صفحة 1
بحث تخرج: اليمن في القرآن والسنة لرشيق الشيباني
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] - مقدمة -
الحمد لله المتصف بصفات الكمال،تفرد بوحدانيته تبارك وتعالى ذي الجلال، جعل العقل نبراس الحياة ، فأرشد به الناس إلى نور الهداية، أنزل القرآن وجعله المصدر الأول للتشريع، وذكر فيه الحكم والعبر، فقص القصص، وذكر الأقوام لمن أدّكر ، نشهد ألا إله إلا الله الرحيم المنّان ، وحده لاشريك له ذي الفضل والإحسان.
ونشهد أن سيدنا محمدا رسول النزاهة والنقاء ، والعفو والتواضع والسخاء، صلى الله عليه وعلى آله الغُرِّ الأماجد، وعلى الصحابة كلهم ما خَرّْ للرحمن ساجد، وعلى جميع من اتبعهم بإحسان ما قام قائم وسجد عابد.
وبعد,,,
فكانت اليمن منذ فترات التأريخ الماضية محطة لعيون الباحثين ، وهدفا لسهام المستشرقين، كيف لا وهي مهاد التأريخ العربي القديم ، والتي نشأت بها أرقى حضارات العالم في ذلك الوقت ، وعُدَّت قرينة للحضارة الآشورية والفرعونية، بل وربما أصبحت في فترة من الفترات في طليعة تلك الحضارات .
لقد سكن اليمن ملوك خلَّدوا ذكرهم من قبل الميلاد وحتى يومنا هذا ، كان يحلو للواحد منهم أن يقول " لقد دعتني نفسي أن أنطح الصين" ، وكان منهم من عبدَ اللهَ الواحد ، واتبع رُسُله، فضرب القرآن بهم المثل، وجعلهم عبرة لمن جاء بعدهم، ومنهم من طغى على وحدانية الإله ، فعبد الشمس وغيرها من المخلوقات، فكان لزاما أن يحل بهم ما يستحقونه من العذاب، ويكونون محلا للعظة والاعتبار.
ومن هنا كان هذا البحث الذي جاء لِسَبْر ما ورد في القرآن الكريم من أقوام وقصص وغيرها مما هو كائن في أرض اليمن السعيد. (1/1)
صفحة 2
كل هذا كان في فترات ما قبل الميلاد ، أما حين بزغ الإسلام ، وجاء الهدى في ربوع الجزيرة العربية ؛لم تتأخر تلك العقول اليمانية في اعتناق الدين وهي التي كانت لها روح العقيدة الواحدة منذ زمن بعيد ، فجاءت إلى رسول الله طالبة الاستزادة والاستفادة، ولم يكن ذلك ليخفى عن رسول الله وهو الذي قال فيهم ما قال من فضل ومدح ، وأرسل لهم خِيرَة أصحابه وأحبائه .
ومن هذا المنطلق رأيت أن نضيف إلى ما ورد في القرآن الكريم من ذكر هذا البلد الطيب وأهله وملوكه ، ما جاء في السنة النبوية الشريفة لذلك جاء اسم البحث " اليمن في القرآن والسنة"
ولعل ما ذكرناه في طيات هذا البحث لا يخلو من التخمين ، والتّوَقُّع ، ذلك لأنه من الصعب الجزم في حتميات تاريخية حدثت في ما قبل آلاف السنين، وإنما استقصيتُ ما استطعتُ عليه ، وإن مثل هذا البحث لتُعْتَبر مصادره مختلفة تماما عن بقية كل المصادر تاريخية كانت أو غير تاريخية ، فمعتمد هذا النقوش والآثار التي تظهر يوما بعد يوم ، فكم من البعثات هي اليوم في اليمن تعمل في التنقيب عن تلك الحضارات ولربما ظهرت أشياء تكون كفيلة بتغيير مجرى التأريخ ، وتبديل وجهات نظر .
هذا وإنني أعتبر أن أصعب ما واجهني في بحثي هذا هو ندرَة المصادر اليمنية – وإن كانت قليلة في هذا المجال- إلا أنها تعتبر مرجعا ها ما لمثل هذا البحث .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن معظم المصادر والمراجع التي نقلت منها معلومات البحث كانت بتصرف ولم أشأ كتابة هذه الكلمة " بتصرف" حتى لا يحصل التكرار فتَمِل النفس منه لذلك أحببت التنبيه هنا .
وقد قمت بتبويب هذا البحث حسب الخطة التالية :
الفصل الأول : لمحة من تأريخ اليمن قبل الإسلام وفيه أربعة مباحث :
المبحث الأول : الدولة المعينية وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول : نشوء الدولة المعينية
المطلب الثاني : ملوكها وحدودها
المطلب الثالث: الحالة الدينية
المطلب الرابع: سبب إنهيارها (1/2)
صفحة 3
المبحث الثاني : الدولة السبئية وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تاريخ نشأتها
المطلب الثاني: أصل السبئين
المطلب الثالث: الحالة الدينية
المطلب الرابع :أهم حضاراتها
المبحث الثالث الدولة الحميرية وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول : الدولة الحميرية الأولى
المطلب الثاني: الدولة الحميرية الثانية
المطلب الثالث:سقوط الدولة الحميرية
المبحث الرابع :الأحباش والفرس وفيه مطالبان:
المطلب الأول : الأحباش في اليمن
المطلب الثاني : الفرس في اليمن
الفصل الثاني :اليمن في القرآن الكريم وفيه ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : ذكر الأقوام وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول : قوم عاد
المطلب الثاني :قو سبأ
المطلب الثالث: قوم تبع
المبحث الثاني: ذكر القصص وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: أصحاب الرس
المطلب الثاني:أصحاب الجنة
المطلب الثالث: أصحب الأخدود
المطلب الرابع: أصحاب الفيل
المبحث الثالث : ذكر ما ورد من غير القصص والأقوام وفيه مطالبان:
المطلب الأول : قوله تعالى" رحلة الشتاء والصيف "
المطلب الثاني :قوله تعالى " فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه "
الفصل الثالث: تاريخ اليمن الديني وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول : الحالة الدينية قبل الإسلام وفيه مطلبان:
المطلب الأول : اليهودية
المطلب الثاني : المسيحية
المبحث الثاني: الإسلام في اليمن وفيه مطلبان :
المطلب الأول: إسلام أهل اليمن
المطلب الثاني: كتب الرسول لأهل اليمن
المبحث الثالث: ذكر اليمن في السنة وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: بعض الأحاديث الواردة
المطلب الثاني : وفود اليمن إلى الرسول
المطلب الثالث : عمال الرسول على اليمن
وأخيرا قمت بذكر خاتمة عامة للبحث ، ثم أردفت ذلك بذكر قائمة للمصادر والمراجع وأخيرا جاء الفهرس العام لمحتويات البحث.
هذا وأسأل الله التوفيق والسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه .
رشيق سعيد محمد الشيباني اليمني
يوم السبت 3/5/2003م
- شكر وعرفان - (1/3)
صفحة 4
أرى لزاما علي أن أرسل أريج شكر ليستقر وساما على جبين المخلصين الذين ساعدوني في بحثي هذا وهم:
? الدكتور : سليمان محمد أحمد – مشرف البحث – والذي كان له الفضل في تقويم أخطائي وإسداء النصح لي ولم يبخل علي بكل ما جادت به عقليته فشكرا شكرا له .
? الشيخ : زياد بن طالب المعولي – مدير عام معهد العلوم الشرعية – الذي طالما استلهمت من وجهه تلك الابتسامة التي تفتح أمام النفس أبواب الحياة وطالما استعذَبتُ من فِيهِ –كلما لقيته- قوله لي "كيفك يا ابو يَمَن " .
? الهيئة الإدارية من أساتذة وإداريين وعاملين .
? كما لا أنسى تلك اليد الخفية التي كان لها الفضل في إخراج هذا البحث بهذا المنظر البديع، الذي تألفه النفس من أول نظرة، وابسط لفته.
? والشكر موصول للدكتور/ محمد عبد الرحيم الزيني الذي تفضل بمناقشة هذا البحث ، وكان له الفضل في إسداء النصح والتوجيه وتقويم أخطائي فله مني خالص الشكر .
? وهنا يجب أن يقف اليراع ويجثوا على ركبتيه إجلالا وعرفانا بالجميل ، للأخ الفاضل / سليمان بن محمد بن سيف السيابي ،والذي يعز المقام لفراقه، وتحلوا الأيام بذكره ، وخياله كان – وما يزال – النور الذي يضيء لنا ظلام الغربه ،ولم نلحظ في معاشرته طعم الكربه ، فأكفانا عن الديار وأحيانا مع فضلاء أخيار ، فلهم خالص الشكر والإبرار .
? وأخيرا الشكر موصول لكل من مد لي يد العون .
إليهم جميعا أزف خالص احترامي وتقديري،،،
- الإهداء -
إلى والدتي العزيزة التي لم تغمض عيناها لِفُراقي..
إلى روح أبي التي استخلصت منها حياتي..
إلى أسرتي التي منها تذَّوقتُ طعم حياتي ...
ثم إلى شيخي الفاضل / ناصر محمد الشيباني الذي له أكبر فضلٍ علي ..
وإلى أُستاذي الفاضل/ مختار حميد أحمد الذي رأيتُ في روحه معنى الأبوة..
وجميع أساتذتي في معهد المثنى بن حارثة الشيباني وجميع زملائي وأصدقائي في بلاد اليمن السعيد .. (1/4)
صفحة 5
وإلى الفاضل/ عبد المعين الشيباني الذي ذقت معه طعم الأخوة ، وحلاوة الصداقة فكان توأم روحي في الحياة..
إليهم جميعا أقدم هذا العمل ...
المطلب الأول : نشوء الدولة المعينية :
تعتبر دولة معين من أقدم الدول اليمنية وأكثرها غموضاً عند المؤرخين الإسلاميين لعدم ذكرها في الكتب السماوية ، أما المؤرخون اليونانيون فلم يعرف ما كتبوه عنها إلا القليل ، وقد بقي تاريخ هذه الدولة مجهولاً حتى عام (1174هـ-1761م) حينا بدأ المستشرقون الغربيون يواصلون رحلاتهم سعياً وراء البحث ودراسة الآثار اليمنية القديمة ومعرفة الحضارة اليمنية الخالدة .
وقد عثر هؤلاء المستشرقون على نقوش معينية مكنتهم من معرفة بدء قيام الدولة واستمرار بقائها وتاريخ انقراضها على وجه التخمين ، لعدم العثور على المستندات وعلى ما يكفي لأن يكون مستنداً زمنياً (1) .
فمن العلماء (2) من ذهب إلى فرض التقديرات التاريخية لتاريخ هذه الدولة ، بينما نحى فريق (3) آخر إلى إلتماس طرف الحقيقة الغائبة فبنى أقواله على شيء يكاد يوحي بارتباط بذلك التاريخ ، فعمد إلى الحفريات والأعمال التي قامت بها البعثات من الدول الغربية للتنقيب عن الحضارات .
__________
(1) أحمد حسين شرف الدين، "اليمن عبر التاريخ" دراسة جغرافية تاريخية شاملة ، مطبعة السنة المحمدية 1384هـ-1964م ص55 .
(2) ذكر هذا القول نبيه عاقل في كتابه "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " وعزاه إلى المستشرق فليبي في كتابه "تاريخ العرب" ولم أعثر على قول فليبي في الطبعة السابعة من الكتاب، وقد طُبع الكتاب سبع طبعات أولها قبل خمسة وثلاثين سنة ، ولعل د/نبيه عاقل نقله من طبعة قديمة .
(3) ألبرايت، نقلاً عن كتاب د/ نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " دار الفكر 1983م ص91. (1/5)
صفحة 6
واعتماداً على فرضية التخمين والحفريات والآثار تقاربت الروايات حول تاريخ قيام دولة معين ، فقدّرها البعض بالفترة من القرن الرابع عشر (1) قبل الميلاد وانتهت عام 850 قبل الميلاد بقيام مملكة سبأ ، وقدّرها آخرون بأنها دامت من عام 1300 (2) تقريباً قبل الميلاد إلى سنة 630 قبل الميلاد ، وقارب الفريق الثالث حين عدّها من عام (3) 1200 ق.م إلى عام 600 ق.م.
كانت دولة معين قائمة في الجوف وكانت عاصمتها معين وتسمى "قرناو".
ويعتبر المعينيون بحق أقدم الشعوب التي حملت لواء الحضارة في بلاد العرب الجنوبية ، فالمعينيون شعب عربي قديم كان يسكن منذ أن ظهر على مسرح التاريخ بلاد العرب الجنوبية ، ولكنه ما لبث أن استقر وثبت أقدامه كشعب متمدن اشتغل بالتجارة ، وانتشر داخل بلاد العرب وخارجها ، فهاجرت جاليات منه إلى مصر والجزر اليونانية وغيرها (4) .
وتمثل دولة معين في الوقت الحاضر محافظة الجوف التي تعتبر موطن الحضارة المعينية ، حيث ما تزال آثارها باقية إلى اليوم .
موقع معين :
__________
(1) أحمد حسين شرف الدين،"اليمن عبر التاريخ" ص53 ، مرجع سابق .
(2) د/ السيد عبدالعزيز سالم، "تاريخ العرب في عصر الجاهلية" ، مؤسسة شباب الجامعة- الإسكندرية ص119
(3) شوقي أبو خليل، "أطلس التاريخ العربي" ، دار الفكر 1405هـ-1985م ص27 .
(4) نبيه عاقل، "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص84 وما بعدها ، مرجع سابق . (1/6)
صفحة 7
تقع معين في محافظة الجوف حيث يحَدُّ الجوف من الشمال جبل (برط) وجبل (الشعف) وجبل اللوز ، ومن الجنوب جبل سليام وجبل ريام ، وأما من جهة الشرق فتنتهي بانتهاء الجبال الشمالية والجنوبية وتواجه رمال الأحقاف ، ومن جهة الغرب فمتصلة بالهضبة الداخلية المعروفة في اليمن والتي يلتقي بها سيول عشرات الأودية (1) .
وهذا الموقع الاستراتيجي في مفترق طرق القوافل الذاهبة والعائدة جعل معين مركزاً استراتيجياً لطرق التجارة التي ربطت جنوب الجزيرة بشمالها وبمصر والعراق والخليج ، فجعلت المعينيين المنظمين الرئيسيين لها في أغلب الأحيان (2) .
ذكر الكاتب زيد بن علي في مقال له أنه شاهد الجوف قبل 35 سنة ورأى معين ومعبد ود وأنقاض السوداء ومدينة البيضاء ، وقال :لا أستطيع وصف هذه المدينة فسورها كأنه بُنِي قبل أيام (3) .
وقد استطاع المؤرخ الفرنسي اليهودي جوزيف هاليفي عام 1873م أن يطوف بأعالي الجوف حيث كان يعيش المعينيون ، وكان أول أوروبي زار نجران وقد نشر وصف رحلته عامئذٍ ، كما نشر في العام التالي تقريراً عن مهمته وجمع عدداً كبيراً من الكتابات المعينية (4) .
__________
(1) محمد توفيق، آثار معين في جوف اليمن، نقلاً عن كتاب "اليمن في صور" لعبد الله أحمد الثور ، طبعة دار الهنا في القاهرة ، ط3 1975م ص8-9 بتصرُّف .
(2) ثريا منقوش، "قضايا تاريخية وفكرية من اليمن" مطابع الكرمل، ط1 ،1979م ،ص19 .بتصرُّف
(3) زيد بن علي عنان "حضارة اليمن القديم" مقال نُشر في مجلة الإكليل، العدد 2 السنة الأولى، خريف 1400هـ-1980م، ص115-116.
(4) محمود كامل المحامي "الدولة العربية الكبرى" طبعة مكتبة الدراسات التاريخية، ص101 وكتاب "اليمن في صور" ص7 . (1/7)
صفحة 8
وتعتبر أبحاث جلاسر ومكتشفاته التي تشمل 2000 نقشاً (لم تنشر كلها حتى الآن) تعتبر القاعدة الأساسية لمعلوماتنا الحالية عن بلاد العرب زمن الجاهلية ، وقد جاء بنظرية مفادها أن نقوش المعينيين تدل على أنهم جماعة متقدمون في تاريخهم وحضارتهم ، وأن تلك الحضارة قد حلت محلّها حضارة السبئيين (1) .
وما أن أطل الألف الثاني قبل الميلاد حتى كان المعينيون من قبائل العرب الجنوبية قد توسعوا في مستعمراتهم التجارية بعيداً عن نحو الشمال (2) .
المطلب الثاني : ملوك الدولة المعينية وحدودها
ملوكها :
كانت السلطة في دولة معين قائمة على الملكية فيرأسها حاكم يلقب بلقب ملك ، غير أن هذه الحكومة وكذلك الحكومات الملكية الأخرى في العربية الجنوبية جَوّزت أن يشترك أكثر من شخص في المُلْك في حمل لقب ملك (3) ، بشرط أن يكون حامل اللقب من أقرباء الملك الأدنيين مثل ابنه أو شقيقه ، ولم يُعلم سرّ هذه المشاركة أكانت مجرد مجاملة أم مشاركة حقيقية في الملك بوظيفة مُعَيّنة ، وكذلك لم تُعلم الدوافع التي حملت الملوك على السماح لأولئك الأشخاص حتى بمشاركتهم في حمل اللقب أكانت قهرية أم كانت برضى منهم .
__________
(1) دي لاسي أوليدي "جزيرة العرب قبل البعثة" ترجمة موسى على الغول، منشورات وزارة الثقافة- المملكة الأردنية الهاشمية، ص111.
(2) كار ل بروكلمان "تاريخ الشعوب الإسلامية" نقله للعربية نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي، دار العلم للملايين ، بيروت ط5- 1968م ص16 .
(3) عبدالعزيز سالم، "تاريخ العرب في عصر الجاهلية"، ص123-124 (1/8)
صفحة 9
ويظهر من الكتابات المعينية أيضاً أن الحكم في معين لم يكن حكماً ملكياً تعسفياً بل كان الحكم فيها معتدلاً استشارياً يستشير الملوك أقرباءهم ورجال الدين الوثنيين وسادات القبائل ورؤساء المدن (1) .
لم يذكر العرب في تاريخهم ملوك دولة معين ، وإنما وجدوها في أنقاض معين من الجوف وبلغوا (26) ملكاً (2) ، يشترك كل منهم بصفة أو باسم واحد ويتميز باللقب ، وكان لملوكهم نعوت تضخيم كقولنا : الغازي ، والفاتح .. وقد وجد الأستاذ مولر بعد دراسة النقوش المعينية أن الحكومة كانت وراثية تنتقل من الأب إلى الابن ، وقد يتولى الاثنان معاً ، وأن الملوك في صدرها الأول كانوا يعرفون بلقب مزود ، ولعل اللقب يتضمن بعض الكهانة فضلاً عن الحكومة فيكون المراد بقولهم مزود معين أي حاكم معين وكاهنها (3) .
ومن اقدم الأُسَر التي عثر على أسماء ملوكها إيل صادق ، ووقه إيل ، وصديق إيل (4) .
ومما لا شك فيه أنه كان لدولة معين مُدن تابعة لها سياسياً وإدارياً واقتصادياً ، وكانت هذه المدن حكومات لكل مدينة حكومتها الخاصة بها ، ولهذا كان في استطاعتنا أن نقول إن حكومة معين هي حكومات مدن ، كل حكومة في مدينة لها آلهة خاصة بها تتسمى باسمها ، وهيئات دينية تابعة لها (5) .
__________
(1) جواد علي، "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، ج2 ساعدت جامعة بغداد على نشره ط2،.1413هـ-1993م، ص108 وما بعدها بتصرُّف .
(2) ديزيره سقال، "العرب في العصر الجاهلي" دار الصداقة العربية- بيروت ط1-1995، ص42
(3) جرجي زيدان، "تاريخ العرب قبل الإسلام" نقلاً عن كتاب "هذه هي اليمن".
(4) ديزيره سقال، "العرب في العصر الجاهلي" ص42 ، مرجع سابق .
(5) جواد علي، "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" ج2، ص109 بتصرُّف ، مرجع سابق . (1/9)
صفحة 10
لم يختلف الباحثون حول وجود ملوك معين ، وإنما حصل التفاوت اليسير في عدد هؤلاء الملوك ، وقد عدّهم المستشرق فليبي إلى عدد (22) ملكاً (1) ، وينحدرون من خمس سلالات وهم :
1. ... سلالة اليفع : إليَفَعْ يفيس ، إليَفَعْ ياسِر ، إليَفَعْ يثع ، إليَفَعْ ريام .
2. ... سلالة وقه : وقه إل يثع ، وقه إل نبط ، آل صديق ، آل ريام .
