتق بقيته .. » الحديث رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن اسحاق المروزي وهو ضعيف، وعن عبادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اعتق شقيصاً من مملوك فهو ضامن بقيته» وفي روايه فعليه جواز عتقه ان كان له مال رواه الطبراني واسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة» أ. هـ ص 251 - 252.
- Tr_ (1/63)
صفحة 64
-
المستقبلية:
وتسمى ـ أيضاً ـ اعتبار مايكون عكس السابقة أي إطلاق الشيء على مايئول إليه، كقوله تعالى: إني أراني أعصر خمرا) (1) أي: عنباً يئول إلى الخمر ومن ذلك قوله عز وجل:) ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا) (2)، وقوله: كتب عليكم القصاص في القتلي (3) أي: فيمن يقتل من القتلى، ومنه إطلاق الميت على الحي في قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون) (4) فأطلق اسم الميت عليه وعليهم وهم جميعاً أحياء في ذلك الإطلاق تجوزاً، والعلاقة فيه تسميتهم بما سيئولون إليه، ومن هنا أطلق كثير من البلغاء في مصنفاتهم لفظ «الأول» على هذه
العلاقة.
المحلية:
فيما إذا ذكر المحل وأريد الحال فيه كقوله تعالى: فليدع ناديه (5) أراد المجتمعين في النادي، وكذلك قوله تعالى وفرش مرفوعة (6) أي: نساؤه بدليل قوله إنا أنشأنا هن إنشاء (7)، وقد سأل أحد الأعراب صاحبه فقال: ألك بيت أراد: ألك زوجة؟ ومن ذلك شربت كوراً أي ماءً في كوز، ومنه أيضاً قوله تعالى: وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) (8) أي: أهل القرية الحالين بها وأهل العير
الحالية:
(9)
وهي إطلاق اسم الحال على المحل وله تعالى: وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} (10) أي: في الجنة، لأنها مستقر رحمة الله للمؤمنين وموضع خلودهم.
(1) يوسف / 36 (2) نوح / 27 (3) البقرة / 178 (4) الزمر / 30 (5) العلق / 17 (6) الواقعة / 34 (7) الواقعة / 35 (8) يوسف / 82
(9) من العلماء من يجعل هذه الآية من مجاز الحذف، ومنهم من أطلق على العلاقة فيها علاقة النقصان، وانظر ص 74 من هذا البحث.
(10) آل عمران / 107
- 7 {- (1/64)
صفحة 65
الآلية:
فيما ذكر اسم الآلة وأريد به الأثر الذي ينتج عنها، كقوله تعالى: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين (1) أي: ذكراً حسناً حيث أطلق اللسان وعبر به عن الذكر لأن اللسان آلة الذكر، ومنه قوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) (2) أي: بلغة قومه، وكذلك قوله سبحانه: {فأتوا به على أعين
الناس لعلهم يشهدون (3) أي: على مرأى منهم، والأعين آلة الرؤية.
وجميع هذه العلاقات إذا وجدت بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي فإنما هي وجه المناسبة في نقل الإسم من الحقيقة إلى المجاز، وليس من ضرورة وجودها بين معنيين أن نحكم على المعنى الثاني بأنه مجاز
تنبيهات حول المجاز المرسل
أ ـ أدخل بعضهم الجمل الخبرية التي لم يقصد بها الإخبار ضمن المجاز المرسل وأطلق عليها اسم «المجاز المرسل المركب ويقصد به كل تركيب استعمل في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، فإن كانت العلاقة المشابهة كان التركيب استعارة تمثيلية وسيأتي الحديث عليها، وذلك مثل قوله تعالى على لسان امرأة عمران رب إني وضعتها أنثى (4) فهي لم تقصد الإخبار بذلك، ولكنها عبرت بعبارتها تلك عن حزنها وتحسرها إذ لم تلد ذكراً حتى تنذره محرراً للسدانة (9).
وكما في قول ابن الرومي
بان شبابي فعز مطلبه وانبت بيني وبينه نسبه
فهو لايريد الإخبار بذلك بل يشير إلى ما استحوذ عليه من الهم والحزن بسبب
مفارقته لشبابه، وكذلك قول الآخر:
(1) الشعراء / 84
(2) ابراهيم / 4
(3) الانبياء / 61
(4) آل عمران / 36
(5) الكشاف ج 1 ص 425 (1/65)
صفحة 66
هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق (1)
ب - قد يخرج الأمر والخبر والنهي عن المعاني الحقيقية إلى معان مجازية وصحح بعضهم أن خروج الاستفهام عن معناه الحقيقي مجاز مرسل علاقته
الإطلاق والتقييد
(2)
- الاستعارة:
إن معنى الاستعارة في علم المجاز وفنه لا يختلف عن حقيقتها المعروفة، فهي مأخوذة من استعارة أحدنا رداء غيره، ولا يحصل ذلك إلا من شخصين بينهما معرفة ورابطة، وهذا الحكم جار في الاستعارة المجازية، فإنك لا تستعير أحد اللفظين للآخر إلا بواسطة التعارف المعنوي كما أن أحد الشخصين لا يستعير من الآخر إلا بواسطة المعرفة بينهما (2).
ولعلماء البلاغة عدة تعاريف في حدها، أورد صاحب الطراز خمسة من تلك التعريفات، فأبطل الأربعة الأول وارتضى تعريفها بقوله تصييرك الشيء وليس به، وجعلك الشيء للشيء وليس له بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة ولا حكما ومثالها لقيتُ أسداً - وتريد به رجلاً شجاعاً - وفلان بيده زمام الأمر
(4)
ولما كان قوام أمر التشبيه طرفان هما المشبه والمشبه به فالاستعارة في حذف أحدهما، ولهذا عرف بعضهم الاستعارة بأنها تشبيه حُذف أحد طرفيه وعلاقتها المشابهة دائماً، ويسمى المشبه به مستعاراً منه، والمشبه مستعاراً له، واللفظ
مستعار.
(1) حاشية اللب المصون ص 148
(2) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج 1 ص 412
(3) الطراز ج 1 ص 198
(4) المصدر السابق ص 202
-77 - (1/66)
صفحة 67
--
- أقسام الاستعارة:
تقسم الاستعارة باعتبار ذاتها إلى حقيقية وخيالية، وباعتبار لفظها إلى أصلية وتبعية، وباعتبار طرفيها إلى تصريحية ومكنية، وباعتبار لازمها إلى مجردة وموشحة ومطلقة، وباعتبار حكمها إلى حسنة، وقبيحة وباعتبار كيفية استعمالها إلى استعارة محسوس، لمحسوس، أو معقول لمعقول، أو محسوس المعقول، أو معقول لمحسوس.
1 - الاستعارة باعتبار ذاتها:
قد تقيد ـ كما يقول القزويني -: «بالتحقيقية، لتحقق معناها حساً أو عقلاً أي: التي تتناول أمراً معلوماً يمكن أن ينص عليه ويشار إليه إشارة حسية أو عقلية، فيقال: إن اللفظ نقل من مسماه الأصلي فجعل اسماً له على سبيل الإعارة للمبالغة في التشبيه، أما الحسي فكقولك: «رأيت أسداً» وأنت تريد رجلاً شجاعاً، وأما العقلي فكقولك أبديت نوراً» وأنت تريد «حجة» فإن الحجة مما يدرك بالعقل من غير وساطة حس، إذ المفهوم من الألفاظ هو الذي ينور القلب ويكشـ ف عن الحق لا الألفاظ أنفسها، وعليه قوله عز وجل: اهدنا الصراط المستقيم (1) أي: الدين الحق) ولم يبن لى كبير فرق بين الاستعارة المكنية والتخيلية من كلامه واللازم المذكور في بيت أبي ذؤيب ترشيح وفرق صاحب الطراز بينهما بأن ماكان من الاستعارات لايفهم منه معنى التشبيه لا على قرب ولا على بعد كقوله:
أثمرت أغصان راحته لجناة الحسن عنابا
فهو محقق لا يفهم منه معنى التشبيه بحال، ولو ذهبت تقدر التشبيه أخرجته عن حقيقة البلاغة، وسلبت عنه ثوب جمالها، وماكان يفهم منه معنى التشبيه الذي لا يدرك في الوجود ويكون متصوراً في الخيال فهذه هى الاستعارة الخيالية كقوله
(1) الفاتحة / 6
(2) الإيضاح / 285 - 286
67 - (1/67)
صفحة 68
تعالى: بل يداه مبسوطتان (1)، وجميع آيات التشبيه كلها من باب الاستعارات الخيالية (2).
2 - الاستعارة باعتبار لفظها:
تنقسم الاستعارة باعتبار لفظها إلى قسمين: أصلية وتبعيه، فالاستعارة الأصلية هي ماكان اللفظ المستعار أو اللفظ الذي جرت فيه إسماً جامداً غير مشتق، مثل قوله تعالى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس (3)، وقوله: {وإنه في أم الكتاب (4)، وقوله: ألم تر أنهم في
من
كل وادٍ يهيمون (5) وكلمة «يهيمون» استعارة تبعية لأنها مشتقة. الهيمان، إذ التبعية ماكان اللفظ المستعار فيها أو اللفظ الذي جرت فيه الاستعارة اسماً مشتقاً أو فعلا، مثل قوله تعالى: ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح (6) فقد شبه انتهاء الغضب بالسكوت بجامع السكون في كل منهما ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو السكوت للمشبه وهو انتهاء الغضب ثم اشتق من السكوت بمعنى انتهاء الغضب سكت بمعنى انتهى.
- الاستعارة باعتبار طرفيها:
1
إن كان المحذوف من طرفي التشبيه (المشبه) والمصرح به هو لفظ (المشبه به) كانت الاستعارة (استعارة تصريحية) مثالها قول الله تعالى: كتب أنزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمت إلى النور (7) فقد شُبه الضلال في الآية بالظلمات بجامع عدم الاهتداء في كل ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو الظلمات للمشبه وهو الضلال على سبيل الاستعارة التصريحية، وكذلك شبه
(1) المائدة / 64
(2) الطراز ج 1 ص 258
(3) آل عمران / 112
(4) الزخرف / 4
(5) الشعراء / 225 (6) الأعراف / 154 (7) إبراهيم / 1 (1/68)
صفحة 69
الاهتداء والإيمان بالنور بجامع وضوح المعالم والدلائل في كل ثم استعير اللفظ الدال على المشبه به وهو النور للمشبه وهو الهدى على سبيل الاستعارة التصريحية والقرينة حالية في الاستعارتين والعلاقة المشابهة، أما إن كان المحذوف في الاستعارة لفظ المشبه به) وقد رُمز إليه بشيء من لوازمه كانت الاستعارة (استعارة هو مكنية) ومنها قوله عز وجل - على لسان زكريا عليه السلام: «رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا» حيث شبه الرأس بالوقود ثم حذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو (اشتعل على سبيل الاستعارة المكنية والقرينة إثبات الاشتعال للرأس.
4 - الاستعارة باعتبار لازمها:
يقسمها البلاغيون بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
أ - إستعارة مرشحة وهي ماذكر مع الاستعارة ملائم للمشبه به مثل قوله تعالى: واشتروا الضلله بالهدى (2) ثم قال على إثره: فما ربحت تجارتهم (2) فلما استعار لفظ الشراء عقبه بذكر لازمه وحكمه وهو الربح
ترشيحاً.
ب - إستعارة مجردة: وهى فيما إذا ذكر مع الاستعارة ملائم للمشبه وفسرها الامام ابن القيم بقوله: «أن تنظر إلى المستعار من غير نظر الى غيره كقوله تعالى:
فإذاقها الله لباس الجوع والخوف (3)، وكقول زهير
لدى أسد شاكي السلاح مقذف
لو نظر إلى المستعار منه لقال فكساهم لباس الجوع، ولقال زهير: لدى أسد وافي
المخالب أو وافي البراثن
(1) مريم / 4
(2) البقرة / 16
(3) النحل / 112
(4) الفوائد المشوق ص / 79
(4) (1/69)
صفحة 70
جـ - استعارة مطلقة: وهي قسمان:
الأول: ماخلت من ملائمات المشبه والمشبه به كقوله: إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية) (1)
الثاني: ماذكر معها ما يلائم المشبه والمشبه به معاً كقول كثير
رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ظواهر جلدي وهو للجسم جارح
فقد استعار السهم للطرف بجامع التأثر من كل والريش من ملائمات المشبه به والكحل من ملائمات المشبه.
ه - الاستعارة باعتبار حكمها
تنقسم بهذا الاعتبار إلى حسنة وقبيحة وقد سبق إلى هذا التقسم قدامة في «نقد الشعر» وتابعه عبد القاهر في تقسيمه لها إلى مفيدة وغير مفيدة، وجميع استعارات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف حسنة مفيدة كقوله عز وجل: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا) (2) وقوله: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة (3) حيث جعل إزالة الليل عن مكانه محواً له، ومن الاستعارات القبيحة
قول أبي تمام:
مازال يهذي بالمكارم والعلا حتى ظننا أنه محموم
وقول أبي نواس:
بح صوت المال مما منك يشكو ويصيح
وقوله ـ أيضا: ما لرجل المال أضحت تشتكي منها الكلالا
وقول الآخر: أيا من رمى قلبي بسهم فأولجا
(1) الحاقة / 11
(2) طه / 131 (3) الإسراء / 12
- Y. - (1/70)
صفحة 71
6 - الاستعارة باعتبار الاستعمال
تجري الاستعارة في استعمالها على أربعة أوجه:
استعارة محسوس المحسوس كقوله تعالى: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار (1)، فالمستعار له خروج النهار من ظلمة الليل والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته، والجامع شدة الاتصال والالتصاق في كل.
