صفحة 1
بحث: شواهد من الإعجاز التجويدي في القرآن الكريم برواية ورش عن نافع مِن طريق الأزرق
إعداد: الطالب/ صالح بن قاسم بن إبراهيم الراعي
معهد العلوم الشرعية - وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عُمان
مؤسسة ابن عمير للبحث العِلمي
مسابقة البحث العلمي
البحث الفائز بالمرتبة الثانية عام 2005م.
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
معهد العلوم الشرعية
مؤسسة ابن عمير للبحث العلمي
مسابقة البحث العلمي
[البحث الفائز بالمرتبة الثانية سنة 2005م]
شواهد من الإعجاز التجويدي في القرآن الكريم
إعداد الطالب / صالح بن قاسم الراعي
إهداء
إلى روح جدي المرحوم: إبراهيم بن قاسم الراعي الذي بعث فيّ روح الإقبال على العلم.
إلى والديّ العزيزين الذين ربياني صغيرا على حب العلم والإقدام كثيرا.
وإلى كل من علّمني حرفا صرت له عبدا.
أهدي ثمرة جهدي.
ابن قاسم
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، والصّلاة والسّلام على من بلّغ رسالة القرآن فأحسن تبليغها.
أمّا بعد:
إنّ الله _ تبارك وتعالى_ أنزل القرآن على نبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، وعلّمه قراءته وتعاليمه، فكان ممّا يمتاز به إعجازه للخلق أجمعين.
لذا فقد تضمّن القرآن قراءةً خاصّةً علّمها النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، ثمّ علّموها أتباعهم، وهكذا تتابع تعليم القراءة إلى عصرنا الحالي.
ولمّا جاء العلماء المختصّون بعلوم القرآن، أخذوا يستنبطون كيفيَّة القراءة حتّى خَلُصوا إلى معرفة قواعدها سمَّوا ذلك بعلم التَّجويد، ويقصدون به التّحسين (أي تحسين القراءة).
وقد توصّل علماء التّجويد إلى ما توصّلوا إليه من دراساتٍ وبحوثٍ، إلاَّ أنّهم لم يتطرّقوا إلى السِّر من وجود هذا العلم الملازم للقرآن الكريم أينما كان، وبالتَّالي معرفة ما توحي به تلك الأحكام والقواعد، كمخارج الحروف وصفاتها، والمدود وأنواعها، والنّون والميم السّاكنتَين وأحكامهما، وما إلى ذلك، غير أنّ بعضهم أشار إلى هذا ولكنّهم قليل، مقارنةً بحجم التَّأليف في مجال إيجاد أسرار القرآن وإعجازه.
فكان هذا دافعًا لي لأن أُفرد لمثل هاته الدِّراسة بحثًا خاصًّا أتناول فيه أسرار تلك القواعد ومدى تأثيرها في النَّفس. (1/1)
صفحة 2
وكان من الأهمِّية بمكان أن أتطرق لهذا، حيث أنَّ تلاوة القرآن لها تأثيرٌ بليغٌ وسلطانٌ على النَّفس، ليس فقط في نفوس المسلمين وإنما حتى في نفوس غيرهم الذين نسمع عن الكثير منهم أنَّهم دخلوا الإسلام لمجرَّد التِّلاوة.
ولست أقول بأنّ التّلاوة لِوحدها تفعل ذلك، ولكنِّي أرمي من خلال دراستي هاته إلى أنَّها جانبٌ من جوانب التَّأثير، فضلاً عن البيان القرآنيّ وما إلى ذلك من أنواع الإعجاز فيه.
وقد توصَّلَت نخبةٌ من العلماء إلى أنَّ لأحكام علم التَّجويد أسراراً، وحتَّى لقد وضع بعضهم شيئًا يسيرًا من ذلك.
فطمحت للزِّيادة على تلك الدِّراسات، وعلى ما توصَّلوا إليه، فوجدت أنَّهم حينما يتحدَّثون في هذا المجال يُدخِلون مباحثهم فيما يُسمَّى بـ: «الإعجاز الصَّوتي» أو «الإعجاز الموسيقي» عند بعضهم. وإن كان الأصل عندي أن مصدر الصوت في القرآن هو علم التجويد.
فجاء بحثي هذا ضمن هاته الدِّراسات ليصبح جزءًا من ذلك العلم، فسمَّيته بـ «الإعجاز التَّجويدي»، وأقصد به العجز عن التَّحدي بإتيان مثل قواعد وأحكام علم التَّجويد التي لها صفة التَّأثير الأخَّاذ للنُّفوس، كمعاني المدود ومخارج الحروف وصفاتها، بحيث لو أُعطيَت لغير القرآن لفَسُد المطلب من الإعجاز.
وهذا الموضوع جديدٌ لم أر من تطرَّق إليه بهاته التَّسميَة من قبل، اللَّهم إلاَّ من ناحية الدِّراسات الصَّوتيّة في اللُّغة وعلم التَّجويد أو إشاراتٍ إليه من خلال دراستهم في مجال الإعجاز الصَّوتي؛ لهذا عَدَدت بحثي مُكمِّلا لبحوث أولئك العلماء.
وقد انتابت تفكيري إشكالاتٍ بعد أن قرَّرت تخصُّصي في علم التَّجويد، فأخذت أسأل نفسي:
ما سرُّ تأثير القرآن في نفوس بعض من سمعوه لأوَّل وهلةٍ وهم لا يفقهون من العربيَّة حرفًا؟
وما الذي جعل تلك الكلمات بحروفها توحي بذلك المعنى؟
وما مدى ذكر العلماء وتطرُّقهم إلى هذا؟ (1/2)
صفحة 3
فلابدّ أن يكون لأحكام علم التَّجويد أسرارٌ معجزة، ما دام اختصاصه بالقرآن.
هذه هي الإشكالات وغيرها التي انطلقت منها دراستي، فكانت محفِّزة للبحث عن هذا الشَّأن في علم التَّجويد.
وأمّا عن رواية ورشٍ من طريق الأزرق، فقد طرأت تلك الإشكالات على ضوء بعض أحكامها؛ لسبق معرفتي بها وحفظي القرآن عليها؛ لأنَّ الأصبهاني _ وهو طريقٌ ثانٍ لورشٍ _ لم أدرسه ولا القراءات الأخرى.
ولست في مقامٍ لأنْ يُقال إنَّ في الرواية أو القراءة الأخرى ضعفٌ أو نقص معنى أو ما شابه ذلك، وما ينبغي لدارس القرآن أن يعتقد هذا، ولكن أقف _ فقط _ عند معرفتي بالرِّواية التي أُتقِنها، لا لشيءٍ إلاَّ أنَّها أثارت فِيَّ اهتماماتٍ بالموضوع واستخراج أسرارٍ من تلك الأحكام حين تطبَّق في التِّلاوة.
فكانت دراستي لهذا العلم (علم التجويد) من قَبل، واطِّلاعي على بعض الدِّراسات الصَّوتية في مجال الفنِّ والإنشاد، قد وفَّر لي جوًّا من التَّمهيد للشُّروع في هذا العمل.
فاخترت منهج استقراءِ ما قاله العلماء في هذا، وآيات على ذلك من القرآن الكريم، ثمَّ تحليلها اعتمادًا على علم التَّجويد وعلم الأصوات ومعانيها.
ومن ثَمَّ أخذت في وضع خطَّةٍ للبحث كانت تشتمل على فصلَين، درست في الفصل الأوَّل أبرز مظاهر الإعجاز وهو تفرُّد القرآن بعلم التَّجويد، ثمَُّ تعريف الإعجاز التَّجويدي، ثمَّ ترجمة الرُّواة، (الإمام نافع وورش وطريقه الأزرق)، وبعده كان ذِكر أنواع الإعجاز في القرآن، وبعدها ذَكرت إشاراتِ بعض العلماء إلى هذا النَّوع من الإعجاز، ودرست بعد ذلك سرّ مخارج الحروف وصفاتها وحركاتها في صياغة معنى الكلمة. (1/3)
صفحة 4
أمَّا الفصل الثَّاني، تناولت فيه دراسة مبحث المدود وسرّ كلّ مدٍّ في موضعه، واخترت منها ثلاثة أنواعٍ وهي: الطَّبيعي والواجب المتصل والجائز المنفصل، وفي المبحث الأخير من هذا الفصل سُقْت نماذج ممَّا ذكر العلماء في هذا الإعجاز _ وإن كانت كما سميتها إشارات _، وتأثير اللَّفظ القرآني المرتَّل في النَّفس الإنسانيَّة ونماذج من قصصٍ وقعت في ذلك.
وانتهيت في آخر المطاف إلى خاتمةٍ احتوَتْ على النَّتائج التي توصَّلت إليها من خلال البحث.
وقد اعتمدت في هذا العمل على مصادر ومراجع أهمّها: «الدّراسات الصَّوتية عند علماء التَّجويد» للدكتور: غانم قدوري الحمد، و«إعجاز القرآن والبلاغة النَّبويَّة» للأستاذ: مصطفى صادق الرافعي، و«الدِّراسات اللّهجيَّة والصّوتيَّة عند ابن جنِّي» للدكتور: حسام سعيد النعيمي، وغيرها.
ولا يَخلُ بحثي هذا من صعوباتٍ اعترضتني في الطَّريق من بينها: جدَّة الموضوع بالنِّسبة لعلم التَّجويد فتطرَّقت لكُتُب علم الأصوات وكتب اللُّغة المتقدِّمة، كابن جنّي والسُّيُوطي وابن الجَزَري وغيرهم،.
ولمَّا كان علم التَّجويد تعليميٌّ تلقينيٌّ أكثر منه كتابي، فقد خانني التَّعبير كثيرًا، حتّى صار الوصول إلى المعنى الدّقيق المقصود صعب المنال، فحاولت كلّ المحاولة لإيصال الفهم بأيسر طريق بإيراد بعض رسوماتٍ توضيحيَّةٍ، وبساطةٍ في التَّعبير أحيانًا.
أمَّا أصعب مشكلٍ _ أعتبره _ وهو البحث عن آياتٍ من مصحفٍ خاصٍّ برواية ورشٍ؛ لأنَّ كلّ الدّراسات القرآنيّة التي أراها يُورِدون فيها آياتٍ برواية حفصٍ، وعلى كلٍّ فقد وجدت ذلك _ والحمد لله _ على الإنترنت في موقعٍ خاصٍّ بقراءة الإمام نافع المدني، أي قالون وورش وهو: «www.quran-warch.com»، فنسخت منه الآيات التي أحتاجها ووضعتها في موضعها من البحث.
فلعلَّ هذا العمل _ إن شاء الله _ أُفيد به أمَّتي عندما أنسخه على قرصٍ مضغوطٍ. (1/4)
صفحة 5
وفي الأخير أقدِّم جزيل شكري للقيِّم على المسابقة الذي قوَّى فِيَّ ملكة البحث، وكلّ الأساتذة الذين ساعدوني من قريبٍ أو بعيدٍ، دون أن أنسى الذين فتحوا مكتباتهم لطلبة العلم فأفادوني بكتبٍ كنت أبحث عنها فوجدتها هناك.
والله تعالى أسألُ أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني والمسلمين به، وأن يجعله ثقلاً في ميزان كلّ من اطَّلع عليه وأهدى إلي عيوبي الموجودة فيه.
ولله الأمر من قبل ومن بعد، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الطالب: صالح بن قاسم بن إبراهيم الراعي.
مسقط الأربعاء 09 ذو القعدة 1425هـ
22 ديسمبر 2004 م
ابن قاسم
المبحث الأول
مَفهومُ الإعجازِ التَّجْويديّ بِرِواية وَرشٍ عن نَافعٍ وأنواع الإعجاز في القرآن الكريم
المطلب الأوّل: مِن أبرزِ مَظاهر الإعجاز التّجويدي تَفرُّد القرآن بِعلم التَّجويد: ...
ممَّا لا يَختلفُ فيه اثنان? أنَّ القُرآن الكريم أُنزِل من عند الله عزّ وجلّ بِدليل قَولِه سُبحانه: }[الإسراء]، وَقولُه تعالى: {
} [الإنسان]، وقد أشار القرآن الكريم إلى كيفيَّة نُزوله على قلْب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقراءته على مسامع النَّاس، بطريقةٍ غيرَ التي يَقرؤون بها شِعرَهم ونَثرَهم في جزيرة العرب آنذاك، فأعجَزهم بتلاوته - صلى الله عليه وسلم - ، لِلقرآن وترتيله، قال تبارك وتعالى: {
} [الفُرقان]، بل كما أَمَره الله عزَّ وجلَّ في محكم تنزيله:{ }
[ (1/5)
صفحة 6
المزَّمِّل]، من هنا نَشأ علم التَّرتيل (1) ، أو ما يسمِّيه علماء علوم القرآن بِعلم التَّجويد، الذي انفرد به الذِّكر الحكيم.
«قال تعالى: { } [القيامة].
هذا النَّصّ الكريم يدلّ على أنَّ تلاوة القرآن الكريم بتوجيه من الله تعالى ...، كأنَّه يقول: إذا تلونا عليك القرآن واسْتحْفَظتَه فاتَّبع القراءة التي علَّمك الله تعالى وهو ما يدلّ عليه قوله تعالى: { }، أي اتّبع طريقة القرآن التي قرأناها ولا تبتعد عنها» (2) .