3. ... سلالة أب يَدَعْ : أب يَدَعْ يثع ، أب يدع ريام ، حَفن أب يدع ريام.
4. ... سلالة يثع آل صديق : يثع آل صديق ، يثع آل ريام .
خال كرب صديق ، هوفعت بن اليثع ريام ، خال كرب .
5. ... سلالة كرب : معدي كرب بن اليفع يثع ، يثع كرب بن آل ريام .
... أبو كرب ، أم يثع أبو كرب ، يثع كرب ، ثوب آل .
يقول أحمد حسين شرف الدين : "وجدت خلال زيارتي للمتحف البريطاني بلندن قطعة ضخمة من الغرانيت (ولعله يقصد الجرانيت) كانت شاهداً لقبر شخص اسمه هنتسار بن عيسى ، عُثر عليها في جزيرة كريت باليونان ، وقد كُتِب عليها بالخط المسند وطبق القاعدة المتبعة في الكتابة المعينية ما لفظه : نفس وقبر هنتسار بن عيسى بن هنتسار افكل عرّاف ، وأخبرني مدير القسم الشرقي في المتحف أن نصوصاً معينية أخرى عُثر عليها في جزيرة كريت ، كما أطلعني على ختم من الأحجار الكريمة يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد ، وقال: إنه أقدم ختم عرفه المتحف البريطاني، وعليه صورة رجل على رأسه تاج ويرتدي ملابس عربية ويتمنطق حزاماً عريضاً ونُقِشَ حول الصورة اسم نبط كرب بن دردا، وقد كُتِبَ الشطر الأول من الاسم على الطريقة العكسية وهي طريقة سبئية تعود إلى ما قبل القرن السابع قبل الميلاد .
__________
(1) على رأي فليبي وعدهم غيره 26 ملكاً . (1/10)
صفحة 11
وهذا الختم هو نفس الختم الذي نشره البروفيسور إلبرايت سنة 1951م في كتابه (مختارات أبحاث المستشرقين الأمريكان) ، وقال البروفيسور : إن هذا الختم اكتشف بواسطة شخص يدعى نيلسون جلوك “Nelson Glueck” رئيس اتحاد معاهد العلوم الإسرائيلية في القدس ، والذي صرح بأنه عثر على الختم من مكان يسمى "تل الخليفة" بالعراق من آثار الكلدانيين التي كان يسيطر عليها المعينيون في ذلك الوقت) (1) .
حدود الدولة المعينية :
اعتماداً على الجانب الاقتصادي في الدولة المعينية استطاع المعينيون أن يحطوا رحالهم في جنوب فلسطين ، وعلى طول نهر الفرات الأدنى ، ووصلوا شواطئ البحر الأبيض المتوسط ، وحَصَروا شواطئ الخليج العربي وجزر العرب ، ويُظن أن هذا كان تحت الإدارة السياسية لدولة معين .
فبسبب التجارة انتشر المعينيون في بلاد مختلفة حتى بعد انقراض دولتهم ، فقد ورد ذكرهم في مصر ، وسورية ، والعراق وغير ذلك .
وكانت التجارة السبب الأول في ثراء هذه الدولة ، لأنها كانت تفرض الضرائب على البضائع التي تمر بها ، كما كان هناك بضائع تنفرد بنقلها على الطرق البرية ، وكان للتجارة أثر على امتداد نفوذها السياسي إلى بلاد كثيرة تقع على الطريق التجارية (2) ، فأدرك نفوذهم السياسي شمال الحجاز فدخلت معان وديدن "العُلا الحديثة" في فلك دولتهم استناداً إلى الكتابات المعينية التي أسفر عنها البحث الأثري والكشوفات في هذه المناطق ؛ وعلى هذا النحو نستنتج أن هذه المواضع الشمالية كانت تابعة لحكومة معين الجنوبية (3) .
__________
(1) أحمد حسين شرف الدين، "اليمن عبر التاريخ" ص59 وما بعدها، مرجع سابق.
(2) نبيه عاقل، "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص91 وما بعدها ، مرجع سابق
(3) خير الله طلفاح، "تاريخ العرب في العصر الجاهلي" دار الحرية للطباعة- بغداد ج، 24 ص38، وعبد العزيز سالم، "تاريخ الدولة العربية" ج2، مؤسسة شباب الجامعة ص10. (1/11)
صفحة 12
كما كان لمعين صلة كبيرة باليونان ومصر ، بعلاقة التجارة التي بلغ بها المعينيون شأناً عظيماً ، فقد كانت اليمن في أيامهم قنطرة تجارية بين الشرق والغرب يُصَدّر منها البخور والتوابل بواسطة موانيها في البحر العربي ، والخليج العربي ، والبحر الأبيض المتوسط كميناء غزة ، كما كانت همزة وصل لنقل بضائع الهند والصين القادمة من المحيط الهندي بواسطة القوافل البرية التي كانت تربط الشمال بالجنوب (1) .
وقد امتد نفوذ المعينيين ، ولا نقول حكمهم استناداً إلى المصادر الغربية ، حتى شمل كل جزيرة العرب وما يحيط بها ، وكانت هذه الدولة ، كالدول الفينيقية ودولة الأنباط في الشمال ، دولة تجارية لها طرقها ومستعمراتها الموزعة في كل ميناء ، وتحتاج إليها لتأمين مواصلاتها وضمان تجارتها الواسعة ، كما أنه لابد لها من جيوش منظمة رهيبة لتحميها (2) .
ولعل المستقبل يكشف الحجاب عن كتابات معينية في أماكن أخرى من المنطقة التي بين فلسطين واليمن (3) .
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه كان يعيش إلى جوار معين بعض الدويلات مثل جمهورية قتبان التي كانت تطغى على أموال المعينيين (4) بين الفينة والأخرى.
وعلى أية حال فقد امتد مجال نفوذ هذه الدولة حتى بلغ غزة شمالاً على البحر الأبيض المتوسط ، وانتشرت محطات تجارتها ، ومخازن أسلحتها على طول الطريق (5) .
__________
(1) أحمد حسين شرف الدين، "اليمن عبر التاريخ" ص58-59، مرجع سابق
(2) عدنان ترسيسي، "بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" دار الفكر المعاصر- بيروت- لبنان ط1 ،1410هـ-1990م ،ص53 وما بعدها .
(3) أحمد حسين شرف الدين، "اليمن عبر التاريخ" ص58 وما بعدها، مرجع سابق.
(4) عبدالله الثور، "هذه هي اليمن"
(5) علي إبراهيم حسن، "التاريخ الإسلامي العام" مطبعة السنة المحمدية، مكتبة النهضة المصرية- القاهرة 1972م، ص38. (1/12)
صفحة 13
وهكذا يتبين أن الدولة الأولى الكبرى هي دولة معين التي اتسعت من الخليج إلى شواطئ الحجاز، وقد أعطى أولاد يعرب الذي ينتسب المعينيون إليه أسماءهم لبعض المقاطعات حتى يومنا هذا كعُمان وحضرموت (1) ابنا يعرب بن قحطان .
المطلب الثالث : الحالة الدينية
في عصر ما قبل الإسلام ، وفي عهد الدولة المعينية كانت عبادة الأوثان هي العقيدة السائدة لدى بعض الشعوب ، وكان المعينيون لهم نصيب من ذلك ، وكانت عبادتهم للأصنام الثلاثية ترمز إلى عبادة الكواكب الثلاثة : الزهرة ، والشمس ، والقمر .
وكان في كل مدينة معبد وأحياناً عدة معابد ، خصصت بآلهة شعب معين ، وكما قد يُخصص معبد بعبادة إله واحد ، يكرس المعبد له ويُسمى باسمه ، وتنذر له النذور ويشرف على إدارته قومه ورجال دين ، يقومون بالشعائر الدينية والإشراف عليه ويشرفون على إدارة أوقاف المعبد .
وكانت للمعابد جبايات خاصة بها ، وأرضون واسعة تستغلها ، كما كان لها موارد ضخمة من النذور التي تقدم إليها باسم آلهة معين ، عند شفاء شخص من مرضٍ ألمَّ به ، أو عند رجوعه سالماً من سفر ، وتدوّن تلك النذور عادة في كتابات تعلن للناس ، يذكر فيها اسم المتبرع الواهب ، واسم الإله أو الآلهة التي نذر لها ، واسم المعبد ، كما تُعلن المناسبة ، وقد وصلت إلينا نصوص كثيرة من نصوص النذور ، وتعد هذه النذور ديوناً للآلهة .
ولم يقتصر هذا على الحياة الاجتماعية بين العامة بل توصل إلى قرارات الملوك، فكانت مراسيم ملوك معين تصدر على شكل أوامر تفتتح بأسماء آلهة معين ثم يُذْكر الملك ويُعلّق كتابه لِيَطلع عليه الناس (2) .
__________
(1) عدنان ترسيسي "بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" ص67، مرجع سابق.
(2) جواد على، "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" ج2، ص109 وما بعدها بتصرُّف ، مرجع سابق . (1/13)
صفحة 14
ولقد وردت في النصوص المعينية أسماء لمجموعة الآلهة التي ترمز إلى الكواكب فـ عثتر يرمز للزهرة ، ويُسمى عثترقبضهم أي عثتر القابض (1) ، وكان هذا الإله في مدينة يهرق ، وقد ورد في كتابات عُثر عليها في براقش وفي أبين وفي معين وغيرها، ذكر معبد كُرِّس للإله عثتر دعي بـ يَهَر، ويتبين لي من اقتران يهر بعثتر أن يهر جماعة كانت تتعبد لهذا الإله وتقدسه ، ولهذا أدعي معبده باسمها ، كما أنه اسم مدينة نسبت تلك الجماعة إليها (2) .
كما أن اسم الإله ود بقي معروفاً عند عرب الجزيرة ، على أنه الإله الرئيس لأهل معين ، قد ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى { وَقَالُواْ لا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} (3)
وود هو رمز القمر ، ولذا فقد كان أكبر إله عند المعينيين مثلهم مثل بقية أقوام اليمن التي عبدت القمر ورمزت إليه بأسماء عدة كـ (سين) عند الحضارمة ، و(عم) عند القتبانيين ، وهو نفس الإله "المقه" السبئي (4) . ويرمز ود إلى القمر بدليل ورود جملة "ودم شهرن" أي "ود الشهر" ومعنى الشهر القمر (5) . ومن آلهة معين نكرح الذي يرمز للشمس وترد هذه الآلهة مرتبة على النحو التالي : عثتر وود ونكرح (6) .
__________
(1) ثريا منقوش، "قضايا تاريخية وفكرية من اليمن" ص93 ، مرجع سابق .
(2) جواد علي، "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" ج2 ،ص109 بتصرُّف ، مرجع سابق .
(3) سورة نوح الآية رقم (23) .
(4) ثريا منقوش، "قضايا تاريخية وفكرية من اليمن" ص54 ، مرجع سابق .
(5) جواد علي، "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" 2/109 وما بعدها ، مرجع سابق
(6) ثريا منقوش ، ص40. (1/14)
صفحة 15
وتعد مدينة يثل المعينية المركز الديني للدولة ، وتسمى براقش والتي اختلف الإخباريون في سبب تسميتها كثيراً ، وتعددت آراؤهم وتباينت فمنهم من قال إنها حصن (1) ، ومنهم من زعم أنها قصر من قصور همدان (2) .
المطلب الرابع : سقوط الدولة المعينية
تتحد آراء المؤرخين عموماً على السبب الرئيسي لانهيار دولة معين التي ظلت قائمة فترة من الزمن- الترف الذي لحق بأهلها .
فقد أجمع المؤرخون على أن عرب معين كانوا يعيشون حياة مترفة ، يسكنون القصور ويشيدون المدن ، كما دلت الآثار التي اكتشفت على براعتهم في البناء والعمران .
وفي حوالي القرن 8 ق.م. بدأ الضعف يتسرب إلى كيان مملكة معين ، وفي الوقت ذاته بدأت مملكة سبأ بالظهور ، إلا أن مملكة معين ظلت قائمة على ضعفها حتى القرن 3 ق.م. (3)
لقد كان وراء سقوط معين عدد من الأسباب وهي :
1. انجذاب شعبها إلى الغنى والرفاهية .
2. انغماس ملوكها وكبار رؤوساها في الترف والبذخ .
3. انصراف الدولة إلى تلبية حاجيات الملوك من الصرف والتبذير .
وهذا بدوره ألهاهم جميعاً شعباً وحكاماً عن جيرانهم ، والمتربصين بهم والطامعين في تجارتهم وأرضهم (4) .
__________
(1) ياقوت بن عبدالله الحموي، "معجم البلدان" قّدم له محمد عبدالرحمن عشلي" ج2 ،دار إحياء التراث العربي ، مؤسسة التاريخ العربي ط1 1417هـ-1997 ص289 ، باب الباء والراء وما يليهما .
(2) عبد الله بن عبد العزيز البكري ، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ، ط3؛عالم الكتب 1/237.
(3) محمد فريد عبد الله، "السياحة عند العرب تراث وحضارة" ج1، دار ومكتبة الهلال ط1 ،2000م بيروت- لبنان ص273.
(4) ثريا منقوش، "قضايا فكرية وتاريخية من اليمن" ص51 ، مرجع سابق . (1/15)
صفحة 16
واستغل السبئيون هذا الضعف ؛ فأخذوا يوسعون مناطق نفوذهم على حساب دولة معين ، فلما قوي أمر السبئيين قضوا على الدولة المعينية ، وأقاموا دولتهم على أنقاضها وورثوا لغتها وديانتها وتقاليد شعبها (1) ، فأخضعوهم وجعلوا الدولة المعينية ولاية تابعة لهم (2) .
لقد أغرت وضعية الترف الذي عاشه المعينيون ، أغرى الدول المحيطة بمعين- قتبان من جهة الشرق الجنوبي ، وحضرموت من ناحية الربع الخالي الممتد إلى الجوف اليمني وسبأ من الغرب- أن تمارس عليها ضغوطها التجارية في البداية ثم السياسية والعسكرية ، فشهدت الساحة اليمنية صراعات عنيفة اقتصادية الهدف منها تحطيم مركز معين لكسر احتكار التجارة اليمنية والعربية ، التي كانت في أيدي المعينيين لفترة طويلة من الزمن ، وكان من نتائجها نوع من الاستكانة والخنوع أبعد المعينيين عن خلق البداوة وخشونتها المطلوبة آنذاك للحفاظ على تمدن معين وازدهارها ولرد هجمات أعدائها المحيطين بها (3) .
المطلب الأول : تاريخ نشأتها :
كانت دولة سبأ ناشئة في وقت كانت معين يبدو عليها الهرم وتؤذن بالزوال ، وقد استطاعت سبأ أن تفسح حدودها على حساب هذه الدولة حتى ورثتها نهائياً (4) .
__________
(1) عبدالعزيز سالم، "دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام" ج1، مؤسسة شباب الجامعة- الإسكندرية ص108 .
(2) فليبي حتى، إدورد جرجي، جبرائيل جبّور "تاريخ العرب" دار غندور للطباعة والنشر ط7، 1986م ص87.
(3) ثريا منقوش، "دراسات فكرية وتاريخية من اليمن" ص47-48.
(4) أحمد شلبي "موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية" مكتبة النهضة ط8 ، 1978م ج1 ص97 . (1/16)
صفحة 17
ويبدأ العهد السبأي من عام 950 ق.م إلى عام 115ق.م باتفاق متفاوت بين المؤرخين ، وكان لدورهم مركزاً عظيماً في كل المجالات التجارية والعمرانية والفنية ، وتوسعت سلطتهم وتناقلت أخبارهم في أرجاء المعمورة (1) .
وتُعد أقدم إشارة لقيام السبئيين وجود نقش في عام 745-727 ق.م يرجع إلى مؤسس الدولة الآشورية ، ونقش آخر يرجع إلى عهد سرجون الثاني عام 721-705 ق.م ، ونقش ثالث يرجع إلى استخاريت عام 685 ق.م ، ويشير إلى كرب إيل السبأي ، وتتحدث هذه النقوش على هدايا كان يقدمها الحكام السبئيون إلى أولئك الملوك المعاصرين لدولتهم ، وقيل كانت تجني منهم كجزية ، وعلى ما يبدو أنها كانت تُقدّم لتحسين العلاقات وصيانة لمصالح العرب التجارية ، وتطوُّر النفوذ السبأي (2) .
كما ورد ذكر مملكة سبأ في القرآن الكريم (3) وما حَلّ بجنتهم ، قال تعالى :
{
__________
(1) أحمد رمضان "حضارة الدول العربية في عهد الرسول والخلفاء الراشدين والدولة الأموية" الجهاز المركزي للكتب الجامعية- عين شمس- ط1978م ، وعبدالله أحمد الثور "هذه هي اليمن" ص20 ، وعبدالعزيز سالم "تاريخ العرب في عصر الجاهلية" ج1/ ص107 ، ونبيه عاقل "تاريخ العرب القديم" ص92 .
(2) نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص92 ، وعبدالله أحمد الثور "هذه هي اليمن" ص40 .
(3) وذكرت قصة زيارة ملكة سبأ لسليمان عليه السلام في التوراة ، ويوحي هذا بتعبير عن مدى الصلات التجارية التي كانت بينهم وبين شعب سبأ ، فذكرت أنها ذهبت إليه محملة أطياباً وذهباً كثيراً وحجارة كريمة ، والتقت بسليمان وسألته ما كان في خاطرها ."الكتاب المقدس والعهد القديم" دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط ، الملوك الأول ص425 . (1/17)
صفحة 18
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزّقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15).. (1) }
وكذلك في قصة الهدهد في قوله تعالى :
{ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فقال أحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍم بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِيّ وَجّتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (2) }.
وفي يمن اليوم وعلى بعد مسافة لا تتجاوز 127 كيلومتراً شرق العاصمة اليمنية صنعاء ، تقع مدينة مأرب عاصمة الدولة السبئية القديمة ، وعماد التاريخ اليمني حيث يمتد أكبر مخزون حضاري لليمن شرقاً وحتى الربع الخالي شمالاً ، والطريق إلى مأرب من صنعاء كأنه أرجوحة تصعد بالمسافر تارة وتهبط طوراً ، وقد يقع الزائر لها بقدرة قادر ضيفاً رغماً عن أنفه في قبضة القبائل المأربية ، يُساومون برقبته الحكومة لتنفيذ مشروعات خدماتية ، وهذا ما حدث مع كثير من الدبلوماسيين والسياح الأجانب ، وقد يعبر بأمان إذا لم يكن لون شعره أصفر فيتوه في المخزون الأثري الهائل داخل مدينة كأنها في عصور ما قبل الميلاد (3) .
ولعل من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى حدثين هامَّين وقعا في عهد المكرب كرب إيل وتر كانا لهما آثار في شتى مجالات الحياة وهما :
الحدث الأول :
__________
(1) سورة سبأ الآيات من 15 – 19 .
(2) سورة النمل الآيات من 22 – 23 .
(3) رحمة حجيرة ، تقرير بعنوان "عرش بلقيس " ،مجلة زهرة الخليج، العدد1176، يوم السبت، 6/10/2001، ص61. (1/18)
صفحة 19
أن هذا المكرب قام بالوحدة بين دولة سبأ ومعين في فترة من الفترات ، وكان ذلك في القرن الرابع قبل الميلاد ، وقدّم بهذا قربانا للإله لتوفيقه بإقامة هذا المنجز التاريخي ، جاء ذكر هذا في نقش عُثر عليه في جبل اللوز ، تضمن الإشادة بالوحدة بين الدولتين ولما لم يظهر لقب مكرب إلا بعد تلك الفترة اعتقد رايكمنز من جامعة لوفان البلجيكية أن مكرب يعني الموحِّد وليس المقرب من الآلهة كما يعتقد البعض .
الحدث الثاني :
كان المكرب كرب إيل وتر السبب في اتساع دولة سبأ واتساع لقب ملوكها ، فقد ذكر في نقش (1) ، عُثر عليه في صرواح أن كرب قام بحملات متفرقة في أطراف بلاده شملت نجران والمعافر والجوف حتى وصلت فتوحاته إلى البحر ودانت له مملكة أوسان ، ويطيل النقش في ذكر البلاد التي فتحها ، والملوك الذين دانوا له ، ويذكر أنه قام ببعض الإصلاحات كخزانات للمياه ، والجسور والقنوات وحدائق النخيل التي غرسها (2) .
واهم ما ترتب على هاذين الحدثين تحول اللقب الملكي من مكرب إلى ملك ، وبهذا يدخل عهد سبأي جديد ، وتتأثر بهذه الأحداث العاصمة السبئية صرواح فتنتقل إلى مأرب .
