صفحة 1
الكتاب: بناء ذاكرة قوية بالآيات القرآنية
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) بناء ذاكرة قويّة بالآيات القرآنيّة
المقدّمة
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} ... [البقرة ـ 185]
- {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ... [القدر ـ 1]
وقد ورد في بعض الأحاديث: «تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا، إنّ الرجلين ليستوي عملهما، وبرّهما، وصلاتهما، وصومهما، ويختلفان في العقل كالذرّة جنب أحد، وما قسم الله - سبحانه وتعالى - لعباده نصيبا أوفر من العقل واليقين «.
العقل نعمة يجب علينا أن نحافظ عليها بحفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى - والمداومة على تلاوته.
وما من قيمة اعتمدها الله - عز وجل - للتفضيل بين عباده إلاّ قيمة القرآن والعلم.
- {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} ... [فاطر ــ 32]
هناك مجموعة قيمٍ يتفاضل بها الناس فيما بينهم، فمنها الصحّة، والوسامة، والمال، والذكاء، أمّا قيمة العلم فقد اعتمدها الله - عز وجل - في القرآن الكريم، وجعلها قيمةً وحيدةً للترجيح بين خلقه. قال - سبحانه وتعالى -:
- {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[الزمر ـ 9]
لقد أوجدنا الله - سبحانه وتعالى - جميعاً على هذه الأرض، ووهب لنا هذه القوى العقليّة التفكيريّة، لنتعلّم مختلف المعلومات والتجارب، كي نقضي أيّاماً طيّبةً مملوءةً بالتفاؤل والخير والنجاح، ونتعامل فيها مع من حولنا بالتي هي أحسن، ولا أحد منّا يستطيع أن يعلم متى ستنتهي تجربته الرائعة في هذه الحياة. (1/1)
صفحة 2
ولا شكّ بأنّ المخّ الذي وهبه لنا ربّنا - عز وجل - والذي جعله مناط التكليف هو أغلى ما نملك من أعضاء الجسم، أو أعقد عضلة من عضلاته إذا صحّ التعبير، وهو محلّ الذكاء، وبه نبني شخصيّتنا التي نقطع بها مراحل هذه الحياة، ولا يوجد شيء أكثر أهميّة، وأغلى وأعزّ في الوجود من هذا المخّ.
إنّه لا يوجد شيءٌ يضمن لنا حياةً ناجحةً متكاملةً متوازنةً أفضل من مخٍّ كفءٍ، والفشل والغفلة وجهل طرق استغلال وتنميّة هذه الطاقة الذهنيّة، واستغلال هذه الطاقات الإبداعيّة والعاطفيّة والعلميّة والثقافيّة المختلفة هو مأساة الملايين من البشر.
ونجد أنّ هذه الغفلة وهذا الفشل والجهل تلازم هؤلاء الفاشلين وتعوقهم منذ ولادتهم إلى أن يفارقوا دنياهم.
إنّ فقدان أحد الأشخاص للقدرة الذهنيّة في سنٍّ مبكّرةٍ، وضعف أدائها منذ عمر مبكّر لهو أسوأ وأكبر معيقٍ يتعرّض له، لأنّه يتولّد لديه تصوّرٌ سلبيٌّّ نحو تلك القوى فيزيدها ضعفاً، بذلك التصوّر، ويزداد فقدانه لها، وهكذا يقضي بقيّة أيّامه في تشاؤمٍ ونظرةٍ سلبيّةٍ.
ولقد أصبح المخّ في السنوات الأخيرة مركز أبحاثٍ متطوّرةٍ في مختلف جامعات العالم، ومن كثيرٍ من الأطبّاء والعلماء وكلّ ذلك لغرض اكتشاف طرقٍ وأساليب لتحسين الانتباه، وتشفير المعلومات بطريقةٍ هادفةٍ، وبناء التركيز، وتنويع مصادر الربط بين المعلومات المختلفة التي ترد إلى الذهن، فيسهل عليه حفظها واستيعابها، كما أنّها تصبح سهلة للاستذكار في الوقت المناسب الذي نريد استرجاعها فيه.
وقد وضع وسطّر علماء الذاكرة استراتيجيّاتٍ وتدريباتٍ لتحسين قدرات الذاكرة، وجعل الإنسان يشعر بالشباب والحيويّة على المستوى الذهني، وذلك تماما كما وضع كثيرٌ من الخبراء تدريباتٍ نشاطاتٍ متنوّعةٍ للمحافظة على حسن الأداء على المستوى البدني. (1/2)
صفحة 3
لقد توفّر لدى علماء الذاكرة في هذه السنوات الأخيرة نظريّاتٌ علميّةٌ راسخةٌ حول ما يمكن عمله لحفظ وتأهيل هذا العضو الشديد الأهميّة والحساسيّة، والتي توصّل إليها أكبر خبراء الذاكرة في أعلى معاهد الأبحاث الطبيّة سمعةً وكفاءةً.
وأنا أنادي العلماء المسلمين من هذا المؤلّف أن يهتمّوا بدراسة تأثير كلام الله - عز وجل - في هذه الذاكرة حتّى يكتشفوا إعجازاً آخر يضاف إلى مختلف الإعجازات الأخرى التي توصّلوا إليها في كتاب الله - عز وجل -، وأنا شخصيّا باطلاعي المحدود جدّا على بعض تلك المهارات التي تعمل وتقوى بواسطتها الذاكرة، وجدت أنّ كلّ تلك التقنيّات موجودة في كتاب الله - عز وجل -.
وخاصّة الاكتشاف الجديد الذي توصّل إليه عالم النفس الأمريكي "روجر سبريّ" هو وشركاؤه من أنّ الشقّ الأيمن يختصّ ببعض النشاطات، والجانب الأيسر بأخرى غير التي يختصّ بها الشقّ الآخر.
وإذا تتبّعنا مختلف تعابير وأساليب القرآن الكريم نجد أنّها تتضمّن كلّ أنواع المهارات التي يختصّ بها كلّ واحدٍ من شقّي المخّ.
ومن جهة أخرى فإنّ أساليبه كذلك كفيلةٌ بتدريب واستعمال مختلف العضلات المخّية التي اكتشفها علماء الذاكرة، والتي تبلغ 30 عضلة، وكلّ واحدةٍ منها تختصّ بنشاطٍ من الأنشطة.
ومن هذا المنطلق حاولت أن أدرس مثل هذه النشاطات التي يختصّ بها كلّ من الشقّين مقارناً إيّاها بأسلوب وتعبير القرآن الكريم، وربّما يكون فيه تقصيرٌ كبيرٌ، وذلك ربّما أنّه لأوّل مرّةٍ يدرس هذا الموضوع على هذه الطريقة، وعلى هذا النحو.
فالقرآن الكريم قد أنزله ربّنا - عز وجل - وهو يشتمل في تعابيره وأساليبه تمارين لتحسين الذاكرة ومساعدة قارئه والمحافظ على تلاوته على تعزيز تفكيره وقوّة استيعابه وتذكّره لما كان قد حفظه من قبل. (1/3)
صفحة 4
والفوائد التي سوف يتحصّل عليها المحافظ على تلاوة كتاب الله - عز وجل - سوف ترافقه إلى آخر أيّامه في هذه الحياة، وذلك لما في القرآن من النور الذي ينير تفكير قارئه، ومن البركة التي يبارك الله - سبحانه وتعالى - بها خلايا مخّه وكامل أعضائه الأخرى، وبهذه البركة تحتفظ على قوّتها وعملها إلى آخر العمر.
إنّ هذا الحفظ وهذه البركة سوف تتناسب بشكل مباشر مع مدى التزام المسلم بقراءة وتدبّر كلام ربّه - عز وجل -، فعلى كلّ مسلم أن يثق بربّه - عز وجل - ويتقدّم بجدٍّ وعزمٍ على الاستفادة منه إلى أقصى تقديرٍ، حتّى يضمن لنفسه أكبر الفوائد التي وضعها منزّله فيه، لأنّ الذي لا يهتمّ به اهتماماً مركّزاً، سيجني فوائد أقلّ بكلّ تأكيد.
وإذا تأكّدنا وتيقّنا أنّ الذاكرة هي كيانٌ تكيّفيٌّ ومرنٌ، ويمكن بناؤه وتشكيله وتقويّته إلى أقوى درجةٍ ممكنةٍ، وأنّ هذا التشكيل والبناء والتقويّة يتطلّب بعض المواظبة والالتزام بالتعلّم والتحصيل والجهد والطاقة والمثابرة، والحمد لله - عز وجل - أنّ هذه الصفات موجودةٌ في كتاب الله - عز وجل -، وخاصّةً تلك الطاقة اللازمة لتقويّتها، وأنا أقول بأنّ القرآن الكريم هو أفضل طاقةٍ نستطيع أن نقوّي بها ذاكرتنا، وذلك لأنّه قد أنزله خالق هذه الذاكرة، وخالق هذا الإنسان.
فعلى المسلمين أن يستغلّوا هذه الطاقة القرآنيّة استغلالاً جيّداً، وإلى أعلى درجةٍ، وأن يستخدموها باستمرارٍ حتّى تتمكّن هذه العضلة من النمو بصفةٍ جيّدةٍ، وتترعرع وتزدهر وهي تتعامل مع أفضل كلامٍ وأرقى كتابٍ على وجه الأرض منذ خلق الله - عز وجل - البشريّة، وبذلك تصبح ذاكرتهم أقوى وأفضل ذاكرةٍ يكسبها أيّ إنسانٍ.
- {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}
[يونس ـ 58] (1/4)
صفحة 5
اللهمّ إنّا نسألك بكلّ اسمٍ هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وقائدنا إلى جنّتك، جنّة النعيم، يا أرحم الراحمين.
سليمان محمّد موسلمال ــ كاف حموده ـ بريّان ـ غرداية ـ الجزائر
بريّان يوم 7 ذو القعدة 1430 ــ 26 أكتوبر 2009
المحور الأوّل
القرآن يرشد إلى التفكير الراقي
إنّ شرف المتعلّم، وبلاغة كلامه، وحسن حكمته، وكرامة أخلاقه، تنبع من قيمة العلم الذي يتعلّمه، وكلّما ارتقت درجة العلم، ارتقت مكانة المتعلّم الذي ينهل منه.
وعلى حسب الأفكار التي تتكوّن لدى الشخص وهو يكبر شيئاً فشيئاً في ميدان الحياة تكون قوّة تفكيره، ورقيّه.
وكلام ربّنا - عز وجل - راقٍ، وقويٌّ، ومحكمٌ، وحقٌّ، والعلم به هو علمٌ ممتعٌ، ونافعٌ، ومسعدٌ، ومن بنى علمه وتفكيره عليه، كان تفكيره محكماً، إيجابيّاً، متفائلاً، ونافعاً، وكان كلامه أرقى، وأحكم من كلام غيره.
- {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} ... [هود ـ 1]
فهو نورٌ ومصباحٌ يستنير منه من اتّبع تعاليمه وتوجيهاته، ونتيجةً لذلك يبعث فيه قوّة تفكيرٍ، ويبني فيه تصوّراتٍ إيجابيّةً، فيكون عمله كلّه لتحقيق الأهداف العليا، ويعمل في طريق الصعود إلى درجات النجاح والتفوّق، ولا يلتفت إلى سفاسف الأمور، ولا يهتمّ بها، ولا يأبه لما يعترض طريقه من العراقيل، والمحبطات، ولا يشتغل بما لا ينفعه لدينه، أو لدنياه.
فليس من المعقول أن يفكّر الإنسان بغير التصوّرات التي تكوّنت داخل عقله الباطن، وليس هناك عاقلٌ يؤمن بأنّ الإنسان يعطي علماً غير الذي تلقّاه. (1/5)
صفحة 6
إنّ كلّ إنسانٍ يُعمل تفكيره، ويكون كلامه على حسب المنهل الذي نهل منه، فهو يتحدّث عمّا تعلّمه، واستوعبه في ذهنه، فنفسه وعاءٌ، فلينظر كلّ إنسان بأيّ علمٍ يملأ به هذا الوعاء.
يقول الإمام محمّد الغزالي في كتابه: الطريق من هنا:
«إنّ الله - سبحانه وتعالى - جعل معرفته والحفاظ على حقوقه مربوطين بدراسة الكون، والتمكّن فيه، فإذا كنّا خفافاً في هذه الدراسة، أو كنّا ذيولاً لغيرنا، فهل نحن بهذه الخفّة عارفون بالله - عز وجل -، قادرون على صيانة حرماته؟»
ولقد أخبرنا الله - عز وجل - عن أصناف الناس في كتابه العزيز قائلاً:
- {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} ... [التغابن ـ 2]
فأيّ تناقضٍ مذهلٍ إذا مشى الكافرون بين مخلوقات الله - عز وجل -، وهم يسبرون أغوارها ويكتشفون أسرارها، ويجيدون استخدامها، ومشى المؤمنون بين هذه المخلوقات لا يكادون يفقهون حديثاً، أو يحسنون صنعاً؟
كلّ ما يجيدونه هو الحوقلة والتواكل، فإذا بدا طمعٌ شخصيٌّ طاروا إليه بسرعة البرق.
هذا في حين أنّ الله - سبحانه وتعالى - مولاهم قد أرشدهم، وأمرهم بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق من شيءٍ، علّهم يُعملون فكرهم بكلّ قوّةٍ وجودةٍ، لأنّ هذا ممّا يفتح لهم أبواب التفكير الواسعة المستقيمة التي يصلون بها إلى الإبداع والاختراع».
أليس قوله - سبحانه وتعالى -:
- {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} ... [يونس ـ 101] (1/6)
صفحة 7
وغيرها من الآيات الكثيرة التي ترشد إلى مثل هذا النظر الذي يقوّي ويصحّح عمل الفكر في الإنسان، ويدفع به إلى طريق التفكير الإيجابيّ الذي هو السبب الأوّل لتكوين مهارة الإبداع، ويكشف له مبدأ التحفيز لهذه المعجزة التي حار فيها العلماء، حتّى يكتشف القدرات اللانهائيّة على التفكير، ومن وراء ذلك قدرته على التحسّن والنجاح مدى الحياة.
إنّ هذا القرآن يبيّن لقارئه صور التفكير الراقي، ويدلّه على سقطات التفكير، أو مواطن الزلل في التفكير، وعوائقه ومخاطره، التي هي سرّ فشل أغلبيّة الناس بشكل خاصّ في هذه الحياة في الوصول إلى التفكير الإبداعي.
إنّه يبعث العزيمة في نفوس أتباعه، ويقويّ فيهم الهمّة وحبّ العمل والإبداع، وهذا بشرط أن يتعاملوا معه بكلّ إخلاصٍ وصدقٍ وإحسانٍ.
- {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة ـ 219]
والقارئ لآيات القرآن الكريم بتفكّرٍ وتدبّرٍ يجد أنّها تتضمّن كلّ شيءٍ يمكن أن يدرسه الإنسان، وتبيّن له مناهج للبحث يشمل كلّ جوانب العالم المادّية منها، وغير المادّية، فهي تشمل كلّ الكائنات من الذرّة، وما دونها في الصغر إلى المجّرات التي لا يعلم عظمتها وسعتها إلاّ خالقها - عز وجل -، ومن الأفكار الأوّلية إلى أعقدها.
فهو يخاطب هذا الإنسان ويقول له:
- {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}
[العنكبوت ـ 20]
وبمقتضى توجيه هذه الآية ينبغي للمسلمين أن يعيدوا النظر في كلّ ما يرونه من حولهم من مختلف مخلوقات الله - عز وجل -، صغيرها، وكبيرها، فيتساءلوا كيف بدأ خلقه، وكيف يحيا في هذه الحياة. (1/7)
صفحة 8
إنّ أمثال هذه الآيات ترشدنا إلى البحث في معرفة كيف بدأ الخلق في الآفاق، وفي الأنفس، وإلى التطلّع إلى آفاقٍ جديدةٍ فسيحةٍ، وهي تفتح آفاقاً جديدةً سوف لا تكفّ عن التوسّع والتعمّق، وبذلك تمنحنا من القدرة ما يحلّ كثيراً من المشاكل والعواقب التي تثقل كواهل البشريّة عن التقدّم إلى ما فيه خيرها واستقرارها ورخاؤها.
إنّ مثل هذه الآيات تدعو الإنسان إلى التفكير الإيجابيّ الموضوعيّ، والذي يوصله إلى تحقيق مستقبلٍ كريمٍ، وهو المكرّم، مستقبلٍ قد يئس معظم البشر من بلوغه، بل حتّى الملائكة قالوا بأنّ هذا الإنسان لا يستطيع تحقيق حياةٍ هنيئةٍ سليمةٍ، حسب تصوّرهم، حيث كان جواب ربّهم.
- {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ... [البقرة ـ 30]
فعلى علماء الأمّة أن يبدؤوا السير في الطريق قبل أن يتجاوزهم الزمن، بل لقد تجاوزهم في نظر كثيرٍ من علمائها، وعلماء غيرها، فلا بدّ لنا من الاعتراف بضرورة إصلاح منهجيّة تعليمنا لكلام ربّنا - سبحانه وتعالى -، كي يتناسب مع التطوّر العصري وطموحات الشباب.
علينا الاهتمام بتبيين مهارات التفكير لهم عن طريق توجيهاته وتعاليمه الإبداعيّة، هذا النوع الجديد من النماذج الإبداعيّة التي برع فيها الغير حتّى وصلوا بشبابهم إلى هذه الدرجات العاليّة من الإبداع والتفوّق، وهذه الأنواع من الدراسات والأبحاث هي في بدايتها، وهي ترشد الشابّ كيف يتعلّم العلوم المختلفة، وتعلّمه كيف يستثمر طاقاته، ويكتشف مهاراته، ويطير عاليّاً في سماء العلوم المختلفة، ــ ولو تعلّقت همّة المرء بالثريّا لنالها ــ.
إنّ هذا التعليم الجيّد هو الذي يهدي إلى كيفيّة تعلّم العلوم الأخرى، وربّما أنّ الأمم الأخرى التي قطعت أشواطاً في مجالات الاختراع والإبداع قد نجحت بسبب اهتمامها بهذا الجانب. (1/8)
صفحة 9
فعلى المشرفين على تعليم كتاب الله - عز وجل - أن يجعلوا له أقساماً خاصّةً حتّى يقطع التلاميذ المتفوّقون والأذكياء درجات التعلّم التقليدي بصفةٍ سريعةٍ، ولا يخضعوا للنظام العامّ الذي يتبّعه سائر التلاميذ الآخرين، وربّما يختزلون مرحلة تعليمهم وحفظه بصفةٍ سريعةٍ ومختصرةٍ.
القرآن والتفكير المبدع
إنّ كثيراً من الناس يتذمّرون من أجل أنّ تفكيرهم محدودٌ، ويشتكون من ضعف ذكاء أولادهم، وأنّهم لا يستوعبون ما يتعلّمونه في المدرسة، ولا يستعملون تفكيرهم فيما يعود عليهم بالخير في دراستهم وتعلّمهم لمختلف المواد.
وقد درس العلماء النفسانيّون أمثال هذه الحالات، فظهرت لهم بعض الأسباب، ولكن ما خفي عنهم كثيرٌ، ولا يعلم إلاّ الله - سبحانه وتعالى - حقيقة هذه النفس البشريّة وما تحتاجه من مثيراتٍ لتقويّة تفكيرها وتصوّراتها وخيالاتها، حتّى تصل إلى الدرجة العاليّة من الإبداع الذي بلغه كثيرٌ من الناس عبر التاريخ، فساروا في طريق الإبداع، الذي يسير فيه المبدعون في هذا العصر الأخير، وبلغوا إلى ما بلغو إليه من الابتكار.
يقول كثيرٌ العلماء: «إنّ الطريقة التي ندرّب بها أنفسنا على التفكير لها الأثر البالغ في بناء تفكيرنا وتكوينه».
فكلّما تقدّم العمر بالإنسان يزداد انغلاقا، وتمسّكا بتصوّراته، ويظنّ أنّها هي الكلّ في الكلّ، ويتكوّن لديه الخوف من تغيير تصوّراته، التي تكوّنت لديه عبر سنوات عمره، ويخاف أن ينظر إليه عناصر المجتمع على أنّه شادٌّ.
كما يقول العلماء: «إنّ الإبداع يتكوّن لدى الإنسان عندما يستخدم خياله الواسع الذي لا نهاية له، فينطلق عقله من حالة التفكير المنغلق». (1/9)
صفحة 10
ينبغي على الإنسان الذي يسعى أن يبني عقلاً مبدعاً أن يزداد نشاط تفكيره وتركيزه كلّما تقدّم به العمر، إذا أراد أن يصبح أكثر نشاطاً، ولكن إذا درسنا حالة المجتمع الإسلامي نجد العكس تماماً، فنحن نرى أنّه كلّما تقدّم أعضاؤه في العمر، ازدادوا انغلاقاً في تفكيرهم، ونقصاً في طموحهم.
وكتاب ربّنا بين أيدينا عندما ندرسه جيّداً نجد أنّه يأمرنا في كثيرٍ من آياته بكثرة التفكّر، وزيادة التدبّر والتفقّه، وما ذلك إلاّ ليكوّن عند أتباعه مثل هذه الحالة التي يجب أن يكونوا عليها، فكلّما زادوا قراءته، قوي تفكيرهم وتوجّه التوجّه الصحيح المتفتّح.
يضرب العلماء مثالاً "بأنشتاين" الذي كان طول حياته مثل الطفل الناضج كثير التساؤل عن كلّ شيءٍ يقع من حوله في هذا الكون الذي يريد استكشافه، وكان يسأل دائماً أسئلةً بسيطةً وواضحةً ومتعمّقةً عن الطبيعة والفضاء والزمن والكون.
وإذا درسنا آيات كتاب الله - عز وجل - نجد كثيراً منها تدعو الإنسان إلى استعمال تفكيره بصفةٍ متفتّحةٍ حتّى يضمن لنفسه عملاً فكريّاً متواصلاً طول حياته.
وممّا رأينا من قبل فإنّ مثل هذه العوامل تجعل الإنسان مبدعاً، إذن فما على المسلمين إلاّ أن يتساءلوا لماذا انطفأ نور الإبداع عندهم؟، في حين أنّه يجب عليهم أن يكونوا أكثر إبداعاً من أيّ أمّةٍ أخرى على وجه الأرض، لأنّ كتاب ربّهم يأمرهم ويرشدهم إلى ذلك.
وإذا كان الإنسان يتمتّع دائماً بالخيال فسوف يتمتّع بالتفكير المتفتّح، والقرآن الكريم مليءٌ بالخيال الذي يدعو إلى التفكير المتفتّح، وينوّر قلب وتفكير أصحابه، لأنّه هو نفسه نورٌ، يُكسب المحافظ عليه نوراً على نورٍ.
لذلك فإنّ المسلمين إذا تفكّروا في القرآن الكريم من خلال أوامره التي يأمر فيها بالتفكير المتفتّح والتأمّل الإبداعي، فإنّه سيكون بمقدورهم دعم وتعزيز وتطوير قدرات الذكاء الإبداعي لديهم.
القرآن نور والعقل نور (1/10)
صفحة 11
النور هو اسم من أسماء الله الحسنى.
والنور: هو الضوء أيّا كان، وهو شعاعه وسطوعه.
والنور: هو الضياء الذي يعين على الإبصار، وهو الوسيط بين العين والشيء الموجود أمامها، فبه تبصر، ولولا هذا النور وهذا الضوء لما استطاعت العين رؤية شيء في هذا الوجود.
والنور نوعان دنيويّ وأخرويّ.
والنور الدنيوي نوعان: معقول بعين البصيرة، ومحسوس بعين البصر.
والنور المعقول بعين البصيرة هو الإلهام الذي يلقيه الله - عز وجل - في روع الإنسان عندما يبقى حائرا أمام مشكلة من المشكلات والتي كان يراها لا تُحلّ أبدا، فيقدح حلّها في قلب ذلك الإنسان، ويلهمه حكما واستنباطا واستدلالا، يأتيه بقوّة، كأنّه كان موجودا من قبل، ولا ينتظر إلاّ الفرصة المناسبة ليسطع إلى الخارج.
- {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}
[المائدة ـ 15]
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} ... [الحديد ـ 28]
والعقل من دون النور المعقول ـ نور ربّ العالمين ـ ومن دون هدايته ومن دون وحي السماء، من دون خطاب الله لعباده، يضلّ، ويُضلّ.
والبصر هو النور الذي يدرك به الإنسان المبصرات، والبصيرة قوّة القلب المدركة للحقائق، والتي تبني فيه قدرة على كسب الحقائق.
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}
[الأنفال ـ 29]
والنور المحسوس: مثل ضياء الشمس، ونور القمر. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} ... [يونس ـ 5]
إنّ العقل مهما كان حادّ الذّكاء، ومهما كانت الأمور واضحة وضوح الشمس، فلا بدّ له من نور إلهي يكشف له حقيقة الأشياء. (1/11)
صفحة 12
فالله - سبحانه وتعالى - خلق هذا الإنسان ولم يتركه سدى، بل أنزل إليه هذا النور وهو القرآن الكريم ليبيّن له حقيقة الحياة، ويرى به جوهرها، تماما كما يرى بنور الشمس والقمر جوهر الأشياء المادّية، ويبيّن له أنّ قوّة عقله, واستقامة تفكيره لا يكون إلاّ بهذا النور الذي يرى به بعين البصيرة، فيهتدي إلى الصراط المستقيم، فيجد في نفسه راحة لا توصف، وليس لها حدود.
فهو يقول له اتّبع هذا، ولا تتّبع ذلك، افعل هذا ولا تفعل غيره، بيّن له الحلال والحرام، والخطأ والصواب، والنافع والضارّ، لكي يعمل عقله جيّدا فيستنير قلبه، ويبصر آثار خالقه من خلال نور كلامه.
إنّه يبيّن له نشأة العالم، مصير العالم، تاريخ الأمم والشعوب، تاريخ الأنبياء، مشاهد يوم القيامة، عرّفه بربّه، عرّفه بالكون، عرّفه بحقيقة الحياة، عرّفه بحقيقة الإنسان، لكي يعمل عقله على نور من ربّه.
والدليل القاطع الذي يدلّ ويبيّن بأنّ هذا النور أنزل إليه ليستنير به في تفكيره، هو أنّه يأمره في كثير من آياته أن يتفكّر ويتدبّر ويتفقّه ويتذكّر ويعقل، لأنّ كلّ ذلك يوصله إلى أن يعمل على بصيرة من أمره، ويصل إلى الصواب الذي يضمن له حياة مطمئنّة سعيدة.
والنور ليس له حدود، وليس له نهاية، وكذلك أفكار القرآن الكريم التي يرشد إليها الإنسان ليس لها حدود ولا نهاية، وأنّ عقل الإنسان ليس له حدود لتفكيره وإبداعاته.
إنّ هذا الإنسان إذا نوّر عقله بنور ربّه يصبح حكيما، ينطق بالحكمة، ويعمل بالحكمة، فيتنزّه عن فعل ما لا ينبغي، بحيث تكون له قوّة تفكير يضع بها الشيء المناسب، بالقدر المناسب، في الوقت المناسب، في المكان المناسب.
أمّا النور المحسوس بعين البصر فهو ذلك النور الذي يمكّن لعين الإنسان أن ترى به الأشياء التي يتعامل معها في حياته الواقعيّة. (1/12)
صفحة 13
- {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} ... [الإسراء ـ 12]
إنّه متى اتّصل العبد المؤمن بكتاب ربّه اتّصالا حقيقيّا، وعلى الدوام، تلاوة، وحفظا، وتدبّرا، واتّبع ما فيه من التوجيهات والإرشادات، فإنّه يكسبه نورا، وهذا النور من أثمن، وأجلّ، وأفضل عطاءات الله - عز وجل -، فيصبح قلبه منوّرا، ينير له عقله، فيفكّر تفكيرا حقّا، امتثالا لأمر ربّه - سبحانه وتعالى -، يستطيع أن يفرّق بين الكلام الحقّ والكلام الباطل، وتصبح بصيرته مستنيرة بنور ربّها - عز وجل -، فإذا نظر إلى نفسه، وإلى ما حوله من المخلوقات يرى فيها عظمة ربّه الخالق، فيكون صمته تفكيرا، ونظره عبرة، فإذا تحرّك لا يتحرّك إلاّ بخير، وفي الخير، وإلى الخير.
القرآن كلّه بركة
لقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم ليكون ملاذ أمن وطمأنينة لعباده في كلّ ما يطلبونه منه من خير الدنيا والآخرة، فهو مبارك بما يحمله من بركة كلام الله - عز وجل -، ويجلب البركة إلى كلّ من يقرأه، سواء في الجانب النفسي، أو الصحّي، أو العقلي، أو المادّي، إنّه كلّه بركة. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام ـ 92]
- {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأنعام ـ 155]
- {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} ... [الأنبياء ـ 50]
- {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[ص ـ 29] (1/13)
صفحة 14
وإذا كان هذا القرآن قد جعله مباركا، وجعل بركاته تمتدّ إلى كلّ ما يقرأ عليه، أو له، فكيف بالوعاء الذي يحمله، ويحفظه، ويحافظ عليه، خاصّة إذا كان ذلك الوعاء هو ذاكرة ذلك المؤمن الصادق المخلص، المليئة طهارة ونقاوة وصفاء.
وقد امتنّ الله - عز وجل - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن آتاه القرآن الكريم، فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} ... [الحجر ـ 87]
وبعد هذه الآية التي امتنّ الله - عز وجل - فيها على نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بأن آتاه هذا الفضل العظيم، أمره أن لا ينظر إلى المتع الأخرى المتعدّدة التي تزخر بها الحياة الدنيا، لأنّها مهما كانت النفوس تراها في اعتقادها غاليّة وعاليّة فإنّها عند الله - عز وجل - لا تساوي هذا الكنز العظيم الذي أنزله عليه، ويسّره لعباده، وجعله مهيّأ بين أيديهم يغترفون منه كيف يشاؤون، وفي أيّ وقت يريدون.
فقال له - سبحانه وتعالى - بعد ذلك الامتنان:
- {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} ... [الحجر ـ 88]
فمتى يفقه المسلمون أمثال هذه الإرشادات ويعملون بها، فيهتمّوا بقرآن ربّهم - سبحانه وتعالى - قراءة وتلاوة وحفظا وتدبّرا، فيكون لهم من الأسباب الروحيّة التي تنزّل لهم البركة في قواهم التفكيريّة، فتنشط وتقوى، فتؤدّي عملها بكامل طاقاتها التي خلقها الله - سبحانه وتعالى - عليها، وتنزّل البركة في أرزاقهم، فيقنعوا بها، لأنّ المسلم مأمور بأن يبذل ما في وُسعه من الأسباب الماديّة، ولا يغفل عن التعامل كذلك بالأسباب المعنويّة الروحيّة.
- {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} ... [الملك ـ 15] (1/14)
صفحة 15
فالله - سبحانه وتعالى - قد خلق هذا الإنسان، ووهب له قوى فكريّة وجسميّة ونفسيّة، وسنّ له قوانين مادّية ومعنويّة لكي يحقّق بها عمله في مختلف الميادين، خاصّة المؤمنين، وجعل القانون الذي ينظّم حياته هو قانون السببيّة، فلكي يحصل على نتيجة من النتائج التي يتمنّاها ويتوق إلى الوصول إليها، لابدّ أن يتّخذ أسبابا بعينها كي يصل إليها، والله - سبحانه وتعالى - قد جعل الأسباب التي توصل المؤمن إلى النتائج التي يرمي إليها قسمين:
قسم منها مادّي، وقسم آخر معنوي.
ولكنّ كثيرا من المسلمين لم يفقهوا هذين القسمين، فصار بعضهم يعتمد على الجانب المادّي فقط، دون اللجوء إلى الأسباب المعنويّة، وبعضهم يعتمد على الجانب المعنوي، وهم مثل الذين قال لهم سيّدنا عمر بن الخطّاب ـ - رضي الله عنه - ـ:
«إنّ السماء لا تمطر ذهبا ولا فضّة».
القرآن يوفّر المرونة الذهنيّة
فتلاوة ورد من القرآن الكريم يوميّا بتدبّر وتفكير جيّدا يضمن المرونة الذهنيّة، والتي هي عبارة عن التفكير الموضوعي والإيجابي في مختلف المواضيع، والإيمان بما يرشد إليه من العادات النفسيّة يضمن الراحة القلبيّة والنفسيّة معا، وتطبيق إرشاداته وتوجيهاته فيما يأمر به من اجتناب ما يؤثّر في الجسم تأثيرا سلبيّا ممّا يضمن اللياقة الجسديّة، إلى غير ذلك من القوى الروحيّة التي يتضمّنها، والتي لا يعلم سرّها وحقيقتها إلاّ منزّله.
إنّه يعكس الاتّزان الممتاز في كلّ نواحي الذات الإنسانيّة، ويطبع هذه الصور الإيجابيّة الجيّدة عن التوازن بشكل دائم في العقل الباطن لمن يتعامل معه باستمرار، ودون انقطاع.
إنّه يُكسب المتعامل معه باستمرار هواية، أو هوايات جديدة، ويشجّع الاتّزان الجيّد، الذي يضمن له حياة راقيّة قويّة في كلّ جوانب ذاته. (1/15)
صفحة 16
كما أنّه يعمل على تحسين المهارات الذهنيّة الكثيرة التي يستطيع أن يقوم بها هذا المخّ الذي سمّاه العلماء "جهازاً مدهشاً"، ويحسّن سلوكياته بفضل ما يوفّر له من المعرفة التي ضمّنها ربّ العالمين في آياته، وما يبثّ فيه من القوّة الروحيّة التي جعلها فيه، ولكنّ غفلة قارئه جعلته لا يصل إلى إدراك كلّ هذه المميّزات التي يحملها هذا الكتاب العزيز، والمعجزة، والعظيم، ولذلك خاطبهم ربّ العزّة - جل جلاله - قائلا:
- {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} ... [ص ـ 67ـ68]
إبداع العقل عند تلاوة القرآن
إنّ تلاوة القرآن الكريم، أو الاستماع إليه بنفس مطمئنّة، يجعل المخّ يتخيّل مشاهد ضخمة، وأشكال، وألوان، وشخصيّات يمرّ القارئ على أسمائها، وهذا يعتبر تمرينا جيّدا لعضلات العقل.
فهل خطر ببال قارئ القرآن مثلا أنّ تخيّله لمناظر الجنّة، أو النار، التي يصفها الله - سبحانه وتعالى - في القرآن هي نشاط يدرّب بها خلايا مخّه، وينشّطها، كما أنّ الأسلوب القصصي في القرآن الكريم يعتبر تمرين جيّد للقوى الذهنيّة.
وتلاوته بترتيل حسن، يبعث في النفس الهدوء والانشراح، ونتيجة لذلك ينفتح القلب، ممّا يوفّر جوّا مناسبا لخلايا العقل كي تتلقّ المعلومات بكلّ قوّة وإتقان، وذلك لأنّ الأعصاب الدماغيّة ستكون في كامل إنبساطها، وفي قوّة تواصلها فيما بينها وبين الخلايا، وقد اكتشف العلماء بأنّ للقلب تأثيرا عظيما في العقل، سواء في الجهة الإيجابيّة، أو الجهة السلبيّة.
لذلك يقول علماء الذاكرة: «قل لي بماذا تهتمّ، أقل لك ماذا تحفظ».
ولا شكّ أنّ الاهتمام والحبّ والرغبة تكون بالقلب، الذي هو محلّ الشعور. (1/16)
صفحة 17
لقد اكتشف العلماء بعد بحوث وتجارب كثيرة بأنّ الخلايا العصبيّة تعمل بصورة مجتمعة، متكاملة، متناغمة، متفاهمة، أي أنّ هناك نوعا من التفاهم والترابط بين تلك الخلايا، وذلك بتأثّرها بهرمونات دقيقة جدّا، ولعلّ قراءة القرآن الكريم بترتيل يوفّر لها ذلك التناغم والتفاهم، وذلك لأنّنا عندما نلاحظ قارئ القرآن بترتيل وتجويد، نجده يتمايل تمايلا متناسبا من تلك النغمات التي يصدرها صوته، خاصّة إذا كان بقواعد بالتجويد.
لذلك أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم أجمعين، ومن بعدهم من علماء الأمّة وأئمّة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإنّ أفرط حتّى زاد حرفا، أو أخفاه فهو حرام.
ومن هنا يؤكّد العلماء على أنّ اللحن المطرب هو الذي لا يخرج لفظ القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه، أو قصر ممدود، أو مدّ مقصور، أو تمطيط يختلّ به اللفظ، ويلتبس به المعنى.
إنّ المستحبّ من تحسين الصوت وترقيقه بقصد التأثّر والخشوع، لا بقصد الترنّم والطرب.
القرآن يدرّب على الاهتمام بمهمّة واحدة
إنّ الأجهزة التكنولوجيّة الحديثة التي استحدثها الإنسان في العصور الأخيرة لدعم كفاءته، مثل البريد الإلكتروني، والهاتف المحمول، وأجهزة الكاميرا، وغير ذلك من الآلات الجديدة جعلت إنسان هذا العصر يكتسب عادة أداء أكثر من مهمّة في آن واحد، وهي عادة يمكن أن يكون لها الأثر السيّئ على التركيز والانتباه، وهما المهارتان الأساسيتان لاكتساب ذاكرةٍ قويّةٍ منظّمةٍ. (1/17)
صفحة 18
إنّ مثل هذه العادة السيّئة قد سبّبت أضراراً بالغةً في حياة الإنسان، فأصبح يقيّم جميع مهامه بقيمة واحدة، وربّما يفضّل ويستبدل التي هي أدنى بالتي هي خير، وتصرفه عن أداء المهام الأكثر أهمّية، وتسبّب له ضغوطا نفسيّة عاليّة، تتضاعف فيه على مرّ الأعوام، كما أنّها تسهم في إضعاف الذاكرة على المدى الطويل. وقد صدق ربّنا - سبحانه وتعالى - حين يقول:
- {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} ... [الأحزاب ـ 4]
ولقد أسهم الدكتور "ديفيد ماير" من جامعة "ميشيجن" هو وزملاؤه في وصف الثمن الباهظ الذي يمكن أن يتكبّده إنسان هذا العصر بسبب هذه العادة السيّئة، ولا أدلّ على ذلك من الحوادث المروّعة التي يقع فيها سائقو السيّارات بسبب اشتغالهم بالكلام في الهاتف النقّال مثلا.
وسواء كان الشخص يقفز من موقع ما على التلفزة إلى هاتفه النقّال، أو إلى الثرثرة مع صديق له أثناء قيادة السيّارة، فهو يستخدم الجزء الأمامي من مخّه الذي يعتبر المتحكّم التنفيذي لكلّ ما يقوم به، وهذا هو الجزء الذي يحدّد أولويّات تفكيره وأعماله، وهو الذي يجعل المجهود الذهني منصبّا إلى العمل الذي ينوي تنفيذه.
وقد توصّل الدكتور "ماير" في دراسته التي أجراها فيما يخصّ هذه المهمّة أنّ الشخص يستنفد وقتا لكي ينتقل من مهمّة إلى أخرى، وتزيد مدّة هذا الوقت المهدر، كلّما زادت صعوبة وتعقيد المهمّة التي يركّز حولها ليقوم بها.
وفضلا عن إهدار الوقت وتضييعه، وتراجع مستوى التركيز والانتباه عند الأشخاص الذين يقومون بعدّة مهام في آن واحد، وضعف مستوى الأداء، فإنّ عوامل التشتيت المتعدّدة تعوق قدرتهم على الانتباه إلى التفاصيل التي يشتمل عليها العمل الذي يريدون القيام به. (1/18)
صفحة 19
كما أنّ مثل هذه الممارسات تكبّل العقل والجسم بما تسبّبه من الضغوط، وتضرّ بالهرمونات اللازمة لعمل الخلايا والأعصاب الذهنيّة، ولها أثر بليغ على الناقلات العصبيّة التي لها الدور الأساسي في حفظ المعلومات وترسيخها في الذهن، وما يؤدّي إلى تلف مراكز الذاكرة في "قرن آمون".
إنّ الطريق السليم والناجح الذي يضع حدّا لأداء أكثر من مهمّة في آن واحد هو الالتفات إلى هذه العادة، ومحاولة استئصالها من تصرّفاتنا الذي نؤدّي بها أعمالنا المختلفة.
وإذا لاحظنا أنّنا نقوم بمثل هذه العادة، فما علينا إلاّ أن نحاول تجنّب أداء عمل غير مهمّ، ونستطيع تأخيره إلى زمن لاحق، وعلينا أن نتّخذ قرارا حازما بالتركيز على أداء عمل واحد في المرّة الواحدة، وهذا إذا أردنا حقيقة أن نبني لأنفسنا ذاكرة مركّزة، وغير مشوّشة.
ونستطيع تجنّب ذلك بترك ما يشوّش تركيزنا بعيدا عن متناول أيدينا، مثل أن نترك مثلا الهاتف النقّال في مكان بعيد عن موقع عملنا، وأداء مهمّتنا التي نريد القيام بها.
القرآن والصلاة يحاربان ظاهرة التشتّت
إذا درسنا الشروط التي فرضها الله - سبحانه وتعالى - والرسول - صلى الله عليه وسلم - لأداء الصلاة، ولتلاوة القرآن الكريم، نجد بأنّ هذه الشروط تحارب محاربة تامّة مثل هذا التشتيت، وعدم التركيز، لأنّ المصلّي إذا قصد إلى أداء الصلاة فإنّه يتخلّى عن كلّ ما من شأنه أن يشغله، أو يجلب انتباهه مهمّا كان، أو حقيرا، وقد مدح الله - سبحانه وتعالى - الخاشعين في الصلاة بقوله.
- {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون ـ 1ـ2] (1/19)
صفحة 20
والله - سبحانه وتعالى - قد ذكر في كثير من آيات القرآن الكريم أنّ إقامة الصلاة من صفات المؤمنين الحقيقيّين، وربط الإيمان بإقامة الصلاة، حتّى يهتمّ المؤمنون بالخشوع فيها وإقامتها بصفة جيّدة حسنة، لتكوّن فيهم مهارة التركيز التي هي من المهارات الأساسيّة لتقويّة الذاكرة. يقول - سبحانه وتعالى -:
- {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ... [البقرة ـ 1ـ2]
وغير ذلك من الآيات الكثيرة والمتعدّدة التي ذكر فيها الله - سبحانه وتعالى - إقامة الصلاة مقرونة بالإيمان الحقيقي.
ويعتبر الخشوع وسيلة لتنميّة ملكة حصر الذهن والتي يترتّب عليها أكبر الأثر في نجاح المرء وفوزه، وتحقيقه مستويات عاليّة من التحصيل والحفظ والاستيعاب.
وهو يجعل المصلّي يتعلّم ويتدرّب على كيفيّة التركيز على القيام بمهمّة واحدة، وذلك لأنّه يحاول حصر فكره طيلة وقت الصلاة، وهذا ممّا لا شكّ فيه ينمّي ملكة حصر الذهن، فتصبح فيه عادة، وهو أكبر معين في إنجاز سائر الأعمال الأخرى بكلّ إتقان وكمال.
يقول "وليم مولتون" الأخصّائي في علم النفس:
«إنّ القدرة على التركيز يجري مجرى العادة عند كلّ رجل بارز»
ويقول: «إنّ هذه القدرة تكتسب بالمران، والمران يتطلّب الصبر، فالانتقال من الشرود إلى حصر الذهن هو ثمرة جهد ملحّ»
وبهذا نستطيع أن نثبت ونقول بأنّ الخشوع في الصلاة والانتباه الجيّد من طرف المصلّي إلى ما يقرأ، وما يقوم به من أعمال، من ركوع وسجود، وتلاوة، وتسبيح، وتركيز، وذلك كلّه هو أعظم وسيلة لتنميّة ملكة حصر الذهن عند المسلم.
وهذه الملكة من شأنها أن تؤثّر فينا الأثر العظيم في أثناء قيامنا بمختلف الأعمال في معركة الحياة. (1/20)
صفحة 21
إنّ الصلاة التي يؤدّيها المصلّي بخشوع وإخلاص، يمكن أن تؤدّي به إلى تغييرات نفسيّة إيجابيّة هائلة، وتسمح للمخّ أن يكون أكثر هدوءا وتركيزا، كما أنّها تسمح للنفس والعقل بالتحرّر، ممّا يشيع حالة من السكينة في الجسم والعقل.
ويمكن أن نعتبر الصلاة تأمّلا يدرّب العقل على التركيز على شيء واحد معيّن، واستبعاد كلّ الأفكار والمشاعر الأخرى، كما أنّ ممارسة هذه الشعيرة بانتظام، تعمل على دفع الأفكار العشوائيّة، ودعم النقاء الذهني، والسلامة العقليّة، وتراجع الضغوط، وكلّ هذه النتائج هي من ثمرة وبركة الصلاة التي يتحصّل عليها المحافظ عليها بإخلاص وخشوع.
ولعلّ انتشار الاضطراب والضغوط النفسيّة، وضعف الذاكرة بين أناس هذا العصر هو بسبب عدم محافظتهم على الشعائر الدينيّة التي فرضها عليهم خالقهم - جل جلاله -.
تقويّة الذاكرة بالقرآن الكريم
في عام 1896 سجّل بداية الإهتمام الطبّي الحديث باكتشاف التأثيرات الإيجابيّة للموسيقى التي تزيد من تدفّق الدم في الشرايين المخيّة، وتساعد على الصفاء العقلي، وكان ذلك في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
وهذا التاريخ يمكن اعتباره بداية لانتباه الطبّ الحديث للعلاج بالصوت.
ومن بين الذين درسوا هذا الموضوع دراسة مستفيضة الفيلسوف والرياضي الشهير "فيتاغورت" وذلك منذ 2500سنة، فقد كان يخبر تلامذته ويعلّمهم كيف يستفيدون من الأصوات التي تساعدهم على العمل والاسترخاء والنوم والصحو بعافيّة.
وهذه الأصوات المختلفة الدرجات والألحان تترك أثراً إيجابيّاً في نفس الإنسان، ممّا يعدّل في جسمه إفراز الهرمونات التي هي مسؤولة في الدرجة الأولى على الحالة النفسيّة له، وموضوع الهرمونات وتأثيرها في جسم الإنسان كذلك موضوعٌ واسعٌ، قد تكلّم فيه العلماء بإسهاب. (1/21)
صفحة 22
ومن هذه الهرمونات التي لها تأثير عجيب في جسم الإنسان ونفسه هرمون "الأندروفين" الذي ينشّط خلايا المخّ، ويجعل الأعصاب تتّصل فيما بينها بصفة جيّدة وتامّة ممّا يسمح للمعلومات بتكوين ممرّات حسنة دائمة لنفسها وكأنّها طرق معبّدة مهيّأة، ليس فيها أدنى معرقل لمرورها، وذلك لما تفيضه تلك الأصوات من هدوء وطمأنينة على الأعصاب التي تربط الخلايا فيما بينها.
إلى الموسيقى، حيث تتأثّر تلك المناطق بالإيقاعات والفواصل والتغيّرات والتقلّبات اللحنيّة الموجودة في الموسيقى الموضوعيّة وفقا للقوانين الحاسمة للموسيقى الكلاسيكيّة.
خاصّة وأنّهم قد وجدوا أنّ هذه التجربة صالحة جدّا وبطريقة فعّالة في الأطفال الحديثي الولادة، والتي أكّدت وجود علاقة إيجابيّة بين درجة تعريضهم لألحان الموسيقار {موزارت} ودرجة تطوّر قدراتهم الذهنيّة.
وتكمن فعاليّة هذه الموسيقى في كونها ملائمة لأمخاخ الأطفال، حيث أنّها لا تحتوي على كلمات أو شفرات تستدعي التفسير وإرهاق الذهن، ومن جهة أخرى أنّ هؤلاء الأطفال لم يتعلّموا بعد اللغة ومعنى الكلمات.
خاصّة إذا علمنا بأنّ الخلايا المخيّة تتكوّن لدى الإنسان في سنواته الأولى من بعد الولادة، لأنّ حوالي 80% من تلك الخلايا تتكوّن قبل سنّ الستّ سنوات من عمره.
وإذا كان هذا من تأثير الموسيقى البشريّة، فكيف يكون يا ترى تأثير كلمات القرآن وترنيمه الذي نظّم ورتّب بواسطة خالق هذا الإنسان، ومنشئ خلاياه المخيّة، ونفسه وكلّ ما يتصل به.
ولماذا لا تكون تنميّة خلايا المخّ بقراءة القرآن بترتيل وترنيم من أفضل العلاجات كلّها، ما دام هذا القرآن الكريم يستمدّ قوّته من قوّة منزّله، وهو القويّ العزيز الجبّار المتكبّر. (1/22)
صفحة 23
إنّ هذا الموضوع يحتاج إلى عدّة تجارب وبحوث، حتّى يتوصّل العلماء إلى اكتشاف قوّة تأثّر خلايا الإنسان بكلام الله - عز وجل -، وما يضفيه عليها من صفاء عقلي، وقوّة نفسيّة تجعل تلك الخلايا تعمل إلى أقصى درجة ممكنة.
إنّ قراءة القرآن بترتيل امتثالا لقوله - سبحانه وتعالى - {ورتّل القرآن ترتيلا} وبصوت حسن من طرف الشخص نفسه، وكذلك الاستماع والإنصات إليه بكلّ تركيز وتدبّر يُحدث نشاطا في الغدد المسؤولة عن المحافظة على التوازن في جسم صاحبه، وذلك بتأثّر خلاياه بتلك الدبدبات التي تُحدثها كلمات الآيات القرآنيّة، فينتج عن ذلك هدوء الأعصاب المخيّة التي لها الأثر الفعّال في مرور المعلومات بين الخلايا العصبيّة المخيّة، وذلك الهدوء في الأعصاب يجعل المعلومات تمرّ بكل هدوء وبكلّ قوّة، ممّا يكسب المرء ذاكرة قويّة وفعّالة، ويضمن بها النجاح والتفوّق في مجالات حياته، خاصّة وقد توفّرت الإفرازات التي تعطي قوّة لتلك الأعصاب المخيّة وتجعلها تعمل بكل قوّة.
وكذلك تلك التلاوة وذلك الترتيل والإنصات والتمعّن والتدبّر يجعل الغدد تفرز هرموناتها التي تعتبر كمادة تشحيم جميع أعصاب الجسم التي لها الأثر البالغ في المحافظة على صحّة الأشخاص.
كما أنّها هي التي تحفظ التوازن العام لجسم الإنسان حيث تقوّي جهاز المناعة لديه، وهي إفرازات طبيعيّة تنشّط إنتاج أو إفراز المواد الكيمياويّة بصفة متوازنة على القدر اللازم الذي يحتاجه كلّ جهاز من أجهزة الجسم، وهي التي تحدّ من الضغوطات العصبيّة النفسيّة، وتقوم بدورها اللازم في دعم قدرات الذاكرة، لأنّها تقوم بتأثير فعّال على ناقلات الرسائل بين الخلايا المخيّة. (1/23)
صفحة 24
وهي من جهة أخرى تدعّم آلية الجسم لتطوير الذاكرة، بما تقوم من دور فعّال من إطلاق خلايا مناعيّة متخصّصة لإنتاج مضادات الأجسام الغريبة والمثيرة التي تهدّد أجهزة الإتصال في الجهاز العقلي، وهذه الأجسام الغريبة تسمّى [الضغوطات المؤكسدة] وهي تتكوّن نتيجة للإنهاك الكبير والدمار الذي تحدثه الذرّات الطليقة في خلايا الجسم عن طريق تفاعل كيميائي يتفاعل خلاله الأكسجين مع مادة أخرى، فيحدث تحوّل كيميائي، وقد اكتشف العلماء أنّ المواد المضادة للتأكسد هي التي تبطل هذه العمليّة.
وكلّ تلك التحوّلات الكيماوية تتحكّم فيها الهرمونات التي تفرزها الغدد المنتشرة في مختلف نواحي الجسم.
وهناك هرمون يسمّى [ميلاتونين] وهو هرمون أساسي تفرزه الغدّة الصنوبريّة، وهو يعتبر من المواد التي تدعّم وتقوّي ناقل الرسائل الذي ينقل المعلومات بين الخلايا وتنشّطه، وهذا الناقل للرسائل يعتبر جزيء صغير يلعب دور ناقل الرسائل، وهو الذي يسمح لأحد العصبونات بالتواصل مع عصبون آخر، وكلّما ازداد تواصل العصبونات فيما بينها إلاّ وكان رسوخ المعلومات أكثر وأكثر.
ويمكن أن نعتبر كذلك أنّ ذلك الهرمون هو عبارة عن مادّة تشحيم لناقل الرسائل بين الخلايا المخيّة، فإذا ما نقص فإنّ تلك الأعصاب تتصلّب، فيضعف قوّة نقلها للمعلومات التي ترد إلى الذاكرة، وذلك ممّا يسبّب ضعفها.
والعصبون هو خليّة عقليّة أو عصبيّة صغيرة جدّا جدّا، وقد اكتشف علماء الأعصاب أنّه بقدر ما يكون تواصل العصبونات فيما بينها جيّدا وقويّا، بقدر ما تكون الذاكرة قويّة وصحيحة.
وبقدر ما يضعف تواصل العصبونات فيما بينها، تكون الذاكرة ضعيفة، لأنّها في تلك الحالة تكون غير مستعدّة وغير نشيطة لتمرير المعلومات بطريقة جيّدة، ويضعف من جهة أخرى قدرة الخلايا العصبيّة في تخزين تلك المعلومات، أو استرجاعها فيما بعد. (1/24)
صفحة 25
وكلّ هذه العمليّات يكون مسارها، أو وقوعها بصفة جيّدة إذا كانت النفس مطمئنّة، هذا الإطمئنان هو الذي يبعث فيها الانشراح، وينشّط بعض الغدد لتفرز هرمون [الأندروفين] وهذا الهرمون هو الذي يشعّ في النفس حالة من الانشراح والانبساط والفرح والأمل في الحياة والنشاط في جميع أجهزة الجسم ومنها، جهاز الذاكرة وخلاياه وأعصابه، وهو الذي يوصف عادة بأنّه مضاد للاكتئاب الطبيعي داخل الجسم.
وعندما تكون النفس منشرحة مطمئنّة يكون إفراز مادّة "النورأدرينالين" متوازن في المخّ، وهي تعتبر من المواد التي تحفّز الناحيّة المزاجيّة في المخّ، وهبوط مستوى إفرازها يؤدّي إلى مرض الاكتئاب Depression، كما أنّ زيادة نسبة إفرازها في المخّ يؤدّي إلى حالة مرضيّة تسمّى الهوس Mania وهذه الحالة تنتج بارتفاع الاختلال في المزاج.
وهناك أيضا مادّة السيروتونين Serotonin، وهو ناقل عصبي مهمّ، فهو المسؤول عن تنظيم كثير من وظائف المخّ، وأهمّها التحكّم في الحالة النفسيّة، والمعروف أنّ الإفراط في عمل السيروتونين يؤدّي إلى مرض الفصام.
القرآن هو نور الخلايا العقليّة
والقرآن هو النور الذي أنزله الله - عز وجل - لهذا الإنسان لينوّر به عقله وقلبه، ويحافظ به على توازن الهرمونات التي تفرزها الغدد في جسمه، فيشعّ بذلك الأمل فيهما، والتفاؤل بالمستقبل، ويبعث في النفس الأمان والانشراح، ويملأها سكينة وطمأنينة، واللتان هما منبع السعادة، والتي هي منبع الإنشراح، وهذا الإنشراح هو الموجّه الأساسي للغدد لتفرز هرموناتها بصفة جيّدة متوازنة وحسنة.
وقد ثبت علميّا أنّ تلاوة القرآن الكريم، وترتيله، والاستماع إلى آياته، والإنصات لها يعزّز القوى العقليّة، وأنّ التردّدات العقليّة الصادرة عن أصوات القارئين للقرآن يجعل العقل يصدر سلسلة من التردّدات والطاقات تعرف علميّا باسم: موجات العقل. (1/25)
صفحة 26
فكلّ شخص يريد حقّا أن يزوّد عقله بالموجات الصوتيّة المغذّية، والتي تحفظ له توازنه، فعليه أن يستمع للقرآن الكريم، وينصت جيّدا لآياته، ويراقب كيف تزداد قواه التفكيريّة، وكيف يصبح مبدعا في تفكيره.
وقد ثبت فعليّا أنّ عقل الإنسان يحتاج للاستماع إلى آيات القرآن كغذاء فعّال لخلاياه، ولروح صاحبه كذلك، وأنّه يؤثّر فيه أكثر من تأثير أيّ من المغذّيات الطبيعيّة والأعشاب الطبيّة والفيتامينات، وغيرها من منشّطات الذاكرة.
والقرآن فيه من عطاء الله - عز وجل - ورحمته ما تحبّه النفس البشريّة ويستميلها.
ولذلك قال الكفّار:
- {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}
[فصّلت ــ 26]
إنّه يخاطب في النفس تلك الملكات الخفيّة التي لا يعرفها إلاّ الله - عز وجل - منزّل هذا القرآن، وقد أنزله ليعالج ويقوّي تلك الملكات، لأنّه يعلم أنّ تلك الملكات والمشاعر تنفعل وتزيد حيويّتها وتوازنها حينما يقرؤه صاحبها أو يستمع إليه بإنصات جيّد، ولذلك حرص الكفّار على ألاّ يسمع أحدهم القرآن لأنّهم اكتشفوا أنّ له تأثيرا عجيبا في نفس سامعه، وله حلاوة تجلب السامع إليه، ويطلب المزيد ثمّ المزيد.
وقد أودع فيه تعالى القوّة والقدرة على بعث الاطمئنان والانشراح في النفس البشريّة.
قال الله - عز وجل -:
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ... [الرعد ــ 28]
فالقرآن كلّه هو المصدر الأوّل لحياة الإنسان ولإيمانه، وهو حديث إليه من طرف الربّ - عز وجل -، أو حديث عنه، وهو كتابه وكلامه الذي فضلّه به على سائر المخلوقات.
قال الله - عز وجل -:
- {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر ـ 87]
وقال كذلك: (1/26)
صفحة 27
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} ... [الإسراء ـ 9]
ولا شكّ أنّ في كلام الله - عز وجل - طاقة روحيّة هائلة ذات تأثير بالغ الشأن في نفس الإنسان، فهو يهزّ وجدانه، ويرهف أحاسيسه ومشاعره، ويصقل روحه، ويوقظ إدراكه، ويقوّي وينشّط تفكيره، ويجلي بصيرته، فإذا الإنسان بعد أن يتعرّض لسماع أو قراءة القرآن الكريم يتأثّر، فيصبح إنسانا آخر جديدا وقويّا، كأنّه خلق آخر جديد.
وما ذلك كلّه إلاّ لتأثّر الغدد المختلفة في الجسم، فتفرز هرموناتها بصفة حسنة متوازنة.
إنّ الضغوط النفسيّة والقلق تسبّب تشوّشا في التفكير وتضعف الانتباه، اللذين هما العنصران الأساسيّان في توفير العمل الجيّد للذاكرة.
القرآن يبني التفاؤل في النفس
جاء في المنجد: فأل، تفئيلا، بالشيء: جعله يتفاءل به.
تفاءل وافتأل به: ضدّ تشاءم، ضدّ الشؤم: كأن يسمع مريض كلمة ـ يا سالم ـ فيتوجّه له أنّه يبرأ كما سمع.
واصطلاحا: الفأل هو الكلمة الصالحة، أو الكلمة الطيّبة، أو الكلمة الحسنة، مصداق ذلك ما جاء في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل ما الفأل؟
قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم». ... رواه البخاري
وعن أنس - رضي الله عنه - أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل: الكلمة الحسنة، والكلمة الطيّبة» رواه البخاري
فيكون التفاؤل على هذا المعنى انشراح قلب الإنسان، وإحسان الظنّ، وتوقّع الخير بما يسمعه من الكلم الصالح، أو الحسن، أو الطيّب. (1/27)
صفحة 28
فالمسلم الذي يقرأ القرآن الكريم تأتي كثير من الأحداث التي تمرّ به في حياته مصدقة لهذا القرآن، إذا استقام في البيع والشراء وتجنّب الربا والغشّ والكذب، شعر براحة ووفر الله لك دخلاً طيباً وساق الناس إليه، كي يتعاملون معه بكلّ صدق ونزاهة، وإذا كان أميناً رفع الله اسمه بين الناس، فأي وعدٍ وَعَدَه به ربّه إذا هو طبّق ما أمره به، تأتي الحوادث كلّها لتصدق له وعد ربّه له فيرى هذا الوعد صادقاً، فالله - سبحانه وتعالى - قد جعل قرآنه مُصَدّقا لما أخبر به عباده، بمعنى أنّ العبد إذا آمن به وعمل عملاً صالحاً أذاقه الحياة الطيّبة.
فهو القائل - عز وجل -:
- {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ... [النحل ـ 97]
وكيف لا يمتلئ قلب المؤمن تفاؤلا وراحة وطمأنينة وهو يقرأ قول ربّه - سبحانه وتعالى -:
- {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}
[البقرة ـ 257]
وهو يقرأ كذلك:
- {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} ... [فاطر ـ 2]
يقول العلماء كيف يحزن قارئ القرآن وهو يقرأ قول ربّه - عز وجل -:
- {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ... [الأحقاف ـ 13]
القرآن يخفّف من حدّة التوتّر
ويمكن أن نعتبر قراءة القرآن الكريم من أشكال تدريبات المرونة الذهنيّة، ومثل هذا النشاط يعمل على تنشيط اللياقة الذهنيّة من خلال حفز آلتين، ألا وهما التخلص من الضغوط العقليّة، والتحفيز العقلي. (1/28)
صفحة 29
والعجيب فعلا، وقد ثبت ذلك علميّا أنّ الاستماع للقرآن الكريم يزيل الضجر والتشتّت، والنسيان السريع، بعكس الاستماع لأيّ شيء آخر غيره.
وهو من جهة أخرى يعمل على إحداث تغييرات نفسيّة حقيقيّة يمكن أن تتحقّق بفضل الله - عز وجل -، وهذا فضلا عن إمداد قارئه بفوائد نفسيّة مثل الحدّ من الغضب، والقلق وغير ذلك من أعراض الضغوط، فقراءة القرآن بانتظام يمكن أن يقلّل من ضغط الدم، ومعدّل سرعة ضربات القلب، ومعدّل سرعة التنفّس، وكلّ هذه الحالات تعتبر دون مناقشة من تحفيزات الذاكرة وتنشيطها، وتقويّتها.
لذلك أرشدنا ربّنا - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى قراءته والاستماع إليه آناء الليل وأطراف النهار، لأنّ السرّ في تركيبة عقولنا يكمن في أنّه بالقراءة والاستماع إليه تبقى خلايا مخّنا حيّة سعيدة، وخاصّة أثناء فترات الضغط.
كما ثبت أنّ الخلايا تتوقّف عن التناقص بعد دوام الاستماع للقرآن الكريم، وذلك ممّا يزيد قدرة المستمع إليه وقارئه على التركيز واستدعاء المعلومات بصفة أحسن وأسرع، والقيام بعمليّات حسابيّة لم يكن بالإمكان القيام بها من قبل، فمنافع وفوائد القرآن الكريم لا تعدّ ولا تدرك، لأنّ قد وضع فيه أسرارا ما علينا إلاّ أن نتعامل معه بصفة حسنة حتّى نجد أثره وفوائده.
وقد اكتشف الدكتور {سولومون سيندر} من كليّة الطبّ في جامعة [جونز هوبكينز] في دراسة باستخدام أشعّة الرنين المغناطيسي MRI عن وجود تحوّل بارز في أنماط تدفّق الدم لدى إحدى الجماعات الدينيّة، ويعتقد الدكتور بأنّ تأثير التأمّل يرجع إلى زيادة معدّل إفراز ــ السيروتونين ــ العصبي الناقل للرسائل في العقل الذي يملك تأثيرا مهدّئا.
وتلاوة القرآن تهب لنا استرخاء واطمئنانا يمكن أن يحدث لنا فارقا في بيولوجيا العقل ولياقة الذاكرة بشكل عام. (1/29)
صفحة 30
وتشير الدراسات التي تستخدم أشعّة الرنين المغناطيسي MRI لفحص الوظائف العقليّة إلى أنّ صفاء النفس من المشغلات، والقلب من المنغّصات يمكن أن يثير روابط مادّية داخل العقل بلا حدود، لأنّه في تلك الحالة يصبح مستعدّا لفهم الكلمات التي يقرأها، ويكون نمط النشاط العقلي مركّزا في جزء معيّن محدّد من المخّ، وهو الفصوص الجبهيّة والصدغيّة، وكلّما زاد معدّل النشاط من خلال الأشعّة، زادت إمكانيّة تذكّر هذه الكلمات في وقت لاحق، وربّما نستطيع أن نعتبر هذه الحالة سرّا من الأسرار التي يحقّقها القرآن للمحافظين على تلاوته وتدبّره في خلايا مخّهم فيصبحون ذوي ذاكرة قويّة جيّدة.
القرآن يكوّن فينا وعيًا داخليّا
ويقول الدكتور {شبرد كانتور} عضو منظّمة العلم النفسي الأمريكي:
«إنّ قوّة الذاكرة، أو ضعفها إنّما يكون نتيجة لإيحاءات وعينا الداخلي».
وربّما نستطيع أن نقول:
إنّ ضعف الذاكرة أو قوّتها ينشأ من عدم ثقة المرء بنفسه، وذلك عندما يرسخ في عقله الباطن على مرّ الأيّام بأنّ له ذاكرة ضعيفة، وربّما هذا الاعتقاد منشؤه الاكتئاب الذي يصيب مثل هؤلاء الناس، والذي يدعو ربّه ويثق فيه كي يستجيب له لا يصاب بمثل هذه الحالات، ولا يستسلم لمثل هذه الهموم والأحزان التي تؤتّر تأثيرا سلبيّا على قواه العقليّة، فلا يستطيع أن يستغلّها استغلالا كاملا.
كما يعتبر العلماء الدعاء مثل البذور الجيّدة التي تغرس في تربة جيّدة، فهي تنبث نباتا حسنا يؤتي أكله كلّ حين بإذن ربّه.
القرآن يحارب الإنفعالات المؤدّية إلى النسيان
وقد أرشد العلماء كلّ من يريد أن يتمتّع بذاكرة قويّة ويحافظ عليها أن يجتنب الإنفعالات المؤدّية إلى النسيان، وأشهرها الخوف والقلق والغضب.
ولا يوجد شيء أفضل من القرآن الذي يبعث الطمأنينة في النفس، حتّى تتجنّب كلّ هذه المؤثّرات السلبيّة، ولكن يجب أن تكون القراءة بتدبّر وتمعّن وفهم وخشوع وتواضع. (1/30)
صفحة 31
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ... [الرعد: 28]
وقد أرجع العلماء بعض أسباب ضعف الذاكرة واضطرابها وعدم التركيز الجيّد إلى:
الإحباط الشديد والاضطراب العاطفي، والذي يكون نتيجة فقدان حبيب، أو التسريح من العمل، والتقاعد، أو الطلاق، وهذا الاضطراب العاطفي قد يؤدّي إلى الانسحاب من الأنشطة الاجتماعيّة والتشويش الذهني، وفقدان الذاكرة.
وعلاج ذلك يكون بالعلاج النفسي حتّى يستقرّ المريض نفسيّا وتعود إليه ثقته بنفسه، فيستعيد ذاكرته وحافظته التي كان يملكها من قبل.
فكثيرا ما يكون بعض الأشخاص متميّزين عقليّا وفكريّا يحصّلون على درجات عليا في التحصيل، ولكن فجأة يخفقون، وتخونهم ذاكرتهم، وتتشتّت أفكارهم، وتتركهم يهيمون في تفكير مضيّع.
أو نسمع عن أحد الأذكياء أنّ عائلته أصابتها أجواء غير مستقرّة وغير هادئة، فيغضب لذلك ويثور، وينشغل به، وتكون نتيجة استسلامه لمشكلات الإخفاق والتراجع.
فلا بدّ لمن يريد أن يخفّف عن نفسه هذه الضغوط، ويوقف تأثير المشكلات النفسيّة والعاطفيّة والاجتماعيّة أن يرجع إلى كلام ربّه الذي يبعث فيه الطمأنينة والرضا بما قدّره له ربّه من خير أو غيره في هذه الحياة، وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
- {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ... [التوبة ـ 51]
فإذا ما قرأ كلام ربّه - سبحانه وتعالى - بهذا النحو فإنّه - سبحانه وتعالى - سيكرمه بعدّة كرامات، نفسيّة وجسمانيّة وروحيّة، ومن بين هذه الكرامات أن يحفظ له تلك الأداة التي تحفظ كلامه وتستوعبه جيّدا، فيجعلها تستوعب ما يريده من العلوم الأخرى الذي تنفعه في الحياة. (1/31)
صفحة 32
ولذلك أرشد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى آداب تلاوة القرآن التي توفّر للقارئ هذه الظروف الحسنة ليتدبّره ويتفهّمه جيّدا، كما استنتج العلماء كثيرا من الشروط التي يجب أن تتوفّر وقت قراءة كلام الله - سبحانه وتعالى -، وخاصّة منها الطهارة التي تبعد الشيطان عنه فلا يستطيع أن يوسوس له أو يشغل فكره بشيء من الملهيات التي تجعله لا يركّز فيما يقرأه، وذلك هو المقصود الأكبر من التلاوة، وبه تنشرح الصدور.
ويشير فريق من العلماء إلى أنّ الحفظ والتذكّر والاسترجاع لمختلف المعلومات هي عمليّات يمارسها الإنسان في حياته اليوميّة، ولكي يقوم بهذه العمليّات بطريقة جيّدة حسنة، فإنّه يلزمه هدوء نفسيّ كامل.
القرآن وآثاره الإيجابيّة
لقد أظهرت نتائج البحوث القرآنيّة في عدّة دراسات أنّ للقرآن آثارا إيجابيّة حسنة مؤكّدة لتهدئة التوتّر، وأمكن تسجيل هذا الأثر نوعا وكمّا، وظهر هذا الأثر على شكل تغيّرات في التيّار الكهربائي في العضلات، وتغيّرات في قابليّة الجلد للتوصيل الكهربائي، وتغيّرات في الدورة الدمويّة وما يصحب ذلك من تغيّر عدد ضربات القلب وكميّة الدم الجاري في الجلد ودرجة حرارته,
وكلّ هذه التغيّرات تدلّ على تغيّر في وظائف الجهاز العصبي التلقائي، والذي بدوره يؤثّر على أعضاء الجسد الأخرى ووظائفها، خاصّة الأعصاب والخلايا المخيّة، ولذلك توجد احتمالات لا نهاية لها للتأثيرات الفيزيولوجيّة التي يمكن أن يحدثها القرآن الكريم. (1/32)
صفحة 33
إنّ الكيفيّة التي يتمّ بها تغذيّة الدماغ بالمعلومات هي الحواس، وهي الطريق الوحيد الذي خلقه الله - عز وجل - في جسم الإنسان ليؤدّي دوره بشكل فعّال وبكلّ قوّة، وبدون هذا الطريق لا يمكن للمعلومات أن تصل إلى الدماغ، ولكي تحدث التغيّرات المفيدة في خلايا الدماغ وأعصابه يجب أن تكون الحواس مرهفة وحادّة، وأن يكون المرء في حالة يقظة تامّة وانتباه تامّ، وأن تكون الحالة العاطفيّة ودوافعها والجوّ المحيط بالشخص مساعدة على التعلّم والحفظ.
وكلّ هذه العوامل والأمور العديدة قد جعلها العلماء من آداب تلاوة القرآن الكريم.
إنّنا كلّما تعلّمنا آية جديدة، أو حاولنا قراءة نصيب من القرآن الكريم، وخاصّة إذا كان ذلك عن ظهر قلب، وبدون مصحف، فإنّه تتكوّن داخل أدمغتنا خطوط اتّصال جديدة بين الخلايا العصبيّة، أو تنشط وتتحرّك نفس الأعصاب التي تحرّكت عندما قرأنا نفس الآية من قبل، ونتيجة لذلك تتوسّع التفرّعات العنكبوتيّة الشكل التي هي عبارة عن مجسّات استشعاريّة تنبثق من جدع العصب، فيحصل بذلك نموّ عصبيّ، ممّا يعني أنّ الخلايا العصبيّة والأعصاب الدماغيّة تتعرّض لتغيّرات في الشكل والوظيفة، عندما تشارك هذه الخلايا في حركة الاتصالات الخلويّة الداخليّة النشيطة.
وهذا التغيير لا يحصل ولا يكون إلاّ إذا كانت الأعصاب هادئة وغير متوتّرة بأيّ تأثير نفسي يقع عليها.
والحمد لله أنّ القارئ للقرآن ترتاح نفسه، وتمتلئ هدوءا وطمأنينة ممّا يجعل تلك الأعصاب في كامل راحتها وهدوئها، والخلايا في كامل استعدادها لتلقّي أيّ معلومة تلقى إليها.
وقديما أبدى "أفلاطون" رأيه في الذاكرة، وقال: (1/33)
صفحة 34
«إنّها تنتمي إلى حياة النفس، فعلى حسب الحالة التي تكون عليها النفس يكون عمل الذاكرة، سواء في القوّة، أو الضعف، فالذاكرة في رأيه لا تعود إلى الإحساس، وليست القوّة الحاسة هي القوّة المتذكّرة، لأنّه لو كانت الملكتان واحدة ـ الحاسّة والمتذكّرة ـ لوجب أن نحسّ الأفكار العلميّة التي نحفظها مثلما نتذكّرها، ولو كانت الذاكرة قوّة حاسّة لأصبحت المعلومات التي نتعلّمها تشغل حيّزا كبيرا داخل الإنسان».
وممّا يؤكّد اختلاف الذاكرة عن الإحساس كما يقول الدكتور "حريزي موسى" «أنّ المكفوفين والصمّ، وهم فاقدوا إحساس البصر وإحساس السمع، ومع ذلك فهم يتمتّعون بذاكرة قد تفوق ذاكرة المتمتّعين بتلك الحواس».
إنّ التعلّم لا يؤدّي إلى زيادة أو نقص عدد نقاط الاشتباكات بين الخلايا العصبيّة وحسب، بل يؤدّي كذلك إلى تغيير وتعديل قوّة تلك الاتصالات أيضا.
وليس هناك أسلوب قويّ في روحه، وفي تأثيره في الخلايا المخيّة أكبر وأفضل من القرآن الكريم، كلام الله - سبحانه وتعالى - المليء روحا من عند ربّ العالمين، فهو يغيّر ويعدّل قوّة الأعصاب التي تربط بين الخلايا العصبيّة، فتصبح قويّة نشيطة، في حالة جيّدة، مستعدّة لتمرير معلومات كثيرة وبصفة جيّدة، وكذلك الخلايا بدورها تصبح أكثر استعداد لاستقبال معلومات ومعلومات كثيرة ومتنوّعة.
وقد تمّ قياس التغيّرات التي تحدث في مراكز الاشتباك العصبي التي هي عبارة عن ثغرات بين الخلايا، وفيها يتمّ تبادل المعلومات واتّخاذ القرارات بتوجيه الخليّة العصبيّة إلى العمل في مواجهة موقف ما أو الاستعداد لتلقّي معلومات جديدة.
الأثر المهدّئ لكلمات القرآن
ومن هنا نتوصّل إلى أنّ الأثر القرآني المهدّئ للتوتّر يمكن أن يؤدّي إلى تنشيط مراكز الاشتباك العصبي، والتي بدورها ستحسّن من قابليّة التلقّي والتخزين لمختلف المعلومات. (1/34)
صفحة 35
وكلّ التجارب التي أجراها العلماء والمتخصّصون تشير إلى أنّ كلمات القرآن بذاتها وبغضّ النظر عن مفهوم معناها لها أثر فيزيولوجي مهدّئ للتوتّر في الجسم البشري.
وبرنامج البحوث القرآنيّة ما زال مفتوحا ومستمرّا لتحقيق عدد من الأهداف الكثيرة التي يريد العلماء أن يعرفوها ويحقّقوها بمنظار علمي تطبيقي.
وقد وجد علماء مصريّون أنّ الاستماع إلى القرآن الكريم عند تلاوته وتجويده بين الحين والآخر يسبّب تغيّرات إيجابيّة على الصحّة النفسيّة ووظائف الجسم العصبيّة، سواء كان الشخص المستمع مسلما، أو غير مسلم.
كما لاحظ الخبراء في إدارة المستحضرات الطبّية واللقاحات عند دراسة نشاط جهاز المناعة في جسم الإنسان وقدرته على التخلّص من الأورام والأمراض المستعصيّة والمزمنة، في تجربة أجروها على 210متطوّع أصحّاء ممّن يعرفون اللغة العربيّة أو لا يعرفونها، وكانت أعمارهم تتراوح بين 17سنة و 40سنة، وقد استمعوا جميعا لآيات من الذكر الحكيم تتلى عليهم خلال 42جلسة علاجيّة، وتبيّن أنّ 79% منهم وقعت له تغيّرات وظيفيّة إيجابيّة وانخفاض في الاستجابات العصبيّة التلقائيّة الذاتيّة المصاحبة للتوتّر.
وقد تبيّن لهؤلاء العلماء أنّ التوتّر يسبّب انخفاض نشاط الخلايا المناعيّة في الجسم، ويُضعف قوّتها وقدرتها على إعاقة نمو الجراثيم والخلايا الخبيثة من خلال تحفيز إفرازات مركّبات معيّنة، أو تنشيط تفاعلات سلبيّة بين الجهاز العصبي والغدد الصمّاء، وهذه الحالة تؤدّي إلى حدوث خلل في التوازن الوظيفي الداخلي في الجسم.
قال الباحثون:
«إنّ الأثر المهدّئ للتوتّر الذي يمتاز به القرآن الكريم يشمل تنشيط الوظائف المناعيّة لمقاومة الأمراض ورفع كفاءتها بنسبة 65% وزيادة فعاليتها من خلال تكوين الأجسام المضادة في الدم والتي تعتبر ضروريّة للتصدّي للأمراض وتحقيق الشفاء منها». (1/35)
صفحة 36
ولا يزال هذا الموضوع في بداية أبحاثه، ولو اختصّ بعض العلماء والباحثين في إجراءات التجارب وتطبيق علاج التوتّرات بالاستماع إلى القرآن الكريم، لتوصّلوا إلى نتائج باهرة حقيقيّة لأنّ الله - عز وجل - منزّل القرآن ومعلّمه، وخالق الإنسان وعلّمه البيان هو الذي أخبر بهذه الحقائق، وقد أنزله لأجل هذا المخلوق.
والعجيب حقّا أنّ الاستماع إلى القرآن الكريم يزيل التشتّت والضجر والنسيان السريع بعكس الاستماع إلى أيّ شيء آخر.
ولا شكّ أن إزالة التشتّت وعدم النسيان السريع من الأسباب الإيجابيّة لتكوين ذاكرة قويّة حديديّة.
الخطوات الحسنة للاستفادة من القرآن
وقد وضع العلماء خطوات حسنة يتّبعها كلّ من يريد أن يستفيد من الاستماع إلى كلام الله - عز وجل - استفادة جيّدة، وتعطي له نتائج ملموسة وأفضل، وليكون الإصغاء إليه أكثر فائدة ومنفعة.
ومن هذه الإرشادات المحافظة على سلامة حاسّة السمع، والتي يجب أن تكون دائما سليمة، وغير مسدودة بالشمع، ولا بأس أن نشير إلى فائدة الوضوء في التنظيف المستمرّ للحواس، الذي أمر به ربّنا - عز وجل - قبل كلّ صلاة، وما ذلك إلاّ لينظّف المؤمنون حواسهم فتبقى خاليّة من الأوساخ والأتربة طوال الوقت، لأنّها من الوسائل الأساسيّة لتنميّة الذاكرة وتقويّتها.
وقد جعل العلماء من آداب تلاوة القرآن استحباب التوضّؤ، وبهذا يجلس القارئ إلى التلاوة وهو نشيط، وحواسه نظيفة خاليّة من أيّ شائبة قد تعوقها.
ومن شروط الإصغاء الجيّد أن ندرّب حاسّة السمع على ممارسة الإصغاء بعناية لكلّ الأصوات التي نسمعها في محيطنا، ونحاول فهمها جيّدا، وأن نتدرّب على التركيز على الأصوات الأكثر أهمّية.
وقد ذكر العلماء لزوم التحلّي بآداب الإنصات، وذلك للمتعلّم والمستمع، وقالوا بأنّ الاستماع والإنصات هما أمران من أوامر الله - عز وجل - واجبة بقوله - سبحانه وتعالى -: (1/36)
صفحة 37
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ــ 204]
كما أنّه وسيلة من وسائل التدبّر والانتفاع بهدي القرآن الكريم، والذي هو من أكبر الرحمات، كما أنّه من الوسائل المساعدة على الحفظ والإتقان، وهو وسيلة كذلك للفهم والوعي والإتّباع.
وذلك كما يقول - سبحانه وتعالى -:
- {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} ... [الزمر ــ 18]
والاستماع الذي يحبّه المولى - عز وجل - متمثّل في كفّ العبد لجميع جوارحه عن ما سوى القرآن قراءة أو استماعا، فلا يُشغل قلبه عمّا يسمع، كما لا يلهيه أيضا بما يرى، فيلقي بكامل تركيزه في سبيل الفهم الذي هو المعبر والبوّابة للتطبيق والعمل.
قال الله - عز وجل -:
- {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ... [المزمّل ــ 04]
وقال - عز وجل -:
- {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} ... [القيامة ــ 16]
إنّنا نجد في هذه الآيات إشارة إلى أصول التلاوة وأسسها، وآداب الاستماع إليها ومنها توضيح الألفاظ والحروف، وعدم الاستعجال في القراءة، لأنّ ذلك أنقى وأنفع على استعمال جهاز الذاكرة، فهو يساعد على الحفظ الجيّد والسريع.
وكلّ ذلك يضمن القراءة السليمة بدون أخطاء، ويشجّع المتعلّم على إثارة الدافع إلى تعلّمها بسرعة، ويساعد ذلك في توفير السكينة والخشية التي يكوّنها القرآن الكريم في نفس قارئه ومستمعه.
ولأنّ ذلك ممّا يعين على إطلاق العنان للفكر وهو يتلوه أو يسمعه في تدبّر كامل، ويهتمّ به اهتماما كليّا، فيكون نتيجة لذلك تقويّة فكره وتنشيط ذاكرته.
كما أنّ للانتباه والإنصات الجيّد أهميّة كبيرة وارتباط وثيق بالقدرة على التركيز والإدراك، ومحاولة الفهم الجيّد الذي هو قاعدة ذهبيّة للحفظ المتقن والسريع. (1/37)
صفحة 38
وقد أثبت العلم بأنّ السمع مرتبط بالقلب بصفة مباشرة.
وعلى القارئ أو المستمع أن يحرص قدر استطاعته أن يظلّ يقظا أثناء الاستماع أو القراءة، لأنّ ذلك يضمن له تشغيل شقيّ مخّه في وقت واحد، وبنفس القوّة، وبذلك يستطيع من جهة أخرى أن يغذّي عقله تغذيّة فكريّة كاملة قويّة، وأن لا يعطي لأيّ عامل آخر من العوامل الأخرى فرصة ليشتّت له فكره وتركيزه.
وعليه أن يجلس هادئا ويركّز انتباهه على التفكير الجيّد والتمعّن في الآيات البيّنات تمعّنا كاملا.
وقد ثبت علميّا أنّ تركيبة خلايا مخّنا التي ركّبها الله - عز وجل - عليها تكون عند استماعنا إلى القرآن الكريم بتركيز وانتباه حيّة نشيطة وسعيدة حتّى أثناء فترات الضغط عليها.
فالقرآن يهدّئ النفوس المضطربة والمتوتّرة، فيحمي خلايا المخّ من التوتّر الذي يسبّب ضمورا خطيرا فيها، أو يقلّل من كفاءتها وحيويّتها.
وثبت كذلك أنّ خلايا المخّ تتوقّف عن الضمور والتناقص بعد دوام الإستماع إلى القرآن الكريم لفترة من الوقت يوميّا، ولا بدّ أنّ هناك فوائد أخرى كثيرة لا يعلمها إلاّ منزّل هذا القرآن الذي أنزله مليئا بالفوائد والحسنات النفسيّة والمادّية لمن يحافظ على تلاوته والاستماع إليه، لأنّه يملأ القلب بردا وسلاما.
ومن هذه الفوائد التي يتحصّل عليها المحافظ على كتاب الله - عز وجل - زيادة القدرة على التركيز واستدعاء الذاكرة بما يتلو من آيات بيّنات في مختلف المواضيع، بحيث توفّر له فضاء رحبا للتأمّل، كيف لا والله تعالى هو الذي أمره بذلك، وما أكثر الآيات التي يأمر فيها عباده بالتفكّر والنظر والتفقّه والتذكّر وغيرها كثير.
- {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ... [آل عمران ـ191]
- {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف ـ176] (1/38)
صفحة 39
وهو كذلك يعينه على القيام بعمليّات ذهنيّة لم يكن قادرا على القيام بها من قبل.
إنّ الباحثين قد أثبتوا أنّ تلاوة القرآن الكريم أو الاستماع إليه يهدّئ أعصاب الإنسان المصاب بالأرق، بحيث يتحصّل على مقدار كاف من النوم، ولا يعزف عن الطعام، ويوفّر له حالة من الاسترخاء تجعله قادرا على العمل بكلّ قواه التي وهبها الله - عز وجل - له.
وقد لاحظ العلماء المهتمّين بدراسة هذه المعجزة (القرآن) من كلّ جوانبها وخاصّة في لفظها وتركيبها وبيانها أنّ موضوعاتها مهمّة وعميقة، لا يستطيع أحد أن يتوصّل إلى إدراك كنهها وحقيقتها إلاّ بتركيز عميق، ذلك التركيز العميق الذي يوصل إلى التدبّر الجيّد الذي أمر الله به، والتدبّر بدوره يوصل إلى فهم بعض الدلالات العميقة التي ضمّنها ربّنا - عز وجل - في آيات كتابه الكريم.
الجمال التوقيعي للقرآن الكريم
فبالنسبة للفظه وتأليف حروفه وكلماته، نجد أنّ نظمه وجرسه ــ عندما يقرأ بترتيل صحيح ــ له وقع مؤثّر غاية التأثير على النفس، فله جمال توقيعي يأخذ بمجامع القلوب، من توزيع الحركات والسكنات والمدّات والغنّات، والاتصالات والوقوف، وهذا ما لا يمكن أن نجده في غيره من الكتب.
ولذلك أمر الله - سبحانه وتعالى - أن يقرأ بترتيل وبدون عجلة أو سرعة، وكذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - يأمر بذلك في كثير من أحاديثه:
فعن البراء بن عازب ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«زيّنوا القرآن بأصواتكم». ... رواه أبو داود
وقال الألباني: صحيح.
وعن سعد بن أبي وقّاص ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن». ... أخرجه أبو داود.
وعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
» ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبيء أن يتغنّ بالقرآن». ... رواه البخاري.
يقول الدكتور {محمّد عبد الله دراز}: (1/39)
صفحة 40
«أوّل ما يلاقيك ويسترعي انتباهك من أسلوب القرآن الكريم، خاصيّة تأليفه الصوتي في شكله وجوهره.
دع القارئ مثل {عبد الباسط أو السديس} يقرأ بقواعد التجويد، ويرتّله حقّ ترتيله، ثمّ انتبذ منه مكانا قصيّا، لا تسمع فيه إلى جرس حروفه فقط، ولكن تسمع كذلك حركاتها وسكناتها، ومدّاتها وغنّاتها، واتصالاتها وانقطاعاتها، ثمّ الق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتيّة، وقد جُرّدت تجريدا في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب، لا تجده في كلام آخر مهما كان نظمه، أو جُِوّد هذا التجويد.
سوف تجد اتسّاقا وائتلافا يسترعي من سمعك ونفسك ما لا يسترعيه أيّ كلام آخر منظوم من شعر أو موسيقى أو أيّ فنّ من الفنون، على أنّه ليس بأنغام الموسيقى، ولا بأوزان الشعر، ذلك أنّك حين تسمع القصيدة من الشعر، فإذا هي تتّحد في أوزانها، بيتا بيتا، وشطرا شطرا، فلا يلبث سمعك أن يمجّها، وطبعك أن يملّها إذا أعيدت وكرّرت عليك بتوقيع واحد.
بينما أنت من القرآن الكريم أبدا في لحن متنوّع ومتجدّد، تنتقل فيه بين أوتار وأوزان وفواصل، وذلك على أوضاع مختلفة يأخذ منها كلّ وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا تملّ منه على كثرة ترداده ولا تسأم، بل لا تفتأ، ولا تلبث تطلب منه المزيد».
وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:
«وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه». ... رواه الترمذي
هذا الجمال الصوتي التوقيعي الذي ضمّنه ربّنا - عز وجل - في كلامه الكريم لا يخفى على أحد ممّن يسمعه، ولو كان من الذين لا يعرفون اللغة العربيّة. (1/40)
صفحة 41
ومع جماله التوقيعي، هناك جماله التنسيقي في رصف حروفه وتأليفها من مجموعات مؤتلفة مختلفة، ممّا يزيد من قوّة تأثيره على المشاعر، ولولا الإطالة لذكرنا بعض مواضع حروف الجرّ، وحروف العطف، التي ذكرها المفسّرون، وهي لا تعدّ.
فتنظيم حروفه ورصفها، وترتيب أوضاعها فيما بينها في اتّساق عجيب:
هذا يصفّر، وذاك ينقر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفس، وآخر يحتبس عنده النفس، وهلمّ جرّا، فترى الجمال اللغوي ماثلا أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة.
لا تجد فيه كركرة (إعادة الشيء مرّة بعد مرّة)، ولا ثرثرة، ولا رخاوة (استرخاء ولين)، ولا معاظلة (تعقيد الكلام)، ولا تناكر ولا تنافر (تنافر بين الحروف)، فترى كلاما ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه، وقد امتزجت فيه جزالة البداوة وفخامتها برقّة الحضر وسلاستها، وقد قدّر فيه الأمر تقديرا، حيث لا يبغي بعض الحروف على بعض.
إنّك تجد القرآن مليئاً بالنشاطات التي يختصّ بها كلّ واحدٍ من جانبي المخّ، (الأيمن والأيسر) وربّما لا نستطيع أن نفصّل كلّ ذلك تفصيلاً، ولكن سنذكر ذلك ونبيّنه في كتابنا ـ تأثير القرآن على جانبي المخّ ـ إن شاء الله تعالى.
يقول الله - عز وجل -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ... [الأنفال ــ 24]
فقد جعل الله - عز وجل - الحياة الروحيّة والنفسيّة لهذا المخلوق الضعيف في القرآن وبالقرآن، لأنّه - عز وجل - قد أودع فيه الطاقة اللازمة لإحياء كلّ خليّة من خلايا جسده، وخاصّة حياة قواه العقليّة والفكريّة التي تتعامل معه أكثر من أيّ ناحيّة من النواحي الأخرى في الجسد. (1/41)
صفحة 42
ومن المعجزات التي أودعها ربّنا - عز وجل - في كلامه أنّه إذا قرأه أيّ إنسان بصوته، فإنّه يتأثّر به أكثر ممّا لو سمعه بصوت شخص آخر غيره، وما ذلك إلاّ ليعتمد كلّ شخص على قراءته، لأنّ لصوته أعظم التأثير في نفسه من أيّ صوت آخر غيره، خاصّة وأنّه هو وحده الذي يعلم ما يشتكي منه، وما هو العضو الذي يريد علاجه، فينوي علاج ذلك الألم الذي يشتكي منه، ويركّز عليه بنفسه، ويدعو ربّه بنيّة صادقة كي يشفيه منه.
بينما لو لجأ إلى شخص آخر كي يقرأ عليه آيات الشفاء، فإنّه لا يتأثّر بالدرجة التي يتأثّر فيها بصوته هو، لأنّه عند قراءته بخشوع فإنّه يتضرّع إلى ربّه بكلّ طاقاته الداخليّة كي يرفع عنه الهمّ والحزن الذي هو فيه، وهذا ما يريده ربّنا منّا، وهو أن نعترف بذنوبنا، فنستغفره ونتوب ونتضرّع إليه، بينما عند الاستماع إلى غيره وهو يقرأه عليه، فلابدّ أن يغفل شيئا ما، ويسرح بفكره في شيء آخر، فلا يحصل له الأثر الكامل والعميق.
والدليل على ذلك هو ما توصّل إليه العلماء حيث وجدوا أنّه إذا لجأ المريض إلى إنسان تقيّ ومخلص في عبادة الله، وكان له صوت خاشع، فإنّ التردّدات الصوتيّة الصادرة عنه تؤثّر فيه أكبر ممّا لو سمع تلاوة شخص آخر عادي.
وما ذلك إلاّ لأنّه يعتقد فيه الخير والصلاح، وأنّه مقبول عند ربّه أكثر من أيّ شخص آخر، فيعتقد بنسبة كبيرة أنّ قراءته ودعاءه مقبولان عند الله - عز وجل -.
وربّما يظهر هذا ويؤكّد مدى تأثير التصوّر الذهني الذي يبني عليه الشخص اعتقاده في أنّ ذلك الشخص نقيّ طاهر، وأنّه مستجاب الدعاء، وذلك تماما كما يختار الناس بعض الأطباء لمعالجتهم ويثقون في طريقة علاجهم أكثر من غيرهم، وربّما يسافرون إليهم من مسافات طويلة، وما ذلك إلاّ نتيجة للتصوّر الذهني الذي تكوّن لديهم بأنّ الشفاء سيكون بواسطة علاجهم. (1/42)
صفحة 43
والغريب حقّا كذلك هو ما توصّل إليه العلماء من تأثّر النبات بصوت تلاوة القرآن، وزيادة حيويّته وقوّة ونماءه.
فقد قام باحث من دولة عربيّة مختصّ في علم فزلجة النبات، واشتهر بتجاربه العلميّة الرائدة.
وهذه التجربة قد أكّدت حقيقة إعجاز كثير من الآيات التي ذكرها ربّنا - عز وجل - في القرآن في موضوع تسبيح النبات وجميع المخلوقات والسجود لربّ العالمين، مثل قوله - عز وجل -:
- {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} ... [الإسراء ــ 44]
وقوله - عز وجل -:
- {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحجّ ـ 18]
- {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} ... [النور ــ 41]
يقول هذا الباحث:
«النباتات مثل الإنسان تماما وكالأجرام السماويّة، ومثل مخلوقات الله الأخرى تشعر، وتحسّ وتتأثّر بما يقع حولها من التأثيرات الإيجابيّة، أو العكس، فتستجيب إيجابا، أو سلبا لما حولها من المؤثّرات الخارجيّة المختلفة».
وقد أجرى في حديقة كليّة العلوم التي يدرّس فيها تجربته، وذلك عام (1997م)، وهيأ فيها أربعة بيوت بلاستيكيّة موحّدة في حجمها، وملأ هذه البيوت بكميّات متساويّة من التراب، وغرس فيها بدور الحنطة من نوع واحد، وبكميّة واحدة، إلى عمق معيّن واحد، وتمّ تسميدها بنوع معيّن من السماد، وبكميّات متساويّة، وسقيت جميعها بنوع واحد من الماء، وبكميّات متساويّة كذلك. (1/43)
صفحة 44
اختار إحدى الطالبات لتقرأ السور القرآنيّة التالية [الفاتحة، وآية الكرسي، ويس، والإخلاص، والمعوّذتين] مرّتين في الأسبوع على البيت الأوّل.
وللبيت الثاني كلّف طالبة أخرى أن تأتي بنبات وتمزّقه، وتعذّبه أمام النبات المغروس، وأن تقطّع أوصاله، وأن تذكر كلمات قاسيّة نابيّة أمام هذا النبات، مرّتين في الأسبوع كذلك.
وكلّف طالبة ثالثة بضرب نبات البيت الثالث وتعريض أوراقه للقصّ.
أمّا البيت الرابع فقد ترك نباته على حالته دون تعريضه لأيّ تأثير خارجي، فبقي ينمو نموّا طبيعيّا، وأطلق عليه اسم ــ الضابط ــ فكانت النتائج مبهرة، ربّما لا يصدّقها كثير من الناس.
كانت النتيجة التي عرضها في مؤتمر علمي: أنّ نبات البيت الذي تعرّض لاستماع قراءة القرآن الكريم إزداد طوله بنسبة: 44% عن طول النبات الضابط في البيت الرابع الذي ترك على حالته، وازدادت كميّة غلّته بنسبة 140% عن غلّة البيت الرابع (الضابط).
أمّا البيت الثاني والثالث اللذان تحمّلا التعذيب، أو رأيا التعذيب فقد تدنّى طول نباتهما بنسبة 35% وهبط إنتاجهما إلى 80%.
ألا يعتبر هذا هو التفسير العلمي والحقيقي للبركة، فحينما يزرع المؤمن وهو يقرأ القرآن الكريم بنفس طيّبة، ويذكر الله تعالى دائما، فهذه القراءة وهذا الذكر أمام النبات يزيد في الغلّة.
ولكن ويا للأسف فإنّ هذا القرآن الذي أنزله الله - عز وجل - منهاجا للإنسان، قد غفل عنه كثير من الناس، ولم يستفدوا منه تلك الفوائد التي أنزله الله من أجلها، والنبات قد استجاب له وتأثّر به التأثير العميق المفيد، فكانت النتائج باهرة، لا يكاد يصدّقها هذا الإنسان نفسه، وهو المكرّم المفضّل، وقد سخّر له ربّه جميع ما في السماوات والأرض، وهذا النبات نفسه قد خلق من أجله.
قال الله - عز وجل -: (1/44)
صفحة 45
- {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ... [الحشر ــ 24]
وما هنا كما قال المفسّرون هي لغير العاقل.
وقال الله - عز وجل -:
- {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}
[الرحمان ــ6ــ7]
فإذا كان هذا هو شأن النبات والجمادات مع القرآن الكريم، فكيف يكون شأن الإنسان العاقل الشديد الإحساس معه يا ترى، إذا هو اِهتمّ به، خاصّة وهو المعنيّ الأوّل والأخير به قبل أيّ مخلوق آخر مهما كانت صفته وقيمته، وهو الكتاب الذي يهديه للتي هي أقوم.
ولكن الإنسان في حالته الحاضرة مع كلام ربّه - عز وجل - يصدق فيه قوله - سبحانه وتعالى -.
- {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}
[الفرقان ــ 30]
والقرآن بتلاوته والاستماع إليه يشفي من جميع الأمراض، سواء العضويّة منها أو النفسيّة، وهذا ممّا لا شكّ فيه، لأنّه من تقرير ربّنا - عز وجل -، فهو القائل وقوله الحقّ.
- {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء ــ 82]
فهو تعالى لم يقل لنا فيه شفاء من مرض كذا، أو كذا، بل شفاء لكلّ الأمراض، خاصّة بعد أن توصّل العلماء إلى الحقيقة التي لا شكّ فيها، بأنّ التردّدات الصوتيّة تؤثّر على خلايا الدماغ، فمنها ما ينشط هذه الخلايا ويبعث فيها النشاط والحيويّة، فتصبح في حالة جيّدة، قويّة تستطيع معها مقاومة الأمراض المختلفة والأعراض التي تعترض الإنسان في كلّ حالاته. (1/45)
صفحة 46
وفي تجربة قام بها عالم ياباني توصّل من خلالها أن الماء يتأثّر كذلك بالتردّدات الصوتيّة للشخص الذي يقرأ عليه، ويختزن المعلومات وتلك التردّدات التي ألقيت إليه، وذلك من خلال تغيّر تركيبات ذرّاته في أشكال عجيبة يحار فيها العلماء أنفسهم، ومن هنا نستطيع إثبات الرقية للمريض في الماء، ثمّ يُؤمر بعد ذلك بشرب ذلك الماء، أو الاغتسال به طلبا للشفاء.
ولكن أساس كلّ ذلك هو النيّة الطيّبة، والاعتقاد الجازم والحقيقي بأنّ كلام الله - عز وجل - فيه هذه المعجزة التي تشفي بإذنه - عز وجل -، وهذا ما ينقص أغلبيّة المسلمين في هذا العصر الذي طغت فيه الماديّات، فأصبح الإنسان يعتمد على تلك الأدويّة المادّية فقط، ولا يثق في الدواء الروحي الذي أنزله الله - عز وجل - في كتابه، وأنّه قد جعل الشفاء في الرقية الشرعيّة.
القرآن المعجزة
إنّ كلّ آية بل كلّ كلمة في كلام ربّنا - سبحانه وتعالى - هي عبارة عن قوّة وهبها لخلايا عقولنا لتنمّيها وتقوّيها، فتجعلها تطلق الجديد من العلم والإبداع مع كلّ معنى جديد تستفيده من تلك الآية، أو تلك الكلمة.
والدليل على ذلك التفاسير الكثيرة والمتعدّدة لكلام الله - عز وجل -، حيث إنّ كلّ مفسّر يأتي بمعنى جديد لم يدركه المفسّر الآخر، أو ربّما عدّة معاني، وكلّ واحد منهم قد اختص في مجال من المجالات التي تضمّنها كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وهذه هي الأنوار التي يحملها كتاب ربّنا القرآن الكريم، فهو نور على نور. (1/46)
صفحة 47
وعلى كثرة ما ألّفه العلماء وكتبوه في مجال خدمة كتاب الله - عز وجل - يبقى القرآن زاخرا بالعجائب، ممليئا بالمعجزات، يطالعنا من حين لآخر بما يبهر العقول، ويحيّر الألباب بما فيه من الإشراقات الإلهيّة والنفحات النورانيّة والقوى الروحيّة التي تزيد هذه القوى العقليّة والفكريّة لدى العلماء قوّة ونموّا، ليستخرجوا مكنوناته ودرره، ومع ذلك فلا يزالون يقفون على ساحله، يرتشفون من معينه الصافي، ولا يرتوون.
- {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ... [لقمان ـ 27]
إنّه الكتاب المعجز الذي سيظلّ يمنح الإنسانيّة من علومه وأسراره وحِكمه، ممّا يزيدها قوّة في عقلها وإبداعا في تفكيرها، خاصّة في هذا العصر الذي تبحّر العلماء في اكتشاف إعجازاته المتنوّعة في كلّ الاختصاصات.
فكلّ مفسّر ينكشف له نور جديد، وهذا يبيّن جيّدا لأصحاب هذا الكتاب وهم المسلمون أنّ الانقطاع عن تدبّر وفهم كتاب ربّهم، يكون بسبب الجهل الأعمى، أو اقتناع الأشخاص بأنفسهم بأنّهم قد عرفوا واطّلعوا على كلّ شيء، وهذه النتيجة هي بسبب انغلاق النفوس البشريّة على ذواتها، وتكبّرها وغرورها بما عندها من العلم.
- {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ... [غافر ـ 83] (1/47)
صفحة 48
لقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - هذا القرآن على هذه الكيفيّة المعجزة من الترابط فيما بين آياته جميعا ليقوم بدوره في ترقيّة وتقويّة ذاكرة كلّ من يتعامل معه معاملة طيّبة، معاملة منسجمة، ومعاملة مدروسة وموجّهة، وبهذا ينسجم مع كلام ربّه انسجاما حقيقيّا وصحيحا، ممّا يحقّق له الانسجام مع الكون بأكمله، هذا الكون الواسع الذي خلقه ربّنا، منزّل الكتاب ومضمّنه كلّ ما يدلّ على مكوّناته، حتّى يصبح من يتدبّره، ويفهمه هو سيّد الكون كلّه، والمسيطر عليه.
أثر القرآن في تقويم السلوك
إنّ ما رأيناه من قبل في تقويم القرآن لسلوك النبات، وزيادة الاطمئنان فيه ممّا جعله يزيد ويحسّن من إنتاجه إلى أضعاف مضاعفة، ونحن البشر نظنّ أنّه لا يعقل ولا يحسّ ولا يشعر، ولكن في الحقيقة هو ليس كذلك بالكليّة، فكيف يا ترى تكون بركته في الكائن الحيّ الذي يعقل ويحسّ ويشعر، وخاصّة في الخلايا المخيّة التي تحفظه، وتواظب على تلاوته، وتعتني بتدبيره.
وربّما يظنّ الواحد منّا أو يقول إذن عليّ أن أتلو القرآن، وأتدبّره، وبذلك أصبح عالما.
إنّ صاحب هذا النبات الذي قرئ عليه القرآن كان قد هيّأ له كلّ الشروط اللازمة لينمو في جوّ جيّد ومناسب، فقد ملأ تلك البيوت بالتربة الصالحة، وبكميّات متساوية، وملأها بالسماد الجيّد والقويّ الذي يبعث فيه النشاط والحيويّة لكي ينمو بقوّة، وسقاها بالماء الصافي والكافي الذي يحتاجه، وحتّى النبات الذي لا يقرأ عليه القرآن لم يتركه بدون تربة، أو سماد، ولم يتركه بدون توفير الماء اللازم لنموّه.
وكذلك فإنّ خلايا المخّ وأعصابه تشبه النبات الذي تأثّر بالقرآن الكريم، فالنبات تسري فيه الحياة، وكذلك الخلايا المخّية تسري فيها الحياة، ما دامت تكوّن عضوا من أعضاء الكائن الحيّ، وهو الإنسان، فهي تملك القدرة الكبيرة للتأثّر بالقرآن، فيتضاعف إنتاجها ويزداد. (1/48)
صفحة 49
نعم يزيد استيعابها، وبالتبع يزداد إنتاجها، وهذا إذا ما سقيت بالماء النظيف الجيّد الذي يكون بها حياتها، وماء الخلايا الذي تتقوّى به، كما يتقوّى النبات ويزدهر بالماء هو الرزق الحلال النظيف الذي إذا ما غذّي به الجسم، فإنّ الله - عز وجل - يجعل فيه البركات الكثيرة والوفيرة، ولا بدّ أن يكون بنسبة متوازنة، كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا ــ النجاح عن طريق تقويّة الذاكرة ــ.
وتربة الخلايا المخّية التي غرسها فيها الخلاّق العليم هو جسم الإنسان وروحه، فإذا كان الجسم سليما وصحيحا قويّا، فإنّ خلايا المخّ كذلك بالتبع تكون سليمة وصحيحة.
والمثل يقول: العقل السليم في الجسم السليم.
وممّا يتبع التربة الواقع الاجتماعي، فإذا كان صالحا فستنبت فيه الخلايا بصفة حسنة، وإذا كان غير صالح فإنّ الخلايا ستتأثّر تأثّرا سلبيّا.
وأمّا السماد الذي نضيفه إلى النبات من حين لآخر، فهو بالنسبة للخلايا يشبه النصائح والتوجيهات التي توجّه إلى الشخص، وكثرة المطالعة والبحث والاستزادة من العلم، وكلّ هذا يؤثّر في الشخصيّة تأثيرا كبيرا.
ولابدّ أن نشير بعد كلّ هذا إلى أنّه يجب أن نراقب النبات والتربة، فالنبات نقلّمه من حين لآخر لننزع منه الزوائد الضارّة التي تمتصّ الماء بدون فائدة، وتأخذ من قوّة النبات نفسه، وهذه الزوائد الضارّة والأعشاب الطفيليّة التي تضرّ بالخلايا المخيّة هي المعلومات التي لا فائدة منها، والاعتقادات الخاطئة التي يملأ بها بعض الناس مساحة كبيرة من عقولهم دون فائدة، وتلك المساحة من العقل هم في أمسّ الحاجة إليها ليملؤوها بالمعلومات النافعة التي تزيد في قوّة الخلايا، وهو ما يسمّيه العلماء الغذاء الذهني الجيّد.
وقد بيّن علماء الذاكرة أنّ المؤثّرات التحفيزيّة للذاكرة تتمثّل في الغذاء الذهني الجيّد والوفير الذي يغذّي به الشخص خلاياه المخيّة على الدوام. (1/49)
صفحة 50
والحكمة تقول: إنّ امتياز وقوّة الذاكرة لا يولدان مع صاحبها، بل يصنعان.
وعلى كلّ من أراد أن يصبح عبقريّا ذكيّا ذا ذاكرة قويّة، أن يغذّي ذاكرته بالغذاء الذهني الجيّد، ويهتمّ بزيادة معلوماته، وهل هناك غذاء ذهني أفضل وأحسن من القرآن، الذي يجعله يتمكّن من الإحاطة بكثير من الأمور، ويغيّر من واقع تفكيره إلى الأفضل، بما يقرأه من الآيات التي يرشده ربّه - عز وجل - فيها إلى تحقيق الحياة الفاضلة، فيكون دائما في أخذ وعطاء، وهذه هي القاعدة الأفضل لترسيخ المعلومات وزيادتها.
فعندما يعطي الإنسان من معلوماته القديمة دون أن يزيد فيها فإنّه يتّجه نحو النقصان والضعف، وهذه العمليّة في حدّ ذاتها تضعف الذاكرة، لأنّ العقل بحاجة دائما وأبدا إلى الغذاء الذهني ما دام صاحبه حيّا يرزق، تماما كحاجة الجسد إلى الغذاء المادّي الذي يتقوّى به، والذاكرة عندما تضعف يكون النسيان هو الحاكم على الإنسان.
وقد قال العلاّمة ابن القيّم ــرحمه الله ــ في هذا الشأن:
«الفكر فيما لا يعني باب كلّ شرّ، ومن فكّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه».
وقال وهب بن منبّه: «ما طالت فكرة امرئ قطّ، إلاّ علم، وما علم امرؤ قطّ إلاّ عمل».
قيل لإبراهيم بن أدهم: إنّك تطيل الفكرة، فقال: الفكرة مخّ العقل.
قال الشافعي رحمه الله: «استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر».
وقال أيضا: «الرؤية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة».
وقال العلاّمة ابن القيّم ــ رحمه الله ــ: «أنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك، دون ما لا يعنيك، ـ وأفضل ما يعني المسلم القرآن ـ فالفكر فيما لا يعنيك باب كلّ شر، ومن فكّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه، فالفكر والخواطر والإرادة والهمّة أحقّ شيء بإصلاحه من نفسك». (1/50)
صفحة 51
وباستعمال هذه القوى العقليّة جيّدا، تصبح قويّة منتجة، ولا تبقى جامدة دون عمل، ممّا يؤدّي إلى عجزها عن الإبتكار والإبداع، فإنّ الله - عز وجل - أرشد عباده في عدّة آيات من كتابه إلى النظر والتدبّر فيما خلق وأبدع في هذا الكون بنظرة فاحصة هادفة، وبذلك ينبّههم إلى ما يوجد حولهم من مخلوقات كثيرة عجيبة يستطيعون أن يتّخذوها موضع إلهام لتلك القوى، فيملؤها بالنشاط والعمل.
