صفحة 1
بحث تخرج: البلاغة القرآنية في سورة القمر المكية ... سليمان بن أبي بكر كان ... بلاغة ... 2004م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة
معهد العلوم الشّرعيّة
دراسة بلاغيّة لسورة القمر
إعداد: سليمان بن أبي بكر كان
إشراف: الدّكتور جمال عبد العزيز أحمد
أستاذ اللّغة العربيّة وآدابها
بمعهد العلوم الشّرعيّة
بسلطنة عمان
1425هـ - 2004م
شكرٌ وعرفانٌ:
إلى أعضاء الهيئتين التّدريسيّة والإداريّة،
وإدارة المكتبة أوجّه شكري الجزيل، وأخصّ
منهم بالشّكر الجزيل الدّكتور:
جمال عبد العزيز أحمد، الّذي يعود الفضل
إليه في اختيار هذا الموضوع:
"الدّراسة البلاغيّة لسورة القمر"،
والّذي أبدى لي ملاحظاته الدّقيقة وتصويباته
في أثناء إعداد بحثي، وإلى كلّ الطّلبة الّذين
ساعدوني في طباعة هذا البحث،
لكل هؤلاء وهؤلاء شكري وامتناني.
الباحث: سليمان كان.
ملخّص البحث
اسم البحث: دراسة بلاغيّة لسورة القمر.
اسم الباحث: سليمان أبو بكر مالك كان.
اسم المشرف: الدّكتور جمال عبد العزيز أحمد.
الأسباب الّتي دعتني إلى اختيار هذا الموضوع:
دعاني إلى اختيار هذا الموضوع وَلَعِي الشّديد بكتاب الله _ تعالى _، وحبّ التّنقيب عن جماله ودقّة تراكيبه، وحسن ترصيعه، وجلال نظمه، ورونق بلاغته، كما أنّني إنسانٌ شغوفٌ بالأدب وما يتعلّق به من مباحث، وكان لابدّ في أثناء طرح المواضيع أن يقع اختياري على الموضوع الّذي لاقى رغبة صادقةً في استجلاء النّصّ وكشف ما به من جوانب البلاغة، وسموّ التّركيب، ودقّة الألفاظ.
النّتائج الّتي توصّلت إليها:
جاءت نتائج البحث إيجابيّة، يمكننا إجمالها في النّقاط التّالية:
01_ أنّ سورة القمر حافلةٌ بالدّلالات البلاغيّة من الاستعارات، والتّشبيهات، والمجازات، والكنايات، فهذه الأمور تحفل بها السّورة.
02_ أنّ التّذوّق الجماليّ للبيان الوارد فيها راقٍ؛ وذلك لأنّ الموضوعات الّتي ينصبّ فيها ذلك التّذوّق على قدرٍ كبيرٍ من الرّقيّ في التّعبير والدّقّة في التّصوير فقد شملت جوانب علم البيان قاطبةً. (1/1)
صفحة 2
03_ عدم وجود بعض مباحث علم البديع في السّورة، كالتّورية، وحسن التّعليل.
04_ قلةّ بعض مباحث علم المعاني في السّورة، كالإطناب، وتجاهل العارف، فقد وردت في السّورة ولكن بقلّةٍ.
فهذه أهمّ النّتائج الّتي تمخّض عنها البحث، والله ولي التّوفيق.
مقدّمة
الحمد لله ربّ العالمين علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم، علّمه البيان والفصاحة ورفعه فوق سائر المخلوقات بالنّطق واللّسان، أحمده على نعمه السّابغة، وآلائه الوارفة، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّداً عبده ورسوله بلّغ الرّسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الله به الغمّة، وجاهد في سبيله حتّى أتاه اليقين.
وأصلّي وأسلّم على سيدنا محمّد أفصح العرب نطقاً وبياناً وخير من وقف على كوامن القرآن وأسراره، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار، الّذين نوّروا قلوبهم وزكّوا أحاسيسهم بتدبّر القرآن، وأناروا لياليهم بمصباحه، وعلى من اقتبس من أنوارهم واقتفى آثارهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.
وبعد: فإنّه قد جرت العادة في معهد العلوم الشّرعيّة على أن يكلّف الطّالب بإعداد بحثٍ أكاديميٍّ كمادّة من موادّ تخرجّه ترقيةً لأفكاره،7 وتوسعةً لآفاقه، وتشجيعاً له على خوض غمار القراءة والبحث في العلوم والغوص في أعماقها، واستخراج الجواهر من كنوزها، وصقلاً لمواهبه العلميّة؛ لأنّ أيّ موهبةٍ وأيّ ملكةٍ لا يمكن لها أن تجلو وأن تخرج إلى الوجود، إلاّ بالصّقل والشّحذ، وكم من مواهب ماتت في أكنانها، وملكاتٍ ربضت في عرانينها لعدم إخضاعها للتّجربة، وعدم تشجيعها على الإبداع والاختراع.
فكان لابدّ على المؤسّسات التّعليميّة العليا، من أن تفرض على روّادها وأبنائها بحوثاً صقلاً لمواهبهم، وشحذاً لقدراتهم، ولتكون مفتّقةً لملكاتهم، وحافزة لهممهم. (1/2)
صفحة 3
فإنّه قد قيّض الله لي اختيار موضوع (الدّراسة البلاغيّة لسورة القمر) وذلك نظراً لقلّة الدّراسات البلاغيّة فيما يتعلّق بالبلاغ القرآنيّ وتحليله تحليلاً بيانياًّ، وإذا رجعنا إلى كتب التّفسير لنبحث فيها عن بلاغة آيةٍ من القرآن الكريم، أو نستخرج منها نكتةً بلاغيّةً من نكاتها نجدها مبثوثةً في بطون تلك الكتب وغير مذلّلة المأخذ، بل عصيّة الفهم بعيدة الإدراك.
فعلماؤنا ـ جزاهم الله خيراً ـ قد اهتمّوا بالقرآن من حيث تفسير معاني ألفاظه، وإظهار مضامين تراكيبه ومقاصده، كما استنفذوا جهدهم وطاقتهم فيما يتعلّق بالأساليب النّحويّة، فدرسوا وجوه الإعراب لكلّ آيةٍ ولكلّ لفظٍ من ألفاظ القرآن الكريم، مبتدأً وخبراً، وفاعلاً ومفعولاً به، فكلّ لفظٍ من ألفاظ القرآن الكريم غُمّ عليك وجهٌ من أوجهه النّحويّة، وبحثته في مظانّه من كتب التّفسير فستظفر بمطلبك ولم يألوا جهداً ولم يدّخروا وسعاً في هذا الجانب، ولكنّهم أغفلوا جانباً مهماًّ من جوانب القرآن؛ ألا وهو بلاغته وبيانه، لا سيّما ما يتعلّق بالتّحليل البيانيّ، أعني دراسة بيان القرآن، لفظاً لفظاً، وآيةً آيةً، وإذا رجعنا إلى مرجع من مراجع الدّراسات القرآنيّة سواءً منها الّتي اهتمّت بعلوم القرآن، أو الّتي عنيت بتفسيره؛ فسنجدها خاليةً أو شبه خاليةٍ من دراسة الجانب البلاغيّ للقرآن، اللّهم إلاّ قبصات من هنا وهناك، وعسى أن تصير تلك القبصات حفناتٍ. (1/3)
صفحة 4
وقد تَنبّه إلى هذه النّقطة الدّكتور: عودة الله منيع القيسيّ، حيث قال في كتابه: "الإعجاز البلاغي": "إنّ الّذين كتبوا في إعجاز القرآن اللّغويّ كثر ... ولكنّهم ... كانوا يصفون إحساسهم بإعجاز القرآن بحيث يصلح ما يكتبه أحدهم عن بضع آياتٍ في القرآن إلى أيّ بضع آياتٍ أخرى دون خللٍ ... ولم يكونوا يقفون عند جزئيّات النّصّ القرآنيّ سواءً أكان آيةً أم بضع آياتٍ، بحيث ينظر إلى اللّفظة في سياقها فيبيَّن أنّ هذه اللّفظة هي غلق في هذا المكان ولا تسدّ مسدّها فيه لفظةٌ أخرى ... " (1) .
ولذلك كان من أهمّ الصّعوبات الّتي واجهتني في أثناء البحث قلّة المصادر التّحليليّة فيما يتعلّق بالبلاغة القرآنيّة.
ولا يعني هذا أنّ المشكلة كانت هذه فقط، بل كانت هناك مشكلاتٍ أخرى، كاقتناء تلك المصادر بحيث تكون قريبة المنال، إلى غير ذلك من صعوباتٍ واجهتني.
ولكن لم يمنعني كلّ ذلك من أن أبذل قصارى جهدي ليكون البحث بحثاً قيّماً يفيدني، ويفيد غيري ممّن ظمئوا إلى البلاغ القرآني.
هذا فإن وفّقت فمن الله _ تعالى _ صاحب المنّ العظيم، وإن أخطأت فمنّي ومن الشّيطان.
وقد جاء البحث على أربعة أبوابٍ بين مقدّمةٍ وخاتمةٍ، وفق التّصوّر الآتي:
الباب الأوّل: خصائص السّور المكّيّة الموضوعيّة والأسلوبيّة، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأوّل: التّعريف بالمكّيّ والمدنيّ.
المبحث الثّاني: فوائد معرفة المكّيّ والمدنيّ.
المبحث الثّالث: خصائص السّور المكّيّة الموضوعيّة والأسلوبيّة.
المبحث الرّابع: أهداف سورة القمر وموضوعاتها وفضائلها وسبب تسميّتها بالقمر.
الباب الثّاني: البيان الوارد في سورة القمر، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأوّل: التّشبيهات الواردة في السّورة.
المبحث الثّاني: الاستعارات الّتي تضمّنتها السّورة.
__________
(1) _ الإعجاز اللّغوي في قصص نوح _عليه السّلام _: الدّكتور عودة الله المنيع القيسيّ، دار عماد، الطّبعة الأولى، 1422هـ/2002م، 08. (1/4)
صفحة 5
المبحث الثّالث: مجازات السّورة.
المبحث الرّابع: ما تضمّنته السّورة من كناياتٍ.
الباب الثّالث: البديع في سورة القمر، وفيه مبحثان:
المبحث الأوّل: المحسّنات البديعيّة اللّفظيّة.
المبحث الثّاني: المحسّنات المعنويّة البديعيّة.
الباب الرّابع: المعاني في سورة القمر، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأوّل: الأساليب الخبريّة والإنشائيّة في السّورة.
المبحث الثّاني: أسلوب القصر وطُرُقُهُ.
المبحث الثّالث: الإيجاز والإطناب في السّورة.
ثمّ الخاتمة وفيها أهمّ النّتائج الّتي أسفر عنها البحث، فنسأل الله العليّ المنّان أن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يجعلها في ميزان حسناتنا، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه وهو صاحب الفضل أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.
الباحث: سليمان أبي بكر مالك كان.
روي، مسقط، سلطنة عمان.
الأحد: 27 ربيع الأوّل 1425هـ.
16 مايو 2004م.
الباب الأوّل:
خصائص وسمات السّورة المكّيّة المعنويّة والموضوعيّة.
المبحث الأوّل: التّعريف بالمكّيّ والمدنيّ.
المبحث الثّاني: فوائد معرفة المكّيّ والمدنيّ
المبحث الثّالث: خصائص السّور المكّيّة، الموضوعيّة والأسلوبيّة.
المبحث الرّابع: أهداف سورة القمر وموضوعاتها وفضائلها وسبب تسميّتها بالقمر.
الباب الأوّل: خصائص وسمات السّورة المكّيّة المعنويّة والموضوعيّة:
المبحث الأوّل: التّعريف بالمكّيّ والمدنيّ:
ونهدف في هذا المبحث إلى التّعريف بالمكّيّ، وتعريفه يتضمّن التّعريف بالمدنيّ لأنّ معرفة أحدهما يوجب معرفة الآخر، والنّاس قد اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأوّل: أنّ المكّيّ هو ما نزل بمكّة، والمدنيّ ما نزل بالمدينة، أي: ينظر إلى مكان النّزول. (1/5)
صفحة 6
واعترض على هذا التّعريف لعدم حصره كل سور القرآن، إذ وجدت آيات لم تنزل لا بمكّة ولا بالمدينة، وذلك مثل قوله _ تعالى _: { لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَتَّبَعُوكَ } ، وقد نزلت بتبوك، ومثل قوله _ تعالى _: { وَسْأَلْ مَنَ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلَكَ مِنْ رُّسُلِنَا } وهي آية نزلت بالقدس ليلة الإسراء.
الثّاني: أنّ المكّيّ هو ما وقع خطاباً لأهل مكّة، والمدنيّ ما وقع خطاباً لأهل المدينة، أو بتعبيرٍ آخر ينظر إلى المخاطبين، فما كان خطاباً لأهل مكّة فهو مكّيّ، وما كان خطاباً لأهل المدينة فهو مدنيّ.
ولا يخلو هذا التّعريف أيضاً من اعتراضٍ لوجود سورٍ ليست خطاباً لأهل مكّة ولا لأهل المدينة، وذلك مثل قوله _ تعالى _: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } الّتي خوطب بها النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
الثّالث: أنّ المكّيّ هو ما نزل قبل الهجرة ، أمّا المدنيّ فما نزل بعدها، وهذا التّعريف هو المختار لحصره كلّ آيات وسور القرآن (1) .
المبحث الثّاني: فوائد معرفة المكّيّ والمدنيّ:
ويترتّب على معرفة المكّيّ والمدنيّ فوائد لا تحصر، وقد عقدنا هذا المبحث لذكر بعضٍ من تلك الفوائد من باب الإشارة لا الحصر.
أوّلاً: تمييز النّاسخ من المنسوخ فيما إذا وجدت آيتان أو آياتٌ من القرآن الكريم في موضوعٍ واحدٍ وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفاً للحكم في غيرها، ثمّ عرف أنّ بعضها مكّيٌّ وبعضها مدنيٌّ، فإنّنا نحكم أنّ المدنيّ منها ناسخ للمكّيّ نظراً لتأخّر المدنيّ عن المكّيّ.
ثانياً: معرفة تاريخ التّشريع وتدرّجه الحكيم بوجهٍ عامٍّ، وذلك يترتّب عليه الإيمان بسموّ الأحكام والسّياسة الإسلاميّة في تربية الشّعوب والأفراد.
__________
(1) _ البرهان في علوم القرآن: بدر الدّين محمّد بن عبد الرّحمن الزّركشيّ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، الطّبعة الثّالثة، 1400هـ/1980م، 01/197. (1/6)
صفحة 7
ثالثاً: الثّقة بهذا القرآن، وبوصوله إلينا سالماً من التّغيير والتّحريف، ويدلّ على ذلك اهتمام المسلمين به كلّ هذا الاهتمام حتّى إنّهم ليعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة وما نزل بعدها، وما نزل بالحضر وما نزل بالسّفر، وما نزل بالنّهار وما نزل باللّيل، وما نزل بالشّتاء وما نزل بالصّيف، وما نزل بالأرض وما نزل بالسّماء إلى غير ذلك، فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحداً يمسّه ويعبث به، وهم المتحمّسون لحراسته، وحمايته والإحاطة به وبكلّ ما يتّصل ويتعلّق بنزوله إلى حدٍّ كبيرٍ (1) .
رابعاً: تيسير فهم الموضوعات القرآنيّة بحيث تدرس القضايا القرآنيّة دراسةً موضوعيّةً مبنيّةً على التّرتيب الزّمنيّ بدايةً بمكّة المكّرمة وانتهاءً بالمدينة المنوّرة، فيتأتّى بذلك فهمٌ عميقٌ ودقيقٌ يلاحظ ارتقاء البيئة السّياسيّة والاجتماعيّة في العهدين المذكورين.
خامساً: تُعين على دراسة الموضوعات القرآنيّة بدقّة ملاحظة تطوّرها عبر مراحل الزّمان نزول الوحي.
