صفحة 1
الكتاب: بناء العبقري بالتربية القرآنية
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) بناء العبقريّة بالتربيّة القرآنيّة
المقدّمة
ــ ربّما يتساءل الواحد منّا: هل نستطيع أن نبني ولداً عبقريّاً؟
فنجيبه بسؤال مثله:
ــ هل نستطيع أن نكوّن أمّاً متفائلةً؟ إيجابيّةً في أقوالها، وفي أعمالها.
وإذا أمكن لنا ذلك، فمن خلاله نستطيع أن نجيب بكلّ بساطةٍ عن السؤال الأوّل، ولا يمكن أن يتوفّر ذلك إلاّ في أسرةٍ مؤمنةٍ إيجابيّةٍ متفائلةٍ مثابرةٍ.
فالأسرة المسلمة هي أساس بناء المجتمع، وفيها تنشأ وتنمو أعضاؤه الصغيرة التي ستصبح في المستقبل كباراً، يحملون راية الأمّة الإسلاميّة عاليّةً خفّاقةً، أو ينزلون بها إلى الدرجات السفلى، ويجعلون منها مسخرةً أمام أعدائها.
والعنصر الأهمّ الذي يجب أن يؤدّي الأمانة كاملةً غير ناقصةٍ في هذه الأسرة هو الأمّ، لأنّه على حسب الاعتقاد والثقافة والتصوّر الذي تكون عليه هذه الأمّ ينشأ أولادها، فالأسرة لا تكون صالحةً، ينشأ أعضاؤها صالحين إلاّ إذا كانت الأمّ صالحةً، مؤمنةً مضحّيةً بكلّ شيء في حياتها من أجل أولئك العباقرة الصغار لتكوّن منهم أفراداً ناجحين متفوّقين، مثابرين في سبيل تحقيق درجات النجاح العليا، والسير في طريق الرقيّ بأمّتهم، والتقدّم إلى مستقبلٍ مشرقٍ.
وهي التي تستطيع أن تكوّن بذكائها الصور الذهنيّة الأساسيّة في نفس ذلك البرعم الصغير الذي يخرج إلى الوجود، وهو لا حول له ولا قوّة إلاّ بربّه الذي خلقه، وبقوّة أمّه التي هي بالنسبة إليه أوّل عنصر يتعامل معه في بداية حياته على الإطلاق، والتي تُعدّ الجسر المتين، الذي يتواصل من خلاله مع العالم الخارجي، الذي سيخرج إليه بما زوّدته به من سلوكٍ ومعلوماتٍ. (1/1)
صفحة 2
وقد ارتفعت الأصوات في كلّ مكان، وعلى كلّ المستويات تشكو فساد الأجيال، وعدم تأثّرهم بما يُلقى إليهم من طرف أوليائهم ومعلّميهم، ولم تؤت المنظومات التربويّة أكلاً طيّباً، ولم تقدر على إعدادهم لتحمّل المسؤوليّة الثقيلة التي يجب أن يتحمّلها جيل المستقبل المسلم، ويتحمّل الأمانة التي أبت السماوات والأرض أن يحملنها، ويحقّق الخلافة التي خلقه الله - سبحانه وتعالى - من أجلها، ويرفع من قيمة أمّته المسلمة، ويكون غرّةً بيضاء في جبينها، ويحقّق لها الأمل المنشود.
والجميع حائر أمام التربيّة الرخوة التي ينشأ عليها هذا الجيل الحاضر، والكلّ يتساءل أين يكمن الخلل؟، ومن هي الجهة التي تستطيع أن تعدّ الأجيال إعداداً صالحاً، هل هي الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم المسجد؟ أم الإعلام؟ أم الدولة؟.
وبناء على ما ورد في السنّة النبويّة، وعلى رأي كلّ العلماء، فالأسرة هي الحصن الأوّل، والمدرسة الأساسيّة التي يتعلّم فيها الولد كلّ ما يلزمه من مبادئ وسلوك لما يستقبله في هذه الحياة، وذلك بواسطة ذلك المعلّم الوفيّ المخلص الحنون الذي لا يبخل عليه بشيءٍ مهما كان، وهو الأمّ.
ومن هنا يتحتّم على الجهات المسؤولة تزويد الوالدين، والمربّين والأمّ خاصّة بثقافةٍ تربويّةٍ إسلاميّةٍ قرآنيّةٍ؛ تساعدهم على حسن إعداد وتربيّة النشء في مختلف مراحل العمر، وترشدهم إلى كيفيّة أداء مهمّتهم كأحسن ما يكون نحو الأجيال القادمة، كي تصبح قادرةً على مواجهة تحدّيات العصر، وتحقيق آمال الأمّة في غدٍ مشرقٍ، وحضارةٍ إسلاميّةٍ قرآنيّةٍ قويّةٍ وزاهرةٍ.
ولا أحد يستطيع أن ينكر بأنّ نقطة البداية وحجر الزاويّة في نجاح هذه النهضة، وتحقيق هذا الهدف، ينطلق من صلاح الفرد الذي يتحقّق به صلاح المجتمع ككلّ، وصلاح الفرد لا يكون إلاّ بتكوين أمٍّ صالحةٍ مضحّيةٍ مثابرةٍ. (1/2)
صفحة 3
وقد ربط الله - سبحانه وتعالى - علوّ هذه الأمّة وانتصارها بالإيمان والجهاد الحقّ في كلّ الميادين، وليس هناك ميدان جهاد أحسن وأفضل من ميدان تربيّة النشء، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم.
- {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
[آل عمران ـ 139]
فمشروع التربيّة والنهضة بهذا الجيل الذي يجب أن يتبنّاه جميع عناصر الأمّة، لابدّ أن يكون هدفهم الأوّل ليعود إلى المكانة التي يريدها له ربّه - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون فيها، وليعيد الله - سبحانه وتعالى - دور هذه الأمّة القيادي بين الأمم.
وقد تعالت أصوات كثير من العلماء المخلصين، ينادون بإعادة صياغة النظريّات التربويّة والتعليميّة، لأنّها لم تحقّق أبسط أهدافها التي يرجى منها، والدليل على ذلك أنّه رغم تنوّع النظريّات، وكثرة المدارس والجامعات المختلفة المستويات والتخصّصات، فالعالم يزداد تدهوراً في قيمه الأخلاقيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة. يقول الدكتور بابا عمي في كتابه: مقاربة في فهم البحث العلمي:
«ورغم كثرة المذاهب والنظريّات في التربيّة والتعليم، فإنّ المدرسة اليوم باتت موضع شكٍّ وريبةٍ»، (فرنسا، بريطانيا، مثلاً).
وكما صرّح أحد العلماء في إحدى القنوات بأنّ دولة ماليزيا قد بلغ شعبها مستوىً ثقافيّاً ودرجةً من التعلّم، ما لو أنّها أغلقت المدارس فلن يبقى تلاميذها بدون تثقيفٍ، أو تعليمٍ.
وهذه الوضعيّة تعكس بحقٍّ مستوى اهتمام الأولياء والأمّهات بتثقيف أنفسهم، وتوجيه أولادهم التوجيه العلمي الصحيح، ونستنتج من هذا أنّ كلّ أولياء الأسر، والأمّهات قد أصبحوا في درجة تخوّلهم معها أن يصبحوا معلّمين مهرةً، يصنعون العبقريّة داخل البيت، وهذا ما تستطيع فعله كلّ أمٍّ مهتمّةٍ مثابرةٍ نشيطةٍ، تتمنّى الخير والنجاح والتفوّق لأولادها، ولأمّتها. (1/3)
صفحة 4
وفي إحدى دول الخليج طبّق الموجّهون التربويّون طرقاً جديدةً للتعليم في مدارسهم، تسمّى التعليم الحديث، مقارنةً بالطريقة القديمة التي تسمّى بالتعليم القديم، وهي طريقةٌ حديثةٌ تختلف تماماً عن الطريقة الأخرى من حيث المؤثّرات المختلفة التي أُحدثت في المحيط التربوي للتلميذ، ومن حيث وسائل التعليم، وطريقة الجلوس.
وكلّ ذلك محاولةً منهم أن يثيروا في التلاميذ مختلف قواهم التفكيريّة والإبداعيّة والتعليميّة، حتّى يصبحوا أكثر إبداعاً، وهذا هو المقصود الأوّل للعمليّة التربويّة التي يجب على أولياء الأمور أن يوفّروها لأولادهم، إذا أرادوا أن يتعلّموا بسرعةٍ، وبطريقةٍ جيّدةٍ.
وإذا درسنا وضعيّة التربيّة والتوجيه في العالم الإسلامي، نجد علماءه لا يبذلون جهوداً ليدرسوا الأخطاء الذي وقع فيه المربّون، الذين وضعوا البرامج التربويّة، وما هو سرّ إخفاق الحركات الإسلاميّة، وبلوغ الأمّة إلى هذه الحالة التي وصلت إليها. وهو القائل:
- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.
[العنكبوت ـ 69]
إنّ اعتقاد العلماء المسلمين بأنّ النجاح ليس نتيجة حتميّة للعمل الصالح الذي يقومون به، هو من أشدّ المعوّقات التي تمنعهم من مراجعة برامجهم ونقدها، لأنّهم لا يفترضون فيها الخطأ، كي يبحثوا عنه ويصحّحوه، بل يفترضون أنّها كانت صائبةً، ولكنّها لم تحقّق نتيجتها المرجوّة لأمر أراده الله - سبحانه وتعالى -، في أنّه يجب أن يبحثوا عن سبب الحقيقيّة للإخفاق. (1/4)
صفحة 5
إنّ الطريق واضحٌ بأنّ هذه المنظومات التربويّة تحتاج إلى إصلاحٍ وتبديلٍ وتعديلٍ، وعلينا أن نرى المشكلة واضحةً بأمّ أعيننا، ونعترف بأنّها واضحةٌ، لأنّ العيب ليس في كوننا مخطئين في تربيّتنا لأولادنا، ولكن الذنب الذي لا يغتفر هو عدم اعترافنا بأنّنا مخطئون، ونتمادى في ذلك الطريق، ونلقي باللوم على الجيل زاعمين أنّه لا يريد أن يتّبع ويمتثل.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه:
(اللّهمّ اغفر لي ما أخطأت وما تعمّدت، وما أسررت وما أعلنت، وما جهلت وما تعمّدت). (1)
وفي هذه المحاولة المتواضعة حاولت أن أجمع بين أصول التربيّة العلميّة التي ينادي بها العلماء من مختلف الأمم، والاختصاصات، وبين ما يقوم به كلام ربّنا - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم من تلبيّة أمنيّات ومطالب الأمّهات المسلمات في تربيّة أولادهنّ وإرشادهم إلى طريق الهداية والرشاد والتفوّق والنجاح، فالقرآن كتاب هدايةٍ وموعظةٍ وشفاءٍ ورحمةٍ.
دستورنا دستورنا دستورنا القرآن
وهداية لشعوبنا ولكفرهم خدلان
فبهدي هذا القرآن ونهجه اهتدى من كان قبلنا إلى أحسن تربيّةٍ، فكانوا مثل رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - خُلُقهم القرآن، لأنّهم اتّخذوه دستوراً ومنهاجاً وطريقاً فصار لهم سلوكاً.
فنداؤنا إلى كلّ أمٍّ مؤمنةٍ مخلصةٍ، تبتغي رضى ربّها وجنّته، وتتمنّى الصلاح والنجاح والفوز لأولادها أن تبدأ من اليوم، وتغيّر وتطوّر منهج تربيّة أولادها، بتغيير ما بنفسها من عاداتٍ وتقاليد لم تؤت أكلها في ما مضى من الزمن.
__________
(1) أخرجه أحمد. (1/5)
صفحة 6
فمن المؤسف جدّاً أن نرى في هذا العصر، عصر الأمّهات المثقّفات أولاداً يحفظون مئات الأغاني وأسماء المغنين والمغنيّات، وأسماء الفرق الرياضيّة واللاعبين، في حين أنّهم لا يحفظون بعض آيات القرآن الكريم، ولا يحسنون قراءته، ولا يحترمونه، ولا يعملون بهديه، وما ذلك إلاّ نتيجةً لعدم توجيههم من طرف أوليائهم وأمّهاتهم إلى حفظه، واتّباع هديه.
اللّهمّ ارحمنا وأولادنا بالقرآن الكريم، واجعله لنا ولهم إماماً ونوراً وهدىً ورحمةً.
اللّهم ذكّرنا منه ما نسيناه، وعلّمنا منه ما جهلناه، وارزقنا تلاوته والعمل به آناء الليل وأطراف النهار، واجعله لنا حجّةً غداً بين يديك عند لقائك، يا أرحم الراحمين.
بريّان يوم: 01 رجب 1430 ... سليمان محمّد موسلمال
24 جوان 2009 ... كاف حموده ــ ... بريّان
القرآن كريم
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ... [الواقعة ـ 77ـ80]
قال الفخر الرازي في التفسير الكبير:
كريم: «وهو أنّ الكلام إذا قرئ كثيراً يهون في الأعين والآذان، ولهذا ترى من قال شيئاً في مجلس الملوك لا يذكره ثانيّاً، ولو أعيد فيه، يقال لقائله لم تكرّر هذا، ثمّ إنّه تعالى لمّا قال: إنّه لقرآن، أي مقروء وقرئ ويقرأ، قال بعد ذلك كريم، أي لا يهون بكثرة التلاوة، ويبقى أبد الدهر كالكلام الغضّ والحديث الطري، فهو يسمعه السامعون كأنّه كلام الساعة، والملائكة قد علموه قبل النبيء - صلى الله عليه وسلم - بألوف السنين، ومع ذلك إذا سمعوه من أحدنا يتلذّذون به إلتذاذ السامع بكلام جديد، لم يذكر له من قبل، والكريم اسم جامع لصفات المدح». (1)
قيل الكريم هو الذي كان طاهر الأصل، ظاهر الفضل، لفظه فصيحٌ، ومعناه صحيحٌ.
__________
(1) التفسير الكبير للفخر الرازي، جزء 29، ص: 190. (1/6)
صفحة 7
والقرآن أيضا كريم لأنّه من طلب منه شيئاً أعطاه إيّاه، فالمتّقي يقرأه فيتذكّر منه.
- {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} ... [ق ـ 45]
والفقيه يستدلّ به، ويأخذ منه.
- {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ} ... [الأنعام ـ 38]
والحكيم يستمدّ منه، ويحتجّ به، والأديب يستفيد منه، ويتقوّى به.
- {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ... [الزمر ـ 28]
والله - سبحانه وتعالى - وصف القرآن بكونه كريماً، وبكونه حكيماً.
- {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران ـ 58]
وبكونه عزيزاً.
- {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} ... [فصّلت ـ 41ـ42]
وكلّ من أقبل عليه نال منه ما يريده، وكثيرٌ من الناس لا يفهم من العلوم شيئاً، وإذا اشتغل بالقرآن الكريم سهل عليه حفظه، وقلّما يُرى شخصٌ يحفظ كتاباً ثمّ يقرأه بحيث لا يغيّر منه كلمةً بكلمةً، ولا يبدّل منه حرفاً بحرف، ولكن نجد جميع القرّاء يقرؤون القرآن دون توقّفٍ ولا تبديلٍ، ولكونه عزيزاً أنّ كلّ من يعرض عنه لا يبقى معه منه شيء، وحكيما لأنّ من اشتغل به وأقبل عليه بالقلب أغناه عن سائر العلوم. فهو كريمٌ كلّه منافع، كلّه فوائد، كلّه حقائق، كلّه توجيهاتٌ صائبةٌ، كلّه خيراتٌ، كلّه بركاتٌ، يحتاجه كلّ الناس في كلّ شيءٍ، تشتدّ الحاجة إليه، ولا يُستغنى عنه إطلاقاً، والكريم هو الشيء الذي تكثر منافعه.
- {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ}
[العنكبوت ـ 51]
والقرآن الكريم يعني كاملاً، ويجمع كلّ الصفات الكاملة الراقيّة، عزيز المنافع والفوائد، وهو كريمٌ بمصدره الذي هو الله - سبحانه وتعالى -، والله - عز وجل - كريمٌ بذاته، هذه الكلمات كلّها تتلخّص في كلمة: الكريم. (1/7)
صفحة 8
والكريم هو الذي يبتدئ بالنعمة والمعروف بدون طلب، أو استحقاق، والقرآن يكرم المتعامل معه بكلّ صفات الكرم، منها ما وصل العلماء إلى معرفتها، ولكن ما خفي عنهم كثيرٌ، بل يتفضّل بها ربّنا الكريم بدون استحقاق.
- {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} ... [الإنفطار ـ 6]
والقرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس فيه باطلٌ، وليس فيه غلطٌ، وليس فيه تناقضٌ، وليس فيه خللٌ، وليس فيه مخالفةٌ للواقع، ليس فيه ضعفٌ، ليس فيه معالجةٌ سريعةٌ، وليس فيه معالجةٌ متناقضةٌ، وقد خلا من كلّ شائبةٍ، والكرم يعني الكمال المطلق.
وقد أرشد الله - سبحانه وتعالى - عباده إلى تدبّر كتابه تماماً كما أرشدهم إلى النظر إلى ملكوته، وبيّن لهم بأنّ القرآن هدىً بياني.
- {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا}
[الكهف ـ 1]
كما بيّن أنّ الكون كذلك لغةٌ استدلاليّةٌ تدلّ على عظمته وجلاله.
- {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}
[الأنعام ـ 1]
فإذا كان القرآن على هذه الدرجة العاليّة من الفائدة والكرم والمنفعة والبركة والصواب، فلماذا لا نجعله يا ترى ملاذاً لنا في تربيّة وتوجيه أولادنا، ومنظومةً لتعليمهم وتثقيفهم، وأساساً لتكوين شخصيّاتهم، وبناء ذواتهم، وتقويّة الجانب الروحي فيهم، خاصّة وأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزله لتربيّة الروح التي نفخها في هذا الإنسان لتسمو به وتعلو إلى الدرجات العالية.
فالإنسان روح وجسد، وهو يستمدّ قوّته من قوّة خالقه، لأنّه قد نفخ فيه من روحه، والروح جوهرٌ لطيفٌ، كما أنّ الجسد جوهرٌ ولكنّه كثيفٌ. (1/8)
صفحة 9
ومن دلائل قدرة الله - عز وجل - وقهره أنّه يؤلّف بين هذين الجوهرين المتنافرين، فالروح جوهرٌ سماويٌّ لطيفٌ نورانيٌّ خفيفٌ، والبدن جوهرٌ كثيفٌ مظلمٌ أرضيٌّ، وبينهما تنافرٌ عجيبٌ، ومع ذلك أسكن الله - سبحانه وتعالى - الروح في هذا الجسد الأرضي.
فالإنسان كائنٌ يجمع بين عنصرٌ سماويٌّ، وعنصرٌ أرضيٌّ، فإذا اتّبع وتمسّك بالنور السماوي الذي أنزله إليه خالقه - عز وجل - يرقى إلى الملكوت الأعلى، ولكن إذا مال إلى إشباع جانبه المظلم يزداد ظلاماً، ويخلد إلى الأرض ويعيش في ظلامٍ.
- {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} ... [الأعراف ـ 175ـ176]
فالله - عز وجل - أنزل هذه المنظومة القرآنيّة لتحدّد للمؤمنين أهدافاً عاليّة يحاولون العمل بجدٍّ وحزمٍ للوصول إليها وتحقيقها، فلا يفوّتون أيّة فرصةٍ للعمل الصالح، ولا يجدون مناسبةً إلاّ واستغلّوها في طلب الثواب، وهذا هو الهدف الأسمى الذي يجب أن يعملوا من أجل تحقيقه، وبهذا يصلوا إلى الدرجات العليا في التفوّق والنجاح، بما يتقنونه من أعمال.
فهو يوفّر لهم راحةً نفسيّةً وفكريّةً، فلا قلق في النفس، ولا اضطراب في الفكر، بل سلامةٌ في القصد والعمل، واطمئنانٌ في القلب بما ينجزونه من أعمالٍ كبيرةٍ تقوى بها أمّتهم، وترتفع مكانتها بين الأمم الأخرى.
منظومةٌ لا تنفع صاحبها في دنياه فقط، بل توفّر له السبيل للنجاح والفلاح في الآخرة كذلك، وأظنّ أنّ الهدف الثاني إذا رسخ في نفوس الناشئة فنجاحهم سيكون مضاعفاً، وأفضل ممّا لو كانوا يعملون للدنيا فقط، لأنّ العمل للآخرة يحقّق إرادةً أكبر، ومجهوداً غير محدودٍ، ومثابرةً لا متناهيّة، ولماذا يا ترى؟ (1/9)
صفحة 10
ذلك لأنّ الذي يعمل لتحقيق هدفٍ دنيويٍّ، ولجلب منفعةٍ محدودةٍ، وتقاضي أجرٍ مقدّرٍ، فإنّه سيبذل مجهوداً بقدر ما سيتقاضاه من أجرةٍ.
أمّا إذا كان يعمل لتحقيق الأجر الأخروي، فسيبذل جهداً متواصلاً، وغير محدودٍ، ولا يحاسب نفسه بحسب الأجرة التي سيتقاضاها، فهو يعمل ليل نهار لكي يحقّق الأجر الأخروي، ولأنّ أجر الآخرة غير محدودٍ، وهذا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يرشدنا وينصحنا ويحثّنا على العمل في سبيل تحقيق الأهداف العاليّة الإيجابيّة، وأن لا نربط نتائج أعمالنا بما يوصلنا إلى الفشل، ويجعلنا نعرض عن القيام بأعمالٍ نافعةٍ والتي يسمّيها العلماء الذين يبحثون في العبقريّة بالفرامل التي توقف النفس الإنسانيّة عن السير والتقدّم إلى الدرجات العلى من النجاح.
فالأوّل يعمل لتحقيق هدفٍ محدودٍ، له نهايةٌ ينتهي إليها، أمّا الثاني فيعمل لتحقيق هدفٍ غير محدودٍ، غير متناهٍ، وهو دائمٌ أبد الآبدين، وهذا هو عين التربيّة وما يجب أن نبني عليه نفوس أولادنا، إذا أردنا أن يحقّقوا نجاحاً لا نهائيّاً، وغير محدود، وما دام الله - سبحانه وتعالى - قد جعل هذا العقل يفكّر تفكيراً غير محدودٍ، فنستطيع أن نبني له مثل هذه التصوّرات اللانهائيّة.
يقول - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ، فلا تقل لو أنّي فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدّر الله، وما شاء الله فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان». (1)
وبالقرآن نبني مثل هذا التصوّر في العقل الباطن لدى الأولاد، فنكوّن فيهم نفوساً قويّةً، تبذل كلّ غالٍ ورخيصٍ في ترقيّة ذاتها وتثبيتها في مختلف نواحي الحياة بين الأمم الناجحة الأخرى، غير مباليّة بما تقدّمه من تضحيّاتٍ في سبيل تحقيق ذلك، لأنّها تتمنّى وترجو من وراء ذلك تحقيق سعادة الدنيا والآخرة ونيل الثواب والمكرمات، وتؤمن بقول ربّها:
__________
(1) أخرجه مسلم. (1/10)
صفحة 11
- {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ... [النحل ـ 97]
ربّنا - سبحانه وتعالى - هو الذي يربّينا بالقرآن الكريم
الربّ - سبحانه وتعالى - في اللغة: هو الملك، هو السيّد، هو المنعم، وهو المربّي.
وأقرب معاني كلمة الربّ بالنسبة للإنسان، هو المربّي.
والربّ كلمةٌ مشتقّةٌ من التربيّة، إذن فالله - سبحانه وتعالى - هو المربّي، والمدبّر لخلقه جميعاً.
- {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ... [الفاتحة ـ 2ـ3]
- {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ... [الأعراف ـ 54]
وهذا المخلوق لا يستقيم أمره، ولا تصلح حياته إلاّ إذا اتّبع أمر خالقه، والتوجيه الذي يسعده ويبعث فيه الطمأنينة والثقة هو توجيه ربّه الذي يربّيه بتلك التوجيهات، ولا يحفظ له أمره إلاّ أمر خالقه، وقد أنزل إليه هذا الكتاب ليكون له نبراساً يستمدّ منه كلّ ما يحتاجه لتحقيق الحياة المطمئنّة الناجحة.
فالله - سبحانه وتعالى - يسوقنا إلى ما فيه خيرنا، ويرشدنا إلى طاعته، وإذا علم منّا حسن النيّة والإخلاص لكتابه ولرسوله، فإنّه يلقي في قلوبنا محبّته ومحبّة كتابه ورسوله، ويحبّب إلينا الإيمان ويُكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ويعيننا على الاستنارة بنوره لنكون من الراشدين، ولكي نكون أهلا لعونه، وبذلك نصل إلى أعلى درجات النجاح والتفوّق. (1/11)
صفحة 12
وهو - سبحانه وتعالى - رحيمٌ رؤوفٌ بعباده، فبمجرّد أن يفكّروا في الرجوع إليه والاهتمام بكتابه، يشرح لهم صدورهم، ويلقي فيها السكينة والطمأنينة، وييسّر أمورهم، ويعاملهم معاملةٌ طيّبةٌ، ويلقي في قلوبهم الشعور بحبّه لهم، وهذه الإلهامات والإرشادات تعدّ كمحفّزات تدفعهم إلى السير قدماً وبكلّ شجاعةٍ في طريق النجاح والتفوّق، وهي تفتّق الذهن، وتدفعه إلى العمل بكلّ ما يملكه من طاقةٍ، لأنّه ليس هناك شيءٌ يعين العقل على التفكير بصفةٍ إيجابيّةٍ حسنةٍ أكثر وأفضل من انشراح الصدر وطمأنينة النفس، والنظر إلى أمور الحياة بصفةٍ إيجابيّةٍ متفائلةٍ.
وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان، يوجّهها الوجهة التي يريد.
- {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
[البقرة ـ 282]
وقال سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه: الناس ثلاثٌ، عالمٌ ربّاني، ومستمعٌ على سبيل نجاةٍ، وهمجٌ رعاعٌ، أتباع كلّ ناعقٍ، لم يستضيئوا بنور القرآن والعلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ.
فالله - سبحانه وتعالى - يربّينا ويطلب منّا أن نكون عباداً ربّانيّين قرآنيّين، لا نتحرّك في الحياة إلاّ بما يرضيه، لذلك أنزل إلينا هذا القرآن الكريم الذي سمّاه نوراً، كي نربّي به أنفسنا، فيرشدنا به إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا، ويهدينا إلى سبل السلام.
والمربّي له صفتان أساسيّتان: فهو يمدّ الجهة التي يربّيها، ويرعاها، فالذي يمدّنا بما نحتاجه لتنميّة أرواحنا وأشباحنا هو الله - سبحانه وتعالى -، والذي يربّي نفوسنا هو ربّنا - عز وجل -، فهو العليم بما يصلح لنا، وما نستطيع أن نصلح به أنفسنا، وما يوجّهنا إلى الطريق السويّ، سواء الدنيوي، أو الأخروي، وهو العليم بالخصائص التي خلق عليها نفوسنا، وأبدعها من العدم، وأظهرها إلى حيّز الوجود، فأنزل إليها ما يصلح فيها تلك الخصائص. قال تعالى: (1/12)
صفحة 13
- {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} ... [طه ـ 50]
فهو - سبحانه وتعالى - يمدّنا برزق الأبدان ورزق الأرواح، فرزق الأبدان بالأطعمة، ورزق الأرواح بالمعرفة، والمعرفة أشرف الرزقين، وإذا كانت تلك المعرفة منبعها كتاب الله - سبحانه وتعالى - فهي أشرف وأرقى وأعلى وأغلى من أيّ معرفةٍ أخرى.
إنّه رؤوف بنا إذ أنزل إلينا ما يوافق خصائص أنفسنا، وما يصلح لتنميّة وتقويّة تلك الخصائص، ووهب لنا هذا النور لينير لنا طريق الحياة المليء بالعقبات والمحبطات، ولم يتركنا نتخبّط في الطريق بدون هدايةٍ، وبدون نورٍ.
إنّه رؤوف بنا لأنّه يمدّنا ويوجّهنا ويربّينا بكتابه، وأنزل إلينا هذا النور، وأخبرنا فيه أنّه أمدّنا بثلاث نعم، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.
خلقنا من العدم ولم نكن شيئاً موجوداً.
- {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا}
[الإنسان ـ 1]
وأمدّنا بمختلف النعم المادّية والمعنويّة، وأجلّها وأعظمها هذا القرآن وهذا النور الذي هو سبب رشادنا وهدايتنا.
- {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} ... [لقمان ـ 20]
- {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}
[يونس ـ 58]
ونعمة الهدى والرشاد، فالله هو الهادي إلى الصراط المستقيم، وإلى السبيل القويم، وهو يهدي من يستحقّ الهداية، وهو لا يتعامل مع الناس بتمنّياتهم، ولكن يتعامل معهم حسب صدقهم وإخلاصهم، فيهدي كلّ صادق ومخلص.
- {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} ... [محمّد ـ 17] (1/13)
صفحة 14
فالعباد لا يعلمون إلاّ ما يعلّمهم ربّهم - عز وجل -، ولا يدركون إلاّ ما ييسّر لهم إدراكه، فهو الذي فطر العقل والحواسّ وخلقها، فبهدايته لهذا العقل وهذه الحواسّ تتّبع تعليمات الخالق المربّي، التي أنزلها في نوره، والذي يشتمل على نور البيان، ونور الدليل ونور التوجيهات.
والله - سبحانه وتعالى - يهدي القلوب بنور قرآنه إلى محاسن الأخلاق ليتّبع العبد الحقّ، ويدع الباطل، ويزيد القلب الذي يخضع لإرشادات كتابه نوراً على نورٍ، ويؤيّده بنور الهدى والبرهان.
- {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} ... [النور ـ 35]
واتّصال العبد بكتاب ربّه - عز وجل - على الدوام، وإقباله عليه بقلبٍ مخلصٍ، يحفظه، ويتلوه، ويتدبّره، ويتّبع ما فيه من التوجيهات والإرشادات، ويجتنب ما فيه من الزواجر والنواهي، يكسبه نوراً، وهذا النور هو من أثمن، وأجلّ، وأفضل ما في هذا الوجود من عطاءات الله - سبحانه وتعالى - التي يهبها من يشاء من خلقه، فيكون له قلبٌ منوّرٌ يرى الحقيقة، وسمعٌ منوّرٌ يفرّق بين الكلام الصواب والخطأ، وبصرٌ فيه نورٌ إذا نظر إلى نفسه وإلى ما خلق الله - سبحانه وتعالى - من حوله من المخلوقات يرى فيها عظمة ربّه - عز وجل -.
- {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
[الذاريات ـ 20ـ21] (1/14)
صفحة 15
والعقل الذي وهبه الله - سبحانه وتعالى - لهذا الإنسان هو عبارةٌ عن نورٍ، ولكنّ نوره لا يكمل ولا يظهر، ولا يسطع إلاّ بالنور الذي أنزله إليه خالقه ومنشئه، وهو القرآن الكريم، لأنّ ربّنا - عز وجل - أنزله إلينا ليبيّن لنا حقيقة الحياة، ويرشدنا إلى أنّ سعادتنا فيها لا تتحقّق إلاّ باتّصالنا الحقيقي والوثيق والدائم بخالقنا ومولانا، وأنّنا خُلقنا لحياةٍ دائمةٍ في جنّةٍ عرضها السماوات والأرض، وأن نعمل بصدق وإخلاص لننالها، وننعم بما أعدّه الله فيها لعباده الصالحين المخلصين، وعلينا أن نكثر من عمل الخير والإحسان كي نرقى في الملكوت الأعلى، ونصير عباداً إيمانيّين ربّانيّين، نسعد بالقرب من ربّنا - عز وجل -.
- {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}
[الأنعام ـ 114]
فهذا القرآن الكريم قد عرّفنا بربّنا الذي هو مربّينا، وموجّهنا، ومرشدنا، وهو الله - عز وجل -، الإله العظيم الكريم السميع البصير العليم القويّ المجيب، عرّفنا بالكون، وعرّفنا بحقيقة أنفسنا، وقال لنا: افعلوا، ولا تفعلوا، بيّن لنا الحلال والحرام، الخير والشرّ، الحقّ والباطل، ما ينبغي وما لا ينبغي، نشأة العالم، مصير العالم، تاريخ الأمم والشعوب، تاريخ الأنبياء والرسل، مشاهد يوم القيامة، وما أعدّه الله للمتقين، وما أعدّه للعاصين، وكلّ ذلك يُعدّ تربيّة لمن تدبّر آيات الله المتلوّة، واعتبر بها، فالله - سبحانه وتعالى - يربّينا بكلّ هذه المشاهد والتوجيهات.
- {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ... [النساء ـ 26] (1/15)
صفحة 16
فالأمور التي تربّينا وتهدينا وترشدنا إلى الطريق القويم كلّها واضحةٌ في القرآن الكريم، حيث يخبرنا بأنّ لهذا الكون خالقاً، ومربّياً، وله مسيّرٌ، فالله - سبحانه وتعالى - يريد أن يربّينا بالقرآن الكريم، ليكون طريق الحياة واضحاً بيّناً أمامنا، لا نحتار كيف نسلكه، ولا كيف نهتدي إليه، وذلك لا يحتاج إلاّ إلى النيّة الصادقة والإخلاص في التطبيق.
- {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[ص ـ29]
مبارك فيه الخير الكثير، والعلم الغزير، وهو الذي تستمدّ منه سائر العلوم، وتستخرج منه البركات، فما من خيرٍ إلاّ دعا إليه، ورغّب فيه، وذكر الحكم والمصالح التي توصل إليه، وما من شرّ إلاّ وقد نهى عنه، وحذّر منه، وذكر الأسباب المنفّرة عن فعله وعواقبها الوخيمة.
- {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
[الأعراف ـ 52]
فالله - سبحانه وتعالى - علم بأنّنا بحاجة إلى ضوء الشمس، لترى أعيننا الأشياء، وبحاجة إلى نوره لتعرف عقولنا حقائق الأشياء، فأنزل إلينا هذا النور الذي لا يضعف، ولا ينقطع على مرّ الدهور والعصور، والإنسان مهما كان ذكيّاً ألمعيّاً عبقريّاً إن لم يستنر بنور الله - عز وجل - فإنّه سيبقى في عمى البصيرة، لذلك نجد بعض الناس وهم في أعلى درجات الذكاء يرتكبون حماقاتٍ لا توصف.
والله - سبحانه وتعالى - سمّى نفسه نوراً، لأنّه النور، هو نورٌ الآفاق بالدلائل الكونيّة وبمختلف الأنوار التي خلقها فيه، وهو نور الإيمان بآثار العبادات، وهو نور القلوب بالدلائل والحجج.
- {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
[الأنبياء ـ 10] (1/16)
صفحة 17
ولقد دأب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ترسيخ الارتباط بالقرآن، باعتباره المصدر الأساسي للتربيّة، والمتتبّع لأحاديثه - صلى الله عليه وسلم - يجدها شارحةً للقرآن، مبيّنةً لما أجمل فيه، مؤكّدةً لمعانيه، وهذا ما دفع الشافعي ـ رحمه الله ـ لأن يقول:
إنّ السنّة هي فهم النبيء - صلى الله عليه وسلم - للقرآن، أو نضج فهمه للقرآن.
لذلك يقول - صلى الله عليه وسلم -: كلّ آيةٍ نزلت من القرآن إلاّ ولها ظهرٌ وبطنٌ، فظهرها لفظها، وبطنه تأويلها.
- {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل ـ 44]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعتمد شيئاً في تربيّة الصحابة غير القرآن الذي أنزله إليه ربّه الذي يربّيه ويرعاه، فهو الذي يقول له ليطمئنه:
- {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} ... [الضحى ـ 5ـ8]
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربّه - عز وجل -، ويقول:
اللهمّ اجعل لي نوراً في قلبي، ونوراً في بصري، ونوراً في سمعي، ونوراً في شعري، ونوراً في بشرتي، ونوراً في لحمي، ونوراً في دمي، ونوراً في عظامي، ونوراً بين يديّ، ونوراً من خلفي، ونوراً عن يميني، ونوراً عن شمالي، ونوراً من فوقي، ونوراً من تحتي، اللهمّ زدني نوراً فوق نورٍ، وأعطني نوراً، واجعل لي نوراً.
العبقريّة
قال في المنجد: عبقر: موضع كانت تزعم العرب أنّه كثير الجنّ.
العبقريّ: عبقريّةٌ: نسبة إلى عبقر، السيّد، الذي ليس فوقه شيءٌ، كلّ ما يُتعجّب من كماله وقوّته وحذقه. (1/17)
صفحة 18
والعبقريّة تبنى بالعمل المتواصل والجدّ والاجتهاد والمثابرة، ويقول العلماء بأنّ 99% من العبقريّة هي جهدٌ وعملٌ وعرقٌ وتعبٌ، و1% منها إلهامٌ وتوفيقٌ، إذن فثمنها غالٍ، ولا تأتي وراثيّاً كما يعتقد أغلبيّة الأولياء.
والعقل هو أقوى سلاحٍ يمكن أن يمتلكه كلّ إنسانٍ سويٍّ، وكلّ واحدٍ من الناس يستطيع أن يستخدمه لصنع المعجزات، أو يسمح له بتدميره.
والعبقريّة لا تولد مع الإنسان، ولا يولد وهو يحملها داخل نفسه، أو عقله، بل تتكوّن فيه بالتدريب، فالعقل في الجسم مثله مثل أيّ عضوٍ آخر، أو أيّ عضلةٍ أخرى، لأنّ عمله مثل عمل أيّ عضلةٍ، وأنّ التمارين تساعد على بنائه وتقويّته، وبناء على ذلك، فالعبقريّة وقوّة الذكاء والذاكرة هي كيانٌ تكيّفيٌّ ومرنٌ، يمكن بناءه وتكوينه، ولكن هذا التشكيل يكون بالتعلّم الجيّد والحسن، مع الجهد والمثابرة المتواصلة، ولا يستطيع أحدٌ أن يصبر في تربيّة الطفل ويجتهد ويثابر مثل الأمّ.
فالأمّ هي التي تستطيع أن تحسّن عمل عقل ولدها إلى الجانب الإيجابي، أو تتركه يميل عن الصواب، فيدمّر صاحبه.
ــ فإذا كانت العبقريّة هي تقويّة الذاكرة، فالقرآن يحتوي على كلّ المهارات التي تبنيها وتقوّيها، مثل:
الخيال، والتكرار، والقصص، والتاريخ، والمنطق، والإيقاع (الترتيل، أو التجويد)، التشويق، الترتيب التعاقبي، تكوين الرغبة، المحفّزات، الاستماع، الانتباه، التركيز.
ــ وإذا كانت العبقريّة تتكوّن بمهارة الاستماع الجيّد، فتحفيظ القرآن الكريم بالتلقين يبني هذه المهارة في المتلقّي.
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ـ 204]
- {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ... [القيامة ـ 18]
ــ وإذا كانت المهارة هي قوّة الانتباه، فالقرآن إذا تعلّمه الطفل من أمٍّ منتبهةٍ إلى ولدها في مختلف حركاته، يكوّن فيه هذه القوّة. (1/18)
صفحة 19
- {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[ص ـ 29]
ــ وإذا كانت العبقريّة هي قوّة التركيز فالقرآن يعلّم قوّة التركيز، ولا يستطيع أحد أن يحفظه إلاّ إذا ركّز جيّدا.
- {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}
[الإسراء ـ 106]
ــ وإذا كانت العبقريّة تتكوّن بقوّة تكرار المعلومة، فالقرآن الكريم لا يحفظ إلاّ بالتكرار الكثير.
فعن عبد الله بن عمر بن الخطّاب ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إنّما مثل صاحب القرآن، كمثل صاحب الإبل المعقّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت». (1)
وزاد مسلم في رواية أخرى: وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه.
ــ وإذا كانت العبقريّة هي سعة الخيال، فالقرآن الكريم يبني لمتعلّمه خيالاً واسعاً.
- {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة ـ 21ـ23]ــ وإذا كانت العبقريّة تتكوّن بالترتيب التعاقبي، فهذا المنهج موجود في القرآن الكريم بكثرة.
- {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}
[الأعراف ـ 57]
وهذه قصص أقوام الأنبياء مرتبّةٌ في أغلب السور على نفس الترتيب، قوم نوح، قوم هود، قوم صالح، قوم لوط، قوم شعيب.
ــ وإذا كانت العبقريّة تتكوّن بقوّة أحلام اليقظة، فالقرآن يكوّن في عقل القارئ له أحلاماً في منتهى الرقيّ والعظمة.
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم. (1/19)
صفحة 20
ــ وإذا كانت العبقريّة مبنيّةً على راحة البال وطمأنينة القلب، فالقرآن الكريم يكوّن في الإنسان راحة البال والنفس، وطمأنينة القلب.
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ... [الرعد ـ 28]
ــ وإذا كانت العبقريّة تتكوّن بقوّة التشويق، فالقرآن فيه من التشويق ما يكفي العاقل أن يتعلّق به.
- {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ} ... [الطور ـ 18]
ــ وإذا كانت العبقريّة تتكوّن عن طريق تقويّة الروح، فالقرآن غذاء الروح، وبه تقوى.
- {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} ... [الشورى ـ 52]
سرّ بناء القرآن للنفس البشريّة
قد يقول قائل: إنّ معجزة القرآن الكريم تكمن في الجوانب الكثيرة التي توصّل إليها العلماء من خلال بحوثهم الكثيرة والمتعدّدة، مثل الإعجاز في أسلوبه، وفي بلاغته، وتحدّيه للإنس والجنّ على أن يأتوا بمثله، وأنّه صالح لكلّ زمانٍ ومكانٍ، وخاصّةً ما ظهر في الفترة الأخيرة من الإعجاز العلمي في الكون والطبّ، وغير ذلك من المجالات، فكيف يستطيع أن يؤثّر في هذا الطفل الصغير الغير المدرك إدراكاً واعيّاً قويّاً لما حوله.
نعم هذه الجوانب الكثيرة كلّها من إعجازه الذي لا يستطيع أن ينكره أحدٌ، وأنّ الطفل لا يستطيع أن يدركها إدراكاً واعيّاً، ولكن القرآن الكريم يشتمل على إعجازٍ عظيمٍ، وهو قدرته على التأثير في النفس البشريّة وبنائها بناءً صحيحاً، وهذا ما ضمنه ربّنا - سبحانه وتعالى - لمن يتواصل معه آناء الليل وأطراف النهار ولو كان طفلاً صغيراً، وعلى قدر نيّة أوليائه وصدق تعاملهم معه، وتعليمهم له يجعله الله - سبحانه وتعالى - يحقّق الأهداف الإيجابيّة في نفوس أولئك الأطفال. (1/20)
صفحة 21
فالقرآن الكريم فيه من عطاء الله - عز وجل - ما تحبّه النفس البشريّة ويستميلها، لأنّه يخاطب ملكاتٍ خفيّةً لا نعرفها نحن، ولكن يعرفها خالق هذه النفس والذي كوّن فيها تلك الملكات، وهو يعلم بماذا تتأثّر، وكيف تنفعل، ومتى تنفعل، فأنزل إليها هذا الكلام والتعبير الذي يؤثّر فيها بإذنه وإرادته، حين تقرؤه بتدبّر، أو تستمع إليه بإنصات وتفهّم. قال - سبحانه وتعالى -:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ـ 204]
ولذلك حرص الكفّار على أن لا يسمعوا إليه، حتّى لا يؤثّر فيهم فيؤمنوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهم الحريصون على عدم الإيمان.
- {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}
[فصّلت ـ 26]
ولذلك فإنّ كلّ من يقرأ القرآن الكريم أو يستمع إليه بنيّةٍ صادقةٍ ونفسٍ مقبلةٍ منشرحةٍ، سيجد له تأثيراً في نفسه وحلاوةً، قد لا يستطيع تفسيرها، ولكنّها تجذبه إلى الخشوع وإلى الهداية، ثمّ إلى الإيمان، لأنّ منزّله - عز وجل - قد جعل فيه قوّةً وقدرةً على توفير ذلك، فيؤثّر فيها ما يشاء الله - سبحانه وتعالى - من التأثير الإيماني الذي ينعكس على سلوكها، فتسير على هدىً من ربّها وبصيرةٍ ونورٍ.
وإذا نظرنا إلى المصدر الأوّل الذي تبنى عليه النفس الإنسانيّة المسلمة المستقيمة، وهو القرآن الكريم، وتدبّرنا آياته، وتأمّلنا موضوعاته واهتماماته، نستطيع أن نحكم عليه بحقٍّ بأنّه كتاب جاء ليؤثّر في النفس البشريّة، فهو كلّه إمّا حديثٌ موجّهٌ إلى الإنسان، أو حديثٌ عن الإنسان، ولا عجب في ذلك ما دام منزّله هو خالق هذا الإنسان.
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}
[النساء ـ 174]
قال الله - سبحانه وتعالى -: (1/21)
صفحة 22
- {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر ـ 21]
فإذا كان هذا القرآن الكريم يؤثّر على الجبل فيجعله خاشعاً متصدّعاً من خشية الله - سبحانه وتعالى -، فتأثيره في النفس البشريّة العاقلة المحسّة المدركة أسرع وأحقّ.
ولا شكّ أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أودع في هذا القرآن الكريم طاقةً روحيّةً هائلةً ذات تأثير بالغ الشأن في النفس الإنسانيّة، فهو يهزّ فيه وجدانه، ويرهّف أحاسيسه ومشاعره، ويصقل روحه، ويوقظ إدراكه وتفكيره، فيقوى ذلك التفكير وينشط، فإذا بذلك الإنسان بعد أن تعرّض لتأثير كتاب الله الكريم يصبح شخصاً آخر جديداً في تفكيره وتصوّراته نحو نفسه، وتقوى ثقته بربّه، فيسير بخطى ثابتةٍ في طريق الجدّ والنشاط والعمل، حتّى يصل إلى أعلى الدرجات في قمّة النجاح.
إذن يجب علينا أن نتعامل مع هذا القرآن الكريم معاملةً حسنةً طيّبةً، ولا نبحث عن كيفيّة تأثيره في النفوس، لأنّ ذلك ممّا ضمنه الله - سبحانه وتعالى -، وجعله سرّاً من أسراره، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم السرّ وأخفى، فهو يبني النفس الإنسانيّة ويملؤها بالمعلومات التي تشكّل المنطلق الأساسي للسلوك مع تقدّم عمر الطفل، لأنّ تلك المعلومات تسجّل في منطقة اللاشعور، أو العقل الباطن، أو الأخفى بتعبير القرآن الكريم.
ويقول العلماء بأنّ أغلبيّة السلوك اليومي للإنسان وأفعاله وأقواله مصدره اللاشعور، (الأخفى).
ونحن بمجرّد أن نتّبع ونطبّق إرشادات ربّنا - عز وجل - التي جاءت في كلامه القرآن الكريم، سواءً عرفنا حكمتها، أو لم نعرفها، سواءً تعمّقنا في تحليلها، أو لم نتعمّق فنحن نقطف ثمارها كلّها. (1/22)
صفحة 23
والقرآن الكريم هو عبارةٌ عن تعليماتٍ جاءت من عند خالق هذا الإنسان، وإذا أراد أن ينجح في حياته ويتقدّم فيها التقدّم الحسن، فما عليه إلاّ أن يخضع لأوامر ربّه - سبحانه وتعالى - ونبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك يصير حكيماً، لأنّه اتّبع القرآن الحكيم.
فطريق الحياة التي يجب على الإنسان أن يمرّ به وجوباً، مليءٌ بالحواجز، والأحجار، والحشرات الضارّة، كما أنّه مملوءٌ بالثمار اليانعة الطيّبة التي يرغب فيها الإنسان، فأنزل إليه ربّه - عز وجل - هذا النور الذي هو عبارة عن مصباحٍ ينير له هذا الطريق، فبه يرى الحفرة فيجتنبها، ويرى الحاجز فيبتعد عنه، ويرى الثمرة فيقطفها، ويرى الحشرة فيقتلها، فيمضي في طريقه وهو واثقٌ بنفسه، لأنّه قد زُوّد بالمصباح القويّ الذي يهديه سواء السبيل.
ونحن مؤمنون إذا أردنا أن نكوّن جيلاً حكيماً، فما علينا إلاّ أن نخلص ونوفّي لكتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - وسنّة نبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وبذلك يلهمه ربّه - عز وجل - رشده في هذه الحياة فيصبح من الصالحين الناجحين، وفي الآخرة من المفلحين الفائزين.
ومن هنا تأتي أهميّة التعليم والتكرار اليومي للقرآن الكريم، وتوضيح بعض توجيهاته، وشرح قصصه للطفل الصغير، التي تبني فيه الأفكار التي نريد ترسيخها في اللاشعور، وذلك بالمداومة والمثابرة، قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
[العنكبوت ـ 69]
وقال رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يرشد المسلمين إلى العمل الدائم المتواصل ولو كان قليلاً، وذلك حتّى يرسخ في اللاشعور ويصبح عادةً يقوم بها الإنسان بلا وعيٍ منه، ولا تعبٍ، بل يجد نفسه تميل إليه دون مجاهدة، فيقول - صلى الله عليه وسلم -:
«أحبّ الأعمال إلى الله ما دام، وإن قلّ». (1/23)
صفحة 24
وما من معلومة ترسخ في اللاشعور إلاّ وتصبح سلوكاً ثابتاً في نفسيّة صاحبها، وهي تمرّ إليه من خلال الشعور، أو العقل المدرك، مع العلم بأنّ العقل الباطن يتقبّلها دون مناقشة، فعندما نهتمّ بتعليم الطفل القرآن الكريم، ونكرّر ذلك معه يوميّاً، ونداوم عليه، مع تبيين بعض الأخلاق والسلوك الحسنة التي يرشد إليها، ونبذ تلك التي ينهى عنها، فإنّها ترسخ في اللاشعور، فتصبح فيه سلوكاً يقوم به دون شعور منه.
ومن هنا يبرز احترام القرآن الكريم للنفس والعقل ودوام مخاطبته لهما وإقناعهما بأهميّة الفكرة المطروحة، فالقارئ المتدبّر للقرآن الكريم يجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - يخاطب العقل ويبيّن له كثيراً من الأمور في النفس الإنسانيّة، والناحيّة الاجتماعيّة، والحوادث الكونيّة، والتي يستطيع أن يقنعه بواسطتها بما يريده منه، وهو يدعونا دائماً إلى النظر فيما يحيط بنا من كلّ الجهات، في ملكوت السماوات والأرض وفي أنفسنا، ثمّ استعمال العقل والتفكّر جيّداً في كلّ ذلك، لأنّه يعلم يقيناً بأنّ تلك الأفكار التي تتكوّن بتلك العمليّات ستنتقل إلى اللاشعور، فترسخ فيها، لتكوّن بعد ذلك السلوك المعبّر في الواقع بصورة تلقائيّة.
- {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} ... [الروم ـ 09]
- {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ... [النحل ـ 44] (1/24)
صفحة 25
كما أنّه يقدّم للناشئة المعرفة على شكل أمثال، ليقنعهم بها، لأنّ منزّله - سبحانه وتعالى - يعلم بأنّ هذه النفس تتأثّر بها أكثر من الأساليب الأخرى، وكذلك لتبسيط المعلومة وربطها بذهن المتعلّم، وعلماء التربيّة قد توصّلوا بعد دراساتهم في هذا الميدان بأنّ ضرب الأمثال للمتعلّم من الوسائل التي توصل المعلومات إلى عقل المستمع، وتفتح له أبواب الفهم بصفةٍ إيجابيّةٍ، يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
[الزمر ـ 27]
ولا شكّ كذلك أنّ تكرار الموضوعات في كتاب الله - عز وجل - يعدّ من الوسائل المؤثّرة التي توصل النظريّة إلى النفس الإنسانيّة، وقد قال العلماء بأنّ التكرار والربط وجلب الانتباه تعدّ كوسائل لبناء اليقين في النفس، فلا شكّ أنّ من سمع، أو قرأ شيئاً عدّة مرّات سيستقرّ داخل نفسه، فيصبح فيه سلوكاً يقوم به بكلّ قناعةٍ ويقينٍ.
ومن أجل هذا القصد والهدف نجد أن الله - سبحانه وتعالى - يكرّر ويعيد ذكر الموضوعات المتشابهة، ويدعو الناس مرّةً بعد أخرى للتأمّل والنظر واستخلاص العبر.
- {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} ... [الزمر ـ 23]
ومن أهداف التكرار أنّه يجعل النفس الإنسانيّة في حالة من اليقظة الدائمة، هذه اليقظة التي تقوّي فيها عمليّة التذكّر والهداية. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} ... [الذاريّات ـ 55]
- {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} ... [الغاشية ـ 21] (1/25)
صفحة 26
والقرآن لا يركّز على ذكر أنواع من الأخلاق بعينها، بل يرسم خريطةً عامّةً وشاملةً للقيم والسلوك التي تبنى على أساسها السلوك العملي الذي يجب على الأشخاص أن يتحلّوا به، وبذلك يكوّن في النفس نظرةً إيجابيّةً حسنةً لنفسها ولمن حولها من الأهل والأقارب والمعاشرين والبشريّة جميعها، فمثلاً في قوله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} ... [النحل ـ 90]
فهو يأمر بالإحسان بعمومه والإحسان يكون في كلّ عمل يقوم به الإنسان، سواءً نحو نفسه، أو نحو غيره، بل حتّى نحو الحيوان غير العاقل والجماد كما يأمر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
عن أبي يعلى شدّاد بن أوسٍ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبحة، وليحدّ شفرته، وليرح ذبيحته». (1)
والإحسان جاء ذكره في القرآن الكريم في مواضع عديدةٍ: تارةً مقروناً بالإيمان، وتارةً مقروناً بالإسلام، وتارةً مقروناً بالتقوى، وتارةً مقروناً بالعمل، وهكذا يرشد القرآن الإنسان ليتذكّر الإحسان قبل القيام بأيّ عملٍ مهما كان، فيصبح ذلك راسخاً في ذهنه، وبهذا يصبح من المسلمين الحقيقيّين الذين قال فيهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فأجابه بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
«أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». (2)
__________
(1) أخرجه مسلم.
(2) أخرجه مسلم. (1/26)
صفحة 27
والاقتناع القلبي (النفسي) هو المنبع الأساسي لكلّ عملٍ يقوم به أيّ شخصٍ مهما كان، فالعقل مهما كانت قوّته ما هو إلاّ جندٌ من جنود القلب، يتصرّف فيه كما يشاء، ويملي عليه ما يريد، فالقلب هو الملك في مملكة الجسم كلّها، وما من عمل تقوم به الجوارح إلاّ ويمرّ من خلال القلب، ويأخذ موافقته ورضاه عليه، أو يكون منه الرفض وعدم الرضا والقبول، وذلك كما يقول خالق القلب والعقل والجسم جميعا - سبحانه وتعالى -:
- {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} ... [الأنعام ـ 113]
وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديثه:
«ألا وإنّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب». (1)
والبناء المطلوب من الوالدين، وخاصّة الأمّهات هو زرع اليقين في قلب الطفل، وتشكيل عقله من وقت بداية شعوره وإدراكه في هذه الحياة، والنقطة المهمّة جدّاً، والأساسيّة هي ملء قلبه بالإيمان، ليجعل قلبه صالحاً، كاملاً في صحّته وحياته، وتقويته ليستطيع أن يواجه بنفس قويّة الوسوسة التي سيتعرّض لها في مستقبل أيّامه، وامتلاء القلب بالإيمان بالله وحده، ونور قرآنه نعمة عظيمة جليلة، يعطيها الله - عز وجل - لمن يشاء من عباده المخلصين الطاهرين الذين يجتهدون بكلّ قوّتهم ليوفّروا لأنفسهم تلك الأسباب التي ينوّرون بها بصائرهم، ويهبها لمن يجد لديه الرغبة في ذلك. قال - سبحانه وتعالى -:
- {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} ... [سبأ ـ 50]
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم. (1/27)
صفحة 28
فمن أقبل على القرآن الكريم بنفسٍ متفتّحةٍ وهو راضٍ بما يرشده إليه ربّه، وهو مخلصٌ له صار سهلاً عليه حفظه، وتطبيق توجيهاته، ومن جعله أساساً لتربيّة أولاده وتوجيههم الوجهة الربّانيّة القرآنيّة لا يخيّب الله ضنّه فيه، فهو عند حسن ضنّ عبده فيه، وهذا ما لا يتطرّق إليه أدنى شكٍّ، أو ريبٍ، وذلك استناداً إلى قول الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -:
«ومن دعا إليه هدي إلى صراطٍ مستقيمٍ». (1)
وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - فيه خاصيّة مخاطبة العقل، وخاصيّة إثارة مشاعر القلب في نفس الوقت، ممّا يكوّن في سامعه قابليّةً للتعامل معه طوال الوقت، فهو يثير العاطفة القلبيّة ليجعلها تحبّ الحقيقة التي يدعو إليها، فيتقبّلها العقل بكلّ اقتناعٍ ورضا.
فاستثارة مشاعر الطفل بما نعلّمه ونفهمه من الآيات القرآنيّة، يولّد فيه طاقةً، وإذا وجّهه والداه إلى كيفيّة استغلالها استغلالاً حسناً، فإنّه سيستثمرها في الجانب الإيجابي لتطوير طاقاته وزيادة مهاراته المختلفة، فيعمل من دون تدمّرٍ، ودون فشلٍ، أو تعبٍ، حتّى يبلغ إلى أعلى عليّين في درجات التفوّق والنجاح.
والطريقة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم للوصول بالإنسان إلى الحالة الراقيّة من الطاقة، تنبني على إنشاء الأحوال المختلفة التي يعيشها القلب وهو متّصلّ به، يفهم ما فيه من المؤثّرات المختلفة التي تؤثّر فيه، فتتحوّل بمرور الأيّام إلى مقاماتٍ ثابتةٍ يعيشها القلب، ويعمل كلّ ما في وسعه لكي يطبّقها في الحياة العمليّة.
ولكي يصل القلب إلى هذه الحالة فلا بدّ لصاحبه أن يكون متّصلاً بكلام ربّه، مع فهم ما فيه من مختلف التوجيهات والمواعظ، وهذا من مسؤوليّة الوالدين إذا أرادا حقّا تكوين أولادٍ قرآنيّين، يندفعون بكلّ طواعيّةٍ وثقةٍ إلى القيام بالأعمال الصالحة التي يصعدون بها في سلّم النجاح.
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/28)
صفحة 29
ومع البناء الإيجابي الذي يبنيه القرآن الكريم في القلب، وهو بدوره ينقله إلى العقل، يثير مشاعر النفس، ويوجّهها تجاه طلب النجاح والتفوّق، وتقوى إرادة المرء، ممّا يدفعه إلى بذل أقصى جهده ليصل إلى تحقيق ذلك الهدف.
وخلاصة القول:
إنّ القرآن يبني عقل الطفل بتأثيره في قلبه، ويقوم بدوره الفعّال لبناء اليقين في نفسه بما يحمله من أفكارٍ مؤثّرةٍ تجعله يعيش بها في حياته الواقعيّة، فهو ينقل تلك الأفكار الإيجابيّة القيّمة بسهولة إلى اللاشعور، وبتكرار ذكرها والدعوة إليها في عدّة مواضع في السور والآيات القرآنيّة تترسّخ فيه، لتشكّل بعد ذلك نقطة انطلاق قويّةً للسلوك الذي يعبّر عنه الشخص.
عناية القرآن بالنفس الإنسانيّة
لقد عني القرآن الكريم عنايةً شاملةً بالنفس الإنسانيّة، لذلك ذكرها بمختلف صيغها ما يقرب من 295 مرّةً، ليجعل قارئ القرآن يتفهّمها بكلّ مكوّناتها وأسسها التي بنيت عليها، وجوانبها التي تتكوّن منها، فيتعمّق في فهمها فهماً وافيّاً، ويعرفها معرفةً واسعةً، معرفةً يستمدّها من أصولها التي بناها عليها خالقها، فيبذل جهده ليقوّمها، ويسير بها في طريق الهداية، ودراسة النفس الإنسانيّة هي جزءٌ من دراسة الإنسان الذي خلقه الله - سبحانه وتعالى - ليؤدّي رسالته في الحياة، ويحقّق الخلافة في الأرض.
وإذا تأمّلنا في آيات الله - عز وجل - البيّنات يتبيّن بكلّ وضوحٍ بأنّ هناك طريقاً واحداً يتعيّن علينا اتّباعه لبناء هذه النفس، إنّه طريق القرآن، إنّه هدي القرآن، فبه وحده نستطيع أن نحقّق ما نريد من أهداف، وما نأمله من آمال.
وكتاب الله - سبحانه وتعالى - حافلٌ بالآيات التي تصف النفس الإنسانيّة في مختلف حالاتها، سويّةً أو شادّةً، صاعدةً أو هابطةً، خيّرةً أو شريرةً، مقبلةً أو معرضةً، مؤمنةً أو كافرةً، نازلةً إلى أصلها الطيني، أو مرتفعةً إلى عالم النور، عالمها الروحي، فتتّصل بربّها الذي نفخ فيها من روحه. (1/29)
صفحة 30
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ـ 9]
ــ فإذا كنّا نريد الدنيا ...... فطريقها القرآن.
ــ وإن كنّا نريد الآخرة ..... فطريقها القرآن.
ــ وإن كنّا نريدهما معا ..... فطريقهما القرآن.
ــ إنّ الفوز الحقيقي في الدنيا وتحقيق الآمال المختلفة فيها، وغايتنا من العيش فيها يتحقّق بالقرآن الكريم.
ــ وإنّ السعادة الشخصيّة، والسكينة النفسيّة لا نستطيع تحقيقهما إلاّ بالقرآن.
ــ والحياة النظيفة البيضاء، والاستقامة فيها لا تتحقّق إلاّ بالقرآن.
ــ وإن كنّا نريد الرخاء، فلا رخاء من دون عملٍ، ولا عمل من دون أخلاقٍ، ولا أخلاق بدون قرآنٍ. كان خلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن.
ــ وإن كنّا نطلب حقّا التربيّة الأصيلة لأولادنا، والإصلاح الجذري لأخلاقهم، فلا نستطيع تحقيق ذلك إلاّ بالقرآن.
ــ وإن كنّا نطلب الحكم العادل، والمساواة القانونيّة، وضمان حقوق بعضنا البعض، فلا نصل إلى ذلك إلاّ بالقرآن.
ــ القرآن هو قوّةُ الخُلق، وهو خُلق القوّة والعدالة، وروح الحياة، وحياة الروح، وسرّ العالم، وما يجري فيه، وهو جمال الدنيا، وهو نور الطريق.
ــ القرآن أنزله ربّنا - سبحانه وتعالى - ليصنع الأجيال، ويحقّق المعجزات، ويفتح المغاليق، وينير الطريق.
ــ القرآن جعله الله ضرورةً لا بدّ منها للحياة الإنسانيّة، ضرورةً للفرد ليطمئنّ ويسعد ويرقى، وضرورةً للمجتمع ليستقرّ ويتماسك ويبقى مؤمناً متّحداً.
ــ القرآن الكريم ليس هو مجرّد شعارٍ يُرفع، وتُزيّن به مختلف الأماكن، بل هو أسلوب الحياة، قد أنزله الله - عز وجل - متكاملاً، يكمّل الأفراد في جميع النواحي النفسيّة والاجتماعيّة. (1/30)
صفحة 31
فهو نورٌ ساطعٌ، وضوءٌ ثاقبٌ ينفذ إلى الفكر والنفس والعاطفة والإرادة، فيملؤها بعصارة الحياة، وينشئ فرداً سويّاً ومتوازناً في كامل هذه النواحي، ويبني شخصاً ذا قيمةٍ عاليةٍ في الحياة الدنيا، ويرفعه إلى أعلى الدرجات في الأخرى.
- {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ [التوبة ـ 109]
المنظومة التربويّة القرآنيّة
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}
[النساء ـ 1]
أي خلقها وأنشأها من طبيعةٍ واحدةٍ، من جبلّةٍ واحدةٍ، من خصائص واحدةٍ، وما دامت النفوس واحدةً، ومن طبيعةٍ واحدةٍ، إذن التفاؤت يكون في العلم والإطّلاع والمعرفة فقط، والإخلاص مع كلام الله - عز وجل -.
وإذا كانت النفوس كذلك، فلو أنّ كلّ إنسان اطّلع ولو على شيءٍ قليلٍ ممّا عرفه الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنه - من فوائد جليلةٍ، وحكمٍ عاليةٍ، ومن أجرٍ عظيمٍ في القرآن الكريم، وتأثيرٍ عميقٍ في النفس، يهديها إلى طريق الله - عز وجل - لأقبل عليه كما أقبلوا عليه هم كذلك، ولو أنّ كلّ شخصٍ مؤمنٍ مخلصٍ اهتمّ بالقرآن الكريم، وتعلّمه وقرأه وتدبّره كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لأحبّه كما أحبّوه. (1/31)
صفحة 32
إنّنا نطلب ونريد أن يشفي الله - سبحانه وتعالى - نفوسنا ويهب لها رشدها، ويهديها إلى طريق النجاح والفلاح، ولكن لا نستعمل الأدويّة المناسبة اللازمة لذلك، بل لا نقوم بتلقيحها بتلك الأدويّة من نقطة البداية، ولا نريد أن نخضع لما وصف لنا خالق أنفسنا من وصفاتٍ واقيّةٍ وشافيّةٍ، فمثلنا في ذلك مثل إنسان لم يستعمل الدواء الوقائي لنباته، ولم يتّبع الإرشادات اللازمة التي أرشده إليها المختصّ في معالجة أمراض النبات، بل هو قد استعمل دواءً من اختياره، ومن وحي نفسه، فتسبّب في موت نباته، ولمّا تبيّن له ذلك الخطأ لم يرد أن يرجع إلى الطريق الصواب.
فنحن بعدم استعمال المنظومة التربويّة القرآنيّة المناسبة التي أنزلها ربّنا - سبحانه وتعالى - لتوجيه وتربيّة هذه النفس الإنسانيّة، قد تخلّينا عن استعمال الدواء المناسب، ممّا جعلنا نتخبّط في هذا الأمراض الكثيرة التي تشتكي منها الأمّة الإسلاميّة، وأبطأنا النموّ المعرفي الأخلاقي، والنموّ التفكيري الإبداعي لدى عناصرها، ولكي ترفع هذه الأمّة من مكانتها الثقافيّة والعلميّة بين الأمم فما عليها إلاّ أن ترجع إلى منظومتها التربويّة القرآنيّة التي اختارها لها ربّها، وفضّلها بها على غيرها من الأمم.
إنّ هذا الدستور القرآني هو الكفيل ببناء حياةٍ منظّمةٍ راقيّةٍ، وهو الذي يرشدها إلى كيفيّة استغلال طاقات عناصرها أحسن استغلالٍ، وتنميّتها أفضل تنميّةٍ، فهو الذي يهدي للتي هي أقوم.
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ـ 9] (1/32)
صفحة 33
وإذا كانت المنظومات التربويّة المتعدّدة التي وضعها البشر لم تستطع أن تبني هذه النفس البشريّة من جهة الطمأنينة النفسيّة، والأخلاقيّة ـ وهذا ما يدلّ عليه واقع الأمّة ـ فهذا لكونها لا تلبّي حاجاتها في كلّ الجوانب، فإذا عالجت جانباً أغفلت الجانب الآخر، بينما المنظومة القرآنيّة قد بناها خالق هذه النفس، ومنشئها، وقد اهتمّت بكلّ الجوانب، ولم تهمل أيّاً منها، لأنّها تنزيلٌ من عزيزٍ حميدٍ، الذي يعلم تركيب وتكوين هذه النفس، والذي وضع فيها كلّ توجّهاتها، والأكثر من ذلك أنّه يعلم ومطّلعٌ على الجانب الروحي، هذا الجانب الذي لو اجتمع جميع الدكاترة والباحثين والعلماء لما استطاعوا أن يطّلعوا عليه.
- {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ... [الروح ـ 85]
وقد كتب أحد العلماء كتاباً تحت عنوان: [الإنسان ذلك المجهول]
وهو يقرّر بأنّ العالم ما عرف إلاّ شيئاً طفيفاً عن طبيعة الجسد، أمّا طبيعة النفس فلا تزال سرّاً مجهولاً.
إنّ المنظومات التربويّة البشريّة لا تولّي لجانب الروح الاهتمام اللازم، في حين أنّ المنظومة القرآنيّة تهتمّ بهذا الجانب الذي يجعل الإنسان يعرف نفسه كإنسانٍ كرّمه ربّه، ويعلّمه كيف يرتفع بنفسه عن الشهوات التي تخلد بها إلى الأرض، وتنزل بها إلى أسفل سافلين، وتتطهّر، وتتقدّس كي تكون أهلاً لتنال مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ، وتستحقّ أن تنال جوار ربّها - عز وجل - في الجنّة.
وهذه هي مهمّة الإنسان في هذه الحياة، فيجب أن يسعى ليطهّر نفسه لتغدوا أهلاً لينال جوار الله - عز وجل - في الجنّة، ولن تستطيع منظومة تربويّة أخرى أن توفّر له مثل هذا التطهّر، وترشده وتهديه إليه مثل ما تقوم به المنظومة القرآنيّة. (1/33)
صفحة 34
فالله - سبحانه وتعالى - هو الذي اخترع هذه الآلة الإنسانيّة، وعلم مكوّنات هذه الآلة، وما يصلح لها قبل خلقها، فوضع لها هذه المنظومة التربويّة التي تليق بها قبل أن يخلقها، فهو خالقها، ووحده يرسم لها الطريق الذي يوصلها إلى النجاح والفلاح، ويحدّد لها الهدف الذي يسعدها، ويملأها طمأنينةً وراحةً وفرحاً وسروراً.
هو يعلم ظواهر هذه النفس وبواطنها، يعلم سرّها وجهرها، يعلم نواياها كلّها، يعلم ما يدور في خلدها، وما يجري في داخلها، ما تتمنّاه، وما تصبو إليه، وما تشتهيه، وما تحبّه وتكرهه، بل ما يكوّن فيها تلك المحبّة، وذلك الكره.
إنّ علم العلماء والفلاسفة والتربويّين النفسانيّين عن هذه النفس مستنبط من دراستهم لها، وربّما تكون الدراسة ناقصةً، فيتوصّلون إلى معلوماتٍ ناقصةٍ، وهي مستوحاتٌ من بعض القواعد التي أظهرها الله - عز وجل - لهم، وما خفي منها أكبر بكثيرٍ، وأعقد ممّا ظهر لهم، ولذلك وضع الله - سبحانه وتعالى - خالق هذه النفس المنظومة التي تليق بها قبل أن يصنعها، وقبل أن يخرجها إلى الوجود.
علم البشر عن هذه النفس البشريّة مكتسبٌ، وفيه كثيرٌ من الخطأ، وقد اكتسبوا كثيراً من المتناقضات من تلك التجارب، اكتسبوها من الملاحظات التي لاحظوها في النفس الإنسانيّة، من علاقاتها بالواقع، وعلاقات عناصرها بعضها ببعض، ولكن الله - عز وجل - هو الذي قنّن القوانين النفسيّة، وهو الذي قعّد القواعد التي تليق بها في كتابه، هو الذي خصّ هذه النفس بخواصّها التي تختصّ بها، وقد ذكرها في كتابه القرآن الكريم.
- {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ... [الأنعام ـ 38]
وفرقٌ كبيرٌ بين أن يكتشف هؤلاء العلماء هذه العلاقات الموجودة في النفس الإنسانيّة، والتي فطرها عليها خالقها، وبين أن يخلقها فيها خالقها من العدم، ويوجد فيها تلك الخصائص التي تعيش معها طوال حياتها. (1/34)
صفحة 35
فعلم البشر لاحقٌ لوجود هذه النفس البشريّة، وهو كسبيٌّ، ولكنّ علم خالق هذه النفس سابقٌ لوجودها، وعلمه أبديٌّ، آمن بذلك من آمن، وكفر من كفر وأنكر من أنكر، وطبّقه من طبّقه، أو لم يطبّقه من لم يطبّقه.
والمنظومة التربويّة القرآنيّة منظومةٌ دائمةٌ وصالحةٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ، بينما إذا ما درسنا المنظومات التعليميّة التي وضعها البشر نجدها متغيّرةً بين الحين والآخر، نجد فرقاً لا يتصوّر بين نظام المدارس، ونظام الأقسام والمستويات التي وضعها الإنسان، وكلّ هذا دليل على أنّ المنظومات التربويّة غير ثابتةٍ، وغير مستقرّةٍ.
فخصائص المنظومة القرآنيّة ثابتةٌ لم تتغيّر، ولا تتغيّر، ولن تتغيّر أبداً، دقّةً ما بعدها دقّةٍ، بينما نجد المنظومات التربويّة التي هي من وضع الإنسان، يغيّرها من فترةٍ إلى أخرى، لأنّه يجد فيها نقصاناً، ويكتشف أنّها لا تلبّي كلّ ما كان يتمنّاه منها، ولم تؤت ثمرتها الإيجابيّة في الأجيال، فيتجنّد علماء وباحثون ودارسون فيدرسون ويدرسون، ويضعون ما يعتقدون أنّه صالحٌ، ولكن ما أن يمرّ زمانٌ، حتّى يكتشفون ضعفها ونقصها، فيغيّرونها، وهكذا، فهم دائماً في تغييرٍ وتبديلٍ.
فعلم الله - سبحانه وتعالى - هو سبب وجود هذه النفس البشريّة، وهو سبب وجود هذه المنظومة القرآنيّة، وقد تعلّق علمه، وتعلّقت إرادته، وتعلّقت قدرته بهذا الإنسان فكان، وعلم ما يصلح له، فأنزله إليه ليطبّقه في واقع حياته، فيضمن به النجاح والتقدّم والخلاص من كلّ عيبٍ، ومن كلّ نقصٍ، إذن علمه سبق هذه النفس، بل إنّ علمه هو سببٌ لوجود هذه النفس، بينما علم البشر لاحقٌ لوجود هذه النفس، وهو وحده قد تولّى تربيّة هذه النفس، لا أحد غيره. (1/35)
صفحة 36
إنّ أعظم جهازٍ يصنعه الإنسان، وإنّ أعظم آلةٍ معقّدةٍ، حاسوب يعمل إلكترونيّاً ومركّبات فضاءٍ، تصعد إلى القمر، وترجع بأمانٍ، ومجاهر تكبّر الكائنات الصغيرة مئات الآلاف المرّات، كلّ ذلك لا يمكن أن يكون إلاّ شيئاً بدائيّاً أمام بناء مكوّنات الجسم الإنساني، فكيف به إذا قورنت بالنفس، فهي تصبح كلا شيءٍ، بل هي عبارةٌ عن لا شيء أمام جهاز واحد في جسم الإنسان، وهو الدماغ الذي يعدّ أعظم معجزةٍ في هذه الدنيا كلّها.
إنّ كلّ خليّةٍ قشريّةٍ ي دماغ الإنسان فيها المحاكاة، فيها التصوّر والتذكّر، والتخيّل، فيها السمع والبصر، والحسّ باللمس والضغط، وكلّ خليّةٍ في جسم هذا الإنسان هي عبارةٌ عن دولةٍ مستقلّةٍ، فيها وزاراتٌ متعدّدةٌ، فيها وزارةٌ داخليّةٌ، فيها وزارةٌ خارجيّةٌ، فيها وزارة دفاعٍ، فإذا كان هذا المخلوق على هذا التعقيد من الناحيّة الجسميّة، فكيف يكون يا ترى من الناحيّة النفسيّة الروحيّة، وإذا كان هناك كثيرٌ من الأمراض الجسميّة لا يستطيع الإنسان معالجتها رغم التقدّم العلمي الباهر في هذا الميدان، فكيف يستطيع أن يقوم ببنائها وتربيّتها بمنظومة تربويّة يضعها لنفسه.
لو درسنا جسم الإنسان لوجدناه يتركّب من العجب العجاب من الأجهزة المعقدّة، فكيف به هذه النفس التي هي شيءٌ مبهمٌ، والتي هي عبارةٌ عن أحاسيس، ومشاعر، وميولاتٍ، وتصوّراتٍ.
- {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ... [الإسراء ـ 85]
فإذا كانت المنظومات التي يضعها البشر ليسيّر بها الآلات التي هي من اختراعه وصنعه تفشل، فلا تقدر على أن تسيّرها بصورةٍ صحيحةٍ وكاملةٍ، فكيف يريد أن يسيّر بمنظوماته الوضعيّة هذه النفس التي خلقها وصنعها ربّها في أحسن تقويمٍ، وقد علم ما يصلح لها وما يليق بها قبل أن يخلقها، وقبل أن يوجدها. (1/36)
صفحة 37
والفرق الشاسع بين علم الله - سبحانه وتعالى - وعلم البشريّة، هو أنّ علم الله - سبحانه وتعالى - غير مستفادٍ من التجربة عليها ودراستها، بل إنّ النفس هي المستفادة من علمه، بينما علم البشر حول هذه النفس البشريّة مستفادٌ من التجارب والبحوث والدراسات التي أجريت على هذه النفس، والمنظومة القرآنيّة هي أشرف منظومةٍ تليق بهذه النفس البشريّة، لأنّها تستمدّ شرفها وقوّتها من شرف الله - سبحانه وتعالى - وقوّته.
وكلّ علمٍ وكلّ مخلوقٍ يستمدّ شرفه وقوّته وقيمته من الجهة التي ينتسب إليها، وليس هناك تربيّةٌ وتوجيهاتٌ أعظم وأشرف وذا قيمةٍ أكثر من القرآن الكريم، فقد أنزله الله - سبحانه وتعالى - إلينا ليبيّن لنا الطريق القويم الصحيح الناجح الذي نتعرّف به على هذه النفس وأمراضها، وكيف ترتفع إلى ملكوت ربّها - عز وجل -، فهو من غير طبيعة المنظومات التربويّة التي يضعها البشر.
وقد نفعت تربيّة القرآن الكريم الأجيال الأولى للأمّة الإسلاميّة، لأنّهم تعاملوا معه بصدقٍ وإخلاصٍ، فأثّر فيهم، وغيّر أخلاقهم وعاداتهم للتي هي أحسن، لقد علموا أنّ القرآن هو باب الله - سبحانه وتعالى - المفتوح ليصلوا بواسطته إلى ملكوت ربّهم - عز وجل -، فرفعهم ورقى بهم في مدارج الإيمان، وزادهم معرفةً بربّهم - عز وجل - وارتباطاً به، وأثّر فيهم، وأصلح حالهم، وأعاد صياغتهم، وصياغة بناءهم من جديد.
فلمّا علم منهم ربّهم الإخلاص والرغبة في الخير، وضعهم تحت عنايته المشدّدة، وتابعهم حتّى لا يسقطوا فيما لا يرضاه، فبمجرّد أن يهمّ أحدهم بالسقوط، يبعث له إنذاراً سماويّاً، فيدفعه إلى طريق الخير، وإلى الطريق المستقيم، ويلهمهم طلب رحمته وجنّته، وإذا كان الله - سبحانه وتعالى - يتابع أحداً من خلقه مثل هذه المتابعة، فإنّ ذلك دليلاً على محبّته له.
أهميّة القرآن في تربيّة النفس
عن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: (1/37)
صفحة 38
«علّموا أولادكم القرآن، فإنّه أوّل ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله هو». (1)
إنّ المسلم الحقّ الغيور على كتاب ربّه - سبحانه وتعالى - عندما ينظر إلى واقع الأمّة التربوي، يتحسّر ويتأوّه ويبكي على الحالة التي آلت إليها، ويدرك أنّ أعظم سببٍ لذلك هو العزوف والإعراض عن دين ربّها وتوجيهاته، وعدم وجود قدوةٍ أسريّةٍ صالحةٍ واعيّةٍ، تهتمّ بكتاب الله - عز وجل -، حفظاً وتلاوةً وتدبّراً، فالطفل الذي لا يرى أحد والديه ممسكاً بكتاب ربّه القرآن الكريم، يتلوه بكلّ فرحٍ وسرورٍ وتركيزٍ في البيت، كيف يستطيع أن يدرك أهميّته؟.
ولحلّ هذه المشكلة يتوجّب على الآباء والأمّهات أن يكونوا مُثُلاً عليا لأولادهم، ونماذج مشعّةً، تظلّ في بؤرة شعورهم طوال معركة الحياة.
وقد اشتكى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من إعراض قومه الكفّار عن هذا القرآن.
فقال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
[الفرقان ـ 30]
ولكن نجد في هذا العصر أنّ المسلمين أنفسهم أعرضوا عنه إعراضاً كبيراً، فلا ينظرون فيه لفتراتٍ طويلةٍ وطويلةٍ، في حين أنّه يجب أن يكون كتاب الله - سبحانه وتعالى - أكثر كتابٍ يهتمّون به ويعتزّون ويفتخرون بحفظه وقراءته، كي يؤثّر فيهم بمختلف تأثيراته الروحيّة والعقليّة والمادّية، فيشفيهم من كلّ مرضٍ نفسانيٍّ، وما أكثرها في هذا العصر، كيف لا، وقد أنزل الله - عز وجل - منه ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للناس، ويهديهم لكلّ ما هو أقوم في حياتهم الشخصيّة والأسريّة والاجتماعيّة.
وفي يوم من الأيّام جاء بعض المسلمين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتبٍ كتبوها، فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بقوم حمقاً ـ أو ضلالةً ـ أن يرغبوا عمّا جاء به نبيّهم إليهم إلى ما جاء به غيره إليهم»، فنزلت:
__________
(1) أخرجه الربيع. (1/38)
صفحة 39
- {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ}
[العنكبوت ـ 51]
وعن أبي قلابة أنّ عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - مرّ برجلٍ يقرأ كتاباً، فاستمعه ساعةً، فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب، فقال: نعم، فاشترى أديماً فهيّأه، ثمّ جاء به إليه، فنسخ له في ظهره وبطنه، ثمّ أتى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فجعل يقرؤه عليه، وجعل وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتلوّن، فضرب رجلٌ من الأنصار بيده الكتاب، قال: ثكلتك أمّك يا ابن الخطّاب، أما ترى وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب، فقال النبيء - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك:
إنّما بعثت فاتحاً وخاتماً، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، واختصر لي الحديث اختصاراً، فلا يهلكنّكم المتهوّكون. (1)
وعن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - قال: يا رسول إنّ أهل الكتاب يحدّثوننا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا، وقد هممنا أن نكتبها، فقال: يا ابن الخطّاب، أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ أمّا والذي نفس محمّد بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة، ولكنّي أعطيت جوامع الكلم، واختصر لي الحديث اختصاراً.
من هذه النصوص وغيرها يتبيّن لنا كيف كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يهتمّ بتربيّة صحابته بكلام الله - عز وجل - وحده، دون كتابٍ آخر غيره، وذلك رغم إيمانهم القويّ وحبّهم لربّهم - عز وجل - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف به نحن في هذا العصر الذي كثرت فيه التوجّهات والثقافات والفرق والمذاهب التي تدعوا لغير الإسلام، فمن باب أولى أن نهتمّ بكتاب ربّنا - عز وجل - أكثر من أيّ ثقافةٍ أخرى، ونجعله منظومةً تربويّةً لأولادنا، ولا نستورد أيّة منظّمةٍ تربويّةٍ أخرى مهما كانت قوّتها وسعتها، فإنّها لن تبلغ قوّة تأثير وسعة كلام ربّنا - عز وجل -.
__________
(1) أخرجه البيهقي (1/39)
صفحة 40
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يحذّرنا أن لا نترك الطفل لأيّ مؤثّرٍ آخر يؤثّر عليه، ويستحوذ على قلبه، فيميل إليه، ثمّ إذا جئنا بعد ذلك نعلّمه القرآن الكريم لا يجد حلاوته التي وضعها منزّله - سبحانه وتعالى - فيه، وعند ذلك نشتكي بأنّ الأولاد لا يريدون تعلّمه، ولا يميلون إلى حفظه، في حين أن تلك النتائج تسبّبنا فيها نحن الأولياء بالذات، من حيث أنّنا لم نهتمّ به، ولم نعلّمه لهم قبل أن يتعلمّوا الأشياء الأخرى التي كانت سبب انصرافهم عنه، وميلهم إلى غيره.
فقال - صلى الله عليه وسلم -:
علموا أولادكم القرآن، فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو.
وحين ندرس المبادئ التربويّة الحديثة الأربعة وهي:
1. التعليم الذاتي.
2. التعليم لتكوين الخبرة العمليّة.
3. معرفة الفروق الفرديّة.
4. تنميّة المواهب المختلفة والإبداع لدى الطفل.
نجد أنّها موجودة في القرآن الكريم والسنّة النبويّة، بل إنّنا نجد فيهما مبادئ لم يذكرها علماء التربيّة العلميّة الحديثة.
والله - سبحانه وتعالى - يصف القرآن الكريم بالحكيم فيقول - سبحانه وتعالى -:
- {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} ... [يس ـ 02]
قال الشيخ إبراهيم بيوض في تفسيره: في رحاب القرآن: (1)
«أقسم الله - سبحانه وتعالى - بالقرآن، ووصفه بالحكيم، ووصفُ الحكيم في الأصل يوصف به الحيّ العاقل المتكلّم الناطق، ولكن لمّا كان القرآن الكريم كلماتٍ تتلى يفهم منها ما يفهم من الحكيم المتكلّم، جعله كأنّه شخص عاقل حكيم يكلّمنا، ولا ينطق إلاّ بالحكمة، ولا يرشدنا إلاّ إلى ما فيه خيرنا، يدعونا إلى الصلاح والتقوى، وإلى السعادة في الدنيا والأخرى بكلام حكيم».
والحكمة وضع الأشياء في مواضعها، فهو لا يأمر إلاّ بالنافع المفيد، ولا ينهى إلاّ عن الفاسد الضارّ.
وهي وضع الشيء المناسب، في الوقت المناسب، بالقدر المناسب، والجهد المناسب.
__________
(1) تفسير سورة يس، للشيخ بيّوض، القرارة ـ الجزائر، جزء 14. (1/40)
صفحة 41
وتبعا لهذا المعنى فعلى الأولياء أن يعلّموا أولادهم القرآن منذ صغرهم، حتّى يصبحوا حكماء بمجرّد أن يبلغوا سنّ الإدراك، بل ربّما يتّبعون طريق الحكمة قبل وصولهم سنّ البلوغ، فيصبحون أذكياء عقلاء حكماء يتصرّفون في حياتهم بكلّ رزانةٍ وتفكيرٍ إيجابيٍّ، يستلهمون منه وضع الأشياء في مواضعها، ومن بين تلك الأشياء الغاليّة الثمينة التي قد غفل عنها كثيرٌ من الشباب فضيّعوها تضييعاً كبيراً، ولم يستفيدوا منها أيّة إفادةٍ، لا للدنيا، ولا للآخرة، الوقت ومرحلة الشباب.
وتتنوّع مشكلات الأولاد تبعاً لعدّة عوامل، قد تكون جسميّة، أو نفسيّة، أو أسريّة، أو مدرسيّة، ونظراً لأهمية مرحلة الطفولة باعتبارها حجر الأساس لبناء شخصيّة الإنسان مستقبلاً، وأنّ لها دوراً كبيراً في توافق نفسيّته، خاصّةً في مرحلة المراهقة، التي تنبني على المراحل التي قبلها، فقد أثبت علماء النفس والتربيّة بأنّ أهميّة دراسة مشكلات الولد وعلاجها في سنٍّ مبكّرةٍ قبل أن تتعمّق في النفس، فتؤثّر فيها طوال الحياة هي الطريقة الإيجابيّة التي يجب على المربّين الأذكياء القيام بها.
وقد تبيّن من خلال الدراسات الكثيرة في علم النفس حول هذا الموضوع أنّ توافق الإنسان في المراهقة والشباب واستقراره وتوازنه مرهونٌ إلى حدٍّ كبيرٍ بمرحلة الطفولة، ولذلك يوصي الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالاهتمام بالطفل، وتعليمه القرآن الكريم في سنواته الأولى حتّى يجد المربّي المجال الواسع لتكوين الأفكار الجديدة المختلفة لدى نفسيّته، بما يشرحه له من القصص، وهو يلقّنه تلك الآيات الأولى من كتاب الله - عز وجل -.
فعلينا أن نجعل أبناءنا روحاً جديدة تسري في جسد الأمّة لتحييها من جديدٍ وذلك بالدستور الروحي الذي اختاره لنا ربّنا - سبحانه وتعالى -، وهو القرآن الكريم. (1/41)
صفحة 42
وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم أكبر وأعظم مرشدٍ لتربيّة النشء الصاعد على مناهج الدين والدنيا، فبه يستقيمان استقامةً لا يستطيع أيّ منهاجٍ آخر أن يوفّره، مهما كانت قوّة أسلوبه، وهو الكتاب التربوي الوحيد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يعتريه نقصٌ ولا اضطرابٌ.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«من تعلّم القرآن الكريم في شبيبته اختلط بلحمه ودمه، ومن تعلّمه في كبره، فهو يفلت منه، ولا يتركه، فله أجر مرّتين». (1)
إنّ جذور مشكلة الجيل المسلم عميقةً جدّاً، وإنّ الطرق التي تتبنّى التغيير والإصلاح تأتي البيوت من ظهورها، في حين أنّه يجب عليها أن تبدأ من الأصول، بمعنى أن تبدأ بما بدأ به الله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهي البداية بالقرآن الكريم الذي ينبغي أن يكون أوّل ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله هو، فهو يسلك سبيل الإقناع في التربيّة، لا سبيل العنف والإكراه.
تكوين ولد متفائل بتحفيظه كتاب الله - سبحانه وتعالى -
جاء في المنجد: فأل، فأّل، تفئيلاً، فأّله بالشيء: جعله يتفاءل به.
وتفأّل، تفاءل، افتأل به: ضدّ تشاءم.
الفأل: ج قؤول وأفؤل: ضدّ الشؤم: كأن يسمع مريض كلمة ـ يا سالم ـ فيتوجّه له أنّه يبرأ كما سمع.
واصطلاحا: الفأل هو الكلمة الصالحة، أو الكلمة الطيّبة، أو الكلمة الحسنة، مصداق ذلك ما جاء في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل ما الفأل؟
قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم». (2)
وعن أنس - رضي الله عنه - أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل: الكلمة الحسنة، والكلمة الطيّبة» (3)
فيكون التفاؤل على هذا المعنى انشراح قلب الإنسان، وإحسان الظنّ، وتوقّع الخير بما يسمعه من الكلم الصالح، أو الحسن، أو الطيّب.
التفاؤل يجلب السعادة:
__________
(1) أخرجه البيهقي.
(2) أخرجه البخاري.
(3) أخرجه البخاري. (1/42)
صفحة 43
التفاؤل يجلب السعادة إلى النفس، ويملأ القلب طمأنينةً ورضىً، ويفيض عليها سروراً، فيكون ذلك باعثاً على الجدّ والنشاط في العمل، فتقوى عزيمة المرء جرّاء ذلك، وتعينه على الظفر والتفوّق.
وقد كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يتفاؤل في غزواته وحروبه، وقصده من وراء ذلك بعث الشجاعة والهمّة في قلوب أصحابه، حتّى ينزلوا إلى المعركة ونفوسهم مملوءةً حماس وإقدام، فيرى أعداؤهم مثل ذلك الحماس، فتمتلئ نفوسهم خوفاً ورهبةً منهم، ونتيجة لذلك ينتصرون عليهم.
التفاؤل وأثره في نفس الولد:
يجب على الأولياء أن يبنوا علاقاتهم مع أبنائهم على الشعور بالبهجة معهم، الابتهاج بنجاحهم، الفرح بما يتقدّمون فيه من حفظ بعض آيات الله - سبحانه وتعالى - شيئاً فشيئاً، وبما يؤدّونه من الأعمال أداءً جيّداً، لأنّ مثل هذا التعامل مع الولد يطبع التفاؤل في نفسه، فيصبح إنساناً مندفعاً في طريق النجاح دون شعورٍ منه، ودون تعبٍ من والديه عند توجيهه إلى مثل هذا الطريق.
وإذا كان هذا الثناء مصحوباً بتواصلٍ جسديٍّ مناسبٍ من الأمّ، مثل تربّتٍ فوق كتفيه، أو معانقته، أو تقبيله، أو مصافحته، وغير ذلك ممّا يراه الوالدان صالحاً لإدخال الفرح والبهجة والسرور في نفس الولد، فذلك أفضل وأحسن.
ومن جهة أخرى فعلى الأولياء أن يبتعدوا قدر استطاعتهم عن الشكايات الكثيرة أمام أولادهم، والتي يظهرها كثيرٌ من الناس في هذا العصر، مثل الشكوى من غلاء الأسعار، الشكوى من صعوبة تربيّة أولاد هذا العصر، الشكوى من أنّ تربيّة الأولاد على الصلاح والنجاح في الدراسة وفي الحياة أصبح شيئاً مستحيلاً، وغير ذلك كثيرٌ وكثيرٌ ممّا يشتكي منه الناس وهم مع أولادهم، فينشؤون وقد تكوّنت في أذهانهم نظرةٌ سلبيّةٌ تشاؤميّةٌ نحو الحياة. (1/43)
صفحة 44
إنّ كثيراً من الأولياء يغلقون أبواب الأمل والتفاؤل، ويصوّرون طريق النجاح والتفوّق أمام أولادهم في صورةٍ صعبةٍ، لا يقدرون على الوصول إليه، وذلك بما يقومون من تصرّفاتٍ عشوائيّةٍ أمامهم، وبما يذكرون من المعوّقات الكثيرة والمتعدّدة التي توجد في هذا الطريق.
الابتعاد عن التفكير السلبي:
إنّ كثيراً من الأحوال والعادات والتقاليد التي تعودّنا عليها تعمل سلبيّاً في بناء مستقبل حياتنا وحياة أولادنا، وتعرقلنا عن التقدّم في الاتّجاه الصحيح.
إنّنا ندع التفكير السلبي يسيطر على كلّ تصوّراتنا ومحادثاتنا حول هذه الحياة، وهذا هو السبب الذي جعلنا لا نحقّق الأهداف العظيمة التي نحن بحاجةٍ إليها كي نصبح ناجحين في مختلف ميادين الحياة، وذلك رغم أنّ كتاب ربّنا مملوءٌ بالتوجّهات الإيجابيّة التي يرشدنا إليها ربّ العزّة، ولكن الغفلة التي تسيطر علينا عند قراءتنا وتلاوتنا له جعلتنا لا نتدبّر الآيات الكثيرة التي توجّهنا التوجيه الإيجابي.
ولو أنّنا درسنا سورة الفاتحة فقط بشيءٍ من التمعّن والتدبّر لفهمنا المغازي الكثيرة الموجودة فيها، والتي تبيّن لنا بأنّ نعم ربّنا تترى علينا دون توقّفٍ، ودون انقطاعٍ، ولكنّنا غافلون عن شكرها بما سيطر على تصوّراتنا واعتقاداتنا من توجّهات سلبيّة أوصلتنا مع طول الزمن إلى الاعتقاد بأنّنا نفتقر إلى أشياء وأشياء كثيرةٍ.
ولو أنّنا تساءلنا بكلّ موضوعيّةٍ وإخلاصٍ لماذا طلب منّا ربّنا أن نقرأ هذه السورة في كلّ ركعة من الصلوات، سواءً منها الفرائض، أو السنن، أو النوافل، ولولا أهميّتها، وتأثيرها في نفوسنا تأثيراً إيجابيّاً تفاؤليّاً لما طلب منّا ربّنا فعل ذلك.
والأشياء الأساسيّة يعيدها ربّنا في القرآن الكريم كثيراً.
فالسورة تبتدئ بقوله {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثمّ نقرأ قوله - سبحانه وتعالى - {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. (1/44)
صفحة 45
فالرحمان اسمٌ عامٌّ لجميع أنواع الرحمة، وهذا يختصّ به الله - سبحانه وتعالى - وحده، فهو رحمان بجميع خلقه المؤمن منهم والكافر ينزل عليهم الأمطار فينبت لهم به كلّ ما يحتاجونه من أقوات وأرزاق، وأنعم عليهم بنعم الحواس، وما إلى ذلك من النعم العامة التي يتنعّمون بها.
والرحيم بالمؤمنين خاصّة وذلك بهدايتهم إلى الطريق المستقيم.
والرحمان إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب.
والله - سبحانه وتعالى - أرحم بعباده من الأمّ بأولادها.
فإذا قرأ الولد مثل هذه الآيات في بداية حياته، وفهمها جيّداً عندما يصل إلى سنّ الإدراك، فإنّه سينطلق في هذه الحياة ونفسه مملوءةٌ تفاؤلاً وآمالاً بالنجاح، لأنّه يعلم أنّ ربّه معه رحمانٌ ورحيمٌ به، ويعينه في كلّ عمل يقوم به، وبيده الخير كلّه، وبيده نجاحه، وأنّ كلّ شيءٍ في هذه الحياة هو خيرٌ من عند الله - سبحانه وتعالى -.
تنشئة الولد على النظرة الإيجابيّة:
إنّ تنشئة نفس الطفل على النظرة الإيجابيّة التفاؤليّة إلى الحياة، سيؤثّر تأثيراً ناجحاً في حياته المستقبليّة، وسيضيف أثراً راقيّاً إلى نظرته إليها، بحيث سيبني فيه الثقة الكبيرة بنفسه.
ولكن كلّ أمٍّ تتساءل كيف يمكنها أن تساعد أبناءها الذين تحبّهم وتهتمّ بهم، وترجو لهم النجاح الرائع في حياتهم، حتّى يصبحوا عبقريّين أذكياء يحسنون التصرّف مع كلّ ما يعترض طريقهم في مراحل حياتهم.
وأعظم وأنجع وأنفع طريقةٍ لتنشئة الولد على هذا الشعور التفاؤلي نحو الحياة هو القدوة بالأمّ، أو بالوالدين، فقد استنتج العلماء بعد دراسات وتجارب بأنّ مواقف الأبوين، والأمّ خاصّة قابلة للعدوى، فإذا أرادا أن يكون ولدهما متفائلاً، فعليهما أن يسألا أنفسهما هل هما متفائلان، أم لا؟
يقول العلماء: «إنّ المواقف قابلة للعدوى، ومواقف أقرب الناس إلى الشخص جديرة بأن يتأثّر بها».
لندرس هذين الموقفين لأمّين مع ولديهما: (1/45)
صفحة 46
كان طفلٌ صغيرٌ يعدو مسرعاً، وفجأةً سقط على الأرض بعنف، وبينما هو ينهض من سقوطه، إذا بأمّه تذهب إليه مسرعة، وتصرخ قائلة: يا صغيري، هل أنت بخير، وعلى ما يرام؟ هل أصبت؟ أعتقد أنّ إصابتك بالغة؟ أين موضع جرحك؟ هل أنت بخير؟ ثمّ انفجرت بالبكاء، فتبعها ابنها بالبكاء.
فبمعاملة هذه الأمّ لولدها وتأثّرها الحزين بسقوطه وجرحه وبكائها أمامه تكوّن فيه نفس تشاؤميّة، لا ترى إلاّ الجانب السلبي فيما يصيبه.
وفي منظرٍ آخر لأمٍّ متفائلةٍ، سقط ولدها أمامها وارتطم بالرصيف، ثمّ نهض من عثرته وبدا عليه أثر دوار خفيف، وإذا بأمّه تسرع إليه قائلة: يا صغيري هل أنت على ما يرام؟ إنّك ولدٌ شجاعٌ رائعٌ، وأعتقد أنّك لم تتأثّر بهذا التعثّر، وإنّني لفخورةٌ بك، فدعني أقبّلك، وإذا بالأمّ تبتسم، فيبتسم ابنها تبعاً لذلك، ثمّ تعانقه وتقبّله.
فهل نستطيع أن ندرك كم هي المشاعر الإيجابيّة التفاؤليّة التي ستتكوّن داخل نفس هذا الولد، وكم سيصبح سعيداً وواثقاً بنفسه نتيجةً لمثل هذه المعاملة من طرف أمّه.
وفي بعض المجتمعات يقولون لولدهم كلّما سقط، لقد بقيت لك مئة سقطةٍ.
فنقول لكلّ أمّ لم يفت الوقت بعد ليكون لديك ولدٌ متفائلٌ وسعيدٌ، لأنّ لديك القدرة على معاونة أولادك بفاعليّة وبإقبال على أن يكونوا متفائلين، وبوسعك فعل ذلك معهم، لأنّك بلا شكٍّ تحبّينهم، وتهتمّين بشؤونهم، وأصل النجاح يأتي نتيجةً للحبّ والاهتمام.
فضل القرآن في البيت والأهل والولد (1/46)
صفحة 47
إنّ علماء القرآن والتفسير قد ذكروا في فضل القرآن الكريم، وما أعدّ الله - عز وجل - لأهله من الرضا والهداية والثواب أحاديث وأقوالاً كثيرةً، وذلك لمن أخلص في قراءته لوجه ربّه - سبحانه وتعالى -، وعمل به، وجعله دستوره في حياته، فهو كلام ربّ العالمين - سبحانه وتعالى -، كلام من ليس كمثله شيءٌ، وهو من وحي ذاته - جل جلاله -، ولولا أنّه - عز وجل - قد جعل في قلوب عباده من القوّة على حمله ما جعله، ليتدبّروه وليعتبروا به، وليتذكّروا ما فيه من طاعته وعبادته، لضعفت واندكّت بثقله، ولتصدّعت به، وكيف تطيقه وهو الذي قال فيه ربّ العزّة - جل جلاله -:
- {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} ... [المزمّل ـ 5]
- {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} ... [الحشر ـ 21]
فأين قوّة القلوب من قوّة الجبال، ولكنّ الله - سبحانه وتعالى - قد رزق عباده من القوّة على حمله ما شاء أن يرزقهم، فضلاً منه ورحمةً، وذلك تكريماً لهم، ولكنّ قليلاً من عباده الشكور.
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«يقول الربّ - جل جلاله -: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، قال: وفضل كلام الله - سبحانه وتعالى - على سائر الكلام كفضل الله - عز وجل - على خلقه». (1)
وعن عليّ ـ - رضي الله عنه - ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/47)
صفحة 48
«ستكون فتنٌ ............... إلى أن يقول: ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا إنّا سمعنا قرآناً عجباً، من عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، خذها إليك يا أعور». (1)
ومن ابتغى هديه وهدي أولاده في منظومةٍ تربويّةٍ غير منظومة القرآن الكريم، فإنّه يضلّ عن التربيّة الصحيحة القويمة، ولا يجد الطريق القويم في أخلاقه ومعاملاته، ولا في تعلّمه وتعليمه، ولا في نظام حياته، ومن جعله منهج حياته، وبنى عليه نظامه فيها، فإنّه سيسير في طريق الحياة على هدىً من ربّه وبصيرة، نظامٌ لربّ العزّة الذي خلق هذه الحياة، وخلق هذا الإنسان، فهو وحده، ولا أحد غيره يعلم النظام الذي يصلح لهذا الإنسان في حياته.
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ـ 09]
وهو الصراط المستقيم الذي يهدي إلى النهج القويم في هذه الحياة، من اتّبع هديه، وربّى به وعليه أولاده اهتدوا إلى الطريق القويم في أخلاقهم وتفكيرهم، وكلّ ما يقوم به في حياته، ينزّل الله - سبحانه وتعالى - البركة في كلّ حركاته وسكناته ببركة القرآن المبارك.
- {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأنعام ـ 155]
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/48)
صفحة 49
ومن دعا إليه هدي إلى صراطٍ مستقيمٍ، وأوّل جهة يجب عليها أن تدعو إليه هما الوالدان، لأنّ أولادهم هم طوع إشارتهم ورهن توجيههم، وهم يرون فيهم المثل الأعلى، فإذا ما دعوهم إلى كتاب الله - عز وجل - لبّوا نداءهم بكلّ قناعةٍ وثقةٍ، والأولاد لا يثقون في أحد أكثر ممّا يثقون في والديهم، وخاصّةً أمّهم.
وعن عبد الله بن مسعودٍ ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إنّ هذا القرآن مأدبة الله فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة من تمسّك به، ونجاة من اتّبعه، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الردّ، فاتلوه، فإنّ الله يأجركم على تلاوته بكلّ حرفٍ عشر حسنات، أمّا إنّي لا أقول: آلم حرف، ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه، يدع أن يقرأ سورة البقرة، فإنّ الشيطان يفرّ من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، وإنّ أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله». (1)
وعن عبد الله بن مسعودٍ ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -:
«إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فخذوا منه ما استطعتم، فإنّي لا أعلم شيئاً أصغر من بيتٍ ليس فيه من كتاب شيءٌ، وإنّ القلب الذي ليس فيه من كتاب الله شيء خربٌ كخراب البيت الذي لا ساكن له». (2)
وتأويل الحديث أنّه شبّه فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن بصنيعٍ صنعه الله - عز وجل - للناس، لهم فيه خيرٌ كثيرٌ، ومنافع متعدّدةٌ، ثمّ دعاهم إليه.
__________
(1) أخرجه الحاكم.
(2) أخرجه الذارمي. (1/49)
صفحة 50
وهناك من قال: معنى مأدبة، بأنّه يذهب به إلى الأدب، جعله مفعلة من الأدب، وفي هذا المعنى يجب على الأولياء أن يهتمّوا بتعليم وتدريس القرآن الكريم لأولادهم، لينتفعوا بمأدبة الله - سبحانه وتعالى - فيشبعوا نفسانيّاً وروحيّاً، تماماً كما يهتمّون بتهيئة المأدبة التي يقتاتون منها جسميّاً، فهذا القرآن هو غذاء الروح، والآخر هو غذاء الجسم، وشتّان بين هذا وذاك.
والشيء العجيب أنّنا نرى الأولياء يلهثون وراء توفير المأدبة المادّية لأولادهم كي يكونوا أقوياء وأصحّاء بدنيّاً، بينما يغفلون ويزهدون عن مأدبة الله - سبحانه وتعالى - الروحيّة الموجودة بين أيديهم بالمجان، والمتوفّرة في كلّ وقت، وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - فيها كلّ أنواع الأغذيّة الروحيّة من إرشادٍ وهدايةٍ، وأمرٍ ونهيٍ، وعبادةٍ ودعاءٍ ورجاءٍ وصبرٍ، ولكنهم غافلون عنها، لا يأخذون منها ما يكفيهم لتلبيّة ذلك الجانب.
والأغرب من ذلك أولئك الذين لا يأخذون منها لا قليلاً ولا كثيراً طوال حياتهم، فكيف يرجون لأنفسهم ولأولادهم صلاحاً وهدايةً وتوفيقاً يا ترى؟.
وعن عثمان بن عفّان ـ - رضي الله عنه - ـ عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه». (1)
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجّة، طعمها طيّبٌ، وريحها طيّبٌ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلوٌ، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيّبٌ، وطعمها مرٌّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، لا ريح لها، وطعمها مرٌّ». (2)
وعن عائشة ـ - رضي الله عنه - ـ قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) أخرجه البخاري.
(2) أخرجه البخاري. (1/50)
صفحة 51
«الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران». (1) التتعتع: هو التردّد في الكلام، صعوبةً وعيّاً.
وإنّما كان له أجران من حيث إنّه يحاول أن يحفظه ويقرأه بصفةٍ جيّدةٍ، ولكنّه لا يستطيع ذلك، لأنّه مبتدئٌ، ونستطيع أن نشبه ذلك بالطفل الصغير وأمّه التي تحاول أن تلقّنه آيةً، أو آيتين من كتاب الله - عز وجل -، فهو لا يستطيع أن يقرأها قراءةً جيّدةً نظراً لأنّه لم يتعلّم اللغة العربيّة جيّداً، وهي تحاول معه في كلّ مرّةٍ.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«من نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهّل الله له طريقاً إلى الجنّة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله، لم يسرع به نسبه». (2)
وإذا كان هذا الاجتماع في البيت من أعضاء الأسرة كلّهم، الأب والأمّ وأولادهما لتلاوة آياتٍ من القرآن الكريم، فإنّ الله سينزّل بينهم الرحمة والسكينة، وتحلّ البركة والهداية والاطمئنان في ذلك البيت ببركة ذلك الاجتماع الذي جمع الأبوين والأولاد في جوٍّ عاطفيٍّ دينيٍّ قرآنيٍّ روحيٍّ، فلا يوجد اجتماع في الوجود أفضل من هذا الاجتماع، وتحفّهم الملائكة وتدعوا لهم بالخير والرحمة والهداية والبركات، وينظر إليهم أهل السماء بعين الرضى والغبطة والعطف، ويقولون كما قال ربّنا في كتابه:
__________
(1) أخرجه مسلم.
(2) أخرجه مسلم. (1/51)
صفحة 52
- {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ... [غافر ـ 7ـ9]
فكيف لا يغشاهم الله - سبحانه وتعالى - برحمته وهم من المحسنين، والله - سبحانه وتعالى - يقول في محكم كتابه:
- {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ... [الأعراف ـ 56]
اقرؤوا معي هذا الحديث الذي يذكر فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفضل الذي يتنزّل على المجتمعين من أجل تلاوة كتاب الله - عز وجل -:
فمن حديث أنس ـ - رضي الله عنه - ـ عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إنّ لله - سبحانه وتعالى - سيّارةً من الملائكة، يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفّوا بهم، ثمّ بعثوا رائدهم إلى السماء إلى ربّ العزّة - سبحانه وتعالى -، فيقولون: ربّنا أتينا على عبادٍ من عبادك يعظّمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلّون على نبيّك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم، فيقول تبارك وتعالى: غشّوهم برحمتي، فيقولون: ربّنا، إنّ فيهم فلاناً الخطّاء، إنّما أعتنقهم اعتناقاً، فيقول - سبحانه وتعالى -: غشّوهم برحمتي، فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم». (1)
وقال خالد بن معدان، يرفع الحديث: «إنّ لله ملائكةً في الهواء، يسيحون بين السماء والأرض، يلتمسون الذكر، فإذا سمعوا قوماً يذكرون الله - سبحانه وتعالى -، قالوا:
__________
(1) أخرجه البزار. (1/52)
صفحة 53
رويداً زادكم الله، فينشرون أجنحتهم حولهم، حتّى يصعد كلامهم إلى العرش».
وكلّما اجتمعت الأسرة لتلاوة كتاب الله - عز وجل - إلاّ وصلّت الملائكة على جميع عناصرها الصغير منهم والكبير، الذكر منهم والأنثى.
وذلك استنادا إلى ما جاء عن أبي أمامة.
فقد قال رجلٌ لأبي أمامة: رأيت في المنام كأنّ الملائكة تصلّي عليك، كلّما دخلت، وكلّما خرجت، وكلّما قمت، وكلّما جلست، فقال: وأنتم لو شئتم صلّت عليكم الملائكة، ثمّ قرأ قوله - عز وجل -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} ... [الأحزاب ـ 41ـ43]
وإذا كان عناصر العائلة يجتمعون ولو مرّةً في اليوم على الأقلّ حول مائدة الأكل لتناول الغذاء المادّي الجسدي، فبربّكم كم من مرّةً يجتمعون في اليوم، أو في الأسبوع، أو في الشهر على الأقلّ حول مائدة الله - سبحانه وتعالى - الروحيّة ليغذوا الجانب الروحي في نفوسهم، فهذا هو سبب تحلّف الأمّة في مختلف نواحي حياتها، والله - سبحانه وتعالى - قد سمّى هذا القرآن كريم، تماماً كما سمّى نبات الأرض كريماً فالقرآن كريمٌ، فهو غذاءٌ للروح، والنبات كريمٌ وهو غذاءٌ للجسم.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} ... [الواقعةـ 77ـ78]
وقال الله - سبحانه وتعالى - في شأن نبات الأرض:
- {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} ... [الشعراء ـ7]
وإذا قرأ عناصر الأسرة آيات ربّهم، وأكثروا من ذكره فإنّهم يجلبون لأنفسهم رعاية الله - سبحانه وتعالى - وحفظه وهدايته، ويدافع عنهم، ويطهّر نفوسهم من العيوب. (1/53)
صفحة 54
فقراءة القرآن الكريم وذكر الله - سبحانه وتعالى - يورث الأمن والأمان والطمأنينة والسلام، ويطهّر القلب من البخل والحقد والحسد والضغينة.
فكتاب الله - عز وجل - يهدي عباده سبل السلام، والبيت قد يكون فيه شحناء، فيه قلقٌ، فيه اختلافٌ، فيه مشاجرةٌ، فيه نفورٌ، ولكن إذا تعامل أعضاؤه مع كلام ربّهم، وحافظوا عليه، فإنّه يهديهم سبل السلام في بيتهم، وذلك بطرد الشيطان منه، فيصبح بيتاً وديعاً، فيه طمأنينةٌ، فيه راحةٌ نفسيّةٌ، فيه مودّةٌ، فيه معاشرةٌ طيّبةٌ، فيه معاشرةٌ طيّبةٌ ومحبّةٌ، والشيطان هو الذي ينشر الأخلاق السيّئة، فإذا ما أكثروا من ذكر الله - سبحانه وتعالى - بقراءة كلامه الكريم، فإنّهم يطردونه فينقلب إلى جنّةٍ، مليئةٍ سعادة وهناء وطمأنينة.
قال العلماء:
«إنّ الشيطان يدخل البيت، فإذا دخل أهل البيت ولم يسلّموا، قال الشيطان لإخوانه، وجدنا المبيت، وإذا جلسوا إلى الطعام، ولم يسمّوا باسم الله، قال: وجدنا العشاء».
ولكن إذا اهتمّ أهل البيت بكتاب ربّهم فإنّ الشيطان ينصرف عنه، ولا يجد مأوى له، ولا مأكلاً.
الأسرة هي أوّل مدرسة
إنّ الله - سبحانه وتعالى - بلطفه وحكمته جعل رباط الزواج بين الرجل والمرأة، سبباً لبناء ذلك العشّ الأسري المحكم البناء، ولإنجاب الأولاد، وسنّ له شروطاً وقواعد حتّى يحفظ له استقراره، فيؤدّي مهمّته على أحسن وأكمل وجه، وما ذلك إلاّ لأنّه يعلم ــ وهو خالق الإنسان ــ أنّ الأسرة هي المدرسة الأولى لتعليم الأجيال الصاعدة، وتكوينهم التكوين الصحيح والقويّ، لذلك على الوالدين والأمّ خاصّة أن ينظرا جيّداً على أيّ أساس يبنيان هذا البناء. (1/54)
صفحة 55
وللمجالس الأسريّة الأثر العظيم في إثراء تفكير الولد وبناء توجّهاته الفكريّة، فالأسرة هي أوّل مدرسة يتكوّن فيها الطفل، وهو المركز الهامّ والأساسي لنشوء العادات واكتساب المعلومات والتجارب التي سترافقه طوال مسيرة حياته المستقبليّة، وهي الوسط الذي يتمّ فيه بناء عقله.
وإذا بنينا هذا الوسط وهذه المدرسة على أسس من كتاب الله - عز وجل - وشريعته، فإنّه سيبني فطرة الولد بناءً مستقيماً نقيّاً، ويصقل عاداته وسلوكه، ويخضعه لنمط من التربيّة والبناء على الطريقة الإسلاميّة القرآنيّة التي يرضاها الله - سبحانه وتعالى - ويدعو إليها رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -.
فبهذه المجالس القرآنيّة في البيت، سيتعرّف الولد على الجماعة الأولى التي سيتعامل معها طوال أيّام حياته، وعلى الطريقة والكيفيّة التي سيتعامل بها معها، المبنيّة على المحافظة على كتاب الله - سبحانه وتعالى -، الذي يملؤه أمناً وطمأنينةً، ويفجّر فيه طاقاته الخيّرة، ويرعاه في جوٍّ من الحنان والعطف والمحبّة، فتتكوّن فيه شخصيّةٌ متوازنةٌ قادرةٌ على الإنجاز والعطاء.
إنّه كتاب الله - سبحانه وتعالى - الذي وضع فيه منزّله قوّته الدافعة الذاتيّة إلى الخير والصلاح لمن تمسّك به، وحافظ عليه، وبنى على توجيهاته أسس أخلاقه وسلوكه، ويصل به إلى تطوّر أمثل، ويهيئ له المؤثّرات والفرص لينمو نموّاً سلوكيّاً وعقليّاً واجتماعيّاً متكاملاً، وفي ذلك المجلس يُظهِر حركاته وإشاراته وحاجاته فتصحّح إذا كانت خاطئةً، ويثبّت ويشجّع عليها إن كانت صحيحةً، وفيه تقدّم له الأجوبة المناسبة على تساؤلاته واستفساراته التي تشغل باله في جوٍّ حواريٍّ يثري له أفكاره، ويطوّر له عقله، كما أنّ الضمير الذي يعدّ من مكوّنات الجهاز النفسي لدى الطفل يكتسبه في مثل تلك المجالس العائليّة المملوءة بركةً وخيراً بفضل بركة كتاب الله - عز وجل - وخيره. (1/55)
صفحة 56
ففترة الطفولة داخل الأسرة هي فترةٌ غايةً في الأهميّة، فلا بدّ أن تكون الأسرة نموذجاً راقيّاً للطفل، لذلك يجب على الوالدين المسلمين أن يكوّنا جوّاً قرآنيّاً مناسباً، والولد في هذه الفترة يبذل جهداً كبيراً حتّى ينال رضى والديه، إذن فعليهما أن يغتنما هذه الفرصة الثمينة، لكي يحبّبا إليه كتاب الله - سبحانه وتعالى -، ويشجّعاه على حفظه وتلاوته.
كما أنّه يتلقّى من أبويه مبادئه وتصوّراته، ويكون صلاحه وفساده بقدر صلاحهما، أو فسادهما، والصحيح عنده ما طلبا إنجازه، وقبلاه منه، والخطأ ما رفضاه ولم يقبلاه، فإذا داوما على تلاوة كتاب الله - عز وجل -، ورغبّاه فيه، وشجعاه بالثناء عليه وبالجوائز الرمزيّة، فإنّ ذلك سيصبح فيه عادةً بإذن الله - سبحانه وتعالى - وتوفيقه.
ومن هذا المنطلق، إذا أردنا تكوين مجتمعٍ صالحٍ سليمٍ متماسكٍ فعلينا أن ننطلق من إعداد أهمّ مؤسّستين أساسيتين في تكوين بنائه، وهما: الأسرة والمدرسة، ولتهيئتهما تهيئةً سليمةً قويمةً، علينا تهيئة أمٍّ واعيّةٍ مضحيّةٍ، ومعلّمٍ مخلصٍ واعٍ متحمّلٍ لمسؤوليّته بكلّ إخلاصٍ.
وهذا يحتاج إلى مجهودٍ كبيرٍ ومتواصلٍ لإعداد تلك العناصر الواعيّة التي تؤمن بأهميّة دورها في المجتمع، وتؤمن بعظيم ثوابها وجزائها الحسن عند ربّها - عز وجل -، ومقتنعةٍ بقدرتها على التغيير والتطوير، وذلك من خلال الحملات الإعلاميّة في الإذاعات والمحطّات الفضائيّة والصحف والمجلاّت المختلفة والإصدارات المتنوّعة، مع إنشاء مراكز لتوعيّة وإرشاد أولياء الأمور، ومراكز للاستشارة، يجد فيها المربّون مختلف التوجيهات التي يحتاجون إليها للقيام بوظيفتهم أحسن قيام، وعقد الندوات والمحاضرات التثقيفيّة في سبيل إنشاء جيلٍ متفوّقٍ ناجحٍ. (1/56)
صفحة 57
ولا يمكن تحقيق الهدف إلاّ بالإخلاص في سبيل ذلك مع التضحيّة الكبيرة، والله - سبحانه وتعالى - عندما يجد منّا هذا الجهاد وهذه التضحيّة في سبيل تنشئة الجيل المستقيم فإنّه سيعيننا ويوفّقنا، وهو الذي وعد عباده بذلك، حيث يقول:
- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
[العنكبوت ـ 69]
وأمّا بالنسبة إلى المدرسة التي يتعلّم فيها أولادنا، فيجب إعداد برامج تعليميّةٍ يدرس فيها الولدان معنى الوالديّة والتربيّة في المراحل التعليميّة المتقدّمة، وكلّ ذلك من أجل أن ننهض بالأجيال الصاعدة، والتي سترفع من قيمة وشأن هذه الأمّة لتسير في ركب الحضارة، مع تمسّكها بدينها ومحافظتها على كتاب ربّها ليكون لها نوراً وهدايةً ورحمةً وبركةً.
- {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}
[إبراهيم ـ 01]
- {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} ... [النور ـ 40]
- {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} ... [الشورى ـ 52]
- {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
[الحديد ـ 09]
فالله - سبحانه وتعالى - رؤوف بعباده لذلك أنزل إليهم هذا الكتاب الذي جعله نوراً يهتدي به من التجأ إليه، واهتدى بهديه، واتّبع أوامره واجتنب نواهيه، وجعله أمامه ليقوده إلى الطريق القويم في الدنيا، وإلى جنّات النعيم في الآخرة، فلا يتصوّر أبداً أن يكون ثمّة مسلمٌ مقطوع الصلة بكتاب ربّه - سبحانه وتعالى - ثمّ يرجو بعد ذلك أن يحيا حياةً مطمئنّةً، أو أن يتّبع في تربيّة أولاده منظوماتٍ تربويّةً شرقيّةً وغربيّةً أوروبيّةً إلحاديّةً ثمّ يرجو لهم بعد ذلك النجاح والصلاح. (1/57)
صفحة 58
إنّ العقل المؤمن لا يتقبّل، ولا يقتنع أبداً أن يوجد مسلمٌ قد انقطعت صلته بقرآن ربّه، بحيث لم يعد يفرّق بين آيةٍ منه وبين حديثٍ من كلام رسوله محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، أو حكمةٍ مأثورةٍ من كلام بعض الصالحين، فلا يتقبّل العقل هذا الواقع، مسلماً ومنفصلاً عن كتاب ربّه - عز وجل -، وما أكثرهم في هذا العصر، وذلك نتيجةً لأنّ الأسرة لم توفّر لهم البيئة الأسريّة القرآنيّة، والمجتمع لم يوفّر له البرامج التعليميّة القرآنيّة.
أهميّة الأمّ بالنسبة للولد
الأمّ آيةٌ من آيات الله - سبحانه وتعالى -:
الأمّ وحدها آيةٌ من آيات الله - سبحانه وتعالى -، وجودها من أجل أبنائها، وتضحيّتها من أجل راحتهم جوعها من أجل إشباعهم، عدم نومها من أجل نومهم، إلى غير ذلك من السلوك الذي تقوم به من أجل أولادها، فمن الذي وضع في قلبها تلك الرحمة الكبيرة.
إدراكها لمشاعر أولادها، إحساسها لإحساس أولادها، مشاعرها نحوهم، أعصابها التي تتحمّل ما لا يستطيع أيّ إنسانٍ تحمّله مهما كان قويّاً وحكيماً، فهي تتفاعل مع أولادها تفاعلاً عجيباً، كأنّه يوجد هناك اتّصال بينها وبينهم مثل الذي كان موجوداً عندما كانوا أجنّةً في بطنها.
فمثلاً عندما تخرج من البيت، وتترك ولدها نائماً، وفجأةً، وبدون شعورٍ منها تقول: أستيقظ ولدي، كيف عرفت ذلك؟ كيف تدرك أنّ وقت رضاعه قد حان، فلربّنا - عز وجل - في خلقه شؤونٌ.
الأمّ هديّةٌ لذلك البرعم البريئ، والأولاد هديّةٌ لتلك الأمّ الحنونة المخلصة المضحيّة، والزوجة هديّةٌ للزوج المخلص، والزوج هديّةٌ لتلك الزوجة المخلصة. (1/58)
صفحة 59
فعلاقة الأمّ بولدها هي علاقة حبٍّ، علاقة تضحيّةٍ، علاقة رحمةٍ، علاقة صلاحٍ، علاقة بناءٍ، وعلاقة تكوينٍ، وكلّما كبرت نفس تلك الأمّ كلّما اتّسع صدرها، وزاد حنانها، وارتفعت تضحيّتها، واتّسعت في أخلاقها، فزاد إحسانها، ولا يكون ذلك إلاّ بالاستزادة من التفقّه في الدين، والتوسّع في العلم، وتعلّم أساليب التربيّة الدينيّة والعلميّة الصحيحة.
