صفحة 1
بحث تخرج: خوف اليهود من خلال القرآن الكريم لصالح بوشلاغم
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان.
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية .
معهد العلوم الشرعية .
بحث تخرج بعنوان:
خوف اليهود من خلال القرآن الكريم.
إشراف الدكتور:
محمد عبد الرحيم الزيني.
... وإعداد الطالب:
... ... ... ... ... صالح بن بشير بوشلاغم.
السنة الدراسية الجامعية: 1425 - 1426هـ/ 2004- 2005 م
بسم الله الرحمن الرحيم
إهداء
إلى الوالدة العزيزة التي طالما تحملت متاعبي، فربتني صغيرا، ودعت لي كبيرا...
إلى والدي العزيز الذي طالما حثني على طلب العلم رغم نوائب الدهر...
فيا رب ارحمهما كما ربياني صغيرا...
إلى رفيقة الدرب وشريكة العمر، التي تحملت البعاد والفراق...
إلى كل من شجعني على طلب العلم ولو بكلمة طيبة...
إلى الشباب المسلم المتحمس نحو التغيير والإصلاح...
أهدي هذا العمل المتواضع...
( صالح بن بشير بن سليمان بوشلاغم
شكر وتقدير (1/1)
صفحة 2
بعد اكتمال أجزاء هذا البحث لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى كل من له فيه يد بيضاء ظاهرة أو خفية من قريب أو بعيد، أو ساهم فيه ولو بكلمة طيبة، وأخص من أولئك سماحة شيخنا الجليل: أحمد بن حمد الخليلي الذي ما فتئ يربي فينا الصلاح والاعتدال فكرا ومنهجا وسلوكا، والأخ الفاضل: داوود بن إبراهيم بوسنان الذي له الفضل علينا في تصحيح كثير من المفاهيم والتصورات، والإخوة الفضلاء من أولئك الشباب المتحمس إلى التغيير من أبناء وادي ميزاب الطاهر، كما أتقدم بالشكر الجزيل إلى الهيئة الإدارية بمعهدنا الميمون وأخص منهم الفاضل زياد بن طالب المعولي، الذي أخذ على عاتقه مسؤولية تطوير المعهد والسعي به خطى حثيثة نحو الأصالة والمعاصرة، والهيئة التدريسية وأخص منهم بالذكر أستاذي المشرف على البحث الدكتور محمد عبد الرحيم الزيني الذي كان قدوة لنا طوال السنين الأربعة في الاستقلال في الفكر والتفتح على الآخرين، والتزام المنهج العلمي في تناول جميع القضايا، كما أنه لم يأل جهدا في توجيهي وإرشادي طوال شهور البحث ليخرج في هذه الحلة القشيبة، فله الشكر الجزيل والفضل الوافر، كما أنني لا أنسى إخواني الطلبة الذين ما فتئوا يتنافسون في الاغتراف من هذا المعين الطيب، والشكر موصول إلى كل من له يد في هذا البحث. فلكل أولئك شكري الجزيل، وأسأل الله لهم الأجر الوفير.
( الباحث
المقدمة.
أولا: تمهيد.
ثانيا: عنوان البحث وحدوده.
ثالثا: أسباب اختيار الموضوع.
رابعا: إشكالية البحث.
خامسا: مراجع البحث والمنهج المتبع فيه.
سادسا: فصول البحث.
سابعا: صعوبات البحث.
مقدمة
أولا: تمهيد:
الحمد لله رب العالمين، خالق الإنس والجن، عالم السر والعلن، أرسل رسله تترى وأنزل كتبه تتلى، ليهدي الناس من الظلمات إلى النور، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: (1/2)
صفحة 3
فبين أيدينا محاولة علمية، نحو دراسة موضوعية للقرآن الكريم، يتناول فيها الباحث موضوع خوف اليهود، ويعرض الآيات الواردة فيه محاولا تحليلها والربط فيما بينها، ليبني بذلك تصورا قرآنيا متكاملا عن هذا الموضوع الهام، خاصة في هذا الظرف الذي يمر بالمسلمين اليوم في شتى بقاع الأرض.
كثيرا ما قيل عن اليهود أنهم جبناء، وعن المسلمين أنهم أبطال شجعان، وربما سمعنا من شعارات براقة تتبنى هذه الفكرة، وتدعو إلى قتال اليهود بناء عليها، ويأتي هذا البحث في هذا السياق يحاول تسليط الضوء على هذا الموضوع لعله يصل إلى نتائج قرآنية، تنير الطريق وتوضح السبيل الحق، الذي يتحتم على المسلمين سلوكه، حتى يصلوا إلى النصر الذي طالما بقي حديث ذكريات، أو حبيسا أمنيات.
ثانيا: عنوان البحث وحدوده:
كان عنوان البحث أول الأمر: "الخوف عند اليهود من خلال القرآن الكريم"، ثم بعد ذلك عدلته نظرا إلى أن كلمة "عند" قد تعني المذهب، فيكون معنى عنوان البحث: نظرية اليهود في الخوف من خلال القرآن الكريم، ودفعا لهذا الالتباس وتدقيقا للعنوان رأى الباحث أن يكون عنوان البحث:"خوف اليهود من خلال القرآن الكريم"، فيكون بين الاسمين إسناد ينفي الاحتمال السابق. أما الاعتماد على القرآن الكريم دون غيره كالسنة النبوية فسببه أن الباحث لا يمتلك الملكة الحديثية التي تمكنه من خوض هذا الميدان بفرز الصحيح من السقيم من السنة النبوية.
ثالثا: أسباب اختيار الموضوع :
لقد تظافرت دواع دعت إلى هذا الموضوع منها:
1- الرغبة في معالجة موضوع من المواضيع القرآنية.
2- الرغبة في التعرف على أهم أعداء الأمة حتى تتمكن من التغلب عليهم، وأول خطوة في هذا جمع قائمة أعداء الأمة كما يشرحها القرآن الكريم، ولا شك أن من ألد أعداء الأمة اليهود كما ينص القرآن الكريم، فضلا عن الواقع المعيش. (1/3)
صفحة 4
3- عدم وجود دراسات متخصصة في هذا الجانب فحسب، فلم أجد كتابا متفردا تناول هذا الجانب بالدراسة والتحليل ولو اعتمادا على مصادر غير القرآن الكريم، والتعرض لخوف اليهود يأتي عرضا ضمن الحديث عن اليهود.
رابعا: إشكالية البحث:
يصبو هذا البحث إلى الإجابة على إشكالية رئيسة بجانب بعض الإشكاليات المرتبطة بها، إشكالية البحث الرئيسة هي:
مع كثرة تداول نسبة الخوف لليهود والاستدلال بالقرآن الكريم على ذلك، حتى أصبح شائعا أن الخوف لصيق باليهود، وصفة ملازمة لهم لا تفارقهم أبدا، وكون الخوف لا يحصل للمرء إلا في ظروف معينة ويزول بانتهاء تلك الظروف، يتساءل المرء: هل صحيح أن القرآن الكريم أعطى هذا التصور، الذي يقرن الخوف باليهودي كيفما كان ؟ أم أن هناك أسبابا أخرى هي التي سببت الخوف لليهود ؟
وتتولد عن هذه الإشكالية الرئيسية إشكاليات:
- أهذا الخوف عقوبة خاصة لليهود جراء ماض تاريخي معين ؟ أم أنه سنة من سنن الله، وقانون إلهي ينطبق على اليهود وغيرهم ؟
- كيف نتقبل أن اليهود خائفون مع أنهم يتجرأون على غزو أوطاننا وتشريد شعوبنا، وفعل ما تمليه عليهم أنفسهم من إشاعة للفساد وتخريب للأوطان دون تراجع ولو في قرن الأمم المتحدة والقانون الدولي ؟
- ماذا يستفيد المسلمون عندما يقرأون خوف اليهود في القرآن الكريم ؟
خامسا: مراجع البحث والمنهج المتبع فيه: (1/4)
صفحة 5
إن عنوان البحث يفرض على الباحث الالتزام بذكر خوف اليهود حسب التصور القرآني لهذا الموضوع، دون استناد إلى غير القرآن الكريم فيما لم ينص عليه القرآن الكريم، فلا يأتي الباحث بقضية خارجة عن القرآن الكريم عند معالجة إشكاليات البحث، إلا فيما يكون تأكيدا للمفهوم الذي بينه القرآن الكريم، مما ورد في السنة أو قاله علماء التفسير في الموضوع، وهذا حتى يلتزم بالأمانة العلمية في توضيح التصور القرآني لخوف اليهود دون زيادة أو نقصان، كما أنه لا يهمل محاولات السابقين في الوصول إلى تصور متكامل عن هذا الموضوع، فاستفاد الباحث من كتابات السابقين، وآراء المفكرين التي يجب أن لا نبخسها حقها أيضا في محاولتها لفهم القرآن الكريم. فكانت المنهجية:
1- جمع الآيات المتعلقة بالموضوع.
2- فرز الآيات التي هي نص في الموضوع عن غيرها.
3- محاولة فهم الآيات القرآنية والربط بينها بالاعتماد على كتب اللغة وتفاسير العلماء.
4- مطالعة ما يتصل بالموضوع من كتب السيرة أو قصص الأنبياء.
5- تصنيف المعلومات المجموعة وكتابة فقرات البحث.
وقد اعتمد الباحث في جمع الآيات القرآنية على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم أحيانا، وعلى الأقراص الإلكترونية وبعض البرامج غالبا، أما في اللغة فقد اعتمد الباحث مختار الصحاح ولسان العرب والقاموس المحيط، وفي التعريفات الاصطلاحية على معجم مفردات القرآن الكريم للراغب الأصفهاني، وفي التفسير كان الاعتماد غالبا على تفسير "في ظلال القرآن" لسيد قطب، نظرا لكونه يعتمد التحليل ولما هو معلوم من تصويره الفني البارع، أما في السيرة فكان اعتماد الباحث على سيرة ابن هشام، والسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة لأبي شهبة، نظرا لربطه السيرة بالقرآن الكريم، دون إغفال جانب كتب علم النفس فيما يختص بتعريفات الخوف عند علماء النفس.
سادسا: صعوبات البحث: (1/5)
صفحة 6
أحمد الله سبحانه وتعالى أنني لم أواجه صعوبة كبيرة في إنجاز البحث نظرا لسديد توجيهات المشرف، وثراء معلوماته، وتسامحه الفكري، وإن ذكرت صعوبة فإنما هي في عدم توافر المراجع في هذا المجال بكثرة، فمعظم ما كتب في هذا المجال يتحدث عن القضية الفلسطينية وعلاقة اليهود بها، وجرائهم فيها، وتاريخهم الطويل وهجرتهم من دولة إلى أخرى، كما بين ذلك الدكتور عبد الوهاب المسيري وأوفى هذا الموضوع حقه، وعلى العموم فليست هناك صعوبات كبيرة، وقد قال -تعالى-: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } ، [سورة القمر:17].
سابعا: فصول البحث :
يتوزع البحث على أربعة فصول، يضم كل فصل جملة من المباحث والفروع، وهذه خطة البحث:
لقد قسمت البحث إلى أربعة فصول، ومقدمة وخاتمة، خصصت الفصل الأول للحديث عن الخوف وأنواعه وعرض بعض الصور الواردة في القرآن الكريم عن هذه الأنواع، وفي الفصل الثاني تناولت الحديث عن أصل تسمية اليهود، وتسمية القرآن الكريم لهم، كما تكلمت عن الوجود اليهودي في العالم، أما الفصل الثالث فقد خصصته لبيان الصور التي عرضها القرآن الكريم لخوف اليهود، وأما الفصل الرابع فتناولت فيه بالحديث سبب خوف اليهود كما يبينه القرآن الكريم، وسقت الأدلة على ذلك، ونتيجة خوف اليهود، ثم ختمته بالحديث عما يستفيده المسلمون من خوف اليهود.
قد يلاحظ القارئ للبحث الإطالة في المبحث الأول من الفصل الرابع، عند ذكر أدلة قذف الله للخوف في قلوب الناس، وإنزاله السكينة والأمن عليها، وما ذلك إلا لأمرين:
1- كون إشكالية البحث الأساسية سبب خوف اليهود، ويستبعد كثير من الناس أن يكون الخوف سببه ميتافيزيقيا غيبيا، فوجب بيان ذلك أحسن بيان.
2- بيان أن خوف اليهود ليس خاصا بهم فحسب وهذا مخالف للمفهوم الشائع باختصاص اليهود بالخوف. (1/6)
صفحة 7
ولا يفوتني في الأخير أن أشير إلى أن البحث لا يعدو أن يكون مجرد محاولة لفهم هذا الموضوع وفقا للتصور القرآني، وهو عمل بشري ينتابه النقص، ويطرأ إليه الخلل، وأرجو من أساتذتي وإخواني الباحثين أن لا يبخلو علي بنصائحهم وتوجيهاتهم، ويمكنهم مراسلتي على هذا العنوان:
Bsbh67@hotmail.com.
والله أسأل أن ينفعني بهذا العمل، وينفع به المسلمين جميعا، وأن يكون خطوة نحو دراسات أكاديمية متخصصة نابعة من واقع المسلمين.
(صالح بن بشير بوشلاغم
يوم الخميس ربيع الأول 1426هـ
الموافق: 05ماي 2005م.
الفصل الأول: تعريف الخوف وأنواعه.
أولا:الخوف لغة.
ثانيا: الخوف اصطلاحا.
ثالثا: درجات الخوف.
رابعا: أنواع الخوف:
1- الخوف الطبَعي (الموضوعي).
2- الخوف المرضي (الشخصي).
خامسا: علاقة الخوف والقلق.
الفصل الأول: تعريف الخوف وأنواعه.
أولا: الخوف لغة.
خاف يخاف خوفا وخيفة ومخافة، ومنه التخويف والإخافة والتخوُّف، وتخوَّفت عليه الشيء أي: خفت، وتخوَّفَه كخافَه وأخافه إياه إخافة وإخافا، وخوَّفَه وخوَّف الرجل إذا جعل فيه الخوف، وخوفته إذا جعلته بحالة يخافه الناس، خوَّف الرجل: جعل الناس يخافونه، وفي التنزيل العزيز: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } ، [سورة آل عمران: 125]، أي يجعلكم تخافون أولياءه، وقال ثعلب: معناه يخوِّفكم بأوليائه. الْمَخاف والْمَخيف موضع الخوف.
وللخوف عدة معان في اللغة العربية (1) ، هي:
1- الفزع، يقال: خائف أي فزِع.
2- القتل والقتال: وبه فُسر قوله -تعالى-: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ } ، [سورة البقرة: 155]، و فسِّر به أيضا قوله -عز وجل-: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ } ، [سورة النساء: 83].
__________
(1) - محمد بن مكرم بن منظور(ت711هـ): لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط1، 1410هـ-1990م.
9/99-101. (1/7)
صفحة 8
3- العلم والمعرفة (1) : وبه فُسِّر قوله -تعالى-: { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً } [سورة البقرة:182]، { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً } ، [سورة النساء:128].
فإذن نستنتج مما سبق أن كلمة الخوف تطلق لغة على الفزع، والقتال، والعلم والمعرفة.
ثانيا: الخوف اصطلاحا.
تعددت تعريفات علماء النفس للخوف، وهي مع تعددها متقاربة بينها، وأختار منها بعضا مع نقدها وبيان الأقرب منها إلى رسم المعنى المراد، إذ هناك من الكتَّاب من لا يفرق عند تعريفه للخوف بين الخوف الطبَعي والمرضي، وهذه جملة تعريفات:
... 1- "الخوف: استجابة انفعالية سوية تصدر عن الشخص عند توقع التعرض لمصدر ... موضوعي للخطر" (2) .
لا يشمل هذا التعريف الخوف المرضي، ذلك أن الاستجابة السوية تختص بالخوف الطبَعي فقط دون المرضي، وأيضا فإن المصدر الموضوعي يكون الخوف منه خوفا طبَعيا، اللهم إلا إذا جاوز مستوى الخوف الطبَعي فكان خوفا شديدا أكثر من المعتاد، أو أنه لم يزل بزوال مسببه، لذلك فإن هذا التعريف ليس جامعا مانعا كما يقول المناطقة.
... 2- " الخوف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة" (3) .
وهذا التعريف هو الأقرب إلى بيان المراد من كلمة "الخوف"، فهو شامل لكل أنواع الخوف التي سنبينها لاحقا، والمراد بقوله معلومة أي متيقنة لا يشوبها شيء من الظن. غير أن هذا التعريف لم يشر إلى الانفعال أو الإحساس الذي يصاحب هذا التوقع أو ينتج عنه وهو الخوف، إ قد يتوقع المرء مكروها ولا يخافه.
__________
(1) - محمد بن يعقوب الفيروز أبادي (ت817هـ): القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، (د.ت). 1/1046.
(2) - د عبد اللطيف محمد خليفة- د معتز سيد عبد الله: الدوافع والانفعالات، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، 1997م. ص229.
(3) - الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني: معجم مفردات القرآن الكريم، ت: نديم مرعشلي، دار الفكر، بيروت، (د.ت). ص161. (1/8)
صفحة 9
وأما كون المكروه يكون عن أمارة مظنونة أو معلومة فإن ذلك بالنسبة للخائف، أي أنه يمكن أن يظن الخائف أمارة خوف فيولد ذلك خوفا عنده، غير أن الشخص السليم لو رأى تلك الأمارة لم تحدث عنده شيئا من الخوف، فالأمارة إنما ينظر إليها وجودا وعدما، علما وظنا بالنسبة للخائف، لا بالنسبة لغيره، ولا معنى لذكر هذا القيد لأنه لا يقيد نوع الأمارة بل هي لا تحتاج إلى تقييد رأسا، وإنما النظر إلى الانفعال الناتج عن هذا التوقع فحسب.
... 3- " الخوف: حالة انفعالية مصاحبة لوجود تنبيه خطير أو ضار" (1) .
ويشير هذا التعريف إلى الحالة الانفعالية التي تحل بالخائف بسبب تنبيه خطير حسبما يرى الشخص الذي يعتريه هذا الانفعال. وهنا يمكن الاستغناء عن نسبة الضرر إلى التنبيه لأن التنبيه لا يكون ضارا وإنما المنبِّه قد يكون ضارا، وفي جميع الأحوال فإنه لا يخرج عن كونه خطيرا حسبما يرى الشخص الخائف، وهنا أشير إلى أن الخطر غير مقيد بالجهة التي يصيبها بل هو خطر مطلق.
لذلك فالتعريف الذي أراه مناسبا للخوف هو: الخوف: انفعال لتوقع مكروه.
ثالثا: درجات الخوف.
__________
(1) - خليفة - عبد الله، مرجع سابق، ص229. (1/9)
صفحة 10
تختلف درجات الانفعال الواحد من إنسان إلى آخر، كما تختلف في الشخص الواحد في ظروف متعددة، كما أنها تختلف من وضع إلى آخر، حسب الدافع لذلك الانفعال، ومدة بقائه، ولما كان الخوف أحد الانفعالات الفطرية (1) عند الإنسان فإن له مراتب مختلفة، وهنا أحاول التمييز بين هذه الدرجات، بعد أخذ بعض المفردات التي تشتمل على معنى الخوف في اللغة العربية، وبالتأكيد فإن كل مفردة منها تطلق على نوع معين من الخوف، يختلف عن الخوف الذي تعنيه المفردة الأخرى، ذلك أن اللغة العربية لغة خصبة وثرية وقد خصّت كل مفردة منها بمعنى مستقل لا تعنيه مفردة أخرى.
ومن المفردات التي لها صلة بالخوف هي: الفزع، الرعب، الذعر، الوجل، الخشية.
1- الفزع:
الفزع: الذعر من الشيء، وهو في الأصل مصدر فزع منه وأفزعه وفزَّعه، أي: أخافه وروعه فهو فزع. والإفزاع: الإغاثة أو الإخافة، يقال: فزع إليه فأفزعه، أي لجأ إليه فأغاثه، وكذلك التفزيع وهو من الأضداد أفزعته إذا أغثته، وأفزعته إذا خوفته (2) . ويعرف الراغب الفزع قائلا:" الفزع: انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ولا يقال فزعت من الله كما يقال خفت منه" (3) .
2- الرعب:
__________
(1) – يشير بعض الكتاب أن الخوف غير فطري، وليس سببا لوقاية الإنسان فيقول: " ليس الخوف غريزة طبَعية لوقاية الحياة" غير أن هذا مخالف للواقع، إذ إن الصبي الرضيع لما يولد فإن فيه هذا الانفعال. بهيج شعبان: الموسوعة النفسية، حلقة تغلّب على الخوف، دار إحياء العلوم، بيروت، ط4، 1407هـ-1987م. ص26.
(2) - ابن منظور، مرجع سابق، 8/251-253. محمد بن أبي بكر الرازي(721هـ)، مختار الصحاح،تح: محمود خاطر مكتبة لبنان، بيروت، 1415هـ-1995م. 1/210.
(3) - الأصفهاني، مرجع سابق، ص393. (1/10)
صفحة 11
الرعب: الفزع والخوف رعبه يرعبه رعبا فهو مرعوب ورعيب، وجاء في الحديث: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" (1) ، أي كان أعداء النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوقع الله في قلوبهم الخوف منه فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوه وفزعوا منه. وقال الراغب: "الرعب: الانقطاع من امتلاء الخوف" (2) .
3- الروع:
الرواع والتروع: الفزع (3) ، راعني الأمر يروعني روعا ورووعا، وتقول راعني فهو رائع، والروعة الفزعة وفي حديث الدعاء: "اللهم آمن روعاتي" (4) .
4- الوجل:
"الوجل محركة الخوف، ورجل أوجل ووجل جمعه وجال ووجلون وهي وجلة " (5) ، وعند الراغب فإن الوجل هو استشعار الخوف (6) .
وعند النظر إلى هذه الدرجات من الخوف، فإننا نجد علماء النفس مختلفين في تقديم درجة على أخرى، فقد عدَّ بعض الباحثين (7) أن أول درجات الخوف هي الضيق النفسي، واستند في ذلك إلى قوله -تعالى-: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } ، [سورة الحجر:97-99]. غير أن الباحث يرى أن هذا الضيق النفسي لا علاقة له بالخوف، اللهم إلا إذا قيل: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يشفق على القوم ويتألم لحالهم نظرا إلى توقعه لحوق العذاب بقومه، فذلك الضيق ليس لكون القوم كذّبوه أو أنه لم ينجح في إقناعهم فحسب.
ثم رتب درجات الخوف كما يلي:
__________
(1) - سيأتي تخريجه لاحقا.
(2) - الأصفهاني، مرجع سابق، ص203.
(3) - ابن منظور، مرجع سابق، 8/135.
(4) - أخرجه ابن ماجه في السنن برقم: 3871. 2/1273. وابن حبان في صحيحه برقم: 961. 3/241. وأبو داوود في السنن برقم: 5074. 4/318.
(5) - الفيروز أبادي، مرجع سابق، 1/1379.
(6) - الأصفهاني، مرجع سابق، ص550.
(7) – عدنان الشريف: من علم النفس القرآني، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1987م. ص63. (1/11)
صفحة 12
1- الخوف: { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } ، [سورة الأحزاب: 19].
2- الجزع: قلة الصبر، { إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً } ، [سورة المعارج:20].
3- الهلع: قلة الصبر مع شدة الحرص، { إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ } ، [سورة المعارج:19-23].
4- الرعب: أعلى درجة من الهلع، { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ، [سورة الأنفال:12].
5- الفزع: { لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } ، [سورة الأنبياء: 103].
6- الذهول: حالة ضياع عقلية خفيفة نتيجة للخوف الشديد، { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } ، [سورة الحج: 2].
7- السُّكْر: حالة ضياع عميقة نتيجة للخوف الشديد، { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } ، [سورة الحج: 2].
فترتيب درجات الخوف حسب هذا المصدر هي:
الخوف – الجزع – الهلع – الرعب – الفزع - الذهول - السكر، غير أن الباحث يتساءل هنا: علام اعتمد الكاتب في ترتيب درجات الخوف وفق لهذا الترتيب ؟. (1/12)
صفحة 13
ويعتقد الباحث أن القول بالدرجتين الأخيرتين أمر بعيد، ذلك أن الذهول والسُّكر إنما هي من التصرفات الناتجة عن الخوف، وليست هي ذات الخوف، وهو نظير التغيرات الفيسيولوجية المصاحبة للخوف كزيادة نبض القلب وارتفاع الضغط الدموي، فهي أمور ناتجة عن الخوف وليست هي ذات الخوف، إذ لو كان الأمر كذلك لكان وضع الحمل أيضا درجة من درجات الخوف!، فالآية تبين تصرف فئات مختلفة من الناس عند مشاهدتهم الأمر العظيم: قيام الساعة، فالمرضعة تذهل عما أرضعت، والحامل تضع حملها، وتكون حالة الناس حالة السكارى الذين لا يدرون ما يقولون وما يفعلون نتيجة الخوف الشديد الذي يصيبهم.