صرواح :
هي عاصمة مكربي سبأ الأولى ، تقع على بُعد 142 كيلومتر شرق صنعاء ، وعلى مسافة 50كم إلى الشمال الغربي من مأرب ، وهي أقدم عهداً من مدينة مأرب- عاصمة سبأ الثانية- التي خلفت صرواح وتغلبت عليها وتدعى اليوم باسم "خربة" ومنها حصل الباحثون على أقدم الكتابات عن مملكة سبأ (3) .
__________
(1) يوجد تفصيل النقش في كتاب "المفصل في تاريخ العرب " ، لجواد علي ص268-303 ج2.
(2) عدنان ترسيسي "بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" ص68،69 ، مرجع سابق ، ومحاضرة للدكتور محمد يوسف عبدالله ، وكيل وزارة الثقافة اليمنية ، الاثنين 28/أكتوبر/2002م .
(3) أحمد حسين شرف الدين "اليمن عبر التاريخ" ص121 ، مرجع سابق . (1/19)
صفحة 20
وفي صرواح يقع مقر المكرب ، وفيها معبد الْمَقَهْ إله سبأ الخاص ، وفيها عُثِر على النص المعروف بكتابة صرواح وصاحبه كرب إيل وتر ، ويعتبر من أهم النصوص التي عُثِر عليها (1) .
مأرب :
العاصمة الثانية لدولة سبأ ، وكانت دولة كبرى فيها ، ولعلها كانت العاصمة السياسية في سبأ (2) ، ترتفع عن سطح البحر 3900 قدم ، وكانت ملتقى الخطوط التجارية التي وصلت بلدان اللبان بمرافئ البحر المتوسط وأخصها غزة ، والذي أكسب المدنية شهرتها هو سدّها العظيم الذي يُعد من عجائب الفن الهندس (3) .
وبها قصر سلحين (4) ، وبقايا معبد المقه إله سبأ الخاص ، ومأرب الحاضرة هي غير مأرب القديمة فقد أنشئت الحاضرة على أنقاض القسم الشرقي من مأرب القديمة الأولى (5) .
المطلب الثاني : أصل السبئيين وملوكهم :
أصل السبئيين :
ورد ذكر السبئيين في النقوش الآشورية بما يشير إلى أن ملوك الآشوريين فرضوا الجزية على مكاريب سبأ ، كما جاء في التوراة عند حكاية قصة ملكة سبأ مع سليمان عندما ذهبت إليه في أورشليم ، وهي محملة أطياباً وذهباً ، وحجارة كريمة ، وذُكرت بلاد سبأ أنها تنتج الطيوب واللبان وغيرها (6) .
__________
(1) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب " 2/303 وما بعدها ، مرجع سابق
(2) جواد علي " المفصل في تأريخ العرب" ، 2/306
(3) فليبي حتى "تاريخ العرب" ص87 وما بعدها ، مرجع سابق
(4) أحد القصور التي كانت موجودة في اليمن، قيل إن الذي بناه الجن أمرهم سليمان فبنوا لبلقيس ثلاثة قصور منها سلحين .
(5) جواد علي " المفصل في تأريخ العرب " ص87،وما بعدها .
(6) عبدالعزيز سالم "تاريخ العرب قبل الإسلام" 1/108 ، والكتاب المقدس والعهد القديم ص425. (1/20)
صفحة 21
وأصل السبئيين يرجع إلى يشجب بن يعرب بن قحطان والذي يُسمى بعبد شمس ، فهم ينسبون إلى سبأ بن يشجب بن يعرب ، الذي كان له كثير من الولد اشتهر منهم حمير وكهلان ، وتكاد تنحصر أنساب اليمن فيهما (1) .
ومعنى سبأ : غزا أو قام بالغزو ، وسبأ هذا هو أول من سن السبي عند العرب (2) .
وجاء من حمير وكهلان ابني سبأ نسله قبائل كثيرة انتشرت في كل مكان في جزيرة العرب قبل الإسلام وبعده ، وإليه نسب نسله السبئيون ، وقد زعموا أن اسمه الحقيقي هو عبد شمس أما سبأ فلَقَبٌ لُقِّبَ بِه لأنه أول من سن السبي عند العرب ، وأدخل السبايا إلى اليمن ، وهو الذي بني مدينة سبأ وسد مأرب وغزا الأقطار كما ذكر البعض (3) .
وفي خضم تضارب الروايات حول نزوح السبئيين ، هل من أرض الحبشة ؟ أو من أرض بابل في العراق ؟ يُتأكدّ أنهم من أهل العربية الشمالية أصلاً ، غير أنهم تركوا موطنهم وارتحلوا منه في القرن الثامن قبل الميلاد إلى جنوب الجزيرة العربية حيث استقروا في صرواح ومأرب والأماكن السبئية الأخرى ، واستغلوا ضعف الدولة المعينية وأخذوا يوسعون منطقة نفوذهم على حساب دولة معين ، فأقاموا دولتهم على أنقاضها وربما كانت هجرتهم إلى الجنوب نتيجة ضغط الآشوريين عليهم (4) .
ملوك السبئيين :
__________
(1) محاضرة للدكتور / يوسف عبدالله ، وكيل وزارة الثقافة اليمنية 28/8/2002م ، ونبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص93 ، مرجع سابق .
(2) عبدالعزيز سالم "تاريخ العرب قبل الإسلام" 1/108 ، مرجع سابق
(3) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب" 2/258 ، مرجع سابق .
(4) نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص93 ، وعبدالعزيز سالم "تاريخ العرب قبل الإسلام" 1/108 ، وجواد علي "المفصل في تاريخ العرب" 2/260 ، مراجع سابقة . (1/21)
صفحة 22
يمكن تقسيم حكم سبأ في اليمن إلى ثلاثة أدوار بحسب اللقب الملكي إلى الآتي (1) :-
الدور الأول :
مرحلة المَكَارِبْ وعددهم ثلاثة عشر مكرباً ، بدأ حكمهم من سنة 850 ق.م إلى سنة 620 ق.م (2) ، وهي مرحلة كان يتلقب فيها حاكم سبأ بلقب مكرب أي : المقرب أو المقدس .
الدور الثاني :
مرحلة الملوك وعددهم ستاً وعشرين ملكاً ، بدأت فترتهم من 620 ق.م إلى سنة 115 ق.م ، كان يتلقب فيها الحاكم بلقب ملك سبأ (3) .
الدور الثالث :
مرحلة ملوك سبأ وذي ريدان، وذلك بعد انهيار الدولة السبئية ، وهذا ما سنذكره في المبحث الثالث بعنوان الدولة الحميرية .
المكربون :
تعني لفظة مكرب المقرب أو الوسيط بين الآلهة والناس ، واختلف الباحثون حول تاريخ انتهاء المكاريب ، وحدوث التغيير في اللقب الملكي فبعضهم (4) يرى أنه في سنة 610ق.م. حدث التغير، ويرى آخرون (5) أنه في سنة 650 ، وبهذا يتحدد نهاية مرحلة المكاريب .
__________
(1) نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص92 وما بعدها ، مرجع سابق
(2) أحمد حسين شرف الدين "اليمن عبر التاريخ" ص73 ، مرجع سابق .
(3) حسن إبراهيم حسن "تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي" ج1 ، مكتبة النهضة المصرية ط9 سنة 1979م ص54-25
(4) فليبي حتى "تاريخ العرب" ص87 ، مرجع سابق .
(5) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب" 2/269 (1/22)
صفحة 23
ويُعد أول المكربين السبئيين هو سَمَه علي ، ولم يعثر من تاريخه إلا على أنه قدّم البخور للإله أَلْمقَه ، وخلفه ابنه يدع إيل ذريح ، الذي أسس معبداً للمقه في صرواح وآخر في مأرب ، وقدّم القرابين في هذه المناسبة ، ثم جاء ولده سَمَه علي نيف ولم يعده بعض المؤرخين (1) مكرباً ، ثم جاء بعدهم المكرب يثعمر وتر وبعده ابنه يدع إيل (2) .
اهتم مكارب سبأ بالإصلاحات الزراعية ، وإليهم ينسب تنفيذ أعظم مشروع للري عرفته بلاد العرب في العصر القديم ، وكان رائد فكرة السد هو سَمَه علي نيف ثم تبعه ابنه يثع آمر وسار على نهج أبيه ، فأدخل إصلاحات عليه فزاد في السد طولاً وعرضاً وارتفاعاً (3) .
وآخر المكربين هو كرب إيل وتر الذي حكم من 620 ق.م حتى 610 ق.م مكرباً . ثم حكم السنين الباقية ملكاً وكان محارباً قضى على الحكومات العربية الجنوبية وأخضعها لحكمه ، ويعتبر نقشه الذي عُثر عليه في صرواح من أخطر الوثائق التي عُثر عليها في مأرب (4) .
وقد استغل العلماء والباحثون في ترتيب حكام سبأ المكربين حسب التسلسل التاريخي معتمدين على الآثار التي وردت فيها أسماء المكربين ، وهذه قائمة أحد منهم هو فليبي ورتبهم كالآتي (5) :
1. سَمَه علي أول المكربين ... 2. يدع آل ذريح
3. يثع آمر وتر بن يدع آل ذريح ... 4. يدع آل بين بن يثع آمر وتر
5. يدع آمر وتر ... 6. كرب آل بين بن يثع آمر
7. ذمر على وتر ... 8. سَمَه علي نيف باني سدرحب
9. يثع آمربين ... 10. كرب إيل وتر آخر المكربين وأول الملوك
__________
(1) عبدالعزيز سالم "تاريخ العرب قبل الإسلام" ص110
(2) نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص93.
(3) فليبي حتى "تاريخ العرب" ص88 ، وجواد علي "المفصل في تاريخ العرب " 2/282 ، مراجع سابقة .
(4) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب " 2/286 وما بعدها .
(5) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب " 2/311 وما بعدها . (1/23)
صفحة 24
الجدير بالذكر أن التحول هذا تبعه تغير في العاصمة فأصبحت مأرب هي عاصمة ملوك سبأ بعد أن كانت صرواح عاصمة مكارب سبأ .
الملوك :
كان أول ملوك السبئيين هو كرب إيل وتر- كما أشرنا إليه سابقاً- وتنتهي فترة ملكهم سنة 115 ق.م ، وتعاقب الملوك من بعده إلى أن طغت عليهم الدولة الحميرية- وكما سبق- نذكر ترتيب فليبي لملوك سبأ كالآتي :
1.كرب إيل وتر
2. سَمَه علي ذريح
3. كرب إيل وتر بن سَمَه علي ذريح
4. الشرح بن سَمَه علي
5. يدع آل بين بن كرب آل وتر
6. يكرب ملك وتر بن يدع آل بين
7. يثع آمر بين
8. وكرب آل وتر بن يثع آمر بين إلى أن يصل تعداد ملوكهم خمسة وعشرين ملكاً ، حتى يُغتصب الملك عليهم حوالي سنة 114 ق.م على يد برم أيمن أحد قواد الأسرة الهمدانية التي أطاحت بالدولة السبئية (1) .
المطلب الثالث : الحالة الدينية :
كان معظم عرب الجنوب وثنيين في تاريخهم القديم قبل الميلاد وقبل الفتح الحبشي الأول على وجه التحديد (2) .
فكانت صبغة حياة اليمنيين وثنية في كافة مجالات الحياة ، إذ كانوا يعتقدون أنه لابد من حماية الآلهة لتوفيق كل حي ، ونجاح كل عمل .
__________
(1) جواد علي " المفصل في تاريخ العرب " 2/349 وما بعدها .
(2) ديزيره سقال "العرب في العصر الجاهلي" ص53 . (1/24)
صفحة 25
كما كان لليمنيين صلات بالأجرام السماوية والتضاريس الطبيعية ، وصلة بالبيئة والحيوانات التي ترمز لعبادتهم ، إلى حد أن الصيد في حَدِّ ذاته تحول في كثير من مراحل التاريخ إلى طقوس من العبادة ، كما كانوا يعرفون الحج بأن يزوروا مكاناً واحداً من أجل إله واحد في يوم واحد وهو أقرب إلى ما عرفناه في الحج إلى الكعبة ، فالطقوس الدينية لليمنيين القدماء كثيرة ومعقدة تعقيداً حضارياً ، فالسبئيون والحميريون والمعينيون والحضارم والقتبانيون والأوسانيون شكلوا وحدة حضارية واحدة ، فكانوا يجتمعون في أشياء أساسية قلّما كانوا يعرفون الكتب السماوية ولا الأنبياء وبالتالي كانوا مجتهدين في تحديد علاقتهم بما حولهم ، لأن الطبيعة قاهرة والإنسان ضعيف بنفسه ويريد أن يُفسر الكون تفسيراً يوفر له الأمان (1) .
وبالتعرف على إنجازات الحكام السبئيين نلاحظ ارتقاء المستوى الديني والاهتمام به عند أبناء هذه الدولة العريقة ، فبداية بالمكرب يثع آمربين نلاحظ أنه قام بأعمال عمرانية عديدة يصح أن نطلق عليها دينية ، فقام ببناء بابين لمدينة مأرب وضرب حصناً للمدينة ، وقد قام ببناء معبد نسور ومعبد علم ومعبداً في ريدان ومعبداً آخر لعبادة ذات بعدان في حنان ، وعدة أبنية في إزاء معبد ذهبم ، ويظهر الاكتمال الديني لهم في عاصمتهم صرواح ، حيث صُمِّمت قِبلة لهم وفيها أقيم معبد المقه إله سبأ الخاص ، والذي توالت عليه الإصلاحات من جميع المكربين .
__________
(1) خالد راوح، مقال تحت عنوان " اليمن حضارة بناء وفن لتراث إنساني عميق " جريدة الثقافية، العدد122، بتاريخ 13/12/2001م ،ص6. (1/25)
صفحة 26
وبداية بابْنيّ أول ملك سبأي قام الشرح بن سمه علي ببناء جدار لمعبد المقه في مأرب ، ورمَّمَ أبراج هذا المعبد ، وحفر الخنادق ، ووفى بجميع نَذرِه الذي نَذَره للمقه على الوفاء بأن أجاب دعوته ، وكان لكاهن المعبد مكانة خاصة فَتبع كرب كاهن معبد المقه هو الذي قام بعقد الصلح بين سبأ وقتبان في عهد الملك يثع آمربين ، وساعده في ذلك أهله وعشيرته ، ويقع معبد ألمقه في مأرب ، ولم يبق منه إلا أربعة أعمدة يبلغ طول الواحد منها 30 قدماً ، وعلى بُعد خمسة كيلومترات تقع خرائب معبد شهير كانت له شهرة كبيرة عند السبئيين يعرف اليوم بـ "حرم بلقيس" أو "محرم بلقيس" (1) .
ومع أن الدولة المعينية كانت ثلاثية الآلهة ، نجد أن دولة سبأ اتحدت إلاهياً ، فكان المَقَهْ أو الإله القمر هو عقيدة السبئيين الخالدة ، وإن وجد آلهة آخرى محلية انتشرت في أصقاع الدولة ، إلا أن المقه ظل الرمز الإلهي الوحيد (2) .
وفي قصة ملكة سبأ حكى الله تعالى على لسان هدهد سليمان قوله :
{ وَجَدتُّهَا وَقَوُمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ ..} (3) .
مما يؤكد أن عبادة الشمس كانت سائدة في عصر مملكة سبأ الأولى ، أي في أواخر الدولة المعينية .
بعد هذا نستطيع أن نُجمِل آلهة اليمنيين القدامى في ثلاثة هي :
1. المَقَهْ- الإله القمر- عرفه السبئيون بـ ثهوان وأهل الجوف بـ هَرّان.
2. الشمس عند المعينيين ذات نكرح ، وعند السبئيين ذات حميم وذات بعدان وذات غضران .
3. عثتر المشهور بالزهرة ، ومن أسمائه ذو قبض ، ذو يهرق وغيرها (4) .
__________
(1) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب " 2/325
(2) جواد على، نفس المصدر 2/272
(3) سورة النحل ، الآية رقم (24)
(4) أحمد حسين شرف الدين "اليمن عبر التاريخ" 147 وما بعدها . (1/26)
صفحة 27
ويعتقد بعض علماء الآثار أن استنطاق الوحي كان منتشراً في اليمن القديم ، وخصص لتلك الاستشارة الكثير من المعابد التي حوت أماكن مخصصة لطرح الأسئلة على الإله والتوسل إليه ، وكانت الآلهة تجيب عبر الكهنة ، وعرفت أيضاً وسائل أخرى للتعبير عن الإرادة الإلهية وهي الاستقسام بالأزلام والحجارة والسحر الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالشعائر الدينية آنذاك .
كما كان لكهنة المعابد وظائف تتمثل في : إدارة شؤون المعبد ، وممارسة وظيفة الناطق الرسمي باسم صاحب الوحي ، وإدارة الشعائر التي تضمن نزول المطر (1) .
فالحياة الدينية عند السبئيين بشكل خاص واليمنيين بشكل عام- قبل دخول النصرانية والمجوسية- تميزت رغم وثنيتها بالاستقرار واستقلالها في نطاق بيئتها ، إلا أن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً نتيجة الصراع السياسي الدينية بين معتنقي تلك الديانات من اليمنيين وبين الدول الداعمة لتلك الصراعات- الروم والفرس-.
المطلب الرابع : أهم حضاراتها :
تركزت معظم الحضارات في جنوب غرب قارة آسيا أي المنطقة التي نسميها حالياً الشرق الأوسط الجزيرة العربية شمالها وجنوبها، بالإضافة إلى أطراف بلاد العراق وما والاها من إيران وبلاد الهند والسند ، وفي الجانب الآخر تمتد شمالاً لتشمل بعض أجزاء آسيا الصغرى ، وتمتد غرباً لتشمل مصر والسودان شمال ووسط أفريقيا وما جاورها ، لكن مراكز الثقل هي بلاد الشام ومصر وبلاد ما بين النهرين وأقرب منطقة تكمل هذه البقاع هي الجزيرة العربية ، ولئن صحّ أن جزءاً من الجزيرة العربية صحراء لكن الجزء الجنوبي- اليمن- كانت مستوطنة في العصور البرونزية ، وشهدت إقامة نشوء حضارات كثيرة (2) .
__________
(1) رحمة حجيرة ، زهرة الخليج ، العدد 1176 ، 6 أكتوبر2001 ، تحت عنوان "عرش بلقيس".
(2) خالد راوح ، مقال في مجلة الثقافية ، العدد 122 ص6 ، في تاريخ 13/12/2001م (1/27)
صفحة 28
واتفقت كلمة المؤرخين على اعتبار دولة سبأ من اليمن مركزاً ومصدراً لتمدّن العرب قبل الإسلام (1) .
فقد كان المعينيون والسبئيون والحميريون واسطة عقد التجارة بين الشرق والغرب (2) .
وتمدّن السبئيين لا يقل عن تمدّن الآشوريين والمصريين والفينيقيين ، فقد أنشأوا المدن ، وعمروا القصور ، وغرسوا الحدائق ، ونحتوا التماثيل ، وحفروا المناجم ، ونظموا الجُند ، ووسعوا التجارة ، وأتقنوا الزراعة (3) .
وملامح هذه الحضارة تتركز فيما خلفه الأقدمون من أعمال وما كتبوه ، وسنذكر هنا نبذة عن أعظم فن هندسي وجد فيما قبل الميلاد وظل حتى يومنا هذا دليلاً صادقاً على عقلية اليمني ، ومدى تفكيره ، وهذا المشروع هو سد مأرب .
سد مأرب :
اختلف العلماء والباحثون حول باني سد مأرب اختلافاً كبيراً فيرجع بعضهم- تاريخ إنشائه إلى الحقبة الثانية لدولة سباً أي حوالي 610-115 ق.م ، وأول من بناه يثعمر بين وأبوه سَمَه علي ينف وهذا ما ذكره فليبي وغيره (4) .
ويذكر غيرهم أن هذا السد جاء على فترات مترادفة حتى أصبح بهذا العِظم ، وذلك من كتابة المكرب سَمَه علي نيف التي عُثر عليها وتدل على أنه قام بتعمير السد للسيطرة على مياه الأمطار إلا أنه لا يمكن الجزم بأن هذا السد كان من تفكير هذا المكرب وعمله ، وأنه أول من شق أساسه ووضع بنيانه ، فقد يكون السد من عمل أناس غيره حكموا قبله ، وما المشروع الذي أقامه سمه علي إلا تتمة لذلك المشروع القديم (5) .
__________
(1) عدنان ترسيسي "بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" ص69.
(2) جرحي زيدان "تاريخ التمدن الإسلامي" ج1 ، منشورات مكتبة الحياة ، بيروت-لبنان، ص16.