المبحث الثّالث: خصائص السّور المكّيّة، الموضوعيّة والأسلوبيّة:
سنتناول في هذا المبحث السّمات العامّة للسّورة المكّيّة من حيث الموضوع والأسلوب،
وخصّصنا السّور المكّيّة؛ لأنّها الشّجرة الدّوحة الّتي تمتدّ منها سورتنا.
أوّلاً: خصائصها وسماتها الموضوعيّة:
وإذا نظرنا إلى الموضوعات المكّيّة نجدها تركّز أو يغلب عليها الأمور الآتية:
01_ معالجة القضايا العقديّة، وذلك بدعوة الإنسان إلى الإيمان بالله وإقراره بالوحدانيّة، وصرف أنواع العبادة لله وحده، وهدم الشّرك، والوثنيّة، وعبادة الأصنام، ودحض معتقدات الجاهليّة بالبراهين الدافعة، والأدلّة القاطعة، بياناً لزيف معتقداتهم في آلتهم، وأنّها لا تنفع، ولا تضرّ.
__________
(1) _ مناهل العرفان في علوم القرآن: محمّد عبد العظيم الزّرقانيّ، دار إحياء التّراث العربيّ، (بدون تاريخ)، 01/195. (1/7)
صفحة 8
02_ الدّعوة إلى الإيمان باليوم الآخر،والبعث بعد الموت،والمجازاة على الأعمال، وتصوير الجنّة والنّار، وتجسيم مشاهد النّعيم فى الجنّة، وصور العذاب فى النّار، والدّعوة إلى الاستعداد ليوم المعاد.
03_ حديث القرآن عن بديع خلق الله لهذا الكون، وعظيم قدرته ولفت نظر الإنسان للآيات فى الأنفس والآفاق، والدّعوة إلى الاستفادة من ذلك كلّه، والاستدلال به على كمال القدرة، ووحدانيّة الخالق، وتفرده _سبحانه_ باستحقاقه للعبادة وحده دون شريكٍ.
04_ الحديث عن الإنسان فى أصل نشأته الأولى فى مراحل خلقه فى بطن أمّه، أو عن أبيه آدم، وأمّه حوّاء، وغرائزه النّفسيّة، والحديث كذلك عن أجناسٍ من حياة الأحياء الأخرى من نباتٍ، وحيوانٍ.
05_ الحديث عن قصص الأنبياء السّابقين، وأممهم تعريفاً بهم، وتكريم المؤمنين، وتحذير مشركي العرب من مصائر المكذّبين قبلهم، فليس كفّارهم خيرٌ من أولئكم، وبيان الوحدة دعوة الرّسل جميعاً، عليهم السّلام، وأنّهم جاءوا كلّهم بالتّوحيد الخالص، وبياناً لثوابت دعوتهم من إيمانٍ بالله وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر. (1/8)
صفحة 9
06_ الحديث عن أصول التّشريعات العامّة دون تفصيلٍ، وكذا الآداب والفضائل المتّفق عليها من صبرٍ، وصدقٍ، وبرٍّ، وصلة رحمٍ، وعفوٍ، وعدلٍ، وإحسانٍ، ونهى عن القتل، والظّلم...، ممّا نزلت به الشّرائع السّماويّة، واتّفق عليه أجناس النّاس،كقوله _ تعالى _: { إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (1) ، والمحافظة على الضّروريّات الخمس أو الكليّات الخمس: الدّين، والنّفس، والمال، والعقل، والنّسب (2) .
07_ ذكر الفواحش الموغلة في الفحش بشيءٍ من البيان والتّفصيل، انظر إلى قوله _ تعالى _: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقِ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى... } ، (سورة الإسراء: 31-34).
08_ إنّ القرآن المكّيّ شرح أصول الأخلاق ، وقواعد عامّة في الاجتماع ممّا لا يختلف فيه حال ولا عقل، لكونها من البدهيّات الظّاهرة، والمقوّمات الأساسيّة لإنسانيّة الإنسان واطمئنانه بالإيمان كالصّدق والبرِّ والصّلة، وبرّ الوالدين، وإكرام الجار، وطهارة القلب واللّسان وغير ذلك.
وقد شرح القرآن تلك القيم ببيانه المعجز شرحاً، وغرسها في قلوبهم ، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والظّلم ووأد البنات والقتل والزّنا (3) .
ثانياً: خصائصها وسماتها الأسلوبيّة:
وإذا أمعنّا النّظر في السّور المكّيّة نجد أساليبها تتّسم بما يلي:
__________
(1) _ سورة النّحل: 90.
(2) _ المكيّ والمدنيّ في القرآن الكريم: الدّكتور محمّد عبد الرّحمن الشّايع، الطّبعة الأولى، 1419هـ/1997م، الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة، 42-43.
(3) _ علوم القرآن الكريم: نور الدّين عنتر، دار الخير، الطّبعة الأولى، 1414هـ/1993م، 61-62. (1/9)
صفحة 10
01_ قصر الآيات والسّور وإيجازها، وحرارة تعبيرها، وتجانسها الصّوتيّ البارز، أو الّذي يظهر للسّامع من الوهلة الأولى.
02_ كثرة السّجع والفواصل القرآنيّة، وكذلك قصرها وتجدّدها بما يتناسب مع الصّور، والمواقف المعروضة في كلّ سورةٍ من السّور.
03_ كثرة القسم والتّشبيه والأمثال، إذا ما قورنت بالآيات المدنيّة، وكذلك تكرار بعض الجمل والكلمات، وأسلوب التّأكيد بصفةٍ عامّةٍ.
04_ الآيات المكّيّة غنيّة بالتّخييل الحسّي والتّجسيم، وخلع الحركة والحياة والحوار على الأشياء، وبخاصّة حين تتحدّث عن يوم القيامة وأحداثة، وما يتبعه من حوارٍ بين أصحاب الجنّة وأصحاب السّعير (1) .
05_ متانة العبارة وقوّتها.
06_ شيوع الأسلوب الإنشائيّ من أمرٍ ونهيٍ، واستفهامٍ، وتمنٍّ ونداءٍ (2) .
07_ كثرة التّكرار في السّور المكّيّة، فنجد آيةً واحدةً تتكرّر في السّورة لقصد التّهويل والتّخويف.
ولو نظرنا في السّورة الّتي نحن بصدد البحث فيها نجد على سبيل المثال أنّ بعض الجمل متكرّرة فيها باستفاضةٍ نحو قوله _ تعالى _: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدّكِرٍ } و { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر } و { فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُر } .
المبحث الرّابع: أهداف سورة القمر وموضوعاتها وفضائلها وسبب تسميّتها بالقمر:
أولاً: أهداف ومرامي السّورة:
هذه السّورة _ مع قصرها_ ترمي إلى أهدافٍ جليلةٍ، وأغراضٍ بعيدةٍ، ترمي من ورائها إلى معانٍ فريدةٍ.
__________
(1) _ علوم القرآن: عدنان محمّد زرزور، المكتب الإسلاميّ، الطّبعة الثّانية، 1413هـ/1991م، 134.
(2) _ المكّيّ والمدنيّ في القرآن الكريم: 41. (1/10)
صفحة 11
وهذه الأهداف كثيرةٌ، ولكنّ أهمّها هو الهدف العقديّ؛ إذ إنّ هذا الهدف يتّضح التّركيز عليه في كلّ السّور المكّيّة، فنجد السّور المكّيّة أو أغلبها يتضمّن أنواعاً شتّى من الإنذارات، والقصص كلّ ذلك لزرع العقيدة الصّحيحة في النّفوس، وتثبيتها في القلوب، وكان هذا واضحاً في الوعيد الشّديد، والإنذار القارع الّذي حفلت به السّورة.
نجد أنّ الله _ تعالى _ ذكر في السّورة أنواع العقاب والويلات الّتي حلّت بالأمم الماضية بسبب تكذيبها وعنادها، وهذا من بواعث حثّ القلوب على الطّاعة والاستسلام والانقياد والامتثال لأوامر الله _ تعالى _.
ومنها: تصديق حادث انشقاق القمر الّذي أبداه الله وأظهره على يد نبيّه محمّد _?_، الحادث الّذي يعتبر أكبر معجزةٍ حسّيّةٍ وقعت للنّبيّ _?_، فكان لوقعها صدًى كبيرٌ في أوساط مكّة وما حولها، ولذلك أرادت السّورة أن تبيّن صدق هذا الحدث، فكان ذكره في السّورة تخليداً له.
ومنها: ترويع الكفّار وتخويفهم بالحملات المرعبة المفزعة، وبالنّذر القارعة الّتي تدقّ القلوب والمسامع، بقدر ما هي طمأنينةٌ وأمانٌ للقلوب المؤمنة المصدّقة المخلصة (1) .
ثانياً: الموضوعات الّتي تناولتها السّورة:
والمحتويات الّتي تناولتها السّورة واردةٌ في كثيرٍ من السّور المكّيّة، ويمكن إجمالها فيما يلي:
أوّلاً: تقرير العقيدة الإسلاميّة، بدءاً من إنزال القرآن بالوحي وتهديد المكذّبين بآياته وانتهاءً بالجزاء الختامي يوم القيامة ومشاهد عذاب الكفّار، وأنواع ثواب المتّقين وتكريمهم (2) .
__________
(1) _ في ظلال القرآن: سيد قطب، دار العلم، الطّبعة الثّانية عشر، 1409هـ/1989م، جدّة المملكة العربيّة السّعوديّة، 06/3424.
(2) _ التّفسير المنير في العقيدة والشّريعة والمنهج: الدّكتور وهبة الزّحيليّ، دار الفكر المعاصر، الطّبعة الأولى، 1411هـ/1990م، بيروت لبنان ، دمشق سوريا، 27/143. (1/11)
صفحة 12
ثانياً: الإخبار بقرب مجيء السّاعة، ودليل ذلك وهو انشقاق القمر الّذي هو إحدى المعجزات الكبرى للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .
ثالثاً: الردّ على تكذيب المشركين للرّسول - صلى الله عليه وسلم - وقولهم في معجزاته: إنّها سحرٌ مفترًى.
رابعاً: غفلتهم عمّا في القرآن من الزّواجر والنّواهي، وإعراضهم عنها، فتأتي السّورة مشتملةً على ذلك للعظة والاعتبار.
خامساً: أمر الرّسول - صلى الله عليه وسلم - بالاعراض عنهم وعدم المبالاة بما هم فيه من التّكذيب، والعناد حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
سادساً: إنذارهم بأنّهم سيحشرون أذلاّء ناكسي الرّؤوس مسرعين كأنّهم جرادٌ منتشرٌ، بعباراتٍ تهزّ مشاعرهم، وترعب حسّهم، وتثير مخاوفهم، وتملأ نفوسهم رعباً وفزعاً من أهوال يوم القيامة.
سابعاً: عرض قصص المكذّبين من سالفي الأمم، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمود وقوم فرعون، وما لاقوه من الجزاء على تكذيبهم؛ ليكون عبرةّ لأهل مكّة وعظةً لهم من أن يكون مصيرهم كمصيرهم.
ثامناً: توبيخ المشركين على ما هم فيه من الغفلة عن الاعتبار بهذه النّذر (1) .
تاسعاً: تخصيص مشركي قريش بالتّوبيخ على غفلتهم عن هذه النّذر، وحذّرتهم مصرعاً مماثلاً لمصارع أولئك الأقوام، وهو القتل والفتك، والهزيمة في الدّنيا والعذاب في الآخرة ، الّذي يصاحبه الذّلّ والمهانة بالسّحب على وجوههم في النّار فهم في ضلالٍ وسعرٍ.
عاشراً: بيان ظاهرة التّوازن في خلق الأشياء وسرعة نفاذ أمر الله ومشيئته كلمح البصر، وضرورة الاتّعاظ والتّدبّر بهؤلاء الطّغاة الجبابرة (2) .
حادي عشر: بيان تيسير حفظ القرآن وتسهيل ذلك للذّكر، والتّلاوة.
ثاني عشر: بيان ما يلاقيه الكفّار من العذاب في الآخرة، إهانةً وتحقيراً لهم.
__________
(1) _ تفسير المراغي: أحمد مصطفى المراغيّ، دار إحياء التّراث العربيّ، الطّبعة الثّانية، بيروت، لبنان، (دون تاريخ)، 27/102، مع تصرّفٍ يسيرٍ.
(2) _ التّفسير المنير: 27/144. (1/12)
صفحة 13
ثالث عشر: بيان أنّ جميع أعمال البشر مرصودةٌ، ومكتوبةٌ في سجلاّتهم وستعرض عليهم وسيلقون جزاءها، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشرّ.
رابع عشر: تبشير المتّقين بالجنّات والكرامات وما لهم من الزّلفى عند ربّهم المليك المقتدر.
هذه موضوعات السّورة بإيجازٍ ويمكن لنا تلخيص ذلك بأنّ السّورة حافلةٌ بأنواعٍ من الوعد والوعيد والعظات والعبر بأخبار الماضين وتهديد الكفّار بعقابٍ مماثلٍ، وإكرام المتّقين في جناتٍ ونعيمٍ.
ثالثاً: فضائل سورة القمر:
وردت في فضائل تلاوة سورة القمر وتفقّدها بالقراءة والتّدبّر أحاديث كثيرة.
* أخرج الدّيلميّ عن عائشة مرفوعاً: من قرأ { بِأَلَمِ تَنْزِيلُ } و { يَسِ } و { وَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } ، و { تَبَارَكَ الّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ } ، كنّ له نوراً وحرزاً من الشّيطان والشّرك، ورفعاً له في الدّرجات يوم القيامة.
ونستنبط من هذا الحديث أنّ قراء ة سورة القمر تكون سبباً للتّنوّر والإشراق وحرزاً من مكائد الشّيطان وحبائله ومن الشّرك بالله، وكذلك كثرة قراءتها ترفع من درجات العبد يوم القيامة.
* وأخرج ابن الضّريس عن ليث عن معنٍ عن شيخ من همدان رفعه إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } غباًّ ليلةً وليلةً حتّى يموت لقى الله _ تعالى _ ووجهه كالقمر ليلة البدر.
* كما روي أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصلّي بها صلاة العيدين: الأضحى والفطر.
* وأخرج النّسائيّ في تفسيره قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله أنّ عمر سأل أبا واقد اللّيثيّ: ما كان يقرأ به - صلى الله عليه وسلم - في الأضحى والفطر ؟ قال: كان يقرأ بـ { قَ وَالقُرْآنِ المَجِيدِ } و { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ } ".
ولا شكَّ أنّ هذا يدلّ على مزيد فضيلة وكبير مزيّةٍ لهذه السّورة. (1/13)
صفحة 14
وروي هذا الحديث عن طريقٍ آخر يعضد هذا الطّريق، عن أحمد بن سعيدٍ قال: حدثّنا يونس قال: حدّثنا فُليح عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقدٍ اللّيثيّ قال: سألني عمر عمّا قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة العيدين فقلت: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ } و { قَ وَالقُرْآنِ المَجِيدِ } .
هذا بعض ما ورد في فضل السّورة وبيان مكانتها ومنزلتها.
رابعاً: سبب تسميّتها بالقمر:
وسمّيت بالقمر لمناسبتين:
الأولى: لأنّ السّورة ذكر في بدايتها القمر، وسمّيت بذلك كما هو حال كثيرٍ من سور القرآن، ويكون من باب تسمية الشّيء باسم جزءٍ منه.
الثّانية: لمناسبتها لسابقتها (سورة النّجم) لما بين النّجم والقمر من تقاربٍ، كما في توالي سورة الشّمس واللّيل والضّحى، ولا يخفى ما في ذلك من حسن التّنسيق ودقّة الملاءمة.
الباب الثّاني: البيان الوارد في السّورة:
المبحث الأوّل: التّشبيهات الواردة في السّورة:
المبحث الثّاني: الاستعارات الّتي تضمّنتها السّورة.
المبحث الثّالث: المجازات الواردة في السّورة.