«وعلى ذلك تكون القراءة الكاملة للقرآن الكريم هي التي التزمها النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ، بأمر ربِّه وتعليمه، ولذلك قال العلماء: «إنَّ القراءة سنّة متّبعة»، لا يصحّ لمؤمن أن يحيد عن طريقة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد علَّم بها أصحابه - صلى الله عليه وسلم - ، هذه القراءة كما علّمه ربُّه، وعلّم الصَّحابةُ تلاميذهم من التَّابعينَ تلاوةَ النّبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتواترت قراءةُ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، كما تواتر القرآن الكريم محفوظًا بطريق تلاوتِه، كما كان محفوظًا بِذاتِه، ثمّ إنّ الفصل بين طريقة التِّلاوة وذات القرآن الكريم؛ فصلٌ بين متلازمَين» (3) .
وهكذا نجد صاحب الكتاب يسترسل في كلامه مبيِّنا أنّ: «القرآن في أصله كتابٌ كريمٌ مبيِّنٌ، وعبَّر عنه سُبحانه بقرآن؛ إِيماءً إلى أنَّه نزَل بِنصِّه وبطريقة قراءته.
__________
(1) _ اختياري تسمية علم التجويد بعلم الترتيل هنا، إشارة إلى قول علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - حين سئل عن معنى هذه الآية فقال: «الترتيل: هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف»،(انظر التمهيد في علم التجويد: للإمام محمد بن محمد بن الجزري، تحقيق الدكتور: علي حسين البواب، ط 1/ 1405هـ_1985م، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية،40).
(2) _ المعجزة الكبرى: لمحمد أبو زهرة، د ط، د ت، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، 592.
(3) _ المصدر السّابق: 592_593. (1/6)
صفحة 7
بل القراءةُ وحفظُه في الصُّدور مَتلوًّا بما علَّّم الله عزّ وجلّ نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - ، فالنَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في تلاوتِه، إنَّما يتلو بتعليمٍ من الله تعالى، في مدِّه وغنِّه، وتشديده وتسهيله، فإنَّه إذا َنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، نَزل متلوًّا» (1) .
«وإنَّنا لا نَبعُد بهذا الكلام عن حقيقةٍ مقرَّرةٍ ثابتةٍ، وهي: اتِّباعُ السَّلف في التِّلاوة، وهي تنتهي في أصلها إلى مُنزِّل القرآن الكريم، الذي جعله "الله" حجَّةً وبُرهانًا ومُعجِزةً» (2) .
لهذا جاء العلماء من بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، في عصر الخلفاء وبعدَهم، وفي القرن الرَّابع بالأخصِّ، فاهتمُّوا بالقرآن وعلومِه، خاصَّةً علمُ التَّجويد، الذي يرتبط به ارتباطًا وثيقًا، فوضع العلماء المقاييس والضًّوابط، التي تميِّز التَّرتيل المطلوب في تلاوة القرآن الكريم، ولم يتركوا الأمر فُرُطًا، بل وضعوا ميزانًا يميِّز التَّرتيل المطلوب عن القراءات البعيدة عن التَّرتيل، وهو علم التَّجويد، وعلم القراءات (3) .
وإلى هنا أستطيع أن أقول: أنَّ علم التَّجويد، قد انْفرد بالقرآن لا غير، وهذا مظهرٌ من مظاهر الإعجاز، وهذه حقيقةٌ لا مِرْيةَ فيها، ويؤيِّد هذا قولُ مصطفى صادق الرافعي (4)
__________
(1) _ المصدر السّابق: 592 .
(2) _ المصدر السّابق: 596.
(3) _ المصدر السّابق: 593.
(4) _ مصطفى صادق الرافعي: )1928_1356هـ،1880_1937م(، أديب وشاعر مصري من أصل لبناني، اعتنى والده بتعليمه، فحفظه القرآن، ولقنه تعاليم الدين الحنيف، ...، وبعد تخرجه من الابتدائية بدمنهور، فقد حاسة السمع؛ بسبب حمى = = أصابه، عكف على كتب التراث يقرأها ويستظهرها، فصقلت ذوقه، واتجه إلى الشعر حتى نشر عام 1902م الجزء الأول من ديوانه، وأهم مؤلفاته: «إعجاز القرآن»، «تاريخ آداب العرب»، «حديث القمر».
تعلق الرافعي بالتراث العربي، فكان يكتب في ذلك المقالات المختلفة، وبعد وفاته؛ جمعت هذه المقالات ونشرت باسم «وحي القلم». (انظر الموسوعة العربية العالمية (ر_ز)، ط 2/ 1419هـ_1999م، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، 11/ 76_77. (1/7)
صفحة 8
في كتابه:«إعجاز القرآن والبلاغة النَّبويَّة» إذ يقول: «وحسبُك بهذا اعتبارًا في إعجاز النَّظم الموسيقيِّ في القرآن؛ أنَّه ممَّا لا يَتعلَّق به أحدٌ، ولا يُنفقُ على ذلك الوجه الذي هو فيه إلاَّ فيه؛ لِترتيب حروفه باعتبارٍ من أصواتها ومخارجها، ومناسبةُ بعض ذلك لبعضه، مناسبةً طبيعيَّةً في الهمس والجهر، والشِّدَّة والرَّخاوة، والتَّفخيم والتَّرقيق، والتَّفشِّي والتِّكرار، وغير ذلك ...» (1) .
وممَّا يَظهر جليًّا إذا قارنَّا كلام القرآن وتلاوتَه بغيره، فَفِيه فرقٌ بينهما يَبعُد بُعد المشرقَين، سواءً في نظمه أو أسلوبه أو تلاوته أو تأثيره في نفوس البشر أو غير ذلك من مزاياه الفريدةِ المعجزة.
«فأنت إذًا تَتبيِّن ذلك إذا أنشأت تُرتِّل قطعةً من نثر فُصحاء العرب، أو غيرهم، على طريقة
التِّلاوة في القرآن، ممَّا تراعي فيه أحكام القراءة وطرقَ الأداء؛ فإنَّك لابدَّ ظاهرٌ بنفسِك على النُّقص في كلام البلغاء، وانحطاطه في ذلك عن مرتبة القرآن، بل ترى كأنَّك بهذا التَّحسين، قد نكَّرت الكلام وغيَّرتَه ، فأخرجتَه من صفة الفصاحة، وجرَّدتَه من زينة الأسلوب ...؛لأنَّك تَزنُه على أوزانٍ لم يتَّسق عليها في كلِّ جِهاته، فلا تعدو أن تُظهر من عيبه، ما لم يكن يعيبه، إذا أنت أرسلته في نهجه، وأخذته على جملته» (2) .
فسُبحان الذي خصَّ كلامه بتلاواتٍ مُتبايِنةٍ مُتغيِّرةٍ من لسانٍ إلى آخر، ومعانٍ مُختلفةٍ من قراءةٍ لأخرى، كلُّها تُؤدِّي قصْد القرآن، وأسراره الفريدةَ من نوعها، إلى قيام السَّاعة.
__________
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: لمصطفى صادق الرافعي، ط 9/1393هـ_1979م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 125.
(2) _ المصدر السّابق: 214_215. (1/8)
صفحة 9
قال القَسْطَلاَّني (1) : «لم تزل العلماء تستنبط من كلِّ حرفٍ يَقرأ به قارئٌ معنىً لا يوجد في قراءة الآخر ذلك المعنى» (2) .
فإذًا على القارئ فضلاً عن المفسِّر أن يتعلَّم القراءاتِ، «إذا أراد بيان معاني القرآن الكريم؛ لأنَّه بالقراءات، يَنكشِف من معاني الآية ما لا يَنكشِف بالقراءة الواحدة، وبالقراءات يترجَّح لديه بعض الوجوه المحتمَلة على بعض في معاني القرآن الكريم، وبها يَعرِف كَيفيَّة النُّطق بالقرآن، وكَيفيَّة الأداء، وما فيه من إعجازٍ، ليس فقط في نظمه ومعانيه؛ بل في تركيب الألفاظ وحروف الكلم» (3) .
__________
(1) _ القسطلاني(851_923هـ=1448_1517م): أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين، من علماء الحديث، مولده ووفاته في القاهرة، له «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري» عشرة أجزاء، و«المواهب اللدنية في المنح المحمدية» في السيرة النبوية، و«لطائف الإشارات في علم القراءات» وكتب أخرى أهمها ما ذكر.( انظر الأعلام: لخير الدين الزركلي، ط 7/ 1986م، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1/ 232).
(2) _ القراءات وأثرها في التفسير والأحكام: للأستاذ محمد بن عمر بن سالم بازمول، ط 1/ 1417هـ1996م، دار الهجرة بالرياض، المملكة العربية السعودية، 1/75.
(3) _ المصدر السّابق: 75. (1/9)
صفحة 10
ونَخلُص ممَّا سَبقَ كلُّه، إلى أنَّ القرآن الكريم؛ كتابٌ أنزله الله تبارك وتعالى على قلب سيِّدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو معجزٌ، بكلِّ ما فيه من صور الإعجاز وأنواعه، بما فيه كَيفيَّة أدائه وقراءته، فلذا كان القرآن أعظمَ كلامٍ يُؤثِّر تأثيرًا بليغًا أخَّاذًا،ويُسَيطر على النَّفس، بمختلف قراءاته وأوجه ترتيله الفريدة الغير الموجودة في أيِّ كلامٍ آخر؛ فخصَّ الله تعالى بهذه الخاصِّيَّة، كتابه العزيز، ليكون تحسينُ الأداء، وترتيلُه، وتجويدُه، إعجازًا خاصًّا بكلام الله عزَّ وجلَّ، فضلا عن بيانه وبلاغته.
لذا فقد سميت ذلك بالإعجازُ التَّجويديّ انطلاقا من إشارات بعض العلماء لهذا الذي له سِرُّ التأثير في النَّفس الإنسانية، من زمن الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - ، إلى عصرنا هذا.
المطلب الثّاني: تعريف الإعجاز التَّجويديّ لغةً واصطلاحًا:
أُورِد في هذا المطلب تعريف الإعجاز والتَّجويد لغةً واصطلاحًا، ثمَّ الإعجاز التَّجويديّ اصطلاحًا.
الإعجاز لغة:
فحينما تُذكر كلمة المُعجِزة، يَتبادر إلى ذهن السَّامع مباشرةً، ما يَتعلَّق بالأنبياء من معجزات، والتي منها القرآن العربيُّ المُرتَّل المُعجِز، المُنزَّل عَلَََى سَيِّدنَا مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - .
فَالإعجَاز: كَلِمةٌ عَرَبيَّةٌ مِن مَادةِ [ع ج ز]، حَيْثُ صِيغَت مِنْها كُلُّ اسْتِعمالاتِها: إعجازٌ، أعجازٌ، عاجِزٌ، عَجوزٌ، معجزة، وَغيْرِ ذَلِكَ ممَّا ذُكِر في التَّهْذيب (1) .
__________
(1) _ تهذيب اللغة: لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، د ط، د ت، تحقيق وتقديم عبد السلام هارون، مراجعة محمد علي النجار، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1/340_341. (1/10)
صفحة 11
والعَجْزُ نقيض الحَزْم، عَجَزَ عن الأمر يَعجِز، وعجز عجزا فيها، ورجل عجز، وعجز، عاجز، وفي حديث عمر:«لا تُلِثُّوا بدار مَعْجَزَةٍ» أي لا تُقيموا ببلْدةٍ تَعجِزون فيها عن الاكتساب والتَّعيُّش، وأعجزه الشَّيء: أي عجز عنه.
ومعنى الإعجاز: الفَوت والسَّبق، يقال: أعجزني فلانٌ أي فاتني، ومنه قولُُ الأعشى (1) :
فَذاكَ ولم يُعجِز من الموت ربَّه ولكن أتاه الموتُ لا يَتأبَّقُ (2) (3)
__________
(1) _ الأعشى الأكبر: وهو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد...،كان يقال لأبيه قتيل الجوع، وكان الأعشى يكنى أبا بصير، وهو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولها، يقول أبو عبيدة: «هو أول من سال بشعره وانتجع به أقاصي البلاد»،وكان يغني بشعره، فكانت العرب تسميه صنّاجة العرب، قال هشام بن القسم الغزِّي، وكان علامة بأمر الأعشى أنه:«وفد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد مدحه بقصيد ته التي أولها: (ألم تكتحل عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم المسهدا)، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسلم، مات سنة 7 للهجرة قال محمد بن إدريس: «قبره بمنفوحة وأنا رأيته». (انظر دائرة المعارف: للمعلم بطرس البستاني، د ط/ 1878م_ 1295هـ، 3/767_768، أما سنة وفاته انظر الأعلام للزركلي، 7/341).
(2) _ أبق وتأبق: استخفى ثم ذهب، قال الأعشى: (فذاك ولم يعجز ... لا يتأبّق)، والتأبق التواري، وله معاني ذكرت في اللسان، لكن الذي ذكر فيه دليل الأعشى حتى أن ابن منظور استشهد ببيته المذكور.(لسان العرب: لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، ط 3/ 1414هـ_1994م، دار صادر، بيروت، لبنان، 1/31).
(3) _ ديوان الأعشى شرح: يوسف شكري فرحات، ط 1/ 1413هـ_1992م، دار الجيل، بيروت، لبنان، 179. (1/11)
صفحة 12
وقال اللّيث (1) : أَعجزني فلانٌ إذا عَجِزت عن طلبه وإدراكه (2) .