ومن ذلك قوله - عز وجل -:
- {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ... [آل عمران ــ 190ــ191]
وقوله - عز وجل -:
- {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
[الرعد ــ 3]
وقال تعالى:
- {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
[الروم ــ 21]
إنّ المتفكّر في القرآن بكلّ جدّ وإخلاص، يمنح له مع كلّ معنى جديد يصل إليه بعقله وبفهمه مصباح نور ينير له خلاياه العقليّة، فتتّسع آفاق تفكيره، وتتجدّد قوّة عقله، فتزداد سعة معلوماته، خاصّة وأنّ الله - عز وجل - قد أنزل هذه الآيات، وأحكم ارتباط بعضها ببعض، وكذلك جعل المعاني القرآنيّة تمدّ القارئ المتدبّر بحقّ كثيرا من وجوه الحقيقة التي لا يستطيع هذا المخلوق الضعيف المواهب والقصير الفهم أن يدركها بنفسه دون إرشاد وعون من خالقه منزّل هذه الحقائق. وهو القائل - عز وجل -: (1/51)
صفحة 52
- {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} ... [البقرة ــ 269]
فما عسى أن تفعل تلك الخلايا المخّية أمام هذه الآيات القرآنية التي تقدّم لها كونا عجيبا مليئا بالمعلومات التي تحتاجها لتنمو وتتطوّر ولتنطلق من المسار القرآني الذي أنزله ربّنا - عز وجل - تكريما لهذا المخلوق ليصل بها إلى الدرجات العالية من الإبداع والإنتاج التي لا يعلمها إلاّ خالقها.
فربّما تجد الآية الواحدة تعبّر عن معنى جديد في كلّ موضع من مواضعها المتعدّدة التي وضعها الله - عز وجل - فيها، وإذا استعمل القارئ والمتدبّر للقرآن تفكيره جيّدا، فإنّه يفتح لعقله آفاقا متعدّدة للتفكير والعمل والاستنباط والاستنتاج، ممّا يكوّن فيه الملكة القويّة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - فيها، وفي كلّ ذلك يجدّد لخلايا مخّه نشاطها وحيويّتها وقوّتها، مع كلّ زيادة في العلم والفهم.
إنّ العلماء المختصّين في دراسة علوم القرآن ذكروا بأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل ارتباطا وثيقا في كلّ قول قرآني في القرآن كلّه.
وقد أنزل القرآن على هذا النحو ليتناسب مع تكوين القوى العقليّة لدى هذا المخلوق الذي أُنزل هذا القرآن من أجله، لأنّه قد بيّن له فيه كلّ ما يهمّه ويخصّه فيما يخصّ خلق الكون ونظامه، المرتبط مع بعضه البعض، فكلّ شيء فيه، وكلّ مخلوق مرتبط بالمجموعة التي يوجد فيها في الكون ما دام يكوّن عنصرا فيه، وكلّ عضو يتأثّر بحالة العضو الآخر الذي يوجد معه بنفس المجموعة.
وربّما يمكن أن نعتبر ذكر هذه المخلوقات والآفاق من الإدراك الشمولي، وهو من النشاط الذي يختصّ به الشقّ الأيمن للمخّ، كما ذكر ذلك الدكتور "توني بوزان" في بحثه عن نشاطات كلّ من شقّ المخّ، الأيمن والأيسر.
ونستطيع أن نستدلّ على ذلك بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (1/52)
صفحة 53
عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». ... رواه البخاري في الفتح
والله - سبحانه وتعالى - أنزل هذا القرآن على هذا الارتباط بعضه ببعض من جهة، ومن جهة أخرى ربطه بآيات الكون كلّه، ومن جهة ثالثة جعله مرتبط بالنفس الإنسانيّة ليقوم بتأثيره فيها كأحسن ما يكون في جميع نواحيها سواء الروحيّة منها أو العقليّة، أو الجسميّة، أو العاطفيّة.
فما من حقيقة يدعو إليها القرآن الكريم إلاّ وهي متحقّقة في مبناه اللفظي الذي بنى عليه ربّنا كتابه، وفي البناء المعنوي الذي يقصده تعالى من كلّ آية أنزلها، واختار لها كلّ كلمة اختيارا مناسبا ودقيقا محكما.
فالقرآن الكريم له خاصّية العطاء المتجدّد والمستمرّ، ويمكن أن يعطي في كلّ وقت أو زمان من أوقات أو أزمنة وجود هذا الإنسان في هذا الكون وجها من وجوه الحقيقة، فلكلّ حادثة حكم، ولكلّ مشكلة حلّ، لأنّه آخر الكتب التي أنزلها ربّنا - عز وجل -، فهو يساير مراحل حياة البشريّة المستمرّة على هذه الأرض إلى يوم القيامة، وهذا يكون على حسب الرقيّ العقلي والتقدّم العلمي، وتغيّر الحياة، وتعدّد وسائل المعرفة التي تغيّر من وضعيّة تفكير الإنسان، وهذا التفكير لا يقوى إلاّ عندما تقوى فيه الخلايا المخّية، وتكون صالحة لتفكير عميق وصواب.
إذن نستطيع أن نحكم بكلّ هذه الحقائق بأنّ القرآن قد أنزله الله - عز وجل - على هذا الإحكام العجيب، والذي كان الغرض منه تنميّة وتطوير التفكير لدى الإنسان، وهذا النمو المتواصل، لا يكون إلاّ بتغذيّة الخلايا العقليّة بالغذاء الذهني القوي، وهو القرآن الكريم.
قال الله - عز وجل -: (1/53)
صفحة 54
- {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ... [فصّلت ــ 53]
وقد توصّل العلم الحديث إلى كثير من الحقائق التي كان قد ذكرها القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل ألف وأربعمائة سنة تقريبا، وذلك بفضل تنميّة وتطوّر التفكير البشري، وما زال هناك مجال واسع المطاف لم يتوصّل إليه هذا العلم والله - سبحانه وتعالى - وحده يعلم متى سيصل إليها ويكتشفها، وكلّ شيء عنده بمقدار.
وآيات الله - سبحانه وتعالى - ليس لها نهاية، وسيرشد الله - سبحانه وتعالى - العلماء إلى اكتشافات أخرى لم تكن في الحسبان، تثبت للناس جميعا أنّ هذا القرآن منزّل من خالق الكون، دون أدنى ريب أو شكّ وأنّه كلامه، وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
- {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}
[فصّلت ــ 42]
إنّ هذا البحث والاستنتاج هما مهمّة الإنسان في الأرض بما زوّده من تفكير وعقل وحوّاس للكشف عن المعجزات بالتأمّل في ظواهر الكون، والتعرّف على آثاره وبديع صنعه وعظيم آياته.
فهل يستطيع أحد مهما بلغ من العلم أن يصل إلى اكتشاف كلّ الآيات المعجزة التي أنزلها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه، أو مجموعة من العلماء تعدّ بالآلاف أو الملايين، وهل نستطيع أن نحصي كم فهم العلماء من تلك الآيات إلى هذا الوقت بعد الاكتشافات الباهرة والمتعدّدة التي وصلوا إليها إلى حدّ الآن. ... والله - سبحانه وتعالى - يقول:
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ... [الإسراءـ 88] (1/54)
صفحة 55
ولئن اجتمع علماء الإنس والجنّ على أن يكتشفوا خبايا ومعجزات آيات هذا القرآن لا يكتشفونها، ولو كان بعضهم بعض معينا.
وقراءة هذا الكتاب وتدبّره وفهمه واستخراج خباياه لا تكون إلاّ بالعقل، فإذا استعمل الإنسان تفكيره في فهم آياته ومعجزاته، فإنّ الله سيعينه للوصول إلى الآراء والأفكار الكامنة فيه، وذلك ما يصحّح به طريقة تفكيره إذا كانت غير صحيحة، ويقوّيها إذا كانت غير قوّية، لأنّه ربّما كان يفكّر بطريقة بسيطة وعادية، فيدفعه كتاب ربّه إلى التفكير بطريقة قوّية ومبدعة، ومن أجل هذا كرّمه ربّه بهذا العقل، وأنزل إليه القرآن الكريم تكريما لهذا العقل.
إنّه بحقّ حكيم كما سمّاه ربّنا - سبحانه وتعالى -، لأنّه يهدي الإنسان إلى تدبير حياته بحكمة ورويّة، ويجعله يدرك الغاية منها إدراكا سليما. قال - سبحانه وتعالى -:
- {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} ... [سبأ ـ 6]
إنّ قوّة تأثير هذا القرآن في العقل البشري من حيث كونه له ارتباط معجز بين كلّ آية من آياته، من حيث مواضيعها المختلفة والمتعدّدة، وتركيبها وبلاغتها.
إنّ هذا الترابط الذي ضمّنه ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه يجدّد تفكير الإنسان ورؤيته إلى القرآن من كلّ جوانبه، وهو يصله وصلا دائما بالتعمّق في التفكير باستعمال القوى التي وهبها له ربّه بصفة مستمرّة ومتواصلة دون انقطاع. (1/55)
صفحة 56
فلئن اعتبر البشر أنّ الكلام الفني البليغ الذي ينسجونه هو غذاء نافع لخلايا المخّ، وهو سبب لقوّتها وتطوّرها، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزل إليهم هذا القرآن الذي سمّاه نورا، لينيروا به خلايا أدمغتهم، فيملؤها طاقة تعمّ تلك الخلايا، فتستمدّ منه النور اللازم لها، والذي يكفيها، فتصبح عبارة عن مصباح كهربائي تنبعث منه أشعّة من نور تضيء لصاحبها الطريق إلى التفكير الواعي القويّ والمبدع.
القرآن يؤثّر على الفكر والوجدان في آن واحد
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} ... [البقرة ـ 185]
إنّه من عجائب هذا القرآن ومميّزاته التي ينفرد بها عن كلّ كلام آخر مهما كان مصدره، أنّه يؤثّر على القوى العقليّة فيوقظها بقوّة الله - سبحانه وتعالى - وتوفيقه، فتصبح قادرة على أداء عملها على أحسن طريقة تستطيع أن تصل إليها، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلق هذه القوى على الحالة التي يريدها، فأنزل القرآن على هذه القوّة الروحيّة، والتعبيريّة، حتّى يصل بالعقل إلى أقصى درجة ممكنة يستطيع أن يبلغها.
- {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}
[العنكبوت ـ 43]
إنّه يخاطب العقل ليستثير تلك القوى التي أودعها الله - سبحانه وتعالى - فيه، ويدفعه إلى التجاوب مع ما حوله من أفكار وإبداع فيصبح يعمل بطاقة قويّة، تلك الطاقة التي يمدّها به القرآن القويّ والعظيم.
وبمخاطبته للعقل وتنشيطه إيّاه، فإنّه يتسرّب في نفس الوقت إلى الوجدان والمشاعر فيستثيرها ويدفعها لتتجاوب معه، فتتحوّل تلك القناعة العقليّة إلى إيمان قويّ يرسخ في العقل الباطن لصاحب ذلك العقل والقلب بأنّه يستطيع أن يتطوّر ويستوعب مختلف العلوم الأخرى، ما دامت هي من وحي العباد، الذين هم أدنى درجة من خالق العباد. (1/56)
صفحة 57
ومن أمثلة الآيات التي يخاطب فيها الله - سبحانه وتعالى - العقل:
- {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ... [الزمر ـ 21]
ومن أمثلة الآيات التي يخاطب فيها العاطفة والوجدان:
- {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ... [الزمر ـ 53]
وبتأثيره في عقل وعاطفة الإنسان معا، يكوّن فيه نتيجة لذلك تفكيرا واسعا ممّا يجعل خلايا مخّه تنشط وتنمو لتصبح أكثر استيعابا وحفظا لما يُلقى إليها من العلوم.
وهذا القرآن بقدرة الله - سبحانه وتعالى - ينتزع الأفكار التي يسمّيها علماء الذاكرة بالأفكار التدميريّة الهدّامة التي تضعف تفكير صاحبها فينقص تبعا لذلك ذكاؤه، ويبني مكانها أفكارا أخرى إيجابيّة متعمّقة والتي لها الأثر العظيم في سير الحياة إلى الجهة الإيجابيّة الصحيحة من بناء وتطوير، ويكوّن في الإنسان القدرة على التفكير الإبداعي، هذا التفكير الذي مكّن أبناء الأمّة الإسلاميّة من التقدّم في مختلف مجالات البحوث المختلفة، واستطاعوا أن يتركوا للبشريّة كنزا من المعرفة والعلوم في مختلف الاختصاصات.
أساليب القرآن وصلتها بعضلات المخّ
لقد بيّن المفسّر الطاهر بن عاشور أساليب القرآن في تفسيره [التحرير والتنوير] في المقدّمة التاسعة تحت عنوان:
المعاني التي تتحمّلها جمل القرآن، تعتبر مرادة بها، ... قال: (1/57)
صفحة 58
«إنّ العرب أمّة جُبلت على ذكاء القرائح وفطنة الأفهام، فعلى دعامة فطنتهم وذكائهم أقيمت أساليب كلامهم، وبخاصّة كلام بلغائهم، ولذلك كان الإيجاز عمود بلاغتهم، لاعتماد المتكلّمين على أفهام السامعين، لأجل ذلك كثر في كلامهم المجاز، والاستعارة، والتمثيل، والكناية، والتعريض، والاشتراك، والتسامح في الاستعمال كالمبالغة، والاستطراد، ومستتبعات التراكيب، والأمثال، والتلميح، والتمليح، واستعمال الجملة الخبريّة، واستعمال الاستفهام في التقرير أو الإنكار، ونحو ذلك».
هذا من كلام البشر الذين لا يستطيعون أن يستوعبوا ويطّلعوا على كلّ أفهام بني جنسهم، والأساليب التي يتأثّرون بها أكثر من غيرها، فهم يحاولون قدر المستطاع أن يستميلوا إليهم السامعين، حتّى يفهموا كلامهم ويتأثّروا به، فكيف به خالق هؤلاء البشر الذي لا تخفى عليه خافيّة، صغيرة كانت أو كبيرة، فهو خالقهم، ويعلم ما يعجبهم من الخطاب، وما لا يعجبهم، فأنزل كتابه القرآن الكريم على حسب ما يفهمون وما يميلون إليه بطبيعتهم.
أنزله على الأسلوب الذي يُعملون به عقولهم إذا اهتموا به وتدبّروه وحاولوا فهمه قدر المستطاع، ففيه كلّ الأساليب والخطابات التي تليق بتدريب وبتنميّة ذاكرتهم، ولتنشيط خلايا مخّهم، فتتأثّر بذلك قلوبهم، وتطمئنّ نفوسهم، فيهتمّوا بالبحث في مختلف مجالات العلم والثقافة، حتّى يحقّقوا لهذه الأمّة مكانتها العلميّة العالية التي أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يكون عليها المسلمون.
ويقول المثل: إنّ أمّة تقرأ هي أمّة تحيا.
والقرآن الكريم تنزيل من علاّم الغيوب، وقد أراد - سبحانه وتعالى - أن يجعله آية على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتحدّى به بلغاء العرب بأن يعارضوا أقصر سورة منه، فقد نسج نظمه نسجا بالغا في منتهى ما تسمح به اللغة العربيّة من الدقائق واللطائف لفظا ومعنى ومقصدا، بما يفي بأقصى وأرقى بلاغة إلى المنزّل إليه. (1/58)
صفحة 59
لقد جاء القرآن الكريم على أسلوب أبدع وأعجب ممّا كانوا يعهدون، وهو من جانب إعجازه يحمل أكثر من معنى من المعاني المعتادة التي يودعها البلغاء في كلامهم.
فلا غرو أن نقول بأنّ الله - عز وجل - أنزله على هذا الأسلوب، ليجعله غذاء ذهنيّا ممتازا، تتمرّن به كلّ عضلات المخّ، فتصبح قويّة صالحة لاستيعاب العلوم المختلفة الأخرى.
وهو لكونه كتاب تشريع وتأديب وتعليم، كان حقيقا بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ممّا تحتمله الألفاظ في أقلّ ما يمكن من المقدار، خاصّة وقد أنزله خالق اللغة، وخالق التعبير، وخالق آلة اللغة والتعبير. ... وهو القائل - عز وجل -:
- {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} ... [الروم ــ 22]
وهو أحقّ أن يودع فيه من المعاني كلّ ما يحتاج السامعون إلى علمه، وكلّ ما له حظّ من البلاغة، ويؤثّر على القوى العقليّة.
وإنّ أوّل ما يلفت عقل القارئ والمتدبّر لكتاب الله الحكيم صفة التذكير لقارئه وسامعيه، والتي هي من صفاته الفريدة المميّزة لأسلوبه في عرض قضاياه وإيصال رسالته، إذ يتألّف الخطاب القرآني من عبارات تثير في نفس القارئ المخلص صورا ومشاعر وأفكارا تدعوه إلى استعمال قواه العقليّة التي يتأمّل بواسطتها الأحداث، وينظر بها إلى المواقف التي يريد القرآن إبرازها، وهي تدفعه في كلّ مرّة إلى تعميق تفكيره أكثر وأكثر في بداية أفعاله ونتائجها.
ذلك أنّ القرآن الكريم لا يقوم بسرد القصص والأخبار سردا، ولا يطرح قضاياه على شكل جمل مفصّلة، تقود القارئ مباشرة نحو النتائج، بل يختار عبارات مفتاحيّة تدفع العقل المتدبّر إلى التأمّل العميق والنظر المدقّق لفهم مقاصد الخطاب وغايات العبارات. (1/59)
صفحة 60
والمشكلة الكبيرة أنّ المسلمين يتعاملون مع كلام ربّهم تعاملا سطحيّا حفظا للكلمات وتلاوتها دون تدبّر وتمعّن، لذلك لم يؤثّر في قواهم المختلفة، ولم يتحصّلوا على النتيجة المرجوّة التي أنزله الله - عز وجل - من أجلها، ولأنّهم ينظرون إلى آيات الكتاب نظرة عجل، يطلبون الأجر الكبير فقط، ويعجزون معها عن ربط الآيات ببعضها، وفهم السياق، ولذلك لا يدركون التناسق والتوافق والترابط الموجود في آيات كتاب الله المحكم.
القرآن عطاء الله - سبحانه وتعالى - لعباده
فالقرآن عطاء الله - عز وجل - لعباده، فيه ما تحبّه النفس البشريّة، ويستميلها، فهو يخاطب ملكات خفيّة في النفس، لا نعرفها نحن، ولكن منزّله يعرفها، وهي التي تحفظ للمحافظ عليه قواه المختلفة، وخاصّة العقليّة منها، لأنّه بذلك القوى العقليّة يحفظ كلام ربّه - عز وجل -، وهذه الملكات تنفعل حينما يقرأ العبد كلام ربّه - عز وجل -، وهذه الروح وهذا النور الذي ضمّنه الله - سبحانه وتعالى - فيه هو الذي يجعل النفس تشعر بالقوّة والقدرة على تحمّل ما يعترضها من الشدائد والعقبات، والتي بدورها تسبّب مختلف الضغوطات التي تؤثّر في الخلايا والأعصاب المخيّة، فتصاب بالخلل الذي يدمّرها فيفقد صاحبها بذلك ذاكرته القويّة والفعّالة طوال أيّام عمره التي كتبها له ربّه في هذه الحياة.
إنّ الله - سبحانه وتعالى - يخلق بالبركة من الشيء القليل الشيء الكثير، ومن الشيء الضعيف الشيء القويّ، ويحفظ الله - سبحانه وتعالى - تلك القوى التي سخّرها صاحبها لحفظ وقراءة كتابه الكريم.
المحور الثاني
القرآن وبناء التفكير
عالم الأفكار والتفكير (1/60)
صفحة 61
إنّ عالم التفكير والأفكار هو عالم لا شكل له، إنّه طاقة وضعها الله - عز وجل - داخل نفس كلّ إنسان، وأنزل له مولّد الطاقة، أو مكوّنا ومقويّا لها، وهو القرآن الكريم الذي إذا لامس هذا العالم الغير المرئي، عالم النفس، عالم الروح، عالم التفكير، فإنّه يبعث فيه طاقة لا يعلم حقيقتها وقوّتها إلاّ منزّل هذه الطاقة، وينفخ فيها من الروح القويّ ما لا يعلمه إلاّ منزّل هذا الروح على نبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم - الذي هو القرآن.
قال الله - عز وجل -:
- {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى ــ 52]
لقد قال بعض الباحثين بأنّ عالم التفكير والذاكرة يمكن أن يتواجد حتّى خارج النفس، ويقولون بأنّ تكرار الوقائع عدّة مرّات، والترابط بين الأحداث الواقعيّة خارج النفس يعتبر نوع من الربط بين الأفكار التي هي جوهر الكون الذي نعيش فيه.
إنّ التفكير والذاكرة والتذكّر كلّها تعتبر عمليّات متكاملة، فإذا خمدت، أو نقصت، يقع النسيان، ولكن ما هي هذه الطاقة التي تخمد أو تنقص؟
ــ هل هو نقصان طاقة النفس؟ (العقل الباطن)
ــ هل هو نقص طاقة الخلايا والأعصاب المخّية؟
ــ هل هو عدم تكوين الشفرة التي نحفظ بها المعلومات؟
ــ هل هو نسيان تلك الشفرة التي حفظنا بواسطتها المعلومة؟
ــ هل هو ضعف طاقة القلب؟
ــ أم طاقة الدورة الدمويّة؟
ــ وهل هو نقصان أو زيادة الإفرازات الغدديّة التي تعطي للخلايا والأعصاب قوّتها للحفظ والتذكّر؟ (1/61)
صفحة 62
إنّ الله - عز وجل - وحده يعلم سرّ هذه الطاقة التي تضعف، أو تخمد، أو تتغيّر داخل جسم الإنسان أو داخل نفسه، أو داخل قلبه وداخل دورته الدمويّة، أو في هرموناته، فيقع ما يقع من عدم حفظ واستيعاب المعلومات التي نريد حفظها، أو نسيانها وعدم تذكّرها، أو تقوى فينتج عنها قوّة حفظ وتذكّر المعلومات، والدليل على ذلك هو أنّنا نجد أخوين من أب واحد وأمّ واحدة، رضعا من ثدي واحد، وتربيا في بيت واحد بمعنى أنّهما قد ترعرعا في نفس المحيط، وتغذّيا بنفس الغذاء، نجدهما يختلفان اختلافا كبيرا في مواهبهما وقدراتهما العقليّة على الحفظ والاستذكار، وفي مهاراتهما.
والقرآن الكريم أنزله الله - عز وجل - ليؤثّر في هذه الطاقات كلّها، فتحافظ على توازنها وتوافقها فيما بينها، ويكون ذلك سببا لإعانتها كي تصل إلى الطريق الأقوم والسويّ. ... قال الله - عز وجل -:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ــ 9]
ويقول - عز وجل -:
- {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}
[الزمرـ 27]
إنّه يوجد في هذا القرآن الكريم الراحة النفسيّة والسكينة والاطمئنان {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وهذه الحالات ممّا يحفظ للعقل توازنه، وبذلك يصبح مستعدّا لتلقّي معلومات أكثر بكثير من صاحب النفس المضطربة القلقة.
وبذلك يصبح صاحب القرآن الكريم قويّ الذهن، وسريعا في سير العمليّات العقليّة وخاصّة الخيال البنّاء، وتكوين عمليّات الربط بصفة جيّدة قويّة.
وتكرار قراءة آيات القرآن بتدبّر وفهم يزيد في سعة الخيال الإبداعي، والتفكير السليم في جوانب الحياة الدنيويّة، والأخرويّة، ممّا يجعل الإنسان لا يتعلّق بها بصفة قويّة، وبذلك يصبح ذهنه مستعدّا لتلقّي مختلف المعلومات الأخرى التي يريد حفظها واستيعابها داخل عقله.
ترغيب المسلمين في التمسّك بكتاب الله - عز وجل - (1/62)
صفحة 63
ولتحبيب القرآن إلى قلوب أصحابه فقد كتب العلماء نصائح وإرشادات كثيرة، وبيّنوا ما في تلاوته من الثمرات التي تفرح النفس وتبعث فيها القوّة للمحافظة عليه محافظة كبيرة، ومن هذه الثمرات التي ذكروها:
1ــ أنّ الحافظ لكتاب الله - عز وجل - المداوم على تلاوته يدخل في مصّاف العظماء، وهو من أفضل الناس، وأعلاهم درجة.
2ــ يكسب القارئ عن كلّ حرف قرأه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.
3ــ تشمل القارئ ظلّة الرحمة، ويحاط بالملائكة، وتتنزّل عليه السكينة.
4ــ القارئ رائحته زكيّة، وهو جليس صالح لكلّ من أراد أن يجلس معه، ويحادثه، ويخالطه.
5ــ قارئ القرآن تدعو له الملائكة الكرام بالرحمة والمغفرة.
6ــ قارئ القرآن يرقى إلى قمّة المعالي في الجنّة، ويصعد إلى ذروة النعيم.
7ــ قارئ القرآن من أهل الله - عز وجل - وخاصّته المقرّبين إليه، ومن العاملين الشغوفين بطاعة الله - عز وجل - والقانتين له.
8ــ يرتفع به قرآنه درجات في الدنيا أيضا، إذ يرفع الله به أقواما، ويخفض آخرين.
9ــ يكتب عند الله من الذاكرين والقانتين.
10ــ تبتعد عنه الشياطين، وتخرج من بيته، وبذلك لا يتشتّت ذهنه، ويقوى تركيزه وانتباهه، فيكون مستعدّا لحفظ كلّ ما يتلقّاه من المعلومات.
11ــ يستنير عقله فيصبح قويّا نشيطا، يحفظ بسرعة، ويتدرّب على كثير من المهارات، وبذلك يمتلئ قلبه بالحكمة، وتتفجّر منه ينابيع العلم.
12ــ يوجد في قلبه قبس من النبوّة (غير أنّه لا يوحى إليه) وذلك القبس من النبوّة يكتسبه بحفظه لكتاب ربّه - عز وجل -: وبزيادة العلوم الأخرى التي يسهل عليه حفظها ببركة القرآن الكريم، وتدريبه لخلاياه.
13ــ لا يجهل مع من يجهل، لأنّ القرآن في جوفه يحميه من الحدّة والغضب، وبذلك يصبح هادئ الطبع، قويّ الأعصاب، وهذه الحالة من المتطلّبات الأساسية لامتلاك ذاكرة قوّية جيّدة. (1/63)
صفحة 64
14ــ قراءة القرآن تورث القلب خشوعا والنفس صفاء، فتكون مستعدّة للتعلّم، لأنّ خلايا المخّ لا تكون مشغولة بما هو غير مفيد.
15ــ قارئ القرآن يسأل الله - عز وجل - فيجيبه فضلا منه وكرما، وقد علّم الله - عز وجل - رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوه بأن يزيده علما، فقال - عز وجل -:
ــ {وقل ربّ زدني علما} ــ وهو نبيء معصوم معان بقوّة ربّه، يوحي إليه الكتاب والحكمة، ويعلّمه شديد القوى، فكيف به إذا كان الإنسان ضعيفا، فلا بدّ أن يستعين بربّه، لأنّ ذلك يملأ نفسه أملا في الزيادة، ويعلم أنّ له ربّا يعينه فيضاعف من مجهوداته، وهذا هو أفضل وأحسن عمل لزيادة قوّة الذاكرة.
16ــ القرآن غنى لأهله، تسعد به قلوبهم كما يسعد صاحب المال بماله، وهو غنى لا يُطغي صاحبه، ولا يُفسد له عقله، لأنّ غنى المال قد يفعل ذلك، فيدّعي ما يدّعي، ويقوم بأعمال غير حسنة، لأنّه يتستّر بذلك الغنى، بينما غنى العلم يجعل صاحبه يترفّع عن مثل هذه الأعمال التي تجعل ذاكرته تضعف، ولأنّ التفكير دائما فيما لا خير فيه من أعمال غير فاضلة يجعل ذاكرة الشخص تتدنّى شيئا فشيئا حتّى تؤثّر فيه تأثيرا سلبيّا.
حقيقة عمليّة التفكير
إنّ عمليّة التفكير والتذكّر ليست في الحقيقة عمليّة حسّية مادّية تقوم بها تلك الأجهزة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لهذا المخلوق الضعيف كما يظنّ ذلك أغلبية البشر، بل إنّ هذه العمليّة هي في الحقيقة تمثّل كيانا متكاملا بين الجسم ــ جهاز التفكير ــ وبين الناحيّة الروحيّة ــ الروح والقلب ــ والجانب الروحي هو أكثر وأشدّ تأثيرا في هذه العمليّة من ناحية قوّتها أو ضعفها. (1/64)
صفحة 65
ونحن نعلم أنّ هذا الإنسان يتميّز عن سائر المخلوقات الأخرى، بوجود جانبين مختلفين فيه، كلّ منهما يريد أن يوجّهه إلى نقيض ما يوجّهه الأخرى، فله نسب إلى الأرض وتربتها وكلّ ما لها من خصائص، من ماء وهواء ونار، حيث أنّه جسد، وله نسب إلى السماء، أي إلى العالم العلوي ــ السماء ــ وما في ذلك العالم العلوي من غيب ومن خصائص روحيّة، من حيث أنّه نفس أودع فيها أسرارا روحانيّة لا يعلمها إلاّ خالقها، والتي هي مختلفة تماما عن مكوّنات الأرض التي يحتاجها في معيشته وقوّته، وهي تلك الروح التي يمتاز بها عن سائر الأحياء الأخرى، وعقله الذي هو شعاع من النور الربّاني، أودعه فيه ربّه وخالقه ليتحمّل به الأمانة التي عجزت السماوات والأرض عن حملها، وليملأ تلك الكتلة المادّية نورا وشعاعا.
إنّ نشأة الفكر والإدراك لدى الإنسان هو من أهمّ مظاهر التلاقي الذي يتمّ في كيانه بين العالمين الملائكي والأرضي، فعمليّة الفكر تنقدح لديه من تلاقي العالم الأرضي التي تتمثّل في الناحيّة الجسديّة والتي هي المخّ، معتمدة على الجانب العلوي الروحاني، التي تتمثّل في شعاع من نور العالم الربّاني.
ولكن على الإنسان أن يعلم جيّدا هذه الحقيقة عن ذاته، وأن يعلم أنّه مستودع أرضي لأسرار علويّة، تنبعث من روحه التي تنتسب إلى ربّه - سبحانه وتعالى -، إذ أنّ أنوار المعرفة لديه انبعثت من نور الله - سبحانه وتعالى -، فانعكست على القلب عواطفه الساميّة من حبّ وكرامة وحنين وشوق.
- {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}
[الأنعام ـ 122] (1/65)
صفحة 66
فيجب على هذا الإنسان أن يحافظ على هذا التوازن الذي أودعه فيه ربّه - سبحانه وتعالى - وميّزه به على سائر المخلوقات، لكي يتمتّع في هذه الدنيا بحياة طيّبة، ويفوز في الآخرة بالدرجات العلا، وأن يراعي الجانبين معا ولا يُطغي أحدهما على الآخر، فلا يفرغ وعاءه الجسدي من المكنونات الساميّة التي يحملها، لأنّ ذلك سيمسخ له تكوينه السامي الراقي، ويجعله يتحوّل إلى حطام تافه من حطام الأرض، وهل ينتظر من حطام الأرض إلاّ اللهيب والاحتراق؟.
فمتى أقتنع البشر وخاصّة المسلمين منهم أنّ عمليّة التفكير تعتمد على الجانب النفسي أكثر من اعتمادها على الجانب الجسدي، استطاعوا أن يحافطوا على ذاكرة قويّة جيّدة.
وأكثر من ذلك فإنّ بعض العلماء يرشدون إلى أنّ الحفظ والتذكّر ليستا عمليتين داخليتين تصدران من داخل أنفسنا فقط، وإنّما هما عمليّتان تتأثّران بكثير من المؤثّرات الخارجيّة.
وربّما يوجد في هذه النظريّة كثير من الصواب، لأن النفس تتأثّر أساسا بما يجري حولها من تغيّرات كثيرة، أسريّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة، وأنّ العمليّات التفكيريّة تتعلّق بكيفيّة تعامل الإنسان مع تلك التغيّرات في أفكاره التي تكوّنها فيه تلك التغيّرات.
يقول الفيلسوف الهولندي [سبنوزا]:
«إنّ الأشياء التي أخاف منها أو التي تخاف مني لا يمكن أن يكون لها تأثير عليّ، إلاّ إذا تأثّر بها عقلي أوّلا».
بناء على هذه النظريّة نستنتج أن العقل له علاقة كبيرة وجليلة بالقلب، لأنّه كما نعلم أنّ الإحساس بالخوف يكون بالقلب قبل العقل، إذن فعندما يتأثّر القلب يبعث بإشارته إلى العقل، فيتأثّر هو بدوره بذلك.
ويقول [روبرت ك كوبر]:
«إنّ العقل موجود في القلب».
والدليل على ذلك أنّ الأشخاص الذين ركّبت لهم قلوب اصطناعية، فقدوا الشعور بالخوف عندما رأوا الأسد.
أمّا الذين غُيّرت قلوبهم بقلوب أشخاص آخرين صاروا يفكّرون بذكريات الأشخاص الذين أخذت منهم تلك القلوب. (1/66)
صفحة 67
القوّة الروحيّة الكامنة في الآيات القرآنيّة
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أودع في كلّ آية من آيات كتابه الكريم قوّة كامنة، تتجدّد بتجدّد ظروف وحياة هذا الإنسان وتطوّره، وهو يقصد من كلّ ذلك أن يُعمل هذا المخلوق قواه الفكريّة التي وهبها له، حتّى يصبح قادرا على الاستنباط ويتوصّل إلى تلك القوى الكامنة في آيات كلام ربّه - عز وجل -.
إنّ كلّ قارئ للقرآن بتدبّر، محاولا فهمه كما أمره ربّه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - سيغيّر تفكيره بصفة حسنة، ويشحذ همّته، ويقوّي عزيمته، فينطلق في الاتجاه الصحيح بكلّ قوّة وثبات.
فإذا أراد كلّ واحد من المسلمين أن يشغّل هذا الجهاز الذي أعطاه ربّه بصفة جيّدة وفعليّة، فما عليه إلاّ أن يعتمد على ما أنزل إليه من آياته البيّنات، وعليه أن يصلح تفكيره بوحيه، والذي هو صالح على مرّ الأيّام والأجيال.
- {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
[الملك: 13ــ14]
منهج الفكر في القرآن الكريم
إذا تأمّلنا الحالة الحاضرة والوضعيّة الثقافيّة لدى الأمّة الإسلاميّة، أمّة القرآن، والتي يتعامل فيها المسلمون اليوم مع كلام ربّهم لوجدنا خللا كبيرا، فهم لذلك لم يصلوا إلى الدرجة التي يريدها لهم ربّهم من البحث العلمي المتقدّم، الذي سبقهم إليه غيرهم.
إنّ الدليل القاطع الذي لا شكّ فيه، ولا ريب بأنّ الله - سبحانه وتعالى - يريد لهذه الأمّة أن تكون أمّة العلم والبحث والابتكار أكثر من أيّ أمّة أخرى في هذا الكون هو أنّه ابتدأ هذا الكتاب بقوله - عز وجل -:
- {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ... [العلق ـ 1]
إنّ تعامل عناصر الأمّة مع كلام ربّهم - عز وجل - خال من مثل هذا التفكير العلمي، سواء الطبقة المتعلّمة منهم، أو عوامّ الأمّة، وهذا الخلل يعود إلى: (1/67)
صفحة 68
ــ طريقة تدريسه، ومناهج التربيّة، ومناهج التعليم، ويعود بالدرجة الأولى إلى مؤسّسات تحفيظ القرآن نفسها، فهذا الخلل، وهذه الأسباب هي التي انتهت بالأمّة الإسلاميّة إلى ما هي عليه الآن.
وليس المجال هنا لنوضّح ذلك الخلل لأن ذلك موضوع واسع ومتشعّب.
فما دام المسلمون لا يؤمنون ولا يعتقدون اعتقادا جازما لا ريب فيه بأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزل إليهم القرآن الكريم ليضمن لهم الرقيّ والتقدّم في كلّ مجالات الحياة، ولا يعتبرونه منبع ثقافتهم، وأساس تقدّمهم وتفوّقهم في كلّ مجالات الحياة، سواء النفسيّة الروحيّة، أو العقليّة، أو العلميّة، أو الجسميّة، فلن يصلوا إلى درجة أعلى من التي هم فيها.
فالقرآن هو الذي سينمّي فيهم ملكة التفكير والذكاء، كما نمّاها في الأجيال السابقة، ويدعّم قواهم العقليّة، فيتضاعف الإنتاج الثقافي لديهم، كما تضاعف في المسلمين الأوائل الذي بدؤوا به في تعليمهم، ممتثلين في ذلك قول رسولهم محمّد - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم:
«علّموا أولادكم القرآن فإنّه أوّل ما ينبغي أن يُتعلّم من علم الله هو». ... رواه الربيع
ولمّا علم منهم ربّهم ذلك قوّى فيهم ملكة الحفظ، حيث تجد الواحد منهم يحفظ مكتبات من الكتب عن ظهر قلب في مختلف الاختصاصات، خاصّة سنّة رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - فتجد أحدهم يحفظ آلاف الأحاديث كما يحفظ كلام ربّه، حتّى سميّ كثير منهم بالحفّاظ، وكلّ ذلك كان نتيجة لإيمانهم بأنّ كلام ربّهم - سبحانه وتعالى - هو الذي يحفظ لهم حواسهم وقواهم المختلفة، وأنّه هو الأساس الأوّل في تقويّة ذاكرتهم والحفاظ عليها في مختلف مراحل العمر. (1/68)
صفحة 69
وما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه من عدم الحفظ وعدم الإبداع والابتكار في مختلف الميادين إلاّ لمّا أعرضوا عن كلام ربّهم، وأعرضوا عن حفظه وتعليمه وتدبّره، وبناء تفكيرهم على توجيهاته، فضعفت ذاكرتهم، وضاق تفكيرهم، فبقوا في أسفل درجة الحضارة العلميّة الفكريّة. ... والله - سبحانه وتعالى - يقول:
- {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} ... [طه ـ 124]
- {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}
[الروم ــ 41]
وكأنّ الفساد قد عمّ هذا الكون من أجل ما تفعله أيدي الناس، والمخلوق البشري هو جزء من هذا الكون الذي خلقه الله - سبحانه وتعالى -، وقد ظهر فيه فساد كبير وعظيم، بما أصيب به من أمراض جسمانيّة، واضطرابات نفسيّة، ونقصان في ذاكرته وحافظته، وما وقع له من تشوّش في تفكيره، بحيث أصبح لا يستطيع التركيز جيّدا، ولا ينتبه إلى ما يقع حوله من وقائع، ولن يتلاشى هذا الفساد إلاّ عندما يختفي ما تقوم به الأيادي البشريّة من الإثم والفساد.
إنّ هناك خللا في أخذ المسلمين لكتاب ربّهم القرآن الكريم، وهذا الخلل جرى حتّى في أعمالهم التي يعملونها في الواقع، فتجد كثيرا منهم يتوضّأ ويبقى وسخا، وما ذلك إلاّ لأنّه أمرّ الماء بكلّ سرعة ودون انتباه وتركيز على مواضع الأوساخ لينظّفها جيّدا.
كذلك بالنسبة لحفظ كتاب ربّهم الكريم، فهو أصبح لا يقوّي لهم ذاكرتهم، ولا ينقّيها ولا ينظّفها ممّا يسبّب لهم النسيان، وذلك لأنّهم يمرّون عليه مرّ الكرام، دون تركيز أو تدبّر، والسرّ في تنشيط الذاكرة وتقويّتها بالقرآن الكريم هو في العناية به جيّدا عند قراءته، وتدبّره وإعمال الفكر فيه بصفة عاليّة، حتّى نتيح للخلايا أن تعمل بصفة جيّدة. ... والله - سبحانه وتعالى - يقول في شأن كتابه: (1/69)
صفحة 70
- {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[ص ــ 29]
فهو يبيّن في عدّة آيات أنّ هذا القرآن هو نور ينير العقل والقلب معا، فالإنسان الذي له قلب مستعدّ لتلقّي آيات ربّه - عز وجل -، إذا تليت عليه تلك الآيات، وكان منتبها، وألقى سمعه جيّدا، ولم يشغل تفكيره بشيء آخر غيره، فذلك الذي سمّاه بأنّه شهيد، وملق لسمعه، وهذا القسم هو الذي ينتفع بكلام ربّه، ويتأثّر به.
- {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ق ـ 37]
المواضيع المختلفة والمتنوّعة في القرآن
لقد وجدت في آخر كتاب القرآن الكريم الذي أصدرته [دار المعرفة] في سوريّة، الطبعة الثالثة سنة 1425هـ ــ 2003م فهرست مواضيع القرآن الكريم:
1ـ أركان الإسلام، 2ـ الإيمان، 3ـ الدعوة إلى الله، 4ـ القرآن الكريم،5ـ الجهاد 6ـ العمل، 7ـ الإنسان والعلاقات الأخلاقيّة، 8ـ الإنسان والعلاقات الإجتماعية 9ـ تنظيم العلاقات الماليّة، 10ـ العلاقات القضائيّة، 11ـ العلاقات السياسيّة والعامّة، 12ـ التجارة، 13ـ الزراعة، 14ـ الصناعة، 15ـ العلوم والفنون، 16ـ الديانات، 17ـ القصص والتاريخ.
فمثلا أركان الإسلام يحتوي على ثمانيّة فروع وهي: التوحيد ـ سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ـ الدين ـ الصلاة ـ الزكاة والصدقات ـ الصيام ـ الحجّ والعمرة ـ مسائل متفرّقة من العبادة.
وموضوع الإيمان يشتمل على ثمانيّة فروع كذلك وهي: الأنبياء والرسل ـ الإيمان بالله ـ الغيب ـ الكتب السماويّة ـ الله جلّ جلاله ـ المؤمنون ـ الملائكة ـ اليوم الآخر.
وكلّ فرع من هذه الفروع يشمل كذلك على مواضيع تتفرّع منه. (1/70)
صفحة 71
فمثلا فرع التوحيد يحتوي على ثمانيّة عناوين، كما أنّ موضوع سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يحتوي على 26 عنوان، كما أنّ موضوع الصلاة يحتوي على 21 عنوان، إلى غير ذلك من العناوين الكثيرة والمختلفة التي تتفرّع عن كلّ موضوع من المواضيع.
وفي موضوع القصّة التي نجد القرآن الكريم قد اهتمّ بها اهتماما كبيرا لما فيها من تنميّة العقل والتفكير لدى الإنسان، وتوسيع خياله، نجد أنّه ذكر 34 قصّة من قصّة خلق أبي البشريّة آدم - عليه السلام - وابنيه هابيل وقابيل إلى الوقائع المختلفة التي وقعت للنبيء - صلى الله عليه وسلم - مع قومه، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيّن للمسلمين أنّ القرآن هو غداء للناس، ونستنتج من هذا الحديث أنّ الله - عز وجل - كما أنزل من السماء ماء فأنبت به من كلّ الثمرات التي هي غذاء للجسم، فكذلك أنزل من عنده هذا القرآن ليكون غذاء للعقل والروح. قال الله - عز وجل -:
- {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} ... [الشورى: 52]
وعن عبدالله بن مسعود ــ - رضي الله عنه - ــ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إنّ هذا القرآن مأدبة الله فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة من تمسّك به، ونجاة من اتّبعه، لا يعوج فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الردّ فاتلوه، فإنّ الله يأجركم على تلاوته، بكلّ حرف عشر حسنات، أمّا إنّي لا أقول: ألم حرف، ولا ألفينّ أحدكم واضعا رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة، فإنّ الشيطان يفرّ من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة، وإنّ أصفر البيوت من الخير، البيت الصفر من كتاب الله. ... رواه الحاكم
يقول القرطبي في تفسيره [الجامع لأحكام القرآن] (1/71)
صفحة 72
«وتأويل الحديث أنّه مثل شبّه القرآن بصنيع صنعه الله - عز وجل - للناس، لهم فيه خير عميم ومنافع لا تعدّ ولا تحصى، ثمّ دعاهم إليه، والمأدبة هي ما يصنعه الإنسان فيدعو إليه».
ونحن نقول إنّه مأدبة تغدّي العقل وتنشّطه وتدرّبه، وذلك كما تغدّي المأدبة الغذائيّة جسم الإنسان وتقوّيه وتنمّيه.
وقال المفسّر الشيخ [الطاهر بن عشور] في تفسيره [التحرير والتنوير].
«ومن أساليبه {يقصد القرآن الكريم} ما أسمّيه بالتفنّن، وهو بداعة تنقّلاته من فنّ إلى فنّ بطرائق الإعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمرادفات عند التكرير تجنّبا لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنّن عند بلغاء العربيّة فهو في القرآن كثير وكثير، ثمّ الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاط متجدّد بسماعه وإقبالهم عليه.
ومن أبدع أمثلة ذلك قوله - عز وجل -:
- {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ... [البقرة ــ 17ـ20]
إنّ أكثر أساليب القرآن الكريم من الأساليب البديعة العزيز مثلها في شعر العرب وفي نثر بلغائهم من الخطباء والأدباء. (1/72)
صفحة 73
وفي هذا التفنّن والتنقّل مناسبات بين المنتقل منه والمتنقّل إليه هي في منتهى الدقّة والبداعة، بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلاّ عند حصوله، وذلك التفنّن ممّا يعين على استماع السامعين، ويدفع سآمة الإطالة عنهم، فإنّ من أغراض القرآن استكثار أزمان قراءته. ... كما قال - عز وجل -:
- {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}
[المزمّل:20]
فقوله ما تيسّر يقتضي الاستكثار بقدر التيسّر، وفي تناسب أقواله وتفنّن أغراضه مجلبة لذلك التيسير وعون على التكثير.
وقال {شمس الدين محمود الأصفهاني} في تفسيره نقلا عن {الفخر الرازي} أنّه قال:
«إنّ القرآن كما أنّه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، هو أيضا معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته، ولعلّ الذين قالوا إنّه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك».
وهكذا نرى ما لهذا القرآن من فصاحة في أسلوبه وتناسق في تعبيره، كلّ ذلك ليصبح سهل الحفظ يسير الفهم.
ففصاحة ألفاظه وتناسق وتناسب ترتيبها، وأنّه قد ابتكر أسلوب الفواصل العجيبة المتماثلة في الأسماع، وإن لم تكن متماثلة الحروف في الأسجاع، يجعله سهل العلوق بالحافظة خفيف القراءة وسهل التذكّر.
ومن أجل الحصول على هذه النتائج الحسنة، أرشد الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين إلى حفظه والإكثار من تلاوته، وتدبّره، والبحث عن معانيه ومقاصده.
وهو القائل - عز وجل -:
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمر ـ 17]
وقد أعاد الله - عز وجل - هذه الآية عدّة مرّات في هذه السورة كلّ ذلك لإقامة الحجّة على عباده، ولإرشادهم إلى المداومة على تلاوته وحفظه وتدبّره. (1/73)
صفحة 74
إذا كانت هذه هي مزايا كتابنا القرآن الكريم كلام ربّنا وفصاحته وسهولة تلقّيه، والله - عز وجل - هو الذي أنزله على هذه المزايا، فلماذا لا يتّخذه المسلمون غذاء لذاكرتهم ومنشّطا لها، وذلك بالمداومة على قراءته آناء الليل وأطراف النهار.
وقد ثبت علميّا أنّ تلاوة القرآن وترتيله بصوت حسن والإنصات إلى آياته بكلّ تركيز وتفكير وتدبّر ممّا يعزّز التواصل بين الخلايا العقليّة، وإنّ التردّدات الكهربائيّة الصادرة عن أصوات الذين يتلونه يجعل العقل يصدر سلسلة من الطاقات والتردّدات الكهربائيّة الصادرة عن أصوات قراءته وتلاوته، وكلّها تعتبر غذاء فعّالا للعقل.
كما ثبت كذلك أنّ الاستماع إلى القرآن الكريم يجعل خلايا المخّ تصدر سلسلة من الطاقات والتردّدات التي تعرف علميّا باسم موجات العقل، وهذه التردّدات تتغيّر تبعا للآيات والسور المختلفة، وكما قرّر علماء التفسير جميعا بدون خلاف أنّ القرآن الكريم يختلف في تركيب كلماته وآياته من سورة إلى أخرى، بل تتنوّع في سورة واحدة حيث تنتقل من موضوع إلى آخر، وهذا كما ذكرناه آنفا ممّا قاله المفسّر الطاهر بن عشور.
وقد زاد في قوله في المقدّمة الثامنة:
«إنّ الغرض الأكبر للقرآن الكريم هو إصلاح الأمّة بأسرها، فإصلاح كفارها بدعوتهم إلى الإيمان ونبذ عبادة الأوثان واتّباع الطريق المستقيم، وإصلاح المؤمنين بتقويم أخلاقهم وتثبيتهم على هداهم وإرشادهم إلى طرق النجاح وتزكيّة نفوسهم، يقتضي أن يكون أسلوبه على هذا النحو. (1/74)
صفحة 75
لقد كانت أغراضه مرتبطة بأحوال المجتمع في مدّة الدعوة، وكانت آياته مستقلاّ بعضها عن بعض، لأنّ كلّ آية منه ترجع إلى غرض الإصلاح والاستدلال عليه، وتكميله وتخليصه من تسرّب الضلالات إليه فلم يلزم أن تكون آياته متسلسلة، وحال أسلوب القرآن كحال أسلوب الخطيب يتطرّق إلى معالجة الأحوال الحاضرة على اختلافها، وينتقل من حال إلى حال بالمناسبة، ولذلك تكثر في القرآن الكريم الجمل المعترضة لأسباب اقتضت نزولها أو بدون ذلك، فإنّ كلّ آية تشمل على حكمة أو إرشاد، أو تقويم معوجّ». وذاك مثل قوله - عز وجل -
- {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ}
فقوله - عز وجل -: {قل إنّ الهدى هدى الله}، جملة معترضة.
إنّ العرب أمّة قد جبلت على ذكاء القرائح وفطنة الأفهام، وعلى دعامة فطنتهم وذكائهم أقيمت أساليب كلامهم، وبخاصّة كلام بلغائهم، ولذلك كان الإيجاز عمود بلاغتهم لاعتماد المتكلّمين على أفهام السامعين، لذلك كثر في كلامهم المجاز, والاستعارة والتمثيل والكناية والتعريض والاشتراك والتسامح في الاستعمال كالمبالغة والاستطراد ومستتبعات التراكيب والأمثال والتلميح والتمليح واستعمل الجملة الخبريّة والاستفهام في التقرير أو الإنكار إلى غير ذلك.
وملاك ذلك كلّه توفير المعاني، وتبليغ المقصود إلى المستمع بأسلوب سهل منشرح، وبأوضح عبارة، وأخصرها، حتّى يسهل اعتلاقها بالأذهان.
والقرآن قد جاء على أبدع أسلوب، ونسج نظمه نسجا بالغا في منتهى ما تسمح به اللغة العربيّة من الدقائق واللطائف لفظا ومعنى، بما يفي المقصود بأقصى ما يراد من البلاغة العربيّة وأساليبها، (1/75)
صفحة 76
وخاصّة وقد جاء آية على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتحدّي بلغاء العرب بمعارضة أقصر سورة منه، وأنّه من جهة أخرى منزّل من طرف علاّم الغيوب، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
إنّ هذا التنوّع هو السبب الرئيسي في جعل الخلايا المخيّة تتحرّك بدون توقّف، وكلّما زادت حركتها إلاّ وزادت اتّصالات الأعصاب فيما بينها، وهذا هو السبب الأساسي في تقويّة الذاكرة.
ومن جهة أخرى فهو يضمن النشاط المتواصل والدائم لشقيّ المخّ معا، وهذا ممّا يكوّن العبقريّة، ويقوّي التفكير الإيجابي لدى الإنسان.
فمن يريد حقّا تزويد خلايا مخّه بالموجات الصوتيّة التي تنشّطها وتنمّيها، فما عليه إلاّ أن يكثر الاستماع إلى القرآن، ويداوم على تلاوته، ولأمر مهمّ أمر الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين بأن لا يشتغلوا بشيء آخر أو عمل ثان إذا كانوا يقرؤون القرآن أو يستمعون إليه، وأرشدهم إلى القيام بذلك بكلّ خشوع وتواضع وهدوء.
منهج التعبير القرآني
إنّ المهتمّين بدراسة القصص القرآني يقرّرون بأنّها تحمل كثيرا من الحقائق العلميّة المتعلّقة بالكون، والإنسان، والحياة، والأحياء، والسماوات، والأرض، والتي تزيد قارئها إبداعا في تفكيره، وقوّة في عقله، فيصبح ذكيّا عبقريّا.
وربّما نتساءل هل يجوز لنا أن نشبّه ذلك بطريق يسير فيه سائق بسيّارته؟
فهو يجد في طريقه مختلف المناظر من أناس غرباء لا يعرفهم، منهم المؤمنون، ومنهم غير المؤمنين، مساكن وبيوت ومدن جديدة، وأخرى في طور البناء، وأخرى قديمة مهدّمة، مناظر طبيعيّة من غابات وأشجار وزروع ونباتات، وحيوانات وجبال وهضاب، إلى غير ذلك من المناظر التي يتّخذها كعلامات لسلوك طريقه في كلّ مرّة يعود منه، ويمتّع بها نظره، ومن خلال ذلك تفكيره وخياله. (1/76)
صفحة 77
وإذا تتبّعنا تعابير القرآن الكريم وأساليبه، نجد أنّه يشير إلى مثل هذه المناظر، وإلى الأقوام السابقة، وما أصابها من عذاب، إلى غير ما هناك من الأساليب التي يستطيع أن يتّخذها المرء عبارة عن كلّ من يريد حفظه واستيعابه بصفة جيّدة.
وكذلك يوجد فيها رونق الأسلوب، وبديع النظم، وجمال الصورة، ممّا ينشّط ناقلات المعلومات بين الخلايا العصبيّة، فتؤدّي دورها كأحسن ما يكون.
إنّ منهج التعبير القرآني على العموم، منهج بليغ، بديع، متنوّع، يتنقّل بين الأغراض المختلفة، وليس ذلك اعتباطا، ولا خبط عشواء، ولكن لصلات وثيقة تربط بين هذه الأغراض، بحيث تتظافر جميعها في الوصول إلى الغاية القصوى من تقويّة الأسلوب، وتنويع التعبير، والتأثير على القوى العقليّة بصفة إيجابيّة قويّة.
أسلوب القرآن يكوّن لقارئه تصوّرات صحيحة
إنّ معلومات القرآن الكريم صحيحة وقويّة، وهي تعطي لهذا المخلوق تصوّرا صحيحا بأنّه قد خلقه ربّه - عز وجل - في أحسن تقويم، وأنّه قد أوجده لهدف راق.
- {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}
[البقرة ـ 30]
- {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}
[المؤمنون ـ 115]
فما عليه إلاّ أن يستغلّ هذا الكتاب لتحقيق الحسن في التقويم، وهذا الحسن يشتمل كلّ النواحي التي تتكوّن منها نفسه وجسمه، سواء من الجهة الروحيّة، أو الجسميّة، أو العاطفيّة، أو الفكريّة، لأنّه يهتمّ بمختلف الأساليب التي تستطيع أن تطوّر جميع تلك النواحي.
فعلينا أن نستغلّ قرآن ربّنا - عز وجل - في تدريب ما نسمّيه خطأ بمناطق الضعف في قدراتنا العقليّة، فعندما نُخضع هذه القدرات لتأثير أسلوبه، فإنّها ستكون قابلة للتطوّر والازدهار بإذن الله - سبحانه وتعالى -، بصرف النظر عن العمر الذي نكون فيه، وهذا هو السرّ العظيم الكامن في هذه المعجزة القويّة التأثير. (1/77)
صفحة 78
فالشيء الوحيد الذي يجب أن نهتمّ به هو تكوين معلّمين أكفاء مهرة، يهتمّون بهذه الجوانب المتعدّدة الموجودة في كتاب الله - عز وجل -، وتعليمها للنشء الصاعد شيئا فشيئا، والغرض الجليل من هذا التدريب هو تنشيط شقّي المخّ معا للطلبة، كي يصبحوا عباقرة ومبدعين في كلّ الميادين بإذن الله - عز وجل - وكلّ ذلك يكون في مختلف مراحل التعليم المتقدّمة، وذلك حين يبدأ الطالب في زيادة التركيز والإدراك الجيّد لما حوله من الأشياء والتصوّرات والأفكار.
إنّ كلّ واحد من الناس يحتاج إلى مثل هذا التوازن بين شقّي مخّه، الأيمن والأيسر، لأنّه إن لم يتحقّق ذلك، فسيصبح غير متأثّر به، فما لم يتأثّر جانبي المخّ معا، ويصبحا في توازن فعّال، وذلك في أيّ نظام نطبّقه لتطوير الذكاء، أو إدارة الذات، فلن نستطيع أن نغيّر من إبداعنا وأفكارنا.
ومعظم المجتمعات عبر العالم قد طوّرت فنون دراسة الذاكرة وتطويرها وكيفيّة عملها، والمحافظة عليها إلى مراحل متأخّرة من العمر.
والمسلمون لديهم كتاب ربّهم يستطيعون أن يدرسوا جيّدا طرق تلقيه وتحفيظه، فقد جعل الله - عز وجل - فيه كلّ الأساليب المختلفة التي تحتاجها الذاكرة لتتطوّر وتتقدّم إلى الأمام.
وقد اكتشفوا من جهة أخرى أنّه يجب على من يريد أن يحافظ على نشاط ذاكرته وعملها وقوّتها بنظام دون إرهاق أو تعب أن يوفّر لها فترات من الاسترخاء العميق والتأمّل، وتلك الفترات يمكن أن تكون بسيطة جدّا ولكنّها فعّالة وذات نتيجة حقيقيّة. (1/78)
صفحة 79
وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتّخذ تلك الفترات عندما يقرأ كلام ربّه - عز وجل -،حيث كان إذا مرّ بآية رحمة إلاّ ويدعو ربّه، فتمتلئ نفسه بتلك الشحنات الإيجابيّة التي تملأ نفسه راحة وهدوءا وأملا في رحمة الله، فيزداد قوّة، وإذا ما مرّ بآية عذاب إلاّ واستعاذ بالله من العذاب الأليم، وبذلك يفرغ نفسه من تلك الشحنات السلبيّة التي إذا ما بقيت في داخل نفس الإنسان فإنّها ستعيق تفكيره وتشتّت ذاكرته.
فعن حذيفة - رضي الله عنه - قال:
«صلّيت مع النبيء - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة فافتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثمّ مضى، فقلت: يصلّي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثمّ افتتح آل عمران، فقرأها، ثمّ افتتح النساء فقرأها، يقرأ مسترسلا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ». ... رواه مسلم
وكذلك كان الحال عند الصحابة الكرام والسلف الصالح، يتلون القرآن الكريم بخشوع وتدبّر، وكان أحدهم إذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة بكى شوقا إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأنّ جهنّم بين أذنيه.
وقد كانوا يكثرون من تكرار وترديد بعض الآيات للتدبّر، ويمضون في ذلك ساعات عديدة، وهم في خشوع وبكاء.
إثارة الأفكار الخصبة بالقرآن الكريم
إنّ الله - عز وجل - أودع في كتابه الكريم خاصّية عجيبة تساعد قارئه على إثارة الأفكار المتنوّعة والبعيدة المدى التي تصل بصاحبها إلى أعلى درجات الإبداع، ممّا يجعل ذاكرته تعمل وتنشط دون توقّف أو ملل، وطبعا إذا أعمل فيه عقله جيّدا، وركّز انتباهه بكامله فيما يقرأه، وهو يفعل هذه العجائب عندما يقرأه الإنسان بتدبّر وتمعّن، لأنّه في تلك الحالة يستخدم وينشّط خلايا مخّ قارئه بشكل حيوي، وهذا ما يمكّنه من التدرّب على الإبداع على مرّ الأيّام، نتيجة المحافظة والمداومة على قراءته، والاهتمام به. (1/79)
صفحة 80
إنّ القيام بالتفكير الجيّد والقويّ الذي يكوّنه القرآن في المحافظ عليه، يحافظ على مراكز القوّة العقليّة من التدهور، والتي تجعل صاحبها مبدعا في تفكيره.
وهو كذلك يجعل المحافظ على تلاوته يكوّن لنفسه رصيدا لغويّا، ممّا يهب له جودة الطلاقة اللفظيّة، بحيث يصبح سريع وقويّ التعبير، وذلك بما يزوّده به كلام ربّه - عز وجل - من مفردات وألفاظ عاليّة المستوى ممّا يجعله يرقى بتعبيره، وهو يعين على استعمال القوى العقليّة بشكل مناسب وإيجابي.
وقد توصّل علماء الأعصاب والذاكرة أنّه كي يصبح العقل مبدعا على مرّ الأيّام والأعوام، ويحافظ على قوّة عمله ونشاطه كامل سنوات العمر، فإنّه يتعيّن عليه أن يعالج ثلاثة مليارات خليّة من الخلايا المحفّزة كلّ ثانية، ليبقى الإنسان مستيقظا يعمل بكامل قواه.
فكثرة قراءة القرآن، والمحافظة على الأذكار الكثيرة والمتعددّة التي خصّ بها رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - كلّ وقت من أوقات الليل والنهار، وكلّ عمل نريد القيام به، ينشّط كلّ هذا العدد الهائل من خلايا المخّ، ولا يتركها تفشل أو تعجز عن النشاط الذي ينبغي أن تكون عليه كامل الوقت، حتّى تحافظ على مرونتها، وقوّتها.
إنّ العقول في جميع الأمم من يوم خلق الله آدم عليه السلام إلى أن تنقطع الحياة من هذا الكون واحدة في جوهرها، فهي لا تختلف بعضها عن بعض بالنسبة إلى اختلاف البلدان، وهي لا تتغيّر بالنسبة إلى تغيّر الزمان، وهي لا تشيخ، ولا توهن، حتّى تساءل بعض العلماء: هل للذكاء بيئة خاصّة معيّنة؟.
أنواع الأساليب اللفظيّة والتعبيريّة والروحيّة في القرآن (1/80)
صفحة 81
إنّ هذا الكنز العظيم يشتمل على شتّى أنواع الأساليب اللفظيّة والتعبيريّة والروحية التي لها الأثر الكبير على كلّ جوانب النفس البشريّة، فتنشّط كلّ قواها المختلفة، فتستثيرها، وتأخذ بمجامعها وترجّها رجّا عنيفا، فتحدث فيها التفاعل اللازم لتولّد الطاقة الكافيّة لعمل قواها العقليّة، فتتنوّع الأفكار، وتقوى الإرادة فيها بما تحمله الآيات من توجيهات وخيالات لا يقدر على نسجها الجنّ والإنس.
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ... [الإسراء ـ 88]
إنّ إثارة التفكير الخصب والمبدع هو ما ضمّنه خالق الإنسان في هذا القرآن.
فهو يمتاز بكونه خصب بمواضيعه المتغيّرة، وفي ينبوع الخطاب فيما يخصّ أشخاصا كثيرين لا نستطيع عدّهم، ذكرهم منزّل هذا القرآن، فتارة يخبر عنهم الله - عز وجل - بلسانه، وتارة يضيف إليهم الكلام فيجعلهم يتحدّثون بأنفسهم.
فلو تطرّقنا مثلا إلى قصص سيّدنا إبراهيم المتعدّدة المواضيع والأساليب التي ذكرها ربّنا - عز وجل - فيه نجد أنّه ذكرها من جوانب متعدّدة، وقد جاءت إشارات أخرى كثيرة وقصيرة في عدّة سور متفرّقة من القرآن.
وقد ورد ذكر حوار سيّدنا إبراهيم مع أبيه في سورة سيّدتنا مريم، وفي هذه القصة من البلاغة التعبيريّة في الحوار ما يأخذ لبّ القارئ، ويأسر قلبه، وذلك في الحوار الذي كان يدور مع أبيه، وقد جاءت الآيات تذكر وتصف تدرّج سيّدنا إبراهيم - عليه السلام - شيئا فشيئا مع أبيه، وهذه النداءات التي تمتلئ عطفا وحنانا، والخوف من أن يمسّ أباه عذاب من الرحمان، وكان كلّ مرّة يناديه بكلّ تقدير وأدب، يآ أبت، يآ أبت، يآ أبت، رغم قساوة أبيه نحوه وغلظته عليه في قوله:
- {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} ... [مريم ــ46] (1/81)
صفحة 82
ولكن مع ذلك لم يقابل سيّدنا إبراهيم - عليه السلام - ذلك الجفاء بجفاء مثله، بل كان قوله كلّه مليئا بالسلام والدعاء والاستغفار.
- {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا}
[مريم 47ــ 48]
وفي سورة الشعراء كذلك يذكر الله - عز وجل - الحوار الذي جرى بينه وبين قومه في شيء من الروعة والحسن.
وقد قال الزمخشري ــ رحمه الله ــ في هذا الحوار:
«ما أحسن ما رتّب إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ كلامه مع المشركين حين سألهم أوّلا عمّا يعبدون، سؤال مقرّر لا مستفهم، ثمّ انعطف على آلهتهم، فأبطل أمرها بأنّها لا تنفع ولا تضرّ، ولا تسمع ولا تبصر، ثمّ صوّر المسألة في نفسه دونهم حتّى تخلّص منها إلى ذكر الله - عز وجل -، فعظّم شأنه، وعدّد نعمه من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، ثمّ وصله بذكر يوم القيامة وثواب ربّه وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنّي الكرّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا». ... انتهى قول الزمخشري
وإنّنا لنجد في هذه القصص أنّ الله - عز وجل - يعلّم عقول عباده أن تبدع قي تفكيرها، فهو يعلّمها طريقة الحوار الذي حاور به إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ أباه وقومه، على طريقة التقرير وليس على طريقة الاستفهام.
وفي سورة هود التي أورد الله - عز وجل - فيها قصّة سيّدنا إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ وجعلها مقدّمة للحديث عن قوم لوط ـ - عليه السلام - ـ، فالرسل الذين جاؤوا إلى سيّدنا إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ بالبشرى كانوا في طريقهم إلى سيّدنا لوط ـ - عليه السلام - ـ ولكنّهم مرّوا به إكراما له، وهذه عادة متعارف عليها بين الناس ــ حتّى في زماننا هذا ــ أن ينزلوا أوّلا عند كبير البلد، صاحب النفوذ. (1/82)
صفحة 83
والآيات الكريمة في سورة سيّدنا هود ـ - عليه السلام - ـ والتي تتحدّث عن سيّدنا إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ لمّا جاءته رسل ربّه، وبشّرت امرأته بإسحاق وبعده يعقوب، وأخبروه بإهلاك قوم لوط ـ - عليه السلام - ـ، فحين نتدبّرها نجد فيها جوانب متعدّدة خيّرة تدلّ عليها، وهي موجودة في شخصيّة سيّدنا إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ، ففيها الإحسان إلى الضيف، سواء من القِرى الذي قدّمه لرسل الله - عز وجل -، أو من جهة البشاشة والاستقبال الحسن الذي استقبلهم به، وفيها دلالة على بصيرة سيّدنا إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ وحدسه وحسّه المرهف، حيث أدرك أنّهم ملائكة، فأوجس منهم خيفة لمّا رأى أيديهم لا تصل إليه، وأنّهم لا يقربون ذلك القِرى الذي قدّمه إليهم، (والقرى هو الطعام الذي يقدّم للضيف) فظنّ في نفسه أنّهم جاءوه لأمر يخصّه ويحلّ به، وهذا كما قال المفسّرون يدلّ عليه قوله - عز وجل - {لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط} فكأنّهم أدركوا معرفته لهم، فأخبروه بما جاءوا من أجله.
ثمّ جاءت سورة الحجر بعد سورة سيّدنا هود، وتحدّثت عن سيّدنا إبراهيم مرّة أخرى، فهي لا تحدّثنا عمّا جرى بينه وبين قومه فقط، وإنّما عن جانب ممّا كان بينه وبين الملائكة، والقصّة تنطوي على كثير من المشاهد التي ذكر بعضها في سورة هود.
وقد قال المفسّرون بأنّ ما جاء في هذه السورة لا تحوم حوله شبهة تكرار، ولا تشوبه شائبة إعادة، وأنّ الذين يدّعون التكرار إنّما لا يفقهون خبرا.
وهكذا نجد أنّه في كلّ مرّة من المرّات يحكي فيها الله - عز وجل - قصّة من القصص المتكرّرة في القرآن، إلاّ ويضيف إليها معان جديدة، والغرض من ذلك هو إثارة أفكار جديدة في ذهن القارئ أو السامع وأسلوب جديد يضيفه إلى رصيده الذي كان قد تحصّل عليه من قبل في القصّة السابقة. (1/83)
صفحة 84
ولكن أين هم الذين يفقهون مثل هذا المغازي وهذه الرقائق في كتاب الله - عز وجل -، إلاّ القليل الناذر ممّن يتدبّر كتابه على النحو الذي يطلبه منّا ربّنا - عز وجل -، وربّما هذا التعدّد والابتكار في التعبير بين حالة وأخرى يقصد منها ربّنا - عز وجل - تعليم عباده مثل هذه الأساليب البليغة المتنوّعة، ولذلك نجد تفاسير متعدّدة كثيرة لكلام الله - عز وجل - وهذا دليل على تنوّع أسلوبه الذي يكوّن في تعبير أصحابه أساليب جديدة.
وكذلك القصص الأخرى التي ذكر فيها الأنبياء والرسل الآخرين، كلّها أتت عبارة عن شعلة ربّانيّة لإنارة عقول قارئيها ومتدبّريها، فتفتح لهم في كلّ مرّة بابا جديدا لاستخراج أفكار جديدة لم يدركوها في المرّة السابقة، وهكذا تنشّط لهم قواهم العقليّة فيسيرون على ذلك النمط في تعلّمهم في مختلف العلوم الأخرى، وبذلك يصبحون مبدعين في أفكارهم، أقوياء في مهاراتهم.
وهي كذلك تبعث في النفس الشوق للتفصيل، وتجعلها تتشوّق للوقوف مع الجزئيات التي تتكوّن منها، والأحداث المختلفة التي وقعت فيها، فعلينا أن ندرّب نفوسنا ونرشد غيرنا للتركيز على هذه الأسس، حتّى نحفظ القرآن حفظا جيّدا وبوعي واقعي، فينمّي عقولنا، ويطوّر تفكيرنا ويحقّق في عقولنا، وفي تفكيرنا الهدف الذي أنزل الله - عز وجل - هذا الكتاب من أجله.
إنّ تكرار القصص لمختلف الأنبياء والرسل هو سحر بيان وتثبيت معان، كما قال بعض المفسّرين، وهو كذلك بلاغة وإعجاز، وفيه أهداف عظيمة قد خفيت علينا، لا يعلمها إلاّ منزّله - عز وجل -، ولعلّ من بين الأسرار تعليم قارئه مهارة التكرار الغير المملّ، ومهارة الربط بين مختلف العناصر الموجودة في موضوع واحد، أو يدور حول محور واحد.
وأنا أقول بأنّ كلّ تعبير جديد يجعل الخلايا العقليّة تنشط وتعمل بصفة أكبر وأوسع من الموضع الأوّل الذي مرّت عليه، ويجعلها تبدع في تعبيرها. (1/84)
صفحة 85
وقد اتّفق {الخطّابي والزركشي} على أنّ ما ذكر في كتاب الله - عز وجل - أكثر من مرّة، المقصود منه زيادة المعنى في كلّ مرّة يعاد فيها من جديد.
وقد قال بعض المفسّرين أنّ القصّة الوحيدة التي ذكرت أكثر من مرّة، وليس لها صلة مباشرة بالدعوة، هي قصّة أبينا آدم ـ - عليه السلام - ـ أبي البشريّة، وقد جاءت لتحدّثنا عن النواحي الفطريّة والجوانب الرئيسيّة في حياة النفس الإنسانيّة، وعن الاستعدادات والغرائز التي تتكوّن منها طبيعة النفس البشريّة، فإذا عرفنا ذلك، أدركنا السرّ في ذكر هذه القصّة عدّة مرّات في أكثر من سورة.
تكوين الإبداع بقراءة القرآن الكريم
إنّ الإبداع ليس نظريّات فكريّة، أو أطروحات عقليّة فقط، فذلك يسمّى التفكير الإبداعي والإبتكاري، ولكن الإبداع يسير بذلك خطوة أخرى أكثر، فيتحوّل ذلك التفكير إلى تطبيق عملي في أرض الواقع، إذن فالفرق بين الإبداع والتفكير الإبتكاري أنّ النظريّات الفكريّة تقع في العقل فقط، بينما الإبداع تطبيق وإنجاز.
فلكي يصل الإنسان إلى الإبداع العملي، لا بدّ له أن يبدأ بالتفكير الإبتكاري وهذا العمل يتطلّب عقلا متفتّحا مدرّبا على العمل والتفكير المتواصل في مختلف المواضيع والاختصاصات، وربّما لا يستطيع أيّ كلام على وجه الأرض أن تقوم بمثل هذا العمل غير القرآن الكريم الذي يشتمل على مختلف المواضيع والاختصاصات التي أدرك الإنسان كثيرا منها، وهو مع ذلك ما زال لم يدرك أغلبيّة أسراره التي ضمّنها الله - عز وجل - كتابه الذي أنزله إلى خلقه وأمرهم بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، فهو يبيّن لهم ويكوّن فيهم طرق التفكير السليم في كلّ ميادين الحياة، سواء العقائديّة الدينيّة، أو الشخصيّة منها، أو الاجتماعيّة، أو الأسريّة، أو الاقتصادية، وغير ذلك كثير من أنواع المجالات التي بيّنها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه: ... فالله - عز وجل - يقول في شأن هذا الكتاب: (1/85)
صفحة 86
- {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام ــ 38]
فهو يهتمّ بتكوين الأفراد في كلّ مجالات الحياة، ويتطرّق إلى تكوين الأسرة السليمة التي تُبنى على الأخلاق الطيّبة، وعلى حياة علميّة معرفيّة، ويهتمّ ببناء المجتمع الذي يستطيع الفرد أن يحيا فيه حياة طيّبة حسنة مستقرّة، ويرشد إلى كيفيّة تكوين الدولة التي تحكم بالحقّ وبالعدل، والتي تنشر جوّا من المساواة والوئام والتعاون والتصالح.
إنّ هذا القرآن يبيّن لنا أنّ صلاح الفرد يبدأ من الداخل، فيكون باطنه أفضل من ظاهره، ويكون صالحا الصلاح الحقيقي التام متى كان الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أحبّ إليه ممّا سواهما، ومن أيّ شيء في هذه الحياة مهما علا شأنه، أو غلت قيمته.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين». ... رواه البخاري ومسلم
وهو يكوّن ويبني العناصر الصالحة التي تبني هذه الحياة، وتعمّرها بمختلف الوسائل.
كما أنّه يبيّن أنّ نهضة الأمّة لا تنطلق في الوجهة الصحيحة إلاّ بصلاح عناصرها على أساس التعاليم الإسلاميّة والتوجيهات القرآنيّة، ثمّ بعد ذلك تتحرّك بصلاحها، فتنشر الصلاح في كلّ ميادين الحياة المختلفة.
ويرشد حسن البنّا عناصر المجتمع المسلم إلى هذا المعنى فيقول:
«إذا وجد المؤمن الصحيح، وجدت معه أسباب النجاح جميعها».
وقد بيّن القرآن وأوضح لأتباعه بأنّ الإنسان عزيز على ربّه مكرّم ومفضّل، حتّى يستشعروا ذلك من أنفسهم فيرفعوا من قيمتها بما يقومون به من أعمال صالحة من طاعة لربّهم، وإحسان لأنفسهم ولأعضاء مجتمعهم، وإلى بني البشريّة على العموم. ... قال الله - عز وجل -: (1/86)
صفحة 87
- {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} ... [الإسراء ــ70]
إنّ القدرة الإبداعيّة موجودة لدى كلّ إنسان عاقل، ولكنّه إذا لم ينمّيها ويطوّرها لفترة من الزمن فإنّها ستضمر، وتضعف، وتحتاج أن يدرّبها من جديد ليعيد إليها القوّة والحيويّة.
وكتاب ربّنا - عز وجل - مؤهّل لتنميّة هذه الموهبة لدى الإنسان، وتطويرها بما يحمله من أساليب راقيّة وتعابير محكمة، فخالق هذه النفس هو الذي أنزل إليها هذه الطاقة التي تجدّد فيها هذه الموهبة على مرّ الأيّام والأعوام، وقد جعله صالحا لكلّ زمان ومكان، متجدّدا في كلّ مرّة نقرأه، ولكن بشرط أن يكون ذلك بتدبّر ومحاولة للفهم. ... قال الله - عز وجل -:
- {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} ... [النحل ــ 89]
إنّ القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يتضمّن كلّ ضمانات التأهيل لمن يريد النجاح في كلّ ميادين الحياة.
تنوّع الأساليب في القرآن يؤدّى إلى تنوّع التفكير
إنّ القرآن الكريم يطوّر عقولنا لما يعلّمنا من إبداع كبير في كامل ميادين التفكير والإبداع، لأنّ أسلوبه يشمل على قصص وحوارات ووصف للجنّة والنار بمختلف الأوصاف التي لا نجدها في أيّ أسلوب آخر مهما كان راقيّا، ولا توجد في الحياة الواقعيّة التي نحياها، فيسمو بالتفكير إلى أعلى الخيالات، بما يكوّنه من تلك الصور الخياليّة الجديدة.
ولكي يصبح الإنسان مبدعا في مجال الحياة فلا بدّ من أن يتنوّع تفكيره، وخاصّة في الصور الجديدة التي لا توجد بين عينيه في الواقع، وعليه أن يطّلع على كثير وكثير من الحقائق والوقائع، وربّما افتراضيّة لا يستطيع أن يدركها بعقله، وهذا ما يكوّنه القرآن الكريم فيمن يهتمّ به ويقرؤه. (1/87)
صفحة 88
إنّ كثيرا من الصور الخياليّة التي يحتاجها العقل البشري لكي ينمو ويتطوّر موجودة في كتاب ربّنا القرآن الكريم وهذا من الدلائل القاطعة التي تدلّ على أنّه منزّل من عند خالق الإنسان، والذي يعلم كلّ ما يليق به لتطوير مختلف القوى التي وضعها فيه، وهذه المواضيع متكاملة في كتاب ربّنا، ولا توجد في أيّ إنشاء آخر أيّا كان مصدره، فالقارئ للقرآن بتدبّر وتمعّن واستعمال لعقله بانتباه قويّ، والماهر بأسلوبه يستنتج ويستخرج منه تلك الخيالات التي تزيد لعقله تفتّحا وتطوّرا.
وها هو القرآن يوفّر لنا في أساليبه ومواضيعه هذا التخيّل بلا حدود، فعندما نقرأ مثلا سورة الغاشيّة أو الواقعة أو الرحمان، ونتدبّر جيّدا ما ذكر الله - عز وجل - فيها من نعيم هيّأه لأهل الجنّة، فإنّ خيالنا سينفجر بقوّة، ويبدع إبداعات كثيرة، ومتنوّعة فيما يكوّنه من صور لكلّ تلك الأوصاف، ولا يقدر أيّ كلام مهما كان أسلوبه أو تصوّراته أن يوفّر لنا ذلك.
إنّ المحافظة على قراءته ومحاولة تدبّره بتركيز، يكوّن الذكاء لدى صاحبه ويقوّيه، لأنّه يطرد الأفكار السلبيّة خارج العقل، ويكوّن لديه نظرة ساميّة وإيجابيّة تفاؤليّة لما حوله، فيصبح قادرا على النظر إلى ما يعترض طريقه من مشاكل من زوايا متعدّدة ومختلفة، ممّا يعينه على إيجاد الحلّ المناسب لها، ونتيجة لذلك يحيا حياة متفائلة، ويزرع في نفسه الأمل، ويبعد عنها التشاؤم والإحباط.
بناء التفكير السليم بالقرآن الكريم
إنّ الإنسان اجتماعيّ بالطبع، فهو ينشأ داخل الأسرة التي هي اللبنة الأولى للمجتمع الكبير، وفي هذه الأسرة يتكوّن تفكيره الذي سيعيش به في مستقبل أيّامه, لأنّ أعضاء الأسرة هم الذين ينقلون إليه الخبرات المتراكمة، والقيم الصالحة، أو غير الصالحة، ثمّ ينتقل الشخص بعد البيت إلى المدرسة، فتزيد من خبراته، وتنمّي قدراته، فتتكوّن شخصيّته الواعية الرشيدة. (1/88)
صفحة 89
يقول علماء التربيّة: «إنّ الاهتمام الرئيسي للمدارس والجامعات ينصبّ على حشو عقل الطالب بالمعلومات والمعارف الأساسيّة، أو الاختصاصيّة، أو المهنيّة، أو العامّة على أساس كمّي وروتيني، ولا تهتمّ إلاّ قليلا بقضايا أخرى، بالغة الأهميّة والحساسيّة، مثل مسائل الوعي والأخلاق والقيم والسلوك اليومي والشخصيّة المتكاملة، وبناء الإنسان وغيرها كثير، ممّا يستحقّ كلّ العناية والاهتمام».
لذلك فالعلماء التربويّون في مختلف الدول الإسلاميّة والعربيّة ينادون بضرورة تزويد الطلاّب بالمعارف الضروريّة، التي تربّيهم بصورة متكاملة في مختلف المجالات، الثقافيّة والنفسيّة والأخلاقيّة والسلوكيّة والاجتماعيّة، حتّى يصبحوا أناسا واعين مثقّفين قادرين على التفاعل بنجاح مع عناصر مجتمعهم.
ولكن المسلمين قد كفاهم الله - سبحانه وتعالى - مؤونة البحث عن منظومة تربويّة توفّر لأفراد المجتمع مثل هذه التربيّة، فقد اهتمّ ربّنا - سبحانه وتعالى - بتربيّة نفوسهم التي خلقها فسوّاها بما أنزل إليها من كلامه الذي أوضح لهم فيه السلوك الحسن بكلّ أنواعه وأشكاله، كما بيّن لهم السلوك السيّئ بشتّى أشكاله.
فالله - سبحانه وتعالى - قد بيّن في كتابه الكريم أفضل الحقائق التي ترشد الإنسان إلى بناء حياة فاضلة راقيّة، بيّن فيه حقيقة الحياة الدنيا، وبيّن ما بعد هذه الحياة، بيّن حكمة الوجود، وحقائق العبادات التي فرضها علينا, وأهدافها وحكمها.
فمن أراد أن يبني لنفسه تفكيرا صوابا مستقيما، فالقرآن يبيّن له كيف يصل إلى ذلك، فمن اهتمّ بتلاوته وتدبّره، وتعمّق في معاني الآيات يبني لنفسه تفكيرا سليما يتوافق مع ما يطلبه الله - سبحانه وتعالى - من خلقه، فهو وحده يعلم ما يصلح لهذه النفس، وما يجعلها تنجح وتفلح في هذه الحياة. (1/89)
صفحة 90
إنّ قراءة القرآن الكريم بتدبّر وإخلاص، والاستماع إليه بإنصات، يكوّن فينا مهارات التأمّل في كلّ أنواع المخلوقات، وبواسطة هذا التأمّل نصبح قادرين على التحكّم في ذواتنا، وأن نوجّهها الوجهة التي يريدها لنا ربّنا - عز وجل -، وكلّ هذه المراحل هي من دواعي تكوين التركيز والتفكير الجيّد في كلّ ما نقرؤه دون غفلة أو سهو، وهذا كلّه ممّا يرفع من تفكيرنا وينمّي ذاكرتنا، ومن جهة أخرى يجعلنا دائما على انتباه ودراية عن كيفيّة التعامل مع غيرنا، وكلّ ذلك ينتج عن إعمال الفكر بصفة جيّدة.
وهو يعلّمنا من جهة أخرى التفاؤل في مختلف ميادين الحياة، ويقوّي فينا دائما الأمل الذي به تستقرّ نفوسنا بصفة أحسن وأفضل، لأنّه كلّما أكثرنا من قراءته على مكث ومهل، وأكثرنا من تلاوته وتدبّره، يبعد عن أنفسنا التشاؤم.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} ... [الإسراء ـ 105ـ106]
فهو يهدي الذين يتدبّرونه بعقولهم وقلوبهم، وليس بعقولهم فقط، إلى البحث عن الطريقة الأفضل للعيش في هذه الحياة الدنيا، لأنّ الإنسان مجبول بفطرته وغريزته على البحث دائما على حياة أفضل وأرقى من التي يحياها في حاضره، فهو يتعب ويجتهد كي يحسّن منها.
يبحث عن حياة أحسن صحّة، يطوّر من معيشته وموارده، كي يأكل أفضل ممّا يأكل، ويلبس أفضل ممّا يلبس.
وكذلك يبحث دائما عن الأمن والطمأنينة بأيّ طريقة أو وسيلة كانت، وربّما يرحل من مسكنه الذي ألفه، أو بلدته التي ولد فيها، كلّ ذلك طلبا للراحة والهناء، وحياة لا يظلمه فيها أحد، ولا يتعدّى على حقوقه المختلفة، والقرآن هو الذي يهديه إلى كيفيّة توفير كلّ هذه المطالب، وهذا إذا أمعن فكره، واستعمل عقله كأحسن ما يكون. (1/90)
صفحة 91
وهو يكوّن له في ذهنه صورا جديدة وكثيرة متعدّدة، هذه الصور التي يستطيع أن يفكّر بها في مختلف ميادين الحياة، لأنّ الله - عز وجل - يعلم أنّ هذا الإنسان ــ وهو الذي خلقه ــ لا يستطيع أن يحيا بدون تلك التصوّرات.
وهو يعلم كذلك - سبحانه وتعالى - أنّ مهارة التعليم التي جعلها في هذا المخلوق تتجاوز مجرّد تذكّر المعلومات، بل المقصد منها إضافة مهارات أخرى جديدة إلى مهاراته السابقة، والقرآن كفيل بأن يحقّق له ذلك الهدف، لأنّه كلّما أعاد قراءته بتفكّر وتمعّن ازدادت معلوماته التي يطبّقها في واقع حياته، وبذلك يزداد تفوّقا وتطوّرا.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال:
«ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه».
رواه الترمذي في سننه.
والقرآن يجعل قارئه ومدبّره يفكّر جيّدا في الأمور التي توفّر له السعادة والهناء والطمأنينة، وذلك بما يقرؤه من آيات ربّه - عز وجل - التي تجعله يوقن بأنّ ربّه سيحقّق له تلك السعادة إذا هو التجأ إليه، ودعاه بإخلاص ليملأ قلبه طمأنينة وقناعة بما بين يديه، ويزيده بعد ذلك من رحمته وخزائنه، وقد قرّر العلماء النفسانيّون والاجتماعيّون، وأثبتوا بأنّ الإنسان السعيد في هذه الحياة هو الذي يفكّر باستمرار في أمور السعادة.
وهو يعالج الأمور التي تبعث فيه الخوف والقلق، ــ مثل الخوف من الفقر أو المرض أو الجوع ــ بطريقة حقيقيّة واقعيّة، بحيث يجعله يقتنع بأنّ ربّه هو الذي يتصرّف فيه كيف يشاء في تلك الأمور كلّها، فلا يجب عليه إلاّ أن يرضى بذلك التصرّف، ويشتغل بما ينفعه من التفكير الجيّد الذي ينمّي له ذاكرته ويطوّرها له، لأنّ القلق والخوف كما نعلم هي من الأسباب التي تشتّت التفكير وتضعف الذاكرة، وتجعلها مضطربة على الدوام.
القرآن يرشد إلى التفكير الإيجابي (1/91)
صفحة 92
إنّ القرآن الكريم بأسلوبه وتوجيهاته يكوّن الفرد ليفكّر بطريقة إيجابيّة في الحياة، وهذه هي النظرة الصحيحة التي يجب أن ينظر بها إلى الحياة كلّ من يريد النجاح فيها، لأنّ ذلك ممّا يكوّن لديه التفكير الإيجابي ويقوّيه، وينقص كثيرا من تفكيره السلبي، ويدفعه إلى إنقاص كثير من التصرّفات الغير السويّة، والسلوكات السيّئة، فيوفّر لنفسه راحتها التي هي السبب الأوّل والرئيسي لضمان راحة البال وتكوين تفكير عميق مركّز راق.
ومتى استطاع المسلم أن يعايش كلام ربّه معايشة واقعيّة، فإنّه سيفهم حقيقة نفسه التي بين جنبيه فهما جيّدا صحيحا، وذلك لأنّ تفكيره سيزداد قوّة وسعة، وسيصقل أفكاره نتيجة لذلك، ويتعمّق في فهم هذه الحياة التي يجب عليه أن يحياها بصفة هادئة حسنة، ويعلم ما هي متطلّباته الرئيسيّة فيها، وذلك تماشيّا مع ما يقرأه ويفهمه في كتاب ربّه - عز وجل - من أفكار عميقة استطاع أن يصل إليها بقوّة تفكيره الذي كوّنه فيه كثرة قراءة وتدبّر كلام ربّه - عز وجل -.
يقول أحد الحكماء:
«إنّ معظم مآسي البشر تكون نتاجا لتقديراتهم السيّئة والخاطئة في تقييم الأشياء».
وهي كذلك نتيجة لسوء تقديرهم لنفوسهم، وما خلق الله - عز وجل - فيها من طاقات يستطيعون أن يحيوا بها حياة راقيّة، إذا هم وصلوا إلى معرفتها حقّ المعرفة، هذه المعرفة التي تجعلهم يعملون باجتهاد ومهارة، دون هوادة لاستثمارها وتنميّتها وتقويّتها.
وكلام الله - عز وجل - هو الذي يرشد هذا الإنسان إلى البحث عن معرفة نفسه معرفة صحيحة حقيقيّة.
وهو يهب لقارئه ومستمعه بتمعّن وفهم الثقة كي يحقّق معظم أحلامه، التي يريد الوصول إليها والتي يرى أنّها هي التي تحقّق له الحياة الناجحة، لأنّه يبيّن له بأنّه قادر على أن يحيا حياة معتدلة متوازنة إذا ما طبّق ما فيه بكلّ ثقة وثبات. (1/92)
صفحة 93
وكثرة الناس ينظرون إلى هذه الحياة نظرة سلبيّة، وأنّها معقّدة، مليئة بالمشاكل والعقبات، ممّا يجعل ذاكرتهم تتدبدب وتتشتّت، وقواهم العقليّة تضعف، وكلّ هذا ناتج عن عدم معرفة كلّ واحد منهم حقيقة ذاته، وعدم معرفة ذوات الآخرين من حوله، خاصّة إذا علمنا أنّ الحياة الإجتماعيّة المتوازنة المطمئنّة لها دور فعّال وتأثير كبير على القوى العقليّة والفكريّة، فعندما يطمئنّ الإنسان على نفسه وماله وعائلته، فإنّه يجد الجوّ الهادئ للتفكير الإيجابيّ الجيّد والمنتج.
وهو يبعث في النفس القوّة والشجاعة في التفكير المركّز العميق، ممّا يجعلها تصل إلى أفكار إيجابيّة صائبة سليمة، دون تردّد أو شكّ أو خوف، لأنّ من مزايا الإرادة القويّة الثابتة القدرة على التفكير المركّز والمحافظة عليه عند حدوث أمور مهمّة، وتغيّر الأحوال، فعند ذلك يظهر جيّدا أصحاب التفكير القويّ من غيرهم.
وليس هناك قوّة تبعث في النفس مثل هذه الطاقة أكثر وأفضل من قوّة آيات القرآن المليئة دوما بالطاقة والنور المشعّ.
ولا أدلّ على ذلك من الواقع الذي عاشه الرعيل الأوّل من هذه الأمّة مع كلام ربّهم، حين استمدّوا منه القوّة الروحيّة والجسميّة والعلميّة فوصلوا به إلى الدرجات العلى التي يطمح بالوصول إليها كلّ إنسان في هذه الحياة.
إنّ حياتهم كانت مبنيّة على القرآن، وتسير وتتوجّه بالقرآن في كلّ صغيرة وكبيرة من تفكيرهم وأعمالهم.
فقد كوّن فيهم أفكارا قويّة راقيّة، كانت سببا لرقيّهم وانطلاقهم بكلّ جدّ ونشاط في حياتهم، لأنّهم حكّموه في كلّ ذلك، فحصدوا تلك الأعمال الطيّبة والحياة الاجتماعيّة المتوازنة والتي بقيت راية ترفرف على مسار التاريخ.
كما كوّن فيهم شخصيّاتهم الراقيّة القويّة المطمئنّة، فحصدوا قدرا عاليّا واحتراما كبيرا من كلّ الأمم التي عاشرتهم وتعاملت معهم. (1/93)
صفحة 94
كما كوّن فيهم هذا القرآن عقولا قويّة، استطاعوا أن يعالجوا بها كلّ المشاكل التي تعترض طريقهم في الحياة بكلّ نجاح، ونتيجة لذلك وصلوا إلى تلك الدرجة من الرقيّ والتقدّم في مختلف المجالات.
ونتيجة لاحتكامهم المستمرّ إلى كلام ربّهم تكوّنت لديهم عبقريّات متعدّدة، وعلماء الذاكرة يقولون بأنّ أجزاء العقل والتفكير ينمّي بعضها بعضا، والقرآن كلّه عبارة عن أجزاء متكاملة، ويشتمل على أفكار كثيرة لا نستطيع حصرها، فهو يقرّر حقائق في النفس الإنسانيّة، والمخلوقات الحيوانيّة، وفي الأجزاء الكونيّة، ويتطرّق كذلك إلى الناحيّة الروحيّة في الإنسان، وما يخصّ الحياة الأخرويّة من جنّةٍ ونارٍ، كلّها مواضيع إذا ما فكّر فيها القارئ بتركيز ورويّة وبعمق، وهو يتدبّر كلام ربّه، فإنّه يعطي لقواه العقليّة مجالاً واسعاً للإبداع ممّا يجعلها تنمو وتتطوّر بدون حدودٍ.
والعلماء يقرّرون كذلك أنّ القوّة العقليّة تزداد باستعمالها في مختلف المواضيع، لا بتركها خاملة دون عمل، والقرآن هو أحسن مادّة يجد فيها العقل المجال الواسع للعمل والنموّ، وهذا ربّنا - سبحانه وتعالى - يخبرنا بأنّه قد صرّف كلّ مثل في كتابه، ولم يترك شيئا لم يذكره فيه.
- {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ... [الأنعام ـ 38]
- {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} ... [الإسراء ـ 89]
- {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الكهف ـ 54]
وقديما قيل: إنّ الكلمات تثير العقل، وتحيي الروح، وقرآن ربّنا - عز وجل - كلّه مركّب من كلمات، وهذه الكلمات مليئة بالروح المستمدّ من قوة منزّله، وهو الله العليّ الكبير الجبّار المتكبّر، وهذه الروح هي التي تؤثّر في الروح الإنسانيّة التي نفخها فيه، فتقوى في جميع جوانبها النفسيّة والعقليّة، ويقوى بذلك عمل العقل ويزداد إنتاجه وإبداعه. (1/94)
صفحة 95
وقيل: نحن انعكاس لتصوّرنا، فلماذا لا نهتمّ بقرآن ربّنا - عز وجل -، حتّى يكوّن فينا تصوّرا قويّا سليما وحسنا كاملا، فنحيا به حياة طيّبة، وننال رضا ربّنا - عز وجل - في الدنيا، وجنّته في الآخرة.
الابتعاد عن التفكير السلبي
إنّ كثيرا من الأحوال والعادات والتقاليد التي تعودّنا عليها تعمل سلبيّا في بناء مستقبل حياتنا وحياة أولادنا، وتعرقلنا عن التقدّم في الاتّجاه الصحيح.
فقد تركنا التفكير السلبي يسيطر على كلّ تصوّراتنا ومحادثاتنا حول هذه الحياة، السبب الذي جعلنا لا نحقّق الأهداف العظيمة التي نحن بحاجة إليها كي نصبح ناجحين في مختلف ميادين الحياة.
هذا وبالرغم من أنّ كتاب ربّنا - عز وجل - مليء بالتوجّهات الإيجابيّة التي تساهم في بناء الفكر الإيجابي الراقي في نفوسنا، إلاّ أنّ الغفلة التي تسيطر علينا عند قراءتنا وتلاوتنا له، جعلتنا لا نفكّر فيها، ممّا يجعل القراءة المصحوبة بالتدبّر السبيل الأمثل لفهمها والسعي وراء العمل بها في شتّى مجالات الحياة.
فلو أنّنا درسنا سورة الفاتحة فقط بشيء من التمعّن والتدبّر لفهمنا المغازي الكثيرة الموجودة فيها، والتي تبيّن لنا بأنّ نعم ربّنا تترى علينا دون توقّف، ودون انقطاع، ولكن سيطرة التصوّرات السلبيّة على أفكارنا واعتقاداتنا أغفلتنا عن شكرها، حتّى وصلنا مع طول الزمن إلى الاعتقاد بأنّنا نفتقر إلى أشياء كثيرة ..
ولو أنّنا سألنا أنفسنا بكلّ موضوعيّة وإخلاص: لماذا طلب منّا ربّنا أن نقرأ هذه السورة في كلّ ركعة من الصلاة، سواء منها الفرائض، أو السنن، أو النوافل؟، لتوصّلنا إلى بعض آثارها الإيجابيّة في تفكيرنا، وزيادتها للتفاؤل في نفوسنا لاستخلصنا الحكمة والمقصد من هذا الطلب.
والأشياء الأساسيّة يعيدها ربّنا في القرآن الكريم كثيرا.
فالسورة تبتدئ بقوله {بسم الله الرحمان الرحيم} ثمّ نقرأ قوله - سبحانه وتعالى - {الحمد لله ربّ العالمين الرحمان الرحيم}. (1/95)
صفحة 96
فالرحمان اسم عامّ في جميع أنواع الرحمة، وهذا يختصّ به الله - سبحانه وتعالى - وحده، فهو رحمان بجميع خلقه، المؤمن منهم والكافر، ينزّل عليهم الأمطار فينبت لهم كلّ ما يحتاجونه من أقوات وأرزاق، وأنعم عليهم بنعم الحواس، إلى غير ذلك ممّا يتمتّعون به من مختلف النعم.
أمّا الرحيم فذلك للمؤمنين خاصّة، وذلك بهدايتهم إلى الطريق المستقيم.
فعن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - قال: قدم على النبيء - صلى الله عليه وسلم - سبي، فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيّا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال لنا النبيء - صلى الله عليه وسلم -: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا، وهي قادرة على أن لا تطرحه، فقال: لله أرحم من هذه بولدها. رواه البخاري
والرحمان إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل غضب.
والله - سبحانه وتعالى - أرحم بعباده من الأمّ بأولادها.
فإذا قرأ المؤمن مثل هذه الآيات، ثمّ فهمها فهما جيّدا، فإنّه سينطلق في هذه الحياة وهو مليء تفاؤلا وآمالا بالنجاح، لأنّه يعلم أنّ ربّه معه رحمان به ورحيم، بيده مفاتيح الخير كلّه بما في ذلك نجاحه وإعانته وتوفيقه وهدايته إلى سبيل الفلاح دنيا وأخرى وأنّ كلّ شيء في هذه الحياة هو خير من عند الله - سبحانه وتعالى -.
يقول العلماء: إنّ السعادة هي أقوى منشّطات العقل والتفكير.
وفي دراسة واسعة استمرّت تسعة وعشرين عاما، قادت فيها فريق البحث "سوزان إيفرسون" من معهد "كاليفورنيا" للصحّة وجد أنّه عند مقارنة الأشخاص المكتئبين بنظرائهم غير المكتئبين تبيّن أنّ:
*50 % من نسبة الأشخاص المكتئبين أكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغيّة.
*50% منهم أكثر عرضة للموت من جرّاء إصابتهم بالسكتة الدماغيّة. (1/96)
صفحة 97
وكثير من الدراسات توضّح وتثبت أنّ العقل يلعب دورا بارزا في تحديد مستوى صحّة الشخص، وأنّ الموهبة العقليّة هي من نتاج التفاؤل، والثقة بالنفس، وتحمّل الأشخاص المسؤوليّة الكاملة على حياتهم، والتمتّع بتوجيه يتّسم بالقدرة على فعل أيّ شيء إيجابيّ.
والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله به لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - في بداية إنزال الوحي إليه ليفتح به هذه الرسالة العظيمة والجليلة التي لا يضاهيها مثيل في هذا الكون، فقد كان أوّل ما نزل من القرآن الكريم باتّفاق قوله - سبحانه وتعالى -:
- {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ... [العلق ـ 1]
فالمؤمن العاقل الذي يطلب النجاح والفوز في حياته يستمدّ قوّته وعزيمته من هذه الكلمة، التي تدلّ على أنّ كلّ شيء يستمدّ وجوده من الله - سبحانه وتعالى -، فيبدأ بها كلّ عمل يريد القيام به، كي يجلب لنفسه العون والمدد، ويملأها طمأنينة وراحة لأنّ لها من يعينها ويوفّقها ويهديها.
وهذا يدلّ على مدى سعة رحمة الله - سبحانه وتعالى - به، وكثرة آلائه ونعمه عليه، وهذا ما يبعث فيه الشعور بالطمأنينة والراحة والسكينة، ما دام أنّ له ربّا كريما رحيما رؤوفا.
إنّ عبارة ـ الرحمان الرحيم ـ صفة تستغرق كلّ معاني الرحمة وحالاتها، وقد جعلها الله - سبحانه وتعالى - السمة البارزة له في كثير من آيات كتابه الكريم، وذلك حتّى يبعث في نفوس عباده التفاؤل ليتمكّنوا من خوض غمار هذه الحياة، والخروج منها بسلام.
إنّ وصف ربّنا - عز وجل - نفسه بهذه الصفات يقوّي الصلة بينه وبين عباده، فهو يريد - سبحانه وتعالى - أن تكون تلك الصلة صلة رحمة ورعاية، والتي تستجيش الحمد والثناء من نفوس عباده.
إنّها صلة تقوم على الطمأنينة والمودّة بين الربّ - سبحانه وتعالى - وبين عباده، فالحمد والشكر هما الاستجابة الفطريّة للنفس البشريّة والتي يريدها الخالق - سبحانه وتعالى - من عباده. (1/97)
صفحة 98
ووصف الله - سبحانه وتعالى - نفسه في البدء بالرحمان الرحيم، يشمل ويدلّ على كلّ معاني الرحمة، وهذا الإنسان لا يحتاج إلاّ لهذه الرحمة كي يقطع طريقه قي هذه الحياة.
القرآن يهدينا إلى التفكير الصواب
إنّ القرآن يظهر للإنسان الجانب السامي من نفسه، وهو التفكير الصواب الذي يعتبر قوّة بحدّ ذاته في هذا الكون، والذي يستطيع بواسطته أن يتناغم وينسجم مع نفسه، وهو الذي يكوّن لدينا حريّة تغيير التفكير، ويجعلنا نغيّر التصرّفات التي كنّا نتصرّف بها من قبل، والتي أوصلتنا إلى تلك النتيجة التي وصلنا إليها.
إنّه يهب لنا القوّة الكافية لاستخدام عقولنا، لكي نجعل من الحاضر شيئا ممتعا.
فعند ذلك نرجع إلى نفوسنا، ونحاسبها لنبحث عن الأعمال التي كنّا نقترفها والتي جلبت لنا ذلك الجزاء السيّئ، فنتجنّبها، وبذلك نوفّر لنفوسنا فضاءات واسعة في عقولنا نحن في أمسّ الحاجة إليها لنستغلّها وننمّيها في التفكير الصواب، والإنتاج الحقيقي النافع.
وكلّ هذه الجوانب المتعدّدة للإصابة بالمصائب، تثير أسئلة كثيرة ومتعدّدة واحتمالات جديدة، ممّا يثير في عقلنا طرقا جديدة للتفكير في سبب الإصابة، وكيفيّة الخروج منها، والتي تكون سببا لتنميّته وتطويره، وتكوين خيال مبدع يؤدّي به إلى تحقيق قفزات جديدة في العلم والتعلّم والاستنتاج.
كما أنّه يكوّن فينا عادة، وهي أنّه كلّما أصابتنا مصيبة، أو اعترضتنا مشكلة، نحاول أن نبحث لها عن حلّ من كلّ الجوانب، ومن مختلف الطرق، فينمو بذلك ذهننا، ونبعد عنه اليأس الذي هو من ألدّ الأعداء للذاكرة ونمو التفكير، ومن سنّة الله - عز وجل - في خلقه أنّ هذا الإنسان يصاب بالمصائب والمشاكل ما دام حيّا يرزق على وجه الأرض.
وربّما قد جعل الله - عز وجل - هذه المصائب والمشاكل لتبعث القوّة والنشاط في هذا المخلوق، وتقوّي فيه إرادته. (1/98)
صفحة 99
هذا وإنّ المشاكل والعراقيل تتبدّل وتتغيّر باستمرار وعلى طول طريق الحياة، وتتلوّن بألوان مختلفة، لذلك نجد كلّ إنسان ينظر إليها ويدرسها على حسب قوّة وصحّة تفكيره، وعلى حسب نظرته إلى هذه الحياة.
وهكذا فالقرآن أنزله ربّنا - عز وجل - إلينا ليكون وسيلة ناجحة وحقيقيّة لتطوير وتنميّة قوانا الفكريّة، وبلورة تفكيرنا في تلك المشاكل، فما علينا إلاّ أن نتدبّره جيّدا من جميع جوانبه المتعدّدة حتّى يحقّق في عقولنا هذه النتيجة.
إنّ القرآن الكريم يحقّق لنا حياة عامرة بالتفاؤل، لأنّه يجعلنا نكفّ عن الإحساس بالتذمّر من معوقات الحياة، بحيث يعلّمنا أساليب مفيدة تساعدنا في تطهير عقولنا من الأمور التي تشوّش علينا تفكيرنا.
وهو يعلّمنا القدرة على تحويل نظرياتنا إلى واقع ملموس، وهذا هو سرّ النجاح في الحياة، لأنّه يمدّنا بالرؤية المثيرة لآمالنا، فنحوّلها إلى واقع ملموس، وبدون هذه الرؤية ستبقى مجرّد حلم يقظة.
إنّه يعلّمنا أن نتّخذ غرضا ثابتا في هذه الحياة، وهو إرضاء ربّنا، وعمارة الأرض التي وجدنا فيها لنحقّق الخلافة التي خلقنا من أجلها على هذا الكوكب.
- {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}
[البقرة ـ 30]
وقد وجد العلماء أنّه لا شيء يساهم في تهدئة العقل كالغرض الثابت الذي يحدّده الإنسان، ويرمي إلى الوصول إليه.
وهو يجعلنا نأمل الوصول إلى عنان السماء، ولا نركّز على الأحجار المعرقلة الموجودة في الطريق والتي نخاف من التعثّر فيها والسقوط، ويعلّمنا كيف ننهض من كبوتنا وننطلق من جديد بإرادة قويّة مملوءة ثقة بما في يد الله - عز وجل -، لأنّه يملأنا إيمانا بأنّ ربّنا - عز وجل - معنا دائما يعيننا كلّما احتجنا إلى عونه، وذلك بشرط واحد وهو أن نحافظ على تلاوة كتابه القرآن الكريم. ... قال الله - سبحانه وتعالى -: (1/99)
صفحة 100
- {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} ... [العصر ـ 1ـ2ـ3]
ففي هذه السورة القصيرة ذات الآيات الثلاث يتمثّل منهج كامل للفكر الإنساني كما يريده الله - عز وجل -، وتبرز لنا معالم شخصيّة المسلم كما أرادها الخالق، فعلى امتداد الزمان في جميع العصور، وعلى طريق حياة الإنسان مع تقدّم الدهر ليس هناك إلاّ منهج واحد، واحد فقط يربح دائما في النهاية وطريق واحد فقط هو طريق النجاة، ذلك المنهج، وذلك الطريق هما اللذان تصفهما هذه السورة وغيرها من السور والآيات الكثيرة الموجودة في كتاب ربّنا - عز وجل -، القرآن الكريم وتوضّح معالمهما وكلّ منهج غيرهما يؤدّي ويوصل إلى الضياع والخسارة.
فالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر هي أسس هذا المنهج ومعالم هذا الطريق، هكذا وبكلّ إشراق المعاني، وبكلّ دقّة الألفاظ وببلاغة لا نظير لها، يصل القرآن إلى قلب الفكرة، فيهدي إلى طريق التفكير الصحيح ومنهج العمل المستقيم، وهكذا دائما دأب كلمات القرآن في الوصول إلى قلب الحقائق وجوهرها من أقرب طريق، وبأبلغ الألفاظ وأقلّها.
إنّ القرآن الكريم يعلّم أتباعه التفكير الصحيح والصواب الذي تلتقي به أرواحهم، وترتقي نفوسهم، وتتآلف قلوبهم برباط شفّاف نسيجه الحبّ في الله.
إنّها معان عميقة يتشرّبها القلب المؤمن السليم من آيات القرآن الكريم، فتؤدّي إلى نموّ المجتمع المسلم نموّا طبيعيّا نحو القوّة والنضج والتقدّم المستمرّ.
- {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} ... [المنافقون ـ 8]
تغيير التفكير بكثرة تلاوة القرآن (1/100)
صفحة 101
إنّ قارئ القرآن بتدبّر وبصفة دائمة، والمستمع إليه بانتظام وبعناية، يكوّن فيه منهج تفكير جديد في حياته غير الذي كان عليه من قبل، بحيث يغيّر له نمط تفكيره، وطريقة عمل عقله، فهو يحارب الأفكار السلبيّة القديمة الغير الصالحة التي كانت تتحكّم فيه من قبل، والتي كان يتبنّاها رغم أنّها كانت غير صالحة.
إنّ العلماء قد توصّلوا بتجاربهم المتعدّدة بأنّ الأشخاص الفاشلين هم الذين تتحكّم فيهم ظروف ماضيهم بصفة كبيرة، رغم أنّها كانت ربّما سبب فشلهم، ولكن القرآن يجعل الأشخاص يتحرّرون من التعلّق بالماضي والتطلّع إلى المستقبل، بدعوته لهم إلى التطلّع إلى المعالي في هذه الحياة الدنيا، وإلى الدرجات العليا في الجنّة، ما دام ذلك المستقبل بيد الله وحده هو الذي يتصرّف فيه كيف يشاء، ويوجّهه كما يريد.