وهناك وجهة نظر أخرى ترى أن درجات الخوف ترتب كما يلي:
" والخوف يكون على درجات، منها الفزع والرعب والرهبة:
فالفزع هو انقباض في النفس ناتج عن تفكير الإنسان لما يعتريه من الشيء المخيف، قال الله
-تعالى-: { فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ } ، [سورة النمل: 87].
والرعب هو الانقطاع من امتلاء الخوف، يقال رعبته فرعب رعبا فهو مرعوب ومنه قوله-تعالى: { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ } ، [سورة الحشر: 2]، وقوله –تعالى-: { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } ، [سورة آل عمران: 151].
وأما الرهبة فهي مخافة مع تحرز واضطراب قال -تعالى-: { لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ } ، [سورة الحشر: 13].
أدناها الخشية من نزول مكروه، والخشية هي خوف يشوبه تعظيم، والخشية في العبادة أكثر ما تكون عن علم، ولهذا اختص بها العلماء في قوله -تعالى- { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [سورة فاطر: 28]، { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } ، [سورة ق: 33]، وأعلى مراتب الخوف في اللغة العربية الذعر" (1) .
__________
(1) - خليفة - عبد الله، مرجع سابق، ص229-230. (1/13)
صفحة 14
فترتيب درجات الخوف حسب هذا المصدر: الخوف - الفزع – الرعب – الرهبة - الذعر.
وأيضا هنا نتوقف لنطرح السؤال السابق: علام اعتمد المؤلف في ترتيب درجات الخوف ؟ لم يذكر المرجعان السابقان مصدرا لغويا أو رأيا استندا إليه ويبدو أنها محاولة منهم، وعلى كل فإنهم قد اجتهدوا في ذلك الترتيب، فلهم وجهة نظرهم.
وبعد مرحلة من تصفح المعاجم اللغوية والنظر إلى تفريقها بين هذه الدرجات وجدت أن الأمر فيه كثير من التداخل، فالمسألة تحتاج إلى بحث لغوي بحت، يرجع فيه إلى مصادر اللغة العربية الأصيلة لمعرفة أصل وضع هذه المفردات أول مرة، وتتبع تطور استعمالها عبر الأزمنة المتوالية لنتمكن من وضع ترتيب منطقي يستند إلى توثيق تاريخي واضح.
ونظرا إلى أن القواميس اللغوية تتفق على أن هذه الألفاظ كلها: الخوف، الرعب الفزع، الوجل، تشمل معنى الخوف، فإنني أكتفي بذلك، ولست بحاجة في هذا البحث لتصنيفها تصنيفا دقيقا، لأن المعنى المعتبر فيه هو الخوف فحسب بغض النظر عن درجته، فحسبنا أن نعلم أن هذه المفردات جميعها تحوي معنى الخوف، وإن كان من فائدة في ترتيبها فإنما هي بيان مدى قوة الخوف الذي يُتحدث عنه.
رابعا: أنواع الخوف.
... (1/14)
صفحة 15
... شاءت مشيئة الله - تعالى- أن يزوِّد الإنسان بانفعالات مختلفة، تساهم في بقائه والحفاظ على نوعه، وتجعله يتوافق مع بيئته الخارجية، ويتفاعل معها مؤثرا فيها ومتأثرا بها، فانفعال الحب كفيل بالحفاظ على النوع الإنساني لأنه عامل جذب بين الجنسين، وانفعال الغضب عامل إصلاح في الأرض إذا كان غضبا صحيحا ناتجا عن خطر يهدد الصلاح والإصلاح في الأرض، كذلك فإن انفعال الخوف عامل مهم في حفاظ الإنسان على حياته ونوعه (1) ، فخوفه من فناء نوعه يدفعه إلى تكثير أفراده، وإيجاد خلائف له، وخوفه من أسباب الموت يدفعه إلى الحفاظ على حياته وتجنب الأخطار التي قد تسبب له الموت، فينمِّي الحياة الدنيا ويساهم فيها ويعمل مع ذلك أيضا الخير للآخرة.
__________
(1) - د.محمد عبد الرحيم الزيني: مشكلة الموت بين الفلسفة والدين، مكتبة الإيمان، مصر، ط2، 1423هـ-2002م. ص100. (1/15)
صفحة 16
غير أن الخوف قد يحيد عن هذا الطريق فيكون عامل هدم لا عامل بناء، فيثبط من عزائم المرء ويجعل منه شخصا خاملا، سلبيا في تعامله مع الناس والحياة، وقد يصل إلى أن يخاف من كل شيء، فالخوف سلاح ذو حدين حسب نوعه: خوف موضوعي طَبَعي (1) إيجابي بنّاء، وخوف شخصي مرضي سلبي هدّام وهو ما يسمى بـ " الفوبيا". جاء في الموسوعة: "فالخوف أحد مقومات حياتنا السوية، إنه يفيد بيولوجيا في شحذ الانتباه لسرعة إدراك الخطر وتداركه. فيطلق الطاقة اللازمة لمجابهة الموقف واتخاذ الاحتياطات المتسمة بالحرص والحذر...فالخوف هو الذي دفع الأفراد إلى أن يتحدوا ويتعاونوا في مواجهة الشدائد وجعلهم يكوِّنون الجماعات فالمجتمعات لتبادل الحماية وكسب الأمن والقضاء على الخوف." (2)
1- الخوف الطَبَعي (الموضوعي):
__________
(1) - من الأخطاء الشائعة القول "فعيلي" عند إرادة النسبة إلى وزن "فعيلة"، فالصحيح أن يقال "فَعَلي"، مثل: عَقَدي (نسبة إلى العقيدة)، طبعي (نسبة إلى الطبيعة)، ولا يقال: عقيدي، طبيعي. وقد نبهني إلى ذلك مشكورا أستاذ الترقيم والإملاء.
(2) – موسوعة علم النفس الشاملة، Edit Creps international، بيروت، 1998-1999. 5/157. (1/16)
صفحة 17
... إن اعتقاد بعض الناس أن الخوف بحد ذاته منقصة، وترسُّم صورة الرجل المقدام الشجاع العملاق الذي لا يخاف شيئا في كثير من مخيلات الناس أمر بعيد عن الواقعية وهو أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة، ذلك أن الخوف أمر فطري (1) تحتاج إليه الفطرة السليمة كيفما كانت، وهذا الذي نعنيه بالخوف الطبَعي أو الموضوعي، فهو الخوف الذي يوفر للإنسان فوائد ومصالح لابد له منها (2) في الدنيا والآخرة، وينقسم الخوف الموضوعي إلى قسمين باعتبار مصدر الخوف:
1- خوف حقيقي: الخوف الذي ينشأ فيما يتعلق بشيء خارجي في البيئة، كالخوف من وجود الشخص في مكان مظلم أو موحش.
2- خوف نزوعي: الخوف الذي ينشأ داخل الفرد مرتبطا بالغريزة، كالخوف من الانهيار والموت بينما هو في صحة جيدة.
... وهذان النوعان من الخوف يعانيهما الشخص السوي من غير أن يسببا له مرضا نفسيا ما كانا بدرجة معقولة وينتهيان بانتهاء ظروفهما، فعندها لا يشكلان ضررا إن لم يجلبا نفعا. (3)
صور للخوف الطبعي في القرآن الكريم.
__________
(1) - الخوف من حيث وجوده في النفس الإنسانية أمر فطري بدليل خوف الطفل من الغرباء عنه والذين لم يألفهم، ويرى واطسون مؤسس المدرسة السلوكية أن الأصوات العالية المفاجئة وفقد السند مثيرات فطرية للخوف عند الطفل، ويرى آخرون أن أية تغيرات مفاجئة غير متوقعة في البيئة من مثيرات الخوف الفطرية، فالخوف من المفاجئ ومن الغريب والخوف من المجهول يشاهد لدى الحيوان، وعند الصغار والكبار من البشر. أحمد عزت راجح: أصول علم النفس، دار المعارف، القاهرة، ط11، 1979م. ص152.
أما من حيث تنوعه ونموه فإن الطفل يكتسب المخاوف عن طريق التعلم، فالخوف من هذه الناحية مكتسب: محمد عثمان نجاتي: علم النفس في حياتنا اليومية، دار القلم، الكويت، (د.ت). ص112.
(2) - محمد قطب: دراسات في النفس الإنسانية، دار الشروق، مصر، ط7، (د.ت). ص76.
(3) – موسوعة علم النفس الشاملة، 5/156 – 157. (1/17)
صفحة 18
ورد الخوف في القرآن الكريم في مائة وأربعة وعشرين موضعا (1) ، بما فيها الخوف الطبَعي والمرضي، ومن الصور التي ذكرها القرآن الكريم للخوف الطبَعي ما يلي:
1- الخوف من الله: وهو أجلُّ خوف وأسماه، ذلك أنه يدعو الفرد إلى تحسين علاقته بخالقه، والتقرب إليه بصنوف الطاعات التي ترضيه وترفع مكانه عنده، وتجنب ضروب النواهي التي نهى عنها، لذا يعد الخوف من الله أساسا هاما في بناء شخصية الفرد المسلم (2) ، وقد أمر الله عباده بخوفه فقال: { وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ، [سورة البقرة: 150].
...
... ويَعدُ الله عباده الذين يخشونه ويخافونه بالجزاء على ذلك في الدنيا والآخرة، فمن جزاء الدنيا التمكين في الأرض، كما جاء في قوله -تعالى-: { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } ، [سورة إبراهيم: 14]. ومن الجزاء الأخروي ما جاء في قوله -تعالى-: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } ، [سورة الرحمن:46]. وقوله: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } ، [سورة النازعات: 40-41]. وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } ، [سورة البينة: 7-8]. وآيات كثيرة تعد الخائفين من مقام الله بالخير الوفير.
...
__________
(1) - معروف رزيق: علم النفس الإسلامي، دار المعرفة، سوريا، ط2، 1414هـ- 1993م. ص59.
(2) - محمد الغزالي: الجانب العاطفي من الإسلام، دار الكتب الحديثة، القاهرة، (د.ت). ص252-259. (1/18)
صفحة 19
والخوف من الله -تعالى- ينتاب كل مخلوق في الكون، فهو الخوف المنسجم مع الفطرة إذ هو من أكيد متطلباتها، وهذا ما يتجلى في قوله -تعالى-: { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } ، [سورة النحل:49-50] (1) ، فكل ما في السماوات وكل ما في الأرض يخاف الله.
... من هنا ندرك أن الأصل في الإنسان أنه يخاف الله وأن خوفه غير الله -تعالى- خروج منه عن هذه الفطرة، وشذوذ عن المنظومة المتكاملة للكون، ونتيجة لذلك فإن الإنسان يتخاصم مع بني جنسه ويخافهم في حين أن عامل الخوف كان من المفترض أن يكون عامل توحيد وانسجام لو كان الجميع لا يخاف إلا الله -تعالى-.
__________
(1) -لعل جمع الله -تعالى- في الآية بين المخلوقات الضعيفة (الدواب) والمخلوقات العظيمة (الملائكة) فيه دلالة وتأكيد على شمول هذا الأمر كل مخلوق مهما كانت قوته إلا الإنسان فإنه يشذ عن هذه الفطرة بكبريائه واستعلائه في كثير من الأحيان!. (1/19)
صفحة 20
فمن مصلحة الإنسان أن أمره الله -تعالى- بأن يخافه ووعده على ذلك الخير الأبدي، ولقد أدرك الشيطان -لعنه الله- هذه الحقيقة أيما إدراك وشهد بها على نفسه حينما أخبرنا الله -تعالى- عن تصرفه عند انهزام حزبه المفسدين: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ، [سورة الأنفال: 48]. بل يعمل الشيطان جاهدا على تخويف أوليائه ليصرفهم عن خوف الله -تعالى-، وفي التنزيل: { إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [سورة آل عمران: 175] (1) .
... فالمعركة بين حزبين: حزب الله وحزب الشيطان، الله -تعالى- يدعو الإنسان إلى خوفه وحده إيمانا به، قال -تعالى-: { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً } ، [سورة الأحزاب: 39]، والشيطان في الجهة المقابلة يلقي الخوف في قلوب أولياءه من حزبه ليصرفهم بذلك عن خوف الله الذي يسعدون به في الدار الآخرة، أو على الأقل ليجعل في خوفهم من الله شائبة من خوف غيره كخوف الناس مثلا.
2- الخوف من عذاب الله: نجد في الآيات القرآنية تفريقا بين خوف مقام الله -تعالى- والخوف من وعيده، من ذلك قوله -تعالى-: { وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } ، [سورة إبراهيم: 14]. فقد عطف الخوف من الله على الخوف من عذابه، وكما هو معروف فإن العطف يقتضي التغاير.
__________
(1) - وهذا هو الخوف المرضي الذي سنتحدث عنه لاحقا. (1/20)
صفحة 21
والخوف من عذاب الله يجب أن ينظر إليه بجانب الرجاء في رحمته ونعيمه الذي أعده الله للمتقين، الذين ينقادون لأوامره ويستجيبون لها، فالثواب والعقاب هما أسلوبا التربية الناجحين (1) ، إذ عندما يخاف الإنسان عذاب الله يعصمه ذلك من الوقوع في أمن مكر الله، وعندما يرجو نعيم الله فإنه يعمل بجد وحزم للوصول إليه، فلا يسمح للعبد بالمغالاة في الخوف من عذاب الله ذلك أنه مأمور بالمساواة بين الخوف والرجاء، ولا يسمح له في التفريط في خوف الله والميل إلى الرجاء فحسب، لذلك نجد أن الخوف من عذاب الله -تعالى- كثيرا ما يرد مقرونا بالرجاء في رحمته، من ذلك قوله -تعالى- واصفا عباده: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً } ، [سورة الإسراء: 57].
__________
(1) -لا يفهم من هذا أن عذاب الله للتخويف فحسب بل هو واقع لأن الله -تعالى- لا يقول إلا الحق: { َمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً } [سورة النساء: 87]، وقد أشار إلى وقوعه القرآن نفسه حيث يقول -تعالى-: { سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } ، [سورة المعارج: 1-2]. (1/21)
صفحة 22
... وقد كانت دعوة الأقوام على لسان رسلهم ترهيبا من عذاب الله، وترغيبا في فضله، فهذا نوح - عليه السلام - يخاطب قومه: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } ، [سورة الأعراف: 59]، وهذا نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يأمره الله -تعالى- أن ينذر الناس ويخوفهم من عذابه في كثير من الآيات منها قوله: { وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } ، [سورة إبراهيم:44]، وقوله -تعالى-: { فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } ، [سورة فصلت: 13].
إن الخوف من عذاب الله يدفع الإنسان إلى مراقبة سلوكه، احتراما لمقام الله -تعالى- المطلع على كل أفعاله وأقواله وما تخفيه نفسه من هواجس وأفكار، وحذرا من عذابه الذي لا يطيقه أي مخلوق، كيف لا؟، وهو العذاب الذي يصفه خالق الكون بأنه العذاب العظيم والشديد والأليم، وحسبنا هذه الصورة التي تضعنا أمام قوة عذاب الله -تعالى-: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } ، [سورة الحج، الآيتان:1-2]. (1/22)
صفحة 23
... ومن المفارقات التي يعيشها بعض الناس اليوم أنهم ينفرون من الكلام عن عذاب الله ويصفون المتحدث عن ذلك بالتطرف أو القنوط، وتراهم يكرهون الكلام عن الموت أيضا، ولا يروق لهم الحديث إلا عن خيرات الجنة ونعيمها، بدعوى تجنب القنوط والنظر إلى الآخرة بالوجه المشرق، وأن واقعهم بعيد عما يُحِلُّ عليهم عذاب الله وسخطه، غير أننا نجد القرآن الكريم يؤكد في كثير من الآيات على أن الهداية والاستجابة لداعي الله -تعالى- إنما تكون ممن يخشاه ويخافه، يقول -تعالى-: { سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى } ، [سورة الأعلى:10]، بل ويبين بنص صريح أن سبب الإعراض عن التذكر هو عدم الخوف من الآخرة: { فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ } ، [سورة المدثر: 49-53]. ويبين القرآن الكريم أن السبب في إيراد تلك الصور من العذاب تخويف الناس وتحذيرهم مما أعده الله للكافرين من العذاب في الآخرة، يقول -تعالى-: { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } ، [سورة الزمر: 16]. (1/23)
صفحة 24
... ونتيجة لذلك نجد القرآن الكريم يدعو رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يعتني بالذين يخافون وعيد الله: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } ، [سورة ق: 45]، { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } ، [سورة الأنعام:51]. ذلك أن الاستجابة لداعي الله إنما تكون من قبَل أولئك الذين يخافون الله، ولذلك يعاتب الله رسوله حينما ولى وجهه عن الذي يخشى: { وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى } ، [سورة عبس:8-10]. لأن الذي يخشى فيه استعداد لتقبل أوامر الله والاستجابة لها، أما الذي استغنى فقد أُشربت نفسه كبرياء وأنفة فهو بعيد عن الخضوع لأوامر الله والعمل بها. (1/24)
صفحة 25
3- الخوف من الظواهر الغريبة: وهو الخوف من أي شيء غريب عن العادة، ومن كل ما يعتبر من الخيالات التي لا يتصور الإنسان وقوعها، وقد ذُكرت في القرآن الكريم نماذج من هذا الخوف، وقعت لأنبياء الله -تعالى- أنفسهم، كخوف سيدنا موسى من العصا لما انقلبت ثعبانا، قال -تعالى-: { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً } ، [سورة النمل: 10]، وجميل كلام سيد قطب (1) حينما يصور هذه المعجزة فيقول: "ووقعت المعجزة الخارقة التي تقع في كل لحظة; ولكن الناس لا ينتبهون إليها. وقعت معجزة الحياة. فإذا العصا حية تسعى. وكم من ملايين الذرات الميتة أو الجامدة كالعصا تتحول في كل لحظة إلى خلية حية; ولكنها لا تبهر الإنسان كما يبهره أن تتحول عصا موسى حية تسعى! ذلك أن الإنسان أسير حواسه, وأسير تجاربه, فلا يبعد كثيرا في تصوراته عما تدركه حواسه. وانقلاب العصا حية تسعى ظاهرة حسية تصدم حسه فينتبه لها بشدة. أما الظواهر الخفية لمعجزة الحياة الأولى, ومعجزات الحياة التي تدب في كل لحظة فهي خفية قلما يلتفت إليها. وبخاصة أن الألفة تفقدها جدتها في حسه، فيمر عليها غافلا أو ناسيا. وقعت المعجزة فدهش لها موسى وخاف" (2) .
إذا خلاصة القول أن الخوف طبعي ومرضي، وقد ذكر القرآن الكريم لكل منهما صورا متعددة.
2- الخوف المرضي (الشخصي) "PHOBIA".
__________
(1) - سيد قطب: مفكر إسلامي معاصر ولد بقرية موشة من محافظة أسيوط في مصر سنة 1906م، له تفسير شهير بعنوان: "في ظلال القرآن"، استشهد في 29 أوت 1966م، إثر الحكم عليه بالإعدام. أحمد الجدع: معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين، دار الضياء، الأردن، ط2، 1425هـ-2004م. 2/567.
(2) -سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق، ط35، 1425هـ-2005م. 4/2332. (1/25)
صفحة 26
هو خوف من شيء أو عمل ما دون مبرر أو سبب مفهوم (1) ، وينشأ داخل الفرد مرتبطا بالغريزة، فالعاديون من الناس يهابون الظلام، ويتحاشون مواجهة الحيوان المفترس، ويتقززون من الحشرات أو يخشون التلوث بالميكروبات، ويتفادون الأماكن المقفلة لضيقها، وخطر عبور الأماكن المتسعة لازدحام حركتها، أما أن تكون مواجهة أحد هذه المواقف أو الأشياء -بل حتى قبل المواجهة ولمجرد التفكير- مصدر فزع للنفس، وفرقا للقلب يستتبع أعراض الانفعال الحاد فهذا هو المرض (2) .
ويصاحب الخوف المرضي نوبات قلق وأعراض جسمية منها:
1- زيادة معدل ضربات القلب والألم حوله.
2- صعوبة التنفس والإحساس بالاختناق.
3- الشعور بالغثيان والعرق وبرودة الأطراف.
4- دوار الرأس والصداع.
5- الحاجة إلى التبول أو التبرز (3) .
6- شحوب الوجه.
7- زيادة الشد العضلي (4) .
أقسام الخوف المرضي:
قسم علماء النفس الخوف المرضي بالنظر إلى ما يخاف منه إلى أنواع منها:
1- الخوف من الأماكن المرتفعة (Acro-phobia)
2- الخوف من الأماكن المفتوحة والشوارع (Agra-phobia).
3- الخوف من الزوابع الرعدية (Astra-phobia).
__________
(1) - يوسف ميخائيل أسعد: قاموس علم النفس، دار غريب، القاهرة، 1998م. ص11. وهناك تعريفات كثيرة ولكنها غير دقيقة في ضبط المفهوم المقصود من الخوف المرضي، مثال ذلك: "الخوف المرضي: هو حالة شعورية مصحوبة بانعكاس عضوي على وظيفة أغلب أجهزة الجسم من تسارع في ضربات القلب، وضيق في التنفس، واضطراب في عمل جهاز الهضم والأعصاب والعضلات، وعملية إفراز الغدد وغيرها". عدنان الشريف، مرجع سابق، ص67.
فنلاحظ أن هذا التعريف لا يميز بين انفعال الخوف وغيره من الانفعالات التي تسبب هذه التغيرات كالغضب مثلا.
(2) - موسوعة علم النفس الشاملة، 5/156-157.
(3) – المرجع السابق.
(4) - خليفة - عبد الله، مرجع سابق، ص231. (1/26)
صفحة 27
4- الخوف من الموت (Thanato-phobia) (1) .
مميزات الخوف المرضي:
يتميز الخوف المرضي عن الخوف الطبعي ببعض المميزات منها:
1- يتجاوز في شدته الخطر الموضوعي الخارجي.
2- الشخص يدرك أن خوفه هذا (غير معقول) أو لا يمكن تفسيره بطريقة منطقية.
3- يكون فوق مستوى الضبط أو التحكم الإرادي من الشخص.
4- يؤدي إلى تجنب الموقف المثير للقلق.
5- يستمر عبر فترة ممتدة من الوقت.
6- غير تكيفي أي يمثل فشلا من التكيف الخارجي، على عكس الخوف الموضوعي السوي.
7- لا يقتصر على عمر معين أو فترة زمنية محددة (2) .
صور للخوف المرضي في القرآن الكريم.
... ذكر القرآن الكريم صورا عديدة للخوف المرضي، فذمه ودعا الناس إلى تجنبه، وبيّن أنه يتعارض مع الشخصية السوية المؤمنة بالله، ومن الصور التي ذكرها ما يلي:
1- الخوف من الناس: كثيرا ما ترد آيات تتحدث عن الخوف من الناس وتذمه، منها ما يصرح بذلك ومنها ما يلمّح إليه ويشير، ومما ورد من ذلك عتاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله -تعالى-: { وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } ، [سورة الأحزاب:37].
__________
(1) - يوسف ميخائيل أسعد، مرجع سابق، ص11. حامد عبد السلام زهران: قاموس علم النفس، مطبعة نهضة مصر، ط2، 1987م. ص369.
(2) - فايزة يوسف عبد المجيد: دراسة للمخاوف الشائعة بين تلاميذ المدارس الابتدائية، دار الثقافة، القاهرة،(د.ت). (د.ص) (نقلا عن: خليفة-عبد الله ، مرجع سابق، ص236). (1/27)
صفحة 28
2- الخوف من الأعداء: وسببه التعلق بالحياة الدنيا وعدم إعداد الزاد للآخرة، أو عدم الإيمان واليقين بوعد الله، وقد ذكر القرآن أمثلة عديدة لهذا الخوف، من ذلك حكايته -تعالى- عن القوم الذين طلب منهم القتال فأحجموا: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } ، [سورة النساء:77].
3- الخوف من الفقر: وهذا يعود إلى عدم الإيمان بضمان الله لرزق الإنسان، ولا داعي إلى الإشارة بأن ذلك لا يتعارض مع السعي لكسب الرزق الحلال، إذ الأمور مقرونة بأسبابها، وقد كان هذا الخوف شائعا في الجاهلية الأولى حتى قتلوا أولادهم خشية الفقر، لذلك أمرهم الله -تعالى- بالتخلي عن هذا الخوف وتكفل برزق الوالدين والمولودين فقال: { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } ، [سورة الإسراء:31].
خامسا: علاقة الخوف بالقلق.
يرى بعض العلماء أن الخوف والقلق وجهان لعملة واحدة، وهما اسمان لنفس الانفعال، غير أن فريقا آخر يرى أن الخوف يختلف عن القلق في بعض الأمور ويتفق معه في أخرى، فيتصف كل من الخوف والقلق بأنهما:
1- حالة انفعالية.
2- غير ممتعة.
3- توجه نحو المستقبل في الإحساس بالتهديد المتوقع أو المنتظر (1) .
4- عدم الراحة أو الارتباك الجسمي.
__________
(1) - أحمد بن محمد بن مسكويه (ت421هـ): تهذيب الأخلاق، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 1401هـ-1981م. ص171. (1/28)
صفحة 29
بينما يختلف الخوف عن القلق في بعض الأمور:
1- الخوف رد فعل لخطر حاضر أو موجود غالبا أما القلق فهو رد فعل لشيء متوقع أو متخيل.