وذهب صاحبُ المفردات (3) ؛إلى أنَّ العجْز أصلُه التَّأخُّر عن الشَّيء وحُصوله عند عجُز الأمر أي مُؤخَّره، كما ذُكر في الدُّبر، وصار في التَّعارف اسمًا للقُصور عن فعل الشَّيء وهو ضدُّ القدرة.
وأعجاز جمع عَجُزٌ، وقد قال بعض الحكماء:«لا تدبروا أعجاز أمورٍ قد ولَّت»، أي لا تَتْبعوا الأمور بعد فواتها متحسّرين (4) .
__________
(1) _ هو الليث بن المظفر: كذا قال الأزهري في مقدمة كتابه ( التهذيب: 1/20): الليث بن المظفر وهو من المتقدمين، وقال بن المعتز في كتاب الشعراء من تصنيفه: الليث بنُ رافع بن نَصر بن سَيَّار، عن إسحاق بن راهويه قال: «كان الليث بن المظفر بن نصر صاحب الخليل رجلا صالحا»، عن الحسن بن علي المهلبي: «كان الليث من أكتب الناس في زمانه، بارع الأدب بصيرا بالشعر والغريب والنحو، كان قد أُحرق كتابه العين بعد أن حفظ نصفه ثم أعاد كتابة نصفه وجمع على الباقي أدباء زمانه»، نقل أنه كان صاحب العربية وصاحب الخليل بن أحمد هو وابنه، قال: ما رأيت شيئا من فنون العلم إلا نظرت إليه إلا هذا الفن ويقصد به النجوم. ولم تذكر سنة وفاته.(انظر معجم الأدباء: لياقوت بن عبد الله الحموي المولد الملقب بشهاب الدين (ت 1229)، ط 1/ 1408هـ_1988م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، م9، ج 17/ 43_52).
(2) _ لسان العرب: لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، د ط، د ت، دار صادر، بيروت، لبنان، مادة (عجز)، 5/ 369_370.
(3) _ المفردات في غريب القرآن: للحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني، د ط، د ت، مادة (عجز)، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 322.
(4) _ تاج العروس من جواهر القاموس، لمحب الدين أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي، د ط، د ت، د ن، 4/ 48_49. (1/12)
صفحة 13
وحاصلُ ما جاء في فصل العَيْن، من كتاب قاموس المحيط: أنَّ العَجْز يعني الضّعف وعدم القدرة، كما يعني الفَوْت والسَّبْق.
والتَّعجيز من فعل عجَّز: التَّثبيط، وعاجَز فلانٌ: ذهب فلم يُوصل إليه، وفلانٌ سابَقه فعَجزَه (1) .
وسواءً دلَّت كلمة العَجز على الضُّعف، أو عدم القدرة، أو التَّثبيط _كما في صيغةٍ أخرى _، أو الفَوت والسَّبق فمعناه: أنَّ الإعجاز كلمةٌ توحي بأنَّ شخصًا أعجز فلانًا بقولٍ، أو فعلٍ لم يستطع الإتيان بمثله، فهو قد فاته وسبقه في ذلك، بما يدلُّ على أنَّه الأقدرُ والأحكمُ والأحلمُ والأعلمُ والمُعجز بما يَصدُر منه؛ فهذا هو الإعجاز لغةً.
الإعجاز اصطلاحًا:
لم تُعرف كلمةُ الإعجاز بهذه الصِّيغة في عهد النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ولا في عهد الصَّحابةِ والتَّابعين من بعدِهم، إلاَّ عند ظهور علماءَ في مطلعِ القرنِ الرابع، فبدؤوا يستنبطون مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم، من هنا أخذوا الكلمة فعرَّفوها اصطلاحًا، وجعلوا المصطلح ضِمن مباحث علوم القرآن؛ إلى أن نضِجت به العُقول فسمَّوه علم الإعجاز، وهو المعروف حاليًا بـ: الإعجاز القرآني.
«وهو أن يُؤدَّى المعنى بطريقٍ هو أَبلغ من جميع ما عداه من الطُّرق» (2) .
وقد يُعرَّف الإعجاز بمعنى المُعجزة _ على رأي البعض_، والتي: هي أمرٌ خارقٌ للعادة مقرونٌ بالتَّحدِّي سالمٌ عن المعارَضة، وهي إمَّا حسِّيَّةٌ وإمَّا عقليَّةٌ (3) .
__________
(1) _ القاموس المحيط: لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي، د ط، د ت، دار الجيل، بيروت، لبنان، 2/187_188.
(2) _ التعريفات: لعلي بن محمد بن علي الجرجاني، ط 2/ 1413هـ_1992م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 47.
(3) _ الإتقان في علوم القرآن: لعبد الرحمان أبي بكر السيوطي، ط 1/ 1407هـ_1987م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2/252. (1/13)
صفحة 14
وكِلتا الكلمتَين لم تُذكرا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية، ولكن ذُكر ما يوحي بذلك كمثل الكلمات التَّالية، آيةٌ، بُرهانٌ، حجَّةٌ، وفوق هذا كلِّه، الآيات التي تُعرِّف القرآن بأنَّه معجزةٌ، لا يؤتى بمثله قال عزَّ وجل:{
} [الإسراء]، وقوله تعالى في وصف القرآن بأنَّه برهانٌ:{ } [النساء].
ولمَّا جاء مصطفى صادِق الرَّافعي، في القرن العشرين، عرَّف الإعجاز بأنَّه شَيئَين اثنين:
«1) ضُعف القدرة الإنسانيَّة في محاولة المُعجزة، ومزاولتِه على شدَّة الإنسان واتِّصال عنايَته.
2) ثمَّ استمرار هذا الضُّعف على تَراخي الزَّمن وتَقدُّمه» (1) .
ويترجَّح لديَّ تعريف الجُرجاني؛ بأنَّ الإعجاز: هو أن يؤدَّى المعنى، أي يرد المفهوم بأسلوبٍ وبصيغةٍ وبطريقةٍ لا تصل إليها البلاغةُ، ولا يُدرِكها ما عداها من الطُّرق والصِّيغ والأساليب، _ وأُضيف قائلاً _: سواءً في الماضي أو الحاضر أو المستقبل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ويدعِّم هذا القول قول الدُّكتور صلاح عبد الفتَّاح الخالدي، أنَّ الإعجاز: «هو عجز العرب المعاصرين لنزول القرآن الكريم _ الذين كفروا به _ عن معارضته، مع تَوفُّر ملكتهم البيانيَّة وموهبتهم، البلاغيَّة، وقيام الدَّاعي على المعارضة، ووجود الباعث وهو استمرار التَّحدي، واستمرار هذا العجز من الكافرين جميعا على اختلافِ الأماكن والأقوام حتَّى قيامِ السَّاعة» (2) .
كعلم التَّرتيل (التَّجويد)، الذي أنزله الله تبارك وتعالى ملازمًا للقرآن إلى يوم القيامة.
التَّجويد لغةً:
__________
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: لمصطفى صادق الرافعي، ط 9/ 1393هـ_1973م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 139.
(2) _ البيان في إعجاز القرآن: لصلاح عبد الفتاح الخالدي، ط 1/ 1420هـ_1989م، دار عمّار، عَمَّان، الأردن، 33. (1/14)
صفحة 15
لقد شاع استعمال هاته الكلمة عند علماء التَّجويد ويقصدون بها التَّحسين في اللُّغة، كما هو الموجود في بدايات كتبهم _ حين يعرِّفونها لغويًّا_، لكن بعد اطِّلاعي على قواميس اللُّغة كاللِّسان، والصِّحاح، والتَّهذيب مثلاً، لم أعثر على هذا المعنى، كلُّ ما هنالك، أنَّهم يذكرون معناها من كلمة جيِّدٌ أي من الجَوْدة.
بخلاف صاحب المحيط (1) فيقول:«جوَّد الفرس تجويدًا صار جوادًا، وفلانٌ الشَّيء حسَّنه وجعله جيِّدًا، وجوَّد القارئُ حافَظ على التَّجويد في قراءته».
وأصل الكلمة من [ج و د]؛ فالتَّجويد على وزن تفعيل، من فعَّل يفعِّل تفعيل، جوَّد يجوِّد تجويد، كحسَّن يحسِّن تحسين، ونبَّه ينبِّه تنبيه.
وقد قالوا: أَجْودت كما قالوا: أطال وأطْول على النُّقصان والتَّمام.
«ويقال: هذا شيءٌ جيِّدٌ بيِّن الجَودة والجُودة، وقد جاد جَودة وأجاد: أتى بالجيِّد من القول أو الفعل» (2) .
و«الجيم والواو والدال حروفٌ من أصل واحدٍ تعني التَّمسُّح بالشَّيء، وكثرةُ العطاء، يقال: رجلٌ جوادٌ بيِّن الجُود، وقومٌ أجوادٌ، والجود: المطر الغزير، والجواد: الفرس الذَّريع السَّريع والجمع جياد قال الله تعالى: { }[ص] فمصدر الكلمة جوَّد تجويدًا: إذا أتى بالقراءة مجوَّدةَ الألفاظ بريئةً من الجور في النُّطق بها (3) .
التَّجويد اصطلاحًا:
«
__________
(1) _ محيط المحيط، قاموس مطول للغة العربية: لبطرس البستاني، د ط/ 1983م، مطابع مؤسسة جواد للطباعة، مكتبة لبنان ساحة رياض الصلح، بيروت، لبنان، 134_ 135.
(2) _ لسان العرب: لابن منظور، ط 5، د ت، دار المعارف، القاهرة، مصر، 1/720.
(3) _ التمهيد في علم التجويد: محمد بن محمد بن الجزري، تحقيق الدكتور، علي حسين البواب، ط 1/1405هـ_1985م، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية، 47. (1/15)
صفحة 16
وهو حِلية التِّلاوة وزِينة القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها، وترتيبُها مراتبها، وردُّ الحرف إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وإشباع لفظه، وتلطيف النُّطق به على حال صيغته وهَيئته، من غير إسرافٍ ولا تعسُّفٍ، ولا إفراطٍ ولا تكلُّفٍ» (1) .
ولا يتعلَّق علمُ التَّجويد إلاَّ بالكلمات القرآنيَّة من حيث إعطاءُ الحروف حقَّها من المخارج، كالحروف الحلْقيَّة، ومستحقَّها من الصِّفات، كالتَّفخيم والتَّرقيق بالنسبة للرَّاء أو اللاَّم مثلاً (2) .
لِذا؛ فإنَّ موضوع علم التَّجويد هو كلمات القرآن الكريم المعجز، الذي له صفةُ الإعجاز الخالد، ومن وجوهه: الإعجاز التَّجويدي.
الإعجاز التجويدي اصطلاحا:
وهو العجز عن التَّحدي بإتيان مثل قواعدِ وأحكامِ علم التَّجويد، المتعلِّقة بالقرآن الكريم، التي لها صفة التَّأثير الأخَّاذ للنُّفوس، كمعاني المدود، ومخارج الحروف وصفاتها، بحيث لو أُعطيت لغَير القرآن لفسد المطلب من الإعجاز.
وقد تختلف بعض قواعدِ التَّجويد وأحكامه، من روايةٍ لأخرى؛ وأعني بالرِّواية: كرواية حفصٍ عن عاصم، أو هشامٍ عن عامر، أو ورشٍ عن نافع، أو غيرها من الرِّوايات التي اخترت منها هذه الأخيرة لسبق معرفتي بها.
المطلب الثالث: معنى رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق:
لا يَشكُّ أحدٌ ممَّن يعلم شيئًا عن القرآن؛ أنَّه أُنزل على سبعة أحرفٍ، وهي معروفةٌ لدى علماء التَّجويد.
__________
(1) _ المصدر السّابق: 47.
(2) _ الوافي في كيفية ترتيل القرآن: لأحمد محمود عبد السميع الشافعي، ط 1/ 1421هـ_2000م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 14. (1/16)
صفحة 17
ولست في مقامٍ يستَوجب لي ذِكرها ؛ إذ قد خاض العلماء غمار الخلاف فيها، فانتقيت قول القائل: بأنَّ المقصود بالأحرف السَّبع هو الرِّوايات السَّبع المتواترة؛ لآخذ منها رواية ورشٍ، وأعرَِّف شيخه نافعًا، وتلميذه أبا يعقوب الأزرق، غير الأصبهاني (1) ، الذي هو طريقٌ ثانٍ لورش .
ترجمة الإمام نافع:
هو أبو رويم نافع بن عبد الرَّحمان بن أبي نعيم اللَّيثي مَولاهم المدني، أصله أصبهانيٌّ، ولد في حدود سنة (70هـ) (2) .
__________
(1) _ هو أبو بكر محمد بن عبد الرحيم بن شبيب بن يزيد بن خالد الأسدي الأصبهاني، توفي ببغداد سنة (296هـ)، وكان إماما في رواية ورش، ضابطا لها، مع الثقة والعدالة، رحل فيها وقرأ على جماعة من أصحاب ورش وأصحاب أصحابه، ثم نزل بغداد، فكان أول من أدخلها العراق، وأخذها الناس عنه، حتى صار أهل العراق لا يعرفون رواية ورش من غير طريقه، ولذلك نسبت إليه دون ذكر أحد من شيوخه، قال الحافظ أبو عمرو الداني: هو إمام عصره في رواية ورش، لم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه.(انظر القول الأصدق فيما خالف فيه الأصبهاني الأزرق: لعلي محمد الضباع، ط 1/ 1419هـ_1999م، المكتبة الأزهرية للتراث، 5.
