صفحة 1
الكتاب: القرآن وتأثيره في شقي المخ
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) القرآن وتأثيره في شقّي المخّ
المقدّمة
إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرّ الوسواش الخنّاس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنّة والناس، ونصلّي ونسلّم على من أُنزل عليه هذا الكنز العظيم، كلام ربّ العالمين - عز وجل - خير كلام، وأفضل كتاب، ونطلب من الله - عز وجل - العون والتوفيق حتّى نشارك ببعض ما علّمنا منه في مجال الذاكرة وربط ذلك بأساليب القرآن الكريم الذي أنزله إلينا، كي ننمّي به تفكيرنا، ونحافظ على قوّة عقولنا، حتّى نفهم جيّداً لماذا وهب لنا هذا الجهاز الذي فضّلنا به على سائر المخلوقات، وبه استطعنا تحمّل الأمانة التي أبت السموات والأرض أن يحملنها.
لقد وهب الله - سبحانه وتعالى - هذه الأمانة (العقل) للمسلمين تماماً كما وهبها لغيرهم، ولكن الشيء المحيّر أنّ غير المسلمين استخدموها في كلّ الميادين الدنيوية، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من الاختراعات التي تفيد البشريّة، وفيها كثيرٌ ممّا يضرّها، ولكن ويا للأسف جمدّ المسلمون هذا الجهاز ولم يستخدموه في اكتشاف كنوز كلامه الذي أنزله إليهم، ولا ما ينفعهم في دنياهم، فبقوا في مؤخّرة الركب.
وقد ذكر في كتابه الكريم كثيراً من الآيات التي تحثّ على التفكير من أمثال هذه الآيات، ولا يمكن ذكرها جميعاً:
- {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ... [يونس ــ 24]
- {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ... [النحل ـ 11]
- {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} ... [البقرة ـ 219]
ومن الأسباب التي دعتني إلى الاهتمام بهذا الموضوع وهذا البحث، هو تبيين أنّ قرآن ربّنا - عز وجل - يتوافق تماماً مع المهارات والنشاطات التي جعلها في مخّ البشرية، ويمكن أن نعتبر بأنّ الذي خلق المخّ وجعل فيه مهارات التفكير المختلفة هو الذي أنزل القرآن الكريم، وجعله متوافقٌ تماماٌ مع نشاطاته. (1/1)
صفحة 2
كما يمكن لنا أن نعتبر ذلك نوعاً من الإعجاز العلمي، وإلاّ فكيف يمكن أن يكون لأسلوب هذا القرآن الكريم متوافقاً تماماً مع النشاطات المختلفة التي يعمل بها المخّ في تفكيره.
أمّا فيما يخصّ المنهج المتّبع في تحقيق هذا البحث، فقد ذكرنا في الفصل الأوّل كيف اكتشف علماء الذاكرة أنّ المخّ البشري ينقسم إلى شقّين، وأنّ كلّ شقٍّ منه يختصّ بنشاطٍ من التفكير، وأنّ هذه النشاطات كلّها قد أنزلها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه القرآن الكريم.
أمّا الفصل الثاني فقد بيّنا فيه كيف أنّ جهاز التفكير لدى الإنسان يعدّ معجزةً من المعجزات الكبيرة التي خلقها الله - عز وجل - في هذا الكون، وأنّ المسلمين يستطيعون أن يبنوا العقل المكتسب بدراسة كلام ربّهم - عز وجل -، وأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد خلق هذه الخليّة المخّية، ولمّا جعل فيها فطرة البحث عن المعرفة، أنزل إليها القرآن الكريم، ليكون أحسن وأفضل وأكبر مغذّ لتلك الخليّة.
وذكرت في الفصل الثالث كيف يمكن أن يؤثّر أسلوب القرآن الكريم في كلا الشقّين، ويوفّر لهما النشاطات المختلفة التي يحتاجان إليها، وكيف يبني التفكير الإبداعي الذي يجب أن ستوفّر لدى عقل كلّ إنسانٍ إذا أراد أن يرق بتفكيره، ويصبح مبدعاً.
وفي الفصل الرابع ذكرت كيف يستطيع الأسلوب القرآني خلق أفكارٍ لا نهائيّة، ولا شكّ في ذلك، ما دام الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قال فيه: «هو الذي لا تنقضي عجائبه».
ثمّ ذكرت في الفصل الخامس نشاطات الشقّ الأيمن، وبعض الآيات القرآنيّة التي توفّر له تلك النشاطات.
وفي الأخير ذكرت في الفصل الأخير نشاطات الشقّ الأيسر، وبعض الآيات التي توفّر له مثل تلك النشاطات. (1/2)
صفحة 3
والحقيقة التي لا شكّ فيها فإنّ تعبير ربّنا - عز وجل - يؤثّر في خلايا مخّنا، ويوفّر لها قوّة التفكير، ويحافظ لها على نشاطها في مختلف عمر الإنسان، وهذا ما سمذكره إن شاء الله في كتابنا: القرآن الكريم يحمي المخّ من الشيخوخة.
وأمّا عن المصادر التي اعتمدت عليها فهي تلك التي تهتمّ بدراسة نشاطات شقّي المخّ والجمع مع بعض التفاسير التي ذكرت بعض الأساليب المختلفة التي أوردها ربّنا - عز وجل - في كتابه.
وفيما يخصّ الدراسات السابقة في هذا الموضوع، فأظنّ بأنّه لا توجد دراسةٌ قد اهتمت بالجمع بين الدراسات التي تهتمّ بالنشاطات المختلفة لشقّي المخّ وأسلوب القرآن الكريم.
ولكون أنّ هذا الموضوع جديدٌ كلّ الجدّة فقد التجأت إلى ربّي - عز وجل - وطلبت منه أن يعينني لاجتياز الصعوبات الكثيرة الموجودة في هذا البحث.
وأخيراً نطلب من الله - سبحانه وتعالى - أن يوفّق الشباب المسلم ليتمسّك بكتابه، ويعضّ عليه بالنواجذ، كي يكون مفتاح خزائن العلوم المختلفة التي يزخر بها ميدان البحث العلمي.
وعلى الشباب المسلم أن يعلم جيّداً، ويتيقّن بأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزل إلينا كلامه، ليكون نبراساً ينير لنا طريق التفكير والإبداع، وأن يقتلعوا من أفكارهم ما قد نسج حوله من مختلف الاعتقادات السخيفة التي جعلت المسلمين يعتقدون بأنّ القرآن الكريم هو كلامٌ يتبرّك به في مختلف المناسبات فقط، ويترحّم به على الأموات وكفى. (1/3)
صفحة 4
وأخيراً ندعوا الله - عز وجل - أن يتقبّل هذا العمل المسلمين، وأن يفيد به المسلمين، وأن ينفع به كلّ من قرأه أو نشره، أو دعا إلى كتاب ربّنا - عز وجل -، وأن يجعله في ميزان حسناتنا، فما قصدنا إلاّ المشاركة في الدعوة إلى الرجوع إلى القرآن الكريم، وما غايتنا إلاّ نيل رضوان ربّنا - سبحانه وتعالى -، وأن يجمعنا مع نبيّنا محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - غداً يوم القيامة، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليمٍ.
اللهمّ أرشد عبادك إلى المحافظة على كتابك، كي يهتدوا به سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، فهو يعيد للأمّة الإسلاميّة كرامتها وعزّتها، ويرفع رايتها إنّه وليّ المؤمنين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
المؤلّف: سليمان بن محمّد موسلمال
بريّان:
الفصل الأوّل
الشقّ الأيمن والأيسر للمخّ
في الثلاثينات من القرن العشرين اكتشف جرّاحو المخّ الوظائف المختلفة لشقّي المخّ: وذلك أثناء عملهم مع المرضى المصابين بالصرع، وفي عام 1950 حقّق "روجر وسبيري" من جامعة "شيكاغو" ثمّ جامعة "جنك تيك" أعظم اكتشافٍ وهو أنّ الأحلام والطاقة والآراء الإبداعية تأتي من الجانب الأيمن من المخّ، بينما يأتي التفكير المنظّم المنطقي القصير المدى والقصير النظر من الجانب الأيسر من المخّ.
والكثير من الناس ينتظرون بشكل لا شعوري أن تحدث لهم أزمةٍ، وذلك مثل حدوث إفلاس، أو هجوم عليهم، أو خسارة أموالهم بحرقٍ أو سرقةٍ، أو غرقٍ، أو حربٍ، حتّى يفكّروا بكلّ قواهم الفكريّة، أي بالجانب الأيمن والأيسر.
وقد نال الشقّ الأيمن سمعةً سلبيّةً أكثر ممّا ينبغي، وذلك لما يختصّ به من النشاطات التي يظنّ أغلبيّة الناس أنّها نشاطاتٌ ليست مهمّةً في الحياة، في حين أنّ الجانبين قد خلقهما ربّنا - سبحانه وتعالى - ليتّصلا بينهما، وليتعاونا حتّى يكون أداؤهما أحسن وأفضل. (1/4)
صفحة 5
وهم يظنّون أنّه كي يكون لهم تفكيرٌ إيجابيٌّ جيّدٌ فعليهم أن يكونوا منطقيّين منظّمين في تفكيرهم، وأن لا يهتمّوا بالنشاطات الأخرى الإبداعيّة، مثل القصص والإيقاع وأحلام اليقظة، والتي هي من اختصاص الجانب الأيمن، وبذلك يفقدون حبّهم للحياة، لأنّهم يعتقدون أنّها صعبةٌ متعبةٌ، في حين أنّ الله قد جعل الجانب الأيمن يهتمّ بتلك النشاطات ليعطي للجانب الأيسر فترات راحة.
وقد اكتشفت دراساتٌ متعدّدةٌ بأنّ الشقّ الأيمن ينشط ليلاً أثناء الأحلام في الوقت الذي يكون فيه الشقّ الأيسر في فترة راحةٍ واسترخاءٍ، ومع ذلك فقد اكتشف خبراء الذاكرة أنّه يمكن أن يجعل الشخص الشقّين يتفاعلان معاتماماً كما يكون في حالة اليقظة.
ويرشد العلماء كلّ من يريد أن يجعل مخّه يعمل بطريقةٍ كاملةٍ أن يستخدم الشقّ العقل الأيسر باستدعاء الشقّ الأيمن، وذلك مثل أن يكتب قصّة أو يحلم أحلام اليقظة، أو يكتب شعراً، أو يحتضن رضيعاً أو يواجه أزمةً وشيكة الحدوث، ففي هذه الحالات وأمثالها يطلب الشقّ الأيسر من الشقّ الأيمن أن ينشط معه ويتدخّل ليعينه بالقيام بذلك.
وأفضل ثلاث طرق لتنشيط تفكير شقّي المخّ معاً هي:
1 ــ تخيّل الهدف. 2 ــ العمل الممتع. 3 ــ اللعب المنشّط.
وهذا ما يسمّيه العالم النفساني "إبراهام مالسو" خبرات الذروة.
فلذلك ينصح الخبراء كلّ إنسانٍ أن يصنع لنفسه تحدّياتٍ داخليّةً ــ أهدافاً وغاياتٍ ــ تجعل شقّي مخّه تتحفّز وتنمو إلى أن يصبح الشخص الذي يريده.
وهذا كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - مملوءاً بالمحفّزات الكثيرة الذي تدعو قارئه إلى العمل على الوصول إليها، وحدّد أهدافاً عاليّةً، إذا ما اهتمّ المسلمون الاهتمام اللازم، ويدرسوه حقّ دراسته فسينشّط شقّي المخّ معاً وبشكلٍ إيجابيٍّ راقٍ، ولصار لديهم تفكير عظيماً لا يعلم عظمته إلاّ منزّل هذا الكتاب الكريم العظيم، (1/5)
صفحة 6
وقد سمّاه ربّنا - عز وجل - كتاباً عزيزاً، أي كثير الفوائد، وسمّاه عزيزاً، أي النادر في قيمته وقدره وعظمته.
- {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ... [الواقعة 77 ــ 78]
- {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ... [فصّلت ــ 41 ـ 42]
وهو النور الذي ينير للمهتمّين به طريقهم في هذه الحياة ليصلوا إلى الآخرة في أمانٍ وسلامٍ وفرحٍ وسرورٍ، ويوجّه تفكيرهم بهدوءٍ وثقةٍ نحو النبع الداخلي الذي يضيء بهذا النور الذي أنزله الله - سبحانه وتعالى - لعباده، ليستنيروا به في كلّ خطوةٍ من خطواتهم، ويستمدّوا منه الهدى والإرشاد والسكينة والسلام.
فالعقل هو القوّة الخلاّقة في كياننا، وحين يستمدّ هذا العقل نوره وقوّته من نور وقوّة كلام ربّنا - عز وجل -، ويكوّن انموذجه من الروح القرآن الذي سمّاه ربّنا نوراً، فإنّه يتجدّد تفكيره حيناً بعد حينٍ، ويتكوّن فيه ذكاءً قرآنيّاً، إذا جاز لنا أن نسمّيه بذلك، هذا الذكاء القرآني الذي يؤهّله للتفكير بنجاحٍ وبطريقةٍ جيّدةٍ وشبابٍ دائمٍ، ويهتدي به إلى الطريق المستقيم.
ما يتعلّق بشقّي المخّ
هل تساءلنا مثلاً في يومٍ من الأيّام لماذا تصنع الأبواب والشبابيك والأدوات الكهربائيّة وأبواب الأثاث، وأبواب السيّارات وغيرها بحيث تفتح إلى اليمين؟ هل خطر ببال أحدنا في مرّةٍ من المرّات، وهو يتفرّج على مسابقةٍ من المسابقات، لماذا يركض المتسابقون في مضمار السباق نحو اليمين؟ وظواهر كثيرة في الحياة اليوميّة تتحكّم فيها مثل هذه المهارة.
وقد أجاب العلماء أن السبب في ذلك هو سيطرة الشقّ الأيسر من الدماغ لدى أكثريّة الناس على توجيه نشاطاتهم، فاتّجاه ذبذبات خلايا المخّ هي التي تسيطر على ذلك. (1/6)
صفحة 7
فقد قدّرت الإحصاءات التي أجريت بأنّ الذين يستعملون اليد اليمنى في أغلبيّة نشاطات حياتهم يقدّرون بِنسبة 88 % والذين يستعملون اليد اليسرى فيقدّرون بنسبة 12 %، ويمكن أن تكون هناك أقليّةً ممّن يستعمل يديه اليمنى واليسرى معاً في الكتابة مثلاً أو ممارسة بعض الأعمال الأخرى، وكلّ هذا يعتمد على التدريب والممارسة منذ الصغر، وهؤلاء يكونون أكثر ذكاء، وأكثر فطنة، لأنّ الإنسان كلّما استعمل كلتا يديه ساعد على نموّ شقّي المخّ معاً، ممّا يساعد على تعلّم مهاراتٍ كثيرةٍ.
ويختلف سلوك الأفراد باختلاف سيطرة شقّي المخّ، أيّهما يسيطر على حركات ونشاطات صاحبه، فعلى سبيل المثال، فإنّ الأفراد الذين يسيطر لديهم الشقّ الأيمن تجد أشياءهم مبعثرةً هنا وهناك، وعلى عكس الذين يكون لديهم الشقّ الأيسر هو المسيطر، وذلك لأنّ الشقّ الأيمن يتحكّم في الجهة اليسرى للجسم، والشقّ الأيسر يتحكّم في الجهة اليمنى.
ويمكن أن نسأل أنفسنا: هل كلّ من يستعمل يده اليسرى تكون أشياؤه مبعثرةً ويفتقد للنظام في نشاطات حياته؟.
فقد لاحظ بعض الدارسين أنّ أغلبيّة الرجال يغلقون أزرار ملابسهم باليد اليسرى، أمّ النساء فإنّهنّ يغلقنها باليد اليمنى، وقد اعتبروا هذا مؤشّراً آخر على سيطرة الشقّين على هذا السلوك، وغيره من سلوك كلّ الأشخاص في الحياة اليوميّة.
وبعد دراساتٍ وملاحظاتٍ وتجارب دلّت النتائج على أنّ أكثر صفات الذين يكون لديهم الشقّ الأيسر أقوى من الأيمن، ينطبق على النساء، أي أنّ النساء يتميزن بالتنظيم والترتيب، فهنّ اللائي يعتنين بتنظيم البيت وترتيبه، والقيام بالواجب المنزلي الذي يتطلّب كثيراً من الصبر والانتباه والمثابرة، كما أنّهنّ أقوياء في تهجّي الكلمات ولهنّ ذاكرةٌ قويّةٌ فيما يتعلّق بالكلمات والمفردات، ويتأثّرن بالبيئة المحيطة بهنّ، وهنّ يدركن عواقب الإهمال والتأخير في القيام بذلك الواجب.
استخدام شقّي المخّ معاً (1/7)
صفحة 8
في تجارب قام بها بعض المدرّبين للمخّ، استنتجوا أنّه عندما تمّ تدريب مجموعة أشخاصٍ يعانون ضعفاً في مهاراتٍ كانوا يسلّمون بضعفهم فيها، بتنشيط مهارات أخرى، أصبحوا فجأةً أقوى في تلك المهارات التي كانوا يظنّون أنّهم ضعفاء فيها.
والأمر أشبه بتقويّة عضلةٍ جسميّة، بتدريب عضلةٍ أخرى تجاورها، ومتّصلةٌ بها، لأنّ العضلات متّصلةٌ ببعضها، فعندما بدأوا بتناول العضلات الذهنيّة الجديدة بالتدريب استجابت العضلات الذهنيّة الأخرى بتحسين أدائها.
وإذا كان يمكن أن نضرب لذلك مثلاً، ولله المثل الأعلى، وهو أن نشبّه القرآن الكريم ببحر زاخر من المعلومات المختلفة، والتي أنزلها الله - عز وجل - فيه كي توفّر لكلّ عضلات المخّ البشري التدريبات التي تضمن لها تدريبها، فتقوى، وتؤدّي دورها كأحسن ما يكون، تماماً كما تضمن السباحة في الماء تدريب كلّ عضلات الجسم، وتبعاً لذلك تقوى، وتؤدّي دورها بطريقةٍ جيّدةٍ.
فالسباحة في بحر الماء تقوّي جميع عضلات الجسم، والسباحة في بحر القرآن الكريم، تقوّي جميع عضلات المخّ.
والإنسان يواجه كثيرٌ من التحدّيات الفكريّة المتنوّعة مرّات ومرّات خلال اليوم، وهذه التحدّيات هي التي تدفع شقّي المخّ للعمل معاً، وتجعلهما يعملان بشكل متناغم، ومتوافق، أمّا خلال الأوقات العادية التي لا يتعرّض فيها إلى مثل تلك التحدّيات، ولا تزخر بكثيرٍ من الأحداث يميل الإنسان إلى الاكتفاء باستعمال شقّ واحدٍ، ويشعر بعدم الأهمّية.
ويذهب معظم الناس إلى قبورهم، وما زالت قدراتهم كامنة داخل شقّي مخّهم، وهم لم يستخدموا الشقّين معاً في تناغم وتوازن.
ويقول العالم {ويلسون}:
«نستطيع أن نتحكّم في استخراج الطاقة الحيويّة والأفكار الإبداعيّة من الشقّ الأيمن أكثر ممّا كنّا نعتقد، وأكثر ما يحفّز الشقّ الأيسر هو أن يكون لدى الشخص حسٌّ هدفيٌّ عالٍ، أي يسعى لتحقيق هدفٍ مهمٍّ وراقٍ» (1/8)
صفحة 9
وهل يوجد في هذه الدنيا كلّها شيءٌ أفضل وأرقى وأعلى من تلاوة وحفظ وتدبّر كلام العليّ العزيز الجبّار المتكبّر؟ المليء بالطاقة الحيويّة، والأفكار الإبداعيّة، والأهداف العالية.
وقد ضرب الخبراء مثالاً لما يفعله الهدف العالي بالمخّ، والذي يحفّزه، وينشّطه، ويدفعه إلى العمل بتوازنٍ وتناغمٍ بين شقّيه معاً، فمثلاً:
إذا حملت كيساً ضخماً من الرمل من مكانٍ إلى مكانٍ آخر بعيدٍ، فربّما ينزعج المخّ، ويخبر صاحبه أنّه يفعل فعلاً مملاًّ ومجهداً، ولماذا لا تؤخّره إلى مرّة أخرى.
ولكن إذا ما أصيب ابنك إصابةً بالغةً، وكان وزنه يساوي وزن الكيس من الرمل، فسوف تحمله نفس المسافة إلى المستشفى، في قوّةٍ مفاجأةٍ من طاقةٍ حيويّةٍ، وتلك الطاقة كان قد أرسلها الشقّ الأيسر إلى الشقّ الأيمن، لذلك لم تشعر بشيءٍ من الانزعاج الذي أصابك عند حمل كيس الرمل.
وربّما يكون ابنك أثقل من كيس الرمل، وربّما يكون المستشفى أبعد مسافة، وربّما يكون الجوّ باردٍ، وغير ذلك من العراقيل التي تقف أمامك، ولكن لا تشعر بشيءٍ من ذلك، لأنّ ما تفعله هو لهدفٍ سامٍ عالٍ، وهو إنقاذ ولدك، وهذا مثالٌ لما يؤثّر في المخّ من الأهداف العاليّة.
وتلاوة كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - يعدّ أعلى وأغلى هدفٍ يرمي إلى تحقيقه كلّ مسلمٍ يريد نيل رضى ربّه ورحمته، والدرجات العليا في الجنّة، لذلك فالمسلم الذي ينظر إلى أنّه يقرأ أفضل كتاب على وجه الأرض، وهو كلام ربّ العالمين، وبذلك يتكوّن في تصوّره العمل لتحقيق هدفٍ راقٍ عالٍ، وذلك التصوّر هو الذي يدفع شقّي المخّ إلى العمل بتناغم وتعاون، وإذا تدرّب الشقّين على ذلك فترفع قيمة أداء المخّ، إذن فعلى من يريد ضمان عمل شقّي مخّه بصورةٍ مستمرّة دائمةٍ أن يداوم على تلاوة القرآن الكريم. (1/9)
صفحة 10
كما أنّ عمل المخّ ينشط أكثر وأكثر كلّما كان التحفيز الذاتي أقوى وأسمى، لأنّ ذلك التحفيز هو الذي يحسّن الشقّ الأيسر للمخّ أكثر وأكثر في إخبار الشقّ الأيمن بما يفعل.
والحياة التي يحياها إنسان هذا العصر، مليئةٌ بالوسائل المساعدة له، والتي توفّر له كثيراً من الأعمال والمهام التي كان الإنسان القديم يقوم بها بالأداء اليدوي، تجعل المخّ يفقد التحفيز اللازم والكافي لاستخدام خلاياه وأعصابه بشكل كامل، ممّا تؤدّي إلى إفراز الهرمونات الكافيّة لتقويّة الأداء العقلي، لذلك لا يستخدمون شقّي المخّ معاً.
والاستخدام السيّء للمخّ، أي عدم توفير المهارات الخاصّة بالشقّين معاً يؤدّي إلى حياةٍ فكريّةٍ، تعتمد على ردود أفعال غير صحيحةٍ، وتكتنفها اللا مبادرةٍ.
وقد قال "أوليفر هولمز":
«يذهب معظم الناس إلى قبورهم، وما زالت موسيقاهم داخلهم».
فقد كان يقول من خلال ذلك أنّ معظم الناس يستعملون جانباً واحداً من مخاخهم فقط، أو يعتمدون عليه اعتماداً أكبر من الجانب الآخر.
وعندما يقول {ثوريو}:
«يعيش معظم الناس حياة اليأس التامّ».
فهو يصف من خلال هذه العبارة نوعاً من الحياة يعتمد أصحابها على استخدام الشقّ الأيسر فقط، أو في غالبيّة الأحيان، فهم يظلّون مقيّدين في حدود ذلك التفكير، ممّا يسبّب لهم نوعاً من القلق، وقصر النظر.
والغريب في الأمر أنّ أغلبيّة الناس ما زالوا لم يؤمنوا بأنّ كلّ شقّ من شقّي المخّ يختصّ بمهارات خاصّةٍ به، وأنّه يوجد هناك أعصاب تعمل على تواصل الشقّين فيما بينهما، وأنّه كلّما اهتمّ الإنسان بالمهارات المختلفة للشقّين، وزاد من تنشيطها، فإنّ مخّه سيصبح أكثر استيعاباً، وأكثر إنتاجاً، وأكثر إبداعاً. (1/10)
صفحة 11
ولكنّ الشيء المؤسف له هو أنّ الأغلبيّة من الناس يميلون إلى نشاطاتٍ خاصّةٍ بالشقّ الأيمن، والبعض الآخر متعوّدون على استخدام الشقّ الأيسر، وعندما يتيقّنون بأنّ كلّ جانبٍ قد أوجده الله - سبحانه وتعالى - ليقوم بنشاطاته التي تضمن له حيويّته وقوّته، فيوفّروها له، فسوف يصلون إلى درجة من الإبداع الذي يجعلهم ينتجون أعمالاً رائعةً ما كانوا يحلمون بها، أو لم يكونوا يحلمون بها أبداً من قبل.
وقد كشفت أبحاث البروفيسور "أورنستين" أنّ القوّة المتواصلة والضعف المتواصل لمهارات شقّي المخّ لدى أيّ شخصٍ ترجع بشكل أساسي إلى عادة تدريبهما، وإلى عادة اكتسابها، وليس إلى خطأ في تصميم المخّ الأساسي، وقد ثبت أنّ الجمع بين عناصر شقّي المخّ الأيمن والأيسر يزيد بدرجةً هائلةٍ من القدرة العامّة للأداء.
والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيّماً، ويسّره للذكر، والذي يتوفّر على كلّ النشاطات التي يحتاجها كلٍّ من الشقّين، والشيء المعجز أنّ المرء عندما يتلو كتاب ربّنا - عز وجل - بتدبّرٍ وفهمٍ، فهو ينتقل انتقالاً طبيعيّاً من نشاط شقٍّ إلى نشاط الشقّ الآخر، وهو جالسٌ يقرأ في كتاب واحد.
بخلاف الكتب الأخرى التي تكتب في اختصاصٍ من الاختصاصات فهي توفّر نشاط شقٍّ واحدٍ فقط، ويظلّ تفكير القارئ محبوساً داخله، ولا ينشّط الجانب الآخر، فيفقد حبّه لمهارة التفكير، ويضجر بسرعةٍ من القراءة، فينصرف منها دون إكمال قراءة الكتاب.
والقرآن الكريم يجعل الجانبين يتفاعلان معاً بما يتوفّر فيه من المواضيع المختلفة، مثل المشاهد الكثيرة المتنوّعة التي يتوفّر عليها، آيات الأمر والنهي، والقصص والتاريخ والفلك، والحوار والتساؤل، والخيال وعالم الغيب، وغير ذلك من التعابير، التي لا يستطيع أيّ عالمٍ أن يعدّها، والموجودة في كتاب الله - عز وجل -، مع قراءته بترتيل وبصوتٍ حسنٍ. (1/11)
صفحة 12
وبهذا نتحصّل على أداءٍ عقليٍّ متكاملٍ، يشترك فيه الشقّ الأيمن مع الشقّ الأيسر، فتدفع الخلايا والأعصاب المخّية إلى التدرّب على الرياضة الفكريّة، التي لا يمكن أن تجدها في أيّ تأليف آخر مهما كان بليغاً، ومتنوّع الأساليب.
ولكنّ المسلمين ما زالوا لم يدركوا حقيقة وعظمة أسلوب هذا الكتاب الكريم، وما يترك في المخّ من تغيّراتٍ ونشاطاتٍ، تجعله يبرز كلّ طاقاته، بما يكفي ليصل به إلى أعلى درجات الأداء.
ويتّصل شقّا المخّ بواسطة شبكةٍ بالغة التعقيد من الأنسجة العصبيّة، يطلق عليها اسم الجسم الصلب، ويتولّى هذا الجسم المؤلّف من 300 مليون نسيج عصبي مهمّة نقل المعلومات ذهاباً وإيّاباً بين شقّي المخّ.
وقد شبّه بعض الخبراء المخّ بآلةٍ سحريّةٍ يملكها إنسانٌ يمكنه أن يصنع بها عملاتٍ ذهبيّةً، ولكنّه كسولٌ وغبيٌّ لدرجةٍ تجعله لا يهتمّ بها، بحيث لا يصنع بها إلاّ عملتين، أو ثلاثة.
وقد لا يكون كسولاً، ولكنّه لا يريد أن يشغّل تلك الآلة بطاقتها الكاملة، خوفاً من أن تصبح غير صالحةٍ للاستعمال، في حين أنّها تزيد قوّةً وإنتاجاً، كلّما زاد من تشغيلها، ومثل ذلك تماماً جهاز المخّ الذي وهبه الله - سبحانه وتعالى - لهذا الإنسان، فهو تزيد قوّة أدائه، كلّما دفع به صاحبه إلى العمل والإنتاج، وأنّ ذلك ممّا يزيد في إبداعه.
إنّ الذكاء البشري، والروح الإنسانيّة اثنان من أكبر الأشياء إبداعاً، والتني وهبها الله - عز وجل - لهذا الإنسان كي يحيا حياةً متوازنةً في كلّ الدهور والأزمان، وهذا هو السرّ الذي جعل البشريّة تصل إلى مثل هذا التقدّم الهائل في كلّ مجالات وميادين الحياة. (1/12)
صفحة 13
ولكنّ الشيء المؤسف له أنّنا كثيراً ما نستخدم نسبةً بسيطةً من الذكاء والقوّة الذهنيّة التي وهبها لنا ربّنا - عز وجل -، ويشبّه علماء الذاكرة عدم استغلال القوى الكاملة للمخّ الذي وهبه لنا ربّنا - سبحانه وتعالى - كما لو كنّا قد تحصّلنا على طائرةٍ نفّاثةٍ عند ولادتنا (المخّ) فقد صنعت تلك الطائرة أساساً كي تطير إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ، وبأقصى درجةٍ، لكنّنا لا نراها، لذلك لم نؤمن بأنّنا نملكها، ولا نعرف ما لدينا، وكلّ ما نفعله هو طلاء الأجنحة أو تشغيل المحرّكات كلّ صباحٍ، وهي قابعةٌ على الأرض، وذلك من أجل الاستماع إلى صوت المحرّكات، ثمّ نغلق مرأب الطائرة لباقي اليوم.
ففي أعماق البشر تستقرّ تلك القوى الكامنة، قوى سوف تذهلهم عندما يكتشفونها على الرغم من أنّهم لم يحلموا يوماً بأنّهم يمتلكونها، قوى سوف تحدث انقلاباً جذريّاً إذا ما ظهرت وتمّ توظيفها وتنميّتها بصورةٍ إيجابيّةٍ.
وقد سمّى الله - عز وجل - قرآنه الكريم نوراً، لأنّه يحمل طاقةً لا نهائيّة، تكفي لتنير حياة كلّ الأجيال عبر الأزمان، فإذا ما أوليناه الاهتمام اللازم، فهو سيمدّ نجوم التفكير التي يتكوّن منها مخّنا البشري بالطاقة اللازمة، ـ التي هي عبارة عن الخلايا ـ والتي يجعلها تضيء بكامل طاقاتها إضاءةً قويّةً، ولكنّ الشيء الذي جعل بني آدم لا يصلون بهذا القرآن الكريم إلى أقصى درجات التفكير هو اهتمامهم بالشكل الخارجي منه فقط، وعدم الإخلاص في دراسته وتدبّره. (1/13)
صفحة 14
فلا يكفي أن يكون لنا عقل، المهمّ هو أن نستخدمه بشكل صحيح حسن، والمهمّة الأساسية في الحياة هي أن نقوم باستخدام مخّنا بأفضل ما يمكننا القيام به، وأن نصل به إلى أقصى ما يمكننا الوصول إليه، والله - سبحانه وتعالى - يعلم كيف يصل المخّ إلى هذه الدرجة العالية، وبأيّ شيءٍ يصل به فأنزل لنا القرآن الكريم، بأعلى وأفضل أسلوبٍ على الإطلاق، فإذا أولينا له اهتماماً كافياً كما يأمرنا به ربّنا - سبحانه وتعالى -، فسوف نكتشف تلك القوى الكامنة في المخّ الذي وهبه لنا، ويجعله منارة ينير لنا طريق النجاح، ويجعلنا قدوةً للآخرين في هذا الميدان.
فعندما نهتمّ بكلام ربّنا الكريم، فسوف يرشدنا إلى إيجاد هذا الضوء الذي بداخل مخّنا.
تمرين عضلات شقيّ المخّ
لقد خلق الله - سبحانه وتعالى - الإنسان، وبحكمته جعله يرتكز على هيكل عظميٍّ قويّ، كي يستطيع أن يعمل كثيراً من الأعمال الشاقّة، مثل حمل الأشياء، والصعود إلى الأعلى، إلى غير ذلك من الأعمال.
ومن حكمته أن
جعل لهذا الهيكل العظمي عضلات تحرّكه وتدفعه ليعمل، ويقوم ويصعد ويقوم بكثيرٍ من الأعمال، وكلّما مرّن الإنسان تلك العضلات، كلّما حافظ على لياقتها ومرونتنها، وكلّما زادها قوّةً وتحمّلاً.
ثمّ جعل لتلك العضلات مركز تحكّمٍ يصدر إليها الأوامر، كي تقوم بمختلف الأعمال والحركات، وذلك المركز هو المخّ، الذي يتكوّن هو كذلك من عضلات، كما يقول الخبراء، وذلك من خلال التجارب الكثيرة التي أجروها.
فكما أنّ للجسد عضلاتٍ تتحكّم كلّ واحدةٍ منها في حركةٍ من الحركات، وتزوّده بقوّةٍ مهمّةٍ، وتتعاون بعضها في أداء بعض الأعمال فتؤدّيها وهي مجتمعةٌ، كالمشي والكلام والالتفات والابتسامة، فكذلك جهاز المخّ يتكوّن من عضلاتٍ تشارك فيما بينها على إنتاج بعض النشاطات مثل الخيال والتمييز والتتابع واللغة والحساب وأحلام اليقظة والإيقاع. (1/14)
صفحة 15
ولا أحد في هذا العالم ينكر أنّ عضلات الجسد تقوى، وتحافظ على مرونة أدائها، إذا درّبت بالتمارين الرياضيّة المختلفة على الدوام، وأنّ العضلات التي لا تتمرّن بدوامٍ، ولا يقوم صاحبها بالتمارين الكافية بانتظامٍ، تضمر وتضعف وتترهّل، ولا تؤدّي دورها بقوّة في جسد صاحبها، وكذلك قدرات العقل تقوى بالتمارين الفكريّة المختلفة، وبالتفكير في الأعمال اليوميّة بانتظامٍ، والتي تعدّ تمارين وتدريباتٍ لعضلات المخّ، حتّى تصبح قويّةً ومرنةً تؤدّي عملها كأحسن ما يكون.
والشيء المهمّ والمعجز أنّ الإنسان يستطيع أن يحافظ على عمل عضلات مخّه إلى آخر لحظات عمره، ربّما تضعف ذاكرة صاحب العمر المتقدّم، ربّما ينقص أداء تفكيره، ولكن إذا ما حافظ على تدريب عضلات مخّه، فإنّه سيحافظ على أدائه بالقدر الذي يكفيه لمزاولة أعماله اليوميّة.
وكلّ من يدرّب عضلات مخّه التدريبات الذهنيّة والمهام التي تستدعي بذل جهدٍ ذهنيٍّ سوف ينعش قدراته الذهنيّة ممّا يدفعه إلى ابتكار حلولٍ جديدةٍ يضيفها إلى المهارات القديمة، والتدريب الناجح يشحذ المخّ ممّا يدفع صاحبه إلى الشعور وكأنّ مصباح الفهم والبصيرة قد أنار له عقله من جديد.
ويرى خبراء الذاكرة أنّ هذا الأمر يستكمل مهمّة تدريبات "الإستطالة والتكيّف" التي يسعى إليها كلّ من يريد تنشيط خلايا مخّه.
لقد ضمّن ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه كلّ الأساليب التي توفّر تدريبات المرونة الذهنيّة التي تحسّن مستوى كفاءة الذاكرة، وهو العليم بطريقة عمل عضلات المخّ، وكيفيّة تدريبها، وما يصلح لها من الأساليب اللازمة لتنشيطها. (1/15)
صفحة 16
فأساليب كلام ربّنا - عز وجل - كلّها تحتوي على المزيد المزيد من عوامل شحذ الذاكرة، وتحفيز مختلف خلايا المخّ البشري، التي تعدّ كاستراتيجيّة للتصدّي لأيّ تدهورٍ مستقبلي في الذاكرة، وذلك بشرط المداومة على تلاوته تلاوة تدبّرٍ وتفهّمٍ، كما يوفّر أشكالاً لا نهاية لها من الوظائف والمتطلّبات الذهنيّة.
أنواع عضلات الشقّين
في البحوث الكثيرة والطويلة توصّل العلماء إلى أنّ شقّي المخّ البشري يتكوّنان من عضلاتٍ كثيرةٍ ومختلفةٍ، كما أنّ للجسد عضلات تتحكّم كلّ واحدة منها في جزءٍ من حركة الجسد، وتزوّده بقدرات مهمّةٍ تتعاون جميع تلك العضلات في توفيرها لهذا الجسد، كي يؤدّي وظائفه على أحسن وجه.
وقد حدّدوا لكلّ عضلةٍ نشاطها ومهارتها، وبيّنوا ما يخصّها من النشاط الذي يليق لتدريبها وتمرينها، ولكن ليس معنى هذا أنّ كلّ عضلةٍ تختصّ بتلك المهارة وحدها دون غيرها، بل قد تشترك أكثر من عضلةٍ في مهارةٍ واحدةٍ وأداءٍ عقليٍّ، وذلك تماماً مثل ما تحتاج بعض التمارين الرياضيّة البدنيّة إلى استعمال أكثر من عضلةٍ في نفس التمرين الرياضي.
وقد توصّلوا في أبحاثهم المتعدّدة إلى أنّ شقّي المخّ البشري يتكوّن من ثلاثين عضلة:
1ــ عضلة اللغة. ... 16ــ عضلة الضدّ.
2ــ عضلة الحساب. ... 17ــ عضلة التفكير العكسي.
3ــ عضلة التتابع. ... 18ــ عضلة التحديد.
4ــ عضلة الربط. ... 19ــ عضلة الترتيب.
5ــ عضلة المنطق. ... 20ــ عضلة التذكّر.
6ــ عضلة التحليل. ... 21ــ عضلة الخيال.
7ــ عضلة التركيب. ... 22ــ عضلة الفنّ.
8ــ عضلة الإستنتاج. ... 23ــ عضلة الإلغاء.
9ــ عضلة الإستنباط. ... 24ــ عضلة التحكّم بالجسد.
10ــ عضلة التمييز. ... 25ــ عضلة التحكّم بالأعصاب.
11ــ عضلة التقييم. ... 26ــ عضلة الدقّة.
12ــ عضلة التعميم. ... 27ــ عضلة التعبيرالشفوي.
13ــ عضلة التفريق. ... 28ــ عضلة التصوير.
14ــ عضلة التشابه. ... 29ــ عضلة القدرات الإجتماعيّة. (1/16)
صفحة 17
15ــ عضلة الحدس. ... 30ــ عضلة التفكير الجانبي.
وإذا درسنا أساليب وتعابير القرآن الكريم وجدناها تحتوي على كلّ هذه النشاطات والمهارات، وقد رأينا أنّ أسلوب القرآن الكريم متنوّعٌ تنوّعاً كبيراً، وقد قصد الله - عز وجل - بهذا التنوّع أن يوفّر لكلّ عضلةٍ نشاطها الخاصّ بها.
ومنزّل القرآن الكريم ليس بشراً، بل هو خالق البشر، لذلك لم يكن لهذا العقل أن يجد لنفسه أسلوباً رفيعاً محكماً، يليق بعقول جميع البشر، وفي مختلف الأماكن، ولكلّ الثقافات، وهيهات أن يستطيع عقل محمّد - صلى الله عليه وسلم - أن يوفّر لجميع بني جنسه مثل هذا الأسلوب الذي يغذّي جميع عقولهم، بمختلف مستوياتها، بل لو اجتمع جميع بني البشر لا يقدرون على توفير ذلك.
قال الله - عز وجل -:
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ... [الإسراء ــ 88] ويرى كثير من خبراء الذاكرة إلى أنّ طريقة عمل عضلات شقّي المخّ مشابهة لعمل عضلات الجسم، ويقترحون أنّ التمارين المتعدّدة ستساعد على بنائها وتقويّتها، لذلك اقترحوا كثيراً من التداريبات، وأرشدوا إليها كلّ من يريد أن يدرّب ذاكرته تدريباً إبداعيّاً.
وبناء على ذلك، فإنّ عضلات شقّي المخّ عضلاتٌ تكيّفيّةٌ، تتكيّف حسب ما يقدّم لها صاحبها من غذاءٍ ذهنيٍّ جيّدٍ، أو غير جيّدٍ، وهي مرنةٌ، ويمكن تشكيلها، وتقويّتها، أو تركها خاملةً، ممّا ينتج عنه ضعف وعدم عملها بطريقةٍ جيّدةٍ.
وتشكيل هذا العضلات التي هي جزءٌ مهمٌّ من جسم الإنسان وتقويّتها لا يلزمه إلاّ بعض التعلّم والجهد والطاقة، وهل هناك طاقةٌ على وجه الأرض أعظم وأفضل من الطاقة التي يحتويها القرآن الكريم، كلام ربّنا ووحيه، وهو يستمدّ طاقته وقوّته من قوّة العزيز القويّ الجبّار المتكبّر. (1/17)
صفحة 18
وإذا أردنا أن نكيّف هذه العضلات ونشكّلها تشكيلاً جيّداً، فما علينا إلاّ أن نستخدم هذه الطاقة ـ هذا الكتاب العزيز ـ التي أنزلها إلينا ربّنا - سبحانه وتعالى - باستراتيجيّةٍ مستمرّةٍ حتّى نضمن لها أن تنمو وتترعرع وتزدهر، وقد أرشدنا ربّنا - عز وجل - ورسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - إلى كيفيّة تلاوته وحفظه، حتّى نستفيد من المهارات المتعدّدة التي وضعها فيه ربّنا - سبحانه وتعالى -، لتقويّة ذاكرتنا، والرفع من روحنا، والمحافظة على النشاط والقوّة والاستقرار كلّما تقدّمت بنا سنون العمر، فالعقل نورٌ والقرآن نورٌ.
حقيقة
المحافظة على تلاوة وتدبّر كلام ربّنا - عز وجل - في مختلف مراحل العمر سوف يعيننا على الاحتفاظ على ذاكرة فعّالة إلى آخر العمر.
الفصل الثاني
العقل والتفكير
نعمة العقل
العقل البشري نعمة كبيرة على بني الإنسان، فضّلهم الله - سبحانه وتعالى - به على كثيرٍ ممّن خلق تفضيلاً، ولا بدّ من حفظ تلك النعمة بالاهتمام بها، ورعايتها، ومتابعة عملها، كي تؤدّي دورها الذي خلقها الله - سبحانه وتعالى - من أجلها كأحسن ما يكون الأداء.
