صفحة 1
الكتاب: القرآن مصدر هداية للبشرية لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] القرآن الكريم
مصدر هداية للبشرية
سماحة الشيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
جميع حقوق الطبع والتوزيع محفوظة
الطبعة الأولى
1420 - ه 1999 م
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف وفاكس620855/9330027
ص ب 2 السيب الرمز البريدي121
سلطنة عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، سبحانه له الحمد على كل ما أنعم وأعطى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالحجة القاطعة والمعجزة الساطعة والدعوة الجامعة، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:-
فضل ليلة القدر . . . لماذا كان لليلة القدر كل هذا الشرف؟ (1/1)
صفحة 2
فالسلام عليكم أيها الأخوة المسلمون ورحمة الله وبركاته، ما أطيب هذه الفرصة أن نلتقى في هذا المسجد الشريف في هذه الليلة المباركة التي هي إحدى الليالي الوسطى من هذا الشهر الكريم، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، وجعله شهر خير ورحمة وبر وإحسان وفضل وعطاء، شهر يقبل الله تبارك وتعالى فيه توبة التائبين ويضاعف فيه أجور العاملين، ويرفع فيه درجات المحسنين، فهو شهر الخير كله، فهنيئاً لكم هذا الشهر الكريم، وهنيئاً لكم صيامه الذي يجركم إلى تقوى الله عز وجل في سائر العام بمشيئة الله كما هي حكمه الصيام التي دل عليها القرآن عندما قال عز وجل قائل سبحانه وتعالى فيه "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"(1) هذا الشهر المبارك إختاره الله سبحانه وتعالى لأن ميقاتاً لذلك الحدث التاريخي العظيم الذي وصل الأرض بالسماء، وربط ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، وجعل من الإنسان عبداً طائعاً لله، وسيداً في هذا الكون ذلكم الحدث هو إنزال القرآن الكريم على قلب خاتم النبين سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصبحه أفضل الصلاة والتسليم، فإن الله عز وجل أخبرنا بأنه أنزله في هذا الشهر الكريم فقد قال عز من قائل"شهر رمضان ألذي انزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان"وقد فضل الله سبحانه ليله إنزله وجعل نظائرها في كل شهر مما يتكرر من شهور رمضان مدى الدهر خيراً من ألف شهر تلكم هي ليلة القدر التي أنزل الله فيها سورة بأسرها تحمل إلى الناس بشائر الخير الذي تنطوى عليه هذه الليلة المباركة فقد قال عز من قائل"إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خيراً من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر" (1)
______________________
البقرة: 183 (1/2)
صفحة 3
ما أحرى هذه الليلة بهذا الخير والمنزلة فإنها ليلة كما علمتم ميقاتاً لذلكم الحدث العظيم الذي قلب مجرى الحياة وبدا الإنسان بشر خيراً وبالإنحراف إستقامة فهي ليلة مليئة بهذه الخير العظيم. وكل من تعرض للخير في هذا الشهر الكريم بأن أدام ذكر الله تبارك وتعالى. وفي هذا ما يبشر إلى أن الحفاظ على صيام شهر رمضان يؤدي إلى الحفاظ على تعاليم القرآن وذلك لأن في الصيام شفافية الروح ورقة الحس، متصلاُ بالله تبارك وتعالى. وهذا يؤدي إلى إستلهام الخير والأحساس من تعاليم القرآن الكريم.
منزلة الكتاب الكريم . . . كلام لا يرقى إليه كلام (1/3)
صفحة 4
وقد بين الله منزلة هذا الكتاب العظيم فقد قال فيه سبحانه هدىٍ للمتقين، ورحمة للمحسنين، وبشرى للمؤمنين، وقال سبحانه وتعالى يهدى للتي هى أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً. وقال: وينزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وقد قال"وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط المستقيم"(1) ولا ريب أنه روح لأن الأرواح تحيا به كما أن الأجساد تحيا بالأرواح، فالإنسان بدون هداية القرآن الكريم يبقى مظلم النفس حائر العقل منطمس البصيرة، وإنما الألباب تهتجي بهذا القرآن. وقد جعل الله فيه تبيان كل شيء. والقرآن الكريم بهر العقول لما فيه من الأسرار التي لم تصل عقول الناس إلى وقتنا هذا إلى إكتشافها جميعاً. فكل آن يكتشف فيه البشر الجديد من أسرار القرآن، فهو معجز من حيث تراكبيه ومعانيه. بهر القرآن العرب الذين نزل بلغتهم، فقد تحدى الله فيه بلاغه بلغائهم وإستشار حفائظ علمائهم، أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله فعجزوا وما ذلك إلا لأن القرآن الكريم فيه الأسرار الغيبية ما لا يمكن أن تتوصل إليه عقول البشر، فهو إن تركب من نفس الحروف والكلمات التي يتركب منها الكلام العربي إلا أن فيه نفحة من روح غيبية(2) هذه النفحة هي التي جعلته يفوق كل كلام من حيث بلاغته، ومن حيث مؤداه، فمثله كمثل ما بعد من صنع الله تبارك وتعالى، وما يكون من التفاوت بينه وبين صنع الخلق. فالناس يصنعون من هذا التراب أوعية خزفيه متبانية في الأحكام والإتقان، ولكن الله سبحانه وتعالى صنع من هذا التراب نفسه هذا الإنسان الذي جعله سميعاً بصيراً عاقلاً مدبراً. (1/4)