(3) نفس المصدر 1/18.
(4) فليبي حتى "تاريخ العرب" ص87،88 ، وعدنان ترسيسي "بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" ص118.
(5) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب " 2/281 (1/28)
صفحة 29
زعم البعض (1) أن بانيه هو ذمر علي وتر ثم أكمله ابنه يثعمر ، وقيل (2) : سبأ بن يشجب بن يعرب ، وقيل (3) بناه لقمان الأكبر العادي أي لقمان بن عاد .
وصف السد :
يقع السد في محافظة مأرب ، ويرتفع 3900 قدم فوق سطح البحر ، ويبلغ طوله 800 ذراع وعرضه 150 ذراع ، وبُني على مقطع وادي أُذُنة بين مضيق جبلين بَلَقْ الأيمن وبلق الأيسر ، وفي وادي أذنة تتجمع معظم مياه السيول التي تتكون من الأمطار الساقطة على جبال أطراف صنعاء ، وبناؤه من التراب والحجارة ، وينتهي أعلاه بسطحين مائلين على زاوية منفرجة تكسوها طبقة من الحصى تمنع انجراف التراب عند تدفق المياه (4) .
__________
(1) نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص94.
(2) عبد الرحمن السهيلي "الروض الأنف" تحقيق عبد الرحمن الوكيل ط1 ، دار الكتب الإسلامية 1387هـ-1967م ج1/115 ، وعبد الرحمن بن خلدون "تاريخ ابن خلدون" ط2 ، دار الكتب العلمية ،بيروت-لبنان 1413هـ-1992م ص58.
(3) علي بن الحسن المسعودي "مروج الذهب ومعادن الجوهر" ط5 ، دار الفكر ، بيروت-لبنان ، تحقيق محمد محي الدين ، 1293هـ-1973م ، ج2/180
(4) نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص94-95 . (1/29)
صفحة 30
وبطرفي هذا السد مصرفان مبنيان بناءً ضخماً حيث تنكسر حِدة السيل في السد الكبير ، لكي تخرج المياه من المصارف التي عن يمين وشمال السد من فتحات يُقّدر عرض كل فتحة بأربعة أمتار ، وتسيل المياه من المصارف إلى قنوات ثم إلى خزانات أخرى بعيدة من السد ، ومن هذه الخزانات توزع المياه من فتحات إلى جهات متفرقة من الجنبين تحت السد ، وللفتحات التي في جانبي السد مغالق من الأخشاب تُلقّم في البناء الكبير لتخفيف حِدة مياه السيل وخروجها بالقدر المطلوب قلة وكثرة (1) . ويسقي السد 10 ألف هكتار (2) .
تشير النقوش إلى بعض الترميمات التي أجريت للسد في عهد شرحبيل يعفر 449-450ق.م ، وأبرهة الحبشي 543ق.م. (3)
وبعد تصدع السد وانفجاره بما فيه والذي أدى إلى دمار الجنتين كما ورد ذلك في قوله تعالى : {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثُلٍ وَشَئٍ مِّن سِدْرٍ قَلَيلٍ ..} (4) ، وبعدها تفرق سكان اليمن إلى الدول المجاورة وفيهم قيل المثل العربي (5) : تفرقوا أيدي سبأ.
وقال فيهم سبحانه وتعالى : { .. فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ..} (6)
وبعد أن أطاح سيل العرم بثُلثي السد ظل الثلث الأخير باقياً في مكانه حتى سنة 1986م ، حيث حدث الحدث الأهم الذي يعتز اليمني به ويُفاخِرْ ، وهو إعادة بناء سد مأرب العظيم ، وتم اختيار موقع بحيث لا يطغى على آثار السد القديم .
__________
(1) عدنان ترسيسي "بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" ص120-121
(2) محمد يوسف عبدالله ، محاضرة في قصر البستان ، مصدر سابق .
(3) فليبي حتى " تاريخ العرب" ص88
(4) سورة سبأ الآية رقم (16)
(5) أحمد حسين شرف الدين "اليمن عبر التاريخ" ص127
(6) سورة سبأ الآية رقم (19) (1/30)
صفحة 31
يقع السد الجديد على مسافة 11 كيلو متر غرب مدينة مأرب ويبعد 3 كيلومتر عن السد القديم ، مما يسمح بالمحافظة على آثار أحد أقدم وأهم معالم الحضارة الإنشائية المفيدة في العالم ، ويمتد جسم السد الجديد على مسافة 763 متراً بارتفاع 39 متراً ، كما يلحق بالسد الرئيسي أربعة سدود تحويلية ، وتصل طاقة السد التخزينية إلى 390 مليون متر مكعب ، وأما ساحة البحيرة التي خلف السد فتبلغ 405 كيلومترات مربعة (1) .
ومعلوم أن وجود مثل هذه البحيرة سيغذي المياه الجوفية ، مما يسمح بحفر آبار جديدة وعديدة ، كما يساعد على تحديد خِفة الجفاف ، ويساعد على تربية أنواع السمك ، وتقوم البحيرة بِرَيّ مساحات شاسعة تحت السد تعيد للجنتين روعتهما حيث تبلغ المساحة بـ 6 ألف هكتار مروية و10 ألف هكتار محصولية (2) .
هذا السد العظيم لم يكن هو الوحيد في السدود اليمنية القديمة ، وإنما صار ذلك السد علماً في مفهوم الحضارة ، والحاصل أن ببلاد اليمن سدوداً كثيرة أوصلها الهمداني إلى مائة سد (3) ، منها مأرب ، والخانق بصعدة ، وريعان في ذمار ، وجدة في عنس وغيرها (4) .
وحضارة السبئيين عامة لم تقتصر على السدود وإنما كان لهم باع في التفنن بعمارة القصور التي ظلت شامخة سنين عديدة ، يتغنى بها الشعراء ، ويصفها الواصفون ويتفاخر بها اليمنيون ، بل ويعتبرونها من مقدساتهم ، من ذلك قصر غمدان وقصر سلحين وقصر بينون وغيرها .
__________
(1) عدنان ترسيسي " بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" ص480
(2) نفس المصدر ص481
(3) أحمد حسين شرف الدين "اليمن عبر التاريخ" نقلاً عن كتاب الإكليل لأبي الحسن الهمداني ص103.
(4) عدنان ترسيسي "بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" ص115. (1/31)
صفحة 32
ومما هو أولى بالذكر قلم الجنوبية العربية- خط المسند- والذي يُعد من أبرز الأقلام السامية وأقدمها ، بل هو أعتق من القلم النبطي والأقلام التي عرفت في شبه الجزيرة العربية (1) .
وتتألف أبجدية المسند من 29 حرفاً وهي حروف صامته ، ويفصل بين كل كلمتين خط عمودي مستقيم ، وليس فيها شيء من النقط أو الإشارات ، وقد يكتب الحرف المشدد مرتين ، وسمي هذا الخط مسنداً لأن حروفه ترسم على أشكال خطوط مستندة للأعمدة (2) .
ولغة المسند نسميها اليوم باللغة الحميرية ، وهي لهجة سامية تمتاز بثروتها اللغوية وغزارتها التعبيرية ، وقد حافظت العامة على عديد من كلماتها وحتى التحدث بها لا يزال في جنوب الجزيرة ببلاد المهرة في محافظة المهرة في اليمن من يستعمل هذه اللغة في جميع معاملاتهم ، وإذا بقي- العربي- ممن يتحدث اللغة العربية بقربهم لا يستوعب ولا كلمة (3) .
هذه نظرة إجمالية عامة لحضارة السبئيين و إلا فإن التعرف على خصائص البناء وفن العمارة والتجارة وهندسة الحصون وبناء السدود يتطلب الكثير ، وإنما ذكرنا هذا حتى نضع يد القارئ على لمحة من تلك الحضارة العريقة .
المطلب الأول : الدولة الحميرية الأولى :
تنتسب الدولة الحميرية إلى حمير بن الغوث الذي يرجع نسبه إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ومنه ملوك التبابعة (4) .
فجّد الحميريين ابن لسبأ وسُمي "العرنج" وهو أول من تتوج بالذهب وملك خمسين سنة ، وهذا الشعب "حمير" لازال يلعب دوراً مهماً بين قبائل العربية الجنوبية حتى الآن ، ووصل خبرهم إلى اليونان والرومان (5) .
__________
(1) أحمد حسين شرف الدين "اليمن عبر التاريخ" ص149.
(2) نفس المصدر ص151 .
(3) عدنان ترسيسي " بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى" ص27.
(4) مسلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، "الأنساب" ج1 ، وزارة التراث- سلطنة عمان ط3 1412هـ-1992م ، ص176 وما بعدها .
(5) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب" ،2/512. (1/32)
صفحة 33
في سنة 115 ق.م بدأت بعض القبائل تثور على الدولة السبئية ، واستطاعت أن تكسر شوكة الدولة السبئية ، وظهر بهذا الانكسار توسعة جديدة لللقب الملكي ، فبعد أن كانوا ملوك سبأ أصبحوا ملوك سبأ وريْدَان ، ويُعَدّ هذا اللقب بداية للظهور الحميري في الساحة والذي امتد تاريخه حتى سنة 533م.
بدأت الدولة الحميرية الأولى عام 115 ق.م إلى عام 275 ب.م ، وكان ملوكهم يُلقبون بملوك سبأ وريدان ، ووصل عددهم إلى ثمانية عشر ملكاً أولهم علهان بن نهفان وآخرهم عمران ، الذي وُجد اسمه في نقش عُثر عليه في ظفار العاصمة الحميرية (1) .
اتسعت هذه الدولة حتى حضرموت ونجد وتهامة والحجاز ، وأصبح الحميريون هم سادة التجارة والملاحة في البحر الأحمر (2) .
ومن أهم أحداث هذه الفترة حدوث حملة ايليوس غالوس ، وخلاصتها أن روما كانت قد أخذت تمد نفوذها في الشرق الأوسط حتى تمكنوا من الاستيلاء على سورية وفلسطين ، كما قضى يوليوس قيصر على دولة البطالسة في مصر ، ولما تولى أغسطس زمام الحكم وعرف ما تصرفه روما سنوياً من الأموال على البخور والطيب أراد أن يضم إلى إمبراطوريته البلاد التي تنتج هذه المحصولات ، فأوعز إلى واليه في مصر إيليوس غالوس أن يسير على رأس حملة لاحتلال اليمن، ووصلت الحملة إلى مأرب وبعد مقاومة وحصار استمر ستة أيام اضطر بعدها قائد الحملة للرجوع ونجت مارب من استعمار روماني مؤكد (3) .
__________
(1) أحمد حسن شرف الدين "اليمن عبر التاريخ".
(2) أحمد بن محارب الظفيري ، مقال بعنوان "مملكة حمير النشوء والانهيار" مجلة الكويت العدد 227 ص12.
(3) نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص99 وما بعدها . (1/33)
صفحة 34
نزحت فئة من عرب اليمن وحضرموت إلى الحبشة ، حيث استقر بهم المقام ، ووضعوا حجر الأساس لدولة حبشية ذات مدنية وعمران ما فتئت أن أدركت حضارة لم يكن لأهل البلاد الأصليين أن يبلغوها لولا اندماج العرب بهم (1) .
ومن أهم ما خلفته الدولة الحميرية الأولى من العمران القصر المشهور بقصر غمدان الذي بناه خامس ملك هو اليشرح بن يحصب من ملوك القرن الأول الميلادي وبقي هذا القصر حتى بعد ظهور الإسلام ، كان يتألف من عشرين طابقاً والمسافة بين كل سقفين عشرة أذرع أي أن ارتفاعه مائتي ذراع فهو يُشكل أول ناطحة سحاب دون التاريخ أخبارها (2) ، وبعد أن اندثر ذلك القصر بُني ببقاياه الجامع الكبير في صنعاء وهو قائم إلى اليوم .
وقيل إن الذي بنى قصر غمدان هو سليمان بن داوود عليهما السلام ، أمر الشياطين فبنوا لبلقيس ثلاثة قصور هي : غمدان ، وسلحين ، وبينون (3) .
وهُدِمَ هذا القصر في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه (4) .
وممن ينتسب إلى الحميريين أبو إسحاق كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار . (5)
المطلب الثاني : الدولة الحميرية الثانية :
"التبابعة"
حكمت من سنة 275م إلى سنة 533م ، وعدد ملوكها أربعة عشر ملكاً ، كان الملك منهم يلقب بـ ملك سبأ وريدان وحضرموت ويَمْنَات ، وكانت عاصمتهم ظفار ثم صنعاء (6) .
أول ملوكهم هو شمر يهرعش والمشهور بناشر النعم سُمي بذلك لأنه أحيا ملك حمير باتساعه ليشمل حضرموت ويَمْنات (7) .
__________
(1) فليبي حتى "تاريخ العرب" ص90 .
(2) عدنان ترسيسي "بلاد سبأ" ص266
(3) ياقوت الحموي "معجم البلدان" 3/394 وما بعدها
(4) أبي الحسن المسعودي "مروج الذهب ومعادن الجوهر" ج2 ص239 وما بعدها
(5) ابن الأثير الجزري " اللباب في تهذيب الأنساب" دار صادر بيروت، 1/393 ، طبعة 1400هـ - 1980م.
(6) أحمد بن حسين شرف الدين "اليمن عبر التاريخ".
(7) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب" 2/533. (1/34)
صفحة 35
وفي عام 300م أضيف إلى اللقب الملكي إضافة أخرى هي : وعربهم في الجبال والتهامة .. ويفهم من هذا أن الدولة الحميرية الثانية أصبحت ذات حدود متسعة وتخضع بلاد كثيرة لسلطانها ، وفي هذه الفترة بدأت الديانة المسيحية واليهودية تتسرب إلى اليمن وتحل محل الديانة الوثنية التي كانت تدور حول عبادة النجوم والكواكب والشمس ، وكان انتشار المسيحية تدريجياً قام بالدعاية لها المبشرون المسيحيون وخاصة اليعاقبة أتباع مذهب الطبيعة الواحدة (1) الذين جاءوا من الحبشة وأنشأوا لهم كنائس في عدن وظفار ونجران (2) .
ومن أشهر ملوك هذه الدولة أبو كرب أسعد الكامل الحميري أطول ملوكها حكماً غزا الشام والعراق وأدخلها تحت حكمه ، حكم من سنة 385-420م ، وهو الذي غزا أذربيجان وهزم الفرس ووصلت جيوشه بلاد الصين وعادت محملة بالغنائم وحاصرت روما وأدت له القسطنطينية الجزية ، وكسا الكعبة وهو أول من تهود من العرب ، آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته ويُروى عنه أنه قال :
شهدت على أحمد أنه ... ... رسولٌ من الله باري النسم
ولو مُدّ عُمري إلى عُمره ... ... لكنت وزيراً له وابن عم
وجاهدت بالسيف أعداءه ... ... وفرّجت عن صدره كل هم (3)
وبغض النظر عن فتوحاته التي ذكرت في المصادر التاريخية هل هي حقيقة أم خرافية ، فقد كانت الدولة الحميرية قوة يرهب من يجابهها في بلاد العرب ، وذلك لأن الحميريين لجأوا إلى لغة الحرب بعكس السبئيون الذين اهتموا بمصالحهم التجارية فحسب (4) .
__________
(1) * وهذا المذهب يقول بامتزاج اللاهوت مع الناسوت حتى يصيرا طبيعة واحدة وجوهرا واحدا.انظر محمد عبد الرحيم الزيني ، نشأة علم الكلام ، ص 78.
(2) نبيه عاقل "تاريخ العرب القديم وعصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ص101. وما بعدها
(3) حسن إبراهيم حسن "تاريخ الإسلام السياسي والديني" 1/29.
(4) علي إبراهيم حسن"التاريخ الإسلامي العام" ص50. (1/35)
صفحة 36
كما أن الحميريين ورثوا من سبأ ومعين الثقافة والتجارة حتى اللغة ، وليس هناك فارق إلا أن حمير اهتمت بالفتوح .
آخر ملوك الحميريين هو ذو نواس والذي كان السبب الرئيسي لسقوط الدولة الحميرية كما سنرى في المطلب الثالث .
وتجدر الإشارة إلى أن التعريب الذي صحب الفتوحات في عهد التبابعة هو الذي مهد الطريق لدخول الإسلام ليواصل فتوحاته وانتشاره في المشرق والمغرب (1) .
المطلب الثالث : سقوط الدولة الحميرية:
بعد أن جاب ملوك الحميريين أطراف البلاد فاتحين ، واستغلوا طرق التجارة البحرية منها والبرية واستمرت دولتهم فتر من الزمن ، آذنت دولتهم بالزوال وكان ذلك يرجع إلى سببين رئيسيين هامين هما :
الأول : سبب اقتصادي :
ويتمثل في اكتشاف هيبالوس اليوناني لاتجاه الرياح في المحيط الهندي بعد أن كان هذا سر الحياة الاقتصادية في اليمن ، فأصبح تجار الهند- بعد هذا الاكتشاف- يسافرون بتجارتهم عبر المحيط الأطلسي مما أدَّى إلى ضعف الحياة الاقتصادية ، وذلك بالاستغناء عن طُرُق اليمن (2) .
الثاني : سبب سياسي ديني :
وذلك أن ذا نواس آخر ملوك حمير كان قد اعتنق الديانة اليهودية من اليهود الذين نزحوا من فلسطين عام 70م بعد أن دمرها تيتوس الألماني ، فوجد اليهودُ اليمنَ بلداً آمناً يأوون إليه فاستقروا فيه ، وكان أول من اعتنق اليهودية من العرب هو الملك أسعد الكامل ثم بعده ذو نواس ، وقد ادعى تَعصُّبُه لليهودية أن يوقع بنصارى نجران تلك الواقعة المشهورة بقصة أصحاب الأخدود- التي سوف نتطرق لها في الفصل الثاني- كان هذا سبباً لاستنكار نصارى الحبشة ومن قبلهم الفرس أصبحت بعده اليمن مسرحاً للصراع اليهودي النصراني وثوران الحبشة على الدولة الحميرية مناصرة لإخوانهم (3) .
__________
(1) شوقي عبد الحكيم "سيرة الملوك التبابعة" ص7 .
(2) أحمد حسين شرف الدين "اليمن عبر التاريخ" ص154 وما بعدها .
(3) جواد علي "المفصل في تاريخ العرب" 2/592. (1/36)
صفحة 37
إضافة إلى هذين السببين فإن هناك أسباب أخرى مثل :
الخلاف المُحتدم بين القبائل الهمدانية والريدانية جعل ملوك الحميريين ينصرفون إلى الغزو والحرب بدلاً من اهتمامهم بالزراعة والعمران .
المطلب الأول: الأحباش في اليمن.
سبب مجيء الأحباش:
كما أوضحنا سابقا أن السبب الرئيس لمجيء الأحباش هو نصرة نصارى اليمن في المجزرة التي قام بها آخر مللك حميري هو ذو نواس وذلك بعد أن استطاع دوس ذو ثعلبان النجاة من المحرقة فذهب إلى إمبراطور الروم حامي النصرانية فأجابه الحاكم الروماني بأن قال له " نَأَتْ بلادك عنا فلا نقدر أن نتناولها بالجنود ولكني سأكتب لنجاشي الحبشة وهو أقرب ملوك النصرانية إلى بلادك" (1)
فكتب لنجاشي الحبشة وكان الإمبراطور الروماني يهدف من وراء هذا إلى غرضين:
أحدهما سياسي:
وهو اتخاذ بلاد اليمن طريقا لتجارته إلى الشرق إذا وقعت في يد حلفائه الأحباش ليقضي على تجارة منافسيه الفرس.
الثاني ديني:
وهو جعل السيادة للدين المسيحي. (2)
الأحباش في اليمن:
تحرك قائد الحملة الحبشية بسبعين ألفا من الأحباش قائدهم رجل يقال له إرياط، فركبوا البحر الأحمر ونزلوا بساحل اليمن وكتب لهم القضاء على الدولة الحميرية، وبهذا تنتهي الدولة الحميرية كان ذلك سنة 523م (3) استمر إرياط حاكما بعدها عشرين عاما.
كان أحد قادة الأحباش أبرهة الأشرم إلا أنه خرج على قائده إرياط واستبد بحكم اليمن، وسعى في إصلاح البلاد فعمر سد مأرب الذي كان قد تصدع وصرف على ذلك مبالغ عظيمة. (4)
وسمي أبرهة بالأشرم ذلك أنه في اشتباكه مع قائد الحملة الحبشية إرياط أصيب بجرح في شفته شجت فيه فلُقِّبَ بالأشرم. (5)
__________
(1) فليبي حتي، تاريخ العرب، 97.