فهو مكمن شخصيّة كلّ إنسان على هذه الأرض، فبدونه لا يعلم الإنسان توجّهه، ويكون عاجزاً عن القيام بالخلافة التي خلقه ربّه - عز وجل - من أجلها في الأرض. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.
[البقرة ـ 30]
وطريقة العناية بالمخّ والمحافظة على أدائه تكون من خلال التأمّل فيه وفي أدائه، ومراجعة طرق استعماله، وذلك بأن نراجع الأفكار والمعتقدات والأوهام والظنون والتقديرات التي تتكوّن لدينا من خلال التصوّرات الكثيرة التي ترد إليه، دون أن تستأذن في ورودها عليه. (1/18)
صفحة 19
والله - سبحانه وتعالى - الذي خلق هذا الجهاز المعجز، لم يتركه بدون توجيه، بل وضع له الطريقة التي يعمل بها، وينشط من خلالها، فأنزل إليه القرآن الكريم، وجعله يحتوي كلّ الطرق والمهارات والتقنيّات التي يعمل المخّ من خلالها في تلقّي المعلومات وتخزينها.
فالله - عز وجل - هو المحيط بجميع أحوال عقول عباده جميعاً وحده، ولا أحد غيره، لذلك فهو القادر على تضمين كلامه كلّ النشاطات المخّية اللازمة لعمله وتدريبه، وهو القادر على جمع كلّ المهارات المخّية في كلامه، وبصورةٍ مطّردةٍ، لا تتخلّف أو تشذّ، وذلك ما لم يتوافر إلاّ في القرآن الكريم,
والعقل البشري مهما كان ذكيّاً ومثقّفاً ومدرّباً على التفكير فهو يظلّ يتعامل مع الأوهام، لأنّه لا يستطيع أن يصدر الأحكام الصائبة دائماً، لذلك أنزل إليه هذا القرآن الكريم الذي إذا ما اهتمّ به، واستعمل عقله فيه، فإنّه يجعله يهتدي إلى الطريق الصواب الذي يهديه إلى استغلال الطاقات والقدرات التي فطره الله - عز وجل - عليها.
فعمل العقل نورٌ معنويٌّ، والقرآن الكريم نورٌ إلهيٌّ روحانيٌّ، أنزله الله - سبحانه وتعالى - لهذا الإنسان ليستمدّ منه الطاقة الكافية التي تنير له طريق عمله، حيث يوفّر له المفاهيم الأساسيّة الثابتة والحقائق الجوهريّة كي يتّخذ منها منطلقاً وزاداً، يصدر من خلالها الأحكام الصحيحة التي تطوّر له قدراته الذهنيّة، وتنمّي له مهاراته العقليّة.
فالقرآن الكريم يشتمل على كلّ المهارات التي يعمل من خلالها العقل، وهو في الوقت نفسه بابٌ عظيمٌ لتنميّه هذه المهارات والتقنيّات وصقل تلك الخبرات التي يكتسبها.
مظهر إتقان البارئ - عز وجل - (1/19)
صفحة 20
والدماغ هو مظهر من مظاهر إتقان البارئ - سبحانه وتعالى -، فقد جعل فيه من القدرات ما يستطيع أن يعالج ما لا يعلم إلاّ خالقه - عز وجل - من المعلومات، فقد توصّل الخبراء من خلال دراساتهم حول طاقته إلى أنّ إمكانيّاته غير متناهيّة، ويصدق هذا من خلال قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
«العلم من المهد إلى اللحد».
فطاقاته مذهلةٌ، وهو عبارةٌ عن عملاقٍ نائمٍ، وكنزٍ غير مستغلٍّ من طرف كثيرٍ من بني البشر، ويدلّ على هذا أنّ الجنس البشري مع ما حقّقه من إبداعاتٍ، فهو لم يستغلّ بعد إلاّ الجزء القليل القليل من طاقاته وقوّته التي فطره الله - عز وجل - عليها مخّه ذلك.
فنحن لا نملك أمام هذه المعجزة الخارقة إلاّ أن نردّد ما قاله لنا ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم:
- {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}. [لقمان ـ 11]
والعقل البشري والروح الإنسانيّة اثنان من أكثر الأشياء إبداعاً وغموضاً، هنا نعمتان سخّرهما الله - سبحانه وتعالى - لعباده، كي يحقّقوا بها ذلك التفضيل الذي فضّلهم به على كثيرٍ ممّن خلق تفضيلاً، ولكنّهم لم يستخدموا إلاّ نسبةً بسيطةً ضيئلةً من ذلك الذكاء والقوّة.
ويشبّه الخبراء ذلك كما لو أنّنا تحصلنا على طائرةٍ نفّاثةٍ لها طاقةٌ عاليّة تستطيع أن تحلّق بها بعيداً في أعالي الجوّ، فبهذا العقل يستطيع الإنسان أن يحلّق بعيداً في ميدان التعلّم والتحصيل والإبداع، لكنّنا تركنا تلك الطائرة جاثمةً على أرض المطار لأنّنا لا نعرف حقيقة ما لدينا، وكلّ ما نفعله هو الاهتمام بطلاء الأجنحة، أو تشغيل المحرّكات من أجل المؤثّرات، ثمّ نوقف كلّ شيء فيها إلى أن يأتي اليوم التالي، فنقوم بنفس العمليّة. (1/20)
صفحة 21
وأظنّ أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد خلق هذا المخّ على هذه الطاقة المذهلة والقوّة الخارقة، وجعل فيه هذه المهارات والتقنيّات، أنزل إليه هذا القرآن الكريم، وضمّنه كلّ التقنيّات التي يعمل بها، ليملأ هذا الجهاز بالطاقة التي تدفعه ليحلّق بعيداً بعيداً في ميدان الإبداع.
قاعدة
القرآن الكريم طاقة نورانيّةٌ وروحانيّةٌ، تدفع بجهاز العقل ليحلّق بعيداً.
فلو أنّ البشر قد علموا بأنّهم يملكون في أعماقهم قوى كامنة، قوى سوف تذهلهم على الرغم من أنّهم لم يحلموا يوماً بأنّهم يملكونها، قوى سوف تحدث انقلاباً ثوريّاً، إذا ظهرت وتمّ توظيفها.
فالقرآن الكريم هو القادر على توظيف قدرات شقّي المخّ ودفعها إلى الأمام، كي تؤدّي دورها بأقصى قوّة ممكنة، لأنّه ينظر إلى العقل نظرة إيجابيّة مدهشة، فهو يعتبره شيئاً قابل للتنميّة، وقابل لأن يكون أكثر قوّةً، كما أنّه قادر على أن يحوّل الإنسان العادي إلى إنسانٍ ذكيٍّ، إذا ما استطاع أن يتدبّر التقنيّات التي جعلها الله - عز وجل - في هذا العقل.
العقل عقلان
إذا كان الدماغ ـ وهو العضلات العضويّة ـ الموجودة داخل الجمجمة، لا يزال غامضاً بالنسبة للعلماء المختصّين في هذا الاختصاص، ومحاطاً بالكثير من الأسرار، فالعقل وهو شيءٌ معنويٌّ، أي هو عبارةٌ عن تلك المبادئ التي تتكوّن على مرّ الأيّام والأعوام؛ ويبني عليها الإنسان تفكيره، يبقى غامضاً ما دامت هناك حياةٌ على وجه الأرض.
وسبب هذا الغموض نابعٌ من كون أنّ التفكير ليس له نهايةٌ، وليس له استقرارٌ، فهو دائم التغيُّر من زمانٍ إلى زمانٍ، ومن مكانٍ إلى مكانٍ، والعقل مصطلح يستخدمه الإنسان للدلالة على الوظائف التفكيريّة العليا التي تنتج عن عمل الدماغ، وذلك حين يكون واعيّاً، يجادل، ويستدلّ، ويحكم، ويقرّر ماذا يفعل، وماذا يطبّقه في واقع الحياة، هذا من ناحيّة أولى. (1/21)
صفحة 22
ومن ناحيّة ثانية، فإنّ الغموض الذي يكتنف العقل هو تساؤل الخبراء عن مكان تكوّن الأفكار، وكيفيّة تكوّنها ومكان تخزينها، هل هي في الدماغ فقط، أم هناك أجهزة، أو خلايا أخرى في الجسم تشارك في هذه العمليّة المعقّدة.
أجمع خبراء المخّ والذاكرة، والمختصّون في ميدان ما ينتجه هذا الجهاز المعجز من الأفكار، على تقسيم العقل إلى عقلين:
ــ عقلٌ أساسيٌّ: وهو مجموعة الاستعدادات والإمكانات والقدرات والطاقات التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - لكلّ إنسان جاء إلى هذا الوجود.
ــ وعقلٌ مكتسبٌ: وهو ما يفتقر إليه هذا الجهاز افتقاراً شديداً، ويتمثّل في الخبرة التي يكتسبها الإنسان طوال فترة حياته التي يقضيها في هذا الوجود.
ويشبّه الخبراء أحياناً العقل بالسراج، وما يدخل إليه من معلومات وخبرات ومعارف بالزيت الذي نزوّده به حتّى ينير، ويقوم بوظيفته، وبهذا نفهم بأنّ للسراج وجوداً مستقلاًّ عن وجود الزيت، وهذا هو العقل المكتسب.
والعقل الأوّل هو ما زوّد الله - عز وجل - به كلّ إنسانٍ في هذه الحياة من القدرة على التذكّر والتخيّل والربط بين الأشياء والقدرة على التحليل والتركيب، كما أنّ كلّ واحدٍ من الناس يملك مبادئ أوّليّةً، تشكّل ركائز أساسيّةً لبنيته الفكريّة، وهذه المبادئ عالميّة، توجد في كلّ الأعراق والأجناس، أو اللغات والأديان، كما لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
وكلّ عاقلٍ في هذا الكون يعلم علم اليقين أنّه إذا زوّد السراج بزيتٍ عكرٍ قديمٍ، أو يحتوي على شيءٍ من الماء، فسوف يصدر عنه ضوءٌ غير جيّدٍ وغير صافٍ، وسيطلق كثيراً من الدخّان الذي يحجب ذلك الضوء عن الوصول إلى المكان من حوله. (1/22)
صفحة 23
إذاً فعلى حسب نوعيّة الزيت الذي يوضع في السراج، تكون نوعيّة الضوء الذي يصدر عنه، فمثل ذلك تماماً سراج العقل، فحسب المعلومات والمعارف التي يتزوّد بها ينتج عنه التفكير، فكلّما كانت تلك المعلومات والمعارف واضحةً راقيّةً إيجابيّةً، أنتجت تفكيراً ذا نوعيّةٍ راقيّةٍ.
فتغذيّة العقل المستمرّة بالمعلومات والمعارف الجيّدة والمتجدّدة، تبني فيه توجّهاتٍ إيجابيّةً راقيّةً موضوعيّةً دقيقةً، والعقل بدون تغذيّةٍ مستمرّةٍ راقيّةٍ يكون إنتاجه هباءً منثوراً.
وسلاح العقل هو العلم والمعرفة، بل بقدر ما تكون المعرفة راقيّةً جيّدةً، يكون التفكير أرقى وأعلى، وعقل بدون معرفة أشبه بجنديّ بدون سلاح، وعقل بمعرفةٍ ضعيفةٍ أشبه بجنديٍّ بسلاح غير جيّدةٍ، يقابل به آخر بسلاح حديثٍ متطوّرٍ، ولا يوجد منبع للمعرفة أصفى وأنقى وأقوى وأحدث من كلام ربّ العزّة. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}. ... [الإسراء ـ 88]
وكلّما تعاملنا مع كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - بإخلاصٍ ونيّةٍ طيّبةٍ، يزداد تفكيرنا ثراءً، لأنّه يُملؤ بمعارف ومعلوماتٍ صحيحةٍ وقويّةٍ ثابتةٍ لا تتغيّر أبداً، ولو تغيّرت أساليب الحياة عبر السنين مئات المرّات بل ملايين من التغييرات، لأنّه نزل من الله الكامل والحقّ الذي لا تبد له البدوات، ولا تغيّره النزوات، الذي خلق النفس البشريّة، ويعلم ما توسوس به، وهو وحده يعلم ما يليق بها، وما يصلح لها من الأفكار والمعارف والمبادئ التي تضمن لها حياةً متوازنة راقيّةً. وهو القائل:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ــ 9] (1/23)
صفحة 24
وخالق هذا الإنسان يعلم أنّه يحتاج إلى منبع يستمدّ منه مبادئ تفكيره، وأنّ عقله في حاجة إلى تعلّمٍ مستمرٍّ، وأنّ ذلك المنبع يجب أن يكون ذا نوعيّةٍ راقيّةٍ، أنزل إليه الكتب السماويّة لتشكّل له أطراً تعمل العقول داخلها.
وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
- {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}. ... [المائدة ـ 48]
والقرآن الكريم يهدي إلى الرشد في التفكير. وقد قال الله - عز وجل -:
- {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}. ... [الجن ـ 1ـ2]
وسمّى هذا المنبع حكيماً، فقال - عز وجل -:
- {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}. ... [يس ـ 1ـ2]
والقرآن الكريم يبني تفكيراً راشداً، ويجعل الذي يستمدّ منه مبادئ تفكيره، يتمتّع برؤيةٍ صحيحةٍ، فهو كمثل إنسان يمشي في الليل في وسط غابةٍ، وفي يده مصباحٌ وضّاءٌ، نوره ساطعٌ وواضح وقويّ، فما دام المصباح في يده، ويهتمّ به، فسيرى كلّ شيءٍ أمامه بوضوح، وعلى حقيقته، ولا يقع في أيّ حفرة، أو ينحرف عن الطريق المستقيم، ولا يُعقل أن يدوس على حيّةٍ فتلدغه، بل يبتعد عنها، فمثل ذلك تماماً الذي يبني تفكيره على كتاب الله - سبحانه وتعالى -، فهو يمشي على نورٍ من ربّه - عز وجل -.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
[الملك ـ 22]
وهذه العناية من طرف الله - سبحانه وتعالى - بتوجيه هذه القوى التفكيريّة التي وهبها لعباده، تعدّ نعمةً عظيمةً، ولا يستقيم تفكير البشريّة إلاّ بتشغيل عقلها واستثمار إمكاناتها الذهنيّة وفق الأصول والثوابت التي أنزلها لها ربّها في كتابه الكريم.
توافقٌ وثيقٌ بين عقلين (1/24)
صفحة 25
إنّ كلّ أداءٍ عقليٍّ يكون نتاجاً لاتّحاد شقّي المخّ معاً، وكلّ نصفٍ منه هو بمثابة مرآةٍ للنصف الآخر، ولكن كلٌّ منهما يعمل بطريقةٍ تختلف اختلافاً دقيقاً عن الآخر، وذلك مثل الزوجين في البيت، فكلّ واحدٍ منهما يعمل بطريقته الخاصّة به، وفي الأخير يبنيان أسرةً متّحدةً سعيدةً.
وكلّ واحدٍ من الشقّين يرتبط بالشقّ الآخر بجسرٍ من الأنسجة، يمكّنهما من تبادل الأفكار تبادلاً مستمرّاً، كي يصلا في الأخير إلى نتائج مفيدةٍ إيجابيّةٍ.
وكلّما اهتمّ المرء بتنويع مصادر ثقافته، وغذّى ذهنه بغذاءٍ ثقافيٍّ متنوّعٍ، كلّما ضمن تنشيط الشقّين معاً، وكلّما كان نشاطهما قويّاً، وتواصلهما مستمرّاً، وكان أداء المخّ أفضل، وأحسن، وأقوى، ويضمن سهولةً كبيرةً لإنجاز أيّ مهمّةٍ فكريّةٍ، بحيث تصبح الأفكار التي ينتجها المخّ أكثر روعةً.
والذين يداومون على تدبّر القرآن الكريم، ويحاولون فهم آياته، يساعدون بذلك شقّي مخّهم على أن يتطوّرا بطريقةٍ تعاونيّةٍ فيما بينهما، ويستخدمون الشقّين معاً بكفاءةٍ أكثر، لأنّ آياته تتوفّر على كلّ الأنشطة التي يقوم بها كلٌّ منهما.
فآيات القرآن الكريم المختلفة الأساليب والمعاني توفّر استخداماتٍ مختلفةٍ لكلّ من شقّي المخّ، فهي نور، يستمدّ منها المخّ الطاقة اللازمة التي تقوّيه ليصدر نوره الذي ينير طريق صاحبه في هذه الحياة. قال الله - عز وجل -:
- {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}
[المائدة ــ 15] (1/25)
صفحة 26
فالإنسان إذا كان مع الحقّ فهو في سعادةٍ كبيرةٍ، لأنّه مع الموجود، ومع الثابت، ومن الفطرة التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها المخّ يبحث دائماً على الحقيقة، كي يستمدّ منها طاقة عمله التي يسعد بها، وإذا وجد المنبع الثابت الذي يستمدّ منه مبادئه وأسسه، فسوف تأتي نتائج تفكيره مطابقةً للواقع، ويأتي حديث صاحبه مطابقاً للمنبع الصحيح الصادق، ويكون قويّاً مؤثّراً في النفوس، لأنّه ينبع من تلك الأفكار الصحيحة التي أنزل الحقّ - سبحانه وتعالى -. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
[فصّلت ــ 42]
والشيء المهمّ والمفرح أنّ المؤمن كلّما قرأ القرآن الكريم بتفكّرٍ وتدبّرٍ يرشده إلى أن يوزن أفكاره ومعتقداته ويدرسها هل هي صحيحةٌ وثابتةٌ، ويقارنها بشكل مستمرٍّ مع آيات القرآن الكريم التي يقرأها، فيراجع دائماً وأبداً مبادئه التي يصدر عنها سلوكه وأخلاقه هل هي على الحقّ، هل هي مبنيّة على أساس صحيح، وهل هي مطابقةٌ لما أمره به كتاب ربّه - عز وجل -، ومع ما يرشده إليه.
المخّ ذلك العملاق النائم
المخّ في الإنسان كائنٌ سحريٌّ بالغ التعقيد، فهو مخلوق من عدّة ملايير من الخلايا والأعصاب، التي تتّصل ببعضها البعض من خلال أشكالٍ مختلفةٍ بالغة التعقيد، تتجمّع هذه الشبكات المعقّدة، لكي تضفي على المخّ قدراً من الغموض تعجز حتّى أكثر العلوم تقدّماً عن فهمه فهماً كاملاً.
وفي كلّ عامٍ تتّسع حدود البحوث والتجارب والدراسات، وتتواصل الاكتشافات المذهلة عن القدرات المخّية المعجزة، ورغم تلك الاكتشافات الكبيرة فإنّ ذلك لا يعبر سوى عن جزءٍ ضئيلٍ فقط ممّا هو كامنٌ من طاقاته الخارقة. (1/26)
صفحة 27
فالعقل عملاقٌ نائمٌ، فقد ثبت من النتائج الكثيرة التي توصّل إليها الخبراء من خلال التجارب المتعدّدة التي أجروها في السنوات الأخيرة في مجالات علم النفس والفسيولوجيا العصبيّة أنّ طاقات العقل تفوق كلّ ما سبق تصوّره في السنوات القليلة السابقة، فالحقيقة أنّ كلّ شخصٍ لا يستخدم إلاّ نسبةً قليلةً جدّاً من تلك القدرات، وهذه الحقيقة قد تبدو محبطةً، ولكن إذا فكّر فيها كلّ واحدٍ من الناس تفكيراً جيّداً، فسوف يشعر بأنّه ما زال يملك نسبةً كبيرةً من الطاقة الفكريّة يمكن أن يستغلّها، فيرقى بها إلى أعلى الدرجات، ليبلغ أكثر ممّا كان يتمنّاه سابقاً.
وكما قال {شكسبير} في المخّ البشري:
«يا له من قطعةٍ فنّيةٍ نادرةٍ هذا الإنسان، كم هو نبيلٌ في حكمه، كم هو طلقٌ في قدراته، في شكله وفي حركاته، كم هو معبّرٌ ومثيرٌ للإعجاب في تصرّفه، يا له من ملاكٍ في تصرّفه، وكم هو فائقٌ في فهمه، إنّه جمال العالم، إنّه ماسة المخلوقات».
إنّ معرفة المخّ والعمليّات التي يقوم بها كلّ واحدٍ من شقّيه، واختصاص كلّ واحدٍ منهما هي ما يسمّى بالمعرفة الذهنيّة، وقدرة شقّي المخّ اللانهائيّة على التفكير، ثمّ قدراتهما على التحسّن والنجاح مدى الحياة.
وربّما لهذا السبب أمر الله - سبحانه وتعالى - ورسوله المؤمنين بتلاوة القرآن الكريم طوال الحياة، ما دام العبد حيّاً يرزق، ذلك لأنّ القرآن الكريم لا تنتهي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الردّ، فما دام الإنسان يداوم على تلاوته بتفكّرٍ وتدبّرٍ، يزداد عقله تحسّناً في تفكيره، وينجح في أدائه.
والقرآن الكريم هو الذي يحفظ شقّي المخّ من بعض السقطات في التفكير، لأنّ كلّ واحدٍ منهما يعمل بأسلوب محكمٍ وتعبيرٍ موجّهٍ، والإنسان يعيش في حياته في تحدٍّ دائمٍ فإذا لم يجد مرجعاً متيناً يعتمد عليه في بناء أفكاره، وتصحيح الخاطئ منها، فسوف يبقى في خطئه، وهذا ما نراه كثيراً في أناس هذا العصر. (1/27)
صفحة 28
فالله - سبحانه وتعالى - قد فطر هذا المخّ على مهارات تفكيرٍ، وسلوكيّات تعلّمٍ إبداعيّةٍ إذا ما اكتشفها الإنسان، فسوف يصل بعيداً في إنتاجه، ويدرك أعلى درجات النجاح والتفوّق.
والمشكلة التي يعيش فيها أغلبيّة الناس هي مشكلة الاعتقادات الخاطئة التي تكوّنت فيهم، فصاروا يستعملون هذا الجهاز بطريقةٍ غير منظّمةٍ، ولا يوفّرون له من التحفيز الكافي الذي يقوّي من قدراته، ويرفع من أدائه.
وإذا ما درسنا أساليب القرآن الكريم التي أنزلها الله فيه، فسنجدها تلائم الأساليب والمهارات التي يعمل بها العقل ملاءمةً تامّةً، ولكن يتحدّد هذا كلّه بالطريقة التي نتعامل بها مع كتاب الله الكريم، ومدى اهتمامنا به، وفهم أساليبه عند تلاوته، فكلّما تحسّنت معرفتنا عن ما يحتويه القرآن الكريم من أساليب، كلّما تحسّن مستوى أداء شقّي مخّنا.
فنحن نتلو القرآن الكريم بدون خبرةٍ عميقةٍ بأساليبه التي يستعملها، لذلك لم يترك فينا آثاره الحسنة في تنميّة مخاخنا، وربّما هي من الطراز الأوّل، فالقرآن الكريم قد أنزله الله - عز وجل - إلينا ليعلّم لنا كيفيّة قيادة عقولنا قيادة الأبطال.
يجب علينا أن نبدأ رحلتنا مع القرآن الكريم بالتعرّف على تقنيّات عمل شقّي مخّنا، وأساليب قرآن ربّنا - عز وجل -، ثمّ تطبيقها تطبيقاً قويّاً عندما نتلوه كي يؤتي أسلوبه النتائج التي أرادها ربّنا - عز وجل - منه، خاصّةً تلك التي تختصّ بكلّ شقٍّ من شقّي المخّ.
فأسلوب القرآن الكريم يملك تأثيراً حقيقيّاً على كلّ طرق التفكير التي يعمل بها المخّ البشري بشقّيه، ويمكن أن نعدّ تلك الأساليب محفّزاتٍ، ولعلّ الدليل على ذلك أنّه يحتوي كلّ النشاطات التي يختصّ بها كلّ من الشقّين، الأيمن والأيسر، بحيث يجعلهما في توازن فعّال، وهذا ممّا يقوّي قدراتهما، وينوّع تقنيّات عملهما. (1/28)
صفحة 29
وهذا ما اكتشفه العالم النفسي الأمريكي "روجر سبري" وأعضاء فريقه الذين فازوا بجائزة نوبل نظير أعمالهم وأبحاثهم حول شقّي المخّ، حيث توصّلوا إلى اكتشاف أنّ الشقّ الأيمن يتعامل مع النشاطات العقليّة التاليّة:
الإيقاع (التجويد بالقواعد)، الإدراك المكاني، الإدراك الشمولي، التخيّل، أحلام اليقظة، الألوان، والأبعاد.
أمّا الجانب الأيسر فيتعامل مع نشاطاتٍ تختلف تماماً مع نشاطات الجانب الأيمن وهي:
الكلمات، المنطق، الأعداد، التشعّبية، التحليل، التتابع، والقوائم.
ويصف علماء الذاكرة أنشطة الشقّ الأيمن من المخّ بأنّها أنشطةٌ فنّيةٌ وإبداعيّةٌ وعاطفيّةٌ، والمقولة التي تقرّر بأنّ أعظم العلماء لم يستخدموا جميع إمكانيّات مخّهم، يفسّرها أنّ كلّ عالمٍ كان يستعمل الشقّ الذي يختصّ بالاختصاص الذي تفوّق فيه، في حين أنّه كان يستعمل الشقّ الآخر استعمالاً ضعيفاً.
وقد اكتشف {سبري} أيضا أنّه عندما يكون الجانب الأيمن للمخّ نشيطاً، فإنّ الجانب الأيسر يبقى في حالة شبه ارتخاءٍ أو همهمةٍ تأمّليّةٍ، وعندما يحدث ذلك في جانبٍ، يحدث العكس مع الجانب الآخر.
فيجب على الشخص الذي يريد أن يكون ذكيّاً أن ينشّط الشقّين معاً حتّى يعملان بشكلٍ متوازنٍ، ولا يفقد أحدهما نشاطه، لأنّه إذا مال النشاط إلى أحد الجانبين، فإنّ الجانب الآخر يبقى خاملاً، وبطول الوقت، يصبح عاجزاً عن النشاط، ولا يرجع إلى عمله العادي إلاّ بعد تنشيطٍ طويلٍ وقويٍّ.
معلومة
كلّ إنسان يمتلك نطاقاً كاملاً من القدرات الذهنيّة
للعقل قيمةٌ عظيمةٌ عند الله - سبحانه وتعالى -
قال في المنجد: العقل: (مص)، ج عقول: نورٌ روحانيٌّ به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواسّ، وقد سميّ العقل عقلاً، لأنّه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، أي يحبسه.
عقل: عقلاً، ومعقولاً، الغلامُ: أدرك.
يقال: ما فعلت كذا منذ عقلت. (1/29)
صفحة 30
وعقل، عقلاً الشيء: فهمه، وتدبّره، فهو عاقلٌ، ج: عاقلون، وعقلاء، وعقّالٌ.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«لمّا خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثمّ قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ منك، بك أُعطي، وبك آخذ».
إنّه من خلال معرفة معنى كلمة العقل لغويّاً واصطلاحاً نستطيع أن نفهم ما معنى التعقّل، وكيفيّة عمل العقل، واستيعابه لمختلف المعلومات التي ترد إليه عن طريق الحواسّ المختلفة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - منافذ لورود المعلومات، وكيف يختزنها، ليعيد استذكارها بعد مدّة من الزمن.
وعندما يعطّل الإنسان عقله، أو يستخدمه في غير ما خُلق له، فإنّه يُلغي إنسانيّته، وتتحرّك فيه حيوانيّته.
والله - سبحانه وتعالى - قد وضع في هذا الإنسان قوّة إدراكيّة، بها يدرك الأمور التي تهمّه، وتزيد من قوّة روحه، وترفع من قيمة نفسه، وتكرّم له إنسانيّته.
والعقل هو مناط التكليف، فبالعقل يكلّف الله - سبحانه وتعالى - الإنسان ويحاسبه، وهو أعظم شيء خلقه في الكون، ولولا هذا العقل الذي أودعه الله - عز وجل - فيه ما كلّفه, وهو وسيلة معرفة الله - سبحانه وتعالى - , وقيمة الإنسان تكمن فيما يفكّر فيه طوال وقته، ونستطيع أن نقول طوال حياته في هذا الوجود.
والقرآن الكريم يوفّر للعقل رؤية أوسع، وهو يمنح للإنسان إيجاد أفكار واسعة جديدة في كلّ مرّة يزيد فيها إخلاصه مع كلام ربّه - عز وجل -، لأنّه في ذلك الوقت يوفّر له الأمان النفسي للعمل بصفة أحسن وأفضل، كما أنّه يعلّم العقل مهارة التركيز التي هي سرّ النجاح في إنجاز كثير من الأعمال الإبداعيّة.
فالإنسان في حاجة إلى نور الشمس لترى عينه الأشياء، وهو بحاجة إلى نور الله ليعرف عقله حقائق الأشياء.
العقل أغلى وأعظم وأعقد جهازٍ (1/30)
صفحة 31
لقد أوجدنا الله - سبحانه وتعالى - جميعا على هذه الأرض، ووهب لنا هذه القوى العقليّة التفكيريّة، لنتعلّم مختلف المعلومات والتجارب، كي نقضي أيّاما طيّبة مملوءة بالتفاؤل والخير والنجاح، ونتعامل بها مع من حولنا بالتي هي أحسن، ولا أحد منّا يستطيع أن يعلم متى ستنتهي تجربته الرائعة في هذه الحياة.
ولا شكّ بأنّ المخّ الذي وهبه لنا ربّنا - عز وجل - والذي جعله مناط التكليف هو أغلى ما نملك من أعضاء الجسم، أو أعقد عضلة من عضلاته إذا صحّ التعبير، وهو محلّ الذكاء، وبه نبني شخصيّتنا التي نقطع بها مراحل هذه الحياة، ولا يوجد شيء أكثر أهميّة، وأغلى وأعزّ في الوجود من هذا المخّ.
إنّه لا يوجد شيءٌ يضمن لنا حياةً ناجحةً متكاملةً متوازنةً أفضل من مخٍّ كفءٍ، والفشل والغفلة وجهل طرق استغلال وتنميّة هذه الطاقات الذهنيّة، والطاقات الإبداعيّة والعاطفيّة والعلميّة والثقافيّة هو مأساة الملايين من البشر.
ونجد أنّ هذه الغفلة وهذا الفشل والجهل تلازم هؤلاء الفاشلين وتعوقهم منذ ولادتهم إلى أن يفارقوا دنياهم.
إنّ فقدان أحد الأشخاص للقدرة الذهنيّة في سنٍّ مبكّرةٍ، وضعف أدائها منذ عمرٍ مبكّرٍ لهو أسوأ وأكبر معيق يتعرّض له، وبالتالي يتولّد لديه تصوّرٌ سلبيٌّ نحو قواه الذهنيّة فيزيد ضعفه، ويزداد فقدانه لقوّته، وهكذا يقضي بقيّة أيّامه في تشاؤم.
ولقد أصبح المخّ في السنوات الأخيرة مركز أبحاثٍ متطوّرةٍ في شتّى جامعات العالم، ومن طرف كثيرٍ من الأطبّاء والعلماء وكلّ ذلك الغرض منه اكتشاف طرق وأساليب لتحسين الانتباه، وتشفير المعلومات بطريقةٍ هادفةٍ، وبناء التركيز، وتنويع مصادر الربط بين المعلومات المختلفة التي ترد إلى الذهن، فيسهل على الشخص حفظها واستيعابها، كما أنّها تصبح سهلةً للاستذكار في الوقت المناسب الذي نريد استرجاعها فيه. (1/31)
صفحة 32
وقد وضع وسطّر علماء الذاكرة استراتيجيّاتٍ وتدريباتٍ لتحسين قدرات الذاكرة، وجعل الإنسان يشعر بالشباب والحيويّة على المستوى الذهني، في مختلف مراحل عمره، وذلك تماماً كما وضع كثيرٌ من الخبراء تدريباتٍ وتقنيّاتٍ للمحافظة على مستوى الأداء البدني.
يقول بعض علماء الذاكرة أنّه في هذه السنوات الأخيرة قد توفّر لدينا نصائح علميّةٌ راسخةٌ حول ما يمكن عمله لحفظ وتأهيل هذا العضو الشديد الأهميّة، تلك النصائح الصادرة عن أعلى معاهد الأبحاث الطبيّة سمعةً وكفاءةً.
وأنا أنادي من هذا الكتاب العلماء المسلمين لدراسة تأثير كلام الله - عز وجل - في هذه الذاكرة حتّى يكتشفوا إعجازاً آخر يضاف إلى مختلف الإعجازات الأخرى التي توصّلوا إليها في كتاب الله - عز وجل -، وأنا شخصيّاً باطلاعي المحدود جدّاً على بعض تلك المهارات التي تعمل وتقوى بواسطتها الذاكرة، وجدت أنّ كلّ تلك المهارات موجودةٌ في كتاب الله - عز وجل -.
خاصّةً الاكتشاف الجديد الذي توصّل إليه عالم النفس الأمريكي "روجر سبريّ" هو وشركاؤه أنّ الشقّ الأيمن يختصّ ببعض المهارات، والجانب الأيسر بمهارات أخرى غير التي يختصّ بها الشقّ الآخر.
وإذا تتبّعنا مختلف تعابير وأساليب القرآن الكريم نجد أنّه يتضمّن كلّ أنواع المهارات التي يختصّ بها كلّ واحدٍ من شقّي المخّ.
ومن جهة أخرى فإنّ أساليبه كذلك كفيلةٌ بتدريب واستعمال مختلف العضلات التي اكتشفها علماء الذاكرة، والتي تبلغ 30 عضلة، وكلّ واحدةٍ منها تختصّ بنشاطٍ من الأنشطة.
الخليّة المخّية الباحثة عن المعرفة
تؤدّي خليّة المخّ عملها من خلال تشكيل الروابط العصبيّة الرائعة مع عشرات الآلاف من جاراتها من الخلايا الأخرى، وهذه الروابط بالغة التعقيد، وهي تتكوّن وتقوى بقدر قوّة المعلومات التي تقدّم للمخّ البشري. (1/32)
صفحة 33
وتشكّل هذه الروابط بدايةً عندما يقوم الفرع الأساسي والأكبر من الخليّة (المحور العصبي) بتكوين عددٍ لا يمكن عدّه من الروابط مع الأزرار الصغيرة في العديد من الفروع من الخلايا المخّية.
وهكذا فكلّما زوّدنا المخّ بمعلوماتٍ جديدةٍ، كلّما تكوّنت روابط جديدةٌ، وقويت تلك الاتّصالات اللامحدودة، وهذا ما سمّاه الخبراء بآليّة البحث عن المعرفة.
وقد أنزل ربّنا - سبحانه وتعالى - هذا القرآن الكريم ليوفّر للخليّة المخّية هذه المعرفة الواسعة التي تبحث عنها لتحافظ على بقائها، وليكون عبارةً عن غذاءٍ من البيانات لتفعيلها، ولكي تجد من خلال تلاوته وحفظه سبباً وهدفاً يدفعها إلى استخدام الغذاء والأكسجين الوارد إليها.
وعلى كلّ مؤمنٍ أن يعي مدى أهميّة الحصول على مصادر المعرفة، ومدى التعامل مع البيانات بالطرق الجيّدة، حتّى تتحسّن قدرة عقله على التفكير.
ويمكن لنا أن نعدّ كلّ آيةٍ من آيات القرآن الكريم نمطاً من أنماط تحفيز خليّة المخّ على العمل، وكلّ كلمةٍ، وكلّ آيةٍ تعدّ عبارةً عن منشّطٍ لكلّ واحدةٍ من المئات الآلاف من الفروع، التي تحمل كلّ منها مئات الآلاف من نقاط الاتّصال، والتي تحمل بدورها تريليونات من الرسائل التي تؤدّي دورها في قبول الخليّة المعلومة التي نريد حفظها داخل المخّ.
لقد توصّل الخبراء إلى اكتشاف أنّ قدرة العقل على صنع أنماط لا تساوي واحداً متبوعاً بمئات الأصفار، بل لا يعلم إلاّ الله - سبحانه وتعالى - ذلك العدد الهائل من تلك الأنماط.
وقد ذكر البروفسور {أنوخين} أنّه من الناحية الميكانيكيّة والحيويّة للخلايا المخّية فإنّه لم يسبق لأحدٍ من أعظم العباقرة أن اقترب من استخدام الإمكانات الأساسيّة لخلايا مخّه. (1/33)
صفحة 34
والاكتشاف الكبير عن الخليّة المخّية وأنماط تفكيرها هو أنّ التكرار يقلّل من مقاومتها الحيويّة الكيميائيّة لتقبّل أيّ معلومة نريد تسجيلها داخل الذاكرة، لذلك أمر الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين بتكرار الآيات القرآنيّة آناء الليل وأطراف النهار، وكلّ ذلك يعدّ من الأسباب المؤثّرة على الخليّة، لكي تضعف فيها تلك المقاومة الحيويّة، فتستوعب كلام الله - عز وجل - بكلّ سهولةٍ.
ففي كلّ مرّةٍ نقرأ الآيات تطرأ اتّصالاتٌ معيّنةٌ بين خلايا المخّ، ثمّ نكرّرها فتقوى تلك الاتّصالات، ونتيجةً لذلك تقلّ المقاومة، وترسخ داخلها بكلّ بساطةٍ.
الفصل الثالث
أسلوب القرآن ونشاط شقّي المخّ
القرآن الكريم أحسن ممرّنٍ لعضلات المخّ
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. [الإسراء ـ 9]
فالله - سبحانه وتعالى - يبيّن أنّ هذا القرآن الكريم يهدي للحياة القويمة الحسنة الناجحة فهو يؤثّر في أيّ جانبٍ من جوانب الحياة، فيهدي صاحبه لطريق الخير والصواب، حتّى في شأن الصحّة، والعلاقات الخاصّة، وكسب الرزق، وشأن المخّ في كلّ مراحل الحياة، ومرحلة الشيخوخة على الأخصّ.
وقد روى ابن عدي في الكامل عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تعلّم القرآن، متّعه الله بعقله، حتّى يموت».
وقد روي أنّ طبيباً كان يعالج مريضاً مصاباً بضيق شرايين دماغه، فما كان منه إلاّ أن قال لأهله حدّثوه، فسأله أحد الحاضرين، ماهي الفائدة من ذلك؟ وما السرّ في ذلك؟.
فقال هذا الطبيب: إذا حدّثتموه، فلا بدّ أن يجيبكم، فتنشط خلايا مخّه، وتتوسّع شرايين دماغه، لأنّه يستخدم خلايا مخّه، ممّا يجلب الدم إليها، بواسطة الشرايين، فتتوسّع.
وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لنا هذا الحديث، وأرشدنا إلى مثل هذه النتيجة التي يصل إليها المداوم على تلاوة القرآن الكريم. (1/34)
صفحة 35
فدماغ المسلم المداوم على أداء العبادة التي هي عبارة عن تركيزٍ وتفكيرٍ وقراءةٍ، يكون في نشاطٍ دائمٍ، لأنّه يفكّر في عبادته.
فهو دائم التساؤل، هل دخل الوقت؟ ويهتيّأ بالوضوء الذي ينشّط به أعصابه، ثمّ يقف إلى الصلاة، ويركّز في أدائها الأداء الكامل، فيقرأ ما تيسّر من كلام ربّه - عز وجل -، ثمّ يستعمل خلايا دماغه في الركعة الأولى ماذا يقرأ فيها؟ وماذا يقول في الركوع؟، ثمّ يرفع منه، ويتهيّؤ للسجود، والرفع منه، ويفكّر في قراءة التحيّات، فكلّ هذه الحركات وهذه المراحل وهذا التركيز يجعل خلايا المخّ وأعصابه في عملٍ متواصلٍ، ممّا يجعلها تنشط، وتجلب إليها الدم بواسطة الشرايين، فتحافظ على قوّتها وأدائها إلى آخر أيّام الحياة.
وهو في كلّ مراحل الصلاة يفكّر في أيّ ركعةٍ وصل؟ وكم صلّى؟ وكم بقي له من الركعات؟ هل هو في الركعة الجهريّة، أم في السرّية؟.
وعند قراءة القرآن الكريم بقواعد التجويد، فهو يستعمل خلايا مخّه وأعصابه، وينتبه إلى تطبيقها تطبيقاً تامّاً، ويفكّر في معنى الكلمات، والآيات التي يقرأها، ففي هذه الآية إدغامٌ، وفي هذه إظهارٍ، أو إخفاء، وفي الأخرى مدّ طويل، أو مدّ طبيعي، إلى غير ذلك من القواعد التي تحافظ على الخلايا في حالةٍ منتبهةٍ، عاملةٍ بأقصى طاقاتها، وتجعلها في نشاطٍ دائمٍ، وكلّ هذا ممّا يحافظ عليها، تماماً كما تحافظ الرياضة على عضلات الجسم.
ولكن إذا تتبّعنا واقع الأمّة في ضعف تفكيرها، وعدم إبداعها، في حين أنّها تملك أكبر طاقةٍ إبداعيّة في هذا الوجود، نجد أنّ السبب في ذلك ربّما يرجع إلى أكبر عقبةٍ تواجهها، وهي تلك الصورة الموروثة حول هذا الكنز العظيم.
قاعدة
تغذيّة المخّ بثقافةٍ دائمةٍ غنيّةٍ قويّةٍ تضمن تقويّة عضلاته
يقول {عمر عبيد} في كتابه: كيف نتعامل مع القرآن:
الصورة التي طبعت في أذهاننا منذ الطفولة للقرآن الكريم أنّه: (1/35)
صفحة 36
«لا يستدعى للحضور إلاّ في حالات الاحتضار والنزع والوفاة، أو عند زيارة المقابر، أو نلجأ لقراءته عند أصحاب الأمراض المستعصيّة، وهي كلّها قراءات لا تتجاوز الشفاه.
فإذا انتقلنا إلى مراكز ومؤسّسات تعليم القرآن الكريم وتدريسه، رأينا أنّ الطريقة التي يعلّم بها، يصعب معها استحضار واصطحاب التدبّر والتذكّر والنظر، إن لم يكن مستحيلاً.
فالجهد كلّه ينصبّ إلى ضوابط الشكل من أحكام التجويد ومخارج الحروف، فكأنّنا نعيش المنهج التربويّ والتعليمي المعكوس، فالإنسان في الدنيا يقرأ ليتعلّم، أمّا نحن فنتعلّم لنقرأ، لأنّ الهمّ كلّه ينصرف إلى حسن الأداء، وقد لا يجد القارئ أثناء القراءة فرصةً للانصراف إلى التدبّر والتأمّل، لأنّ غاية جهده إتقان الشكل، وقد لا يعيب الناس عليه عدم إدراك المعنى قدر عيبهم عدم إتقان اللفظ.