يقول الدكتور مصطفى السباعي:
«اللهمّ هيئ لأحفادنا أمّهاتٍ عاقلاتٍ صالحاتٍ، فإنّ الأمّ إمّا أن تجعل من ابنها رجلاً، وإمّا أن تجعل منه شرّيراً، وإمّا أن تجعل منه مغفّلاً».
ويقول في الاعتناء بالتربيّة:
«حين تعمل التربيّة على إنشاء جيلٍ يقوم بواجبه، سينشأ هذا الجيل على أن ينسى نفسه، ويذكر أمّته، وحين تعمل التربيّة على إنشاء جيلٍ يشبع رغباته، سينشأ هذا الجيل على أن يذكر نفسه وينسى أمّته».
وقال فيما يخصّ أثر المرأة في صيانة شرف الأمّة: «المرأة التي ترى سعادتها في صيانة شرفها، تعرف كيف تربّي أولاداً يصونون شرف الأمّة، والمرأة التي ترى سعادتها في إشباع لذائذها، تربّي أولاداً أسهل شيءٍ عليهم أن يخونوا شرف الأمّة في سبيل إشباع أهوائهم، وشتّان بين جيلٍ يصون شرف أمّته وجيلٍ يخونه».
الأمّهات الخالدات في التاريخ: «ملكات الجمال يُنسيْن بعد أيّامٍ، ولكن الأمّهات اللاتي ولدن وربّين عظماء والعالمات والمخترعات، سيظلّ يذكرهنّ التاريخ ما بقي إنسانٌ يقرأ التاريخ».
إنّ الناس يختلفون كثيراً عندما يسألون: متى تبتدئ تربيّة الولد؟
فمنهم من يربطها ببداية إدراكه، ومنهم من يقول بأنّها تبتدئ منذ أن يعي الطفل ما حوله، وذلك بعد السنتين.
وقال البعض: إنّ التربيّة الجادّة تبتدئ في سنّ المدرسة، إلى غير ذلك من النظريّات والاعتقادات. (1/59)
صفحة 60
ولكن التربيّة الحقيقيّة للأبناء تبتدئ قبل ذلك بكثيرٍ، إنّها تبتدئ عند النيّة في الزواج، فيختار الرجل الزوجة المناسبة، كما أنّ للبنت الحقّ في أن يختار لها أولياؤها الرجل المناسب، فقد أرشد النبيء - صلى الله عليه وسلم - أولياء المخطوبة إلى أن يبحثوا لها عن الخاطب ذي الدين والخلق، ليقوم بالواجب الأكمل في رعايتها، ورعاية أسرته ويقوم بها على أحسن وجهٍ، ويعين تلك الزوجة على التربيّة الصالحة للأولاد، ولا يكون حجر عثرةٍ في طريق توجيه الأمّ، فيهدّم ما بنته، ويكون كذلك أهلاً لأداء الحقوق الزوجيّة، والقوامة الصحيحة في الغيرة على الشرف، وتأمين حاجات البيت والأولاد من البذل والإنفاق، وتلبيّة حاجيّات أولئك الأولاد، حتّى ينشؤوا نشأةً صحيحةً قويمةً.
فعنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريضٌ». (1)
وليس هناك خسارةٌ في تربيّة الأولاد من أن تقع الفتاة المؤمنة تحت عصمة شابٍ متحلّلٍ لا يرقب في زوجته إلاًّ ولا ذمّةً، ولا يقيم لتوجيه أولاده وتربيّتهم أيّ اعتبارٍ، همّه إشباع شهواته، وتلبيّة رغباته، دون أن يحترم ذلك العشّ الذي تنشأ فيه تلك الفراخ البريئة التي لا حول لها ولا قوّةً إلاّ بقوّة أوليائها.
فكم من فتاةٍ كانت في بيت أهلها مثالاً للعفة والطهارة والصلاح، فلمّا اقترنت بزوجٍ إباحيٍّ مستهترٍ متحلّلٍ، لا يراعي فيها حقوق الله - عز وجل -، انقلبت إلى زوجةٍ متهتّكةٍ مستهترةٍ، لا تقيم لمبادئ الدين والفضيلة أيّ اعتبارٍ، فدفع ثمن كلّ ذلك أولئك الأولاد الأبرياء.
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/60)
صفحة 61
ولا شكّ أنّ الأولاد الذين ينشؤون في مثل ذلك البيت المملوء بالانحراف، يصبحون جاهلين لكلّ معاني الدين والفضيلة، ويتربّون على الانحراف والفساد والمنكر، وهذا هو البلاء العظيم الذي أصاب كثيراً من العائلات المسلمات، فأصبح نشؤها لا يعلم معنى لكلام الله - عز وجل -، ولا يسمع بكلمةٍ اسمها حفظ القرآن، أو تلاوته، فكيف به يسمع أنّه يهدي إلى الطريق المستقيم.
إذن فالاختيار على أساس الدين سواء للرجل، أو للمرأة هو أساس بناء العشّ الطاهر الذي يتربّى فيه النشء على الصلاح، وعلى الاعتماد الكلّي على كتاب الله - عز وجل - القرآن الكريم تلاوةً، وحفظاً، وتدبّراً، فيكبرون على العبقريّة الدينيّة القرآنيّة التي يرضاها الله - عز وجل - ورسوله للمسلمين المؤمنين.
ولقد نوّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنّ الناس معادنٌ، وأنّهم يتفاوتون في الرفعة وعدمها، وفي الشرف والوضاعة، والخير والشرّ.
فعن أبي هريرة أنّه - صلى الله عليه وسلم - قال: «الناس معادنٌ في الخير والشرّ، خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا».
وعن أبي سعيد الخدري أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «إيّاكم وخضراء الدمن، قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبث السوء». (1)
وخضراء الدمن التي نشأت في المنبث السوء، لم تتعلّم شيئاً من كتاب الله - عز وجل -، ولم تربّ التربيّة القرآنيّة الإسلاميّة، كيف تستطيع أن تربّي أولادها هذه التربيّة القرآنيّة الإيمانيّة التي سينشؤون بها مستقيمين مؤمنين، يؤمنون بأنّ كتاب ربّهم هو الذي يهديهم إلى الطريق المستقيم في كلّ مجالات الحياة.
وعن عائشة ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «تخيّروا لنطفكم، فإنّ النساء يلدن أشباه إخوانهنّ وأخواتهنّ». وفي رواية: «اطلبوا الأكفاء لنطفكم، فإنّ الرجل ربّما أشبه أخواله». (2)
__________
(1) أخرجه الدارقطني.
(2) أخرجه ابن عساكر. (1/61)
صفحة 62
فهذه الأحاديث وغيرها من التوجيهات الكثيرة ترشد راغبي الزواج إلى أن يختاروا زوجاتٍ تربّين في بيئةٍ صالحةٍ، ونشأن في بيتٍ قرآنيٍّ، عرف بالشرف والصلاح وعلوّ القيمة والشأن.
وكلّها تبيّن لنا ما للأمّ من أهميّةٍ كبيرةٍ وأساسيّةٍ في تربيّة الأولاد ونشأتهم على الصلاح والاستقامة، كي يصبحوا مفطورين بفطرة أمّهاتهم، ومتطبّعين بعاداتٍ أصيلةٍ، وأخلاقٍ إسلاميّةٍ قويّةٍ، يرضعون منهنّ لبن المكارم والفضيلة مع حليبهنّ النقيّ القويّ المملوء بركةً ونشاطاً في سبيل الخير ببركة كلام الله - عز وجل -، ويكتسبون بشكلٍ عفويٍّ خصال الخير والصلاح ومكارم الأخلاق.
ولتحقيق هذا الهدف النبيل في تربيّة الأجيال وتوجيههم التوجيه الصحيح، أجاب سيّدنا عمر أحد أبنائه، لمّا سأله ما حقّ الولد على أبيه، فقال: «أن ينتقي أمّه، ويحسّن اسمه، ويعلّمه القرآن».
وتعدّ هذه الإرشادات التي أرشد إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من أعظم الحقائق والإعجاز الذي وصل إليه العلم الحديث، وأثبتته الحقائق العلميّة الكثيرة والنظريّات التربويّة التي حقّقها علماء النفس والاجتماع في هذا المجال.
فقد أثبت علم الوراثة أنّ الولد يكتسب صفات أبويه الخَلقيّة والخُلقيّة والعقليّة، بحيث تظهر فيه منذ الولادة، وهذا يدلّ على أنّ الجنين يتأثّر بتفاعلات أمّه وهو في بطنها، ومن هنا تظهر أهميّة توجّهات الوالدين بالنسبة للولد، وخاصّةً الأمّ التي لها الأثر الأكبر عليه أثناء الحمل، وفترة الرضاع، والسنوات الأولى التي يكون فيها مرتبطا بها ارتباطا وثيقا متواصلا. (1/62)
صفحة 63
فعندما يجتمع على الولد عامل الوراثة الصالحة المستقيمة وعامل التربيّة القرآنيّة الفاضلة، يصل إلى القمّة في الدين والأخلاق القرآنيّة، وحسن التعامل مع كتاب ربّه - عز وجل -، والنبوغ العقلي الذي يرجوه كلّ الأولياء لأولادهم، فما على الأمّهات والآباء إلاّ أن يتمسّكوا بالعادات الأصيلة، والأخلاق الإسلاميّة العاليّة، ويجاهدوا أنفسهم حتّى يصبحوا قدوّةً صالحةً نقيّةً لأولادهم، إذا أرادوا حقّاً أن ينشئوا ذريّةً صالحةً، وسلالةً طاهرةً، وأبناءً مؤمنين.
ما بعد الزواج:
ومن تربيّة الأبناء التربيّة الجيّدة الحسنة بعد الزواج وقبل أن يولد الأولاد تحرّي الوالدان الرزق الحلال وإطعام أنفسهما به قبل أن يأتي أولادهم إلى الوجود، لأنّ كثيراً من الآباء لا يتورّعون عن الرزق الحرام، فيكون له الأثر السيئ على أخلاق أولادهم ونشأتهم.
فقد ذكر عن كثيرٍ من الأئمّة والعبّاد أنّهم كانوا يتخيّرون لقمة الحلال ابتغاء صلاح الذريّة، وكانوا يتعهّدون ولدهم وهو في صلبهم، فيجتهدون في اختيار العمل الصالح لكي يكتسبوا اللقمة الحلال التي يطعمون بها أنفسهم وزوجتهم التي هي وعاءٌ لذريّتهم، رجاء أن يكرمهم ربّهم بالذرّية الصالحة المستقيمة، وكان أحد الصالحين يقول:
«إنّي لأرعى أولادي من قبل أن يخرجهم الله - عز وجل - إلى الدنيا».
ثمّ بعد ذلك فعلى وليّ أمر العائلة أن يطعم زوجته الحامل من المال الحلال، حتّى يتغذّى الجنين وهو في بطنها من اللقمة الحلال، فيخرج إلى هذا الوجود ولحمه قد نشأ من الحلال الطيّب، فيكون طيّباً، يميل بفطرته إلى الطريق المستقيم، دون أن يتعب والديه في إرشاده وتوجيهه إليه.
ثمّ بعد فترة الحمل تأتي فترة الرضاع، فإذا أراد الوالدان كذلك الصلاح لأولادهم فعلى الأمّ أن تطعم نفسها من الحلال الطيّب حتّى يكون اللبن الذي ترضع به وليدها حلالاً طيّباً. (1/63)
صفحة 64
ثمّ بعد ذلك في فترة الطفولة المبكّرة التي يكبر فيها الولد بالغذاء الذي يجلبه له والداه، ولعلّ انحراف كثيرٍ من الناشئة في هذا العصر وعدم ميلهم إلى الطريق القويم، وابتعادهم عن حفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى - سببه الغذاء الذي يتناولونه، حيث نجد كثيراً من الأولياء لا يتحرّون الرزق الحلال الذي يطعمونه زوجاتهم وأولادهم، ممّا جعل عمليّة التربيّة والتوجيه صعبةً عليهم، كما أنّه قد جعل عمليّة التعلّم والتحصيل ثقيلةً وغير محبوبةٍ إلى نفوس الأولاد، خاصّةً حفظ القرآن الذي هو أفضل وأكرم شيءٍ في هذا الوجود.
وفي هذا العصر أصبحت هذه العمليّة صعبةً أكثر من ذي قبل، وذلك بسبب دخول المرأة إلى ميدان العمل، وعدم تحرّيها هي كذلك في اكتساب قوتها وقوت عائلتها من الحلال الطيّب.
ــ ألا يمكن للأولياء أن يجتهدوا في كسب الحلال؟ وذلك في سبيل أولادهم.
ــ ألا يمكن لهم أن يضحّوا في سبيل ذلك؟
ــ ألا يريدون أن تكون لهم ذرّيةٌ صالحةٌ طيّبة، تميل إلى الخير والصلاح من تلقاء نفسها دون إيجاد صعوبة في توجيهها وإرشادها؟ وتكون لهم قرّة أعين في الدنيا والآخرة.
ــ لماذا يا ترى نرمي بذرّيتنا في نار جهنّم بما نغذيهم من المطعم الحرام؟
ــ ألم نقرأ ونفهم قول ربّنا - سبحانه وتعالى -؟ وهو يقول لنا:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} ... [التحريم ـ 6]
وقول رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -: «وأيّما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به». (1)
ــ فلماذا نعقّ أولادنا قبل أن يعقّونا؟ ثمّ نطلب منهم بعد ذلك أن يكونوا صالحين مهتدين، ذوي أخلاقٍ كريمةٍ.
__________
(1) أخرجه الطبراني. (1/64)
صفحة 65
ولا بدّ أن نعود إلى ذكر مرحلة الحمل بشيءٍ من التفصيل لأنّ كثيراً من العلماء يعدّونها أهمّ مرحلة تبني فيها الأمّ شخصيّة طفلها بناءً جيّداً، والتي يجب عليها أن تراعي حملها بكلّ جدّيةٍ، وتلتجئ إلى ربّها ليل نهارٍ بما تقرؤه من آيات ربّها بانتظامٍ، وما تتجّه به بعد ذلك من الأدعيّة ليصلح لها ربّها ما في بطنها، ويجعله من أمّةٍ القرآن الكريم، خاصّةً وهي في تلك الحالة التي هي عليها من الحمل الثقيل، فهي قريبةٌ من ربّها أكثر من أيّ امرأةٍ أخرى، وقريبةٌ من رحمته، والأمّ الذكيّة المؤمنة تغتنم تلك الفرصة الثمينة، لتلتجئ إلى ربّها ليحفظها، ويحفظ ما في بطنها، وأن يجعله من أمّة القرآن الكريم.
فالجنين الموجود في بطن أمّه ليس معزولاً كلّياً عن التأثيرات الخارجيّة، فالدورة الدمويّة عند الأمّ وجنينها مفصولة عن بعضهما بواسطة المشيمة التي تغدّي الجنين، وتصفّي المواد المغذّية من المواد السامّة قبل أن تصل إلى الجنين.
وقد برهنت الدراسات العلميّة على أنّ التأثّرات الجسمانيّة والنفسيّة للأمّ تنتقل إلى الجنين انتقالاً قويّاً وحقيقيّاً، فبعض الأجنّة يظهرون تزايداً في فعاليّة حركاتهم عند تعرّض الأمّ إلى انفعالاتٍ نفسيّةٍ، والجنين في بطن أمّه يتفاعل أيضاً مع الضوضاء التي تقع في الخارج، ولذلك نرشد الأمّهات أن يقرأن القرآن كثيراً وهنّ بالحمل، حتّى تكون انفعالاتهنّ قرآنيّةً دينيّةً مطمئنّةً.
وكلّ الأمّهات اللواتي يلاحظن أنفسهنّ وأجنّتهنّ أثناء الحمل، يروين رواياتٍ كثيرةً مثل: انزعاج الجنين من جرّاء أصواتٍ عاليّةٍ وضجيجٍ في الخارج، رفساتٌ قويّةٌ من الجنين أثناء سماع الأمّ لجوقةٍ موسيقيّةٍ، اضطراب الجنين عند استيقاظ الأمّ مذعورةً من نومها، وغير ذلك من الانفعالات التي تقع للجنين وهو داخل بطن أمّه، وكلّ الأمّهات يستطعن معرفة ذلك، ويشعرن به بالتجربة. (1/65)
صفحة 66
ويمكن أن تؤثّر انفعالات الأمّ بطرقٍ غير مباشرةٍ على الجنين، وهذه الانفعالات تؤدّي إلى الإفراط في إفراز الهرمونات عند الأمّ، ثمّ تصل بدورها بطريق المشيمة إلى دم الجنين، وتؤثّر على إفراز هرموناته داخل جسمه هو كذلك.
لذلك فعلى الأمّ الحامل أن تلجأ إلى كتاب الله - عز وجل - الذي يوفّر لها الاطمئنان، وإلى كثرة ذكر الله - سبحانه وتعالى -، حتّى توفّر لنفسها الجوّ الهادئ الذي ينتقل إلى جنينها فيأتي إلى الوجود وليداً سويّاً في قواه الجسميّة والنفسيّة والعقليّة.
يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ... [الرعد ـ 28]
لقد ثبت بصورة قاطعة بأنّ الأولاد تنتابهم نوباتٌ من الخوف إذا كانت الأمّهات قد تعرّضن أثناء الحمل لحوادث مخيفةٍ، وبعكس ذلك، فإنّ أولاد الأمّهات اللواتي عوملن أثناء الحمل معاملةً طيّبةً وبلطفٍ وعنايةٍ كانوا أقلّ تأثّراً بالخوف، وأكثر حيويّة من أفراد الفئة الأولى.
ألا نستطيع أن نجعل أولادنا أكثر اطمئناناً بمحافظة أمّهاتهم الحوامل على تلاوة كتاب الله - عز وجل -؟
ألا نستطيع أن نجعلهم أكثر حيويّة في الجانب الإيجابي بتأثيرنا فيهم بكتاب الله - عز وجل -، وهم في بطون أمّهاتهم؟
فإذا كان العلماء قد أكّدوا بأنّه يمكن التأثير على الجنين إيجابيّاً إذا شُغلت أمّهاتهم أثناء الحمل بأشياء إيجابيّةٍ مسرّةٍ، وحافظن على مزاجٍ متوازنٍ.
أفلا يمكن أن يكثرن من قراءة كتاب الله - عز وجل - أفضل وأحسن ما في الوجود من المؤثّرات الإيجابيّة في نفوس البشر.
فالقرآن الكريم فيه من عطاء الله ما تحبّه النفس البشريّة ويستميلها، لأنّه يخاطب ملكاتٍ خفيّةً في النفس لا يعرفها، ولا يدركها هذا الإنسان، فينشر السكينة والطمأنينة في نفسه، هذه السكينة التي ينشرها فيه كتاب الله - عز وجل -، والتي هي من روح الله - عز وجل -. (1/66)
صفحة 67
هذه السكينة التي هي نافذةٌ على الجنّة يفتحها الله - سبحانه وتعالى - لعبده بمجرّد أن يفتح كتابه، ويقرأ فيه بقلبٍ مفتوحٍ، ونفسٍ منفتحةٍ منشرحةٍ مخلصةٍ.
فإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشريّة والقلب الإنساني، فإنّ الإقبال على كتاب الله - عز وجل - والاهتمام به هو ماؤها وغذاؤها وضياؤها، وهو النبع الفيّاض الذي لا ينضب، وهو نور الله الذي لا ينقص، ولا يضعف.
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ... [يونس ـ 57]
وبعد الوضع تأتي المرحلة الهامّة كذلك، والتي تستشعر فيها الأمّ مسؤوليّتها أكثر من ذي قبل، لأنّ ذلك الولد سيصبح عبارةً عن مسجّلةٍ يسجّل كلّ سلوكٍ تقوم به، لذلك يجب عليها أن تهتمّ بتهذيب نفسها هي قبل أن تتوجّه إلى ذلك الطفل الملائكي البريء، لأنّها ستكون من دون شعور منها، وبدون شعور من الولد قدوةً لوليدها، وهنا يجب عليها أن تحرص وتهتمّ أكثر على قراءة كلام ربّها، عندما يكون ولدها في حجرها، وهي ترضعه، وتداوم أكثر على الأذكار والتعوّذ بالمعوّذات رجاء أن يحفظها الله - عز وجل -، ويهدي لها ذلك المولود الجديد ويبعد عنه شياطين الإنس والجنّ، ويحفظه من كلّ أذىً، ومكروهٍ.
إنّ مجيء هذا المولود الجديد سيجعلها تغيّر كثيراً من عاداتها الصحّيّة والخلقيّة، وتضحّي بكثيرٍ من راحتها وأوقاتها في سبيل حماية رضيعها، ولكي تبني له نفسه بناءً سليماً، وعليها أن تبتعد عن كلّ ما يؤثّر تأثيراً سلبيّاً في طفلها، وتهتمّ بكل ما يؤثّر فيه تأثيراً إيجابيّاً.
ــ إنّ التربيّة الجيّدة هي التضحيّة.
ــ إنّ التربيّة السليمة هي التخليّة. (التخلي قبل التحلي)
ــ إنّ التربيّة السليمة هي جهاد. (1/67)
صفحة 68
إنّ التربيّة هي جهادٌ ومثابرةٌ وتضحيّةٌ من طرف الأمّ خاصّةً، وذلك إذا علمت بأنّ دور الطفولة يحتلّ أهميّةً عظمى في تقرير أساس الحياة، وعندما تعلم بأنّ الإنسان يسير طيلة أيّام حياته بالصورة التي تكوّنت لديه ونشأ عليها في طفولته، والتي كوّنها فيه مَن حوله مِن المربّين، وعلى الخصوص الأمّ.
ومعاملة الأمّ لولدها معاملةً طيّبةً وهي تعلّمه كلام الله - سبحانه وتعالى - تجعله يشعر بالعزّة والكرامة الإنسانيّة التي كرّم الله - عز وجل - بها جميع بني البشر لا فرق بين الذكر والأنثى، أو الصغير والكبير، وتحسن حالته النفسيّة، فيشعر بالتوازن في تفكيره، ممّا يساعده على الاستيعاب، وممّا يدعّم فيه مهارة الحفظ.
والأمّ هي الشخص الوحيد على وجه هذه البسيطة الذي يقدر على أن يوصل الرسائل الإيجابيّة لولدها، وتجعله يستلهم قوّة حفظه وتدريب ذاكرته من عالم أفكارها، ممّا يعلّمه الصبر والثبات فيما يستقبله من الأيّام، فلتنظر كلّ أمٍّ أيّ نوعٍ من الأفكار تبني بها تصوّراتها، لأنّ تفكير طفلها لا يكون إلاّ من تفكيرها، وتصوّراته لا تكون إلاّ نسخةً طبق الأصل لتصوّراتها.
فعليها إذن أن تداوم على تلاوة كتاب ربّها - عز وجل -، لتوجّه تفكيرها حسب توجّهاته، وتبني تصوّراتها على أسسه، فإذا ما انتقلت تلك التصوّرات القرآنيّة إلى ولدها، فستكوّن فيه تصوّراتٍ إيجابيّةً تفاؤليّةً لكلّ ما يقع له في هذه الحياة.
وبعد الوضع مباشرةً عليها أن تبدأ بالدعاء بالبركة والحفظ والهداية، وتلتمس الرقية التي يعدّها علماء التربيّة المسلمون من سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد طبّقها في حياته مع بعض الأولاد، وذلك بقراءة أحد أعضاء عائلتها، مثل أمّها، أو أبيها الصالحيْن، أو أحد عباد الله الصالحين الذي تلتمس فيه الخير والبركة، ومن أوّل خطوات هذه الرقية أن تؤذّن في أذنه اليمنى، وتقيم في أذنه اليسرى. (1/68)
صفحة 69
فعن أبي رافع قال: رأيت النبيء - صلى الله عليه وسلم - أذّن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة.
وقد تكون هذه الرقية سبباً لتفتّق ذهنه وزيادة ذكائه، وهذا ما كانت تقوم به الصحابيّات الكريمات، والأمّهات المسلمات.
فعن أسماء أنّها حملت بعبد الله بن الزبير قالت: «فخرجت وأنا متمٌّ ـ أي قد أتممت مدّة الحمل ـ فأتيت المدينة، فنزلت بقباء، فولدت، ثمّ أتيت به إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم -، فوضعته في حجره، ثمّ دعا بتمرة فمضغها، ثمّ تفل في فيه، فكان أوّل شيءٍ دخل ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ حنّكه بتمرة، ثمّ دعا له وبرّك عليه». (1)
وعن أمّ قيس بنت محصنٍ أنّها أتت بابنٍ لها صغيرٍ لم يأكل الطعام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ فنضحه، ولم يغسله. (2)
وعن أبي هريرة قال: أتت امرأةٌ النبيء - صلى الله عليه وسلم - بصبيٍّ لها، فقالت:
«يا نبي الله، ادع الله له، وفي رواية: إنّه يشتكي، وإنّي أخاف عليه، فلقد دفنت ثلاثةً، قال دفنت ثلاثاً؟ قالت: نعم. قال: لقد احتظرت بحظارٍ شديدٍ من النار». (3)
أي: امتنعت بمانعٍ وثيقٍ وحميت بحمى عظيمٍ.
وعن عبد الله بن هشامٍ وكان قد أدرك النبيء - صلى الله عليه وسلم - وذهبت به أمّه زينب بنت حميدٍ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: «يا رسول الله بايعه، فقال: هو صغير، فمسح رأسه، ودعا له». (4)
تأثّر الجنين بمشاعر أمّه
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم.
(2) أخرجه البخاري ومسلم.
(3) أخرجه مسلم.
(4) أخرجه البخاري. (1/69)
صفحة 70
وهناك حقيقةٌ يجب أن يعلمها ويدركها جميع أولياء الأمور، وخاصّةً الأمّهات كي يستغلّوها في تنشئة أولادهم على تعلّم النبوغ والتفوّق، وهي أنّ الولد مهما كان صغيراً، فهو كائن يفكّر ويعي كلّ ما يقع أمامه، ويتفاعل مع بيئته بكلّ فعاليّةٍ إيجابيّةٍ، أو سلبيّةٍ، وتتكوّن فيه من خلال ذلك التفاعل والإدراك المبادئ الأساسيّة للمعرفة في عقله، والذكيّ والعبقري من المربّين هو الذي يكوّن لنفسه صورةً جميلةً إيجابيّةً في عقل ذلك العبقري الصغير، ويحجز له مكاناً في حيّز تفكيره، وأغلبيّة الناس يظنّون أن الصغير الذي عمره يوم، أو يومان، أو شهر، أو شهران لا يعي ما يقع حوله من حركاتٍ وأقوالٍ، في حين أنّ الحقيقة كما يقول بعض العلماء: إنّه عبارة عن عبقريّ صغير يسجّل ويدرك كلّ ذلك.
ويبتدئ ذلك التأثير حتّى قبل أن يخرج الجنين إلى هذا الوجود فهو يسمع ويتأثّر بما يسمعه وهو في بطن أمّه، وينصح الأطبّاء الأمّ الحامل أن تحاول أن تكون دائماً مستقرّةً عاطفيّاً في فترة الحمل، ويخبرونها عن الدراسات العلميّة المختلفة الذي أجريت على الأمّهات الحوامل، والتي استنتجوا من خلالها أنّ الاختلال العاطفي والمشكلات الزوجيّة في فترة الحمل تؤثّر تأثيراً مباشراً في جنينها، من ناحيّة نموّه العاطفي والعضوي.
وإذا كانت الدراسات قد أثبتت صحّة ذلك بما لا يدع مجالاً للشكّ، فننصح الأمّهات المسلمات بالاهتمام بقراءة كتاب الله - سبحانه وتعالى - والاستماع إليه بكثرةٍ، ليؤثّر في نفوسهنّ بقوّته الروحيّة التي أودعها الله - سبحانه وتعالى - فيه، فيجعلهنّ أمّهاتٍ مطمئنّاتٍ، لا يتخوّفن من آلام الحمل، أو من ساعة الولادة، ويخرج أولادهنّ، وقد تأثّروا بتلك التلاوة والاستماع تأثيراً قويّاً، إيجابيّاً، فينشؤون أطفالاً مستقرّين نفسانيّاً، يتعلّمون، ويستوعبون بسرعةٍ وبصفةٍ جيّدةٍ وقويّةٍ. (1/70)
صفحة 71
وكيف لا يتأثّر الجنين بانفعالات أمّه؟ وهو يعدّ جزءاً منها، كأنّه عضوٌ من أعضائها، فكما أنّ العضو متّصلٌ بها بواسطة أعصاب وعروق، فكذلك هو متّصل بها بواسطة الحبل السرّي الذي هو عبارة عن عروق وأعصاب، يتغذّى بواسطته كما تتغذّى سائر الأعضاء الأخرى المتّصلة بالجسم، ويبقى ملتصقاً بها لمدّة تسعة أشهر.
ولعلّنا نتذكّر حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا الجانب الذي يقول فيه: «مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى». (1)
وكذلك فهو يتأثّر تأثيراً مباشراً بالرضاعة الطبيعيّة من أمّه، لذلك ينصح الأطبّاء الأمّهات بالاهتمام برضاعة الولد حليبهنّ، ومن فوائدها الأساسيّة الربط العاطفي بين الأمّ وطفلها، فهي لا ترضعه حليبها فقط، وإنّما ترضعه حنانها ومشاعرها، بل ترضعه قدراتها العقليّة كذلك، ولماذا لا تهتمّ بقراءة كتاب ربّها أثناء الرضاعة، فترضع طفلها كلام ربّها مع حليبها، وفي نفس الوقت تستفيد هي كذلك استفادةً عظيمةً من ذلك، وهو زيادة حفظها للقرآن الكريم، وتقويّة ذاكرتها.
وقد أكدّت دراسة قام بها علماء أمريكيّون، وأثبتت بأنّه توجد هرمونات في جسم المرأة يتمّ إفرازها أثناء الحمل وبعد الوضع، أي أثناء فترة الرضاع، ترفع من قدرات المرأة على التعلّم والتذكّر.
ولا بدّ أن يكون هناك سرّا قد خفي على العلماء الذين ما أوتوا من العلم إلاّ قليلا.
وهل يحقّ لنا أن نفترض نحن المبتدئون في هذا الميدان، افتراضاتٍ لهذا الوضعيّة التي تكون عليها الأمّ أثناء الرضاعة من زيادة هرمون التذكّر، وربّما هذه الزيادة لتراقب وليدها جيّداً، ولا تنسى شيئاً من حاجيّاته التي يحتاجها في تلك الفترة التي تلبّي له فيها أمّه كلّ حاجاته، حتّى يكون بذلك بعيداً عن الخطر.
__________
(1) أخرجه البخاري. (1/71)
صفحة 72
وأكثر من ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي تناله تلك الأمّ من قراءة بعض الآيات، فتنال بكلّ حرفٍ حسنةً، والحسنة بعشر أمثالها، مع البركة التي تجلبها لولده ببركة كتاب الله - عز وجل -.
ومن عجيب ما ذكر عن أثر الأمّ في ولدها، وأثر أمنيّتها أنّ أحد العلماء الصالحين قال لامرأةٍ حين سألته الدعاء لوليدها.
ــ ماذا تتمنّين أن يصبح وليدك حين يكبر؟.
قالت: أريده أن يكون داعيّة إلى الله - عز وجل - في الصين.
فقال لها: فكّري دائما في هذه الأمنيّة وأنت ترضعين ولدك، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - بإذنه وعونه وتوفيقه، وببركة دعائك سيحقّق لك أمنيتك في واقع الحياة.
ولمّا سمعت بذلك، داومت على ذلك التفكير، وعندما كبر ولدها أصبح داعيةً إلى الله - عز وجل - في الصين.
وهنا نشير على الأمّهات أن يداومن على تلاوة كتاب الله - سبحانه وتعالى - وهنّ حوامل، ويدعون لذلك الجنين أن يكون حاملاً لكتاب الله - عز وجل -، ويرجون ذلك بقلبٍ صادقٍ خاشعٍ لله - سبحانه وتعالى - محافظٍ على كتابه، ثمّ بعد الوضع يفعلن مثل ذلك في فترة الرضاع، فلعلّ الله - عز وجل - يحقّق لهنّ أمنيتهنّ فنتحصّل على جيلٍ قرآنيٍّ ربّانيٍّ.
ويقول العلماء: إنّ تهيئة دماغ الطفل للتعلّم وتحضيره للدراسة، يبدأ من مرحلة الحمل، ثمّ بعد ذلك في مرحلة الرضاع، وبعد ذلك في السنوات الأولى من عمره، وكثيرٌ من الممارسات التي يقوم بها الوالدان للطفل في فترة الرضاعة لها تأثيراتٌ كبيرةٌ على قابليّة الطفل للتعلّم مستقبلا، ولها تأثير في تطوير ذكائه وتنميّة قدراته العقليّة، فما على الأمّهات خاصّة إلاّ أن يعتنين عناية فائقة بذلك المخلوق الصغير في هذه المراحل الثلاث. (1/72)
صفحة 73
ويرى الباحثون أنّ من المؤثّرات المهمّة في علاقة الأمّ بولدها حصول تماس حسّي بينهما بعد الولادة مباشرة، فهذا التماس يمكن أن يؤثّر في الاتّصال المتبادل بينهما مستقبلاً، وله أثره الفعّال في نفسيّة الطفل، بحيث يكون سبباً لتعلّمه السريع، أو البطيء فيما يستقبله من مختلف مراحل حياته.
ويرى العلماء بأنّ الأربع والعشرين ساعة التي تلي الولادة يمكن أن تلعب دوراً هامّاً في تحديد سلوك الأمومة، ويمكن اعتبارها مرحلةً حسّاسةً في نموّ العلاقة بين الأمّ وطفلها.
ومن أجل ذلك كان العرب في القديم يختارون المرضعات الخيّرات لأولادهم، ويعتمدون في ذلك الاختيار على فصاحة أعضاء القبيلة، لينشأ الولد فصيحاً بليغاً، كما أنّهم يدرسون سلوكيّات أبناء القبيلة مثل الشجاعة والكرم والصحّة الجيّدة، ويؤمنون بأنّه لا يرضع منها الحليب فقط، بل ترضعه معه أخلاقها وقواها العقليّة والنفسيّة، بل حتّى الجسميّة.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}
[البقرة:233]
اللحظات الأولى للميلاد
إنّ دماغ المولود يبدأ منذ اللحظات الأولى للميلاد في البحث عن المعرفة وتعديل نفسه وتكييفها على حسب نمط الحياة التي تتلقّاه بها أمّه، والعناصر المحيطة به من أسرته، فإذا وجد أمامه مجتمعاً ثريّاً بالمعلومات المختلفة، والاستثارات الروحيّة والمادّية التي تستثير فيه الارتباطات الدماغيّة للخلايا العصبيّة، فإنّها ستنمو وتقوى، ممّا يزيد فيه القدرة على التفكير والتعلّم، فيتعوّد على تلك الطريقة، حتّى يألفها ويصبح ذهنه يعمل بكلّ قوّةٍ. (1/73)
صفحة 74
أمّا إذا ما نشأ في مجتمع لا توجد فيه ما يثير فيه الارتباطات العقليّة، فإنّ قواه العقليّة ستبقى في حالة انتظارٍ، ولا تنمو لأنّها لا تجد من يهتمّ بها، فينشأ الولد وهو ضعيف الحفظ، قليل التفكير، لأنّ خلاياه العصبيّة قد ألفت الخمود والفشل والراحة، وبهذا لا يستطيع أن يكون ولداً مفكّراً عبقريّاً، ولأنّ دماغه يتخلّص من الخلايا الغير اللازمة، ومن مليارات الارتباطات الغير المستعملة والغير المستثمرة.
وقد قام بعض علماء الذاكرة والأعصاب المخيّة في سلوفاكيا بتجربةٍ لبحث تطوّر الارتباطات العقليّة بين خلايا الدماغ، وهل يستطيع الأطباء، أو الأولياء التأثير فيها، أم لا، ودرسوا قوّة تأثير الموسيقى في أعصاب وخلايا المخّ.
وقد أكّدت هذه التجارب وجود علاقة إيجابيّةٍ بين درجة تعريض حديثي الولادة لألحان من سوناتات الموسيقار "موزارت" ودرجة تطوّر قدراتهم الذهنيّة، حيث أثبتت هذه التجارب إمكانيّة تحفيز بعض مناطق المخّ المسؤولة عن التحكّم في عمليّات التذكّر والاتّزان الحركي العصبي، من خلال الاستماع إلى الموسيقى في سنٍّ مبكّرةٍ جدّاً، حيث تتأثّر هذه المناطق بالإيقاعات والفواصل والتغيّرات والتقلّبات اللحنيّة الموجودة في الموسيقى الموضوعة وفقاً للقوانين الحاسمة للموسيقى الكلاسيكيّة.
واستنتج هؤلاء العلماء أنّه كلّما تمّ التبكير بتعريض الأطفال لهذه الإيقاعات اللحنيّة، فإنّ التطوّر الذهني يبدأ بشكلٍ مبكّرٍ أيضاً، وتكمن فاعليّة الموسيقى في كونها ملائمةً لأمخاخ الأطفال، حيث لا تحتوي على كلماتٍ، أو شفراتٍ تستدعي التفسير وإرهاق الذهن. (1/74)
صفحة 75
فإذا كانت خلايا دماغ حديثي الولادة تتأثّر بالإيقاعات الموسيقيّة التي هي من وضع البشر، فلماذا لا يقوم العلماء المسلمون بمثل هذه التجربة بتعريض أمثال هؤلاء المواليد إلى تلاوة بعض آيات كتاب الله القرآن الكريم الذي هو نورٌ فوق نورٍ، وهو من تنزيل الذي هو نور السماوات والأرض، أفلا يكون هذا النور تنويراً لمثل هذه الخلايا فتزداد ارتباطاتها قوّةً تستمدّ قوّتها من قوّة نور منزّله.
- {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة ـ 15]
- {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} ... [النور ـ 40]
وفي السنوات الأولى من عمر الوليد يختار عقل الولد بفطرته التي فطره الله - عز وجل - عليها الارتباطات والأطر العقليّة والقيم والعقائد والعادات التي يستقيها من المحيط الذي يكبر فيه، وذلك كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه. (1)
وقد أثبت الدكتور هير: أنّه يمكن لنا أن نعمل على مضاعفة النشاط العقلي وزيادة كفاءته في سنٍّ مبكّرةٍ جدّاً، وذلك بوجوب البدء مبكّراً في اتّباع استراتيجيّاتٍ حسنةٍ راقيّةٍ لزيادة لياقة الذاكرة في الولد، والحدّ من الضغوط النفسيّة، مع التكيّف البدني، وتناول الغذاء الصحّي، ــ حليب الأمّ ــ وكلّ هذه العوامل تزيد من تشجيع وظائف خلايا المخّ، وتحسين القدرات الإدراكيّة.
__________
(1) أخرجه مسلم. (1/75)
صفحة 76
وما دام الولد يستقي مبادئ تربيّته وتعليمه وعاداته الأولى من محيطه الذي يعيش فيه، أرشدنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى تعليمه كلام الله - سبحانه وتعالى - عندما يبدأ النطق بالكلمات، كي يستمدّ ارتباطاته وأطره العقليّة منه، وتكون تلك الأطر قويّةً بقوّة القرآن الكريم، ومتنوّعةً بتنوّع أساليبه، لأنّ القرآن زيادةً على مادته اللغويّة التي يتركّب منها أسلوبه وتعبيره، يحمل قوّةً روحيّةً أودعها الله - عز وجل - فيه، وهو القائل:
- {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} ... [الشورى:52]
وكذلك يستطيع الوالدان أن يتلقّياه ببعض آيات كتاب الله - سبحانه وتعالى - في الأيّام الأولى لميلاده، وأن يكوّنا حوله وسطاً غنيّاً بكلام ربّه - عز وجل -، وذلك بمحافظتهما على تلاوته يوميّاً وهما بجانب ولدهما يسمعهما، ويودّعانه ببعض الآيات عند ذهابه إلى النوم، وعند استيقاظه منه، ولو أنّه لا يفهم شيئاً من ذلك.
والقرآن فيه من عطاء الله - عز وجل - ما تحبّه النفوس البشريّة ويستميلها، وربّما يقول الواحد منّا بأنّ ذلك لا يكون إلاّ للمسلم المؤمن، ولكن هذا التأثير يقع كذلك للنفوس الكافرة التي لا تؤمن بالله - عز وجل -، لأنّه يخاطب ملكات لا نعرفها نحن، ولكن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يعرفها، وهو الذي خلق هذه النفس، وجعل فيها هذه الملكات، فأنزل إليها هذا القرآن، وهذه الملكات الموجودة في جميع البشر تنفعل حينما تسمع تلاوة القرآن، أو تقرؤه، وقد أخبرنا الله - عز وجل - بذلك في القرآن نفسه حتّى ندعو إلى سبيله بالقرآن لا بشيء آخر غيره. فقال - عز وجل -:
- {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}
[فصّلت:26] (1/76)
صفحة 77
ولذلك كان حرص الكفّار على أن لا يستمع أحد مهما كان عمره، أو انتماؤه إلى القرآن الكريم، حتّى لا يؤثّر فيه، فيؤمن بمحمّد - صلى الله عليه وسلم -، ذلك أنّ كلّ من يستمع القرآن سيجد له تأثيراً إيجابيّاً في نفسه، لا يستطيع الأطبّاء النفسانيّون أن يفسّروه، لأنّ ذلك من اختصاص العليم بما في الصدور.
وهناك قصصٌ كثيرةٌ يرويها الدعاة في خاصّية تأثير القرآن الكريم في النفوس غير المسلمة، بحيث تشعر أنّ هناك فرقاً بين كلماته وأسلوبه، وكلمات التعابير الأخرى.
إنّ القوّة الروحيّة والتعبيريّة التي أودعها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه هي التي تجعل كلّ نفسٍ تتأثّر به دون شعور منها، ودون تفسير لذلك، ومن أجل ذلك دعانا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - إلى البداية به في تعليم أولادنا، ليحقّق إحدى معجزاته التي أودعها الله - سبحانه وتعالى - فيه.
وإذا كانت البيئة الغنيّة بالمؤثّرات التي تحفّز خلايا المخّ، وتزيد في عدد الروابط التي تصل الخلايا العقليّة ببعضها هي أهمّ الأسباب لزيادة الذكاء على من يداوم على مثل هذه التحفيزات، فإنّ كتاب الله - عز وجل - القرآن الكريم يوفّر لمن يتعامل معه منذ نعومة أظفاره مثل تلك المؤثّرات والمحفّزات.
والعلماء المختصّون في أبحاث الذاكرة قد توصّلوا إلى إثبات أنّ التدريبات الذهنيّة المنظّمة تعمل على تحفيز الروابط الموجودة والقائمة بالفعل بين الخلايا العصبيّة، ممّا يؤدّي بدوره إلى تشكيل روابط عصبيّةٍ جديدةٍ داخل المخّ، ومثل هذه التدريبات الذهنيّة والمؤثّرات العصبيّة في السنوات الأولى من عمر الإنسان تحمي المخّ في بقيّة عمره في المستقبل.
والحقيقة العلميّة قد أثبتت بالتجارب المتعدّدة بأنّه ليس هناك ذاكرةٌ قويّةٌ، وأخرى ضعيفةٌ، كما يعتقد الكثير من الناس، ولكن في الحقيقة هناك ذاكرةٌ مدرّبةٌ، وأخرى غير مدرّبةٌ. (1/77)
صفحة 78
ولماذا لا تدرّب الأمّهات ذاكرة أولادهنّ بكلام الله - سبحانه وتعالى - المبارك، فيبارك لهم فيها ربّهم، زيادةً على تدريبها تدريباً حسناً وجيّداً، ما دام هو أحسن كلام على وجه الأرض، ويحتوي كلّ المواضيع التي يستطيع أن يدرّب بها الإنسان ذاكرته، خاصّةً الذاكرة السمعيّة التي أظنّ بأنّ الولد سيتعلّم بواسطتها الولد أكثر من الذاكرة البصريّة، خاصّةً وأنّ الطفل يعتمد في بداية عمره على التعلّم بالسمع أكثر من النظر.
والقرآن الكريم يعدّ أحسن غذاءٍ ذهنيٍّ يثري خلايا المخّ، لأنّه يوفّر لها مواصلة نشاطها على مرور الوقت في مختلف مراحل العمر، بما ترسّخه الأمّ من حبّ التلاوة في ذهن الطفل منذ سنواته الأولى، كما يدفعه إلى اكتساب وتنميّة عاداتٍ منتظمةٍ فيما يخصّ الأنشطة الذهنيّة التي تحميه من الفشل والخمول والكسل، والإنسان الذي يريد أن يحصل على نتائج حسنةٍ وعلى أعلى قدرٍ ممكنٍ من الفائدة التي يرجوها ويتمنّاها من قواه العقليّة، فما عليه إلاّ أن يواصل ممارسة الأنشطة الذهنيّة طوال سنوات عمره، ومن جهة أخرى يحمي عقله من الشيخوخة العقليّة.
وقد جعل الله - عز وجل - في كتابه قوّة التأثير في النفس دون شعور من صاحبها، وهذا يعدّ من معجزاته المتعدّدة التي أودعها الله - عز وجل - فيه، فلماذا لا نجعله أوّل علم نعلّمه لأولادنا كما أمرنا بذلك نبيّنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، حتّى يستمدّوا قوّة عقولهم وتفكيرهم من قوّته، هذه القوّة التي يستمدّها من قوّة خالق السماوات والأرض.
ومن معجزة القرآن أنّ تأثيره يقع على النفس المؤمنة، وعلى الغير المؤمنة، وفي النفس الصغيرة والكبيرة، والذكر والأنثى، على حدٍّ سواء، لأنّ كلّ تلك النفوس قد خلقها خالقٌ واحدٌ، ووضع فيها القوى المتشابهة، لا فرق بين هذه وتلك، وهو القائل:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} ... [النساء:01] (1/78)
صفحة 79
وقال - سبحانه وتعالى -:
- {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}
[الأعراف:189]
الدور المهمّ لتربية الأمّ
إنّ كلّ علماء التربيّة دون استثناءٍ يؤكّدون على دور الأمّهات الحاسم في إعداد أولادهنّ لأن يكونوا ما هيّأتهم استعداداتهم وطاقاتهم الشخصيّة التي يمكن أن يصلوا بها إلى تحقيقه، أي راشدين يتمتّعون بشخصيّاتٍ مستقلّةٍ وقادرةٍ على المساهمة بشكلٍ فعّالٍ في بناء مجتمعهم والسير به لمواكبة التقدّم، والأسرة المكوّنة أصلاً بفضل تعاضد الأب والأمّ هي الوسط المهيّأ لأن يقوما فيه بأدوارهما ووظائفهما المتنوّعة والمتكاملة كما تعدّ المرجع الأساسي للأولاد، [النفسي والعاطفي والعقلي والخُلقي والجسمي والاجتماعي].
والأمّ تعدّ العنصر الفعّال في نفس الولد، لها تأثيرها الكبير والكامل في تنظيم وتحديد مجموع تصرّفاته وإدراكاته وقدراته بحيث تستثير الإمكانات والطاقات التي يولد وهو مزوّد بها، فتدفعها في طريق التطوّر السليم.
فالأسرة التي تعتمد في تكوين أولادها على كتاب الله - عز وجل - ستوفّر لهم هذا الجوّ الكامل، وربّما أفضل منه وأحسن، كيف لا وهو كتاب ربّ العزّة، خالق هذه النسمة، وهو وحده المطّلع على مكوّناتها، فالقرآن كتاب إرشاد وهداية وقوّة وهو كتاب دواء للنفوس يقيها، ويشفيها ممّا يصيبها من مؤثّرات تؤثّر فيها تأثيرا سلبيّا، ويوفّر ويضمن لهذه النفس كلّ الأسس التي تبني لها شخصيّتها، كيف لا وربّنا يقول فيه:
- {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
[الزمر:27] (1/79)
صفحة 80
وإذا أرادت الأسرة أن توفّر لنفسها كثيراً من الجهد في بناء شخصيّة أولادها، فما عليها إلاّ أن تلجأ إلى تعليمهم كتاب ربّهم وهم في طفولتهم المبكّرة، خاصّةً وقد وصّانا بذلك رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - الذي يعدّ أكبر مربٍّ للنفوس، ومكوّن للشخصيّات عبر التاريخ.
وهو القائل: «إنّما بعثت معلّماً».
ومن أجل ذلك فلابدّ للأسرة المسلمة أن تحرص على أن يكون القرآن الكريم هو أوّل ما تؤهّل به نفوس أولادها، فهو الوحيد الذي يستطيع أن يبنيها بناءً متوازناً، ويكوّنها تكويناً سويّاً قويّاً، وفي هذا يقول ابن خلدون:
«القرآن هو أصل التعليم، الذي ينبني عليه ما يحصّل من الملكات».
وهذا هو ابن خلدون قد حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وتعلّم العلوم الكثيرة في اللغة والأدب والفقه والأصول والتفسير والحديث ونبغ في كلّ ما تعلّمه، وهو لم يبلغ بعد سنّ العشرين من عمره.
ولعلّ حفظه للقرآن في هذه السنّ المبكّرة هو الذي كوّن فيه هذه العبقريّة القليلة من نوعها بين بني البشر، ففتّق له ذهنه، وقوّى له وصلات خلايا دماغه، حتّى أصبح لديه مثل هذه الحافظة القويّة.
وبتعليم الأمّ القرآن لولدها، تحقّق دوره الإيجابي، وتبني فيه الركائز الثلاثة للطمأنينة وهي: الحبّ والثبات والتقبّل، هذه الركائز الضروريّة لتكوين شخصيّة الولد وتميّزه العاطفي والنفسي والتعليمي بصفةٍ خاصّة، وهو الذي يُشعر الولد بأنّه مقبول لذاته لا كما يشاؤه الآخرون، وهذا الحبّ ليس غاية في حدّ ذاته، بل يعدّ وسيلةً تتحدّد من خلالها حياة الولد المستقبليّة، إذ يدوم معه إلى ما لا نهاية في نفسيّةٍ راشدةٍ قويّة الثقة بقدراتها، وقد اكتشف العلماء أن انعدام هذا الإحساس يحدث مختلف الاضطرابات النفسيّة عند الولد في مسيرة حياته المستقبليّة. (1/80)
صفحة 81
وقد توصّل العلماء بدراساتهم المتعدّدة بأنّ تعليم الولد مهارة القراءة منذ صغره يكوّن فيه قبول ذاته، لأنّه بذلك سيكتشف قدراته التي وهبها له ربّه، فيتعلّم كيف يستغلّها استغلالاً جيّداً، وينمّيها تنميّةً راقيّةً، وبذلك يتغلّب على جوانب الضعف لديه، وإنّ قبول الإنسان لذاته هو الطريق الوحيد الذي يستطيع من خلاله تطوير ذاته، وتنميّتها بثقةٍ وقوّةٍ، ويمكن للأمّ أن تعلّم ولدها هذه المهارة بتعليمه كلام ربّه - عز وجل -.
إنّ تعليم القرآن الكريم للولد من طرف أمّه يجعله يشعر بأنّها تقدّم له أفضل ما لديها، وأنّ ذلك الاهتمام الذي توليه له ينبع من داخلها، وكأنّها لا تهتمّ بأحدٍ سواه، وكلّ ذلك يزيده تعلّقاً كبيراً بها، ومن خلال ذلك تعلّقاً بالحياة، فتفجّر فيه طاقاته الذاتية، أي مبدأ الحيويّة والانفتاح المسيّر لنموّ الولد، والمترسّخ في داخله بفطرته التي فطره الله - عز وجل - عليها، فيكون له دافعاً للانفتاح على الحياة وعلى العالم الخارجي، والذي يسمّيه العلماء [الانطلاق الفطري نحو الحياة]، وهو طاقةٌ كامنةٌ، يولد كلّ كائنٍ بشريٍّ مزوّداً بها، ولا تخلقها الأمّ، ولا الوسط، بل يقدّمان له المناخ الملائم لبلورتها.
وبالاهتمام بتعليم الولد القرآن الكريم في مرحلة الطفولة المبكّرة تستطيع الأمّ، أو الأب أن يبلور تلك الطاقة بكلّ سهولةٍ وبكل ّقوّةٍ، لأنّه سيستمدّ قوّته من قوّة كتاب الله - عز وجل -، الذي لا توجد قوّةٌ في الوجود تستطيع أن تؤثّر مثل تأثيره في النفس البشريّة، سواءً من الجهة النفسيّة الروحيّة، أو من جهة القوّة العقليّة التي وهبها الله - عز وجل - لهذا الإنسان. (1/81)
صفحة 82
إذن إنّ الولد قد خلقه ربّنا - عز وجل - وهو يحمل في أعمق أعماقه برعم الحياة والنموّ، وهذا البرعم يتوق للتفتّح عبر تبلور مختلف الاستعدادات الكامنة بالقوّة داخل نفسه، فأنزل الله - سبحانه وتعالى - مثل هذا النور الذي ينير له أعماق نفسه، فتتبلور تلك البراعم بكلّ وضوحٍ، وتنمو بكلّ قوّةٍ، وهذا الكتاب يعطي القوّة الكافيّة للأمّ كي تستطيع أن تقدّم به لطفلها المناخ الملائم لنموّ طاقاته وتطوّرها تطوّراً طبيعيّاً، إذن يكفي للأمّ أن تقدّم لطفلها هذه الطاقة التي جعلها ربّنا - عز وجل - في كتابه كي تؤمّن له المناخ المناسب لكلّ ذلك، ولذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
«فإنّه أوّل ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله هو». (1)
الولد هو سلوك أمّه
يقول بياجيه: إنّ هدف التربية هو أن نخلق للطفل إمكانيّاتٍ لكي يقوم هو بالاختراع والاستكشاف.
ويقول العلماء النفسانيّون والاجتماعيّون: إنّ لتربيّة الأمّ دوراً كبيراً في نبوغ الطفل وصياغة شخصيّته، أو عدم نبوغه.
والأمّ المثقّفة هي أفضل وسيلةٍ لبناء النفس الإنسانيّة، لأنّها تستطيع أن ترشد ولدها بكلّ عنايةٍ ودرايةٍ إلى كيفيّة اكتشاف وتنميّة قدراته، وتعينه بشكلٍ قويٍّ على معرفة ذاته وقبولها، لأنّ قبول الذات يعدّ الطريق الوحيد الذي يستطيع الطفل أن يحقّق تطوير قدراته من خلاله، وبناء الثقة بنفسه.
وإنّ الاهتمام ببناء ولدٍ في طفولته المبكّرة، أولى من الاهتمام بإصلاح رجلٍ كبيرٍ.
وقيمة الزواج ليست في إنجاب الأولاد فحسب، بل في تربيّتهم لينموا وينبغوا نبوغاً جيّداً، حتّى يصبحوا أناساً أسوياء.
__________
(1) أخرجه الربيع. (1/82)
صفحة 83
ولسلوك الأمّهات تأثيرٌ على تكوين شخصيّة الأولاد في مستقبل حياتهم، فإذا أرادنا أن نطّلع على سلوك الأمّ، فما علينا إلاّ أن ننظر إلى سلوك ولدها، حتّى أنّ بعض العلماء استنتجوا بعد دراساتٍ طويلةٍ معمّقةٍ بأنّ الولد يتأثّر بسهر أمّه أو نومها الكثير، ولهذا يمكننا أن نستنتج بأنّ الولد يرث من أمّه عادة النوم الكثير أو قلّته.
ويؤكّد علماء التربيّة بأنّ الولد يكتسب شخصيّته من تأثير شخصيّة أمّه عليه، ومن خلال سلوكها، ومن طريقة تعاملها وتفاعلها معه، ومسار تطوّر سلوك الطفل يتعلّق بكلّ ذلك.
وقد أثبتت الدراسات أنّ 85% من سلوكاته نابعٌ من علاقته بأمّه، وأنّ الشخصيّة المتوازنة المنسجمة لا تكون إلاّ في الأسرة المتحابة المتفاهمة.
فإذا كانت الصفات الجسميّة الخاصّة تورث، وإذا كانت غرائز وانفعالات الولد هي نتيجة لإفرازات بعض الغدد التي تؤثّر بدورها في سلوكه، أفلا يمكن أن نستنتج أنّ تفكير الطفل وتصوّراته وسلوكاته تنبني على بعض الصفات الخاصّة الموروثة من الوالدين، فلماذا لا يبني الوالدان صفاتهم على المداومة على تلاوة كتاب الله - عز وجل -، فينشأ أولادهما في تلك البيئة القرآنيّة، وتصبح المحافظة على تلاوته من سلوكهم الذي اكتسبوه من والديهم.
ولذلك أوصى الإسلام بتوفير الحاجات الأساسيّة للولد، ودعا إلى تنميّة المواهب والقدرات لدى الناشئة، وهذه التربية ترتكز على:
1ــ المحافظة على فطرة الناشئ ورعايتها.
2ــ تنميّة مواهبه واستعداداته كلّها.
3ــ توجيه الفطرة والمواهب نحو مصلحة الولد، ومحاولة إيصالها إلى الكمال اللائق بها.
4ــ التدرّج في هذه العمليّة التربويّة شيئاً فشيئاً، وذلك حسب تدرّج الطفل في عمره. (1/83)
صفحة 84
والله - سبحانه وتعالى - لم يترك المربّين دون مرجعٍ يستمدّون منه كلّ هذه الحاجات، ويتعرّفون منه على طرق تنميّة تلك القدرات، لأنّه قد أنزل إليهم هذا القرآن الكريم الحكيم والمبارك، ليستمدّوا منه ما يحافظون به على فطرة النشء التي فطرهم عليها، وينمّون به مواهبهم ويقوّون استعداداتهم، ويحاولون أن يصلوا بتلك الفطرة، وتلك الاستعدادات إلى أسس التربيّة القرآنيّة، وقد راعى فيه الله - عز وجل - هذا التدرّج الذي يجب أن يراعيه المربّون في طريق التربيّة والتوجيه لهذه الأجيال الناشئة.
والمربّي الناصح لذريّته يستطيع أن يوفّر هذا الجوّ القرآني الديني العقائدي مع الحاجات الأخرى التي يحتاجها الولد من حنان الأمومة ورعاية الأبوّة، وطعامٍ وشرابٍ، وغيرها ممّا يعين الطفل على أن ينشأ نشأةً سويّةً.
وقد اتّفق علماء التربيّة على بعض الحاجات النفسيّة الأساسيّة للولد منها:
1ــ الحاجة إلى الحبّ والمحبّة، فالطفل الذي لم تتوفّر له هذه الحاجة، فإنّه سيعاني من الجوع العاطفي، ويشعر أنّه غير مرغوب فيه، ولذلك يصبح سيّئ الخلق، لأنّه لا يقبل ذاته، ولا يكون متوافقاً معنويّاً ونفسيّاً.
وما أحلى توفير هذه الحاجة وهي مرتبطةٌ ومختلطةٌ بكتاب الله - عز وجل -، ذلك هو الفوز العظيم، وذلك هو الفضل المبين، حين تُجلس الأمّ ولدها على حجرها، وتلقّنه بعض آيات ربّه - سبحانه وتعالى -، بلطفٍ وحنانٍ وبشرٍ.
2ــ الحاجة إلى جزء من الحريّة والاستقلال، إذ أنّ هناك سلوكاتٍ وأشياء كثيرةً يتعلّمها الطفل عندما يجد ذلك النوع من حريّة التعلّم والممارسة لبعض الأعمال.
وهذه الحريّة والاستقلال نستطيع أن نوفّرها له بعد أن نلقّن له آيةً من القرآن الكريم، فنتركه بعد ذلك يراجعها، ويحفظها لوحده، فعند ذلك ستنمو ثقته بنفسه نموّاً كبيراً، فيرى نفسه يستطيع مرّة بعد أخرى أن يحفظ لوحده آيةً، أو سورةً، ولو صغيرةً. (1/84)
صفحة 85
3ــ تشجيع التفكير الذاتي المستقلّ لدى الطفل ومعاملته على أنّه يملك شخصيّةً مستقلّةً ووجهات نظرٍ خاصّة.
وهذه المهارة يستطيع المربّي أن يبنيها ويكوّنها في الطفل بأن يشرح له من حين لآخر معاني كلمةٍ من الكلمات، أو سورةً من السور التي يلقّنها له، وشيئاً فشيئاً مع تقدّمه في حفظ سور القرآن، نكوّن لديه مهارة التفكير.
4ــ الحاجة إلى نوعٍ من السلطة الضابطة والموجّهة، وذلك حتّى يشعر ويتعلّم بأنّ هناك نظاماً وأحكاماً يجب أن ينضبط بها ويسير وفق توجيهاتها.
وهذا الانضباط يستطيع أن يتعلّمه عندما يُشعره المربّي بأنّه ملزم بحفظ آيةٍ من الآيات، أو سورةٍ من السور، واستظهارها بعد مدّةٍ معيّنةٍ من الزمن كي يعطي له جائزته التي يستحقّها.
5ــ الحاجة إلى تعلّم معايير السلوك والنظم الاجتماعيّة.
وهذه السلوكات ترشده إليها أمّه من خلال الآيات التي يتعلّمها ويحفظها، وتبيّن له بعض معانيها بصفةٍ مختصرةٍ جدّاً، وبالقدر الذي يفهمه، ثمّ تأمره بتطبيقها في توجيه أقواله وأعماله.
6ــ الحاجة إلى اللعب، ولذلك فعلى الوالدين أن يوفّرا له بعض اللوازم التي يستطيع أن يشبع به هذه الغريزة، وذلك بلعب أمّه معه بعد أن يحفظ آيةً كانت قد لقّنتها إيّاه، ويمكن لها أن تشعره بأنّ ذلك هديّةً منها إليه، وفي تلك اللحظات التي تلعب معه، تستطيع الأمّ أن تعلّمه معايير السلوك والنظم الاجتماعيّة التي يجب عليه أن يحترمها، إذا أرادت أن يصبح إنساناً محترماً، والشيء الإيجابي في هذا اللعب أنّ الوالدين يستطيعان تعليمه كلّ هذه السلوك بصفةٍ تطبيقيّةٍ واقعيّةٍ.
7ــ الحاجة إلى التقدير الاجتماعي، وذلك من خلال تعليمه كيفيّة التعامل مع عناصر أسرته، ومع الغرباء الذين يلتقي معهم من حين لآخر. (1/85)
صفحة 86
وإحساس الولد بنفسه يتعلّمه من خلال معاملة والديه له، فإن هما أشعراه أنّه ولدٌ طيّبٌ، وجعلاه يحسّ بمحبّتهما إيّاه، فإنّه سيكوّن عن ذاته فكرةً أنّه إنسانٌ طيّبٌ مكرّمٌ، وأنّه ذو شأنٍ في هذه الحياة، أمّا إذا كانا قليلي الصبر معه، لا يوجّهان سلوكه الوجهة الطيّبة الحسنة، بمداعبةٍ وتناغمٍ، دون أن يشعر بذلك التوجيه والإرشاد، فسيشعر داخل نفسه بأنّه ولدٌ غير طيّبٍ، ويكوّن عن نفسه فكرةً سلبيّةً، وينتهي الأمر بالكآبة، أو الإحباط، أو التمرّد والعصيان.
وكلّ تلك الحاجات لا يستطيع أن يطّلع عليها الولد ويتعلّمها إلاّ بواسطة مراقبة الأمّ وتوجيهاتها في سنواته الأولى، من خلال محاورته وملاعبته، وكلّ ذلك بالرفق وعدم الإسراف في الضبط والتوجيه، والتغاضي عن بعض الأخطاء التي تصدر منه، بهدف معرفة الخلل في سلوكه، لكي تصحّحه، وحتّى لا تفقده ثقته بنفسه، مع يقظةٍ واعيّةٍ وحرصٍ للبعد عن تدليله، ومراعاة كرامته وإنسانيّته.
والعظماء إنّما صنعتهم أحضانٌ دافئةٌ، وأمّهاتٌ هادئةٌ، أنفسهنّ مليئةٌ بالأمان وبالثقة، أمّلت فيهم خيراً، وآمنت بقدراتهم، وصنعت لهم خيالاً واسعاً من القصص وكثرة الحوار حول أصحاب الهمم العالية من العظماء والناجحين في هذه الحياة، فتكوّنت في نفوسهم صوراً ناصعةً لحياتهم، وصارت نفوسهم تتوق وترمي إلى الوصول إلى مثل درجاتهم، بعد ما سمعوا كثيراً وطويلاً عن سيرتهم. (1/86)
صفحة 87
وموضوع الأمومة على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة في تكوين العباقرة والمتفوّقين في المجتمع، لأنّ دورهنّ يتعلّق بقدرتهنّ على إعداد الطفولة الأولى منذ فترة الحمل وما بعدها، ويتعلّق الأمر كذلك بما إذا كانت الأمّ كفأة في تكوين الأجيال الصاعدة، واهتمامها بدراسة أصول التربيّة الإسلاميّة القرآنيّة، متعاونةً مع أسس التربيّة العصريّة، لأنّ هذه الدراسة تعدّ ضرورةً لتفهّم تطوّر الطفل والعوامل المؤثّرة في شخصيّته، وذلك حتّى قبل خروجه إلى هذا الوجود، وكلّ هذا ممّا يفيد الطفل وأهله والتربويّين جميعاً.
إنّ إعداد فتاةٍ صالحةٍ مثقّفةٍ هو بمثابة الضمان لإيجاد أسرةٍ متوازنةٍ متوافقةٍ، تعين على المحافظة على فطرة الطفل سليمةً نقيّةً، وتعمل على صقل مواهبه، وتفجير طاقاته، لتكوّن منه عنصراً قويّاً يتعامل مع تغيّرات الحياة بكلّ ثقةٍ وثباتٍ، ويعمل بإخلاصٍ وتفانٍ في سبيل الرفع من قيمة أمّته التي هي أحوج ما تكون في هذه الفترة التي تسلّطت عليها الأمم، وأذاقتها أنواع الذلّ والتحقير.
وهذه المسؤوليّة المناطة بالأمّ لإعداد أجيال المستقبل تعطيها شعوراً عميقاً بثقلها، ودقّة أدائها، وحسن التدريب لهذه النفس الصغيرة وتنميّتها، وبذلك تحاول أن تطّلع على كثيرٍ من القواعد التربويّة، وتطبّقها قدر استطاعتها، والأمّ التي لا تستشعر ثقل هذه المسؤوليّة وهذا الأداء، فهي غير جديرةٍ بتربيّة الجيل، وربّما تسيء إليه، في حين أنّه يجب عليها أن تحسن، والإثم الكبير الذي تقترفه مثل هذه الأمّ الجاهلة بقواعد التربيّة أنّها تسيء إلى الأمّة بأكملها، وليس إلى نفسها، أو ولدها فقط. (1/87)
صفحة 88
إنّها مهاراتٌ غير يسيرة التعليم، أو التدريب عليها، لأنّها تحتاج إلى جهدٍ متواصلٍ، وأوقاتٍ طويلةٍ، وتضحيّاتٍ جسامٍ لا يستطيع القيام بها إلاّ قلب تلك الأمّ الحنون التي لا تحبّ إلاّ الخير والنجاح لولدها في هذه الحياة، وتستلزم تغييراتٍ وتعديلاتٍ كثيرةً في سلوكيّات الوالدين والمربّين والمعلّمين، وتطوير أدائهم التربوي، لأنّ محاولة فهم ما بالنفوس، وتغيير ما بها، يعدّ أصعب وأعقد شيءٍ في هذا الوجود، والخطوة المهمّة التي يجب أن تقوم بها كلّ الأمّهات هي أن يفهمن جّيداً بأنّ هناك خللاً في الأساس التربوي للأمّ، هو الذي أدّى بها إلى هذا التردّي وهذا الانحطاط، لأنّ الإنسان إذا ما فهم بأنّه ناقصٌ في ناحيّة من النواحي، فإنّه يحاول بكلّ ما أوتي من قوّةٍ، ويستغلّ كلّ ما بين يديه من إمكانيّاتٍ حتّى يجبر ذلك النقص الذي يشعر به.
والله - سبحانه وتعالى - قد أنزل القرآن الكريم من السماء ليكون كتاب تربيّةٍ وتوجيهٍ وهدايةٍ للتي هي أحسن، وكتاب تقويمٍ لهذا المخلوق الضعيف، إذا ما وجد من يرشده إليه، ويحبّبه إلى نفسه في سنٍّ مبكّرةٍ، ولكن الأولياء قد أعرضوا عن استعماله في تربيّة أولادهم منذ السنوات الأولى إعراضاً كلّياً، لأنّهم يعتقدون أنّ بداية حفظه وتلاوته يكون عند الكبر فقط، فتجدهم لا يهتمّون بتعليمه للأولاد الصغار بحجة أنّهم لا يفهمون ما يقرؤون.
وهذا الكنز التربوي الذي بين أيدينا له قوّة تأثيرٍ هائلةٍ لا يمكن للعقل أن يدرك أبعادها، التي قد ضمنها له منزّله، ولقد ضرب لنا ربّنا - عز وجل - بعض الأمثلة التي تبيّن ذلك لنذرك قيمة هذه المعجزة التي غفلنا عنها، فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى [الرعد ـ 31]
ويقول المفسّرون بأنّ جواب الشرط محذوف، وتقديره: لكان هذا القرآن. (1/88)
صفحة 89
فالله - سبحانه وتعالى - يخبرنا في هذه الآية بأنّ كتابه قادرٌ بإذنه - عز وجل - على أن يحرّك الجبال من مكانها، ويقطّع الأرض الميّتة الصلبة، ويكلّم الموتى الذين فقدوا الروح والإحساس، فأيّ قوّةٍ هذه التي تستطيع أن تحرّك جبلاً من مكانه؟، أو تجعله يخشع ويتصدّع؟، كما يخبرنا بذلك في سورة الحشر، أو تقطّع الأرض فتجعلها منفصلةً عن بعضها؟، بل وتؤثّر في الموتى؟، وتجعلهم يتكلّمون ويستجيبون لها إذا دعتهم، إنّها بلا شكّ قوّةٌ مؤثّرةٌ تأثيراً روحيّاً قويّاً، لأنّها تستمدّ قوّتها من القويّ العزيز الجبّار، خالق هذه المخلوقات كلّها وهذه القوّة لا يمكن للعقل البشري أن يحيط بها، أو أن يدرك أبعادها.
فإن كانت هذه المعجزة تستطيع أن تفعل كلّ ذلك بإذن الله - عز وجل - في الجماد الصلب، وفي الموات، فما عساها أن تفعل في هذه الأنفس الضعيفة المخلوقة من لحمٍ ودمٍ، والمملوءة روحاً وإحساساً، والتي تتأثّر بأدنى شيءٍ تتعرّض له، وفي نفس الصغار خاصّةً، وقلوبهم البيضاء التي لم يؤثّر فيها بعد أيّ عملٍ يجلب لها القساوة، مثل الكبار الذين قد ران على قلوبهم ما كانوا يفعلون.
وممّا يزيد من أزمة أمّتنا الإسلاميّة والعربيّة أنّها تواجه تلك التغيّرات السريعة والصعبة وهي لا تملك ذخيرةً من الأجيال القرآنيّة المثقّفة المبدعة، القادرة على مواجهة تلك التحدّيات التي تزيد حدّتها يوماً بعد يومٍ بصفةٍ متسارعةٍ، خاصّةً في العنصر النسوي الذي تعتمد عليه الأمّة في تربيّة الأجيال، وتنشئتهم التنشئة الدينيّة الصحيحة القويمة.
شخصيّة الأمّ الذكيّةّ (1/89)
صفحة 90
إنّ المرأة الذكيّة المخلصة لربّها ولنفسها ولزوجها ولأولادها ولوطنها، تبدل كلّ ما أوتيت من قوّةٍ وذكاءٍ لتتعرّف على نفسيّات أولادها، وتقدّر اختلاف تكوين شخصيّاتهم وميولاتهم، وتستطيع أن تتسرّب إلى داخل نفوسهم، وتتوغّل في عوالمها الصافيّة البريئة، فتغرس فيها حبّ كلام الله - عز وجل -، وحفظه وتلاوته، وترشدهم إلى التخلّق بالقيم العليا والشمائل الرفيعة، وتكوّن فيهم الطموح والمثابرة والعمل بصبرٍ وجدّيةٍ.
وشخصيّة الأمّ المؤمنة المخلصة تكون بطبيعتها قريبةً من الأولاد، تتحاور معهم في كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، لتكوّن فيهم الحبّ والتقدير، وتكوّن فيهم علوّ الهمّة، وتدرّبهم على قوّة العزيمة، وتشعرهم بسموّ النفس وقوّة الروح، كي لا يشعروا بالدونيّة، فيحقّقوا ذواتهم كأحسن وأقوى ما تكون، وتجعل من نفسها إنساناً جذّاباً، فيميلون إليها أكثر من أيّ إنسانٍ آخر في هذه الحياة، ويتعلّقون بها، ويحبّونها أكثر من حبّهم لأنفسهم، وبذلك يثقون فيها أكثر ممّا يثقون في أنفسهم، بحيث يفضون إليها بكلّ ما يخطر ببالهم من مشاعر وخواطر، فتوجّههم بكلّ إخلاصٍ وبكلّ ثقةٍ، ويتّبعون توجيهاتها بكلّ إيمانٍ، لأنّهم يحبّون ما تحبّه، ويميلون إلى ما تميل إليه، ويحترمون كلّ ما تحترمه، ولهذا ننصح الأمّهات أن يملن قدر استطاعتهنّ لكتاب الله - عز وجل - تلاوة وعناية، وحبّاً واحتراماً وتحدّثاً عنه في كلّ وقت، كي يغرسن هذا التوجّه الإيجابيّ في نفوس أولادهنّ، فينشئون وهم يحبّون كتاب ربّهم، فيحبّهم، ويعينهم، ويوفّقهم إلى الطريق المستقيم وإلى الخُلُق القويم، خُلق القرآن الكريم، ويكونوا من الذين قال فيهم ربّ العزّة - جل جلاله -:
- {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} ... [آل عمران ـ 31] (1/90)
صفحة 91
يقول العلماء: ليس هناك شيءٌ يؤثّر في النفس البشريّة ويحرّكها أكثر من الحبّ، فهي تتحرّك بالحبّ أكثر ممّا يحرّكها العقل، فالإنسان بدافع الحبّ يقدّم الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ويضحّي بكلّ شيءٍ في سبيل ذلك.
فبدافع العقل قد يقتنع، وقد يعتقد، وقد يوقن، ولكنّه لا يتحرّك، أو يتحرّك ببطءٍ شديدٍ، ولكن بدافع الحبّ يتحرّك دون أن يشعر، وهو لا يعرف كيف يتحرّك، ولا كيف تحرّك.
أهميّة مرحلة الطفولة
لقد اتّفق علماء الطفولة أنّ السنوات الأربع، أو الخمس الأولى من حياة الولد لها دورٌ انفعاليٌّ ومعرفيٌّ مهمٌّ، وعلى هذا فإنّه يجب أن نهتمّ بإثرائها مبكّراً، وإلى أقصى حدٍّ ممكنٍ، سعيّاً إلى المثاليّة والقرب من الكمال.
وكتاب الله - سبحانه وتعالى - قد ضمّنه منزّله الغذاء الذهني القويّ الراقي والكامل الذي يستطيع أن يتغذّى منه قارئه ومتدبّره والمحافظ عليه بصفةٍ جيّدةٍ وكاملةٍ، فتنمو ذاكرته وتقوى تماماً كما يقوى الجسم الذي يغذّيه صاحبه بالغذاء المادّي الجيّد والكامل، وقد توصّل العلماء من خلال بحوثهم إلى أنّ تكوين الذكاء لدى الولد مرتبطٌ ارتباطاً وثيقا وقويّاً بالطريقة التي يغذّى بواسطتها الدماغ، مثله مثل محرّك السيّارة الذي تتوقّف حياته عادةً حسب طريقة استخدامه عند خروجه من المصنع لأوّل مرّةٍ، وعلى نوع المحروقات التي تقدّم إليه في بداية عمله ودورانه.
ولذا أصبح بالإمكان تكوين الذكاء بصفةٍ جيّدةٍ وقويّةٍ لدى الأولاد بإكثار التمارين ذات المستوى الراقي والمهمّ لتوسيع المجاري الدمويّة داخل الدماغ. (1/91)
صفحة 92
والوليد يخرج إلى هذه الحياة، وهو يملك قوىً جسميّةً وعقليّةً متشابهةً متقاربةً نسبيّاً مع أقرانه وأمثاله من بني جيله، إلاّ في القليل النادر، وذلك في حالاتٍ خاصّةٍ معيّنةٍ، ولكن نجد هذا يكبر وهو غبيٌّ جدّاً لأنّ والديه غفلا عنه في مرحلة الطفولة، فلم يهتمّوا بتطوير خلايا مخّه بما يقدّم لها من الغذاء الذهني والمثيرات العصبيّة اللازمة لتنميّة الدماغ لديه، وتطوير تفكيره، فضعفت ملكاته العقليّة، وهذا ذكيٌّ جدّاً لأنّ عوامل الوراثة قد اجتمعت لدى والديه، وترعرع في بيت حكمةٍ وثقافةٍ عاليّةٍ، فكان ذلك سبباً لتغذيّة خلايا دماغه تغذيّةً كاملةً قويّةً فتطوّر تفكيره بسرعةٍ وصار في قمّة الذكاء والتفوّق.
وما عدا ذلك فأغلبيّة الأولاد يولدون وهم يملكون أجساماً وعقولاً متقاربةً بالنسبة للمحيط الذي يعيشون فيه، والبيئة التي يترعرعون فيها، وجميعهم يخضعون بعد عامل الوراثة إلى عوامل أخرى عميقةٍ وشديدة التأثير على قواهم الفكريّة التي وهبها لهم ربّهم - عز وجل -.
فإهمال الآباء معاونة الطبيعة، وغفلتهم عن تنميّة عقول أولادهم يعود على الجيل بأسوأ الأضرار، لأنّ العقل يعدّ مثل أيّ عضوٍ في جسم المولود، فإذا ما درّب تدريباً جيّداً مثل تدرّب الأرجل والأيدي كبر حجمه وازدادت فعاليّته، فيصبح قويّاً نشطاً، أمّا إذا ترك على حالته فيبقى ضعيفاً غير فعّالٍ، لا يؤدّي مهامّه بقوّةٍ، وأغلبيّة الناس يكرهون ذلك.
إنّ دماغ الولد إذا أهمل، ولم تقدّم له التمارين الفكريّة الجيّدة، التي تدفعه إلى التفكير القويّ، فإنّ مراكزه الحسّاسة تبقى هاجعةً ضعيفةً واهيّةً، أمّا إذا تمّ تشغيله بصفةٍ جيّدةٍ توسّعت عروقه الدمويّة، فتجلب إليه الغذاء اللازم، وتنمو حجيراته، ويتّسع سطحه، ويزداد نشاطه، فيتّصف صاحبه بالذكاء والإبداع، وهكذا ينمو دماغه شيئاً فشيئاً، حتّى يصبح ذلك عادةً فيه وطبيعةً في مستقبل أيّامه في هذه الحياة الدنيا. (1/92)
صفحة 93
إنّ أيّ بناءٍ مهمّاً عظم وارتفع، فإنّه يتكوّن من لبنات أوّليّة كوّنت أساسه، فإنّ كانت تلك اللبنات قويّةً، واختيرت بذكاءٍ وإتقانٍ، ووضعت في مواضعها التي تناسبها، فإنّ البناء يكون قويّاً سليماً مستقيماً، مهما علا إلى فوق، وكذلك حياة الولد تماماً إذا اخترنا لبنات تربيّته بدقّةٍ وإتقانٍ، وكان البنّاء حاذقاً وذكيّاً ـ الأمّ ذكيّةً حاذقةً ـ فإنّنا نبني منه بناءً قويّاً، والطفولة هي نواة حياة الإنسان المستقبليّة، والنواة تفتقر إلى التربة النقيّة الصالحة، وإلى الظروف المناسبة، ولحسن غرسها، ثمّ تعهّدها بالعناية الدائمة، باقتلاع الأعشاب الضارّة التي تزعجها، وبذلك كلّه يكون لدينا نباتٌ قويٌّ مثمرً يؤتي أكله كلّ حينٍ بإذن ربّه، هذه الثمرة اليانعة الطيّبة التي سيجنيها الأولياء في الدنيا قبل الآخرة، ثمّ تكون لهم قرّة عين، وتكون من الذرّية التي قال فيها ربّ العزّة - جل جلاله -:
- {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} ... [الطور ـ 21]
وإذا اهتمّ أولياء الأمور ببناء هذا البناء على تقوى من الله ورضوانٍ، وعلى كتاب الله - عز وجل - الذي أنزله ليكون أساس الحياة البشريّة المؤمنة، فإنّه سيكون قويّاً مستقيماً متماسكاً، يستمدّ قوّته واستقامته من قوّة كتاب الله - سبحانه وتعالى - واستقامته وتماسكه، والذي أنزله الله - سبحانه وتعالى - خصوصاً لهذه المهمّة الحياتيّة الأصيلة.
فالقرآن الكريم إذا ما اهتمّ به الأولياء وجعلوه أساساً لبناء شخصيّة أولادهم، فإنّه سيحقّق المعجزات بتأثيره فيهم، ونتيجةً لذلك التأثير سيحقّقون هم كذلك المعجزات في حياتهم. (1/93)
صفحة 94
فقد أنزله الله - سبحانه وتعالى - ليحقّق به معجزته في هداية وإصلاح النفوس إذا ما تعاملت معه المعاملة التي طلبها منهم، فهو يحقّق في القلوب ما لا تحقّقه آلاف الحكم والتوجيهات، والقواعد التربويّة التي وضعها البشر، والتي يفتخرون بوضعها، وتطبيقها في حياة الإنسان، وهو يهدي قارئه إلى كلّ خيرٍ، وكم من إنسانٍ يقرؤه لمقصود آخر، ولكن يأبى إلاّ أن يكون له هدايةً ونوراً وإصلاحاً وتوفيقاً وتفوّقاً، فما علينا إلاّ أن نربّي أولادنا عليه، ليكونوا من أمّة الله - سبحانه وتعالى - ونصراء دينه.
فالله - سبحانه وتعالى - هو الذي يريد ويأبى إلاّ أن يظهر معجزة كتابه في خلقه، ويجعلها تتجدّد في كلّ العصور والأمكنة، ليظهر أثره وفعاليّته في إصلاح النفوس وتهذيبها وإرشادها إلى الخير كلّه، وذلك لمن تعامل معه بإخلاصٍ وصبرٍ وتفانٍ، ولكنّ أغلبيّة المؤمنين غير مقتنعين بتأثير هذه المعجزة في العقل البشري، وبناء العبقريّة فيه.
ولماذا لا نجعله أساس المثيرات الحسّية والذهنيّة للطفل في بداية طفولته، لأنّ الميزان الحسّي والذهني لدى الطفل لن يستقيم إلاّ إذا وفرّ له محيطه مختلف المثيرات لتقويّة سمعه وبصره وتعبيره، وذلك حتّى يكتشف المربّي بأنّ تلك الحواسّ تعمل بكلّ قوّتها وفعاليّتها وطاقتها.
وتلقين آياته المحكمات للطفل منذ السنة الرابعة فما فوق يكوّن فيه مثل تلك الإثارة التي تجعله يتعلّم الاهتمام والانتباه والتركيز، وتحافظ على استعداداته المختلفة، وهذا ما يقصده الرسول - صلى الله عليه وسلم - من حديثه، «فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو».
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّم القرآن الكريم في شبيبته اختلط بلحمه ودمه، ومن تعلّمه في كبره، فهو يفلت منه، ولا يتركه، فله أجره مرّتين». (1)
ولقد قال ابن عبّاس في هذا المعنى: «من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممّن أوتي الحكم صبيّاً».
__________
(1) أخرجه البيهقي. (1/94)
صفحة 95
ولقد أكّد العلماء على أهمّية ما تعلّمه الأمّ لولدها، وعدد المرّات التي تتحاور معه أثناء اليوم، وأيّ نوع من التشجيع والكلام والمثيرات التي تمارسها معه، ونوعيّة الحوار الذي تتحاور به معه، وعلى ذلك الأساس تتكوّن فيه المثيرات الذهنيّة، التي تثير فيه التفكير الإيجابي.
وفي تجربة أجريت على مجموعتين من الأولاد ما بين سنّ 3 و6 سنوات من مستويات مختلفة، لمراقبة دور الأمّ وتفاعلها مع أطفالها ظهر للباحثين بعد عامين من المراقبة الدقيقة الدور الكبير والرئيسي للمثيرات التي تمارسها الأمّ بحوارها معهم، فكانت المجموعة الأولى التي تمّ العناية بها تنجح دائما في تحويل انتباه الكبار إليهم ليحصلوا على معلوماتٍ، أو طلباتٍ لهم، وكانوا يتوقّعون ما سيحدث من نتائج، ويستعدّون لها، واستطاعوا أن يفهموا جملاً أكثر تركيباً وتعقيداً من أطفال المجموعة الثانيّة الذين لم يتعرّضوا لمثيراتٍ ومحفّزاتٍ ومحاوراتٍ تستحثّ فيهم قواهم الذهنيّة الكامنة التي وهبهم الله - سبحانه وتعالى - إيّاها.
وقد وجدوا أيضا أنّ أصغر الأطفال في المجموعة الأولى تفوّق على الولد الأكبر في المجموعة الثانية، وهذا يعني أنّ الاهتمام والإثراء أثمر في أولاد ذي ثلاث سنواتٍ أكثر بكثير من الأطفال الأكبر سنّاً.
إنّ الولد الصغير يمتاز بقوّة الذاكرة، وثبات الذاكرة، فإذا وفّر له محيطه الجوّ المناسب لاستثارة تلك القوى، فإنّه يستطيع حفظ كلّ ما يتعرّض له من المعلومات المختلفة، لذلك أرشد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولياء الأمور لتكوين هذا الجوّ الذي يستثير فيه مختلف هذه المواهب. (1/95)
صفحة 96
وكما يقول العلماء: إنّ الولد يلهو بالحفظ كما يلهو بأيّ شيءٍ يعترض طريقه، وأنّ الحفظ سهلٌ عليه، فإذا شغلناه بما يطوّره وينمّيه، فسيصبح فيه مهارةً قويّةً وسهلةً، وتمتدّ معه تدريجيّا إلى سنّ الرابعة عشر، وقد نبّهنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - أنّ أفضل وأرقى ما ننمّي به ذاكرة أولادنا ونستغلّها فيه، هو تحفيظه كلام ربّهم - عز وجل - في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث يكون فيها العقل في طور النموّ، فيتزايد حفظه وترسيخه مع نموّ ذاكرته، فيقع حبّه في قلبه، خاصّةً إذا كان ذلك الاهتمام، وذلك التلقين من أعزّ وأحبّ الناس إليه في هذه الحياة، أمّه العزيزة والحبيبة إليه، حيث يميل بقوّةٍ إلى ما تميل إليه.
ولقد أرشد ابن سيناء في كتاب السياسة بالبدء بتعليم الولد القرآن الكريم، بمجرّد استعداده جسميّاً وعقليّاً لهذا التعليم، ليرضع اللغة الأصليّة، وترسخ في نفسه معالم الإيمان.
وأوصى الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين بتحفيظ القرآن الكريم للأطفال الصغار، والأحاديث النبويّة التي صدرت من خير خلق الله.
وأشار ابن خلدون في مقدّمته إلى أهميّة تعليم القرآن الكريم للأولاد وتحفيظهم إيّاه، وأوضح أنّ تعليم القرآن الكريم هو أساس التعليم في جميع المناهج الدراسيّة، لأنّه شعار من شعائر الدين، حيث يؤدّي إلى تثبيت العقيدة، ورسوخ الإيمان.
ولقد وعى الصحابة والتابعون وعلماء الأمّة في عصورها الأولى أوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإرشاداته إلى أنّ تعلّم الصغار منذ بداية إدراكهم، يؤثّر فيهم تأثيراً إيجابيّاً في نشوء التفكير العلمي لديهم، ويجعلهم أقوى وأثبت ذاكرة، وذلك بما يرسخ فيها، ممّا يجعل ذاكرتهم تحافظ على قوّتها فيما يستقبل من الأيّام. (1/96)
صفحة 97
ولو أنّ المسلمين قد اهتمّوا بهذا الإرشاد الذي أرشدهم إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، خاصّةً الأمّهات، لما انحرف الجيل إلى حفظ أسماء الرياضيّين والمغنين، وأسماء برامج الرسوم المتحرّكة وغيرها من البرامج أكثر من حفظ كلام ربّهم، وأحاديث نبيّهم محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وأسماء صحابته. ومن أجل هذا نوصي الأمّهات بأن يسخّرن كلام الله - عز وجل - كمادة لتدريب ذاكرة الطفل، لأنّه كلّما دربّنا الذاكرة بالحفظ، إلاّ وازدادت قدرتها على الاحتفاظ بالمعلومات بسرعةٍ ولمدّةٍ طويلةٍ.
وحينما نعود بحقٍّ إلى ما أرشدنا إليه رسولنا - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى في تربيّة أولادنا، وبثّ روح المحافظة على كلام ربّهم - سبحانه وتعالى - واحترامه، فإنّنا نستطيع في فترةٍ قصيرةٍ من الزمن أن نكوّن جيلاً مسلماً مؤمناً بربّه، معتزّاً بدينه وبكتاب ربّه - عز وجل -، مفتخراً بتاريخه وأمجاده، ونكوّن مجتمعاً نظيفاً من حفظ الأغاني السافلة، التي لا تبثّ في الجيل إلاّ الإعراض عن دين ربّه - عز وجل -، وسيكون انقيادهم لشريعة ربّهم سهلاً عليهم ويسيراً، فيتّبعون الطريق الإسلامي القويم بكلّ بساطةٍ، ومن دون عناءٍ، لأنّ القرآن الكريم هو الذي سيهديهم إلى طريق الله القويم، فهو القائل:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ـ 09]
وقد تعجّبت الجنّ منه، وقالوا إنّه يهدي إلى الحقّ وإلى صراطٍ مستقيمٍ، فكيف لا يكون هدايةً لأولادنا، إذن فما علينا إلاّ أن نحبّبه إليهم بكلّ طريقةٍ ممكنةٍ، وبكلّ وسيلةٍ نستطيعها. قال الله - عز وجل -:
- {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} ... [الجنّ ـ1ـ2]
الحبّ أساس لنجاح التعليم المبكّر (1/97)
صفحة 98
لقد توصّل علماء النفس إلى اكتشاف أنّه بمجرّد تكوّن الدوائر العصبيّة للذكاء لدى الطفل، فإنّه تتكوّن لديه تبعاً لذلك الدوائر العاطفيّة التي تتحكّم في مزاجه وقدرته على التعلّم بقيّة حياته.
كما لاحظوا أنّ الأولاد المحرومين من الاحتكاك البشري الودود ينشئون وعليهم علامات الانسحاب واللامبالاة، وبطء التعلّم، ومشكلاتٌ سلوكيّةٌ خطيرةٌ، ولذلك اهتمّوا بدراسة أثر سوء المعاملة والإهمال في تغيير كيمياء مخّ الولد، وتعدّ تلك الروابط العاطفيّة من بين المهام الأولى الأساسيّة في حياة الطفل، وهو يستخدم كلّ حواسّه في إنجاز هذا العمل، وفي شهوره الأولى يبدأ بحفظ الأصوات والأشكال والروائح وتقوى الوصلات العصبيّة التي تشعره من دون وعيٍ منه بالحبّ والاهتمام والأمان، وتعدّ هذه القدرات مطلب أساسي لكثيرٍ من خبرات التعلّم، ويبيّن الدكتور {بروس بيري} رئيس قسم علم النفس في مستشفى أطفال "تكساس" أنّه إذا لم تتكوّن تلك الروابط المهمّة بشكل طبيعي لدى الطفل في عامه الأوّل، فستنشأ لديه مشكلاتٌ في عمل ووظيفة ذلك الجزء من المخّ بقيّة حياته، فالولد إذا أُهمل عاطفيّاً في عامه الأوّل، فمن المستحيل محو ذلك فيما يستقبل من أيّامه.
لغة الحبّ والودّ
وقبل أن يتعلّم الولد الصغير أيّ مهارةٍ من مهارات تعلّم الكلام، فإنّه يتعلّم لغة الحبّ والودّ بشكلٍ يشبه كثيراً تعلّم اللغات الأخرى التي يتحاور بها مع من حوله، وذلك من خلال الممارسة المتكرّرة من أمّه خاصّةً، وممّن حوله من أفراد أسرته.
وللحبّ أثرٌ عظيمٌ في التربيّة والتوجيه وتكوين العبقريّة والتفوّق، وقد اتّفق كثيرٌ من علماء التربيّة أنّه لا تتمّ تربيّةٌ ولا تعليمٌ من دونه، وخاصّةً عند الأطفال الصغار الذين يعيشون بعواطفهم، ولا يعرفون للتربيّة والعلم معنىً إلاّ إذا كانا ممزوجين بالحبّ والجمال. (1/98)
صفحة 99
وقد أعطانا ربّنا - سبحانه وتعالى - مثالاً لذلك من تربيّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه فقال - سبحانه وتعالى -:
- {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ... [آل عمران:159]
والشيء المعجز هو أنّ خبراء علم النفس والتربية يقولون بأنّ الولد يحتاج إلى شخصٍ واحدٍ على الأقلّ ليتحاور معه بتلك اللغة، وذلك الحوار، حوار المناغاة، ولغة المداعبة، وطبعاً ليس هناك شخص يستطيع أن يلبّي له ذلك الاحتياج أكثر من أمّه، أعزّ الناس إليه، وهو أعزّ الناس إليها كذلك.
إنّه يحتاج في تلك المرحلة المبكّرة إلى شخصٍ يتفاعل معه، ويتحدّث إليه بلغته الفطريّة التي يعبّر بها بطريقته التي يستطيع أن يحاور بها أمّه، التي تشاركه فرحته وابتسامته، ووسطه الذي ينشأ فيه، وتشاركه انتصاراته التي يحقّقها انتصاراً بعد آخر، وفي كلّ مرّةٍ يتلقّى الولد مثل هذه الاستجابات، تتعزّز لديه الدوائر العصبيّة التي تسجّل السعادة والمتعة والرغبة في التعلّم والاندماج في الوسط الاجتماعي، وإنّ إمكانيّات الولد على إتقان اللغة بكلّ تعقيداتها تدهش المربّين.
وقد توصّل العلماء إلى أنّ اكتئاب الأمّ يبطئ نموّ دماغ الولد، لأنّها تقابل خطواته وابتساماته وقدراته الإبداعيّة باللامبالاة، أو الغضب فتفشل تلك الدوائر العاطفيّة في الاكتمال، فتنقص قدراته التعليميّة عن التطوّر والتقدّم، وربّما يسجّل مخّه رسائل غير ملائمةٍ.
وأقول والله أعلم أنّ الأمّ الحامل إذا كانت مكتئبة، فإنّ اكتئابها يؤثّر تأثيرا سلبيّا على نموّ جنينها عامّة، وعلى نموّ دماغه وهو في بطن أمّه خاصّة.
والأمّ التي تهتمّ بكلام ربّها، وتداوم على تلاوته لا تصاب بمثل هذا الإكتئاب. (1/99)
صفحة 100
وقد راقب عالم النفس {جيرلدين دوسن} في جامعة "واشنطن" النشاط الكهربائي للمخّ لدى أطفال تعاني أمّهاتهم من اكتئابٍ شديدٍ، فوجد أنّ نشاط المخّ في الفصوص الأماميّة على الجبهة اليسرى أقلّ بكثيرٍـ وهذه المنطقة هي مركز السعادة والمتعة ــ من أولئك الأطفال الذين لا تعاني أمّهاتهم مثل ذلك الاكتئاب، وعند وصولهم سنّ 3 سنوات، يشهد المخّ آثاراٍ عكسيّةٍ لذلك، ولكن الأمّهات اللائي حاولن الاستجابة لبعض مؤثّرات السعادة والتشجيع نحو أولادهنّ، قد زدن من سعادة أطفالهنّ كثيراً.
والآيات القرآنيّة تبعث الطمأنينة في نفس الأمّ، قبل أن تؤثّر في الطفل، لأنّها تركّز على ربط الإيمان بالأمن والطمأنينة والسكينة.
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ... [الرعد ـ 28]
إنّ نزول السكينة على النفس من خلال قراءة كلام الله - عز وجل - يعدّ أنجح دواءٍ للأمّهات، فهي ترفع عنهنّ ذلك الاكتئاب، وتبعده عنهنّ، ولأنّ السكينة عبارة عن مزيد من التوحيد والإيمان، ولا يوجد شيءٌ يقوّي الإيمان في النفس أكثر من القرآن الكريم، والسكينة والأمن والطمأنينة هي مترادفاتق للإيمان ونتاج العلم بالله - عز وجل - والسير في طريقه - سبحانه وتعالى -.
وتربيّة نفسيّة الولد هي عبارةٌ عن إقامة بنيانٍ روحيٍّ، وإذا أردنا أن يكون هذا البناء صحيحاً قويّاً ومتيناً، فما علينا إلاّ أن نعتمد في بنائه على المادّة الروحيّة المعنويّة التي أنزلها الله - سبحانه وتعالى -، لتكوّن المادّة الأولى لهذا البناء، ولهذا يخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأولياء بهذا الحديث، كي يجعلوا هذا الكتاب الكريم هو الأساس الأوّل لبناء نفوس أولادهم، فقال:
فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو.
قال الله - سبحانه وتعالى -: (1/100)
صفحة 101
- {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} ... [التوبة:109]
وتعليم القرآن للطفل الصغير يبعث السكينة والطمأنينة في نفسه وفي نفس معلّمه، وذلك هو الهدف الأسمى الذي يرمي إلى تحقيقه كلّ وليٍّ صالحٍ، يرجو الخير والنجاح لنفسه ولولده.
بناء الحبّ لدى نفسيّة الولد
لقد استنتج العلماء أنّ عالم الولد الغامض وما فيه من مشاعر، مثل الحبّ والكراهيّة، ومن شهواتٍ، مثل النهم في الأكل، أو النوم الكثير، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسلوك الأمّ، وأنّ سلوكها يلعب دوراً هامّاً في تكوين ذلك العالم، والذي سينمو شيئاً فشيئاً حتّى يتكوّن منه اتّجاه سلوكاته طوال حياته، فهي أقرب إنسانٍ، إذ يجد فيها دفئه وقوام حياته، وإشباع رغباته، خاصّةً رغبة الرضاعة التي هي أفضل شيءٍ يحبّه ويميل إليه لا شعوريّاً، ولأنّها هي التي تتحكّم في توجيه وتلبيّة رغباته، وتعيّن لها الزمان والمكان.
إنّ أمّ الولد تعدّ أولى العوامل التربويّة في حياته، سواء أكانت أمّه الحقيقيّة، أو حاضنته التي تولّت تربيّته منذ صغره، أو امرأةً أخرى اتّصل بها لأوّل مرّة عند اتّصاله بهذا العالم، وبقيت معه إلى بداية إدراكه، لأنّها تقوم بتنظيم أوقات الإشباع والحرمان لديه، وتضع النموذج البسيط الأوّل لسلوكه في الحياة، فالأمّ هي التي تعيّن له أوقات تغذيّته، وأوقات نومه، وبذلك كلّه تغرس فيه الطابع الخاصّ لسروره وآلامه، حتّى إذا بدأ يميّز الفروق الموجودة بين ذاته والعالم الخارجي، يتكوّن لديه تصوّرٌ عميقٌ وأصيلٌ بأنّ أمّه هي أعلى وأغلى إنسانٍ، أو شيءٍ في هذا الوجود، لأنّها مرتبطةٌ أشدّ الارتباط برغباته الأوّليّة المشبعة العاجلة، فهي وثيقة الصلة بحاجاته وحركاته البدنيّة، وهي توجّه إلى حدٍّ كبيرٍ أوّل تفهّمه للأشياء الذي يتمثّل في الألفاظ، وفي التعبير عمّا يختلج داخل نفسه. (1/101)
صفحة 102
فإذا كانت الأمّ بالنسبة للولد في هذه الدرجة العاليّة من الاتّصال والتقدير والاحترام، فلماذا لا تكوّن فيه تصوّراً إيجابيّاً ناصعاً لكتاب الله - عز وجل -، والذي يبقى معه طوال حياته إن شاء الله - سبحانه وتعالى -، وذلك بمحافظتها على تلاوته أمامه، وإبداء اهتمامٍ خاصٍّ به، والقيام بذلك بمعيّته، حتّى يرتبط حبّ القرآن الكريم لديه بحبّها، وتقديره له بتقديره لها، وبذلك تنال رضى ربّها، وتنال احترام طفلها.
إنّ الأمّ لا تخلق ذكاء رضيعها، ولكنّها تستطيع أن تنمّيه، وتطوّره، وتوجّهه، وتعطيه الصبغة الوجدانيّة التي يصطبغ بها في النهاية، وإذا صبغته بصبغةٍ قرآنيّةٍ إيمانيّةٍ فذلك أفضل وأحسن، وذلك بمحافظتها هي نفسها على تلاوته أمامه، فتنمّي فيه نشاطه الطبيعي تنميّةً حسنة، لأنّها أوّل عاملٍ يؤثّر تأثيراً قويّاً في وضع نظام حياته، وتشجيعه، وإنّ كثيراً من العيوب والمشكلات الاجتماعيّة التي ينشأ عليها الولدان يرجع إلى تصرّفات الأمّهات اللائي لا يولين العناية اللازمة والمطلوبة منهنّ لتوجيه أولادهنّ في بداية حياتهم، والذين سيكوّنون أعضاء الهيئة الاجتماعيّة في المستقبل، وتعتمد عليهم أمّتهم في السرّاء والضرّاء.
وخاصّة البنت التي ستصبح أمّ الأجيال، فإذا ما تلقّت تربيّةً غير جيّدةٍ في صغرها، ولم تتلقّ الحبّ اللازم لتفيضه على أولادها في المستقبل، فكيف ستغمرهم به، وهم في أشدّ الحاجة إليه كي يدركوا معنى الحياة، وفاقد الشيء لا يعطيه.
وقد أولى الرسول - سبحانه وتعالى - عنايةً خاصّةً بالبنات لما لهنّ من دورٍ فعّالٍ في تربيّة النشء الصاعد، وأمر الأولياء والمربّين بحسن صحبتهنّ، والعناية بهنّ، والقيام على أمورهنّ، كي يصبحن أمّهاتٍ صالحاتٍ يربّين أولادهنّ تربيّةً دينيّةً صحيحةً، فيستحقّوا جميعاً رضوان الله - سبحانه وتعالى -، ودخول الجنّة.
فعن أنس بن مالك ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (1/102)
صفحة 103
«من عال جاريتين حتّى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضمّ أصابعه» (1)
وعن عقبة بن عامر الجهني قال: «من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهنّ، وسقاهنّ، وكساهنّ من جدته (أي ماله)، كنّ له حجابا من النار». (2)
وعن أبي سعيد عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهنّ، وصبر عليهنّ، واتّقى الله فيهنّ دخل الجنّة». (3)
وقد وجد العلماء من خلال تجاربهم المتعدّدة أنّ الأطفال الذين لا يجدون الحبّ الكافي من أمّهاتهم في سنوات طفولتهم الأولى، لا يستطيعون تبادل تلك المشاعر معهنّ، ونتيجةً لذلك سينقصهم في المستقبل النموذج الحقيقي للحبّ، لأنّهم لم يتعلّموه بطريقةٍ تطبيقيّةٍ من أوليائهم، ولا يستطيعون أن يتعاملوا مع عناصر المجتمع معاملةً حسنةً، لذلك عليهم أن يتعلّموه أوّلاً، كما أنّ بعضهم لن يستطيعوا تعلّمه طيلة أيّام حياتهم، ممّا يسبّب لهم الفشل في أعمالهم، لأنّ حبّ الأمّ لرضيعها يجعله يستطيع التغلّب على كلّ العقبات في مستقبل حياته.
ويعدّ حبّ الأمّ للولد ضروريّاً يحتاجه كما يحتاج الهواء تماماً.
وكلّ ذلك لا يتحقّق إلاّ بالصبر الكبير على توجيه الأمّ لهم ونصحهم بشتّى أنواع الأساليب، مراعيّةً في ذلك مستواهم العقلي وعمرهم الزمني، ملاعبةً إيّاهم تارة، وممازحةً مرّةً أخرى، ومجاملتهم أحياناً أخرى، ومن خلال ذلك تلقي في أسماعهم عبارات المحبّة والعطف والحنان والتضحيّة، فيزدادون لها حبّاً وتقديراً واحتراماً وطاعةً، ويمتثلون أوامرها وتوجيهاتها امتثالاً نابعاً من قلوبهم، وشتّان بين طاعةٍ صادقةٍ نابعةٍ من القلب، قائمةٍ على الحبّ والاحترام والتقدير والثقة، وبين طاعةٍ قائمةٍ على الكبت والعنف والقهر.
__________
(1) أخرجه مسلم.
(2) أخرجه الإمام أحمد.
(3) أخرجه البخاري. (1/103)
صفحة 104
إنّه لا يخفى على المرأة المسلمة الفطنة المستنيرة أنّ الأولاد يحتاجون دائماً إلى حضنها الوثير الدافئ، وحبّها العميق الدائم، وحنانها الوفير الصادق، لأنّهم بذلك سينشؤون نشأةً نفسيّةً معتدلةً صحيحةً، خاليّةً من الأمراض والعقد التي تكون سبباً في تأخّرهم وعدم نجاحهم في المستقبل.
إنّها بذلك تغمر قلوبهم بالثقة، وتملأ نفوسهم بالأمل والطموح، فينشؤون عناصر متفائلين عاملين وصابرين، وهم ممتلئون بالبشر والسعادة في هذه الحياة.
ولأهميّة هذه المعاملة الطيّبة الحنونة في حياة الطفل فقد ملأ الله - سبحانه وتعالى - قلوب الأولياء من آباءٍ وأمّهاتٍ ومعلّمين ومربّين وموجّهين رحمةً وحناناً ورأفةً.
فقد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ـ - رضي الله عنه - ـ أنّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقّ كبيرنا». (1)
وعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ أنّه قال: «أتى النبيء - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ ومعه صبيٌّ، فجعل يضمّه إليه، فقال النبيء - صلى الله عليه وسلم -: أترحمه، فقال: نعم، قال: فالله أرحم بك منك به، وهو أرحم الراحمين». (2)
وعن أنس بن مالك قال: «جاءت امرأةٌ إلى عائشة ـ - رضي الله عنه - ـ ومعها ولدان، فأعطتها عائشة ثلاث تمراتٍ، فأعطت كلّ صبيٍّ لها تمرةً، وأمسكت لنفسها تمرةً، فأكل الصبيان التمرتين، ونظرا إلى أمّهما، فعمدت الأمّ إلى التمرة، فشقّتها، فأعطت كلّ صبيٍّ نصف تمرةٍ، فلمّا جاء النبيء - صلى الله عليه وسلم - أخبرته عائشة بذلك، فقال: وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها الله برحمتها صبيّتها». (3)
وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى طفلاً يحتضر، وأوشكت روحه أن تفيض إلى بارئها، فاضت عيناه بالدموع حزناً وعطفاً على الصغار، وذلك ليعلّم للأمّة فضيلة العطف والرحمة.
__________
(1) أخرجه البخاري والترمذي.
(2) أخرجه الترمذي.
(3) أخرجه البخاري. (1/104)
صفحة 105
فعن أسامة بن زيد ـ - رضي الله عنه - ـ قال: أرسلت بنت النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلى أبيها أنّ ابني يحتضر، فاشهدنا، فأرسل - صلى الله عليه وسلم - إليها يقرئها السلام، ويقول:
«إنّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب».
فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبلٍ، وأبي بن كعبٍ، وزيد بن ثابتٍ، ورجالٍ من الصحابة ـ - رضي الله عنه - ـ فرفع الصبيّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع (أي تتحرّك وتضطرب)، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: «هذه رحمة جعلها الله - سبحانه وتعالى - في قلوب عباده».
وفي رواية: «جعلها الله - سبحانه وتعالى - في قلوب من شاء من عباده، وإنّما يرحم الله - عز وجل - من عباده الرحماء».
وهكذا نجد أنّ الرحمة إذا حلّت في قلوب الأولياء وترسّخت في نفوسهم، قاموا بما يترتّب عليهم من واجب الرعاية والإرشاد، وضحّوا بكلّ ما يستطيعون من غالٍ وثمينٍ في سبيل نجاح أولادهم، وأدّوا ما عليهم من حقٍّ تجاه من وجب عليهم رعايته وتوجيهه، حتّى تقرّ أعينهم بهم في الدنيا والآخرة، ويكونوا من الذين قال فيهم ربّ العزّة:
- {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} ... [الفرقان ـ 74]
والأمّ المسلمة التقيّة لربّها المخلصة لأولادها تبدل كلّ جهدها، وتضحّي بكلّ طاقاتها الجسميّة والعقليّة والنفسيّة في سبيل الاهتمام بهم وتربيّتهم تربيّةً صحيحةً قويمةً، كي تجعل منهم عناصر صالحةً ناجحةً في الحياة، وتقيهم عذاب الآخرة، إنّ عذابها كان محذوراً.
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}
[التحريم ـ 06]
القرآن يبني الحبّ في نفس الولد (1/105)
صفحة 106
لقد بيّن علماء التربيّة بأنّ سلوك الأمّ بالتقارب الجسدي بينها وبين طفلها، خصوصاً أثناء الرضاعة التي قد تستمرّ لسنتين ـ بل يجب أن تستمرّ ـ فتخاطبه أثناء ذلك، وتغنّي له، وتلامسه بحنوٍ ومحبّةٍ، يقيم علاقةً قويّةً بينها وبين ولدها، ويسرع الإيقاظ الحسّي للطفل، ويترك آثاراً طيّبةً في نفسه ونموّه وتقدّم صحّته ومقاومته للأمراض.
وعلى الأمّ أن تمسح طفلها، وتحتضنه، وتقبّله قبل أن يستسلم إلى النوم، وعندما يستيقظ منه، بل حتّى عندما يكون نائماً، لأنّ ذلك ينعكس إيجابيّا على أحلامه، وكذلك عندما ينجز إنجازاً جيّداً، مثل أن يحفظ آيةً كانت قد لقّنته إيّاها، أو سورةً من السور الصغيرة.
ويؤكّد العلماء بأنّ الأمومة مهمّةٌ شريفةٌ، وهي تعني التضحيّة ثمّ التضحيّة، التضحيّة بالوقت، التضحيّة بالنوم، التضحيّة بالعمل، وغير من الأشياء الكثيرة في سبيل التقرّب إلى الطفل، وملء قلبه ونفسه بالحبّ والحنان والتواصل، حتّى يصبح رجلاً صالحاً يتمتّع بالصفات والخبرات والمهارات التي تضمن له الفوز في مستقبل حياته.
ومن أجمل وأروع ثمرات ونتائج إيمان الأمّ بالله - سبحانه وتعالى - وتمسّكها بكتابه، تعلّمه لولدها، وقراءته بمعيّته، وأن تكوّن في نفسه الحبّ لله - عز وجل - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللخلق أجمعين، فالحبّ هو روح الحياة، بل هو كالهواء، وهو نور الوجود الذي ينير للإنسان المؤمن طريقه فيها، وهو قوت القلوب، وشحناته التي إذا امتلأت به لا تعرف همّاً ولا غمّا، ولو تسلّطت عليها كلّ مشاكل الحياة، وهو صمام الأمان لبني الإنسان.
فإذا كان قانون الجاذبيّة هو الذي يمسك الأشياء، فلا تذهب في السماء هباءً منثوراً، فإنّ قانون الحبّ هو الذي يمسك العلاقات المختلفة والمتعدّدة التي تصل هذا الإنسان الصغير بكلّ الجوانب التي يجب أن يتّصل بها ليحيى حياةً طيّبةً سعيدةً. (1/106)
صفحة 107
فهو يقوّي علاقات الإنسان بربّه، فيمدّه بالقوّة والثبات في مجابهة أمواج الحياة، ويقوّي علاقته بنفسه فيحبّها ويثق بها، ويعلم أنّ ربّه قد وهب له قدراتٍ ومهاراتٍ كثيرةً ومبدعةً، ما عليه إلاّ أن يضحّي بأوقاته وصحّته وبكثير من شهواته وملذّاته حتّى ينمّيها ويطوّرها.
وهو يقوّي العلاقات التي يجب أن تكون بينه وبين بني جنسه، فيقوم بها أحسن قيامٍ، ويحافظ عليها محافظةً تامّةً وهامّةً، حتّى لا تنقطع، ولتصبح له قيمةٌ يحيى بها بين إخوانه وأصدقائه الذين لا بدّ أن يحتاجوا إليه ويحتاج إليهم.
إنّ تكوين حبّ الحياة في نفس الطفل منذ صغره يجعله يشعر بالأمان والاستقرار والسلام، ويجعله يحبّ الوجود، حتّى قال بعض العلماء أنّه يحبّ بداية هذا الكون ونهايته، والإيمان هو وحده الينبوع الذي ينبع منه مثل هذا الحبّ الذي يفتقده كثيرٌ من البشر في هذا العصر الذي بناه عناصره غير المؤمنين على قواعد واهيّةٍ تسقط لأدنى مشكلٍ يقع بين الحبيب وحبيبه.
وإذا كان حبّ الحياة يتكوّن بتقويّة الإيمان في النفس، فليس هناك شيءٌ يقوّي الإيمان مثل حفظ وتلاوة وتدبّر القرآن الكريم، إذن فعلينا أن ننشئ الولد على حبّ كلام ربّه القرآن الكريم، وبذلك سيميل إلى حبّ كلّ شيءٍ في هذا الوجود، لأنّه سيتعلّم ذلك من توجيهاته وإرشاداته، حتّى يبلغ إلى أقصى الدرجات في حبّ ربّه - عز وجل -، فيتفانى في إرضائه بمختلف العبادات والقربات التي يتعلّمها دائماً من القرآن، ومن بين تلك القربات المداومة على تلاوته وهو الذي لا ريب فيه، وهدىً للمتّقين. (1/107)
صفحة 108
وعندما يعلّمه والداه مثل هذا الحبّ السامي والصافي، فسيجعل هدفه الأوّل هو إرضاء ربّه الذي سيحبّه أكثر من كلّ شيءٍ في هذه الحياة من خلال قراءة كتابه، ويشتاق إلى التقرّب منه، وعندما يعلّمانه بأنّ تلاوة القرآن الكريم هو الشيء المهمّ الذي يقرّبه إلى ربّه أكثر من غيره، فسيكثر منها ويداوم التفكّر في آياته، فيثمر فيه علوّ الهمّة، والتحلّي بالأخلاق الحسنة، والاندفاع إلى الأعمال الصالحة.
إنّ هذا الأثر هو الذي أنتجه القرآن الكريم في حياة الصحابة الكرام، حيث كانوا يتعلّمون بعض الآيات من النبيء - صلى الله عليه وسلم - فيعيشون معها بكامل عقولهم ونفوسهم وجوارحهم، فتحدث فيهم أبلغ الأثر من توجيه تفكيرهم إلى الجهة الإيجابيّة الحسنة المفيدة لهم في واقع حياتهم، والمنتجة للأعمال الطيّبة، فبنى منهم مجتمعاً كامل النضج، لم يتكوّن قبلهم مثل ذلك المجتمع الراقي على وجه الأرض، ولن يتكوّن بعدهم أبداً، وما ذلك إلاّ لأنّهم استمدّوا أخلاقهم من القرآن الكريم.
فعندما يقرؤون تلك الآيات المليئة بتوجيهات ربّهم - سبحانه وتعالى - التي ترشدهم إلى عمل الخير الذي يعود عليهم بالمنفعة قبل أيّ شخصٍ آخر، ويبيّن لهم كرمه - سبحانه وتعالى - على عباده، وإنعامه عليهم ويفهمونها ولو فهماً مبسّطاً، فستكوّن فيهم ذلك الميل الإيجابي إلى حبّه والتفاني في عمل ما يرضيه.
إنّ ذلك سيحتاج إلى مدّةٍ طويلةٍ من الزمن ومجهوداتٍ كبيرةٍ، وجهادٍ متواصلٍ من الأولياء والمربّين، لأنّ ذلك مرتبطٌ بتأثير القرآن الكريم على العقل ليوجّه تفكيره، وليتغلّب صاحبه على تلك الوساوس التي يسلّطها الشيطان عليه ليفكّر تفكيراً سلبيّاً غير نافعٍ، ولأنّ ذلك يتطلّب جهاداً وعملاً ومثابرةً وصبراً. (1/108)
صفحة 109
والأمّ هي المسؤولة على تكوين تلك الصور الذهنيّة الأساسيّة وبنائها في نفس وليدها، وبناء مفهوم ذاته، لأنّ لها الأثر العظيم على الجانب الانفعالي للوليد، ولأنّ ذاته إنّما تنشأ ممّا يردّده الآخرون من حوله، فيستقرّ في عقله الباطن، ويصدّقه، حتّى يصبح سلوكاً يطبّقه في أخلاقه وأعماله، وتقدير الذات عند الولد، وتعلّمه للقيم العالية لا يكون، ولا يتحقّق إلاّ بواسطة تأثير أمٍّ واعيةٍ مسؤولةٍ تؤدّي دورها كأحسن ما يكون، وتضحّي بكل غالٍ وعزيزٍ لديها.
والولد يتّخذ من أمّه النموذج الحقيقي، والمثل الأعلى، والعظماء صنعتهم أحضانٌ دافئةٌ، ونفوسٌ مضحّيةٌ، ملأت قلوبهم بالحبّ لهذه الحياة، ودرّبت نفوسهم على التضحيّة والعمل والمثابرة والاجتهاد، وملأتهم بالأمل والتفاؤل، فجعلت تلك النفوس تؤمن بقدراتها، وتصنع لنفسها خيالاً واسعاً من القصص وكثرة الحديث عن أصحاب الهمم، فعزموا داخل أنفسهم على أن يكونوا مثلهم ويبنوا لأنفسهم مجداً مثل مجدهم، وثابروا على السير في طريق الارتقاء والصعود إلى العلا، فساروا في طريق التفوّق خطوةً خطوةً، وصعدوا على سلّم النجاح درجةً درجةً، وأعانهم ربّهم، لمّا علم منهم العزيمة الصادقة، والإرادة الإيجابيّة، فكان لهم شرف الوصول إلى درجة النجاح والعبقريّة في هذه الحياة.
وقد أكّد العلماء أنّ الأمّ هي المسئول الأوّل عن تكوين كلّ تلك التصوّرات، سواء الإيجابيّة، أو السلبيّة، وهي المدرّب الأوّل لذكائه وتكوين عبقريّته، وتدريبه على المهارات المختلفة، خاصّةً إذا علمت أنّ 80% من القيم والمهارات يتمّ اكتسابها وبناؤها في السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل. (1/109)
صفحة 110
وإذا كانت مسؤوليّة الأمّ في هذه الدرجة من الأهميّة والعظمة والخطورة من جهةٍ، وهي المسؤولة عن توفير جوّ الحوار والحديث حول المواضيع المهمّة مع طفلها، وأن تكوّن له خيالاً واسعاً، فلماذا يا ترى لا تلجأ إلى كتاب ربّها الكريم لتجعله المحور الأساسي لتكوين كلّ تلك المهارات.
ولعلّ في أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - باختيار أمّ الولد قبل الزواج دليلٌ على هذا التوجّه الذي يجب على الأمّ أن تسلكه مع طفلها، فالمرأة غير الكفؤة لا تستطيع أن توفّر لولدها مثل هذا الجوّ التعليمي الراقي الذي تعتمد فيه على كتاب ربّها وسنّة رسولها، فتجعلهما محور تربيّته وتوجيهه.
وهذا هو سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه ينبّه إلى مثل هذه الوضعيّة، فيقول:
«إيّاكم وتزوّج الحمقاء، فإنّ صحبتها بلاءٌ، وولدها ضياعٌ».
وفي هذا يقول الشاعر:
وأخلاق الوليد حسناً بأخلاق النساء الوالدات
وليس ربيب عاليّة المزايا كمثل ربيب سافلة الصفات
وكيف يُظنّ بالأبناء خيراً إذا نشؤوا بحضن الجاهلات
وهل يُرجى لأطفال كمالٌ إذا رضعوا ثديّ الناقصات
فالأسرة المسلمة القرآنيّة لا تكوّنها إلاّ أمٌّ مسلمةٌ قرآنيّةٌ، تؤمن بأنّ كلام ربّها هو خير مُعينٍ لها في تربيّتها وتوجيهها لأولادها، وتكوين حبّ الحياة في قلوبهم، وبناء العبقريّة في نفوسهم، حيث ترشدهم إلى اتّخاذ النبيء - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام خير مثالٍ لهم، ولهذا نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمر المسلمين في أحاديثه على تنشئة الأولاد على حبّه وحبّ آل بيته، وتلاوة القرآن، فعن عليٍّ كرّم الله وجهه، أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
«أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيّكم، وحبّ آل بيته، وتلاوة القرآن، فإنّ حملة القرآن في ظلّ عرش الله، يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه مع أنبيائه وأصفيائه». (1)
__________
(1) أخرجه الطبراني. (1/110)
صفحة 111
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمر أتباعه بتعليم النشء الصغير القرآن الكريم في بداية حياتهم حتّى يرتبطوا به نفسيّاً وروحيّاً، وتلاوةً ومنهاجاً، تتقوّم به ألسنتهم، وتسمو به أرواحهم، وتخشع قلوبهم، وتدمع عيونهم، ويترسّخ الإيمان واليقين في نفوسهم.
وقد اهتمّ - صلى الله عليه وسلم - بتلقين الطفل منذ نشأته الأولى آيات القرآن، وأصول الإيمان، وأركان الإسلام، وأحكام الشريعة، وحبّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته، والأصحاب، فهو قد قصد من ذلك أن يتربّى على الإيمان الكامل، والعقيدة الراسخة، وحبّ الرعيل الأوّل، ويبني ثقته بنفسه، فيكبر على ذلك، فلا تؤثّر فيه مختلف النظريّات والتوجّهات والدعايات التي تتلقّفه وهو في سنّ الشباب.
ومن أجمل وأروع الثمرات التي ينتجها حبّ القرآن وحفظه وتلاوته حبّ الله - عز وجل - وحبّ رسوله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، فالحبّ هو روح الوجود، وطمأنينة القلوب، وصمام الأمان لبني الإنسان.
وذروة الحبّ الذي ينتج عن القرآن الكريم، وأكثره سموّاً وصفاءً وروحانيّةً هو حبّ الله - سبحانه وتعالى -، والشوق الشديد إلى التقرّب منه في كلّ الحالات والأعمال، وفي كلّ سلوك يصدر من الإنسان، إذ يكون توجُّهه في كلّ أعماله وتصرّفاته إلى الله - سبحانه وتعالى - راجيّاً منه القبول والرضوان.
- {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ... [آل عمران ـ31] (1/111)
صفحة 112
وحين ينشأ الطفل منذ صغره وفي بداية تمييزه على حبّ ربّه - جل جلاله - وحبّ كتابه، يصبح لديه قوّةٌ دافعةٌ موجّهةٌ، توجّهه في حياته، وتخضع كلّ أنواع الحبّ الأخرى لهذا الحبّ الإلهي، فيصبح إنساناً يفيض بالحياة والحبّ لكلّ الناس من حوله وجميع المخلوقات والكون بأسره، لأنّه يرى في كلّ الموجودات من حوله آثار ربّه الذي تشدّه إليه أشواقه الروحيّة، وتطلّعاته القلبيّة.
والمؤمن الحقّ يقرأ في كتاب ربّه - عز وجل - بأنّ كلّ الموجودات من آثار ربّه - سبحانه وتعالى -.