(2) حسن إبراهيم حسن ، تأريخ الإسلام،1/29.
(3) فليبي حتي، تأريخ العرب، 97/98.
(4) نبيه عاقل، تاريخ العرب القديم، 104.
(5) حسن إبراهيم حسن، تأريخ الإسلام،30. (1/37)
صفحة 38
وأهم حدث في تاريخ أبرهة هو بناؤه لهيكل في صنعاء بقصد صر ف الحجاج عن الكعبة ولما أخفق في جلب الحجاج إليه جهز جيشا عظيما وأراد هدم الكعبة وهذا ما ذُكِرَ في القرآن الكريم في سورة الفيل قال تعالى { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) } وسنأتي لذكر هذا في الفصل الثاني.
كانت هذه نهاية أبرهة الأشرم وجاء بعده ابنه يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة وقد أذلا أهل اليمن وأساءا معاملتهم فلما ضاقت الحيل خرج رجل من سلالة حمير هو سيف بن ذي يزن ورحل بغية الاستنجاد بملك الفرس ويكون الحكم لهم في اليمن.
كان ملك الحبشة باليمن من زمن أرياط إلى أن قتل مسروق على يد الفرس وأُخْرِجَت الحبشة، اثنتين وسبعين سنة توارث الملك منهم أربعة إرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم، ثم مسروق ابن أبرهة. (2)
المطلب الثاني: الفرس في اليمن.
وصل سيف بن ذي يزن إلى ملك الفرس وشكا له حال بلده وطلب من الملك أن يخرج الحبشة من أرضه ويكون له الحكم، ولكن كسرى أهمله وقال له:" بَعُدَت أرضك عن أرضنا وهي أرض قليلة الخير وليس بها إلا شاة وبعير وذلك لا حاجة لنا به".
ثم صرفه وأعطاه عشرة آلاف درهم، فخرج سيف من عنده غاضبا ورمى الدراهم فتخاطفها الخدم، فلما علم كسرى بذلك غضب وأمر بإحضاره وأراد أن يعاقبه لجرأته وعبثه بهيبته فلما دخل على كسرى وسأله: لم صنعت ذلك؟ قال سيف:"ما أصنع بالذي أعطاني الملك، ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهبا وفضة ".
__________
(1) سورة الفيل، الآية رقم 1.
(2) عبد الرحمن السهيلي، الروض الأنف،ص209. (1/38)
صفحة 39
فطَمِعَ كسرى في الاستيلاء على هذه البلاد وعقد مجلسا من ذوي الرأي في بلاده، فأشاروا عليه برأي يكفلُ له الاقتصاد في الأرواح والنفقات فجَهَّز من كانوا في سجنه وعددهم 800 مسجون فقال له ذوو الرأي: إن قُتِلُوا فذلك ما أردت، وإن انتصروا كان في ذلك خير. فأرسلهم وأمر عليهم وهرز وساروا في ثماني سفن كل سفينة بها مائة غرق منهما اثنتان ووصل 600 جندي. (1)
وصل وهرز إلى صنعاء وملك اليمن ونفى عنها الحبشة وكتب بذلك إلى كسرى وبعث إليه بالأموال، فكتب كسرى إليه أن يملك سيف بن ذي يزن على فريضة يؤديها كل عام ففعل وانصرف وهرز إلى كسرى، وساد سيف عل اليمن فأخذ يغزو الأحباش ويبقر بطون نسائهم ولم يبق منهم إلا قليلا جعلهم خدما له، ثم قُتِلَ سيف بن ذي يزن على يد الأحباش فلما علم كسرى بذلك أرسل وهرز في أربعة آلاف من الفرس وأمره بقتل كل أسود ففعل، وقَتَلَ الحبشة حيث كانوا وأَمَّرَهُ كسرى على اليمن حتى هَلِكَ (2) ، وأصبحت اليمن ولاية فارسية عام 567م. (3)
وقيل أن سيف بن ذي يزن مات وخلفه ابنه معد يكرب وهو الذي انتصر على الأحباش بعد مقتل مسروق بن أبرهة ثم تُوِّج معد يكرب حاكما على اليمن. (4)
وبتولي وهرز على حكم اليمن تنتهي أسرة حمير وتنقرض نهائيا وتصبح اليمن وكل ما يتبعها مقاطعات من الإمبراطورية الفارسية، واستطاع الفرس إحكام قبضتهم على اليمن والبحر الأحمر وبقية الثغور المجاورة وكل الموانئ على الساحل الأفريقي. (5)
__________
(1) حسن إبراهيم حسن،تأريخ الإسلام،1/30.
(2) عبد الرحمن بن خلدون، تأريخ ابم خلدون، 2/75.
(3) وليام لانجر، موسوعة تأريخ العالم،1/348.
(4) ممتاز العارف،الأحباش بين مأرب وأكسوم، 69.
(5) إف.إل.بلاي فير، تاريخ العربية السعيدة،76. (1/39)
صفحة 40
وبعد موت وهرز وَلِيَ ابنه المرزبان بن وهرز ثم التيجان بن المرزبان ثم خسرو بن التيجان ثم باذان وبقي باذان واليا على اليمن حتى جاءت البعثة الإسلامية عام 622م ودخل مع أهل اليمن في الإسلام. (1)
وبدخول الإسلام إلى اليمن نكون قد انهينا تاريخ اليمن منذ ما قبل الميلاد إلى ظهور الإسلام وسنحاول فيما يلي أن نبين الحوادث التي وقعت في أرض اليمن والتي ذكرت في القرآن ولا يخفى أن معظم القصص أو الأقوام التي سنذكرها عاشت في اليمن في الفترة التاريخية الآنفة الذكر.
المطلب الأول : قوم عاد :
أرسل الله لقبيلة عاد نبيه هود الذي يصل نسبه إلى سام بن نوح ، فعصوه قومه ، فحل بهم القحط وطلبوا السقيا من الله بحرمة بيته في أرضه ، ولما رأو السماء ظنوه الفرج فإذا هي ريح صرصر عاتية سخرها عليم سبع ليل وثمانية أيام حسوما.
هنا نبدأ أول انطلاقة مع قوم عاد الذين أرسل الله لهم نبيه هودا، ولن نقوم بذكر حياتهم وما حلّ بهم ، وإنما غايتنا في هذا هي إثبات أن هؤلاء القوم كان محل سكنهم أرض اليمن ، وبغض النظر أنهم كانوا قوماً عُصاة أو غير ذ لك ، المهم أنهم ذُكروا بين دفتي القرآن وأثبت القرآن وجودهم ، وكانوا سكاناً لأرض اليمن في حقبة من حقب التاريخ الماضية .
ورد ذكر قوم عاد في القرآن الكريم في عشر سُور هي :
سورة الأعراف (2) ، وسورة هود (3) ، والمؤمنون (4) ، والشعراء (5) ، وفُصِّلت (6) ، والأحقاف (7) ، والذاريات (8) ، والقمر (9) ، والحاقة (10) ، والفجر (11) .
__________
(1) أحمد حسين شرف الدين، اليمن عبر التأريخ، 57.
(2) من الآية :65-72.
(3) من الآية : 50-60
(4) من الآية : 31-42
(5) من الآية : 123-140
(6) من الآية : 85-86
(7) من الآية : 21-26
(8) من الآية : 41-42
(9) من الآية : 18-21
(10) من الآية : 6-8
(11) من الآية : 6-8 (1/40)
صفحة 41
ولم يذكر مساكنهم إلا في سورة واحدة سُميت باسمه وهي سورة الأحقاف في قوله تعالى : {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِاْلأحْقَافِ ..}
والأحقاف : جمع حقف وهو الرمل المستطيل المرتفع (1) .
وفيما أريد بالأحقاف هنا عدة أقوال (2) :
الأول ... : رمال مشرفة على البحر بالشحر (3) في اليمن .
الثاني ... : ما بين عمان وحضرموت .
الثالث ... : : وادٍ بين عُمان والمهرة .
القرآن الكريم لم يحدد موقع الأحقاف بالنسبة لشبه الجزيرة العربية ، وإنما حدده المفسرون ، استناداً إلى معنى لفظة الأحقاف والتي هي : الرمال ،
فقد اندفع معظم المفسرين والأخباريين يلتمسون مواضعهم في الصحراء (4) .
وهذه بعض أقوالهم :
ومن ولد إرم بن سام عاد بن عوص بن إرم كانوا ينزلون الأحقاف من الرمل فأرسل الله إليهم هودا (5) .
وكانت مساكن عاد في أرض الأحقاف ، وهي تقع في شمال حضرموت وفي شمالها الربع الخالي ، وفي شرقها عمان ، وموضع بلادهم اليوم رمال ليس بها أنيس بعد ذلك العُمران والنعيم المقيم (6)
وحضرموت ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر وحولهما رمال كثيرة تعرف بالأحقاف وبها قبر هود عليه السلام (7)
__________
(1) محمد جمال الدين القاسمي ، تفسير القاسمي المسمى "محاسن التأويل" ، ج15 ، دار إحياء الكتب العربية تصحيح وتعليق ، محمد فؤاد عبد الباقي ، ص5352
(2) أبي الحسن علي بن محمد الماوردي ، النكت والعيون، تعليق السيد بن عبد المقصود، دار الكتب العلميةج5 ط1، 1412هـ - 1992م ص 282.
(3) 13) الشِّحْر: بكسر أوله وسكون ثانيه ، ساحل باليمن يقع في محافظة حضرموت على ساحل بحر العرب.
(4) 14) عبد العزيز سالم ، تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج1 ص56 .
(5) المسعودي ، مروج الذهب 1/ 42.
(6) ابن كثير ، قصص الأنبياء ، منشورات مكتبة الحياة ، تحقيق سعيد اللحام طبعة 1408هـ - 1988م ص 71.
(7) ياقوت الحموي ، معجم البلدان، 3/ 157. (1/41)
صفحة 42
وربما يقول شخص ما : حضارة عاد هذه في رمال الأحقاف بالقرب من حضرموت في جنوب الجزيرة العربية ، فأي حضارة في هذه الجبال والرمال ؟! نقول له : هذه الرمال أمر طرأ على هذه الحضارة فغطاها ، بعد أن كان فيها زروع وثمار وأشجار (1) .
قال قتادة : ذكر لنا أن عاداً كانوا حَيَّاً باليمن أهل رمل مشرفين على البحر (2) .
وروى ابن إسحاق عن عامر بن واثلة قال سمعت علياً يقول لرجل من حضرموت : هل رأيت كثيباً أحمر يخالطه مَدَرة حمراء ذا أراك وسدرٍ كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت ، هل رأيته ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ! والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه . قال : لا ولكني حُدِّثت عنه . فقال الحضرمي : وما شأنه يا أمير المؤمنين ؟ قال : فيه قبر هود عليه السلام (3) .
وهذا ما ذهب إليه جمع كثير من المفسرين والأخباريين، وإن كان أهل فلسطين يزعمون أن هوداً عليه السلام دُفن عندهم ، وقد بنوا له قبراً ويعملون له في كل سنة مولداً، إلا أن قول أهل حضرموت أنه دُفن عندهم أقرب إلى المعقول لأنها متاخمة لبلاد عاد وهي الأحقاف دون فلسطين (4) .
__________
(1) محمد متولي الشعراوي ، قصص الأنبياء ، جمع منشاوي غانم ، ج1 مكتبة التراث الإسلامي ، ص391
(2) محمد جمال الدين القاسمي ، تفسير القاسمي ، 15/5352 ، وتفسير ابن كثير 4/160
(3) ابن جرير الطبري ، جامع البيان في تفسير القرآن ، ج11 ص46
(4) ابن كثير ، قصص الأنبياء ، ص74 (1/42)
صفحة 43
يقول السيد الجوهري (1) إن صديقنا الأستاذ : محمد منصور أحد علماء شبين القناطر ، زار قبر النبي هود ، وجاء في رسالته- بعد الديباجة- ما نصه بالحرف الواحد : " أما مسألة سيدنا هود وسيدنا صالح عليهما الصلاة والسلام فهاك حديثهما : في اليوم الثامن عشر من شهر جمادى الثانية سنة 1345 هجرية خرجت بصحبة فقيد الشرق والإسلام السيد محمد بن عقيل الحضرمي وابن عمه السيد أحمد بن عمر السري الشهير لإدارة التعليم في حضرموت ، وهي بلاد الأحقاف الوارد ذكرها في القرآن الكريم ، وقد وصلنا إليها في اليوم السادس من شهر شعبان لتلك السنة المذكورة ، وحينما وصلنا إليها وجدنا البلاد في هياج وحركة غير عادية ، ونظراً لأني غريب عن البلاد رأيت عدم الإسراع بالسؤال عن سبب هذه الحركة ، ولم ألبث إلا يسيراً حتى حضر عندي في الجناح المعدّ لسكناي من سراي أحمد بن عمر الفخمة السيد أحمد بن عمر نفسه ، وعرض عليّ التوجه لزيارة قبر سيدنا هود عليه السلام ، فعلمت حينئذٍ السِّر في هذه الحركة ، وباستمرار حديثي مع حضرة السيد تبين لي أن البلاد من أقصاها إلى أقصاها تتوجه إلى شعب هود عليه السلام في اليوم العاشر من شعبان كل سنة لأداء هذه الزيارة ، والليلة الختامية لهذه الزيارة هي ليلة النصف من شهر شعبان ، ولهم هناك مراسيم إعتادها السادة العاديون بحضرموت، وهناك بقبر هود عليه السلام ناقة صخرة عظيمة جداً يسمونها الناقة ، وفي ليلة النصف من شعبان يبكرون قافلين إلى بلادهم ، واعتقاد أن هذا قبر هود عليه السلام متواتر عن سكان البلاد قبل الإسلام ، وكذا هناك قبر صالح عليه السلام ، وهو مشهور شهرة قبر هود ، غير أن اعتناء أهالي البلاد بزيارة سيدنا صالح أقل من اعتنائها بزيارة هود .
__________
(1) طنطاوي جوهري ، الجواهر في تفسير القرآن ، ج21-22 ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ، ط2 ، 1350هـ ، ص202 (1/43)
صفحة 44
هذا ما يتعلق بوجود هذين القبرين ببلاد حضرموت التي هي بلاد الأحقاف ، إني رأيت ما تقدم بعيني رأسي وشاهدته مع مئات الألوف من أهالي البلاد .
وإذا كان هناك شك في أن ببلاد العرب بلدة تسمى "مكة" توارث الناس علمها جيلاً بعد جيل جاهلية وإسلاماً ، فليصحّ أن يوجد من يشك في أن ببلاد الأحقاف التي هي حضرموت قبري هود وصالح عليهما الصلاة والسلام".
تحريراً في 27 أغسطس سنة 1931م ... ... ... محمد منصور
ورد في قوله تعالى :
{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ*} (1)
وفي قوله تعالى : { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولى * } (2) في الآية الأولى اختلف المفسرون فيما أُريد بقوله تعالى : { إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ } ، هل المراد بإرم اسم القبيلة أو اسم للبلاد وبكلا القولين قيل وعليه اختلفت أقوالهم تبعاً في الضمير "مثلها" هل يعود إلى البلاد أو القبيلة ، والذي عليه جمع كبير أن المراد بها : القبيلة ولم يخلق مثلها في الشدة والقوة فيكون المعنى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد (3) .
والمقصود بالآية الثانية هي الآية الأولى فعاد الأولى هي التي لم يخلق مثلها في البلاد وهي قبيلة عاد بن إرم الذين بعث الله لهم هوداً عليه السلام .
__________
(1) سورة الفجر الآية (6-8)
(2) سورة النجم الآية (50)
(3) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، 4/507 ، ومحمد بن جرير الطبري ، جامع البيان في تفسير القرآن ، ج12، ج30 ، دار المعارف- بيروت 1398هـ ، ص113 (1/44)
صفحة 45
وقيل إن عاداً الأولى سميت بهذا لأنهم كانوا قبل ثمود ، وقيل لأنها أول أمة أهلكت بعد نوح ، وقيل هما عادان الأولى أهلكت بالريح الصرصر والثانية بالصيحة وقيل غير ذلك وفيه خلاف كبير ذكرنا زبده (1) .
وهكذا يتبين أن قوم عاد قطنوا أرض اليمن وفيها لقوْا جزاء طغيانهم ، وفيها أيضاً دُفن نبي الله المرسل إليهم هود عليه السلام على ساحل البحر ، وحوله قرية لصيادي السمك (2) .
المطلب الثاني : قوم سبأ "الملكة بلقيس":
جاء ذكر قوم سبأ في القرآن الكريم في سورة سبأ في قوله تعالى :
{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ .. إلى قوله تعالى.. وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزِقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ ِّكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ} (3) ذاكراً سبحانه وتعالى ما حلّ بهم من عذاب بعدما بدلوا نعم المولى سبحانه وتعالى ، وذكر أيضاً قصة سد مأرب بإشارته إلى سيل العَرِم وكيف بدّل الله نعيم جناتهم إلى اُكْلٍ خمطٍ وإثلٍ وشيء من سدرٍ قليل ..
كما ورد ذكر السبئيين في سورة النمل في قوله تعالى على لسان هدهد سليمان : {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } (4)
إلا أن هذه الآيات حددت فترة زمنية وهي ملك المرأة التي كانت تملكهم، ولم يدع القرآن مجالاً للشك فذكر أن الملكة من قوم سبأ ، وكما بينا في الفصل الأول أن السبئيين حكموا اليمن في فترة زمنية سابقة .
__________
(1) محمد بن أحمد القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج17/120 . والجزء50 ص49 من نفس المرجع.
(2) ابن بطوطة ، تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ، ط2 ، دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان : 1413هـ-1992م ، شرح طلال حرب .
(3) سورة سبأ الآيات رقم (15-19).
(4) سورة النمل الآية رقم (20-44) (1/45)
صفحة 46
إلا أن المتتبع لملوك السبئيين لا يجد لهذه الملكة ذكرا وإنما يُصنفها الكثير على أنها من ملوك الحميريين- وهذا محتمل- فكما أوضحنا أن الحميريين هم سبئيون إلا أن التوسعة في اللقب طغت على ذكر السبئيين فصار لقبهم ملوك سبأ وذي ريدان- بعد أن كان اللقب محصوراً في ملوك سبأ- وبعد ذلك صاروا يعرفون بالحميريين انتساباً لملكهم حمير .
غير أن هنالك مانعاً يجعلنا نستبعدها من قائمة ملوك الحميريين وهو أن حياة هذه الملكة عاصرت النبي سليمان عليه السلام وعهد سليمان متأخر جداً عن العهد الحميري فوجب النظر والتأمل . (1/46)
صفحة 47
هناك اختلاف كبير بين المراجع التاريخية في تحديد نسب هذه الملكة ، كما أنه لا يوجد تأريخ لسنة ولادتها ووفاتها ، ومع هذا فإن مُعظم الكتب (1) التي وقفنا عليها تنسبها بأنها بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل ، كما يصنفها الأغلبية على أنها من ملوك سبأ وريدان وحضرموت أي الدولة الحميرية الثانية "التبابعة".
__________
(1) خير الدين الزركلي ، الإعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ، ج2، دار العلم للملايين ط7 ، 1986م ، ص73 . وإسماعيل حقي ، تفسير روح البيان ، ج6 ، دار الفكر ، ص339 . وإسماعيل بن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، ج3 ، دار إحياء الكتب العربية ، ص360 ، وكتاب محمد بن أحمد القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج13 ، ص182 . ومحمد بن علي الشوكاني ، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ، ج4 ، مطبعة مصطفى الحلبي ، ط2 ، 1383هـ-1964م ص133 . ومحمد الألوسي ، روح المعاني تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، ج19 ، دار إحياء التراث العربي ، ص188 . والفضل بن الحسن الطبرسي ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، ج19 ، منشورات درا مكتبة الحياة ، ص214 . ومحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي ، تفسير البحر المحيط ، ج7 ، دار الفكر ، ط2 ، 1403هـ-1983م ، ص67 . والمسعودي في مروج الذهب ومعادن الجوهر ، ص75 . ونشوان بن سعيد الحميري ، منتخبات في أخبار اليمن من كتاب شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ، ط2 ، ص 8. (1/47)
صفحة 48
كما أن هناك بعض المراجع ذكرت هذه الملكة واختلفوا في نسبها إلا أنهم اتفقوا على أنها حميرية وعاصرت النبي سليمان عليه السلام (1) .
هذا.. ولم يرد في القرآن الكريم اسم الملكة وإنما ذكرها المؤرخون الإسلاميون على أنها بلقيس ثم خلطوا بين ملكة سبأ وبين صاحبة ذلك الاسم التي كانت إحدى ملكات الحميريين التبابعة التي حكمت في القرن الرابع الميلادي (2) .