(2) _ شرح طيبة النشر في القراءات العشر: لأحمد بن محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي، ضبط وتعليق أنس مهرة، ط 2/ 1420هـ_2000م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 8. (1/17)
صفحة 18
وكان أسود اللَّون حالكًا، وكان إمام النَّاس في القراءة بالمدينة، انتهت إليه رياسة الإقراء بها، وأجمع النَّاس عليه بعد التَّابعين، وأقرأ بها أكثر من سَبعين سنة، قال سعيد بن منصور: «سمِعْت مالك بن أنس يقول:«قراءةُ أهل المدينة سُنَّة»، قيل له: قراءة نافعٍ؟ قال: نعم»، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل:«سألت أبي: أيُّ القراءة أحبُّ إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، قلت:فإن لم تكن؟ قال: قراءة عاصمٍ»، وكان نافع إذا تكلم يُشمُّ من فيه رائحة المسك، فقيل له:« أتتطيَّب؟»، فقال:«لا؛ ولكن رأيت فيما يرى النَّائم النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يقرأ في فِيَّ، فمن ذلك الوقت؛ أشمُّ من فِيَّ هذه الرَّائحة».
توفِّي سنة (169هـ) على الصَّحيح (1) .
وقراءة نافع متواترةٌ، وليس أدلَّ على ذلك من أنَّه تلقَّاها عن سبعين من التَّابعين، وهي متواترةٌ في جميع الطَّبقات.
وكان نافع إمام النَّاس جميعا، متتبِّعا لآثار الماضين في بلده عالماً بوجوه القراءات.
وأشهر الرُّواة عنه: قالون وورش (2) .
ترجمة ورش:
«
__________
(1) _ النشر في القراءات العشر: لمحمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري، د ط، د ت، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1/ 112.
(2) _ البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة: لعبد الفتاح عبد الغني القاضي، ط 1/ 1424هـ_2004م، دار السلام، القاهرة، مصر العربية، 7_8. (1/18)
صفحة 19
هو عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان بن إبراهيم، مولى لآل الزُّبَير بن العوَّام (1) ، وكُنيته أبو سعيد، ولقبه ورش.
ولد سنة (110هـ) بقَفَط (بلدٌ من بلاد صعيد مصر)، وأصله من القَيروان، ورحل إلى الإمام نافعٍ بالمدينة، فعرض عليه القرآن عدَّة ختماتٍ سنة (155)...، قيل: إنَّ نافعًا لقَّبه بالورشان (بفتح الواو والرَّاء، وهو طائرٌ يشبه الحمامة)، لخفَّة حركته وكان على قِصره يلبس ثيابًا قصارًا ...
وكان نافع يقول: «هات يا ورشان، اقرأ يا ورشان، أين الورشان؟» ثمَّ خفَّف فقيل: «ورش» وقيل: إنَّ الورش شيءٌ يصنع من اللَّبن، لقِّب به لبياضه، وهذا اللَّقب لزمه حتَّى صار لا يُعرف إلاَّ به، ولم يكن شيءٌ أحبَّ إليه منه فيقول: «شيخي سَمَّاني به».
__________
(1) _ الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي، يكنى أبا عبد الله، أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وابن أخي خديجة بنت خويلد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت أمه تكنيه أبا الطاهر، أسلم وهو = = ابن خمس عشرة سنة، قاله هشام بن عروة، وفيه خلاف في عمره حين إسلامه، هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة وآخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين عبد الله بن مسعود، كان أحبهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن لكل نبي حواريا وحواريَّ الزبير بن العوام»، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها أحدا والخندق والحديبية، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.
قتله ابن جرموز يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى 36هـ، وعمره (67) وقيل (66). (انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة: لعلي بن محمد الجزري (ت 630)، ط 1/ 1419هـ_1998م، دار الفكر، بيروت، لبنان، 2/ 102_106) (1/19)
صفحة 20
انتهت إليه رياسة الإقراء بالدِّيار المصرية في زمانه، لا ينازعه فيها منازع مع براعته في العربية، ومعرفته بالتَّجويد، وكان حَسَن الصَّوت جيِّد القراءة، لا يملُّه سامعه.
يقال: إنَّه قرأ على نافع أربع ختماتٍ في شهر، ثم رجع إلى بلده، وله اختيارٌ خالف فيه شيخه نافعًا.
وتوفِّي ورش بمصر في أيام المأمون سنة (197هـ) وعمره قد بلغ 87 عاماً» (1) .
ورِوايته الآن منتشرةٌ في بلاد المغرب، بجزء من أراضي تونس والجزائر والمغرب الأقصى وموريتانيا، نزولاً إلى الدُّول الأفريقية المجاورة، كمالي مثلاً.
وقد أخذ القراءة عن ورشٍ إمامان شهيران عند أهل الاختصاص، وهما: الأصبهانيُّ والأزرق، لكلٍّ طريقته في القراءة، وهذا ما يسمَّى بالطَّريق، عند علماء التَّجويد:
والمراد به كيفيَّة قراءة النَّاقل عن الرَّاوي (أي شيخه الذي تلقَّى عنه)، كقولك: رواية ورشٍ من طريق الأزرق، والتَّخصيص بالأزرق قَيدٌ يخرج به الطَّريق الآخر وهو الأصبهانيُّ مثلاً في هاته الرِّواية، بحيث لا يخرج الخلاف بينهما عن إطار قواعد راويهما.
ترجمة أبو يعقوب الأزرق:
«هو أبو يعقوب يوسف بن عَمرو بن يسار المدني ثمَّ المصري» (2) .
«وكان محقِّقًا ثقةً ذا ضبطٍ وإتقانٍ، وهو الذي خلف ورشًا في القراءة والإقراء بمصر، وكان قد لازمه مدةً طويلةً، وقال: «كنت نازلاً مع ورشٍ في الدَّار التي يسكنها، فقرأت عليه عشرين ختمةً من حدر وتحقيق، فأما الحدر، فكنت أقرأ عليه إذا رابطت معه بالإسكندريَّة»، وقال أبو الفضل الخزاعي: «أدركت أهل مصر والمغرب على رِواية أبي يعقوب [_ يعني الأزرق _ لا يعرفون غيرها» (3) .
__________
(1) _ البدور الزاهرة: 9_10، (بتصرف).
(2) _ القول الأصدق: 5.
(3) _ النشر في القراءات العشر: 114. (1/20)
صفحة 21
ولقد نجم عن هذا الاختلاف في الرَِّوايات والطُّرق؛ وجهًا من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، كلٌّ يؤدِّي معنًى ما لا تحمله الرِّواية الأخرى وقراءَتيها، إلاَّ وهو الإعجاز التَّجويدي، الذي أُضيفه إلى الوجوه الأخرى التي تكلَّم عنها العلماء، وسأبيِّنه في المطلب الأخير من هذا المبحث، ثمَّ أدخل في صميم الموضوع في المبحث الثَّاني.
المطلب الرابع: وجوه الإعجاز في القرآن الكريم:
إنَّ القرآن الكريم؛ هو ذلك الكتاب لا ريب فيه، المُنزَّل على قلب سيِّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة النَّاس، المتحدِّي بأقصر سورةٍ منه.
والمعروف أنَّه يسمى بـ: «المعجزة الخالدة»؛ لأنَّه باقٍ ما دامت السَّماوات والأرض إلاَّ ما شاء ربُّك، فأعجز من في الأرض كلُّهم جميعا، من الجن والإنس، منذ نزوله وتواتره جيلاً بعد جيلٍ.
وحين كان مطلع المائة الثَّالثة من الهجرة النَّبويَّة المباركة؛ ظهرت طائفة من العلماء بآراء في وجوه إعجازه، أحسب الأول منها _ الذي كاد الاتفاق أن يستقر عليه _، هو: الإعجاز البياني؛ حيث سبق ظهوره منذ عصر أئمَّة البيان، من زمن قريشٍ، ووجود النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فحصره بعضهم في ذلك، وتوسَّع البعض الأخر إلى أن يشمل إعجاز العلوم الأخرى غير العربية وبلاغتها، كالإعجاز العددي، إذ نادى به نخبةٌ من علماء الحساب.
وهكذا توالت الأعوام والقرون، مع تطوُّر العلوم ومفكِّريها وعلمائها، فأخذ كلٌّ يرى لعلمه إعجازًا يتضمَّنه القرآن.
حتَّى حدَّد بعضهم أنواع الإعجاز، التي يدخل تحتها كلّ نوعٍ يستنتج عبر مرور السِّنين.
ولا أدَّعي الاطِّلاع على كلِّ الوجوه، وإنِّما أذكر منها ما أحاطت به معرفَتي، ومنها:
الإعجاز الفلكي: ويعالج قضايا الشَّمس والقمر، واللَّيل والنَّهار، والرَّعد والبرق، والكواكب، وغيرها ممّا يدخل تحت علم الفلك، كقوله جل شأنه: { (1/21)
صفحة 22
} [ يسن].
الإعجاز الطِّبِّي: ويعالج مراحل تطوُّر الجنين في بطن أمِّه من نطفةٍ إلى علقةٍ ثمَّ إلى مضغةٍ ثمَّ إلى تكوين العظام ثمَّ كسوتها باللَّحم، قال تعالى: {
[المؤمنون].
وقد اكتشف علم الطّب من أنّ مركز الإحساس في جسم الإنسان موجودٌ على مستوى الجلد، كما قرَّر القرآن، قال تعالى: {
} [النساء]، وغيرها من الآيات التي تتحدَّث عن حقائق علم الطّب.
الإعجاز العددي: ويعالج أسرار الأعداد المذكورة في القرآن، وما لها من عجائبَ سواءً في وضعها، أو في مدلولاتها، كما للعدد (19) من شواهد غريبة ذكرها علماء الحساب في كتبهم وكتب الإعجاز عامَّة.
الإعجاز الغيبي: وموضوعه أنباء الغيب الماضية، وإخباره بما سيقع، ممَّا لا يقدر على ذلك أي نبيٍّ إلاَّ بعونٍ من الله.
«وقد قسَّم بعضهم الغيوب إلى ثلاثة:
1_ غيب الماضي: وهو إنباء القرآن وقصص السّابقين، وما أورده من معلوماتٍ ورواياتٍ وتفصيلاتٍ تتعلَّق بهم، ومقارنة هذه الأنباء القرآنية، بأخبار التَّاريخ والاكتشافات الأثرية.
2_ غيب الحاضر: كإخباره عن الموجودات الحاضرة التي لا يراها الإنسان، مثل الملائكة والجنِّ والشَّياطين، ويشمل الكشف عن مكائد الكافرين والمنافقين قبل ظهورها في مجالات سلوكهم.
3_ غيب المستقبل: وهو إخباره عن أشياء وأحداثٍ مستحدثةٍ في المستقبل، وتحقيق مدلول ذلك فيما بعد، ووقوع تلك الأحداث فعلاً كما أخبر» (1) .
«الإعجاز التَّشريعي: الذي هو العجز عن تحدي الأصول التَّنظيميَّة التَّشريعيَّة، التي تضمَّنها الخطاب القرآني الملائم لحاجات ومصالح الإنسان، [في كلِّ زمانٍ ومكان] » (2) .
__________
(1) _ الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم: لخالد يوسف سعيد تفوشيت، د ط/ 1425هـ_2004م، د ن، 40.
(2) _ المصدر السّابق: 31. (1/22)
صفحة 23
الإعجاز الصوتي: الذي يتعلَّق تعلَّقًا كبيرًا بعلم التَّجويد، بل ويَتفرَّع عنه الإعجاز التَّجويدي، حيث يعالج جرس الحروف ووقعها في النَّفوس أو ما للفواصل القرآنيَّة من نغمٍ خاصٍّ وعجيب، كقصار السُّور مثلاً، أو اختيار الكلمة وتركيبها الدَّقيق الصَّانع لمعناها، المنسجم مع وقع الحروف وصفاتها، على سبيل التَّمثيل.
وقد سمَّاه البعض بـ: «الإعجاز الموسيقي»، مع تحفُّظ في هاته التَّسمية _ عندي _،حيث أني أختار التَّسمية الأولى؛ _ ومع احترامي لعلماء هذا الفنّ _ أقول: أنّ الموسيقى كلمةٌ دخيلةٌ على اللُّغة العربيَّة (music) باللُّغة الإنجليزية، فلا يحسن استعمالها تأدبا مع القرآن.
هذه هي وجوه الإعجاز وغيرها، التي تدخل ضمن التّسمية العامّة بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم.