صفحة 5
وليس تفوق الإنسان على هذه المصنوعات التي نشاهدها إلا بسر ما نفخ الله سبحانه وتعالي فيه من روحه، وكذلك هذا القرآن تسرى في كل حرفٍ من حروفه هذه الروح الغيبية التي بهرت عقول الألباب لأن هذا الكلام لا يشبه ما يقوله البشر. وإن أسفله مغذق وأعلاه مثمر(3) إنطلق هذه الألسنة لتعترف بهذه الحقيقة رغم مكابره أهلها للقرآن ووقوفهم في وجهه ومعارضتهم لنشر نوره، ولئن كان العرب المتقدمون من أمثال عتبه بن ربيعة والوليد بين المغيرة إعترافاً بهذه الحقيقة فيما بينهم مع أنهم يكابرون القرآن ويقفون في وجه القرآن، فإن المتأخرين من الملاحده إنطلقت ألسنتهم لتسجل هذه الحقيقة، وأخذت أقلامهم تسطر ما وقرفى نفوسهم(4) من إعجاز القرآن الكريم. فنجد مثلاً شبيلي الذي كان أحد رواد الإلحاد في البلاد العربية وقد كان من قبل كاثولكين ثم إنتقل بعد ذلك إلى الإلحاد يعترف بوضوح العبارة لأن هذه القرآن معجزة. ولا يمكن أن يأتي البشرية بمثله. وان النبي - صلى الله عليه وسلم - أوحى إليه ففاق جميع البشر سواءً الذين تقدموا أو الذين عاصروا أو الذين يأتون من بعده. فعندما كان يقرأ صحائف
(1)الشورى 25 (4)قر في نفوسهم : ثبت
(2) أي قوة روحية كبيرةر في نفوسهم.
(3) عبارة قالها الوليد بن المغيرة وعن القرآن قبل إسلامه.
من مجلة المنار التي كان يحررها العلامة الكبير سيد محمد رشيد بمصر وهذه الصحائف تشمل على مناقد للنبي الأعظم صلوات الله وسلامة عليه لم يجد إلا أن يكتب رسالة مختصرة للعلامة محرر المنار وبعد هذه الرسالة أبيات يقول في رسالته"إلى غزال عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار أنت تنظر إلى محمد كنبي وتجعله عظيماً وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم ونحن وإن كنا في الإعتقاد المبدئي الديني على طرفي نقيض فإننا يجمع بيننا
العقل الواسع الإخلاق في القول وذلك أوثق لعرى المودة بينا الحق أولى أن يقال تحت هذا العنوان كتبت هذه الأبيات: (1/5)
صفحة 6
دع من محمد في سدى قرأنه ...
ما قد نحاه للحمر الغابات
إني وإن أك قد كفرت بدينه ... ...
هل أكفرن بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من ...
حكم الروادع والهوى وعظات
وشرائع لو أنهم عقلوا بها
ما قيدوا العمران بالأعرات
نعم المدبر والحكيم فإنه ...
رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجا. رجل السياسة والدهاء ...
بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد غلب النهى ... ...
وبسيفه أنحر على الهامات
من دونه الأبطال في كل الورى
من سابق أو حاضراً وآت (1/6)
صفحة 7
ونجد مثل هذا يدور على ألسنة الكثير ممن لم يرزقهم الله سبحانه وتعالى حظاً من التوفيق حتى يدخلوا في هذا الدين القويم، نجد كثيراً من هؤلاء تنطلق السنتهم بهذا الذي وقرفى قلوبهم من عظمة القرآن الكريم. فنجد مثلاً أن الشاعر الخورى القروى عندما بلغ تسعين عاماً كتب وصية يقول في وصيته هذه لقد أثبتت المصادر التاريخية أن يسوع المسيح كان يعبد الله الواحد القهار الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وظل على ذلك أتباعه حتى نهاية القرن الثالث عندما تنصر قسطنطين عاهل الروم فأدخل في النصرانية بدعة التثليث ونالئه على ذلك بعض الأساقطة وعلى رأسهم مكاليوس الذي لقب نفسه أرثوذكس أي مستقيم الراى، وعارضه في ذلك أريوس وعقدت بينهم مجامع للحوار فاز فيها أريوس بالحجة القاطعة والحق اليقين ولكن السلطة التي هي مصدر البلاء وضعت ثقلها في الميزان فاسكتت صوت الحق وظل يتململ في قيده منتظراً أريوساص جديداً ثم يقول وكم أتمف وأنا الأرثوزكي المولد أن يكون هذا الأريوس بطلاً ينفى عن ديننا وصمه الصقهابه عزباء عزبيون. وكثيراً ما كان الغرب مصدر بلائنا السياسي والديني معاً، ثم قال: وإيماناً منا بنبوة نبينا العربي وتصديقاً بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوة لإخواني إدباء النصرانية فأدخل في دين الله، ولكنني رأيت إصلاح ديننا الأول خيراً من الإنتقال عنه إلى دين جديد وهنا نجد أن الحظ فارقه مع الأسف الشديد وكذلك نجد أيضاً أحد أدباء النصرانية يقول :
وطئطء الرأس الرفيع بنكر من * ... ... ...