وهذا العصر الحميري متأخر عن عصر النبي سليمان الذي يرجع تاريخه إلى ما بين سنة 961-935ق.م (3) تقريباً فالفرق حوالي 1200 عام ، ومع هذا فإن هناك ملكة أخرى لسبأ قد عاصرت سليمان وتربعت على عرش مأرب الذي لا تزال آثاره جنوب مدينة مأرب الحالية والمعروف بعرش بلقيس (4) .
__________
(1) محمد بن جرير الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ج1 ، ط4 ، دار المعارف، ص489 . وعبد الرحمن بن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ج2 ، منشورات دار مكتبة الحياة ، ص96 . وشوقي عبد الحكيم ، سيرة الملوك التبابعة ، الدار المصرية اللبنانية ، ط1 ، 1997م ص8 . وإف. إل. بلاي فير ، تاريخ العربية السعيدة ، ص50 . والتيجان في ملوك حمير ، تحقيق مركز الدراسات والأبحاث اليمني- صنعاء- رواية عن وهب بن منبه ص161 . وأبي الحسن الهمداني ، الإكليل نقلاً من المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، وكذا جواد علي في المفصل 2/421.
(2) محمود كامل المحامي ، الدولة العربية الكبرى ، دار المعارف بمصر ، ص105.
(3) فؤاد صالح السيد ، معجم الأواخر في تاريخ العرب والمسلمين ، دار المناهل للطباعة والنشر ، ط1 ، 1421هـ-2001م.
(4) أحمد حسين شرف الدين ، اليمن عبر التاريخ ص95. (1/48)
صفحة 49
والذي يتبين- والله أعلم- أن ملكة سبأ عاشت في فترة ما قبل العهد السبأي الذي حدد بـ 950ق.م إلى 115ق.م وذلك لأن المصادر اختلفت في بداية تأريخ الدولة السبئية ولم يقطع أحد بتاريخ نشأتهم ومما يزيد هذا يقينا أن فترة النبي سليمان كانت سابقة لهذا العهد.
ونحن هنا لا نستطيع أن نجزم بأن بلقيس كانت حميرية أو سبئية غير أن المعقول أنها من ملوك السبئيين فذاك أقرب لعهد النبي سليمان عليه السلام . والله اعلم .
ومهما يكن فإن بلقيس لم تكن امرأة عادية ، أو ملكة حكمت في زمن من الأزمان ومر ذكرها مرور الكرام وإنما هي ملكة خلَّد القرآن ذكرها ولم يتعرض لها بسوء .
المطلب الثالث : قوم تُبَّع :
قال تعالى : { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } (1) .
وقال تعالى : { وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلٌّ كَذَّب الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد } (2) .
كان ملوك الدولة الحميرية الثانية يطلق عليهم لفظ التبابِعة ومفرده "تُبَّع" وتطلق على كل من ملك اليمن مع الشِّحْر وحضرموت (3) ، ويسمى تبعاً لأن أهل الدنيا يتبعونه ، وقيل : لأن كل ملك كان يتبع من قبله في الحكم (4) .
وكلمة تبع لقب للملك كالخليفة للمسلمين ، والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وكسرى لمن ملك الفرس (5) .
__________
(1) سورة الدخان الآية رقم (37)
(2) سورة ق الآية رقم (14)
(3) ابن كثير ، البداية والنهاية ، 2/159
(4) فخر الدين الرازي ، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب ، ط3 ، 1405هـ-1985م ، دار الفكر- بيروت0- لبنان 14/250 . ونشوان بن سعيد الحميري ، منتخبات في أخبار اليمن ، 12
(5) أحمد حسن شرف الدين ، اليمن عبر التاريخ ، ص94 (1/49)
صفحة 50
واختُلِف فيمن هو تُبّع - المذكور في القرآن- اختلافاً متبايناً والذي عليه الأكثر أنه الملك السابع من ملوك الدولة الحميرية الثانية وهو أسعد أبو كرب الكامل (1) . وإليه تنسب الأنصار وهو الذي ينتسب إلى حمير وهم أهل اليمن (2) ، ويروى عنه أنه (3) بعد أن اشتد ملكه وعظم سلطانه واتسعت مملكته وكثرت رعاياه ، مرّ بالمدينة النبوية فأراد قتال أهلها فقاتلوه بالنهار وجعلوا يقرونه بالليل فاستحيا منهم وكف عنهم واستصحب معه حِبرين من أحبار اليهود ، وحيث اجتاز مكة وهو في طريقه إلى اليمن أراد هدم البيت الحرام فنهاه الحبران وأخبراه بعظمة هذا البيت وأنه من بناء إبراهيم وسيكون له شأن عظيم على يد نبي يخرج في آخر الزمان ، فعاد تبع عن عزمه وطاف بالبيت وكساها وقال في ذلك شعراً تقدم ذكره .
__________
(1) محمد حسين الطبطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ، 18/156 . وابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، طبعة عيسى الحلبي ، 4/144 . وسليمان بن عمر الشهير بالجمل ، الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، مطبعة عيسى الحلبي ، 4/107. وأبي عبد الله القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، 16/144 وما بعدها . وأبي الحسن محمد بن محمد الشيباني، الكامل في التأريخ، المعروف بابن الأثير ، ط1 ، دار الكتب العلمية : 1407هـ-1987م ، 1/321، 322 . ونشوان بن سعيد الحميري ، منتخبات في أخبار اليمن من كتاب شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ، ص12 . والإمام الشوكاني ، فتح القدير ، 5/73.
(2) سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل، الفتوحات الإلهية، 4/107.
(3) عبد العزيز سالم، تأريخ العرب قبل الإسلام، 1/118. (1/50)
صفحة 51
وليس المراد بتبع رجلاً واحداً بل المراد به ملوك اليمن ، فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة ، وظاهر الآية أن الله أراد واحداً من هؤلاء كانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشد من معرفة غيره ، وهو- والله أعلم- أبو كرب الذي ذكرناه كان من اليوم الذي مات فيه إلى اليوم الذي بعث فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف سنة لا تزيد ولا تنقص (1) .
و التبابعة كثير منهم أبرهة ذو المنار ، وأفر يقيس ، والهدهاد بن شرحبيل ، وأبو كرب وغيرهم (2) .
وجاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم ) (3) .
المطلب الأول : أصحاب الرَسّ :
قال الله تعالى : { وَعَادَاً وَثَمُودَ وَأَصْحَابُ الرَسِّ وَقُرُونَاً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيْرَاً } (4)
وقال في موضعٍ آخر : { كَذَّبتْ قَبْلَهُمْ قَوْمِ نِوْحٍ وَأَصْحَابُ الرَسِّ وَثَمُودْ .. } (5)
والرس ما بين نجران واليمن وهو من حضرموت إلى اليمامة ، أرسل الله لهم نبيه حنظلة بن صفوان (6) .
وقيل عند كثير من المفسرين أن أصحاب الرس هم أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد (7) المذكورين في قوله تعالى : { فَكَأيّنٍ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِي ظَالِمَةٍ فَهِي خَاوِيَةٍ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } (8)
__________
(1) أبي عبد الله القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، 16/144.
(2) محمد شكري الألوسي ، بلوغ الأرب ، 170
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج5/340 ، طبعة المكتب الإسلامي . وأخرجه جلال الدين السيوطي في الجامع الصغير ج2/736 ، وقال حديث حسن .
(4) سورة الفرقان ، الآية (38)
(5) سورة ق الآية رقم (12)
(6) ابن خلدون ، تاريخ ابن خلدون ، ج2 ، 87
(7) محمد بن احمد بن إياس ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، المكتبة الحديثة- بيروت ، ط1 ،1992م ، ص74
(8) سورة الحج الآية رقم (45). (1/51)
صفحة 52
معطلة : قيل أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها تُركت لا يستقى منها لهلاك أهلها.
والمشيد : قيل المُجَصَّصْ ، وقيل المرفوع المطوّل والمعنى متقارب (1) .
اختلف العلماء في مكان أصحاب الرس ، وفي أي الأرض سكنوا ، وأكثر العلماء على أنهم من اليمن ، وبالرغم من اختلافهم في أي بلاد اليمن كانت البئر والقصر ، فإنهم ذكروا أنهما في اليمن، فقال بعضهم : في بلدة حَضور (2) ، وقيل : فيما بين نجران واليمن ، وقيل : في عدن بحضرموت (3) .
ذُكِر أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ، ونجاهم الله من العذاب ، وهي بحضرموت ، وإنما سميت بذلك لأن صالحاً حضرها حين مات ، وهناك بلدة عند البئر اسمها حَضور ، بناها قوم صالح وأقروا عليهم رجلاً ، وأقاموا بها زماناً ثم كفروا ، وعبدوا غير الله فأرسل الله لهم نبيه حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه وجعلوه في الرس وردموا عليه فأهلكهم الله ، وعطّل بئرهم وخرّب قصورهم (4) .
__________
(1) الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، دار الكتب العلمية ، ط2 ، 1410هـ/1990م ،ج23ص39.
(2) بلدة باليمن فيها عين ماء وجبل كثير البركة ، أهلها هم الذين ذكرهم الله في قوله : { فَكَأيّنٍ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِي ظَالِمَةٍ ..} معجم البلدان ، ياقوت الحموي 2/272 ، وعبد الله البكري معجم ما استعجم ، 2/455 .
(3) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، 12/75
(4) سليمان الجمل ، الفتوحات الإلهية ، ج3/171 ، والكلبي ، التسهيل لعلوم التنزيل ، ج4/63 (1/52)
صفحة 53
وذكر ابن عساكر في أول تاريخه عند ذكره بناء دمشق قال : عن تاريخ أبي القاسم عبدالله بن عبدالله بن جرداد وغيره ، أن أصحاب الرس كانوا بحَضور فبعث الله لهم نبياً يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد بن عوص من الرس فنزل الأحقاف وأهلك الله أصحاب الرسّ وانتشروا في اليمن كلها (1) .
فيتبين لنا مما سبق وعلى اختلاف الروايات في أصحاب الرّسْ ، وأي نوع من العذاب أنزل الله بهم، وماذا فعلوا برسول الله ، نجد أن كل الأقوال تُشير إلى أن سُكناهم كانت في بلاد اليمن وتحديداً في حضرموت جنوب اليمن .
المطلب الثاني : أصحاب الجنة :
كان لرجل صالح - في قديم الزمان- بستان عامر فيه ما تشتهيه الأنفس من الثمار ومختلف الفواكه وفيه الثمار الكثيرة ، والظل الظليل .
عاش هذا الرجل الصالح مؤدياً حق الله في هذا البُستان ، ولما أتاه القدر ومات الرجل صار البُستان إلى أولاده فمنعوا الناس خيره ، وقطعوا حق الله فيه فأهلك الله بستانهم جزاء عصيانهم .
هذا هو موجز للقصة التي وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى :
{ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } (2)
__________
(1) علي بن الحسن المعروف بابن عساكر ، تهذيب تاريخ دمشق الكبير ، ترتيب عبد القادر بدران- دار إحياء التراث العربي ط3، 1407هـ/1987م ، ج1
(2) سورة القلم ، الآيات (17-33) (1/53)
صفحة 54
أجمع المفسرون والمؤرخون على أن هذه القصة كانت في بلاد اليمن في قرية يقال لها ضَرْوان (1) بالقرب من صنعاء (2) .
ويُقال إن هذه الأرض تُشبه الحِجارة الصَمَّاء لا ينبت فيها زرع ولا ثمر .
المطلب الثالث : أصحاب الأخدود :
قال الله تعالى : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ * وَالْيَوْمِ المَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ* .. } (3)
الأخدود : هو الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق وجمعه أخاديد (4) ، وأصحاب الأخدود كانوا في زمن الملك الحميري ذو نواس آخر ملوك الدولة الحميرية الثانية ، والذي كان السبب الرئيسي لسقوط الدولة الحميرية- كما سبق ذكره-.
__________
(1) بلد قرب صنعاء سُمي باسم واد وهو على طرفه، وهو وادٍ مشؤوم حجارته تشبه أنياب الكلاب لا ينبت فيه شيء، ذكرها بعضهم ضوران وقال إنها اسم حميري قديم ، معجم البلدان 3/456 ،القاضي أحمد السياغي، معالم الآثار اليمنية ، ط1، 1980م مركز الدراسات والأبحاث اليمنية صنعاء.
(2) أحمد مصطفي المراغي ، تفسير المراغي ، مطبعة مصطفى الحلبي ، ط5 ، 1394هـ/1974م ج29 ص35 ، وعبد الله بن أحمد النسفي ، تفسير النسفي ، مطبعة عيسى الحلبي ، ج4/281 ، ومحمد احمد جاد المولى ، محمد أبو الفضل إبراهيم ، علي محمد البرواي ، السيد شحاته ، قصص القرآن مكتبة دار التراث ، ط13 ، 1405هـ/1984م ، ص222 ، والقرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ج18/293 ، وابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ج4/406 ، والإمام الشوكاني ، فتح القدير ، ج5،271 ، والطبري ، تفسير الطبري ، ج29/30 ، ومحمود البستاني ، دراسات فنية في قصص القرآن ، مجمع البحوث الإسلامية – إيران ط1 ، 1408هـ، ص677 ، سليمان العجيلي، الفتوحات الإلهية ، ج4/385 ، الكلبي ، التسهيل لعلوم التنزيل ، ج4/138 ، والألوسي ، روح المعاني ، ج29/31
(3) سورة البروج ، الآيات (1-10)
(4) الإمام القرطبي ، تفسير القرطبي ، 19/287 (1/54)
صفحة 55
كان في إحدى مدن اليمن جماعة اعتنقت الديانة المسيحية ، اختلفت الروايات حول طريقة اعتناقها للديانة المسيحية وجميع الروايات تأتي بمعنى متقارب.
انتشرت الديانة المسيحية في نجران على يد عبدالله بن الثامر ، واعتنق أهل نجران هذا الدين الجديد ، وكان أهالي نجران أهل شرك يعبدون الأوثان قبل ذلك (1) .
وحين علم ذو نواس بهذا الخبر عزم على السير بحملة عسكرية إلى نجران كان هو قائدها ، وحين وصلها حفر أخدوداً عظيماً في الأرض وأضرم فيه النار وخيَّر أهل نجران بين القتل بالحرق بالنار أو التحوُّل إلى اليهودية ديانة الملك إلا أنهم رفضوا التحول عنها ، فكان مصيرهم الحرق بالنار في داخل الأخدود ، كانت هذه مذبحة رهيبة عُرفت في صفحات التأريخ باسم قصة أصحاب الأخدود (2) .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن علي- كرم الله وجهه- أن هذه القصة كانت في قُرى اليمن ، وهذا لا ينافي كونه بنجران لأنه بلد باليمن (3) .
وكان هذا في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم (4) .
وما زالت آثار حريق أصحاب الأخدود موجودة حتى هذا اليوم في موقع مدينة نجران القديمة المسمى "رَقْمَاتْ" ويمتد هذا الموقع على مسافة كيلومتر ، وكشف علماء الآثار في هذا الموقع القديم على بقايا "مدينة الأخدود" الأثرية التي قامت فيما بعد في مكان قريب من الأخدود الذي أُحرق فيه البشر ، وتقع مدينة الأخدود على وادي نجران الخصيب الذي كان في العصور السحيقة نهراً متدفقاً بالمياه (5) .
__________
(1) عبد الرحمن السهيلي ، الروض الأنف ج1/196
(2) أحمد بن محارب الظفيري ، مجلة الكويت ،العدد227 ص14. وهذا ما ورد في كثير من كتب التفاسير.
(3) الألوسي ، روح المعاني ، 30/89
(4) محمد الحجار ، من قصص التنزيل ، ص490
(5) أحمد الظفيري ، مجلة الكويت ،العدد227 ص14 (1/55)
صفحة 56
قصة أصحاب الأخدود وردت في مصادر (1) عديدة جميعها تشير إلى أنها كانت بنجران في اليمن، وقد يتساءل سائل فيقول : إن مدينة نجران تقع تحت حكم المملكة العربية السعودية ، فكيف تكون باليمن ؟
نقول له :
إن نجران يمنية إلا أنها دخلت تحت حكم المملكة بالبيعة التي أجريت يوم 6/صفر/1353هـ الموافق 20/مايو/1934م تحت مسمى معاهدة الطائف بين الإمام يحي بن محمد حميد الدين ملك المملكة اليمانية وصاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود والتي قضت هذه الاتفاقية بدخول عدد من بلدان اليمن ومنها نجران تحت الحكم السعودي واستمر هذا حتى يومنا. (2)
وكذلك يرد هنا سؤال آخر هو: في العهد الإسلامي وجد نصارى بنجران وأرسل رسول الله لهم خالد بن الوليد حين بعث الرسل . مع أن قصة أصحاب الأخدود تشير إلى أن ذا نواس أباد النصارى هناك بالكلية! فمن أين ظهر نصارى العهد الإسلامي؟
لعل هؤلاء النصارى الذين وجدوا في العهد الإسلامي جاءوا بعد ذلك .إذ المعلوم أن الأخدود لم يبق شيء من النصارى في ذلك العهد.
أو أنهم جاءوا في الحملة الحبشية التي كانت نصرة لمن أحرق منهم في الأخدود.
المطلب الرابع : أصحاب الفيل :
قال الله تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * (3)
__________
(1) ذكرها الإمام مسلم ، كتاب الزهد، باب قصة أصحاب الأخدود، حديث رقم/ 73.ج 4 /2299.وكذا الجامع الصحيح للترمذي، كتاب تفسير القرآن ، باب سورة البروج، حديث رقم 13340.ج 5/407.وينظر أيضا روح المعاني للألوسي ، 30/89 ، والقرطبي ، ص287 ج19 ، ابن خلدون في تاريخه ، القسم الأول ج2 ، ص112 ، الجوهري ، الجواهر في تفسير القرآن ، ج25/106 ، والمسعودي ، مروج الذهب ، ج1/67
(2) عدنان ترسيسي ، بلاد سبأ ، ص 666 وما بعدها .
(3) سورة الفيل ، الآيات (1-5) (1/56)
صفحة 57
ذكر فيما سبق أن نجاشي الحبشة أرسل جيشاً لنصرة نصارى نجران ، وكان الجيش بقيادة رجل حبشي اسمه أرياط ، وبعد أن استقر له حكم اليمن خرج عليه أحد قادة جيشه وهو أبرهة الأشرم وساد له الحكم من بعد أرياط (1) .
وقام أبرهة ببناء كنيسة في صنعاء ، رفيعة البناء ، عالية الفناء ، مزخرفة الأرجاء ، سمتها العرب "القُلَيْس" ، لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها ، وعَزَمَ أبرهة أن يصرف حج العرب إليها ، كما يحجون إلى الكعبة بمكة ، ونادى بذلك في مملكته (2) .
ولما تأكد أبرهة أن كنيسته القُلَيْس لم تصرف أفئدة العرب عن الكعبة ، لأن حُبها متأصل في عقول وقلوب العرب ، قرر أبرهة الأشرم التوجه إلى الكعبة بجيش كبير يقوده بنفسه ويضم في صفوفه ثلاثة عشر فيلاً ضخماً ، وهدفه من هذه الحملة هو هدم الكعبة ، وقيل أن أهداف أبرهة كانت سياسية غير ما ذكرنا وعلى كل حال فقد توجه أبرهة وأراد هدم الكعبة (3) .
تذكر المصادر أن أبرهة حين أوشك على الرحيل إلى هدم الكعبة خرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يُقال له ذو نفر ، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام وما يريده من هدمه وخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك ثم عرض لأبرهة فقاتله فهُزِم ذو نَفْر وأصحابه وأُخِذ ذو نفر أسيراً ، فلما أراد قتله قال له ذو نفر : يا أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من القتل (4) .
__________
(1) محمد الحجار ، قصص التنزيل ، دار البشائر الإسلامية ، ط1 ، 1419هـ/1999م ص55 ، وما بعدها ، وعلي إبراهيم حسن ، التاريخ الإسلامي العام ص.54
(2) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، ج4/552.
(3) أحمد محارب الظفيري،مجلة الكويت ، العدد 227 ، ص14
(4) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج2/171 ، وتاريخ ابن خلدون ، القسم الأول ج2/117 (1/57)
صفحة 58
لما توجه أبرهة لهدم الكعبة وقُبيل وصوله حدث له أمر الله ، ونزل به وبقومه العذاب المذكور في قوله تعالى : { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ م } (1)
ونحن هنا نتحدث عن ما كان في أرض اليمن ، وأبرهة- كما هو معلوم- حبشي دخل اليمن غازياً واستوطنها وعاش فيها حاكماً فترة سُجِّلت في تاريخ اليمن وحُسِبَتْ عليه ، ولقد قام أبرهة بأعمال عِدة تتعلق بالعمران وهي مَحْسُوبة له كقيامه بترميم سد مأرب.