ونحن هنا لا نهوّن من أهميّة ضبط الشكل، وحسن الإخراج، وسلامة النطق، ولكنّنا ندعو إلى إعادة النظر في هذه الطريقة، حتّى نصل إلى مرحلة التأمّل والتفكّر والتدبّر التي تترافق مع القراءة».
يدرك علماء الذاكرة الآن بعد دراساتهم وتجاربهم أنّ النظام الثقافي يلعب دوراً رئيسيّاً في تحسين لياقة شقّي المخّ وأدائهما، وهذه الثقافة تعدّ ببساطةٍ عبارة عن معالجٍ كيمياويٍّ.
وشقّي المخّ البشري بحاجةٍ إلى أن يزوّدا باستمرارٍ بالغذاء الذهني الغنيّ، لكي يستطيعا أداء وظيفتهما أداءً جيّداً، وترتبط السلامة الفكريّة وقوّة أداء شقّي المخّ في كلّ مراحل العمر بنوعيّة الغذاء الذهني الذي يزوّد به وبتنوّعه، حسب اختصاص كلٍّ من الشقّين، وكلّ ذلك ممّا يعود عليه بالنفع والفائدة في كلّ أوقات العمر.
القراءة المؤثّرة في عضلات المخّ
لا يختلف اثنان من المثقّفين أنّ القصد من القراءة هو الفهم والمعرفة، ثمّ تقويّة التفكير نتيجةً لذلك، وزيادة المعارف والمعلومات. (1/36)
صفحة 37
وتأثير القراءة في البناء العقلي لهذا الإنسان هو أكبر ممّا يعتقده كثيرٌ من الناس، بل إنّ الأغلبيّة منهم لا يعرفون ذلك، ولعلّ ما يثبت ذلك ما نرى عليه أغلبيّة عناصر المجتمع من إعراضهم الكلّي عن القراءة والتعلّم، ممّا جعل الأمّة تصل إلى هذا الجمود الفكري، وإلى هذا التخاصم اللفظي والتناطح العضلي.
وتأثير كثرة القراءة والمداومة عليها على العقل البشري هو أكبر وأوسع ممّا يعتقده الناس، فبها يستطيع أن ينمو ويتطوّر ويبدع، فالمخّ وحده عضلةٌ من العضلات في الجسد، وهذه العضلات تحتاج إلى الغذاء الذهني المتنوّع كي تتطوّر وتنتج، تماماً مثل حاجتها إلى الغذاء المادي المتنوّع الذي تحافظ به على حياتها، فكلّ آلةٍ لا بدّ لها من مواد أوليّةٍ، كي تنتج سلعةً من السلع الرائعة، وكذلك جهاز المخّ لا بدّ له من مواد أوّليّة متنوّعة، كي يكون إنتاجها غزيراً قويّاً، وإذا كانت تلك المواد الأوّليّة هي القراءة والتعلّم والتثقّف، فإنّ قراءة كتاب الله - عز وجل - هو أكبر غذاءٍ، وأغنى بالعلم والثقافة من أيّ مصدر آخر في هذا الكون مهما كانت غزارة أفكاره وقوّة ثقافته، مع تنوّع مواضيعه التي لا تعدّ ولا تحصى.
ويعتقد علماء الأعصاب أنّ نتيجة التفكير هي حصيلة تفاعلاتٍ غزيرةٍ متبادلةٍ بين مليارات الخلايا العصبيّة التي يتكوّن منها شقّي الدماغ، ونتيجة لوقوع عمليّات تبادل المعلومات المعقّدة بين تلك الخلايا من ناحية، ومن ناحية أخرى تبادل الرسائل بين الشقّين معاً.
وإذا كان نتاج التفكير هو نتيجة هذه التفاعلات الغزيرة بين الخلايا المخّية وبين شقّي المخّ، فكيف تكون يا ترى إذا ما غذّينا تلك الخلايا بكلام خالق الأكوان أفضل وأعلى كلامٍ على الإطلاق.
القرآن يضمن حوار الشقّين (1/37)
صفحة 38
لقد تأكّد في العصر الحديث بعد الدراسات الكثيرة والعميقة حول تخصّص كلّ شقٍّ من شقّي المخّ بأنّ النصف الأيمن للمخّ ليس هو المسؤول عن الجانب الإبداعي والتلقائي أو العاطفي، وأنّ الجانب الأيسر له ليس هو الجانب الأكاديمي، التي يختصّ بالرياضيّات والمنطق والكلمات، بل يجب أن نشغّل كلٍّ من الشقّين معاً، كي يتعاونا فيما بينهما لتحقيق النجاح الأكاديمي والإبداعي تحقيقاً متكاملاً.
وتوصّل خبراء الذاكرة إلى ذلك من خلال دراسة حياة العباقرة والناجحين عبر التاريخ، حيث وجدوا أنّ جميع هؤلاء العباقرة يمزجون بين مهاراتهم الرقميّة والتحليليّة مع التخيّل والتصوّر لكي ينتجوا إبداعاتهم المبتكرة.
وربّنا - سبحانه وتعالى - لمّا خلق المخّ، وفطر كلّ من الشقّين على هذه المهارات، وهو يعلم أنّه يجب أن تتوفّر له مثل هذه النشاطات، التي تنشّط شقّي المخّ معاً، أنزل هذا القرآن الكريم، وهو يشتمل على كلّ هذه النشاطات التي تؤثّر في الشقّين معاً، كي يوّفر له نشاطهما وقوّة أدائهما، وأنزل فيه مختلف المواضيع التي لا تعدّ ولا تحصى، والتي يجد فيها كلٌّ من شقّي المخّ بغيته، فينتقل من نشاطٍ إلى نشاطٍ في سورةٍ واحدةٍ، بما تحتويه من مواضيع متنوّعةٍ.
والقرآن الكريم بتعدّد مواضيعه، وتفنّن أساليبه يجعل شقّي مخّ قارئه ومتدبّره يدخلان في حوارٍ مباشرٍ ومستمرٍّ مع بعضهما، كلّما قرأه وتدبّره بنفسٍ خاشعةٍ، وقلبٍ حاضرٍ، حيث يتلقّى أحد الجانبين المعلومة، ثمّ يرسلها إلى الجانب الآخر الذي يعالجها بطريقته الخاصّة به، ثمّ يرسلها مرّةً أخرى إلى الجانب الآخر، وهكذا، وبهذه الطريقة يصبح المخّ يعمل بقوّةٍ واستمرارٍ.
وأسلوب القرآن الكريم بتنوّعه يعزّز عمليّات شقّي المخّ، ويضيف إلى ذلك قوّة الاستيعاب، لأنّ الفكرة تقوى عن طريق تجميع العناصر المختلفة فيها. (1/38)
صفحة 39
ومن ناحيّة ثانية فقد توصّل الخبراء في أبحاثهم الكثيرة إلى أنّه كلما كان التواصل بين الشقّين جيّداً، كلّما كانت المعلومات ذات اتّصالٍ قويٍّ فيما بينها، وهذا ممّا يزيد من فهما واستيعابها ورسوخها.
والأمر المؤسف له أنّ الغالبيّة من بني البشر لا يهتمّون بتمرين الشقّين معاً، حيث يهتمون بالأنشطة المختلفة للذاكرة التي توفّر التمارين العقليّة لشقٍّ واحدٍ فقط، وما ذلك إلاّ لأنّها من وضع البشر أنفسهم، في حين أنّ القرآن الكريم هو من تأليف خالق مخّ البشر، لذلك نجد فيه كلّ الأساليب التي تدرّب الشقّين معاً.
والمهتمّ بالكتابات البشريّة، لا بدّ عليه أن ينتقل كثيراً بين عدّة مؤلّفين وكتّابٍ، بينما القارئ للقرآن الكريم يجد فيه كلّ الأنشطة، بمجرّد تنقّله من آيةٍ إلى أخرى، أو من مجموعة آياتٍ إلى مجموعةٍ أخرى، لأنّنا نجد أنّ مجموعةً منها تحتوي على أسلوبٍ قصصيٍّ، والتي بعدها تهتمّ بالأسلوب التخيّلي، والأخرى بالتاريخي، وآيات بعدها بالبعد المكاني، ثمّ تنتقل إلى المنطقي، وفي نفس الوقت، فهي تُقرأ جميعها بالأسلوب الإيقاعي ـ التجويد ـ.
والغلط الكبير الذي يقع فيه الأغلبيّة الغالبة من الناس هو أنّهم يهتمّون بنوعٍ واحد من النشاطات الذهنيّة، فمنهم من يهتمّ بالجانب الأيمن، وتجده لا يهتمّ بالأيسر، والعكس صحيحٌ، فهناك من يهتمّ بالأيسر على حساب الأيمن.
وإذا تطرّقنا إلى مجال التعليم فإنّنا نجد مفاهيم مغلوطةً تسوده، وذلك بالاهتمام بالنشاطات الخاصّة بالجانب الأيسر، مثل المنطق وحفظ الكلمات والحساب والقوائم، بينما ينظر إلى هؤلاء الذين يتّسمون بالنشاط، أو الخيال الواسع، أو المرح، والذين تصيبهم نوبات من الإفراط في أحلام اليقظة بأنّهم أشخاص سيّئوا السلوك، أو فوضويّون ومتخلّفون في الحفظ والاستيعاب.
في حين أنّه يجب علينا أن نعدّهم عباقرةً مبدعون، لأنّهم يستخدمون قدراتهم إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ، ويشغلون شقّي المخّ معاً. (1/39)
صفحة 40
ولكن هذه التصوّرات التي وضعها الناس حول هؤلاء جعلت الكثير من الناس يميلون إلى استخدام شقٍّ واحدٍ للمخّ، خاصّةً عند بعض المجتمعات التي تعدّ الخيال وأحلام اليقظة والإيقاع شيئاً يناقض التفكير، وأنّ كلّ من يميل إليها، إنّما يفعل ذلك نتيجةً لضعف ذاكرته، وعدم وجود التركيز العالي لديه.
وإذا احتكمنا إلى كتاب الله - سبحانه وتعالى - الذي أنزله لأمّته الإسلاميّة لتكون به خير أمّةٍ أخرجت للناس، وبحثنا عن الأساليب التي أنزلها فيه، لتنمّي عقولها، وتصل بها إلى الدرجة العالية في العلم والإبداع، نجده يحتوي على مواضيع متنوّعةٍ من الخيال والأحلام والإيقاع وغير ذلك من المواضيع التي يعدّها كثيرٌ من الناس غير مفيدةٍ لأداء شقّي المخّ، في حين أنّ الأوّلين وصلوا إلى ما وصلوا إليه من العلوم والإبداع كان نتيجة لدراسته دراسةً موضوعيّةً منتجةً.
القرآن الكريم يدرّب كلّ عضلات المخّ
بما أنّ كلّ عضلةٍ في الجسم تحتاج إلى تدريبٍ متواصلٍ وذلك بتمارين خاصّةٍ بها، كي تقوى، وتكون قادرةً على أداء دورها في المجموع العضلي للجسم، فكذلك كلّ عضلةٍ في شقّي المخّ لها نشاطها الخاصّ بها، كي تعمل بطريقةٍ جيّدةٍ وتؤدّي دورها في المجموع العضلي للمخّ بطريقةٍ إيجابيّةٍ.
والتمارين والنشاطات المختلفة توفّر لتلك العضلات المرونة الكافية لأداء دورها طوال العمر الذي يعيشه كلّ إنسان في هذه الحياة.
وقد اتّفق الخبراء الريّاضيّون بأنّ السباحة توفّر لكلّ عضلات الجسم الحركات اللازمة لتصبح قويّةً مرنةً نشيطةً في كامل مراحل العمر، وخاصّةً في وسط أمواج البحر. (1/40)
صفحة 41
وإذا كان كذلك، فنستطيع أن نشبّه القرآن الكريم بالبحر الذي يمكن أن تسبح فيه عضلات شقّي المخّ، فيضمن لها التمارين الفكريّة المختلفة اللازمة لتنميّتها وتطوّرها وتقويّتها، حتّى تصبح قادرةً على أداء دورها أداءً متكاملاً في وسط المجموعة، وخاصّةً تلك النشاطات التي يختصّ بها كلٌّ من شقّي المخّ.
فالقرآن بحرٌ واسعٌ، أساليبه متعدّدةٌ كثيرةٌ، تستطيع عضلات شقّي المخّ أن تسبح فيه بكلّ راحةٍ وطمأنينةٍ، وبذلك يضمن لها جميع التمرينات اللازمة لتدريبها وتنشيطها.
ولكنّ الشيء المؤسف له أنّ أغلبيّة المسلمين يقرؤونه بنفسٍ منشغلةٍ غافلةٍ، وبقلبٍ منشغلٍ بزخارف الحياة الدنيا، ولا يتعمّقون فيه إلى الأعماق، بل يتعاملون معه سطحيّاً فقط، ولا يربطون أفكارهم وعواطفهم بالروح والنور المقدّس الذي أنزله إليهم ربّهم - عز وجل -، كي يطلقون القوّة الهائلة الكامنة داخل خلايا شقّي المخّ.
والقرآن الكريم قد أصبح حاضراً بين المسلمين بمصاحفه وبحروفه وكلماته وقراءته، ولكن غائباً بأسلوبه وتأثيره في تفكيرهم، فهو موجودٌ بلفظه وحروفه، ولكنّه غائب بروحه ومعجزته المؤثّرة في خلايا شقّي المخّ تأثيراً إيجابيّاً حقيقيّاً.
يقول {حسن البنا}:
«لم ينزل القرآن الكريم من علياء السماء على قلب محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ليكون تميمةً يحتجب بها، أو أوراداً تُقرأ على المقابر وفي المآتم، أو ليكتب في السطور، ويحفظ في الصدور، أو ليحمل أوراقاً، وإنّما ليهديَ البشريّة إلى السعادة والخير والتفكير القويّ المتين».
- {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. ... [المائدة ـ 15ـ16] (1/41)
صفحة 42
وأنا أقول بأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزل هذا القرآن الكريم إلى أمّته لتنمّي به تفكيرها، فتقوى بذلك خلايا مخاخها، وتصبح أذكى الأمم، لأنّ تفكيرها يكون قويّاً عضويّاً وروحيّاً، لأنّه بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، يجد شقّي المخّ الغذاء الذهنيّ القويّ الذي يحتاج إليه كلّ مخّ، وتجد النفس قوّتها الروحيّة فتمتلئ ثقةً، وطمأنينةً، ممّا يجعل الإنسان يفكّر تفكيراً إيجابيّاً سويّاً، وكل ذلك بهداية هذا الكتاب الكريم الذي يهدي للتي هي أحسن. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. ... [الإسراء ـ 9]
لذلك يجب على المسلمين أن يبذلوا الجهد اللازم لتغيير أساليب حفظه وتدريسه، ويغيّروا نظرتهم إليه، لأنّهم يستطيعون بواسطته بناء الثقة في الأنفس، وبه يقوى التفكير لدى عناصر الأمّة.
فإذا ما اهتمّوا به الاهتمام اللازم القويّ، بقراءته قراءةً هادئةً بطيئةً مرتّلةً، مع إعمال العقل في معنى آياته ونوعيّة أفكاره، وبالتنقّل من أسلوبٍ إلى آخر بحضور بالٍ، وبقوّة فكرٍ، فسيكون ذلك أبلغ في تأثيره في القوى الفكريّة، فتصل إلى درجة التأثّر والتفاعل مع معانيه وأساليبه، التي تبثّ الطاقة الدافعة إلى تحسين التفكير.
لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقرأ القرآن الكريم قراءةً هادئةً بطيئةً مسترسلةً مرتّلةً، فقد كان يرتّل سورةً من السور، حتّى تكون أطول من أطول منها، وقام مرّةً بآيةٍ، حتّى الصباح، لأنّه كان يقف عند معنى آيةٍ متأمّلاً ومعتبراً مستعملاً فيها تفكيره إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ، مطبّقاً قول ربّه - عز وجل -:
- {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}.
[الإسراء ـ 106]
وعن أمّ سلمة - رضي الله عنه - سألها يعلى بن مالك عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلاته. (1/42)
صفحة 43
فقالت: ما لكم وصلاته؟ ثمّ نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءةً مفسّرةً حرفاً حرفاً، هذا في النسائي.
وفي رواية الترمذي، قالت: ما لكم وصلاته؟ كان يصلّي، ثمّ ينام قدر ما صلّى، ثمّ يصلّي قدر ما نام، ثمّ ينام قدر ما صلّى، حتّى يصبح، ثمّ نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءةً مفسّرةً حرفاً حرفاً.
وللترمذي من رواية ابن أبي مليكة - رضي الله عنه - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطّع قراءته.
ولأحمد من رواية ابن أبي مليكة، قال: قالت: كان يقطّع قراءته آيةً آيةً. (1)
القرآن يبني التفكير الإبداعي
على كلّ شخص أن يثق بأنّ عقله أقوى من الحاسوب الآلي، فهو يتعلّم فوراً أيّ برنامج يغذّيه به، ولكن بشرط أن يدرّبه ويمرّنه على ذلك بمختلف الوسائل والمهارات التي تجعله يصل إلى الدرجة الراقيّة، ويصبح ماهراً قويّاً.
ومع ذلك فعلماء الحاسبات الآلية يؤكّدون أنّ الشوط ما زال بعيداً جدّاً حتّى يتمكّنوا من اختراع كمبيوتر يكافئ في قدراته قدرات العقل البشري.
وهذا من المستحيلات التي لا يمكن أن يصل إليها الإنسان، مهما تقدّم في علمه واختراعه، لأنّه من المستحيل أن يصل الإنسان إلى اختراع جهاز يشابه أداء الجهاز الذي خلقه ربّ العالمين.
وقد قال العلماء بأنّ عقل الإنسان يستطيع أن يستوعب من الأفكار أكبر من عدد ذرّات الكون، وقادرٌ أن يولّد من الأفكار بذلك المقدار.
وهل يستطيع عقل إنسان مهما بلغ من العبقريّة والذكاء وقوّةً في التفكير أن يتوصّل إلى تحديد عدد الأفكار التي يستطيع أن يكوّنها كتاب الله - عز وجل - في عقل قارئه؟، الذي يقرؤه بكلّ تدبّرٍ وإخلاصٍ.
__________
(1) أخرجه الترمذي وأبو داود. (1/43)
صفحة 44
إنّه يقود قارئه ومتدبّره إلى آفاقٍ جديدةٍ من التفكير والتعبير، فيبتكر في أفكاره، بحيث يصبح مبدعاً ومبتهجاً بما يجده في كتاب الله - عز وجل - من توجيهاتٍ وأفكارٍ وقصصٍ وخيالاتٍ، فيتوهّج ذهنه بطريقةٍ إيجابيّةٍ قويّةٍ، ولهذا أهميّةٌ كبيرةٌ ومنقطعة النظير في بناء وتكوين وتنميّة قدرات هذا العقل، ولكن أصحاب هذا الكتاب غافلون عن مثل هذه التقنيّات التفكيريّة التي ضمّنها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كلامه الكريم.
إنّ للعقل قدرةً لا متناهيّة في إبداع الأفكار، لذلك أنزل الله - عز وجل - إليه هذا الكتاب الذي يحمل بدوره أفكاراً لا متناهيّة.
والتفكير الإبداعي الذي يكوّنه القرآن الكريم في شقّي عقل قارئه ومتدبّره، يتيح له تطوير شخصيّته وتنميتها عن طريق قدرته على التركيز الذي يكوّنه فيه، إذا هو قرأه بتدبّر، وفهم ما يوجّهه إليه بكلّ قناعةٍ وإيمانٍ، ويجعله يكتشف عيوب نفسه، وكما يوجّهه في نفس الوقت إلى إصلاحها، ويترك فيه انطباعاً جيّداً عنها، فينمّي فيه ثقته بنفسه وبالآخرين من عناصر مجتمعه.
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في كلمات القرآن الكريم وتعبيراته ومواضيعه قدرةً لا متناهيّة لتحفيز شقّي المخّ للعمل بأقصى درجةٍ ممكنةٍ، فيولّد فيهما أنماط إبداعٍ أكثر قوّةً وقدرةً، بحيث يجعلهما يستطيعان السيطرة على الأفكار السلبيّة.
وتكرار تلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، سوف يعمل على تنميّة العادات الجيّدة الجديدة في طريقة التفكير، لأنّه يهب خلايا شقّي المخّ غذاءً ذهنيّاً راقيّاً قويّاً.
ويقول "غور فيدال"
«العقل الذي لا يغذّي نفسه يتآكل».
وتكرار هذه الصيغ الإصلاحيّة تبني في خلايا شقّي المخّ وأعصابه تجارب جديدةً جيّدةً قادرةً في النهاية مع تطوّرها على قهر العادات السيّئة المسيطرة على توجيه التفكير. (1/44)
صفحة 45
وكلام ربّنا لا يبني إلاّ التفكير الإيجابي في نفس قارئه، لأنّ الأهداف التي أنزل من أجلها كلّها أهدافٌ إيجابيّةٌ تماماً.
فهو يدفع كلّ من يقرأه بإخلاصٍ إلى أن يصل إلى اكتشاف تلك العظمة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - في النفس البشريّة، والتي لم يستغلّها ولا يستغلّها لأغلبيّة الناس، ولا يحقّقونها في الواقع، وكلّ شخص يسير في طريق بناء العبقريّة يجد في كتاب ربّنا - عز وجل - من الآيات ما يدفعه إلى العمل على اكتشاف تلك القدرات اللامتناهيّة التي فطر عقله عليها.
فعندما يقرأ مثلاً قول ربّنا - سبحانه وتعالى -: إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.
ــ ولقد كرّمنا بني آدم، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويمٍ، فتبارك الله أحسن الخالقين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون.
فما أجمل بمسلمي هذا العصر أن يرجعوا إلى كلام ربّهم - عز وجل - حتّى يقتلع من أنفسهم هذا التفكير السلبي الذي تكوّن في نفوسهم عبر العصور والأجيال، وسيطر على تصوّراتهم، ويعوّضوه بتفكيرٍ إيجابيٍّ يملأ حياتهم تفاؤلاً وعملاً وإنجازاً في الجانب الإيجابي الحسن والجيّد.
تنوّعٌ وتعدّدٌ لا يعلمه إلاّ الخالق - سبحانه وتعالى -
وفي الكون أجمع تنوّعٌ وتعدّد لا يعلمه إلاّ ربّنا - عز وجل -، وفي أرضنا التي تعتبر نقطة في وسط هذا الكون الواسع كذلك تعدّد وتنوّعٌ، تنوّعٌ أبدعه ربّنا - سبحانه وتعالى - على غير مثالٍ سابقٍ، إبداعٌ لا حدود له، لا يعلمه إلاّ هو - سبحانه وتعالى - فهو بديع السموات والأرض. قال الله - عز وجل -:
- {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
[البقرة ـ 117]
ــ تنوّعٌ في البشر واختلافٌ فيما بينهم لا يعلمه إلاّ خالقهم، اختلافٌ في بصمات الأصابع، في قزحيّة العين، في خلايا الجلد، في رائحة الجسم، في نبرة الصوت. (1/45)
صفحة 46
ــ تنوّع في الجبال، فمنها جددٌ بيضٌ، ومنها حمرٌ، ومنها غرابيب سودٌ، حالكة وشديدة السواد، والجدد هي الطرائق والشعاب.
ــ تنوّعٌ في ألوان الثمار، فكلّ لونٍ له خصائصه الخاصّة به، فلا لون يشبه لوناً آخر، بل حتّى النوع الواحد تختلف ثماره فيما بينها في اللون والحجم والذوق. قال الله - عز وجل -:
- {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ}.
[فاطر ـ 28]
والماء الذي أنزله الله - عز وجل - من السماء بقدرٍ، وأسكنه في الأرض، وجعل منه كلّ شيءٍ حيٍّ، جعله متعدّداً ومتنوّعاً، منه العذب السائغ شرابه، ومنه الملح الأجاج، ومنه البحار والأنهار، ومنه ما سلكه في الأرض ليتفجّر عيوناً وينابيع، مع اختلافٍ في طعمه وحرارته ومكوّناته من منطقةٍ إلى أخرى.
قال الله - عز وجل -:
- {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا}. ... [الفرقان ـ 53]
تنوّع الرياح، وتعدّد عوالمها، فمنها ريحٌ صرٌّ، أي باردةٌ شديدة البرودة، ومنها الريح السموم، أي الحارّة القاتلة، وقد يرسلها الله - عز وجل - مبشّراتٍ، ويجعلها رياحاً طيّبةً لواقح، وغير ذلك من أنواع الرياح التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه، وهي كلّها بأمره - عز وجل -، كلّ ذلك هو عبارة عن عوالم متعدّدةٍ ومختلفةٍ، أبدعها ربّنا - سبحانه وتعالى -، ويتصرّف فيها كيف يشاء.
ولو أنّ أغصان أشجار الكون كلّه حوّلت أقلاماً، ومياه البحار كلّها كانت مداداً لإحصاء ما خلق ربّنا من العوالم الكثيرة اللانهائيّة، ما استطاعت أن تفي بذلك، ولو أمددناها بسبعة بحارٍ أخرى.
- {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}. ... [الكهف ـ 109] (1/46)
صفحة 47
- {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. ... [لقمان ـ 27]
فالله - سبحانه وتعالى - قد خلق هذه العوالم ووفّق هذا الإنسان ليعمل فيها شقّ مخّه الأيسر، ولتكون له عبارة عن تداريب، فينشط في قراءة الآيات التي تخبره بمثل هذه العوالم، وبذلك يصبح لديه عقل قويّ وتفكير راقٍ، يحقّق به كثيراً من الأعمال في هذه الحياة.
أسلوب القرآن يضمن نشاط شقّي المخّ
اكتشف عالم النفس الأمريكي {روجر سبري} وأعضاء فريقه الذين فازوا بجائزة (نوبل) نظير أعمالهم وأبحاثهم حول شقّي المخّ، بأنّ الشقّ الأيمن يتعامل مع النشاطات العقليّة التاليّة:
الإيقاع (التجويد بالقواعد)، الإدراك المكاني، الإدراك الشمولي، التخيّل، أحلام اليقظة، الألوان، والأبعاد.
أمّا الجانب الأيسر فيتعامل مع نشاطاتٍ تختلف تماماً مع نشاطات الجانب الأيمن وهي:
الكلمات، المنطق، الأعداد، التتابع، التشعّبية، التحليل، والقوائم.
وقد اكتشف {سبري} أيضاً أنّه أثناء ما يكون الجانب الأيمن للمخّ نشيطاً، فإنّ الجانب الأيسر يبقى في حالة شبه ارتخاءٍ أو همهمةٍ تأمّليّةٍ، وعندما يحدث ذلك مع الجانب الآخر، يحدث العكس مع الجانب الآخر.
فيجب على الشخص الذي يريد أن يكون ذكيّاً أن ينشّط الشقّين معا حتّى يعملان بتوازنٍ، ولا يفقد أحدهما نشاطه، لأنّه إذا مال النشاط إلى جانب من الجانبين، فإنّ الجانب الآخر يبقى خاملاً، وبطول الوقت، يصبح عاجزاً عن أداء بعض الأنشطة التي هي من اختصاصه، ولا يرجع إلى عمله العادي إلاّ بعد تنشيطٍ طويلٍ وقويٍّ. (1/47)
صفحة 48
فلكي نفهم جيّداً هذه الحالة، نستطيع أن نضرب لذلك مثالاً من الواقع، فمثلاً والدٌ له ابنان يبعثهما لقضاء بعض الحوائج والأعمال، فأحدهما حريصً، كلّما ذهب لمصلحةٍ ما، يقضيها على أكمل وجهٍ، وفي وقتٍ قصيرٍ، ويرجع إلى أبيه بسرعةٍ وهو فرحٌ بقضاء ذلك العمل، أمّا الآخر فعندما يبعثه والده في مهمّةٍ يتهاون شيئاً ما، ولا يقضيها إلاّ بعد وقتٍ طويلٍ، وعندما يرجع يجد والده قلقاٍ لطول غيابه، وربّما لا يقوم بذلك العمل على أحسن وجهٍ في بعض الحالات، وبعد مدّةٍ يقلق والده، فيعفيه عن العمل، فلا يبعثه إلى قضاء مثل تلك المصالح، بل يعتمد على الولد الحريص والخفيف والسريع، فيصبح أخوه الآخر في طيّ النسيان، ويصير كأنّه غير موجودٍ في البيت، وبعد مدّةٍ من الزمن، يصبح غير صالحٍ لقضاء أيّة مصلحةٍ، أو أداء أيّ عملٍ.
وهكذا جانبي المخّ تماماً مثل هذين الولدين، فعلينا أن ننشّطهما معاً، حتّى يصبحا قادرين على العمل بصفةٍ متوازنةٍ متعادلةٍ، ولا يفقد أحدهما قوّته في العمل والأداء.
وقد جعل الله - عز وجل - أسلوب كتابه الكريم متناسقاً ومتوازناً، يشمل كلّ أنواع الأساليب التي تستعمل في التعبير، فكلّما بحثنا في موضوعٍ من مواضيعه، وجدنا عجباً، ووجدنا تناسقاً وتوازناً في كلّ موضوعاته، الموضوعات المتشابهة، أو المتناقضة، أو المترابطة، فأسلوبه يعدّ معجزةً من المعجزات.
ويتحدّث {الباقلاّني} عن نظم القرآن الكريم، فيقول:
«إنه مخالفٌ للمألوف من كلام العرب، وله أسلوبٌ يتميّز به، يباين أساليبهم في الكلام الموزون والمنثور بضربيه من السجع والترسّل، وهو أسلوبٌ فريدٌ، تطّرد فيه البلاغة اطّراداً يشمل جميع آياته دون أيّ تفاوت، بخلاف أسلوب الشعراء فيقصّرون في بعض الموضوعات، ويحسنون في أخرى».
أسلوب القرآن يلبّي نشاطات الشقّين (1/48)
صفحة 49
منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، والعقل البشري يبحث ويفحص مواضيع كتاب الله - سبحانه وتعالى -، ويدرسها، علّه يقف على بعض ما فيه من أسرارٍ، ومن ناحيةٍ ثانيةٍ يدرسه أعداء الإسلام بنفس ذلك الجهاز، لعلّهم يجدون فيه ما يشوّهه، ليطعنوا فيه، وينقصوا من قيمته.
وهم قد درسوه بهدفٍ واحدٍ، وهو من أجل أن يصبحوا نوابغ في اللغة العربيّة، ويسيطروا على هذه اللغة، وذلك من أجل ما أنزل الله - عز وجل - فيه من أسلوبٍ قويٍّ معجزٍ، يدفع القوى الفكريّة إلى التحرّك والنموّ والتطوّر.
قاعدة
أسلوب القرآن الكريم البليغ يجعل الإنسان ينسجم مع نفسه
لقد درس العلماء والأدباء والبلغاء القرآن الكريم، فأدهشهم ما في أسلوبه، نظمه، تراكيبه، فواصله، إشاراته، بيانه، بل حتّى اسمه الذي سمّاه الله - سبحانه وتعالى - به، فهو لفظٌ لم يستعمل فيما قبل، وما سمّي به أيّ كلامٍ، أو تعبيرٍ قبله، ولم يطلق على تعبيرٍ بعده، إنّه كما قال العلماء لفظٌ جَمَعَ، فأوعى.
بل إنّ من إعجازه أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في كلّ آيةٍ عدّة ألوانٍ من البلاغة والبيان، بل ما يفوق كلماتها في بعض الأحيان، فساقوا مثلاً لذلك الآية الشريفة:
- {وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. [هود ـ 44]
فهذه الآية الكريمة تتركّب من سبعة عشر كلمة، ولكنّ العلماء وصلوا إلى استخراج عشرين لوناً من ألوان البلاغة منها:
المناسبة في لفظي أقلعي وابلعي، والمجاز في يا سماء، والمطابقة اللفظيّة في كلمتي السماء والأرض، والإشارة في وغيض الماء، والإرداف في واستوت على الجدي، والترتيب بحسب التتابع الزمني، والعطف لبيان هذا الترتيب والإيجاز.
وقد قال المفسّرون بأنّ هذه الكلمات السبعة عشر تضمّنت وقائع عديدةً، وقصّةً طويلةً، استمرّت وقائعها أيّاماً كثيرةً. (1/49)
صفحة 50
تناسق كلمات القرآن الكريم وحروفه
تتناسق كلمات القرآن الكريم وحروفه تناسقاً عجيباً، فكلّما استمعنا إلى حروفه خارجةً من مخارجها الصحيحة، نشعر بتناسقٍ تنظيم بعضها بجانب بعضٍ، وكذلك في الكلمات والآيات التي تتكوّن بتلك الحروف؛ فهذا حرفٌ ينقر، وذاك يصفّر، وهذا يخفى، وذاك يظهر، وهذا يهمس به، وذاك يجهر به، وبكلّ هذه النغمات يتجلّى جمال لغة القرآن الكريم، في هذه المجموعة المختلفة المؤتلفة، الجامعة بين اللين والشدّة، والخشونة والرقّة، والجهر والخفية، على وجهٍ دقيقٍ محكمٍ.
وقد وضع كلّ حرفٍ من الحروف في موضعه بميزانٍ، فتألّف بمجموع كلّ ذلك قالبٌ مدهشٌ، حيث يتّصل كلّ حرفٍ مع مجموعة الحروف اتّصالاً متناسقاً، فتتركّب الكلمات، ثمّ تتّصل الكلمات ببعضها اتّصالاً متكامل المعنى، وتكون كذلك فصيحةً كاملة الفصاحة، سليمةً من التعقيد، واضحة البيان، فلا يعجز أيّ إنسانٍ عن فهم مقاصدها.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. ... [القمر ـ 17]
ولأنّ الله - سبحانه وتعالى - أراد بحكمته وقدرته وتدبيره أن يكون الدين الإسلامي ديناً عالميّاً، ورسوله رحمةً للعالمين، جعل إعجاز القرآن الكريم للناس أجمعين، وأنزله ليفهمه عقل هذا الإنسان، لذلك لم يحدّد فيه وجهاً من إعجازه، حتّى لا ينتج من ذلك حكمٌ بأنّه خاصّ بأمّةٍ دون أخرى، أو بوقتٍ دون آخر، أو بمكان دون مكانٍ.
لذلك فقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - قرآنه وقد ضمّن فيه جميع نشاطات العقل البشري، ليتجدّد إعجازه بتجدّد البشريّة، وبتجّدد الأجيال والأعوام، لأنّ أسلوبه يوافق عمل خلايا المخّ، وخلايا المخّ وأعصابه تعمل بنفس الطريقة في جميع الأقوام والأمكنة والأزمنة. (1/50)
صفحة 51
لقد أقرّ جميع علماء اللغة بأنّ كلام ربّنا - عز وجل - معجزةٌ فوق البديع والبيان، وفوق ما يعرف الإنسان من روائع فصاحة وبلاغة اللسان، وذلك ليصل بهذا المخّ إلى أقصى درجات عمله وإنتاجه، لأنّ خلايا المخّ وأعصابه تزيد قوّتها، ويرتقي إنتاجها كلّما ازدادت جودة المعلومات التي تتلقّاها.
فبالأسلوب الراقي للقرآن الكريم، وتناسق كلماته وآياته، تجعل ذاكرة قارئه ومتدبّره تعمل عملاً متناسقاً، وبطريقةٍ جيّدةٍ، وتحسّن مستوى أدائها.
وكلّما تعامل الإنسان مع هذا القرآن الكريم بطريقةٍ حسنةٍ، تتغيّر طريقة تفكيره في كلّ مرّةٍ من درجةٍ أدنى إلى درجةٍ أعلى منها، وكلّ فكرةٍ جديدةٍ ترد إلى دماغه من كتاب ربّه - عز وجل -، سوف تقوده إلى شبكةٍ من الأفكار والتداعيّات الأخرى التي لم يكن يفكّر فيها من قبل، والتي لم يكن لها فيما مضى وجود في التفكير، والتي لن يوجد مثلها بعد ذلك أبداً، اللهمّ إلاّ بزيادة التدبّر في كتاب الله - عز وجل -.
وسوف تتوالى وتتكاثر الأفكار داخل الشبكة الخاصّة بخلايا وأعصاب المخّ، وتتطوّر طريقة التفكير لديها، كلّما زاد الشخص الاستزادة من فهم أساليب القرآن الكريم ذات المدلول العالي والجيّد، وسوف تخلق المزيد والمزيد من مجرّات وأكوان التفكير، وتزداد نتيجةً لذلك الروابط المادّية داخل المخّ، فيصبح أكثر رقيّاً وتقدّماً وقوّةً ونجاحاً.
قاعدة
كلّما زاد تعامل القوى العقليّة مع أسلوب القرآن الراقي، كلّما زاد التفكير قوّةً وتقدّماً ورقيّاً
الفصل الرابع
القرآن وبناء الأفكار
القرآن يخلق أفكاراً لا نهائيّة
عمليّة خلق الأفكار هي عمليّة تصوّرٍ داخليّةٌ لا تخضع لأيّة قيودٍ تتعلّق بالعالم المادّي، وأنّه من خلال ذلك يمكننا الذهاب في المستقبل، أو نعود إلى الماضي، وكلّ من يريد ذلك فهو ليس في حاجةٍ إلى الحواسّ الخمس للولوج داخل عالم الأفكار. (1/51)
صفحة 52
والشيء الذي يستدلّ به العلماء على أنّ الإنسان ليس بحاجةٍ إلى الحواسّ ليلج في عالم الأفكار هو أنّه يستطيع القيام بذلك في الأحلام وهو نائمٌ.
والله - سبحانه وتعالى - بحكمته وهو خالق هذه النفس البشريّة قد ساق أفكاراً لا نهائيّة في كتابه الكريم، كي يصل بالقوى الفكريّة لديها إلى أقصى الدرجات الممكنة، فعن طريق تدبّر مثل تلك الآيات التي تسوق مشاهد، تبعث في الخلايا المخّية عند قارئها إلى أعلى قوّةٍ ممكنةٍ في خلق الصور، التي تعدّ هي المقوّمات الأساسيّة لحياة تلك الخلايا، وتقويّة أعصاب المخّ.
قاعدة
إنّنا نفكّر في شكل صورٍ، وأنّ هذه الصور تصبح حقيقتنا الداخليّة
فالله - عز وجل - قد جعل قرآنه الكريم مليئاً بمثل هذه الأفكار التي تأخذ تفكير قارئه إلى أعلى درجات التفكير، لأنّه يعلم أنّها تصبح أشياء تؤثّر في كيفيّة قيادة حياته.
قاعدة
الفكرة هي الخطوة الأولى في عمليّة الحياة
ويقول "رالف إمرسون"
«قيمة الرجل هو ما يفكّر فيه طيلة النهار «.
فالقرآن الكريم بأسلوبه الراقي والشامل لكلّ نواحي الحياة يبني الرؤية الصحيحة داخل العقل، وبذلك سوف يتصرّف المتدبّر لآياته على أساس تلك الرؤية ووفقاً لتلك الصور التي كوّنها داخل العقل.
وبعد مدّة من الزمن سوف تكون هذه الصور التي كانت في البداية عبارةً عن خيالٍ هي المهيمنة في العالم العقلي، وسوف تدور التجربة في الحياة بأكملها حول تلك الصور، وبذلك يجلب الشخص لنفسه التفكّر في خالقه وبارئه ورازقه عند كلّ حركةٍ يتحرّكها، وعند كلّ خطوةٍ يخطوها في حياته، والمؤمن يستقي حكمته في هذه الحياة من عند خالقه. (1/52)
صفحة 53
وكلّ شيءٍ يقوم به الإنسان في حياته وكلّ تصرّفٍ يتصرّف به يكون ناتجاً عن الصور التي وضعها في عقله، وبغضّ النظر عن ظروف الحياة، فهو الذي يكتب ويخرج وينتج تلك الصور العقليّة، لأنّ الظروف لن تحدّد ما ستكون عليه حياته، ولكنّها تكشف فقط عن نوعيّة الصور التي اختزنها، ولذلك فعلى كلّ إنسان يداوم على تلاوة قرآن ربّه - عز وجل - فسوف يكوّن لنفسه صوراً يستطيع أن يعيش بها بكلّ طمأنينةٍ وراحةٍ، مهما كانت الظروف التي تحيط به.
والقرآن الكريم يكوّّن في نفس المحافظ عليه التصوّرات التي يستطيع أن يحيا بها حياةً متوازنةً، مهما كانت الظروف التي يوجد فيها.
فلن يتولّد لدى النفس أيّ إحساسٍ دون أن تكون لديها فكرةٌ تسبق ذلك الإحساس، وكلّ سلوكٍ يعتمد على الأحاسيس التي تعتمد أساساً على الأفكار.
ومثل نفس الإنسان مثل وعاءٍ يعبّأ من أعلاه، وله صنبورٌ يخرج منه المادّة التي ملئ بها الوعاء، فلا يوجد عاقلٌ في هذا الكون، مهما كانت ثقافته يصدّق بأنّه يمكن أن يخرج من ذلك الوعاء مادّةٌ خلاف التي ملئ بها، فإن نحن عبّأناه ماءً، خرج منه ماءٌ، وإن نحن عبّأناه لبناً، أعطانا لبناً، وإن كان ليموناً، تحصّلنا على ليمونٍ، أو ماء زهرٍ، نجد ماء زهرٍ، وإن ملأناه ماءً آسناً، أعطانا ماءً آسناً.
فكلّ نفس إنسانٍ لها منهلٌ تنهل منه، ويخرج منها ما أخذته من ذلك المنهل، فإذا كانت الثقافة التي تحصّلت عليها ثقافةً غير عاليةٍ، فتخرج منها تلك الثقافة الساقطة، وإذا ملأتها بمادّةٍ عاليةٍ مثل ثقافة القرآن الكريم، وعبّأها من دقائق السنّة المطهّرة وأخبار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن بطولات الشرفاء، والعلم الشريف الذي يرقى بتلك النفس إلى أعلى درجات النجاح والتفوّق، فلن يخرج منها إلاّ الحكم والدرر، والحقائق العلميّة المتألّقة، والمواقف النبيلة، وهذا ما تذكره الحكمة:
«وكلّ إناءٍ بالذي فيه ينضح». (1/53)
صفحة 54
فلينظر كلّ واحدٍ من الناس بماذا يملأ نفسه؟ ومن أين ينهل؟ وما الذي يدخل من بصره وسمعه؟، ومنهما إلى قلبه؟، لأنّ السمع والبصر نافذتان، فما يقرأه الإنسان، يعرّفه ويدلّ عليه من هو، فالمرء على دين شيخه.
وإذا بنى خيالاته، وكوّن تصوّراته على أساس من كتاب الله - عز وجل -، وجعل مخّه يتأثّر بأسلوبه وتعابيره، فهو يرقى في تفكيره، ونتيجةً لذلك تصدر منه سلوكاتٌ طيّبةٌ حسنةٌ، لأنّ ما يوجد في تفكيره، سيظهر على سلوكه.