2- يميز فرويد (Freud ) بين هذين الانفعالين في ضوء ما أطلقه على الخوف بأنه القلق الموضوعي، في حين أطلق على القلق اسم القلق العصابي، فالشخص الخائف يكون خوفه محددا من شيء بعينه، أما الشخص القلق فهو أكثر تشتيتا وإرباكا.
3- يميز سبيلبرجرSpielberger) ) بين الخوف والقلق كحالة وبين الخوف والقلق كسمة.
4- انفعال القلق أكثر دواما وبقاء من الخوف، لأن الخوف متى انطلق في سلوك مناسب استعاد الفرد توازنه وزال خوفه أما القلق فهو خوف معتقل لا يجد منصرفا.
وبوجه عام فإن المتأمل لعلاقة الخوف بالقلق يجد أنه بالرغم من تعامل بعض الباحثين معهما على أنهما نمطين مختلفين، فمعظم الباحثين يستخدم المصطلحين على الترادف (1) ، ويرى الباحث أن هناك فرقا بين الخوف والقلق كما مر.
الفصل الثاني: تسمية اليهود في القرآن الكريم ووجودهم العالمي اليوم.
أولا: تسمية اليهود في القرآن الكريم:
1- بنو إسرائيل.
2- اليهود.
ثانيا: لماذا نادى القرآن الكريم اليهود ببني إسرائيل ؟
ثالثا: الوجود اليهودي في العالم اليوم.
الفصل الثاني: تسمية اليهود في القرآن الكريم ووجودهم العالمي اليوم.
أولا:تسمية اليهود.
__________
(1) - خليفة - عبد الله، مرجع سابق، ص230-231. (1/29)
صفحة 30
عند طرق موضوع تسمية بني إسرائيل أو اليهود تتبادر إلى الذهن مسميات عدة هي: بنوإسرائيل، اليهود، العبريون، الصهاينة، ولم يرد في القرآن من هذه التسميات سوى الاسمان الأولان، فأحيانا يسميهم اليهود وأحيانا يطلق عليهم اسم بني إسرائيل، فما أصل تسميتهم ببني إسرائيل وما أصل تسميتهم باليهود ؟، وهل هناك فرق بين التسميتين في المصطلح القرآني؟ (1) .
1- بنو إسرائيل:
تتكون كلمة "بنو إسرائيل" من شقين:"بنو" و"إسرائيل". ووردت كلمة: " بنو إسرائيل" 41 مرة في القرآن الكريم، مرة على الرفع: "بنو إسرائيل"، و40 مرة على النصب أو الجر: "بني إسرائيل" (2) .
بنو:
معناها: بنون، حذفت النون للإضافة، مفردها ابن، والابن: الولد (3) . وقيل إنه سمي به لكونه بناء للأب لأنه الذي بناه وجعله الله سببا لإيجاده (4) .
إسرائيل:
وردت كلمة إسرائيل مرتين في القرآن الكريم دون نسبة البنوة إليها:
1- { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، [سورة آل عمران: 93].
__________
(1) – مما يستغرب له اعتماد بعض الباحثين على التوراة في حين أن الباحث لا يمكنه أن يستخلص ما سلم من تحريفهم من غيره ما لم يثبت القرآن شيئا من ذلك، ولا يعني ذلك المنع من نقد ما جاء فيها من أخبار ولكن المحظور هو الاعتماد عليها.
(2) - الأصفهاني، مرجع سابق، ص60.
(3) – ابن منظور، مرجع سابق، 14/89.
(4) – زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري: الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، تح: مازن المبارك، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1411هـ. 1/30. (1/30)
صفحة 31
2- { أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً } ، [سورة مريم: 58].
وعند الرجوع إلى كتب التفسير نجد أنها مُطبِقة على أن إسرائيل هو لقب لنبي الله يعقوب بن إسحاق عليه السلام (1) .
__________
(1) – محمد بن جرير الطبري (ت310): تفسير الطبري، دار الفكر، بيروت، 1405هـ. 1/248. محمد بن أحمد القرطبي(ت671هـ)، الجامع لأحكام القرآن، دار الشعب، القاهرة، ط2، 1372هـ.1/330. إسماعيل بن عمر بن كثير(ت774هـ)، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، 1401هـ. 1/83. عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي(ت791هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار الفكر، بيروت، 1416هـ-1996م. 1/307. (1/31)
صفحة 32
و"إسرائيل" كلمة عبرية غير عربية، وتضطرب المصادر في معناها، فبعض المعاجم تعطي لها معنى المصارع، إذ إن يعقوب -عليه السلام- سمي بذلك لما صارع الملاك (1) ، أو صارع الله وأجبره على أن يباركه، بينما يذهب الشيخ أطفيش (2) إلى أن "إسرائيل" كلمة مركبة من "إسرا" و"إيل"، ومعنى "إسرا": عبد أو صفوة، ومعنى "إيل": الله وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين (3) .
__________
(1) - المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، ط30، 1988م. ص44.
(2) - هو الشيخ محمد بن يوسف أطفيش يلقب بقطب الأئمة، ولد عام 1238هـ، ببني يزجن في وادي ميزاب بالجزائر، خاض ميدان الإصلاح الاجتماعي، وتولى مهمة التدريس في الوادي، اهتم بالتأليف والتدوين فله كتب كثيرة من أشهرها: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، وتيسير التفسير، وهميان الزاد ووفاء الضمانة، توفي سنة1332هـ بوادي ميزاب عن عمر يبلغ 96 عاما. شرح كتاب النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، مطابع النهضة، مسقط، (د.ت). جزء الفهارس، ص591.
(3) - محمد بن عمر فخر الدين الرازي (ت604هـ): التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ-1990م. 21/200. محمد بن يوسف أطفيش(ت1332هـ): هميان الزاد إلى دار المعاد، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1406هـ-1986م. 10/293. (1/32)
صفحة 33
هذا ومن الواضح الجلي لكل مسلم أن المعنى الأول معنى أسطوري باطل، ذلك أنه لا يمكن لأي إنسان أن يصارع الملاك أو يصارع الله -تعالى- والقائلون بهذا المعنى أخذوه من التوراة المحرفة التي ملأها كفار بني إسرائيل بخرافاتهم وخزعبلاتهم، واقتبسوه من أسطورة قريبة من الأساطير اليونانية القديمة (1) ، وقد أشار صاحب موسوعة اليهود واليهودية أن هناك فرقا بين كلمتي: "يسرائيل"، وكلمة:"إسرائيل"، فالمعنى السابق هو معنى كلمة "يسرائيل"، أما كلمة "إسرائيلي" فهي التعبير القانوني الذي يشير إلى مواطن دولة "إسرائيل" التي أقامها اليهود على أرض فلسطين (2) .
إذن فالمعنى الصحيح لكلمة إسرائيل الذي يتناسب مع العقيدة الإسلامية هو: عبد الله أو صفوة الله.
2- اليهود:
اشتهر بنو إسرائيل باسم اليهود أكثر من التسمية الأولى "بنو إسرائيل"، ومجرد النطق بهذه الكلمة يسبق إلى ذهن السامع معنى المكر والخداع، وصفات اليهود التي لا تخفى على أحد، فما معنى هذا الاسم، وما سبب تسميتهم به ؟
__________
(1) - ذكر السيوطي الرواية التي دخل عن طريقها هذا المعنى إلى الفكر الإسلامي، فقال: "وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مجلز قال: كان يعقوب رجلا بطيشا فلقي مَلَكا فعالجه فصرعه الملك فضربه على فخذيه فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به فقال ما أنا بتاركك حتى تسميني اسما فسماه إسرائيل، قال أبو مجلز ألا ترى أنه من أسماء الملائكة إسرائيل وجبريل وميكائيل وإسرافيل". عبد الرحمن بن الكمال السيوطي(ت911هـ): الدر المنثور، دار الفكر، بيروت، 1993م. 1/153.
(2) - د.عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2003م. 1/103. (1/33)
صفحة 34
يورد صاحب اللسان معنى كلمة "يهود" فيقول:" الهود: التوبة، هاد يهود هودا: تاب ورجع إلى الحق فهو هائد، وفي التنزيل: { وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } ، [سورة الأعراف:156]. أي تبنا ورجعنا إليك. وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم، ويهود اسم للقبيلة، وقالوا (اليهود) فأدخلوا الألف واللام فيها على إرادة النسب يريدون اليهوديين" (1) .
وجاء في مختار الصحاح: " هاد: تاب ورجع إلى الحق فهو هائد، وقوم هود، قال أبو عبيدة: "التهود: التوبة والعمل الصالح"، ويقال أيضا: هاد، وتهود: أي صار يهوديا، والهود بوزن العود: اليهود" (2) .
فإذن معنى هاد: تاب، واليهود هم القوم التائبون. لذا نجد جماعة من العلماء تجنح إلى القول بأنهم سموا بذلك عندما تابوا من عبادة العجل وقالوا: { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } ، [سورة الأعراف:156]. فالمدلول اللغوي للكلمة هو أصل التسمية عندهم.
بينما يرى فريق آخر أنهم سمّوا بذلك نسبة إلى ابن من أبناء النبي يعقوب -عليه السلام-، ينحدر منه نسل اليهود، وهو يهوذا فسمي نسله فقط ببني يهوذ أول الأمر، ثم اتسعت التسمية فشملت كل نسل يعقوب -عليه السلام- وهو أصل التسمية ولما نقل إلى العربية أبدلت الذال دالا، "وإنما سموا باليهود نسبة إلى يهوذا أحد الأسباط، فإن الملك استقر في ذريته، وأبدلت الذال المعجمة دالا مهملة، لأن العرب كانوا إذا نقلوا أسماء أعجمية إلى لغتهم غيّروا بعض حروفها" (3) .
__________
(1) – ابن منظور، مرجع سابق، 3/439.
(2) – محمد الرازي، مرجع سابق، 1/292.
(3) – أمين الخولي: تاريخ الملل والنحل، 2/4.( نقلا عن: محمد سيد طنطاوي: بنو إسرائيل في القرآن والسنة، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1997م. ص13). (1/34)
صفحة 35
وقيل إنهم سموا بذلك لأنهم يتهودون، أي يتحركون عند قراءة التوراة (1) . وقيل سموا يهودا لأنهم هادوا أي مالوا عن دين موسى -عليه السلام-، وقيل من الهوادة أي المودة (2) .
وهناك تفسير آخر لكلمة اليهود أو يهودي ذكره صاحب الموسوعة وهو أن كلمة يهودي تتكون من قسمين: "يهوه" وتعني: الرب، و"ودي" وتعني الاعتراف والإقرار والجزاء، وهكذا فإن الكلمة تعني: شكر الإله أو الاعتراف بنعمته، وحسب سفر التكوين فقد اشتقت زوجة يعقوب هذا الاسم لابنها الرابع فأسمته:"إيهودا"، وسميت بهذا الاسم مملكة يهودا المملكة الجنوبية، ثم تطورت فأصبحت اسما لكل من يعتنق الديانة اليهودية، ثم حملت هذه الكلمة معان سلبية في الحضارة الغربية مثل: "بخيل"، "غيرشريف"، "عبد المال"، لذا فقد اعتبرت الماركسية الرأسمالية تهويدا للمجتمع، ثم تطور معنى الكلمة فصار يحمل في القرن التاسع عشر اتجاهين متناقضين فقد أسقط بعض اليهود هذه الكلمة واستبدلوها بكلمة عبراني أو إسرائيلي للتخلص من المضامين السلبية لكلمة يهودي، ومن جهة أخرى فإنه بدأ الترويج لأسطورة اليهودي التائه وإضفاء شيء من القداسة على صفة اليهودي (3) .
__________
(1) – طنطاوي، المرجع السابق.
(2) - حسين علي حمد: قاموس المذاهب والأديان، دار الجيل، بيروت، ط1، 1419هـ-1998م. ص228.
(3) - المسيري، الموسوعة، 1/102. (1/35)
صفحة 36
في الأخير أقول: إن القرآن الكريم سمى اليهود بهذا الاسم ثم ذكرهم بأنهم الذين هادوا في مواضع متعددة من القرآن الكريم (1) ، وذكر أن سيدنا موسى لما أخذت الرجفة من اختارهم قال: { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } ، [سورة الأعراف:156]. فيظهر أن اسم اليهود جاء من الذين تصوروا أنهم أبناء الذين هادوا، وقد رجح هذا المعنى الشيخ الشعراوي (2) . هذا ويذكر الدكتور المسيري أن أقدم تسمية لأبناء يعقوب -عليه السلام- هي العبرانيين (3) .
ومن الجدير بالذكر أن تحديد الهوية اليهودية أمر في غاية التعقيد، ذلك أن هذه الهوية اليهودية مركبة من هويات تشكلت إثر اختلاطها بأجناس من الحضارات وأشكال من المجتمعات، فالهوية اليهودية تراكمية، أي تشكلت جراء التقاء هويات مختلفة من شتى بقاع الأرض. وسؤال: من هو اليهودي ؟، سؤال كثيرا ما يثار في الأوساط الصهيونية نفسها، لذلك يجنح الدكتور عبد الوهاب المسيري إلى أن إطلاق لفظة " اليهود" إطلاق خاطئ، إذ لا وجود له على أرض الواقع، والصحيح أن هناك هويات يهودية، وجماعات يهودية (4) .
__________
(1) - من ذلك قوله -تعالى-: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً } ، [سورة النساء: 160]. { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } ، [سورة المائدة: 69].
(2) - محمد متولي الشعراوي، قصص الأنبياء، دارالكتب العلمية، لبنان، (د.ت). 4/2344.
(3) - المسيري، الموسوعة، 1/ 103.
(4) - عبد الوهاب المسيري: من هو اليهودي ؟، دار الشروق، القاهرة، ط3، 2002م. ص15. (1/36)
صفحة 37
غير أن الباحث يرى أن القرآن الكريم استعمل هذه التسمية، وأراد بها الجنس اليهودي الذي وصفه بصفات تعتبر نقطة تقاطع بين جميع هذه الهويات، كوصفها بالخيانة والكذب وغير ذلك من الأوصاف التي تعتبر عاملا مشتركا بين جميع هذه الجماعات، ونحن عندما نتكلم عن اليهود نتكلم عليهم وفقا لهذا الوصف القرآني.
ثانيا: لماذا نادى القرآن الكريم اليهود ببني إسرائيل ؟
عندما نقرأ القرآن الكريم نجد أن الله تعالى ينادي قوم موسى -عليه السلام- ببني إسرائيل تارة، بينما يسميهم باليهود، مما يجعلنا نتساءل: ما الحكمة من هذا ؟.
فالقرآن الكريم يستعمل اسم "بني إسرائيل" عند ندائهم وقد يناديهم بأهل الكتاب، بينما عندما يقص تعنتهم وعصيانهم فإنه يسميهم اليهود، فعندما نادى بني إسرائيل إلى تذكر نعم الله عليهم لأداء شكرها قال: { يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } ، [سورة البقرة: 47]. ولا نجد في القرآن الكريم خطابا: يا يهود. بل نجد كلمة اليهود مقترنة بالتحذير منهم: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } ، [سورة المائدة:82]، كما يذكرهم باسم اليهود في معرض ذكر ما فرض عليهم: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } ، [سورة النساء:160]، كما أن ذلك يرد كثيرا عند ذكر خصالهم القبيحة: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } ، [سورة المائدة:64]. { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ } ، [سورة التوبة:30]. (1/37)
صفحة 38
وفسّر بعض العلماء ذلك بأنه يعود إلى الخطاب الذي تتناوله الآية، فإن كان توجيها لبني إسرائيل وإرشادا لهم ودعوة لهم إلى الإسلام ينسبهم إلى أبيهم إسرائيل، إشارة إلى فضل يعقوب -عليه السلام- وأن أباهم كان مطيعا لله فعليهم أن يقتفوا أثره، وذلك نظير خطاب الله الناس جميعا بنسبتهم إلى آدم تنبيها لهم إلى أصلهم، وتكريم الله لأبيهم آدم، وتفضيلهم على المخلوقات مما يدعوهم إلى الاستجابة لأمر الله واستشعار نعمه عليهم. يقول ابن كثير: " يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام ومتابعة محمد -عليه من الله أفضل الصلاة والسلام- ومهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي الله يعقوب -عليه السلام-، وتقديره يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق كما تقول يا ابن الكريم افعل كذا، يا ابن الشجاع بارز الأبطال، يا ابن العالم اطلب العلم ونحو ذلك" (1) .
كما مال إلى ذلك الشيخ الشعرواي حيث يقول: " لكن حين يقول سبحانه وتعالى مناديا أبناء إسرائيل: { يَا بَنِي إِسْرائيلَ } ، [سورة البقرة:40]. فهذا التخصيص ليذكرهم بأبيهم نبي الله يعقوب الذي ابتلاه الله كثيرا...، فإنه يذكر بني إسرائيل ما كان من منزلة عند الله، وما تحمّله من الابتلاءات في دينه وحياته، ويذكّرهم الحق تبارك وتعالى بوصية والدهم حين جاءه الموت بناء على وصية إبراهيم عليهما السلام وابنه إسحاق وإسماعيل" (2) .
__________
(1) - ابن كثير، مرجع سابق، 1/83.
(2) - الشعراوي، قصص الأنبياء، 4/2347. (1/38)
صفحة 39
ويذكر أبو حيان أن الله -تعالى- لم يذكرهم بندائهم "بني يعقوب" لما في لفظ "إسرائيل" من التشريف، وما فيه من تحفيزهم على الخير، مثل أن تقول لرجل عاص: يا ابن الرجل الصالح أطع الله، ففيه إضافة إلى ما يحركه على الإقبال على طاعة الله (1) . وهذه محاولة لفهم الحكمة وراء إطلاق القرآن الكريم هذين الاسمين على بني إسرائيل وإن كان الباحث لا يتجرأ على الجزم بذلك.
ثالثا: الوجود اليهودي في العالم اليوم.
بلغ عدد يهود العالم أربعة عشر مليونا ونصف المليون(14.5مليون)، حسب إحصاء تم في 31يناير 2002م، ويعرض الجدول أهم الدول التي يتوزعون عليها بنسب معتبرة (2) .
فلسطين ... 5.300.000 ... المكسيك ... 40.000
الولايات المتحدة ... 5.800.000 ... بلجيكا ... 40.000
فرنسا ... 600.000 ... أوزبكستان ... 35.000
روسيا ... 550.000 ... إيطاليا ... 35.000
أوكرانيا ... 500.000 ... الأورجواي ... 35.000
كندا ... 360.000 ... فنزويلا ... 35.000
بريطانيا ... 300.000 ... هولندا ... 30.000
الأرجنتين ... .000 ... أذربيجان ... 30.000
جنوب إفريقيا ... 150.000 ... إيران ... 25.000
البرازيل ... 130.000 ... تركيا ... 25.000
أستراليا ... 100.000 ... سويسرا ... بين 15.000 و20.000
المجر ... 80.000 ... السويد ... بين 15.000 و20.000
ألمانيا ... 60.000 ... إسبانيا ... بين 15.000 و20.000
روسيا البيضاء ... 60.000 ... جورجيا ... بين 15.000 و20.000
دائرة بيانية لنسب توزع اليهود في العالم، إحصاء سنة 2002م
الفصل الثالث: صور خوف اليهود في القرآن الكريم.
أولا: منهج القرآن الكريم في إثبات صفة الخوف لليهود.
ثانيا: أحداث حكى القرآن الكريم فيها خوف اليهود.
1- بنو إسرائيل وأمر موسى- عليه السلام- لهم بدخول الأرض المقدسة.
2- الملأ من بني إسرائيل مع الملك طالوت.
3- يهود المدينة المنورة:
أ- يهود بني قينقاع.
ب- يهود بني النضير.
ج- يهود بني قريظة.
ثالثا: علاقة اليهود بالموت.
__________
(1) - أبو حيان محمد بن يوسف: البحر المحيط، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1411هـ-19990م. 1/173.
(2) - المسيري، الموسوعة، 1/111. (1/39)
صفحة 40
الفصل الثالث: صور خوف اليهود في القرآن الكريم.
أولا: منهج القرآن الكريم في إثبات صفة الخوف لليهود.
لا يختلف اثنان في أن القرآن الكريم قوي في بلاغه، متين في حججه، واضح في إثبات أحكامه، فهو لما يحدثنا عن قدرة الله -تعالى- يعرض لنا صورا مختلفة وآيات متعددة تتجلى فيها قدرة الله، وتجعل القارئ المتدبر يحكم بوجود الله ووحدانيته، فالله -تعالى- عندما يقول: { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } ، [سورة النمل: 60]، وعندما يقول: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } ، [سورة الأنبياء: 22]، فهو يخاطب الإنسان بما ميزه به عن سائر مخلوقاته، إنه يخاطب عقله، لأن العقل وسيلة الإقناع، ويتحلى هذا أيضا في آيات كثيرة منها قوله -تعالى-: { وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ } ، [سورة الذاريات:20-21]؛ إنها بحق آيات تخاطب العقل الإنساني السليم فيجد نفسه أمام حقيقة التوحيد. (1/40)
صفحة 41
وكان بإمكان القرآن أن ينهج منهج التقرير دون مقدمات، ولكن كما قال -تعالى-: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } ، [سورة البقرة: 256]، وقد غفلت عن هذا كثير من المجتمعات، فتجد كثيرا من أفرادها ينتمون إلى الإسلام انتماء الإقليم، والقبيلة، وشهادة الميلاد، لأنهم لم يبلّغوا هذا الدين، ولم يعلموا أحقيته وفضله بأسلوب مقنع بالحجج والبراهين التي لا تدع مجالا للشك، بل توارثوه أبا عن جد، حتى إنك لترى الرجل يأتي المنكرات ويسبح في بحار المعاصي والطامات، ويرد نصوصا من القرآن الكريم، وترى المرأة سافرة متبرجة، مدعية أن الإسلام لم يفرض الحجاب على النساء، ولا يشك هؤلاء في إسلامهم قط، فما معنى إسلام بلا التزام؟، وما معنى إسلام مع رد لآيات واضحات بينات من كتاب الله ؟ ولأن الرعيل الأول من جيل الصحابة الذين كانوا يخوضون في ظلمات الجاهلية لم يدخلوا هذا الدين إلا عن اقتناع فإنهم دافعوا عنه إلى آخر قطرة من دمائهم، فمكّن الله لهم في الأرض ونصرهم، قال-تعالى-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، [سورة محمد: 7]. (1/41)
صفحة 42
فهذا إذن هو منهج القرآن، منهج الإقناع والحجة، وهو ما نلاحظه في إثبات القرآن لصفة الخوف لليهود، فقد عرض لنا صورا مختلفة منها ما وقع لبني إسرائيل ولا يمكن لهم إنكاره، ومنها ما يتحداهم الله فيها، وتقنعنا هذه الصور وتبين لنا أن أولئك القوم اتسموا بصفة الخوف، وسأحاول في هذا المبحث استعراض صور مختلفة في القرآن الكريم تثبت هذه الصفة لهم، وتحكي لنا أحداثا وقعت لهم سيطر فيها الخوف على قلوبهم وانتابهم فيها الرعب، والهدف من عرض هذه الصور هو أخذ هذا الشعور (الخوف) في إطاره العام من القصة، لمعرفة الظروف المحيطة بذلك الموقف ليتسنى لنا بعد ذلك تحليلها، وتلمس الأسباب الموضوعية لخوف اليهود، حتى نصل إلى نتائج منطقية واقعية عن ظاهرة خوف اليهود وكيف عرضها القرآن الكريم.
ثانيا: أحداث حكى القرآن الكريم فيها خوف اليهود.
ذكر القرآن الكريم قصصا كثيرا عن بني إسرائيل وقع لهم مع أنبيائهم، تصور لنا أحداثُه مدى الخوف الذي يملأ قلوبهم، وسأركز خلال عرض هذه القصص على اللحظة التي يتجلى فيها خوف القوم، دون إطالة في حيثياتها، وأكتفي بالإشارة إلى مواضعها المبسوطة فيها، كما أعرض من جانب آخر الآيات التي ينص فيها القرآن الكريم بصورة مباشرة على خوفهم.
1- بنو إسرائيل وأمر موسى - عليه السلام - لهم بدخول الأرض المقدسة.