وقصة أبرهة منذ خروجه من اليمن- بل من وقت دخوله اليمن- إلى أن خرج يريد هدم الكعبة مذكورة في المصادر (2) ولَسْنَا هنا بصدد سرد قصته وإنما غايتنا أن نبيّن أن أبرهة وقومه قد سكنوا أرض اليمن .
بقي أن نشير إلى أن القُلْيس التي بناها أبرهة في صنعاء اليمن كانت منقوشة بالذهب والزجاج وألوان الأصباغ ، وجعل فيها خشباً له رؤوس كرؤوس الناس وكلّلها بأنواع الأصباغ وجعل لِقُبَّتِها بُرنُساً ، فإذا كان يوم عيدها كشف البُرنْس فتلألأت أصباغها وألوانها حتى تكاد تعمي البصر (3) ، وكان ينقل إليها الرخام والحجارة المنقوشة من قصر بلقيس .
__________
(1) سورة الفيل ، الآيات رقم (3-5)
(2) انظر: جلال الدين السيوطي ، الدُرّْ المنثور في التفسير المأثور ، ط1 ، دار الفكر- بيروت- 1403هـ/1983م ج8/629 ، ومجموعة من المؤلفين ، قصص القرآن ج4/291 ، ومحمود البستاني ، دراسات فنية في قصص القرآن ، ص734 ، وأبي الحسن الماوردي ، النكت والعيون ، تعليق السيد عبد المقصود ج6 ، دار الكتب العلمية ط1 ، 1412هـ/1992م ج6/338 ، وابن كثير ، تفسير القرآن العظيم 4/552
(3) ابن كثير ، البداية والنهاية ، 2/170. (1/58)
صفحة 59
وبقيت هذه الكنيسة إلى زمن أبي العباس السفاح أول خلفاء بني العباس ، فبعث إليها جماعة من أهل العلم والحزم فنقضوها حجراً حجرا ، ودُرِست آثارها إلى يومنا هذا (1) .
المطلب الأول : قوله تعالى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِيِنهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الّمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ ..} (2) :
اختلف العلماء فيمن أُرِيدَ بقوله تعالى : { فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ..} ، فذُكِر أن المراد: أبا بكر وأصحابه ، وقيل : علي وأصحابه ، وقيل : جماعة من أهل اليمن ، وقيل هم قوم أبي موسى الأشعري .
قال الإمام الطبري : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ما روي أن الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم أهل اليمن قوم أبي موسى الأشعري (3) .
قال الإمام القرطبي : نزلت في الأشعريين ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن من طريق البحر ، فكان لهم بلاء في الإسلام زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على يدي قبائل اليمن وهذا أصح ما قيل في نزولهما (4) .
وقال ابن كثير : قوم من اليمن . وقيل : أبو موسى الأشعري .
وقال الإمام الألوسي : والمراد بهؤلاء القوم في المشهور أهل اليمن (5) .
وقد روى الحاكم في المستدرك بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال : ( هم قومك يا أبا موسى ).
__________
(1) ياقوت الحموي ، معجم البلدان ،ج 4/394 ، باب قُلَيْس .
(2) سورة المائدة الآية رقم (54).
(3) الطبري ، تفسير الطبري ، 6/184.
(4) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، 6/220.
(5) الألوسي ، روح المعاني ، 6/163. (1/59)
صفحة 60
وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم والبخاري ولم يخرجاه (1) .
وأبو موسى الأشعري اسمه : عبدالله بن قيس بن سُلَيم بن حضار بن حرب ، قدِم مكة وأسلم ثم عاد إلى بلاد قومه ثم خرج في خمسين رجلاً من قومه في سفينة فألقتهم الريح بأرض الحبشة فوافقوا بها جعفر بن أبي طالب ، فأقاموا عنده ثم خرجوا معه إلى المدينة ، وقيل غير ذلك وهذا هو الصحيح .
ثم عَمِل للنبي - صلى الله عليه وسلم - على زَبيد ، وعَدن ، وساحل اليمن واستعمله عمر بن الخطاب على الكوفة والبصرة (2) .
وقيل : أنه هاجر أولاً إلى النجاشي وعنده جعفر بن أبي طالب فأقبلوا جميعاً في سفينة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حين افتتح خيبر (3) وهو من أصل اليمن (4) .
المطلب الثاني : قوله تعالى : { .. رِحْلَةَ الشِّتَاءِ والصَّيْف .. } (5) :
لم تكن اليمن موقعاً لهذه الرحلة المذكورة في القرآن الكريم ، وإنما كان اليمن أحد طرفيها وهي رحلة الشتاء .
والرحلة : اسم للارتحال وهو مسير القوم (6) .
__________
(1) أبي عبد الله الحاكم النيسابوري ، المستدرك على الصحيحين ، إشراف الدكتور : يوسف عبد الرحمن المرعشلي ، دار المعرفة بيروت ، ج2/ ص313.
- وذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري جماعة كبيرة من المفسرين ومنهم السيوطي في الدر المنثور 3/102 ، والنسفي ج1/473
(2) جمال الدين أبي الحجاج المزي ، تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، تحقيق أحمد علي عبيد، وحسن أحمد آغا ، المكتبة التجارية ، إشراف هيئة البحوث والدراسات في دار الفكر 1412هـ/1994م ، ج10/ ص425-426 .
(3) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، تحقيق محمد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية- بيروت- ط1 1410هـ/1990م ، ج4/ص78.
(4) الألوسي ، روح المعاني ، 6/163
(5) سورة قريش الآية رقم (2).
(6) فخر الدين الرازي ، التفسير الكبير ، 30/100. (1/60)
صفحة 61
والمراد بالرحلة خروج قريش من مكة للتجارة ، وذلك أن الحرم وادٍ جديب لا زرع فيه ولا ضرع ، فكانت قريش تعيش منه بالتجارة وكانت لهم كل سنة رحلتان للتجارة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام ، وقد امتنّ الله بها على كفار قريش (1) .
والسبب في ذلك أن قريشاً إذا أصاب أحدا منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا ، حتى جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه ، ورأى ما حل بهم من مجاعة ، فقام خطيباً في قريش وقال : ( إنكم أجدبتم جدباً تقلون فيه وتذلون ، وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم والناس لكم تَبَع ، قالوا : نحن تَبَعٌ لك فليس عليك من خِلاف . فجمعهم جميعاً على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم وجاء الإسلام وهم على ذلك ) (2) .
المطلب الأول : اليهودية :
كانت شبه جزيرة العرب تدين بالوثنية ، وكانت الوثنية هي الدين الغالب إن لم نقل العام . واليمن جزءٌ من بلاد العرب ، وبين هؤلاء العرب من كان يعبد الأصنام ، ومنهم من يسجد للشمس ، وهذا واضح في قوله تعالى على لسان الهدهد يصف حال قوم سبأ وملكتهم حين قال :
{ .. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ..} (3) ، وكان هناك من يقتني إلاهاً خاصاً به لا يُشاركه فيه غيره ، ومع هذا فإن الحالة لا تخلو من أولئك الذين تمسكوا بالحنيفية السمحاء فوحدوا الله سبحانه وتعالى .
__________
(1) ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ، 4/553 ، والقرطبي ، تفسير القرطبي ، 20/204 ، والماوردي ، تفسير الماوردي ، 6/347 ، والقاسمي ، محاسن التأويل ، 17/266 ، والطبطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ، ط2 ، 1394هـ/1974م ، ج20/365 ، والرازي ، التفسير الكبير 30/100 ، والإمام السيوطي ، الدر المنثور ، 8/638 .
(2) فخر الدين الرازي ، التفسير الكبير ، 32/100.
(3) سورة النمل الآية رقم (24). (1/61)
صفحة 62
أما الديانة اليهودية فقد جاءت إلى اليمن من أرض فلسطين عام 70م بعد أن دمرها تيتوس الألماني فوجد اليهود اليمن ملاذاً آمناً يأوون إليه- كما ذكرنا سابقاً- فإن أسعد الكامل هو أول من تهود من العرب وتبعه ذو نواس الذي غير اسمه إلى يوسف .
ومن المعلوم أن كثيراً من أهل اليمن في تلك العصور كانوا يدينون بدين التبابعة فذو نواس آخر ملوكهم لم يكتف بيهوديته حتى أجبر رعاياه على اعتناق دينه إجباراً ، وذهب إلى نجران وأكرههم على اليهودية- وهذا ما ذكر بقصة أصحاب الأخدود-.
ونستطيع القول بأن اليمن كانت تدين بالديانة اليهودية في هذه الفترة ، ولعل نص كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير دليل على انتشار هذه الديانة ، فقد جاء في كتابه الذي وجهه إلى اليمن ما نَصُّه : ( وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإن له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ومن كان على يهو ديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها وعليه الجزية .) مما يدل على علم الرسول بانتشارهذه الديانة في اليمن. (1)
وفي المقابل لا يمنع هذا عدم وجود أديان أخرى غير اليهودية ، فالوثنيون ، وعبدة الأصنام ظلّوا عاكفين على آلهتهم إلى فترة بعيدة من أيام السبئيين .
وحيث كانت اليهودية تسود اليمن ، وينتشر في بعض الأماكن عبدة الأصنام ، وهناك الحنفيون ظهر دين جديد في منطقة من مناطق اليمن . فما هذا الدين الجديد؟ ومن الذي جاء به؟ وأين ظهر؟ هذا ما سنذكره في المطلب الثاني .
المطلب الثاني : المَسِيحِيَّة :
__________
(1) صالح بن حامد العلوي ، تاريخ حضرموت ج1 ، مكتبة الإرشاد- جدّة- ، تقديم صلاح الدين المنجد، ص53 وما بعدها بتصرف . (1/62)
صفحة 63
كانت قصة أصحاب الأخدود محوراً لتوجهات عديدة غيّرت واجهة التأريخ من عدة نواح ، فهي السبب لوجود الحبشة واحتلالهم اليمن ومن ثم تبع ذلك دخول الفرس والاستيلاء عليها ، وهي فترة حاسمة لانتهاء الدولة الحميرية وغيابها إلى الأبد ، وهي أيضاً السبب في انتشار الديانة المسيحية والقضاء على اليهودية .
عبدالله بن الثامر هو الرجل الذي كان يسكن في قرية صغيرة من قُرى نجران يدعو فيها إلى دين المسيح عيسى بن مريم ، وتوحيد الخالق وأن لا إله إلا الله ، وبدأ نشاطه يتسع ليشمل جميع أهالي نجران فأصبحوا مسيحيين في العقيدة لم تستطع ثورة النار الحارقة أن تَحِيدَ بهم عن عقيدتهم .
كانت نجران هي بداية الانطلاقة للدين الجديد- وكما سبق ذكر رحيل ذو نواس اليهودي إلى نجران وأمْرِه بحرقهم ما لم يعودوا لليهودية دين الملك-.
استطاع الرجل الوحيد دوس ذو ثعلبان الفِرار من المحرقة واتجه إلى ديار الروم طالباً النجدة لدينه وأهله ، وثارت حفيظة الروم والحبشة لهذا الحدث العظيم ، وجاء الجيش الحبشي مناصراً للديانة المسيحية وقضى على الدولة الحميرية- حامية اليهودية- ومَلِكَ اليمن وسادت الديانة المسيحية بلاد اليمن سنة 340هـ.
كان القائد الحبشي أبرهة الأشرم حاكماً لليمن ، وكان يوطِّد البلاد لاستقرار حكمه وانتشار دينه ، ومما فعله بناء القُلَيْس في صنعاء كنيسة للنصرانية ، وأراد هدم الكعبة حتى يعمَّ دينة بلاد العرب ، وفي هذه الفترة ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كانت الدولة الحبشية هي التي تحكم اليمن ، وليس هذا شاملاً للأراضي اليمنية ، وإنما وُجد من سلالة الحميريين من بقوا على ديانتهم ، وكذلك الوثنيون ظلوا على حالهم . وحين جاء الإسلام ودخل اليمن كانت مقاليد الأمور قد استقرت في يد الفرس بعد تشريد الأحباش واستئصالهم من اليمن على يد أحد أفراد السلالة الحميرية بمساعدة الفرس. (1/63)
صفحة 64
فمولد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في فترة حكم الدولة الحبشية ، ودخول الإسلام كان في فترة حكم الدولة الفارسية .
المطلب الأول : إسلام أهل اليمن:
كانت اليمن عند ظهور الإسلام قد خسرت الشيء الكثير من مكانتها السابقة ، وذلك بعد أن اضمحلت تجارتها العالمية ، وسيطرت عليها الخلافات الدينية ، وأصبح يعيش فيها اليمني وأمره في يد حبشي وفارسي .
وحين بُعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعوته السماوية ، فرّج الكرب عن صدر اليمنيين ، فكان إسلامهم على شكلين: إسلام خاص ، وإسلام عام .
أما الإسلام الخاص : فيتمثل في إسلام بعض قبائل اليمن متفرقة ، فبدأت بقبيلتي الأوس والخزرج من الأزد اليمنيين ، وهم الذين نزحوا من اليمن إلى المدينة المنورة بعد حادثة انهيار سد مأرب ، ثم أصبحوا يعرفون بالأنصار ، كما وصلت إليه بعض القبائل من تهامة ، وحضرموت ، وبلاد مأرب (1) .
__________
(1) عدنان ترسيسي ، بلاد سبأ ، 133 وما بعدها (1/64)
صفحة 65
كما توافدت عليه بعوث همدن وخولان والنَّخع ، وكنده ، والصدف ، وبهراء ، وحيراء ، ومراد ، وغيرهما من مخاليف اليمن ودخل أهل اليمن في مواكب متسلسلة (1) .أما الإسلام العام : فهو تلك القصة المشهورة في إسلام أهل اليمن (2) وهي لما كتب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى ورفض كسرى الدعوة الإسلامية ، ومزّق كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم كتب إلى عامله في اليمن باذان الفارسي أن ابعث رجلين من أصحابك ليأتيا بالرجل العربي في جزيرة العرب ، فامتثل باذان أمره وأرسل رجلين ، وعندما بلغا المدينة وأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قالا له بما أمرهما به باذان من إحضاره إليه ليبعث به إلى كسرى ، فأجابهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء من الحُلم والرزانة فقال : ( قولا له إن ربي قتل ربه الليلة ) ولم يقف عند هذا بل أوضح لهما ذلك تمام الإيضاح بأن ابن كسرى وهو شيرويه قد عدى علمِه فقتله ، فذهب الرجلان إلى باذان وأخبراه بالخبر ، ولم يلبث طويلاً حتى وافى الخبر بصحة ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يتردد باذان في الإسلام ، فأسلم وأسلم معه من بصنعاء وبعث بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان سنة 10هجرية (3) وأبقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على اليمن .
__________
(1) أحمد حسين شرف الدين ، اليمن عبر التاريخ ، 167 وما بعدها .
(2) محمد جرير الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ، ط2 ، دار الكتب العلمية : 1408هـ/1988م ، ج2/133.
(3) إسلام اليمن سنة 10هـ ، المراد به إسلام عموم أهل اليمن ، وهو لا يعارض ما يروى من إسلام بعض الأفراد قبل ذلك ، كما ذكرنا . (1/65)
صفحة 66
وبعد أن استتب الأمر مات باذان فولى نجله شهر بن باذان ، ثم ظهر في عهده أمر الأسود العنسي وكثر جمعه وزحف على صنعاء وقتل شهر وتزوج بامرأته ، ثم خرج رجل يقال له فيروز الديلمي قضى على الأسود ومن شايعه ، وعاد عمال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أعمالهم وعادت اليمن إلى حضيرة الإسلام وكان هذا قبل وفاة الرسول بليلة أو ليلتين (1) .
وبهذا يكون قد عمّ الإسلام جميع اليمن ثم توالى رُسُل رسول الله إلى بلاد اليمن منتشرين في جميع نواحي اليمن السعيد
المطلب الثاني : كُتُب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأهل اليمن:
لم تكن اليمن في هذه الفترة تحت سيادة واحدة تحكم جميع اليمن ، وإنما كانت مَخَالِيفَ (2) عديدة لكل مخلاف قَيْل (3) يرأسه .
واليمن كغيرها من الدول حظيت بوافر من كُتُب الرسول - صلى الله عليه وسلم - التي وجهها إلى الملوك ومن ثَمّ الدول العربية المجاورة للمدينة معقل الإسلام وحِصْنُه المنيع.
ولم تكن كتب الرسول التي وجهها إلى اليمن ذات طابع واحد بل تعددت اتجاهاتها واختلفت مضامينها فمنها ما كان موجهاً لأفراد معينيين ، بسيط اللغة ، يسير الأحكام أو قُل بدائي التشريع لم يأمر فيه إلا بالشهادتين وأركان الإسلام الخمسة ، ومنها ما كان قوي اللغة ، رَصين التعبير ، يُدلل على أصالة العربية عند تلك القبائل اليمنية حتى أصبحت كُتب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم- كأهل حضرموت- من أدلة بلاغة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحكمته الدعوية .
__________
(1) صالح بن حامد العلوي ، تاريخ مدينة حضرموت ، ج1 ، 116.
(2) المِخْلاف : عند أهل اليمن واحد المخَاليف ، وهو كُوَرُها ولكل مخلاف منها اسم يُعرف به ، والمخاليف لأهل اليمن كالأجْناد لأهل الشام ، والكُور لأهل العراق . ابن منظور ، لسان العرب ج5 ، ص132
(3) القَيْل : الملك من ملوك حمير ، وجمعه : أقيْال ، ومنه قيْل ذي رُعين : أي ملكها ج12 / ص238 (1/66)
صفحة 67
ولعل كتاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي وجَهه إلى من بقي من ملوك حمير هو أظهر كتاب لأهل اليمن عامة وقد جاء فيه :
( بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد النبي رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قَيْل ذي رُعين وهمدان ومعافر .
أما بعد ..
ذلك فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو . أما بعد .. فإنه قد وقع بنا رسولكم مُنْقَلبَنَا من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم ، وخبَّر ما قبلكم ، وأنبأ بإسلامكم وقتلكم المشركين وإن الله قد هداكم بهدايته ، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله ، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم خمس الله ، وسهم نبيِّه وصفيه ..
وأن إذا أتتكم رُسُلي فأوصيكم بهم خيراً : معاذ بن جبل ، وعبد الله بن زيد ، ومالك بن عُبادة ، وعقبة بن نمر ، ومالك بن مُرّة ، وأصحابهم ..
وإني قد بعثت إليكم من صالحي أهلي، وأولي ديني ، وأولي علمهم ، فآمركم بهم خيراً فإنه منظور إليهم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) (1) .
كان هذا كتاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك اليمن ، وهم رؤساء القبائل وأصحاب المخاليف وذلك عندما كتب كُتبا إلى ملوك العرب وما جاورهم من ملوك العجم .
وهناك كتاب آخر لأهل اليمن يقول فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فذلكم المسلم له ذمة الله ورسوله ومن أبى فعليه الجزية) (2) وكان هذا عاماً لأهل اليمن.
__________
(1) ابن هشام ، السيرة النبوية ، ج4/235 . وابن الأثير ، الكامل في التاريخ مج2/160 . ومحمد بن محمد بن سيد الناس ، عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ج2ص325.
(2) أبو الحسن البلاذري ، فتوح ا لبلدان ، منشورات مكتبة الهلال- بيروت ط1 ، ص76 (1/67)
صفحة 68
وكانت كتبه - صلى الله عليه وسلم - هذه تتضمن شرائع الإسلام وفرائض الصدقة في المواشي والأموال ، ويوصيهم بأصحابه ورسله خيراً (1) .
ومن كتب الرسول الخاص لبعض بلاد اليمن كتابه لأهل حضرموت الذي جاء فيه : "إلى الأقيال العَبَاهِلة والأرواع المشابيب .. في التَّيعة (2) شاةُ لا مَقُوَرة الإلْياط (3) ولا ضَنَاك (4) وانطوا (5) التَّيْجة (6)
وفي المَسْبُوب (7) الخُمس ، ومن زنى من بكر فاصْقَعُوه (8) مائة ، واستوفضوه (9) عاماً ، ومن زنى من ثيب فضَرِّجوه بالأضامِيم (10) ولا توصيم (11) في الدين ، ولا غمة في فرائض الله ، وكل مسكر حرام ، ووائل بن حجر يتَرفّل (12) على الأقيال" (13) .