استعارة معقول لمعقول، كقوله سبحانه من بعثنا من مرقدنا (2) استعار الرقاد للموت، وهما أمران معقولان، والجامع عدم ظهور الأفعال، وقوله عز وجل ولما سكت عن موسى الغضب (3) والسكوت والزوال أمران
معقولان
استعارة محسوس لمعقول كقوله جل شأنه: فاصدع بما تؤمر (4) فإن المستعار منه صَدْع الزجاجة - أي كسرها - وهو حسي، والمستعار له تبليغ الرسالة والجامع لهما التأثير.
استعارة معقول لمحسوس كقوله عز شأنه وإنا لها طغى الماء (5) فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسي، والمستعار منه التكبر، والجامع الاستعلاء المفرط.
الاستعارة التمثيلية:
يقسم البلاغيون الاستعارة من حيث الإفراد والتركيب إلى قسمين:
-
- استعارة مفردة وهي ماكان المستعار فيها لفظاً مفرداً كما هو الشأن في
الاستعارات السابقة.
(1) يس / 37
(2) يس/ 52
(3) الاعراف / 154
(4) الحجر / 94 (5) الحاقه / 11
---
- VI- (1/71)
صفحة 72
1
- استعارة مركبة وهي ماكان المستعار فيها تركيباً، ويطلقون على هذا القسم: استعارة تمثيلية)، ويريدون بها كل تركيب استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، أو هي مجاز مركب علاقته المشابهة مثل قوله تعالى قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم (1) فقد شبه الله عز وجل حال أولئكن الماكرين بحال قوم بنوا بنياناً شديد الدعائم فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم فأهلكهم، واستعير التركيب الدال على حال المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية، وكذا قوله عز وجل: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة (2) على رأي بعض البلاغين ومتى اشتهرت الاستعارة التمثيلية وكثر استعمالها صارت مثلاً، والأمثال لا تغير فلا يلتفت فيه إلى مضاربها إفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً بل يشبه المثل بمورده فينقل لفظه كما هو بلا تصرف، فنقول لرجال ضيعوا الفرصة على أنفسهم ثم جاءوا يطلبونها: الصيف ضيعت اللبن بناء مكسورة لأنه في الأصل خطاب لامرأة»
(4)
تنبيهات حول الاستعارة:
(2)
أ ـ لابد في الاستعارة من وجود ملائمة بين المستعار والمستعار له فإنها مطلوبة وبها يعرف حسن الاستعارة من قبحها، ولهذا عيب على المتنبي قوله:
شرف ينطح النجوم بقرنيه
ب ـ كثير من قدماء البلاغيين لا يفرقون بين التشبيه المضمر الأداة وبين الاستعارة فيجعلونه ضمنها، ولكنَّ التشبيه البليغ لا يعدو أن يكون مقرباً لحقيقة إلى حقيقة أخرى تتفوق عليها في صفة من الصفات لأجلها كان تقريب الشقة بين
(1) النحل / 26 (2) الاسراء / 24
(3) أسرار البلاغة لعبد القاهر بتحقيق د. عبد المنعم خفاجي ج 2 ص 129
(4) علم البيان ص 191
- 72 (1/72)
صفحة 73
الحقيقتين، بينما أسلوب الاستعارة من مثل رأيت أسداً» فيه تخييل في الادعاء والمبالغة أقوى من التخييل في مثل: «زيد أسد» وفيه جعل الحقيقة حقيقة
أخرى
(1)
-
يتعمق بعض البلاغين في تفصيل الاستعارة التبعية فيدخل مع المشتقات الفعل والحرف والضمائر وأسماء الاشارة والاسم الموصول، والمراد بالاستعارة في الأفعال والصفات المشتقة منها مصادرها، وفي الحروف متعلقات معانيها (2). - بلاغة المجاز:
المجاز فن في القول له عذوبة وسلاسة وجمال لاتدانيه الحقيقة لطفاً وخفة «بل هو أكثر منها بلاغة في الوصف، وأوجر لفظاً في العبارة، فإن قولك: رأيت أسداً يرمي، أبلغ وصفاً من قولك: رأيت رجلاً يرمي، وأوجز لفظاً من قولك: رأيت رجلاً بالغاً في
الشجاعة مبلغ الأسد، وكذلك فبالمجاز يتوصل إلى المحسنات البديعية من نحو السجع والمطابقة والمجانسة، أما السجع فنحو أن تقول: لقيت أسداً شاكي السلاح فتعاطينا الرماح، وأما المطابقة - وهى الجمع بين شيئين متضادين ـ نحو (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) (2) وأما المجانسة - وهي تشابه الكلمتين. لفظاً
واختلافهما معنى فكقول الشاعر:
إلى حتفي سعى قدمي أرى قدمي أراق دمي
-
- وأيضا ـ بالمجاز يحصل التلطف في الكلام بخلاف الحقيقة وذلك نحو استعارة بحر من المسك موجه الذهب لفحم فيه جمر موقد، فيفيد لذة تخيلية وزيادة شوق إلى إدراك معناه، فيوجب سرعة التفهم بخلاف قولك: فحم عليه جمر، ومثل ذلك إطلاق الجزء مع إرادة الكل في المجاز المرسل إذا ماقلت: «فلان فم تريد أنه شره يلتقم كل شيء، وبالمجاز - أيضاً - يتيسر إختراع المعاني اللطيفة من تعظيم
(1) أسرار البلاغة بتحقيق د. عبد المنعم خفاجي ج 2 ص 125 - 126 (2) مفتاح العلوم ص 180
(3) التوبة / 82
- (1/73)
صفحة 74
وتحقير وترغيب وتنفير، فالتعظيم كاستعارة (أبي سعيد) لرجل عالم فانه يدل على كثرة علمه فيحصل تعظيمه بذلك، والتحقير كاستعارة (الهمج) - وهو صغار الذباب - للجهال من الناس، والترغيب كاستعارة (ماء الحياة) لشيء من المشروبات والتنفير كاستعارة (السمّ) لشيء من المطعومات، وقد يكون لفظ الحقيقة وحشياً تمجه الاسماع كالخنفقيق فيعدل عنه الى المجاز لعذوبته فيعبر عنه بلفظ الداهية وقد يكون التلفظ بالحقيقة مستسمجاً يكرهه السامع فيعدل عنها إلى المجاز لنزاهته وذلك نحو قوله تعالى: لا جناح عليكم ان طلقتم النساء مالم تمسوهن (1) فإن في قوله تعالى: {ومالم تمسوهن نزاهة لم تكن في قول القائل: مالم تولجوا الذكر في الفرج
(2)
- تنبيهات عامة:
أ ـ- صرح بعض العلماء بأن حذف المضاف ليس من المجاز، لأن المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولاً، والكلمة المحذوفة ليست كذلك، فالمثال الذي يذكرون بأنه من مجاز الحذوف وهو سؤال القرية يندرج تحت المجاز العقلي، وكذا باقي المحذوفات قد يترتب عليها مجاز ولكنه مجاز مندرج تحت نوع من أنواع المجاز المعروفة لا مجاز قائم بنفسه، وكذلك لامجاز بالزيادة في القرآن الكريم، والزيادات القرآنية التي ذكروها ومنها كاف كمثل» أن لو حظت زيادتها في الألفاظ فهي ليست بزائدة في المعنى عند التحقيق
(3)
ب - يُتجوز بالحروف بعضها عن بعض وأقرب مثال لذلك قوله تعالى: ولأصلبنكم في جذوع النخل (4) فإن الصلب مستعمل في موضوعه الأصلي وكذلك جذوع النخل، ولم يقع المجاز إلا في حرف (في) فإنها للظرفية في الأصل وجاءت هنا بمعنى (على) فقد خرجت عن الظرفية، وتستعمل (على) حقيقة
(1) البقرة / 236
(2) شرح الطلعه ج 1 ص 216 - 217 - 218 (3) المجاز في اللغة و في القرآن الكريم ج 1 ص 427 (4) طه / 71
- V{- (1/74)
صفحة 75
في الاستعلاء كقوله تعالى: وعليها وعلى الفلك تحملون (1)، ومجازية في مثل قوله عز وجـ ـــل ولهم على ذنب (2)، وقوله: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض (3)، قال الإمام السالمي - رحمة الله عليه: تنقسم الحروف المعنوية إلى مجاز وإلى حقيقة كانقسام سائر الكلم العربية ... مثال ذلك أنَّ الواو حقيقة في مطلق الجمع مجاز في الحال، والفاء حقيقة في التعقيب مجاز في التراخي وفي مطلق الجمع، وثم حقيقة في التراخي مجاز في التعقيب وفي مطلق الجمع أيضاً ... وهكذا» (4).
جـ - قال الإمام الغزالي: «واعلم أن كل مجاز فله حقيقة وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز بل ضربان من الأسماء لا يدخلهما المجاز
الأول: أسماء الأعلام، نحو: زيد وعمرو لأنها أسام وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق في الصفات.
الثاني: الأسماء التي لا أعم منها ولا أبعد كالمعلوم والمجهول والمدلول والمذكور إذ لا شيء إلا وهو حقيقة فيه فكيف يكون مجازاً عن شيء» (
(0)
(1) غافر / 80 (2) الشعراء / 14
(3) البقرة / 253
(4) شرح طلعة الشمس ج 1 ص 218
(5) المستصفى ج 1 ص 345
Yo- (1/75)
صفحة 76
[صفحة فارغة] (1/76)
صفحة 77
الفصل الثالث
الخلاف في وجود المجاز في القرآن الكريم
تمهي
د
(1)
ما كان ينبغي أن يُخالف في وجود المجاز ووقوعه سواء أكان في اللغة أم في القرآن الكريم، فإن شهرة المجاز أشهر من نار على علم، ووضوحه أبين من وضوح الشمس في رابعة النهار، قال الإمام عبد القاهر الجرجاني: «ومن قدح في المجاز، وهم أن يصفه بغير الصدق فقد خبط خبطاً عظيماً، وتهدف لما لا يخفى» وقد اتفق جمهور أهل العلم على أن المجاز واقع في اللغة وفي القرآن الكريم، وفي سنة النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - وما سبق من فصول هذا البحث كاف في تقرير أمر وجوده لمن قال به وقد قال به علماء كُثر لى مختلف تخصصاتهم وتعدد الفنون التي برعوا فيها، منهم اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والأصوليون والأدباء والنقاد وأهل المنطق وعلماء البلاغة، وتداولته السنة وأقلام الكتاب قديماً وحديثاً، واستعملته العرب خلفاً عن سلف، وكان الفضل في اتساع البحث في المجاز يرجع إلى اللغويين والنحاة والأدباء والنقاد والاعجازيين أما مسائله وقضاياه ودقائقه فلم يُحرّر القول فيها إلا في مباحث البلاغيين بدءاً من الإمام عبد القاهر الجرجاني إلى الخطيب القزويني ومن كان بينهما (2)، والذين أنكروا المجاز قلة لا تكاد تذكر بجانب تلك الكثرة الكاثرة من المجيزين، وإنكار المجاز ـ بعد التحقيق - لايكاد يوجد، لأنّ من قال بإنكاره في القرآن لم يمنع وقوعه في اللغة، وأكثر منكري المجاز أنكروه في القرآن دون اللغة، وثلاثة أنكروه مطلقاً وهم أبو اسحق الاسفرائيني وابن تيمية وابن قيم الجوزية، وهم وإن انكروه من جهة فقد أقروا به
(1) أسرار البلاغة ص 339 (2) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج 2 ص 1082
- WY- (1/77)
صفحة 78
من جهات في حُرّ كلامهم ولهذا قلتُ: إنّ إنكار المجاز لا يكاد يوجد (1)
وفي هذا الفصل - سأعرض بإذن الله تعالى - شيئاً من أقوال المنكرين للمجاز من أطلق الإنكار منهم ومن قيّده، وأعقب ذلك بأقوال المجيزين ومن الله العون والتوفيق (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)
إنكار المجاز مطلقاً:
(4)
(2)
(3) وأبي
يُنسب إنكار المجاز في اللغة بوجه عام إلى الأستاذ أبي اسحق الاسفرائيني علي الفارسي، وفي نسبة هذا القول إلى أبي علي الفارسي نظر لأنه لم يُنقل إلينا مأثوراً من كلامه، بل إنَّ له نصوصاً يعترف فيها بالمجاز صراحة، وقد جزم باعترافه
(°)
بالمجاز الامام ابن القيم في «الصواعق، وشكك في نسبة هذا القول إليه الجلال السيوطي فقال معقباً عليها: «قلت: هذا لا يصح أيضاً، فإن ابن جني تلميذ الفارسي
وهو أعلم الناس بمذهبه لم يحك عنه ذلك، بلى حكى عنه مايدل على إثباته» (6).
وأما الأستاذ الاسفرايئني فقد نقل عنه السيوطي في «المزهر» نصاً أوضح فيه ما حمله على الانكار، وحججه التي عرضها لقوله أنه لم يحفظ عن العرب أنهم وضعوا الحقائق أولاً في معانيها ثم نقلوها إلى معان مجازية إذ لا تقديم ولا تأخير في الوضع، ثم إنَّ العلاقة بين الأسماء والمسميات اتفاقية لا عقلية والدلالات العقلية مطردة وليست الاتفاقية كذلك ودلّل عليه باختلاف تسمية الشيء من أمةٍ إلى أخرى من الأمم، وقال: «العرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد فجعل هذا حقيقة وهذا مجازاً ضرب من التحكم وكلامه هذا في اتحاد الوضع أخذه عنه ابن تيمية -
فيما بعد وتذرع به في نفيه المجاز، وسيأتي هذا قريباً- إن شاء الله تعالى
(1) المرجع السابق ج 2 ص 1082 (2) سورة هود آية 88. (3) هو ابراهيم بن محمد بن ابراهيم ابو اسحاق الاسفرائيني عالم بالفقه والأصول وكان يلقب بركن الدين توفي بنيسانور عام 418 هـ انظر الاعلام للزركلي ج 1 ص 61 الطبعة الرابعة 1979 م دار العلم للملايين - بيروت.