... لقد نجا الله بني إسرائيل من العذاب المهين ومكّن لهم في الأرض بعد أن خلّصهم من فرعون وجنوده، فخرج بنو إسرائيل من مصر وهم يرون ويشاهدون بأم أعينهم هلاك عدوهم، ويُعد هذا الحدث فاصلا تاريخيا في حياة بني إسرائيل إذ نقلهم من حياة الذل إلى حياة الملك، ومن الاستعباد إلى الحرية، يقول -تعالى-: { وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ } ، [سورة الدخان:31]. (1/42)
صفحة 43
و ... سار بنو إسرائيل مع نبيهم المنقذ، وخلال رحلتهم من مصر إلى حدود الأرض المقدسة وقعت لهم أحداث كثيرة، تتفق كلها على عنصر المخالفة لأمر الله -تعالى- والانحراف والعصيان، ولكن الله تاب عليهم في كل مرة يقعون في انحراف من الانحرافات، وصبر موسى -عليه السلام- معهم حتى بلغ بهم حدود الأرض المقدسة التي كتب الله عليهم دخولها. فطلب موسى منهم أن يدخلوها والله ناصرهم، وقبل ذلك ذكَّرهم بنعم الله عليهم: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ } ، [سورة المائدة:20]. وهذا خطاب تذكيري لطيف، يخاطب فيهم جانب نعم الله عليهم، "وإننا لنلمح في كلمات موسى - عليه السلام - إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب. فلقد جربهم من قبل في "مواطن كثيرة " في خط سير الرحلة الطويل...لقد جربهم فحق له أن يشفق، وهو يدعوهم دعوته الأخيرة، فيحشد فيها ألمع الذكريات، وأكبر البشريات، وأضخم المشجعات وأشد التحذيرات" (1) .
{ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } ، [سورة المائدة:20-21]، وهنا يقف القوم أمام اختبار لقوة الإيمان، ومدى نبل خصالهم وأخلاقهم، فهل سيكافئون النعمة بالشكر ويستجيبون لأمر الله لهم ؟ أم أن سوء خصالهم، وفساد خلقهم سيحول بينهم وبين الاستجابة لأمر الله، فينكصون كما نكصوا من قبل ؟.
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 2/869. (1/43)
صفحة 44
... غير أن نفوسهم السقيمة تأبى إلا أن تكون من الحزب الخاسرين، الذين يكفرون النعم، ولا يعرفون للمنعم بها فضلا ولا شكرا، لقد أبوا دخول الأرض المقدسة، واعتذروا أن فيها قوما جبارين، وهم يخافون أن ينالوا منهم، وأنه إن خرج أولئك القوم منها فسيدخلونها وينفذون أمر الله، { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } ، [سورة المائدة:22]، ويزيدون بعد ذلك أنهم لن يدخلوها ما داموا فيها، وعلوا واستكبارا يقولون لموسى -نبي الله الذي خلصهم من الذل وأرشدهم إلى طريق الخير-: { إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ، [سورة المائدة:24]. وهذا هو طابع الخائف الذي يريد أن يستر خوفه وجبنه، فيلجأ إلى سب سبب إظهار هذا الخوف فيه، وسب كل ما كان سببا في اكتشاف هذه الخصلة الذميمة فيه وإشهارها، يقول الأستاذ سيد قطب: " وهكذا يحرج الجبناء فيتوقحون؛ ويفزعون من الخطر أمامهم فيرفسون بأرجلهم كالحمر ولا يقدمون! والجبن والتوقح ليسا متناقضين ولا متباعدين؛ بل إنهما لصنوان في كثير من الأحيان. يدفع الجبان إلى الواجب فيجبن. فيحرج بأنه ناكل عن الواجب، فيسب هذا الواجب؛ ويتوقح على دعوته التي تكلفه ما لا يريد!" (1) .
... إنه كبر وتغطرس وطغيان كبير، يحاولون به الوصول إلى إخفاء الخوف العجيب الذي يسيطر عليهم، حتى إنهم يتركون نبي الله ويعصون خالقهم خوفا من أولئك القوم، فهل كان أولئك القوم أشد وأطغى من فرعون؟ أم أنهم لم يفهموا بعد المعادلة الربانية في مجال الفوز والغلبة ؟ أم أن حياتهم وسلامتهم أعز إليهم من نبيهم وإنجاز أمر الله ؟ فما سبب هذا الخوف ؟
2- الملأ من بني إسرائيل مع الملك طالوت
__________
(1) – المرجع السابق، 2/870. (1/44)
صفحة 45
إن قصة الملأ من بني إسرائيل الذين أُخرجوا من ديارهم وشردوا هم وأبناؤهم، مثال حي آخر يقصه علينا القرآن يبين فيه قوة خوف اليهود، حيث كان معهم نبي من أنبياء الله -تعالى- فطلبوا منه أن يبعث لهم ملكا ليقاتلوا في سبيل الله ويستردوا حقوقهم، وكأن النبي - عليه السلام- يعلم ما سيكون منهم فسألهم إن هو بعث لهم ملكا هل سيقاتلون معه بالفعل أو سيتركونه ويخذلونه، فقالوا مصرّحين: { وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا } ، [سورة البقرة:246]، فهم مصممون وعازمون على القتال، ولكن لما كتب الله عليهم القتال تولوا وتخاذلوا إلا من رحم الله منهم، ولما أرسل الله لهم طالوت ملكا ليقاتلوا معه اعترضوا على تعيينه ملكا عليهم، بأنهم أكثر منه مالا، وهم أحق بالملك منه، ولكن النبي قال لهم: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ، [سورة البقرة:247]. فالقرار قرار إلهي فما عليكم إلا أن تسلموا وتذعنوا. (1/45)
صفحة 46
ولما فصل طالوت بالجنود ابتلاهم الله ابتلاء يظهر المقاتل في سبيل الله من غيره، وكان الابتلاء هو الشرب من نهر، فمن شرب من النهر فليس من حزب طالوت، وتتكشف الحقيقة مرة أخرى، وعدم صبرهم والتزامهم: { فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ } ، [سورة البقرة:249]، وما أن رأى المتبقون معه العدو حتى قالوا: { لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } ، [سورة البقرة:249]، ولكن الطائفة القليلة المؤمنة قالت عكس ذلك: { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، [سورة البقرة:249]، واستعانوا بالله فنصرهم، وأيدهم على عدوهم، { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ } ، [سورة البقرة:251].
هكذا يقرر القرآن موقف أولئك القوم الذين زعموا أنهم سيقاتلون مع نبي الله حتى يستردوا أرضهم وديارهم، فاندفعوا أول الأمر، ولكن خوفهم من عدوهم حال دون بلوغهم أمنياتهم، فخافوا أعداءهم وولوا مدبرين، فما هو السبب في هذا الخوف؟.
3- يهود المدينة المنورة.
تذكر بعض كتب السيرة أن قبائل اليهود كانت تشكل نسبة كبيرة من سكان يثرب - المدينة المنورة- قبل هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليها، فيذكر السمهودي أن القبائل التي نزلت بيثرب منهم من حين لآخر كانت تزيد على العشرين قبيلة، وكانت منهم ثلاث قبائل مشهورة، سنركز الحديث عنها في هذه الفترة وهي:
1- بنو قَيْنُقَاع : وكانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم داخل المدينة .
2- بنو النَّضِير : وكانوا حلفاء الخزرج، وكانت ديارهم بضواحى المدينة .
3- بنو قُرَيْظة : وكانوا حلفاء الأوس، وكانت ديارهم بضواحى المدينة (1) .
__________
(1) - صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، دار القلم، بيروت، ط2، (د.ت). ص174. (1/46)
صفحة 47
وكان من حكمته - صلى الله عليه وسلم - أنه بعد إقامته للدولة الإسلامية الفتية في يثرب، عاهد المساكنين له من غير المسلمين، ومن أولئك قبائل اليهود فعاهدوه على أمور متعددة (1) ، منها أن بينهم النصر على من دَهَم يثرب على كل أناس حصتهم من جابنهم الذي قبلهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل يثرب. ولكن أمد هذه المعاهدة لم يدم طويلا فنقضوا العهد الذي عاهدوه عليه - صلى الله عليه وسلم - .
أ- يهود بني قينقاع:
كان بنو قينقاع من اليهود الذين عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2) ، غير أنهم بعد غزوة بدر الكبرى حسدوا المسلمين على ما تحقق لهم من النصر والتأييد من الله، وكيف أن الله مكّنهم من أعدائهم، فحقدوا عليهم، وأخذوا يستفزون المسلمين بشتى أنواع الاستفزازات، ولما اشتد أمرهم جمعهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذكّرهم بما عاهدوه عليه، ودعاهم إلى الإسلام، والاعتبار بما حدث لقريش وفيهم نزل قوله
__________
(1) - أبو محمد عبد الملك بن هشام (ت218هـ): السيرة النبوية، تح: مصطفى السقا- إبراهيم الأبياري- عبد الحفيظ شلبي، دار ابن كثير، دمشق، ط12، 1424هـ - 2003م. ص430.
(2) - لم يرد ذكر خوف يهود بني قينقاع في القرآن الكريم ولكن لم أر مانعا من ذكرهم إذ لا يختلف حالهم عن حال يهود المدينة الآخرين، لا سيما وأن في الآية إشارة إليهم . (1/47)
صفحة 48
-تعالى-: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } ، [سورة آل عمران:12-13]. فكان جوابهم متعنتا يحمل في طياته سوء الأدب والحقد والكراهية فأجابوه بقولهم: " لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا" (1) . فتركهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن حذرهم من التمادي في ضلالهم.
ولكن اليهود لم ينزجروا عن غيهم بل تمادوا، فكانت القطرة التي أفاضت الكأس، لما مسُّوا المسلمين في كرامتهم، فتعرّضوا لامرأة من نساء المسلمين، وتسببوا في كشف سوأتها في سوقهم، فاغتاظ المسلمون لكرامتهم، وأثّر هذا في نفوسهم، فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة ليلة، ثم قذف الرعب في قلوبهم فاستسلموا، ولما نزلوا على حكمه - صلى الله عليه وسلم - أجلاهم عن المدينة فساروا إلى الشام، وكان جلاؤهم في السنة الثالثة للهجرة (2) .
__________
(1) - ابن هشام، مرجع سابق، ص639. د.محمد بن محمد أبو شهبة: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، دار القلم، دمشق، ط5، 1419هـ-1999م. 2/394.
(2) - أبو شهبة، مرجع سابق، 2/396. (1/48)
صفحة 49
إن العقل يقضي أنهم ماداموا قد استأنسوا من أنفسهم القوة والغلبة، سيبادرون إلى القتال ليثبتوا صحة مقولتهم، غير أن كتب السيرة لا تذكر منهم أدنى مقاومة، لما جاء إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - غازيا، فلقد حكم عليهم أول الأمر بالقتل، بل أمر بهم فكتفوا (1) ، ولولا أن حليفهم المنافق عبد الله بن أبي ألحّ على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يحسن فيهم لما اختلف مصيرهم عن الخائنين الذين سيأتي ذكرهم، وهم الذين كانوا يقولون أنهم أهل الحرب والقتال، فأين هذه الحرب؟، وأين ذلك القتال؟ وهل استولى عليهم الخوف إلى هذا الحد الذي جعلهم يغادرون منازلهم ويتشردون في الأرض ليبحثوا لهم عن مكان آخر يأوون إليه غير جوار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ؟.
ب- يهود بني النضير.
__________
(1) - المباركفوري، مرجع سابق، ص229. (1/49)
صفحة 50
تؤكد لنا قصة جلاء بني النضير عن المدينة المنورة حقيقة خوف اليهود بجلاء، فلقد عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كغيرهم من اليهود على النصرة، وحماية المدينة المنورة من الأعداء، وبعد حادثة بئر معونة (1) التي راح ضحيتها سبعون رجلا من المسلمين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم يستعينهم في أداء دية قتيلين من بني عامر قتلهما عمرو بن أمية الضمري الذي نجا من هذه الواقعة، فأظهر اليهود له الاستعداد لإجابته، ولكنهم هموا بقتله لما خلوا إلى بعضهم، ورأوا أن الفرصة مواتية للقضاء على حامل لواء الدعوة الإسلامية وقد جاءهم إلى أيديهم، وذلك بإلقاء صخرة من فوق الجدار الذي كان يستند إليه - صلى الله عليه وسلم - ، غير أن الوحي لم يتأخر في إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما هموا به، فقام - صلى الله عليه وسلم - مسرعا إلى المدينة وتبعه أصحابه، وأرسل إليهم أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني فيها، وأمهلهم عشرة أيام للجلاء.
ولكن رأس النفاق والخديعة أرسل إليهم أن اثبتوا وتمنّعوا وإنا ناصروكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، فأرسل اليهود إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنهم لن يخرجوا من المدينة، وفيهم نزل قوله-تعالى-: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ } ، [سورة الحشر:11-12].
__________
(1) - وتسمى أيضا سرية القراء. ابن هشام، مرجع سابق، ص751. أبو شهبة، مرجع سابق، 2/239. (1/50)
صفحة 51
ولما لم يخرجوا سار إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فحاصرهم ست ليال (1) ، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحرق نخيلهم التي يحتمون بها، وخذلهم ابن أُبيّ فلم ينجدهم بل تركهم يصارعون الأمر الواقع عليهم، ويتوجهون إلى مصيرهم بأنفسهم، ولما اشتد عليهم الحصار، ملأ الرعب قلوبهم فسارعوا إلى الاستسلام، وطالبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنهم على دمائهم، وأن لهم ما حملت الإبل غير السلاح، فصالحهم
- صلى الله عليه وسلم - على أن لكل ثلاثة منهم بعيرا يحملون عليه ما شاءوا، فصاروا يخربون بيوتهم ليحملوا معهم أقصى ما يمكنهم من المتاع، وذهب بعضهم إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وبرحيلهم ارتاح المسلمون من شر هذه الطائفة، بعد خروج بني قينقاع (2) .
وأنزل الله -سبحانه وتعالى-سورة كاملة تقص ما جرى لليهود، وما كانوا يشعرون به من الخوف والرعب، { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } ، [سورة الحشر:2].
__________
(1) - أبو شهبة، مرجع سابق، 2/400.
(2) – المباركفوري، مرجع سابق، ص227. (1/51)
صفحة 52
ولقد كان عامل الخوف العامل الأساسي الذي تسبب في خروج بني النضير وإنهاء الحصار، ذلك أنهم كانوا في حصون منيعة، وما كانوا يظنون أنهم سيضطرون إلى الخروج عنها. ولكن الخوف ملأ قلوبهم، وهز الرعب أفئدتهم، فخرجوا صاغرين، بعد أن خربوا بيوتهم بأيديهم، ولم تحل تلك الحصون المشيدة دون وقوع تلكم المهانة والمذلة، ولم تمنح متانة تلك الحصون ذرة من الثبات لتلك القلوب الخاوية الضعيفة، فغدت تتهاوى في دركات الخوف والرعب، فلا المؤمنون كانوا يظنون أنهم سيخرجون بتلك السهولة من حصونهم، ولا هم كانوا يشكون في قوة بنيانها، ولكن أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فلم يترددوا في تخريب بيوتهم ومغادرتها.
وفي نفس السياق يقرر القرآن حقيقة خطيرة توضح الوضع النفسي لليهود، والطابع السائد عليه، حيث يقول: { لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ } ، [سورة الحشر:13]. أي أن خوف اليهود من المسلمين أشد من خوفهم من خالق المسلمين وربهم، ولا شك أن هذا تصور خاطئ، وفيه إشارة إلى سبب خوف اليهود هذا الخوف المفرط الذي وبخهم عليه القرآن الكريم. فما سر هذا الخوف العجيب الذي غلبت قوته قوة الحصون الحصينة المنيعة ؟.
ج- يهود بني قريظة.
كانت طائفة بني قريظة من يهود المدينة المنورة قد تعاهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على النصرة، والدفاع عن المدينة المنورة إن داهمها عدو، ولكن بني قريظة لم يفوا بالتزامهم، فعمدوا إلى التعاون مع الأحزاب من قريش وغطفان لما تحزبت للقضاء على المسلمين في غزوة الأحزاب أو الخندق (1) سنة خمس للهجرة، وذلك بفتح الجبهة الداخلية أمام الجيش ليتمكن من الدخول إلى المدينة من الجهة الخلفية، ويطعن المسلمين من ظهورهم.
__________
(1) - ابن هشام، مرجع سابق، ص776. (1/52)
صفحة 53
لقد كان موقفا حرجا جدا، حيث أحاط الأعداء بالمسلمين من فوقهم ومن أسفل منهم، ولم يكن المسلمون على استعداد لهذا الوضع، فقد حفروا الخندق للحيلولة دون وصول المشركين إلى أسوار المدينة، ولكنهم لم يجعلوا في حسبانهم خيانة اليهود لهم، فكانت جبهة سهلة على المشركين للدخول إلى المدينة لو استطاعوا، يقول-تعالى- واصفا هول هذا الموقف: { إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً } ، [سورة الأحزاب:10-11]. وكان هذا مستندا استند إليه ضعاف الإيمان ليثبتوا عدم صدق رسالته - صلى الله عليه وسلم - { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً } ، [سورة الأحزاب: 12].
وهنا تأتي اللحظة الحاسمة، لحظة تدخل القوة الربانية لإحقاق الحق وإبطال الباطل، رياح وجنود يرسلها الله -تعالى-، ورجع المشركون مولين الأدبار، وتخاذل الأعداء من قريش وغطفان، ولم يبق منهم إلا العدو المساكن للمسلمين: يهود بني قريظة، الخونة الذين لم يرعوا في المسلمين عهدا ولا ذمة، ولولا أن الله حال بينهم وبين تخطيطهم لكانت الكارثة.
وبعد انصراف الأحزاب عن المدينة، توجه المسلمون إلى اليهود، ليمنحوهم جزاء فعلتهم، وكانوا متحصنين في حصونهم، فحاصرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - خمسا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكمه، وحكم عليهم حليفهم سعد بن معاذ بحكم الله من فوق سبع سماوات، أن يقتل الرجال، وتسبى الذراري والنساء، وتغنم الأموال. ونُفِّذ الحكم فيهم فذبحوا في سوق المدينة، وكانوا بين الثلاثمائة والتسعمائة على خلاف بين الرواة (1) .
__________
(1) - ابن هشام، مرجع سابق، ص797. أبو شهبة، مرجع سابق، 2/408. (1/53)
صفحة 54
ويصور السياق القرآني مدى الخوف الذي انتاب الخونة اليهود، قال -تعالى-: { وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً } ، [سورة الأحزاب:26-27]. إنه الرُّعْب قذف في قلوبهم، وقرئ في قراءة أخرى: الرُّعُب (1) وهي جمع الرعب، مما يصور عظمة الرعب الذي ملأ قلوبهم.
وهكذا يقضى على الجماعات اليهودية التي كانت تساكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة، وكما مر فإن عامل الخوف هو السبب الرئيس الذي مكَّن المسلمين من القضاء عليهم، وبالرغم من كثرة عدد اليهود وقوة عدّتهم، وشدة حصونهم، فإنهم نزلوا جميعا على حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليعطي كلا منهم ما يستحق من العقوبة بقدر الجرم الذي ارتكبه، والسؤال الجوهري هو: لماذا يقذف الخوف في قلوب اليهود، مع قوة هذه الإمكانات ؟
صورة لمواقع مساكن اليهود في المدينة المنورة قبل جلائهم عنها.
ثالثا: علاقة اليهود بالموت.
...
__________
(1) – قرأ بهذا يعقوب والكسائي وابن عامر وأبو جعفر. علوي بن محمد بلفقيه: القراءات العشر المتواترة، دار المهاجر، المدينة المنورة، ط4، 1422هـ-2002م. ص421. (1/54)
صفحة 55
من رحمة الله بهذه الأمة أنه بين لها في كتابها ونبراسها أعداءها، وأوضح لها فيه بيانا شافيا عن حالتهم ونفسيتهم، وزاد على ذلك أن بين لها طموحاتهم ومحذوراتهم، حتى تكون مبصرة بهم، عالمة بحقيقة أمرهم، فلا يتمكنون منها ماداموا مستمسكين بذلكم النور الرباني، وتلكم الرحمة المهداة إليهم. ومما يذكره الله عن اليهود، علاقتهم بالموت ونظرتهم إلى الحياة، وجاء ذكر ذلك مباشرة مرات عدة في القرآن الكريم. وبيّن حرص اليهود الشديد على الحياة وخوفهم من الموت، بل وتحداهم أن يكونوا على غير ذلك، أي أن يتمنوا الموت، ولقد جاء هذا التحدي في سياق بيان بطلان زعم اليهود أنهم أحباء الله، ومن المنطقي أن المحب يتمنى لقاء حبيبه ولا ينفر منه، وهم زعموا أن الله فضلهم على جميع خلقه، وخصّهم بولائه ومحبته، حتى قالوا شركا وكفرا: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } ، [سورة المائدة:18]. وما فتئوا يزعمون أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس جميعا، فقط لأنهم يهود، ولأنهم هم المهتدون لذلك قالوا: { وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا } ، [سورة البقرة: 135]. وقالوا أيضا: { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، [سورة البقرة: 111]. (1/55)
صفحة 56
وحكمة الله اقتضت أن يبرهن لهم حق البرهان أنهم ليسوا كذلك، وأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم بعيدون عن ذلك كل البعد، وأن ذلك لا يعدو إلا أن يكون دعوى عريضة يطلقونها بألسنتهم زورا وبهتانا لصد المؤمنين عن الحق وتشكيكهم فيه، يقول الشيخ سيد قطب:" لقد كانوا يطلقونها دعوى عريضة.. إنهم شعب الله المختار. إنهم وحدهم المهتدون. إنهم وحدهم الفائزون في الآخرة. إنه ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة عند الله نصيب. وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لا نصيب لهم في الآخرة. والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووعود القرآن لهم.." (1) ، فخاطبهم الله -تعالى- قائلا: { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، [سورة البقرة: 94].
ويرد القرآن الكريم أن ذلك لن يحصل منهم أبدا، { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً } ، [سورة البقرة: 94]. أي مهما طالت بهم الحياة فلن يتمنوا الموت، بل يصوّر حقيقة نظرتهم إلى الموت تصويرا مقززا، فنظرتهم إليه نظرة عجيبة، لا تلتقي أبدا مع تمني الموت، أو التفكير في القبول بالموت، إنهم يكرهون الموت كرها شديدا، كلُّ شيء عندهم يُتناقش فيه وقد يُتسامح فيه إلا الموت، يقول -تعالى- عنهم: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } ، [سورة البقرة: 96].
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 1/92. (1/56)
صفحة 57
وتنكير كلمة "حياة" يدل أنهم يريدون الحياة كيفما كانت، وأي حياة فهم يقبلون بها، المهم عندهم أن لا يموتوا، يقول سيد قطب:" ولكنها خصلة أخرى في يهود، خصلة يصورها القرآن صورة تفيض بالزراية وتنضح بالتحقير والمهانة: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } .. أية حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير! حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام! إنها يهود، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء. وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة. فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس، وعنت الجباه جبنا وحرصا على الحياة..أي حياة!" (1) .
وفي موضع آخر أيضا يذكر الله عنهم هذه الحقيقة التي تنفي كل مزاعمهم بالنعيم في الحياة الآخرة، قال -تعالى- مخاطبا إياهم: { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً } ، [سورة الجمعة:7-8].
بهذا التحدي القوي، والتصوير لحقارة نفوسهم يقرر القرآن حقيقة خوف اليهود من الموت، ويبين أن دعواهم دعوى فارغة لا مجال لها في الواقع أبدا. والسؤال المطروح دائما: ما هو السبب في هذا الخوف، والكره العجيب للموت ؟
الفصل الرابع: سبب خوف اليهود ونتيجته.
أولا: الخوف والأمن ليسا بزمام الإنسان.
ثانيا: كيفية قذف الرعب في القلوب.
ثالثا: سبب إلقاء الخوف في قلوب اليهود.
رابعا: من رذائل اليهود في القرآن الكريم.
1- من معاصي اليهود الفكرية.
2- من معاصي اليهود السلوكية.
خامسا: نتيجة خوف اليهود.
1- إشاعة الفساد في الأرض.
2- إيقاد الحروب والنزاعات.
سادسا: ماذا يستفيد المسلمون من خوف اليهود ؟
1- إدراك المعادلة الربانية في النصر على الأعداء.
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 1/92. (1/57)
صفحة 58
2- بعث الاطمئنان في نفس المؤمن والتأكد من نصر الله.
3- إدراك الضعف النفسي لليهود.
أولا: الخوف والأمن ليسا بزمام الإنسان.
يثبت القرآن الكريم في مواضع عديدة أن أمر الخوف والأمن ليسا بزمام الإنسان، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يتمكن من السيطرة على الخوف مطلقا، ولكن المقصود هو أن تصريف أمر الخوف بيد الله -تعالى- وحده، فالعدة المادية والظروف الآمنة، والحراسة المشددة، وكل ما من شأنه أن يوفر الأمن في الواقع الحسي لا يلزم أن يحقق هذا الهدف ما لم يكن هناك شرط الأمن الإلهي، وما دامت ظروف الخوف التي ينص عليها القرآن قائمة فإن الخوف قائم، ولا يزول مهما كانت الاستعدادات المادية، فأمر الخوف نفسي وروحي، يقذفه الله في قلب من يشاء فلا يملك أن يصرفه عنه إلا أن يأخذ بسنن القانون الرباني الذي ينظم أمر الخوف الأمن.