القرآن الكريم يربط العقل بالقلب
لقد جعل الله - سبحانه وتعالى - في أسلوب القرآن الكريم قوّةً روحيّةً تثير حواراً مباشراً بين القلب والعقل، فقد أنزل فيه هذه الروح التي توقظ القلب من غفلته، وأسلوب تفكير يوقظ المخّ من فشله وكسله، كي ينشط في أدائه.
فكلّ إنسان يملك "أنا" ظاهريّةً وأخرى داخليّةً يتحدّثان ويتحاوران فيما بينهما، وهو يختار كلماتٍ تصفه كما هو الآن عليه، والاهتمام بتلاوة القرآن الكريم والمداومة عليها يتكوّن لديه صوتٌ داخليٌّ يقول له:
ــ نعم لكن بمقدورك أن تصبح أفضل من ذلك.
وأسلوب القرآن الكريم يعلّم الأنا الداخلي كلماتٍ طموحةً، تمثّل ما يتمنّاه كلّ إنسانٍ يريد النجاح في مستقبل حياته، مثل أن يقول له صوته الداخلي.
ــ نعم، لكن يجب عليك أن تعمل بجدٍّ، كي تحقّق هذه الكلمات. (1/54)
صفحة 55
فالقرآن الكريم يوضّح لنا القيم الذاتية التي هي البوّابة إلى الالتزام والمبادرة، فقد قام الباحثون في إحدى الدراسات بطرح عدّة أسئلةٍ على مجموعةٍ من الأشخاص حول العلاقة بين قيمهم والتزامهم بالقيام بأعمالٍ متميّزةٍ، حيث وجدوا أنّه عندما تتسّم قيم المجموعة أو المنظّمة التي ينتمي إليها أولئك الأشخاص بعدم الوضوح، أو إذا كان الشخص نفسه على غير وعيٍ بقيمه الشخصيّة، تصبح نتيجة درجة الالتزام بالقيام بأعمالٍ متميّزةٍ لدى هؤلاء الأشخاص تساوي 9،4 درجة على مقياسٍ مكوّنٍ من سبع درجاتٍ، وعندما تكون قيم المجموعة واضحةً، ولكن قيم الشخص غير واضحةٍ يكون الالتزام أقلّ بنسبةٍ طفيفةٍ.
وجاءت ثاني أعلى درجة التزام عندما كان لدى الأفراد رؤيةٌ واضحةٌ للقيم الشخصيّة، ولكن ينقصهم وضوح قيم المجموعة.
وعندما يتمّ المحافظة على القيم الفرديّة واضحةً مع وضوح قيم المجموعة فإنّ الارتباط والالتزام بهذه القيم يسجّل أعلى الدرجات على الإطلاق 26 6. درجة من 7 وبهذا يجب التأكيد على أنّ معرفة القيم الفرديّة تكون ذات أهميّة أكبر من الاشتراك في قيم المجموعة.
ونجد القرآن الكريم يهتم بتوضيح قيم الفرد وقيم المجموعة التي يعيش فيها الفرد، كما يحثّ كلّ فردٍ للمحافظة على قيمه كي يعطي لجماعته قيمتها التي تتقوّى بكلّ فردٍ صالحٍ فيها.
القرآن يتوافق مع التفكير الفطري للإنسان
البشريّة هي من خلق الله - سبحانه وتعالى -، وقد فطرها على فطرٍ كثيرةٍ، لا تستقيم عليها إلاّ بإرشادٍ منه، ولا تفتح مغاليقها إلاّ بمفاتيحه - سبحانه وتعالى -، ولا تعالج أمراضها الفكريّة والنفسيّة إلاّ بالدواء الذي يصفه لها، والذي يصنعه بيده - عز وجل -، وقد جعل في كلامه القرآن الدواء لكلّ داء بشري، لأنّه يعلم وحده ما يليق بها، وما يتماشى مع طبيعتها. قال - سبحانه وتعالى -:
- {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. [الإسراء ـ 82] (1/55)
صفحة 56
فكلّ عاقل في هذه الحياة يفتح القفل بالمفتاح الذي وضعه له صانع ذلك القفل، ويشغّل أيّ جهازٍ يشتريه بالإرشادات والتوجيهات التي يضعها له صانع ذلك الجهاز، وإذا تعطّل ذلك الجهاز يأخذه إلى المهندس المختصّ في تصليحه.
وهذا الجهاز الإنساني العجيب الكريم الدقيق اللطيف العقل لا يعلم مداخله وما يصلح له إلاّ خالقه الذي أبدعه وأنشأه.
- {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. ... [الملك ـ 14]
ومن عدم استخدام كتاب الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم في تفكير العقل جاءت الحيرة للبشريّة، وفقدت رشدها في استعمال عقلها الاستعمال الإيجابيّ، وفسدت حياتها، وذاقت الويلات في مختلف الميادين.
فالقرآن الكريم هو الذي يبعث الوعي في هذا الجهاز، ويجعله يدرك الإدراك العميق لكلّ ما يفكّر فيه، وينشئ فيه تصوّراً صحيحاً للحياة، فيربط واقعه الفكري بالتوجّهات الواقعيّة التي تصلح بها حياته.
فلا بدّ أن يعلم هذا الإنسان أنّ تفكيره لا يرتفع، ولا يستقيم عمل مخّه، ولا يقوى أداؤه إلاّ إذا ارتفع وشرف وقوي مصدر تفكيره، واستقام منبع تصوّراته، واعتمد على أشرف وأعظم المنابع، وليس هناك موجّهٌ لهذا المخّ أعظم من كلام خالقه - سبحانه وتعالى -، بل هو أقوى منشّطٍ له، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله - عز وجل - على خلقه، وشرف التفكير ينبع من شرف المصدر الذي يأخذ منه صاحب التفكير، ولا موضوع أشرف من كلام الله - سبحانه وتعالى -، فعلم القرآن الكريم علمٌ شريفٌ، يجعل عمل المخّ عملاً شريفاً، ويبعد عنه كلّ الأوهام التي تشلّ عمله، وتضعفه.
ففي هذا الكون لا توجد إلاّ حقيقة واحدة يستطيع الإنسان أن يقوّي تفكيره بها، ويبعث عقله من عقال الأوهام التي تضعف أداءه منها، وهي حقيقة كلام ربّنا - عز وجل -، فالقرآن كلّه حقائق، والعقل البشري ينشط ويقوى عندما يعتمد على حقائق لا شكّ فيها، ولا ظنّ.
طبيعة تفكيرنا اليومي (1/56)
صفحة 57
إنّ طبيعة أعمالنا اليوميّة التي نؤدّيها، نعتمد فيها على استعمال بعض عضلات أحد الشقّين دون عضلات الشقّ الآخر، وخاصّةً المختصّين في مادّةٍ من المواد، فتجدهم في اختصاصهم أقوّياء التفكير، يؤدّونه أحسن أداءٍ، بينما تجدهم ضعيفي الأداء في بعض المهارات الأخرى التي لا يستعملون فيها عضلات الشقّ الخاصّ بها.
ففي عصرنا نجد أنّ كلّ واحدٍ من بني آدم قد تخصّص في مهارةٍ واحدةٍ يهتمّ بها، ويستعمل فيها عضلات الشقٍّ التي تتعاون في أداء تلك المهارة، فتقوى عضلات ذلك الشقّ بحكم استعمالها الدائم في ذلك النشاط فقط، بينما نجد باقي عضلات الشقّ الآخر لا تجد الفرصة كي تؤدّي دورها أداءً جيّداً قويّاً، لأنّها قد أهملت في استعمالها في الاختصاص الذي تختصّ فيه.
فالمهندس مثلاً يستعمل قدراته في قياس المساحات، وحساب الزوايا، وما يتعلّق بالبناء باستمرارٍ، فهو بذلك يستعمل عضلات الخيال، مع عضلات الحساب، أمّا عضلات اللغة، فلا يستعملها كثيراً، فتجده ضعيفاً في اللغة وفي التعبير، والأديب يستعمل عضلات اللغة والخيال باستمرارٍ، فتصبح تلك العضلات قويّة، بينما تجد العضلات الحسابيّة ضعيفة لديه، لأنّ لا يستعملها بطريقة منتظمةٍ لفتراتٍ طويلةٍ.
لذلك يقول علماء الذاكرة، إنّ كلّ من يريد أن تكون لديه لياقةٌ ذهنيّةٌ فعليه أن يهتمّ باستعمال عضلات الشقّين معاً في أقصى عددٍ من المهارات، تماماً كما يتدرّب الرياضي على عدّة رياضات كي تكتسب جميع عضلات جسمه المرونة الكافية، لتؤدّي دورها أداءً أحسن، ويكون لديه توازنٌ وانسجامٌ لجميع عضلاته في تلك القدرات.
فكما أنّ بعض التمارين الرياضيّة تدرّب عدداً أقصى من العضلات في آنٍ واحدٍ، وليس عضلة واحدة فقط، فكذلك التمارين العقليّة فكلّما تنوّعت، وفّرت تدريباً لأكبر مجموعةٍ من العضلات المخّية. (1/57)
صفحة 58
وكما أن الجسد لا يصل إلى اللياقة الرياضيّة الجيّدة إلاّ بعد مدّةٍ من التدريبات، فإنّ اللياقة العقليّة لا نتحصّل عليها إلاّ بالتمارين الفكريّة المتواصلة في عدّة تخصّصاتٍ، فكلّ من يريد الوصول إلى ذلك الهدف، عليه أن يتحلّى بالمثابرة في العمل والصبر في تكرار تلك التمارين المتعدّدة.
ويقول علماء الذاكرة:
إنّ أبطال الإبداع العقلي وأصحاب اللياقة العقليّة يتميّزون بصفاتٍ أربع في عضلات مخّهم، وهي:
1ـ القوّة. 2ـ المرونة. 3ـ التحمّل. 4ـ التناسق.
ونستطيع أن نستدلّ على أن هذا الشخص يتميّز باللياقة العقليّة بسرعته في الفهم، وفي اقتراحه للأفكار الإبداعيّة، والنشاط العقلي الجيّد، فكلّ من يريد أن يكون كذلك فعليه أن يستمرّ في التمارين العقليّة إلى أقصى قدرٍ ممكنٍ من الوقت، مع أخذ فترات راحةٍ، والتي يسمّيها الخبراء بفترات استرخاءٍ.
فالإنسان بفطرته يميل إلى إصدار الأحكام التعميميّة والمطلقة، لأنّه لا يريد أن يتعب عضلات مخّه، ولأنّ مؤونتها أقلّ، وجهدها أضعف، وأمّا الأفكار التفصيليّة فهي تتطلّب تفكيراً مركّزا أطول واستخدام لمختلف العضلات المخّية التي لم تتدرّب على تتدرّب على ذلك الاستخدام، وهذا ما جعل كثيراً من الناس أيعتقدون اعتقاداتٍ غير صحيحة ليس لها مرتكزٌ من الواقع الحقيق والمحدّد.
ولكنّ ربّنا - سبحانه وتعالى - الذي أنعم علينا بجهاز التفكير لم يتركنا سدىً، لنبتعد كثيراً عن التفكير الصواب والعميق، بل أنزل إلينا كتابه، ليكون أساساً لبناء تفكيرٍ صحيحٍ قويٍّ ناجحٍ، وليكون عبارة عن منشّطٍ لعضلات المخّ، بمختلف الأفكار التي تركّز عليها، وبذلك يقوى. (1/58)
صفحة 59
والشيء الذي جعل الأمّة الإسلاميّة تضعف في تفكيرها، ويضعف إبداعها أو ينعدم، هو أنّ معظم عناصرها قد بنوا تفكيرهم على بنيةٍ خرافية، والتخلّص منها يحتاج إلى الرجوع الحقيقي والمخلص إلى كتاب ربّهم يبنون به أسس تفكيرهم، ويكوّن فيهم التربيّة المنهجيّة الراشدة، التي دفعت مختلف الأمم إلى هذه الدرجات العالية من الإبداع والقوّة التفكيرية.
القرآن يدعو إلى التخيّل
قال "جون موير":
«قوّة التخيّل تجعلنا خالدين».
يرشد خبراء الذاكرة كلّ من يريد تنشيط خلايا شقّي مخّه أن يؤسّس طريقةً خاصّةً به، وهو أن يختار أماكن مفضّلةً لديه يمكنه أن يتخيّلها، ويستخدمها كطريقةٍ مواضع له، مثل البيت الذي يسكنه، أو المحيط الذي يمارس فيه حياته.
وأوّل خطوةٍ هي أن يؤسّس نحو عشرة أماكن في منزله، يمكنه أن يسير فيها بخياله بنفس الترتيب الذي هو عليه، وبهذه الطريقة يكوّن ترتيباً داخل ذاكرته، يكون محفّزاً لخلاياه فتحافظ على أدائها في كلّ وقتٍ.
وهذا هو كتاب ربّنا مرتّبٌ بطريقةٍ منظّمةٍ وبشكلٍ دائمٍ، وهو كذلك أبد الآبدين لا يتغيّر ولا يتبدّل، ولا يزيد ولا ينقص، وكلّ هذه الصفات تجعله صالحاً ليكون محفّزاً لذاكرة الذي يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، فهو في كلّ مرّةٍ يتذّكر نفس السور، مرتّبةً بطريقةٍ ثابتةٍ دائمةٍ، وأثمانه وأرباعه وأنصافها وأحزابه كلّها على هذا المنوال من الترتيب.
والله - عز وجل - قد أنزل هذا الكتاب المبين وهو مرتّبٌ بنظامٍ يعلمه، وقد جعله موافقاً لعمل ذاكرة عباده، لأنّه أنزل ليحفظ في الصدور، فلا بدّ أنّه يتضمّن تلك الطريقة التي يحفظ بها، فمن بين تلك القواعد أنّه قسّمه إلى مكوّناتٍ كبيرةٍ وأخرى صغيرةٍ، وهي بترتيبٍ أبديٍّ، لا يتغيّر أبداً، وهذا الاستقرار في الترتيب من بين القواعد التي تسهّل حفظه في ذاكرة الذي يريد حفظه. (1/59)
صفحة 60
والترتيب والتتابع والتحليل من نشاطات الشقّ الأيسر، أمّا التخيّل والأبعاد هو من نشاطات الجانب الأيمن، ونحن نضمن من خلال هذه العمليّة نشاط الشقّين معاً، فعندما نتخيّل مواضع الآيات المختلفة في وسط السورة، ثمّ في الثمن أو الربع أو النصف أو الحزب الذي توجد فيه، ونتخيّل الصورة أو الصور التي تصوّرها، فنحن ننشّط الجانب الأيمن، وعندما نرتّبها بتتابعٍ داخل المخّ فنحن نستخدم الجانب الأيسر وبذلك ندفع شقّي المخّ للدخول في حوارٍ مباشرٍ ومستمرٍّ مع بعضهما، حيث يتلقّى أحد الجانبين المعلومة، ثمّ يرسلها إلى الجانب الآخر الذي يعالجها بطريقته الخاصّة به، ثمّ يرسلها مرّةً أخرى إلى الجانب الآخر، وهكذا، وبهذه الطريقة يعمل المخّ بقوّةٍ واستمرارٍ.
وإذا كان العالم الفيزيائي {أينشتاين} يدعو طلبته بأن يسبحوا بخيالهم في أحلام اليقظة، كي يطوّروا تفكيرهم وينمّوا خلايا مخاخهم، فهذا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يأمر أتباعه عن طريق القرآن الكريم الذي جاء به من عند ربّه - عز وجل - كي يسبحوا بخيالهم في ملكوت السماوات والأرض في كثير من الآيات الكريمة.
قد أرشدنا رسولنا محمّدٌ - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك منذ أربعة عشر قرناً، وذلك قبل مولد هذا العالم {أينشتاين} الذي ولد في سنة:1879م، فأمرنا بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، وفي أنفسنا، وفي كلّ شيءٍ من حولنا.
فقال الله - عز وجل -:
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. ... [البقرة ـ 164] (1/60)
صفحة 61
يقول {سيّد قطب} في تفسيره في ظلال القرآن: (1) في الآية الأولى:
«وهذه الطريقة في تنبيه الحواسّ والمشاعر جديرةٌ بأن تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون».
وأنا أقول بأنّ تنبيه الحواسّ يؤثّر على المخّ مباشرةً، لأنّ تلك المعلومات تصل مباشرةً إليه، فإذا فكّر المخّ جيّداً فيما يرد إليه، وتدبّره يقتنع القلب بذلك، فيحدث فيه الأثر الذي يريده ربّنا - عز وجل - من ذلك.
ثمّ يتابع {سيّد قطب} ويقول:
«وهي دعوةٌ للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أوّل مرّةٍ مفتوح العين، متوفّز الحسّ، حيّ القلب، وكم في هذه المشاهد المكررة من عجيبٍ، وكم فيها من غريبٍ».
وهذه الأبعاد الهائلة والأجرام الضخمة والآفاق الواسعة، والعوالم المجهولة، تحرّك في الإنسان قدرات قواه الفكريّة، فتنمو وتتّسع مداركه، حتّى دون أن يعرف شيئاً عن حقيقة أبعادها وأحجامها وأسرارها معرفةً كاملةً، والتي يكشف الله - سبحانه وتعالى - للبشر عن بعضها شيئاً فشيئاً وخطوةً خطوةً.
{لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. يقول "سيّد قطب رحمه الله - سبحانه وتعالى -:
«نعم لو ألقى الإنسان عن عقله بلادة الغفلة والألفة، فاستقبل مشاهد الكون بحسٍّ متجدّدٍ، ونظرةٍ مستطلعةٍ، وقلبٍ منوّرٍ بالإيمان، ولو سار في هذا الكون كالرائد الذي يهبط إليه أوّل مرّةٍ، تلفت عينه كلّ ومضةٍ، وسمعه كلّ نغمةٍ، وحسّه كلّ حركةٍ، وتهزّ كيانه تلك الأعاجيب التي ما تفتأ تتوالى على الأبصار والعقول والقلوب».
ويقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}. ... [يونس ـ 101]
يقول {سيّد قطب} في تفسير هذه الآية:
__________
(1) تفسير في ظلال القرآن: جزء: 1، ص:152. (1/61)
صفحة 62
«إنّ المخاطبين بهذا القرآن الكريم أوّل مرّةٍ، لم يكن لديهم من المعرفة العلميّة بما في السماوات والأرض إلاّ القليل، ولكنّ الحقيقة الواقعة هي أنّ بين الفطرة البشريّة وبين هذا الكون الذي تعيش فيه لغةٌ خفيّةٌ غنيّةٌ، وأنّ هذه الفطرة تسمع لهذا الكون ـ حين تتفتّح وتستيقظ ـ وتسمع منه الكثير».
ولا شكّ أنّ هذه اللغة الفطريّة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - بين اللغة الفطريّة البشريّة وبين لغة الكون وما فيه من المعجزات والمخلوقات العظيمة يقوم بها العقل البشري، إذا ما كان تفكيراً إيجابيّاً قويّاً.
والنظر في السماوات والأرض يبعث في خلايا المخّ زاداً من الأفكار التي تستجيب للتأثّرات التي تصدر من هذا التخيّل الذي ينشأ فيها من خلال التفكّر في هذا الملكوت، فتنمو معارف هذا الإنسان الذي يرشده ربّه - عز وجل - إلى السفر بفكره بعيداً بعيداً في سعة الكون، وطلب الله - سبحانه وتعالى - لهذا الإنسان للنظر إلى في ملكوت السماوات والأرض يعدّ وسيلةً من الوسائل التي تحيي جهاز التفكير لديه.
ويقول الله - سبحانه وتعالى - في آية سورة آل عمران:
- {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. [آل عمران ـ 191]
ففي هذه الآية يبيّن الله - سبحانه وتعالى - أنّ المؤمنين الحقيقيّين يستعملون هذا الجهاز الذي وهبه لهم ربّهم - عز وجل - ليسافر بهم في هذا الخلق العظيم الموجود حولهم، ويقرؤون في هذا الكتاب المفتوح، ليكوّن فيهم إدراكاً سليماً، وتفكيراً قويماً، يتّصل بحقيقة الكون التي أودعها الله - عز وجل - فيه؛ فهم يتدبّرون فيما تحويه تلك الصفات. (1/62)
صفحة 63
وقد اعتبر الله - عز وجل - ذلك من صميم العبادة، ومن حقيقة الذكر لله - عز وجل -، لأنّ ذلك التدبّر يدفعهم إلى تعظيم خالق الكون، وإلى الشعور بجلاله وفضله، فتتفتّح بصيرتهم للحقائق الكبرى التي يتضمّنها هذا الكون الواسع، فيتّسع تفكيرهم اتّساعاً كبيراً، ومع ذلك فمن المحال أن تتّسع عقول البشر جميعاً لتدرك بعض أسرار هذا الكون، فكيف به عقلٌ واحدٌ من عقول العلماء، أو العباقرة، وما فتئت البشريّة تبحث وتدرس وتتعلّم، ولكن ما أوتيت من العلم إلاّ قليلاً.
وقد ذكر خبراء الذاكرة بأنّ خلايا مخّ الإنسان تتّسع لأفكارٍ بقدر ذرّات الكون.
وأفكار القرآن الكريم ليس لها نهاية، فهي تفتح بصائر الخلق بتدبّر تلك الآيات الكريمة، لتستقبل الآيات الكونيّة المتنوّعة، وتدركها بخيالها، فتفتح منافذ الطاقة التفكيريّة في المخّ، وتتّصل بحقيقة الكون التي أودعها الله - سبحانه وتعالى - إيّاه، ويدرك الغاية التي وهب له من أجلها هذه الطاقة المخّية، وبذلك يلهم الفطرة التي جعلها خالق هذا الكون وهذا الإنسان بين القلب البشري ونواميس هذا الوجود.
يقول "سيّد قطب" في تفسيره: في ظلال القرآن (1):
«والسياق القرآني يصوّر الحركة النفسيّة التي ينشئها استقبال مشهد السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصويراً دقيقاً، وهو الوقت ذاته تصويرٌ إيحائيٌّ، يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح في التعامل مع الكون، وفي التخاطب معه بلغته، والتجاوب مع فطرته وحقيقته، ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب معرفةٍ للإنسان المؤمن الموصول بالله - عز وجل - وبما تبدعه يد الله - عز وجل -.
الفصل الخامس
نشاطاتُ الشقّ الأيمن
الشقّ الأيمن
__________
(1) في ظلال القرآن: جزء: 1، ص: 545. (1/63)
صفحة 64
لقد اكتشف {سبري} بأنّ الشقّ الأيمن يختصّ بنشاطاتٍ غير موجودة في الشقّ الأيسر، وكنتيجة لذلك الاستنتاج، توصّل إلى أنّ الملايين من الناس عندما اطّلعوا على هذه الحقائق، صاروا يقومون بتمارين مختلفةٍ تضمن لهم تنشيط الشقّين معاً.
وعندما بدأ الخبراء بتدريب بعض الناس على بعض النشاطات المختلفة والتي تضمن تدريبات الشقّين معاً، لاحظوا تطوّر التفكير الإيجابي لدى أغلبيّة المشاركين في تلك التدريبات، كما ازدهر عمل الخلايا المخّية لديهم، وزادت اتّصالات الأعصاب الرابطة بين تلك الخلايا، وذلك بصرف النظر عن عمر كلّ مشاركٍ.
كما أنّهم اكتشفوا أنّ هذه التقنيّات التي تنشّط الشقّين قد عادت بالنفع على المهارات القديمة الموجودة لدى المخّ، ودعّمتها بشدّةٍ.
وكلّ مخاخ بني آدم تحتاج إلى مثل هذه النشاطات إذا أراد صاحبه أن يوازن بين الشقّين الأيمن والأيسر، وإذا لم يُحقّق هذا النشاط تحقيقاً متوازناً بين الشقّين فسيصبح الذكاء غير متميّزٍ.
فلكي يفحص الشخص هل الجانب الأيسر لمخّه يؤدّي دوره بطريقةٍ جيّدةٍ وإيجابيّةٍ، فعليه أن يسأل نفسه بكلّ بساطةٍ عمّا إذا كان يستطيع فهم لغةٍ من اللغات ويجيد التحدّث بها، وإذا كان نعم، فهذا الشقّ يؤدّي نشاطه أداءً متطوّراً، وبطريقةٍ أفضل من أيّ جهاز كمبيوتر، لأنّه لكي يتعلّم اللغة فمن المؤكّد أنّه استخدم المهارات الخاصّة بهذا الجانب من مخّه، وذلك مثل المهارات العدديّة والمنطق والتحليل والتسلسل.
والله - عز وجل - قد جعل كثيراً من الأحداث والأسماء والقصص مرتّبةً ترتيباً منظّماً ومنسّقاً، لأنّه يعلم أنّ ذلك يزيد من قدرات المخّ للوصول إلى المعلومة التي يرغب في تذكّرها، لأنّه بذلك يستطيع فهم كيفيّة القيام بذلك، وذلك لأنّه قد حفظها من قبل على أساس وقواعد ذلك الترتيب والتسلسل. (1/64)
صفحة 65
فالله - سبحانه وتعالى - جعل لعباده هذه الطريقة في كتابه، لأنّ الذاكرة قد صمّمت بطريقةٍ تستخدم بها مثل هذا الأسلوب، وإذا فهم الإنسان كيف يقوم بذلك، فسيؤدّيه بشكلٍ رائعٍ، وستصنع ذاكرته المعجزات في حفظ مختلف المعلومات.
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}
من النشاطات التي يقوم بها الجانب الأيمن تحسين الصوت، وهذا ممّا يبعث الهدوء فن النفس، فتعمل القوى العقليّة بأقصى طاقاتها، فيزيد في حفظها واستيعابها، قال الله - عز وجل -:
- {{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}. ... [المزمّل ـ 4]
لقد اكتشف الخبراء من خلال عدّة تجارب أنّنا لا نسمع الأصوات بواسطة الأذن فقط، وإنّما نسمعها أيضاً بواسطة حاسّة اللمس، وهذه حقيقة توصّل إليها الخبراء من خلال بحثٍ أخيرٍ أجرته جماعةٌ من الباحثين في جامعة بريتيش كولومبيا، ـ بفانكوفرـ
وهناك أبحاثٌ أخرى كثيرةٌ تبيّن فيها للدارسين بأنّ السمع والبصر يعملان معاً، يتعاون أحدهما مع الآخر، كي تتوضّح المعلومة التي ترد إلى الذهن، وقد زادت هذه الدراسة الأخيرة إلى ذلك بأنّ حاسّة اللمس تعين على ذلك، أي نحن نشعر كذلك بالأصوات، ولا نسمعها فقط.
وربّما نستطيع أن نفسّر بذلك الآية التي يقول فيها ربّنا - سبحانه وتعالى -:
- {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر ـ 23]
يقول {براين جيك} الأستاذ بجامعة "بريتش كولومبيا":
«عزلنا الصوت بعيداً عن الأذن والعين، وفحصنا الجسم لنسأل أنفسنا، هل يستمدّ الجسم المعلومة من أعضاء أخرى، مثلاً: من خلال الركبة، وكانت النتيجة أنّ الجسم كان موصلاً للصوت». (1/65)
صفحة 66
كما أجرى {جيك} وفريقه العلمي تجربةً معمليّةً تركّز على الأصوات التي تتضمّن خروج زفيرٍ قصيرٍ من الهواء له صوتٌ مسموعٌ عند النطق بها، مثل: ـ با ـ تا ـ وتجربةً معمليّةً أخرى ترتكز على الأصوات التي لا تتضمّن مثل ذلك الصوت، مثل: صوت الحرف ـ B ـ دا ـ.
وقد طلب الفريق من المتطوّعين معصوبي الأعين الإصغاء إلى تسجيلات لهذه الأصوات، وأن يضغطوا على زرٍّ ليشيروا إلى الصوت الذي وصل إلى مسامعهم من بين الأصوات التي تستعمل في الاختبار.
وكان الخبراء يوجّهون نفخةً هيّنةً يسيرةً من الهواء مصاحبةً لأصواتٍ معيّنةٍ نحو كفوف أيدي أحد المجموعات المتطوّعة، ومجموعةٌ أخرى توجّه إليهم نفخة الهواء إلى أعناقهم، ومجموعةٍ ثالثةٍ لا توجّه إليهم أيّ نفخاتٍ من الهواء؛ فكان أفراد المجموعتين الأوليين تميل عن طريق الإيهام إلى سماع ما يحلو لهم سماعه من كلماتٍ، ممّا يفترض أنّ حاسّة اللمس تلعب دوراً في عمليّة السمع.
يقول {جيك}:
«هناك الكثير من الأدبيّات الواردة حول تعبيرات الوجه، ولكن لم يفكّر أصحابها فيما تعنيه لغة الجسد، ولو أنّك تستطيع التقاط الكثير من المعلومات عبر لغة الجسم عند شخصٍ ما، يبقى من المعقول استنتاج أنّنا نستطيع إدراك المعلومة بواسطة أجسادنا».
وفي تجارب معمليّةٍ أجريت في مراكز أخرى، فقد طلب الباحثون من بعض الأفراد أن ينظروا إلى صورٍ متحرّكةٍ، يقول {جيك}:
«إنّه بمجرّد أن ترى وجهاً متحرّكاً، فإنّك تتعامل معه بواسطة الجزء البصري من مخّك، ولكن إذا ما تحدّث هذا الوجه فجأةً، فإنّ قشرة مخّك السمعيّة سوف تنشط».
ويريد الأستاذ {جيك} أن يثبت من خلال أبحاثه أنّ جسم الإنسان كلّه هو عبارة عن جهاز يدرك ما حوله بكامل أجزائه. (1/66)
صفحة 67
ونستطيع أن ندعّم هذه النظريّة بما أنزل الله - عز وجل - من كلامه القرآن الكريم وجعله عبارةً عن أصواتٍ، وجعل موسيقاه داخل حروفه وكلماته التي يجب أن يقرأها القارئ بترتيلٍ وتجويدٍ وترنيمٍ إيقاعيٍّ، كي ينتج عن ذلك موسيقى طبيعيّةً موجودةً في صوت الإنسان نفسه.
ألا يعدّ هذا من المعجزات الكثيرة والمتعدّدة التي يحملها كلام ربّنا - عز وجل - الذي يعدّ وسيلةٌ لتنشيط الشقّ الأيمن من المخّ، كي يقوى، فيؤدّي عمله الذهنيّ كأحسن ما يكون، كما يكون علاجاً لكثيرٍ من الضغوطات النفسيّة، بل يكون وسيلةً وقائيّةً لمنع ظهور أو تفاقم كثيرٍ من الأمراض.
وإذا كان الإنسان يبتكر بطريقته وعلمه المحدود أصواتاً وترانيم علاجيّةً، والتي يتعلّم فيها الناس كيف يستخلصون من أصواتهم نغماتٍ عاليّة النقاوة تدخلهم في حالات من التأمّلات الهادفة والعميقة الأغوار والتي توصلهم إلى حالة من الصفاء العقلي والسلام الداخلي، وهذا الصفاء العقلي والسلام الداخلي الذي يجعل الغدد الداخليّة في الجسم تفرز هرموناتها بشكلٍ معتدلةٍ متوازنةٍ ممّا يجعل القوّة الدفاعيّة الطبيعيّة التي أودعها الخالق - جل جلاله - داخل الجسم تقوم بعملها كأحسن ما يكون، فلماذا لا نعتمد نحن المسلمون على كلام ربّنا الذي أنزله نقيّا قويّا ومعجزا، إذا تلاه الإنسان بصفاء ووقار وسكينة، فإنّه يبعث في نفسه السلام والوئام والسكينة، والتي هي من الأسباب الرئيسيّة للشفاء النفسي الذي هو عمدة وركيزة للشفاء الجسدي.
وعند اهتمام المريض بتلاوة كلام الله - عز وجل - أو الاستماع إليه بذلك الصوت المجوّد والمرتّل بشكلٍ حسنٍ، فإنّه بذلك يشغل الأعصاب التي تنقل الإحساس بالألم إلى المراكز الموجودة في الدماغ، فلا يحسّ بألمٍ كبيرٍ، وهذا ما يجعل الأطباء يستطيعون القيام بعمليّةٍ جراحيّةٍ مثلاً بكلّ شجاعةٍ وكلّ إتقانٍ، عندما يُشغلون المريض بمثل تلك الأصوات التي يركّز عليها بكلّ اهتمامٍ. (1/67)
صفحة 68
الذبذبات الصوتيّة
يأمر العلماء والأطبّاء كلّ واحدٍ أن يترنّم ما شاء لكي يتمتّع بصحّة جيّدة تامّة، فالذبذبات الصوتيّة تلعب دورا مهمّا في سلامة البنية، إذ أنّ الابتهال ببعض الألحان الصوتيّة المحبّبة يجعل الغدد تهتزّ، وتنشط، فتتمكّن من تطهير أجسامنا من أدرانها.
وإذا كان كذلك فأنا أقول بأنّ تلك الغدد تفرز الهرمونات اللازمة لتدمير تلك الشوارد الحرّة المترسّبة في مختلف أجهزة الجسم، والتي تدمّر خلاياها، خاصّة الجهاز العقلي الشديد الحساسيّة.
لقد ثبت لكثير من الخبراء الذين أجروا كثيراً من التجارب على الشعوب التي تعتبر الترانيم من عاداتها وتقاليدها أنّه بتكرار تلك الألحان والترانيم، يستعيد العليل صحّته لما لها من تأثيرات اهتزازيّة مهدّئة على الناحيّة الذهنيّة والتي تؤثّر بدورها على الناحية النفسيّة والجسميّة، وقد تبيّن لهم بأنّه من خلال التنفّس العميق الصحيح والذبذبات الصوتيّة، يمكنهم تحقيق هدفهم الثلاثي الأسمى، وهو:
سلامة البنية الجسميّة، واطمئنان الفكر، والتفتّح الروحي.
إلاّ أنّ ضوضاء المدنيّة وضجيجها قد داهمت الإنسان فدفعت به إلى أن يعيش بعيداً عن ما تحتاج إليه نفسه من الهدوء والسكون، بل سلطت عليه ما يؤثّر فيه تأثيراً سلبيّاً، ممّا يملأ نفسه بالقلق والاضطراب وعدم التوازن، وأبطلت ويا للأسف كثيراً من عاداتنا التقليديّة في البيوت، وذلك مثل ترنّم الأمّهات في البيوت وهن يقمن ببعض الأعمال، ومناغاتهنّ لأولادهنّ وقت الإرضاع، وعند أخذه إلى النوم.
إنّ كثيراً من الناس القدماء كانوا يحيون حياةً طبيعيّةً، خاليّةً من مختلف التعقيدات التي تؤثّر تأثيراً سلبيّاً في النفس، فقد كانوا يقومون بأعمالهم جماعيّاً، ويؤدّون كثيراً من الترانيم، فتزيد للنفس إقبالاً على العمل، ممّا غددها إلى إفراز الهرمونات التي تجعل الخلايا والأجهزة في حالةٍ طبيعيّةٍ متوازنةٍ. (1/68)
صفحة 69
فعلينا ألاّ نكون مجرّد مستمعين لتلك الترانيم، بل على كلّ واحدٍ منّا أن يعلّم نفسه تأديّة بعض تلك الترانيم من حينٍ لآخر، والحمد لله أنّه قد أنزل علينا القرآن الكريم الذي أمرنا أن نقرأه بترتيلٍ، والذي هو عبارة عن ترنيمٍ، يبعث في الخلايا النشاط والتوازن، خاصّةً وأنّه هو الذي خلق تلك والنفس والخلايا فهو أعلم بما يصلح لها، وتصلح به، فأنزل لها القرآن الكريم ليكون لها أحسن دواءٍ، وأحسن شفاءٍ.
فعلى كلّ واحد منّا أن يحاول بين الحين والآخر أن يترنّم ببعض الأشعار، أو الأناشيد الإسلاميّة، وما أكثرها في المجتمعات الإسلاميّة، وذلك بصوتٍ عالٍ، حتّى وإن كان لا يتمتّع بصوتٍ شجيٍّ، لأنّ ذلك الترنيم المرتفع يحدث التأثير المرغوب على الجهاز الغددي، وأنّ الذبذبات الصوتيّة المتكرّرة والمرتفعة تؤثّر على الغدد، فتجعلها تفرز هرموناتٍ تصحّح العيوب الجسديّة، سواءً كانت تلك العيوب في الخلايا، أو في المعدّة (كالقرحة مثلاً)، أو كانت صداعاً في نصف الرأس، أو تشويهاً عضويّاً.
وعلى كلّ شخصٍ عاقلٍ يريد الشفاء لنفسه أن يهتمّ بأداء بعض الترانيم بصوتٍ عالٍ، واهتمامٍ زائدٍ، وبصورةٍ منتظمةٍ، فالصوت العالي نثراً كان، أو ترنيماً، يلعب دوراً رئيسيّاً في الحفاظ على سلامة صحّتنا، لصلته المتينة بالطاقات الداخليّة التي يطلقها الابتهال من عقالها، لذا فجميع الاحتفالات الدينيّة في كافّة أنحاء المذاهب السماويّة ترافقها الترانيم الشجيّة.
ترتيل القرآن الكريم في الصلاة
إنّ ترتيل القرآن الكريم في الصلاة حسب قواعد التجويد، يعمل على تنظيم التنفّس خلال تعاقب الشهيق والزفير، وهذا يؤدّي بدوره إلى تخفيف التوتّر بدرجةٍ كبيرةٍ، كما أنّ حركة عضلات الفم المصاحبة للترتيل، تقللّ من الشعور بالإرهاق، وتكسب العقل نشاطاً وحيويّةً، كما ثبت في بعض الأبحاث الطبيّة الحديثة. (1/69)
صفحة 70
ومن أجل هذه النتائج الطيّبة الإيجابيّة للترانيم الشجيّة والابتهالات، أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده المؤمنين أن يرتّلوا القرآن ترتيلا.
فقال الله - عز وجل -:
- {{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}. ... [المزمّل ـ 4]
وهو - سبحانه وتعالى - يعلم ما تحتاجه النفوس الإنسانيّة من تلك الترانيم والابتهالات الشجيّة، فأنزل عليهم قرآنا يتلى بقواعد تلاوةٍ وتجويدٍ حسنةٍ تبعث في النفوس الطمأنينة، وتملأها راحةً وسكوناً، وبذلك يتحقّق فيه قوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. ... [الإسراء ـ 82]
لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعظم مخلوق حفظ القرآن عن شديد القوى، وهو الذي علّمه قدره وفضله.
وكيف لا وهو الذي كان يتلقّاه من أمين الوحي، جبريل - عليه السلام -، عن ربّ العزّة - جل جلاله -.
لذلك لم يترك وسيلةً إلاّ بيّنها لأتباعه في بيان فضله، وإبراز قدرته، والدعوة إليه.
ــ فتارة يبيّن أنّه يجب أن يسمعه، ويطرب لسماعه، ويتأثّر ويبكي.
ــ وتارة يثني على قارئيه وسامعيه بالخير والثناء الجميل.
ــ وتارة يبيّن بعض ما يتحصّل عليه قارئه من الأجر والثواب.
ــ وتارة يذكر ويقول بأنّه من أجلّ نعم الله - عز وجل - على عباده.
ــ وتارة يكرم حملته، ويقدّمهم ويظهر فضلهم على غيرهم، إلى غير ذلك من الأساليب الكثيرة والعظيمة في بيان فضل القرآن الكريم.
وقد نظّم الله - سبحانه وتعالى - ألفاظ القرآن الكريم، وضمّ بعضها إلى بعضٍ في تأليفٍ دقيقٍ بينها وبين المعاني، فيجريان معاً في سلاسةٍ وعذوبةٍ.
كما جعل في الآيات نغماً موسيقيّاً، والذي يشمل النظم والإيقاع الداخلي في الآيات، وهو الذي ينجم من تآلف الحروف، ومن الفواصل واطّرادها، أو اختلافها. (1/70)
صفحة 71
والأمثلة على ذلك في القرآن الكريم أكثر من أن تعدّ وتحصى، وهي تشير إلى أنّ جرس المفردات القرآنيّة يوحي بمعناها قبل أن يوحي مدلولها اللغوي عليه، فهو بذلك يسترعي الأسماع، ويستهوي النفوس بطريقةٍ لا يمكن أن يصل إليها أيّ أسلوبٍ آخر، ولو اجتمعت على تأليفه الإنس والجنّ.
الإيقاع: كلّ من يلقي سمعه إلى الإيقاعات الصوتيّة لآيات القرآن الكريم، وهي تصدر من مجوّدٍ لها بصوتٍ عذبٍ متقنٍ، وتوقيعٍ عجيبٍ، وهو بعيدٌ عن ذلك القارئ، يشعر من نفسه، ولو كان أعجميّاً بأنّه أمام لحنٍ غريبٍ ليس من وضع عقل البشر، فهو يفوق في حسنه وجماله كلّ ما عرف من توقيع الموسيقى وترنيم الشعر؛ وهذا الجمال الإيقاعي والحسن الصوتي الذي أودعه الله - سبحانه وتعالى - في آيات كتابه الكريم، والتناسق الفنّي، يحسّ معها الجانب الأيمن في إيقاعه وترجيعه بلذّة، لا يجدها في غيره من الكلام، ممّا يجعله يعمل عملاً متناسقاً متوافقاً، فيميل إلى حبّه، والرغبة في حفظه.
ولقد اكتشف علماء الذاكرة بعد دراساتهم المتعدّدة أن الإيقاع الموسيقي الذي لا ترافقه كلماتٌ غنائيّةٌ، له أثره البليغ في تطوّر القدرات الذهنيّة لدى الأشخاص الذي يتعاملون مع مثل هذه الموسيقى، وذلك مثل سوناتات المسيقار "موزارت".
وقد أثبتت التجارب إمكانيّة تحفيز بعض مناطق المخّ المسؤولة عن التحكّم في عمليّات التذكّر والاتّزان الحركي العصبي بواسطة الاستماع إلى بعض المقاطع الموسيقيّة التي لا ترافقها الكلمات، لأنّ تلك المناطق تتأثّر بالإيقاعات والفواصل والتغيّرات والتقلّبات اللحنيّة الموجودة في الموسيقى الموضوعيّة.
ويمكن أن يكون الإيقاع الذي يتعامل معه الشقّ الأيمن للمخّ عبارة عن التجويد، وقراءة القرآن بالترتيل وبالقواعد، والله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - يأمران المسلمين أن يقرأوا القرآن الكريم بترتيل. (1/71)
صفحة 72
- {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}. ... [الفرقان ـ 32]
- {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}. ... [المزمّل ـ 4]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:عن سعد بن أبي وقّاص - رضي الله عنه -:
«ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن «(1)
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«ما أذن الله لشيءٍ ما أذن لنبيٍّ أن يتغنّى بالقرآن «(2)
قال ابن بطّال: «المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن»، أي زيّنوا أصواتكم عند تلاوة القرآن، وذلك بالمدّ والترتيل، والمهارة في القرآن جودة التلاوة بجودة الحفظ، فلا يتلعثم، ولا يتشكّك، وتكون قراءته سهلة بتيسير الله - سبحانه وتعالى -، كما يسّره على الكرام البررة».