- {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ... [لقمان ـ 34]
والحكمة تقول:
«أن تقع أسير ماضيك المرير أمر يعوق تطلّعك نحو مستقبل مشرق».
إنّ الأفكار الصالحة التي يبنيها القرآن في المحافظ عليه، والتي توجّهه الوجهة الصحيحة، وتبني فيه أنماطا وطرقا جديدة لاستعمال وتنميّة عقله وتنشيط خلايا مخّه، بحيث تجعل أعصابه تعمل بصفة حسنة، وبكلّ هدوء، ممّا يؤهّله للنجاح الشخصي والمهني والاجتماعي والاقتصادي.
والتفكير المبدع الذي يوجّه صاحبه الوجهة الصحيحة يعتبر منهج جديد للحياة الناجحة. (1/101)
صفحة 102
والمحافظة على تلاوة القرآن وتدبّره والتفكير فيه بصفة مركّزة، ممّا يغيّر نمط التصرّفات التي كنّا نبني عليها سلوكاتنا من قبل في واقع حياتنا مع ذواتنا، أو مع أسرنا، أو المجتمع الواسع، ويجعلنا نغيّر خريطة ذواتنا الخاطئة، والتي كنّا نهتدي بها في أعمالنا وتصرّفاتنا اليوميّة، لأنّ القرآن ينشّط فينا الطموح إلى المعالي، سواء للدنيا، أو للآخرة.
وقد قال الفيلسوف {ماركوس أورليوس}:
«تعتمد سعادة حياتنا على نوعيّة أفكارنا».
فإذا ما استطعنا أن نبني نوعيّة أفكارنا على ما نستخرجه من معاني القرآن، فذلك هو الفضل الكبير، والنجاح الذي ليس فوقه نجاح.
إنّ أصعب الصعاب التي تواجه الأشخاص هي مقاومة التغيير، والقرآن أنزله ربّنا - عز وجل - ليغيّر نمط التفكير لدينا، ونمط السلوك والتعامل اللذين هما نتيجة حتميّة لتغيير نمط الحياة عموما.
إذن نستطيع أن نقول ونجزم أنّ القرآن أنزله الله - عز وجل - ليؤثّر في القوى العقليّة، ويزيد من قوّتها وإبداعها، ولا يخفى على أحد أنّ التفكير والذاكرة مرتبطان ارتباطا وثيقا ومتبادلا مع القلب الذي هو مستودع أفكار العقل الباطن، ولا يخفى على أحد مدى تأثير القرآن على القلب خاصّة.
- {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ق ــ 37] (1/102)
صفحة 103
إنّ أغلبيّة الناس مقتنعون وهم سائرون في طريق حياتهم أنّهم قد حقّقوا نجاحات، وأنّهم قد وصلوا إلى الدرجة التي يستطيعون أن يصلوا إليها، في حين أنّ النجاح ليس له حدّ، أو درجة معيّنة، أو مستوى محدود، ويبنون ذلك على السلوك الذي استطاعوا أن يحقّقوه في الواقع، والتصرّفات التي كانوا يتعاملون بها من قبل، وربّما هم يتعاملون بها إلى الآن، لأنّهم ما زالوا يظنّون أنّ تلك الدرجة هي أعلى درجة في التفوّق الذي يمكن لهم الوصول إليها، فلا يحاولون التغيير من عاداتهم، التي سيتحصّلون بواسطتها على تطوّر ملحوظ وملموس في واقع حياتهم، والتي ستدفعهم ربّما إلى درجات أعلى وأعلى.
والأفكار كيان معنوي غير موجود في عالمنا المادّي لأنّنا لا نستطيع أن نراها، أو أن نكوّن لها مجالا محدودا، وبالتبع فهل نستطيع أن نكوّن للقرآن مجالا محدود، أم هل نستطيع أن نحدّد الأفكار التي ناقشها وأثراها.
إذن من هنا نقول بأنّه هو وسيلة لتكوين الأفكار الغير المحدودة.
والله - عز وجل - يقول:
- {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ... [الزمر ــ 27ــ28]
إنّ القرآن يعتبر مصدر الفكر، وهو الذي يمنحنا القدرة على أن نكوّنه، وهذه القدرة تمنحنا الإبداع في التفكير وتنوّعه.
إنّه يمنحنا الفرصة للبدء في عمليّة التفكير، وأن نرى أنّنا نستطيع استخدام قدرتنا في ذلك، وبهذا الفكر الذي يكوّنه فينا نستطيع تشكيل أنفسنا وتوجيه حياتنا كلّها.
ولا عجب في ذلك، لأنّ ربّنا - عز وجل - هو الذي بيّن معجزة هذا القرآن وتأثيره القويّ في أنواع مخلوقاته القويّة، وقد ضرب لنا مثلا لتأثيره على الجبل الذي خلق من الحجارة الشديدة الصلبة. ... فقال - عز وجل -: (1/103)
صفحة 104
- {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} ... [الرعد ــ 31]
- {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} ... [الحشر ـ 21]
ولنا مثال على ذلك من واقع حياة الصحابة الذين درسوا القرآن، وحافظوا عليه محافظة منقطعة النظير، وحاولوا تطبيقه في واقع حياتهم، فعاشوا حياة مليئة طمأنينة ورضا، فأصبحوا عباقرة ومتفوّقين استطاعوا أن يحكموا أعظم دولة عرفها التاريخ عبر العصور بكلّ جدارة وحسن تدبير وتسيير، وهم الذين كانوا من قبل رعاة الأغنام والإبل، فكوّن فيهم القرآن الكريم عبقريّة فذّة استطاعوا بها أن يتعاملوا مع كلّ الأجناس من مختلف أنحاء العالم، وهم مختلفون معهم في اللغة والانتماء والعرق والعقيدة.
يقول الدكتور {مصطفى السباعي}:
«ولقد زلزل المؤمنون بالقرآن الأرض يوم زلزلت معانيه نفوسهم، وفتحوا به الدنيا يوم فتحت حقائقه عقولهم، وسيطروا به على العالم يوم سيطرت مبادئه على أخلاقهم ورغباتهم، وبهذا يعاد بناء التاريخ، وبمثل هذا سيعيد التاريخ سيرته الأولى».
إنّ الأمّة الإسلاميّة في واقعها الحاضر بحاجة إلى تغيير وتطوير تفكيرها بواسطة كتاب ربّها، علّها تشارك الأمم الأخرى من حولها في توجيه وتسيير تاريخ الإبداع والاختراع.
ومن جهة أخرى فعلى المربّين والموجّهين أن يربّوا الجيل الصاعد على توجيهات القرآن، وأن يبنوا تفكيره على إرشاداته، كي يصبح عبقريّا.
وليس هناك شيء يستطيع أن يقوم بهذه المهمّة غير كتاب ربّها - عز وجل - الذي يقول فيه ربّنا - عز وجل -:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ــ 9]
يهدي للتي هي أقوم في جميع نواحي الحياة ومجالاتها، لأنّه جاء من عند الله - عز وجل - ليعالجها جميعها. (1/104)
صفحة 105
وقد جعل الله - عز وجل - في تلاوته وتدبّره والاستماع إليه أجرا عظيما وثوابا جزيلا، كي لا ينقطع عنه عناصر الأمّة في أيّ زمان أو مكان كانوا فيه.
القرآن يملأ العقل بالأفكار الإيجابيّة
والله - سبحانه وتعالى - قد أنزل هذا القرآن الكريم، وهو يشتمل مواضيع لا حصر لها، ولا حدّ، وهو ينتقل بقارئه من خطاب، إلى أمر، إلى إرشاد، إلى قصّة، إلى التفكّر في الملكوت، إلى الخيال الواسع، إلى الكلام عن الدار الآخرة، والذي تفرّد به القرآن الكريم دون أيّ تأليف آخر في هذا الكون.
وقد اكتشف علماء الذاكرة في بحوثهم الكثيرة بأنّ العقل تتضاعف أفكاره إذا ما ملأناه بالأفكار الجيّدة والإيجابيّة، وهذا التضاعف الداخلي سوف يظهر في أفعالنا، وسوف يبدأ بالتأثير في كلّ من حولنا.
إنّ أمخاخ بني البشر كلّها تعمل بنفس الطريقة الدؤوبة، لذلك فكلّ واحد منّا مسؤول عن إيصال القيم الإيجابيّة الصالحة النابعة من عقلنا إلى الآخرين، وبذلك يتعاظم الخير، ويعمّ الجميع في المجتمع.
القرآن والتفكير الإبداعي
إنّ التفكير الإبداعي الذي يكوّنه كلام الله - سبحانه وتعالى - في الإنسان لا تقتصر الحاجة إليه في حلّ المشاكل والمواقف الصعبة التي تعترضه في طريق حياته فقط، بل هو من لوازم الحياة اليوميّة، فهو الذي يوجّهه مثلا لإنفاق المال في الوجوه الصحيحة، حتّى يوفّر ما يحتاج إليه من المال في وقت الشدّة، ذلك الوقت الذي يبعثر كثيرا من طاقات الإنسان دون فائدة ممّا يشوّش له أفكاره ويبعثر له تركيزه.
وهو الذي يحول دون الوقوع في مشاكل ومشاجرات وخلافات بينه وبين الناس في مجتمعه الذي ينتمي إليه، وذلك بما يقرأه فيه من توجيهات وأوامر ونواهي في هذا المجال، وبما يبدعه من تعامل يطبّق فيه ما يأمره به ربّه في مختلف الآيات. (1/105)
صفحة 106
وهو الذي يفتح له كذلك أبواب التفكير الذي يطلق العنان للخيال والتصوّر، ويجعله في الوقت ذاته يفكّر على أسس منطقيّة، فهو يجمع مختلف المواضيع التي تمدّ الإنسان بطاقة كبيرة من الفكر والتصوّر الإبداعي الخلاّق.
وهو من جهة أخرى كذلك يثير الأذهان ويحفّز العقول على التفكير المنطقي، وينقل محتوى غير متناهي من المعارف من جيل إلى جيل، ممّا يجعل الأجيال اللاحقة تصل إلى نتائج وعلوم جديدة، لم تصل إليها الأجيال السابقة، وذلك لأنّ عطاء القرآن متجدّد، وغير محدود.
فهو الذي قال فيه خير البريّة - صلى الله عليه وسلم -:
«ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه».
وهو يرشد الإنسان كي يفهم القضايا الإيمانيّة والإنسانيّة والكونيّة الكبرى بطريقة علميّة منطقيّة.
إنّه يرشدنا أنّه إذا فهمنا ذلك، فلن يختلط علينا ما هو علم بما هو ظنّ، وما هو حقيقة بما هو وهم، أو هوى، فإذا فهمنا قضيّة واحدة من القضايا التي تعتبر علميّة فهما صحيحا وبدقّة تامّة، فإنّه يمكننا أن نبحث في أيّة قضيّة أخرى على نفس الأسس والشروط العلميّة.
إنّ هذه القوى التفكيريّة التي منح الله - سبحانه وتعالى - لهذا المخلوق الضعيف تنمو وتقوى بالعلم والحقائق، وبمجرّد أن تفقد العلم يتسلّط عليها، ويتحكّم فيها الظنّ والهوى، وهذا ممّا يُظلّ هذه القوى، فلا تعمل بطريقة سليمة.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «حبّك الشيء يعي ويصمّ». ... رواه أحمد
وهو يساعد على تكوين التفكير الإبداعي في الإنسان الذي يمكّنه من استطاعة إجراء تغيير فريد من نوعه في حياته كلّها وذلك إلى الجهة الإيجابيّة طبعا، وهذا الإبداع يكون نقطة انطلاق تعينه على رفع مستوى معيشته إلى مستوى أعلى، وتغيير مذهل للغاية في علاقاته مع الآخرين.
كما أنّه يرشده إلى إمكانيّة خلق تغييرات شاملة في حياته فيتغلّب من خلالها على المشاعر السلبيّة، من رعب وقلق وتوتّر. (1/106)
صفحة 107
إنّه يخلق له نقاط ارتكاز جديدة في الحياة، والتي تتحوّل بالممارسة الفعليّة إلى سمات أساسيّة من سمات تطوير التفكير والإنطلاق به إلى ما هو صالح له في واقع حياته، ويوجّهه كي يصبح إنسانا قادرا على التعلّم والمثابرة والوصول إلى النجاح.
إنّ ممّا ابتلي به أناس هذا العصر هو التفكير السطحي الذي لا يركّزون فيه جيّدا على ما يريدون الوصول إليه، وتحقيقه بالتحديد، وذلك ما كوّنته فيهم هذه المدنيّة العصريّة التي تعتمد على السرعة في كلّ شيء، فكلّ شيء يسير فيها بسرعة، فالإنسان العصري أصبح عبارة عن آلة، يريد أن يحقّق كلّ أهدافه بسرعة.
وفي هذا يقول الشاعر الحكيم:
صغير يطلب الكبرا وشيخ ودّ لو صغرا
وخال يشتكي عملا وذو عمل فيه ضجرا
وربّ المال في تعب وفي تعب من افتقرا
فهل حاروا مع الأقدار أم هم حيّروا القدرا
ولكن القرآن الكريم يكوّن في قارئه، ــ طبعا إذا قرأه بتدبّر وتفهّم ــ التفكير الرزين المتأصّل في النفس لأنّه يبيّن لها أنّ هذه الحياة ليست دائمة، وأنّ كلّ شيء فيها مقدّر بإذن الله - سبحانه وتعالى -. وهو القائل:
- {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ... [القمر ـ 49]
- {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} ... [القمر ـ 53]
إنّ هذا القرآن يجعل الإنسان يعيش حياة تتغيّر دائما نحو الأحسن، لأنّه يبيّن أنّه لم يخلق لتتحكّم فيه الظروف، كما يعتقد أغلبيّة الناس، بل هو الذي يصنع تلك الظروف، فرحمة ربّه وسعت كلّ شيء، وهو يعتبر شيء في هذا الكون.
إنّ الإبداع كما يقول علماء النفس من شأنه أن يُبطل كثيرا من الخرافات السائدة حول التفكير الخاطئ، وأظنّ أنّه ليس هناك شيء حارب الخرافات في القديم، ويحاربها في كلّ وقت وزمان مثل كلام ربّنا القرآن الكريم. (1/107)
صفحة 108
لقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - كتابه من السماء ليكون كتاب هداية وشفاء وتقويم وتغيير لكلّ من يحسن الإقبال عليه بنيّة صادقة، قصده من ذلك ليس القراءة فقط وإشغال وقته، وإنّما قصده فهم ما أنزل إليه ربّه ليطبّقه في واقع حياته.
إنّ هذا القرآن الكريم يعتبر معجزة في طريقة تأثيره في النفس البشريّة، وهي ليست مقصورة على زمان بعينه، أو ترتبط بشخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو الصحابة ثمّ تنتهي بانقطاعهم عن هذه الحياة، كما يقوله كثير من الكفرة الملحدين، بل جعلها منزّلها صالحة لكلّ زمان ومكان حتّى قيام الساعة.
ومن هذه الخاصّية الدائمة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - فيه، فقد ضمن حفظه عن التحريف والتبديل والزيادة فيه، أو إنقاص شيء منه. فهو القائل:
- {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ... [الحجر ـ 09]
- {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} ... [النحل ـ 89]
القرآن يكشف ويبني القوّة التفكيريّة الخارقة
إنّ العاقل عندما يقرأ كلّ آية من كلام ربّه، ويتدبّرها جيّدا، ويعيد قراءتها، ويفكّر فيها تفكيرا عميقا، يتيقّن علم اليقين أنّ ربّه سيريه آياته المتعدّدة في الآفاق، وفي نفسه، ومن بينها أنّه يكتشف تلك القدرة التفكيريّة الخارقة والعجيبة التي وهبها له، وهو لا يخلف وعده، فما عليه إلاّ أن يعمل عقله، ويطوّر تفكيره ويقوّيه عند قراءة كلام ربّه - عز وجل -، حتّى يستطيع أن يطّلع على هذه الآيات التي وعده ربّه أنّه سيريها له، ثمّ ينبعث إلى البحث والدراسة المعمّقة، فيكون ذلك سببا لتقدّمه في مختلف العلوم والبحوث، فيصل إلى معرفتها الواحدة تلو الأخرى، وبهذه الطريقة تقوى ذاكرته، ويقوى عقله.
قال تعالى: (1/108)
صفحة 109
- {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ... [الجاثية ــ 12ــ13]
ففي هذه الآيات يتوقّف كلّ قارئ لها، فيتدبّرها بعمق وبحقّ، ويتساءل يا ترى كيف سخّر له هذه المخلوقات لينتفع بها، هل خلقها مهيّأة مستعدّة ليستغلّها ويستفيد منها دون عمل أو بحث، أم لا بدّ عليه أن يقوم بمجهود متواصل، كي يصل إلى هذا الهدف الذي أخبر عنه ربّه - سبحانه وتعالى -.
ومن جهة أخرى ما دام يؤمن ويعلم أنّ لكلّ شيء سببا، فإنّه يشغل ذهنه وفكره للحصول على هذه الكيفيّة، وبهذا العمل والبحث المتواصل تقوى ذاكرته ويتطوّر تفكيره، ويزيد عقله تقدّما، ويصبح مبدعا في أعماله وإنجازاته.
إنّ هذا القرآن يجعل الإنسان يتجانس مع وسطه الذي يعيش فيه، فيحقّق بذلك حياة راقيّة سعيدة طيّبة، ويبيّن له أنّ قانون البقاء يكون للأصلح وللأقدر على التكيّف مع الوسط البشري الذي يعيش فيه.
وهاتان الصفتان ــ التجانس مع الوسط والبقاء للأصلح ــ تدفعان الإنسان دفعا قويّا إلى استعمال قواه الفكريّة حتّى يحقّق مثل هذه الأهداف، لأنّه يدرك أنّهما لا تتحقّقان إلاّ بالعلم والتقدّم في مجال حياته.
والقرآن الكريم يقدّر مسؤوليّة الإنسان على حواسه وعقله، ويأمره باستخدامها واستعمالها في البحث عن المعرفة، وينهى عن الغفلة، ويحارب الجمود على الآراء الخاطئة، بل يرشد إلى التطوّر والإبداع في كلّ المجالات سواء الفرديّة، أو الاقتصاديّة، أو الثقافيّة، وذلك لأنّ الله تعالى يعلم أنّ هذه الحياة هي بطبيعتها في تبدّل دائم وتطوّر مستمرّ. (1/109)
صفحة 110
والحواس كما نعلم جميعا هي وسائل للتعلّم وتوصيل المعرفة إلى القوى العقليّة، فلذلك يرشد العلماء جميع من يريد أن يتعلّم جيّدا، ويزداد من الثقافة، وينمي قواه العقليّة أن يحافظ جيّدا على هذه الحواس، حتّى تؤدّي دورها وعملها بكلّ قوّة، وبصفة كاملة.
والقرآن من جهة أخرى يحارب الظنّ السيّئ، ويأمر باجتنابه، وبالبحث عن الحقيقة والتثّبت في الأخبار. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}
[الحجرات ــ 12]
وكلّ هذا إرشاد لإعمال الفكر بكلّ ثبات وثقة، والنظر جيّدا في العواقب، وهذا لا يتأتّى إلاّ لمن كان شأنه تشغيل قواه العقليّة دائما وبدون انقطاع.
وهو يدعو إلى تأسيس الأحكام والقرارات في الحياة الواقعيّة وبنائها على الدليل العقلي الذي لا يقبل النقض، ولا يتطرّق إليه نقص، وبواسطة ذلك يدعو إلى اتّباع منهج علمي مؤسّس على أخلاق علميّة، مستخرجة من إعمال القوى العقليّة والفكريّة بصفة إيجابيّة وقويّة.
إنّ الله - عز وجل - هو خالق هذا العقل، وهو يعلم كيف يعمل وينمو ويتطوّر، فأنزل إليه هذه الكتب السماويّة لترشده إلى الطريقة المثلى التي تبعث فيه النشاط والعمل.
إنّ عدم استعمال هذه الطاقة العقليّة الفكريّة يؤدّي إلى تصلّب في التفكير، وتحجّر في الآراء، والقرآن الكريم يحارب هذا التصلّب بأسلوبه الذي أنزله عليه، لأنّه يرشد إلى التفكير في كلّ المجالات، والمخلوقات التي خلقها، وفي النفس الإنسانيّة ذاتها، وما جاء فيه من قصص متنوّعة، وغير ذلك كثير من الأساليب التي تطوّر الفكر وتجعله مبدعا.
والتصلّب في التفكير يؤدّي إلى ضعف انسياب الأفكار القيّمة المفيدة، التي تعين على الإبداع والتنوّع والتجديد، وهذا التصلّب ينتج عنه الملل، ويوصل إلى التوتّر والإمساك عن التفكير، وهذا هو السبب الكبير الذي ترك الناس عصبيّين متوتّرين. (1/110)
صفحة 111
والقرآن يعتبر تدريبا وتمرينا لعضلاتنا العقليّة، ليحفظ لها قوّتها وحيويّتها، حتّى لا تترهّل ولا تفشل، فتصل إلى درجة لا تستطيع معها أن تقوم بأيّ عمل إبداعي.
وهو يعيننا ويهدينا إلى استخدام العقل بشكل جيّد، وفي أمور وأفكار راقيّة تعود بالفائدة على صاحبه، وفي الأخير يمكنه الوصول إلى عقليّة مرنة وقوّية متناسقة صبورة على التفكير الشاقّ المنتج.
- {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ}
[الأعراف ـ 185]
والقرآن يعتبر طاقة مادّية في تعبيره وروحيّة في مضمونه، أنزلها الله - عز وجل - لتضمن لعضلات المخّ تدريبا مستمرّا لمن يداوم على تلاوته وتدبّره، بإرشاد وإشراف من منتج هذه الطاقة وخالق هذا المخّ، بحيث تتدرّب كلّ عضلة بالموضوع الملائم لها، وذلك بما يشتمل عليه القرآن من المواضيع المتعدّدة المختلفة المتنوّعة، فهو ليس مثل الأساليب الأخرى البشريّة التي لا توفّر لكلّ عضلات المخّ تدريبها، وذلك مهما أبدع أصحابها في تأليفها وأساليبها.
وقد توصّل علماء النفس إلى وجهة النظر التي تقرّر أنّنا جميعا لدينا القدرة على العيش حتّى 100 سنة، وقد وضع المختصّون بعلم الأحياء الآن الحدّ الأقصى لحياة الإنسان أنّه ربّما يصل إلى 125عام، وذلك مع لزوم الإشارة إلى حديث رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - الذي يقرّر فيه بأنّ عمر أمّته ما بين الستّين والسبعين.
وفي الأخير فإنّه قد اتّفق أغلبيّة العلماء بأنّ الأشخاص الذين يتّسمون بالنشاط البدني والعقلي، ويتّسمون بالرضا والسعادة والتفاؤل والابتسامة والسرور، لديهم أفضل الفرص للبقاء في الحياة حتّى 100عام، وهم في قواهم العقليّة التفكيريّة.
القرآن يبني مشاعر نفسيّة راقيّة (1/111)
صفحة 112
إنّ المشاعر النفسيّة الراقيّة والتي يكوّنها القرآن الكريم في نفس قارئه والمحافظ عليه، تعطي الإنسان تفكيرا صحيحا وراقيّا، والتفكير الصحيح الراقي يجلب له السعادة في الدنيا وفي الآخرة، أمّا المشاعر السوداويّة السلبيّة فهي تثبّط العزائم، وتوجّه تفكيره إلى عكس التفكير الصحيح الإيجابي، الذي يجب أن يكون عليه الإنسان العاقل السويّ.
والله - سبحانه وتعالى - يرشد هذا الإنسان في كتابه الكريم في عدّة مواضع أن يستخدم فكره وحوّاسه في التعرّف على ما حوله من مخلوقات، وذلك ممّا يزيد في قوّة تفكيره والرفع من القوى التي وهبها له، وعليه أن يعلم جيّدا أنّ هذه المواهب قد أعطيت له لغرض عظيم جليل، ولم تعط له ليسخّرها في الصغائر التي تضعفها، ولا تتركها تعمل في الإتجاه الصحيح.
- {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} ... [الفرقان ـ 2]
- {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} ... [السجدة ـ 7]
- {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} ... [الملك ـ 3]
وتدبّر القرآن الكريم بنفس منشرحة يدفع صاحبها إلى التفكّر في نواحي راقيّة من الحياة، فيمتلئ تفاؤلا بكلّ ما حوله، فيسمو تفكيره وتعلو همّته، وتزكو حاله، وتتحسّن أعماله وإنجازاته، فيصبح بذلك لا يفكّر إلاّ في الخير، ولا يدعو إلاّ إلى الخير، ولا يتحدّث إلاّ في الخير، خير نفسه، وخير خلق الله - سبحانه وتعالى - أجمعين، وخير البلاد.
فالإنسان العاقل الصحيح التفكير هو الذي يأتي تفكيره وكلامه وأفعاله مطابقة لما في كتاب الله - سبحانه وتعالى -.
فإذا ما اعتقد أحد من الناس بخلاف ما في القرآن الكريم فهو بالدليل الذي ساقه الله - عز وجل - ضالّ. وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
- {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} ... [يونس ـ 32] (1/112)
صفحة 113
فالقرآن كريم ومبارك، وكلّه عذق عسل، قد خلا من كلّ عيب، ومن كلّ شائبة، لا يوجد فيه باطل، وليس فيه غلط، ولا خلل، ولا تناقض، ولا يوجد فيه مخالفة للواقع، ولا معالجة سريعة لمشاكل الحياة الإنسانيّة، ولا معالجة متناقضة، فقد قال فيه ربّ العزّة:
- {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا}
[الكهف ـ 1]
- {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ... [فصّلت ـ 42]
والله - سبحانه وتعالى - قد خلق هذا العقل، وجعل فيه من المواهب والقوى التي تضمن له تفكيرا راقيّا واسعا، ولكن اهتمام الإنسان بالأشياء الصغيرة التافهة، التي من حوله جعلت هذه القوى تضعف في تفكيرها واستنتاجاتها، ولا أدلّ على أنّ قوّة التفكير والذكاء تزيد وتقوى بالتفكير في المواضيع والأشياء الكبيرة والواسعة، من ما وصل إليه الفلاسفة والعلماء الكبار الذين سخّروا قواهم الفكريّة والعقليّة في التفكير في اللامحدود، فصار يُضرب بهم المثل على مرّ السنين في الذكاء والعبقريّة.
فإذا عرف الإنسان كلام ربّه - عز وجل - حقّ المعرفة، فقد عرف كلّ شيء، وإذا فاتته هذه المعرفة، فقد فاته كلّ شيء، وإذا لم يتحصّل على حقائق هذا القرآن الكريم فهو لم يتحصّل على شيء، ولو ملك أموال الدنيا، ولو ارتقى إلى أعلى مكانة في هذه الحياة، وذلك لأنّ وجوده مرتبط بهذا القرآن الكريم الذي يرشده، ويبيّن له طريق الحياة.
ولا شيء في هذه الدنيا يضمن هذا التفكير اللامحدود واللانهائي للعقل البشري أفضل وأعظم من كتاب الله الكريم.
ولذلك كان من دعاء النبيء الحكيم دائما:
«اللهمّ أرنا الحقّ حقّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه»
إنّ القوّة الجسميّة البدنيّة للإنسان محدودة، وأمّا قواه الروحيّة والفكريّة فهي غير محدودة، وغير متناهيّة. (1/113)
صفحة 114
قال الإمام [محمّد الغزالي]:
وكأنّ بديل كارنيجي يشرح بعض الآيات، حين يقول:
«إنّنا قلّما نُعنى بالحقائق، وإذا حدث أن حاول أحدنا استخلاص الحقائق، فإنّه يتصيّد منها ما يعضد الفكرة الراسخة في ذهنه ولا يبالي بما ينقضها، أي أنّه يسعى إلى الحقائق التي تسوّغ عمله، وتتّسق مع أمانيه، وتتّفق مع الحلول السطحيّة التي يرتجلها».
قال [أندريه موروا]:
«كلّ ما يتّفق مع ميولنا ورغباتنا الخاصّة يبدو معقولا في أعيينا، أمّا ما يناقض رغباتنا فإنّه يشعلنا غضبا، فهل من المستغرب والحالة هذه أن يصعب علينا الوصول إلى حلّ مشكلاتنا، أولسنا نسخر من الذي يحلّ مسألة حسابيّة بسيطة مفترضا أنّ اثنين زائد اثنين يساوي خمسة؟ ومع ذلك فإنّ كثيرا من الناس يجعلون حياتهم سعيرا بإصرارهم على أنّ مجموع اثنين واثنين يساوي خمسة، وربّما خمسمائة؟». ... يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
[القصص ـ 50]
إنّ مثل هذه الأفكار القاتمة التي تبعثر قوى الإنسان التفكيريّة، فيضيّعها فيما لا ينفعه، والتي يجب أن يوفّرها لتنفعه في الجانب الإيجابي المنتج من حياته، تتكاثر وتتراكم لديه عندما تضعف ثقته بربّه وبنفسه.
والقرآن الكريم قد أنزله ربّنا - سبحانه وتعالى -، وأنزل فيه آيات كثيرة تهدّئ من روعنا وفزعنا ممّا يقع حولنا، إذا نحن قرأناها بتمعّن وتدبّر، وفهمنا معانيها جيّدا، وهي تهيّئنا لاستقبال مثل تلك الإنذارات والأفكار القاتمة بنفس مليئة بالثقة والقوّة، وأنّنا نستطيع إيجاد حلّ مناسب لها.
فحين يعلّمنا ربّنا - عز وجل - في كتابه ويقول: (1/114)
صفحة 115
- {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ... [التوبة:51]
- {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}
[الرعد:11]
وغير ذلك من الآيات الكثيرة، إذا ما قرأناها فإنّها ستملأ نفوسنا اطمئنانا وهدوءا، وتستقبل ما يأتيها وما يصيبها بكلّ رضى ويقين، وأنّه من عند ربّها، وهو يعلم خيرها وما يصلح لها.
وهو يعلّمنا في كثير من آياته أن نعتقد ونؤمن بأنّ كلّ شيء وقع أراده الله، وكلّ شيء أراده الله وقع، وأنّ أفعاله - سبحانه وتعالى - تتعلّق بالحكمة المطلقة، وأنّ حكمته المطلقة تتعلّق بالخير المطلق، وهو بذلك يوفّر لنا كثيرا من التفكير فيما لا يعود علينا بالفائدة، ولا نستطيع أن نغيّر اتّجاهه، أو وقوعه.
إنّنا إذا ركّزنا على مثل هذه الآيات عند تلاوتنا لكتاب ربّنا - عز وجل -، فإنّنا سننقّي ذهننا من وقت لآخر، ونخلّصه من مثل تلك الأفكار والرسائل السلبيّة التي تسيطر على تفكيرنا وتشوّش ذاكرتنا، وتغرقنا بأفكار إيجابيّة والتي تبعث النشاط في الدماغ، فيعمل بكلّ نشاطه وحيويّته.
فكلام ربّنا حقّ، وهو يوافق تكوين عقولنا التي لا تقبل إلاّ الحقّ، والحقّ لا يقبل لا الشكّ، ولا الظنّ، ولا غلبة الظنّ، فهو لا يقبل إلاّ القطع.
- {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} ... [يونس ـ 36]
والحقّ واقعيّ مائة في المائة، وهو ما كان مقطوعا به، وموافقا للواقع، وعليه دليل، ولو ألغي الدليل لأصبح الاعتقاد تقليدا، وإذا كان اعتقاد الشخص تقليدا، فإنّ ربّه يسأله يوم القيامة عن هذا الاعتقاد، فيقول: يا ربّ، إنّ فلانا هو الذي أرشدني إلى ذلك، فيقول له - عز وجل -: أين عقلك؟. (1/115)
صفحة 116
فالعقل لا يقبل اعتقادا بلا دليل، ولا يرفضه بلا دليل.
إنّ الأشياء الغير جيّدة لتفكيرنا وعقولنا تكمن في العقل، فتخلق فيه نوعا من الجلبة، فتصرف انتباهنا عن استخدام ذكائنا بالكامل، ومهما يكن الشيء الموجود في عقولنا، فإنّه يستهلك طاقة واهتماما، وعندما يكون هناك الكثير من الأفكار التي لا فائدة منها تسيطر على تفكيرنا، تكون النتيجة قلقا وتوثّرا لا نستفيد منه شيئا، ولا داعي لهما على الإطلاق.
القرآن يبعد عنّا النظرة السلبيّة للمشكلة
إنّنا إذا ما قرأنا كلام ربّنا - عز وجل -، فإنّه يجعلنا لا نركّز نظرتنا على الجهة السلبيّة للمشاكل فقط، بل يرشدنا ربّنا - عز وجل - إلى أنّ هناك جوانب خيّرة كثيرة فيها، وربّما قد خفيت علينا لأنّنا لا نريد إعمال عقلنا بطريقة جيّدة في دراسة تلك المشاكل.
إنّنا لا نستطيع أن نتخيّل أنّ هناك درسا قيّما نستفيده من هذه الأزمة ومن الحالة النفسيّة التي وصلنا إليها، كما أنّنا نرفض كافّة الاقتراحات بأنّنا في يوم ما سوف نتذكّر هذه التجربة على أنّها خطوة هامّة في طريق تطوّرنا، لأنّنا نعتقد بأنّ هناك لا بدّ شخصا ما أو شيئا ما من خارجنا يخلق فينا هذا الألم، ونأمل أن تتغيّر الأشياء الخارجيّة، حتّى نجد راحتنا.
ولكن عندما نقرأ قوله - عز وجل - وهو يقول لنا، ويعلّمنا أن نقول:
- {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا}
[التوبة ــ 51]
وعند ذلك نتيقّن بأنّ كلّ ما يصيبنا هو من عند ربّنا - عز وجل - وحده وليس هناك أيّ شخص، أو أيّ شيء آخر سبّب لنا ذلك، تطمئنّ قلوبنا، ونرتاح ارتياحا كبيرا، ونتيجة لذلك يتحرّر تفكيرنا من تلك الظنون الخاطئة، وينطلق في طريق التطوّر والزيادة. (1/116)
صفحة 117
إنّ القرآن الكريم يفتح لنا طريق تنوير العقل والفكر، لأنّه يستطيع أن يؤهّلنا تأهيلا إيجابيّا بما يبثّ فينا من روح الصبر والمثابرة في هذه الحياة لتحقيق مختلف الأهداف، ويجعلنا في مرحلة نستطيع أن نعلم الفوائد والمنافع التي نستطيع أن نستفيدها من نموّ التفكير الذي يكوّنه فينا، ويجعلنا نتوقّف عن التفكير فيما هو مفقود لدينا في هذه الحياة، فتمتلئ نفوسنا بالرضا بما وهب لنا ربّنا - عز وجل -، وأنّه سيرزقنا بكلّ ما ينقصنا في هذه الحياة غدا يوم القيامة في الجنّة.
فهو القائل - عز وجل -:
- {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
[سبأ ــ 36]
ويقول كذلك في آية أخرى:
- {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ}
[سبأ ــ 39]
وهو يجعلنا نستطيع أن نتقبّل أنفسنا بكلّ ثقة، وأن نحترم ونحبّ حتّى هذا الجانب المؤلم الذي خلق الأزمة والمشكلة في حياتنا، وبهذه الحالة الإيجابيّة التي يكوّنها فينا، نستطيع أن نوجّه تفكيرنا، فلا نفكّر إلاّ في الجانب الإيجابي دائما، ممّا يجعلنا نستطيع أن نتفهّم عقليّا السبب وراء حدوث مثل هذا الآلام في حياتنا، ولسوف يكوّن لدينا تصوّرا كافيّا واعتقادا بقيمة هذا المشكل الذي أصابنا.
القرآن يرتقي بتفكير أعضاء الأمّة
إذا أرادت الأمّة أن ترتقي بتفكير أعضائها، وأن تقويّ ذاكرتهم، وتطوّر من إبداعهم، فما عليها إلاّ أن تعود إلى المعجزة التي أنزلها إليها ربّها - عز وجل -، وبهذا تحقّق لهم مستوى جديدا من النجاح الشخصي، والمهني، والإبداعي. (1/117)
صفحة 118
ولكي تقوم بهذا، فما عليها إلاّ أن تغيّر الأنماط القديمة التي كانت تتعامل بها مع كتاب ربّها - عز وجل -، نظرا لأنّها لم تأت بآثار إيجابيّة، بل بقيت تتخبّط في مشاكلها، وصارت تسير عكس التيار، أو كما يقول بعض الباحثين أنّها صارت تتقدّم إلى الوراء، ولم تدر كيف الخروج من هذا المأزق.
ويقول الدكتور {مصطفى السباعي}:
«لم يكن عدد المصاحف عند المسلمين في القرن الأوّل للهجرة يبلغ عشر معشار عددها اليوم، وهي الآن لا يتلى منها عشر معشار ما كان يتلى حين ذاك، وما يتلى بتفهّم وتدبّر لا يبلغ عشر معشار ما يتلى بغير تفهّم وتدبّر، فلا تعجبنّ إذا لم يفعل القرآن في نفوس المسلمين عشر معشار ما كان يفعله في نفوسهم في الماضي».
إنّ مشاكل التدريس ومشاكل الحفظ، واستعمال الذاكرة بصفة جيّدة تحيط بعناصر الأمّة من كلّ جانب، وتحاصرها أينما حلّت وارتحلت، ودواء كلّ ذلك بين يديها وليس بعيدا عنها، وما يجب عليها أن تقوم به هو أن تبعث في عناصرها الرغبة والإرادة في التعامل مع كتاب ربّها - عز وجل - بكلّ قوّة وإخلاص وثقة قويّة وبجدّية ونيّة صادقة.
القرآن حاضر غائب في الأمّة
لقد أصبح القرآن الكريم حاضرا في المجتمعات الإسلاميّة بقراءته وحفظه وزخرفته، ولكنّه غائب في حياتها الواقعيّة بتدبّره وتفهّمه وإعمال الفكر في مكنوناته وحقائقه، وتطبيقه في واقع الحياة.
إنّه غائب في واقع الأمّة الإسلاميّة لذلك لم يؤدّ دوره فيه بالقوّة التي يريدها منزّله، ولم يرفع من تفكيرها، فأصبحت عديمة المشاركة مع الأمم الأخرى في مسيرة التاريخ العلميّة، غائبة عن توجيه تغيّراته.
إنّه قد أمدّ الأوائل بالتأهيل الإيجابي للذهن، وذلك لأنّه فجّر فيهم ينبوع قدراتهم في تحقيق أهدافهم الساميّة والثابتة في الحياة، ولا شيء يساهم في تهدئة العقل مثل الغرض الثابت في الحياة. (1/118)
صفحة 119
إنّ تنميّة قوانا الفكريّة والعقليّة بالقرآن لا نتحصّل عليها بمجرّد قراءته بسرعة، وحفظنا له عن ظهر قلب، وكثرة تلاوته، بل لا بدّ من التمعّن في أسلوبه، ومعرفة تراكيبه، والاطلاع على مختلف مواضيعه.
وبذلك يمدّنا بمعلومات جديدة تقودنا إلى نتائج مختلفة، ويشعرنا أنّ لنا سببا وهدفا لنحيا من أجله في هذه الحياة، ممّا يؤهّلنا إلى إمكانيّة تغيير رأينا إلى الجهة الإيجابيّة، وتحمّل الصعاب التي تواجهنا في مسيرة الحياة.
قال بعض السلف:
«إنّ الله - عز وجل - أنزل القرآن ليعمل به، فاتّخذ أغلبيّة المسلمين تلاوته عملا، وحفظوه ولم يفهموه، ولم ينتفعوا بمعجزاته في التغيير في مختلف العلوم والإختصاصات».
وقال الدكتور {مصطفى السباعي}:
«خير من ألف إذاعة تتلو القرآن على المسلمين بأعذب الأصوات، صباح مساء، إذاعة واحدة يتلى فيها القرآن بآدابه من قلب خاشع يستمع إليه المسلمون بقلوبهم وعقولهم ساعة واحدة في الأسبوع».
وهو يؤهّل أصحابه بقدرة الله - عز وجل -، للدخول في دائرة الإبداع والتطوّر في كلّ الميادين، ما دام يبثّ فيهم قوّة الإرادة، وعلوّ الهمّة، وتقدير الذات ومعرفة حقيقتها، فيجتهدون قدر المستطاع في سبيل تطوير مهاراتهم، حتّى يبلغوا تلك الدرجة العاليّة التي خلقهم الله - عز وجل - من أجلها في هذه الحياة، لأنّه يستحثّ فيهم هممهم، وقد توصّل العلماء النفسانيّون بدراسة حياة الناجحين والفاشلين، فوجدوا أنّ الفرق الوحيد الذي يكمن بين الفائزين والفاشلين هو أنّ الفائزين يستحثّون هممهم أكثر من الآخرين.
إنّ تطوير فكر قارئ القرآن الكريم يحتاج إلى إعمال العقل عند قراءة الآيات، وعند تعلّمها، وهذا هو جوهر التدبّر، لأنّه بهذه الطريقة يسهل حفظها ورسوخها في الذهن، وعند القيام بذلك تنشط الأعصاب، فيزيد اتصال الخلايا ببعضها البعض بقوّة ونشاط، ممّا يجعلها جاهزة لتلقّي ما يلقى إليها من المعلومات المختلفة الأخرى. (1/119)
صفحة 120
يقول الله - عز وجل - لنبيّه - صلى الله عليه وسلم -:
- {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[ص ــ 29]
وكلّ من يريد أن يمرّن وينشّط قواه العقليّة، فعليه أن يرتقي بشخصيّته ويطوّرها، ولا يشتغل بما هو من سفاسف الأمور، وهذا كلام ربّنا - عز وجل - مؤهّل لتحقيق ذلك، بل أكثر من ذلك.
إنّ هذا القرآن الكريم ينمّي في المحافظ عليه أنماطا من النجاح المبنيّة على أساس الاطمئنان الذهني والعاطفي والبدني والروحي، لأنّه يقوّي الإحساس بالطمأنينة والفرح والسعادة، هذا الإحساس الذي يُرجع إليه العلماء كلّ أسباب النجاح والتفوّق في هذه الحياة.
إنّه يجنّب قارئه بتدبّره له وفهمه الإحساس بالألم والفشل، ويرشده إلى أن يوجّه كلّ اهتماماته إلى الإرتقاء بسلوكيّاته وشخصيّته، فيصبح مثابرا في الحياة ويحقّق كلّ نجاحاته التي يرمي إلى تحقيقها، وذلك ما يطلبه كلّ إنسان.
وقد توصّل علماء النفس الذين يدرسون أسباب العبقريّة إلى أنّ المثابرة، ومواصلة العمل بعزيمة جيّدة هما من الأسباب الأساسيّة للوصول إليها وتحقيقها.
إنّ التكرار والممارسة ستقود من تمسّك بهما إلى المثاليّة في العمل وتحقيق الهدف, وتكرار الفكرة يزيد من فرص النجاح.
ونستطيع أن نعتبر تكرار تلاوة القرآن الكريم، ممّا يجعلنا نكرّر الأفكار التي يعلّمنا إيّاها، أفكارا إيجابيّة تجلب لنا فرص النجاح، وتجعلنا نعتقد بأنّنا نملك عقلا له قدرات وقوّة غير متناهيّة، وقد صمّم ليتعامل مع كلام ربّنا الذي أنزله الله - سبحانه وتعالى - والذي هو عبارة عن مجموعة أفكار غير متناهيّة.
ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه». ... رواه الترمذي في سننه
الرجوع إلى كتاب الله - عز وجل - هو الحلّ (1/120)
صفحة 121
إنّ القيام بمثل هذا أمر صعب ـ وأصعب الأشياء مبادئهاـ، وربّما يراه بعض المربّين والموجّهين من المستحيلات، ولكن علينا أن نبدأ ونستعين بالله - عز وجل - فهو الذي سيغمرنا بعونه وتوفيقه، ويبلّغنا كلّ أهدافنا إن علم منّا حسن النيّة وقوّة الإرادة في العمل.
وقد قيل سابقا: مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.
إنّ هذا العلاج الجيّد والحقيقي للذاكرة موجود في القرآن الكريم الذي أنزله إلينا ربّنا - عز وجل -، وجعله بين أيدينا جميعا، كلّ واحد ينهل منه على حسب ما يريد، وهو متاح للجميع، صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا، كما سهّل تناوله وتلاوته للرجل والمرأة سواء سواء، والعالم وغير العالم، والصغار والكبار دون تفريق بينهم، فهو يسع جميع أفراد الأمّة دون تمييز، وقد قال فيه منزّله - عز وجل -:
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمر ــ 17]
إنّه الدواء الروحي المعجزة لمن عرف له قدره ووضعه في الدرجة التي وضعه فيها الله - عز وجل -، وهو موجود بيننا، وجاهز للاستعمال، ومتوفّر في كلّ بيت، وميسّر لكلّ من أراد أن ينهل منه.
فمن أراد أن يقوّي ذاكرته، وينمّي عقله، ويغيّر نمط تفكيره، فما عليه إلاّ أن يقبل عليه بنيّة طيّبة وبعزيمة صادقة.
ويقول الدكتور {مصطفى السباعي}: (1/121)
صفحة 122
«لو كنّا أرباب هذه الحضارة للفتنا الدنيا إلى أدب القرآن الكريم، ولشيّدنا له الجامعات، وعقدنا له المؤتمرات، وألفنا له الحوليّات، وأنشأنا له المختبرات، ولجعلناه شاغل الدنيا، ومالئ تفكير الناس، ولشوّقنا إليه النفوس، فافتتنت به، ولجلونا جماله للعقول فتدلّهت به، ولكن أرباب هذه الحضارة ما برحوا يناصبونه العداء، ويحملون لهدمه المعاول، ويكيدون له في السرّ والعلن، وينفقون من أموالهم وأوقاتهم في طمس نوره وتشويه حقيقته ما لو أنفقوا جزءا منه في تخفيف ويلات الإنسانيّة لكانوا متحضّرين حقّا، {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}».
- {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
[الأنفال ــ 36]
إنّه يبني في نفس المحافظ عليه تصوّرا صحيحا للحياة، فيرفع من همّته، وعزيمته وإرادته، فيقبل على ما هو مهمّ وجيّد، ويتغيّر تفكيره إلى الأحسن، وإلى الأفضل، ويجعله في حالة من التوقّد الذهني والانتباه الفكري، فينمو الدافع الإيجابي لديه للبحث والإبداع، وهذا هو الطريق الأمثل لتنميّة القوى الفكريّة والعقليّة.
وهو دواء فكري مجرّب، وقد جرّبه المسلمون الأوائل بكلّ أهميّة واعتناء فكوّن منهم أمّة من العلماء والعباقرة، حيث استطاعوا دراسة العلوم المختلفة، واستوعبوا أغلبيّة المعارف بكلّ سهولة وإتقان، فبحثوا في اختصاصاتها، واستنتجوا نظريّات جديدة في مختلف جوانبها، وابتكروا قواعد لم تكن معروفة من قبل، فأضافوا إلى العلوم العالميّة ما يعترف لهم به التاريخ عبر مسيرته.
فما دام هذا القرآن بين يدي المسلمين وما زال هناك حياة، وأناس أحياء يرزقون، فثورته ما تزال قائمة لم تنته بعد معركتها، ولن تنتهي ما دام في الدنيا. (1/122)
صفحة 123
هذه هي الثورة فأين الثوار؟ وهذه الأبواق فأين النافخون فيها؟ وهذه البنود فأين الجنود؟ وهذه المشاعل فأين الزنود؟ وهذه القوافل فأين من يقود؟.
فالقرآن كتاب كريم، فهو كلّه منافع في فائدة ةهذه الأمّة، كلّه فوائد نافعة لعناصرها، كلّه حقائق توجّه أصحابها إلى الطريق الصواب، كلّه توجيهات صائبة تهدي إلى الصراط المستقيم، كلّه خيرات تنفع أتباعه في الدنيا قبل الآخرة، كلّه بركات لها أثرها الطيّب في نفوسهم وأجسامهم وأموالهم وعائلاتهم وأولادهم.
فمعنى القرآن الكريم هو أنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهو ليس فيه باطل ولا غلط ولا خطأ، ليس فيه خلل ولا تناقض، وليس فيه مخالفة للواقع، فهو يوافق الحياة الطبيعيّة لعناصر الأمّة، ولا ضعف في أسلوبه، ليس فيه معالجة سريعة، ولا متناقضة لمشاكل الحياة، قرآن كريم، خلا من كل شائبة، فهو الذي يجمع كلّ ما هو صالح ونافع وإيجابي، الكرم، يعني الكمال، قرآن كريم أي: خلا من كلّ عيب.
عدم الاهتمام بنور الله - سبحانه وتعالى -
لقد أدّى اشتغال عناصر الأمّة بألفاظ القرآن عن معانيه إلى حرمانهم من مصدر تنميّة ذاكرتهم وتحسين تفكيرهم إلى الناحية الإيجابيّة، وكيف لا وهم قد أطفأوا بهذا الفعل مصباحهم الذي ينير لهم طريق التفكير الصحيح، فبقوا في الظلمات يتخبّطون، وبقوا في الجمود الذي ابتليت به عقولهم، وأصبحوا في ذيل الأمم لا قيمة لهم، ولا تطوير لصناعاتهم أو لاختراعاتهم.
وكنتيجة لذلك لم تتحسّن نفوسهم كما يريد لهم ربّهم أن يكونوا عليه، فربّهم أراد لهم من إنزال هذا القرآن أن يكونوا إيجابيّين متفائلين بما وهب لهم، لكنّهم عندما أعرضوا عن هذا الكنز صاروا ينظرون إلى الحياة نظرة سلبيّة متشائمة، فلم يعملوا على النحو الذي يرشدهم إليه هذا الكتاب الكريم. (1/123)
صفحة 124
أمّة تأخر عناصرها إلى المؤخّرة بسبب عدم استخدامهم الوسيلة التي أنزلها إليهم ربّهم لتطوير وترقيّة تفكيرهم وذاكرتهم وإبداعهم.
لماذا هذا التعامل مع القرآن الكريم
إنّه من المؤسف جدّا أن يكون قرآن ربّنا - سبحانه وتعالى - هو الكتاب الوحيد الذي يقرؤه غالبيّة المسلمين بألفاظه فقط، دون أن يفكّروا في معاني تلك الألفاظ، ودون أن يعملوا تلك القوى الفكريّة التي وهبها لهم ربّهم - عز وجل -، والعجيب أنّهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، ولو علموا ما فيه من أسرار في تنميّة ذاكرتهم وتطويرها لغيّروا رؤيتهم نحوه تغييرا جذريّا.
إنّه من العجيب حقّا أن نرى مثل هذه الحالة في الأمّة الإسلاميّة، حيث جعل عناصرها معاملتهم مع القرآن القراءة فقط، ولم يجعلوا القراءة وسيلة لفهم المراد من الآيات والعمل بها، كي يكون بحقّ سببا لتنميّة تفكيرهم في الوجهة الصحيحة الجيّدة، وفي هذا يقول ابن عبّاس:
«لقد أنزل الله القرآن ليُعمل به، فاتّخذ الناس قراءته عملا».
القرآن منهل لجميع عناصر المجتمع
فهو قرآن واحد يدرسه الفقهاء فيستنبطون منه الأحكام من أوامر ونواهي، والاجتماعيّون يستمدّون منه التوجيهات الاجتماعيّة، ويدرسه البلغاء من جهة لطائف تعبيره، واللغويّون يستخرجون منه قواعد اللغة من نحو وصرف وبلاغة، والحكماء لقوّة حكمته، والعلماء المسلمون المهتمّون به من جهة إعجازه، والمؤرّخون من ناحية حكايته لتاريخ الأمم السابقة، ودراسة الحالة الاجتماعيّة لتلك الأمم والشعوب التي ذكرها ربّنا - عز وجل - فيه، والعامّة من نافدة حسن كلامه وقربه لعقولهم وأفكارهم، ولأنّه لا يصعب على أفهامهم، ولا يحتاجون لترجمان يكون واسطة بينهم وبين بساطة تعبيره، وكذلك ابتغاء الأجر من تلاوته، فهو متعة للعامّة والخاصّة على السواء، ميسّر لكلّ من أراد تدبّره وفهمه. (1/124)
صفحة 125
أليس هذا من تدبير العزيز العليم، الحكيم الخبير، وحكمته أن أنزله على هذه الحالة ليشغل به عقول جميع عناصر المجتمع بمختلف مستوياتهم، فيمدّهم بطاقات متعدّدة، روحيّة، وجسميّة، وتفكيريّة، وأخلاقيّة، واجتماعيّة، وهذه الطاقات هم في أمسّ الحاجة إليها في مختلف ميادين الحياة وتخصّصاتها، فهو يعين كلّ إنسان مهما كانت درجته على أن يكوّن لنفسه تفكيرا راقيّا يسمو بطاقاته العقليّة والفكريّة، ويشكّل لنفسه توجيها في نواحي الحياة كلّها.
- {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ... [فصّلت ـ 3]
إنّه بتكرار تلاوته وتدبّره يكوّن للإنسان نبراسا يهتدي به في هذه الحياة، ويجعله يعتمد على ربّه وعلى نفسه، لأنّه يهديه إلى مبادئ ساميّة يدير بها حياته، ويتّخذ على أساسها قراراته. ... قال الله - عز وجل -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} ... [النساء ــ 59]
الطاقة الجبّارة المحفّزة الموجودة في القرآن
فهل هناك مادّة علميّة توجد فيها مثل هذه الطاقة الجبّارة المحفّزة بهذه القوّة الكبيرة لخلايا المخّ أحسن من كتاب الله - عز وجل -.
إنّه لا توجد مادّة من المواد العلميّة أو معلومات تحتوي على هذه الطاقة إلاّ القرآن الكريم، لأنّه أنزله القويّ العزيز الجبّار الذي وسع كرسيّه السماوات والأرض، وقد ضمّنه مختلف المواضيع التي تبعث في خلايا مخّ قارئه طاقة خياليّة جبّارة. (1/125)
صفحة 126
والعقل الإنساني عضو عجيب ومعجز احتار العلماء في كيفيّة عمله وتفكيره بصفة كاملة، ورغم البحوث المتواصلة فإنّهم لم يتوّصلوا بعد إلى سرّ عمله كاملا، لذلك وصفوه بأنّه أعقد وأعجب شيء خلق في الوجود، فلا يستطيع أيّ أسلوب، أو تعبير أن يوفّر له طاقة جبّارة كي ينمّيه ويطوّره إلاّ أسلوب خالقه.
والسبب في هذا التعقيد أنّهم قالوا بأنّه يتّصف بمرونة مذهلة وعجيبة، فهو يستطيع التكيّف حسب الظروف، وذلك كلّّما زادت ارتباطات الخلايا ببعضها البعض، وهذا الارتباط لا يتحقّق له إلاّ إذا وجد المادّة التي تطوّره، وتجعل خلاياه تنشط لترتبط ببعضها.
وليس هناك شيء يستطيع القيام بهذه العمليّة في عقل صاحبه إلاّ كلام خالق هذه الخلايا الذي يعرف سرّها وكيفيّة عملها نشاطها، وقد أنزله الله - عز وجل - على هذه الكيفيّة ليلائم عمل خلايا المخّ البشري، فنظّم هذا الكلام البديع ونسّقه كما خلق ونظّم تلك الخلايا المخّية.
إنّه لا يمكن لأحد كائنا من كان في سعة علمه وقوّة إبداعه أن يدرك أبعاد تأثير الآيات القرآنيّة في الخلايا المخّية لبني البشر، وإنّما كلّ بحوث العلماء ما هي إلاّ رشفات يرتشفونها من بحر عذب لا يعلم ساحله إلاّ منزّله، وكيف يدركون ساحله وقد أنزله خالق هذا الإنسان والكون وعالم السرّ وأخفى.
وهذا البحر الواسع الزاخر هو علم الله - عز وجل - بهذه النفس والمطّلع على أسرارها ومكنوناتها وخباياها ومهاراتها، وكيفيّة تأثّرها بمختلف التأثيرات التي تنشّطها وتحفّزها لتعمل بصفة أقوى.
المحور الثالث
العقل
العقل وقيمته عند الله - سبحانه وتعالى -
قال في المنجد: العقل: (مص)، ج عقول:
نور روحانيّ به تدرك النفس ما لا تدركه بالحواسّ، وقد سميّ العقل عقلا، لأنّه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، أي يحبسه.
عقل: عقلا، ومعقولا، الغلامُ: أدرك.
يقال: ما فعلت كذا منذ عقلت. (1/126)
صفحة 127
وعقل، عقلا الشيء: فهمه، وتدبّره، فهو عاقل، ج: عاقلون، وعقلاء، وعقّال.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
لمّا خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثمّ قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقا أحبّ إليّ منك، بك أُعطي، وبك آخذ.
إنّه من خلال معرفة معنى كلمة العقل لغويّا واصطلاحا نستطيع أن نفهم ما معنى التعقّل، وكيفيّة عمل العقل، واستيعابه لمختلف المعلومات التي ترد إليه عن طريق الحواسّ المختلفة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - منافذ لورود المعلومات، وكيف يختزنها، ليعيد استذكارها بعد مدّة من الزمن.
وعندما يعطّل الإنسان عقله، أو يستخدمه في غير ما خُلق له، فإنّه يُلغي إنسانيّته، وتتحرّك فيه حيوانيّته.
والله - سبحانه وتعالى - قد وضع في هذا الإنسان قوّة إدراكيّة، بها يدرك الأمور التي تهمّه، وتزيد من قوّة روحه، وترفع من قيمة نفسه، وتكرّم له إنسانيّته.
والعقل هو مناط التكليف، فبالعقل يكلّف الله - سبحانه وتعالى - الإنسان ويحاسبه، وهو أعظم شيء خلقه في الكون، ولولا هذا العقل الذي أودعه الله - عز وجل - فيه ما كلّفه, وهو وسيلة معرفة الله - سبحانه وتعالى - , وقيمة الإنسان تكمن في ما يفكّر فيه طوال وقته، ونستطيع أن نقول طوال حياته في هذا الوجود.
والقرآن الكريم يوفّر للعقل رؤية أوسع، وهو يمنح للإنسان إيجاد أفكار واسعة جديدة في كلّ مرّة يزيد فيها إخلاصه مع كلام ربّه - عز وجل -، لأنّه في ذلك الوقت يوفّر له الأمان النفسي للعمل بصفة أحسن وأفضل، كما أنّه يعلّم العقل مهارة التركيز التي هي سرّ النجاح في إنجاز كثير من الأعمال الإبداعيّة.
فالإنسان في حاجة إلى نور الشمس لترى عينه الأشياء، وهو بحاجة إلى نور الله ليعرف عقله حقائق الأشياء.
العقل والروح والقلب والجسم وحدة متكاملة (1/127)
صفحة 128
لقد اكتشف العلماء بعد الدراسات الكثيرة والمتعدّدة حول المؤثّرات التي تتأثّر بها ذاكرة الإنسان، وهل هي مستقلّة بنفسها، منفصلة عن الجسم ككلّ؟، وأنّ الجسم منفصل عن العقل، وهل الذاكرة تعمل بطريقة متّصلة بالجسم والروح اتّصالا وثيقا؟، وهل كلّ تغيير يحدث في واحد منهما يتأثّر به الآخر؟.
لذا قرّروا أن يدرسوا كلّ عضو في ضوء علاقته بالطرف الآخر، وأنّ الفصل بينها في الدراسة والتجربة سوف يكبّدهم خسارة هائلة في النتائج الحقيقيّة التي يريدون الوصول إليها وتحقيقها.
إنّ هذه الدراسات المتأخّرة في هذا الميدان جعلت العلماء يتعرّفون على بعض الحقائق المذهلة عن نفس الإنسان، وأجهزته الأخرى، وعن التواصل الداخلي الرائع الذي يحمله في تكوينه المتعدّد الجوانب، والمتكامل.
لقد توصّل الخبراء إلى حقيقة شافيّة، وهي أنّ العقل والتفكير وقوّة الذاكرة والحفظ، مرتبطة فعلا بالجسم والقلب والروح معا، وليست مرتبطة ببعضها فقط، بل إنّ كلّ واحد منها يكمّل الآخر، وهي تشكّل مجموعة مجتمعة لا تنفصل عن بعضها أبدا.
فالإنسان الذي يحافظ على سلامة واحد من هذه الأجهزة، فهو يحافظ على سلامة الآخر دون شعور، أو قصد منه، وإذا درّب جهازا منها فهو يدرّب الآخر كذلك، وسوف يؤثّر بشكل إيجابي على الجهاز الآخر.
ولعلّ من أجل هذا السرّ الذي اكتشفه العلماء أنزل الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم، وقد اهتمّ بكلّ هذه الجوانب التي تكوّن الإنسان المتكامل، فهو يوفّر لقارئه الاتّزان المثالي الكامل للذات الإنسانيّة، ويضمن له المرونة الجسميّة والروحيّة والقلبيّة والعقليّة، ولعلّ هذا التوازن الذي يضمنه له هو الذي يجعله إنسانا فعّالا مؤثّرا تأثيرا إيجابيّا فيمن حوله، وفيما حوله.
العقل يتّسع لأفكار أكثر من عدد ذرّات الكون
وقد قال العلماء بأنّ عقل الإنسان يستطيع أن يولّد عددا من الأفكار أكبر من عدد ذرّات الكون. (1/128)
صفحة 129
وهل يستطيع عقل إنسان مهما بلغ من العبقريّة والذكاء وقوّة في التفكير أن يتوصّل إلى تحديد عدد الأفكار التي يستطيع أن يكوّنها كتاب الله - عز وجل - في عقل قارئه؟، الذي يقرؤه بكلّ تدبّر وإخلاص.
إنّه يقود قارئه ومتدبّره إلى آفاق جديدة من التفكير والتعبير، فيبتكر في أفكاره، بحيث يصبح مبدعا ومبتهجا بما يجده في كتاب الله - عز وجل - من توجيهات وأفكار وقصص، فيتوهّج ذهنه بطريقة إيجابيّة قويّة، ولهذا أهميّة كبيرة ومنقطعة النظير في بناء وتكوين وتنميّة الفكر البشري، ولكن أصحاب هذا الكتاب غافلون عن مثل هذه التقنيّات التفكيريّة التي ضمّنها ربّنا - سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم.
إنّ للعقل قدرة لا متناهيّة في إبداع الأفكار، لذلك أنزل الله - عز وجل - إليه هذا الكتاب الذي يحمل أفكارا لا متناهيّة.
إنّ التفكير الإبداعي الذي يكوّنه القرآن الكريم في عقل الإنسان، يتيح له تطوير شخصيّته وتنميتها عن طريق قدرته على التركيز الذي يكوّنه فيه، إذا هو قرأه بتدبّر، وفهم ما يوجّهه إليه بكلّ قناعة وإيمان، ويجعله يكتشف عيوبه، ويوجّهه في نفس الوقت إلى إصلاحها، ويترك فيه انطباعا جيّدا عن نفسه، فينمّي فيه ثقته بنفسه وبالآخرين من حوله.
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في كلمات القرآن الكريم وتعبيراته ومواضيعه قدرة لا متناهيّة لتحفيز تفكير العقل، فيولّد فيه أنماط تفكير أكثر قوّة وقدرة، بحيث يجعله يستطيع السيطرة على الأفكار السلبيّة.
وتكرار تلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، سوف يعمل على تنميّة العادات الجيّدة الجديدة في طريقة التفكير، لأنّه يهب خلايا المخّ غذاء ذهنيّا راقيّا قويّا.
إنّ تكرار هذه الصيغ الإصلاحيّة تبني عادات جديدة جيّدة قادرة في النهاية مع تطوّرها على قهر العادات السيّئة المسيطرة على توجيه التفكير. (1/129)
صفحة 130
إنّ كلام ربّنا لا يبني إلاّ التفكير الإيجابي في نفس قارئه، لأنّ الأهداف التي أنزل من أجلها كلّها أهداف إيجابيّة تماما.
فما أجمل بمسلمين هذا العصر أن يرجعوا إلى كلام ربّهم - عز وجل - حتّى يقتلع من أنفسهم هذا التفكير السلبي الذي تكوّن في نفوسهم عبر العصور والأجيال، ويعوّضه بتفكير إيجابي يملأ حياتهم تفاؤلا وعملا وإنجازا في الجانب الإيجابي الحسن والجيّد.
العقل يتكوّن من عدّة عضلات
وفي البحوث المتعدّدة والطويلة توصّل العلماء إلى أنّ العقل البشري يتكوّن من عضلات كثيرة ومختلفة، كما أنّ للجسد عضلات تتحكّم كلّ واحدة منها في جزء من حركة الجسد، وتزوّده بقدرات مهمّة تتعاون جميعها في توفيرها لهذا الجسد، كي يؤدّي وظائفه على أحسن وجه.
وقد حدّدوا لكلّ عضلة عملها ومهارتها، وبيّنوا ما يخصّ كلّ واحدة منها من الأسلوب الذي يليق لتدريبها وتمرينها، ولكن ليس معنى هذا أنّ كلّ عضلة تختصّ بتلك المهارة وحدها دون غيرها، بل قد تشترك أكثر من عضلة في مهارة واحدة وأداء عقلي، وذلك تماما مثل ما تتطلّبه بعض التمارين الرياضيّة البدنيّة إلى استعمال أكثر من عضلة في نفس التمرين الرياضي.
وقد توصّلوا في أبحاثهم المتعدّدة إلى أنّ العقل البشري يتكوّن من ثلاثين عضلة:
1ــ عضلة اللغة. ... 16ــ عضلة الضدّ.
2ــ عضلة الحساب. ... 17ــ عضلة التفكير العكسي.
3ــ عضلة التتابع. ... 18ــ عضلة التحديد.
4ــ عضلة الربط. ... 19ــ عضلة الترتيب.
5ــ عضلة المنطق. ... 20ــ عضلة التذكّر.
6ــ عضلة التحليل. ... 21ــ عضلة الخيال.
7ــ عضلة التركيب. ... 22ــ عضلة الفنّ.
8ــ عضلة الإستنتاج. ... 23ــ عضلة الإلغاء.
9ــ عضلة الإستنباط. ... 24ــ عضلة التحكّم بالجسد.
10ــ عضلة التمييز. ... 25ــ عضلة التحكّم بالأعصاب.
11ــ عضلة التقييم. ... 26ــ عضلة الدقّة.
12ــ عضلة التعميم. ... 27ــ عضلة التعبيرالشفوي.
13ــ عضلة التفريق. ... 28ــ عضلة التصوير. (1/130)
صفحة 131
14ــ عضلة التشابه. ... 29ــ عضلة القدرات الإجتماعيّة.
15ــ عضلة الحدس. ... 30ــ عضلة التفكير الجانبي.
وإذا درسنا هذه المهارات في القرآن لوجدنا أنّها توجد فيه كلّها في مختلف أساليبه وتعابيره، وقد رأينا أنّ أسلوب القرآن متنوّع تنوّعا كبيرا، وقد قصد الله - عز وجل - بهذا التنوّع أن يوفّر لكلّ دارس ما يختصّ به.
ويرى كثير من خبراء الذاكرة إلى أنّ طريقة عمل العقل مشابهة لعمل عضلات الجسم، ويقترحون أنّ التمارين المتعدّدة ستساعد على بنائه وتقويّته، ولذلك فقد اقترحوا كثيرا من التداريب، وأرشدوا إليها كلّ من يريد أن يدرّب ذاكرته.
وبناء على ذلك، فإنّ الذاكرة كيان تكيّفي، يتكيّف حسب ما يقدّم له صاحبه من غذاء ذهني جيّد، أو غير جيّد، وهو مرن، ويمكن تشكيله، وتقويّته، أو تركه خاملا، ممّا ينتج عنه ضعفه وعدم عمله بصفة حسنة.
العقل هو عضلة مثل عضلات الجسم
إنّ تشكيل هذه العضلة التي هي الجزء المهمّ من جسم الإنسان وتقويّتها لا يلزمه إلاّ بعض التعلّم والجهد والطاقة، وهل هناك طاقة على وجه الأرض أعظم وأفضل من الطاقة التي يحتويها القرآن الكريم، كلام ربّنا ووحيه، وهو يستمدّ طاقته وقوّته من قوّة العزيز الجليل الجبّار المتكبّر.
وإذا أردنا أن نكيّف تلك العضلة ونشكّلها بصفة حسنة، فما علينا إلاّ أن نستخدم هذه الطاقة التي أنزلها إلينا ربّنا - سبحانه وتعالى - باستمرار وإستراتيجيّة حتّى نضمن لها أن تنمو وتترعرع وتزدهر، وقد أرشدنا ربّنا - عز وجل - ورسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - إلى كيفيّة تلاوته وحفظه، حتّى نستفيد من المهارات المتعدّدة التي وضعها الله - سبحانه وتعالى - فيه، لتقويّة ذاكرتنا، والرفع من روحنا، والمحافظة على النشاط والقوّة والاستقرار كلّما تقدّمت بنا سنون العمر.
إنّ المحافظة على تلاوة وتدبّر كلام ربّنا - عز وجل - في مختلف مراحل العمر سوف يعيننا على الاحتفاظ على ذاكرة فعّالة إلى آخر العمر. (1/131)
صفحة 132
النشاط المبكّر للدماغ يحمي الذاكرة
فقد وجد العلماء في جامعة [كيس وسترون ريزروف] في [كليفلاند أوهايو] أنّ النشاط الذهني في وقت مبكّر في الحياة يعمل على حماية العقل.
ووجد الباحثون كذلك في جامعة [راش] أنّ النشاط الذهني في سنّ مبكّرة تصل إلى العشرينات من العمر يعدّ مؤشّرا لوظائف إدراكيّة أفضل منه في سنّ متأخّرة من العمر.
وتتّفق هذه النتائج مع ما خلصت إليه الكثير من الدراسات الأخرى التي أثبتت أنّ خرّيجي الجامعات يكونون أقلّ عرضة للإصابة بمرض ــ ألزهايمر ــ من غيرهم ممّن لم يتعدّوا مرحلة التعليم الثانوي، إذا هم داوموا على استعمال قواهم العقليّة في أعمال فكريّة متواصلة.
وتلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار يجعل الخلايا تحافظ على حيويّتها ونشاطها على مرور الأيّام والأعوام، ممّا يحافظ على القوى العقليّة إلى آخر العمر.
وقد توصّل الباحثون في مجال الذاكرة بأنّ الأشخاص الحاصلين على شهادات جامعيّة يحيون فترات أطول، ويتمتّعون بقدرات عقليّة أفضل بعد سنّ الخامسة والسبعين عن إخوانهم الأقلّ تعليما.
إنّه كلّما تعلّم الشخص أكثر، وبطريقة أفضل، انخفضت فرصة إصابته بتدهور الذاكرة والعته العقلي حين يتقدّم في العمر.
إنّ الواقع يؤكّد أنّ أداء الطبيعة أشدّ اتّزانا، كما يقول العلماء الذين قاموا بتجارب متعدّدة في مجال الذاكرة، لأنّ مرور المخّ بمختلف مراحل العمر دون أن يصيبه مكروه يعتمد على المجهود العقلي الذي يقوم به في مختلف تلك المراحل.
إنّ عمق الأداء العقلي بدءا من مراحل الطفولة يدفع الخلايا العصبيّة لإنتاج مزيد من الفروع، فتتكوّن الملايين الوصلات الجديدة بين بعضها البعض، وهذا يعني أنّ الحثّ العقلي الدائم يعمل على بناء مزيد من النسيج المخّي، متيحا مجالا أوسع للذاكرة, وقدرة أسرع على التفكير، وبناء شبكة أكبر من الخلايا العصبيّة، التي يمكن أن يعتمد عليها المخّ حال تعرّضه لمصاعب. (1/132)
صفحة 133
ويعتقد الخبراء أنّ أحد الأسباب التي تكمن وراء انخفاض معدّل الإصابة مثل هذه الطبقة بالخبل هو حلّ العمليّات المختلفة والأشكال الأخرى من التدريبات الذهنيّة، والتي تعمل من خلال تلك الأنشطة على تنميّة المخزون الإدراكي، ممّا يساعد على تحمّل ومواجهة الأضرار التي قد تصيبهم من أضرار مرض ــ ألزهايمر ــ وغيره من الأضرار العقليّة، وذلك تماما كما يحافظ الأشخاص الذين يمارسون نوعا من الرياضة ولو خفيفا ولفترات قصيرة على قدراتهم الجسميّة حتّى مرحلة متأخّرة من العمر.
وتشير إحدى الدراسات التي أجراها مؤخّرا الدكتور [يا كوف سترن] وزملاؤه في جامعة [كولوبيا] بنيويورك إلى أنّ ما يُحدث ذلك الفارق ليس هو حجم العقل، وإنّما هو كيفيّة استخدام هذا العقل.
وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - كتابه الكريم لعباده ليوفّر لهم كيفيّة استخدام عقولهم، كي يحافظوا عليها سليمة قويّة ونشيطة إلى آخر مراحل العمر.
وقد أثبتت البحوث المختلفة صحة حماية التعليم للعقل البشري إلى سنّ متأخّرة من العمر، حيث تشير هذه الدراسات إلى أنّه كلّما زاد معدّل الذكاء والتعلّم واستخدام العقل في سنّ مبكّرة، اختلفت الطريقة التي سيستخدم بها الشخص عقله في سنّ متأخّرة عن الشخص الذي لم يقم بنفس هذا العمل، وهذا من شأنه أن يفسّر سرّ قدرة النشاط الذهني على حماية العقل من الإصابة بمرض عقلي.
وهل هناك غذاء ذهني نافع للعقل ولتدريب الخلايا المخّية وتمرينها أفضل وأحسن من القرآن، الذي يشتمل على الحكاية والقصص والخيال والموسيقى والمنطق والأعداد والقوائم وأسماء الأشخاص والأماكن غير ذلك من المميّزات التي اكتشفها العلماء وما خفي عنهم كثير وكثير.
إنّ التدريبات الذهنيّة لن تحافظ فقط على صحّة خلايا الدماغ، وإنّما تساعد كذلك على تنميّة تلك الخلايا أيضا.
الناقلات العصبيّة الموجودة في المخّ (1/133)
صفحة 134
إنّ المخّ البشري يحتوي على عشرات من الناقلات العصبيّة، منها ما أدرك العلماء عملها بعد بحوثهم واختباراتهم، ومنها ما يزال غامض الوظيفة، والله - سبحانه وتعالى - وحده يعلم مهمتها ووظيفتها.
وهناك أيضا خلايا منتشرة في أجزاء الجهاز العصبي، ومنها ما هي محدودة الانتشار.
وقد وجد العلماء بأنّ أهمّ تلك الناقلات العصبيّة التي تنتجها الخليّة العصبيّة في المخّ هي الأحماض الأمينيّة Amino Acids، وتقسم على حسب وظيفتها إلى أحماض أمينيّة محفّزة، Excitatory Amino Acids، أي التي تحفّز الخلايا وتنشّطها، والأحماض الأمينيّة المهبطة Inhibitory Amino Acid التي تقلّل من نشاط الخلايا التي تعمل عليها.
ويمكن القول إنّ مادّة الجلوتامات Glutamate، هي أهمّ الأحماض الأمينيّة المحفّزة، فهي المسؤولة عن تنشيط الخلايا العصبيّة واستثارتها، ولذلك تستخدم العقاقير التي توقف عمل الجلوتامات في علاج الأمراض العصبيّة الناتجة من زيادة نشاط الخلايا العصبيّة مثل الصرع pilepsy .
والشيء المدهش أنّ كلّ خليّة عصبيّة تحتوي على الأنزيمات الضروريّة لإنتاج الناقلات العصبيّة، وحويصلات دقيقة لتخزين المواد التي تمّ تصنيعها تمهيدا لإفرازها عند وصول الأمر بذلك.
إنّ المواد المختزنة تخرج من نهايات الخلايا العصبيّة Nerve Terminals، إلى خارج الخليّة لتصل إلى الخلايا المجاورة، وعمليّة الخروج هذه تتمّ بميكانيكيّة معقّدة، تنتهي بانفجار الحويصلات الممثلة بالناقلات العصبيّة على جدار الخليّة، وانطلاق المواد المختزنة إلى الخارج.
إنّ هذه المواد تؤثّر بعد إفرازها على الخلايا المختلفة عن طريق اتّحادها بمستقبلات Receptors، خاصّة على سطح الخليّة المستهدفة، وكلّ ناقل عصبي له المستقبِل الخاصّ بهِ. (1/134)
صفحة 135
ومن هذه العمليّة نستنتج أن عمل الخلايا العصبيّة وقوّتها وضعفها إنّما هو ناتج من تأثير تلك المواد الهرمونيّة المنتجة داخل الخليّة، أكثر ممّا تعتمد على قوّة الخلايا، أو ضعفها، ومن جهة أخرى فإنّ إنتاج تلك الهرمونات بصفة متوازنة جيّدة داخل الجسم كلّه والخلايا جزء منه، إنّما يحصل ذلك عندما تكون النفس هادئة مطمئنّة، وغير مضطربة أو حزينة، والقرآن الكريم يستطيع أن يوفّر ذلك داخل النفس البشريّة.
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ... [الرعد ـ 28]
إنّ الناقل العصبي له تأثير خاصّ على الخلايا العصبيّة التي تحمل المستقبل الخاصّ به، ولا يؤثّر على الخلايا التي لا تحتويه، وبعد إحداث التأثير المراد على الخليّة، ينتهي عمل المواد، إمّا بإعادتها مرّة أخرى إلى الخليّة التي أفرزتها، وتخزّن مرّة أخرى تمهيدا لإعادة استعمالها، أو يتمّ تكسيرها بواسطة إنزيمات خاصّة خارج الخلايا.
ويحتوي المخّ على عشرات من الناقلات العصبيّة، منها ما هو معروف عمله، ومنها ما زال غامض الوظيفة.
ومن هذا كلّه نستنتج ويتّضح لنا بأنّ الخليّة العصبيّة ليست خليّة عادية فحسب، بل هي معمل متطوّر لإفراز، وإنتاج، وتخزين والتخلّص من المواد الكيمائيّة المطلوبة لتنظيم عملها.
وهذا كلّه يتطلّب من المرء أن يكون في حالة جيّدة من الاطمئنان والهدوء النفسي، وأن يكون بعيدا عن الضغوط النفسيّة التي لها أثرها البالغ في تدبدب إفراز مثل هذه المواد التي توفّر عملا راقيّا ومنتظما للذاكرة. (1/135)
صفحة 136
وقد تناول الباحثون في مجال الذاكرة استراتيجيّات الحدّ من الضغوط التي تؤثّر على إفراز مثل هذه المواد الكيمائيّة داخل الخليّة، فخلصوا إلى أنّ الأشخاص الذين تعلّموا تقنيّات السيطرة على الغضب، قد نجحت بالفعل في توفير حالة نفسيّة إيجابيّة فعّالة في إنتاج مثل هذه المواد التي تحافظ على توازن عمل الناقلات العصبيّة بين الخلايا.
إنّ المجموعة التي طبّقت تلك الاستراتيجيّات قد حصل لها تحسّن ملحوظ في إنتاج مثل تلك المواد، وقويت ثقتها بنفسها، وشعرت بتغيير حقيقيّ على مستوى وظائف العقل، ممّا جعلها أكثر كفاءة في عمل ذاكرتها.
ويعتبر القرآن الكريم أحسن مؤثّر لتوفير الأمن والاستقرار النفسي، والحدّ من الضغوط النفسيّة التي تؤثّر سلبا على العمليّات المختلفة للذاكرة.
- {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ... [النمل ـ 97]
وتلاوة القرآن وتدبّره يعتبر من الأعمال الصالحة التي يتقرّب بها العبد المؤمن إلى ربّه - عز وجل -، وقد تعبّد الله - سبحانه وتعالى - عباده بتلاوته والعمل بما فيه.
إنّ الاضطراب والضغوط والهرمونات الناجمة عنها تتداخل مع قدرتنا على التعلّم، وتذكّر المعلومات.
وفي السنوات الأخيرة، أدخل العلماء المتخصّصون في مجال الضغوط النفسيّة فكرة العبء الألوستاتي، أو التراكمي، بمعنى تراكم مشاعر الإرهاق والإجهاد بسبب متاعب الحياة اليوميّة.
إنّ كلمة "ألوستاتي" تعني العمليّة التي تقوم بها غدد الجسم من إفراز هرمونات التوتّر العصبي، للحفاظ على رباطة الجأش في مواجهة التحدّيات، ممّا يمنح الجسم قدرا كافيّا من الطاقة للتكيّف مع التحدّيات التي تفرضها الظروف المختلفة. (1/136)
صفحة 137
فقد توصّل الدكتور "بروس مكوين" من جامعة روكفيلر أنّ ألوستاتيّة الجسم تفرز كميّات مرتفعة من هرمون التوتّر في الصباح الباكر عند النهوض من النوم، وعندما نكون بصدد مواجهة أكبر صدمة مروّعة في بداية اليوم، ألا وهي الاستيقاظ، وهذه اللحظات تعتبر أصعب الأوقات التي يواجهها الإنسان في مختلف مراحل اليوم والشيء الذي يبعث الاطمئنان في النفس أنّ هذه الوضعيّة لا تنطبق على من يتّسمون بالنشاط والتفاؤل باستقبال يوم جديد، فلينظر كلّ واحد منّا هل ينطبق هذا الأمر عليه، أم لا؟.
ومن أجل هذا أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده بالصلاة وتلاوة القرآن الكريم في تلك اللحظات الحرجة، وأرشد رسوله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين الإكثار من الأذكار، لأنّ ذلك ممّا يبعث الطمأنينة في النفس، فلا تصاب بمثل تلك التوتّرات.
لكلّ خليّة تردّداتها الخاصّة
إنّ الله - سبحانه وتعالى - عندما خلق هذا الإنسان أودع في كلّ حاسّة من حواسّه برنامجا خاصّا يدير ذلك الجهاز، وهذا البرنامج موجود داخل كلّ خليّة في الشريط الوراثي لتلك الخليّة، وهو الذي يتحكّم بالخليّة وباهتزازاتها وتردّداتها، وقد أصبح ذلك من المسلّمات العلميّة عند علماء الهندسة الوراثيّة والأحياء.
- {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ}
[الروم ـ 30]
وقد وجد العلماء بعد دراسات وأبحاث طويلة أنّ كلّ خليّة تصدر تردّدات صوتيّة، وكلّ خليّة من خلايا الجسم تتأثّر بالتردّدات الصوتيّة للخلايا الأخرى، وكانت النتيجة التي توصّلوا إليها أنّ بعض الأصوات التي يسمعها الإنسان تستطيع أن تشفيه من بعض الأمراض التي يتسبّب فيها فقدان الخلايا لتردّداتها الطبيعيّة، وذلك بعد أن تعيد إليها تلك الأصوات تردّداتها الطبيعيّة، بعد أن تكون قد فقدتها بمؤثّر من المؤثّرات التي أثّر فيها. (1/137)
صفحة 138
كما أنّه من جهة أخرى يمكن أن تختلّ تردّدات خلاياه بأصوات أخرى، فيصاب بخلل في تركيبه العام، وذلك ما يسمّى بالمرض.
وقد وجد العلماء أنّ كلّ الأحداث التي يمرّ بها الإنسان، وكلّ كلمة يسمعها، وكلّ منظر يراه، وكلّ حدث يقع له، يتمّ تخزينها في أماكن خاصّة داخل خلايا الجسد، وليس خلايا الدماغ فقط، كما يعتقد كثير من الناس، بل في خلايا الجلد وخلايا القلب، وخلايا الرئتين، وخلايا الأمعاء.
واكتشفوا أنّ كلّ مرض يصاب به الإنسان إنّما هو عبارة عن خلل يصيب خلايا الجسم، هذا الخلل الذي هو عبارة عن فقدان تلك الخلايا لتردّداتها الطبيعيّة التي فطرها عليها خالقها - سبحانه وتعالى -، وابتعادها عن مسارها العادي الذي يكون فيه تردّد الخليّة الطبيعيّة الصحيحة.
وقد وجدوا بأنّ تلك الخلايا تتأثّر بالصوت والأمواج الكهرطيسيّة، ولهذا بدؤوا يدرسون إمكانيّة إعادتها إلى مسارها الطبيعي بالأمواج الصوتيّة، فهي تنشط وتتأثّر فتحيى من جديد وتنبعث فيها الحياة، ممّا يعطيها قوّة لمقاومة تلك الحالة التي طرأت عليها، فأفقدتها مسارها وتردّدها، ونتيجة لذلك تعود إلى طبيعتها، وإلى حالتها الطبيعيّة، وهذا يسمّى نوعا من الشفاء.
والقرآن الكريم جعله الله - سبحانه وتعالى - بعلمه وقدرته على هيئة متناسبة لهيئة ترتيب وتناغم تردّدات خلايا الجسم، يستطيع معها أن يقوم بهذا العمل وهذا التأثير، وذلك لأنّ آياته وكلماته وحروفه قد رتّبها - سبحانه وتعالى - على نظام متقن لا يعلم حقيقته وسرّه إلاّ هو - عز وجل -، ولا يشبه أيّ نظام آخر مهما كان، فهذا يعني أنّه قد أودع في كلماته قدرة على التأثير في خلايا الجسم.
- {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} ... [الزمر ـ 23] (1/138)
صفحة 139
إنّ ترتيب وتنظيم كلمات وآيات كتاب الله - عز وجل - تعبّر بلغة خاصّة لا يعلمها إلاّ خالق هذا الإنسان، ومنزّل القرآن، وهذه اللغة تؤثّر على الخلايا بلغة تفهمها خلايا دماغ الذي يقرأ كلمات القرآن الكريم، فتصدر أوامرها إلى الغدد التي تتحكّم في شفاء تلك الخلايا المريضة، فتؤثّر فيها بتأثير خاصّ فترجع إلى حالتها الطبيعيّة.
ويقول العلماء: «إنّ الصوت هو عبارة عن أمواج ميكانيكيّة تنتقل عبر الأذن للدماغ، فيعالجها بطريقته الخاصّة، ثمّ يعطي أوامره لخلايا الجسد، وإنّ تاريخنا والأحداث التي تقع لنا، والتي تمرّ علينا مختزنة في أصواتنا».
ولعلّ تعبير الإنسان عن آلامه بالبكاء الذي هو عبارة عن صوت يدلّ على تغيّر بتردّدات الخلايا، أو التعبير بالصياح والكلام المرتفع مع تغيّر نوعيّة الصوت، كلّ ذلك هو تعبير عن نوع خاصّ من التردّدات التي تكون عليها الخلايا في تلك اللحظات.
ومن هنا نستطيع أن نفهم تأثير القرآن الشفائي في جسم قارئه، أو تأثيره فيه بواسطة قراءة إنسان آخر يقرأ له بعض الآيات على مادّة، مثل الماء أو العسل فالتردّدات الصوتيّة التي تصدر من إنسان تقيّ يحفظ القرآن الكريم، ويخاف الله - سبحانه وتعالى - تختلف اختلافا جذريّا عن تلك التي تصدر عن إنسان يعصي الله - سبحانه وتعالى -، وذلك لأنّ تردّدات خلايا كلّ واحد منهما تختلف عن تردّدات خلايا الآخر.
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ
[الأنفال ـ 24] (1/139)
صفحة 140
فالقرآن كلّه حياة ونور، حياة ونور بالنسبة للإنسان، وحياة ونور بالنسبة لكلّ شيء يسبّح بحمد ربّه - عز وجل -، وهو حياة ونور بالنسبة لكلّ خليّة من خلايا الجسم، خاصّة إذا كانت القراءة من صاحب الجسد نفسه، فإذا أصيب شخص بمرض ما ثمّ قرأ على نفسه بعض آيات كلام ربّه - عز وجل -، بنيّة طلب الشفاء، ثمّ يتّجه إلى ربّه بالدعاء كي يشفيه، فإنّ التأثير سيكون أفضل وأكبر من أن يطلب من شخص آخر كي يقرأ عليه، لأنّه إذا لجأ إلى شخص آخر سيكون التأثير أقلّ.
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}
[النساء ـ 174]
بربّكم هل يمكن لنا أن نتصوّر كيف سيكون هذا الإنسان الذي تأثّرت خلايا جسمه بالقوّة الروحيّة التي تضمّنها كتاب ربّه، واستنارت خلايا عقله وتفكيره بنوره الواسع الذي يستنير به كلّ شيء في هذا الوجود، كيف سينشأ خال من الأمراض النفسيّة والجسميّة، بعيدا عن العُقد التي أصابت كثيرا من أناس هذا العصر نتيجة ابتعادهم عن ربّهم وهجران كتابه الذي هو عبارة عن نور ينير لهم خلاياهم الجسميّة والقلبيّة والعقليّة، وهم في حاجة ماسّة إليه مثل حاجتهم إلى الهواء والغذاء والماء.
الخلايا العصبيّة تعمل ككيان واحد
إنّ خلايا الدماغ مثلها مثل خلايا الأجهزة الأخرى في الجسم، مثل خلايا القلب، أو خلايا الكبد، أو خلايا العظام، فكلّ نوع من هذه الخلايا تعمل في بيئتها الخاصّة بها، وهي متعاونة مع مثيلاتها من نفس الجهاز الذي تنتمي إليه.
ومن هنا نستطيع أن نفهم كيف تؤثّر خليّة واحدة غير متوازنة، وغير مستقرّة على مثيلاتها من خلايا نفس الجهاز الذي تنتمي إليه. (1/140)
صفحة 141
إنّ اضطراب خليّة واحدة داخل الكيان الكلّي يساهم في خلق الاضطراب في حياة وعمل الخلايا الأخرى من نفس النوع، والقرآن الكريم يوفّر الاطمئنان والهدوء لكلّ الخلايا من نفس الجهاز، وخاصّة جهاز الذاكرة الذي يتعامل مباشرة مع آياته المباركة المملوءة نورا.
أنواع الذاكرة
1ـ الذاكرة السمعيّة، Memory Auditory: كما عرّفها علماء الذاكرة:
هي القدرة على استدعاء سلسلة من الأسماء والكلمات والأعداد وغير ذلك من المعلومات المقدّمة شفويّا، ومن لديه خلل في الذاكرة السمعيّة قد يحتاج إلى مذكّرات للمعلومات المقدّمة شفويّا.
2ـ الذاكرة البصريّة، Memory Visual:
هي القدرة على تخزين واستدعاء الصور والأشكال والنصوص عن طريق المعلومات المدخلة بواسطة القنوات البصريّة الإدراكيّة، وقد تشفّر تلك المعلومات باستخدام رموز سمعيّة، أو بصريّة مستقلّة عن شكل التقدّيم.
3ـ الذاكرة الدلاليّة، Memory Semantic:
وهي التي تختزن فيها المعلومات الواقعيّة المكتسبة والمشفّرة عادة عن طريق التكرار، ويمكن تقسيم هذه الذاكرة إلى ذاكرة تقريريّة، وذاكرة إجرائيّة.
والذاكرة التقريريّة هي التي تختزن المعلومات حول الحقائق مثل {من وماذا ومتى وأين}، وأمّا الإجرائيّة منها فهي تختزن معلومات عن كيفيّة عملنا لشيء ما {كيف تقوم بتغيير شيء ما في برنامجك اليومي}.
4ـ الذاكرة العاجلة, Memory Immediate:
وهي القدرة على استدعاء المعلومات فور تقديمها، وهي ترتبط مباشرة بالانتباه.
5ـ الذاكرة المؤجّلة، Memory Delayed:
وهي الذاكرة التي نستدعي بواسطتها المعلومات بعد تأجيل زمني موضوع، نمطيّا لعشر دقائق أو أكثر، وتختبر نمطيّا بتداخل يقدّم أثناء فترة الانتظار لمنع التدرّب.
6ـ الذاكرة طويلة الأجل، Memory Long term:
ويقصد بها القدرة على استدعاء المعلومات بعد ثلاثين دقيقة، أو أكثر من تقديمها، وهي تتطلّب تخزين واسترجاع المعلومات. (1/141)
صفحة 142
7ـ الذاكرة قصيرة الأجل، Memory Short term :
وتسمّى بالذاكرة الفاعلة، وهي كميّة المعلومات المحدودة التي يمكن للفرد أن يحتفظ بها في إدراكه الواعي، وعادة تحدّد بعدّة دقائق، من سبع إلى عشر قطع صغيرة من المعلومات.
8ـ الذاكرة العاطفيّة:
وهي الذاكرة التي تستقبل المعلومات بعد ربطها برباط عاطفي، وهذا الرباط العاطفي يجعلها أكثر قابليّة للحفظ والاستدعاء، والإنسان يستخدم أنظمة مختلفة للذاكرة داخل المخّ لأداء مهمّة التذكّر.
والذكريات العاطفيّة يتمّ احتواؤها ومعالجتها داخل المخّ بواسطة تركيبات مختلفة عن تلك التي تُستخدم في معالجة وتخزين البيانات الواقعيّة.
ولقد توصّل علماء النفس إلى اكتشاف أنّه وبمجرّد تكوّن الدوائر العصبيّة للذكاء لدى الإنسان في صغره، فإنّه تتكوّن لديه تبعا لذلك الدوائر العاطفيّة التي تتحكّم في مزاجه وقدرته على التعلّم بقيّة حياته.
9ـ الذاكرة اللفظيّة Memory Verbal:
إنّ هذه الذاكرة تعتمد على الانتباه أكثر من أيّ مهارة أخرى من مهارات الذاكرة، والشخص الذي يجد صعوبة في تركيز انتباهه، فإنّه سيجد صعوبة في استيعاب ذاكرته اللفظيّة لمختلف المعلومات التي ترد إليها.
وإذا درسنا هذه الأنواع المختلفة من الذاكرة نجد أن حافظ القرآن الكريم يستعملها في تلقّيه من طرف المعلّم ثمّ إعادة ما سمعه، وذلك لعدّة مرّات.
وربّما نستطيع أن نقول بأنّ حفظ كلام الله - عز وجل - يعتمد على الذاكرة السمعيّة، والبصريّة، واللفظيّة، أكثر من الأنواع الأخرى، فبالسمعيّة يسمع تلقين المعلّم للآيات التي ينوي حفظها، وبالبصريّة يتتبّعها من الكتاب، ثمّ يستعمل الذاكرة اللفظيّة ليعيد ما سمعه ورآه من الكلمات والآيات. (1/142)
صفحة 143
وقد بيّن العلماء أنّ الذاكرة السمعيّة أوسع وأشمل من الذاكرة البصريّة، بحيث لا نستطيع أن نقارن بينهما، فدائرة المشاهدات إذا قسناها بدائرة المسموعات فهي كلا شيء، أمّا دائرة المسموعات ودائرة المشاهدات إذا قسناهما كليهما بدائرة التصوّرات، فإنّهما تصبحان معا كلا شيء، لذلك ذكر الله كثيرا من المشاهد التي لا تعدّ ولا تحصى في كتابه القرآن الكريم، وأنزل معجزة الدين الإسلامي قرآنا يتلى ويعتمد على الذاكرة السمعيّة والذاكرة التصوّريّة أكثر من اعتماده على الذاكرة البصريّة.
تدريب أنواع الذاكرة بالقرآن الكريم
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}
[الإسراء ـ 36]
إنّ القرآن الكريم يدرّب ويقوّي أنواع الذاكرات التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لعباده لكي يتحصّلوا بواسطتها على العلوم المختلفة، وخاصّة منها الذاكرة السمعيّة، التي تعتمد على الانتباه أكثر من الذاكرة البصريّة، فإذا كنّا بصدد تلقّي معلومات بصريّة، فعادة يكون لدينا وقت أكبر لننظر إليها، ونلمّ بالتفاصيل، ويمكن أن ينصرف انتباهنا قليلا، ولكنّنا لا نزال نستطيع أن نحصل على كلّ البيانات، أمّا في الذاكرة ال فإنّ المعلومات تقدّم إليها بشكل لفظي، فإن تجوّل انتباهنا للحظة فقط، فسيفوتنا بعض من المعلومات، وبالتالي لا يمكن لنا أن نتذكّرها.
ــ أهميّة السمع في التعلّم: (1/143)
صفحة 144
ومن الملاحظ في الآيات القرآنيّة التي ذكرت السمع والبصر أنّ كلمة السمع قد سبقت البصر وبلا استثناء، فلابدّ أن نتساءل، هل لهذا السبق من دلالة خاصّة؟ ولقد ثبت علميّا أنّ الأذن الداخليّة للجنين تتحسّس الأصوات في الشهر الخامس، ويسمع الجنين أصوات وحركات قلب وأمعاء أمّه، وتتولّد نتيجة لذلك إشارات عصبيّة سمعيّة في الأذن الداخليّة، والعصب السمعي والمنطقة السمعيّة في مخّه، لا يمكن تسجيلها إلاّ بالآلات المخبريّة الدقيقة، وهذا برهان علمي يثبت سماع الجنين للأصوات في هذه المرحلة المبكّرة من عمره، بينما لا يمكن تسجيل تلك الإشارات العصبيّة في الجهاز البصري للجنين إلاّ بعد ولادته.
ونتيجة لذلك يكتشف المولود الجديد دقّات قلب أمّه المألوفة لديه مرّة أخرى وهو خارج بطنها بعد الولادة، ممّا يكوّن في نفسه تأثيرا مهدّئا، خاصّة وأنّه قد خرج إلى عالم مخيف غريب عليه، ولقد وجد العلماء أنّ دقّات قلب الأمّ تكون دافعا قويّا لبعث السكون في نفس ولدها، خاصّة عندما ينام.
وقد اكتشف العلماء أنّ الجنين في بطن أمّه تتوضّح عنده أماكن السمع والبصر في اليوم الثاني والعشرين من تلقيح البويضة، وعند الولادة تكون الشبكيّة مكتملة، ويسمع الأصوات في الشهر السادس والنصف، وهو في الرحم، بينما لا تكتمل المطابقة البصريّة لديه إلاّ في الشهر السادس من عمره بعد الولادة.
وثبت كذلك بما لا يدع مجالا للشكّ بأنّ المنطقة السمعيّة تتطوّر وتتكامل وظائفها قبل مثيلتها البصريّة، ومن المعلوم فيزيولوجيّا أنّ المنبّهات النوعيّة التي تسلك أيّ طريق عصبيّ حسيّ تحفّزه على النمو والنضوج، ممّا يجعله قويّا وبهذه الطريقة يحفّز الجهاز العصبي على النضوج منذ الشهر الخامس الجنيني، ولا يحفّز الجهاز البصري بمثل ذلك إلاّ بعد ولادة الوليد.
وهناك حكمتان اعتمدها العلماء في كون السمع أهمّ من البصر في الذاكرة: (1/144)
صفحة 145
1ــ لأنّ الإنسان يمكن له أن يتلقّى الأصوات من الجهات الستّ، عن يمينه، وعن شماله، ومن أمامه، ومن ورائه، ومن فوقه، ومن تحته، في الظلام، وفي النور، في الليل، وفي النهار، وربّما تكون بينه وبين مصدر الصوت حواجز متعدّدة، بخلاف النظر، فإنّه لا يستطيع أن يرى به إلاّ ما يوجد أمامه، ولا يستطيع أن يرى ما وراءه إلاّ إذا استدار، ونفس الشيء بالنسبة ليمينه وشماله.
فلو كان مثلا يقود سيّارته فلا يرى إلاّ ما يوجد أمامه، أمّا إن كان هناك خلل في المحرّك، فالصوت يصل إلى أذنه، فيقف في الوقت المناسب، ليصلح ذلك العطب.
كما أنّ أشعّة الضوء تسير بخطّ مستقيم دائما، فإذا اعترضها جسم غير شفّاف، فلن تتمكّن من اختراقه، أو المرور حوله، بينما الموجات الصوتيّة تسير في كلّ الاتّجاهات، ويمكنها أن تلفّ حول الأجسام التي تصادفها مهما كانت حالتها، فهي تنتقل عبر السوائل والأجسام الصلبة بسهولة، فيسمعها الإنسان حتّى عبر الجدران.
2ــ أنّ للسمع وظائف لا يستطيع أن يدركها البصر، بل إنّ السمع هو الذي ينبّه الإنسان إلى أشياء كثيرة، لا يستطيع أن يدركها ببصره وحده، وبالسمع نسمع الحقّ، ونعقل الحقائق، التي لا نستطيع أن ندركها بالبصر.
ونتيجة لذلك النمو المبكّر للمنطقة السمعيّة، فإنّ الطفل يستطيع أن يستوعب المعلومات الصوتيّة قبل وأكثر من استيعابه للمعلومات البصريّة، فيتعلّمها ويحفظها أسرع بكثير من تعلّمه للمعلومات المرئيّة، فهو يستطيع أن يفهم الكلام الذي يسمعه بسرعة، ويدركه، ويعيه أكثر من فهمه للرسوم والصور والكتابات التي يراها، وهو يحفظ الأغاني والأناشيد بسرعة، ويتمكّن من تعلّم النطق والقراءة في وقت مبكّر جدّا بالنسبة لتعلّمه الكتابة، وكلّ ذلك لأنّ مناطق دماغه السمعيّة نضجت قبل المناطق البصريّة منه.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (1/145)
صفحة 146
[المؤمنون ـ 78]
ولقد توصّل الباحثون بأنّ منطقة التفسير اللغوي في قشرة المخّ تنمو وتتطوّر بصفة أسرع، وترتبط ارتباطا وثيقا مع منطقة حاسّة السمع، لأنّها تقع بالقرب منها، وهي لا ترتبط بنفس القوّة مع منطقة حاسّة البصر التي تساهم هي الأخرى في وظيفة الكلام والإدراك اللغوي عن طريق القراءة والكتابة.
وهذا التقارب والارتباط بين هاتين المنطقتين ناتج عن حقيقة تطوّر منطقة حاسّة السمع ووظائفه في وقت مبكّر، وقبل نضوج منطقة ووظائف حاسّة البصر.
قال - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}
[الإنسان ـ 2]
والحكمة التي من أجلها قدّم الله - سبحانه وتعالى - حاسّة السمع على حاسّة البصر، لأنّ الأولى تتطوّر وتنضج قبل الثانيّة، ولأنّ السمع أهمّ في التعلّم والتعليم وأعمق رسوخا في ذاكرة الطفل من البصر.
ويقول الدكتور حريزي موسى، يذكر في هذا الصدد محمّد نجاتي:
«يأتي ذكر السمع في القرآن قبل الإبصار في كثير من الآيات، وذلك فيما يبدو لعدّة اعتبارات، منها: إنّ السمع أهمّ من البصر في عمليّة الإدراك الحسّي والتعلّم وتحصيل العلوم، وممّا يدلّ على أهميّة السمع في الإدراك، وفي تعلّم الأصوات ومدلولاتها، وأنّها من أهمّ أدوات التفكير وتحصيل العلوم، ذكره القرآن وحده ـ دون البصر ـ مع العقل للدلالة على العلاقة الوثيقة بينه وبين العقل، كقوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ... [الملك ـ 10]
ولهذه العلاقة الوطيدة بين السمع والعقل، فإنّ القرآن الكريم يذكر في كثير من الآيات السمع بمعنى الوعي والفهم والتدبّر والتعقّل، مثل قوله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} (1/146)
صفحة 147
[الحاقّة ـ 11ـ12]
ومن المعلوم أنّ المولود الذي يولد فاقدا لحاسّة السمع ينشأ أبكم، ولن يتمكّن من تعلّم النطق والكلام، أمّا الذي يولد فاقدا لحاسّة البصر، فإنّه يتمكّن من تعلّم اللغة والنطق بسهولة.
وعند فقدان حاسّة البصر فإنّ المنطقة البصريّة في المخّ تقوم بوظائف تربط بواسطتها وظيفيّا المناطق الارتباطيّة الدماغيّة الأخرى، فتزيد من قابليّة الدماغ على حفظ المعلومات والذاكرة والذكاء، بينما لا تقوم المناطق السمعيّة بمثل هذا العمل عند فقدان السمع، والسبب في ذلك لم يُتوصّل بعدُ لمعرفته، لذلك فقد نبغ كثير ممّن فقد بصره، ولكن لم ينبغ أحد ممّن فقد حاسّة السمع إلاّ نادرا، وهذا ممّا يدلّ على أهميّة حاسّة السمع.
لذلك فإنّه يمكن للإنسان أن يدرّب هذه الحاسّة لديه، بما يسمعه يوميّا من آيات كتاب الله - سبحانه وتعالى -، إذا أراد أن يصبح في المستقبل إنسانا يركّز جيّدا على ما يسمعه، كي يعقله، ويحفظه فقد أكّد الله - سبحانه وتعالى - على أنّ الإحساسات الصوتيّة التي يسمعها الإنسان بأذنيه تصل مستوى الوعي أكثر من تلك التي تصله عن غير طريقه، كالبصر واللمس والشمّ. فقد قال الله - سبحانه وتعالى - في هذا الشأن:
- {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ... [الحاقّة ـ 12]
وهذا دليل على أنّه يوجد بين حاسّة السمع وبين القلب صلة وثيقة، ربّما لا توجد بين البصر والقلب، ولقد خصّ الله - سبحانه وتعالى - حسّ السمع وجهازه، ولم يذكر البصر عندما أراد تخصيص أهميّة حواسّ بعض عباده. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (1/147)
صفحة 148
[الأنعام ـ 36] كما اكتشف العلماء بأنّ حسّ السمع لكلّ أذن يتمثّل في كلّ من جهتي المخّ، فإذا أصيب أحد شقيّ المخّ بمرض، فإنّ إحدى الأذنين لا يصيبها الصمم، بينما في حاسّة البصر، فإنّ العين اليمنى يتمثّل مركز رؤيتها في الشقّ الأيسر، والعين اليسرى يتمثّل في الشقّ الأيمن، لذلك إذا أصيب أحد شقيّ المخّ بمرض، فإنّ المصاب يفقد الرؤية في العين المعاكسة لجهة الإصابة.
التسميع أفضل طريقة للتعلّم
إنّ الدليل الراجح على أنّ طريقة التسميع هي أفضل الطرق في التعليم، هوأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعلها الطريقة التي علّم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بداية إنزال الوحي عليه بواسطة جبريل - عليه السلام - وأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد علّم بها أصحابه، وما ذلك إلاّ لتأثيرها الإيجابيّ ونتائجها الطيّبة في نفس الإنسان، ونحن يجب علينا أن نجعل رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة لنا.
- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ... [الأحزاب ـ 21]
لذلك إذا درّب الإنسان نفسه على السمع الجيّد لبعض الآيات القرآنيّة، وبعض القصص، فإنّه يدرّب شقيّ مخّه معا، وهذه العمليّة تعتبر أحسن وسيلة لتدريب المخّ تدريبا جيّدا، خاصّة وأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في القرآن الكريم كلّ الخاصيّات التي يستطيع الإنسان أن يدرّب بها الشقّين معا، فهو يتكوّن من الكلمات التي يحفظها الجانب الأيسر، والصوت الحسن الذي هو من اختصاص الجانب الأيمن، إلى غير ذلك من اختصاصات كلّ من الشقّين، الأيمن والأيسر. (1/148)
صفحة 149
ولسبب ما فقد جعل الله - عز وجل - حُجّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - آيات كريمة تسمع، تحفظ في الصدور، وتُتناقل بين الرواة عن طريق السمع، وتُقرأ بترتيل وتجويد، لأنّ لكلّ إنسان صوته الخاصّ الذي يحدث بواسطة عمليّات معقّدة تتمّ في الدماغ بتعليمات معيّنة يتمّ بواسطتها إصدار هذا الصوت الذي هو عبارة عن موجات ميكانيكيّة، ومن هنا نستطيع أن نفهم قوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} ... [الروم ـ 22]
كما أنّ صوت كلّ إنسان يتأثّر بالأحداث التي تمرّ عليه، من حبّ وحنان وعطف، أو بغض وكراهيّة وغضب، ومن جهة أخرى فإنّ الإنسان يتأثّر بطبيعة كلّ صوت على حسب حالته التي يكون فيها، لأنّ نفسه تنفتح، وتنشرح للسماع والتأثّر، أو تنقبض ولا تنشرح، ولا تتأثّر.
ومن هنا نستطيع أن نفهم جيّدا وبصفة إيجابيّة مقنعة كيف يتأثّر الإنسان بصوت قارئ القرآن الكريم، خاصّة إذا كان ذلك الصوت هو صوت نفسه.
والقرآن الكريم قد أنزله الله - سبحانه وتعالى -، ورتّب كلماته وحروفه بدقّة مبهرة، وبشكل يعطي تناسقا عظيما، يؤثّر في عقل الإنسان، وفي قلبه أيضا، وهذه القراءة لكلام الله المبارك، بصوت محبوب يدخل عبر أذنه، ويؤثّر على خلاياه، فيجعلها خلايا خاشعة، وينشّطها ويبعث فيها الحياة، لأنّ القرآن الكريم كلّه حياة وطاقة بالنسبة لكلّ خليّة من خلايا جسد هذا الإنسان.
إنّ الاستماع لتلاوة كلام الله - عز وجل -، وقراءة آياته يملأ النفس أمانا وطمأنينة وسكينة فتنشرح، ويستنير القلب، فتعمل القوى العقليّة بأقصى درجة ممكنة، وإذا تدرّبت الخلايا على ذلك، فإنّها ستصبح قادرة على الاستيعاب الجيّد لما يلقى إليها من المعلومات الأخرى، فيصبح صاحبها ذكيّا فطنا عبقريّا.
قدرة العقل على تجديد الروابط بين خلاياه (1/149)
صفحة 150
وتشير الأبحاث من جهة أخرى إلى أنّ العقل يملك بالفعل القدرة على تجديد الروابط التي تربط بين خلاياه، وتشكيل خلايا جديدة وهو ما يطلق عليه اسم ــ توالد الخلايا العصبيّة ــ neurogenesis، وهو ما كان ينظر إليه بأنّه شيء مستحيل عل مرّ العقود القليلة السابقة.
وقد أثبتت الدكتورة [إليزابيت جولد] في جامعة [بريستون] قدرة العقل على بناء خلايا جديدة حتّى في سنّ الرشد، وذلك من خلال بحوثها التي أجرتها على الحيوانات المعمليّة التي أثبتت قدرتها على توليد خلايا عقليّة جديدة في مستوى منطقة ــ قرن آمون ــ.