المبحث الرّابع: الكنايات في السّورة.
الباب الثّاني: البيان الوارد في السّورة:
فإنّ اللّغة العربيّة لغةٌ بيانيّةٌ فصيحةٌ مشتملةٌ على التّشبيهات والاستعارات والمجازات والكنايات الّتي يستعان بها على تأدية المعنى وإيصال الغرض بأسلوبٍ لا يستعصي على من يخاطب به أو يستمع إليه.
ولمّا كانت اللّغة وعاءً لكتاب الله _ تعالى _ باعتبار أنّها لغة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - الذي أنزل عليه الكتاب، { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } (سورة إبراهيم: 05)، فقد تحمّلت الكثير من أساليب البلاغة، وزاد ذلك من بيانيّتها ورفع من شأنها وأعطاها رصيداً غير قليلٍ من السّموّ والجلال. (1/14)
صفحة 15
وتصدّى لها العلماء بالدّراسة من حيث الألفاظ والدّلالات والصّور البيانيّة، والأغراض وفكّوا عقدها وحلّوا رموزها.
وإذا جئنا لدراسة ما في سورة القمر من بلاغةٍ فلا بدٍ أن يستوقفنا شيءٌ من هذا البيان، وقبل أن ندخل في الموضوع نتعرّض لتعريف البيان لغةً، واصطلاحاً.
البيان لغة : الكشف، والإيضاح، والظّهور، يقال: بيّنت الشّيء: أوضحته، وبان الشّيء: ظهر واتضح (1) .
واصطلاحاً: هو علمٌ يستطاع بمعرفته إيراد المعنى الواحد بطرقٍ مختلفةٍ في درجة الوضوح مع مطابقة الكلام لمقتضى الحال (2) .
فائدته وأثره في الكلام:
ولعلم البيان أثرٌ كبيرٌ ومهمٌّ في تأدية المعنى وإيصاله إلى السّامع أو المتلقّي، وكم من متكلّم لا يبيّن ولا يوضّح ولا يفصح فيكون كلامه كمن يصيح في وادٍ أو ينفخ في رمادٍ، ولهذا فالعالم بأساليب الكلام وفنون تنوّع العبارات يستطيع التّأثير على المتلقّي والاستحواذ على نفسه والسّيطرة على وجدانه (3) .
المبحث الأوّل: التّشبيهات الواردة في السّورة:
وإذا جئنا لدراسة ما في السّورة من تشبيهاتٍ بلاغيّة، والّتي تجسّد لنا الصّور المجرّدة وتشخّصها في أذهاننا فإنّ أوّل تشبيهٍ نلقاه هو قوله _ تعالى _: { كَأََنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنْتَشِر } فالتّشبيه مرسلٌ مجملٌ، وأداة التّشبيه موجودةٌ وهي الكاف، ووجه الشّبه محذوفٌ أي في الكثرة والتّموّج، والحيرة وعدم الاهتداء.
ولا يخفى ما يوجد في التّشبيه من روعةٍ بلاغيّةٍ وجمال فنّيّ، وغرضٍ كبيرٍ من أغراض البلاغة وهو تجسيد المعاني المجرّدة في الذّهن إلى معانٍ محسوسةٍ وملموسةٍ في الواقع.
__________
(1) _ البلاغة: الدّكتور مصطفى محمّد، وزايد بن سليمان الجهضميّ، معهد القضاء الشّرعيّ والوعظ والإرشاد، الطّبعة الثّانية، سلطنة عمان، 15.
(2) _ المصدر السّابق: 15.
(3) _ البلاغة: 15. (1/15)
صفحة 16
فقد أفاد التّشبيه تجسيد الصّورة، وتشخيصها، فهذه الجموع الخارجة من الأجداث في مثل رجع الطّرف تشبه الجراد الذّي اشتهر بانتشاره واحتشاده، وأن يكون له هدفٌ من هذا الانتشار والاحتشاد، وكذلك هذه الجموع قد ألجمها الخوف، وعقد الهول أفهامها، وضرب عليها رواكد من الحيرة، وغشيها بأمواجٍ من الضّلالة والرّين، فهي تسير تلبيةً لدعوة الدّاعي دون أن تعرف لِمَ يدعوها، ولكنّها تعرف بصورةٍ مبهمةٍ أنّه يدعوها إلى شيءٍ نكر لا تكتنه حقيقته ولا تعرف فحواه (1) .
كما أنّ الله _ تعالى _ أراد تشبيه جموع الخلائق يوم بعثهم ونشرهم بجمعٍ من الجراد المتلاطم المتموّج فشبّه الله _ تعالى _ هيئة خروج النّاس من القبور متراكمين ومتزاحمين ومكتظّين بهيئة خروج الجراد متعاظلاً يسير مضطرباً غير ساكنٍ (2) .
التّشبيه الثّاني من تشبيهات السّورة:
قوله _ تعالى _: { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَعِرٍ } :
معنى الآية : أنّ تلك الرّيح الصّرصر كانت تقتلعهم من الأرض اقتلاع النّخلة من أصلها.
قال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض فترمي بهم على رؤوسهم فتدقّ أعناقهم، وتُبينُ رؤوسَهم وتقصمها من أجسادهم.
وأعجاز النّخل: أسافله، وأصوله ومغارسه.
والعجز: مؤخّر الشّيء.
منقعرٍ: اسم فاعل من الفعل انقعر مطاوع "قعره"، أي بلغ قعره بالحفر يقال: قعر البئر إذا انتهى إلى عمقها وهو وصف للنّخل، روعي في إفراده وتذكيره صورة لفظ نخلٍ دون عدّة مدلوله (3) .
وهذا ما يتعلّق بمعنى الآية أمّا الجانب البلاغيّ منها فندرسه كالتّالي:
__________
(1) _ إعراب القرآن الكريم وبيانه: محي الدّين الدّرويش، دار ابن كثير، 408هـ/1988م، 09/374.
(2) _ التّحرير والتّنوير: سماحة الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور، مؤسّسة التّاريخ، الطّبعة الأولى 1420هـ/2000م، بيروت، لبنان، 27/173.
(3) _ التّحرير والتّنوير: 186. (1/16)
صفحة 17
فالتّشبيه فيه مرسلٌ مجملٌ، لأنّ أداة التّشبيه (الكاف) موجودةٌ ووجه الشّبه محذوفٌ.
فقد شُبّه هؤلاء الكفّارُ المطروحون على الأرض بأصول النّخيل المقطوعة الّتي تقلع من منابتها، وتُستأصَل من مغارسها لموتها إذ تزول فروعها ويتحاتّ ورقها فلا تبقى إلاّ الجذوع الأصليّة فلذلك سمّيت أعجازاً (1) .
وقيل: كانت الرّيح تقطع رؤوسهم فتبقى أجساماً بلا رؤوسٍ فأشبهت أعجاز النّخل الّتي انقلعت من مغارسها (2) .
فيُظهِر جمال التّشبيه ورونقه أنّ القوم كانوا ذوي جثثٍ عظامٍ، طوال القامة الّتي شبّهت بجذوع غلظةً منقلعةً من مغرسها، متساقطةً على الأرض.
وحذف وجه الشّبه في التّشبيه ليكون تمثيلياًّ، وليتصوّر المتخيّل أوجه الشّبه بين المشبّه والمشبّه به من صورٍ متعدّدةٍ من طولٍ وغلظةٍ، وعدم حراك إلى غير ذلك ممّا يعطيه هذا التّشبيه من معانٍ وتصوّراتٍ.
وهذا من أرقى البلاغة وأبلغها، وسرٌّ من أسرار بلاغة القرآن الكريم، إذ من خصائص بلاغة القرآن الإيجاز ودقّة التّصوير والتّمثيل، فالمتأمّل لهذا التّشبيه والمتمعّن فيه كأنّما رأى هؤلاء النّاس تقلعهم الرّياح وتنزعهم من هنا وهناك، وتطرحهم على أجسادهم الغليظة هامدين، ساكنين سكون جذعةٍ غليظةٍ منقلعةٍ من مغرسها.
التّشبيه الثّالث : قوله _ تعالى _: { فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ } :
فكانوا بمعنى: صاروا، وتجيء (كان) بمعنى صار حين يراد بها كونٌ متجدّدٌ لم يكن من قبل:
والهشيم: ما تفتّت وتهشّم وتهضّم من الشّجر، ويكون بمعنى ما يبس وجفّ من الكلإ ومن الشّجر، وهو مشتقٌّ من الهشم وهو الكسر، لأنّ اليابس من ذلك يصير سريع الانكسار.
__________
(1) _ المصدر السّابق: 186.
(2) _ البحر المحيط: أبو عبد الله محمّد بن يوسف الأندلسيّ الغرناطيّ الشّهير بأبي حيّان، دار إحياء التّراث العربيّ، الطّبعة الثّالثة 1411هـ/1990م، بيروت، لبنان، 8/ 178. (1/17)
صفحة 18
المحتظر: بكسر الظّاء الّذي يعمل الحظيرة ويبنيها، وذلك لأنّه يجمع الهشيم ويلقيه على الأرض ليرصفه بعد ذلك سياجاً لحظيرته.
فالتّشبيه مرسلٌ مجملٌ، وهو ما حذف منه وجه الشّبه وأُتِي فيه بأداة التّشبيه.
شبه الله _ تعالى _ إهلاكهم وإفناءهم بالهشيم اليابس المتكسّر المتفتّت.
فالتّشبيه يصوّر لنا حال هؤلاء الكفّار المكذّبين عند ما نزل عليهم غضب الله وبطشه.
ويعطينا خلفيّةً تامّةً عنهم، وإن لم نكن رأيناهم حين أُهلكوا وأُفنوا وذلك حين شبّهوا بشيءٍ محسوسٍ ومرئيٍّ لدينا وهو العشب أوالكلأ اليابس المتهشّم من شدّة يبسه.
كما يعطينا علماً دقيقاً عن هول هذه الصّيحة وشدّتها، ما أعظمها من صيحةٍ وما أشدّها من صاعقةٍ ! صيحةٌ حوّلت الأجساد المتبذّخة إلى قطعٍ متهشّمةٍ ومتناثرةٍ، فهذه الأجساد المتجبّرة البطرة تصير كالعشب اليابس المتكسّر.
فالرّونق البلاغيّ والجمال البيانيّ في التّشبيه يكمن في مدى التّصوير الدّقيق لشّدة هذه الصّيحة وكيف صيّرت هؤلاء، وحوّلتهم عند ما تجبّروا وبطروا وتعالوا على داعية الله وطغوا عليه ظانّين أنّ بطشهم وشدّتهم دافعةٌ عنهم وأنّ غلظتهم تكون لهم حصناً منيعاً وما عرفوا أنّ لله جنود السّماوات والأرض، { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } (الفتح: 07).
كما أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ التّشبيه يبيّن لنا حال هؤلاء بعد ما صعقوا وأهلكوا وهذا الغرض (بيان الحال) من أهمّ أغراض التّشبيه بل من أبلغها، وكيف أنّهم تمزّقت أجسامهم شذر مذر، وعادوا لا يملكون طاقةً، ولا قدرةً للدّفاع عن أنفسهم كما أنّ الهشيم لا يدفع عن نفسه عاتية الرّيح.
التّشبيه الرّابع: قوله: { وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ البَصَرِ } :
المراد بالأمر: الخلق والإيجاد، وواحدة: كنايةً عن قوله _ تعالى _: { كُنْ فَيَكُونُ } . (1/18)
صفحة 19
فالتّشبيه مرسلٌ مجملٌ، وذلك ـ كما قلنا ـ إذا وجدت الأداة، وحذف وجه الشّبه فيسمى عند البلاغيّين بالمرسل المجمل.
ويتعلّق بالآية أمران بلاغيّان الأمر الأوّل: التّشبيه الوارد فيها.
الأمر الثّاني: ماكنّي عنه بالآية، ونرجئ هذا الأخير إلى المبحث الخاصّ بالكنايات الواردة في السّورة بإذن الله.
ونفصّل القول فيما يتعلّق بالتّشبيه ونقول: إنّ الله شبّه سرعة وقوع أمره ونفاذه بسرعة لمح البصر وتحرّكه وعودته على حاله.
وذلك أنّ أسرع شيءٍ حركةً هو العين حتّى إنّ الإنسان صاحب تلك الحركة لا يكاد يشعر بها ويتأمّلها، فناسب تشبيه أمر الله حين يريده في سيره وسرعته بتلك الحركة الّتي هي أسرع شيءٍ في الوجود، ولدى هذا الإنسان المخاطب بهذا القرآن.
فإذا كانت بلاغة التّشبيه تتمثّل في إيجازه واختصاره فإنّ هذا التّشبيه قد اشتمل على قدرٍ كبيرٍ من الاختصار والإيجاز، وذلك أنّ كلّ شيءٍ يقع في الوجود إيجاداً وعدماً منحصرٌ في هذا التّشبيه بما في ذلك الأرضون والسّموات.
فلو قال: إذا أردنا الأمر الفلانيّ فإنّه يكون مثل كذا... والأمر الفلانيّ يكون كذا ... لاشكّ أنّ الكلام سيطول ويخرج عن غرضه المقصود منه.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إنّ العبارة في الآية الكريمة قد وردت على نحوٍ من البلاغة راقٍ تامٍّ لجمعها معانيَ كثيرةً في كلماتٍ قليلةٍ معدودةٍ، شأنهم في ذلك شأن كلّ كلامٍ بليغٍ يحمل في طيّاته دلالاتٍ كثيرةً يراد إبلاغها بعبارةٍ موجزةٍ.
المبحث الثّاني: الاستعارات الّتي تضمّنتها السّورة: (1/19)
صفحة 20
كلامنا في هذا المبحث ينصب على الاستعارات الّتي تضمّنتها السّورة وإذا كان البلغاء قد تباروا في هذا المجال، وتسابقوا في هذا الميدان الفسيح قديماً وحديثاً فإنّنا نجد في كلام الله أروع العبارات وأحسنها استعارةً، ولا نكاد نقرأ آيتين أو ثلاث آياتٍ حتّى نرى ما تتبارى فيه الأذواق من التّخيّلات الحسّيّة والمجرّدات الذّهنيّة، وعلى ذلك سندرس في سورتنا حظاًّ وافراً من الاستعارات ومن قبل أن نأتي إلى دراسة تلك الاستعارات نعطي نبذةً عن بلاغة الاستعارة بعد تعريفها.
فالاستعارة هي: تشبيهٌ في الأصل حذف أحد طرفيه.
وفائدتها تقديم المعاني الثّمينة في صياغةٍ لفظيّةٍ متينةٍ موجزةٍ.
ويقول عبد القاهر الجرجانيّ (1) : (ومن خصائصها أنّها تعطيك الكثير من المعاني حتّى تخرج من الصَّدَفَة الواحدة عدّة من الدّرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعاً من الثّمر، وتجد التّشبيهات على الجملة غير معجبةً ما لم تكنّها _ إن شئت _ أرتك المعاني الّتي هي من خفايا العقل كأنّها قد جُسِّمَتْ حتّى رأتها العيون وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانيّة حتّى تعود روحانيّة لا تناولها الظّنون).
والمجال فسيحٌ أمام فرسان الكلام ليتسابقوا ويتباروا في الابتكار، وروعة الخيال.
فاسمع لقول الله _ تعالى _ في شأن النّار: { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } .
إنّك تتصوّر وأنت تقرأ الآية النّار في مخلوقٍ ضخمٍ بطّاشٍ جبّارٍ، مكفهرّ الوجه عبوسه، يغلي صدره غيظاً وحقداً وغضباً { تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } تتميّز من الحقد والحنق على العاصين، إنّها مخلوقٌ حيٌّ يحوي في طواياه كرهاً وغيظاً وغضباً، ولكنّه يكظم جميع ذلك ويكاد أن يتقطّع من شدّة تفاعله الدّاخليّ، ذلك هو مشهد النّار الّذي تصوّره لنا الآية (2) .