وقد ذكر هذا المتأخِّرون بالأخصّ، فعقدوا محاضراتٍ وملتقياتٍ، ضمَّنوها مجالا آخر في الإعجاز وهو الموجود في السّنة النّبويّة المطهّرة، فيعبرون بـ: «الإعجاز العلمي في القرآن والسّنّة»، كقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - _ فيما معناه _ أنّ: على المرء أن ينام على جهته اليمنى، فأثبت الأطبّاء فعلاً في عصرنا الحالي؛ أنّ النَّوم على الجهة اليمنى أسلم وأَدْعى للمحافظة على حياة القلب العادية، إذ أنّ النّوم على اليسرى يتعب القلب حين ينبُض في ذلك الوقت؛ لأنّ الكبد وما على جهتها يميل نحو القلب، بل قد تمسّه، فيتعب من النَّبض، ولا يظهر هذا إلاَّ بعد مرور أعوامٍ، الأمر الذي قرَّره الأطبَّاء، ودعَّمته السّنّة المستمدَّة إعجازها من مصدر القرآن الكريم، وهو الله عز وجل؛ لأنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحيٌ يوحى.
دون أن ننسى أنَّ القرآن لا يُقرأ إلى كما نُزِّل؛ إذًا فإنَّ القراءة يشملها التَّنزيل المُعجز. (1/23)
صفحة 24
من هنا أشار بعض علماء التَّجويد وغيرهم _ ممَّن يهمُّه الأمر من أرباب اللغة وأسرارها _ إلى المدود _ مثلاً_ وما تحمله من معاني إعجازيّة، كما في كتاب: «وجوه من الإعجاز الموسيقي في القرآن» (1) ، والإمالة وسرُّها، وما لمخارج الحروف وصفاتها من الدَّور الأكبر لصناعة معنى الكلمة، والغُنَّة، والإدغام، وما إلى ذلك من أحكام علم التّجويد، ممَّا يأتي تبيينه والله تعالى أعلم.
المبحث الثاني
إشارات بعض العلماء إلى هذا الإعجاز ومظهره من حيث دراسة حروف بعض الكلمات وحركاتها:
المطلب الأول: إشارات بعض العلماء إلى هذا النوع من الإعجاز في القرآن.
لقد بحثتُ بطون طائفةٍ من الكتب؛ فوجدت أنّ هناك من العلماء من أشار إلى أنّ للأداء القرآنيّ وأحكامه أو بعض أحكامه سرًّا وإعجازًا، ومن أبرز مظاهر هذا الإعجاز تأثيره في النّفوس.
لهذا أورد هنا أقوال أولئك أو إشاراتهم إلى ذلك.
وقد أفسّر بتفسيري الخاصّ قوله تعالى: {
}[الأنفال]، فكلمة تليت أفهم منها تلاوة آيات القرآن المعجزة سواءً ببيانها أو نظمها أو أدائها، أي من ناحية تطبيق أحكام التّلاوة كما نُزِّلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي هذا قال الرّافعي:
«
__________
(1) _ وجوه من الإعجاز الموسيقي في القرآن: لمحي الدين رمضان، ط 1/ 1402هـ_1982م، دار الفرقان، عمّان، الأردن، في صفحات مختلفة، أهمها 76_96. (1/24)
صفحة 25
نزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأفصح ما تسمو إليه لغة العرب في خصائصها العجيبة وما تقوَّم به، ممَّا هو السَّبب في جزالتها ودقّة أوضاعها وإحكام نظمها واجتماعها من ذلك على تأليفٍ صوتيٍّ يكاد يكون موسيقيًّا محضًا، في التّركيب، والتّناسب بين أجراس الحروف والملاءمة بين طبيعة المعنى وطبيعة الصّوت الذي يؤدّيه،... فكان ممّا لابدّ منه بالضّرورة أن يكون القرآن أمْلَكَ بهذه الصّفات كلِّها، وأن يكون ذلك التَّأليف أظهَرَ الوجوه التي نزل عليها، ثمَّ أن تتعدَّدَ فيه مناحي هذا التّأليف تعدُّدًا يكافئ الفروع اللّسانيّة التي سبقت بها فطرة اللّغة في العرب، حتى يستطيع كلّ عربيٍّ أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه، توقيعًا يطلق من نفسه الأصوات الموسيقيَّة التي يشيع بها الطَّرب في هذه النَّفس، بما يسمُّونه في لغة العرب بيانًا وفصاحةً. وهو في لغة الحقيقة الموسيقى اللُّغوية.
وإذا تمَّ هذا النّظم للقرآن مع بقاء الإعجاز الذي تحدَّى به، ومع اليأس من معارضته، على ما يكون في نظمه من تقلُّب الصّور اللَّفظية في بعض الأحرف والكلمات بحسب ما يلائم تلك الأحوال في مناطق العرب، فقد تمّ له التَّمام كلُّه، وصار إعجازه إعجازًا للفطرة اللُّغوية في نفسها حيث كانت وكيف ظهرت ومهما يكن من أمرها: ومتى كان العجز فطريًا فقد ثبت بطبيعته، وإن لجَّ في النَّاس جميعًا؛ لأنَّه شيءٌ في تلك الفطرة يُفهَم منه صريحًا ثم لا تُنكِر هي موضعه منها وموقعه، وإن كابرت فيه الألفاظ وبالغت الأهواء في جحده والانتفاء منه مراءً ومغالبةً» (1) .
__________
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 46_47. (1/25)
صفحة 26
وقد أشار أيضًا أنَّه تكلم في كتابه تاريخ آداب العرب عن مخارج الحروف وصفاتها، ولكنَّه لم يشر إلى (1) «أنَّ هذه المخارج والصِّفات إنَّما أُخذ أكثرها من ألفاظ القرآن الكريم لا من كلام العرب وفصاحتهم؛ لأنَّ هَهُنا موضع القول فيه، فإنَّ طريقة النَّظم التي اتَّسقت بها ألفاظ القرآن، وتآلفت لها حروف هذه الألفاظ، إنَّما هي طريقةٌ يُتوخى بها إلى أنواعٍ من المنطق وصفات من اللَّهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنّها ظهرت فيه أوّل شيءٍ على لسان النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ فجعلت المسامع لا تنبو عن شيءٍ من القرآن، ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتَّى لم يكن لمن يسمعه بُدٌّ من الاسترسال إليه والتَّوفّر على الإصغاء، لا يستمهله أمرٌ من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستَنْسئه الشَّيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة؛ فإنَّه إنَّما يسمع ضربًا خالصًا من الموسيقى اللُّغوية في انسجامه واطِّراد نسقه واتِّزانه على أجزاء النَّفس مقطعًا مقطعًا ونبرةً نبرةً كأنَّها تُوقِّعه توقيعًا (2) ولا تتلوه تلاوة» (3) .
__________
(1) _ ذكر الرافعي في الجزء الأول من كتابه «تاريخ آداب العرب» بسطة عن الأسباب اللسانية (انظر تاريخ آداب العرب: لمصطفى صادق الرافعي، ط 4/ 1394هـ_1974م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1/ 98_105).
(2) _ والروايات التي ثبتت لهذا المعنى كثيرة، وما أسلم عمر بن الخطاب على شد ته وعنفه إلاَّ حين رق للقرآن، وما عبد الله جهرة إلاَّ منذ أسلم عمر، (إعجاز القرآن للرافعي، 213)، وسأذكر بعض تلك النماذج في مطلب خاص.
(3) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 212_213. (1/26)
صفحة 27
وهذا [_ يقول فيه الرّافعي أنّه _] نوعٌ من التّأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلاَّ الجمل القليلة التي إنَّما تكون روعتها وصيغتها وأوزانُ توقيعها من اضطراب النّفس فيها إذ تضطرب في مقاماتِ الحماسة أو الفخر أو ...، أو نحوها فتَنْتَزِي بكلام المتكلِّم من أبعد موضعٍ في قلبه حتّى تنتهي به إلى الحلق ثمّ ترسله من هناك وكأنّ ألفاظه عواطفُ تتغنّى.
وقد كان منطق القوم يجري على أصلٍ من تحقيق الحروف الموسيقيّة وتفخيمها، ولكنّ أصوات الحرف تنزل منزلة النّبرات الموسيقيّة المرسَلة في جملتها كيف اتَّفقت ...
فكان العرب يترسَّلون أو يحذِمون (1) في منطقهم كيفما اتّفق لهم، لا يراعون أكثر من تكييف الصَّوت؛ دون تكييف الحروف التي هي مادّة الصّوت، ...
__________
(1) _ يحذمون: من حَذَمَ، والحذْم هو المشي الخفيف، وكل شيء أسرعت فيه فقد حذمته، يقال: حذم في قراءته. (انظر الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت 383)، تحقيق إميل بديع يعقوب و محمد نبيل طريفي، ط 1/ 1420هـ_1989م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 6/ 446). (1/27)
صفحة 28
فلمّا قُرئ عليهم القرآن، رأَوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانًا لغويَّةً رائعةً؛ كأنَّها لائتلافها وتناسبها قطعةً واحدةً، قراءتها هي توقيعها (1) فلم يَفُتْهم هذا المعنى، وأنّه أمرٌ لا قِبل لهم به، وكان ذلك أَبْين في عجزهم، حتّى إنّ من عارضه منهم، كمسيلمة (2) ، جنح في خرافاته على ما حسبه نظمًا موسيقيًا أو بابًا منه وطوى ما وراء ذلك من التَّصرّف في اللّغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التّركيب البياني، كأنّه فَطِن إلى أنّ الصّدمة الأولى للنّفس العربيّة، وإنّما هي أوزانُ الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها (3) .
__________
(1) _ كل الذين يدركون أسرار الموسيقى وفلسفتها النفسية، لا يرون في الفن العربي بجملته شيئا يعدل هذا التناسب الذي هو طبيعي في كلمات القرآن وأصوات حروفها، وما منهم من يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفا واحدا، ويعلو القرآن على الموسيقى أنه مع هذه الخاصة العجيبة ليس من الموسيقى. (إعجاز القرآن للرافعي، 214).
(2) _ مسيلمة: (000 _ 12هـ = 000 – 633م)، مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة، متنبئ، وفي الأمثال «أكذب من مسيلمة»، ولد ونشأ باليمامة وتلقب في الجاهلية بالرحمان وعرف برحمان اليمامة، كتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك وإنا لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون»، فأجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رشول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين»، وأكثر مسيلمة من أسجاع يضاهي بها القرآن، ومقتل مسيلمة (12هـ)، يقال كان اسمه «مسلمة» وصغره المسلمون تحقيرا له.(انظر الأعلام: للزركلي، 7/ 226).
(3) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 213_214 (بتصرف). (1/28)
صفحة 29
وفي هذا النّص نلاحظ أنّ الرّافعي تكلّم عن الحروف وصفاتها وإيقاعها، وأشار إشارةً بسيطةً إلى تركيبة الجملة وما لها من تأثيرٍ في النّفس بائتلافها وتناسقها، والمهمّ من هذا كلِّه هو: المفهوم من كلامه عن التّأثير الذي تُوقِعه سواءً الحروف أو العبارات في النّفوس، وهذا ما يسمّى بالإعجاز الصّوتي حيث يدخل تحته الإعجاز التجويدي الذي نحن بصدد دراسة بعض مظاهره ومنها مبحث الحروف الذي سيأتي الكلام عنه.
هذه هي إشارات الرّافعي في كتابه الذي قيل في أوّله: أنّ الواجب على كلّ مسلمٍ عنده نسخةٌ من القرآن، أن تكون عنده نسخةُ من هذا الكتاب (1) .
__________
(1) _ أنبه إلى أن هذا الكتاب أعز وأثمن ما يقتنى، وقد أتى حكمي عليه بهذا بعد أن تصفحت صفحاته ووعيت مقصد الرافعي من تأليفه، وإني أوافق صاحب هذه الكلمة الدكتور يعقوب صروف، الذي يسمى بشيخ المجلات العربية، وهو منشئ المقتطف، وكلمته هذه في صفحة 16. (1/29)
صفحة 30
غير أنّي _ مع تحليله الدّقيق في فصل إعجاز القرآن (1) ، ومع احترامي لعجيب دقّته وتصوّره_، أَقول أنّ الأحبّ عندي أن نسمّي مقطع «الفواصل التي تنتهي بها الآيات» (2) برؤوس الآي، حيث أنّ طائفةً من العلماء وأهل الاختصاص يسمّونها بذلك، وهذا أوْفق لقدسيّة القرآن المعبِّر للجمل التي تنتهي بذلك الرّقم آية؛ ولأنَّ كلمة الفواصل تستخدم عند أرباب اللّغة العربيّة وآدابها وهي أليق بها كذلك، فالأحسن عندي أن نقف عند كل مصطلح وموضعه المستخدم فيه، خاصّة ما يتعلّق بالقرآن المعجز.
__________
(1) _ يشتمل كتابه على فصلين: فصل في إعجاز القرآن والآخر في البلاغة النبوية.
(2) _ واعتمد هذا المصطلح نخبة من العلماء والمفكرين في هذا المجال منهم الدكتور محمد حسين علي الصغير صاحب كتاب «الصوت اللغوي في القرآن»، ط 1/ 1420هـ_2000م، دار المؤرخ العربي، بيروت، لبنان، 141_156، وسيد قطب في كتابه «التصوير الفني في القرآن»، ط 12/ 1412هـ_1992م، دار الشروق، القاهرة، مصر، 22، وغيرهم، والمقطع في صفحتي: 216_217. (1/30)
صفحة 31
أما سيِّد قطب (1) فهو كذلك قد أولى اهتمامًا بالجانب الفنّي في القرآن، حتى صار رائد نظريّة «التّصوير الفني في القرآن» (2) .