وقد أثبت الدكتور [فريد جيج] ومساعدوه في معهد [سالك] أنّ هذا التوالد للخلايا العصبيّة يمكن أن يحدث في البشر أيضا، في حين أنّ علماء الأعصاب كانوا يعتقدون إلى عهد قريب أن خلايا الدماغ تتوالد في سنّ الطفولة فقط، ثمّ بعد ذلك تتوقّف عن التوالد.
إنّ الأبحاث التي أجريت أثبتت أنّ العقل الطبيعي الصحيح، والذي يسكن جسما صحيحا، ويعمل بطريقة جيّدة، لا يصاب بأيّ فقد يذكر في خلاياه، وإنّما ينمو في الروابط الداخليّة، ومن ثمّ يتضاعف نسبة الذكاء داخل هذا العقل.
إنّ القرآن الكريم وقراءته ومدارسته بانتظام، والاستماع إليه بتمعّن وإنصات كما أمر بذلك ربّنا هو أحسن محفّز للروابط الموجودة والقائمة بالفعل بين الخلايا العصبيّة، ممّا يؤدّي إلى تشكيل روابط عصبيّة جديدة داخل العقل.
وقد أثبت الباحثون أنّه كلّما أعطينا غذاء ذهنيّا جيّدا، وراقيّا، ومهمّا لخلايا مخّنا إلاّ وازداد نشاطها وترابطها فيما بينها بواسطة الأعصاب التي تبعث فيها القوّة على الاستيعاب والحفظ والقدرة على التذكّر.
والقرآن أغنى وأفضل وأحسن غذاء ذهني أنزله الله - عز وجل - على عباده الذي خلق عقولهم على هذه الهيئة، وهو وحده يعلم ما يقوّي هذا العقل الذي فضّله به على سائر المخلوقات الأخرى. (1/150)
صفحة 151
فإذا كان علماء الذاكرة في مختلف العصور يرشدون وينصحون كلّ من يريد أن يكتسب ذاكرة قوّية ونشيطة حتّى آخر العمر أن يغذّي عقله بالمطالعة الدائمة والبحث العلمي الجيّد والمهمّ وحلّ المسائل الرياضيّة المتعدّدة، فأنا أنصح مثل هؤلاء أن يهتمّوا بكتاب ربّهم القرآن الكريم، حفظا وتلاوة وتدبّرا، فهو أفضل غذاء ذهني ينمّي خلايا الذاكرة ويدرّبها تدريبا جيّدا، وينشّطها، خاصّة وهو شفاء وهداية وتوفيق من عند الله - عز وجل - الذي لا يريد لعباده إلاّ الخير والصلاح في كلّ نواحي النفس والروح والجسم.
هذا وعلما أنّه هو يشتمل على كلّ المواضيع المختلفة والمتنوّعة من تصوّر وحكاية وخيال وقصص وحوار وتساؤل، وغيرها من المواضيع الكثيرة والمتعدّدة.
التدريبات الذهنيّة
بربّكم ألا يمكن أن نعتبر المداومة على تلاوة القرآن التي أمرنا ربّنا أن نداوم عليها آناء الليل وأطراف النهار، وكذلك يمكن أن نعتبر الأذكار المختلفة، والأوراد تدريبات لخلايا مخّنا وأعصابه، ووقاية لها من الضعف، فتجعلها نشيطة قويّة طوال مدّة العمر التي نعيشها في هذه الدنيا، ولا تفقد حيويّتها ونشاطها، ولا تصاب بالهرم أو الضعف.
ولقد أثبتت الدراسات الكثيرة بأنّ التدريبات الذهنيّة التي يأمر بها أطباء الذاكرة مرضاهم لوقايتهم من ضعف ذاكرتهم وفقدهم لها، لا تحافظ فقط على صحّة خلايا المخّ، وإنّما تساعد كذلك على تنميّة تلك الخلايا، وتقويّة الأعصاب التي تربط بينها، وتشير الأبحاث الجديدة إلى أنّ العقل يملك بالفعل القدرة على تجديد الروابط التي تصل بين خلاياه، وتشكيل خلايا جديدة، وبذلك يتكوّن في هذه الخلايا قدرة وقوّة على استرجاع المعلومات. (1/151)
صفحة 152
إنّ ذلك النشاط المتواصل لخلايا المخّ يجعل الخلايا المسمّاة Glial Cells ( وهي الخلايا التي تدعّم، وتعطي الغذاء للخلايا العصبيّة في المخّ، وتساعد في نقل الإشارات العصبيّة) تتقوّى وتنشط، وذلك ممّا يؤدّي إلى زيادة في سرعة الإشارات العصبيّة، واتّصالها بعضها ببعض، وهذا ممّا يوفّر التفكير الجيّد وتأديّة العمليّات الحسابيّة.
لقد قامت الدكتورة: ماريان دياموند: (الأستاذة بجامعة كاليفورنيا بالولايات المتّحدة) بأبحاثها على مخّ {أنشتاين} الموجود في معمل الدكتور هارفي، بحساب عدد الخلايا المسمّاة Glial Cells، واكتشفت أنّ هناك زيادة في نسبة تلك الخلايا، ممّا يعني زيادة في سرعة الإشارات العصبيّة واتّصالها بعضها ببعض، ممّا يشير إلى تفسير قدرة أنشتاين الكبيرة على التفكير والفهم وإجراء العمليّات الحسابيّة.
وأنا أظنّ والله أعلم بأنّ تلك القدرة الكبيرة والخارقة قد اكتسبها لأنّه يداوم على التفكير والتساؤل المتواصل عن كلّ ما يقع حوله.
فلقد كان أنشتاين ـ كما قال أحد الباحثين في العبقريّة ـ مثل طفل صغير ناضج، كثير التساؤلات عن الكون الذي كان يحاول استكشافه، وكان يسأل دائما أسئلة بسيطة وواضحة عن الطبيعة والزمن والكون، وعن الله - سبحانه وتعالى -.
إنّ الاستعمال الدائم والمتواصل لخلايا المخّ بالتفكير الهادف، والتساؤل يجعلها قريبة بعضها من بعض أكثر، ممّا يسمح بتعدّد الاتّصالات العصبيّة بين أجزاء المخّ المختلفة، وهذا ممّا يؤدّي إلى زيادة السعة المعرفيّة والقدرة على معالجة البيانات أكثر من الطبيعي وبصورة تفوق الطبيعي.
والمداوم على حفظ وتلاوة كتاب الله - عز وجل - بتدبّر ومحاولة فهم، يوفّر له هذا الاستعمال الدائم والمتواصل لخلايا المخّ، فهو إذن نتيجة لذلك يضاعف من اتّصالاتها، زيادة على التساؤل عن معنى كلّ آية يصل إليها عند تلاوته لها، ليحاول فهمها. (1/152)
صفحة 153
إنّ الشيء المدهش في الأمر أنّ كثرة طرح الأسئلة ممّا يجعل المخّ يستخدم جميع مكوّناته التي تجعل الشخص مبدعا، وبالتالي يصبح عبقريّا، ولذلك نجد أنّ الفلاسفة العظام كلّهم كانوا يكثرون من التساؤلات الكثيرة في مختلف الميادين.
وإذا تتبّعنا آيات القرآن نجد فيه كثيرا من الآيات التي يأمر فيها ربّنا - سبحانه وتعالى - عباده أن يسيروا في الأرض ويسألوا كيف بدأ الله - عز وجل - خلقهم، وخلق هذا الكون، وما يحتويه من مختلف المخلوقات.
- {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ}
[الأعراف ـ 185]
- {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} ... [الحج ـ 46]
- {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}
[العنكبوت ـ 20]
والله - سبحانه وتعالى - خالقنا وخالق عقولنا ونفوسنا، يريد منّا أن يكون تفكيرنا متفتّحا على ما يحتوي عليه الكون من مختلف المخلوقات، وأوّلها نفوسنا التي هي قريبة منّا أكثر من أيّ مخلوق آخر في هذا الكون.
- {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
[الذريات ـ 20ـ21]
استخدام الأسئلة يزيد من قوّة التفكير
لقد اكتشف علماء الذاكرة بعد بحوث متعدّدة أنّ الأشخاص الذين يكثرون من الأسئلة باستعمال أدوات الاستفهام، تمدّهم الإجابات على تلك الأسئلة بالروابط والعلاقات الذهنيّة، وتتكوّن لديهم خرائط المعرفة التي يحتاجونها كلّما تقدّمت بهم الحياة.
كما أنّها توسّع مجال الإبداع الذهني لديهم، لأنّ هذا الأمر يزيد من توسيع الخيال لديهم، ويزيد من رصيد المعرفة، ويحفّز عقولهم على الاستزادة من المعلومات، والتنقيب عنها بعمق أكثر.
العقل مصباح ومصدر نوره القلب (1/153)
صفحة 154
إنّ البصيرة القلبيّة شأنها كشأن البصر، فكما أنّ الإنسان لا يستطيع أن يرى الأشياء الخارجيّة إلاّ إذا استعان على ذلك بالنور الخارجي، كالشمس أو أيّ مصدر آخر للنور، فكذلك العقل لا يستطيع أن يستوعب مختلف العلوم إلاّ إذا استعان بنور القلب إذا كان صافيّا نقيّا قويّا، لأنّه في تلك الحالة يستطيع أن ينبعث منه نور صافيّ جيّد وقويّ.
ولأهميّة القلب في حياة الإنسان وقيمته التي هي أكثر من العقل، فقد جعل الله - سبحانه وتعالى - نموّه وتطوّره قبل بداية تكوّن خلايا الدماغ والجهاز العصبي لدى الجنين، لأنّ العلماء أثبتوا بدراساتهم المتعدّدة أن الخلايا الدماغيّة تتوالد في السنوات الأولى لولادته وأثناء نومه العميق، لذلك جعل الله - سبحانه وتعالى - المولود ينام أكثر أوقاته لتتوالد الخلايا بطريقة أحسن وأفضل، ومن أجل ذلك ينصح الأطباء الأمهات أن يوفّرن لأولادهن الحديثي الولادة جوّا ملائما ليناموا بصفة جيّدة.
ومن جهة أخرى فإنّ القلب هو الذي يضخّ الدم إلى العقل حتّى يوفّر له وضعيّة حسنة للعمل بكامل قوّته، ولينمو بصفة جيّدة، وهو يضخّ الطاقة الكهربائيّة اللازمة لعمله مع كلّ ضربة من ضرباته، ويحمل إليه كثيرا من المعلومات مع كلّ نبضة، والله - سبحانه وتعالى - وحده يعلم كيف يتمّ ذلك هل تحمل مع الدمّ، أم هي أوامر يصدرها إليه بواسطة الأعصاب، أم أنّ هناك اتصال آخر بينهما غير هذين الطريقين.
إنّ القلب لا يصدر معلوماته إلى العقل فقط بل هو يوزّعها على كافّة خلايا الجسم، ومن هنا نستطيع أن نفهم قول رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - حين بيّن أنّ صلاح الجسم ينبني على صلاح القلب، وفساده متوقّف على فساده.
إنّ القلب عضلة مليئة بالطاقة تجلب مع كلّ دقّة من دقّاتها مليارات المعلومة، وتؤثّر على مليارات الخلايا في الجسم، وكلّ ذلك يقع بصورة متقنة، وبإيقاع متزامن. (1/154)
صفحة 155
لقد وجدت الدراسات التي أجريت مؤخّرا على القلب والعقل معا عن كيفيّة حدوث التعلّم، وتولّد العواطف أنّ انسجام عمل القلب والعقل قد يؤثّر على فاعليّة الجهاز العصبي الذي يقوم بعمليّة التفكير في جسم الإنسان بطريقة كبيرة في الغالب، وذلك إمّا في الجهة الإيجابيّة، أو في الجهة السلبيّة.
فمع كلّ نبضة قلبيّة يحدث اتصال لحظي على مستوى الجسد بالكامل، وهو عبارة عن موجة تسافر عبر الشرايين أسرع عدّة مرّات من سرعة التدفّق الطبيعي للدم، ويخلق ذلك لغة أخرى من الاتصال الداخلي حيث تتنوّع أنماط موجات الضغط مع كلّ نمط إيقاعي معقّد للقلب، وتشعر كلّ خليّة من خلايا الجسد ــ والتي تعدّ بالتريليونات ــ بموجة الضغط هذه وتعتمد عليها بعدّة طرق.
التعلّم أكثر يزيد من عطاء الذاكرة
لقد أثبت خبراء الذاكرة أنّ الإنسان كلّما تعلّم أكثر، أصبح من السهل عليه تعلّم المزيد، وكلّما أمدّ ذاكرته بالمزيد، يزيد عطاؤها في المقابل بالفائدة المركّبة.
وكلّما أمدّ الشخص ذاكرته بغذاء ذهنيّ جيّد وراق، زادت قدراته على خلق شبكات اتّصال خياليّة بآفاق جديدة، ومن تمّ زيادة كفاءتها وقدرتها على التذكّر والإبداع، وكذلك فإنّ طريقة استيعاب الذاكرة والقدرات العقليّة لن تتضاءل بفعل التقدّم في السنّ، كما يعتقده أغلبيّة الناس في هذا الكون.
ونحن نستطيع أن نطبّق ذلك على تعلّم كتاب الله - عز وجل -، فنلاحظ أنّه كلّما تقدّم الطالب في حفظ جزء منه، إلاّ وازداد حفظه واستيعابه بعد ذلك، وهكذا حتّى يجد نفسه في الأخير وهو يحفظ القرآن الكريم بأكمله بذاكرة قويّة نشيطة تختلف تماما عن التي بدأ بها حفظ كلام ربّه أوّل مرّة.
وقد صرّح الدكتور "لاري سكوير" أستاذ علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا بسان دييجو والرئيس السابق للهيئة القوميّة لعلم الأعصاب قائلا: (1/155)
صفحة 156
«لو أتيحت لك رؤية المخّ بكاميرا فيديو وهو يتفاعل مع ما يمرّ به من تجارب، فلا شكّ بأنّك ستراه ينمو، وينكمش، ويتشكّل».
وقال باحث المخّ الكبير "بروس ماك أوين" بجامعة نيويورك:
«أهمّ ما في الأمر أن تدرك أنّ المخّ ينمو، ويتغيّر طيلة الوقت».
ولعلّ من أجل ذلك التغيّر الذي يقع للمخّ طوال العمر أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده بتلاوة كلامه آناء الليل وأطراف النهار، وفي كلّ مراحل العمر، حتّى يحافظ على حيويّته ونشاطه إلى آخر أيّام العمر.
- {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
[المزمّل ـ 20]
- {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}
[العنكبوت ـ 49]
قال قتادة:
«كان من قبلكم أمم يقرؤون كتابهم نظرا، فإذا رفعوه لم يحفظوا منه شيئا، ولم يعوه، وإنّ الله - سبحانه وتعالى - أعطاكم أيّتها الأمّة من الحفظ ما لم يعطه أحدا من قبلكم».
وهذه كرامة خاصّة، أخصّ بها هذه الأمّة ليحافظوا به على عقولهم وذاكرتهم إلى آخر العمر.
وقال الإمام "ابن الجزري":
«إنّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله - سبحانه وتعالى - لهذه الأمّة، وذلك بخلاف أهل الكتاب، الذين لا يحفظونه إلاّ في الكتب، ولا يقرؤونه كلّه إلاّ بالنظر في الكتاب.
ولمّا خصّ الله - سبحانه وتعالى - بحفظه من شاء من أهله، أقام له أئمّة ثقات تجرّدوا لتصحيحه، وبذلوا أنفسهم في إتقانه، وتلقّوه من النبيء - صلى الله عليه وسلم - حرفا حرفا، ولم يهملوا منه حركة، ولا سكونا».
وهذا يعتبره العلماء من إعجازه، حيث يسّره على جميع الألسنة، حتّى حفظه العربي والأعجمي الذي لا يفهم حرفا في اللغة العربيّة، وما ذاك إلاّ بخصائص إلهيّة، فضّله بها على سائر كتبه. (1/156)
صفحة 157
- {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل ـ 92ـ93]
- {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}
[البقرة ـ 121]
العقل يبحث عن الحقيقة، والقرآن كلّه حقائق
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ... [البقرة ـ 1ـ2]
- {الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
[السجدة ـ 1ـ2]
- {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ... [فصّلت ـ 41ـ42]
إنّ الفطرة التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها عقولنا من طبيعتها أن تبحث عن الحقيقة، والتي هي آليّة أساسيّة لتحافظ بها على حيويّتها وعملها وقوّتها.
ولذلك يخبرنا التاريخ بأنّ العباقرة والمفكّرين قد أقرّوا أن هدفهم الأساسي في هذه الحياة هو البحث عن الحقيقة.
والقرآن كلّه عبارة عن حقائق يخبر عنها، ويقرّها، ولا نستطيع أن نحصي الآيات التي تختصّ بالإخبار عن الحقائق، ولعلّ أوّل آية أنزلها الله على أمّة العلم والتعلّم تقرّ حقائق كثيرة، لا يستطيع العلماء تحديدها وعدّها.
- {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ... [العلق ـ 1ـ5] (1/157)
صفحة 158
ومن خصائص القرآن التي لا ينكرها أحد أنّه يبني لنا تصوّراتنا عن العالم الذي من حولنا وقراراتنا على بيانات صحيحة حقيقيّة، وقد استنتج العلماء أنّ العقل إذا ما تحصّل على بيانات صحيحة، فسوف يصدر قرارات أكثر ذكاء، وأصحّ رؤية، وذلك ممّا يزيد من فرصه في العمل والنموّ والاستيعاب، ليضمن لنفسه البقاء.
أمّا إذا تحصّل على بيانات خاطئة عن العالم من حوله، ففي ذلك الوقت سوف يصدر قرارات مبنيّة على بيانات خاطئة، ممّا يعرّضه للخطر، لأنّه سيتكوّن لديه تفكير سلبي، متناقض، وهذا ما يدفعه إلى الفشل في التفكير، فيضعف بذلك عمل الخلايا المخّية، ويضعف عمله ككلّ.
وربّما نستطيع أن نشير إلى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي هو تبيانا لكتاب الله - عز وجل -، والذي يرشد فيه أتباعه إلى اتّباع الحقائق، وترك كلّ ما فيه شكّ وريب، فيقول في حديث من أحاديثه، عن الحسن بن عليّ سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - رضي الله عنه -:
«حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». ... رواه الترمذي
وفي حديث آخر:
«فإنّ الصدق طمأنينة، وإنّ الكذب ريبة، ولفظ ابن حبّان: فإنّ الخير طمأنينة، وإنّ الشرّ ريبة». ... رواه الترمذي
إنّ قارئ القرآن الكريم بكلّ إخلاص وتدبّر يتفكّر في تلك الحقائق التي يقرّرها، فتحوم في عقله، ثمّ تستحوذ على تفكيره، وتنمو لتتحوّل إلى عادات كبيرة حسنة وطيّبة، وهذه الخطوات الكثيرة المتتابعة هي من وسائل تنميّة التفكير، والتي هي أساس تقويّة الذاكرة.
وقارئ القرآن الكريم بتدبّر لمحاولة فهم الحقائق الكبرى التي يتضمّنها، يوظّف حشود خلاياه العقليّة المبهرة، لكي تبني مجدها وتفوّقها وقوّتها، فينمو نتيجة لذلك الجزء الخلفي من "قرن آمون" لديه، ويزداد حجمه لكي يتلاءم مع المعلومات والحقائق المختلفة التي يتضمّنها كتاب ربّنا - عز وجل -، فيتفوّق في قواه الفكريّة. (1/158)
صفحة 159
فإذا أردنا أن نكوّن جيلا عبقريّا فعلينا أن نرغّبه كي يهتمّ بكتاب ربّه - عز وجل - ويجعله منهاج حياة، ويقتحم به جميع الميادين، كي يصبح جيلا ناشرا للعلم والخير والصلاح في جميع الإختصاصات، عند ذلك سينجح في الحياة الدنيويّة ويفوز برضى ربّه في الدار الأخرويّة.
والقرآن الكريم أشبه من منجم ذهبي للذاكرة، كلّما نقّب القارئ المخلص بداخله، امتلك المزيد من التفكير، بما جعل الله - سبحانه وتعالى - فيه من تقنيّات التفكير، والتي تلائم خلايا مخّ الإنسان ملاءمة كبيرة.
إنّه يحتوي تقنيّة تفكير يمكننا أن نطبّقها في كلّ جوانب حياتنا، فضلا عن أنّها أداة سوف تمكّننا من تحقيق كلّ أهدافنا المرجوّة.
وهذه الأطر التفكيريّة الإيجابيّة التي يحتويها كلام ربّنا - عز وجل - هي التي يمكن أن تدعّم تفكير الإنسان المهتمّ به، ممّا يقوّي فيه الخلايا المخّية التي يعلم الله - سبحانه وتعالى - وحده كيفيّة عملها، وأسس تقويّتها، كما أنّها هي التي تضمن إطالة عمل تلك الخلايا.
الحقيقة والصدق يساوي الحالة الطبيعيّة للعقل
إنّ من إحدى الأخبار السارّة التي جلبتها إلينا معامل دراسة المخّ أنّنا بطبيعتنا كبشر نميل إلى الصدق، ونهتمّ بالتوصّل إلى الحقيقة.
إذن فالمخّ ما هو إلاّ أداة للبحث عن الحقيقة.
وربّما يتساءل البعض لماذا يكون لزاما على المخّ أن ينقّب عن الحقائق؟
والإجابة: لأنّنا نحتاج معرفة الحقيقة حتّى نتمكّن من الحياة والبقاء.
فنحن بحاجة لأن نعرف حقيقة كلّ سبب وتأثيره، ونحتاج أن نعرف ما يحدث حولنا، سواء كان في نطاق إدراك حواسنا، أو خارجا عليه، فنحن بحاجة لمعرفة الحقيقة.
والذي ضيّع الناس في مختلف أنحاء المعمورة هو الباطل.
القرآن يحسّن أداء المخّ (1/159)
صفحة 160
إنّ القرآن الكريم يمكنه أن يحسّن أداء القدرة العصبيّة لدى خلايا المخّ، وهذا يعني أنّه يدفع العقل إلى أن يوظّف المزيد من الأنسجة المخّية، وبذلك يمكن لها أن تبدل المزيد من القوّة، لأنّه يضاعف من تكوين الممرّات العصبيّة التي تربط بين الخلايا العقليّة، ويحسّن من أدائها، وهذا التحسّن هو الذي يضمن قوّة الذاكرة في الإنسان.
فالله - سبحانه وتعالى - أنزل هذا القرآن الكريم إلى هذا الإنسان ودعاه إلى المداومة على تلاوته، والاهتمام به، ليبني له قواه التفكيريّة، ويقوّي فيه ذاكرته، ويشيّد له نفسه، لأنّه يبني ويكوّن فيه الملايين من أنماط التفكير التي ينشئها، لأنّ خالقه قد جعل فيه قوّة بناء مثل تلك الأنماط، ولكن الإنسان بركونه إلى الكسل، وعدم استعمال تلك القوى، جعل عقله لا يعمل ولو بجزء ضئيل من قواه التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - له.
إنّه يخلق ويكوّن المزيد والمزيد من أنماط التفكير، وهي بدورها تكوّن المزيد والمزيد من الممرّات العصبيّة بين الخلايا المخّية، والتي سوف تعمل في نفس الوقت على خلق روابط عصبيّة بين الخلايا داخل العقل، وبهذا يزيد فعليّا من قوّة تفكير هذا الجهاز المعقّد والحيوي والفائق الذي خلقه الله - سبحانه وتعالى - في هذا الإنسان، ويضفي عليه المزيد من التطوّر والقوّة والنجاح في التفكير في مختلف ميادين الحياة.
إنّ قوّة وحكمة كلام ربّنا - سبحانه وتعالى - الذي تستقي منه كلّ خليّة من خلايا العقل المعرفة الجديدة والتجارب الخاصّة بالتعلّم، هو عبارة عن دائرة حلزونيّة مطّردة النمو، وهي الوسيلة التي سوف تمكّن العقل من خلق بنية أكثر رقيّا، وتصميم أكثر تعقيدا للعقل.
ولعلّ من أجل تحقيق هذا الغرض أكثر الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم العبارات التي يذكر فيها التفكّر، والتدبّر، والتذكّر، والتفقّه.
- {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة ـ 219] (1/160)
صفحة 161
- {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ... [يونس ـ 24]
- {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر ـ 21]
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم».
ويرشدنا في حديث آخر إلى تعلّم القرآن، ويبيّن أنّه هو أوّل علم الله - سبحانه وتعالى -:
«علّموا أولادكم القرآن، فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو» رواه الربيع
وما من شخص يحافظ على تلاوة وتدبّر كلام الله - عز وجل -، ويداوم على ذلك، إلاّ ويحفظ له ربّه - عز وجل - قواه العقليّة إلى آخر مراحل عمره.
ويقول - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله يرفع بهذا القرآن أقواما، ويضع به آخرين». رواه مسلم
ومن بين تلك النواحي التي يرفع فيها الله - سبحانه وتعالى - المحافظين على كتاب الله الناحية التفكيريّة العلميّة فيصبحون في أعلى درجات البناء العلمي الإبداعي، حتّى يصبحوا خير من الآخرين الذين لا يحافظون عليه.
وربّما نجد أنّ من بين الأسباب التي سقطت به الأمّة إلى أسفل الدرجات، حتّى أصبحت وأضعف وأذلّ من كلّ الأمم الأخرى إعراضها عن كتاب ربّها - عز وجل -، وعدم الاهتمام به الاهتمام اللازم.
أسلوب القرآن يضمن نشاط شقّي المخّ
اكتشف عالم النفس الأمريكي {روجر سبري} وأعضاء فريقه الذين فازوا بجائزة نوبل نظير أعمالهم وأبحاثهم حول شقّي المخّ، بأنّ الشقّ الأيمن يتعامل مع النشاطات العقليّة التاليّة:
الإيقاع (التجويد بالقواعد)، الإدراك المكاني، الإدراك الشمولي، التخيّل، أحلام اليقظة، الألوان، والأبعاد.
أمّا الجانب الأيسر فيتعامل مع نشاطات تختلف تماما مع نشاطات الجانب الأيمن وهي:
الكلمات، المنطق، الأعداد، التتابع، التشعّبية، التحليل، والقوائم. (1/161)
صفحة 162
وقد اكتشف {سبري} أيضا أنّه أثناء ما يكون الجانب الأيمن للمخّ نشيطا، فإنّ الجانب الأيسر يبقى في حالة شبه ارتخاء أو همهمة تأمّليّة، وعندما يحدث ذلك مع الجانب الآخر، يحدث العكس مع الجانب الآخر.
فيجب على الشخص الذي يريد أن يكون ذكيّا أن ينشّط الشقّين معا حتّى يعملان بصفة متوازنة، ولا يفقد أحدهما نشاطه، لأنّه إذا مال النشاط إلى جانب من الجانبين، فإنّ الجانب الآخر يبقى خاملا، وبطول الوقت، يصبح عاجزا عن النشاط، ولا يرجع إلى عمله العادي إلاّ بعد تنشيط طويل وقويّ.
فلكي نفهم جيّدا هذه الحالة، نستطيع أن نضرب لذلك مثلا من الواقع، فمثلا والد له ابنان يبعثهما لقضاء بعض الحوائج والأعمال، فأحدهما حريص، كلّما ذهب لمصلحة ما، يقضيها على أكمل وجه، وفي وقت قصير، ويرجع إلى أبيه بسرعة وهو فرح بقضاء ذلك العمل، أمّا الآخر فعندما يبعثه والده، يتهاون شيئا ما، ولا يقضيها إلاّ بعد وقت طويل، وعندما يرجع يجد والده قلقا لطول غيابه، وربّما لا يقوم بذلك العمل بأحسن وجه في بعض الحالات، وبعد مدّة يقلق والده، فيعفيه عن العمل، فلا يبعثه إلى قضاء مثل تلك المصالح، بل يعتمد على الولد الحريص والخفيف والسريع، فيصبح أخوه الآخر في طيّ النسيان، ويصير كأنّه غير موجود في البيت، وبعد مدّة من الزمن، يصبح غير صالح لقضاء أيّة مصلحة، أو أداء أيّ عمل.
وهكذا جانبي المخّ تماما مثل هذين الولدين، فعلينا أن ننشّطهما معا، حتّى يصبحا قادرين على العمل بصفة متوازنة متعادلة، ولا يفقد أحدهما قوّته في العمل والأداء.
والله - سبحانه وتعالى - خالق هذا العقل على هذه الحالة، ويعلم كيف يعمل بتوازن، وكيف ينشط ويحافظ على قوّته وأداءه، أنزل هذا القرآن الكريم ليضمن به عمل الجانبين معا. (1/162)
صفحة 163
ومن ذا ينكر بأنّ القرآن الكريم يتضمّن كلّ هذه المهارات التي يختصّ بها كلّ من جانبي المخّ، الأيمن والأيسر معا، فهو يتكوّن أساسا من الكلمات التي هي مادّته وتركيبته التي يتركّب منها، وقد سمّاه العلماء قاموس الفقراء، فمن أراد أن يحسّن أسلوبه وتعبيره فعليه أن يلجأ إلى حفظ كتاب ربّه - عز وجل -، وإتقان تلاوته فيصبح من أقوى الأساليب، ومن أراد أن يعرف النطق الصحيح لأيّة كلمة في اللغة العربيّة فعليه أن يزنها، ويقارنها بما يوجد في القرآن ممّا يشبهها.
الجانب الأيمن
الإيقاع: إنّ علماء الذاكرة قد اكتشفوا بعد دراساتهم المتعدّدة أن الإيقاع الموسيقي الذي لا ترافقه كلمات غنائيّة، له أثره البليغ في تطوّر القدرات الذهنيّة لدى الأشخاص الذي يتعاملون مع مثل هذه الموسيقى، وذلك مثل سوناتات المسيقار "موزارت".
وقد أثبتت التجارب إمكانيّة تحفيز بعض مناطق المخّ المسؤولة عن التحكّم في عمليّات التذكّر والاتّزان الحركي العصبي بواسطة الاستماع إلى بعض المقاطع الموسيقيّة التي لا ترافقها الكلمات، لأنّ تلك المناطق تتأثّر بالإيقاعات والفواصل والتغيّرات والتقلّبات اللحنيّة الموجودة في الموسيقى الموضوعيّة.
ويمكن أن يكون الإيقاع الذي يتعامل معه الشقّ الأيمن للمخّ عبارة عن التجويد، وقراءة القرآن بترتيل وبالقواعد، والله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - يأمران المسلمين أن يقرأوا القرآن الكريم بترتيل.
- {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} ... [الفرقان ـ 32]
- {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ... [المزمّل ـ 4]
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيء أن يتغنّى بالقرآن» ... رواه البخاري
وعن سعد بن أبي وقّاص - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» ... أخرجه أبو داود (1/163)
صفحة 164
قال ابن بطّال: المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «زيّنوا بأصواتكم» المدّ والترتيل، والمهارة في القرآن جودة التلاوة بجودة الحفظ، فلا يتلعثم، ولا يتشكّك، وتكون قراءته سهلة بتيسير الله - سبحانه وتعالى -، كما يسّره على الكرام البررة.
وقال "ابن حجر" ـ رحمه الله ـ «والذي يتحصّل من الأدلّة أنّ حسن الصوت بالقرآن الكريم مطلوب، فإن لم يكن حسنا، فليحسّنه ما استطاع، ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم، فإنّ الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثّر ذلك في حسنه».
الترتيل: رتّل فلان كلامه، إذا أتبع بعضه بعضا على مكث وتفهّم من غير عجلة، وهو الذي نزل به القرآن. قال - سبحانه وتعالى -:
- {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} ... [الفرقان ــ 32]
وروي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنّ الله يحبّ أن يُقرأ القرآن كما أنزل» وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - نبيّه فقال له: {ورتّل القرآن ترتيلا}.
قال ابن عبّاس: معناه بيّنه، وقال مجاهد: تأنّ فيه، وقال الضحّاك: انبذه حرفا حرفا، كأنّ الله - سبحانه وتعالى - يقول: «تثبّت في قراءتك، وتمهّل فيها، وافصل الحرف من الحرف الذي بعده».
وعن أمّ سلمة - رضي الله عنه - عنها، أنّه سألها يعلى بن مملك عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلاته؟ فقالت: ما لكم وصلاته؟ ثمّ نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسّرة حرفا حرفا، هذه في رواية النسائي.
وأمّا في رواية الترمذي، قالت: ما لكم وصلاته؟ كان يصلّي، ثمّ ينام قدر ما صلّى، ثم يصلّي قدر ما نام، ثمّ ينام قدر ما صلّى، حتّى يصبح، ثمّ نعتت قراءته، فإذا هي تنعت قراءة مفسّرة حرفا حرفا.
وللترمذي من رواية ابن أبي مليكة - رضي الله عنه - عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطّع قراءته.
ولأحمد من رواية ابن أبي مليكة قال: قالت: كان يقطّع قراءته آية آية: (1/164)
صفحة 165
بسم الله الرحمان الرحيم ـــ الحمد لله ربّ العالمين ـــ الرحمان الرحيم ـــ ملك يوم الدين. ... رواه الترمذي
والجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممّن يسمع القرآن، حتّى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟.
وتجويد القرآن الكريم وتلاوته يشجّع الإنسان على سماعه والتعلّق به وحفظه، كما أنّ المقام يحبّب إليه النشيد الإسلامي.
يقول الشيخ زهير العبيدي:
«والمقام هو لحن يخرج من الصوت، وهو الطابع الموسيقي الذي يمتاز به صوت معيّن، وله أنواع مختلفة».
أنواعه جمعت في كلمتي [صنع بسحر].
والقراءة بقواعد التجويد تؤثّر في النفس الإنسانيّة، وتحبّب إليه الاستماع إلى القرآن الكريم، وتسهّل عليه حفظه بشكل صحيح، كما أنّها تعوّده على الترتيل منذ صغره، ويشعر براحة عندما يسمع تلك الألحان.
فعلى القارئ أن يزيّن صوته بالقرآن الكريم قدر الإمكان، إذا أراد أن يتأثّر حقّا ويحبّه، ويتعلّق به، فلا يقلق أبدا من سماعه، والإنصات إليه.
وغير ذلك كثير يجده القارئ عند قراءته لبضع آيات من القرآن الكريم، فإذا ما اجتمع في القراءة الترتيل الصحيح، حيث التأثّر بالنظم والجرس، مع التدبّر والفهم حيث التأثّر بالمعنى، تولّدت القوّة الروحيّة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الحكيم، وصارت القوى التفكيريّة لدى القارئ في انتباه تامّ، ممّا ينشّط الخلايا المخّية، ويقوّي الأعصاب التي تربط بينها.
الجانب الأيسر
وأمّا فيما يخصّ فنّ المنطق، فإنّنا نجد أغلبيّة آي القرآن الكريم تتكوّن منه، فهي تبيّن الحقائق الكثيرة الموجودة في هذا الكون من حولنا، وفي خلق هذا الإنسان ومراحل تكوينه، والحقائق النفسيّة والجسميّة لديه.
وقد عرّف الفلاسفة فنّ المنطق فقالوا: (1/165)
صفحة 166
إنّ كلمة المنطق مشتقّة من النطق، وهو الصفة الدالّة على الإنسان، المميّزة له عن جنس الحيوان، كما أنّها مأخوذة من كلمة [لوغوس] Lagos اليونانيّة الدالّة على العقل والكلام.
وعلى هذا الأساس يكون الإنسان قد طابق منذ القدم بين الفكرة والكلمة، فأيّ فكرة تطرأ في ذهنه إلاّ ويسارع إلى التعبير عنها بالكلمات، فهو بذلك يكون قد وحدّ بين اللغة والعقل حين اعتبرهما حقيقة واحدة.
فعندما نقول: الإنسان حيوان ناطق، فإنّنا نعني بذلك أنّه حيوان عاقل، وكأنّنا نعيّن في الوقت ذاته الوظيفة التي ينبغي للكلام أو النطق ألاّ يحيد عنها، وهي الإفصاح عن العقل وبيانه والدلالة عليه.
وإذا كان الكلام والتعبير هو إفصاح عن العقل وبيانه، وإذا كان القرآن الكريم من جهة أخرى عبارة عن تعابير وأساليب، إذن فهو يفصح عن عقل الإنسان الذي يحافظ على حفظه وتلاوته.
ومن جهة أخرى نعتبر كلّ كلام لا يشفّ عن الفكر، ولا يحمل معنى من معانيه مجرّد لغو وهراء، ولذا كانت مهمّة المنطق هي البحث عن جملة القواعد والشروط التي تجعل الإنسان لا ينطق لغوا, ولا يجانب الحقيقة والصواب عندما يصدر حكما من الأحكام.
وخلاصة البحث أنّ المنطق يعني:
البحث عن جملة القواعد والشروط التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطإ.
والقرآن الكريم يتميّز بفصاحة اللفظ، وانسجام النظم، وسلامة الكلام في أجزائه ومجموعه، ولغة العرب لغة فصيحة، وأهلها مشهورون بفصيح اللسان وصحّة المنطق، وليس هناك كلام على وجه هذه الأرض منذ خلقها الله - سبحانه وتعالى - هو عبارة عن حقائق قويّة لا مراء فيها، ويعصم الإنسان من السقوط في الخطإ مثل القرآن الكريم، وهذا منزّله - عز وجل - يقول في شأنه:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} ... [الإسراء ـ 9] (1/166)
صفحة 167
قال الشيخ {فخر الدين الرازي} في مفاتيح الغيب:
«إنّ المحاسن اللفظيّة غير مهجورة في الكلام الحكمي، والكلام له جسم وهو اللفظ، وله روح وهو المعنى، وكما أنّ الإنسان الذي ينوّر روحه بالمعرفة، ينبغي أن ينوّر جسمه بالنظافة، كذلك الكلام, وربّ كلمة حكيمة لا تؤتّر في النفوس لركاكة لفظها».
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ... [الإسراء ـ 88]
وقال أيضا:
- {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} ... [الكهف ـ 54]
وربّنا - عز وجل - يعلم طبيعة هذا الإنسان، والتي تتكوّن من جسم وروح، وأنّه لا يؤتّر في طبيعته إلاّ الكلام الذي يكون فيه روح، فلذلك أنزل هذه المعجزة القرآنيّة عبارة عن كلام يتلى، ولا يعلم إلاّ هو ما مدى الطاقة الروحيّة التي تحملها كلماته، كي تملأ قلب قارئها وتاليها بطاقة روحيّة يستطيع أن يدرك بها عظمة وقدر خالقه الذي نفخ فيه من روحه.
فالقرآن إذن قد جمع بكلّ قوّة بين الكلمات التي تكوّن جسم القرآن والروح العظيمة الكريمة وهي روح التأثير في روح الإنسان.
وصدق الله - عز وجل - حين يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم -:
- {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} ... [الشورى ــ 52]
إنّ من طبيعة أذن الإنسان أنّها تمجّ النغم الواحد المتواتر الذي يعاد عليها عدّة مرّات، وتسمعه كلّ حين، ومثل ذلك العين التي تكلّ وتتعب وهي تنظر دائما إلى نفس المنظر. (1/167)
صفحة 168
ولكن الاستماع إلى القرآن الكريم لا يصيب الأذن بمثل ذلك السأم، وكذلك النظر بالعين في المصحف الشريف، وكلّ ذلك من إعجاز كلام الله - عز وجل -، ولأنّ قراءته بصفة دائمة، والاستماع إليه يؤتّر على شقّي المخّ معا وفي آن واحد، فيتقبّل الإنسان ذلك بصدر رحب منشرح، بل يفرح لذلك، ويطرب له طربا شديدا.
قال الشيخ المفسّر {الطاهر بن عشور}:
«جاء القرآن بأحسن اللهجات وأخفّها، وتجنّب المكروه من اللهجات، وهذا من أسباب تيسير تلقّي الأسماع له، ورسوخه فيها».
قال الله - عز وجل -:
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمرـ 17]
وزاد وقال: «وممّا أعدّه في هذه الناحيّة صراحة كلماته باستعمال أقرب الكلمات في لغة العرب دلالة على المعاني المقصودة، وأشملها لمعان عديدة غير مقصودة، بحيث لا توجد في كلمات القرآن كلمة تقصر دلالتها عن جميع المقصود منها في حالة تركيبها، ولا تجدها مستعملة إلاّ في حقائقها». مثل كلمة: حرد، في قوله - عز وجل -:
- {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} ... [القلم ــ 25]
فجميع معاني الحرد صالحة للإرادة في ذلك الكلام.
وكذلك من جهة أفانين التصرّف في أساليب الكلام البليغ، وما أبدع هذا الفنّ في القرآن الكريم، وهذه الأفانين مغفولة من علم البلاغة.
ومن هنا تظهر عظمة القرآن الكريم في تعبيره وأسلوبه، وأفضليّته على سائر الكتب السماوية السابقة، فلقد أودع الله فيه معجزة خارقة، أعظم بكثير من معجزات كتب وصحف إبراهيم وموسى وعيسى، وسائر الرسل والأنبياء السابقين عليهم أفضل الصلوات والسلام.
إنّ جزء من معجزة القرآن الكريم الخارقة تكمن في بلاغته وخلوده وحفظه من التحريف، وقدرته الفذّة على بثّ الروح والحياة الحقيقيّة في كلّ الأجهزة التي تتعامل معه، وهو يولّد طاقة تفكيريّة فيمن يحسن الإقبال عليه. (1/168)
صفحة 169
- {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} ... [الأنعام ـ 122]
ومن جانب الإيقاع في القرآن الكريم، فإنّه عندما يقرأه القارئ، أو يسمعه السامع بإيقاع وترتيل وتجويد يتأثّر به تأثّرا بليغا، فتنتبه خلاياه لهذا الإيقاع، فتزداد نشاطا وقوّة، وتفهّما له، وقد ذكر العلماء ما للموسيقى الكلاميّة من وقع بديع وفعّال على خلايا المخّ، ومن آثار مهدّئة للأعصاب التي تربط بين تلك الخلايا، فتكوّن فيها ممرّات سهلة للمعلومات، فيزيدها رسوخا، وقد اكتشفوا أنّه كلّما زاد الإنسان انبساطا وهدوءا، إلاّ وزادت تلك الأعصاب قوّة واتصالا ببعضها البعض، وكلّما زادت اتصالا إلاّ وزاد الحفظ وسهل، وكلّما انقبضت تلك الأعصاب إلاّ ونقص الحفظ، وضعف استيعاب الخلايا للمعلومات.
وقد بيّن بعض العلماء أنّ عدم الحفظ، وضعف التذكّر، وزيادة النسيان ناتج من تصلّب تلك الأعصاب وانقباضها، ممّا يمنع مرور المعلومات بسهولة، وكذلك من بعض أمراض الهستيريا.
وقالوا كذلك: «إنّ الذكريات والخبرات الإنسانيّة التي تمرّ على الإنسان يتمّ تسجيلها في دوائر كهربائية وعصبيّة في المخّ، تماما كما يتمّ تسجيل المعلومات المختلفة في شريط كاسيت، وعدم الحفظ والتذكّر ينتج من خلل في الإيصال العصبي، وذلك بتغيّر مستويات الناقل العصبي، وتغيّر في المستقبلات العصبيّة».
وكذلك ينتج عن بطء في النشاط البيولوجي، وفي نشاط الجهاز العصبي المركزي، وهذه الحالة تؤدّي إلى انحطاط عام وملحوظ في معدّل العمليّات العقليّة.
ولكن عندما نقرأ كلمات القرآن الكريم، أو نستمع إليها بترتيل وتجويد، فإنّ تلك الإيصالات والناقلات العصبيّة تنشط وتتقوّى ممّا يزيد اتصالاتها ببعضها، وهذا هو السرّ الذي يكمن وراء أمر ربّنا - عز وجل - عباده أن يقرؤوا القرآن بترتيل وتجويد. (1/169)
صفحة 170
والقراءة بتجويد وترتيل (الإيقاع) يجعل القارئ يستنشق كميّة أكبر من الهواء، بمعنى أنّه يمدّ جسمه بكميّة أكبر من الأكسجين، وقد أكّد علماء الذاكرة بأنّ الخلايا المخّيّة تحتاج إلى كميّة كبيرة من الأكسجين، وبشكل متواصل أثناء قيامها بعمليّات الحفظ والتذكّر.
لذلك ثبت علميّا أنّ المصابين بأمراض الرئة يعانون من اضطراب في عمليات الذاكرة المتعدّدة، من حفظ وتذكّر.
وتبيّن لهم بأنّ معظم أمراض الرئة يرافقها تغيّرات بطيئة في الوظائف العقليّة، وتغيّر ملحوظ في الشخصيّة، منها ضعف الانتباه وبطء الأداء العقلي والنسيان.
وثبت كذلك أنّ معالجة اضطرابات الرئة يرافقها دائما تحسّن ملحوظ في الوظائف العقليّة، مثل الحفظ الجيّد، والتذكّر السريع.
قال الشيخ المفسّر {الطاهر بن عاشور}:
«لقد جاء القرآن كلاما منثورا، ولكن فاق في فصاحته وسلاسته على جميع الألسنة، وقد توافقت كلماته وتراكيبه في السلامة من أقلّ تنافر وتعثّر على الألسنة، فكان كونه من النثر داخل في إعجازه، وقد اشتمل على جميع أنواع أساليب الكلام العربي، ولكن من جهة أخرى فقد ابتكر أساليب لم تكن العرب تعرفها من قبل.
فجاء القرآن ولم يكن شعرا، ولا سجع كهّان، بل كان من أسلوب النثر أقرب منه إلى الخطابة».
ولهذا قال {الوليد بن المغيرة} لمّا استمع إلى قراءة النبيء - صلى الله عليه وسلم -:
والله ما هو بكاهن، وما هو بزمزمته، ولا سجعه، وقد عرفنا الشعر كلّه رجزه، وهزجه، وقريضه، ومبسوطه، ومقبوضه، ما هو بشاعر.
وإذا كان الأسلوب النثري للقرآن يعتبر من إعجازه، فإنّ ترتيله وتجويده يعتبر من باب أولى من إعجازه كذلك.
وقد جاء القرآن بأسلوب في الأدب غضّ جديد صالح لكلّ العقول، (وهذا كذلك يعتبر من إعجازه) وتضمّن أفانين أغراض الحياة كلّها، معط لكلّ فنّ ما يليق به من المعاني والألفاظ واللهجة، وشمل المحاورة والخطابة، والجدل، والأمثال، (أي الكلام الجوامع)، والقصص والتوصيف، والرواية. (1/170)
صفحة 171
وكان لفصاحة ألفاظه وتناسقها في تراكيبها وترتيبها ابتكار أسلوب الفواصل العجيبة المتماثلة في الأسماع، وإن لم تكن متماثلة الحروف في الأسجاع، ممّا جعله سريع العلوق بالحوافظ، خفيف الانتقال والسير في القبائل، مع كون مادّته ولحمته هي الحقيقة، دون المبالغات الكاذبة، والمفاخرات المزعومة، فكان له بذلك صولة الحقّ وروعة لسامعيه، وذلك تأثير روحي، وليس بلفظي ولا معنوي.
وقد جاءت محسّنات البديع في القرآن أكثر ممّا جاءت في شعر العرب، وخاصّة الجناس. كقوله - عز وجل -:
- {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ... [الكهف ــ 104]
والطباق كقوله - عز وجل -:
- {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}
[الحجّ ــ 4]
وصار لمجيئه نثرا أدبا غضّا ومتناولا لكلّ الطبقات.
وكان لبلاغته وفصاحته وتناسقه نافذ الوصول إلى القلوب حتّى وصفوه بالسحر وبالشعر. ... قال - عز وجل -:
- {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} ... [الطور ــ 30]
وقال الجاحظ:
«وفي القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنّة والنار، والجنّ والانس، والرغبة والهبة، والمهاجرين والأنصار».
زاد الشيخ {الطاهر بن عشور}: «والنفع والضرّ، والأرض والسماء».
ومن إيقاع كلماته ما ذكره {صاحب الكشّاف وفخر الدين الرازي}:
°أنّ من عادة القرآن أنّه ما جاء ببشارة إلاّ أعقبها بنذارة، وما جاء بوعيد إلاّ أعقبه بوعد».
وقد استوعب {أبو البقاء الكفوي} في كتابه الكليّات في أوائل أبوابه كليّات ممّا ورد في القرآن الكريم من معاني الكلمات، وفي الإتقان للسيوطي شيء من ذلك كثير.
العقل منجم لا ينضب (1/171)
صفحة 172
لقد اكتشف علماء الذاكرة الذين بحثوا بكلّ جدّية في الكيفيّة التي يعمل بها العقل أنّه يبلغ من القوّة في التفكير واستيعاب المعلومات الحدّ الذي يمكنه بالفعل، بشرط أن يتعامل صاحبه مع نفسه على أنّه فائق اللياقة.
إنّ العقل يبني ويشيّد نفسه من الداخل، وإنّ الأفكار التي يستوعبها وترد إليه، والتي يكوّن بها نظرته نحو نفسه هي التي يمكن أن تزيد، أو تنقص من قدرته على التلقّي والاستيعاب.
إنّ الأفكار التي يمتلكها العقل عن نفسه، والتطوّر الذي يتمتّع به، سوف تضمن للملايين من أنماط التفكير التي سوف ينشئها أن تقوى وتدوم، وهي التي ستعمل بشكل متزايد على تنميّة كلّ جوانب تفكيره.
مزيدا من العمل، يساوي مزيدا من القوّة:
إنّ خلق المزيد من المزيد من مجرّات وأكوان الأفكار داخل الدماغ، سوف يعمل في الوقت ذاته على خلق روابط مادّية عصبيّة بين الخلايا داخل المخّ، وهذا ممّا يزيد فعليّا من تعقيد الحاسب الإلكتروني العقلي الفائق التعقيد، ويضفي عليه المزيد من التطوّر والقوّة والنجاح.
إنّ القرآن الكريم يخلق في خلايا الدماغ أنماطا لا نهائيّة لتوليد أفكار لانهائيّة، وهو يكوّن التفكير الإبداعي الرائع، وهذه المهارة تعتبر تدريبا لا نهائيّا للتفكير العملاق للعقل.
يقول أرسطو:
«إنّ أكبر أمارات العقل المتقدّم هي قدرته على التفكير من خلال المجاز».
أي العثور على مزاوجات تربط بين الأشياء المختلفة، أو المتباينة، وهذا ما يسمّى بمهارة الربط، التي يبنيها العقل الذكيّ ليستوعب ما يتعلّمه.
إنّ صيغة النجاح وطريقة المحافظة على خلايا مخّية قويّة نشيطة، تعدّ انعكاسا للتدريبات الكثيرة والمتتابعة، وهي نتيجة للمثابرة ثمّ المثابرة.
استخدم عقلك في تحقيق بعض القيم (1/172)
صفحة 173
عندما نناقش القيم التي يرشدنا إليها كتاب الله مع بعض الأصدقاء والزملاء، فإنّنا سوف نضمن مجالا جديدا لاستخدام عقولنا، ممّا يزيد من نشاط الخلايا العصبيّة لدينا، ويعتبر هذا مكسبا ثمينا في توفير مجال خصب لتقويّة وتنميّة ذاكرتنا.
فلعلّ لهذا السرّ الذي يعلمه ربّنا - عز وجل -، وهو إعمال عقولنا وتنشيطها، يدعونا - عز وجل - في آخر آيات سورة الأنعام إلى التحلّي بالقيم العاليّة، وهي التي تسمّى بالوصايا العشر.
فالله - سبحانه وتعالى - يبدأ تلك الآيات الثلاث بقوله: {قل تعالوا} وفي هذا جلب لانتباهنا وتركيزنا، فيكون ذلك سببا لإعمال عقولنا وترسيخ ذلك في ذاكرتنا، ثمّ يُنهي الآية الأولى بقوله: {لعلّكم تعقلون}، ثمّ في الثانيّة بقوله {لعلّهم تذّكرون}، والتعقّل والتذكّر من خصائص عمل الذاكرة، ثمّ يختم الآية الثالثة بقوله - سبحانه وتعالى -: {لعلّكم تتّقون}، والتقوى تكون نتيجة لاستعمال العقل والذاكرة في التفكّر في القيم العاليّة، وفهم نتائجها الجيّدة في النفس والمجتمع فهما عميقا.
وخواتم الآيات لها معان دقيقة، وحكم بليغة لا يعلمها إلاّ منزّل هذا القرآن.
المداومة هي الطاقة الحقيقيّة لأداء المخّ
إنّ طلبة العلم في مختلف المدارس والمعاهد يبحثون عن الكتب التي ترشدهم إلى تقويّة وتنشيط ذاكرتهم، والكبار هم الآخرون يبحثون عن الأدويّة والوصفات التي يحافظون بها على المستوى الجيّد والحسن لقواهم العقليّة حتّى لا يصبحوا عرضة للنسيان والخرف في آخر العمر، وحتّى لا يصيروا ممّن لا يعلم من بعد العلم شيئا، وفقدان الذاكرة يعتبر مرض العصر كما يقول العلماء. (1/173)
صفحة 174
فالطلبة يسارعون إلى تلك الإرشادات والوصفات كي يحقّقوا لأنفسهم نجاحا في دراستهم وينالوا الشهادات والدرجات التي يضمنون بها منصبا يكتسبون به قوتهم، ولكنّهم لا يفكّرون في كتاب ربّهم - عز وجل - الذي يستطيع أن يطوّر فيهم قواهم الروحيّة والعقليّة، زيادة على ما فيه من البركة التي ينزّلها على قارئه والمحافظ عليه، والأجر العظيم الذي يناله نتيجة لذلك، مع الحفظ الذي يحفظ به الله - عز وجل - المحافظ عليه. فهو القائل:
- {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ... [الحجر ــ9]
ومن الأسباب التي يحفظ الله - عز وجل - بها كتابه أن يحفظ الوعاء الذي يحمله، فلماذا لا نجعل قلوبنا أوعيّة للقرآن الكريم حتّى نجلب لأنفسنا حفظ ربّنا - عز وجل -.
إنّ سبب الغفلة عن كتاب ربّنا - عز وجل -، والاهتمام بما سواه من الكتب الأخرى التي هي من تأليف البشر، نابع من قلّة الثقة فيه، وضعف الإيمان بصلاحيّته لتقويّة العقل وتطوير التفكير وتنويعه، والله - عز وجل - قد اعتبره فضلا يهبه لمن يشاء من عباده، فقال - عز وجل -:
- {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}
[يونس ــ 58]
فمن آتاه الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم، وأعانه على حفظه، وألهمه المحافظة على تلاوته وتدبّره، فقد أوتي خيرا كثيرا، بل أوتي الخير كلّه، وإن ظنّ بأنّ أحدا قد أوتي خيرا منه، فقد أساء الظنّ بربّه ومولاه، وجحد نعمة ربّه عليه، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه». ... رواه البخاري في الفتح
وقد أكّدت البحوث أنّ المخّ بقدرة الله - سبحانه وتعالى - وإلهامه له، يعمل بطريقة دؤوبة، وهذا يعني أنّ عمليّات التفكير تتضاعف وتتمدّد مثلما يحدث عندما يسرح الإنسان بخياله في مختلف المجالات، في أحلام اليقظة.
الأنشطة الواقيّة من شيخوخة المخّ (1/174)
صفحة 175
إنّه ما يزال هناك بعض المتشكّكين ممّن يرون أنّ النشاط الذهني لا يملك سوى القليل من التأثير على معدّل شيخوخة العقل، ولكنّهم متّفقون على أنّ النشاط الذهني وممارسة تدريبات المرونة الذهنيّة لا يمكن أن تضرّ بحال من الأحوال، فضلا عن أنّها تثري حياتنا الثقافيّة بشكل ملحوظ.
وهناك أنشطة متنوّعة وعديدة ينطبق عليها ذلك، مثل القراءة، وحلّ الأحجيات، والكلمات المتقاطعة، وتعلّم لغة جديدة، أو قراءة قصّة مثيرة، أو قراءة سيرة ذاتيّة، ونلاحظ بأنّ اللغة والقصص والسير الذاتيّة يشتمل عليها كلام ربّنا - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم بكثرة.
إنّ كثيرا من الدارسين يقرّرون أنّ الإنسان بحاجة إلى اكتساب وتنميّة عادات منتظمة، وابتكار تدريبات جديدة فيما يخصّ الأنشطة الذهنيّة، وأنّه يجب أن يواصل هذه الأنشطة لسنوات لكي يتحصّل على نتائج جيّدة، ويحصد أعلى قدر من الفائدة المرجوّة.
وإذا كان علماء الذاكرة يوصون الأشخاص الذين يرغبون في زيادة التدريبات الذهنيّة ليحفظوا لذاكرتهم صحّتها، ويزيدوا من قوّة عملها بابتكار بعض الأنشطة الذهنيّة للمساعدة على زيادة كفاءة العقل بمرور الوقت، فإنّ المسلم قد كفاه ربّه - سبحانه وتعالى - ورسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - مؤونة ذلك الابتكار بما أمراه به من تلاوة القرآن الكريم، وكثرة الذكر، فهذا ممّا يحسّن مستوى أداء المخّ، وممّا يبني جانبي المخّ معا، أو شقّي المخّ، لأنّ الشقّين يتناوبان في إنجاز مثل هذه التدريبات.
فالشقّ الأيمن يختصّ بالترتيل، والإدراك المتعمّق، وأحلام اليقظة، والإدراك العاطفي, والمهام المكانيّة.
أمّا الشقّ الأيسر فيختصّ بالحكم واستخلاص النتائج، واللغة والقراءة والكتابة وتسلسل المعلومات.
القصص التي تدلّ على ذلك كثيرة (1/175)
صفحة 176
منها أنّ رجلا صالحا ذهب إلى المدينة المنوّرة ليجاور النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبيء - صلى الله عليه وسلم - في منامه: عملك في بلدك خير من مجاورتي، فعاد إلى بلده وأسّس مدرسة دينيّة، وعلّم فيها ثمانين عاما، حتّى كان يقول لبعض تلاميذه:
يا بنيّ، كان أبوك تلميذي، وكان جدّك تلميذي، وعاش ستّة وتسعين عاما بقامة منتصبة، وبصر حادّ، وسمع مرهف، وأسنان كاملة ومنتظمة، وذاكرة قويّة نشطة، وحيويّة في الجسد، وخفّة ودعابة في الروح، وكلّ من سأله: ما هذه الصحّة يا شيخ؟ فيجيبه:
«يا بنيّ تلك أعضاء حفظناها في الصغر، فحفظها الله - سبحانه وتعالى - علينا في الكبر».
فالرسول - سبحانه وتعالى - يوصي الصحابي الجليل، عبد الله بن عبّاس ويقول له:
قال: «كنت خلف النبي - سبحانه وتعالى - فقال: يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». ... رواه الترمذي
فإذا حفظ المؤمن ربّه - عز وجل - فإنّه يحفظه حفظا شاملا، يحفظ له عقله، ويحفظ له جسمه، ويحفظ له نفسه، ويحفظ له أجهزته، فتؤدّي عملها كأحسن ما يكون إلى آخر نفس كتبه له ربّه في هذه الحياة.
يقول العلماء: «إنّه لا نظنّ أنّ إنسانا غضّ بصره عن محارم الله - عز وجل - إلاّ حفظ الله له عينيه، وما أصغى بأذنيه لكلام الله - عز وجل - ولكلام نبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم - إلاّ حفظ الله - عز وجل - له سمعه، وآخر سار إلى المسجد إلاّ حفظ الله - عز وجل - رجليه، وذاك أنفق بيده اليمنى إلاّ صان الله - عز وجل - يديه، فكيف بالوعاء الذي ملأه بنور ربّه - عز وجل -، وهو القائل:
- {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ... [الحجر ـ 9]
الإكثار من تلاوة القرآن الكريم ينشّط العقل
لنقرأ هذه الواقعة ونقارنها مع أمر ربّنا عباده بتدبّر القرآن. (1/176)
صفحة 177
إنّ بعض الأطبّاء يأمرون أقرباء المريض الذي أصيب بضيق في الشرايين الدماغي أن يكثروا الكلام معه، ولا يتركوه وحده، وهذا حتّى يجعل عقله يعمل ويفكّر، ولا يتكاسل، فإذا تفكّر جيّدا، توسّعت شرايين دماغه، وتغذّت خلاياه بما يكفيها من الغذاء،، فالمسلم عند جميع أوقاته في تفكير واستعمال لدماغه، فهو يكثر من قراءة كتاب ربّه - عز وجل - ويحتار لوقت صلاته، وفي وسط صلاته يعمل ذهنه بكلّ تركيز وانتباه، فيحدث بذلك نشاطا ذهنيّا متواصلا، فقلّما تجد إنسانا مصلّيا ومن المكثرين لقراءة القرآن يصل إلى درجة الخرف، وفقدان ذاكرته.
ولعلّ لهذا السرّ أمر ربّنا عباده بقراءة كلامه الكريم بتدبّر وتفكّر وتفهّم، وذلك كي ينشّط خلايا دماغه، فتزداد نشاطا وحيويّة وقوّة.
فقارئ القرآن الكريم يكثر من محادثة ربّه - عز وجل - أكبر وأعظم وأجلّ متكلّم في هذا الكون في كلّ وقت وحين، فتبقى شرايين دماغه دائما واسعة، ولا تضيق أبدا، ونتيجة لذلك يتغذّى دماغه بصفة دائمة وجيّدة فلا يهرم، ولو عاش طويلا.
الفصل الثالث
النفس والروح وأثرهما على الذاكرة
أين تؤدّي النفس دورها
لقد اكتشف العلماء بعد بحوثهم الطويلة أنّ الجزء الذي تؤدّي فيه النفس وظيفتها فورا ليس هو القلب مطلقا ولا الدماغ، وإنّما هو أقصى باطن الدماغ، حيث توجد غدّة صغيرة جدّا تقع في منتصف الطريق، وهي معلّقة فوق الممرّ الذي تتّصل خلاله المادّة الروحيّة في الفجوات الأماميّة مع مثيلاتها في الفجوات الخلفيّة، بحيث أنّ أقلّ حركاتها يمكن أن تضعها في اتجاه تلك المادة، أو بعكسه.
فأقلّ تغيير في اتّجاه هذه الروح يمكن أن تؤثّر في حركات المادّة، التي تؤثّر بدورها تأثيرا إيجابيّا أو سلبيّا في القوى العقليّة والفكريّة. (1/177)
صفحة 178
ولذلك اهتمّ العلماء بدراسة الذكاء والعمليّات العقليّة وعلاقتها بالنفس، وحاولوا معرفة ارتباط النفس بالعمليّات التفكيريّة، وتساءلوا عن محلّ العقل لدى الإنسان، وأين يقع حفظ المعلومات التي يتعلّمها الشخص؟ هل هو في المخّ أم في القلب؟ وما هو نصيب كلّ من الجهازين في عمليّة التفكير والذكاء؟
إنّ الأطبّاء القدماء في الحضارة المصريّة كانوا يعتقدون أنّ القلب والأمعاء هما مركز للعقل.
أمّا أفلاطون وسقراط فكانا يعتقدان أنّ الجسم له حدود مكانيّة، أمّا النفس فليس لها هذه الحدود، بل هي أقرب إلى الروح منها إلى أيّ جزء آخر من الجسم.
وقالا: «إنّ الروح كانت تعرف الحقائق والمثل العليا عندما كانت تعيش في عالمها المثالي، أمّا عند ولادة الإنسان فالأفكار تصبح غامضة وغير واضحة نتيجة اتّصال الروح بالجسد، ونتيجة انتقالها من عالم المثل إلى عالم الواقع، فهي تحاول بذلك أن تتذكّر ما فات، وأن تسترجع ما كان لديها من حقائق ومُثُل في العالم السماوي، وهي تستعين بالعقل لتتذكّر تلك المعلومات، إذ أنّه هو الوسيلة الصحيحة السليمة للوصول إلى تلك الأفكار».
لقد وضع أفلاطون إجابة لهذه الأسئلة على لسان سقراط فقال:
«إنّ العقل يحصل على هذه المعرفة من حياة سابقة له في وجود تام كامل».
ولمّا كان العالم المثالي أسمى من عالمنا الواقعي كان العقل بالتالي أسمى من الجسم، إذ أنّ الجسم هو الذي يعطّل عمل العقل، ويقف حائلا بينه وبين الاتّصال بالعالم الآخر، فإذا حاول العقل أن يتّصل بالعالم الآخر كان عليه أن يقهر الجسم، وأن يحدّ من شهواته.
ومن هذه الأفكار المختصرة نستنبط أنّ محلّ العقل في نظر سقراط وأفلاطون موجود في عالم المثل، وأنّ عالم المثل هذا غير محدّد ولا مضبوط، ويكتنفه الغموض.
بينما وجهة نظر {أرسطو} تقول: (1/178)
صفحة 179
«إنّ العقل يوجد في القلب، لأنّ الدجاج الذي قطعت رأسه استمرّ في الجري بهياج شديد، ولكن عندما أزيل القلب توقّفت كلّ الوظائف في الحال».
أمّا {ديكارت} فإنّه يرى أنّ هناك آلية جسمانيّة لا نفس فيها ولا حياة، تتجدّد في الإنسان بنفس مريدة وعاقلة، والجسم والنفس المتغايران يتفاعلان عن طريق عضو خاصّ، هو ما يسمّى بالغدّة الصنوبريّة.
وهو يعيّن للنفس مكانا ممتازا هو الغدّة الصنوبريّة، حيث تقوم النفس بوظائفها بنوع أخصّ منها في سائر الأجزاء الأخرى، وتنشر قوّتها في الجسم كلّه.
وهناك من يقول بأنّ الغدّة الصنوبريّة هي مركز العقل البشري (أو النفس والعقل).
وهناك تصوّران لوظيفة الغدّة الصنوبريّة:
1ــ تصوّر قديم، حيث كان القدماء يسمّونها ببوّابة الدماغ، ويعتقدون أنّ وظيفتها ضبط مرور الأرواح الحيوانيّة الصاعدة من القلب والذاهبة إلى المخّ، أو هي مهبط ومسكن الروح الإنسانيّة.
2ــ تصوّر حديث، وهو أنّ العلماء يعتقدون أنّ وظيفتها الرئيسيّة هو تجهيز معلومات عن النور والكلام، وأنّها تفرض نظاما للساعات الأربع والعشرين، بالنسبة للعديد من العمليّات الجسمانيّة.
وعلى العموم فإنّ بعض العمليّات العقليّة تقع في الغدّة الصنوبريّة في اعتقاد بعض الفلاسفة والباحثين، ومن هنا فإنّ وجود العقل، أو على الأقلّ بعض عمليّاته توجد في الغدّة الصنوبريّة.
أمّا في القرآن الكريم فإنّ هناك آيات تدلّ على أنّ العقل محلّه في القلب مباشرة، ولم يرد في الآيات التي ذكر فيها العقل إشارات على أنّ محلّه الدماغ.
قال الله - سبحانه وتعالى - في هذا الموضوع: ... قال الله - عز وجل -:
- {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا} ... [الأعراف: 179]
وقال - سبحانه وتعالى -:
- {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا}
[الحج: 46] (1/179)
صفحة 180
إنّ التفكير والتدبّر والتمييز بين الحقّ والباطل، والمعرفة والإيمان، والتصديق أو التكذيب، كلّ ذلك إنّما يصدر من القلب، وإنّ القلب هو مصدر ومنبع ومورد المعرفة.
وهناك ارتباط وثيق بين النفس والعقل، وربّما يكون هذا الرباط هو رباط فيزيولوجي بينهما، فكلّ واحد منهما يتأثّر تأثيرا وثيقا وشديدا بالآخر، فلا يستطيع أن يعمل أحدهما إلاّ بتعاونه مع صاحبه، والله - عز وجل - وحده يعلم سرّ هذا الارتباط وهذا التعاون، خاصّة وأنّ النفس هي شيء معنويّ، لم يدرك العلماء بعد حقيقتها، رغم الأبحاث المتعدّدة والكثيرة.
إنّ كلّ دارس للقرآن الكريم بكلّ تمحيص وعناية يتبيّن له بجلاء أنّه قد وجّه عناية بالغة إلى الجانب النفسي، وأعطاه مساحة رحبة من توجيهاته، وتعاليمه، وإرشاداته، وتشريعاته.
وقد نزل القرآن الكريم أساسا لهداية النفس، وتعليمها قيما جديدة وأساليب متنوّعة من التفكير في مختلف ميادين الحياة، ولتوجيهها إلى الطرق السليمة الصحيحة لتربيّة النفس، وتنشئتها تنشئة سليمة، وما ذلك إلاّ لأثرها البليغ في الأجهزة الأخرى المختلفة التي ترقى بها الحياة البشريّة إلى أعلى الدرجات.
- {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثيّة ـ 20]
ويقول أحد العلماء:
إنّ العقل غريزة نفسيّة لا نستطيع أن نعرفه إلاّ بأفعاله في القلب والجوارح، ولا يقدر أحد أن يصفه في نفسه، ولا في غيره بغير أفعاله، ولا يقدر أن يصفه بحدود ولا بطول أو عرض، ولا يُعرف إلاّ بأفعاله.
وقال قوم من المتكلّمين:
«هو الروح، أي خالص الروح».
أمّا قول الأغلبيّة منهم فإنّ موقعه في القلب، خاصّة وأنّ القرآن يربط السمع بالقلب وليس بالدماغ، ونحن نعلم أنّ السمع هو من أكثر وأقوى الحواسّ التي يتلقّى عن طريقها الإنسان أغلبيّة معلوماته. (1/180)
صفحة 181
والدليل على ذلك أنّ الأعمى يستطيع أن يتعلّم، ويحفظ، ويصبح قمّة في الذكاء وقوّة التفكير، في حين أنّ من يفقد سمعه لا يستطيع تعلّم أيّ شيء، ويصنّف مع المعوقين عقليّا، فهو لا ينطق، ولا يفهم. ... قال الله - عز وجل -:
- {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف:100]
- {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10]
وعلى العموم فإنّ الاختلاف قائم في فيزيولوجيّة الوظائف النفسيّة، حيث إنّ بعضهم يجعلونها في الدماغ، والبعض الآخر يجعلوها في القلب أو الدم، وهذا على الرغم من أنّ ارتباط أحدهما بالآخر وثيق.
أمّا كثير من العلماء فيقرّرون بأنّ العقل منتشر في جميع أعضاء الجسم، وخاصّة في القلب، والعامل المشترك بين تلك الأعضاء جميعا والنفس والعقل هو الدم، تلك المادّة التي تنتشر في جميع نواحي الجسم بواسطة الشرايين والأوعيّة الشعيريّة، فإذا قلنا الدم، فإنّنا نقصد بذلك جملة روح الإنسان، وروح الإنسان هي النفس، والنفس من التنفّس بالهواء الحامل للأكسجين، وبه يحيا الدم، وحمله كذلك إلى جميع أطراف الجسم يكون بالدم، وبه تحيا جميع الأعضاء، ومنها العقل والقلب، ومن هنا نستنتج بأنّ الذاكرة وعمليّة التفكير لدى الكيان البشري لا يختصّ بجزء معيّن في ذاته كالمخّ مثلا، بل هو مجموعة من العمليّات المتكاملة التي تقوم بها عدّة نواحي متكوّنة من النفس بجميع مكوّناتها، والجسد بجميع أجزائه كذلك. (1/181)
صفحة 182
فإذا حافظ العبد على تلاوة كتاب ربّه - عز وجل - وحفظه بكلّ تركيز وتمعّن، فإنّ ربّه سيحافظ عليه كما حافظ هو على كلامه، فلا يتركه فريسة لتلك الأوهام والخواطر والوساوس التي تحطّم نفسه وتضعفها، بل سيهديه ويوفّقه، ويملأ نفسه رضا، ويبعث فيه الهدوء النفسي والطمأنينة القلبيّة التي هي أساس الحفظ والتركيز والفهم، وهذا ما أظهرته كثير من البحوث والدراسات التي قام بها العلماء في هذا الميدان، خاصّة الإمام الغزالي، ــ ولو أنّ التجارب في ميدان تأثّر النفوس بالقرآن وتغيّرها ما زالت ضعيفة جدّا ــ.
فالقرآن كريم يكرم المحافظ على تلاوته، ويمدّه بقوّة نفسيّة يحفظ له بها قواه العقليّة والتفكيريّة، ويرفع له من قيمته، بأن يُبقي له تلك القوى صحيحة، بحيث تؤدّي دورها إلى آخر عمره، حتّى لا يصبح مسخرة، وحاشا أن يصبح الحافظ للقرآن الكريم مسخرة وهو شيخ هرم.
العلماء ودراسة النفس البشريّة
لقد بيّن العلماء السلوك النفسي السويّ الذي هو أساس الحياة الطيّبة، مهتدين في ذلك بكتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد برعوا في تبيين حقيقة النفس وأقسامها وخصائها وأوصافها وصفاتها والأمراض التي تصيبها والآفات التي تتعرّض لها، والنقائص التي تؤثّر فيها، مثل العجب والغرور والحرص، ثمّ بيّنوا العلاجات الروحيّة لهذه الأمراض والآفات من آيات الله - سبحانه وتعالى -، ومن الهدي النبوي.
فقد بيّن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه مكوّنات هذه النفس سواء بما أنزل إليه من كلام ربّه، أو بما بيّنه له ربّه وأخبره به، وترك لأصحابه وللمسلمين حصيلة واسعة، سواء نظريّة أو تجريبيّة، التي بيّنها لهم - صلى الله عليه وسلم - نتيجة للتجربة والمعاناة والمعايشة والتطبيق، ومن هنا اطمأنت نفوسهم، وارتاحت ضمائرهم، وحسنت أعمالهم، واعتدلت شخصياتهم، وقويت نفوسهم، فصاروا يحيون هذه الحياة بصفة روحية وعلميّة. (1/182)
صفحة 183
يقول الكاتب [وين دبليو داير] يخاطب هذا الإنسان:
«إنّك لست مجرّد إنسان لديه تجربة روحيّة، بل أنت كيان روحي لديه تجربة إنسانيّة مادّية».
وقد خلق الله - سبحانه وتعالى - هذا الإنسان ونفخ فيه من روحه، وجعل له هذه الروح التي هي أغلى وأعزّ شيء فيه، فهو بالنفس لا بالجسم إنسان.
ونظرا لقيمة هذه الروح وعظمتها وقدرها عند الله - سبحانه وتعالى - أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا له أجمعون، إلاّ إبليس استكبر ولم يسجد، وقال: أنا خير منه.
وإبليس قد أخذ على نفسه عهدا أمام ربّه - سبحانه وتعالى - أن يغوي هذا الإنسان، ويجعله ينحرف عن الطريق المستقيم، وينسيه الهدف الذي خُلق من أجله، ولا يتركه يؤدّي الأمانة التي خلقه الله - سبحانه وتعالى - من أجلها في هذه الحياة، والتي بيّنها ربّنا - سبحانه وتعالى - حين يقول:
- {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]
لذلك فهو يأتيه من ناحيّة تلك الروح، فيفسد عليه حياته في مختلف جوانبها، ويبعث فيه الإحباط واليأس بإضعاف تلك الروح التي هي متّصلة بالقوّة الخارقة، قوّة الله - سبحانه وتعالى -، لأنّه يعلم أنّه إذا قويت فيه تلك الروح فستتصّل بمصدرها الأوّل، وهو الله - سبحانه وتعالى -، فتبعث فيها القوّة والعزيمة على الاستقامة واتّباع الطريق المستقيم، ونتيجة لذلك تصبح قوّية في كلّ جوانبها، ومنها جانب القوى الفكريّة والعقليّة، وتبعا لذلك تهتمّ بالتفكير في ملكوت ربّها - سبحانه وتعالى -، فيؤثّر فيها تأثيرا إيجابيّا، فيقوى عقلها وحفيظتها لكتاب ربّها وهذا ما لا يريده لها عدوّها.
إذن نستنتج من هذا كلّه أنّ الحفظ والتذكّر والاستذكار ليست عمليّات مادّية جسميّة فقط، تقوم بها بعض الأجهزة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - في هذا الإنسان، والتي تتكوّن من خلايا وأعصاب ودم وأكسجين وفيتامين. (1/183)
صفحة 184
نعم هذه الأجهزة كلّها تشترك في عمليّات الذاكرة إذا كانت صحيحة وقويّة، ولكن يجب علينا أن لا ننسى الجزء الأكبر والمهمّ، والذي له دوره العظيم الذي يؤثّر به في هذه الأجهزة كلّها، سواء إلى الجهة الإيجابيّة أو الجهة السلبيّة، وهو الناحيّة الروحية والنفسيّة.
فإذا كانت الروح قويّة والنفس هادئة استطاع صاحبها أن يقوم بعمليّات التفكير بكلّ قوّة وإيجابيّة، أمّا إذا كانت مضطربة فإنّها تؤثّر على القلب تأثيرا غير جيّد ممّا يجعل التلقّي والكمون والتذّكر لا تسير بصفة حسنة قويّة.
وليس هناك شيء يقوّي الروح أكثر من كلام الله - سبحانه وتعالى -.
فكلام ربّنا - سبحانه وتعالى - نور وعلم يسري منه شعاع خفي ينبسط على أنحاء القلب، فيظهر أثره على النفس فتنبسط هي كذلك بدورها وترتفع معنوياتها فتحيا حياة معتدلة متوازنة دون قلق أو ضجر من مشاكل الحياة التي تواجهها كلّ حين، وتنير بعض تلك الأشعّة جوانب العقل، فتنبسط خلاياه وتصبح جاهزة لاستقبال ما يريد صاحبها من العلوم والمعارف، وكذلك تتمدّد الأعصاب التي تربط بين الخلايا فتتّصل ببعضها البعض بقوّة، وهذا هو أكبر شيء يجعل المعلومات تتعلّق بالذهن تعلّقا قويّا.
ولا بدّ للمسلم أن يحافظ على تلاوة كلام ربّه - سبحانه وتعالى - الذي هو مصدر حقيقي لتلك الأنوار التي تشعّ في القلب وفي العقل.
- {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر ـ22]
فإذا ما أقبل العبد على كلام ربّه - سبحانه وتعالى - يدرسه ويتدبّره، فإنّه يسري منه شعاع إلى قلبه وعقله فيصبحان في أقوى حالة يريدها كلّ عاقل ذي قلب حيّ في هذه الحياة.
فهو يعلّم العبد أن يكون صبورا في أثناء العمل، يعمل بثبات وبلا كلل، أو ملل ويعلّمه كيف يكون مستعدّا للكدح، ويعمل من أجل المدى البعيد، والعمل والمثابرة هما أساس النجاح. (1/184)
صفحة 185
ويقول العلماء: «الإبداع والنجاح 1% إلهام، و 99% جهد وعمل ومثابرة»
أثر الروح في الذاكرة
إنّ الروح في حقيقتها مرتبطة بالجسد كلّه، فلا يمكننا، لو أردنا الكلام بالشكل المطلوب، أن نقول أنّ الروح موجودة في أحد أجزاء الجسم دون سواه.
إنّ الروح والجسد وحدة كاملة متكاملة، وهي تؤثّر في العقل الذي هو العضو المهمّ والأساسي في هذا الجسد، والتفكير يتأثّر تأثّرا كبيرا بحالة الجسد والنفس معا، كما أنّ النفس تتأثّر تأثّرا إيجابيّا أو سلبيّا بالتفكير، فهما عبارة عن تكوين واحد لا يقبل الانقسام بحكم خواص أعضائه التي يرتبط أحدها بالآخر، بحيث لو استؤصل أحدها يصير الجسد كلّه ناقصا.
ومن خواص الروح أنّها لا علاقة لها بالامتداد، ولا بأبعاد وخواص المادّة التي تؤلف الجسد، وإنّما تتعلّق بمجموعة الأعضاء كلّها، كما يظهر من عدم قدرتنا على افتراص وجود نفس ناقصة، أو أن تكون في بعض الحالات التي تعترضها بين الحين والآخر أصغر ممّا هي عليه، مثل حالة بتر جزء من أجزاء الجسد.
وهنالك غدّة صغيرة في الدماغ تؤدّي النفس فيها وظيفتها بشكل أكثر تحديدا ممّا تؤدّيها في أمكنة أخري من الدماغ، ويجب ألاّ يغيب عن بالنا أنّه على الرغم من أنّ النفس مرتبطة بالجسد كلّه، إلاّ أنّ هناك جزءا من الجسد تؤدّى فيه النفس وظيفتها بشكل أكثر تحديدا ممّا تؤدّيه في أجزاء أخرى.
ومن المعتقدات المألوفة أنّ هذا الجزء هو القلب، بحكم علاقته بالروح المعنويّة، والجسد المادّي معا، ويمكن أن نعتبر القلب هو مركز الحفظ والتفكير قبل العقل، بحكم أنّ عواطفنا تنبعث منه، وكلّ واحد منّا تدفعه عواطفه وحبّه أكبر من عقله، والقرآن الكريم له تأثيره الكبير في القلب، محلّ الإيمان والقوّة النفسيّة وضعفها، وعلى حسب تلك القوّة والضعف تكون قوّة التفكير وضعفه.
- {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ق ـ 37] (1/185)
صفحة 186
ضعف الإيمان يضعف الذاكرة
إنّ فقدان الإيمان بالله - سبحانه وتعالى -، والذي ينتج من عدم المحافظة على تلاوة القرآن يجعل حياة العبد خاليّة من المعاني الروحيّة الساميّة، والقيم الإنسانيّة النبيلة، فتضيع منه الرؤية الواضحة للتفكير في تحديد أهدافه الكبرى ورسالته التي خُلق من أجلها في هذا الكون، فلا يحاول استغلال قدراته المختلفة والمتنوّعة، ومنها القدرات الفكريّة، فتصبح بذلك جامدة ضعيفة لا تعمل ولا تنمو ولا تتطوّر، فتتكوّن لديه صور سيّئة عن هذه الحياة في عقله الباطن، بأنّه ضعيف المواهب، لا يقدر على الحفظ، وأنّه غير موهوب، وهو في الواقع والحقيقة ليس كذلك، فتكون نتيجة ذلك أن يبقى مكتوف الأيدي، محطّم القوى، ضعيف الإرادة، فاقد الثقة بنفسه.
إنّه بذلك كلّه يفقد مجاهدة نفسه، ومعاكسة أهواءها وغرائزها وشهواتها التي تميل بها إلى الراحة والكسل، فتتعوّد على تلك الحالة، حتّى تصبح فيها عادة لا يستطيع محاربتها.
إنّ علامة الإيمان هي الطمأنينة، وراحة البال، وقوّة النفس في الميادين الإيجابيّة، وهذه الطمأنينة تدفع المشاعر السوداويّة، تلك المشاعر التي تعتبر من أكبر الأسباب التي تثبّط العزائم.
إنّ القرآن يبعث الثقة، ويقوّي الإرادة، لأنّه يرشد قارئه ومتدبّره ويبيّن له أنّ الحياة كلّها كفاح ومجاهدة وصبر ومثابرة، ويحصل هذا إذا ما طبّق ما يقرأه في حياته الواقعيّة، فيكون خُلُقه القرآن، كلّ حركة وسكنة، أو قول أو فعل ينبع من كتاب ربّه، كما كان خُلُق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن، فيسمو بقدراته ومهاراته، ويصل إلى درجات عليا، ويحقّق أهدافا لم يكن يحلم بها من قبل، وربّما كان يحلم بها ولكنّه يعتقد أنّه ليس بإمكانه تحقيقها أو أنّها مستحيلة التحقيق، وبعيدة المنال.
وهذا عندما يفهم جيّدا قول ربّه - سبحانه وتعالى -: (1/186)
صفحة 187
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ... [آل عمران ـ 200]
وعندما يفهم كذلك خطاب ربّه حين يبيّن له أنّ هذه الحياة هي دار الغرور، وهي فانيّة، فلا يتعلّق بها تعلّقا كبيرا، ولا يشغل فكره بما يبدّد له طاقته وقوّته، ويعلم أنّ التعلّق والاشتغال بها يسبّب له إرهاقا فكريّا وروحيّا وجسديّا.
وقد أثبت العلماء أنّ عمليّة الإرهاق في حدّ ذاتها ينتج عنها تعبا فكريّا، ممّا يسبّب لصاحبه شتاتا فكريّا وعدم تركيز، فيقع الضعف الواضح في ذاكرته نتيجة لذلك.
إنّ العلم نور الله - سبحانه وتعالى - يقذفه في قلب من يشاء من عباده الصالحين، الذين يحافظون على تلاوة كتابه، ولأنّه هو ذاته نور الله - سبحانه وتعالى -، وهذا النور هو الذي يقوّي روح قارئه، وقوّة العقل مرتبطة ارتباطا كبيرا بقوّة الروح وضعفها.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}
النساء ـ 174]
والقرآن الكريم يعلّم قارئه ومتدبّره الجدّية في العمل وعدم الاستخفاف بما هو نافع له في هذه الحياة، وهذا التوجّه يكوّن له تصوّرا حسنا في عقله الباطن، فيتعامل مع ما يعترض طريقه من مشاكل في الحياة بجدّية وإرادة قوّية، ويُقبل على التعلّم والحفظ بكلّ حماس ونيّة طيّبة، فترسخ المعلومة في ذاكرته، لأنّ علم النفس أثبت أنّ الشخص الذي يتعامل مع أيّ معلومة بجدّية وعزيمة ترسخ بسرعة في الذاكرة، أمّا إذا لم يتعامل معها بمثل تلك الحالة فإنّها تصبح عرضة للنسيان بسرعة. ... قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ... [التوبة ـ 105] (1/187)
صفحة 188
ويأمره كذلك بالاهتمام بنفسه وترقية معنوياتها، حتّى يحيا بها حياة رفيعة القيم، ثابتة المبادئ، راسخة الأسس، ولا ينظر كثيرا إلى ما في أيدي غيره من الناس من متاع الحياة الدنيا، لأنّ ذلك يكوّن فيه مرضا معنويّا عضالا وهو الحسد، والحسد أوّل خلق مذموم عصي به الله - سبحانه وتعالى - في السماء، والحرص هو الخلق الذي نسي من أجله آدم وصيّة ربّه أن لا يأكل من الشجرة.
هذا القرآن الذي بين أيدينا له قوّة تأثير هائلة لا يمكن للعقل أن يدرك أبعادها أو يحيط بها، ولذلك بقدر ما يُعمل الإنسان فيه عقله إلاّ وازداد تطوّرا وتفتّقا أكثر من ذي قبل، وما ذلك إلاّ لتأثيره على الخلايا التي خلقها ربّنا - سبحانه وتعالى - وأنزل لها كلامه لتتأثّر به، وتزداد قوّة ونشاطا، ولقد ضرب الله - سبحانه وتعالى - لنا بعض الأمثلة التي تبيّن لنا ذلك لندرك قيمة المعجزة التي بين أيدينا.
ومنها قوله - عز وجل -:
- {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى
[الرعد ـ 31]
وجواب الشرط محذوف وتقديره: لكان هذا هو القرآن.
فهو يخبرنا - سبحانه وتعالى - بأنّ هذا القرآن قادر بإذنه - عز وجل - على أن يحرّك الجبال من مكانها، ويقطع الأرض، ويكلّم الموتى، فأيّ قوّة هذه التي تستطيع أن تحرّك جبلا من مكانه، أو تقطّع الأرض فتجعلها منفصلة عن بعضها البعض، بل وتكلّم الموتى فيستجيبون؟.
فال السيّد قطب في تفسيره [في ضلال القرآن]: في معنى الآية السابقة: (1/188)
صفحة 189
«إنّ طبيعة هذا القرآن ذاتها ــ طبيعته في دعوته، وفي تعبيره، طبيعته في موضوعيته، وفي أدائه، طبيعته في حقيقته، وفي تأثيره ــ تحتوي على قوّة خارقة نافذة، يحسّها كلّ من له ذوق في استعمال قواه العقليّة، وله إدراك للكلام، واستعداد لإدراك ما يوجّه إليه من وحي، وكلّ إنسان عاقل إلاّ وقد جهّزه ربّه بهذا الجهاز العقلي الذي يجب عليه أن يستعمله جيّدا حتّى يصل إلى إدراك ذلك».
وزاد السيّد قطب: «إنّ الرعيل الأوّل من الأمّة قد تلقّوه بعقول متفتّحة، وتكيّفوا معه، فسيّروا ما هو أضخم من الجبال، وهو تغيير تاريخ الأمم والأجيال إلى حالة أحسن ووضعيّة أفضل، وقطعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار، وجمود التقاليد، وأحيوا ما هو أخمد من الموتى، وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام، والتحوّل الذي تمّ في النفوس، خاصّة نفوس العرب وحياتهم، فنقلهم تلك النقلة الضخمة، وذلك بتأثير هذا الكتاب المعجزة، تأثيره في النفوس، ومنهجه في الحياة، وهذا أضخم بكثير من تحوّل الجبال على رسوخها، وتحوّل الأرض عن جمودها، وتحوّل الموتى عن الموت».
فإذا كان يستطيع أن يفعل هذا كلّه في الجبال الرواسي الجامدة، والأرض الميّتة، والموتى الذين فقدوا الحياة، فماذا عساه أن يفعل بهذا العقل الضعيف المخلوقة خلاياه من مادة ضعيفة جدّا، وهذه الخلايا التي تحدّد مستوى ذكائنا وحركة عقلنا الواعي والعقل الباطن تتألّف من الدهون فقط، تؤثّر فيه مؤثّرات ضعيفة، فكيف به هذه القوّة الروحيّة العظيمة الجبّارة التي أعطاها لنا القويّ الجبّار المتكبّر.
فالقرآن بين أيدينا هو الذي يحتاج إليه أولادنا وأبناؤنا ليصبحوا أذكياء عباقرة، فإذا اهتمّوا به فسيكون لهم بمثابة المصدر والطاقة والقوّة الروحيّة بقدرته الفذّة على التأثير على القوى المختلفة التي خلق عليها هذا الإنسان.
العمليّات المخّية والعوامل النفسيّة (1/189)
صفحة 190
إذن فكلّ عمليّّة يقوم بها المخّ لا تأتي بمحض الصدفة، وهذه الطاقة العقليّة والفكريّة فهي لا تعمل بدون أن تتحكّم فيها إحدى العوامل النفسيّة، بل إنّ هناك تأثيرات متعدّدة تسيّرها وتؤثّر فيها.
فالله - سبحانه وتعالى - هو الذي جعل في هذه المادّة التي خلق منها الإنسان، ـ وهي التراب ـ قوّة نفسيّة، بها يقوم بعمليّات التفكير واستيعاب المعلومات المختلفة.
إنّ تلك القوّة هي الروح التي هي قوّة الله - سبحانه وتعالى - التي جعلت المادّة تعقل، وتحسّ، وتسمع، وترى، وتشمّ، وتفرح، وتحزن، وترضى، وتغضب.
هو الذي جعل في هذه المادّة الترابيّة كلّ هذه الإحساسات والإدراكات، وغيرها من مختلف العمليّات النفسيّة التي لا نستطيع أن ندركها، أو نحسّها، أو نعلم موضعها بالتحديد.
والقرآن بقوّته الروحيّة يؤثّر في تلك الروح، ويعطي لتلك المادّة التي خُلق منها الجسم، فيجعلها تسير في الطريق الصحيح، وتتفاعل مع القوى الفكريّة بطريقة حسنة وجيّدة.
إنّه يمنح الفرصة للبدء في عمليّة اليقظة، ويجعلنا نكوّن الفكر، ونعيد تشكيل أنفسنا وتوجيه حياتنا الفكريّة، بما يكشف في ذواتنا من عمليّات التفكير.
والقرآن منزّل ليقرأ في كلّ حين وزمان، وقد رفع الله - عز وجل - عن قراءته مكوّنات السأم من كثرة تكراره، وذلك من أسراره التي أودعها فيه، وليست موجودة في أيّ كتاب آخر غيره، فهو لا يخلق من كثرة الردّ، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنّه لا تنقضي عجائبه، فلقد علم خالق البشريّة ومربّيها بحاجة الإنسان إلى طاقة تنشّط فيه طاقاته وتنمّيها، فأنزل له هذه الطاقة القرآنيّة. (1/190)
صفحة 191
يتلقّاه العلماء والأمّيون، والأذكياء وغير الأذكياء، والرؤساء والملوك والعامّة، فيأخذ كلّ واحد منهم على حسب طاقته وفهمه وإخلاصه له ولمنزّله، ويفهمه على حسب اهتمامه به، وعلى قدر حاجته، وهذه الميزة ليست موجودة في أيّ كتاب أو كلام غيره مهما كان بليغا أو محكما، فكلماّ زاد اهتمام العبد بكتاب ربّه - عز وجل - إلاّ وتفجّرت ينابيع الحكمة من فكره، وما ذلك إلاّ لنموّ خلايا مخّه، ممّا يزيدها قوّة في عملها وفي استيعابها.
والحكمة تقول، وكلّ إناء بما فيه ينضح. ... قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ... [الجمعة ـ 2]
- {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} ... [البقرة ـ 269]
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمر ــ 17]
وقد كرّر الله - عز وجل - هذه الآية عدّة مرّات في هذه السورة، وهذا كي يرغّب المؤمنين، ويرشدهم إلى المحافظة على تلاوة القرآن دون كلل أو ملل، إذا أرادوا أن يستفيدوا منه الإستفادة الحقيقيّة التي ضمّها فيه، وبعد المداومة على تلاوته بصفة مخلصة يحقّق لهم المعجزة التي حقّقها في الرعيل الأوّل.
والدليل على أنّ القرآن الكريم قد أنزل ليكرّر بصفة دائمة في مختلف مراحل العمر، هو أنّ الله - عز وجل - جعله يُقرأ آناء الليل وأطراف النهار، وعلى أيّة حالة يكون فيها المؤمن، وفي أيّ مكان يكون فيه، والشرط الوحيد الذي يطلبه الله - عز وجل - منه هو الطهارة.
فعن عبد الله بن سلمة ـ - رضي الله عنه - ـ يقول:
«دخلت على عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه، أو قال: لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلاّ الجنابة». ... رواه الحاكم (1/191)
صفحة 192
قال الله - عز وجل -:
- {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}
[آل عمران ــ 191]
كان يمكن أن يجعل الله - عز وجل - قراءته مقصورة بأزمنة أو أمكنة معيّنة مخصوصة، كالمساجد فقط مثلا، لكنّه - عز وجل - رحيم لطيف خبير بعباده، فجعله ميسّرا لكلّ الناس لتتاح لهم الفرصة جميعا أن يلتقوا به في المكان والزمان الذي يريدون، وهذا ما يجعلهم يرتقون بتفكيرهم، ويطوّرون عقولهم، فتميّز جيّدا بين الخير والشرّ، وبين الصلاح والفساد.
انتعاش أعصاب الدماغ
إنّه في تلك الفترات القصيرة من الصمت والهدوء سوف يقوم المخّ بتنفيذ أولوياته، وتنتعش أعصاب الدماغ من جديد، وتنشّط لجولة جديدة من الأعمال المقبلة، ويستثمر خريطة كلّ آية مرّ عليها من قبل، ويستعدّ لوضع خريطة جديدة للآية التي تأتي بعدها، وخرائط العقل هي أدوات رائعة للاستخدام في فترات الراحة.
وقد وجد الأطبّاء بأنّ الأفراد الذين يقومون بإعطاء عقولهم مثل هذه الفترات القصيرة جدّا من الاستراحة، وإذا طبّقوها تطبيقا واعيّا وجيّدا، وداوموا عليها بكلّ ثقة وثبات يمدّون خلايا مخّهم بطاقة أكثر، وهذا ممّا يحفظ تلك الخلايا من الشيخوخة المبكّرة، لأنّ تلك الفترات تُبقي قواهم العقليّة قويّة ونشيطة.
والله - عز وجل - منشئ هذا المخلوق، وهو الذي وهب له هذه الطاقات العقليّة، ويعلم ما يصلح لتنميّتها والمحافظة عليها جيّدة صحيحة إلى أقصى عمر يمكن أن يعيشه على هذه الأرض، فأنزل له هذا الدواء الفعّال ذا الفوائد الثابتة الحقيقيّة، كي يحافظ عليها ولكن الشيطان قد أغفله عنها حتّى لا يوفّر لنفسه حياة جيّدة.
دراسة أحد الدكاترة (1/192)
صفحة 193
ومن الدراسات والأبحاث التي أجريت في هذا المجال ما قام به الدكتور {أحمد القاضي} رئيس مجلس إدارة معهد الطبّ الإسلامي للتعليم والبحوث في أمريكا، ومستشار عيادة ــ بنما سيتي ــ بولاية ــ فلوريدا الأمريكيّة ــ من تجارب حول تأثير القرآن الكريم على الأشخاص فيزيولوجيّا ونفسيّا على مرحلتين.
المرحلة الأولى: وهدفها إثبات ما إذا كان للقرآن أيّ أثر على وظائف أعضاء الجسم، وقياس هذا الأثر إن وُجد، فكانت النتائج أنّ 97% ممّن أجريت عليهم البحوث سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وسواء كانوا يعرفون اللغة العربيّة أو لا يعرفونها، قد ظهرت عليهم تغييرات وظيفيّة مذهلة تدلّ على درجة التوثّر العصبي التلقائي، حيث كان القرآن الكريم مهدّئ للتوثّر، وقد تمّ تسجيل ذلك بأحدث أجهزة المراقبة الإلكترونيّة المزوّدة بالكمبيوتر لقياس أيّ تغيّر فيزيولوجي في الجسم.
المرحلة الثانية: وهدفها معرفة ما إذا كان الأثر المهدّئ للتوثّر وما يصحبه من تغيّرات فيزيولوجيّة عائدا فعلا إلى الكلمات القرآنيّة في حدّ ذاتها، بغضّ النظر عمّا إذا ما كانت مفهومة لدى السامع أو غير مفهومة، فتمّ تلاوة آيات قرآنيّة وقراءات باللغة العربيّة على متطوّعين غير مسلمين، ومن غير الناطقين باللغة العربيّة، بحيث تكون مطابقة للقراءات القرآنيّة من حيث اللفظ والصورة والواقع على الأذن، ولم يكن في استطاعة المتطوّعين أن يميّزوا بينها لجهلهم باللغة العربيّة، فكانت النتائج مذهلة إيجابيّة كالتالي:
نسبة الأثر المهدّئ للتوتّر للقرآن الكريم على المتطوّعين 56% في حين كانت النسبة في القراءات الغير القرآنيّة المقاربة في اللفظ 53%، وقد قدّمت هذه النتائج في المؤتمر السنوي السابع عشر للجمعيّة الطبّية في {سانت لويس} بولاية ميسوري. (1/193)
صفحة 194
ولقد ظهر بوضوح منذ التجارب الأولى أنّ الجلسات الصامتة التي لم يستمع فيها المتطوّع لأيّة قراءات لم يكن لها أيّ تأثير مهدّئ للتوتّر، ولذلك اقتصرت التجارب في المرحلة المتأخّرة من الدراسة على القراءات القرآنيّة، وغير القرآنيّة للمقاربة.
ولقد روعي تغيير ترتيب القراءات القرآنيّة بالنسبة للقراءات الأخرى باستمرار، فمرّة تكون القراءة القرآنيّة سابقة للقراءة الأخرى، ثمّ تكون تاليّة لها في الجلسة التاليّة، أو العكس.
وكان المتطوّعون على علم بأنّ إحدى القراءات قرآنيّة، والأخرى غير قرآنيّة، ولكنّهم لم يتمكّنوا من التعرّف على نوعيّة أيّة من القراءات في أيّة تجربة.
كانت النتائج إيجابيّة في 65% من تجارب القراءات القرآنيّة، وهذا يعني أنّ الجهد الكهربائي للعضلات كان أكثر انخفاضا في هذه التجارب، ممّا يدلّ على أثر مهدّئ للتوتّر، بينما ظهر هذا الأثر في 33% فقط من تجارب القراءات غير القرآنيّة.
وفي عدد من المتطوّعين أمكن تكرار هذه النتائج كالإيجابيّة للقراءات القرآنيّة بالرغم من إعادة تغيير ترتيبها بالنسبة للقراءات الأخرى، ممّا أكّد الثقة في هذه النتائج.
ومن كلّ هذه التجارب المتعدّدة للبحوث القرآنيّة تبيّن للعلماء بأنّ للقرآن أثرا إيجابيّا مؤكّدا لتهدئة التوتّر، وقد ظهر هذا الأثر على شكل تغيّرات في التيار الكهربائي في العضلات، وتغيّرات في الدورة الدمويّة، وما يصحب ذلك من تغيّر في عدد ضربات القلب وكميّة الدم الجاري في الجلد، ودرجة حرارة الجلد.
وكلّ هذه التغيّرات تؤكّد أنّها تدلّ على تغيّر في وظائف الجهاز العصبي التلقائي، والذي بدوره يؤثّر على أعضاء الجسد الأخرى، ووظائفها.
كما أنّ نتائج هذه التجارب المقارنة تشير إلى أنّ كلمات القرآن بذاتها وبغضّ النظر عن مفهوم معناها، لها أثر فيزيولوجي مهدّئ للتوتّر في الجسم البشري.
التدرّب أسلوب بسيط ولكنّه فعّال (1/194)
صفحة 195
لقد درس العلماء مهارة التدرّب على التكرار كأسلوب لتشفير المعلومات في الذاكرة، كما أنّهم يعتبرونه امتداد فريد من نوعه للانتباه، وهو وسيلة من الوسائل الفعّالة لوضع شيء بعمق في نظم الذاكرة المتعدّدة باستخدام أشكال مختلفة للذاكرة، وأشكال حسيّة مختلفة.
والتدرّب مهارة تسلسليّة تتكوّن من الانتباه الفعّال، ومن مهارة حدسيّة يطبّقها كلّ إنسان من وقت لآخر، وخاصّة الطلبة الذين يدرسون مختلف المعلومات، لأنّه وسيلة يستعمل لإدخال المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى، وإبقائها وقتا كافيّا لتشفيرها في الذاكرة طويلة الأجل.
ويمكن أن نعتبر التكرار المتعدّد لآية من آيات القرآن الكريم بقصد حفظها، بمثابة التدرّب بالنسبة للذاكرة، ففي بداية تكرارها نسجّلها تسجيلا سريعا، وخفيفا، ثمّ بتكرارها وإعادتها مرّة بعد أخرى ترسخ في الذاكرة التي تتّخذ فيها مكانها ومثواها الثابت.
إنّ هذا التكرار والإعادة لعدّة مرّات يعتبره العلماء من التمرينات البسيطة على الانتباه، وذلك لأنّ التكرار هو امتداد للانتباه.
ونجد هذه الطريقة هي الطريقة التي كان يعلّم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه حيث علّمها له ربّه بواسطة جبريل - عليه السلام -، فصار يتعامل بها مع أصحابه، وكذلك يجب على كافّة المسلمين أن يتّبعوا نفس الطريقة، لأنّ الله - عز وجل - ربّهم قد جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إسوة حسنة لهم فقال - عز وجل -:
- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} ... [الأحزاب:21]
فما يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كيفيّة تحفيظ القرآن لأصحابه يعتبر طريقة سماويّة نبويّة من طرائق الحفظ التي يعلّمها للناس خالق نفوسهم، ومنشئ عقولهم، وفي ذلك من الأسرار ما لا يعلمه إلاّ خالق هذا الإنسان، وخالق عقله وذاكرته. (1/195)
صفحة 196
وذلك كما قال سفيان بن عيينة: «إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الميزان الأكبر، فعليه تعرض الأشياء، على خُلُقه، وسيرته، وهديه، فما وافقها فهو الحقّ، وما خالفها فهو الباطل». ... من كتاب ـ أسرار الذاكرة في القرآن ـ حريزي موسى
وهذا التلقين المتكرّر لكلّ آية من آيات كتاب الله - سبحانه وتعالى - الذي كان يعلّم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، والذي يجب أن نتعامل به مع أنفسنا، يجعل المتلقّي يتعلّم الاستماع والإنصات والانتباه الجيّد لما يُقرأ عليه أثناء القراءة النموذجيّة، التي يقرأها عليه معلّمه ومرشده، حتّى يقلّد تلك القراءة بكلّ إتقان ورويّة، ويعيد ما سمعه.
لذلك يطلب من المعلّم في هذه المرحلة أن يُقنع المتعلّم بأنّ الاستماع الجيّد هو سبب أساسيّ في إعانته على الحفظ، وتعليم الاستماع والانتباه والتركيز للمتعلّم يُعتبر مهارة، لأنّه كلّما كان الاستماع بانتباه وتركيز، كان محصول التعلّم قويّا وراسخا، ويكون الترديد صحيحا وسليما، فهذه الخطوة تتطلّب من المعلّم اهتماما نفسيّا عميقا، وصبرا كبيرا.
والمتعلّم إذا ما تدرّب على الاهتمام والتركيز، فإنّ ذلك يصبح فيه عادة حسنة، ومهارة راسخة وقويّة، فتتحرّك فيه العمليّات العقليّة، التي تكون سببا لاستيعاب الآيات المسموعة، وحفظها بكلّ سهولة واطمئنان، وحبسها في العقل، وذلك بالتكرار المتعدّد والترجيع والترديد، بتوجيه من معلّمه، وخوفه أن يحاسبه على قصوره الذهني وعدم الاستذكار. (1/196)
صفحة 197
وكلّ هذه العوامل تكوّن انتباها جيّدا لدى الإنسان الذي يقوم بها، وقد جعل علماء الذاكرة الانتباه من أسس الحفظ والتذكّر، خاصّة لدى الولد الصغير الذي تكون ذاكرته ما تزال فارغة من المعلومات التي توجد عند الكبار، فإذا ما قام المعلّم بتعليمه القرآن الكريم بهذه الطريقة التي كان يعلّم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فإنّه سيتعلّم مهارة الانتباه، بسهولة، حتّى تصبح فيه عادة ترافقه طوال عمر التعليم.
المثابرة هي أساس النجاح
إنّ المثابرة في واقع الأمر هي محرّك التعلّم والذكاء، إنّها محرّك ووقود كلّ الجهود الإبداعيّة والعبقريّة، إنّها تمثّل المحاولة في صيغة النجاح.
إنّ أهميّة المثابرة هي ما توصّل إليه وأثبته أعظم العقول الإبداعيّة على مدى العصور والأمكنة. يقول العلماء:
العبقريّة هي 1% إلهاما، و99% تحفيزا، والتحفيز يعني المثابرة.
إنّ المتعلّم إذا وظّف كلّ قوّته الفكريّة، واستعمل بصيرته بكلّ حدق، ودوام والتزم وثابر في التدريب، فإنّه بعون الله وإذنه سيحقّق المستحيل.
إنّنا إذا تتبّعنا آيات القرآن وسوره بكلّ تركيز فسنجد كثيرا منها نستطيع أن نربطها ببعضها، لأنّها تهتمّ بنفس المحاور، وتعالج نفس المواضيع.
على المهتمّين بدراسة القرآن الكريم من حيث الأسلوب والتركيب أن يداوموا ويثابروا على البحث عن الفئات التنظيميّة والتصنيفات الموجودة في سوره والتي تسهّل عمليّة الربط والحفظ والتذكّر، وأن يعتمدوا إلى التقسيم المنظّم والمبرمج، كي يحفظوه في العقل لأنّه منظّم تنظيما متقنا بحيث يستطيعون أن ينظّموا آياته وسوره داخل ذاكرتهم، ويستعملوها كشفرة للقيام بعمليّات الاسترجاع والتذكّر، فتصبح بذلك ممكنة سهلة وسريعة دون عناء يذكر، ولا بدّ أن ربّنا قد ضمّن فيه مثل هذه القواعد إذا استطعنا أن نسمّيها قواعد لتسهيل حفظ القرآن.
وهو القائل - عز وجل -: (1/197)
صفحة 198
- {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ... [القمر ــ 17]
التعليق على هذه الآية
ويوصي علماء الذاكرة والأعصاب كلّ من يريد أن يحفظ جيّدا، ولا ينسى ما يحفظه أن يحاول ربط كلّ معلومة يتعلّمها بأخرى كان قد حفظها من قبل، راسخة في ذهنه، ويقرّرون بأنّ النسيان يحدث نتيجة تفكّك الروابط في جهاز التخزين بالمخّ، فمن الممكن أن نربط اسم أيّ إنسان بسمة معيّنة، أو صفة لا ننساها في شكله مثلا، فأداة الربط في الذاكرة تمنع حدوث الاختلاط والالتباس داخل الذهن، وتمنع وقوع التداخل بين المعلومات التي نريد تذكّرها واسترجاعها.
وقد جعل الله - عز وجل - كثيرا من وسائل الربط في كتابه، إذا استطعنا الوصول إلى تبيينها وتطبيقها للاستعانة بها في حفظه، فإنّنا سنوفّر لعقولنا كثيرا من المجهود، وهذا ما ذكره وبيّنه كثير من المفسّرين في عدّة مواضع، يُرجعون فيها القارئ إلى ما ذكر من قبل في نفس الموضوع، أو إلى آية تشبه الآية التي هو بصدد تفسيرها.
والقرآن كلّه مرتبط ببعضه، كما يقرّر علماء التفسير، والمهتمّون بعلم القرآن، حتّى يكون كلّه كالكلمة الواحدة في قوّة ارتباطها، وعظمة بنائها، فلا يدخل فيها ما ليس منها، ولا يخرج ما هو منها.
وقد أنزل الله - عز وجل - مثل هذه الآيات المتشابهة المتعدّدة في كتابه الكريم، لأنّنا بطبيعتنا البشريّة المحدودة الإدراك لا نستطيع أن نتذكّر سورة بتمامها جملة واحدة، أو عددا من السور عندما نتلو القرآن أو نتدبّره، وإنّما نحن نتذكّر آية بتمامها، أو نتذكّر جملة من الكلمات في آية واحدة من الآيات القرآنية، وهكذا جعل الله - عز وجل - أيّ جملة أصغر من آية بتمامها، مهما تعدّدت مواضيعها، ولكنّها لا بدّ أن ترتبط في سياقها بجديد تنفرد به من وجوه العلم، حتّى يكون لكلّ جملة نتذكّرها في القرآن كلّه، تمامها في ذاتها، وفي عملها، وفي موضعها من القرآن الكريم. (1/198)
صفحة 199
وقد جعل الله - عز وجل - كثرة المواضيع الخاصّة بكلّ آية هي مناط قدرتنا على رؤية الأعمال التي تؤدّيها كلّ جملة منها، في كلّ موضع من مواضعها.
ذلك أنّ الله - عز وجل - أنزل القرآن كلّه عبارة عن جملة من السور والآيات والجمل والكلمات والحروف، ولكنّنا لا نستطيع رؤيته كلّه جملة واحدة.