__________
(1) _ أسرار البلاغة:
(2) _ البلاغة: 85 –82. (1/20)
صفحة 21
وهكذا الاستعارة تبعث الحياة في الأشياء الجامدة الهامدة وتحوّلها إلى شيءٍ حيٍّ حركيٍّ، وتعمل على تجسيد المعاني وتشخيصها في الذّهن.
ونأتي إلى دراسة الاستعارات الواردة في السّورة وأوّلها:
قوله _ تعالى _: { وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ } :
في قوله _ تعالى _: (وادزجر) استعارةٌ، وذلك من خلال معنى خفيّ في تلك اللّفظة، وقبل أن نشرع في تحليل ذلك نقف إلى هذا المعنى الخفيّ والمعنى الآخر في اللّفظة ففي (وازدجر) معنيان:
أوّلها: أنّه معطوفٌ على قوله: مجنونٌ، أي وزجروه عن التّبليغ بأنواع الأذيّة والتّخويف وعلى هذا فلا يكون في الكلام استعارة.
ثانيهما: أنّ (وازدجر) من جملة مقولهم أي: قالوا هو مجنونٌ وقد ازدجرته الجنّ وتخبّطته ومسّته بجنونٍ وعلى هذا المعنى الثّاني يكون في الكلام استعارة.
وبيان ذلك: أنّه قد استعير لمن مسّته الجنّ بجنونٍ كلمة (ازدجار) بجامع ذهاب العقل، وفقدانه في كلٍّ منهما (المس، والزّجر) على سبيل الاستعارة التّصريحيّة التّبعيّة.
فقد شبّه الزّجر بالمسّ بالجنون بجامع ضياع العقل وذهابه في كلٍّ من الزّجر، والمسّ "وكأنّه لمّا مسّه الجنون من الجنّ عدل عن مسلك العقلاء فشبّهه بمن زجرته الجنّ وصرفته عن طريق الصّواب، ولا قرينة عليها" (1) .
وفي قوله _ تعالى _: { فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ } :
__________
(1) _ حاشية الشّهاب على تفسير البيضاويّ (غاية القاضي وكفاية الرّاضي): دار صادر، بيروت، لبنان، 08/123. (1/21)
صفحة 22
ففي العبارة استعارة لأنّ المراد بتفتيح أبواب السّماء تسهيل سيل الأمطار حتّى لا يحبسها حابسٌ، ولا يلفتها لافتٌ، ولا يحول عنها أيّ شيءٍ، ومفهوم ذلك إزالة العوائق عن مجاري الغيوث من السّماء حتّى تصير بمنزلة حبيسٍ فتح عنه بابٌ أو معقولٍ أطلق عنه عقال (1) .
كما أنّها تمثّل مبالغةً لجعل أبواب السّماء تفتّحت وخرجت منها المياه كما تخرج من التّرع، والجسور المفتّحة، وجعل الماء لشدذته هو الّذي فتحها إن كانت الباء للآلة والاستعارة (2) .
فالاستعارة تمثيليّة بتشبيه تدفّق الأمطار من السّماء بانصباب أنهارٍ انفتحت لها أبواب السّماء وشقّ لها أديم الخضراء.
فقد استعير لتسهيل سيل الأمطار وتيسير انصبابها وكثرة تدفّقها لفظة (تفتيح)، وذلك أنّ الماء إذا حبس ومنع بحاجز وأزيل عنه هذا الحاجز يكون تدفّقه وسرعة جريانه أشدّ وأكثر قوّةً من أيّ شيءٍ.
فلننظر إلى هذا التّصوير القرآنيّ الرّائع لهذا الطّوفان الجارف المدمّر الّذي لا يبقي ولا يذر.
فأين هذا ممّا اشتهر عنهم: "جرت ميازيب السّماء وفتحت قِرَبُ الجوّ" ؟ من هذه العبارة القرآنيّة البالغة التّصوير ؟!
فلاشكّ أنّ بينهما بوناً شاسعاً لا يمثّل له ولا يقترب من حماه، هذا ما يتعلّق بالجزء الأوّل من الآية.
وإذا نظرنا إلى الآية بعامّةٍ نجد أنّ الاستعارة تمثيليّة حيث شبّه تدفّق الأمطار من السّحاب بانصباب أنهارٍ انفتحت لها أبواب السّماء وشقّ لها أديم الخضراء (3) .
أو نجريها على أنّها تمثيلٌ لهيئة اندفاع الأمطار من الجوّ بهيئة خروج الجماعات من أبواب الدّار الضّيّقة عليهم على طريقة: وسالت بأعناق المطيّ الأباطح.
__________
(1) _ تلخيص البيان في مجازات القرآن: الشّريف الرّضيّ، تحقيق الدّكتور علي محمود مقلّد، دار مكتبة الحياة، 1968م، بيروت، لبنان، 299.
(2) _ حاشية الشّهاب: 08/123.
(3) _ المصدر السّابق: 08/123. (1/22)
صفحة 23
وهكذا إذا فتحنا أخيلتنا وتصوّرنا مصارع هؤلاء القوم كيف أُهلكوا وأبيدوا، وكيف قُضي عليهم ... فإنّنا نستطيع أن نجد مدخلاً إلى ذلك من خلال هذا التّصوير والتّمثيل الدّقيق لهذه الأمطار المتدفّقة من كلّ صوبٍ وحدبٍ، فكأنّها من شدّتها تفتح السّحب، وتشقّ أديم هذه الأرض.
والغرابة في ذلك أنّ كلّ هذه التّصوّرات، والتّمثيلات جاءت كلّها من هذه العبارة القصيرة الوجيزة الّتي أدّت إلى جليل هذه المعاني وعظيم تلك المفاهيم.
إنّه التّعبير القرآنيّ الّذي يلتزم الإعجاب والإعجاز في مضمونه وفي سياقه مع جمال تناسقه وتراصّه، وفي دقّة تصويره للأمور الغيبيّة، فيتصوّر المتخيّل هذه الفيضانات الشّديدة، وهذه السّيول العارمة الّتي تأتي على الأخضر واليابس عند ما يتصوّر مياهاً كمياه البحار حبست عن سدٍّ وفتح هذا السّدّ عنها كيف تندفع وتجري، ولا يمنعها ويحول عنها بعد ذلك أيّ شيءٍ، ولا تنفع أيّ محاولاتٍ لتهدئتها.
وخلاصة القول أنّ الخيال القرآنيّ يفوق أيّ خيالٍ، لأنّه قول الله المبين، وتصويره _ من غير شكٍّ أدقّ من كلّ تصويرٍ.
وقد مرّ لنا أن قلنا: إنّ هذه العبارة أبلغ ممّا اشتهر عن العرب من نحو قولهم: "جرت ميازيب السّماء، وفتحت قِرَبُ الجوّ"، وذلك ممّا لاشكّ فيه ولكن يأتي ذلك من باب المدارسة فقط فنحن نجري هذه المقارنة من هذا المنحى؛ لأنّ الشّيء بضدّه يعرف، وإذا نظرت إلى هاتين العبارتين تجدهما تكادان أن تكونا ساذجتين خاليتين من أيّ خيالٍ إذا ذكرتا إلى جانب قوله _ تعالى _: { فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ } لأنّ القربة إذا فتحت عن الماء اندفع وانتهى، فالمبالغة بجري الماء عبّر عنها بجريان الميزاب.
أمّا فتح الماء المنصبّ المنهمر من كثرته عن أبوابٍ واسعةٍ فإنّ الخيال يجول ويدور في تصوير ذلك، ومحاولةً للوصول إلى قوّة هذا الماء وشدّة اندفاعه. (1/23)
صفحة 24
وفي قوله _ تعالى _: { فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } :
والتقاء الماء يكون بجمع مياه الأمطار مع ماء عيون الأرض فالالتقاء مستعارٌ للاجتماع، شبّه الماء النّازل من السّماء والماء الخارج من الأرض بطائفتين جاءت كلّ واحدةٍ من مكانٍ فالتقتا في مكانٍ واحدٍ كما يلتقي الجيشان على سبيل الاستعارة التّصريحيّة التّبعيّة (1) .
أو نقول: اختلط ماء الأمطار المنهمرة بماء العيون المتفجّرة فالتقى ماءاهما على ما قدّره الله _سبحانه وتعالى _ من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ (2) .
أي: استعير للاختلاط والامتزاج لفظة التقاء، شبّهت المياه المنهمرة من السّماء والمياه النّابعة من الأرض بشيئين منفصلين فاختلطا وامتزجا بحيث صارا شيئاً واحداً.
وقد قلنا بأنّ المراد من التقاء الماء، التقاء ماء الأمطار وماء العيون المتفجّرة من عمق الأرض، فمن أين استفدنا هذه الدّلالة مع أنّ كلمة الماء مفردةٌ ولم يقل: فالتقى الماءان ؟
الجواب: أنّنا استفدنا ذلك من كلمة الماء لأنّ (ال) فيها للجنس، أي للدّلالة على جنس الماء الشّامل لماء الأمطار وماء العيون ...إلخ.
وقد قلنا: إنّ الالتقاء مستعارٌ للاجتماع والسّؤال ما الجامع بينهما ؟
الجامع بينهما أنّ كلاًّ من الاجتماع والالتقاء يفيد تداخل الشّيئين واختلاطهما بحيث يصيران شيئاً واحداً.
ولا يخفى على ذي الذّوق السّليم والإدراك الرّاقي ما في هذه الاستعارة من روعةٍ فنّيّةٍ، وجمالٍ بلاغيٍّ راقٍ، وفي الوقت نفسه لها غرضٌ مرادٌ إدراكه وإيصاله إلى الّذين يرتادون هذا الكتاب بالتّدبّر والإمعان وهذا الغرض لإفادة أنّ الماءين المجتمعين، أحدهما من فوق، والآخر من تحت، الشّيء الّذي يفيده الالتقاء، ولو وضعنا مكانه كلمة الاجتماع لما حصلنا هذه الفائدة، وذلك أنّ الاجتماع يفيد تداخل الشّيئين المتحاذيين المتقابلين.
__________
(1) _ التّحرير والتّنوير: 27/17.
(2) _ تلخيص البيان: 299. (1/24)
صفحة 25
ويمكن أن تعدّ استعارةً مكنيّةً حيث شبّه الماء بإنسانٍ يلتقي وحذف المشبّه به وكنّى عنه.
وفي قوله _ تعالى _: { جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } :
أي فعلنا ذلك (إشارةً إلى ما سبق ذكره من إهلاك وإغراق) جزاءً لنوح _ عليه السّلام_، فـ(من) الموصوليّة تعني نوحاً _ عليه السّلام _، فهي كناية عن موصوفٍ _ كما سيأتي_.
والاستعارة تتمثّل في جعل نوحٍ نعمةً، باعتبار أنّ كلّ رسولٍ نعمةٌ لقومه، وإهلاك هؤلاء القوم جاء نتيجةً لجحدهم وكفرهم لهذه النّعمة المتمثّلة في نوحٍ _ عليه السّلام _ فيستعار لنوحٍ النّعمة بطريق الكناية وينسب له الكفران تخيّلاً أو حقيقةً (1) .
ولا شكّ أنّ هذا الأسلوب البلاغيّ المعتمد على الخيال له تأثيرٌ كبيرٌ على الأحاسيس، والمشاعر، وذلك أنّ مركزه هو تلك الأحاسيس، ممّا يسهّل النّفاذ إلى فحوى ومضمون الاستعارة.
قوله _ تعالى _: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ } :
التّيسير: التّسهيل، فمعناه أنّ القرآن سهلت دلالته لأجل انتفاع الذّكر بذلك التّيسير، فجعلت سرعة ترتّب الذّكر على سماع القرآن بمنزلة منفعة للذّكر؛ لأنّه يشيع ويروج بها كما ينتفع طالب شيءٍ إذا يسرت له وسائل تحصيله، وقربت له أباعدها (2) .
ففي قوله: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ } استعارةٌ مكنيّةٌ، ولفظة (يسّرنا) تخييل.
قوله _ تعالى _: { أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } :
__________
(1) _ حاشية الشّهاب: 08/132.
(2) _ التّحرير والتّنوير: 27/182. (1/25)
صفحة 26
ولفظ إلقاء الذّكر ههنا مستعار، والمراد به أنّ القرآن العظيم لعظم شأنه وصعوبة أدائه كالعبء الثّقيل الّذي يشقّ على من حمله وألقى عليه ثقله ونظيره في ذلك قوله _ تعالى _: { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } (المزّمّل: 05)، وكذلك قول القائل: ألقيت على فلانٍ سؤالاً، وألقيت عليك حساباً أي: ساءلته عمّا يستكدّ له هاجسه، ويستعمل به خاطره (1) .
فقد استعير للقرآن العبء الثّقيل وحذف المستعار، ثمّ رمز له بشيءٍ من لوازمه وهو الإلقاء على طريق الاستعارة المكنيّة، والجامع بين المستعار والمستعار له هو الصّعوبة والشّقّ على من حمل أو كلف بالقيام بهما.
قوله _ تعالى _: { وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } :
فالعبارة استعارة تمثيليّةٌ ولكي نعرف ذلك لابدّ من معرفة معنى المراودة لغةً.
فالمراودة: محاولة إرضاء الكاره بشيءٍ بقبول ما كرهه، وهي مفاعلةٌ من راد يرود روداً، إذا هبّ ورجع في أمرٍ (2) .
مُثِّلت هيئة محاولتهم ومراجعتهم المتكرّرة بهيئة من ينصرف ويرجع في أمرٍ يهمّه ويشغل باله.
وإذا أمعنّا النّظر في هذه الاستعارة التّمثيليّة في دقّتها وحسن تصويرها لموقف هؤلاء الّذين كانوا يريدون التّحرش بضيوف لوطٍ _ عليه السّلام _، ومدى شدّة طمعهم واهتمامهم بهذا الأمر الشّائن، وكيف يلائم همّتهم، واندفاعهم لما أهمّوا به بمثل من ينصرف ويرجع في أمرٍ أهمّه، وشغل باله وهو في حيرةٍ منه كيف يتوصّل إليه.
__________
(1) _ تلخيص البيان: 299، بتصرّف.
(2) _ التّحرير والتّنوير: 27/198. (1/26)
صفحة 27
فقد صار موقفهم هذا ماثلاً ومشخّصاً أمام ناظريك بسبب هذا التّمثيل، وهذا العنصر (التّمثيل، والتّجسيد) من أهمّ أغراض الاستعارة، وإذا كانت الاستعارة تعني تقديم المعاني الثّمينة في صياغةٍ لفظيّةٍ متينةٍ فإنّنا نجد هذا الأمر في هذه الاستعارة الّتي أفادتنا بجملتها القصيرة معاني كثيرةً وشخّصتها في أذهاننا، والعبارات القرآنيّة تمتاز بهذا الفنّ البلاغيّ الرّاقي، إن أوجزت أوجزت بأخصر ما يكون كما أنّها في مجال الإسهاب والإطناب نرى لها الوجاهة نفسها والعلوّ في التّعبير، ولسنا بصدد تفصيل القول فيما يتعلّق ببلاغة الاستعارة وإنّما أن نعطي نبذةً مختصرةً عن موضوعات السّورة من الوجهة البلاغيّة.