(4) هو أبو علي الحسن بن احمد بن عبد الغفار الفارسي شيخ ابن جني، نحوي مشهور له كتاب الايضاح في النحو توفي سنة 377 هـ انظر ترجمته في معجم الادباء للحموي ج 7 ص 232
وما بعدها طبع دار احياء التراث العربي - بيروت.
(5) ذكر ذلك. د. المطعني ج 2 ص 1117 (6) المزهرج 1 ص 366
- YA- (1/78)
صفحة 79
وقد تلخص ردّ السيوطي على الأستاذ في التسليم لأبي اسحق بتقدم الحقيقة على
المجاز، ولكن التاريخ غير معلوم عندنا، والجهل بالتاريخ لايدل على عدم التقديم والتأخير، وكلام الإمام السيوطي يوافقه الرأي القائل بأن مرحلة المعاني الكلية تلت مرحلة المعاني المفردة، وأن المعاني العقلية تلت مرحلة المعاني المادية، وأن المعاني المجازية تلت المعاني الحقيقية، ثم ردّ الامام السيوطي قول الأستاذ بأن العرب وضعت الحقيقة والمجاز وضعاً واحداً، فقال: «العربُ ما وضعت الأسد اسماً لعين الرجل الشجاع بل اسم العين فيه هو الانسان، وإطلاق لفظ الاسد» عليه إنما يكون مع القرينة الصارفة، فإذا ثبت أنَّ الأسامي في لغة العرب انقسمت انقساماً معقولاً الى هذين النوعين: فسمينا أحدهما حقيقة، والآخر مجازا، فإن أنكر المعنى فقد جحد الضرورة، وإن اعترف به ونازع في التسمية فلا مشاحة في الاسامي بعد الاعتراف بالمعاني، ولهذا لايفهم من مطلق اسم الحمار إلا البهيمة، ولا يفهم منه الانسان إلا بقرينة ولو كان حقيقة فيهما لتناولهما تناولاً واحداً» أ. هـ. (1).
ونسبة إنكار المجاز إلى أبي اسحاق وإن ورد ذكرها في كثير من كتب الأصول وغيرها فإنها لم تسلم من القدح والتشكيك، فقد تعقب بعض العلماء هذه النسبة واستبعدوا صدورها من أبي اسحق منهم إمام الحرمين أبو المعالي وحجة الإسلام الغزالي، ويؤيد رأي هؤلاء العلماء ذلك النص الذي حكاه الامام ابن القيم عن الاستاذ في مسألة «العام إذا خصص هل يكون حقيقة فيما بقى أم مجازاً؟» وفيه اعتراف صريح من الأستاذ الاسفرائيني بالمجاز، ونقل عنه إمام الحرمين أبو المعالي نصاً آخر في «البرهان» حول مسألة أصولية كذلك وهى ما المراد بالظاهر عند علماء الأصول وفي ذلك يقول إمام الحرمين: «وقال الأستاذ أبو اسحق الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى، وله عنده وجه في التأويل مسوغ، لا يبتدره الظن والفهم، ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز» فهذا كلام من يُقر بالمجاز لا من يُنكره (3).
(1) المزهر ج 1 ص 365 - 366.
(2) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج 2 ص 1111 وما بعدها. (1/79)
صفحة 80
إنكار المجاز في القرآن الكريم:
أول من ينسب إليه هذا القول داود الظاهري وابنه. محمد من الظاهرية، ثم إلى أبي الحسن الجزري، وأبي عبدالله بن حامد، وأبي الفضل التميمي من الحنابلة، وإلى محمد بن خويز منداد من المالكية، ومنذر بن سعيد البلوطي ويُعزى كذلك إلى أبي علي الفارسي، ومن الشافعية أبو العباس الطبري المعروف بابن القاص، ومن المعتزلة أبو مسلم الأصبهاني، ويُعزى هذا القول كذلك للرافضه كما نسب للظاهرية.
أما الظاهرية فيكفي ما قاله في حقهم إمام الحرمين (والمحققون من علماء الشريعة لا يقيمون لأهل الظاهر وزناً) وقال فيهم الامام الشوكاني لما ذكر قولهم: (وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جموداً يأباه الإنصاف وينكره الفهم، ويجحده العقل)
(2)
(").
ويذكر الأصوليون أنَّ داود الظاهري احتج على مذهبه بوجهين: أحدهما: أن المجاز لايدل بمجرده لعدم وضعه له، فلو ورد في في القرآن لأدى
(4)
إلى الإلباس وهو لا يقع من الله تعالى. وقد أجيب بأنه لا إلباس مع القرينة. ثانيهما: لو سلمنا أنَّ في القران مجازاً - والقرآن كلام الله ـ لقيل الله متجوز وهذا الوصف لا يطلق على الله باتفاق علماء الأمة. وأجيب بأن أسماء الله تعالى توقيفية عنه لابد في إطلاقها من ورود الإذن السمعي ولأنه يوهم أنه يتهاون بفعل قبيح أو صغير كما في الشاهد إذا قلنا: فلان يتجوز في الأمور وما أوهم الخطأ امتنع اطلاقه على الله حقيقة كان أم مجازاً ويضيف بعض الأصوليين لأدلة الظاهرية على نفي المجاز في القرآن أنهم قالوا: المجاز كذب لأنه يصح نفيه، فيصح في «واشتعل الرأس شيبا» ما اشتعل وإذا كان كذبا فلا يقع في القرآن والحديث، وقد تناقل كلمتهم هذه من لهج بنفي المجاز من (1) طبقات الشافعيه ج 2 ص 289 ط: الحلبي. القاهرة (2) إرشاد الفحول ص 23 (3) الإبهاج - ج 1 ص 297، المجاز في اللغة وفي القرآن ج 2 ص. (4) المعتمد ج 1 ج ص 25، وانظر / شرح طلعة الشمس ج 1 ص 206
623 - 624
- A.- (1/80)
صفحة 81
المتأخرين كابن تيمية وابن القيم وتابعهما على ذلك مصطفى عيد الصياصنة من الوهابية وقد بينت معنى أن المجاز يصح نفيه فيما سبق (2) وذلك أن لفظ الحقيقة غير مراد في الأصل فلا يحصل التناقض في كلام من عقب بالنفي على ما أثبته أول الأمر إذ التغاير حاصل بين الأمرين، فهو في اول كلامه إنما أثبت المعنى المجازي ولم ينف في تعقيبه بالنفي في آخر الكلام إلا المعنى الحقيقي كقول القائل في إنسان لبلادته إنه حمار، وليس بحمار، فلا يوسم هذا القائل بالتناقض والتخليط في كلامه بعكس أن لو قال - فيمن يتحدث عنه - إنه إنسان وليس بإنسان أو إنه رجل وليس برجل. وفي هذا الصدد يقول ابن قتيبة: «وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز فإنهم زعموا أنه كذب لأنَّ الجدار لايريد، والقرية لاتسأل: وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلّها على سوء نظرهم، وقلّة أفهامهم، ولو كان المجاز كذباً وكل فعل يُنسب إلى غير الحيوان باطلاً كان أكثر كلامنا فاسداً (3).
مع الإمام ابن حزم:
والإمام ابن حزم مع أنه من الظاهرية ومتعصب لمذهبه ذلك إلا أنه لم يسلك مسلكهم بل وقف موقفاً وسطاً بين الإجازة والمنع، وقد أصل لرأيه أصلا، ففرق به بين الآيات التي يقول الجمهور إنها كلها من قبيل المجاز، ويقول الأقلون، إنها كلها حقائق لا مجاز فيها فقال هو بالمجاز في بعضها ونفاه عن بعضها الآخر، فقال: كل كلمة نقلها الله تعالى عن موضوعها في اللغة إلى معنى آخر تعبدنا به قولا وعملاً كالصلاة والزكاة .. فليس بمجاز بل هو اسم حقيقي، وما نقله من معناه اللغوي الى معني تعبدنا الله به دون أن يسميه بذلك الاسم فهذا هو المجاز كالأمر بأن نذل للأبوين في قوله واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) (4)، ولم يلزمنا أن ننطق - ولابد - فيما بيننا بأنّ للذل جناحاً، أ. هـ) وقد اعترف في كلامه بأن الله
(1) بطلان المجاز ص 39 ط: دار المعراج - الرياض 1411 هـ (2) انظر ص 22 من هذا البحث
(3) تاويل مشكل القرآن ص 132 الطبعة الثالثة 1401 هـ المكتبة العلمية - بيروت
(4) سورة الاسراء آية (24)
(0) الإحكام ج 1 ص 28، 29 بتصرف بالحذف
- AL- (1/81)
صفحة 82
سبحانه (نقل) الكلمة عن موضوعها في اللغة ولا معنى للمجاز إلا هذا، ولا تفرقة بين النوعين اللذين ذكرهما مادام النقل في كل منهما، وغاية ما يقال، هو ما اصطلح عليه علماء البلاغة، من أن الكلمات في النوع الأول صارت حقائق شرعية وإن لم تخرج عن كونها مجازات في اللغة. وقد ذكر ابن حزم أنه لا يُعرف نقل الألفاظ إلا بدليل من نص أو إجماع أو ضرورة حس فما لم يوجد دليل على ذلك من هذه الأصول الثلاثة فلا تقل. ولكنه جوز في قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها (1) أن يُحمل عرض الأمانة، وإباية السموات والأرض، وإشفاقهن من حملها على الحقيقة وأن الله وضع فيها التمييز وقد نسى ابن حزم بأنه قال - كما قال غيره في رد قول من قال بخرق العادة في نسبة الارادة للجدار - بأنّا لا نقول: إنَّ الله تعالى خرق العادة إلا بنص (2) فكيف؟! كيف قال به لا بغيره في هذه الآية واعتبره أيضاً في قوله سبحانه يوم نقول لجهنم هل امتلأت ونقول هل من مزيد) (3) مع أن اشتراطه النص في خرق العادة كلام سديد
(4)
وقد عرض ابن حزم لابن خويز منداد من المالكية، والذي ذكرنا ماذهب إليه من نفي المجاز، ورماه ابن حزم بآبدة من أوابده، إذ وصفه بعدم التمييز وبالجهل، وقال: إنه رجل من المالكيين يقول: إنَّ للحجارة عقلاً، أخذاً من قوله تعالى: {وإنَّ منها لما يهبط من خشية الله (5) قال ابن حزم: ولعل تمييزه يقرب من تمييزها، ويجعل ابن حزم هذا وأمثاله ممن قال الله فيهم: إن هم إلا كالأنعم بل هم أضل سبيلا (6)، (7) وإنّ من أبرز من رفع صوته بإنكار المجاز،
الإمام ابن تيمية .....
(1) سورة الأحزاب آية (72). (2) الإحكام ج 1 ص 31. (3) سورة ق آية (30).
(4) من كتاب الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم تأليف / د. علي محمد حسن ص 7، 11، 22
مطبعة السعادة. (5) سورة البقرة آية (74). (6) سورة الفرقان آية (44).
(7) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 6 / المجاز في اللغة والقرآن ج 2 ص 627.