وقد يبدو هذا الكلام أول الأمر بعيدا عن الواقع، وأنه جزء من التفسير الميتافيزيقي الذي يلجأ إليه العاجز عن فهم الأمور وتفسيرها، ولكن القرآن الكريم يعلّل الخوف والأمن بذلك، ويوضح أن البشر لا يملكون زمام هذا الخوف أبدا، ذلك أن الله هو الذي يتولى قذفه في قلوبهم، ومهما فعلوا فإنهم لا يتمكنون من مجابهة هذا العذاب النفسي، كما بيّن من جهة أخرى أسباب الثبات والاطمئنان وزوال الخوف، وهذا لا يمنع من تحقيق ذلك مباشرة دون أسباب ميدانية، أو تسخير ظروف معينة تفضي إلى تحقيق الأمن أو الخوف، وفيما يلي نسوق الأدلة التي وردت في إثبات ذلك مع تحليلها والتأمل فيها.
1- الربط على فؤاد أم موسى:
لقد قامت أم موسى -عليه السلام- بفعل عجيب، قلّما يصدر عن أم نحو ولدها، فصورة أم تلقي بولدها في اليم بعيدة التصديق، ولولا حكاية القرآن لهذه القصة وإثباتها لكان من الصعب القبول بها، ذلك أن الأم لا يتوقع منها إلا الحنان على ولدها والرأفة به، ولكننا نجد في هذا الموقف أم موسى (1/58)
صفحة 59
- عليه السلام- ترمي بولدها في غمرة الموت، فما السبب في ذلك ؟، لقد كان إلهاما من الله لها بفعل ذلك، يقول -تعالى-: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } ، [سورة القصص: 7]. لقد كان إلهاما من الله لها بذلك والله -تعالى- يتولى حفظ الولد، ويعجبني تصوير سيد قطب للحادثة إذ يقول متعجبا:" يا لله! يا للقدرة! يا أم موسى أرضعيه. فإذا خفت عليه وهو في حضنك. وهو في رعايتك إذا خفت عليه وفي فمه ثديك، وهو تحت عينيك. إذا خفت عليه فألقيه في اليم!! ولا تخافي ولا تحزني، إنه هنا في اليم في رعاية اليد التي لا أمن إلا في جوارها، اليد التي لا خوف معها. اليد التي لا تقرب المخاوف من حماها... هذا هو المشهد الأول في القصة. مشهد الأم الحائرة الخائفة القلقة الملهوفة تتلقى الإيحاء المطمئن المبشر المثبت المريح. وينزل هذا الإيحاء على القلب الواجف المحرور بردا وسلاما" (1)
ولكن الله يؤكد أنه لولا الربط على قلب أم موسى لأبدت أمره، يقول -تعالى-: { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، [سورة القصص: 10]. نلاحظ أن " التعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة صورة حية: (فارغا).. لا عقل فيه ولا وعي ولا قدرة على نظر أو تصريف! (إن كادت لتبدي به).. وتذيع أمرها في الناس، وتهتف كالمجنونة: أنا أضعته. أنا أضعت طفلي. أنا ألقيت به في اليم اتباعا لهاتف غريب! (لولا أن ربطنا على قلبها) وشددنا عليه وثبتناها، وأمسكنا بها من الهيام والشرود" (2) .
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 5/2679.
(2) - المرجع السابق، 5/2680. (1/59)
صفحة 60
فتدخل القوة الربانية بتثبيت أم موسى هو الذي منعها من الكشف عن ضياع ولدها ولولا ذلك لانكشف أمره وعلم أنه من بني إسرائيل فيقتل.
2- إنزال السكينة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ هما في الغار:
لقد خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وصاحبه أبو بكر -رضي الله عنه- ونزلا بغار ثور بين مكة والمدينة، وقد وصل المشركون أثناء ملاحقتهم لهما إلى الغار ولكن الله ثبّت رسوله وأيده بجنود غير مرئية، فلم يخفْ ولم يحزَن بل طمأن صاحبَه أن الله معهما، يقول -تعالى-: { إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا } ، [سورة التوبة:40]. يقول الشيخ الشعرواي عن هذه الآية: " إن هذا القول الفصل يوضح لنا أن الإيمان المطلق بالله -تعالى-، وبأنه مالك كل الأسباب قادر أن يبعث الطمأنينة والسكينة في قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبي بكر" (1) . وقد اختلف (2) المفسرون في عود الضمير في قوله -تعالى-:"عليه" هل يعود على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه معا، أو يعود على أبي بكر فحسب؟، وعلى كل الوجهين فإن الله -تعالى- قد أيد المؤمن بنصر من عنده وتأييد بجنده.
3- تثبيت المؤمنين وإرعاب الكفار في غزوة بدر الكبرى:
__________
(1) - محمد متولي الشعراوي: السيرة النبوية، مكتبة التراث الإسلامي، ط2، 1422هـ-2001م . ص424.
(2) - الفخر الرازي، مرجع سابق، 16/53. (1/60)
صفحة 61
وفي هذه الغزوة المباركة يقص الله علينا ما وقع للمشركين من الرعب والخوف، وما أنعم به على المؤمنين من التثبيت والربط على القلوب فيقول: { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ، [سورة الأنفال:11-12]. فالله -سبحانه وتعالى- ألقى النعاس على المؤمنين، فحصل لهم بذلك الأمن، وأمر الملائكة أن تثبتهم وتربط على قلوبهم، بينما أسند إلى نفسه عملية إلقاء الخوف في قلوب الكافرين (1) .
4- إرعاب الكفار في غزوة أحد:
__________
(1) - محمد الطاهر بن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية، (د.ت). 9/282. (1/61)
صفحة 62
وفي غزوة أحد حينما التقى المؤمنون بالكفار فإن الله-سبحانه وتعالى-وعد بإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، فيقول -سبحانه-: { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } ، [سورة آل عمران:151]. يقول الأستاذ سيد: " والوعد من الله الجليل القادر القاهر، بإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا، كفيل بنهاية المعركة، وضمان لهزيمة أعدائه ونصر أوليائه.. وهو وعد قائم في كل معركة يلتقي فيها الكفر بالإيمان. فما يلقى الذين كفروا الذين آمنوا حتى يخافوهم، ويتحرك الرعب الملقى من الله في قلوبهم. ولكن المهم أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين. حقيقة الشعور بولاية الله وحده، والثقة المطلقة بهذه الولاية، والتجرد من كل شائبة من شك في أن جند الله هم الغالبون، وأن الله غالب على أمره، وأن الذين كفروا غير معجزين في الأرض ولا سابقين لله سبحانه!" (1) .
5- قذف الرعب في قلوب بني النضير:
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 1/491. (1/62)
صفحة 63
سلك القرآن الكريم أسلوبا رائعا في سرد هذه القصة ودعا إلى الاعتبار بها، فابتداء آيات قصة إجلاء اليهود من المدينة في سورة الحشر كانت بنسبة الإخراج إليه -سبحانه وتعالى-: { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } ، [سورة الحشر:2]، وهذا يوحي بأن تدبير خروجهم وإجلائهم كان بيد الله -تعالى- وهذا شيء متفق عليه ولا جدال فيه، فلا حراك ولا سكون في هذا الكون كله إلا بإذن الله؛ ولكن الآية تواصل حكاية الحدث فتقول: { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ } ، [سورة الحشر:2]، أي أن السر الذي جعل اليهود يخرجون ويخربون بيوتهم بأيديهم هو ملء قلوبهم بالرعب، والله -تعالى- هو الذي يتولى هذه المهمة النفسية الخطرة، والنظر المتمعن إلى ملابسات الحدث يوضح ذلك بجلاء، فاليهود كانوا في حصون منيعة، وبإمكانهم الصمود فترة طويلة، ولكن شيئا لم يكن في الحسبان، فرضته عليهم القوة الربانية، فاستولى الخوف على قلوبهم فما شعروا إلا وهم يخربون بيوتهم، وبين الظن وقذف الرعب ارتباط سريع يصوره العطف بحرف الفاء بين الحدثين، { مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ } ، [سورة الحشر:2]. (1/63)
صفحة 64
ويصور الشيخ سيد هذا الموقف فيقول: " أتاهم من داخل أنفسهم! لا من داخل حصونهم! أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب، ففتحوا حصونهم بأيديهم! وأراهم أنهم لا يملكون ذواتهم، ولا يحكمون قلوبهم، ولا يمتنعون على الله بإرادتهم وتصميمهم! فضلا على أن يمتنعوا عليه ببنيانهم وحصونهم. وقد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم. فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها. وهكذا حين يشاء الله أمرا. يأتي له من حيث يعلم ومن حيث يقدر، وهو يعلم كل شيء، وهو على كل شيء قدير. فلا حاجة إذن إلى سبب ولا إلى وسيلة، مما يعرفه الناس ويقدرونه. فالسبب حاضر دائما والوسيلة مهيأة. والسبب والنتيجة من صنعه، والوسيلة والغاية من خلقه؛ ولن يمتنع عليه سبب ولا نتيجة، ولن يعز عليه وسيلة ولا غاية... وهو العزيز الحكيم.. ولقد تحصن الذين كفروا من أهل الكتاب بحصونهم فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. ولقد امتنعوا بدورهم وبيوتهم فسلطهم الله على هذه الدور والبيوت يخربونها بأيديهم، ويمكنون المؤمنين من إخرابها" (1) .
فاللافت للانتباه هو أن أسباب عدم الخوف موجودة متحققة: الحصون المنيعة، السلاح الوفير...الخ، ولكن الرعب استولى على قلوبهم، فغدت أسلحتهم وأمتعتهم بلا جدوى، وتغلبت قوة رعبهم على قوة أسلحتهم، فما كادت تلك الأسلحة تجدي نفعا مع تلك النفوس الضعيفة الخائفة.
6- قذف الرعب في قلوب بني قريظة:
كما أن الله -سبحانه وتعالى- يؤكد مرة أخرى أنه هو الذي يتولى مهمة قذف الخوف في قلوب اليهود، هذه المرة مع يهود بني قريضة يوم ظاهروا الأحزاب، وخانوا العهد -كما مر- وهنا فإن الله قهر الذين كفروا من قريش وغطفان والقبائل التي كانت أمام الخندق بإرسال الريح عليهم، قال-تعالى-:
{
__________
(1) – سيد قطب، مرجع سابق، 6/3521. (1/64)
صفحة 65
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } ، [سورة الأحزاب: 9]. ومن جانب آخر فقد قذف الرعب في قلوب بني قريظة الذين كانوا وراء الخندق:
{ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } ، [سورة الأحزاب:25-26]. والصياصي جمع صيصة أي الحصن، فالصياصي هي: الحصون (1) ، فبالرغم من أن اليهود كانوا داخل حصونهم ولكنهم كانوا خائفين، والله-تعالى-هو الذي تولى قذف الرعب في قلوبهم فنزلوا من الحصون، ليقتَلوا شر قتلة. يقول الشيخ الشعراوي: "الرعب: جند من جنود الله تعالى. وساعة يقذف الله سبحانه في قلوب الأعداء الرعب يحسبون كل صيحة عليهم" (2) .
7- تثبيت المؤمنين في غزوة حنين:
__________
(1) - ابن منظور، مرجع سابق، 7/52.
(2) - محمد متولي الشعراوي: السيرة النبوية، مكتبة التراث الإسلامي، ط2، 1422هـ-2001م. ص603. (1/65)
صفحة 66
وفي وقعة حنين لما أُعجب المسلمون بكثرتهم داهمهم العدو فاختلطت صفوفهم وكادت تلحقهم الهزيمة، ولكن الله نصر رسوله والمؤمنين معه بإنزال السكينة على قلوبهم، يقول -تعالى-: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } ، [سورة التوبة:25-26]. يصف ذلك الأستاذ سيد قائلا: "وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة" (1) . فانتصر المسلمون بفضل الله لما هدأ روعهم وعادوا يقاتلون صفا واحدا.
8- وعد الله للمؤمنين بالأمن:
لقد وعد الله المؤمنين الصادقين أنهم في أمن وأن لا ينالهم خوف أبدا، وأنهم هم الأحق بالأمن على لسان خليله إبراهيم -عليه السلام-، إذ يقول-تعالى-: { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } ، [سورة الأنعام:81-82]. فقد رد سيدنا إبراهيم -عليه السلام- على الكافرين المحاجين له بأن الخوف إنما يكون للذين يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن المؤمنين الذين لم يلبسوا إيمانهم بأي نوع من الظلم هم الآمنون، وهذا الأمن لا يختص بالآخرة فحسب بل يشمل أمن الدنيا أيضا (2) .
9- السنة النبوية الشريفة :
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 3/1617.
(2) - ابن كثير، مرجع سابق، 2/135. (1/66)
صفحة 67
السنة النبوية نصت في كثير من المواضع بما يؤكد الآيات الواردة في الموضوع، ومما ورد نصا في كتب السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (1) . وفي رواية أخرى:" نصرت بالرعب يقذف في قلوب أعدائي" (2) .
فقد تميّز - صلى الله عليه وسلم - عن غيره من الأنبياء والمرسلين بالتأييد بقذف الرعب في قلوب أعدائه في مسيرة شهر، وقوله:"مسيرة شهر" يفهم منه أنه لم يعط لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها (3) ، وقد وجه ابن حجر هذا التقييد - أي قوله: "مسيرة شهر"- بأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه (4) .
__________
(1) - أخرجه البخاري، برقم 427، (1/168). 2815، (3/1078). ومسلم برقم 523، (1/372). وغيرهما. قال الترمذي حديث حسن صحيح، (4/123).
(2) - أخرجه أحمد في مسنده عن طريق أبي أمامة الباهلي، برقم 22190، (5/248).
(3) - ويتضح مما أوردته سابقا من الآيات أن النصر بالرعب ليس مقصورا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه رد على الذين قالوا بأن النصر بالرعب مطلقا هو من خصوصياته - صلى الله عليه وسلم - .
(4) - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ): فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، (د.ت). 1/437. (1/67)
صفحة 68
وقد سئل الشيخ الخليلي (1) عن معنى الرعب في هذا الحديث فجاء في جوابه:" النبي - صلى الله عليه وسلم - منَّ الله -تبارك وتعالى- عليه بالهيبة، فكان الرعب يتقدمه ويتقدم جيشه ومن أمثلة ذلك: ما كان من تأثير كتابه -عليه أفضل الصلاة والسلام- على نفسية هرقل عندما قرئ على هرقل كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ... فتصبب جبين هرقل عرقا عندما قرئ عليه هذا الكتاب، وخرج من عنده أبو سفيان وهو يقول : لقد أمرَ أمر بن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر، هذا مثال من تأثير الرعب الذي نصر به الرسول
- صلى الله عليه وسلم - على أعدائه، وهو لا ريب أنه امتد في خلفائه - صلى الله عليه وسلم - من بعده، امتد هذا الرعب وظل يؤثر على الناس تأثيرا بالغا، ولذلك كان النصر المبين" (2) .
__________
(1) - هو العلامة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي، ولد في:12رجب1361هـ بزنجبار، تولى مهنة التدريس، وتقلد مناصب عدة، وهو حاليا مفتي سلطنة عمان، له مشاركات على الساحة الإسلامية في المؤتمرات والندوات، ألف مؤلفات عديدة أشهرها: "الحق الدامغ"، "إعادة صياغة الأمة"، كما أنه يفسر القرآن الكريم، وقد صدرت منه بعض الأجزاء بعنوان: "جواهر التفسير". زايد بن سليمان بن عبد الله الجهضمي: من معالم الفكر التربي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مطبعة النهضة، مسقط، ط2، 1424هـ-2003م. 1/24، 144، 162.
(2) - أحمد بن حمد الخليلي: محاضرة: "الطريق إلى الأقصى"، تسجيل مكتبة معهد العلوم الشرعية، مسقط، برقم 325/أ. (1/68)
صفحة 69
بعد عرض هذه الأدلة الواضحة من كتاب الله -تعالى- والمؤكدة لها من السنة النبوية الشريفة يتضح لنا جليا بأن الله ينصر عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، بمنحهم الأمن النفسي الذي تطمئن به قلوبهم، وإلقاء الخوف والرعب في قلوب أعدائهم منهم، حتى يكون أعداؤهم يرهبونهم أشد من رهبتهم لله، قال-تعالى-: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } ، [سورة فصلت:30-31].
ثانيا: كيفية قذف الرعب في قلوب الكافرين.
أسئلة تراود الذهن محاولة استكشاف كيفية وقوع هذا الحدث، ورفع الستار عن هذه أسراره، من هذه الأسئلة: هل الله -تعالى- يلقي الرعب في قلوب أعداء المسلمين مباشرة منه دون أن يكون هناك سبب يسخره الله ليباشر هذه العملية كالملائكة أم أن الله هو الذي يقذف الرعب في قلوب الكفار دون واسطة ؟
ذكر الطاهر ابن عاشور (1) في تفسير قوله-تعالى-: { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } ، [سورة آل عمران:151]، أن سبب إسناد إلقاء الرعب إليه-تعالى- أن الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلم يلِق بقواهم إلقاء الرعب، فقذفه الله في قلوب الكفار بواسطة أخرى غير الملائكة، يقول:" ولم يسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الملائكة بل أسنده إلى نفسه وحده بقوله:
{
__________
(1) - محمد الطاهر بن عاشور رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس، ولد سنة 1296هـ بتونس، له مصنفات عديدة من أشهرها: "مقاصد الشريعة الإسلامية"، "تفسير التحرير التنوير"، توفي بتونس سنة 1393هـ. خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1986م. 7/174. (1/69)
صفحة 70
سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } لأن أولئك الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلا يليق بقواهم إلقاء الرعب، لأن الرعب خاطر شيطاني ذميم، فجعله الله في قلوب الذين كفروا بواسطة أخرى غير الملائكة" (1) .
فنراه قد فصل في وجود الواسطة فراح يناقش كونها نفس الملائكة أو لا، ثم يقول بعد ذلك مباشرة: " وأسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الله على طريقة الإجمال دون بيان لكيفية إلقائه، وكل ما يقع في العالم من تقدير الله على حسب إرادته" (2) . ويرى الباحث أنه لا يلزم وجود واسطة، فالله قادر أن يخلق الرعب في قلوب من يشاء مباشرة.
بينما يجنح سيد قطب إلى عدم الخوض في هذه القضية إذ ذلك مشغل عن المقصد الأساسي الذي من أجله نزلت هذه الآيات وهو بيان نصر الله وتأييده للمؤمنين وخذله للكافرين بقذف الرعب في قلوبهم، يقول سيد:" ولقد وعد الله سبحانه أن يلقي الرعب في قلوب الذين كفروا فكان ذلك، ووعده الحق، ولكنا كذلك لا نعلم كيف كان. فالله هو الذي خلق، وهو أعلم بمن خلق، وهو يحول بين المرء وقلبه؛ وهو أقرب إليه من حبل الوريد. إن البحث التفصيلي في كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذي هو طابع هذه العقيدة. وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة.. ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق الإسلامية ومباحث علم الكلام في العصور المتأخرة، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإيجابية في هذا الدين، وتسلط الترف العقلي على النفوس والعقول.. وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله سبحانه للملائكة في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة، لهي أنفع وأجدى.." (3) .
__________
(1) - ابن عاشور، مرجع سابق، 9/282.
(2) - المرجع السابق.
(3) - سيد قطب، مرجع سابق، 3/1486. (1/70)
صفحة 71
ولا شك أن بابا واسعا من الترف العقلي فتحه المسلمون على أنفسهم فأوقعهم في خلافات كانوا في غنى عنها لو أنهم استمسكوا بكتاب الله العروة الوثقى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، خاصة عندما يكون النقاش خاليا من نصوص قرآنية أنزلها الله -تعالى- تبين محل النقاش وتوضحه.
ومن الواضح الجلي أن الله أسند إلى نفسه مهمة إلقاء الرعب في قلوب الكافرين وهو ينجز ذلك لأنه صادق في وعده لما وعد المسلمين بالنصر ووعد الكافرين بالخذلان، لذا فإن الباحث يؤيد مقولة الأستاذ سيد في عدم الخوض في هذه الجزئيات المشغلة عن لب القضية.
ثالثا: سبب إلقاء الخوف في قلوب اليهود.
إن السؤال الذي ما يزال مطروحا هو لماذا يقذف الله الخوف في قلوب الكافرين إذا ما التقوا بالمؤمنين، ولماذا ليس العكس ؟، وما دام أن الله -تعالى- قد أمر المسلمين بتجهيز العدة لمواجهة الكافرين فإن النصر يكون للأقوى من الفريقين وكفى!. (1/71)
صفحة 72
نعم هذا صحيح، إن النصر يكون للأقوى دائما، ولكن موازين القوة ليس كما ينظر إليها البشر، لأن الله لما أمر المسلمين بإعداد العدة وتوخي الحذر في قوله: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ } ، [سورة لأنفال: 60]، وفي قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً } ، [سورة النساء: 71]، وفي قوله: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً } ، [سورة النساء:102]، وغير ذلك من الآيات، لما أمرهم بذلك وعدهم بالنصر، ولكنه اشترط للنصر شيئا آخر بجانب الأخذ بهذه الأسباب المادية قدر المستطاع، قال-تعالى-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، [سورة محمد:7]، وهذا هو ميزان القوة الحقيقي، فالشرط الأساسي لنصر المؤمن هو نصر الله، فإذا التقى من ينصر الله محاربا لمن لا ينصر الله فإن النصر في هذه الحالة يكون (1/72)
صفحة 73
للمسلم الذي ينصر الله، طبعا إذا كان آخذا بالشروط الأخرى من التخطيط المحكم والتجهز قدر المستطاع.
وقد بين-تعالى-في الآيات التي جاء فيها ذكر قذف الخوف في قلوب الكافرين أن ذلك كان لسبب واحد هو عصيانهم لله، فلم يكن السبب ضعف العدة أو كثرة المؤمنين، بل كان المؤمنون أقل عدة وعددا، وكان الكافرون أحسن عدة وأكثر عددا، وقد نصر الله بني إسرائيل حيث استمسكوا به ونصروه، بينما قذف في قلوبهم الرعب لما بعدوا عن نهجه، وعصوه.
ففي قصة الملأ من بعد موسى نصر الله القلة المتبقية مع النبي، القلة التي آمنت بنصر الله لها وتيقنته، ويتجلى ذلك في قولها: { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، [سورة البقرة: 249].
فقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة، وذلك بالرغم من قلة عددهم وكثرة عدد عدوهم ويستدل لذلك بقول طائفة منهم: { قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } ، [سورة البقرة: 249] فالله نصرهم على عدوهم بالرغم من قلتهم ولكن كانوا أقوياء بإيمانهم ويتجلى ذلك في وصف الله لهم بالإيمان، ويفهم منه أن الذين تخاذلوا في الطريق ليسوا بمؤمنين حقيقة الإيمان. (1/73)
صفحة 74
يقول الأستاذ سيد واصفا هذه القلة:" وأمام هذا التخاذل ثبتت الفئة القليلة المختارة.. اعتصمت بالله ووثقت... وهذه هي التي رجحت الكفة، وتلقت النصر، واستحقت العز والتمكين"، ويقول:" لقد صاروا قلة. وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته، بقيادة جالوت. إنهم مؤمنون لم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم. ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسون أنهم أضعف من مواجهته. إنها التجربة الحاسمة. تجربة الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور . وهذه لا يصمد لها إلا من اكتمل إيمانهم، فاتصلت بالله قلوبهم؛ وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم، غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم!" (1)
فاليهود أنفسهم لما استمسكوا بحبل الله المتين وصبروا نصرهم الله، وهم أنفسهم ارتجفت قلوبهم وأرعدت خوفا ورعبا لما عصوا ونكثوا عهد الله، وهذا الذي يذكره عنه القرآن الكريم كثيرا، وما دام أنهم في أغلب أحوالهم عصاة فإنهم في أغلب أحوالهم التاريخية خائفون جبناء، لا قوة لهم مهما كانت قوتهم المادية، وسنرى أن في كل موقف من المواقف التي يقذف الله فيها الخوف والرعب في قلوبهم يعلل الله ذلك بأنهم عصاة وأنهم مشاقون لله ورسوله، وفيما يلي بيان لذلك.
1- في قصة موسى مع قومه .
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 1/296. (1/74)
صفحة 75
إن الخطة الحربية المحكمة تجعل المحارب في وضع نفسي مستقر، لأنه مقتنع بجدوى تلك الخطة الحكيمة، فلا معنى للخوف أو القلق لذا فهو يُقْدم على تنفيذها مراعيا فيها جميع جزئياتها، ولكن قوم موسى -عليه السلام- لم يكونوا كذلك، فقد وضع لهم الرجلان المؤمنان الذيْن أنعم الله عليهما خطة محكمة تمكنهم من السيطرة على عدوهم، وتجعل النصر لهم متحققا -بإذن الله- الذي أمرهم بدخول الأرض المقدسة، وهذا هو التفكير السليم الذي لا يتجاهل سنن الكون أثناء قيامه بأي عمل، فهما لم يقولا لهم توكلوا على الله واهجموا فحسب، إذ لو قالا لهم ذلك لكان الاعتراض من بني إسرائيل محقا، إذ لا بد من مراعاة سنن الله في الكون، ولكن القرآن الكريم بدقة أسلوبه ومعانيه يدلنا على أن الرجلين كانا يأخذان بسنن الله في الكون لذلك وصفهما بقوله: { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا } ، [سورة المائدة: 23]. فهما وضعا خطة هجومية محكمة مفادها: { ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، [سورة المائدة: 23].