- {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} ... [الأعلى ـ 1ــ3]
كما يتربّى الطفل على حبّ الناس جميعاً لأنّهم إخوته في الآدميّة، وشركاؤه في العبوديّة لله - سبحانه وتعالى -، وإنّ أدنى ثمرات المحبّة التي يغرسها القرآن الكريم في قلب المحافظ عليه، هي سلامته من الغلّ والحسد، فآيات ربّه التي تصلح نفسه تبدّد ظلمات الحسد من قلبه، لأنّ أنوار آيات الذكر الحكيم تملؤه نوراً، فتنقّيه من كلّ أدرانه، ويتعلّم صاحبه دائماً أن يقول:
- {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ... [الحشر ـ 10] (1/112)
صفحة 113
لقد حرص القرآن الكريم على توجيه أتباعه إلى التوحّد في الصفوف، لأنّ خالق العباد يعلم أنّ ذلك ينمّي حبّ الغير، ويقوّي فيهم الميل إلى الإيثار والعمل على خير الناس والمجتمع عامّةً، ويضعف فيهم انفعالات الكراهيّة والبغضاء ودوافع الظلم والعدوان، والميل إلى حبّ الذات والأثرة، وكلّ هذه الأعمال من بناء القدرة على حبّ الناس وإسداء الخير لهم، والقيام بأعمال مفيدة للمجتمع، إنّما تقوّي الشعور بالانتماء إلى الجماعة، ويقضي على مشاعر العزلة والوحدة التي يشعر بها المرضى النفسانيّون، وإنّ شعور الفرد بانتمائه إلى الجماعة، وبأنّ له دوراً فعّالاً في المجتمع، له أهمّيةٌ كبيرةً في الصحّة النفسيّة لديه، ويفتح أمامه أبواب التنافس الإيجابي.
والاهتمام بالقرآن قراءةً وحفظاً وتدبّراً يجعل الفرد يشعره بأنّه ينتمي إلى جماعةٍ مسلمةٍ تحبّه، ويحبّها، ويرتبط بها بعلاقاتٍ إنسانيّةٍ جيّدةٍ، وكلّ ذلك يعدّ من العوامل الهامّة التي تساعد على تكوين شخصيّته تكويناً سليماً، وعلى الشعور بالأمن والطمأنينة في نفسه.
- {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
[الحجرات ـ 10]
القرآن وبناء الذكاء العاطفي لدى الولد
يعدّ الذكاء العاطفي أساس الحوار التفاعلي القائم بين الأهل والولد، وبينه وبين الأفراد الآخرين، وهو يتطوّر تبعاً لمراحل نموّه، ويجب أن تتنوّع معطيات هذا الحوار وركائزه بشكل يتلاءم مع تطوّر ذكائه ومميّزاته.
والذكاء العاطفي الانفعالي هو تلك القدرة التي تمكّن الفرد من إدراك وتأويل وتعديل انفعالاته تبعاً لانفعالات الآخرين، بمعنى أنّ الفرد الذكيّ انفعاليّاً قادرٌ على إدارة مشاعره وانفعالاته، والتعبير عنها بطريقةٍ فعّالةٍ، تمكّنه من التواصل مع أيّ فرد من أفراد المجتمع في معظم الوضعيّات. (1/113)
صفحة 114
والحقيقة المعروفة التي توصّل إليها علماء النفس والتربيّة بعد دراساتٍ متواصلةٍ أنّ للتربيّة المبكّرة ــ تربيّة الأهل في المقام الأوّل، وخاصّة الأمّ ــ أثرها المتزايد تبعاً لتطوّر نموّ الطفل، حتّى يصبح راشداً يتمتّع بذكاءٍ انفعاليٍّ جيّدٍ يمكّنه من الاندماج مع المجموعة التي ينتمي إليها.
وهذا الاندماج مع المجموعة له أهمّيته القصوى في الطفولة المبكّرة، لأنّه إذا لم يتوفّر للطفل مثل هذه المهارة، فإنّه سيعاني من مشاكل اجتماعيّةٍ، وتتعمّق فيه عقدٌ نفسيّةٌ متعدّدةٌ ومتنوّعةٌ، ربّما يصعب على المربّي تخليصه منها، وهي ترتبط بالدرجة الأولى بعجزه عن ضبط مشاعره وانفعالاته، ولا يستطيع إدارتها تبعاً لمعطيات الوضعيّات التي تطرأ عليه في مسيرة حياته.
ونتيجة كلّ ذلك هو قيام الولد بردّ فعل سلوكيٍّ غير متكيّفٍ، بحيث يصبح عنصراً سلبيّاً في المجتمع، وربّما يصل به الحال إلى أن يصبح عدوانيّاً، لأنّه عاجزٌ عن التفاعل بإيجابيّةٍ مع أفراد البيئة المحيطة به، سواءً في المنزل، أو في المدرسة، ثمّ في ميدان العمل بعد ذلك، عندما يصبح راشداً.
وتعليم الولد كتاب الله - عز وجل - في سنٍّ مبكّرةٍ مع تفسير بعض الآيات تفسيراً بسيطاً تنمّي فيه ذلك الذكاء العاطفي الذي يحتاجه للتأقلم مع من حوله من الناس، ومع ما حوله من الظروف، فبقدر عبقريّة الأمّ تستطيع أن تجعل الطفل يتأثّر بما تعلّمه من آيات كتاب ربّه - سبحانه وتعالى -، فالله - عز وجل - قد أعطى مساحةً رحبةً، ووجّه عنايةً فائقةً إلى الجانب الإنساني في كلامه، فالولد يتعلّم بواسطته قيماً جديدةً تجعله يستوعب كيفيّة التعامل مع من حوله، ممّا يجعله يتغلّب على كلّ تلك العراقيل التي تسبّب له الانعزال والسلبيّة والعدوانيّة. (1/114)
صفحة 115
وهو يعلّمه بعد حفظ كلّ نصيبٍ منه أساليب جديدةً من التفكير والحياة، فيرشده إلى السلوك السويّ السليم الذي يكوّن فيه صلاحه وخير المجتمع، فالله - عز وجل - ربّنا قد أنزله على هذه الطريقة لتربيّة النفوس وتنشئتها تنشئةً سليمةً يؤدّي بها إلى بلوغ الكمال الإنساني الذي تتحقّق به السعادة في الحياة الدنيا وفي الحياة الأخرى. وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
- {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية ـ 20]
ولقد وعى الصحابة والتابعون وأصحاب الحديث أنّ تعلّم الصغار لكتاب الله - سبحانه وتعالى - له كبير الأثر في نشوء الولد على الطريق العلمي، ويجعله أقوى ثباتاً وأرسخ في الذاكرة ممّا يتعلّمه الإنسان وهو كبيرٌ، وإذا فاته في الصغر، فربّما يصبح صعباً عليه في الكبر، لأنّه لم يتعوّد عليه، ولم يتدرّب على الصبر على التعلّم.
إنّ الأشخاص الذين تكوّن فيهم ذكاءٌ انفعاليٌّ منذ صغرهم، يصبحون أكثر قدرةٍ على مواجهة الحياة، ويتمتّعون بصحّةٍ ذهنيّةٍ أفضل، ويكونون بشكلٍ عامٍّ أفرداً إيجابيّين، متفائلين، حنينين، متعاطفين، وبالتالي قادرين على تأويل وإدراك انفعالاتهم وانفعالات الآخرين بشكلٍ إيجابيٍّ، واستخدام معلوماتهم لتعديل درجة انفعالهم لدى تعاملهم مع الآخرين. (1/115)
صفحة 116
وإذا كانت تلك المعلومات المبكّرة التي تعلّموها مستمدّة من كتاب الله - عز وجل -، فإنّهم سيصبحون أكثر توازناً في انفعالاتهم وتعاملاتهم مع من حولهم، ولهذا يجب على الوالدين أن يهتمّا بتعليمهم القرآن الكريم وهم صغارٌ، وإرشادهم درجةً بعد درجةٍ لتطبيق تعاليمه وإرشاداته، ويرى كثيرٌ من العلماء بأنّ تكوين الإيمان لدى الفرد منذ صغره، يمدّه بطاقةٍ روحيّةٍ خارقةٍ تعينه على تحمّل مشاقّ الحياة، وتجنّبه القلق الذي يتعرّض له كثيرٌ من الذين ينشؤون منذ صغرهم على الإيمان بالحياة المادّية فقط، ويفتقرون إلى الغذاء الروحي، ويجعلهم عرضةً للقلق، وللإصابة بالأمراض النفسيّة.
وفي مثل هذا يقول وليم جيمس: «يعدّ الإيمان من القوى الإيجابيّة التي لابدّ من توافرها لمعاونة المرء على العيش، وفقدها نذيرٌ بالعجز على مواجهة معاناة الحياة».
وقد أشار كثيرٌ من العلماء والمحلّلين النفسانيّين الغربيّين إلى أنّ أزمة الإنسان العصري إنّما ترجع أساسا إلى افتقاره إلى الدين الذي يجعله يؤمن بأنّ لهذا الكون ربّاً يسيّره، ويدبّر شؤونه كيف يشاء، فهو وحده الذي يقرّر ما سيقع فيه، وبذلك لا يرجع خسارته، أو إحباطه إلى أحد من الناس، أو يتّهمه بأنّه هو الذي حسده، أو وقف له في طريق النجاح والتفوّق.
وحفظ القرآن بنيّةٍ صادقةٍ ونفسٍ منشرحةٍ يؤثّر فيها تأثيراً عظيماً ويملؤها إيماناً وطمأنينةً، ويزيد من ثقتها، ويرفع من قدرتها على الصبر، وتحمّل المشاقّ، ويبعث على راحة البال، ويغمرها بالشعور بالسعادة.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[الأنعام ـ 82] (1/116)
صفحة 117
والقرآن هو الدواء الناجح في شفاء النفوس من أمراضها، ووقايتها من الشعور بالقلق، وما قد ينشأ عنه من أمراضٍ نفسيّةٍ، وإذا كان العلاج يتدخّل بعد حدوث الإصابة بالمرض النفسي، فإنّ تحفيظ وتفهيم القرآن للولد وهو صغير يكسبه مناعةً ووقايةً من الإصابة بالأمراض النفسيّة منذ البداية، فينشأ سليماً من إصابته بها، ويكبر وهو على تلك الصحّة النفسيّة والتوازن في الشخصيّة، وبذلك يكون رجلاً صالحاً قويّاً ذا ثقةٍ متينةٍ بنفسه، حتّى يصل إلى أعلى سلّم النجاح والتفوّق.
والقرآن يبيّن لقارئه بصدقٍ وإخلاصٍ بأنّه لا يصيبه شيء في هذه الحياة الدنيا إلاّ بمشيئة الله - عز وجل - وإرادته، ولا يمكن لأيّ إنسانٍ، أو لأيّ قوّةٍ أخرى في هذا الوجود أن تلحق به ضرراً، أو تمنع عنه خيراً إلاّ بمشيئته - عز وجل - كذلك، ولذلك فالمؤمن الحقّ الذي يتلو القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار لا يمكن أن يتملّكه الخوف أو القلق. يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ... [التغابن ـ 11]
ويبيّن له القرآن منذ صغره بأنّ رزقه بيد ربّه - عز وجل -، وأنّه - سبحانه وتعالى - قد قسم الأرزاق بين الناس وقدّرها، لذلك فهو لا يخاف الفقر، وإذا قدّر له ربّه - جل جلاله - أن يكون قليل الرزق، فلا يلجأ إلى جلبه من الطرق الغير الحلال، فهو يعلّمه الرضى بما قدّر له، والقناعة بالقليل الذي لديه، كثير الحمد لربّه - سبحانه وتعالى - على نعمه الأخرى الكثيرة، نعمة الحياة، ونعمة الإيمان، ونعمة الصحّة وراحة البال. يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ... [الذاريات ـ 58]
التأثّر بالقرآن هو الهدف
قال الله - عز وجل -: (1/117)
صفحة 118
- {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت ـ 51]
إنّ الله - سبحانه وتعالى - رءوفٌ رحيمٌ بنا إذ أنزل إلينا هذا النور المليء بالطاقة المعنويّة، التي نحتاجها لبناء ذواتنا، وبناء نفوس أولادنا في هذه الحياة المليئة بالمؤثّرات السلبيّة التي تجعلنا نبتعد عن طريق الله - عز وجل - ونغرق في بحار الشهوات، ونزغات الشيطان، فبه نحكم سفينتنا، فلا تغرق في أمواجها المتلاطمة التي تجلب إلى أسفل سافلين، في جهنّم وبيس المصير.
وأحكم السفينة، فإنّ البحر عميق.
والقرآن الكريم هو الفيض الإلهي الذي ضمّنه الله - سبحانه وتعالى - كلّ أنواع المواعظ والإرشادات والمعارف والعلوم التي تؤثّر في النفس البشريّة، فيتحرّر القلب من أسره، ويزداد إيمانه بربّه - سبحانه وتعالى -، وهكذا فكلّما قرأ المؤمن القرآن الكريم بقلبٍ صادقٍ ونفسٍ خاشعةٍ، إزداد إيمانه وقلّت مساحة الهوى في قلبه، ممّا ينعكس آثاره على السلوك بأعمالٍ صالحةٍ تُرضي ربّه - عز وجل -.
والله - عز وجل - قد جعل فيه قوّة تأثيره في النفس البشريّة، لأنّه أنزله من أجلها، ولفائدتها، وهو الذي يصلح لكي يكون بدايةً قويّةً لهداية الأمّة التي تتعامل معه كما يجب، وكما يطلب منها ربّها - سبحانه وتعالى -.
- {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} ... [النحل ـ 89]
ولكن كيفيّة التعامل معه هي التي جعلت هذه القوّة الروحيّة لا تعمل عملها في النفوس، ولا تؤتي أكلها الطيّب كما يريد ربّنا - عز وجل - منها. (1/118)
صفحة 119
فلكي يباشر القرآن الكريم إصلاح النفوس، ويؤثّر في القلوب ويصلحها، فلا بدّ من وجود قوّةٍ روحيّةٍ تتولّد باستمرارٍ داخل نفوسنا، تحثّها على التعامل مع كتاب ربّها - سبحانه وتعالى - بكلّ صدقٍ وإخلاصٍ، وتضبط تصرّفاتها، وتدفعها إلى تطبيق التوصيات التي تقرؤها فيه، ويصل الانتباه فيها إلى درجة من الإيجابيّة والتلهّف للقيام بأيّ عملٍ يرضي الله - عز وجل -، فتتجاوب مشاعرها مع روح كتاب الله - عز وجل -، وتشعر وكأنّ شيئاً يدفعها من داخلها للتأثّر بتلك الآيات التي تقرؤها.
قال القرطبي: إذا استمع العبد إلى كتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بنيّةٍ صادقةٍ على ما يحبّ الله - عز وجل -، أفهمه الله كما يحبّ، وجعل له نوراً في قلبه.
ينبغي أن لا نجعل هدفنا من القراءة تحصيل أكبر قدرٍ من الحسنات فقط، لأنّ ذلك يجعلنا لا نتفاعل مع القوّة الروحيّة التي أودعها منزّله - عز وجل - فيه، ولا يعود علينا بالتأثّر الذي يريده - سبحانه وتعالى - منّا، ويجب أن نتيقّن جيّداً بأنّ التفاعل الحقيقي مع آيات القرآن الكريم سيعود علينا بأضعافٍ مضاعفةٍ من حسنات القراءة السريعة التي لا تثمر فهماً ولا تأثّراً.
- {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} ... [طه ـ 113]
فلكي نستطيع التركيز مع القرآن الكريم، واستدعاء التفاعل والتأثّر اللازمين، فلا بدّ أن يكون اللقاء معه لهدف الفهم والتدبّر، لا لهدف القراءة والحسنات، لقاءٌ يعيد للنفس توازنها، ويستثير فيها قدراتها وملكاتها، ويحافظ على قدر الإيمان الذي اكتسبته، مع الزيادة فيه بما تتأمّله من آياتٍ تدلّ على عظمة هذا الكون، الذي يدلّ على عظمة خالقه، ثمّ يزيد من ثقتها، ويثبّت القلب حتّى يستطيع مواجهة الفتن المتعدّدة التي تموج بها الحياة. (1/119)
صفحة 120
- {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} ... [النحل ـ 102]
- {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} ... [البقرة ـ 121]
فتلاوته حقّ تلاوته كما يقول العلماء هو قراءته بأداء حقّ حروفه، ثمّ تطبيق قواعد التجويد قدر المستطاع، ثمّ تدبّره بكلّ تركيزٍ، مع الفهم، وأخيراً تطبيق إرشاداته وتوجيهاته، وبذلك تؤتي تلاوته ثمرتها التي جعلها ربّنا - سبحانه وتعالى - في آياته المباركة المليئة نوراً وقوّةً روحانيّةً.
وقد شبّه العلماء هذه التوجيهات التي أنزلها الله - سبحانه وتعالى - لعباده في كتابه الكريم بوصفة الطبيب التي يجب على المريض أن يطبّق ما أرشده إليه طبيبه، ويستعمل ما فيها من أدويةٍ، إذا أراد أن يشفى ممّا أصابه من مرضٍ.
وأنا أقول بأنّ وصفة ربّنا - عز وجل - هي وصفةٌ وقائيّةٌ أكثر وأكثر ممّا هي علاجيّة، فالذي يتعامل معها بإخلاص يقوى نفسيّاً فلا يصاب بمثل الأمراض التي يصاب بها غيره من ضعفاء النفوس الذين لا يريدون أن يتعاملوا مع القرآن الكريم معاملةً طيّبةً ومخلصةً.
لقد وعد ربّنا - سبحانه وتعالى -، ـ ووعده صدق ـ بأنّ من أخلص معه ومع كتابه، فإنّ سيحقّق كلّ ما يتمنّاه، وهو القائل:
- {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
[الأنعام ـ 115]
فإذا صدقنا وأخلصنا مع كلام ربّنا - عز وجل - تلاوةً وتدبّراً وفهماً، وأكثر من ذلك وأفضل تطبيق إرشاداته وتعاليمه التي ضمّنها فيه تطبيقاً كاملاً وحقيقيّاً، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - عادل في حكمه ووعده، فسيعيننا بالاستفادة من أنواره وبركاته استفادةً كاملةً غير ناقصةٍ، وذلك هو الفضل الكبير. (1/120)
صفحة 121
وكلّما كنّا أكثر إخلاصاً مع كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - تعاملاً وتطبيقاً، إزدادت حكمتنا، وألمهنا ربّنا - عز وجل - رشدنا، ووفّقنا المواقف الحكيمة، فحكمتنا تنتج من اتّباع وتطبيق تعاليمه، وتعاليم سنّة نبيّه المطهّرة.
ومن العوامل التي تزيد إثارة الانتباه لدى النفس، ويقوّي فيها الشعور بأنّها تتعامل مع كلام غير عادي، ولا يشبه أسلوبه الأساليب الأخرى التي تتعامل معها، سلامة النطق والقراءة بترتيلٍ وبصوتٍ مرتفعٍ مسموعٍ، وكلّ هذه الشروط يجب أن تتوفّر في الكيفيّة التي نعلّم بها الولد كلام الله - سبحانه وتعالى -.
فالنطق السليم يعلّمه إخراج الحروف إخراجاً حسناً، ويصحّح له الكلمات التي ينطقها بطريقةٍ غير سليمةٍ، وقد رأينا من قبل بأنّ علماء التربيّة ينصحون الأمّهات بأن ينطقن الكلمات نطقاً صحيحاً أمام أولادهنّ، حتّى يتعلّموا مثل ذلك النطق منذ صغرهم، ويجب على الآباء أن يساعدوا أولادهم على اكتساب آليات اللغة عن طريق توفير نماذج لغويّة في بيئة الطفل لتصحيح أخطائه، ولا نستطيع أن نجد مصدراً يوفّر نماذج راقيّةً صحيحةً أفضل من كلام ربّ العزّة - جل جلاله -، وهو يتعلّمه من طرف إنسانٍ مخلصٍ، وهو أمّه الحنونة. (1/121)
صفحة 122
والولد في مراحل عمره المبكّرة يسعد بزيادة مفرداته التي يستغلّها ويوظّفها في عالمه المحيط به، ويسعد بهذا النوع من التعليم، ويكون في تلك المرحلة الأولى من عمره أكثر تقبّلاً لتعلّم اللغة التي يسمعها لدرجة أنّه يتحدّثها كما يسمعها تماماً، ويعدّ العلماء أنّ عدم إيجاد الوالدين لفرص تعلّم اللغة بشكل سليمٍ وطبيعيٍّ وسهلٍ خلال الأعوام الأولى من حياة الطفل هو العامل الأساسي الذي يحبط قدرات التعلّم لدى الأطفال ضعيفي المستوى، وإنّ النطق غير الصحيح يمكن أن يصبح عائقاً في التواصل مع الولد، كما يعيق تواصله مع أقرانه في المحيط المدرسي، وبذلك يفقد فرصته في التفوّق العقلي بالإضافة إلى فقد أسس التحاور، والتواصل اللفظي لا يعوّض ولو بتعلّم لغته الأصليّة.
القوّة الروحيّة للقرآن
إنّ ذات الإنسان تتكوّن من عنصرين، جسده الذي خلق من ترابٍ، وروحه التي نفخها ربّه في جسده، حتّى أصبح يتمتّع بتلك المكانة الراقيّة من بين المخلوقات الأخرى جميعاً، والله - سبحانه وتعالى - قد وفّر له غذاء العنصرين، فما عليه إلاّ أن يهتمّ بتغذيّة الجانبين معاً إذا أراد حقّاً أن يحافظ على تلك المكانة التي كرّمه بها ربّه - عز وجل -.
لذلك يجب على الأمّهات أن يملأن نفوس أولادهنّ بقوّةٍ روحيّةٍ، وذلك بالتربيّة الدينيّة الروحيّة، لأنّ مثل هذه القوّة تكوّن فيهم ثقةً وتفاؤلاً وعزيمةً قويّةً وإقداماً في سبيل إنجاز مختلف أعمال الحياة، التي تدفعهم إلى أعلى درجات التفوّق، وأفضل النجاحات، فتتجاوب مشاعرهم مع مختلف الأمور، ويشعرون وكأنّ شيئاً بداخلهم يدفعهم للقيام بتلك الأعمال الجبّارة دون تردّدٍ أو توانٍ. (1/122)
صفحة 123
هذه القوّة الروحيّة التي تتولّد داخل النفس، وتدفعها للعمل من شأنها أن تهزّ مختلف المشاعر التي تحوّل الواجبات إلى واقع، وتزيل الفجوة بين صعوبة العمل وضعف النفس أمامه، وتدفع النفس للعمل من تلقاء نفسها، وهذا ممّا يقلّل من الجهد الذي يبذله من لا يجد تلك القوّة لإنجاز نفس العمل، وفي نفس الوقت تزيد من إنتاجها كمّاً وكيفاً، وهذا ما استطاع النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن يملأ به نفوس الصحابة والمؤمنين الأوائل، فنشروا الإسلام بكلّ قوّةٍ وعزيمةٍ، واستطاعوا التغلّب على الأعداء الذين كانوا أكثر منهم عدداً، وأكثر منهم قوّةً وعتاداً، وذلك رغم أنّهم كانوا ضعفاء مادّياً ومعيشيّاً.
هذه القوّة الروحيّة استمدّوها من قوّة كلام القويّ العزيز الجبّار المتكبّر، فلذلك أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين من بعده أن يلتزموا بالمحافظة عليه، حفظاً وتلاوةً، وتطبيقاً في الحياة اليوميّة الواقعيّة، حتّى يستطيعوا أن يملؤوا أنفسهم بتلك القوّة في كلّ الأوقات وبصورةٍ دائمةً، وأرشدهم كذلك إلى تعليمه لأولادهم في أوّل أعمارهم كي ينشؤوهم على تلك القوّة، وتمتلئ بها نفوسهم، فترافقهم طوال حياتهم، فلا يفشلوا أبداً في طريق الحياة، ولا ييأسوا أمام مشاكلها الكثيرة وعراقيلها المتعدّدة.
القرآن معجزةٌ جبّارةٌ، وله قوّةٌ تأثيريّةٌ فعّالةٌ ومستمرّةٌ في القيام بدوره في هداية الأفراد إلى طريق النجاح في مصالحهم الدينيّة والدنيويّة، وقد أنزله ربّنا وخالقنا - عز وجل - ليكون كتاب هدايةٍ وشفاءٍ من الأدواء النفسيّة والجسميّة، وسبب تقويم وتغيير لكلّ من يهتمّ به، ويدخل في دائرة تأثيره وإعجازه. (1/123)
صفحة 124
وهذا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يريد منّا أن ندخل أولادنا منذ نعومة أظفارهم تحت راية كتاب الله - سبحانه وتعالى - وفي دائرة تأثيره، فيكبروا وهم أسوياء النفوس، لأنّه سيؤثّر فيهم نفسيّاً، وأقوياء الأجسام، لأنّه يكون لهم وقايةً من كلّ الأمراض الجسميّة والنفسيّة.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ}
[يونس:57]
فتعليم أولادنا كلام ربّهم أوّلاً وقبل أيّ علمٍ آخر، يجعلنا نأخذ بالأسباب المعنويّة الروحيّة التي يدعونا ربّنا - سبحانه وتعالى - ورسوله دائماً للأخذ بها قبل الأخذ بالأسباب المادّية، وقد اختصّ الله - عز وجل - هذه الأمّة بهذه القوى المعنويّة الروحيّة التي تُنشئ الأفراد الأقوياء روحيّاً ونفسيّاً وعقليّاً، وتبعاً لذلك يصبحون أسوياء في جميع قواهم، فما على أفراد الأمّة إلاّ أن يتّبعوا أوامرهما وإرشاداتهما، ففي ذلك الفوز الكبير والفلاح العظيم، لأنّ صلاح الأمّة وازدهارها وتقدّمها يبدأ من صلاح الفرد وقوّته نفسيّاً وجسميّاً وعقليّاً.
وفي دراساتٍ كثيرةٍ قام بها علماء الذاكرة توصّلوا إلى أنّ قوّة الذاكرة ونشاطها وقوّة التفكير وإيجابيّته يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بحالة الفرد النفسيّة، وقالوا بأنّها قوّةٌ نفسيّةٌ تحفظ الأشياء في القلب، أو في الذهن، ويعبّر عنها التصوّر، أو اللسان، أو القلم، وهي تتأثّر بدوافع الفرد، وبتكوينه النفسي عموماً، فدوافع الفرد الشعوريّة واللاشعوريّة تعين العبد كثيراً على الفهم والحفظ والاستيعاب والتذكّر. (1/124)
صفحة 125
فلذلك عندما نبدأ بتعليم الطفل القرآن الكريم، فإنّنا نكوّنه تكويناً نفسيّاً جيّداً رفيعاً، وإيجابيّاً، فيكتسب ذاكرةً حسنةً، وبذلك يتدرّب على الاستذكار الجيّد، كما أنّنا ندرّب فيه قوّة التعبير، وقد توصّل العلماء بأنّ الذاكرة ليس لها علاقة بالجسم فقط، وإنّما هي قوّة خاصّة، ولا علاقة لها بالحسّ، وهي تعقل المعلومات بقوّة الانتباه والتركيز، وإذا ما علّمنا الولد القرآن الكريم بالتلقين آيةً بعد آيةٍ، وسورةً بعد سورةٍ، فإنّه بذلك يتعلّم هاتين المهارتين بسرعةٍ وفي السنوات الأولى من عمره.
إنّ القرآن يجعل النفس الإنسانيّة وحدةً متآلفةً متوازنةً، وينشر فيها نوعاً من التوازن بين كافّة أجهزتها، وفي جانبها الروحي الذي له الأثر الكبير في الأجهزة العضويّة، ممّا يجعلها قادرةً على المقاومة وعدم التعرّض للأمراض النفسيّة، والتي تجر من ورائها كثيراً من الأمراض البدنيّة، ذلك لأنّ هذه الأمراض بنوعيها النفسيّة والجسميّة لا تظهر إلاّ مع ضعف الجانب النفسي الروحي، الذي هو نتيجةٌ لليأس والإحباط من جرّاء مشاكل الحياة، فتنشأ العقد، ويلتجئ الشخص إلى الأدويّة المنشّطة والمهدّئة والمخدّرة التي تنفع في جانب من الجسم، وتضرّ كثيراً في الجوانب الأخرى، وينتهي مفعولها بمجرّد انتهاء مادّتها، وأكثر من ذلك لا تشفي الجانب النفسي الذي هو السبب الأوّل في تكوّن الأمراض واستفحالها، لأنّ الصراع يبقى قائماً في زوايا النفس التي تسبّب في ضعف بعض الأجهزة الدفاعيّة، فيرجع المرض كما كان من قبل، وربّما أكثر ممّا كان عليه.
ومن مزايا القرآن وأولويّاته التي أودعها الله - عز وجل - فيه أنّه يعالج الجانب النفسي الروحي قبل الجانب الجسمي.
والقرآن بتلاوته وترتيله وتدبّره ومحاولة فهمه وتطبيق ما جاء فيه، يبعد عن القلب كلّ الوساوس والشكوك التي تعدّ معاول هدمٍ للقوّة النفسيّة، فينتج عن ذلك قوّةٌ كبيرةٌ في الجهاز الدفاعي. (1/125)
صفحة 126
والمداومة على تلاوته والاستماع إليه يحافظ على دوام النشاط النظيف للحياة القائمة، لأنّ تدهور الحالة النفسيّة والعصبيّة تزداد مع زيادة سير الحياة الماديّة الغير النظيفة، والغير الهادئة.
ومع نقصان التوتّر العصبي والقلق ينشأ الهدوء النفسي، ونتيجةً لذلك تزداد كميّة الدم الجاري في الجلد، ويتبع ذلك ارتفاعٌ في درجة حرارة الجلد ونقصان في ضربات القلب.
ومع زيادة كميّة الدم الجاري في الجلد يعطي الحريّة للخلايا الدفاعيّة في السريان والتجوال في كامل نواحي الجسم، وخاصّةً عند سريان الدم بصفةٍ جيّدةٍ إلى المخّ، والمخّ هو مركز القيادة العليا لكلّ ما يقع داخل الجسم، وله تأثيره الفعّال في الجهاز الدفاعي، ولكن العلماء الذين توصّلوا إلى هذه النتيجة وجدوا أنفسهم حائرين أمام عدّة أسئلة منها:
ــ كيف يقوم المخّ بذلك؟
ــ ما هي الحالة التي ينبغي أن يكون عليها العقل ليتمكّن من فعل ذلك؟
ــ هل يمكن السيطرة على هذه القوّة العقليّة المؤثّرة في الجهاز المناعي؟
ومن أجل الإجابة على هذه الأسئلة بدأوا بحوثهم للوصول إلى معرفة كيفيّة عمل هذين الجهازين ــ العصبي والمناعي ــ وعن سرّ الاتصال والتواصل بينهما.
وتوصلوا في بعض التجارب إلى أنّ السبيل لتحقيق حياةٍ هانئةٍ هادئةٍ سعيدةٍ هو توفير التوازن في كلّ شيءٍ، بما في ذلك الارتباط والانفصال الإدراكي، والتوسّط في كلّ شيءٍ هو سبيل الفلاح والنجاح في تحقيق حياةٍ سعيدةٍ.
والله - عز وجل - يقول في كتابه الكريم:
- {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ... [البقرة ــ 143] (1/126)
صفحة 127
والقرآن يكوّن في النفس هذا الارتباط الشعوري المتوازن، ويقوّيه، ويقوّي تفكير المخّ وتدبيره، وبواسطة ذلك التفكير نستطيع أن نسيطر على أيّ تصوّرٍ نبنيه في عقلنا الباطن، لأنّ التجارب والأبحاث المتعدّدة التي أجريت على الجهاز المناعي أثبتت أنّ هذا الجهاز لا يعمل من فراغ بيولوجي، وأنّه حسّاس جدّا للمؤثّرات الخارجيّة.
وقد برهنت على ذلك التجارب التي أجراها الدكتور روبرت أدر حيث اكتشف أنّه يمكن التأثير في الجهاز المناعي، سواءً بتقويته أو بإضعافه بوسائل لها علاقةٌ بالمخّ، كما ثبت أنّ تدمير الغدّة الصنوبريّة يوقف هذا الجهاز عن العمل.
والقرآن يكوّن ويبني في نفوسنا المعتقدات الإيجابيّة الحسنة التي تمنحنا القوّة، وتدفعنا إلى التخلّي عن المعتقدات السلبيّة السيّئة التي تحطّم في نفوسنا الروح المعنويّة، ونتيجة لذلك تضعف فيها القوّة الدفاعيّة.
فعن قتادة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: «ما جالس القرآن أحدٌ، فقام عنه إلاّ بزيادة أو نقصان».
لقد أظهرت نتائج البحوث القرآنيّة في عدّة دراساتٍ أنّ للقرآن آثاراً إيجابيّةً حسنةً مؤكّدةً لتهدئة التوتّر، وأمكن تسجيل هذا الأثر نوعاً وكمّاً، وظهر هذا الأثر على شكل تغيّراتٍ في التيّار الكهربائي في العضلات، وتغيّراتٍ في قابليّة الجلد للتوصيل الكهربائي، وتغيّراتٍ في الدورة الدمويّة وما يصحب ذلك من تغيّر عدد ضربات القلب وكميّة الدم الجاري في الجلد ودرجة حرارة الجلد.
وكلّ هذه التغيّرات تدلّ على تغيّرٍ في وظائف الجهاز العصبي التلقائي، والذي بدوره يؤثّر على أعضاء الجسد الأخرى ووظائفها، وخاصّةً الخلايا والأعصاب المخيّة، ولذلك توجد احتمالاتٌ لا نهاية لها للتأثيرات الفيزيولوجيّة التي يمكن أن يحدثها القرآن الكريم. (1/127)
صفحة 128
إنّ الكيفيّة التي يتمّ بها تغذيّة الدماغ بالمعلومات هي الحواس، وهي الطريق الوحيد الذي خلقه الله - عز وجل - في جسم الإنسان ليؤدّي دوره بشكلٍ فعّالٍ وبكلّ قوّةٍ، وبدون هذا الطريق لا يمكن للمعلومات أن تصل إلى الدماغ، ولكي تحدث التغيّرات المفيدة في خلايا الدماغ وأعصابه يجب أن تكون الحواس مرهفةً وحادّةً، وأن يكون المرء في حالة يقظةٍ وانتباهٍ تامّين، وأن تكون حالته العاطفيّة ودوافعه والجوّ المحيط به تساعد على التعلّم والحفظ.
وكلّ هذه العوامل والأمور العديدة قد جعلها العلماء من آداب تلاوة القرآن الكريم.
تنوّع تفكير الناس:
إنّ معظم الناس يفكّرون في الحقيقة بالمحسّات، فتخيّل الأشياء أسهل من وضعها في ألفاظ، ومن هؤلاء أربعةٌ من خمسةٍ يرون بعقولهم، ويسمّون ـ بصريّين ـ وتغلب الصبغة الواقعيّة على تفكير الأطفال غير المتعلّمين، فأفكارهم صورٌ متخيّلةٌ، وذكرياتهم وأوهامهم وخططهم للمستقبل تأتي إليهم على شكل مرئيّاتٍ.
وهناك فريق آخر من الناس يسمعون بعقولهم، ويسمّون ـ سمعيّين ـ في الاصطلاح، فهم عند تذكّرهم لروايةٍ ما، يسمعون صدى الأصوات تتردّد في عقولهم، ولكنّهم لا يرون شيئاً من المناظر، وإنّ العقل قد يكون عند البعض كالسينما الصامتة، ولكن عند البعض الآخر أشبه بمناظرة في المذياع، يتناقش فيها الضمير والأصدقاء والنفس معاً.
وهناك آخرون لا يسمعون، ولا يرون تلك الإحساسات الخياليّة، ولكنّهم أسرع منّا في إحساسهم بلمساتٍ خياليّةٍ على بشرتهم، وهؤلاء هم ـ اللمسيّون ـ فلا نكاد نتحدّث مع أحدهم عن بعض الحشرات، حتّى يبدأ في حكّ جلده.
وهناك غير هؤلاء، من يسمّون ـ حركيّين ـ وأغلب تفكيرهم يصطبغ بصبغة الجهد والحركة، فلا يستطيع الواحد منهم أن يطلّ من فوق قنطرةٍ، أو من أعلى بنايةٍ، دون أن يحسّ بدوارٍ، وكأنّ جسمه يهوي في الفضاء. (1/128)
صفحة 129
ولكنّ الكثير من الناس لا توجد لديهم تلك الصور العقليّة الحسّية، سواء أكانت بصريّةً، أو صوتيّةً، أو حركيّةً، فتفكيرهم بالألفاظ أكثر من الأشياء، وعندما يريدون استذكار واقعةٍ مضت، أو وضع خطّةٍ لشؤون يومهم، يستعرضون التفاصيل لفظيّاً في شبه كلامٍ داخليٍّ، ويشبه تفكيرهم المناجاة الصامتة، مثل الذين تأصّلت فيهم عادة المطالعة، فهم قد فقدوا القدرة على تأمّل الأشياء بصورة حسّية واضحة مفصّلة، وأصبحوا لا يستطيعون التفكير فيها إلاّ بأسمائها، وتشبه حياتهم الداخليّة حديثاً جاريّاً لا تخفّف من جريانه أيّة صورةٍ حيّةٍ.
الأمّ هي التي تبني ذلك في الولد:
إنّ الأمّ ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الطفل وما فيه من شهواتٍ ومشاعر، وتلعب دوراً هامّاً في بناء تلك الخبرات، فهي أقرب الهيئات إليه، فهي التي تبني له طريقة تفكيره، وهي التي تكوّن له توجّهاته، وتعطيه الصبغة الوجدانيّة التي يسير بها في مختلف مراحل عمره.
وتلك السنوات الأولى من تربيّة الولد هي المرحلة المهمّة التي تتكوّن فيها أخطاءٌ في كيفيّة تفكيره، وبخاصّة تلك الانفعالات التي تبديها الأمّ أثناء تربيّتها له، فهذه الأمّ هي التي تكوّن اضطراباً في حياة الولد الوجدانيّة.
ويعتقد كثيرٌ من الخبراء بأنّ الكثير من عيوب أفراد المجتمع ومشكلاتهم الاجتماعيّة يرجع إلى تصرّفات الأمّهات اللاتي لا يفهمن كيفيّة معاملة أولادهنّ باعتبارهم سيصبحون أعضاء الهيئة الاجتماعيّة في المستقبل.
فعلى الأمّ أن تفهم جيّداً بأنّ الولد يولد مزوّداً بأجهزةٍ معيّنةٍ، كالجهاز العصبي الذي يدفعه إلى الاختلاط بالعالم، ويؤدّي به إلى استثارة الغرائز المتعدّدة التي يولد وهو مزوّد بها، وبها قابليّةٌ كامنةٌ كبيرةٌ وسريعةٌ لأن تنمو وتتعدّل وتتهذّب. (1/129)
صفحة 130
إنّ الأمّ هي الوحيدة التي تمتلك القدرة أن توجّه نواحي اهتماماته البسيطة، وتعدّلها، إمّا إلى الخير، وإمّا إلى الشرّ، فلتنظر الأمّ بأيّ مادّةٍ تبني له بها تلك الوجدانات، ولا أظنّ أنّ هناك مادّةً قويّةً مؤثّرةً تستطيع أن تشكّل به توجّهات ولدها أحسن وأفضل من كتاب ربّها - سبحانه وتعالى - ن وتكوين حبّ الله - عز وجل - في نفسه وذلك بإشعاره منذ سنواته الأولى بتلك الاهتمامات من حبٍّ وكرهٍ.
إنّ كلّ تلك الانفعالات والاهتمامات، سارّةً كانت، أو مؤلمةً، والغرائز والتجارب المختلفة كلّها مرتبطةٌ بوجود الأمّ ومعاملتها لولدها، لأنّ عقل الولد يكون شبيهاً بصفحة بيضاء لم يخطّ فيها سوى بضع جملٍ بسيطةٍ، وعلى تلك الجمل سينبني كثيرٌ من تأثّرات الولد في المستقبل عندما يصبح كبيراً
إنّنا كلّما علّمنا الولد آيةً جديدةً، أو حاولنا قراءة نصيب من القرآن الكريم أمامه، وخاصّةً إذا طلبنا منه إعادتها عن ظهر قلب، فإنّه تتكوّن داخل دماغه خطوط اتّصالٍ جديدةٍ بين الخلايا العصبيّة، أو تنشط وتتحرّك نفس الأعصاب التي تحرّكت عندما قرأنا عليه نفس الآية التي قرأناها من قبل، ونتيجة لذلك تتوسّع التفرّعات العنكبوتيّة الشكل، والتي هي عبارة عن مجسّات استشعاريّة تنبثق من جدع العصب، فيحصل بذلك نموٌّ عصبيٌّ، ممّا يعني أنّ الخلايا العصبيّة والأعصاب الدماغيّة تتعرّض لتغيّراتٍ في الشكل والوظيفة، عندما تشارك هذه الخلايا في حركة الاتصالات الخلويّة الداخليّة النشيطة.
وهذا التغيير لا يحصل ولا يكون إلاّ إذا كانت الأعصاب هادئةً وغير متوتّرةٍ بأيّ تأثيرٍ نفسيٍّ يقع عليها.
والحمد لله أنّ القارئ للقرآن ترتاح نفسه، وتمتلئ هدوءاً وطمأنينةً ممّا يجعل تلك الأعصاب في كامل راحتها وهدوءها، وفي كامل استعدادها لتلقّي أيّ معلومةٍ تلقى إليها. (1/130)
صفحة 131
فبتعليم الأمّ ولدها كلام ربّها الراقي في التعبير والتركيب، تملأ نفسه انشراحاً وسروراً وسعادةً، ممّا يجعله يتلقّى ويستوعب بصفةٍ حسنةٍ وسريعةٍ، فيرقى تعبيره، وتصلح نفسه، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - سيرفع من قيمة نفسه وتفكيره ما دامت أمّه قد ملأتهما بكلام ربّه الراقي، لأنّ أهمّ شيءٍ يجب على الأمّ أن توفّره لولدها هو أن تجعله يعيش حالةً نفسيّةً عاليّةً مليئةً بالتفاؤل والانشراح والإيجابيّة.
وقديماً أبدى أفلاطون رأيه في الذاكرة، وقال: بأنّها تنتمي إلى حياة النفس، فعلى حسب الحالة التي تكون عليها النفس يكون عمل الذاكرة، سواءً في القوّة، أو الضعف، فالذاكرة في رأيه لا تعود إلى الإحساس، وليست القوّة الحاسة هي القوّة المتذكّرة، لأنّه لو كانت الملكتان واحدةً ـ الحاسّة والتذكّرة ـ لوجب أن نحسّ الأفكار العلميّة التي نحفظها مثلما نتذكّرها، ولو كانت الذاكرة قوّةً حاسّةً لأصبحت المعلومات التي نتعلّمها تشغل حيّزاً كبيراً داخل الإنسان.
وممّا يؤكّد اختلاف الذاكرة عن الإحساس كما يقول الدكتور حريزي موسى أن المكفوفين والصمّ، وهم فاقدوا إحساس البصر وإحساس السمع، ومع ذلك فهم يتمتّعون بذاكرةٍ قد تفوق ذاكرة المتمتّعين بتلك الحواس.
إنّ التعلّم لا يؤدّي إلى زيادة أو نقص عدد نقاط الاشتباكات بين الخلايا العصبيّة وحسب، بل يؤدّي كذلك إلى تغيير وتعديل قوّة تلك الاتصالات أيضاً.
وليس هناك أسلوبٌ قويٌّ في تعبيره ومعانيه، وفي تأثيره في الخلايا المخيّة أكبر وأفضل من أسلوب ومعاني القرآن الكريم، فهو يغيّر ويعدّل قوّة الأعصاب التي تربط بين الخلايا العصبيّة، فتصبح قويّةً نشيطةً مستعدّةً لتمرير معلومات أكثر وبصفةٍ جيّدةٍ، وكذلك الخلايا بدورها تصبح أكثر استعدادٍ لاستقبال معلوماتٍ ومعلوماتٍ كثيرةٍ ومتنوّعةٍ. (1/131)
صفحة 132
وقد تمّ قياس التغيّرات التي تحدث في مراكز الاشتباك العصبي التي هي عبارةٌ عن ثغراتٍ بين الخلايا، وفيها يتمّ تبادل المعلومات واتّخاذ القرارات بتوجيه الخليّة العصبيّة إلى العمل في مواجهة موقفٍ ما أو الاستعداد لتلقّي معلوماتٍ جديدةٍ.
ومن هنا نتوصّل إلى أنّ التأثير القرآني المهدّئ للتوتّر يمكن أن يؤدّي إلى تنشيط مراكز الاشتباك العصبي، والتي بدورها ستحسّن من قابليّة التلقّي والتخزين لمختلف المعلومات.
وكلّ التجارب التي أجراها العلماء والمتخصّصون تشير إلى أنّ كلمات القرآن بذاتها وبغضّ النظر عن مفهوم معناها لها أثرٌ فيزيولوجيٌّ مهدّئٌ للتوتّر في الجسم البشري.
وقد اعترف العلماء في هذا المجال أنّ هذه النتائج المذكورة هي نتائج مبدئيّة لعددٍ محدودٍ من التجارب التي أجريت على عددٍ قليلٍ من المتطوّعين.
وبرنامج البحوث القرآنيّة ما زال مفتوحاً ومستمرّاً لتحقيق عددٍ من الأهداف الكثيرة التي يريد العلماء أن يعرفوها ويحقّقوها بمنظارٍ علميٍّ تطبيقيٍّ.
وقد وجد علماء مصريّون أنّ الاستماع إلى القرآن الكريم عند تلاوته وتجويده والاستماع إليه بين الحين والآخر يسبّب تغيّراتٍ إيجابيّةٍ على الصحّة النفسيّة ووظائف الجسم العصبيّة، سواء كان الشخص المستمع مسلماً، أو غير مسلمٍ.
يقول الله - عز وجل -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ
[الأنفال ــ 24]
فقد جعل الله - عز وجل - حياة هذا المخلوق الضعيف في القرآن وبالقرآن، لأنّه - عز وجل - قد أودع فيه الطاقة اللازمة لإحياء كلّ خليّةٍ من خلايا جسده، وخاصّةً حياة قواه العقليّة والفكريّة التي تتعامل معه أكثر من أيّ ناحيّةٍ من النواحي الأخرى في الجسد، والتي بواسطتها يمرّ التأثير إلى بقيّة خلايا الجسم. (1/132)
صفحة 133
ومن المعجزات التي أودعها ربّنا - عز وجل - في كلامه أنّه إذا قرأه أيّ إنسانٍ بصوته، فإنّه يتأثّر به أكثر ممّا لو سمعه بصوتٍ شخصٍ آخر غيره، وما ذلك إلاّ ليعتمد كلّ شخصٍ على قراءته، لأنّ لصوته أعظم التأثير في نفسه وفي أعصابه من أيّ صوتٍ آخر غيره، خاصّةً وأنّه هو وحده الذي يعلم ما يشتكي منه، وما هو العضو الذي يريد علاجه، فينوي علاج ذلك الألم الذي يشتكي منه، ويركّز عليه بنفسه، ويدعو ربّه بنيّةٍ صادقةٍ كي يشفيه منه، بينما لو لجأ إلى شخصٍ آخر كي يقرأ عليه آيات الشفاء، فإنّه لا يتأثّر بالدرجة التي يتأثّر فيها بصوته هو، لأنّه عند قراءته بخشوع فإنّه يتضرّع إلى ربّه بكلّ طاقاته الداخليّة كي يرفع عنه الهمّ والحزن الذي هو فيه، وهذا ما يريده ربّنا منّا، وهو أن نعترف بذنوبنا، فنستغفره ونتوب ونتضرّع إليه، بينما عند الاستماع إلى غيره وهو يقرأه عليه، فلابدّ أن يغفل شيئاً ما، ويسرح بفكره في شيءٍ آخر، فلا يحصل له الأثر الكامل والعميق.
والدليل على ذلك هو ما توصّل إليه العلماء حيث وجدوا أنّه إذا لجأ المريض إلى إنسانٍ تقيٍّ ومخلصٍ في عبادة الله، وكان له صوتٌ خاشعٌ، فإنّ التردّدات الصوتيّة الصادرة عنه تأثّر فيه أكبر ممّا لو سمع تلاوة شخصٍ آخر عادي.
وربّما يظهر هذا ويؤكّد مدى تأثير التصوّر الذهني الذي يبني عليه المريض تصوّره في أنّ ذلك الشخص نقيٌّ طاهرٌ، وأنّه مستجاب الدعاء، فيؤثّر فيه تأثيراً إيجابيّاً، ممّا يقوّي نفسه، فتتغلّب على المرض، وذلك تماماً كما يختار الناس بعض الأطباء لمعالجتهم ويثقون في طريقة علاجهم أكثر من غيرهم، وربّما يسافرون إليهم من مسافاتٍ بعيدةٍ، وما ذلك إلاّ نتيجةً للتصوّر الذهني الإيجابي الذي تكوّن لديهم بأنّ الشفاء سيكون بواسطة علاجهم.
والمؤمن القوي الإيمان يتكوّن في عقله الباطن على مرّ الأيّام هذا التصوّر: (1/133)
صفحة 134
إنّ ربّي قد وفّر لي كلّ الوسائل وكلّ اللوازم لأتحسّن كلّ يومٍ أكثر وأكثر، وهذا هو سرّ النجاح في مقاومة المرض والسيطرة عليه، والتغلّب عليه.
والغريب حقّا كذلك هو ما توصّل إليه العلماء من تأثّر النبات بصوت تلاوة القرآن، وزيادة حيويّته وقوّته ونماءه.
فقد قام باحثٌ من دولةٍ عربيّةٍ مختصٌّ في علم فزلجة النبات، واشتهر بتجاربه العلميّة الرائدة.
وهذه التجربة أكّدت حقيقة إعجاز كثيرٍ من الآيات التي ذكرها ربّنا - عز وجل - في القرآن في موضوع تسبيح النبات وجميع المخلوقات والسجود لربّ العالمين، مثل قوله - عز وجل -:
- {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} ... [الإسراء ــ44]
التربيّة القرآنيّة الإيمانيّة هي الحلّ
إنّه بالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها المجتمعات الحديثة في المجالات التربويّة والتعليميّة لتنشئة النشء التنشئة الجيّدة الراقيّة، لكي يكونوا مواطنين صالحين، والتي تدّعي بأنّها قد وصلت إلى درجاتٍ عاليّةٍ في دراسة النفس الإنسانيّة واكتشاف أسرارها التي بنيت عليها، إلاّ أنّ تلك الجهود لم تثمر ثمرتها المرجوّة في تكوين ذلك الإنسان الصالح، والدليل على ذلك هو تلك الجرائم الخطيرة والانحرافات التي تزداد خطورتها يوماًً بعد يومٍ، ولم تفلح في إزالتها، وهذا كلّه دليلٌ واضحٌ على فشل تلك الأساليب والقواعد التي وصلوا إليها عبر السنين.
وقد بدأت تظهر حديثا اتّجاهات من بعض علماء النفس والتربيّة، تنادي بأهميّة التربيّة الدينيّة الإيمانيّة، وتأثير الدين في الصحّة النفسيّة، وأهميّته في علاج الأمراض النفسيّة، وتوصّلوا عبر دراساتهم وتجاربهم إلى أنّ بناء الإيمان في النفس البشريّة على أسسها هو الحلّ الأمثل لكلّ تلك الأزمات. (1/134)
صفحة 135
ولا شكّ في ذلك ما دام أنّ الله - سبحانه وتعالى - هو خالق هذه النفس، وقد غرس فيها حبّ التعلّق بقوّةٍ خارقةٍ تستمدّ منها قوّتها، وتطلب منها تحقيق أمانيها، وتبني فيها عزّتها، وتكوّن فيها ضميراً قويّاً يراقبها في كلّ حركاتها وسكناتها، ويوجّهها الوجهة الصحيحة التي تجد فيها راحة ضميرها، وتبعدها عن القلق الذي هو سبب كثيرٍ من تلك الانحرافات.
والإيمان بالله - سبحانه وتعالى - يمدّ النفس الإنسانيّة المتديّنة بقوّةٍ روحيّةٍ، وطاقةٍ خارقةٍ تعينها على تحمّل مشاق الحياة التي تسبّب لها الكثير من الضغوطات، فتدفعها إلى القيام بتلك الجرائم دونما تحكّم في ذاتها المنحرفة التي تسمح له باقتراف ذلك، والبحوث الكثيرة والمختلفة التي تقوم بها المدارس المختلفة للعلاج النفسي من خلال نظرتها إلى طبيعة الدوافع الأساسيّة المحرّكة للسلوك، وإلى طبيعة نشأة الأمراض النفسيّة والعقليّة، يجعل من الصعب عليها أن تتّفق فيما بينها على نظريّاتٍ واحدةٍ، وطريقةٍ متّحدةٍ لعلاج مثل هذه النفوس المنحرفة، بل أقول بأنّها تختلف في تعريف بناء تلك النفوس من أوّل نشأتها وطفولتها، فكيف تبني منها نفساً سويّةً متوازنةً في تصوّراتها وسلوكاتها.
فكلّ مدرسة تنظر إلى هذه النفس من زاويتها الخاصّة، والتي تظنّ أنّها هي الصحيحة، وهي التي تليق لمعالجتها وتكوين مبادئها وتصوّراتها.
بينما نجد المنهج القرآني هو منهجٌ واحدٌ أنزله الذي خلق هذه النفوس من نفسٍ واحدةٍ، وينظر إليها نظرةً واحدةً شاملةً كاملةً، ويستطيع أن يطبّقه أتباع الشريعة الإسلاميّة بكيفيّةٍ واحدةٍ في أيّ مكانٍ كانوا فيه من أطراف المعمورة، وفي أيّ زمنٍ من الأزمنة، خاصّةً وأنّ هذا المنهج قد برهن على قوّته ومنفعته، وقدرته على تكوين نفسٍ مستقيمةٍ معتدلةٍ، تحيا بهذا المنهج حياةً هانئةً هادئةً ليس فيها ظلمٌ، ولا تعدٍّ، ولا انحرافٌ، ولا قلقٌ، ولا اضطرابٌ.
قال الله - سبحانه وتعالى -: (1/135)
صفحة 136
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ... [النساء ـ 1]
والله - سبحانه وتعالى - يبيّن في كتابه في عدّة مواضع بأنّ مبادئ القرآن الكريم واحدةٌ، وأنّ على الإنسان أن يتّبع الصراط المستقيم الذي وضعه - سبحانه وتعالى -، إذا أراد أن يحيا حياةً طيّبةً، وأنّ لا يتّبع السبل الكثيرة والمتعدّدة التي يقوده الشيطان إليها حتّى يجعله يعيش معيشةً ضنكاً، ولا يطمئنّ فيها. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} ... [الأنعام ـ 153]
والحمد لله أنّه بدأت تظهر بعض الاتّجاهات الحديثة من كثير من علماء النفس ينادون بالرجوع إلى بناء النفس الإنسانيّة على الإيمان بقوّةٍ عظيمةٍ عاليّةٍ، كي تحفظ لها صحّتها النفسيّة، لأنّ ذلك الإيمان يحميها من كثيرٍ من تلك الأمراض، ويرون بأنّ إيمان الإنسان بوجود إلهٍ قويٍّ عظيمٍ هو الذي يتصرّف في هذا الكون، وهو يعدّ جزءاً منه، يمدّه بقوّةٍ روحيّةٍ خارقةٍ تعينه على تحمّل مشاقّ الحياة، وتدفع عنه كثيراً من مسبّبات القلق الذي يعدّه العلماء مرض العصر، هذا العصر الذي يسيطر على إنسانه الاهتمام الكبير بالحياة المادّية، ويسود فيه التنافس الشديد بين عناصره من أجل أن يصل كلّ واحدٍ منهم إلى درجةٍ أعلى من صاحبه، فيسعى ليكسب أكثر منه، ويصبح ذا ثروةٍ عظيمةٍ، لكي يظهِِر أمام إخوانه بمظهر أحسن، وما ذلك إلاّ لأنّه صار يعظّم المادّة، ويقيم لها في نفسه قيمةً كبيرةً أكثر من أيّ شيءٍ آخر في هذه الحياة، وترك نفسه فقيرةً إلى الغذاء الروحي الذي يعدّ هو الغذاء الأساسي لها، والذي يحميها من السقوط في القلق، ويجعلها في مأمنٍ من الأمراض النفسيّة. (1/136)
صفحة 137
ومن الذين نادوا بهذه المبادئ، الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي، وليام جيمس: حيث قال: «إنّ أعظم علاجٍ للقلق ولا شكّ هو الإيمان».
وقال أيضا: «الإيمان من القوى التي لا بدّ من توفّرها لمعاونة المرء على العيش الهانئ المطمئنّ، وفقد هذه القوى نذيرٌ بالعجز على معاناة الحياة».
وقال أيضا: «إنّ بين الإنسان وبين الله قوّةً رابطةً، لا تنفصم، فإذا هو أخضع نفسه لإشراف ربّه - سبحانه وتعالى -، تحقّقت كلّ أمنيّاته وآماله».
وقد شبّه المشاكل التي تعترض الإنسان في حياته بأمواج المحيط، والإيمان الذي يتمسّك به في حياته بقاع المحيط، فإذا كان الإيمان قويّاً، فإنّ تلك الأمواج لا تستطيع أن تعكّر الإيمان، كما لا تستطيع أن تعكّر الأمواج العاليّة التي تحدث فوق المحيط، قاعه العميق، فقال في مثل هذا:
إنّ أمواج المحيط المصطخبة المتقلّبة لا تعكّر قطّ هدوء القاع العميق، ولا تقلق أمنه، كذلك المرء الذي قوّى إيمانه بربّه وعمّقه، فالرجل المتديّن حقّاً يتغلّب على القلق، ويحتفظ دائماً وأبداً باتّزانه، وهو مستعدٌّ لمواجهة كلّ ما عسى أن تصيبه به الأيّام من محنٍ.
ويقول أحد العلماء النفسانيّين: «إنّ المرء المتديّن حقّاً لا يعاني قطّ من مرض نفسيّ».
والأشخاص المتديّنون والذين يتردّدون على دور العبادة يتمتّعون بشخصيّةٍ أقوى وأفضل ممّن لا دين لهم، أو الذين لا يقومون بأيّة عبادة. (1/137)
صفحة 138
وإذا أراد الأولياء والمربّون أن لا يفقد الأطفال قوّة تحمّلهم لمشاكل الحياة وتغيّراتها التي ستصيبهم لا محالة بين الحين والآخر، فما عليهم إلاّ أن يكوّنوا فيهم أسساً قويّةً من الإيمان بربّهم - سبحانه وتعالى -، ويغرسوا فيهم مبادئ عميقةً من القيم الروحيّة والأخلاق الساميّة المبنيّة على تعاليم وتوجيهات كتاب الله - عز وجل -، لأنّ للإيمان تأثيراً عظيماً في النفس الإنسانيّة، فهو يزيد من ثقته بنفسه، لأنّه يعلم جيّداً بأنّ قوّته يستمدّها من قوّة ربّه - سبحانه وتعالى -، وهو يزيد من قدرته العاليّة على تحمّل مشاقّ الحياة والصبر على مشاكلها، وينشر فيه السلام والطمأنينة والأمان، كما أنّه يبعث فيه راحة البال، ويغمره بالشعور بالسعادة.
السبب هو القرآن والنتائج بيد الله - سبحانه وتعالى -
لقد خلق الله - سبحانه وتعالى - كلّ شيءٍ بقدرٍ، وشرّع كلّ شرعٍ لحكمةٍ، وكلّ أمرٍ قدّره في هذه الحياة هو لفائدة هذا الإنسان الذي خلقه فسوّاه.
- {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} ... [الفرقان: 2]
ولكن إدراك الإنسان القصير وتفكيره المحدود لا يستطيعان أن يدركا حكمة الغيب العميقة التي قد غيّبها الله - سبحانه وتعالى - في هذه الأشياء، وهو القائل:
- {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]
- {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}
[النساء:19] (1/138)
صفحة 139
إنّ رؤية الناس إلى قوانين هذه الحياة ونتائج المقدّمات قد تكوّنت في تصوّراتهم عبر الزمن، فصارت لديهم عقائد لا تتبدّل، ولا تتغيّر، وصاروا يرون أنّ المقدّمات هي أسباب النتائج التي تحصل لا محالة، وأنّ تلك النتائج حتميّةٌ، لا مناقشة فيها، ولكن في علم الله - سبحانه وتعالى - فإنّ المقدّمات لا تكون أسباباً للنتائج التي يدركها الإنسان بعقله القاصر، لأنّ الأسباب والمقدّمات ليست هي التي تنتج الآثار والنتائج، وإنّما هي إرادة خالق تلك المقدّمات ومنشئ تلك النتائج، والذي يوجد أمره بين الكاف والنون، ــ كن ــ.
- {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82]
وهو القائل - عز وجل -:
- {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} ... [الطلاق: 1]
إنّ المؤمن الحقّ هو الذي يقتنع أنّه يجب عليه أن يأخذ بالأسباب، لأنّ ربّه أمره بذلك، ثمّ يتوكّل بعد ذلك عليه، ويردّ أمره إليه - سبحانه وتعالى -، لأنّه يعلم أنّ الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يقدّر آثار تلك الأسباب ويحقّق نتائجها.
فمن هذه الأسباب التي يجب عليه أن يأخذ بها تطبيق منهج كتاب الله - عز وجل - الذي أنزله إليه، كي يكون له نوراً ينير له طريق حياته، ثمّ لا يسأل بعد ذلك عن النتائج التي ستنتج عن ذلك، ولا يتفلسف أو يناقش، ويقول بأنّ هذا القرآن لا يصلح لتربيّة النشء، ولا لتطوير ذكائه، وتنميّة قدراته، لأنّ كلّ ذلك يعدّ تدخّل في علم الله - عز وجل - وحكمته وقضائه وقدره.
إنّه الملاذ الأمين الذي يستطيع المسلمون أن يكوّنوا به جيلاً ذكيّاً متفوّقاً، راقيّاً في أخلاقه ومعاملاته، مطمئنّاً في نفسه، محافظاً على قواه العقليّة. (1/139)
صفحة 140
فبه نستطيع أن ننشئ جيلاً هادئ النفس، مطمئنّ القلب، نقيّ السريرة، قويّ الضمير، ينشأ في كنف الله - سبحانه وتعالى - وإرشاده وتوجيهه ورعايته، وبه يستشعر إيجابيّته في هذا الكون، وأنّه قد خلق لهدفٍ سامٍ، هدفٍ باقٍ، هدفٍ أبديٍّ، فيحاول استغلال كلّ ما آتاه ربّه - عز وجل - من قدراتٍ ومهاراتٍ، دون خوفٍ، أو تردّدٍ، لأنّه يعلم أنّ خالقه - سبحانه وتعالى - هو الذي سيحقّق له النتائج التي يراها صالحةً له في هذه الحياة، وأنّه لا محالة سيعينه ويوفّقه إلى الخير والفوز والصعود إلى الدرجات العلا إذا ما وجد منه صدق النيّة، والتفاني والمثابرة والصبر في العمل والمحاولة.
إنّ هذا الدستور قد أنزله ربّنا - عز وجل - ليكون نظاماً للتربيّة والتوجيه، وهو منهج صدقٍ، ومنظومةٌ قيّمةٌ، ليس فيها عوجٌ، فما على المؤمنين إلاّ أن يأخذوا به، ثمّ يفوّضوا حقيقة تأثيره إلى منزّله، لأنّه هو وحده الذي يعلم كيف سيعطي النتائج، ومتى يحقّقها للآخذ به، وكيف ستكون تلك النتائج، لأنّ كلّ ذلك متروكٌ له وحده، ولا أحد يطّلع على شيءٍ من ذلك.
وهذا الإنسان، وهذا الوجود بما فيه من مخلوقاتٍ ليس متروكاً للقوانين التي يسنّها ويطبّقها هذا الإنسان، ويعتقد أنّها هي التي سترفع من قيمته النفسيّة والعقليّة والجسميّة، بل هناك دائماً المشيئة المطلقة، والإرادة المدبّرة لكلّ شيءٍ في هذا الكون، وهذه المشيئة هي مشيئة الله - عز وجل -، وهذه الإرادة هي إرادة الله - سبحانه وتعالى - الذي يخلق ما يشاء ويختار، وهي التي تعمل بطريقتها الخاصّة، ولو أنّ تلك الطريقة لا يؤمن ولا يقتنع بها أغلبيّة الناس في هذا الكون، لأنّهم قد كوّنوا لأنفسهم تصوّراتٍ ما أنزل الله بها من سلطان.
- {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}
[القصص:68] (1/140)
صفحة 141
فالله - سبحانه وتعالى - ربّنا وخالقنا قد اختار لنا هذا القرآن الكريم دستوراً ننظّم به حياتنا، ونطوّر به قدراتنا، وننمّي به مهاراتنا، ولكنّنا غافلون عنه، بل أكثر من ذلك فقد تكوّن لدينا تصوّرٌ بأنّه غير مؤهّلٍ ليحقّق لنا مثل هذه الأهداف في حياتنا الفكريّة والعقليّة، فأصبح كثيرٌ من أصحاب هذا الكنز الثمين يعتقدون أنّه أصبح غير صالحٍ لتحقيق ذلك، وأنّ تأثيره قد مضى فيما مضى من القرون الأولى، وأنّ الوقت قد تبدّل وتغيّر، فلا يجب أن نحتكم إليه، أو نعتمد عليه ليوصلنا إلى التطوّر والتقدّم والتفوّق والنجاح.
وبمثل هذه الاعتقادات الخاطئة أصبحنا غير واثقين بأنّ يد الله - سبحانه وتعالى - تعمل عملها في مسيرة حياتنا، وأنّ هذا القرآن يؤدّي دوره بقوّة الله - سبحانه وتعالى - وإرادته، وتوفيقه وهدايته، وليس بما يحتويه من كلماتٍ وآياتٍ وسورٍ، ويد الله - سبحانه وتعالى - تعمل بطريقتها الخاصّة، وليس للإنسان المؤمن مهما بلغ من التطوّر والعلم والتقدّم أن ينكر هذه الطريقة، أو أن يستعجل نتائجها، ولا أن يقترح على الله - سبحانه وتعالى - كيفيّة عملها، فالتأثير القرآني موضوعٌ من طرف الخالق المنشئ المبدئ المعيد، الفعّال لما يريد، وهو منزّلٌ ليعمل في كلّ بيئةٍ وفي كلّ مجتمعٍ يتحكّم أعضاؤه إليه، ويبنون إرشاداتهم التربويّة والتعليميّة عليه، ومهيّأٌ ليعمل في مختلف مراحل النشأة الإنسانيّة، وفي مختلف أعمار هذا الكائن الحيّ العاقل، وفي كلّ حالةٍ من حالات النفس البشريّة التي خلقت من نفسٍ واحدة.
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}
[النساء: 1] (1/141)
صفحة 142
إنّ هذا القرآن الكريم قد أنزله الخالق - عز وجل - من أجل رفع قيمة مخلوقه في مختلف النواحي الدنيويّة والأخرويّة، ولكن مخلوقه قد تنكّر له، ولم يعتقد فيه الكمال المطلق الذي ضمّنه فيه منزّله، فالتجأ إلى غيره من الدساتير الموضوعة من طرف البشر الضعفاء، ولم يعترف بأنّه يراعي فيه فطرته التي فطره ربّه عليها، كما يراعي طاقاته واستعداداته، وقوّته وضعفه، وحالاته المختلفة التي تكون فيها نفسه في كلّ مرحلةٍ من مراحل عمره، وكذلك يراعي فيه مختلف الحالات والدرجات التي تمرّ بها مختلف قواه التي وهبه الله - سبحانه وتعالى - إيّاه.
وهو يرفع من قيمتها إلى الدرجات العليا في التفوّق والنجاح إذا ما وضعه في المكانة التي وضعه الله - سبحانه وتعالى - فيها، وهذا التفوّق يصل إليه سواء كان وحده، أو مع جماعته، فهو يقيّم هذا الإنسان كما خلق بمختلف مكوّناته، ويأخذ بيده ليرتفع به إلى أقصى درجات الكمال التي يريد خالقه أن يصل إليها بحسب تكوينه ووظيفته، وهو يصعد في سلّم الكمال الذي يصعد من خلاله إلى ربّه - سبحانه وتعالى -، فيصبح حقيقةً في الدرجة التي يريدها له ربّه، مكرّماً مفضّلاً متفوّقاً ناجحاً، يحقّق الخلافة التي يريدها منه أن يحقّقها على وجه هذه الأرض.
وهذا المنهج القرآني هو المنهج الإلهي الموضوع في أعلى درجات الإتقان والكمال، وهو بذلك يحقّق الكمال الإنساني من مختلف الجوانب، وذلك لكلّ من تمسّك به، وآمن بتوجيهاته، ولم يشكّ في صلاحيّته وقوّته في التأثير في هذه النفس الإنسانيّة، ولم يكن عجولاً في تحقيق الغايات العليا التي يطلبها من هذا المنهج. (1/142)
صفحة 143
فهو عبارةٌ عن منهجٍ واحدٍ يحقّق أهدافه في كلّ الأجيال بمختلف بيئاتها، لا يتبدّل، ولا يتغيّر، منهاجٌ واحدٌ، منهاجٌ متكاملٌ لا يتطرّق إليه نقصٌ ولا ضعفٌ ولا تغييرٌ، كما يقع للمناهج البشريّة المصطنعة على مختلف الأزمنة، والتي تتبدّل وتتغيّر من مكانٍ لآخر، ومن زمانٍ إلى زمانٍ، فهي لا تستقرّ على حال لمدّةٍ من الزمن، حتّى يجد فيها مستعملوها ومطبّقوها نقائص في جانبٍ من الجوانب، فيسعون إلى إتمامه وتكميله، ولكن ما أن ينتهوا من مشروعٍ، حتّى يظهر لهم نقصانٌ في جانبٍ آخر، وهكذا شأنهم مع المناهج التي وضعوها من تلقاء أنفسهم، ولا يريدون أن يخضعوها لتعاليم خالق هذا الإنسان، وفي النهاية تتحطّم بالكليّة، فينهضون لبناء منظومةٍ جديدةٍ، والتي يكون مآلها نفس المصير الذي آلت إليه المنظومة التي قبلها.
أمّا منهاج القرآن الكريم، الذي وضعه خالق هذا الإنسان الكريم، فهو يسير بلين مع الفطرة الإنسانيّة، يبنيها بلطف من جهة، ويهذّبها من ناحيّة أخرى، ويقوّمها من طرف، ويزيد فيها من طرف آخر، حتّى يصل بها بكلّ هدوء إلى أعلى سلّم التهذيب والنجاح والتفوّق، دون أن يعقّدها، أو يكسرها، أو يحطّمها، كما تفعل كثير من المنظومات التربويّة التي يظنّ واضعوها أنّهم يبنون فيه هذه الجهات ويطوّرون مختلف جوانبه، ولكن في الأخير يتحصّلون على إنسان محطّم القيم، مملوء بالتشاؤم، ولا يرى في حياته تفاؤلا، ولا يأمل فيها أيّ أمل.
إنّ التربيّة القرآنيّة هي الطريق الصحيح والحقيقي نحو الكمال الإنساني في كلّ جوانب النفس الإنسانيّة، وهي السبيل نحو تحقيق الهدف العالي الكبير.
- {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
[الزمر:27ـ28] (1/143)
صفحة 144
لقد شبّه العلماء تربيّة القرآن التي تبثّ روح القوّة العقليّة والتفكير في النفس، وتؤتي ثمرتها بعد حين، كالشجرة التي تغرس بعنايةٍ، وتسقى بنظامٍ، فتضرب جذورها في التربة، وتتطاول فروعها في السماء، وتتشابك فيما بينها، وتؤتي ثمارها اليانعة الطيّبة.
فالإنسان الذي يغرس في أسرةٍ قرآنيّةٍ، ويضرب فيها جذوره، ويُسقى بتعاليم وتوجيهات القرآن، وبكلماته وتعابيره وأسلوبه، ينمو ويقوى عقله، فيتنوّع تفكيره تماماً مثل تنوّع مواضيع القرآن الكريم، ويتّسع خياله، وقد توصّل العلماء عبر تجاربهم المتعدّدة أنّ سعة الخيال من الأسباب والعوامل الرئيسيّة، لأيّ نجاحٍ يحقّقه أيّ إنسانٍ في هذا الكون، ومن أسس بناء العبقريّة.
- {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:24ـ25]
إنّ كلام ربّنا كلّه طيّبٌ، وأسلوبه وتعابيره طيّبةٌ، فهو يبني في كلّ حينٍ وزمانٍ نفوساً طيّبةً، ويكوّن تفكيراً طيّباً ناجحاً لمن تمسّك به بنفسٍ طيّبةٍ مخلصةٍ، تحبّ الخير لنفسها في الدنيا والآخرة، وهو ينشئ جيلاً طيّباً يسعى بقوّة للنجاح في الدنيا، ويعمل للفلاح في الأخرى.
فالله - سبحانه وتعالى - منزّل هذا الكتاب هو الحقّ، أنزل منهاجاً حقّاً وأصيلاً في بناء الوجود كلّه، ولا يبنى هذا الوجود بناءً إيجابيّاً جيّداً إلاّ إذا تكوّنت النفوس ونشأت على هذا المنهج الحقّ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ.
- {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}
[فصّلت:41ـ42] (1/144)
صفحة 145
ذلك بأنّ منهاج الله - سبحانه وتعالى - هو الحقّ، وأنّ كلّ المناهج التي هي من وضع البشر تتعرضّ للنقص والضعف، لأنّها قد وضعت من طرف هذا الإنسان الضعيف الذي تبدو له البدوات، فإذا حاد هذا الإنسان عن منهاج ربّه - عز وجل - والتجأ إلى المناهج التي هي من وضع نفسه، ضلّ وغوى، فأيّ إنسانٍ مهما كان ذكاؤه وقوّة تفكيره لا يستطيع أن يدرك ما في منهاج الله - سبحانه وتعالى - من طمأنينةٍ، وما يملأ به القلوب من سكينةٍ، ويبعث في النفوس من ثقةٍ في التسابق إلى الخير والصلاح والنجاح، وأيّ قوّةٍ يكوّنها في التفكير.
فالله - سبحانه وتعالى - واحدٌ، أنزل منهاجاً واحداً لهذا الإنسان الذي خلق من نفسٍ واحدةٍ.
فلا صلاح لتفكير الإنسان، ولا بركة في مختلف قواه، ولا تفوّق في أيّ مجالٍ من المجالات، ولا طهارة، ولا تناسق في المنظومة التربويّة والتعليميّة إلاّ بالرجوع إلى كتاب الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم.
- {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ... [هود: 1]
- {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ... [فصّلت:1ـ3]
يقول السيّد قطب: إنّ الاحتكام إلى منهج الله - سبحانه وتعالى - في كتابه ليس نافلةً، ولا تطوّعا، ولا موضع اختيار، إنّما هو الإيمان. (1/145)
صفحة 146
إنّ هذه البشريّة وهي من صنع الله - سبحانه وتعالى - لا تنفتح مغاليق فطرتها إلاّ بمفاتيح من صنع خالقها، ولا تعالج أمراضها وعللها إلاّ بالدواء الذي يخرج من يده ـ - سبحانه وتعالى - ـ وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كلّ مغلق، وشفاء كلّ داء، ولكنّ هذه البشريّة لا تريد أن تردّ القفل إلى صانعه، ولا تريد أن تعمل فيه المفاتيح الذي صنعها صانع القفل، ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه، وهي تعلم جيّداً أنّها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنعه، ولكنّها لا تطبّق هذه القاعدة على الإنسان نفسه، ولا أن تتّبع في سبيل تنميّة مهاراته ما أنزله المبدع الذي أنشأ هذه الأجهزة، أجهزة هذا المخلوق الإنساني العظيم العجيب، الكريم الدقيق اللطيف، الذي لا يعلم مكوّناته الدقيقة، ومداخله العميقة إلاّ الذي أبدعه وأنشأه.
- {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} ... [الإنفطار:6ـ8]
أليست القوى العقليّة، والمهارة التفكيريّة من الفطر التي فطر الله - سبحانه وتعالى - هذا الإنسان عليها، أليس الله هو الذي وهبها له، أليس هو خالقها، ويعلم كيف تعمل، وكيف تنمو وتتطوّر، فإذا كان الله - سبحانه وتعالى - هو وحده قد أنشأ هذه الفطر المتعدّدة في الإنسان، إذن فهو وحده الذي يعلم المنهج الذي يليق بها، لتنميّتها وتطويرها، والمحافظة عليها سليمةً قويّةً منتجةً.
وذلك المنهاج هو القرآن، فما على المؤمنين إلاّ أن يرجعوا إليه إذا أرادوا تنميّة وتطوير تلك الفطر والمهارات.
يقول الدكتور جودت سعيد: بعد سؤال وُجّه إليه:
ما السبيل إلى توحيد المسلمين وتآلفهم وتقدّمهم في مختلف المجالات؟ (1/146)
صفحة 147
فكان جوابه: بالعودة إلى الكتاب والسنّة، ولكن هذا الجواب لم يعد كافيّاً على وضعه التقليدي، ولكي يصدق هذا الجواب، ويكتسب فاعليّته العمليّة لا بدّ من أن يكشف المسلمون وغير المسلمين منهجاً لفهم الكتاب والسنّة وكلّ التراث الإنساني، وهذا المنهج هو منهج آيات الآفاق والأنفس.
إنّ هذا المنهج هو الذي سيحدّد معنى الكتاب والسنّة، ومعنى فهم الناس لهما على مرّ التاريخ، وأهميّة آيات الآفاق والأنفس أنّها نوعٌ من الوحي والأسلوب الذي يعلن به الله - سبحانه وتعالى - إرادته لخلقه، وهذا الأسلوب الجديد له ميزاته الجديدة أيضاً، فعلى الباحث أن يدرّب نفسه على تذوّق آيات الله - عز وجل - في الآفاق والأنفس ومزاياهما، لأنّهما طريقان لتحويل الدين إلى العلم والعالميّة, وكلّما صار شيءٌ علماً، صار عالميّاً.
وكتاب الله - سبحانه وتعالى - يتضمّن هذا النوع من الخطاب الربّاني، وهذا التضمّن هو الذي جعله عالميّاً.
ولماذا القرآن؟
القرآن لغة عالميّة يفهمها كلّ خلق الله - سبحانه وتعالى - لأنّه منزّل من خالق كلّ الشعوب، فهو مربّي البشر جميعا فأنزل لهم ما يرشدهم إلى التربيّة الحسنة، أنزل لهم القرآن الكريم، فهو اختيار الله - سبحانه وتعالى - لعباده أجمعين.
فالله - سبحانه وتعالى - في كثيرٍ من آيات كتابه ينادي عباده بندائه، {يأيّها الناس} فهو يناديهم بهذا النداء العام، نداءً للناس عامّةً، وللبشريّة جمعاء، لأنّه يريد لهم الخير جميعاً، ويريد لهم النجاح في تحقيق الخلافة التي خلقهم من أجلها.
- {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} ... [البقرة ـ 221]
مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} ... [النساء ـ 147]
ويقول سيّد قطب في مقدّمة تفسيره: (1/147)
صفحة 148
«والرجوع إلى الله - سبحانه وتعالى - له صورةٌ واحدةٌ وطريقٌ واحدٌ، واحدٌ لا سواه، إنّه العودة بالحياة كلّها إلى منهج الله - سبحانه وتعالى - الذي رسمه للبشريّة في كتابه الكريم، إنّه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها، والتحاكم إليه وحده في شؤونها، وإلاّ فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس، والجاهليّة التي تعبد الهوى من دون الله».
فالقرآن الكريم الذي منهجٌ فعّالٌ سيفعل الكثير والكثير في بناء نفوس الأجيال التي ترجو منها الأمّة أن ترفع من قيمتها، وتعلي من شأنها بين الأمم الأخرى التي وصلت إلى درجاتٍ عاليةٍ من التقدّم، ولكنّها قد بنت ذلك التقدّم في العصور المتؤخّرة على حضارةٍ تؤمن بالقيم المادّية، ولا تقيم للقيم الأخلاقيّة أيّة قيمةٍ، في حين أنّ القرآن سيبني تلك النفوس على أسسٍ قويّةٍ ثابتةٍ، لا يصيبها وهنٌ، ولا تضعف على مرّ الأيّام والسنين.
ولأنّ القرآن سيقوم ببناء تلك النفوس ببركته التي وضعها الله - سبحانه وتعالى - فيه، وبعون ونصرة منه، وهو القائل:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} ... [محمّد ـ 7]
والقرآن الكريم سيقوم ببناء نفس الولد على اليقين والثبات ويزيد من إيمانه بأنّ الحياة كلّها جدٌّ ونشاطٌ ومثابرةٌ، فلا يركن إلى الفشل. (1/148)
صفحة 149
وبهذا التوجيه تتكوّن فيه القوّة الدافعة، والطاقة المتجدّدة التي تجدّد عزيمة من تعلّق به، وجعله سلوكاً واقعيّاً في حياته العمليّة، تلك الطاقة التي تدفع صاحبها دوماً إلى فعل الخيرات وملء الأرض بالخير والبركات، بصفةٍ تلقائيّةٍ منه، دون متابعة جهة من الجهات لأعماله، أو مراقبته في واقع حياته، لأنّ تلك القوّة ستدفعه لتطبيّق أوامر ربّه بإخلاصٍ في كلّ أقواله وأعماله، ويفتخر بعزّة انتسابه إلى العليّ العظيم، ويشعر أنّ ربّه يريد له أن يكون كريماً فيبدل جهده في استغلال طاقاته التي وهبها له ليصل إلى تلك العزّة والكرامة.
وفي ذلك من كوامن التفكير الإيجابيّ العميق الذي يدفع النفس نحو طريق النجاح والتفوّق، ليرفع من قدره وقيمته كمخلوقٍ خلقه ربّه - عز وجل - ليحقّق الخلافة في الأرض.
وللقرآن خاصّية الانسجام مع الطبيعة البشريّة التي وضعها الله - سبحانه وتعالى - في الإنسان ولا يصادم تلك الفطرة التي فطره الله - عز وجل - عليها، فيدعوها إلى حسن التعامل مع مختلف متطلّبات الحياة، ولا يطلب منها ترك تلك المتطلّبات التي لا بدّ أن تحقّقها كي تعيش عيشةً سليمةً عزيزةً، لا تعتمد في تحقيقها على بشرٍ مثلها، بل تعتمد على ربّها وحده، وتدعوه ليوفّقها لنيل الدرجات العلا.
وهو يحقّق للفرد شخصيّته الإنسانيّة التي تجمعه مع بني جنسه جميعا، كما أنّه يحقّق له شخصيّته الدينيّة الإسلاميّة التي أنعم بها ربّه - سبحانه وتعالى - عليه.
- {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} ... [المائدة ـ 03] (1/149)
صفحة 150
إنّه قرآنٌ كريمٌ، ومباركٌ، وحكيمٌ، ومبينٌ، وعظيمٌ، صمّمه خالق هذا الإنسان على كيفيّة تتلاءم تماماً مع تصميمه، وليساعده على تنميّة جميع هذه الطاقات التي صمّمها فيه بدقّةٍ، طاقاتٌ مذهلةٌ.، والتي لم يكتشف منها إلاّ القليل، وتوازن فيه بين تلك العلاقة التي تربط بين النفس والعقل والجسم، ليتمكّن من استغلال أعلى قدرٍ ممكنٍ من الاستفادة من تلك الطاقات.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول فيه: «لا تنتهي عجائبه».
فهو يعطي فرصاً لا متناهيّةً للعقل كي ينمو ويتطوّر، لأنّه يهدي للتي هي أقوم، فهو يرشد هذا المخلوق إلى مواطن الزلل في تفكيره، ويهديه إلى أن يفكّر بطريقةٍ عاليّةٍ إيجابيّةٍ، وجيّدةٍ، لذلك أكثر الله - سبحانه وتعالى - فيه من قوله:
- {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة ـ 219]
- {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ... [الأعراف ـ 176]
- {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ... [يونس ـ 24]
- {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}
[النحل ـ 44]
فإذا تشبّع هذا الجيل من هذا القرآن منذ طفولته، ورضعه مع حليب أمّه، فسيملك عليه تفكيره، ويبني له خواطره، ويستضيء به قلبه، فيكون نموذجه الأوّل في كلّ شيءٍ يقبل عليه، والقدوة الحسنة التي يريد ربّه أن يكون عليها.
يقول كعب: «عليكم بالقرآن، فإنّه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمان عهداً».
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أبشروا، فإنّ هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسّكوا به، فإنّكم لن تهلكوا، ولن تضلّوا بعده أبداً». (1)
__________
(1) أخرجه الطبراني. (1/150)
صفحة 151
إنّ بعض العلماء قد مثّلوا هذا القرآن كأنّه صديقٌ يتعاملون معه ويستنصحونه، ويسترشدونه فيما يعترض طريقهم من مشاكل، ويطلبون منه العون للخروج من مثل تلك المشاكل، وقالوا بأنّ الإنسان المخلص كلّما زاد تعلّقاً به كلّما وجد له تأثيراً فيه، بل سيحسّ في نفسه بأنّ لكلّ سورةٍ من سوره علاقةً خاصّةً، ونصائح تختلف عن أختها، لأنّه يجد أنّ لكلّ واحدةٍ منها طابعاً خاصّاً بها، تماماً كما أنّ لكلّ صديقٍ مزاجه الخاصّ به.
وإذا كان القرآن الكريم على هذه القوّة والميزة، فلماذا لا تتّخذه الأمّهات عوناً على تربيّة وتوجيه أطفالهنّ ونوراً يستنرن به في طريقهنّ لإرشادهم، ليكونوا صالحين.
ويقول المفسّر سيّد قطب: «إنّني بعد تعامل طويلٍ مع القرآن الكريم عدت أتصوّر سور القرآن الكريم، وعدت أحسّها، وأتعامل معها بعد طول صحبةٍ، وطول ألفةٍ، وطول تعاملٍ مع كلّ منها وفق طباعه وسماته واتّجاهاته وملامحه، وأنا أجد في سوره تبعاً لذلك وفرةً بسبب تنوّع النماذج، وأنساً بسبب التعامل الشخصي الوثيق، ومتاعاً بسبب اختلاف الملامح والطباع، والاتّجاهات والمطلع».
وهذا التصوّر تستطيع الأمّ المسلمة القرآنيّة أن تكوّنه في ذهن طفلها في بداية سنّ الإدراك، وذلك تبعاً لذكاء كلّ طفلٍ ولفطنته، فنجد لكلّ سورةٍ من السور القصار طابعها الخاصّ بها، وموضوعها الذي تتحدّث عنه، ولكلّ واحدةٍ منها نوعاً من التأثير قد جعله الله - عز وجل - فيها، فلا تستطيع سورةٌ أن تقوم بدور السورة الأخرى، تماماً كما لا يستطيع صديقٍ من الأصدقاء أن يكتسب صفات صديقٍ آخر، ولا مؤثّراته، كما أنّ الله قد جعل لكلّ واحدةٍ منها مذاقاً خاصّاً بها، لا يوجد في سورةٍ أخرى.
وبذلك نستطيع أن نقول بأنّ كلّ سورةٍ تبني نوعاً خاصّاً من التوجّه الفكري، وبمجموعها تتكوّن لدى الطفل توجّهاتٌ يبني على أساسها تفكيره في مختلف مجالات الحياة. (1/151)
صفحة 152
ويعدّ أحد العلماء بأنّ مصاحبة السورة من أوّلها إلى آخرها رحلةٌ، رحلةٌ تقوده إلى مشاهد وعوالم، ورؤى وحقائق، وتقريراتٍ وتصوّراتٍ، وكلّ واحدةٍ منها تغوص في أعماق النفس بطريقتها التي يريدها الله - سبحانه وتعالى - منها.
وأنا أقول بشرط أن يرزقه ربّه - عز وجل - بأمٍّ ذكيّةٍ حكيمةٍ تستطيع أن تترجم تلك الحقائق والحكم إلى واقعٍ يفهمه الولد، وإلى مشاعر يستشعرها في سلوكه، فيطبّقها شيئاً فشيئاً، حتّى تصير طبائع راسخةً في نفسه، توجّه أخلاقه وأقواله وأفعاله.
وبعد أن تؤثّر كلّ سورةٍ على طريقتها في النفس فإنّها تقوّي فيها تلك الطاقات التي تعلّم الفرد الابتكار وقوّة التفكير حسب ما يستطيع تطبيقه في الواقع المعاش، بحيث يصبح عنصراً فعّالاً ومؤثّراً فيما حوله، وفيمن يتعايش معه في المجتمع، وبذلك تتنامى فيه ثقافته كمّاً وكيفاً، ويستطيع بذلك تجاوز ما يعترضه من عراقيل وقيودٍ في طريق الإبداع والابتكار.
وتعلّم أفراد المجتمع طريقة التفكير، خاصّةً إذا كان ذلك بتوجيهات القرآن الكريم، يتطلّب منهم أن يحقّقوا ويطبّقوا في نواحي حياتهم المختلفة سلوكاً ملتزماً بالفكر القرآني وذلك حسب المنهج الذي يفرضه عليهم، وأن لا تكون عقولهم خزائن لآياته فقط، فيحفظونها عن ظهر قلب، وأمّا إذا رأينا إلى واقع حياتهم نجدهم بعيدين كلّ البعد عن التفكير القرآني الصواب.
إنّ بناء الإنسان القويم والسليم كما يقول التعبير التربوي السائد هو في جوهره تمكين الفرد من أن يتصرّف ويمارس أعماله وهو يقصد من ذلك تحقيق هدفٍ فعّالٍ وجبّارٍ في حياته، وفي حياة مجتمعه، وفي الحياة الإنسانيّة جمعاء. (1/152)
صفحة 153
والمجتمع الذي يريد الوصول إلى مثل هذه الغايات ويسعى إلى تحقيقها عليه أن يبني العمليّة التعليميّة لأجياله من تحصيل الكمّ المعرفي القرآني، ومن اختبار الطالب في مدى استذكاره لهذا الكمّ المعرفي، ثمّ تدريبه كي يصبح قادراً على تحصيل المعرفة الدينيّة القرآنيّة وكيفيّة التفكير في واقع حياته بصفةٍ إيجابيّةٍ فعّالةٍ، وذلك بالبحث الذاتي المتنوّع في كلّ المجالات، وتوظيف المعلومة التي تعلّمها من كلام ربّه - عز وجل - وربطها بواقع الحياة، وأن يتحوّل التعليم القرآني من كونه عاملاً لملء عقول الناشئة بمختلف الآيات والسور إلى قضيّة استثمار لقدرات ومواهب وطاقات تلك الناشئة في الابتكار والإبداع والوصول إلى النتائج الإيجابيّة لتلك الطاقات والمهارات في سلوكهم وأعمالهم مع أنفسهم وأسرهم، ومجتمعهم، والإنسانيّة جمعاء، بحيث توفّر للفرد فرصاً متعدّدةً ومختلفةً كي يحيا وهو سليم التفكير ومثقّفٌ ثقافةً متنوّعةً، ومنتجٌ ومبدعٌ يحترم ذاته، ويوفّر لها متطلّباتها دون المساس بحقوق الآخرين.
وعلى الجهات المسؤولة على هذا النظام التربوي أن تنتقل في الأداء التعليمي والتربوي من أسلوب الحفظ والتلقين الجامد للمعلومة إلى نهج ينمي قدرات التفكير الإيجابي لدى الفرد، ليستطيع أن يتوصّل إلى حلّ مختلف المشاكل التي تعترضه، دون إلقاء اللوم على جهة من الجهات التي يظنّ أنّها هي المسبّبة فيها، وأنّها هي التي ستوجد لها حلاًّ.
إنّ تعلّم التفكير هو أن يكون الإنسان فعّالاً في حياته يتحمّل نتائج أعماله، ويدفع ثمنها بكلّ رضىً وقبولٍ، لأنّ الإنسان الذي يُسقط أسباب مشاكله المختلفة على الخارج، ويبررّ خطأه بعوامل خارجةٍ عن نطاق ذاته، وخاصّة عند حالات الفشل أو عدم النجاح، يعدّ فاشلاً في حياته، لأنّه لم يستطع أن يواجه واقعه الذي يحياه، وما ذلك إلاّ لأنّه لم يتعلّم كيفيّة التفكير الإيجابي.
فوائد تحفيظ القرآن للولد (1/153)
صفحة 154
يقول الدكتور حريزي موسى في كتابه الذاكرة في القرآن الكريم: (1)
«إنّه لا يوجد في هذه الدنيا كلّها عبر العصور والأجيال كتابٌ أوسع انتشاراً في العالم كلّه أكثر من القرآن الكريم، وهذا ليس في الدول الإسلاميّة فقط، وإنّما عبر القارّات الخمس، ولا يوجد مثله في الدنيا من حيث الاعتناء به وحفظه، ومذاكرته، والحفاظ عليه، ولا يوجد له مثيلٌ في زخرفته وأناقته وجمال خطّه، ورونق صفحاته، وبديع خطوطه، وهو الكتاب الوحيد الذي نجا من التحريف والتبديل والتغيير».
ولماذا كان كذلك يا ترى؟ لأنّ المسلمين يعتنون بتحفيظه لأولادهم من بداية طفولتهم، كما أمرهم بذلك رسولهم - صلى الله عليه وسلم -، ورغم أنّ كثيراً منهم ما زالوا مقصّرين في هذا الجانب، ومن أجل الترغيب في حفظه وتلاوته، جعل الله - عز وجل - في ذلك أجراً عظيماً، ودرجات عليا في الجنّة لمن يقوم بذلك، وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - تلاوته تعبّداً، فلذلك تجد المسلمين من مختلف الأعمار والأجناس والبلدان يسارعون إلى حفظه وختمه مرّاتٍ ومرّاتٍ، وليس في العالم أجمع كتابٌ يُقرأ بين الليل والنهار أكثر منه.
ويزيد الدكتور حريزي ويقول: «ومن منطلق قدسيّة القرآن الكريم، ومبدأ الحفاظ عليه إلى يوم الدين نجد أنّ المسلمين قد وطّنوا أنفسهم على العهد، عهد ربّهم - عز وجل - حين يقول:
- {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ... [الحجر ـ 09]
فعكفوا عليه حفظاً وتلاوةً وتجويداً وتدبّراً وتفسيراً، وتعهّده يوميّاً».
وهل يوجد كتاب على مستوى العالم، وعبر عصور التاريخ اهتمّ به أصحابه من جهة التفسير والبلاغة واللغة، والنحو والصرف، والبحث في إعجازه المتعدّد، وغير ذلك من العلوم التي سمّوها علوم القرآن الكريم، غير هذا الكتاب؟.
ومن بين الأسباب التي تحثّ المسلمين عبر الأزمان والأجيال على الحفاظ عليه:
__________
(1) من كتابه: أسرار الذاكرة في القرآن الكريم. (1/154)
صفحة 155
1ــ حفظ كلام الله - عز وجل - من الضياع والتحريف.
2ــ القرآن هو كلام الله - سبحانه وتعالى - الذي أنزله من أعلى عليّين، وبواسطة الروح الأمين، جبريل - عليه السلام -، وهو ليس بكلام البشر، وبعض تعابير وقصائد الكتّاب تكتب بماء الذهب، فكلام الله - سبحانه وتعالى - أحقّ أن يحتفظ به أكثر من أيّ كلامٍ آخر.
3ــ هو دستور الله - عز وجل - لحياة المسلمين في جميع شؤون حياتهم، وفي أمور آخرتهم، وهو السبيل إلى النجاة والسعادة والرفعة في الدنيا والآخرة.
4ــ القرآن يُقرأ من طرف أتباعه، أملاً منهم في الثواب والأجر العظيم، والبركة في العمر والرزق والأولاد.
5ــ القرآن هو سبب الراحة النفسيّة والسكينة والاطمئنان، كما أنّه يبعث القناعة في النفوس من حيث الرزق الذي يعطيهم ربّهم - عز وجل -.
6ــ حفظ القرآن يكوّن في الحفّاظ الذين يداومون عليه القوّة والسلامة في النطق باللغة العربيّة الفصيحة، ويكوّن البلاغة والمهارة في التعبير الصحيح والسليم، فالقرآن الكريم قد نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ.
7ــ حفظ القرآن والمداومة على تلاوته يشحّد الذهن، ويقوّي العمليّات العقليّة، وخاصّةً الخيال القويم، الذي هو أساس الإبداع، وتنمّية الذاكرة.
8ــ حفظ القرآن وتدبّره ومحاولة فهمه يزيد سعة الخيال الإبداعي في التفكير، والتفكير السليم الوجيه فيما هو أعمق من الحياة الظاهرة للعيان، والتفكير في أحوال الماضين.
9ــ إنّ القرآن الكريم يرفع من قيمة صاحبه في المجتمع، ويجعله يتبوّأ منزلةً رفيعةً ومكانةً مرموقةً، ومقاماً رفيعاً عند الله - سبحانه وتعالى -.
10ــ إنّ حفظ القرآن مفتاحٌ ذهنيٌّ لخزائن كثيرةٍ من العلوم الأخرى سواءٌ الشرعيّة منها، أو العلميّة.
11ــ إنّ صلاح المجتمعات ينبني على صلاح الأفراد، وصلاح الأفراد يكون بالاعتناء بحفظ كتاب الله - عز وجل - القرآن الكريم، وذلك يكون سبباً لتطبيق أخلاقه في الحياة اليوميّة. (1/155)
صفحة 156
12ــ وهو يخبر كذلك عن الحياة الأخرى التي تبتدئ من موت الإنسان، وخروجه من هذه الدنيا، وما بعدها من المراحل المتعدّدة، من البعث والمحشر والحساب، ثمّ الجنّة، أو النار.
13ــ كما يخبر عن العوالم الغيبيّة التي توجد حول هذا الإنسان، مثل عالم الملائكة، وعالم الجنّ، وعالم الشياطين.
14ــ ويبيّن له كذلك عالم المخلوقات التي يتعامل معها دائما، مثل عالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجمادات، وعالم البحار، وغيرها.
وكلّ هذه مواضيع تزيد من قوّة الخيال والتصوّر الواسع، وهذا ممّا يزيد من قوّة التفكير عند الإنسان.
نتائج تعامل الصغار مع القرآن
إنّ الطفل إذا تدرّب منذ صغره على التعامل مع كتاب الله - عز وجل - عن اقتناعٍ وحجّةٍ وبرهانٍ، وحين يأخذه منذ بداية إدراكه، ويملأ به ذهنه وفكره، ينضج عقله وهو مقتنعٌ ومؤمنٌ بأهميّته، وتتكوّن لديه نفسٌ مؤمنة ثابتةٌ على مبادئه وتوجيهاته، ويسهل عليه تعلّم العلوم الأخرى المختلفة بعد ذلك، لأنّ تعلّم القرآن الكريم يكوّن لديه احترام كلّ العلوم والاهتمام بها وحفظها والاستزادة منها إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ.
وكما يعبّر العلماء عن ذلك، حيث يقولون بأنّ القرآن الكريم هو مفتاح العلوم.
وعندما يهتمّ به منذ نعومة أظفاره يغرس في نفسه حبّ مولاه وتقديره واحترامه، كما يعلّمه الخشوع والتقوى والعبوديّة لله ربّ العالمين. (1/156)
صفحة 157
كما أنّ تعليمهم إيّاه من طرف أولياء وأمّهات ومعلّمين أكفاء، يهتمّون بناحيّة الحوار بينهم وبين الطفل، ويركّزون على الأسلوب القصصي الموجود فيه بكثرة، يفتّح بصائرهم على الكلام المعجز لربّ العالمين، الذي يصنع المعجزات في النفوس البشريّة، كما يصلون بواسطته إلى إدراك الملكوت الهائل الكبير في كلّ شيءٍ يحيط بهم من كلّ النواحي، والنظام البديع الذي يسير به هذا الكون المتكوّن من الملايين الملايين من الخلائق العجيبة الصنع، البديعة التكوين، فتظهر فيه تلك الفطرة التي أودعها فيه ربّه - عز وجل -، وتنمو شيئاً فشيئاً مع كلّ آيةٍ يقرؤها ويحفظها ويفهم معناها، فيهتزّ قلبه منذ صغره ويخشع لعظمة ربّه - سبحانه وتعالى -، ويشعر بلذّة القراءة والتلاوة وحلاوة الآيات القرآنيّة منذ ذلك السنّ، ويسير معه في مختلف سنين عمره.
وحفظ الطفل لكلام ربّه منذ صغره من طرف أمٍّ مسلمةٍ مؤمنةٍ قانتةٍ تائبةٍ عابدةٍ تقيّةٍ حنونةٍ رؤوفةٍ تنوّر قلبها بكلام ربّها في كلّ حين، فتنقل ذلك النور إلى قلب طفلها، وتقوّي في نفسه الخشوع، وترسّخ فيه التقوى، وتروّضه في سنّ التمييز على التخشّع عند التلاوة، ممّا يكوّن ويبني فيه صفات العارفين، وشعار عباد الله الصالحين، وخصائص المؤمنين الصادقين، فتكون نتائج ذلك كلّه أن نتحصّل على نفسٍ مهذّبةٍ في شتّى الجوانب، تعرف المطلوب منها في هذه الحياة، وهذا يتكوّن فيه بشرط توفّر مثل هذه الأمّ الحافظة للقرآن الكريم حفظاً متقناً، وعارفةً بقواعد التلاوة معرفةً صحيحةً وافيّةً، حتّى يميل الطفل ميلاً كبيراً إليها، ويتّخذها مثله الأعلى، ولا يلتفت إلى أحد غيرها، لأنّ حفظ القرآن الكريم وتلاوته تنوّر القلب، وتذكّر النفس، وتطهّر اللسان، فيسّهل الله به تربيّة ذلك الطفل، ويفتح له أبواب علمه، ويهديه إلى مكارم الأخلاق. (1/157)
صفحة 158
وهذه الظاهرة من الخشوع والإخبات والتقوى هو ما كان عليه رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وما كان عليه الصحابة الكرام ـ - رضي الله عنه - ـ والسلف الصالح، والعارفون بالله - سبحانه وتعالى -، وتعليم الطفل الاهتمام بكلام ربّه منذ سنواته الأولى يكوّن فيه مثل هذه الصفات ويجعله يتدرّج في هذه الدرجات درجةً درجةً، فلا تؤثّر فيه مؤثّرات الحياة السلبيّة، خاصّةً في هذا العصر الذي كثرت وتعدّدت فيه مثل هذه المغريات التي تسلب النفوس وتغري القلوب.
فعن أبي صالح قال: «قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصدّيق ـ - رضي الله عنه - ـ فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر ـ - رضي الله عنه - ـ: هكذا كنّا حتّى قست القلوب».
وكان مالك بن دينار يقول: «ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن، إنّ القرآن ربيع المؤمن، كما أنّ الغيث ربيع الأرض».
وتطبيقا لهذا المعنى، فإنّ القرآن يزرع في كلّ مرّةٍ يتعامل فيها الطفل معه أخلاقاً جديدةً طيّبةً حسنةً، وإذا لم نصل إلى هذا التأثير، فالخلل في التعليم وليس في القرآن الكريم.
ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى - لرسوله في شأنه:
- {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود ـ 120]
- {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} ... [الفرقان ـ 32]
وقال قتادة: «لم يجالس أحد هذا القرآن إلاّ قام بزيادةٍ، أو نقصانٍ».
وأخبار السلف في بكائهم وتخشّعهم عند تلاوتهم للقرآن الكريم، وعند سماعهم له أكثر من أن تحصى، وقصصهم الرائعة في كتب الأخلاق والتربيّة كثيرةٌ ومستفيضةٌ، وكلّ ذلك قد تكوّن فيهم نتيجةً للجوّ القرآني والإيماني الخاشع الذي كان يسود المجتمع. (1/158)
صفحة 159
وليس هناك مؤثّرٌ مهمٌّ يكوّن في الطفل الخشوع والصلاح والتواضع وعلوّ الهمّة، ويروّضه على ذلك كلّه أكبر وأفضل من كتاب الله - سبحانه وتعالى -، فما على المربّين إلاّ أن يمتثلوا لأوامر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويهتمّوا بتعليمه للناشئة الصغيرة منذ نعومة أظفارها، حتّى يصبح الطموح وعلوّ الهمّة خلقاً أصيلاً فيها، وطبعاً كريماً من طباعها وأخلاقها.
وقديما قال الشاعر:
قد ينفع الأدب في صغر وليس ينفعهم من بعده أدب
إنّ الغصون إذا عدّلتها اعتدلت ولا يلين ولو ليّنته الخشب
والتعوّد على البكاء والتخشّع ممّا أرشد إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأولياء ليروّضوا عليه الناشئة الصغيرة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اقرؤوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا». (1)
وتعليم القرآن للأولاد منذ الصغر، يروّضهم على مراقبة الله - عز وجل -، ويعلّمهم الإخلاص له - سبحانه وتعالى - في أقوالهم وأعمالهم وسائر تصرّفاتهم، وأن يقصدوا في كلّ عملٍ يقومون به وجه الله - سبحانه وتعالى -، وأنّ كلّ عملٍ يجب أن يسبقه نيّةٌ، وبذلك تتكوّن فيهم العبوديّة الخالصة لوجهه - سبحانه وتعالى - الكريم، ويشملهم قوله - سبحانه وتعالى - الذي يحفظونه منذ صغرهم:
- {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} ... [البيّنة ـ 5]
__________
(1) أخرجه الطبراني. (1/159)
صفحة 160
وتعليم القرآن الكريم للصغار من طرف معلّمٍ مخلصٍ يروّضهم على كلّ إحساسٍ نظيفٍ، ويربّيهم على الشعور الطاهر، لأنّه لا يوجد شيءٌ ينقّي القلوب مثل المحافظة على تلاوة كتاب الله - عز وجل - بنيّةٍ طيّبةٍ بريئةٍ، ولا نجد مثل هذه الصفات البريئة النقيّة إلاّ عند الصغار، وذلك بفطرتهم الملائكيّة، وإذا اهتمّ أولياء الأمور بالمواظبة على تعليمهم كتاب الله - سبحانه وتعالى - وترغيبهم فيه، فإنّه بفضل الله - عز وجل - وببركة كلامه سيحافظون على تلك الصفات النقيّة الطاهرة، وستقوى فيهم بفضله ورحمته وهداه.
يقول الله - عز وجل -:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ... [يونس ـ 57]
وهذه الطهارة القلبيّة والنفسيّة تتكوّن لدى النشء الذي نعلّمه الاهتمام بكلام الله - سبحانه وتعالى - نتيجةً لاقتباس تلك الصفات من المنبع الصافي الذي اتّخذه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مصدراً لأخلاقه، فأصبح على خلقٍ عظيمٍ، ونهل منه الصحابة، حتّى أصبحوا من خيرة خلق الله - عز وجل - عبر العصور، فبشّرهم ربّهم بالجنّة وهم أحياء يرزقون على وجه الأرض.
والله قد جعل هذه النفس البشريّة تشتمل على قوّتين، قوّة التفكير، وقوّة الوجدان، وحاجة كلّ واحدةٍ منهما غير حاجة الأخرى، فإمّا إحداهما فتبحث وتتساءل عن الحقّ لمعرفته، وعن الخير لتعمل به، وأمّا الأخرى فتسجّل إحساسها بما في الأشياء من لذّةٍ وألمٍ، وليس هناك شيءٌ يستطيع أن يلبّي للنفس هذه الاحتياجات المتعدّدة إلاّ كتاب الله - عز وجل - المبنيّ على أساسٍ تامٍ من البيان والإحاطة بكلّ جوانبها، والإقناع التامّ لها، والذي أنزله ربّنا - سبحانه وتعالى - كاملاً لا ينقص فيه شيءٌ ممّا تحتاجه لأنّه أُنزل من أجلها، وليوفّي لها حظّها من الفائدة العقليّة والمتعة الوجدانيّة. (1/160)
صفحة 161
فمهما بلغ كلام الإنسان من البلاغة والفصاحة فلن يبلغ ولو جزءاً صغيراً من بلاغة وفصاحة كلام الله - عز وجل - الذي أنزله خاصّاً لهذه النفس الإنسانيّة.
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ... [الإسراء ـ 88]
وكلّ كلام العلماء، وتعبير الأدباء، وشعر الشعراء، إلاّ ويوجد فيه غلوٌّ في جانبٍ، أو قصورٌ في جانبٍ آخر، ولكن كلام الله - سبحانه وتعالى - ينفرد بميزة قد جعلها فيه خالق هذه النفس وعالم خباياها ومكوّناتها، لأنّه يمتاز بمخاطبة الفكر والعاطفة معاً وفي آنٍ واحدٍ.
يخاطب العقل فيقنعه بما يريد أن يقنعه به، ويخاطب العاطفة فيتسربّ بخطابه إلى مشاعرها، فيستثيرها، ويدفعها إلى أن تتجاوب معه، فيؤثّر فيها تأثيراً بليغاً حقيقيّاً، فتتحوّل تلك القناعة إلى إيمانٍ قلبيٍّ، يقوى بالقدر الذي تتعامل به مع كلام ربّها، حين تسمع له وهو يخاطبها قائلا:
- {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} ... [الكهف ـ54]
وقد شبّه بعض العلماء المسلمين القرآن الكريم بالشجرة المثمرة، فتجد أغصانها تحمل في آنٍ واحدٍ أوراقاً وأزهاراً وثماراً، فتستلذّ العين بمنظر أوراقها الخضراء، والأنف باستنشاق رائحة أزهارها الزكيّة، والذوق بطعم ثمارها الحلوة.
وهذه الميزة لا توجد إلاّ في كتاب الله - سبحانه وتعالى - الذي لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، ولا ينسيه اشتغاله بشيءٍ عن الشيء الآخر، وهو الذي يعلّم هذا القرآن للنفس الإنسانيّة، كما أنّه هو الذي يعلّمها البيان، وهو القائل:
- {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمان ـ 1ـ4] (1/161)
صفحة 162
هذا من ناحيّة التعبير اللفظي للقرآن الكريم، أمّا ما يخصّ بيانه ومعانيه وقوّته الروحيّة التي تؤثّر في القلب، فلا يمكن لأحد كائناً من كان أن يدرك أبعادها، وإنّما هي رشفاتٌ يرشفها العلماء المفسّرون المخلصون من بحرٍ عذبٍ لا ساحل له.
- {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} ... [الكهف ـ 109]
فالبيان القرآنيّ يحمل شتّى أنواع الأساليب التي تخاطب العاطفة، وتضرب على أوتار القلوب، فتستثيرها، وتأخذ بمجامعها فتنبّهها من غفلتها، وترشدها إلى رشدها الذي لا يستطيع أيّ كلامٍ أن يرشدها إليه.
أمّا أن نجد مثل هذه الميزة في كلامٍ آخر، يُلقى إلى العلماء وإلى الجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى الذكر والأنثى، وإلى الكبار والصغار، فيفهمه كلٌّ منهم على مقياس عقله، ووفق حاجته، فهذا ما لا نجده أبداً في كلامٍ آخر مهما كان فصيحاً بليغاً.
فهو كلام ربّنا الذي أنزله إلى خلقه، فيستعين به البلغاء لتقويّة تعابيرهم، ويراه العامّة أحسن كلامٍ وأقربه إلى عقولهم، لا يصعب على أفهامهم، ولا يحتاجون لفهمه إلى ترجمان، فهو متعة العامّة، واعتماد الخاصّة على السواء، ميسّرٌ لكلّ من أراد أن ينهل منه، ويحفظه، والعاجز من أعرض عنه، وعجز عن دراسته، وحفظه، وتدبّره.
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمر ـ 17]
فكتاب الله كما يقول ابن عطيّه: «لو نزع من القرآن الكريم لفظةً، ثمّ بحث في لسان العرب على لفظةٍ أخرى مثلها، أو أحسن منها لم توجد».
إنّه كما وصفه ربّ العزّة - سبحانه وتعالى -:
- {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ... [هود ـ 1] (1/162)
صفحة 163
إنّ تعامل الصغار منذ سنواتهم الأولى مع كتاب الله - عز وجل -، وتدرّجهم معه درجةً درجةً مع زيادة عمرهم، يبني في أذهانهم خريطة الإسلام بالتدريج خطوةً بعد خطوةً بنسبها الصحيحة دون تفريطٍ، أو إفراطٍ، حتّى إذا شبّوا وجدوا أنفسهم قد فهموا قواعده فهماً جيّداً وافيّا، ويبني العلاقة الصحيحة بينهم وبين ربّهم - سبحانه وتعالى -، ومع عالم الغيب والشهادة، ومع أنفسهم، ومن حولهم من عناصر مجتمعهم.
وحين يدرّس الطفل قرآن ربّه - عز وجل - بطريقةٍ متقنةٍ، ويرشد إلى هذه المعاني الكثيرة الموجودة فيه، لإنّه تتكوّن فيه كلّ هذه الصفات، وذلك بالتدرّج ودون تعبٍ، أو تعقيدٍ، وتستقرّ هذه المعاني العميقة في نفسه وعقله وقلبه، فتحميه من كثير من أسباب التشرذم والانحراف، لأنّه يساير فطرة النفس الإنسانيّة التي فطرها الله - سبحانه وتعالى - عليها.
القرآن هو اللقاح ضدّ الأمراض النفسيّة
إنّ الأولياء بمجرّد أن يولد لديهم ولدٌ يسرعان به إلى المصحّة ليأخذ عدّة لقحاتٍ لتكوّن له حمايةً من كثيرٍ من الأمراض، مع معاودة تلقيحه من فترةٍ إلى أخرى، وذلك لحمايته من عدّة أمراضٍ جسميّةٍ ميكروبيّةٍ.
ــ فلماذا لا يقومون بتلقيحه ضدّ الأمراض النفسيّة والخلقيّة والتربويّة؟ حتّى ينشأ وهو محصّنٌ من تلك الأمراض، واللقاح موجودٌ ومتوفّرٌ بين أيديهم في كلّ وقتٍ وحينٍ، ويستطيعون أن يقوموا هم بأنفسهم بتلقيح أولادهم به، دون الذهاب به إلى أيّة مصحّة، وهو من دون ثمنٍ، ويحميهم هم كذلك من عدّة أمراضٍ نفسيّةٍ. (1/163)
صفحة 164
إنّه لا يوجد دواءٌ يحمي نفس الإنسان من الأمراض التي تصيبها أحسن وأفضل من القرآن الكريم، فمهما استطاع طبيبٌ نفسانيٌّ أن يغوص في أعماق هذه النفس، ويكتشف أمراضها، ويقوم بعلاجها، فإنّه لن يستطيع أن يحميها بداية من إصابتها بتلك الأمراض، ولن يستطيع أن يعالجها علاجاً كاملاً منها، ولكن خالق هذه النفس، وعالم أسرارها وما يصيبها من أمراضٍ في أعماقها هو الذي أنزل هذا الدواء الذي يحميها ويقيها من الأمراض المتعدّدة قبل أن تصاب بها، ويشفيها كذلك إذا ما أصيبت بها.
ــ فلماذا لا نلتجئ إليه؟ ونحتمي به ونلوذ إليه؟، كي ننشئ أولادنا بنفوسٍ مطمئنّةٍ متوازنةٍ، بل إنّه يستطيع أن يحميهم من تلك الأمراض قبل أن يخرجوا إلى هذا الوجود، وهم أجنّةٌ في بطون أمّهاتهم، وهذه هي وظيفة الأمّ التي يجب أن تهتمّ بحملها، وتطلب من ربّها أن يخرجه إنساناً سويّاً إلى هذا الوجود.
ــ ألا يمكن للأمّهات أولات الأحمال أن يداومن على تلاوة كتاب الله - عز وجل - وتدبّره ويطلبن من الله - عز وجل - أن يحفظ لهنّ ما في بطونهنّ؟
ــ ألا يمكن أن نحمي هذه الأجيال من الشيطان قبل خروجها إلى هذا الوجود؟
ــ ألا يمكن أن نطلب الله - عز وجل - أن يرزقنا برّ المولود وهو في بطن أمّه باشتغال أمّه في بعض أوقاتها بتلاوة كتاب ربّها؟
ــ ألم يكتشف علماء الأجنّة بأنّ أوّل حاسّةٍ تبدأ بالعمل عند الجنين وهو في بطن أمّه هي حاسّة السمع؟
ــ لماذا لا نرشد الأمّهات أن يُسمعن أجنّتهنّ آيات الله - سبحانه وتعالى - وهم في بطونهنّ؟
وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرشد الأزواج أن يدعوا ربّهم كي يجنّب الشيطان ما رزقهم، أفلا يمكن للأمّهات أن يقمن بعملٍ طيّبٍ إيجابيٍّ، يدفع الشيطان عن الجنين الذي في بطنهنّ؟.
فقد روى البخاري في باب التسميّة على كلّ حالٍ وعند الوقاع:
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه أمر الأزواج أن يدعوا قبل الجماع ويقولوا: (1/164)
صفحة 165
«بسم الله، اللّهمّ جنّبنا الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا».
ويعدّ العلماء أنّ هذا الدعاء هو حقٌّ للنسل، ولكن كثيراً من الناس يجهلونه، ولا يطبّقونه، ولا بأس من الزيادة في الدعاء بأن يجعل هذا النسل نجيباً صالحاً نافعاً للإسلام والمسلمين.
يقول الإمام الماوردي في هذا الموضوع: «وأن ينوي في ذلك صلاح الولد، وأن يتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، لعلّ الله - سبحانه وتعالى - يرزقه من يعبد الله - عز وجل -، ويوحّده، ويجري على يديه صلاح الخلق وإقامة الحقّ وتأييد الصدق، ومنفعة العباد، وعمارة البلاد».
ــ ألا يمكن أن نعتبر هذا العمل لقاحاً للولد ضدّ كلّ الأمراض النفسيّة، وضدّ وسوسة الشيطان قبل أن يخرج من بطن أمّه؟.
وقال الإمام الفخر الرازي في تفسيره في موضوع البسملة:
النكتة الخامسة عشرة: قال عليه الصلاة والسلام:
«يا أبا هريرة إذا توضّأت فقل: بسم الله، فإنّ حفظتك لا تبرح تكتب لك الحسنات حتّى تفرغ، وإذا غشيت أهلك فقل: بسم الله، فإنّ حفظتك يكتبون لك الحسنات حتّى تغتسل من الجنابة، فإن حصل من تلك الواقعة ولدٌ، كتب لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد، وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقبٌ، حتّى لا يبقى منهم أحد».
وننصح الأمّ الحامل بأن تقرأ كلّ يومٍ ما تيسّر لها من القرآن الكريم، وتنوي بذلك طلب الهداية للولد، وأن يسهّل الله - سبحانه وتعالى - عليها وضعه وتربيّته، ويوفّقه إلى ما فيه الخير من الأخلاق الحسنة الطيّبة، خاصّةً آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوّذتين، والآيتين من آخر سورة البقرة اللتين يقول فيهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قرأ بهما في كلّ ليلة كفتاه».
وأن تمسح بهما كامل جسمها، وبطنها على الأخصّ، حتّى يحفظ لها ربّها جنينها، ويعوّذه من شرّ الوسواس الخنّاس الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنّة والناس، ومن شرّ كلّ حاسدٍ. (1/165)
صفحة 166
فسبحان الله إنّ الحامل تراقب حملها طوال مدّة الحمل من الناحيّة الجسميّة، وتراقب نفسها هي كذلك، وتقوم بزيارة الطبيب بصفة دوريّة، طبقا لبرنامج مسطّر لا تحيد عنه، مخافة على صحّتها وعلى صحّة حملها، وإذا سألتها كم مرّةً قامت برقية نفسها وجنينها، كي يكون في صحّةٍ روحيّةٍ جيّدةٍ وقويّةٍ، ويخرج إلى هذا الوجود بنفس صحيحةٍ وقويّةٍ من الناحية الروحيّة ستجيب بالسلب، وربّما لم تقم بذلك ولو مرّةً واحدةً طوال مدّة حملها، فكيف نرجوا ونطلب أن يكون أمثال هؤلاء حملة لكتاب الله - عز وجل -، وتكون أخلاقهم القرآن.
ولعلّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما يرشد في توجيهاته بحسن اختيار الزوجة المؤمنة الصالحة التي تستطيع أن تقوم بواجبها الأكمل في أداء حقّ الزوج، وأداء حقوق الأولاد، وأداء حقّ البيت، يهدف من وراء ذلك أن تكون محافظة كذلك على تلاوة كتاب الله - سبحانه وتعالى - ليتأثّر الجنين بتلك التلاوة والولد في سنواته الأولى، فينشأ صالحاً مستقيماً.
قال الباحثون: «إنّ الأثر المهدّئ للتوتّر الذي يمتاز به القرآن الكريم يشمل تنشيط الوظائف المناعيّة لمقاومة الأمراض ورفع كفاءتها بنسبة 65% وزيادة فعاليتها من خلال تكوين الأجسام المضادة في الدم والتي تعدّ ضروريّةً للتصدّي للأمراض وتحقيق الشفاء منها».
ولا يزال هذا الموضوع في بداية أبحاثه، ولو اختصّ بعض العلماء والباحثين في البحث وإجراء التجارب وتطبيق علاج التوتّرات بالاستماع إلى القرآن الكريم، لتوصّلوا إلى نتائج باهرةٍ حقيقيّةٍ لأنّ الله - عز وجل - منزّل القرآن ومعلّمه، خلق الإنسان وعلّمه البيان هو الذي أخبر بهذه الحقائق، وقد أنزله لأجل هذا المخلوق.
والعجيب حقّا أنّ الاستماع إلى القرآن الكريم يزيل التشتّت والضجر والنسيان السريع بعكس الاستماع إلى أيّ شيءٍ آخر.
ولا شكّ أن إزالة التشتّت وعدم النسيان السريع من الأسباب الإيجابيّة لتكوين ذاكرةٍ قويّةٍ حديديّةٍ. (1/166)
صفحة 167
وقد وضع العلماء خطواتٍ حسنةً يتّبعها كلّ من يريد أن يستفيد من الاستماع إلى كلام الله - عز وجل - استفادةً جيّدةً، وتعطي له نتائج ملموسةً وأفضل، وليكون الإصغاء إليه أكثر فائدةٍ ومنفعةٍ.
ومن هذه الإرشادات المحافظة على سلامة حاسّة السمع، والتي يجب أن تكون دائماً سليمةً، وغير مسدودةٍ بالشمع، ولا بأس أن نشير إلى فائدة الوضوء في التنظيف المستمرّ لحاسة السمع، الذي أمر به ربّنا - عز وجل - قبل الصلاة، وما ذلك إلاّ لينظّف المؤمنون حواسهم فتبقى خاليّةً من الأوساخ والأتربة طوال الوقت، لأنّها من الوسائل الأساسيّة لتنميّة الذاكرة وتقويّتها.
وقد جعل العلماء من آداب تلاوة القرآن استحباب التوضّؤ، وبهذا يجلس الشخص إلى التلاوة وهو نشيط، وحواسه نظيفةٌ خاليّةٌ من الأتربة.
ومن شروط الإصغاء الجيّد أن ندرّب حاسّة السمع على ممارسة الإصغاء بعنايةٍ لكلّ الأصوات التي نسمعها في محيطنا، ونحاول فهمها جيّداً، وأن نتدرّب على التركيز على الأصوات الأكثر أهمّيةً.
وقد ذكر العلماء لزوم التحلّي بآداب الإنصات، وذلك بالنسبة للمتعلّم وللمستمع، وقالوا بأنّ الاستماع والإنصات هما أمران من أوامر الله - عز وجل - واجبةٍ بقوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ــ204]
كما أنّه وسيلةٌ من وسائل التدبّر والانتفاع بهدي القرآن، والهداية من أكبر الرحمات، وأنّها من الوسائل المساعدة على الحفظ والإتقان، وهي وسيلة كذلك للفهم والوعي والإتّباع.
وذلك كما يقول - سبحانه وتعالى -:
- {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} ... [الزمر ــ 18] (1/167)
صفحة 168
والاستماع الذي يحبّه الله - سبحانه وتعالى - هو أن يكفّ العبد جميع جوارحه عن ما سوى القرآن الكريم قراءةً أو استماعاً، ولا يشغلها بشيءٍ آخر غيره، حتّى لا يشغل قلبه عمّا يسمع، ويغضّ طرفه، فلا يلهو قلبه بما يرى، ويركّز تركيزه، فلا يحدّث نفسه بشيءٍ آخر سوى ما يقرأ أو يسمع إليه، ويعزم على أن يفهم ما يقرأه أو يسمعه ويعمل بما يفهم.
قال الله - عز وجل -:
- {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ... [المزمّل ــ4]
وقال - عز وجل -:
- {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} ... [القيامة ــ 16]
إنّنا نجد في هذه الآيات إشارةً إلى أصول التلاوة وأسسها، وآداب الاستماع إليها ومنها توضيح الألفاظ والحروف، وعدم الاستعجال في القراءة، لأنّ ذلك أنقى وأعون على استعمال جهاز الذاكرة، ويساعد على الحفظ الجيّد والسريع.