وجعل - عز وجل - القرآن عبارة عن سور، وآيات في سور، وجملا في آيات، وكلمات في جمل، وحروف في كلمات، حتّى يكون بعد كلّ ذلك كوحدة متكاملة.
فما دام هذا القرآن قد أنزله الله - عز وجل - لهذا الإنسان المتكوّن من عدّة عناصر، وللمجتمع الذي يتكوّن كذلك من عدّة عناصر، فنستطيع أن نقول أنّه يتكوّن كذلك من عدّة عناصر مرتبطة بعضها ببعض، كما أنّ عناصر جسم الإنسان وعناصر المجتمع مرتبطة بعضها ببعض.
فالقرآن الكريم والإنسان والأكوان كلّها يتّصل بعضها ببعض في كيان واحد لا يعلم سرّها إلاّ ربّ العزّة - جل جلاله -.
وقد أظهر أنواعا من الربط المعجز بين عدّة أشياء واحدة من خلق الإنسان، ومن الحياة الدنيا، المتمثّلة في المجتمع الكوني كجملة واحدة.
ونستطيع أن نعطي مثالا لذلك وهو الذرّة التي هي البناء الأساسي للمخلوقات في هذا الكون، وهي تتكوّن من عنصرين، أو زوجين، موجب وسالب، في الإنسان التي هي عبارة عن الخليّة، وفي الحيوان، وفي النبات، وفي الجماد.
قال - سبحانه وتعالى -:
- {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ... [الذاريات ـ 49]
ومن النتائج العامّة لهذا الربط الإلهي المعجز، هذا الاستقطاب لأحوال المعرفة الإنسانيّة جميعا، وربطها بموضوعاتها في آيات الله الكونيّة إجمالا وتفصيلا. (1/199)
صفحة 200
ومن النتائج الواقعيّة المهمّة لهذا الربط الإلهي المعجز بين المعرفة الإنسانيّة وبين آياته الكونيّة، تحقيق العدالة بين ما يبذل كلّ فرد يتّصل بكلام ربّه - عز وجل - قراءة وتلاوة وتدبّرا، وبين النتيجة الإيجابيّة التي يتحصّل عليها، فيكون القدر المناسب الذي يتحصّل عليه، سواء من الفهم أو الهداية، أو التطبيق، أو الأجر من عطاء كتاب الله - عز وجل - على حسب القدر المناسب للمجهود الذي يبذله في سبيل ذلك، كما يتحصّل من الكون المحيط به على حسب ما يبدله من مجهود كذلك.
كيف ننسى المعلومات
وإذا كان رسوخ المعلومات عبارة عن طبعها في خلايا المخّ، فكيف يمكن للشيطان أن يمحوها منها، وما هي الآلة التي يستعملها لكي يزيلها، في حين أنّ الله - عز وجل - يبيّن لنا أنّ عمل الشيطان هو الوسوسة.
قال الله - عز وجل -:
- {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} ... [الأعراف ــ 20]
- {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}
[طه ــ 115]
- {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} ... [طه ــ 120]
ويقول لنبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم -:
- {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
[الأنعام ــ 68]
ويقول في سورة الكهف:
- {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} ... [الكهف ــ 63] (1/200)
صفحة 201
فمن هذه الآيات يتبيّن لنا أنّ أغلبيّة النسيان إنّما هو من الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس من الجنّة والناس، حيث يشغل تفكير الإنسان بأشياء تافهة لا تهمّه في شيء من أمور حياته، فيضيّع له وقته دون فائدة أو نتيجة تذكر، فيخرجه من هذه الدنيا بلا حسنات، لأنّه لم يغتنم وقته لعمل ينتفع به في دينه، أو دنياه.
والسلاح الذي نحارب به الشيطان هو القرآن، الذي سمّاه منزّله - عز وجل - الذكر، فبه يتذكّر الإنسان، وبه يحارب الشيطان الذي يسبّب له النسيان، كما قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -:
- {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}
[الأنعام ـ 68]
إذن فإذا كان النسيان من الشيطان فلماذا لا نحاربه بالقرآن الكريم حتّى نبعد النسيان عن ذاكرتنا، ونجعله دواء لها من العمليّات السلبيّة، التي نشتكي بها كثيرا، وخاصّة في هذا العصر.
والناس الذين ينسون ذكر الله - عز وجل - هم الذين استحوذ عليهم الشيطان بوسوسته وإملائه لهم حتّى يكونوا من الخاسرين.
- {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
[المجادلة ــ 19]
ويقول ربّنا - عز وجل -:
- {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}
[الزخرف ــ 36]
والله - عز وجل - لم يخلق الإنسان عبثا بمحض الصدفة، أو لغير هدف.
- {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}
[المؤمنون ــ 115]
نظريّة التلف (1/201)
صفحة 202
إنّ بعض العلماء الذين وضعوا نظريّة التلف Decay Theory يقولون إنّ المعلومات التي يتعلّمها الإنسان تترك آثارها في الخلايا المخّية (الذاكرة) كما تترك حروف الطباعة آثارها على الورقة البيضاء، فإذا أراد الإنسان أن تبقى راسخة في ذهنه، فعليه بالحفظ والتكرار واستعراضها واستعمالها من حين لآخر بالتسميع، وإعادة قراءتها عن ظهر قلب على أحد زملائه، لأنّه إذا تركها دون مراجعة وأهملها مدّة من الزمن فإنّها ستزول وتضمحلّ بالتدريج وعلى مرور الزمن.
ويقول أصحاب هذه النظريّة: إنّ نسيان هذه المعلومات يقع بسبب اضمحلالها وامّحائها كما يقع للصور الفتوغرافيّة التي تهمل في الشمس والهواء، حيث تمّحي ملامحها، وتطمس الصور بمرور الزمن، وكذلك مخزن المعلومات في الذاكرة فإنّها تمّحي منه بفعل مرور الزمن، إذا لم يتعهّدها صاحبها بالاحتفاظ والتكرار، ويتفقّدها بين الحين والآخر.
وقد ردّ بعض العلماء هذه النظريّة، لأنّ فيها كثيرا من المبالغة، فإذا كانت المعلومات تطبع على الخلايا المخيّة كما تطبع المطبعة الحروف على الورق، فأين هو هذا الدماغ الذي يكفي لتسجيل الكمّ الهائل من المعلومات التي يتلقّاها الشخص كلّ يوم، والتي لا نستطيع أن نعدّها أو نحصيها، ناهيك عن العلماء الفطاحل الذين يستوعبون في أدمغتهم خزائن من الكتب والمهارات.
ومن جهة أخرى فإذا كان كذلك فلماذا يبقى الدماغ على حجمه كما هو، رغم زيادة تسجيله للمعلومات كلّ يوم في مختلف مراحل العمر.
إنّه رغم وجود هذا الكمّ الهائل من الأبحاث والتحاليل والكتب التي تخصّصت في هذه الموضوعات، فإنّه لا يوجد اتّفاق على الشيء الذي يكوّن الذاكرة القوّية لدى بعض الأشخاص، والنسيان لدى الآخرين، وغيرها من العمليّات الفكريّة، وكيفيّة انتقال التفكير من موضوع إلى آخر، فالله - عز وجل - وحده يعلم كيف تتمّ هذه العمليّات، وكيف يقوم بها المخّ بتواصله مع النفس والقلب. (1/202)
صفحة 203
إنّ التفكير والفكر والتذكّر والنسيان عمليّات غير مادّية، وهي كلّها تقع في عالم الذاكرة، ونحن جميعا نشترك في القيام بهذه العمليّات، سواء شعرنا بها أو لم نشعر، ولسنا في حاجة إلى حجّة أو دليل نبرهن به على ذلك لنستطيع أن نعلم بأنّنا نفكّر حقيقة، لأنّ هذا التفكير هو جزء من عالمنا الغير المرئي.
الفصل الرابع
القلب والذاكرة
القلب وعلاقته بالذاكرة
إنّ المرض النفسي الذي يصيب الإنسان، يحطّم فيه القلب الذي هو مركز الصلاح أو الفساد، والذي يعتبره كثير من العلماء أنّه مركز الذاكرة أكثر من الدماغ، وقد قال فيه الرحمة المهداة سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -:
«ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح، صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كلّه» ... رواه البخاري ومسلم
لقد ذكر الله - سبحانه وتعالى - هذا العضو الذي هو مركز الصلاح أو الفساد في الإنسان قرابة 172 مرّة في القرآن الكريم، وما ذلك إلاّ لأهميّته وأثره في الحياة.
ونتيجة لضعف القلب، يضعف العقل الذي هو أداة التفكير والتركيز والتدبّر، وتضعف النفس تبعا لها، فتؤثّر فيها مختلف التأثيرات السلبيّة، وهذه الأداة قد فضّل الله - سبحانه وتعالى - بها هذا الإنسان، وكرّمه بها عن سائر المخلوقات الأخرى، وهو مدير هذه النفس، بتوجيه من القلب، وربّما نستطيع أن نقول بأنّ القلب هو المدير النفسي، والعقل هو المدير الجسمي، وليس هناك شيء يحافظ لهاتين الأداتين صحّتهما وقوّتهما أفضل من كلام الله - سبحانه وتعالى -، وذلك بمختلف آياته التي تبعث في النفس الطمأنينة والراحة، وترشدهما بأنّ لهما ربّا يتصرّف فيهما كما يشاء، ويفعل ما يريد. (1/203)
صفحة 204
قال أحد العلماء: «العقل يشبه البحيرة، عندما تموج وتهتاج لا يمكن أن تعكس السماء، ولكن عندما تهدأ وتستقرّ يمكنها أن تعكس السماء، كذلك العقل الهادئ المتّزن يستطيع أن يعكس صورة الإنسان الحقيقيّة الطبيعيّة، عندها يعرف الإنسان طبيعته الحقيقيّة، رسالته ومصيره».
وهذا الهدوء والاستقرار لا يمكن أن يتحصّل عليه العقل إلاّ بإيحاء من القلب، فكلّما قوي هذا القلب إلاّ وازدادت قوّة التفكير لدى الشخص، وكلّما ضعف واضطرب، إلاّ وضعف عمل العقل لديه.
القلب وأثره على الذاكرة
ولا يخفى على عاقل تأثّر الذاكرة بالحالة التي يكون عليها القلب، وعلاقتها الكبيرة به، فهو المضخّة التي تضخّ الكميّة التي يحتاجها الدماغ من الدم، والتي تحمل إليه الغذاء والأكسجين اللذين يحتاجهما ليعمل بكلّ قواه، ليستطيع استيعاب ما يلقى إليه من المعلومات.
كما أنّه المضخّة الروحيّة التي تملؤه طمأنينة وراحة وحبّا واهتماما.
لقد اكتشف العلماء في القلب هرمونات عاقلة، ترسل رسائل عاقلة إلى الجسم كلّه، وإنّ القلب هو مركز عقل وتعقّل، وليس مجرّد مضخّة.
ولذلك ينصح الأطباء مرضاهم المصابين بارتفاع ضغط الدم أو ضيق الشرايين أن يتجنّبوا الانفعالات والغضب وأن يبتعدوا عن مسبباته، وكذلك مرضى السكر لأنّ الأدرينالين يزيد من سكّر الدم. (1/204)
صفحة 205
وقد ثبت علميّا ــ كما جاء في كتاب هاريسون الطبّي ــ أنّ كميّة هرمون "النور أدرينالين" في الدم تزداد بنسبة ضعفين إلى ثلاثة أضعاف عند الوقوف وقفة هادئة لمدة خمس دقائق وأمّا "الأدرينالين" فإنّه يزيد ارتفاعا بسيطا بالوقوف، وأمّا الضغوط النفسيّة والانفعالات فهي التي تسبّب زيادة مستوى "الأدرينالين" في الدم بكميّات كبيرة، فإذا كان الوقوف وقفة هادئة ولمدّة خمس دقائق، يضاعف كميّة "النورأدرينالين"، وإذا كان الغضب والانفعال يزيد من مستوى "الأدرينالين" في الدم بكميّات كبيرة، فكيف إذا اجتمع الإثنان معا، الغضب، والوقوف، ولذلك أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - الغاضب بالجلوس إن كان واقفا فإن لم يذهب عنه الغضب فعليه أن يضطجع.
روى ابن السني، عن عائشة: «كان إذا غضبت عائشة عرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنفها، وقال: يا عويْش قولي: اللهم ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب عني غيظ قلبي، وأجرني من مضلاّت الفتن».
فكان هذا السبق العلمي منه - صلى الله عليه وسلم - من أوجه الإعجاز التي لم تظهر إلاّ في هذا العصر، وإلاّ فمن الذي أخبره - صلى الله عليه وسلم - بأنّ هذه الهرمونات تزداد بالوقوف، وتنخفض بالجلوس والاستلقاء، حتّى يصف لنا هذا العلاج النبوي للغضب؟ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. (1/205)
صفحة 206
وممّا يجدر بالذكر ويجب أن نعلمه جيّدا حتّى نتفاداه في حياتنا اليوميّة، أنّ الإنسان الذي اعتاد على الغضب يصاب بارتفاع ضغط الدم، ويزيد عن معدّله الطبيعي، حيث إنّ قلبه يضطر إلى أن يدفع كميّة من الدماء الزائدة عن المعتاد المطلوب، كما أنّ شرايينه الدقيقة تتصلب جدرانها فتفقد مرونتها وقدرتها على الاتساع، لكي تستطيع أن تمرّر، أو تسمح بمرور، أو سريان تلك الكميّة من الدماء الزائدة التي يضخها هذا القلب المنفعل، ولهذا يرتفع الضغط عند الغضب، فيشعر المريض بألم في رأسه، وأنّه يكاد ينفجر، وربّما يفقد وعيه ويسقط على الأرض، وما ذلك إلاّ للانفعالات الشديدة والتغيرات السيّئة التي تقع داخل خلايا وأعصاب دماغه، وربّما تتدمّر بعض خلاياه العصبيّة، وتتصلّب الأعصاب التي تربط بين الخلايا العصبيّة (التشجّرات)، هذه التشجّرات التي يتمّ من خلالها تبادل المعلومات بين الخلايا، فتضعف ذاكرة ذلك الشخص، وتنقص قواه العقليّة والفكريّة لأنّ المعلومات لا تجد طريقها الجيّد للمرور بين الخلايا.
الذاكرة ترتبط ارتباطا وثيقا بالقلب
ومن الجهة النفسيّة المعنويّة الروحيّة فالذاكرة تتأثّر كثيرا من هذه الجهة، لأنّها مرتبطة بالقلب ارتباطا وثيقا، حتّى أن بعض العلماء يقولون بأنّ الذاكرة الحقيقيّة موجودة في القلب وليس في المخّ، ولذلك نستطيع أن نقول بأنّ حالة القلب لها دورها الفعّال، وأثرها الكبير من الجانب الآخر، وسواء في ذلك من جهة ضخّ الدم إلى الدماغ، أو إيصال المعلومات والأحاسيس إليه.
والدواء المفيد دون شكّ ودون منازع هو كلام الله - عز وجل -، خالق كلّ هذه الأجهزة والغدد، وخالق الروح والنفس والقلب والمخّ، وهو الذي نفخ الروح في هذا الإنسان، ولذلك أنزل له القرآن ليكون لها وقاية ودواء وعلاج لها جميعا. (1/206)
صفحة 207
وهو الذي يحافظ على توازن أجهزة الجسم كلّها، خاصّة القلب، والذاكرة تؤدّي دورها بصفة جيّدة عندما تكون النفس هادئة مطمئنّة، والقلب مطمئنّا.
- {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ... [الرعد ـ 28]
يقول العلماء:
«إنّ الإبداع يوجد حيث يتواجد القلب».
وهذا معناه أنّ الإبداع يأتي من حبّ الإنسان لذلك الشيء الذي يريد عمله وإنجازه، وإنّ التغيّرات والحلول والابتكارات الجديدة تنبع من تغيّر في القلب، ومن الرغبة في ذلك، ومن رؤية الحياة بشكل مختلف عن ما كنّا ننظر إليها من قبل، ولا يكون ذلك إلاّ إذا تغيّرت النظرة إلى الأحسن، وهذا التغيّر يكون بالقوّة القلبيّة.
ومن هنا نستطيع أن نفهم كذلك حديث سيّدتنا عائشة ـ - رضي الله عنه - ـ الذي تقول فيه:
«القرآن أكرم من أن يزيل عقول الرجال».
وعن ابن عبّاس ـ - رضي الله عنه - ـ قال: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله - عز وجل -: - {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} ... [التين ـ 6]
قال: «الذين يقرؤون القرآن».
والله - عز وجل - قد جعل في هذا القرآن عجائب ومعجزات كثيرة قد توصّل العلماء إلى اكتشاف بعضها وما خفي عنهم كثير وهو القائل:
- {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} ... [الإسراء ــ 82]
عالم القلب العصبي
إنّ لديك ذكاءً كامنًا أكثر بكثير مما يخطر ببالك. (1/207)
صفحة 208
إنّ من يواصلون محاولة العيش والعمل بطريقتهم الخاصة هم فقط من سيكونون أباطرة المستقبل، حيث إنّ النسبة الأكبر من الذكاء الإنساني لا يديرها العقل الكامن في الرأس بمفرده، فنسبة إدارته للذكاء الإنساني أقل مقارنة بمراكز الذكاء المكتشفة حديثا- والتي تسمى "العقل الثاني والعقل الثالث- والمتمثلة في الحدس والقلب.
وتشمل أرفع درجات التفكير المنطقي وألمع العبقريات عمل كل هذه العقول الثلاثة معًا.
في التسعينات اكتشف العلماء في مجال علم القلب العصبي الحديث نسبيّا، أنّ العقل الحقيقي يوجد في القلب الذي يعمل باستقلاليّة بعيدا عن الدماغ، والذي يتكوّن من مجموعة متميّزة من أكثر من 40 ألف خليّة عصبيّة تسمّى المستقبلات الحسيّة التي تستشعر التغيّرات في ضغط الدم، وهي متّحدة مع شبكة معقّدة من الناقلات العصبيّة والبروتينات والخلايا المساندة، فعقل القلب هذا كبير مثله في ذلك مثل كثير من المناطق الرئيسيّة في عقل الرأس، ولديه قدرات إحصائيّة قويّة ومعقّدة للغاية.
وقد بيّن لنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - كلّ هذه الحقائق العلميّة قبل 14 قرن من الزمان وهو لم يتعلّم القراءة ولا الكتابة، ولم يجلس في جامعة من الجامعات لكي يدرس مثل هذه العلوم أو يقوم بتجارب في هذا الإختصاص.
بيّن لنا أنّ القلب هو المتحكّم في الجسم وليس كما يقول علماء الأعصاب أنّ العقل هو المدير، وأخبرنا أنّه إذا صلح هذا العضو فسيصبح الجسم كلّه صالحا، وإذا فسد فسد الجسد كلّه، ومن جهة أخرى فإذا ما كان القلب مطمئنّا هادئا فسيجد العقل قوّته ويعمل بكلّ قوّة ووضوح، وباضطرابه وقلقه وخوفه يضطرب عمل العقل ويضعف، فالقلب يؤثّر في العقل أكثر من تأثير العقل فيه، وهو بدوره يؤثّر في باقي أعضاء الجسم.
وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال:
«ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب». (1/208)
صفحة 209
والله - سبحانه وتعالى - يقول في كتابه القرآن الكريم:
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ... [يونس: 57]
وفي كتاب الشيخ الأستاذ [محمّد سعيد رمضان البوطي] شرح وتحليل الحكم العطائيّة قال:
«انظر في تراجم السابقين من أئمّة المسلمين وعلمائهم، وتأمّل في العلوم والمعارف الكثيرة والمتنوّعة التي أحرزوها في سنوات قليلة، تجد أنّهم ــ إلى جانب اتّباعهم الوسائل والأسباب المادّية لتحصيل المعارف والعلوم ــ كانوا يعتمدون على نقاء قلوبهم، وجعلها وعاء لمحبّة الله - سبحانه وتعالى - وتعظيمه، متحرّرة عن الشوائب والرغائب الدنيويّة، فأصبحت أفئدتهم أوعيّة لكثير من العلوم والحقائق الكونيّة، والمعارف الإسلاميّة، وقد روى التاريخ كيف كان العلماء يحفظون من المعارف ما لا يستطيع حفظه جماعة من الناس، فقد كان منهم من يدرس علوم القرآن الكريم والفقه والسنّة والفلك والرياضيّات والطبّ وغير ذلك من العلوم المختلفة».
وكلّ هذا قد تحصّلوا عليه من فهمهم لقول ربّهم - سبحانه وتعالى - فهما جيّدا حين يقول لهم ولنا جميعا:
- {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
[البقرة ـ 282]
فقد ربط - سبحانه وتعالى - العلم بالتقوى، أي جعله ثمرة لها، والتقوى لا تتحقّق إلاّ بتطهير القلب من شوائب الأدران، ومن هيمنة التفكير في غير الله - سبحانه وتعالى -، سواء من طريق الحبّ أو المهابة أو التعظيم، وكلّ ذلك ارتقاء للجانب الروحي. (1/209)
صفحة 210
لقد أثبت العلماء أنّ العقل هو النبراس الذي يدرك به الإنسان مختلف الحقائق، ويبلغ به مختلف مراتب المعرفة والعلوم، ولكن في كثير من الأحيان لا تُغني فيها قوّة العقل وحده، بل لا بدّ فيها من نور يصدر من قلب صاحبه، وهذا النور ينعكس من البصيرة القلبيّة، ولا يتمّ ذلك إلاّ إذا صفا القلب من شوائب الحقد والبغض والحسد.
إذن فالعقل عبارة عن مصباح يستمدّ نوره من القلب.
الناقلات العصبيّة في القلب والدماغ
وما زال هناك طريق آخر يستخدمه القلب للاتصال، ويتمثّل هذا الطريق في الناقلات الكيميائيّة الموجودة بالجهاز الهرموني، وكذلك فإنّ إحدى هذه الناقلات الكيميائيّة في القلب تتكوّن من مجموعة من الأحماض الأمينية في الأذين، وتعتبر هي المحرّك الأساسي للسلوك المحفّز، والدليل على ذلك أنّنا إذا لم نشعر بقيمنا وأهدافنا ولم نحبّها حبّا جيّدا فإنّنا لا نستطيع أن نحياها، فالقلب هو الذي يلعب دورا رائدا في دفعنا للتميّز، وليس العقل.
ولابدّ أن نشير هنا إلى تأثير الهرمونات المتعدّدة التي تفرزها الغدد الكثيرة الموجودة في الجسم الإنساني، وذلك سواء في الجانب الإيجابي، أو السلبي، وكذلك تأثيرها في الجهة الروحيّة المعنويّة، أو الجسميّة المادّية.
وفي ضوء دراسة علماء الأعصاب العقليّة وعلاقتها بالقلب، ومن جهة أخرى تأثير القلب في القوى العقليّة، اتّضح أنّ القلب ليس متفتّحا على الإمكانيّات الجديدة التي ترد إلى العقل من الخارج فقط، بل إنّه يفحصها باحثا عن الإدراك الجديد والمفهوم الذي تحملها تلك الإمكانيّات، متمتّعا بفهم ثاقب لأكثر الأشياء التي تهمّ صاحبه في واقع حياته. (1/210)
صفحة 211
فإذا كان القلب قويّا مطمئنّا هادئا، فإنّه يستطيع أن يعمل بكلّ قوّة وحزم وثقة، أمّا إذا كان مهموما ضعيفا قلقا متوثّرا فإنّه يفقد قدرته الجيّدة على التركيز والتمييز الحسن، فلذلك نجد كثيرا من الناس لا يعرفون جيّدا ماذا يريدون من هذه الحياة، فهم ينتقلون من عمل إلى آخر ومن اختصاص لآخر، كلّ ذلك لأنّ قلوبهم غير مستقرة وغير مطمئنّة، ولو أنّهم اهتمّوا بكتاب ربّهم القرآن بالمداومة على قراءته ودراسته، وأكثروا من ذكر الله - سبحانه وتعالى -، فإنّ نفوسهم ستمتلئ ثقة وقوّة وحيويّة وتفاؤلا بهذه الحياة، ويقينا كاملا بأنّهم يستطيعون النجاح والتفوّق.
إنّ بعض العلماء قد توصّلوا بعد دراساتهم المتعدّدة إلى أن يثبتوا بأنّه يوجد في القلب عقل يتصرف في كامل الجسم، بل حتّى في العقل نفسه، والدليل على ذلك أنّ هناك كثيرا من الأعمال التي لا يحبّها القلب لا يستطيع العقل أن يفكّر في تدبير كيفيّة القيام بها، وكذلك نجد العكس.
إنّهم يقولون بأنّ العقل الموجود في القلب يبحث دائما عن فرص جديدة للنمو والتعلّم، ويؤسّس قراءة لما يشعر به الآخرون، ويتصرّف كنظام حسّي، أو كردار شخصي لاكتشاف الفرص المبدعة والهامّة.
وربّما نستطيع أن نستدلّ على ذلك بقوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ}
[التوبة:123ـ 125]
وهناك المزيد المزيد ممّا اكتشفه العلماء في مجال اتصال القلب بالذاكرة، وربّما سنفرد لهذا الموضوع كتيّبا خاصّا إذا وفقنا الله - سبحانه وتعالى -. (1/211)
صفحة 212
فقد اكتشفوا مثلا أنّ المجال الكهرومغناطيسي للقلب حتّى الآن هو أقوى ما تنتجه القوى الجسديّة في الحقيقة حيث يبلغ 5000 مرّة أكبر في القوّة ممّا تنتجه خلايا المخّ.
ومن هنا نستدلّ على التغيّرات الكهربايّة في المشاعر التي تنتقل عبر القلب البشري، حيث نجد أنّ الشخص يبدّل آراءه في أقلّ فترة ممكنة من الزمن، ففي كلّ لحظة يتغيّر من شعور إلى آخر، ومن رأي إلى غيره، وكلّ ذلك يدلّ على التغيّرات السريعة التي تقع داخل القلب، ونتيجة لذلك يأمر العقل بتغيير رأيه أو قراره.
ولذلك يجلّ المؤمن ربّه ويعظّمه بقوله:
«سبحان من لا تبدو له البدوات».
والرَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.
ومن عجيب ما توصّلوا إليه أنّهم استطاعوا أن يقيسوا تلك التغيّرات الكهربايّة في المشاعر والرغبات والميولات التي تنتقل عبر القلب البشري على بعد خمسة أقدام على الأقلّ، وربّما أكثر من ذلك.
إنّ عمل القلب يتجاوز مجرّد إكمال دورته الدمويّة التي يبعثها عبر الشرايين إلى كامل نواحي الجسم، بل إنّ كلّ خفقة من خفقاته هي عبارة عن لغة ذكيّة لكلّ أجزاء الجسم، والله - سبحانه وتعالى - وحده يعلم سرّ هذا العضو العجيب والمعقّد الذي خلقه على هذا النحو وأودعه في جسم الإنسان.
لذلك نجد ربّنا - سبحانه وتعالى - يعلق قضيّة الإيمان وقوّته وضعفه عليه وحده دون غيره من الأعضاء.
وكلّ خفقة قلبيّة لها تأثير على صورة إدراك الشخص للعالم من حوله، وتفاعله معه بصورة عميقة. (1/212)
صفحة 213
فإذا قرأ أحدنا القرآن الكريم بطريقة جيّدة، فإنّه يجد هذا الجانب مذكورا فيه بكثرة، ويؤكّد عليه في عدّة آيات، حيث يعتني بهذا المخلوق اعتناءا كبيرا، إلى درجة تبعث الثقة في نفس قارئه، فيقوى فيه جانب الأمل والتفاؤل، ويجعله يتمنّى أن يحيا هذه الحياة بشكل جيّد وفي وضعيّة حسنة، ما دام ربّه يعتني به، وقد سخّر له كلّ شيء في هذا الكون، وجعله صالحا ومهيّئا لكي يضمن له حياة سعيدة، ووفّر له الجوّ اللائق حتّى يعيش عيشة راقيّة، ويحيا حياة طيّبة، وأنّ ربّه لا يظلمه ولا ينقص له شيئا من أجره، ولو كان مثقال حبّة من خردل، أو مثقال ذرّة.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ} ... [غافرـ 31]
وقال - عز وجل -:
- {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ق ـ 37]
الفصل الخامس
الضغوط وأثرها على الذاكرة
الذاكرة قوّة روحيّة أكثر منها جسميّة
إنّ من المعلوم عند علماء الذاكرة أنّها ترتبط ارتباطا وثيقا بالهدوء النفسي، فضعفها وقوّتها ينبني على وجود التوتّر والقلق من عدمهما، كما تبيّنه مختلف الدراسات التي قام بها علماء الأعصاب والذاكرة.
والطالب والطالبة أو غيرهما ممّن يريد اكتساب ذاكرة قويّة، وأن يحافظ عليها سليمة نشيطة، ما عليه إلاّ أن يجعل لنفسه وردا يوميّا من القرآن يقرؤه، ومن الأفضل أن تكون تلك التلاوة بدون مصحف، وذلك وقت السحر وقت صلاة الصبح، فإنّ تلك الإرهاصات والوساوس تزول بإذن الله - عز وجل -، لأنّ القلب يتشبّع بروح ربّه - عز وجل - , وخلايا مخّه تنشط وتتقوّى بما فيه من أساليب وتعابير تبعث في النفس الاطمئنان والهدوء، فتبقى على تلك الحالة طوال النهار بإذن الله - عز وجل -، وخاصّة في فترة الامتحانات التي تبعث في النفس كثيرا من القلق والخوف من عدم النجاح. (1/213)
صفحة 214
لقد أكّدت أبحاث خاصّة في دراسة ما يخصّ قوّة الذاكرة وضعفها أنّ الأشخاص الذين يحقّقون نتائج أفضل على مستوى المهارات الذهنيّة يكونون في الغالب أكثر صحّة ولياقة نفسيّا وتكيّفا مع الظروف المحيطة بهم، وأكثر تفاؤلا وإيجابيّة، وأفضل سعادة من الأشخاص الذين لا يحقّقون سوى نتائج ذهنيّة ضعيفة المستوى.
فإذا أردنا أن نتحصّل على هذه الحالات التي تضمن أداء أفضل للذاكرة، فما علينا إلاّ أن نطبّق هذه الوصفة القرآنيّة للذاكرة، وستعطي نتائج باهرة حقيقيّة ومفرحة، لأنّ كثيرا من علماء الأعصاب قد درسوا تأثّر عضلات المخّ وكيفيّة عملها بالآلات الدقيقة التي اخترعها العلم الحديث، حيث أصبحوا يقيسون درجة الإبداع لدى الفئات المختلفة في المجتمع، سواء من النوع الجنسي، الذكر أو الأنثى، أو اختلاف الأعمار، الشباب والكهول والشيوخ، ووضعوا تمارين مختلفة ومتنوّعة تهدف إلى تدريب العضلات المختلفة للمخّ، وهي تهدف إلى تكوين مبادئ الإبداع لدى الأشخاص أيضا، وكذلك تمرين تلك العضلات الكثيرة، كالتي تختصّ بالخيال، والمنطق، والاستنتاج، والتمييز، والتتابع، وغيرها كثير وكثير.
والدليل على أنّ التفكير عمليّة روحيّة أكثر منها جسميّة جسديّة أنّ أحد الباحثين درس حالة الإنسان عندما يفقد وعيه، فألِّف كتاباً اسمه الحياة بعد الموت.
وكان الباعث على تأليف هذا الكتاب أنَّ مريضاً توقَّف قلبه مدّة من الزمن، ثمّ عاد ونبض، فذكر هذا المريض كيف أنَّه قد تصوَّر أعماله كلَّها، وكيف أنَّ نفسه ابتعدت عن جسده، وكيف أنَّه ندم على أعماله السيِّئة، هذا الوصف جعل مؤلِّف الكتاب يتحرَّك يقصد كثيرا من المستشفيات، وأراد أن يحقّق في حالات مشابهةً لهذه الحالات، وقام بجمع هذه التقارير وألَّف بها كتاب.
الأمن النفسي وأثره على الذاكرة (1/214)
صفحة 215
قال أحد العلماء: العقل يشبه البحيرة، عندما تموج وتهتاج لا يمكن أن تعكس السماء، ولكن عندما تهدأ وتستقرّ يمكنها أن تعكس السماء، كذلك العقل الهادئ المتّزن يستطيع أن يعكس صورة الإنسان الحقيقيّة الطبيعيّة، عندها يعرف الإنسان طبيعته الحقيقيّة، رسالته ومصيره.
وإذا تعرضّنا لموضوع الأمن النفسي وما له من أثر بليغ على جهاز الذاكرة لدى الإنسان، فإنّنا نجد أغلبيّة أناس هذا العصر قد ضعفت ذاكرتهم، ونقص حفظهم لهذا السبب الذي سيطر على نفوسهم، وأثّر فيها أثره البليغ، وقد أصبح يلهث وراء البحث عن العلاج الناجح لهذا الخوف والرعب والفزع والاضطراب الذي يعاني منه بصورة مستمرّة، وهدفه الأساسي هو أن ينعم بالأمن والسكينة والاطمئنان، بدلا من الخوف والشكّ والقلق.
ولكنّ المشكلة الحقيقيّة التي وقع فيها علماء النفس هي أنّهم يدرسون هذه النفس بمعزل عن هدي خالقها، ومن خلال تجاربهم ومقاييسهم القصيرة والغير الثابتة التي ابتدعوها، مع أنّ الله - سبحانه وتعالى - خالق هذه النفس قد أنزل إليها هذا القرآن الكريم لتتّخذه منهاجا تسير عليه، إذا أرادت أن تحمي نفسها حقّا من هذه المؤثّرات الكثيرة والمتنوّعة، وهو القائل:
- {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} ... [البقرة ـ 235]
- {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} ... [الإسراء ـ 25]
إنّ القرآن الكريم ينزّل السكينة والطمأنينة على النفس، وهذا هو أنجح دواء لها لأنّ السكينة تؤدّي إلى مزيد من التوحيد والإيمان الذي يملأ تلك النفس.
- {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه ـ 123ـ124] (1/215)
صفحة 216
- {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}
[الفتح ـ 4]
وإفراز بعض الهرمونات عند الغضب يؤثّر على ضربات القلب، فتضطرب، وتتسارع، وتتقلّص معه عضلته، ويزداد استهلاكها للأكسجين، والغضب والانفعال يؤدّيان إلى رفع مستواها في الدم، وبالتالي زيادة ضربات القلب وقد يؤدّي إلى ارتفاع ضغط الدم.
التوتّر وأثره على الذاكرة
لقد اكتشف الأطبّاء أنّ كثيرا من الأمراض العقليّة والقلبيّة والنفسيّة أو الجسميّة أسبابها التوثّر، والقرآن يزيل التوثّر والقلق بصفة جيّدة، وهو يهدّأ الأعصاب، ولكن بشرط أن يكون بترتيل، ولأنّ ترتيله حسب قواعد التجويد، وخاصّة إذا كان في الصلاة، يعين الغدد المختلفة في الجسم على إفراز هرموناتها بصفة متوازنة، دون زيادة أو نقصان ممّا يحفظ التوازن العام لعمل كلّ أجهزة الجسم، وربّما نستطيع أن نقول بأنّ القرآن هو بمثابة آلة، أو ميزان يعدّل إفراز تلك الهرمونات، وتحفظ لها توازنها.
وأنا أشبّه الهرمونات التي تفرزها الغدد بالمادّة التي يشحّم بها سائق السيّارة مختلف قطع الغيار الموجودة في سيّارته، حتّى تؤدّي عملها بصفة حسنة، وتدوم صلاحيتها لمدّة أطول، فإذا زاد التشحيم أو نقص فإنّ تلك القطع تتضرّر، ولا تؤدّي وظيفتها بكامل قوّتها ولا تدوم لفترة طويلة، وكذلك مختلف الآلات التي يصنعها الإنسان.
وقد اكتشف العلماء أن تلك الهرمونات لها دورها الفعّال في عمل الذاكرة وأداء دورها كأحسن ما يكون، كما هو الحال في كافّة أجهزة الجسم.
والعقل يعتبر عضوا مثل سائر أعضاء الجسم، ويتكوّن من خلايا وفيه أعصاب تصل بين تلك الخلايا كي تؤدّي عملها، وفيه هرمونات تحفظ له أداءه الجيّد، فإذا كانت تُفرز بصفة معتدلة كان عمل الدماغ جيّدا وفعّالا، وإذا لم تكن متوازنة نقص أداؤه بالتبع. (1/216)
صفحة 217
ويعتبر هرمون ــ الأسيتيل كولين ــ إحدى ناقلات الرسائل التي تلعب دورا مهمّا في عمليّات التركيز والتعلّم والتذكّر، وعندما تصاب الخلايا العصبيّة الكولينيّة التي تفرز ــ الأسيتيل كولين ــ بالتدهور نتيجة الضغوطات النفسيّة المتعدّدة والشديدة الأثر على الصحّة العامّة للشخص، فإنّ عمليّة الحفظ والتذكّر تصبح ضعيفة لديه، ويعتبر هذا الهرمون من الموادّ التي تحمي عصبونات المخّ، وتحسّن من كفاءة الذاكرة.
ويعتبر هرمون ـ الأسيتيل كولين ـ المسؤول الأوّل عن أنشطة كثيرة داخل الجهاز العصبي، وتتضمّن الآثار الجانبيّة لنقصان هذا الهرمون اختلالات الذاكرة قصيرة الأجل والتشوّش وعدم التركيز.
والعلماء ينصحون الأشخاص المصابين بمثل هذه الحالات أن يقوموا بتدريبات ــ الأيرويك ــ، والتي تحافظ على المعدّل العام لضربات القلب، وتزيد من عمق التنفّس، بحيث يتمّ وصول نسبة أكبر من الأكسجين إلى خلايا الجسم، وخاصّة منها خلايا الدماغ، والتي يراها العلماء بأنّها مفيدة لتكيّف وظائف العقل في الفصّ الأمامي من المخّ.
وقد اكتشف علماء الذاكرة بأنّ تلك التدريبات تُشيع في الجسم حالة من الانشراح والنشاط بعد ممارستها، وهذا الهرمون مضادّ للاكتئاب الطبيعي داخل الجسم.
وقد اكتشفوا كذلك بأنّ نقص الأكسجين للمخّ يفضي إلى تلف الخلايا الدماغيّة، وهذا ما يسمّى بعوز الأكسجين، Anoxia.
وتلاوة القرآن الكريم بترتيل وترنيم يساعد على نشر النشاط في الجسم بصفة حسنة وواقعيّة، ويبعث على الانشراح، وعدم الاكتئاب.
وهذه الهرمونات المنشّطة تكون معتدلة عندما يصل إلى خلايا المخّ نسبة كافية من الأكسجين والغذاء اللازمين لبعث الطاقة فيها كي تبعثها على العمل الجيّد.
كما أنّ هذه المادّة المنشّطة هي التي تمدّ الشجيرات القصيرة من الخلايا العصبيّة بالحيويّة اللازمة، ولأنّها تتلقّى النبضات من الخلايا العصبيّة الأخرى، وذلك عندما تعمل ناقلات الرسائل على تنشيطها. (1/217)
صفحة 218
وكلّ هذه العمليّات الهرمونيّة والغدديّة تكون معتدلة ومتوازنة عندما تكون النفس منشرحة ومطمئنّة، فرحة مسرورة، وغير مكتئبة أو مضطربة، هذا من الجهة الجسميّة العضويّة.
ولأنّ تلك الهرمونات تعتبر ناقلات رسائل كيميائيّة، تفرزها الغدد والأعضاء في الجسم، وتمتصّ في مجرى الدمّ.
وإذا كان الإنسان متوتّرا، فإنّه يصاب بمشاكل الدورة الدمويّة لديه، ممّا يجعلها لا تحمل تلك الهرمونات بصفة متوازنة إلى مختلف أنحاء الجسم، ومنها خلايا وأعصاب الدماغ.
الآثار السلبيّة للضغوط على الذاكرة
وقد توصّل الدكتور "روبرت سابولسكي" في جامعة ستانفورد إلى نتائج مهمّة تؤكّد أنّ التعرّض للضغوط النفسيّة يؤدّي بالفعل إلى تقلّص أحد مراكز الذاكرة الأساسيّة في المخّ.
وقد أظهرت دراسته أنّ تعرّض الحيوانات المعمليّة الصغيرة إلى ضغوط مزمنة، أدّى إلى تراجع عدد الخلايا في قرن آمون في المخّ، والتي هي عبارة عن شكل أشبه بحصان البحر والمسؤولة عن الذاكرة والتعلّم، وتوجد أسفل الصدغ في المخّ.
وقد وجد الدكتور "جيمس مكوف" في جامعة كاليفورنيا بإيفرين أن هرمون الكورتيكوسترون وهو أحد الهرمونات التي يفرزها الجسم في أوقات التعرّض للمواقف الخطيرة، أو القلق، أو حتّى الإجهاد البدني، يشلّ قدرة العقل على استرجاع المعلومات المختزنة في الذاكرة طويلة المدى.
وقد وجد الدكتور "جون نيوكامر" في كليّة طبّ واشنطن من خلال الدراسات البشريّة أنّ التعرّض لمعدّلات مرتفعة من هرمون التوتّر، وهو الكورتيزول، على مدى بضعة أيّام يقلّل من نتائج الذاكرة في الاختبارات.
فالقرآن الكريم له مقدرة وخاصّية بثّ روح الأمل والتفاؤل والطمأنينة والانشراح في نفس قارئه، ويدفع عنه تلك الضغوط التي تسبّب له مثل ذلك الأثر الذي يؤثّر فيه، فتجعله يصل إلى مثل تلك الدرجات السيّئة التي اكتشفها العلماء، التي تشلّ الأعصاب الرابطة بين الخلايا، والتي توصل المعلومات إلى الخلايا، حيث تستقرّ. (1/218)
صفحة 219
ومن جهة أخرى فإنّ أثر القرآن الحسن والطيّب في النفس يدفع ويحفظ العقل من الشيخوخة المبكّرة، لأنّ تلك الضغوط الممتدّة يمكن أن تعجّل بالشيخوخة، كما أنّ كثيرا من الباحثين في مجال الذاكرة اكتشفوا أنّ التعرّض ولو لضغوط عصبيّة بسيطة ولهرمونات التوتّر لفترة ممتدّة، يمكن أن يعجّل بشيخوخة العقل وتدهور الذاكرة بسبب الشيخوخة المصاحبة لذلك.
وقد أظهرت دراسات أجريت مؤخّرا أنّ الضغوط العصبيّة المزمنة تضعف المناعة، وتجعل الأشخاص أكثر عرضة للأمراض والشيخوخة المبكّرة.
كما أنّ دراسة قام بها فريق من الأطباء في جامعة "كيجز كوليجّ" البريطانيّة ذهبت إلى أنّ قلّة النشاط البدني قد يؤدّي إلى الشيخوخة المبكّرة، وقد ظهر أنّ الأشخاص الذين كانوا يمارسون نشاطا بدنيّا خلال أوقات الفراغ أكثر شبابا من أقرانهم الذين لم يمارسوا مثل تلك الأنشطة.
وهذه الدراسة تؤكّد حقيقة العلاقة بين النشاط البدني وبين تسلّط الأمراض على الشخص، وكذلك العلاقة بين الشيخوخة المبكّرة وقلّة النشاط.
أمّا الأشخاص الأكثر نشاطا من الناحيّة البدنيّة من بين الذين أجريت عليهم مثل هذه الدراسات فتبيّن أنّهم بدوا أصغر عمرا بحوالي عشر سنوات من الذين لا يمارسون نشاطا بدنيّا.
ونفس النظريّة نستطيع أن نطبّقها على الصحّة الذهنيّة، فكلّما كان الشخص نشيطا من الناحية الفكريّة باستعمال عقله بكلّ نشاط وحيويّة يصبح عقله أكثر شبابا، ويحافظ على قوّته ونشاطه إلى آخر مراحل عمره.
أمّا إذا لم يغذّي الشخص عقله بالغذاء الذهني الجيّد والقويّ، فإنّ نشاطه الذهني يضعف، ويفقده شيئا فشيئا، كلّما كبر في عمره. (1/219)
صفحة 220
إنّ الأطباء الذين يدرسون مثل هذه التغيّرات في أجهزة الإنسان الذي يتعرّض للضغوطات العصبيّة، يشبّهون ذلك الضغط على الأعصاب مثل آنية الطهو بالبخار التي تضغط على محتواها، فتنضجه بسرعة وفي وقت قصيرة، كذلك يقع لأجهزة الإنسان فهي تضعف بسرعة أمام تلك الضغوط التي تتعرّض لها على مرّ الأيّام والأعوام.
الغضب سمة أناس هذا العصر
إنّ مثل تلك الضغوط مثل الغضب الذي أصبح هو السمة العامّة لأناس هذا العصر، يعمل عادة إلى دفع الغدد لأن تفرز نسب مرتفعة من هرمونات التوتّر والقلق والاكتئاب، ويمكن أن يعطّل الذاكرة.
والله - سبحانه وتعالى - يرشد عباده إلى الحدّ من الغضب ويقول:
- {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}
[الشورى ـ 37]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - من جهته كذلك كان يوصي أصحابه دائما بعدم الغضب.
فعن أبي هريرة ــ - رضي الله عنه - ــ أنّ رجلاً قال للنبيء - صلى الله عليه وسلم - أوصني قال: "لا تغضب"، فردّد مرارا قال: "لا تغضب". ... رواه البخاري
من المؤثرات التي تؤثر في العقل تأثيرا سيّئا: الغضب.
وعن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: لا تغضب.
قال الرجل: ففكرت حين قال النبيء - صلى الله عليه وسلم - ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرّ كلّه.
وقال تعالى في شأن عباده الصالحين الذين يدخلون الجنّة:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
[آل عمران ــ 134]
قال "الجرجاني":
«الغضب: تغيّر يحصل عند فوران دم القلب، ليحصل عنه التشفّي في الصدر»
وقال "التهانوي":
«الغضب هو حركة للنفس مبدؤها الانتقام وقيل: هو كيفيّة نفسانيّة تقتضي حركة الروح إلى خارج البدن طلبا للانتقام».
ومن الغضب يتولّد الحقد والحسد، ويعتبر هذا نقص في العقل والدين.
قال أحد العلماء لابنه: (1/220)
صفحة 221
«يا بنيّ لا يثبت العقل عند الغضب، كما لا تثبت روح الحيّ في التنانير المسجورة، فأقلّ الناس غضبا أكثرهم عقلا، وأكثرهم غضبا أقلّهم عقلا».
وقد قيل:
«الغضب عدوّ العقل، والغضب غول العقل».
قال عروة بن الزبيرـ - رضي الله عنه - ــ مكتوب في الحكم:
«يا داوود إيّاك وشدّة الغضب، فإنّ شدّة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم».
وقيل: «الغضب هو غول العقل، وإذا ضعف جند العقل، هجم جند الشيطان».
لقد ركّب الله تعالى العديد من الغرائز والأحاسيس في الإنسان، فهو يتأثّر بما يجري حوله، ويتفاعل بما يشاهده ويسمعه من الآخرين، فيضحك ويبكي، ويفرح ويحزن، ويرضى ويغضب، إلى آخر ما هنالك من الانفعالات الكثيرة التي تصيبه.
ومن الأمور النفسيّة التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها: الاسترسال في الغضب، فقد يخرج الإنسان بسببه عن طبيعته، وربّما جره إلى أمور لا تحمد عقباها.
ولم يكتف النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن هذه الآفة، وبيان آثارها السيّئة، بل بيّن وسائل العلاج التي يستعين بها الإنسان على التخفيف من حدّتها، وتجنّب غوائلها، ومن هذه الوسائل السكوت وعدم الاسترسال في الكلام.
ومن الأدويّة الهامّة التي أرشد إليها النبيء - صلى الله عليه وسلم - لعلاج الغضب والتخفيف من التوتّر، وجاء الطبّ الحديث ليثبت صحتّها، أن يغيّر الإنسان الوضع الذي كان عليه حال الغضب من القيام إلى القعود إلى الاضطجاع.
عن أبي ذرّ ـ - رضي الله عنه - ـ عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلاّ فليضطجع». (1/221)
صفحة 222
وقد كشف الطبّ الحديث أنّ هناك العديد من التغيّرات التي يحدثها الغضب والتوتّر في جسم الإنسان، فالغذّة الكظريّة التي تقع فوق الكليتين، تفرز نوعين من الهرمونات هما هرمون "الأدرينالين"، وهرمون "النور أدرينالين" فهرمون الأدرينالين يكون إفرازه استجابة لأيّ نوع من أنواع الانفعال أو الضغط النفسي، كالخوف والغضب، وقد يفرز أيضا لنقص السكر، وعادة ما يفرز الهرمونان معا.
الضغوط أعدى أعداء أداء الذاكرة
يقول علماء الذاكرة: «إنّ أشرس عدوّ خفيّ للذاكرة والصحّة هو الضغوط النفسيّة، إنّ ارتفاع مستوى القلق والضغوط غالبا ما يزحف علينا بدون أن ندرك، كما أنّ كثيرا من الناس يعيشون حياة محمومة مضغوطة وعصبيّة، حيث تتراجع معها النتائج البدنيّة والذهنيّة بصفة كبيرة، والتي يمكن أن نتحصّل عليها أثناء فترات الراحة والطمأنينة».
والغضب يمكن أن يدفع الجسم إلى إفراز نسب مرتفعة من هرمونات التوتّر، والقلق، والاكتئاب، ويمكن أن يعطّل الذاكرة، والغضب المزمن يثير الجهاز العصبي.
إنّ مستوى أداء الذاكرة الشخصيّة يتناسب مع مستوى الضغوط النفسيّة والحالة البدنيّة، لأنّ أجسامنا وعقولنا تصل إلى قمّة كفاءتها في ظلّ الاسترخاء والتحرّر من الضغوط، وإنّ عامل الحدّ من الضغوط يملك تأثيرا قويّا طويل المدى على صحّة كلّ من العقل والجسم.
وقد وجد الدكتور {ديفيد شابيرو} ومساعدوه في جامعة [كاليفورنيا] بـ[لوس أنجلوس] أنّ هناك علاقة وطيدة بين معدّلات الضغوط النفسيّة الناجمة عن المشاعر السلبيّة مثل الغضب، وبين ارتفاع ضغط الدم، فكلّما قويت المشاعر، زاد ضغط الدم، ومع ارتفاع ضغط الدم، تزيد احتمالات الإصابة بالسكتة الدماغية، والخبل العقلي وفقدان الذاكرة، وحاش لقارئ القرآن والمحافظ عليه أن يصاب بمثل هذه الحالات.
ما قاله بعض علماء الذاكرة في القلق (1/222)
صفحة 223
«إنّ الإنسان الذي يتعرّض للقلق الدائم لغياب الأمن والأمان من واقع حياته، يعيش حالة غير متوازنة وغير مستقرّة في شخصيته، ممّا يسبّب له اضطرابا في المعلومات والتصوّرات التي يحملها في ذهنه، وبالتالي يؤدّي به ذلك إلى التصادم والارتباك في طبيعة تلك المعلومات، والتي تؤدّي بدورها إلى غياب القرائن المساعدة لاستحضارها في الوقت المناسب الذي يحتاجها فيه».
وذروة العلاج لمثل هذه الحالات النفسيّة هو ــ الذكر ــ، ذكر الله - سبحانه وتعالى - باللسان والقلب والجوارح والسلوك والعمل معا، واستحضار الحضرة الإلهيّة على الدوام، وطوال الوقت وفي كلّ قول أو عمل.
والله - سبحانه وتعالى - يقول:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}
[الأحزاب:41ـ42]
وفي الذكر شفاء ووقاية وأمن وطمأنينة، لأنّ الذكر يعيد الصلة المقطوعة بين العبد وربّه، ويربط النفس بمنبعها ويردّ الصنعة إلى صانعها، ويزيد من مساحات تفكيرها، فيتّسع اتّساعا لا يستطع أن يدركه، وبذلك تقوى أجهزة تفكيره، وقد سمّى الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم ذكرا:
- {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ... [الحجر ـ 9]
- {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
[النحل ـ 44] (1/223)
صفحة 224
فبقراءة وتلاوة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وبكثرة الذكر المتكرّر يوظّف الإنسان ذاكرته التي جعل الله - سبحانه وتعالى - قوّتها في ذلك التوظيف المتكرّر على الدوام، وينوّرها بنور الله - سبحانه وتعالى -، ويفكّر في عون ربّه - سبحانه وتعالى -، ويملأ نفسه بالقوّة المعنويّة والروحيّة مكان الخراب الذي يحبّه له الشيطان، حتّى يُضعف فيه كلّ شيء حسن ممّا يستفيد منه الفوائد الجليلة، ومنها القوى العقليّة التي يصل بها إلى إدراك عظمة خالقه - سبحانه وتعالى -، إذا أفرغها بما هو غير نافع له لا للدنيا ولا للآخرة.
وبذكر ربّه وقراءة كتابه ترتفع معنوياته الروحيّة، ويشتغل عقله بالذي هو أفضل والذي هو خير له، فتتجلّى الكلمات الصافيّة الحكيمة على لسانه.
إنّ القرآن يجعل قارئه والمحافظ على تلاوته يشعر بسكينة لا عجلة فيها، وإنّما هو موقف إيماني مليء بالعلم والمعرفة، أساسه الحكم السليم، والعقل الراجح الذي يطمح إلى الكمال، وإلى الخير الفاضل.
إنّ الغفلة عن قراءة القرآن الكريم وتدبّره هي وضعيّة ضعف يريدها الشيطان لبني الإنسان، كي لا ينجحوا ولا يفلحوا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، والضعف يتكوّن من الاضطراب النفسي الخطير، ويجعل الشخص يغفل عن سبيل الخير، ويسير بغرائزه، ما دام العقل غافلا.
إنّ في القرآن الكريم طاقة روحيّة هائلة ذات تأثير بالغ الشأن في نفس الذي خُلق ضعيفا، فهو يهزّ وجدانه إذا قرأه بتدبّر وتفكّر واستكانة ووقار، ويرهف له أحاسيسه ومشاعره، ويصقل روحه، ويوقظ إدراكه وتفكيره، ويجلي بصيرته، فيصبح بعد المحافظة على تلاوة كلام ربّه شخصا آخر جديدا، كأنّه خلق خلقا آخر. ... قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية ـ 20] (1/224)
صفحة 225
وهذا كلّه يقع للإنسان لأنّه يجعل المحافظ عليه لا يخاف مصائب الدهر وغوائل الأيّام، فهو يعلّمه الإيمان بالقضاء والقدر، فلا يجزع إن أصابه شرّ، ولا يفرح الفرح الكبير الذي يؤدّي إلى الطغيان، فإذا أصابته مصيبة يتحمّلها بصدر رحب، ويصبر الصبر الجميل، ويحمد ربّه - سبحانه وتعالى - عندما ينعم عليه بنعمة من عنده، وهذه هي الناحية الإيجابيّة التي يريد ربّنا - سبحانه وتعالى - أن يكوّنها في قلوب عباده الصالحين المخلصين لكتابه، فلا يشغلون تفكيرهم بتلك المشاغل التي تشغل لهم حيّزا من عقلهم، عوض أن يملؤوه بشيء نافع.
فالمؤمن الصادق الإيمان يعلّمه ربّه في كتابه الذي يجب عليه أن يتلوه ولو مرّة في اليوم، أن لا يجترّ أحزانه، ولا يحيا مهموما بذكريات الماضي، ولا يتحسّر على ما فاته، فلا يثقل نفسه بالهمّ، الذي يشغل به دماغه بدون فائدة أو نتيجة طيّبة، فيبدّد بذلك قواه الفكريّة بما لا طائل منه.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}
[الحديد ـ 22ـ23]
فبمثل هذه الآيات يثبت في قلب المؤمن المتيقّن بأنّ كلّ ما يصيبه في هذه الحياة هو من تدبير ربّه - سبحانه وتعالى -، مثل الفقر أو الموت أو المرض، ومثل هذه المخاوف التي تضعف له ذاكرته، وتفقد له تركيزه فيما هو مهمّ له في حياته، وربّما يصل إلى درجة فقدان ذاكرته بالكامل، فيصل إلى حالة يرثى لها.
ويصبح كذلك ذو قدرة عظيمة على تحمّل المصائب لأنّه يرى فيها ابتلاء من ربّه واختبارا له، ويجب عليه أن يصبر على ذلك، حتّى ينال الأجر العظيم والجزاء الجزيل، لأنّه يعلم أنّ ربّه لا يضيع أجر الصابرين.
قال الله - سبحانه وتعالى -: (1/225)
صفحة 226
- {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ... [الزمر ـ 10]
القرآن يقاوم الاكتئاب
الاكتئاب:
قال في المنجد: كأب، كئب، كأبا، وكأبة، وكآبة: كان في غمّ، وسوء حال، وانكسار، من حزن، فهو كئب، وكئيب.
وأكأب الرجل: حزن، وأكأب الرجل: أحزنه،
الكأباء: الحزن الشديد.
يتجلّى الاكتئاب الحادّ بمجموعة من الأعراض تؤثّر في مقدرة الإنسان على العمل والدراسة والحفظ والتذكّر والنوم والأكل والتمتّع بمسرّات الحياة.
وهناك نوع آخر من الاكتئاب أقلّ حدّة، ويسمّى Dystymia وهو وإن كان لا يعيق الإنسان تماما، إلاّ أنّه يؤثّر فيه بشكل لا يشعر معه بالراحة تماما، وقد يتطوّر هذا النوع إلى الحالة الأولى في مرحلة عمريّة معيّنة، كما أنّه توجد أنواع أخرى، وليس هنا موضع ذكرها.
أعراض الاكتئاب:
نشير هنا إلى بعض الأعراض التي قد يشعر بها المريض.
ــ شعور بالقلق والحزن والفراغ بصورة مستمرّة.
ــ شعور باليأس والتشاؤم.
ــ شعور بالذنب ونقص احترام الذات.
ــ عدم الاهتمام بالعمل وتدنّي نسبة النشاط، وانحطاط الهمّة.
ــ صعوبة التركيز والحفظ والاستيعاب والتذكّر والتردّد.
ــ الأرق، أو الاستيقاظ المبكّر، أو النوم الزائد.
ــ إلحاح أفكار معيّنة تشاؤميّة، والقلق الدائم.
ـ مشكلات صحيّة فسيولوجيّة، لا تستجيب للعلاج، مثل ألم الرأس والاضطراب الهضميّة.
ــ تغيّر في العادات الاجتماعيّة.
أسبابه:
إنّ الاكتئاب يصبح أكثر احتمالا ليصاب به المرء إذا تعرّض لأزمات في البيت أو المدرسة، وغير ذلك من الظروف الخارجيّة.
ويميل العلماء الآن بعد بحوث واختبارات متعدّدة للتركيز على الأسباب العضويّة التي قد تطرأ على الدماغ، ووجدوا أنّ الأشخاص الذين تنقصهم الثقة بالنفس ويتعاملون بتشاؤم شديد مع أنفسهم، ومع العالم الخارجي هم أكثر تعرّضا للإصابة. (1/226)
صفحة 227
وبالجملة فإنّ الاكتئاب قد ينجم عن جملة من الأسباب البيئيّة والكيماويّة التي تتّصل بالفرد، ولكن أخفّ أنواع الاكتئاب هو الذي ينجم عن الأسباب الاجتماعيّة.
الاكتئاب عند الأطفال:
إنّ الولد المكتئب غالبا ما يدّعي المرض، ويرفض الخروج من البيت والذهاب إلى المدرسة، ويتعلّق بأحد والديه تعلّقا مبالغا، ويرفض الابتعاد عنه، وينتابه القلق عندما يبتعد عنه، كما نلاحظ فيه أنّه غالبا ما يكون مشاكسا أم سلبيّا.
وهو يشعر بالتعب واليأس والتكاسل وعدم الثقة بذاته، وهذا كلّه ناتج عن التفكير السلبي الذي يفكّر به المرء، ولكي نعين الولد على التغلّب على هذا التفكير، فقد حدّد علماء النفس بعض الخطوات:
1ــ أن نعين الولد على الميل إلى التفكير الإيجابي، وعلى التفاؤل بقدر الاستطاعة، وذلك بكثرة التحاور معه في مختلف شؤونه، وفيما يخصّه من أعمال وما يشعر به من قلق، وأفضل وقت للقيام بذلك وقت ذهابه إلى النوم، كي ينام وهو منشرح الصدر فرحا مسرورا، وينهض لاستقبال يوم جديد وهو في كامل نشاطه وتفاؤله.
2ــ أن نحدّد له أهدافا واقعيّة في الحياة يستطيع تحقيقها، وليس هناك أهداف أحسن وأفضل وأكثر واقعيّة من تحفيظه السور القصيرة من القرآن الكريم، وإعانته على ذلك، لأنّ تحقيق ذلك ممّا يقوّي ثقته بنفسه.
3ــ أن نعينه على توزيع أعماله التي يجب عليه أن يقوم بها إلى مهامّ صغيرة قصيرة يستطيع إنجازها بالتقسيط وبصفة كاملة ومتقنة، ويمكن أن نعلّمه ذلك بتعليمه السور آية آية، والحمد لله أنّ الله - عز وجل - قد كفانا مؤونة تقسيم السور. (1/227)
صفحة 228
4ــ نجعله أكثر حيويّة ونشاطا، بتلقينه آية بعد آية من كتاب الله - عز وجل -، ثمّ إعادته لها مرّة بعد أخرى، لعدّة مرّات، ثمّ استظهارها، وعندما ينتهي من السورة يستظهرها، وهو فرح مسرور، وبذلك تتكوّن لديه حيويّة وانشراحا، يبعث في نفسه القوّة والثقة والاعتماد على النفس، ويستطيع أن يسيطر بها على تلك الانفعالات السلبيّة، ويستبدلها بأخرى إيجابيّة، فيمتلئ تفاؤلا، ممّا سيكون له الأثر الطيّب فيما يستقبله من أيّامه.
5ــ ألا يمكن للأمّ أن تعرف نفسيّة ولدها معرفة حقيقيّة كاملة عندما تتعامل معه بتلقين الآيات، وطلبها منه أن يعيدها، ويستظهرها، وفي كلّ مرّة تطّلع على سلوك جديد يحمله ولدها، فتتكوّن لديها صورة على الأقلّ عن شخصيّة ولدها، إن لم نقل كاملة، فإنّها ستكون واضحة بنسبة كبيرة.
ويمكن لنا أن نقول بأنّ تلك التغيّرات التي تحدث لدى الشخص، إنّما تحدث في نفسيّته وروحه، سواء إلى الجهة الإيجابيّة، أو إلى الجهة السلبيّة، فإنّ أنجع دواء نستطيع أن نقدّمه لهذا الولد هو الدواء الروحي، الذي يتمثّل في كلام ربّنا، وكيف لا وهو الذي قد ضمن لنا تأثيره على النفس والقلب.
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} ... [يونس ـ 57]
لقد أثبتت التجارب والدراسات الكثيرة أنّ هناك ارتباطا قويّا بين أعراض الاكتئاب وحالة الذاكرة التي يكون عليها الشخص، وإذا أردنا أن نحمي أولادنا من هذه الأعراض فما علينا إلاّ أن نتعامل معهم بما أنزله إلينا ربّنا - سبحانه وتعالى - بحيث لا يوجد دواء يحميهم من هذه الأعراض أفضل وأحسن منه، وهو متوفّر بين أيدينا بالمجان، وفي كلّ وقت.
مواجهة تحدّيات الحياة بالقرآن الكريم (1/228)
صفحة 229
إنّ الإنسان في هذه الحياة تواجهه كثير من التحدّيات، وخاصّة إنسان هذا العصر، وليس له شيء أو طاقة يستمدّ منها القوّة والعزم والصبر لمواجهة تلك التحدّيات أكثر من كلام ربّه، الذي يحمل في كلماته ومعانيه طاقة وقوّة الله - عز وجل - الذي خلق السماوات والأرض، وخلق هذا الإنسان بيده، وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا.
يقول الله - عز وجل -:
- {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ... [النور ــ 35]
فالإنسان إذا لم يستمدّ طاقة نورانيّة من كلام ربّه - عز وجل - تنير له تفكيره، فمن أين يستمدّها يا ترى؟.
إنّ نور ينير له فكره فيستنير به في رحلة حياته الفكريّة، ويزوّده بأساس متين ومريح ليتّخذ جميع قراراته سواء كانت أخلاقيّة أو روحيّة أو اجتماعية.
إنّ هذا الإنسان خلقه الله - عز وجل - في هذا الكون وجعل فيه غريزة معرفة الحقيقة حتّى يتمكّن من الحياة والبقاء، ولمّا علم خالقه أنّه قد وضع فيه هذه الغريزة، أنزل إليه هذا النور الكريم ليكون له دليلا يهتدي به إلى هذه الحقيقة، ولكي لا يضلّ بتفكيره في ظلمات طريق الحياة، كما قال - عز وجل -:
- {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} ... [النور ــ 40]
الضغوط المزمنة تسبّب شيخوخة الدماغ المبكّرة
إنّ عدم الانشراح والانبساط وكثرة الضغوط المزمنة سوف تعجّل بلا شكّ الشيخوخة المبكّرة لخلايا جسم الإنسان، خاصّة القوى العقليّة للذاكرة.
لماذا يا ترى؟.
ذلك لأنّه عندما لا يتوفّر للخليّة الانسجام الداخلي أو الطمأنينة، فإنّها سوف تتصرّف بطريقة غير متجانسة، وتؤثّر على الخلايا من حولها، وبذلك تنقص قوّة التلقّي وقوّة التخزين لديها، فينتج عن ذلك ضعف في الحفظ، أو ضعف في تذكّر المعلومات التي نظنّ أنّنا قد حفظناها. (1/229)
صفحة 230
إنّ خليّة واحدة ينقصها الطمأنينة والقوّة داخل الكيان الكلّي لدى هذا المخلوق (الإنسان)، فإنّها لا تستطيع أن ترتبط بالكيان الكلّي بالطريقة المرجوّة المطلوبة، وبذلك ستؤثّر سلبيّا على كامل المجموعة المتجانسة، وربّما تؤثّر حتّى على نفسها بتلك الطريقة.
إنّها ترفض التعاون مع الخلايا الأخرى المجاورة لها، فينتج عن ذلك تأثّر كلّ الخلايا الأخرى تأثّرا سلبيّا، لأنّها تتصرّف بطريقة تدميريّة محاولة أن تدمّر نفسها، في حين أنّها بذلك العمل ستدمّر الكيان الكلّي.
سبحان الله العليّ العظيم الذي خلق كلّ شيء في انسجام وتوافق وتفاهم، في كلّ كيان فكيان المجتمع الإنساني الكبير يعتبر كلّ عنصر فيه كخليّة من الخلايا التي يتكوّن منها الجسم الإنساني ككلّ، ثم في كلّ عضو من أعضائه، فإذا تفاهمت تلك العناصر وتبادلت الحبّ والتفاهم فيما بينها، فإنّ الكيان الكلّي سيسير كأحسن ما يكون، ولكن إذا ما وقع أيّ خلل في أيّ كيان مهما كان صغيرا، أو كبيرا، فإنّ الحياة ستسير في غير وجهتها الصحيحة.
- {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر ـ43]
وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:
عن النعمان بن بشير ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«مثل المؤمنين في توّادهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى». ... رواه البخاري ومسلم (1/230)
صفحة 231
ومثل ذلك الجسد الكبير، المخّ البشري الذي نستطيع أن نسمّيه جسدا صغيرا إذا صحّ التعبير، لأنّ عمليّة الحفظ والتذكّر التي يقوم بها هذا الجسم هي عمليّة ترتبط بجميع الخلايا الأخرى، التي نستطيع أن نسمّي كلّ واحدة منها بعضو مستقل بنفسه، فكلّ خليّة واحدة لديها القدرة ولها الفرصة أن تؤثّر على هذا الجسم بأكمله، سواء بطريقة متجانسة متعاطفة تؤدّي إلى العمل والإنتاج الجيّد للعقل ككلّ، أو العكس فتؤدّي إلى عدم العمل الكامل المنتج.
وقد أدخل العلماء اصطلاح [العبء الألوستاني]، أو التراكمي، وهو يعني تراكم مشاعر الإرهاق والإجهاد بسبب متاعب الحياة اليوميّة لكلّ من يشتكي دائما، ويتذمّر بأبسط مشكل يقع له، ولا يحاول أن ينسى ما يتلقّاه ممّن حوله من أعمال لا يرضاها ولا يتقبّلها.
إنّ كلمة [ألوستاني] تعني العمليّة التي يقوم بها الجسم للحفاظ على رباطة جأشه وفي مواجهة التحدّيات [أي إفراز هرمونات المضادّة للتوتّر العصبي].
وهذا هو الذي يمدّنا ويمنحنا قدرا من الطاقة الكافيّة للتكيّف مع التحدّي المفروض علينا يوميّا.
الحياة التفاؤليّة وتحمّل الصعاب
إنّ الأبحاث النفسيّة المهمّة قد أثبتت أنّ الأشخاص الذين يركّزون على النظرة الإيجابيّة التفاؤليّة للحياة بوسعهم أن يتحمّلوا الصعاب أكثر من أصحابهم الآخرين، وهذا ما يريده الله - عز وجل - من عباده المؤمنين، ما دام القرآن يرشدهم ويخبرهم بأنّ الدنيا هي دار عمل وجهاد، وأنّ الآخرة هي دار نعيم وراحة وهناء.
فمثلا إذا تعرّض لمصيبة في جسمه، أو أهله، أو ماله، والتي تؤثّر التأثير السلبي على ذاكرته، حيث تشغل له تفكيره، فلا يفكّر في الجهة الصحيحة المنتجة، ويبقى في حيرة من أمره، فعندما يقرأ كلام ربّه يبعث فيه الأمل لحلّ تلك المشكلة، وأنّها ربّما هي في صالحه، فهو يقول له بصريح العبارة:
- {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}
[النساء ــ 19] (1/231)
صفحة 232
ويبيّن له أنّ ذلك يجلب له الخير والرحمات والأجر الكبير، فيصبر عليها ما دام ربّه - عز وجل - هو الذي ابتلاه بها. ... ويقرأ قوله - عز وجل -:
- {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
[البقرة ــ 155ــ157]
فيتيقّن أنّ المصائب التي تصيبه كلّها ابتلاء من عند ربّه، وقد جعلها سببا للرجوع إليه والتعلّق به، وإذا ما صبر على ذلك ينال رضى ربّه ورحمته، ويكون ذلك من جهة أخرى سببا للتوبة والإنابة والرجوع إليه بترك العصيان، وقد بيّن العلماء أنّ للمعاصي تأثيرا سيّئا على حافظة الإنسان وذاكرته.
قال الله - عز وجل -:
- {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ... [الشورى ــ 30]
إنّ تجربة الوقوع في أزمة تجعلنا نتوقّف عن الحركة لفترة طويلة، وحينها يركّز العقل على الجوانب الخاصّة بالكارثة التي سبّبها هذا الموقف، ولا يستطيع العمل بفاعليّة، ولذلك لا يستطيع الإنسان النوم ولا الأكل، ولا يعرف كيف يجتاز تلك الظروف الصعبة.
إنّنا نستخدم عقولنا للتركيز على ما هو خطأ فقط، وعلى مدى الألم الذي يسبّبه لنا، ومدى الفظاعة التي ستقع لنا في المستقبل، كما يبدو لنا أنّ النصيحة التي يقدّمها لنا أصدقاؤنا وأقاربنا غير مرتبطة بالمشكلة التي نعاني منها، بل إنّها قد تسبّب لنا الحنق والإحباط، وهكذا لا نستطيع رؤية المخرج من حالة البؤس التي نعيشها.
الأثر المهدّئ لكلمات القرآن
ومن هنا نتوصّل إلى أنّ الأثر القرآني المهدّئ للتوتّر يمكن أن يؤدّي إلى تنشيط مراكز الاشتباك العصبي، والتي بدورها ستحسّن من قابليّة التلقّي والتخزين لمختلف المعلومات. (1/232)
صفحة 233
وكلّ التجارب التي أجراها العلماء والمتخصّصون تشير إلى أنّ كلمات القرآن بذاتها وبغضّ النظر عن مفهوم معناها لها أثر فيزيولوجي مهدّئ للتوتّر في الجسم البشري.
وبرنامج البحوث القرآنيّة ما زال مفتوحا ومستمرّا لتحقيق عدد من الأهداف الكثيرة التي يريد العلماء أن يعرفوها ويحقّقوها بمنظار علمي تطبيقي.
وقد وجد علماء مصريّون أنّ الاستماع إلى القرآن الكريم عند تلاوته وتجويده بين الحين والآخر يسبّب تغيّرات إيجابيّة على الصحّة النفسيّة ووظائف الجسم العصبيّة، سواء كان الشخص المستمع مسلما، أو غير مسلم.
كما لاحظ الخبراء في إدارة المستحضرات الطبّية واللقاحات عند دراسة نشاط جهاز المناعة في جسم الإنسان وقدرته على التخلّص من الأورام والأمراض المستعصيّة والمزمنة، في تجربة أجروها على 210متطوّع أصحّاء ممّن يعرفون اللغة العربيّة أو لا يعرفونها، وكانت أعمارهم تتراوح بين 17سنة و 40سنة، وقد استمعوا جميعا لآيات من الذكر الحكيم تتلى عليهم خلال 42جلسة علاجيّة، وتبيّن أنّ 79% منهم وقعت له تغيّرات وظيفيّة إيجابيّة وانخفاض في الاستجابات العصبيّة التلقائيّة الذاتيّة المصاحبة للتوتّر.
وقد تبيّن لهؤلاء العلماء أنّ التوتّر يسبّب انخفاض نشاط الخلايا المناعيّة في الجسم، ويُضعف قوّتها وقدرتها على إعاقة نمو الجراثيم والخلايا الخبيثة من خلال تحفيز إفرازات مركّبات معيّنة، أو تنشيط تفاعلات سلبيّة بين الجهاز العصبي والغدد الصمّاء، وهذه الحالة تؤدّي إلى حدوث خلل في التوازن الوظيفي الداخلي في الجسم.
قال الباحثون:
«إنّ الأثر المهدّئ للتوتّر الذي يمتاز به القرآن الكريم يشمل تنشيط الوظائف المناعيّة لمقاومة الأمراض ورفع كفاءتها بنسبة 65% وزيادة فعاليتها من خلال تكوين الأجسام المضادة في الدم والتي تعتبر ضروريّة للتصدّي للأمراض وتحقيق الشفاء منها». (1/233)
صفحة 234
ولا يزال هذا الموضوع في بداية أبحاثه، ولو اختصّ بعض العلماء والباحثين في البحث وإجراءات التجارب وتطبيق علاج التوتّرات بالاستماع إلى القرآن الكريم، لتوصّلوا إلى نتائج باهرة حقيقيّة لأنّ الله - عز وجل - منزّل القرآن ومعلّمه، وخالق الإنسان وعلّمه البيان هو الذي أخبر بهذه الحقائق، وقد أنزله لأجل هذا المخلوق.
والعجيب حقّا أنّ الاستماع إلى القرآن الكريم يزيل التشتّت والضجر والنسيان السريع بعكس الاستماع إلى أيّ شيء آخر.
ولا شكّ أن إزالة التشتّت وعدم النسيان السريع من الأسباب الإيجابيّة لتكوين ذاكرة قويّة حديديّة.
القرآن يمنع شيخوخة العقل
هل شيخوخة العقل مقصورة على كبار السنّ فقط، أم أنّها تصيب الشيب والشبّان على حدّ سواء؟
وهل هي مرض لا شفاء منه، أم أنّ جهود العلماء ستوصلهم إلى بارقة أمل تبعث الضوء في العقول المظلمة، وتعيد التفاؤل والسعادة إلى نفوس بعض المسنين في قضاء بقيّة أيّامهم وهم يتمتّعون بذاكرة حسنة، وتعيد الابتسامة إلى شفاه حرمت منها منذ أن داهمها هذا المرض الرهيب؟
إنّه مرض رهيب، لأنّه كما يقول العلماء:
«إنّ جوهر حياتنا مبنيّ على أساس الذاكرة، فالذاكرة تحدّد من نكون، وماذا نكون، وماذا نستطيع أن نكون، أو نصنع، وبها نبني مستقبلنا، أو نحافظ عليه، إذا كنّا قد قطعنا شوطا معتبرا في الحياة «.
إنّ الذاكرة هي الكيان الشامل الذي يملي علينا كيف نتفاعل معرفيّا وعاطفيّا وبدنيّا وروحيّا، وتمثّل الذاكرة كلّ تفاعلاتنا في دنيانا.
والقرآن يتفاعل مع الذاكرة تفاعلا إيجابيّا فهو يعلّمنا كيف نتعامل مع كلّ تلك التوجّهات، التي هي جزء من حياتنا اليوميّة، وليس هناك إنسان عاقل لا يرجو أن تكون له ذاكرة قويّة كاملة، والذاكرة غير معصومة، ولكن يمكن السيطرة عليها، ويمكن للقرآن أن يجعلها تعمل بكلّ قوّة، إذا تعاملنا معه بصدق وإخلاص.
للذاكرة قدرة عظيمة: (1/234)
صفحة 235
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد وهب لكلّ واحد منّا جهازا بالغ القدرة على التفكير، وهو يعمل في تناغم ليقوم بمراحل تلقّي المعلومة وتشفيرها، كي تخزّن على هيئة رموز داخليّة، ثمّ استرجاع تلك الرموز بعد ذلك، أو استدعاؤها في وقت لاحق، وهو في كلّ هذه المراحل يقوم بإعطائنا تصوّرا داخليّا لعالمنا الخارجي، وإحدى الخطوات الأولى الضروريّة لمعرفة قدرة هذا الجهاز، وتحسين عمله، هي أن ننظر إليه بطريقة واقعيّة متوازنة.
إنّ بناء توقّعات غير واقعيّة لذاكرتنا سوف يجعلها تخفق في عملها، وتصل إلى درجة من الإحباط لا نهاية له، وإذا أصيب الإنسان بمثل هذه الاعتقادات وهو في منتصف مرحلة عمره، فإنّ ذلك سيؤثّر فيه تأثير سلبيّا، خاصّة إذا زاد إلى ذلك الاعتقاد عدم الاهتمام بتشغيلها بمختلف النشاطات التي تزيد من نشاطها وقوّتها.
البداية المبكّرة، والبداية المتأخّرة:
يمكن تقسيم بداية مرض ضعف الذاكرة، أو فقدانها إلى مبكّرة، و متأخّرة، ففي النوع المبكّر يحدث المرض قبل سنّ الخامسة والستّين، وهذا النوع نادر ويتطوّر عادة بسرعة كبيرة، ويكوّن نسبة 10% من حالات هذا المرض، أمّا في النوع متأخّر البداية فيحدث بعد سنّ الخامسة والستّين، وهذا النوع هو الأكثر شيوعا، ويشكّل بقيّة الحالات، أي 90%.
تأثير المرض على عمليّات المخّ:
يؤثّر مرض فقدان الذاكرة {ألزهايمر} في عمليّات رئيسيّة في المخّ، منها: موت معظم الخلايا العصبيّة في المخّ، وهي لا تستبدل عند كبار السنّ الذين جاوزوا الستّين، لأنّ عمليّة الإصلاح الطبيعيّة التي يتمتّع بها مخّ الإنسان الشابّ تنهار.
والعمليّة الثانية تعرف بانهيار وضعف الاتّصال الطبيعي بين الخلايا العصبيّة، ونقصان، أو انعدام الناقلات العصبية التي تقوم بعمل نقل المعلومات بين الخلايا، لأنّ جسم الإنسان في تلك السنّ يضعف فيه إفراز الهرمونات التي تضمن العمل الجيّد والحسن لأعصاب وخلايا المخّ. (1/235)
صفحة 236
أمّا العمليّة الثالثة فهي ضعف تغذيّة الخليّة العصبيّة بما يكفيها من الفيتامين والأكسجين، لأنّ هذا المرض يعوق كثيرا قدرة الخلايا الدماغيّة على تلقّي الطاقة والتغذيّة الكافية، وعندما تصل الخلايا إلى مثل هذه الحالة، فإنّها تهلك جوعا.
التغيّرات السلوكيّة عند المريض:
قال أحد المصابين الجدد وهو رجل في الثالثة والخمسين من العمر، عند أوّل شعوره بشيخوخة دماغه: عندما يشعر الإنسان أنّه بدأ يفقد قدرته على التذكّر، يدرك أنّه قد أصبح في عداد الموتى، فأنا الآن لا أكاد أذكر احتياجاتي التي لا غنى لي عنها إلاّ بصعوبة، لقد أصبحت أفكاري خاوية، وصرت أشعر أنّني أعيش في فراغ، فبهذه العبارات المفزعة عبّر هذا الرجل عن الحالة التي وصل إليها، وقد كان يعتقد أنّه لن يستطيع أن يصوغ مثل هذه الجمل.
تطوّرات جديدة:
إنّه على الرغم من أنّ أسباب المرض ما زالت غير محدّدة جيّدا، فإنّ الباحثين في هذا المجال ما زالوا يواصلون أبحاثهم ودراستهم في محاولة دؤوبة لا تكلّ ولا تملّ للكشف عنها، فمعرفة الأسباب وتحديدها قد تساعد على تفادي الإصابة بالمرض.
ففي عام 1976 اكتشف علماء بريطانيّون في ثلاثة مختبرات أنّ المصابين بالمرض هم من المصابين بفقر ملحوظ في أحد الأنزيمات، الذي يعمل على إنتاج مادّة الاستيل كولين، التي تساعد على إنعاش الذاكرة، وتسهيل عمليّة الاتّصال بين الخلايا العصبيّة، وقد كان هذا الكشف حافزا قويّا لاستكمال بحوثهم في هذا الاتّجاه، كما يقول الدكتور بيتر ديفنز، أحد الباحثين العاملين في كليّة ألبرت آينشتين للعلوم الطبّية في نيويورك.
والأستيل كولين هو الهرمون المسؤول عن أنشطة كثيرة داخل الجهاز العصبي، وهو إحدى الناقلات العصبيّة الرئيسيّة المشتركة في الذاكرة، وتتضمّن الآثار الجانبيّة لمثبّطات الأستيل كولين اختلالات الذاكرة قصيرة الأجل والتشوّش. (1/236)
صفحة 237
وقد مكّن هذا الاكتشاف الدكتور دونالدبراس، والفريق العامل معه في جامعة جونز هوبكنز للعلوم الطبّية، من السير قدما في أبحاثهم، وقد اكتشفوا من التحليلات التي أجروها على أدمغة المصابين خللا في النيورونات في النواة الأساسيّة للدماغ التي تقع في مكان عميق منه، حيث يتمّ إنتاج سائل الأستيل كولين بشكل طبيعي، ليقوم بعمله في تنشيط وتغذيّة بقيّة خلايا الدماغ.
انسداد مركز تجميع المعلومات:
يوجد في الدماغ البشري جزء خاص بتجميع المعلومات التي ترد إليه، وتخزينها فيما يمكن أن يطلق عليه تجاوزا اسم: مركز تجميع وتخزين المعلومات، ويقع تحت قشرة الدماغ الوسطى.
ولا ريب في أنّ حدوث انسداد في المدخل المؤدّي إلى هذا المركز الحيوي في الدماغ ـ التخزين ـ، وانسداد آخر في النقطة التي تسمح للمعلومات المخزّنة بالخروج ـ الاستذكارـ، سيجعل من الدماغ عضوا غير قادر على استقبال أيّة معلومة جديدة، أو السماح للمعلومات المخزّنة بالخروج، ليستفيد منها صاحبها، وبالتالي يفقد ما يسمّى بالذاكرة، وهذا ما صرّح به الدكتور انطونيو داماسيو وهو أحد أعضاء فريق الباحثين في جامعة "أيوا" ويضيف قائلا:
ونحن نعتقد أنّ هذا قد يكون أحد الأسباب التي يمكن بواسطتها تفسير بعض أنواع فقدان الذاكرة، التي يعاني منها بعض الناس في مرحلة مبكّرة من العمر.
الكتل والتلافيف:
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد خلق في جسم الإنسان بعض الغدد التي تفرز مواد بروتينيّة تقوم بتغذيّة خلايا الدماغ، وإحدى هذه المواد الرئيسيّة التي تساعد على تكوين هذه المادّة البروتينيّة هي مادّة " RNA". (1/237)
صفحة 238
وقد اكتشف الدكتور شارلز ماروتا أحد العاملين في مستشفى "ماكلين" في "بلمونت" أنّ المناطق التي تتكاثر فيها الكتل والتلافيف في أدمغة المصابين بالمرض، تقلّ فيها هذه المادّة بشكل ملحوظ، وبالتالي تقلّ المادّة البروتينيّة التي تقوم بتغذيّة خلايا الدماغ، ومادّة " RNA" هي التي تساعد على تكوين المادّة البروتينيّة، ويقوم الجسم بالتخلّص منها بعد أداء مهمّتها بأحد الأنزيمات التي يفرزها.
وقد توصّل الدكتور ماروتا على أدلّة تثبت وجود زيادة ملحوظة في نشاط هذا الأنزيم في أدمغة المصابين بهذا المرض، ممّا قد يكون سببا مهمّا في نقص المادّة البروتينيّة المغذّية لخلايا الدماغ.
أسباب المرض
إنّ العلماء لم يتوصّلوا بعد إلى حقائق ثابتة قاطعة وحاسمة في أسباب هذا المرض وطريقة الحماية منه، أو معالجته بعد الإصابة به والحقيقة التي تمكّن العلماء من الوصول إليها حتّى الآن، هي أنّ المرض قد لا يكون له سبب واحد، بل أسباب عديدة متداخلة بعضها ببعض، تشمل الفيروسات والمواد السامّة والجينات الوراثيّة، وإذا كان كذلك، فنستطيع أن نحكم بأنّ السبب الرئيسي في نشوء هذا المرض هو الإحباط النفسي، وانطواء الشخص على نفسه، ممّا يجعله لا يستعمل ذهنه بصفة جيّدة وفعّالة، وهذا الخمول الذهني يسبّب له ضمور الخلايا الدماغيّة وعدم تواصل الأعصاب الخلويّة فيما بين تلك الخلايا بصفة قويّة وفعّالة، كما أنّ الإحباط يسبّب اختلال إفرازات الغدد وعدم توازنها، وبذلك تنقص كميّة المواد التي تحفظ الأعصاب والخلايا من الإصابة بالتصلّب والتشنّج.
القرآن خير علاج: (1/238)
صفحة 239
إنّ المداومة على حفظ القرآن وتلاوته وتدبّره ينير العقل، ويجعله يفكّر بحكمة، ويظهر ذلك في قوّة تفكيره وإيجابيّته، وذلك لأنّ القرآن قد نظّم الله - سبحانه وتعالى - كلماته وآياته ومواضيعه على طريقة توفّر المثيرات الجيّدة والإيجابيّة، والتي تثير الروابط الموجودة والقائمة بالفعل بين الخلايا العصبيّة الدماغيّة.
إنّه توجد إلى الآن عشرات بل مئات الأمراض لا تعرف حتّى الآن أسبابها، ويقول العلماء إنّ كثيرا من الأمراض الجسميّة تتسبّب فيها إحباطات نفسيّة، لأنّ أصحابها لم يستنيروا فيها بنور الله - سبحانه وتعالى -، هذا النور الذي أنزله ربّنا - عز وجل - إلى عباده المؤمنين، الذي ينير لهم حقيقة النفس البشريّة، وحقيقة الحياة، لأنّ اعتماد الإنسان على علمه وحده من دون نور الله - سبحانه وتعالى -، من دون حفظ الله - عز وجل -، من دون التعامل مع هذا النور يصاب بمختلف أنواع الأمراض النفسيّة التي تجلب له مثل تلك الأمراض الجسميّة.
الحفاظ على كتاب الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يحفظ العقل:
من تعلّم القرآن متّعه الله - عز وجل - بعقله، ومن أتعب بصره بالنظر في كتاب الله - سبحانه وتعالى - حفظ الله له بصره، ومتّعه به طول عمره، ومن استعمل سمعه في الاستماع إلى كتاب الله - عز وجل -، حفظ له سمعه إلى آخر أيّام عمره في هذه الحياة.
- {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ... [يوسف ـ 64]
يقول الشاعر:
وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلّهنّ أمان
فعلى كلّ من يريد أن يجلب لنفسه حفظ الله - عز وجل -، فما عليه إلاّ أن يحافظ على كتابه، وإذا جلب الإنسان لنفسه هذا الحفظ فإنّ الله - سبحانه وتعالى - يسخّر له كلّ شيء في حياته ليحفظ له صحّته، وجميع جوارحه. (1/239)
صفحة 240
فحفظ القرآن والمداومة على قراءته ينير عقل صاحبه، فيحفظه له ربّه من العته، ومن اضطرابات فقد الذاكرة، والاضطرابات المعرفيّة، واضطرابات الانتباه، لأنّ ربّه سيكافئه بذلك جزاء حفظه للقرآن الكريم، فهو قد جعل عقله وعاء لحفظ القرآن، فالله - سبحانه وتعالى - حفيظ وعليم، وكريم لا يضيّع من حافظ على كلامه، ولا يصيبه بما يضيّع له عقله، لأنّ ذلك سيكون سببا لنسيانه كتاب الله - عز وجل -، فالله - سبحانه وتعالى - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وحفظ القرآن، والمداومة على تلاوته من أحسن الأعمال، وحاشى لله أن يضيّعه لمن داوم عليه.
وحفظ القرآن وتلاوته يملأ قلب صاحبه بالنور والحكمة، ويجعل ينابيع العلم تتفجّر منه، وأهل القرآن يذكرهم فيمن عنده فلا يصيبهم بما سيجعلهم ينصرفون عن تلك التلاوة.
وهو مستمسك بالعروة الوثقى، لذلك يضمن له ربّه الاستمتاع بالشفاء الدائم، ويعصمه ربّه من الزيغ الذي يكون ربّما سببا في إصابته بمثل هذه الأمراض التي تجعله هيّنا على أهله، وهذه الحالة لا يهين الله - سبحانه وتعالى - بها أحدا من عباده الذين يحافظون على كتابه.
فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:
«القرآن أكرم من أن يزيل عقول الرجال»
وعن ابن عبّاس ـ رضي الله عنه ـ قال:
«من قرأ القرآن، لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك في قوله - سبحانه وتعالى -:
- {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
[التين ـ 5 ـ6]
قال: الذين قرؤوا القرآن.
وقد قال ربّنا - عز وجل - في هذا المعنى:
- {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
[النحل ـ 70]
إنّ أقوى شيء يدفع مختلف الأمراض عن جسم الإنسان هو كتاب الله - عز وجل -، وذلك بعد اصطلاحه مع ربّه - عز وجل - والمحافظة على كتابه. (1/240)
صفحة 241
- {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء ـ 82]
إنّه بذلك يجلب عناية ربّه - عز وجل - له، فيكون معه في كلّ أعماله، يحفظه، ويلهمه الابتعاد عن كلّ ما يضرّ بصحّته، وما يجلب له تلك الإصابة التي تضرّ به، ويعتني به، ويوفّقه إلى ما فيه خيره وصلاحه، خيره وصلاحه لنفسه، ولجسمه، ولصحّته، ولأسرته، ولماله، ولأولاده، ولكافّة ما يتّصل به، فالله يحفظ المؤمن، ولا يضيّعه، بل يحفظ له عمله، فيكافئه به بما يهبه له من الخير في الدنيا قبل الآخرة.
والإنسان مهما كان ألمعيّا، ومهما كان ذكيّا، ومهما كان عبقريّا، إن لم يستنر بنور الله القرآن الكريم، فهو في عمى البصيرة.
- {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحجّ ـ 46]
لذلك نجد بعض الناس في أعلى درجات الذكاء يرتكبون حماقات لا توصف، والله - سبحانه وتعالى - سمّى نفسه نورا، لأنّ النور يصدر منه، هو نور الآفاق بالدلائل وبالنجوم، وبما خلقه من مخلوقات.
- {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ... [النور ـ 35]
وسمّى كلامه نورا، لأنّه ينير عقل الإنسان، وينير قلبه، وينير له طريقه في هذه الحياة، وينير له الطريق غدا يوم القيامة.
- {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ}
[الحديد ـ 12]
الاهتمام بكتاب الله - سبحانه وتعالى -:
وإذا اهتمّ العبد بكلام ربّه حفظا وتلاوة وتدبّرا ودعوة إليه، وعلم ربّه فيه خيرا، فإنّه سيضعه تحت العناية المشدّدة، ويتابعه حتّى لا يسقط فيما لا يرضي خالقه. (1/241)
صفحة 242
وهذا الدماغ هو من صنع الله - عز وجل -، وهو الذي يعلم ما يصلحه ويصلح به، ويعلم ما يحفظه من مختلف الأمراض، سواء النفسيّة، أو العضويّة، فهو يحفظه من كلّ ما ينقص من قيمته، وما يجعله ينسى كتابه، فإذا وجد الواحد منّا يهتمّ بالقرآن الكريم، فإنّه يلهمه ويهديه لكلّ ما يجعله قويّا، يعينه على أن يداوم على تلك الحالة، إذن فما على العبد المؤمن إلاّ أن يداوم على كتاب ربّه - سبحانه وتعالى -، حتّى يصبح أهلا للحفظ والعناية.
- {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} ... [الأنبياء ـ42]
إنّه كلّما تقدّم العلم اليوم، وكلّما تقدّم علم الطبّ، وجد أنّ الشدّة النفسيّة وراء أكثر الأمراض المستعصيّة.
وإذا سأل الإنسان عن أعظم شيء خلقه الله - عز وجل - في هذا الكون، فيقال له: إنّه العقل، لأنّه مناط التكليف، ولولا هذا العقل الذي أودعه الله - سبحانه وتعالى - في الإنسان، وهو وسيلة معرفة خالقه وخالق هذا الكون، ما كلّفه بتحمّل الأمانة، ولما حاسبه على تلك الأمانة.
المحافظة على الذاكرة بالأذكار والأوراد
وقد وجّه الله - سبحانه وتعالى - إلى عباده المؤمنين توجيهات من خلال رسولهم محمّد - عز وجل - يبيّن لهم فيها أنّ المواظبة على أذكار مخصوصة في أوقات مخصوصة، تجعل خلايا عقلهم في انتباه ونشاط دائم، ومتواصل، فيحفظها لهم ربّهم إلى آخر عمرهم وهي في صحّة جيّدة، فلا يصابون بشيء من ضعف الذاكرة، فكيف به فقدانها.
- {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} ... [الأعراف ـ 205] (1/242)
صفحة 243
وذكر الله - سبحانه وتعالى - في النفس يكون أحرى للتدبّر والتفكّر والتذكّر، فينبّه الذاكر إلى ما يقوله، وإلى ما يذكره، فيكون ذلك سببا لإعمال خلايا دماغه وتنشيطها، فلا تفقد قوّتها، ولا تتكاسل عن التفكير، لذا يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوصي أتباعه المؤمنين بكثرة الذكر ويأمرهم به.
فمن حديث عبد الله بن بسر - رضي الله عنه - أنّ رجلا قال:
«يا رسول الله إنّ شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأخبرني بشيء أتشبّث به، قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله - عز وجل -». ... رواه الترمذي
إنّ الذكر يجعل عقل المرء دائم التفكير والتركيز على ما يعيده من الأذكار التي يؤجر عليها، وزيادة على ذلك فهي تدفع عنه التفكير السلبي في مشاكل الحياة التي تعترض له، والتي تجلب له الضغوط التي تشتّت الذاكرة، فلا يستطيع الإنسان أن يركّز في تفكيره.
والله - سبحانه وتعالى - يريد من عباده الصالحين أن لا يكونوا من الغافلين الذين لا يعملون عقولهم بصفة جيّدة وإيجابيّة، ولا يركّزون فيما يجلب لهم النفع والصلاح لدنياهم ولآخرتهم، لذلك فقد حذّر من نقيض الذكر وهو الغفلة، فقال - عز وجل -: {ولا تكن من الغافلين} فهو - سبحانه وتعالى - يعلم أنّ الغفلة تضعف عمل العقل، فيصبح لا يفكّر تفكيرا قويّا صحيحا، ولا ينطق صاحبه بالحكمة التي هي من صفات المؤمنين.
والله - سبحانه وتعالى - يطلب من عباده المؤمنين أن يذكروه كثيرا، ولا يغفلوا عنه، فيقول لهم:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}
[الأحزاب ـ 41ـ42]
ولأهميّة الذكر وتقويّته للذاكرة وتوجيهه للتفكير إلى الناحية الإيجابيّة وأنّ المراد منه التذكّر، ويقظة العقل بالتفكير في المذكور بصفة جيّدة، جمع الله - سبحانه وتعالى - بين الذكر والتفكّر، فقال - عز وجل -: (1/243)
صفحة 244
- {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
[آل عمران ـ 190ـ191]
لقد كان جلّ الصحابة والتابعين وعلماء السلف الصالح مواظبين على أوراد اتّخذوها لأنفسهم، من تلاوة القرآن الكريم، والأذكار المتنوّعة، في أوقات محدّدة، وقد كان من عادة سيّدنا عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - إن شُغل عن ورده الذي ألزم به نفسه، من أجل عمل من شؤون الخلافة، قضاه في وقت لاحق.
لا تحزن في اللحظات الأخيرة من حياتك
قال عائض القرآن في كتابه: لا تحزن:
فهذا أبو الريحان البيروني قد عاش 78 سنة وهو مكبّا على تحصيل العلوم، منصبّا على تصنيف الكتب، يفتح أبوابها ويحيط بشواكلها، ولا يكاد يفارق القلم يده، وعينه النظر، وقلبه الفكر إلاّ فيما تمسّ الحاجة إليه في المعاش، وهذا ديدنه في سائر الأيّام.
قال الفقيه أبو الحسن عليّ بن عيسى، دخلت على أبي الريحان، وهو يجود بنفسه، وقد قارب الموت، فقال لي وهو في تلك الحال:
كيف قلت لي يوما حساب الجدّات الفاسدة؟ أي في الميراث، وهي التي تكون من قبل الأمّ، فقلت له إشفاقا عليه: أفي هذه الحالة؟ قال لي: يا هذا أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة، ألا يكون خيرا من أن أخليها، وأنا جاهل بها؟ فأعدت عليه المسألة، وحفظ وعلّمني ما وعد، وخرجت من عنده، فسمعت الصراخ.
إنّها الهمم العالية التي تحفظ لأصحابها كامل قواهم العقليّة وهم في آخر نفس من حياتهم.
ونلاحظ هنا جيّدا قوله وحفظ، فقد حفظ المسألة وهو في آخر حياته بعد عمر مديد، وما ذلك إلاّ لأنّه قد درّب عقله على ذلك طوال حياته. (1/244)
صفحة 245
وهذا هو سيّدنا عمر بن الخطّاب في سكرات الموت، ينزف جرحه دما، ويسأل الصحابة: هل أكمل صلاته، أم لا؟
وقال إبراهيم بن الجراح: مرض أبو يوسف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلمّا أفاق، قال ليّ ما تقول في مسألة كذا؟
قلت: أفي مثل هذه الحال؟ قال: لا بأس ندرس بذلك لعلّه ينجو ناج.
فعلا إنّها همم عاليّة وإرادة فولاذيّة درّبوا عليها أنفسهم فيما مضى من أيّام حياتهم، فبقيت نشيطة منتبهة وهي تجود بأرواحها، وتفارق هذه الحياة، فبهذا صاروا علماء أفذاذا وأئمّة في العلم.
التغيّرات المصاحبة لتقدّم العمر:
إنّ كلّ إنسان في هذه الحياة تحدث له تغيّرات كثيرة عندما يتقدّم في العمر، نفسيّة وفكريّة إلى جانب التغيّرات الجسميّة، خاصّة عند بداية فترة التقاعد لديه لأنّ التقاعد يجبره على استخدام المخّ بطريقة مختلفة، وعلينا أن نتذكّر بأنّ المخّ مثل عضلات الجسم الأخرى يجب أن تدرّب وتمرّن تدريبا متواصلا حتّى تحافظ على حيويّتها ونشاطها وقوّتها، وحتّى تبقى على شكلها المعهود دائما.
ونحن المسلمون والحمد لله قد أنزل الله - عز وجل - إلينا كتابه الذي يستطيع أن نتعامل معه في أيّ فترة من العمر، بل إنّ المؤمن القويّ الإيمان يزداد تعامله مع القرآن الكريم في كبره أكثر ممّا كان عليه في صغره وفترة شبابه، مع التنبيه أنّ ذلك في الصغر أفضل منه في الكبر، رغم كثرة الشهوات والملهيات، وفي هذا يتجلّى قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في من يظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه، وذكر منهم: شابا نشأ في طاعة الله.
اختلاف درجة النشاط الذهني: (1/245)
صفحة 246
وقد لا يكون عقل الإنسان في درجة النشاط التي كان عليها من قبل، عندما كان شابّا نشيطا، ويبدأ في التعامل مع وقته بطريقة مختلفة، خاصّة في هذا العصر الذي تتقدّم فيه العلوم بسرعة، وتتطوّر الحياة تطوّرا كبيرا يوما بعد يوم، ويجد نفسه أمام ثقافة جديدة لم يكن قد استوعبها، لأنّها تختلف اختلافا كبيرا عن أفكاره التي يحملها.
إنّ هذا التغيّر في الثقافة والأفكار والعلوم يجعلنا نبدأ الصراع مع تلك القضايا الجديدة وننشد الموازنة بين ما تعلّمناه من عادات وبين تلك التغيّرات التي تواجهنا بتقدّم العمر، ونبدأ في تغيير نظرنا إلى معنى حياتنا التي قضيناها من قبل، ونقارنها مع الفترة التي بقيت لنا أن نعيشها، والتي لا يعلمها إلاّ الله - سبحانه وتعالى -.
نبدأ في التفكير في الخير والشرّ الذي قدّمناه بين أيدينا، وهل تركنا أثرا طيّبا في كلّ ما حولنا.
وقد يواجهنا إحساس جديد بالوحدة والعزلة، وربّما تصبح مواردنا الماليّة محدودة أكثر من قبل، ونجد أنفسنا مهمومين حول تسديد الفواتير، وتلبيّة مختلف الحاجيّات التي نحتاجها في حياتنا اليوميّة.
كيف نسيطر على تلك التغيّرات:
إنّ تلك التغيّرات الاجتماعيّة والعاطفيّة قد تؤثّر سلبيّا، وبقوّة على فعاليّات الذاكرة، ومن الضروري أن نستمرّ في البحث عن أعمال وخبرات نستطيع أن نمرّن بها أجسامنا وعقولنا، كي نخرج بسلام من تلك المؤثّرات، ونتغلّب على تلك التحدّيات.
التفاؤل يجلب السعادة
التفاؤل يجلب السعادة إلى النفس، ويملأ القلب طمأنينة ورضى، ويفيض عليه سرورا، فيكون ذلك باعثا على التفكير الإيجابي، وعلى الجدّ والنشاط في العمل، فتقوى عزيمة المرء جرّاء ذلك، وتعينه على الظفر والتفوّق.
يقول العلماء: «إنّ المكوّنات الرئيسيّة لتحقيق الصحّة العقليّة هو التفاؤل». (1/246)
صفحة 247
وفي دراسات إحصائيّة توصّل الباحثون إلى أنّ التفكير الإيجابي أمر لا غنى عنه للوصول إلى السعادة، ومن هذه النتيجة تأكّد المعتقد والحجّة التي تبيّن بأنّ التفاؤل يحسن من الصحّة العقليّة من خلال البحث والدراسة.
وجد الدكتور "مارتين سيلجمان" وهو باحث رائد في دراسة التفاؤل، وأستاذ علم النفس بجامعة "بنسلفانيا" أثناء تلخيصه لما توصّل إليه من نتائج عن التشاؤم ـ نقيض التفاؤل ـ أنّه يؤدّي إلى:
ــ الاكتئاب.
ــ القلق والتوتّر.
ــ القنوط وفقدان الأمل.
ــ الإحباط والانتكاس.
والمثل الإنجليزي يقول: ما السعادة إلاّ في صحّة العقل.
والقرآن يحقّق للمؤمن الذي يداوم على تلاوته بتدبّر وفهم سكينة النفس وأمنها وطمأنينتها، لأنّه يمدّه بالأمل في الحياة، والرجاء في رحمة الله - عز وجل - وعونه ورعايته وحمايته.
فالمؤمن الذي يتلو القرآن باستمرار ودوام يتيقّن بأنّ ربّه هو الذي يدبّر له حياته وأموره، لذلك فهو يشعر بأنّ ربّه - سبحانه وتعالى - معه دائما، وهو في عونه في كلّ عمل يقوم به، كفيل بأن يبثّ في نفسه الشعور بالأمن والأمان.
فهو يقرأ قول ربّه - عز وجل -:
- {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ... [البقرة ـ 112]
إنّ المؤمن بالله إيمانا صادقا يرشده قرآن ربّه أن لا يخاف من شيء في هذه الحياة الدنيا، وأنّه لا يمكن أن يصيبه شرّ أو أذى إلاّ بمشيئة ربّه - سبحانه وتعالى -، ولا يمكن لأيّ إنسان، أو لأيّة قوّة أخرى في هذه الحياة أن تلحق به ضررا، أو تمنع عنه خيرا إلاّ بمشيئة ربّه - سبحانه وتعالى -.
- {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ... [الأحقاف ـ 13] (1/247)
صفحة 248
وهو يبيّن له ويبعث فيه اليقين والثقة بأن رزقه بيد ربّه - عز وجل -، وأنّ ربّه - سبحانه وتعالى - قدّر الأرزاق، وقسمها بين خلقه، فهو يملأ قلبه بالرضى، فلا يخاف الفقر، وإذا قدّر الله - سبحانه وتعالى - له أن يكون قليل الرزق، فهو راض بما أعطاه له، ويعلّمه أن يكون كثير الحمد لربّه على نعمه الكثيرة التي أفاضها عليه، مثل نعمة الإيمان، ونعمة الحياة، ونعمة الصحّة، وراحة البال.
- {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
[الزخرف ـ 32]
والقرآن الكريم يعلّم المحافظ على تلاوته أن لا يخاف من الموت، إنّه ينظر إلى الموت بنفس راضيّة مطمئنّة، لأنّه يخبره، ويقول له:
- {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا}
[آل عمران ـ 145]
- {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
[المنافقون ـ 11]
والحقيقة لو أنّ المؤمنين تأمّلوا آية واحدة من آيات كتاب الله الكريم، وهم يحفظونها جميعا، ذكرا وأنثى، صغيرا وكبيرا، وقد بدأ بها كتابه، وجعلها في أوّل كلّ سوره، إلاّ سورة واحدة لكفتهم ولوسعتهم جميعا، ولملأت قلوبهم إيمانا ويقينا، ونفوسهم طمأنينة وسكونا لقضاء ربّهم - عز وجل - وقدره، وهي قوله - سبحانه وتعالى -:
- {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ... [الفاتحة ـ 1]
الشعور بالسعادة من أسباب تنشيط الذاكرة
إنّ الله - سبحانه وتعالى - يقصد من وراء إخبار عباده بمثل هذه الصفات أن يملأ نفوسهم بالسعادة والتفاؤل في الحياة، وقد اكتشف العلماء بعد دراساتهم المتعدّدة أنّ من الأشياء الأساسيّة التي تدفع الذاكرة إلى العمل، وتبعث فيها النشاط هو شعور صاحبها بالسعادة والاطمئنان. (1/248)
صفحة 249
فعلى سبيل المثال، أثناء إجراء بعض التجارب وجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين يتظاهرون بالسعادة والتفاؤل، يشعرون باحترام كبير لأنفسهم، ويميلون ميلا شديدا إلى التفكير الإيجابي، ويجدون استجابة وحيويّة في الإجابة على كلّ سؤال يلقى عليهم.
لذلك يرشد العلماء النفسانيّون الأشخاص الذين يرغبون في اكتساب ذاكرة حسنة أن يستشعروا حالة من السعادة، وأن يتصرّفوا وكأنّهم أشخاص سعداء.
وفي تقرير ورد في نشرة "هافارد" للصحّة العقليّة، عرض بحث يؤكّد هذا المبدأ النفسي، حيث أوضح الدكتور "دافيد مايرز" والدكتور "إدوار داينر" أنّه من الممكن حقّا أن ينشّط الشخص ذاكرته إذا ما عوّد نفسه الشعور بالسعادة بصفة أفضل، وهذا يتحقّق له إذا ما انتهج خصال الأشخاص السعداء، والتي تتمثّل في أربع صفات رئيسيّة هي:
1ــ تبجيل النفس بشكل بالغ، شرط عدم تجاوز ذلك حدّ التكبّر والغرور.
2ــ الشعور بالسيطرة على مجريات الحياة.
3ــ التفاؤل.
4ــ التصرّف بشكل يغلب عليه الطابع الاجتماعي.
إنّ كلّ هذه التصرّفات الإيجابيّة تجعل الطاقة تتدفّق عبر نفوسنا لاستقبال الحياة بكلّ أمل وتفاؤل، لتسمح لاستجابات أخرى بأن تتدفّق وتنساب، وهذا يمكن أن يتحقّق إذا ما استمرّت الطاقة التفكيريّة في العمل بكلّ سعادة واطمئنان، والتي توجد بداخل كلّ إنسان.
إنّ كلّ واحد منّا يملك عقله القويّ الذي يعتبر مصدر الفكر، ومصدر الطاقة التي تعدّ في الواقع مصدر الحياة.
هذا العقل الذي قال فيه العلماء بأنّه يستطيع أن يولّد مجموعة من الأفكار أكثر من عدد ذرّات الكون.
والمثابرة هي العامل الوحيد الذي يستطيع أيّ إنسان في هذا العالم أن يكتشف من خلالها عبقريّته وموهبته الكبيرة التي وهبها له ربّه - عز وجل -.
وإنّ في كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - لآية منها نستلهم ما للمثابرة من فائدة، ومن نتائج على اكتشاف العبقريّة ألا وهي قوله - سبحانه وتعالى - في آخر سورة العنكبوت: (1/249)
صفحة 250
- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
[العنكبوت ـ 69]
يقول "كالفن كولدج":
«لا يمكن لأيّ شيء في العالم أن يحتلّ مكانة المثابرة، ولا حتّى الموهبة، فالمثابرة والإصرار فقط هما سبيل البلوغ إلى أعلى الدرجات».