أي بدخول بني إسرائيل الباب فإن القوم تنهار عزائمهم وينتابهم الخوف، فيهزمون معنويا ويفوز بنو إسرائيل في دخول الأرض، ويتحقق لهم النصر، يقول الأستاذ سيد: "قاعدة في علم القلوب وفي علم الحروب.. أقدموا واقتحموا، فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم؛ وشعروا بالهزيمة في أرواحهم وكتب لكم الغلب عليهم.." (1) .
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 2/870. (1/75)
صفحة 76
وبعد اتخاذ الأسباب يأتي التوكل على الله في إحقاق النصر وتثبيت القلوب، ولكن اللافت للانتباه هو أنه بالرغم من وجود هذه الخطة التي لم يعترضوا عليها، فهم لم يقدموا بل تمادوا في العصيان، فقالوا بعد هذا: { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ، [سورة المائدة:24]. وهذا ما يثبت ما قلناه سابقا من أن القوم لجأوا إلى هذه الوقاحة لما أعوزتهم الحجة وجبنوا على الإقدام، وهنا يتساءل المرء ما السبب في هذا التأخر والتقهقر مع وجود الخطة ؟.والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه: ما هو السبب الذي جعل هذين الرجلين يقدمان في حين يتقهقر القوم جميعا؟، والجواب موجود في الآية نفسها، وهو كونهما يخافان الله -تعالى- وهو الوصف الذي تميزا به عن القوم، فهنا نقول أن إقدام الرجلين كان سببه خوفهما من الله، وسبب تقهقر القوم هو عدم خوفهم من الله، وندرك أن سبب خوف القوم هو بعدهم عن الله وعدم إيمانهم وتيقنهم بنصره لهم، ولم يفت الأستاذ سيد أن ينبّه على ذلك: " هنا تبرز قيمة الإيمان بالله، والخوف منه.. فهذان رجلان من الذين يخافون الله، ينشئ لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين! ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم! وهذان هما يشهدان بقولتهما هذه بقيمة الإيمان في ساعة الشدة؛ وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس. فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد بين مخافتين: مخافته -جل جلاله- ومخافة الناس.. والذي يخاف الله لا يخاف أحدا بعده؛ ولا يخاف شيئا سواه..." (1) .
2- خوف بني النضير.
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 2/870. (1/76)
صفحة 77
لقد وصف القرآن الكريم يهود بني النضير بأنهم لا يفقهون: { لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } ، [سورة الحشر:13]، وكونهم لا يفقهون شرحه قبل ذلك أيضا حيث قال-تعالى-عن سبب إلقاء الرعب في قلوبهم: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ، [سورة الحشر: 4]. فهم لا يفقهون لأنهم يرهبون المسلمين أشد من رهبتهم لله، وألقى الله الرعب في قلوبهم لأنهم شاقوا الله ورسوله، والمشاقة والشقاق معناها: الخلاف والعداوة (1) . أي أنهم عصوا الله ورسوله وخالفوا أمره (2) ، يقول ابن كثير: " إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين لأنهم خالفوا الله ورسوله وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم" (3) .
__________
(1) - يقول ابن منظور: " و المشاقة و الشقاق غلبة العداوة والخلاف شاقة مشاقة و شقاقا خالفه وقال الزجاج في قوله تعالى: (وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) الشقاق العداوة بين فريقين والخلاف بين اثنين سمي ذلك شقاقا لأن كل فريق من فرقتي العداوة قصد شقا أي ناحية غير شق صاحبه" ابن منظور، مرجع سابق، 10/183.
(2) - محمد رشيد رضا: تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار، دار المعرفة، لبنان، ط2، (د.ت). 9/531. ابن عاشور، مرجع سابق، 28/74.
(3) - ابن كثير، مرجع سابق، 4/334. (1/77)
صفحة 78
ويشير سيد قطب إلى ملحظ جميل حيث يقول في تفسير هذه الآية: "والمشاقة أن يأخذوا لهم شقا غير شق الله، وجانبا غير جانبه، وقد جعل الله جانبه هو جانب رسوله حين وصف علة استحقاقهم للعذاب في صدر الآية، فاكتفى في عجزها بمشاقة الله وحده فهي تشمل مشاقة الرسول وتتضمنها، ثم ليقف المشاقون في ناحية أمام الله -سبحانه- وهو موقف فيه تبجح قبيح، حين يقف المخاليق في وجه الخالق يشاقونه! وموقف كذلك رعيب، وهذه المخاليق الضئيلة الهزيلة تتعرض لغضب الله وعقابه، وهو شديد العقاب" (1) . أي أن الله -تعالى- لم يُعد عطف مشاقة الرسول على مشاقة الله في آخر الآية لأنه قد ذكر في أولها أن مشاقة الله ورسوله في جانب واحد، فمشاقة الله مشاقة لرسوله، ومشاقة رسول الله مشاقة لله، وقد قال-تعالى-: { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } ، [سورة النساء:80].
وذكر الله السبب نفسه عند إلقاء الرعب في قلوب الكافرين في غزوة بدر الكبرى فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ، [سورة لأنفال:13]. فهذه سنة من سنن الله في خلقه، ومن العجيب أن الله ذكر سبب خوف اليهود وسبب خوف كفار قريش بنفس العبارة مما يدل أن ذلك قانون من قوانين الكون.
3- بما قدمت أيديهم.
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 6/3522. (1/78)
صفحة 79
لقد تحدى القرآن الكريم اليهود أن يتمنوا الموت ردا على مزعمين متقاربين من مزاعمهم: لما زعموا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس: { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، [سورة البقرة:94].ولما زعموا أنهم أولياء لله من دون الناس: { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، [سورة الجمعة:6]. ثم أتى الجواب من الخالق الذي يعلم مكنونات أنفسهم بأنهم بعيدون عن ذلك كل البعد، وأن ذلك مستحيل الوقوع منهم، نظرا لما قدمت أيديهم من الجرائم والمعاصي، فجاء الجواب في المرة الأولى: { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } ، [سورة البقرة:95]، فأتى بـ"لن" وأتبعها بالتأبيد، وفي المرة الثانية أخبرنا-تعالى- بقوله: { وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } ، [سورة الجمعة:7]. أي أن هذه صفتهم أنهم لا يتمنون الموت أبدا، والله يخبرنا بهذا لأنه وحده العليم بهم والخبير بما تكنه صدروهم. ... إن خوف اليهود من الموت سببه واحد لا ثاني له أنهم ظالمون كما تنص الآية السابقة على ذلك، فهم ظلموا أنفسهم بمعصيتهم لله، وظلموا الناس بتعديهم عليهم، والمتأمل في المعاصي التي ذكرها القرآن الكريم يدرك تمام الإدراك مدى الخوف الذي سيكون عليه القوم خاصة وأنهم يعلمون علم اليقين أن ادعاءهم بمحاباة الله لهم، وكون الآخرة خالصة لهم، وأن الله سيغفر لهم ذنوبهم، ويدخلهم الجنة دعاوى باطلة يسلّون بها أنفسهم، وقد أنكر عليهم القرآن تنكّرهم عن الحق (1) : {
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 1/414.. (1/79)
صفحة 80
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } ، [سورة آل عمران: 71].
يقول الشيخ محمد رشيد رضا (1) :" بما قدمت أيديهم: فإن هذا التعليل صريح بأن المانع لهم من تمني الموت هو أنهم يعرفون من أنفسهم أنهم عاصون مقترفون للذنوب التي يستحقون عليها العقوبة لأن ألسنتهم عاجزة عن النطق بكلمة تدل على تمني الموت وإن كان كذبا، وكثيرا ما كانوا يكذبون، وقد أسند الفعل إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها ولذلك جرى عرف اللغة على جعلها كناية عن الشخص باعتبار أنه عامل مطلقا. وقد ختم الآية بقوله { والله عليم بالظالمين } ليبين أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم وأن غيرهم من الشعوب محروم منها، وأن كل من كان مثلهم مفتاتا على الله-تعالى-فهو ظالم مثلهم." (2) .
ونخلص في الأخير إلى أن المعادلة الإلهية القرآنية هي أنه مهما كانت العدة المادية فإنها أقل من القوة الروحية (3) :
مهما كانت قوة العتاد + معصية من معاصي الله < مهما قلت العدة + علاقة صحيحة مع الله
__________
(1) - الشيخ محمد رشيد رضا مصلح وداعية، ولد 27 جمادى الأولى 1282هـ-23 سبتمبر 1865م، تتلمذ على الشيخ محمد عبده، وكان له دور فعال في الصحوة الإسلامية، توفي في 23 جمادى الأولى 1354هـ-22 أوت 1935م. أحمد فهد بركات الشوابكة: محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية والسياسية، دار عمّار، الأردن، ط1، 1409هـ-1989م.
(2) - محمد رشيد رضا، مرجع سابق، 1/390.
(3) - وكما أشرت سابقا فإن القوة الروحية لا تغني عن التزود بالعدة المادية قدر المستطاع لأنه من الواجب الأخذ بسنن الكون وقد قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } ، [سورة الأنفال:60]. (1/80)
صفحة 81
وقد استمسك بهذه المعادلة الخطيرة القائد عمر بن الخطاب في فتوحاته حيث أوصى قائد الجند سعد بن أبي وقاص عندما أرسله لقتال الفرس بقوله: " أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله -عز وجل- أفضل العدة على العدو، وأقوى العدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولو ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل في القوة، وإنا لا ننتصر عليهم بفضلنا ولم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن في سيركم عليكم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا (1) منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا ولن يسلط علينا وإن أسأنا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفرة المجوس فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم" (2) .
ويعلق الشيخ الخليلي على هذه الوصية قائلا:" هذه النصيحة خرجت من قلب مؤمن إيمانا تاما، ومخلص إخلاصا صادقا في حق المبدأ الذي آمن به الخليفة وجند الجند من أجله، فكانت كل كلمة فيها نبضة من نبضات قلب الخليفة انعكست على الجند، فتفاعلوا جميعا مع هذا المبدأ تفاعلا تاما حتى تضاءلت قوة العدو أمام قوتهم" (3) .
__________
(1) - هكذا ورد ولعل الصواب: فاستحوا.
(2) - محمد رشيد رضا: الفاروق عمر بن الخطاب، ص119. ( نقلا عن د.علي محمد الصَّلَّابي: فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- شخصيته وعصره، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، ط1، 1423هـ-2002م. ص430).
(3) - أحمد بن حمد الخليلي، القيادة في الإسلام، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، (د.ت). ص8. (1/81)
صفحة 82
يقول الأستاذ سيد قطب عن تطبيق هذه المعادلة في غزوة حنين: "إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله, والاعتماد على قوة غير قوته, لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية: حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة. إن الكثرة العددية ليست بشيء, إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة، وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة, لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها, ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها, تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة، فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف, فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في ثوثيق صلتهم بالله, انشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة (1) .
ونستخلص مما مضى أن سبب خوف اليهود ليس خاصا بهم فحسب، بل هو خوف يشمل كل من حاد عن صراط الله السوي، فليس خوفا خاصا بجنس اليهود، ولكنه خوف ناتج عن معصية الله، ولا يزول هذا الخوف إلا بالالتزام بحدود الله، وهذا هو الجواب عن الإشكالية الرئيسة في البحث، وفيما أوردته من الأدلة على ذلك كفيل ببيان وجه الصواب فيه .
رابعا: من رذائل اليهود في القرآن الكريم.
تمهيد:
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 3/1618. (1/82)
صفحة 83
لقد ذكر الحق سبحانه معاصي اليهود في القرآن الكريم، وفصّلها تفصيلا عجيبا، وما ذلك إلا لتستفيد أمة القرآن الكريم من هذه المعاصي التي كانت السبب في ذلهم وخوفهم وعدم انتصارهم، فتجتنبها وتنوء عن الوقوع فيها، حتى يستمر لها النصر، ويدوم لها التمكين في الأرض، إذ -كما أوضحتُ سابقا- فإن نصر الله مشروط بالاستجابة لأمره، ومعاصي الله لا تقترن بالسلوك فحسب -كما يعتقد كثير من الناس- بل المعاصي فكرية وسلوكية عملية، فالشرك بالله معصية وظلم غير أن الشرك لا يلزم لتحققه أي سلوك خارجي، فاعتقاد الإنسان التثليث أو اعتقاده الشريك مع الله يجعله في زمرة المشركين ولو لم يسجد لصنم، وقد وقع اليهود في المعاصي الفكرية كما وقعوا في المعاصي العملية.
هذا وما سأذكره من معاصي اليهود قد لا يكون بعضه موجودا في يهود هذا العصر، ولكن القرآن الكريم نزل واصفا يهود المدينة المنورة بها في صدر الإسلام واليهود على مر العصور هم عصاة لله قال-تعالى-: { َيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } ،[سورة المائدة:64]. ويكفيهم معصية لله إنكارهم نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وقتلهم الأبرياء بغير حق، وتعاملهم بالربا وغير ذلك من المعاصي التي هي لصيقة بهم، وملازمة لهم، فما أن يذكر اليهود حتى تتبادر إلى الذهن صورة الخائن الكاذب المحتال.
1- من معاصي اليهود الفكرية .
أ- دعواهم أن ذنوبهم مغفورة : (1/83)
صفحة 84
هذه دعوى من دعاوى اليهود، يرفعون فيها شعار المغفرة، فيدّعون أنه لا عليهم إذا أذنبوا ولا ضرر عليهم إن عصوا، فالله سيتولى مغفرة ذنوبهم والعفو عنهم، قال-تعالى-: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } ، [سورة الأعراف:169]. والعرض الأدنى معناه المعصية (1) .
لما انقضى عهد الصلحاء من بني إسرائيل جاء الخلْف الخبيث السيئ، خلف ينتهك حرمات الله، ويصر على معاصي الله، مستندا إلى حجة واهية، وأمنية زائفة، هي مغفرة الله، معتقدين ذلك بغير علم من الله، لذلك أنكر الله عليهم قولهم هذا بقوله -تعالى-: { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } ، [سورة الأعراف: 169].
__________
(1) - محمد بن علي الشوكاني(1250هـ): فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر، بيروت، (د.ت). 2/260. أبو جعفر النحاس (338هـ): معاني القرآن الكريم، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط1، 1409هـ. 3/99. (1/84)
صفحة 85
ولم يكونوا يعتقدون مغفرة الله لهم مع توبتهم فحسب، بل كانوا يقولون أن الله يغفر لهم مع عدم توبتهم ومع إصرارهم على ذنوبهم، ويدل لذلك قوله -تعالى-: { وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } ، [سورة الأعراف:169]، أي مع قولهم فهم لا يقلعون عن معاصيهم بل يستمرون عليها مستندين إلى مغفرة الله لهم، وهذا ما ذهب إليه جمع من المفسرين (1) ، يقول الطبري (2) :" وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، وإن شرع لهم ذنب حرام مثله من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستحلوه ولم يرتدعوا عنه يخبر جل ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرار على ذنوبهم وليسوا بأهل إنابة ولا توبة " (3) .
وقد فصل القرآن القول في هذه المسألة في آيات كثيرة منها قوله -تعالى-: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيرا ً } ،[سورة النساء: 123]. ويقول -تعالى-: { بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ، [سورة البقرة:81]. وغير ذلك من الآيات التي ترد على هذه الدعوى وتحذر المسلمين من الوقوع فيها.
ب- قولهم يد الله مغلولة :
__________
(1) - عبد الرزاق بن همام الصنعاني (211هـ)، تفسير الصنعاني، مكتبة الرشد، الرياض،تح: د. مصطفى مسلم محمد. ط1، (د.ت). 2/240. أبو الفضل محمود الألوسي (1270هـ): روح المعاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د.ت).9/96.
(2) - محمد بن جرير بن يزيد الطبري، ولد بآمل (طبرستان) سنة 224هـ، ورحل إلى أقاليم كثيرة، له مؤلفات عديدة منها تفسير القرآن الكريم، وتاريخ الأمم، وكتاب أحكام شرائع الإسلام، وغيرها من المصنفات توفي سنة 320هـ. أحمد بن محمد الأدنروي: طبقات المفسرين، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، 1997. 1/48.
(3) - الطبري، مرجع سابق، 9/105. (1/85)
صفحة 86
لقد أساء اليهود الأدب مع الله -تعالى- وتجرؤوا تجرؤا عجيبا إذ قالوا: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } ، [ سورة المائدة: 64]. وفي هذا إنكار لجميل الله ما بعده إنكار، فقد رزقهم الله من الطيبات وأنزل عليهم المن والسلوى، وأرسل منهم رسلا، ونجاهم من عدوهم الأكبر فرعون، وآتاهم من النعم ما لا يحصى ولا يعد، بل وأثناء قولهم هذا هم يتقلبون في نعم الله، ثم يطلقون هذه الكلمات الجاحدة، التي لا تليق في حق العباد فما بالهم يصفون بها خالق العباد المدبر الجكيم، وقد تولى القرآن الكريم الرد عليهم ردا يفضح مكائدهم، وسبب قولهم ذلك: { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً } ، [سورة المائدة: 64]. وغل اليد وبسطها مجاز مشهور عن التقتير والعطاء (1) ، ومنه قوله -تعالى-: { وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } ، [سورة الإسراء:29].
__________
(1) - أبو القاسم محمود بن جار الله الزمخشري (ت 528هـ): الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت). 1/424. (1/86)
صفحة 87
إن هذه الدعوى الباطلة تنبع عن حسد دفين، وعقول فاسدة، ونفوس مريضة، فهم يحسدون المسلمين على ما أنزل الله عليهم من الفضل والخير، وأرسل خاتم المرسلين منهم، لم يرسله من اليهود كما كانوا يتمنون، " إن تحوّل النبوة عنهم بدأ بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقد كانت لهم دالة على البشر ببقاء الرسالات فيهم، فلما رأوا الوحي ينزل بين العرب، جن جنونهم، وكرهوا الأرض والسماء" (1) . وقد قال-تعالى- عنهم: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ، [سورة البقرة:105]، وقد بين سبحانه هذا الحسد ورد عليه إذ خاطبهم: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً } ، [سورة النساء:54].
ويشير الأستاذ سيد قطب إلى استعمالهم هذا اللفظ للدلالة على بخل الله -حسب زعمهم- إلى وقاحة في التعبير:" وقد بلغ من غلظ حسهم, وجلافة قلوبهم, ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه وهو البخل بلفظه المباشر، فاختاروا لفظا أشد وقاحة وتهجما وكفرا فقالوا: يد الله مغلولة !"
__________
(1) - محمد الغزالي، نحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم، ص30. (1/87)
صفحة 88
وازداد اليهود غيا على غيهم فوصفوا الله بالفقر ووصفوا أنفسهم بالغنى: { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا } ، [سورة آل عمران:181]. إن هذا الخطاب يحمل في طياته مظاهر الجهل والغباء، فهم لا يملكون أنفسهم، فهم ملك لله، فكيف يكونون أغنياء ويكون مالكهم فقير ؟! ولكن التمادي والتجاسر في حق الله والتصامم عن الحق أوقعهم في هذه الرذائل، وهذا الكفر البواح لنعم الله عليهم، ولقد عاقبهم الله على قولهم هذا بجعل أيديهم مغلولة وألقى العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة، قال-تعالى-: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، [سورة المائدة:64]. وأمر الله بغل أيديهم يحتمل أن يكون غلا حقيقيا بأسرهم في الدنيا، وتعذيبهم بأغلال جهنم يوم القيامة (1) ، كما أنه يحتمل أن يكون دعاء عليهم بالبخل وانقباض الأيدي (2) .
ج- قولهم: " لن تمسنا النار إلا أياما معدودات" (3) :
__________
(1) - الزمخشري، مرجع سابق، 1/424.
(2) - طنطاوي، مرجع سابق، ص610.
(3) - يعتقد الباحث أن هناك فرقا واضحا بين دعواهم أن الله سيغفر لهم ودعوى أنهم لن يعذبوا إلا أياما معدودة. (1/88)
صفحة 89
لقد شنع القرآن الكريم على اليهود في مواضع كثيرة وأنكر عليهم قولهم على الله ما لا يعلمون، وافتراءهم على الله الكذب وهم يعلمون، واتخذوا من تحريف الكتب المنزلة سبيلا لهم لتحقيق غاياتهم الدنيئة وإضلال الناس عن الحق الذي جاء به المرسلون، يقول-تعالى-: { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، [سورة آل عمران:78].
ومن قولهم على الله بغير علم دعواهم أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، وقد ذكر القرآن ذلك في موضعين ورد عليهم مطالبا إياهم بما يكون حجة لهم على ذلك فقد قال -تعالى-: { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً } ، [سورة البقرة:80]. وفي موضع آخر يعلل عدم استجابتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - لما دعاهم إلى كتاب الله (1) باعتقادهم أن العذاب لن يمسهم إلا أياما معدودات فاستهانوا بمعاصي الله ولم يسارعوا إلى الاحتكام إلى ما أنزل الله على رسوله وهم يعلمون أنه الحق، قال-تعالى-: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } ، [ سورة آل عمران:23-24].
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 1/382. د.صلاح عبد الفتاح الخالدي: الشخصية اليهودية من خلال القرآن، تاريخ وسمات ومصير، دار القلم، دمشق، ط1، 1407هـ-1987م. ص136. (1/89)
صفحة 90
وهكذا شأن المعاصي الفكرية تفتح الباب على مصراعيه للانتهاكات المتتالية في الفكر والسلوك، فهم قد ضربوا الفكر الإلهي الصحيح في الصميم، فلم يعد فيه رادعا لهم عن ارتكاب الجرائر، فاستهانوا بمعاصي الله واجترأوا عليها، بناء على أن العذاب -حسب ما يفترون- لن يكون لهم إلا فترة وجيزة ثم يسعدون بالنعيم الأبدي، وقد رد الله على دعواهم وبيّن أنها دعوى باطلة واستفهم مستنكرا عليهم:
{ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } ، [سورة البقرة:80]. يقول سيد: " من تلك الأماني التي لا تستقيم مع عدل الله، ولا تتفق مع سنته، ولا تتمشى مع التصور الصحيح للعمل والجزاء.. أن يحسبوا أنهم ناجون من العذاب مهما فعلوا، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات يخرجون بعدها إلى النعيم.. علام يعتمدون في هذه الأمنية ؟ علام يحددون الوقت كأنهم مستوثقون ? وكأنها معاهدة محدودة الأجل معلومة الميقات؟ لا شيء إلا أماني الأميين الجاهل، وأكاذيب المحتالين العلماء! الأماني التي يلجأ إليها المنحرفون عن العقيدة الصحيحة، حين يطول بهم الأمد، وينقطع ما بينهم وبين حقيقة دينهم، فلا يبقى لهم منه إلا اسمه وشكله، دون موضوعه وحقيقته، ويظنون أن هذا يكفيهم للنجاة من العذاب بحكم ما يعلنونه بألسنتهم من أنهم على دين الله" (1) .
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 1/86. (1/90)
صفحة 91
وقد انتقلت هذه الدعوى الفارغة، والعدوى الخطيرة، والأمنية الباطلة إلى طائفة من المسلمين، وكأنهم لم يقرأوا هذه الآيات، فاستولى الداء العضال على قلوبهم، فغدت قلوبا مريضة بأباطيل أهل الكتاب، وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "القاعدة السادسة: أن الجزاء على الإيمان والعمل معا لأن الدين إيمان وعمل، ومن الغرور أن يظن المنتمي إلى دين نبي من الأنبياء أنه ينجو من الخلود في النار بمجرد الانتماء، والشاهد عليه ما حكاه الله لنا عن بني إسرائيل من غرورهم بدينهم وما رد به عليهم حتى لا نتبع سننهم فيه، وهو: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } وما حكاه عن اليهود والنصارى جميعا من قولهم: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ... } ، ولكننا قد اتبعنا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع مصداقا لما ورد في الحديث الصحيح" (1) . وهكذا فقد أصبحت طوائف من الأمة يهودية في بعض معتقداتها دون أن تشعر، ولم يعد هناك فرق بين معتقدها ومعتقد اليهود الذين كان الغرض من إيراد عقائدهم في القرآن الكريم التنبيه إليها والتحذير من الوقوع فيها، "كانوا يعتقدون أن الإسرائيلي إذا عوقب فإن عقوبته لا تكون إلا قليلة كما هو اعتقاد أكثر المسلمين اليوم، إذ يقولون إن المسلم المرتكب لكبائر الإثم والفواحش إما أن تدركه الشفاعات وإما أن تنجيه الكفارات وإما أن يمنح العفو والمغفرة بمحض الفضل والإحسان، فإن فاته كل ذلك عذب على قدر خطيئته ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، وأما المنتسبون إلى سائر الأديان فهم خالدون في النار كيفما كانت حالهم، ومهما كانت أعمالهم والقرآن لا يقيم للانتساب إلى دين ما وزنا...