وقال "ابن حجر" ـ رحمه الله ـ «والذي يتحصّل من الأدلّة أنّ حسن الصوت بالقرآن الكريم مطلوب، فإن لم يكن حسناً، فليحسّنه ما استطاع، ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم، فإنّ الصوت الحسن يزداد حسناً بذلك، وإن خرج عنها أثّر ذلك في حسنه».
الترتيل: رتّل فلان كلامه، إذا أتبع بعضه بعضا على مكث وتفهّم من غير عجلة، وهو الذي نزل به القرآن. قال - سبحانه وتعالى -: - {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}
[الفرقان ـ 32]
وروي عن زيدٍ بن ثابتٍ - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنّ الله يحبّ أن يُقرأ القرآن كما أنزل» وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - نبيّه فقال له:
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}.
والجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحدٍ ممّن يسمع القرآن، حتّى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟.
وتجويد القرآن الكريم وتلاوته يشجّع الإنسان على سماعه والتعلّق به وحفظه، كما أنّ المقام يحبّب إليه النشيد الإسلامي.
يقول الشيخ زهير العبيدي:
__________
(1) أخرجه أبو داود.
(2) أخرجه البخاري في الفتح. (1/72)
صفحة 73
«والمقام هو لحنٌ يخرج من الصوت، وهو الطابع الموسيقي الذي يمتاز به صوتٌ معيّنٌ، وله أنواعٌ مختلفةٌ».
أنواعه جمعت في كلمتي [صنع بسحر].
والقراءة بقواعد التجويد تؤثّر في النفس الإنسانيّة، وتحبّب إليها الاستماع إلى القرآن الكريم، وتسهّل عليها حفظه حفظاً صحيحاً، كما أنّها تعوّدها على الترتيل منذ الصغر، وتشعر براحةٍ عند السماع لتلك الألحان.
فعلى القارئ أن يزيّن صوته بالقرآن الكريم قدر الإمكان، إذا أراد أن يتأثّر حقّا ويحبّه، ويتعلّق به، فلا يقلق أبداً من سماعه، والإنصات إليه.
وغير ذلك كثير يجده القارئ عند قراءته لبضع آياتٍ من القرآن الكريم، فإذا ما اجتمع في القراءة الترتيل الصحيح، حيث التأثّر بالنظم والجرس، مع التدبّر والفهم حيث التأثّر بالمعنى، تولّدت القوّة الروحيّة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الحكيم، وصارت القوى التفكيريّة لدى القارئ في انتباهٍ تامٍّ، ممّا ينشّط الخلايا المخّية، ويقوّي الأعصاب التي تربط بينها.
كما أمر الله - عز وجل - بالاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم بانتباهٍ وتركيزٍ، لأنّ الذي يقرأه لا بدّ أنّه يقرأه بصوتٍ حسنٍ جيّدٍ، فقال - عز وجل -:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
[الأعراف ـ 204]
لذلك قال العلماء: «إنّ السماع رسول العلم إلى العقل».
وكم في القرآن الكريم من آياتٍ ينبّه الله - سبحانه وتعالى - فيها إلى السماع الإيجابي، ويدعو إلى السماع الاستجابي، ويحذّر من عدم السماع.
- {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}. [الأنفال ـ 21]
والدليل بأنّ عقل هذا الإنسان ينمو ويتطوّر بالاستماع إلى الصوت الحسن أنّه يحبّ سماع الغناء، ويميل إليه، ويتفانى في قضاء وقته وعمره فيه، في حين أنّه يضرّ قلبه، ويغويه، ويبعده عن اتّباع الحقّ. (1/73)
صفحة 74
قال بعض العلماء: «إنّ مأساة الأمّة الإسلاميّة هو الغرق في الغنى والسماع إليه»
فهؤلاء الذين يدمنون على سماع الغناء يسأمون من القرآن، ويملّون منه، ويضجرون من سماعه، لأنّهم أصبحوا سكارى بالغناء، والذي يسمع إلى الحقّ بعقله، يشبع نفسه بترتيل القرآن الكريم، وتجويده، فيعوّضه ذلك عن سماع الغناء والتلذّذ به، لأنّه يتلذّذ بالتغنّي بالقرآن الكريم.
فما على المؤمن إلاّ أن يستغلّ هذا الكتاب الكريم لتحقيق الحسن في التقويم، وهذا الحسن يشتمل كلّ النواحي التي تتكوّن منها نفسه وجسمه، سواء من الجهة الروحيّة، أو الجسميّة، أو العاطفيّة، أو الفكريّة، لأنّه يهتمّ بمختلف الأساليب التي تستطيع أن تطوّر جميع تلك النواحي.
إذن فعلينا أن نستغلّ قرآن ربّنا - عز وجل - في تدريب ما نسمّيه خطأً بمناطق الضعف في قدراتنا العقليّة، فعندما نُخضع هذه القدرات لتأثير أسلوبه، فإنّها ستكون قابلةً للتطوّر والازدهار بإذن الله - سبحانه وتعالى -، بصرف النظر عن العمر الذي نكون فيه، وهذا هو السرّ العظيم الكامن في هذه المعجزة القويّة التأثير.
والشيء الوحيد الذي يجب أن نهتمّ به هو تكوين معلّمين أكفاء مهرة، يهتمّون بهذه الجوانب المتعدّدة الموجودة في كتاب الله - عز وجل -، وتعليمها للنشء الصاعد شيئاً فشيئاً، والغرض الجليل من هذا التدريب هو تنشيط شقّي المخّ معاً للطلبة، كي يصبحوا عباقرةً ومبدعين في كلّ الميادين بإذن الله - عز وجل - وكلّ ذلك يكون في مختلف مراحل التعليم المتقدّمة، وذلك حين يبدأ الطالب في زيادة التركيز والإدراك الجيّد لما حوله من الأشياء والتصوّرات والأفكار. (1/74)
صفحة 75
إنّ كلّ واحدٍ من الناس يحتاج إلى مثل هذا التوازن بين شقّي مخّه، الأيمن والأيسر، لأنّه إن لم يتحقّق ذلك، فسيصبح غير متأثّرٍ به، فما لم يتأثّر جانبي المخّ معاً، ويصبحا في توازنٍ فعّالٍ، وذلك في أيّ نظامٍ نطبّقه لتطوير الذكاء، أو إدارة الذات، فلن نستطيع أن نغيّر من إبداعنا وأفكارنا.
ومعظم المجتمعات عبر العالم قد طوّرت فنون دراسة الذاكرة وتطويرها وكيفيّة عملها، والمحافظة عليها إلى مراحل متأخّرةٍ من العمر.
والمسلمون لديهم كتاب ربّهم يستطيعون أن يدرسوا جيّداً طرق تلقيه وتحفيظه، فقد جعل الله - عز وجل - فيه كلّ الأساليب المختلفة التي تحتاجها الذاكرة لتتطوّر وتتقدّم إلى الأمام.
وقد اكتشفوا من جهةٍ أخرى أنّه يجب على من يريد أن يحافظ على نشاط ذاكرته وعملها وقوّتها بنظام دون إرهاق أو تعب أن يوفّر لها فترات من الاسترخاء العميق والتأمّل، وتلك الفترات يمكن أن تكون بسيطةً جدّاً ولكنّها فعّالة وذات نتيجةٍ حقيقيّةٍ.
ــ وكتاب الله - عز وجل - القرآن الكريم يوفّر لمن يتعامل معه مثل تلك المؤثّرات والمحفّزات.
ــ ومن فضل الله - سبحانه وتعالى - الكبير على هذه الأمّة الإسلاميّة أن حدّد لها الهدف من حفظ كتابه الكريم، وبيّن لها الغاية من ذلك، وجعلها واضحةً وبسيطةً جدّاً، فحفظه وتدبّره سببٌ من أسباب الهداية، والاعتبار بما يرويه من قصص الأوّلين.
الإدراك
جاء في المنجد:
أدرك المسألة: علمها، وأدرك الشيء ببصره: رآه.
الإدراك: القوّة المدركة، ورجل مُدركة: شديد الإدراك، والتاء للمبالغة، لا للتأنيث.
المُدركات، والمدارك: الحواسّ، وهي خمسةٌ.
وإدراك ما في القرآن الكريم من المعاني، واستيعاب ما فيه من الحكم والأسرار يكون أقوى وأعمق بالإدراك الروحي السامي، وهذا ما يزوّد القارئ للقرآن الكريم بمدخل إلى السعادة الأبديّة، والتي تكون بدايتها من هذه الحياة، أي وهو حيّ يرزق، وهذا هو معنى قوله - عز وجل -: (1/75)
صفحة 76
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. ... [الرعد ـ 28]
فبتلاوة القرآن الكريم بتدبّرٍ وتفكّرٍ يصل الإنسان إلى إدراك حقيقة نفسه السامية التي خلقه الله - سبحانه وتعالى - عليها، لأنّ توجيهاته تدفعه إلى التأمّل والاتّصال بالمصدر الأعلى الذي كان السبب في إيجاده، وهو الله - سبحانه وتعالى -، وبذلك يسمو بتفكيره إلى أعلى درجة ممكنة، فيدرك ذلك السموّ الفائق الكامن في ذاته السامية.
فالقرآن الكريم قوّةٌ روحيةٌ غير محدودةٍ، وإذا ما اتّصل به المسلم اتّصالاً حقيقيّاً واسعاً، فإنّه يكتشف تلك القوّة الفائقة الخلاّقة غير المحدودة لمخّه، والتي يملكها جميع الناس، ولكنّهم ما زالوا لا يؤمنون بأنّهم يملكونها.
فالقرآن الكريم يدفع المهتمّ به إلى إدراك كم أودع فيه خالقه - عز وجل - من الكمال والإبداع، وكيف جعله أسمى مخلوقاته بذلك التفكير الذي فطره عليه، ويجعله يشعر بذلك التفكير الخلاّق الذي يجدّد فيه حيويّته ونشاطه، ويقوّي فيه كل خليّةٍ عبر السنوات التي يقضيها في هذه الحياة.
كما يجعل كلّ عاقلٍ يدرك بأنّ ربّه قد خلق له ذكاءً وعقلاً وتفكيراً لا نهائي، تفكيراً غير محدودٍ، ولكنّ كلّ إنسانٍ يحقّق مستواه الفكري بحسب المقدرة التي يظنّ أنّه يملكها، وعلى حسب استطاعته وقابليّته ووعيه على استيعاب وأخذ المعلومات والتأثيرات التي تصل إليه من كلّ النواحي.
إنّ مبدأ قوّة التفكير مبنيّةٌ على النموّ، النموّ كمالاً وإتقاناً، من الصغير إلى العظيم، من المحدود إلى غير المحدود، والنموّ يعني التغيّر والتقدّم دائماً نحو الأحسن، وكلّ تلك التأثيرات يتحصّل عليها المؤمن المخلص مع كتاب ربّه - عز وجل - فيندفع في النموّ والتقدّم في سبيل فعل الخير والتضحيّة بكلّ غالٍ ورخيص، كي يحقّق الخلافة التي خلقه الله - سبحانه وتعالى - من أجلها في هذه الحياة. (1/76)
صفحة 77
وعندما يدرك المؤمن ما يقرؤه من آيات ربّه - عز وجل - ورسخت في عقله، فسوف يبني فيه تلك الأفكار التي ستصبح عبارة عن تصرّفات في واقع حياته اليومي، وهذا ما يعبّر عنه العلماء بقولهم:
«إنّ كلّ ما يبديه المرء من تصرّفاتٍ ما هو إلاّ تعبيرٌ عن الأفكار التي تجول في وعيه».
وقرآن ربّما يعلّمنا كيف نراقب ونضبط تفكيرنا، لأنّنا أعمالنا وسلوكنا مرتبطةٌ بعالم أفكارنا، وإذا بنينا عالم أفكارنا بتوجيهات كلام ربّنا - عز وجل -، فسوف تذوب وتنذثر تلك التوجّهات السلبيّة التي بنتها في نفوسنا كثيرٌ من المعلومات المشوّهة التي تصل إلى أذهاننا في كلّ لحظةٍ.
وإذا ما حاولنا تلاوة كتاب ربّنا - عز وجل - تلاوة جيدة فإنّه سيبني فينا نماذج وأفكاراً وتصوّراتٍ إيجابيّةً حسنةً، والعقل كالمغناطيس يجذب ما يتناسب ويماثل ما يدور في الباطن من أفكارٍ وخيالاتٍ وتصوّراتٍ.
الإدراك المكاني
يعدّ الذكاء الجغرافي موهبةٌ يستطيع أن يتدرّب عليها الإنسان، كي ينشّط الجانب الأيمن من مخّه، ليضمن له التوازن في أداء أعماله المختلفة، وهو مثل باقي أنواع الذكاء، فمن الممكن تنميّته، وتقويّته، وتطويره.
وكلّ إنسانٍ لا بدّ أن يسكن في مكانٍ ما على هذه الكرة الأرضيّة، فعليه أن يعرف موقع مسكنه بالنسبة إلى مدينته، وموقع مدينته بالنسبة لوطنه، ثمّ موقع وطنه بالنسبة للعالم أجمع، فإذا ما علم ذلك جيّداً، فإنّه سيستخدم مثل تلك التقنيّات عند سفره إلى جهةٍ من الجهات، كي يجد الموقع الذي يكون فيه.
واستخدام كلّ شخص لمخّه في تحديد موقعه الذي هو فيه، أو الذي يريد الذهاب إليه يعدّ من أكبر منشّطات الجانب الأيمن من مخّه، فنحن كلّما استخدمنا مخّنا في مثل هذه التقنيّات نجعله ينمو نموّاً أكبر. (1/77)
صفحة 78
وقد فطر الله - سبحانه وتعالى - الإنسان على الاحتياج إلى مساحةٍ مكانيّةٍ يسكنها، ويعيش فيها، وهو يحدّدها ويعرف موقعها وحدودها بواسطة الجانب الأيمن للمخّ، والشيء المعجز هو أن ذلك التفكير في البعد الجغرافي، أو المكاني كما يسمّيه البعض، يؤثّر إمّا إيجابيّاً، أو سلبيّاً على نفس الإنسان.
فالإنسان يصبح أسيراً لإيحاءات تلك الحدود التي يفكّر فيها، وتؤثّر في أخلاقه ومشاعره، لأنّه يشعر كأنّه محدّد نفسانيّا بتلك الحدود التي يفكّر فيها.
والدليل على ذلك ما نجده من فرقٍ واسعٍ في التفكير بين إنسان يسافر كثيراً إلى مختلف أنحاء العالم، وبين آخر لا يغادر محيطه ربّما طول حياته.
والذكاء المكاني يعدّ قدرةٌ على رؤية العلاقات التي تربط بين مختلف الأمكنة، والفروق الموجودة بينها، وهو يحتاج إلى درجةٍ من التفاوض بنجاحٍ مع البيئة المحيطة والعالم من حول الإنسان.
والله - سبحانه وتعالى - قد فطر عقل الإنسان على مثل هذا التفكير، فأنزل في كتابه الكريم آياتٍ كثيرةً متنوّعةً يحرّر بها تفكيره من الحدود الضيّقة التي ستسيطر عليه، إذا هو لم يفكّر تفكيراً واسعاً.
وقد أورد الله - عز وجل - مثل هذه الآيات ليعين المسلمين الذين يداومون على تلاوة كتابه الكريم، ويتدبّرونه، على استخدام هذا الذكاء الذي وهبه لهم، فهو يرشدهم كي يفكّروا في سعة الأرض، عندما يقرؤون مثلاً آية سورة الملك:
- {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}. ... [الملك ـ 15]
يقول {سيّد قطب} في تفسيره، تحت ظلال القرآن:
«والمناكب: المرتفعات، أو الجوانب، وإذا أذن للإنسان بالمشي في مناكبها، فقد أذن له بالمشي في سهولها وبطاحها من باب أولى، فمتى أذن له في الشموس منها، فقد أذن له في الذلول «.
الشموس: الذي يكون عسراً. (1/78)
صفحة 79
وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - في عدّة آياتٍ بالسير في الأرض، لأخذ العبرة، كما أمر بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق من شيءٍ، وما ذلك إلاّ لأنّه يعلم بأنّ ذلك أدعى لاستخدام القوى العقليّة التي وهبها لهذا المخلوق.
ونجد ذلك مثلاً في سورة الحجّ، حيث يقول - سبحانه وتعالى -:
- {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}. ... [الحجّ ـ 46]
ويقول الله - عز وجل -:
- {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}. ... [يونس ـ 101]
والله - سبحانه وتعالى - يريد من وراء دعوة عباده بالنظر في السماوات والأرض أن يستخدموا هذا المخّ غير المحدود في قدراته، فيأخذوا خريطةً للكون الذي يعيشون فيه، ويتوصّلوا إلى معرفة الأحجام والمسافات والسرعات الأساسيّة القليلة التي تغطّي معظم أساسيّات الكون، وبذلك يستخدمون أنواع الذكاء المختلفة التي يمتلكها المخّ البشري.
فمثلاً: الإنسان المسافر إلى مكانٍ جديدٍ يسعى قدر استطاعته، ليحدّد الاتّجاهات المختلفة، ومواقع الأنهار الرئيسيّة والطرق والمباني والآثار التذكاريّة، وهو يقوم بكلّ ذلك بواسطة هذا الجهاز المعجز الذي وهبه له ربّه - سبحانه وتعالى -. فهو يقول في مثل هذا الموضوع:
- {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ}. ... [البقرة ـ 22]
فكلّ مسلمٍ يقرأ مثل هذه الآيات بتدبّرٍ وتفكيرٍ جيّدٍ، فهو يستعمل الشقّ الأيمن لمخّه، الخاصّ بالذكاء المكاني، هذا الذكاء الذي يبيّن له كيف أعدّ له ربّه - عز وجل - هذه الأرض، وجعلها عبارةً عن فراشٍ، فهو يوفّر له سكناً مريحاً وملجأً واقيّاً مثل ما يوفّره الفراش تماماً.
وقال الله - سبحانه وتعالى -: (1/79)
صفحة 80
- {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. [الكهف ـ 86]
- {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}. ... [الرحمن ـ 17]
ولكنّنا نمرّ على مثل هذه الآيات عند تلاوتنا لها مرور الكرام، بدون تدبّرٍ، أو انتباهٍ إلى معانيها، أو تركيزٍ في معانيها، فكيف يا ترى يؤثّر القرآن الكريم في خلايا مخّنا التأثير الذي أراده ربّنا من مثل هذه التعابير.
كان {ألبرت أينشتاين} أحد عباقرة الذكاء المكاني يستغلّ هذا الذكاء استغلالاً كبيراً، وذلك من خلال توسعة خياله باستعماله في تخيّل أماكن واسعةٍ، حتّى قال: «إنّ الخيال أهمّ من المعرفة، لأنّه ليس له حدودٌ ولا نهايةٌ، ولا أحد يستطيع أن يمنع آخر من القيام بمثل هذا النشاط».
يقول "جوناثات سويفت":
«الخيال هو مشاهدة غير المرئي».
كل ما أحاط به عقلك وعلمك فهو محدود بعقلك وعلمك فيكون متناهياً، لذلك عليك أن تتعلّم كيف تسبح بتفكيرك في ملكوت السموات والأرض، كي يتّسع تفكيرك، ولا يبقى محصوراً، لأنّ ممّا يزيد من صحّة خلايا المخّ، ويقوّي أداء أعصابه، ويدرّب عضلاته؛ وقرآن ربّنا يرشدنا إلى القيام بذلك، ويحثّنا عليه، وما ذلك إلاّ لعلم الله - عز وجل - لفائدة ذلك على عقل كلّ قارئ للقرآن.
وقد ذكر علماء الفلك بعض ما توصّلوا إليه من اكتشافاتٍ لهذا الكون الواسع، وما خفي عنهم أكثر وأعجب، فمثلاً نجمةٌ تبعد عن كرتنا الأرضيّة أربع سنواتٍ ضوئيةٍ، وهذه مسافةٌ طويلةٌ جدّاً، لا نستطيع أن نتخيّلها بعقلنا المحدود، ونحتاج لقطعها في مركبةٍ أرضيّةٍ إلى خمسين مليون عام. (1/80)
صفحة 81
وهناك نجومٌ أبعد، فنجد نجم القطب مثلاً يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئيّة، هناك نجمٌ أبعد منه، ويبعد عنّا أربعة وعشرون ألف مليون سنة ضوئيّة، وهل هذه المجرّة هي حدود الكون؟ أو هي عبارةٌ عن جزءٍ صغيرٍ ضئيلٍ منها؟ وعلماء الفلك كلّهم متّفقون أنّ هذه المجرّة ما هي إلاّ جزءٌ صغيرٌ جدّاً من هذا الكون الذي لا يعلم حدوده إلاّ خالقه - سبحانه وتعالى -.
والشيء العجيب أنّ هذه المجرة التي اكتشفت حديثاً، والتي تبعد عنّا أربع وعشرين ألف مليون سنة ضوئيّة، كانت في هذا المكان الذي وصل إلينا منه ضوؤها قبل أربع وعشرين ألف مليون سنة ضوئيّة، ولكن من ناحية أخرى يجب أن نفكّر كذلك أين هي الآن؟، فالله - سبحانه وتعالى - وحده يعلم ذلك.
فكلّ نجمٍ أو مجرّةٍ نرصدها بالمراصد في مكان غير مكانها الذي توجد فيه في وقت الرصد، فمكانها الحقيقي في ذلك الوقت بعيدٌ بعداً لا نستطيع أن ندركه بعقولنا.
فمثلاً مجرةٌ كانت في مكان، وأطلقت شعاعاً، فسار هذا الشعاع بسرعة ثلاثمائة ألف كيلو متر، ووصل إلينا بعد أربعٍ وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، يا ترى أين هو الآن؟ والشيء العجيب المعجز الذي لا يصدّق هو أن بعض المجرات سرعتها تقترب من سرعة الضوء، سرعتها مائتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية، والضوء سرعته ثلاثمئة ألف، فإذا كان هذا النجم تحرك بسرعة مئتين وأربعين ألف كيلو متر في الثانية، وكان بهذا المكان قبل أربعة وعشرين ألف مليون سنة، فهل يستطيع أحدٌ من العلماء مهما بلغ من علوّ علمه ومعرفته أن يعلم أين هو الآن؟، فأين تنتهي حدود الكون يا ترى؟ فمهما تخيّلنا حدود الكون واتّساعه، لا نستطيع إدراك ولو جزءاً صغيراً منها، لأنّ عقلنا محدودٌ.
كما أنّ العلماء يؤكّدون أنّ الخيال هو فنٌّ يقوم به المخّ، فتنشط خلاياه، ويقوى تفكيره، ويصل إلى أعلى درجات العمل. (1/81)
صفحة 82
ونقول لهؤلاء الفلاسفة تعالوا لتروا الخيال الموجود في كلام ربّنا - سبحانه وتعالى -، خيالٌ واسع، لا محدودٌ، يجعل قارئه بتدبّر وتركيز يخرج من واقعه ويسمو بتفكيره إلى درجات أعلى وأعلى ممّا ترفعه إليه أيّ مادّةٍ أخرى في هذا الكون على الإطلاق، فهو يعطي مجالاتٍ واسعةٍ وغير محدودةٍ من الخيالات الكثيرة التي يحتاجها العقل البشري كي يعمل بطريقةٍ إيجابيّةٍ، ويصبح قادراً على الإبداع.
خيال يسبح به في ملكوت السماوات والأرض، خيال في الأمم السابقة التي مضت من هذا الطريق الذي نعيش فيه، خيال فيما أعدّه الله - سبحانه وتعالى - لعباده الصالحين، خيال فيما أعدّه لغير الصالحين، إلى غير ذلك من أنواع الخيال الأخرى الكثيرة التي جعلها في قرآنه الكريم، كي تدفع خلايا المخّ عند قارئه إلى أقصى درجات النموّ والتطوّر والقوّة.
وقد اعتبر خبراء الذاكرة أن الخيال هو عبارةٌ عن تمرينٍ إيجابيٍّ لخلايا المخّ، لأنّ مثل هذه التمارين ممتعةٌ، وتفيد في استعادة المخّ لقدرته على العمل، فهي تعدّ كفترات راحةٍ لتغيير النشاط الذي يزاوله، ويسمح لجانب المخّ الذي كنّا نستخدمه بأن يستريح أثناء استخدامنا للجانب الآخر منه، ومن الممكن أن تكون راحةً كاملةً له.
فالانجراف في أحلام اليقظة يعدّ طريقةً يحمي بها المخّ نفسه ضدّ الاستخدام والاستهلاك الزائد، فالله - سبحانه وتعالى - خالق هذا الجهاز يعلم أنّه يحتاج لفترات راحةٍ عند أداء عمله في حفظ وتدبّر كتابه الكريم، وأنّه بحاجةٍ لفترات راحةٍ أثناء أداء مهمتّه، كي يقوّي تركيزه، لأنّ المخّ غالباً ما يفقد تركيزه، ويبحث لفترةٍ من الوقت يأخذ فيها راحته. (1/82)
صفحة 83
ويجب على كلّ واحد منّا أن يعلم بأنّ مخّه مصمّم تصميماً طبيعيّاً ليقوم بمثل هذا العمل كآليّةٍ تساعده على البقاء، فهذا الذكاء وبكلّ بساطةٍ يحتاج من الإنسان أن يعطيه القاعدة الأرضيّة لينطلق منها، ليصل إلى أعلى الدرجات التي كتبها له الله - سبحانه وتعالى -.
والله - عز وجل - يريد من وراء هذه الآيات التي يأمرنا فيها بالنظر في ملكوت السماوات والأرض أن يأخذنا في رحلاتٍ خياليّة، كي نستخدم كلّ حواسّنا، لتساعدنا على تحسين تفكيرنا الإبداعي ومهارات الحفظ في هذا المخّ المعجز.
الإدراك الشمولي
جاء في المنجد:
شمل: شملاً، وشمولاً، الأمرُ القومَ: عمّهم.
يقال: شمل القوم خير، أو شرّ: عمّهم.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}. ... [البقرة ـ 31]
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ}. ... [الكهف ـ 54]
فالقرآن الكريم بهذا الأسلوب الذي يشير إلى كلّ شيءٍ يبني في كلّ من يتدبّره إدراكاً شموليّاً لكلّ ما هو موجودٌ في محيطه الواسع الذي يعيش فيه، بل الكون الواسع الذي يحيط بهذه الكرة الأرضيّة.
فقد ذكر الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم قصصاً وأمثلةً للأمم السابقة، وساق فيه أخباراً صادقةً، شرع تشريعاتٍ، ضرب أمثلةً واقعيّةً وأخرى تكون عبرةً لمن يعتبر بها، ذكر فيه أوامر ونواهي، رغّب في أشياء، وحذّر من أخرى.
ومن ميزة هذا الكتاب الكريم أنّه قد شمل بأسلوبه العالم الغيبي، عالم السماوات والأرض، عالم الملائكة، عالم الجنّ، عالم الإنس، عالم الحيوان، عالم الجماد، عالم البحار، وغير ذلك من العوالم التي تدلّ على شموليّته. (1/83)
صفحة 84
كما امتاز بذكره للعالم الغيبي الأخروي، مشاهد الجنّة، مشاهد النار، مشاهد للحوار بين الله - عز وجل - والملائكة، بينه وبين إبليس، بينه وبين أبينا آدم، بينه وبين أهل الجنّة، بينه وبين أهل النار، بين أهل الجنّة وأهل النار، بين أهل الجنّة أنفسهم، بين أهل النار أنفسهم، وكلّ هذا من الأساليب التي تهتمّ بالغيب الذي امتاز به قرآننا الكريم.
فنحن نقرأ السورة من القرآن الكريم، فنمرّ بآيةٍ كونيّةٍ ثمّ بآيةٍ شرعيّةٍ، فقصّةٍ بالغةٍ رائعةٍ، ثمّ خبرٍ قد مضى، وبعده بشارة، نجد السورة ذات موضوعاتٍ متكاملةٍ، آياتٍ تخبر عن الأكوان الموجودة، وعن مختلف المخلوقات، آياتٍ تخبر عن خلق الإنسان، عن خلق الأكوان، عن إنزال الأمطار، عن إنبات النبات، عن تسخير الرياح، وعن تسخير كلّ ما في هذا الكون لبني البشر.
آياتٌ تخبر عن النفس البشريّة، عن الحياة الأسريّة، الزواج الطلاق، عن الحياة الاجتماعيّة، عن التجارة والفلاحة، وغير ذلك من الموضوعات الكثيرة والكثيرة.
فالقرآن الكريم بمثل هذه الأساليب التي تبيّن حقيقة مختلف المجالات، وتشتمل على كثيرٍ من البيانات، وتسوق كمّاً غير محدودٍ من المعلومات، والتي جاءت من مصدرها الأساسي الصحيح، لأنّ أخذ المعلومات من المصادر الأخرى والتي هي من صياغة البشر وإخراجهم غالباً ما تكون عرضةً للتغيير والتبديل، ولكن كلام ربّنا - عز وجل - صحيح وثابت لا تتغيّر مبادئه، مهما تغيّر عادات البشر وتقاليدهم، ومهما تقدّمت العلوم والاختراعات.
فعندما نقرأ أوّل سورةٍ بدأ بها الله - سبحانه وتعالى - كتابه، وهي قوله - سبحانه وتعالى -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. ... [الفاتحة ـ 2]
فهذه الآية تعطي لنا نظرةً شموليّةً لكلّ العوالم التي خلقها الله - سبحانه وتعالى -، وهو ربّها يتحكّم فيها، ويدبّر أمورها، وهو ربّ هذه العوالم التي خلقها. (1/84)
صفحة 85
عالم الملكوت الأعلى، عالم الإنسان، وإذا خصّصنا عوالم هذا الإنسان الواسعة، عالمه النفسي، والجسمي، والعقلي.
ثمّ عالم الملائكة، عالم الجنّ، عالم الشياطين.
عالم الفضاء، الفضاء الخارجي، والذي ليس له حدود، ولا يعلم سعته إلاّ ربّ تلك العوالم، عالم الأرض، عالم الجبال، عالم البحار، عالم البحيرات، عالم الحيوان، عالم الأطيار، عالم الأسماك، عالم الحشرات، عالم النبات، وكلّ شيء خلقه الله - عز وجل - بشكلٍ متقاربٍ ومتشابهٍ، يسمّى عالم.
وغير ذلك ممّا لا يعلمه إلاّ ربّ هذه العوالم، لأنّه هو خالقها، ومدبّرها، فالقرآن الكريم قد ذكر هذه العوالم كلّها، حتّى ينميّ في الجانب الأيمن لمخّ قارئه الإدراك الشمولي، ويكوّن فيه التفكير الواسع غير المحدود.
وخلايا المخّ لها قدرةٌ لانهائيّة على خلق أنماط من التفكير، وبتلاوة القرآن الكريم الذي يحتوي على أفكارٍ لانهائيّة تتكوّن فيها تلك الأنماط، وتتحصّل على قدراتٍ لا نهائيّة لاستخدام تلك الأنماط، كما تنتج لدى المحافظ عليه أفكارٌ لا نهائيّة.
يقول {أرسطو}:
«إنّ أكبر أمارات العقل المتقدّم هي قدرته على التفكير من خلال المجاز، أي العثور على مزاوجات تربط بين الأشياء المختلفة، أو المتباينة».
الإدراك الشمولي يبني الكمال الفكري
القرآن الكريم بأسلوبه الشمولي الواسع يسمو بإدراك الإنسان في ساحة العالم الكوني، متجاوزاً العالم الحيواني المادّي الجسمي ليصل إلى العالم الروحي؛ الذي يمنحه قوّةً روحيّةً يستطيع أن يدرك بها تلك العوالم التي خلقها ربّه - عز وجل - من حوله، ويحقّق بها الكمال النفسي، فيدرك نتيجةً لذلك قول ربّه - عز وجل -:
- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}. ... [الإسراء ـ 70] (1/85)
صفحة 86
والواقع الذي يعيشه الإنسان عموماً والمسلمون خصوصاً هو ابتعادهم عن هذا السموّ، والسبب الأوّل في ذلك هو تمسّكهم بتفكيرٍ محدودٍ ــ أي بالزمان والمكان الضيّقين ــ واصطناع تفكيرٍ في قوالب تاريخيّةٍ مسبّقة الصنع.
والقرآن الكريم يقوم بتقويّة الإدراك الشمولي لدى عقل الإنسان، يحرّر تفكيره من تلك الحدود المكانيّة والزمانيّة، ويبني بدله تفكيراً مبدعاً، لأنّه ببناء مثل ذلك التفكير الواسع يصبح يفكّر بنواميس الله - سبحانه وتعالى - الواسعة الشاملة في هذا الكون المحيط به.
ومن خلال بناء هذا التفكير الواسع الذي يشمل كثيراً من الأشياء والميادين، يتّجه العقل إلى محاولة إدراك آيات الله - عز وجل - الشاملة لكلّ مخلوق في هذا الوجود سواء الإنسان والحيوان والجماد والنجوم والكواكب، وغير ذلك من المخلوقات الكثيرة التي ما زال الإنسان لم يدركها بعقله المحدود.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ.
[فصلت ـ 53]
وكلّما قرأ المؤمنون في الأزمان اللاحقة هذه الآية وأمثالها تخبرهم بأنّ الله - سبحانه وتعالى - سيريهم آياته، فما عليهم إلاّ التوسّع في العلم والبحوث حتّى يدركوا الآيات التي قدّرها الله - سبحانه وتعالى - أن يدركوها في زمانهم الذي يعيشون فيه، وهذا يدلّ أنّ آيات ربّنا - عز وجل - غير متناهية، ففي كلّ زمانٍ توجد هناك آيات ٌ كثيرةٌ يريها الله - عز وجل - لأناس ذلك العصر، وأخرى لمن سيأتي بعد ذلك الزمان، ولهذا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
«لا تنقضي عجائبه».
والقرآن الكريم يدعو بأسلوبه هذا إلى بناء مثل هذا الإدراك الشمولي، وذلك في مثل قوله - سبحانه وتعالى -:
- {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ}.
[الأعراف ـ 185] (1/86)
صفحة 87
- {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. ... [يونس ـ 101]
وكثيرٌ من العلماء والمفسّرين يسمّون هذا الكون الواسع بكتاب الله المنشور والمفتوح، ويسمّون القرآن الكريم بكتاب الله المقروء أو المسموع.
والتدبّر الدائم في تعابير القرآن الكريم وأساليبه يدفع العقل البشري إلى تجاوز السقف الفكري المحدود بالزمان والمكان، فينتج عن ذلك فكراً إبداعيّاً، من خلال الآيات التي تدفعه إلى التفكير في هذا الوجود الواسع، وهذه المخلوقات غير المحدودة.
وأسلوب القرآن الكريم الذي هو شاملٌ لمختلف المواضيع يقدّم للعقل غذاءً ذهنيّا قويّاً وواسعاً، يدفع به إلى التفكير الواسع المبدع والمشعّ، لأنّه يفتح لقارئه شيئاً فشيئاً أبواب عوالم من التصوّر والخيال، ومع فتح تلك الأبواب الواحدة تلو الأخرى، يكتشف طرقاً جديدةً لتحسين مستوى أدائه الذي كان يسير عليه من قبل، ويدعّم مرونة العضلات التي تختصّ بالخيال والتصوّر، هذه المرونة التي تعدّ أساساً من أسس تقوية العضلات المخّية بدرجةٍ هائلةٍ.
ونشير هنا إلى موضوعٍ آخر قد ذكره ربّنا - سبحانه وتعالى - وبيّن فيه أنّ القرآن الكريم يهتمّ بالإدراك الشمولي، وهو ذكره الشامل لكلّ الأنبياء والرسل، وذلك مثل سورة النساء حيث يقول - عز وجل -:
- {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}. ... [النساء ـ 163]
وغير ذلك من الآيات مثل آية 136 من سورة البقرة، وآية 84 من سورة آل عمران، وآيات 84 ـ 85 ـ 86 من سورة الأنعام.
الكون Univers (1/87)
صفحة 88
هذه الكلمة التي تعني الكون ربّما تستطيع أن تعطينا مفهوماً للإدراك الشمولي الذي يختصّ به الجانب الأيمن للمخّ، وهذا المصطلح الذي نستخدمه لوصف هذا العالم الهائل الذي خلقه الله - سبحانه وتعالى - وأرشد بني البشر ليتفكّروا فيه، كي يصلوا إلى معرفة مصدره.
والقرآن الكريم يبيّن لهذا الإنسان أنّه جزءٌ من هذا الكون، وأنّ مصدرهما واحد، وهو الله - سبحانه وتعالى -، ويجب أن يعتبر نفسه وحدةً من هذا الكون، وأنّه أفضل وحدةٍ فيه.
والشيء الذي جعل هذا الإنسان يحيا حياةً ضنكاً، هو انفصاله عن هذا الكون الواسع الذي يعيش فيه، بحيث فقد هذا الإدراك الشمولي، وأصبح تفكيره منقطعاً عن ما حوله، بل أكثر من ذلك صار يحقّق رغباته بإلحاق كثيراً من الأضرار لما حوله ولمن حوله.
ولو أنّ الإنسان أدرك ما يرشده إليه ربّه - عز وجل - في كتابه القرآن الكريم من أسسٍ تبيّن له أنّه وحدةٌ من وحدات الكون المتكاملة، ولكن الشيء الذي جعل تطبيقها صعباً في حياته اليوميّة هو اعتبار نفسه وحدةً واحدةً منفصلةً ضمن بلايين الوحدات الأخرى.
وهذه المفاهيم الشموليّة التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه القرآن الكريم تبني لدينا إدراكاً واسعاً يتضمّن المبدأ العالمي للوحدة الواحدة، وعندما نفهم هذا المبدأ ونتيقّن بأنّنا وحدةٌ من هذا الكون الواسع، فسوف تحدث تغيّراتٌ هائلةٌ في حياتنا الفرديّة، ونرتبط بالجماعة الواسعة، ونشعر باطمئنانٍ وسعادةٍ.
وقرآن ربّنا - عز وجل - يبني في النفس المنظور الواسع للحياة البشريّة في هذا الكون، والتي تشاركها فيه مجموعةٌ لا متناهيّة من العوالم في كلّ لحظةٍ تمضيها في هذه الحياة، ممّن كانوا هنا في هذه الأرض من قديم الأزل، وأيضاً من سوف يظهرون في هذا الكوكب فيما يستقبل من الأيّام والأزمان. (1/88)
صفحة 89
بل أكثر من ذلك ينبّهنا على أنّنا وحدةٌ من كلّ دابّةٍ تعيش في هذا الكوكب، وكلّ مخلوقٍ مهما كان نوعه، من حيوانٍ ونباتٍ وجمادٍ وغير ذلك من المخلوقات التي لا نستطيع إدراك وجودها معنا من حولنا. قال - عز وجل -:
- {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}. ... [الأنعام ـ 38]
وقال كذلك - سبحانه وتعالى -:
- {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}. ... [الإسراء ـ 44]
فهذه الآيات وأمثالها كثيرةٌ في القرآن الكريم تحرّر أنفسنا من هذا السجن الفكري الذي نعيش فيه، وذلك عن طريق توسيع دائرة الحبّ لتشمل جميع المخلوقات والكائنات الحيّة والطبيعيّة.
كتب {ألبرت أينشتاين}:
«إنّ الإنسان يعدّ جزءاً من كيانٍ كبيرٍ نسمّيه الكون الواسع، ولكنّه قد حدّد نفسه بحدود الزمان والمكان، فأصبح يدرك نفسه وأفكاره ومشاعره في ذلك المجال الضيّق، ويعدّ نفسه كياناً منفصلاً عن الآخرين».
ويعدّ هذا التفكير الضيّق الذي أصاب كثيراً من الناس في هذه الحياة نوعاً من أنواع السجن قد قيّدوا في حدوده رغباتهم الشخصيّة، وحبّهم لأشخاصٍ قليلين أقرب ما يكونون إليهم، في حين أنّ ربّنا - عز وجل - يقول في كتابه الكريم:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.
[الحجرات ـ 13]
وقال كذلك - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}. ... [النساء ـ 1]
التخيّل أو الخيال في القرآن الكريم
قاعدة (1/89)
صفحة 90
المناظر الكثيرة والمتنوّعة في القرآن الكريم تمرّن التفكير التخيّلي الذي يعدّ بمثابة فترة راحةٍ لخلايا المخّ
أوضحت دراساتٌ عديدةٌ نجاح التخيّل التفاعلي في تحسين مهارات الذاكرة، وقد قام بهذه التجارب الدكاترة:
وست وكروك 1992 ــ وييسافاج وزملاؤه 1983 ــ وزاريت وزملاؤه 1981.
لقد توصّل العلماء إلى اكتشاف أنّ العقل البشري يتخيّل الأشياء المراد تذكّرها وهي تتفاعل مع بعضها بطريقةٍ يبتكرها بنفسه.
وفي دراسةٍ أخرى تخصّ البحث عن العوامل المختلفة التي يتضمّنها تدريب الذاكرة، ودفعها لتعمل بطريقةٍ جيّدةٍ، وجد فيرهاجن وزملاؤه 1992 في حصّةٍ لتدريب الذاكرة، أنّ مجموعتين فقط من بين تسعٍ وأربعين مجموعة لم تستخدم التخيّل البصري فيما يخصّ تدريبهما، فعقل الإنسان حين يتمدّد ليستقبل فكرةً جديدةً لا يرجع إلى حالته السابقة، ولا يعود إلى أبعاده الأصليّة.
قاعدة
التفكير التخيّلي في القرآن الكريم يعطي الفرص اللازمة لتنميّة التفكير على الإبداع
التخيّل يعين على ربط المعلومات
وإذا ما ركّزنا جيّداً في تقنيّات عمل الذاكرة نجد أنّ تلك التقنيّات يتطلّبها حفظ المعلومات، ثمّ تذكّرها فيما بعد تذكّراً حسناً، يرتبط بعضها ببعض، فلكي تعمل تقنيّةٌ منها لا بدّ أن نستعمل تقنيّةً أخرى.
ومن هنا نجد أنّ تقنيّة الربط التي تعمل بها الذاكرة بطريقةٍ قويّةٍ تحتاج إلى الخيال لكي تؤدّي دورها جيّداً، فاستخدام التفكير في عدّة صورٍ يغرس الارتباط بين مختلف العناصر الموجودة فيها والتي ترد إلى الذهن، ونتيجةً لذلك تتعزّز عمليّة التشفير، والتخيّل يوفّر العمل لعدّة حواسّ، وكلّ حاسّة تستعمل نظامها في تسجيل المعلومة، وبزيادة استعمال الحواسّ يحدث مستوى أعمق من المعالجة لتلك المعلومة، فبربط معلومة ما بصورة بصريّةٍ، أو رائحةٍ، أي الذاكرة الشمّية، فإنّ مرورها داخل الأعصاب المخّية، وتسجيلها داخل خلاياه يكون أكثر قابليّة للحفظ. (1/90)
صفحة 91
والهدف من استخدام التخيّل عند إرادة حفظ معلومةٍ ما هو تكوين خبرةٍ حسّيةٍ (صورة ذهنيّة) للمعلومة المراد حفظها، وتذكّرها فيما بعد بسهولةٍ وبسرعةٍ، وقد وجد الخبراء بأنّ تأثير ربط المعلومة بالتخيّل، وتسجيلها داخل الذاكرة، يعادل ضعف تأثيرات تسجيلها دون ربطها بتخيّل شيءٍ ما.