ومن أهمّ أسباب نجاحه في رسم معالم هاته النّظرية وخصائصها، توجّهه إلى القرآن الكريم مباشرةً متجاوزًا الخلاف الحادَّ بين البلاغيِّين حول (اللَّفظ) و (المعنى) في أيِّهما تكمن البلاغة؛ ليرى مكمنها فيه، فوجدها في اللَّفظ والمعنى والظِّلال والسِّياق والأداء والتَّصوير .. (3)
والمقصد من هاته الفقرة كلامه عن الأداء، فنقول: أنَّ الأداء يؤدِّي شيئًا من معاني البلاغة، بل هو أصلٌ _ أعتبره _ ضمن الأصول التي ذكرت.
__________
(1) _ سيد قطب: هو سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي، ولد قرية موشة بمحافظة آسيوط عام (1906م)، سافر إلى القاهرة (1920) فتعرف على عباس محمود العقاد، نال إجازة «الكفاءة» في التعليم، حامل لشهادة البكالوريوس، وعمل مدرسا بوزارة المعارف، واشتغل بها أيضا في المراقبة والتفتيش، أوفد ته الوزارة إلى أمريكا للاطلاع على مناهج التربية، كانت اهتماماته أدبية نقدية، وأقبل على القرآن في الأربعينات، وقاد به خطواته إلى طريق الدعوة والعمل والمجاهدة، دخل السجون وعذب، نفذ فيه جمال عبد الناصر حكم الإعدام فمات شهيدا يوم29_8_1966=13جمادى الأولى1386، وعاش (59) عاما، وأهم ما ترك كتاب «في ظلال القرآن» و «التصوير الفني في القرآن» و «مشاهد القيامة في القرآن» وغيرها من الكتب والمقالات في الصحف والمجلات. (انظر سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد: لصلاح عبد الفتاح الخالدي، ط 1/ 1411هـ_1991م، دار القلم، دمشق، سوريا، والدار الشامية، بيروت، لبنان، 15_17).
(2) _ نظرية التصوير الفني عند سيد قطب: لصلاح عبد الفتاح الخالدي، ط 2/ 1409هـ_1979م، دار المنارة، جدة، السعودية، 22.
(3) _ المصدر السّابق: 23. (1/31)
صفحة 32
ويصحُّ كذلك المفهوم من قوله أنّ كلاًّ من الأداء وما ذكر معه يؤدِّي معنى ما، لكن ذلك المعنى يكون أبلغ عندما توظَّف جميعها.
ثم ذكر سيّد قطب في تفسيره أنّ الإيقاع الموسيقيّ في القرآن يتألّف من عناصر شتّى:
1_ من مخارج الحروف في الكلمة الواحدة.
2_ ومن تناسق الإيقاعات بين كلمات الفقرة.
3_ ومن اتّجاهات المدّ في الكلمات.
4_ ثم من اتجاهات المدّ في نهاية الفاصلة المطّردة في الآيات.
ومن حرف الفاصلة ذاته. (1)
وهناك لونٌ آخر من ألوان الإعجاز وهو أن «يستقلّ لفظٌ واحدٌ _ لا عبارةً كاملةً _ برسم صورةٍ شاخصةٍ _ لا بمجرّد المساعدةِ على إكمال معالم صورة _» (2) .
«وهذا اللَّون منَ التّناسق لم يُعرف في غير التّعبير القرآني، إذ لا يستطيع أيّ أديبٍ فنّانٍ أن يرسم صورةً فنّيةً شاخصةً متناسقةً بلفظٍ واحدٍ.
فهو يرسُمها «تارةً بجرسه الذي يلقيه في الأذُن، وتارةً بظلِّه الذي يلقيه في الخيال، وتارةً بالجرس والظلِّ جميعًا» (3) ، ويهمّنا من هذه اللون الأول:
وهو ما يرسمه بجرسه، وجرس اللّفظ هو إيقاعُه الذي يلقيه في الأذن، وصوتُه الذي يتلقَّاه السّمع، وهذا ينتج عن إيقاع كلّ حرفٍ من حروف اللّفظ بمفرده، ثمّ عن إيقاع الحروف كلّها مجتمعةً في هذا اللّفظ، وما فيها من مدّاتٍ وغنّاتٍ وشدّاتٍ وقلقلةٍ وإمالةٍ وإدغامٍ وغير ذلك من أحكام علم التّجويد. (4)
وقد ذكر سيد قطب لهذا أمثلة، يطول المقام لذكرها، لكن سأورد بعضها في موضعها من البحث.
__________
(1) _ في ظلال القرآن: لسيد قطب، ط 12/ 1406هـ_1986م، دار العلم للطباعة والنشر، جدة، السعودية، م 4، ج 13/ 2039.(وقد فصل في هذا الموضوع أكثر في كتابه «التصوير الفني في القرآن»، ط 12/ 1412هـ_1992م، دار الشروق، القاهرة، مصر، بيروت، لبنان، 87_142).
(2) _ التصوير الفني في القرآن 91.
(3) _ المصدر السّابق: 91.
(4) _ نظرية التصوير: 174. (1/32)
صفحة 33
أما من العلماء المتأخِّرين ممَّن تكلَّموا في هذا الإعجاز طائفةٌ، أقتصر منهم على الدُّكتور محيي الدّين رمضان في كتابه«وجوه من الإعجاز الموسيقي في القرآن» (1) ،وذكر فيه مصادر الموسيقى في النَّظم القرآني، وفَّصل أكثر عندما خصَّص لبعض مباحث علم التَّجويد دراساتٍ خاصّة ضمّنها نماذج وأمثلةً من القرآن على ذلك، ومن هذه المباحث _ ما يسمِّيه _ ظاهرة المدّ في التّلاوة وأثرها الموسيقي، والهمز وقيمه الصَّوتية، والإمالةُ وأثرها في تنويع الإيقاع، وآثار الإدغام، والرَّوم.
هذا هو أهمّ ما ذكره الدّكتور في كتابه.
وهذا هو المجال الذي سأبحث فيه لاحقًا، غير أنّي لم أجد من العلماء من قال بأنَّ بعض أحكام علم التَّجويد لها دورٌ في زيادة المعنى، إلاَّ النّادر، وسأذكر من هذا النادر.
وفي الحقيقة أنَّ الكلام على التَّصوير الفني والإيقاع الموسيقي _ كما ذكرت سابقًا _ لا يباشر القضيّة التي أنا بصدد دراستها في هذا البحث، ولكن أجزم أنَّ هناك لمحاتٌ لذلك توقَّف عندها العلماء، فأردت استنباط تلك اللَّمحات والزّيادة عليها من الموقف الذي توقّفوا عنده، وإلاَّ فما الذي تكلَّموا عنه ليس هو من دراسات المجوِّدين ببعيد.
وأقول أنَّ فهم مثل هاته الدَّقائق وأدقِّها صعبٌ، انطلاقًا من مشاطرتي رأيَ صاحب كتاب النَّظريَّة حيث يقول: «أنّ المُهيَّؤون لتذوُّق الإعجاز في الأداء هم الذين زاولوا فنَّ الشُّعور وفنَّ التَّعبير، والذين لهم بصرٌ بالأداء الفني، أقدَر من غيرهم على معرفة الإعجاز في التَّعبير والأداء القرآني، وأكثر إدراكًا من غيرهم للإعجاز في هذا الجانب.
__________
(1) _ انظر: وجوه من الإعجاز الموسيقي في القرآن 76 و96. (1/33)
صفحة 34
وسيِّد قطب الذي بلغ الذِّروة في مزاولة فنِّ الشُّعور وفنِّ التَّعبير، وكان على بصرٍ قويٍّ بأساليب الأداء الفني، القويّة والضّعيفة، وكان يتمتّع بموهبةٍ فنّيةٍ، وحسٍّ نقديٍّ، فقد أدرك الكثير من إعجاز القرآن في بنائه التَّعبيري وأدائه الفني».
هذا وقد ذكرت ثُلّة من العلماء بعضَ معانٍ توحي بها بعض تلك الأحكام، سأذكر منها ما يلائم موضعه من البحث.
المطلب الثاني: مظهر إعجازي لمخارج الحروف وصفاتها في دورها لصياغة معنى الكلمة:
ذهب بعضٌ من العلماء (1) ، إلى أنّ للحروف دورٌ في صياغة معنى الكلمة العربيّة والقرآنيّة بالأخصّ، فلو أخذنا _ مثلاً_ كلمة أَغطَش، وجرَّبنا النُّطق بها، رأينا النَّغْمة والجرَس الذي يحدثه الحرف في مخيِّلتنا؛ يُصوِّر لنا معناها، فالشّين: صفته الانتشار، أي كأنَّه يعبِّر بانتشاره في الفم، أنّ اللَّيل منتشِر، أو قد نشره الله، على صيغة إثبات وقوع الحدث بالفعل الماضي.
ولهذا أورد بعض كلماتٍ من القرآن الكريم، على سبيل التّمثيل لا الحصر، ثمّ أُحلّل حروفها من حيث المخارج والصِّفات، ودورها في إيحاء المعنى، على ضوء ما ذكر العلماء في هذا الصّدد من كتب التَّجويد واللُّغة.
وقبل التطرق للأمثلة حبذت أن أورد رسما توضيحيا لمخارج الحروف.
وزيادة على هذا سأذكر كل حرف مخرجه أيضا في الموضع الذي يذكر فيه من البحث:
المثال الأول: لفظة { } (2) ، من قوله تعالى:{
} [البقرة]، لها خمسة أحرفٍ وهي، الغِين والشّين وألف المدّ والواو والتاء (التي هي الهاء عند الوقف كما هو مبيَّن في الآية).
__________
(1) _ وقد ذكرت آنفا أن من هؤلاء النادر الذي يصرح بهذا ومنهم: أبو معشر الطبري والجاجاني وابن مهران وأبو القاسم الهذلي، وستأتي ترجمتهم في صفحة 34، و مصطفى صادق الرافعي في بعض إشاراته، وابن جني .
(2) _ غشاوة: «الغشاء: الغطاء، وجعل على بصره غَشْوَةً وغُشْوَةً وغِشْوَةً وغشاوةً، أي الغطاء.(الصّحاح، 6/ 446). (1/34)
صفحة 35
فالغِين مخرجه من أدنى الحلق، وصفته الرَّخاوة (1) ، فَدَناءة الحرف تُوحي بدناءة المغشَّى على بصره، وعند النّطق به بداية الكلمة، وهو من الحروف المجهورة؛ كأنك تفرض عليه الغطاء بقولك: (غِ)، حيث أنّ الختْم على القلوب والأسماع _كما هو في مطلع الآية _، يستلزم ذلك على البصر.
أمّا الشّين؛ فهو من وسط اللّسان، والوسط فيه شيءٌ من الانبساط؛ لأنّ اللّسان ينبسط في الفم وينتشر ضاربًا وسطيَّته في الحنك الأعلى، وصفة هذا الحرف التّفشّي والانتشار، الّتي تدلّ على شساعة الغطاء، وانتشاره على كامل العَين، فيُغشى عليها.
والقول في الألف _ (أو المدّ الطبيعي) _ على اصطلاح علماء التّجويد، يدلّ على الإحاطة بجميع ما ترى العين من الحقِّ، فتصبِح لا تفسِّر هذا إلاَّ بالباطل، الذي لا تراه إلاَّ وهو عين الصّواب.
وهاته هي الحروف الثلاثة، التي تبني بجرس مخارجها، ونغم صفاتها، معنى كلمة غشاوة، بالإضافة إلى الواو والهاء، اللّذين أرى تأدية معنَيَيهما، تكمن عند الوقف، فنقف على التاء بعد الواو، كأنّنا حصرنا الغشاوة في البصر لا غير، حيث خصَّها الله _ سبحانه _ للعين، كما ذكرها في الآية.
المثال الثاني: كلمة { } (2) ، من قوله تعالى: {...
. لأ ... } [الأعراف]،في هذه الآية يقول علماء التجويد: إنّ عند ورود النّون الساكنة مع حرف الباء؛ يجب أن تقلب ميمًا مُخْفاةً بغنّة، وهو الحرف الوحيد الذي تقلب معه (3) .
__________
(1) _ ذكرت صفات الحروف في كتب عدة من علم التجويد واللغة، منها كتاب «الدراسات الصوتية عند علماء التجويد»: للدّكتور غانم قدوري الحمد، ط 1/ 1423هـ_ 2003م، دار عمار، عمان، الأردن، 181.
(2) _ وتشبه هاته الكلمة في دلالتها كلمت {انْفَجَرَتْ} في آية متشابهة من سورة [البقرة:60].
(3) _ قد ذكر علماء التجويد هذا القول في أحكام الميم الساكنة في كتبهم. (1/35)
صفحة 36
فعند قلبها هنا ميما، التي مخرجها الشفتين (1) ، تضم الشفتين مع وجود فرجة بينهما، فهذه الصورة عند تطبيقها، كأنها تهيّؤٌ لخروج الباء المنفجر بعد انفتاحهما، والذي يوصف بالشّدة والجهر لدى علماء الأصوات، وكذا علماء التجويد، فشدّته تدلّ على قوّة خروج الشّيء، والجهر يدلّ على إحداث الصّوت عند الخروج.
وكذلك القول بالنّسبة للجيم؛ لأنّ مخرجه مخرج حرف الباء، وصفتَيه الأصليتين صفتاه أيضًا، فإذًا؛ الجيم يدعّم ويساند دور الباء، ويزيد للكلمة روعةً وتجانسًا بين حروفها في تأدية المعنى.