__________
(1) - محمد رشيد رضا، مرجع سابق، 1/112. (1/91)
صفحة 92
لهذا يحكم هذا الكتاب الحكيم بأن من يجعل الدين جنسية وينوط النجاة من النار بالانتساب إليه أو الاتكال على من أقامه من السلف فهو مغتر بالوهم مفتر يقول على الله بغير علم كما قال هنا: { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } ، أي بما زعموا من تحديد مدة العقوبة للأمة في مجموعها، وهذا من الافتراء الذي كان منشأ غرورهم في دينهم، ومثله لا يعرف بالرأي ولا بالفكر لأنه من أمر عالم الغيب، فلا يعرف إلا بوحي من الله، وليس في الوحي ما يؤيده ولا يوثق به إلا بعهد من الله، ولا عهد بهذا" (1) .
وكان أثر هذه العقائد على الأمة أثرا خطيرا فقد انحرفت في سلوكها بعد انحراف عقيدتها، فاستولت عليها المعاصي واستساغتها ورجت من الله الغفران والرضوان، مما جعلها في ذيل الأمم لما فقدت نصر الله لها، "هذه المعتقدات انتقلت...إلى هذه الأمة وأورثها ذلك ما أورثها من إتباع الأهواء وتشتت الكلمة، وذهاب ريحها وأن تصبح أمة هزيلة. فعقيدة الإرجاء إذن لها أثر كبير في تدمير هذه الأمة، وفي تدمير أخلاقها، وفي القضاء على معنوياتها، وفي الكبوة بها بعدما كانت أمة ناهضة قوية عزيزة يحسب لها بين الأمم جميعاً كل حساب (2) .
2- من معاصي اليهود السلوكية.
أ- الخيانة:
__________
(1) - محمد رشيد رضا، مرجع سابق، 3/267- 268.
(2) - أحمد بن حمد الخليلي: إعادة صياغة الأمة، الحلقة الأولى، مكتبة الجيل الواعد، ط1، (د.ت). ص12. (1/92)
صفحة 93
اليهود ليسوا خائنين فحسب، بل هم أبطال الخيانة وقوادها والمتفننون فيها، والآيات القرآنية الكريمة توضح لنا أبعاد الخيانة التي اتسموا بها: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، [سورة المائدة:13]. فالتاء في خائنة للمبالغة، "على خائنة منهم: خائنة بمعنى خائن والهاء للمبالغة كما قالوا رجل علامة ونسابة" (1) . أو خائنة وصف لمحذوف تقديره فرقة أي فرقة خائنة، وفسّر ذلك بيهود بني النضير لما هموا بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - خيانة منهم (2) .
وفي حذف الموصوف معنى عميق يصوره الأستاذ سيد إذ يقول:" والتعبير القرآني الخاص عن واقع حال اليهود مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة, تعبير طريف: (ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم).. الفعلة الخائنة, والنية الخائنة, والكلمة الخائنة, والنظرة الخائنة..يجملها النص بحذف الموصوف وإثبات الصفة..(خائنة).. لتبقى الخيانة وحدها مجردة, تملأ الجو, وتلقي ظلالها وحدها على القوم.. فهذا هو جوهر جبلتهم, وهذا هو جوهر موقفهم، مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع الجماعة المسلمة.." (3)
__________
(1) - أحمد بن محمد المصري (815هـ): التبيان في تفسير غريب القرآن، تح: فتحي أنور المدبولي، دار الصحابة للتراث، القاهرة، ط1، 1992هـ. 1/180. القرطبي، مرجع سابق، 6/116.
(2) - النحاس، مرجع سابق، 2/282.
(3) - سيد قطب، مرجع سابق، 2/859. (1/93)
صفحة 94
فإذن هذه هي خصلة اليهود التي لا تنفك عنهم يصبحون على الخيانة ويغدون بها ويمسون عليها، والخيانة لا تخص قولهم أو فعلهم فحسب بل تشمل كافة نواحي حياتهم، ولم يخونوا الله ورسوله فحسب، بل هو يخونون كل موجود!.
ب- تساهلهم في حدود الله:
وهذه صفة أخرى لصيقة باليهود، إنهم يتحايلون على الدين، يخادعون أنفسهم بما يظنون أن الدين يبيحه لهم ليجترئوا على معاصي الله، ويقولوا للناس أنهم على شيء، وهم يحسبون أنهم بذلك ناجون من عذاب الله، وقد عرض القرآن لذلك صورة توضح بجلاء هذه الخصلة فيهم، وهي قصة أصحاب السبت، الذين أمرهم الله -تعالى- أن لا يصيدوا يوم السبت ابتلاء لهم، إذ كان يوم السبت وافر الصيد لمن يصيد، فالصيد يكون قريبا من الساحل ويسهل الحصول عليه، بينما في الأيام الأخرى يبعد عنهم ولا يحصلون عليه إلا بعناء، فراح القوم يعتدون على الأمر الرباني لهم فمسخهم الله قردة خاسئين.
يقول -تعالى-: { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ، [سورة الأعراف: 163]. أي سل يا محمد - صلى الله عليه وسلم - بني إسرائيل عن أهل القرية التي كانت قريبة من البحر، فقد اعتدوا في يوم عظيم لديهم، يوم السبت وتجاوزوا حدود الله، ففي يوم السبت تأتيهم الحيتان، فهي قريبة منهم جدا حتى إنها هي التي تأتيهم، وفي الأيام الأخرى لا تأتيهم ابتلاء من الله لهم (1) .
__________
(1) - طنطاوي، مرجع سابق،431. (1/94)
صفحة 95
يقول القرطبي:" وهذا سؤال تقرير وتوبيخ، وكان ذلك علامة لصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، لأنا من سبط إسرائيل، ومن سبط موسى كليم الله، ومن سبط ولده عزير فنحن أولادهم، فقال الله -عز وجل- لنبيه: سلهم يا محمد عن القرية، أمَا عذبتهم بذنوبهم، وذلك بتغيير فروع الشريعة ؟" (1)
__________
(1) - القرطبي، مرجع سابق، 7/304. (1/95)
صفحة 96
وقد يتساءل المرء هل يتوقع حدوث هذا ؟ إن هذا بحد ذاته معجزة تدل على وجود الله -تعالى- وقوته وتدبيره لشؤون الكون، فكيف يسقط أولئك القوم في هذه المعصية وهم يشاهدون هذه الخارقة العجيبة ؟ أو قد يتساءل آخرون عن كيفية حدوث ذلك، ولكن نقول إن الله -تعالى- هو مسير هذا الكون ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإذا أراد شيئا كان، أليس هو الذي جعل بين البحرين حاجزا ؟ وندع الشيخ سيد قطب يوضح ذلك إذ يقول: " فأما كيف وقع لهم هذا ؟, وكيف جعلت الأسماك تحاورهم هذه المحاورة, وتداورهم هذه المداورة..؟ فهي الخارقة التي تقع بإذن الله عندما يشاء الله.. والذين لا يعلمون ينكرون أن تجري مشيئة الله بغير ما يسمونه هم "قوانين الطبيعة "! والأمر في التصور الإسلامي- وفي الواقع - ليس على هذا النحو.. إن الله سبحانه هو الذي خلق هذا الكون، وأودعه القوانين التي يسير عليها بمشيئته الطليقة. ولكن هذه المشيئة لم تعد حبيسة هذه القوانين لا تملك أن تجري إلا بها.. لقد ظلت طليقة بعد هذه القوانين كما كانت طليقة.. وهذا ما يغفل عنه الذين لا يعلمون.. وإذا كانت حكمة الله ورحمته بعباده المخاليق قد اقتضت ثبات هذه القوانين; فإنه لم يكن معنى هذا تقيد هذه المشيئة وانحباسها داخل هذه القوانين.. فحيثما اقتضت الحكمة جريان أمر من الأمور مخالفاً لهذه القوانين الثابتة جرت المشيئة طليقة بهذا الأمر.. ثم إن جريان هذه القوانين الثابتة في كل مرة تجري فيها إنما يقع بقدر من الله خاص بهذه المرة. فهي لا تجري جرياناً آلياً لا تدخل لقدر الله فيه.. وهذا مع ثباتها في طريقها ما لم يشأ الله أن تجري بغير ذلك.. وعلى أساس أن كل ما يقع - سواء من جريان القوانين الثابتة أو جريان غيرها - إنما يقع بقدر من الله خاص, فإنه تستوي الخارقة والقانون الثابت في جريانه بهذا القدر.. (1/96)
صفحة 97
ولا آلية في نظام الكون في مرة واحدة -كما يظن الذين لا يعلمون!- ولقد بدأوا يدركون هذا في ربع القرن الأخير!" (1)
فلا غرابة إذن أن يحدث هذا ما دام أن الله قد أراده وشاء حدوثه، وقد بين -سبحانه- الغرض من ذلك: { كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ، [سورة الأعراف:163]. والله يبتلي من شاء، بما شاء، متى شاء. المهم أن أهل القرية انقسموا منهم من اعتدى، ولا يذكر لنا القرآن كيف كان اعتداؤهم هل اصطادوا على الحقيقة ؟ أم تحايلوا على الصيد فحبسوه يوم السبت وأخذوه يوم الأحد
-كما يرى معظم المفسرين- استنادا إلى أحاديث رويت في ذلك. ومنهم فرقة أمرتهم بالتزام نهج الله والحفاظ على حدوده، وطائفة أخرى سكتت عن ذلك.
فهذه إذا بعض معاصي اليهود الفكرية والسلوكية ولم أشأ الإطالة في ذكر غيرها من معاصي اليهود، إذ هي مبثوثة في كثير من الكتب والمراجع (2) وما فتئ علماء الإسلام يبينون للناس معاصي اليهود ويحذرونهم منها، والمتمعن في معاصي اليهود يدرك أن الأمة الإسلامية هي أيضا لم تسلم من هذه المعاصي بل راحت تتابع خطى اليهود وتتبع سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، ويدرك حكمة ذكر الله لهذه المعاصي في القرآن الكريم وبينها بيانا شافيا، إذ لم يأتي ذكرها إلا تحذيرا منها قال -تعالى-: { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ، [سورة آل عمران:105].
خامسا: نتيجة خوف اليهود.
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 3/1384.
(2) - طنطاوي، مرجع سابق. الخالدي، مرجع سابق. (1/97)
صفحة 98
إن اليهود مصابون بالخوف لأنهم يحسون من أعماق أنفسهم أن القوة الكبرى في هذا الكون، القوة المدبرة لهذا الكون: الله -تعالى- لا تربطهم به علاقة صحيحة سليمة، علاقة الانقياد والطاعة والعبادة والاستسلام، فهم وإن زعموا بألسنتهم تلك المزاعم الباطلة بأن لهم الدرجة السامقة عند الله، وأنهم شعب الله المختار غير أنهم موقنون في قلوبهم أنهم لا يملكون قوة، وأنهم بكفرهم بالله ورسوله قد دخلوا حربا يجزمون بخسرانهم فيها، قال -تعالى-: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ } ، [سورة محمد:11].
ويعلم اليهود وعد الله للمؤمنين بقذف الرعب والخوف في قلوب أعدائهم، كما أنهم يدركون أن المسلمين متى استمسكوا بهذا الدين وعملوا به فإنهم سيفوزون عليهم، لذا يسعى اليهود إلى جعل المسلمين بعيدين كلَّ البعد عن هذا النور الرباني، ويبذلون جهدهم لإخراجهم من هذا الدين، وجعلهم بشرا شهوانيين، يحيون كما تحيا الحيوانات، ويموتون كما تموت سائر المخلوقات، وصدق الله العظيم: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } ، [سورة البقرة:120]. (1/98)
صفحة 99
غير أن الله لم يدعهم هكذا بل هو لهم بالمرصاد وكلما ازدادوا غيا إلى غيهم، وعصيانا لربهم زادهم الله خوفا إلى خوفهم أمام أعدائهم الناصرين لله. وإيمان اليهود بصحة المعادلة الربانية في النصر على الأعداء، وتكبرهم على عبادة الله جعلهم يصرون على خط المعاداة للإسلام، والمعاداة لله -تعالى-، وحتى لا يخسروا المعركة مع أعدائهم فإنهم يحاولون جعلهم خواء من القوة الروحية التي هي مناط النصر الإلهي والتأييد، فيكون أعداؤهم (المسلمون) في موقف ضعف نظرا لتغلب اليهود عليهم من حيث العدة العسكرية، واتخذوا لتحقيق هذه الغاية الخبيثة مبدءا عنصريا خلاصته أن الفرد اليهودي يختلف عن غيره، وأن اليهود هم شعب الله المختار، لذلك أطلقوا على غيرهم اسم: "الأمميين"، وقد وضح القرآن الكريم هذا المبدأ الخبيث في تعاملهم مع غير اليهود إذ يقول: { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، [سورة آل عمران:75]. فنظرة اليهودي إلى غيره نظرة احتقار وانتقاص ونظرة دونية، فلا يرقبون في غيرهم إلا ولا ذمة بل يسمونهم في بعض كتاباتهم البهائم!.
وبنوا على هذا المبدأ العنصري حقهم في السيادة على كل العالم واستعباد العالم جميعا، وللوصول إلى هذه الغاية تبنوا المبدأ المصلحي:" الغاية تبرر الوسيلة"، فاستخدموا أساليب ماكرة عديدة لا أطيل في ذكرها ولكن أركز على أسلوبين ذكرهما القرآن الكريم.
1- إشاعة الفساد في الأرض. (1/99)
صفحة 100
يكرس اليهود جهودهم لإيقاع العالم في الفساد، وجعله تائها في ظلمات الفساد الخلقي، والإداري (1) ، والاقتصادي (2) ، والديني، وغيره من أشكال الفساد خاصة الفساد الفكري (3) ، إن همهم الأكبر هو جعل الفساد يستولي على جميع جوانب الحياة، وقد صدق الله العظيم إذ جعل صفتهم السعي في الأرض فسادا: { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } ، [سورة المائدة:64].
لذا يشجع اليهود الرشوة ويذكونها في الشعوب الإسلامية خاصة، وينشرون الجنس ويستعملونه أسلوبا إغرائيا لتحقيق مآربهم، كما أنهم يشجعون الفساد الفكري بنشر الأفكار الهادمة، وصبغها بصبغة التقدم والتحرر والثقافة العصرية، جاء في البروتوكولات عن إفساد الأمميين إداريا:" ومن الوسائل العظيمة الخطيرة لإفساد هيئاتهم، أن نسخر وكلاء ذوي مراكز عالية يلوثون غيرهم خلال نشاطهم الهدام: بأن يكشفوا وينموا ميولهم الفاسدة الخاصة كالميل إلى إساءة استعمال السلطة والانطلاق في استعمال الرشوة" (4) . وجاء في البروتوكولات أيضا عن إشاعة الفساد الاقتصادي والخلقي:" حينما تكون الأزمات الاقتصادية ودمار تجارة الجملة قد أثرا في كل مكان. هناك ستمهد السبيل لإفساد الحماسة والنخوة والانحلال الأخلاقي وخاصة بمساعدة النساء اليهوديات المتنكرات في صور الفرنسيات والإيطاليات ومن إليهن. إن هؤلاء النساء أضمن ناشرات للخلاعة والتهتك في حيوات المتزعمين على رؤوس الأمم" (5) .
__________
(1) - محمد خليفة التونسي: الخطر اليهودي، بروتوكولات حكماء صهيون، تر: عباس محمود العقاد. (د.ت). ص149.
(2) - المرجع السابق، ص138.
(3) - المرجع السابق، ص74.
(4) - المرجع السابق، ص190.
(5) - محمد خليفة التونسي، مرجع سابق، ص215. (1/100)
صفحة 101
وهكذا يبرهن اليهود على صدق القرآن بتبنيهم لهذه الأفكار الخبيثة التي ترمي إلى تدمير العالم وإشاعة الفساد فيه، ويهدفون بهذا -كما أشرت سابقا- إلى إضعاف الخصوم، وجعلهم ينغمسون في بحار من مشاكل الفساد الذي يعم كافة جوانب حياتهم، مما يتيح الفرصة لليهود ليبرزوا أنفسهم للعالم أنهم أصلح الشعوب، وأنهم يهدفون إلى إشاعة الخير، وأن سعادة الإنسانية كلها في اتباع النهج اليهودي الذي يقضي بسيادة اليهودي على غيره من الأجناس والشعوب،"ومن خلال الفساد الحالي الذي نلجأ إليه مكرهين ستظهر فائدة حكم حازم يعيد إلى بناء الحياة الطبيعية نظامه الذي حطمته التحررية" (1) ، "يجب أن يظهر الملك الذي سيحل الحكومات القائمة التي ظلت تعيش على جمهور قد تمكنا نحن أنفسنا من إفساد أخلاقه خلال نيران الفوضى.." (2) .
ب- إيقاد الحروب والنزاعات.
يسعى اليهود جهدهم لإذكاء نار الخلاف بين الناس جميعا: بين المسلمين، وبين الأوروبيين، وبين جميع الشعوب غير الشعب اليهودي، فلذلك تجدهم يناصرون جميع الأفكار ويشجعونها، ما دام أن ذلك يؤدي إلى تفكك العالم والقضاء على النظم والأديان والقوميات، فهم يدعون إلى العالمية والوطنية المتطرفة، والتسامح الديني والتطرف الديني، وينشرون الشيوعية، ويشجعون الرأسمالية (3) . وقد جاء في البروتوكولات:"هذه السياسية ستساعدنا أيضاً في بذر الخلافات بين الهيئات، وفي تفكيك كل القوى المتجمعة، وفي تثبيط كل تفوق فردي ربما يعوق أغراضنا بأي أسلوب من الأساليب" (4) .
__________
(1) - المرجع السابق، ص116.
(2) - المرجع السابق، ص209.
(3) - المرجع السابق، ص64.
(4) - المرجع السابق، ص136. (1/101)
صفحة 102
ويسعى اليهود أن يجعلوا من كل خلاف نزاعا، وأن يوقدوا من كل نزاع حربا، قال-تعالى-: { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ } ، [سورة المائدة:64]. جاء في البروتوكولات: " ولكنكم تعلمون علماً دقيقاً وفياً أنه، لكي يصرخ الجمهور بمثل هذا الرجاء، لابد أن يستمر في كل البلاد اضطراب العلاقات القائمة بين الشعوب والحكومات، فتستمر العداوات والحروب، والكراهية، والموت استشهاداً أيضاً، هذا مع الجوع والفقر، ومع تفشي الأمراض وكل ذلك سيمتد إلى حد أن لا يرى الأمميون (غير اليهود) أي مخرج لهم من متاعبهم غير أن يلجأوا إلى الاحتماء بأموالنا وسلطتنا الكاملة" (1) .
وهكذا إذن فإن اليهود لا يعيشون إلى على لحوم البشر، ولا يأمنون إلى في ظلال خوف البشرية وشيوع القتل بينهم، فيتبين من هذا أن اليهود لما عصوا الله سلّط عليهم سلطان الخوف أمام أعدائهم المسلمين الذين استمسكوا بحيل الله واعتصموا به، فلم يجدوا حيلة للانتصار على المسلمين إلا بعد إخراجهم من هذا الدين، أو جعلهم خواء من روحه، فيتساوى اليهود مع غيرهم في معصيتهم لله، وهنا فإن اليهود يتفوقون بقوة السلاح والمال.
__________
(1) - محمد خليفة التونسي، مرجع سابق، ص156. (1/102)
صفحة 103
غير أن الأمة المسلمة متى عادت إلى ربها، واستمسكت بنهجها فإنها تكون المنتصرة، تحقيقا لوعد الله، والله لا يشجع الفساد، ولا يحب المفسدين، وهذا وعد منه -تعالى- بنسف كل هذه المخططات الجهنمية التي تفسد ولا تصلح، وتخرب ولا تبني، يقول الأستاذ سيد: "ويوم تفيء الأمة المسلمة إلى الإسلام: تؤمن به على حقيقته; وتقيم حياتها كلها على منهجه وشريعته.. يومئذ يحق وعد الله على شر خلق الله.. واليهود يعرفون هذا، ومن ثم يسلطون كل ما في جعبتهم من شر وكيد; ويصبون كل ما في أيديهم من بطش وفتك، على طلائع البعث الإسلامي في كل شبر من الأرض, ويضربون-لا بأيديهم- ولكن بأيدي عملائهم ضربات وحشية منكرة؛ لا ترعى في العصبة المؤمنة إلا ولا ذمة.. ولكن الله غالب على أمره " (1) .
ما نستخلصه من هذا الفرع أن اليهود لما قذف الله في قلوبهم الخوف من أعدائهم، لأسباب يعلمونها، وحيث إن حسدهم لهذا الدين لا يسمح لهم بالإيمان به، فإنهم أحسوا أنهم لن يأمنوا إلا تحت ظل خوف غيرهم، فراحوا يبثون أسباب الخوف في أعدائهم حتى إذا تساووا معهم في الأسباب الروحية للخوف، تغلبوا عليهم بقوتهم المادية، ولم يترفعوا عن سلوك أخس الوسائل لقاء بلوغ هذه الأهداف الخبيثة، وكل وسيلة من هذه الوسائل تعتبر نتيجة للخوف اليهودي. كما أن اليهود بسبب جهلهم فإنهم كلما أوغلوا في سلوك هذا النهج زادهم الله خوفا إلى خوفهم، فسبب خوفهم من أعدائهم - الواثقين بالله كما سبق- هو معصية اليهود لله، وكلما ازداوا عصيانا كلما زادهم الله خوفا أمام المؤمنين الصادقين، وبهذا فإن الدائرة عليهم.
سادسا: ماذا يستفيد المسلمون من خوف اليهود ؟
__________
(1) - سيد قطب، مرجع سابق، 5/390. (1/103)
صفحة 104
لقد فصّل الله تعالى القول في خوف اليهود، وبيّن في أكثر من موضع أنهم خائفون، وقصّ علينا قصصا لهم تبين لنا خوفهم، وبجانب ذلك أعطانا تصور الخوف أو نظرية الخوف في القرآن الكريم، فخوف اليهود يعد نموذجا تطبيقيا من بين النماذج الكثيرة التي وقعت للإنسانية منذ بدء الخليقة، قصّه الله علينا لنعتبر به، ونرى بأم أعيننا تفاصيل هذه النظرية على أرض الواقع، فماذا نستفيد من هذا ؟ ولماذا قص الله علينا خوف اليهود دون غيرهم ؟
لقد أجاب القرآن عن هذه التساؤلات بالذات، أي عما قصه لنا عن اليهود فقال: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } ، [سورة النمل:76-77]. فما أكثر السلوكات اليهودية التي تسربت إلى الأمة، وما أكثر الأفكار اليهودية التي تتناقلها الأمة المسلمة!، وقد قصدت اختيار تلك الأمثلة من بين معاصي اليهود التي حكاها القرآن الكريم لأبين للقارئ أن خوف اليهود سببه معصيتهم لله، ومعاصيهم التي أنكرها القرآن الكريم الفكرية منها والسلوكية وقعت فيها هذه الأمة!، خاصة ما يتعلق بالجانب الفكري، وما فضل جنس العرب أو المسلمين على جنس اليهود ؟! أو ما يمنع المسلمين أن يصابوا بهذا الخوف إذا أخذوا بأسبابه ؟! وهل قذف الله الخوف في قلوب اليهود لكونهم يهودا أم لكونهم أتوا بموجبات هذا الخوف ؟ فالجواب على هذه الأسئلة هو الذي يخص المسلمين حين علمهم بخوف اليهود، فمن الفوائد التي يستفيدها المسلم عندما يعلم بتفاصيل خوف اليهود ما يلي:
1- إدراك المعادلة الربانية في النصر على الأعداء: (1/104)
صفحة 105
مما لا يختلف فيه اثنان أن الجنس والعرق لا اعتبار لهما عند الله، وذلك من مقومات عدله-تعالى- فليست القضية قضية جنس أو عرق بقدر ما هي منوطة بالالتزام بنهج الله وعدمه، يقول الطبري:" فكذلك الكافر والمنافق لأنهما اختارا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى، والخوف والرعب على الحفظ والأمن فاستبدلا في العاجل بالرشاد الحيرة، وبالهدى الضلالة، وبالحفظ الخوف، وبالأمن الرعب مع ما قد أعد لهما في الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب فخابا وخسرا ذلك هو الخسران المبين" (1) .
ويقول الأستاذ سيد:" إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق. وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها, وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى الله كله. ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها، وتسمع توجيهاته، وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام.. ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها; وحين اتخذت القرآن مهجورا وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة, وتعاويذ ورقى وأدعية! أصابها ما أصابها. ولقد كان الله -سبحانه- يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه، حين نقضوا ميثاقهم مع الله, لتحذر أن تنقض هي ميثاقها مع الله, فيصيبها ما يصيب كل ناكث للعهد، ناقض للعقد.. فلما غفلت عن هذا التحذير, وسارت في طريق غير الطريق، نزع الله منها قيادة البشرية؛ وتركها هكذا ذيلا في القافلة! حتى تثوب إلى ربها، وحتى تستمسك بعهدها، وحتى توفي بعقدها، فيفي لها الله بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس.. وإلا بقيت هكذا ذيلا للقافلة.. وعد الله لا يخلف الله وعده" (2) .