قاعدة
يعدّ التخيّل البصري من العوامل التي يتضمّنها تدريب الذاكرة
ويبيّن "وست" (1995) أنّ التخيّل البصري يعدّ من المهارات التي تعامل معها خبراء الذاكرة كأهمّ أسلوب لتدريب الذاكرة على مدى عشرين سنة الماضيّة.
وقد أوضحت دراساتٌ كثيرةٌ أنّ التخيّل التفاعلي يحسّن من مهارات الذاكرة عند الكبار، وفي هذا التخيّل التفاعلي، يتمّ تخيّل الأشياء المراد حفظها، وتذكّرها فيما بعد تذكّراً جيّداً وقويّاً، وهي مرتبطةٌ بكثيرٍ من الصور والأشياء والحوادث، فعندما نوّد تذكّر تلك المعلومات يتمّ تذكّرها وهي تتفاعل مع تلك الأشياء التي تخيّلناها عند حفظها.
ولمّا علم الله - سبحانه وتعالى - أن الفطرة التي فطر عليها تركيب النفس الإنسانيّة يوجد فيها الميل الفطري إلى التخيّل، لأنّه محبّبٌ ومزيّنٌ إليها، وهو تقريرٌ لواقع حياتها، ففي الإنسان هذا الميل إلى تخيّل الحياة التي يتمنّى أن يعيشها، وهو جزءٌ من تكوينه الأصيل، ولا حاجة لإنكاره.
وسموّ الإنسان مرهون بتلك الخيالات الواسعة التي يتخيّلها على مرّ الأيّام والأزمان، ولولا تلك الخيالات لما حقّق مثل هذه الاختراعات غير المحدودة، وبقوّة ذلك الخيال ضمن الإنسان لنفسه الخلود والبقاء عبر القرون.
قاعدة
الأسلوب الخيالي الموجود في كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - يحفّز العقل البشري ليبتكر أعداداً غير محدودةٍ من الأفكار والتداعيّات
يقول {ويللارد}:
«الاكتشافات ما هي إلاّ رفع الغطاء عن أمورٍ موجودةٍ أصلاً، لا يراه المغمّضون»
وأنا أظنّ أنّ المغمّضين هم الذين لا يتخيّلون. (1/91)
صفحة 92
والقرآن الكريم بما يحتويه من خيالاتٍ عاليّة المعنى، مثل تلك الصور التي ساقها لنا ربّنا - سبحانه وتعالى - فيه، حيث يصوّر لنا مشاهد من الجنّة، ومشاهد من النار، عندما يقرأ القارئ تلك الآيات بترتيلٍ وبتدبّرٍ يتصوّر تلك المشاهد وكأنّه يراها ماثلةً أمام عينيه.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} ... [محمّد ـ 15]
يقول "سيّد قطب" في تفسير هذه الآية: (1)
«إنّ هذه الصورة الحسّية من النعيم والعذاب ترد في مواضع من القرآن الكريم، وقد تجيء معها صورٌ معنويّةٌ، أو تجيء مجرّدةً، كما أنّ صور النعيم والعذاب المجرّدة عن الحسّيات تجيء في مواضع أخرى.
والله - عز وجل - الذي خلق البشر، هو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يؤثّر في قلوبهم، وما يصلح لتربيّتهم، ثمّ ما يصلح لنعيمهم ولعذابهم، والبشر صنوفٌ، والنفوس ألوانٌ، والطبائع شتّى، تلتقي كلّها في فطرة الإنسان، ثمّ تختلف وتتنوّع بحسب كلّ إنسانٍ، ومن ثمّ فصل الله - سبحانه وتعالى - ألوان النعيم والعذاب، وصنوف المتاع والآلام، وفق علمه المطلق بالعباد».
وإذا كان علماء التفسير ينظرون إلى هذه الآيات القرآنيّة التي تصف المشاهد الكثيرة والمتعدّدة من حيث التأثير النفسي، فنحن ننظر إليها من الجانب المخّي العقلي، وما خلق الله - سبحانه وتعالى - فيه من المهارات والنشاطات التي يعمل بها، لذلك أنزل له هذه المشاهد في كلامه الكريم، لينشّط بها خلايا مخّه، فيفكّر جيّداً، ويمرّن تلك الخلايا لكلٍّ من الشقّين، فتكون في أعلى قوّة من الأداء واستيعاب والتذكّر.
__________
(1) تفسير: في ظلال القرآن، جزء: 6، ص: 3291. (1/92)
صفحة 93
ثمّ تخيّل حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه وأزواجه، ومع المنافقين والمشركين والكفّار، والتي تحرّك عضلات التخيّل في المخّ، وتحسّن قدرته على الإبداع، وتحرّك القدرات العقليّة الكامنة.
ثمّ التخيّلات الواسعة السارّة الأخرى التي ساقها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم والتي تترك في النفس انشراحاً يجعل قواها العقليّة تؤدّي دورها أداءً راقيّاً، لأنّها تجعل الإنسان يعيش كثيراً من أحلام اليقظة طوال اليوم، وطوال الأوقات التي يتدارس فيها كتاب ربّه - سبحانه وتعالى -.
قاعدة
الخيال الواسع الذي يبنيه القرآن الكريم داخل خلايا المخّ، يعلّمها كيف تتعلّم وكيف تستوعب الأفكار التي ترد إليها.
يقول "أينشتاين" «الخيال أهمّ من المعرفة، حيث إنّ المعرفة محدودةٌ، بينما الخيال يحتوي العالم بأسره، ويدفع إلى التقدّم، ويحدث التطوّر «.
وكلّما قام الإنسان باستخدام خياله في عمليّة التذكّر، كلّما أصبحت ذاكرته أفضل وأحسن أداءً.
تخيُّل بعض المناظر والوجوه
يقول خبراء دراسة تقنيّات الذاكرة أنّ تخيّل منظرٍ من المناظر له تأثيرٌ كبيرٌ وإيجابيًّ في خلايا المخّ وأعصابه، خاصّةً إذا اشتمل التخيّل على صورةٍ لأنّنا بذلك ننشّط ونستخدم شطري المخّ معاً، بدلاً من شطرٍ واحدٍ، وهذا ممّا يقوّي استيعاب المعلومة في الذاكرة، لأنّنا نسجّل المعلومة التي ترتبط بتلك الصورة بتقنيّتين، إذا صحّ التعبير.
واستخدام عمليّة التخيّل يغرس الارتباط ويعزّز التشفير، وبزيادة الارتباط، يحدث مستوًى للحفظ أعمق داخل الذاكرة.
فعندما ننتهي من قراءة آيةٍ من القرآن الكريم ذكر الله - عز وجل - فيها مشهد من المشاهد، مثل صورة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند استحيائه، أو وهو في معركة بدر، أو صورة الكفّار وهم في معركة الأحزاب، وما أكثر المشاهد التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم، نغلق أعيننا، ونتخيّل ذلك المشهد قدر الإمكان. (1/93)
صفحة 94
بعد تخيّل صورة من الصور التي جاءت آيةٌ، أو آيتين لتبيّنها، نعمل ببطء، ونحاول قدر الإمكان أن نجعلها واضحةً أكثر وأكثر، نتخيّل شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبعض تفاصيل وجهه، كما بيّنه بعض كتّاب السيرة النبويّة، كيف هي صورته عندما يضحك؟، عندما يغضب؟ وندع عضلة التخيّل الموجودة في الشقّ الأيمن تؤدّي دورها بأقصى درجةٍ ممكنةٍ.
فقد قال فيه حسّان بن ثابت:
وأجمل منك لم تر قطّ عيني وأكمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرّأً من كلّ عيبٍ كأنّك خلقت كما تشاء
وقد خلقه الله - سبحانه وتعالى - بالكمال المطلق.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجمل الناس، ومن أكثرهم وضاءةً وإشرقاً، وتتلألأ نوراً، وكانت أخلاقه في قمم الأخلاق الراقية.
فرسولنا محمّدٌ - صلى الله عليه وسلم - كان أحسن الناس وأجملهم، لم يصفه واصفٌ إلاّ شبّهه بالقمر ليلة البدر.
يقول الصحابة - رضي الله عنه - هو أحسن في أعيينا من القمر، أحسن الناس وجهاً، وأنورهم لوناً، يتلألأ تلألؤ الكوكب.
نتصوّر صورة أبي لهبٍ عندما نقرأ سورة المسد وهو في تلك الحالة من الخسارة التي صوّرها لنا ربّنا - عز وجل - في تلك السورة الصغيرة، ثمّ صورة امرأته وهي تحمل الحطب في جهنّم لتزيد من اشتعال النار، وتحترق هي وزوجها ــ حفظنا من ذلك العذاب ــ ثمّ صورتها وعلى عنقها حبلٌ كبيرٌ غليظٌ تتعذّب به، وهذا التصوّر ممّا يعطي صورةً تفاعليّةً حيّةً تؤثّر تأثيراً إيجابيّاً في خلايا مخّ قارئ القرآن الكريم، ويبني لها خيالاً واسعاً، وذلك ممّا يجعل خلايا المخّ تستوعب تلك الآيات بسهولةٍ ومرونةٍ كبيرةٍ. (1/94)
صفحة 95
فتكون نتيجة ذلك أنّنا نقرأ الكلمات فنستعمل عضلة اللغة الموجودة في الجانب الأيسر، وعضلة التخيّل الموجودة في الجانب الأيمن، وبهذا نضمن الأداء المتوازن بين شقّي المخّ الأيمن والأيسر، وقد توصّل خبراء الذاكرة أنّ أيّ نظامٍ لتطوير الذكاء المتعدّد، أو إدارة الذات يجب أن يكون من الضروري، ومن المؤكّد أنّ شقّي المخّ يكونان في توازنٍ فعّالٍ.
وليس هناك شخصٌ أعظم وأكبر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نستطيع أن نتخيّل صورته من كلّ جوانبها، ولا يوجد شخصٌ في التاريخ وصفه أصحابه، مثلما وصف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبيّهم - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا تتبّعنا المناظر التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم، فإنّنا لا نستطيع عدّها، أو حصرها، صورة الأنبياء، صورة أصحاب الرسل، مثل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الرجال السبعون الذين اختارهم سيّدنا موسى - عليه السلام - لميعاد ربّه، حواريو سيّدنا عيسى، أقوام الرسل الذين كذّبوهم، ومناظر إهلاكهم التي صوّرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كثير من السور القرآنيّة، مثل سورة الأعراف، وسورة هود، وسورة الشعراء، وسورة القمر، وغيرهم كثير وكثير.
ثمّ مناظر المعارك التي خاضها النبيء - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه.
- {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} ... [الأنفال ــ 42]
ومشاهد أخرى لكثيرٍ من القصص المذكورة في القرآن الكريم، مثل قصّة أهل الكهف.
- {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} ... [الكهف ـ 10]
قصص سيّدنا موسى - عليه السلام - الكثيرة مع قومه. (1/95)
صفحة 96
{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}
[الأعراف ـ 143]
ومشاهد قصص الأنبياء الآخرين المتعدّدة، مثل مشهد الطوفان الذي أغرق الكافرين من قوم سيّدنا نوحٍ.
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
[هود ـ 40]
{فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} ... [القمر ـ 11ـ12]
ومشهد إلقاء سيّدنا إبراهيم - عليه السلام - في النار.
- {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} ... [الأنبياء ـ 68ـ 69]
مشهد الريح الصرصر الذي أهلك الكافرين من قوم سيّدنا هود - عليه السلام -.
هذه بعض مشاهد قصص الأنبياء - عليه السلام -، ثمّ المشاهد الكثيرة الأخرى المذكورة، مشاهد قصّة سيّدنا يوسف - عليه السلام - الكثيرة، ومشهد صاحب الجنّتين.
قاعدة
هناك تأثيرٌ أكبر على خلايا المخّ، إذا اشتمل الوصف على صورةٍ
ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى المشاهد الغيبيّة التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى -، مثل مشاهد أهل الجنّة، وأكلهم، وشرابهم، ولباسهم، وحليّهم، وأنهار الجنّة وغرفها وسررها، والملائكة التي تدخل عليهم من كلّ بابٍ، ويسلّمون عليهم.
- {عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ
[الواقعة ـ 15ـ 17] (1/96)
صفحة 97
- {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة ـ 20ـ 23]
ومشاهد أهل النار، أكلهم وشرابهم ولباسهم، والملائكة الغلاظ الشداد الذين يعذّبونهم.
- {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} ... [الواقعة ـ 41ـ 44]
- {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} ... [المرسلات ـ 30 ـ 33]
هذه المشاهد التي تبعث الخشوع في النفس، إذا ما تدبّرها القارئ بعقلٍ منتبهٍ حاضرٍ، وحاول فهمها فهماً جيّداً، فهو يكوّن لها صوراً داخل ذاكرته دو عناءٍ منه.
وبعد مدّةٍ من الانتباه إلى مثل هذه المشاهد والاهتمام بها، وتركيز التفكير فيها، تصبح عمليّةً سهلةً، لأنّ هذه المهارة تصقل بالممارسة، والتخيّل مهارة يلزم ممارستها باستمرار مثل أيّ مهارة أخرى، حتّى تصبح عادةً حسنةً، يؤدّيها العقل بصورة تلقائيّة.
والله - سبحانه وتعالى - قد ساق هذه القصص لتكون عبرةً في قارئها، كما يقول - سبحانه وتعالى -:
- {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}. ... [يوسف ـ 111]
ولكي تؤثّر في نفس القارئ فلا بدّ أن يتصوّر الحالة التي كان فيها أصحاب هذه القصص، ويتفاعل مع صورها ومشاهدها، بنفسٍ مفعمةٍ بالحيويّة، لأنّ ذلك التفاعل يساعد على تقويّة الحفظ والتذكّر فيما بعد. (1/97)
صفحة 98
بالتمرين ثمّ التمرين ثمّ التمرين تتدرّب خلايا مخّنا على مثل هذه المهارة، وتتعلّم هذا الأسلوب في التفكير والاستيعاب، وكلّ ذلك يعدّ تنشيطاً لها وتقويّة لأدائها، فالله - سبحانه وتعالى - قد أمر عباده بتلاوة كتابه الكريم يوميّاً، آناء الليل وأطراف النهار، كي يتدرّبوا على مثل هذه المهارة، حتّى تصبح شيئاً طبيعيّاً بالنسبة لهم.
والتدرّب على هذه المهارة وغيرها من المهارات يمنح خلايا المخّ قوّةً كبيرةً من الفهم والإدراك، كما يدفع كلّ خليّة من خلاياه لتكسب قوّةً هائلةً، ويصل بها إلى عوالم وآفاقٍ لا نهائيّة من التفكير.
قاعدة
القرآن الكريم بأساليبه المتعدّدة والكثيرة يرقى بخلايا المخّ إلى عوالم وآفاقٍ لا نهائيّة من التفكير
أحلام اليقظة
مهارة أحلام اليقظة التي هي فطرة في هذا الإنسان، وتعدّ من المهارات الأساسيّة في بقاء نشاط المخّ، وزيادة إبداعه، وتقويّة نشاطه، وهذه الأحلام هي التي تمنح راحةً لأجزاء المخّ التي تختصّ بالجانب الأكبر من الوظائف التحليليّة، وهي التي تبني التفكير الخيالي، وتقوّيه، وتمنح التفكير فرصاً هائلةً للتكامل والإبداع.
لقد توصّل الخبراء في مجال الذاكرة عبر تجاربهم المتعدّدة أنّ معظم كبار العباقرة يعتمدون على توظيف أحلام اليقظة توظيفاً مباشراً لحلّ مشاكل التفكير، وابتكار أفكار جديدةٍ، وتحقيق أهدافٍ عظيمةٍ.
كما أنّهم توصّلوا إلى نتائج باهرة، وهي أنّ الإنسان إذا جمع بين تدريب أنشطة شقّي المخّ الأيمن والأيسر فإنّ خلايا مخّه تزيد من قدراتها العامّة للأداء بدرجةٍ هائلةٍ.
فكلّ خليّة من خلايا الدماغ تملك قوّةً هائلةً، وهي تنتظر التحفيز اللازم والكافي لكي تجد المجال الذي تعمل فيه بكلّ تلك القدرات، ويمكن أن نعتبر أحلام اليقظة عبارة عن مجالٍ واسعٍ لتنشيطها وتحفيزها، لأنّه مجالٌ واسعٌ بلا نهاية، وهو في مقدرة كلّ واحدٍ من الناس، مهما كان مستواه، ومهما كانت ثقافته. (1/98)
صفحة 99
وكلّ إنسانٍ مسئول عن قيادة وتغذيّة وتحمّل مسئوليّة حياة ونشاط وتوجيه ملايين الملايين من تلك الكائنات الحيّة، التي تعدّ كلّ واحدةٍ منها عبارة عن عبقريّةٍ نائمةٍ تنتظر من يوقظها، ويبعث فيها النشاط والحيويّة.
إنّ استعمال أحلام اليقظة يعدّ من النشاطات التي تجعلنا ننظر إلى المعلومة من زوايا مختلفةٍ ومتعدّدةٍ، ويعطي نوعاً من المرونة، والذكاء الإبداعي، وقوّة تفكيرٍ مدهشةٍ في توصيل مفاهيم وأفكار جديدةٍ رائعةٍ.
ومهما يكن تصوّرات الناس حول هذا النشاط الذي يختصّ بالجانب الأيمن، فإنّ أحلام اليقظة ضروريّةٌ جدّاً كي يتكوّن الإبداع في مخّ الشخص، كما أنّ خلايا المخّ لا تستغني عنها كي تبقى نشيطةً حيويّةً.
وإذا كان كذلك فإنّ قارئ القرآن الكريم يجد فيه كثيراً من المحطّات التي تمنح له تخيّل مثل تلك الأحلام، وهي مواضع بلا حدود ولا حساب، ولا يستطيع أحد أن يحصيها، وخاصّة تلك المحطّات التي تصوّر الجنّة وما فيها من نعيم، والتي تبعث في النفس الراحة والاطمئنان، إذا ما تخيّل عندها القارئ أحلاماً منقطعة النظير.
فكلّما يمرّ بمنظر من مثل هذه المناظر، فسوف تعزّز فيه قدراته على التخيّل ممّا تجعله يحلم ويحلم بما سيصل إليه غداً يوم القيامة، إذا ما اتّبع الطريق المستقيم، وسوف تشحذ فيه خيالاته وتحييها في خلايا مخّه بالألوان والصور، خاصّةً وقد وصف الله - سبحانه وتعالى - في بعضها ألوان اللباس التي ستلبس في الجنّة. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}. ... [الكهف ـ 31]
والسندس: ديباجٌ أو حريرٌ رقيقً.
والإستبرق: غليظ الديباج.
- {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}. ... [الرحمن ـ 76]
- {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ}. ... [الإنسان ـ 21]
ويقول خبراء الذاكرة: (1/99)
صفحة 100
«ينبغي أن تنغمس خلايا المخّ في أحلام اليقظة على الأقلّ عشر مرّاتٍ يوميّاً»
قاعدة
تلاوة القرآن بتدبّرٍ تعطي فترة راحةٍ لأجزاء المخّ المختصّة بالأعمال الروتينيّة والتحليليّة
وقد قال الخبراء بأنّه يجب على كلّ من يريد أن يحلّ كثيراً من مشاكل وفشل التركيز أن يركّز على أحلام اليقظة، ليعزّز قدراته على التخيّل، ويشحذ خيالاته، ليحسّن ذاكرته، ويدعّمها، وعليه أن يزيد من قدراته على سرد القصص الكثيرة، لتؤثّر على خياله.
وما أكثر القصص في قرآن ربّنا - عز وجل -، وما أكثر تنوّعها، وتنوّع مشاهدها ووقائعها التي لا تعدّ ولا تحصى، وقد سمّاها الله - سبحانه وتعالى - أحسن القصص.
إذن فكلّ من يريد أن يصل بذاكرته إلى مثل هذه الدرجة من القوّة والإبداع، أن يكثر من تلاوة كلام ربّه الكريم، ويتدبّر قصصه الكثيرة والكثيرة. قال الله - عز وجل -:
- {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ}
[يوسف ـ 3]
وأحلام اليقظة تحدث عندما تسبح عضلات المخّ في أجواء واسعةٍ لا متناهية من التفكير، وقد وفّر له القرآن الكريم مثل هذه الأجواء، ووصف له الكثير من المشاهد، التي يستطيع أن ينظّم بواسطتها أجمل الأحداث، ويبني لعقله أروع الأفكار.
كان العالم الفيزيائي {أينشتاين} يوصي دائماً تلاميذه بأحلام اليقظة، كما أنّه هو نفسه كان يتخيّل نفسه مسافراً من الشمس، وبسرعةٍ الضوء إلى نهاية هذا الكون ليستكشف الأماكن التي يذهب إليها، وهذه الرحلة الخياليّة هي التي أعطته الدلالات النهائيّة التي احتاجها ليدرك أنّ الكون منحنى، وليس مستقيماً إلى ما لا نهاية كما كان يعتقد سابقاً. (1/100)
صفحة 101
فبمثل هذه الأحلام يصبح العقل أكثر مرونة، ويصبح قادراً على إنتاج أفكار أكثر وبجودةٍ أعلى، أفكار واسعة، تصل بعمل المخّ إلى أقصى قدراته التي وهبها له ربّنا - سبحانه وتعالى -، وعلى كلّ إنسانٍ أن يعلم جيّداً بأنّ له قدراتٍ كبيرةً وواسعةً.
كما أنّه في الوقت الذي يتوسّع العقل في أفكاره، وتتنوّع، فإنّ المخّ بدوره يخلق روابط، أو اتّصالاتٍ مادّيةً من داخله، وبذلك يعمل بطريقةٍ حيويّةٍ، ويصبح أكثر تطوّراً وقوّةً، وأكثر براعةً في إنتاج أفكاره.
الألوان
كما أنّ خبراء الذاكرة قد اكتشفوا بأنّ موضع ذاكرة الألوان موجودٌ في الشقّ الأيمن، فكلّ لونٍ قد ارتبط في الجانب الأيمن باسمه الذي يسمّى به، فمثلاً عندما يرى إنسانٌ لوناً من الألوان، فهو يمرّ في الذاكرة عبر ألوفٍ من الأعصاب المخّية والخلايا التي تحمل شفرة ذلك اللون، حتّى يقرّر المخّ اسم ذلك اللون، وكلّ ذلك في جزءٍ صغيرٍ جدّاً جدّاً من لحظةٍ من الوقت.
بل إنّ الذاكرة قد صمّمها خالقها - سبحانه وتعالى - تصميماً عجيباً معجزاً، فهي كما يقول الخبراء في هذا الاختصاص تتّسع لسبعين مليار صورة، وهذه الصور مبوّبةٌ، ومصنّفةٌ، والذاكرة أنواعٌ كثيرةٌ متعدّدةٌ ومتنوّعةٌ؛ فهناك ذاكرة الألوان، وذاكرة الروائح، وذاكرة الصور، وذاكرة الأذواق، وذاكرة الإحساس، وذاكرة الأصوات، وأخرى للأسماء، وللوجوه، وذاكرة للأرقام، وكلّ هذه الذاكرات وغيرها كثيرةٌ، تؤدّي عملها أداءً عجيباً، لا يعلم كيفيّته إلاّ الله - عز وجل -. (1/101)
صفحة 102
وكلّ تلك المعلومات مرتّبةٌ ترتيباً محكماً لا يستطيع الخبراء معرفة حقيقته، فإذا نحن شممنا رائحةً من الروائح، وتسري عبر أعصاب الشمّ إلى داخل المخّ، فيحاول أن يتعرّف عليها، فتمرّ تلك الرائحة على ذاكرة ألوف الروائح المسجّلةٌ داخل الخلايا المخّية، وحيثما يكون التوافق والتطابق مع رائحةٍ من الروائح المسجّلة داخل المخّ، تصدر تلك الخلايا القرار الأخير بأنّ هذه الرائحة هي رائحة كذا، رائحة الياسمين، أو الزهر الفلاني، وهكذا تمرّ أمثالها من الروائح الأخرى.
وهذا يعدّ آيةً من آيات الله العظيمة التي لم يصل الخبراء بعد إلى معرفة سرّها، وطريقة عملها، وكيف أنّ هذا الجهاز الصغير الرخو يستطيع أن يستوعب كلّ هذا الكمّ الهائل من المعلومات، وينظّمها تنظيماً عجيباً، فهي عبارة عن آلاف المجلّدات المسجّلة داخل المخّ، حتّى قال بعض الخبراء:
«إنّنا لا نعرف مكانها المحدّد في المخّ».
وهناك آخرون ممّن يقولون: إنّ الذاكرة ليس لها مكانٌ في الدماغ، وإنّما هي مرتبطةٌ بالحياة النفسيّة، فكثيرٌ ما ينسى بعض الناس معلومةً من المعلومات عندما يكونون غير مستقرّي نفسيّاً، وربّما يتذكّرها بعد أن تمرّ عليه تلك الأزمة النفسيّة تذّكراً طبيعيّاً سهلاً.
ولقد أثبتت الدراسات الحديثة أنّ للألوان تأثيراتٍ نفسيّةٍ كبيرةٍ، وقد اهتمّ الخبراء النفسانيّون بالتأثيرات النفسيّة، وقد اهتمّ علماء النفس والمشتغلون بطرق التعليم بالتأثيرات النفسيّة والدرامية التي تحدثها الألوان المختلفة من أجل تحقيق الأهداف المرجوة من العمليّة التعليميّة والتربويّة.
وبعد توسيع الدراسات والبحوث حول تأثير الألوان، توصّل الخبراء إلى أنّ الألوان بتأثيراتها النفسيّة تقوم بدورٍ كبيرٍ في حياة الإنسان وصحّته النفسيّة، بل لها دورها الكبير في فتح شهيّة الطعام، فاستفاد علماء التغذيّة من ذلك للمساعدة على تنظيم الغذاء للإنسان. (1/102)
صفحة 103
كما ثبت أنّ للألوان تأثيراتٍ إيجابيّةً في تعليم النفس البشرية، ومن أجل ذلك اهتمّ العلماء بالاستفادة منها جيّداً أثناء تقديم الدروس وكتابتها أمام المتعلّمين، كي يستفيدوا أكبر الإفادة من تلك المعلومات المقدّمة.
كما أجريت دراساتٌ لمعرفة أثر الألوان في عمليّة التعرّف على الأشياء التي نريد التعرّف عليها، واستنتجت بأنّ الصور الملوّنة أكثر رسوخاً في الذاكرة من الصور المرسومة أو المخطّطة، وقد أصبحت الألوان مع مرور الزمن جزءاً من عناصر الاتّصال، وتستخدم باستمرارٍ بشكلٍ أساسيٍّ في المنتجات والسلع والمبيعات.
وقد توصّل العلماء إلى أنّه يمكن استخدام الألوان كلغةٍ موازيةٍ للتلميح أو للتصريح بمعانٍ معيّنةٍ، والدليل القاطع على ذلك الذي لا يمكن أن ينكره أحدٌ هو ما ترسّخ في الأذهان عبر العصور وفي مختلف الأمم من استعمال الألوان في المناسبات المختلفة من الأفراح والأتراح.
فالله - سبحانه وتعالى - يستخدم في كلامه الكريم مع هذا الإنسان كلّ أنواع الأساليب والطرق، كي يؤثّر في نفسه الأثر الذي يريده من تنزيل هذا الكتاب.
فالحياة تزخر بالكثير من الأشكال والألوان المختلفة التي يمثّل معظمها ضرورة البقاء على قيد الحياة، ولكي نحافظ على تلك الأشكال، فلا بدّ من تعاليم نتّبعها في كيفيّة استغلالها والاستفادة منها في تحقيق الأهداف العلميّة التعليميّة والتربويّة الكثيرة.
وقد اكتشف الخبراء أنّ للألوان تأثيرها العجيب الإيجابي، أو السلبي في صحّة الإنسان النفسيّة، بل ولها تأثيرٌ كبيرٌ في
فتح شهيّة الطعام، فاستعملوا الألوان للمساعدة على تنظيم الثقافة الغذائيّة لدى الإنسان، وعلى سبيل المثال استخدموا اللون الأسود في صناعة الملاعق والمفارش التي توضع على المائدة، لتقليل شهيّة الطعام بالنسبة لمن يعانون البدانة. (1/103)
صفحة 104
وما أكثر ما يذكر الله - سبحانه وتعالى - اللون الأخضر في القرآن الكريم، حين يصف حال أهل الجنّة ومن خلال ذلك نستنتج بأنّ هذا اللون يُدخل البهجة والفرح في النفس، ويدفعها لبدل جهدها إلى أقصى درجةٍ، ويكون بمقدور المخّ أن يستوعب أحسن.
قال الله - عز وجل -:
- {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ}. ... [الرحمن ـ 76]
وفي سورة الإنسان:
- {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ}. ... [الإنسان ـ 21]
واللون الأخضر هو رمز الطبيعة والهدوء والسكون والحظّ الطيّب والصحّة واليقظة، ومن خواصّه أنّه يقلّل الضغوط النفسيّة، وهو يهدّئ العصبيّة الزائدة، والمصابين بارتفاع ضغط الدن والأمراض الروماتزمية وتصلّب الشرايين، ويعين على الاسترخاء وتخفيض من عدد مرّات التنفّس.
ويقول بعض العلماء:
«اللون الأخضر هو أجمل الألوان، ولا يلبس اللون الثياب الخضراء إلاّ أصحاب الذوق الرفيع».
ولكن لا بدّ أن نشير إلى أنّ لكلّ إنسانٍ ذوقه الخاصّ به، وذلك على حسب نفسيّته التي نشأ عليها، فإذا كان فلانٌ يفضّل اللون الأخضر، فهناك كثيرون ممّن يفضّلون ألواناً أخرى.
وقد فسّر الدكتور "ألكسندر شاوس" مدير المعهد الأمريكي للبحوث الحيويّة الاجتماعية في "تاكوما" بولاية واشنطن بأنّه عندما تدخل طاقة الضوء أجسامنا، فإنّها تنبّه الغدّة النخامية والصنوبرية، وهذا بدوره يؤدّي إلى إفراز هرموناتٍ معيّنةٍ، وهذه بدورها تقوم بإحداث مجموعة العمليّات الفيزيولوجية التي تعطي للنفس حالتها التي تكون فيها.
ومن المعروف أنّ الألوان تملأ نفوسنا بالطاقة، وتخفّف التوتّر، وهذا ممّا يوضّح لماذا تسيطر الألوان سيطرة مباشرة على أفكارنا ومزاجنا وسلوكيّاتنا، وفي الواقع فإنّ العلاج بالألوان ليست فكرةً جديدةً لأنّها تعدّ من العلوم التراثية الصينية القديمة وتسمّى باسم "فينج شوي". (1/104)
صفحة 105
يقول عالم النفس {أردتشام}: (1)
«إنّ تأثير اللون في الإنسان بعيد الغور، وقد أجريت تجارب متعدّدةٌ بيّنت أنّ اللون يؤثّر في إقدامنا وإحجامنا، ويُشعر بالحرارة، أو البرودة، وبالسرور، أو الكآبة، بل يؤثّر في شخصيّة الإنسان، وفي نظرته إلى الحياة».
وبسبب تأثير اللون في أعماق النفس الإنسانيّة، فقد أصبحت المستشفيات تستدعي الأخصّائيّين لاقتراح لون الجدران الذي يساعد أكثر في شفاء المرضى، وكذلك الملابس ذات الألوان المناسبة، وقد بيّنت التجارب أنّ اللون الأصفر يبعث النشاط في الجهاز العصبي.
وقد أبدع الله - سبحانه وتعالى - ألواناً تجد فيها النفس الإنسانيّة الهدوء والاستقرار، وأخرى تبعث فيها السرور والفرح وتجعلها تحبّ الحياة، خاصّةً منها اللون الأخضر، ولعلّ تكرار ورود هذا اللون في القرآن الكريم عدّة مرّات، وجعله من ألوان الجنّة، سيزيد أهل الجنّة استقراراً وطمأنينةً فيها، ويجعلهم يتعلّقون بها أكثر وأكثر، ولدينا مزيد.
بل نرى مثل ذلك التأثير على الحيوانات أيضاً.
ومن التجارب الغريبة العجيبة في هذا الميدان ما قام به الخبراء في جسر "بلاك فرايار" الذي يعرف بجسر الانتحار، لأنّ أغلب عمليّات الانتحار يقوم بها المنتحرون من فوقه، حيث غيّر لونه الأغبر القاتم إلى اللون الأخضر الجميل، فكانت النتيجة الإيجابيّة أن نقصت حوادث الانتحار من فوقه نقصاً ملحوظاً.
وقد وجد الخبراء أنّ اللون الأخضر يريح البصر، لأنّه يأخذ مساحةً صغيرةً من ساحة البصر بالنسبة للألوان الأخرى، كما استنتج العلماء أنّ طول موجة انعكاس الضوء عليه ليست بالطويلة التي تقلق البصر، وليست بالقصيرة التي تتعبه.
__________
(1) من كتاب: موسوعة الإعجاز العلمي، يوسف الحاج أحمد. (1/105)
صفحة 106
فالقرآن الكريم بأسلوبه البليغ والفريد من نوعه قد جعل الله - عز وجل - فيه كثيراً من المؤثّرات تتّصل بما يوجد حول قارئه، كي يقوم العقل بتحليلها وتصنيفها داخل الخلايا على شكل معلوماتٍ ومعارف، يستوعبها ويتذّكرها، ليستخدمها فيما يعرض له من مواقف في حياته اليوميّة.
فقرآن ربّنا الكريم مليءٌ بتوجيهاتٍ تخرج الإنسان من الأضاليل والأكاذيب التي تغمر تصوّراته، وتبعد عنه تلك الحقائق المزوّرة التي وضعها من يتوهّم أنّه يعلم ما ينبغي وما لا ينبغي، فجعلته يعيش في تناقضاتٍ وتمزّقاتٍ يستنفذ فيها قوّته، دون أن يحصل على نتيجةٍ تذكر.
فهو نور الحقّ الذي أنزله الله - سبحانه وتعالى - لعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الانحراف إلى الطريق القويم، وهو نور الهدى الذي يهدي للتي هي أقوم، نور المنهج الذي يجب أن يسير عليه الإنسان في حياته، وهو نور المعرفة، معرفة حقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان، وحقيقة الكون.
الفصل السادس
الشقّ الأيسر
الكلمات
حقيقة مدهشة
إنّ تطوّر المفردات لدى الإنسان، يعدّ من وجهة النظر التاريخيّة أحد أهمّ العوامل الأساسيّة في رفع مستويات الذكاء.
أهميّة الكلمات:
تعدّ الحصيلة التي يجمعها كلّ إنسانٍ من الكلمات اللغويّة دليلاً على المستوى العلمي الذي تحصّل عليه، وعلى مقدار المعلومات التي درسها واطّلع عليها، لذلك فبعض اختبارات الذكاء يعتمد فيها الخبراء على اختبار الأشخاص على مقدار الكلمات التي يحفظها الشخص من لغةٍ واحدةٍ، أو من عدّة لغاتٍ.
فلو أنّ شخصاً مثلاً يحفظ كثيراً من الكلمات في لغتين أو ثلاثة، فإنّه يعدّ أذكى من الذي يحفظ كلماتٍ من لغةٍ واحدةٍ فقط، لأنّه يستعمل قدرات مخّه أكثر من الآخر، الذي لا يتكلّم إلاّ لغةً واحدةً. (1/106)
صفحة 107
فكلّ من يريد النبوغ والنموّ لخلايا شقّي مخّه، ويطلب أن يحقّق لعقله العبقريّة والذكاء فعليه أن يهتمّ بتعليم اللغة تعلّماً واسعاً، لأنّه بذلك سيطوّر تفكيره ويوجّهه الوجهة الصحيحة، خاصّةً وأنّ الباحثين قد اكتشفوا بعد دراساتٍ متعدّدةٍ أنّ الأشخاص الطبيعيين يستطيعون تعلّم لغتين مختلفتين تماماً في نفس الوقت ومنذ الطفولة الأولى، وبنفس الدرجة من البراعة، دون أن يخلطوا بين مفرداتهما، إلاّ أنّ الفرق بين صغير السنّ وبين الكبير، أنّ الكبير يستطيع أن يسيطر السيطرة الكاملة على هاتين اللغتين معاً، في حين أنّ الصغير قد يتأخّر عن ذلك، ولكن يمكنه أن يسيطر على لغةٍ واحدةٍ.
وقد سمّى الله - سبحانه وتعالى - كلامه كتاباً في عدّة مواضع من القرآن الكريم.
والكتاب كما جاء في المنجد: هو ما يكتب فيه الكلمات، وما يصوّر فيه اللفظ بحروف الهجاء.
وحروف الهجاء هي التي تتكوّّّّن منها الكلمات، فالقرآن الكريم يتكوّن من كلمات، وعددها: 77934 كلمة، أمّا عدد حروفه: 323670 حرفًا.
قال المفسّر الكبير {سيّد قطب} في كتابه، تحت ظلال القرآن:
«ومثل هذه الحروف التي تجيء في مقدّمة السور القرآنيّة إشارةٌ إلى أنّ هذا الكتاب مؤلّفٌ من جنس هذه الأحرف، وهي في متناول المخاطبين به من بني البشر».
والقرآن الكريم حروفٌ وكلماتٌ مثل الكلمات التي يصوغ منها البشر كلاماً وأوزاناً، وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - منها قرآناً وفرقاناً، والفرق بين صنع الله - عز وجل - وصنع البشر من هذه الحروف والكلمات، هو الفرق بين الروح النابض والجسد الخامد، وهو الفرق بين حقيقة الحياة وصورة الحياة».
فاللغة مرتبطةٌ بالتفكير ارتباطاً لا انقطاع له، فلا تفكير بدون لغةٍ، ولا لغة بدون تفكيرٍ.
فالشخص الذي لديه مقدرةٌ أكبر على التحكّم في الكلمات ومساحةٌ أوسع، بدرجةٍ تفوق أقرانه، يتمتّع بمزايا لا يتمتّع بها أقرانه. (1/107)
صفحة 108
كما أنّ الشخص الذي يمتلك زمام الكلمات بإمكانه أن يفهم بسهولةٍ، ويعلّق بصورةٍ أوسع، وأكثر إبداعاً، وتكون له مقدرةٌ على المشاركة في المحادثات المختلفة التي تطوّر تفكيره، وهذا ممّا يزيد من قوّة خلايا الدماغ، وتزيد من تواصل أعصابه.
وتعدّ المعرفة قوّةٌ للعقل، والحقيقة أنّ القوّة تكمن في القدرة على استيعاب أكبر عدد ممكن من الكلمات التي تعدّ كمادّةٍ أساسيّةٍ لبناء قوّة التعبير، هذا التعبير الذي يمكن أن يكون كتدريباتٍ ذهنيّةٍ لخلايا شقّي المخّ، كما يمكن أن تكون موسوعةً ذهنيّةً متعدّدة الأبعاد.
ويقول الخبراء إنّ مفتاح القوّة الذهنيّة التي تبني الذكاء، وتقوّي الذاكرة هو أن نتعلّم كيف نتعلّم.
والقرآن الكريم يقدّم لقارئه وحافظه ثروةً لغويةً، يستطيع أن يطوّر بها المهارات العقليّة لديه، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنجاح الشخصي بوجهٍ عامٍ.
وعن طريق استخدام الوحدات الأساسيّة لمفردات اللغة، يستطيع كلّ إنسانٍ أن يقوّي ذاكرته وقدرته على التفكير المركّز، وبالتالي زيادة النجاح، وبذلك سوف يزيد من معدّل ذكائه، حيث إنّ مهارات الذاكرة ومفردات اللغة هما عنصران متلازمان.
والله - سبحانه وتعالى - يعلم أنّ اللغة خاصيّةٌ أساسيّةٌ لهذا الإنسان، وأنّ الإنسان لا يمكن تحديد ماهيّته إلاّ ككائن يستعمل اللغة كأداة للتعبير والتواصل مع الغير، لذلك أنزل له هذا القرآن الكريم الذي هو مبنيٌّ بكلماتٍ وجملٍ، ليبني به تلك الخاصّية، ويحدّد به ماهيّته.
ويعرّف الفلاسفة اللغة بأنّها:
مجموعة من الرموز والإشارات، ذات صبغةٍ مجتمعةٍ، تستعمل للدلالة على المعاني، ومن أجل التفاهم بين الناس. (1/108)
صفحة 109
ولمّا خلق الله - سبحانه وتعالى - اللغة، وجعلها خاصّيةً أساسيّةً للإنسان، وضروريّةً له من حيث تفاهمه مع بني جنسه، أنزل إليه هذه المعجزة اللغويّة، لتكون أداةً لتنشيط خلايا مخّه وتنميّتها النموّ اللازم والجيّد، لتصبح في أعلى درجات التفكير؛ وذلك لأنّ آياته وكلماته وحروفه قد رتّبها منزّلها - سبحانه وتعالى - على نظامٍ متقنٍ لا يعلم حقيقته وسرّه إلاّ هو - عز وجل -، ولا يشبه أيّ نظامٍ آخر مهما كان، فهذا يعني أنّه قد أودع في كلماته قدرةً على التأثير في خلايا الجسم كلّها، وبالأخصّ في خلايا شقّي المخّ.
إنّ ترتيب وتنظيم كلمات وآيات كتاب الله - عز وجل - تعبّر بلغةٍ خاصّةٍ لا يعلمها إلاّ خالق خلايا هذا الإنسان، ومنزّل القرآن الكريم، وهذه الترتيب والتنظيم واللغة تؤثّر على الخلايا بلغةٍ تفهمها تلك الخلايا الدماغيّة التي تقرأ تلك الكلمات، فتصدر أوامرها إلى الغدد التي تتحكّم في صحّة خلايا الجسم، وتؤثّر في المريضة منها، فتكون شفاءً لها، فتصبح صحيحةً لأنّها تؤثّر فيها تأثيراً خاصّاً فترجع إلى حالتها الطبيعيّة.
اللغة تكريم للإنسان
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}. ... [الإسراء ـ 70]
اللغة هي البيان الذي يظهر به الإنسان ما يفكّر فيه بخلايا مخّه، ولذلك جعل الله - عز وجل - لها جزءاً خاصّاً فيه مهمّته التعامل مع اللغة والكلمات، وهي من تكريم الخالق - سبحانه وتعالى - لهذا الإنسان، فقد جعلها ربّه - عز وجل - أداةَ اتّصالٍ بين أفراد نوعه، أداةَ اتّصالٍ راقيّةٍ جدّاً، أداةً اجتماعيّةً، أداةً يعبّر بها الإنسان عن كلّ فكره وشعوره. (1/109)
صفحة 110
واللغة كتابةٌ وقراءةٌ، لأنّ الإنسان يتّصل مع أفراد مجتمعه بالكتابة والكلام الذي هو عبارة عن قراءةٍ، إذا صحّ التعبير، كأنّه يقرأ بذلك الكلام ما هو موجود داخل مخّه من أفكارٍ ومبادئ.