صاغ الحديث وعلم القرأن (1/7)
صفحة 8
ولئن كان هؤلاء تأثروا بمعجزة القرآن الكريم بسبب درايتهم بالعربية التي هي لغة القرآن الكريم فإن بلاد العرب هي منبع واللغة العربية هي التي ولدوا عليها وشبوا عليها فإننا نجد الآخرين ممن لم يولدوا في بلا العرب، وليسوا من العنصر العربي، وليسوا ممن تربوا على لغة القرآن يبدون بإعجابهم بالقرآن ويعترفون بأنه يفوق جميع الكلام بقوة إسلوبة. وأن الأسلوب البشري لا يرقى إلى ذلك الأسلوب، ففي فترة من الفترات إتفقت وزراتا الخارجية والتربية والتعليم الفرنسيتان على ترجمة سورة من سور القرآن وأختير لهذه المهمة أحد المستشرقين في الدراسات العربية فكتب مقدمة قال فيها بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يرقى لإسلوبه أي إسلوب ولا لغته أي لغة، لأن هذا الإسلوب إلهي فلذلك أعجز البشر سحر بيانه. وهكذا يعترف هؤلاء بعظمة القرآن، وقد كانوا مأخذوين بما يشاهدونه من عجيب الإتفاق في تركيب الكلمات القرآنية، بل وفي تركيب حروف القرآن فإن هذه الكلمات في رصفها لا يمكن أن يأتي أي لسان قط وليس ذلك فحسب بل هذه الحروف من حيث ترتيبها ومن حيث مخارجها وإيحائها وأوصافها وبحسب مغاربها لا يمكن أن تنتظم لذا الإنتظام في أي كلام آخر ما عدا هذا الكلام الإلهى ، فإن الإنسان لو عني بهذا الرصد والترتيب لفاتته المعاني ولكن مع ذلك فإنه يجد أن القرآن الكريم جاء بهذا التركيب العجيب في هذه الكلمات والحروف مع أنه جاء بأعظم المعاني وأبهرها. (1/8)
صفحة 9
ولئن كان العرب أخذوا بمعجزة القرآن الكريم من حيث أنه قادهم من ألسنتهم، فإن من جاءوا من بعدهم من أعقابهم ومن الشعوب الأخرى ينظرون في القرآن الكريم ويجدون أن أعجازه يتجلى من عدة وجوه، حيث أنه أخبر بالحقائق الغيبية التي لم تكن واقعة آنذاك ولا يمكن للإنسان أن يتوصل لهذه الحقائق بمجرد فكرة، وإنما هو وحيً من عند الله الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وكل شيء عنده بمقدار
" القرآن يخبر . . . فهل من مخبر؟
ان الله سبحانه وتعالى انزله على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مكة المكرمة في بداية عهد البعثة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وفي العام الخامس والسادس للميلاد عندما وقع الصدام بين دولتين هما دولة الفرس والروم، وأنتهت المعركة لصالح الفرس ضد الروم وفرح المشركون بذلك أنزل الله تبارك وتعالى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ينيئه وينبئ الناس جميعاً بأن العاقبة ستنقلب عكس ما يشاهده الناس فقد أنزل الله تعالى عليه "ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون" كان ذلك كما هو معلوم في العام الخامس من بعثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون كانوا قلة، وكانوا مضطهدين والنبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه لم يخرج من جزيرة العرب إلى حيث يقع سلطان هاتين الدولتين الكبيرتين فلم يكن عنده - صلى الله عليه وسلم - علم بقواتهم العسكرية، والناحية النفسية للجيش الرومي والفارسي وخروجه - صلى الله عليه وسلم - إلى بلاد الشام ما وصل إلا بداية أطرافها. فقد وصل إلى بلاد بصرى
____________________
(1) الروم : 1-4 (1/9)
صفحة 10
- صلى الله عليه وسلم - فانىله(2) عليه أفضل الصلاة والسلام أن يتمكن أن يعرف هذه الحقائق مغلوباً والمغلوب سيعود غالباً ذلك غير ممكن على الإنسان عندما يدرس (1) تاريخ هاتين الدولتين ويقف عند هذه المرحلة يرى من ذلك أمراً عجباً. فالإمبراطور الفارسي في ذلك الوقت كان هو الذي توج في عام
خمسمائة وثمانين للميلاد، وكان قوياً متمكناً. فعندما توج بنى لنفسه قصراً جديداً وحول الميزانية الاحتياطية التي كانت في قصره القديم إلى القصر الجديد وكانت الدنانير فقط في كنوزه أربعمائة
(1) فأنى له : فكيف له (1/10)
صفحة 11