وكلّ هذه المهارات تستطيع الأمّ أن تعلّمها لولدها وهي تلقّن له بعض آيات القرآن الكريم، وذلك بما تعامله به من الحنان والاهتمام والتحفيز بمختلف الوسائل التي تراها صالحةً لذلك، وذلك بخبرتها وذكائها التي تكتسبها بما تقرأه من الكتب التي ترشدها إلى كيفيّة تربيّة أولادها تربيّةً سليمةً، وتتبّع البرامج الكثيرة التي تبيّن لها ذلك.
وقد أرشدنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - إلى أفضل آية، مع قصرها، ولكنّها كلّها بركةٌ وتيمّنٌ، واستعانةٌ على الحفظ والهداية والإعانة، وأخبرنا بأن نجعلها مصدر أعمالنا كلّها، إذا أردنا أن نجلب عون الله - سبحانه وتعالى - لنا، وأن نكون تحت رعايته وحفظه، وهذه الآية القصيرة هي:
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وعلى حسب الفعل الذي نعزم القيام به، سواءً كان قياماً، أو قعوداً، أو أكلاً، أو شرباً، أو قراءةً، أو وضوءاً، أو صلاةً، فالمشروع ذكر الله - سبحانه وتعالى -. (1/168)
صفحة 169
فعن ابن عبّاس - رضي الله عنه - قال: «إنّ أوّل ما نزل به جبريل - عليه السلام - على محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - قال:
يا محمّد، قل أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثمّ قال: قل بسم الله الرحمان الرحيم، قال: قال جبريل - عليه السلام - باسم الله يا محمّد، يقول اقرأ بذكر الله ربّك، وقم، واقعد، بذكر الله - سبحانه وتعالى -. (1)
فلماذا لا تبدأ الأمّهات إرضاع أولادهن بسم الله، حتّى ينزّل الله البركة في حليبهنّ، ويجعله شفاءً لأولادهنّ، ويودّعن أولادهن إلى النوم ببسم الله، ويطعمونهم ببسم الله، ويتعاملن معهم في مختلف شؤونهم ببسم الله.
قال العلماء: «معنى بسم الله، أي بالله، ومعنى بالله، أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما يوصل إليه، ويعني أنّي بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليمٌ من الله - سبحانه وتعالى - عباده، ليذكروا اسمه عند افتتاح كلّ الأعمال، حتّى يكون الافتتاح ببركة الله - عز وجل -.
القرآن يحفظ صحّة الأولاد
إنّ الأولاد مخلوقاتٌ صغيرةٌ، ولكنّهم في نموٍّ دائمٍ، وفي تغيّرٍ مستمرٍّ من كلّ النواحي الجسميّة والنفسيّة والعقليّة، والوالدان ـ وخاصّة الأمّ ـ هما المسؤولان على مراقبة مختلف تلك التغيّرات التي تحدث في تلك الجوانب المتعدّدة التي تكوّن ذات الطفل، واكتشاف عللهم بسرعةلآ حتّى يستعينوا بالطبيب المناسب الذي يعالجها بسرعةٍ، لأنّ الأمراض النفسيّة والجسميّة تتطوّر بصفة أسرع عند الصغار، منها عند الكبار.
إنّ بعض الأمراض التي تصيب الصغار هي من الخطورة بمكان حيث تؤثّر في نموّهم، فيتأخّر، أو يؤجّل تطوّر ذواتهم، والأخطر من ذلك أنّ بعض تلك الأمراض يحدث أذىً بالغاً، وعلى نطاقٍ واسعٍ، ممّا يجعل حركة النموّ تتوقّف تماماً لفترةٍ معيّنةٍ في بعض أجزاء الجسم، أو تنتهي بصورةٍ دائمةٍ.
__________
(1) أخرجه ابن جرير (1/169)
صفحة 170
وربّما لا يكتشف الوالدان مرضاً من تلك الأمراض في ولدهما، وربّما يكون قد تكوّن في الجنين قبل الولادة، فينشأ ذلك الصغير وهو ناقصٌ في ناحيّةٍ من نواحي ذاته، الجسميّة، أو النفسيّة، أو العقليّة، فيحيا حياةً غير سويّةٍ، ويتعب أهله معه، وخاصّةً أمّه.
وإذا كانت الحالة هكذا فلماذا يغفل أغلبيّة الأهل عن الالتجاء إلى كلام الله - عز وجل - الذي قال فيه الحقّ - جل جلاله -، ودون أدنى ريب، أو شكّ:
- {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ... [الإسراء ـ 82]
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في كلامه الكريم شفاءً روحيّاً لما يصيب هذا الإنسان من مختلف الأمراض النفسيّة والجسميّة والعقليّة، وخاصّةً الأمراض النفسيّة التي تكون سبباً لفشل كثير ٍمن الناس في هذه الحياة.
يقول سيّد قطب في تفسيره: في ظلال القرآن:
«في القرآن شفاءٌ من الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل العبد بربّه - عز وجل - وخالقه ورازقه، فيسكن، ويطمئنّ، ويستشعر الحماية والأمن، ويرضى، فيستروح الرضى من الله والرضى من الحياة التي قدّرها له ربّه - سبحانه وتعالى -.
والقلق مرضٌ، والحيرة والوسوسة أدواءٌ تصيب الإنسان فتتركه تائهاً في طريق الحياة، لا يدري أين المفرّ، ولا إلى أين المستقرّ، والقرآن الكريم رحمةٌ ترشد أمثال هؤلاء إلى ما يجدون فيه الطمأنينة والأمان، فيحيون حياةً طيّبةً سليمةً مستقرّةً».
وفي القرآن شفاءٌ من الهوس والطمع والحسد ومن نزغات الشيطان، وهذه كلّها آفاتٌ قلبيّةٌ، تصيب النفس بالمرض والضعف والتعب، وتدفع بها إلى الإحباط واليأس والتشاؤم. (1/170)
صفحة 171
وفي القرآن شفاءٌ من الاتّجاهات غير الصحيحة في الشعور والتفكير، فهو يعصم العقل من التفكير غير المستقيم، ويوجّهه إلى التفكير السليم المفيد، لأنّه يدرّبه على العمل، وليس هناك غذاءٌ فكريٌّ مهمٌّ يقوّي عقل الإنسان أفضل من كلام الله - عز وجل -، الذي يساير تفكيره في مختلف مراحل عمره، لأنّه يجعله يفكّر في المجالات المهمّة المثمرة، ويبعده عن إنفاق طاقته فيما لا ينفع، ولا يجدي شيئا، وهو يرشده إلى طريقة التفكير المنهجيّة السليمة، ويجعل نشاطه منتجاً ومأموناً في كلّ المجالات.
فالقرآن الكريم هو الملجأ الأوّل، والمعوّل عليه في شفاء النفوس من مختلف عللها، والأبدان من مختلف أسقامها وأوجاعها، وكلّ ذلك يتحقّق للإنسان باسم الله - سبحانه وتعالى - الشافي والمعافي والكافي.
- {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} ... [الشعراء ـ 80]
ولكنّ كثيراً من الناس لا يؤمنون إلاّ بالعلاج المادّي الذي يعتمدون فيه على الطبيب والدواء، ويغفلون عن هذا الدواء الروحي الذي أنزله ربّ العزّة - سبحانه وتعالى -، وما ذلك إلاّ لأنّهم لا يتعاملون كثيراً مع كلام ربّهم، فالمسلم الذي لا يقرأ جزءاً من القرآن لمدّةٍ طويلةٍ كيف يفكّر بأنّ هذا القرآن هو شفاءٌ لما في الصدور، ولمختلف الأمراض خاصّةً النفسيّة منها.
ولكنّ المؤمن القويّ الإيمان يؤمن بمثل هذه المؤثّرات التي ذكرها ربّه - عز وجل - في كتابه الكريم، والتي تؤدّي إلى تحقيق نتائج معنويّةٍ ومادّيةٍ ملموسةٍ، وغير ملموسةٍ، أو تنفيذ أمورٍ مادّيةٍ ليس لها علاقةٌ ظاهريّةٌ بالنتائج التي تحدثها، ولا ينظر إلى الدواء بأنّه عبارةٌ عن مواد، أو أعشابٍ مركبّةٍ، أو ما شابه ذلك، بل هناك مؤثّراتٌ أخرى ينتج عنها الشفاء، والدليل على ذلك أنّ كثيراً من المرضى يتناولون أدويّةً كثيرةً ومتعدّدةً، ولكن لا يشفون من أمراضهم. (1/171)
صفحة 172
والعلماء المختصّون في دراسة العقل الباطن للإنسان يشيرون إلى أن النسبة الكبيرة من الشفاء تكون نتيجةً لتأثير العقل الباطن في النفس، والعقل الباطن هو عالمٌ عجيبٌ وغريبٌ ما زال العلماء يدرسونه ويبحثون مكوّناته وخصائصه، ولكن لم يتوصّلوا بعد إلى فهم ولو جزءٍ صغيرٍ منه.
والحقيقة الإيمانيّة التي يجب علينا جميعاً أن نؤمن ونوقن بها هي أنّ السنن الإلهيّة وحدة لا تتجزّأ، ولا تتغيّر أبداً، مهما تقدّم الإنسان في حياته، أو تغيّر تفكيره، ومهما اختلفت الأيّام، وهي غير منفصلة بتفاوت السنين، ومرور القرون، فالنفس البشريّة تبقى واحدةً، وقيمها الروحيّة والإيمانيّة هي من السنن الإلهيّة في هذا الكون كالقوانين الجسميّة تماماً، سواءً بسواءٍ، ونتائجها مرتبطة ومتداخلة مع هذه القوانين.
إذن فهناك ارتباطٌ وثيقٌ بين الواقع النفسي الروحي والواقع الجسدي، آمن بذلك من آمن، وكفر من كفر، وإنّ سلامة الروح وصفاءها واستقرار القلب باليقين، يحدث انتظاماً في حركة أعضاء الجسم ويترتّب عن ذلك عمل الجوارح وسلامتها، أو مرضها.
وقد ذكر الزعيم الهندي الصوفي غاندي غير المسلم رأياً في اتّصال الروح بالجسم، يقول فيه بأنّ فساد الروح يسبّب اضطراباً في الحالة الصحّية للجسم، ونحن مسلمون نؤمن بقول ربّنا في كتابه الكريم:
- {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ... [الإسراء ـ 82] (1/172)
صفحة 173
فالدعاء مثلاً عملٌ معنويٌّ، ولكن من شأنه أن يؤدّي إلى نتائج ماديّةٍ محسوسةٍ، مثل ما حدث للثلاثة الذين دخلوا الغار، ونزلت صخرة وسدّت عليهم باب الخروج، وحاولوا قدر استطاعتهم أن يقوموا بما يقدرون عليه من المجهود المادّي، ولكن لم يصلوا إلى تحقيق نتيجةٍ، ثمّ لجؤوا إلى العمل المعنوي، وهو الدعاء بأعمالهم الصالحة الخالصة التي قدّموها لربّهم - عز وجل -، فدعوا ربّهم بقلوبٍ خاشعةٍ متواضعةٍ ليفرّج عنهم شدّتهم، فاستجاب الله - سبحانه وتعالى - لهم، وكانت النتيجة أن تزحزحت تلك الصخرة عن فم الغار، فخرجوا سالمين.
والمرض له أسبابٌ مادّيةٌ، ولكن ليست هي الكلّ في الكلّ، بل قد اكتشف العلماء منذ القديم بأنّ هناك مؤثّراتٍ معنويّةً روحيةً، تزيد من شدّة المرض أو تنقص منه، أو تشفي المريض من مرضه.
والمريض عندما يذهب إلى الطبيب ويتناول الدواء الذي يصفه له، يشفى منه بإذن الله - سبحانه وتعالى -، ولكن هناك أمورٌ أخرى ليست لها علاقةٌ بأسباب المرض، ولا بتأثير الدواء، كماء زمزم مثلاً، أو الصدقة التي قال فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين: «داووا مرضاكم بالصدقة».
ونستطيع أن نفهم ذلك من النتائج المختلفة التي يحدثها نفس الدواء في أشخاص مختلفين، فهذا يؤثّر فيه هذا الدواء تأثيراً إيجابيّاً وسريعاً، فيشفى بسرعة، وأخوه الشقيق مثلاً لا يؤثّر فيه، ولا يشفيه من نفس العلّة التي شفي منها أخوه، بل ربّما يؤثّر فيه تأثيراً عكسيّاً، فيزيد من مرضه، في حين أنّه كان ينتظر أن يشفى منه بذلك الدواء.
إذن فالمؤمن الحقّ يؤمن بما أخبر به ربّه - عز وجل - في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
- {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} ... [التوبة ـ 14]
- {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} ... [فصّلت ـ 44] (1/173)
صفحة 174
وقد ثبت عن عائشة ـ - رضي الله عنه - ـ «أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان إذا آوى إلى فراشه كلّ ليلةٍ جمع كفّيه، ثمّ نفث فيهما، فقرأ فيهما {قل هو الله أحد} و {قل أعوذ بربّ الفلق} و {قل أعوذ بربّ الناس}، ثمّ يمسح بهما ما استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرّات». (1)
فأين هي الأمّ التي تفعل مثل هذا مع ولدها؟ بربّكم هل توجد مثل هذه الأمّهات؟
أم أنّ الأمّهات كلّهنّ أصبحن يؤمنّ بالدواء المادّي، وينتظرن حتّى ينزل المرض على أولادهنّ فيسرعن بهم إلى الطبيب، في حين أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد علّمنا مثل هذا العمل السهل والبسيط والمجاني.
هل يستطيع المسلمون أن يرجعوا إلى هذه السنّة النبويّة الشريفة التي تعتمد في كثيرٍ من توجيهاتها التربويّة والعلاجيّة على الجوانب الروحيّة، أم أنّهم قد طغت عليهم الجوانب المادّية الغربيّة والشرقيّة. قال العلماء المسلمون:
«لقد كان من توجيهات نبيّنا محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وأهله، ومن هديه أن يداوي نفسه بالأسباب الروحيّة المعنويّة، وكان يأمر أهله وأصحابه بالتداوي بالأدويّة المادّية دون نسيان الأسباب المعنويّة الروحيّة».
__________
(1) أخرجه البخاري. (1/174)
صفحة 175
يقول ابن القيّم الجوزيّة: «هناك أدويّةٌ قلبيّةٌ وروحيّةٌ، لم يتوصّل إليها أكابر العلماء والأطبّاء، وقد أرشدنا إليها ربّ العزّة - سبحانه وتعالى -، خالق الأطبّاء والعلماء، ومنشئ الأمراض والأدويّة والشفاء، مثل قوّة القلب، واعتماده على الله الذي يشفي من كلّ الأمراض، بقراءة بعض آياته القرآنيّة، والتوكّل عليه، والالتجاء إليه، والإنطراح والانكسار بين يديه، والتذلّل له، والصدقة والدعاء، والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فمثل هذه المؤثّرات قد جرّبتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء، ما لا يصل إليه علم فطاحل الأطباء، ولا تجربتهم ولا قياسهم».
وقد جرّب العلماء والأطبّاء أموراً كثيرةً، وتوصّلوا إلى أنّها تفعل في نفسيّة الإنسان وجسمه ما لا تفعله الأدويّة المادّية، وهذا يدلّ على قانون الحكمة الإلهيّة، وأنّه ليس خارجاً عنها، والأسباب دائماً متنوّعةٌ.
والقلب المؤمن متى اتّصل بربّ العالمين اتّصالاً وثيقاً دائماً، فإنّه يشفى بمؤثّرات أخرى غير الأدويّة المادّية التي يؤمن بها، ويتّكل عليها بعد دعائه ورجائه في ربّه - عز وجل -، لأنّه يعلم أنّ ربّه - سبحانه وتعالى - هو خالق الأدويّة، وهو الذي جعل فيها ذلك التأثير الذي يؤثّر به على المرض، فيشفى منه صاحبه، وهو مدبّر الطبيعة ومصرّفها كيف يشاء، سواء طبيعة الأشياء، أو طبيعة المخلوقات بمختلف أنواعها، والتي يستخرج منها مختلف الأدويّة، أو النفوس والأجسام التي تتأثّر بتلك الأدويّة، فتصل إلى النتيجة المرجوّة، أو لا تصل إليها أبداً، وذلك مهما تنوّعت، أو كثرت الأدويّة. (1/175)
صفحة 176
وقد توصّل العلم الحديث الذي يبحث فيه علماء غير مسلمين إلى أنّ الروح متى قويت، قويت النفس وطبيعتها نتيجةً لذلك، فتستطيع بكلّ سهولةٍ وكلّ قوّةٍ أن تقاوم المرض، وتقهر الداء، وتستفيد من الدواء، أمّا إذا ضعفت الروح فمهما تناول صاحبها من الأدويّة الكثيرة والمختلفة فإنّه لا يشفى، لأنّ نفسه تضعف وتخور أمام المرض، ولو كان هيّناً، فكيف به من قويت روحه وفرحت بقربها بربّها، وتوكّلت عليه، وآمنت بأنّها مهما اقتربت منه أكثر إزداد تحملّها ووصلت إلى الشفاء من المرض بصفة أسرع وأثبت.
فلماذا لا تقوّي الأمّهات هذه الروح في نفوس أولادهنّ الصغار حتّى يستطيعوا التحمّل أكثر، وذلك بتعليمهم كلام ربّهم - عز وجل - منذ صغرهم، هذا من ناحيّةٍ، ومن ناحيّةٍ أخرى فإنّ روحهنّ تقوى كذلك بالتبع.
وقد فسّر بعض العلماء مثل هذا التأثير الروحي في المرض، بأنّ الإنسان إذا ما قويت روحه، فإنّ غدده المختلفة تفرز موادّها إفرازاً معتدلاً متوازناً، دون زيادةٍ أو نقصانٍ، ممّا يحفظ لخلايا الجسم توازنها، فتكون قادرةً على مقاومة المرض، وعلى التغلّب عليه.
القرآن يحمي الولد من الاكتئاب
الاكتئاب:
قال في المنجد: كأب، كئب، كأباً، وكأبةً، وكآبةً: كان في غمٍّ، وسوء حالٍ، وانكسارٍ، من حزنٍ، فهو كئبٌ، وكئيبٌ.
وأكأب الرجل: حزن، وأكأب الرجل: أحزنه، الكأباء: الحزن الشديد.
يتجلّى الاكتئاب الحادّ بمجموعةٍ من الأعراض تؤثّر في مقدرة الإنسان على العمل والدراسة والحفظ والتذكّر والنوم والأكل والتمتّع بمسرّات الحياة.
وهناك نوع آخر من الاكتئاب أقلّ حدّةٍ، ويسمّى Dystymia وهو وإن كان لا يعيق الإنسان تماماً، إلاّ أنّه يؤثّر فيه بشكلٍ لا يشعر معه بالراحة تماماً، وقد يتطوّر هذا النوع إلى الحالة الأولى في مرحلةٍ عمريّةٍ معيّنةٍ، كما أنّه توجد أنواعٌ أخرى، وليس هنا موضع ذكرها.
أعراض الاكتئاب:
نشير هنا إلى بعض الأعراض التي قد يشعر بها المريض. (1/176)
صفحة 177
ــ شعور بالقلق والحزن والفراغ بصورةٍ مستمرّةٍ.
ــ شعور باليأس والتشاؤم.
ــ شعور بالذنب ونقص احترام الذات.
ــ عدم الاهتمام بالعمل وتدنّي نسبة النشاط، وانحطاط الهمّة.
ــ صعوبة التركيز والحفظ والاستيعاب والتذكّر والتردّد.
ــ الأرق، أو الاستيقاظ المبكّر، أو النوم الزائد.
ــ إلحاح أفكارٍ معيّنةٍ تشاؤميّةٍ، والقلق الدائم.
ـ مشكلاتٌ صحيّةٌ فسيولوجيّةٌ، لا تستجيب للعلاج، مثل ألم الرأس والاضطراب الهضميّة.
ــ تغيّر في العادات الاجتماعيّة.
أسبابه:
إنّ الاكتئاب يصبح أكثر احتمالاً أن يصاب به الولد إذا تعرّض لأزماتٍ في البيت أو المدرسة، وغير ذلك من الظروف الخارجيّة.
ويميل العلماء الآن بعد بحوثٍ واختباراتٍ متعدّدةٍ للتركيز على الأسباب العضويّة التي قد تطرأ على الدماغ، ووجدوا أنّ الأشخاص الذين تنقصهم الثقة بالنفس ويتعاملون بتشاؤمٍ شديدٍ مع أنفسهم، ومع العالم الخارجي هم أكثر تعرّضاً للإصابة.
وبالجملة فإنّ الاكتئاب قد ينجم عن جملةٍ من الأسباب البيئيّة والكيماويّة التي تتّصل بالفرد، ولكن أخفّ أنواع الاكتئاب هو الذي ينجم عن الأسباب الاجتماعيّة.
الاكتئاب عند الأطفال:
إنّ الولد المكتئب غالباً ما يدّعي المرض، ويرفض الخروج من البيت والذهاب إلى المدرسة، ويتعلّق بأحد والديه تعلّقاً مبالغاً، ويرفض الابتعاد عنه، وينتابه القلق عندما يبتعد عنه، كما نلاحظ فيه أنّه غالباً ما يكون مشاكساً أم سلبيّاً.
وهو يشعر بالتعب واليأس والتكاسل وعدم الثقة بذاته، وهذا كلّه ناتجٌ عن التفكير السلبي الذي يفكّر به المرء، ولكي نعين الولد على التغلّب على هذا التفكير، فقد حدّد علماء النفس بعض الخطوات: (1/177)
صفحة 178
1ــ أن نعين الولد على الميل إلى التفكير الإيجابيّ، وعلى التفاؤل بقدر الاستطاعة، وذلك بكثرة تحاور أمّه معه في مختلف شؤونه، وفيما يخصّه من أعمل وما يشعر به من قلقٍ، وأفضل وقتٍ للقيام بذلك وقت ذهابه إلى النوم، كي ينام وهو منشرح الصدر فرحاً مسروراً، وينهض لاستقبال يومٍ جديدٍ وهو في كامل نشاطه وتفاؤله.
2ــ أن نحدّد له أهدافاً واقعيّةً يستطيع تحقيقها، وليس هناك أهدافٌ أحسن وأفضل وأكثر واقعيّةً من تحفيظه السور القصيرة من القرآن الكريم، وإعانته على ذلك، لأنّ تحقيق ذلك ممّا يقوّي ثقته بنفسه.
3ــ أن نعينه على توزيع أعماله التي نطلب منه القيام بها إلى مهامٍّ صغيرةٍ قصيرةٍ يستطيع إنجازها بالتقسيط وبصفةٍ كاملةٍ ومتقنةٍ، ويمكن أن نعلّمه ذلك بتعليمه السور آيةً آيةً، والحمد لله أنّ الله - عز وجل - قد كفانا مؤونة تقسيم السور.
4ــ نجعله أكثر حيويّةً ونشاطاً، وبتلقينه آيةً بعد آيةٍ من كتاب الله - عز وجل -، ثمّ إعادته لها مرّةً بعد أخرى، لعدّة مرّاتٍ، ثمّ استظهارها، وعندما ينتهي من السورة يستظهرها، وهو فرحٌ مسرورٌ، وبذلك تكوّن فيه حيويّةً وانشراحاً، وفي نفسه القوّة والثقة والاعتماد على النفس، يستطيع أن يسيطر بها على تلك الانفعالات السلبيّة، ويستبدلها بأخرى إيجابيّةٍ، فيمتلئ تفاؤلاً، ممّا سيكون له الأثر الطيّب فيما يستقبله من أيّامه.
5ــ ألا يمكن للأمّ أن تعرف نفسيّة ولدها معرفةً حقيقيّةً كاملةً عندما تتعامل معه بتلقين الآيات، وطلبها منه أن يعيدها، ويستظهرها، وفي كلّ مرّةٍ تطّلع على سلوكٍ جديدٍ يحمله ولدها، فتتكوّن لديها صورةٌ على الأقلّ إن لم تكن كاملةً، فإنّها ستكون واضحةً بنسبةٍ كبيرةٍ. (1/178)
صفحة 179
ويمكن لنا أن نقول بأنّ تلك التغيّرات التي تحدث لدى الطفل، إنّما تحدث في نفسيّته وروحه، سواء إلى الجهة الإيجابيّة، أو إلى الجهة السلبيّة، فإنّ أنجع وقايةٍ نستطيع أن نقدّمه لولدنا هي الوقاية الروحيّة، التي تتمثّل في كلام ربّنا، وكيف لا وهو الذي قد ضمن لنا تأثيره على النفس والقلب.
- {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[الحشر ـ 21]
لقد أثبتت التجارب والدراسات الكثيرة أنّ هناك ارتباطاً قويّاً بين أعراض الاكتئاب وحالة الذاكرة التي يكون عليها الشخص، وإذا أردنا أن نحمي أولادنا من هذه الأعراض فما علينا إلاّ أن نتعامل معهم بما أنزله إلينا ربّنا - سبحانه وتعالى - بحيث لا توجد وقايةٌ تحميهم من هذه الأعراض أفضل وأحسن منه، وهو متوفّرٌ بين أيدينا بالمجان، وفي كلّ وقتٍ.
التأثير الشفائي للقرآن الكريم
إنّ الله - سبحانه وتعالى - عندما خلق هذا الإنسان أودع في كلّ حاسّةٍ من حواسّه برنامجاً خاصّاً يدير ذلك الجهاز، وهذا البرنامج موجودٌ داخل كلّ خليّةٍ في الشريط الوراثي لتلك الخليّة، وهو الذي يتحكّم بالخليّة وباهتزازاتها وتردّداتها، وقد أصبح ذلك من المسلّمات العلميّة عند علماء الهندسة الوراثيّة والأحياء.
وقد وجد العلماء بعد دراساتٍ وأبحاثٍ طويلةٍ أنّ كلّ خليّةٍ تصدر تردّداتٍ صوتيّةً، وكلّ خليّةٍ من خلايا الجسم تتأثّر بالتردّدات الصوتيّة للخلايا الأخرى، وكانت النتيجة التي توصّلوا إليها أنّ بعض الأصوات التي يسمعها الإنسان تستطيع أن تشفيه من بعض الأمراض التي يتسبّب فيها فقدان الخلايا لتردّداتها الطبيعيّة، وذلك بعد أن تعيد إليها تلك الأصوات تردّداتها الطبيعيّة، بعد أن تكون قد فقدتها بمؤثّرٍ من المؤثّرات التي أثّر فيها. (1/179)
صفحة 180
وقد وجد العلماء أنّ كلّ الأحداث التي يمرّ بها الإنسان، وكلّ كلمةٍ يسمعها، وكلّ منظرٍ يراه، وكلّ حدثٍ يقع له، يتمّ تخزينها في أماكن خاصّةٍ داخل خلايا الجسد، وليس خلايا الدماغ فقط، كما يعتقد كثيرٌ من الناس، بل في خلايا الجلد وخلايا القلب، وخلايا الرئتين.
واكتشفوا أنّ كلّ مرضٍ يصاب به الإنسان إنّما هو عبارةٌ عن خللٍ يصيب خلايا الجسم، هذا الخلل الذي هو عبارةٌ عن فقدان تلك الخلايا لتردّداتها الطبيعيّة التي فطرها عليها خالقها - سبحانه وتعالى -، وابتعادها عن مسارها العادي الذي يكون فيه تردّد الخليّة الطبيعيّة الصحيحة.
وقد وجدوا بأنّ تلك الخلايا تتأثّر بالصوت والأمواج الكهرطيسيّة، ولهذا بدؤوا يدرسون إمكانيّة إعادتها إلى مسارها الطبيعي بالأمواج الصوتيّة، فهي تنشط وتتأثّر فتحيا من جديد وتنبعث فيها الحياة، ممّا يعطيها قوّةً لمقاومة تلك الحالة التي طرأت عليها، فأفقدتها مسارها وتردّدها، ونتيجةً لذلك تعود إلى طبيعتها، وإلى حالتها الطبيعيّة، وهذا يسمّى نوعاً من الشفاء.
والقرآن الكريم جعله الله - سبحانه وتعالى - بعلمه وقدرته على هيئةٍ متناسبةٍ لهيئة ترتيب خلايا الجسم، يستطيع معها أن يقوم بهذا العمل وهذا التأثير، وذلك لأنّ آياته وكلماته وحروفه قد رتّبها - سبحانه وتعالى - على نظام متقن لا يعلم حقيقته وسرّه إلاّ هو - عز وجل -، ولا يشبه أيّ نظام آخر مهما كان، فهذا يعني أنّه قد أودع في كلماته قدرة على التأثير في خلايا الجسم، وهي تتحدّث لغة خاصّة لا يعلمها إلاّ خالق هذا الإنسان، ومنزّل القرآن، وهذه اللغة تؤثّر على الخلايا بلغة تفهمها خلايا دماغ الذي يقرأ كلمات القرآن الكريم، فتصدر أوامرها إلى الغدد التي تتحكّم في شفاء تلك الخلايا المريضة، فتؤثّر فيها بتأثير خاصّ فترجع إلى حالتها الطبيعيّة. (1/180)
صفحة 181
ويقول العلماء: «إنّ الصوت هو عبارة عن أمواج ميكانيكيّة تنتقل عبر الأذن للدماغ، فيعالجها بطريقته الخاصّة، ثمّ يعطي أوامره لخلايا الجسد، وإنّ تاريخنا والأحداث التي نقوم بها، والتي تمرّ علينا مختزنة في أصواتنا».
ومن هنا نستطيع أن نفهم تأثير القرآن الشفائي في جسم قارئه، أو تأثيره فيه بواسطة قراءة إنسان آخر يقرأ له بعض الآيات على مادّة، مثل الماء أو العسل فالتردّدات الصوتيّة التي تصدر من إنسان تقيّ يحفظ القرآن الكريم، ويخاف الله - سبحانه وتعالى - تختلف اختلافا جذريّا عن تلك التي تصدر عن إنسان يعصي الله - سبحانه وتعالى -.
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}
[الأنفال ـ 24]
فالقرآن كلّه حياةٌ، حياة بالنسبة للإنسان، وحياةٌ بالنسبة لكلّ شيءٍ يسبّح بحمد ربّه - عز وجل -، وهو حياةٌ بالنسبة لكلّ خليّةٍ من خلايا الجسم، خاصّةً إذا كانت القراءة من صاحب الجسد نفسه، فإذا أصيب شخصٌ بمرضٍ ما ثمّ قرأ على نفسه بعض آيات كلام ربّه - عز وجل -، بنيّة طلب الشفاء، ثمّ يتّجه إلى ربّه بالدعاء كي يشفيه، فإنّ التأثير سيكون أفضل وأكبر من أن يطلب من شخصٍ آخر أن يقرأ عليه، لأنّه إذا لجأ إلى شخصٍ آخر سيكون التأثير أقلّ.
ومن هنا نستطيع أن نستنتج تأثير القرآن في نفس ذلك الولد الصغير البريء الذي لم يقترف إثما، ولم يعرف ما هو الذنب، ولا المعصيّة، أو كانت القراءة من طرف أمّه المحبّة له أكبر من أيّ شخصٍ آخر في هذا الكون، ودعاء الأمّ مستجابٌ، خاصّةً لذلك الولد الصغير. (1/181)
صفحة 182
بربّكم هل يمكن لنا أن نتصوّر كيف سينشأ هذا الولد الذي تأثّرت خلايا جسمه بكتاب ربّه منذ صغره، كيف سينشأ خالٍ من الأمراض النفسيّة والجسميّة، بعيداً عن العقد التي تصيب كثيراً من الأولاد في هذا العصر نتيجةً لتخلّي أمّهاتهم عنهم وهم ما زالوا يحتاجون إليهنّ، وإلى حبّهنّ وحنانهنّ احتياجهم إلى الهواء والغذاء والماء.
فعندما تقرأ الأمّ بصوتها هي على نفسها، أو على ولدها، ولا شكّ أنّها ستكون مخلصةً لربّها في تلك القراءة، خاشعةً له خشوعاً لا يستطيع أيّ شخصٍ آخر غريبٍ أن يصل إلى درجة خشوعها ورجائها، وتكون في حالة تركيزٍ شديدٍ، وكيف لا تركّز وهي مع أغلى وأعزّ شخصٍ إليها في هذه الدنيا على الإطلاق، وهي ترجو ربّها - عز وجل - أن يهديه ويوفّقه إلى الصلاح والنجاح في حياته المستقبليّة، وأن يعافيه من جميع الأمراض أيّاً كان نوعها، ونتيجةً لذلك ستكون تلك القراءة أشدّ تأثيراً عليها وعلى ولدها.
لقد أثبت الباحثون بأنّ كلّ خليّةٍ في جسم الإنسان تتأثّر بصوت صاحبها أكثر من تأثّرها بصوت غيره، لأنّهم وجدوا أنّ تلك الخلايا تكون أكثر نشاطاً عندما يتمّ تأثّرها بصوت صاحب الخليّة نفسه، فعندما يقرأ الولد مثلاً بعض الآيات فإنّ خلايا جسده تتأثّر بصوته أكثر من صوت شخص آخر، وهذه العمليّات كلّها موجودةٌ، ولكنّنا لا نحسّ بها لأنّها بالغة الخفاء والتعقيد، كما أنّ تسبيح كلّ المخلوقات موجودة، ولكن لا نفقه تسبيحها. (1/182)
صفحة 183
وهناك أيضا تأثيرٌ عجيبٌ لقراءة القرآن على المواد الأخرى، خاصّةً الماء الذي جعل الله - سبحانه وتعالى - منه كلّ شيءٍ حيٍّ، فهو يتأثّر أكثر من المواد الأخرى نظراً لوجود الحياة فيه أكثر من أيّ مادّةٍ أخرى، فنحن عندما نقرأ آياتٍ من القرآن الكريم على كأسٍ من الماء مثلاً، فإنّ تركيبات جزئيّات الماء سوف تنتظم بشكلٍ باهرٍ عجيبٍ يبهر ألباب العلماء الذين يشاهدون ذلك من خلال المجهر، وهناك وقائع وقعت للعلماء المسلمين مع آخرين من غير المسلمين الذين يدرسون مثل هذه الحالات والتغييرات لجزيئات بعض المواد، كما أنّ المجال الكهرطيسي لها سوف يتأثّر، وقد قام بهذه التجربة عالمٌ يابانيٌّ.
وقد خلص إلى أنّ الماء يختزن المعلومات، أو أنّ التردّدات الصوتيّة تُختزن داخل الماء بشكل لا يستطيع العلماء تفسيره، ومن هنا نستطيع أن ندرك ونفهم الهدي النبويّ حين كان يقرأ بعض الآيات القرآنيّة في الماء، ثمّ يأمر المريض أن يشربه، كما كان يقرأ على المريض، وعلى الإنسان عموماً، ويكون الشفاء شاملاً وتامّاً بإذن الله - سبحانه وتعالى -.
وكما رأينا من قبل، فلماذا لا ننوي بتلك القراءة وقاية الولد وحفظه من كلّ الأمراض بدايةً، تماماً كما نقوم بتلقيحهم ضدّ مختلف الأمراض التي ستصيبهم ربّما في مرحلة من مراحل عمرهم في الأيّام الأولى من الولادة.
ونشير بالمناسبة إلى التجارب التي قام بها بعض العلماء للبحث عن تأثير القرآن الكريم في النبات، وخاصّةً التجربة التي قام بها باحثٌ من إحدى الدول العربيّة، وهو أستاذٌُ جامعيٌّ مختصٌّ في علم فزلجة النبات، وقد أجرى تجربته في حديقة كلّية العلوم في سنة 1997م، وقد أوردنا تجربته بالتفصيل في كتابنا ـ تقويّة الذاكرة بالقرآن الكريم ـ.
وقد قال صاحب الكتاب الذي أورد هذه التجربة في آخر الموضوع: (1/183)
صفحة 184
«فإذا كان هذا شأن النبات مع القرآن الكريم، فهل يعقل من هذا الإنسان المخلوق المكرّم، والمعني الأوّل أن يغفل عن كتاب ربّه - عز وجل - الذي يهدي للتي هي أقوم، حيث يصدق على المسلمين في هذا العصر قول ربّهم - جل جلاله -:
- {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
[الفرقان ـ 30]
الروح تشفي، أو تمرض
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد خلق هذا الإنسان بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته تكريماً لتلك الروح التي نفخها فيه، ومن هنا يتبيّن لنا بأنّ الإنسان هو عبارةٌ عن روحٍ وجسدٍ.
- {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} ... [ص ـ 72]
وقد هيّأ لكلّ من الجانبين غذاءه الذي يتقوّى به، فأنبت من الأرض أنواعاً من الغذاء ليشبع به جانبه الترابي، وبعث إليه الرسل، وأنزل إليه الكتب، ليغذّي بها الجانب الروحي.
قال - سبحانه وتعالى -:
- {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} ... [الشورى ـ 52]
إنّ كلّ إنسانٍ يرغب في أن يكون متمتّعاً بصحّةٍ أكمل وحيويّةٍ أفضل، كما يرغب أن يكون أسعد حالاً، وأشجع وأقوى نفساً.
وكلّ أمٍّ ترجو ذلك لأولادها، وترغب أن يتمتّعوا بصحّةٍ جيّدةٍ كاملةٍ، ولكن القليل منهنّ من تستطيع أن تصبر معهم لتعلّمهم وتملأ نفوسهم بتلك الاتّجاهات الإيجابيّة التي تجلب لهم الصحّة، وتقيهم المرض، فبهذه التضحيّة تصطاد عصفورين بحجرٍ واحدٍ، فهي لا تعلّم ذلك ولدها فقط، بل هي تعلّمه لنفسها كذلك، وتستفيد منه إستفادةً كبيرةً، وتجلب لنفسها مثل هذه الاتّجاهات الإيجابيّة التي تحقّق لها السعادة والصحّة. (1/184)
صفحة 185
إنّ الدراسات المتعدّدة والكثيرة والتي تعتني بملاحظة تأثير العقل الباطن على حياة الإنسان، أظهرت أنّ لديه قدراتٍ خارقةً، تفوق القدرات المعروفة للشخص العادي الذي لا يدرّب عقله الباطن على الاتّجاهات الإيجابيّة.
ومن هذه التوجّهات الإيجابيّة ينبع سرّ النجاح والتفوّق لدى الإنسان في كلّ جوانبه النفسيّة والجسميّة والعقليّة، فلذلك يجب على كلّ إنسانٍ مؤمنٍ أن يهتمّ بتدريب روحه بالآيات القرآنيّة، كي يستمدّ منها هذه التوّجهات، وتنطلق منه هذه القوى الكامنة في أعماقه، فترسخ في عقله الباطن ممّا يساعده على التقدّم والتمتّع بالصحّة والحيويّة والسعادة والنجاح.
لقد قال الفيلسوف سقراط قبل أكثر من ألفي سنةٍ لمعاصريه:
«أرجو أن لا أعمل إلاّ شيئاً واحداً، وهو إقناعكم، كباراً وصغاراً أن لا تفكّروا بأشخاصكم، أو أملاككم، بل اعتنوا قبل كلّ شيء بتحسين أرواحكم، وسموّها».
ولهذا نستطيع أن نقول نحن كذلك لجميع الأمّهات والمربّين أن لا يهتمّوا بشيءٍ في الأولاد أكثر من تربيّتهم على تحسين الروح وسموّها.
إنّه في أعماق العقل الباطن يكمن جوهر الحياة، والمرض والشفاء، والتفوّق والنجاح، أو اليأس والإحباط، وصدق الله العظيم حين يقول:
- {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ... [ق ـ 16] (1/185)
صفحة 186
إنّ كلّ إنسان يستطيع أن يستمدّ تلك القوّة الخارقة من محافظته على كتاب الله - عز وجل - حفظاً وتأثّراً، فيبني منه طاقة الحياة التي تنفخها فيه قوّة الروح، ليصل إلى ما يريده في هذه الحياة من رغباتٍ وأهدافٍ، فما على الأمّهات والمربّين إلاّ أن يكوّنوا ويبنوا هذا الجوهر الخلاّق الذي يعمل بتناغمٍ وانسجامٍ في توجيه النفس الإنسانيّة التوجيه الإيجابي الناجح، وبواسطته يستطيعون أن يتغلّبوا على الأحوال والصعوبات التي تواجههم كلّ يوم، كما يمكنهم أن يتحصّلوا على ما يحتاجونه لصحّة أولادهم وسعادتهم وإرشادهم إلى الطريق الصحيح.
ــ ولكن هل تستطيع الأمّهات تكوين مثل هذه الاتّجاهات في العقل الباطن لأولادهنّ؟
ــ ومن جهة أخرى هل هنّ يستعملن مثل هذه التصوّرات مع أنفسهنّ؟
إنّنا لن نجد شيئاً يكوّن مثل هذه المبادئ الصحيحة والتوجّهات الإيجابيّة السليمة أكثر من كلام الله - سبحانه وتعالى - الذي يبيّن للإنسان أنّه مخلوقً كريمً مفضّلٌ، يمكنه أن يتفاهم ويعمل بتناغم مع جوهر الحياة، لأنّه هو نفسه يحمل جوهر الحياة داخل نفسه، وذلك بما ينمّي فيها من إعمال العقل وتدريب التفكير وتوجيهه الوجهة الصحيحة.
- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} ... [الإسراء ـ 70]
إنّه يدفع عن النفس التوتّر والضغط الذي تكمن وراءهما جذور كلّ الأمراض الجسميّة، التي تنشأ عن تمكّن المرض النفسي لدى الإنسان، كما أنّها تنشأ من عدم التلاؤم مع التوتّر لمدّةٍ طويلةٍ من الزمن، وعدم القدرة على التسامي فوق الفشل والإحباط الذي يواجه النفس كلّ ساعةٍ وكلّ يومٍ. (1/186)
صفحة 187
الحيويّة، والتوازن، والاسترخاء العميق، ونقاء الروح، وقوّتها، هذه هي الأسس التي يتضمّنها كتاب الله - عز وجل - القرآن الكريم، وإذا ما لقنّا آياته لأولادنا بصوتٍ عذبٍ محبوبٍ من فمّ أمٍّ حنونةٍ، تلك الأمّ التي يرى فيها جنّته في هذه الحياة، ويحنّ إليها، وتحنّ إليه في كلّ وقتٍ، وكلّ ساعةٍ، فإنّها تكوّن فيه نظرةً راقيّةً محترمةً للقرآن، وتبقى معه تلك النظرة الراقيّة طوال حياته، لأنّها قد جاءته من أعزّ إنساٍن إليه في هذه الحياة.
لقد خلق الله - سبحانه وتعالى - هذا المخلوق الصغير في أحسن تقويم، ووهب له كلّ القدرات التي يستطيع أن يهتدي بها إلى الطريق المستقيم، وهذا إذا ما وجد من أمّه القلب الرحيم، والتوجيه السليم، وقد أنزل إلينا هذا الكتاب الحكيم، وأرشدنا رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - إلى تعليمه للصغار، ليكون للوالدين أحسن تدعيم.
- {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} ... [الشمس ـ 7ـ8]
وليست مخالفة القوانين الطبيعيّة هي وحدها سبب أمراض الإنسان، فهناك كثير من الأمراض تنشأ عن الحالات النفسيّة السلبيّة، كالخوف، والغضب، والقلق، والغيرة، والحسد، والإحباط، والفشل، والحزن، لأنّها تكوّن سموماً داخل الجسم، تسبّب شيخوخة الخلايا، وموتها، كما تسبّب اضطراباً في وظائف كثيرةٍ من أجهزته، وخاصّةً إفرازات الغدد التي تقوم بدورٍ هامٍّ في توازن الحالة الصحّية في الجسم والنفس، ولها تأثير كبيرٌ في طول العمر أو قصره، والمحافظة على الشباب الدائم من عدمه. (1/187)
صفحة 188
إنّ تعليم القرآن للطفل الصغير خاصّةً من طرف أمّه، مع شيءٍ من التفسير المختصر لبعض الآيات التي تعلّمه إياها، يجعله يفهم من هو، ومن خلقه، ولماذا خلقه، ويجعله يكتشف بصفةٍ أحسنٍ إمكانيّاته الهائلة التي وهبها له ربّه - سبحانه وتعالى -، ويبني فيه طرق استعمال تلك الطاقة اللانهائيّة الخارقة الكامنة في أعماقه والمحيطة به، ويتوصّل إلى فهم قوّة العقل والتفكير والحفظ التي وهبها له ربّه - عز وجل -، فتكبر معه تلك المهارات وتلك الاكتشافات، فما أن يصل إلى سنّ الإدراك حتّى يكون قد درّبها ووجّهها إلى الجهة الحسنة الإيجابيّة، ويحسّ أنّ تلك القوى تعمل بصورةٍ طبيعيّةٍ.
فإذا كان العلماء والباحثون في ميدان النفس البشريّة قد توصّلوا إلى نتيجةٍ لا جدال فيها بأنّ حياة الشخص هي من صنع أفكاره، فلماذا لا تهتمّ الأمّهات على صنع أفكار أولادهنّ وهم صغارٌ، ويعتمدن في ذلك على كتاب الله - سبحانه وتعالى - الذي أنزله ربّنا - سبحانه وتعالى - ليبني به هذا الإنسان أفكاره ويوّجه به حياته.
يقول جاك لوك: «إنّ أعظم عملٍ يجب أن يقوم به المربّي هو أن يشكّل التفكير لدى الطفل الذي يربّيه، وأن يبني فيه السلوك الذي سيقطع به مسيرة حياته، وأن يغرس فيه العادات الطيّبة ومبادئ الفضيلة والحكمة، وأن يكوّن فيه فكرةً عن النوع الإنساني، ويقوده إلى حبّ ما هو حميد وجدير بالثناء، وأن يعوّده النشاط والحيويّة والاجتهاد في أداء العمل». (1/188)
صفحة 189
وإذا ما تأمّلنا جيّداً كلام ربّنا - سبحانه وتعالى - نجده يشتمل على كلّ هذه الأسس، وأنّ المربّي المخلص المضحّي يستطيع أن يبني به كلّ هذه الصفات، أو التوجّهات في نفسيّة ولده، فبواسطته يستطيع أن يبني العادات الطيّبة الحسنة ومبادئ الفضيلة على الصفحة البيضاء التي خلقه الله - سبحانه وتعالى - عليها، فيتعرّف على تلك الصفات وترسخ في عقله الباطن قبل أن يطّلع ويعرف العادات السلبيّة المدمّرة لحياته، وذلك بشرط أن لا يقتصر دور المربّي على تلقين الآيات القرآنيّة، وتحفيظها فقط، بل يتطرّق إلى تبيين بعض المعاني التي تشتمل عليها، مع ذكر القصص الواردة فيها بشيءٍ من التشويق إلى النتائج الحسنة التي تنتج عنها، خاصّةً التي تشتمل على ذكر قيمٍ أخلاقيّةٍ إنسانيّةٍ.
على المربّي أن يملأ نفوسهم بالتفاؤل، هذا التفاؤل الذي سيكون لهم عبارةً عن مضاعف لقوّتهم على العمل، لأنّ التفاؤل سيحقّق لهم مستوياتٍ عاليةً من الصحّة النفسيّة والعقليّة والبدنيّة، ويملؤهم بالسعادة بعد كلّ عملٍ يقومون به، كما أنّ السعادة هي من أكبر المنشّطات على العمل.
إنّ الشخص المتفائل تتكوّن لديه رؤيةٌ واضحةٌ عن الحياة التي يعيشها، ويدفعه إلى تحقيق الأهداف التي من شأنها أن تساعده على النجاح، كما أنّه يبني فيه توجّهاً يتّسم بالقدرة على فعل أيّ شيءٍ نافعٍ يسعى لتحقيقه، ويمنحه قدراً كبيراً من السيطرة الشخصيّة على حياته، وله مستوياتٌ عاليةٌ من تحمّل المسؤوليّة، ويجعله يميل إلى إقامة علاقاتٍ طيّبةٍ مع من حوله من عناصر مجتمعه.
وقد بيّن علماء التربيّة أنّ نقل المعلومات، أو التدريب على بعض المهارات إذا لم تصاحبه تربيّةٌ أخلاقيّةٌ وروحيّةٌ، لا يمكن أن يسمّى تعليماً، بل هو وسيلةٌ لتوصيل قدرٍ من المعارف ونقل الحروف إلى عقل المتعلّم فقط، دون أن يترك فيه آثاراً إيجابيّةً يستطيع أن يستفيد منها المتعلّم في واقع حياته. (1/189)
صفحة 190
يجب أن تقوم فلسفة تعليم الطفل كلام الله - عز وجل - على التطبيق والإرشاد إلى العمل بقدر المستطاع، فالأصل أن يتعلّم الإنسان، ويتبع تعلّمه بالعمل بما تعلّمه، وبذلك يتحقّق الهدف الأساسي في العمليّة التعليميّة، والذي يمثّل فلسفة العمليّة التعليميّة في الإسلام.
ومن جهةٍ أخرى يجب أن يرى ذلك التطبيق متجسّداً في تصرّفات والديه، ومَن حوله مِن عناصر المجتمع، وخاصّةً أمّه التي يرى فيها مثله الأعلى، لأنّه يتطلّع دائماً إلى مثل هؤلاء الأشخاص الذين يمدّونه بشعاعٍ من الأمل والتفاؤل، ويمثّلون أهميّةً بالنسبة لمستقبله، ويستطيع الوالدان أن يحقّقا ذلك عن طريق أسلوب الحوار والمناقشة ومخاطبة عقله بالأسلوب الذي يتقبّله، ويفهمه.
إنّه بهذا التوجّه والاهتمام من طرف الوالدين بتعليم الطفل كلام الله - عز وجل - نستطيع أن نهيئ الولد لمراحل الحياة المختلفة والوظائف الخطيرة التي سيمرّ بها في المستقبل بطريقةٍ إيجابيّةٍ متفائلةٍ، ويتعلّم بواسطتها المهارات الحياتيّة التي يحتاجها في حياته العامّة، وفي علاقاته الاجتماعيّة، وتعاملاته مع مختلف أفراد مجتمعه، مثل أبويه، وإخوته، وأخواته، وأصدقائه، وجيرانه، وغيرهم من العناصر الأخرى.
واختصاراً فإنّ تعليم الطفل كلام ربّه - عز وجل - منذ صغره يعين المربّين لتهيئته للحياة العمليّة الإسلاميّة الناجحة، ويكوّن منه عنصراً صالحاً، يستطيع أن يحيا حياةً طيّبةً في هذا العالم الذي نعرفه، والمملوء بالتشاؤم والتذمّر، ويجعله يسعد بكلّ عملٍ يؤدّيه في هذه الحياة، ويحاول أن يؤدّيه بطريقةٍ حسنةٍ، لأنّه يغرس فيه القيم، التي يحوّلها والديه إلى سلوكٍ واقعيٍّ يقوم به، ويتمّ متابعته في الميدان، ويبيّنان له بأنّ من يلتزم بتلك القيم العاليّة في سلوكه وأعماله، فسيعينه ربّه - عز وجل -، فينجح في مستقبل حياته، أمّا من يبتعد عنها ولا يطبّقها فإنّ ربّه سوف يبعده عن الحياة السعيدة. (1/190)
صفحة 191
فبقدر ما نقوّي الجانب الروحي الإيجابي المتفائل لدى الطفل بقدر ما نستطيع أن نكوّن منه عنصراً صالحاً في المجتمع، ونجعله يحيا حياةً معتدلةً متوازنةً طيّبةً، وإذا انقطع الوالدان عن هذه الحياة يتركانه من بعدهما، فيُدخل عليهما أطباقاً من النور والحسنات وهم في أشدّ الحاجة إلى ذلك، عندما ينقطع عملهما عن هذه الحياة، وذلك مصداقاً لقوله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} ... [يس ـ 12]
ولقول رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريّةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». (1)
فالولد الصالح من الآثار التي تدخل الأجر للوالدين بعد موتهما، وهو الذي يتقبّل الله - عز وجل - منه عمله الصالح الذي ربّياه عليه وأرشداه إليه، وتعبا تعباً كبيراً كي يسير في ذلك الطريق المستقيم، ولولا تضحيّتهما وتعبهما لما استطاع أن يصل إلى تلك الدرجة من العبادة والطاعة، بل أكثر من ذلك فالله - سبحانه وتعالى - يشركهما في أجر كلّ عملٍ صالحٍ يؤدّيه، أو دعوةٍ يدعوها، وهما على قيد الحياة من غير أن ينتقص من أجره شيئاٍ، فالله - سبحانه وتعالى - كريمٌ يعطيه أجر عمله هو، ويعطي مثل ذلك الأجر لوالديه، وهو واسع الرحمة والمغفرة.
الاستثمار الأفضل لمهارات الأولاد
إنّ أهداف التربيّة التي يقوم بها الوالدان هي مساعدة الولد في أن يعرف أنّه يملك مواهب وقدراتٍ، وأن يعرف نفسه ويفهمها، لأنّه بمعرفته نفسه سوف يسعى بكلّ قوّةٍ إيجابيّةٍ وجدّيةٍ وتفاؤلٍ لتحقيق تلك المهارات على أرض الواقع، ويحاول أن يبذل أقصى جهده لكي يُرضي نفسه ومن حوله، بأن يُظهر لهم أنّه قادرٌ على العمل والمثابرة والصبر في سبيل ذلك، وأنّه قويٌّ وذكيٌّ حقّاً.
__________
(1) أخرجه مسلم. (1/191)
صفحة 192
وعندما يجد الطفل أمّاً نشيطةً في تعليمه وتحفيظه سور القرآن سورةً بعد أخرى، ثمّ استظهارها استظهاراً جيّداً، فسيشعر داخل نفسه أنّه قد قام بتحقيق إنجازٍ عظيمٍ، وبذلك تعطي له أمّه الفرصة لأن يُظهر الإنسان الحقيقي الذي يوجد بداخله، فيطفو إلى السطح، وبالتالي يعيش حياةً نشيطةً متفائلةً، ويسير في طريق النجاح دون توقّفٍ، أو تعثّرٍ.
والأمّ الناجحة في تربيّة ولدها هي التي تبذل جهدها وتستثمر عبقريّتها في البحث عن العبقريّة التي وضعها الله - سبحانه وتعالى - في نفس ولدها، فتدفعها إلى الزيادة، وتوضّح له أوجه عبقريّته، بأن تكون صادقةً معه ومجاملةً له قدر الإمكان، بل الأمّ الذكيّة هي التي تجعل ولدها يشعر بتلك العبقريّة وتدفعه وتعينه على استثمارها أحسن استثمارٍ وبطريقةٍ إيجابيّةٍ، وعندما تستطيع أن تفعل ذلك فسوف تجعل نفسه تشعّ بطاقة الحبّ لهذه الحياة، والأمل في النجاح.
وعواطف الأمّ الإيجابيّة التفاؤليّة التي تغمر بها ولدها دوماً، تكون آثارها عميقةً، ذلك لأنّها تنبع من أعماقها، وتنزل إلى أعماقه، ولا شيء يبرز الصفات المميّزة لدى الإنسان مثلما تفعل تلك العواطف، وإنّ المحبّين المخلصين في حبّهم، مثل الحبّ الذي يجمع بين الأمّ وابنها، يكتشفون أعماقاً جديدةً في مشاعرهم ومخزوناتٍ غير متوقّعةٍ من طاقتهم.
يقول العلماء النفسانيّون: «إذا داوم الإنسان على التفكير في العبقريّة، تدفقّت إليه بشكلٍ طبيعيٍّ، وسهل عليه استثمارها وتقويّتها، حتّى تصبح سلوكاً عاديّاً في حياته اليوميّة، وعليه أن يراقب جيّداً تلك الأفكار التي توحي له بعدم عبقريّته، أفكار الشكّ في قدرته، أو الأفكار التي تدعّم فيه افتقاره إلى الموهبة أو القدرة». وهذا التدعيم نستمدّه من كتاب الله - سبحانه وتعالى - في قوله - عز وجل -:
- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ... [الإسراء ـ 70] (1/192)
صفحة 193
إنّ تقدير الشخص لعبقريّته هو أمرٌ ينبني على مدى الوثوق بما هو موجود داخل نفسه من الإبداع والذي يستحقّ التعبير عنه، وتجسيده إلى أعمالٍ واقعيّةٍ، لأنّ مثل هذا الوثوق يزيد من التفاؤل، والتقدير، والحبّ، والسعادة، وهذا يعني أن يحبّ ذلك الشخص نفسه، وأن يحبّ ما يفعله، ويستغرق في إنجازه بمتعةٍ كبيرةٍ إلى أقصى حدٍّ، وهذا ما يجعله يتقن ذلك العمل، والإتقان يزيد من مهارته في العمل، وهذه المهارة تزيد من عبقريّته، وهكذا فكلّما زاد أحدهما زاد الآخر.
إذن فكلّما يحفظ الولد سورةٍ من السور تظهر له أمّه الرضى والحبّ والشكر، كي تظهر له أنّه عبقريٌّ، فيشعر بأنّ له أهميّةً كبيرةً، ويشعر بمتعةٍ وفرحٍ وسرورٍ، وهذا ممّا يزيد نشاطه واجتهاده، فيزيد أداؤه، وبالتالي يزيد نجاحه.
ومن الأفضل أن تُقدَّم له جائزةً بسيطةً جدّاً بعد استظهار كلّ سورةٍ، عبارة عن بطاقة يلصقها في الدفتر الذي يقدّم له كذلك عبارة عن جائزةٍ بعد حفظه لسورتين، أو ثلاثةٍ، وذلك الدفتر سيكون له عبارة عن منشّطٍ، عند كلّ مرّةٍ يتهاون فيها، أو يتوانى، أو يتكاسل عن الحفظ، فيدفعه إلى الزيادة في اجتهاده لكي يحفظ أكثر، كما نرشد الأمّ أن تكون ذكيّةً متفتّحةً مع ولدها تبدع بين الحين والآخر في نوعيّة الجوائز التي تقدّمها له، وتبدع في الطرق التي تحفّظه بها كتاب ربّه - عز وجل -، وبذلك تجعله يقوّي ذاته، ويحاول أن يبدل أقصى جهده ليرضيها، ويرضي من يعينه في توجيهه إلى هذا السبيل الذي سيصبح محبوباً إليه على مرّ الأيّام، وزيادة الحصّة، مع زيادة التشجيعات التي تقدّم له. (1/193)
صفحة 194
ونتيجةً لذلك سيجد سعادةً كبيرةً داخل نفسه، وهذا ما قد أظهرته الدراسات التي أجريت في هذا الاختصاص، حيث وجد العلماء أنّ سعادة الطفل ترتبط بصورةٍ واضحةٍ بمدى ثقته بنفسه، وأنّ نجاحه في أدائه وتفاؤله يكون بالنسبة إليه عبارةً عن مصدرٍ هائلٍ للغبطة، وهذه الغبطة هي التي ستدفعه قدماً إلى الأمام ليحقّق نجاحاتٍ أخرى.
يقول الكاتب: جودت سعيد في كتابه: كن كابن آدم.
«تأمّل شأن من يبدع طريقاً ليحصد من الحبّة سبعمائة حبّةٍ، بدل الذي يعود بحبّةٍ واحدةٍ لا تسدّ النفقات، أو لا يأتي بأيّ حبّةٍ، فيكون إنتاجه أقلّ من الجهد الذي بذله».
وأقول للأمّهات وللأولياء: فالله - سبحانه وتعالى - قد كفانا مؤونة البحث عن الطريقة التي تعطينا سبعمائة درجةٍ في تربيّة أبنائنا، وكفانا جهد إبداع هذه الطريقة، فالطريقة التي نجني منها مثل هذه الدرجات والنتائج، هي طريقة تربيّة أولادنا منذ نشأتهم على كتاب ربّنا - عز وجل -، القرآن الكريم، الذي قال لنا فيه رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -:
«علّموا أولادكم القرآن، فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو». (1)
وقال كذلك: عن سيّدنا عليّ بن طالب، كرّم الله وجهه، عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -:
«أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيّكم، وحبّ آل بيته، وتلاوة القرآن، فإنّ حملة القرآن في ظلّ عرش الله، يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه مع أنبيائه وأصفيائه». (2)
إنّ الآيات القرآنيّة تتّصف بالربانيّة، وقد أنزلها خالق هذه الإنسانيّة، وهي تختصّ عن غيرها بالتحدّد والاستمراريّة، وإعجازها يكمن في جوانبها النظريّة، والتي جعلها الله - سبحانه وتعالى - كذلك تطبيقيّة، وقد لمست حقيقتها وقوّتها فترة من الفترات التاريخيّة، وذلك عندما طبّقها المسلمون في حياتهم بكلّ إخلاصٍ وحسن نيّةٍ.
وهذا هو شهيد الإسلام سيّد قطب رحمه الله يقول:
__________
(1) أخرجه الربيع.
(2) أخرجه الطبراني. (1/194)
صفحة 195
«وانتصر محمّد - صلى الله عليه وسلم - يوم صنع أصحابه ـ عليهم رضوان الله ـ صوراً حيّةً من إيمانه، بآيات ربّه، تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، يوم صاغ من كلّ واحد منهم قرآناً يدبّ على الأرض، يوم جعل كلّ فردٍ نموذجاً مجسّماً للإسلام، يراه الناس فيرون الإسلام».
هذا هو معنى أن نجني من حبّةٍ سبعمائة حبّةٍ، يوم نخلص في تربيّة أولادنا، فنكوّن في كلّ واحدٍ منهم قوّةً إيمانيّةً إيجابيّةً، تمتثل للآيات القرآنيّة، ويستمدّون قوّتهم وإرادتهم وعزيمتهم من القوّة الربّانيّة، ولا يعتمدون على ضعف نفوسهم الإنسانيّة، فالقرآن يصنع من إنسانٍ واحدٍ ألفاً، بل من واحدٍ مئة ألفٍ.
يقول جودت سعيد: «إنّ نظام الكون مبني على التسخير، والإبداع الأفضل دوماً، والتسخير الذي يعطي مردوداً أعلى وأفضل ينسخ التسخير الأدنى مردوداً الذي كان قبله، وإنّ الاستثمار الأعظم هو استثمار إمكانات الأطفال على الاستيعاب، ويتحقّق ذلك بابتكار الطرق التعليميّة المشوّقة».
وأقول: ــ وهل يوجد في هذا الكون نظام أو كتاب يستطيع أن يعطي مردوداً أفضل وأحسن من مردود كتاب الله - عز وجل - القرآن الكريم؟.
ــ وهل هناك طريقةٌ تستطيع أن تقدّم للبشريّة إبداعاً أفضل من الطريقة التي تتعامل بها الأمّ الذكيّة مع ولدها؟
ــ وهل هناك نظامً يستطيع أن يدوم مثل هذه المدّة التي دام فيها كتاب الله - عز وجل - الذي لم يصله تحريفٌ أو تبديلٌ؟، أو زيادةٌ، أو نقصانٌ.
- {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ... [الحجر ـ 9]
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء:88ـ89] (1/195)
صفحة 196
وما دام الله - سبحانه وتعالى - خالق هذا الإنسان قد صرّف له في هذا القرآن من كلّ مثلٍ، فلماذا يريد كثيرٌ من الخلق أن يبحثوا عن الطرائق التدريسيّة والتربويّة في غيره من المنظومات، فنقول:
لو أنّ الإنس والجنّ اجتمعوا لكي يضعوا أصول تدريسيّة وتربويّة أفضل من التي وضعها ربّ العزّة لخلقه في قرآنه، وفي سنّة رسوله - عز وجل - لما استطاعوا، وخاصّةً المسلمين الذين يقتبسون نظمهم التربويّة والتعليميّة من برامج وضعها أناسٌ لا يؤمنون بالله - سبحانه وتعالى - ولا يعترفون بشريعة الإسلام ولا بالقرآن الكريم، ويسبّون الرسول محمّد - صلى الله عليه وسلم -.
يقول جودت سعيد: «تأمّل شوق الأطفال للعب والحركة والتأمّل والابتكار إذا كنت ممّن يستفيد بحذقٍ ممّا قدّمه التاريخ، فلا يوجد أعظم من هذا الاستثمار الذي يعمل على إبداع الأفكار، وابتكار النفوس الطليقة الفتيّة التي لا تملّ من الاستمرار والإصرار العنيد على السير في طريق الإبداع، وذلك حين يتمّ وضعهم على الطريق».
إذن فما داموا كذلك فمهمّتنا نحن المربّون والأولياء أن نضعهم على طريق العمل والإبداع، ومسايرتهم وتدعيمهم قدر المستطاع للسير في ذلك الطريق بكلّ قوّةٍ ممكنةٍ.
إنّ القرآن يرشد ويهدي الإنسان إلى اكتشاف نفسه، يهديه إلى اكتشاف القوى الكامنة في ذاته، لأنّ ربّه قد ضرب له فيه من كلّ مثلٍ، هذا الإنسان القابل لأن يكون في أحسن تقويم، كما خلقه ربّه، إذا هو اتّبع طريقة قرآن ربّه في مختلف نواحيه، وقابل لأن ينزل إلى أسفل سافلين عندما يعرض عنه، ويبتغي الهدى في غيره من كتب وتنظيمات بني جنسه. (1/196)
صفحة 197
وهو الذي قال فيه من لا ينطق عن الهوى، محمّدٌ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ». (1)
إنّ الله - عز وجل - قد جعل في هذا القرآن الكريم قوّةً أعظم وأقدس من أيّ نظامٍ آخر، بحيث يستطيع أن يصل بالإنسان إلى أقوى إبداع يستطيع العقل البشريّ أن يصل إليه في مختلف الميادين، ويزرع في نفوس تابعيه حبّ التطلّع والمعرفة، بما يسوقه من أخبار الأوّلين من الأمم والرسل والأنبياء والملوك والأفراد الذين ذكرهم، وغير ذلك من العوالم المتعدّدة، التي تدفع الإنسان المجتهد الذكيّ الذي يحاول بكلّ ما أوتي من تفكير كي يفهم كلّ ذلك.
كما أنّه يجدّد الحبّ عبر الأزمنة مع كلّ جيلٍ يعيش في هذا الكون، لأنّه منزَّل حسب فطرة هذا المخلوق، فطرة حبّ التطلّع إلى المجهول، ولكن أتباعه ما زالوا غافلين عن تلك القوّة الكامنة فيه، ولم يتوصّلوا بعد إلى كيفيّة استثماره ليكشف لهم تلك المهارات الكامنة في النفوس، ويوجّهها إلى الطريق الأمثل الذي تنمو وتزدهر فيه.
يجب على علماء الأمّة والمربّين والأولياء أن يجعلوا الأولاد يشعرون بأنّ تعلّم القرآن الكريم هو علمٌ ممتعٌ ونافعٌ ومسعدٌ، لأنّ هناك علماً نافعاً، وعلماً آخر نافعاً وممتعاً، وهناك علماً نافعاً وممتعاً ومسعداً، وهو علم الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم.
فالقرآن نافعٌ لأنّه يعلّم الجيل التعبير والمحادثة بما يحتويه من أساليب بليغةٍ، وممتعٌ بما يسوقه من أخبار الأوّلين وقصص الأمم، وقصص الأشخاص الخيّرين، أو غيرهم، ومسعدٌ بما ينال قارئه من سكينةٍ وهدايةٍ، وما يبعث فيه من طمأنينةٍ وهدوءٍ وسعادةٍ.
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/197)
صفحة 198
والله - سبحانه وتعالى - قد راعى هذه الخصائص الثلاثة لأنّه يعلم ما يليق بالنفس البشريّة، ولكن الحجب التي تحجب هذه النفس عن رؤيتها الحكمة هو الذي جعلها لا تدرك تلك الخصائص في كتاب ربّها.
إنّ الأمّة الإسلاميّة بحاجةٍ إلى علماء وباحثين يختصّون في مجال التربيّة والبرامج التعليميّة الإسلاميّة، التي تستمد مناهجها من كتاب ربّها - سبحانه وتعالى -، كي يضعوا قواعد إبداعيّةً لتعليمه والاستفادة منه، وذلك بوسائل مشوّقةٍ لتساعد أفراد الأمّة كلّهم على الإقبال على حفظه وفهمه بطريقةٍ تنمّي فيهم طاقاتهم وقواهم الإبداعيّة، فينبغون بواسطته في مختلف العلوم والمعارف، ويرفعون من قيمة هذه الأمّة التي طال عناؤها وشقاؤها وتخلّفها عن باقي الأمم في مجالات الحياة المختلفة.
كما تحتاج كذلك إلى علماء واختصاصيّين في المجال التربويّ ليخطّطوا لها برامج في تثقيف الأمّهات على تربيّة الأجيال الصغيرة، بطريقةٍ تعتمد على تعاليم القرآن الكريم والسنّة النبويّة وإرشاداتهما في هذا الميدان، مع تقبّل العلوم والمعارف الحديثة، فإذا أبدعوا مثل هذه الطرق، فإنّ الأجيال ستنشأ وهي تسير في طريق التفوّق والإبداع بكلّ شجاعةٍٍ، ودون خوفٍ أو عقدٍ نفسيّةٍ.
يقول الدكتور جودت سعيد:
«إذا وصف لنا أحدٌ طريقاً، ثمّ لم يوصلنا الطريق إلى الهدف المطلوب، ألا ينبغي علينا أن نراجع أنفسنا، لنرى أين هو الخلل؟ نحن نشعر، ولا شكّ أنّنا لم نصل إلى الهدف، ونشعر بخطأ ما يحدث، ولكن هل سنصل بحقٍّ وبقوّةٍ وبوضوحٍ إلى سبب المشكلة؟». (1/198)
صفحة 199
وأقول: إنّ العلماء المسلمين جميعاً دون تمييز قد شعروا بأنّ هناك خللاً في تطبيق كتاب الله - عز وجل - في واقع حياة المسلمين، ونتيجةً لذلك وصلت الأمّة إلى الحالة التي هي عليها من التخلّف، والإهانة من طرف الأعداء، وغيرها من المشاكل التي تتخبّط فيها الأمّة، حتّى أصبحت أضعف الأمم، وباتت مطمعاً للجميع، حتّى لليهود الذين كتب الله - عز وجل - عليهم الذلّة والمسكنة قد استأسدوا عليها، وساموها سوء العذاب.
ويقول كذلك: «إنّ المدخل الذي يمكن لنا أن نفهم بواسطته أنّ سلوك البشر قابلٌ للكشف والتوجّه هو أوّلاً أنّ الله - سبحانه وتعالى - قال لنا: إنّ ما بكم من دوافع خيرٍ، أو شرٍّ هي بأيديكم «.
- {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} ... [الشمس:7ـ10]
ومن هذه الآية استنتج العلماء بأنّ عمليّة تزكيّة النفس، أو تدنيسها هي نتيجةٌ للمجهود البشري الذي يقوم به الإنسان، مستنداً إلى الدعم الإلهي الذي يستمدّ منه العون والتوفيق.
وقد أرشدنا ربّنا - عز وجل - في عدّة آياتٍ من كتابه الكريم إلى أن ننظر إلى الأطفال الذين تدفعهم الأرحام إلى الوجود، ولا يملكون فكراً، أو كلاماً، أو كتابةً، وليس لديهم إلاّ الاستعداد لأن يكونوا على أيّة حالةٍ وطبيعةٍ تكون عليها بيئتهم، فكلّ طفلٍ يصير كما ينشأ عليه داخل مجتمعه، فالذي يولد في المجتمع العربي يصير عربيّاً في لسانه وفكره، وهذا حين لا يرى غير قومه، والذي يولد في المجتمع الفرنسي يصير فرنسيّاً، وكذلك جميع أطفال أهل الملل والنحل واللغات.
والطفل في مراحل عمره الأولى يستطيع أن يفهم القيم العميقة التي تحكم سلوك الكبار من حوله قبل أن يتكلّم، وقبل أن يعرف معاني الكلمات، فترسخ هذه القيم رسوخاً أصيلاً في ذاته وشخصيّته، وكأنّها ولدت معه، لأنّها تغرس فيه عمليّاً. (1/199)
صفحة 200
وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مربّي البشريّة الأوّل حين قال:
«كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه». (1)
يحدث هذا لدى الولد في السنوات الأولى التي تسبق ذهابه إلى المدرسة، وقبل أن يتعلّم الكلام، وهذا ما يحكم سلوكه العميق في حياته القادمة، ويصعب عليه أن يخرج عمّا تعلّمه، وغُرس فيه في سنوات عمره الأولى، لأنّه تغلغل في اللاشعور.
لذلك يرشدنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الشريف إلى تهيئة بيئةٍ إيمانيّةٍ قرآنيّةٍ، كي يكبر فيها الولد وهو متّصلٌ بكلام ربّه - عز وجل - اتّصالاً وثيقاً، كما أنّه يحثّنا فيه على تحبيب كتاب الله - عز وجل - إليه وهو في سنواته الأولى، حتّى يتغلغل حبّه في نفسه، وينشأ وهو يميل إليه أكثر من أيّ شيءٍر آخر في حياته، فيختلط بلحمه ودمه، ويمتلئ به قلبه، وتتشبّع منه نفسه، وينطبع عليه لسانه، فينشأ مستقيماً في كلّ جوانبه النفسيّة والعقليّة والتفكيريّة والأخلاقيّة، وهذا ما يرجوه كلّ والدٍ مستقيمٍ لأبنائه في هذه الحياة.
وإذا كان على المربّين بشكل عامّ، والأبوين بشكلٍ خاصٍّ مسؤوليّة عظمى في تنشئة الطفل على طريقة تعليميّةٍ قويّةٍ، وتكوين تفكيرهم بشكلٍ إيجابيٍّ حسنٍ، فهذا هو رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يبيّن لهم الطريقة الفطريّة التي ينتهجونها مع الأولاد، حتّى يبنوا فيهم هذه الطرق الإيجابيّة، وليحمّل كلّ من كان له في عنقه حقّ التوجيه والتعليم والتربيّة الأمانة الملقاة على عاتقه في تنشئة الولد على التربيّة التعليميّة الكاملة والمُرضيّة.
إنّ رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يرشد كلّ المربّين والمعلّمين إلى هذه الطريقة كي لا يتعبوا كثيراً في تكوينها في الأولاد، ويصلوا في نهاية الشوط التعليمي إلى الدرجة التي يرجونها منهم.
تأهيل الولد بالقرآن الكريم
__________
(1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة. (1/200)
صفحة 201
يقول علماء النفس والتربيّة بأنّ الطفل يولد بعبقريّةٍ خارقةٍ تصل إلى 100%، ويبقى على ذلك إلى عمر ثلاث سنواتٍ، ثمّ تنقص تلك العبقريّة إلى 80% عندما أن يصل إلى سنّ الخامسة، ثمّ تنقص إلى 10% كلّما زاد عمره، وما ذلك إلاّ لسبب معاملة الوالدين له والمحيط الذي يحيط به، حيث أنّ أغلبيّة الكلمات التي يسمعها في المحيط التربوي هي كلماتٌ سلبيّةٌ تقيّد له خياله وإبداعه وحبّ الإطّلاع لديه، خاصّةً وأنّ عقل الطفل يبني صوراً وخيالاتٍ بريئةً بالفطرة، وإذا أسمعه المربّون تلك الكلمات بكثرة، والتي يسمّيها العلماء فرامل بناء وتقدّم الذات، فإنّ تصوّره ينبني على ذلك النمط، فيفقد أسس بناء العبقريّة شيئاً فشيئاً.
وهذه الكلمات مثل: أنت لا تستطيع أن تقوم بهذا العمل، ما زلت صغيراً، أنت كسولٌ جدًّا، أنت غبيٌّ لا تليق لشيءٍ، أنت متهاونٌ، أنت غير منظّمٍ، وغيرها من الكلمات التي تبني له ذاتاً سلبيّةً.
يقول هلمستتر: «إنّ ما تضعه في ذهنك، سواءً كان إيجابيّاً أو سلبيّاً، ستجنيه في النهاية».
ونتيجة لذلك نقول: إنّ ما نضعه في ذهن أطفالنا، سواءً كان إيجابيّاً، أو سلبيّاً، سيجنونه في مستقبل حياتهم.
إنّ كلّ إنسان يصنع ذاته على أساس الأفكار التي تشكّلت لديه ممّن حوله، وممّا حوله، ثمّ يتدرّج شيئاً فشيئاً، فتؤثّر في ذاته تلك التجارب التي يمرّ عليها في كلّ يومٍ من أيّام حياته، من نجاحاتٍ أو إخفاقاتٍ وقع فيها، وكذلك الكيفيّة التي كان يحكمه ويوجّهه بها الأشخاص المهيمنون عليه، مثل والديه ومعلّميه ومن حوله من عناصر مجتمعه، والمعرفة التطبيقيّة التي اكتسبها على مرّ الأيام.
فعلى الوالدين وهما أقرب الناس إليه، وأحبّ الأشخاص المهمّين لديه أن يكوّنوا فيه ذاتاً متفائلةً إيجابيّةً قويّةً وثابتةً، فلا يكثروا من الألفاظ التي تضعف أو تحطّم ذاته. (1/201)
صفحة 202
وقد درس العلماء وقارنوا حياة شخصٍ عاديٍّ، وكيف يتأثر تكوّن ذاته بمثل هذه العبارات والألفاظ التي تكوّن فيه ذاتاً سلبيّةً، فتوصّلوا إلى بعض النتائج.
منها ما يخبر عنها الدكتور تشاد هلمستتر:
«إنّه في خلال 18سنة الأولى من عمر شخصٍ يعيشها في أسرة يتعامل أفرادها فيما بينهم بألفاظٍ إيجابيّةٍ تشجيعيّةٍ، فإنّه يسمع كلمة ـ لا ـ أكثر من 140ألف مرّةٍ».
وكلمة ـ لاـ هي كما نعلم كلمةٌ سلبيّةٌ تبعث الفشل، وتكوّن الكسل والتأخّر في ذات الذي يسمعها كثيراً من قبل الأشخاص الذين يتعاملون معه ـ لا تعمل كذا ـ ولا تقل كذا ـ هذه الجمل وغيرها من هذا النوع هي التي تكوّن فيه تصوّراً سلبيّاً بأنّه لا يستطيع فعل كذا أو لا يقدر على تحقيق النجاح في الميدان الفلاني، فتضعف عبقريّته، ويفقدها.
أو عبارات مثل ـ لماذا قمت بهذا الشيء على هذا النحو، أو بهذه الكيفيّة، لماذا لم تقم به على هذا النحوـ كلّ ذلك ممّا يكوّن له الشكّ في ذاته فيعتقد أنّه غير كفءٍ في إنجاز مثل تلك الأعمال، أو القيام بمثل تلك المهام.
ومن المؤسف جدّاً أنّ سماع الكلمات الإيجابية التي تكوّن الثقة في النفس وتبعث فيها التفاؤل والجدّ والنشاط والعمل والمثابرة من نفس الأشخاص قليلةٌ جدّاً جدّاً.
وقد قال نفس العالم تشاد:
«إنّه في نفس الفترة كان عدد الرسائل الإيجابيّة التي وصلت مسامعه (والتي هي كلماتٌ تشجيعيّةٌ) لا تتجاوز 400 رسالةً تقريباً».
فلنقارن العدد 140ألف بـ 400 فـ 140ألف تساوي 400×350، إنّها نسبةٌ كبيرةٌ جدّاً.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم جيّداً قوّة تأثير مثل هذه الكلمات السلبيّة في تكوين شخصيّة الأولاد، لذلك كان يعاملهم بنفسٍ متفتّحةٍ ومنشرحةٍ. (1/202)
صفحة 203
فعن أنس رضي الله عنه قال: «قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ليس له خادمٌ، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أنساً غلامٌ كيّسٌ فليخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر، ما قال لي لشيءٍ صنعته لم صنعت هذا هكذا، ولا لشيءٍ لم أصنعه لم تصنع هذا هكذا». (1)
وربّما يساءل الواحد أين هو الحلّ؟، وكيف يمكن أن نعامل الولد كي نتفادى مثل هذه التوجيهات السلبيّة؟، فيجيبه الدكتور مايكل ميرسر:
«ومن الطرق المتقدّمة لنكون نموذجاً يقتدي به أولادنا، علينا أن نسأل الولد عن أفكاره حول حلّ مشكلة تواجهنا، فربّما يرشدنا إلى حلٍّ رائعٍ نحتار من أين تعلّمه.
قال: كان أحد أصدقائه ينظّف أرضيّة منزله باستخدام مكنسةٍ كهربائيّةٍ، وفجأةً تعطّلت المكنسة، وتوقّفت عن العمل.
ذهب الصديق إلى ابنته، وبهدوءٍ قال لها: لقد تعطّلت المكنسة الكهربائيّة، فكيف ننظّف الأرض إذن.
أخذت الطفلة تفكّر مليّاً في السؤال، ثمّ ارتسمت ابتسامةٌ عريضةٌ على محيّاها، وأدلت باقتراحها، وقالت: فلنستخدم المكنسة العادية، وإذا بها تذهب إلى الخزانة، وتحضر مكنستين ولقّاطة الكناسة لتسلّمها إلى أبيها، وطفقا ينظّفان الأرض معاً، وبعد أن انتهيا، إذا بالطفلة الصغيرة التي ابتكرت الحلّ للمشكلة تسأل أباها بكلّ اعتزازٍ وفخرٍ: هل تحتاج إلى نصيحتي في أيّ أمرٍ آخر؟.
__________
(1) أخرجه البخاري. (1/203)
صفحة 204
لقد وجد عالم النفس ديفيد ماكليلا الحاصل على الدكتوراه ومؤسّس تحفيز الإنجاز أنّ الأطفال الذين يحقّقون إنجازاتٍ كبيرةً ينتمون إلى أسرٍ أعضاؤها إيجابيّون متفائلون يشجّعونهم على الانخراط في حلّ مشاكل الأسرة، وهذا ما يجعلهم ينالون الاحترام والتقدير والتشجيع، لأنّ لإغداق الثناء على الطفل بعد حلّ مشكلةٍ، يكسبه الشعور بالثقة والكفاءة والتفاؤل، فالتصوّر الذي نكوّنه في نفس الولد ليرى به نفسه، هو التصوّر الذي نكوّنه له لينظر به إلى العالم من حوله.
وأنا أقول: وليس معنى هذا أنّ آباءنا وأمّهاتنا كانوا سيّئين معنا، بل إنّهم لا يعلمون مدى تأثير مثل تلك الكلمات في ذوات أبنائهم الذين هم تحت رعايتهم.
والإنسان بطبيعته يسرع في ملاحظة أيّ عيبٍ في حياته، وفي الظروف، وفي الآخرين، وفي نفسه، إنّه يجيد تماماً تثبيت نظره على أوجه النقص القليلة، ثمّ يولّيها أهميّةً أكبر من حجمها، ويغفل، أو يتغافل عن الأشياء الإيجابيّة التي يقوم بها أولاده، وذلك لاطمئنانه بأنّه قد أنجزها بطريقةٍ جيّدةٍ.
وتعليم الأمّ القرآن الكريم للطفل الصغير بعناية، يجعلها تستعمل معه كثيراً من تلك العبارات الإيجابيّة، فتؤهّله به، حفظاً، وتلاوةً، وتدبّراً، وهذا ما سيدفع به إلى التفوّق في كلّ المجالات، كيف لا وهو كلام الله - عز وجل - وليس كمثله شيءٌ، ولا يوجد شيءٌ مثله يدفع بصاحبه إلى التأهّل، وهو أعظم مؤهّلٍ على وجه الأرض، لذلك نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو».
قال الحافظ السيوطي: «تعلّم الصبيان القرآن الكريم يعدّ أصلاً من أصول الإسلام، وذلك حتّى ينشؤوا على الفطرة، ويملؤوا قلوبهم بأنوار الحكمة قبل أن تتمكّن الأهواء منها، وتسوّدها بأكدار المعصيّة». (1/204)
صفحة 205
وأنا أقول: بأنّه أوّل ما يجب أن يتعلّموه، حتّى لا تشتغل قلوبهم بعلمٍ آخر، فيهتمّون به أكثر من كتاب الله - عز وجل -، وأن يقرؤوه، ويحفظوه قبل أن تشغل ذاكرتهم بعلومٍ وأشياء أخرى، ربّما تأخذ منها النصيب الأكبر، وبه نستطيع أن نملأ عقلهم الباطن بالرسائل الإيجابيّة التي تدفعهم إلى التفوّق.
ويقول العلماء بأنّ قوّة الذاكرة تتعلّق بالاهتمام، فالشيء الذي نهتمّ به نحفظه، والشيء الذي لا نهتمّ لا نحفظه.
وتقول الحكمة: قل لي بماذا تهتمّ، أقل لك ماذا تحفظ.
فلتنظر الأمّ، ولينظر الوالد كيف يجعلان أولادهم يهتمّون بكتاب ربّهم، حتّى يتعلّقوا به، ويحفظوه، ويكون أساس تفكيرهم وتوجّهاتهم في حياتهم.
وقال العلاّمة ابن خلدون: «تعلّم الولدان للقرآن شعارٌ من شعائر الدين، والذي اتّبعه أهل الملّة الأوّلون ودرجوا به في جميع أمصارهم، لما يبني في القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، بسبب آياته، ومتون الأحاديث، وقد صار القرآن أصل التعليم، والذي ينبني عليه ما يحصل في الفرد بعد ذلك من الملكات، (وهذه الملكات على حسب رأي علماء النفس هي التصوّرات التي تنبني في العقل الباطن)،وسبب ذلك أنّ التعليم في الصغر أشدّ رسوخاً، وهو أصل لما بعده، لأنّ السابق الأوّل إلى القلوب هو بمثابة الأساس لبناء الملكات، وعلى حسب قوّة الأساس وضعفه، يكون حال ما يُبنى البناء عليه من جهة القوّة، أو الضعف».
وقد قال ابن عبّاس - رضي الله عنه - فيما رواه عن حفظه للقرآن الكريم: «توفّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم».
وقال الحافظ ابن كثير: «وعلى كلّ تقديرٍ ففيه دلالةٌ على جواز تعليم الصبيان القرآن وهم صغارٌ، بل هو مستحبٌّ، وواجبٌ، لأنّ الصبيّ إذا تعلّم القرآن بلغ سنّ الصلاة وهو قد حفظ ما يستطيع الصلاة به». (1/205)
صفحة 206
وكذلك إذا حفظه وهو صغير، فإنّه بمجرّد أن يبلغ الإدراك يجد ما يبني عليه أخلاقه، ويكوّن به توجّهاته، وتحفيظه القرآن الكريم في ذلك السنّ ممّا ينشّط خلايا مخّه، لأنّها في طور التكوّن والنموّ، فتنمو بسرعةٍ وبقوّةٍ، وهو أولى من حفظه في الكبر، لأنّه يكون أشدّ علوقاً بخاطره، وأرسخ، وأثبت.
وكره بعضهم تعليم الولد القرآن الكريم وهو لا يعقل ما يقال له، ولكن يترك حتّى يصل سنّ العقل والتمييز، فيُحفّظ قليلاً قليلاً على حسب مداركه، وهمّته، وجودة ذهنه، وهذا التوجّه لا يختلف فيه اثنان، لأنّه لا بدّ أن يُعلّم شيئاً فشيئاً، ويتقدّم فيه خطوةً بعد خطوةٍ على حسب نموّ مخّه وتقدّم إدراكه، وهذا يختلف من طفلٍ إلى طفلٍ، ومن أسرةٍ إلى أسرةٍ، ومن مجتمعٍ إلى آخر، ويتحكّم فيه الوراثة، والوسط الأسري والحالة الاجتماعيّة.
وقال الدكتور عبد الرحمان بن عبد الله المالكي:
«إنّ الأساس المهمّ في نجاح التربيّة الإسلاميّة لدى المتعلّمين عموماً هو أن نوجّه الطفل أوّل ما نوجّهه إلى تعلّم القرآن الكريم على الوجه الأمثل، ودراسته دراسةً جيّدةً، لأنّه هو المصدر الأوّل من مصادر التشريع الإسلامي»
وقال القرطبي: «لمّا كان كتاب الله - عز وجل - هو الكفيل بجميع علوم الشرع الذي استقلّ بالسنّة والفرض، ونزل به الروح الأمين إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، واستفرغ فيه قوّتي».
وما دام القرآن كلام ربّ العزّة، وأوكل النزول به إلى الأرض إلى أمين السماء، جبريل - عليه السلام - وهو خير كلام، إذن فهو كفيل بأنّ يربّي الطفل تربيّةً أمينةً، ويوجّهه خير وأفضل توجيه. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
[الشعراء ـ 192ـ195] (1/206)
صفحة 207
والوالدان اللذان يريدان تربيّة أولادهما روحيّاً وعقليّاً ونفسيّاً، فما عليهما إلاّ أن يعتمدا على هذا الكنز العظيم الذي يهتمّ ببناء كلّ هذه النواحي في الإنسان، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إسوةٌ حسنةٌ، حين يقول: «علّموا أولادكم القرآن، فإنّه أوّل ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله هو».
وقد قرأ السلف الأوّل هذا الحديث وغيره من الأحاديث الأخرى، فاتّبعوها، وطبّقوها في حياتهم، فحرصوا حرصاً كبيراً على أن يكون القرآن الكريم أوّل ما يعلّمونه أولادهم في بداية عمرهم، فأهّلوا به أنفسهم وأولادهم، ونالوا شرف كتاب الله - عز وجل -، وبلغوا ما بلغوا إليه من التقدّم والتفوّق في مختلف الميادين والاختصاصات.
فهذا هشام بن عبد الملك يقول لمؤدّب ولده: «لقد جئت إليك بثمرة فؤادي، وجلدة ما بين عيني، وقد اِئتمنتك عليه، ووليتك تأديبه دون غيرك، فعليك بتقوى الله فيه، وأداء الأمانة فيما تقوم به، وأوّل ما أوصيك به أن تعلّمه وتأخذه عليه كتاب الله - عز وجل -».
وقال الرشيد لمؤدّب ولده: «إنّ أمير المؤمنين قد دفع إليك أغلى ما يملك في هذه الحياة، مهجة نفسه، وثمرة فؤاده، فكن عند حسن ظنّ أمير المؤمنين فيك، أقرئه أوّل ما تقرئه القرآن الكريم كلام الله - عز وجل -، وعرّفه خير الأخبار، وروّه أبلغ الأشعار، وعلّمه سنن المختار.
وهذا هو الشافعي يقول عن نفسه: «حفظت القرآن الكريم، وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشر سنين».
وكذلك حفصة بنت سيرين حفظت القرآن الكريم وهي بنت ثنتي عشرة سنة، وكان أخوها محمّد بن سيرين إذا أشكل عليه شيءٌ من القرآن قال: «اذهبوا إلى حفصة، فاسألوها». (1/207)
صفحة 208
وقيل إنّ رجلا رأى أعرابيّةً ومعها ولدٌ أعجبه خلقه وهندامه، فسألها عنه، فقالت: «عندما أتمّ خمس سنين، أسلمته للمؤدّب، فحفظ القرآن الكريم، وتلاه، وعلّمه الشعر فرواه، ولمّا بلغ الحلم، حملته على أعناق الخيل، فتمرّس وتفرّس، ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحيّ، وأصغى إلى صوت الصارخ ليغيثه، وينقذه».
إنّ علماء التربيّة المسلمين مطالبون باستدعاء القرآن الكريم إلى الساحة التربويّة والثقافيّة الإسلاميّة، وتوجيه الأولياء إلى عدم هجر القرآن الكريم والاهتمام بغيره، فلا بدّ من الاعتماد عليه بكلّ قوّةٍ وثقةٍ ليكون المصدر الأوّل لتنميّة الذكاء لدى الناشئة، كما كانت مكانته عند السلف الصالح، يرجعون إليه ليستقوا منه العلم والذكاء والفطنة والحكمة في هذا الجيل الحاضر، الذي يشتكي كلّ الأولياء والمربّين بتدنّي مستواه الثقافي، وضعف تفكيره العقلي، وقلّة ذكائه. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}
[الأنفال ـ 24]
فعلينا جميعا أن نرجع إلى النبع الأصيل والصافي لنستقي منه العلم والمعرفة السليمة، ونظرته الإيجابيّة إلى الإنسان والحياة والوجود، من جهة الفطرة الإنسانيّة والاجتماعيّة، وفي قضايا الفرد والأسرة والمجتمع، والعلاقات والنظم، وذلك لتكوين العبقريّة لدى عناصر المجتمع المسلم، إذا أردنا حقّاً أن يلحق بالركب الثقافي والعلمي والتكنولوجي.
وقد ذكر الأستاذ عمر العساكر في كتابه: كيف نحفّظ أبناءنا القرآن تلاميذ ختموا القرآن واستظهروه في سنٍّ مبكّرةٍ، وذكر أمثلة لذلك:
ــ حسين سليمان الخن استظهر القرآن الكريم في سنّ 09 سنوات.
ــ إلياس مصطفى بن عمر استظهر القرآن الكريم في سنّ 09 سنوات.
ــ الشيخ بكير عمر العساكر ختم القرآن الكريم في سنّ 10 سنوات. (1/208)
صفحة 209
وغيرهم كثيرٌ ممّن نبغ في حفظ كتاب الله - عز وجل -، بالمدرسة العلميّة "بالحميز"، حسب البرنامج الجديد الذي يتّبعه المعلّمون مع التلاميذ في تحفيظهم إيّاه، وهذا ممّا سيبني فيهم نبوغاً مستمرّاً طوال سنوات عمرهم، إذا ما وُجّهوا مثل هذا التوجيه، وتابعهم أولياؤهم بجدّيةٍ.
إنّ مشكلة المسلمين تكمن في تصحيح كثيرٍ من المفاهيم المتعلّقة بالتعامل مع المعجزة التي أنزلها إليهم ربّهم، القرآن الكريم، وفهم كثيرٍ من موضوعاته فهماً عميقاً كي يدفعهم نحو التفكير السليم، بوعيٍ جديدٍ، ويجعلهم يتعايشون مع الإطار العالمي المتغيّر، لأنّ القرآن الكريم قد أنزله ربّ العزّة بطريقةٍ يستطيع أن يهيمن بها على الزمان والمكان والمتغيّرات كلّها عبر العصور.
وربّما يقول الواحد من الناس فأين هذه الميزة التي ضمّنها الله - عز وجل - في هذا الكتاب العزيز، ولماذا صار المسلمون إلى هذه الحالة المزريّة التي هم يتخبّطون فيها، فنجيبه:
إنّ الضعف والنقص ليس في القرآن الكريم، وحاشا أن يكون فيه شيءٌ من هذا، ولكن النقص والعيب في الطريقة التي تعامل بها المسلمون معه، ولا يزالون يتعاملون بها إلى الآن.
- {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}
[إبراهيم ـ 1]
يخرجهم من ظلمات الشرك والضلال إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل والوهم إلى نور العلم واليقين، ومن ظلمات الظلم إلى نور السلام والأمان، ومن ظلمات الكسل إلى نور العمل، ومن ظلمات الأنانيّة وحبّ الذات إلى نور التضحيّة ونكران الذات، ومن ظلمات التأخّر والاتّكالية إلى نور التقدّم والاعتماد على النفس، ومن ظلمات التشاؤم والسلبيّة إلى نور التفاؤل والإيجابيّة. (1/209)
صفحة 210
إنّهم لم يأخذوا منه ما يحتاجونه لإصلاح ظروفهم المأساويّة التي صاروا إليها عبر الزمان، ولم يأخذوا فكره الذي جعله فيه ربّ العزّة، وما يتعلّق به من النواحي الاجتماعيّة والاقتصاديّة والحضاريّة، ويوجد هناك خللٌ في التعامل مع القرآن الكريم من طرف المسلمين، نجد هناك خللاً في تلقّيه، وخللاً في حفظه، وخللاً في تدبّره، هذا الخلل المتعدّد النواحي، يعود إلى طريقة تدريسه، وإلى المناهج التربويّة المتّبعة في المدارس، ومناهج التعليم التي تتّبع في مؤسّسات تحفيظ القرآن الكريم، وهو الذي انتهى بالمسلمين إلى الحالة التي هم فيها.
- {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف ـ 1]
إنّ تغيير التعامل مع القرآن الكريم يجب أن يبدأ من إصلاح طريقة تعامل الأولياء معه أمام أولادهم، وهم في سنّ مبكّرة، وفي طريقة تعليمه، وطريقة التلقّي التي يتلقّاه به أولادنا وأجيالنا عبر العصور، ويتحقّق من خلاله إعادة بناء العقول على منهجٍ فكريٍّ قرآنيٍّ واضحٍ، يستطيع المسلمون من خلاله تربيّة جيلٍ مبدعٍ ومفكّرٍ ذكيٍّ.
فعلينا أن نحوّل القرآن الكريم إلى طاقةٍ فكريّةٍ إبداعيّةٍ تحرّك عقول الأجيال، وتمدّهم بالقوّة الكافية التي تبني فيهم اليقظة الفكريّة، فيتدرّبوا على التفكير الصحيح القويّ، ويجعلهم يسيرون في طريق الإبداع الذي يدفع بالأمّة إلى أن تشارك في بناء الحضارة الإنسانيّة العصريّة، ويصير لها فيها نصيبٌ من القرار.
- {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[الأنعام ـ 155]
العطاء المتجدّد للقرآن (1/210)
صفحة 211
إنّ المتفكّر في موضوعات القرآن بكلّ جدٍّ وإخلاصٍ، يمنح له مع كلّ معنى جديدٍ يصل إليه بعقله وبفهمه مصباح نورٍ ينير له خلاياه العقليّة، فتتّسع آفاق تفكيره، وتتجدّد قوّة عقله، فتزداد سعة معلوماته، خاصّةً وأنّ الله - عز وجل - قد أنزل هذه الآيات، وأحكم ارتباط بعضها ببعض، وكذلك جعل المعاني القرآنيّة تمدّ القارئ المتدبّر بحقٍّ كثيراً من وجوه الحقيقة التي لا يستطيع هذا المخلوق الضعيف المواهب والقصير الفهم أن يدركها بنفسه دون إرشادٍ وعونٍ من خالقه منزّل هذه الحقائق. وهو القائل - عز وجل -:
- {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} ... [البقرة ــ269]
فما عسى أن تفعل تلك الخلايا المخّية أمام هذه الآيات القرآنية التي تقدّم لها عالماً عجيباً مليئاً بالمعلومات التي تحتاجها لتنمو وتتطوّر ولتنطلق من المسار القرآني الذي أنزله ربّنا - عز وجل - تكريماً لهذا المخلوق ورأفةً ورحمةً به، ليصل به إلى الدرجات العالية من الإبداع والإنتاج التي لا يعلمها إلاّ خالقه.
فربّما تجد الآية الواحدة تعبّر عن معنى جديدٍ في كلّ موضع من مواضعها المتعدّدة التي وضعها الله - عز وجل - فيها، وإذا استعمل القارئ والمتدبّر للقرآن تفكيره جيّداً، فإنّه يفتح لعقله آفاقاً متعدّدةً للتفكير والعمل والاستنباط والاستنتاج، ممّا يكوّن فيه الملكة القويّة التي فطره الله - سبحانه وتعالى - عليها، وفي كلّ ذلك يجدّد نشاط وحيويّة وقوّة خلايا مخّه، مع كلّ زيادةٍ في العلم والفهم.
إنّ العلماء المختصّين في دراسة علوم القرآن ذكروا بأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل ارتباطاً وثيقاً في كلّ قولٍ قرآنيٍّ في القرآن كلّه. (1/211)
صفحة 212
وقد أنزله على هذا النحو لينمّي ويقوّي الملكات العقليّة لدى هذا المخلوق الذي أُنزله من أجله، لأنّه قد بيّن له فيه كلّ ما يهمّه ويخصّه فيما يتعلّق بخلق الكون ونظامه، وهذا النظام كلّه مرتبطٌ مع بعضه البعض، فكلّ شيءٍ فيه، وكلّ مخلوقٌ مرتبطٌ بالمجموعة التي يوجد فيها في الكون ما دام يكوّن عنصراً فيه، وكلّ عضوٍ يتأثّر بحالة العضو الآخر الذي يوجد معه بنفس المجموعة. ونستطيع أن نستدلّ على ذلك بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
«كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
وقد أنزّل الله - سبحانه وتعالى - هذا القرآن على هذا الارتباط بعضه ببعض من ناحيّةٍ، ومن ناحيّةٍ أخرى ربطه بآيات الكون كلّه، ومن ناحيّةٍ ثالثةٍ جعله مرتبطاً بالنفس الإنسانيّة ليقوم بتأثيره فيها كأحسن ما يكون، سواءً الروحيّة منها أو العقليّة، أو الجسميّة، أو العاطفيّة.
فما من حقيقةٍ يدعو إليها القرآن الكريم إلاّ وهي متحقّقةٌ في مبناه اللفظي الذي بنى عليه ربّنا كلامه، وفي البناء المعنوي الذي يقصده تعالى من كلّ آيةٍ أنزلها، واختار لها كلّ كلمةً اختياراً مناسباً ودقيقاً محكماً.
فالقرآن له خاصّية العطاء المتجدّد والمستمرّ، ويمكن أن يعطي في كلّ وقتٍ أو زمانٍ من أوقات أو أزمنة وجود هذا الإنسان في هذا الكون وجهاً من وجوه الحقيقة، فلكلّ حادثةٌ حكمٌ، ولكلّ مشكلةٍ حلٌّ، لأنّه آخر الكتب التي أنزلها ربّنا - عز وجل -، فهو يساير مراحل حياة البشريّة المستمرّة على هذه الأرض إلى يوم القيامة، وهذا يكون على حسب الرقيّ العقلي والتقدّم العلمي، وتغيّر الحياة، وتعدّد وسائل المعرفة التي تغيّر من وضعيّة تفكير الإنسان، وهذا التفكير لا يقوى إلاّ عندما تقوى فيه الخلايا المخّية، وتكون صالحة لتفكيرٍ عميقٍ وصوابٍ. (1/212)
صفحة 213
واعتمادا على هذه الحقائق نستطيع أن نحكم بأنّ القرآن قد أنزله الله - عز وجل - على هذا الإحكام العجيب، الغرض منه تنميّة وتطوير التفكير لدى هذا المخلوق، وهذا النمو المتواصل، لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بتغذيّة خلايا تلك القوى العقليّة بالغذاء الذهني القوي، وهو القرآن الكريم. قال الله - عز وجل -:
- {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ... [فصّلت ــ53]
وقد توصّل العلم الحديث إلى كثيرٍ من الحقائق التي ذكرها القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنةٍ، وذلك بفضل تنميّة وتطوّر التفكير البشري، وما زال هناك مجالٌ واسعٌ لم يتوصّل إليه هذا العلم، والله - سبحانه وتعالى - وحده يعلم متى سيصل إليها ويكتشفها، وكلّ شيءٍ عنده بمقدارٍ.
وآيات الله - سبحانه وتعالى - ليس لها نهايةٌ، وسيرشد الله - سبحانه وتعالى - العلماء في كلّ وقتٍ إلى اكتشافاتٍ تثبت للناس جميعاً أنّ هذا القرآن حقٌّ ومنزّلٌ من خالق هذا الكون، دون أدنى ريبٍ أو شكٍّ وأنّه كلامه، وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
- {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}
[فصّلت ـ 42] (1/213)
صفحة 214
إنّ هذا البحث والاستنتاج هو مهمّة الإنسان في الأرض بما زوّده ربّه - عز وجل - من تفكير وعقل وحوّاس للكشف عن هذه المعجزات بالتأمّل في ظواهر الكون، والتعرّف على آثاره وبديع صنعه وعظيم آياته، فهل يستطيع أحدٌ مهما بلغ من العلم أن يصل إلى اكتشاف كلّ الآيات المعجزة التي أنزلها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه، أو مجموعة من العلماء تعدّ بالآلاف أو الملايين، وهل نستطيع أن نحصي كم فهم العلماء من تلك الآيات إلى هذا الوقت بعد الاكتشافات الباهرة والمتعدّدة التي وصلوا إليها إلى حدّ الآن. والله - سبحانه وتعالى - يقول:
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ... [الإسراءـ88]
ولئن اجتمع علماء الإنس والجنّ على أن يكتشفوا خبايا ومعجزات آيات هذا القرآن لا يتوصّلون إلى اكتشافها، ولو كان بعضهم لبعضٍ معيناً.
وقراءة هذا الكتاب وتدبّره وفهمه واستخراج خباياه لا تكون إلاّ بالعقل، فإذا استعمل الإنسان تفكيره في فهم آياته ومعجزاته، فإنّه سيعينه للوصول إلى الآراء والأفكار الكامنة فيه، وبذلك يصحّح طريقة تفكيره إذا كانت غير صحيحةٍ، ويقوّيها إذا كانت غير قوّيةٍ، لأنّه ربّما كان يفكّر بطريقةٍ بسيطةٍ وعاديةٍ، فيدفعه كتاب ربّه - سبحانه وتعالى - إلى التفكير بطريقةٍ قوّيةٍ ومبدعةٍ، ومن أجل هذا كرّمه ربّه - عز وجل - بهذا العقل، وأنزل إليه القرآن الكريم تكريماً لهذا العقل.
إنّ قوّة تأثير هذا القرآن في العقل البشري هي من حيث ارتباطه المعجز في كلّ آية من آياته، وبين آياته كلّها من حيث مواضيعها المختلفة والمتعدّدة، وتركيبها وبلاغتها. (1/214)
صفحة 215
فهذا الترابط الذي جعله ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه يجدّد تفكير الإنسان ورؤيته إلى نفسه وإلى ما في هذا الكون من كلّ جوانبه، وهو يدعوه دائماً إلى التعمّق في التفكير باستعمال القوى التي وهبها له ربّه - عز وجل - بصفةٍ مستمرّةٍ ومتواصلةٍ دون انقطاعٍ.
فلئن اعتبر البشر أنّ الكلام الفني البليغ الذي ينسجونه هو غذاءٌ نافعٌ لخلايا المخّ، وهو سبب لقوّتها وتطوّرها، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزل إليهم هذا القرآن الكريم الذي سمّاه نوراً، لينيروا به خلايا مخّهم، وحكمةً ليحكموا بها أسلوبهم وتفكيرهم فيملأها طاقةً تعمّ كلّ تلك الخلايا، فتستمدّ منه النور اللازم لها، والذي يكفيها، فتصبح عبارةً عن مصابيح كهربائيّةٍ ينبعث منها أشعّةٌ من نورٍ، تضيء لصاحبها الطريق الذي يوصل إلى التفكير الواعي القويّ والمبدع.
إنّ كلّ آيةٍ بل كلّ كلمة في كلام ربّنا - سبحانه وتعالى - هي عبارةٌ عن قوّةٍ وهبها لخلايا عقولنا لتنمّيها وتقوّيها، فتجعلها تطلق الجديد من العلم والإبداع مع كلّ معنىً جديدٍ استفادته من تلك الآية، أو تلك الكلمة.
والدليل على ذلك التفاسير الكثيرة والمتعدّدة لكلام الله - عز وجل -، حيث إنّ كلّ مفسّرٍ يأتي بمعنىً جديدٍ لم يدركه المفسّر الآخر، أو ربّما عدّة معاني، وكلّ واحدٍ منهم قد اختص في مجالٍ من المجالات التي تضمّنها كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وهذه هي الأنوار التي يحملها كتاب ربّنا القرآن الكريم، وهو نورٌ على نورٍ. (1/215)
صفحة 216
وعلى كثرة ما ألّف العلماء وكتبوه في مجال خدمة كتاب الله - عز وجل - يبقى القرآن الكريم زاخراً بالعجائب، مملوءاً بالمعجزات، يطالعنا من حينٍ لآخر بما يبهر العقول، ويحيّر الألباب بما فيه من الإشراقات الإلهيّة والنفحات النورانيّة التي تزيد هذه القوى العقليّة والفكريّة لدى العلماء قوّةً ونموّاً، ليستخرجوا مكنوناته ودرره، ومع ذلك فلا يزالون يقفون على ساحله، يرتشفون من معينه الصافي رشفاتٍ صغيرةٍ، ولا يرتوون.
إنّه الكتاب المعجز الذي سيظلّ يمنح الإنسانيّة من علومه وأسراره وحكمه ما يزيدها قوّةً في عقلها وإبداعاً في تفكيرها، خاصّةً في هذا العصر الذي تبحّر العلماء في اكتشاف إعجازاته المتنوّعة في كلّ الاختصاصات.
فكلّ مفسّرٍ ينكشف له نورٌ جديدٌ، وهذا يبيّن جيّداً لأصحاب هذا الكتاب وهم المسلمون أنّ الانقطاع عن تدبّره وفهمه، يكون بسبب الجهل الأعمى، أو اقتناع الناس بأنفسهم بأنّهم قد عرفوا واطّلعوا على كلّ شيءٍ، وبسبب انغلاق النفوس البشريّة على ذواتها، وتكبّرها وغرورها بما عندها من العلم.
- {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}
[غافر ـ 83]
لقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - هذا القرآن على هذه الكيفيّة المعجزة من الترابط فيما بين آياته جميعاً ليقوم بدوره في ترقيّة وتقويّة ذاكرة كلّ من يتعامل معه معاملةً صادقةً، معاملةً منسجمةً، ومعاملةً مدروسةً وموجّهةً، وبهذا ينسجم مع كلام ربّه انسجاماً حقيقيّاً وصحيحاً، ممّا يحقّق له الانسجام مع الكون بأكمله، هذا الكون الكبير الذي خلقه ربّنا - عز وجل -، وأنزل هذا الكتاب وضمّنه كلّ ما يدلّ على مكوّناته، حتّى يصبح من يتدبّره، ويفهمه هو سيّد الكون كلّه، ومسيطر عليه. (1/216)
صفحة 217
فالعاقل عندما يقرأ كلّ آيةٍ من كلام ربّه، ويتدبّرها جيّداً، ويعيد قراءتها، ويفكّر فيها تفكيراً عميقاً، يتيقّن علم اليقين أنّ ربّه سيريه آياته المتعدّدة في الآفاق، وفي نفسه، ومن بينها أنّه يكتشف تلك القدرة التفكيريّة الخارقة والعجيبة التي وهبها له، وهو لا يخلف وعده، فما عليه إلاّ أن يُعمل عقله، ويطوّر تفكيره ويقوّيه عند قراءة كلام ربّه - عز وجل -، حتّى يستطيع أن يطّلع على هذه الآيات التي وعده ربّه أنّه سيريها له في نفسه، وفي الآفاق، ثمّ ينبعث إلى البحث والدراسة المعمّقة، فيكون ذلك سبباً لتقدّمه في مختلف العلوم والبحوث فيصل إلى معرفتها الواحدة تلو الأخرى، وبهذه الطريقة تقوى ذاكرته، ويقوى عقله.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ... [الجاثية ــ 12ــ13]
فعند هذه الآيات يتوقّف كلّ قارئ، فيتدبّرها بعمقٍ وبحقٍّ، ويتساءل يا ترى كيف سخّر له هذه المخلوقات لينتفع بها، هل خلقها مهيّأةً مستعدّةً ليستغلّها ويستفيد منها دون عملٍ أو بحثٍ، أم لا بدّ عليه أن يقوم بمجهودٍ متواصلٍ، كي يصل إلى هذا الهدف الذي أخبر عنه ربّه - عز وجل -.
ومن جهةٍ أخرى ما دام يؤمن ويعلم أنّ لكلّ شيءٍ سبباً، فيشغل ذهنه وفكره ليتوصّل إلى هذه الكيفيّة، وبهذا العمل والبحث المتواصل تقوى ذاكرته ويتطوّر تفكيره، ويزيد عقله تقدّماً، ويصبح مبدعاً في أعماله وإنجازاته، فيصل إلى تسخير تلك الأشياء التي جعلها ربّه - عز وجل - في متناول يده. (1/217)
صفحة 218
إنّ هذا القرآن الكريم يجعل الإنسان يتجانس مع وسطه الذي يعيش فيه، فيحقّق بذلك حياةً راقيّةً سعيدةً طيّبةً، ويبيّن له أنّ قانون البقاء يكون للأصلح وللأقدر على التكيّف مع الوسط البشري الذي يعيش فيه.
وهاتان الصفتان ــ التجانس مع الوسط والبقاء للأصلح ــ تدفعان الإنسان دفعاً قويّاً إلى استعمال قواه الفكريّة حتّى يحقّق مثل هذه الأهداف، لأنّه يدرك أنّهما لا تتحقّقان إلاّ بالعلم والتقدّم في مجال حياته.
والقرآن الكريم يقدّر مسؤوليّة الإنسان عن حواسه وعقله، ويأمره باستخدامها واستعمالها في البحث عن المعرفة، وينهى عن الغفلة، ويحارب الجمود على الآراء الخاطئة، بل يرشده إلى التطوّر والإبداع في كلّ المجالات سواءً الاجتماعيّة، أو الاقتصاديّة، أو الثقافيّة، وذلك لأنّ الله - سبحانه وتعالى - يعلم أنّ هذه الحياة هي بطبيعتها في تبدّلٍ دائمٍ وتطوّرٍ مستمرٍّ.
والحواس كما نعلم جميعاً هي وسائل للتعلّم وتوصيل المعرفة إلى القوى العقليّة، فلذلك يرشد العلماء جميع من يريد أن يتعلّم جيّداً، ويزداد من الثقافة، وينمي قواه العقليّة أن يحافظ جيّداً على هذه الحواس، حتّى تؤدّي دورها وعملها بكلّ قوّةٍ، وبأداءٍ كاملٍ.
والقرآن من جهة أخرى يحارب الظنّ السيّئ، ويأمر باجتنابه، وبالبحث عن الحقيقة والتثّبت في الأخبار. قال - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}
[الحجرات ــ 12]
وكلّ هذا إرشاد لإعمال الفكر بكلّ ثباتٍ وثقةٍ، والنظر جيّداً في العواقب، وهذا لا يتأتّى إلاّ لمن كان شأنه تشغيل قواه العقليّة دائما وبدون انقطاع. (1/218)
صفحة 219
وهو يدعو إلى تأسيس الأحكام والقرارات في الحياة الواقعيّة وبنائها على الدليل العقلي الذي لا يقبل النقض، ولا يتطرّق إليه نقصٌ، وبواسطة ذلك يدعو إلى اتّباع منهجٍ علميٍّ مؤسّسٍ على أخلاقٍ علميّةٍ، مستخرجةٍ من إعمال القوى العقليّة والفكريّة بصفةٍ إيجابيّةٍ وقويّةٍ.
إنّ الله - عز وجل - هو خالق هذا العقل، وهو يعلم كيف يعمل وينمو ويتطوّر، فأنزل إليه هذا الكتاب السماويّ ليرشده إلى الطريقة المثلى التي تبعث فيه النشاط والعمل.
وإنّ عدم استعمال هذه الطاقة العقليّة الفكريّة يؤدّي إلى جمودٍ في التفكير، وتحجّر في الآراء، والقرآن يحارب هذا الجمود بأسلوبه الذي أنزله ربّنا عليه، لأنّه يرشد إلى التفكير في كلّ المجالات، والمخلوقات التي خلقها، وفي النفس الإنسانيّة نفسها، وما جاء فيه من قصصٍ متنوّعةٍ، وغير ذلك كثير من الأساليب التي تطوّر الفكر وتجعله مبدعاً.
والجمود في التفكير يؤدّي إلى ضعف انسياب الأفكار القيّمة المفيدة، التي تعين على الإبداع والتنوّع والتجدّد، وهذا التصلّب ينتج عنه الملل، ويوصل إلى التوتّر والإمساك عن التفكير، وهذا هو السبب الكبير الذي ترك الناس عصبيّين متنرفزين.
وحفظ القرآن والمداومة على تلاوته وتدبّره يعدّ تدريباً وتمريناً لعضلاتنا العقليّة، ليحفظ لها قوّتها وحيويّتها، حتّى لا تترهّل ولا تفشل، فتصل إلى درجةٍ لا تستطيع معها أن تقوم بأيّ عملٍ إبداعيٍّ.
وهو يعيننا ويهدينا إلى استخدام العقل بشكلٍ جيّدٍ، وفي أمورٍ وأفكارٍ راقيّةٍ تعود بالفائدة على صاحبه، وفي الأخير يمكنه الوصول إلى تفكيرٍ مرنٍ وقويٍّ متناسقٍ.
- {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ}
[الأعراف ـ 185]
القرآن يطيل العمر الذهني (1/219)
صفحة 220
القرآن يعدّ طاقةً مادّيةً في تعبيره وروحيّةً في مضمونه، أنزلها الله - عز وجل - لتضمن لعضلات المخّ تدريباً مستمرّاً لمن يداوم على تلاوته وتدبّره، بإرشادٍ وإشرافٍ من منتج هذه الطاقة وخالق هذا المخّ، بحيث تتدرّب كلّ عضلة بالموضوع الملائم لها، وذلك بما يشتمل عليه من المواضيع المتعدّدة المختلفة المتنوّعة، وهو ليس مثل الأساليب الأخرى البشريّة التي لا توفّر لكلّ عضلات المخّ تدريبها، وذلك مهما أبدعت في تأليفها وأساليبها.
وقد توصّل علماء النفس إلى وجهة النظر التي تقرّر أنّنا جميعاً لدينا القدرة على العيش حتّى 100 سنة، وقد وضع المختصّون بعلم الأحياء الآن الحدّ الأقصى لحياة الإنسان أنّه ربّما يصل إلى 125عام، وذلك مع لزوم الإشارة إلى حديث رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - الذي يقرّر فيه بأنّ عمر أمّته ما بين الستّين والسبعين، واتّفق أغلبيّة العلماء بأنّ الأشخاص الذين يتّسمون بالنشاط البدني والعقلي، ويتّسمون بالرضا والسعادة والتفاؤل والابتسامة والسرور، لديهم أفضل الفرص للبقاء في الحياة حتّى 100عام.
وحفظ القرآن الكريم حفظاً جيّداً، وتلاوته يضمن للخلايا المخّيّة نشاطها وحيويّتها، فتبقى نشيطةً طول العمر الذي يقضيه المحافظ عليه في هذه الحياة، فنستطيع أن نعتبره غذاءً ذهنيّاً مفيداً للذاكرة، وتدريبات التكيّف الذهني، كما أنّه يحدّ من الضغوط النفسيّة التي تعدّ سبباً للشيخوخة الفكريّة والجسديّة، وهو يحتوي على أساليب تساعد على شحذ الذاكرة. (1/220)
صفحة 221
وقد توصّلت الكثير من الدراسات المستفيضة أنّ خطر الإصابة بمرض ألزهايمر وشيخوخة الدماغ، وهو أقسى مرضٍ يمكن أن يلحق بدماغ الإنسان، يتراجع لدى الأشخاص المثقّفين مقارنة بنظائرهم الخاملين ذهنيّا، والنشاط الذهني يمكن أن يتّخذ أشكالاً عدّةً مثل القراءة، وقد وجدت بعض الدراسات أنّ الشخص الذين يشغل وظيفةً تفرض عليه إنجاز أعمالٍ ذهنيّةٍ، يكون أقلّ عرضة لتدهور الذاكرة مع التقدّم في السنّ، مقارنة بأقرانه من نفس الفئة العمريّة ممّن يشغلون أعمالاً أقلّ تطلّباً لتلك المهارات الذهنيّة.
فإذا كانت هذه النشاطات الذهنيّة العاديّة التي هي من إنشاء البشر، تحفظ خلايا المخّ من الشيخوخة، فلا تصاب بالمرض الذي يصيب كبار السنّ، فكيف به إذا كان هذا النشاط بقراءة كتاب الله - سبحانه وتعالى - وتلاوته وتدبّره، كتابٌ مباركٌ، يجلب البركة إلى تلك الخلايا التي تتعامل معه، فلا تفقد قوّتها وحيويّتها، كتابٌ ضمن الله - عز وجل - حفظه، ومن أنواع حفظه أن يحفظ الوعاء الذي يحمله، فإذا كان هذا الوعاء هو تلك الخلايا الذهنيّة، فسيضمن لها خالقها ومنشئها نشاطها وحيويّتها طوال المدّة التي تتعامل معه، ولو كانت إلى عمرٍ متأخّرٍ.
ولقد أجرى الدكتور {جو فرجيز} ومساعدوه في كليّة طبّ جامعة "ألبرت أينشتين" في نيويورك استجواباً لِ 469 من الراشدين سألهم عن حجم مشاركتهم في أنشطةٍ ذهنيّةٍ، وعلى مدى عدّة سنواتٍ، ظلّ فريق البحث يتتبّع كلّ من أصيب بتراجعٍ بسيطٍ في الذاكرة، أو خبلٍ عقليٍّ كاملٍ، وتوصّلوا من خلال الدراسة إلى أنّ أصحاب الذهن النشط قد حقّقوا تراجعاً وصل إلى 63% أقلّ في نسبة الإصابة بالخبل من أقرانهم الخاملين الذين نادراً ما كانوا يقرؤون، أو يمارسون النشاطات الذهنيّة. (1/221)
صفحة 222
ولقد ثبت من خلال البحث أنّ الشخص الأكثر نشاطاً ذهنيّاً قد حقّق أعلى قدرٍ من الحماية لعقله، وذلك من خلال ممارسته على الأقلّ أربع حصصٍ من التمرين الذهني في الأسبوع، وهذا ما حقّق تراجعاً وصل إلى 47%، بينما الشخص الذي يدرّب عقله يوميّاً، قد حقّق تراجعاً أكثر من كلّ ذلك في الإصابة بالخبل.
والمسلم مأمورٌ بتلاوة القرآن الكريم يوميّاً، وليس لبعض أيّامٍ في الأسبوع، بل عليه أن يقرأه عدّة مرّاتٍ في اليوم، فإذا واظب على تلك التلاوة، فإنّه سيوفّر لعقله نشاطاً ذهنيّاً راقيّاً يحقّق به التمارين التي تحتاجه خلايا مخّه، كي لا تفقد حيويّتها ونشاطها، وتحفظ قوّتها إلى سنٍّ متأخّرةٍ.
فعن أبي ذرّ ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال:
«عليك بتقوى الله، فإنّه رأس الأمر كلّه، قلت: يا رسول الله زدني، قال:
عليك بتلاوة القرآن، فإنّه نورٌ لك في الأرض، وذخرٌ لك في السماء». (1)
وعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلاّ في اثنين، رجلٌ علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، فسمعه جارٌ له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجلٌ آتاه الله مالاً، فهو يهلكه في الحقّ، فقال رجلٌ: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلانٌ، فعملت مثل ما يعمل». (2)
وعن عائشة ـ - رضي الله عنه - ـ قالت: «القرآن أكرم من أن يزيل عقول الرجال».
وعن ابن عبّاسٍ قال: «من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر» وذلك قوله - سبحانه وتعالى -:
- {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ... [التين ـ 5ـ6]
قال: الذين قرؤوا القرآن.
__________
(1) أخرجه ابن حبّان.
(2) أخرجه البخاري. (1/222)
صفحة 223
ويحكى أنّ رجلا صالحا ذهب إلى المدينة المنوّرة ليجاور النبيء - صلى الله عليه وسلم -، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام وقال له: إنّ عملك في بلدك خيرٌ لك من مجاورتي، إذا جاورتني تسعد، ولا ترقى، وتوقف عملك، فعاد إلى بلده، وأسّس مدرسةً قرآنيّةً، وعلّم فيها أكثر من ستّين عاماً، حتّى كان يقول لبعض تلاميذه:
يا بنيّ كان أبوك تلميذي، وكان جدّك تلميذي، وعاش ستّةً وتسعين عاماً بقامةٍ منتصبةٍ، وبصرٍ حادٍّ وسمعٍ مرهفٍ، وأسنانٍ منتظمةٍ، وقوّةٍ ونشاطٍ في الجسد، وفي العقل، وخفّةٍ في الروح، وكلّ ذلك بسبب محافظته على كلام ربّه وتعليمه، ونشاطه الذهني.
وتشير دراساتٌ متعدّدةٌ أخرى إلى أنّ النشاط الذهني في وقتٍ مبكرٍّ من عمر الإنسان يعمل هو الآخر على حماية عقله، فقد وجد العلماء في جامعة "كيس وسترن" أنّ معدّل الإصابة بمرض ألزهايمر كان أقل ثلاث مرّاتٍ لدى الأشخاص النشيطين ذهنيّاً مقارنة بالأشخاص الخاملين.
ولأجل ذلك ننصح الأولياء أن يدرّبوا الأولاد على تلاوة كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وذلك بتحبيبه إليهم، فيداوموا على قراءته في مختلف مراحل سنين عمرهم، حتّى يوفّر لهم حماية خلايا مخّهم من كثيرٍ من الأمراض التي تصيبها.