ولو لم تكن هناك كتابةٌ لضاعت كلّ العلوم الإنسانيّة، والبيان من أخصّ خصائص الإنسان.
وكلّما تعاملت خلايا شقّي المخّ وأعصابه مع كلمات القرآن الكريم بتدبّرٍ وتعمّقٍ، وجدت راحتها وهدوءها وسكينتها، ونتيجة لذلك تزداد قوّةً في عملها وسعةً في استيعابها ورسوخاً في حفظها، لأنّها تعلم أنّ هذه الكلمات والآيات لم ولن تتغيّر أبداً، فهي تتعامل معها بكلّ ثقةٍ، خاصّة إذا كانت تقرأها وهي تفكّر في جلالة وعظمة منزّلها.
وهي من ناحيةٍ ثانيةٍ تتعامل معها بكلّ ثقةٍ لأنّها متيقّنةٌ بأنّه لا يستطيع بشرٌ مهما بلغ من سعة ثقافته وعلمه وقوّة بلاعته أن يبدّل فيه، أو ينقص منه حرفاً، أو يزيد فيه آيةً، أو يضع كلمةً مكان كلمةٍ، أو يقدّمها، أو يؤخّر أخرى.
وأيّ كتاب على وجه الأرض في كلّ زمانٍ ومكانٍ ألّفه صاحبه، يكون مفهوماً لأهل زمانه الحاضرين، وموافق لمعطيات عصره، وذلك بأن تكون أفكار كاتبه واضحةً في ذلك العصر الذي ألّفه فيه، ولكن إذا عدنا إلى نفس الكتاب بعد مئة سنةٍ، نجد فيه خللاً ومخالفةً لأفكار عصرنا، لأنّ تفكير العصر الذي اعتمد عليه مؤلّف ذلك الكتاب غير التفكير الذي هو موجودٌ في العصر الذي قرأنا فيه الكتاب، ولأنّ أفكار الناس قد تبدّلت وتغيّرت.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}. ... [العلق ـ 3ـ4ـ5] (1/110)
صفحة 111
فالله سمّى نفسه بالأكرم الذي علّم هذا الإنسان ما لم يعلم بالقلم، والقلم يكتب به الكلمات، فربّنا هو الأكرم، لأنّه يفعل ذلك لمحض تكريم بني الإنسان، وكيف لا يكون هو الأكرم، لأنّ كلّ كريمٍ يطلب من تقديم كرمه مكافأةً، إمّا نفعاً، وإمّا مدحاً، أو ثواباً، أو يدفع بذلك ضرراً.
ويقول الإمام {الفخر الرازي}: في التفسير الكبير:
«إنّ ربّنا هو الأكرم لأنّه قد حثّ على قراءة قرآنه، ويجازي بكلّ حرفٍ عشراً، أي لا تقرأ لطمع، ولكن لأجله - سبحانه وتعالى -، ودع عليّ أمرك».
ولا يستطيع أحدٌ مهما بلغ من العلم أن يعدّ الفوائد الذي يجنيه قارئ القرآن، فزيادةً على الأجر الوفير الذي يجازيه به ربّه - عز وجل -، فالقرآن يهديه إلى خير الدنيا والآخرة.
كما أنّ ينزّل به البركة في كلّ ما يتّصل به من جسمٍ، أو بدنٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ، إلى غير ذلك فينوّر حياة قارئه والمحافظ عليه بعنايةٍ.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. ... [الإسراء ـ 9]
ويقول {سيّد قطب} في تفسير آية القلم:
«تبرز هذه الحقيقة، حقيقة التعليم، تعليم الربّ للإنسان بالقلم، لأنّ القلم كان، ولا يزال أوسع، وأعمق أدوات التعليم أثراً في حياة الإنسان، والله - سبحانه وتعالى - يعلم قيمة القلم، فيشير إليه هذه الإشارة في أوّل سورةٍ وفي بداية لحظةٍ من لحظات الرسالة الأخيرة للبشريّة، في أوّل سورة من سور القرآن الكريم، هذا مع الرسول محمّد - صلى الله عليه وسلم - الذي جاء بها وهو لم يكن كاتباً بالقلم، وما كان ليبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى، لو كان هو الذي يقول هذا القرآن الكريم، لولا أنّه الوحي، ولولا أنّها الرسالة». (1/111)
صفحة 112
وأقول: لا يمكن أن يقول هذا إلاّ خالق خلايا هذا المخّ، والذي جعل فيه جزءاً يتعامل مع الكلمات التي تكتب بالقلم، ويعلم بأنّه سيجد راحته ونشاطه بالتعامل مع هذه الكلمات، خاصّة إذا كانت منظّمةً تنظيماً محكماً، من وضع الحكيم العليم العالم بما يصلح لهذا العقل.
وتعامل أحد شقّي المخّ مع الكلمات يعدّ من أكبر المعجزات التي يعجز عن تفسيرها، وفهمها عقل الإنسان نفسه، الذي هو الأداة التي يتعامل معها، فهي عمليّةٌ معقّدةٌ عجيبةٌ، لا ينقضي منها العجب عبر العصور، مهما تطوّر العلم والبحث. قال الله - عز وجل -:
- {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}.
[الرحمن ـ 1ـ4]
يقول المفسّر {سيّد قطب} في تفسير هذه الآية:
«إنّنا نرى الإنسان ينطق، ويعبّر، ويبيّن، ويتفاهم، ويتجاوب مع الآخرين، فننسى بطول الألفة عظمة هذه الهبة، وضخامة هذه الخارقة، فيردّنا القرآن الكريم إليها، ويوقظنا لتدبّرها في مواضع شتّى.
إنّ تكوين جهاز النطق وحده عجيبةٌ لا ينقضي منها العجب، اللسان والشفتان والفكّ والأسنان والحنجرة والقصبة الهوائيّة والشعب والرئتان، إنّها كلّها تشترك في عمليّة التصويت الآلية، وهي حلقةٌ في سلسلة البيان، وهي على ضخامتها لا تمثّل إلاّ الجانب الميكانيكي الآلي في هذه العمليّة المعقّدة، المتعلّقة بعد ذلك بالسمع والمخّ والأعصاب، ثمّ العنصر الأساسي في هذه العمليّة وهو العقل الذي لا نعرف عنه إلاّ اسمه، ولا ندري شيئاً عن ماهيّته وحقيقته، بل لا نكاد ندري شيئاً عن عمله وطريقته».
وهكذا ينطق الإنسان ويعبّر بهذا الجهاز المعجز عن تصوّراته الموجودة داخل خلايا مخّه بهذه الكلمات التي يتعامل معها المخّ بجانبه الأيسر، بكيفيّة لا يعلمها إلاّ خالق هذا الجهاز، الذي علّمه البيان. (1/112)
صفحة 113
وكثرة القراءة ترفع من ثقافة المهتمّ بها، والثقافة ترفع من الصحّة النفسيّة، التي تحفظ بدورها الصحّة الجسميّة، فيعيش الإنسان سعيداً صحيحاً، ويطول عمره وهو في صحّةٍ جيّدةٍ بسبب ذلك.
المنطق
ومن النشاطات التي يتعامل معها الشقّ الأيسر للمخّ: المنطق.
وفي القرآن الكريم حقائق منطقيّةٌ كثيرةٌ لا تعدّ، ولا تحصى، تفسّر كلّ مجموعةٍ منها جانباً من النفس البشريّة، وجانباً من الكون الواسع.
عرّف العلماء المنطق بأنّه:
البحث عن جملة القواعد والشروط التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ.
وهل هناك علم يحمي عقل الإنسان من السقوط في الخطأ أحسن من كلام الله الحقّ المبين؟.
- {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
[فصلت ـ 42]
إذن فالمنطق هو ما يفكّر فيه الإنسان من الواقع الحقيقي، ومن المضامين الواقعيّة بدون شكٍّ، أو ريبٍ، والتي هي الركن الأساسي في الحياة الإنسانيّة، وفهم الحقيقة يعني أن نعرف أنفسنا حقّ المعرفة، ونعرف المحيط الذي نعيش فيه معرفةً جيّدةً، ونعرف ماضي الإنسانيّة.
والله - سبحانه وتعالى - يقول في هذا القرآن الكريم:
- {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ... [البقرة ــ 1ـ2]
- {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة ــ 2]
والقرآن الكريم كلّه حقائق، لأنّ نزل من عند الحق.
- {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}. ... [الحج ـ 62]
- {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} [الرعد ـ 1]
ويقول العلماء أنّ نفس الإنسان إذا فكّرت بحقٍّ، فهي تتكلّم بحقٍّ، ولمّا تتكلّم بحقٍّ، فهي تتصرّف بحقٍّ، ولمّا تتصرّف بحقٍّ، يكون ردّ الفعل لديها بحقّ، وبذلك تدفع الأحاسيس السلبيّة عنها بعيداً، وتبتعد عن التفكير السلبي. (1/113)
صفحة 114
إنّ القوى التفكيريّة تصل إلى أعلى مستويات أدائها، عندما تكون الأحاسيس منضبطةً، وتنتج أفعالاً منضبطةً، ولمّا نختار الفكرة الصحيحة الحقّة، تكون القوّة العاطفيّة لدينا ممتازةً.
ونجد القرآن الكريم لا يكتفي بهذه الجوانب فقط، بل يزيد ويعرّف الحقائق الغيبيّة التي لا يستطيع العقل الإنسانيّ أن يدركها، وحقائق عن كثيرٍ من الأشياء الموجودة من حوله، وهو لا يدركها، وقد جعلها القرآن من أسس الإيمان الصحيح القويّ. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}. ... [البقرة ـ 3]
وقال الله - سبحانه وتعالى - لنبيّه يبيّن له أنّ القرآن الكريم كلّه حقائق:
- {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}. ... [هود ـ 120]
يقول {ديكارت}:
«إنّ العقل قوّةٌ فطريّةٌ يستطيع أن تدرك جميع الحقائق، والحقائق التي يصل إليها العقل حقائق مطلقةٌ، أي صادقةٌ صدقاً تامّاً».
والحقيقة تشكّل شرطاً مهمّاً لتقدّم البشريّة وازدهارها لتجاوز الكثير من المشكلات التي تعاني منها.
وما أكثر ما يخبرنا به القرآن الكريم في كثير من آياته عن الحقائق المنطقيّة في أنفسنا، وفي مختلف المخلوقات التي تعيش معنا في هذا الكون، وفي الكون الواسع، حتّى يجعل عقولنا تعمل بشيء من الثقة والثبات.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.
[الذريات ـ 20ـ21]
وخدمة الحقّ والحقيقة هو شأن من شؤون العقول الكبيرة التي خلقها الله - سبحانه وتعالى - لتقوم بذلك، وأنزل إليها هذا القرآن الكريم ليرشدها إلى ذلك، ويعينها على اكتشافها، فالحقائق كلّها موجودة في هذا الكون، وعمل عقل هذا الإنسان هو اكتشافها فقط. (1/114)
صفحة 115
ولمّا خلق الله - سبحانه وتعالى - هذا الحقائق في هذا الكون، وخلق هذا الإنسان ليكون خليفةً في هذه الأرض، جعل له هذا الجهاز المعجز في عمله واستنتاجاته، كي يكتشفها، ثمّ أنزل إليه هذا القرآن الكريم ليهتدي به إلى تلك الحقائق.
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. ... [الإسراء ـ 9]
وعندما نقول: الإنسان حيوان ناطق، فإنّنا نعني بذلك أنّه حيوان عاقل، ونعيّن في الوقت ذاته الوظيفة التي ينبغي أن لا يحيد عنها، وظيفة الكلام، أو النطق، والتي تعدّ إفصاح عن العقل وبيانه والدلالة عليه، لذلك كانت مهمّة المنطق هي البحث عن جملة القواعد والشروط التي تجعل الإنسان لا ينطق لغواً، ولا يجانب الحقيقة والصواب عندما يصدر حكماً من الأحكام.
وقد اعتبر العلماء علم المنطق أداةً تساعد الذهن ليميّز الخطأ من الصواب، وأن لا يتناقض الفكر مع ذاته، وأن لا يتناقض مع الوقع، لذلك يجب على الإنسان إذا أراد أن يصل إلى هذه الدرجة أن تكون معرفته بحقيقة الواقع النفسي والاجتماعي والمادّي معرفةً صحيحةً.
فالواقع واحد لا يتفرّق، ولا يتعدّد، والحقيقة واحدةٌ، لكنّ الإنسان هو الذي رسم لنفسه صوراً ذهنيّةً مختلفةً عن ماهية الحقائق الواقعيّة، لذلك أنزل الله - سبحانه وتعالى - القرآن وجعله عبارة عن حقائق لا تعدّ، ولا تحصى كي يصحّح تلك التصوّرات التي يكوّنها الإنسان لتلك الحقائق. (1/115)
صفحة 116
والله - سبحانه وتعالى - يعلم أنّ هذا العقل الذي خلقه بيده محدود في أدائه وفي استنتاجه للحقائق بحدود الحواس التي منحها للإنسان، لذلك أنزل إليه هذا القرآن الكريم الذي يعينه على ذلك الأداء، ويفتح له أبواباً واسعةً من المعرفة توصله إلى الحقائق التي يقوى بها تفكيره؛ وهو - سبحانه وتعالى - يهدف بإنزال هذا القرآن الكريم إلى بناء عقل الحقيقة، العقل الذي يجب أن يبحث عن الحقيقة، وقد فطره خالقه على الابتهاج والفرح كلّما اكتشف حقيقةً كانت غائبةً عنه، لذلك كلّما تدبّر المؤمن كلام ربّه بتفكيرٍ إيجابيٍّ، زاد اكتشافه للحقائق التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - فيه، وسعد في حياته، بما يجده من الفرح والاطمئنان نتيجة ذلك الاكتشاف.
فمعرفة الحقيقة إذن تكون بالجزء الأيسر من العقل، والقرآن كلّه حقائق، إذن فهو يؤثّر تأثيراً إيجابيّاً كبيراً فيه، وهذا التأثير هو الذي يحفظ له حيويّته ونشاطه على مرّ الأيّام، فكلّما تعامل مع القرآن الكريم تعاملاً أكبر، كلّما حافظ على أدائه، وزادت قوّته.
ولأهميّة تأثير الحقائق في عمل عقل الإنسان، فقد أمره ربّه - سبحانه وتعالى - أن يعيد قراءة تلك الحقائق الأساسية في القرآن كثيراً، فمثلاً أمرنا بقراءة الفاتحة التي هي عبارةٌ عن حقائق في كل صلاة، نقرؤها ونعيدها منذ أن كُلّفنا بالصلاة وحتّى نهاية الأجل، ونكرّرها عشرات المرات يوميّاً في صلاتنا.
الذكاء العددي
لقد اهتمّ ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه بكلّ اختصاصٍ خلقه في هذا المخّ البشريّ، وممّا خلقه فيه الذكاء العددي، فهو من بين أنواع الذكاء الذي اكتشفه خبراء الذاكرة، وقالوا بأنّ الذاكرة العدديّة هي من الذاكرات التي يصنّفها معظم الناس على أنّها أضعف منطقةٍ في قدراتهم الفكريّة، فعبارة مثل:
ــ أنا لا أحبّ الرياضيّات.
ــ أنا لا أستطيع أن أجري عمليّات حسابية.
ــ أنا لم أستطع قطّ القيام بالعمليّات الحسابيّة المعقّدة. (1/116)
صفحة 117
ــ أنا لن أكون قادراً أبداً على إجراء عمليّاتٍ حسابية.
وغيرها من العبارات كلّها تعتبر من التعابير السلبيّة التي تضعف ذكاء الإنسان في هذا الاختصاص.
لذلك أشار الله - سبحانه وتعالى - في كتابه القرآن الكريم في مواضع كثيرةٍ إلى الأعداد الحسابية كي يهتمّ المسلمون بهذا الاختصاص ولا يعتبروه شيئاً زائداً لا يهمّهم، وقد فهم المسلمون الأوّلون هذا الاتّجاه، فاهتمّوا بالرياضيّات في عصر النهضة العلميّة الإسلاميّة، فأنتجت تلك النهضة علماء رياضيّين متميّزين، منهم "الحسن بن الحسن بن الهيثم" الذي تعرّض لحلّ الكثير من المسائل العدديّة، مثل ما هو العدد الذي يقبل القسمة على 7، وإذا قسم على 6،5،4،3،2 كان باقي القسمة دائماً وفي كلّ حالةٍ واحداً.
فالذكاء العددي لدى كلّ شخصٍ هو قدرة مخّه على التلاعب بأبجديّة الأعداد، ولكن الأخطاء التي يقع فيها أغلبيّة الناس عندما يبدؤون في تعلّم الأعداد هو اعتقادهم بأنّ هناك الملايين والملايين من الأعداد التي يجب عليهم أن يتعلّموها ويحفظوها، في حين أنّه يوجد في الواقع عشرة أرقامٍ فقط كي يتعلّموها، وهي:
0،1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، أمّا كلّ الأعداد الأخرى فهي بكلّ بساطةٍ تركيباتٌ من هذه الأرقام.
وإذا كان كذلك فكلّ ما ينبغي أن نقوم به هو أن نفهم هذه الحقيقة، ونتعلّم بعض العمليّات البسيطة جدّاً، كي نكتسب ذكاءً عدديّاً.
ومعظم الناس يعتقدون أنّ الذكاء العددي يعدّ هبةً ينالها بعضهم دون بعضٍ، ويمكن أن يمتلكها بعضهم، ولا يمتلكها البعض الآخر، ويعدّ هذا اعتقاداً خاطئاً منهم، لأنّ كلّ شخصٍ لديه هذه الهبة، يستطيع أن ينمّيها ويقوّيها إذا هو أطلق
لها العنان.
ويساعدنا ذكاؤنا العددي في كلّ ميادين حياتنا اليوميّة، وفي جميع أنشطتنا العامّة تقريباً، لذلك نجد الله - سبحانه وتعالى - قد اهتمّ بذكرها في كتابه القرآن الكريم، الذي يعتقد كثيرٌ من المسلمين أنّه كتاب دينٍ وعقيدةٍ فقط. (1/117)
صفحة 118
وبفطرة كلّ إنسانٍ في هذه الحياة يميل إلى حبّ الأرقام في أعماقه، لأنّها تساعده على البقاء، وتساعده على التميّز والتقييم والمقارنة، كما أنّها تمدّه بساعاتٍ لا تنتهي من اللعب والتسليّة والمرح.
لقد أظهرت دراساتٌ كثيرةٌ أنّ عباقرة الرياضيّات العظماء قد احتفظوا بعضلاتهم العقليّة الرياضيّة في حالةٍ جيّدةٍ عن طريق الحساب، لذلك نجد أنّ ... ربّنا - سبحانه وتعالى - قد اهتمّ بذكر كثيرٍ من الأعداد في كتابه، كي يكوّن في عباده عقلاً ميّالاً إلى الذكاء العددي.
في كلّ مجتمعٍ يوجد جماعة أشخاصٍ ممتازون فيما يخصّ الأرقام، ولكنّهم يعتقدون بأنّهم ليسوا كذلك، لأنّهم لا يستثمرون تلك الذاكرة الرياضيّة التي تحتاج إلى تنميّةٍ وتطويرٍ، وذلك باستخدام خيال النصف الأيمن من المخّ وعدم الاعتماد الكلّي على الآلة الحاسبة، لأنّ ذلك يدمّر العضلات الحسابيّة التي وهبها لنا ربّنا - عز وجل -.
والأشخاص المتميّزون في الذكاء العددي يضعون أساليب لتزويد سرعتهم في الحساب والتي تحسّن من أدائهم ودقّتهم، ومن ثمّ تزيد من رفع قدرة ذكائهم العددي.
ويعدّ كلّ إنسانٍ معجزةً متحرّكةً في الرياضيّات بكلّ بساطةٍ وبدون أن يشعر بذلك، لأنّه يستخدم عضلات مخّه في كثير من الحسابات التي يحتاج إليها في الحياة اليوميّة، وذلك مثل فهو يستطيع أن يحسب كم من الوقت تبقّى قبل أن ينتهي من عمله، والوقت الباقي له ليأخذ فترة الراحة، أو ليصل وقت موعدٍ من المواعيد التي حدّدها ليلتقي مع أحد أصدقائه، وهو يحسب ما يدفعه في محلّ التسوّق، وما سيرجع له العامل الذي يشغل نقطة الدفع عند محلّ البيع. (1/118)
صفحة 119
وقد خطا علماء الإعجاز العلمي في القرآن خطواتٍ كبيرةٍ، ومن بين تلك الإعجازات الإعجاز العددي وهو موضوع معروف لدى العلماء الذي يبحثون فيه ويتبثون وجوده في كتاب الله الكريم، ولكن هذا العلم لا يختصّ به إلاّ العلماء والباحثون، بل يعدّ حجّة على المثقّفين، لذلك فهو ليس موضوعنا الذي نذكره هنا، ولكن نذكر هنا كيف أنّ الله - عز وجل - ذكر الأعداد في كتابه الذي هو كتاب دعوةٍ وإرشادٍ وهدايةٍ.
فحكمة الله - عز وجل - بالغةٌ، وهو يعلم ما يحتاجه هذا العقل البشري لعمله ونموّه ونشاطه، فذكر الأعداد الحسابيّة البسيطة في كتابه، ونشاط التعامل مع هذه الأعداد من اختصاص الشقّ الأيسر.
وكلّ كلمة، بل وكلّ حرف قد وضعه الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم بحكمةٍ بالغةٍ، لأنّ كلّ ذلك كان بإرادته ومشيئته، وقد اختار كلّ لفظٍ بدقّةٍ ليدلّ على ما يريده، وليؤثّر تأثيره الإيجابيّ القويّ على الجزء المخصّص له في العقل والذي يهتمّ به، ويتدبّره تدبّراً معمّقاً.
وإذا تتبّعنا آيات القرآن نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد ذكر الأعداد الأولى من الحساب، وهي من واحد إلى أثني عشر، ثمّ انتقل إلى العدد تسعة عشر، ولم يذكر الأعداد الموجودة بينها، فهو وحده يعلم لماذا لم يذكرها، وهذا من حكمته، وقد ذكر ربّنا - عز وجل - الكسور، كما ذكر ذلك في آيات قسمة المواريث.
وقد حاولت أن أذكر الأعداد التي ذكرها ربّنا في القرآن الكريم، وذلك قدر الإمكان، وبحثت عنها من مصحف المدينة المنوّرة للنشر الحاسوبي، وإذا نسيت عدداً منها، فذلك من تقصيري.
ففي آية المواريث المذكورة في أوائل سورة النساء يذكر الله - سبحانه وتعالى - الكسور العدديّة، حيث يقول: (1/119)
صفحة 120
- {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}.
[النساء ـ 11]
وقال - سبحانه وتعالى - في نفس السورة:
- {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} ... [النساء ـ 12]
كما ذكر النصف والثلثان في آخر السورة، فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}. ... [النساء ـ 176]
ثمّ نعرّج بعد ذلك على ذكر المواضع التي ذكر الله - سبحانه وتعالى - فيها الأعداد من واحد إلى اثني عشر، فقد ذكر - عز وجل - كلّ الأعداد من واحد إلى اثني عشر، ثمّ انتقل إلى تسعة عشر وعشرين، ثمّ انتقل بعد ذلك بعشر أعداد إلى ثلاثين، وأربعين، وخمسين، وستّين، وسبعين، وثمانين، ثمّ ينتقل إلى تسعة وتسعين التي هو عدد أسماء الحسنى، وذكر مئةً، ومئتين، وثلاث مائة، وألفاً، وألفين.
يقول العلماء:
«الرياضيّات معرفةٌ عقليّةٌ إنسانيّةٌ ترجع إلى الحسّ والعقل معاً».
ويقول آخرون الذين يسمّون بالمثاليّين: (1/120)
صفحة 121
«إنّ مصدر كلّ معرفةٍ، بما فيها المعرفة الرياضيّة هو العقل، وقضايا الرياضيّات سابقةٌ على كلّ معرفةٍ حسّيةٍ تجريبيّةٍ، إنّها قضايا قبليّةٌ، وتوجد في العقل بصفةٍ فطريّةٍ، أي لا تكتسب عن طريق التجربة، فالطبيعة مثلاً لا تحتوي على الأعداد، وإنّما على كثرة من الأشياء المادّية».
التشعّبيّة
قال في المنجد: تشعّب: تشعّب القوم، تفرّقوا.
وتشعّب الزرع: صار ذا شعبٍ أي فرقٍ، والنهر: تفرّعت منه أنهارٌ.
وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم وجعل فيه مواضيع متشعّبةً تتحدّث عن كلّ ما يهمّ هذا الإنسان في جميع نواحي حياته، ولأنّه يخاطب جميع شرائح المجتمع. والله - سبحانه وتعالى - يقول في هذا الشأن:
- {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}. ... [الأنعام ـ 38]
والعقل البشري ترتكز عظمته وأهمّيته في الحياة على ركيزتين:
ــ قدراته وطاقاته التي وهبها له خالقه - عز وجل - وفطره عليها.
ــ المعلومات المختلفة والأفكار التي تبنى فيه على مرّ السنين، والتي تغذّيه كي يقوى.
والله - سبحانه وتعالى - أنزل القرآن الكريم، لأنّه يعلم بأنّ عقل هذا المخلوق بحاجةٍ إلى الغذاء الذهني الجيّد، كي يحمي نفسه، ويحرّك فيه هذه القدرات والطاقات التي وهبها له خالقه، وينمّيه من خلال المفاهيم والأفكار التي تتكوّن فيه، وبذلك يحسّن أداءه.
وليس هناك كتابٌ أفضل وأحسن وأوسع في المعلومات من كتاب ربّنا - عز وجل -، فهو متشعّبٌ في مواضيعه، يزوّد المخّ البشريّ بكلّ ما يحتاج إليه من غذاءٍ، فيزيد من قدراته على فهم الحاضر، بما يسوقه إليه من أحداث الأمم السابقة المختلفة، وبذلك فيه يبني مختلف الأفكار التي يحتاجها ليؤدّي دوره بكفاءةٍ وقوّةٍ وكرامةٍ. (1/121)
صفحة 122
إنّه لشيءٌ معجزٌ، فكلّما أكثر العقل من الاطّلاع، أصبح أكثر قوّة ومرونة، وكلّما أصبح صاحبه أسعد وأنجح، وكلّما قلّل من البحث والاطّلاع ازداد شعور صاحبه بالتشاؤم والقلق، وربّما يصل إلى فقدان السيطرة على توجّهات الحياة الكثيرة والمختلفة.
ومن الدلائل التي تدلّ على أنّ القرآن الكريم يدعو إلى استخدام العقل في مختلف المواضيع المتشعّبة التي يتضمّنها، أنّه لم يذكر كلمة الدماغ أو المخّ، بل ذكر ألفاظاً متعدّدةً ومتنوّعةً تدلّ على العمل الذي يؤدّيه هذا الجهاز، فقال الله - سبحانه وتعالى - في كثير من الآيات:
(يعقلون، يتفكّرون، يفقهون، يتذكّرون، تتذكّرون).
إنّ غرض من ربّنا - عز وجل - من هذه التشعّبية التي ساقها في كتابه الكريم، أن يجعل هذا الشقّ الأيسر من المخّ يعمل بكل قوّاه ومهاراته الفطريّة التي فطره الله - عز وجل - عليها، فيصل بطريقةٍ طبيعيّةٍ إلى تحقيق قدراته الأساسيّة.
وهذا الكنز العظيم يشتمل على شتّى أنواع الأساليب اللفظيّة والتعبيريّة والروحية التي لها الأثر الكبير على كلّ جوانب النفس البشريّة، فتنشّط كلّ قواها المختلفة، فتستثيرها، وتأخذ بمجامعها وترجّها رجّا عنيفا، فتحدث فيها التفاعل اللازم لتولّد الطاقة الكافيّة لعمل قواها العقليّة، فتتنوّع الأفكار، وتقوى الإرادة فيها بما تحمله الآيات الكريمة من توجيهات وخيالات لا يقدر على نسجها الجنّ والإنس.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}. ... [الإسراء ـ 88]
ولا شيء في هذه الدنيا يضمن هذا التفكير اللامحدود واللانهائي للعقل البشري أفضل وأعظم من كتاب الله الكريم. (1/122)
صفحة 123
ولعلّ من أجل هذه العمليّة، ولهذا الغرض كرّر الله - عز وجل - الحوارات والقصص والدعوة إلى الإيمان وإلى النظر في الملكوت الأعلى وجزاء المؤمنين ووعيد الكافرين، وغيرها من المواضيع، كلّ ذلك لعلمه - عز وجل - أنّ فيها أثرا عظيما في تنشيط مسارات المعلومات بين الخلايا، والتي لها دور أساسي في تقويّة الذاكرة.
وقد أصدرت [دار المعرفة] في سوريّة كتاب القرآن، الطبعة الثالثة سنة 1425هـ ــ 2003م فهرست مواضيع القرآن الكريم:
1ـ أركان الإسلام، 2ـ الإيمان، 3ـ الدعوة إلى الله، 4ـ القرآن الكريم،5ـ الجهاد 6ـ العمل، 7ـ الإنسان والعلاقات الأخلاقيّة، 8ـ الإنسان والعلاقات الإجتماعية 9ـ تنظيم العلاقات الماليّة، 10ـ العلاقات القضائيّة، 11ـ العلاقات السياسيّة والعامّة، 12ـ التجارة، 13ـ الزراعة، 14ـ الصناعة، 15ـ العلوم والفنون، 16ـ الديانات، 17ـ القصص والتاريخ.
فمثلا أركان الإسلام يحتوي على ثمانيّة فروع وهي: التوحيد ـ سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ـ الدين ـ الصلاة ـ الزكاة والصدقات ـ الصيام ـ الحجّ والعمرة ـ مسائل متفرّقة من العبادة.
وموضوع الإيمان يشتمل على ثمانيّة فروع كذلك وهي: الأنبياء والرسل ـ الإيمان بالله ـ الغيب ـ الكتب السماويّة ـ الله جلّ جلاله ـ المؤمنون ـ الملائكة ـ اليوم الآخر، وكلّ فرع من هذه الفروع يشمل كذلك على مواضيع تتفرّع منه.
فمثلا فرع التوحيد يحتوي على ثمانيّة عناوين، كما أنّ موضوع سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يحتوي على 26 عنوان، كما أنّ موضوع الصلاة يحتوي على 21 عنوان، إلى غير ذلك من العناوين الكثيرة والمختلفة التي تتفرّع عن كلّ موضوع من المواضيع. (1/123)
صفحة 124
وفي موضوع القصّة التي نجد القرآن الكريم قد اهتمّ بها اهتماما كبيرا لما فيها من تنميّة العقل والتفكير لدى الإنسان، وتوسيع خياله، نجد أنّه ذكر 34 قصّة من قصّة خلق أبي البشريّة آدم - عليه السلام - وابنيه هابيل وقابيل إلى الوقائع المختلفة التي وقعت للنبيء - صلى الله عليه وسلم - مع قومه، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيّن للمسلمين أنّ القرآن هو غداء للناس، ونستنتج من هذا الحديث أنّ الله - عز وجل - كما أنزل من السماء ماء فأنبت به من كلّ الثمرات التي هي غذاء للجسم، فكذلك أنزل من عنده هذا القرآن ليكون غذاء للعقل والروح.
قال الله - عز وجل -:
- {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}. ... [الشورى ـ 52]
وعن عبدالله بن مسعود ــ - رضي الله عنه - ــ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (1)
«إنّ هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوجّ فيقوّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الردّ اتلوه، فإنّ الله يأجركم على تلاوته، كلّ حرف عشر حسنات، أما إنّي لا أقول: ألم حرف، ولا ألفينّ أحدكم واضعا رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة، فإنّ الشيطان يفرّ من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة، وإنّ أصفر البيوت من الخير، البيت الصفر من كتاب الله».
فهل نستطيع أن نعدّ كم من أنواع الأطعمة التي توضع في مأدبةٍ من مأدبات الأغنياء، وهذه المأدبة هي مأدبة ربّ العالمين الغنيّ الحميد.
يقول القرطبي في تفسيره [الجامع لأحكام القرآن]
__________
(1) أخرجه الحاكم من رواية صالح بن عمر (1/124)
صفحة 125
«وتأويل الحديث أنّه مثل شبّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن بصنيعٍ صنعه الله - عز وجل - للناس، لهم فيه خيرٌ عميمٌ ومنافع لا تعدّ ولا تحصى، ثمّ دعاهم إليه، والمأدبة هي ما يصنعه الإنسان فيدعو إليه».
ونحن نقول إنّه مأدبة تغدّي العقل وتنشّطه وتدرّبه، وذلك كما تغدّي المأدبة الغذائيّة جسم الإنسان وتقوّيه وتنمّيه.
وقال المفسّر الشيخ [الطاهر بن عشور] في تفسيره [التحرير والتنوير].
«ومن أساليبه {يقصد القرآن الكريم} ما أسمّيه بالتفنّن (1)، وهو بداعة تنقّلاته من فنّ إلى فنّ بطرائق الإعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمرادفات عند التكرير تجنّبا لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنّن عند بلغاء العربيّة فهو في القرآن كثيرٌ وكثيرٌ، ثمّ الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاطٍ متجدّدٍ بسماعه وإقبالهم عليه».
ومن أبدع أمثلة ذلك قوله - عز وجل -:
- {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ... [البقرة ـ 17ـ 20]
إنّ أكثر أساليب القرآن الكريم من الأساليب البديعة، العزيز مثلها في شعر العرب وفي نثر بلغائهم من الخطباء والأدباء.
__________
(1) وأنا أسمّيه بالتشعّبيّة التي هي من نشاطات الشقّ الأيسر. (1/125)
صفحة 126
وفي هذا التفنّن والتنقّل مناسباتٌ بين المنتقل منه والمتنقّل إليه هي في منتهى الدقّة والبداعة، بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلاّ عند حصوله، وذلك التفنّن ممّا يعين على استماع السامعين، ويدفع سآمة الإطالة عنهم، فإنّ من أغراض القرآن استكثار أزمان قراءته.
كما قال - عز وجل -:
- {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}. [المزمل ــ 20]
فقوله ما تيسّر يقتضي الاستكثار بقدر التيسّر، وفي تناسب أقواله وتفنّن أغراضه مجلبةٌ لذلك التيسير وعونٌ على التكثير.
وقال {شمس الدين محمود الأصفهاني} في تفسيره نقلاً عن {الفخر الرازي} أنّه قال:
«إنّ القرآن كما أنّه معجزٌ بسبب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، هو أيضاً معجزٌ بسبب ترتيبه ونظم آياته، ولعلّ الذين قالوا إنّه معجزٌ بسبب أسلوبه أرادوا ذلك».
وهكذا نرى ما لهذا القرآن الكريم من فصاحةٍ في أسلوبه وتناسقٍ في تعبيره، كلّ ذلك ليصبح سهل الحفظ يسير الفهم.
والقرآن الكريم يمنح العقل ثقافةً واسعةً وعاليةً، وذلك لما يشتمل عليه من تنوّع المواضيع التي جعلها فيه منزّله - عز وجل -، لأنّه يعلم - سبحانه وتعالى - أنّ العقل عندما يمتلك مخزوناً واسعاً ومتنوّعاً من الثقافة، فإنّه سيشتغل وينمو، ويبدع، فيتوصّل إلى استنتاج نظريّات جديدة وموضوعيّة، لم يكن ليصل إليها من له ثقافة محدودة ضيّقة.
فسبحان الله - عز وجل - فإنّنا نجد أنّ الإنسان بتكبّره وترفّعه كلّما إزداد درجةً في العلم نقص أو انعدم اهتمامه بالأشياء الصغيرة الضعيفة، والتي لا يمكن أن نسمّيها حقيرةً، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد ذكر كثيراً منها في كتابه، مثل: (1/126)
صفحة 127
بعوضة ـ نملة ـ دابّة الأرض ـ الذباب ـ العنكبوت ـ ذرّة وغيرها من الأشياء الصغيرة والحقيرة التي لا يعير لها الإنسان أيّة أهميّة، حتّى يشير الله - سبحانه وتعالى - إلى ما هو أصغر من ذلك ممّا لا يعلمه كثيرٌ من العلماء. حيث يقول - عز وجل -:
- {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}. ... [يونس ـ 11]
وهو القائل كذلك - عز وجل -:
- {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}
[البقرة ـ 26]
يقول المفسّر {سيّد قطب}: (1)
«فالله - عز وجل - ربّ الصغير والكبير، وخالق البعوضة والفيل، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل، إنّها سرّ الحياة، معجزة السرّ المغلق الذي لا يعلمه إلاّ الله - عز وجل -، وليس في ضرب الأمثال ما يعاب، وما من شأنه الاستحياء من ذكره».
قال العلماء في هذه الحشرة:
«من آيات الله - عز وجل - الدالّة على عظمته - سبحانه وتعالى - البعوضة التي إذا وقفت على يد أحد من الناس قتلها، ولم يشعر بشيءٍ، وكأنّ شيئاً لم يحدث لهوانها عليه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في شأنها:
«لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ، ما سقى كافراً منها شربة ماءٍ». (2)
وقد وجد العلماء معجزاتٍ متعدّدةً، نذكر بعضها باختصارٍ:
ــ البعوضة تملك حوالي 100 عين، وهي تصنع مادّة تمنع تخثّر الدم.
ــ تملك جهازاً لتحليل الدم، وجهازاً للتخدير.
ــ أنثى البعوض وحدها هي التي تمتصّ الدماء.
ــ أجنحتها تخفض 4000 خفقة في الثانية الواحدة.
ــ لها ثلاثة قلوب، وحاسّة السمع لدى الذكر أقوى من الأنثى.
ــ تمتصّ الدم لتغذيّة البيوض فقط، لأنّ غذاءها خلاصة الزهور.
__________
(1) من تفسير في ظلال القرآن، جزء: 1، ص: 50.
(2) رواه الترمذي، من كتاب موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة. (1/127)
صفحة 128
ــ إنّها خلقٌ كاملٌ، وأدقّ، وهي صنع الله الذي أتقن كلّ شيءٍ.
ونستنتج من ذلك بأنّّ جمود العقل مرتبطٌ بقلّة ثقافته، وضيق اطّلاعه، وقلّة خبرته، فيتصرّف صاحبه تصرّفات الأشخاص الجهّال، لأنّه لا يملك الرؤية السديدة، ويقع في الطامّات والموبقات والخرافات، التي تضعف تفكيره.
وقال الله - سبحانه وتعالى - في الذباب:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ}. ... [الحج ـ 73]
قال {سيّد قطب} في تفسيره في ظلال القرآن.
«وخلق الذباب مستحيل كخلق الجمل والفيل، لأنّ الذباب يحتوي على ذلك السرّ المعجز، سرّ الحياة، فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل، ولكنّ الأسلوب القرآني المعجز يختار الذباب الصغير الحقير، لأنّ العجز عن خلقه يلقي في الحسّ ظلّ الضعف أكثر ممّا يلقيه العجز عن خلق الجمل والفيل، دون أن يخلّ هذا بالحقيقة في التعبير».
وقال الله - سبحانه وتعالى - في العنكبوت:
{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
[العنكبوت ـ 41]
لقد توصّل العلم الحديث إلى اكتشاف وتصنيف أكثر من 35000 نوع من العناكب المختلفة الأحجام والأشكال والألوان والطبائع والغرائز، والوهن الذي ذكره ربّ العزّة في هذه الآية مرجعه إلى ما كشف عنه العلماء من ضعف البنية الاجتماعيّة في بيت وأسرة العنكبوت، فلا تجد فيها إلاّ الأنثى، لأنّها تطيح برأس زوجها، وصغارها تهجر مواطن أهلها، وغير ذلك من مظاهر التفكّك وعدم الترابط. (1)
__________
(1) ـ من كتاب موسوعة الإعجاز العلمي. بتصرّفٍ. (1/128)
صفحة 129
وإذا تتبّعنا آيات القرآن الكريم نجد أمثال هذه الآيات التي يذكر فيها الله - عز وجل - الأشياء المختلفة، سواءً كانت صغيرةً، أو كبيرةً، وهذا ممّا يؤكّد أنّ الخالق - عز وجل - عالمٌ بكلّ شيءٍ مهما تواضع شأنه، أو كبر حجمه، وهو من خلقه، ويتحكّم فيه كيف يشاء، ومن خلال ذلك ينبّه الناس أن يهتمّوا بكلّ ما حولهم من المخلوقات ولو كانت صغيرةً جدّاً، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد قدّرها وسجّلها في كتاب عنده، وخلقها لحكمةٍ بالغةٍ. وهو القائل:
- {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ}. ... [القمر ــ 53]
وبكلّ هذه العبارات وبغيرها يكتسب قارئ القرآن الكريم بتدبّرٍ حسّاً راقيّاً، والذي يوفّر لشقّي مخّه التدريبات الكافية لتقويّته.
قاعدة
إنّ الشخص الذي يبدع صوراً مختلفةً، سواءً للأشياء الكبيرة أو الصغيرة، فهو يتحدّى عقله، وبذلك يصبح أكثر قوّةً
وفي كثيرٍ من الآيات يذكر الله - سبحانه وتعالى - نعمة المنافذ التي يكتسب من خلالها الإنسان المعارف المختلفة، وهي السمع والبصر، وذلك ليشعر عباده بأهميّة تلك المنافذ التي يستطيع المخّ بواسطتها أن يكتسب قوّته وأداءه الجيّد. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
[الإسراء ـ 36]
التحليل
معلومة
عندما يحلّل المخّ شيئاً ما إلى كلّ جزءٍ من مكوّناتٍ، فهو فعلاً يستخدم طاقةً كبيرةً
التحليل عملٌ عقليٌّ عنيفٌ، لأنّه يقوم بتجزئة الفكرة إلى عناصر متعدّدةٍ، حيث ينقّب داخل نفسه وعلاقاته بما حوله وأنشطة الحياة، ويحاول من وراء كلّ ذلك إيجاد المعنى الخفيّ وراء كلّ جزءٍ من أجزاء ذلك الشيء. (1/129)
صفحة 130
وهو من نشاط الشقّ الأيسر، وكلّما اهتمّ به الشخص زاد من نشاط هذا الشقّ، فيصبح أداؤه جيّداً، إيجابيّاً، لأنّ عضلات كلّ من شقّي المخّ بحاجةٍ إلى التعلّم ليجعلها تبذل الجهد باستمرارٍ، وأن يكون عملها وأداؤها باستراتيجيّةٍ، حتّى يمكن للعضلة المخّية أن تنمو وتترعرع وتزدهر.
يقول "فرانسيس بيكون": «المعرفة قوّةٌ في حدّ ذاتها».