وأربعون مليوناً ولم يلبث أمداً طويلاً حتى تضاعفت، مع أن العملة المتدولة في بلاد الفرس كانت الدراهم وليست الدنانير، وكان يمجد تمجيداً غريباً عند قومه، بحيث كانوا يرددون على ألسنتهم قولهم فيه معناه بالعربية في الناس إلةٌ غير فان وفي الألهة إنسانٌ ليس هو فإن إرتفع إسمه، وتعالى مجده يطلع مع الشمس بضيائه، وينير الليالي المظلمة بنورة. وقع بين هذا الأمبراطور وبين قادته ويسمى بهران شيء من الخلاف بادىء الأمر، فحاول بهرام أن يقوم بثورة عسكرية، وأن يطيح بأمبراطوره، فتدخل الأمبراطور الرومانى من أجل المحافظة على ذلك العهد، وأخمد الثورة ورجعت الأمور إلى طبيعتها. ولكن لم يلبث الأمبراطور الروماني طويلاً حتى قام عليه أيضاً أحد قادة جيشه، ويسمى فوكس فأطاح به وقتله. فتدخل خسروا من أجل صديقه الذي الذي ناصره سابقاً وبدأت المعركة، وأطاح بالأمبراطور السابق، وكان ذلك في عام 602م ولما وجدوا الروم أنفسهم متقهقرين بسبب الهزائم المتلاحقة التي توالت على جيشهم نتيجة عدم تحسمهم للقتال تحت راية هذا الأمبراطورية النذل رأوا أن يحيطوا به ويتوجوا آخر وأختاروا لهذه المهمة هرقل الذي كان أبوه حاكماً للإمبراطورية الرومانية في أرض أفريقيا. (1/11)
صفحة 12
وتوج في العام العاشر من القرن السابع اللميلاد ولكن هرقل خيب أماني الرومان فسكن إلى الراحة ومال إلى الجوراي وإلى الخمر وأخذ يتقهقر شيئاً فشيئاً حتى أن الأمبراطور الفارسي بعد ذلك حاصر مدينة القسطنطنية التي هي العاصمة الرومانية نفسها وهنا شاء الله سبحانه وتعالى أن ينبىء النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن هذه الأمبراطورية التي حسب معايير الناس تلفظ أنفاسها الأخيرة سوف تستعيد قوتها وتكون النتيجة معاكسة تماماً لما كان يتوقع، فقد حوصرت هذه المدينة في العام السادس عشر للميلاد بعد الستمائة وفي ذلك الوقت أنزل الله ما أنزل من قرآن على النبي حتى أن أبا بكر راهن أحد المشركين على ذلك وذلك قبل خرقه الرهان فإذا بروح جديدة تسرى في هذا الأمبراطور المدلل، حيث أنه تحول إلى ليث ثائر، وقائد فادح، فطلب التفاوض مع من خسروا وأشترط عليه أموالاً كثيرة، منها قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، ومنها الجواري والغلمان بحيث يعجزه عن الوصول مرامية من الصلح، فطلب منه أن ينسئه بفترة وأن يفك عنه الحصار ليخرج إلى بعض المناطق لأجل جمع المال، فخرج من هنالك بجيشه وأخذ يجمع الشتات من جيشه ولم يعد إلى خسروا حيث هو محاصره وإنما ذهب للمدائن إلى قلب الأمبراطورية الفارسية ودخل المدائن فأستباح أهلها، وأخذاين خسروا أسيراً او حلق رأسه وكانت هذه تعتبر عندهم إهانة كبيرة ورفع الأعلام الرومانية في قلب المدائن العشراوية وتحقق هذا الإنتصار في العام الخامس والعشرين بعد الستمائة للميلاد، وذلك بعد تسع سنوات من ذلك الإنهزام المنكر. (1/12)
صفحة 13
وصادف ذلك العام الثاني لهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك العام هو عام إنتصار المسلمين على أعدائهم في غزوة بدر الكبرىز وتحقق بذلك ما لم يكن في حساب أحد فإن أي أحد مهما كانت عنده خبرة عسكرية وكفاءة قتالية ودراسة إجتماعية ونفسية لا يمكن أن يتوصل إلى مثل هذه الحقيقة فلو أن أحداً تحدث عندما كانت ألمانيا مهزومة بأنها بعد بضع سنوات ستنتصر مع الأحلاف وتتمكن من الأحلاف(1) لعد مجنوماً وهو يتحدث بمثل هذا الحديث ونحن نجد القادة السياسيين الذين عندهم الخبرات السياسية والعسكرية والمخابرات التي تتبع الأحداث كلها أول بأول لا يكادون يصلون إلى هذه النتائج. وكثيراً عندما يتحدثون عما يتحدثون عنه تأتي النتيجة معاكسة لهم فلقد سمعت تصريحاً عندما كان شاه إيران يعاني ما يعانيه في ذلك الوقت من الثورة التي كانت محدقة به، سمعت تصريحاً للرئيس كارتر الذي عنده المخارات الأمريكية والسياسية والعسكرية وعنده من الدراسات النفسية والإجتماعية للشعوب الموجودة في الأرض جاء في هذا التصريح بأن الشاه سينتصر على المعارضة. ولم يكد يمضي على هذا التصريح شهر واحد حتى خرج شاه من بلاده وهو يحل صندوقاً من التراب ليشوه في منفاه. هذا دليل جاء به القرآن لا يمكن أن يكون نتيجة خبره بشرية، لذلك غير الأخبار الكثيرة التي جاءت في القرآن الكريم. وقد تجلت للناس كما أخبر بها القرآن الكريم فيها الكثير والكثير من الأخبار بالمغيبات التي ما كان الناس يحسبون لها حساباً. عندما نزلت هذا السورة كان المسلمون في ذلك الوقت يجدون في نفوسهم غضاضة(1) بسبب أنهم حيل بينهم وبين البيت الحرام الذي كانوا يطمحون في مشاهدته والطواف به، ولكن الله جعل النتائج خلاف ما كانوا يتصورون. فإذا بذلك الأمر الذي كان ظاهرة غلبة للمشركين عاد نصراً وفتحاً للمؤمنين بمشيئة الله. (1/13)
صفحة 14
ودخل المسلمون المسجد الحرام كما أخبر الله محلقين رؤوسهم مقصرين لا يخافون، فعلم ما لم يعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا
ونجد ايضامن حيث التشريع عظمة القرآن حيث
________________________
. (2) غضاضة: حرج وألم.