ويعتقد الخبراء أنّ أحد الأسباب التي تكمن وراء انخفاض معدّل الإصابة بالخبل نتيجة النشاط الذهني هو أنّ الشخص يعمل من خلال هذه الأنشطة على تنميّة المخزون الإدراكي ممّا يساعد خلايا المخّ على تحمّل ومواجهة الأضرار التي قد تصيبها. (1/223)
صفحة 224
وقد أثبتت البحوث أنّ التعلّم المستمرّ والنشاط الذهني المتواصل يحميان العقل، حيث تشير هذه الدراسات إلى أنّه كلّما زاد معدّل الذكاء والتعلّم واستخدام العقل، زادت قوّة تحمّل الخلايا وقوّتها في استيعاب المعلومات، وقوّة اتّصال الأعصاب التي تربط بينها، واختلفت الطريقة التي يستخدم بها الشخص عقله عن الشخص الذي لا يملك هذه المزايا، وهذا ما يفسّر سرّ قدرة النشاط الذهني على حماية العقل من الإصابة من مرض الخبل.
ولذلك أُمر الإنسان أن يطلب العلم من المهد إلى اللحد. وقال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ... [طه ـ 114]
ويقول الشيخ الدكتور محمّد راتب النابلسي: زرت عالماً عمره خمس وثمانون سنة لا يزال قويّاً، في أكمل عقله، يذهب إلى عمله كلّ يوم، وله عملٌ رسميٌّ يعمل فيه ويؤدّيه كأحسن ما يكون، وهناك بعض العلماء في مصر عاش مائة وثلاثين سنة، ويتمتّع بأعلى درجات الصحّة.
ومن داوم على حفظ القرآن وتلاوته وتدبّره عاش قويّ العقل، حاضر الذهن، ويمتّعه الله - سبحانه وتعالى - بعقله حتّى يموت ولو عاش إلى أرذل العمر.
ويقول الأطبّاء أنّ المريض إذا أصيب بضيقٍ في شرايين الدماغ، فيجب على حوله أن يكثروا من الكلام معه، كي يفكّر، فإذا فكّر توسّعت الشرايين، وتغذّى الدماغ، أمّا المداوم على تلاوة القرآن والمصلّي يحدث معهما نشاطٌ ذهنيٌّ من التفكير في أوقات الصلاة، والانتباه للمحافظة على الطهارة، والتركيز لإتمام الصلاة بشروطها وفروضها وسننها، فقلّما نجد إنساناً مصلّياً ومن المكثرين لقراءة القرآن يصل إلى درجة الخرف. (1/224)
صفحة 225
إنّ النشاط الذهني وتدريباته لا تحافظ على صحّة خلايا العقل فقط، وإنّما قد تساعد على تنميّة هذه الخلايا أيضاً، كما تشير الأبحاث الجديدة إلى أنّ العقل يملك كذلك القدرة على تجديد الروابط التي تصل بين خلاياه، وتشكيل خلايا جديدةٍ وهو ما يطلق عليه اسم [توالد الخلايا العصبيّة Neurogenesis]، وهو ما كان ينظر إليه بوصفه مستحيلاً على مدى العقود القليلة الماضيّة.
ولقد توصّل الدكتوران جيج وويليام جرينوف في جامعة "إيلينوي" إلى أنّ الحقيقة المهمّة، وهي أنّ توالد الخلايا العصبيّة يمكن أن يكون أحد الجوانب المهمّة للمداومة على الأنشطة الذهنيّة في السنّ المبكّرة، وأنّ المحافظة على الذاكرة إلى سنٍّ متأخرةٍ يكون بالمداومة على تلك الأنشطة في مختلف مراحل العمر، وهذا كلّه مرتبطٌ بزيادة الروابط التي تصل الخلايا العقليّة ببعضها البعض في مراكز الذاكرة بالمخّ.
وإذا كانت هذه النشاطات الذهنيّة تقوم بالمحافظة على الخلايا العقليّة، فنرشد المسلمين على أن يداوموا على تلاوة كتاب الله - سبحانه وتعالى - ليكون لهم سببا لحماية خلاياهم المخّية، والمحافظة على ذاكرتهم في مختلف مراحل العمر، وينالوا نتيجةً لذلك أجراً عظيماً، ويكون لهم هاديّاً إلى الطريق المستقيم، كما يكون لهم شفاءً لكلّ ما يصاب به الإنسان العصريّ من مختلف الأمراض النفسيّة التي تسبّب الضغوطات التي تدمّر خلايا المخّ.
فإذا أراد الإنسان أن يحفظ ذاكرته في حالةٍ جيّدةٍ، فعليه أن لا يتركها تخمد، أو تفشل، وعليه بكتاب الله - عز وجل - ففيه نشاطٌ دماغيٌّ دائمٌ.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّم القرآن الكريم، متّعه الله - سبحانه وتعالى - بعقله حتّى يموت» (1/225)
صفحة 226
وربّما أعطي أنا تفسيراً آخر لهذه الظاهرة، وهو أنّ الشخص الذي يهتمّ بالنشاطات الذهنيّة مثل القراءة والمطالعة اليوميّة، وبالنسبة للمسلم قراءة القرآن الكريم، فإنّه سيشغل جزءاً كبيراً من وقته عن التفكير في مشاكل الحياة، لأنّه إذا لم يشغله بما يفيده، فإنّه سيشغله بالتفكير في ما يحبط نفسه من الخوف والشكّ والقلق، ممّا يسبّب له ضغوطاتٍ مدمّرةً، فتصاب الخلايا المخّية جرّاء ذلك.
فعن عبد الله بن مسعود ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«من قرأ حرفا من كتاب الله، فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرفٌ، ولام حرفٌ، وميم حرفٌ». (1)
وفي البحوث المتعدّدة والطويلة توصّل العلماء إلى أنّ العقل البشري يتكوّن من عضلاتٍ كثيرةٍ ومختلفةٍ، كما أنّ للجسد عضلاتٍ تتحكّم كلّ واحدةٍ منها في جزءٍ من حركة الجسد، وتزوّده بقدراتٍ مهمّةٍ تتعاون جميعها في توفيرها لهذا الجسد، كي يؤدّي وظائفه على أحسن وجهٍ.
وقد حدّدوا لكلّ عضلة عملها ومهارتها، وبيّنوا ما يخصّ كلّ واحدةٍ منها من الأسلوب الذي يليق لتدريبها وتمرينها، ولكن ليس معنى هذا أنّ كلّ عضلةٍ تختصّ بتلك المهارة وحدها دون غيرها، بل قد تشترك أكثر من عضلة في مهارةٍ واحدةٍ وأداءٍ عقليٍّ، وذلك تماماً مثل ما تتطلّبه بعض التمارين الرياضيّة البدنيّة إلى استعمال أكثر من عضلةٍ في نفس التمرين الرياضي.
وقد توصّلوا في أبحاثهم المتعدّدة إلى أنّ العقل البشري يتكوّن من ثلاثين عضلة:
1ــ عضلة اللغة. ... 16ــ عضلة الضدّ.
2ــ عضلة الحساب. ... 17ــ عضلة التفكير العكسي.
3ــ عضلة التتابع. ... 18ــ عضلة التحديد.
4ــ عضلة الربط. ... 19ــ عضلة الترتيب.
5ــ عضلة المنطق. ... 20ــ عضلة التذكّر.
6ــ عضلة التحليل. ... 21ــ عضلة الخيال.
7ــ عضلة التركيب. ... 22ــ عضلة الفنّ.
8ــ عضلة الإستنتاج. ... 23ــ عضلة الإلغاء.
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/226)
صفحة 227
9ــ عضلة الإستنباط. ... 24ــ عضلة التحكّم بالجسد.
10ــ عضلة التمييز. ... 25ــ عضلة التحكّم بالأعصاب.
11ــ عضلة التقييم. ... 26ــ عضلة الدقّة.
12ــ عضلة التعميم. ... 27ــ عضلة التعبيرالشفوي.
13ــ عضلة التفريق. ... 28ــ عضلة التصوير.
14ــ عضلة التشابه. ... 29ــ عضلة القدرات الإجتماعيّة.
15ــ عضلة الحدس. ... 30ــ عضلة التفكير الجانبي.
وإذا درسنا هذه المهارات في القرآن الكريم لوجدنا أنّه يتوفّر عليها كلّها، وذلك في مختلف أساليبه وتعابيره، وقد رأينا أنّ أسلوبه متنوّع تنوّعاً كبيراً، وقد قصد الله - عز وجل - بهذا التنوّع أن يوفّر لكلّ عضلةٍ ما يختصّ بها، وما يضمن لها تدريبها الذي تتقوّى به، وما يضمن لها تدريبها الذي يلزم لها لكي تؤدّى عملها كاملاً غير ناقصٍ، وذلك إذا ما حافظ وداوم صاحبها على النشاط الذهني اللازم لها.
تحفيظ القرآن للأولاد في سنٍّ مبكّرةٍ
لقد بحث العلماء كثيراً في كيفيّة تعليم الصغار كتاب الله - سبحانه وتعالى - تعليماً حسناً وبسرعةٍ حتّى يحفظوه حفظاً جيّداً في صغرهم، ما دامت قلوبهم وألسنتهم طاهرةً لم تدنّس بشيءٍ ممّا تدنّس به قلوب الكبار من الحسد والغشّ والبغض، وألسنتهم من الكلام القبيح من السبّ والشتم والتنابز بالألقاب.
ولكي يحفظ أحد القرآن الكريم فلا بدّ أن يكون قلبه ولسانه طاهرين، ولعلّ السرّ في حفظ الصغار بسرعة ورسوخ المعلومات يرجع إلى هذه الطهارة والنقاء، وفراغ ذهنهم من كثير من الأفكار التي تشغل عقول الكبار.
وقد ذكر بعض العلماء بأنّ الطفل يستطيع أن يبدأ حفظ كتاب ربّه - عز وجل - في سنّ الثالثة، فيبدأ بسورة العصر، ثمّ النصر، ثمّ الكوثر. (1/227)
صفحة 228
وقد أورد العلماء عدّة طرق لتحفيظ القرآن الكريم، ولكن لكي تكون ناجحة تؤتي أكلها، فلابدّ من النيّة الطيّبة الحسنة، والصبر على العمل والتلقّي، والمثابرة على المراجعة، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول: عن عبد الله بن عمر ـ - رضي الله عنه - ـأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنّما صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها، ذهبت.
وزاد مسلمٌ في روايةٍ أخرى: إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه». (1)
يقول الدكتور حريزي موسى في كتابه: أسرار الذاكرة في القرآن الكريم:
«إذا قلنا تجربة حفظ القرآن، فإنّنا نجد أنفسنا أمام علم النفس التعلّمي والتعليمي، أو سايكولوجيّة التعلّم ونظريّته، وأشكال التعليم اللفظي، وأمام كثيرٍ من فروع اللغة العربيّة، وأمام الذاكرة والنسيان، ومشكلة تعلّم المفاهيم، وأمام التفكير والعمليّات العقليّة جميعها».
ويقول في صفحة 186: «وإنّ أوّل طريقةٍ تعليميّةٍ يجدر بنا أن نشير إليها، هي الحادثة التاريخيّة الأولى في تاريخ التعليم، وفي تاريخ الإنسانيّة كلّها، وهي حادثة تعليم الله - عز وجل - آدم - عليه السلام - الأسماء كلّها، وهي الطريقة التي تضمّنت الطريقة الحواريّة، أو الأسلوب الحواري المثالي الأوّل والوارد في قوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ... [البقرة ـ 31]
__________
(1) أخرجه البخاري. (1/228)
صفحة 229
والمتخصّص في التربيّة والتعليم قد يستنبط من الآيات القرآنيّة التي أخبر فيها ربّنا - سبحانه وتعالى - أنّه علّم آدم - عليه السلام - الأسماء، وكيف حاور الملائكة وآدم، يستدلّ بأنّها تشتمل على طريقةٍ تعليميّةٍ إلهيّةٍ، يصطلح عليها في التربيّة بالطريقة الحواريّة، فهي موجودةٌ ومقرّرةٌ من طرف ربّ العزّة منذ خلق أوّل مخلوقٍ، وكلّ البشريّة تملك نفس المواهب والقدرات التي خلق بها أبونا آدم - عليه السلام -.
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ... [النساء ـ 1]
وإنّ كثيراً من الآيات القرآنيّة تحمل فحوى الحوار كأسلوبٍ للإقناع، وهو أسلوبٌ تربويٌّ يرشدنا إليه خالق هذه النفس، لأنّ ذلك يجري من دون إجبارٍ، أو قسرٍ، أو حقدٍ، أو اعتداءٍ، بل يجري باحترام الحريّات الفكريّة، مع ضبط قواعد السلوك الإيجابيّة والسلبيّة، وهذا ما يجب أن تضبطه الأمّ في طفلها، كي تقوّم السلوك السلبيّ، وتقوّي وتشجّع السلوك الإيجابيّ في نفسه، وهذا هو المقصود تماماً من التربيّة البشريّة، وجميع تصريفات كلمة الحوار: قال، ويقول، قل، المذكورة في القرآن الكريم، والتي هي أدواتٌ أساسيّةٌ للحوار، وتكوّن نسبةً كبيرةً للكلمات التي تتركّب منها الآيات القرآنيّة الكريمة، وهذا ممّا يدلّ على أنّ التركيب التعليمي، أو التربوي أساسه الحوار، ويتضمّن أحياناً كثيرةً قصصاً وعبراً مختلفةً». (1/229)
صفحة 230
ومن هذه القواعد كلّها نستنتج أنّ أفضل طريقةٍ لتعليم القرآن الكريم للولد، هي طريقة الحوار، لأنّه زيادةٌ لتعليمه الآيات والسور، فهو يتعلّم مع ذلك مهاراتٍ كثيرةً، وأفضلها وأحسنها كيفيّة التحاور مع من حوله من عناصر المجتمع، ونتيجةً لتعلّمه هذه المهارة يبتعد عن التحاور بجسده، أو بانفعالاته، كما يقرّر كثيرٌ من العلماء، بأنّ كثيراً ممّن يتحاور مع من حوله بالطريقة الجسديّة، لم يتعلّم طريقة الحوار بالأفكار.
وزيادة لتعلّمه مهارة الحوار والتحاور، يتعلّم مهارة تحمّل المسؤوليّة، ومهارة الاستقلاليّة، ومهارة تحقيق الهدف، ويتعرّف على فنّ التعامل مع غيره، ويلتحق بالمدرسة وهو مهيّأٌ للتحاور والمناقشة، إلى غير ذلك ممّا خفي على الإنسان الضعيف، ولا يعلمه إلاّ ربّ العزّة الذي نزّل هذا الكنز العظيم.
وفي كثيرٍ من الحضارات القديمة كانت طريقة التعلّم فيها تعتمد اعتماداً كلّيّاً على التلقين النظري، وطريقة الإملاء، ونقل النصوص.
وقد اختصر الدكتور حريزي موسى طرائق التعليم في:
1ــ الطريقة الحواريّة. ... 2ــ الطريقة التلقينيّة، أو الإلقائيّة. 3ــ طريقة الحفظ والاستظهار.
4ــ طريقة التقليد والتطبيق، أو التعلّم الذاتي.
وهذه الطريقة الأخيرة هي أضعف الطرق في الواقع، لأنّ التعلّم أغلبه معرفي تراكمي.
وما دامت مهارات الولد لا تزال في طريق تكوّنها ونموّها، فنستطيع أن نجمع الطريقة الأولى والثانيّة في تعليمه كتاب الله - سبحانه وتعالى -، لأنّ هذه الطريقة تمكّننا من معرفة نفسيّة الطفل وقدراته التي وهبها له ربّه - سبحانه وتعالى -، كما تمكّن المربّي المعلّم من اكتشاف أخطاء النطق والتلفّظ، فيصحّحها في حينها، قبل أن ترسخ في ذهن الطفل، فيصعب إصلاحها فيما بعد. (1/230)
صفحة 231
كما أثبتت الدراسات الكثيرة بأنّ طريقة التلقين وتسميع الكلمات للولد وهو في أوّل مراحل عمره، هي أنفع وأقوى تأثيراً لتثبيت الحفظ، وهي من جهةٍ أخرى رياضةٌ فكريّةٌ وروحيّةٌ، تقوّي مهارة التفكير، وتحبّب إليه عمليّة الحفظ والاستظهار، وتسهّلها عليه.
الغزالي وتعليم الولد القرآن الكريم
وهذا هو الإمام الغزالي يؤكّد على أنّ تعليم الولد منذ نعومة أظفاره يرتكز على ثلاث نقاطٍ هي: الحفظ، والفهم، والاستيعاب، وأن يلقى في روعه حبّ كتاب الله - عز وجل -، بمختلف الوسائل التي تحبّبه إليه، وأن يزرع فيه عدم حبّ المال حبّاً مستميتاً، وأن لا يبصق، ولا ينظّف أنفه أمام العامّة، ويتعلّم كيفيّة احترام وتوقير أبويه ومعلّميه وكلّ من هو أكبر منه سنّاً، ويتعلّم ويدرك قانون مخافة الله - عز وجل - والإحساس بالذنب عند الكذب والخيانة، وعدم التعالي على الآخرين، وأن يعامل الناس بما يحبّ أن يعاملوه به.
وله مبدأه في البحث عن المعرفة، وهو أنّه يعتمد على الجهد الشخصي في البحث، ممّا يترتّب عليه توثيق المعلومة عند طالبها، والتعليم في رأيه مثل الزراعة، فكما تحتاج البذرة إلى زارعٍ يعتني بها، وينمّيها، يحتاج الولد إلى معلّمٍ يرشده، ويعتني به، ويأخذ بيده، ويوجّهه إلى الصواب.
وأقول: بأنّه لا يمكن أن نجد مثل هذه الصفات الراقيّة في شخص آخر غير أمّ الولد التي تعطف عليه، وتعتني به عنايةً فائقةً، لا يستطيع أحدٌ آخر أن يمنحها له، ولأنّها مستعدّةٌ لتضحّي في سبيل تربيّته وتوجيهه بجهدها ووقتها وكلّ عزيزٍ لديها. (1/231)
صفحة 232
ويرى الغزالي أنّ المعرفة كامنةٌ في روح الإنسان كانغراس البذرة في التربة، وبالتعليم نجني ثمارها، وأنّ الولد هبةٌ من الله - سبحانه وتعالى - منحها للوالدين، فقلبه هو عنصرٌ ثمينٌ، وإذا قام الآباء، ومن ثمّ المعلّمون بإرشاده إلى طريق الصواب، فسوف يعيش سعيداً في الدنيا والآخرة، أمّا إذا قصّر الآباء في هذه الناحية، فستكون العاقبة وخيمةٌ على الولد وعلى المجتمع.
ويبيّن الغزالي مهام المعلّم ويقول:
1ــ أن يكون أباً لتلاميذه، وأن يعلّمهم ابتغاء وجه الله - سبحانه وتعالى -، وبذلك يبذل أقصى حهده.
2ــ أن يواجه تلاميذه بالحكمة والموعظة الحسنة.
3ــ التقليل من الاندفاع الزائد نحو سرعة التعليم.
4ــ مواكبة التطوّر في العمليّة التعليميّة.
5ــ عدم توجيه اللوم الزائد ممّا يجعل التلميذ عنيداً.
6ــ أن يكون مؤمناً برسالته نحو طلاّبه.
القرآن والتحضير المبكّر للدماغ
إنّ العقل هو أقوى سلاحٍ يمكن أن نمتلكه، فإمّا أن نستخدمه لصنع المعجزات، وإمّا نسمح له بتدميرنا، وقد سمح كثيرٌ من خلق الله - سبحانه وتعالى - في هذا الكون لعقولهم بتدميرهم، وهذا ما نراه في الواقع من انحرافٍ خطيرٍ في أخلاقهم، فدمّروا حياتهم، ودمّروا نفوسهم، وأضعفوا أجسامهم، وفكّكوا أسرهم ومجتمعهم، إلى غير ذلك من المخاطر التي تسلّطت عليهم، وما ذلك إلاّ نتيجةً لعدم تشغيل عقولهم في التفكير فيما ينفعهم، فانحرفوا إلى التفكير فيما يضرّهم.
وقد أنزل ربّنا إلينا هذا القرآن لكي ندرّب ونوجّه به عقولنا، لأنّ كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - يرشدنا إلى أن نتحصّل على معرفةٍ شاملةٍ، ويوفّر لنا كلّ المهارات الأساسيّة للتفكير الإيجابي، كما أنّه يبيّن ويوضّح لنا نقاط الضعف التي يجب أن نجتنبها حتّى لا نسقط فيما نحذر منه. (1/232)
صفحة 233
والقرآن الكريم بما يحتويه من مواضيع مختلفةٍ وأساليب متنوّعةٍ، يضمن لعقل الإنسان كلّ المهارات التي يحتاجها لينمو ويتطوّر، فهو يحتوي على مهارات الشقّ الأيمن، ومهارات الشقّ الأيسر.
وإنّ تعليم القرآن للأولاد في طفولتهم المبكّرة سيكون وسيلةً أساسيّةً لاكتشاف ما إذا كان هناك خللٌ في التكوين العقلي لديهم منذ السنوات الأولى، لأنّ كثيراً ما يظهر في بعض الأبناء مشكلةٌ، أو خللٌ في قواهم العقليّة، فيظنّ الأهل أنّ السبب يرجع إلى التكوين الخلقي للولد، في حين أنّهم عندما يعرضونه على الاخصّائي يتبيّن بأنّ سبب ذلك يكمن في الرؤية التربويّة لدى الأبوين.
ولكن الأولياء كثيراً ما لا يولون أهميّةً لوجود ذلك الخلل، لأنّهم يعتقدون بأنّه سيزول على مرّ السنين، وبزيادة عمر الولد، وخير علاجٍ لذلك هو تحفيظه كتاب الله - عز وجل - القرآن الكريم، لأنّه يفتح أمامه منافذ الاستكشاف الذاتيّة، ويكوّن لديه القدرة على الفهم والاستيعاب والاستنتاج، التي تساعده على اكتساب المهارات العقليّة، والتعلّم الذاتي، ومهارة التفكير العلمي، ومهارة الإبداع، ومهارة تحقيق الهدف، خاصّةً وأنّ ربّنا - عز وجل - قد أنزل السور الأولى قصيرةً ذات معنىً محدودٍ، يمكن للولد أن يحفظها بكلّ ثقةٍ وسهولةٍ.
وقد اتّفق جميع العلماء أنّ مرحلة تهيئة دماغ الولد، وتحضيره للحفظ يبدأ من مرحلة الحمل، ومن السنوات القليلة الأولى من حياته، ومن خلال كثيرٍ من المثيرات التي تتعامل بها الأمّ مع رضيعها، والتي لها القابليّة العظيمة لدى الولد، فتكوّن فيه حبّ البحث عن المعرفة.
وفي خلال الثمانيّة عشر شهراً الأولى ينمو دماغه بسرعةٍ قصوى لا يبلغها في مراحل لاحقةٍ، والتغيّر المبكّر في محيطه الأسري يمكن أن يغيّر مجرى تطوّر دماغه ونموّه، وسرعة استيعابه للمعلومة، أو عدم سرعته للقيام بذلك. (1/233)
صفحة 234
فكيف يكون يا ترى نموّ هذا الدماغ في هذه الفترة إذا كانت الأمّ تضع يدها عليه وتقرأ بعض آيات القرآن الكريم، وتطلب ربّها أن يحفظه، ويوفّقه ويفتح عليه من خزائن علمه، وذلك اقتداءً بالرسول - صلى الله عليه وسلم - حين دعا لابن عبّاس وهو صغيرٌ بدعائه المشهور:
«اللهمّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل».
وهذه الرقيّة التي تكون من الأمّ لها أثرها الروحي الفعّال، خاصّةً وهي في الحالة المناسبة للإجابة، وهي قريبةٌ من ربّها، بعدما خرجت من عدّة الوضع ومضاعفاته الخطيرة، وما عانته من آلام ومشاقّ الحمل، مع حبّها العميق الحقيقي لولدها، وأمنيّتها أن يصبح رجلاً صالحاً مستقيماً ذكيّا، وعالماً عبقريّاً، وموافقة دعائها مع حالة تلك النفس البريئة الملائكيّة القريبة من ربّها، والتي لم تقترف بعد أيّ إثمٍ يبعدها منه.
والأمّ الذكيّة التي تريد الذكاء والنجاح والتفوّق لولدها، تبدأ في العمل من تلك اللحظات التي تكون فيها حاملاً، فتخصّص وقتاً واسعاً لتلاوة القرآن الكريم، وبصوتٍ عالٍ، خاصّةً بعد الشهر الرابع من الحمل حيث يصبح الجنين حسّاساً لكلّ ما يقع حوله، ولما تباشره من أعمال، وهو لا يزال في بطنها، فيتأثّر بذلك تأثيراً إيجابيّاً، والكلام في هذا الموضوع يطول، لأنّ علماء النفس قد قاموا بدراساتٍ مهمّةٍ وطويلةٍ في هذا المجال، فتوصّلوا إلى نتائج لا شكّ فيها، بأنّ الجنين يتأثّر تأثيراً مباشراً بالحالة النفسيّة التي تكون فيها أمّه أثناء وجوده في بطنها.
وكلّ الأمّهات اللواتي يلاحظن أنفسهنّ وأجنّتهنّ أثناء الحمل يستطعن رواية حوادث كثيرةٍ تقع لهنّ، ويتأثّر بها أجنّتهنّ، وذلك مثل: تحرّك الجنين من صوت منبّه السيّارة، رفساتٌ قويّةٌ من الجنين أثناء سماع الأمّ لقطعةٍ موسيقيّةٍ، تحرّك مفاجئ للجنين عند استيقاظ الأمّ مذعورةً من نومها. (1/234)
صفحة 235
والتجارب قد أثبتت أنّ اختلاف معاملة الأمّهات أثناء الحمل، ينتج عنه اختلاف في تصرّفات الأولاد بعد الولادة.
فهذه أمٌّ تروي بأنّ ولدها إذا سمع الآذان سكن، ولم يتحرّك، وذلك من بداية الآذان إلى نهايته، لأنّها كانت مسلمةً حقيقيّةً تركّز مع الآذان تركيزاً كبيراً.
وهذه أخرى كان ولدها عندما يسمع قطعةً موسيقيّةً تعزف بآلة البيانو، يسكن ولا يتحرّك، وذلك لأنّها كانت تتدرّب على تلك القطعة بكثرةٍ عندما كانت حاملاً به في بطنها.
إنّ المؤيّدين لنظريّة التربيّة قبل الولادة يؤكّدون أنّه بالإمكان التأثير في الجنين إيجابيّاً، إذا شُغلت الأمّهات أثناء الحمل بأشياء إيجابيّةٍ مسرّةٍ، وحافظن على مزاجٍ متّزنٍ، وليس هناك شيءٌ إيجابيٌّ مثل كلام الله - سبحانه وتعالى -.
ومعدّل تكوّن الخلايا العصبيّة في دماغ الجنين أثناء الحمل تكون فيما بين الشهر الرابع والسابع، وتنمو الارتباطات في دماغه بسرعةٍ مذهلةٍ، وبخاصّةٍ في الأشهر الأربعة الأخيرة من الحمل.
وليس هناك شيءٌ في الوجود يستطيع أن يوفّر للأمّهات مثل هذا الجوّ الهادئ المطمئن أكثر، وأفضل من كتاب الله - عز وجل -، والذي يقول فيه منزّله - سبحانه وتعالى -:
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ... [الرعد:28]
وقراءة كتاب الله - عز وجل - ومداومة تلاوته من طرف الأمّ وهي حاملٌ، يبعث في نفسها الرضى والسعادة بما وهب لها ربّها - عز وجل - في بطنها، فيبعد الله - سبحانه وتعالى - عنها الخوف من آلام الوضع، وتلد دون تعبٍ، وترضى بالمولود سواءً كان ذكراً، أو أنثى، وكلّ ذلك ممّا يكوّن بين الأمّ ومولودها علاقةً حسنةً، ترافقهما طول مدّة الطفولة، وما بعد ذلك. (1/235)
صفحة 236
لقد ساد الاعتقاد على مدى آلاف السنين على أنّ تنسيق عمليّات التفكير يتمّ تبعاً لمبدأٍ بسيطٍ قائمٍ على الإضافة، بمعنى أنّنا في كلّ مرّة نضيف فيها معلومةً جديدةً، أو بياناً جديداً، أو فكرةً جديدةً إلى حسابنا العقلي، فإنّنا نضيف مفردةً واحدةً، أو بنداً واحداً فقط إلى مخزن العقل.
غير أنّه في النصف الثاني من القرن العشرين، اكتشف العلماء أنّ الأمر ليس كذلك، وأنّ العقل يعمل من خلال طريقة الحفز، وذلك بمعنى أنّ العقل هو عبارة عن آليّة ضرب قائمة على التكاثر، وليس هو أداة جمع.
ومن خلال البحث الذي قام به عالم الذاكرة سبري، ومن خلال العديد من الأمثلة مثل أحلام اليقظة، وغير ذلك من المصادر العديدة أكّد هذا العالم أنّ قدرة العقل البشري على توليد الأفكار لا نهائيّة (أي عقلك أنت أيّتها الأمّ وعقل ولدك).
والأمّ القديرة هي التي تتعامل مع ولدها بطريقةٍ تستطيع بواسطتها أن ترسّخ المعلومات بشكلٍ أعمق في ذهنه، وهناك طرقٌ كثيرةٌ قد ذكرها علماء الذاكرة، تستعمل لتشفير المعلومات الجديدة تشفيراً أحسن وأقوى، وذلك عندما يتمّ ربط تلك المعلومات بقدرٍ كبيرٍ من الخصائص والثراء، فبذلك تكوّن لدى الطفل تصوّراً بأنّه يستطيع أن يرسّخها في ذهنه بقوّةٍ، فتزهر تلك المعلومات لتكوّن له ذاكرةً قويّةً.
وعمليّة تزويد المعلومات التي نريد تعليمها للطفل بخصائص ثريّةٍ، تسمّى الارتباط، والارتباط هو عمليّةٌ تقوم فيها بإضافة تفاصيل وخصائص إلى المعلومات الجديدة، وبالارتباط تستطيع تشفير المعلومات عند مستوى أعمق، وعند مستويات متعدّدة في الذهن، وبذا تقوّي فيه إمكانيّة استدعائها بسهولةٍ واسترجاعها بسرعةٍ.
ومن الطرق التي نضيف بها التفاصيل والخصائص إلى المعلومات الجديدة هي أن نحاول استخدام الحواس الخمس كلّها، وفي تعليم كلام الله - عز وجل - نستطيع أن نستعمل ثلاث حواسّ، وهي النظر، والسمع، واللمس. (1/236)
صفحة 237
فبالسمع يسمع ما تلقّّن له أمّه من الآيات بصوتها الحنون الذي يعدّ نوعاً من الارتباط، وبعينه يتّبع ويصوّر شكل الكلمات في الكتاب، وحركاتها، وموضعها في الصفحة فوق تحت يمين يسار الصفحة، السورة التي قبلها، والتي بعدها، وبأصبعه يتّبع الكلمات والجمل.
كما نستطيع أن نزوّد المعلومة ونربطها بعمليّة التخيّل التي تعدّ نوعاً من الارتباط، وقد رأينا في هذا الكتاب أن القرآن الكريم ينمّي الخيال لدى الولد، وللأمّ أو المربّي أن يتدرّبا على استعمال هذه العمليّة، فإنّها مفيدةٌ كثيراً في ترسيخ وتشفير المعلومات.
وأظنّ أنّه لا توجد هناك عمليّة ارتباط تربط بها الأمّ المعلومات بشكلٍ أقوى في ذهن ولدها أحسن وأفضل من المعاملة الحسنة والطيّبة التي تعامله بها أثناء تلقينها آيات القرآن الكريم، وهي أن تجلسه في حجرها، أو بجانبها وتمسك معه الكتاب، وتتّبع الكلمات بأصبعها على الصفحة، مع ضمّها له، وتقبيله عند قراءته للآية قراءةً جيّدةً، مع ابتسامتها ومداعبتها له، وغير ذلك من المعاملة الحنونة التي تستطيع أن تعامله بها، خاصّةً وقد اكتشف العلماء بأنّ الابتسامة تلعب دوراً كبيراً في ترسيخ وتثبيت المعلومة في الذهن، وتقطع شوطاً طويلا في تعزيز عمل الذاكرة.
فعندما تربط الأمّ المعلومات التي تريد أن يحفظها ولدها برباطٍ عاطفيٍّ، فإنّها تزيد أكثر من قابليّة الذاكرة للحفظ والاستذكار من بعد ذلك، وهذا ما يجب على كلّ أمٍّ القيام به مع أبنائها، لأنّها إذا ما درّبتهم على هذه المهارة، فستصبح فيهم عادةً يتقنونها جيّداً، فيصبحون أذكياء بطريقةٍ سهلةٍ وعاديّةٍ. (1/237)
صفحة 238
ويجب على الأمّ أن تعلم جيّداً أنّ ذاكرة ولدها تستخدم أنظمةً مختلفةً ومتعدّدةً، وأنا أقول أنّ النظام الذي تعلّمه الأمّ لولدها، سيتقنه بعد ذلك في مختلف مراحل عمره، لأنّه كما رأينا من قبل أنّ الذاكرة هي كعضوٍ من أعضاء جسم الإنسان، فنحن نستطيع أن ندرّبها ونمرّنها لتصبح قويّةً، تماماً كما ندرّب أيّ عضوٍ آخر في الجسم.
يقول الفيلسوف يوهان:
«هناك حقيقةٌ مبدئيّةٌ واحدةٌ تتعلّق بكلّ أعمال المبادرة والإبداع، وهي أنّك في اللحظة التي تلتزم فيها التزاماً كلّياً، فإنّ العناية الإلهيّة ستهب لمساندتك».
وأنصح الأمّ العبقريّة التي تريد أن يصبح ولدها عبقريّاً أن تعلّمه وتلقّنه ما تريد منه أن يحفظ بشيءٍ من الحبّ والعاطفة، لأنّ المعلومات التي يتلقّاها بهذه الطريقة يتمّ احتواؤها ومعالجتها داخل المخّ بواسطة تركيباتٍ مختلفةٍ عن تلك التي يستخدمها المخّ في معالجة وتخزين البيانات الواقعيّة، كما أنّه تختزن بتشفيرها عند مستوى أعمق داخل الأنظمة المختلفة للذاكرة.
لقد توصّل العلماء إلى اكتشاف أنّ الذاكرة تتكوّن من طورين وهما:
1ــ التشفير: أو عمليّة أخذ المعلومات من البيئة عن طريق الحواس ـ وهذا من مهمّة الأمّ ـ ثمّ تنظيمها وتخزينها على هيئة رموزٍ داخليّةٍ.
2ــ الاسترجاع، أو الاستدعاء: وهو المقدرة على استدعاء هذه الرموز في وقتٍ لاحقٍ.
ومن هذا المنطلق نستطيع أن نعرّف الذاكرة بأنّها تصوّرٌ داخليٌّ لعالمنا الخارجي، وتشمل قدرتنا على الوصول إلى هذه المعلومات واستخدامها في وقتٍ لاحقٍ، فإذا كانت كذلك، فننصح الأمّ بأن تبني هذا العالم الخارجي على أساسٍ من الحبّ، كي يرسخ جيّداً في العالم الداخلي لولدها، لأنّه لا يوجد ولدٌ في العالم لا يحبّ أمّه، ولا يميل إلى ما تمليه عليه، ولا يتعامل بطريقةٍ حسنةٍ مع ما تعلّمه إيّاه.
والسؤال الذي نطرحه على كلّ أمٍّ. (1/238)
صفحة 239
ــ هل تريدين أيّتها الأمّ أن يؤدّي ولدك أعمالاً مذهلةً منفردةً جديرةً بالثناء؟
فكلّ أمٍّ تجيب بالإيجاب، وتتمنّى ذلك لولدها بكلّ إخلاصٍ، ورغبةٍ، وأنّ أمنيّتها الوحيدة في هذه الحياة أن ينجح، ويتفوّق حتّى يحيا حياةً سعيدةً مطمئنّةً، إذن فما عليها أن تدرّبه على ذلك بشيءٍ من التضحيّة، لأنّها ستستفيد هي كذلك بجزءٍ كبيرٍ من هذه التضحيّة وهذا التدريب له، فهي ستتعلّم كثيراً نتيجةً لتدريبه على ذلك.
تهيئة الولد للمدرسة بالقرآن
إنّ الأمّ في المنزل لا بدّ أن تعدّ ولدها للدراسة في المدرسة، وذلك باستعمال مختلف الوسائل التي تستطيع تدريبه بها، فعندما تهتمّ بتعليمه كتاب الله - عز وجل -، فإنّه يستمع إلى الكلمات التي تمليها عليه، وبذلك تجلب مختلف حواسّه، فتكوّن فيه ملكة الانتباه والتركيز حتّى يستوعب جيّداً ما يلقى إليه من الكلمات، خاصّةً إذا كانت قراءتها حسنةً، لأنّ قراءة كلمات بنغمةٍ جيّدةٍ يزيد قوّة في السمع، ورسوخاً في الذهن.
وإعادة الولد لما سمعه يكوّن فيه ملكة التعبير الحسن، لأنّها تدرّب اللسان على النطق، ويتعلّم مراعاة مخارج الحروف، وملكة الشجاعة والتي ستعينه عندما ينخرط في المدرسة، فيجد نفسه قد تدرّب جيّداً على المناقشة والحوار، ويصبح مستعدّاً لتطبيق ذلك داخل القسم الدراسي، وهذا له أهمّيته وتأثيره الحسن في الحفظ والمناقشة.
إنّ هناك مهاراتٍ متعدّدةً تستطيع الأمّ أن تكوّنها في ولدها بتلقينه بعض الآيات القرآنيّة، التي تتطلّب منه الاِنتباه الجيّد ليسمع جيّداً ما تلقيه إليه، والاستماع الجيّد يلعب دوراً كبيراً في التعلّم الحسن، وكذلك التركيز الكبير الذي يجب أن يتمتّع به، كي يسمع جيّداً ما يلقى إليه، ليحفظه عن ظهر قلب، ثمّ مهارة التعبير التي تتكوّن فيه كلّما طلبت منه الأمّ إعادة ما أملته عليه، بطريقةٍ حسنةٍ. (1/239)
صفحة 240
كما أنّ العلماء قد بيّنوا أنّ الطريقة المثاليّة لتعليم الولد القرآن الكريم قبل التحاقه بالمدرسة، هي طريقة التلقين الشفهي، وبالتكرار للكلمات، أو الآية، دون اعتماد على سندٍ بصريٍّ، وهذه الطريقة تنمّي ذكاءه وتحفّز قدراته، وقد وُجد أنّ أغلبيّة الأولاد لديهم قدرٌ متقاربٌ من الإمكانيّات والقدرات ومستوى الذكاء، ولكنّها تبقى تنتظر من يهتمّ بها، وينمّيها، ويحفّزها لتعمل بقوّة وتركيز، وقد نبّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأولياء إلى الاهتمام بهذه القدرات، وأعطاهم المادّة التي ينمّونها بها، وهي القرآن الكريم، أفضل كلامٍ على الإطلاق، وأحسن أسلوب.
- {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ... [الزمر ـ 28]
فإذا وجد الولد المحظوظ من يهتمّ بتنميّة قدراته، ويثيرها، فإنّه سيصبح طفلاً ذكيّاً متفوّقاً عبقريّاً، واعيّاً بأنّه يمتلك تلك القدرات، وتقوى فيه مهارة الملاحظة، ويتحصّل على مقدرةٍ معتبرةٍ على الفهم أكثر من الآخر الذي لم يجد تلك الوسائل والاهتمامات، ويسبق سنّه في الفهم والإدراك.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يرشدنا بهذا الحديث إلى وجود تلك القدرات والمهارات لدى الولد، والدليل على ذلك أنّه بإرشاده هذا يبيّن لنا ضمنيّاً بأنّ القدرات موجودةٌ لديه، فما علينا إلاّ أن نحافظ عليها وننمّيها ونرفع من نتائجها، لذلك بيّن لنا الكيفيّة التي نستطيع المحافظة عليها، ونحميها من أن تضعف لديه، وقد اكتشف العلماء بأنّ الولد الذي لم توفّر له مهاراتٌ تنميّة الذاكرة، فإنّها تضعف لديه، وحدّدوا بعض المهلكات التي تهلك وتضعف التفكير والإبداع لديه وهي موجودةٌ بكثرةٍ في محيطه. منها: (1/240)
صفحة 241
ــ تعرّض الولد للسخريّة، أو الإهانة ممّن حوله من عناصر الأسرة، وخاصّةً من أمّه، ولكن عندما تهتمّ الأمّ بتحفيظه بعض الآيات الصغيرة مع تشجيعه ومدحه بعد حفظ كلّ آيةٍ، أو سورةٍ، خاصّةً إذا قدّمنا له تحفيزاً بعد حفظ كلّ آيةٍ، أو سورةٍ، كما رأينا من قبل.
ــ فقدان السيطرة على نفسه، وعلى الأحداث، فيتصرّف من دون توازنٍ، ويقوم بأعمال غير هادفةٍ، ولكن إذا ما بدأنا بتحفيظه كتاب ربّه - عز وجل - القرآن الكريم، فإنّه سيشعر أنّه يقوم بعملٍ متوازنٍ، وأنّه مطالب بتحقيق هدفٍ، والذي يتمثّل في حفظ السورة كاملةً، وهذا ما سيأتينا في موضوع تحقيق الأهداف، ولعلّه من أجل هذا المطلب وضع الله - سبحانه وتعالى - السور التي يحفظها الولد في بداية عمره قصيرةً، لا تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ ووقتٍ طويلٍ لكي يحفظها، ثمّ تتدرّج شيئاً فشيئاً في الكبر.
ــ عندما يطلق على نفسه بعض العبارات التي تبعث فيه اليأس والقنوط، مثل: أنا لا أستطيع أن أعمل شيئاً، أنا لا أستطيع أن أنجح، وغيرها من العبارات التي يعيدها ويكرّرها، وبذلك تبعث فيه الفشل وتثبّطه عن العمل، ولكن إذا ما صبرنا معه حتّى يحفظ سورةً بعد أخرى، فإنّه سيشعر بشيءٍ من التفوّق، وأنّه يستطيع حفظ السورة بأكملها، ولو كانت قصيرةً، وشعوره هو الذي يملي عليه مثل ذلك، فيرسخ في عقله الباطن بأنّه إنسانٌ يستطيع أن يتفوّق.
إنّ تحقيق مثل هذه النجاحات من حفظ تلك السور القصيرة، يحقّق التوازن في نفس الولد، الأمر الذي يكوّن فيه سلوكاً تفاؤليّاً إيجابيّاً، فتتوازن داخل جسمه الهرمونات الكيميائيّة، ممّا يبني له نفساً مطمئنّةً متوازنةً، مقتنعةً بأنّها تستطيع تحقيق بعض الأهداف، فتتقدّم شيئاً فشيئاً في هذا الطريق، حتّى تصل إلى تحقيق الأهداف الكبيرة، وهذا هو المقصد الذي يجب أن يحقّقه كلّ مربًّ في نفس أولاده.
اليوم الأوّل للولد في المدرسة (1/241)
صفحة 242
إنّ اليوم الأوّل للولد في المدرسة يعني بالنسبة إليه يوم دخوله عالماً جديداً يقدّم له إثاراتٍ جديدةً غريبةً عنه، ولكن إذا كان قد اعتُني به في البيت، فإنّه لا يلبث أن يجد تلك الإثارات قريبةً ومشابهةً لما تعلّمه في البيت من طرف أمّه، ومن أفراد أسرته، مع شيءٍ بسيطٍ من الفرق وهو الرفقة التي يجدها في المدرسة مع تلاميذ جددٍ غرباء لم يكن قد التقى بهم من قبل، ولكن تلك التدريبات التي كان قد تلقّاها في البيت تجعله يتأقلم مع الوسط الجديد.
أمّا إذا لم يكن قد تلقّى مثل تلك التدريبات، فإنّه يصعب عليه جدّاً أن يتأقلم مع ذلك الوسط، والشيء الخطير الذي يؤثّر فيه تأثيراً سلبيّاً هو عندما لا يستطيع أن يتأقلم بالكليّة، فيبقى منعزلاً منفرداً لوحده، ممّا يكوّن فيه عقداً نفسيّةً، وربّما تكون سبباً لأن يكره المدرسة، خاصّةً إذا وقعت له بعض المشاكل مع بعض الزملاء، فيلقى صعوباتٍ كبيرةً في تأقلمه مع ذلك الوسط.
إنّه يكتشف السرور بالنجاح، والسرور بالتنافس مع أقرانه، إذا كانت أمّه قد هيّأته تهيئةً حسنةً، أمّا إذا لم تكن قد هيّأته لمثل هذه المواقف، فإنّه يجد نفسه لا يملك شيئاً يواجه به مثل تلك المنافسات، أو شيئاً يفتخر به أمام معلّمه، أو أقرانه، فلا يظهر تفاهماً حسناً مع إطار المدرسة، ومع أقرانه.
وبقدر ما يتلقّى الولد من معلوماتٍ عن الحياة من أبويه، بقدر ما يستطيع التأقلم مع الوسط الجديد الذي ينتقل إليه، لهذا يجب عليهما أن يوفّرا له بقدر استطاعتهما ما يضمن له ذلك التأقلم والتفاهم مع من سيلتقي بهم لأوّل مرّةٍ من معلّمين وتلاميذ، وبقدر ما نخفّف عنه الأزمات التي كان يظنّ أنّه سيلتقي بها في المدرسة، يستطيع أن يستوعب ذلك العالم الجديد الذي ينتقل إليه. (1/242)
صفحة 243
ينبغي لنا أن نعلّم الولد القراءة والمطالعة في كتب الأولاد في البيت، وكذلك الكتابة بعد ذلك، لأنّ هذه المهارات تعدّ شرطاً أساسيّاً في رفع مستواه الدراسي إلى درجةٍ جيّدةٍ عند التحاقه بالمدرسة، وتستطيع الأمّ تعليم ولدها ذلك من خلال تحفيظه بعض سور من القرآن، مع شرحٍ بسيطٍ لبعض معانيها.
والبيت يحتلّ المرتبة الأولى من بين المؤسّسات الاجتماعيّة الأكثر تأثيراً في الولد، وتكوين شخصيّته، وهو يعتزّ بكلّ ما تعلّمه فيه، خاصّةً وقد تعلّمه من أعزّ الناس وأحبّهم إليه، فهو النافذة الصادقة التي يطلّ منها على العالم، والمنبع الذي يستقي منه القيم، والذي يتعلّم منه نموذج السلوك، إذن فعلينا أن نجعل مصدر قيمه وسلوكه كتاب الله - عز وجل -.
والحفظ يعدّه العلماء كسلوك من السلوكات التي يتعلّمها الولد في حياته من توجيه غيره، وخاصّةً الأمّ التي يرى فيها المثل الأعلى ويقتدي بما تعملّه إيّاه، وكيفيّة تحفيظه له، لأنّها تُعدّ المصدر الأوّل لتكوين مهارة الحفظ والتذكّر لديه، وتنشأ بينه وبين المهارتين علاقةٌ يتكوّن على ضوئها شخصيّته العبقريّة.
إنّ الدراسات العديدة التي أجريت في هذا الاختصاص قد أثبتت أنّ أغلبيّة الأولاد الذين يشبّون بعيدين عن القراءة والاستذكار في صغرهم، يكبرون وهم عازفون كارهون لها.
إنّ للقراءة والحفظ دوراً هامّاً وتأثّيراً في الحياة المستقبليّة لأولادنا، والأسرة هي المسؤول الأوّل والمؤثّر الكبير في تعليمهم هذه الهواية، فالأولياء يستطيعون من خلالها تعليمهم القيم الاجتماعيّة، وترسيخ المبادئ الأساسيّة للحياة المعتدلة الحقيقيّة، وتكوين الاتّجاه الصحيح في الحياة، فيكبر ويكبر معهم ذلك التوجّه الذي اختاروه، فقراءة القرآن الكريم تضيف إلى عمر الإنسان عمراً آخر غير عمره الذي يعيشه في الواقع، لأنّها تجعله يتعلّم أشياء جديدةً، وتطلعه على عوالم غيبيّةٍ واسعةٍ وثريّةٍ، فتثري له خياله وتوسّعه. (1/243)
صفحة 244
وللولد حاجاتٌ نفسيّةٌ متعدّدةٌ يستطيع أدب الولد القرآني الإسلامي أن يسهم في توفيرها له، وإشباعه منها، فهي تعلّمه وتشبع نفسه من حبّ الآخرين والتآزر معهم في مواجهة مشاكل الحياة المختلفة، فقراءة القرآن الكريم تبعث في نفسه الإحساس بالطمأنينة والأمن، وأنّه ينتمي إلى مجتمعٍ فاضلٍ وبيئةٍ طاهرةٍ من خلال الآيات التي يقرؤنها، ويشعر أنّه مسؤلٌ على حفظها عن ظهر قلب، ممّا يعينه على تحقيق ذاته، وأنّ له ربّه الذي خلقه، فهو يرشده ويعينه ويوفّقه إلى ما فيه خيره، وهذا سيجعله قادرٌ على إنجاز أشياء وأشياء في هذه الحياة، ووثوق المرء بذاته، وتصوره لقدراته من الأمور الأساسيّة التي تحدّد له مسيرة حياته في المستقبل، وتبيّن له أسلوبه فيها.
وبحفظه لبعض الآيات والسور القصيرة، التي أنزلها ربّ العزّة على ذلك الأسلوب، وعلى ذلك القصر، يستطيع الولد أن يتعلّم نوعاً من الاستقلال بالنفس والاعتماد عليها، بعد أن كان يعتمد اعتماداً كليّاً على أمّه، أو على أحد أفراد عائلته، فعندما يبدأ التدرّب على القراءة ومتابعتها، يتعلّم بأنّ هناك عوالم أخرى واسعةً وكبيرةً، غير عالمه الصغير الذي يعيش فيه، وأنّ هناك عالماً غيبيّاً رفيعاً، يجب عليه أن يسعى قدر استطاعته لتحقيق درجةٍ ساميّةٍ فيه، فتضعف فيه صفة الأنانيّة والاعتماد على عالمه الصغير، الأسرة.
وبتوجيهه من أمّه الحنونة إلى حفظ كلام ربّه - عز وجل - والاهتمام به قبل التحاقه بالمدرسة، يتعلّم منذ صغره أن يترفّع عن الدنايا، ويحسّن تعامله مع الآخرين، وينزّه لسانه من السباب والشتائم والكلمات النابية القبيحة، ويتعلّم كيف يتحلّى بالأخلاق الراقيّة التي يصبح بها محترماً في محيطه، وبهذا يجلب لنفسه احترام معلّميه وأصدقائه داخل المدرسة، فيكون ذلك سبباً لمزاولته الدراسة بكلّ ثقةٍ واعتزازٍ وافتخارٍ. (1/244)
صفحة 245
وقراءة القرآن تدرّب الأولاد على القراءة والمطالعة، ممّا يشبع فيهم ملكة حبّ الإطّلاع، لأنّ هذه الملكة تكون قويّةً لديهم، فهم يحبّون التعرّف على كلّ شيءٍ تقع عليه أعينهم، أو تلتقطه آذانهم، وهي التي تشبع لهم حاجاتهم العقليّة، وذلك بميلهم الشديد إلى التعرّف على أشياء كثيرةٍ تحيط بهم، وهم يطرحون أسئلةً كثيرةً سيجدون الإجابة عليها في بعض الآيات القرآنيّة التي يقرؤونها ويحفظونها، لأنّها توفّر لهم كثيراً من الإجابات التي هم في حاجةٍ إلى معرفتها.
نموّ مخّ الولد بواسطة القرآن
إنّ أوّل النصائح التي تتلقّاها الأمّ بعد الولادة هي المحافظة محافظةً تامّةً على جمجمة الرضيع، لأنّها تكون ليّنةً مدّةً من الزمن بعد ولادته في الأيّام الأولى، كيلا تصاب بأذى يؤدّي إلى عطب الجهاز المركزي وفساده.
والجهاز العصبي عند الولد يكون غير تام النموّ، ثمّ يزداد شيئاً فشيئاً، ليكبر حجمه ويزيد وزنه، وتكثر تلافيفه، وخاصّةً حوالي السنة الثانية إلى السابعة من عمره، ويتمّ نموّه حوالي السنة الخامسة عشر تقريباً، ومن هنا تظهر أهمّية السنوات الأولى من الناحيّة التهذيبيّة والتعليميّة بالنسبة إليه.
ورقّي الجهاز العصبي ونموّه يتماشى مع نموّ الولد، ولكنّه لا يتمّ بتمامه، ولا يتوقّف بتوقّفه، وقوّة الذكاء ــ كما قال أحد العلماء ــ تنمو بسرعةٍ قبل الخامسة والعشرين، ثمّ تقلّ السرعة إلى سنّ الأربعين، ثمّ يتوقّف النموّ بعد ذلك على كيفيّة استعمال الدماغ، فقد تستمرّ الزيادة، وقد تتوقّف، وقد تتناقص إذا لم يستعمله صاحبه جيّداً.
والجهاز العصبي أثناء نموّه يستهلك طاقةً عظيمةً يستمدّها من الغذاء، ولا يكون قادراً على تحمّل الجهد، فهو يتعب بسرعةٍ لذا ينبغي الاعتناء بتغذيّة الولد وعدم إرهاقه بالأعمال العقليّة والجسميّة، والاستمرار على الاجتهاد والانتباه لمدّةٍ طويلةٍ، فإنّ ضرر ذلك فادحٌ، وربّما رافقه ذلك طول حياته. (1/245)
صفحة 246
والمخّ يتعب كما يتعب أيّ عضوٍ آخر في الجسم، فلا يجوز إنهاك قواه، وإجباره على إدخال معلوماتٍ كثيرةٍ، لاسيما التي لا يستسيغها، ولذلك نجد أبناء هذا العصر كلّهم متذمّرون بما يتلقّونه من معلوماتٍ كثيرةٍ لأنّ ذلك يؤثّر على قواهم العقليّة فتنهكها، وهذا ما يؤدّى بهم إلى الإعراض عن تلك المعلومات، وذلك بسبب سعة البرامج، وبسبب الرعب من الامتحانات.
وواضح أنّ الخلايا العصبيّة تتمتّع بقدراتٍ معقّدةٍ خارقةٍ وغامضةٍ، فخصائصها الفيزيولوجيّة، وأنشطتها المتباينة، وأنماط اتّصالها بعضها بالبعض الآخر، وأيضاً إفرازاتها الكيميائيّة، هي التي تقف وراء تفكيرنا وتصرّفاتنا وغرائزنا، وهي التي تشكّل عواطفنا وآلامنا وبهجتنا وخوفنا وجرأتنا، وهي التي تصوغ الأحلام والأماني، ومختلف الأحاسيس.
إنّ هذا العضو القابع في الجمجمة، والذي يضمّ الجرام الواحد منه أكثر من سبعين مليون خليّة عصبيّة، ومليون مليون تشابك هو عضوٌ ساكنٌ أساساً، فهو لا يتحرّك مثل عضلة القلب، أو الرئة، ومع ذلك فإنّه يستهلك ربع مقدار الأكسجين الذي يجري في الدم، وثلث الغذاء الذي يتناوله الإنسان.
والأمّ هي المسؤولة عن تنميّة تلك القوّة العقليّة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لولدها لأنّه في خلال 18 شهراً الأولى ينمو دماغه بسرعةٍ قصوى، لا يبلغها في مراحل عمره اللاحقة، والتغيّر المبكّر في محيط الأسرة يمكن أن يغيّر مجرى تطوّره.
وربّما تنمو بشكلٍ أفضل وجيّدٍ من أثر ضمّة الأمّ، أو لمسة تلمسه بها.
ولدراسة أهميّة المحيط الثريّ بالمؤثّرات على تنميّة وتطوير خلايا المخّ لدى الولد أجرى العلماء تجربةً على الفئران، أقرب الحيوانات تركيباً إلى الإنسان، فقسموهم إلى مجموعتين: (1/246)
صفحة 247
الأولى وُضعت في وسطٍ ثريٍّ عقليّاً، يشتمل على الكثير من المثيرات والأدوات، وحظيت بالحنان والرعاية، أمّا المجموعة الثانية وضعت في وسطٍ محرومٍ من مثل تلك المثيرات، وغذّيت المجموعتين بنفس نوعيّة الغذاء.
وبعد حوالي ثلاثة أشهرٍ تمّ عمليّة التشريح والتحليل، وكانت النتائج مذهلة، بحيث وجد أنّ مخّ مجموعة الأكثر إثراءً أثقل وزناً، ولحاؤها أكثر سمكاً، وقد أخذ نصيباً أكبر من الدم، وخلايا المخّ عندها أكبر حجماً، وقد افترضوا أنّ السبب في كلّ ذلك أنّها تختزن معلوماتٍ وذكرياتٍ أكثر.
ومن هنا تبيّن للعلماء بأنّ إعداد بيئةٍ ثريّةٍ بالمؤثّرات في بداية نموّ الولد، يؤدّي إلى إحداث تغيّراتٍ في المخّ تبقى أمداً طويلاً.
وتستطيع الأمّ أن تكوّن مثل هذا الجوّ الثريّ بمختلف المؤثّرات وذلك بأن تعتني بتحفيظ القرآن الكريم لولدها، فيتأثّر بمختلف المواضيع التي أنزلها الله - سبحانه وتعالى -، وكذلك بحكايتها لمختلف القصص التي جعلها فيه ربّنا - سبحانه وتعالى - من أجل هذا الغرض، والمحاورة التي تجريها معه عند قيامها بذلك، مع الابتسامة والدعابة والقبلة والضمّة، عند إعادته لقراءة الآية جيّداً، ثمّ عند حفظها حفظاً جيّداً، فكلّ هذه تعدّ عوامل لإثراء معاملتها له.
وقد توصّل العلماء إلى أنّ هناك اتّصالاً وثيقاً بين قلب الإنسان وذاكرته، وخاصّةً إذا تلا القرآن الكريم بقواعد التجويد، ففي هذه الحالة يستعمل مخّه بكلا جزئيه، وليس جزءاً واحداً فقط، كما تؤثّر فيه مختلف العلوم الأخرى. (1/247)
صفحة 248
فقد أثبتت الدراسات المختلفة الحديثة الخاصّة بالمخّ ـ وخاصّةً تلك التي تتعلّق بالجانبين الأيمن والأيسر من قشرة المخّ ـ أنّ كلّ إنسانٍ يملك سلسلةً هائلةً من المهارات العقليّة الموزّعة في كلّ مكان من الأجزاء الأكثر تقدّماً في المخّ، وأنّ هذه المهارات في حاجة إلى التدريب والتطوير الملائمين حتّى تظهر وتنمو، وتشمل تلك المهارات الكامنة في قشرة المخّ بجانبيها الأيمن والأيسر.
وذلك لأنّ كلّ شقٍّ من المخّ له مهاراته التي يختصّ بها ويقوم باستعمالها، فإذا ما قمنا ببعض المهارات التي يختصّ بها شقٌّ، ولم ننشّط الشقّ الآخر بالقيام بتطبيق مهاراته فإنّه يصبح لدينا شقٌّ أقوى وأنشط من الآخر.
والقرآن الكريم بما يحتويه من مواضيع مختلفةٍ وأساليب متنوّعةٍ، يضمن لعقل الإنسان كلّ المهارات التي يحتاجها لينمو ويتطوّر، فهو يحتوي على مهارات الشقّ الأيمن، ومهارات الشقّ الأيسر.
وقد اكتشف سبري أيضاً أنّه عندما يكون الجانب الأيمن من المخّ نشيطاً، فإنّ الجانب الأيسر يكون في حالةٍ شبه ارتخاءٍ أو همهمةٍ تأمّليةٍ.
وعندما يحدث العكس، ويكون الجانب الأيسر من المخّ في نشاطٍ فإنّ الجانب الأيمن يدخل في نفس حالة الارتخاء والهمهمة التأمّلية السابقة.
وأوضحت التجارب أنّ كلّ فردٍ يمتلك نطاقاً كاملاً من القدرات والمهارات الذهنيّة المتنوّعة، ولكن ويا للأسف بسبب سوء التعليم وخطإ المعلومات، فإنّ معظمنا يميل للاعتقاد خطأً بأنّه ماهرٌ بالفطرة في عددٍ قليلٍ من هذه المهارات أو تلك (والتي تتمركز إمّا في الجانب الأيمن، أو في الجانب الأيسر من أنشطة المخّ، ولكن نادراً ما تكون في كلا الجانبين)، وأنّه غير ماهر في المناطق الأخرى بطبيعته، ولكن قد يكون هناك وصفٌ أكثر دقّةً للذات يتلخّص في عبارةٍ.
«لقد قمت بتطوير وتنميّة بعض مناطق قدراتي الكامنة، ولكن لأسباب متعدّدةٍ أهملت المناطق الأخرى وتركتها جانباً «. (1/248)
صفحة 249
وربّما نستطيع تفسير ذلك بأنّ التخصّص الذي يميل إليه كلّ شخصٍ هو الذي يجعله يهتمّ ببعض الأنشطة دون الأخرى فيهتمّ بتنشيط جانبٍ دون الجانب الآخر، أو ينشّط واحداً أكثر من الآخر، ممّا يجعل الجانب الذي ينشّط أكثر، يتقوى أكثر.
ونتيجة لهذا البحث فإنّ الملايين من الناس قد بدأوا يهتمون بتنشيط كلا الجانبين معاً وتنميّة مناطق الضعف في قدراتهم العقليّة.
وقد وجد العلماء أنّ الأشخاص الذين خضعوا لتدريب الجزئين معاً من مخّهم تحصّلوا على نتائج باهرةٍ في تنشيط ذاكرتهم، وتطوّرت تطوّراً ملحوظاً، وذلك بصرف النظر عن العمر، وقد اكتشفوا أيضاً أن التدريب الجديد لم يطوّر من الذاكرة فقط، بل عاد بالنفع على المهارات القديمة ودعّمها بشدّةٍ.
وربّما نشير هنا إلى العباقرة الذين تحصّلوا على الدرجات العلى في مختلف الاختصاصات والعلوم، لأنّهم لم يعتمدوا على جانبٍ واحدٍ من أنشطة أدمغتهم، وإنّما كانوا يهتمّون بأنشطةٍ مختلفةٍ واهتماماتٍ متنوّعةٍ في مجالاتٍ متعدّدةٍ، لذلك تحصّلوا على تنشيط الشقّين من مخّهم فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من العبقريّة والنبوغ.
وكلّ من يريد النبوغ والتفوّق في المهارات الفكريّة، فما عليه إلاّ أن ينوّع تعلّم المعلومات التي تنشّط شقّي مخّه معاً، فيحقّق التوازن بين الجانبين كليهما، لأنّ العلماء يقرّرون ويؤكّدون بأنّ أيّ تنشيطٍ للذاكرة وتنميّتها لابدّ أن يعتمد على تنشيط الشقّين في آنٍ واحدٍ، وأنّ أيّ نظامٍ لتطوير الذكاء المتعدّد، أو إدارة الذات فمن الضروري التأكّد من أنّ شقّي المخّ يكونان في توازنٍ فعّالٍ ونشيطٍ.
وقد كشف البروفيسور أورستين أنّ القوّة المتواصلة والضعف المتواصل لمهارات القشرة المخّية لدى شخص معيّن ترجع بشكل أساسي إلى عادة اكتسابها، وليس إلى خطأ في تصميم المخّ الأساسي. (1/249)
صفحة 250
ورغم اكتشاف هذه المعلومات والحقائق، فإنّ كثيراً من الناس ما زالوا يشكّون في أنّهم يمتلكون فعلاً كلاًّ من هذه القدرات الموجودة في الجانبين الأيمن والأيسر من المخّ.
وأنا أقول لهذا العالم الذي اكتشف هذه الحقائق، تعال لندرس مواضيع القرآن الذي أنزله خالق عقل هذا الإنسان، فإنّنا سنجده يشتمل على كلّ المهارات الفكريّة التي يحتاجها لتطوير ذكائه، ولتنشيط الشقّين معاً، وتحقيق التوازن المطلوب بينهما، ويجمع بين عناصر المهارات التي تختصّ بكلّ شقٍّ بدرجةٍ هائلةٍ لكي يصل به إلى القدرة العامّة.
فعلى الأمّ أن تبني أحاسيس ومشاعر إيجابيّة في نفسيّة الولد، بحيث تصبح وقوده الذي يدفعه في ميدان الفوز والنجاح في هذه الحياة، لا أن تتركه يكوّن لنفسه أحاسيس سلبيّةً، بحيث تصبح فرامل توقفه عن التقدّم، وإذا ما اعتمدت على كتاب الله - سبحانه وتعالى - تستوحي منه الأحاسيس التي ترسّخها في نفسه، فإنّها ستبني له نفساً قويّةً واثقةً بقدراتها التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لها.
الولد وبناء التفكير
التفكير: بمعنى فكّر يفكّر فكراً وأفكر وتفكّر في الأمر: وأعمل الخاطر فيه، وتأمّله، وهو كذلك تردّد الخاطر بالتأمّل والتدبّر بطلب المعاني.
وليس معنى تكوين التفكير في موضعنا هذا أنّ الولد لا يفكّر، لأنّ كلّ مخلوقٍ سويٍّ إلاّ وهو يفكّر بطبيعته، ويولد بقوّته التفكيريّة، ولكن نقصد بهذا أن يتكوّن لديه التفكير الإيجابي الذي يملأ نفسه بالتفاؤل، فيبني حياته على علمٍ ودرايةٍ، ممّا يجلب له السعادة.
ولو أنّنا سألنا باحثاً عالماً في ميدان عمل العقل والذاكرة: (1/250)
صفحة 251
كيف يعمل العقل؟ وفي أيّ عمر يتعلّم فيه الإنسان التفكير؟ فإنّ جوابه سيكون إخباراً عن عقل الراشد، وعن عمل حاستي السمع والبصر، وأنّهما هما الطريق الذي يعمل به العقل، وعن كيفيّة تفكير الناس الكبار، ولكنّه سيغفل، أو لا يفكّر في الكيفيّة التي نما بها حتّى وصل إلى تلك الدرجة التي وصل إليها في سنّ الرشد، وعن تكوين التفكير لديه.
ويغفل ربّما عن الكيفيّة التي يبني بها الإنسان تفكيره، ومتى يبنيه، وغير ذلك من التصوّرات التي تكوّن فيه التفكير الإيجابي، أو السلبي، التفكير العبقري، أو العكس.
إنّ عقل الولد، وتكوّن تفكيره، وطريقة بناء سلوكه يشكّل حيرةً دائمةً لكلّ الدارسين والباحثين النفسانيّين في هذا الميدان، والذين تجمعهم بالنشء الصاعد صلةٌ دائمةٌ، ومن العجيب أنّه قلّما نفهم تفكير الأولاد وسلوكهم مع الكبار، وألعابهم التي لا تصدر عنهم عفويّاً كما يعتقده أغلبيّة الناس، بل هناك تصوّراتٌ كثيرةٌ تتحكّم فيها وتوجّهها.
إنّنا لا نستطيع أبدا أن نعرف كم من الناس يستطيعون تذكّر السنوات الأولى في طفولتهم تذكّراً يكفي لإعطاء صورةٍ موثوقٍ بها عن كيفيّة عمل عقل الولد وعن تحديد نواحي اهتماماته، وبناء تفكيره، فعندما ننظر إلى الوراء يخيّل إلينا أنّ الدهر قد مرّ بيده على سجّل ذكرياتنا، فمحا بعضها، وعفا عن البعض الآخر، حتّى يسهل علينا الاشتغال بالحاضر الذي نعيشه كما هو الآن.
وبتطوّر العلم والبحوث في مجال تفكير الأولاد، وعن الكيفيّة التي تتكوّن التصوّرات والتفكير لديهم، استطاع الخبراء فهم كثيرٍ من سلوكات الصغار، وقدّموا خدمةً واسعةً لمعاونة الأمّهات لفهم تفكير أولادهنّ وتصرّفاتهم، ولكن رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - قد بيّن لنا كثيراً من تلك التوجّهات التي تتكوّن لدى الناس منذ طفولتهم، وكلّنا يحفظ الحديث المشهور والذي يقول فيه - صلى الله عليه وسلم -: (1/251)
صفحة 252
«كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه».
يقول الأستاذ عبد الله ناصح علوان:
«من الأمور المسلّم بها لدى علماء التربيّة والأخلاق أنّ الولد حين يولد، يولد على فطرة التوحيد وعقيدة الإيمان بالله - عز وجل -، وعلى أصالة الطهر والبراءة، فإذا تهيّأت له التربيّة المنزليّة الواعية والخلطة الاجتماعيّة الصالحة، والبيئة التعليميّة المؤمنة، نشأ على الإيمان الراسخ والأخلاق الفاضلة، والتربيّة الصالحة».
والقرآن الكريم كذلك يقرّر هذه الحقيقة من الفطرة الإيمانيّة التي يولد عليها الولد، وذلك قبل أن يتوصّل إليها علماء التربيّة ويقرّروها كمبدأٍ لتربيّة الأولاد وتنشئتهم التنشئة الصحيحة القويمة. يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم ـ 30]
وإذا كان الولد ينشأ على الفطرة، فمن فطرة الله - سبحانه وتعالى - التي فطر عليها هذا الإنسان هو حبّ كلام ربّه - عز وجل -، والميل إليه، وهذا من معجزة كلامه الذي يؤثّر على النفس الإنسانيّة دون شعور منها، اللهمّ إلاّ إذا أعرضت عنه عن عمدٍ، واستكبرت على سماعه والإصغاء إليه، وشغلها الشيطان بلهو الحديث، ليضلّها عن سبيل الله - سبحانه وتعالى -. (1/252)
صفحة 253
ولكن لا نلوم هنا هذا الولد المسكين الذي ينشأ وهو معرضٌ عن كتاب ربّه القرآن الكريم، أو لا يعرف عنه شيئاً، بل نلوم المجتمع والوالدين الذين لم يوفّروا له الظروف اللازمة لمعرفته والميل إليه وحبّه والمحافظة عليه، حتّى يكون له بركةً في نموّه العقلي، وصحّته وماله وجميع أعماله، والأسرة التي لا تجتمع في بعض المناسبات ليقرأ أفرادها بعض السور جماعيّاً في البيت، وبالأخصّ الأمّ التي لا تحافظ عليه، ولا يراها ولدها تذكر كلام ربّها أمامه لأيّام وأيّام، وربّما لا تذكره ولا تفتح كتاب القرآن أمامه أبداً، كي تقرأ بعض الآيات التي تكون لها هي كذلك بركةً في كلّ حركاتها وسكناتها، ويعينها ربّها في تربيّة أولادها تربيّةً إيمانيّةً صحيحةً وقويمةً.
وإذا كان حال الأسرة والأمّهات كذلك، فكيف يستطيع المسلمون يا ترى أن يكوّنوا لدى الناشئة نظرةً إيجابيّةً نحو كتاب ربّها - عز وجل -، وكيف يتكوّن لديها توجّهٌ حسنٌ نحو القرآن الكريم، ويبنوا تفكيراً إيجابيّاً نحوه، فيحبّونه الأولاد منذ صغرهم ونعومة أظفارهم، ويمتزج بأرواحهم ودمائهم، ويتعلّقون به بنفوسٍ وقلوبٍ صافيّةٍ مطمئنّةٍ إليه بكلّ قوّةٍ وثقةٍ، ويهديهم إلى النجاح في مجال العقيدة والإيمان وفي ميدان الحياة بعون ربّهم - عز وجل - وتوفيقه. وهو القائل:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ـ 9] (1/253)
صفحة 254
والله - سبحانه وتعالى - قد أخبرنا بأنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، ولم يحدّد ميداناً بعينه، بل ترك الآية على عمومها، إذن فهو يهدي للطريقة التي هي أقوم في كلّ نواحي الحياة، ويهدي للأخلاق التي هي أحسن، والتي تحقّق أحسن حياةٍ، فعلى الوالدين اللذين يطلبان التربيّة التي هي أقوم أن يهتمّا بتعليمه لأولادهما منذ صغرهم، حتّى يعينهما بشكلٍ إيجابيٍّ في تربيّتهم بعون من الله - سبحانه وتعالى - وتوفيقه، وعليهما أن يركّزا على الأخذ بتربيّتهم على طريقة كتاب الله - عز وجل -، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي يحقّق لهم الاهتداء إلى التي هي أقوم وأحسن.
إنّه يبعث فيه حياةً أكثر تفاؤلاً، ويدفع به إلى طريقٍ مفعمٍ بالصحّة والرخاء والسعادة، ويكوّن لديه رؤيةً مثيرةً عن الحياة الحقيقيّة التي يرشده إليها ربّه - سبحانه وتعالى - في كثيرٍ من الآيات، فإذا ما استطاع الوالدان أن يحوّلا كلّ هذه الرؤى إلى واقعٍ ملموسٍ، فإنّ الولد سيصبح شخصاً يعيش حياةً تحفل بكثيرٍ من الأمور الرائعة، والنجاحات المتواليّة.
إنّ طول المكث والتعامل مع كتاب الله - عز وجل - من شأنه أن يسرع خطى بناء نفسيّة الولد على ما يرضاه الله ورسوله، وبناء العقل وتشكيل التفكير، وبناء اليقين الصحيح فيه، وترويض النفس على لزوم الصدق والإخلاص.
فعلى الأولياء الذين يريدون الصلاح لأولادهم في الدنيا وفي الآخرة أن يسلّموا زمام قيادة نفوسهم لكتاب الله - سبحانه وتعالى -، وأن يكثروا من لقاءاتهم معه كلّما سنحت لهم الفرصة، ويجعلوا له وقتاً خاصّاً له في البرنامج اليومي للأولاد. (1/254)
صفحة 255
ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّه على الوالدين أن يأخذا بالأسباب المادّية، مثل التوجيه والتعليم، مع الأخذ بالأسباب المعنويّة، وعلى رأسها تعليمهم القرآن الكريم، لأنّ الإنسان الذي يحاول الأخذ بالأسباب المعنويّة فقط دون استخدام الأسباب المادّية المتاحة أمامه يسيء الأدب مع ربّه - سبحانه وتعالى -، ولن يتحقّق له ما يريد، لأنّه خالف بذلك القوانين التي وضعها الله - عز وجل - لإقامة الحياة والوصول إلى النتائج، وهذا تماماً مثل الذي يأخذ بالأسباب المادّية دون الأسباب المعنويّة، فإنّه سيعيش حياةً ضنكاً غير مطمئنّةٍ.
إنّ أغلبيّة المفكّرين في ميدان التربيّة يتعاملون مع هذا المخلوق من الجانب الترابي الأرضي فقط، ويحاولون بناء الشبح الجسدي فقط، لذلك يجدون صعوبةً في تطبيق تلك النظريّات في تربيّة النشء الصاعد، وهم يجهلون، أو يتجاهلون، أو أنساهم الشيطان بأنّ هذا الإنسان يجمع بين الروح والجسد، ولا بدّ من الاهتمام بهما معاً في التوجيه التربوي إذا أردنا أن نكوّن إنساناً متربّياً معتدلاً سويّاً.
بل أقول بأنّه يجب على الأولياء أن يهتمّوا بتنميّة الجانب الروحي في الطفل أكثر من الجانب المادّي الجسدي، وذلك بمجرّد بداية إدراكه، حتّى إذا تغلّب الجانب الروحي على الجانب المادّي الجسدي، استطاع أن يحيا حياةً راقيّةً ترقى وتسمو بسموّ روحه ورقيّها والتي تستمدّ ذلك العلوّ وذلك الرقيّ وذلك السموّ من خالقها وبارئها الذي نفخ فيها تلك الروح، التي هي من روحه. قال - سبحانه وتعالى -:
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} ... [السجدة ـ 9] (1/255)
صفحة 256
إنّ كلّ الوسائل والمجهودات التربويّة التي يقوم بها المربّون تذهب هباءً منثوراً ما لم تكن مبنيّةً على تقويّة الجانب الروحي النفسي لدى الولد، وذلك بتكوين الأمّ القرآنيّة، التي تستطيع أن تقوم بذلك على أحسن ما يكون، وكلّ هذه الوسائل التي تبدل في تربيّته وتنشئته تعيقه وتحرمه من الوصول إلى التخلّق بالأخلاق الساميّة الراقيّة، والتفكير المبدع الخلاّق، لأنّها تعتمد كلّها على دراسة الجانب المادّي الجسمي فقط.
إنّها تقطع عليه الطريق نحو الوصول إلى تلك الدرجات العاليّة، وتشعره بالحرمان من أشياء لا يدرك معناها، وهي الخواء الروحي، لأنّه لم يتعلّمها، ولم يُرشد إلى حقيقتها، ولم تبن أخلاقه عليها منذ صغره، حينما كانت نفسه صفحةً بيضاء، وليس هناك دليلٌ قاطعٌ يبرهن على ذلك أفضل من تربيّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للصحابة عند بداية دعوته عندما كانوا في الجاهليّة، فقد كان أوّل عملٍ قام به هو تربيّتهم التربيّة الروحيّة العقائديّة، كما يُجمع على ذلك علماء السيرة حيث يقرّرون أنّه بقي طوال مدّة الدعوة المكيّة وهو يبني الإيمان الروحي العقائدي لدى الصحابة، والتي تقدّر ب13 سنة.
وكذلك تربيّته لكثيرٍ من الصحابة الأحداث الذين كانوا صغاراً بتقويّة الروح الإيمانيّة في نفوسهم، وربطهم بأصول الإيمان، وبأسس التعاليم الإسلاميّة، والسرّ في هذا أن يروّض الولد منذ نشأته على التعلّق بالشريعة الإسلاميّة قبل أن يتّصل بأيّ منهاجٍ آخر مهما كان في هذه الحياة.
وقد شبّه علماء التربيّة عقل الإنسان بالأسفنجة التي تمتصّ كلّ ما يلقى إليها، فإذا تشبّعت بمادة من المواد، صارت ترشح بتلك المادّة بكلّ قوّةٍ، لذلك يجب على المربّين، وخاصّةً الأمّ أن يشبعوا عقل الولد بالروح الإيمانيّة القرآنيّة وتوجيهات وتعاليم الدين الإسلامي، حتّى يترشح عقله بها، دون تكلّف منه أو تعب. (1/256)
صفحة 257
ومن أمثلة ذلك وصيّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عبّاس ـ - رضي الله عنه - ـ حيث قال:
«كنت خلف النبيء - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا غلام إنّي أعلّمك كلماتٍ، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ، لم يضرّوك إلاّ بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفّت الصحف». (1)
إنّه بهذا الإعراض عن تربيّة الجيل بالقرآن والإيمان، والاعتماد على المناهج الوضعيّة البشريّة، يئس كثيرٌ من المربّين عن توجيهه التوجيه الصحيح القويم، وصاروا يرون أنّه لا سبيل إلى إصلاحه فأصبحت تتحكّم فيه أهواؤه المادّية وأطماعه الدنيويّة، وأنّه لا مناص له من التحوّل إلى الفساد والتخريب والتحدّي، في حين أنّ السرّ يكمن في شيءٍ واحدٍ، وهو عدم الاهتمام بالتربيّة الروحيّة الدينيّة القرآنيّة التي تنشئ منه إنساناً معتدلاً مستقيماً مثل اهتمامهم بالناحيّة الجسميّة.
فهناك قوى كامنةٌ مستقرّةٌ في أعماق هذا الإنسان، قوى سوف تذهلهم إذا استطاعوا أن يتّبعوا الطريق القويم لاكتشافها، إنّ أحداً من الناس لم يحلم أنّه يمتلك مثل هذه القوى، وإذا ما اكتشفوها، واستغلّوها أحسن استغلال، فسوف تحدث انقلاباً ثوريّاً جذريّاً في حياتهم، وأنا أظنّ بأنّ القرآن الكريم المملوء نوراً وحكمةً هو القادر على أن يكشف مثل هذه القوى، وهذا بشرط أن يتعاملوا معه معاملةً مخلصةً يقينيّةً، لأنّه في ذلك الوقت فقط سوف يؤتي في النفوس ثماره التي وضعها الله - سبحانه وتعالى - فيه.
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/257)
صفحة 258
إنّه سيهدي الذي يتعامل معه مثل هذه المعاملة الطيّبة للتي هي أقوم، ويبيّن له أنّ مهمّته الأساسيّة في الحياة هي أن يقوم بأفضل ما يمكنه القيام به، وأنّ يصل إلى أقصى ما يمكنه الوصول إليه، فهل يا ترى نحن نتعامل مع كتاب الله مثل هذه المعاملة التي ستهدينا إلى مثل هذه النتائج، فنحن لسنا مؤهّلين لنعرف كيف يؤثّر هذا القرآن الكريم في النفس البشريّة، ولا كيف يهدي للتي هي أقوم، وإنّما علينا أن نؤمن بأنّه يقوم بذلك، وإن لم نصل نحن إلى النتيجة الحسنة التي كنّا نتمنّاها منه، فلنعلم أنّنا ما زلنا لم نتعامل معه المعاملة التي يطلبها منّا ربّنا - سبحانه وتعالى -، إذن فالعيب فينا، وليس في كتاب الله - سبحانه وتعالى -.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - حين يأمر المسلمين بتعليم أولادهم كتاب الله - عز وجل - ويقول بأنّه أوّل ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله هو، يقصد بهذا الإرشاد تنشئة الولد تنشئةً روحيّةً يستطيع من خلال ذلك أن يكوّن فيه التفكير الروحي الإيجابيّ، والتفكير المتنوّر الذي ينظر به إلى الحياة من الجانب الروحي والمادّي معاً، وليس من الجانب المادّي فقط، الذي يكوّن منه إنساناً يائساً محبطاً إذا لم يحقّق طلباته المادّية الدنيويّة، ولا يستطيع أن يفكّر بأنّه إذا نقصه شيءٌ من الجانب المادّي، فإنّه يستطيع أن يعوّضه من الجهة الروحيّة.
إنّ هذا الولد بحاجةٍ إلى أن يقدّم له المربّون برامج دينيّةً قرآنيّةً روحيّةً تعمّق فيه نوعاً من التفكير الإيجابيّ، وتبني فيه أسس تفكيرٍ إيمانيّةٍ قويّةٍ وصحيحةٍ، لا تتزعزع ولا تنقص مهما سار في طريق الحياة المملوء بالمتناقضات وبالمحبطات، التي تبني فيه نظرةً تشاؤميّةً سلبيّةً لها. (1/258)
صفحة 259
وتربيّة الولد من طرف أمٍّ واعيّةٍ مثقّفةٍ منذ صغره سوف تبني فيه طريقة التفكير الإيجابي المثمر، طريقة التفكير في نفسه وفي العالم الخارجي من حوله، وهذا من الإرشادات التي يرشد إليها كتاب الله - عز وجل -، لأنّ مثل تلك التربيّة تجعل الأفكار تتوالى إلى عقله وتتكاثر داخل شبكته الخاصّة الواسعة لذكريّاته المتناميّة وخيالاته وطريقة تفكيره وأحلامه، وبشكل لا محدود، ولأنّ توجيهات كلام ربّنا لا محدودة.
والشيء المعجز لدى العقل البشري، خاصّةً عقل الولد الذي هو في طور التكوين والبناء، هو أنّه بينما يتكوّن فيه المزيد والمزيد من مجرّات ومجالات التفكير، تزداد معها بالفعل الروابط العصبيّة داخله، أي سوف تزداد قوّة عقله الحيوي الفائق التكوين، والواسع التفكير، وسوف يكون أكثر رقيّاً، وتقدّماً وقوّةً، ونجاحاً.
فالعقل الذي يولد به الولد ليس هو نفس العقل الذي سيكون عنده بعد سنةٍ، أو سنتين، وهكذا في مختلف سنين حياته، فإذا كان كذلك فلماذا لا نجعل كلام ربّنا - عز وجل - هو المصمّم والمكوّن لهذا العقل، والذي يتطوّر بواسطته في مختلف مراحل العمر، وعقل الإنسان مصمّمٌ ليتطلّع إلى المطلق واللامحدود، وإذا ما تحدّد تفكيره في الغير المطلق وفي المحدود، فسوف يملّه، ويضجر منه فمعلوماته تزداد وتزداد مهما كان العمر، لذلك أنزل الله - سبحانه وتعالى - هذا الكتاب الذي لا ينتهي عطاؤه، ولا ينتهي علمه.
- {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ... [الإسراء ـ 85] (1/259)
صفحة 260
خاصّةً إذا اعتبرنا أنّ التفكير والتذكّر لدى الإنسان ينبني على القوّى الروحيّة أكثر من القوّى الجسميّة المادّية التي يمتلكها، وإنّ القوّة البدنيّة الجسميّة محدودةً بينما القوّة الروحيّة غير محدودةٍ، والقوّة الجسميّة تصل إلى درجة تتوقّف فيها عن النموّ، بينما القوّة الروحيّة لا تتوقّف مهما عاش هذا الإنسان، وطال عمره في هذه الحياة فإذا اهتمّ بها وغذّاها بالغذاء الذي يقوّيها، فهي ترتفع وترتفع وتسمو دون حدودٍ، إلى أن تصل في سموّها وعلوّها إلى درجة الملائكة.
وقد سقنا من قبل قول الفيلسوف سقراط الذي يقول فيه:
«أرجو أن لا أعمل إلاّ شيئاً واحداً، وهو إقناعكم، كباراً وصغاراً أن لا تفكّروا بأشخاصكم، أو أملاككم، بل اعتنوا قبل كلّ شيءٍِ بتحسين أرواحكم، وسموّها».
وما ذلك إلاّ لأنّ تحسين الروح وسموّها ليس له حدٌّ.
وبدراسة تاريخ الحياة البشريّة تبيّن للعلماء والخبراء بأنّ هذا الإنسان لا يستطيع أن يحيا حياةً تعتمد على الجانب الروحي فقط، أن على الجانب المادّي فقط، بل لا بدّ أن يجمع بينهما، بل عليه أن يغلّب الجانب الروحي على الجانب المادّي.
وقد أعطانا الواقع مثالاً واقعيّاً معيشاً، عاشه الصحابة الذين جمعوا بين الجانب المادّي والروحي، وغلبّوا الجانب الروحي على الجانب المادّي، فعاشوا حياةً معتدلةً راقيّةً لم تستطع البشريّة أن تحياها مرّةً أخرى عبر التاريخ الطويل لحياتها على وجه الأرض.
فمثلا عندما يذهبون إلى معركة من المعارك، يستعدّون من الجانب المادّي على القدر الذي يستطيعون، ولكنّهم يعتمدون على عون الله ونصره أكثر وأكثر من اعتمادهم على كثرتهم وعتادهم. (1/260)
صفحة 261
ولكنّ إنسان هذا العصر يولد ويكبر ويهرم ويموت وهو لم يعرف معنى للحياة الروحيّة المطمئنّة المتوازنة، لأنّ المربّين والأولياء على تعاقب الأجيال لم يوفّروا الظروف الملائمة التي يستطيع أن يعرف فيها مثل هذه الحياة، معرفةً كاملةً، والمشكلة الكبرى هي عندما ينهج المربّون في المجتمعات الإسلاميّة منهج التربيّة المادّية العلميّة، ولا يفكّرون في الرجوع إلى ما أنزل خالق هذه النفس من المناهج لتوجيهها وتربيّتها التوجيه الصحيح القويم.
وقد خاطب الله - سبحانه وتعالى - المسلمين في كتابه وبيّن لهم بأنّ تزكيّة النفوس وتدنيسها يرجع إليهم، وهو قد ألهمها فجورها وتقواها، فعلى الإنسان أن يزكّيها، أو يدسيها، فلماذا يبقى هذا الإنسان في حيرة من أمره، يبحث عن الوسائل التي يربّي بها هذه النفس التربيّة المستقيمة، وربّه قد أنزل إليه هذا الكنز العظيم الذي يستطيع أن يحقّق به الحياة الراقيّة لنفسه، ويسمو بها سموّاً ليس له حدودٌ. فالله - سبحانه وتعالى - يقول في هذه النفس البشريّة:
- {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} ... [الشمس ـ 7ـ10]
فعمليّة التزكيّة والتدسيّة عمليّةٌ بشريّةٌ، يجب علينا أن نفتح أسماعنا وأبصارنا جيّداً وأن نحدّق فيما أنزل إلينا ربّنا، ونستفيد منه إلى أقصى درجة ممكنة، لأنّه كنز لا تنقضي فوائده، ولا تنتهي توجيهاته، ولكنّ هذا الإنسان ما زال معرضاً عن الرجوع إليه، والاستفادة منه في سبيل بناء هذه النفس الصغيرة، نفسيّة الأطفال الذين تدفعهم الأرحام إلى الوجود، وهم لا يملكون فكراً، أو كلاماً، أو كتابةً، وليس لديهم إلاّ الاستعداد لأن يكونوا أيّ شيءٍ نبني عليه نفوسهم. (1/261)
صفحة 262
إنّهم يفهمون القيم العميقة التي تحكم سلوكنا قبل أن يتكلّموا، وقبل أن يعرفوا منطق الكلمات ومعانيها، فتصير هذه القيم عميقةً في شخصيّتهم وكأنّها ولدت معهم، لأنّها تغرس فيهم عمليّاً، وترسخ في عقلهم الباطن، وحين يتحدّث المربّون عن أهمّية موضوع من مواضيع القدوة والأسوة، فهم إنّما يلاحظون هذا الجانب ملاحظةً عميقةً، ويتأثّرون به تأثّراً كبيراً.
فعلّة تربيّة الأجيال تكمن في أولياء الأمور، وفي الأمّهات خاصّةً، لأنّهم لا يريدون أن يتّبعوا المنهج التربوي الإلهي الذي قد ضمن نجاحه في توجيه هذه النفس البشريّة، ويعلم ما يصلح لها، وما يفسدها، فهم لم يؤمنوا بعد بأنّ كلام الله - عز وجل - مؤهّلٌ لتنشئة الأجيال تنشئةً ناجحةً مستقيمةً، وأنّه إذا تعلّمه النشء منذ صغره، فسيرسخ في عقله الباطن، وسيتحكّم في سلوكه العميق في حياته القادمة، ويصعب عليه أن ينحرف عن تعاليمه، أو أن يخرج عن ما تعلّمه وغرس فيه في سنوات عمره الأولى، لأنّه تغلغل في اللاشعور.
ــ فلماذ لا نملأ هذا اللاشعور بكلمات الله - سبحانه وتعالى - التي تقوّي فيه الروح؟
ــ ولماذا لا نجعل أولادنا يبدؤون حياتهم الكلاميّة والشعوريّة بكلام الله - عز وجل -؟
ــ ولماذا لا نبني سلوكهم العميق بآياتٍ من كتاب ربّهم - سبحانه وتعالى -؟
ــ ولماذا لا نبدأ بغرس آياتٍ مباركةٍ من كلام الجليل - جل جلاله -؟ حتّى يصبح تفكيرهم وأعمالهم جليلةً.
ــ ولماذا لا ندرّب هؤلاء الفلاسفة الصغار على التفلسف بكلمات القرآن الكريم؟ حتّى تصبح لديهم فلسفةٌ حكيمةً نحو الحياة.
ــ ولماذا لا نيسّر لهم هذه الحياة بتعليمهم آيات الله - سبحانه وتعالى - الميسّرة للذكر؟
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمر ـ 17]
ــ ولماذا لا نكوّن فيهم حبّ وتقديس آيات الله - سبحانه وتعالى - منذ صغرهم؟ (1/262)
صفحة 263
ــ ولماذا لا نبني مفاهيمهم على أسسٍ قويّةٍ من آيات كتاب الله - سبحانه وتعالى -؟
ــ هل يا ترى نخاف أن نقتحم هذا الميدان الروحي الشريف؟، أم أنّنا أصبحنا عاجزين عن الدخول فيه بعد أن خرج منه من قبلنا؟.
ــ وهل أنّنا لم نقتنع بعدُ بأنّ كتاب الله - سبحانه وتعالى - مؤهّلٌ للقيام بهذه المهمّة؟
ــ ومتى نتيقّن ونؤمن ونقتنع بأنّ كتاب الله - سبحانه وتعالى - سيسهّل علينا عمليّة التربيّة التي أصبح كثير من أولياء الأمور يرونها عمليّةً صعبةً ومعقّدةً؟
ــ وإذا كانت معقّدةً حقّاً كما تكوّن ذلك في تصوّراتنا على مرّ السنين الماضيّة؟ فلماذا لا نبني أسسها على آيات كتاب الله - سبحانه وتعالى - حتّى تصبح سهلةً وميسّرةً؟
ــ لماذا لا نبدأ بأنفسنا ونرجعها إلى كتاب ربّنا - عز وجل -؟ حتّى نكوّن هذا التصوّر في نفوس أولادنا بالاقتداء.
ــ وهل نريد حقّا أن نبعد الشياطين عن النشء الصاعد، ونجعل الملائكة أولياءهم؟
إذن فهذا لا يكون إلاّ بتدريبهم منذ الصغر على حبّ القرآن الكريم، وحفظه وتلاوته، والتعامل به في مختلف شؤونهم.
القرآن يعلّم الإنسان التفكير
من خلال دراسة الواقع أجمع علماء النفس كلّهم على أنّ الإنسان يكون في واقع حياته ما يفكّر فيه داخل نفسه، أو هو يفعل ما يشغل فكره.
وإذا كانت نفس الولد تبنى على ذلك، فعلينا أن نحرص جيّداً في تكوين تفكيرٍ إيجابيٍّ لديه، ولا نستطيع أن نجد منبعاً صافيّاً يستمد منه مثل هذا التفكير الإيجابيّ أفضل من كتاب الله - عز وجل -، لأنّ له عطاءً غير محدودٍ، عطاءً لا ينقضي لكلّ الأجيال، عطاءً لكلّ جيلٍ يختلف عن عطائه للجيل السابق، لأنّه منبعٌ يرتوي منه العالمين، وقد أنزله الله - سبحانه وتعالى - للدنيا كلّها.
- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} ... [الأنبياء ـ 107] (1/263)
صفحة 264
إنّ عطاءه لا يقتصر على أمّةٍ بعينها، أو على جيلٍ دون جيلٍ، أو جنسٍ دون آخر، ولو أفرغ القرآن الكريم عطاءه التربوي في قرنٍ من الزمان، لاستقبل القرون الأخرى بلا عطاءٍ، وبذلك يكون قد جمد، في حين أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزله ليكون دائم العطاء، سخيّاً يعطي دائماً كلّ من يأخذ منه، ويروي كلّ من يغرف منه، فهو بمثابة الطاقة التي تحرّك القوّة الكامنة للقدرات الخلاقة لدى عقل الطفل الباطني، ويدعّم فكره بالإحساس بأنّه شخصٌ يستطيع أن ينجح، فتتشكّل حياته طبقاً لما جعلناه يؤمن أنّه قادرٌ على إنجازه وتحقيقه في الواقع.
فبالقرآن يستطيع المربّون أن يبنوا جيلاً ذا تفكيرٍ عبقريٍّ، يفكّر في العمل المنتج الذي يوصله إلى النجاح والتفوّق، لأنّه يهدي إلى كلّ خيرٍ، وقد جعل الله - عز وجل - فيه تلك القوّة التي تحمل فعاليّةً إيجابيّةً في إصلاح النفوس، وتهذيبها وتثبيتها على الجادّة، وصدق الله - عز وجل - حين يقول:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ـ 9]
فهو يهدي إلى أفضل الفضائل كلّها، لأنّه يستوعب كلّ الصور الحياتيّة المتجدّدة، ولا ينقصه سوى فريقٍ من العلماء المخلصين كي ينزلوا مختلف توجيهاته التربويّة على أصول التربية في واقع الحياة المتجدّد، كما يقوم الخيّاط الذي يفصّل الملابس وفق قواعد الخياطة، فيجعلها متناسبةً مع أحجام الناس ونوعيّة القماش، فالقرآن الكريم يؤكّد الفطرة الثابتة في بني البشر في مختلف العصور والأزمان، والتي لا تتغيّر، مهما تقدّمت لوازم الحياة، وتطوّر تفكير بني الإنسان. (1/264)
صفحة 265
فجاذبيّة القرآن الكريم وحيويّته الكامنة فيه، ما زالت قادرةً على بناء تفكير الأجيال الناشئة على أسسٍ صحيحةٍ وإيجابيّةٍ قويّةٍ، ما دام قد أنزله الله - سبحانه وتعالى - لقيادة الحياة في شتّى نواحيها، ولكن العيب يكمن في عدم إيمان أتباعه بمثل تلك التأثيرات، وعدم تطبيقه في واقع حياتهم، وعدم تكوين تفكير الأجيال على توجيهاته وتعاليمه.
والإنسان لا يستطيع أن يرى شيئاً في واقع حياته إلاّ إذا آمن به.
وهذا الكائن البشري يتميّز عن بقيّة الكائنات الحيّة بما وهب له ربّه - عز وجل - من قوى عقليّةٍ وفكريّةٍ، والتي تكمن قدراتها في ما يحتويه المخّ من خلال تركيبه الفسيولوجي، بحيث يستطيع أن يحوّل أفكاره إلى واقعٍ معاشٍ ملموسٍ.
وللقدرات العقليّة مظاهر متعدّدةٌ تتمثّل في أنواع التفكير والتدبّر، والتي تظهر شيئاً فشيئاً مع نمو عمر الإنسان، وتتجلّى بمباشرة وتنميّة تلك المهارة في توظيفها في أعمالٍ واحتياجاتٍ فرديّةٍ، ومجتمعيّةٍ، وقدرات التفكير لدى الإنسان متعدّدةٌ ومتشعّبةٌ، وهي تتطوّر بفعل التطبيق والاستعمال المتواصل طوال الحياة، وليس لها عمرٌ محدّدٌٌٌ تتوقّف فيه بل هي ترافق المرء طوال عمره، وربّما نستدلّ في ذلك بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه:
«اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد».
ولقد قال بعض العلماء: «إنّ الإنسان لا يفكّر بعقله فقط بل يفكّر أيضاً بقلبه ومشاعره، بل بكلّ تكوينه البدني»، وفي هذا المعنى يقول ديكارت: ... «أنا أفكّر، إذن أنا موجودٌ». (1/265)
صفحة 266
والقرآن الكريم باحتوائه على تلك المواضيع المتعدّدة والمختلفة التي يدرسها ويناقشها، يجعل قارئه ومتدبّره يستعمل كامل قواه المتعدّدة التي وهبها له ربّه - عز وجل -، العقليّة منها والنفسيّة والوجدانيّة، لأنّه كلام ربّه - عز وجل - يخاطب فيه كلّ هذه الجوانب، النفسيّة والقلبيّة والعقليّة، وبالمداومة على تلاوته وتفهّمه تبدأ تلك الخريطة التفكيريّة تتكوّن لديه، وما أحوجنا نحن أوّلا وأولادنا إلى تكوين تلك الخرائط التفكيريّة التي تبيّن لنا مكانتنا في هذا الوجود وقيمتنا فيه، وما هو الطريق الذي يجب علينا أن نسلكه فيه، والعمل الذي يجب أن نقوم به علّنا نخرج من تقوقعنا، ونتغلّب على تشاؤمنا ويأسنا، فنلحق بركب الحضارة.
وإذا درسنا الأمم الإسلاميّة السابقة التي حازت قصب السبق في كلّ ميادين العلم والإبداع، نجد أن اهتمامهم بحفظ القرآن الكريم، وحبّهم لحفظه ومدارسته، ومحاولتهم تطبيقه في واقع حياتهم العمليّة، أرشدهم وكوّن فيهم التفكير في السير حثيثاً إلى بلوغ المعالي، والطموح إلى الوصول إلى أعلى مراتب الأخلاق والعلم والعمل والإبداع والإنجاز، فصار ذلك التفكير فيهم طبيعةً، ولمّا اطّلع ربّهم - عز وجل - على قلوبهم وعلم منهم تلك النيّة الطيّبة، وفّقهم وأعانهم حتّى بلغوا تلك الدرجات العلا، وصاروا مضرب مثلٍ لمَن بعدهم في مثل هذه الميادين.
إنّه قد أثّر على أذهانهم، فوجّه تفكير عقولهم، وقوّى فيهم اليقين في إعانة ربّهم لهم، وصحّح لهم خريطة عملهم، فوجّهها الوجهة الصحيحة، وما ذلك إلاّ لأنّهم أعطوا الثقة الكاملة والقويّة فيه بأنّه سيبلّغهم الدرجات العلا، وسيصلون به إلى تحقيق كلّ ما يتمنّونه في هذه الحياة الدنيا، وبه يصلون إلى أعلى علّيين في الجنّة إن شاء الله - سبحانه وتعالى -. (1/266)
صفحة 267
إنّهم لم يضعوا لأنفسهم تفكيراً وتوجّهاً من عند أنفسهم، ولم يناقشوا توجيهات كتاب ربّهم، ولكنّهم خضعوا له الخضوع الكامل، وعرضوا تفكيرهم وأعمالهم عليه قبل مباشرتها في واقع الحياة، فهداهم للتي هي أحسن.
- {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ... [النور ـ 51]
- {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ... [الأحزاب ـ36]
ولمّا خضعوا لكلام ربّهم واستسلموا له بكلّ ثقةٍ وطواعيّةٍ، كوّن منهم عناصر ناضجةً كاملة النضوج، لم يوجد مثلهم في تاريخ البشريّة على الإطلاق، حيث استحقّوا بشارة ربّهم لهم بالجنّة وهم أحياءٌ يرزقون.
فهو يوقظ الذكاء الكامن لدى الإنسان، ويبني فيه قوّة الحفظ، وهذا بشرط أن يتعامل معه بنيّةٍ صادقةٍ ونفسٍ خاضعةٍ، وقلبٍ مفتوحٍ خالٍ من المشاغل الدنيويّة، لأنّ التفكير في كتاب الله - عز وجل - وفي تلك المشاغل لا تجتمع في قلب إنسانٍ في آنٍ واحدٍ، ولا عجب في ذلك ما دام يخاطب النفس والقلب والعقل في آن واحد.
- {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} ... [الأحزاب ـ 4]
قال روبرت كوبر في كتابه تحت عنوان، الـ90% الأخرى:
ــ «استخدم عقولك الثلاثة معاً، وإنّ لديك ذكاءً كامناً أكثر بكثيرٍ ممّا يخطر ببالك».
وله كلامٌ طويلٌ في هذا المعنى، ونذكر منه:
«إنّنا في كلّ يوم نتعرّف على المزيد عن أسرار الذكاء البشري وعن الأساليب التي يجب اتّباعها لتوسيع وتعميق قدراتنا الفطريّة» ويقول كذلك:
أوّلا: «نحن نعلم الآن أنّ الذكاء يتوزّع في كامل أنحاء الجسم البشري». (1/267)
صفحة 268
منها أنّ العقل في القلب، وهذا ما لا يستطيع عاقلٌ أن ينكره وهو يقرأ كلام ربّه - عز وجل -، حيث يربط - سبحانه وتعالى - التذكّر والتفكير والتدبّر بالقلب في كثيرٍ من الآيات، فيقول - عز وجل -:
- {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف ـ 179]
- {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} ... [الفتح ـ 11]
- {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} ... [ق ـ 37]
ورسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يقول في حديثه الطويل:
«ألا وإنّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت، صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب».
والقلب يضخّ طاقةً كهربائيّةً قويّةً مع كلّ ضربةٍ من ضرباته، وهذه الطاقة تضمّ معلوماتٍ كثيرةً حيث يتمّ توزيعها على كلّ خليّةٍ من خلايا الجسم، ولقد وجدت دراساتٌ أجريت مؤخّراً عن كيفيّة حدوث التعلّم وتولّد العواطف أنّ انسجام عمل العقل والقلب والنفس قد يؤثّر على فاعليّة العقل المفكّر بطريقةٍ كبيرةٍ في الغالب.
والله - سبحانه وتعالى - رؤوفٌ بعباده، ويحبّ لهم الفوز في هذه الحياة الدنيا، خلق هذه الطاقات التفكيريّة المتعدّدة والمترابطة في جسم الإنسان، وهي لا تقوم بعملها على أحسن وجهٍ، وأكمل درجةٍ إلاّ إذا وجدت راحتها وطمأنينتها وتوافقها فيما بينها، لذلك أنزل إليهم هذه الطاقة القرآنيّة التي تقوم بنشر السلام والاطمئنان في هذه الطاقات مجتمعةً، فتؤدّي عملها بكلّ قوّةٍ وإتقانٍ، لذلك نجد الله - سبحانه وتعالى - يخاطب القلب في كثيرٍ من آياته:
- {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال ـ 2]
- {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الإسراء ـ 46] (1/268)
صفحة 269
- {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}
[الشعراء ـ 193ـ194]
ويقول الدكتور روبرت: «ما زال هناك طريقٌ آخر يستخدمه القلب للاتّصال مع خلايا الجسم كلّها يتمثّل في الناقلات الكيميائيّة الموجودة بالجهاز الهرموني، وإحدى هذه الناقلات الكيميائيّة في القلب تتكوّن من مجموعةٍ من الأحماض الأمينيّة في الأذنين وهو المحرّك الأساسي للسلوك المحفّز».
وإذا كانت تلك الأحماض الأمينيّة في الأذنين هي التي تؤثّر في القلب فتحفّزه لإظهار السلوك الذي يصدر من صاحبه عن طريق التفكير في القيام به، فإنّ القرآن الكريم قد جعله الله - سبحانه وتعالى - هو الطاقة التي تؤثّر في إنتاج تلك الأحماض بصفة معتدلة متوازنة، وهذا كلّه يبيّن لنا أنّ السلوك مهما كان نوعه فمصدره القلب. يقول الله - سبحانه وتعالى - في هذا المعنى:
- {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون ـ 60]
وإذا لم نشعر بقيمتنا وقيمة أعمالنا، وأهدافنا وأهداف تفكيرنا، فإنّه لا يمكننا أن نحياها، فالقلب وليس الرأس هو الذي يلعب دوراً رائداً في دفعنا للتمييز.
وقد توصّل العلماء إلى معرفة أنّ المجال الكهرومغناطيسي للقلب حتّى الآن هو أقوى ما ينتجه الجسد في الحقيقة، حيث يبلغ 5000مرّة أكبر في الحجم من المجال الذي ينتجه المخّ.
والتغيّرات الكهربيّة في المشاعر التي تتنقّل عن طريق القلب البشري يمكن الإحساس بها وقياسها على بعد خمسة أقدامٍ على الأقلّ، وربّما على بعد عشرة أقدامٍ أو أكثر.
أقدامٌ: جمع قدمٍ، وهو قياس ما بين طرف إبهام الرجل وطرف العقب. (1/269)
صفحة 270
والقلب ليس مجرّد عضوٍ لإكمال الدورة الدمويّة فقط، بل إنّ كلّ خفقةٍ من خفقاته تتحدّث لغةً ذكيّةً لكلّ جزءٍ من أجزاء الجسم، لغةٌ تؤثّر على طريقة إدراكنا للعالم من حولنا، وتفاعلنا معه بصورة عميقة. يقول خالق هذا القلب الذي وضع فيه تلك الأحاسيس:
- {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحجّ ـ 46]
إذن فكلّ هذه الأعضاء في جسم الإنسان تصنع التفكير، وليس الدماغ وحده، ونتيجةً لذلك نستطيع أن نحكم بأنّ نوعيّة الغذاء الذهني التي يتغذّى به الإنسان يؤثّر على نوعيّة تفكيره، سواءً إلى الناحية الإيجابيّة، أو إلى الناحية السلبيّة.
وإذا اهتمّ الوالدين بتغذيّة أولادهم بقراءة كتاب الله - سبحانه وتعالى - وتفسير معاني بعض الآيات، وشرح بعض قصصه والتاريخ الذي ذكره الله - سبحانه وتعالى - فيه فذلك هو الفوز العظيم، لأنّه لا يوجد غذاءٌ ذهنيٌّ راقٍ في هذا الوجود أفضل وأحسن من القرآن الكريم.
- {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} ... [الزمر ـ 23]
- {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} [الواقعة ـ 77ـ78]
وصناعة التفكير وتعلّمه والتدرّب عليه تتحكّم فيها كلّ الأعضاء المختلفة في جسم الإنسان، ونوعيّة الغذاء الذهني الذي تقدّمه له الأسرة والمجتمع والمدرسة، فعلى حسب معاملة تلك الأعضاء تتكوّن طريقة تفكيره.
العمل على بناء تفكير سليم
إنّ الخطوة الأولى اللازمة لتحقيق تربيّة الأجيال بكتاب الله - سبحانه وتعالى -، هو تحبيبه لهم بكلّ الوسائل الممكنة، والفرص المتاحة، لأنّ المرء لا يمكن أن ينجح في عمله الذي يريد القيام به إذا كان غير مقتنعٍ بصلاحيّته، ونتائجه الإيجابيّة، وغير مؤمنٍ بتأثّره به داخل نفسه تأثيراً بليغاً قويّاً. (1/270)
صفحة 271
وعلينا أن نقوم بالخطوة الأولى في سبيل تربيّة الجيل على كتاب الله - سبحانه وتعالى -، بثقةٍ وثباتٍ وإرادةٍ، مع طلب العون من منزّله - عز وجل -، ليرشدنا ويكشف لنا مكانتنا الحقيقيّة في هذه الحياة.
والخطوة الثانية التي يجب على المربّين والمرشدين المسلمين أن يقوموا بها على أرض الواقع، إذا أرادوا تحقيق النجاح للأجيال بتربيّتهم على كتاب الله - عز وجل - هي إيجاد متخصّصين في هذا الميدان، وذلك بالقيام بدوراتٍ تدريبيّةٍ لكلّ الأمّهات، ليكوّنوا لديهنّ تفكيراً إيجابيّاً نحو كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وأنّه قادرٌ على تنشئة جيلٍ متفوّقٍ في كلّ مجالات الحياة، وأنّه صالحٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ، وقادرٌ على أن يعينهنّ في تربيّة أولادهنّ بكلّ بساطةٍ، ودون جهدٍ يذكر.
والخطوة الثالثة التي نستطيع أن نبنيها في أذهان الأمّهات والمربّين أن نجعلهم يقتنعون أنّ ما يقومون به لا يؤثّر في الأولاد فقط، بل يتعدّى تأثيره ونفعه إليهم هم كذلك، فيكون ذلك سبباً لهدايتهم إلى ما فيه خيرهم، وتوفيقهم في أعمالهم فيصبحوا من الناجحين.
والخطوة الرابعة أنّ مثل هذه التربيّة القرآنيّة لا تخصّهم وحدهم، بل تشمل كامل أفراد الأمّة الإسلاميّة، وذلك عندما ينشأ الجيل على الأخلاق الحسنة الراقيّة فينتشر الأمن والسلام والخير بين عناصر الأمّة كلّهم.
والخطوة الخامسة التي نجعلهم يقتنعون بها أنّ مثل هذه التربيّة ترفع قدر القرآن الكريم ورايته بين جميع الأمم، وأنّ هذا الجيل الذي سينشأ على توجيهات القرآن الكريم ستستفيد البشريّة جمعاء من خدمته، ويسعدها السعادة التي يريدها الله - سبحانه وتعالى - لعباده من إنزاله لكتابه إليهم، وسيعود على البشر جميعاً بفائدةٍ مضاعفةٍ.
وقد وقعت محاورة للشيخ {عبد المجيد الزنداني} حفظه الله مع سفير فرنسا جاء فيها:
أثناء زيارة سفير فرنسا لي، سألني قائلا: هل اكتملت الحياة وصورها؟
فقلت: لا. (1/271)
صفحة 272
فقال: وهل اكتمل الدين؟ فقلت: نعم.
فقال: كيف يتّسع الدين المحدود الذي اكتمل لحاجات الحضارة وصورها المتجدّدة؟.
فقلت له: هل تركيب عينيك هو نفس تركيب أعين من كانوا يعيشون في عصر محمّد - صلى الله عليه وسلم - وفي عصر المسيح - عليه السلام -؟. فقال: التركيب واحدٌ، لم يتغيّر.
فقلت: وهل تركيب أعضاء جسمك هو نفس تركيب أعضاء أجسام من كانوا يعيشون في عهد النبيء محمّد - صلى الله عليه وسلم - والمسيح - عليه السلام -.
فقال: نعم، إنّ تركيب أجسامنا لم يتبدّل، ولم يتغيّر.
فقلت: هل تحبّ، وهل تكره، وتخاف، وتطمع؟. قال: نعم.
فقلت: الذين كانوا يعيشون في عصر النبيء محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وفي عصر المسيح هل هم مثلنا يحبّون، ويكرهون، ويخافون، ويطمعون؟، قال نعم.
فقلت: إذن التركيب النفسي لنا، ولهم واحدٌ، لم يتغيّر، ولم يتبدّل، قال: نعم.
فقلت له: التركيب النفسي والبدني لمن كانوا يعيشون في عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسيح - عليه السلام -، وتركيب من يعيش اليوم واحدٌ، لم يتغيّر، فقال: هذا صحيحٌ.
ثمّ قلت له: لو أنّ لدينا مليون سيّارة مرسيدس، بتصميمٍ هندسيٍّ واحدٍ، قد صنعها مهندسٌ واحدٌ، طبقاً لخطّةٍ هندسيّةٍ واحدةٍ، ولها كتاب إرشادٍ (كتالوج) واحدٌ، فهل يصلح كتاب الإرشاد (الكتالوج) الواحد لتسيير وتشغيل أيّ سيّارة من هذه المليون سيّارة؟
فقال: ما دام الموديل واحداً والصنعة واحدةً، فلا بدّ أن يكون (الكتالوج) واحداً، و (الكتالوج) يصلح لأيّ سيّارةٍ من هذه السيّارات.
فقلت له: ولو وزّعناها في كلّ القارّات؟.
فقال: ولو وضعت في أيّ مكانٍ على الأرض، فإنّها لا تعمل إلاّ بنفس (الكتالوج) الذي صنعت طبقاً له، ما لم يتغيّر تركيبها؟.
فقلت له: ولو أخرجنا من مخزن السيّارات مائة سيّارةٍ بعد عشر سنواتٍ، فهل لا يزال (الكتالوج) يصلح لها؟
فقال: لا يزال يصلح لها، لأنّها لم يحدث لها أيّ تغييرٍ في تركيبها. (1/272)
صفحة 273
فقلت له: ولو أخرجناها بعد مائة سنةٍ، فهل لا يزال (الكتالوج) يصلح لها؟.
فقال: يصلح ما دام تركيبها لم يتغيّر.
فقلت له: ولو أخرجناها بعد ألف وأربعمائة عامٍ، فهل لا يزال (الكتالوج) نافعاً لها، ويصلح لتشغيلها؟.
فقال: نعم، لا يزال يصلح لها ما لم يتغيّر تركيبها.
فقلت له: إذا كانت الإرشادات (الكتالوج) التي تقدّمها مصانع السيّارات تصلح لتشغيل تلك السيّارات من نفس تلك الصنعة (الموديل) مهما اختلف الزمان والمكان، فكذلك الشريعة والدين الذي جاء من عند الله - سبحانه وتعالى - متعلّقاً بفطرة الإنسان النفسيّة والبدنيّة التي لم تتبدّل، ولم تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، لا يزال صالحاً لفطرة الإنسان التي خلق الله الناس عليها، وصالحاً للبشريّة الموحدّة في فطرتها وخلقتها، كما قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ... [الروم ـ 30]
ثمّ قلت له: والدين الذي جاءنا في صورة قواعد كليّةٍ هاديةٍ، تستوعب كلّ الصور المتجدّدة لتطوّرات الحياة في مختلف ميادينها، في أيّ زمانٍ وأيّ مكانٍ.
وهكذا فقد اعترف كثيرٌ من المنصفين من جميع أنحاء العالم بصلاحيّة التربيّة القرآنيّة في كافّة جوانب الحياة، لتخليص البشريّة من كلّ مشكلاتها. (1/273)
صفحة 274
وإذا أراد الأولياء أن يتخلّصوا هم كذلك من صعوبات تربيّة النشء الصاعد، ويسهل عليهم بناء شخصيّته، وتكوين تفكيره، فما عليهم إلاّ أن يلتجئوا إلى كتاب الله - عز وجل -، تعليماً لكلماته، وتطبيقاً لتوجيهاته، وترسيخاً لعقيدته، وشرحاً لقصصه، فيؤثّر فيه التأثير الذي جعله الله - عز وجل - فيه، ويغرس فيه أطيب الأخلاق وأحسن السلوك، وما عليهم إلاّ أن يزرعوا في نفسه منذ الصبا حبّ الله - عز وجل - وخشيته وطاعته، بواسطة تحفيظه كتابه الكريم، وإرشاده للسير على نهجه المستقيم، وإلى ذلك يرشدنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -:
«أمّا بعد ألا أيّها الناس، فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله - عز وجل -، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله - عز وجل -، واستمسكوا به». (1)
تعليم القراءة للولد في سنٍّ مبكّرةٍ
إنّ خطورة التقصير في الرعاية الصحيّة والإبداعيّة للأجيال، والتعليميّة خاصّةً، والتأثير السلبي للأمّ على أولادها، لا يضاهيه أيّ تقصيرٍ آخر مهما بلغ، لأنّ ذلك سيكون له أثره السيّئ طوال سنوات عمرهم القادمة، ويجعل الجهود التربويّة في المدارس لا تؤدّي دورها جيّداً وبشكلٍ فعّالٍ.
وقد صدق الشاعر حين قال:
الأمّ مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعباً طيّب الأعراق.
الأمّ أستاذ الأساتذة الألى شغلت مآثرهم مدى الآفاق.
إنّ جذور بناء الشخصيّة العلميّة والفكريّة عند الولد هي مسؤوليّة كلّ أمٍّ، فهي المسؤولة عن صحّتها وصحّة جنينها، وهي المسؤولة عن انفعالاتها ونشاطاتها أمام ولدها قبل الولادة، وبعدها.
__________
(1) أخرجه أحمد. (1/274)
صفحة 275
وكلّ علماء النفس بدون استثناءٍ يوصون المربّين، وخاصّةً الأمّهات بابتداء القراءة للولد وهو صغير، حيث قال بعضهم بأنّ الوالدين يستطيعان بالبدء بالقراءة وهو يسمع وعمره ستّة أشهرٍ، وذلك في بعض كتب الصغار، فيختار المربّي مكاناً هادئاً ووقتاً مناسباً، بحيث لا ينشغل الولد بشيءٍ آخر من حوله، والأفضل أن يجلسه المربّي في حجره، ويحتضنه بالقرب منه أثناء القراءة، وقد يقرأ له في بعض الكتب المصوّرة، لأنّ الصور تجلب انتباهه إلى الكتاب، ويمسك بيده ويعينه على قلب الأوراق، بمرحٍ وسرورٍ ومداعبةٍ، مع الإشارة اللطيفة لتلك الصور الموجودة في الكتاب.
والولد لن يفهم كلّ كلمةٍ يقرؤها المربّي في هذا السنّ، ولكنّه يستمتع بقربه ممّن يقوم معه بذلك، خاصّةً إذا كان أمّه العزيزة عليه.
ويبيّن العالم {بياجيه} أنّ كميّة المثيرات الحسّية والنشاط الحركي الذي يقوم به الولد ينعكس على سلوكه التعليمي، وكلّما زادت المثيرات التي يخزنها في مخّه والنقاط المرجعيّة للأشياء الجديدة في بيئته، زاد حبّ الاستطلاع لديه، وأصبح أكثر اهتماماً باستكشاف ما حوله بدلاً من الاستجابة بالخوف واللامبالاة للخبرات والمناظر الجديدة.
ولعلّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقصد من أمره تعليم الولد القرآن قبل أيّ علمٍ آخر بسبب القوّة الروحيّة التي وضعها فيه ربّنا - عز وجل -، كما أنّ أساليبه المتعدّدة تكوّن فيه تلك المرجعيّة للكلمات التي سترافقه في مراحل حياته الحرجة، وتكون له دعامةً يستند عليها في الحوارات التي يلتقي فيها مع مربّيه، أو أصدقائه، أو معلّميه عندما يلتحق بالمدرسة، لأنّه سيجد رصيداً لغويّاً وأفكاراً خصبةً يستطيع أن يبني عليها تلك الحوارات، ممّا يجعله يشعر بشيءٍ من التقدير لنفسه، لأنّه يجد ما يتحدّث فيه، وما يعبّر به، خاصّةً إذا كان المربّي قد شرح له القصص الواردة في السور الصغيرة. (1/275)
صفحة 276
وقد أثبتت دراسات علماء النفس حول التحاق الولد بالمدرسة في يومه الأوّل أنّ الذي يُهيّأ تهيئةً جيّدةً في البيت في سنواته الأولى، يكون واثقاً من قدراته الفكريّة التي يجيء بها إلى القسم، ممّا يجد نفسه قادراً على التعامل مع الجوّ الدراسي الذي يدخل فيه لأوّل مرّةٍ، كما أنّه يستطيع التعامل بسهولةٍ وثقةٍ مع الشخص المهمّ الذي يلتقي معه لأوّل مرّة داخل الصفّ، وهو المعلّم.
ولو أنّ كلّ مربّي اعتبر الولد نبتةً تنمو شيئاً فشيئاً، لجعل منه طفلاً سويّاً في سلوكه وتكوين ذكائه، فمعلوماته ومهاراته ومعتقداته تتكوّن بالتفاعل مع البيئة التي تحيط به، وبمن يتعامل معه.
ومهمّة تعليم القراءة للولد في البيت ليست بالمهمّة اليسيرة، فهي تستلزم مهارة التربيّة المبدعة، والصبر والمرونة، والوقت الطويل، والجهد العظيم، مع تقديم القدوة الصالحة.
وهو بتدريبه على القراءة يتعلّم مهاراتٍ جديدةً، ويستوعب معلوماتٍ، سترافقه طوال مراحل عمره، ويستفيد منها في كلّ موقفٍ يعترض له في طريق الحياة، وينمّي فيه اتّجاهاً أو معتقداً، وهكذا فعندما يبدأ بتعلّم القرآن الكريم قبل أيّ علمٍ آخر، فإنّه يكوّن فيه الاتّجاه الإسلامي الصحيح، والمعتقد المبني على عقيدةٍ صحيحةٍ قويّةٍ، أمّا فيما يخصّ المعلومات التي يتلقّاها، فهي متنوّعةٌ تنوّعاً كبيراً، ما دام كتاب الله - عز وجل - لا تنتهي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، فكيف يشبع منه أطفالٌ صغارٌ معلوماتهم محدودةٌ، وتحتاج إلى زيادةٍ وتوسعةٍ، وكتاب الله - عز وجل - معينٌ لا ينضب. (1/276)
صفحة 277
فتعليم الولد القرآن الكريم وهو في بداية عمره يجعله قادراً على تعلّم الكلمات الأوّليّة اللازمة التي سيجدها جاهزةً في ذاكرته في الأيّام الدراسيّة، وهكذا فإذا وجد جوّاً مدرسيّاً مناسباً يستطيع أن يستعمل فيه تلك المفردات، ويتحاور بها، وذلك بما يتضمّنه من مثيراتٍ عصبيّةٍ وحسيّةٍ، فإنّها ستزيد له من درجة إدراكه للوجود من حوله، ومن ثمّ يتقدّم في تعلّمه بسرعةٍ، ويصبح طليق اللسان قادراً على التعبير والمناقشة والتحاور.
ولكن الشيء المؤسف، وهو ما يشتكي منه أكثر علماء وخبراء تربيّة الولد أن الوسط المنزلي ما زال ينقصه كثيرٌ من تلك المثيرات، وهو لا يتيح للأولاد العاديين أن يأخذوا نصيبهم العادل من الخبرات اللازمة لهم، كما أنّ المحيط المدرسي يحتاج إلى تطوير وتنويع الخبرات التي تعين على استثارة القوى الكامنة لديهم.
الولد يتقن اللغة قبل سنّ الخامسة
لقد تقرّر عند كثير من العلماء التربويّين بأنّ القاعدة التي وضعها بعض العلماء، والتي تقرّر بأنّه يجب على الأولياء أن لا يعلّموا أولادهم اللغة قبل سنّ السادسة، هي قاعدةٌ مدمّرةٌ لمهارة الأطفال الصغار، وتجعلهم لا يستغلّون تلك الوصلات والشجيرات المخّية الاحتياطيّة في مقتبل أعمارهم.