قوله _ تعالى _: { فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } :
فالأخذ مستعارٌ للإهلاك والانتقام، و"الأخذ" مستعارٌ منه و"الإهلاك" مستعارٌ له، والجامع بينهما هو الشّدّة والإيلام، فقد شبّه الإهلاك والانتقام من الكفّار الجاحدين لأنبياء الله بالأخذ، فالاستعارة مكنيّةٌ تبعيّةٌ، لحذف المشبّه به، ولأنّ اللّفظ الّذي جرت به الاستعارة فعلٌ مشتقٌّ من الأخذ، ونظيره قوله _ تعالى _: { أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } (النّحل: 46)، أو يأخذهم على تخوّفٍ، والقرينة المانعة من إراد المعنى الحقيقيّ حاليّة، مفهومة من سياق الكلام؛ لأنّنا نعرف وندرك بفهمنا أنّ الأخذ الحقيقيّ لا يتأتّى في الآية، ومعنى الشّدّة والبطشة الّذي يشمّ من الأخذ جعله يستعار في مواضع من القرآن الكريم للإهلاك والانتقام، ولمّا كان المراد من الاستعارة تصوير مدى شدّة ما أخذ به هؤلاء من الهلاك لم يكتف بذكر ذلك بالاستعارة بل زيد على ذلك تأكيد الفعل بالمفعول المطلق المضاف إلى العزّة: { أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ } . (1/27)
صفحة 28
فالاستعارات القرآنيّة غايةٌ في التّجسيم والتّشخيص، وتصوّر الأشياء المراد إيصالها إلى الأذهان تصويراً دقيقاً، ولاغرو أن نرى هذا التّشبيه الاستعاريّ مشتملاً على تلك الدّقّة في التّصوير، فنحن نرى مهالك هؤلاء القوم الجبابرة كيفيّةً وهيئةً بفضل هذه الاستعارة، وهذا من أهمّ مميّزات التّشبيه عامّةً والاستعارة خاصّة: الدّقّة، والتّصوير، وصياغة المعاني الكثيرة في ألفاظٍ قليلةٍ.
قوله _ تعالى _: { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } :
ففي قوله: "أمرّ" استعارة؛ لأنّ المرارة لا يوصف بها إلاّ المذوقات والمطعومات، ولكنّ السّاعة لمّا كانت مكروهةً عند مستحقّي العقاب حسن وصفها بما يوصف به الشّيء المكروه المذاق، ومن عادة من يلاقي ما يكرهه، ويرى ما لا يحبه _ أن يحدث ذلك تكليحاً في وجهه فيدلّ على تنوّر جأشه وشدّة استيحاشه فكذلك هؤلاء إذا شاهدوا أمارات العذاب ونوازل العقاب ظهر في وجوههم ما يستدلّ به على فظاعة الحال عندهم، وبلوغ مكروهها من قلوبهم فكانوا كلائك المضغة المَقِرَة، وذائق الكأس المصبرة في فرط التّقطيب، وشدّة التّكليح، ويشهد لهذا قوله _ تعالى _: { تَلْفَحُ وُجُوهَهَمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } (المؤمنون: 104) (1) .
واستعيرت المرارة للإحساس بالمكروه على طريقة تشبيه المعقول الغائب بالمحسوس المعروف (2) .
شبّه الإحساس بالألم والمكروه بالشّيء المرّ المذاق الّذي لا يستساغ ولا يطاق.
__________
(1) _ تلخيص البيان: 300.
(2) _ التّحرير والتّنوير: 27/203. (1/28)
صفحة 29
فالاستعارة مكنيّةٌ تبعيّةٌ، والقرينة لفظيّةٌ، وهي كغيرها من الاستعارات السّابقة تهدف إلى غرضٍ مهمٍّ وحيويٍّ ذلك الّذي يتمثّل في تقريب المعنى إلى الأذهان؛ لأنّ السّاعة وما يتبعها من أهوالٍ وعذابٍ أشياء غائبة عنّا لم نلمسها بحواسّنا فيتطلّب تصوير ذلك إلى التّشبيه بشيءٍ محسوسٍ ومدركٍ لحواسّنا مكروهٍ غير مستساغ لدى النّفوس، وأحسن شيءٍ وأنسب لذلك، هو الشّيء المرّ المذاق من المطعومات والمذوقات، فشبّهت السّاعة بذلك لتكون شيئاً متجسّداً في كينونتنا، ومتشخّصاً في أذهاننا فنزداد لها استعداداً، ومنها خوفاً.
قوله _ تعالى _: { ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } :
أي يقال لهم: ذوقوا حرّ النّار وألمها.
فقوله _ تعالى _: { مَسَّ سَقَرَ } ، كقولك وجد مسّ الحميّ، وذاق طعم الضّرب؛ لأنّ النّار إذا أصابتهم بحرّها، ولحقتهم بآلامها فكأنّها تمسّهم مساًّ بذلك كما يمسّ الحيوان ويباشر بما يؤذي ويؤلم (1) .
فالاستعارة مكنيّةٌ تبعيّةٌ، شبّه إيلام النّار بحيوانٍ يتحسّس شيئاً ويمسّه، أو بعبارة أخرى جعل الإيلام مساًّ، والنّار حيواناً على طريقة الاستعارة التّخييليّة الّتي تعتمد على الخيال، ولا تدخل في دائرة الاستعارات الحقيقيّة، ولكن يجب علينا أن نفهم أنّ المقصود من هذه الاستعارة هو تصوير كيفيّة إيلام النّار لهؤلاء القوم، وأنّهم حتّى لو أرادوا الابتعاد والهرب منها فلن يجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ لأنّ الله _ تعالى _ أعطى هذه النّار غريزة الاشتياق إلى لحومهم وجلودهم تشبه غريزة الحيوان الجائع في اشتياقه وشرهه إلى اللّحم وهذا ما أرادت الاستعارة إتحافنا به.
قوله _ تعالى _: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ } :
__________
(1) _ الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل: أبو القاسم محمود بن عمر الزّمخشريّ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ)، 04/48. (1/29)
صفحة 30
فالأشياع جمع شيعة، وهم من يَتَقوّى بهم المرء من الأتباع، والمراد منه هنا الأمثال، والأشباه، وأطلق الأشياع على الأمثال والأشباه في الكفر على طريق الاستعارة بتشبيههم وهم منقرضون (1) .
فالاستعارة تصريحيّةٌ أصليّةٌ، والقرينة حاليّةٌ، حيث شبّهت الأمثال بالأشياع بجامع الجنسيّة، والتّقَوِّي، لأنّ الإنسان كما يتقوّى بشيعته كذلك يتقوّى بأشباهه وأمثاله.
وفي الاستعارة لطيفةٌ جليلةٌ وهي تحذير الكفّار المخاطبين بمصير أشباههم إن لم يرعووا ويرجعوا عن شركهم وكفرهم، ويؤمنوا بالله واليوم الآخر.
قوله _ تعالى _: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر } :
فالصّغير والكبير مستعاران: فالأوّل مستعارٌ للشّيء الّذي لا شأن له ولا يهتمّ به النّاس ولا يؤاخذ عليه فاعله، أو لا يؤاخذ عليه مؤاخذةً عظيمةً.
والكبير: مستعار لضدّه ويدخل في ذلك ماله شأنٌ من الصّلاح ، وماله شأنٌ من الفساد، وما هو دون ذلك، وذلك أفضل الأعمال الصّالحة وما دونه من الأعمال الصّالحة، وكذلك كبائر الإثم والفواحش وما دونها من اللّمم والصّغائر (2) .
فالاستعارتان أصليّتان، والقرينة حاليّةٌ، والجامع بين ما استعير منه، وما استعير له هو عدم المبالاة والاعتناء في الأوّل، وكما لا يهتمّ بالصّغير كذلك الشّيء الّذي لا شأن له، وكذلك نقول في الكيبر لمَّا كان الكبير له شأنٌ عادةً كذلك الشّيء الّذي له شأن ويؤاخذ به فاعله، والقصد من الاستعارة التّبيين والتّوضيح.
قوله _ تعالى _: { فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ } :
فُسِّر (نهر) بمعنيين:
الأوّل منهما: أنّ المراد منه هو النّهر الحقيقيّ المعروف، وهذا خارجٌ عن موضوعنا؛ لأنّه عنذئذٍ معنى حقيقيّ لا مجازيٌّ.
__________
(1) _ المصدر السّابق: 04/48.
(2) _ التّحرير والتّنوير: 27/210. (1/30)
صفحة 31
والثّاني: أنّ النّهر بمعنى الضّياء والنّور، ويكون على طريق الاستعارة بتشبيه الضّياء المنتشر بالماء المتدفّق من منبعه (1) .
فشبه الضّياء المنتشر الّذي عمّم الأرجاء بالماء المتدفّق من منبعه على طريق الاستعارة التّمثيليّة؛ لأنّ الاستعارة تشبيه هيئة الضّياء بهيئة الماء المتدفّق، وهي في الوقت نفسه تخييليّة، تعتمد على الخيال.
فالاستعارة مناسبةٌ، وذات فائدةٍ عظيمةٍ من حيث الأداء، وتفيدنا بما أنعم الله به على عباده الّذين اصطفاهم كيف يتنوّرون حتّى كأنّهم في نهرٍ متدفّقٍ من الأنوار.
قوله _ تعالى _: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } :
أي مكان مرضيّ فقيل: بأنّه مجازٌ مرسلٌ في لازمه وقيل بأنّه استعارة (2) .
فغرضنا هو بحث الشّقّ المتعلّق بالاستعارة، ونرجئ الشّقّ المتمثّل في المجاز إلى المبحث الخاصّ بالمجازات.
وإجراء الاستعارة هنا أن نقول: شبّه المكان المرضيّ على أنّه مستعارٌ له (بمقعد صدقٍ) المستعار، بجامع سكون البال، والشّعور بالرّاحة والطّمأنينة النّفسيّة في كلٍّ منهما، والقرينة لفظيّة.
المبحث الثّالث: المجازات الواردة في السّورة:
ونعرّف المجاز لغةً واصطلاحاً قبل أن ندخل في تحليل ما ورد في السّورة الكريمة منه.
فالمجاز: مَفْعَلٌ مشتقٌّ من الجواز وهو التّعدّي من قولهم: جُزْتُ موضع كذا: إذا تعدّيته، سمّي به المجاز الّذي نحن بصدد دراسته لأنّهم جازوا به موضعه الأصليّ، أو جاز هو مكانه الّذي وضع فيه أوّلاً (3) .
وهو في الاصطلاح: ينقسم إلى قسمين: عقليٌّ ولغويٌّ، فاللّغويّ ضربان: مفردٌ ومركبٌ (4) .
__________
(1) _ روح المعاني تفسير القرآن العظيم: شهاب الدّين محمود الألوسيّ، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت، لبنان، 27/95.
(2) _ روح المعاني: 27/96.
(3) _ علوم البلاغة: أحمد مصطفى المراغيّ، دار القلم، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ)، 229.
(4) _ المصدر السّابق بتصرّف. (1/31)
صفحة 32
وتعريفه : أنّه لفظٌ استعمل في غير ما وضع له لعلاقةٍ تربط بين المعنى الحقيقيّ والمجازيّ، وقرينةٌ مانعةٌ من إرادة المعنى الحقيقيّ (1) .
وعلى هذا المعنى فأوّل هذه المجازات:
قوله _ تعالى _: { انْشَقَّ القَمَرُ } :
ولكي نعرّف مجازيّة هذه الكلمة لا بدّ أن نعرّف أن الانشقاق له معنيان: حقيقيّ ومجازيّ:
فأوّلهما: أنّ الانشقاق على حقيقته هو الشّقّ والانفلاق وحدوث فجوةٍ في شيءٍ ما، فلا يعنينا هذا المعنى؛ لأنّه خارجٌ عن موضوع دراستنا؛ لأنّه معنى حقيقيّ.
ثانيهما: أنّ المراد بالانشقاق الوضوح والظّهور (2) ، ويكون على هذا المعنى إطلاقاً مجازياًّ، علاقته السّببيّة؛ لأنّ الشّقّ سبب للظّهور والوضوح، قال الشّاعر:
أقيموا بني أمي صدور مطيّكم *** فإنّي إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمّت الحاجات واللّيل مقمر *** وشدّت لطيّات المطايا وأرحل
قوله _ تعالى _: { وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِر } :
أي: مطّرد بمعنى الدّوام، أو سحر مستمرّ، أي: محكم من المِرَّة بالفتح والكسر، بمعنى القوّة وهو في الأصل مصدر مررت الحبل مِرَّةً، إذا فتلته فتلاً محكماً قوياًّ، فأريد به مطلق المحكم مجازاً مرسلاً (3) ، علاقته السّببيّة؛ لأنّ الإحكام في الفتل سبب للشّدّة والقوّة.
قوله: { وَيَقُولُ الكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } :
وهو قولٌ مِن أثرِ ما في نفوسهم من خوفٍ.
و(عَسِر): صفة مشبّهة من العسر وهو الشّدّة والصّعوبة، ووَصْفُ اليومِ بـ (عسر) وصف مجازيٌّ عقليٌّ علاقته الزّمانيّة، باعتبار كونه زماناً لأمورٍ عَسِرةٍ شديدةٍ من شدّة الحساب وانتظار العذاب (4) .
قوله: { وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً } :
__________
(1) _ البلاغة: 20.
(2) _ وننوّه إلى أنّ هذا المعنى الّذي اعتمدنا عليه في تفسير الانشقاق للتّوسع، وإلاّ فقد أنكر العلماء هذا التّفسير، وشنّعوا عليه تشنيعاً لاذعاً.
(3) _ حاشية الشّهاب: 08/120.
(4) _ التّحرير والتّنوير: 27/172. (1/32)
صفحة 33
ففي العبارة مجاز، لتعدية (فجّرنا) إلى اسم الأرض، وجعلت الأرض من كثرة عيونها كأنّها عين تتفجّر (1) ، وهو مجازٌ مرسلٌ، علاقته الكليّة، فذُكِرَ الكلّ وأريد الجزء.
قوله: { عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } :
و(على) يجوز أن تكون ظرفيّة، بمعنى (في)، كقوله _ تعالى _: { وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } (القصص: 15)، وقول الفرزدق:
على حالةٍ لو أنّ في البحر حاتماً *** على جوده لضنّ بالماء حاتم
والظّرفيّة هنا مجازيّة.
قوله _ تعالى _: { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } :
(وعلى) للاستعلاء المجازيّ، وهو التّمكن كقوله _ تعالى _: { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ } (المؤمنون: 28)، وإلاّ فإنّ استقراره في السّفينة كائنٌ في جوفها كما قال _ تعالى _: { إِنَّا لَمَّا طَغَى المَاءُ حَمَلْناَكُمْ فِي الجَارِيَةِ } (الحاقّة: 11)، وقوله: { قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } (هود: 40).
قوله _ تعالى _: { إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ ... } :
مثل هذا مستعملٌ في الاستقبال مجازاً بقرينة قوله: { فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ } ، فعدل عن أن يقال: (سنرسل) إلى صيغة اسم الفاعل الحقيقيّة في الحال لتقريب زمن الاستقبال من زمن الحال (2) ، فاستعمال اسم الفاعل في مكان الفعل مجازٌ.
قوله: { فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ } :
وفي هذه العبارة مجازان، أحدهما عقليٌّ، والآخر لغويٌّ مرسلٌ، فالعقليّ يتمثّل في إسناد الكلام إلى الله، وهو في الحقيقة للملائكة فأسند للآمر مجازاً (3) وأصله { فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِي } ، أي: فقلنا لهم على ألسنة الملائكة ... إلخ
__________
(1) _ المصدر السّابق: 27/172.
(2) _ المصدر السّابق: 27/191.
(3) _ حاشية الشّهاب: 08/126. (1/33)
صفحة 34
وأمّا ما يتعلّق بالمجاز اللّغويّ فإنّ الذّوق مستعملٌ في الإحساس بالعذاب، ويكون مجازاً مرسلاً بعلاقة التّقييد في الإحساس (1) .
قوله _ تعالى _: { مَسَّ سَقَرَ } :
المسّ مجازٌ مرسلٌ من الألم وعلاقته السّببيّة، فإنّ مسّها سبب الألم (2) .
المبحث الرّابع: الكنايات في السّورة:
تعريف الكناية لغةً واصطلاحاً:
الكناية لغةً: الكلام بشيءٍ وإرادة غيره، ويقال: كنّى بكذا عن كذا يكنوه، ويكنيه كنايةً: إذا تكلّم بما يستدلّ به عليه، أو تكلّم بشيءٍ وهو يريد غيره (3) .
ومعناها اصطلاحاً: اللّفظ المستعمل في غير ما وضع له لملاحظة علاقةٍ مع جواز إرادته معناه الأصليّ (4) .