وإضافة إلى هذا فقد وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - كُتباً غير هذه لأشخاص متفرقين ببلاد اليمن منهم :
أن الرسول كتب إلى بني عمرو وهم من حمير يدعوهم إلى الإسلام ، وبعث جرير بن عبدالله البجلي إلى ذي الكُلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسّان بن تبّع ، وإلى ذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام فأسلما وأسلمت معهم امرأة ذي الكُلاع الحميري وتوفي رسول الله وجرير عندهم .
وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى معد يكرب بن أبرهة أنه له ما أسلم عليه من أرض خولان .
وكتب لربيعة بن ذي مرحب الحضرمي وإخوته وأعمامه أن لهم أموالهم ونخلهم ورقيقهم وآبارهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم بحضرموت .
__________
(1) ابن سعد ، الطبقات ، مج1 ، دار صادر- بيروت ص264.
(2) التيعة : أربعون من الغنم .
(3) مقورة الألياط : المسترخية الجلد .
(4) الضناك : كثيرة اللحم .
(5) انطو : أعطوا لغة أهل اليمن .
(6) التيجة : المتوسطة .
(7) المسبوب : الركاز .
(8) اصقعوه : اضربوه
(9) استوفضوه : انْفُوه.
(10) بالأضاميم : إرموه بالحجارة .
(11) لا توصيم : لا تستر ولا تخفي .
(12) يترفل : يترأس .
(13) صالح بن حامد العاوي ، مدينة حضرموت ، ج1/119. (1/68)
صفحة 69
وكتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن عهداً يعلمه فيه شرائع الإسلام وفرائضه وحدوده (1) .
وهكذا سيطرت أنوار الإسلام على سماء اليمن حتى أنارتها بالشريعة الإسلامية السمحاء .
المطلب الأول : بعض ما ورد في فضل أهل اليمن:
وردت في كتب السنة أحاديث كثيرة تدل على فضل أهل اليمن وخيريّتهم ، منها ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة كحديث حدثنا محمد بن بشار ابن أبي عديّ عن شعبة عن سليمان عن ذكوان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ أفئدة وأَلْين قلوباً ، الإيمان يَمان والحكمة يمانِيَة ، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم " (2) ، وقال غُندر عن شعبة عن سليمان سمعت ذكوان عن أبي هريرة (3) . وورد هذا النص لوقوع التصريح بقول الأعمش "سمعت ذكوان".
وفي رواية أبي حازم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ".. الإيمان ها هنا وأشار بيده إلى اليمن .." (4)
وفي رواية ابن جُبير بن مطعم عن أبيه قال : كنا مع رسول الله في مسير له فقال :" يَطلُع عليكم أهل اليمن كأنهم السحاب هم خيرٌ من في الأرض" (5) .
وفي رواية الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الفِقه يمان والحكمة يمانِيَة" (6) .
__________
(1) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج1 ، ص264-267 .
(2) أخرجه البخاري ، كتاب المغازي ، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن ،حديث رقم 4389 ج8 ص 98.
(3) أخرجه البخاري كتاب المغازي نفس الباب.
(4) نفس المرجع.
(5) أخرجه ابن أبي شيبه ، في مصنفه كتاب الفضائل ، ما جاء في اليمن وفضلها حديث رقم 32422 ج6 ص 410 .
(6) أخرجه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه، ج1 ص71. (1/69)
صفحة 70
وهناك روايات (1) عديدة تدل على نفس معنى هذه الأحاديث- رأيت أنه لا داعي لذكرها وأكتفي بالإشارة إليها في الهامش-.
وترد هنا إشكالية وهي : أن المراد بأهل اليمن هم الأنصار ، لأنهم يمانيون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره .
ورد على هذا الإشكال : لو تأمل من قال بهذا ألفاظ الحديث لما احتاج إلى هذا التأويل لأن قوله " أتاكم أهل اليمن" خطاب للناس والأنصار منهم فيتعين أن الذين جاءوا غيرهم (2)
__________
(1) ورد هذا الحديث بروايات مختلفة كلها بنفس المعنى فقد أخرجه البخاري كتاب المغازي ص98 ج8 ، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن ح4387 و ح4388 و ح 4390 .
- ... كما أخرجه الإمام مسلم ، كتاب الإيمان ، باب تفاضل أهل الإيمان فيه ، ورجحان أهل اليمن فيه ، حديث رقم /81 و ح82 و ح84 و ح85 ، ج1/ص71-72
- ... وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ، ح32423 ، ح32424 ، ح32425 ، ح32426 ، ح32427 ، ح32428 ، ح32429 ، كتاب الفضائل ، باب ما جاء في اليمن وفضلها ، ج6/ص41 .
- ... أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ، باب القبائل ، ح19888 ، ج11/ص52 .
- ... أبو نعيم في حلية الأولياء ، ج7/ص363
- ... وأخرجه علي بن أبي بكر الليثي ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، باب ما جاء في أهل اليمن ج10/ ص54، 55 ، 56.
- ... وأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، الجامع الصحيح ، سنن الترمذي ، كتاب المناقب ، باب في فضل اليمن ، ح رقم 3935، 3936، ج5/ص682 =
(2) = المتقي الهندي ، كنز العُمال في سنن الأقوال والأفعال ، أهل اليمن ، حديث رقم 33939 ح33940 إلى حديث رقم 34848 . ثم ذكر من الإكمال ست عشرة رواية بنفس المعنى
( ) ابن حجر العسقلاني ، فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، ج8 ، ص98 وما بعدها. (1/70)
صفحة 71
قال الإمام النووي : ولو جمع من سلك هذا السبيل طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه ولما تركوا الظاهر ولقضوا بأن المراد اليمن وأهل اليمن على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك (1) .
ومعنى الأحاديث أن المقصود أهل البلد لا من ينسب إلى اليمن ، وهو وصف للذين جاءوا بقوة الإيمان وكماله (2) .
المطلب الثاني : وفود اليمن إلى الرَّسول :
حين عَمّ الإسلام الجزيرة العربية وحواليها، وتعطشت نفوس العرب لهذا الدين الإسلامي الجديد الذي رأو فيه روح حياتهم وحياة روحهم كانت القبائل ترسل وفودها حتى ينهلوا من المورد الإسلامي لريّ ظمئهم ، ووصلت معظم هذه الوفود في السنة التاسعة للهجرة ، وكانت قبائل اليمن إحدى تلك الجموع التي أرسلت وفودها للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت وفوداً عديدة سوف نتطرق لذكر بعضها تفصيلاً والبقية إجمالاً وهي :
* وفد الأشعريين :
قدم وفد الأشعريين بصحبة أبي موسى الأشعري ومعهم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة ، وكان وصولهم بعد غزوة خيبر (3) .
* وفد تُجِيْب (4) :
__________
(1) الإمام النووي ، شرح صحيح مسلم ، مكتبة الرياض الحديثة ، ج2/33 .
(2) ابن حجر ، فتح الباري ، ج8 ص98.
(3) ابن كثير ، البداية والنهاية ، 3/62.
(4) تُجِيْب : بضم التاء ويجوز الفتح : تَجِيْب وهي قبيلة من كندة باليمن ، علي بن برهان الحلبي الشافعي ، السيرة الحلبية 3/230. (1/71)
صفحة 72
وكانوا ثلاثة عشر رجلاً قدموا ومعهم صدقاتهم وأموالهم التي فرض الله تعالى عليهم ، فَسُرَّ رسول الله بهم وأكرمهم . وقالوا : يا رسول الله سقنا إليك حق الله في أموالنا . فقال رسول الله : ردُّوها فاقسموها على فقرائكم . فقالوا: ما قدمنا إليك إلا بما فَضَل عن فقرائنا . فقال أبو بكر : يا رسول الله ما وفَد علينا وفد من العرب مثل ما وفد به هذا الحي من تجيب ! فقال رسول الله : إن الهدى بيد الله عزّ وجل ، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإسلام .
ثم سألوا رسول الله عن الدين فعلّمهم ثم أجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود (1) .
وكان معهم غلام قال له الرسول : ما حاجتك ؟ فقال يا رسول الله : ادعُ الله يغفر لي ويرحمني ويجعل غنائي في قلبي . فقال رسول الله : "اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه" . فكان بعد ذلك من أزهد الناس (2) .
* وفد ملوك حمير :
... أرسل هذا الوفد ملوك حمير الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال .
والنعمان قَيْل ذي رعين ومعافر وهمدان ، وكان يحمل نبأ إسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله ، ووصل الوفدُ مَقَدَمَ رسول الله من تبوك ، ثم أرسل رسول الله رسالة لملوك حمير (3) يذكر لهم ما فرضه الله عليهم ، ويعلمهم شعائر دين الإسلام (4) .
* وفد خولان :
__________
(1) ابن سيد الناس ، عيون الأثر ، 2/329 وما بعدها . وعلي بن برهان الحلبي السيرة الحلبية ج3/230.
(2) ابن كثير ، البداية والنهاية ، 3/84.
(3) سبق ذكر الرسالة في المبحث الثاني في الفصل الثالث .
(4) الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ، 3/361 ، وابن سيد الناس ، عيون الأثر 2/325 . وعلي بن برهان ، السيرة الحلبية ، 3/228. ابن كثير ، البداية والنهاية ، 3/68 . (1/72)
صفحة 73
وهي قبيلة من اليمن وفد منها عشرة رجال قالوا : يا رسول الله نحن على مَنْ وراءنا من قومنا ومؤمنون بالله مُصِّدقون برسوله ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا خُرون الأرض وسهولها ، والمِنَّة لله ولرسوله علينا . فقال رسول الله : "أما ما ذكرتم من مسيركم إليّ فإن لكم بكل خطوة خطاها بعيرُ أحدِكم حسنة ، وأما قولكم زائرين لك ، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة". ثم سألهم رسول الله عن صنمهم الذي كان يُقال له (عَمْ أَنس) فقالوا : أبدلناه خيراً ولو قد رجعنا لهدمناه . وتعلموا القرآن والسُّنَنَ فلما رجعوا هدموا الصنم ، واحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله (1) .
* وفادة وائل الحضرمي :
اسمه وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل الحضرمي ، كان أبوه من ملوك اليمن ، وفد على رسول الله وبشّر به النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل قدومه وقال لأصحابه : "يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعاً راغباً في الله ورسوله وهو بقية أبناء الملوك" .
فلما دخل عليه رحّب به وأدناه من نفسه وقرّب له مجلسه وبسط له رداءه وقال - صلى الله عليه وسلم - : "اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده" واستعمله على الأقيال من حضرموت ، وكتب معه كُتباً لعماله هناك (2) .
__________
(1) ابن سيد الناس ، عيون الأثر ، 2/336 ، وعلي بن برهان ، السيرة الحلبية 3/236
(2) ابن حجر العسقلاني ، الإصابة في تمييز الصحابة ، دار الفكر العربي- بيروت ج3/592 . وأبي عمر يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبد البر ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، تحقيق على محمد البجاوي ، ط1، دار الجيل- بيروت 1412هـ/1992م ، ج4/1562 . وابن كثير ، البداية والنهاية ، 3/71. (1/73)
صفحة 74
هذه بعض الوفود اليمنية ذكرناها وإلا فإن بعض الكتب تذكر وفوداً عديدة حتى أوصلهم البعض إلى أكثر من أربعين وفداً تحت اسم (وفادات أهل اليمن) (1) ، وذكروا منها :
وفد همدان ، ووفد بني زبيد ، وفد كندة ، وفد بني عُذْرَة ، وفد طيء ، وفد حضرموت ، ووفد مَهْرَة ، وغيرهم.
والملاحظ أن معظم هذه الوفود جاءت مُسْلِمة طائعة ، ووصلت بُغية معرفة أحكام الدين الإسلامي ، وتسليم ما كان عليها من زكاة وصدقة ، بل إن بعضها وصل
ومعه ما فرض الله عليه من أمواله ، وهذا دالٌّ على خَيْرية أهل اليمن ، كما جاء على لسان أبي بكر- رضي الله عنه- في وفد تُجيب ، بل ورد ذلك في أحاديث نبوية كثيرة جداً.
المطلب الثالث : عمال الرَّسول على اليمن:
يُمكِنُنا القول بأن عمال الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا على نوعين :
فمنهم الداعين للإسلام لمن لم يَصِلْهم الدين الإسلامي ، وهؤلاء الدعاة أمثال خالد بن الوليد ، وعلي بن أبي طالب ، ومن معهم- رضي الله عنهم أجمعين.
والنوع الآخر أمثال أبي موسى الأشعري ، ومعاذ بن جبل ، أرسلهما رسول الله ليُعَلِّما أهل اليمن الصلاة والصيام وجميع قضايا التشريع الإسلامي .
قال البراء بن عازب : بعث رسول الله خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم للإسلام ، فأقام ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء ، ثم بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأمره أن يُخبر خالداً بالعودة فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يبقى معه تركه .
__________
(1) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج1 ، دار الكتب العلمية- بيروت ، تحقيق محمد عبد القادر عطا ، ط1 ، 1410هـ/1990م ، ص243. (1/74)
صفحة 75
قال البراء : فكنت فيمن بقى معه ، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن ، بلغ القوم الخبر فجمعوا له ، فصلى بنا علي الفجر ، فلما فرغ صفّنا صفاً واحداً ، ثم تقدم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت همدان كلها في يوم واحد ، وكتب إلى رسول الله فلما قرأ كتابه خَرَّ ساجداً ثم جلس فقال : "السلام على همدان ، السلام على همدان" . ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام (1) .
وقيل أن سرية علي بن أبي طالب كانت مرتين إحداهما إلى همدان وكان سنة 8 هجرية بعد فتح مكة ، والأخرى إلى مذحج سنة عشرة (2) .
وقد أقام علي بن أبي طالب مسجداً في صنعاء اليمن الموسوم بـ "الجامع الكبير" والذي لا يزال قائماً إلى اليوم (3) .
والنوع الثاني : وهما أبي موسى ومعاذ بن جبل فقد ذُكر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعثهما إلى اليمن فقد روى أبو بردة قال : بعث رسول الله أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن ، قال وبعث كل واحد منهما على مخلاف ، قال : واليمن مخلافان ثم قال :" يَسِّرا ولا تُعسِّرا ، وبشِّرا ولا تُنفِّرا ، فانطلق كل واحد منهما إلى عمله (4) .."
وكان بعثهما قبل حجة الوداع ، فولّى أبا موسى على زبيد والساحل وعدن وأعمالها (5) .
__________
(1) الطبري ، تاريخ الأمم والملوك ، ج3/373 ، وابن عبد البَرّ ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، ج1/1120.
(2) احمد زيني دَحْلان ، السيرة النبوية والآثار المحمدية ، دار إحياء التراث العربي ، ص346 بهامش السيرة الحلبية .
(3) عدنان ترسيسي ، بلاد سبأ وحضارات العرب الأولى ، ص134
(4) أخرجه البخاري ، كتاب المغازي ، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ، ح/4342 ، ج8/ص60
(5) ابن حجر العسقلاني ، الإصابة في تمييز الصحابة ، ج2/351. (1/75)
صفحة 76
وأما معاذ بن جبل فكان قاضياً في الجَنَدْ من اليمن يُعلِّم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضى بينهم ، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن ، وقال له الحديث المشهور : "بم تقضِ؟ قال : بما في كتاب الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال بما في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : فإن لم تجد؟ قال : أجتهد رأيي فقال رسول الله: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يُحب رسول الله" (1) .
وإضافة إلى هؤلاء كان هناك عمال للرسول - صلى الله عليه وسلم - بمثابة ولاة أو حُكام ، فكان على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص ، وعلى كندة والصدف المهاجر ابن أبي أمية ، وعلى حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري ، وأما الجند فلمعاذ بن جبل زيادة على القضاء وتعليم الناس الإسلام وقراءة القرآن ، وأبو موسى الأشعري على زبيد وما والاها (2) .
أسس معاذ بن جبل في مدينة الجَنَد بمحافظة تعز مسجده المشهور والذي لا يزال موجوداً إلى اليوم .
ذكر الأستاذ أحمد حسين شرف الدين تحت عنوان (عمال الرسول على اليمن)- ذكر ما يقارب واحداً وعشرين عاملاً كانوا على اليمن منهم من ذكرناهم وغيرهم مثل : يعلى بن أمية ، والطاهر بن أبي هَالَة ، وعمرو بن حزم الأنصاري ، وجرير بن عبدالله البَجَلي (3) ، وأبو سفيان بن الحارث ، وغيرهم (4) .
وبهذا نكون قد انهينا ذكر اليمن في السنة ، ابتداءً من إسلامهم وحتى إرسال عُمَال الرسول - صلى الله عليه وسلم - على بلادهم .
الخاتمة
__________
(1) ابن عبد البر ، الاستيعاب ، ج3/1402.
(2) خليفة بن خياط الليثي ، تاريخ خليفة ، مراجعة وضبط وتحقيق د. مصطفى نجيب فوّاز ، د. حكمت كشلي فوّاز ، دار الكتب العلمية- بيروت ص48.
(3) ذكره البخاري تحت باب "ذهاب جرير إلى اليمن" من كتاب المغازي ، ولعله كان والياً على إحدى مناطق اليمن . ج8/76.
(4) أحمد حسين شرف الدين ، اليمن عبر التأريخ، ص . (1/76)
صفحة 77
بعد ان استعرضنا صفحات من تاريخ اليمن منذ ما قبل الميلاد ومرورا بالعصر الإسلامي ونحن في نهاية هذا البحث حُقَّ لنا أن نجعل زَبَدَ ما ورد في عناصر رئيسية نجملها فيما يلي:
·?ليست جميع الأقوام المذكورة في القرآن كانت بلادها ارض اليمن بل توجد أقوام أخرى قَطنت أراض أخرى.
·? إن الأقوام التي سكنت اليمن لم تكن جميعها قد استحقت العذاب وإنما كان منها من أسلم وتلقى الوحدانية بمحض إرادته وخالص فطرته.
·? وكذلك القصص القرآنية لم تكن جميعها في ارض اليمن وإنما هي البعض .
·? كانت اليمن مرتكزا لكثير من الديانات، مما أدى للوفرة الثقافية وكثرة تواجد الأفكار المختلفة .
·?كانت الدول اليمنية القديمة ذات عراقة تاريخية وحضارة زاهرة نافست قريناتها في عصرها .
·?تقبل اليمنيين الإسلام بصدر رحب كما قبله معظم العرب آنذاك .
·?جعل الرسول لليمنيين مكانة خاصة أولَاهُم بالمدح والثناء وخِيرة الأصفياء.
وفي الأخير أتمنى أن ينال التاريخ اليمني بِعمومه حَقَّه من البحث والتنقيب ويكون على يد أبنائه اليمنيين حتى لا يكون تاريخ اليمن تاريخاً ضيَّعه قومُه.
فهرس
المحتويات ... الصفحة
المقدمة ... أ
الإهداء ... ج
الشكر والعرفان ... ث
الفصل الأول: لمحة من تأريخ اليمن قبل الإسلام
الدولة المعينية
نشوء الدولة المعينية ... 1
ملوك الدولة المعينية ... 3
الحالة الدينية ... 7
سقوط الدولة ... 9
الدولة السبئية
تاريخ نشأتها ... 10
أصل السبئيين ... 13
الحالة الدينية ... 17
أهم حضاراتها ... 20
الدولة الحميرية
الدولة الحميرية الأولى ... 24
الدولة الحميرية الثانية ... 26
سقوط الدولة الحميرية ... 28
الأحباش والفرس
الأحباش في اليمن ... 29
الفرس في اليمن ... 31
الفصل الثاني: اليمن في القرآن الكريم
ذكر الأقوام
قوم عاد ... 33
قوم سبأ ... 37
قوم تُبّع ... 39
ذكر القَصَص
أصحاب الرس ... 41
أصحاب الجنة ... 43
أصحاب الأخدود ... 44
أصحاب الفيل ... 46
ذكر ما ورد من غير القصص والأقوام
قوله تعالى" فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه" ... 48 (1/77)
صفحة 78
قوله تعالى" رحلة الشتاء والصيف" ... 50
الفصل الثالث: تاريخ اليمن الديني
الحالة الدينية قبل الإسلام
اليهودية ... 51
المسيحية ... 52
الإسلام في اليمن
إسلام أهل اليمن ... 53
كُتُب الرسول لأهل اليمن ... 55
ذكر اليمن في السنة
بعض الأحاديث الواردة ... 58
وفود اليمن إلى الرسول ... 60
عُمَّال الرسول على اليمن ... 63
الخاتمة ... 65
قائمة المصادر والمراجع ... 66
الفهرس ... 67 (1/78)