إنّ الناجحين يتّصفون بالمثابرة، ويواظبون على الكدح، حتّى ولو لم يجنوا ثمارا فوريّة نتيجة لعملهم الشاقّ الذي استطاعوا أن ينجزوه بتلك المواظبة على العمل والمثابرة عليه.
لذا فالذين يتّصفون بالمثابرة يحصلون في نهاية الأمر على غايتهم أكثر ممّن يريدونها في الحاضر، ويعتبر الناجحون أنّ المثابرة هي مفتاح الحظّ الجيّد.
وإذا طبّقنا هذه القواعد على حياة المؤمن وما يعتقده، والمتمثّلة في تنميّة أعماله، لنيل الجزاء الأوفى يوم القيامة، فهذا ما يجعله يعمل الصالحات ويثابر ويجاهد في مختلف ميادين الحياة، فإذا تحصّل على نتيجة محسوسة عاجلة، فذلك هو الخير الكبير، وإذا لم يحصّل على ذلك، فإنّه لا ييأس ولا يقلق، لأنّه يؤمن ويتيقّن بأنّه سينال أجر ذلك في الدار الآخرة.
والقرآن الكريم في كثير من آياته يدعو أتباعه المؤمنين إلى العمل والمثابرة والصبر في سبيل ذلك، لأنّ هذه الحياة الدنيا ميدان عمل وصبر وجهاد.
وكلّ هذه الاعتقادات هي أسباب للتأهيل الإيجابي للذهن، وهي التي تحرّر العقل كي يتبنّى طريقة أكثر تفاؤلا، وذلك عندما تتكوّن لديه رؤية واضحة.
وصايا كبار علماء الذاكرة
استمع إلى ما يوصي به العلماء كبار السنّ، وقارنه مع معاملتك لكتاب ربّك.
إنّ التمرينات الذهنيّة مهمّة للمحافظة على القدرات الذهنيّة، وعلى سلامة خلايا الدماغ وأعصابه، تماما كما أن الرياضة مهمّة للمحافظة على القدرات الجسميّة. (1/250)
صفحة 251
التزم الآن أيّها المتقدّم في السنّ بأن تمرّن ذهنك يوميّا، اقرأ كتبا جديدة، خذ دورات دراسيّة، اجعل لك هواية جديدة، حلّ الألغاز، حلّ الكلمات المتقاطعة، اشترك في محادثات مشوّقة وبها تحدّ، ارسم، اكتب، اعمل، وأحبب، فكلّ نشاط تنغمس فيه يمرّن جزءا مختلفا من ذهنك، ويقوّي ذاكرتك كلّها ونشاطك المعرفي.
لنسمع إلى ما قاله العلماء الروحانيّون:
من فوائد القراءة أنّها تضمن الغذاء الذهني للعقل، وهي تبعد التفكير في مشاكل الحياة ومختلف سلبيّاتها، والنفس إذا تركت ولم تشغل بشيء مهمّ نافع، اشتغلت بما لا ينفع، بل بما يضرّها، والنفس فارغة لا يملؤها إلاّ العلم، وخاصّة العلم بالله - عز وجل -، والله لا يعرف إلاّ بالعلم، قال - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}
[فاطر ـ 28]
وكلّ كتاب تقرأه تستمتع به، وتستفيد منه، ونقل المعرفة شيء مقدّس وعمل راق، وكلّ قراءة ومطالعة ممتعة ونافعة ومسعدة، والقراءة تبعث الانشراح والسرور والسعادة في نفس الذي يهتمّ بمطالعة الكتب.
والذي يقرأ ويطالع كثيرا، ويبحث، يصبح كلامه بعد مدّة من الزمن كلاما راقيّا نافعا ممتعا لمن يتحدّث، أو يتحاور معه.
كما يرقى بتفكيره واهتماماته، ويكون كلامه مخالفا لكلام غيره، لا يتكلّم إلاّ في الخير، كلامه في الأهداف الكبرى، كلامه في علوّ النفس، وكلامه في إصلاح النفس، كلامه في الصعود، فيما يرفع من قيمته وقيمة مجتمعه.
المؤمن ومحافظته على توازن نفسه وذاكرته: يقول - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ـ 9]
فالمؤمن الذي يريد أن يحافظ على قوّته الفكريّة، فما عليه إلاّ أن يعود إلى كتاب ربّه قراءة وتلاوة، وتدبّرا، وإعمالا للفكر، فعنده نشاط ذهنيّ دائم، ومن تعلّم كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وداوم على تلاوته، متّعه الله بعقله حتّى يموت. (1/251)
صفحة 252
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّم القرآن، متّعه الله بعقله حتّى يموت»
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلّم القرآن متّعه الله بعقله، ومن حفظ بصره متّعه الله ببصره، ومن حفظ سمعه متّعه الله بسمعه».
والمؤمن في نشاط دائم طوال سنين حياته، فهو يحافظ على تلاوة كتاب الله - عز وجل - آناء الليل وأطراف النهار حتّى ينال الأجر الوفير، والدرجات العلى في الجنّة، وذهن العابد لله - عز وجل - فيه نشاط دائم، فهو يسأل عن وقت الصلاة ليؤدّيها في أوقاتها، يسأل عمّا يهمّه من أمور دينه.
وهو في داخل صلاته يشغل ذهنه، ماذا يقرأ؟، وفي أيّ ركعة وصل؟، الأولى، أم الثانية، ويعمل دماغه لكي يحافظ على الخشوع فيها، ويؤدّيها بكامل شروطها وسننها وواجباتها، حتّى يتقبّلها منه ربّه.
النسيان بسبب الضغوط
وذكروا أنّ من أكبر أسباب النسيان وضوحا معاناة الإنسان من ضغوط نفسيّة ومشاكل تؤثّر على حالته النفسيّة، وبالتالي على درجة تركيزه وقدرته على التركيز.
إنّ هناك إجماعا من علماء النفس على أنّ الانفعالات السلبيّة تكون دائما سببا قويّا من أسباب المعاناة من النسيان وضعف الذاكرة، لذا ينصحون دائما هؤلاء الذين يرغبون في أن ينعموا بذاكرة قويّة أن يتجنّبوا الحزن والخوف والتوتّر والقلق، وغيرها من الانفعالات التي تؤتّر على القوى العقليّة تأثيرا سلبيّا فعّالا.
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في كلامه ـ وهو خير كلام ـ أحسن علاج لكلّ هذه الحالات التي تعاني منها البشريّة خاصّة في هذه العصور الأخيرة التي أفسد فيها الإنسان حياته وصيّرها جحيما لا يطاق، بما اقترفه بيده من الإفساد والغلاء والتعدّي وغير ذلك من المشاكل، ففيه البلسم الشافي والدواء المداوي للقلوب الحائرة، وللعقول المضطربة. (1/252)
صفحة 253
إنّ مختلف هذه الأمراض النفسيّة إن لم تعالج بجديّة وبصرامة ونيّة صادقة، فإنّها تفسد حياة الإنسان، وتعرّضه لليأس والقنوط، وربّما أودت بحياته في شكل جريمة يقترفها، أو اعتداء موجّه إلى ذاته فيحطّمها، فلا يستفيد من هذه الحياة التي خلقه الله - سبحانه وتعالى - فيها لتكون له مطيّة إلى الآخرة، حين يملأها بالخير والصلاح والهدوء والاطمئنان، وتبعا لذلك يخسر دنياه وآخرته، وذلك هو الخسران المبين.
هل تريد شيخوخة منوّرة
إنّ المتّقي لربّه - عز وجل - المحافظ على تلاوة وتدبّر كلامه، يعيش شيخوخة منوّرة، وشيخوخة فيها وقار، خالية من الخرف، أو فقدان الذاكرة، فإذا حافظ الشخص على جوارحه في صغره، وشغلها بحفظ كتاب ربّه - عز وجل - وطاعته، فإنّه يحفظها عليه في كبره، فمن عاش تقيّا محافظا على تعلّم وتعليم كتاب ربّه - عز وجل -، عاش قويّا نشيطا.
كان هناك عالم عمره خمس وثمانون سنة، لا يزال قويّا، يذهب إلى عمله كلّ يوم، وله عمل رسمي، وقد حافظ على نشاطه وسلامة جسمه.
وهناك بعض العلماء في مصر قضوا حياتهم في تعليم كلام ربّهم - عز وجل - والبحث العلمي والشريعة، عاش مئة وثلاثين سنة، ويتمتّع بأعلى درجات الصحّة، وقوة الذاكرة، وعدم النسيان.
وشيخنا هنا في بريّان صالح بن محمّد فاره، الذي تعلّمنا عليه القرآن الكريم وقد علّم عدّة أجيال، حفظ الله - سبحانه وتعالى - له صحّته وذاكرته وهو في التسعين سنة من عمره، يمشي على رجليه، ويذهب إلى بستانه كلّ يوم، ويقوم بشؤونه بنفسه، بل كان يصعد النخيل وهو في عمر السبعين، وما بعدها.
وقد أخبرني ولده بأنّه كان يقرأ القرآن الكريم بكلّ طلاقة، وبدون أدنى خطأ، وهو على فراش المرض الذي مات فيه. (1/253)
صفحة 254
- {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}
[فصّلت ـ 30ـ32]
دراسة ذلك الحفظ من الناحيّة العلميّة:
وجدت الدراسات المستفيضة في دراسة مرض فقدان الذاكرة ـألزهايمر ـ أنّ خطر الإصابة بهذا المرض يتراجع لدى الأشخاص المثقّفين مقارنة بنظرائهم الخاملين ذهنيّا، وإنّ النشاط الذهني الذي يتّخذ أشكالا متعدّدة يزيد من تشغيل خلايا المخّ ممّا يجعلها نشيطة في مختلف مراحل العمر، فيدفع عنها الإصابة بهذا المرض.
وذلك تماما مثل عضلات الجسم الذي يداوم صاحبه على الرياضة حتّى آخر سنوات عمره، فإنّه يحافظ بذلك على لياقته البدنيّة إلى آخر أيامه، وهو شيخ هرم، ونجد ذلك عند الفلاحين، والعاملين في الأعمال التي تتطلّب جهدا عضليّا متواصلا، ويعتبر العلماء بأنّ العقل هو عضلة في جسم الإنسان، مثله مثل العضلات الأخرى.
وقد وجدت بعض الدراسات أنّ الأشخاص الذين يشغلون وظيفة تفرض عليهم متطلّبات ذهنيّة، مثل الباحثين والمتخصّصين، يكونون أقلّ عرضة لتدهور الذاكرة مع التقدّم في السنّ مقارنة بأقرانهم من نفس الفئة العمريّة الذين لا يشغلون أعمالا لا تعتمد على المهارت الذهنيّة. (1/254)
صفحة 255
وقد خلص الدكتور فرجيز ومساعدوه في كليّة طبّ "ألبرت أنشتين" في "نيويورك" من خلال دراستهم إلى أنّ أصحاب الذهن النشط قد حقّقوا تراجعا وصل إلى 63% أقلّ في نسبة الإصابة بالخبل من أقرانهم الخاملين الذين كانوا نادرا ما يقرؤون، أو يمارسون أنشطة ذهنيّة، ولقد ثبت من خلال البحث أنّ الأشخاص الأكثر نشاطا ذهنيّا قد حقّقوا أعلى قدر من الحماية لعقولهم، وهو ما حقّق تراجعا وصل إلى 47% أقلّ في الإصابة بالخبل مقارنة بالأشخاص الذين لا يباشرون الأعمال الذهنيّة النشطة ولو مرّة واحدة في الأسبوع، أمّا الأشخاص الذين يدرّبون عقولهم يوميّا، فقد وجد أنّهم حقّقوا تراجعا وصل إلى 10% أقلّ في الإصابة بالخبل.
فالمؤمن مأمور بتلاوة القرآن الكريم عدّة مرّات في اليوم، وليس مرّة واحدة في الأسبوع، ومأمور بأداء الصلاة خمس مرّات في اليوم، ألا يعتبر أداء مثل هذه الأعمال الدينيّة سببا لتنشيط الذاكرة، ومحافظة عليها فيما يستقبلها من أيّام العمر الطويلة إن شاء الله - سبحانه وتعالى -.
النشاط الذهني في سنّ مبكّرة:
وتشير بعض الدراسات الأخرى إلى أنّ النشاط الذهني في سنّ مبكّر من الحياة يعمل هو الآخر على حماية العقل، وخاصّة إذا كان هذا النشاط عبارة عن حفظ كتاب الله - عز وجل - من طرف ذلك الإنسان، فإنّه ينشأ مستقيم وقويّ التفكير فيما يستقبله من أيّام عمره، فيكون ذلك سببا لنشاط خلايا مخّه وحفظها من كلّ ضغط يتسبّب في ضعفها، أو تدميرها.
لقد أثبتت الدراسات التي قام بها العلماء في جامعة "كيس وسترن" في "كليفلاند" "أوهايو"أنّ معدّل فقدان الذاكرة، أو ضعفها كان أقلّ ثلاث مرّات لدى الأشخاص النشيطين ذهنيّا أثناء الأربعينات والخمسينات من العمر مقارنة بالأشخاص الخاملين.
والمسلم مأمور بتلاوة كلام ربّه - عز وجل - في كلّ مراحل عمره، خاصّة عندما يبلغ ذلك العمر الذي يعتبر مرحلة كمال عقله وقواه المتعدّدة. قال - سبحانه وتعالى -: (1/255)
صفحة 256
- {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} [الأحقاف ـ 15]
وقد وجد الباحثون في جامعة "راش" أنّ النشاط الذهني في سنّ مبكّرة تصل إلى العشرينات من العمر يعدّ مؤشّرا لوظائف إدراكيّة أفضل منها في سنّ متقدّمة من العمر، وتتّفق هذه النتائج مع ما خلصت إليه الكثير من الدراسات الأخرى التي أثبتت أنّ خريجي الجامعة يكونون أقلّ عرضة للإصابة بمرض الخبل من غيرهم ممّن لم يتعدّوا مرحلة التعليم الثانوي.
ويعتقد الخبراء أنّ أحد الأسباب الرئيسيّة التي تكمن وراء انخفاض معدّل الإصابة بالخبل نتيجة النشاطات الذهنيّة هو أنّ الشخص يعمل من خلال هذه الأنشطة على تنميّة مخزونه الإدراكي ممّا يساعده على تحمّل ومواجهة الأضرار التي قد تصيبه في خلايا مخّه وأعصابه، وتشير إحدى الدراسات التي أجراها مؤخّرا الدكتور "ياكوف سترن" وزملاؤه في جامعة "كولومبيا" بنيويورك إلى أنّ ما يحدث الفارق ليس هو حجم العقل، وإنّما كيفيّة استخدام هذا العقل.
أثر التعليم في حماية العقل:
لقد أثبتت البحوث المتعدّدة أنّه كلّما زاد معدّل التعليم والبحث واستخدام العقل بصفة منتظمة، اختلفت الطريقة التي يستخدم بها الشخص عقله عن الشخص الذي لا يقوم بمثل هذه النشاطات، ممّا يزيد ذكاءه وقوّة تفكيره، وهذا من شأنه أن يفسّر قدرة النشاط الذهني على حماية العقل من الإصابة بمرض الخبل.
ولعلّ لهذا السبب وهو أنّ الله - سبحانه وتعالى - يريد أن يحفظ عقل عباده المؤمنين المخلصين وهم في أرذل العمر أمرهم بالمداومة على تلاوة كتابه الكريم، وكثرة ذكره في كلّ وقت، وعلى أيّ حال يكونون فيها، فلا يصحّ للمؤمنين الحقّ المخلص ترك قراءة القرآن الكريم يوما من الأيّام. (1/256)
صفحة 257
فقد أمر ربّنا - سبحانه وتعالى - ونبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم - بتلاوة القرآن يوميّا، ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، وقد بيّن بعض العلماء الأوقات المفضّلة للقراءة:
وأفضل هذه الأوقات ما كان في الصلاة، وأمّا القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأوّل، وأمّا قراءة النهار فأفضلها ما كان بعد صلاة الصبح، وهذا الوقت هو جيّد ومؤثّر في خلايا العقل، لأنّها ستكون سببا لتنشيطها، وبذلك تتّوسع شرايين الدمّ الدماغيّة، فتغذّي الدماغ بما يحتاجه من أكسجين وغذاء، فيكون ذلك بمثابة الرياضة لأعضاء الجسم التي تحفظ لها قوّتها ورشاقتها.
إنّ تلاوة القرآن هي من أفضل وأجلّ أنواع الذكر، لأنّ استمرار التلاوة مع يقظة الضمير والانتباه يغرس في أفكار المؤمن معاني الآيات التي يقرؤها، وإذا ترسّخت في ذاكرته هذه المعاني، تسري منها إلى المشاعر، فتتلاقى يقظة العقل مع عاطفة القلب، فيتحقّق من ذلك أعلى النتائج التي يريدها الله - سبحانه وتعالى - من عباده الصالحين.
الفصل السادس
الصلاة والذاكرة
الصلاة تجلب الراحة والنشاط
فرض الله - سبحانه وتعالى - الصلاة على عباده المؤمنين ليجلبوا بواسطتها الراحة لنفوسهم، فإذا أدّوها حقّ أدائها، وجدوا فيها نشاطا وراحة وروحا وريحانا، فهي تقوّي الروح وتنعشها، ونتيجة لذلك تقوى الأعصاب الدماغيّة والخلايا العصبيّة، فتفرز الغدد الهرمونات بنسب معتدلة متوازنة، ممّا يضمن للمخّ عملا جيّدا وقويّا، وقد رأينا أنّ الذاكرة تعتمد على القوى الروحيّة أكثر ممّا تعتمد على القوى الجسميّة.
ويعتقد الدكتور "سولومون سيندر" من كليّة طبّ "جونز هوبكينز" أنّ تأثير التأمّل والخشوع يرجع إلى زيادة معدّل إفراز ـالسيروتونين العصبي الناقل للرسائل في العقل، والذي يمتلك تأثيرا مهدّئا. (1/257)
صفحة 258
فنحن عندما نفكّر تفكيرا مركّزا وهذا لا يكون إلاّ في الصلاة، وعندما نسترخي، فإنّ نفوسنا تمتلئ طمأنينة وراحة وسكينة، وهذا ما يمكن أن يحدث فارقا في بيولوجيا المخّ، ولياقة الذاكرة بشكل عام.
بشرى للمصلّين والمحافظين على تلاوة القرآن
إنّ الله - سبحانه وتعالى - قد فرض على عباده خمس صلوات بين اليوم والليلة، ليجد فيها المصلّي المخلص الخاشع الاستجمام الروحي، إذا تكاثرت عليه شواغل الحياة وغلبت لديه الناحية المادّية، أو الحسيّة، فإذا ثقلت نفسه بمثل تلك المشاغل هرع إلى الصلاة، فإذا هو يخلع نفسه من دنياه، ويدخل في رحاب المناجاة، فيستمدّ منه الزاد والقوّة والعتاد، ليواصل سيره في طريقه بعزيمة جديدة، وبتفتّح قلبي، وإشراق روحي.
- {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}
[البقرة ـ 45]
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة ـ 153]
وعن رجل من الصحابة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها « ... رواه أبو داود
ومن حكمة الصلاة أنّها تزرع فينا روح استغلال الوقت، وكيفيّة تنظيم أعمالنا وفقه، فالله - سبحانه وتعالى - لم يجعل الصلاة في وقت واحد، بل جعلها خمسا موزّعة على فترات، لتكون للنفس كمحطّات راحة تستمدّ منها القوّة والصبر والعزيمة.
وما دامت الذاكرة تحتاج إلى النظام، فتقسيم الصلوات وفق هذه الكيفيّة يبعث في العبد ذلك النظام، فيتعلّم كيف يوزّع أعماله اليوميّة، ليعطي لذاكرته فترات راحة، وليوفّر لها محطّات تربط بها ما تتعلّمه، وما تتلقّاه، فيسهل عليها حفظه واستيعابه، واسترجاعه، ما دام قد دخل إليها بصفة منظّمة. (1/258)
صفحة 259
ومن حكمة الصلاة أن تدفع المحافظ عليها إلى التطهّر والتنظّف، بصفة دائمة، فيحفظ لحواسه نظافتها وانتباهها لتستوعب المعلومات بصفة جيّدة قويّة، فالحواس هي الطرق التي تدخل منها المعلومات إلى الذاكرة، فإذا كانت نظيفة قويّة، كان استيعاب الذاكرة أحسن وأفضل.
والصلاة نور للمؤمنين في قلوبهم، وفي بصائرهم، في حياتهم الدنيا، بها تشرق قلوبهم التي هي المركز الحقيقي للذاكرة، وبها يستنير تفكيرهم، فلا يزالون يفكّرون في صالح دنياهم وآخرتهم، ما داموا محافظين عليها آناء الليل وأطراف النهار.
ولقد كشفت دراسة باستخدام أشعّة الرنين المغناطيسي MRI عن وجود تحوّل بارز في أنماط تدفّق الدمّ لدى الجماعات الدينيّة عاليّة التدريب أثناء فترات التأمّل، وعند ترتيل بعض الترانيم الدينيّة.
ويعرّف العلماء الروحانيّون التأمّل بأنّه الوقت الذي يقضيه المرء في تركيز ذهنيّ لأغراض روحيّة كأسلوب للاسترخاء.
وقد وضعوا تعريفات خاصّة بالتأمّل، ومن ضمنها تأمّلات الذهن الصافي، ويقابله الخشوع في الصلاة، فالخشوع من فرائض الصلاة لا من فضائلها، وربّنا - عز وجل - قد أثنى على المؤمنين، فقال - سبحانه وتعالى -:
- {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون ـ 1ـ2]
والخشوع هو عدم التفكير في أيّ عمل آخر غير أعمال الصلاة.
كما أنّ التأمّل هو التركيز على مشكلات محدّدة من أجل التوصّل إلى حلول مرضيّة، وتأمّلات برمجة الذات، ومناجاة الطبيعة، والراحة والاسترخاء.
وإذا كان التأمّل يوصل إلى مثل هذه الدرجات العاليّة من الهدوء والسكينة والاطمئنان عند أصحاب الأديان الأخرى، فديننا الإسلام قد فرض على أتباعه خمس صلوات في اليوم والليلة، والتي هي عبارة عن تأمّل وخشوع، يجد فيها المؤمن راحة قلبه، وقوّة روحه، وسكون نفسه، وقد أشار العلماء المسلمون بأنّ الصلاة تعتبر عملا يزيد ويقوّي من ذاكرة المحافظ عليها. (1/259)
صفحة 260
فالصلاة تدرّب المحافظ عليها على الخشوع والتأمّل والطمأنينة، والخشوع من السلوكات التي تجعل المرء يفكّر في عمل واحد، دون أن يُشغل تفكيره، ويشتّت تركيزه في عدّة أعمال، وهذه الممارسة ممّا يقوم بها أناس هذا العصر، وهي تجعل المرء يتكيّف بمهارة مع أداء وظيفة واحدة في كلّ مرّة.
أمّا قراءة القرآن الكريم بترتيل وتجويد يمكن أن نعتبره مثل الترانيم التي يؤدّيها أصحاب الأديان الأخرى.
فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال النبيء - صلى الله عليه وسلم -:
«حبّب إليّ من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرّة عيني في الصلاة» رواه النسائي
وعن رجل من الصحابة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها» ... رواه أبو داود
الصلاة كعلاج لتقويّة الذاكرة
كما رأينا فإنّ الإنسان لا يستطيع أن يحافظ على ذاكرة قويّة مع التأثيرات التي يتعرّض لها في حياته اليوميّة، والضغوطات التي يسلّطها عليه الشيطان، كي يجعله يفقد السيطرة على انفعالاته السلبيّة، ولا يُعمل عقله في مثل تلك الأوضاع الصعبة، لذلك فرض الله - سبحانه وتعالى - على عباده الصلوات الخمس التي تُعتبر كمحطّات لشحن النفس بمختلف الطاقات الروحيّة والفكريّة، ممّا تجعل صاحبها يستطيع أن يُعمل قواه العقليّة بكلّ قوّة وثبات، حتّى في أحلك الظروف، فتستعيد بذلك قوّتها ونشاطها وتتضاعف قوّتها.
إنّ كثيرا من الفلاسفة والرجال الروحيّين قد ابتكروا أنواعا من التأمّلات الإدراكيّة على مرّ السنين، وقد اكتشفوا أنّها تفتح قلب الإنسان وعقله، فيستطيع أن يحيا حياة مطمئنّة، كما أنّها تنشئ فيه نوعا من التركيز والانتباه، هذا التركيز الذي يجعل عقله يعمل بكامل قوّته ونشاطه، فيبدع في تفكيره واستنباطه، ويصبح عبقريّا، لذلك رغّبوا أتباعهم والناس أجمعين أن يتدرّبوا على هذه التأمّلات الإدراكيّة، كي يحيوا حياة معتدلة مطمئنّة وهادئة. (1/260)
صفحة 261
والله - سبحانه وتعالى - خالق هذا الإنسان، عالم ما يصلح له، وفّر له الحياة المعتدلة التي يتمنّاها كلّ مخلوق عاقل على وجه هذه البسيطة، فرض عليه فريضة الصلاة التي إذا درس معناها وبحث عن فوائدها، فسيجد أنّها تتوفّر على تأمّلات إدراكيّة عميقة بما يقرؤه فيها من آيات قرآنية تخبره بعظمة ربّه - جل جلاله - فيسبح بتفكيره في تلك العظمة، علّه يدرك ولو جزءا منها، لأنّه من المستحيل أن يدركها كلّها.
إنّ الصلاة التي هي عبارة عن تأمّلات تملأ قلب صاحبها اطمئنانا ويقينا بأنّ لهذا الكون مدبّرا ومسيّرا، فيطلب منه العون ليتغلّب على عقبات الحياة [إيّاك نعبد وإيّاك نستعين]، فيطلب منه الهداية في الدنيا والآخرة [اهدنا الصراط المستقيم]، كلّ هذه المؤثّرات تبعث فيه القوّة والثقة على متابعة السير في ميدان الحياة، دون حيرة أو خوف من أيّ عقبة من شأنها أن تبعث فيه اليأس والقنوط من رحمة ربّه - عز وجل -.
وبهذا تتكوّن فيه ملكة الانتباه والتركيز، فيحيا بعقل نقيّ صاف، يهتمّ بالمهمّ فقط، فيقوى بذلك تفكيره، وتتنوّع إبداعاته، ليصبح عبقريّا.
إنّ الصلاة التي يؤدّيها صاحبها بكلّ إخلاص وخشوع تساعده كثيرا على تهدئة نفسه وإزالة التوثّر لأسباب كثيرة أهمّها:
ــ شعور الإنسان بضآلته، وبالتالي ضآلة كلّ مشكلاته أمام عظمة قدرة ربّه - سبحانه وتعالى -، المدبّر لهذا الكون الفسيح، فيخرج المصلّي من صلاته وقد ألقى كلّ ما في نفسه من مشكلات وهموم، تاركا تدبيرها وعلاجها وتصريفها إلى ربّه [الرحمان الرحيم]، فهو الذي يفعل فيها ما شاء ويحكم فيه ما يريد.
فالمؤمن لا يقول: ياربّ إنّ لي مشكلة كبيرة، بل يقول:
يا مشكلة، إنّ لي ربّا قويّا عزيزا جبّارا، لا يكبر شيء أمام عظمته وسلطانه. (1/261)
صفحة 262
وبذلك يخفّف عن نفسه وعن عقله عناء التفكير والحيرة في كيفيّة دفع تلك المشاكل التي تعترض طريقه، فيصفو ذهنه ويقوى تفكيره فيما ينفعه من العلوم والمهارات، لأنّه قد ترك مجالا واسعا في ذاكرته ليستغلّه في الأفكار الإيجابيّة، ووفّر لعقله طاقة هو في أشدّ الحاجة إليها لتطوير ذاته وتنميّة مواهبها.
ــ والصلاة تزيل التوثّر بسبب عمليّة تغيير الحركة المستمرّة فيها، ومعلوم أنّ هذا التغيير يحدث استرخاء فسيولوجيّا في كامل الجسم.
وقد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيّ مسلم تنتابه حالة من الغضب أن يتوضّأ وضوءه للصلاة إذا أراد أن يدفع حدّته عن نفسه.
ــ كما ثبت علميّا أنّ للصلاة تأثيرا على الجهاز العصبيّ، فهي تهدّئ توثّره، وتحافظ على توازنه، كما تُعتبر علاجا ناجحا للأرق الناتج عن الاضطراب العصبي.
ويقول الدكتور {توماس هيسلوب}:
«إنّ الصلاة من أهمّ علاجات الأرق التي عرفتها في خلال سنين طويلة من الخبرة والبحث في الصلاة، وأنا ألقي هذا القول بوصفي طبيبا».
ــ إنّ الصلاة هي أهمّ وسيلة عرفها الإنسان لتهدئة الأعصاب، فهي تبثّ الهدوء والطمأنينة في نفس المريض، والراحة والصحّة في أعضائه».
والقوى العقليّة لا تستطيع أن تعمل بكامل قوّتها إلاّ إذا كان صاحبها هادئ الأعصاب، هادئ الطبع، ومستريحا راحة حسنة، فالأرق يُذهب له راحته، ويجعله مضطربا، لا يفكّر جيّدا فيما يقوم به، فكلّ هذه العوامل والحالات مرتبطة بعضها ببعض، تعين الإنسان على استغلال القوى المختلفة التي وهبها له ربّه - عز وجل -. (1/262)
صفحة 263
ــ إنّها تحدث نشاطا عجيبا في أجهزة الجسم وأعضائه، خاصّة القلب الذي له اتّصال مؤثّر على عمل العقل، وتوجيه تفكيره، إمّا إلى الجهة الإيجابية، وإمّا إلى الجهة السلبيّة، وهي تعلّمنا كيف نتحكّم في أفكارنا وكيف نوجّهها بكلّ ثقة وقوّة نحو الجانب الإيجابي، وذلك بما توفّره لنا من طاقة لإعادة برمجة حاضرنا، لأنّ الإنسان يستطيع أن يغيّر من لحظات مستقبله بما يبرمجه في حاضره، وإذا خشع في صلاته واطمأنّ فيها فإنّه ينصرف منها وهو مليء بطاقة جديدة يستطيع بها مواجهة المستقبل الغامض، حتّى يتمكّن من تغييره.
إنّ أفكارنا هي التي تتحكّم في خبراتنا التي نريد تعلّمها وتحقيقها، ومن حسن الحظّ أنّ الله - عز وجل - قد وهب لنا القدرة على التحكّم في توجيه أفكارنا والتي هي سبب لتغييرها.
إنّ الصلاة تعلّمنا أنّه باستطاعتنا أن نفكّر بالطريقة التي نريد، وأن نفكّر بالشيء الذي نرغب فيه، بحيث نستطيع أن نقطع كامل تفكيرنا عن الأشياء التي تحيط بنا من جميع النواحي، ومختلف المجالات، وأنّه لا يوجد أحد يستطيع أن يوجّه أفكارنا، لأنّنا نطلب العون من الله وحده كي يعيننا على مواجهة عقبات هذه الحياة، وأن يعيننا على السير في الطريق المستقيم الصواب الذي يوصلنا إلى الهدف الراقي الذي خلقنا من أجله فيها، ويهدينا الصراط القويم الذي نصل بواسطته إلى جنّته - عز وجل -، وبذلك نصبح مطمئنّين هادئين، لأنّنا نعلم ونتيقّن بأنّ ربّنا معنا يهدينا ويوفّقنا.
أمّا الدكتور"إليكسيس كارليل" الحائز على جائزة نوبل في الطبّ، فيقول عن الصلاة:
«إنّ الصلاة تعتبر أعظم مولّد للنشاط، ومغيّر ومقوّي للذات عُرف إلى يومنا هذا، وقد رأيت كثيرا من المرضى الذين أخفقت العقاقير في علاجهم، كيف تدخّلت الصلاة فأبرأتهم تماما من عللهم». (1/263)
صفحة 264
ــ إنّ الصلاة تُعتبر كمعدن الراديوم مصدرا للإشعاع ومولّدا ذاتيا للنشاط الفكري، ولقد شاهدت تأثير الصلاة في مداواة أمراض مختلفة، مثل التدرّن الرئوي، والتهاب العظام، والجروح المتقيّحة، والسرطان، وغيرها، وبعد الصلاة يأتي الدعاء، ويستطيع الأطبّاء المسلمون أن يهتمّوا بالصلاة لعلاج مختلف الأمراض، وخاصّة ضعف الذاكرة، وذلك تماما كما أصبح كثير من العلماء العصريّين يهتمّون بالتأمّل الإدراكي لمعالجة مرضاهم، لأنّنا إذا درسنا الصلاة من جميع النواحي والجوانب نجدها عبارة عن تأمّل إدراكي إسلامي بأتمّ معنى الكلمة.
وإنّ للسجود أثرا عميقا ودورا فعّالا في إزالة القلق والاضطراب من نفس المصلّي الذي يخشع في صلاته بكل جوارحه، حيث يشعر فيه بفيض من السكينة يغمره، وطوفان من نور اليقين والتوحيد يملأ قلبه.
كما اكتشف العلماء بعد دراسات طويلة أنّه عندما يضع الساجد جبهته على الأرض فإنّ الأرض، تمتصّ منه شحنات سلبيّة، لا يعلم إلاّ الله - سبحانه وتعالى - سرّها ومقدارها، فالسجود عبارة عن إفراغ شحنات من تلك الطاقة السلبيّة التي تؤثّر في ذاته تأثيرا سلبيّا، ولو بقيت داخل نفسه ربّما ستضرّه ضررا بليغا لا تحمد عواقبه.
خاصّة إنسان هذا العصر الذي صار يغضب وينفعل بسرعة، نتيجة تأثّره بما حوله من الأحداث المتغيّرة بسرعة منقطعة النظير.
ونقصد هنا بالسجود الذي يؤدّى بكلّ خشوع وتواضع واطمئنان للجوارح كلّها، لأنّه يوجد كثير من المصلّين الذين لا يتمّون سجودهم على أحسن وجه، وبصفة حسنة.
ومن العجيب أنّ كثيرا من الناس في اليابان يخرّون ساجدين بمجرّد شعورهم بالإرهاق، أو الضيق، أو الاكتئاب، دون أن يعرفوا أنّ هذا الفعل ركن من أركان صلاة المسلمين. (1/264)
صفحة 265
وربّما نستطيع أن نستنتج ذلك من أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - للغاضب بالجلوس إلى الأرض إذا كان واقفا، أو الاستلقاء إذا كان قاعدا، وذلك ربّما لأنّ الأرض التي خلق منها هذا الإنسان تمتصّ تلك الشحنات الزائدة التي سبّبت له الغضب، خاصّة إذا كان ذلك على التراب الطبيعي، ولا يعلم إلاّ الله - عز وجل - هذه الأسرار المتعدّدة الموجودة في كلّ ذلك. {وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا}.
ترتيل القرآن في الصلاة
إنّ ترتيل القرآن الكريم في الصلاة حسب قواعد التجويد، يعمل على تنظيم التنفّس خلال تعاقب الشهيق والزفير، وهذا يؤدّي بدوره إلى تخفيف التوتّر بدرجة كبيرة, كما أنّ حركة عضلات الفم المصاحبة للترتيل، تقللّ من الشعور بالإرهاق، وتكسب العقل نشاطا وحيويّة، كما ثبت في بعض الأبحاث الطبيّة الحديثة.
لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعظم مخلوق حفظ القرآن عن شديد القوى، وهو الذي علّمه قدره وفضله.
وكيف لا وهو الذي كان يتلقّاه من أمين الوحي، جبريل - عليه السلام -، عن ربّ العزّة - جل جلاله -.
لذلك لم يترك وسيلة إلاّ بيّنها لأتباعه في بيان فضله، وإبراز قدرته، والدعوة إليه.
ــ فتارة يبيّن أنّه يجب أن يسمعه، ويطرب لسماعه، ويتأثّر ويبكي.
ــ وتارة يثني على قارئيه وسامعيه بالخير والثناء الجميل.
ــ وتارة يبيّن بعض ما يتحصّل عليه قارئه من الأجر والثواب.
ــ وتارة يذكر ويقول بأنّه من أجلّ نعم الله - عز وجل - على عباده.
ــ وتارة يكرم حملته، ويقدّمهم ويظهر فضلهم على غيرهم، إلى غير ذلك من الأساليب الكثيرة والعظيمة في بيان فضل القرآن.
العلاج الروحي للضغوط والقلق (1/265)
صفحة 266
إنّ علماء الأعصاب والذاكرة قد اهتمّوا بهذا الموضوع اهتماما بالغا كي يتوصّلوا إلى اكتشاف طريقة ناجحة لمحاربة هذه الحالات، وذلك بالدواء والعلاج الروحي والابتعاد قدر المستطاع عن الأدويّة المادّية التي تسيطر على اهتمام الناس وقد قوي تعلّقهم بها، وكأنّه لا يوجد بديل يعوّضها.
ومن أوائل من نادوا بذلك {وليام جيمس} الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي حيث قال: «إنّ أعظم علاج للقلق ولا شكّ هو الإيمان».
وقال أيضا: «الإيمان من القوى التي لا بدّ من توافرها لإعانة المرء على العيش، وفقدها نذير بالعجز».
وقال أيضا: «إنّ بيننا وبين الله رابطة لا تنفصم، فإذا نحن أخضعنا أنفسنا لإشرافه تعالى علينا تحقّقت كلّ أمنياتنا وآمالنا».
والسبيل الوحيد الذي يجعلنا نخضع أنفسنا لتدبّر الله - عز وجل - هو المداومة على تلاوة كلامه، والاستماع إليه بتركيز وتدبّر وتفهّم، لأنّه قد ضمّنه - سبحانه وتعالى - كلّ المعلومات والتوجيهات التي تجعلنا نعترف بخضوعنا له وحده، وأنّنا ملك له، وأنّه يتصرّف فينا كما يشاء، ويفعل فينا ما يريد.
وذكر "هنري لينك" العالم النفسي الأمريكي في كتابه [العودة إلى الإيمان] أنّه وجد نتيجة لدراساته الطويلة في تطبيق الاختبارات النفسيّة على العمّال في عمليّة الاختبار المهني والتوجيه التطبيقي أنّ الأشخاص المتديّنين والذين يتردّدون على دور العبادة يتمتّعون بشخصيّة أقوى وأفضل ممّن لا دين لهم، أو أنّهم لا يقومون بأيّة عبادة.
وتتّفق جميع مدارس العلاج النفسي والفكري على أنّ القلق هو السبب الرئيسي في نشوء الأعراض النفسيّة، ولكنّها تختلف فيما بينها في تحديد العوامل التي تسبّب القلق وتشوّش التفكير، وتقلّل التركيز حتّى يصل الإنسان إلى الحالات الغريبة التي تبعده عن استعمال قواه الفكريّة بكيفيّة جيّدة، والتي تجعله يصل إلى ما يصل إليه من الانطواء أو الانحراف الكامل، حتّى يصل ربّما إلى القتل، أو الانتحار. (1/266)
صفحة 267
إنّ العلماء والأطبّاء يقرّرون أنّ العلاج العادي المادي بالدواء يتدخّل دائما بعد حدوث المرض، أو ربّما بعد استفحاله، أمّا الإيمان بالله - عز وجل - وتلاوة القرآن والاستماع إليه، إذا ما داوم عليه الإنسان منذ الصغر، فإنّه يكسب النفس والجسم مناعة طبيعيّة حقيقيّة، ووقاية من الإصابة قبل حدوثها، لأنّ تلك المقاومة تنتج من الداخل، وليس بإدخال موادّ غريبة جديدة إلى الجسم لا يعرفها من قبل.
الوقاية خير من العلاج
إنّ الجسم يقوم بتغيّرات وتحوّلات كثيرة متعدّدة حتّى تتلاءم خلاياه وهرموناته مع تلك الموادّ فيتقبّلها، وهذه الوقاية يقوم بها القرآن نفسه، والله - عز وجل - هو الذي بيّن فيه ماذا يحدثه في النفس الإنسانيّة من أمن وطمأنينة ومناعة ضدّ كثير من الأمراض. ... فقال - عز وجل -:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف:204]
فهو يرحم هذه النفس في جميع جوانبها وتكوينها، سواء الجسمي المادّي، أو الروحي المعنوي والعقلي التفكيري والعاطفي.
وقد اكتُشف أخيرا أنّ ترتيل القرآن الكريم في الصلاة حسب قواعد التجويد يعمل على تنظيم التنفّس خلال تعاقب الشهيق والزفير، وهذا يؤدّي بدوره إلى تخفيف التوتّر إلى حدّ كبير، ويزيل القلق، ويكافح الاضطراب النفسي والروحي، كما أنّ حركة عضلات الفم المصاحبة للترتيل تقلّل من الشعور بالإرهاق، وتكسب العقل نشاطا وحيويّة، كما تبث في بعض الأبحاث الطبيّة الحديثة.
لقد توصّل الأطبّاء منذ زمن قريب إلى عنصر شفاء لا علاقة له بالدواء وقد أظهرت سرّه وكيفيّة تأثيره التحاليل الطبيّة والفحوص المجهريّة والاختبارات المعمليّة، فهو عنصر له علاقة بمخّ الإنسان وعقله وحالته النفسيّة، فهناك جزء من المخّ يؤدّي إلى تكوين ردود فعل لدى الجسم ضدّ المرض وما يسبّبه. (1/267)
صفحة 268
وقد وُجد هذا الفهم منذ {إبقراط} وفي الصين ما زال معروفا ويسمّى [ Fuzheng] والدليل على ذلك أنّه ما زالت تستعمل عدّة وسائل للعلاج هناك، منها العلاج بالصوت، وبالتأمّل، العلاج بالوخز بالإبر، العلاج بالاسترخاء، وأنواع من الحركات، وربّما كلّ هذه الوسائل لها تأثير فعّال في تنشيط ذلك الجزء من المخّ بتلك الدبدبات الصوتيّة، أو الحركات الرياضيّة، فتؤثّر في الجسم ذلك التأثير الفعّال الإيجابي، فيعين صاحبه على مقاومة المرض والتغلّب عليه.
وقد بيّن {ديكارت} في إحدى نظريّاته أنّ الإنسان مكوّن من جهازين.
العقل، والجسد، ودراسة حالة كلّ ّواحد منهما وتغيّراته تحتاج إلى طرق مختلفة، وأنّ كلّ جهاز مرتبط بالآخر ارتباطا وثيقا، وتتأثّر حالة كلّ واحد منهما بالآخر تأثّرًا غريبا وعجيبا.
ومنذ عصر النهضة العلميّة والتقدّم العلمي والأبحاث الطبيّة بدأت التجارب على الجسم البشري لمعالجته من الأمراض بمعزل عن العقل وعلاقته بهذا العلاج.
إنّ المتخصّصين في جهاز المناعة قلقون من هذه الظواهر والحالات التي تُشفى بشكل غامض ودون سبب واضح، خاصّة وأنّ جهاز المناعة يعتبر من الأجهزة المراوغة التي ليس لها مركز محدّد معروف كبقيّة أجهزة الجسم، فالجهاز التنفّسي مركزه الرئتان، والجهاز الدموي مركزه القلب، والجهاز العصبي مركزه المخّ، أمّا جهاز المناعة فهو غير محدّد بعضو معيّن، إنّه كمجموعة من الخلايا جوّالة في الجسم دون تحديد ثابت كما وصفه الأطبّاء.
ونتيجة لذلك لا نستطيع أن نفهم ولو جزءا صغيرا جدّا عن كيفيّة العلاج والشفاء بالقرآن الكريم، والتأثّر البالغ بقراءة أو سماع آياته، خاصّة كيفيّة تأثّر جلد الإنسان بذلك، ولا نستطيع أن نردّ ذلك إلى جهاز معيّن محدّد، أو علاج مادي، وإنّما نردّ ذلك إلى الناحية الروحيّة، والهرمونيّة في نفس الإنسان.
والله - عز وجل - يقول: (1/268)
صفحة 269
- {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23]
إنّ سرّ تحقيق الأهداف الجيّدة هو الرغبة فيها بقوّة عارمة، وليس هناك شيء أفضل من القرآن الكريم يستطيع أن يحدّد للإنسان تلك الأهداف العاليّة ويكوّن فيه تلك القوّة العارمة للوصول إلى تحقيقها.
وهو يكوّن في نفس المحافظ عليه شعار:
إنّ ربّي قد وفّر لي كلّ الوسائل وكلّ اللوازم لأتحسّن كلّ يوم أكثر وأكثر، وهذا هو سرّ النجاح في مقاومة المرض والسيطرة عليه، والتغلّب عليه.
ومن مزايا القرآن الكريم وأولويّاته التي أودعها الله - عز وجل - فيه أنّه يعالج الجانب النفسي الروحي قبل الجانب الجسمي.
والقرآن بتلاوته وترتيله وتدبّره ومحاولة فهمه وتطبيق ما جاء فيه، ينظّف القلب من كلّ الوساوس والشكوك التي تعتبر معاول هدم للقوّة النفسيّة، فينتج عن ذلك قوّة كبيرة في الجهاز الدفاعي.
والمداومة على تلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه يحافظ على دوام النشاط النظيف للحياة القائمة، لأنّ تدهور الحالة النفسيّة والعصبيّة تزداد مع زيادة سير الحياة الماديّة الغير النظيفة، والغير الهادئة.
إنّه مع نقصان التوتّر العصبي والقلق ينشأ الهدوء النفسي، ونتيجة لذلك تزداد كميّة الدم الجاري في الجلد، ويتبع ذلك ارتفاع في درجة حرارة الجلد ونقصان في ضربات القلب. (1/269)
صفحة 270
ومع زيادة كميّة الدم الجاري في الجلد تكتسب الخلايا الدفاعيّة حريّة السريان والتجوال في كامل نواحي الجسم، وخاصّة عند سريان الدم بصفة جيّدة إلى المخّ، والذي يمثّل مركز القيادة العليا لكلّ ما يقع داخل الجسم، وله تأثيره الفعّال في الجهاز الدفاعي، ولكن العلماء الذين توصّلوا إلى هذه النتيجة، وجدوا أنفسهم حائرين أمام عدّة أسئلة منها:
ــ كيف يقوم المخّ بذلك؟
ــ ما هي الحالة التي ينبغي أن يكون عليها العقل ليتمكّن من القيام بذلك؟
ــ هل يمكن السيطرة على هذه القوّة العقليّة المؤثّرة في الجهاز المناعي؟
ومن أجل الإجابة على هذه الأسئلة بدأوا بحوثهم للوصول إلى معرفة كيفيّة عمل هذين الجهازين ــ العصبي والمناعي ــ وعن سرّ الاتصال والتواصل بينهما.
وتوصلوا في بعض التجارب إلى أنّ السبيل لتحقيق حياة هنيئة هادئة سعيدة هو توفير التوازن في كلّ شيء، بما في ذلك الارتباط والانفصال الإدراكي، والتوسّط في كلّ شيء هو سبيل الفلاح والنجاح في تحقيق حياة سعيدة.
والله - عز وجل - يقول في شأن أمّته:
- {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة ــ 143]
إنّ القرآن الكريم يكوّن في النفس ذلك الارتباط الشعوري المتوازن، ويقوّيه، ويقوّي تفكير العقل وتدبيره، والذي بواسطته نستطيع أن نسيطر على أيّ تصوّر يتكوّن في عقلنا الباطن، لأنّ التجارب والأبحاث المتعدّدة التي أجريت على الجهاز المناعي أثبتت أنّ هذا الجهاز لا يعمل من فراغ بيولوجي، وأنّه حسّاس جدّا للمؤثّرات الخارجيّة.
وقد برهنت على ذلك التجارب التي أجراها الدكتور {روبرت أدر} حيث اكتشف أنّه يمكن التأثير في الجهاز المناعي، سواء بتقويته أو بإضعافه بوسائل لها علاقة بالمخّ، كما ثبت أنّ تدمير الغدّة الصنوبريّة يوقف هذا الجهاز عن العمل. (1/270)
صفحة 271
ولا نظنّ أنّ هناك على وجه الأرض من ينكر أنّ القرآن الكريم يزيل أسباب التوتّر، ويضفي على النفس السكينة والطمأنينة، والله - سبحانه وتعالى - يقول في هذا الشأن:
- {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} ... [الإسراء ـ 82]
إذن فالقرآن الكريم شفاء بشكل عام، كما ذكرت الآية، ولكنّه شفاء ودواء للمؤمنين المتدبّرين لمعاني آيات الله - عز وجل -، المهتدين بهدي منه - سبحانه وتعالى - وبسنة النبيء محمّد - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا جاز لنا أن نتساءل كيف يكون القرآن شفاء للبدن؟ فإنّه من المعلوم طبيّا بصورة قاطعة أنّ التوتّر والقلق يسبّب نقصا في مناعة الجسم ضدّ كلّ الأمراض، وأنّه كلّما كانت الحالة النفسيّة والعصبيّة للإنسان غير مستقرّة، كلّما كانت فرص تعرّضه لهجمات الأمراض أكثر، وإذا فهمنا هذه المعاني عن كيفيّة تسلّط الأمراض على الإنسان، فسوف تتّضح لنا الحقيقة جليّة، فالقرآن شفاء بدني، كما أنّه شفاء روحي ونفسي، لأنّه يعمل على إعادة توازن الجهاز النفسي والعصبي للمؤمن باستمرار قراءته والاستماع إليه، وتدبّر معانيه، وبهذا تزداد مناعة الجسم، وتؤمّن دفاعاته الداخليّة، فيصبح في آمان مستمرّ من اختراقات الأمراض المختلفة، ويقاوم بتلك القوى النورانيّة المتدفّقة الميكروبات والجراثيم التي تهاجم جسمه في كلّ لحظة.
فالقرآن شفاء ورحمة لمن غمر الإيمان قلوبهم وأرواحهم، فأشرقت، وتفتّحت، وأقبلت في بشر وتفاؤل، لتلقّي ما في القرآن الكريم من صفاء وطمأنينة وأمان وذاقت من النعيم ما لم تعرفه قلوب وأرواح أغنى ملوك الأرض.
ولنسمع إلى قوله - سبحانه وتعالى - في سورة الأعراف، ولندرس أثرها على أنفسنا:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ـ 204] (1/271)
صفحة 272
إنّه حقّا حجاب منيع يستطيع الإنسان أن يحتمي به من كلّ الهجمات المتتاليّة من الأمراض المختلفة، على نفسه، وعلى قلبه، وعلى جسمه، سواء الأمراض النفسيّة، أو الجسميّة، فيقي القلب من الهوى والطمع والحسد ونزغات الشيطان والخبث والحقد، فهو كتاب ومنهج أنزله ربّ العالمين على قلب سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، ليكون لقلب أتباعه هاديّا ونذيرا وشفاء لما في الصدور.
كما أنّ ترتيل القرآن حسب قواعد التجويد يساعد على استعادة الإنسان لتوازنه النفسي، فهو يعمل على تنظيم النفس، ممّا يؤدّي إلى تخفيف التوتّر بدرجة كبيرة، كما أنّ حركة عضلات الفم المصاحبة للترتيل السليم تقلّل من الشعور بالإرهاق، وتكسب العقل حيويّة متجدّدة.
كما أنّ القرآن الكريم يكوّن ويبني في نفوسنا المعتقدات الإيجابيّة الحسنة التي تمنحنا القوّة، وتدفعنا إلى التخلّي عن المعتقدات السلبيّة السيّئة التي تحطّم فينا الروح المعنويّة، وتضعف القوّة الدفاعيّة تبعا لذلك.
فعن قتادة ـ - رضي الله عنه - ـ قال: «ما جالس القرآن أحد، فقام عنه إلاّ بزيادة أو نقصان».
الآثار المهدّئة للتأمّل
لقد أظهرت دراسات متنوّعة للمخّ الآثار المهدّئة للتأمّل، وكذلك قدرته على الارتقاء بالوعي والسيطرة على الضغط.
ولا يجب علينا أن نحتار في ذلك، أو نصاب بالدهشة، لأنّ التأمّل هو تقويّة للروح، لأنّه يملأ النفس بالهدوء الذي ينتج عنه قوّة التركيز وإدراك ما يجري حولها من حوادث ووقائع، وفهمها فهما جيّدا إيجابيّا.
وفي دراسة أجراها العلماء على ذاكرة أشخاص وهم أثناء فترة الضغوط النفسيّة، أي أثناء التعرّض لإفراز هرمون "الأدرينالين"، وجدوا أنّ ما يراه الأشخاص فعليّا يمكن أن يختلف تماما عمّا حدث في واقع الأمر، فهم يفقدون القدرة على رؤية التفاصيل في المقام الأوّل. (1/272)
صفحة 273
ومن هنا نستنتج بأنّ الذاكرة لا تعمل جيّدا، ولا تستوعب، ولا تستذكر المعلومات عندما يكون الإنسان في حالة من التوثّر والضغط.
إنّ تعرّض الشخص لفترات ممتدّة من الضغوط النفسيّة، يجعل غدده تفرز هرمونات التوتّر العصبي التي يمكن أن تحدث تلفا يفوق مجرّد التشويش على الذاكرة، حيث يمكن أن تهدّد صحّة العقل على المدى الطويل، وتهدّد وظائف الذاكرة، وكذلك الصحّة العامّة وطول العمر.
لقد أجرى العلماء كثيرا من التجارب في هذا الاختصاص، منها تجربة أجريت على مجموعة من المتطوعين في الولايات المتّحدة استمعوا فيها إلى آيات من كتاب الله - عز وجل -، فكانت النتائج باهرة، حيث تمّ تسجيل أثر مهدّئ لتلاوة القرآن الكريم على نسبة بلغت 97% من مجموع الحالات، ورغم وجود نسبة كبيرة من المتطوّعين لا يعرفون اللغة العربيّة، إلاّ أنّه تمّ رصد تغيّرات فسيولوجيّة لا إراديّة عديدة حدثت في الأجهزة العصبيّة لهؤلاء المطوّعين، ممّا أدّى إلى تخفيف درجة التوتّر لديهم بشكل ملحوظ.
وليس هذا فقط، فقد تمّت تجربة أخرى دقيقة بعمل رسم تخطيطي للدماغ أثناء الاستماع إلى القرآن الكريم، فوجد أنّه مع الاستماع إلى كتاب الله - عز وجل - تنتقل الموجات الدماغيّة من النسق السريع الخاص باليقظة، وهي 13 ـ 12 موجة/ ثانيّة إلى النسق البطيء 8 ـ 18 موجة/ ثانية، وهي حالة الهدوء العميق داخل النفس، كما أنّ المتحدّثين بغير العربيّة قد شعروا هم كذلك بالطمأنينة والراحة والسكينة أثناء الاستماع لآيات كتاب الله - عز وجل -، رغم عدم فهمهم لمعانيه، ويعتبر هذا سرّ كبير من أسرار القرآن العظيم.
وقد أزاح النبيء - صلى الله عليه وسلم - هذا النقاب عن مثل هذه التأثيرات في النفس الإنسانيّة، وبيّن الأثر المهدئ للقرآن الكريم، وذلك حين قال: (1/273)
صفحة 274
«ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلاّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده « ... رواه مسلم
صلاة الجماعة تزيد من قوّة الذاكرة
يقول العلماء المختصّون في دراسة الذكاء الاجتماعي:
«إذا كنت تريد أن تنعم بذاكرة أقوى، فتواصل مع الآخرين».
وينصح الدكتور "تسوكياما" بضرورة إعطاء الناس لأنفسهم جرعة كافية من الاختلاط الاجتماعي، ولو لمرّة في اليوم، كما ينصح بالقيام بتدريبات منظمّة في الذكاء الاجتماعي للحفاظ على اليقظة الذهنيّة واللياقة البدنيّة، لتؤدّي الذاكرة وظيفتها على نحو تام، وكذلك للحفاظ على صحّة الفرد العامّة.
ولعلّ الله - سبحانه وتعالى - قد فرض صلاة الجماعة على المسلمين في المسجد خمس مرّات في اليوم، وذلك ليزداد الذكاء الاجتماعي لدى معمّري المساجد، والذي هو زيادة على الخشوع والتأمّل الذي يتدرّب عليه المصلّين من جهة أخرى.
وإنّ علماء وفقهاء المسلمين يأمرون ويرشدون المؤمنين للمحافظة على صلاة الجماعة، وأن يحضروا لها، ولو مرّة واحدة في اليوم إلى المسجد، لأداء الصلاة في جماعة، الأمر الذي يتوافق تماما مع الدراسة التي قام بها الدكتور "تسوكياما".
وفي دراسة اجتماعيّة في المجتمع الياباني، وُجد أنّ عددا متزايدا من اليابانيّين يعانون من أحد أشكال النسيان الشديد الذي يُضعف أداءهم في العمل الوظيفي.
ويقول أخصّائي المخّ والذاكرة "تاكاشي تسوكياما" إنّنا نتحدّث عن أناس لا يستطيعون حتّى تذكّر كيفيّة استخدام آلة نسخ الورق، وكذلك الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة في تدوين المعلومات خطوة خطوة.
وعادة ما يشكو المرضى بالنسيان من عدم تذكّر أشياء كثيرة كانوا يتذكّرونها بسرعة فيما مضى من أيّامهم، وذلك مثل المواعيد التي يقومون بتحديدها، بل حتّى المهام اليوميّة المعتادة كواجباتهم اليوميّة. (1/274)
صفحة 275
ويشير الدكتور "تسوكياما" إلى زيادة نسبة مثل تلك الحالات، ويُرجع السبب الرئيسي وراء ذلك إلى نقص التفاعل الاجتماعي بين الأجيال، وهذا ما يؤكّده الباحثون، وهم يلقون باللوم على زيادة العزلة الاجتماعيّة بين الناس بسبب الإفراط في الاعتماد على الآلة، والتي تضعف من ذاكرتهم تدريجيّا.
وفي هذا العصر بيّن العلماء بأنّ هذه الآلات التي يستعملها أفراد المجتمع، مثل: ألعاب الفيديو، والاتّصال بالبريد الإليكتروني، واستخدام شبكة الإنترنت بكثرة، ممّا يجعل الأشخاص يقبعون في المنزل، وقليلا ما تتاح لهم فرصة الاختلاط الجماعي مع الآخرين.
وإنّ السبب في تقويّة الذاكرة بهذا الاختلاط الجماعي، هو أنّه يتطلّب من المرء أن يكون في يقظة دائمة، وذاكرة منتبهة، وأن تكون جميع المكوّنات الرئيسيّة للذاكرة في كامل قوّتها وحيويّتها، وهذا ما يبعث النشاط في الخلايا الدماغيّة وأعصاب الدماغ، ممّا يزيد من قوّتها.
وقد استنتج الباحثون أنّ الانعزال عن معاشرة الناس والتعامل معهم يضعف نموّ الذاكرة في مرحلة الطفولة، ويعوق نموّ المهارات الاجتماعيّة، ويزيد من احتماليّة استمرار تدهور حالة هذين العنصرين المهمّين للغاية في مرحلة البلوغ.
الفصل السابع
الحياة الاجتماعيّة وعلاقتها بالذاكرة
الحياة الاجتماعيّة وأثرها على الذاكرة
ومن الجهة الإجتماعيّة وما يقع فيها من الحوار الذي هو سبب من أسباب المحافظة على ذاكرة قويّة وتفكير جيّد، موجّه التوجيه الحسن، لأنّ تلك المعاشرة الطيّبة تحفظ للنفس هدوءها ممّا يجعل الإنسان يفكّر بصفة إيجابيّة، لذلك نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - يرشد خلقه للمحافظة على الجوّ الحسن الهادئ داخل المجتمع. (1/275)
صفحة 276
إنّ تلك المعاشرة الطيّبة تؤثّر على القلب تأثيرا حسنا، وهو بدوره يوجّه رسائل إيجابيّة إلى العقل ممّا يجعله يفكّر تفكيرا قويّا إيجابيّا، فتنشط بذلك خلاياه وتقوى، لأنّ ذلك الجوّ يوفّر له حالة من التركيز والاهتمام، ويجنّبه تشتّت أفكاره، هذا التشتّت الذي يسبّب له عمليّة النسيان.
إنّه بعد دراسات متعدّدة ومكثّفة استغرقت ثلاث سنوات تناولت المتغيّرات الحاسمة للنجاح القيادي لدى القادة، خلص مركز القادة المتميّزين عن القادة العاديين إلى أنّ الاهتمام بالآخرين هو من الأسباب الكبيرة والأساسيّة التي أدّت بهم إلى تلك الدرجة.
والأمر ليس هو مجرّد أنّنا بحاجة لتكوين مهارات وكفاءات جديدة للعمل بكفاءة في مجال معيّن، وإنّما الاهتمام بمن حولنا من بني جنسنا هو الذي يربط بصفة جيّدة بين مختلف خلايا المخّ ممّا يسبّب لها نشاطا فريدا من نوعه، وهو ممّا يمكّن الشخص من التفوّق في جميع مجالات الحياة وليس في مجال تقويّة الذاكرة فقط.
ونجد في القرآن الكريم كثيرا من الآيات التي ترشد وتحثّ بل تأمر بتكوين علاقات اجتماعيّة جيّدة ووثيقة، وأعطى لكّل عنصر من عناصر المجتمع حقّه، وأوجب عليه واجبات يقوم بها نحو الآخرين، حتّى يعيش حياة سويّة معتدلة، ويحيا في تفاهم وتراحم، فيجد في ذلك الجوّ الجيّد وسطا مريحا يستطيع أن يستعمل فيه القوى المختلفة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى -، لأنّ ذلك الجوّ يوفّر له تلك القوى الإيجابيّة، فيستعملها في الجانب الصالح، ولا يشغلها بالتفكير في المشاكل التي تعرض له في سبيله إذا كان المجتمع لا يوفّر له الجوّ الهادئ.
كما أمر بالإتحاد والتعاون والتراحم واحترام الأعراض وحفظ الدماء والأموال وغير ذلك من الإرشادات المتعدّدة.
قال الله - عز وجل -: (1/276)
صفحة 277
- {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران ـ 103]
- {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} ... [النساء: 76]
وقال الله - عز وجل -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} ... [الحجرات ـ 11ــ12]
إنّ عقل الإنسان العصري أصبح يعظّم الرسائل السلبيّة، ويقيم لها الحسابات الكبيرة، لأنّ الحياة التي يحياها تكثر فيها تلك الرسائل، وذلك بما يراه ويسمعه من أخبار الحروب التي تدور رحاها في مختلف نواحي العالم، وما يقع من تقتيل للنفوس البريئة من نساء وأطفال وشيوخ، وتدمير للمنشآت دون مبرّر أو سبب، وذلك بالرغم من أنّ البشريّة تعيش عصر التكنولوجيا في مختلف المجالات والميادين. (1/277)
صفحة 278
وكلّ ذلك قد كونّ فيه ميلا إلى الخوف واليأس من عدم انتشار السلام والأمان في المجتمعات البشريّة، وأيقظ فيه غريزة الهجوم على الخصم الوهمي، والاستعداد للدفاع عن نفسه ضدّ المنافس، وهذه الغريزة موجودة في النفس الإنسانيّة منذ نشأته على وجه الأرض.
إنّ هذا التهيّؤ والتفكير الدائم للدفاع عن النفس ومقابلة الخصم يعتبر وياللأسف سببا لتبديد كثير من الطاقة الفكريّة، والتي نحن في حاجة ماسّة إليها لنوظّفها في كثير من المجالات، وتجعلنا لا يستطيع التركيز في الأشياء المهمّة.
ومن جهة أخرى فهي تؤثّر على غدد الجسم، ممّا يجعلها في استعداد دائم لاستقبال الوضع الذي تتخيّله نفس كلّ إنسان، ونتيجة لذلك تضطرب الدورة الدمويّة، فتفقد توازنها الدقيق الذي يجب أن تكون عليه في كلّ لحظة من لحظات الحياة، ولا يخفى على أحد ما للغدد وللدورة الدمويّة من أثر إيجابي أو سلبي على عمل خلايا المخّ واستيعابها للمعلومات التي ترد إليها، لأنّها تفقد حيويّتها وطاقتها التي تعمل بها في الحالة العادية.
إنّ عالم اليوم يميل فيه ردّ الفعل لدى الإنسان إلى تعقيد الأمور، فالقليل من كلمات النقد التي يوجّهها الأشخاص إلى بعضهم البعض تحمل نيّة حسنة، بل هي مليئة بسوء النيّة من النقد الجارح، ومن الحسد، والبغض والكره، وهذا كلّه يجعل الإنسان الذي يسمعها يستعدّ استعدادا هجوميّا، كأنّه يستعدّ لخوض معركة، في حين أنّه لا يوجد هناك سبب كبير أو خطير يستدعي كلّ ذلك التوتّر والاستعداد، لأنّ هذه العمليّة هي عمليّة مبالغ فيها، ممّا يجعل الجهاز الشبكي يحوّلها إلى رسالة نفسيّة خطيرة، لأنّ العقل الباطن يتعامل كلّ لحظة مع كلمة خطرـ خطر، فيتهيّأ الشخص للدفاع ويخطّط دون نتيجة تذكر، وينتابه القلق، ويصبح في موقف دفاعي. (1/278)
صفحة 279
إنّ القرآن كلام ربّنا - عز وجل - فإذا قرأناه قراءة حسنة وتدبّرنا آياته جيّدا، فإنّنا نتعلم بتوجيهاته المتعدّدة كيف نواجه تأثير مثل تلك الرسائل النفسيّة السلبيّة، وكيف نسيطر عليها بقوّة، حتّى لا نترك لها المجال لتسيطر هي علينا، فتبعث فينا مثل تلك الإنذارات الزائفة والغير الصحيحة، إنّها بذلك تهيمن على إدراكنا، وتعرقل عمليّة قوانا العقليّة.
قال الإمام [محمّد الغزالي] في كتابه جدّد حياتك:
«إنّ الأوهام والظنون هي التي تمرح في جنبات الأرض، وتغدو وتروح بين الألوف المؤلّفة من الناس.
هناك ألوف الصحف والإذاعات والمحطّات الفضائيّة تموج بها الدنيا، وتبثّ سمومها ليل نهار، ولو أمعنّا النظر فيها واستعملنا فكرنا بعمق وفي الاتجاه الصحيح، ما وجدنا فيها إلاّ حقّا قليلا جدّا، يغمره باطل وتوقعات كثيرة لا أصل لها من الصحّة.
ففي مجال الدين كم من دين قام على إشاعة باطلة كاذبة، أو خرافة لا أصل لها من الواقع والحقيقة.
وفي مجال السياسة كم من هوى جعله الحاكم الجائر عدلا، وكم من قوّة أحالت الحقّ باطلا».
ففي هذا الحين الحاضر نرى كيف أذاعت أمريكا في مختلف شعوب العالم، أنّ الإسلام هو دين العنف والتقتيل والإرهاب، وجعلتهم يصدّقون تلك الإدّعاءات الباطلة تصديقا جازما، في حين أنّه براء من كلّ تلك الأعمال البشعة والشنيعة، براءة الذئب من دم سيّدنا يوسف عليه السلام.
لقد قال الله - عز وجل - لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - ولكلّ مؤمن يعتصم بدين ربّه:
- {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} ... [الأنعام: 116]
وقال - عز وجل -:
- {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ... [الأنعام:150]
وقال - عز وجل -: (1/279)
صفحة 280
- {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} ... [يونس: 36]
وأخطر ما في الحياة أن يتّجه الإنسان إلى جهةٍ لا تملك قوّة الحقّ، وأخطر اعتقادٍ أن يؤمن الإنسان بنظريّة غير صحيحة ليس له مرتكز واقعي أبداً، بل قد استمدّت قوّتها من قوّة أصحابها المادّية الدنيويّة, وأخطر كلام يقوله الإنسان أن ينطق بشيء لا يرتبط بالواقع المعاش، إنّ الذي ضيّعَ الناس في هذا العصر الذي طغت فيه الحياة المادّية هو الباطل، وكم من الناس كانوا يعتقدون اعتقادات ولكن بعد سنين طويلة انكشف للعالم كلّه أنّها اعتقادات باطلة، وأن هذا المبدأ غير صحيح، وأنّ هذا المبدأ ما حقّق نفعاً للإنسان، بل زاده شقاءً.
والدليل القاطع لذلك المذهب الشيوعي الاشتراكي الذي أصبح في خبر كان.
فإذا كان الإنسان مع الحقّ، فهو في سعادة كبيرة، لماذا؟ لأنّه مع الصحيح الثابت ومع الموجود، الذي يملأ نفسه ثقة وطمأنينة وأمنا.
ويجب على كلّ إنسان عاقل يعيش في مثل هذا العالم المحموم المليء بهذه المخاوف والخرافات، والتي تُفقد له صوابه وتحطّم له نفسه، وتوجّه له تفكيره أن يرجع إلى كلام ربّه - عز وجل - ويتعلّق به في كلّ حين، فهو الذي يهب له القوّة اللازمة لتصويب تفكيره، والمحافظة على كلّ نعمة وهبها له، ومن أجلّها وأعظمها نعمة العقل والتفكير.
وهذه الأوهام والنظريّات الباطلة تجعل المرء يتخبّط في هذه الحياة خبط عشواء، ويصحبه في ذلك خداع النظر، وسلبيّة التفكير في تقدير الحقائق التي تحيط به، فإن اعتقد أحدٌ خِلاَف ما في هذا القرآن فهو بالدليل القطعي ضال.
ومعنى التصوّر الخاطئ للأشياء أن ينتقل المرء من تفكير سيئ إلى آخر أسوأ منه، ومن إحباط إلى إحباط آخر أدنى منه، ويملأ نفسه يأسا وقنوطا من هذه الحياة. (1/280)
صفحة 281
والله - عز وجل - حقّ وهو الذي يعلم فائدة هذا الإنسان وما يصلح له، لذلك نهاه عن الشرود وراء الأوهام والتخمينات التي لا تنفعه، ولا تسمن ولا تغني من جوع.
فقال - عز وجل -:
- {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} ... [الإسراء:36]
الذكاء الاجتماعي إحدى علامات العبقريّة
- {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
[الحجرات ـ 13]
إذا كان من الممكن تفعيل الذكاء الاجتماعي لدى كلّ شخص بقليل من التعزيز والتوجيه والتدريب فإنّ ذلك سيكون له أثره الفعّال في قواه الفكريّة.
فبقدر ما يكون الإنسان قادرا على الارتباط بالناس، سواء أكانوا أفرادا، أو جماعات صغيرة، أو في التجمّعات الأكبر، فإنّ ذلك سيجعله يستطيع أن يشترك في عمليّة تواصل بين العقول بعضها ببعض، فالعقل البشري هو أكثر أعضاء الجسم تعقيدا وتطوّرا وقوّة في العالم المعروف، ويعدّ التعامل مع أحد العقول مهمّة بالغة الصعوبة والتعقيد.
والحكمة تقول:
«جالس العلماء، وصاحب الحكماء، وخالط الكبراء».
ويعتبر العلماء التعامل بنجاح مع عدد كبير من العقول الأخرى في وقت واحد هو بكلّ تأكيد إحدى علامات العبقريّة.
إنّ التواصل مع الآخرين بصفة حسنة ليس بالعمليّة السهلة، لأنّه يتطلّب استخدام كامل طاقات الشخص البدنيّة منها والعقليّة والثقافيّة للتواصل معهم وقراءة أفكارهم.
فينبغي على أفراد المجتمع أن يتدرّبوا على اكتساب التوجّهات التي تعين الآخرين على الرقيّ والإبداع والتواصل والمساندة، كما ينبغي عليهم معرفة كيفيّة تكوين الصداقات والحفاظ عليها.
كما يتضمّن هذا الذكاء البالغ الأهميّة أيضا القدرة على التغلّب على عقبات نهر المشاكل السريع، وهي المواقف التفاوضيّة والأخطاء والنتائج السلبيّة. (1/281)
صفحة 282
وتتطلّب كلّ هذه المهارات من الشخص الذي يتمتّع بالذكاء الاجتماعي أن يكون محاورا متميّزا ومستمعا جيّدا، وأن يكون لديه القدرة على التواصل الفعّال الناجح مع العالم الأوسع.
فالأشخاص الذين يتمتّعون بالذكاء الاجتماعي يبدون الارتياح تجاه الآخرين من مختلف النواحي الثقافيّة والمستوى التفكيري بالنسبة للمستوى العمري، والأهمّ من كلّ ذلك هو قدرتهم على جعل الآخرين يشعرون بالارتياح والطمأنينة تجاههم.
والذكاء الاجتماعي يحتاج إليه كلّ من يتعامل مع الآخرين بصفة عامّة على مدار اليوم، ويعدّ الذكاء الاجتماعي أحد أهمّ أنواع الذكاء، وأكثرها فائدة، والتي يمكننا اكتسابها وتطويرها وترقيّتها، والشيء الذي يبشّر بالخير هو أنّه يستطيع كلّ فرد في المجتمع أن يدرّب نفسه عليه، وأن يرفع مستواه فيه، حتّى يصبح عضوا فعّالا في مجتمعه.
والقرآن الكريم يعتبر دستورا يحمل كلّ التعاليم والإرشادات التي يبني عليها المسلم ذكاءه الاجتماعي، فهو يبيّن في كثير من آياته كيف يجب أن يتعامل الفرد مع غيره من عناصر مجتمعه الذي ينتمي إليه.
لقد أوجد القرآن الكريم بمختلف توجيهاته الاجتماعيّة التي يرشد إليها أعضاء المجتمع مجتمعا راقيّا، لم يعرف مثله عبر التاريخ في الخيريّة، والاتّحاد، والتضامن، والتعاون، استطاع أفراده أن يترفّعوا فوق مستوى التفكير الفردي، وقد اعتبر العلماء هذا التكوين نوعا من الإعجاز القرآني، في أنّ آياته قد أنزلها منزّلها مرنة، استطاعت أن تطاوع جميع عناصر المجتمع بمختلف جنسيّاتهم، ومستوياتهم الماليّة والفكريّة والتفكيريّة، وما ذلك إلاّ لأنّ أتباع هذا القرآن كانوا يُعملون فكرهم بكلّ قوّة وحسن نيّة، وسلامة شرف القصد.
إنّ مرونة آيات القرآن الكريم قد كوّنت فيهم تفكيرا مرنا استطاعوا أن يتعاملوا به مع كلّ الأمم المعاصرة لهم. (1/282)
صفحة 283
وقد جاءت هذه الآيات على هذه المرونة لتكون أساسا لسعة العصور كلّها، وهذا ما يضمنه القرآن الكريم من تكميل المنهج الاجتماعي الذي يضمن للبشريّة الرخاء والاستقرار والأمن والأمان.
ومن هذا المنطلق فالقرآن الكريم يوفّر للإنسان مساحات واسعة لكي يبدع في كلّ المجالات، ومنها الميدان الاجتماعي، فهو يعطي مبادئ عامّة وقيم تضبط السير داخل المجتمع، وهذا يعطي قدرة كبيرة على الإبداع، والتحرّك والعمل، ولكن دائما في الحدود التي حدّدت له. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} ... [الحجرات ـ 11]
هذا مثال واحد، وآية واحدة من الآيات الكثيرة التي لا نستطيع حصرها، والتي يبيّن الله - سبحانه وتعالى - فيها كيف يُبنى المجتمع المؤمن الصالح، الذي يضمن لأفراده حياة مطمئنّة ثريّة بالتواصل الحسن بين جميع عناصره، ممّا ينمّي ويقوّي فيهم التفاهم والحوار الفكري، ولا شكّ أنّ الحوار البنّاء والتواصل القويّ ينمّي ذاكرة الأفراد الذين يهتمّون بذلك.
فكأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزل هذا القرآن لهذا الإنسان ليمهّد له طريق الإبداع في مختلف الميادين التي يستطيع أن يستعمل فيها فكره، لكي يستنبط الفكر العام الذي يبني له حياته الاجتماعيّة، وبهذا يدرّب عقله على الإبداع.
أمّا أن يصبح القرآن الكريم عند كثير من الناس عبارة عن أنغام يتلذّذون بها، وينتهي الأمر عند ذلك، فهذا ما لم ينزّل الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم من أجله.
فهو القائل في القرآن الكريم:
- {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ... [المائدة ـ 16]
الفصل الثامن
الصوت الحسن (1/283)
صفحة 284
تأثير الصوت الحسن في الغدد
وربّما نستطيع أن نقول بأنّ هذا الترنّم والطرب يجعل الخليّة تفرز المواد الكيمياويّة بصفة متوازنة متناسبة، لتؤثّر في خليّة عصبيّة أخرى، وهذه المواد سمّاها علماء الأعصاب بالناقلات، لأنّهم استنتجوا أنّها هي المسؤولة عن نقل الأمر العصبي من خليّة إلى أخرى، سواء كان أمرا بالتحفيز Excitatory، أو الهبط Ihibitory.
والشيء المعجز الذي احتار فيه العلماء أنّ هذه المواد تنتج داخل الخليّة نفسها، وذلك رغم صغرها ودقّتها التي لا يعلمها إلى الله - سبحانه وتعالى - خالقها ومنشئها، فالخليّة الدقيقة في حجمها تحتوي على الإنزيمات المطلوبة لتصنيع الناقلات العصبيّة، ولكي تنتجها في أحسن صورة، يجب أن تكون في كامل نشاطها وحيويّتها وانبساطها، ولا تكون منقبضة، أو متأثّرة بأي مؤثّر مهما كان.
ولو أنّ علماء الذاكرة والأعصاب درسوا تأثير القرآن الكريم في هذه الخليّة المتناهيّة الصغر، لوجدوا له تأثيرا جليلا، ما دامت تعتبر جزء من الجسم، ولو أنّه صغير جدّا.
يقول العلماء:
«عندما يقرأ إنسان تقيّ القرآن الكريم على نفسه، فإنّ التردّدات الصوتيّة تدخل عبر الأذن إلى دماغه، وتؤثّر على هذه الخلايا، وتجعلها خاشعة، وتنشّطها، وتبعث فيها الحياة والقوّة من جديد، وتصبح مستعدّة لاستيعاب أقصى وأكبر قدر ممكن من المعلومات، كما أنّها تستقبلها بصفة جيّدة، ممّا يجعلها ترسخ فيها، وتصبح قادرة على استذكارها بعد مدّة من الزمن بطريقة كاملة، ودون عناء يذكر».
أهميّة حاسّة السمع (1/284)
صفحة 285
ومن الملاحظ في الآيات القرآنيّة التي ذكرت السمع والبصر أنّ كلمة السمع قد سبقت البصر وبلا استثناء، فلابدّ أن نتساءل، هل لهذا السبق من دلالة خاصّة؟ ولقد ثبت علميّا أنّ الأذن الداخليّة للجنين تتحسّس الأصوات في الشهر الخامس، ويسمع الجنين أصوات وحركات قلب وأمعاء أمّه، وتتولّد نتيجة لذلك إشارات عصبيّة سمعيّة في الأذن الداخليّة، والعصب السمعي والمنطقة السمعيّة في مخّه، لا يمكن تسجيلها إلاّ بالآلات المخبريّة الدقيقة، وهذا برهان علمي يثبت سماع الجنين للأصوات في هذه المرحلة المبكّرة من عمره، بينما لا يمكن تسجيل تلك الإشارات العصبيّة في الجهاز البصري للجنين إلاّ بعد ولادته.
وهناك حكمتان اعتمدها العلماء في كون السمع أهمّ من البصر في الذاكرة:
1ــ لأنّ الإنسان يمكن له أن يتلقّى الأصوات من الجهات الستّ، عن يمينه، وعن شماله، ومن أمامه، ومن ورائه، ومن فوقه، ومن تحته، في الظلام، وفي النور، في الليل، وفي النهار، وربّما تكون بينه وبين مصدر الصوت حواجز متعدّدة، بخلاف النظر، فإنّه لا يستطيع أن يرى به إلاّ ما يوجد أمامه، ولا يستطيع أن يرى ما وراءه إلاّ إذا استدار، ونفس الشيء بالنسبة ليمينه وشماله.
فلو كان مثلا يقود سيّارته فلا يرى إلاّ الذي أمامه، أمّا إن كان هناك خلل في محرّك سيّارته، فالصوت يصل إلى أذنه، فيقف في الوقت المناسب، ليصلح ذلك العطب.
كما أنّ أشعّة الضوء تسير بخطّ مستقيم دائما، فإذا اعترضها جسم غير شفّاف، فلن تتمكّن من اختراقه، أو المرور حوله، بينما الموجات الصوتيّة تسير في كلّ الاتّجاهات، ويمكنها أن تلفّ حول الأجسام التي تصادفها مهما كانت حالتها، فهي تنتقل عبر السوائل والأجسام الصلبة بسهولة، فيسمعها الإنسان حتّى عبر الجدران. (1/285)
صفحة 286
2ــ أنّ للسمع وظائف لا يستطيع أن يدركها البصر، بل إنّ السمع هو الذي ينبّه الإنسان إلى أشياء كثيرة، لا يستطيع أن يدركها ببصره وحده، وبالسمع نسمع الحقّ، ونعقل الحقائق، التي لا نستطيع أن ندركها بالبصر.
ونتيجة لذلك النمو المبكّر للمنطقة السمعيّة، فإنّ الطفل يستطيع أن يستوعب المعلومات الصوتيّة قبل وأكثر من استيعابه المعلومات البصريّة، ويتعلّمها ويحفظها أسرع بكثير من تعلّمه المعلومات المرئيّة، فهو يستطيع أن يفهم الكلام الذي يسمعه بسرعة، ويدركه، ويعيه أكثر من فهمه للرسوم والصور والكتابات التي يراها، ويحفظ الأغاني والأناشيد بسرعة، ويتمكّن من تعلّم النطق والقراءة في وقت مبكّر جدّا بالنسبة لتعلّمه الكتابة، وكلّ ذلك لأنّ مناطق دماغه السمعيّة نضجت قبل المناطق البصريّة. قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}
[المؤمنون ـ 78]
ولقد توصّل الباحثون بأنّ منطقة التفسير اللغوي في قشرة المخّ تنمو وتتطوّر بصفة أسرع، وترتبط ارتباطا وثيقا مع منطقة حسّ السمع، لأنّها تقع بالقرب منها، وهي لا ترتبط بنفس القوّة مع منطقة حسّ البصر التي تساهم هي الأخرى في وظيفة الكلام والإدراك اللغوي عن طريق القراءة والكتابة.
وهذا التقارب والارتباط بين هاتين المنطقتين ناتج عن حقيقة تطوّر منطقة حسّ السمع ووظائفه في وقت مبكّر، وقبل نضوج منطقة ووظائف حسّ البصر.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}
[الإنسان ـ 2]
والحكمة التي من أجلها قدّم الله - سبحانه وتعالى - حاسّة السمع على حاسّة البصر، لأنّ الأولى تتطوّر وتنضج قبل الثانيّة، ولأنّ السمع أهمّ في التعلّم والتعليم وأعمق رسوخا في ذاكرة الطفل من البصر. (1/286)
صفحة 287
ويقول الدكتور "حريزي موسى"، يذكر في هذا الصدد "محمّد نجاتي":
«يأتي ذكر السمع في القرآن قبل الإبصار في كثير من الآيات، وذلك فيما يبدو لعدّة اعتبارات، منها: إنّ السمع أهمّ من البصر في عمليّة الإدراك الحسّي والتعلّم وتحصيل العلوم، وممّا يدلّ على أهميّة السمع في الإدراك، وفي تعلّم الأصوات ومدلولاتها، وأنّها من أهمّ أدوات التفكير وتحصيل العلوم، ذكره في القرآن وحده ـ دون البصر ـ مع العقل للدلالة على العلاقة الوثيقة بينه وبين العقل، كقوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ... [الملك ـ 10]
ولهذه العلاقة الوطيدة بين السمع والعقل، فإنّ القرآن الكريم يذكر في كثير من الآيات السمع بمعنى الوعي والفهم والتدبّر والتعقّل، مثل قوله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}
[الحاقّة ـ 11ـ12]
ومن المعلوم أنّ المولود الذي يولد فاقدا لحاسّة السمع يصبح أبكم، ولن يتمكّن من تعلّم النطق والكلام، أمّا الذي يولد فاقدا لحاسّة البصر، فإنّه يتمكّن من تعلّم اللغة والنطق بسهولة.
وعند فقدان حاسّة البصر فإنّ المنطقة البصريّة في المخّ تقوم بوظائف تربط بواسطتها وظيفيّا المناطق الارتباطيّة الدماغيّة الأخرى، فتزيد من قابليّة الدماغ على حفظ المعلومات والذاكرة والذكاء، بينما لا تقوم المناطق السمعيّة بمثل هذا العمل عند فقدان السمع، والسبب في ذلك لم يتوصّل بعدُ لمعرفته، لذلك فقد نبغ كثير ممّن فقد بصره، ولكن لم ينبغ أحد ممّن فقد حاسّة السمع إلاّ نادرا، وهذا ممّا يدلّ على أهميّة حاسّة السمع. (1/287)
صفحة 288
لذلك فإنّه يمكن للأمّ أن تدرّب هذه الحاسّة لدى ابنها، بما تُسمعه يوميّا من آيات كتاب الله - سبحانه وتعالى -، إذا أرادت أن يصبح في المستقبل إنسانا يركّز إلى ما يسمعه، كي يعقله، ويحفظه، فقد أكّد الله - سبحانه وتعالى - على أنّ الإحساسات الصوتيّة التي يسمعها الإنسان بأذنيه تصل مستوى الوعي أكثر من تلك التي تصله عن غير طريقه، كالبصر واللمس والشمّ. فقد قال الله - سبحانه وتعالى - في هذا الشأن:
- {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ... [الحاقّة ـ 12]
وهذا دليل على أنّه يوجد بين حاسّة السمع وبين القلب صلة وثيقة، ربّما لا توجد بين البصر والقلب، ولقد خصّ الله - سبحانه وتعالى - حسّ السمع وجهازه، ولم يذكر البصر عندما أراد تخصيص أهميّة حواسّ بعض عباده. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الأنعام ـ25]
كما اكتشف العلماء بأنّ حسّ السمع لكلّ أذن يتمثّل في كلّ من جهتي المخّ، فإذا أصيب أحد شقيّ المخّ بمرض، فإنّ الأذنين لا يصيبهما الصمم، بينما في حاسّة البصر، فإنّ العين اليمنى يتمثّل مركز رؤيتها في الشقّ الأيسر، أمّا العين اليسرى فيتمثّل في الشقّ الأيمن، لذلك إذا أصيب أحد شقيّ المخّ بمرض، فإنّ المصاب يفقد الرؤية في العين المعاكسة لجهة الإصابة.
حاسّة السمع والقرآن الكريم (1/288)
صفحة 289
قبل أن نتطرّق إلى حاسّة السمع وعلاقتها بقوّة الذاكرة، واهتمام القرآن بها اهتماما بالغا، لا بدّ من الإشارة إلى المحيط الذي نزل فيه القرآن الكريم، إذ أنّه كان متميّزا بطبيعته الممتازة للإستماع، وذلك أكثر من اهتمام أصحاب تلك البيئة بالطبيعة البصريّة، وقد كوّنها فيهم ما كانوا يقيمونه من أسواق أدبيّة يظهرون فيها عبقريّاتهم، وفي محيطهم الصحراوي الذي يعتمدون فيه على المنبّهات السمعيّة أكثر من المنبّهات البصريّة، كما كان مجتمع الصحابة عند نزول القرآن عليهم مجتمعا سمعيّا أكثر منه بصريّا.
فالقرآن كان ينزل شيئا فشيئا، وكانوا يعتمدون كلّيا على حاسّة السمع في حفظ آياته، لأنّه لم يكن هناك كثير ممّن يحسنون الكتابة، ولم تكن لديهم وسائل الكتابة وآلاتها وأدواتها، إلاّ بعض من الصحابة الذين اعتمد عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تدوين الوحي الذي كان ينزل عليه.
فالآيات القرآنيّة كانت تسمع وتحفظ عن ظهر قلب، وتتناقل عن طريق الرواة، وبالرغم من أنّ كتّاب الوحي كانوا يدوّنونها، إلاّ أنّ القرآن الكريم لم يعمّم على الأمصار إلاّ في زمن الخليفة الثالث سيّدنا {عثمان بن عفّان} ـ - رضي الله عنه - ـ وبقيت الأحاديث النبويّة الشريفة غير مدوّنة لوقت متأخّر، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى قلّة من كانوا يجيدون القراءة والكتابة، إذ قيل:
إنّ عددهم في مكّة عند أوّل ظهور الإسلام لم يكن يتجاوز بضعة أفراد. كما أنّ العرب لم يدوّنوا شعرهم الغزير حتّى وقت متأخّر، ولكنّه كان يحفظ من طرف الروّاة، ويروونه إلى غيرهم في الأسواق والمناسبات فيستمع الكلّ إليه ويحفظه.
وقد ذكر الله - عز وجل - حاسّة السمع في القرآن أكثر من حاسّة البصر، وفي كلّ مرّة كان يسبّقها على البصر في كلّ مرّة يريد فيها تخصيص أهميّة الحواسّ، وما ذلك إلاّ لأهميّة هذه الحاسّة ودورها الفعّال في التعلّم والحفظ والوعي وترسيخ الاعتقاد داخل القلب. (1/289)
صفحة 290
قال الله - عز وجل -:
- {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ... [الحاقة ــ 12]
فنسب الوعي إلى الأذن وكأنّها هي التي تحفظ وتعي ما يلقى إلى النفس بواسطتها، في حين أنّ هناك جهازا متكاملا يتكوّن من عدّة أجزاء بمجموعها يتمّ السمع والإدراك والوعي للمادّة المسموعة، ولأنّ المعلومات التي تصل إلى مستوى الوعي لدى الإنسان عن طريق السمع أكثر من تلك التي تصله عن غيره مثل البصر.
ويؤّكّد الله - عز وجل - بأنّ الإحساسات الصوتيّة التي يسمعها الإنسان بأذنيه أشدّ وأسرع في التأثير منها بأيّ طريقة أخرى.
أمّا عن كثرة المعلومات البصريّة التي تصل إلى النفس بالنسبة للمعلومات السمعيّة القليلة نسبيّا، فلا بدّ أن ندرك بأنّ كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة أنّها تولّد دائما إدراكا داخل القوى العقليّة، وأنّها تنتج مفاهيم أكثر وأعمق في دماغ الإنسان ممّا تولّده المعلومات السمعيّة.
فقد اكتشف العلماء المتخصّصون بعد عدّة دراسات أجروها أنّ الذاكرة السمعيّة أقوى وأرسخ وأسرع حفظا من الذاكرة البصريّة.
وعل حسب استنتاجي فإنّ الذاكرة السمعيّة تستعمل قاعدة الربط، فتربط المعلومة التي تسمعها بالشخص الذي سمعتها منه مثلا، وتربطها بكثير من أوصافه، وقد رأينا أنّ قاعدة الربط لها أثرها الكبير والجيّد في الذاكرة، ومن جهة أخرى فإنّ الرموز الصوتيّة تعطي مدلولات ومفاهيم أكثر من الرموز الضوئيّة.
فقد ذكر العلماء أنّ نطق الكلمة الواحدة بلهجات ونغمات متباينة تنقل للسامع مفاهيم مختلفة، ولو كتبنا الكلمة نفسها بمختلف الصوّر الخطيّة لنقلت لقارئها دائما مفهوما واحدا لا غير، ومن المعلوم جيّدا وواقعيّا بواسطة التجربة والدراسة أنّ الأفلام الصامتة لا توصل من المعلومات إلاّ جزءا يسيرا ممّا يمكن أن تنقله الأفلام الناطقة. (1/290)
صفحة 291
وفي هذا العصر نجد الناس كلّهم يميلون ويفضّلون القنوات التي تنقل الخبر بالصوت والصورة، لأنّها أكثر تأثيرا من الصورة فقط، أو الصوت فقط.
هذه الحقائق التي ذكرها القرآن الكريم، وأثبتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لم يجر أيّ تجربة في هذا الإختصاص ولا دراسة معمّقة فيه تدلّ على أنّها من عند خالق هذا الإنسان، لأنّه وحده يعلم ما يصلح له في الحياة، وما يوفّر له الصحّة العقليّة، وقد توصّل العلماء إلى إثباتها في الآونة الأخيرة بعد عدّة بحوث وتجارب.
وقد كان بعض العلماء إلى العصر الأخير قبل إجراء هذه التجارب يظنّون أنّ حاسّة البصر أهمّ في حياة الإنسان من حاسّة السمع، ولكن بعد إجراء هذه التجارب والدراسات المعمّقة، توصّلوا إلى إدراك أنّ السمع أهمّ من البصر، وأدرك العلماء المسلمون لماذا يبدأ الله - عز وجل - دائما بحاسّة السمع قبل البصر.
لقد اكتشفوا كثيرا من الحقائق الناصعة التي لا تقبل الشكّ، وتبيّن لهم بكلّ وضوح وجلاء الإعجاز العلمي في هذه الآيات القرآنيّة التي قدّم فيها الله - عز وجل - السمع على البصر، وذلك لأسبقيّته في الخلق والتطوّر العضوي والعمل الوظيفي، وللميّزات الكثيرة لحسّ السمع على حسّ البصر.
وصدق الله العظيم إذ يقول:
- {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ... [فصّلت ــ 53]
وقد ذكر الدكتور: {حريزي موسى بن إبراهيم} في أطروحته تحت عنوان: أسرار الذاكرة في حفظ القرآن الكريم عدّة طرق لتحفيظ القرآن، ومنها طريقة {علي بن إبراهيم الزهراني 1997}، يقول: (1/291)
صفحة 292
«وسوف أقترح الطريقة المناسبة في كيفيّة تحفيظ القرآن الكريم، مسترشدا بما كتب في هذا المجال من الدراسات التربويّة قديما وحديثا، مع ملاحظة أنّ هذا لا يعني أنّها الطريقة الوحيدة التي تحقّق الأهداف التربويّة جميعها، فقد يرى المعلّم خطوات تعليميّة ومهارات تدريسيّة وأساليب تربويّة أخرى نافعة، وتجارب علميّة لآخرين رائدة، فلا يمنع من الاستفادة منها، وتطبيقها».
ويرشد معلّم القرآن في آخر المطاف إلى طريقة واحدة مختارة أصليّة، ولا مناص من اتّباعها، لأنّها من أسلوب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تلقين القرآن لأصحابه، وإنّ التخلّي عن طريقته والابتعاد عنها يؤدّي إلى الانحراف.
فيقول: «إنّ معيار الطريقة التربويّة المناسبة لتعليم القرآن الكريم يكمن في الرجوع إلى أسلوب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاقتراب منه، فإنّ نجاح الأسلوب التعليمي لكتاب الله - عز وجل -، وتحقيق الأهداف التربويّة كما ينبغي مرتبط بالأسلوب النبوي، وابتعاد العمليّة التربويّة في الحلقات القرآنيّة عن هذا الأسلوب المعصوم يخلّ بها، وقد يؤدّي إلى الانحراف، واتّساع دائرة التسرّب، والانقطاع المستمرّ من هذه الحلقات».
ثمّ يدلي باقتراحه في ميدان تدريس القرآن الكريم، والعمل في ميدان تحفيظه بمضمون الآية التي يقول فيها الله - عز وجل -:
- {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ... [آل عمران ــ 164]
ويقول الله - عز وجل -:
- {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} ... [الجمعة ــ 2] (1/292)
صفحة 293
ولا بدّ ان نذكر دعوة سيّدنا إبراهيم عندما دعا ربّه ليبعث من يعلّم أمّته الكتاب والحكمة، فيقول تعالى على لسانه - عليه السلام -:
- {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ... [البقرة ــ 129]
ومن هذه الآيات المتعدّدة يتبيّن لنا أنّ أحسن طريقة لتعليم القرآن وغيره من العلوم هي طريقة التلقين من طرف المعلّم، حيث يُسمع المتعلّم ما يريد تحفيظه إيّاه، ثمّ يعيد المتعلّم ما سمعه، حتّى يحفظ ذلك جيّدا.
إنّ هذه الطريقة تنشّط خلايا المخّ، لأنّها تجلب انتباه المتعلّم أوّلا، وهذا الانتباه يجعل المتلقّي يحاول أن يفهم جيّدا ما يلقى إليه، ومن خلال ذلك يجعل أعصاب الدماغ وخلاياه تحاول أن تستوعب جيّدا ما سمعته، ولأنّها لا تتّكل على أيّ كتاب أو مرجع ترجع إليه فيما بعد، وكلّما نشطت خلايا المخّ إلاّ وازداد تلقّيها واستيعابها، وذلك بصفة أكثر ممّا لو ترك المتعلّم يقرأ وحده من الكتاب ما يريد حفظه ثمّ يطلب منه استظهار ذلك.
ومن هذه الآيات المتعدّدة استنتج الدارسون لطرق التعليم أنّ المعلّم يجب أن يتّبع عند تعليمه كتاب الله - عز وجل - في الحلقات القرآنيّة تلك المحاور الثلاثة المتمثّلة في:
ــ التلاوة: ــ يتلو عليهم آياتك ــ.
ــ التزكيّة: ــ ويزكيهم ــ.
ــ التعليم: ــ ويعلّمهم الكتاب والحكمة ــ.
ولا يقتصر على واحدة منها ما دامت قد نزلت من ربّ العزّة الذي يعلم كلّ جوانب هذه النفس البشريّة، ويعلم ما يصلح لها في تعلّمها في الحياة، وقد علّم آدم الأسماء كلّها.
ويذكر الدكتور حريزي موسى:
«إنّنا سنتعرّض إلى تلك الفنيّات التي نعتقد أنّها هي الأصحّ في سهولة الحفظ، والأوثق رسوخا، وعدم نسيان ما يحفظ من القرآن الكريم لمدّة طويلة». (1/293)
صفحة 294
وسنبدأ بالطريقة القرآنيّة نفسها، أي التي ذكرها الله - عز وجل - في كتابه العزيز لسيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فهي أفضل تقنيّة لحفظ القرآن الكريم التي سنّها الله - عز وجل - لنبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم - وذلك لحفظ وتقييد القرآن في العقل أو الذهن، وهذه الطريقة هي التي ذكرها ربّنا - عز وجل - في قوله:
- {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ... [القيامة ــ16ــ19]
ومعنى هذه الآية: إنّ هذه الطريقة هي تعليم من ربّنا - عز وجل - لنبيّه، وهو قدوة للمسلمين، وقد بيّن له كيف يجب عليه أن يتلقّى كلام ربّه - عز وجل - ــ الوحي ــ وكيف يحفظ القرآن من الملك جبريل - عليه السلام -، فقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبادر إلى أخذه من الملك مخافة نسيانه إيّاه وذهابه منه، وكان يسابقه في قراءته، فأمره ربّه - عز وجل - أنّه إذا جاءه الملك ليلقي إليه الوحي فعليه أن يستمع إليه جيّدا لأنّه - عز وجل - هو الذي يتكفّل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسّره لأدائه على الوجه الذي يلقيه إليه، وأن يبيّنه له، ويفسّره ويوضّحه.
فالحالة الأولى: جمعه في صدره، والحالة الثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره، وإيضاح معناه.
وقد استنبط مبادئ مرتبطة بمراحل التعلّم والتعليم التي لا يخلو منها أيّ درس من دروس تعلّم الحقائق والمعرفة، وفهمها من طرف الطالب وهي:
1ــ لا بدّ من تلقين للحقائق، ومن قراءة المعلّم على أسماع وأنظار التلاميذ بصورة نموذجيّة ومثاليّة لأيّ حقيقة، (فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه).
فلا بدّ للمعلّم أن يقرأ قراءة مثاليّة أمام التلاميذ، وأن يأمرهم باتّباع قراءته، وعدم تحرّك اللسان والقراءة معه، وأن ينتظروا حتّى ينتهي، ويعيدوا من بعده، وأن يدرّبهم على التركيز والإنصات لما يقرأه عليهم. (1/294)
صفحة 295
2ــ الانتباه والإنصات الجيّد من طرف التلاميذ أثناء قراءة المعلّم، عندما يقرأ القراءة النموذجيّة، لأنّ لذلك أهميّة عظمى في فهم معاني الآيات، وهذا ممّا يبني في العقل عادة التفكير والتركيز، ويثير ذهن التلاميذ فتنشط خلاياه، وتصبح مستعدّة لتلقّي واستيعاب ما يلقى إليها من المعلومات.
وعليه أن يأمرهم أن يقلّدوه بعد السماع إلى المعلومات لأنّ هذا الاستماع له ارتباط كبير على تكوين مهارة التركيز والانتباه المقصود لدى التلاميذ.
3ــ فإذا قرأناه ــ أي انتبه جيّدا وركّز فيما نقرأه عليك، وهذا الانتباه والتركيز الجيّد يكون نتيجة لهدوء الأعصاب واستعداد الخلايا الدماغيّة لاستقبال ما يلقى إليها من المعلومات.
4ــ فاتّبع قرآنه ــ أي اتّبع المقروء بالفكر والأذن والبصر، أي يجب أن يكون هناك سماع جيّد، مع تركيز، وذلك استعدادا للتقليد، وهذا الاستعداد يكون من الخلايا الدماغيّة، ويكون كذلك بصفة أخصّ من القلب، لأنّ للأذن أعصاب تؤدّي بالحسّ إلى القلب مباشرة، ومنها ما يؤدّي بالحسّ إلى الدماغ، ولكن التي تؤدّي بالحسّ إلى القلب أوعى، وما ورد في القرآن يستحيل أن يخالف الطبيعة الإنسانيّة أو الفطرة.
وممّا يزيد تأكيدا وتثبيتا لهذه الحقيقة، هو أنّ العلم قد أثبت أنّ السمع مرتبط بالقلب، والدليل على ذلك أنّ النغمات الموسيقيّة هي أصوات وليست بكلام ذي معنى ودلالة لفظيّة، ومع ذلك فإنّ القلب يتأثّر بها تأثّرا كبيرا، ويفهم إيحاءاتها، ويستجيب للنغمات المفرحة، أو الأخرى المحزنة، وما يحرّك الوجدان عموما من انفعال وحماس، أو انشراح وبكاء، أو الشعور بالرغبة في النوم والاسترخاء، ولا يخفى على أحد أيّا كان بأنّ هذا الشعور كلّه محلّه في القلب.
ويذكر {أحمد عكّاشة} في طبيعة فيزيولوجيّة الوجدان قوله:
«عندما يتلقّى الإنسان تنبيها حسّيا فإنّه يستجيب له استجابة ذات وجهين: (1/295)
صفحة 296
الأوّل: وجه إدراكيّ، يحسّ الإنسان بالمؤثّر الحسّي، ويدرك معناه، وذلك من خلال الإحساسات الخارجيّة والحزم العصبيّة الصاعدة إلى اللحاء والمراكز الحسيّة في اللحاء.
والثاني: هو الوجه الوجداني، حيث يتأثّر به الإنسان، فيشعر بالسرور، أو الكدر، أو الارتياح والطمأنينة».
فمثلا عند سماعنا للموسيقى، فنحن لا نحسّ فقط بالنغم من حيث شدّته وطبقته ونوعه، بل نشعر أيضا بالارتياح والسرور لهذه الأنغام، وهذا الوجدان.
وهذا هو بيت القصيد الذي نريد أن نصل إليه من ذكر كلّ هذه المعلومات، وهو أنّه يجب علينا أن نرتّل القرآن ترتيلا, وبصوت حسن، لأنّ للترتيل والصوت الجيّد والحسن ارتباطا بالتذكّر الجيّد، وذلك لأنّ الصوت الحسن يؤثّر في الأعصاب التي تصل الخلايا المخّية تأثير تهدئة لها، فتصبح قادرة ومستعدّة لتمرير المعلومات بصفة قويّة وحسنة، ممّا يجعل الخلايا تستعدّ لاستقبال المعلومات وتخزينها تخزينا حسنا، ولأنّ ذلك الصوت الحسن يجعلها في كامل طاقاتها وقوّتها وحيويّتها للتلقّي والتخزين. ... قال الله - عز وجل -:
- {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ... [البقرة ــ 121]
وعن أبي موسى ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال له:
«يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أسمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود». ... أخرجه البخاري
وعن البراء بن عازب ـ - رضي الله عنه - ـ قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ (والتين والزيتون) في العشاء، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه». ... أخرجه البخاري (1/296)
صفحة 297
إنّ الفهم ينتج عن القراءة بتدبّر وتفكّر وتدريج، وبهذه الطريقة سيتضّح للقارئ كلّ غامض، وسيسهل عليه الحفظ والفهم، وذلك بالتلاوة الجيّدة والترتيل الحسن، لأنّ الترتيل يبعث في النفس الهدوء والانشراح، ونتيجة لذلك يتفتّح القلب، ممّا يوفّر جوّا مناسبا للعقل كي يتلقّ المعلومات.
ويذكر ابن خلدون في مقدّمته: أنّ السمع هو أبو الملكات اللسانيّة.
فالاستماع يحتاج إلى مهارة وتدريب، وكلّما كان الاستماع مركّزا وقويّا، كان محصول الفهم عند المتعلّم قويّا ومفيدا، والترديد والترجيع صحيحا سليما.
أساليب القرآن وصلتها بعضلات المخّ
لقد بيّن المفسّر الطاهر بن عاشور أساليب القرآن في تفسيره [التحرير والتنوير] في المقدّمة التاسعة تحت عنوان:
المعاني التي تتحمّلها جمل القرآن، تعتبر مرادة بها
قال المفسّر:
«إنّ العرب أمّة جُبلت على ذكاء القرائح وفطنة الأفهام، فعلى دعامة فطنتهم وذكائهم أقيمت أساليب كلامهم، وبخاصّة كلام بلغائهم، ولذلك كان الإيجاز عمود بلاغتهم، لاعتماد المتكلّمين على أفهام السامعين، لأجل ذلك كثر في كلامهم المجاز، والاستعارة، والتمثيل، والكناية، والتعريض، والاشتراك، والتسامح في الاستعمال كالمبالغة، والاستطراد، ومستتبعات التراكيب، والأمثال، والتلميح، والتمليح، واستعمال الجملة الخبريّة، واستعمال الاستفهام في التقرير أو الإنكار، ونحو ذلك».
هذا من كلام البشر الذين لا يستطيعون أن يستوعبوا ويطّلعوا على كلّ أفهام بني جنسهم، والأساليب التي يتأثّرون بها أكثر من غيرها، فهم يحاولون قدر المستطاع أن يستميلوا إليهم السامعين، حتّى يفهموا كلامهم ويتأثّروا به، فكيف بخالق هؤلاء البشر الذي لا تخفى عليه خافيّة، صغيرة كانت أو كبيرة، فهو خالقهم، ويعلم ما يعجبهم من الخطاب، وما لا يعجبهم، فأنزل كتابه القرآن الكريم على حسب ما يفهمون وما يميلون إليه بطبيعتهم. (1/297)
صفحة 298
أنزله على الأسلوب الذي يُعملون به عقولهم إذا اهتموا به وتدبّروه وحاولوا فهمه قدر المستطاع، ففيه كلّ الأساليب والخطابات التي تليق بتدريب وبتنميّة ذاكرتهم، ولتنشيط خلايا مخّهم، فتتأثّر بذلك قلوبهم، وتطمئنّ نفوسهم، فيهتمّوا بالبحث في مختلف مجالات العلم والثقافة، حتّى يحقّقوا لهذه الأمّة مكانتها العلميّة العالية التي أراد الله - سبحانه وتعالى - أن يكون عليها المسلمون.
ويقول المثل: إنّ أمّة تقرأ هي أمّة تحيا.
والقرآن الكريم تنزيل من علاّم الغيوب، وقد أراد - سبحانه وتعالى - أن يجعله آية على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وتحدّى به بلغاء العرب بأن يعارضوا أقصر سورة منه، فقد نسج نظمه نسجا بالغا في منتهى ما تسمح به اللغة العربيّة من الدقائق واللطائف لفظا ومعنى ومقصدا، بما يفي بأقصى وأرقى بلاغة إلى المنزّل إليه.
لقد جاء القرآن الكريم على أسلوب أبدع وأعجب ممّا كانوا يعهدون، وهو إلى جانب إعجازه يحمل أكثر من معنى من المعاني المعتادة التي يودعها البلغاء في كلامهم.
فلا غرو أن نقول بأنّ الله - عز وجل - أنزله على هذا الأسلوب، ليجعله غذاء ذهنيّا ممتازا، تتمرّن به كلّ عضلات المخّ، فتصبح قويّة صالحة لاستيعاب العلوم المختلفة الأخرى.
وهو لكونه كتاب تشريع وتأديب وتعليم، كان حقيقا بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ممّا تحتمله الألفاظ في أقلّ ما يمكن من المقدار، خاصّة وقد أنزله خالق اللغة، وخالق التعبير، وخالق آلة اللغة والتعبير.
وهو القائل - عز وجل -:
- {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} ... [الروم ــ 22]
وهو أحقّ أن يودع فيه من المعاني كلّ ما يحتاج السامعون إلى علمه، وكلّ ما له حظّ من البلاغة، ويؤثّر على القوى العقليّة. (1/298)
صفحة 299
وإنّ أوّل ما يلفت عقل القارئ والمتدبّر لكتاب الله الحكيم صفة التذكير لقارئه وسامعيه، والتي هي من صفاته الفريدة المميّزة لأسلوبه في عرض قضاياه وإيصال رسالته، إذ يتألّف الخطاب القرآني من عبارات تثير في نفس القارئ المخلص صورا ومشاعر وأفكارا تدعوه إلى استعمال قواه العقليّة التي يتأمّل بواسطتها الأحداث، وينظر بها إلى المواقف التي يريد القرآن إبرازها، وهي تدفعه في كلّ مرّة إلى تعميق تفكيره أكثر وأكثر في بداية أفعاله ونتائجها.
ذلك أنّ القرآن الكريم لا يقوم بسرد القصص والأخبار سردا، ولا يطرح قضاياه على شكل جمل مفصّلة، تقود القارئ مباشرة نحو النتائج، بل يختار عبارات مفتاحيّة تدفع العقل المتدبّر إلى التأمّل العميق والنظر المدقّق لفهم مقاصد الخطاب وغايات العبارات.
والمشكلة الكبيرة أنّ المسلمين يتعاملون مع كلام ربّهم تعاملا سطحيّا حفظا للكلمات وتلاوتها دون تدبّر وتمعّن، لذلك لم يؤثّر في قواهم المختلفة، ولم يتحصّلوا على النتيجة المرجوّة التي أنزله الله - عز وجل - من أجلها، ولأنّهم ينظرون إلى آيات الكتاب نظرة عجل، يطلبون الأجر الكبير فقط، ويعجزون معها عن ربط الآيات ببعضها، وفهم السياق، ولذلك لا يدركون التناسق والتوافق والترابط الموجود في آيات كتاب الله المحكم.