وله تعاريف عديدةً، فأخذنا بهذا التّعريف لكونه أشمل وأدقّ.
وعلى هذا فهي واسطةٌ بين الحقيقة والمجاز فليست حقيقةً لعدم استعمالها في الموضوع له، وإن جاز إرادته، إذ مجرّد جواز إرادته لا يوجب كون اللّفظ مستعملاً فيه، ولا مجازاً لجواز إرادة الموضوع له (5) .
وهي أحد مباحث علم البيان، وأسلوبٌ أدبيٌّ بلاغيٌّ في إيصال المعنى، وميدانٌ واسعٌ تتسابق فيه الجياد، ويتبارى فيه الفحول، فلا غرابة أن نجد القرآن الكريم حافلاً بهذا النّوع من فنون البلاغة.
وقد خصّصنا هذا المبحث لبحث ما ورد في السّورة من كناياتٍ، وأولى هذه الكنايات:
قوله _ تعالى _: { وَإِن يَّرَوْاْ ءَايَةً يُّعْرِضُواْ } :
__________
(1) _ التّحرير والتّنوير: 27/199.
(2) _ التّفسير الواضح: الدّكتور محمّد محمود حجازيّ، دار الجيل، الطّبعة الرّابعة 1388هـ/1968م، بيروت، لبنان، 27/122.
(3) _ القاموس المحيط: مجد الدّين محمّد بن يعقوب الفيروز آباديّ، دار إحياء التّراث العربيّ، الطّبعة الأولى، 1417هـ/1997م، بيروت، لبنان، 02/1741.
(4) _ علوم البلاغة: 279.
(5) _ المصدر السّابق: 279. (1/34)
صفحة 35
فقوله: (يعرضوا) كنايةً عن الرّفض والإباءِ؛ لأنّ الإعراض ملازمٌ لرفض الشّيء المعروض عنه، ورميه وراء الظّهر، وعدم الاستجابة له، وهذا ما أراده الله _ تعالى _ إفادته به بهذا التّعبير الدّقيق، والله أعلم، فهي كنايةٌ عن صفةٍ.
قوله _ تعالى _: { يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ } :
أي فظيعٍ تنكره النّفوس؛ لأنّها لم تعهد مثله ولم تألفه، وهو هَوْل القيامة ... ووصف يوم القيامة بيومٍ نُكرٍ كنايةً عن شدّة الفظاعة؛ لأنّه في الغالب منكرٌ غير معهودٍ، وغير مستساغٍ للنّفوس (1) ، فالدّاعي كنايةٌ عن موصوفٍ هو من ينفخ في الصّور، والشّيء النّكر كنايةٌ عن صفةٍ.
قوله _ تعالى _: { خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ } :
أي: ذليلةٌ حقيرةٌ ينظرون من طرفٍ خفيٍّ، لا تثبت أحداقهم في وجوه النّاس، وهي نظرة الخائف المفتضح.
ووصف أبصارهم بأنّها خاشعةٌ كنايةً عن الذّلّة والانخدال؛ لأنّ ذلّة الذّليل وعزّة العزيز تظهران في عيونهما (2) ، فهي كنايةٌ عن صفةٍ.
ويظهر جلال هذه الكناية في أنّها تصوّر لنا هذه الجموع وهي تخشع أبصارُها من الذّلّ والهوان، وهي تسرع في سيرها نحو الدّاعي الّذي يدعوها لأمرٍ غريبٍ نكيرٍ شديدٍ، لا تعرفه ولا تطمئنّ إليه (3) .
قوله _ تعالى _: { مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ } :
أي: مسرعين مادّي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه.
وأصل الهطع مدّ العنق أو مدّ البصر، ثمّ كنّى به عن الإسراع أو النّظر والتّأمّل (4) .
__________
(1) _ حاشية الشّهاب: 08/132.
(2) _ الكشّاف: 04/36.
(3) _ في ظلال القرآن: 06/3429.
(4) _ حاشية الشّهاب: 08/132. (1/35)
صفحة 36
أي: إسراع النّاس مجيبين لدعوة ربّهم بعد أن بُعثوا من قبورهم وأُخرجوا منها، ولا شكّ أنّ التّعبير عنه بدلاً من أن يقال: مسرعين له غرضه المعنويّ الكبير عند التّأمّل والتّدقيق في كلمة (الهطع) وأصل معناه؛ لأنّه كما يدلّنا على الإسراع يدلّنا أيضاً على مدى الطّيش والتّهوّر، وشدّة الحيرة لدى هذه الجموع الّتي خرجت من مراقدها لتوّها، ولهذه الدّلالة وزنها، ورجاحتها كما لا يخفى.
قوله: { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } :
والألواح: أخشابٌ عريضةٌ، والدّسر: المسامير، وهو جمع دِسار، ككِتابٍ وكتبٍ.
و { ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}: كنايةً عن سفينة نوحٍ _ عليه السّلام _، وصفة من الصّفات الّتي تقوم مقام موصوفاتها، وتنوب عنها، وتؤدّي مؤدّاها، بحيث لا يفصل بينهما، ونحو هذا قول أبي الطّيّب:
مفرشي صهوة الحصان ولكنّ *** قميصي مسرودة من حديدٍ
أراد بذلك: ولكنّ قميصي درعٌ، وفي الآية أو البيت لو جمعت بين السّفينة وبين هذه الصّفة أو بين الدّرع وهذه الصّفة لم يصحّ، وهذا من فصيح الكلام وبيانه (1) .
ففي الآية كنايةٌ عن موصوفٍ هو السّفينة.
قوله _ تعالى _: { تّجْرِي بِأَعْيُنِنَا } :
أي: بمرأى منّا، أي: محفوظةٌ بحفظنا وكلاءتنا.
وهذا أصل معناه ووضعه، ثمّ كنّى به عن الحفظ والرّعاية، أي: حفظ الله ورعايته لسفينة نوحٍ عند جريانها فوق الطّوفان، فهي ومنْ عليها لا يخافون من أن تَكبّ بهم فيغرقوا جميعاً؛ لأنّها محفوظةٌ بحفظ من لا تغيب عنه طرفة عين، والعبارة في منتهىً من الدّقة والجمال من حيث الأسلوب، وأداء الغرض حقّ التّأدية، فهي كنايةٌ عن صفةٍ هي حفظ الله ورعايته _ سبحانه _.
وقوله: { جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } :
__________
(1) _ إعراب القرآن الكريم وبيانه: 09/379. (1/36)
صفحة 37
وقد سبق لنا في الاستعارة أن ذكرنا ما يتعلّق بهذه الآية من استعارةٍ، وقلنا: قد استُعير لنوحٍ النّعمة ونُسب له الكفران من متّبعيه تخيّلاً، والّذي نحبّ الإشارة إليه في هذا المبحث هو أنّ النّعمة قد استُعيرت لنوحٍ بطريق الكناية، وتكون النّعمة كنايةً عن نوحٍ بوصفه رسولاً، والرّسل نعمةٌ من الله _ تعالى _.
قوله: { وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً } :
وضمير التّأنيث عائدٌ للسّفينة، والتّرك كنايةً عن الإبقاء وعدم الإزالة.
قال _ تعالى _: { وَتَرَكْنَا فِيهَا ءَايَةً } (سورة الذّاريات: 37)، وقال: { وَتَرَكَهَمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ } (البقرة: 17).
أي: أبقينا سفينة نوحٍ محفوظةً من البِلَى، لتكون آيةً تشهدها الأمم الّتي أرسلت إليها الرّسل متى أراد واحد من النّاس رؤيتها ممّن هو بجوارها وبقرب مكانها تأييداً للرّسل، وتخويفاً بأوّل عذابٍ عذّبت به الأمم، أمّة كذّبت رسولها فكانت حجّةً دائمةً مثل ديار ثمود (1) .
قوله _ تعالى _: { إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ } :
أي: مخرجوها وباعثوها، وتفسير الإرسال بمعنى الإخراج، والبعث يكون كنايةً عنهما؛ لأنّ إخراجهما لإقامة الحجّة عليهم وللتّصديق بنوحٍ _ عليه السّلام _، فناسب أن يكنّى عن الإخراج بالإرسال.
قوله _ تعالى _: { وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ البَصَرِ } :
__________
(1) _ التّحرير والتّنوير: 27/179. (1/37)
صفحة 38
ولعلّ التّعبير بكلمة { كَلَمْحِ البَصَرِ } واردٌ على سبيل الكناية باعتبار أقرب لحظةٍ زمنيّةٍ للوجود، لتقريب الصّورة إلى الذّهن بالصّورة الحسّيّة، وإلاّ فإنّ قيام السّاعة لا يحتاج إلى كثيرٍ من التّعقيدات فيما يتصوّره هؤلاء المشركون الّذين يجادلون فيها؛ لأنّ المسألة هي أن يريد الله قيامها فتقوم دون حاجةٍ إلى وقتٍ طويلٍ، أو سبب خارجيٍّ (1) .
فإنّ التّشبيه باللّمح بالبصر في الكلام يكنّى به عن كلّ ما لا يحتاج إلى جهدٍ ولا إلى وقتٍ طويلٍ، فأمره _ تعالى _ وهو إيجاده وإرادة وجوده لا يحتاج في تحقُّقه إلى زمانٍ ولا مكانٍ، ولا حركةٍ، كيف لا ؟ ونفس الزّمان والمكان والحركة إنّما تحقّقت بأمره _ تعالى _.
الباب الثّالث: البديع في سورة القمر:
المبحث الأوّل: المحسّنات البديعيّة اللّفظيّة.
المبحث الثّاني: المحسّنات المعنويّة البديعيّة.
الباب الثّالث: البديع في سورة القمر:
المبحث الأوّل: المحسّنات البديعيّة اللّفظيّة:
البديع هو زينة التّركيب وحلية الأسلوب، ويأتي بعد صحّة التّركيب وتحمّله من المعاني والبيان الشّيء الكثير، فيضفي على الأسلوب رونقاً وبهاءً، وجمالاً وجلالاً، وفي السّورة شيءٌ غير قليلٍ من ذلك البديع، وفي هذه السّطور نحاول استجلاء هذه الحقيقة البلاغيّة وبيان هذا الأمر البديع.
أولا: الجناس:
وإذا جئنا لدراسة ما في السّورة من جناسٍ نجد أنّ هذا النّوع البديعيّ شحيح فيها، ولكن قلّته أو شبه انعدامه لا يمانع من أن نبحث الشّيء الموجود فيها عسى أن نكون قد ألممنا بما في السّورة من جوانب البلاغة كلّها.
قوله: { يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ } :
بينهما جناس اشتقاقٍ؛ لأنّهما مشتقّان من مادّة: "دع و"، وهذا يسمّى عند البلاغيّين بجناس الاشتقاق.
ثانياً: السّجع:
__________
(1) _ تفسير من وحي القرآن: محمّد حسين فضل الله، دار الملاك، الطّبعة الثّانية، 1419هـ/1998م، 21/296. (1/38)
صفحة 39
كل أواخر آيات السّورة فيها سجعٌ مرصَّعٌ غير متكلّفٍ، وهو يزيد في جمال اللّفظ وموسيقاه كما أنّ له وقعاً وجرساً في اللّفظ، فلنقرأ مثلاً قوله _ تعالى _ في بداية السّورة: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ... } ، وقوله: { وَإِنْ يَّرَوْاْ آيَةٍ يُّعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِر } ، نقرؤه ولألسنتنا صوت موسيقيٌّ بفضل السّجع الّذي رصّعت به الفواصل.
ولنقرأ كذلك قوله: { ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } ، وقوله: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } ، نجد التّوافق في الفواصل وهي الرّاء حرف التّكرار.
وكذلك في قوله: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ } ، وقوله { :وَكُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَر } .
وهكذا كلّ السّجع الوارد في السّورة نجد فيه هذا الجمال الصّوتيّ والتّأثير الموسيقيّ وهذا الوقع الجرسيّ غير المتكلّف الّذي يستسيغه اللّسان، ويستحليه السّمع، شأنه في ذلك شأن البلاغ القرآنيّ الّذي يتميّز بالأسلوب الرّاقيّ والأداء الجميل والإيقاع المتناسق والتّأثير الجذّاب والتّعبير الصّادق.
المبحث الثّاني: المحسّنات المعنويّة البديعيّة:
هي تلك المزيّنات اللّفظيّة الّتي تميل إلى جانب المعنى أكثر من اللّفظ وفيها الطّباق، والمقابلة والتّورية، واللّفّ والنّشر، وحسن التّعليل، وتأكيد المدح بما يشبه الذّمّ وعكسه، وتجاهل العارف، فنحاول هنا استجلاء بعضها في السّورة الكريمة.
أوّلاً: الطّباق:
هو لغةً: الشّيء بين الشّيئين، واصطلاحاً: الجمع بين معنيين متقابلين سواءً أكان ذلك التّقابل التّضاد أم الإيجاب والسّلب أم العدم والملكة أم التّضايف أم ما أشبه ذلك، وسواءً أكان ذلك المعنى حقيقياًّ أم مجازياًّ (1) .
__________
(1) _ علوم البلاغة: 297. (1/39)
صفحة 40
وورد في السّورة ذكر هذا النّوع البديعيّ في موضعين، قوله:( منتصر، سيهزم) بينهما طباق إيجابٍ، و قوله: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَر } كذلك فيما بينهما طباق إيجابٍ، والطّباق يؤكّد المعنى ويزيده وضوحاً؛ لأنّ الضّدّ يُظهر حُسْنَهُ الضِّدُّ، وبضدّها تتميّز الأشياء، وكذلك يفيد الاحاطة والشّمول.
ثانيا: المقابلة:
هي أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر ثمّ يؤتى بما يقابل ذلك على التّرتيب.
ومن المقابلة في السّورة الكريمة المقابلة بين "المجرمين" و"المتّقين" وبيان عاقبة كلٍّ في أسلوبٍ تقابليٍّ بديعٍ كما بدا في قوله _ تعالى _: { إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } ، و { إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ } ، وبين الآيتين مقابلة ثلاثةٍ بثلاثةٍ.
وجمال هذه المقابلة ظاهرٌ وواضحٌ لانصياعها على اللّسان، كما أنّها خاليةٌ من التّصنّع والتّكلّف، وفيها مطابقة لحال المخاطبين، كما أنّ فيها إبرازاً للمآل والعاقبة وإيضاحاً للجزاء العادل.
ثالثاً: المبالغة:
في قوله: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } :
زيادة مبالغةٍ على قرب السّاعة، كما أنّ في قوله: "اقتدر" زيادة مبالغةٍ على "قدرٍ"؛ لأنّ أصل (افتعل) إعداد المعنى فيها بالمبالغة نحو: اشتوى، إذا اتّخذ شواءً بالمبالغة في إعداده (1) .
قوله: { مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } :
والمزدجر مصدرٌ ميميٌّ، وهو مصوغ على زنة اسم المفعول الّذي فعله زائدٌ على ثلاثة أحرفٍ، ازدجره: بمعنى زجره ومادّة الافتعال فيه للمبالغة.
والدّال بدل من تاء الافتعال الّتي تبدل بعد الزّاي، مثل: ازداد، أي ما فيه مانعٌ لهم من ارتكاب ما ارتكبوه، وفيه مزيد معنىً وكبير مبالغةٍ.
__________
(1) _ إعراب القرآن الكريم وبيانه: 09/374. (1/40)
صفحة 41
والمعنى ما هو زاجر لهم، فَجَعْلُ الازدجارِ مظروفاً فيه مجازٌ للمبالغة في ملازمته له على طريقة التّجريد كقوله _ تعالى _: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } (سورة الأحزاب: 21) أي هو أسوة (1) .
قوله: { هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } :
فـ (عسر) على وزن "فَعِل" مبالغة في العسر والشّدّة الّتي وقع فيها الكفّار في ذلك اليوم؛ لأنّ "فعل" من صيغ المبالغة، كنحو: { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } (سورة هود: 10)، { سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الكَذَّابُ الأَشِرُ } .