- AY- (1/82)
صفحة 83
مع الإمام ابن تيمية:
(1)
وحين يُذكر الإمام ابن تيمية بين منكري المجاز مطلقا وفي القرآن الكريم فإنه يمثل في هذا المقام قطب الدائرة بسبب حماسته التي أبداها، والثورة التي ثارها في تقرير الإنكار، والذين أنكروا المجاز من بعده، عزفوا على أوتاره، وداروا في مدار فلكه، وأول ما يواجهنا من كلام هذا الإمام رده على الآمدي أبي الحسن علي بن أبي علي الملقب سيف الدين في كتابه «الفتاوي»، وقد ناقشه في الأمور التي جعلها الآمدي علامات للمجاز يُعرف بها وتعرضت لذكرها في الفصل السابق
(2)
وقد ذكر الآمدي أن أكثر الأصوليين على إثبات المجاز، فاعترض عليه ابن تيمية في تحديده مراده بالأصولي، وخلص إلى أن أكثر الأصوليين من الصحابة والتابعين لم يقسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز، وإنما الذين قسّموا الكلام إلى حقيقة ومجاز كانوا من المعتزلة، وقد عرضت لهذه الشبهة التي أوردها ابن تيمية هنا في بداية الفصل الثاني عند الحديث عن نشأة المجاز () وأحب أن أذكر هنا أن مراد الآمدي بالأصوليين (علماء الأصول أولئك الذين بنوا أحكامهم واستنباطاتهم من الشريعة على قواعد دونوها، فإنَّ علم البلاغة العربية والمجاز بصفة أخص كان كباقي العلوم الإسلامية وفنونها لم تكن مدونة ولا مقعدة قواعده، وهذا العلم شبيه بعلم أصول الفقه حينما لم تكن تعرف مصطلحاته في عهد الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - بالشكل المعهود لدينا الآن ولكن كانت أذهان الناس تتصور القواعد الكلية وتتفهم معاني الأمر والنهي وفحوى خطاب الله سبحانه وتعالى لصفاء أذهانهم، وجودة قرائحهم، وتأصل اللسان العربي فيهم، ولكنه لما بعد العهد من عصر النبوة والصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - اختلطت على أهل القرون التي بعدهم مرامي الكتاب العزيز، وصارت دلالات بعض الآيات وألفاظ القرآن الكريم مشتبهة لدى الكثيرين لاسيما من الشعوب الإسلامية التي دخلت الإسلام إثر الفتوحات
(1) هو الإمام تقي الدين احمد بن عبد الحليم بن تيمية العالم الفذ المتوفي سنة 728 هـ انظر
الأعلام ج 1 ص 144. (2) انظر ص 47 من هذا البحث. (3) أنظر ماسبق
- Ar — (1/83)
صفحة 84
الإسلامية المتوالية مما ألجأ إلى وضع ميزان يوزن به توجيه مفاهيم آيات الكتاب العزيز بحسب الضوابط المعتبرة، حتى لا يَقصُر الذهن عن معرفتها على الوجه الصحيح، فلم يكن وضع هذه القواعد ابتداعاً وإنما هو تأصيل لما كان عليه فهم السلف منذ عهد الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم. وكذلك ... فإن مصطلحات البلاغيين في العلم الذي دونوه من حقيقة ومجاز وكناية واستعارة شبيهة بمصطلحات علم النحو من مبتدا وخبر وفعل وفاعل ومفعول وظرف واستثناء واشتغال .. الخ، كلها إنما جاءت بما كان العرب يستعملونه في كلامهم لولا أنهم لم يضعوا للألفاظ التي يتلفظون بها هذه المسميات التي تميّز بين لفظ وآخر، لأنهم كانوا يميزون بينها بسليقتهم، وما أظرف قول ذلك الأعرابي معرّضاً بالنحاة - وفي كلامه تأكيد لما نقول:
ولست بنحوي يلوك لسانه ولكن سليقى أقول فأُعرِبُ
وعندما اختلط الجنس العربي بغيره من أجناس الأمم أدى ذلك إلى ضعف اللسان العربي مما دفع إلى تلمّس القواعد والأسس التي يحفظون بها لغتهم العربية فحييت اللغة العربية بعدما خيف عليها الهلاك، على أن العلوم الإسلامية جميعها ترجع إلى أصل واحد، وتنبع من منبع واحد ألا وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وكلها تخدم القرآن الكريم، وغاية جميعها إنما هي إظهار وجوه إعجاز القرآن الكريم، وسبل تيسير فهمه لجميع فئات الناس، والأخذ بأحكامه في جميع مجالات الحياة، وهذا نابع من الإحساس بربانية مصدره وأنه من عند الله سبحانه العالم بما يصلح لعباده وما لا يصلح لهم، وصدق رسول الله فيما يروى عنه واصفاً القرآن ... ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الاتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد»
(1)
(1) أخرجه الدرامي في فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن عن علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه - ج 2 ص 527،526، وليس فيه ولا يمله الاتقياء) وقد نقلتها من جواهر التفسير ج 1 للشيخ أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى - وفيه يقول: «ومهما قيل في إسناد الحديث فإن البريق الذي يلمع من عباراته دليل على تألقه من مشكاة النبوة». ص 4 - ط أولى 1404 هـ 1984 م مكتبة الاستقامة بسلطنة عمان. (1/84)
صفحة 85
(1)
وقد ادعى ابن تيمية، ومن بعده خليفته ابن قيم الجوزية أن كلمة مجاز لم تُعرف بمعناها الاصطلاحي المعروف عند علماء البلاغة إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة ففي كتاب «الإيمان» قال ابن تيمية وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، بل أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبوية وعمرو بن العلاء وغيرهم، وقال في موضع آخر: وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال في كتاب الردّ على الجهمية» في قوله: «إنا ونحن» ونحو ذلك في القرآن هذا من مجاز اللغة، وبهذا احتج على مذهبه من قال: إنَّ في القرآن مجازاً كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب وغيرهم» ودعواه بأن المجاز لم يعرف بمعناه الاصطلاحي، إلا بعد انقضاء، القرون الثلاثة مردودة، فلقد ذكرنا سابقاً أن أول من ذكر المجاز أبو زيد القرشي الذي توفي عام 170 هجرية، ووقفنا على كلمات تؤدي معنى كلمة مجاز، فسيبويه ـ مثلاً ـ وهو إمام النحاة يستعمل كلمة (التوسع) ففي الكتاب لسيبوية: (ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها (2) إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملاً في الأهل لو كان هنا، ومثله بل مكر الليل والنهار) (وإنما المعنى بل مكركم في الليل والنهار والأول سماه المتأخرون المجاز بالحذف، والثاني جعلوه نوعاً من المجاز العقلي وغير سيبوية من رواة اللغة كالأصمعي وأبي عمرو وأبي زيد
(1) كتاب الايمان ص 79 وما بعدها طبعة أولى 1403 هـ - دار الكتب العلمية - بيروت.
(2) سورة يوسف آية (82). (3) سورة سبأ آية (33).
(4) كتاب سيبويه بتحقيق عبد السلام هارون ج 1 ص 212 - الطبعة الثالثة 1403 هـ - 1983 م عالم الكتب.
- Ao - (1/85)
صفحة 86
الذين كانوا يسمون المجاز بالبديع كما نص على ذلك الجاحظ في البيان والتبيين (1) وجميع هؤلاء كانوا يعيشون في القرن الثاني الهجري، بل لقد قال أحد الكتاب أنه وقف من شعر أبي تماما على ما يثبت أن هذا التقسيم كان معروفاً في أوائل القرن الثالث الهجري، فهو يقول في وصف الخمر:
من
لقد تركتني كأسها وحقيقتي مجاز وصبح من يقيني كالظنّ
(2)
ثُمَّ إِنَّ التأويل المجازي بصرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر خلاف الظاهر قد عُرف من القرن الأول، وكثر تطبيقه على آيات الذكر الحكيم عند الثقات علماء الأمة، ومن ذلك ما نقله العلامة ابن كثير عن ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسـ ــلم أنهما أولا المرض بالشك ـــــن قوله تعالى: في قلوبهم مرض (3)، وقال قتادة في قوله تعالى: يوم يكشف عن ساق (4)، عن شدة) ومثل هذا كثير.
(°)
وقد ذكر ابن تيمية في كلامه الذي نقلته عنه أنه لم يتكلم أحد من الأئمة المشهورين بالمجاز، وسمّى من ادعى من الأئمة انه لم يتكلم بالمجاز وذكر من جملتهم الإمام الشافعي والحق أنه أثر عن الإمام الشافعي مايدل على معرفته بالمجاز في أشهر كتبه التي قعد فيها قواعد أصول الفقه (الرسالة) فإنه عندما مثل للصور التي يجيء عليها خطاب الله سبحانه على لسان العرب ذكر منها «ظاهراً يُعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره (6) ونقل صاحب كشف الأسرار في مسألة «المجاز خلف عن الحقيقة» عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: إنَّ المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم بل هو في الحكم أصل (2) فماذا بقى بعد هذا للإمام
(1) من كلام الجاحظ أنه قال: «وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع» ج 1 ص 51 تحقيق عبد السلام هارون - مكتبة الخانجي - القاهرة، ومن ذلك أيضا تسمية ابن المعتز كتابة بالبديع ذكر فيه المجاز وغيره. (2) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 24. (3) سورة البقرة آية (10) وانظر تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 48 ط دار إحياء الكتب العربية (4) سورة القلم آية (42).
(5) تأويل مشكل القرآن ص 137 / الباز الاشهب لابن الجوزي ص 48 طبعة أولى 1407 هـ ـ دار الجنان - بيروت.
(6) الرسالة ص 52 بتحقيق الاستاذ احمد محمد شاكر، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت. (7) كشف الأسرار. فخر الاسلام البزدوي (2/ 77 - 80) نقلة عنه د. المطعني ج 2 ص 679. (1/86)
صفحة 87
ابن تيمية في صدق مدعاه؟!
لقد ذكر ابن تيمية أنه لم يُنقل عن أحد من الأئمة القول بالمجاز سوى الإمام أحمد ابن حنبل لقوله في صيغة «إنّا، ونحن»: هذا من مجاز اللغة، وفسّر قول الإمام، (من مجاز اللغة) أي: مما يجوز في اللغة) وتأويل ابن تيمية هذا المقولة الإمام أحمد ليس بنافع له في تأييد وجهة نظره لأن من حق مجوّز المجاز عند الإمام أحمد أن يقول: إنَّ الجواز اللغوي هنا معناه الجواز على سبيل المجاز، ثم إن الحكم على هذه الصيغة المذكورة بأنها من المجاز من المسلمات لأنّ الواحد المتكلم بصيغة الجمع إنما هو منزل نفسه منزلة الجماعة فاستعار الصيغة الموضوعة لهم وأجراها على نفسه مجازاً. وتخريج مثل هذه الصيغة على المجاز أحوط حينما يجريها الله سبحانه على نفسه نفياً للتعدد المتوهم في مثل قوله تعالى يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (2) وقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (3) وغيرها كثير ..
:
وتذكر عن الإمام أحمد روايتان بالقول بالمجاز، وعدمه، وقد عضد الامام ابن تيمية وخلفه ابن القيم الرواية بنفي المجاز، ويُروى عن حنبل بن أخي الإمام أحمد أنه سمعه يقول: احتجوا عليَّ يوم المناظرة فقالوا: تجيء يوم القيامة سورة البقرة وتجيء سورة تبارك، قال: فقلت لهم: إنما هو الثواب قال الله جل ذكره: وجاء ربك والملك صفاً صفا (4) وإنما تأتي قدرته (9) وضعف هذه الرواية ابن قيم الجوزية مدعياً أنَّ حنبل هذا صاحب مفاريد مخالفة للمشهور في المذهب،
(1) الايمان ص 81. (2) الدخان /16
(3) الحجر / 6 (4) الفجر / 22
(5) قال البيهقي في الأسماء والصفات: «هذا إسناد صحيح لاغبار عليه، ثم قال: وفيه دليل على انه كان لا يعتقد في المجيء الذي ورد به الكتاب والنزول الذي وردت به السنة انتقالا من مكان الى مكان كمجيء ذوات الاجسام ونزولها وانما هو عبارة عن ظهور ايات قدرته، فانهم لما زعموا ان القرآن لو كان كلام الله وصفه من صفات ذاته لم يجز عليه المجيء و الاتيان فاجابهم أبو عبدالله بأنه انما يجيء ثواب قراءته التي يريد اظهارها يومئذ فعبر عن اظهاره اياها بمجيئة وهذا الجواب الذي اجابهم به ابو عبد الله لا يهتدي اليه الا الحذاق من اهل العلم المنزهون عن التشبية» ا. هـ نقلة عنه العلامة الكوثري في رسالة ترجم فيها للبيهقي. طبعت في آخر كتاب فرقان القرآن للشيخ سلامة القضاعي ط / دار احياء التراث العربي - بيروت.
- AY- (1/87)
صفحة 88
(1)
والعجب من ابن القيم يدعي مثل هذا في هذه الرواية ولا يتردد في قبول رواية أخرى من طريق حنبل هذا موافقة لمذهبه فقد ذكر في «الصواعق»: قال حنبل: قيل لأبي عبد الله - كنية الإمام أحمد - ينزل الله إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: إسكت عن هذا وغضب غضباً شديداً، أفلا يكون قبول ابن القيم لرواية دون أخرى مع اتحاد راويهما تعصباً بعيداً عن الموضوعية؟ ومما يدل على أنَّ الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد هي القول بالمجاز ذلك الرد القوى من أحد علماء الحنابلة في القرن السادس الهجري على ثلاثة من علماء وأئمة المذهب الحنبلي اعتمدوا على الرواية النافية للمجاز عن إمام مذهبهم أحمد ابن حنبل فحملوا الصفات الواردة الله سبحانه في القرآن والسنة على مقتضى الحس ووقعوا في التشبيه والتجسيم، وهؤلاء المعنيون هم أبو عبد الله بن حامد المتوفي عام (403 هـ)، والقاضي أبو يعلى الفرّاء المتوفي عام (458 هـ)، وابن الزاغوني المتوفي عام (527 هـ) وقد أنكر عليهم العلامة ابن الجوزي أشد الإنكار وكان من كلامه فيهم: (يقولون: نحن أهل السنة، وكلُّ منهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من العوام، وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: كيف أقول مالم يقل فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ماليس فيه) () أ. هـ، ومن النصوص التي سردها ابن الجوزي في ردّه هذا الذي دافع به عن مذهب الامام أحمد ما يدل دلالة قاطعة على قول الإمام أحمد بالمجاز واعتباره في تأويل آيات الكتاب العزيز فقد قال: «قلتُ: قال القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل أنه قال في قوله تعالى: يأتيهم (3) قال: المراد به قدرته وأمره، قال: وقد بيّنه في قوله تعالى أو يأتي أمر ربك (4)، ومثل هذا في التوراة وجاء ربك، قال: إنما هو قدرته (ه) أ. هـ.
(1) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج 2 ص 688 - 689 (2) الباز الاشهب المنقض على مخالفي المذهب ص 35،34
(3) من قوله تعالي هل ينظرون الا ان يأيتهم الله في ظلل من الغمام) البقرة آية (210).
(4) سورة النحل آية (33). (5) المصدر السابق ص 61
- M- (1/88)
صفحة 89
الدعاء،
والإمام ابن تيمية مع تشدده البالغ في نفي المجاز وحملته الشعواء على المثبتين له لجأ إلى المجاز فراراً من التشبيه والتجسيم، بل قال به في غير تأويل المتشابه من كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - فهو يقول - مثلا ـ في أصل لفظة «الصلاة»: لفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء، وسميت الصلاة دعاء لتضمنها معنى وهو العبادة والمسألة» وذكر أن الخبر يستعمل في الدعاء في تأويل قوله تعالى ـ على لسان ـ يونس - عليه السلام: إني كنت من الظالمين) (2)، وذهب الى أنَّ أكثر استفهامات القرآن جاءت على الإنكار () وهذا قليل من كثير مما قاله في غير تأويل المتشابه، أما في تأويل الصفات فقد نفى الإمام ابن تيمية أن يراد بقرب الله ومعيته قُرب ذات من ذات بل فسّر معية الله مع خلقه عموماً بأنها معية علم لامعية قال: «ويكون حكم معيّتة في كل موطن بحسبه: فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالاعانة والنصر والتأييد (0) كما أوّل رؤية الله وسمعه بإثبات علمه عندما وقف على قوله سبحانه أم يحسبون أ ن أنا لا نسمع سرهم ونجواهم (6) فقال في معناه: فإنه يُراد من رؤيته وسمعه إثبات علمه بذلك، وأنه يعلم هل ذلك خير أم شر، فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات (7).