أنه لا يرقى إلى تشريعه أي تشريع بشري قط.
سمئت البشرية. . . سقوط النظم
عند الآن المأساة التي يعاني منها الناس في هذا العام المعاصر فإن الناس يعانون من مأساة رأس المال. كيف يكون رأس المال؟ هل يكون مكراً عند طائفة من الناس كما هو نظام رأس المال الأجنب؟ أو يكون شائعاً عند الجمهور كما هو النظام الشيوعي؟ جرب الناس الرأسمالية وتجرعوا منها الويلات فأصبح المال مكراً عند طائفة خاصة صار دولةً بين الأغنياء والفقراء يعانون ما يعانونه بسبب هذا الأحتكار. وعندما برق لهم بارق أمل من قبل الشيوعية ظنوا أن المخلص فيها، فلذلك صاروا يهرعون إليها. وقد إعتز بها الناس ووقعوا في أتونها كما يقع الفراش على لهيب النار. ولم تمض عليها ست عقود حتى تكشفت عن لا شيء، وإذا بالذين كانوا سلبتها وكانوا يحافظون عليها هم الذين يركعون أمام الرأسماليين باستجداء الحل من قبلهم. وقد إعترفوا بأن الشيوعية أفلست. ومع هذا الإعتراف هناك إعتراف بأن الرأسمالية ستفلس بل هي مفلسة، ولن تعول للناس أي خير، وإنه ليس هناك مخلص إلا في الإسلام الحنيف دين الله تعالى الحق. وفي هذا النظام الرباني العادل الذي يعطى كل حق حقه مجرباً تشوق نفسه وهو آخر رئيس للكتلة الشيوعية المنهارة تحدث إلى قناة تليفزيونية (1/14)
صفحة 15
بريطانية وسئل في حديثة هذا عن الشيوعية هل يمكن أن تستمر في فينام في الصين فأجاب بأن الشيوعية ميتة, والميت لا يمكن أن يبقى، فسئل عن البديل فقال لا أعتقد أن البديل في الرأسمالية ولا في الأشتراكية ولا الديمقراطية، وإنما هو في نظام آخر وهو الإسلام. وأبشركم بأنه في اليوم الخامس والعشرين من ذي الحجة جاء إلى سوريا رجل أمريكي إعتنق الإسلام وقد تقلد العديد من المناصب
(1) هزمت ألمانيا في عام 1945 في الحرب العالمية الثانية والآن أصبحت قوة عظيمة تسيطر على أمر الصناعية في العالم وأضحت خلفية للحلفاء " أمريكا وأنجلتر وفرنسا" (1/15)
صفحة 16
الخارجية الأمريكية، جاء إلى بلاد سوريا وألقى هناك محاضرة عن الإسلام في القرن الحادى والعشرين. وذكر في محاضرته أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلات العالم بأسره، وأن ما تعانيه أمريكا من مشكلات إقتصادية وإجتماعية وغيرها لا يمكن أن يحل إلا بالحل الإسلامي فقط. وهذا الحديث أخبر بأنه ليس حديثه بنفسه فقط الذي كان مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي والرجل يهودي وبأنه أعترف بهذه الحقيقة، فقد أشار إلى الحل الإسلامي، وأنه هو الحل الوحيد ومثل ذلك جاء ايضاً في محاضرة ألقاها رجلً أسلم من الولايات المتحدة الأمريكية، وهو بروفسفور في التاريخ في جامعة أرزونا أيضاً في بلاد سوريا القرآن الكريم جاء بحل كل مشكلة، ووضع كل شيء في موضوعه، فالمشكلة الإقتصادية التي يعاني منها الناس اليوم حلها في القرآن بجانب الحلول الكثيرة لمشكلات البشر التي إنطوت عليها تلك الآية الكريمة فالله تعالى يقول"ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبين وأتى المال على حبه ذوي القربة واليتامى والمساكين وأبن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتي الزكاة والموفون بعدهم إذا عاهدوا والصابرين في الباساء والضراء وحين الباس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" وترون أن الله سبحانه وتعالى قبل كل شيء وضع الساس في هذه الآيات، وهو العقيدة والإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبين. ثم جاء إلى المشكلة الإقتصادية فحلها، وأتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبن السبيل والسائلين، وفي الرقاب، وهذه الحقوق خارجة عن الزكاة بدليل قوله بعد ذلك وأقام الصلاة وأتي الزكاة. ثم ذكر الحلول الأخرى للمشكلات والموفون بعهدهم إذا عاهدا والوفاء بالعهد أمر ضروري لأن مصالح البشر تتوقف على الوفاء بالعهد. (1/16)
صفحة 17