فكثير من الأولياء يشفقون على أولادهم، ويخافون من إتعاب ذهنهم في تعليمهم بعض المهارات قبل سنّ الخامسة، وخاصّةً مهارة القراءة بحجّة أنّهم يدمرون فيهم الخلايا المخيّة، وأنّهم سيكرهون القراءة والتعلّم فيما بعد، ولكن جواب العلماء المحقّقون لهؤلاء أنّهم يجهلون تقويم القدرات العقليّة الحقيقيّة لدى الصغار، والتي هي عبارة عن اكتساب الذكاء مع تطوّر الكلام لديهم، وقالوا أنّ الأولاد يستطيعون أن يجيدوا اللغة والكلام قبل سنّ الخامسة. (1/277)
صفحة 278
ويرى خبراء التعليم المبكّر للأولاد أنّهم قادرون على إتقان اللغة بكلّ تعقيداتها في المرحلة المبكّرة من سنوات عمره، وهذا يدلّ على إمكانيّة تعلّمهم أكثر ممّا يعتقده التربويّون، وما تأخّر تعلّم الأطفال الصغار في أغلبيّة المجتمعات إلاّ لأنّ المناهج التقليديّة لمرحلة ما قبل المدرسة لا تقدّم الأنشطة الذهنيّة المناسبة للولد في مثل تلك المرحلة، خاصّةً إهمال الوالدين لتنميّة تلك الطاقات والقدرات التي يولد بها الطفل.
ويعلّق خبير القراءة {جورج ستيفن} بأنّ الولد يستطيع تعلّم القراءة ما بين السنّ الثالثة والسادسة، ولكن السبب في عدم تطبيق ذلك على الأولاد هو اعتقاد علماء التربيّة بأنّهم قادرون على التلوين فقط، ولم يدركوا وجود دوافع فطريّة وقدرات عقليّة لديهم، ونتيجةً لهذه الفلسفة التربويّة المدمّرة، ترسّخت القاعدة التي تقول بوجوب عدم تعليم القراءة للطفل الصغير.
ولكن معلّم البشريّة الذي لا ينطق عن الهوى، يرشد أتباعه إلى تعليم القرآن الكريم للأولاد الصغار، لأنّه يعلم بأنّهم يولدون وهم يملكون تلك الدوافع الفطريّة والقدرات العقليّة للتعلّم والتلقّي، فما على أتباعه إلاّ أن يمتثلوا لأوامره وإرشاداته، إذا أرادوا أن ينشئوا جيلاً عبقريّاً ذكيّاً منذ الصغر.
العمر الذي يبدأ فيه الولد الحفظ
لقد اتّفق كثير من العلماء بأنّ عمر الحفظ الجيّد والمستمر لدى الولد يتحقّق عندما يبلغ سنّ الخامسة، وهي السنّ التي يلتحق فيها بالقسم التحضيري، رغم أنّ الأمّ تستطيع أن تبدأ تدريبه على الحفظ قبل تلك السنّ، أي في السنّ الرابعة، بل حتّى قبل ذلك، فتحفّظه بعض السور الصغار، حتّى يصل إن شاء الله - سبحانه وتعالى - إلى ختمه وهو في سنّ العاشرة أو الحادية عشر، والشيء الذي تنبني عليه النتائج هو مدى اهتمام الأهل بتدريب الطفل ومتابعته في مختلف سنوات حفظه، وعلى الطريقة التي يحفظ بها. (1/278)
صفحة 279
وقد التقيت مع أحد أصدقائي بمرافقة ابنته التي لم تبلغ سنّ الثالثة وكانت تحفظ سورة الفاتحة والمعوّذتين والنصر، ولو أنّ نطقها فيه شيء من التلعثم، وقد أخبرني بكلّ تواضع بأنّ أمّها هي التي علّمتها كلّ هذا، ولكن الشيء المهمّ الذي نستنتجه من هذا هو أنّ الولد يستطيع أن يبدأ الحفظ في سنٍّ مبكّرةٍ إذا اهتمّت به أمّه، ودرّبته على ذلك.
وهذه أمّ تعيش مع أسرتها في المهجر أخذت على عاتقها تحفيظ ولدها محمّد القرآن الكريم، وتدريسه اللغة العربيّة والتاريخ الإسلامي، وهدفها كما تقول هو أن تعلّمه بنفسها طاعة الله - عز وجل -، وتحصّن ولدها من فتن العصر، فبدأت تعلّمه اللغة العربيّة حتّى ينشأ وهو يتقنها، وتعليمه دينه وتاريخه الإسلامي، ليتعرّف على شخصيّته وهويّته من يكون، وحتّى يتمسّك بدينه وعاداته وتقاليده الإسلاميّة.
لقد نظّمت وقت ابنها وقسّمته في حفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وفعلت مثل ذلك مع ابنتها التي بدأت ترتدي الحجاب منذ السنة الثامنة من عمرها، وقد ساعدها الاستقرار النفسي والاجتماعي، وقوّة الثقة في نفس ولديها كثيراً وبشكل إيجابيٍّ في تحفيظهما كتاب الله - عز وجل -.
التكرار وتنظيم الوقت
كان الطفل محمّد لا ينام حتّى تقرأ عليه أمّه المقدار الذي يستطيع حفظه، وتُراجع له بعض ما كان قد حفظه من قبل، وذلك قبل بلوغه السنّ السادسة، وعندما بلغها بدأ يراجع بعض كتب التفسير، ولقد اتّبع في حفظه نظام تكرار الآية، أو الآيات في الحفظ، وقسّم وقته بين الدراسة في المدرسة الرسميّة وحفظ القرآن، والرياضة، مع البحث في كتب التفسير، وهكذا كان يمضي يومه بين الدراسة والحفظ والراحة.
فأين نجد مثل هذه الأمّهات يا ترى، واللائي بواسطتهنّ نستطيع أن نكوّن جيلاً مسلماً قرآنيّاً قويّاً في حفظه لكتاب ربّه - عز وجل - وفي دراسته وفي رياضته البدنيّة. (1/279)
صفحة 280
والعلماء يقولون: «من علّم بنتاً وربّاها تربيّةً حسنةً، فقد علّم جيلاً وربّاه تربيّةً طيّبةً».
ويقولون: «من علّم ولداً فقد علّم فرداً، ولكن من علّم بنتاً، فقد علّم جيلاً».
كلمة محمّدٍ لإخوانه
وقد وجّه محمّدٌ كلمةً لإخوانه المسلمين الأطفال الصغار، يقول فيها:
إنّ حفظ القرآن الكريم ليس بالشيء الصعب، وأنّ أيّ طفلٍ وضع لنفسه هدف حفظه، وعمل بجدّيةٍ ونشاطٍ، سيحقّقه له ربّه - عز وجل -، فهو نور القلب، وهو هداية الصدر والطريق الصحيح إلى ربّنا - عز وجل -.
كلمة أمّ محمّدٍ إلى الأمّهات
وتوجّه أمّ محمّدٍ رسالةً هامّةً إلى كلّ الأمّهات الغيورات اللائي يردن الخير والفوز والصلاح لأولادهنّ، وبواسطة أولادهنّ يجلبن الخير والأجر الكريم والثواب الجزيل لهنّ ولأزواجهنّ، ولأمّتهنّ، وتقول لهنّ:
«نصيحتي إلى كلّ أمٍّ مسلمةٍ غيورةٍ على دين ربّها - عز وجل -، الحذر ثمّ الحذر من هذه التيارات الجارفة التي أملتها المدنيّة الحديثة المنحرفة، التي تريد تحطيم هذا الدين بكلّ وسيلةٍ ممكنةٍ لديها، وشدّي الوثاق، شدّي وثاقك، وشدّي وثاق أسرتك التي اختارك الله - سبحانه وتعالى - راعيّةً لها، راقبي أطفالك، حصّنيهم بكلام ربّهم، ليهديهم، ويحفظهم، والله خير الحافظين».
وتقول أمّ محمّدٍ:
«لقد لمست ثمرة جهودي في سلوك ابني محمّد وفي طريقة كلامه ومناقشته، فأشعر بأنّه رجلٌ لا طفلٌ، وقد فعلت مثل ذلك مع ابنتي، فكانت النتائج حسنةً».
إلى الأولياء:
والله - عز وجل - لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يخيّب ظنّ من يجتهد ويثابر في سبيل إصلاح نفسه، وإصلاح الآخرين، خاصّةً إذا كان ذلك من الوالدين، فالله - سبحانه وتعالى - يستجيب دعاءهم لأولادهم عن ظهر الغيب، وخصوصاً في ميدان الدين والصلاح وتعليم القرآن.
- {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} ... [الكهف ـ 30]
ويقول في سورة العنكبوت: (1/280)
صفحة 281
- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
[العنكبوت ـ 69]
القرآن ينمّي الثروة اللغويّة
يقول علماء اللغة: إنّ حفظ القرآن يكوّن في الحفّاظ الذين يداومون عليه القوّة والسلامة في النطق باللغة العربيّة الفصيحة، ويكوّن البلاغة والمهارة في التعبير الصحيح والسليم، فالقرآن قد نزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ.
- {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ... [الزمر ـ 28]
وحفظ السور القصيرة من القرآن الكريم ينمّي عند الأولاد ثروتهم اللغويّة، وتساعدهم على تعلّم التعبير الصحيح، ممّا يجعلهم يستطيعون التعبير عن كثيرٍ من اهتماماتهم التي توجد داخل أنفسهم، خاصّةً عن ما يرونه من العبادات التي يؤدّيها أفراد أسرهم أمامهم.
أثبتت الدراسات المتعدّدة التي أجريت على تلاميذ المدارس أنّ الذين كانوا يقرؤون في البيت منذ المرحلة المبكّرة يحتلّون مقدّمة التلاميذ في التحصيل المدرسي، ويكونون أكثر ذكاءً وفطنةً، لأنّهم يصبحون قادرين على فهم ما يقرؤونه بمجرّد التحاقهم بصفوف الدراسة، بخلاف التلاميذ الآخرين الذي لم يتعوّدوا على القراءة في البيت، فهم يحتاجون إلى وقتٍ أكثر في بداية التحاقهم بالصفوف الدراسيّة، ليتلاءموا مع الجوّ المدرسي، وربّما يؤثّر ذلك فيهم في المراحل المقبلة من الدراسة.
فإذا أراد الأولياء حقّاً نجاح أولادهم في دراستهم دون تعبٍ، أو مشقّةٍ، فما عليهم إلاّ أن يبنوا فيهم ملكة القراءة والحفظ في البيت وهم صغارٌ، وخاصّةً ما بين السنة الرابعة والخامسة من العمر، والتي تعدّ من أهمّ المراحل لتكوين ملكة الإبداع وتفجير موهبة القراءة والكتابة والحفظ عند الولد، وبالأخصّ إذا كان ينتمي إلى أسرةٍ مثقّفةٍ ومتعلّمةٍ، ومطّلعةٍ على ثقافاتٍ مختلفةٍ، وأحسن غذاء ذهني يقدر على أن يوفّر له كلّ تلك المكوّنات هو كلام الله - سبحانه وتعالى -. (1/281)
صفحة 282
فعلى الأمّ أن توجّهه وترغّبه وتحرّضه التحريض اللازم، حتّى يتمكّن فيه ذلك، وأن ترافقه إلى المكتبات لشراء الكتب، وتناقش معه ما يقرؤه، وما يحفظه، وتشرح له ولو باختصارٍ السور التي هي عبارةٌ عن قصصٍ، مثل سورة المسد، وسورة النصر، وسورة الكافرون، وسورة قريش، وغير ذلك من السور القصار.
وتستطيع الأمّ أن تقنع ولدها أن يقرأ ويحفظ، ولا يفشل بما تلقي في روعه بأنّه يجب عليه أن يكوّن لنفسه صورةً مثاليّةً أمام رفاق الدراسة، وأنّ القراءة والحفظ والتذكّر ستحقّق له هذه المكانة التي سيغبطه عليها كثيرٌ منهم، وأن تهيّئه فكريّاً وعاطفيّاً ليشارك في المناقشات بكلّ بساطةٍ وانفتاحٍ، وذلك من خلال محاورته حول معنى الآية، أو السورة، ويجب أن تحدّد ساعات للقراءة لجميع أفراد الأسرة، وتقنعه بأنّ القراءة هي غذاء الروح والعقل، وخاصّةً قراءة القرآن وحفظه، وهي التي ستضمن له النجاح أكثر من التلفزيّون، وأن تقدّم له المواضيع المشوّقة والمشجّعة الموجودة في سور القرآن الكريم، والتي تدفعه للإنجاز والمثابرة في المراجعة والحفظ.
كما تبيّن له ولو باختصار قدر القرآن، وإمكانية هدايته له وإعانة ربّه له في إنجاز مختلف مصالح حياته الدنيويّة، إذا هو حافظ وداوم عليه.
وعندما يخرج معها عليها أن تلفت انتباهه إلى لوائح الإعلانات المختلفة وعبوات المواد الغذائيّة، وتحدّد له سؤالاً كلّ يومٍ، يوضع موضع مناقشةٍ، ثمّ إعطائه الوقت الكافي للإجابة عليه، ومن الأحسن والأفضل أن يكون حول معنى سورةٍ من السور، وأن تقتني له كتباً فيها جملٌ ناقصةٌ الكلمات وتشجيعه على قراءتها، وتعينه على التعبير عن ما تمثّله الرسوم التي تعبّر عن قصةٍ ما، وذلك بألفاظ بسيطةٍ، وتعوّده على تلفّظ أسماء الأشياء. (1/282)
صفحة 283
وفي السنّ الرابعة، وهي أفضل سنٍّ لتطوير استعداد الولد للقراءة والحفظ عن طريق تنميّة ألفاظه وعباراته، يجب أن نزوّده بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الكلمات، إضافةً إلى تعويده النطق الصحيح وإطلاق لسانه جيّداً، وأن نحقّق له أقصى قدرٍ ممكنٍ للتواصل مع المحيط الذي يعيش فيه، والتعبير عن مشاعره وما يدور في ذهنه من أفكارٍ وتصوّراتٍ، وبذلك نمكّنه من زيادة قاموسه الفكري للكلمات، ويزداد فيه فهم الأشياء من حوله.
القرآن يدرّب الولد على النطق السليم
تعدّ مهارة التعبير التي وهبها الله - عز وجل - لهذا الإنسان وفضّله بها عن سائر الكائنات الأخرى من أهمّ الوظائف الغريزيّة التي يتّصف بها، وقد عرّفه العلماء الاجتماعيون بها، فسمّوه حيواناً ناطقاً، وهذه الموهبة على جانبٍ كبيرٍ من الأهميّة، وهي كذلك دقيقةٌ ومعقّدةٌ، لم يستطع العلماء دراستها بشكلٍ عميقٍ حتّى يعلموا جيّداً كيف تتكوّن لدى هذا المخلوق، ويدرسوا اضطراباتها ومعوّقاتها، وقد اعتبرها الله - سبحانه وتعالى - آيةً من آياته. فقال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} ... [الروم ـ 22]
وقد عرّف العلماء الكلام بأنّه سلوكٌ لغويٌّ، أي يعبّر به المتكلّم عن كثيرٍ من سلوكاته، التي لا يستطيع ربّما أن يعبّر عنها بالعمل الواقعي.
كما يعرّف العلماء اللغة بأنّها معرفة مجموعة الرموز المستعملة في الاتّصالات بين بني البشر، بينما يعرّفون الكلام بأنّه عبارةٌ عن المقدرة على إظهار تلك المعرفة على هيئة أصواتٍ مسموعةٍ ومفهومةٍ. (1/283)
صفحة 284
والطفل في بادئ الأمر يعبّر عن مراده بالابتسام والضحك والصراخ والبكاء، وتغيير عضلات وجهه، ويستجيب بحركاته وتعبيراته للتعليمات الصوتيّة التي تصدر من أمّه، أو عناصر المجتمع الموجودين من حوله، وعندما يتقدّم في السنّ يبدأ باستعمال الكلمات شيئاً فشيئاً، فيبدأ بالكلمات الصغيرة ذات المقطع الواحد، أو المقطعين، كلمات ماما، بابا، ثم يتدرّج في إخراج الكلمات والجمل البسيطة التي يعرف مدلولاتها السهلة البسيطة، ويدلّ هذا على بداية ظهور قدرته على الكلام والتلفّظ ببعض الكلمات.
وعند هذه المرحلة تفرح الأمّ بظهور هذه المهارة، وتحمد الله - عز وجل - على أنّ ولدها قد بدأ يعبّر عن ما يدور داخل نفسه، وأنّ أجهزته سويّةٌ، إذن فسيعيش حياةً متوازنةً.
ويعدّ كثيرٌ من علماء النفس تطوّر هذه الموهبة لدى الولد دليلاً هامّاً على إمكانيّاته وقدراته على التعلّم والتفكير في المستقبل، فالطفل الذي يتعلّم الكلام مبكّراً، ويعبّر عن مراده بكلّ طلاقةٍ وسهولةٍ، سيتعلّم بسرعةٍ وبشكلٍ أحسن في المستقبل، أفضل من ندّه الذي يتأخّر في الكلام، ويكون كلامه غير واضحٍ، ويعبّر عن حاجيّاته بكلماتٍ غير مفهومةٍ.
وهذه الموهبة تسير بشكلٍ هادئٍ، وتتطوّر بصورةٍ طبيعيّةٍ لدى الإنسان العادي السويّ الذي يملك أجهزةً سليمة للنطق، بحيث أنّ الأغلبيّة الغالبة من الأطفال يصلون إلى درجةٍ جيّدةٍ من النطق، وذلك من خلال معرفة أصول اللغة وأسماء الأشياء المختلفة التي توجد حولهم، وكذلك بواسطة أفراد الأسرة الذين يؤثّرون فيه تأثيراً عجيباً من الناحيّة اللغويّة وتعليم الكلام، وخاصّةً أمّه التي تكون باتّصالٍ دائمٍ معه، وكذلك على حسب سلامة وقوّة الجهاز السمعي لديه. (1/284)
صفحة 285
وقد تبيّن للعلماء بعد عدّة دراساتٍ بأنّ الدوائر العصبيّة المهيّأة للكلام لدى الوليد تكون قابلةً لأداء وظائفها عندما يصل عمره إلى ثلاث أشهرٍ، وهذا ما أوضحته دراسةٌ قامت بها {جيسلين دوهين} وفريقها في "إنسرن" في فرنسا.
وقد درسوا بالتصوير بالرنين المغناطيسي الوظائفي نشاط المخّ لعشرة من الرضّع، عندما بدؤوا يتكلّمون شيئاً فشيئاً.
والشيء المدهش أنّ الأولاد فيما يبدو، على الرغم من عدم قدرتهم على إصدار أصواتٍ لها معنى، يمتلكون حينئذٍ تنظيماً في المخّ يتيح لهم اكتشاف بعض العناصر المتكرّرة في الجملة، وأوضح الباحثون أيضاً أنّ الإنصات لجملٍ قصيرةٍ لمدّة ثانيتين يحثّ النشاط في سلسلة المناطق الصدغيّة، ثمّ المناطق الجبهيّة لدى الرضيع.
وكما هو الأمر لدى البالغين، فإنّ تعاوناً حميماً بين أسطح الفهم (سطح فرينك للمنطقة الجبهيّة)، وتلك المتعلّقة بالتكوين الشفاهي (سطح بروكا للمنطقة الجبهيّة) ستكون حينئذٍ جاهزةً.
ولذلك ينصح الأطبّاء الأمّهات بكثرة محادثة أطفالهنّ، وإجبارهم على الكلام والنطق الصحيح، عند بدايتهم التعبير شيئاً شيئاً، ومرحلة بعد مرحلة، كأن لا تقدّم له طلباته إلاّ بعد أن يعيد التعبير عنها مرّتين، أو ثلاثٍ وبالشكل الصحيح، وذلك بقدر استطاعته وقدرته على ذلك.
ومن الخطأ الكبير أنّ بعض الأمهات ينطقن ببعض الكلمات نطقاً غير قويمٍ ظنّاً منهنّ بأنّهنّ بذلك يناغين أولادهنّ، ويسهّلن عليهم النطق والفهم، في حين أنّهنّ يعلّمن لهم كلاماً خاطئاً ربّما يدوم معهم إلى سنٍّ متأخّرةٍ. (1/285)
صفحة 286
وينصح الأطبّاء الأمّهات بعدم القلق إذا وجدن بأنّ أولادهنّ يجدون بعض الصعوبات في التلفّظ ببعض الكلمات، لأنّ الولد يتلقّى اللغة بصورةٍ تدريجيّةٍ مبتدئاً بنطق بعض الأسماء السهلة، ثمّ الأفعال والصفات، وقد ينطق بعض الكلمات التي لا يفهم معناها، لأنّه كالببّغاء يميل إلى التقليد، دون فهم لمعنى الكلمات، يعيد ما سمعه من أبويه وإخوته، دون أن يعرف المعنى في غالب الأحيان.
وعلى الآباء أن لا يقلقوا إذا سمعوا من أبنائهم بعض الكلمات المناقضة للحياء، وربّما يزجرونهم بقوّةٍ، أو يعرّضونهم للضرب من أجلها، في حين أنّهم لا يفهمون معناها، وإنّما قد سمعوها من أحدٍ، ثمّ رسخت في عقلهم، فهم يعيدونها، ولذلك كثيراً ما تشتكي الأمّهات بأنّ أولادهنّ قد أتوا ببعض الكلمات من خارج البيت.
ومن أجل تفادي هذا كلّه، ينصح المربّون الأولياء بأن لا ينطقوا بكلماتٍ نابيّةٍ أمام أولادهم الصغار، لأنّهم ربّما يعيدونها أمام أولاد الآخرين، وهم بدورهم سيعيدون نطقها أمام أوليائهم في البيت فينالون من جرّاء ذلك جزاءً أليماً، وخاصّةً تعليم الأولاد سبّ الأصدقاء تفكّهاً وافتخاراً بأنّهم قد بدؤوا يتعلّمون الكلام، وأنّهم أصبحوا أذكياء، لأنّ ذلك سيكون وبالاً عليهم فيما يستقبل من أيّامهم، وربّما يكوّن فيهم عقداً لا يستطيع الأولياء معالجتها وانتزاعها منهم، خاصّةً في مجال اللغة والنطق.
ففي الشهر الثالث بالتقريب، وذلك بالنسبة للولد الذي نشأ مستويّاً معتدلاً، فإنّه ينظر إلى جهة الصوت ويبتسم، وهذا دليلٌ على أنّ حاسّة السمع فيه سليمةٌ جيّدةٌ، وهي تعمل عملها طبيعيّاً، لأنّ الولد السليم السمع، ينظر بانتظام إلى الجهة التي يصدر منها الصوت.
وإذا كان نموّه طبيعيّاً وعاديّاً، وكان عقله يتطوّر دون أيّة مشكلةٍ، فإنّه يبدأ بفهم اسمه في شهره الخامس، والدليل على ذلك أنّه يلتفت إلى الجهة التي يصدر منها الصوت الذي يعبّر عن اسمه. (1/286)
صفحة 287
ثمّ بعد ذلك يبدأ في فهم بعض الكلمات البسيطة، القليلة الحروف، والكثيرة الاستعمال في محيطه الذي يعيش فيه، والتي يخاطب بها بكثرةٍ، مثل كلمات: قف، كل، نم، أو الكلمة التي يستعملها كثيرٌ من أفرد المجتمع مع الأولاد، والتي يتفاخرون بأولادهم أمام الآخرين لأنّهم أذكياء يفهمون مثل هذه الكلمات، وهي كلمة: إلى اللقاء، باي، باي.
وهكذا شيئاً، فشيئاً، ودرجةً، درجةً، يبدأ الطفل يتطوّر في مهارة الكلام والنطق إلى أن يصل إلى حدود سنتيه الأولى والثانية، ثمّ يتناقص ذلك التطوّر نوعا ما، وهنا ينصح الأطباء الوالدين، وخاصّة الأمّ التي تتبع هذه المراحل بكلّ تفاصيلها أن لا يقلقوا في هذه المرحلة من أجل هذا التباطؤ، لأنّه يعدّ شيئا عاديّا وطبيعيّا في حياة الولد، وذلك لأنّه ينشغل باكتشاف محيطه بما تطوّر لديه من إمكاناته الحركيّة، كالمشي وبداية انسجامه في النشاط العضلي.
وبعد السنتين، أي بعد أن يدرك جيّداً ما طرأ لديه من الحركات والوقوف والمشي، يعود إلى الاهتمام النسبي بالنطق والكلام، خاصّةً وأنّه قد اكتشف أشياء جديدةً كثيرةً، كان لم يتوصّل إليها من قبل، عندما كان لا يستطيع الوقوف والمشي، فهو يحاول فهمها جميعاً، والبحث عن أسمائها ومدلولاتها، غير أنّ رصيد الكلمات لديه يبقى محدوداً ممّا يسبّب له بعض التأتأة، لأنّه يكون ثقيل التفكير، بحيث لا يصل إلى التعبير عن ما يختلج داخل نفسه إلاّ بعد بعض الوقت، والسبب في ذلك أنّه يحاول أن يبحث عن الكلمات المناسبة التي يعبّر بها عن ما يريد التعبير عنه، فلذلك يجب على من حوله، وأمّه خاصّةً أن لا يقلقوا عن هذا الثقل في التفكير، فهو يريد أن يعبّر دون أن يجد الكلمات المناسبة، والشيء الخطير عندما يكون هناك من يسخر عليه بسبب تلك التأتأة والتأخرّ في التعبير، أو بكلامه غير السليم، أو تعبيره غير الجيّد عمّا يريد أن يعبّر عنه. (1/287)
صفحة 288
ومحاولة استعجال الولد على التعبير السريع والجيّد، أو السخريّة منه على ذلك التعبير غير السليم، من العوامل التي تثبّت التأتأة لديه، وذلك لأنّ تطوّر القدرة على التعبير تستغرق وقتاً أطول من تطوّر القدرة على الفهم، ولأنّه قد يفهم أشياء كثيرةً، ولكن لضعف رصيده اللغوي لا يجد الكلمات المناسبة ليعبّر عن ذلك الفهم، وهذا مثل ما يحصل مع الكبار عندما يريدون تعلّم لغةٍ أجنبيّةٍ.
وقد توصّل الدارسون النفسانيّون لتطوّر مهارة التعبير لدى الأولاد أنّ من أهمّ العوامل التي تعرقل عمليّة تعلّم الكلام لدى الصغار، وتأخّر النطق لديهم، ما يشعر به الصغير من قلق نفسي وعدم الشعور بالأمن والطمأنينة منذ طفولته المبكّرة، وقد رأينا من قبل أنّ هذه الحالات تتكوّن في نفسه وتنتقل إليه من أمّه، وهو في بطنها، وأثناء الرضاعة، وغير ذلك من المؤثّرات التي تكوّن فيه هذا التأخّر في مهارة الكلام، أو تكوّن فيه مرض التأتأة، الذي يبقى معه ربّما إلى مرحلةٍ متأخّرةٍ من عمره.
وما دام الولد قد تأثّر بتلك الحالات التي كان فيها، فإنّه يظنّ أنّه سيصاب بمثل ذلك أثناء تعبيره الصحيح، فيخشى أن يجابه مثل تلك المواقف، ويتلكّأ في الكلام، ويتلعثم فيه، ولكن الخطر عندما يكون دائماً مع أشخاصٍ غرباء لا يعرفهم، فيكون شديد الخوف من أن يستهزئوا به، وبمرور الأيّام وتكرار مثل تلك المواقف يتعوّد التأتأة، وقد تزداد معه إلى مرحلة متأخّرة من العمر، ممّا يكوّن لديه الشعور بالنقص وعدم الكفاءة. (1/288)
صفحة 289
وفي مثل هذه المواقف يظهر دور الأمّ جيّداً، وهل لها الأثر الكبير في ولدها، أم لا؟، لأنّها هي التي تستطيع أن تُذهب عنه ذلك الشعور بالنقص، وذلك التلعثم في الكلام والنطق، فبالصبر معه والمثابرة، تبعث فيه الثقة بنفسه، فيتخلّص من ذلك المشكل شيئاً فشيئاً، ولأنّ علاج مثل هذه المواقف لا يتمّ بسرعة، وهي التي ستقلّل فيه ذلك الأثر الانفعالي والتوتّر النفسي والخوف من التعبير الخاطئ، الذي سبّب له ذلك المشكل، وتدربّه على الأخذ والعطاء في محاوراتها معه بكلّ انشراحٍ وطمأنينةٍ.
والواقع أنّ معالجة مثل هذه المشاكل يتحقّق نجاحه بتعاون الأب والأمّ، وتفهّمهما لولدهما، بل يعتمد أساساً على درجة الصحّة النفسيّة التي يمتلكانها، والهدوء النفسي والتفاهم والثقة المتبادلة بينهم، فعليهم أن يعوّداه الهدوء النفسي عندما يريد أن يعبّر عمّا يختلج في صدره، وأن يفكّر جيّداً وبتأنّ، كما يرتكز على عدم توجيه اللوم إليه عندما يخطئ في تعبيراته، أو السخريّة منه عندما يقع في مثل هذا المأزق.
فعلى الأمّ قبول ولدها كما هو في هذه المرحلة، وأن تستمع إليه بكلّ ثقةٍ وهدوءٍ، وتصحّح كلماته وعباراته الخاطئة دون سخريّةٍ، أو مقاطعةٍ، مع استخدام عباراتٍ قصيرةٍ مفهومةٍ لديه، وعليها أن تعيد التعبير الذي أخطأ فيه بصورةٍ سليمةٍ أمامه، وعلى مسمعه، وأن تطلب منه إعادته بتأنٍّ دون ارتباكٍ، وتعلّمه النطق كما لو كان كبيراً.
ولا يوجد شيء تستطيع أن تقوم به الأمّ من أجل تقويم لسان طفلها وتعليمه التعبير الصحيح والطلاقة في الكلام أكثر من كلام الله - سبحانه وتعالى -، فما عليها إلاّ أن تعتني به العناية الكبيرة، كي تجد نتيجة ذلك إن شاء الله ظاهرةً في ولدها، بما تلقّنه من الآيات على شكل عباراتٍ قصيرةٍ، ثمّ تطلب منه ترديدها عدّة مرّات، فيقوم بذلك دون شعور منه بأنّها تقصد من ذلك تصحيح تعبيره، وتدريب لسانه. (1/289)
صفحة 290
ولكن عليها أن تحذر من تصحيح تعبيره وتصويبه أمام أبيه، أو إخوته وأخواته، وخاصّةً أمام شخصٍ غريبٍ، ولا تكثر، لأنّ ذلك يولّد الخوف والسكوت بسبب خجله وعجزه وقلقه.
يقول الخبراء النفسانيّون والتربويّون: «إنّ التأتأة والتأخّر في إتقان الكلام شيءٌ طبيعيٌّ عند الأطفال الذين لم يتجاوزوا سنّ الرابعة والنصف من أعمارهم، ولكنّها تستلزم التدخّل الطبّي والنفسي للمختصّين بتقويم النطق، إذا تجاوزت سنّه الخامسة».
وإذا أراد الآباء أن ينشأ ولدهم عبقريّاً، فعليهم أن يهتمّوا بهذه الفترة اهتماماً زائداً، أكبر من أيّ فترةٍ أخرى في حياة الولد، لأنّه يتعلّم التفكير في تلك الفترة، ويحاول أن يستعمل الكلمات التي تعلّمها، ليعبّر بها عن الأفكار التي تطرأ لديه لأوّل مرّة، وفيها ينمو ذهنه، وتتبلور قواه العقليّة، وتتطوّر، وهو يستخدم عقله بكل ما لديه من طاقةٍ عندما يريد التعبير عن أفكاره، حتّى يجد الكلمات المناسبة ليركّب بها الجمل التي تؤدّي له المعنى المطلوب، فلذلك يجب على الأولياء أن ينتقوا الكلمات ذات المعنى الجيّد، ويبتعدوا قدر الإمكان عن التكلّم بألفاظ دون الاهتمام بمدلولاتها ومعانيها، ولا يملؤوا ذهنه بألفاظٍ وعباراتٍ تعدّ من الحشو في التعبير، لأنّ ذلك سيؤخّر فيه ملكة الفهم، ويضعف ملكة الإدراك والعقل، ويكون حجر عثرةٍ في سبيل التربيّة فيما بعد، ولأنّها ستؤثّر في نموّ ذاكرته، فتنمو نموّاً غير سليمٍ.
اللغة تطوّر المهارات المختلفة (1/290)
صفحة 291
تعدّ اللغة من أحسن الوسائل والأدوات في تعليم المهارات المختلفة وتطوير الطاقات الكامنة لدى الأولاد، لأنّها تقوّي البحث والمناقشة والحوار بينهم وبين موجّهيهم ومربّيهم، ولكن بشرط مراعاة المفردات، وبذلك يتيقّظ ذهنه، ويعالج مشاكل التعبير التي تعترضه، فتثمر الأفكار التي يمتلكها أفكاراً أخرى جديدةً، فيحاول التعبير عنها بما تعلّم من كلماتٍ جديدةٍ، وهكذا فمرّةً بعد أخرى، يتعوّد ذلك، فيتحصّل على نتائج متعدّدةٍ وكلّها تزيد في تفتّق ذهنه وتفوّقه، ومن تلك النتائج تعلّم التفكير، وتعلّم التعبير، وتعلّم الحوار، وتعلّم الشجاعة والاعتماد على النفس، وهذه النتائج تبني الثقة بالنفس، وهي أقصى هدفٍ يستطيع أن يصل إليه الولد، وبذلك تتكوّن فيه العبقريّة التي يرجوها كلّ الأولياء لأولادهم.
إنّ الأولاد في جميع أنحاء العالم يمرّون بمرحلة طرح الأسئلة، أسئلةٍ كثيرةٍ حول مختلف الأشياء التي تقع من حولهم، وذلك دون كللٍ، أو مللٍ، يريدون المعرفة، يريدون الاستعانة بمن سبقهم، يبدؤون بالأسئلة بعد أن يتعلّموا اللغة، وبعد أن يتعلّموا معنى السؤال، ويستمرّون في ذلك نحو سنتين، ثمّ يبدؤون بالتقليل منها شيئاً فشيئاً، وذلك عندما يشعرون بأنّ مربّيهم يتهرّب، أو ينزعج من أسئلتهم، ولعلّهم من جهةٍ أخرى يكتشفون بمرور الأيّام أنّ الذين يتخاطبون معهم لا يعرفون الإجابة عن أسئلتهم فيستسلمون، ويعتقدون بأنّ العالم من حولهم غامضٌ في بعض جوانبه، وأنّه لا يجوز لهم أن يسألوا عنها، لأنّها جوانب غير قابلةٍ للتفسير والفهم، لذلك يلجؤون إلى تعلّمها بأنفسهم دون توجيه سؤالٍ إلى أحدٍ. (1/291)
صفحة 292
إنّ الأولياء الذين يريدون النبوغ لأولادهم، ويطلبون منهم أن يحقّقوا العبقريّة عليهم أن يهتمّوا بتعليم اللغة لهم، لأنّهم بذلك سيطوّرون تفكيرهم ويوجّهونه الوجهة الصحيحة، خاصّة وأنّ الباحثين قد اكتشفوا بعد دراساتٍ متعدّدةٍ أنّ الأولاد الطبيعيين يستطيعون تعلّم لغتين مختلفتين تماماً في نفس الوقت ومنذ الطفولة الأولى، وبنفس الدرجة من البراعة، دون أن يخلطوا بين مفرداتهما، إلاّ أنّ سنّ السيطرة الكاملة على هاتين اللغتين معاً قد يتأخّر عن السنّ التي يمكن أن يسيطروا فيها على لغةٍ واحدةٍ.
وقد بيّنت بعض الدراسات أنّ للأمّ دوراً فعّالاً وأساسيّاً في النموّ اللغوي والمعرفي لدى الولد، ويعدّ التواصل بين الأمّ وبينه في المراحل الأولى من عمره الصغير، خاصّةً إذا كان بواسطة تعليمه كتاب الله - عز وجل - الذي يعدّ نقطةً مهمّةً لتكوين ذلك التواصل بسماع صوتها، وما تعبّر عنه بالتعابير الصوتيّة التي تصدرها، وعلى الأمّ الذكيّة الحاذقة أن تولي أهميّةً قصوى لمثل هذه التواصلات التي تعدّ بدايةً لاكتساب المهارات الكلاميّة، وعليها أن تبدع في هذه المرحلة حتّى تعين الولد ليتطوّر لغويّاً ومعرفيّاً.
وكذلك عليها أن تقوم بتحضير ولدها في مراحل سنواته الأولى من عمره لتعينه على تطوير العناصر الأساسيّة الضروريّة لتعلّم اللغة، وذلك بإبداعها لمختلف وسائل الإشارات الحركيّة والصوتيّة والغناء واللعب معه، ومناغاته، وتعليمه آياتٍ بيّناتٍ بصوتٍ حسنٍ جميلٍ، حتّى يقوى التواصل فيما بينه وبينها، ويكون ذلك تمهيداً جيّداً وقويّاً للتواصل الكلامي الذي سيأخذ أهميّته بعد ذلك في السنوات المقبلة. (1/292)
صفحة 293
ومثل هذه التعابير سيكتسبها الصغير في إطار جيّد من التفاعل والحوار بينه وبين أمّه، لذلكم يجب عليها أن تصدر المثيرات اللغويّة المتنوّعة حتّى تتيح له الفرصة ليعبّر عن ذاته شيئاً فشيئاً، ويستطيع تكوين ثروته اللغويّة من خلال ذلك التفاعل والتواصل، وقد أنزل الله - عز وجل - إلينا هذه الثروة اللغويّة، التي تستطيع الأمّ أن تكوّن بها أطفالها تكويناً لغويّاً راقيّاً.
إنّ المستوى الثقافي المعرفي للأمّ يؤثّر تأثيراً مباشراً في تنشيط النموّ اللغوي والمعرفي لدى ولدها، إمّا إيجابيّاً، أو سلبيّاً، لأنّه توجد علاقةٌ كبيرةٌ وجذريّةٌ بين النموّ اللغوي عند الطفل ونسبة المحادثة بينه وبين أمّه أثناء النشاطات المشتركة بينهما، والمستوى الثقافي الذي تحقّقه تلك المحادثة، وتقليص أوقات التحاور مع الولد يمكن أن يؤدّي إلى عرقلة نموّه في مختلف جوانب حياته اللغويّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، ولهذا فلا بدّ للأمّ أن تحفظ نصيباً جيّداً من القرآن الكريم، حتّى تتّخذه محوراً مهمّاً لتبادل الخطاب فيما بينها وبينه، فتقرأ الآية عدّة مرّاتٍ، وهي مبتسمةٌ فرحةٌ أمام ولدها، وهو يعيد تلك الآيات، فتحاول تصحيحها مع تقديم كثيرٍ من الملاحظات والتفسيرات أثناء ذلك.
ولهذا يجب على الموجّهين أن يولوا أهميّةً كبيرةً لتعليم الفتاة أمّ المستقبل إذا أراد المجتمع أن يكوّن عباقرةً وأذكياء، رجال المستقبل، وأن يقوّوا الوعي لديها لتهتمّ بتربيّة الولد، وتعتني به وبتعليمه في مختلف مراحل عمره، وذلك منذ بداية وعيه وإدراكه، خاصّةً تعليمه كلام الله - عز وجل - كما أمر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنّ الإهمال الذي سيحدث في مرحلة من مراحل العمر سيكون له أثره الكبير فيما يستقبل من سنين حياته، وربّما يكون كذلك سبباً لتهديم ما قامت ببنائه من قبل.
القرآن يدرّب الولد على الكلام (1/293)
صفحة 294
اللسان نعمةٌ امتنّ الله - سبحانه وتعالى - بها على الإنسان، إذ هو العضو الذي تخرج منه حروف النطق، وبه يعبّر عمّا يختلج داخل نفسه من أفكارٍ، وبه يستطيع أن يتلفّظ بشهادة التوحيد أعظم وأجلّ كلمةٍ في الوجود على الإطلاق، وبه يستطيع أن يصل إلى أعلى درجات الجنّة، أو يسقط إلى الدرك الأسفل من النار. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المضغة الصغيرة:
عن معاذ بن جبلٍ ـ - رضي الله عنه - ـ قال: يا رسول الله: «أخبرني بعملٍ يدخلني الجنّة، ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيمٍ، وإنّه ليسيرٌ على من يسّره الله عليه، ...... إلى أن يقول:
ألا أخبرك بملاك ذلك كلّه؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كفّ عليك هذا، قلت: يا نبيّ الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم؟ فقال: ثكلتك أمّك، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم إلاّ حصائد ألسنتهم». (1)
يقول علماء النفس بأنّه كلّما تعلّم الولد الكلام مبكّراً، كلّما زادت سعادته، وسهل عليه العيش والتعامل معه، فكثيرٌ من الإحباطات ونوبات الغضب في فترة الطفولة ترجع إلى عدم قدرة الطفل على التحدّث بسهولةٍ مع والديه، وهو ليس بحاجةٍ إلى ترغيبه وحثّه على التحدّث، ولكن هناك طرقٌ ذكيّةٌ توصّل إليها علماء النفس بعد دراساتٍ متعدّدةٍ، ومنها أنّهم ينصحون الأمّ بالتحدّث والتحاور معه، كلّما كانت معه، وخاصّةً عند أخذه إلى النوم، لأنّ ذلك يدخل السرور في نفسه، وتتحوّل مهارة تعلّم اللغة لديه إلى مهارةٍ مفرحةٍ، خصوصاً إذا شجّعته، واحتضنته، وشكرته على القيام بتلك المهارة، وكلّما استمع الطفل إلى مزيدٍ من اللغة، كلّما كانت مفرداته أثرى وأقوى، وزادت طلاقة وفصاحة لسانه في التكلّم، لهذا فعليها أن تجعل محور حوارها وحديثها معه كلام ربّها، فهو غنيّ بالمفردات، وقويّ في التعبير، وبذلك تحقّق له كلّ هذه المطالب التي يحتاج إليها.
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/294)
صفحة 295
وهو يمدّ الطفل بالمفردات الجديدة والتركيبات اللغويّة، وزيادة لذلك يبلور قدراته التعليميّة عن طريق توسيع رصيد المفردات لديه، كما أنّ ذلك يعدّ تدريباً لأعضائه الكلاميّة ومراكزه العصبيّة، حتّى تنضج بسرعة، ويخلّصه من صعوبات النطق التي يعاني منها كثيرٌ من الأولاد قبل أن يبلغوا سنّ الكلام بشكلٍ تلقائيٍّ، لأنّه يمرّن عضلات الفمّ على النطق، كما أنّه يقوّي الأوتار الصوتيّة.
ويمكن التغلّب على ضعف القدرة على الكلام عند الولد من خلال قراءة الأمّ لبعض القصص مع ولدها، ثمّ حكايتها، وبعد ذلك تطلب منه أن يروي ما أحبّه في تلك القصّة مرّةً ثالثةًَ، وذلك بهدوءٍ ومرحٍ وسعادةٍ، ودون إلزامه، أو إجباره على فعل ذلك.
ويمكن أن تقوم بذلك معه عندما تنتهي من تلقينه سورة من السور، مع ملاحظة أنّ الأولاد لا يتعلّمون بنفس الطريقة، ولا بنفس السرعة، ولا بنفس التحفيزات، أو الحاجات كما يسمّيها المربّون.
وقد أكّد كثيرٌ من المختصّين بأنّ أخطاء النطق والقواعد تكون شائعةً عند الأولاد حتّى سنّ الثالثة، ويبدأ الولد قبل المدرسة بالزيادة في الكلام تدريجيّاً، حتّى يصل إلى مرحلة الأداء الجيّد، وإذا كان كذلك فعلى الأمّ أن تعلّمه القرآن الكريم، حتّى يستطيع أن يتقن النطق بالكلمات والعبارات ذات المعنى الجيّد والقويّ قبل أن يصل إلى المدرسة، فيسير فيها بكلّ طلاقةٍ، من دون أن يُتعب مدرّسيه في تدريبه على ذلك.
كما اكتشف الأخصّائيّون التربيّون بأنّه كلّما زادت المثيرات التي يخزنها الطفل في مخّه والنقاط المرجعيّة الجديدة في بيئته، زاد حبّ الاطّلاع لديه، وأصبح أكثر اهتماماً باستكشاف ما حوله بدلاً من الاستجابة بالخوف، أو اللامبالاة للخبرات والمناظر الجديدة.
القرآن يدرّب الصغار على الحوار
الحوار في اللغة هو: الرجوع والمحاورة.
وفي الاصطلاح: هو مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين، والأخذ والردّ فيه. (1/295)
صفحة 296
وهو نوعٌ من الحديث بين شخصين، أو فرقتين، وتداول الكلام بينهما بطريقةٍ متكافئةٍ، فلا يستأثر أحدهما بالكلام دون الآخر.
والحوار المنتج يغلب عليه الهدوء، والبعد عن الخصومة، والتعصّب.
ولأهميّة الحوار في تكوين توجّهات الإنسان، وبناء تفكيره، اهتمّ به القرآن الكريم، وعني به، لأنّه هو الطريق الأمثل للإقناع، فذكر أنّه وقع بين بعض الناس، واعتمد عليه اعتماداً كبيراً، مع روعة الفصاحة والبلاغة. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}
[الكهف ـ 34]
وقد ذكر القرآن الكريم أنواعاً من الحوارات التي جرت بين جهات مختلفة، منها: حوار ربّ العزّة مع الملائكة - عليه السلام -، وحواره - سبحانه وتعالى - مع أبينا آدم - عليه السلام -، ومع سيّدنا إبراهيم - عليه السلام -، ومع سيّدنا نوح - عليه السلام -، ومع سيّدنا موسى - عليه السلام -، وذكره بعض الحوارات التي جرت بين بعض الأنبياء وأقوامهم، وغيرها من الحورات، وما ذلك إلاّ لأهميّته في تكوين النفس، وبناء الذات. يقول الزرنوخي:
«إنّ قضاء ساعة واحدة في المناظرة والمناقشة، أجدى على المتعلّم من قضاء شهرٍ بأكمله في الحفظ والتكرار».
يتّفق جميع علماء التربيّة بأنّ الولد يكتسب قدراتٍ هائلةً وطاقاتٍ مميّزةً في سنّ الثالثة، بل إنّ تلك الطاقات تبدأ بالظهور وهو في سنّ الثانية والنصف، فإذا ما منحت له مزيداً من فرص التعليم وإشباع حبّ الاستطلاع، فإنّه سيصبح أكثر ذكاء، وبذلك تسهل على الأمّ عمليّة التربيّة. (1/296)
صفحة 297
ومن هذه القواعد كلّها نستنتج أنّ أفضل طريقةٍ لتعليم القرآن الكريم للطفل، هي طريقة الحوار، لأنّه زيادةٌ لتعليمه الآيات والسور، فهو يتعلّم مع ذلك مهاراتٍ كثيرةً، وأفضلها وأحسنها، هي كيفيّة التحاور مع من حوله من عناصر المجتمع، ونتيجة لتعلّمه هذه المهارة يبتعد عن التحاور بجسده، أو بانفعالاته، كما يقرّر كثير من العلماء أنّ السبب في تحاور كثيرٍ من الناس مع من حوله بالطريقة الجسديّة، أنّه لم يتعلّم طريقة الحوار بالأفكار، فيجب على الوالدين إذا أرادا أن يخفّفا عن أنفسهما صعوبة عمليّة التربيّة، وأن يكتشفا مهارات الولد مبكّراً أن يوفّرا مواد تعلّمٍ جيّدةٍ وجذّابةٍ، وفرصٍ مناسبةٍ لإشباع اهتماماته بتعلّم اللغة، ونتيجةً لذلك لن يلجأ إلى العبث بالقلم على الجدران، أو الأبواب، أو التحاور مع من حوله، أو إخوته بالحوار الجسدي، وربّما يوجد من الأولاد من يحاور بهذه الطريقة مع أمّه كذلك.
وقد رأينا من قبل بأنّ أمّ محمّدٍ التي اجتهدت وثابرت وصبرت على تعليم ولدها القرآن الكريم في سنٍّ مبكّرةٍ، قد لمست ثمرة جهدها في سلوك ولدها، وزيادة ذكائه، وشعرت بتقدّمٍ معتبرٍ في طريقة كلامه ومناقشته، فصارت تشعر به أنّه رجلٌ لا طفل، وقد فعلت مثل ذلك مع ابنتها، فكانت النتائج حسنة.
ومن من الناس يستطيع أن ينكر فائدة كتاب الله - عز وجل - الحواريّة، أو اللغويّة، أو تكوين الاهتمامات الجذّابة.
فعلى الأمّ أن تكوّن وتبني له بيئةً تعليميّةً مثيرةً، حتّى توسّع من معارفه، وتطوّر عمل مخّه وتنمّيه، وتنوّع له معارفه.
فالبقرآن تستطيع الأمّهات أن يبلورن أسلوبهن في تعليم أولادهنّ، وهذا الأسلوب التعليمي سيؤثّر على سهولة وسرعة تعلّمهم وردود أفعالهم للخبرات الجديدة الكثيرة التي سيتعلّمونها في مستقبل حياتهم، وهل سيكون تعلّمهم سريعاً، أو بطيئاً، وكيف سيكونون في ردود أفعالهم، متهوّرين، أو هادئين، ومثاليّين؟ (1/297)
صفحة 298
وكلّ هذه التوجّهات ستنتج أساساً عن مدى محاولة الولد التعلّم في هذه المرحلة بحماسٍ ومساعدة الوالدين، وهذا هو دور الوالدين، فما عليهما إلاّ أن يقوما بدورهما على أحسن ما يكون إذا أرادا أن يكوّنا أولاداً سريعي التحصيل والفهم والاستيعاب.
والحوار مع الأبناء وهم في سنّواتهم الأولى هو شكلٌ من أشكال الفهم والتفاهم، وهو ليس سؤالاً وجواباً فقط، بل هو إضافة معلوماتٍ كثيرةٍ لخبرات الطفل، تستهدف بناءه، وبناء ذاته بناءً متكاملاً.
إنّ التأثير التربوي بين كلمةٍ وأخرى، يكمن في اختيار الكلمة المناسبة في الوقت المناسب، وتكمن المشكلة الحقيقيّة في تواصلنا مع الأبناء في الردّ بنفس الأنماط المختزنة في ذاكرتنا من النماذج التي تعرّضنا لها من خلال مراحل حياتنا المختلفة، وأغلب الأولياء يحاورون دون أن يتركوا مساحةً للتفكير في أسلوب الحوار الأكثر فاعليّة، ولا بدّ أن نعلم أنّ الحوار اليومي مع الولد يفضي من دون شكٍّ، أو ريبٍ إلى نتائج إيجابيّةٍ إذا استطاع المربّي أن يوجّه حواره مع ولده بالطريقة الإيجابيّة السليمة.
والمربّون الذين يهتمّون بتعليم أولادهم كلام ربّهم، يفتحون أبواباً من الحوار أمامهم، بحيث يفتحون لهم أبواباً واسعةً من الأسئلة التي سيسألونها حول كتاب الله - سبحانه وتعالى -، ونستطيع أن نقول أنّ تكوين هذا الحوار الفعّال والواسع لدى الولد من المقاصد الإيجابيّة التي يرمي إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من وراء أمره الأولياء بتعليم الأولاد القرآن الكريم.
كما أنّ العلماء الذين يبحثون في موضوع تربيّة الأولاد بالحوار قد قسّموا مواضيعه، أو كما يسمّونها بتعبيرهم رسائله إلى قسمين:
ــ رسائل إيجابيّة. ... ــ رسائل سلبيّة. (1/298)
صفحة 299
فالرسائل الإيجابيّة هي التي تدفع الأبناء نحو السلوك الإيجابي، والتي يجب أن يتخاطب بها الأولياء معهم، ونذكر بعض النماذج لتلك الرسائل، وندرس هل هي موجودة في تعليم الأولاد كتاب الله - سبحانه وتعالى -، أم لا؟
ــ رسائل استفهاميّة: ماذا تظنّ أنّي سأطلب منك أن تفعل؟.
ــ رسائل تفقّديّة: ماذا كنت تودّ أن تفعل أنت؟.
ــ رسائل تشجيعيّة: أشكرك شكراً جزيلاً على قيامك بهذا العمل.
ــ رسائل تهنئة: بارك الله فيك، هذا ما كان ينبغي أن يقوم به الولد المؤدّب المهذّب، لقد قمت بعملٍ رائعٍ.
ــ رسائل تظهر الاحترام: أنا أحبّ أن أسمع رأيك في كيفيّة حلّ هذا المشكل.
وإذا تفحصّنا كلّ هذه الرسائل التي تبعث الشجاعة والثقة في نفس الطفل، نجد أن المربّي يستطيع تطبيقها عند تعليمه كتاب الله - سبحانه وتعالى -.
فمثلا فهو يستطيع أن يستعمل الرسائل الاستفهاميّة عندما يلقّن الولد آيةً من القرآن الكريم، أو كلمةً منه، فيسأله عن معنى كلمة الله مثلاً، أو عن معنى أيّ كلمةٍ أخرى، أو أيّ سؤالٍ مهمٍّ يراه المربّي لائقاً أن يطرحه عليه، وهذه الأسئلة الاستفهاميّة الحواريّة تنشّط ذهنه، وتجعله يحاول ويحاول لكي يتحصّل على رسائل التهنئة، خاصّةً إذا كانت تلك الرسائل عبارة عن جائزةٍ رمزيّةٍ يقدّمها الوالدان في حفلٍ عائليٍّ صغيرٍ.
ولا بدّ أن ننصح المربّين وعلى رأسهم الأمّ أن يكثروا من هذه الحوارات الاستفهاميّة مع الولد، لأنّه زيادةٌ لتنشيط خلاياه المخيّة وتقويّة الروابط بين الخلايا العصبيّة الدماغيّة لديه، فإنّها تكوّن لديه الروابط التي تقوّي فيه مهارات الانتباه والإدراك والحفظ والاستيعاب. (1/299)
صفحة 300
أمّا فيما يخصّ الرسائل التشجيعيّة، فإنّ المربّي يستطيع أن يقوم بها مع الولد بشكلٍ دائمٍ، وذلك عند حفظه لآيةٍ من الآيات، أو سورةٍ من السور، فيهنّئه، ويشجّعه ببعض الكلمات التي تبعث فيه الشجاعة والمثابرة على الحفظ، وتكوّن فيه الثقة بنفسه، وبواسطتها يتكوّن لديه تصوّرٌ إيجابيٌّ نحو نفسه ونحو كتاب ربّه - عز وجل -، ويشعر أنّه قادرٌ على الحفظ والاستيعاب، فيصعد درجةً درجةً في سلّم الحفظ، وبعد كلّ مرّة يحقّق فيها هدفا ويشجَّع عليه، تقوى نفسه وتزداد إرادته، فيتقدّم في ميدان الحفظ والاستيعاب، وتقوى ذاكرته بشكلٍ أحسن.
أمّا بالنسبة للرسائل التي نظهر له فيها الاحترام والتقدير، فنستطيع تطبيق ذلك بعد تلقينه الآية التي نطلب منه حفظها، فكلّما نلقّن له كلمةً، أو آيةً نطلب منه أن يعيدها، ونخبره بأنّنا نريد أن نسمعها منه، وبصوته الجيّد، فنتحصّل من وراء ذلك على عدّة منافع ونتائج حسنةٍ، منها أنّه سيحاول تحسين صوته قدر استطاعته، ويبذل مجهوده كي يستوعب الكلمة أو الكلمات، أو الآية التي نلقّنها له، حتّى يعيدها إعادةً جيّدةً وينال تلك الرسائل التشجيعيّة، ومنها أنّنا ندرّبه على طلاقة اللسان وحسن التعبير، والشجاعة على محاورة غيره.
كما ينصح الخبراء المربّين، وخاصّةً الأمّ باختيار الوقت المناسب للحوار والمساءلة، والدقّة في السؤال الذي نوجّهه إلى الولد، واستخدام النغمة الحانيّة، مع حسن الاستماع إليه والتعاطف معه، وكلّ هذه المطالب، أو التوجيهات نستطيع تطبيقها عند تحفيظنا الطفل لكتاب الله - عز وجل -.
كما يرشدون المربّين إلى الانتباه لنبرة صوت الطفل عندما يطلبون منه إعادة ما لقّنوه له، وينتبهوا إلى ملامح وجهه، وهذا يعينهم على معرفة ما إذا كان الطفل مستعدّاً لزيادة التلقّي، أم أنّه قد تعب وقلق، فلا نحمّله أكثر من طاقته، حتّى لا يملّ. (1/300)
صفحة 301
وعند تعليم الولد يجب أن يتفرّغوا له بالكليّة، ولا يعلّموه وهم مشغولون بشيءٍ آخر، أو في حالةٍ متوتّرةٍ، وكذلك أن يتحيّنوا فرصة استعداده ورغبته في التعلّم والاستزادة منه أكثر.
وتعليم كلام الله - سبحانه وتعالى - للأولاد وهم صغارٌ يعين المربّي بشكلٍ فعّالٍ على الاستماع إليه والتعاطف معه.
ــ فهو بذلك يستطيع أن يستمع إليه جيّداً، ويلاحظ كلّ تعبيرات وجهه، والطريقة التي يتكلّم ويعبّر بها، وحدّة صوته ودرجة ارتفاعه، وانخفاضه، وينظر إليه باهتمام، لأنّ الأبحاث التي أجريت في مجال التلقين أثبتت بأنّ الكلمات التي تلقّن للطفل تنقل 20% من المعنى المراد إيصاله، أمّا التعبيرات المختلفة لأعضاء الجسم والوجه فتنقل 80%.
ــ فعندما نلقّن الولد يجب أن نعلّق على ما نقول، ونكرّر ما يقوله، ولكن باختصارٍ، وبكيفيّاتٍ مختلفةٍ، ثمّ نسمح له بالتعليق والسؤال حول ما لقنّاه له.
ــ نسأله ماذا فهم من الكلمات التي سمعها.
ــ نشاركه في أحاسيسه، فنخبره بأنّنا نتفهّمها ونقدّر طاقاته، وأنّه يجب أن لا يحزن إذا لم يكن سريع الحفظ والاستيعاب، ولكن عليه أن يجتهد ويعمل، حتّى يرفع من قدرته وقوّة حفظه.
ويمكن لنا أن نستوحي طريقة التعليم من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي تحاور فيه مع جبريل - عليه السلام -: فعن ابن عمر ـ - رضي الله عنه - ـ قال بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منّا أحدٌ، حتّى جلس إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم -، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفّيه على فخديه، إلى آخر الحديث. (1/301)
صفحة 302
فنجد فيه أنّ جبريل - عليه السلام - قد اهتمّ اهتماماً كبيراً ليجلب انتباهه، ويتوجّه إليه بكامل طاقته، فجلس أمامه جلوس المتواضع، وقابله بوجهه، وبكامل أعضائه، كي يستقبل ما سيلقيه إليه بنفسٍ منشرحةٍ متفتّحةٍ، وقد جاءه بهيئةٍ نظيفةٍ تجلب النفس، وتملأها ثقةً، وذلك من المؤثّرات التي تفتح كوامن النفس لتتلقّى ما يُلقى إليها بعنايةٍ.
وتحفيظ القرآن للولد الصغير بمثل هذا الاهتمام يعين المربّي على التحاور معه من أجل أن يشجّعه ويثني عليه، ويفتح لديه مجالاتٍ واسعةً للمناقشة، وهذا الأسلوب يعدّ من أهمّ الطرق للإبقاء على السلوكيّات السليمة في نفس الولد، والتي تجعله يتلقّى بشكلٍ أفضل وأتقن، وبهذه الطريقة نحرّك فيه روح التلقّي بثقةٍ وتواضعٍ، ونحرّك فيه الدافع الذاتي لكي يثابر ويطوّر نفسه بنفسه.
وتلقين الولد آياتٍ قرآنيّةٍ يوميّاً، وإعادته لتلك الآيات، يعلّمه طلاقة الكلام، ويساعده على ترتيب أفكاره، ويمرّنه على الإصغاء والفهم وتنميّة شخصيّته، وتقويّة ذاكرته، وبذلك يتعلّم الوالدان أنفسهما مهارة الاستماع إلى حديث الأولاد، وفهمهم، وهذه المهارة تعدّ شفرةً معقّدةً، يجب على الوالدين فكّها.
وإقناع الأولاد أنّهم يستطيعون تحقيق أهدافٍ هائلةٍ في الحياة بعد حفظ بعض الآيات، أو سورةٍ من السور القصيرة، يكوّن فيهم اعتقاداً كبيراً بأنّهم سينجحون في مستقبل حياتهم، لأنّ الاعتقاد الذي يغرس في نفس الإنسان وهو صغيرٌ هو الذي يحدّد ما سيكون عليه في مستقبل حياته، والولد سيتكوّن لديه اعتقادٌ بأنّ طاقاته ليس لها حدود، وذلك بما يحفظه من السور الواحدة تلو الأخرى، ولو اعتقد أنّ حياته تحدّها حدودٌ ضيّقةٌ، فإنّ تلك الحدود ستصبح فجأةً أمراً واقعاً في حياته المستقبليّة. (1/302)
صفحة 303
والولد بتفكيره القصير لا ينظر إلى أنّ السور التي حفظها قصيرةً كما نراها نحن الكبار، ولكن يراها عبارةً عن هدفٍ قد حقّقه، خاصّةً إذا قُدّمت له هديّة تشجيعيّة، فيعتقد في تصوّره أنّه قد حقّق هدفاً مهمّاً، ويخرج من ذلك بتصوّرٍ إيجابيٍّ، وهو أنّه يستطيع تحقيق الأهداف المختلفة في المستقبل، وبعد الانتهاء من كلّ سورةٍ يصبح مؤمناً بإمكانيّاته التي يستطيع بها تجاوز العقبات المختلفة، فيتحوّل ذلك الاعتقاد إلى واقعٍ يسانده في تحقيق الأهداف الكثيرة في هذه الحياة.
وقد يصاب كثيرٌ من الشباب بالضعف نتيجةً لتكوّن تصوّرٍ لديهم منذ الصغر بأنّ لديهم طاقاتٍ محدودةً، ولمحدوديّة إيمانهم بما هم عليه، وبما يمكن أن يقوموا به في المستقبل، وذلك ممّا يدفعهم إلى عدم القيام بأيّ مجهودٍ لكي يحوّلوا أحلامهم إلى حقائق واقعيّةٍ.
إنّ الناجحين قد تعلّموا منذ صغرهم ماذا يريدون، وتكوّن لديهم إيمانٌ بقدراتهم على الحصول على ما يريدونه، وذلك بإيحاءٍ من أمّهاتهم الذكيّات المثابرات.
وإذا حفظ الولد الصغير السور الواحدة تلو الأخرى يتزوّد بالوقود اللازم للاتّجاه نحو التفوّق، ويمهّد لنفسه الطريق الذي سيسير فيه نحو تحقيق النجاح، ويبني شعوراً ذكيّاً بالتقدّم المنطقي، وللنجاح في تحقيق أهدافه.
حوار الأمّهات مع أولادهنّ (1/303)
صفحة 304
القاعدة التي تتحكّم في مختلف أنواع التعليم أنّه كلّما زاد تكرار المعلومة من طرف المعلّم، وزاد سماعها من طرف المتعلّم ـ والتي تسمّى بالمداخلات الحسّية ــ كلّما زاد الانتباه، وهذا ممّا يزيد من قوّة استيعاب المخّ، ويؤكّد علماء النفس أنّ الأولاد الذين تتحدّث معهم أمّهاتهم كثيراً تتكوّن لديهم حصيلةٌ غزيرةٌ من المفردات، وهذا كتاب ربّنا بين أيدينا، ومفرداته كثيرةٌ ومتينةٌ وغزيرةٌ، لأنّها من كلام خالق العقل البشري، وخالق قدراته وطاقاته، وهي قويّةٌ، لأنّها تستمدّ قوّتها من قوّة العزيز الجبّار، فلماذا لا نجعله محور تحاورنا مع أولادنا، حتّى يستفيدوا منه أكثر من أيّ علمٍ آخر نحادثهم فيه.
وقد خلق الله - عز وجل - في الولد الصغير منذ سنواته الأولى شبكاتٍ عصبيّةً للغة مرتبطةً بالمراكز السمعيّة والكلاميّة والفهم، وهي تتشكّل بسرعةٍ فائقةٍ منذ السنوات الأولى من عمره، وهذه الارتباطات هي التي تكوّن طرقاً قويّةً في الأعصاب التي تربط بين الخلايا الدماغيّة، يستخدمها لمعالجة الكلمات التي يسمعها، والكلمات التي ينطق بها، فيما يستقبله من حياته.
والولد الذي يتعلّم لغتين، أو ثلاثة خلال الفترة الخصبة لتعلّم اللغة، ينطق كلّ لغةٍ بطريقةٍ خاصّةٍ، تتكوّن لديه حسب طريقة النطق التي ينطق بها معلّمه الذي علّم له تلك اللغة، فإذا سمع لغة في المنزل من طرف أمّه، وأخرى من مشرفة الروضة، وثالثةً في المدرسة، فنحن لا ندرك أنّه يتعلّم ثلاثة لغاتٍ معاً، ولا هو يدرك ذلك من جهته، ولكنّه يفهم أنّه لكي يحصل على ما يريد من أمّه، أو من المشرفة على الروضة، أو من معلّمه في المدرسة، فعليه أن يتكلّم مع كلّ واحدٍ منهم بالطريقة التي تعلّمها منه، فعندما نقارن تعلّم الطفل القرآن وتعلّمه اللغة في البيت، نجد أنّه يتعلّم لغتين في نفس الوقت، وبهذا تنشط أعصاب مخّه، وتقوى في تكوين مساراتٍ عصبيّةٍ جديدةٍ. (1/304)
صفحة 305
وقد توصّل العلماء عبر بحوثهم أنّه توجد لدى المخّ في مرحلة نموّه وصلاتٌ وشجيراتٌ عصبيّةٌ احتياطيّةٌ، يمكن أن يستغلّها تلقائيّا للسمع والفهم والتحدّث بلغةٍ أخرى، وتكوّن لديه فرصة تعلّمٍ إضافيّةٍ، ولكن هذه الكفاءة الزائدة تتناقص بشكلٍ كبيرٍ عندما يصل الولد إلى سنّ 10 أو 12 سنة، ويصبح لديه قدرةٌ محدودةٌ على نطق الأصوات التي لم يسمعها أثناء طفولته.
ولعلّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما يرشدنا إلى تعليم الأولاد القرآن الكريم في المرحلة الأولى من طفولتهم، يريد منّا أن نستغلّ فيهم تلك الدوافع الفطريّة التي وهبها لهم ربّنا - سبحانه وتعالى -، وننشّط فيهم تلك الوصلات والشجيرات العصبيّة الاحتياطيّة بواسطته، فهو أفضل كلامٍ، وأرقى وأكرم أسلوبٍ، زيادة على كونه بركةً كلّه، وكونه ثريّاً بمختلف المواضيع والتراكيب التي لا توجد في غيره من الأساليب الأخرى، الموجودة على وجه الأرض، وينمّي تلك القدرات اللامحدودة لتعلّم لغتين، أو أكثر، لأنّ لغته لا تشبه اللغة التي يتعلّمونها في البيت، أو التي يتعلّمونها في المدرسة، وبذلك نستطيع أن نوفّر لهم تعلّم ثلاث لغاتٍ في آنٍ واحد، فيصبحوا بذلك عباقرةً، ومتفوّقين عقليّاً، قادرين على مواصلة دراستهم العلميّة في مختلف مراحل الحياة، ويسهل عليهم التعلّم بعد ذلك.
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}
[الأنفال ـ 24]
القرآن يبني ملكة الحفظ
إنّ ملكة الحفظ تتكوّن لدى ذهن الأشخاص بالتكرار، والقرآن الكريم يحفظ بالتكرار، إذن نستطيع أن نبني في الولد ملكة الحفظ بتكراره وتلاوته وحفظه. (1/305)
صفحة 306
ولقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم إلى المجتمعات الإسلاميّة ليكون منهج حياتهم، فهو المنهج الذي لا يتطرّق إليه أيّ نقصانٍ، أو ضعفٍ، أو تغييرٍ، كما هو شأن المناهج التي هي من وضع الإنسان، وليجعلوه محور دراستهم، وأساس تعاملاتهم، لكي يكوّن فيهم التفكير الإيجابي، والذاكرة القويّة، والحفظ الجيّد، وليبني حياتهم بناءً صحيحاً، ويوجّههم الوجهة الصواب، فهو الذي يضمن لهم حياةً طيّبةً هنيئةً مطمئنّةً في الدنيا، وحياةً سعيدةً أبديّةً في الآخرة.
إنّه يحدث التغيّرات المفيدة في خلايا الدماغ لأنّه يجعل الحواس مرهفةً مدرّبةً وحادّةً، تؤدّي دورها أحسن الأداء، خاصّةً حاسّة السمع التي تقوّي الذاكرة السمعيّة لدى الإنسان، ويجعل المرء في حالة يقظةٍ تامةٍ وانتباهٍ جيّدٍ، وحالته العاطفيّة ودوافعه والجوّ المحيط به كلّها تساعد على التعلّم والحفظ.
وكما يمكن لعضلات أعضاء الجسم أن تقوى بالمداومة على الرياضة، فكذلك يمكن أن تقوى عضلات المخّ ـ وهو عضو من أعضاء الجسم ـ والذاكرة والحافظة بالمداومة على المطالعة الدسمة والغذاء الذهني المهمّ، والمداومة على تلاوة القرآن الكريم يكوّن هذه المهارات بشكلٍ أفضل وأحسن وأقوم، لأنّه أفضل أسلوبٍ وتعبيرٍ على وجه الأرض على الإطلاق، وذلك بشهادة ربّ العزّة، ملك الملوك، وخالق هذه الأعضاء جميعاً.
- {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} ... [الزمر ـ 23] (1/306)
صفحة 307
وأصعب شيءٍ يجب أن نبنيه داخل عقول أولادنا هو أن نعينهم في تكوين الممرّات المعقّدة التي تمرّ عبرها المعلومة والفكرة داخل خلايا المخّ، وهذه هي المهمّة الصعبة على الإطلاق، التي يجب على المربّي أن يهتمّ بها اهتماماً بالغاً، لأنّه إذا ما تدرّب عقل الولد على تكوين الممرّات فإنّه سينمو على ذلك، ويتعوّد عليه، ويتطوّر بشكلٍ إيجابيٍّ، وهذا ما يجب أن يقوم به المربّي بكلّ ما أوتي من ذكاءٍ، وذلك بتكوين مثيراتٍ مختلفةٍ ومحفّزةٍ لتلك الخلايا، وقد رأينا في نفس هذا الكتاب أنّ علماء الذاكرة متّفقون بأنّه:
«ليس هناك ذاكرةٌ قويّةٌ، وأخرى ضعيفةٌ، وإنّما هناك ذاكرةٌ مدرّبةٌ، وأخرى غير مدرّبةٌ».
والمخّ يعدّ مثل أيّ عضلة، أو عضو في الجسم، فإذا أردنا أن يكون قويّاً، فعلينا أن ندرّبه جيّداً بالتمرينات الفكريّة المختلفة، مثله تماماً مثل أيّ عضلةٍ أخرى.
وقد توصّل العلماء بعد بحوثهم الكثيرة بأنّ المخّ قد فطره خالقه على البحث الدائم عن المعرفة، أي قد جعل فيه آليّة البحث، وتعدّ المعلومة إحدى الشروط اللازمة لبقاء المخّ وخلاياه في نشاطٍ وعملٍ متواصلين.
إنّ خلايا المخّ في حاجةٍ دائمةٍ إلى غذاءٍ من البيانات والمعرفة لكي يتمّ تفعيلها، ولكي تجد سبباً وهدفاً لاستخدام الغذاء والأكسجين الوارد إليها.
وحفظ القرآن الكريم يعتمد على التكرار المتواصل، وقد اكتشف العلماء بعد بحوثهم بأنّ مهارة الحفظ تتكوّن في العقل بعمليّة التكرار وبالصبر والمثابرة على ذلك.
والتكرار هو الذي يفتح الممرّات في الأعصاب المخّية التي تربط بين خلايا المخّ، ويسوق العلماء مثالاً لذلك من الواقع، وهو للإنسان الذي يريد أن يشقّ طريقاً جديداً في وسط غابةٍ بكرٍ: (1/307)
صفحة 308
فلنتصوّر أنّ شخصاً يريد أن يشقّ طريقاً داخل تلك الغابة لأوّل مرّةٍ من طرفها إلى نهاية الطرف الآخر، ففي المرّة الأولى التي يمرّ فيها عبر الغابة، سوف تواجهه مصاعب كثيرةٌ، ومقاومةٌ قويّةٌ في الطريق، ولكن بعد أن يصل إلى نهايتها، ثمّ يعود إلى البداية التي انطلق منها بأوّل خطوةٍ، ويتّبع نفس الطريق التي شقّها من قبل، فسوف لن تواجهه تلك المصاعب التي واجهته في المرّة الأولى، وسيظهر الطريق أمامه سهلاً واسعاً يسير فيه بكلّ حرّيةٍ، وكأنّه لم تكن توجد فيه تلك المصاعب التي واجهته في البداية أصلاً، وإذا عاود السير فيه مرّةً ثالثةً ورابعةً، فإنّه سيتحوّل إلى طريقٍ واسعٍ يستعمله الناس دون خوفٍ أو حرجٍ، وكأنّه كان موجوداً وممهّداً من قبل، وربّما سيتحوّل بعد مدّةٍ من الزمن إلى طريقٍ شبه معبّدةٍ تسير فيه السيّارات من دون أيّة صعوبة.
هكذا يشبّه العلماء مخّ الإنسان، فعندما يبدأ الإنسان حفظ معلومةٍ تظهر له أنّها صعبة الحفظ، وما ذلك إلاّ لأنّها لم تتّخذ لنفسها مساراً داخل الأعصاب الدماغيّة التي تربط بين خلاياه، وفي كلّ مرّةٍ يكرّرها صاحبها تتّبع نفس المسار، ثمّ مرّةً بعد أخرى، يصبح طريقها سهلاً ممهّداً، تسير فيه بكلّ سهولةٍ وقوّةٍ، وبهذا نستطيع أن نفسّر معنى حفظ تلك المعلومة، ومعنى استرجاعها بسرعةٍ ودون مشقّةٍ.
وهذه الحقيقة بالغة التأثير في مجال الذاكرة لمن أراد أن يقوّي ويشحّذ ذاكرته، وكذلك نستطيع أن نفسّر بها مفهوم التطبّع والتعوّد على السلوك والعادات والتعلّم والتطوّر في مجالات حياة الإنسان.
فالقاعدة تقول: إنّه مع تكرار الفكرة تقلّ المقاومة، ثم يعمل تكرار تلك المعلومة على زيادة الترسيخ، أو زيادة فرص تعلّقها بالخلايا العصبيّة بشكلٍ أقوى وأحسن، ثمّ بمعاودة التكرار والمراجعة، تحدث مهارة داخل المخّ مثل:
ــ التعلّم ـ النجاح ـ التحسّن ـ الإبداع ـ الذكاء ـ النمو ـ القدرة الذهنيّة. (1/308)
صفحة 309
والله - عز وجل - قد أنزل إلينا كتابه القرآن الكريم ليكون لنا أحسن مدرّبٍ ومنشّطٍ لذاكرتنا على الدوام، وهو أحسن وأفضل غذاءٍ ذهنيٍّ لعقل هذا الإنسان الذي خلقه بيده، وهو يعلم ما يليق به لعقله وروحه وجسمه، ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ويعلم سرّه ونجواه، وخلق نفسه ويعلم ما يصلح لدنياه وآخرته، فأنزل إليه هذه المأدبة الفكريّة الجليلة والعظيمة التي لها تأثيرٌ عجيبٌ في كامل ذاته وقلبه ودماغه، والقرآن الكريم مأدبة الله - عز وجل - على هذه الأرض.
وقد توصّل العلماء إلى أنّ هناك اتّصالاً وثيقاً بين قلب الإنسان وذاكرته، وتلاوة القرآن الكريم بقواعد التجويد، يبعث في قلبه الطمأنينة، ويبعد عنه الوساوس والشكوك التي تضعفه وتشغله، فتؤثّر على الذاكرة، وتضعفها، وباشتماله على المواضيع المتعدّدة يجعل المخّ يعمل بكلا شقّيه، وليس بواحدٍ فقط.
وأثبتت الدراسات المختلفة الحديثة الخاصّة بالمخّ ـ وخاصّةً تلك التي تتعلّق بالجانبين الأيمن والأيسر من قشرة المخّ ـ أنّ كلّ إنسانٍ يملك سلسلةً هائلةً من المهارات العقليّة الموزّعة في كلّ مكانٍ من الأجزاء الأكثر تقدّماً في المخّ، وأنّ هذه المهارات في حاجة إلى التدريب والتطوير الملائمين حتّى تنمو وتقوى، وتشمل تلك المهارات الكامنة في قشرة المخّ بجانبيها الأيمن والأيسر.
وذلك لأنّ لكلّ شقٍّ من المخّ مهاراته التي يختصّ بها ويقوم باستعمالها، فإذا ما قمنا ببعض المهارات التي يختصّ بها شقٌّ، ولم ننشّط الشقّ الآخر بالقيام بتطبيق مهاراته فإنّه يصبح لدينا شقٌّ أقوى وأنشط من الآخر. (1/309)
صفحة 310
وإذا بدأنا تنشيط مخّ الولد بهذا الغذاء الذهنيّ المهمّ، قبل أن يدخل فيه أيّ علمٍ آخر، وذلك تبعاً لوصيّة الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين يأمر أتباعه بتعليمه إيّاه قبل أيّ علمٍ آخر، فإنّ خلاياه الذهنيّة تجد بغيتها التي تبحث عنها، والتي تبعث فيها العمل والنشاط فتتقوّى وتزيد من تخزينها لمختلف المعلومات التي ترد إليها.
فقد درس هذا الموضوع العالم النفسي الأمريكي روجر سبري حيث فاز بجائزة نوبل مقابل أعماله وأبحاثه التي قام بها حول شقّي المخّ، فاكتشف هو ومعاونوه في البحث أنّ الشقّ الأيمن من المخّ يتعامل عامّةً مع النشاطات الإبداعية التي لا تتعبه كثيراً، بينما الشقّ الأيسر يقوم بنشاطات أخرى مختلفةٍ. فمثلا الشقّ الأيمن ينجز النشاطات الآتية:
الإيقاع (التجويد، أو الترتيل) ـ الإدراك المكاني ـ الإدراك الشمولي ـ التخيّل ـ أحلام اليقظة ـ الألوان ـ الأبعاد.
بينما الشقّ الأيسر يقوم بعمليّاتٍ معقّدةٍ نوعاً ما وذلك مثل:
حفظ الكلمات ـ المنطق ـ حفظ الأعداد ـ التتابع ـ التشعّبية ـ التحليل ـ القوائم.
ونحن المسلمون قد أعطانا الله - عز وجل -، وأنزل إلينا بواسطة رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - كتابه القرآن، الذي لو حافظ على دراسته ومراجعته أولادنا، لاستطاعوا تنمّية إبداعهم في الشقّين معاً، وتقوّية تفكيرهم، فلا يفقدون ذاكرتهم بسرعة. (1/310)
صفحة 311
فبقراءتهم القرآن الكريم ترتفع معنويّاتهم النفسيّة، لأنّ الله - عز وجل - هو الذي ضمن لهم ذلك، لما فيه من الحكمة والبركة، ويضاعف من قدراتهم الفكريّة إذا هم حاولوا حفظه واهتمّوا بدراسته، وينمّي ذاكرتهم، ويبقيها جيّدةً قويّةً ونشيطةً إلى آخر أيّام العمر، لما فيه من مواضيع مختلفةٍ متعدّدةٍ، وما فيه من غرائب وعجائب، وقصصٍ وخيالاتٍ منقطعة النظير، وتاريخ الرسل والأمم السابقة المتعدّدة، وما أعدّه للمتّقين من نعيمٍ مقيمٍ، وللكافرين من عذابٍ أليمٍ، وغير ذلك ممّا يجعل المخّ ينتقل من موضوعٍ إلى آخر، ومن أسلوبٍ إلى أسلوبٍ مختلفٍ، فيتنوّع بذلك تفكيره، وتنشط خلاياه العصبيّة، وتقوى الروابط العصبيّة التي تربط بين الخلايا الدماغيّة، فيبقى العقل سليما حيويّا، يؤدّي دوره ولو أنّ صاحبه قد وصل إلى أرذل العمر، زيادة لما فيه من الهداية الرشيدة القويمة، والأجر العظيم. قال تعالى:
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء: 9]
والقراءة بالنسبة للعقل، تعدّ كالرياضة بالنسبة للجسد.
ولما في قراءة القرآن الكريم من تعبّد لله - جل جلاله -، وما فيه من الأجر العظيم فكلّ حرفٍ بعشر حسناتٍ، يمكن أن نعدّه أحسن غذاءٍ ذهنيٍّ قويٍّ منحه الله - سبحانه وتعالى - لهذا الإنسان، كي لا يفقد قواه العقليّة وهو في آخر العمر.
ولو شئنا لذكرنا أسماء كثيرٍ من المشائخ الذين داوموا على تلاوة القرآن الكريم عن ظهر قلبٍ، وهم في سنّ الثمانين والتسعين، وكان ذلك بإذن الله - سبحانه وتعالى - سبباً للمحافظة على ذاكرةٍ قويّةٍ جيّدةٍ، لا ينسون أسماء تلامذتهم الذين علّموهم منذ ثلاثين وأربعين سنة، فهو بإذن الله - عز وجل - كلّه بركةٌ، فما على المسلمين إلاّ يحافظوا عليه، إذا أرادوا أن يحفظ الله - عز وجل - لهم كلّ قواهم، فيحيوا حياةً طيّبةً سعيدةً.
عن ابن مسعود –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (1/311)
صفحة 312
«من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرفٌ، ولكن ألف حرفٌ، ولام حرفٌ، وميم حرفٌ». (1)
فعمليّة الحفظ والتفكّر والتذكّر تصل إلى ذروة إمكانياتها الحقيقيّة إذا اعتمدنا على تطوير وتطبيق مستوى نشطٍ وصحيحٍ من التفكير الذكيّ وإضفائه على كلّ مهارةٍ نقوم بها.
فالقرآن نورٌ من عند الله - عز وجل -، فإذا أنار به الإنسان قلبه فتح أبوابه لأنواع العلوم الأخرى، فيسهل عليه التعلّم والحفظ والتذكّر، لأنّ القرآن الكريم سيبني فيه ملكة الحفظ، ويحفظ ذلك الوعاء الذي يحوي كتاب الله - عز وجل -، وهو مكان كمون مختلف المعلومات التي يتلقّاها الإنسان، كما أنّه يدرّب ذاكرته على مهارة الاستذكار، فتصبح سهلةً عليه، لأنّ ملكة الاستذكار تتكوّن لدى الإنسان بالتمارين المختلفة التي يتدرّب عليها.
وإذا تعمّقنا في هذا المجال أكثر وأكثر فإنّنا نجد أنفسنا أنّنا نعيش أقلّ من مستوى قوانا العقليّة والفكريّة التي وهبها لنا ربّنا - سبحانه وتعالى -، لأنّنا لم نتفكّر جيّداً في مستوى تلك المواهب المختلفة التي نحملها داخل أنفسنا، وعندما ندرس أنفسنا جيّداً، ونلتزم الجدّ والعمل والمثابرة في تغذيّتها بالغذاء الذهني الجيّد والقويّ، ونولّي لكلّ هذه الجوانب حقّها في العناية، فإنّنا سننطلق من قيد ذلك الخوف من الحياة، والشعور بالضعف والنقص، خاصّةً وأنّ كثيراً من عناصر شعوب العالم الإسلاميّة يشعرون بمركّب نقصٍ، كأنّهم خلقوا بقدراتٍ وطاقاتٍ أدنى من الشعوب الأخرى، وذلك ناتجٌ عن انبهارهم بتلك المدنيّة الزائفة والتقدّم العلمي الهائل الذي وصلوا إليه، وما بلغوا ذلك إلاّ باكتشافهم لتلك المهارات والطاقات التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لجميع الشعوب على الكرة الأرضيّة لا فرق بين هذا وذاك، وتدريب أولادهم عليها على مرّ السنين، فكبروا على ذلك. قال الله - سبحانه وتعالى -:
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/312)
صفحة 313
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ... [النساء: 1]
إنّها قدراتٌ ومهاراتٌ كامنةٌ في أنفسنا، وهي موجودةٌ سواءً آمنّا بذلك، أو لم نؤمن به، أو تعلّمنا كيف نفكّر في استغلالها وتنميّتها، أو لم نتعلّم.
فيجب علينا أن نتعلّم التفكير الجيّد والإيجابي في أنّنا نمتلك هذه الطاقات والقدرات، والتفكير في الكيفيّة استثمارها، وننمّيها في الجهة الحسنة من الحياة، وذلك هو معنى تعلّم التفكير، لأنّنا نجد الأغلبيّة الغالبة من المتعلّمين والمثقّفين يمتلكون تلك القدرات وقد تعلّموا مختلف العلوم، واكتسبوا مختلف الثقافات، ولكنّهم لم يتعلّموا كيفيّة التفكير في استثمارها.
إنّ جميع العباقرة الذين عاشوا حياةً منتجةً من مخترعين ومبدعين وكتّابٍ وفلاسفةٍ وفنّانين ورجال أعمالٍ، هم مثلنا جميعاً، ولكنّ الفارق الذي تفوّقوا من خلاله، حتّى وصلوا إلى تلك الدرجات العليا، قد جاءهم من خلال تفكيرهم في استثمار تلك المهارات، فهم لم يعملوا بمقتضى ما تعلّموه فقط، بل كانوا يقضون الأوقات الطوال في التفكير في الكيفيّة التي يستغلّون بها تلك العلوم التي تعلّموها، وبذلك أصبحوا يزيدون فيها من عندهم كثيراً من الأشياء التي لم يكونوا قد تعلّموها أثناء دراستهم، فهم يستعملون أحياناً كثيرةً اتّجاهاً عقليّاً إيجابيّاً يساعدهم على تحقيق أعمالهم وتطلّعاتهم. (1/313)
صفحة 314
وتعلّم التفكير هو أن نتعلّم كيف نغتنم وقتنا، وكيف نسيّره بطريقةٍ منظّمةٍ والتي نضمن بها عدم تضييعه فيما لا يعني، لأنّ عدم التفكير في تنظيم الوقت يجعلنا نضيّع الكثير منه دون فائدةٍ نجنيها، فإمّا أن ننتظر حتّى تحين فرصةٌ لننطلق نحو هدفنا، وهذا تضييعٌ كبيرٌ للوقت، أو ننطلق في الطريق دون تفكيرٍ جيّدٍ في تحديد الهدف، أو دون التخطيط المحكم للسير نحو تحقيقه، فنجد أنفسنا في منتصف الطريق الخاطئ الذي لا يوصلنا إلى الهدف المطلوب، وفي ذلك الوقت نجد أنفسنا ملزمين بالرجوع إلى نقطة الصفر، ونكون بهذا قد ضيّعنا وقتاً كبيراً ومجهوداتٍ نحن أحوج ما نكون إليها لاستغلالها فيما ينفعنا.
نجد الكثير من الشباب الذين يقضون أوقاتهم في أشياء لا تعود عليهم بالفائدة، ما زالوا لم يتعلّموا كيفيّة التفكير في استغلال تلك الأوقات في أشياء مفيدةٍ تعود عليهم بالنجاح لدينهم، ولدنياهم، وهم يصرفون كثيراً من أوقاتهم وطاقاتهم في تحقيق الفشل بدل النجاح الذي يجب أن يطمحوا إليه.
والناجحون المتفوّقون في هذه الحياة يستنشقون نفس الهواء الذي نستنشقه، ويشربون نفس الماء الذي نشربه، ويتقوّتون بنفس الغذاء الذي نتقوّت به، ولكن لديهم شيءٌ آخر قد أضافوه لحياتهم، وهو تعلّم التفكير في استغلال طاقاتهم والتفكير في اكتشاف مهاراتهم، والتفكير في كيفيّة استغلالها وتنميّتها، فهم يفكّرون بطريقةٍ حسنةٍ في كيفيّة السير على الطريق الذي يوصلهم إلى تحقيق تلك المهارات، وقد صدق أمرسون حين قال:
«النجاح طبيعيٌّ وشرعيٌّ، ولكنّه يعتمد على حالة عقلٍ وجسمٍ إيجابيّةٍ، وعلى العمل المتواصل، وعلى الشجاعة».
وأنا أقول: النجاح يستطيع تحقيقه جميع الناس، ولكن يعتمد على كيفيّة التفكير في تحديده، والتخطيط بكلّ حكمةٍ وجدّيةٍ للوصول إليه.
فالله ربّنا - سبحانه وتعالى - يأمرنا في كثير من آياته أن نتفكّر ونعيد التفكير في أنفسنا وفيما حولنا. (1/314)
صفحة 315
- {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} ... [الروم: 8]
فهو يأمرنا أن نتفكّر جيّداً في كلّ ما يوجد حولنا، بل في أنفسنا، وهو بذلك يدرّبنا على مهارة استعمال التفكير في كلّ شيءٍ نريد القيام به، وذلك لما يوجد في هذه المهارة من أسسٍ كبيرةٍ إيجابيّةٍ لتحقيق النجاح.
وتعلّم التفكير يجعل الإنسان يفهم بكلّ وعيٍ وفاعليّةٍ مجريات الحياة والمجتمع من حوله، وبذلك يستطيع التكيّف معها إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ، فينجح في توجيه حياته الوجهة الصحيحة والناجحة، ولا يتعثّر كثيراً في طريقه الذي يسير عليه، لأنّه تعلّم كيفيّة السير الجيّد فيه.
نحن نجد كثيراً من المثقّفين ثقافةً عاليّةً، لا يستطيعون التكيّف مع الواقع، وما ذلك إلاّ لأنّهم تعلموا معلوماتٍ، وتخصّصوا في مجالاتٍ معيّنةٍ، ولكنّها بعيدةٌ كلّ البعد عن دراسة الواقع الذي سيباشرون فيه العمل، ويطبّقون فيه تلك المعلومات النظريّة التي تعلّموها.
وعندما نلاحظ المناهج التعليميّة، نجدها جامدةً وتقتصر على التعليم ببرامج محدّدةٍ ومسطّرةٍ أنتج نوعاٍ من المتعلّمين أصبحوا وبالاٍ على التعليم نفسه، حيث أنتجوا تخلّفاً ثقافيّاً.
لقد أصبح لدى المجتمعات التي لا تهتمّ في برامجها التعليميّة بتوجيه فكر الإنسان نحو الواقع الاجتماعي أميّةٌ ثانيةٌ، غير أميّة القراءة والكتابة، وهي أميّة الثقافة وعدم تكوين التفكير لدى عناصر المجتمع التي تتعلّم في مدارسها. (1/315)
صفحة 316
وثقافة تعليم التفكير تبني لدى الإنسان تفكيره الأساسي والإبداعي الذي سينطلق به نحو الأهداف العاليّة في الحياة الواقعيّة، فهي أداة لتكوين السلوك القويم والقوي الذي يحقّق به أفراد المجتمع أهدافهم، ويرفعون به قيمة مجتمعهم، وهي مصدرٌ قويٌّ للتغيير نحو الأفضل في كلّ نواحي الحياة، سواءً الاجتماعيّة منها، أو الثقافيّة، أو الاقتصاديّة، تكوّن لدى الأشخاص ميادين فسيحةً ومتنوّعةً للإبداع، وحريّة إحياء فرص الابتكار.
فمتى يا ترى ندرّب أولادنا على التفكير الإيجابيّ في الحياة العمليّة التطبيقيّة، ونكوّن منها مصدر إلهام وإدراكاً للمواهب والطاقات التي وهبها الله - عز وجل - لهم، حتّى يمارسوا دورهم التنمويّ الإيجابيّ الذي يرجوه منهم مجتمعهم.
وإذا كانت مهارة تعلّم التفكير على هذا النحو، أفلا يمكن جعل القرآن الكريم مصدراً لذلك، ما دام يشتمل على كلّ هذه الجوانب والمواضيع المتعدّدة والمتنوّعة التي ترشد إلى التفكّر جيّداً في كلّ ميادين الحياة.
إنّ المجتمعات التي لا تعلّم تلاميذها في مدارسها هذا النوع من التفكير يتكوّن لديها كلّ عامٍ مجموعةٌ من المتخصّصين في مختلف الفروع والمهن يتميّزون بتخلّف وعيهم الثقافي والاجتماعي، من بينهم دفعاتٌ جديدةٌ تدخل حقل العمل التعليمي، لتعيد إنتاج نفس النتائج وتكوين نفس الأجيال التي كانت قد تكوّنت من قبل، والتي تدخل ميدان العمل التعليمي لتعيد إنتاج نفس الممارسة التعليميّة في الأجيال التي تجلس أمامها في صفوف الدراسة. (1/316)
صفحة 317
وقد كانت نتيجة كلّ هذا العمل الذي يقتصر على تلقين العلوم المختلفة للتلاميذ، دون توجيه تفكيرهم الوجهة الإيجابيّة الصحيحة، لتدهور الوضع الثقافي في كثيرٍ من المجتمعات، فلم يعد المثقّف يهتمّ بالقراءة والمطالعة التي تعدّ العنصر الأساسي في التثقيف وتنوّع المعلومات التي هي الأساس في تكوين التفكير الإيجابي، وملء النفس ثقةً وشجاعةً للزيادة من الثقافة والتعلّم، ممّا يعينها كثيراً على الإبداع والابتكار.
يتّفق العلماء والمختصّون أنّ للأسرة والبيئة أثرها العظيم والكبير في تكوين التفكير الإيجابي الإبداعي لدى أفراها، فيجب على المجتمع أن يهب لعناصره فرصاً أكبر لرفع قدراتهم الفكريّة، والأغلبيّة الغالبة من أفراد المجتمع العاديّين موهوبون، ولكن القليل منهم من يجد الجوّ الملائم لتطوير طاقاته الكامنة، والاختلاف المتباين بين الأذكياء وغيرهم يعود للأساليب التي تصل بواسطتها المعلومات للدماغ، وطرق التفكير التي نعلّمها للفرد، فتعليم التفكير هو تعليم الذكاء، وهو تعليم كلّ الطرق والمهارات التي تجعل الفرد يفكّر بطريقةٍ إيجابيّةٍ أفضل وأحسن.
ولا بدّ أن نشير إلى أنّ الأمّ هي المسؤول الأوّل في تكوين مثل هذا الاتّجاه لدى الولد، فهي المعلّم الأوّل الذي يستطيع أن يحبّب إلى نفسه مهارة القراءة والمطالعة، إذا هي اهتمّت به اهتماماً جيّداً، ووجّهته إلى ذلك.، لأنّ تعلّم التفكير هو تعلّم المهارات الدراسيّة الجيّدة التي تعين على حلّ المشكلات اليوميّة، وقدرة التحكّم في الذات. (1/317)
صفحة 318
ويمكن أن نعتبر أمر رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - الأولياء أن يعلّموا أولادهم القرآن الكريم قبل أيّ علم، نوعا من تعليمهم التفكير الإيجابي الصحيح، لأنّهم بذلك سيعلمون بأنّ لهذا الكون ـ وهم جزء منه ـ إلهًا وخالقًا هو الذي يعين من توكّل عليه، ويوفّقه إلى نيل الدرجات العليا في سلّم النجاح والتفوّق، ولكن بعد العمل والجدّ والنشاط والمثابرة، فيجتهدون ويعملون، ثمّ يتوكّلون عليه، ولا يصيبهم اليأس والتشاؤم عندما يفشلون في تحقيق هدف من أهدافهم، بل يجب عليهم أن يعيدوا الكرّة مرّة بعد مرّة، حتّى يستحقّوا معونة ربّهم بحقّ.
إنّ تعليم أولادنا كتاب الله - عز وجل - وهم صغار يجعل تصوّراتهم وخواطرهم ومصادر سلوكهم تنبعث من معانيه التي ضمّنها منزّله في آياته المحكمة.
وهذاعبد الله بن مسعود ـ - رضي الله عنه - ـ يوصي إخوانه، فيقول:
«جرّدوا القرآن، ليربو فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإنّ الشيطان يفرّ من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة».
ويقول ـ - رضي الله عنه - ـ: «إنّ هذه القلوب أوعيّةٌ فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره».
ويقول ـ - رضي الله عنه - ـ: «كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آياتٍ لم يجاوزهنّ، حتّى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ».
وما ذلك إلاّ لأنّهم يتفكّرون جيّداً كيف يطبّقون تلك الآيات في واقعهم العملي، وبذلك صار حفظهم للقرآن الكريم يعلّمهم التفكير الإيجابي، وهذا ما ينبغي للمربّين أن يرشدوا إليه أولادهم بعد تعليمهم كلّ آيةٍ، أو سورةٍ منه.
ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - يعلّمنا كيف نقرأ القرآن الكريم، وكيف نعلّمه لأولادنا بطريقةٍ حسنةٍ، يأخذون من خلالها كيفيّة التفكير الإيجابيّ الجيّد، وهذا في الحديث الذي روته عائشة ـ - رضي الله عنه - ـ قالت: (1/318)
صفحة 319
«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم ليلة التمام، فيقرأ سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء، لا يمرّ بآية فيها استبشار إلاّ دعا الله - سبحانه وتعالى - ورغب، ولا يمرّ بآية فيها تخويف إلاّ دعا واستعاذ». (1)
إنّ التعليم والتثقيف [تعليم التفكير] توأمٌ متعاونٌ في توليد الطاقة الإبداعيّة لدى الإنسان، والتي تؤدّي إلى تنميّته وتطويره.
ويستهدف القرآن الكريم المؤثّرات والأنشطة التعليميّة والثقافيّة التي تمكّن الفرد ـ كلّ فرد ـ والمجتمع بكلّ فئاته من القدرة الواعيّة على التفكير والتفعيل لكلّ معطيات الواقع، والارتقاء بها إلى تفكيرٍ إيجابيٍّ مبدعٍ وأفضل وأنفع وأجمل لمسيرة الحياة الواقعيّة وصيرورتها التي ستصير إليها بعد فترةٍ من الزمن، وتتّخذ لذلك من المناهج والوسائل ما يشحذ طاقات الإبداع لدى كلّ مواطن.
وفي هذا المعنى يقول أبو الدرداء في وصيّة لبعض إخوانه يأمرهم فيها أن يعطوا القرآن الكريم بخزائمهم، لأنّه يحملهم على القصد والسهولة، ويجنّبهم الجور والخزونة.
يعطوا القرآن خزائمهم: أي يتواضعوا وينقادوا له بكلّ تواضعٍ واستسلامٍ.
يجنّبهم الجور والخزونة: أي يجنّبهم التشدّد والتعسّف.
المحافظة على ذاكرة الولد بالقرآن
كثيرٌ ما نتساءل عن ماهيّة الذاكرة، وكيف تعمل، وكيف تحافظ على المعلومات، وكيف تقوى، ونحن من وراء ذلك كلّه ننشد الكمال من ذاكرتنا، وكلّنا يريد ويتمنّى أن تكون ذاكرته قديرةً وكاملةً ككيانٍ فذٍّ، لأنّ جوهر حياتنا مبنيٌّ على أساسها، فهي التي تحدّد من نكون، وماذا نكون، وماذا نستطيع أن نكون، أو نصنع، فكلّ أعمالنا وإحساساتنا تخضع لسيادتها، وهي الكيان الشامل الذي يملي علينا كيف نتفاعل معرفيّاً وعاطفيّاً وبدنيّاً وروحيّاً، وهي التي تمثّل كلّ تفاعلاتنا في حياتنا.
__________
(1) أخرجه البخاري. (1/319)
صفحة 320
وحفظ القرآن والمداومة على تلاوته يشحّذ الذهن، ويقوّي العمليّات العقليّة، وخاصّة الخيال القويم، وينمّي الذاكرة، لما يحتويه من مواضيع متنوّعة، فلذلك أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أتباعه بتعليمه أطفالهم منذ صغرهم، وفي ذلك يقول التومي الشيباني:
«لقد احترم المربّون المسلمون الذاكرة القويّة، واعتبروا تنميّة الحافظة عند الطفل هدفاً من أهداف التربيّة، وقد ساعدت النصوص الداعيّة والمرغّبة في حفظ كتاب الله - عز وجل - ـ القرآن الكريم ـ على اهتمام المسلمين بالحفظ، وعلى انتشاره كوسيلةٍ من وسائل التحصيل».
وقد بلغ اهتمام المحدّثين واللغويّين بالحفظ أن جعلوا درجة الحافظ في أسمى الدرجات، الحافظ لكتاب الله - عز وجل -، والحافظ لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والعالم باللغة، ونتيجةً لهذا الاهتمام بالحفظ وبوسائل تقويّة الذاكرة، نبغ الكثير من أعلام الفكر الإسلامي في سعة الحفظ وسرعته، من أمثال البخاري، وابن راهويه، والأصمعي، والمتنبّي، وغيرهم كثيرٌ.
والاعتماد على تلقين الولد الآية التي نريد منه أن يحفظها ينمّي ذاكرته تنميّةً كبيرةً، لأنّ ذلك الانتباه الذي نطلبه منه، ونحثّه عليه لكي يعيد جيّداً ما نمليه عليه، يهذّب قواه العقليّة، ولأنّ الذاكرة يمكن تعديلها وتحسينها بالتدريب وذلك باستعمال بعض الاستراتيجيّات للتحكّم في النصّ الذي نريد حفظه، وقد أنزل لنا ربّنا - سبحانه وتعالى - القرآن ليكون خير مدرّبٍ لها، ومحافظٍ عليها، وأرشدنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، فما علينا إلاّ المداومة على تعليمه لأطفالنا، إذا أردنا أن نحقّق هذه النتائج.
ودور المعلّم بالنسبة للتلميذ هو تعليمه حسن الإصغاء وتدريبه على الانتباه الجيّد قبل توصيل المعلومة إليه، وتفعيل التلميذ والاستعانة به لتصحيح الأخطاء، والهدف التربوي من ذلك هو إشراك التلميذ وتدريبه على التركيز الجيّد، وحسن الإصغاء. (1/320)
صفحة 321
والذاكرة عند الإنسان مثلها مثل أيّ شيءٍ ثمينٍ وغالٍ، فإذا كنّا نريد أن يبقى على هيئته الحسنة، ويزيد لمعاناً وتوهّجاً، فعلينا أن نحافظ عليه وننظّفه ونهتمّ به الاهتمام البالغ، ولكن إذا نحن أهملناه، فإنّ قيمته تنقص بمرور الوقت عليه شيئاً فشيئاً، بما يتراكم عليه من الغبار والصدأ، فينقص لمعانه، ويفقد قيمته.
يقول علماء الذاكرة: إنّ التدريبات البسيطة العادية لا يمكن أن تقويّ ذاكرة أولادنا، كما نطمح إلى ذلك، ولكن نستطيع أن نحقّق ذلك باستعمال الوسائل المتعدّدة للوصول إلى ذلك، مثل تنظيم المعلومات التي نريد حفظها، والتدريب الجيّد على الانتباه والتركيز، واستعمال الحوار والمشاركة الجيّدة والنشطة، واستخدام الوسائل التحفيزيّة، وقد ذكر الكاتب شريفي ياسين في كتابه (1): [التحفيز التربوي] الوسائل التي نستطيع أن نحفّز بها ذاكرة الأولاد لتقوم بعملها على أحسن ما يكون، وقد قال في مقدّمته:
«يلعب التحفيز دوراً رئيسيّاً في تكوين الشخصيّة السليمة للفرد، ذلك أنّه يكفل تحقيق النتائج بدافع داخلي منه، وليس تحت ضغوطٍ خارجيّةٍ، أو لكسب ولاءٍ معيّنٍ، كما أنّ التركيز على العقاب يتسبّب في تحطيم شخصيّة التلميذ، فينشأ ذليلاً مهزوماً، على العكس من عوامل التحفيز والترغيب التي لها أثرٌ سحريٌّ في كسب ولاء الولد وإقباله على العمل بحبٍّ ومتعةٍ وشغفٍ، فينشأ سليم النفس، عاليّ الهمّة، غير مستكينٍ، قادراً على بناء الحضارة».
والإفراط أو التركيز سواءً على العقاب أو التحفيز يؤدّي إلى نتائج سلبيّةٍ في كلا الحالين، والشيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه، إذن فلا بدّ من الموازنة، دون إفراط، أو تفريط.
__________
(1) من كتاب التحفيز التربوي لمؤلّفه: شريفي ياسين. (1/321)
صفحة 322
وقد ذكر بعض أنواع التحفيز، منها: بطاقة الاستحسان، بطاقة الانضباط، التهنئة الجماعيّة, الجوائز المعنويّة, الألعاب، رحلة الواجبات، الإعلام الآلي، الكلمة الطيّبة، الجائزة المجهولة، الكأس والميداليّة، تقديم الحلوى، تقديم العطر، التفكيك والتركيب.
ولأهميّة التحفيز في ميدان التحصيل والعمل، وأثره في النفس الإنسانيّة، وضع الله - سبحانه وتعالى - محفّزاتٍ عديدةٍ لعباده الصالحين كي يحبّب إليهم التقوى والعمل الصالح، وكذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
تأثير القرآن في الذاكرة
الذاكرة: مؤنّث الذاكر، وهي قوّةٌ نفسيّةٌ تحفظ الأشياء في الذهن، وتحضرها عند الاقتضاء.
وهي قدرة الإنسان على استحضار ما حصل له في الماضي من المعلومات استحضاراً كاملاً، وهذه القدرة موجودةٌ لدى جميع الناس بصورٍ مختلفةٍ، وتكون قويّةً في الأولاد بين سنّ السادسة والعاشرة.
ولا تكون الذاكرة صحيحةً كاملةً إلاّ إذا استطاعت حفظ ما يريد صاحبها، وتذكّره واستظهاره حين اللزوم تذكّراً حقيقيّاً، أي يدرك أنّ ما خطر بباله هو من اختباراته السابقة التي تعلّمها فيما مضى، وليست من ابتكاراته الخاصّة، ومعرفة الزمان والمكان اللذين حصل له فيه ذلك بكلّ التفاصيل، وليس هناك مهارةٌ تؤثّر في الذاكرة تأثيراً إيجابيّاً قويّاً أكثر من مهارة الحفظ التي تتكوّن لدى الإنسان بكثرة التكرار، وحافظ القرآن الكريم لا بدّ أن يعتمد على مهارة الحفظ اعتماداً أكبر من أيّ مهارةٍ أخرى.
الحفظ وكيفيّته
الحفظ: قلّة الغفلة، وهو خلاف النسيان، والحافظة: هي قوّة الذاكرة. (1/322)
صفحة 323
وكيفيّته الجيّدة هو أنّه يتمّ بواسطة الطريقة الكلّية الجزئيّة التي يتخلّلها فراغاتٌ متعدّدةٌ، فهناك من يحفظ نصّاً من النصوص كلمةً كلمةً، وجملةً جملةً في جلسةٍ واحدةٍ، وقد ثبت خطؤها بالتجارب الكثيرة، وهناك من يقرأ النصّ من أوّله إلى آخره عدّة مرّاتٍ، حتّى يحفظه، وهذه الطريقة الكلّية، وإن كانت مفيدةً إلاّ أنّها صعبةٌ، وخاصّةً على الأولاد الصغار، لذلك ينبغي أن نجمع بين الطريقتين الجزئيّة والكلّية في الحفظ، ليتمّ ربط الكلمات بعضها ببعض، ويسهل حفظها، وكذلك يجب أن تكون هناك فترات راحةٍ متقطّعةٌ، تختلف مدّتها باختلاف نفوس الأشخاص وأمزجتهم وقدراتهم الذهنيّة.
وهناك شروطٌ ضروريّةٌ للذاكرة، منها جسميّةٌ كالصحّة والغذاء الجيّد، والهواء النقيّ والراحة الكافيّة والنوم الصحّي، واجتناب السهرات والمسكرات.
ومنها نفسيّةٌ كالانتباه والتكرار، والمراجعة وربط المعلومات ببعضها، والتشوّق في الحفظ، والثقة بالنفس، وهدوء النفس وانشراحها.
وأزيد وأقول، يجب أن يكون هناك مع الفهم الجيّد العزيمة القويّة، والرغبة الحقيقيّة، والتشجيع من طرف الأولياء.
ومن أهمّ العوامل الأخرى التي تساعد على تثبيت المعرفة في الذهن، ويقوّي الذاكرة عدم حشد أشياء كثيرةٍ في جلسةٍ واحدةٍ، فمثلها مثل أيّ عضو آخر في الجسم يتعب من جرّاء العمل الكثير، فينبغي أن لا تشغل هذه الموهبة إلاّ بمعلوماتٍ هامّةٍ يحتاجها الإنسان، ولها علاقة بالحياة العلميّة والعمليّة الواقعيّة.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - ينصح المسلمين في مثل هذه المواضيع، فيقول:
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». (1)
ومعنى يعنيه: أنّه تتعلّق عنايته به، والعناية هي شدّة الاهتمام بالشيء.
لذلك نهى العلماء الأولاد عن قراءة الروايات، لأنّها تتعب الذاكرة بسبب الحوادث الكثيرة الخياليّة التي يخزنها الذهن، ويحاول حلّ ألغازها دون جدوى، أو منفعةٍ ترتجى من ذلك.
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/323)
صفحة 324
وعلى المربّي أن يهتمّ بالطفل جيّداً في سبيل تكوين ذاكرته، فيعطي له في مثل هذا السنّ سطوراً قليلةً، يكلّفه بحفظها وضبطها بدقّةٍ تامّةٍ، ولا يزيد له شيئاً آخر غيرها، حتّى يستوعبها، كما يجب عليه أن يهوّن عليه مرارة العمل الذي يبدو شاقّاً عليه.
وقد ذكر ابن سيناء في كتاب [السياسة] آراءً ثمينةً في تربيّة الأولاد، ونصح بالبدء بتعليم الطفل القرآن الكريم بمجرّد استعداده جسميّاً وعقليّاً للتعليم وفي الوقت نفسه يتعلّم حروف الهجاء والقراءة والكتابة، ويدرس قواعد الدين، ثمّ يروي الشعر.
وأظنّ أنّه بمجرّد أن يبدأ الولد بحفظ بعض الآيات من كلام ربّه - عز وجل -، فسوف يتعلّم تبعاً لذلك حروف الهجاء شيئاً فشيئاً، ويحفظ الكلمات، ويتعلّم كيفيّة النطق بها.
ومن القواعد التي وضعها الإسلام في تعليم الولد، البدء بتعليمه في مراحل الطفولة الأولى، حيث يكون الولد أصفى ذهناً، وأقوى ذاكرةً، وأنشط تعليماً.
إنّ المربّي الحاذق المخلص هو الذي ينزل بشخصيّته إلى طاقة ولده، فيظهر له أنّه يتعلّم معه ما كلّفه به، ويظهر له في بعض الأحيان أنّه يتأخّر عنه في الحفظ، ويوهمه أنّه قادر على أن يتعلّم أكثر ممّا يظنّ وعلى حسب مقدرة الولد على الحفظ والاستيعاب، يزيد له الكلمات والجمل.
ولعلّ أوّل خطوةٍ يجب على المعلّم القيام بها هو عمليّة تهدئة المتعلّم وأن يطمئنه أنّه قادرٌ على التعلّم، وبذلك يجني المربّي الثمرة المرجوّة من تليعمه وتحفيظه ما يستطيع حفظه واستيعابه.
وقد استنبط علماء التربيّة المسلمون هذه الطريقة من كلام الله - عز وجل - القرآن الكريم، والذي يقول فيه - سبحانه وتعالى - وهو يخاطب رسوله - صلى الله عليه وسلم -:
- {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ... [القيامة:16ـ19] (1/324)
صفحة 325
ويقول المفسّرون: هذا تعليمٌ من الله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في كيفيّة تلقّيه الوحي من الملك، أن يستمع إليه أوّلاً، ولا يسرع في قراءته مخافة عدم حفظه له، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد ضمن له أن يبيّنه له، ويفسّره، ويوضّحه، وأنّه قد تكفّل أن يجمعه في صدره، وكلّ هذا لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جاءه الملك بالوحي، يبادر إلى أخذه، ويسابقه في قراءته، خوفاً أن يفلت منه، أو ينساه.
ومن هذه التوجيهات الربّانيّة، استنبط علماء التربيّة نماذج تدريس القرآن، ومن خلالها الطريقة التي تُعلَّم بها بعض المواد الأخرى.
فالقرآن الكريم ليس كسائر الكتب التي يقرؤها الناس، كما أنّه لا بدّ علينا أن نشير بأنّه لا يوجد كتاب على وجه الأرض يحفظه البشر كما يحفظ المسلمون القرآن الكريم، خاصّةً وقد وصفه منزّله - عز وجل - بقوله:
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمر:17]
وهو ليس كتاب يقرأ بالنظر فقط، ولكن لا بدّ أن يستعين القارئ بمعلّمٍ كي يلقّن له الآيات التي يريد حفظها، ليصحّح له قراءته، ويراعي له التلاوة الصحيحة، من تصحيح الحركات ومخارج الحروف والكلمات، والذي يعتمد على نفسه في حفظ كلام الله - عز وجل - يحفظ كثيراً من الخطأ الذي لا يعذر عليه.
وهو الكتاب الوحيد الذي يحفّظ عن طريق التلقين والتسميع.
ونجد هذه الطريقة هي التي كان يعلّم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه حيث علّمها له ربّه - عز وجل -، فصار يتعامل بها مع أصحابه، وكذلك يجب على كافّة المسلمين أن يتّبعوا نفس الطريقة، لأنّ الله - عز وجل - ربّهم قد جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إسوةً حسنةً لهم فقال - عز وجل -:
- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} ... [الأحزاب:21] (1/325)
صفحة 326
فما يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كيفيّة تحفيظ القرآن الكريم يعدّ طريقةً سماويّةً نبويّةً من طرائق الحفظ الذي يعلّمها للناس خالق نفوسهم، ومنشئ عقولهم.
وذلك كما قال سفيان بن عيينة: «إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الميزان الأكبر، فعليه تعرض الأشياء، على خُلُقه، وسيرته، وهديه، فما وافقها فهو الحقّ، وما خالفها فهو الباطل». (1)
وهذا التلقين الذي كان يعلّم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، والذي يجب أن نتعامل به مع أولادنا، يجعل المتلقّي يتعلّم الاستماع والإنصات والانتباه الجيّد لما يُقرأ عليه أثناء القراءة النموذجيّة، التي يقرؤها عليه معلّمه ومرشده، حتّى يقلّد تلك القراءة بكلّ إتقانٍ ورويّةٍ، ويعيد ما سمعه.
لذلك يطلب من المعلّم في هذه المرحلة أن يقنع الطفل بأنّ الاستماع الجيّد يكون سبباً أساسيّاً في إعانته على الحفظ، وتعليم الاستماع والانتباه والتركيز للطفل الصغير يعدّ مهارةً، لأنّه كلّما كان الاستماع بانتباهٍ وتركيزٍ، كان محصول التعلّم قويّاً وراسخاً، ويكون الترديد صحيحاً وسليماً، فهذه الخطوة تتطلّب من المعلّم اهتماماً نفسيّاً عميقاً، وصبراً كبيراً.
والمتعلّم الصغير إذا ما تدرّب على الاهتمام والتركيز، فإنّ ذلك يصبح فيه عادةً حسنةً، ومهارةً راسخةً وقويّةً، فتتحرّك فيه العمليّات العقليّة، التي تكون سبباً لاستيعاب الآيات المسموعة، وحفظها بكلّ سهولةٍ واطمئنانٍ، وحبسها في العقل، وذلك بالتكرار المتعدّد والترجيع والترديد، بتوجيهٍ من معلّمه، وخوفه أن يحاسبه المعلّم على قصوره الذهني وعدم الاستذكار.
__________
(1) من كتاب أسرار الذاكرة في القرآن الكريم ـ حريزي موسى. (1/326)
صفحة 327
وكلّ هذه العوامل تكوّن انتباهاً جيّداً لدى الأولاد الذين يقومون بها، وقد جعل علماء الذاكرة الانتباه من أسس الحفظ والتذكّر، خاصّةً لدى الولد الصغير الذي تكون ذاكرته ما تزال فارغةً من المعلومات التي توجد عند الكبار، فإذا ما قام المعلّم بتعليم الطفل الصغير القرآن الكريم بهذه الطريقة التي كان يعلّم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فإنّه سيتعلّم مهارة الانتباه، بسهولة، حتّى تصبح فيه عادةً ترافقه طوال عمر التعليم.
وقد روي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان إذا أراد تعليم أصحابه شيئاً أعاده عليهم ثلاثاً.
فعن أبي سلامٍ عن رجلٍ خدم النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حدّث حديثاً أعاده ثلاث مرّاتٍ.
وفي رواية أخرى، عن نافعٍ عن ابن عمر أنّه قال: «من روى عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حديثاً، فليردّده ثلاثاً». ... والله - سبحانه وتعالى - وترٌ، يحبّ الوتر.
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - غالباً ما يستعمل النداء مع أصحابه، وما ذلك إلاّ ليجلب انتباههم، ثمّ يلقي إليهم ما يريد أن يعلّمهم إيّاه، مثل: يا غلام.
يقول الدكتور حريزي موسى: «وإنّ في التثليث أسراراً نفسيّة في التراث الإسلامي والعربي، حيث إنّنا نجد في معظم الأحيان أنّ التكرار ثلاث مرّاتٍ، يُروى في كثيرٍ من المعلومات والعبادات والأقوال والعادات، وهي طريقة من طرائق تثبيت وترسيخ ما يُسمع، أو يُروى، أمّا التلقّي بالمرّة الواحدة فلا يكون إلاّ للعباقرة من أصحاب العقول القويّة، والأفذاذ من الأذكياء، وقليلٌ ما هم». (1)
ولقد روى البخاري في فضائل القرآن، أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إنّ جبريل يعارضني بالقرآن في كلّ سنةٍ، وإنّه عارضني في العام مرّتين». (2)
__________
(1) من كتاب أسرار الذاكرة في القرآن الكريم.
(2) أخرجه البخاري. (1/327)
صفحة 328
وفي رواية عن أبي هريرة، عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان يعرض على النبيء - صلى الله عليه وسلم - القرآن كلّ عامٍ مرّةً، فعرض عليه مرّتين في العام الذي قُبض فيه.
وهكذا فقد اتّبع العلماء والفقهاء سنّة رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فكوّنوا حلقاتٍ لتعليم القرآن في المساجد بالتلقين، وهو أن يسمع التلميذ المتعلّم ما يمليه عليه معلّمه، ثمّ يعيد عرض ما تلقّاه عليه، فهذا يعدّ إحياءً للطريقة النبويّة في تلقّي القرآن.
وفي تكرار القراءة والتلقين ثلاث مرّاتٍ سرٌّ إلهيٌّ، وله تأثيرٌ نفسيٌّ في ذهن السامع، لذلك بدأ الله - سبحانه وتعالى - إنزال الوحي من أوّل مرّة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكيفيّة، وهو تكرار القراءة ثلاث مرّاتٍ.
والحادثة التاريخيّة العظيمة التي بدأ بها الله - سبحانه وتعالى - هذا الدين العظيم، الدين الإسلامي الذي غيّر خطّ التاريخ كما لم يتغيّر من قبل قطّ، وكما لن يتغيّر من بعد أيضاً، وكان هذا الحدث هو مفترق الطريق بين الحقّ والباطل، فقد بدأ نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم -، أو القرآن الكريم، حين جاءه الملك جبريل - عليه السلام - وهو يتعبّد في غار حراء، فقال اقرأ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أنا بقارئٍ، قال: فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئٍ، فأخذني فغطّني الثانية، حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: أقرأ، فقلت: ما أنا بقارئٍ، فأخذني فغطّني الثالثة، ثمّ أرسلني، فقال:
- {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ... [العلق:1ـ 5] (1/328)
صفحة 329
وقد لا حظ بعض العلماء أنّ الحوادث، أو المشاهد التي وقعت للرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحادثة التاريخيّة العظيمة كلّها قد تكرّرت ثلاث مرّاتٍ.
فجبريل - عليه السلام - قد أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة ثلاث مرّاتٍ، وأنّ استفهام النبيء - صلى الله عليه وسلم - لجبريل ـ ما أنا بقارئٍ ـ وقع منه ثلاث مرّاتٍ، وأنّ جبريل - عليه السلام - قد ضمّه ثلاث مرّاتٍ، وأنّه قد أرسله كذلك ثلاث مرّاتٍ، وهذه خمسة مشاهد بين جبريل - عليه السلام - والنبيء - صلى الله عليه وسلم - وقعت ثلاث مرّاتٍ، وكلّ هذا من تدبير العليم الخبير، وليبدأ به أكبر وأعظم وأجلّ حدثٍ يقع في تاريخ البشريّة أجمع، إلى يوم الدين، وهو تعليم النبيء الأمّيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يقرأ، ولم يكتب في يومٍ من الأيّام حرفاً، ومن هنا استنبط العلماء أنّ كلّ من أراد أن يتعلّم شيئاً، أو يعلّمه أحداً غيره عليه أن يكرّره ويعيده ثلاث مرّاتٍ، حتّى ينتبه إليه جيّداً، ويركّز عليه دون غيره من المعلومات، ومن ثمّ يرسخ في ذهنه بكلّ سهولةٍ وبقوّةٍ.
فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعيد ما يريد تحفيظه لأصحابه ثلاث مرّاتٍ، فتعالوا معنا نتعرّف على ما توصّل إليه علماء الذاكرة في بحوثهم حول هذه القوّة التفكيريّة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لهذا الإنسان. (1/329)
صفحة 330
فكلّما أدّى عقل الإنسان فعلاً معيّناً، ثمّ أعاده مرّة ثانيّةٍ وثالثةٍ، أصبح ذلك الفعل نفسه أكثر سهولةٍ، يؤدّيه بعد ذلك بكفاءةٍ عاليّةٍ، فإذا كان ذلك الفعل مثلاً هو حفظ آيةٍ من كلام الله - عز وجل -، أو بيت شعرٍ، فكلّما أعاده مرّةً أخرى، سهلت عليه مهمّة حفظه، وإذا كان ذلك الفعل يعني الإبداع فهذا يعني أنّه كلّما مارس الإبداع بالشكل الصحيح ازداد التفكير الإبداعي سهولةً بالنسبة لذلك الإنسان، وهذا تماماً مثل الإنسان الذي يستعمل جسده بطريقةٍ جيّدةٍ ثمّ يعيد نفس العمليّة مرّةً بعد أخرى، فإنّ مستوى أدائه الجسدي يتحسّن أكثر بعد كلّ مرّةٍ يعيد فيها نفس العمل.
وذلك مثل لاعبي كرّة القدم الذين يتدرّبون كلّ يومٍ فيصبحوا لاعبين ماهرين موهوبين يتقنون اللعب بمهارةٍ، وما ذلك إلاّ لتدريبهم المتواصل.
فكلّما وجّهنا تفكير عقول أولادنا بتحفيظهم القرآن الكريم مع شيءٍ من التفسير البسيط، وشرح قصصه وأمثاله، فسنبني فيهم صيغ تفكيرٍ صحيحةٍ جديدةٍ، وهذا ممّا سيقودهم إلى أن يكوّنوا لأنفسهم تفكيراً إيجابيّاً، ونتيجةً لذلك يندفع العقل إلى الإبداع، ويتكوّن فيه الحافز الذي يسير به في طريق النجاح المتواصل.
لقد اكتشفت بعض الدراسات التي أجراها علماء الذاكرة على بعض الأولاد أنّ الوالدين في البيت، والمنظومات التربويّة يتّبعون طرقاً تساعدهم على النسيان بالتدريج، كما أنّ الطريقة التي يعلّمونهم بها كيف يفكّرون تؤدّي بهم إلى ضعف ذاكرتهم، والطريقة التي يتفاعلون بها مع إبداعهم تقتل فيهم تلك القوّة المبدعة التي تبدأ في الظهور فيهم شيئاً فشيئاً كلّما وجدت تحفيزاً وتشجيعاً. (1/330)
صفحة 331
كما أنّ الطريقة التي ندرّب بها أجسامهم تقودهم إلى المرض، أو الخمول، أو العكس النشاط الزائد غير الموجّه، وهو ما نستطيع أن نفسّر به العنف المتزايد الذي بدأ يظهر في تلاميذ المدارس الابتدائيّة على الخصوص، وكذلك الطريقة التي نحثّهم على التفكير بها تقودهم إلى التفكير السلبي وإلى المرض الفكري، وليس إلى الصحّة العقليّة والإيجابيّة.