قوله: { وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً } :
أي وجعلنا الأرض كلّها كأنّها عيونٌ متفجّرةٌ، وأصله وفجّرنا عيون الأرض فَغَيَّرَ الكلام عن المفعول إلى التّمييز للمبالغة بجعل الأرض كلِّها متفجّرةً مع الإبهام والتّفسير (2) .
وكأنّ الأرض قد تحوّلت إلى عيونٍ وآبارٍ وبحارٍ، على سبيل المبالغة والتّكثير.
قوله: { فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ } :
مدّكر: على وزن مفتعل وأصله: مذتكر، فأبدلت التّاء دالاً، وكذلك الذّال دالاً فأدغمتا إدغام متماثلين، فالافتعال يدلّ على المبالغة في الشّيء المفتعل، وبناءً على ذلك يكون "مدّكر" مبالغةً في التّذكّر، وقد ورد في السّورة ستّ مرّاتٍ فيقال في البقيّة ما قيل في نظيره.
قوله: { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } :
أي: كثير الكذب، عظيم البطر؛ لأنّ "فَعّال وفَعِل" للمبالغة (3) ، ومثله قوله _ تعالى _: { سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الكَذَّابُ الأَشِرُ } .
قوله: { فَتَعَاطَى فَعَقَرَ } :
فتعاطى على وزن "تفاعل" للمبالغة، أي: بالغ في التّعاطي، ووصل مداه؛ لأنّ وزن تفاعل يدلّ على المبالغة.
__________
(1) _ التّحرير والتّنوير: 27/199.
(2) _ حاشية الشّهاب: 8/132.
(3) _ صفوة التّفاسير: محمّد عليّ الصّابونيّ، دار القلم، الطّبعة الخامسة، 1409هـ/1968م، جدّة المملكة العربيّة السّعوديّة، 3/291، بتصّرف. (1/41)
صفحة 42
قوله: { فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ } :
فصيغة المفاعلة في "تماروا" للمبالغة.
قوله: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر } :
فصغيرٌ وكبيرٌ على وزن فعيلٍ الّذي يدلّ على المبالغة.
وكذلك مستطرّ: بفتح التّاء من السّطر، أي: مكتَتَب على وزن مُفتَعَل مبالغةً في سَطْرِ حسنات الخلائق وسيّئاتهم في صحائفهم.
قوله: { عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } :
على وزن فعيلٍ، بمعنى المالك مبالغةً وهو أبلغ من الملك كما سبق ذكره و"مقتدرٍ" على وزن مفتعلٍ للمبالغة، أي: أنّ قدرته فاقت كلّ التّصوّرات، وسمت فوق كلّ التّخيّلات.
رابعاً: تجاهل العارف:
قوله: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلاَئِكُمْ } :
والاستفهام في الآية يجوز أن يكون على حقيقته، ويجوز أن يكون من المحسّن البديعيّ الّذي سمّاه السّكاكيّ: " سوق المعلوم مساق غيره" (1) ، والّذي سمّاه الأقدمون بتجاهل العارف، وعدل السّكاكيّ عن تلك الكلمة وقال لوقوعه في كلام الله _ تعالى _ نحو قوله: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } (2) .
والغرض من هذا التّجاهل المبالغة في إفادة المعنى المراد من ذمٍّ ومدحٍ أو نحو ذلك. (3)
وهو هنا للمبالغة في توبيخ مشركي قريشٍ فيما زعموه، ومثله قول ليلى بنت طريف ترثي أخاها الوليد حين قتله يزيد بن مزيد الشّيبانيّ في عهد هارون الرّشيد:
أيا شجر الخابور مالك مورقا *** كأنّك لم تجزع على ابن طريف.
خامساً: التّكرير:
وقد ورد تكرير للكثيرٍ من الآيات في السّورة؛ لأنّ في التّكرير تقرير المعاني في الأنفس، وترسيخاً لها في الصّدور مع تعليق كلّ واحدةٍ بعلّةٍ (4) ، وهو فنّ دقيق المأخذ، رقيق الأسلوب، ويساق للتّأكيد، وللتّنبيه والإيقاظ من السّهو والغفلة.
فما هو التّكرير في السّورة ؟
__________
(1) _ التّحرير والتّنوير: 27/199.
(2) _ سورة سبأ: 24.
(3) _ علوم البلاغة: 324.
(4) _ إعراب القرآن الكريم وبيانه: 07/130. (1/42)
صفحة 43
في قوله _ تعالى _: { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِي } :
حيث وقع تكريرٌ في السّورة للتّهويل وللتّنبيه على فرط عتوّهم، ولتحذير غيرهم من الوقوع في الخطأ الّذي وقعوا فيه، فيحلّ بهم ما حلّ بهؤلاء.
قوله: { فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِر } :
وتكرّر للتّأكيد، وفائدته أن يجدّدوا عند سماع كلّ نبإٍ اتّعاظاً، وأيضاً لإفادة أنّ كلً قصّةٍ تستدعي ادِّكاراً واتِّعاظاً واستئنافاً للتّنبيه والإيقاظ لئلاّ يبلغهم السّهو والغفلة.
قوله: { فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِي } :
كرّر في موضعين، وفائدته أن يتجدّد عند استماع كلّ نبإٍ ادكارٌ واتّعاظٌ وإيقاظٌ، استيفاءٌ لحقّ التّذكير القرآنيّ.
قوله: { بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } :
فتكرير (السّاعة) لزيادة التّخويف والتّهويل.
فالتّكرير في كلّ ما تقدّم تكريرٌ ملحوظٌ مقصودٌ، والغاية من التّذكير والانتباه من سِنَة الغفلة الّتي قد تطرأ على الأذهان فتحجبها عن التّأمل والتّدبّر، وترين عليها سجوف الجهالات حتّى ما تكاد تبصر شيئا (1) .
سادساً: الالتفات:
__________
(1) _ إعراب القرآن الكريم وبيانه: 09/388. (1/43)
صفحة 44
وهو تحويل الضّمير من خطابٍ إلى غيبةٍ أو غيره لنكتةٍ بلاغيّةٍ، نحو: { الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } إلى قوله _ تعالى _: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، وقد ورد أسلوب الالتفات في قوله _ تعالى _: { سَيُهْزَمُ الجَمْعُ } وغيّر أسلوب الكلام من الخطاب الموجّه إلى المشركين بقوله: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ... } ، إلى أسلوب الغيبة رجوعاً إلى الأسلوب الجاري من أوّل السّورة في قوله: { وَإِنْ يَّرَوْاَ آيَةً يُّعْرِضُواْ } (1) ، بعد أن قضى حقّ الإنذار توجيه الخطاب إلى المشركين في قوله: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلاَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ } (2) .
وتغيير أسلوب الكلام من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب هو الالتفات، وهو يشعر في هذا المكان بأنّ هذا ظنّ المشركين واغترارهم.
وقد روي أنّ أبا جهل قال يوم بدرٍ: "نحن ننتصر اليوم من محمّد وأصحابه"، فإذا صحّ ذلك كانت الآية من الإعجاز المتعلّق بالإخبار بالغيب. (3)
الباب الرّابع: المعاني البلاغيّة في السّورة:
المبحث الأوّل: الأساليب الخبريّة والإنشائيّة في السّورة.
الأساليب الإنشائيّة وأغراضها.
المبحث الثّاني: أسلوب القصر وطريقه.
المبحث الثّالث: الإيجاز والإطناب في السّورة.
الإطناب الوارد في السّورة.
الباب الرّابع: المعاني البلاغيّة في السّورة:
ويعرف علم المعاني بأنّه قواعد يعرف بها كيفيّة مطابقة الكلام مقتضى الحال حتّى يكون وفق الغرض الّذي سيق له، وفيه تحرّز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، فنعرف السّبب الّذي يدعو إلى التّقديم والتّأخير، والحذف والذّكر، والإيجاز حيناً والإطناب آخر، والمبحث والوصل إلى غير ذلك (4) .
__________
(1) _ سورة القمر: 02.
(2) _ سورة القمر: 42.
(3) _ التّحرير والتّنوير: 27/201.
(4) _ علوم البلاغة: 46. (1/44)
صفحة 45
فعلم المعاني إذاً هو: العلم الّذي يساعدنا في معرفة صياغة الجمل لتطابق مقتضى الحال، كما يساعدنا كذلك في معرفة المعاني والدّلالات الّتي توحي بها تلك القرائن، ويدلّ عليها السّياق، كما يرينا أنّ القول لا يكون بليغاً كيفما كانت صورته حتّى يلائم المقام الّذي قيل فيه، ويناسب حال السّامع الذّي ألقي عليه، وقديماً قال العرب: "لكلّ مقامٍ مقالٌ".
ولذلك نجد كتاب الله _ تعالى _ حافلاً بهذا النّوع من المعاني البلاغيّة؛ لأنّه يخاطب الأحاسيس والمشاعر، فأحاسيس النّاس تختلف تبعاً لاختلاف طبائعهم وأمزجتهم، فيطنب في مكان يتطلّب الإطناب، ويوجز في مكانٍ يقتضي الإيجاز، وهذا الجانب البلاغيّ هو محلّ بحثنا بإذن الله _ تعالى _.
المبحث الأوّل: الأساليب الخبريّة والإنشائيّة في السّورة:
الأساليب الخبريّة وأغراضها:
ويمكن لنا أن نوجز القول في هذه القضيّة بأنّ أساليب السّورة كلّها كادت تكون خبريّةً، إلاّ قوله _ تعالى _: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ... } الّذي هو من قبيل الأمر، والجمل الاستفهاميّة وهي قوله _ تعالى _: { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر } ، حيث ورد في السّورة لاشتماله على الاستفهام، وقوله _ سبحانه _: { أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا } ، وقوله: { فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِي } ، وقد ذكر في السّورة مرّتين، وقوله: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلاَئِكُمْ } .
وإذا أردنا الحديث عمّا في السّورة من الجمل الخبريّة، فيمكن لنا أن نصنّفها إلى مجموعتين: مجموعة وردت من غير تأكيدٍ بمؤكّدات الخبر، ومجموعةٌ وردت مؤكّدة.
ولمّا كانت السّورة معظمها جملٌ خبريّةً فإنّنا لا نتطرّق إلى كلّ جملةٍ بالذّكر وإنّما نمثّل لكلّ مجموعةٍ بجملٍ كنماذج فقط.
أوّلاً: الجمل غير المؤكّدة (الّتي ضربها ابتدائيّ):
قوله: { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } : (1/45)
صفحة 46
والغرض منها الحثّ والتّعريض بزيادة الأعمال، والقربات ليكون الإنسان على استعدادٍ تامٍّ لما يفاجئه ويباغته من أهوال هذه السّاعة العصيبة.
قوله: { انْشَقَّ القَمَرُ } :
والغرض منها تصديق النّبيّ _?_ في المعجزة الكبرى الواقعة له، وتخليد هذه المعجزة بذكرها في القرآن الكريم.
أمّا باقي الجمل الخبريّة في السّورة فلا تخرج عن كونها دالّةً على أهمّ أغراض الخبر وهو إفادة المخاطب الحكم الّذي تضمّنته الجملة المسمّى بـ: (فائدة الخبر) فلننظر إلى قوله _ تعالى _: { وَإِنْ يَّرَوْاْ آيَةٍ يُّعْرِضُواْ } ،وقوله بعده: { وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِر } ، نجد أنّنا قد استفدنا من هاتين الآيتين، الإخبار بأنّ الكفّار حين رأوا الآيات أعرضوا عنها ووصفوها بالسّحر، وهذا ما تضمّنته الجملتان، وهكذا دواليك أغراض كلّ الجمل الإخباريّة.
ثانياً: الجمل المؤكّدة:
والجمل الخبريّة في السّورة معظمها مؤكّدة بواحدٍ من مؤكّدات الخبر ولعلّ السّبب في ذلك أنّها سيقت في معرض الرّدّ على مكذّبي الرّسل ومنكري رسالاتهم وأنّها مكّيّة في الأصل، والسّور المكّيّة إنّما نزلت لأغراضٍ محدّدةٍ ولأناس معيّنين في حاجةٍ إلى إيقاظٍ وتبيينٍ، وتأكيدٍ وإيضاحٍ، فاقتضى ذلك أن تؤكّد لتناسب حال المخاطب في إنكاره وجحوده، فلا بأس أن نسوق بعض هاتيك الجمل.
قوله: { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِّنَ الأَنْبَاءِ } :
فأنت ترى هذه الجملة أكّدت بأكثر من مؤكّدٍ هو القسم واللاّم وقد.
وقوله: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ } : فهي كالجملة السّابقة.
وقوله: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } : فهي مؤكّدة بإن.
وقوله: { سَيَعْلَمُونَ غَداً } : فهي مؤكّدة بالسّين الّتي هي من مؤكّدات الجمل الفعليّة.
وقوله: { إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ } : التّأكيد بإن.
وقوله: { إنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً } : فالمؤكّد هو حرف (إن). (1/46)
صفحة 47
وقوله: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً } : أكّد بحرف (إن) كذلك.
وقوله: { وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا } : أكّدت الجلة بمؤكّدين هما: (قد) التّحقيقيّة، والقسم الموطّأ له باللاّم، ويمكن أن نعدّ اللاّم أداة تأكيدٍ ثالثةٍ.
وقوله: { وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنِ ضَيْفِهِ } : والقول فيه كسابقه.
وقوله: { وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ } : كذلك أكّدت بالقسم وقد واللاّم.
وقوله: { وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرِ } : أكّد بالقسم وتقديم المفعول على فاعله.
وقوله: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ } : أكّدت بالقسم.
وقوله: { إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ } : فالتّأكيد بإن، واستعملت فيها الجملة الاسميّة الّتي خبرها شبه جملة.
وهكذا تبدو المؤكّدات واضحةً فبي السّورة ملائمةً لجوّها ولحال المخاطبين الّذين تطلّب الموقف واقتضى السّياق تنبيههم وشحذ هممهم وإيقاظ جانب اليقين فيهم وانتشال نواحي الشّكّ والإنكار في صدورهم حتّى تستقرّ أحوالهم، ويستقيم سلوكهم، ويُمْسُوا مقرّين معترفين، شأنهم الإخبات والخشوع، والتّسليم والخضوع لربّ العالمين.
الأساليب الإنشائيّة وأغراضها:
وقبل أن نشرع في تفاصيل ذلك يجمل بنا أن نعرّف الإنشاء عند البلاغيّين: فهو قولٌ لا يحتمل الصّدق والكذب لذاته، وهو ينقسم إلى قسمين: طلبيّ، وغير طلبيّ.
فالأوّل: ما يستدعي مطلوباً غير حاصلٍ وقت الطّلب، والثّاني: مالا يستدعي مطلوباً حاصلاً وقت الطّلب.
والجمل الإنشائيّة في السّورة كلّها من القِسْمِ الأوّل لأنّها؛ إمّا أمر وإمّا استفهام، وهما من محاور الإنشاء الطّلبيّ، وهذه الإنشاءات في السّورة وردت على التّتابع الآتي:
قوله: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } :
جملة إنشائيّة طلبيّة، والأمر فيها على حقيقته الّتي هي معنى طلب حصول شيءٍ على سبيل الوجوب وفيها نصحٌ وإرشادٌ. (1/47)
صفحة 48
وقوله: { أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ } :
تساءلوا واستفهموا مستغربين كيف يتّبعون بشراً منهم.
والجملة إنشائيّة استفهاميّة، الغرض منها الإنكار والتّهكّم والسّخريّة، أي إنكار أن يحدث ذلك، وهو ما يسمّى بالاستفهام الإنكاريّ، أنكروا أن يرسل الله إلى النّاس بشراً مثلهم، أي: لو يشاء الله لأرسل ملائكةً، فإنّهم _ أي الكفار _ يستدركون على الله ويبرزون عوج _ على ما بَدَا لهم _ حكمه _ جلّ في علاه _.