أواخر الآيات استراحة للذاكرة
لقد تساءل بعض الدارسين لأسلوب القرآن الكريم.
ــ ما هي العلاقة الموجودة بين كامل الآية وبين نهايتها؟.
فقال بعضهم: إنّه لا يوجد ارتباط بينهما، فقد يكون الحديث في الآية حول فكرة ما، ثمّ تأتي الفاصلة بفكرة أخرى، لا يكون فيها أيّ ارتباط بينهما، أو بين المقدّمة والنتيجة.
إنّ موقع الفاصلة في الآية يشبه موقع القافية في البيت الشعري، وكما أنّ القافية في البيت عنصر منه متميّز، فإنّ الفاصلة في الآية كذلك عنصر متميّز، ولكنّها كالقافية تبقى جزءا أصيلا من الآية غير منفصل عنها.
وقال الدكتور {بكري}: (1/299)
صفحة 300
«إنّ الفاصلة القرآنيّة ترد وهي تحمل شحنتين في آن واحد، شحنة الوقع الموسيقي، وشحنة من المعنى المتمّم للآية».
ولو أمعنّا النظر جيّدا في فواصل القرآن، واستعملنا الفكر فيها، ودرسنا الحروف التي يكثر ورودها ومجيئها فيها، ولا سيما في خاتمتها، لوجدنا حروف النون والميم والألف والواو والياء.
وهذه الحروف تحمل لحنا إيقاعيّا لا يتوفّر في الحروف الأخرى، ثلاثة منها هي حروف تستعمل كمدود، وتقابل تسميّة الإطلاق في البيت الشعري، وحرفان مخرجهما سهل، فيهما غنّة محبّبة، تساعد على إخراج صوت محبّب من الأنف، وتلك هي شحنة النغم.
وهناك حروف أخرى كثيرة ترد كذلك في نهاية الآيات، ولكن نحن نذكر هنا الأحرف الغالبة الكثيرة الورود.
أمّا قوّة المعنى التي تنبعث من تلك الفاصلة فإنّها تظهر بارزة عند إمعان النظر في الآية بأكملها، وما تحمله من فكر، يقصد ربّنا تبيانه بواسطتها.
ونجد كلّ آية انتهت بفاصلة ملائمة كلّ الملاءمة لمعناها، مستقرّة في قرارها، مطمئنّة في مكانها، غير نافرة ولا قلقة، ولكن الأفكار قد تتضاءل عن إدراك سرّها.
ولذلك جعلها الله - عز وجل - على هذا المنوال لتكون استراحة للذاكرة بعد أن يقرأ القارئ الآية كاملة ويستعمل فيها فكره جيّدا، ويفهم معناها، ويصل إلى آخرها، ويجد تلك النهاية (الفاصلة) التي تنتهي بها وتلائم معناها، والتي هي عبارة عن جرس فنّي تجد فيه خلايا المخّ نوعا من الراحة، ولو قصيرة جدّا جدّا، فيستأنف قراءة الآية التي تأتي بعدها بقوّة جديدة وبنفس آخر جديد، ويحاول أن يفهم المعنى الجديد الذي تأتي به، فيكون ذلك سببا لفهمها فهما جيّدا. (1/300)
صفحة 301
ويمكن أن نفهم ذلك عندما نعلم بأنّ كلّ خليّة عصبيّة تتمتّع بعدد وافر من الوصلات تمكنها من الاتّصال بمئات ألوف غيرها من الخلايا في أجزاء من ألف من الثانية، وإذا كانت الخلايا تعمل في هذا الجزء الصغير جدّا من الوقت، إذن فيمكنها أن تأخذ جزءا من الراحة في جزء صغير جدّا من الوقت كذلك.
وممّا يروى في الأخبار أنّ زيد بن ثابت ـ - رضي الله عنه - ـ كان يكتب ما يملي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندما بدأ يملي عليه الآية التاليّة:
- {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}
لمّا وصل النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الحدّ، نهض صحابيّ آخر وهو معاذ بن جبل ـ - رضي الله عنه - ـ فقال:
- {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} ... [المؤمنون ــ 12ــ14]
فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له معاذ ممّا ضحكت يا رسول الله؟.
قال - صلى الله عليه وسلم -: بها ختمت.
وفعلا فإنّ الآية خُتمت بقوله تعالى: {{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}
وقد وردت قصّة في هذا المعنى، وهي في قوله - سبحانه وتعالى -:
- {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ... [المائدة ـ 38] (1/301)
صفحة 302
فعن الأصمعي أنّه قال: قرأت هذه الآية وإلى جنبي أعرابي فقلت: {والله غفور رحيم} سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعد، فأعدت: {والله غفور رحيم}، فقال: ليس هذا كلام الله، فتنبّهت، فقلت: {والله عزيز حكيم}، فقال: أصبت، هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، قلت: فمن أين علمت أنّي أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزَّ، فحكم، فقطع، ولو غفر، ورحم لما قطع.
وتروي الأخبار أنّ أعرابيّا سمع قارئا يقرأ:
- {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ... [البقرة ــ 209]
وعوض أن يقرأ عزيز حكيم، قرأ: غفور رحيم.
وكان الأعرابيّ لا يحفظ شيئا من القرآن، ولكنّه عربيّ صاف أصيل، يدرك مقاصد اللغة العربيّة بالسليقة، وما يجب أن تكون عليه أساليبها. فقال:
إن كان هذا كلام الله فلا تكون النتيجة هكذا، إنّ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنّه إغراء عليه، وعاد القارئ إلى القراءة لينظر أكان مصيبا أم مخطئا، فوجد نفسه على خطأ، فالآية انتهت بقوله - عز وجل -:
- {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
وقال المفسّر الشيخ {الطاهر بن عشور} في تفسيره: التحرير والتنوير:
«إنّ هذه الفواصل تعتبر من جملة المقصود من الإعجاز العلمي لأنّها ترجع إلى محسّنات الكلام، وهي من جانب آخر تعتبر من فصاحة الكلام، فمن الغرض البلاغي الوقوف عند الفواصل لتقع في الأسماع، فتتأثّر نفوس القارئين والسامعين بمحاسن ذلك التماثل، كما تتأثّر بالقوافي في الشعر، وبالأسجاع في الكلام المسجوع».
ونقول لهذا المفسّر الكبير بارك الله فيك، فكلّما ذكرته من هذه الأغراض لها كذلك تأثير إيجابي كبير على القوى الفكريّة، ولها استجابة حسنة لما يقع فيها من محاسن ذلك التماثل. (1/302)
صفحة 303
فسبحان منشئ العقول على هذه الطريقة، وأنزل لها هذه المعجزة على هذا النحو لتتأثّر بها تأثّرا منقطع النظير. ... فإنّ قوله - عز وجل -:
{إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون} (آية)، {في الحميم ثمّ في النار يسجرون} (آية)، {ثمّ قيل لهم أين ما كنتم تشركون} (آية)، {من دون الله} (آية)، إلى آخر الآيات.
فقوله - سبحانه وتعالى - {في الحميم} متّصل بقوله {يسحبون}، وقوله {من دون الله} متصل بقوله {تشركون}، وينبغي الوقوف عند نهاية كلّ آية منها.
وقوله - عز وجل -:
واشهدوا أنّي بريء ممّا تشركون} (آية)، وقوله {من دونه}، ابتداء الآية بعدها.
[هود ــ 54ــ55]
ألا ترى أنّ من الإضاعة لدقائق الشعر أن يلقيه ملقيه على مسامع الناس دون وقف عند قوافيه، وكذلك يعتبر إضاعة لجهود الشعراء، وتغطية على محاسن الشعر، وإلحاقا للشعر بالنثر.
وإنّ إلقاء السجع دون وقوف عند أسجاعه هو كذلك لا محالة.
ومن السذاجة أن ينصرف ملقي الكلام عن محافظة هذه الدقائق فيكون مضيّعا لأمر نفيس أجهد فيه نفسه وعنايته.
وفي الإتقان عند أبي عمرو قال بعضهم:
«الوقوف على رؤوس الآي سنّة»، وفيه عن البيهقي في شعب الإيمان:
«الأفضل الوقوف على رؤوس الآيات، وإن تعلّقت بما بعدها اتّباعا لهدي النبيء - صلى الله عليه وسلم - وسنّته».
وفي سنن أبي داود عن أمّ سلمة أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا قرأ قطّع قراءته آية، آية، يقول: {بسم الله الرحمان الرحيم} ثمّ يقف، {الحمد لله ربّ العالمين} ثمّ يقف، وهكذا إلى آخر السورة.
وهكذا نستطيع أن نعتبر ذلك استراحة لذاكرة القارئ، وتجديدا لنفسه، كي ينطلق من جديد.
استراحة الخلايا والأعصاب في أواخر الآيات (1/303)
صفحة 304
خذ مثلا شريط لأحد المجوّدين لكلام الله - عز وجل -،مثل {عبد الباسط عبد الصمد} أو إمام الحرم المكّي {السديس} أو الحرم المدني، واستمع إلى تجويده لآيات بيّنات من الذكر الحكيم وركّز كلّ طاقاتك العقليّة على آخر الآية عندما يتوقّف فيها، ولاحظ جيّدا كيف يستريح عقلك، تماما كما يستريح المجوّد نفسه، ثمّ لاحظ كيف يستعدّ لقراءة الآية التي بعدها، بما يملأ به رئتيه من الهواء الكافي لكي يقرأ الآية الأخرى بدون انقطاع نفسه، فستجد ذلك شيئا عجيبا لا يتوفّر إلاّ عند تلاوة القرآن الكريم، إنّه ينشط عند بداية قراءة الآية وهو يتابع قراءته، عند ذلك تدرك روعة آيات الله - عز وجل -، وما تضمّنته من أسرار وعجائب مؤثّرة في النفس، وهذا ما لا يدركه إلاّ من ركّز في تلاوته بكامل قواه العقليّة والفكريّة، وحاول بحقّ أن يتأثّر ويخشّع بكلام ربّه، ومن أجل كلّ تلك المعاني والأهداف أنزله ربّنا - عز وجل -.
أجزاء الآية
وقد تحدّث العلماء عمّا يوجد في الآية ممّا يشير إلى الفاصلة، ويسمّون ذلك تصديرا وتوشيحا.
فالتصدير: تكون فيه اللفظة قد تقدّمت مادّتها في الآية، بمعنى تشبه موضوع الآية، وهي تشبه ردّ العجز على الصدر، ومثّلوا لذلك بقوله - عز وجل -:
- {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}
[النساء ـ 166]
وقوله - عز وجل -:
- {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} ... [آل عمران ـ 8]
إنّ هذا يدلّ على التحام الفاصلة بالآية التحاما تامّا، يستقرّ في النفس وتتقبّله أعظم قبول.
أمّا التوشيح فهو: أن يكون معنى الآية مشيرا إلى هذه الفاصلة، مثلما ذكرنا في خبر {معاد بن جبل} مع الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم -، وكما في قوله - عز وجل -:
- {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}
[آل عمران ــ 33] (1/304)
صفحة 305
إنّ الاصطفاء يكون من الجنس، وجنس هؤلاء المصطفين هم من العالمين.
وكقوله - عز وجل -:
- {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس ــ 37]
هذه الفواصل لها قيمتها في إتمام المعنى، وهي مرتبطة بآياتها كلّ الارتباط، ولها أثرها الموسيقي في نظم الكلام، ولهذه الموسيقى أثرها في النفس.
وقد يستعمل الله - عز وجل - في الفاصلة كلمة غريبة، مع وجود غيرها القريبة المعنى، والسبب في ذلك رعاية الموسيقى والنغمة. ... مثال ذلك قوله - عز وجل -:
- {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم ــ 21ـ22]
وقد قال {ابن الأثير} في هذا الموضوع:
«إنّها في موضعها ولا يسدّ غيرها مسدّها، ألا ترى أنّ السورة كلّها، وهي سورة النجم، تجد كلّ آياتها تنتهي بألف مقصورة».
{والنجم إذا هوى ما ضلّ صاحبكم وما غوى}، وهكذا إلى آخرها، فلمّا ذكر الأصنام وقسمة الأولاد، وما كان يزعمه الكفّار، قال:
{ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى}، فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة كلّها عليه، وغيرها لا يسدّ مسدّها.
وقد يشتدّ التقارب الموسيقي في الفواصل، حتّى تتّحد الفاصلتان في الوزن والقافية، كقوله - عز وجل -:
- {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}
[الغاشية ــ 13ـ14ـ15]
ومثلها في نفس السورة: خلقت، رفعت، نصبت، سطحت. ... وكقوله - عز وجل -:
- {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية ــ 25ـ26]
كقوله - عز وجل -: - {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}
[نوح ــ 13ـ14]
وكذلك نجد كامل نهايات آيات هذه السورة.
وقد تختلفان وزنا وتقفيّة، ولكنّهما تتقاربان صوتا. (1/305)
صفحة 306
كقوله - عز وجل -: - {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ... [الفاتحة ــ 3ـ4]
وقد تنتهي السورة في الأخير بفاصلة منفردة الإيقاع، كالمقطع الأخير، المؤمئ إلى انتهائها. كقوله - عز وجل -:
- {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}
[الشرح ــ 9ـ10ـ11]
إنّنا نجد أنّ الفاصلة القرآنية كالقافية الشعريّة، وتزيد الفاصلة على نظيرتها بشحنة المعنى، ووفرة النغم، والسعة في الحركة الحرّة.
وكلّ هذا من الأسرار الربّانية التي جعلها في كتابه ليكون نورا وهداية وشفاء وغذاء روحي لكلّ من يرتّله ترتيلا صحيحا، ويتدبّره تدبّرا معمّقا، ويستمع إليه بإنصات وخشوع، وانتباه بكامل قواه العقليّة، وبحضور نفسي وقلبي، وبهذا يفعل فيه مفعوله الإيجابي الذي أنزله الله - عز وجل - من أجله، وصدق الله العظيم حين يقول:
- {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ... [المزمل ــ 4]
ويقول:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ــ 204]
وقد اكتشف علماء الذاكرة بأنّ التركيز على التنفّس بأخذ الشهيق، وإخراج الزفير بعمق وبطء، يجعل القارئ يسترخي، ويسمح لنسبة أكثر من الأكسجين للوصول إلى المخّ، وليس هناك أفضل من هذه العمليّة لتزويد خلايا المخّ بالأكسجين الكافي كي تعمل بكلّ قوّة ونشاط.
فالتنفّس على هذا المنوال الذي تنتجه أواخر الآيات يبطئ من سرعة الأشياء من حولنا، بحيث يعطي لها معنى قيّما في هذا الوجود، ويزيد من الإحساس بالغير الموجود من حولنا، كما يزيد في الصبر وحبّ الإطلاّع.
يقول الدكتور {توني بوزان}: (1/306)
صفحة 307
«إنّ مخّك يتطلّب التناوب في فترات النشاط والراحة لكي يعمل بأفضل إمكانيّة، فالاستراحة القصيرة له، ليست عديمة الفائدة، كما يظنّ أغلبيّة الناس، وليس حقيقيّا أنّها لا تفعل شيئا، ولا تؤثّر فيه، فهي العمليّة التي من خلالها يتعافى مخّك ويستعيد ترتيبه، ويتكامل، ويكمل الأمور، ويستعدّ للفترة التاليّة من نشاط الجانب الآخر للمخّ».
خاصّة وكما ذكرنا من قبل أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد ضمّن كلامه كلّ المهارات التي تشغل جانبي المخّ، وهذا ما سنراه في كتابنا ــ تأثير القرآن على جانبي المخّ ــ إن شاء الله تعالى.
فمن الممكن جدّا أن أواخر الآيات وأماكن الوقوف التي سنّها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولو في وسط الآية تعتبر فترات راحة لتغيير النشاط، والتي تسمح لجانب المخّ الذي كنّا نستخدمه بأن يستريح أثناء استعادة النفس، ثمّ ينتقل النشاط بعد ذلك إلى الجانب الآخر.
وقد رأينا كيف أنّ العلماء توصّلوا إلى اكتشاف أنّ ترتيل القرآن الكريم في الصلاة حسب قواعد التجويد يعمل ويعين على تنظيم التنفّس خلال تعاقب عمليّتي الشهيق والزفير، وهذا يؤدّي بدوره إلى تخفيف التوثّر بدرجة كبيرة، كما أنّ حركة عضلات الفم المصاحبة للترتيل تقلّل من الشعور بالإرهاق وتكسب العقل نشاطا وحيويّة، كما ثبت كلّ ذلك في بعض الأبحاث الطبّية. (1/307)
صفحة 308
وكذلك يمكن أن نعتبر تلك الفواصل في آخر الآيات كاستراحة للأعصاب، فبعد أن تنشط في العمل ونحن نقرأ الآية، تأتي تلك الفاصلة فتسريح لحظة من ذلك النشاط ممّا يعطيها نوعا من الراحة والاسترخاء، وقد اكتشف المهتمّون بدراسة الذاكرة بأنّ تلك الاستراحات بين الحين والآخر، يجعل الأعصاب تسترخي شيئا من الزمن ممّا يجعلها تمرّر المعلومات بصفة أقوى ممّا كانت عليها من قبل، وهذا الاسترخاء يحفظها من التوثّر، وكلّما نقص توثّر تلك الأعصاب كلّما كان تمريرها للمعلومات أحسن وأفضل، كما أنّ هذه الفترة من الاسترخاء مفيدة جدّا لأولئك الذين يستخدمون ذاكرتهم لفترات طويلة ومتواصلة.
وذلك خاصّة في حفظ القرآن ومراجعته، لأنّ ذلك يتطلّب عملا متواصلا، ومثابرة لفترات متواصلة حتّى نستطيع حفظه وختمه.
ولعلّ السرّ ربّما يكمن في تلك الفواصل حيث يستطيع القارئ أن يختم القرآن في ليلة واحدة دون ملل، أو تعب، لأنّها تمنح له محطّات استراحة خفيفة، وهذا ما تحتاج إليه خلايا المخّ.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:
«هوالذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق على كثرة الردّ». ... رواه الترمذي
وربّما أنّ السرّ في أنّ القارئ لا يملّ من قراءة كلام الله - عز وجل - يكمن في تلك الفواصل التي تعتبر محطّات تستريح فيها الأعصاب والخلايا الدماغيّة، ولتجديد النفس، وكذلك ضبطه إيقاع خلايا الجسم، كما أنّه يحافظ على تردّدات الخلايا، وإيقاظها، وتنشيطها، لأنّ القرآن قد جعله الله - سبحانه وتعالى - عبارة عن لغة خاصّة تفهمها خلايا الدماغ لدى الإنسان، ولدى تلاوته باستمرار.
الفصل التاسع
الانتباه وأثره على الذاكرة
أهمّية الانتباه في عمل الذاكرة (1/308)
صفحة 309
ويعتبر الانتباه مكوّنا بالغ الأهمّية من مكوّنات الذاكرة، فعمل الذاكرة الجيّد هو النتيجة المباشرة للانتباه المركّز، ويجب الانتباه للمعلومات أوّلا حتّى تجد طريقها إلى مخازن الذاكرة، ويتطلّب الانتباه جهدا واعيّا، ولكي تمتصّ ذاكرتنا معلومة معيّنة، وتضع آلية واعيّة لاسترجاعها فيما بعد، ينبغي أوّلا أن نولّي المعلومات انتباها كاملا.
وعلينا أن نأخذ المادّة التي نريد تذكّرها ذهنيّا، ونقوم بإعادتها ولفّها عدّة مرّات متتابعة في ذهننا قبل أن نتركها تذهب، وتكون الذاكرة جيّدة بقدر الجهد الذي نبذله في الانتباه.
يقول صمويل جونسون: «الفنّ الحقيقي للذاكرة هو في الانتباه».
إنّ المرحلة الأولى للذاكرة في حفظ آي القرآن الكريم هي المكوّن الحسّي الذي يسمح لمفهوم تلك الآيات أن تدخل الذاكرة الفعّالة من خلال حواسّ التشفير، وصرف الانتباه عن تراكيب وحروف وكلمات تلك الآيات التي نريد حفظها، سيخلّ في هذه المرحلة الأولى من التلقّي، وهي الانتباه والتركيز، فمن المهمّ جدّا أن نولّي انتباها للانتباه عند التركيز على تعزيز الذاكرة لحفظ ما نريده من آي الذكر الحكيم.
وإذا طبّقنا هذه القواعد المهمّة على حفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى -، فإنّنا سنجد ربّنا - عز وجل - يرشدنا في كثير من آيات كتابه الكريم إلى بناء هذه المهارة الأساسيّة لعمل الذاكرة، فهو يأمرنا بالتركيز والانتباه إلى كلّ الظواهر الموجودة من حولنا، بل أكثر من ذلك في تلك الموجودة في أنفسنا. فيقول - سبحانه وتعالى -:
- {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ
[ق ـ 6]
- {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
[الذاريات ـ 20ـ21] (1/309)
صفحة 310
- {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ... [الغاشية ـ 17ـ20]
ارتباط الاستيعاب بالاهتمام
والعلماء يؤكّدون بأنّ الإدراك هو ظاهرة نفسيّة يمكن أن نشعر بها، أو نستوعب ما نريد استيعابه بواسطتها، وذلك من خلال تفاعلات الوعي الناتج عن سلوكنا وإدراكنا لما نريد تعلّمه.
علما أنّ الإدراك هو عبارة عن أخذ صورة ذهنيّة لما نحن بصدد تعلّمه.
ويعتبره العلماء سببا رئيسيّا لتقويّة الذاكرة وتنشيطها، فتتلقّى المعلومات المدركة بصفة إيجابيّة وجيّدة، وهي عمليّة تقوى وتضعف على حسب التفاعل الذي يقع في أعماق النفس، مثل الرغبة الأكيدة والشديدة في تعلّم واستيعاب تلك المعلومة.
وقد استنتج علماء الذاكرة بأنّ المشاكل الذاتيّة والانفعالات النفسيّة تؤثّر على الإدراك إلى الجهة الإيجابيّة، أو السلبيّة، وذلك حسب تلك الحالة التي تكون فيها النفس وقت قراءة المعلومة، أو محاولة حفظها، والظروف المختلفة التي تحيط بها من كلّ جوانب حياتها، الجسميّة، والنفسيّة، والأسريّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة.
والذاكرة المستوعبة، والحفظ الجيّد متعلّقة بالاهتمام، فالشيء الذي نهتمّ به نحفظه بسرعة وبطريقة أسرع من الشيء الذي لا نهتمّ به.
فالحكمة تقول: «قل لي بماذا تهتمّ، أقل لك ماذا تحفظ».
فالقرآن شيء مهمّ، ويرغب فيه المؤمن الحقّ، فلذلك يحفظه بسرعة وبسهولة، لأنّه يعلم أنّه كلام ربّه، وأنّه ليس في الأرض أحسن منه، وأفضل.
أمّا إذا وجد أحد صعوبة في حفظه واستيعابه، فعليه أن ينظر كيف يبني في نفسه محبّة كتاب ربّه - سبحانه وتعالى - والاهتمام به، وذلك بالاستماع إلى مختلف المواعظ والإرشادات في هذا المجال، لأنّه إذا ما تكوّنت لديه هذه المحبّة وهذا الاهتمام فسيصبح حفظه سهلا لديه.
تقويّة التركيز والانتباه (1/310)
صفحة 311
وإذا أردنا أن نقوّي التركيز والانتباه في أولادنا بحفظهم للقرآن الكريم، فما علينا إلاّ أن نبثّ فيهم حبّ كلام ربّهم واحترامه، ونقنعهم بذلك، وذلك بتبيين ما ينتظرهم من الأجر الجزيل والثواب الكريم عند قراءته وحفظه, وما سيستقبلهم به من العزّ والكرامة غدا يوم القيامة، ويلبسهم من تيجان وحلل أبهى وأدوم من تيجان السلاطين وحلل الملوك.
ومن جهة أخرى علينا أن نبيّن لهم ما يضمن لهم القرآن الكريم من تنميّة مختلف مهارات ذاكرتهم، وبذلك يصبحوا عباقرة وأذكياء، هذا من ناحية الحفظ، ومن ناحية ما فيه من البركة، التي ينزّلها الله على المحافظ عليه، فيسهل عليه حفظ العلوم الأخرى التي يضمن بها مستقبله.
فهم عندما يحافظون على تلاوته وتدبّره أعزّ من الملوك، وأعلى مكانة من السلاطين.
وهذه الأحاديث وغيرها كثير تبيّن جليّا مدى سموّ وارتفاع حملة القرآن ومعلّميه، وطبعا لا يبلغون مثل هذه الدرجة إلاّ بعد جهد كبير يستثمرون فيه أقصى طاقاتهم العقليّة والفكريّة والنفسيّة، وبذلك يصبحون أذكياء يعملون بنفس تلك الطاقات في العلوم الأخرى.
يقول العلماء:
«إنّ الإنسان إذا لم يحصر دائرة اهتمامه، ويقصرها على إدراك وفهم شيء واحد، أو موضوع واحد، فإنّ تفكيره يتشتّت، وذلك لأنّ الانتباه شديد الانتقال من موضوع إلى آخر، ومن نقطة إلى أخرى».
إنّ الاهتمام الجيّد هو أساس تركيز الانتباه والتفكير، وربّما نجد كثيرا من الطلبة يشتكون عدم الحفظ، وعدم الفهم، لأنّهم يُشغلون تفكيرهم بأشياء متعدّدة في آن واحد خارجة عن الموضوع الذي يريدون حفظه واستيعابه وفهمه، وذلك مثل اهتمامهم بالتحدّث عن المباريات الرياضيّة داخل فصول الدراسة.
هذا وإنّ الهاتف النقّال وما جلبه من سلبيّات للشباب الذين يشتغلون به في كلّ الأوقات، قد أصبح من الأسباب التي تشتّت الذهن، وتضعف التركيز. (1/311)
صفحة 312
إنّ كلّ هذه الملهيات قد جلبها الطلبة لأنفسهم وجعلوها موضع اهتمامهم أكثر من كتاب ربّهم، فأصبحت وبالا على ذاكرتهم وحفظهم ومراجعتهم.
والقرآن كريم وعظيم لا يمكن أن يتحصّل عليه إلاّ من صرف انتباهه إليه بالكلّية، فهو أشدّ تفلّتا من الإبل في عقالها كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يستطيع أن يتحصّل عليه من كان همّه زينة الحياة الدنيا وزخرفها.
الانتباه في القرآن الكريم وأثره في الذاكرة
قال في المنجد: إنتبه الرجل: شرف، وانتبه من النوم: استيقظ، وانتبه للأمر: فطن له.
والانتباه هو حصر الذهن والتفكير لمحاولة فهم وإدراك معلومة من المعلومات التي نريد حفظها واستيعابها بصفة جيّدة.
والانتباه كما يقول العلماء يلعب دورا رئيسيّا ومهمّا في تنشيط الذاكرة، ويجعلها واعيّة ومدركة لكلّ ما يدور حول العقل من أشياء، يجب عليه أن ينتبه إليها، ويُعمل فيها تفكيره كي يدركها.
والانتباه إلى ما يقرأه الشخص من آيات القرآن هو التحديق إلى معانيه ببصيرة القلب، وجمع الفكر على تدبّره وتعقّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرّد تلاوته بلا فهم ولا تدبّر. قال - سبحانه وتعالى -:
- {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[ص ـ 29]
وهذا الإدراك والتذكّر لا يكون إلاّ بالانتباه الجيّد بواسطة كلّ الحواس التي وهبها الله - عز وجل - لنا، وفي هذه الحالة فلا بدّ علينا أن نتجاهل الأشياء الأخرى، ونتغافل عنها، لأنّها تعتبر مشوّشات تشوّش اهتمامنا. وفي هذا يقول الله - سبحانه وتعالى -:
- {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} ... [الأحزاب ـ 4]
وكثير من الناس يقرؤون آيات كتاب ربّهم - عز وجل -، ولكنّ قلوبهم مشغولة عنها بغيرها، وتفكيرهم غائب عن التركيز على فهم معانيها، فهؤلاء لا تحصل لهم الذكرى. (1/312)
صفحة 313
وهناك من الناس من يكون له قلب وقّاد، مليء باستخراج العبر، واستنباط الحكم، فهذا قلبه مستعدّ للتذكّر والاعتبار، لأنّه قد انتبه إلى ما يقرأه كامل الانتباه، فإذا سمع آيات ربّه نورت له قلبه، وملأت خلايا مخّه قوّة، فيتدرّب تفكيره على التركيز الجيّد والدائم في مواضيع مهمّة وذات فائدة.
والإدراك والانتباه الجيّد يحتاج إلى التركيز التامّ، ودقّة الملاحظة، وغير ذلك من العمليّات العقليّة التي يعتمد عليها الإنسان للحفظ.
ويمكن أن نفسّر ذلك اصطلاحا: بأنّه تقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمّل والفحص، وقد يراد به معرفة الشيء على الحقيقة.
ويمكن كذلك أن نفسّره بأنّه طلب معرفة الأمور على حقيقتها بعد تأمّلها واعتقاد صحّتها.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[ق ـ 37]
والإنسان بطبيعته التي جُبل عليها يدرك ما يدعّم سلوكه وآراءه، ولا يسمح لأيّ شيء آخر بالمرور إلى الذاكرة، غير ما يريد حفظه واستيعابه.
ولذلك فإنّ الإنسان قد يدرك أشياء، ولا يدرك أخرى هي قريبة منه في متناول حواسّه، وكلّ هذا يرجع إلى نقطة بداية تلقّي أو سماع، أو إدراك المعلومات التي يريد تعلّمها.
القرآن يوفّر مهارة التركيز
إنّنا إذا تتبّعنا آداب تلاوة القرآن الكريم فإنّنا نجدها تحارب في القارئ تشتّت الذهن، وتعينه على تعلّم التركيز والانتباه ممّا يكون فيه مهارة الاهتمام بمهمّة واحدة فقط.
ــ فالقراءة في مكان نظيف خال من مختلف الملهيّات مثل الصور على الحائط تجعل القارئ يركّز على القراءة فقط، فلا يجد أمامه ولاحوله ما يشغل باله عن التلاوة، أو يشتّت ذهنه.
ــ والجلوس بخشوع ووقار وانتباه يجعل المرء يتعلّم كيف يركّز تركيزا كاملا فيما يوجد أمامه، وبهذا يجعل ذهنه يفكّر فيما يتلوه. (1/313)
صفحة 314
ــ والتلاوة بتدبّر وتفهّم تعلّم القارئ أنّه إذا أراد القيام بعمل ما، فعليه أن يفهم جيّدا المراحل التي يجب عليه أن يسلكها حتّى يؤدّي حقّ القراءة كأحسن ما يكون، فيتقنه إتقانا كبيرا.
ــ واغتنام أوقات الفراغ والنشاط الذهني، يدرّب الذهن على الاشتغال بأمر واحد، وهذا ممّا يقوّي فيه تركيز الحفظ.
ـ واختيار المكان المناسب للحفظ والمراجعة، وذلك بالابتعاد عن أماكن الضجيج والضوضاء، لأنّ الضوضاء تشغل وتشتّت قوّة الذهن، فالحفظ في مكان هادئ يختاره القارئ، يجعل سمعه وبصره لا ينشغل بما حوله.
ـ الاستفادة قدر الإمكان باستعمال أكثر عدد من الحوّاس التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - للإنسان، وذلك ممّا يسهّل الحفظ، ويرسّخه في الذاكرة.
فلذلك يرشد علماء الذاكرة القارئ على أن يشرك حاسّة النظر والسمع والنطق وكلّها تعتبر طرقا موصلة إلى الدماغ، فإذا كثرت الطرق قوي الحفظ وترسخ.
ويكون ذلك بتلاوة جهريّة لما يريد الشخص حفظه، وهو ينظر في الصفحة التي يقرأ فيها الحصّة التي يريد حفظها، مع تدقيق النظر، وتكراره حتّى تنطبع صورة الصفحة في ذاكرته، وربّما بداية الآية ونهايتها، أين تبتدئ في أعلى، أو أسفل الصفحة، في وسطها، أو في بدايتها، وإذا انتبه إلى رقم الآية، والثمن والربع والنصف والحزب، فذلك خير للحفظ وأرسخ في الذاكرة.
وعليه أن يشارك سمعه بالاستماع إلى تلاوة نفسه ليرتاح ذهنه إليها فيركّز فيها تركيزا كبيرا، وخاصّة إن كانت قراءته بتغنّ وترتيل، كما أمرنا بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
أمّا من يحفظ بالنظر في المصحف وهو ساكت، أو عن طريق سماع تسجيل للقرآن دون أن ينظر في المصحف، أو يكتفي أثناء حفظه بالقراءة بصوت خافت، فكلّ هذه الطرق لا تؤدّي إلى الحفظ الجيّد، ولا تدرّب الذاكرة تدريبا حسنا. (1/314)
صفحة 315
إنّ هذه الطرق التي يرشد إليها العلماء لحفظ القرآن الكريم تعتبر مدرّبا بالغ الأهميّة على مهارة الانتباه، والتي هي الأساس في تكوين وبناء ذاكرة قويّة نشيطة، فتكوين الذاكرة الجيّدة، وعملها الإيجابي هو نتيجة مباشرة للانتباه المركّز.
وعلماء الذاكرة يرشدون من يريد الحفظ والاستيعاب الجيّد إلى الانتباه الكامل للمعلومات أوّلا حتّى تجد طريقها الممهّد المهيّأ إلى مخازن الذاكرة، ويقتضي الانتباه جهدا واعيّا، إذ أنّ الذاكرة تكون جيّدة فقط بقدر الجهد الذي يبدله صاحبها في الانتباه.
ثمّ إنّ صرف الانتباه، وعدم الاهتمام، سيخلّ بالذاكرة في كلّ مراحلها، فمن لمن يريد اكتساب ذاكرة قويّة السعي بكلّ جهد وراء هذه المهارة التي لا تقدّر بثمن.
لذلك فقد أرشدنا الله - سبحانه وتعالى - لتركيز انتباهنا أثناء حفظنا للقرآن الكريم، وذلك في قوله - سبحانه وتعالى -:
- {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ... [المزمّل ـ 4]
ومعنى هذا كما يقول ابن عبّاس مثلا: بمعنى بيّنه.
وقال مجاهد: تأنّ فيه.
وقال الضحّاك: «انبذه حرفا حرفا، كأنّ الله - سبحانه وتعالى - يقول: تثبّت في قراءته [انتبه]، وتمهّل فيها [ركّز]، وافصل الحرف من الحرف الذي بعده».
قال ابن حجر: «يراد بترتيل القرآن تلاوته تلاوة تبيّن حروفها، وتتأنّى في أدائها ليكون ذلك أدعى إلى فهم معنى ما تقرؤه».
وفي معنى آخر هو القراءة بتؤدة واطمئنان وإخراج كلّ حرف من حروفه، وإعطائه حقّه ومستحقّه مع تدبّر المعاني.
وقد ذكر العلماء نوعا آخر من قراءة القرآن الكريم، وسمّوها بالتحقيق، وذهب كثير منهم إلى أنّه مرتبة مستقلّة من مراتب التلاوة، وذهب آخرون إلى أنّه نوع من الترتيل. (1/315)
صفحة 316
وهو في اللغة من مصدر حقّقت الشيء، إذا بلغت حقيقته ويقينه، وعند علماء التجويد إعطاء الحروف حقّها من إشباع المدّ، وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات، وتوفيّة الغنّات، وتفكيك الحروف، وهو بيانها، وكلّ هذه المراتب في التلاوة هي من دواعي تكوين الانتباه لدى قارئ القرآن.
يقول العلماء:
«إنّ الترتيل نوع من التحقيق عند الأكثرين، فكلّ تحقيق ترتيل ولا عكس».
وفرّق بعضهم بينهما بأنّ التحقيق يكون للرياضة والتعليم، وبأنّ الترتيل يكون للتدبّر والتفكّر والاستنباط.
صحّة الحواس ومهارة الحفظ
وقد نبّهنا الله - عز وجل - في عدّة آيات إلى أنّه وهب لنا الحواس التي جعلها لنا كأدوات للتلقّي وللتعلّم، وإذا أردنا أن نكوّن لدينا عمليّة التعلّم كاملة وقويّة، فعلينا أن نحافظ على تلك الحواس، صحيحة سليمة، ونقوم بتدريبها على التركيز الجيّد، حتّى نتلقّى قرآن ربّنا - عز وجل - بصفة جيّدة، وكذلك جميع العلوم الأخرى.
- {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ... [النحل ـ 78]
فإذا ما كيّف الإنسان حواسّه مع المعلومة التي يريد حفظها وفهمها، فإنّه يستطيع من خلال ذلك حصر كامل قواه الفكريّة والعقليّة في الشيء الذي يرغب في تحصيله، ويجعلها كاملة الاستعداد للاستيعاب.
وليس هناك شيء هامّ وغال أكثر من القرآن الكريم، فلذلك فهو يتطلّب تركيزا أكبر وانتباها أقوى ممّن يريد حفظه واستيعابه، وعليه أن يصفّي ذهنه من كلّ ما يشغله أو يشوّشه حتّى يوفّر لنفسه أكبر مساحة من الانتباه والاستيعاب، وبذلك يدرّب في نفسه هذه المهارات بكلّ جدّية وقوّة، فتصبح فيه ملكة يستطيع تطبيقها واستعمالها في الإختصاصات الأخرى، وبذلك يحقّق لنفسه النجاح الكبير الذي يطمح إليه كلّ عاقل يريد النجاح في حياته.
ويقول العلماء: (1/316)
صفحة 317
«إنّ حفظ القرآن بطريقة جيّدة يتطلّب منّا أن نتقن مهارة الانتباه والتركيز، لكي ندرك ما نقرأه بشكل حسن، ولأنّ ذلك يجعل الذاكرة تحفظ ما يلقى إليها بطريقة أسرع، وبطريقةٍ حسنةٍ ثابتةٍ».
ومهارة الانتباه لا تقوى لدى الشخص إلاّ إذا تكوّنت لديه مهارة الاهتمام.
وهذا التركيز الجيّد يجعلنا نفهم بعض معاني الكلمات والتي تجعلنا بدورها نستطيع فهم الآيات ولو بصفة بسيطة وإجماليّة، وإدراك ومعرفة السورة التي نحن بصدد حفظها، ثمّ الانتباه إليها هل هي في أعلى أو أسفل الصفحة، أو في وسطها، والانتباه إلى نهاية وبداية الثمن أو الربع، أو النصف، أو الحزب، وكلّ ذلك ممّا يزيد من تنشيط الذاكرة وتقويّتها لحفظ كلام الله - عز وجل -، وربّما نستطيع أن نسمي مثل هذه العمليّة بتكوين خريطة العقل لسور القرآن، ولآياته.
وهناك ما هو أصعب من ذلك وقد يصل الأذكياء الأقوياء الذاكرة إلى استعماله وتطبيقه في حفظهم لكلام الله - عز وجل -، وهو حفظ أرقام الآيات، ويمكن أن نعتبر كلّ هذه المهارات من الأسباب المهمّة التي نستطيع أن نستعملها، فننمّي بها ذاكرتنا ونقوّيها، وكلّ ذلك يعتبر من عوامل تقويّة الانتباه، والتركيز.
إضافة إلى أنّ من أسباب تكوين مهارة الانتباه والتركيز لتسهيل حفظ كتاب الله - عز وجل -، تحبيبه إلى النفوس، لأنّ النفس تميل دائما إلى ما تحبّه وتهواه، ونحن نعلم بأنّ هناك علاقة كبيرة أساسيّة بين العقل الباطن وبين قوّة الذاكرة، أو ضعفها.
فالعقل يحفظ ما تميل إليه النفس بسرعة وبجودة ولا ينساه أبدا.
وهذا الميل والحبّ يتكوّن لدى النفس بالتربيّة والتوجيه، والقدوة الصالحة، خاصّة في هذا العصر الذي كثرت فيه المغريّات والملهيّات التي تميل إليها النفوس وتهواها. (1/317)
صفحة 318
ولعلّ لهذا السرّ نجد أنّ الله - عز وجل - ورسوله يحثّان المؤمنين على تعلّم القرآن وتلاوته والمحافظة عليه في عدّة آيات ليبيّنا لنا عظمته، فتعظّمه النفوس، وبيّنا لنا تأثيره في النفوس البشريّة كي تتمسّك به، فيهديها ويشفيها.
فنجد في سورة الواقعة يقسم الله - عز وجل - بكرامة القرآن وعلوّ شأنه، ويبيّن بأنّ ذلك القسم عظيم. فيقول:
- {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[الواقعة:75ـ80]
ويقول - عز وجل -: - {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} ... [ص:67ـ68]
وهناك كثير من الآيات الأخرى في هذا الموضوع، كلّها تبيّن عظمة هذا القرآن كي تعظّمه النفوس، وتميل إليه وتحبّه، فيسهل عليها حفظه واستيعابه.
ورسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - في أحاديثه الكثيرة وتوجيهاته ينوّه بفضل كلام الله - عز وجل - وعظمته، وأنّه هو أوّل علم يجب على الأولياء أن يعلّموه أولادهم.
فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «علّموا أولادكم القرآن، فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو». ... رواه الربيع
وعن ثابت بن عجلان قال:
كان يقال: «إنّ الله - عز وجل - يريد العذاب بأهل الأرض، فإذا سمع تعليم الصبيان الحكمة، صرف ذلك عنهم»، قال مروان: يعني بالحكمة: القرآن. رواه الدارمي
ولتحبيب القرآن إلى النفوس كان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يكرّم ويقدّم حملة القرآن ومعلّميه، وثبت عنه في هذا أحاديث كثيرة.
فعن عثمان بن عفّان ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه». ... رواه البخاري
وعن أنس ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إنّ لله من الناس أهلين، قالوا: من هم يارسول الله؟ قال: (1/318)
صفحة 319
«هم أهل القرآن، أهل الله وخاصّته». ... رواه ابن ماجه
وعن عائشة أمّ المؤمنين ـ - رضي الله عنه - ـ قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه وهو عليه شاقّ له أجران». ... رواه البخاري
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«يجيء صاحب القرآن يوم القيامة، فيقول: يا ربّ حلِّهِ، فيلبس تاج الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ زده، فيلبس حلّة الكرامة، ثمّ يقول: يا ربّ ارض عنه، فيرضي عنه، فيقال له: اقرأ وارق، وتزاد بكلّ حسنة». ... رواه الترمذي
قال الحافظ بن حجر ــ رحمه الله ــ: «القرآن أشرف العلوم، فيكون من تعلّمه، وعلّمه لغيره أشرف ممّن تعلّم غير القرآن، وإن علّمه».
وعن كعب - رضي الله عنه - قال: «عليكم بالقرآن، فإنّه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمان عهدا، وقد قال في التوراة: يا محمّد، إنّي منزّل عليك توراة حديثة، تفتح فيها أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا».
الانتباه إلى حفظ القرآن الكريم
والانتباه إلى حفظ القرآن واستيعابه يرجع بالدرجة الأولى إلى حبّه والرغبة القويّة في تحصيله، والميل الشديد إليه، وكلّ هذا يرجع إلى تقويّة الإرادة والاهتمام بالموضوع، وإذا ما تكوّنت تلك الإرادة فإنّ العقل سيستجيب بقوّة، وبعد فترة من الزمان تصبح عادة مستمرّة في نفس صاحبها ممّا يجعله يقبل عليه بكلّ ما لديه من قوّة وعزم.
ولعلّ لهذا السبب ــ التدريب على الانتباه وتكوين الإرادة ــ وضع العلماء آداب لتلاوة القرآن التي نستطيع أن نسمّيها محفّزات ومرغبات تقوّي في النفوس الإقبال والرغبة فيه، ونعتبرها مقدّمات لجلب الانتباه وتقويّة التركيز، وتهيئة النفس والخلايا المخّيّة لتلقّي وقبول ما يلقى إليها بكلّ إقبال وانشراح من آيات القرآن فتستوعبها جيّدا بكلّ راحة واطمئنان.
آداب تلاوة القرآن وحفظه (1/319)
صفحة 320
ــ استحباب الوضوء قبل البدء في القراءة أو الحفظ، وللوضوء فوائد كثيرة، حيث أنّه ينقّي الحواس من كلّ الأوساخ أو الغبار، والتي هي عبارة عن وسائل للتلقّي والحفظ، ولشحن مختلف المعلومات إلى مركز الذاكرة، فإذا كان الطريق نظيفا فإنّ المعلومات تمرّ بقوّة وسرعة.
فالوضوء ينقّي الفم من زوائد الطعام، ومن الروائح التي تشغل القارئ أثناء قراءته وحفظه، فتسلب انتباهه وتصرفه عن التركيز على ما هو مقبل عليه.
وكذلك ينظّف مجاري التنفّس، فيستوعب حاجته من الهواء والأكسجين الذي تحتاجه الخلايا الدماغيّة أثناء عملها في الحفظ، وقد ذكر الأطبّاء بأنّ الخلايا المخّية تحتاج إلى الأكسجين باستمرار أثناء عملها كي يتجدّد نشاطها، وتعمل بصفة جيّدة، ولذلك ينصحون دائما الطلبة بالمراجعة والحفظ في غرفة حسنة التهويّة، حتّى لا يصاب الشخص بالخمول لقلّة الهواء.
وكذلك بالنسبة للعينين اللتين هما وسيلة النظر، وهما اللتان تنقلان ما نقرأه ونحفظه إلى الدماغ.
وبصفة عامّة فإنّ الوضوء ينشّط صاحبه، فيقبل على التحصيل بنشاط وبنفس قويّة منشرحة مهيّأة لاستقبال ما يريد تعلّمه.
ــ النظافة: ومن آداب حفظ وقراءة القرآن أن يكون المكان نظيفا، وأفضل مكان هو المسجد، لأنّه زيادة على نظافته فإنّه يوحي في نفس صاحبه بالخشوع والاطمئنان، وقد ربط العلماء كثيرا بين المكان وقوّة الحفظ والتحصيل.
ــ الجلوس المتواضع: أن يجلس القارئ جلسة أدب، ومن الأفضل أن يكون مستقبلا للقبلة، لأنّ ذلك الجلوس يزرع في نفسه الخشية والسكينة والوقار، وأنّه أمام جلالة الله - عز وجل - منزّل القرآن، فتهدأ النفس وتطمئنّ، فيقوى اهتمامها بما هي مقبلة عليه فيكون ذلك من أكبر دواعي الاستيعاب، وإذا تعوّد القارئ مثل هذا الجلوس في خشوع، فإنّه يصبح فيه عادة حسنة يطبّقها أمام معلّمه الذي يتلقّى منه، فيستوعب ما يلقيه إليه بكلّ انتباه. (1/320)
صفحة 321
ــ التعوّذ: إنّ التعوّذ قبل القراءة يبعد الشيطان الذي يملأ النفس قلقا، ويشغلها بالتفاهات من الأمور، حتّى يصرفها عن الأشياء النافعة لها، والتي تحقّق لها النجاح والتفوّق، وهذا التعوّذ يقوّي الاعتقاد الإيجابي بأنّ الله معها، يعينها، ويوفّقها إلى الحفظ والاستيعاب.
- {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}
[الإسراء ـ 98]
ــ حسن التلاوة: ولا تكون إلاّ بالتدبّر والفهم الجيّد لما نقرأه ونتلوه، والتدبّر والفهم يكون بالانتباه الجيّد لما نقرأه.
وقد أجمع العلماء بأنّ الدافع الأوّل والأساسي للقراءة هو المعرفة، فالذي يتناول بيده أيّ كتاب ليقرأ فيه مهما كان موضوعه، فإنّ الداعي الوحيد لذلك هو المعرفة، فلا يمكن لعاقل أن يقرأ أيّ شيء بلسانه، أو بعينيه، دون أن يفهم ما يقرأه، وخاصّة كتاب الله - عز وجل - الذي أوصى منزّله بنفسه عباده أن يهتمّوا ويعتنوا العناية الكبيرة به، ويُعملوا عقولهم فيه إلى أقصى درجة ممكنة، وكلّ ذلك ممّا يجلب فهما كبيرا لآياته ومعانيه.
والله - سبحانه وتعالى - يوصي عباده بذلك ليطوّر عقولهم وينمّي ذاكرتهم، وذلك بأنّ تتدرّب خلايا مخّهم وأعصابه على النشاط والعمل الدؤوب الذي يعتبر رياضة لعضلة المخّ.
ولكن ويا للأسف كما يقول العلماء، فهو الكتاب الوحيد الذي لا يتمّ التعامل معه بصفة جيّدة من التركيز والاهتمام الذي أمر به الله - عز وجل -، فالذين يقرؤونه يقومون بذلك من أجل كثرة الختمات، فيتعاملون معه دون إعمال عقولهم لفهم معانيه، ولو بصورة إجماليّة، فهم يتنافسون ويتسابقون لختمه عدّة مرّات ولا يجدون حرجا في نفوسهم من قيامهم بهذا الفعل، ولا يجدون غضاضة في إظهار ذلك لبعضهم بعضا.
الأوقات المفضلة لتلاوة القرآن (1/321)
صفحة 322
أمّا الأوقات المفضّلة لتلاوة القرآن، والتي ذكرها العلماء، فإنّها تتوافق تماما مع الأوقات التي يجب أن ينشّط فيها الإنسان خلاياه المخّية، لأنّ هذه الأوقات هي السحر، الذي هو النصف الأخير من الليل وذلك الوقت ينهض فيه الإنسان بعد أن كانت قواه العقليّة تعمل ببطء على حسب رأي بعض العلماء الذين قالوا بأنّ دماغ ينظّم المعلومات أثناء النوم، فيقوم بتدريبات الإحماء لخلايا مخّه بقراءة بعض الآيات، لمساعدتها على تنميّة تقنيات عمل الذاكرة التي سيستخدمها صاحبها طوال النهار بشكل عملي، فتصبح نشيطة تعمل بقيّة اليوم بكلّ قوّة دون كلل، أو ملل.
وقد قام كثير من علماء الذاكرة بابتكار بعض التدريبات الذهنيّة للمساعدة على زيادة الكفاءة الذهنيّة، وزيادة المتعة الذهنيّة، لأنّ ذلك يطوّر وينمّي القوى العقليّة على مرور الوقت، بل قد وضعوا تدريبات للمرونة الذهنيّة، فسمّوها الإحماء.
وربّما نستطيع أن نعتبر قراءة الفاتحة في كلّ مرّة نريد أن نقرأ فيها جزءا من القرآن إحماء لخلايا الدماغ، والله - سبحانه وتعالى - هو خالق تلك الخلايا، وهو يعلم ما يصلح لها، وما يقوّيها، ويجعلها تستعدّ للعمل بكلّ قوّة وانشراح.
وقد أنزل لنا ربّنا من فوق سبع سماوات هذا القرآن الذي هو خير من أيّ تدريب يبتكره العباد، فلماذا لا نختاره، ونجعله عوضا عن كلّ تلك البرامج، لأنّه لا شكّ يحقّق لأصحابه نتائج حقيقيّة ملموسة ومباركة من الله - عز وجل - ما دام هذا الكلام هو كلامه، وهو مبارك مقدّس.
إنّ طريقة قراءة القرآن في أوّل النهار، أي في الفجر الأوّل يسمح بإضفاء المرونة والقوّة على العضلات الذهنيّة، وفي نفس الوقت تنميّة الكفاءة العقليّة لدى الأشخاص الذين يداومون على هذه التقنيّة. (1/322)
صفحة 323
وقد اكتشف العلماء النفسانيّون المختصّون بالعقل الباطن للإنسان أنّ المرء عندما يدخل في حالة النعاس والاستعداد للنوم، فإنّ المجهود العقلي يصل إلى أدنى درجة، وأنّ عمل الخلايا ينقص كثيرا في حال النوم، عمّا كان عليه أثناء اليقظة، واكتشفوا أنّ السبب في ذلك هو أنّ نشاط العقل الباطن يصل إلى أعلى درجاته الممكنة قبل النوم، وبعد الاستيقاظ مباشرة، وفي هذه الحالة يجب على الإنسان أن يبعد عن نفسه الأفكار السلبيّة قدر المستطاع، حتّى ينام وهو منشرح النفس مرتاح البال لحياته التي يحياها.
ولسرّ ما رغّب الله - عز وجل - وأمر بالتسبيح في أطراف النهار، فقال - عز وجل -:
- {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} ... [طه ــ 130]
- {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} ... [غافر ـ 55]
- {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} ... [ق ـ 39]
خاصّة وأنّ آيات القرآن تعمل على تدريب شقّي المخّ معا لما تشتمل عليه من مواضيع مختلفة، والتي تحتاجها كلّ عضلات المخّ.
زيادة على كلّ ذلك الأجر الجزيل الذي نتحصّل عليه من تلك القراءة، والاطمئنان والالتجاء إلى الله، وبذلك نستقبل يومنا بنفس واثقة بأنّ لها من يعينها ويوفّقها إلى ما فيه خيرها وصلاحها.
ثمّ تأتي بعد هذا الوقت المهمّ الأوقات الأخرى في كامل اليوم، والتي يستطيع الإنسان قراءة القرآن فيها، والمحافظة على الأذكار، ممّا يغذي خلايا مخّه وينشّطها كامل اليوم، فيكون ذلك سببا لحفظها من كلّ ما يسبّب لها الفشل أو الضعف، أو الخبل. (1/323)
صفحة 324
إنّ القرآن يعتبر طاقة ربّانيّة روحانية، وبالمحافظة عليه، فإنّه سيمدّ خلايا مخّنا بالطاقة اللازمة لها كي تعمل بصفة حسنة نشيطة. قال الله - عز وجل -:
- {عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} ... [الرحمان:1ـ3]
وقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ... [البقرة:31]
وإذا أردنا أن نصل بقراءة القرآن الكريم إلى هذه الدرجة، فيمدّنا بالطاقة اللازمة لخلايا مخّنا، فعلينا أن نحافظ على تلاوته وقراءته قراءة هادئة بطيئة مرتّلة، كما كان رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يفعل، حيث كان يرتّل السورة حتّى تكون أطول من أطول منها، وقد قام في الصلاة بآية حتّى الصباح، وكان يقف عند الآيات متأمّلا ومعتبرا، تطبيقا لقول الله - عز وجل -:
- {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}
[الإسراء ـ 106]
كيف نجعل أولادنا يهتمّون بكتاب الله - سبحانه وتعالى -
إذا كان علماء الذاكرة يقرّرون بأنّ الإنسان يحفظ ويستوعب، ويتذكّر ما يهتمّ به، فهذه نعمة من الله - سبحانه وتعالى -، وذلك حتّى نهتمّ بكتاب الله - عز وجل - لنحفظه جيّدا، ونستوعبه، فيقوّي فينا الخلايا العصبيّة، ويجعل الأعصاب التي تصل بينها تقوى، فتسمح بمرور المعلومات بصفة أحسن وأسرع، والتي هي عبارة عن ممرّات للمعلومات بين الخلايا، وكلّما كانت تلك الأعصاب متّصلة بقوّة كانت الذاكرة قويّة، وإذا كانت ضعيفة الارتباط، فإنّ الخلايا العصبيّة تضعف فيما يخصّ استيعابها للمعلومات التي ترد إليها. (1/324)
صفحة 325
ومن هنا نستنتج أنّه إذا اهتمّ المسلمون بكتاب ربّهم - سبحانه وتعالى -، وخصّصوا لتلاوته بعضا من وقتهم كلّ يوم، فإنّهم سيحفظونه بكلّ سهولة، ويصبح شيئا سهلا عليهم، ولا يصعب عليهم حفظه، ويكون مفتاحا للدخول إلى ميادين العلوم الأخرى المختلفة، ولكنّهم لم يهتمّوا به، وصاروا بعيدين عنه، وجعلوه في آخر القائمة، لذلك لم يفتح الله - سبحانه وتعالى - عليهم خزائن العلوم الأخرى.
إذن فإذا كان كذلك فلماذا لا نرجع إلى القرآن الكريم، ونهتمّ به، فتقوى به ذاكرة جيل الأمّة الإسلاميّة، فيتفوّقوا في كلّ الميادين، وفي العلوم الأخرى المختلفة.
وليس هناك علم جيّد وأحسن وأفضل من كتاب الله - سبحانه وتعالى - نستطيع أن نجعل أولادنا يكتشفون به أنّهم يملكون ذاكرة قويّة، كامنة في داخل أنفسهم، وأنّها لا تنتظر منهم إلاّ الاكتشاف والاستغلال والتنميّة، حتّى يسيروا في طريق الإبداع والتفوّق والنجاح، وكلّ نجاح يقود ويؤدّي إلى نجاح مثله، أو أكثر وأعظم منه.
ولعلّ هذه النظرية التي تقرّر بأنّ الحفظ يتعلّق بالاهتمام يؤيّدها ما ذكره الله - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم، فقد ربط الحواس بالفؤاد، وبالعقل في كثير من آياته، ومن جهة أخرى فهذا دليل على أن الحفظ لا يكون إلاّ لما يهوى الشخص.
- {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ} ... [الحج ـ 46]
وما دام الإنسان يحفظ ما يميل إليه، وأنّ الميل والاهتمام يكون من طرف القلب، فإنّ القرآن يؤثّر في ذلك القلب، والقلب من جهته يتأثّر بما هو روحي وعاطفي، لذلك جعل الله - سبحانه وتعالى - هذا القرآن يحمل طاقة روحيّة لا نهاية لها.
- {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} ... [الشورى ـ 52] (1/325)
صفحة 326
وقد ربط الله - سبحانه وتعالى - استماع القرآن والانتباه إليه بالقلب لما له من أهميّة أساسيّة في الحفظ والذاكرة والتذكّر. فقال - سبحانه وتعالى -:
- {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} ... [الأنعام ـ 113]
يقول العلماء إنّ الذاكرة مرتبطة بالسمع، وإنّ السمع مرتبط بالقلب، وإنّ الأعصاب السمعيّة تذهب إليه مباشرة، فيضخّ القلب تلك المعلومات المختلفة مع الدماء التي يضخّها إلى الدماغ وإلى كامل نواحي الجسم فلذلك يقول آخرون بأنّ الذاكرة ترتبط بكافة أجهزة الجسم.
ولذلك يرى العلماء أنّ للهدوء النفسي والاطمئنان الروحي أثرا جليلا على الذاكرة والحفظ، وقد اكتشف العلماء في أبحاثهم أنّ الضغوط النفسيّة يمكن أن تعوق قدرات الذاكرة وعملها، وأنّها تعجّل بلا شكّ بالشيخوخة العقليّة، وهذا هو أصعب مشكل يواجهه أناس هذا العصر، لأنّهم يواجهون عوامل مثيرة للتوتّر أكثر وأعقد ممّا كان يواجهه أسلافهم.
ولا شكّ أنّ تلك التوتّرات تؤثّر على القلب أكثر من أيّ عضو، أو جهاز آخر في الجسم، وبواسطته يتأثّر الدماغ.
ويدلّ على ذلك كذلك ما جاء في القرآن الكريم من الروابط الروحيّة بين حفظ القرآن وتدبّره وبين عمل القلب وحالته، فقال - سبحانه وتعالى -:
- {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ... [محمّد ـ 24]
ولذلك اكتشف الأطبّاء في العصور الأخيرة بأنّ كلّ الأمراض العضويّة التي تصيب الإنسان أسبابها ضغوط وأزمات نفسيّة، وهناك أمراض تصيب الجهاز العصبي أسبابها أزمات نفسيّة, وفيه أمراض نفسيّة أسبابها أزمات يعاني منها الإنسان، وحينما يحاول الطبّ أن يفصل بين الأمراض العضويّة والنفسيّة يقع في متاهات كبيرة. ... والله - سبحانه وتعالى - يقول: (1/326)
صفحة 327
- {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ... [الزمر ـ 23]
وهذا القرآن الكريم هو الذي يجلب الطمأنينة إلى هذه النفس العصريّة التي جلبت لنفسها مشاكل وضغوط لم تكن موجودة في الآباء والأجداد، فما يواجه هذا الإنسان العصري ليس خطرا مادّيا حادّا، وإنّما هي ضغوط ناجمة عن مواقف عصيبة، لا يملك حيالها حلولا سريعة، فهو يواجه غطرسة القوانين، التي لا تحكم بالعدل، أو رئيسا متسلّطا في العمل، أو ركودا في الأسهم، وأمام مواجهة مثل هذه العوامل الدائمة المتكرّرة المثيرة للتوتّر العصبي، تحدث الاستجابة الألوستاتيّة للجسم، ولكنّها لا تدفعه إلى الهروب من هذه المواقف.
وعندما تتواصل الاستجاية الجسمانيّة للضغوط العصبيّة المتمثّلة في ارتفاع نسبة السكّر في الدم والدهون والكولسترول، وتوتّر العضلات، وارتفاع ضغط الدم، وضعف الدورة الدمويّة في الأعضاء الداخليّة، وخاصّة العقل الذي يحتاج في عمله إلى الدم أكثر من أيّ عضو آخر.
وفي النهاية تشرع موجة هرمونات التوتّر الجديدة التاليّة في إدارة الحلقة كاملة من جديد، ومع مرور الوقت يمكن أن يؤدّي هذا النمط إلى الإصابة بما يعرف باسم متلازمة الإجهاد المزمنة التي تسبّب الشعور بالإجهاد والتعب على مستوى العقل والجسم، ممّا يؤدّي بدوره إلى الإصابة بالأمراض وفقدان الذاكرة.
ويمكن القول في الأخير أنّ نظام الجسم بأسره يتعرّض للانهيار، هذا هو ما وصفه "مكوين" وغيره بالعبء الألوستاتي، إنّه ذلك التلف الناجم عن خلل الوظائف عند الاستجابة للتوتّر العصبي. (1/327)
صفحة 328
والإنسان العاقل الذي يستطيع التحكّم في نفسه، ويريد أن يرسّخ السلام بداخله، وأن يصبح في حالة تشبه ــ البحيرة الراكدة الهادئة ــ فعليه أن يتعلّم كيف يقلّل من الاضطراب والقلق والجزع في حياته، ويتخلّص من الضغوط.
وسينمّي ذلك الهدوء والسكينة بداخل جسده وعقله وروحه، فمن هذا السكون الداخلي يكون بإمكانه أن يجلب السكون إلى خلايا مخّه، فتعمل بكلّ قوّة وإيجابيّة.
وعندما يستوعب إنسان هذا العصر أهميّة تزويد نفسه بالسكون الداخلي والراحة، فسوف يفهم قيمة أساليب التأمّل التي أرشد إليها الأنبياء والرسل، والتي هي أساليب مروّضة للضغط، تخلّص المداوم عليها من التشوّش الذهني، وتجعله على اتّصال بالكون كلّه، وبواسطته تجعله على اتّصال بخالق هذا الكون - عز وجل -.
الفصل العاشر
الحوار في القرآن وأثره على الذاكرة
الحوار في القرآن سبب لتقويّة الذاكرة
يعتبر علماء الذاكرة أنّ الحوار من الأركان الأساسيّة لبناء ذاكرة قويّة مبدعة، فبواسطة الحوار يستطيع الإنسان تبادل الأفكار والآراء مع بني جنسه في المحيط الذي يعيش فيه، وبه يستطيع أن يكوّن لنفسه رصيدا هائلا من المعلومات والثقافة، لذلك كان من الضروري الاهتمام بأمره.
إنّ الحوار البنّاء المفيد يكوّن في الشخص كثيرا من مهارات وأسس الذاكرة، مثل الانتباه الذي يتعلّمه من الاستماع الجيّد للجانب الذي يتحاور معه، وذلك لكي يستوعب ما يخاطبه به، فيجيب له بما هو لائق للإجابة.
وبالحوار يبني مهارة الربط التي تعتبر من المهارات الأساسيّة لبناء ذاكرة قويّة، لأنّه عندما يتعلّم الحوار البنّاء، فإنّه يربط الكلمات والعبارات التي يتحاور بها مع الطرف الآخر بالشخص الذي يتحاور معه، وبالمكان الذي تحاور فيه، وبالوقت الذي تحاور فيه معه، لأنّ قوّة الذاكرة تنبني على قدرة الاستطاعة على تذكّر الزمان والمكان اللذين سمع فيهما تلك المعلومة. (1/328)
صفحة 329
إنّ الذاكرة القويّة تنبني على الفهم الجيّد لما يتلقّاه المستمع، فإذا ما اهتمّ الإنسان بفهم ما يلقيه إليه محاوره، فإنّه يجعل قواه العقليّة تعمل بصفة جيّدة وحسنة، ... ويعتبر ذلك عامل مهمّ على تثبيت المعرفة في الذهن، وبعد مضيّ فترة من الزمن يصبح الإنسان متفهّما لما يسمعه.
يعتبر علماء الذاكرة أنّ ثقة الإنسان بنفسه من أعظم العوامل التي تبني ذاكرة قويّة، والإنسان الذي يتحاور مع من حوله من عناصر مجتمعه، ويحاول أن يقنعهم بفكرته التي يريد إيصالها إليهم، فإنّه يشعر بشيء من الثقة بنفسه بأنّه يستطيع إقناع بعض الناس، وبمرور الزمن يكتسب ثقة قويّة بنفسه، ممّا يجعله يثابر ويجتهد في الاستزادة من العلم، وبذلك ينشّط خلايا مخّه، ويقوّي اتّصال الأعصاب الدماغية، ممّا يجعل تلك الخلايا تستوعب معلومات أكثر.
وقد خلق الله - عز وجل - هذا الإنسان وفضّله على كثير ممّن خلق تفضيلا، وممّا فضّله به التعبير عن أفكاره، وما يدور في نفسه بكلمات وعبارات يفهمها من حوله من معاشريه، وهذا لكي يتحاور مع نفسه، ووهب له نعمة التعبير والكلام لكي يتحاور مع من حوله من الناس، فينمّي بذلك عقله، ويزيد من قوّة أفكاره، لأنّ الحوار هو زناد العقل، فبه تتفجّر الأفكار وتنقدح داخل العقل، ويثير ما هو كامن فيه من آراء، فتتدفّق تلك الأفكار تدفّقا غزيرا، وتلمع بواسطته بوارق العقل، وتثور الخواطر.
والإنسان قد خُلق على طبيعة الحوار التي بواسطتها تتلاقى أفكاره مع أفكار شخص آخر فيحصل التكامل بينها، وهذا ما يجعل الإنسان يتقدّم تقدّما سريعا في حياته.
وفقدان الحوار يسبّب عند الإنسان نوعا خطيرا من الحرمان يصل به إلى تكوّن عقد نفسيّة خطيرة وانزواء وانطواء على نفسه.
والحوار ضروريّ لاكتساب العلم والمعرفة، وهو السبيل الصحيح والناجح لتحقيق رقيّ فكري فعّال في مختلف نواحي الحياة، وفي مراحلها من المهد إلى اللحد. (1/329)
صفحة 330
وكم تشتدّ حاجة العقل إلى الحوار في بعض الأحيان، وإلى تبادل الحديث مع من حوله، وهو من خلال الحديث الحواري يتعلّم، ويتفتّح على كثير من المهارات التي تنفعه في مراحل حياته المختلفة.
كما أنّه ضروريّ لتحقيق الحياة الاجتماعية المتوازنة السعيدة، والتي هي كذلك من جهة أخرى سبب لتفجّر الأفكار، وتنميّة التفكير وتطويره.
فمن خلال الحوار الاجتماعي تتمّ عمليّة تحديد الاختلاف والفوارق بين أفكار مختلف عناصر المجتمع، فيسعى كلّ واحد منهم إلى تحسين تفكيره وترقيّته، حتّى تتلاقى تلك الأفكار في نقاط وأهداف مشتركة، وهذه العمليّة لا تتحقّق إلاّ بالتفكير المتطوّر الراقي والصواب، فبه تتبيّن نقاط الاتفاق واللقاء، التي تبعث في النفس الطمأنينة والتفاؤل بأنّها على درجة جيّدة ومتطوّرة من التفكير، وتتبيّن نقاط الاختلاف فيحاول كلّ عنصر أن يتفهّم آراء غيره، ليحترمها، كما يطلب من الآخر أن يحترم آراءه هو كذلك.
والحوار يعلّمنا كيف نحترم غيرنا، هذا الاحترام الذي يبني داخل نفوسنا حبّا لمن حولنا، وبهذا الحبّ نستطيع أن نبدع، والإبداع هو الذي يجعلنا قادرين على جلب ما نريد إلى حياتنا وتحقيق مختلف الأهداف، وبه نقاوم الآراء السلبيّة الموجودة في واقعنا، فنحاربها حتّى نصل إلى درجة راقيّة ومتطوّرة في حياتنا.
الحوارات تدرّب العقل على العمل
والأهداف الأخرى من هذه الحوارات المختلفة، وغيرها من فنون اللغة العربيّة الأخرى هو الوصول إلى تدريب العقل على العمل بدون كلل، فيصبح أداة فعّالة في واقع الحياة اليوميّة، فيرقى عناصر هذه الأمّة إلى الدرجة التي يريدها لهم ربّها - عز وجل - أن يصلوا إليها. ... فيحقّقوا قوله - عز وجل -:
- {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران ــ 110] (1/330)
صفحة 331
ونجد أنّ التعبير القرآني لا ينتقل بين الأغراض المختلفة في اللغة اعتباطا أو خبط عشواء، ولكن لصلات ومغازي وثيقة تربط بين هذه الأغراض، بحيث تتضافر جميعها في الوصول إلى الغاية القصوى من إعمال العقل البشري وتنشيطه كي يصل بتفكيره إلى درجة راقيّة مرموقة، وبذلك تتقدّم الأمّة تقدّما ملموسا، ولكن ويا للأسف فهذا ما لم يتوصّل إليه عناصر الأمّة الإسلاميّة التي حباها ربّها - عز وجل - بهذا الخير العظيم والكنز الثمين لأنهم غافلون عنه تمام الغفلة، ومعرضون عنه كامل الإعراض.
الحوار يعدّل من تصوّرات الإنسان
ومن أهمّ وظائف إجادة مهارات الحوار والاتّصال مع الناس أنّها تعطي الإنسان فرصة لتعديل التصوّرات التي رسمها من قبل للحياة من حوله، وربّما قد تكون خاطئة، وسلبيّة، فيعينه ذلك على تغييرها وتحسينها، ممّا يجعل تلك التصوّرات أكثر ملاءمة لحقائق الأمور، وتدفعه إلى استعمال عقله بطريقة جيّدة ومتطوّرة بقصد البحث عن حقائق جديدة تمكّنه من إعادة تفسير أمور الحياة، بحيث يكسبها معاني جديدة، وأكثر واقعيّة.
من أجل تلك الأهداف الساميّة والنتائج الحسنة الموجودة في الحوار والمحاورة، اهتمّ به خالق هذا الإنسان في كتابه القرآن الكريم اهتماما كبيرا، وجعله من المحرّكات التي يحرّك بها الوجدان، ويثير خبايا نفس الإنسان، كي يصل بها إلى الحقيقة التي لا تقبل الجدال ولا الشكّ، فتستجيب لها بكلّ طواعيّة واقتناع، وتطمئن لذلك اطمئنانا كاملا، لأنّ ذلك الحوار يكوّن فيها ثقة كبيرة بالنتائج التي تتوصّل إليها في الأخير.
إنّه يعطي لكلّ الشخصيات العاقلة والموضوعيّة التصوّر الحقيقي للشخصيّات الأخرى والصور اللائقة بكلّ ّمنها، فتقتنع النفس بكلّ شخصيّة ومكانتها التي وضعت فيها من خلال ذلك الحوار، ويصل بها في الأخير إلى الهدف المنشود، وهو معرفة عناصر المجتمع الذين تتعامل معهم بكلّ صدق واقتناع. (1/331)
صفحة 332
وقد جاء الحوار على صور وأشكال، فقد يكون على صورة حوار ذاتي بين الشخص ونفسه أو قلبه، كما في قصّة سيّدنا إبراهيم عليه السلام، وهو يخاطب نفسه عند رؤيتها إلى الكوكب، وإلى القمر، وإلى الشمس، ومن وراء ذلك يبحث عن ربّه الحقيقي، ويستعمل عقله وتفكيره جيّدا من أجل أن يصل إلى الحقيقة الصادقة الثابتة.
- {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} ... [الأنعام ـ 76]
ثمّ يزيد حواره مع نفسه بنفس الطريقة عند رؤيته القمر والشمس.
وقد يكون بين شخصين، كما في قصّة سيّدنا إبراهيم - عليه السلام - بينه وبين أبيه، وبينه وبين النمرود الذي حاجّه في ربّه وبينه وبين قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام، وكما في قصّة سيدنا موسى - عليه السلام - بينه وبين فرعون الطاغية الذي قال له ربّه فيه.
- {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} ... [طه ــ 44]
وغيرها من الحوارات الكثيرة التي ساقها الله - عز وجل - في القرآن الكريم وذلك لعلمه بأهميّته في تكوين القوى الفكريّة والإبداعيّة في الإنسان.
وقد يكون بين شخص وجماعة، وما أكثر مثل هذه الحوارات، وربّما بين إنسان وحيوان، وقد يكون بين الخالق والمخلوق.
والحوار قد يكون مباشرا حينا، وغير مباشرا أحيانا أخرى، وقد يكون متسلسلا متتابعا لا يترك شيئا إلاّ ويتحدّث عنه، أو منقطعا يترك بعض الجزئيّات دون ذكرها أو تحليلها حتّى يترك المجال للقارئ كي يُعمل عقله وتفكيره فيتمّم ذلك الحوار بما يراه مناسبا، وفي ذلك إثارة للإبداع وتنشيط للذاكرة، وتقويّة لملكة القراءة والبحث فيه.
والله - عز وجل - يقصد من هذه الحوارات عدّة أهداف ومغاز، منها الاعتبار وإرشاد القارئ إلى طريق الهداية والإيمان والاعتبار بتلك القصص، وتدعيم الحجّة الدامغة التي يصل إليها في نهاية الحوار. (1/332)
صفحة 333
وقد أتى القرآن الكريم بأسلوب جديد، وهو أنّه سلك في حكاية القصص أسلوب الوصف والمحاورة، وذلك أسلوب لم يكن معهودا للعرب، فكان مجيئه ابتكارا لأسلوب جديد في بلاغة اللغة العربيّة، هذا الأسلوب الذي يؤثّر تأثيرا قويّا في نفوس المتدبّرين لهذا القرآن.
ومثال ذلك حكاية أحوال الناس ووصفهم، وهم في الجنّة والنار على شكل حوار. قال الله - عز وجل -:
- {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}
[الأعراف ــ 44]
- {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} ... [الأعراف ــ 50]
وحوار سورة المدثّر حيث يقول تعالى:
- {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ} [المدثّر ــ 38ـ42]
فكان جوابهم:
- {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} ... [المدثّر ــ 43ـ47]
وقد فسّر الزمخشري ـ رحمه الله ـ حوار سيّدنا إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ تفسيرا رائعا حيث يقول: (1/333)
صفحة 334
«وما أحسن ما رتّب سيّدنا إبراهيم ـ - عليه السلام - ـ حواره مع المشركين حين سألهم أوّلا عمّا يعبدون، سؤال مقرّر، لا سؤال مستفهم، ثمّ أنحى {أي أقبل} على آلهتهم فأبطل أمرها بأنّها لا تنفع ولا تضرّ، ولا تسمع ولا تبصر، ووصل عن طريق ذلك إلى كسر وإبطال تقليد آبائهم الأقدمين، وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجّة، ثمّ صوّر المسألة في نفسه دونهم حتّى خلص منها إلى ذكر ربّه - عز وجل -، فعظّم شأنه وعدّد نعمه من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجو في الآخرة من رحمته وفضله، ثمّ أتبع ذلك أن دعاه بدعوة المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين، ثمّ وصله بذكر يوم القيامة وثوابه وعقابه، وما يدفع إليه المشركين يومئذ من الحسرة والندم على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنّي الكرّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا. ... انتهى.
والله - عز وجل - خالق هذا العقل يعلم أنّ الحوار من مستلزمات تنميّة التفكير وتكوين الذاكرة تكوينا صحيحا سليما، والإنسان يطلبه دائما ويميل إليه بطبيعة حياته الاجتماعيّة لقدح زناد العقل، لذلك ملأ القرآن الكريم بحوارات مختلفة في الأساليب والمواضيع التي تدور فيها.
فاتّصال ذهنين مختلفين في التفكير والتوجّه، وتواصلهما يثمر أفكارا جديدة، وإذا أراد إنسان أن يختبر فكرة وردت إليه، فما عليه إلاّ أن يطرحها في حوار مع غيره، وسيجد كم تتّضح تلك الفكرة في ذهنه.
ويستطيع كلّ واحد منّا أن يطرح أفكاره أمام كلام ربّه - عز وجل - إذا أراد أن يبلورها وتؤتي ثمارها، خاصّة وأنّ كلام ربّنا يتحدّث في كلّ جوانب الحياة والنفس.
وبواسطة إحاطتنا لعمليّة الحوار في القرآن نستطيع أن ندرك ما أقامه للعقل من قيمة كبيرة ودور فعّال مؤثّر في الحياة، فهو عماد الحوار، ومن شروط حدوثه.
وقد نقل {أبو حيّان التوحيدي} في كتاب الإمتاع والمؤانسة قول أحد الفلاسفة:
«العاقل يضلّ عقله عند محاورة الأحمق».
فال أبو سليمان: هذا صحيح. (1/334)
صفحة 335
«ومثاله أنّ العاقل إذا خاطب عاقلا مثله فهم، وإذا كان أقوى منه وأوسع معرفة إزداد فهمه وتوسّعت معارفه».
وليس كذلك للعاقل إذا خاطب الأحمق، فهما ضدّان، والضدّ يهرب من الضدّ.
وقد وضع العلماء المهتمّون بموضوع الحوار عدّة شروط، منها:
ــ أن يمارس فيه العقل عمليّة المراجعة، ويكون متفتّحا لا يتمسّك بحكم مسبّق، ولا يصدر عن هوى.
ولا يخفى على عاقل ما في الشرط الأوّل من أثر بالغ في تقويّة مسارات المعلومات بين الخلايا العصبيّة المخيّة عبر الأعصاب التي تربط بين تلك الخلايا، والتي تعتبر طرق لتنقّل المعلومات بينها، وقد رأينا من قبل أنّه كلّما كرّرنا المعلومة إلاّ وتبعت نفس المسار الذي مرّت عليه من قبل عبر الأعصاب التي تربط بين الخلايا، وكلّما تلقّت نفس الإيقاع إلاّ وازدادت اتّصالا فيما بينها ممّا يجعل المعلومة ترسخ أكثر وأكثر.
ولعلّ من أجل هذه العمليّة، ولهذا الغرض كرّر الله - عز وجل - الحوارات والقصص والدعوة إلى الإيمان وإلى النظر في الملكوت الأعلى وجزاء المؤمنين ووعيد الكافرين، وغيرها من المواضيع، كلّ ذلك لعلمه - عز وجل - أنّ فيها أثرا عظيما في تنشيط مسارات المعلومات بين الخلايا، والتي لها دور أساسي في تقويّة الذاكرة.
والقرآن الكريم في كثير من آياته هو عبارة عن محاورة بين القلب والعقل، فالله - عز وجل - أنزله لنحفظه بعقولنا، وتتأثّر به قلوبنا، والعلاقة بينهما هي علاقة وطيدة عميقة.
ولهذا الحوار روعته ورونقه، لأنّه يجري بين عنصرين من جسم واحد، كلّ واحد منهما يحبّ الخير والنجاح للآخر، وهذا الحوار كأنّه يجري بين حبيبين، لا يكتم فيه أحدهما على الآخر أيّ فكرة، ولا يبخل عليه بأيّ رأي جديد. (1/335)
صفحة 336
وكلّما إزداد المرء فهم هذه الحوارات القرآنيّة إلاّ وازدادت ثروته اللغويّة، وقويت أفكاره، وتنوّعت وكثرت، فيصبح في حواراته الأخرى الكثيرة في ميدان الحياة قادرا على تطويع اللغة التي تناسب الأفكار التي يريد التعبير عنها، فيحسن تعبيره لفظا ومعنى.
وقد ميّز الحكماء بين متطلّبات اللفظ ومتطلّبات المعاني وقالوا:
«الألفاظ تقع على السمع، فكلّما اختلفت كانت أحلى، والمعاني تقع في النفس وكلّما اتفقت كانت في التأثير أقوى».
فالألفاظ يستمتع بها السمع بما يترجمه العقل (الخلايا العصبيّة) من معان لتلك الألفاظ، والسمع حسّ، ومن شأن الحسّ التبدّد في النفس، والمعاني تستفيدها النفس وتستمتع بها، ومن شأنها التوحّد مع تلك المعاني، ولهذا تبقى الصورة عند النفس معلّقة، والحسّ تابع للطبيعة، بينما النفس متقبّلة للعقل.
ويتميّز الحوار بأنّه ينبض بالحياة من خلال تواصل عقلين أو عقول يعبّر عنهما أو عنهم لسانان أو ألسنة.
والحوار بمختلف أنواعه يؤدّي دورا كبيرا في الحياة الاجتماعيّة، لذلك نجد القرآن يهتمّ بهذه الأنواع كلّها، وهو ما كان بين الله - عز وجل - والملائكة خير خلقه، وبينه - عز وجل - وبين إبليس، وبينه وبين عباده، وبين العباد والملائكة، وبينهم وبين الشيطان، وبين بعضهم بعضا، وبين جماعة وشخص واحد، أو بين جماعة وأخرى، وبين والنفس وصاحبها، وغير ذلك، وكلّها مواضيع تزيد في تنميّة العقل وتطويره.
ويقول العلماء الدارسون لأهداف الحوار القرآني:
«إذا استقرأنا أكثر مواطن الحوار الواردة في القرآن والسنّة، وجدناها جميعا تشترك في هدف واحد رئيسي، وهو جذب الانتباه إلى الهدف الاعتقادي أو التعبّدي الذي جاء الحوار لتحقيقه والترغيب فيه، وفي الاهتمام به، واعتناقه، ولكن هذا الهدف التربوي يمكن أن يكون بدوره وسيلة إلى تحقيق الأهداف الإعتقاديّة والاجتماعيّة والسلوكيّة، والأخلاقيّة والتعبّديّة التي أنزلت كتب الله، وبعثت رسله لتحقيقها». (1/336)
صفحة 337
وفي كثير من الحوارات القرآنيّة يخبر الله - عز وجل - عن سؤال السائلين، وهو أعلم بنفوس عباده وبما يسألون، ثمّ يأتي الأمر الإلهي لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - أن يجيبهم بالجواب المناسب كما يأمر به الله - عز وجل -، وله أشكال تختلف باختلاف السائلين، وباختلاف نوعيّة السؤال.
- {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ــــــــ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}
وغيرها كثير من أمثال هذه الأنواع من الأسئلة.
والحوار القرآني يتألّف من مجموعة أسئلة وأجوبتها، وقد رتّبت ترتيبا يؤلّف منها برهانا منطقيّا يلزم المخاطب أو الخصم المخالف الإقرار بما يراد إقناعه به، وهدايته إليه لزوما منطقيّا لا ينكره ذو عقل سليم، وهذا يدلّ على أنّ البرهان والإقناع هو الهدف الأساسي لهذا النوع من أنواع الحوار القرآني، وهو يجعل القارئ لكتاب الله - عز وجل - أو المستمع إليه يُعمل عقله جيّدا، ليقارن بين تلك الأسئلة وأجوبتها، ويستنتج بأنّها متوافقة تماما مع بعضها البعض، فتتكوّن فيه ملكة البحث وصياغة الأنواع المختلفة من الأسئلة، ثمّ الوصول في الأخير إلى النتيجة المنطقيّة الصحيحة.
وبهذا يصل الحوار القرآني بالعقل الإنساني إلى التفكير المنظّم المنتج، وبطريقة متكاملة.
وبوضع الله - عز وجل - لهذه الحوارات المختلفة والمتنوّعة، فإنّه يدعو هذا الإنسان إلى استخدام حواسّه المختلفة التي وهبها له، حتّى تقوى وتصبح قادرة على العمل الصحيح والبحث المنظّم، ويدعوه بواسطتها إلى التساؤل الموجّه الهادف، كي ينمّي فيه ملكة المنافسة والمناظرة بطريقة جيّدة هادفة.
وبهذه الحوارات التي وضعها خالق هذا الإنسان، يستيقظ العقل ليتّخذ من التفكير والاستدلال أسلوبا للتعلّم، وتنميّة هذه القوى العقليّة ودفعها إلى العمل الجادّ والصواب. (1/337)
صفحة 338
وقد توصّلت البحوث الطويلة والعميقة التي أجريت في ميادين التربيّة الحديثة إلى أنّ المناقشة والمحاورة من الأساليب الإيجابيّة في تنميّة الذاكرة وتقويّتها.
وقد عبّر عنها علماء التربيّة الحديثة بقولهم:
«إنّ الوسيلة المباشرة التي تحسّن طرق التدريس والتعليم تحسّنا مطّردا، هي التركيز على الانتباه في الأحوال التي تستلزم التفكير عند التحاور، لأنّه ينمّيه ويمتحنه، والتفكير المركّز والحوار هما طريقة التعليم الرشيدة».
وأنا أقول بأنّ الحوار هو طريقة إثارة الأفكار الرشيدة، وتوجيهها التوجيه الفعّال، وبذلك ينمو العقل ويتدرّب تدريبا جيّدا راقيّا.
وفي كلّ هذا تربيّة لهذه القوّة العقليّة التي وهبها الله - عز وجل - لهذا المخلوق، وتربيّتها وتدريبها على المحاكمة والاستدلال، والاستدلال هو انتقال الذهن البشري من مقدّمة بديهيّة مسلّم بها إلى نتيجة يحكم عليها الإنسان بفطرته التي فطره الله - عز وجل - عليها.
وإقرار العقول أو القلوب السليمة لا يحتاج إلى دليل، كما يقول العلماء، لأنّ ذلك الإقرار ينبع من الفطرة السليمة.
وللحوار في القرآن الكريم عشرات الأسئلة التي تدفع الإنسان إلى مثل هذه الاستدلالات، وإلى الإقرار بكثير من الحقائق الإلهيّة، فيخشع قلبه بذلك الإقرار، ويستنير عقله بنور العلم والبحث والسؤال، ويقوى عقله بالأسئلة الكثيرة والمتعدّدة التي يطرحها على نفسه، نتيجة قراءته وتدبّره لتلك الحوارات، لأنّ تلك الأسئلة تترك المجال للمخاطبين ليستنبطوا النتائج ويتوصّلوا إليها باستعمال عقولهم.
وفي حوارات أخرى متعدّدة يربط الاستنباط بروابط صحيحة، وذلك بتربيّة الأشخاص على تكوين القدرة على استنباط النتائج من مقدّماتها التي ارتبطت بها.
وفي بعض الحوارات يربّي العقل على الاستدلال بالآثار التاريخيّة، وهي التي تحثّ على تأمّل مصير الأمم السابقة التي أهلكها الله - عز وجل -، والاعتبار بما آلت إليه مساكنهم. (1/338)
صفحة 339
ففي عدّة آيات نقرأ أقواله - عز وجل -:
أفلم يسيروا في الأرض ــ أولم يسيروا في الأرض ــ قل سيروا في الأرض ــ أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون.
إلى غير ذلك من أمثال هذه الأسئلة الكثيرة.
الفصل الحادي عشر
التكرار في القرآن الكريم وأثره على الذاكرة
سرّ تقويّة الذاكرة بالتكرار
إنّ السرّ في تقويّة الذاكرة بالتكرار هو أنّ المعلومة التي نكرّر قراءتها وحفظها تمرّ من نفس الممرّ الذي مرّت به من قبل، وكلّما أعدناها فهي تستعمل نفس الممرّات ونفس الناقلات، وبهذا يصبح ذلك الطريق معبّدا، ويصير مرور المعلومة من ذلك الطريق سهلا قويّا ثابتا، ولذلك نستطيع تذكّر المعلومة بكلّ بساطة، دون عناء أو تعب في محاولة تذكّرها.
وعن عبد الله ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نُسّي، واستذكروا القرآن فإنّه أشدّ تفصّيا (بمعنى تفلّتا) من صدور الرجال من النعم بعقلها». رواه البخاري
وعن عبد الله بن سلمة يقول:
«دخلت على عليّ بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه ـ فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يحجبه، أو قال: يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلاّ الجنابة». ... رواه الحاكم
والعلماء المختصّون في مجال الأعصاب قاموا بقياس التغيّرات التي تحدث في مراكز الاشتباك العصبي لخلايا المخّ (تشجّرات العصبونات) والتي هي عبارة عن ثغرات بين الخلايا العصبيّة المخّية، هذه التغيّرات التي يقع فيها تبادل المعلومات، واتّخاد القرارات بتوجيه الخليّة العصبيّة إلى العمل في مواجهة موقف ما، أو عدم القيام بأيّ فعل تجاهه.
فاكتشفوا أنّ التعلّم باستمرار وتكرار، والبحث المتواصل الهادف، وتزويد المخّ بالمعلومات المختلفة يزيد من عدد نقاط الاشتباك بين تلك الخلايا العصبيّة. (1/339)
صفحة 340
إنّ الإنسان بفطرته يميل إلى تكرار المعلومة مرّات ومرّات قصد تقييدها وحفظها في الذهن، حتّى يخزّنها فيه، ويحفظها عن ظهر قلب، فلا تفلت عنه بعد ذلك، وهو بفطرته كذلك من جهة أخرى يخاف نسيان أيّ معلومة تعلّمها، أو قرأها.
وقد جعل الله - عز وجل - في التكرار أسرارا كثيرة، وقد أطلع عليها معلّم البشريّة الخير، لذلك جعله النبيء - صلى الله عليه وسلم - من الوسائل التي يعلّم بها أصحابه ما يوحي إليه ربّه - عز وجل - من آيات الوحي.
وهو القائل: «إنّما بعثت معلّما».
وربّه لن يتركه سدى دون أن يرشده ويبيّن له الكيفيّة المثلى في حفظ الوحي، وتعليمه للناس، وهي أن يعيد عدّة مرّات الآية على صحابته، وكلّما جاء أحدهم إلاّ ويعيد عليه تلك الآية أو الحكم الذي أنزل إليه، أو يأمر أحدا من أصحابه أن يقوم بتلك المهمّة، والنتيجة التي نتوصّل إليها هو أنّ الصحابة قد يسمعون الآية أو الحديث مرّات ومرّات وهم في مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفي ذلك سرّ عظيم لا يعلمه إلاّ الله - عز وجل -.
عن أبي سلام، عن رجل خدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حدّث حديثا أعاده ثلاث مرّات.
وعن نافع بن عمر قال: «من روى حديثا عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - فليردّده ثلاثا».
التكرار يسهّل مهارة الربط
إنّه ليست هناك صعوبة في تعلّم تقنيّات لتقويّة الذاكرة، مثل التدرّب على مهارة الربط بواسطة عمليّة التكرار التي جعلها الله - عز وجل - في كتابه، لأنّ هذه التقنيّة وغيرها من التقنيّات نستطيع جميعا تعلّمها وتطبيقها، وهي تعتبر كطريق مختصر صمّم لكي نثبّت به معلوماتنا بصفة جيّدة.
ولقد أثبت العلماء بعد بحوث طويلة متعدّدة أنّ التدريبات على عمليّة الربط بين المعلومات المختلفة تفيد في كلّ الأعمار، وفي مختلف التخصّصات، وهي من العناصر المهمّة والأساسيّة في كلّ تقنيّات الذاكرة. (1/340)
صفحة 341
إنّ تقنيّة ــ اِربط ــ هي وسيلة للجمع بين اثنين من اللقطات الذهنيّة بحيث يسهل تذكّرها فيما بعد، خاصّة في القرآن الكريم الذي جعل الله - عز وجل - فيه تقنيات هذه العمليّة، حيث نستطيع ربط آياته المتكرّرة ببعضها البعض، ولا نحتاج أن نربطها بصورة خارجيّة من تصوّرنا أو إبداعنا، كما نستطيع ربط القصص التي جاءت متكرّرة عدّة مرّات ببعضها البعض.
خاصّة وأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنول هذه القصص بتعابير مختلفة عن بعضها من حيث الزيادة في الألفاظ، أو النقصان، وهذا ممّا يسهّل طريقة الربط بينها.
قال الدكتور فضل حسن عبّاس:
«إذا كرّر الله - عز وجل - القصّة زاد فيها شيئا، ألا ترى أنّه ذكر الحيّة في عصا موسى - عليه السلام -، وذكرها في موضع آخر ثعبانا، ففائدة أن ليس كلّ حيّة ثعبانا، وهذه عادة البلغاء أن يكرّر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة لصفة زائدة».
وكما يقول العلماء: فإنّ الكلام حينما يكرّر، فإنّه في النفوس يقرّر، وأنّ حقيقة إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأوّل لطول العهد به.
ومنه تكرار القصص في القرآن، كقصّة إبليس في السجود لآدم، وقصّة سيّدنا موسى - عليه السلام -، وغيره من الأنبياء.
إنّ التدرّب على عمليّات الربط تتطلّب بذل مجهود ذهني وإبداعي للتوصّل إلى إيجاد العلاقة التي تجمع بين المعلومتين اللتين نريد ربطهما، ولكن أسلوب القرآن يوفّر لنا كثيرا من ذلك المجهود.
إنّه يوجد لكلّ شخص طريقته التي يتّبعها للربط بين المعلومات المختلفة، لأنّ هناك بعض الأشخاص يميلون إلى ربط المعلومة بعلاقة غريبة ليس لها أيّة صلة بما يريدون تذكّره، وهناك من يميل إلى العلاقة المنطقيّة، ولكن مهما كانت علاقة الربط، فإنّ تلك العمليّة سوف تقوم على ترسيخ المعلومات في مخازن الذاكرة بصفة جيّدة. (1/341)
صفحة 342
وعمليّات الربط التي نستطيع استعمالها في حفظ كتاب الله - عز وجل - كلّها منطقيّة، لأنّه لا يوجد هناك علاقة غريبة بعيدة بين آيات القرآن من أوّله إلى آخره.
وربّما نستطيع أن نذكر بأنّ هناك عيب في هذه التقنيّة وهو أنّه بمجرّد أن ننسى العنصر الذي جعلناه محور الربط بين فكرتين أو صورتين، فإنّنا ننسى الشيء الذي حفظناه بتلك الطريقة، ولكن هذا العيب لا يمكن أن يحدث في طريقة الربط التي نستعملها في حفظ القرآن، لأنّه من المستحيل أن ننسى جميع العناصر التي نستعملها في حفظه، ولأنّ القرآن يعالج جميع نواحي الحياة الواقعية التي يعيشها الإنسان في كامل حياته، فالمسلم الحقّ قبل أن يقوم بأيّ ربط كان، يتساءل عمّا إذا كانت هناك آية تتحدّث عن نفس ذلك العمل، إمّا تأمر به، أو تنهى عنه، وبمجرّد أن نتذكّر آية تدلّ على ذلك، تتداعى جميع الآيات الأخرى المتشابهة، ولكن ويا للأسف فقليل منّا من يقوم بربط جميع أقواله وأفعاله بآيات ربّه.
بخلاف الصحابة الأوائل والرعيل الأوّل من هذه الأمّة ــ رحمهم الله ــ فقد كانوا يحيون حياتهم بالقرآن، ويفكّرون بالقرآن وبالقرآن، ويتعايشون معه في جميع حركاتهم وسكناتهم، وكانوا عبارة عن قرآن يمشي على وجه الأرض.
فعن الحسن بن محمّد الصبّاح (من أصحاب الشافعي) قال: «الزموا كتاب الله، وتتبّعوا ما فيه من الأمثال، وكونوا فيه من أهل البصر».
وقال: «رحم الله عبدا عرض نفسه وعمله على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله، حمد ربّه على ذلك، وسأله الزيادة، وإن خالف كتاب الله، أعتب نفسه ورجع من قريب».
تكرار المعلومة ثلاث مرّات
روي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنّه كان إذا أراد تعليم أصحابه شيئا أعاده عليهم ثلاثا.
فعن أبي سلام عن رجل خدم النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حدّث حديثا أعاده ثلاث مرّات.
وفي رواية أخرى، عن نافع عن ابن عمر أنّه قال: (1/342)
صفحة 343
«من روى عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حديثا، فليردّده ثلاثا».
والله - سبحانه وتعالى - وتر، يحبّ الوتر.
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - غالبا ما يستعمل النداء مع أصحابه، وما ذلك إلاّ ليجلب انتباههم، ثمّ يلقي إليهم ما يريد أن يعلّمهم إيّاه، مثل: يا غلام.
يقول الدكتور حريزي موسى في كتابه: أسرار الذاكرة في القرآن الكريم:
«وإنّ في التثليث أسرارا نفسيّة في التراث الإسلامي والعربي، حيث إنّنا نجد في معظم الأحيان أنّ التكرار ثلاث مرّات، يُروى في كثير من المعلومات والعبادات والأقوال والعادات، وهي طريقة من طرائق تثبيت وترسيخ ما يُسمع، أو يُروى، أمّا التلقّي بالمرّة الواحدة فلا يكون إلاّ للعباقرة من أصحاب العقول القويّة، والأفذاذ من الأذكياء، وقليل ما هم».
ولقد روى البخاري في فضائل القرآن، أنّ النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إنّ جبريل يعارضني بالقرآن في كلّ سنة، وإنّه عارضني في العام مرّتين».
وفي رواية عن أبي هريرة، - رضي الله عنه - عنه أنّه كان يعرض على النبيء - صلى الله عليه وسلم - القرآن كلّ عام مرّة، فعرضه عليه مرّتين في العام الذي قُبض فيه.
وهكذا فقد اتّبع العلماء والفقهاء سنّة رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فكوّنوا حلقات لتعليم القرآن الكريم في المساجد بالتلقين وتكرار التسميع، وهو أن يسمع التلميذ المتعلّم ما يمليه عليه معلّمه، ثمّ يعيد عرض ما تلقّاه عليه، فهذا يعتبر إحياء للطريقة النبويّة في تلقّي القرآن الكريم.
إنّ تكرار القراءة والتلقين ثلاث مرّات فيه سرّ إلهي، وله تأثير نفسي في ذهن السامع، لذلك فإنّ الله - سبحانه وتعالى - قد بدأ إنزال الوحي من أوّل مرّة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكيفيّة، وهو تكرار القراءة عليه ثلاث مرّات. (1/343)
صفحة 344
والحادثة التاريخيّة العظيمة التي بدأ بها الله - سبحانه وتعالى - هذا الدين العظيم، الدين الإسلامي الذي غيّر خطّ التاريخ كما لم يتغيّر من قبل قطّ، وكما لن يتغيّر من بعد أبدا، وكان هذا الحدث هو مفترق الطريق بين الحقّ والباطل، فقد بدأ نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم -، أو القرآن الكريم، حين جاءه الملك جبريل - عليه السلام - وهو يتعبّد في غار حراء، فقال اِقرأ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اِقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية، حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اِقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثالثة، ثمّ أرسلني، فقال:
- {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ... [العلق:1ـ 5]
وقد لا حظ بعض العلماء أنّ الحوادث، أو المشاهد التي وقعت للرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحادثة التاريخيّة العظيمة كلّها قد تكرّرت ثلاث مرّات. (1/344)
صفحة 345
فجبريل - عليه السلام - قد أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة ثلاث مرّات، وأنّ استفهام النبيء - صلى الله عليه وسلم - لجبريل ـ ما أنا بقارئ ـ وقع منه ثلاث مرّات، وأنّ جبريل - عليه السلام - قد ضمّه ثلاث مرّات، وأنّه قد أرسله كذلك ثلاث مرّات، وهذه خمسة مشاهد بين جبريل - عليه السلام - والنبيء - صلى الله عليه وسلم - وقعت ثلاث مرّات، وكلّ هذا من تدبير العليم الخبير، وليبدأ به أكبر وأعظم وأجلّ حدث يقع في تاريخ البشريّة أجمع، إلى يوم الدين، وهو تعليم النبيء الأمّيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يقرأ، ولم يكتب في يوم من الأيّام حرفا، ومن هنا استنبط العلماء أنّ كلّ من أراد أن يتعلّم شيئا، أو يعلّمه أحدا غيره عليه أن يكرّره ويعيده ثلاث مرّات، حتّى ينتبه إليه جيّدا، ويركّز عليه دون غيره من المعلومات، ومن ثمّ يرسخ في ذهنه بكلّ سهولة وبقوّة.
فإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعيد ما يريد تحفيظه لأصحابه ثلاث مرّات، فتعالوا معنا نتعرّف على ما توصّل إليه علماء الذاكرة في بحوثهم حول هذه القوّة التفكيريّة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لهذا الإنسان.
فكلّما أدّى عقل الإنسان فعلا معيّنا، ثمّ أعاده مرّة ثانيّة وثالثة، أصبح ذلك الفعل نفسه أكثر سهولة، يؤدّيه بعد ذلك بكفاءة عاليّة، فإذا كان ذلك الفعل مثلا هو حفظ آية من كلام الله - عز وجل -، أو بيت شعر، فكلّما أعاده مرّة أخرى، سهلت عليه مهمّة حفظه، وإذا كان ذلك الفعل يعني الإبداع فهذا يعني أنّه كلّما مارس الإبداع بالشكل الصحيح ازداد التفكير الإبداعي سهولة بالنسبة لذلك الإنسان، وهذا تماما مثل الإنسان الذي يستعمل جسده بطريقة جيّدة ثمّ يعيد نفس العمليّة مرّة بعد أخرى، فإنّ مستوى أدائه الجسدي يتحسّن أكثر بعد كلّ مرّة يعيد فيها نفس العمل. (1/345)
صفحة 346
وذلك مثل لاعبي كرّة القدم الذين يتدرّبون كلّ يوم حتّى يصبحوا لاعبين ماهرين موهوبين يتقنون اللعب بمهارة، وما ذلك إلاّ لتدريبهم المتواصل.
إنّنا كلّما وجّهنا تفكير عقول أولادنا بتحفيظهم القرآن الكريم مع شيء من التفسير البسيط، وشرح قصصه وأمثاله، فإنّنا نبني فيهم صيغ تفكير صحيحة جديدة، وهذا ممّا سيقودهم إلى أن يكوّنوا لأنفسهم تفكيرا إيجابيّا، ونتيجة لذلك فإنّه ستندفع عقولهم إلى الإبداع، ويتكوّن فيه الحافز الذي سيدفعهم إلى طريق النجاح المتواصل.
لقد اكتشفت بعض الدراسات التي أجراها علماء الذاكرة على بعض الأطفال أنّ الوالدين في البيت، والمنظومات التربويّة يتّبعون طرقا تساعدهم على النسيان بالتدريج، كما أنّ الطريقة التي يعلّمونهم بها كيف يفكّرون تؤدّي بهم إلى ضعف ذاكرتهم، والطريقة التي يتفاعلون بها مع إبداعهم تقتل فيهم تلك القوّة المبدعة التي تبدأ في الظهور فيهم شيئا فشيئا كلّما وجدت تحفيزا وتشجيعا.
ومن جهة أخرى فإنّ الطريقة التي ندرّب بها أجسامهم تقودهم إلى المرض، أو الخمول، أو العكس النشاط الزائد غير الموجّه، وهو ما نستطيع أن نفسّر به هذا العنف المتزايد الذي بدأ يظهر في تلاميذ المدارس الابتدائيّة على الخصوص.
وكذلك الطريقة التي نحثّهم على التفكير بها تقودهم إلى التفكير السلبي وإلى المرض الفكري، وليس إلى الصحّة العقليّة والإيجابيّة.
فما لم ننشّط خلايا مخّهم باستعمال الصيغ الصحيحة التي تدفع عقولهم إلى الإبداع، ونكوّن الحوافز التي تجعلهم يسيرون في طريق النجاح بكلّ طمأنينة، فإنّنا لن نستطيع أن نكوّن منهم شخصيّات مبدعة، وبعض هذه الصيغ المحفّزة قد حدّدها علماء الذاكرة، في حين أنّ المربّي الذكيّ هو الذي يبتكر مثل تلك المحفّزات بمختلف الوسائل والطرق، ومنها: (1/346)
صفحة 347
1ـ أن نكوّن فيهم التصوّر الإيجابي حول قواهم العقليّة التفكيريّة، ونجعلهم يعتقدون داخل عقلهم الباطن أنّ عقولهم تستطيع ابتكار عدد غير محدود من الأفكار والتداعيّات.
2ـ أن نجعلهم يعتقدون بأنّهم بصدد بناء هياكل تفكير إيجابي.
3ـ أنّ أفكارهم الإيجابيّة المحفّزة تزداد عندهم يوما بعد يوم، وذلك كلّما زاد مستوى الحفظ لديهم.
4ـ أن نبني فيهم الاعتقاد بأنّ التفكير الحافز لديهم سوف يدفعهم بشدّة إلى تغيير وتحسين بنيتهم الجسديّة، وقواهم العقليّة.
5ـ أنّ كلّ آمالهم ومشاعرهم وشخصيّاتهم تكمن في مكان ما داخل عقلهم، فعليهم أن يجتهدوا ويثابروا ويصبروا حتّى يكتشفوا الشفرة التي تعمل بها عقولهم.
وقد اكتشف العلماء بأنّ العقل قادر على أن يكوّن شفرة بعد تعرّضه لمعلومات يريد تذكّرها فيما بعد، ويسمّون ذلك سجلّ الخبرة.
6ـ البحث عن مواطن التميّز لديهم، لنميل إلى تطويرها، وذلك لا يكون إلاّ بالملاحظة الشديدة لكيفيّة تلقّيهم لما نعلّمهم إيّاه، أو سرعة إعادته له، أو حفظه.
7ـ وكذلك ملاحظة مواطن ضعفهم وسلبيّتهم، فنحاول تخليصهم منها.
8ـ محاولة تنميّة بقيّة محاور شخصيّتهم، وتشجيعهم على ممارسة هواياتهم الأخرى حتّى نعينهم على ممارستها.
سرّ إعادة المعلومة ثلاث مرّات
وفي إعادة المعلومة التي نريد حفظها ثلاث مرّات أسرار روحيّة تبعث في النفس الراحة، وتجعلها تتقبّل المعلومات التي تلقى إليها، حيث نجد الإرشاد إلى تكرار المعلومة ثلاث مرّات قد روي في كثير من العبادات والمعاملات والأقوال والعادات، وهي طريقة من طرائق تثبيت وترسيخ ما يراد حفظه واستيعابه، ولأنّ الحفظ والاستيعاب بالمرّة الواحدة لا يحدث إلاّ للعباقرة والأذكياء.
يقول الدكتور {حريزي موسى} في كتابه أسرار الذاكرة في القرآن الكريم. (1/347)
صفحة 348
«والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الأسوة والقدوة المثاليّة الحسنة في التعلّم والتعليم والتبليغ، فالله - سبحانه وتعالى - قد سنّ له طريقة يعلّمه بها القرآن، وذلك بواسطة جبريل - عليه السلام -».
ونحن نجد أنّ أوّل آية نزلت على النبيء - صلى الله عليه وسلم - في أوّل سورة العلق {اقرأ باسم ربّك الذي خلق} إلى قوله: {علّم الإنسان ما لم يعلم}» قد أعادها جبريل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرّات.
وقد أعطى {محمّد العفيفي} مفهوما خاصّا للآيات، وتفسيرا من جانب التربيّة الفكريّة والتعليم الحسّي، يتناسب مع طريقة التدريس والتعليم، وهو مفهوم الانطلاق من العامّ إلى الخاصّ، أو من المركّب إلى المفصّل (فقوله تعالى: {اقرأ باسم ربّك الذي خلق} فالقراءة هنا هي قراءة آيات الله الكونيّة، والتي هي مركّبة من أنواع كثيرة، ممتزج بعضها ببعض، لينتفع بها الناس جميعا، وفرادى في كلّ زمان ومكان، في صدق وعدل دائمين.
ثمّ تأتي القراءة الثانيّة لتنتقل بنا من التعميم في هذه القراءة إلى التخصيص وهو خلق الإنسان {خلق الإنسان من علق} الإنسان هنا اسم جنس يدلّ على الخاصّ والعامّ من نوعه، حتّى يأتي قوله - سبحانه وتعالى - {خلق الإنسان} على ذكر البشر في جملتهم وتفصيلهم، كما هو الشأن في الكلام في جملته وتفصيله، يتركّب من الجُمل التي تشبه المجتمعات، ثمّ يتركّب من الكلمات التي تشبه الأفراد.
ثمّ تأتي القراءة الثالثة عندما نواصل قراءة هذه الآيات، فنجد قوله - سبحانه وتعالى -:
{خلق الإنسان من علق}.
فلننظر كيف بدأ الله - عز وجل - في تكليف عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بقراءة الخلق، مع ذكر تركيبه العامّ بكلّ أنواعه، ثمّ خصّ الإنسان بالذكر، وهو نوع قائم بذاته بين كتاب الخلق بكلّ فصوله، ثمّ قراءة: {من علق} فالعلق، وهو كالحروف في تكوين كلمة الإنسان، أو إن شئت فقل: (1/348)
صفحة 349
إنّه الجزء البسيط الذي يتركّب منه الوجود الإنساني بكلّ ما فيه من ثبات وحركة جعلها الله - عز وجل - أساس معرفتنا ووجودنا نحن البشر.
ولعلّ هذا السرّ يكمن في الإيحاء الذي يكوّنه التكرار في العقل الباطن، حيث نعتقد أنّنا قادرون على الحفظ والاستيعاب بعد مراجعة المعلومة ثلاث مرّات، والذي بواسطته نعدّل المنبّهات العقليّة بحيث تتحوّل إلى قوّة روحيّة تتكوّن داخل العقل الباطن، والذي يبعث في النفس التفاؤل والثقة بأنّ القوى العقليّة قادرة على الحفظ بعد إعادة مراجعة المعلومة، والعقل الباطن هو واسطة بين العقل المفكّر الحافظ للمعلومة، فيبعث فيه قوّة لا متناهيّة للحفظ والاستيعاب.
وبهذا التأثير وهذا الإيحاء يستعمل العقل أقصى قدراته ليستوعب المعلومة ويحفظها بعد إعادتها ثلاث مرّات.
التكرار وأثره على تنبيه الحواسّ
وقد اكتشف العلماء أنّه لكي تحدث التغيّرات المفيدة في خلايا المخّ، وتقوى الاتّصالات العصبيّة التي تربط بينها، فيجب أن تكون الحواسّ قويّة حادّة ومرهفة وشديدة التركيز فيما يلقى إليها حتّى تؤدّي دورها كأحسن ما يكون، وخاصّة حاسّة السمع.