ذات
(4)
وقد تتبع الأعمال المجازية للإمام ابن تيمية الدكتور المطعنى وحمله ماراه من كثرة تأويلات الإمام المجازية على القول بأنَّ للإمام في هذه المسألة مذهبين القول بالمجاز والقول بنفي المجاز، ثم رجح بأن ما يعتقده الإمام هو القول بالمجاز، وهو إنما خالف ما يعتقد لأنه رأى في ذلك مصلحة إرتاها وهى قطع طرق التأويل المفضي
(1) نقله عنه د. المطعني في المجاز في اللغة والقرآن ج 2 ص 821 من دقائق التفسير (33/ 1) ط
دار الانصار - القاهرة (2) سورة الأنبياء آية (87)
(3) مجموع الفتاوي (14/ 62 - 263) نقلة عنه د. المطعني ج 2 ص 826.
(4) المجاز في اللغة وفي القرآن ج 2 ص 830. (0) مجموع الفتاوي (497/ 5) نقلة عنه د. المطعني ج 2 ص 835. (6) الزخرف / 80 (7) مجموع الفتاوي (5/ 232) نقلة عنه د. المطعني ج 2 ص 834.
-49 - (1/89)
صفحة 90
إلى الإنحراف والزيغ في المعتقد، لأنه كان يواجه حرباً ضروساً أمام الذين فتحوا باب التجوز على مصراعيه وروجوا أباطيلهم للناس على اختلافها من باطنيه وفلسفية وصوفية ثم خلص الدكتور المطعنى بعد ذلك إلى القول بأن المجاز ليس عقيدة حتى يلام منكره فيكفر أو يفسق، وإنما طريق من طرق البيان، ومن أنكر اسمه فلن ينكر دلالته وأثره، ثم إن الامام ابن تيمية مجتهد مطلق وهو معذور فيما فعل، والمجتهد له أجران إن أصاب مع خلوص النية - وأجر إن أخطأ
(1)
وهذا الكلام كان يمكن أن يقبل أن لو لم تُحمل الآيات والأحاديث المتشابهة على ظواهرها، فإنَّ في هذا مساساً مباشراً للعقيدة، يفضى .. والعياذ بالله تعالى .. إلى التشبيه والتجسيم للخالق - عز وجل - ووصفه بالجوارح والأعضاء (2) وإنكار المجاز هو مدار اعتماد أكثر أهل التشبيه، والإلحاد، والغريب أنك تجد أحدهم يناقض نفسه فينكره تارة ويثبته أخرى بحسب ما يمليه عليه الهوى، ولعمري إن إنكار المجاز رأساً أو إنكاره من كلام الله وكلام رسوله الله ليس هو إلا مكابرة صريحة للعقل، وتحدياً سافراً للواقع الذي لا يحتاج في وضوحه إلى دليل:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
مع الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية): 751/ 691 هـ: إنَّ من أشهر منكري المجاز بعد الإمام ابن تيمية تلميذه الوقي ابن قيم الجوزية ولعل ابن القيم أصلب العلماء رأياً في إنكار المجاز، وأكثرهم نيلا من القائلين به وأعنف الذين كتبوا في إنكاره جدلاً ونقاشاً، وقد ألف في إنكاره للمجاز ومناقشة القائلين به كتابه المعروف الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» وقد اختصره محمد الموصلي، وعلى هذا المختصر - مع بعض الكتابات الأخرى ـ اعتمدت في بحث (1) المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم ج 2 ص 888 وما بعدها. (2) رد على ابن تيمية اقواله في التجسيم وتشبيه الخالق عز وجل أئمة فضلاء منهم الامام الحجة تقي الدين السبكي في كتابة السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل) وقد طبع بمصر مع تكملة للعلامة المحقق الكوثري، وهو مع التكملة كاف لمن اراد ان يعرف الرجل وتلميذه ابن القيم كما ينبغي ان يعرفا، وقد رد عليه ايضا: جلال الدين القزويني صاحب التلخيص، وقاضي قضاة المالكية تقي الدين ابو عبد الله محمد الاخنائي بكتاب سماه «المقالة المرضية»، والفخر ابن المعلم القرشي بكتاب جليل سماه: «نجم المهتدي ورجم المعتدي»، وتقي الدين الحصني. بكتاب سماه
-1.- (1/90)
صفحة 91
موضوع المجاز عند ابن القيم.
ينبه شيخنا الخليلي - - حفظه الله تعالى - على أوّل ما يمكن أن يلاحظه المتتبع للعثرات التي وقع فيها ابن القيم في إنكاره للمجاز، فإنه يقول في كتاب الصواعق المرسلة: «الجزء الثاني في كسر الطاغوت الثالث وهو المجاز» لننظر في هذا التعبير .. تسميته المجاز طاغوتاً مجاز، فقد وقع في المجاز في نفس هذه الترجمة التي أراد فيها أن ينكر المجاز، أو أراد بها إبطال المجاز، ثم عبّر عن رد المجاز بالكسر وذلك أيضاً مجاز، فقد وقع فيما فرّ منه ومثل هذا يُقال في عنوان كتابه «الصواعق»، وقد أنكر المجاز من وجوه شتى أنهاها إلى اثنين وخمسين وجهاً، ويكفيني هنا أن أتعرض لذكر خمسة أوجه فاستقصاء جميع الأوجه أمر يطول.
والملاحظ أن ابن القيم كثير التكرار، وهو مُغرم بتكثير الأوجه في القول بإنكار المجاز ومناقشة القائلين بإثباته، ولو أنه عدل عن التكرار لصاغ هذه الأوجه في أقل من النصف، وقد أعرضت عن ذكر بعضها اختصاراً، ولم أتعرض لما رأيتُ أن ما سبق كفيل بردّه وتبيين وجه التلبيس فيه ومن بعض ماذكر من الوجوه الإثنين والخمسين أنه قال:
1 - الوضع هو تخصيص اللفظ للمعنى، بحيث إذا استعمل فهم منه ذلك المعنى ففهم المعنى من المجاز مع نفي الوضع جميع بين النقيضين، يتضمن أن اللفظ
«دفع الشبه» وللامام الذهبي نصيحة قيمة لابن تيمية بعث بها إليه نقلها بتمامها العلامة المحقق الزاهد الكوثري في كتابه: «التكملة على شرح شيخ الاسلام تقي الدين علي السبكي»، ولشهاب الدين ابن حجر الهيثمي كتاب «الجوهر المنظم في زيادة القبر الشريف المكرم» تعرض فيه لذكر ابن تيمية فقال: « ... ومازال يتلاعب به الهوى حتى كان مجموعة بدع شنعاء، ودائرة جهالات وأباطيل شوهاء، منها ما سبق به ومنها مالم يسبق إليه، فنجده في مسائل من علم التوحيد حشوياً كرامياً يقول في الله بالأجزاء والجهة والمكان والنزول والصعود الحسيين وحلول الحوادث بذاته تعالى، ومن ناحية أخرى تجد فيه حضيضة الخوارج يكفر أكابر الأمة ويخطيء أعاظم الأئمة ... الخ» أ. هـ نقلته من كتاب فرقان القرآن للشيخ سلامة القضاعي ص 3 - 128 ط / دار أحياء التراث العربي - بيروت.
1 - من شريط مسجل بصوت الشيخ أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله تعالى ..
-91 - (1/91)
صفحة 92
موضوع غير موضوع، فإن قلتم لا تناقض، فإنا نفينا الوضع الأول وأثبتنا الوضع الثاني، قبل لكم هذا دور ممتنع فإنَّ معرفة كونه مجازاً متوقفة على معرفة الوضع الثاني، ومستفادة منه، فلو استفيدت معرفة الوضع من كونه مجازاً لزم الدور الممتنع، فمن أين علمتم أنَّ هذا وضع ثان للفظ، وليس معكم إلا أن ادعيتم أنه
مجاز؟
(1)
إنَّ ابن القيم قد ساوى بين المجاز والحقيقة في جعل استعمال المجاز وضعاً ثانياً للفظ ومادمنا نقول بأن أصل المجاز وهو الحقيقة ثابت فقد جمعنا بين النفي ونقيضه، لأنَّ ابن القيم يعتبر استعمال اللفظ في غير ما وضع له معناه نفي للوضع الأول، ولكنا نقول بأن المجاز غير موضوع، وإنما هو مجرد استعمال اللفظ في معنى غير المعنى الذي وضعه العرب له، ومعرفة هذا المعنى لا تتوقف على كونه مجازاً، بل متوقفة على معرفة الوضع الأول، وقد عرفنا من مواد اللغة ومن كثرة استعمال المادة في معنى معيّن .. حتى إنَّ هذا المعنى يتبادر إلى الذهن عند إطلاق اللفظ - أنَّ استعمال اللفظ في هذا المعنى الثاني ليس على طريق الحقيقة ومعرفة کونه مجازاً لا تتوقف على معرفة كونه موضوعاً وضعاً ثانياً كما يدعي ابن القيم ولزم منه الدور فإن علماء اللغة نقلوا عن أهل الوضع تفريقهم بين الحقيقة والمجاز ولنا أن نمنع الدور بالتعرف على المجاز عن طريق أمارات أخرى ذكرى الآمدي بعضها منها - مثلاً - أنَّ معنى التجوز لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه
(2)
2 - ويظهر من ابن القيم التناقض في كلامه ظهوراً بيناً يوقعه فيه تعصبه المقيت وحبّ الغلب، فإنه ذكر المثبتين للمجاز وحكى عنهم أنهم قالوا يُعرف المجاز بصحة نفيه، ثم قال: وقد اعترفوا هم ببطلانه، فقالوا: هذا فرق يلزم منه الدور، وذلك أن النفي وامتناعه يتوقف على معرفة الحقيقة والمجاز، فلو عرفناهما بصحة
صحة
(1) مختصر الصواعق ص 236 طبعة أولى 1405 هـ دار الكتب العلمية - بيروت. (2) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 42،41 / المجاز في اللغة والقرآن ج 2 ص 918. (1/92)
صفحة 93
النفي وامتناعه لزم الدور (1) وكلامه هذا كلام عجيب! فإننا لانزال نقرأ أن من أمارات المجاز عند المثبتين له صحة نفيه ولم نعرف أنهم رجعوا عن قولهم هذا أبدا فكيف ساغ لابن القيم أن يزعم أن المثبتين للمجاز ذكروا هذا الدليل ثم أبطلوه؟ وما رتبه على صحة النفى من وقوع الدور أمر مردود إذ لا دور في صحة نفي المعنى الحقيقي للفظ؟ (ومع أن ابن القيم ذكر في هذا الوجه أن المثبتين للمجاز اعترفوا ببطلان العلامة التي جعلوها للمجاز وهى صحة النفي إلا أنه رتب على هذه الأمارة التي جعلوها للمجاز كلامه بعد حيث قال:
- إنَّ كثيراً من الحقائق يصح إطلاق النفي عليها باعتبار عدم فائدتها وليست مجازاً كقوله الي الله عن الكهان ليسوا بشيء»، ومن هذا سلب الحياة والسمع والبصر والعقل عن الكفار، ومن هذا سلب الإيمان عمن لا أمانة له، وسلبه عن الزاني والسارق، وشارب الخمر والمنتهب وسلب الصلاة عن الفذ خلف الصف، وسلب الصلاة عمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ومن لم يطمئن في صلاته ـ عند كثير من هؤلاء فإنَّ هذه الحقائق ثابته عندهم، وقد أطلق عليها السلب (3). والجواب: أنه قد ذكر في الوجه السابق تراجع القائلين بالمجاز عن قولهم: يُعرف المجاز بصحة نفيه فكيف يُرتب على ما أنكروه بأنفسهم - كما يقول - رداً آخر عليهم؟ ثم إن السلب الذي ذكره ليس كنفي الحقيقة بل هو تنزيل الفعل منزلة العدم فهو موجود، ولكن لا اعتبار له مسلطاً. لعدم فائدته. وقد يكون النفي على الكمال، كما في سلب الصلاة عمن لم يقرأ
بفاتحة الكتاب، فالصلاة موجودة، وقد سقط بها الفرض، ولكنها غير كاملة عند من لم يجعل قراءة الفاتحة ركناً في الصلاة أما في المجاز فالمعنى الحقيقي منفي البتة. وقد هدم ابن القيم كل ماقاله في آخر فقرة من فقرات كلامه حينما قال: (فإنّ هذه الحقائق ثابته عندهم فإذا كانت ثابتة فإذن لا يصح قولنا: يصح نفيها، وإذن فليست ألفاظها مجازات لأنها لم يصح نفيها كيف وحقائقها ثابتة؟
(1) مختصر الصواعق ص 239. (2) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 46045
(3) مختصر الصواعق ص 239، 240. (4) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 47.