أمَّا السّين، فيخرج من طرف اللّسان، ومن بين الثّنايا لا أصولها ولا أطرافها (2) ، ويوصف بالهمس، دون أن ننسى أنّه من حروف الصّفير.
فخروجه من طرف اللّسان، الضّارب بين الثّنايا؛ ليحدث صوتًا، دليلٌ على خروج شيءٍ ليِّنٍ وسَلِسٍ، يَهمِس عند خروجه همسًا،كمثل ماءٍ أو عسلٍ، محدثًا كذلك صوت صفير البلبل، حين يُنطق بهذا: (سَتْ)، مع سكون التَّاء وخُفوتِها، أيضا يوحي لنا متبادَرًا إلى الذِّهن خروج الشَّيء السَّلس العذْب، لا تَكلُّف في خروجه إلاَّ عند بداية العمليَّة، ولا يكون هذا إلاَّ سائلاً ما.
وهنا نعود إلى الآية لنرى: {...
...}، فالعَين المذكورة هي: خروج الماء الغزير الجاري من الأرض، وهي نعمةٌ لبني إسرائيل.
__________
(1) _ سرّ صناعة الإعراب: لعثمان ابن جني، ط 2/ 1413هـ_1993م، دار القلم، دمشق، سوريا، 1/ 46_47.
(2) _ الدّراسات الصّوتية: 181. (1/36)
صفحة 37
فالنُّطق بحروف الكلمة _ التي نحن بصدد دراستها _، يخلِّف في النفس جرسًا خاصًّا، ويَربط بالمعنى المُراد، ويَشدُّ الملكة العقليَّة بالتَّفكير في تلك الدَّلالة العجيبة، التي لا توجد في كلمات اللغة العربية غير التي في القرآن الكريم، وهذا إعجاز يكمن حتى في اختيار حروف الكلمة القرآنية (1) .
المثال الثَّالث: في كلمة { }، من قوله تعالى: { } وهذه عجيبةٌ جدًّا في ترتيب حروفها الخمسة، دون (أل) التّعريفيّة.
بعدها الحاء: وهو حرفٌ حلقيٌّ يخرج من وسط الحلق، القريب من مخرج الجوف، وهو مسار الشَّهيق والزَّفير، وهذا دليلٌ على أنَّ الشَّيء يخرج خروجًا، أو يصعد صعودًا طالما الحرف وسطيٌّ داخليٌّ، وسآتي لتبيين هذا مع إيراد صفات الحروف بالتَّفصيل.
واللاَّم: «مخرجها من حافَّة اللِّسان، من أدناها إلى منتهى طرف اللِّسان، من بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى، ممَّا فُوَيق الضَّاحك والنَّاب والرُّباعيَّة والثَّنيَّة» (2) .
__________
(1) _ قد لاحظ ابن جني أن اختلاف الحرف الواحد في اللفظتين أو الحرفين أو الثلاثة، ..يؤدي إلى اختلاف دقيق في المعنى المراد من اللفظ، وإن دقة المعنى تتفق جرس الحرف المختار، فكأن هناك اختيارا مقصودا للصوت ليؤدي المعنى المغاير لما يؤديه الصوت الآخر. وهذه الظاهرة ليست محدودة في ألفاظ قليلة في العربية «فإن كثيرا من هذه اللغة وجد ته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر عنها إلاَّ تراهم قالوا قضم في اليابس وخضم في الرطب، ذلك لقوة القاف وضعف الخاء فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف»، (انظر الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني: لحسام سعيد النعيمي، د ط/ 1980، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 277. وما بين مزدوجين: (انظر الخصائص لعثمان بن جني، تحقيق محمد علي النجار، د ط، د ت، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1/ 65).
(2) _ سرّ الصّناعة: 47. (1/37)
صفحة 38
فحافّة اللّسان من أدناها إلى منتهى طرف اللّسان _ هذا ما يهمّنا من المخرج _؛ لأنّه دليلٌ على أنّ الشّيء في حافّة شيءٍ مَا، أي على وشك نهايته، أو انقضائه، أو سقوطه ليضمحل.
ثمّ بعد اللاّم؛ القاف الحلقيُّ، الذي يُشعر عند النطق به، كأنَّ اللَّهاة تخرج وتدخل، بمعنى تَتردَّد، وهو أيضًا (أي القاف) في الدّاخل؛ لأنّ مخرجه أدنى الحلق، المُوحي بأنّ الشّيءَ لا يَزال جزءٌ منه في الدّاخل، لم يذهب كلّه، ولم يخرج بعد.
أما الواو؛ فمخرجه الجَوف: وهو عبارةٌ عن هواءٍ يخرج من الدَّاخل لا يكون إلاَّ مع ضمّ ما قبله، وهذا أراه دليلاً على أنّ في الجوف لا يزال جزءٌ من ذلك الشّيء، لابدّ أن يخرج كلّه؛ ليذهب بعد ذلك إلى الخارج، حيث مخرج حرف الميم من الشّفتَين، بعد ضمّهما، ثمّ انفتاحهما ينتهي بذلك هذا الحرف، فهذا دليلٌ على أنّ الشّيء قد انتهى بانتهاء الكلام، بعد تَردُّده في الدُّخول والخروج، فعندما يُمد الواو بالهواء ويُنتهي به عند سكون الميم، فيكون كِلاَ الحرفَين أدَّيا ما عليهما؛ ليدلاَّ بعد ذلك على أن الشَّيء انتهى وانقضى.
هذا عن المخارج، أمّا عن الصّفات، فالحاء رخوٌ، واللاّم والميم بين الشّدّة والرّخاوة، أي متوسِّطةٌ _ في اصطلاح علماء التّجويد _، إلاَّ القاف فهو شديدٌ، بمعنى أنّ هناك مواضع يكون فيه هذا الشّيء شديدًا وعسيرًا في خروجه، أو صعوده مثلاً.
وفي النّهاية؛ لا أرى تفسيرًا لهذا، إلاَّ الرّوح؛ لأنّها تتردّد في الخروج، وهو ما يسمّى بالاحتضار، أو الغَرغَرة: وهي صفة الميّت حال صعود الرّوح؛ لِتفارق الحياة، ولا يعلم كنهها إلاَّ الله. (1)
فسبحان الذي خلق كلّ شيءٍ بقدر، وأتقن توالي هاته الحروف، من حيث مخرجها.
__________
(1) _ إشارة إلى قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85]. (1/38)
صفحة 39
وهنا يكمن العجب، حيث أن الألف من (أل) التّعريفيّة هي الأولى، عند ابتداء الكلام، وهي من أقصى الحلق، ثم يذهب إلى حافة اللسان، حيث مخرج اللام القريبة من خارج الفم، بعدها يعود إلى القاف، بأدنى الحلق دون الأقصى؛ ليقول بأنّ الرّوح قريبةٌ من الخروج، ويذهب مباشرة بعد ذلك إلى الجَوف، حيث الواو؛ لينبئ (أي الواو) بأنِّي سأنزع أو سأسُلُّ الرّوح بكاملها من أصولها من النّفس، أو مستقرِّها الذي لا يعلمه إلاَّ الله، وبعد ذلك يعود إلى الخارج، إذ الشّفتين مخرج الميم، فينهي بها خروج الرّوح بسكونها، فتخرج نهائيًّا.
فهذا الخروج والدّخول بالنّسبة للخَارج كأنَّ الرّوح تتردّد في ذلك.
وصاحب الدقة العجيبة، والتصوير البليغ، المنسجم بين الكلمة والشيء المراد معناه هو الله _ عز وجل _، المعجز بكلامه كلَّ البشر، كما أعجزهم بإيجاد كنه الرّوح.
المثال الرابع: ذكر الرّافعي في كتابه: «إعجاز القرآن»؛ أنْ «لمّا كان الأصل في نظم القرآن، أنْ تُعتبر الحروف بأصواتها وحركاتها ومواقعها من الدّلالة المعنويَّة، استحال أن يقع في تركيبه، ما يسوغ الحكم في كلمةٍ زائدةٍ، أو حرفٍ مضطربٍ، أو ما يجري مجرى الحشو والاعتراض، أو ما يُقال فيه؛ أنّه تغوّثٌ واستراحة» (1)
وللحروف الهجائيَّة، انقساماتٌ أخرى، أوردها صاحب سرِّ صناعة الإعراب (2) ، لم أورد منها سوى ما سبق، ويستطيع أحد الدّارسين أن يستخرج معانيَ لمخارج وصفاتٍ أخرى ممّا لم يُذكر.
__________
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 224_225.
(2) _ سرّ الصّناعة: 60_64. (1/39)
صفحة 40
ويرى الرّافعي أيضًا؛ أنّ هذا النّظم، ممّا لا يتعلّق به أحدٌ، ولا يتّفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلاَّ فيه؛ لترتيب حروفه، باعتباره من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه، مناسبةً طبيعيَّةً، كالهمس والجهر، والشّدّة والرّخاوة والتّوسّط، والتّفخيم والتّرقيق، والتّفشّي والتّكرير. (1)
ومن ذلك: الأداء الفنّي الذي قامت به لفظة { } من قوله تعالى: { } [ ... } [ التَّوبة ]، بكل ما تكوّنت به من حروف، ومن صورة ترتيبها، ومن حركة التّشديد على الحرف اللّثوي (الثّاء)، والمدّ بعده، ثمّ مجيء القاف الذي هو من حروف القلقلة القوي، _ والقوي وزنه ثقيل_، ثمّ التّاء المهموسة، والميم التي تنطبق بنطقها الشّفتان؛ فتُنبئُ بأنّ الشّيء وقعت نهايته على الأرض مستقرًّا بثقله، ويخرج صوتها من الأنف، إلاَّ أنّ نظام الحروف، وصورة أداء الكلمة ذاتها، أوحت بالمعنى قبل أن نطلع على قواميس اللغة.
فإذًا نلاحظ في الخيال، ذلك الجسم المتثاقل، الذي يرفعه الرّافعون في جهد، فيسقط في أيديهم في ثقلٍ، ونُحسُّ أنَّ البُطء في تلفُّظ الكلمة ذاتها، يوحي بالحركة البطيئة التي تكون من المتثاقل.
وإذا جرّبنا تبديل هذه المفردة القرآنية، ونحلُّ محلّها لفظة «تثاقلتم»، فإنّه فعلاً لا يتأتَّى لنا المعنى الذي نريد، وهذا ليس لأنّه يستحيل التّبديل في القرآن، بل إنّنا نحسّ أنّ هناك شيءٌ من الخفّة والسّرعة، وحتّى النّشاط الذي توحيه هاته الكلمة؛ بسبب رصف حروفها، وزوال الشّدّة، وسبق التّاء قبل الثّاء.
إذن؛ فالبلاغة تتمُّ في استعمال { } للحصول على المعنى المراد، ولا تكون أبدًا في «تثاقلتم» (2) .
__________
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 215.
(2) _ من الإنترنت،: الموقع: «www.albayan.co.ae»، عن الدكتور علي دحروج، (يتصرف). (1/40)
صفحة 41
وفي هذا الموضوع، «نَقل أهل أصول الفقه عن عبّاد بن سليمان الصَّيمريّ (1) من المعتزلة، أنّه ذهب إلى أنّ بين اللّفظ ومدلوله مناسبةً طبيعيَّة حاملةً للواضع على أنْ يضع، قال: «وإلاَّ لكان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمَّى المعيَّن ترجيحًا من غير مُرجِّح» وكان بعض من يرى رأيه يقول إنَّّّّّّّّّّّّّّّه يعرف مناسبة الألفاظ لمعانيها؛ فسُئل ما مسمَّى «إِذْغَاغْ» وهو بالفارسية الحجر، فقال: «أجد فيه يبسًا شديدًا، وأراه الحجر».
وأنكر الجمهور هذه المقالة وقال لو ثبت ما قاله لاهتدى كلّ إنسانٍ إلى لغةٍ، ولما صحّ وضْع اللّفظ للضِّدَّين، ...وأمّا أهل اللّغة والعربيّة فقد كادوا يُطبِقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني». (2)
«
__________
(1) _ عباد بن سليمان الصيمري: لم أعثر على ترجمة عنه غير أنه معتزلي كما هو المذكور في هذا الكتاب، وقد بحثت عنه في كتب التراجم ولكني لم أجد شيئا، وهذا القول في اللغة معروف به عند أهل الاختصاص في اللغة وأصول الفقه.