وبتكرار المعلومة التي نريد حفظها عدّة مرّات، يتكوّن مسارها وطريقها في الأعصاب المخّية التي تربط بين الخلايا. (1/349)
صفحة 350
وقد استخدم الأخصّائيّون في علم الأعصاب الحيوي ميكروسكوبات ذات قوّة تكبير جبّارة، وإلكترونات دقيقة وحسّاسة جدّا ليتمكّنوا من ملاحظة التغيّرات التي تحدث في الخليّة الواحدة وسماعها بصفة مرهفة، وذلك أثناء عمليّة التعليم وإعادة قراءة المعلومة ومراجعتها عدّة مرّات من طرف الشخص، فاستطاعوا أن يشاهدوا كيف تتكوّن خطوط الاتّصال والمسارات الجديدة بين الخلايا العصبيّة في دماغ الهرّة في كلّ مرّة تتعلّم فيها شيئا جديدا، وعندما يستثار دماغها كهربائيّا، وذلك عن طريق توسيع شبكة التفرّعات العنكبوتيّة الشكل في الدماغ، والتي هي عبارة عن مجسّات استشعاريّة تنبثق من جذع العصب.
وقد لاحظوا نموّا عصبيّا مماثلا لدى الفئران وفي غيرها من الحالات المماثلة، ممّا يعني أنّ الخلايا العصبيّة تتعرّض لتغيّرات في الشكل والوظيفة عندما تشارك هذه الخلايا في حركة الاتّصالات الخلويّة الداخليّة النشيطة لعدّة مرّات، وذلك عند تلقّي معلومات جديدة، وتكرارها عليها.
واكتشفوا أنّ العصبونات المحرومة طويلا من المؤثّرات يتضاءل حجمها، وتتلاشى، والعكس تماما فإنّ العصبونات التي تتلقّى تحفيزات متكرّرة دائمة ومستمرّة ومتواصلة تنشط وتتقوّى، ويتنامى حجمها، وتتكيّف بصورة تجعلها مستعدّة لتقبّل معلومات أخرى جديدة، وكلّما كرّرنا نفس المعلومة إلاّ وازداد تكيّفها بصفة أحسن وأقوى لتلقّيها مرّة أخرى، وهذا هو سرّ رسوخ المعلومات.
ولهذا السرّ الموجود في التكرار نجد أنّ الخلايا الدماغيّة لدى المسلمين قد تكيّفت بصفة حسنة جيّدة، عند قراءة سورة الفاتحة، فلا تجد مسلما لا يستطيع قراءة الفاتحة بصورة كاملة خاليّة من الأخطاء، وما ذلك إلاّ لأنّهم يكرّرونها في كلّ يوم عدّة مرّات.
وباختصار فإنّ قوام العصبونة ومادّتها يتغيّران تغيّرا مهمّا وحسّاسا بالنسبة إلى كلّ تجربة جديدة تتلقّاها، وتتكرّر عليها. (1/350)
صفحة 351
إنّ المنعكسات والاستجابات التي تنعكس من داخل الدماغ، والتي يأمر بها، تقوم على قابليّة العصبونات لكلّ استثارة جديدة تتلقّاها، وهذه الاستثارة تزيد وتقوى بعد كلّ مرّة نعيد فيها قراءة أو ترديد وتكرار نفس المعلومة السابقة التي قرأناها.
إنّ عدد الخلايا العصبيّة وترتيبها ذو أهميّة مركزيّة، فعند تلقّي معلومة ما فإنّ عددا غفيرا من العصبونات ينتظم بشكل متراص في علاقة معقّدة للغاية فيما بينها، ومن خلال ذلك التداخل والتشابك المتراص تكتسب قوّتها لتحافظ على المعلومة.
وربّما من جهة أخرى كذلك فإنّه عندما تنتبه الأعصاب، ومن بعدها الخلايا العصبيّة فإنّ الغدد تنتبه هي كذلك وتفرز الكميّة اللازمة من الهرمونات التي تعطي للعصب القوّة اللازمة التي يستطيع بها تمرير المعلومة التي تلقاها، وتعطي للخليّة الحالة التي تستطيع أن تخزّن المعلومة وتحافظ عليها بعد ذلك.
التكرار وأثره على العقل الباطن (1/351)
صفحة 352
وأظنّ كذلك بأنّ للتكرار تأثيرا نفسيّا على الإنسان، وذلك لأنّ المعلّم قد ألقى في روع المتعلّم أنّه يجب عليه أن يعتمد على التكرار إذا أراد ترسيخ المعلومات التي يريد حفظها، وبمرور الوقت يرسخ في العقل الباطن أنّه يجب على صاحبه أن يكرّر المهارات أو المعلومات التي يريد ترسيخها وعدم نسيانها، فيعيدها ويكرّرها عدّة مرّات، وبذلك تتكوّن في نفسه ثقة قويّة بأنّ التكرار هو السبب الرئيسي للحفظ، فتنشرح نفسه وتستعدّ للحفظ جيّدا، خاصّة عندما نعلم بأنّ كثيرا من العلماء قد ربطوا عمليّة الحفظ والنسيان بالعقل الباطن، وأنّهما عمليّة نفسية، أكثر ممّا هما عمليّة جسميّة حسّية خلويّة، وذلك لما يجري داخل العقل والقلب من عمليّات كمياويّة، ممّا تفرزه الغدد المختلفة الموجودة داخل الجسم، والتي لها أثرها البليغ في استعداد الخلايا أو عدم استعدادها لتلقّي المعلومات وتخزينها، وكذلك تلك التفاعلات الدمويّة، وما تحمله الدماء من غذاء وأكسجين اللذين تقوى بهما الخلايا أو تضعف على حسب زيادتهما أو نقصهما.
وكذلك ما يقع داخل النفس من عمليّات فيزيولوجيّة، والتي لها تأثيرها العجيب على النفس والقلب والدماغ، والله - عز وجل - وحده يعلم هذه العمليّات المختلفة.
فربّما عند قراءة المعلومة للمرّة الأولى يحاول صاحبها أن يفهمها ولو بدرجة صغيرة، وفي المرّة الثانيّة يحاول ترتيبها، ويضع كلماتها داخل ذهنه على حسب تصوّره الذي كان قد تدرّب عليه من قبل، وهذا ما يسمّى بشفرة الحفظ، ثمّ في المرّة الثالثة يستوعبها من كامل جوانبها وصورها الحقيقيّة الموجودة، وبهذا تصبح سهلة للاحتفاظ بها داخل ذهنه، وإعادتها فيما بعد.
التكرار عدّة مرّات يثير الأعصاب الدماغيّة (1/352)
صفحة 353
إنّه لكي تحدث التغيّرات المفيدة في خلايا المخّ فتصبح مستعدّة لتلقي المعلومة، فلا بدّ من إثارة الأعصاب التي تربط بينها بشكل جيّد، فلهذا أرشد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ترديد المعلومة، لأنّ تلك الأعصاب إذا لم تنتبه جيّدا في المرّة الأولى، فإنّها ستزيد قوّة انتباهها في المرّة الثانية، ثمّ تزيدها أكثر في المرّة الثالثة، فتكون منتبهة إلى أقصى حدّ، والله وحده يعلم السرّ في كلّ ذلك، فربّما تكون منتبهة بكامل قوّتها في المرّة الثالثة، وطبعا هذا لا يتحقّق لكلّ الناس، بل لأغلبيّتهم، وخاصّة الصغار منهم.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ الخلايا ربّما تستوعب جزءا من المعلومة في المرّة الأولى، ثمّ يزيد استيعابها في المرّة الثانية لجزء آخر، وفي المرّة الثالثة تستوعب أغلبيّة أجزاء المعلومة، إن لم نقل كلّها.
وكذلك في كلّ مرّة نعيد فيها المعلومة، فإنّنا نجلب انتباه الحواسّ بصفة أكبر، ونزيد من تركيزها أكثر حول ما يلقى إليها، ولا يخفى على أحد ما للحواس من دور فعّال في تلقّي المعلومات وتوصيلها إلى الخلايا الدماغيّة.
ولعلّه والله أعلم، أنّ في كلّ مرّة نكرّر فيها نفس المعلومة يزيد تفاهم وترابط الخلايا الدماغيّة لكي تستوعب تلك المعلومة بصفة أحسن وأفضل، لأنّ الخلايا الدماغيّة تعمل بصورة مجتمعة، متكاملة، متناغمة، متفاهمة، أي أنّ هناك نوعا من التفاهم والترابط بين الخلايا في هرمونيّة دقيقة.
وربّما ذلك التكرار يجعل الخلايا العصبيّة تستعد لفرز المواد الكيميائيّة التي تؤثّر على الخلايا العصبيّة لتجعلها مستعدّة لتلقّي المعلومة، وهذه الإفرازات تسمّى بالناقلات العصبيّة، وهي مسؤولة عن نقل الأمر العصبي من خليّة إلى أخرى.
التكرار في القرآن الكريم وأثره على الذاكرة (1/353)
صفحة 354
إنّ الإنسان الذي يكوّن روابط واتصالات علميّة في أفكاره، هو في نفس الوقت يكوّن روابط مادّية في داخل مخّه، أي يكوّن روابط بين الخلايا المخّية لديه.
ونحن نعلم أنّ الإنسان كلّما كرّر مراجعة نفس المعلومة، إلاّ وزاد تنشيط الخلايا التي كانت قد نشطت أوّل مرّة في تلقّي نفس المعلومة، ونفس الشيء في ثاني مرّة وثالث مرّة، وعندما تتلقّى الخلايا نفس الإشارة، تزيد اتصالا وارتباطا فيما بينها، وهكذا، فيكون ذلك سببا لرسوخ المعلومات وثباتها في الذاكرة.
وبطريقة التكرار يتطوّر الكمبيوتر الحيوي لدى الإنسان أكثر وأكثر ممّا كان عليه من قبل، كما يصبح أكثر براعة في تلقّي المعلومات.
فالمخّ الذي نقرأ به أيّ معلومة ليس هو نفسه الذي سنقرأ به نفس المعلومة بعد مدّة من الزمن، خاصّة إذا كانت المدّة طويلة، ولن يكون هو نفسه الذي سنحفظ به بعد مدّة.
هذا ما قاله العالم النفساني [توني بوزان].
ونحن مسلمون لنا كتابنا القرآن الكريم كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى - الذي أنزله على رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - وتعبّدنا بحفظه وتلاوته، فهذا الكتاب يعتبر وسيلة لتقويّة ذاكرتنا وتنميّتها وتطويرها، إذا داومنا على تلاوته، فإنّه سيغذّي عقولنا بالغذاء الذهني الذي لا نستطيع أن نجد في كلام آخر مهما كان أسلوبه قويّا وجيّدا.
وقد أنزل من خالق هذا الإنسان الذي يعلم ما يليق به في حياته وما يصلح لتنميّة ما وهب له من أنواع القوى، ومنها القوى العقليّة والتفكيريّة، فإذا داومنا على تلاوته فإنّه سيقوّي ذاكرتنا وينمّيها في مختلف مراحل العمر. (1/354)
صفحة 355
فالله - سبحانه وتعالى - أرشدنا إلى تلاوته وتكرار آياته آناء الليل وأطراف النهار، وبعد كلّ مرّة نقرأه ونتلوه، فإنّ نفس الآيات ستمرّ بنفس الأعصاب التي مرّت عليها من قبل، فتزيد تلك الأعصاب قوّة وحركة، وتزيد بذلك قوّة اتصال الخلايا فيما بينها، وكذلك فإنّ نفس الخلايا التي حفظناها بها في أوّل مرّة ستتحرّك وتنشط، فتزيد ترابطا فيما بينها، وتزيد الأعصاب التي تربطها قوّة وتماسكا.
وقد أثبت العلماء بدراساتهم المتعدّدة والمختلفة أنّ الخلايا المخيّة كلّما زادت حركة ونشاطا، إلاّ وازدادت قوّة وتماسكا، مثلها في ذلك مثل عضلات الجسم التي تقوى وتتماسك بالرياضة الدائمة، وبذلك يزيد استيعابها أكثر وأكثر، وتسلم من الكسل والفشل والضمور، وفنّ تلاوة القرآن بترتيل وتدبّر، والاستماع إليه يعتبر سببا مفيدا جدّا جدّا لمن يريد أن يحافظ على سلامة وقوّة خلاياه المخّية.
والعلماء ما يزالون لم يتوصّلوا بدقّة إلى كلّ الفوائد التي يستفيدها الشخص الذي يداوم على الاستماع إليه، أو الذي يداوم على قراءته بتدبّر وإمعان آناء الليل وأطراف النهار.
قال الله - عز وجل -:
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ــ 204]
ويقول كذلك - عز وجل - يأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -:
- {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ... [المزمّل ــ 1ـ4]
ويقول كذلك - عز وجل - يأمر عباده المؤمنون:
- {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} ... [المزمّل ــ 20]
وما ذلك إلاّ لعلمه تعالى ما في ذلك من فوائد عظيمة وجليلة على مختلف الجوانب التي يتكوّن منها هذا المخلوق الذي خلقه بيده، ويعلم ما يصلح به. (1/355)
صفحة 356
وهذا ليس من جهة الهداية والاستقامة واتّباع الصراط المستقيم فقط، بل حتّى من الناحيّة المادّية الجسميّة، وخاصّة على ذاكرته التي هي أداة الحفظ والاستيعاب والتدبّر.
هذا من جهة الحفظ الذي له الأثر العظيم على الخلايا المخيّة، وكذلك من جهة الاستماع إلى كلام ربّنا الذي أمرنا أن نستمع إليه ونتدبّره ونفهمه، حتّى يترك فينا أثره.
والعلماء ما برحوا يدرسون هذا الجانب وما فيه من الفائدة، لأنه لابدّ أن تكون فيه فوائد جليلة ما دام قد أمر به ربّنا - عز وجل - وهو - عز وجل - لا يأمر إلاّ بما فيه خير هذا الإنسان وفائدته وصلاحه، سواء للدنيا أو للآخرة سواء بسواء.
ومن جهة أخرى فما زالوا يبحثون عن الآثار التي يتركها الاستماع إلى القرآن الكريم على النفس الإنسانية وعلى خلايا مخّه وعلى قلبه بصفة خاصّة، والله - عز وجل - قد أمر عباده بالاستماع إليه والإنصات، لما يعلم ما فيه من الرحمات التي تتنزّل على هذا الإنسان الذي كبّلته مشاكل الحياة فأصبح يتخبّط في شباكها دون أن يلتجئ إلى ما فيه خلاصه، وليس هناك ما يخلّصه إلاّ الرجوع بكلّ إخلاص إلى ربّه وإلى كلامه، فيجد فيه الملاذ الأمين والرجاء الذي لا يخيّب.
- {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}
[الأعراف ــ 204]
التكرار في حفظ القرآن الكريم
وقد جعل الله - عز وجل - سرّ حفظ القرآن الكريم في تكراره على مرّ الأيّام والليالي، كما أكّد الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك في حديثه الذي يوصي فيه المسلمين بمعاهدته في كلّ وقت من اختلاف الليل والنهار حتّى يحتفظ به صاحبه، ولا ينساه، ولأنّه يعلم - صلى الله عليه وسلم - ما في التكرار من أسرار كبيرة جليلة، وفائدة حقيقيّة على الذاكرة.
فعن عبد الله بن عمر بن الخطّاب ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (1/356)
صفحة 357
«إنّما مثل صاحب القرآن، كمثل صاحب الإبل المعقّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت».
وزاد مسلم في رواية أخرى: «وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه». ... رواه البخاري
وتكرار القرآن ومراجعته باستمرار يكوّن الناقلات ( BUS) العصبيّة بين الخلايا ويقوّيها ويجعلها مستعدّة لتلقّي العلوم المختلفة بكلّ قوّة وسهولة.
وقد اكتشف العلماء أن سرّ قوّة الذاكرة وسلامتها وسرعة حفظها واستيعابها كلّه يكمن في كثرة وسلامة تلك الناقلات ( BUS) وقوّتها في نقل المعلومات فيما بين الخلايا.
وإذا كانت كلّ عضلة في جسم الإنسان تحتاج إلى رياضة وتدريب مكثّف مستمرّ لتقوى وتتمرّن على الحركة الجيّدة، ولا تجعلها معرّضة للتقلّصات العشوائيّة اللاإراديّة، وكذلك لتسهيل جريان الدم بسهولة في الشرايين والأوعيّة، فكذلك العضلات المخيّة هي بحاجة إلى التمارين المستمرّة والتدريب المكثّف لكي تحافظ على مرونتها، وتحافظ على اتّصال الأعصاب الخلويّة فيما بينها بقوّة ومرونة، وتكوين ممرّات المعلومات بين تلك الخلايا، وهذا ما نستطيع أن نحقّقه للخلايا الدماغيّة بكثرة التكرار للآيات القرآنيّة.
هذا ويعتبر علماء الذاكرة بأنّ التكرار المستمرّ هو من أهمّ الأسباب التي تثبّت المعلومات في الخلايا المخيّة، وسواء كان ذلك التكرار بين الإنسان ونفسه أو بينه وبين أصدقائه، أو من حوله من الناس.
تكرار القصص وكثير من الآيات في القرآن الكريم
ومن فوائد تكرار كثير من الآيات والقصص في القرآن الكريم أنّ الله - عز وجل - قد أنزله على تلك الصورة حتّى يسهل على من يريد حفظه أن يكوّن بذلك التكرار شفرة الحفظ الجيّدة التي توفّر له كثيرا من المجهود أثناء حفظه. (1/357)
صفحة 358
فهو عندما يقرأ آية ما يتذكّر بأنّ هناك آية أخرى تشبهها في سورة كذا فيعيد قراءتها كي يكوّن شفرة الربط بينها وبين الآية الجديدة التي هو بصدد حفظها، وربّما يقول الواحد بأنّ هذه العمليّة هي عمليّة ربط أكثر منها عمليّة تكرار.
نعم إنّها عمليّة ربط، ولكن تلك العمليّة لا تتمّ إلاّ بعمليّة التكرار، وهكذا نجد بأنّ العمليّات التي يتمّ بها عمل الذاكرة عند حفظها لمعلومة ما كلّها مترابطة ومتّصلة بعضها ببعض، وهذا يدلّ بأنّ هذا القرآن قد أنزله خالق هذه الذاكرة، وهو عالم بكلّ تلك العمليّات التي يتمّ بها الحفظ الجيّد للمعلومات.
- {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} ... [المؤمنون ـ 14]
ما هو الأفضل: كثرة التلاوة، أم الترتيل؟
لقد اختلف العلماء في هذا الموضوع، أيّهما أفضل، هل هو الترتيل مع قلّة القراءة، والانتباه والتركيز على ما يقرأه القارئ، أو السرعة مع كثرة القراءة؟
فقال {ابن الجزري}:
«والصواب ما عليه معظم السلف والخلف، وهو أنّ الترتيل والتدوير مع قلّة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها، لأنّ المقصود من القرآن فهمه والتدبّر فيه، والعمل به، وتلاوته وحفظه التي تعتبر وسيلة إلى فهم معانيه.
وثواب الترتيل والتدبّر أجلّ وأرفع قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددا.
فالأوّل: كمن تصدّق بجوهرة عظيمة ثمينة، أو أعتق عبدا قيمته نفسية جدّا.
والثاني: كمن تصدّق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة».
ونلاحظ هنا بأنّ النتيجة واحدة تقريبا، لأنّ أجر الترتيل والتجويد يساوي أجر كثرة التلاوة والقراءة.
وأنا ألاحظ وأقول بأنّ الترتيل والتجويد أفضل من كثرة التلاوة، ولو أنّ أجرهما واحد، لأنّه عندما نرتّل ونجوّد، فإنّنا ننشّط الجانب الأيمن والأيسر معا، بخلاف ما إذا كنّا نقرأ بسرعة لنقرأ حصّة أكثر، فإنّنا ننشّط الجانب الأيسر فقط. (1/358)
صفحة 359
إنّ التجويد والترتيل يختصّ بالجانب الأيمن للمخّ، وقراءة الكلمات يختصّ بالجانب الأيسر، فلذلك نجد أنّ القراءة بترتيل يجمع بين مهارة قراءة الكلمات ومهارة الإيقاع. ... قال الله - سبحانه وتعالى -:
- {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}
[الإسراء ـ 106]
قال {السيّد قطب} في تفسير هذه الآية:
«ومن ثمّ فقد جاء هذا القرآن مفرّقا وفق الحاجات الواقعيّة لتلك الأمّة، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربيّة الأولى، والتربيّة تتمّ في الزمن الطويل، وبالتجربة العمليّة في الزمن الطويل، جاء ليكون منهجا عمليّا يتحقّق جزءا جزءا في مرحلة الإعداد».
ولا يستطيع المسلمون أن يتّخذوه كمنهاجا للتربيّة العمليّة إلاّ باستعمال عقولهم استعمالا كاملا لفهم معانيه.
يزيد {السيّد قطب} فيقول: «ولقد تلقّاه الجيل الأوّل على هذا المعنى، تلقّوه توجيها يطبّق في واقع الحياة كلّما جاءهم منه أمرا، أو نهي، وكلّما تلقّوا منه أدبا، أو فريضة، ولم يأخذوه متعة عقليّة، أو نفسيّة، كما كانوا يأخذون الشعر والأدب، ولا تسليّة وتلهيّة كما كانوا يأخذون القصص والأساطير، فتكيّفوا به في حياتهم اليوميّة، تكيّفوا به في مشاعرهم وضمائرهم، وفي سلوكهم ونشاطهم، وفي بيوتهم ومعاشهم، فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كلّ ما عداه ممّا ورثوه، وممّا عرفوه.
يقول المفسّر {محمّد الطاهر بن عاشور}:
«ومعنى فرقناه، جعلناه فرقا، أي أنزلناه منجّما، مفرّقا، غير مجتمع مرّة واحدة».
ويطلق الفرق على البيان، لأنّ البيان يشبه تفريق الأشياء المختلطة، فيكون فرقناه، محتملا معنى بيّناه وفصّلناه.
وقد عُلّل بقوله: لتقرأه على الناس على مكث، فهما علّتان: أن يُقرأ على الناس، وتلك علّة لجعله قرآنا، وأن يُقرأ على مكث، أي مهل، وبطء، وهي علّة لتفريقه.
والحكمة في ذلك أن تكون ألفاظه ومعانيه أثبت في نفوس السامعين». (1/359)
صفحة 360
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -:
«كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات، لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ، والعمل بهنّ».
ولقد وصف {القاضي أبو بكر ابن العربي} هذا الارتباط الذي ضمّنه الله - عز وجل - في آي القرآن وسوره فقال:
«إنّ ارتباط آي القرآن بعضها ببعض، حتّى تصبح كأنّها كلمة واحدة علم عظيم، فتح الله - عز وجل - لنا فيه فلمّا لم نجد له حملة، ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله - عز وجل -، ورددناه إليه».
ولقد قال {الفخر الرازي}:
«هذا العلم علم مناسبات الآيات والسور، وارتباط بعضها ببعض حتّى تصير شيئا واحدا، وبناء متينا لا خلل فيه بين أجزائه».
وقال: «إنّ الإعجاز يكاد ينحصر في هذا المعنى الذي لا يوجد في كلام البشر»
السيّد محمّد قطب وموضوع التكرار في القرآن
وقد عرض السيّد {محمّد قطب} في كتابه [الدراسات القرآنيّة] لهذا الموضوع، فقال:
«إنّ التكرار قد يكون للتأكيد، وما جاء منه في كتاب الله - عز وجل - إنّما قصد به التأثير في النفوس، وبخاصّة إذا كانت الموضوعات المكرّرة موضوعات مهمّة، كالعقيدة التي أراد القرآن الكريم ترسيخها في النفوس، وتثبيتها في أعماق القلوب».
ومن طبيعة النفس الإنسانيّة أنّها تحفظ بسرعة وبصفة حسنة كلّما انشرحت وارتاحت إليه وكان ميلها إليه أكثر من غيره.
والمتتبّع لكتاب الله فإنّه يجد كلّ سورة إلاّ وفيها قصّة، خاصّة الطويلة منها، وما ذلك إلاّ لحكم بالغة، ربّما قد أدرك العلماء بعضها، رغم اختلاف الألفاظ فيها من سورة إلى أخرى، وذلك من أجل أن يُعمل القارئ عقله جيّدا ليقارن بينها، ليستطيع استعمال قاعدة الربط فيما بينها، ويضع لها خرائط العقل التي تسهّل له حفظ كلام ربّه - عز وجل -.
المفسّر الطاهر بن عاشور ورأيه في التكرار (1/360)
صفحة 361
«ومن الأسباب الأخرى التي ذكرها المفسّر {طاهر بن عاشور} في حكم تكرار القصص في القرآن الكريم أنّ جمع المؤمنين للقرآن كاملا كان نادرا، بل تجد البعض يحفظ بعض السور، فيكون الذي حفظ إحدى السور التي ذُكر فيها قصّة معيّنة عالما بتلك القصّة، كعلم من حفظ سورة أخرى ذكرت فيها تلك القصّة نفسها، غير أن كلماتها وأسلوبها قد تغيّر».
إنّ البيان القرآني الذي أنزله الله - عز وجل - على هذا النحو، يدعو العقل الإنساني إلى البحث والتدبّر والعمل حتّى يصل إلى فهم هذه التعابير بصفة حسنة.
خاصّة كما يقول العلماء أنّ كلمة العقل لم تذكر بصيغة الاسم، وإنّما وردت عشرات المرّات بصيغ الفعل:
عقلوه، يعقلون، تعقلون، نعقل، وهذا دليل وإشارة إلى أنّه فعل يمارس في الواقع، وليس مجرّد عضو يستخدم أو يعطّل، ولم يوجد في القرآن لفظة تدين استعمال العقل، ولكن فيه ما يمجّده، ويحثّ على إعماله واستخدامه، وينهى عن تعطيله.
وهو يدعّم إعمال العقل بكثير من الألفاظ الأخرى: السمع، والبصر، والقلب، والفؤاد، التفكّر، والتدبّر، الفهم والعلم، والحكمة والذكر، وكلّها مصطلحات قرآنيّة تتنوّع صيغها، وتؤكّد أن لا سبيل إلى نجاح الإنسان وصلاحه وفلاحه إلاّ بإعمال العقل.
- {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ... [يوسف ـ 2]
يقول د {محمّد عبد الله دراز} ــ رحمه الله ــ:
«تقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف [من الرقّة وظهور ما وراء اللفظ] والملاسة، والإحكام والخلو من كلّ غريب عن الغرض، ما يتناسق به مغزاها إلى نفسك دون كدّ خاطر، ولا استعادة حديث، كأنّك لا تسمع كلاما ولغات، بل ترى صورا وحقائق ماثلة. ... ومن أمثلة ذلك قوله - عز وجل -:
- {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ... [الملك ــ 10]
أبو سليمان الخطّابي، وتعليقه على التكرار في القرآن (1/361)
صفحة 362
وقد بيّن المفسّر {أبو سليمان الخطّابي} في رسالته [بيان إعجاز القرآن] التكرار في القرآن وفوائده وبلاغته، وبعد أن بيّن وجوه الإعجاز كما يراها، هاجم كلّ من عارض هذا التكرار ومن لم ير فيه فائدة، ومن اعتبر ذلك شبهة، فقال:
«وأمّا ما عابوه من التكرار، فإنّ التكرار على ضربين:
أحدهما مذموم: وهو ما كان مستغني عنه، غير مستفاد منه زيادة معنى، ممّا استفدناه من المرّة الأولى، لأنّه حينئذ يكون فضلا من القول ولغوا، وليس في القرآن شيء من هذا النوع.
والثاني: ما كان بخلاف هذه الوصفة، فإنّ ترك التكرار في الموضع الذي يقتضيه، وتدعو إليه الحاجة فيه، هو نوع من الإخلال بالأسلوب المطلوب، وكذلك تكلّف الزيادة في موضع نحن بحاجة إلى الحذف والاختصار، وإنّما يحتاج إليه ويحسن استعماله في الأمور المهمّة التي قد تعظم الحاجة إليه لزيادة توضيح معنى، أو زيادة معنى جديد لم يذكر من قبل، ويخاف من تركه وقوع الغلط والالتباس».
وإذا نظرنا من جهة مهارات الذاكرة، والتي من بينها التكرار والذي تتكوّن بواسطته مهارة الربط، نعلم جيّدا بأنّ هذا التكرار ليس شيئا زائدا في كتاب الله - عز وجل -، وإنّما قد أنزله في كتابه لأسرار كثيرة، مناسبة لمهارات الذاكرة ونشاطاتها، قد علم العلماء بعضها، وما خفي عنهم كثير.
ولا يستطيع أحد من الناس مهما بلغ من علوّ شأنه وغزارة علمه أن يتجرّأ ويحكم بأنّ في القرآن الكريم ولو حرفا زائدا مكرّرا، يمكن أن نستغني عنه، أو لم يوضع في محلّه، لأنّه يُعتبر ذلك انتقاص من كلام الله - جل جلاله -، وإنّما لم يستطع العلماء أن يصلوا إلى كلّ أسرار القرآن فذلك من إرادته - عز وجل -، وهو القائل:
- {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ... [الإسراء ــ 85]
وقد أخبر الله - عز وجل - عن السبب الذي من أجله كرّر كثيرا من المواضيع، وخاصّة منها القصص والأخبار، فقال - عز وجل -: (1/362)
صفحة 363
- {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ... [القصص ــ 51]
وقال الله - عز وجل -:
- {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه ــ 113]
الإمام الزركشي، وتعليقه على التكرار
ولقد أشار {الإمام الزركشي} ــ رحمه الله ــ في كتابه البرهان إلى التكرار في معاني القرآن عامّة، وإلى التكرار في القصّة خاصّة، فبعد أن بيّن أنّ التكرار أسلوب من الأساليب العربيّة، وأنّ الكلام حينما يكرّر فإنّه يستقرّ في النفوس، وعاب على الذين ينكرونه.
وعرّفه بقوله: «وحقيقة إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأوّل لطول العهد به».
وقال بعد ذلك: «إنّ التكرار أبلغ من التأكيد، وبعد أن عدّد فوائده كما يراها، عرض للتكرار في القصص القرآني». وقال رحمه الله:
«ومنه تكرار القصص في القرآن الكريم، كقصّة إبليس في عدم سجوده لأبينا آدم - عليه السلام -، وقصّة سيّدنا موسى - عليه السلام -، وغيرهما من الأنبياء».
قال بعضهم: «ذكر الله - عز وجل - سيّدنا موسى - عليه السلام - في مئة وعشرين موضعا في كتابه».
وقال {ابن العربيّ}: «ذكر الله - عز وجل - قصّة سيّدنا نوح في خمس وعشرين آية، وقصّة سيّدنا موسى في سبعين آية».
وكذلك القصص الأخرى، مثل قصّة أبينا آدم، وسيّدنا إبراهيم، وهود، وصالح، ولوط، وغيرهم من الأنبياء - عليه السلام - أجمعين.
ولعلّ من أسباب تكرار هذه القصص في كلام ربّنا - عز وجل -، هو لتسهيل حفظه بربط كلّ قصّة بسورتها، وما زيد فيها، أو أنقص، أو تغيّر من موضع لآخر، وأنّ ذكر قصّة واحدة بعدّة أساليب مختلفة بعضها عن بعض، لا يخفى ما فيه من الفصاحة والتوضيح، وكلّ ذلك ممّا يسهّل على الذاكرة حفظها بربط عناصرها الموجودة فيها.
الفصل الثاني عشر
قاعدة الربط وأثرها على الذاكرة
القرآن الكريم اهتمّ بقاعدة الربط (1/363)
صفحة 364
إنّ الله - عز وجل - يربط خطابه في القرآن بالأحداث التاريخيّة، والمتغيّرات الإجتماعيّة المتوازنة مع نزول الآيات، وذلك ما يسمّيه العلماء بأسباب النزول، ويهتمّ بالحوادث الطبيعيّة والأحداث الكونيّة، فيسوق أمثلة عمليّة وصورا واضحة يدركها كلّ من يعمل قواه الفكريّة، لأنّه يخاطب كلّ أنواع العقول على اختلاف مستوياتها الفكريّة.
فخالق عقل الإنسان هو الذي كوّن فيه مهارة الربط التي يعتبرها علماء الذاكرة من أهم العمليّات التي يستعملها الناس الأذكياء للمحافظة على ما يريدون حفظه وتذكّره فيما بعد.
ويعبّر الربط الذهني عن سرّ الطريقة التي يفكّر بها المخّ بشكل أساسي، وهو السرّ الذي إذا ما عرفه الإنسان، وعرف كيفيّة استخدامه، فسيكتشف مجموعة من المهارات العقليّة والنفسيّة لا حصر لها، ممّا يفتح بابا واسعا من أبواب تقويّة الحفظ والتذكّر لدى الإنسان.
وقد أنزل الله - عز وجل - كتابه على هذا الأسلوب من الربط بين الآيات القرآنيّة والآيات الكونيّة وبينها وبين الحوادث التاريخيّة، لأنّه يعلم جيّدا بأنّ عقل الإنسان ينشط وينمو ويتطوّر عند قراءة آياته الكونيّة وآياته القرآنيّة، ويربط بينها فيستفيد منها استفادة عظيمة.
ولعلّ الله - سبحانه وتعالى - قد أودع في كتابه الكريم هذه القاعدة ليسهّل حفظه على عباده الذين يريدون استيعابه، ولذلك فعلى العلماء أن يبيّنوا لأصحاب القرآن الكريم هذه القاعدة، ويرشدوهم إلى كيفيّة استعمالها في تلقّيه، وحفظه، واستذكاره.
طريقة الربط في القرآن الكريم
إنّ عمليّات الربط ــ بين معاني الكلمات أو الأفكارـ تعتبر من الحلقات المهمّة والأساسية التي تجمع أجزاء أو مكوّنات الفكر في بوتقة واحدة.
وهناك قواعد متعدّدة توصّل إليها العلماء الباحثون في مجال الذاكرة، بحيث إذا تدرّب عليها أحد الأشخاص تدريبا جيّدا فإنّه يحسّن من عمليّات ذاكرته بصفة جيّدة، من حفظ، واستيعاب، وتذكّر، واسترجاع. (1/364)
صفحة 365
ونظام الربط هو من أفضل أنظمة الذاكرة، وسوف يمنح من يتدرّب ويعتمد عليه الأسس التي يتمكّن من خلالها التعلّم والحفظ والاستيعاب بطريقة سهلة، وبصفة راسخة.
وحينما يتمّ ربط كلّ بند في المعلومات التي نريد حفظها، ونستخدم هذا النظام، فإنّنا سوف ننشّط عدّة مهارات وطاقات وقدرات غير محدودة، وكامنة داخل هذه المعجزة التي جعلها في عقل الإنسان، والذي فضّله بها على سائر المخلوقات الأخرى.
والربط هو عبارة عن شفرة يستعملها مخّ الإنسان لتخزين المعلومات، أو العبارات والأساليب ذات المعاني والمدلولات المتقاربة ببعضها البعض، بحيث يتمّ حفظها باستعمال تلك المعاني قرب بعضها في الدماغ.
وربّما تتّخذ المعلومات التي لها معاني ومدلولات واحدة أو متقاربة لنفسها نفس المسار داخل الأعصاب المخّية لتصل إلى مستقرّها في الخليّة العصبيّة، وتنشّط نفس تلك الأعصاب، ممّا يجعلها أقوى استعداد لتلقّي المعلومة، ولتمريرها إلى الخليّة التي تعتبر مخزن لها، فلذلك تسجّل بداخلها بكلّ بساطة، وبكلّ رسوخ، ونحن نعلم بأنّه كلّما اتّخذت المعلومات نفس المسار إلاّ كان رسوخها أفضل وأحسن من المعلومات الأخرى.
والقرب هنا يعني القرب المادّي أو المكاني أو كثافة وغزارة الاتصالات العصبيّة، وغير ذلك من الخصائص التي تربط تلك المعلومات ببعضها، والتي تعطي لها معاني واحدة، فيصبح تذكّرها كلّها بنفس الطريقة، وبمعنى آخر بنفس شفرة الاستذكار.
إنّ أحد التفسيرات التي يفسّر بها العلماء هذه العمليّة، هو أنّه عندما نريد حفظ أو تذكّر كلمات أو معلومات مرتبطة بعضها ببعض، فإنّ حجم العمليّة اللازمة لذلك تكون أسهل وأسرع ممّا لا يجهد خلايا الدماغ والأعصاب التي تربطها، وبالتالي فإنّ سرعة ردّ الفعل أو الإجابة تكون أسرع في هذه الحالة. (1/365)
صفحة 366
ومعظم المعلومات تسجّل وتستقرّ في المخّ بنفس طريقة الحصول عليها، فإمّا أن يكون ذلك بصورة منظّمة مرتّبة، ومرتبطة، أو تكون بصورة عشوائيّة، أي بدون نظام أو ربط.
والبحث في العقل عن المعلومات لمحاولة تذكّرها يسير نفس المسار الذي حفظناها به، فإذا حفظناها بصفة عشوائية فإنّنا نتعب في محاولة تذكّرها، ويعتبر ذلك تجربة محبطة، وغالبا ما تنتهي بالفشل، إنّها مثل البحث عن شيء ما وضعناه في مكان ما، فإذا كنّا قد وضعناه بطريقة منظّمة وربطنا ذلك بشيء آخر بجانبه، فإنّنا سنتذكّر مكانه بسرعة إذا احتجنا إليه، أمّا إذا كنّا قد وضعناه بسرعة، وبدون انتباه جيّد، وبدون نظام أو ترتيب فإنّ البحث عنه سيتعبنا كثيرا، وربّما لا نجده بالكليّة، أو نجده بعد وقت طويل.
وفي تقنيّة حفظ القرآن الكريم، فيستطيع المعلّم أن يرشد المتعلّم إلى ربط كلّ آية، بالآية التي بعدها، أو بالآية التي تشبهها في سورة أخرى من سور القرآن الكريم، وما أكثر الآيات المتشابهة في المبنى في كتاب الله - عز وجل -.
وإذا كنّا نريد للمعلومات أن تعيش معنا لفترة أطول، وأن نتذكّرها بسهولة وفي أيّ وقت نريد، فعلينا أن ندرّب ذاكرتنا على طريقة الربط بين تلك المعلومات المختلفة وبين قرائن نجمع بينها في تعبيرها، أو معنى من معانيها، أو برباط يكون من إبداعنا وابتكارنا، وعلينا أن نعلم جيّدا أنّه إذا درّبنا أنفسنا على هذه الطريقة فإنّنا سنصبح عبقريّين أصحاب ذاكرة قويّة فعّالة بإذن الله - سبحانه وتعالى -، كما أنّه ستصبح فينا عادة نقوم بها بكلّ مهارة، وبدون عناء يذكر. (1/366)
صفحة 367
فالخطوة الأولى التي يجب علينا أن نقوم بها هو أن نتدرّب على إتقان هذه الطريقة، وذلك سيأخذ منّا وقتا طويلا، ولكن علينا أن نعلم أنّها ستوفّر لنا مجهودا كبيرا فيما بعد، لأنّها ستعيننا على الحفظ السريع، والمحافظة على المعلومات بطريقة فعّالة، واستذكارها واسترجاعها بصفة أسرع وأتقن، وبإذن الله - سبحانه وتعالى - ستصبح فينا ملكة لم نكن نحلم بها من قبل.
فنقول مثلا: إنّ هذه المعلومة تشبه المعلومة التي كنت قد قرأتها في يوم كذا، أو سمعتها من فلان، وقد قالها في الإجتماع الذي وقع يوم كذا في مكان كذا، في وقت كذا، أو من المحطّة أو القناة الفلانيّة، إلى غير ذلك من الروابط التي ستعيننا على استيعاب المعلومات.
وهذه الطريقة ستدرّب ذاكرتنا على قوّة الملاحظة والانتباه والتركيز والإبداع، وكلّ تلك العمليّات هي عمليّات هامّة ومطلوبة لتقويّة الذاكرة وحفظها للمعلومات بصفة جيّدة، وخاصّة في حفظ القرآن الكريم الذي هو أغلى وأثمن شيء في هذا الوجود.
ويقتضي الربط والاقتران تسجيل المعلومة المراد حفظها، وتذكّرها فيما بعد بطريقة أسهل وأسرع على ذكرى أو معلومة موجودة بالفعل داخل ذاكرتنا، أو على فكرة مرتبطة بهذه المعلومة المراد حفظها وتسجيلها.
ومن ميزات ربط المعلومات بعضها ببعض أنّه يتيح استيعاب المعلومة المراد حفظها جيّدا، وتذكّرها فيما بعد بصفة سهلة، وبمجهود أقلّ لأنّها تعتمد على عمليّة التشفير التي هي من المهارات الأساسيّة لاسترجاع المعلومات.
وربط معلومة بأخرى يستلزم لاسترجاع تلك المعلومة الجديدة أن نعيد استدعاء الذكرى القديمة التي ربطت بها.
إنّ الذاكرة القويّة تنبني على سلسلة من الاقترانات تربطها جميعا أفكار متّصلة ويشبّه العلماء هذه العمليّة مثل سلسلة من الكلمات وُضعت مع بعضها بطريقة صحيحة لتكوين جملة كاملة.
إنّه متى نشطت هذه الارتباطات فإنّها تطلق سلسلة من الذكريات المتّصلة بشكل ما. (1/367)
صفحة 368
وإذا ما تتبّعنا آيات القرآن الكريم فإنّنا نجد أغلبيّتها قد وردت بأساليب متشابهة مرّة أو مرّتين، أو أكثر، فيستطيع الذي يريد أن يحفظها بسرعة وبإتقان أن يستعمل قاعدة الربط بين الآيات المتشابهة في مختلف سوره.
وذلك مثل قصص الأنبياء والرسل التي جاء ذكرها عدّة مرّات في مختلف سور القرآن الكريم، حتّى تساءل بعض الباحثين في قصص القرآن هل في القصص القرآني تكرار، ومثل ذلك الآيات التي تحثّ على الجهاد، والتي تقرّر الفرائض التي فرضها الله - سبحانه وتعالى - على عباده المؤمنين.
والأشياء الأساسيّة يعيدها ربّنا في القرآن الكريم كثيرا.
جاء في تفسير "مختصر ابن كثير" في قوله - سبحانه وتعالى -:
- {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} ... [آل عمران ـ 7]
عن مجاهد: المتشابهات يصدّق بعضها بعضا، وهذا إنّما هو في تفسير قوله:
{كتابا متشابها مثاني} هناك ذكروا أنّ المتشابه هو الكلام في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنّة وصفة النار، وصفة أهل الجنّة وصفة أهل النار، ونحو ذلك.
قال أحد العلماء لمن يريد أن يحفظ القرآن بطريقة سهلة:
«وإذا لاحظت أنّك تخطئ كثيرا في كلمة من كلمات القرآن، أو تنساها كلّما وصلت إليها في المراجعة، فاربطها في ذاكرتك بكلمة تشبهها من الكلمات المألوفة لديك، وعندها تتذكّر هذه بتلك».
وأنا أقول له:
«اربط الآيات المتشابهة في القرآن بعضها ببعض، والتي هي منثورة في مختلف سوره، مع التركيز في ملاحظة ما إذا كان هناك زيادة كلمة، أو أكثر في موضع، أو أنّ كلمة قد عوّضت بأخرى، أو أنّ كلمة قد قدّمت في موضع، وأُخّرت في موضع آخر، إلى غير ذلك من الملاحظات، وهذا ممّا يقوّي التركيز والانتباه، ويزيد من قوّة الملاحظة، وتعتبر هذه العمليّات من قواعد تقويّة الذاكرة، وترسيخ المعلومات، وسهولة استذكارها فيما بعد». (1/368)
صفحة 369
وقد أرشد إلى ذلك الإمام ابن المنادى ـ رحمه الله ـ حيث يقول:
«كذلك فليفعل المعلّم بالمتعلّم، يأمره إذا كان معتادا لنسيان كلمة من القرآن الكريم بأن يذكرها باسم معهود عنده، أو شيء مألوف لديه، يشبه اسمها».
وقد استدلّ بقول عليّ - رضي الله عنه - لأبي موسى - رضي الله عنه -:
«إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أسأل الله الهدى والسداد، اذكر الهدى بهداية الطريق، اذكر السداد بتسديدات السهم».
قال في مختصر تفسير ابن كثير في قوله - سبحانه وتعالى -: {الله نزّل أحسن الحديث}
«هذا مدح من الله - سبحانه وتعالى - لكتابه القرآن الكريم المنزّل على رسوله - صلى الله عليه وسلم -:
قال مجاهد: «يعني القرآن كلّه متشابه مثاني.
وقال قتادة: الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف.
وقال الضحّاك: {مثاني} ترديد القول ليفهموا عن ربّهم - سبحانه وتعالى -.
وقال عبد الرحمان ابن زيد: {مثاني} مردّد، ردّد آدم وموسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة.
وقد ردّد قصص هؤلاء الأنبياء في عدّة مواضيع في القرآن الكريم.
وقال ابن عبّاس: {مثاني} أي القرآن يشبه بعضه بعضا، ويُردّ بعضه على بعض.
وقاعدة الربط نستطيع أن نطبّقها بكلّ سهولة في حفظ كلام الله - سبحانه وتعالى -، لأنّ آيات القرآن المتشابهة والقصص المتشابهة مهيّأة لتطبيق هذه المهارة، فنربط مثلا بين قصّة أبينا آدم المذكورة في سورة البقرة والتي في سورة الأعراف، ثمّ في سورة الحجر، وفي سورة ص، وبنفس الطريقة نستطيع أن نربط بين قصص الأنبياء في مختلف المواضع.
وقاعدة الحفظ تقول: إنّ حفظ جزء صغير من القرآن الكريم بطريقة منظّمة، وبربط جيّد مع الملاحظة المركّزة، خير من حفظ جزء كبير دون تنظيم. (1/369)
صفحة 370
وقد أثبتت التجارب المتعدّدة التي أجراها علماء الذاكرة على بعض الطلبة أنّ الحفظ المتقن المنظّم يشجّع أولئك الطلبة على المضيّ قدما نحو الاستزادة والتقدّم، وذلك بما تكوّن في أنفسهم من قوّة الثقة، فيندفعون بكلّ حماس وانشراح في المزيد من الحفظ، وهكذا فكلّ مزيد من الثقة يزيد من قوّة الحفظ، وكلّ مزيد من قوّة الحفظ يزيد من قوّة الثقة بالنفس، وهذا ما يحتاج إليه كلّ إنسان يطمح إلى النجاح والتقدّم، ويرمي إلى تدريب وتنشيط ذاكرته.
إنّ السبب الرئيسي الذي يحول دون الحفظ الجيّد لكلام الله - جل جلاله - هو عدم الانتباه الجيّد إلى ما نقرأه، وعدم التركيز إلى مثل تلك الآيات المتشابهة، وعدم الانتباه يجعلنا لا نقدر على الربط بين الآيات المتشابهة، فنتعب في حفظه، وبهذا يبدو لنا بأنّه صعب الحفظ، فننسحب من الميدان بكلّ سهولة، ومن دون محاولة.
مثلا: هل نتذكّر جيّدا عند القراءة الأخيرة التي قرأنا فيها بعض الآيات:
ــ رقم السورة التي كنّا نقرأ فيها؟
ــ نوع المصحف الذي كنّا نقرأ منه؟ نوع كتابته؟ لون كتابته؟ حجمه هل كان صغيرا، أم كبيرا؟
ــ الآيات التي كنّا نقرأها، أين كانت بدايتها؟ في أعلى الصفحة، في أسفل الصفحة، في وسط الصفحة؟.
ــ نهايتها كذلك، أين كانت تنتهي؟.
فإذا كنّا نستعمل هذه الملاحظات الكثيرة والمتعدّدة، فنقول لأنفسنا هنيئا، فإنّنا بإذن ربّنا وعونه سنحفظه بسرعة، وبطريقة قويّة راسخة، وإن كنّا غافلين عن مثل هذه الملاحظات، فما علينا إلاّ أن نبدأ في استعمالها، حتّى ندرّب ذاكرتنا عليها، فنعينها إعانة كبيرة في الحفظ والاستيعاب، ونوفّر لها مجهودا معتبرا. (1/370)
صفحة 371
لنساعد ذاكرتنا بتدريبها على قوّة الملاحظة وتنشيطها بالتركيز الجيّد على ما نقرأه ونريد حفظه، وخاصّة القرآن الكريم، ما هي السورة التي نحن بصدد حفظها، وفي أيّ ربع تقع، ثمّ في أيّ جزء، وما هو موقعها بين السورتين التي تقع بينهما، ثمّ بداية السورة هل هي في أعلى الصفحة أم في أسفلها أم في وسطها، في صفحة اليمين أو اليسار، ما هي العلامة الموجودة في أوّلها إن كانت هناك علامة، مثلا ثمن أو ربع أو نصف أو حزب.
وبعد ذلك نهتمّ بالآية نفسها التي نحن بصدد حفظها، والتركيز على موقعها في الصفحة، فنركّز على رقمها في السورة، وهذه ملاحظة صعبة، لا يستطيع أن يحفظها إلاّ من درّب نفسه تدريبا جيّدا ومركّزا ومتواصلا.
إذن فكلّ من يريد أن يعين نفسه، ويوفّر لذاكرته مجهودا كبيرا، ويجعلها تحفظ بسرعة، وتحتفظ بما تحفظه لفترة أطول، فما عليه إلاّ أن يستعمل المهارات الأساسيّة للذاكرة، كما يسميها العلماء، وهي:
انتبه جيّدا ـــ لا حظ ــ ... التقط ـــ اربط (1/371)
صفحة 372
وربّما نستطيع أن نستعمل الربط بين الآية وسبب نزولها، خاصّة إذا كانت هناك قصّة من الحياة الواقعيّة، سهلة للحفظ والتذكّر، مثل قصّة خلق أبينا آدم، وعدم سجود إبليس له، وأكله من الشجرة الذي كان سببا لخروجه من الجنّة، وقد ذكرت هذه القصّة عدّة مرّات في القرآن، فما على الشخص الذكي الذي يريد تذكّرها في كلّ موضع من مواضعها إلاّ أن يربط بين مواقعها في مختلف سور القرآن، والكيفيّة التي أتت بها في كلّ سورة، وما هي الكلمات التي تبدّلت من مكانها، وما هي الكلمات الناقصة، أو الزائدة بالنسبة لنفس القصّة في موضع آخر، وذلك بتدريب ذاكرته على هذه المهارة، لأنّه بذلك يستطيع أن يوفّر لنفسه مجهودا كبيرا هو في أمسّ الحاجة إليه لاستعماله في حفظ آيات وسور أخرى، وكذلك فإنّ هذه المهارة سترافقه في كامل طريقه وهو يحفظ كلام ربّه - جل جلاله -، ثمّ تسير معه طول عمره في مراجعته له، حتّى يصبح في وقت من الأوقات يدرسه من تلقاء نفسه دون اللجوء إلى المصحف، أو الاعتماد عليه.
ومثل ذلك يقال في قصّة سيّدنا نوح، وقصّة سيّدنا إبراهيم، وغيرها من القصص الكثيرة التي ذكرت في القرآن الكريم.
ويؤكّد علماء الذاكرة بأنّ كلّ من أراد تنميّة ذاكرته وتدريبها فعليه أن يعلّم نفسه التركيز الشديد على كلّ شيء يمرّ عليه أثناء حفظه، وأن لا يسرع في الحفظ، لأنّ الحفظ لا يتحقّق إلاّ بالهدوء والاطمئنان النفسي، والإدراك الواعي لما نريد فهمه وحفظه، وعدم الخوف أو التردّد.
وعلى ضوء هذه العمليّة، وباستخدام الاهتمام الذي يتولّد عنه الانتباه والتركيز والإدراك الكامل، يمكن القول بأنّنا سنقوّي عمليّة الإدراك لدينا، وبواسطتها ستقوى ذاكرتنا، فإذا أردنا حفظ شيء فلا بدّ أن ندركه من جميع جوانبه ومكوّناته، وما يرتبط به من كلّ خصائصه. (1/372)
صفحة 373
وعلى هذا يمكن أن نقول بأنّ هناك علاقة متينة وأساسيّة متبادلة بين الإدراك والذاكرة، وأنّ آلية الإدراك لا تقوم على أسس وانطباعات عفويّة غير مقصودة وغير معدّة من طرف الذهن، بل تقوم وتنبني على إدراك انتباهي، يرقى بالانتباه إلى حالة تمثّل كامل وقويّ بكلّ أبعادها المعنويّة وحركاتها الفاعلة.
وعلينا أن نثق جيّدا أنّه عندما نكون مدركين للطرق العلميّة البسيطة والموجودة، ونثابر عليها، فإنّها ستساعدنا كثيرا على الانتباه والتركيز، وتجعلنا نضاعف قدراتنا، ونستخدم عقلنا بصفة حسنة وبمجهود أدنى ممّا لو لم نهتمّ بهذه العمليّة، لأنّه بكلّ بساطة سنتعلّم كيف نستخدم عقولنا بشكل أكثر كفاءة لنحقّق نتائج مضاعفة، دون أيّ زيادة في الطاقة العقليّة مقارنة بما كنّا عليه من قبل، وذلك نتيجة للمهارات الجديدة التي نتعلّمها في كلّ مرّة نقوم باستعمال هذه الاستراتيجيّة.
وربّما يظنّ بعضنا أنّ هذه النظريّات هي مجرّد افتراضات نظريّة، ولا أساس لها من الصحّة، ولكن عندما نعلم بأنّها تجارب علميّة واقعيّة قام بها علماء مختصّون في هذا الميدان، جرّبوها على المخّ، وسجّلوها بواسطة أجهزة دقيقة، رسمت لهم رسوما للنشاط الكهربائي للمخّ، وقد أوضحت تلك الرسوم أنّ الطاقة التي يبذلها أيّ شخص في رسم خطوط عشوائيّة دون تركيز على ما يرسم تماثل تماما تلك الطاقة التي يبذلها في رسم لوحة فنّية رائعة.
فما دام الأمر كذلك فلماذا إذن لا نستغلّ نفس الطاقة في الحفظ بطريقة موجّهة منظّمة وذلك بانتباه وتركيز وربط، كي نتحصّل على نتائج باهرة بنفس المجهود، فنحفظ كلام ربّنا بطريقة مركّزة بربط آياته وأجزائه وأرقام الآيات بعضها ببعض، حتّى يكون حفظنا جيّدا ويبقى معنا لفترة طويلة، ويسهل علينا مراجعته فيما بعد. (1/373)
صفحة 374
وإذا لم ننجح في بادئ الأمر، فلا نفشل ونستسلم، بل علينا أن نحاول، ثمّ نحاول، ثمّ نحاول ثالثة ورابعة، وعلينا أن نتذكّر دائما بأنّ التكرار في المحاولات يزيد من فرص النجاح، ونعلم جيّدا أنّ النجاح يولّد النجاح، والمثابرة على التجربة سوف تقودنا إلى تحقيق درجة من النجاح، وربّما ليس النجاح كاملا.
ويقول العلماء بأنّ التطبيق هو الأساس، وإذا لم نطبّق قواعد المذاكرة ومهارات الذاكرة، فإنّنا لا نستطيع أن نحقّق نتيجة، وأيّ قاعدة نطبّقها بحقيقة وصدق، فإنّنا سنقطف ثمارها في الواقع.
وديننا الإسلامي يأمر أتباعه أن لا يطلبوا العلم من أجل العلم فقط، بل يطلبوه للعمل به، فعلى المسلم أن يطلب العلم ليعمل به، ومن أجل أن يطبّقه.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تعلّموا ما شئتم، فوالله لن تؤجروا حتّى تعملوا بما علمتم»
وفي حديث آخر: «كلّ علم وبال على صاحبه، ما لم يعمل به».
وبالمثابرة على التجربة الدائمة والمتتابعة، وتطبيقها، سوف تخلق لنا المزيد والمزيد من النجاحات، ولكن بشرط واحد وهو أن نفكّر بتفكير إيجابي بأنّنا سننجح بإذن الله - سبحانه وتعالى -، فالتوفيق من عنده يستمدّ.
- {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
[العنكبوت ـ 69] (1/374)
صفحة 375
ولعلّ الدرس الوحيد والتجربة التي تدلّ على ذلك بصفة واقعيّة هو ما قام به عالم الأعصاب الدكتور {آلان جيفر} حيث استخدم جهازا ذات ثماني قنوات لتسجيل موجات المخّ الكهربائيّة لفنّانين أثناء انهماكهم في رسم لوحات ذات مضامين جادّة، وكذلك لأشخاص وهم يرسمون أشكالا عشوائيّة دون قصد، فوجد أنّه لا يوجد أيّ اختلاف في كمّ الجهد العقلي الذي سجّله الجهاز لكلا الفريقين، وهذا ممّا يدلّ دلالة واضحة على أنّه طالما كانت الطاقة المبذولة فيما لا فائدة منه تساوي نفس الطاقة المبذولة فيما فيه فائدة، في عمل رائع بانتباه وتركيز، فمن الأفضل حقّا أن نقوم بتلك الأعمال بطريقة مدروسة وموجّهة ومركّزة، لأنّ ذلك يساعدنا على الحفاظ عليها لمدّة أطول، وبصفة جيّدة، وتكوّن فينا مهارة الانتباه والتركيز، وهذه هي أعظم نتيجة نتحصّل عليها بمرور الزمن، وتعاقب الأوقات.
وكلّ شخص في هذه الحياة يستطيع مهما كانت معاناته من ضعف الذاكرة أن يضاعف قدراته العقليّة، ويجعلها قوّية حسنة، يحفظ بسرعة وبصفة جيّدة، ولكن لا بدّ أن يبذل مجهودا مضاعفا من أجل تحقيق ذلك، باستعمال الطرق الحديثة لتدريب الذاكرة وتنميّتها.
إنّه بانتباهنا وتركيزنا المباشر عند قراءتنا للقرآن الكريم وتصوّر محاوره وموضوعاته التي يعالجها، ويدعو إليها في أساليبه، ويبيّنها للمؤمنين به، وفهم كلماته، وقراءته بانتباه وحضور بال، فإنّنا نستطيع حفظه بصفة أفضل وأسرع، وبذلك تكون المحافظة عليه أحسن وأسهل بالمراجعة المستمرّة التي نزيد فيها من استعمال تلك المهارات التي ترسّخه أكثر وأكثر في الذاكرة. (1/375)
صفحة 376
ولا بدّ أن نشير بأنّه إذا استعملنا تلك المهارات في كلّ مرّة نراجعه فيه، فإنّه يزيد رسوخا مرّة بعد مرّة، وربّما لهذا السرّ أمر ربّنا - عز وجل - بقراءته آناء الليل وأطراف النهار، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كذلك من جهته أمر بمراجعته وتعهّده دائما، في حديثه الذي ذكرناه من قبل، {مثل صاحب الإبل}، وليتصوّر أحدنا كيف تكون زيادة قوّة ذاكرته إذا هو تعهّده بتركيز وانتباه واهتمام.
ولا شكّ أنّ الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - يعلمان جيّدا بأنّ مهارات الحفظ عند هذا المخلوق تزيد وتنمو بكثرة المراجعة والتكرار، لذلك أمرا بمراجعته وتكراره، حتّى يكوّنها فيه فتصبح عادة قد تدرّب عليها في كلام ربّه، ثمّ يستعملها في العلوم الأخرى بمهارة فيتحصّل على النتائج الباهرة فيها.
وأثناء المراجعة الدائمة والمستمرّة للقرآن يجب علينا أن نقوم بتطبيق عمليّة الربط بين كثير من الآيات والقصص المتعدّدة والمتشابهة التي ذكرها ربّنا في كتابه، بداية من سورة البقرة إلى آخر سورة الناس، فيصبح القرآن بأكمله عبارة عن عناصر ومحاور تظهر لنا في شاشة الذاكرة، كما تظهر المعلومات الأخرى المتشابهة على شاشة من الشاشات المختلفة الموجودة في استعمالاتنا اليوميّة.
فمثلا لو أخذنا قصة خلق أبينا آدم عليه السلام، وقد ذكرت لأوّل مرّة في سورة البقرة، ثمّ في سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وسورة طه، وسورة ص.
فنجد ترابطا بين محاور هذه القصّة التي ذكرت في مختلف السور، وقد ذكرها بعض العلماء المهتمّين بموضوع القصص في القرآن الكريم، وهي:
1 ــ ذكر خلق آدم من طين.
2ــ أمر ربّنا - عز وجل - الملائكة بالسجود له.
3ــ تبيين عداوة إبليس لأبينا آدم - عليه السلام - وزوجته، وعدم سجوده له.
4ــ وسائل الراحة التي هيّأها الله - عز وجل - لهما في الجنّة.
5ــ محاولة إخراجهما من الجنّة وشقاؤهما إذا وقع ذلك. (1/376)
صفحة 377
6 ــ المدخل الذي يستطيع إبليس أن يدخل منه لآدم كي يخرجه من الجنّة.
7ــ طلب إبليس ربّه أن ينظره إلى يوم يبعثون، واستجابة طلبه.
8ــ تعهّده أمام ربّه بأنّه سيغويهم أجمعين، إلاّ عباده منهم المخلصين.
فعلى دارس القرآن ومريد حفظه بكلّ إتقان أن ينتبه جيّدا لمثل هذه الروابط المشتركة بين القصص القرآنية، أو المواضيع الأخرى، ويركّز عليها، حتّى يكوّن في نفسه هذه المهارات المختلفة التي وضعها ربّه - عز وجل - فيه، وينمّيها بكلّ قوّة وإرادة.
طبعا هذا لا يكون إلاّ بعد مدّة من الزمن، يداوم فيها على استعمال مثل هذه المهارات، كما عبّر أحد المشائخ، ابتلاه الله - عز وجل - بفقدان بصره، ولكن بإرادته الفولاذيّة استطاع أن يحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، فأصبح في مرحلة من مراحل عمره يقرؤه ويتلوه من أوّله إلى آخره بكلّ ثقة في أيّ مكان يكون فيه، في البيت، أو في الشارع، أو وهو مسافر إلاّ المكان الذي لا يجوز تلاوته فيه. قال:
«أصبحت أرى القرآن والحمد لله أمامي بأكمله، كأنّه على لوحة سبّورة، أو شاشة تلفزيون، كأنّي أرى بأمّ عيني كلّ كلماته وآياته ظاهرة، وطبعا كان ذلك نتيجة لكثرة تكراره بانتباه وتركيز ذهنه أثناء مروره بمثل هذه الآيات المتشابهة، وربط بعضها ببعض، وكذلك قصصه وسوره جميعا».
الدكتور جاري سمول، وعمليّة الربط
في كتابه الوصفة الطبّية للذاكرة أكّد الدكتور {جاري سمول} على تعلّم مهارة الربط وقد اعتبرها من الأسباب الأساسيّة والقويّة لتقويّة الحفظ والمحافظة على المادّة التي نحفظها في ذاكرتنا إلى أقصى مدّة ممكنة.
وفي صفحة 175 كتب يقول:
«اربط: اربط اللقطات الذهنيّة ببعضها البعض». وقال:
«إنّ تطوير تقنيّات الربط بين اللقطات الذهنيّة هو أحد العناصر الأساسيّة في كلّ تقنيّات الذاكرة، إنّ تقنيّة ــ اربط ــ هي وسيلة الجمع بين اثنين من اللقطات الذهنيّة بحيث يسهل تذكّرها فيما بعد». (1/377)
صفحة 378
وكما أنّه توجد طرق عديدة للتعلّم والتذكّر، فهناك أيضا طرق عديدة للربط بين اللقطات، فبعض الأشخاص يميلون إلى كلّ ما هو مرئي، بينما يميل فريق آخر إلى كلّ ما هو سمعي، وفريق ثالث ينزع إلى اختلاق قصص ووقائع خياليّة للربط بين الصور.
والحمد لله أنّ الله - عز وجل - قد أنزل كتابه، وضمّنه مثل هذه القصص التي نستطيع استعمالها لتطوير مهارة الربط فيما بينها بكلّ بساطة وإتقان، لأنّه يعلم وهو خالق هذا الإنسان أنّه قد خلق فيه هذه المهارة، وهو يستعملها بفطرته.
استعمال الربط لحفظ أوائل بعض السور
فمثلا عندما نستعمل عمليّة الربط لحفظ أوائل السور التي تبتدئ بكلمة واحدة، فإنّنا نوفّر لأنفسنا مجهودا، ونبدّد الخوف الذي يعترينا في كلّ مرّة نريد أن نقرأ تلك السور، مثل: سورة يونس ـ هود ـ يوسف ـ إبراهيم ـ والحجر وبينها سورة الرعد التي يزاد الميم في وسط الكلمة التي تبتدئ بها السور الأخرى.
فكلّ تلك السور تقع في الربع الثاني، هذا هو الرباط الأوّل، والربط الثاني هو أنّ تلك السور مشتملة على كلمة تلك آيات الكتاب، أو كلمة كتاب نكرة.
وإذا انتقلنا إلى الربع الثالث فإنّنا نجد فيها كذلك سور تبتدئ بطسم، أو طس، فسورة الشعراء يقول فيها الله - عز وجل -:
- {طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} ... [الشعراء ـ 1]
- ... {طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} ... [القصص ـ 1]
- ... {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل ـ 1]
وهكذا يستطيع كلّ من يريد حفظ كتاب بطريقة منظّمة، وسريعة مع إتقان وثبات أن يستعمل طريقة الربط في مثل هذه الحالات فيه.
ومثل ذلك نستطيع أن نقوله في الحوّاميم في الربع الأخير.
وكما نجد في فواتح السور الستّة التي تبتدئ بآلم. (1/378)
صفحة 379
وكلّ هذا يبيّن لنا أنّه مهما تتنوّع وتتعدّد آيات الله الكونيّة، أو آياته القرآنيّة، فالله - عز وجل - وحده له الخلق والأمر، وأنّه قد ربط حروف كلّ بداية من فواتح السور، بتلك السورة ذاتها، لنعلم أنّ الحقيقة قريبة من أفهامنا وأجسامنا دائما، ولكن الله - عز وجل - هو وحده الموفّق إلى سواء السبيل في معرفتنا إياها.
وقد تحدّث كثير من علماء التفسير في معاني تلك الحروف التي تبتدئ بها مثل هذه السور، ولكنّ العلم اليقين عند الله - عز وجل - وحده.
وقد أخبرتني مصحّحة الكتاب أنّ العلماء قد جمعوها في عبارة:
«نصّ حكيم، له سرّ قاطع «وهذا ما يدلّ على إعجاز كلام الله - سبحانه وتعالى -.
أمّا الجانب الآخر الذي يستطيع به طلاّب القرآن تطبيقه بواسطة قاعدة الربط، ليسهل عليهم الحفظ والاستيعاب والتذكّر الجيّد والسريع، فهو جانب القصص التي ذكرها ربّنا - عز وجل - في كتابه الكريم.
وقد ذكر العلماء تفصيل ذلك في مراجعه فعلى من يريد الاطّلاع عليه أن يرجع إلى كتب التفسير، ليضع لنفسه منهجا واضحا يرسّخ به حفظه.
وقد وضع بعض الباحثين مباحث في هذا الموضوع، مبيّنين ما في السور القرآنية من قصص، وذلك بذكر كلّ سورة حسب ترتيبها في المصحف، وحسب نزولها، وما ذكر فيها من قصص مكرّرة، والتي ذكرت فيها قصّة واحدة فقط.
تطبيق الربط عن طريق استعمال أحلام اليقظة
يقول الدكتور {توني بوزان}:
إنّ أحلام اليقظة تعتبر طريقة جيّدة وحسنة يحمي بها المخّ نفسه ضدّ الاستخدام والاستهلاك الزائد عن اللزوم، فالإنسان الذي يستعمل عقله هو في حاجّة ماسّة إلى أحلام اليقظة، فغالبا عندما نفقد التركيز، فإنّ عقلنا هو الذي يقول لنا أنّه قد حان الآن الوقت لكي نأخذ فترة راحة.
ولكن والحمد لله ففي كلام ربّنا القرآن الكريم قصص كثيرة وكثيرة يمكن أن نعتبرها كمحطّات لبناء حياة خياليّة، تكون كأحلام يقظة لاستراحة المخّ من جهده الذي يقوم به لحفظ كلام الله - عز وجل -. (1/379)
صفحة 380
فعلى كلّ شخص أن يثق بأنّ عقله أقوى من الحاسوب الآلي، فهو يتعلّم فورا أيّ برنامج نغذّيه به، ولكن بشرط تدريبه وتمرينه على ذلك بمختلف الوسائل والمهارات التي تجعله يصل إلى الدرجة الراقيّة، ويصبح ماهرا قويّا.
ومع ذلك فعلماء الحاسبات الآلية يؤكّدون أنّ الشوط ما زال بعيدا جدّا حتّى يتمكّنوا من اختراع كمبيوتر يكافئ في قدراته قدرات العقل البشري.
وهذا من المستحيلات التي لا يمكن أن يصل إليها الإنسان، مهما تقدّم في علمه واختراعه، لأنّه من المستحيل أن يصل الإنسان إلى اختراع جهاز مثل الجهاز الذي خلقه ربّ العالمين.
الفصل الثالث عشر
الأسلوب القصصي في القرآن
أهميّة القصّة القرآنيّة
لقد شغلت القصّة القرآنيّة مساحة واسعة من كتاب الله - عز وجل -، لم يشغله أيّ موضوع آخر، فالقصص القرآني قد شغل أكثر من ربع القرآن، لأنّ القصّة القرآنيّة لم تأت لتقرّر هدفا واحدا، بل كانت لها غايات كثيرة، وأهداف متعدّدة، فقد ذكر العلماء بعض أهدافها على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر، منها:
ــ تربيّة هذا الإنسان تربيّة تضمن له حياة خيّرة طيّبة متوازنة.
ــ تعميق العقيدة في النفوس، وتبصير العقول، لتبحث عن الحقيقة كي تصل إليها بكلّ موضوعيّة وثبات، لتقتنع بها، وتسلك سبيلها، وتحيا بها القلوب.
ــ التركيز على مقام الألوهيّة، ووحدانيّة الله ربّ العالمين، وحكمته، وعدله، وقدرته، وحبّه، ومودّته لعباده.
ــ وفي مجال الرسالة والدعوة ركّزت القصّة القرآنيّة على الصفات الخيّرة للأنبياء، ودعوتهم لأقوامهم بالتي هي أحسن، وتحمّلهم لمختلف الإيذاء من أشرار قومهم، حتّى يتّخذهم المؤمنون قدوة وأسوة حسنة.
وفي حديثها عن كلّ ذلك تسوق الدليل القاطع، والبرهان الساطع، وتسلك لذلك كلّه الترغيب تارة، والترهيب مرّة أخرى.
ــ السموّ بهذا الإنسان والصعود به إلى درجة التفضيل والكرامة، حتّى يمتاز عن الحيوان الذي يشترك معه في بعض الصفات. (1/380)
صفحة 381
ــ الرفع من قيمة الحياة الاجتماعيّة وشأن المجتمع الطاهر، حتّى يعمل كلّ عنصر فيه على المحافظة على طهارته ونقاوته، فيصبح مجتمعا آمنا راقيّا.
ــ ولم تقتصر هذه القصص على العناية بالناحيّة الروحيّة المعنويّة فحسب، بل ركّزت كذلك بصفة كبيرة على الناحيّة الماديّة وأسباب القوّة والتقدّم والرقيّ، ليبيّن لعناصر المجتمع المسلم الطريق إلى ذلك.
ــ التركيز على أنّ التديّن الحقّ لا ينفصل عن الحياة العمليّة، ولا يستقلّ عن الواقع المعاش، وإنّما يرتبط ارتباطا وثيقا بكلّ ما هو أساسي في الحياة.
ــ كما بيّنت أسباب السعادة الروحيّة، حتّى تتمّ السعادة للمؤمنين الصادقين الذين يعتبرون بمثل هذه القصص، العاملين بتوجيهاتها وإرشاداتها.
ــ وقد ذكرت كثيرا من الحقائق العلميّة المتعلّقة بالكون، والإنسان، والتي تزيدها الأيّام وضوحا وظهورا.
وتعتبر القصّة الشعلة التي تضيء لهذا الإنسان طريقة تفكيره في هذه الحياة واستعمال طاقته العقليّة، وستبقى النفحة الربّانيّة التي تشرق بها النفوس، وتعمر بها القلوب.
الإستماع إلى القصص وكثرة قراءتها
إنّ علماء الذاكرة يأمرون الراغبين في تقويّة ذاكرتهم أن يقرؤوا ويستمعوا إلى القصص بكثرة قدر الإمكان، ويعتبرون ذلك أرضيّة تدريب عظيمة وجيّدة للخيال الإبداعي.
ومن هنا نتساءل، في أنّه هل هناك كتاب فيه قصص أكثر من القرآن، قصص متعدّدة وكثيرة ومتنوّعة، ثمّ أليس ِذكرُ ووصفُ مناظر الجنّة تعتبر خيالا، تنشّط العقل بما يذكره الله - عز وجل - من مختلف المناظر والصور التي يتمنّاها كلّ إنسان عاقل، فالقارئ الذي يقرأ تلك الآيات بكلّ تمعّن وتدبّر وتركيز، وكذلك المستمع إليها يصل إلى تصوّر مناظر منقطعة النظير وبذلك يستعمل إبداعه الخيالي استعمالا كبيرا وعميقا. (1/381)
صفحة 382
فما علينا إلاّ أن نقرأ معا سورة من سور المفصّل التي ذكر الله - عز وجل - فيها مناظر خياليّة لا يراها الإنسان أبدا في هذه الحياة ولا توجد إلاّ في الجنّة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
اقرأ معي وتمعّن جيّدا ما ذكر الله - عز وجل - مثلا في سورة الإنسان من مناظر خياليّة تسلب النفس وتشغل القلب وتجعله يعيش في نوع من الأماني للوصول إلى ذلك، يقول الله - عز وجل - فيها:
- {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} ... [الإنسان ــ 11ـ 22]
وكذلك مثلا سورة الرحمان والواقعة والغاشيّة وغيرها كثير من السور التي تذكر مثل هذه المناظر، التي تشوّق النفس إليها. (1/382)
صفحة 383
وقد أشارت الأبحاث المختلفة إلى أنّ إستماع إلى الكلام في مثل هذه المواضيع الخياليّة يعتبر أكثر تحفيزا من النظر إليها بالعين، ولحكمة بالغة يعلمها خالق هذا الإنسان الذي يعلم حقيقة ما يصلح له في كلّ أجزائه، أنزل القرآن الكريم على هذا الأسلوب.
فمثلا الاستماع إلى المذياع بمختلف برامجه أحسن للذاكرة وأفضل من النظر إلى التلفزيون التي تبثّ إلينا الصوت والصورة معا، لأن المدياع يترك لنا مجالا لتخيّل وإبداع المناظر التي يتحدّث عنها بينما التلفزيون يقدّم إلينا الصور مع الحديث، فكأنّه يقدّم لنا أكلة مهيّأة نوعا ما.
فالمستمع مثلا إلى مسرحيّة أو قصّة عبر المدياع، يكون عقله هو الذي يبتكر المشاهد الضخمة والخياليّة المختلفة الأشكال والألوان، ويتصوّر في عقله هيئة الأشخاص بخيال واسع وكذلك الأحداث المتنوّعة، ونفس العمل يقوم به عند قراءة القصص، وهذا يعتبر تمرينا جيّدا لخلايا مخّه التي تجد مجالا واسعا ومتنوّعا للإبداع والتنوّع، بينما التلفزيون يحدّد لنا مجالا محدودا للصورة الجاهزة التي نراها فقط، وهذا ممّا يحدّ خيالنا عن الإبداع وتكوين الصور، ونتيجة لذلك لا نوفّر لخلايانا الدماغيّة فرصة، أو فرص للتدريب والتقويّة.
من هذه النتائج المتعدّدة التي توصّل إليها العلماء بعد بحوث مضنيّة، ألا نستطيع أن نقارن بينها وبين قراءة القرآن والاستماع إليه، ــ ولكن بشرط أن يكون بتدبّر وتفكّر في كلّ ما نقرأه ــ حيث يتيح لنا الفرصة لتخيّل تلك المناظر التي يذكرها والأماكن التي يشير إليها والأقوام الذين يصفهم، فيكوّن فينا الشخصيّة المبدعة التي تكوّن لنفسها قوى عقليّة جيّدة إذا هي داومت على تلاوة كتاب ربّها بكلّ إخلاص وتفكير جيّد ومركّز. (1/383)
صفحة 384
وإذا تطرّقنا إلى الأطفال هذه الشريحة الصغيرة من المجتمع والتي هي مستقبل الأمّة، فقد أجرى العلماء كثيرا من التجارب فيما يخصّ تقويّة الذاكرة لديهم، وذلك برسم خرائط لأمخاخهم، فعلّموهم كيفيّة الاستماع الجيّد والمركّز إلى القصص الخياليّة، والتركيز الكبير على المشاهد المختلفة لتلك القصص فتوصّلوا إلى نتائج مذهلة في تقويّة ذاكرتهم.
لقد وجدوا أنّ الاستماع بتركيز مع تصوّرهم مشاهد ومناظر يصوّرونها لهم في تعبيرهم، والتي لم يكونوا يتصوّرونها من قبل، يؤتّر في خلايا أدمغتهم تأثيرا بليغا، ويجعل أعصابهم تتّصل فيما بينها بقوّة وبسرعة عجيبة، وكلّ هذه العمليّات تعتبر من الأسباب التي تزيد في قدرة الذاكرة على الحفظ الجيّد والاستيعاب بسرعة أكبر.
لقد قرّر هؤلاء العلماء أنّ هذا النوع من الاستماع والإنصات يكوّن لدى أصحابه ملكة كبيرة في تنميّة الذاكرة، وهي كذلك وسيلة رائعة وفعّالة لتدريب الخيال الإبداعي لدى الأشخاص، والوصول إلى مستويات راقيّة وعاليّة في هذا المجال.
وهذه التجربة تأيّد وتؤكّد قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين يوجّه أولياء الأمور إلى تعليم الأولاد الصغار القرآن الكريم، وذلك لما يعلم فيه من تكوين العبقريّة والذكاء لدى الأجيال، وما يكوّن فيهم كذلك من إبداع خلاّق وخارق، فيصبحوا أفرادا أسوياء في المجتمع، سواء من الجهة النفسيّة أو العقليّة.
فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «علّموا أولادكم القرآن فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو».
حقّا إنّه أوّل ما ينبغي أن يعلّمه الأولياء للجيل الصاعد، فعقله ما زال بكرا لم يخزّن فيه شيء من المعلومات، فيوقظ خلايا مخّهم، فتتدرّب على تلقّي مختلف العلوم، وهو من جهة أخرى شفاء لهم من كثير من الأزمات التي يكونون قد تعرّضوا لها في صغرهم، وما أكثرها في هذا العصر. (1/384)
صفحة 385
ومن جهة ثالثة فهو هداية لهم إلى الطريق الصواب، خاصّة إذا كان المعلّم يفسّر لهم بعض القصص المذكورة فيه بكلّ بساطة، وعلى قدر ما تفهمه عقولهم، فتتدرّب ذاكرتهم على العمل المتواصل دون كلل أو تعب، ويتكوّن فيهم بواسطة ذلك الإبداع الخيالي والجيّد.
وعلينا كذلك أن نقارن هذا الحديث الذي قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما توصّل إليه العلماء بعد بحوثهم الطويلة والمتعدّدة.
التعبير القصصي يثير الرغبات النفسيّة للفهم
والتعبير القصصي الذي أنزله ربّنا - عز وجل - في كتابه الكريم يثير الدوافع والرغبات النفسيّة في الفهم، ومعرفة النتيجة والخاتمة، وهذه الرغبات هي غرائز جعلها الله - عز وجل - في هذا الإنسان، ومن أجل أنّ تلك الرغبات والدوافع لا تبقى على درجة قويّة دائما، بل تضعف في بعض الأوقات، لذلك كرّر الله - عز وجل - كثيرا من التعابير في القرآن، حتّى تتعايش النفس الإنسانيّة في كلّ مرّة مع كلام ربّها بكلّ قوّة، لأنّها في كلّ مرّة تقرأ القصّة بحالة نفسيّة غير الحالة الأولى التي قرأت بها نفس القصّة التي قرأتها من قبل.
وكلمّا أعاد القارئ قراءة نفس القصّة ازدادت قدرته على حصر ذهنه، لأنّها تقوّي فيه الرغبة في معرفة العناصر الجديدة التي زيدت فيها بالنسبة للتي قبلها، والتعبير الذي تغيّر في كلّ مرّة، فيقارن بينها، ولا يكون ذلك إلاّ إذا انتبه جيّدا، واهتمّ اهتماما كبيرا، بمختلف جوانب القصّة الواردة.
وربّما النقطة تحتاج إلى مزيد من البحث والاهتمام، لأنّ الله - عز وجل - لم ينزّل شيئا دون هدف أو فائدة لهذا المخلوق الضعيف، وكلّ فنّ من فنون القرآن الكريم إلاّ وقد أنزله الله - عز وجل - لتطوير شخصيّته، وتنميّة قواه المتنوّعة، ولصقل مواهبه، كي يحيا حياة طيّبة عزيزة وسعيدة بكلام ربّه - عز وجل -. (1/385)
صفحة 386
والتجارب المتعدّدة التي أجراها العلماء أثبتت أنّ كلّ إنسان يمتلك نطاقا كاملا من القدرات الذهنيّة، ولو استغلّها لتطوّر أسلوبه وتعبيره بطريقة حسنة عاليّة، والقرآن الكريم يضمن للمحافظ عليه تطوير وتنميّة تلك القدرات بما يشتمل عليه من مختلف المواضيع التي تستطيع أن تنشّط شقّي المخّ في آن واحد، وذلك هو سرّ انفتاح القدرات التفكيريّة.
ولكن ويا للأسف سبب سوء التعليم، وعدم إتقان تدريس القرآن الكريم هو الذي ترك كثيرا من قارئيه لا تتطوّر لديهم تلك القدرات، وأنّ معظم الناس يميلون إلى الاعتقاد خطأ بأنّهم ماهرون بالفطرة في عدد قليل من تلك المهارات، وأنّهم غير ماهرون في النواحي الأخرى.
وللقصّة تأثير عظيم في الخلايا المخّية لكلّ مفكّر لا ينكره أيّ عاقل مارس مهنة التربيّة والتعليم، فهم ينتبهون إليها مختارين ومتشوّقين انتباها نادر المثال، ويركّزون في سماعهم إليها تركيزا بالغا، وهي وسيلة هامّة لتقويّة الخيال الذي ينمّي العقل ويجعله يبدع، كما أنّها تدخل السرور والنشاط على نفوسهم، وتهذّبهم وتعلّمهم، وتغرس بذور الشجاعة فيهم والاعتماد على النفس، وكلّ هذه القيم هي سبب لتكوين الثقة في نفوسهم، وتجعلهم على صلة وثيقة بمربّيهم، وتشوّقهم إلى القراءة والمطالعة.
وإنّ الاستماع إلى القصّة هو ميل نفسي قد أودعه الله - عز وجل - في النفس البشريّة، لذلك نجده لا يقتصر على الصغار فقط، بل إنّ الكبار أنفسهم يستهويهم هذا الأسلوب، لأنّه يثير عواطفهم، ويخفّف عنهم ضغوط الحياة. (1/386)
صفحة 387
كما أنّ للقصّة فوائدها من الناحية الأخلاقيّة، فهي تحثّ على الفضائل والقيام بالأعمال العامّة النافعة، وهي تبعث الهمّة في النفس، خاصّة إذا كانت تروي حوادث البطولة والناجحين والمتفوّقين، وأحسن القصص ما جاء في الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب، كالتحدّث عن النجاح في وقت حلول الامتحان، وعن الشجاعة حين ظهور الجبن، ويرشد المربّون أنّه يجب التحدّث عن الفضائل أكثر من الرذائل خوفا من أن يقلّد الولد أصحابها دون أن يشعر المربّي بذلك، وأن لا يتحدّثوا عن رذيلة من الرذائل إلاّ حين ظهورها.
يقول حسن البناء:
«أنا لا أدري لماذا أهمل التأليف الروائي؟، وكان يمكن أن يكون سببا في إنشاء أجيال واعيّة ذكيّة عبقريّة ومبدعة».
القصص المكرّرة تكوّن مسارات عصبيّة جديدة
وهكذا نجد القرآن الكريم، وخاصّة قصصه مليئة بالعلاقات المتعدّدة فيما بينها، والتي تكوّن لقارئه خيالا خصبا، وأفكارا كثيرة عالية الأسلوب غزيرة المعاني، تنتقل من فكرة إلى أخرى ومن إبداع إلى آخر جديد، وكلّما يقرأ القارئ نفس القصة التي قرأها من قبل، مع زيادة في تعبيرها ومعانيها، تفتح له خيالا جديدا، وتكوّن له مسارا آخر في الأعصاب المخّية التي تربط بين الخلايا، وهذا المسار لم يكن موجودا من قبل، فتنشّط قواه العقليّة وتقوّيها.
وكلّما تعدّدت تلك القصص وتنوّعت أساليبها، كلّما ازداد تكوين المسارات الجديدة داخل المخّ، وزاد انتباه القارئ وتركيزه لاستخراج نقاط الاختلاف بين قصّة وأخرى، وبذلك يدرّب ذاكرته على التركيز وعلى قوّة الملاحظة.
يقول الدكتور {جاري سمول} في كتابه الوصفة الطبيّة للذاكرة:
«راقب بدقّة ما ترغب في تعلّمه»
إنّ السبب الرئيسي لعدم تذكّرنا لما تعلّمناه هو عدم انتباهنا إليه عند قراءتنا له. (1/387)
صفحة 388
وربّما نستطيع أن نقول بأنّ الله - سبحانه وتعالى - يريد أن يجلب انتباهنا إلى ما نقرأه من تلك القصص، أو الآيات المتشابهة، وفي كلّ مرّة نلاحظ ما تغيّر فيها، أو ما زاد، أو ما نقص، وبذلك يجلب تركيزنا وملاحظتنا، إلى ما نقرأه، وعند ذلك تتكوّن تلك المسارات الذهنيّة الجديدة، فتقوى خلايا المخّ، ممّا يقوّي فيها التفكير.
وربّما أنّ القصص القرآني قد جاء على هذا الأسلوب كي يكوّن في قارئه مهارة الربط التي بواسطتها يحفظ الآيات، وكذلك مهارة الاستذكار التي هي من المهارات المهمّة في مجال الذاكرة.
إنّ علماء الذاكرة قد شبّهوا العقل بقطعة إسفنج، لأنّه يمتصّ أكبر قدر من التفاصيل، وهذه التفاصيل هي التي تنمّي مهارات الذاكرة.
وهنا أتساءل هل يجوز لي أن أشبّه تلك الزيادة والاختلافات بين القصص والآيات المتشابهة والمتكرّرة في القرآن الكريم بعلامات مروريّة لتوضيح الطريق الذي نسلكه في حفظ كتاب الله - عز وجل -؟ أم لا يجوز لي هذا التشبيه.
وقارئ القرآن باهتمام وانتباه يتذكّر على الأرجح في كلّ مرّة يعيد فيها قراءته المواضع التي زيدت فيها كلمة، أو نقصت، أو بدّلت بكلمة أخرى، وكلّ ذلك ممّا يجعل الأعصاب الدماغيّة منتبهة إلى ما تقرأه وإلى ما تريد حفظه، وهذه الملاحظة المركّزة، وهذا التركيز الكبير يجعل الخلايا تستوعب بسرعة وبقوّة ما تريد النفس حفظه واستيعابه.
وهذه اللقطات المتعدّدة في الآيات والقصص القرآنيّة تمنح للقارئ الذي يركّز انتباهه إلى ما يقرأه، صورا متشابهة ممّا يسهل عليه تعلّم كلام ربّه، وتذكّر مختلف آياته وسوره في وقت لاحق، لأنّه كلّما كانت تلك الصور جديدة سهل رسوخها داخل العقل، وهذا ممّا يضاعف من قدرته على التخزين والتذكّر.
الخاتمة
الله سبحانه وتعالى هو الحقّ، وكلامه هو الحقّ، ووعده هو الحقّ، ووعيده الحقّ، وأفعاله حقّ. (1/388)
صفحة 389
الحقيقة أنّ الله هو الحقّ، وإذا توجهنا إلى غيره فلن نجد إلاّ تجارب ربّما قد تكون ناجحة، أو لا تكون، وكلمات طنانة، ولكنّنا إذا توجّهنا إلى الله - عز وجل - وجدنا كلّ شيء، فأوّل معنى من معاني الحقّ الشيء الموجود، وأوّل معنى من معاني الباطل الشيء المعدوم.
فالقرآن كتاب كريم، كلّه منافع، كلّه فوائد، كلّه حقائق، كلّه توجيهات صائبة، كلّه خيرات، كلّه بركات، إذن معنى القرآن الكريم صار واضحاً: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}، القرآن الكريم ليس فيه باطل ولا غلط، ليس فيه خلل ولا تناقض، وليس فيه مخالفة للواقع، ولا ضعف في أسلوبه، ولا غثاثة في تعبيره، ليس فيه معالجة سريعة، ولا معالجة متناقضة، قرآن كريم، خلا من كل شائبة، فهو الذي يجمع كلّ معاني الكرم ومعاني الكمال، قرآن كريم أي: خلا من كلّ عيب.
وإذا كان كلام ربّنا حقّا ولا ريب فيه، ولا تنقضي عجائبه، وله قدرة لا نهائيّة على التأثير في عقولنا وتحفيزها وتنميّة قدراتها، وإذا كانت عقولنا لها قدرات لا نهائيّة على التفكير والتطوّر والتحسّن والنجاح طوال أيّام العمر، وإذا كانت عقولنا لا تقبل إلاّ الحقّ، ولا تتعامل إلاّ مع الحقّ، إذن فلا نستطيع أن نجد محفّزا حقيقيّا وقويّا نحفّز به خلايا وأعصاب مخّنا نحن المسلمون، لتؤدّي عملها كأحسن ما يكون مثل القرآن الكريم.
إنّ تدريبنا لعقولنا بتلاوة وتدبّر كلام ربّنا - عز وجل - سوف يجعلنا نملك عقولا من الطراز الأوّل، لأنّه أحسن كتاب، وأفضل تدريب يمكن أن يعلّمنا كيف نقود عقولنا قيادة الأبطال.
فهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وذلك بصريح تعبير ربّنا - عز وجل - الذي خلق هذا المخلوق، ويعلم ما يصلح لكامل قواهم الجسميّة والروحيّة والعقليّة.
- {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} ... [الإسراء ـ 9] (1/389)
صفحة 390
فإذا أراد المسلمون أن يغيّروا من أنماط تفكيرهم للتي هي أحسن وأفضل، فما عليهم إلاّ يهتمّوا بكلام ربّهم - سبحانه وتعالى -، ويهتمّوا به كأحسن ما يكون.
إنّ تأثير كلام ربّنا في الخلايا والأعصاب المخيّة يوصل إلى نتائج بالغة الأهميّة، وإلى تحفيزات لا نهائيّة، إنّه يبني لنا عقولا ذاتية الإبداع، وهو الذي يجعل أفكار عقولنا تتكاثر وتتكوّن بشكل لا محدود، ويخلق فيها المزيد والمزيد من مجّرات وأكوان التفكير، وهذا ممّا يجعل الروابط المادّية داخل العقل تزداد بالفعل, وسوف تجعل هذا العقل أكثر رقيّا وتقدّما وقوّة ونجاحا.
ولعلّ سرّ أمر ربّنا لنا بتلاوة كلامه آناء الليل وأطراف النهار هو أنّه قد خلق هذه الذاكرة على طريقة أنّها كلّما عملت أكثر وبشكل مناسب، وبطريقة جيّدة، سهلت عليها مهمّة الحفظ أكثر وتحسّن مستوى أدائها بصفة أفضل وأحسن.
إنّ تلاوة القرآن في مختلف مراحل العمر ينفي المعتقدات الشائعة بأنّ التفكير والإبداع يخمد مع التقدّم في السنّ، وأنّ المهارات الذهنيّة يصيبها بالضرورة بالتدهوّر والانتكاس، وهذا ما بيّنه الواقع الذي يعيش فيه كثير من المعمّرين في المجتمع الإسلامي، لأنّهم داوموا وتعلّقوا بكلام ربّهم تقديرا وإعزازا وتلاوة ومحاولة فهم، فحفظ لهم مختلف قواهم، وفي مقدّمتها القوى العقليّة التفكيريّة.
إنّ الأخبار التي توصّل إليها علماء الذاكرة في كثير من بحوثهم وتجاربهم في الأعوام الأخيرة سارّة ومفرحة جدّا، وهي أنّه كلّما داوم الشخص وحافظ على استعمال خلايا ذهنه بالغذاء الذهني الجيّد، ازدادت قوّتها واستيعابها، وبقيت على ذلك النشاط والحيويّة إلى آخر مراحل العمر، ونقصت الاحتمالات بالإصابة بمرض ألزهايمر. (1/390)
صفحة 391
ونتيجة لكلّ ذلك فعلينا أن نبشّر المؤمنين الذين يداومون ويحافظون على تلاوة كلام ربّهم، أنّ ربّهم سيحفظ لهم قواهم العقليّة التفكيريّة، ويحفظ لهم عقولهم وهي في أرقى أدائها وأفضل مستواها وهم في آخر سنوات عمرهم، إذن فما عليهم إلاّ أن يهتمّوا به إلى أقصى درجة.
إنّ كلام ربّنا - عز وجل - هو عبارة عن معلومات صادقة حقيقيّة والعقل لا يقبل إلاّ ما كان حقّا وصدقا، أمّا إذا أدخلنا إليه معلومات خاطئة، فإنّ ذلك سيؤدّي به إلى نتائج خاطئة، ولعلّ هذا هو سبب ضلال كثير من الناس في هذا العصر عن الطريق المستقيم.
هل نستطيع أن نصدّق اكتشاف العلماء الذين قاموا ببحوث متواصلة عن عمل العقل وقوّته وضعفه، وهو أنّ العقل نفسه يدمّر نفسه بنفسه، وذلك عندما نلوّثه بصيغة خاطئة، ونجعله يصدّقها على مرور الزمان، ويعمل وفق تلك الصيغة الخاطئة، ويطبّقها.
ولا أظنّ أنّ هناك صيغة تدمّر العقل أكثر من اعتقاد الشخص بأنّ عقله لا يمكن أن ينمو، أو أن يتطوّر، ويصبح عبقريّا، لأنّه بذلك يبقى في أسفل درجات التفكير، ولا يحاول أن يسير في طريق الإبداع والابتكار.
وكلام ربّنا بما يحتويه من قوّة روحيّة ذاتيّة، يستطيع أن يبعد مثل هذه الصيغ الخاطئة عن المحافظ على تلاوته، ومتدبّره آناء الليل وأطراف النهار.
يقول بعض العلماء الروحانيّين:
«إنّنا لسنا بشرا أصحاب تجربة روحيّة، ولكنّنا أرواح ذات تجربة إنسانيّة»
فالروح هو الجوهر، والجسد هو الشكل الذي يتّخذه هذا الجوهر مأوى له.
وأنا أقول: إنّ الذاكرة هي تجربة روحيّة أكثر منها جسميّة مادّية، والقرآن هو قوّة روحيّة، فلذلك ليس هناك في هذا الكون غذاء يقوّي هذه القوّة الروحيّة أفضل من كلام الله - سبحانه وتعالى - الروحي القويّ. (1/391)
صفحة 392
إنّ تلك القوّة الروحيّة التي يحملها كتاب ربّنا - عز وجل - هي التي يمكن أن نطوّر وننمّي بها قوّة التلقّي لخلايا مخّنا، لأنّها هي القوّة الحقيقيّة التي يمكن لها أن توقظها وتزيد من قوّة عملها.
- {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} ... [غافر ـ 15]
إنّه يجعل قدراتنا الداخليّة على التلقّي تتّسع وتتفاعل مع كلّ ما يلقى إليها من المعلومات الأخرى الكثيرة والمختلفة، لأنّه يرشدنا ويهدينا إلى إيجاد الحلول لكلّ ما يعترض طريقنا من صعوبات في هذه الحياة، ويهب لنا التأثير النشط للتأمّل في العقل، وذلك بإرشادنا إلى التعمّق داخل أنفسنا, بما يملؤها من الحالة الهادئة التي يستلزمها البحث عن الحلول الإيجابيّة واللازمة لمختلف المشاكل التي تعترضنا، لأنّه يهب لنا الرؤية الواضحة للطريق الذي يجب أن نسلكه ونسير عليه لنصل إلى برّ الأمان والنجاح والتفوّق.
بالحواسّ ندرك، وبالفكر ندرك، وبالقلب نعقل.
وتلك الحواسّ، وذلك الفكر، وذلك القلب كلّها تعتبر قوّة إدراكيّة.
{المصادر والمراجع}
القرآن الكريم
التفاسير
في رحاب القرآن ... للشيخ إبراهيم بيّوض
التفسير الكبير ... للإمام الفخر الرازي
الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله بن محمّد القرطبي
التحرير والتنوير ... محمّد الطاهر بن عاشور
في ظلال القرآن ... سيّد قطب
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن محمّد فؤاد عبد الباقي
معجزة القرآن ... محمّد متولّي الشعراوي
الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة يوسف الحاج أحمد
الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة محمّد راتب النابلسي
موسوعة أسماء الله الحسنى محمّد راتب النابلسي
شرح أسماء الله الحسنى ابن القيّم الجوزيّة
نضرة النعيم ... مجموعة من المختصّين
صحيح البخاري
الجامع الصحيح ... الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري
من وصايا الرسول ... طه عبد الله العفيفي
جامع العلوم والحكم عبد الرحمان بن شهاب الدين
شرح الحكم العطائيّة محمّد سعيد رمضان البوطي (1/392)
صفحة 393
مختارات من خطب الجمعة محمّد سعيد رمضان البوطي
المستخلص في تزكيّة الأنفس سعيد حوّى
الطوفان قادم ... مجدي الهلالي
المحاور الخمسة للقرآن الكريم محمّد الغزالي
كيف نتعامل مع القرآن محمّد الغزالي
القرآن القول الفصل محمّد العفيفي
إنّه القرآن سرّ نهضتنا مجدي الهلالي
العودة إلى القرآن الكريم مجدي الهلالي
كيف تحفظ القرآن الكريم مصطفى مراد
كيف نحفّظ أبناءنا القرآن الكريم عمر قاسم العساكر
كيف نحيا بالقرآن الكريم عماد عليّ عبد السميع
ورتّل القرآن ترتيلا أنس أحمد كزرون
أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي ناهد عبد العال الخرّاشي
القصص القرآني ... فضل حسن عبّاس
أسرار الذاكرة في حفظ القرآن الكريم موسى بن إبراهيم حريزى
الوصفة الطبيّة للذاكرة جاري سمول
مرّن عضلات مخّك طارق محمّد السويدان
التفاؤل التلقائي ... مايكل ميرسر ـ ماريان تروياني
العقل أوّلا ... توني بوزان
العقل القويّ ... توني بوزان
الذكاء الروحي ... توني بوزان
الذكاء الاجتماعي توني بوزان
كتاب تدريبات الذاكرة دوجلاس جيه ـ مايكل إل كون
كيف يعمل العقل ... سيرل بيرت ـ آررنست
الـ 90% الأخرى روبرت ك كوبر
مجموعة من مجلاّت العربي
مجموعة من مجلاّت العربي العلمي
مجلّة العلم والإيمان
الفهرست
المقدّمة ... 01
الفصل الأوّل ـــ القرآن وأثره على الذاكرة
القرآن يعلّم التفكير الراقي 05
القرآن والتفكير المبدع ... 08
القرآن نور والعقل نور ... 10
القرآن كلّه بركة ... 12
القرآن يوفّر المرونة الذهنيّة 14
إبداع العقل عند تلاوة القرآن 14
القرآن يدرّب على الاهتمام بمهمّة واحدة 15
القرآن والصلاة يحاربان ظاهرة التشتّت 17
تقوية الذاكرة بالقرآن الكريم 19
القرآن هو نور الخلايا العقليّة 23
القرآن يبني التفاؤل في النفس 24
القرآن يخفّف من حدّة التوتّر 26
القرآن يكوّن فينا وعيًا داخليّا 28
القرآن يحارب الإنفعالات المؤدّية إلى النسيان 28
القرآن وآثاره الإيجابيّة ... 30
الأثر المهدّئ لكلمات القرآن 32 (1/393)
صفحة 394
الخطوات الحسنة للاستفادة من القرآن 33
الجمال التوقيعي للقرآن الكريم 36
القرآن المعجزة ... 42
أثر القرآن في تقويم السلوك 44
القرآن يؤثّر على الفكر والوجدان في آن واحد 50
أساليب القرآن وصلتها بعضلات المخّ 51
القرآن عطاء الله - سبحانه وتعالى - لعباده 53
الفصل الثاني ـــ القرآن وبناء التفكير
عالم الأفكار والتفكير ... 55
ترغيب المسلمين في التمسّك بكتاب الله - عز وجل - 57
حقيقة عمليّة التفكير ... 58
القوّة الروحيّة الكامنة في الآيات القرآنيّة 60
منهج الفكر في القرآن الكريم 61
المواضيع المختلفة والمتنوّعة في القرآن 63
منهج التعبير القرآني ... 68
أسلوب القرآن يعطي قارئه تصوّرات صحيحة 68
إثارة الأفكار الخصبة بالقرآن الكريم 70
أنواع الأساليب التعبيريّة والروحيّة في القرآن ... 71
تكوين الإبداع بقراءة القرآن الكريم 75
تنوّع الأساليب في القرآن يؤدّى إلى تنوّع التفكير 77
بناء التفكير السليم بالقرآن الكريم 78
القرآن يرشد إلى التفكير الإيجابي 80
الابتعاد عن التفكير السلبي 83
القرآن يهدينا إلى التفكير الصواب 85
تغيير التفكير بكثرة تلاوة القرآن 89
القرآن يملأ العقل بالأفكار الإيجابيّة 92
القرآن والتفكير الإبداعي ... 92
القرآن يكشف ويبني القوّة التفكيريّة الخارقة 95
القرآن يبني مشاعر نفسيّة راقيّة 98
القرآن يبعدنا عن النظرة السلبيّة للمشكلة 102
القرآن يرتقي بتفكير أعضاء الأمّة 103
القرآن حاضر غائب في الأمّة 104
الرجوع إلى كتاب الله - عز وجل - هو الحلّ 106
عدم الاهتمام بنور الله - سبحانه وتعالى - 108
لماذا هذا التعامل مع القرآن الكريم 110
القرآن منهل لجميع عناصر المجتمع 110
الطاقة الجبّارة المحفّزة الموجودة في القرآن 111
الفصل الثالث: العقل
العقل وقيمته عند الله - سبحانه وتعالى - ... 113
العقل والروح والقلب والجسم وحدة متكاملة 114
العقل يتّسع لأفكار أكثر من عدد ذرّات الكون 115
العقل يتكوّن من عدّة عضلات 116 (1/394)
صفحة 395
العقل هو عضلة مثل عضلات الجسم 117
النشاط المبكّر للدماغ يحمي الذاكرة 118
الناقلات العصبيّة الموجودة في المخّ 120
لكلّ خليّة تردّداتها الصوتيّة 122
الخلايا العصبيّة تعمل ككيان واحد 125
أنواع الذاكرة ... 125
تدريب أنواع الذاكرة بالقرآن الكريم 127
قدرة العقل على تجديد الروابط بين خلاياه 132
التدريبات الذهنيّة ... 134
استخدام الأسئلة يزيد من قوّة التفكير 135
العقل مصباح ومصدر نوره القلب 136
التعلّم أكثر يزيد من عطاء الذاكرة 137
العقل يبحث عن الحقيقة، والقرآن كلّه حقائق 139
الحقيقة والصدق يساوي الحالة الطبيعيّة للعقل 141
القرآن يحسّن أداء المخّ ... 141
أسلوب القرآن يضمن نشاط شقّي المخّ 142
الجانب الأيمن ... 144
الجانب الأيسر ... 146
العقل منجم لا ينضب ... 152
استخدم عقلك في تحقيق بعض القيم 153
المداومة هي الطاقة الحقيقي لأداء المخّ 153
الأنشطة الواقيّة من شيخوخة المخّ 154
القصص التي تدلّ على ذلك كثيرة 155
الإكثار من تلاوة القرآن ينشّط العقل 156
الفصل الرابع ــ النفس والروح وأثرهما في الذاكرة
أين تؤدّي النفس دورها ... 158
العلماء ودراسة النفس البشريّة 162
أثر الروح في الذاكرة ... 164
ضعف الإيمان يضعف الذاكرة 165
العمليّات المخّية والعوامل النفسيّة 168
انتعاش أعصاب الدماغ ... 170
دراسة أحد الدكاترة ... 171
التدرّب أسلوب بسيط ولكنّه فعّال 173
المثابرة هي أساس النجاح ... 174
كيف ننسى المعلومات ... 177
نظريّة التلف ... 178
الفصل الرابع ــ القلب والذاكرة
القلب وعلاقته بالذاكرة ... 180
القلب وأثره على الذاكرة ... 181
الذاكرة ترتبط ارتباطا وثيقا بالقلب 182
عالم القلب العصبي ... 183
الناقلات العصبيّة في القلب والدماغ 185
الفصل الخامس ــ الضغوط وأثرها على الذاكرة
الذاكرة قوّة روحيّة أكثر منها جسميّة 189
الأمن النفسي وأثره على الذاكرة 190
التوتّر وأثره على الذاكرة ... 191
الآثار السلبيّة للضغوط على الذاكرة 193
الغضب سمة أناس هذا العصر 195 (1/395)
صفحة 396
الضغوط هي أعدى أعداء أداء الذاكرة 197
ما قاله بعض علماء الذاكرة في القلق 197
القرآن يقاوم الاكتئاب ... 200
مواجهة تحدّيات الحياة بالقرآن الكريم 202
الضغوط المزمنة تسبّب شيخوخة الدماغ المبكّرة 203
الحياة التفاؤليّة وتحمّل الصعاب 205
الأثر المهدّئ لكلمات القرآن 206
القرآن يمنع شيخوخة العقل 207
أسباب المرض ... 211
المحافظة على الذاكرة بالأذكار والأوراد 214
لا تحزن في اللحظات الأخيرة من حياتك 215
التفاؤل يجلب السعادة ... 217
الشعور بالسعادة من أسباب تنشيط الذاكرة 219
وصايا كبار علماء الذاكرة 221
النسيان بسب الضغوط ... 223
هل تريد شيخوخة منوّرة ... 223
الفصل السادس ــ الصلاة والذاكرة
الصلاة تجلب الراحة والنشاط 228
بشرى للمصلّين والمحافظين على تلاوة القرآن 228
الصلاة كعلاج لتقويّة الذاكرة 230
ترتيل القرآن في الصلاة ... 234
العلاج الروحي للضغوط والقلق 235
الوقاية خير من العلاج ... 236
الآثار المهدّئة للتأمّل ... 240
صلاة الجماعة تزيد من قوّة الذاكرة 242
الفصل السابع ــ الحياة الاجتماعيّة وعلاقتها بالذاكرة
الحياة الاجتماعيّة وأثرها على الذاكرة 244
الذكاء الاجتماعي إحدى علامات العبقريّة 248
الفصل الثامن ــ الصوت الحسن
تأثير الصوت الحسن في الغدد 251
أهميّة حاسّة السمع ... 252
حاسّة السمع والقرآن الكريم 255
أساليب القرآن وصلتها بعضلات المخّ 261
أواخر الآيات استراحة للذاكرة 263
استراحة الخلايا والأعصاب في أواخر الآيات 267
الفصل التاسع ــ الانتباه وأثره على الذاكرة
أهمّية الانتباه في عمل الذاكرة 272
ارتباط الاستيعاب بالاهتمام 273
تقويّة التركيز والانتباه ... 274
الانتباه في القرآن الكريم وأثره في الذاكرة 275
القرآن يوفّر مهارة التركيز 276
صحّة الحواس ومهارة الحفظ 279
الانتباه إلى حفظ القرآن الكريم 282
آداب تلاوة القرآن وحفظه 282
الأوقات المفضلة لتلاوة القرآن 284 (1/396)
صفحة 397
كيف نجعل أولادنا يهتمّون بكتاب الله - سبحانه وتعالى - 286
الفصل العاشر ــ الحوار في القرآن وأثر على الذاكرة
الحوار في القرآن سبب لتقويّة الذاكرة 290
الحوارات تدرّب العقل على العمل 292
الحوار يعدّل تصوّرات الإنسان 292
الفصل الحادي عشر ــ التكرار في القرآن وأثره في الذاكرة
تقويّة الذاكرة بالتكرار ... 300
التكرار يسهّل مهارة الربط 301
تكرار المعلومة ثلاث مرّات 303
سرّ إعادة المعلومة ثلاث مرّات 306
التكرار وأثره على تنبيه الحواسّ 308
التكرار وأثره على العقل الباطن 309
التكرار عدّة مرّات يثير الأعصاب الدماغيّة 310
التكرار في القرآن وأثره على الذاكرة 311
التكرار في حفظ القرآن الكريم 313
تكرار القصص وكثير من الآيات في القرآن الكريم314
ما هو الأفضل: كثرة التلاوة، أم الترتيل؟ 315
السيّد محمّد قطب وموضوع التكرار في القرآن 317
المفسّر الطاهر بن عاشور ورأيه في التكرار 318
أبو سليمان الخطّابي وتعليقه على التكرار في القرآن319
الإمام الزركشي، وتعليقه على التكرار 320
الفصل الثاني عشر ــ قاعدة الربط وأثرها في الذاكرة
القرآن الكريم اهتمّ بقاعدة الربط 322
طريقة الربط في القرآن الكريم 323
الدكتور جاري سمول، وعمليّة الربط 332
استعمال الربط لحفظ أوائل بعض السور 333
تطبيق الربط عن طريق استعمال أحلام اليقظة 334
الفصل الثالث عشر ــ الأسلوب القصصي في القرآن
أهميّة القصّة القرآنيّة ... 336
الإستماع إلى القصص وكثرة قراءتها 337
التعبير القصصي يثير الرغبات النفسيّة للفهم 340
القصص المكرّرة تكوّن مسارات عصبيّة جديدة 341
الخاتمة ... 343
{المصادر والمراجع} ... 346
الفهرست ... 347 (1/397)