__________
(1) - الطبري، مرجع سابق، 1/139.
(2) - سيد قطب، مرجع سابق، 2/859. (1/105)
صفحة 106
ويقول الشيخ الخليلي عن النصر بالرعب:" وهذه الأمة نرجو أن يكون هذا النصر لها أيضا، ولكن متى؟! عندما تكون مستمسكة بكتاب الله وبهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاضّة بالنواجذ على تعاليم القرآن وعلى تعاليم السنة النبوية من غير تفريط لا في جزئية ولا في كلية عندئذ تكون منصورة.
ومن أمثلة ذلك، عندما جند عمر بن الخطاب-رضي الله تعالى عنه- الأجناد لمحاربة إمبراطورية فارس التي كانت حسب دراسات بعض العلماء المعاصرين الإمبراطورية الأولى في ذلك الوقت...، ثم حصل أن كتب إمبراطور فارس يزدجرد كتابا إلى إمبراطور الصين يستنجده على المسلمين، يطلب منه المناصرة عليهم وأرسل به رسولا حكيما عاقلا ذهب بكتاب يزدجرد إلى إمبراطور الصين... فعندما جاء الرسول وسلم إليه الكتاب إذ جلس معه جلسة وسأله عن الكثير الكثير مما قد يعلق بذهن الإنسان من التساؤلات فيما يتعلق بهذه الفئة التي خرجت عليهم، وأول ما سأله: هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عليكم هم أكثر منكم عددا أو أقل عددا ؟ أجابه: بأنهم أقل عددا. قال له: هل هم أكثر عدة أو أقل عدة ؟ أجابه: إنهم أقل عدة. قال له: أخبرني عن حالهم. أجابه: إنهم رهبان بالليل، فرسان بالنهار. قال له: أخبرني عن طعامهم. قال له: يأكلون بقدر ما يعيشون. قال له: أخبرني عن لباسهم. قال له: يلبسون بقدر ما يستترون، ويقولون : (ولباس التقوى ذلك خير). قال له: أخبرني عن حالهم فيما بينهم. قال له: قلوبهم كقلب رجل واحد. (1/106)
صفحة 107
فأجابه بقوله: لم ينتصروا عليكم مع قلتهم وكثرتكم إلا بما ذكرته من أوصافهم، ثم كتب رسالة جوابية إلى إمبراطور فارس جاء فيها: قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك، ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين- ومرو هي بخراسان- أي لا يمنعني أن أرسل جيشا أوله من خراسان من أرض فارس وآخره بالصين إلا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء، فلو وقفت الجبال في سبيلهم لدكدكوها، ولو أرادوني لانتزعوني من مكاني هذا، فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم.
هذا من النصر بالرعب، كيف هذا الرجل الإمبراطور الكبير الذي هو بأرض الصين، في أعماق أرض الصين، وأرض الصين أرض محصنة بينها وبين البلاد الإسلامية في ذلك الوقت الكثير الكثير من المفاوز والقفار والبحور والجبال وغير ذلك، ومع ذلك هو محصن بالعدد الهائل من البشر بحيث يتمكن من إرسال جيش أوله بمرو بخراسان وآخره بالصين، كيف هذه الإمبراطور العظيم يتأثر هذا التأثر العجيب لمجرد ما علم عن حال أولئك القوم الذين قاموا على إمبراطور فارس ؟ !إنه لدليل على أن هذه الأمة منصورة بالرعب، لكن متى ذلك ؟ عندما تحاسب نفسها حسابا دقيقا بحيث تكون جميع أعمالها ترجمة لما في كتاب الله ولما في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن عمر – رضي الله تعالى عنه – زوَّد أولئك الجند تلكم الوصية البالغة، التي كانت القوة الفاعلة التي لانت بين أيديها جميع القوى، لانت بين أيديها قوى العتاد، ولانت بين أيديها قوى البشر، ولم تفد أيّ قوة في صدها، وكان من جملة ما وصاهم به: وأوصيك ومن معك من الأجناد أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم. فإذن المسلمون إنما ينصرون بالرعب عندما يكونون أشتد احتراسا من المعاصي منهم من عدوهم" (1) .
__________
(1) - الخليلي، محاضرة: "الطريق إلى الأقصى". (1/107)
صفحة 108
وأيضا يقول الخالدي عن خوف اليهود: " وإذا كان اليهود قد استأسدوا في هذا الزمان وتنمّروا، وظهروا بمظاهر البطولة والجرأة، فلأنهم لم يواجهوا الرجال المسلمين، وإنما واجهوا أناسا مشتتين جبناء، ويوم يجاهد المسلمون الصادقون اليهود -وهو آت قريب بإذن الله- فسيعود اليهود إلى قزامتهم وضآلتهم، وتزول عنهم هالات البطولة والشجاعة، ويظهرون على جبنهم وخوفهم وهلعهم" (1) .
فالله لا ينصر إلا المؤمنين الذين استمسكوا به، ومما ينصرهم به قذف الرعب في قلوب أعدائهم الكافرين وعدا منه -تعالى-، ولكن الأمة حين نقضت عهدها مع ربها، وغاصت في معاصي الله، وقطعت ما أمر الله به أن يوصل، وأبدلت الإصلاح في الأرض إفسادا، وانحرف فكرها عن الفكر القرآني، وتبنّت العقائد اليهودية، فما الفرق بين أفعالها وأقوالها وأفعال وأقوال اليهود ؟! إن الأمة مدعوّة أن تراجع حساباتها وتخلع عنها دسائس اليهود، وتنفك عن أغلال الروايات الإسرائيلية التي اعتمدت عليها كثيرا فانحرف فكرها ومن ثم انحرفت سلوكاتها.
2- بعث الاطمئنان في نفس المؤمن والتأكد من نصر الله:
__________
(1) - الخالدي، مرجع سابق، ص371. (1/108)
صفحة 109
عندما نقرأ في القرآن الكريم خوف اليهود من أعدائهم، وكيف أن الله نصر رسوله عليهم، يزيدنا ذلك إيمانا بنصر الله لنا متى استمسكنا بحبل الله المتين وكما مر فإن خوف اليهود ليس خوفا مقصورا عليهم فحسب، بل هو سنة من سنن الله تجلت في خلقه، فلا يخاف المسلم المستمسك بالله لا الأسلحة الجرثومية، ولا الأسلحة النووية ولا غيرها من الأسلحة (1) المتطورة التي تبيد الأخضر واليابس، والتي عمد اليهود إلى التحصن بها، فالله أقوى وأعظم، ومتى عاد المسلمون إلى ربهم نصرهم الله وعدًا عليه، فالله الذي أرسل الريح على الأحزاب نصرا للمؤمنين قبل أربعة عشر قرنا من الزمان، قادر أن يرسل على أعداء الإسلام ما يبيد خضراءهم نصرا للمسلمين الذين نصروه، قال -تعالى-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } ، [سورة محمد:7]. وفي هذا رد على الأصوات المرتفعة بين الحين والآخر المدعية باستحالة هزيمة الكفار ما دام أن المسلمين لم يتمكنوا ولن يتمكنوا من الحصول على هذه الأسلحة الفتاكة، بل الله أقوى وأعظم، وبيده ملكوت كل شيء وهو قادر على تعطيل عمل هذه الأسلحة جميعا، نصرا لعباده المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ج- إدراك الضعف النفسي لليهود:
إن الآيات القرآنية عندما تقص علينا خبر اليهود وما يشعرون به نحو المسلمين، { لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ } ، [سورة الحشر: 13]، يشعر المسلم بقوة نفسه وعزتها، وقوة مستندها، وعظيم قدرها عند الله، لأنها لا تستند إلى أي شيء غير الله، إن المسلم لا يخشى إلا الله-تعالى-
{
__________
(1) - هذا لا يعني أن المسلم يبقى مكتوف الأيدي بل عليه أن يعد العدة ما استطاع. (1/109)
صفحة 110
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ } ، [سورة الأحزاب: 39]، ومن ثم فمتى ما التقى بعدو من أعداء الله فإنه يكون مستقر النفس آمنا مطمئنا لأنه متيقن بضعف عدوه وتزعزع نفسيته.
هذا ما رأى الباحث أن المسلم يستفيده عند قراءته لخوف اليهود في القرآن الكريم، وهي محاولة لإسقاط هذا الموضوع على واقع المسلمين اليوم، بما يقوي صلتهم بالله، ويجعلهم قريبين من نصر الله، ويعرّفهم بسنن الله في دفع الناس بعضهم بعضا.
خاتمة
لقد ركز الباحث طوال البحث -قدر المستطاع- على الالتزام بالمعلومات الوادرة في القرآن دون غيرها، حتى يتمكن من الاطلاع على التصور القرآني للخوف كما جاء في القرآن الكريم، لذلك اقتصر العمل على جمع الآيات في هذا الموضوع ومحاولة الربط بينها، فالبحث يعد قراءة للقرآن الكريم والتعامل معه وحدة موضوعية واحدة، ويمكن إجمال النتائج التي توصل إليها الباحث فيما يلي:
1- عرض القرآن الكريم صورا عديدة لخوف اليهود، منها امتناعهم عن دخول الأرض المقدسة خوفا وجبنا عن حرب الجبارين فيها، وتخاذلهم عن نصرة الملك طالوت لما ذهب لمقاتلة جالوت، كما أنه بين خوف اليهود من الموت خوفا رهيبا وحرصهم على الحياة كيفما كانت.
2- إن الأمن والخوف بيد الله ينزل الأمن على عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، ويقذف الخوف في قلوب الكافرين، ولو كانت الظروف المادية التي يمرون بها تخالف أسباب الخوف أو الأمن، ومما ينصر الله به عباده المؤمنين قذف الرعب في قلوب أعدائهم.
3- سبب إلقاء الرعب والخوف في قلوب اليهود معصيتهم لله، وذلك وفقا للمعادلة الربانية: مهما كانت قوة العتاد + معصية من معاصي الله < مهما قلت العدة + علاقة صحيحة مع الله. وقد تورط اليهود في معاصي كثيرة قصها القرآن الكريم علينا. (1/110)
صفحة 111
4- بعد استيلاء الخوف على قلوب اليهود راحوا يدبرون المكائد للمسلمين ليوقعوا بهم في معاصي الله، فيفقدوا نصر الله لهم، فيتفوق اليهود عليهم بقوة عتادهم بعد أن استووا معم في المعصية، ومن الوسائل التي اتخذوها لذلك: إشاعة الفساد بجميع أنواعه في الأرض، وإيقاد الحروب والنزاعات بين الناس حتى لا يشتغلوا بمحاربة اليهود.
5- مما يستفيده المسلمون من ذكر خوف اليهود في القرآن الكريم إدراك المعادلة الربانية في النصر على الأعداء، واطمئنان قلب المسلم بتحقق نصر الله، كما أنه يوضح لهم نفسية أعدائهم فيدرك المسلم مدى ضعف أعدائه.
لقد حاول الباحث تسليط الضوء على جانب من الجوانب النفسية في ألد أعداء الأمة وأشدهم بشهادة القرآن الكريم، ويبقى المجال مفتوحا للإحاطة بالجوانب النفسية الأخرى، كما أن الدراسة الواقعية للحياة المادية للعدو لها دورها الذي لا يستهان به، إذ من الواجب التزود بالإمكانات الروحية بجانب الإمكانات المادية لمواجهة هذا العدو الذي لم يأل جهدا مذ بزغ فجر هذا الإسلام في محاربته، والمكيدة له، ومحاولة الوقيعة بين أبنائه، وقد نجح بعض الشيء في تحقيق ذلك، إذ خمدت في المسلمين جدوة الإسلام الذي به انتصروا أول مرة، وراحوا يلتمسون الحلول لواقعهم من أعدائهم، ويتقربون إلى أعدائهم بما يرضيهم عنهم.
لذا أهيب بإخواني الباحثين أن يوجهوا جهودهم لبيان النواحي التي بينها القرآن الكريم وفصّل فيها القول عن أعداء الأمة الإسلامية جميعا سواء ما تعلق باليهود أو المشركين أو المنافقين أو غيرهم، ملتزمين المنهج العلمي المتجرد، بعيدا عن الميولات الشخصية، والموروثات المذهبية.
وفي الأخير أعترف أن هذا جهد متواضع، وما هو إلا محاولة لخطو خطوة في مجال البحث العلمي الأكاديمي المنهجي، فما كان منه صوابا فمن الله، وما كان منه خطأ فمني ومن الشيطان. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
المصادر والمراجع (1/111)
صفحة 112
1- القرآن الكريم.
2- المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، ط30، 1988م.
3- موسوعة علم النفس الشاملة، Edit Creps international، بيروت، 1998-1999.
4- الأدنروي، أحمد بن محمد:
طبقات المفسرين، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط1، 1997.
5- أسعد، يوسف ميخائيل:
قاموس علم النفس، دار غريب، القاهرة، 1998م.
6- الأصفهاني، الحسين بن محمد الراغب(ت502هـ):
معجم مفردات القرآن الكريم، ت: نديم مرعشلي، دار الفكر، بيروت، (د.ت).
7- أطفيش، محمد بن يوسف(ت1914م):
هميان الزاد إلى دار المعاد، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1406هـ-1986م.
8- الألوسي، أبو الفضل محمود (ت1270هـ):
روح المعاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د.ت).
9- الأنصاري، زكريا بن محمد بن زكريا:
الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، تح: د. مازن المبارك، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1411هـ.
10- البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله (ت256هـ):
صحيح البخاري، تح: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ط3، 1407هـ-1987م.
11- بلفقيه، علوي بن محمد:
القراءات العشر المتواترة، دار المهاجر، المدينة المنورة، ط4، 1422هـ-2002م.
12- البيضاوي، عبد الله بن عمر بن محمد (ت691هـ):أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار الفكر، بيروت، 1416هـ-1996م.
13- الترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى (ت279هـ):
سنن الترمذي، تح: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د.ت).
14- التونسي، محمد خليفة:
الخطر اليهودي، بروتوكولات حكماء صهيون، تر:عباس محمود العقاد،(د.ت).
15- الجدع، أحمد:
معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين، دار الضياء، الأردن، ط2، 1425هـ-2004م.
16- الجهضمي، زايد بن سليمان:
من معالم الفكر التربي عند الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مطبعة النهضة، مسقط، ط2، 1424هـ-2003م.
17- حمد، حسين علي:
قاموس المذاهب والأديان، دار الجيل، بيروت، ط1، 1419هـ-1998م. (1/112)
صفحة 113
18- أبو حيان، محمد بن يوسف:
البحر المحيط، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1411هـ-19990م.
19- الخالدي، د.صلاح عبد الفتاح
الشخصية اليهودية من خلال القرآن، تاريخ وسمات ومصير، دار القلم، دمشق، ط1، 1407هـ-1987م.
20- خليفة-عبد الله، د.عبد اللطيف محمد - د.معتز سيد:
الدوافع والانفعالات، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، 1997م.
... الخليلي، أحمد بن حمد:
21- إعادة صياغة الأمة، الحلقة الأولى، مكتبة الجيل الواعد، ط1، (د.ت).
22- القيادة في الإسلام، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، (د.ت).
23- محاضرة: "الطريق إلى الأقصى"، تسجيل مكتبة معهد العلوم الشرعية، مسقط، برقم 325/أ.
24- راجح، أحمد عزت.
أصول علم النفس، دار المعارف، القاهرة، ط11، 1979.
25- الرازي، محمد بن أبي بكر(721هـ):
مختار الصحاح، ت محمود خاطر مكتبة لبنان، بيروت، 1415هـ-1995م.
26- الرازي، محمد بن عمر فخر الدين (ت606هـ):
التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411هـ-1990م.
27- رزيق، معروف:
علم النفس الإسلامي، دار المعرفة، سوريا، ط2، 1414هـ-1993م.
28- رضا، محمد رشيد:
تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار، دار المعرفة، لبنان، ط2، (د.ت).
29- الزمخشري، أبو القاسم محمود بن جار الله (ت 527هـ):
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت).
30- زهران، حامد عبد السلام:
قاموس علم النفس، مطبعة نهضة مصر، ط2، 1987م.
31- الزيني، د.محمد عبد الرحيم:
مشكلة الموت بين الفلسفة والدين، مكتبة الإيمان، مصر، ط2، 1423هـ-2002م.
32- السيوطي، عبد الرحمن بن الكمال (ت911هـ):
الدر المنثور، دار الفكر، بيروت، 1993م.
33- شريف، عدنان:
من علم النفس القرآني، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1987م.
34- شعبان، بهيج:
الموسوعة النفسية، حلقة تغلّب على الخوف، دار إحياء العلوم، بيروت، ط4، 1407هـ-1987م. (1/113)
صفحة 114
35- الشعراوي، محمد متولي:
السيرة النبوية، مكتبة التراث الإسلامي، ط2، 1422هـ-2001م.
36- الشعراوي، محمد متولي:
قصص الأنبياء، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (د.ت).
37- أبو شهبة، د.محمد بن محمد:
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، دار القلم، دمشق، ط5، 1419هـ-1999م.
38- الشوابكة، أحمد فهد بركات: محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية والسياسية، دار عمّار، الأردن، ط1، 1409هـ-1989م.
39- الشوكاني، محمد بن علي (1250هـ):
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر، بيروت، (د.ت).
40- الشيباني، أحمد بن حنبل أبو عبد الله (ت241هـ):
مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، مصر، (د.ت).
41- الصَّلَّابي، د.علي محمد:
فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- شخصيته وعصره، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، ط1، 1423هـ-2002م.
42- الصنعاني، عبد الرزاق بن همام (211هـ):
تفسير الصنعاني، مكتبة الرشد، الرياض، تح: د.مصطفى مسلم محمد. ط1، (د.ت)
43- الطَّبري، محمد بن جرير (ت310):
تفسير الطبري، دار الفكر، بيروت، 1405هـ.
44- طنطاوي، محمد سيد:
بنو إسرائيل في القرآن والسنة، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1997م.
45- ابن عاشور، محمد الطاهر(ت1393هـ):
تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية، (د.ت).
46- العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر (ت852هـ):
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، (د.ت).
47- الغزالي، محمد (ت1996م):
الجانب العاطفي من الإسلام، دار الكتب الحديثة، القاهرة، (د.ت).
48- الفيروزأبادي، محمد بن يعقوب (ت 817هـ):
القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، (د.ت).
49- القرطبي، محمد بن أحمد (ت671هـ)،
الجامع لأحكام القرآن، دار الشعب، القاهرة، ط2، 1372هـ.
50- قطب، سيد (ت1966م):
في ظلال القرآن، دار الشروق، ط35، 1425هـ-2005م.
51- قطب، محمد: (1/114)
صفحة 115
دراسات في النفس الإنسانية، دار الشروق، مصر، ط7، (د.ت)
52- القشيري، مسلم بن الحجاج أبو الحسين (ت261هـ):
صحيح مسلم، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د.ت).
53- ابن كثير، إسماعيل بن عمر (ت774هـ)،
تفسير القرآن العظيم:دار الفكر، بيروت، 1401هـ.
54- المباركفوري، صفي الرحمن:
الرحيق المختوم، دار القلم، بيروت، ط2، (د.ت).
55- ابن مسكويه، أحمد بن محمد (ت421هـ):
تهذيب الأخلاق، دار الكتب العلمية، لبنان، ط1، 1401هـ-1981م.
56- المسيري، د.عبد الوهاب:
من هو اليهودي ؟، دار الشروق، القاهرة، ط3، 2002م.
57- المسيري، د.عبد الوهاب:
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، ط1، 2003م.
58- المصري، أحمد بن محمد (815هـ):
التبيان في تفسير غريب القرآن، تح: فتحي أنور الدابولي، دار الصحابة للتراث، القاهرة، ط1، 1992هـ.
59- ابن منظور، محمد بن مكرم (ت711هـ):
لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط1، 1410هـ-1990م.
60- نجاتي، محمد عثمان (ت2002م):
علم النفس في حياتنا اليومية، دار القلم، الكويت، (د.ت).
61- النحاس: أبو جعفر (ت338هـ):
معاني القرآن الكريم، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط1، 1409هـ.
62- ابن هشام: أبو محمد عبد الملك (ت218هـ):
السيرة النبوية، تح: مصطفى السقا- إبراهيم الأبياري- عبد الحفيظ شلبي، دار ابن كثير، دمشق، ط12، 1424هـ-2003م.
المحتويات
إهداء
شكر وتقدير
المقدمة...................................................................................... ... 1
1- تمهيد ............................................................................ ... 2
2- عنوان البحث وحدوده ......................................................... ... 2
3- أسباب اختيار الموضوع.......................................................... ... 3 (1/115)
صفحة 116
4- إشكالية البحث.................................................................. ... 3
5- مراجع البحث والمنهج المتبع فيه.................................................. ... 4
6-صعوبات البحث.............................................................. ... 5
7- فصول البحث ............................................................. ... 5
الفصل الأول: تعريف الخوف وأنواعه.................................................. ... 7
أولا: الخوف لغة................................................................. ... 8
ثانيا: الخوف اصطلاحا........................................................... ... 9
ثالثا: درجات الخوف............................................................. ... 11
رابعا: أنواع الخوف.............................................................. ... 16
1- الخوف الطبَعي (الموضوعي)......................................... ... 17
2- الخوف المرضي (الشخصي)........................................ ... 23
5- علاقة الخوف بالقلق.......................................................... ... 26
الفصل الثاني: تسمية اليهود في القرآن الكريم ووجودهم العالمي اليوم.................... ... 27
أولا- تسمية اليهود في القرآن الكريم............................................... ... 28
1- بنو إسرائيل........................................................ ... 28
2- اليهود............................................................. ... 30
ثانيا: لماذا نادى القرآن الكريم اليهود ببني إسرائيل ؟................................. ... 33
ثالثا: الوجود اليهودي في العالم اليوم............................................... ... 35
الفصل الثالث: صور خوف اليهود في القرآن الكريم.................................... ... 37 (1/116)
صفحة 117
أولا: منهج القرآن الكريم في إثبات صفة الخوف لليهود.............................. ... 38
ثانيا: أحداث حكى القرآن الكريم فيها خوف اليهود................................ ... 40
1- بنو إسرائيل وأمر موسى- عليه السلام- لهم بدخول الأرض المقدسة.... ... 40
2- الملأ من بني إسرائيل مع الملك طالوت............................... ... 42
3- يهود المدينة المنورة................................................. ... 43
أ- يهود بني قينقاع.............................................. ... 44
ب- يهود بني النضير............................................ ... 45
ج- يهود بني قريظة............................................. ... 47
ثالثا: علاقة اليهود بالموت......................................................... ... 50
الفصل الرابع: سبب خوف اليهود ونتيجته............................................. ... 52
أولا: الخوف والأمن ليسا بزمام الإنسان............................................ ... 53
1- الربط على فؤاد أم موسى........................................... ... 53
2- إنزال السكينة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ هما في الغار..................... ... 54
3- تثبيت المؤمنين وإرعاب الكفار في غزوة بدر الكبرى................... ... 55
4- إرعاب الكفار في غزوة أحد......................................... ... 55
5- قذف الرعب في قلوب بني النضير.................................... ... 56
6- قذف الرعب في قلوب بني قريظة.................................... ... 57
7- تثبيت المؤمنين في غزوة حنين........................................ ... 58
8- وعد الله للمؤمنين بالأمن............................................... ... 58
9- السنة النبوية الشريفة................................................ ... 59 (1/117)
صفحة 118
ثانيا: كيفية قذف الرعب في القلوب............................................... ... 61
ثالثا: سبب إلقاء الخوف في قلوب اليهود........................................... ... 63
1- في قصة موسى مع قومه............................................. ... 65
2- خوف بني النضير.................................................. ... 66
3- بما قدمت أيديهم................................................... ... 67
رابعا: من رذائل اليهود في القرآن الكريم............................................ ... 71
1- من معاصي اليهود الفكرية........................................... ... 72
أ- دعواهم أن ذنوبهم مغفورة.................................... ... 72
ب- قولهم: "يد الله مغلولة"...................................... ... 73
ج- قولهم: " لن تمسنا النار إلا أياما معدودات".................... ... 75
2- من معاصي اليهود السلوكية......................................... ... 78
أ- الخيانة....................................................... ... 78
ب- تساهلهم في حدود الله........................................ ... 79
خامسا: نتيجة خوف اليهود...................................................... ... 82
1- إشاعة الفساد في الأرض............................................. ... 83
2- إيقاد الحروب والنزاعات........................................... ... 84
سادسا: ماذا يستفيد المسلمون من خوف اليهود ؟.................................. ... 87
1- إدراك المعادلة الربانية في النصر على الأعداء........................... ... 87
2- بعث الاطمئنان في نفس المؤمن والتأكد من نصر الله.................. ... 90
3- إدراك الضعف النفسي لليهود....................................... ... 91
خاتمة ...................................................................................... ... 92 (1/118)
صفحة 119
قائمة المصادر والمراجع....................................................................... ... 94
المحتويات.................................................................................... ... 100 (1/119)