فما لم ننشّط خلايا مخّهم باستعمال الصيغ الصحيحة التي تدفع عقولهم إلى الإبداع، ونكوّن فيهم الحوافز التي تجعلهم يسيرون في طريق النجاح بكلّ طمأنينة، فإنّنا لن نستطيع أن نكوّن منهم شخصيّاتٍ مبدعةٍ، وبعض هذه الصيغ المحفّزة قد حدّدها علماء الذاكرة، في حين أنّ المربّي الذكيّ هو الذي يبتكر مثل تلك المحفّزات بمختلف الوسائل والطرق، ومنها:
1ـ أن نكوّن فيهم التصوّر الإيجابيّ حول قواهم العقليّة التفكيريّة، ونجعلهم يعتقدون داخل العقل الباطن أنّ عقولهم تستطيع ابتكار عددٍ غير محدودٍ من الأفكار والتداعيّات.
2ـ أن نجعلهم يعتقدون بأنّهم بصدد بناء هياكل تفكيرٍ إيجابيٍّ.
3ـ أنّ أفكارهم الإيجابيّة المحفّزة تزداد عندهم يوماً بعد يومٍ، وذلك كلّما زاد مستوى الحفظ لديهم.
4ـ أن نبني فيهم الاعتقاد بأنّ التفكير الحافز لديهم سوف يدفعهم بشدّةٍ إلى تغيير وتحسين بنيتهم الجسديّة، وقواهم العقليّة.
5ـ أنّ كلّ آمالهم ومشاعرهم وشخصيّاتهم تكمن في مكانٍ ما داخل عقلهم، فعليهم أن يجتهدوا ويثابروا ويصبروا حتّى يكتشفوا الشفرة التي تعمل بها عقولهم.
6ـ البحث عن مواطن التميّز لديهم، لنميل إلى تطويرها، وذلك لا يكون إلاّ بالملاحظة الشديدة لكيفيّة تلقّيهم لما نعلّمهم إيّاه، أو سرعة إعادته، أو حفظه.
7ـ وكذلك ملاحظة مواطن ضعفهم وسلبيّتهم، فنحاول تخليصهم منها.
8ـ محاولة تنميّة بقيّة محاور شخصيّتهم، وتشجيعهم على ممارسة هواياتهم الأخرى حتّى نعينهم على ممارستها. (1/331)
صفحة 332
9ـ الاستغراق مع الطفل ومشاركته، وذلك بمنحه الوقت الكافي كلّ يومٍ. والاهتمام بواجباته المدرسيّة، ومساءلته باهتمامٍ حول ما درس، وما حفظ في ذلك اليوم.
10ـ تعليمه كيفيّة تعيين وتحديد الأوقات للقيام بواجباته المدرسيّة، والحفظ.
11ـ إشارده باتّباع كلّ طريقةٍ ممكنةٍ ليتعلّم الصبر والمثابرة وبذل كلّ ما لديه من طاقةٍ.
12ـ خلق بيئةٍ محفّزةٍ ومساعدة على ذلك داخل البيت.
13ـ تشجيع كافة جهوده التي أعادها وكرّرها مرّةً بعد أخرى بطريقةٍ ناجحةٍ، وتجاهل كافّة المحاولات غير الموفّقة، أو الفاشلة.
القرآن يبني مهارة الانتباه لدى الولد
انتبه الرجل: شرف، وانتبه من النوم: استيقظ.
وانتبه للأمر: فطن له، والنبه: الشريف، والفطن، وذو النباهة.
والانتباه قسمان: انتباه تلقائي، أو غير إرادي، وانتباه إرادي.
فالانتباه التلقائي: مثل الإصغاء إلى حكايةٍ لذيذةٍ، أو إلى صوتٍ شديدٍ، وفي مثل الحالة، فإنّ الشخص ينتبه من دون جهدٍ، أو مشقّةٍ.
والانتباه الإرادي: مثل إصغاء الولد إلى درسٍ غير جذّابٍ، وهو مكرهٌ، وذلك خوفاً من العقاب، أو طمعاً في جائزةٍ، أو مكافأةٍ.
وتكوين الانتباه والاهتمام والتركيز الجيّد لدى الولد يكون بطريقة التعليم المنهجي، وتكوين المشوّقات والمرغبات لديه، وتكرار الكلمة، أو الآية ثلاث مرّاتٍ، وبمرور الزمن مع التدريب على ذلك، يصبح فيه عادةً وطبيعةً.
وإنّ الانتباه الإرادي يتحوّل بمرور الزمن إلى انتباهٍ تلقائيٍّ، بعد تمارين طويلةٍ وتدريباتٍ متواصلةٍ.
كما يجب على المربّي أن يلتجئ إلى مثيراتٍ وبواعث، يتعامل بها مع الطفل إذا أراد أن يصل إلى غايته، وهي تكوين الانتباه التلقائي لديه.
وقد توصّل العلماء إلى كثيرٍ من تلك المثيرات التي تبعث الرغبة لدى الطفل، فينتبه جيّداً إلى ما نملي عليه، ومن بين تلك المنبّهات:
التكرار، والحاجة، والجاذبيّة، والتغيير، والجدّة، والقوّة، والشدّة، وتحديد الأشياء. (1/332)
صفحة 333
ويقول علماء التربيّة: إنّ الشيء إذا تكرّر أثّر فينا، لذا فمن الضروري أن نكرّر المعلومات والنصائح من حينٍ إلى آخر، بشرط ألاّ تخلو من جديدٍ أحياناً، ولا تتعدّى الحدّ المعيّن، لئلاّ تصبح مملّةً.
لذلك نجد ربّنا - سبحانه وتعالى - يعيد الأشياء الأساسيّة والمهمّة في كتابه مرّاتٍ عديدةٍ، لما في ذلك من الأثر البليغ في النفوس، وهذا التأثير من القواعد الأساسيّة لبناء الانتباه والتركيز.
فمثلا المسلم يقرأ الفاتحة في كلّ ركعةٍ من ركعات الصلاة، وذلك لعدّة مرّاتٍ في اليوم لما لها من الأهميّة، يقرأها ويعيدها منذ أن بلغ سنّ الصلاة، إلى أن يأتيه الأجل، وعمره سبعين أو ثمانين سنةً.
وأمّا ما يُقصد به القوّة والشدّة، فقد ضربوا لذلك مثلاً، وهو أنّ الصوت المرتفع والضوء الساطع، يدعو المتعلّم إلى الانتباه، ويدخل في القوّة والشدّة حجم الشيء الذي يوجد أمام المتعلّم، وكذلك الخطّ الكبير على السبّورة له أثره القويّ في بعث الانتباه.
ونستطيع أن نقول بأنّ كلّ تلك الأسباب المثيرة للانتباه موجودةٌ وكثيرةٌ في كيفيّة تعليم كتاب الله - عز وجل -، ويستطيع المربّي أن يستعملها بكلّ قوّةٍ لبناء الانتباه الحسن لدى الولد، ونتيجةً لذلك يكوّن فيه ملكة الحفظ.
فتعليم القرآن الكريم للولد منذ طفولته المبكّرة، ـ كما يسمّيها العلماء ـ يجعل حوّاسه تنتبه بمختلف المثيرات الحسّية منها والمعنويّة، من سمعٍ وبصرٍ وتعبيرٍ، وهذا ما يجعل أجهزته النفسيّة تعمل، لأنّها إذا لم تتلقّ مثل هذه المثيرات فإنّها تتعطّل، أو ينقص استعدادها للعمل بكفاءة.
لذلك يجب على الأمّ خاصّةً أن تبدأ في إثراء طفلها نفسيّاً، قراءةً واستماعاً، تنبيهاً واستجابةً، مشاركةً وتفاعلاً، فتقرأ عليه الكلمة أو الكلمتين بصوتٍ مرتفعٍ، كي يسمعها جيّداً، وهذه الطريقة صالحةٌ لتعليم الولد في كلّ أعماره. (1/333)
صفحة 334
وللانتباه والإنصات الجيّد أهميّةٌ كبيرةٌ وارتباطٌ وثيقٌ بالقدرة على التركيز والإدراك، ومحاولة الفهم الجيّد الذي هو قاعدةٌ ذهبيّةٌ للحفظ الجيّد والسريع.
وقد أثبت العلم بأنّ السمع مرتبطٌ بالقلب بشكلٍ مباشرٍ.
وعلى القارئ أو المستمع أن يحرص قدر استطاعته أن يظلّ يقظاً أثناء الاستماع أو القراءة، لأنّ ذلك يضمن له تشغيل شقيّ مخّه في وقتٍ واحدٍ، وبنفس القوّة، وبذلك يستطيع من جهةٍ أخرى أن يغذّي عقله تغذيّةً فكريّةً كاملةً قويّةً، وأن لا يعطي لأيّ عاملٍ من العوامل الأخرى فرصةً لتشتيت تفكريه وتركيزه.
وعليه أن يجلس هادئاً ويركّز انتباهه على التفكير الجيّد والتمعّن في الآيات البيّنات تمعّناً كاملاً.
وقد ثبت علميّا أنّ تركيبة خلايا مخّنا التي ركّبها الله - عز وجل - عليها تكون عند استماعنا إلى القرآن الكريم بتركيزٍ وانتباهٍ حيّةً نشيطةً وسعيدةً حتّى أثناء فترات الضغط عليها.
ولكنّ القرآن الكريم يهدّئ النفوس المضطربة والمتوتّرة، فيحمي خلايا المخّ من التوتّر الذي يسبّب ضموراً خطيراً فيها، أو يقلّل من كفاءتها وحيويّتها.
وثبت كذلك أنّ خلايا المخّ تتوقّف عن الضمور والتناقص بعد دوام الإستماع إلى القرآن الكريم يوميّاً لمدّة ثلاث ساعاتٍ على الأقلّ، ولا بدّ أنّ هناك فوائد أخرى كثيرةً لا يعلمها إلاّ منزّل هذا الكنز العظيم المليء بالفوائد والحسنات النفسيّة والمادّية لمن يحافظ على تلاوته والاستماع إليه.
فالقرآن كريم يكرم كلّ تواصل به بحقٍّ وإخلاصٍ، ولا يبخل عليه.
ومن هذه الفوائد التي يتحصّل عليها المحافظ عليه زيادة القدرة على التركيز واستدعاء الذاكرة بما يتلو من آياتٍ بيّناتٍ في مختلف المواضيع، بحيث توفّر له فضاءً رحباً للتأمّل، كيف لا والله - سبحانه وتعالى - هو الذي أمره بذلك، وما أكثر الآيات التي يأمر فيها عباده بالنظر والتفكّر والتفقّه والتذكّر. (1/334)
صفحة 335
- {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ... [آل عمران ـ191]
- {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ... [الأعراف ـ176]
وهو كذلك يعينه على القيام بعمليّاتٍ ذهنيّةٍ لم يكن قادراً على القيام بها من قبل.
لقد أثبت الباحثون أنّ تلاوة القرآن الكريم أو الاستماع إليه يهدّئ أعصاب الإنسان المصاب بالأرق، بحيث يتحصّل على مقدارٍ كافٍ من النوم، ولا يعزف عن الطعام، ويوفّر له حالةً من الاسترخاء تجعله قادراً على العمل بكلّ قواه التي وهبها الله - عز وجل - له.
وقد ذكرنا ذلك بالتفصيل في كتابنا، تقويّة الذاكرة بالقرآن الكريم.
وقد لاحظ علماء اهتمّوا بدراسة هذه المعجزة (القرآن) من كلّ جوانبها وخاصّةً في لفظها وتركيبها وبيانها أنّ موضوعاتها مهمّةٌ وعميقةٌ، لا يستطيع أحدٌ أن يتوصّل إلى إدراك كنهها وحقيقتها إلاّ بتركيزٍ عميقٍ، ذلك التركيز العميق الذي يوصل إلى التدبّر الجيّد الذي أمر الله به، والتدبّر بدوره يوصل إلى فهم بعض الدلالات العميقة التي ضمّنها ربّنا - عز وجل - في آيات كتابه الكريم.
فبالنسبة للفظه وتأليف حروفه وكلماته، نجد أنّ نظمه وجرسه ــ عندما يقرأ بترتيلٍ صحيحٍ ــ له وقعٌ مؤثّرٌ غاية التأثير في النفس، فله جمالٌ توقيعيٌّ يأخذ بمجامع القلوب، من حيث توزيع الحركات والسكنات والمدّات والغنّات، والاتصالات والوقوف، وهذا ما لا يمكن أن نجده في غيره من الكتب.
ولذلك أمر الله - سبحانه وتعالى - أن يقرأ بترتيلٍ وبدون عجلةٍ أو سرعةٍ، كما يأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك في كثيرٍ من أحاديثه.
القرآن يدرّب الذاكرة السمعيّة عند الولد
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء ـ 36] (1/335)
صفحة 336
الذاكرة السمعيّة، Memory Auditory: كما عرّفها علماء الذاكرة: هي القدرة على استدعاء سلسلةٍ من الأسماء والكلمات والأعداد وغير ذلك من المعلومات المقدّمة شفويّاً، ومن لديه خللٌ في الذاكرة السمعيّة قد يحتاج إلى مذكّراتٍ للتعليمات المقدّمة شفويّاً.
والذاكرة البصريّة، Memory Visual:
هي القدرة على تخزين واستدعاء الصور والأشكال والنصوص عن طريق المعلومات المدخلة بواسطة القنوات البصريّة الإدراكيّة، وقد تشفّر تلك المعلومات باستخدام رموزٍ سمعيّةٍ، أو بصريّةٍ مستقلّةٍ عن شكل التقدّيم.
وسيأتينا تعريف كلّ أنواع الذاكرة في كتابنا: بناء الذاكرة بالقرآن الكريم.
وقد بيّن العلماء أنّ الذاكرة السمعيّة أوسع وأشمل من الذاكرة البصريّة، بحيث لا نستطيع أن نقارن بينهما، فدائرة المشاهدات إذا قسناها بدائرة المسموعات فهي كلا شيءٍ، أمّا دائرة المسموعات ودائرة المشاهدات إذا قسناهما كليهما بدائرة التصوّرات، فإنّهما تصبحان كلا شيءٍ، لذلك ذكر الله - عز وجل - كثيراً من المشاهد التي لا تعدّ ولا تحصى في كتابه القرآن الكريم، وأنزل معجزة الدين الإسلامي قرآناً يتلى ويعتمد على الذاكرة السمعيّة والذاكرة التصوّريّة أكثر من اعتماده على الذاكرة البصريّة. (1/336)
صفحة 337
ومن الملاحظ في الآيات القرآنيّة التي ذكرت السمع والبصر أنّ كلمة السمع قد سبقت البصر وبلا استثناءٍ، فلابدّ أن نتساءل، هل لهذا السبق من دلالةٍ خاصّةٍ؟ فقد ثبت علميّاً أنّ الأذن الداخليّة للجنين تتحسّس الأصوات في الشهر الخامس، ويسمع الجنين أصوات وحركات قلب وأمعاء أمّه، وتتولّد نتيجةً لذلك إشاراتٌ عصبيّةٌ سمعيّةٌ في الأذن الداخليّة، والعصب السمعي والمنطقة السمعيّة في مخّه، لا يمكن تسجيلها إلاّ بالآلات المخبريّة الدقيقة، وهذا برهانٌ علميٌّ يثبت سماع الجنين للأصوات في هذه المرحلة المبكّرة من عمره، بينما لا يمكن تسجيل تلك الإشارات العصبيّة في الجهاز البصري للجنين إلاّ بعد ولادته.
ونتيجة لذلك يتعرّف المولود الجديد على تلك الدقّات المألوفة لديه مرّةً أخرى وهو خارج بطنها بعد الولادة، ممّا يكوّن في نفسه تأثيراً مهدّئاً، خاصّة وأنّه قد خرج إلى عالمٍ مخيفٍ غريبٍ عليه، ولقد وجد العلماء أنّ دقّات قلب الأمّ تكون دافعاً قويّاً لبعث السكون في نفس ولدها، خاصّةً عندما يذهب إلى النوم.
وقد اكتشف العلماء أنّ الجنين في بطن أمّه تتوضّح عنده أماكن السمع والبصر في اليوم الثاني والعشرين من تلقيح البويضة، وعند الولادة تكون الشبكيّة مكتملةً، ويسمع الأصوات في الشهر السادس والنصف، وهو في الرحم، بينما لا تكتمل المطابقة البصريّة لديه إلاّ في الشهر السادس من عمره بعد الولادة.
وثبت كذلك بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ المنطقة السمعيّة تتطوّر وتتكامل وظائفها قبل مثيلتها البصريّة، ومن المعلوم فيزيولوجيّا أنّ المنبّهات النوعيّة التي تسلك أيّ طريقٍ عصبيٍّ حسيٍّ تحفّزه على النمو والنضوج، ممّا يجعله قويّاً وبهذه الطريقة يحفّز الجهاز العصبي على النضوج منذ الشهر الخامس الجنيني، ولا يحفّز الجهاز البصري بمثل ذلك إلاّ بعد ولادة الوليد.
وهناك حكمتان اعتمدها العلماء في كون السمع أهمّ من البصر في الذاكرة: (1/337)
صفحة 338
1ــ لأنّ الإنسان يمكن له أن يتلقّى الأصوات من الجهات الستّ، عن يمينه، وعن شماله، ومن أمامه، ومن ورائه، ومن فوقه، ومن تحته، في الظلام، وفي النور، في الليل، وفي النهار، وربّما تكون بينه وبين مصدر الصوت حواجز متعدّدةٌ، بخلاف النظر، فإنّه لا يستطيع أن يرى به إلاّ ما يوجد أمامه، ولا يستطيع أن يرى ما وراءه إلاّ إذا استدار، ونفس الشيء بالنسبة ليمينه وشماله.
فلو كان مثلا يقود سيّارته فلا يرى إلاّ الذي أمامه، أمّا إن كان هناك خلل في محرّك سيّارته، فالصوت يصل إلى أذنه، فيقف في الوقت المناسب، ليصلح ذلك العطب.
كما أنّ أشعّة الضوء تسير بخطٍّ مستقيمٍ دائماً، فإذا اعترضها جسمٌ غير شفّافٍ، فلن تتمكّن من اختراقه، أو المرور حوله، بينما الموجات الصوتيّة تسير في كلّ الاتّجاهات، ويمكنها أن تلفّ حول الأجسام التي تصادفها مهما كانت حالتها، فهي تنتقل عبر السوائل والأجسام الصلبة بسهولة، فيسمعها الإنسان حتّى عبر الجدران.
2ــ أنّ للسمع وظائف لا يستطيع أن يدركها البصر، بل إنّ السمع هو الذي ينبّه الإنسان إلى أشياء كثيرة، لا يستطيع أن يدركها ببصره وحده، وبالسمع نسمع الحقّ، ونعقل الحقائق، التي لا نستطيع أن ندركها بالبصر.
ونتيجة لذلك النمو المبكّر للمنطقة السمعيّة، فإنّ الولد يستطيع أن يستوعب المعلومات الصوتيّة قبل وأكثر من استيعابه المعلومات البصريّة، ويتعلّمها ويحفظها أسرع بكثيرٍ من تعلّمه المعلومات المرئيّة، فهو يستطيع أن يفهم الكلام الذي يسمعه بسرعة، ويدركه، ويعيه أكثر من فهمه للرسوم والصور والكتابات التي يراها، ويحفظ الأغاني والأناشيد بسرعة، ويتمكّن من تعلّم النطق والقراءة في وقتٍ مبكّرٍ جدّاً بالنسبة لتعلّمه الكتابة، وكلّ ذلك لأنّ مناطق دماغه السمعيّة نضجت قبل المناطق البصريّة. ... قال الله - سبحانه وتعالى -: (1/338)
صفحة 339
- {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}
[المؤمنون ـ 78]
وقد توصّل الخبراء بأنّ منطقة التفسير اللغوي في قشرة المخّ تنمو وتتطوّر بشكلٍ أسرع، وترتبط ارتباطاً وثيقاً مع منطقة حسّ السمع، لأنّها تقع بالقرب منها، وهي لا ترتبط بنفس القوّة مع منطقة حسّ البصر التي تساهم هي الأخرى في وظيفة الكلام والإدراك اللغوي عن طريق القراءة والكتابة.
وهذا التقارب والارتباط بين هاتين المنطقتين ناتجٌ عن حقيقة تطوّر منطقة حسّ السمع ووظائفه في وقتٍ مبكّرٍ، وقبل نضوج منطقة ووظائف حسّ البصر. ... قال - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}
[الإنسان ـ 2]
والحكمة التي من أجلها قدّم الله - سبحانه وتعالى - حاسّة السمع على حاسّة البصر، لأنّ الأولى تتطوّر وتنضج قبل الثانيّة، والسمع أهمّ في التعلّم والتعليم وأعمق رسوخاً في الذاكرة من البصر.
ويقول الدكتور حريزي موسى، يذكر في هذا الصدد محمّد نجاتي:
«يأتي ذكر السمع في القرآن الكريم قبل الإبصار في كثيرٍ من الآيات، وذلك فيما يبدو لعدّة اعتبارات، منها: إنّ السمع أهمّ من البصر في عمليّة الإدراك الحسّي والتعلّم وتحصيل العلوم، وممّا يدلّ على أهميّة السمع في الإدراك، وفي تعلّم الأصوات ومدلولاتها، وأنّها من أهمّ أدوات التفكير وتحصيل العلوم، ذكره القرآن وحده ـ دون البصر ـ مع العقل للدلالة على العلاقة الوثيقة بينه وبين العقل، كقوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ... [الملك ـ 10]
ولهذه العلاقة الوطيدة بين السمع والعقل، فإنّ القرآن الكريم يذكر في كثيرٍ من الآيات السمع بمعنى الوعي والفهم والتدبّر والتعقّل، مثل قوله - سبحانه وتعالى -: (1/339)
صفحة 340
- {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}
[الحاقّة ـ 11ـ12]
ومن المعلوم أنّ المولود الذي يولد فاقداً لحاسّة السمع يصبح أبكم، ولن يتمكّن من تعلّم النطق والكلام، أمّا الذي يولد فاقداً لحاسّة البصر، فإنّه يتمكّن من تعلّم اللغة والنطق بسهولة.
وعند فقدان حاسّة البصر فإنّ المنطقة البصريّة في المخّ تقوم بوظائف تربط بواسطتها وظيفيّاً المناطق الارتباطيّة الدماغيّة الأخرى، فتزيد من قابليّة الدماغ على حفظ المعلومات والذاكرة والذكاء، بينما لا تقوم المناطق السمعيّة بمثل هذا العمل عند فقدان السمع، والسبب في ذلك لم يتوصّل بعدُ لمعرفته، لذلك فقد نبغ كثيرٌ ممّن فقد بصره، ولكن لم ينبغ أحدٌ ممّن فقد حاسّة السمع إلاّ نادراً، وهذا ممّا يدلّ على أهميّة حاسّة السمع.
لذلك فإنّه يمكن للأمّ أن تدرّب هذه الحاسّة لدى ولدها، بما تُسمعه يوميّاً من آيات كتاب الله - سبحانه وتعالى -، إذا أرادت أن يصبح في المستقبل إنساناً يركّز إلى ما يسمعه، كي يعقله، ويحفظه، وقد أكّد الله - سبحانه وتعالى - على أنّ الإحساسات الصوتيّة التي يسمعها الإنسان بأذنيه تصل مستوى الوعي أكثر من تلك التي تصله عن غير طريقه، كالبصر واللمس والشمّ. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ... [الحاقّة ـ 12]
وهذا دليلٌ على أنّه يوجد بين حاسّة السمع وبين القلب صلةٌ وثيقةٌ، ربّما لا توجد بين البصر والقلب، ولقد خصّ الله - سبحانه وتعالى - حسّ السمع وجهازه، ولم يذكر البصر عندما أراد تخصيص أهميّة حواسّ بعض عباده. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} ... [الأنعام ـ25] (1/340)
صفحة 341
كما اكتشف العلماء بأنّ حسّ السمع لكلّ أذنٍ يتمثّل في كلٍّ من جهتي المخّ، فإذا أصيب أحد شقيّ المخّ بمرض، فإنّ الأذنين لا يصيبهما الصمم، بينما في حاسّة البصر، فإنّ العين اليمنى يتمثّل مركز رؤيتها في الشقّ الأيسر، أمّا العين اليسرى فيتمثّل في الشقّ الأيمن، لذلك إذا أصيب أحد شقيّ المخّ بمرضٍ، فإنّ المصاب يفقد الرؤية في العين المعاكسة لجهة الإصابة.
والدليل الراجح على أنّ طريقة التسميع هي أفضل الطرق في التعليم، أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعلها الطريقة التي علّم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بداية إنزال الوحي عليه بواسطة جبريل - عليه السلام - وأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد علّم بها أصحابه، وما ذلك إلاّ لتأثيرها الإيجابيّ ونتائجها الطيّبة في النفس الإنسانيّة، ونحن يجب علينا أن نجعل رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - إسوتنا الحسنة.
- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ... [الأحزاب ـ 21]
لذلك إذا درّبت الأمّ ولدها على السمع الجيّد لبعض الآيات القرآنيّة، وبعض القصص، فإنّها تدرّب فيه شقيّ المخّ معاً، وهذه العمليّة تعدّ أحسن وسيلةٍ لتدريب المخّ تدريباً جيّداً، خاصّةً وأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في القرآن الكريم كلّ الخاصيّات التي يستطيع الإنسان أن يدرّب بها الشقّين معاً، فهو يتكوّن من الكلمات التي يحفظها الجانب الأيسر، والصوت الحسن الذي هو من اختصاص الجانب الأيمن، كما سنراه في كتابنا: بناء الذاكرة بالقرآن الكريم. (1/341)
صفحة 342
ولسبب ما فقد جعل الله - عز وجل - حجّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آياتٍ كريمةً تسمع، وتحفظ في الصدور، وتتناقل بين الرواة عن طريق السمع، وتقرأ بترتيلٍ وتجويدٍ، خاصّةً إذا تلقّى الولد ذلك التلقين من طرف أمّه التي قد حفظ بصمة صوتها في عقله الباطن، وقد اكتشف العلماء أنّ لكلّ إنسانٍ بصمته الخاصّة بصوته، وهذا ما لم يكن معروفاً من قبل.
ولكلّ إنسانٍ صوته الخاصّ الذي يحدث بواسطة عمليّاتٍ معقّدةٍ تتمّ في الدماغ بتعليماتٍ معيّنةٍ يتمّ بواسطتها إصدار هذا الصوت الذي هو عبارة عن موجاتٍ ميكانيكيّةٍ، ومن هنا نستطيع أن نفهم قوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} ... [الروم ـ 22]
كما أنّ صوت كلّ إنسانٍ يتأثّر بالأحداث التي تمرّ عليه، من حبٍّ وعطفٍ وحنانٍ، أو بغضٍ وكراهيّةٍ وغضبٍ، ومن جهة أخرى فإنّ الإنسان يتأثّر بطبيعة كلّ صوتٍ على حسب حالته التي يكون فيها، لأنّ نفسه تنفتح، وتنشرح للسماع والتأثّر، أو تنقبض ولا تنشرح، ولا تتأثّر.
ومن هنا نستطيع أن نفهم جيّداً وبشكلٍ إيجابيٍّ مقنعٍ كيف يتأثّر الطفل بصوت أمّه وهي تلقّن له كلام ربّها - عز وجل - بكلّ محبّةٍ وحنانٍ واهتمامٍ وانشراحٍ.
1ـ لقد حفظ بصمة صوتها قبل أن يخرج إلى هذا الوجود، لأنّه قد سمعه وعرفه وهو جنينٌ في بطنها، فهو يحنّ إليه ويحبّه أكثر من أيّ صوتٍ آخر على وجه هذه الأرض. (1/342)
صفحة 343
2ـ والقرآن كريم وحكيم، فهو قد أنزله الله - سبحانه وتعالى - ورتّب كلماته وحروفه بتناسقٍ مبهرٍ، وبشكلٍ يعطي تناسقاً عظيماً، يؤثّر على عقل الولد، وعلى قلبه أيضاً، وهذه القراءة لكلام الله المبارك، بصوتٍ محبوبٍ يدخل عبر أذنه، ويؤثّر على خلاياه، فيجعلها خلايا خاشعة، وينشّطها ويبعث فيها الحياة، لأنّ القرآن الكريم كلّه حياةٌ وطاقة بالنسبة لكلّ خليّة من خلايا جسد هذا الإنسان.
3ـ وصوت أمّه وهي تتلو كلام الله - عز وجل - يملأ نفسه أماناً وطمأنينةً وسكينةً فتنشرح، ويستنير قلبه، فتعمل قواه العقليّة بأقصى درجةٍ ممكنةٍ، وإذا تدرّبت الخلايا على ذلك، فإنّها ستصبح قادرة على الاستيعاب الجيّد لما يلقى إليها من المعلومات الأخرى، فيصبح صاحبها ذكيّاً فطناً عبقريّاً.
القرآن وبناء التصوّر
تصوّر الشيء: توهّم صورته، وتخيّله.
وتصوّر له الشيء: صارت له عنده صورةٌ وشكلٌ.
لقد خلق الله - سبحانه وتعالى - هذا الإنسان وزوّده بهذه القوّة العقليّة التي احتار فيها العلماء، وقالوا بأنّه ليس هناك جهازٌ، أو آلةٌ أعظم تعقيداً من هذا العضو الصغير الذي يقبع في جمجمة كلّ إنسانٍ، ولكن نحن المسلمون نؤمن بقول الله - سبحانه وتعالى - حين يقول في كتابه الكريم:
- {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر ـ 57]
ولكن مع ذلك يجب أن نعتقد حقّاً أنّه من أعظم الأشياء التي يمكن أن نتأمّلها في أنفسنا، ونتفكّر في كيفيّة عملها، ونتدبّر حكمة المولى عزّ وجلّ فيها، ففيه تكمن القوى الفكريّة العجيبة والمعقّدة التي لم ولن يدرك هذا الإنسان كنهها وسرّها أبداً، وكيف يدركها، وهي نفسها التي تفكّر في نفسها، ولأنّ الله قد جعلها من أسراره، والتي إذا أدركنا كيف نستعملها ونستثمرها ونستغلّها، فإنّها ستنمو وستصل بنا إلى أعلى درجات النجاح والتفوّق في الدنيا والآخرة. قال الله - عز وجل -: (1/343)
صفحة 344
- {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}
[فصلت ـ 53]
وقال الله - عز وجل -:
- {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} ... [الذاريات ـ 21]
إنّ الأمر ليس مجرّد تفكيرٍ واستخدامٍ لهذه القوّة الفكريّة، وإنّما الأمر يكمن في الكمّ الهائل من التصوّرت اللانهائيّة واللامحدودة، التي يستطيع أن يتصوّرها، والمعلومات والأفكار والمهارات التي يتعلّمها ويستوعبها هذا الجهاز، وما يحفظه من مختلف العلوم ويقوم به من عمليّاتٍ معقّدةٍ، وما يختزنه من ذكرياتٍ مختلفةٍ كثيرةٍ ومتنوّعةٍ، سواء السارة منها أو المحزنة، فأين يوجد يا ترى هذا الكمّ الهائل والمتنوّع من مختلف المعلومات، وقد قرّر علماء الذاكرة أنّ العقل البشري يستطيع أن يستوعب 70مليار صورة، وهذه الصور كلّها مبوّبةٌ ومصنّفةٌ، وهي مرتّبةٌ ترتيباً زمنيّاً.
ومن جهة أخرى كيف يبني تلك التصوّرات التي ليس لها حدٌّ، ونستطيع أن نستدلّ بما ذكره ربّنا في كتابه الكريم، والتي تصوّرها بعض الأنبياء، فطلبوا ربّهم أن يحقّقها لهم، وما ذلك إلاّ لأنّهم يعلمون بأنّها تصوّراتٌ راقيّةٌ لا يستطيع أن يبلغها الإنسان من تلقاء نفسه، وهذا يدلّ كذلك على التفكير الراقي لمثل هؤلاء الأشخاص، الذين اعتنوا بتغذيّة أرواحهم تغذيّةً جيّدةً، حتّى وصلوا إلى التفكير في مثل هذه التصوّرات، وصارت عقولهم قويّةً تفكّر في كلّ ما هو راقٍ، والله - سبحانه وتعالى - يذكر لنا مثل هذه الوقائع، حتّى نرفع من قوانا الروحيّة، كي تقوّي فينا التفكير، هذا التفكير الذي بدوره يقوّي عقولنا وينمّيها.
فهذا سيّدنا إبراهيم يطلب ربّه ويقول:
- {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} ... [البقرة ـ 260]
وهذا سيّدنا موسى - عليه السلام - يطلب ربّه، ويقول: (1/344)
صفحة 345
- {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}
[الأعراف ـ 143]
وهذا سيّدنا سليمان يطلب ربّه ويقول:
- {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص ـ 35]
إنّ هذا الجهاز الصغير يستطيع أن يقوم ببناء تصوّراتٍ لا نهاية لها، سواءً في الجانب الإيجابيّ، أو الجانب السلبيّ، وهو يحمل خزائن ومكتباتٍ من المعلومات والمعارف، لو أردنا تسجيلها لاحتجنا إلى أعدادٍ وأعدادٍ كبيرةٍ من الأوراق والأقلام، لذلك نوصي الأمّهات أن يغذّين أولادهنّ بتصوّراتٍ ومعلوماتٍ راقيّةٍ، مهمّةٍ، حتّى يرفعن من قيمة تصوّراتهم وتفكيرهم، وبذلك تتغذّى أدمغتهم بالغذاء المهمّ الذي تنمو به وتتطوّر.
وهذا العقل والذاكرة قوّةٌ عظيمةٌ وهبها الله تعالى لهذا المخلوق، وجعله بها من أفضل المخلوقات، وبها استطاع تحمّل الأمانة التي عجزت السماوات والأرض أن يحملنها.
وتعدّ هذه القوى طاقةً يشعّ نورها، ويزداد كلّما زاد استعمالها وتنميّتها أكثر وأكثر، ونتيجة لذلك يتكوّن لدى الإنسان تفكيرٌ راقٍ، وذاكرةٌ قويّةٌ، وهذه هي الدرجة التي يتمنّى أن يصل إليها كلّ مثابرٍ وطموحٍ في حياته.
إنّه لا يوجد مولود يولد بذاكرةٍ قويّةٍ، وآخر يولد بذاكرةٍ ضعيفةٍ إلاّ في القليل النادر من بني البشر، وهذا يكون في بعض الناس من جهة الوراثة، رغم أنّ كثيراً من العلماء يقرّرون أنّ كلّ واحدٍ يستطيع أن ينمّي مواهبه بالمداومة على تدريبها باستمرارٍ، لأنّ كلّ واحد منّا يملك جهازا للذاكرة، وقوّته تزداد وتنقص حسب استعماله واستغلاله في الواقع المعاش في هذه الحياة، وعلى ضوء تدريبنا لها، نكتسب هذه القوّة الباهرة التي عرف كثيرٌ من الناس كيف يكتسبها، بينما أهملها آخرون، وتكاسلوا، وعجزوا عن ذلك، حتّى أصيبت بالوهن والضعف. (1/345)
صفحة 346
إنّ ضروب التصوّر التي تتكوّن في ذهن كلّ إنسانٍ تختلف من شخصٍ لآخر وذلك بسبب الفروق الفرديّة، والبيئة الأسريّة والوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه، والإنسان الذي ينشأ في وسطٍ غنيٍّ بالمثيرات تتكوّن لديه القدرة على التصوّر، ممّا سيساعده بشكلٍ كبيرٍ على التذكّر.
ويعتقد العلماء أنّ كثرة وظائف الصور العقليّة تشكّل بالدرجة الأولى العناصر الرئيسيّة في التفكير والتذكّر المتّصل بالأشياء، وقد أثبتوا بأنّ التذكّر والتفكير الواضح لابدّ وأن ينطوي على ضربٍ معيّنٍ من ضروب التصوّر، وتعدّ الصور العقليّة عوناً للذاكرة، ذلك لأنّ العقل قد فُطر على مهارة الربط، فإذا ما تكوّنت لديه تصوّراتٌ كثيرةٌ ومتعدّدةٌ، فإنّه يجد الصور الكافية لربط ما يرد إليه من مختلف المعلومات.
وقد أنزل ربّنا - سبحانه وتعالى - كتابه القرآن الكريم مليئاً بالصور الخياليّة التي يستطيع أن يبنيها كلّ من يقرؤه بتدبّر، فيكون مرجعاً لاستعمال وتنشيط الخلايا الدماغيّة، بحيث تعمل دون حدودٍ فتقوى بذلك، ومثال تلك التصوّرات:
الآيات التي تخبر عن الجنّة وما فيها من نعيمٍ، بحيث لا يستطيع العقل البشري أن يصل إلى إدراك حقيقته مهما استعمل من قوّةٍ وبذل من جهدٍ، ولن يدرك ولو جزءاً صغيراً منه، وفي مثال ذلك. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}
[الغاشية ـ 8ـ16]
وأمثال هذه الآيات لا حصر لها في كلام ربّنا - سبحانه وتعالى -. (1/346)
صفحة 347
والقرآن الكريم بموضوعاته المتعدّدة، التي يتحدّث عنها، ويهتمّ بها، ويبيّنها، ويوضّحها لهذا الإنسان، وبتصوّراته غير المتناهيّة يدفع بقواه العقليّة إلى التوسّع في التفكير، والاهتمام بعدّة مواضيع، فهو ينتقل من موضوع لآخر، ولعلّ ذلك من إعجازه الذي جعله الله - سبحانه وتعالى - فيه، لكي لا يسأم عقل الإنسان من التفكير في موضوعٍ واحدٍ، وقد اكتشف علماء تنميّة وتطوير الذاكرة بأنّ انتقال عقل الإنسان في التفكير من موضوعٍ إلى آخر، يجعل خلايا مخّه تنشط وارتباطاتها العصبيّة تعمل بكلّ قوّةٍ، ممّا يجعلها تقوى وتنمو.
وإذا تدبّرنا الآيات التي يأمر الله - سبحانه وتعالى - عباده بالنظر والتفكّر بحقٍّ في ملكوت السماوات والأرض، وقد اعتبر ذلك عبادةً يؤجر عليها، نجد أنّه يقصد من ذلك ربّما تطوير وتنميّة خلايا ذهنه، فتتنوّع بذلك مصادر ومواضيع تفكيره فيقوى، ويصبح تفكيراً راقيّاً إيجابيّاً. وذلك مثل قوله - عز وجل -:
- {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
[آل عمران ـ 190ـ191]
- {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ... [يونس ـ 101]
- {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} ... [عبس ـ 24]
والعباقرة الذين تحصّلوا على الدرجات العلى في مختلف الإختصاصت والعلوم، لم يعتمدوا على جانبٍ واحدٍ من أنشطة أدمغتهم، وإنّما كانوا يهتمّون بأنشطةٍ وتصوّراتٍ مختلفةٍ واهتماماتٍ متنوّعةٍ في مجالاتٍ متعدّدةٍ، لذلك تحصّلوا على تنشيط الشقّين من مخّهم فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من العبقريّة والنبوغ. (1/347)
صفحة 348
وكلّ من يريد النبوغ والتفوّق في المهارات الفكريّة، فما عليه إلاّ أن ينوّع تعلّم المعلومات التي تنشّط شقّي مخّه معاً، فيحقّق التوازن بين الجانبين كليهما، لأنّ العلماء يقرّرون ويؤكّدون بأنّ أيّ تنشيطٍ للذاكرة وتنميّتها لابدّ أن يعتمد على تنشيط الشقّين في آنٍ واحدٍ، وأنّ أيّ نظامٍ لتطوير الذكاء المتعدّد، أو إدارة الذات فمن الضروري التأكّد من أنّ شقّي المخّ يكونان في توازنٍ فعّالٍ ونشيطٍ.
ومثل هذه التقنيّة يعدّها العلماء من التدريبات الذهنيّة التي تحافظ على خلايا المخّ، كما تساعد على تنميّتها أيضاً، والأبحاث الحديثة قد أثبتت بأنّ العقل يملك بالفعل القدرة على تجديد الروابط التي تصل بين خلاياه، وتشكيل خلايا جديدةٍ، وهو ما يطلق عليه العلماء اسم (توالد الخلايا العصبيّة)، أو Neurogenesis وهو ما كان ينظر إليه بوصفه مستحيلاً في مدّةً من الزمن.
وقد أثبتت الدكتورة {إليزابيت جولد} في جامعة "بريستون" قدرة العقل على بناء خلايا جديدةٍ حتّى في سنّ الرشد، وهذا إذا كان صاحبه يغذّيه دائماً، ودون انقطاعٍ بغذاءٍ ذهنيٍّ جيّدٍ، ويحاول أن ينوّع مواضيع التفكير التي يُِِعمِل بها عقله، ولعلّ الله - سبحانه وتعالى - أنزل القرآن الكريم على هذا التنوّع الكثير في المواضيع، وبهذا الأسلوب الراقي المتين، يقصد من ذلك أن يجد قارئه والمحافظ على تلاوته مثل هذا التدريب لخلايا مخّه، وتغذيّتها الغذاء اللازم والجيّد، حتّى تنمو نموّاً متواصلاً، مع المحافظة على قوّتها وعملها المتواصل. (1/348)
صفحة 349
وقراءة القرآن الكريم بتدبّرٍ وتمعّنٍ وتركيزٍ يولّد في ذهن القارئ تصوّراتٍ عن نفسه وعن الوجود الحياة وما يقع فيها من وقائع، كما أنّه يبني له تصوّراتٍ عن حقيقة القيم والنظم، وما ذلك إلاّ بقصد أن يثير فيه تلك القوى المختلفة التي وهبها له ربّه - عز وجل -، وخاصّةً منها القوى العقليّة التي تنشط كثيراً عندما تشتغل بالتفكير في مثل هذه التصوّرات المختلفة، فتقوى، ويصبح صاحبها صاحب إبداعٍ وتفكيرٍ جيّدٍ وقويٍّ.
ويمكن لنا أن نعدّ مثل هذه التصوّرات المتعدّدة إحدى الوسائل التي تفتح الطريق أمام عقل الولد للتفكير بأفكارٍ جديدةٍ راقيّةٍ، لا يجدها في الحياة الاجتماعيّة الطبيعيّة التي يحياها داخل المجتمع، كما أنّها توفّر له أسلوباً جديداً في البحث عن أفكارٍ غير عاديّةٍ، ويتعلّم كيف يجد حلولاً لمسائل تعترضه في حياته اليوميّة، لأنّ المبدع كما يعرّفه العلماء هو الذي يبحث دائماً عن طرقٍ جديدةٍ خاصّةٍ، وذلك ممّا يكوّن له ثقةً كبيرةً في نفسه، وهذه العناصر ضروريّةٌ لتطوير تفكير الإنسان، ولفتح الطريق أمامه لفراسةٍ (فطنة) غير متوقّعةٍ، وهي تعدّ أفضل طريقةٍ لولادة أفكارٍ جديدةٍ لدى الأشخاص الذين يسيرون في طريق الإبداع والتفوّق.
وهذه التصوّرات العديدة التي ضمّنها الله - سبحانه وتعالى - كتابه القرآن الكريم تعدّ كوسيلةٍ لتوسيع التصوّرات الذاتيّة للولد، وبذلك يستطيع أن يوسّع المجال الممكن لتفكيره وعمله، خاصّةً إذا وجد أمّاً مهتمّةً بتوضيح بعض الآيات التي يحفظها، وتبيين ما فيها من تصوّراتٍ وخيالاتٍ يستطيع أن يكوّنها من خلال تلك الآيات. (1/349)
صفحة 350
ويقول العلماء بأنّه كلّما بنى الإنسان تصوّراً ذاتيّاً جديداً، تزداد قدراته وتظهر مهاراته التي كانت كامنةً، كما أنّه يكوّن له ذكاءً جديداً، ويمدّه بالنموّ والنجاح، ويكون ذلك عند الولد في كلّ مرّةٍ يحفظ فيها آيةً جديدةً، أو سورةً مع شرحٍ بسيطٍ على قدر مستواه، فتتوارد إليه الأفكار البنّاءة، وذلك لأنّ تلك التصوّرات الجديدة التي يتحصّل عليها في كلّ مرّةٍ، تكون عبارةً عن عمليّاتٍ لشحذ وتقويّة القدرات العقليّة لديه.
وقد اتّفق علماء التربيّة بأنّه يجب أن يعمل المربّون على إيجاد الصفات العاليّة في الولد، وممّا يساعد على بلوغ هذه الغاية أن يبيّنوا له بعض الطرق التي يمكن أن يتعامل بها مع محيطه، وبذلك يرتفع مستواه التفكيري والتعبيري، ويتّصل بالحياة مباشرةً، ولا يبقى غريباً عنها.
وبتعليم القرآن للولد في سنٍّ مبكّرةٍ نبني فيه الاستعداد للحياة التي سيواجهها عندما يخرج إلى ميدانها، وعند ذلك يجد نفسه يملك وعياً وطموحاً يتفاعل بهما مع من حوله، لأنّ هذا التعليم يمهّد له النجاح في محاوراته مع أصحابه الذين سيلتقي بهم في المدرسة، أو خارجها، وكلّ ذلك يكسبه ثقةً بنفسه واعتزازاً يصل به إلى أعلى مراتب التفوّق والنجاح.
ولقد أثبتت الدراسات المتعدّدة التي أجريت على عقول بعض الحيوانات الصغيرة بأنّه قد نبتت أوعيّةٌ دمويّةٌ في العقل بعد ممارسة بعض التدريبات المتواصلة.
وقد وجد خبير تدريبات الذاكرة الدكتور سواين بأنّ صغار الفئران التي لم تمارس تدريبات الذاكرة لم تحقّق أيّ تغييرٍ في عقولها، وبالعكس فإنّ الفئران التي مارستها قد حقّقت تغيّراً ملحوظاً وزيادةً هائلةً في كثافة الأوعيّة الدمويّة في بعض مناطق الدماغ المرتبطة بتلك التدريبات، وقد توصّل إلى نتيجة وهي أنّ العقل يمكن أن يصنع تغيّراتٍ سريعةٍ في الوارد الأكسجيني. (1/350)
صفحة 351
ويرى سواين أنّ رفع معدّل نشاط الخلايا العصبيّة للقشرة المخّية، حتّى ولو بنسبةٍ بسيطةٍ له علاقةٌ إيجابيّةٌ تجمع بين التدريبات والكفاءة الذهنيّة.
هذه هي النتائج المفرحة التي توصّل إليها علماء تدريبات الذاكرة، فما على الأولياء الذين يريدون أن يزيدوا من قدرات أبنائهم الذهنيّة إلاّ أن يتّبعوا مثل هذه التدريبات الذهنيّة، والقرآن بتنوّع مواضيعه وأسلوبه البليغ يعدّ أحسن مدرّبٍ لتلك الخلايا.
وقد أثبت العلماء أنّ لخلايا العقل قدراتٍ هائلةً على خلق أنماطٍ من الإبداع لا نهائيّة وكذلك قدرة العقل لا نهائيّة في توليد أفكار لا نهائيّة، إذن فلابدّ من شيءٍ يحتوي مواضيع لا نهائيّة لكي يستطيع أن يغذّي هذه القدرات اللانهائيّة، ولا شيء أعظم وأفضل من كتاب الله - سبحانه وتعالى -.
ويقول الشيخ النابلسي في موضوع شرح اسم الله الحسن: الواسع.
«إنّ النفس البشريّة قد خلقها ربّها - سبحانه وتعالى - لتفكّر في اللامحدود وفي المطلق، ولكن أغلبيّة الناس يشغلونها بالتفكير في المحدود والغير المطلق، لذلك تسأم الحياة وتقلق، فلا يسعد الإنسان إلاّ إذا تطلّع إلى المطلق واللامحدود، وهو الله - سبحانه وتعالى -». (1/351)
صفحة 352
ونتيجةً لذلك أقول: بأنّ عقل هذا الإنسان قد خلقه الله - سبحانه وتعالى - بطاقاتٍ لا محدودة، وهو قادرٌ على أن يبدع في مجالاتٍ لا محدودة، وأن يتطوّر بشكلٍ لا محدودة، والدليل على ذلك مجالات البحوث والاختراعات اللانهائيّة التي وصل إليها العلماء، ولا يدري العلماء أنفسهم إلى أيّ حدٍّ سيصل إليه إبداع هذا العقل، والشيء المسلّم به أنّه لن يتوقّف عن التطوّر والإبداع ما دامت هناك حياةٌ على وجه الأرض، والدليل الآخر هو تطوّر هذا العقل البشري، وتنوّع إبداعه عبر سنين التاريخ، ولمّا علم الله - سبحانه وتعالى - طاقاته اللامحدودة أنزل إليه هذا القرآن الكريم اللامتناهي في مواضيعه، وفي ما يبنيه من تصوّرات في ذهن الذي يتعامل معه بحقٍّ وإخلاصٍ.
القرآن ينمّي خيال الولد
لقد اعتبر علماء التربيّة أنّ للخيال نفعاً عظيماً وأثراً إيجابياً في تكوين الذاكرة، وتقويّتها عند الولد، لأنّه يضيف إليه تصوّراتٍ كثيرةً ومهمّةً.
والخيال هو: تصوّر أشياء وحوادث سواءً قد عُرفت من قبل، أو لم تُعرف، وإذا كان من النوع الذي نتذكّر فيه معلوماتٍ، أو مواضيع كنّا قد عرفناها من قبل، فإنّه يسمّى خيالاً استحضاريّاً، أي نعمل فيه طاقتنا التفكيريّة لنتذكّر ما مرّ علينا من قبل، أمّا إذا كان من النوع الذي نفكّر فيه بمعلوماتٍ جديدةٍ لم نكن نعرفها من قبل، فإنّ ذلك الخيال يسمّى ابتكاريّاً.
وعندما نبدأ بتحفيظ كلام الله - سبحانه وتعالى - للولد، والذي يشتمل على مواضيع كثيرةٍ لم يكن يعرفها، أو سمع عنها من قبل، فإّنّنا نبني فيه الذكاء الابتكاري، ويقول العلماء بأنّ الخيال الابتكاري نادرٌ جدّاً لدى الأولاد الذين يعيشون حياةً عاديّةً طبيعيّةً، من دون سفرٍ، أو تنزّهٍ، أو اتّصالٍ مع بعض من الناس الذين يبنون فيهم ذلك التخيّل، نتيجةً لما يحدّثونهم عن مواضيع لم يكونوا يعرفونها من قبل. (1/352)
صفحة 353
وأنا أقول أنّ الخيال أو الذكاء الابتكاري يتكوّن في الولد عندما يجد أمّه بجانبه عند الذهاب إلى النوم فتقصّ عليه بعض القصص التي لم يكن قد سمع عنها من قبل، فتسبح به في أجواءٍ واسعةٍ جديدةٍ ممتعةٍ، لم يكن ليطّلع عليها وهو يعيش في محيطه المحدود الذي ينشأ فيه، أو عندما يتفرّج كثيراً على الرسوم المتحرّكة التي تلقي إليه الألغاز التي لا يجد لها حلولاً مناسبةً فيبقى حائراً مذبذباً لا يستطيع معرفة حقيقتها، خاصّةً وأنّ أغلبيّة الرسوم مستوحاة من بيئاتٍ غريبةٍ عن بيئته، ومن مجتمعٍ لا يتوافق مع مجتمعه.
وللخيال آثارٌ عظيمةٌ في بناء نفسيّة الولد وتكوين قواه العقليّة، لأنّه يساعده على أن يعيش في المستقبل، ويتخيّل أشياء جديدةً لم يكن قد علم بها، أو رآها، أو سمع بها من قبل، فيعمل على تنفيذها واختراعها، ولولا هذه المهارة لبقي الإنسان في جمودٍ وركودٍ عقليٍّ، لا يتقدّم معه أبداً.
والتخيّل الذي يتكوّن عادةً عند الولد الصغير هو من النوع الابتكاري وحينما يبلغ السنّ الرابعة من عمره، يبدأ بتخيّل أشياء وحوادث غير واقعيّةٍ، وربّما حدّث بها أمّه، أو أحد إخوته في البيت كأنّها واقعيّةٌ، حتّى يظنّ بعض الأولياء خطأً بأنّه قد بدأ يكذب، في حين أنّ ذلك يتكوّن فيه بصفةٍ عفويّةٍ.
وفي تحفيظ الولد الصغير مثل تلك السور الصغيرة، التي يحتوي أغلبها على قصصٍ قد وقعت من قبل لبعض الناس، فائدةٌ عظمى لتنميّة مثل هذا الخيال لديه، وهذا إذا أحسن تدريسها له، بشيءٍ من الشرح البسيط لتلك القصص، وذكر الوقائع التي ذكرها الله - عز وجل - في تلك السور، ولا بدّ أنّ الله - سبحانه وتعالى - منزّل القرآن وخالق عقل الإنسان، قد تعبّد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بترتيب السور على هذا النحو، لأنّه يعلم ما فيه من منفعةٍ عظيمةٍ، وتأثيرٍ بليغٍ على كلّ من يهتمّ بحفظه وفهمه منذ نعومة أظفاره، وطبعاً فذلك لا يكون إلاّ بإعانة الوالدين، والأمّ خاصّةً. (1/353)
صفحة 354
ولا بدّ لمن يحفّظ الولد هذه السور أن يعتني بتفهيمه جيّداً ما تحمله من معانٍ وعبرٍ، لأنّ لغموض الأفكار والمعاني وعدم ترتيبها ترتيباً جيّداً أثراً سيّئاً في الذهن، فهي تشوّشه، وتحلّق به في فضاء الأحلام والأوهام.
فمثلا نقرأ قوله - سبحانه وتعالى - {الحمد لله}، هل يستطع عالم أن يستوعب مقدار النعم الكثيرة والمتعدّدة التي يجب علينا أن نحمد عليها ربّنا - عز وجل -، نعمٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ، كما يقول في ذلك ربّنا - سبحانه وتعالى -.
- {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}
[النحل ـ 18]
- {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} ... [لقمان ـ 20]
وعندما نقرأ قوله - سبحانه وتعالى -: {ربّ العالمين} المالك السيّد المنعم المربّي لكلّ الناس، ولكلّ المؤمنين خاصّةً.
فهو ربّ العوالم كلّها، عالم الإنسان، عالم الحيوانات، عالم النباتات، ربّ كلّ الجمادات، فهو ربّها جميعاً، عالم الحشرات، عالم الأسماك، عالم الطيور، عالم البحار، عالم الأرض، عالم الجبال، عالم الأشجار، عالم الذرّات، فكلّ المخلوقات المتجانسة اسمها عالم، فالله هو ربّ العالمين.
والربّ في اللغة هو المالك، هو السيّد، هو المنعم، هو المربّي، ولكن أقرب المعاني التي يستطيع أن يفهمها الولد أنّه المربّي، والله - سبحانه وتعالى - هو المربّي، وهو الخالق والرازق.
فالمربّي له صفتان أساسيتان: أنّه يمدّ، وأنّه يرعى، ولكن الله - سبحانه وتعالى - ربّنا يخلق، ويمدّ ويرعى، ويهدي ويرشد. (1/354)
صفحة 355
قال سهل بن عبد الله التستري: «كنت أنا ابن ثلاث سنين أقوم الليل، فأنظر إلى صلاة خالي محمّد بن سوارٍ، فقال لي يوما: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلّبك في فراشك ثلاث مرّاتٍ من غير أن تحرّك به لسانك: الله معي، الله ناظرٌ إليّ، الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي، ثمّ أعلمته، فقال: قل في كلّ ليلةٍ سبع مرّاتٍ، فقلت ذلك، ثمّ أعلمته، فقال: قل ذلك كلّ ليلةٍ إحدى عشر مرّة، فقلته، فوقع في قلبي حلاوته، فلمّا كان بعد سنةٍ، قال لي خالي: احفظ ما علّمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنّه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لذلك حلاوةً في سرّي.
ثمّ قال لي يوماً: يا سهل من كان الله معه، وناظراً إليه، وشاهده، أيعصيه؟ إيّاك والمعصيّة».
وبهذا التوجيه السديد، والترويض المستمرّ والتربيّة الإيمانيّة الحقّة، كوّن في قلبه تصوّراً عميقاً لطاعة ربّه، حتّى أصبح من كبار العلماء وكبار العارفين ومن رجال الله الصالحين.
وعندما يسلك الآباء والأمّهات مثل هذه التربيّة بتكوين تصوّراتٍ راقيّةٍ في نفوس الأجيال الصاعدة، فإنّهم بذلك يكوّنون في ذواتهم آفاقاً واسعةً لا متناهيّةً للتفكير ممّا يدفعهم إلى الإبداع.
وعلى الأمّ خاصّةً أن لا تترك فرصةً سانحةً تمرّ بالولد دون بناء مثل هذه التصوّرات في نفسيّته، ومثل هذا التوجيه هو من أسلوب المربيّ والمعلّم الأوّل لعناصر هذه الأمّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث كان يسعى دائماً إلى أن يوجّه عناصر أمّته إلى النظر في ما خلق الله - عز وجل - من حولهم من المخلوقات، مع محاورتهم بكلّ طلاقةٍ وانفتاحٍ في مختلف المواضيع، حتّى يبني فيهم التفكير الصحيح الذي يرفع من شأنهم. (1/355)
صفحة 356
وثقافة تعليم التفكير تشكّل لدى الإنسان تفكيره الأساسي والإبداعي الذي سينطلق به نحو الأهداف العاليّة في الحياة الواقعيّة، فهي أداةٌ لتكوين السلوك القويم والقوي الذي يحقّق به عناصر المجتمع أهدافهم، ويرفعون به قيمة مجتمعهم، وهي مصدرٌ قويٌّ للتغيير نحو الأفضل في كلّ نواحي الحياة، سواء الاجتماعيّة منها، أو الثقافيّة، أو الاقتصاديّة، وتكوّن لدى الأشخاص ميادين فسيحةً ومتنوّعةً للإبداع، وحريّة إحياء فرص الابتكار.
فتدريب الأولاد على التفكير الإيجابيّ في الحياة العمليّة التطبيقيّة، يكوّن فيهم مصدر إلهامٍ وإدراكٍ للمواهب والطاقات التي وهبها لهم ربّهم - عز وجل -، حتّى يمارسوا دورهم التنموي الإيجابي الذي يتمنّاه منه مجتمعهم.
وأغلبيّة العلماء يعدّون أنّ للأسرة والبيئة أثرها العظيم والكبير في تكوين التفكير الإيجابي الإبداعي لدى عناصرها، لذلك يجب على المجتمع أن يهب فرصاً أكبر لرفع قدراتها الفكريّة، ويجب أن نعلم بأنّ الأغلبيّة الغالبة من أفراد المجتمع العاديين موهوبون، ولكن القليل منهم من يجد الجوّ الملائم لتطوير طاقاته الكامنة، والاختلاف المتباين بين الأذكياء وغيرهم يعود للأساليب التي تصل بها المعلومات للدماغ، وطرق التفكير التي نعلّمها للفرد، فتعليم التفكير هو تعليم الذكاء، وهو تعليم كلّ الطرق والمهارات التي تجعل الفرد يفكّر بطريقةٍ أفضل وأحسن.
طريقة قيام الإنسان بالتخيّل
عمليّة خلق الأفكار هي عمليّة تصوّرٍ داخليّةٍ، لا تخضع لأيّة قيودٍ تتعلّق بالعالم الخارجي المادّي. (1/356)
صفحة 357
وقطعا فإنّ القرآن يستطيع أن يكوّن فينا تلك العمليّة التصوّرية الداخليّة دون أيّ عناءٍ أو صعوبةٍ، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - أنزله ليربّي به النفوس ويبني أسسها الداخليّة، قبل أن يهتمّ بالجانب المادّي، وقد رأينا من قبل أنّ عمليّة التفكير والإبداع هي عمليّةٌ نفسيّةٌ، مبنيّةٌ على الحالة التي تكون فيها النفس من الجهة الروحيّة، أكثر ممّا هي عليه من الجانب الجسمي المادّي.
ومن خلال التفكير يمكننا أن نذهب إلى المستقبل، أو نرجع إلى الماضي، وهذا ما يستطيع القرآن الكريم أن يكوّنه فينا، فهو في كثيرٍ من آياته يحدّثنا عن ماضي كثير من الأمم، وفي البعض الأخرى يتحدّث عن المستقبل، خاصّة عن حياة الإنسان الأخرويّة التي هي أبعد من المستقبل الدنيوي، وهو يجعلنا نستطيع تكوين جميع الصور التي نقرؤها في الآيات الكثيرة والمتعدّدة المواضيع.
ويقول أحد العلماء:
«إنّ ما نقوم به من أفعالٍ يأتي نتيجةً لما نقوم به من تصوّراتٍ، وكلّ سلوكنا ينتج عن الأفكار التي تسبق ذلك السلوك».
فالتصوّر إذن هو الذي يدفع السلوك، والسلوك هو الذي يوضّح التصوّر.
وكثيرٌ من آي القرآن الكريم تبيّن للمسلمين السلوك الذي يجب أن يسلكوه في حياتهم إزاء مختلف المواقف، وذلك التبيين هو عبارةٌ عن تصوّراتٍ يبنيها داخل نفوس أتباعه، ولذلك يرشد العلماء كلّهم معلّمي القرآن الكريم إلى شرح الآية ولو بصورةٍ بسيطةٍ عامّةٍ.
وهذا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يأمر المسلمين فيقول:
«اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به». (1)
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد والطبراني. (1/357)
صفحة 358
ومن أعظم الوسائل التي تعين على حفظ آي القرآن الكريم أن يشرح المربّي الألفاظ التي ينوي تحفيظها للولد، وتفسير معانيها تفسيراً مبسّطاً ومختصراً في جوّ من الحوار، وإسقاط الوسط الواقعي المعيش على معانيها، وذلك بقدر ما يتوصّل إليه فهم الولد، مع خلق جوٍّ من التفاعل بينه وبين الطفل.
وقد تعامل الصحابة الأوّلون مع القرآن الكريم على هذا الأساس، وعلى هذا التصوّر، فكوّن فيهم ذلك التفكير الإيجابيّ الذي قضوا به حياتهم الدنيويّة في طمأنينةٍ وسلامٍ مع أنفسهم، وذلك رغم الضعف المادّي الذي كانوا يعيشون فيه، ولكن الغنى النفسي الذي أسّسه فيهم جعلهم يتغلّبون على الصعوبات المادّية التي تحيط بهم، بل أكثر من ذلك فقد غيّر فيهم التصوّرات الجاهليّة التي كانت تسيطر على تفكيرهم قبل دخلوهم إلى دين الله - عز وجل -، وذلك نتيجةً لتعاملهم معه على حقيقته ككتاب هدايةٍ وتغييرٍ، وتكوينٍ للتفكير، ومنبعٍ للإيمان، يصحّح من تفكير صاحبه كلّما تزوّد منه أكثر، وبطريقةٍ أحسن.
يقول جندب بن عبد الله: «كنّا مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - ونحن فتيانٌ حزاير، فتعلّمنا الإيمان قبل القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن، فازددنا إيماناً».
وحزايرٌ، جمع حزيرٍ: وهو الشاب الممتلئ نشاطاً وقوّةً وجلداً.
والقرآن الكريم يبني في قارئه قوّة التفكير بتدبّره بشكلٍ حسنٍ، وبذلك يصل القارئ إلى إدراك المعنى الذي ترمي إليه الآية، فتتكوّن لديه أفكارٌ جديدةٌ لم يكن يعرفها من قبل، ولم يكن ليدركها لولا تدبّره الجيّد لكلام ربّه.
والوصول إلى هذه الدرجة يستدعي القراءة المتكرّرة، حتّى يتصاعد تأثيرها في النفس، فيقوى التفكير لديها ويصعد بها إلى الدرجة العالية التي ما كانت لتبلغها لولا تعلّمها للقرآن الكريم وحفظه وتدبّره. (1/358)
صفحة 359
وهذا يتطلّب من المربّي أن يفهم الآيات ولو فهماً عامّاً مجملاً، حتّى يستطيع أن يوصل ذلك المفهوم البسيط إلى الولد الذي لم تتّسع مداركه بعد، ولذلك يجب عليه أن يرجع إلى كتب التفسير من حينٍ لآخر، حتّى لا يسقط في الخطأ.
ومن عجائب أسلوب القرآن الكريم الذي لا يوجد في أيّ أسلوبٍ آخر مهما كان بليغاً فصيحاً أنّه يخاطب الفكر والعاطفة معا، وفي آن واحد، يخاطب العقل فيقنعه بما يريد إقناعه به، وفي نفس الوقت يتسرّب بخطابه إلى المشاعر، فيستثيرها ويدفعها للتجاوب معه، فتتحوّل القناعة العقليّة إلى قوّة تفكيرٍ، لم يكن يُعلم قوّتها من قبل.
وفي هذا يقول د محمّد عبد الله دراز: «وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - في النفس البشريّة قوّتين: قوّة تفكيرٍ، وقوّة وجدانٍ، وتحتاج كل واحدةٍ منهما إلى ما ينشّطها، ويقوّيها، ويوجّهها الوجهة الصحيحة، وحاجة كلّ واحدةٍ منهما تختلف عن حاجة الأخرى، فإحداهما تنقّب عن الحقّ لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأمّا الأخرى فتسجّل إحساسها بما في الأشياء من لذّةٍ وألمٍ، والبيان التامّ هو الذي يوفّي لكلّ واحدةٍ حاجتها، ويؤتيها حظّها من الفائدة العقليّة والمتعة الوجدانيّة معاً».
وأسلوب القرآن الكريم يجمع بين تكوين الأفكار وتحريض العاطفة، ويشبّهه العلماء بغصن شجرة، فهو يحمل أوراقا وأزهارا وثمارا في نفس الوقت، وهو الوحيد الذي يجمع كلّ هذا التنوّع الذي يخاطب العقل والنفس معاً، وهو القائل:
- {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ... [الأنعام ـ 38]
- {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}
[الرحمان:1ـ4]
القرآن الكريم يعلّم الولد الإبداع
إنّ أمّتنا الإسلاميّة تقف اليوم أمام مأزق تعليم كلام الله - عز وجل -، أفضل كلامٍ على الإطلاق، فلا وقت هناك للانتظار. (1/359)
صفحة 360
إذن يجب على علماء التربيّة وعلم النفس الإسلاميّين أن يبحثوا عن طرائق إبداعيّةٍ لتعليم القرآن الكريم علّ الأمّة تخرج من هذا المأزق، خاصّةً للنشء الصغير، إذا أردنا أن ينشأ على الصلاح والإبداع والعبقريّة، وعلى العلماء جميعاً أن يحزموا أمرهم، ويؤمنوا بكلّ ثقةٍ أنّ مستقبل الأمّة ـ إذا أردنا لها النجاح وتكوين أجيالٍ مبدعةٍ ـ مرهونٌ بمدى وضع أولادنا على طريق الله - عز وجل - ومدى محافظتهم على كتابه، حفظاً وتلاوةً وتدبّراً، وطريقة التعليم، وتكوين التفكير.
فعلى المربّين جميعاً والمرشدين أن يطوّروا برامج التعليم، ويضعوا برامج لتكوين الأمّهات، حتّى يبدأن تعليم أولادهنّ كلام الله - عز وجل - ومختلف المهارات في البيت، قبل ذهابهم إلى المدرسة، وهذا ممّا يسهّل مهمّة المدرسة في توجيههم وتثقيفهم على أحسن وجهٍ، ما داموا يأتون إليها ولديهم نصيبٌ وافرٌ من المبادئ الكثيرة والمهمّة للسير على الطريق، عوض أن تبدأ من الصفر، وهذا كلّه من أجل تكوين نهضةٍ إسلاميّةٍ قرآنيّةٍ.
فلا بدّ من الإبداع في تدريس كلام ربّنا - عز وجل - بحيث يشعر الولد بأنّ هذا القرآن يجعل له قيمةً كبيرةً يستمدّها من حيث كونه إنساناً، خلقه ربّه، وكرّمه، وفضّله على كثيرٍ ممّن خلق تفضيلاً، ويجعله يستشعر روعة عقله المبدع الذي وهبه له ربّه - عز وجل -، وأنّ الإنسان الواعي الذي يستثمر عقله بحفظ كلام ربّه - عز وجل - يستطيع أن يكون إنساناً مبدعاً ذكيّاً ومتفوّقاً.
علينا أن نجعل الولد يستقي من كلام ربّه - عز وجل - خاصّةً قصصه ما ينمّي خياله المبدع، ويشيع في نفسه نوعاً من الحبّ للعلم والتعلّم، ويكوّن في نفسه تفكيراً إنسانيّاً راقيّاً ومتمكّناً فيه، ممّا يجعله يبني شخصيّةً قويّةً، ويعيش حياةً اجتماعيّةً متوازنةً، وأن يكون عالي الهمّة، لأنّه يستمدّ علوّ همّته من كلام ربّه، وبعلوّ الهمّة يستطيع أن يبلغ إلى أعلى وأرقى الدرجات. (1/360)
صفحة 361
والعلم أرفع مقامٍ تطمح إليه الهمم، وأشرف غايةٍ تتسابق إليها الأمم، وإذا بدأت الأسرة بتعليم الولد كلام الله - سبحانه وتعالى - أعلى وأغلى علمٍ على وجه الأرض، وإذا فهم ذلك جيّداً فسيتعوّد عليه بالخير، فيبني لنفسه أهدافاً عاليّةً قيّمة. ً
وأولادنا هم أرضٌ طيّبةٌ إذا تعاهدناها بالسقي بمياهٍ مباركةٍ فستؤتي ثمرةً طيّبةً مباركةً، وليس هناك مياهٌ مباركةٌ طيّبةٌ عاليّة الجودة أحسن من كلام ربّنا - سبحانه وتعالى -.
- {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق ـ 9]
فيجب على الأولياء أن يتعاملوا مع أولادهم بكلام الله - سبحانه وتعالى - المبارك، تعلّماً ومنهاجاً وتخلّقاً.
ومن بين الطرق التي تجعل الولد يحبّ حفظ كلام الله - عز وجل -:
1ــ القدوة الصالحة: وغياب القدوة الصالحة من حياة الأولاد جعلهم يغفلون عن الاهتمام بكتاب ربّهم - سبحانه وتعالى -، وبغيره من العلوم.
والقدوة الصالحة المحافِظة على تلاوة كتاب الله - عز وجل - من طرف الآباء والأمّهات تعدّ أوّل خطوةٍ على الإطلاق لتحبيب كتاب الله - سبحانه وتعالى - إليهم، وحبّ الأولياء له أوّلاً، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بالمحافظة على تلاوته أمامهم، كي يروا بأمّ أعينهم مدى تمسّكهم به والمحافظة عليه، فيجلس الأب، أو الأمّ أمامهم، ويمسك بالمصحف، ويقرأ بصوتٍ يسمعونه، ومن الأحسن أن يكون بشيءٍ من التجويد، والصوت الحسن.
والتربيّة بلسان الحال أنجح من التربيّة بلسان المقال، فتأثير شخصٍ واحدٍ في ألف شخصٍ بلسان حاله أفضل من تأثير ألف شخصٍ في واحدٍ بلسان المقال، ولولا أهميّة القدوة وأثرها الإيجابيّ في النفوس لما ذكرها ربّنا في كتابه، فقال - سبحانه وتعالى -: (1/361)
صفحة 362
- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ... [الأحزاب ـ 21] فالقدوة هي أقصر طريق وأيسره للتأثير في الولد، وكلّ خُلُقٍ نعلّمه إيّاه لا يفهمه حتّى يكون حقيقةً تتحرّك في واقع سلوكنا وأعمالنا، وما لم نترجمه إلى سلوكٍ وتصرّفٍ في معاملاتنا معه ومع غيره من أفراد المجتمع، لأنّه من غير المعقول أن نطالبه بفعل أشياء لا نستطيع نحن أن نقوم بها، ونؤدّيها.
2ــ الرفع من قيمة القرآن الكريم قدر المستطاع: وذلك بذكره أمامهم في كلّ المناسبات بما يستحقّه من المدح والثناء، والرفع من قيمته، ومن قيمة من يداوم على حفظه وتلاوته، وذكر الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الموضوع.
والولد كجهاز الرادار يلتقط كلّ ما يدور حوله من الحركات والسلوكات، فإذا صدق الوالدان والأمّ خاصّةً في حبّهما لكتاب الله - عز وجل -، زرعا حبّه في قلبه، دون جهدٍ، أو مشقّةٍ في توجيهه لذلك.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأل جهداً في بيان فضله، وإبراز قدره، والدعوة إليه، حتّى يحبّبه إلى صحابته، ويجعلهم يهتمّون بحفظه، وتلاوته، وتدبّره.
ـ فتارةً يبيّن للصحابة أنّه يحبّ سماعه.
ـ وتارةً يثني على قارئه وسامعه بالخير والثناء الجميل.
ـ وتارةً يبيّن ما لصاحبه من الهداية والفضل الكبير في الدنيا.
ـ وتارةً يبيّن ما لحافظه، والمحافظ على تلاوته من الدرجات العلا في الجنّة.
لذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكرّم، ويقدّم حملة القرآن الكريم ومعلّميه في أحاديثه الكثيرة.
مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه».
قال أبو عبد الرحمان: «فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا».
فهذا تقرير من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخيريّة على الإطلاق لمن تعلّم القرآن وعلّمه.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: (1/362)
صفحة 363
«لا حسد إلاّ في اثنين: رجلٍ علّمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه رجلٌ، فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلانٌ، فعملت مثل ما يعمل، ورجلٌ آتاه الله مالاً، فهو يهلكه في الحقّ، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلانٌ، فعملت مثل ما يعمل». (1)
فعن عائشة - رضي الله عنه - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقٌّ له أجران». (2)
والسفرة الكرام البررة هم من خواصّ ملائكة الرحمان - جل جلاله -، سموا إلى تلك الدرجة، لأنّهم بنزولهم بالوحي كالسفراء بين الله - عز وجل - وعباده، وأخلاقهم بارّةٌ، وأفعالهم طاهرةٌ كاملةٌ، والذي يقرأ القرآن بمهارةٍ، يرتقي إلى درجة هؤلاء الخواصّ من الملائكة الكرام، ويصبح بمثابة سفيرٍ بين الله - عز وجل - وعباده، وتلك هي الدرجة العالية التي لا يبلغها إلاّ من وفّقه الله تعالى إليها.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا ربّ حلّه، (والمتكلّم هنا هو القرآن) فيلبس تاج الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ زده، فيلبس حلّة الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ ارض عنه، فيقال: اقرأ وارق، ويُزاد بكلّ آيةٍ حسنةٌ». (3)
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
«يقال ـ يعني لصاحب القرآن ـ اقرأ وارق، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرأها». (4)
__________
(1) أخرجه البخاري.
(2) أخرجه البخاري.
(3) أخرجه البخاري.
(4) أخرجه الترمذي. (1/363)
صفحة 364
3ــ مرافقة الولد من طرف المربّي في قراءته لكلام الله - عز وجل -، وذلك بالجلوس معه وإمساكه لكتاب الله بكلّ فرحٍ وسرورٍ وانشراحٍ، ممّا يبعث نفس الشعور في الولد، والقراءة معه كلمةً كلمةً، وآيةً آيةً، والاعتناء به بكلّ صدقٍ واهتمامٍ، فيكوّن فيه تصوّراً إيجابيّاً نحو كتاب الله - عز وجل - وأنّ حفظه ليس صعباً.
وقد رأينا من قبل كيف جلس جبريل - عليه السلام - إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليعلّمه الإسلام.
وإذا استأنس بهذا الحبّ لكتاب الله - عز وجل - من طرف والدينه منذ صغره، سهل عليه قبوله والاهتمام به وحفظه، ويصبح مهتمّاً به بكلّ نفسه، فإذا أردنا حقّاً بناء جيلٍ قرآنيٍّ، فلنبدأ بالتوجيه والترغيب والتشجيع منذ الصغر، حتّى يصبح حريصاً على إرضاء والديه، وخاصّةً أمّه العزيزة عليه.
وما دام قارئ القرآن الكريم ينال ذلك الأجر العظيم الذي ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوالداه يكونان شريكين معه في كلّ حرفٍ يقرأه أو آيةً ينطقها، ما داموا يعلّمونه، ويهتمّون بإرشاده إلى حفظه، والولد من كسب والديه، وفي ذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاثٍ، فذكر: أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». (1)
4ــ ويحسن بالأمّ أو المربّي أن يحضّر آلة تسجيلٍ من حينٍ لآخر، وتشغّلها في البيت أمامه، وتتركه يسمع إلى أحسن القرّاء، وعليها أن تقتني مثل هذه الأشرطة وتستعملها قصد التقليد والمحاكاة من طرف الولد، وأحياناً تسجّل الأمّ أو المربّي قراءته البريئة، وتُسمعها له من حينٍ لآخر، فهذا يشجّعه كثيراً على التعلّق بالقرآن الكريم وحبّ قراءته، وهذه الطريقة هي من أحسن الطرق لتحفيز قدراته.
__________
(1) أخرجه مسلم. (1/364)
صفحة 365
وبهذه الطرق والمحاولات المتعدّدة يتعلّم الولد حسن الاستماع والإنصات إلى مربّيه الذي يلقّن له الآية التي يطلب منه حفظها، فتتكوّن فيه مهارة الاستماع والانتباه، ويساعده على الاستيعاب والتحصيل الجيّد، ويعينه على تقويّة قدراته العقليّة وتنميّتها، فيسهل عليه حفظ دروسه وفهمها فيما بعد عندما يلتحق بصفوف المدرسة.
5ــ تشجيعه بتقديم الجوائز بعد كلّ استظهارٍ يؤدّيه بإتقانٍ، مثلاً بعد حفظ سورةٍ من السور الصغيرة، مثل سورة الناس، أو الفلق، أو الإخلاص، وتكون الجائزة عبارةً عن شيءٍ بسيطٍ، مثل علبة شكولاطة، أو ما شابه ذلك.
وقد كان أحد المشائخ يقدّم لولده مثل هذه الجائزة في كلّ مرّةٍ يستظهر فيها سورةً من السور الصغيرة، وهناك أنواعٌ كثيرةٌ من الجوائز التي يظنّ الوالدان أنّها بسيطةٌ، ولكن لها الأثر البليغ في نفسيّة الطفل.
إنّ الاهتمام بالقرآن الكريم من طرف الوالدين، وتعهّده ومراجعة ما حفظ الولد من الآيات القصيرة، يرسّخه في ذهنه، ويحثّه على المحافظة عليه، ويجعله لا يغفل عن المراجعة الدّائمة والمستمرّة، خاصّةً إذا كان ذلك بصوتٍ حسنٍ جيّدٍ، وما أحسن ذلك إذا كان قبل النوم.
ولقد أوصانا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن نتعهّد القرآن الكريم بمراجعته، فقال:
«تعهّدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشدّ تفلّتاً من الإبل في عقرها». (1)
تأثّر الولد بقصص القرآن
قال الله - عز وجل -:
- {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ}
[يوسف: 3]
وقال في آخر السورة:
- {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ... [يوسف:111]
يقول المفسّر محمّد الطاهر ابن عاشور في تفسير هذه الآية:
__________
(1) أخرجه مسلم. (1/365)
صفحة 366
«لقد جعل الله - سبحانه وتعالى - قصص القرآن الكريم أحسن من قصص غيره من جهة حسن نظمه، وإعجاز أسلوبه، وبما يتضمّن من العبر والحكم، فكلّ قصص في القرآن هو أحسن القصص في بابه، وكلّ قصّةٍ فيه هي أحسن من كلّ ما يقصّه القاصّ في غير القرآن، وإنّ القصص الوارد في القرآن الكريم هو أحسنٌ، لأنّه واردٌ من العليم الحكيم، فهو يوحي ما يعلم أنّه أحسن نفعاً للسامعين في أبدع الألفاظ والتراكيب، فيحصل منه غذاء العقل والروح وابتهاج النفس والذوق، ممّا لا يأتي بمثله عقول البشر».
لقد شغلت القصّة القرآنيّة مساحةً كبيرةً، ربّما أكثر من غيرها من المواضيع كلّها، فلا يقلّ الحيّز الذي شغلته من كتاب الله - عز وجل - عن الربع، إن لم يزد عليه.
وللقصّة تأثيرٌ عظيمٌ في الأولاد لا ينكره أيّ عاقلٍ مارس مهنة التربيّة والتعليم، فهم ينتبهون إليها مختارين ومتشوّقين انتباهاً نادر المثال، ويركّزون في سماعهم إليها تركيزاً بالغاً، وهي وسيلةٌ هامّةٌ لتقويّة الخيال الذي ينمّي العقل ويجعله يبدع، كما أنّها تدخل السرور والنشاط على نفوسهم، وتهذّبهم وتعلّمهم، وتغرس بذور الشجاعة فيهم والاعتماد على النفس، وكلّ هذه القيم هي سببٌ لتكوين الثقة بنفوسهم، وتجعلهم على صلةٍ وثيقةٍ بمربّيهم، وتشوّقهم إلى القراءة والمطالعة.
ويعدّ الاستماع إلى القصّة ميلاً نفسيّاً قد أودعه الله - عز وجل - في النفس البشريّة، لذلك نجده لا يقتصر على الصغار فقط، بل إنّ الكبار أنفسهم يستهويهم هذا الأسلوب، لأنّه يثير عواطفهم، ويخفّف عنهم ضغوط الحياة. (1/366)
صفحة 367
كما أنّ للقصّة فوائدها من الناحية الأخلاقيّة، فهي تحثّ على الفضائل والقيام بالأعمال العامّة النافعة، وتبعث الهمّة في النفس، خاصّةً إذا كانت تروي حوادث البطولة والناجحين والمتفوّقين، وأحسن القصص ما جاء في الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب، كالتحدّث عن النجاح في وقت حلول الامتحان، وعن الشجاعة حين ظهور الجبن، ويرشد المربّون أنّه يجب التحدّث عن الفضائل أكثر من الرذائل خوفاً من أن يقلّد الولد أصحابها دون أن يشعر المربّي بذلك، وأن لا يتحدّثوا عن رذيلةٍ من الرذائل إلاّ حين ظهورها.
يقول حسن البناء:
«أنا لا أدري لماذا أهمل التأليف الروائي؟، وكان يمكن أن يكون سبباً في إنشاء أجيالٍ واعيّةٍ ذكيّةٍ عبقريّةٍ ومبدعةٍ».
فيمكن للأمّ وهي تعلّم ولدها الصغير كلام ربّه - عز وجل - أن تروي له محاولة الحبشة هدم الكعبة، وكيف أنّهم أرسلوا الفيل في أوّل الجيش الذي جاء به أبرهة للقيام بذلك العمل، وتجعله من خلال ذلك يطّلع على أشياء كثيرةٍ، عن الأماكن، والأجناس، والمعلومات التاريخيّة، وشكل الفيل، كما تبثّ في روعه أنّ من ينصر الله - عز وجل - بطاعته له، وتطبيق شريعته، فإنّ الله - عز وجل - سينصره هو كذلك.
وقبل سورة الفيل فإنّ الولد سيمرّ بسورة المسد حيث يعلّمه المربّي من خلالها أنّ عاقبة الظلم وخيمةٌ، وأنّ صاحبه سيصلى ناراً ذات لهبٍ، خالداً فيها أبداً، فيربّيه على أن لا يظلم أحداً، وأن يكون محسناً إلى خلق الله جميعاً. (1/367)
صفحة 368
وسورة قريش التي تبيّن له أنّه يجب عليه أن يعمل، ويجتهد في طلب الرزق، وأنّ دينه يأمره بهذا، ولو أدّى به ذلك إلى السفر والمشي في مناكب الأرض، لأنّ الله - عز وجل - هو الذي يطعم العامل النشيط، ويعلم أنّ الأمن من أسباب ضمان الرزق، فينشأ على ذلك ويصبح إنساناً أميناً، يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم، وكلّ هذا في أسلوبٍ قصصيٍّ يشوّقه إلى معرفة المزيد من أمثال هذا الواقع، فيكون ذلك سبباً قويّاً يجلبه لمحبّة الزيادة في حفظ كتاب ربّه - سبحانه وتعالى -.
يقول الشيخ محمّد الغزالي»:
«القصص في القرآن الكريم يعدّ أساس التربيّة كلّها، لا التربيّة النفسيّة فقط، بل العقليّة أيضاً، العقل الإنسانيّ يجب أن يتحرّر من قيود الوراثة المخرفة، وأن يكون قادراً على الحركة، بل أنا أرى أنّ القرآن الكريم يهدف إلى بناء، وإنشاء عقلٍ تجريبيٍّ» (1) عندما يقول - سبحانه وتعالى -:
- {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} ... [الحج:46]
إنّ الأسلوب القصصي الذي جاء به ربّ العزّة في القرآن الكريم، لم يأت للحكاية وذكر أخبار الأوّلين فقط، وإنّما جعله جزءاً من تركيب هذا الكتاب المبين ليكون سبباً لبناء عقلٍ متفتّحٍ يستطيع أن يناقش ويحاور، ويبني ويؤسّس.
فالله - عز وجل - قد أنزل إلينا خطّة الحياة، خطّة بناء النفس، وخطّة بناء العقل، وتنميّته وتطويره، ولا ينقصنا نحن إلاّ التنفيذ، ولكنّنا لا نريد تنفيذ الخطّة، أو نتجاهل تطبيقها، أو صرنا نطبّقها كما نريد وكما تهواه أنفسنا، وعلى حسب أهوائنا، لا كما يريده منّا مخطّط الخطّة - عز وجل -، فظلمنا القرآن الكريم بسوء تعاملنا معه.
__________
(1) من كتابه كيف نتعامل مع القرآن الكريم. (1/368)
صفحة 369
يقول الشيخ محمّد الغزالي: «وقد قصّ القرآن الكريم علينا أهمّ أخبار الماضين، وسواءً كانت القصص مفردةً، أو مكرّرةً، فهي في السياق القرآني أداة تربيّةٍ، ومصدر توجيهٍ، ووعظٌ يدعّم الفرد والجماعة،
وقصص القرآن تعدّ قطعاً من الحياة الماضيّة، استرجعها الوحي الأعلى للتعليم والاعتبار.
وعندما يقصّ قصّةً فهو ينفخ الحياة في القرون الماضيّة الهامدة، فإذا هي حيّةٌ تسعى، تسمع فيها ضجيج العراك بين المحقّين والمبطلين، وإنّ شريط الأحداث يتحرّك ليعيد علينا مراحل مضت من تاريخ الدنيا». (1)
ويقول الدكتور حسن فاضل:
«إنّنا نجد القصص القرآنيّ جاء ليعمّق العقيدة في النفوس، ويحيي بها القلوب، ويسلك لتلك القضيّة المهمّة الخطيرة أحسن الطرق إمتاعاً وإقناعاً، إمتاعاً للعاطفة، وإقناعاً للعقل، هذه العقيدة بأسسها الكبرى، الألوهية والرسالة واليوم الآخر.
وهي تسمو بهذا الإنسان حتّى يمتاز عن الحيوان الذي يشترك معه في بعض الصفات، هذا السموّ، الذي لا يركّز على جانبٍ واحدٍ في هذا الإنسان، فهو يسمو سموّاً روحيّاً، ونفسيّاً، خَلقيّاً، وخُلقيّاً، عقليّاً وتفكيريّا، يشعر به الفرد، ويجد له حلاوته ولذّته، وهو بعد ذلك سموٌّ اجتماعيٌّ تجد الجماعة فيه بغيتها وأمنها وضالّتها وفضيلتها، والقصص القرآني يسلك أكثر من أسلوبٍ ليصل بالإنسان إلى هذه النتيجة الطيّبة.
ولا يظنّن أحدٌ أنّ القصص القرآني كانت عنايته بالمعنويّات فقط، وإنّما ركّز كثيراً على الرقيّ المادّي وأسباب القوّة، لأنّ هذا الدين يجمع بين الحياة المادّية والروحيّة، ويعدّهما معاً عنصراً أساسيّاً في مقوّمات هذا الإنسان.
__________
(1) من كتابه: المحاور الخمسة للقرآن الكريم. (1/369)
صفحة 370
وهي تركّز بأنّ التديّن الحقّ لا ينفصل عن الحياة العمليّة، ولا ينفصم عن واقع هذا الإنسان، وإنّما هو مرتبطٌ به ارتباطاً وثيقاً، بل هو جزءٌ منه، وفيها من المواقف والتحاليل النفسيّة، والاستنتاجات الكامنة وراء الأحداث التي يجد فيها علماء النفس بغيتهم، وغيرهم كثيرً ممّن يتأمّل هذه القصص ويتدبّرها.
وستبقى القصّة القرآنيّة هي المشعل الذي يبيّن للإنسان طريقه الصحيح في التربية والترقيّة العقليّة، فهي نفحةٌ من نفحات رب ّالعزّة التي تشرق بها النفس الإنسانيّة بمختلف نواحيها وقواها المتعدّدة.
وهي لم تأت لتقرّر هدفاً واحداً، ولكن جاءت لتحقّق أهدافاً كثيرةً في حياة هذا الإنسان، أو لتخاطب أناساً من عمرٍ واحدٍ، بل هي تخاطب الصغير والكبير، الذكر والأنثى، المؤمن والكافر، لأنّها جاءت لتربيّة النوع الإنسانيّ عامّة، تربيّةً تضمن له خير المسالك، ليتبوّأ أفضل الدرجات المختلفة في هذه الحياة، درجات الأخلاق، درجات العمل، درجات الإبداع، درجات التفوّق، درجات النجاح.
ولقد فصّلت أسباب الرقيّ المادّيّ لهذا الإنسان في مختلف العصور، ليعلم أنّ ذلك من أهدافه التي خلقه ربّه - سبحانه وتعالى - من أجلها، لأنّه قد خلق ليكون خليفةً في الأرض يعمّرها، ويبني فيها كلّ ما يقدر عليه.
كما أنّه يجب علينا أن لا نبحث عن كيفيّة تأثيرها في نفس الولد الصغير، بل علينا أن نسلّم بذلك للذي أنزلها على هذا الأسلوب، وهذه المعاني.
والخلاصة: يجب على الأمّ أن تعتني بحكاية القصص القرآني لطفلها، إذا أرادت أن توفّر لنفسها مجهوداً كبيراً في تربيّته التربيّة الصحيحة، لأنّ تلك القصص تعمل في نفسه البشريّة عملها الذي أرادها الله - سبحانه وتعالى - منها، ولها أن تختار بعضها لتجعلها مسك ختام يوم ولدها، فتحكيها له قبل نومه، حتّى ينام بنفسٍ مليئةٍ بالأمل في عون ربّه، وينهض وهو متفائلٌ، ليقبل على الحياة العمليّة بنفسٍ منشرحةٍ قويّةٍ. (1/370)
صفحة 371
حبّ الأولاد للقصص
يقول علماء التربيّة:
ــ «إنّ للقصّة دوراً تربويّاً هامّاً في تنميّة شخصيّة الأولاد».
فهم يكبرون، ويكبر معهم شغفهم وحبّهم الكبير للاطّلاع والاستكشاف، ويتعلّقون تعلّقاً كبيراً بالقصص لما فيها من متعةٍ تلبّي فيهم غريزة حبّ الاكتشاف، وتشبع فيهم تصوّراتهم الخياليّة، ويتعايشون معها بكلّ أحاسيسهم وشعورهم.
إنّ لها مفعولها السحريّ في نفوسهم، فهي تبعث فيها الهدوء، وتعلّمهم الاستماع الجيّد والانتباه والتركيز، التي هي من أساسيّات قوّة الحفظ لدى الإنسان، وهذا إذا ما وجدوا أمّاً وفيّةً مضحّيّةً في تربيّتهم وتعليمهم وتوجيههم.
ويكفينا دلالةٌ على ذلك أنّ الله - سبحانه وتعالى - خالق هذا الإنسان، وخالق مشاعره وميولاته، ويعلم جيّداً ما يليق به وما لا يليق، أنزل القرآن الكريم مملوءاً بالعديد من القصص، كما أنّها في مواضيع واختصاصاتٍ مختلفةٍ، فقد قصّ عن الأنبياء والرسل، وعن بعض عباد الله الصالحين، وعن الأمم الكافرة، كلّ ذلك لتكون عبرةً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيدٌ.
- {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120]
وللقصّة دورها الفعّال والإيجابيّ في إيصال المفاهيم والقيم التربويّة الخيّرة إلى نفوس الأولاد وغرسها فيهم، وجعلهم إيجابيّين في مواجهة عقبات الحياة، وهي تعدّ من أدب الطفل الفعّال، وأقوى سبيلٍ يعرف به طريق الحياة بأبعادها المختلفة، وهي أسلوب يكتشف به مواطن الخطأ والصواب، ويفرّق بين الخير والشرّ، كما أنّها تعدّ وسيلةً من وسائل التعليم والتسليّة، وتشعرهم بدفء العلاقة الأسريّة، وتدعّم شخصيّتهم، وتعزّز هويّتهم. (1/371)
صفحة 372
ويقول علماء التربيّة إنّها البوّابة التي يعبر الولد من خلالها إلى عالم المتعة، ولو أدرك المربّون قيمتها لأولوها اهتماماً كبيراً، ولفضّلوها على كثيرٍ من النشاطات التي تستهلك وقت الولد وجهده، مع أنّها لا تؤثّر في نفسه مثل التأثير البالغ الذي تتركه القصّة، ويكفي فائدةٌ واحدةٌ في القصّة، وهي إثراء حصيلة الولد اللغويّة، حتّى أنّ بعض المرشدين التربويّين قد طالبوا بإدخالها في المنهج المدرسي، بل إن الأستاذ رفاعة الطهطاوي قد أدخلها فيه فعلاً.
ولقد كانت حكايات الأجداد تحمل معاني ساميةً، ولها روحٌ خاصّةٌ صادقةٌ، والعجيب في ذلك أنّها من نسيج خيالهم، وهي تربط الأجيال بجذورهم، وتعرّفهم بهويّتهم وتكوّن فيه الشجاعة على العمل والصبر والمثابرة بطريقة يحبّونها، ولكن كثيراً من المربّين يحجمون عن الدخول في هذه التجربة نتيجة خوفهم من الفشل في تكوين حكاية تجذب الأولاد، وتعبّر عن أفكارهم، ويستبدلون بها قصصاً جاهزةً، والتي تكون في كثيرٍ من الأحيان بعيدةً عن القيم والمبادئ الإسلاميّة.
وقد علم الله - سبحانه وتعالى - أنّ مثل هذا التقصير موجودٌ في عباده، فأنزل إليهم السور القصار عبارةً عن قصصٍ، يستطيعون أن يرووها لأولادهم، ويقدّموها كمادّةٍ قصصيّةٍ يشبعون بها احتياجاتهم الفطريّة التي وضعها فيهم منزّل القرآن الكريم. (1/372)
صفحة 373
إنّ البحث عن القصّة المناسبة مهمّةٌ قائمةٌ على عنق الأمّ قبل أيّ شخصٍ آخر، وهي تحتاج إلى بعض الجهد وبعض الوقت، وكثيرٌ من الأمّهات لا يجدن ذلك مع مشاغلهنّ الكثيرة، خاصّةً إذا كانت الأمّ تشتغل طوال النهار، ولكن نجد حلّ هذه المشكلة في قصص القرآن الكثيرة والمتعدّدة، والتي تستطيع أن تفي بكثيرٍ من طلبات تلك الأمّهات، وهي متوفّرةٌ بكثرةٍ، فيمكن للأمّ أن تقرأ مقطعاً منها، ثمّ تعيد حكايته بأسلوبها، وهناك كثيرٌ منها مسجّلةٌ على كاسيت، أو أقراصٍ، فما على الأمّهات الراغبات في تلبيّة حاجة أولادهنّ إلاّ أن يبحثن عنها، ولكن يجب أن لا تتعوّد الأمّهات على مثل هذه العمليّة، وأن لا يجعلن الاستماع إلى المسجّل هو الأصل، لأنّ الغاية هي تحقيق التواصل بين الأمّ والولد، وإشعاره بالحبّ والأمان، وبناء مهارة التحاور فيه عن طريق الإجابة على أسئلته الكثيرة، واستفساراته المتعدّدة، وليس إسماعه القصّة فقط.
وقد ينوب عن الأمّ الأب أو الجدّ أو الجدّة، فمثلاً عندما تكون الأسرة الكبيرة مجتمعةً في بيتٍ واحدٍ، غالباً ما تقوم الجدّات برواية الحكايات للأولاد، فيشيع ذلك متعةً بين الطرفين، الولد والجدّة معاً، وتكون أذهانهم قد تهيّأت للانتقال إلى عالمٍ واسعٍ من الخيال، يحلّقون فيه مستمتعين بتقليد ومحاكاة شخصيّات أبطال الحكاية وتخيّل أجوائها، وتصبح تلك اللحظات السعيدة التي يشتركان فيها معاً أعظم متعة في الكون.
والملاحظة السعيدة التي نقدّمها للأمّهات، وهي في صالحهنّ ربّما أكثر من الولد أنّ تلك المتعة التي يجدنها في حكاية القصّة لولدهنّ بعد يومٍ كاملٍ من العمل والتعب والضغوطات، يملأ نفوسهنّ بالانشراح والمتعة، فينصرفن إلى النوم بنفسٍ منشرحةٍ فرحةٍ مسرورةٍ، وقد أشبعن رغبة أطفالهنّ، ووجدن راحتهنّ في ذلك. (1/373)
صفحة 374
إنّ حكاية القصّة للولد قبل النوم هي البلسم الذي يشفي الجراح والمتاعب اليوميّة، التي عاشتها الأمّ طوال النهار، كما أنّها تقوّي وتعزّز مهارة الحوار والتواصل مع ولدها، فتجد متعةً في ذلك، وتستطيع بواسطته أن تطّلع على أفكاره وتصوّراته، فتقوّي وتثبّت فيه ما كان صحيحاً، وتصحّح ما كان خاطئاً، وهل هناك فائدةٌ أعظم من هذه الفائدة.
والأمّة الإسلاميّة في حاجةٍ كبيرةٍ لبناء جيلٍ قرآنيٍّ قويٍّ متمسّكٍ بشخصيّته الإسلاميّة وهويّته التي تجنّبه الانصهار والذوبان في تيار العالميّة الخطير، ويكون ذلك كما يقول العلماء الإسلاميّون بتوظيف التراث الإسلامي المليء بالقصص والوقائع التاريخيّة، لأنّها الشكل الأكثر قبولاً عند الأطفال، لأنّها تربط الطفل بجذوره الأصيلة، وتعرّفه بهويّته الإسلاميّة التي يبني عليها شخصيّته، وكلّ ذلك بشكلٍ بسيطٍ تتقبّله نفسه، وتحبّه، وتنمو معه وهو يزيد في عمره، وتربطه بذكرياتٍ جميلةٍ ومشاعر مفعمةٍ بالشوق إلى الحياة الفاضلة الراقيّة.
مع تمنّياتنا لجميع الأطفال بالاستمتاع بقصصٍ جميلةٍ قبل النوم، وللأمّهات أكثر، مع مشاعر حبٍّ دافئةٍ، وتواصلٍ قويٍّ، وحوارٍ يفتح أبواب الإبداع لدى أولادنا جميعاً، إن شاء الله - سبحانه وتعالى -.
قصص القرآن وبناء الذاكرة (1/374)
صفحة 375
إنّ لحفظ القرآن الكريم، مع تخيّل مختلف الوقائع التي ذكرها الله - سبحانه وتعالى - فيه أثراً إيجابيّاً على المخّ، وعلى تكوين الذاكرة القويّة لدى الولد، لأنّه بذلك يستخدم شقيّ المخّ، بدلاً من شقٍّ واحدٍ فقط، فهو عندما يحفظ نصيباً من الآيات، ويتكوّن لديه في نفس الوقت تصوّرٌ حول موضوعها الذي تتحدّث عنه، وذلك بما تبيّنه له أمّه، أو مربّوه من معانيها، كما أنّه يعزّز عمليّة التشفير لديه، لأنّه يربط كلّ سورةٍ يحفظها بما نشرحه له من المشاهد والوقائع التي تتحدّث عنها تلك الآيات، فربط الآيات بالمشاهد التي نحكيها للطفل سيجعلها أكثر قابليّةٍ للرسوخ داخل خلايا مخّه، كما يجعلها من جهةٍ أخرى في حالةٍ أحسن لتذكّرها فيما بعد، لأنّ حفظ الكلمات من اختصاص الشقّ الأيسر من المخّ، بينما التخيّل هو من اختصاص الشقّ الأيمن.
ولعمليّة تشفير المعلومات في الذهن فائدةٌ كبيرةٌ في ترسيخها فيه، ثمّ في قوّة تذكّرها فيما بعد، وهذا التشفير هو عبارةٌ عن مجموعةٍ من القواعد المنظّمة، التي إذا استعملها الإنسان عند تلقّيه للمعلومات المختلفة، فستصبح فيه مهارةً قويّةً وإيجابيّةً في الحفظ والتذكّر.
وهذه القواعد تعلّم في برامج تدريبيّة يقوم بها علماء الذاكرة الذين برعوا فيها، وصمّموها بإحكامٍ، وهي تسعى إلى تدريب الفرد على قوّة الملاحظة وتكرار المعلومة المهمّة، وإيجاد ترابطٍ فيما بينها وبين المعلومات الأخرى التي كان قد تعلّمها من قبل، حتّى يتمكّن من حفظها واسترجاعها بسهولةٍ.
وقد توصّل علماء الذاكرة إلى اكتشاف أنّ للمخّ إمكانيّاتٍ خارقةً لا يعلمها إلاّ خالقه، وهو أنّه عادة ما يقوم بتقسيم أنشطته غريزيّاً إلى أنشطة النصف الأيسر (قشرة المخّ اليسرى)، وإلى أنشطة النصف الأيمن (قشرة المخّ الأيمن)، وهذا البحث أصبح مشهوراً باسم بحث:
ــ نصف المخّ الأيسرـ نصف المخّ الأيمن.
ويقول عالم الذاكرة توني بوزان: (1/375)
صفحة 376
«إنّ المفكّر المبدع قادرٌ على بناء وتنميّة وزخرفة الأفكار بشكلٍ عامٍ، ويقوم بتمديد الأفكار ويسهب فيها، وإنّ المفكّر المبدع يمتلك دائماً مستوياتٍ عاليةً من الحيويّة والطاقة، فهو لديه ميول للحياة، وغالباً ما يعدّ شخصيّةً نابضةً بالحياة».
ولكلّ واحد منّا أن يتساءل: وهل القرآن الكريم يستطيع أن يكوّن في أولادنا مثل هذا التفكير المبدع؟ ويجعل شخصيّتهم نابضةً بالحياة.
فلا شكّ أنّه يستطيع أن يوسّع قدرات الولد على التفكير والإبداع بشكلٍ كبيرٍ منذ صغره، وذلك لما أنزل الله - سبحانه وتعالى - فيه من مواضيع مختلفةٍ متنوّعةٍ، فهو يجعل الشخص يرى الحياة من نواحي مختلفةٍ، ولكن بشرط أن يتوفّر له أمٌّ مثقّفةٌ في معاني القرآن الكريم، ومقاصد الآيات، وبعض الجوانب الأخرى.
كما أنّه يكوّن فيه مستوياتٍ عاليةً من الحيويّة، ويملأ نفسه بالطاقة المبدعة، ويبني فيه شخصيّةً تميل إلى الحياة، وتنبض بها في كلّ المجالات.
وقد ذكر بعض العلماء جوانب الحياة المتعدّدة التي أنزلها الله - عز وجل - في القرآن الكريم، ولكن هل يستطيع شخصٌ مهما أوتي من علمٍ أن يدرك جميع تلك الجوانب؟، إنّه لا يعلمها، إلاّ منزّلها بحقٍّ وهو تعالى الوحيد الذي يعلم ما يليق بهذا الإنسان، وقالوا:
وأغلبيّة الحقائق التي أنزلها الله - عز وجل - في القرآن تدور حول:
1ــ التعرّف على الله - سبحانه وتعالى -، والتعرّف على الواجبات التي يعبد بها من خلالها.
2ــ التعرّف على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكيفيّة اتّباعه، والاقتداء به.
3ــ التعرّف على الرسالة التي جاء بها، ولماذا جاء بها؟ ولمن جاء بها؟ وكيفيّة اتّباعها؟.
4ــ التعرّف على الدنيا وكيفيّة التعامل مع ظروفها ومتغيّراتها.
5ــ التعرّف على يوم الحساب، وكيف يستعدّ له بمختلف الأعمال.
6ــ التعرّف على الشيطان، وخطوات إغرائه وإغوائه، ووسوسته للإنسان. (1/376)
صفحة 377
7ــ التعرّف على مختلف السنن التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - ليسير بها هذا الكون.
8ــ دعوته لهذا الإنسان كيف ينظر إلى هذا الوجود المحيط به.
9ــ التعرّف على حقوق العباد المتبادلة، وكيفيّة توفيّة كلّ واحدٍ حقّه للآخر.
10ــ التعرّف على قوانين التعامل الاجتماعي بين عباد الله - عز وجل -.
11ــ التعرّف على فقه الدعوة إلى سبيل الله - عز وجل -، وكيف نجعل الناس يتّبعون الحقّ.
12ــ التعرّف على مختلف قصص الأقوام السابقة، والاعتبار منها.
وغيرها من المواضيع الأخرى الكثيرة التي لا يعلمها إلاّ منزّل هذا القرآن.
فمن من الناس يستطيع أن يستوعب كلّ هذه الجوانب التي ذكرها العلماء في كيفيّة التعامل مع القرآن، حتّى يجد في نفسه الأثر الذي أنزله الله - عز وجل - من أجله، يجده في نفسه، وفي جسمه، وفي عقله، فيعيش إنساناً متكاملاً سويّاً، وينجح في حياته الدنيويّة، ويفوز في الحياة الأخرويّة.
هذا التأثير الإيجابي المتعدّد الجوانب الذي ظهرت نتائجه في الأجيال الأولى لأنّها تعاملت معه بكلّ صراحةٍ وإخلاصٍ، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من الحياة المتكاملة والنموذجيّة في كلّ جوانبها.
ويؤكّد مثل هذه النتائج ما يقوله عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -:
«لقد عشنا برهةً من دهرنا، وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتتنزّل السورة على سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - فنتعلّم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن نقف عليه منها، ثمّ رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري أمره، ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده، فينثره نثر الدقل».
والدقل: هو رديء التمر. (1/377)
صفحة 378
ولكي يكون هناك تأثّرٌ حقيقيٌّ بالقرآن الكريم، فعلى المربّي أن يفهم الولد بقدر فهمه، وعلى قدر إدراكه، ويجعله يتعلّم التأثّر به شيئاً فشيئاً، حتّى يدخل قلبه ويحبّه قبل حبّه لأيّ شيءٍ آخر، فيكبر معه في مختلف سنوات عمره، وهو يطرق له مشاعره، حتّى يصل به إلى درجة التأثّر والتجاوب معه، وهذا كلّه يستلزم صبر المربّي مع الصغير، ومداومته معه في مختلف مراحل عمره.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يحذّرنا بواسطة هذا الأمر أن نترك الأولاد لأيّ مؤثّرٍ آخر يؤثّر عليهم، ويستحوذ على قلبهم، فيميلون إليه، ثمّ إذا جئنا بعد ذلك نعلّمهم القرآن الكريم لا يجدون حلاوته التي وضعها منزّله - سبحانه وتعالى - فيه، وعند ذلك نشتكي بأنّهم لا يريدون تعلّم القرآن الكريم، ولا يميلون إلى حفظه في حين أن كلّ تلك هذه النتائج تسبّبنا فيها نحن بالذات، من حيث أنّنا لم نهتمّ به، ولم نعلّمه لهم قبل أن يتعلمّوا الأشياء الأخرى التي كانت سبب انصرافهم عنه، وميلهم إلى غيره.
فعلى المربّي أن يصبر، ولا يملّ، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - لا يملّ حتّى نملّ، ويتمسّك بتطبيق الوسائل التي أرشد إليها القرآن الكريم نفسه، والسنّة النبويّة، لأنّ كثرة الانشغال به، وطول التعامل معه بكلّ إقبالٍ وحبٍّ وإخلاصٍ، مع كثرة الدعاء، وكثرة الرقية في كلّ مناسبةٍ شريفةٍ تمرّ بنا، يستدعي التأثّر به، وحفظه، وفهمه.
وحفظ القرآن الكريم هو وسيلةٌ لتيسير الانتفاع به، ومحاولة فهمه يثير المشاعر في النفس الإنسانيّة، كما أنّ تكرار الآية يعلم المرء الانتباه والتركيز، وكلّها مهارات يتعلّمها الأولاد عبر السنين، ويعدّ هذا من بين المقاصد الكبيرة التي يتعلّمه المسلمون من أجلها. (1/378)
صفحة 379
وهو غيثٌ للقلب والعقل، كما أنّ الماء غيثٌ للأرض، ومهما أجذبت الأفكار لدى الإنسان، فبقراءته لكلام ربّه يستثير أفكاراً كثيرةً جديدةً، لم يكن قد فكّر فيها من قبل، ولا عرفها، كما نرى كثيراً ممّن يتدبّره بقلبٍ مخلصٍ لربّه، خاشعٍ له، يصل إلى استخراج آراء متنوّعةٍ وبليغةٍ، يحار في ذلك المفسّر نفسه، لماذا لم تنقدح له تلك الأفكار من قبل، وأين كانت موجودةً.
فبأساليبه غير المتناهيّة، يجعل كلّ من يقرأه مع فهم ما يقرأ، ولو فهماً بسيطاً، يبدع في تفكيره، مع التمتّع بذلك التفكير، لأنّه يجد في ذلك فرح النجاح والتقدّم، وفرحة تنوّع التفكير. ... والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول فيه:
«هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه ........... إلى آخر الحديث».
فهو يعطي فرصةً من التفكير الإبداعي اللامتناهي لمن يتعامل معه بحقٍّ، بحيث يقول أحد العلماء الأمريكيّين وهو واشطن إيرفينج:
«يحوي القرآن أسمى الآراء، وأنفعها، وأكثرها إخلاصاً».
ويقول بوجان يعقوب رايس: «لو استمع الناس إلى قدرة القرآن المثيرة الفصيحة والعظيمة المؤثّرة، وأحسّوا باللسان المحيّر للألباب، الذي استخدمه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حين أفهم أصحابه القرآن، لوقعوا في الحضرة القدسيّة ساجدين صالحين».
ويقول المستشرق جاستون كارمن: «إنّ القرآن هو منبع الدين ودستوره، قد احتوى على أسس تستند إليها حضارة العالم، ففي إمكاننا أن نقول: إنّ هذه الحضارة نشأت من امتزاج الأسس التي نشرها القرآن».
ويقول ستافس: «القرآن واحدٌ من أهمّ الكتب التي انتقلت إلى الناس، ليستفيدوا منها، فهو سجلٌّ جامعٌ لأسس الأخلاق والعقائد الكفيلة للناس بالتوفيق والهداية في حياتهم». (1/379)
صفحة 380
وأزيد: وهو سجلٌّ جامعٌ للتفكير والإبداع، إذا ما تعامل أصحابه مع أسلوبه بكلّ صدقٍ وإخلاصٍ، ففيه من رونق الأسلوب، وبديع النظم، وجمال الصورة ما تتفتّح له العقول، وينمو به التفكير، ويقوى به التعبير.
وهو كما يقول سيديو: «القرآن جامعٌ لماهيّة الأشياء الحقيقيّة كلّها، وكلّ هذه الحقائق مبيّنةٌ فيه، لأنّ آياته أوحيت إلى محمّد - صلى الله عليه وسلم - بحسب احتياجات الزمان وحوادث العهد».
وهذا ما يسمّى عند العلماء المسلمين بأسباب النزول.
السور القصار وتحقيق الهدف
إنّ ديننا الإسلامي دينٌ منظّمٌ، لذلك فرض الله - عز وجل - على المسلم خمس صلواتٍ في أوقاتٍ محدّدةٍ لا يجوز له أن يصلّيها قبل وقتها، ولا بعده، وفي شهر رمضان يعلّم الله - سبحانه وتعالى - للمسلمين أنّ النظام يعمّهم جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، فهم يبدؤون صوم رمضان في يومٍ واحدٍ، ويفطرون في يومٍ واحدٍ.
وهو من خلال ذلك النظام يبيّن لهم بأنّه يجب أن يوفّروا أوقاتهم، فلا يضيّعوها من دون فائدة، والنظام يحمي الشخص المنظّم من الملل، ويكسبه صفة المثابرة والاستمراريّة في العمل، إن اتّبع خطّة يسير عليها بشكل دائم، وهذا تطبيقا لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه:
«أحبّ الأعمال إلى الله أدومها، وإن قلّ». (1)
__________
(1) أخرجه مسلم. (1/380)
صفحة 381
وإنّ حفظ السور الصغيرة بكلّ سهولةٍ من طرف الولد، يجعله يرى نفسه بأنّه يستطيع أن ينجح، وأنّه قادرٍ على تحقيق هدفه الذي يصبو إليه، وبمرور الزمن وتكرار حفظ السور الكثيرة المختلفة، يرسخ ذلك في قلبه، ويتكوّن فيه الإيمان بذلك، فيحسّ به إحساساً قويّاً، ويخلق فيه قوّةً ذاتيّةً، ويرسخ في عقله الباطن أنّه يملك قدراتٍ قويّةً، ومهاراتٍ متعدّدةً، لأنّه بعقله البسيط يرى كلّ سورةٍ عبارة عن هدفٍ مستقلٍّ عن غيره، وكلّما حفظ سورةً، فكأنّه قد حقّق هدفاً جديداً، فيشعر بالارتياح إلى ذلك، ويضاعف قدراته بسرعة، ويتعلّق بكلام ربّه - عز وجل -، وذلك هو الخير العظيم، لأنّه كلّما تعلّق به أكثر، فإنّ ربّه سيزيده هدايةً وتوفيقاً وحبّاً له، فينطلق في طريق التفوّق والنجاح دون مجهودٍ يذكر، وهذا ما يتمنّاه كلّ وليٍّ، وكلّ أمٍّ لأولادهم.
والتخطيط الجيّد والتنظيم للأوقات والأعمال يعدّ طرقاً أقصر للوصول إلى الأهداف التي نحدّدها بدقّةٍ، ونرمي إلى الوصول إليها.
ومن الأسس التي ينبني عليها التنظيم والتخطيط تحديد الهدف بدقّةٍ قبل بداية العمل، تحديد الهدف الذي نريد تحقيقه، وتحديد الوقت الممكن بالتقريب للوصول إليه، وتحديد الأعمال التي يجب أن ننجزها لتحقيقه.
ولكي ننشأ جيلاً منظّماً ينجح في حياته المستقبليّة في مختلف ميادين الحياة، يجب علينا:
1ــ أن نحدّد لهم الأهداف التي يجب عليهم تحقيقها، ويجب أن تكون واضحةً وواقعيّةً ومحدّدةً بزمنٍ.
2ــ تحديد إمكانياتهم وقدراتهم التي يستطيعون بذلها في سبيل تحقيق الهدف، فمثلاً يستطيع أن يحفظ كلّ يومٍ آيتين من القرآن، أو أكثر، أو أقلّ، وتحديد الأولويات التي يجب تسبيقها. (1/381)
صفحة 382
3ــ وقد توصّل علماء النفس بعد دراساتهم المتعدّدة أنّه يجب على من يريد بلوغ هدفٍ حدّده لنفسه أن يبدأ بالأهداف الصغيرة والقصيرة المدى، التي يستغرق تحقيقها وقتاً قصيراً، ثمّ بعد ذلك ينصرف إلى الأهداف الطويلة المدى، والتي يتطلّب تحقيقها وقتاً طويلاً، لأنّ تحقيق الأهداف القصيرة سيساعد على تحقيق الأهداف الأكبر.
وسبحان الله، فعندما ندرس التقسيم الذي نزل عليه القرآن الكريم نجد كأنّ الله - عز وجل - قد قصد بهذا التقسيم تطبيق هذه القاعدة، لأنّنا نجد أنّ سوره تكبر شيئاً فشيئاً، فيبدأ الطفل بحفظ السور الصغيرة، ثمّ يتدرّج شيئاً فشيئاً، فيحفظ السور الأكبر، وهذا التخطيط يعين الأولياء لكي يحدّدوا أهدافاً سهلةً يستطيع الأولاد تحقيقها تدريجيّاً.
4ــ تقسيم الهدف إلى أجزاءٍ: وهذه القاعدة كذلك موجودةٌ في تقسيم القرآن، وهي أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد قسّم كلّ سورةٍ إلى آياتٍ، وقد وفّر لنا خالق هذه النفس، وعالم قدراتها تقسيم السور إلى أجزاءٍ صغيرةٍ ممّا يعين على الحفظ، وبعد تحقيق الجزء الصغير من الهدف، وهو الآية، سيجد الطفل نفسه يقترب من الهدف الكبير وهو حفظ السورة، ثمّ الأكبر وهو حفظ الجزء، وهلمّ جرّاً.
5ــ تشجيع الطفل إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ لتحقيق ذلك الهدف، وهو حفظ الآية أو السورة، مرّةً تلو المرّة، ولا نتركه ييأس.
6ــ نعينه على الإصرار على إنجاز النجاح، لأنّ ذلك صفةً يكتسبها الإنسان على مرّ الأيّام، وبتحقيق هدفٍ بعد آخر، يصبح ذلك فيه عادةً، يستطيع الوصول إليها بعد ذلك بكلّ سهولةٍ.
7ــ ولابدّ من تحديد الوقت الكافي للوصول إلى تحقيق ما نرمي إلى تحقيقه، وذلك يكون بدراسة القدر الذي يستطيع حفظه في الوقت الذي نحدّده.
8ــ وضع جدول لتقسيم السورة، سواءً في اليوم، أو في الأسبوع، أو الشهر، وهناك الجدول السنوي، وذلك بحسب مدى الخطّة التي يضعها المربّي. (1/382)
صفحة 383
والوصول إلى تحقيق الهدف يمرّ بالعديد من الخطوات المتسلسلة والمتتاليّة، والتي تبدأ بالتفكير بالهدف، ثمّ التخطيط له، والعمل بجدٍّ ونشاطٍ ومثابرةٍ من أجل الوصول إلى تحقيقه ولمس النتائج الإيجابيّة له.
وبهذه الخطوات المثمرة التي نقوم بها في تحفيظ الولد كتاب الله - عز وجل -، يتعلّم مهاراتٍ كثيرةً لا يتعلّمها في كثيرٍ من الأحيان الأخرى من أعمالٍ أخرى يقوم بها، فهو يوفّر بذلك عدّة مزايا هو أحوج إليها ليسير بها في ميدان الحياة.
فهو يتعلّم من خلال ذلك تحديد أهدافه، هذا التحديد الذي هو سببٌ لتنظيم أمور حياته، ويكوّن في عقله الباطن شعوراً نفسيّاً داخليّاً بأنّ له مكانةً في هذه الحياة، خاصّةً إذا أدرك قيمة كتاب ربّه - عز وجل - إدراكاً يقينيّاً.
إنّنا بتدريبه على ذلك نبعد عنه الشعور بالسلبيّة والإحباط، ونعلّمه التعامل الجيّد مع عنصر الوقت، بحيث يقدّر معناه تقديراً كاملاً، ويستثمره استثماراً منتجاً، ويديره بشكلٍ مفيدٍ في كثيرٍ من الأحيان.
فكلّ إنسانٍ ناجحٍ في هذه الحياة بدأ أوّلاً بتحديد هدفٍ صغيرٍ فيها، ثمّ وضعه حيّز التنفيذ، بتوجيه جهوده إليه، والتركيز عليه، ويمكن أن نعدّ كلّ سورةٍ من السور الصغيرة عبارةً عن هدفٍ يعمل الولد ويركّز على حفظها، فإذا ما حفظها، فإنّه سيرسخ في عقله الباطن أنّه قد حقّق هدفاً أراد الوصول إليه، ثمّ ينتقل إلى سورةٍ أخرى، وهكذا الواحدة تلو الأخرى.
وعندما يتعلّم مثل هذه الطريقة في الحفظ، فإنّه سيصبح على أتمّ الاستعداد وفي منتهى الحماس للوصول إلى المزيد من النتائج الإيجابيّة، ومهما يكن فإنّ مثل هذه العمليّة تسهم إلى حدٍّ كبيرٍ في تحسين الأداء، وإذا نشأ الولد على مثل هذا الأداء فسيؤدّي مختلف أعماله على أحسن ما يكون. (1/383)
صفحة 384
والغرض من وضع الهدف ــ حفظ السورة الصغيرة ــ أن يزيد لدى الولد فرص الدعم الإيجابي، فإذا نجح في ذلك يكون في حاجةٍ للمزيد من هذه الأهداف، وقد جعلها الله - عز وجل - مهيّأةً جاهزةً لاستغلالها عندما قسّم الجزء الأخير من القرآن الكريم إلى سورٍ صغيرةٍ تزيد في الكبر كلّما تقدّم الولد في الحفظ، وكلّما تقدّم في عمره، وتزيد احتمالات تحقيق الهدف كلّما كان بسيطاً، وعندما يتمّ الوصول إلى ذلك النجاح، فإنّ الدافع لتحقيق المزيد سيزيد.
وإذا أصبحت تلك الأهداف (السور) مؤثّرةً تحدث دعماً إيجابيّاً، فهذا يعني أنّه كلّما تمّ الوصول إلى الهدف، فإنّه سيحصل على دعمٍ إيجابيٍّ جديدٍ.
وتحديد الهدف يعدّ أسرع وسيلةٍ لتحسين مستوى الأداء، ولو أنّه يبدأ في الأوّل بطيئاً، والمهمّ هو توليد المزيد من الحماسة والإثارة لإحداث تحسّنٍ أكبر بعد حفظ الولد لسورةٍ من السور، ويمكن أن نعدّ حفظ كلّ سورةٍ هو عبارة عن مدعّماتٍ إيجابيّةٍ متواليّةٍ، وأنّها سببٌ لتكوين سلوك الأداء لديه، لأنّه سوف يعرف بعد كلّ سورةٍ يحفظها المزيد عن قدراته على تحقيق النجاح.
والشيء المهمّ في تحفيظ القرآن الكريم للأولاد في سنٍّ مبكّرةٍ هو إشعارهم وهم صغارٌ بأنّه يجب عليهم أن يربطوا أهدافهم بقيمٍ إيجابيّةٍ راقيّةٍ أصيلةٍ، هذه القيم التي تجعلهم يشعرون تجاه الحياة بمشاعر قويّةٍ راسخةٍ، ويتردّد صداها في أعماق كيانهم، فيسيرون على ذلك النهج فيما يستقبلهم من حياتهم، وبذلك يتكوّن لديهم تصوّرٌ بأنّه يجب عليهم أن يفكّروا دائماً في تحقيق الأهداف الساميّة التي تجلب لهم المنفعة الأخرويّة والدنيويّة، ونبني لهم شخصيّتهم على هذا الأساس. (1/384)
صفحة 385
فعندما نعلّمهم بواسطة تحفيظهم كتاب ربّه - عز وجل - تسخير قيمه الإسلاميّة الأصيلة لوضع أهدافٍ إيجابيّةٍ مثمرةٍ، وذات مغزىً، فإنّنا نعلّمهم بواسطة ذلك عمليّة صنع القرار وعمليّة تطبيقه، ويصبح ذلك ميسوراً لديهم، ممّا يدفعهم إلى النجاح في المستقبل.
وعندما يتعلّم الإنسان تسخير قيمه الأصليّة لوضع أهدافٍ إيجابيّةٍ مثيرةٍ وذات مغزىً، فإنّ عمليّة صنع القرار تصبح ميسورةً لديه، وسهلةً عليه، لأنّه لا يوجد لديه في تلك الحالة أيّ صراعٍ داخليٍّ، يعيق تقدّمه، أو يعرقل مسيرته، الأمر الذي سوف يولّد بداخله موجةً عارمةً من الطاقة والنشاط، تدفعه إلى مستوياتٍ عاليّةٍ جدّاً من النجاح.