والتحليل مهارةٌ من مهارات عضلات الشقّ الأيسر، وهو من أساليب تعزيز عمل الذاكرة عن طريق استخدام الارتباط الحسّي، والتركيز على تقويّة الحفظ للمعلومات التي نودّ حفظها.
تعريف معنى التحليل:
تحليل الظاهرة إلى عناصرها، والوقوف على خصائص كلّ عنصر على حدة، وعلى النسب التي توجد فيها العناصر.
والتحليل هو إرجاع الأجسام المركّبة إلى عناصرها التي تتكوّن منها.
والتحليل الجيّد والموضوعي يبني في العقل فكراً سليماً، وإدراكاً صحيحاً للمشكلة التي تقع له، ممّا يوصله إلى الاستنارة والهداية، والشعور بالهداية وبسلامة التفكير فيملأ النفس طمأنينةً وراحةً، لأنّه يزيل الشعور بالخوف.
والله - سبحانه وتعالى - يرشد في كتابه الكريم عباده المؤمنين إلى استعمال هذا المبدأ لتكون تصوّراتهم مبنيّةً على قناعاتٍ عقليّةٍ واضحةٍ ثابتةٍ لا تتغيّر، وتينمّية التفكير ليزداد ازدهاراً وتألّقاً، لأنّه - سبحانه وتعالى - يعلم أنّ في دماغهم جزءاً خاصّاً به.
كما يريد منهم أن تكون عقولهم أكثر فاعليّةً، وأعظم كفاءةً في فهم أنفسهم وما تحملها من قدراتٍ عاليّةٍ، وفهم الوجود من حولهم، فيتعاملوا معه تعاملاً إيجابيّاً.
التحليل يؤدّي إلى الارتباط:
كلّنا يعلم بأنّ الذاكرة تحتاج إلى الربط بين المعلومات المتعدّدة، أو بين عناصر المعلومة الواحدة، كي يكون تسجيلها في مستوى أعمق، ويكون تذكّرها بطريقة أحسن وأسرع، لأنّ تذكّر عنصرٍ من تلك العناصر يستدعي تذكّر العناصر الأخرى بطريقةٍ آليّةٍ. (1/130)
صفحة 131
فكلّما حلّلنا المعلومة التي نودّ حفظها إلى عناصر متعدّدة، كلّما كان الربط أقوى وأعمق بين تلك العناصر، وكلّما كان الربط أعمق، كلّما كان تذكّر تلك المعلومة أسهل، وأسرع، لأنّ ذلك يعزّز عمليّة التشفير التي يطلبها المخّ لأداء عمله بطريقةٍ أفضل.
ويتعلّق التحليل بمستوى المعالجة المستخدم عند حفظ الآيات القرآنيّة الكريمة، وبزيادة التحليل إلى عناصر أكثر يزداد الارتباط بين تلك العناصر، وهذا ممّا يحدث مستوىً أعمق من القابليّة للتذكّر، والهدف من استخدام التحليل لما نريد حفظه هو تكوين خبرةٍ واسعةٍ متميّزةٍ لمستوى استيعاب الذاكرة.
وهناك تأثيرٌ أكبر على المخّ كلّما كان المعلومة مقسّمةً، لأنّ ذلك ممّا ينشّط شطري المخّ بدلاً من شطرٍ واحدٍ فقط، لأنّ ذلك يؤدّي إلى انتباه أفضل إلى مختلف تفاصيل المعلومة، بما يتكوّن في شقّي المخّ من صورٍ ذهنيّة متعدّدة للمعلومة، ويجعلها تتفاعل فيما بينها، ممّا يزيد احتمال تذكّرها فيما بعد.
وهذا المبدأ يساعد على تفتّح عقول عباده على المبادئ الكبرى للكون، ويوفّر لها إطاراتٍ ووضعيّاتٍ مهمّةً للعمل والبقاء في الاتّجاه الصحيح.
قال الله - عز وجل -:
- {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. [البقرة ـ 219]
- {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}. ... [المائدة ـ 75]
والمقصود بذلك كلّه هو أن ينظر العباد باهتمامٍ كبيرٍ للرؤى والأحكام والمبادئ الإسلاميّة المتعلّقة بالحياة الطيّبة، وأن تكون الرؤى حاضرةً في وعيهم، وأن يتفاعلوا معها بكلّ قوّةٍ وقناعةٍ، فتصبح موجّهاً قويّاً لسلوكهم؛ وكأنّ الله - سبحانه وتعالى - يريد أن يفهم هذا الإنسان أنّ الميزة الأساسيّة لإنسانيّته لا تكمن في أن يعرف بأنّ له مخّاً ودماغاً، لكنّها تكمن في استخدام هذه الدماغ، وفي توظيفه التوظيف القويّ الجيّد والانتفاع به الانتفاع الكامل. (1/131)
صفحة 132
والله - سبحانه وتعالى - خالق هذا العقل يعلم بأنّه ينمو ويكبر من خلال التفكير ومواجهة التحدّيات، فكلّما فكّر أكثر وتأمّل في مبادئ الحياة تأمّلاً أعمق، وتوصّل إلى حلّ المشكلات التي تعترض طريقه بشكل إيجابيٍّ، وفكّر في الأزمات تفكيراً إيجابيّاً، تنشأ روابط جديدة بين خلايا الدماغ، ممّا يزيد في نسبة الذكاء، وتحسّن مستوى أدائه.
وحقيقة تميّز هذا الإنسان، كما يطلب ربّنا - سبحانه وتعالى - تكمن في أن يستخدم هذا المخّ، فيفكّر ويتأمل وينظر ويقارن ويحلّل، ولذلك كان التركيز في القرآن الكريم على كثيرٍ من التعابير التي ترشد إلى ذلك، مثل قوله - عز وجل -:
«لعلّهم يتفكّرون» ــ «لعلّهم يفقهون» ــ «لعلّهم يعقلون»، وكان ذلك نوعاً من الحثّ والترغيب على استخدام العقل.
والله - سبحانه وتعالى - يريد لعباده أن يحيوا في حقائق ثابتة، ويبتعدوا عن الأوهام من خلال البحث والتحليل والاستنباط، وينطلقوا من قاعدة ثابتة للإقلاع في كلّ أمور الحياة؛ وما أكثر الآيات التي ترشد المؤمنين إلى التأمّل والتحليل والتنقيب عن المراحل التي تبنى عليها الحياة. قال الله - عز وجل -:
- {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ... [العنكبوت ـ 19ـ 20]
نذكر هذه الآية التي بيّن الله - سبحانه وتعالى - مراحل نشوء الخلق، والتي تحلّل تلك المراحل التي ينتقل فيها الجنين من طورٍ إلى طورٍ، حتّى يكتمل نموّه، ويخرج مولوداً إلى هذا الوجود، ثمّ ذكر مراحل حياته التي يمرّ بها، إلى أن يخرج منه، ويدخل إلى مثواه الأخير. فقال - سبحانه وتعالى -: (1/132)
صفحة 133
- {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. ... [غافر ـ 67]
وتوجد آيتان تشبهان هذه الآية في وصف مراحل خلق الإنسان، وهما تقريباً بنفس التعبير، وهما:
ــ آية سورة الحجّ، رقم: 05، وآية سورة المؤمنون، رقم: 14.
يقول {سيّد قطب} في تفسير آية سورة غافر:
«خلق الإنسان من ترابٍ حقيقةٌ سابقةٌ على وجود الإنسان، والتراب هو أصل الحياة كلّها على وجه الأرض، ومنها الحياة الإنسانيّة، ولا يغلم إلاّ الله - عز وجل - كيف تمّت هذه الخارقة، وكيف تمّ هذا الحادث الضخم في تاريخ الأرض وتاريخ الحياة.
وأمّا تكاثر الإنسان بعد ذلك عن طريق التزاوج، فيتمّ عن طريق التقاء خليّةٍ ذكريّة وهي النطفة، وأنثويّة هي البويضة، واتّحادهما، واستقرارهما في الرحم في صورة علقةٍ، وفي نهاية المرحلة الجنينيّة يخرج الطفل بعد عدّة تطوّراتٍ كبرى في طبيعة الخليّة الأولى.
وتعدّ هذه المراحل أطول وأكبر من الأطوار التي يمرّ بها الطفل من ولادته إلى أن ينتهي أجله، والتي يقف السياق عند بعض مراحلها البارزة: مرحلة الطفولة، ثمّ بلوغ الأشدّ، ثمّ الشيخوخة، وهي المراحل التي تمثّل أقصى القوّة بين الطرفين من الضعف.
فمتابعة رحلة الجنين ورحلة الوليد، وتدبّر ما تشيران إليه من حسن الخلق والتقدير، ممّا للعقل فيه دورٌ كبيرٌ».
وقد قال الزمخشري ــ رحمه الله ــ في هذا الحوار: (1/133)
صفحة 134
«ما أحسن ما رتّب إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ كلامه مع المشركين حين سألهم أوّلا عمّا يعبدون، سؤال مقرّر لا مستفهم، ثمّ انعطف على آلهتهم، فأبطل أمرها بأنّها لا تنفع ولا تضرّ، ولا تسمع ولا تبصر، ثمّ صوّر المسألة في نفسه دونهم حتّى تخلّص منها إلى ذكر الله - عز وجل -، فعظّم شأنه، وعدّد نعمه من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، ثمّ وصله بذكر يوم القيامة وثواب ربّه وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنّي الكرّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا».
والقرآن الكريم يتحدّث عن كلّ العوالم، عوالم خلق الإنسان، عوالم الملائكة، عوالم الجنّ، عوالم الكون، عوالم الحيوان، عوالم الأشجار، عوالم الجبال، عوالم لا يعلم عددها إلاّ خالقها، عوالم هي عبارةٌ عن آياتٍ إلهيّةٍ متنوّعةٍ، تتنوّع وتتمايز كلّ وحدةٍ من أصل بنائها عن وحدات العوالم الأخرى، فقد بيّن الله - سبحانه وتعالى - في كتابه أصناف الأحياء التي خلقها بيده، وأنّ كلّ صنفٍ يتنوّع ويتعدّد إلى أممٍ وجماعاتٍ. قال الله - عز وجل -:
- {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ. ... [الأنعام ـ 38]
التتابع
جاء في المنجد: تتابعت الأخبار: جاء بعضها في أثر بعضٍ، فالتتابع هو ذكر بعض المواضيع وراء بعضٍ.
لقد استعمل القرآن الكريم قاعدة الترتيب والتتابع التي يختصّ بها الشقّ الأيسر من المخّ، حتّى يوفّر لهذا الجانب حيويّته ونشاطه عندما يداوم على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار. (1/134)
صفحة 135
ونجد في عدّة مواضع في القرآن الكريم أنّ الله - عز وجل - يذكر أحداث بعض القصص متتابعة، ولعلّه - سبحانه وتعالى - قد كرّر مثل ذلك عدّة مرّاتٍ، ليكون أدعى للحفظ الجيّد المركّز، وأن يجعل ذلك سبباً لربط مثل هذه الآيات الكريمة بعضها ببعض، ويعدّ الربط تقنيّة من التقنيّات التي يحفظ بها المخّ كثيراً من المعلومات برسوخ قويٍّ.
وقد اعتبر العلماء والفصحاء من أهل اللغة ومن البلغاء أنّ الترتيب في كثيرٍ وكثيرٍ من آيات كتاب الله - عز وجل -، وخاصّةً في ذكر أحداث القصص التي وردت فيه من روائع الفصاحة وبلاغة اللسان.
كما ذكروا مثلاً لذلك في قصّة سيّدنا نوح التي أورد فيها ربّنا - سبحانه وتعالى - الأحداث بترتيب بحسب التتابع الزمني التي وقعت عليه.
قال الله - عز وجل -:
- {وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. ... [هود ـ 44]
ويمكن أن نعدّ ذلك نوعاً من النظام في كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى -، والله - عز وجل - يعلم أنّ العقل يعمل بطريقةٍ أحسن وأفضل عندما يكون هناك نظام، ويعدّ النظام رقيٌّ، والتنظيم حضارةٌ.
وقد فطر الله - سبحانه وتعالى - قد هذا العقل على حبّ النظام، والعمل بنظام، والنموّ الجيّد إذا ما استخدمه صاحبه بنظام، فأنزل كتابه الكريم، ويسّر حفظه بما جعل فيه من نظامٍ رفيعٍ.
كما أنّ العقل يجد راحته في العمل بنظام، فهو مثل الذي يمشي في طريق مسطّرٍ معبّدٍ فيه لفتاتٌ كثيرةٌ في كلّ جوانبه، التي تجعل الذي يسير فيه لا يخطئ أبداً، وهو عندما يحسّ بالراحة والنظام في عمله، يعمل بأقصى قدراته التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - فيه. (1/135)
صفحة 136
وعقل الكائن الحيّ مذهلٌ في قدرته على تَشَرُّب النظام والترتيب من البيئة المناسبة التي يحيا فيها، لذلك يجب على أولياء الأمور والمربّين أن يعملوا قدر استطاعتهم لتوفير النظام والتنظيم داخل المجتمع، حتّى يجد عناصره راحتهم، ونتيجةً لذلك تعمل عقولهم بطريقةٍ إيجابيّةٍ منظّمةٍ وموجّهةٍ الوجهة الصحيحة المنتجة.
والنظام يوفّر للعقل مجهوداً معتبراً يستهلكه كثيرٌ من الناس في التفكير في كيفيّة إنجاز العمل الذي ينوي القيام به، ويساعد كثيراً على التقدّم في الوصول إلى الهدف المنشود.
ولقد اكتشف العلماء أنّ التنظيم يعين على التركيز، لأنّ ذلك يدفع بالعقل إلى التفكير في كلّ عنصر يريد إنجازه تفكيراً عميقاً، ولا يفكّر في عنصر آخر غيره، وكلّما عمل العقل بتركيزٍ على ما يمكن له فعله، كلّما كانت فرص نجاحه أكثر وأحسن.
ونستطيع أن نعدّ التتابع في كتاب الله - عز وجل - من التنظيم الذي يعين العقل على حفظه بطريقةٍ منظّمةٍ متتابعةٍ، بحيث يشعر كأنّه يعمل بتخطيطٍ ليحقّق هدفاً معيّناً، قد حدّده له ربّه - سبحانه وتعالى -.
وقوّة الوعي لدى الإنسان تتقلّب من لحظةٍ إلى أخرى، ويتمّ تنظيمها وضبطها بواسطة تركيز الانتباه، وقد جعل الله - عز وجل - في القرآن الكريم قوّةً لضبط التركيز لدى كلّ واحدٍ من الناس يتعامل معه تعاملاً جيّداً، فهو يدرّب على حالاتٍ من الوعي والتركيز أعلى ممّا توفّره أيّ مادّةٍ علميّةٍ من المواد الأخرى، ونحن نرى أنّ الوعي العادي يتمتّع بانتباهٍ ذي تركيزٍ منخفضٍ جدّاً بالمقارنة مع حالات التركيز العالية.
وأعتقد أنّ ما يميّز الذي يحفظ كلام الله - سبحانه وتعالى - بسهولةٍ عن الآخر الذي يجد صعوباتٍ في ذلك، أنّ الأوّل يحفظه بطريقةٍ منظّمةٍ موجّهةٍ، بينما الثاني فيحفظه بانتباهٍ أدنى، وتركيزٍ أضعف. (1/136)
صفحة 137
وهذا النظام من التتابع الذي جعله الله - سبحانه وتعالى - في كتابه يعدّ مصدراً من مصادر التركيز الواضح، الذي يجعل كلّ من يريد حفظه يتخلّص من مصادر تشتيت الانتباه، ويزيل الفوضى والركام الذهني وغيرها من المحبطات التي تعيق على الحفظ السريع والمركّز.
وهو ممّا يزيل العقبات من طريق من يريد حفظه، ويجعله يعرف الطريق التي يسير عليها للوصول إلى الاتّجاه الذي يرمي إلى بلوغه.
وإذا درسنا تقنيّة التتابع في كتاب الله - عز وجل -، فإنّنا سنجده عبارةً عن أسلوبٍ لتشفير المعلومات في الذاكرة، كما يمكن أن نعدّه امتداداً فريداً من نوعه للانتباه، ووسيلةٌ من الوسائل الفعّالة لوضع معلومةٍ بعمقٍ في نظام الذاكرة المتعدّدة التقنيّات باستخدام أشكالٍ مختلفةٍ للذاكرة، حسيّة منها ومعنويّةٍ.
وبالتدرّب على التركيز على هذه المهارة التسلسليّة، فسوف نبني ذاكرتنا على العمل بانتباهٍ فعّالٍ، وبمهارةٍ حسّيّةٍ يطبّقها كلّ إنسان من وقت لآخر، وخاصّةً الطلبة الذين يدرسون مختلف المعلومات، لأنّه وسيلة يستعمل لإدخال المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى، وإبقائها وقتاً كافيّاً لتشفيرها في الذاكرة طويلة الأجل.
ويمكن أن نعتبر التتابع المتعدّد في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم بقصد حفظها، بمثابة التدرّب بالنسبة للذاكرة، فبذلك يمكننا أن نسجّلها تسجيلاً عميقاً، ويعدّ العلماء هذه التقنيّة من التمرينات البسيطة على الانتباه، وذلك لأنّ النظام هو امتداد للانتباه.
فإذا أخذنا مثلاً قصص القرآن الكريم، نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد ذكر أحداثها ذكراً متتابعاً على حسب الرسل وأممهم، وذلك في كلّ المواضع التي ذكرت فيه تقريباً. (1/137)
صفحة 138
فنجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد ذكر قصّة أبينا آدم في عدّة مواضع، وبتتابع متشابهٍ في أغلبيّتها، وبنفس الترتيب في المواضع التي يذكرها فيها فيبدأ بإخباره الملائكة أنّه جاعلٌ في الأرض خليفةً، وأنّ تلك الخليفة هي ذلك البشر الذي سيخلقه بيده من طينٍ، وأنّه إذا سوّاه، ونفخ فيه من روحه، فعليهم أن يقعوا له ساجدين، ولكنّ إبليس لم يكن من الساجدين، وأتبع ذلك بمساءلته عن عدم السجود لآدم، فأخبر بأنّه خيرٌ منه، فهو قد خلق من نارٍ، وآدم خلق من طينٍ، وقوله له اخرج مرجوماً مذموماً إلى يوم الدين.
وبعد أن انتهى هذا الجزء أتبعه بالجزء الذي يطلب فيه إبليس أن ينظره ربّه ويمهله إلى يوم يبعثون، وأقسم إبليس بعزّة الله - سبحانه وتعالى - أن يغوي بني آدم أجمعين إلاّ المخلصين من عباد الله - عز وجل -، وقال له الحقّ - عز وجل - بأنّه سيملأ منه جهنّم وممّن تبعه أجمعين.
كتابة الآية القرآنية الخاصّة في هذا الموضع.
وفي بعض المواضع الأخرى كسورة البقرة والأعراف وطه ذكر أنّه - عز وجل - قد نبّه آدم وزوجته حوّاء أن لا يقربا من الشجرة التي عيّنها لهم، كي لا يكونا من الظالمين، وأخبر آدم بأنّ إبليس عدوّ له ولزوجته، فعليهما أن ينتبها، كي لا يخرجهما من الجنّة.
ولكنّ الشيطان وسوس لهما، فأكلا من الشجرة، فبدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة، وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوّ مبين.
ونذكر آية البقرة كمثال: (1/138)
صفحة 139
- {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
[البقرة ـ 35ـ 38]
ومن القصص التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في القرآن بكثرة، حتّى قال المفسّرون بأنّها أكثر القصص ذكراً قصّة سيّدنا موسى عليه السلام، ولقد أطال الله - سبحانه وتعالى - في ذكر حال سيّدنا موسى مع قومه بني إسرائيل، ومع فرعون وقومه القبط، ما لم يطل في ذكر قصّةٍ أخرى في شأنٍ من شؤون الرسل الأخرى.
وقد قال المفسّرون بأنّه ليس غريباً أن يكون سيّدنا موسى - عليه السلام - أكثر ذكراً من غيره، وذلك لأنّه أرسل إلى فئتين، كانت كلّ منهما إلى جانبٍ كبيرٍ من العناد والقسوة والكفر:
ــ فئةٌ ممعنةٌ في التكبّر والطغيان (فرعون وملأه)، وأخرى استمرأت الذلّة والتبعيّة والاستضعاف (بنو إسرائيل).
وقد ذكر الله - سبحانه وتعالى - هذه القصّة في كثيرٍ من سور القرآن الكريم، وخاصّة منها في سورة الأعراف والشعراء وطه، وتكاد تكون هذه القصّة في السور الثلاثة بنفس التتابع.
ــ ففي سورة الأعراف ذكرها الله - سبحانه وتعالى - في نيف وثلاثين آيةً.
ــ وفي سورة الشعراء بيّنها الله - سبحانه وتعالى - في 58 آيةً.
ــ وفي سورة طه بيّنها في 55 آيةً. (1/139)
صفحة 140
وفي السور الثلاثة نجد مناظر القصّة متتابعة على الشكل الذي ذكره ربّنا - سبحانه وتعالى -، وذلك لحكمةٍ بالغةٍ، ولا بدّ أنّها من أجل فائدة قارئ القرآن الكريم، ومتدبّره، فهو يبدأ بأمر موسى بتبليغ الرسالة تبليغاً مباشراً. ففي الأعراف قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}.
[الأعراف ـ 103]
وفي سورة الشعراء يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. ... [الشعراء ـ 10]
وفي سورة طه يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}. ... [طه ـ 24]
ويبدأ موسى بتبليغ الرسالة إلى فرعون الطاغية، فيخبره أنّه رسول من عند ربّ العالمين.
ولا بدّ أن نسأل هنا سؤال:
ــ لماذا قال له: إنّي رسول ربّ العالمين، ولم يقل إنّي رسول من عند الله - سبحانه وتعالى -، والجواب هو أنّ الله - عز وجل - قال له: قل له مثل هذه العبارة، لأنّه يظنّ أنّه ربٌّ، فقد أخبرنا الله - سبحانه وتعالى - بذلك في سورة النازعات، فقال:
- {فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}. ... [النازعات ـ 23ـ24]
وبعد أن يخبره سيّدنا موسى - عليه السلام - أنّه رسول، ويطلب منه فرعون أن يأتي بآيةٍ، وبعد أن يأتيه بالآية التي علّمها له ربّه - عز وجل -، يرسل في البلاد ليجمع السحرة المهرة، ليظهر ضعف سيّدنا موسى - عليه السلام - وكذبه، ولكن الله - سبحانه وتعالى - يوقع الحقّ ويبطل عمل السحرة.
وبعد أن رأى السحرة هذه المعجزة التي جاء بها سيّدنا موسى - عليه السلام - آمنوا بربّ سيّدنا موسى - عليه السلام -، ولكن فرعون هدّدهم بالصلب وبتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، ثمّ يذكر عقاب فرعون وقومه بالغرق.
التتابع الزمني (1/140)
صفحة 141
والقرآن الكريم يعالج مفهوم الزمن بمفاهيم متعدّدة، من حيث تصنيفها وتحليلها وتحديد أهمّ الخصائص التي تختصّ به، ويرشد المسلمين إلى التعامل مع الأزمنة الثلاث: الماضي، والحاضر، والمستقبل، كي يعتبروا بكلّ ذلك بتدبّر معانيه، والبحث عن مفاهيمه.
والزمن من خلق الله - عز وجل -، لأنّه لم يسبقه شيءٌ في هذا الوجود.
لقد أقسم الله - سبحانه وتعالى - بالزمن في عدّة مواضع في كتابه، مثل الليل والفجر والصبح والضحى، وذلك لأهميّة الزمن وقيمته وقدره العظيم عنده وفي حياة الإنسان، لأنّه هو الظرف الذي تعالج فيه كلّ الأحداث والوقائع، وينجز فيه هذا المخلوق أعماله عبر القرون والدهور، فكلّ شيء في هذا الكون ما سوى الله - عز وجل - يدخل تحت سلطان سنن الزمن الذي يعدّه العلماء من سنن الكون.
والله - سبحانه وتعالى - هو خالق الزمن ماضيه وحاضره ومستقبله، وهو الذي يسيّر كلّ مراحله، وقد أحدث كلّ الحوادث الكونيّة المختلفة في تلك المراحل الثلاث، ولا يمكن لنا أن نفهم أيّ حادثة إلاّ إذا أدخلناها، أو وضعناها في الإطار الزمني المتتابع؛ وهو الذي جعل الزمن يتتابع بمراحله الثلاث، حيث يبتدئ من الأزل وينتهي إلى الأبد، وهذا التتابع الزمني والمكاني من بين المميّزات التي تميّز القرآن الكريم، وترفع من أسلوبه، ومن إعجازه.
وللأهميّة الكبيرة للزمن عند الله - سبحانه وتعالى - فقد برمج كلّ العبادات التي فرضها على عباده في الإطار الزمني، فحدّد أداء عبادة الصلاة بأوقاتٍ معلومةٍ، فقال - سبحانه وتعالى -:
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا. ... [البقرة ـ 103]
وبرمج عبادة الصيام في شهر رمضان، فقال - عز وجل -: (1/141)
صفحة 142
- {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. ... [البقرة ـ 185]
كمن أوجب فريضة الحجّ في زمن معيّن لا يقبل من أيّ مسلم أداءها في غير ذلك الوقت: فقال - عز وجل -:
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}.
[الحجّ ـ 28]
القوائم
تعدّ القوائم استراتيجيّاتٍ تنظيميّةً للحفظ، نستطيع أن نشفّر ونربط بها المعلومات التي نريد أن حفظها داخل ذهننا.
فإذا ما انتبه الشخص لما هو موجود في تلك القوائم، وربط كلّ عنصر بالذي قبله، والذي بعده، فسوف يوفّر لذاكرته أسلوب يقوّي فيها مهارة الحفظ، والتذكّر لتلك المعلومات المختلفة التي يريد حفظها.
فإذا أراد أحد من الناس أن يحفظ معلومةً حفظاً جيّداً وأن يتذكّرها فيما بعد بدون عناء، أو مشقّةٍ، فما عليه إلاّ أن يكتبها على شكل قائمةٍ مرتّبةٍ على طريقةٍ يبتكرها، ويربط بها كلّ معلومةٍ بالتي قبلها والتي بعدها، وبذلك تتّخذ طريقها إلى خلايا المخّ بطريقةٍ منظّمةٍ مرتّبةٍ، وهذا ما يطلبه جهاز الحفظ لدى الإنسان.
وبعد أن تُرتّب المعلومات التي يُراد حفظها على شكل قائمةٍ، يحاول الشخص أن يجد علاماتٍ تربط بينها بطريقةٍ إبداعيّةٍ، لأنّ الله - عز وجل - قد جعل في مخّ الإنسان تركيباتٍ رائعة التعقيد يسخّرها لمعالجة المواضيع التي يريد الإنسان حفظها، لتُسجّل تسجيلاً أسرع وأقوى داخل الخلايا المخّية، ويسهل تذكّرها فيما بعد بدون جهدٍ يذكر.
وتلاوة القرآن الكريم بتدبّرٍ تدفع المخّ إلى خلق مثل تلك الأنماط التي وضعها الله - سبحانه وتعالى - في الآيات الكثيرة المتتابعة، والتي يمكن أن نعتبرها كقوائم، مثل قائمة أسماء الأنبياء الموجودة في سورة الأنعام. (1/142)
صفحة 143
إنّ وضع مثل تلك العلامات بين الآيات التي يمكن لنا أن نعتبرها كقوائم، يجعل العقل ينتبه للتفاصيل، ويفتح لها ملفّاً مشفّراً داخل الخلايا المخّية، ممّا يجعلها ترسخ رسوخاً أقوى,
كما يكون الاسترجاع أميل إلى عمليّةٍ واعيّةٍ، لذلك فكلّما أدخلنا المعلومات إلى الذهن بطريقةٍ منظّمةٍ مشفّرةٍ ندفع بنفوسنا إلى أن تعي ما تحفظه ذاكرتنا، وتملأها ثقةً بأنّها قادرةٌ على استدعائها فيما بعد بشكلٍ أسرع وتامٍّ.
وإدخال الآيات القرآنيّة الكريمة إلى خلايا المخّ بطريقةٍ مرتّبةٍ مرتبطةٍ بينها بشكل من الأشكال يجعلنا نقرأها عدّة مرّاتٍ، ونحاول فهمها، كي نجد العنصر، أو العناصر التي تجمع بينها، وكلّ ذلك يعتبر نوعاً من الوعي والاهتمام بها، وهذا الاهتمام يقوّي الانتباه إلى أغلبيّة التفاصيل الموجودة فيها والتركيز عليها، وكلّ هذه التقنيّات تعدّ من العمليّات التي تحتاجها الذاكرة لحفظ وترسيخ المعلومة داخل الخلايا، ثمّ استرجاعها فيما بعد دون جهدٍ يُذكر.
ولعلّ الله - سبحانه وتعالى - قد وضع مثل هذه القوائم لأسماء الأنبياء، أسماء الأمم كي يجلب اهتمام القارئ للقرآن الكريم، فيبني فيه الانتباه؛ ليركّز عليها تركيزاً أحسن، والنتيجة التي يصل إليها من خلال ذلك هو تكوين القدرة الجيّدة لاستيعاب ما يقرأه.
وقد درس العلماء أسباب نجاح كثيرٍ من أصحاب العقول العبقريّة، فتبيّن لهم بأنّ السبب الرئيسي لذلك هو قدرتهم الفائقة على مداومة التركيز، ويمكن لنا أن نعتبر هذه القوائم بمثابة منهجٍ دراسيٍّ وضعه ربّنا - سبحانه وتعالى - في قرآنه الكريم، كي تتحقّق الآية التي كرّرها عدّة مرّاتٍ في سورة القمر مع كلّ من يريد حفظه.
وقد توصّل الخبراء بأنّ من أسباب نقص وقلّة التركيز أثناء القراءة صعوبة إدراك الأفكار المعروضة، أو سوء تنظيم ما نقرأه، أو فقدان الاهتمام والتركيز، أو عدم وجود الدافع. (1/143)
صفحة 144
وإذا استعرضنا كتاب الله - عز وجل - نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعله منظمّاً، وهذا من رحمته بعباده، وأمر بالانتباه الكبير عند تلاوته وحفظه، فقال - عز وجل -:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
[الأعراف ـ 206]
ويمكن لنا أن نقول بأنّ الاستماع الجيّد والإنصات بتركيزٍ إلى قراءة كلام الله - عز وجل - تشمل كذلك استماع الإنسان والإنصات لقراءته التي يقرأها على نفسه.
وأمر بتدبّر ما يقرأه العبد، والتدبّر هو من الأسس التي تبني التركيز الجيّد. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}. ... [محمّد ـ 24]
والله - سبحانه وتعالى - يريد من وراء ذلك ومن خلاله أن نولّي اهتماماً بمثل هذا التنظيم الذي جعله في كتابه الكريم، والتركيز الجيّد على ذلك كي تستوعبه عقولنا بطريقةٍ منتظمةٍ، فيرسخ فيها رسوخاً قويّاً.
كما أنّه يريد منّا أن لا نقرأه قراءةً عاديّةً وطبيعيّةً سطحيّةً، كما نقرأ أيّ كتابٍ آخر، بل نقرأه بنظام، ونحاول أن ننتبه إلى مثل هذه التقنيّات التي جعلها فيه، ونحلّل الأسباب من وراء قراءتنا لكلامه الكريم، لأنّه يعلم أنّه بذلك ستزداد دوافعنا زيادةً تلقائيّةً لقراءته والاهتمام به الاهتمام الكافي، لنستوعبه استيعاباً جيّداً كاملاً.
والآن نحاول أن نذكر بعض الآيات التي يمكن أن نعتبرها كقوائم وضعها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه لتكون شفرة قويّة يستخدمها كلّ من يريد حفظه حفظاً راسخاً. فنذكر مثلاً ما ورد في سورة الأنعام من أسماء الأنبياء - عليه السلام -:
- {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.
إلى يقول - عز وجل - في آخر الآيات: (1/144)
صفحة 145
- {وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. ... [الأنعام ـ 84 ـ 87]
ويقول ربّنا - سبحانه وتعالى - في سورة النساء:
- {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. ... [النساء ـ 23]
ومثل ذلك الآية رقم 163 من سورة النساء.
والآية رقم 3 من سورة المائدة.
وآيات رقم150ـ 151ـ 152 من سورة الأنعام.
وغيرها كثيرٌ قد ذكرها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه، ليصبح سهلاً للحفظ.
الترتيب من اختصاص الشقّ الأيسر
جاء في المنجد: رتب، رتباً، ورتوباً، الشيءُ: ثبت ولم يتحرّك.
لقد استعمل القرآن الكريم قاعدة الترتيب التي يختصّ بها الشقّ الأيسر من المخّ، حتّى يوفّر لهذا الجانب حيويّته ونشاطه عندما يداوم صاحبه على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار.
منها الترتيب القرآني للركوع والسجود:
الحجّ ـ 77، الحجّ ـ 26، البقرة ـ 125، التوبة ـ 112، الفتح ـ 29.
ونلاحظ ذلك في ترتيبه للعبادات، بحيث يذكر في كثيرٍ من الآيات الصلاة ويتبعها بذكر الزكاة، وقد ذلك فيما يقرب من 35 آيةً.
منها الآيات الأولى من سورة البقرة.
ومنها آيات خلق الإنسان، وآيات إنزال المطر وإنبات النبات. (1/145)
صفحة 146
ويرشد العلماء كلّ من يريد حفظ معلومةٍ حفظاً جيّداً ثابتاً أن يرتّب عناصرها ترتيباً منطقيّاً مترابطاً، لأنّ المخّ البشري فُطر على طريقة استيعاب المعلومات بطريقةٍ منهجيّةٍ ومنطقيّةٍ عقلانيّةٍ، ممّا يعطي لتلك المعلومة أهميّةً، فيميل العقل الباطن إلى الإقتناع بأن يحفظها حفظاً جيّداً.
والمخّ البشري قد فطره ربّنا - سبحانه وتعالى - خالقه على استعمال استراتيجيّات في طريقة التعلّم والعمل، وتتألّف تلك الاستراتيجيّات من أنظمةٍ متعدّدةٍ تقوم على تسلسلٍ معيّنٍ، من بينها إستراتيجية الترتيب، والتي يعتمدها عليها الأشخاص الأذكياء في الوصول إلى درجةٍ قويّةٍ من الأداء.
وكلّ شخصٍ يجد نفسه تميل بطبيعتها إلى استخدام نظامٍ وترتيبٍ معيّنٍ تتّبعه لأداء أيّ عملٍ واتّخاذ قراراتها، وهذا ممّا يساعد في تسهيل تعلّمها وتدريبها، والناس يتدرّبون عبر مراحل الحياة إلى تعلّم عاداتٍ وأساليب يتّبعونها دون شعورٍ منهم، لأنّها تصبح فيهم طبيعةً لا يستطيعون التخلّي عنها.
لذلك أنزل ربّنا - سبحانه وتعالى - كلامه الكريم وهو يشتمل على هذه الأساليب الكثيرة التي يحتاج إليها المخّ البشري ليتدرّب المهتمّ بتلاوته وتدبّره على استراتيجيّاتٍ إيجابيّةٍ، يستخدمها في النواحي الأخرى من الحياة، وبذلك يصبح قويّ الحفظ، جيّد الذاكرة.
وإذا ما تفطّن المسلمون إلى تطبيق مختلف الاستراتيجيّات المختلفة التي أنزلها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم، فسيكون لديهم فهمٌ جيّدٌ للأنظمة التمثيليّة، ويتمكّنون في مجال البرمجة، التي يستطيعون استخدامها بطريقةٍ جيّدةٍ، فيحقّقون نجاحاتٍ كبيرةً في مختلف ميادين العلوم والبحوث.
وباستخدام تلك الاستراتيجيّات التي ضمّنها ربّنا في كتابه، يدفع الشخص بعقله لكي ينمو نموّاً متكاملاً، إلى أن يصبح الإنسان المتحفّز الذي يريد أن يكون.
وقديماً قال الشاعر:
وما فازوا بمعجزةٍ علينا ولكن في أمورهم نظام (1/146)
صفحة 147
وإستراتيجيّة الترتيب هي عبارة عن تسلسلٍ للأنظمة التمثيليّة يقود إلى حصيلةٍ معيّنةٍ، وقد وجد العلماء في بحوثهم وتجاربهم المختلفة أنّ النجاحات تعتمد كثيراً على هذا الأسلوب، ولكي يجيد الإنسان هذا التسلسل، فإنّه يجب عليه أن يربطه بعدّة نتائج.
الخاتمة
وأخيراً فهذا بعض ما منّ به الله - سبحانه وتعالى - علينا من أفكارٍ حول بناء فكرٍ قويٍّ وحسنٍ بكتاب ربّنا - عز وجل - القرآن الكريم، وتنشيط خلايا الدماغ البشري بمختلف الأساليب التي أنزلها الله - سبحانه وتعالى - فيه.
فما هناك من شكٍّ في أنّ ربّنا - عز وجل - قد أنزله على هذا الأسلوب والتعبير ليوفّر لعباده ميداناً واسعاً لبناء الإبداع وتقوية التفكير لديهم، ولكن ما نراه في الواقع هو أنّ أغلبيّة المسلمين لا يعتقدون بأنّ كلام ربّنا - عز وجل - يستطيع أن يقوم بذلك التأثير الذي أراده الله - سبحانه وتعالى - منه.
فالله - سبحانه وتعالى - يريد منّا أن نثق في كلامه، ونترك أنفسنا له، ونستسلم لتوجيهاته، ليكون لنا بمشيئته وعونه القائد الحكيم الذي يبني فينا الحكمة.
وهو يرشدنا في كثيرٍ من آياته أن نشتغل به، ونكثر من تلاوته، ونتدبّر آياته الكريمة، ولا نبخل عليه بأوقاتنا ومجهوداتنا، ونجعل له حظّاً وافراً من اهنمامنا، كي نتحصّل على الفوائد الكبيرة التي جعلها فيه، وللحكمة البالغة التي يعلمها ربّنا - عز وجل - في ذلك.
والشيء المؤسف هو أنّ أغلبيّة عناصر الأمّة لم يريدوا الالتحاق بمدرسة قرآن ربّنا - عز وجل -، واستنكفوا واستكبروا عن الالتحاق بهذا وبناء تفكيرهم على أسسها، فنتجت النتيجة التي وصلت إليها الأمّة الإسلامية من ضعف التفكير، وفقدان الإبداع، ونقصان الذكاء، فصارت في ذيل الأمم لا قيمة لها، ولا اعتبار لوجودها، فأصبح عناصرها أضيع من الأيتام على مائدة اللئام. (1/147)
صفحة 148
إنّ المسلمين في حاجةٍ شديدةٍ إلى عودةٍ حقيقيّةٍ إلى المدرسة القرآنية المحمّديّة، فيدخلوا إلى عالمها الواسع، ويبنوا من خلال ما فيها من الأساليب الراقيّة عقولاً جبّارةً مبدعةً، ويحقّق لهم ربّنا - سبحانه وتعالى - الأهداف العالية القيّمة، التي حقّقها لمن قبلهم عندما تعلّقوا بكلام ربّهم - عز وجل -، فالله - عز وجل - لا يخلف وعده، وهو لا يخلف الميعاد.
- {{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} ... [آل عمران ـ 194]
فالله - سبحانه وتعالى - لا يمدّ الأمّة بالصعود إلى درجات التقدّم والإبداع والنجاح إلاّ عندما ترجع إلى المدرسة القرآنيّة التي يعلّمهم فيها بنفسه - سبحانه وتعالى - كيف يحقّقون ذلك، فإمداد ربّنا - عز وجل - مقرونٌ باللجوء إليه، وهو قريبٌ من كلّ من اشتدّ عزمه وتاقت نفسه للدخول إلى حضرة كلامه والإقبال على مائدة لتأخذ منها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، كي تشبع من أسلوبها، وتذوق من حلاوتها، وترتوي من معينها الصافي.
نسأل الله - عز وجل - ربّنا وخالقنا والذي فضّلنا بما أنزله إلينا من كلامه أن يهدينا ويعيننا إلى التمسّك بتلاوته وتدبّره، وأن يقوّي به مخاخنا، ويرفع به تفكيرنا، ويهدينا إلى ما فيه من الخير والعون والهداية، وأن يتجاوز عنّا ما نحن فيه من الغفلة عن الاهتمام به، وأن يجعلنا جميعاً من أتباع القرآن الكريم، ومن جيل القرآن، ومن أهل كلامه الكريم، الذين هم أهل الله وخاصّته.
والحمد لله الذي بفضله تتمّ الصالحات
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله
الفهرست
الفصل الأوّل:
الشقّ الأيمن والأيسر للمخّ
ما يتعلّق بشقّي المخّ
استخدام شقّي المخّ معاً
تمرين عضلات شقّي المخّ
أنواع عضلات الشقّين
الفصل الثاني: العقل والتفكير
نعمة العقل
مظهر إتقان البارئ
العقل عقلان
توافقٌ وثيقٌ بين عقلين (1/148)
صفحة 149
المخّ ذلك العملاق النائم
للعقل قيمةٌ عظيمةٌ عند الله - سبحانه وتعالى -
العقل أغلى وأعظم وأعقد جهازٍ
الخليّة المخّية الباحثة عن المعرفة
الفصل الثالث:
أسلوب القرآن ونشاط شقّي المخّ
القرآن أحسن ممرّنٍ لعضلات المخّ
القراءة المؤثّرة في عضلات المخّ
القرآن يضمن حوار الشقّين
القرآن يدرّب كلّ عضلات المخّ
القرآن يبني التفكير الإبداعي
تنوّعٌ وتعدّدٌ لا يعلمه إلاّ الله - عز وجل -
أسلوب القرآن يضمن نشاط الشقّين
أسلوب القرآن يبني نشاطات الشقّين
تناسق كلمات القرآن وحروفه
الفصل الرابع: القرآن وبناء الأفكار
القرآن يخلق أفكاراً لا نهائيّة
القرآن يربط العقل بالقلب
القرآن يتوافق مع التفكير الفطري
طبيعة تفكيرنا اليومي
القرآن يدعو إلى التخيّل
افصل الخامس: نشاطات الشقّ الأيمن
الشقّ الأيمن
ورتّل القرآن ترتيلاً
الذبذبات الصوتيّة
ترتيل القرآن في الصلاة
الإدراك
الإدراك المكاني
الإدراك الشمولي
الإدراك الشمولي يبني الكمال الفكري
الكون Univers
التخيّل والخيال في القرآن الكريم
التخيّل يعين على ربط المعلومات
تخيّل بعض المناظر والوجوه
أحلام اليقظة
الألوان
الفصل السادس: الشقّ الأيسر
الكلمات
اللغة تكريم للإنسان
المنطق
الذكاء العددي
التشعّبية
التحليل
التتابع
التتابع الزمني
القوائم
الترتيب
الخاتمة (1/149)