إذن الناس جعلهم الله تبارك وتعالى بمثابة الأعضاء للجسم الواحد، وهذا بين الله سبحانه وتعالى هذه الحلول للمشكلات، ويجعلها من حميم البر الذي هو صلة بين العبد وربه عز وجل. هذا ولئن جئنا إلى المشكلات التي تتعلق بالقانون، فإنا نجد أن الإسلام بقانونه المحكم أفضى الاستقرار والطمأنينة على العالم البشري، ففي ظل الإسلام الحنيف وجد ما وجده من الإطمئنان والعدالة ما لم يجده في أي نظام آخر. فالعدل هو الذي يعطى كل ذي حقاً حقه القريب والبعيد والعدو والحبيب، الكل يعطى حقه بطريقة العدل التي فرضها الله سبحانه وتعالى. ونجد أن الدول الكبرى التي أتاها الله سبحانه وتعالى القوى المادية لم تستطع أن تتحكم في الجريمة بل الجريمة تتزايد عندها بإستمرار. وقد سخرت قواتها وإمكاناتها ولكن مع تتحداهم الجريمة والمجرمون وما ذلك إلا لأن النظام الذي أتبع عندهم هو نظام فاسد من أساسه. وليس هناك نظام يمكن أن يصلح البشر إلا بالقرآن الكريم، مع أن هذا القرآن نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أمي لم يكن عليه الصلاة والسلام قبل نزول القرآن يعنى بقضايا الناس إذ لم يكن حاكماً ولا مستشارا ولا كان - صلى الله عليه وسلم - في بيئة البدائية(1) أمية تلك البيئة لم يمتد إليها نفوذ إحدى الدولتين الكبريتين في ذلك الوقت فالمجتمع الحجازي لم يمتد إليه نفوذ الدولة الرومانية ولا الفارسية وإنما كان النظام السائد هو النظام القبلي الحنفي. ومع هذا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل الله تعالى عليه هذا القرآن وفيه حل لكل مشكلة من المشكلات إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. هنا مع أنه من المعلوم في الدراسات القانونية أنها تحتاج إلى سلسلة من الدراسات النفسية والإجتماعية فالقانون الروماني هو نتيجة سلسلة من الدراسات دامت ثلاثة عشر قرناً. (1/17)
صفحة 18
وكانت نتيجة ذلك القانون الذي يحتاج إلى التعديل والتبديل بين فترة وأخرى بينما النظام الإسلامي نظام يسع البشر بأسره ويسع كل مجتمع ولون من ألوان البشر وكل بيئة حتى يرث الله الأرض ومن عليها
*بين علومنا وعلومهم . . . القرآن والعلم
فالقرآن الكريم بهر العقول بما تحدث به من الحقائق العلمية التي لم تكن تدورتجلٍ في ذلك فقد نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يعيش في البيئة البدائية بعيداً عن بلا الفرس والروم والصين والهند وغيرها من البلدان التي تشع فيها الحضارة، ومع ذلك تحدث القرآن بهذه الحقائق العلمية. فالناس مهما تحضروا يجدون في كل وقت من الأوقات ما يسع حضارتهم ومعارفهم من عبارات القرآن الكريم. فالقرآن الكريم عندما يقول"يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" ويسمع هذه اي رجل بدوي أمي يتصورها ويفسرها بقدر مقاييسه ومفاهيمه. كذلك عندما تتلى هذه الآية على ذوي الخبرات في مجال الهئية وعلم الفلك ، يجدون أن هذه الآية معجزة من المعجزات فهي تذل دلالة صريحة على أن الأرض كروية، وأن الليل والنهار يتعاقبان بإستمرار كل واحد منهما يولج في الآخر. وكذلك عندما يتلوا التالي قول الله تبارك وتعالى "يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً" يجد هذه الحقيقة أيضاً واضحة. ومثل ذلك الإخبار عن نظام هذا الكون في كلمات قليلة في القرآن فالله تعالى يقول "كل شيء عنده بمقدار" ويقول "خلق كل شيء فقدره تقديراً" ويقول "إن كل شيء خلقناه بقدر" وهذه الحقائق ثابتة لأن كل شيء مقدر تقديراً عجيباً. فالذرة نفسها مقدره تقديراً عجيباً من حيث النترونات والبروتونات والإلكترونات، ثم هذا النظام يتسع كل شيء حتى يصل إلى المجرات الواسعة وهذه المجرات مع أبعادها مقدر فيها كل شيء بمقدار الأجرام الفلكية التي فيها بمقدار. (1/18)
صفحة 19
وأحجام هذه الأجرام بمقدار ودورانها بمقدار، وطبائعها كلها مقدرة تقديراً كذلك الله تبارك وتعالى أخبرنا بأنه خلق فوقنا سبع شداداً عبر عن السموات بأنها شداد. وأنني سمعت قبل فترة أحد الفكليين يقول بأنه أكتشف أن وراء هذه المجرات ما يسمى بالإشعاعات وهذه الإشعاعات هي من الثقل بحيث ملىء زنة متر بمقدار زنة الكرة الأرضية بأسرها. وقد أخبرنا القرآن بذلك قبل قرون مضت بأن هناك سبع شداد ولذلك قال الله سبحانه وتعالى "قل أرايتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاقٍ بعيد سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم إنه الحق