(4) (1/93)
صفحة 94
- ويقول ابن القيم: إنكم فرقتم أيضاً بينهما بأن المجاز ما يتبادر غيره إلى
(1)
الذهن، فالمتبادر إلى الذهن عند الإطلاق كان حقيقة، وكان غير المتبادر مجازاً فإن الأسد إذا أطلق تبادر منه الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع، فهذا الفرق مبني على دعوى باطلة، وهو تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية، والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر إلى الذهن منه الحقيقة عند التجرد، وهذا الفرض هو الذي أوقعكم في الوهم، فإنَّ اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي ينعق بها لاتفيد فائدة وإنما يفيد تركيبه مع غيره تركيباً إسنادياً يصح السكوت عليه، وحينئذ فإنه يتبادر منه عند كل تركيب بحسب ماقيد به فيتبادر منه في هذا التركيب مالايتبادر منه في هذا التركيب الأخير وكلامه هذا غير مسلّم فمازال المتكلمون بهذه اللغة يتلفظون بألفاظ عارية من القيود تدل على معان حقيقية، وتتبادر منها الحقيقة عند الإطلاق ومن منا ينكر أنه إذا سمع كلمة «الأرض» يتصور منها ذلك المركز السفلي المبسوط تحت قدميه وتلك حقيقتها التي وضعت لها ومن منا ينكر أنه اذا سمع كلمة «السماء» مطلقه هكذا من القرائن والقيود أنه يتصور منها هذه القبة الزرقاء المضروبة على العالم الأرضي من أقصاه إلى أقصاه؟ هل ينكر أحدنا أنه إذا سمع كلمة «ماء» أنه يتصور ذلك السائل المشروب الذي جعل الله سبحانه وتعالى فيه حياة للأجسام، ثم إننا لو ألقينا نظرة على معاجم اللغة لوجدنا أنَّ كل الكلمات فيها استعملت استعمالاً مطلقاً، فعلماء وأئمة اللغة ما نقلوا لنا التراكيب وإنما نقلوا لنا المفردات، فهم يذكرون الكلمة الواحدة مطلقة ثم يتبعونها بمعناها، وقوله: إن إفادة المعنى من اللفظ إنما يكون مع قرينة التركيب كلام غير صحيح وإلا لما فهمت أزواج النبي ـ عليه الصلاة والسلام المعنى الحقيقي لليد من قوله: (أسر عكن لحوقاً أطولكن يدا) حتى أن
(1) مختصر الصواعق ص 240، 241
(2)
(2) أخرجه مسلم بلفظ: (اسر عكن لحاقا .. الخ) صحيح مسلم بشرح النووى ج 15 - 16 كتاب فضائل الصحابة باب فضل أم المؤمنين زينب رضى الله عنها .. والحديث مروى عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - قال النووي: ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد. يوهم أن أسرعهن لحاقاً س سودة وهذا الوهم باطل بالاجماع أنظر ج 16 ص 8، 9 طبعة ثانية 1392 هـ - 1972 م / دار احياء التراث العربي - بيروت.
-18 - (1/94)
صفحة 95
بعضهن جعلت تقيس يدها لفهمها ذاك - ولاشك في أنهن كن عربيات فصيحات ولكن النبي الله كان يريد المعنى المجازى ويتبين ذلك عندما توفيت أم المؤمنين زينب - رضي الله عنها ـ أول أزواجه - لحاقاً به، وكانت كثيرة الصدقة (1) واليد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم جاءت في ثنايا تركيب صحيح.
ه - وقال ابن القيم - أيضاً: إنكم فرّقتم بقولكم: إن المجاز يتوقف على القرينة، والحقيقة لا تتوقف على القرينة، ومرادكم أن إفادة الحقيقة لمعناها الإفرادي غير مشروطة بالقرينة، وإفادة المجاز لمعناه الإفرادي مشروطة بالقرينة، فيقال لكم: اللفظ عند تجرده عن جميع القرائن التي تدل على مراد المتكلم بمنزلة الأصوات التي ينعق بها، فقولك تراب حجر، رجل، بمنزلة قولك طق، غاق، ونحوها من الاصوات، فلا يفيد اللفظ ويصير كلاماً إلا إذا اقترن به مايبين المراد، ولا فرق بين ما يسمى حقيقة ـ في ذلك ـ وما يسمّى مجازاً، وهذا لانزاع فيه بين منكري المجاز
ومثبتيه
معناه
(2)
والجواب: أنّ النزاع فيه كل النزاع، وقد تجاهل الشيخ وأبعد، فإن العلم بالوضع كاف في معرفة معاني الكلمات، فإذا علم الإنسان بأن لفظ كذا وضع لمعنى كذا عرف بمجرد. رد سماعه دون احتياج لأية قرينة، أما المجاز فلا يفهم معناه إلا بقرينة وفارق كبير بين أن تقول: حجر يُجمع على أحجار، وبين أن تقول: في قلب فلان حجرا (2) وإذا كانت الكلمات المطلقة من كل قيد هي كلمات مهملة ولا يفهم منها شيء كما يقول ابن القيم فإذن قد يتصور أحدنا إذا سمع: كلمة مفردة من هذه الكلمات أن يتصور ضدّها، فيتصور الباطل إذا سمع: كلمة الحق، ويتصور فوق إذا
سمع
كلمة
سمع كلمة تحت، ويتصور تحت إذا سمع كلمة فوق، ويتصور نور إذا ظلمة، ويتصور ظلمة إذا سمع كلمة نور ويتصور جهل إذا سمع كلمة علم،
(1) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 50.
(2) مختصر الصواعق ص 242، 243
(3) الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم ص 55، 56. (1/95)
صفحة 96
ويتصور العلم إذا سمع. كلمة الجهل، ويتصور الله تعالى الله عن ذلك إذا سمع كلمة الشيطان، ويتصور معنى الشيطان إذا سمع. كلمة الله تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. فهذا لازم ماقاله ابن القيم وهو محتذ في ذلك حذو شيخه ابن تيمية فإن كلام ابن تيمية في كتاب الايمان لايكاد يختلف عن كلام ابن القيم إلا بما ضربه ابن القيم من الأمثال في الصواعق
(1)
وابن القيم مضطرب في هذه المسألة - أي نفي المجاز واثباته - فبينما نجده يشتد في إنكاره كما رأينا نجده يثبته إثباتاً لا تحفظ فيه، فله مؤلّف صحيح النسبة إليه يُقرّ فيه بالمجاز ويحاول الاستشهاد عليه بالكثير من آيات القرآن الكريم ومؤلفه هذا هو الكتاب المسمى كتاب المشوّق إلى علوم القرآن وعلم البيان».
وليطالع المنصف شرحه لكلام صاحب المنازل في كتابه «مدارج السالكين» فانه سيجد فيه عبارات من يقر بالمجاز لامن ينكره، ومن كثرة استعماله للأساليب الاستعارية والمجازية الشيء الكثير الذي قد لا يوجد في مؤلف آخر، ومثل ذلك يقال في
كتابه «الصواعق» 1. هـ.
أدلة المجيزين:
أدلة الذين أجازوا وقوع المجاز في القرآن الكريم مَرَّ أكثرها في ثنايا هذا البحث، وهنا إنما نجمل أقوالهم واستدلالهم على ماذهبوا إليه، والحق أن صحة قولهم لا نحتاج لإثباتها إعمال الذهن أو استفراغ الجهد والوسع، فإن كل من تصفح أوراق المصحف الشريف وتدبر معاني الآيات التي سطرت على تلك الأوراق تستوقفه صور المجاز والإستعارة أينما قلب بصره وفكره، ليتأمل أحدنا قول الله تعالى: يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله) (2) وكلمة التقوى المتكررة في القرآن الكريم هل هي على حقيقتها؟ إنها في وضعها اللغوي موضوعة للتجنب والابتعاد يُقال:
(1) من فتاوى مسجلة في شريط سمعي بصوت المفتي العام للسلطنة. (2) سورة الأحزاب آية (70)
-17 - (1/96)
صفحة 97
اتقيتُ الشيء بمعنى تجنبته ومنه قول النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
أي: تجنبتنا باليد بأن وضعت يدها على وجهها لئلا نراها، وهي مأخوذة من وقاه يقيه فاتقاه أي تجنبه، فهل من المعقول أن يكون المراد من الأمر بتقوى الله تجنب ذاته تعالى؟ وهل يُحمل قول الله سبحانه وتعالى: {واتقون ياأولي الألبب (1) معنى تجنبوني يا أولي الألباب؟ كلا والله، إنما المراد بذلك تجنب سخطه بفعل أوامره، وترك نواهيه، ومن المجاز في القرآن قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً) (2) وإلا فأين الحبلُ الذي يُعتصم به؟ فإن قيل: هو الدين فالدين لم تعهد تسميته حبلاً، ولننظر إلى قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) (3) فهل هناك عُروة بالمعنى الحقيقي يتمسك بها الإنسان تمسكاً حقيقياً بحيث ان هذه العروة لا تنفصم كسائر العُرى؟ أو أن المراد التمسك بما فيه السلامة والنجاة كالذي يتمسك بالعروة الواثقة لا تنقطع بصاحبها؟ فهي استعارة تمثيلية حيث شبه المستمسك بدين الإسلام بالمستمسك بالحبل المحكم وعدم الإنفصام ترشيح للاستعارة، ولننظر - أيضاً - إلى قوله تعالى أولئك كتب في قلوبهم الايمن (4) ما معنى كتابة الإيمان في قلوبهم؟ هل معنى ذلك أنه أخذ القلم وخط في قلوبهم الإيمان؟ أو أن معنى ذلك أنه أثبت الإيمان في قلوبهم كما تثبت الكتابة في اللوح المكتوب فيه؟ ومثل هذا في كثير من الآيات القرآنية، والقرآن فيه من المجاز الشيء الكثير، ثم إننا إذا ألقينا نظرة إلى الآيات المتشابهة التي يتعلق بظواهرها المشبهة رأينا ترك تأويلها يفضي إلى تناقض فظيع في آيات الذكر الحكيم، وكذلك الأحاديث النبوية فماذا عسى أن يُقال - مع عدم التأويل ـ في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه (5) أنتابع ابن حامد الحنبلي الذي يقول: أثبتنا لله وجهاً ولا نجوز إثبات رأس (1) فقد أثبت هذا وأصحابه أن الله يدين، ويثبتون له قدمين،
(1) سورة البقرة آية (197). (2) سورة آل عمران آية (103). (3) سورة البقرة آية (256) (4) سورة المجادلة آية (22). (ه) سورة القصص آية (88). (6) الباز الأشهب ص 42.
-17 - (1/97)
صفحة 98
ويثبتون له الجوارح التي في الإنسان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهل هذه الجوارح ستفنى كلها ويبقى الوجه فقط؟ ولربما تحذلق بعض هؤلاء فادعى أن الوجه هنا هو بمعنى الذات - نعم - ولكن يمتنع إطلاق أي اسم على اسم ـ مجازاً ـ إلا إذا كان فيه أصل معنى ذلك الاسم، فلا يُطلق الوجه على ذات إلا فيما فيه وجه حقيقي، ولا تطلق اليد على النعمة ولا على القدرة إلا في الشيء الذي فيه يد حقيقة وهذه دعوى لم يقم عليها دليل، والواقع يردها، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) (1) فأين يدا القرآن؟ ويقول سبحانه: وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) (2) فأين يدا هذه الرحمة ويقول الشاعر:
وغداة ريح قد كشفت وقرة قد أصبحت بيد الشمال زمامها
فهل الريح الشمال يد؟ وهل للغداة زمام؟ ونحو هذا كثير يطول التمثيل فيه. وتتجلى ضرورة التأويل في قوله سبحانه فأينما تولوا فثم وجه الله (3) فإنَّ المجسّمين يحصرون الذات العلية في جهة العلوّ فوق العرش لقوله سبحانه الرحمن على العرش استوى (4)، فالآية الأولى إن لم تؤوّل أفادت أن الإنسان أينما ذهب في هذه الأرض فإن أمامه وجه الله تعالى وفي هذا ما يقتضي أن وجه الله سبحانه متدلّ من عرشه إلى أرضه عام لكل جوانب الأرض ولا أظن أحداً ممن لا يتأول يقول بذلك مع أنه لازم دعواهم ولكنهم يرجعون إلى ما فروا منه من التأويل كما تأولوا قوله سبحانه وهو معكم أينما كنتم (5) فيجعلون هذه
المعبة معية العلم والإحاطة (6).
(1) سورة فصلت آية (42). (2) سورة الأعراف آية (57). (3) سورة البقرة آية (115).
(4) سورة طه آية (5). (ه) سورة الحديد آية (4).
(6) من تعليق لسماحة الشيخ أحمد بن حمد ا الخليلي على مشارق أنوار العقول - الطبعة الثانية
1398 هـ - 1978 م. ص 209. (1/98)
صفحة 99
ونحن إذا رجعنا إلى السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - وجدنا فيها ما يدلنا على التأويل، بل النبي الله هو الذي يعلّمنا التأويل، وهو إمام السلف الصالح، فكيف يدعي ابن تيمية وابن القيم ومن تابعهما أن عقيدة السلف عدم التأويل؟
جاء في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يحكيه عن الله عز وجل: يقول: إن الله سبحانه وتعالى يقول لعبده يوم القيامة: يا عبدي مرضتُ فلم تعدني، فيقول له: وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول له سبحانه: مرض عبدي فلان فلم تعده، ولو عدته لوجدتني عنده ففي هذه الفقرة من الحديث ننظر في إسناد المرض إلى الله ـ سبحانه: مرضتُ فلم تعدني هل هو إسناد حقيقي أو مجازي؟ جاء البيان في كلام الله تعالى الذي ينقله الرسول (مرض) عبدي (فلان فقد أسند المرض إلى الله لأجل أنَّ الله عز وجل يلطف بعبده، وأن العبد الصالح يجهد مكانه، فلذلك أسند المرض الواقع على العبد إليه تبارك وتعالى ثم قال من بعد ولو) عدته لوجدتني عنده): فهل معنى ذلك أنه يجد ذات الله تعالى عند العبد؟ أو أنه يجد عناية الله ورأفته عند العبد؟ ولننظر في بقية الحديث؟ (ياعبدي استطعمتك فلم تطعمني، فيقول له: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه) فقد أسند الإستطعام أولاً إلى نفسه ثم بين أنَّ المستطعم هو عبده، ثم يقول: (ياعبدي فلم تسقني، فيقول العبد: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول له: فلان ولم تسقه، ولو سقيته لوجدت ذلك عندي) (1) فهذا دليل على عبدي
استسقيتك.