فكيف به إذا كانت تلك الطاقة مستمدّةً من كتاب الله - سبحانه وتعالى - الذي يعدّ كتاب هدايةٍ وشفاءٍ وتقويمٍ وتغييرٍ لكلّ من يحسن الإقبال عليه، وله قوّة تأثيرٍ هائلةٍ، لا يمكن للعقل أن يدرك أبعادها، أو يحيط بها، ولقد ضرب الله - سبحانه وتعالى - بعض الأمثلة التي تبيّن لنا مدى قوّته، لندرك قيمة المعجزة الموجودة بين أيدينا، وفي هذا يقول - عز وجل -:
- {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} ... [الرعد:31]
وقد أثّر هذا القرآن القويّ الذي أنزله الرزّاق ذو القوّة المتين في نفوس النصارى حين سمعوه، وجعل أعينهم تفيض من الدمع. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} ... [المائدة:83] (1/385)
صفحة 386
والطفولة هي منطلق البشريّة للحياة، والولد هو نواة الجيل الصاعد، والنواة تفتقر إلى التربة الصالحة وهي الأسرة التي ينشأ فيها، والظروف المناسبة التي هي عبارة عن المحيط الاجتماعيّ الذي يوفّر له مثل تلك الظروف الجيّدة، وهي تحتاج أكثر من كلّ ذلك إلى أن تسقى بالماء الجيّد الذي لم يتلوّث بشيءٍ من الملوّثات التي تلوّثت بها مختلف الثقافات والتوجّهات، ولا نجد ماءً عذباً فراتاً سائغاً شرابه نسقيها به أفضل من كتاب الله - سبحانه وتعالى -.
- {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} ... [الزمر:23]
ولم يكن هذا التأثير العجيب قاصراً على الجنس البشريّ فقط، بل قد كان له تأثيره العجيب على الجنّ، تلك المخلوقات القويّة، لأنّها خُلقت من نارٍ، فحين استمع نفرٌ منهم إلى القرآن الكريم كان قولهم:
- {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}
[الجن:1ـ2]
وقد ذكر الله - عز وجل - أنّ هذا القرآن لو أنزله على جبل مخلوق من الحجر الصلد الصمّ القاسي لتأثّر به إلى أقصى درجات التأثير. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}
[الحشر:21]
إنّ تعليم أولادنا القرآن الكريم وهم في سنٍّ مبكّرةٍ يجعلهم يتعلّمون بأنّ هناك أشياء مهمّةً في هذه الحياة، يجب الاهتمام بها أكثر من غيرها، حتّى يحقّقوا بواسطتها الأهداف العالية، ويؤثّر فيهم تأثيره القويّ، بحيث يجعلهم يختارون تلك الأهداف بكلّ شجاعةٍ، لأنّهم قد علموا جيّداً وبنفوسٍ مطمئنّةٍ بأنّ هناك من يعينهم ويؤيّدهم إذا هم اتّبعوا ما يعلّمه لهم كتاب ربّهم - عز وجل -. (1/386)
صفحة 387
إنّ تعليم أولادنا الاهتمام بكتاب الله - سبحانه وتعالى - يكوّن فيهم الشعور والعواطف وخاصّةً الإيمان، وكلّ هذه الأحاسيس النفسيّة تلعب دوراً مهمّاً في تحقيق الأهداف المهمّة في الحياة.
إنّه يؤثّر بقوّته في العمليّات العصبيّة التي تحدث داخل نفوسهم، ويبني لهم أسس تجاربهم في بداية حياتهم، والتي تعدّ أهمّ وأخطر مرحلةٍ في عمر أيّ إنسان، فإذا نجحوا فيها، فمن الأرجح والغالب أن ينجحوا في مسيرة حياتهم المستقبليّة، فلماذا لا نجعل كتاب الله - عز وجل - هو الحجر الأساسي في بناء هذه التجارب، الذي يبني فيهم التوجّه الواعي بكلّ ما يحيط بهم من مختلف المعينات التي تعينهم، أو المحبطات التي تحبط فيهم العزيمة والإرادة.
أهداف بعض السور، سورة الفاتحة
عندما نقول: {الحمد لله ربّ العالمين}، نشعر الولد بفيض النعم التي أفاضها عليه ربّه - عز وجل - فنغرس في قلبه حبّ ربّه - عز وجل -، بالاعتقاد الذي نبنيه في نفسه بأنّ الله - سبحانه وتعالى - هو سبب وجوده، وهو الذي وهب له أمّه التي أرضعته لبنها فكبر وقوي، وهي التي ربّته واعتنت به حتّى وصل إلى هذه الدرجة من العمر الذي وصل إليه، وسخّر له أباه الذي يعمل ويتعب من أجله، ليوفّر له قوت يومه وما يحتاج إليه من مختلف الضروريات، وأنّ هذه كلّها نعماً من نعم الله - سبحانه وتعالى -، أنعم بها عليه، لذلك يجب أن يبدأ دائماً بذكر اسمه، وحمده، حتّى يحفظها له ويديمها عليه، ويزيد له منها أكثر، وبذلك نكوّن في نفسه شعوراً أوّليّاً بقدر الله - عز وجل - وقوّته، هذا الشعور الذي يقوى فيه مع كبر سنّه، ومع زيادة قوّة تفكيره حتّى يتمكّن فيه، ويصبح أصيلاً في نفسه. (1/387)
صفحة 388
{ربّ العالمين}: نشعر الطفل بأنّ الله - عز وجل - هو المالك لكلّ شيءٍ المتصرّف فيه كما يريد، ومن بين تلك الأشياء ذاته وجسمه، وهو الذي يتصرّف فيه بالإصلاح وبالرعاية والتربيّة، وأنّه لم يخلق الكون، ولم يخلقه ثمّ يتركه دون رعايةٍ وتوجيهٍ ورقابةٍ، لذلك فالصلة بين الخالق والخلائق دائمةٌ ممتدّة قائمةٌ في كلّ وقتٍ، وفي كلّ حينٍ.
وبداية القرآن الكريم بهذه الآيات الكريمة في أوّل سورة الفاتحة هي لشدّة عنايته - سبحانه وتعالى - بتقرير وتحديد التصوّر الذي يجب أن يستقرّ عليه الضمير الإنساني في أمر الله - سبحانه وتعالى - وصفاته وعلاقته بالخلائق، وعلاقة الخلائق به - سبحانه وتعالى -.
وعندما يفهم معنى قوله تعالى {وإيّاك نستعين} فإنّه يشعر بقوّةٍ كبيرةٍ تغمره، بحيث يثق بنفسه ثقةً مستمدّةً من قوّة ربّه - سبحانه وتعالى -، فيندفع في ميدان العمل والتضحيّة والجدّ والاجتهاد، لأنّه يعتمد على الاستعانة بربّه - سبحانه وتعالى -، وتقدّم في ميدان النجاح والتفوّق.
وإذا ما أحسن المربّي تبيين معاني هذه الآيات للولد، واستطاع تحديد التصوّر الواضح في ذهنه، نشأ على أساسٍ صحيحٍ قويٍّ من الاعتقاد والإيمان.
سورة الناس
وعندما نعلّمهم مثلاً سورة الناس، ونشرح لهم بعض أغراضها باختصارٍ، كما ذكر ذلك المفسّر الطاهر بن عاشور، فقال:
«إنّ هذه السورة ترشد النبيء - صلى الله عليه وسلم - لأن يتعوّد بالله - عز وجل - ربّه من شرّ الوسواس الذي يحاول إفساد عمله - صلى الله عليه وسلم -، وإفساد إرشاده للناس، ويلقي في نفوسهم الإعراض عن دعوته.
وفي هذا الأمر إيماءٌ إلى أنّ الله - عز وجل - معيذه من ذلك، وعاصمه في نفسه من تسلّط وسوسة الوسواس عليه، ومتمّمٌ دعوته حتّى تعمّ في الناس إلى يوم الدين» (1)
__________
(1) تفسير التحرير والتنوير. (1/388)
صفحة 389
قإنّنا نبيّن لهم من خلال هذه المعاني أنّه يجب عليهم أن يستعيذوا من الشيطان في كلّ الأوقات لأنّه عدوّ لهم، ولا يريد إلاّ إفساد أعمالهم وإحباط مشاريعهم، ونشر اليأس في نفوسهم حتّى يكونوا من المتشائمين الفاشلين الخاسرين، وأنّه يلقي في قلوبهم الإعراض عن صراط الله - عز وجل - المستقيم، ويصدّهم عن طريق النجاح والتفوّق في هذه الحياة.
ويزيد المفسّر ويقول: «ويتبع ذلك تعليم المسلمين التعوّذ بذلك، فيكون لهم من هذا التعوّذ بما هو حظّهم من قابليّة التعرّض إلى الوسواس، ومن السلامة بمقدار مراتبهم في التقرّب من ربّهم - جل جلاله - وكثرة ذكرهم له».
وعندما يشرح المربّي للولد مثلا هذه السورة وسورة الفلق تفسيراً بسيطاً، ويبيّن له بأنّ ربّه هو الذي سيحفظه من كلّ عدوٍّ وحاسدٍ ومبغضٍ، يريد أن يبعث في نفسه اليأس والقنوط، فيكون ذلك سبباً لملء نفسه بروح الأمل، روح العمل، روح التطلّع إلى التفوّق والنجاح، روح الرقيّ إلى أعلى درجات النجاح، روح الاعتماد على ربّه - عز وجل - دائماً، وفي كلّ عمل يريد القيام به، وبذلك يرفع تفكيره عن التفكير في المعرقلات والمحبطات التي نستطيع أن نسمّيها فرامل تجعله ينقبض عن العمل، وييأس عن متابعة الطريق إلى النجاح والتفوّق، ونتيجةً لذلك ينطلق في ميدان العمل والإبداع والإنجاز، وهو متوكّلٌ على ربّه، وإذا أصابه شيءٌ، لا يعلّقه بالعباد، وهذا هو الهدف السامي الذي يجب أن نبنيه في عقله الباطن، ليدفعه في طريق التفوّق والتقدّم.
عليك أيّتها الأمّ أن لا تستهيني بتكوين مثل هذه التصوّرات، من أجل أنّ ولدك صغيرٌ لا يفهمها بعدُ، فهو يسجّل كلّ شيءٍ، إنّه يبني تصوّراته، ويملأ بها عقله الباطن، الذي سيدفعه في المستقبل عند بداية إدراكه. (1/389)
صفحة 390
يجب عليك أن لا تنظري إلى ولدك على أنّه ما زال صغيراً، وأنّه لا يدرك ما يلقى إليه، بل العكس يجب عليك أن توقني بأنّه يسجّل كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، فإذا ما وصل إلى سنّ الإدراك وظّف كلّ التي التصوّرات في سلوكاته وأعماله.
سورة الإخلاص
ومن أغراض سورة الإخلاص: إثبات وحدانية الله - جل جلاله -، وأنّه لا يقصد في الحوائج غيره، وتنزيهه عن سمات المحدثات، وإبطال أن يكون له ولد.
ولها فضلٌ كبيرٌ، وقد وردت أحاديث كثيرةٌ في ذكر فضلها، وصحّ أنّها تعدل ثلث القرآن الكريم.
فعن أبي هريرة، أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «قل هو الله تعدل ثلث القرآن».
وما ذلك إلاّ لأنّها تشمل على توحيد الله - عز وجل -، الذي هو أساس الدين الإسلامي، فيقرؤها المؤمن آناء الليل وأطراف النهار، حتّى يزداد إيماناً بربّه وتقرّباً إليه أكثر وأكثر.
وفي الكشّاف: روى أبي وأنس عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «أسّست السماوات السبع والأرضون على قل هو الله أحد، يعني ما خلقت إلاّ لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته».
سورة النصر
ومن بعض أغراض سورة النصر أنّ الله - سبحانه وتعالى - يعد نبيّه بنصرٍ كاملٍ من عنده وبفتح مكّة، ويبشّره بدخول خلقٍ كثيرٍ في الدين أفواجاً، ووعده بأنّه غفر له مغفرة تامّة، وتاب عليه توبةً لا يؤاخذه بعدها على شيءٍ ممّا يختلج في صدره من الخوف على أنّه لم يبلّغ رسالة ربّه - عز وجل - تبليغاً كاملاً.
فعلى المربّي أن نبيّن للولد من خلال تحفيظه لها بأنّ دين الله هو الإسلام، لقوله - عز وجل -:
- إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ... [آل عمران ـ 19]
- {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}
[الروم ـ 30]
والدخول في الدين يكون بالنطق بكلمة الشهادة، والتزام أحكامه التي تنشأ عن تلك الشهادة. (1/390)
صفحة 391
وهذه السورة توحي للمسلمين بأنّ دورهم في هذه الحياة وواجبهم الذي يجب عليهم القيام به هو الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى -، ثمّ بعد ذلك يأتيهم النصر من عنده - عز وجل - إذا علم منهم صدق النيّة، وصدق التضحيّة في سبيل نشر الدعوة، فالنصر يأتي من عنده - سبحانه وتعالى - في الوقت الذي يريده، ويقدّره، وعلى الحالة والصورة التي يختارها هو - عز وجل -، وللغاية التي يريد أن يصل إليها الدعاة المخلصون في سبيله.
فنوحي في روع الطفل بأن يكون من أنصار دين الله - عز وجل -، حتّى يجلب لنفسه الكرامة التي يكرّم الله - سبحانه وتعالى - بها عباده الذين يسعون في سبيل نشر دينه، فينصره، وذلك هو الفضل الكبير الذي يطلبه كلّ مخلصٍ لربّه في هذه الحياة.
ثمّ بعد ذلك نرشده ليكثر من التسبيح والاستغفار على ما أولاه ربّه - سبحانه وتعالى - من النعم الكثيرة التي قد منع منها كثيراً من خلقه، وأجلّها وأفضلها نعمة الإسلام، ونعمة الانتماء إلى أسرةٍ مسلمةٍ مؤمنةٍ، وأن يكثر من الاستغفار من التقصير في حمد ربّه - سبحانه وتعالى - وشكره على النعم الكثيرة التي وهبها له، فمهما بدل من جهد، فلن يستطيع توفيّة الشكر له على نعمه وآلائه الدائمة عليه في كلّ وقتٍ وحينٍ (وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها).
ولا بدّ أن نحكي له قصّة فتح مكّة، وأنّ ذلك الفتح كان نصراً كبيراً لرسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم -، ولكنّه لمّا جاءه ذلك النصر، تواضع لربّه تواضع شكرٍ، وسبّح بحمد ربّه، واستغفره كما علّمه ولقّنه، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار، كما ذكرت الآثار، وكما كانت عادة أصحابه من بعده، رضي الله عنهم أجمعين.
القرآن وبناء العزيمة
العزيمة: ج عزائم: الإرادة المؤكّدة، وعزائم الله - سبحانه وتعالى -: هي ما أوجبه الله على عباده، وعزم عزماً وعزيمةً، الأمر وعليه: عقد ضميره على فعله. (1/391)
صفحة 392
والعزيمة هي قوّةٌ ثقة نفسيّةٌ عاطفيّةٌ تبدأ بالشعور بقيمة الذات، وبالهدف الذي نريد الوصول إليه، وهي إحدى أعظم الوسائل للحصول على القوّة الذاتيّة في الحياة وبهذا الشعور العاطفي تتوفّر لدى الإنسان مساحةٌ داخليّةٌ للنمو ولزيادة الإخلاص في العمل، وبه يتحقّق التوازن الداخلي النفسي، ويزيد من قدرتنا على بناء جسور من الاكتشافات.
إنّ حفظ القرآن والاهتمام به من الوالدين أمام الأولاد ممّا يكوّن في الولد قوّة العزم والعزيمة، لأنّه يتعلّم من ذلك علوّ الهمّة والاهتمام بالأشياء المهمّة، وما ذلك إلاّ لما يبعث فيه من قوّة الروح، وما يملأ نفسه من تلك الطاقة، التي تجعله يتواصل بجدّيةٍ واهتمامٍ بكلّ ما يهمّه في هذه الحياة، ونتيجةً لذلك يندفع في طريق النجاح بإرادةٍ قويّةٍ، لا يثنيه عن العمل والمثابرة أيّ عائقٍ من العوائق التي يشتكي منها كثيرٌ من الناس، وخاصّةً الشباب في هذا العصر.
والعزيمة وعلوّ الهمّة هما نتيجةٌ لمعرفة المرء نفسه معرفةً جيّدةً، فحين يحفظ الولد بعض الآيات والسور عن ظهر قلب، فإنّ ذلك يجعله يشعر بأنّه يستطيع أن ينجز شيئاً إيجابيّاً في هذه الحياة، فيكون له دافعاً للزيادة في سبيل إنجاز أشياء وأشياء بحيويّةٍ ونشاطٍ وقوّةٍ وثقةٍ.
القرآن طاقة لشحن العزيمة
ويمكن أن نعتبر القرآن الكريم منبع من منابع القوّة الروحيّة التي تبني فينا قوّة العزيمة، لأنّه يجعلنا نتعرّف على ذواتنا معرفةً حقيقيّةً، ويدفعنا إلى الرفع من مستوانا الروحي، فترتفع نفوسنا عن السقوط فيما يفسدها من الأعمال الدنيئة. (1/392)
صفحة 393
والقرآن نورٌ وطاقةٌ روحانيّةٌ ينوّر ويبعث القوّة الروحيّة في جسم الإنسان الذي خلق من ترابٍ، فيمتلئ من الطاقة ما لا يعلمه إلاّ منزّله - سبحانه وتعالى -، وتنتشر فيه الحياة فيقوى ويعمل في هذه الحياة بطاقةٍ مضاعفةٍ، وبنورٍ متعدّد الأشعّة، وليس بطاقته الجسميّة الترابيّة التي تتعب كثيراً وتركن إلى أصلها الأرض التي خلقت منها، لأنّ الجانب الترابي فيه يميل دائماً إلى الكسل وحبّ الراحة، ويتعب بسرعةٍ، كما أنّه يكره العمل.
والعزيمة تتكوّن في النفس نتيجة للمستوى الأعلى للطاقة الروحيّة التي تقوّينا، وتجعلنا نتواصل فيما بيننا وبين منابع تلك القوّة، ممّا يكوّن في نفوسنا ظاهرةً نفسيّةً، يسمّيها العلماء: تقدير الذات، ومعرفتها معرفةً حقيقيّةً، ممّا يجعلها تتعالى وتأنف من أن تسقط فيما يدنّسها، أو ينقص من قيمتها.
والإنسان كلّما ازداد علمه وثقافته واعتمد على استعمال عقله، فإنّه سيرقى بنفسه إلى أرقى الدرجات التي ترقى إليها النفس الإنسانيّة، أمّا إذا لم يتعلّم شيئاً فإنّه سينزل إلى درجاته الحيوانيّة.
- {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}
[التين ـ 4ـ5]
والحاجة النفسيّة مهمّةٌ جدّاً في بناء وتكوين العزيمة عند الولد، ونحن جميعاً في هذا العصر محتاجون إلى مقابض روحيّةٍ علويّةٍ، متّصلةٍ بالعليّ العظيم، العليّ الكبير، نتعلّق بها لترفعنا إلى الأعلى، وتنقدنا من هذا الضعف الذي نعاني به جميعاً في عزائمنا وإرادتنا. (1/393)
صفحة 394
وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم كثيراً من الآيات يمكن أن نعدّها أحسن وأقوى مقابض نستطيع أن نتمسّك به في مختلف مراحل حياتنا، كي نرتقي بأنفسنا إلى الأعلى، ونطفوا فوق الشكايات والتدمّرات التي ملأت حياتنا، فأصبحت عبارة عن فرامل تقيّد حركاتنا، وتعيق تقدّمنا، فصرنا نعيش حياةً رخوةً، نتهاوى أمام أيّ حاجزٍ يعترض طريقنا، وإذا امتلكنا العزيمة، فإنّ الروح التي بداخلنا سوف تعمل من أجلنا، وسوف تمدّنا بطاقةٍ قويّةٍ منقطعة النظير، وسوف تتواصل مع الواقع دون شعور منّا، ممّا يساعدنا على إنجاز كثيرٍ من الأعمال من دون عناءٍ يذكر.
- {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة ـ 16]
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض». (1)
وقال كذلك - صلى الله عليه وسلم -: «أبشروا، فإنّ هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسّكوا به، فإنّكم لن تهلكوا ولن تضلّوا بعده أبدا». (2)
ويستطيع الأولياء أن يستمدّوا هذه القوّة من كتاب الله - سبحانه وتعالى -، ويلقّحوا بها أولادهم فتكون منشّطاً حيويّاً يبعث فيهم الأمل، ويملؤهم بشعورٍ فيّاضٍ من الراحة والتحرّر من كلّ ما هو غير مهمٍّ، وما قوّة العزيمة إلاّ انصراف النفس عمّا يضيّع لها أوقاتها دون فائدةٍ، ويستنزف جهدها دون نتيجةٍ، أو فائدةٍ، والسيطرة على مختلف التوجّهات التي تبعث فيها السأم والملل، فتنصرف إلى التكاسل والتماطل، وعدم إنجاز الأعمال التي ترفع من قيمتها، وتدفعها إلى الصعود في درجات النجاح والتفوّق درجةً درجةً.
__________
(1) أخرجه ابن جرير.
(2) أخرجه الطبراني. (1/394)
صفحة 395
والوالدان اللذان يهتمّان بتعليم الولد ما تيسّر من كلام الله - عز وجل - يوميّاً، مع المراجعة الدائمة للحصّة التي حفظها من قبل، يكوّنان، ويبنيان في نفسه الخطوات التي تؤدّي به نحو قوّة العزيمة، وذلك مثل الانضباط، والحب، والامتثال.
ــ الانضباط: والتي سيتعلّمها الولد من خلال الممارسة المستمرّة اليوميّة لحفظ الحصّة التي حدّدتها له أمّه، حسب ما تراه صالحاً، وعلى حسب استطاعته وقدرته على ذلك، لأنّ ذلك التدريب المستمرّ سيدرّبه من ناحيّةٍ أخرى على ترك العادات السيّئة التي تكون سبباً في تكاسله وتراخيه في إنجاز الأعمال المهمّة التي تسند إليه.
ــ الحبّ: ونعني هنا حبّ العمل، والتعلّق القويّ بالوصول إلى الهدف المسطّر، وهذا ما تستطيع الأمّ أن تعلّمه إيّاه من خلال تحفيظه كتاب الله - سبحانه وتعالى -، والدراسات تشير إلى أنّ الإنسان الذي يحبّ ما يعمل، فإنّه يخلص في إنجازه، ويضحّي بكلّ ما في وُسعه ليقوم به كأحسن ما يكون، وأنّ الأشخاص الذين يفكّرون مثل هذا التفكير تزداد احتمالات فرص النجاح والتفوّق والتقدّم الوظيفي لديهم، لأنّ مهاراتهم وتجاربهم ستزداد في أداء عملهم، وهذه الآلية تتعلّق بشيءٍ أكثر عمقاً من مجرّد المظهر الخارجي للعمل.
وحبّ العمل والتفاني فيه سيجعل الإنسان مبدعاً ومتميّزاً عن باقي الناس، وسيجعله قادراً على مواصلة البحث في طرق ترقيّته، وأدائه كأحسن ما يستطيع إنسانٌ مخلصٌ أن يؤدّيه، فهو يحاول أن يترك بصمته الواضحة في العالم من حوله.
وحبّ الإنسان لعمله يجعله متميّزاً في الأداء، يحقّق فتوحاتٍ جديدةً في شتّى مجالات عمله بالتركيز على الأداء الجيّد. (1/395)
صفحة 396
ــ الامتثال: إنّ الإنسان قوّةٌ روحيّةٌ ومادّيةٌ، فقواه الروحيّة تدعوه إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولكن قواه المادّية من جهة أخرى تجذبه عكس ذلك الاتّجاه، فإذا أطاع قواه الروحيّة نجح في امتثال الأوامر، أوامر ربّه، أوامر والديه، أوامر وطنه، أوامر مجتمعه كمنظومةٍ جماعيّةٍ ينتمي إليها، وعليه أن يسير حسب عاداتها وتقاليدها، حتّى يحفظ لتلك المجموعة التي ينتمي إليها قوّتها، ويعيش في وسطها عزيز النفس، موفور القدر، عالي القيمة، وهو يشعر بكرامته داخل ذلك المجتمع، ولكن إذا انقاد وراء تحقيق رغباته الجسمانيّة، فإنّه سيسير في الطريق التي تهلكه، وتسقط من قيمته كإنسان.
إنّ الإرادة الحرّة التي لا تمتثل لما يرشد إليه كلام الله - سبحانه وتعالى - تتحرّك دائماً بعيداً عن الروح، وسوف تبدو الحياة لمن تتحّكم فيه مثل هذه الإرادة على أنّها صراع، وتنقص من معدّلات الطاقة التي تتدفّق بداخله، وقد تشعره في الأخير باليأس والعجز والتيه.
ولماذا يا ترى يصل بعض الناس إلى مثل هذه الحالة؟
ذلك لأنّه بعد أن يطلق العنان لإرادته، ويتمنّى أن يصل إلى أشياء وأهداف، ولكن يجد نفسه في الواقع لا يستطع الوصول إليها، فعند ذلك تمتلئ نفسه باليأس.
بينما عندما يشعر بأنّه ملزمٌ بامتثال أوامر ربّه، ففي ذلك الحين يحكّم روحه في توجيه إرادته، فيعيش في توازنٍ نفسيٍّ عميقٍ وقويٍّ، فيسجّل داخل نفسه ما أرشده إليه ربّه، وهو يقول له - سبحانه وتعالى -:
- {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا} [التوبة ـ 51]
وقد قال رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي الدرداء:
«إنّ لكلّ شيءٍ حقيقةً، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان، حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه». (1)
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد. (1/396)
صفحة 397
إنّ الأمّ الذكيّة المبدعة في تربيّة أولادها هي التي تعمل بكلّ طاقتها، وتتّبع كلّ الطرق التي تستطيع بواسطتها أن توصل مثل هذه الرسائل التي تزيد وتقوّي العزيمة في نفس ولدها، ومثل هذه الطرق هي التي ترسّخ في عقله الباطن أنّ عزيمته متّصلةٌ بالناحيّة الروحيّة، وليست متّصلةً بالناحيّة المادّية، فبذلك تخلق نموذجاً أصليّاً للإنسان الذي يتّصل في كلّ حركاته وسكناته بالملأ الأعلى.
إنّ أهمّ شيءٍ في التربيّة هو كيفيّة تعبئة وعائه الذي سينهل منه فيما يستقبله من أيّامه، فلتنظر الأمّ والأبّ والمربّون ما هي المادّة التي يملؤون بها وعاء الولد، فكلّ وعاء بما فيه ينضح، وأن يجعلوا المنهل الذي سينهل منه مملوءاً ماءً صافيّاً عذباً، وأن يساعدوه في ترجمة التوجيهات التي يتعلّمها إلى واقع معيش في حياته وإلى مشاعر ومواقف وسلوكٍ يتعايش بها مع أفراد أسرته، ومع أفراد مجتمعه، وأن يبنوا في نفسه هذا الفهم تدريجيّاً حتّى يوقظوا فيه روحه، وكما يقول بعض العلماء الروحانيّين:
«إنّ الوصول إلى الله يعني العثور على الذات».
فإذا عثر الإنسان على ذاته، فإنّه سيكتشف بأنّ ربّه - سبحانه وتعالى - قد حباه بمواهب معيّنةٍ، فما عليه إلاّ أن يبحث عن الطرق التي يطوّرها بها، بحيث يصل إلى مستوى من الثقة بالنفس، يستطيع أن يحقّق بواسطته النجاح الذي يتمنّاه كلّ عاقلٍ في هذا الوجود.
وعندما يكتشف أنّه يمتلك ثقةً جيّدةً في نفسه، فإنّ ذلك سيولّد لديه تحفيزاً ذاتيّاً، وهذا التحفيز سوف يزداد تلقائيّاً، وعند ذلك سيندهش من النتائج الرائعة التي يتحصّل عليها، والتي لم يكن يحلم بالوصول إليها من قبل، فيرسخ في نفسه أنّه يستطيع القيام بشيءٍ مهمّ في هذه الحياة.
طرق تعليم القرآن للصغار
ممّا يشجّع ويعين الولد على حفظ القرآن الكريم التجويد، لأنّه ذلك يجلبه إلى السماع إليه والتعلّق به وحفظه، كما أنّ المقام يحبّب إليه النشيد الإسلامي. (1/397)
صفحة 398
يقول الشيخ زهير العبيدي: «والمقام هو لحنٌ يخرج من الصوت، وهو الطابع الموسيقي الذي يمتاز به صوتٌ معيّنٌ، وله أنواعٌ مختلفةٌ».
وأنواعه قد جمعت في كلمتي [صنع بسحر].
والقراءة بقواعد التجويد تؤثّر في النفس البريئة للولد، لأنّها تحبّب إليه الاستماع إليه، وتسهّل عليه حفظه بشكلٍ صحيحٍ، كما أنّها تعوّده على الترتيل منذ صغره، ويشعر براحةٍ عندما يسمع تلك الألحان.
فعندما نلقي إلى الولد آياتٍ من الذكر الحكيم بترتيلٍ، ثمّ يعيد قراءتها، محاولاً تقليد الصوت الجيّد الذي يسمعه، يجد في ذلك عذوبةً ونشاطاً وحيويّةً، ممّا يجعله يشتاق إلى السماع إليه بنفسٍ منشرحةٍ فرحةٍ مسرورةٍ.
فعلى المربّين وخاصّةً الأمّ أن يزيّنوا أصواتهم بالقرآن الكريم قدر الإمكان، إذا أرادوا أن يؤثّروا حقّاً في نفوس الأولاد، ويحبّبوا إليهم كلام ربّه - عز وجل -، فلا يقلقوا أبداً من سماعه، ومحاولة تقليده.
فعن البراء بن عازب ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم». (1)
وعن سعد بن أبي وقّاص ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن». (2)
وعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبيء أن يتغنّ بالقرآن». (3)
يقول الدكتور {محمّد عبد الله دراز}: «أوّل ما يلاقيك ويسترعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم، خاصيّة تأليفه الصوتي في شكله وجوهره.
__________
(1) أخرجه أبو داود، وقال الألباني: صحيح.
(2) أخرجه أبو داود.
(3) أخرجه البخاري. (1/398)
صفحة 399
فكلّما حاول الولد تقليد صوت أمّه الحسن، أو صوت مجوّدٍ للقرآن دون تكلّفٍ منه، ومن دون شعورٍ، فإنّ الآية ترسخ في ذهنه بشكلٍ أحسن وأقوى، فهو يعيد تلك الآية بذلك الصوت الحسن وهو في البيت، ليجلب اهتمام أمّه وأبيه، أو من حوله، يعيدها وهو ذاهبٌ إلى المدرسة، وهو راجعٌ منها، فيصير لسانه رطباً بقراءة كلام ربّه - سبحانه وتعالى -.
ومن أجل ذلك يأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بتحسين القرآن بأصواتهم.
فالمرء يجد لذّة عظيمة في قراءة القرآن الكريم بتجويدٍ وترتيلٍ.
دع القارئ مثل عبد الباسط أو السديس يقرأ بقواعد التجويد، ويرتّل القرآن حقّ ترتيله، ثمّ انتبذ منه مكاناً قصيّاً، لا تسمع فيه إلاّ جرس حروفه فقط، وتسمع كذلك حركاتها وسكناتها، ومدّاتها وغنّاتها، واتصالاتها وانقطاعاتها، ثمّ ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتيّة، وقد جُرّدت تجريداً في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحنٍ غريبٍ عجيبٍ، لا تجده في كلام آخر مهما كان نظمه، أو جوّد هذا التجويد.
سوف تجد اتسّاقاً وائتلافاً يسترعي من سمعك ونفسك ما لا يسترعيه أيّ كلامٍ آخر منظومٍ من شعرٍ أو موسيقى أو أيّ فنٍّ آخر، في حين أنّه ليس بأنغام الموسيقى، ولا بأوزان الشعر.
والإنسان عند الاستماع إلى القرآن في لحنٍ متنوّعٍ ومتجدّدٍ، ينتقل فيه بين أوتارٍ وأوزانٍ وفواصل، وذلك على أصواتٍ مختلفةٍ يأخذ منها كلّ وترٍ من أوتار قلبه بنصيبٍ متساوٍ، فلا يملّ منه على كثرة ترداده ولا يسأم، بل لا يفتأ، ولا يلبث أن يطلب منه المزيد.
وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:
«وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه». (1)
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/399)
صفحة 400
يقول الدكتور دراز: «هذا الجمال الصوتي التوقيعي الذي ضمنّه ربّنا - عز وجل - كلامه الكريم لا يخفى على أحدٍ ممّن يسمعه بانتباهٍ وتركيزٍ، ولو كان من الذين لا يعرفون اللغة العربيّة، ومع جماله التوقيعي، هناك جماله التنسيقي في رصف حروفه وتركيبه من مجموعاتٍ مؤتلفةٍ مختلفةٍ، ممّا يزيد من قوّة تأثيره على المشاعر».
ولولا الإطالة لذكرنا بعض مواضع حروف الجرّ، وحروف العطف، التي ذكرها المفسّرون، وهي لا تعدّ.
«فتنظيم حروفه ورصفها، وترتيب أوضاعها فيما بينها في اتّساقٍ عجيبٍ:
هذا يصفّر، وذاك ينقر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفس، وآخر يحتبس عنده النفس، وهلمّ جرّاً، فترى الجمال اللغوي ماثلاً أمامك في مجموعةٍ مختلفةٍ مؤتلفةٍ».
واكتشف العلماء بأنّ القراءة باللحن تبرز معاني الآيات، فتجذب الأسماع، وترقّق القلوب، خاصّةً عند نفس الولد البريئة، التي لم تتأثّر بعد بما حوله من آثار الحياة المادّية، ويعيش القارئ والسامع لحظات خشوعٍ وتفكّر، ربّما غفل عنها، أو لا يستشعرها عند سماعه لقراءةٍ عاديّةٍ، ولكن كلّ ذلك شرط أن لا يخلّ بقواعد التجويد من التمطّط والتفخيم الزائد عن الحدّ اللازم.
وكلّ خليّةٍ في الجسم تهتزّ بنظامٍ بديعٍ لا يحيد شعرة عن المسار الذي رسمه الله - سبحانه وتعالى - لها، ونتيجةً لذلك الاهتزاز تمتلئ النفس انشراحاً وفرحاً وسروراً.
والحمد لله الذي أنزل إلينا هذا القرآن الكريم على هذا الإيقاع والتنظيم الذي يحافظ على إيقاع هذه الخلايا.
وقراءته بنغمةٍ مفضّلةٍ لأحد القراء يساعد كثيراً على الحفظ الجيّد، لأنّ كثرة الاستماع إلى مشاهير القراء يجعل النفس تردّد تلك النغمة تلقائيّاً، وكلّما حاول الولد تقليد صوت أمّه، أو مربّيه بتلك النغمة تلقائيّاً، فإنّه يكرّر الآية عدّة مرّاتٍ دون أن يشعر حتّى يتقن تلك النغمة، وهو بذلك العمل يرسّخها في ذهنه لا شعوريّاً، ومن دون تعبٍ يذكر. (1/400)
صفحة 401
وعلماء الأعصاب وجدوا أنّ خلايا الدماغ تهتزّ بطريقةٍ يجعلها تحافظ على نظامها، هذا النظام الذي يعطي ويحقّق للخلايا الجسديّة اهتزازها الذي يجب أن تكون عليه، حتّى يبقى صاحبه في كامل صحّته وقواه، ووجدوها تتأثّر تأثيراً عجيباً بالأصوات المختلفة، خاصّةً الألحان الحسنة، وما اهتزاز الجسم عند سماع الغناء والموسيقى إلاّ نتيجةً لاهتزاز تلك الذرّات الجسميّة.
وربّما من أجل هذا السرّ نجد أنّ القرّاء يتمايلون عند تجويدهم للقرآن الكريم تمايلاً عجيباً، وكذلك من جهة أخرى المستمعين إليهم بانتباه وتركيز، وكلّ ذلك ناتج ربّما من تمايل ذرّات الجسم التي تتركب منها كلّ أعضائه. وصدق الله - عز وجل - حين قال:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ـ 204]
ومن خلال التجارب المختلفة اكتشف الخبراء بأنّ الصوت الحسن يؤثّر تأثيراً طيّباً في النفس، ويزيد في ذلك الخشوع والتدبّر، ولذلك يستحبّ للقارئ أن يحسّن صوته بتلاوة كلام ربّه - جل جلاله -، وأن يرتّله بلحنٍ يدلّ على الخشوع والتأثّر.
فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«ما أذن الله لشيءٍ، ما أذن لنبيء حسن الصوت يتغنّى بالقرآن، يجهر به». (1)
وقد أجمع العلماء من السلف - رضي الله عنه - ومن الصحابة والتابعين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتّى زاد حرفاً أو أخفاه فهو حرام.
ومن هنا نعلم بأنّ اللحن المطرب هو الذي لا يخرج لفظ القرآن الكريم عن صيغته بإدخال حركاتٍ فيه، أو قصر ممدودٍ، أو تمديد مقصورٍ، أو تمطيطٍ يختلّ به اللفظ، ويلتبس به المعنى.
والمستحبّ تحسين الصوت وترقيقه بقصد التأثّر والخشوع، لا بقصد الترنّم والطرب.
__________
(1) أخرجه البخاري ومسلم. (1/401)
صفحة 402
والله - سبحانه وتعالى - أنزل قرآنه الكريم للإنسان ليقوم بهذا الدور في عقله وجسمه، وقد جعل فيه من الإيقاعات والنغمات ما يوقظ الخلايا المختلفة في الجسم، ويجعلها تنتعش وتنشط، خاصّةً الدماغيّة منها، لأنها تتأثّر بالقراءة أكثر من أيّة خلايا أخرى في الجسم.
وعلماء الذاكرة يؤكّدون بأنّه كلّما ازدادت خلايا المخّ انتعاشا ونشاطا، كلّما كان تلقّيها للمعلومات وحفظها واستذكارها أحسن وأفضل، وأدوم.
والعقل هو عبارة عن عضلةٍ في الجسم، ونموّها ونشاطها يكون بنفس الطريقة التي تنمو وتنشط بها العضلات الأخرى، فكلّما ازداد الشخص رياضةً ونشاطاً إلاّ وقويت عضلات جسمه، ونفس الشيء يكون مع عضلة العقل.
والقرآن الكريم أنزله الله - سبحانه وتعالى - ليقوم بهذا العمل العلاجي والشفائي للنفس والعقل والجسد، ولتنشيط وتنميّة عضلة العقل وتقويّتها، بل أقول بأنّه يقوم بالعلاج الوقائي قبل التأثير العلاجي، لأنّ منزّله - سبحانه وتعالى - أنزل آياته وكلماته وحروفه بل وحركاته ومدوده مرتّبةً ترتيباً محكماً، وبنظامٍ لا يشبهه أيّ تعبيرٍ آخر، وكيف يشبهه كلامٌ آخر، وهو كلام ربّ العزة، الذي وهب الفصاحة والبلاغة للبلغاء والفصحاء والشعراء، وقد كتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عامٍ.
فعن النعمان بن بشير ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إنّ الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عامٍ، وأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليالٍ فيقربها الشيطان». (1)
وهذه الآيات الثلاث هنّ آمن الرسول، كما يسمّيها العامّة.
تدريب الولد على المحافظة على القرآن
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/402)
صفحة 403
إنّ عناية الأمّ بتعليم ولدها القرآن الكريم منذ السنين الأولى من عمره، تكوّن فيه سلوكاٍ راقيّاٍ وهو ما يجب أن يكون عليه كامل أبناء الأمّة الإسلاميّة بشكلٍ عامٍّ، وفي أطفالها الصغار بشكلٍ خاصٍّ، وهذا يعدّ مؤشّراً مهمّاً على تقدّم الأمّة ورقيّها، وعاملاً جوهريّاً في بناء مستقبلٍ زاهرٍ لها، هذا المستقبل الذي سيضمنه لها ربّها - سبحانه وتعالى -، رغم كيد الكائدين، وحسد الحاسدين.
ولكن إذا قيّمنا نصيب الولد الذي ينشأ في البيت المسلم من القرآن الكريم، ندرك مدى التقصير الذي يرتكبه المربّون في حقّ أولاد هذه الأمّة، ولعلّ الأزمة الأخلاقيّة التي تعيشها، وتكالب الأعداء عليها من كلّ جهةٍ قد جلبه أفرادها لأنفسهم بسبب إعراضهم الكبير عن هذا الكنز الثمين الذي وهبه لهم ربّهم، كيف لا وهو القائل - عز وجل -:
- {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} ... [طه:124ـ126]
ومن المؤسف أن نجد الأغلبيّة الغالبة من الأولياء المسلمين لا يقيمون لهذه المعجزة أيّة قيمةٍ، ولا يعلّمونها لأولادهم، حتّى يبلغوا سنّاً متأخّرةً من العمر، بل نجد بعض الآباء والأمّهات من لا يعلّمها لهم طوال عمرهم، ولكن كيف يمكن أن تعلّمه الأمّ التي لا تحفظ نصيباً منه، وفاقد الشيء لا يعطيه.
والأولياء الذين لا يعدّون أولادهم لمرحلة الدراسة في المدرسة بتعليمهم القرآن الكريم وشيء من القراءة في الكتب الأخرى ومبادئ القراءة، قد أهملوا أسباباً معنويّةً عظيمةً تعين أولادهم على التعلّم بطريقةٍ جيّدةٍ، ومن بين هذه الأسباب المعنويّة القرآن الكريم الذي قال فيه ربّ العزّة - عز وجل -:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 09] (1/403)
صفحة 404
ولعلّ المستوى المتدنّي في تحصيل العلوم الذي وصلت إليه الأمّة الإسلاميّة في الآونة الأخيرة من أسبابه الأساسيّة عدم الاعتناء بالأسباب المعنويّة التي سخّرها لها ربّها - عز وجل -، من تحفيظ الأولاد الصغار القرآن الكريم، والمداومة على تلاوته وتدبّره، والاعتناء به، والرقية به، والصلاة والدعاء، وأكل الحلال، وغير ذلك من الأسباب الأخرى.
فحين اعتمد عناصر هذه الأمّة على الأسباب المادّية فقط، وأعرضوا عن الأسباب المعنويّة، أوكلهم ربّهم إلى أنفسهم، فنزلوا إلى هذه الدرجة السفلى التي وصلوا إليها، في كلّ الميادين، وعلى العكس من ذلك نجد أوائل هذه الأمّة قد اعتمدوا اعتماداً كبيراً على تلك الأسباب، فهداهم ربّهم إلى الحسنيين، وحقّقوا النجاح الدنيوي وسينالون النعيم الأخروي إن شاء الله - سبحانه وتعالى -.
إنّك تجد الواحد منهم يهيّئ ولده في المنزل قبل أن يدفعه إلى المعلّم، يعلّمه القرآن ونصيباً من حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومكارم الأخلاق وسيرة العظماء وأشعار الحكم والآداب، فيتعلّم ما شاء الله - سبحانه وتعالى - أن يتعلّمه قبل أن يلتحق بصفّ الدراسة.
فهل يا ترى يستطيع المجتمع الإسلامي أن يهيّئ مثل هذه الأمّهات اللائي يحرصن على تثقيف هذا الجيل الثقافة القرآنيّة الإسلاميّة، ويرشدنه إلى قواعد التعلّم الصحيح، وهو ما يزال طفلاً صغيراً، اعتماداً على كتاب الله - سبحانه وتعالى -، فيرضع تعاليم دينه وعقيدته ومبادئ قرآنه مع حليب أمّه، ويسير في طريق الهداية دون جهدٍ منه، ودون تعبٍ، يهديه إليه كتاب ربّه، ويقوده فيه دون شعور منه، وأصل معرفة العقيدة هو العلم. (1/404)
صفحة 405
هذه الأمّهات اللائي يعددن أولادهنّ لتقبّل الواجب وذلك بإرشادهم في سنّهم المبكّرة إلى حفظ بعض الكلمات، أو السطور، وأنّهم مسؤولون على استظهارها بحفظ جيّداً، وأن يجعلنهم يميّزون بين الجدّ والهزل عندما يأمرنهم بالقيام بذلك الواجب، وأن يبنين في أنفسهم الإرادة الكافية بما يقدّمن لهم من تشجيعات، ومن إرشادات، ويدرّبنهم على الطموح للوصول إلى الأهداف الراقيّة، والاستمرار في العمل، حتّى يصبح ذلك عادةً فيهم، تستمرّ معهم طوال سنواتهم الدراسيّة.
فكثيرٌ من الأمّهات يردّدن بكلّ بساطةٍ بأنّ أولادهنّ ما زالوا صغاراً، ولا يستطيعون تطبيق كلّ هذا، وعندما يصلون إلى سنّ المدرسة تجدهم لم يتعلّموا شيئاً ممّا يعينهم إعانةً إيجابيّةً في الدراسة بكلّ ثقةٍ واطمئنانٍ.
في حين أنّ التجارب المتعدّدة قد أثبتت أنّ الولد الصغير قبل بلوغه سنّ الدراسة، من سنّ الثالثة وما فوقها، إذا ما وجد الرعاية الجيّدة، فإنّه يستطيع أن يردّد عن ظهر غيبٍ ثلاثة أبياتٍ من الشعر، وأن يصبح ولداً منتبهاً جدّاً، إذا ما دُرّب على الانتباه والتركيز، وغالباً ما يصبغ الوالدان، خاصّةً الأمّ شخصيّة الولد على حسب التصرّفات التي يتصرّفان بها معه، من تشجيعٍ وإرشادٍ.
وكثيرٌ من الأولياء يجهلون فنّ معاملة أبنائهم وهم صغارٌ، والطريقة المثلى في تكوين العبقريّة فيهم، في حين أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أرشد في كثيرٍ من أحاديثه إلى كيفيّة التعامل مع الولد، وكلّ ذلك بهدف تكوين عنصرٍ صالحٍ من بداية عمره، حتّى قبل أن يلتحق بصفوف الدراسة، والولد كما يقول العلماء هو تصرّف والديه، وهو سلوكهما، فكيفما يكونان ينشأ هو كذلك، ولا غرابة في ذلك، ما دام رسولنا - صلى الله عليه وسلم - قد أرشدنا إلى ذلك، وقال:
«فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه». (1/405)
صفحة 406
وإحساس الولد بنفسه يأتي إليه، ويتعلّمه من خلال معاملة والديه له، فإن هما أشعراه بأنّه عبقريٌّ، يستطيع حفظ بعض الآيات من القرآن، وبعض المعلومات الأخرى، وأنّه يستطيع أن يكون ولداً ذكيّاً وعبقريّاً، وذا شأنٍ في الحياة، فسيكوّن عن نفسه مثل هذا التصوّر الذي سيرى به نفسه في مختلف سنوات عمره، حيث يلتحق بالمدرسة وهو يحمل مثل هذا التصوّر، فينجح في دراسته بكلّ راحةٍ واطمئنانٍ.
بعد دراساتٍ وملاحظاتٍ كثيرةٍ، توصّل الخبراء إلى أنّ تعليم الولد في سنٍّ مبكّرةٍ يجب أن يساير عمره وطاقاته، ولقد قام بعض الباحثين بإجراء دراساتٍ على مجموعاتٍ من الأولاد المحرومين من مثل هذا الاهتمام، من أوساطٍ اجتماعيّةٍ وماديّةٍ متدنّيةٍ، فوجدوا أنّ الذين تلقّوا تعليماً مبكّراً وجيّداً في منازلهم من طرف أوليائهم، أو في دور الحضانة، استطاعوا أن يتمّوا تعليمهم، ويتخرّجوا من الجامعة، ويتحصّلوا على وظائف معتبرةٍ ومهنٍ محترمةٍ.
بينما كانت نسبة الضعف والتخلّف الدراسي عاليّةً نسبيّاً لدى الأطفال الذين لم يتلقّوا مثل هذا التعليم المبكّر، ولم يحضوا باهتمامٍ كافٍ من أوليائهم، ولم يدرّبوهم تدريباً جيّداً قبل التحاقهم بالدراسة، وهكذا يكون التعليم المبكّر قد ساعد الفريق الأوّل مساعدةً كبيرةً في التحصيل والتقدّم والتفوّق، إذن فما علينا إلاّ أن نهيّئ أولادنا للمراحل الدراسيّة، وهم ما زالوا صغاراً في البيت، ولا يوجد شيءٌ مهمٌّ يستطيع أن يكوّن فيهم مثل هذه التدريبات أكبر من كتاب الله - سبحانه وتعالى -، فهو كلّه بركةٌ وهدايةٌ، فبه يفتح الله - عز وجل - كلّ أبواب العلم. (1/406)
صفحة 407
فالأمّ مسؤولةٌ بالدرجة الأولى على تنميّة عقل الولد وتهيّئته بصورةٍ جيّدةٍ ليكون مستعدّاً للانتقال فيما بعد إلى النظام المدرسي، ويكون قادراً على استيعاب ما تقدّمه له تلك المدارس، ولماذا الأمّ بالذات؟ ذلك لأنّها تستطيع أن تقدّم له كلّ تلك التدريبات والمهارات في حنانٍ وتواضعٍ وحزمٍ وصبرٍ ومثابرةٍ ومداومةٍ.
برنامج محمّد الصغير لحفظ القرآن
يقول محمّد: بدأت حفظ القرآن الكريم وعمري ثلاث سنواتٍ، وشجّعتني والدتي على القيام بذلك، وهي التي أعانتني، كما أنّ والدي كان يشجّعني كثيراً من جهته هو كذلك، وأوّل سورةٍ حفظتها كانت سورة الكوثر وذلك خلال يومٍ واحدٍ، ثمّ حفظت سورة الفاتحة، ثمّ الإخلاص فالفلق فالناس.
اعتمد محمّد تاج الدين عدّة خطوات في حفظ كتاب ربّه الكريم، وطبعاً بمعونة وتشجيع أمّه العزيزة الغيورة، وهي من أمّهات الجنّة، إن شاء الله، ومن بين تلك الخطوات:
1ــ التقسيم: تقسيم صفحة المصحف إلى نصفين، ثمّ تحديد الآيات في النصف الأوّل وتسميعها لأمّه، ثمّ حفظها خطوةًخطوةً.
وهذه خطواتٌ مهمّةٌ لتحقيق الأهداف، وقد رأينا ذلك في: تحقيق الأهداف.
2ــ المراجعة: يراجع الصفحة الأولى كاملةً، ثمّ ينتقل للصفحة الثانية، فيقسّمها بنفس الطريقة ويحفظها، ومن ثمّ يعيد قراءتها، وعندما ينتهي من السورة القرآنيّة، يراجعها كاملةً، وخصوصاً قبل النوم.
ومن هنا نستنتج بأنّ المراجعة قبل النوم له أثره البليغ على تقويّة الحافظة، وتنشيط الذاكرة، وعلى هدوء النفس الذي يعدّ عنصراً أساسيّاً في الحفظ.
3ــ التكرار: يحرص على تكرار الآية دائماً على لسانه، وتسميعها لأمّه أكثر من مرّةً.
ومراجعته الآية في أغلبيّة الأوقات على لسانه يعينه على الابتعاد عن الاهتمام بالكلام التافه الذي يُنقص من قيمته، وبمرور الوقت يصبح حكيماً، لا يتحدّث إلاّ بالحكمة والكلام الراقي الحسن. (1/407)
صفحة 408
4ــ تنظيم الوقت: يقسّم اليوم إلى ثلاث ساعاتٍ للدراسة، وساعتين للحفظ، وثلاث ساعاتٍ بين الرياضة والجلوس إلى الكومبيوتر.
وتنظيم الوقت والمحافظة عليه من سمات العبقريّين والناجحين.
والحكمة تقول: في النظام حياةٌ، فمن هذا التقسيم المنظّم للوقت يتعلّم الولد استغلال واغتنام وقته.
5ــ البحث عن مصادر لتفسير بعض الآية بشكلٍ مختصرٍ.
وهذا البحث يعينه على الاطّلاع على مختلف المصادر، والعناوين والمواضيع إلى غير من المعلومات التي ترفع له مستواه الثقافي، وقاموسه اللغوي.
إذن فما على الأولياء إلاّ أن يدرّبوا أولادهم على مثل هذا التنظيم، وتقسيم الوقت تقسيماً جيّداً. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
وما فازوا بمعجزة علينا ولكن في أمورهم نظام
وما عليهم إلاّ أن يعينوهم على الحفظ والمراجعة، فيحقّقوا بذلك أهدافاً عاليّةً غاليّةً في تربيّتهم، وإعانتهم في طريق العبقريّة بكلّ هدوءٍ وسهولةٍ.
فوائد تقديم الجائزة للولد
لقد اتّفق علماء التربيّة بأنّ للثواب نتائج حسنةً في توجيه سلوك الولد، وفيه فعاليّةٌ إيجابيّةٌ للتحكّم في سلوكه، وحدّدوا شروطاً لذلك.
1ــ أنّ أسلوب الثواب لا بدّ أن يحبّه الولد، وإذا لم تفلح المكافأة في تدعيم السلوك، ولم يرغب فيها الطفل، فيجب أن يبحث المربّي عن ثوابٍ آخر.
2ــ حجم الإثابة، كي يتشبّع الطفل بنوع الثواب، فعلى المربّي أن يغيّرها بين مدّةٍ وأخرى، ولا يحصل عليها بمقادير كبيرةٍ مرّةً واحدة، وذلك حتّى نترك دائماً مجالاً للزيادة فيها، من حينٍ لآخر.
ويجب أن تتناسب المكافأة مع اهتمامات الولد، وحاجاته النفسيّة، مع عدم الإفراط في المكافآت المادّية، ويمكن للأمّ خاصّةً أن تتّفق مع طفلها على المكافأة التي ستقدّمها له عندما يحفظ حصّةً معيّنةً ومحدّدةً. (1/408)
صفحة 409
ويرى المختصّون التربويّون بأنّ الثواب المعنوي أفضل من الثواب المادّي، لأنّ المعنوي يتيح للولد أن يبني وجدانه وضميره، ويقوّي فيه ثقته بنفسه، ويبني فيه قوّة الاعتزاز بالنفس، ويصوّب أخلاقه، ويشعره بأنّه محسنٌ في تأديّة عمله، وأنّه قادرٌ على الزيادة في الإتقان.
أمّا الثواب المادّي فيعلّم الولد مبدأ الحصول على المنفعة، ويجعله يزداد حرصاً على الاستزادة من تلك الأشياء المادّية، مثل الهدايا والنقود، فيخرج معنى الثواب عن هدفه الذي نريد أن نتحصّل عليه من خلاله، ولا يؤدّي المقصد الذي نرمي إليه، ويصبح لديه غايةً، بدلاً من أن يكون وسيلةً، كما أنّه يجب أن لا يثاب على واجبٍ من الواجبات التي يجب عليه القيام بها.
بعض أنواع المكافأة
وقد وضع بعض المختصّين أشياء يستحسن أن تقدّم كمكافأة للولد بعد قيامه بما طلبناه منه، وفي موضوعنا هنا، يختصّ بحفظ بعض الآيات التي نحدّدها له، أو السورة التي انتهى من حفظها، ومنها:
1ــ يفضّل أن تكون الهديّة متناسبة مع عمر الولد ومع مقدار المجهود المطلوب منه أداؤه، ويرغّبون أن تكون من الأشياء المشاهدة دائماً كساعةٍ أو إحدى الأدوات المدرسيّة.
2ــ الدعاء له بالخير والنجاح والتفوّق، وذلك ممّا يشجّعه، ويجعله يشعر بأهميّة الدعاء وقيمته، وخاصّةً دعاء الوالدين، والأمّ بالدرجة الأولى، وقد لاحظ العلماء النفسانيّون بأنّ الطفل يمكن أن يستوعب بعد عمر السنتين أنّ الدعاء يعدّ شيئاً مهمّاً، وأنّ والديه يقدّمانه له كمكافأةٍ على حسن أدائه، وقيامه بما هو جيّد، فإذا قلنا للطفل مكافئين له:
اللهمّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل، واجعله ينجح في تعليمه وحياته، فستغمره السعادة ويقبل على العمل بعزيمةٍ مرتفعةٍ، وبنفسٍ منشرحةٍ، ويقوم بالأعمال القيّمة، مرّةً بعد أخرى منتظراً مثل تلك الأدعيّة التي يسمعها من والديه. (1/409)
صفحة 410
ونستطيع أن نعدّ الدعاء من أكبر الوسائل التي تملأ نفس الولد بالتفاؤل، هذا التفاؤل الذي كنّا قد رأينا فوائده الإيجابيّة في فصل: الروح تشفي، أو تمرض.
3ــ نداؤه بالأسماء الحسنة التي تبعث في نفسه السرور والانشراح، وتغرس فيه معاني تلك الأسماء، خاصّةً بين الإخوة والأخوات والأهل والأقارب والأصدقاء، لأنّ ذلك يجعله يشعر بأنّ له قيمةً ومكانةً في الأسرة، وبين عناصر المجتمع.
4ــ كتابة اسمه في لوحة شرفٍ مزخرفةٍ، وتعليقها لمدّةٍ من الزمن في مكانٍ ظاهرٍ في البيت، بحيث يراها كلّ أفراد الأسرة، بل حتّى الزائرون من الأقارب والغرباء الذين يزورون البيت من حينٍ لآخر، وحبّذا أن يكون لكلّ درجةٍ نوعٌ خاصٌّ من اللوحة التي تعلّق، وعلينا أن نعلم جيّداً بأنّ ذلك التقدير ينطبع طول العمر في ذهن الطفل، ويزيده نشاطاً وحيويّةً.
5ــ الكلمة الطيّبة، ولهذا المعنى نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحثّ ويرغّب في الكلمة الطيّبة التي يجب أن تصدر من المسلم نحو جميع خلق الله - سبحانه وتعالى -، حيث يقول: «والكلمة الطيّبة صدقةٌ»، خاصّةً إذا كانت لترغيب الولد على حفظ كتاب الله - عز وجل -، فذلك هو الفضل العظيم.
وذلك مثل: الدعاء له بالخير والهداية والإعانة، أحسنت، بارك الله فيك، جزاك الله خيراً، هذا هو سلوك الأذكياء، هكذا يجب أن يكون الولد المهذّب والمثابر والمنظّم، وغير ذلك من الكلمات التي تبعث النشاط والعزيمة في نفوس الأولاد.
6ــ العفو عنه عند القيام بمخالفةٍ بعد أن يكون قد استظهر الآية التي طلبنا منه استظهارها، أو السورة، ويشترط العلماء النفسانيّون أنّه يجب أن نخبره بأنّنا قد عفونا عنه من أجل ذلك الأداء الجيّد الذي قام به، ونطلب منه أن لا يعود إلى الخطأ.
7ــ المدح والثناء عليه أمام الآخرين، لأنّ فرح الولد ونشاطه وعمله يزداد إذا كان ذلك المدح أمام من يحبّهم من أصدقائه وأقاربه، أو معلّميه. (1/410)
صفحة 411
8ــ مرافقته إلى فراشه بكلّ اعتزازٍ، مع البقاء معه فترةً من الوقت أكثر من الأيّام السابقة، وحكاية قصّةٍ جيّدةٍ نختارها له، ونخبره بأنّنا قد اخترناها من أجل أنّه قد حقّق الهدف الذي كنّا نرجوه منه.
10ــ حسن استقباله في ذلك اليوم عندما ينهض من نومه، وذلك بالحفاوة والابتسام والقبلات والإحضان ومختلف كلمات الترحيب.
11ــ استشارته في إنجاز عملٍ داخل البيت، أو ماذا يريد أن تطبخ أمّه للغذاء، أو للعشاء، أو استشارته في اختيار مكان النزهة في العطلة الأسبوعيّة.
12ــ إقامة حفلٍ عائليٍّ عاديٍّ وبسيطٍ، مع تقديم الشاي وشيء من الحلوى، وإشعاره بأنّ ذلك الحفل قد أقيم من أجله، وربّما نستشيره في شراء نوع الحلوى الذي يختاره هو بنفسه، ونقدّم له نصيباً أكبر من الآخرين، أو المشروبات المقدّمة في ذلك الحفل.
إلى غير ذلك من المكافآت التي يختارها الوالدين، ويعتقدان أنّها صالحةٌ لتشجيع الولد، وبعث روح الأمل في نفسه.
فوائد التلاوة بالترتيل
إنّ القراءة بترتيلٍ وبصوتٍ حسنٍ يبعث الفرح والسرور في نفس الولد، فيشجّعه على سماع آيات الذكر الحكيم وحفظها بصفةٍ يسيرةٍ سهلةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى ذلك الانشراح والغبطة التي ستتكوّن في نفس الأمّ التي تقرأ تلك الآيات، ولا شكّ أنّ للصوت الحسن أثراً طيباً وإيجابيّاً في نفس صاحبه، وفي نفس سامعه، وقد اعتبر كثيرٌ من العلماء أنّ الصوت الحسن يُعدّ نوعاً من العلاج للنفس البشريّة.
فنثر الكلمات بترتيلٍ على مسامع الولد يحبّب إليه كلام ربّه - عز وجل -، فيتعلّق به، وينشأ وله صوتٌ حسنٌ هو كذلك، ومن أجل تحقيق هذه الفائدة نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - والرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمران بتحسّين الصوت عند التلاوة، ولا شكّ أنّه توجد في ذلك فوائد كثيرةٌ أخرى، ولولاها لما أمرا بذلك. (1/411)
صفحة 412
ولا شكّ أنّ قراءة القرآن الكريم بالترتيل وبصوتٍ حسنٍ، ممّا يبرز المعاني، ويجذب الآذان، ويرقّق القلوب، ويجعل القارئ والسامع معاً يعيشان لحظات خشوعٍ وتفكّرٍ، ربّما يغفلان عنها إذا قُرئت نفس الآيات بصوتٍ عاديٍّ وبدون ترتيلٍ.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى الأشعري: «لو رأيتني وأنا أسمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود». (1) ... والمقصود هنا بالمزمار: الصوت الحسن.
وقال الإمام ابن الأثير: «شبّه صوته وحلاوة نغمه بصوت المزمار».
وتعامل الولد وتجاوبه مع الآيات التي يسمعها من أمّه، يحتاج إلى ترتيلٍ وتحسينٍ للقراءة وصوتٍ مرتفعٍ، قدر ما يسمعها جيّداً، كما يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع صحابته الكرام.
قال الشيخ الزبيدي: «إنّ الصوت الحسن يزيد القرآن الكريم حسناً، وفي أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء يجلب القلوب إلى استماعه وتدبّره، والإصغاء إليه».
أمّا الصوت المرتفع، فإنّه يعين المستمع على الانتباه الذي هو مطلبٌ أساسيٌّ في التعلّم، ومحاولة الفهم.
وخلاصة القول أنّ للصوت الحسن أثراً جليلاً على سامعه، وخاصّةً نفوس الأولاد البريئة التي تميل إلى استعذاب مثل هذه الأصوات، ويحبّب له الاستماع إلى آيات ربّه - سبحانه وتعالى -، ويسهّل عليه حفظها بشكلٍ صحيحٍ، ويتعوّد على الترتيل وتحسين صوته بكلام ربّه - عز وجل - منذ صغره، كما أنّه يشعر بالراحة والانبساط عندما يسمع تلك الأصوات.
__________
(1) أخرجه البخاري. (1/412)
صفحة 413
ويقول الخبراء الذين يدرسون كيفيّة تدريس القرآن الكريم للولد منذ بداية إدراكهم بأنّه يجب على المربّي أن يحفّظه قدر ما يستوعب ويستطيع من الآيات، مع شرحٍ بسيطٍ لها على قدر إدراكه، ويتركه يحفظ، ثمّ بعد ذلك، عندما يزيد إدراكه، يبدأ في شرح الآيات شرحاً إجماليّاً، إلى أن يصبح قادراً على الفهم بشكلٍ أكبر، ففي ذلك الوقت يكون قد حفظ قدراً كبيراً من القرآن الكريم، فيزداد عند ذلك تجاوبه معه، فيتذوّق حلاوته، ويزداد به تعلّقا، ويزداد صدقه وإخلاصه في التمسّك به ودعوة إخوانه إليه، ويدوم لجوؤه إلى ربّه وكثرة دعائه له أن يوفّقه إلى النجاح في دراسته وأعماله، وبعون ربّه وهدايته يذوق حلاوة الإيمان، ويقوى اتّصاله به، فيعيش في سعادةٍ حقيقيّةٍ.
فعلينا أن نهتمّ بتحفيظ الولد آيات كتاب ربّه بترتيلٍ، كما أمرنا بذلك ربّنا - سبحانه وتعالى - ونبيّنا محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ولا نكثر من الأسئلة عن كيفيّة فهم الولد لمعاني تلك الآيات، ولا عن الصلة التي تتكوّن بينه وبين القرآن الكريم، وهو لم يبلغ بعد سنّ الإدراك الكبير، ولا عن كيفيّة توليد الطاقة في نفسه بتلك الآيات، لأنّ رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى، بل كلّ كلامه عبارةٌ عن وحي يوحى إليه، فما علينا إلاّ أن نطبّق ما أمرنا به، والله - سبحانه وتعالى - هو وحده يعلم كيفيّة تأثّر الصغير بالقوّة الروحيّة للقرآن الكريم.
- {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ... [الأحزاب ـ 36]
هل نريد أن يكون أولادنا أغنياء (1/413)
صفحة 414
لقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم ليكون ملاذ أمنٍ وطمأنينةٍ لعباده في كلّ ما يطلبونه منه من خير الدنيا والآخرة، فهو مباركٌ، يجلب البركة إلى كلّ من يقرأه، سواءً في الجانب النفسي، أو الصحّي، أو العقلي، أو المادّي، إنّه كلّه بركة. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} ... [الأنعام ـ 92]
- {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأنعام ـ 155]
وإذا كان الله - عز وجل - منزّل هذا القرآن قد جعله مباركاً، بفضله ينزّل البركة في كلّ شيءٍ يقرأ عليه، فكيف بالوعاء الذي يحمله، ويحفظه، ويحافظ عليه، خاصّةً إذا كان ذلك الوعاء هو قلب ذلك الولد البريء، المملوء طهارةً ونقاوةً وصفاءً.
وقد امتنّ الله - عز وجل - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن آتاه القرآن الكريم، فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر ـ 87]
وبعد هذه الآية التي امتنّ الله - عز وجل - فيها على نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بأن آتاه هذا الفضل العظيم، أمره أن لا ينظر إلى المتع الأخرى المتعدّدة التي تزخر بها الحياة الدنيا، لأنّها مهما كانت النفوس تراها في اعتقادها غاليّةً وعاليّةً فإنّها عند الله - عز وجل - لا تساوي هذا الكنز العظيم الذي أنزله عليه، ويسّره لعباده، وجعله مهيّأً بين أيديهم يغترفون منه كيف يشاؤون، وفي أيّ وقتٍ يريدون.
فقال له - سبحانه وتعالى - بعد هذا الامتنان:
- {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} [الحجر ـ 88] (1/414)
صفحة 415
فمتى يفقه المسلمون أمثال هذه الإرشادات ويعملوا بها، فيهتمّوا بقرآن ربّهم - سبحانه وتعالى - قراءةً وتلاوةً وحفظاً وتدبّراً، فيكون لهم من الأسباب الروحيّة التي تنزّل لهم البركة في أرزاقهم، فيقنعوا بها، لأنّ المسلم مأمورٌ بأن يبذل ما في وسعه من الأسباب الماديّة، ولا يغفل عن التعامل بالأسباب المعنويّة الروحيّة.
- {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}
[الملك ـ 15]
فالله - سبحانه وتعالى - قد خلق هذا الإنسان وسنّ له قوانين مادّيةً ومعنويّةً لكي يجلب بها رزقه، وجعل القانون الذي ينظّم حياته هو قانون السببيّة، فلكي يحصل على نتيجةٍ من النتائج التي يتمنّاها ويتوق إلى الوصول إليها، لابدّ أن يتّخذ أسباباً بعينها كي يصل إليها، وقد جعل الأسباب التي توصل المؤمن إلى النتائج التي يرمي إليها قسمين:
قسمٌ منها مادّيٌّ، وقسمٌ آخر معنويٌّ.
ولكنّ كثيرا من المسلمين لم يفقهوا هذين القسمين، فصار بعضهم يعتمد على الجانب المادّي فقط، دون اللجوء إلى الأسباب المعنويّة، وبعضهم يعتمد على الجانب المعنوي، وهم مثل الذين قال لهم سيّدنا عمر بن الخطّاب ـ - رضي الله عنه - ـ: «إنّ السماء لا تمطر ذهباً ولا فضّةً».
والله - سبحانه وتعالى - قد أرشد عباده بواسطة رسله إلى عدم الغفلة عن الأسباب المعنويّة التي تخفّف عنهم كثيراً من الأتعاب، وذلك مثل الخطاب الذي خاطب به رسولنا محمّدٌ - صلى الله عليه وسلم -:
- {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ}
[طه ـ 132]
ويخاطب المؤمنين بقوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}
[الطلاق ـ 2ـ3]
ويقول الله - عز وجل - في سورة الجنّ لنبيّه محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -: (1/415)
صفحة 416
- {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجنّ ـ 16]
وفي الحديث: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ ضيقٍ مخرجاً، ومن كلّ همٍّ فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب». (1)
وبتعويد الولد على حفظ كتاب الله - عز وجل - والمداومة على تلاوته نكون قد عوّدناه الالتجاء إلى الأسباب المعنويّة التي يرزقه بها ربّه - عز وجل - دون أن يحتسب، فينشأ وهو يحمل بين جنبيه نفساً مطمئنّةً، تؤدّي ما تستطيعه من الأسباب المادّية، وتداوم على المحافظة على الأسباب المعنويّة، وتبقى في معيّة ربّها - عز وجل - الدائمة التي تؤيّدها وتوفّقها، وعندما يكبر يفهم ذلك جيّداً، يجد نفسه متعوّداً على ذلك، ولا يطلب منه بدل جهدٍ في تعلّمها والمداومة عليها.
والإنسان العاقل يؤدّى ما يقدر عليه من الأسباب المادّية لجلب رزقه، ولا يعتمد عليها الاعتماد الكلّي، لأنّه يعلم أنّ النتائج التي يتحصّل عليها من أدائه لتلك الأسباب هي من عند الله - سبحانه وتعالى -، وليست من جهده الذي أدّاه وقام به.
وبفضل الأولياء الذين يهتمّون بتعليم أولادهم كلام ربّهم - سبحانه وتعالى -، يكون لدينا أولاد يبدؤون طريقهم بالتصالح مع ربّهم - عز وجل - ويتربّون على إيثار ما يحبّه وما يرضيه على مغريّات الحياة الدنيا، ويسيرون في طريق ارتياد كلّ الأماكن التي من شأنها أن ترفع شأن الإسلام، وترفع قيمة كلام الله - عز وجل -، لأنّهم سيهتمّون بتطبيقه في كلّ حركاتهم وسكناتهم، فينشؤون وهم يفكّرون به، ويصبحون من عباد الله المتّقين المكرمين، الذين يحقّقون تفوّقاً في كلّ مجالات الحياة، وبذلك يصبح لدى الأمّة الإسلاميّة عناصر متفوّقين في المجالات العلميّة والماليّة ببركة كتاب الله المبارك.
__________
(1) أخرجه أبو داود. (1/416)
صفحة 417
وتعليم الأولاد كلام ربّهم - سبحانه وتعالى - سيجعل أساليب تربيّتهم تختلف، فلا يجدون صعوبةً في توجيههم، أو إرغامهم على اتّباع الطريق المستقيم، لأنّ بركة الكتاب المبارك ستلازمهم طوال الطريق، فيستحقّون بذلك هداية ربّهم وعونه وتوفيقه.
وقد أرشد النبيء - صلى الله عليه وسلم - في كثير من أحاديثه المسلمين إلى اللجوء إلى الأسباب المعنويّة التي تجلب الرزق وتنزل فيه البركة والخير، وتجعل صاحبه ينتفع منه انتفاعاً كبيراً.
كما أنّه بيّن بأنّ القرآن هو رأس مال كلّ الأسباب، ولا يعادله أيّ رأس مالٍ آخر، وهو لا يوزن بأموال الدنيا كلّها.
فعن عقبة بن عامر ـ - رضي الله عنه - ـ قال: خرج علينا رسول - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الصفّة، فقال:
«أيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يومٍ على بطحان، أو العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثمٍ، ولا قطيعة رحمٍ؟
فقلنا: يا رسول الله كلّنا يحبّ ذلك. قال:
أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله - عز وجل - خيرٌ له من ناقتين، وثلاث خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربع خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهنّ من الإبل». (1)
والكوما من الإبل، العظيمة السنام.
وعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«أيحبّ أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟
قلنا: نعم، قال: «فثلاث آياتٍ يقرأ بهنّ أحدكم في صلاته، خيرٌ له من ثلاث خلفاتٍ عظامٍ سمانٍ». (2)
والخلفات: بكسر اللام، جمع خلفة، وهي: الحوامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمدها ثمّ هي عشار.
فيا أولياء الأمور اهتمّوا بالقرآن وعلّموه أولادكم، وأعزّوه أمامهم كي ينهضوا وهم يعزّونه كما يريده منّا منزّله - سبحانه وتعالى -، وافتحوا لهم أبواب الغنى والبركة في الرزق بما تعلّموهم من آياتٍ بيّناتٍ تكون لهم مفتاحاً للرزق، واسألوا الله به الهداية والتوفيق لهم.
__________
(1) أخرجه مسلم.
(2) أخرجه مسلم. (1/417)
صفحة 418
فعن عمران بن حصين: أنّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنّه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن، يسألون به الناس». (1)
والمهتمّ بالقرآن وحافظه لن يشكو الفقر والفاقة أبداً، لأنّه يملك ما هو أفضل من أموال الدنيا كلّها، وما هو أكثر من ألوف الإبل العظام السمان، فآيات القرآن الكريم تساوي 6236آية، وقراءة كلّ آيةٍ منها هي خيرٌ لصاحبها من ناقةٍ سمينةٍ عظيمةٍ.
وقد بيّن لنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - أنّ القرآن الكريم هو سبب في الغنى المادّي في الدنيا، وذلك في حديثه الذي يقول فيه:
«من أراد الدنيا، فعليه بالقرآن، ومن أراد الآخرة فعليه بالقرآن، ومن أرادهما معا فعليه بالقرآن». (2)
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول: «إنّ الله - عز وجل - يرفع بهذا القرآن أقواما، ويضع آخرين». (3)
الإعراض عن كتاب الله - عز وجل -
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
[الفرقان ـ 30]
يجب على المسلمين أنّ يدركوا بأنّ أدواء الأمّة الإسلاميّة تجتمع كلّها في داءٍ واحدٍ، ألا وهو الإعراض عن كتاب الله - عز وجل -، وقد تمثّل هذا الإعراض في جميع النواحي، الدينيّة والأسريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وعلاج هذه الأدواء كلّها لا يتحقّق إلاّ بالرجوع إليه.
- {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} ... [ص ـ 67ـ68]
__________
(1) أخرجه الترمذي.
(2) أخرجه مسلم.
(3) أخرجه مسلم. (1/418)
صفحة 419
فنجد كأنّ هذا الخطاب موجّه إلى المسلمين في عصرنا هذا، رغم أنّهم يتأفّفون ويتنادون بحثاً عن علاجاتٍ شافيّةٍ لأدوائهم، في حين أنّ الدواء بين أيديهم، وهو خير وقايةٍ وعلاجٍ، وليس هناك علاجٌ أنجح ولا أفضل منه، مهما كثرت أنواع العلاجات وتطوّرت، فهو خير منها جميعاً، إذا طبّقوه في مختلف نواحي الحياة، ولكن ويا للأسف نجدهم غافلين عن الدواء الناجع الذي وصفه لهم ربّهم - جل جلاله -، معرضين عنه إعراض استخفافٍ ونكرانٍ بأن يكون له أثرٌ لعلاج ما بهم من أمراضٍ مختلفةٍ، وكأنّهم ينتظرون أن يحدثوا العلاج بنظريةٍ فلسفيّةٍ عميقةٍ، أو معجزةٍ من المعجزات.
فتجد مسلما نال درجة الدكتوراة، يتعامل مع الدعوة، ويريد أن يصبح من أكبر الدعاة، وقد غاضه الحالة المؤلمة للمسلمين، وما هم فيه من الانحراف وابتعادهم عن دين الله - عز وجل -، ولكنّه عندما يريد أن يبحث عن آيةٍ ليرفع بها من قيمة خطبته، أو يجمّل بها أسلوبه، يلتجئ إلى الفهرس القرآني، ليقف على السورة التي توجد فيها تلك الآية، سورة كذا، في أيّ موضع تقع؟ أفي أوّل القرآن الكريم، أم في آخره؟.
وممّا يؤسف له جدّاً عندما تسمع واعظاً وهو يلقي درساً في الموعظة للمسلمين، فيذكر حديثاً من الأحاديث، ولكنّه يقول: قال الله - سبحانه وتعالى -، عوض أن يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يقول صدق الله العظيم، وما ذلك إلاّ لأنّه لم يتعلّمه، ويحفظه في صغره.
فأين تطبيق أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تعليمه لأولادنا الصغار؟، لينشؤوا وقد اختلط بلحمهم ودمهم.
ولقد كان الولد الصغير في الرعيل الأوّل ينشأ وأمّه أو معلّمه يعلّمانه كتاب ربّه - عز وجل - وهو في المهد، ومع بداية الدراسة في المراحل الأولى، ويحفظه حفظاً جيّداً، يجعله يعلم أماكن سوره بحافظته وذاكرته دون أن يلجأ إلى الفهرست، أو يسأل عن ذلك أحداً. (1/419)
صفحة 420
وقد قال أحد المحاضرين في قناة الناس أنّ ابن أبي حنيفة قد حفظ القرآن وعمره خمس سنواتٍ.
وقال: يروى عن أحد المشائخ أخذ ولده إلى معلّم ليعلّمه كلام ربّه، فلمّا حفظ سورة الفاتحة، أهدى إليه 500درهم، فقال له معلّم القرآن: إنّ هذا كثيراً، فأجابه: والله إنّ هذا قليلٌ أمام قيمة كلام الله - عز وجل -، والله لو كان عندنا أكثر لزدناك، وقال الراوي: إنّ 500 درهم يعادل ما قيمته 500 شاة في ذلك الوقت، لأنّ الشاة كانت تساوي درهماً واحداً.
وهكذا فقد أراد هذا الشيخ من هديّته عدّة أهدافٍ وأغراضٍ طيّبةٍ إيجابيّةٍ، منها طلب الهداية من الله - عز وجل -، وأن يفتح الله - سبحانه وتعالى - على ولده الحفظ الجيّد والسريع، وأن يحبّب إليه كلامه، وأن يجلب حبّ واهتمام ورعاية المعلّم لولده، فيرعاه رعاية جيّدةٍ خاصّةٍ، فيكون ذلك سبباً لحفظ ابنه لكلام ربّه - سبحانه وتعالى - في فترةٍ قصيرةٍ.
وفي هذا العصر نجد الوالدين ويا للأسف يتركون أولادهم يشتغلون بأشياء أخرى بعيدةٍ كلّ البعد عن كتاب الله - عز وجل -، وربّما تكون متناقضةً معه، في الاتّجاه المعاكس تماماً، مثل الرسوم المتحرّكة، والموبايل، والكومبيوتر، والألعاب الإلكترونيّة، والمسلسلات، ومباراة كرة القدم، وأسماء اللاعبين والممثّلين، إلى غير ذلك من المشاغل التي تشغلهم عن حفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وعن الدراسة.
وقد أنزل الله - عز وجل - القرآن الكريم تاجاً ليتوّج به عقول أبناء الأمّة الإسلاميّة، ويقوّي به ذاكرتهم، ويرفع به شرفهم لتمتازوا به عن الآخرين، ولكنّهم معرضون عنه بمختلف الملهيات، ويريدون تعويضه ببرامج وفلسفات من إنتاج بني جنسهم، بل من وضع أعداء دينها وكتابها. (1/420)
صفحة 421
ولكن المشكلة ليست في وضع الأعداء لمثل تلك الخطط التي تجعل المسلمين يعرضون عن كتاب ربّهم، وإنّما تكمن في اعتقاد كثير من المفكّرين الإسلاميّين، الذين يرون أنّ تقدّم هذه الأمّة ورقيّها لن يكون إلاّ بتطبيق مثل هذه البرامج، التي نرى إلى أيّ درجةٍ أوصلت الأجيال المسلمة من الانحراف وتدنّي مستوى الثقافة واعتقادهم بأنّ كتاب الله - عز وجل - لا يصلح إلاّ للتلاوة في المساجد والتبرّك به في مختلف المناسبات، وجعله للرقيّة فقط.
والله - سبحانه وتعالى - يخاطبنا ويقول:
- {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة ـ 15ـ16]
لقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - كلامه خطاباً لأبناء هذه الأمّة، يحدّثهم به، ويعلّمهم، ويعرّفهم فيه على ذاته، وبأنفسهم، ويخبرهم بخبر رحلتهم في هذه الحياة، يكلّفهم بوظائفهم التي خلقوا من أجلها، ويحذّرهم عن الخروج والانحراف عن منهجه الذي وضعه لهم، لأنّ في ذلك ضياعهم وخسرانهم.
وقد وردت من ملك الملوك، من علاّم الغيوب، خالق الأوّلين والآخرين، والجنّ والإنس، ربّ السماوات والأرض، إلى عباده - سبحانه وتعالى -، وخطابه إليه جميعاً قائلاً: {يا أيّها الناس، يا أيّها الذين آمنوا، يا عبادي}، ولكنّ أغلبيّتهم معرضون عنه.
فماذا يفعل يا ترى حاكم من الحكّام، أو ملك من ملوك الأرض عندما يرسل رسالةً إلى رعاياه ومواطنيه، إلى بعض جنوده، وفي هذه الرسالة تعريفات وتعليمات وبيانات ووصايا وأوامر ونواهي، ولكنّهم يعرضون عنها، ويرمونها جانباً، ولا يبالون بها، بل ويستخفّون بها، فماذا يصنع وهو عبد من عباد الله - سبحانه وتعالى -، ولكن نحن معرضون عن خطاب علاّم الغيوب، ملك الملوك، خالقنا ورازقنا. (1/421)
صفحة 422
فكيف نتصوّر أن تكون عاقبتنا أمام ربّنا - عز وجل - يا ترى؟
إنّ عاقبتنا ظاهرة للعيان، وهي النتيجة التي آلت إليها حالة الأمّة الإسلاميّة بسبب إعراض عناصرها عن كتاب الله - سبحانه وتعالى -، واستخفافهم به، وإيثارهم الدنيا على الاشتغال به ولو ساعةً من نهارٍ، أو ليلٍ، وأساؤوا إلى الشرف الذي أنزله إليهم ليسموا بهم إلى جلالته، ولذلك أوكلهم الله - سبحانه وتعالى - إلى أنفسهم، وسلّط عليهم الذلّ من طرف الأمم الكافرة.
والفضل العظيم هو أنّ ربّنا قد ترك فينا هذه المعجزة، رغم إعراضنا عنها، وتكبّرنا عن استعمالها واستثمارها في جوانب حياتنا، وتفضيلنا البرامج البشريّة عليها، في حين أنّها مفتاح النصر، مفتاح التقدّم، مفتاح التفوّق، مفتاح العقول والأذهان، فالمفتاح في أيدينا، ولكنّنا ما زلنا لا نؤمن بأنّه سيفتح لنا أبواب العلوّ والرقيّ في سلالم النجاح والتفوّق والعبقريّة.
فإذا أردنا أن نبدأ من جديدٍ إصلاح أنفسنا بكتاب ربّنا - عز وجل -، فعلينا أن نتحرّر من أسر جميع الاهتمامات الأرضيّة الدنيويّة، ونسمو باهتماماتنا إلى سموّ وعلوّ درجة كتاب الله - عز وجل -، ونبحث فيه عمّا يرضي ربّنا فنعمله، بغضّ النظر عن تقييم العباد لنتائجه، لأنّ نتائجه قد ضمنها لنا منزّله - سبحانه وتعالى -، وليست نتيجةً لقوّتنا، أو ذكائنا، أو عنائنا, أو اجتهادنا.
- {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ}
[المائدة ـ 16]
إنّ تنشئة الأولاد وتربيّتهم على تعلّم كتاب الله - عز وجل - سيجعلهم يربطون أعمالهم ومجهوداتهم بربّهم، ويعيشون دائماً في حقيقة توكّلهم عليه وحده، ويطلبون احتياجاتهم منه وحده، وأنّهم به لا بأنفسهم يستطيعون الوصول إلى أعلى درجات التفوّق والنجاح، وبذلك يستحقّون توفيقه وتأييده لهم، فيؤدّي ذلك إلى الحرص على العمل والاجتهاد والتحصيل، حتّى يحقّقوا الأهداف العالية. (1/422)
صفحة 423
والأمّة الإسلاميّة ليست كبقيّة الأمم، ولن تتقدّم بمثل ما تقدّموا به، بل إذا أرادت التفوّق والتقدّم، فعليها أن ترجع إلى كتاب الله - سبحانه وتعالى - أوّلاً، وتجعله محور تعليمها وعملها، مع الأخذ بكلّ قوّة بالأسباب المادّية، لأنّ الأخذ به أوّلاً سيجعلها أهلاً للتوفيق والتأييد الإلهي، فيتضاعف أثر الأسباب المادّية بعد ذلك، كما حدث مع المسلمين الأوائل الذين برعوا في شتّى فروع العلوم بعد العناية به وحفظه والعمل به، وما كان لهم أن يحقّقوا كلّ ذلك، لولا توفيق ربّهم - عز وجل - لهم، ومباركته لجهودهم.
ومن فوائد الرجوع إلى كتاب الله - عز وجل - أوّلاً قبل تحصيل أيّ علمٍ من العلوم، أن يجعل النشء لا يتعلّق بالأسباب المادّية تعلّقاً كلّياً، ولكنّه يجتهد في تحصيلها، ثمّ يرجع إلى ربّه باللجوء إليه وبدعائه أن يوفّقه ويعينه.
وخلاصة القول أنّه إذا أردنا لأولادنا النجاح والتفوّق، فيجب علينا أن نبدأ أوّلا بتعليمهم إيّاه، ونبدأ بالأسباب المعنويّة التي تُعنى بصلاحهم، ثمّ بعد ذلك نجتهد بالأخذ بالأسباب المادّية قدر الاستطاعة، فنكوّن بهم جيلاً ناجحاً في الجانبين معاً، المعنوي والمادّي.
فالأمّة بحاجةٍ إلى جيلٍ قرآنيٍّ، يقيم حياته العلميّة عليه، وعلى مثقّفيها أن يكوّنوا مشروعاً قوميّاً مبنيّاً على كلام ربّنا - سبحانه وتعالى -، يجمع بين جميع أبنائها بمختلف طوائفها وأحزابها، رجالها ونسائها، شبابها وشيوخها، فهو حبل الله المتين الذي أنزله ربّنا - سبحانه وتعالى - لينتشل من تمسّك به من الأوحال والطين، ويرفعه في الدنيا إلى درجات المتفوّقين، وفي الآخرة إلى أعلى عليّين.
- {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران ـ 103]
وقد قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض». (1)
__________
(1) أخرجه ابن جرير. (1/423)
صفحة 424
وقال كذلك - صلى الله عليه وسلم -: «أبشروا، فإنّ هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسّكوا به، فإنّكم لن تهلكوا ولن تضلّوا بعده أبداً». (1)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله - سبحانه وتعالى - يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين». (2)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله - عز وجل -: «من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه».
إنّ حفظ آيات القرآن الكريم يقدر عليه الذكر والأنثى، الصغير والكبير، المؤمن وغير المؤمن، البرّ والفاجر، بل الكفّار أنفسهم يحفظونه، وكلّ ذلك حكمة من الله جعلها فيه، حتّى يستفيد منه الجميع، ويكون هداية لهم، وينمّي القدرات العقليّة فيهم، ويكون حجّةً عليهم. قال الله - عز وجل -:
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمر ـ 17]
والمطلوب منّا أن ننتفع جميعاً إلى أقصى درجةٍ بهذه المعجزة لتقودنا إلى التغيير في كلّ المستويات إلى الجهة الإيجابيّة، خاصّةً وأنّها وسيلةٌ قد رضيها لنا ربّنا لكي تقودنا إلى الصلح والإصلاح والفوز والنجاح في أقوالنا وأفعالنا ومشاريعنا ومخطّطاتنا، فنسمو إلى أعلى الدرجات، ونحن في وسط دائرة حمايته وكفايته وهدايته وإعانته ونصرته. وهو القائل:
- {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [طه ـ 1ـ4]
تكوين المربّيات القديرات
إذا كانت الأجيال صورةً طبق الأصل من سلوك الأولياء، وخاصّةً الأمّهات، فعليهم أن يهتمّوا بتغيير قواعد التربيّة التي يعتمدون عليها في كلّ النواحي، وتربيّة البنت بشكلٍ أخصّ، سواء من الناحية الدينيّة القرآنيّة، أو الثقافية، أو العلميّة.
__________
(1) أخرجه الطبراني.
(2) أخرجه مسلم. (1/424)
صفحة 425
يتوجّب على المفكّرين والتربويّين المسلمين أن يزوّدوا أولياء الأسر بالأسس التربويّة القرآنيّة الدينيّة، وخاصّةً البنت التي هي أمّ الأجيال، ولا بدّ أن يجمعوا بين الأسس الإسلاميّة والعلميّة، حتّى تساعدهم على حسن توجيه الأولاد في مختلف مراحل العمر.
ولقد أصبح من الواجب أمام الله - سبحانه وتعالى - وأمام التاريخ أن ينهض أمثال هؤلاء المفكّرين والمثقّفين، ويهتمّوا بتقديم تلك الثقافة التربويّة الدينيّة القرآنيّة التي تساعد الأولياء على أداء تلك المهمّة على أكمل وجه، كما أصبح كذلك من اللازم على أولياء العائلات أن يهتمّوا من جهتهم بتثقيف أنفسهم والمشاركة قدر المستطاع في البرامج التي تقدّم في هذا الميدان.
ولماذا لا تقيم بعض المعاهد، أو المؤسّسات التربويّة، أو المحطّات الفضائيّة دوراتٍ تدريبيّةٍ قرآنيّةٍ للأمّهات أثناء فترة الحمل، ثمّ في فترة الرضاع، وبعد ذلك في فترة الطفولة المبكّرة، كما فعل وزير الذكاء في دولة فنزويلا ماشادو، الذي نادى بضرورة إجراء جراحةٍ جذريّةٍ في مناهج التعليم، في رياض الأطفال، والمدارس الابتدائيّة، والمعاهد، وفي الجامعات، ومن باب أولى في المدارس العليا للمعلّمين، وإعادة تشكيلاتها المختلفة، لتصبح قادرةً على تعليم التفكير بإيجابيّةٍ وتفاؤلٍ، لأنّ ذلك يعدّ خير وسيلةٍ لتنميّة الذكاء، فتعليم التفكير هو تعليم الذكاء.
وقد خطّط برنامج شامل تشترك فيه الحوامل، حيث يرشدن إلى كيفيّة معاملة الجنين، وإثارة حواسه، وهو داخل بطن أمّه، حتّى يخرج إلى الحياة وهو هادئ النفس، قويّ العقل، يستطيع أن يواجه ما يستقبله من مراحل الحياة المختلفة، ويتعلّم بسرعةٍ، وذلك إيماناً منه بأنّ للأمّ تأثيراً كبيراً على جنينها من خلال تصرّفاتها وسلوكاتها. (1/425)
صفحة 426
فلماذا لا تقوم الدول الإسلاميّة بدورها بمثل هذه الجراحة الجذريّة في كلّ البرامج التربويّة، فتقوم بتدعيم الأسس التربيّة العلميّة بأخرى قرآنيّةٍ دينيّةٍ عقائديّةٍ، لأنّه ليس هناك تناقض بين تلك الأسس والمبادئ.
ولماذا لا تبرمج مثل هذه البرامج التي تهتمّ بتوجيه الأمّ وإرشادها قبل زواجها، وأثناء حملها بعد زواجها، وخلال مدّة إرضاعها لولدها، ثمّ طوال مدّة الطفولة الأولى للولد، وكلّ ذلك على الأسس القرآنيّة الدينيّة، علّنا نتحصّل على جيلٍ قرآنيٍّ عبقريٍّ يحمل راية هذا الدين عاليةً بكلّ قوّةٍ وثقةٍ.
والحمد لله أنّ الدول الإسلاميّة والعربيّة لا ينقصها الموارد اللازمة التي تعينها على تمويل مثل هذه البرامج الراقيّة المتطوّرة، وإصلاح التعليم في كافّة المستويات، خاصّةً منها الجانب المادّي فالشيء الذي ينقصها هو المبادرة والانطلاق للعمل في المجال الديني بكلّ قوّةٍ وعزيمةٍ، وإقناع أفراد المجتمع بضرورة المشاركة العامّة في سبيل تحقيق ذلك، والله - عز وجل - قد ضمن العون والنصرة لكلّ من ينصر دينه، ويعمل على نشره وتعليمه. فهو القائل - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ... [الحجّ ـ40] (1/426)
صفحة 427
إنّ الشيء الذي يؤسف له أنّنا نجد الجهات المسؤولة في كلّ المجالات والاختصاصات الأخرى تهتمّ بإعداد الإطارات اللازمة بكلّ عنايةٍ، وتزوّدها بكلّ المعلومات واللوازم التي تحتاجها لإنجاز أعمالها بكلّ إتقانٍ وإحكامٍ، وتبرمج لها تربّصاتٍ وتدريباتٍ دوريّةً، فمثلاً نجد المهندسين في مجال البناء يتلقّون التعليم المركّز اللازم، ويجتازون امتحاناتٍ عديدةً لاختبار مهاراتهم وكفاءاتهم، وكذلك مهندسي المصانع، إلى غير ذلك من الاختصاصات الأخرى، إلاّ في المجال الذي يهتمّ ببناء النفوس، وتكوين الأجيال، فلا نجد مثل هذه التكوينات والتدريبات، بحيث يقوم المربّون والموجّهون بهذه الوظيفة المهمّة من دون تدريبٍ كافٍ، أو تخطيطٍ مسبّقٍ لأداءٍ تامٍّ، خاصّةً من ناحيّة التربيّة القرآنيّة الدينيّة، وكأنّ تربيّة النفوس وإعدادها هي أبسط وأدنى مسؤوليّةٍ في هذه الحياة، فلا يجب أن يتعلّم القائمون بها، أو يتدرّبوا على الأنماط التي يجيدون بها أداءها، وهذا هو السبب الأساسي لما نراه من عيوبٍ وعللٍ في مجتمعاتنا الإسلاميّة، وانحرافاتٍ في ناشئتنا التي نسمّيها باسم الجيل المسلم، ونقصٍ في الأداء الوظيفي أكثر ممّا نجده في الأمم الأخرى غير المسلمة، ممّا نزل بالأمّة إلى هذه الدرجة من الضعف وعدم الإنتاج.
ألا تستحقّ منّا هذه الأمانة العظيمة ـ أمانة تنشئة الأجيال ـ شيئاً من العناية والاهتمام، وكثيراً من الإعداد والتدريب من خلال اشتراك الأمّهات والمربّين في الدورات التدريبيّة، التي أصبحت تنظّم في مختلف الاختصاصات والمجالات الأخرى، ومن خلال مطالعة المربّين لمختلف الكتب التربويّة، التي تؤلّف في هذا المجال، وهناك مواقع الإنترنت المتخصّصة، للاستعانة على القيام بهذه الوظيفة في أكمل وأحسن وجه، ولاكتساب الخبرة اللازمة لذلك، حتّى لا تقوم علينا الحجّة غداً يوم القيامة أمام الله - عز وجل - والخلائق أجمعين. (1/427)
صفحة 428
علينا أن نرجع إلى كتاب الله ـ القرآن الكريم ـ بكلّ عنايةٍ واهتمامٍ، ونتسلّح قدر الإمكان وقدر المستطاع بالخبرات التربويّة المستنبطة من توجيهاته وإرشاداته، حتّى لا يتغلّب علينا هذا الجيل، لأنّ له طاقاتٍ أكبر ممّا نعتقد، فيجب علينا أن نستغلّ تلك الطاقات في الناحية الدينيّة الإيمانيّة الإيجابيّة، إذا أردنا أن نقطع الرحلة التربويّة الشاقّة والمتعبة بكلّ أمانٍ وسلامٍ، والتي تحتاج إلى كثيرٍ وكثيرٍ من التضحيّة والبذل، ونسير على بصيرة من أمرنا، حتّى نصل بهذا الجيل إلى برّ السلام والأمان.
ولماذا لا تبتدئ الجهات المسؤولة بتثقيف الأمّهات في أوّل مراحل الحمل، حتّى يستطعن أن يراقبن أجنّتهنّ وهم في بطونهنّ، ويقمن بكلّ ما من شأنه أن يكوّن جنيناً متكاملاً في كلّ قواه الجسميّة والنفسيّة والعقليّة، ثمّ بعد ذلك في مرحلة الرضاعة، إلى أن يصل الطفل إلى عمر الروضة.
وتهتمّ كذلك برياض الأطفال، وتكوّن إطاراً تربويّاً قرآنيّاً إسلاميّاً مثقّفاً مطّلعاً على الكتالوج الإنساني الذي أنزله ربّ العالمين، خالق الناس أجمعين، والذي يشتمل على الإرشادات والتوجيهات التي يستطيع المربّي أن ينميّ بها قدرات الأطفال، ويطوّر بها ذكاءهم، كي يستطيعوا اكتساب نصيباً لا بأس به من الخبرات، يوظّفونها في التقدّم والتفوّق، ويكونوا قادرين على حلّ المشاكل اليوميّة، واستعمالٍ جيّدٍ للعقل، مع الاستطاعة على التحكّم بالذات. (1/428)
صفحة 429
وإذا كان الأولاد هم مستقبل الأمّة، وأداة تحقيق آمالها، وبهم يتحقّق رجاؤها في مستقبلٍ مشرقٍ متطوّرٍ، فكلّ ما تنفقه في سبيل إصلاحهم وتنميّة ذكائهم وتطوير قدراتهم يعدّ استثماراً منتجاً ومربحاً، والاستثمار في إعداد النفس الإنسانيّة شيءٌ مهمٌّ أفضل من أيّ استثمارٍ آخر في أيّ مجالٍ من المجالات الأخرى، وهو يحتاج إلى تضحيّةٍ كبيرةٍ لا متناهيّةٍ، لأنّ الأجيال تتعاقب بعضها وراء بعض، ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر بأنّ تربيّتها وبناء النفوس هي أصعب مهمّةٍ في الوجود، ومن أجل هذا كانت هي الهدف الأوّل لجميع الشرائع السماويّة، فدعت في تعاليمها إلى توجيهها، وتنميّتها تنميّةً مستقيمةً، لأنّه لن يصلح شيءٌ في الكون، إذا لم تصلح هذه الأجيال.
والاستثمار في مجال تنميّة الطفولة والاهتمام بها، يعدّ من الاستثمارات الطويلة الأجل وهي رابحةٌ بدايةً، مهما أنفق عليها، ما دامت تضمن للمجتمع إعداد قياداتٍ واعيّةٍ ونشيطةٍ وفعّالةٍ، بدايةً من ربّة البيت التي يجب أن يُهتمّ بها إلى أقصى درجةٍ ممكنةٍ من الاهتمام، لأنّها هي الركيزة التي إذا صلحت صلح المجتمع كلّه، وإذا فسدت فسد المجتمع كلّه.
وإذا كانت الحكمة تقول: وراء كلّ رجلٍ عظيمٍ امرأةٌ، فنحن نقول وراء كلّ دولةٍ قويّةٍ وعظيمةٍ أسرةٌ منظّمةٌ ومثقّفةٌ.
ومن هنا فلابدّ من تضافر جميع الجهود، واستغلال جميع الإمكانيّات، وتعاون جميع الموجّهين والمربّين ومؤسّسات التعليم، وجمعيّات أولياء التلاميذ، والجمعيّات المختلفة، والمراكز الحكوميّة الإسلاميّة، والجمعيّات الأسريّة، لإحداث ثورةٍ تربويّةٍ قرآنيّةٍ إسلاميّةٍ، تبتدئ من الأساس، وصحوةٍ فكريّةٍ، ونهضةٍ ثقافيّةٍ، ليكوّنوا جيلاً قرآنيّاً قويّاً وعبقريّاً ذكيّاً بتأثير القرآن، يستطيع أن يقف أمام التحدّيات التي تعترض طريق تقدّم أمّته التي عانت وما تزال تعاني من الاحتقار والانتقاص في كلّ المجالات والاتّجاهات. (1/429)
صفحة 430
إنّ الفتاة التي ستعهد إليها مهمّات المنزل، وأعباء التربيّة، وصناعة الأجيال، ينبغي أن تعلّم تعليماً قرآنيّاً عقائديّاً عاليّاً، يساعدها على القيام بما يترتّب عليها من الواجبات والتبعات.
ولا يغيب عن أيّ عاقلٍ أنّ مسؤوليّة الأمّ في تربيّة الأولاد وتكوين شخصيّاتهم أكبر وأهمّ من مسؤوليّة الأب، لقربهم منها، ولكثرة الوقت الذي تقضيه معهم، خاصّةً في السنوات الأولى من عمرهم، والتي هي أساس تكوين شخصيّتهم، وبناء ذواتهم، ولمعرفتها الدقيقة بكلّ أحوالهم وبمسيرة حياتهم، ومراحل نشأتهم، مرحلةً بعد مرحلةٍ، دون أن يغيب عنها صغيرةٌ ولا كبيرةٌ من كلّ ذلك.
وإذا فتّشنا في سرّ عظمة أغلبيّة الرجال الطامحين العظام الذين بنوا صرح التاريخ المشرّف، نجد امرأةً عظميةً شجاعةً، عرفت كيف تغرس فيهم روح الإخلاص والتضحيّة والطموح والعظمة.
وفي التاريخ ما لا يعدّ من الأمّهات المضحّيات، استطعن أن يودعن في أبنائهنّ سرّ النبوغ، وكنّ سبباً في تحصيلهم على المجد، وبلوغهم إلى العظمة ومكارم الأخلاق، وما حقّقوه من نجاحاتٍ وتفوّقٍ.
بعض فوائد تعليم القرآن للولد الصغير
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
علّموا أولادكم القرآن، فإنّه أوّل ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله هو. (1)
إنّ القرآن الكريم هو الغذاء الذهني الذي ينمّي العقل، ويقوّي التفكير لدى الإنسان عامّةً، وعند الطفل الصغير خاصّةً، وهو يكوّن في النشء بعض المهارات التي توصّل علماء التربيّة إلى اكتشافها، في حين أن خير القرآن وفضله ونتائجه الطيّبة في النفس الإنسانيّة أعظم وأكبر وأجلّ من أن يصل إلى اكتشافها هذا الإنسان بعقله المحدود، لأنّ كلام الله - سبحانه وتعالى - ليس له حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفمٍ، وأنّ فضل كتاب الله - عز وجل - على سائر الكلام كفضل الله - سبحانه وتعالى - على سائر خلقه، فكيف يستطيع أن يدرك قيمته ونتائجه بتفكيره المحدود.
__________
(1) أخجه الربيع. (1/430)
صفحة 431
- {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} ... [الكهف ـ 109]
ونذكر هنا بعض المهارات التي تتكوّن لدى الولد، وتبني فيه العبقريّة، ولكن بشرط أن تتوفّر لدى المجتمع المسلم القرآني أمّهاتٌ تقيّاتٌ مخلصاتٌ وفيّاتٌ لربّهنّ ولكتابه، ولأسرهنّ ووطنهنّ، صابراتٌ مضحيّاتٌ مثابراتٌ، متفهّماتٌ للتربيّة الدينيّة القرآنيّة بشكلٍ جيّدٍ وقويٍّ، يقمن بمسؤوليّاتهنّ نحو ربّهنّ ومجتمعهنّ ووطنهنّ كما يريد منهنّ دينهنّ.
1ـ تعليم القرآن للولد منذ صغره يعين ويسهّل للوالدين عمليّة التربيّة.
2ـ وهو يعدّ كلقاحٍ ضدّ الأمراض النفسيّة، كما أنّ الدواء لقاحٌ ضدّ الأمراض الجسميّة.
3ـ يعينه على اكتساب السلوك القويم الذي سيعيش به في المستقبل.
4ـ يقوّي علاقاته بوالديه ومعلّميه وأفراد مجتمعه، وخاصّةً أمّه.
5ـ يجعله يحسّ بالكرامة والمساواة مع الكبار في الحقوق الإنسانيّة المختلفة.
6ـ يحبّب إليه الله - عز وجل - ورسوله بما يقرئوه من آيات رحمة الله - سبحانه وتعالى -.
7ـ يعلّمه الإسراع إلى فعل الخير من أجل نيل رضى ربّه - عز وجل - ونيل الأجر الحسن.
8ـ يجعله يتدرّب على إنجاز ما وكّل إليه من أعمال.
9ـ وتعلّمه لكلام ربّه - عز وجل - منذ صغره يكوّن لديه فرص تعليمٍ إضافيّةً.
10ـ يدفع الطفل إلى بناء ذاته وتكوين جوانب شخصيّته.
11ـ يغذّي ذهنه غذاءً ذهنيّاً راقيّاً وقويّاً، فيصبح قويّ الذهن، قويّ التفكير.
12ـ يوجّه تفكيره إلى الناحية الإيجابيّة.
13ـ كما يدرّب أعضاء النطق على الكلام بطلاقةٍ، ويصحّح له التلّفظ بالحروف والكلمات، فينطقها بشكلٍ جيّدٍ.
14ـ يدرّب الأعصاب الكلاميّة لديه بطريقةٍ جيّدةٍ وفعّالةٍ، ويخلّصه من صعوبات النطق، بكثرة إعادته لما يملى عليه.
15ـ وبه يكتشف أهله هل لديه ربّما إعاقاتٌ سمعيّةٌ؟ فيسارعوا لمعالجتها. (1/431)
صفحة 432
16ـ تعليمه القرآن بالترتيل، وبتطبيق قواعد التجويد، يشجّعه على الاستماع إليه والتعلّق به أكثر.
17ـ يدربّه ويعلّمه الفصاحة والبيان، وهما السبب الرئيسي للتعلّم الجيّد والنجاح في الدراسة.
18ـ ينشّط ويقوّي الوصلات والشجيرات العصبيّة في الدماغ.
19ـ يدرّب ويقوّي المراكز العصبيّة في المخّ.
20ـ يزيد من الرصيد اللغوي الذي يعين على المحادثة والمحاورة.
21ـ يقوّي مهارة الحوار لديه، بما يقع بينه وبين أمّه من الإلقاء والتلقّي.
22ـ ينمّي قدراته في القراءة والتفكير والخيال.
23ـ يكوّن فيه الخيال الإبداعي من خلال القصص الموجودة فيه.
24ـ يجعله يثق في نفسه بأنّه قادر على الحفظ والتفكّر.
25ـ يعلّمه كيف يكون من أصحاب الهمم العاليّة.
26ـ يعلّمه ويدرّبه على كيفيّة تحديد غاياتٍ وأهدافٍ لنفسه، وكيف يعمل كي يصل إلى تحقيقها.
27ـ يعلّمه كيف يستطيع تحمّل المسؤوليّة في الحياة.
28ـ يقوّي فيه العزيمة والإرادة لتحقيق الأهداف.
29ـ يعلّمه كيف يتعاشر مع غيره، ويتعامل معه معاملةً طيّبةً حسنةً.
30ـ يعلّمه القدوة الحسنة بما يطّلع عليه من قصص واقعيّة من الحياة.
31ـ يبعد عنه العزلة التي تسبّب له القلق والاكتئاب.
32ـ يحدّد معاني المفردات اللغويّة، لأنّه سيكثر من الأسئلة.
33ـ يثري محيطه التربوي، الذي يجد فيه ما يحتاجه لتطوير مهاراته المختلفة.
34ـ يستثير فيه جوانب شخصيّته المبدعة التي أودعها الله - عز وجل - فيه.
35ـ يجعله يدرك بأنّه يمتلك قدراتٍ وملكاتٍ يقدر على تنميّتها وتطويرها، والإدراك هو أوّل درجات النجاح في الحياة.
36ـ يعطيه طاقةً قويّةً، فتتحرّك القوّة الخلاّقة لدى عقله الباطن.
37ـ يرشد الأولياء والمربّين خاصّةً الأمّ إلى اكتشاف خبراته ومهاراته التي وهبها له ربّه - سبحانه وتعالى - في سنٍّ مبكّرةٍ.
38ـ يسرع في معدّل نموّ خبرات الولد في مختلف الجوانب، النفسيّة والعقليّة والتفكيريّة. (1/432)
صفحة 433
39ـ تعدّد مواضيع القرآن يجعل خلايا المخّ تنشط، ولا تملّ، وتجعل الأعصاب التي تربط بين الخلايا تقوى، لأنّها تستقبل في كلّ مرّةً موضوعاً جديداً.
40ـ يمكن أن نعدّ كلّ آيةٍ، أو سورةٍ يحفظها الولد عبارةً عن عمليّة شحنٍ للذهن، وتقويّة قدراته العقليّة.
41ـ كلّما يحفظ الولد آيةً جديدةً، أو سورةً، تتوارد إلى ذهنه أفكارٌ جديدةٌ، وبذلك تقوى مهارات التفكير لديه.
42ـ يوفّر له منذ سنواته الأولى نشاطاً ذهنيّاً راقيّاً، ولذلك يحافظ على قدراته العقليّة في مختلف سنوات عمره.
43ـ يكوّن وينمّي فيه عاداتٍ منظّمةً فيما يخصّ الأنشطة الذهنيّة.
44ـ المداومة على تلاوة القرآن الكريم يوفّر لصاحبه المداومة على الأنشطة الذهنيّة طوال سنوات العمر، وهذا ممّا يجعل الشخص يحصد أعلى قدرٍ ممكنٍ من الفائدة المرجوّة من قدراته العقليّة.
45ـ حفظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكّرةٍ، والمداومة على تلاوته، يحمي من شيخوخة العقل.
46ـ حفظ القرآن في سنٍّ مبكّرةٍ يضمن تنميّة شقّي المخّ معاً، بما يتوفّر عليه من مختلف المواضيع.
47ـ حفظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكّرةٍ يبني في الولد مبادئ شخصيّته التي هي أساس حياته في المستقبل.
48ـ يبني فيه نفساً سويّةً متوازنةً في كلّ جوانبها.
49ـ يقوّي فيه الجانب الروحي الذي يعدّ من الأسس اللازمة لهذا الإنسان.
50ـ يجعله يحيا حياةً مباركةً طيّبةً، في جسمه، وعقله، ورزقه.
51ـ حفظ القرآن بترتيلٍ يؤثّر في شقّي المخّ، لأنّ الترتيل من اختصاص الجانب الأيمن، بينما حفظ الكلمات من اختصاص الجانب الأيسر.
52ـ تعدّ مداومة حفظ القرآن بمثابة تمرينات تقوّي عضلة المخّ، تماماً كما تقوّي التمارين الرياضيّة عضلات الجسم.
53ـ تعليم القرآن منذ الصغر يدرّب الذاكرة السمعيّة لدى الطفل.
الخاتمة (1/433)
صفحة 434
إذا كان ربّنا - سبحانه وتعالى - قد أنزل إلينا هذا القرآن الكريم ليكون دستورنا في كلّ جوانب حياتنا، فهو يحتاج إلى من يؤمن بهذا المبدإ، فيحمل رايته ويبلّغه لعباد الله - سبحانه وتعالى - عن حقٍّ واقتناعٍ وشجاعةٍ.
والبناء أولى من التغيير، فإذا كان أغلبيّة العلماء المسلمين يدعون إلى الرجوع إلى كتاب الله - عز وجل - لتغيير ما بالأنفس من انحرافٍ، ويطلبون إرجاع الأمّة إلى الطريق القويم، فأنا أظنّ أنّه يجب أن نهتمّ ببناء الأجيال الصاعدة، حتّى تنشأ على الجادة، ولا تتعب المربّين بتغيير ما بها من الانحرافٍ، إذا لم توجّه، ولم يهتمّ بها منذ صغرها.
ويوم يدرك المربّون والأولياء ويوقنون بأنّ بناء النفوس على توجيهات كتاب الله - سبحانه وتعالى - مسؤوليّةٌ عظيمةٌ، يجب أن يقوموا بها نحو الأجيال، كي يحرّروها من اليأس والتشاؤم الذين دمّر حياتهم، وجعلهم يقلقون.
والبناء أسهل من التغيير، لأنّ نفس الولد تكون عبارةً عن صفحةٍ بيضاء نستطيع أن نسجّل فيها ما يريده منّا ربّنا - عز وجل - من التوجيهات التي أنزلها في كتابه، بخلاف التغيير فإنّه من الصعب جدّاً أن ننتزع من النفس ما اعتادته من العادات، وتسجيل أخرى جديدةٍ، حتّى تصبح مستقيمةً.
إنّ كلّ ما حاولنا أن نبيّنه في الصفحات السابقة يحتاج إلى أمّهاتٍ مخلصاتٍ يباشرن هذا البناء بكلّ اقتناعٍ وإخلاصٍ وصبرٍ ومثابرةٍ، ولكن لا يستطعن أن يقمن بذلك إلاّ إذا بدأن بأنفسهنّ، وحفظن كتاب الله - عز وجل - حفظاً جيّداً متقناً، وذقن حلاوته، وشعرن بقوّته الروحيّة في كلّ جوانب حياتهنّ، النفسيّة، والأسريّة، والاجتماعيّة، وأن تظهر هذه المعجزة مطبّقة في أخلاقهنّ وأفعالهنّ وكلامهنّ، كي يستطعن نقلها إلى أولادهنّ بكلّ قناعةٍ وإرادةٍ وقوّةٍ. (1/434)
صفحة 435
فعلينا جميعاً أن نتواصى بذلك، وأن نلحّ على ربّنا - عز وجل - ليرشدنا ويوفّقنا إلى التعامل معه بطريقةٍ إيجابيّةٍ حسنةٍ موفّقةٍ، وما توفيقنا إلاّ بالله عليه توكّلنا وإليه ننيب، فهو وحده القادر على أن يهب أنفسنا جزءاً صغيراً من القوّة التي وضعها في قرآنه، وأن يكرمنا بشيءٍ من نوره، كي نقطع طريق الحياة بهدوءٍ وتفاؤلٍ ونجاحٍ.
فيا أيّتها المخلصة لربّها، ولكتابه، ولدينها، ولأولادها، ولمجتمعها، ولوطنها:
نناشدك، ونطلب منك، ونلحّ في الطلب:
ــ أن تأخذي موضوع التربيّة بالقرآن مأخذ الجدّ والعزيمة والإخلاص.
ــ أن تخصّصي له جزءاً من وقتك يومياً، تقرئينه بترتيل، وتدبّر، وفهم.
ــ أن تخصّصي لفلذات كبدك بعض الوقت تقضينه معهم برفقة كتاب الله - سبحانه وتعالى -.
ــ أن تفعلي ذلك وتصبري عليه في سبيل إصلاح هذا الجيل، وفي سبيل إرضاء ربّك، لتفوزي برضاه في الدنيا، وجنّته في الآخرة.
ــ أن تضحّي بنفسك ووقتك في سبيل الأمّة، لأنّها في انتظارك.
فالقرآن جاهزٌ ينتظر منّا جميعاً أن نتعامل معه بصدقٍ وإخلاصٍ في سبيل البناء والتغيير الذي يتمنّاه جميع المسلمين المخلصين.
فلا يحقّ للأمّة أن تشقى، وسبب سعادتها ونجاحها وتقدّمها بين أيديها.
- {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه ـ 1ـ2]
ولنكن كما يطلبه منّا ربّنا - عز وجل - في حديثه القدسي الذي يقول فيه:
يا عبدي كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد، يا عبدي كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلّمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلّم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثمّ لا يكون إلاّ ما أريد.
وصلّ اللّهمّ وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
{المصادر والمراجع}
القرآن الكريم
التفاسير
في رحاب القرآن للشيخ إبراهيم بيّوض
التفسير الكبير ... للإمام الفخر الرازي (1/435)
صفحة 436
الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله بن محمّد القرطبي
التحرير والتنوير محمّد الطاهر بن عاشور
في ظلال القرآن ... سيّد قطب
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن محمّد فؤاد عبد الباقي
معجزة القرآن ... محمّد متولّي الشعراوي
الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة يوسف الحاج أحمد
الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة محمّد راتب النابلسي
موسوعة أسماء الله الحسنى محمّد راتب النابلسي
شرح أسماء الله الحسنى ابن القيّم الجوزيّة
نضرة النعيم ... مجموعة من المختصّين
صحيح البخاري
الجامع الصحيح ... الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري
من وصايا الرسول ... طه عبد الله العفيفي
جامع العلوم والحكم عبد الرحمان بن شهاب الدين
شرح الحكم العطائيّة محمّد سعيد رمضان البوطي
مختارات من خطب الجمعة محمّد سعيد رمضان البوطي
المستخلص في تزكيّة الأنفس سعيد حوّى
الطوفان قادم ... مجدي الهلالي
المحاور الخمسة للقرآن الكريم محمّد الغزالي
كيف نتعامل مع القرآن محمّد الغزالي
القرآن القول الفصل محمّد العفيفي
إنّه القرآن سرّ نهضتنا مجدي الهلالي
العودة إلى القرآن الكريم مجدي الهلالي
كيف تحفظ القرآن الكريم مصطفى مراد
كيف نحفّظ أبناءنا القرآن الكريم عمر قاسم العساكر
كيف نحيا بالقرآن الكريم عماد عليّ عبد السميع
ورتّل القرآن ترتيلا أنس أحمد كزرون
كيف نربّي أطفالنا محمّد مهدي الاستانبولي
أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي ناهد عبد العال الخرّاشي
القصص القرآني فضل حسن عبّاس
تربيّة الأولاد في الإسلام عبد الله ناصح علوان
تربيّة الأولاد في الإسلام أحمد مصطفى متولّي
فقه تربيّة الأبناء ... مصطفى العدوي
التربيّة العلميّة للطفل هداية الله أحمد الشاش
التربيّة بالحوار ... عبد الرحمان النحلاوي
استراتيجيّات في تربيّة الأسرة المسلمة خليّة البحوث والدراسات
كن كابن آدم ... جودت سعيد
اقرأ وربّك الأكرم جودت سعيد
طبيبك معك ... صبري القبّاني
ولدك هذا الكائن المجهول أمين رويحة (1/436)
صفحة 437
أسرار الذاكرة في حفظ القرآن الكريم موسى بن إبراهيم حريزى
الوصفة الطبيّة للذاكرة جاري سمول
مرّن عضلات مخّك طارق محمّد السويدان
مراحل الحمل والتصرّفات الطبيّة باحمد أرفيس
الطريق إلى التميّز التربوي عبد الله الكمالي
التفاؤل التلقائي ... مايكل ميرسر ـ ماريان تروياني
العقل أوّلا ... توني بوزان
العقل القويّ ... توني بوزان
الذكاء الروحي ... توني بوزان
الذكاء الاجتماعي توني بوزان
كتاب تدريبات الذاكرة دوجلاس جيه ـ مايكل إل كون
كيف يعمل العقل ... سيرل بيرت ـ آررنست
قوّة العزيمة ... واين دبليو داير
تعزيز تقدير الذات رانجيت سينج ـ روبرت دبليو
التحفيز التربوي ... شريفي ياسين بن محمّد
سوف تراه عندما تؤمن به وين دبليو داير
الـ 90% الأخرى روبرت ك كوبر
النجاح عن طريق تقويّة الذاكرة سليمان محمّد موسلمال
أيقظ قوّة عقلك الخارقة أحمد توفيق
الشخصيّة المؤثّرة يوسف الأقصري
مجموعة من مجلاّت العربي
مجموعة من مجلاّت العربي العلمي
مجلّة العلم والإيمان
{فهرست}
المقدّمة ... 01
القرآن كريم 07
ربّنا - سبحانه وتعالى - هو الذي يربّينا بالقرآن 11
العبقريّة 18
سرّ بناء القرآن للنفس البشريّة 21
عناية القرآن بالنفس البشريّة 30
المنظومة التربويّة القرآنيّة 32
أهميّة القرآن في تربيّة النفس 38
تكوين ولد متفائل بتحفيظه كتاب الله - عز وجل - 43
فضل القرآن في البيت والأهل والولد 48
الأسرة هي أوّل مدرسة 55
أهميّة الأمّ بالنسبة للولد 59
تأثّر الجنين بمشاعر أمّه 70
اللحظات الأولى للميلاد 74
الدور المهمّ لتربيّة الأمّ 79
الولد هو سلوك أمّه 82
شخصيّة الأمّ الذكيّة 88
أهميّة مرحلة الطفولة 90
الحبّ أساس نجاح التعليم المبكّر 96
لغة الحبّ والودّ 96
بناء الحبّ لدى نفسيّة الولد 99
القرآن يبني الحبّ في نفس الولد 104
القرآن وبناء الذكاء العاطفي لدى الولد 110
التأثّر بالقرآن هو الهدف 114
القوّة الروحيّة للقرآن 118
التربيّة الإيمانيّة القرآنيّة هي الحلّ 129 (1/437)
صفحة 438
السبب هو القرآن والنتائج بيد الله - سبحانه وتعالى - 133
ولماذا القرآن؟ 142
فوائد تحفيظ القرآن للولد 148
نتائج تعامل الصغار مع القرآن 150
القرآن هو اللقاح ضدّ الأمراض النفسيّة 157
القرآن يحفظ صحّة الأولاد 163
القرآن يحمي الولد من الاكتئاب 169
التأثير الشفائي للقرآن الكريم 173
الروح تشفي، أو تمرض 176
الاستثمار الأفضل لمهارات الأولاد 183
تأهيل الولد بالقرآن 192
العطاء المتجدّد للقرآن 201
القرآن يطيل العمر الذهني 209
تحفيظ القرآن للأولاد في سنّ مبكّرة 216
الغزالي وتعليم الولد القرآن 219
القرآن والتحضير المبكّر للدماغ 220
تهيئة الولد للمدرسة 227
اليوم الأوّل للولد في المدرسة 230
نموّ مخّ الولد بواسطة القرآن 233
الولد وبناء التفكير 238
القرآن يعلّم الإنسان التفكير 249
العمل على بناء تفكير سليم 256
تعليم القراءة للولد في سنّ مبكّرة 259
الولد يتقن اللغة قبل سنّ الخامسة 262
العمر الذي يبدأ فيه الولد الحفظ 263
التكرار وتنظيم الوقت ... 264
كلمة محمّد لإخوانه ... 265
كلمة أمّ محمّد للأمّهات ... 265
القرآن ينمّي الثروة اللغويّة 266
القرآن يدرّب الولد على النطق السليم 268
اللغة تطوّر المهارات المختلفة 275
القرآن يدرّب الولد على الكلام 277
القرآن يدرّب الصغار على الحوار 279
حوار الأمّهات مع أولادهنّ 287
القرآن يبني ملكة الحفظ 288
المحافظة على ذاكرة الولد بالقرآن 301
تأثير القرآن في الذاكرة 303
الحفظ وكيفيّته 304
القرآن يبني مهارة الانتباه لدى الولد 312
القرآن يدرّب الذاكرة السمعيّة 316
القرآن وبناء التصوّر 323
القرآن ينمّي خيال الولد 331
طريقة قيام الإنسان بالتخيّل 335
القرآن يعلّم الولد الإبداع 338
تأثّر الولد بقصص القرآن 344
حبّ الأولاد للقصص 349
قصص القرآن وبناء الذاكرة 352
السور القصار وتحقيق الهدف 357
أهداف بعض السور القصار 363
القرآن وبناء العزيمة 368
القرآن طاقة لشحن العزيمة 369 (1/438)
صفحة 439
طرق تعليم القرآن للصغار 373
تدريب الولد على المحافظة على القرآن 379
برنامج محمّد الصغير لحفظ القرآن 383
فوائد تقديم الجائزة للولد 384
فوائد التلاوة بترتيل 387
هل نريد أن يكون أولادنا أغنياء 390
الإعراض عن كتاب الله - سبحانه وتعالى - ... 394
تكوين المربّيات القديرات 400
بعض فوائد تعليم القرآن للولد الصغير 405
الخاتمة ... 410
المصادر والمراجع ... 412
فهرست ... 415 (1/439)