وقوله: { أَأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا } :
فهي أيضاً استفهاميّةٌ إنكاريّةٌ، أي: أنكروا أن يكون قد أوحي إلى نوحٍ من بينهم، وفيهم من هو أحقّ منه بذلك.
فهو استفهامٌ يحوطه التّهكّم، ويشمله الاستهزاء، وكأنّه أحقّ بها منه، وأنّ الله غير سديدٍ في فِعْلِه، _ تعالى _ الله عن أقوالهم علواًّ كبيراً.
وقوله: { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر } :
فقد ذُكِرَ ذلك في السّورة أربع مرّاتٍ، فهي في الأولى والثّالثة والرّابعة للتّعظيم والتّهويل من العذاب الأليم الّذي وقع على الأمم الّتي ذكرت بجنبها، وورد في الثّانية غرضه التّشويق؛ لأنّه لم يسبقها ذكرٌ للعذاب، فكان الغرض منها توجيه قلوب السّامعين نحو الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكرها.
ومنه قوله: { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلاَئِكُمْ } جملةٌ إنشائيّةٌ استفهاميّةٌ، الغرض منها الإنكار الّذي معناه النّهي، ويعبّر عنه بالاستفهام الإنكاريّ، أي: ليس الأمر كما زعمتم أو ليس كما تعتقدون من أنّكم خيرٌ من الّذين سبقوكم من المشركين، أهلكناهم ودمّرناهم بشركهم.
ولستم في منعةٍ وحصنةٍ من أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا يقف أمام قدر الله أحدٌ، ولا يمنعه عمّن يستحقّه إنسانٌ.
وهذا ما يتعلّق بالجمل الإخباريّة والإنشائيّة في السّورة.
المبحث الثّاني: أسلوب القصر وطريقه: (1/48)
صفحة 49
القصر لغةً: الحبس والإلزام، تقول: قصرت نفسي على الشّيء، إذا حبستها وألزمتها إيّاه، كما تقول: قصرت الشّيء على كذا إذا لم تجاوز به غيره.
واصطلاحاٍ: تخصيص شيءٍ بشيءٍ، أو تخصيص أمرّ بآخر بطريقةٍ مخصوصةٍ (1) .
وقد ورد القصر في السّورة على الوجه الآتي:
قال _ تعالى _: { وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ } :
وطريقه النّفي والاستثناء كما هو معلومٌ ومشهورٌ عند أهل هذا الفنّ، والمقصور هو الأمر، والمقصور عليه هو ما بعد أداة الاستثناء (واحدة)، فالقصر هنا قصر صفةٍ على موصوفٍ حيث قصر الأمر الّذي يعني الخلق والإيجاد على واحدةٍ الّتي كنِّي بها عن لفظة (كن) وهو حقيقيٌّ باعتبار تعلّقه بالله وكلّ أفعاله محقّقة، وهو كذلك تحقيقيّ فهو قصر حقيقيّ تحقيقيّ، قصرت فيه الصّفة على الموصوف فأكّدت المراد، وثبّتت المقصود، وانتشلت أيّ شكٍّ حاصلٍ في الصّدور أو واقعٍ في المخيلة والظّنّ.
المبحث الثّالث: الإيجاز والإطناب في السّورة:
وقبل الشّروع في التّحليل البلاغيّ نعطي تعريفاً مبسّطاً لكلٍّ منهما.
فالإيجاز لغةً: من أوجز في الكلام إيجازاً: إذا اختصر فيه ولم يُطِلْ.
واصطلاحا: وضع المعاني الكثيرة في ألفاظٍ قليلةٍ وافيةٍ بالغرض المطلوب مع الإبانة والإفصاح (2) .
والإطناب عكسه لغةً واصطلاحاً، إذ هو مصدر أطنب يُطْنِبُ في الكلام: إذا بالغ فيه وطَوّلَ.
وعند علماء البلاغة: زيادة اللّفظ على المعنى لفائدةٍ (3) .
__________
(1) _ علم المعاني: الدّكتور عبد العزيز عتيق، دار النّهضة العربيّة، 1405هـ/1985م، 149.
(2) _ البلاغة: 225.
(3) _ المصدر السّابق: 225. (1/49)
صفحة 50
وقد وردا في القرآن والسّنّة بكثرةٍ، ومثال الأوّل في القرآن قوله _ تعالى _: { وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ } وفي الحديث الشّريف: » إنّ من البيان لسحراً«، ومنه: »الضّعيف أمير الرّكب«، ويسمّى هذا إيجاز القصر، أمّا إيجاز الحذف فيعني التّعبير عن المعنى الكبير باللّفظ القليل مع شيءٍ من الحذف، كحذف حرفٍ نحو: { وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } ، أو حذف كلمةٍ نحو: { وَسْأَلِ القَرْيَةَ } ، والمراد أهلُها، أو حذف جملةٍ نحو: { أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ } أي: فأرسلون وفتحوا له باب السّجن، فسأل يوسف وقد وقف أمامه فقال: يا يوسف.
ومثال الثاني (الإطناب) قوله _ تعالى _: { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى } إطناب بتخصيص صلاة الوسطى بالذكر إشارة إلى عظمتها وأهمية الاعتناء بها في حياة المسلم وتنبيها على عدم إضاعتها.
وفي الحديث قوله _?_: «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال».
ويساقان لأغراض كثيرة ذكرت في مباحث علم المعاني.
وقد ورد في السورة شيء من هذين النوعين البلاغيين، ونبدأ بذكر الإيجاز الوارد فيها.
في قوله: { وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِر } :
إيجاز بالحذف، وحذف المبتدأ لمعرفته إيجازا إذ الأصل: هذا سحر مستمر.
وكذلك قوله: { وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ } أي هو مجنون.
قوله: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر } :
إيجاز بالقصر لجمعه معاني كثيرة في عبارة وجيزة.
والسّورة تمتلئ بمثل هذا النّوع من الإيجاز بل إنّ آياتها تعدّ من قبيل إيجاز القصر لقلّة عدد كلماتها ولاشتمالها على المعاني الكثيرة الّتي عبّر عنها بألفاظٍ قليلةٍ، وهو دأب القرآن الكريم في كلّ سوره وآياته.
الإطناب الوارد في السّورة: (1/50)
صفحة 51
وورد الإطناب في قوله _ تعالى _: { بَلِ الساَّعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } حيث كررت الساعة لزيادة التّخويف والتّهويل؛ ولتكون الجملة مستقلّة بنفسها فتسير مسير المثل.
الخاتمة:
الحمد لله رب العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف المرسلين سيّدنا محمّد وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار وعلى من أتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين، وبعد:
فبعد الغوصِ في أعماق سورة القمر لاستجلاء الجوانب البلاغيّة فيها وبعد أن وصلت السّفينة مرساها نلخّص في هذه الخاتمة أهمّ ما أسفرت عنه نتائج هذا البحث:
01_ سورة القمر هي سورةٌ مكّيّة تمتاز بالسّمات الّتي تمتاز بها السّور المكّيّة من حيث المعنى والأسلوب، ويبدو ذلك جلياً في كثرة قصص الأمم السّالفة فيها، والحديث عن نعيم الجنّة وعذاب النّار، وفي قِصَرِ آياتها وكثرة سجعها حيث جاءت كلّها على سجعٍ غير متكلّفٍ، وكثرة التّكرير فيها وهذه السّمات عامّة في السّور المكّيّة.
02_ سبب نزولها كان تصديقاً لأعظم معجزةٍ حسّيّةٍ وقعت للنّبيّ _ صلّى الله عليه وسلّم _ وهي حادثة انشقاق القمر.
03_ أنّها قد اشتملت على سائر علوم البلاغة من بيانٍ ومعانٍ وبديعٍ على قصر آياتها وقلّة ألفاظها .
04_ أن نصيب علم البيان كان أوفر وأكثر من غيره، حيث رأينا التّشبيهات والاستعارات والمجازات والكناية أكثر من القسمين الآخرين ( المعاني والبديع).
05_ أنّ القصر ورد قيلاً في السّورة إذا قيس بالتّشبيه مثلاً.
06_ أنّ أكثر المؤكّدات وردت في السّورة في صورة القسم الّذي تردّد كثيراً في آيات السّورة وكذا التّوكيد بـ "إن" أكثر من غيره من أخوات "إنّ" .
07_ الأساليب الخبريّة امتلأت بها السّورة إذا ما قورنت بالأساليب الإنشائيّة.
08_ لم ترد الكناية عن نسبةٍ وإنّما وردت الكناية عن صفةٍ وعن موصوفٍ كثيراً.
هذه ما توصّلت إليه من نتائج من خلال هذه الدّراسة الرّائعة. (1/51)
صفحة 52
والله المسؤول أن يتقبّل لي عملي هذا ويجعله في ميزان حسناتي، ويغفر لي فيما أخطأت فيه، وأن يعينني مستقبلاً في النّظر مرّةً أخرى فيما صنعت بحيث يخرج البحث أفضل ممّا هو عليه، كما أنّني لا أستنكف عن قبول أيّ ملاحظةٍ أو أيّ اقتراحٍ ممّن يطّلع على هذا البحث؛ لأنّ الإنسان مهما كان فسيبقى ضعيفاً ومعرّضاً للخطأ، وجلّ من لا يخطئ.
ونسأله جلّ وعلا أن يسدّد خطانا ويقوّم ألسنتنا إنّه وليّ ذلك وهو على كلّ شيءٍ قديرٍ، والحمد لله أوّلاً وآخراً.
المصادر والمراجع:
1. الإعجاز اللّغوي في قصص نوح _عليه السّلام _: الدّكتور عودة الله المنيع القيسيّ، دار عماد، الطّبعة الأولى، 1422هـ/2002م.
2. إعراب القران الكريم وبيانه: محي الدّين الدّرويش، دار ابن كثير، 1408هـ/1988م.
3. البحر المحيط: أبو عبد الله محمّد بن يوسف الأندلسيّ الغرناطيّ الشّهير بأبي حيّان، دار إحياء التّراث العربيّ، الطّبعة الثّالثة 1411هـ/1990م، بيروت، لبنان.
4. البرهان في علوم القرآن: بدر الدّين محمّد بن عبد الرّحمن الزّركشيّ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، الطّبعة الثّالثة 1400هـ/1980م.
5. البلاغة: الدّكتور مصطفى محمّد، وزايد بن سليمان الجهضميّ، معهد القضاء الشّرعيّ والوعظ والإرشاد، الطّبعة الثّانية، سلطنة عمان.
6. التّحرير والتّنوير: سماحة الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور، مؤسّسة التّاريخ، الطّبعة الأولى 1420هـ/2000م، بيروت، لبنان.
7. التّفسير المنير في العقيدة والشّريعة والمنهج: الدّكتور وهبة الزّحيليّ، دار الفكر المعاصر، الطّبعة الأولى، 1411هـ/1990م، بيروت لبنان ، دمشق سوريا.
8. التّفسير الواضح: الدّكتور محمّد محمود حجازيّ، دار الجيل، الطّبعة الرّابعة 1388هـ/1968م، بيروت، لبنان.
9. تفسير المراغيّ: أحمد مصطفى المراغيّ، دار إحياء التّراث العربيّ، الطّبعة الثّانية، بيروت، لبنان، (دون تاريخ). (1/52)
صفحة 53
10. تفسير من وحي القرآن: محمّد حسين فضل الله، دار الملاك، الطّبعة الثّانية، 1419هـ/1998م.
11. تلخيص البيان في مجازات القرآن: الشّريف الرّضيّ، تحقيق الدّكتور علي محمود مقلّد، دار مكتبة الحياة، 1968م، بيروت، لبنان.
12. حاشية الشّهاب على تفسير البيضاويّ (غاية القاضي وكفاية الرّاضي): دار صادر، بيروت، لبنان.
13. روح المعاني تفسير القرآن العظيم: شهاب الدّين محمود الألوسيّ، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت، لبنان.
14. صفوة التّفاسير: محمّد عليّ الصّابونيّ، دار القلم، الطّبعة الخامسة، 1409هـ/1968م، جدّة المملكة العربيّة السّعوديّة.
15. علم المعاني: الدّكتور عبد العزيز عتيق، دار النّهضة العربيّة، 1405هـ/1985م.
16. علوم البلاغة: أحمد مصطفى المراغيّ، دار القلم، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ).
17. علوم القرآن الكريم: نور الدّين عنتر، دار الخير، الطّبعة الأولى، 1414هـ/1993م.
18. علوم القرآن: عدنان محمّد زرزور، المكتب الإسلاميّ، الطّبعة الثّانية، 1413هـ/1991م.
19. في ظلال القرآن: سيد قطب، دار العلم، الطّبعة الثّانية عشر، 1409هـ/1989م، جدّة المملكة العربيّة السّعوديّة.
20. القاموس المحيط: مجد الدّين محمّد بن يعقوب الفيروز آباديّ، دار إحياء التّراث العربيّ، الطّبعة الأولى، 1417هـ/1997م، بيروت، لبنان.
21. الكشّاف عن حقائق التّنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التّأويل: أبو القاسم محمود بن عمر الزّمخشريّ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، (بدون تاريخ).
22. المكيّ والمدنيّ في القرآن الكريم: الدّكتور محمّد عبد الرّحمن الشّايع، الطّبعة الأولى، 1419هـ/1997م، الرّياض، المملكة العربيّة السّعوديّة.
23. مناهل العرفان في علوم القرآن: محمّد عبد العظيم الزّرقانيّ، دار إحياء التّراث العربيّ، (بدون تاريخ).
فهرس المحتويات
العناوين ... الصّفحة
شكرٌ وعرفانٌ
ملخّص البحث
مقدّمة (1/53)
صفحة 54
الباب الأوّل: خصائص وسمات السّورة المكّيّة المعنويّة والموضوعيّة
المبحث الأوّل: التّعريف بالمكّيّ والمدنيّ
المبحث الثّاني: فوائد معرفة المكّيّ والمدنيّ
المبحث الثّالث: خصائص السّور المكّيّة، الموضوعيّة والأسلوبيّة
أوّلاً: خصائصها وسماتها الموضوعيّة
ثانياً: خصائصها وسماتها الأسلوبيّة
المبحث الرّابع: أهداف سورة القمر وموضوعاتها وفضائلها وسبب تسميّتها بالقمر
أوّلاً: أهداف ومرامي السّورة
ثانياً: الموضوعات الّتي تناولتها السّورة
ثالثاً: فضائل سورة القمر
رابعاً: سبب تسميّتها بالقمر
الباب الثّاني: البيان الوارد في السّورة
المبحث الأوّل: التّشبيهات الواردة في السّورة
المبحث الثاني : الاستعارات الّتي تضمّنتها السّورة
المبحث الثّالث: المجازات الواردة في السّورة
في الاصطلاح
تعريفه
المبحث الرّابع: الكنايات في السّورة
الكناية لغةً
اصطلاحاً
الباب الثالث: البديع في سورة القمر
المبحث الأوّل: المحسّنات البديعيّة اللّفظيّة
أوّلاً: الجناس
ثانياً: السّجع
المبحث الثّاني: المحسّنات المعنويّة البديعيّة
أوّلاً: الطّباق
ثانياً: المقابلة
ثالثاً: المبالغة
رابعاً: تجاهل العارف
خامساً: التّكرير
سادساً: الإلتفات
الباب الرّابع: المعاني البلاغيّة في السّورة
المبحث الأوّل: الأساليب الخبريّة والإنشائيّة في السّورة
أوّلاً: الجمل غير المؤكّدة (الّتي ضربها ابتدائيّ)
ثانياً: الجمل المؤكّدة
الأساليب الإنشائيّة وأغراضها
المبحث الثّاني: أسلوب القصر وطريقه
القصر لغةً
اصطلاحاً
المبحث الثّالث: الإيجاز والإطناب في السّورة
اصطلاحاً
الإطناب الوارد في السّورة
الخاتمة
المصادر والمراجع (1/54)