(1) بيئة البدائية: أي ليس فيها مدارس ولا أي نوع من التقدم (1/19)
صفحة 20
في مرية من لقاء ربهم ألا أنه بكل شيء محيط" وعد الله سبحانه وتعالى بأن يرى عباده أياته في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن هذا القرآن حق من عند الله وهو على كل شيء شهيد، وإنه بكل شيء محيط. وهذا الذي حصل فعلاً فنجد مثلاً الدكتور موريس بوكاي من الأطباء الجراحيين الفرنسين بهرته هذه الآيات في القرآن الكريم وكان بداية دراسته للقرآن الكريم أنه يحكم إتصاله بالعرب والمسلمين أراد أن يدرس اللغة العربية من أجل أن يتمكن بها من التوصل إلى بعض الحقائق. وبادىء ذي بدء أن يدرس المعلقات السبع ثم عدل عن ذلك إلى دراسة القرآن الكريم حيث أنه كان يجد خارقاً بين المسلم وغير المسلم عند الإقبال على العلمية الجراحية، فالمسلم يقدم على العملية الجراحية بثقة وطمأنية، هذا على خلاف غير المسلم ثم عند إفاقه المسلم يذكر الله عز وجل ويسأل عن صلاته قبل كل شيء فسأل عن مصدر ذلك فقيل له الإيمان فقال ولماذا يكون عند المسلمين هذا الإيمان دون غيرهم؟ كل ذلك دفعة إلى دراسة القرآن الكريم. وعندما ما جاء إلى قول الله سبحانه وتعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين" (1)
(1)فصلت : 52-54 (1/20)
صفحة 21
فإن هذه الحقائق لا يمكن أن يتصورها إنسان في ذلك الوقت الذي أنزل الله في القرآن على نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام والله خلق الإنسان من طين وعناصر الأرض التي يتكون منها الطين كلها موجودة في جسم الإنسان ثم بجانب ذلك أخبر الله سبحانه عن الرحم الذي يتحول الإنسان فيه من طور إلى طور عندما يكون جنيناً لأنه قرار وأن هذا القرار مكين، والقرار هو موضع الإستقرار المكين من المكانه هي القوة. (1/21)
صفحة 22
فهذا قرار قوى بحيث أن هناك ما يجعله مأمناً مستقراً لا يخشى من كان فيه فإن الرحم تكتنفه عظام شابكة تقى الجنين مما يصيب الأم من اللكمات من الظهر والبطن وليس ذلك فحسب، بل الرحم أيضاً على بابه إفرازات تقضى على الجراثيم، وهذه الإفرازات بمثابة الجنود وليس ذلك فحسب، ولكنه وقف وقفه طويلة عند الفرق بين كلمتى علقة ومضغة ما هو الفرق بين العلقة والمضغة؟ رجع إلى كتب التفسير فلم يجد فيها ما يشفى غليله، لأن غاية ما تحدثه عنه تلك الكتب أن العلقة هي قطعة الدم المتجمدة والمضغة هي التي إزدادت تجداً حتى تحولت إلى قطعة لحم ولكن هذا لم يقنع الرجل الطموح الذي يريد الإطلاع على فريد من القرآن الكريم، فرجع إلى كتب اللغة والإشتقاق ووجد أن كلمة العلقة مشتقة من العلوق فهنا فهم السر لأن هذه المرحلة يكون باب الرحم فيها منفتحاً فلذلك جعل الله تبارك وتعالى هذا العلقة تعلق بجدار الرحم لئلا تخرج ثم بعد ذلك ينسد الباب وتبقى هذه العلقة التي تصير مضغة تتردد بين جوانب الرحم كاللقمة التي مضغها الإنسان بين جوانب الفم فأدت الإثراء التعبيري للقرآن وأخذ يدرس الدراسات الطبية في القرآن الكريم شيئاً فشيئاً، ووجد كل ما وصل إليه من الحقائق عين ما اشار إليه القرآن ثم بعد ذلك إستعان بغيره من ذوى التخصصات المختلفة كعلماء الكيمياء والفلك وطبقات الأرض، ووجد عندهم ما عنده من القرآن الكريم هو عين الحقائق الكونية فهو الترجمة الصادقة للمرآة البيضاء الناصعة التي تنعكس عليها أسرار هذا الوجود فبعد إن رجع العهد القديم (1/22)
صفحة 23
والعهد الحديث(1) وحاول أن يستشف ما فيهما من الأسرار الكونية فوجد تعرض هذين الكتابين للأسرار الكونية والحقائق الكونية، وأدى به ذلك إلى الإعتراف بأن الكتاب الوحيد أيدي العابثين، وألف في ذلك كتاباً أسماه العلم في التوراة والإنجيل والقرآن ألفه بالفرنسية ثم ترجمه للإنجليزية، ثم ترجم إلى العربية. وقد ألتقيت بهذا الدكتور نفسه قبل أن يعلن عن إسلامه منذ خمسة عشر عاماً، وكنا في الملتقى الخامس عشر في الفكر الإسلامي في الجزائر،
(1) العهد القديم :التوراة ، العهد الجديد:الانجيل (1/23)
صفحة 24