استسقاك
(1) أخرجه مسلم عن أبي هريرة في كتاب البر والصلة والآداب باب فضل عيادة المريض ص 125 ج 16، صحيح مسلم بشرح النووي ج 15 - 16 ط: دار احياء التراث العربي - بيروت طبعة
ثانية 1392 هـ - 1973 م. (1/99)
صفحة 100
أن التأويل صحيح ثابت وأنَّ الله عز وجل يرشد عباده إلى التأويل بهذا الكلام القدسي الذي يحكيه عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ عن الرسول الأمين ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: (إنَّ الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) فالذين يمنعون المجاز يلزمهم أن يكون الله سبحانه سمع العابد الناسك وبصره ويده ورجله فيكون العابد بعد ارتقائه مراتب العبادات وتقربه إلى خالقه بأنواع التنفلات لا يعبد الا سمعه وبصره ويده ورجله التي هي أجزاء من حقيقته وهل هذا إلا عين المحال، ورأس الشرك والضلال، ومن العجب أنك تجدهم يثبتون الله سبحانه تمشياً مع قاعدتهم - من صفات النقص ماصرح القرآن بنفيه عن الله كالنسيان الذي يصفون به الله سبحانه - أخذاً من قوله نسوا الله فنسيهم (2) كأنهم لم يقرع مسامعهم قول العزيز الحكيم وماكان ربك نسيا (3) وصدق الله سبحانه فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (4)
هذا مع أنَّ القول بالمجاز تواطأ عليه جمهور الأمة سلفاً وخلفاً ومن خالفهم فقد حكم على نفسه بقلة معرفته بكلام العرب، ودرايته بأساليب اللغة ووجوه المخاطبات، وقد ألفت الكتب الكثيرة في القول بالمجاز والاستشهاد عليه بآيات الكتاب العزيز وأحاديث السنة النبوية المشرفة، ومن قديم ماكتب في موضوع المجاز كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنى التميمي، وقد عالج في كتابه هذا كيفية
(1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة كتاب الدعوات ماجاء في الرقاق باب في التواضع ج 4 ص 129 نشر دار المعرفة بيوت - 1978 م. وقد استفدته من شريط سمعي مسجل بصوت سماحة
المفتي العام للسلطنة. (2) سورة التوبة آية (67) (3) سورة مريم آية (64).
(4) سورة ال عمران آية (7). والكلام مستفاد من تعليق سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي على المشارق ص 209.
-1 .. - (1/100)
صفحة 101
فهم المعاني القرآنية باحتذاء أساليب العرب في الكلام لولا أنه لم يرد بالمجاز الذي عنون به كتابه المصطلح المعروف فقد توسع في معناه توسعاً كبيراً، ولكنه كان يطبق بعض قواعده ويظهر صور المجاز في آيات الكتاب العزيز من ذلك قوله في مجاز قوله تعالى: واسأل القرية التي كنافيها) (1) قال: أي أهلها والعرب تفعل ذلك، فتذكر المكان، والمراد من فيه كما قال حميد بن شور
قصائد تستحلي الرواة نشيدها ويلهو بها من لاعب الحي سامر
يعض عليها الشيخ إبهام كفه وتخزى بها أحياؤكم والمقابر
أي: أهل المقابر، والعرب تقول: أكلتُ قدراً طيبة، أي: أكلتُ مافيها، ويقول في قوله تعالى اعملوا ما شئتم (2)، وقوله ومن شاء فليكفر (3) إن هذا ظاهره الأمر وباطنه الزجر وهو من سنن العرب تقول: «إذا لم تستح فاصنع ماشئت، ومن جملة الدراسات القرآنية المتقدمة التي عنيت بالمجاز ماكتبه ابن قتيبة) في كتابه المسمى (تأويل مشكل: (القرآن فما من آية فيها اشتباه، أو عبارة فيها خفاء إلا أورد لها من نظائرها وأمثالها في كلام العرب ما يجلو وجه الخفاء عنها، من ذلك ما نقله من قولهم في قول الله تعالى للسماء والأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين (6). لم يقل الله: ولم تقولا! وكيف يخاطب معدوما؟
(0)
وإنما هذا عبارة لكوناهما فكانتا كما قال الشاعر حكاية عن ناقته:
تقول إذا درأتُ لها وضيني أهذا دينه أبداً وديني
أكل الدهر جل وارتحال أما يُبقي على ولا يقيني
(1) سورة يوسف آية (82)
(2) سورة فصلت آية (40)
(3) سورة الكهف آية (29)
(4) نقله عنه د. بدوي طبانه في البيان العربي ص 30
(5) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري لغوي نزيل بغداد ثقة دين فاضل له كثير من الكتب في القرآن والحديث والتاريخ (ت 276) انظر / تاريخ بغداد ج 10 ص 170 للخطيب
البغدادي طبع المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
(6) سورة فصلت آية (11)
-1.1 - (1/101)
صفحة 102
وهي لم تقل شيئاً من هذا، ولكنه رآها في حال من الجهد والكلال، فقضى عليها بأنها لو كانت ممن يقول لقالت مثل الذي ذكر، وكقول الآخر: «شكا إلى جمل طول السرى»، والجمل لم يشك، ولكنه خبر عن كثرة أسفاره وإتعابه وقضى على الجمل بأنه لو كان متكلماً لاشتكى مابه، وكقول عنترة في فرسه:
فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلى بعبرة وتحمحم أ. هـ (1)
ويعمد ابن قتيبة في كثير من الأحيان إلى إعمال فكره، فيهديه البصر السليم والإدراك الصحيح للمعنى الكريم الذي لا يؤثر فيه طعن طاعن أو شبهة مشتبه فقول الله تعالى: (إنّ الذين امنوا وعملوا الصلحت سيجعل لهم الرحمن ودا (2) ليس على تأويلهم، وإنما معناه أنه يجعل لهم في قلوب العباد محبه، فأنت ترى المخلص المجتهد محبباً إلى البر والفاجر مهيباً. مذكوراً بالجميل. ونحوه قول الله سبحانه وتعالى في قصة موسى - عليه السلام: (وألقيت عليك محبة منى لم يرد في هذا الموضع اني أحببتك وإن كان يحبه وإنما أراد أنه حبيبه إلى القلوب وقربه من النفوس فكان ذلك سبباً لنجاته من فرعون حتى استحياه في
(°)
(4)
السنة التي يقتل فيها الولدان. وللشريف الرضى (9) كتاب خاص فيما ورد في القرآن الكريم من المجاز، وقد سمى كتابه هذا «تلخيص البيان في مجازات القرآن جمع فيه الآيات الكثيرة التي جاءت على طريق الاستعارة
(1)
(1) تأويل مشكل القرآن ص 106، 107 (2) مريم / 96 (3) طه / 39
(4) المصدر السابق ص 79
(5) أبو المحسن محمد بن الطاهر ينتهي نسبه الى موسى الكاظم عارف باللغة وعلوم القرآن الكريم والنحو وله مؤلفاته نافعه (388 - 406 هـ). أنظر / معجم الادباء ج 13 ص 146 -
157
(6) البيان العربي ت / د. بدوى طبانه ص 29 وما بعدها طبعه سابعه 1408 هـ ط دار المنارة جده ودار الرفاعي جده.
-1.1 - (1/102)
صفحة 103
وقد شهد القرن الرابع الهجري تطوراً للمجاز على يد اثنين من النقاد هما أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفي عام (366) هـ، وأبو بشر الآمدي المتوفي عام (371) هـ حيث وضع أولهما كتاب «الوساطة» والثاني كتاب «الموازنة»، وقد تناول المؤلفان مسائل المجاز في كتابيهما، ومزجاها بعمليات النقد فجمعا بين النظر والتطبيق، وتطور المجاز في هذا القرن أيضاً على يد لغويين هما أبو الفتح عثمان بن جني (ت (392) هـ وتلميذه ابن فارس ت 395 هـ). وعلى يد إعجازيين هما الرماني والقاضي الباقلاني، وعلى يد جامعين جمعا بين النقد والبلاغة هما قدامة بن جعفر في كتابيه «نقد النثر ونقد الشعر» تحدث فيهما عن المجاز والاستعارة وأبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين وازدهرت علوم البلاغة والمجاز في القرن الخامس على يد طائفة من العلماء منهم أبو منصور الثعالبي (ت 429 هـ) وابن رشيق القيرواني وابن سنان الخفاجي (ت 466 هـ)، ثم أشرقت شمس البلاغة والبيان بظهور الإمام عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) الذي يعتبر بحق ـ سيبويه البلاغة وخليلها، وتناول الراية بعده في القرن السادس الامام جار الله الزمخشري ت 538 هـ) فيفسر كتاب الله تفسيراً بلاغياً فريداً حسن أن يقال فيه:
إنَّ التفاسير في الدنيا بلا:
عدد
وليس فيها لعمري مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته فالجهل كالداء والكشاف كالشافي ثم يأتي القرن السابع ومن أبرز أعلامه الذين كتبوا في المجاز أبو عبد الله محمد ابن عمر الرازي (ت 606 هـ) وقد وقف أمام المجاز والاستعارات وقفات طويلة في كتابه «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز»، وتلاه أبو يعقوب السكاكي (ت 626) هـ في كتابه «مفتاح العلوم»، وإذا تجاوزنا عبد اللطيف البغدادي (ت 629 هـ)، وابن الأثير (ت 637 هـ) والزملكاني (ت 651 هـ) والزنجاني (ت 654 هـ) وابن أبي الأصبع (654 هـ) وعز الدين بن أبي الحديد (655 هـ) وحازم القرطاني (684 هـ) وبدر الدين بن مالك (ت (686 هـ) وقطب الدين الشيرازي (ت 710 هـ) إذا تجاوزنا كل هؤلاء - ولهم إسهامات في المجاز إلى الإمام عبد الرحمن الخطيب القزويني (739 هـ)
-1.- (1/103)
صفحة 104
فإننا نصل إلى الكلمة الأخيرة في صياغة قوانين البلاغة، ومازاد من بعده على شرح
ما كتب والحواشي والتقريرات)
(1)
(1) المجاز في اللغة وفي القرآن ج 2 ص 1061 وما بعدها.
-1. {1 (1/104)
صفحة 105
الخاتمة
نهاية المطاف في رحلة سريعة للذهن محمولاً على رموش العين، يتنقل من كلمة إلى كلمة، ويتمشى من سطر إلى سطر، وكأنه يجتاز طرقاً متواصلة ما انتهى من أحدها إلا وابتدأ السير في آخر، وما انتهى من تبيّنه لمعنى تركيب إلا واستأنف تفهمه لمعنى تركيب ثان، هكذا دواليك، وهنا الكلمة الأخيرة، والقطرة التي تملأ الكأس، والخاتمة التي لابد من سطرها على القرطاس، وتُطوى بعدها أوراق هذا الكراس.
الكلمة التي أقولها إنَّ كلَّ ماكتبته قليل من كثير، وغيض من فيض، فإن هذا الموضوع الذي تُعالج فيه مشكلة الخلاف في وجود المجاز وعدم وجوده لا تكفي فيه البحوث المختصرة دون المطولة رغم أن قليل الحكمة خير من كثيرها في أحيان كثيرة، ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضرّه كثيرها كما يقولون، ولكن وللأسف الشديد مازالت تظهر في بعض الأحيان نزعة التعصب للرأي القائل بنفي المجاز بين آونة وأخرى، عند أناس يحلو لهم بعث الميت من الآراء الذي ربما تركه أصحابه وهجروه، فإنه لما راج سوق الجهل في عصرنا هذا قامت شرذمة بعيدة عن التحقيق، قليلة الصبر على الأبحاث العلمية، وتمحيص المواضيع التي هوش فيها المبتدعة، فنظروا في كتب ابن تيمية واتباعه نظرةً عجلى فاستحسنوها وطبعوها وأشاعوها، ودعوا إلى مافيها من البدع وسموها السنة والسلفية، وألفت الكتب على منوالها ككتاب «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والاعجاز للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وكتاب «بطلان المجاز وأثره في إفساد العقيدة والتصور وتعطيل نصوص الكتاب والسنة لعيد الصياصنه، ومازال بعضها تحت الطبع، ونحن رأينا ما لهذا القول من آثار سيئة يجدر بنا أن نتجنبها حفاظاً على سلامة المعتقد، وبناء البنيان الذي شيده علماء نبه الأمة واحداً إثر آخر، ومما نبه عليه أحد أبرز مشايخنا - حفظه الله تعالى ـ أن القول بإجراء كل شيء مما ورد في كلام الله تعالى، وفي كلام رسوله على حقيقته من غير أن يُحمل على معناه المقصود به الذي تدل عليه القرينة يؤدي أخيراً إلى الطعن
-1.0 - (1/105)
صفحة 106
[صفحة فارغة] (1/106)
صفحة 107
[صفحة فارغة] (1/107)
صفحة 108
هذه هي رحلة المجاز من مبتداها إلى منتهاها شاهدنا فيها قسيمه الحقيقة ووقفنا عند صوره المختلفة، وأومأنا مجرد إيماء إلى بعض مباحثه وقضاياه، وقد بقى منها الكثير، وهذه الثروة الهائلة التي تركها لنا الأسلاف في مباحث المجاز وقضاياه لم تكن وليدة ترف في الأسلوب، وانما اتخذ منها علماء الأمة وسيلة كاشفة لما في النظم والتعبير من معان وأسرار، وعلم هذا شأنه فليس من المعقول ولا من المقبول إنكاره بجرة قلم أو عدة أقلام وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...
(1)
(1) الكلمة التي ختم بها د. عبد العظيم المطعني كتابه: «المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم».
- 108 - (1/108)
صفحة 109
فهرس المراجع والمصادر
1 - الإبهاج في شرح المنهاج / تأليف: علي بن عبد الكافي السبكي وولده عبدالوهاب
الطبعة الأولى (1401 هـ - (1981 م) مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة.
2 - الإتقان في علوم القرآن / تأليف جلال الدين السيوطي - طبع المكتبة الثقافية (1973 م) بيروت - لبنان
ـ الإحكام في أصول الأحكام تأليف: علي بن أحمد بن حزم بتحقيق أحمد محمد شاكر - الطبعة الثانية (1403 هـ - (1983 م) دار الافاق الجديدة - بيروت. ـ الإحكام في أصول الأحكام / تأليف: أبي الحسن علي الآمدي ـ الطبعة الأولى (1405 هـ (1985 م) دار الكتب العلمية - بيروت.
ه - أسرار البلاغة / تأليف: الامام عبد القاهر الجرجاني - طبعة دار المعرفة. 6 - أسرار البلاغة / تأليف الامام عبد القاهر - بتحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي الطبعة الثالثة (1399 هـ ـ 1979 م) نشر مكتبة القاهرة - مصر.
- إرشاد الفحول / تأليف محمد بن علي الشوكاني - طبعة دار المعرفة (بدون تاريخ) - بيروت.
ـ الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز: تأليف سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام طبعة دار المعرفة (بدون تاريخ بيروت لبنان.
9 ـ أضواء البيان / تأليف: محمد بن الامين الشنقيطي - طباعة عالم الكتب (1400 هـ) بيروت.
10 - إعجاز القرآن / تأليف: مصطفى صادق الرافعي - نشر دار الكتاب العربي. (بدون تاريخ
11 ـ الأعلام / تأليف: خير الدين الزركلي ـ الطبعة الرابعة (1979 م) دار العلم للملايين - بيروت.
-1.1 - (1/109)
صفحة 110
12 - الإيضاح في علوم البلاغة / تأليف الخطيب القزويني - الطبعة الأولى (1405 هـ. - - 1985 م) دار الكتب العلمية - بيروت.
13 ـ الإيضاح في علوم البلاغة / تأليف: الخطيب القزويني بتحقيق د. محمد
عبد المنعم خفاجي الطبعة الثانية، مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة.
14 - الايمان / تأليف: ابن تيمية - الطبعة الأولى (143 هـ ـ 1983 م) دار الكتب
العلمية - بيروت.
15 - الباز الاشهب المنقض على مخالفي المذهب: تأليف عبدالرحمن بن الجوزي - تحقيق محمد منير الإمام - الطبعة الأولى (1407 هـ ـ 1987 م).
16 ـ البرهان في علوم القرآن / تأليف بدر الدين محمد الزركشي - تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم - الطبعة الثانية - دار المعرفة، بدون تاريخ بيروت - لبنان
17 - بطلان المجاز تأليف مصطفى عيد الصياصنة، الطبعة الأولى (1411 هـ) دار المعراج - الرياض.
18 - البلاغة الواضحة / تأليف علي الجارم ومصطفى امين ـ طبع باتفاق خاص مع الناشر ماكميلان وشركاه بلندن (بدون تاريخ
19 - البلاغة العربية في ثوبها الجديد / تأليف د. بكري شيخ أمين ـ الطبعة الثانية (1984 م) دار العلم للملايين - بيروت.
20 ــ البيان العربي / تأليف د. بدوي طبانة - طباعة دار المنارة بجدة ودار الرفاعي بالرياض - الطبعة السابعة 1408 هـ - 1988 م).
21 - البيان والتبيين / تأليف عثمان بن بحر الجاحظ بتحقيق عبد السلام هارون - مكتبة الخانجي - (بدون تاريخ) القاهرة.
22 - تاريخ آداب العرب / تأليف مصطفى صادق الرافعي ـ الطبعة الرابعة (1394 هـ 1974 م) دار الكتاب العربي - بيروت.
-11.- (1/110)
صفحة 111
23 - تأويل مشكل القرآن / تأليف ابن قتيبه الدينوري ـ بتحقيق السيد أحمد صقر - الطبعة الثالثة (1401 هـ - 1981 م) دار الكتب العلمية.
24 - التعريفات / تأليف: القاضي الجرجاني - طباعة دار الكتاب العربي - بيروت. 25 ـ تلخيص البيان / تأليف: الشريف الرضي - منشورات دار مكتبة الحياة (1986 م) بيروت.
26 - جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل / تأليف الشيخ احمد بن حمد الخليلي -
الطبعة الأولى (1404 هـ ـ 1984 م) مكتبة الاستقامة - سلطنة عمان. 27 ـ حاشية الشيخ مخلوف المنياوي على حلية اللب المصون / تأليف: الشيخ احمد الدمنهوري توزيع مكتبة اليمن الكبرى.
28 - الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم / تأليف د. علي محمد حسن ـ مطبعة
السعادة - مصر.
29 ـ الخصائص / تأليف: أبي الفتح عثمان بن جني بتحقيق محمد بن علي النجار (بدون) (تاريخ نشر دار الكتاب العربي - بيروت.
30 - دلائل الإعجاز: تأليف عبد القاهر الجرجاني - بتحقيق السيد محمد رشيد رضا - طبع دار المعرفة - (بدون تاريخ بيروت.
31 - دلالة الألفاظ: تأليف د. ابراهيم أنيس - الطبعة الخامسة (1984 م) نشر مكتبة الانجلو المصرية - القاهرة.
32 - ديوان الأعشى الكبير - طباعة دار الكتب العلمية - بيروت.
33 - ديوان جرير - طباعة دار بيروت للطباعة والنشر.
34 ـ الذهب الخالص / تأليف قطب الأئمة الشيخ محمد أطفيش - طباعة المطابع
العالمية سلطنة عمان.
35 ـ الرسالة / تأليف: الامام محمد بن إدريس الشافعي ـ تحقيق أحمد محمد
-111 - (1/111)
صفحة 112
شاكر - طبعة دار الكتب العلمية (بدون تاريخ بيروت.
36 ـ سنن الدارمي / تأليف: الامام الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي - الطبعة الأولى (1407 هـ ـ 1987 م) دار الكتاب العربي - بيروت.
37 - شرح طلعة الشمس على الألفية / تأليف: الامام نور الدين أبي محمد عبدالله بن حميد السالمي - الطبعة الثانية (1405 هـ ـ 1985 م) طبع وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان.
38 - شرح قطر الندى وبل الصدى / تأليف ابن هشام النحوي بتحقيق محمد الدين عبدالحميد. محيي
39 ـ شرح مسند الامام الحافظ الربيع بن حبيب / تأليف الامام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي - نشر مكتبة الاستقامة - سلطنة عمان.
40 - صحيح الامام البخاري / للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري - طباعة عالم الكتب - (بدون تاريخ بيروت.
41 ـ صحيح الإمام البخاري - نشر دار المعرفة (1978 م) بيروت - لبنان. 42 - صحيح الامام مسلم / للامام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري - الطبعة الثانية (1398 هـ) دار الفكر.
43 - صحيح مسلم بشرح النووى - طبعة دار إحياء التراث العربي - الطبعة الثانية 1392 هـ - 1973 م) بيروت - لبنان.
44 ـ الصاحبي / تأليف: ابن فارس - تحقيق السيد أحمد صقر ـ مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه القاهرة - مصر.
45 ـ صفوة التفاسير / تأليف: محمد بن علي الصابوني - طبعة دار القلم مكتبة جدة (1406 هـ).
46 ـ طبقات الشافعية / تأليف عبد الوهاب السبكي - طبع عيسى البابي الحلبي -
-117 - (1/112)
صفحة 113
القاهرة.
47 ـ الطراز / تأليف يحيى بن حمزة العلوي - طبع دار الكتب العلمية (1402 هـ - 1982 م) بيروت.
48 ـ علم البيان / تأليف د. بدوي طبانة - طبعة دار الثقافة (بدون تاريخ بيروت. 49 - علوم البلاغة: تأليف أحمد مصطفى المراغي - طبعة دار القلم - (بدون تاريخ بيروت.
50 ـ فرقان القرآن / تأليف: الشيخ سلامة القضاعي ـ طبع دار إحياء التراث العربي (بدون تاريخ) بيروت.
51 ـ الفصحى لغة القرآن: تأليف: أنور الجندي - دار الكتاب اللبناني (1402 هـ)
- بيروت.
2 5 ـ الفوائد المشوّق الى علوم القرآن وعلم البيان / تأليف: الامام شمس الدين بن قيم الجوزية - الطبعة الأولى (1402 هـ ـ 1982 م) - دار الكتب العلمية -
بيروت.
53 ـ القاموس المحيط / تأليف الفيروز آبادي طبع دار الجيل - (بدون تاريخ)
بيروت.
54 ـ كتاب سيبويه / بتحقيق عبد السلام هارون - الطبعة الثالثة (1403 هـ 1983 م) عالم الكتب.
5 5 ـ الكشاف / تأليف: العلامه جار الله الزمخشري - مطبعة عيسى البابي الحلبي
- مصر.
56 ـ لسان العرب / تأليف ابن منظور الافريقي - الطبعة الأولى دار ـ الفكر - (بدون تاريخ) بيروت.
57 ـ مجاز القرآن / تأليف: أبي عبيدة معمر التميمي - طباعة مؤسسة الرسالة -
- 113 - (1/113)
صفحة 114
الطبعة الثانية - بيروت.
58 - المجاز في اللغة وفي القرآن الكريم / تأليف د. ابراهيم عبد العظيم المطعني -
مطبعة حسان - القاهرة.
59 - مجمع الزوائد / تأليف: علي بن أبي بكر الهيثمي - طبع مؤسسة المعارف -
بيروت.
60 - مجموع مهمات المتون - طبع شركة مصطفى البابي الحلبي - مصر. 61 - المحصول في علم أصول الفقه / تأليف الإمام محمد بن عمر الرازي - الطبعة الأولى (1408 هـ - 1988 م) ـ دا الكتب العلمية - بيروت.
62 ـ مختار الشعر الجاهلي /:تأليف: مصطفى السقا - طبع المكتبة الشعبية (1389) هـ).
63 مختص
ر الصواعق لابن القيم / اختصار: الشيخ محمد الموصلي ـ الطبعة الأولى (1405 هـ ـ 1985 م) - دار الكتب العلمية - بيروت.
64 ـ المستصفى من علم الأصول / تأليف حجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي الطبعة الأولى (1322 هـ) المطبعة الاميرية ببولاق - مصر.
65 ـ مسند أحمد / للإمام أحمد بن حنبل - طبع المكتب الإسلامي (1403 هـ)
بيروت.
66 - المزهر في علوم اللغة وأنواعها /:تأليف جلال الدين عبد الرحمن السيوطي - طبع دار الجيل.
-
67 ـ مشارق أنوار العقول / تأليف الامام عبد الله بن حميد السالمي. . بتعليق سماحة الشيخ أحمد الخليلي الطبعة الثانية (1398 هـ ـ 1978 م) سلطنة
عمان.
68 - المعتمد / تأليف: أبي الحسين البصري - الطبعة الأولى (1403 هـ
-118 - (1/114)
صفحة 115
1983 م) دار الكتب العلمية - بيروت.
69 - مفتاح العلوم / تأليف أبي يعقوب يوسف السكاكي - الطبعة الأولى (1403 هـ ـ 1983 م) دار الكتب العلمية.
70 ـ المنطق / تأليف الشيخ محمد رضا المظفر - الطبعة الثانية (1405 هـ ـ 1985 م) دار التعارف - بيروت.
71 - نقد النثر / تأليف: قدامة بن جعفر - طبع دار الكتب العلمية (1402 هـ)
بيروت.
-110 - (1/115)
صفحة 116
[صفحة فارغة] (1/116)
صفحة 117
مان
الرقم
الفهـ
مسلسل
تقديم
المقدمة
تمهيد: دلالة الالفاظ على المعاني الفصل الاول: الحقيقة في القرآن الكريم - تعريف الحقيقة لغة
تعريف الحقيقة اصطلاحا.
- أمثلة للحقيقة في كتاب الله تعالى - أقسام الحقيقة: أ - الحقيقة اللغوية .. ب ـ الحقيقة العرفية.
ج - الحقيقة الشرعية.
- أنواع الحقيقة بتعدد أفرادها. . من أحكام الحقيقة.
خاتمة للفصل.
الفصل الثاني: المجاز في القرآن الكريم.
- تعريف المجاز لغة
- تعريف المجاز اصطلاحا. نشأة البحث المجازي عند العرب - الفرق بين الحقيقة والمجاز
أقسام المجاز:
أ - المجاز العقلي
العلاقة السببة ..
العلاقة الزمنية
العلاقة المكانية
العلاقة المصدرية
العلاقة الفاعلية
العلاقة المفعولية.
أقسام المجاز العقلي.
من احكام المجاز العقلي ب - المجاز اللغوي
1 - المجاز المرسل
السببية
المسببية
الكلية (1/117)
صفحة 118
ان
الرقم
الجزئية.
الماضوية
المستقبلية.
المحلية
الحالية.
الآلية.
تنبيهات حول المجاز المرسل
2 - الاستعارة.
أقسام الاستعارة
1 - الاستعارة باعتبار ذاتها.
2 - الاستعارة باعتبار لفظها.
- الاستعارة باعتبار طرفيها
4 - الاستعارة باعتبار لازمها ..
ه - الاستعارة باعتبار حكمها. 6 - الاستعارة باعتبار الاستعمال. الاستعارة التمثيلية.
تنبيهات حول الاستعارة.
مسلسل
- بلاغة المجاز.
تنبيهات عامة
الفصل الثالث: الخلاف في وجود المجاز في القرآن الكريم.
تمهيد
إنكار المجاز مطلقا
- إنكار المجاز في القرآن الكريم.
مع الامام ابن حزم
- مع الامام ابن تيمية.
مع الامام ابن قيم الجوزية.
- أدلة المجيزين
الخاتمة: خطورة نفي المجاز و فائدة إثباته
فهرس المراجع والمصادر (1/118)
صفحة 119
تم بحمد الله وفضله (1/119)