وتحدث إلىّ عن كتاب له جديد "الإنسان والقرآن" وكنا على طاولة الطعام، وقد فرغت زجاجة الماء فضرب بالزجاجة على الطاولة وطلب أن يؤتي بزجاجة جديدة ثم تلا قول الله تبارك وتعالى"وجعلنا من الماء كل شيء حي" ثم قال إن هذه الآية يوجد بها أسرار إعجاز ما لم تصل إليه عقول البشر. وبعد فترة إطلعت على إستعراض لهذا الكتاب على تلخيص لما جاء في هذا الكتاب في مجلة الأمة القطرية، وإذا به تحدث عما توصل إليه من أسرار هذه الآية الكريمة"وجعلنا من الماء كل شيء حي" وبعد هذه الفترة أعلن الرجل إسلامه والحمد لله. وهكذا القرآن الكريم لا يزال يتجدد، ولا تزال معجزاته تتجدد، فإنه كلما إكتشف شيء من الحقائق الكونية يكون تفسيراً جديداً يضم الجديد إلى إعجاز القرآن الكريم كتاب الله الخالد لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه. وصدق الله تعالى عندما قال "قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض" وكان هذا رداً على الذين كفروا بعد أن حكى مقالتهم بقوله "إن هذا إلا إفك إفتراه وأعانه عليه قوم آخرون" فقد جاء ظلماً وزوراً وقالوا أساطير الأولين" فإذا بما أن المسلمين رزقوا هذا الخير العظيم منحهم الله تبارك وتعالى هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فإن عليهم أن يبصروا هذه القطعات البشرية الحائرة الضالة لما عندهم من الخير لما عندهم من البر والهدى والصلاح. (1/24)
صفحة 25
فالمسلمون اليوم مع الأسف الشديد هم من ضمن الركب الذي تقود قافلته الجاهلية الحديثة إلى الدمار والعياذ بالله إن لم يتدارك الله، مع أنهم هم الذين يجب عليهم أن يقودوا ويبصروا الآخرين، ويجب عليهم أن يرشدوا الحائرين ويكونوا قدوة للناس أجمعين ولكنه صدق فيهم الأستاذ الكبير الداعية العلامة الأعلى المودودي عندما تحدث قبل نحو نصف قرن من الزمن من الآن عن إنهيار الشيوعية والرأسمالية في نفس الوقت ثم ذكر الحالة التي يكون عليها المسلون فقد ألقى خطاباً في شهر فبراير 1946م وجاء في خطابه هذا: سيأتي بلا شك اليوم الذي تتحد فيه الشيوعية في موسكو نفسها بدون أي ملجأ وتتعثر فيه الرأسمالية في وأشنطن نفسها بلا أي ملجأ وتهيم فيه المادية في جامعات لندن وباريس، وتتلاشى فيه العنصرية حتى عند البراهمه الألمان، فإنما تبقى عبرة في التاريخ قصة من يحمل عصا موسى تحت إبطة وهو يخشى من الجبال والخشب، وهو بهذا يشير إلى المسلمين فإنهم عندهم القوة والقرآن والهدى، ولكنهم يخشون من الأوهام فمثلهم كمثل من يحمل عصى موسى التي أبطلت سحر الساحرين، ولكنهم يخشون الأوهام التي يأتي بها المشعوذون. وقد آن الآوان والعالم كله يتطلع إلى هذا الخير عند المسلمين آن الآوان للمسلمين أن يرصوا صفوفهم ويجمعوا شملهم ويوحدوا كلفتهم وأن يعرضوا هذا الخير للناس (1/25)
صفحة 26
أجميعن، أسأل الله سبحانه أن يوفق المسلمين جميعاً لذلك، نقول: اللهم إنا نسألك بأننا نشهد بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوءاً أحد، نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا عيباً إلا أصلحته، ولا غماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا عافيته، ولا غائباً إلا حفظته ورددته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا عدواً إلا كفيته، ولا دعاءٍ إلا إستجتبه، ولا رجاءٍ إلا حققته، ولا بلاءٍ إلا كشفته، ولا سائلاً إلا أعطيته، ولا محروماً إلآ رزقته، ولا جاهلاً إلا علمته، ولا حاجةً إلا من حوائج الدنيا والأخرة هي لك لنا رضى ولنا الصلاح والمنفعة إلا قضيتها في يسر منك وعافية. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأقطع دابر أعداء الدين وألف بين قلوب عبادك المؤمنين كقلب الرجل الواحد إنك ربنا على كل شيء قدير، وإنك بالإجابة جدير، فإنك نعم المولى ونعم النصير وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- مقدمة
2- لماذا كان لليلة القدر كل هذا الشرف؟
3- القرآن كلام لا يرقى إليه كلام.
4- القرآن يخبر . . . فهل من مخبر؟
5- سئمت البشرية . . . إليكم البديل.
جمادى ثان ذو القعدة بين علومنا وعلومهم (1/26)