(2) _ المزهر في علوم اللغة وأنواعها: لعبد الرحمان جلال الدين السيوطي، د ط، د ت، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1/ 47_48. وقد أوردت هذه القصة قصد تصحيح من ينسبها إلى الزمخشري، وقد حرفوا فيها، وحاصلها أنه سئل ذات يوم عن معنى كلمة باللغة الأمازيغية، وهي (أضغاغ)، فسكت برهة، تنبئ عن تفكيره الدقيق، مما أعطاه الله عز وجل من فيض اللغة، فأجاب بما يلي: «هذه الكلمة، لا تدل إلاَّ على حجر أو حديد»، وهي فعلا معناها الحجر، ومن العجيب؛ أنه قدم في كلامه الحجر على الحديد. فالتي أوردتها في النص لعبَّاد تصحيح لهذا الخطإ الشائع المنسوب إلى الزمخشري. (1/41)
صفحة 42
فما من حرفٍ أو حركةٍ في الآية إلاَّ وأنت مصيبٌ من كلّ ذلك عجبًا في موقعه والقصد به، حتى ما تشكّ أنّ الجهة واحدةً في نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة، ليس منها إلاَّ ما يشبه في الرّأي أن يكون قد تقدّم فيه النّظر وأحكمَته الرّوِيّة وراضه اللّسان، وليس منها إلاَّ متخيِّرٌ مقصودٌ إليه من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الحركات، وأين هذا ونحوه عند تعاطيه ومن أي جهةٍ يُستطاع، وكيف يأتي للإنسان في مثل تلك الآية وحدها _ فضلاً عن القرآن الكريم كلّه _ وهو لا يكون إلاَّ عن نظرٍ وصَنْعةٍ كلاميَّةٍ؟» (1) .
المطلب الثالث: إيحاء الحركات الصّرفيّة والإعرابيَّة ومظهر الإعجاز في ذلك:
قد يَتعجّب البعض: عن وجود العلاقة بين الحركات وعلم التَّجويد أو موقع تلك الحركات من هذا البحث، ولهم الحقّ في ذلك، فأقول: إنّ الحركات لازمت الحروف، ومباحث الحروف ضمن علم التّجويد، وعلى كلّ فإنّ في الحقيقة ليس لها تعلّقٌ مباشرٌ بالموضوع، ولكنّها تأتي من جهة بعيدةٍ لابدَّ من إيرادها، ويوضحِّ هذا أكثر الإشارة بكلامي في المقدِّمة: أنّ هذا البحث يدخل ضمن علمٍ يُدعى بـ«الإعجاز الصّوتي» (2) ، أو كما يسمِّيه البعض بـ«الإعجاز الموسيقي»، فهي تدخل من هذا الجانب، إذ أنّ للحركة جرسًا ونغمًا، «تعطي الكلام وتراكيبه بألوانٍ من الأنساق الموسيقيَّة فيتآلف الكلام أصواتًا وألفاظًا وصيَغاً وتراكيبَ، والحركات بعض الأصوات (3) ، ويظهر في بعض مواضعها أنّها تَتأثّر بمخرج الحرف، من حيث تفخيمُه أو ترقيقُه أو استفالتُه أو استعلاؤُه، وغيرها من الصفات.
__________
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 228.
(2) _ ذكرت هذا الكلام في المقدمة، راجعه في الصفحة رقم 2.
(3) _ وجوه من الإعجاز الموسيقي في القرآن: 39. (1/42)
صفحة 43
لهذا ترى نخبةٌ من العلماء، أنَّ للحركات إيحاؤها وأسرارها، سواءً كانت صرفيّةً أم إعرابيَّةً، ويكمن ذلك في ملازمتها للحروف، وهذه الحركات المعروفة في اللغة العربية أربعة: الفتحة والضّمّة والكسرة والسّكون.
ولا حاجة لي في هذا المقام بذكر الجدل القائم، بين الذين أرادوا تبيين أيّهما الأسبق في الكلام، الحرف أو الحركة، وقد ذكر صاحب التمهيد شيئا من هذا. (1)
«ولن تجد الحركة إلاَّ مؤتلفةً مع أصوات الحروف، مُساوقةً لها في النّظم الموسيقيّ، حتّى إنّ الحركة ربّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثّقل أيّها كان، فلا تعذُب ولا تُساغ وربّما كانت أَوْكس النّصيبين في حظّ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنًا عجيبًا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقًا في اللّسان، واكتنفَتْها بضروبٍ من النّغم الموسيقيّ حتّى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيءٍ وأرقَّه، وجاءت متمكّنةً في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفَّة والرَّوعة». (2)
وفي رأيي لا حاجة لتعريفها هنا، حيث هي المعروفة بداهةً لدى أهل الاختصاص، وأذهب مباشرةً للأمثلة والنَّماذج الإعجازية لذلك:
المثال الأوّل: لفظة { } من قوله تعالى: {
__________
(1) _ ذكر ابن الجزري في كتابه «التمهيد في علم التجويد» أقوالا مما خاض فيه العلماء في قضية سبق الحرف أو الحركة، 75_ 77، وكذا حسام سعيد النعيمي في كتابه: «الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني» نقلا عن كتب ابن جني كسِر الصناعة والخصائص، وعن سيبويه، د ط/1980، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 333_334_335.
(2) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 227. (1/43)
صفحة 44
} [ القمر ]، فإنّ الضّمّة ثقيلةٌ فيها لتواليها على النّون والذّال معًا، فضلاً عن جَسْأة هذا الحرف ونُبُوّه في اللّسان، وخاصّة إذا جاء فاصلةَ الكلام، فكلّ ذلك ممّا يكشف عنه ويُفصح عن موضع الثّقل فيه، ولكنّه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في الآية السّابقة، فتأمّل هذا التّركيب، وتمعّن النّظر فيه بأقصى حِدّة سماعٍ، يتيح لنا فرصة تذوّق مواقع الحروف وأجر حركاتها في حسّ السّمع.
وفي كلمة { }، ففتحة الباء المجهور القويّ توحي بزيادة قوّة البطش من ذي البطش الشّديد وهو الله تعالى، أمّا فتحة حرف الشّين المتفشّي والمنتشر في الفم، يدلّ على سعة البطش ومساحته على الواقع الذي تتحدث عنه الآية.
المثال الثاني: كلمة { } من قوله تعالى: {
} [القمر]، فضمّة الميم تُشير إلى أنّ هناك صوتٌ داخليٌّ في الجوف؛ بدليل سكون النّون الذي بعدها، كأنّ ذلك السّكون هو صوت الجوف الخاوي؛ لتأتي بعد ذلك فتحة حرف القاف الشّديد المجهور حتّى تدلّ على شساعة الشّيء وَوُسعه، ولا يتأتّى هذا المفهوم إلاَّ إذا أضفنا له تفخيم القاف، وبعد كلّ هذا تأتي كسرة حرف العين الخافضة، _ وأُفضّل التّعبير بخافضة _؛ لأنّ أهل الإعراب في اللّغة يعربون الاسم المجرور الذي نُزع خافضه بنزع الخافض، فبعد الكسرة يأتي الرّاء المرقّق بالكسر الذي قبله ليدلّ على رِقّة الشّيء وسفالته، فدقّة التصوير تأتي من دقّة السّماع لكلمة { }. (1/44)
صفحة 45
وفي جوّ حِدّة التّصوّر وتَخيُّل المعاني أعود إلى أوّل الآية حيث كلمة { }، فإنّه عند تلاوتها من البداية نُحِسّ بانتقالٍ مباشرٍ من فتحة التّاء إلى سكون النّون، وكأنّنا قَلَعنا شيئًا ما بشدّةٍ وبسرعةٍ، إذ الفتحة عند البدء عاديّةٌ على الحرف، لكن عندما ننتقل إلى السّكون نشعر بشيءٍ من الصّعود الذي تصوّره المخيّلة بالنّسبة لذلك الشّيء، أمّا الصّوت الذي يُحدثه السّكون مع حرف النّون ينبئ بمعنى الاقتلاع أيضًا، بدليل صفير حرف الزّاي المكسور بعده، والكسرة خافضة _ كما قلت _ تعبّر عن اقتلاع ذلك الشّيء من الأساس، والمعروف أنّ نزع شيءٍ من جذوره لابدّ له من إحداث صوتٍ ما أو هَزِّ ما شُدَّ به.
أمّا ضمّة حرف العين كأنّها تقول معبّرةً بإحاطتها بجميع النّاس الذين يُنزعون نزعًا، فجرس الضمَّة _ وهي جزءٌ من الواو الخارج من الجوف _ (1) ،كأنّه يشمل الكلّ، فإذًا علينا أن نجمع كلّ هاته الحركات؛ لنُدقّق النّظر والإمعان في معاني كلمة { }.
وإذا شئنا بدّلنا حركة من الحركات التي في القرآن الكريم سواءً في هذا المثال أو غيره، فإنّه لن نجد تأدية معنى الكلمة الكامل بجميع تفاصيلها وحيثياتها كما في القرآن.
المثال الثالث: كلمة { } نحلّل هنا حركاتها على ضوء تحليل حروفها في مطلب دراسة مخارج الحروف، وهي في قوله تعالى: {...
...
__________
(1) _ من الأقوال التي قيلت في جدلية أسبقية الحرف أو الحركة أن: الحركات أبعاض حروف المد واللين، (انظر الدراسات اللهجية 326). (1/45)
صفحة 46
} [ا ... } [لأعراف: 160]، فالكلمة معطوفةٌ بحرف الفاء المفتوحة، فنقول: أنّ الانتقال من فتحتها إلى سكون الميم المنقلبة عن النّون السّاكنة دليل على خروج الشّيءِ أو انتقاله بشدّة وبسرعة، تمامًا مثل ما هو موجودٌ بين التّاء والنّون السّاكنة في كلمة { } في المثال السّابق؛ لأنّ صوت السّكون يوحي بذلك، أمّا فتحة الباء فتزيد الباء القويّ الشّديد المجهور شدّةً مثل شدّة خروج الماء من الحجر المنشقّ؛ لينفجر منه.
وكذا القول في فتحة الجيم؛ لأنّ صفاته نفس صفات الباء من الشّدّة والجهر، وكِلا الفتحتين تزيد لمعنى الحروف روعةً وجمالاً، فضلاً عن معنى الكلمة الإجمالي وجرسها الإعجازيّ.
وأمّا فتحة السّين فلا أدلّ على معناها من صفيره، حيث أنّها توحي على سلاسة الشّيء الخارج وعذوبته عذوبة الصّفير المشوب (1) بالفتحة، وكأنّها فُتحةٌ صغيرةٌ للخروج اللّين، كلّ هذا تدلّ عليه الفتحة مع جرس السّين الملازمة له ونغمته السّلسة.
ثمّ تنتهي بعد ذلك عمليّة قسمة الماء بينهم بسكون التّاء، حيث قد علم كلّ أُناسٍ مشربهم.
المثال الرابع: كلمة { } وهي أيضا أحلّلها على ضوء تحليل حروفها في مطلب دراسة مخارج الحروف، وهي من قوله تعالى:{ }[ الواقعة]، والمفهوم من الآية بداهةً هو التَّحدث عن الموت، وهي آخر ما يختم به الإنسان حياته للقاء ربّه.
__________
(1) _ اخترت كلمة «المشوب» على رأي ابن جني: «أن الحركة تقلق الحرف، فلعل ذلك الإقلاق له دور في إحداث الصفير». (انظر المصدر السّابق: 326). (1/46)
صفحة 47
فأوَّل حركةٍ في الكلمة هي سكون اللاَّم بعد الانتقال مباشرةً من كسرة التّاء العارضة في نهاية كلمة { }، حيث لا يمكن الفصل بينهما، وهذا دليلٌ على مباغتةِ الموت، ومن منَّا لا يأتيه بغتةً، (1) أي لا يدري أحدٌ متى يحين موعد موته حتّى يجد نفسه أمام لحظات الموت.
ثمّ نأتي إلى الضّمّة الجوفيّة (2) التي فوق حرف الحاء الحلقيّ،إذ توحي وكأنها تقول بأنّ هاته الرُّوح سأشملها كلّها، ونجد هذا المعنى عند تدبّرنا لكيفيّة خروجها مع حرفها، وخاصّة إذا قَرَنَّا (3) هذه الصورة مع صورة سكون اللاَّم والمدّة التي يُنتقل فيها من الضّمّة إلى السّكون.
أمّا عن ضمّة القاف فأقول قول ما في ضمّة الحاء، إلاَّ أنّ القاف يوصف بالشّدّة، فكأنّها إذًا تعبّر عن صعوبة خروج الرّوح أو مفارقتها للجسد مع اشتمالها واحتوائها، إذ الغالب في معنى الضّمّة الإحاطة والاحتواء، ويدلّ على هذا الواو الجوفيّة، أي أنّ ضمّة القاف المجانِسة للواو التي بعدها تدلّ على احتوائها لجميع الرّوح، وسلبها من الجوف ومن كلّ أعضاء الجسد صغيرها وكبيرها، دقيقها وعظيمها.
ثمّ لا يبقى بعد ذلك لهاته الرُّوح إلاَّ الصّعود إلى ربّها بعد أن تخرج من الجسد كلّيًّا بتعبير الميم التي تُضم عندها الشّفتان حين سكونها، وسكون الميم يعبِّر بصورته أنّ الرّوح قد خرجت جميعها ولم يبق منها شيءٌ وأَغْلق مَنفَذَها، وبهذا انتهت حياة الشّخص بضمِّ للشّفتين.
__________
(1) _ قد وردت آيات في القرآن الكريم تتحدث عن البغتة وأكثرها عن بغتة الساعة، حيث موت وهلاك كل شيء إلا الله الحي الذي لا يموت.
(2) _ قال بعضهم إن الحركة جزء من حرف مدها، وقد ذهب إلى هذا أكثر النحويين (انظر التمهيد لابن الجزري، 78)، ولذلك تكون الضمة جزء من الواو الذي مخرجه من الجوف.
(3) _ قرنَّا: أقصد به الاقتران من فعل قرن يقرن. (1/47)
صفحة 48
هكذا يظهر القرآن معجزًا في تناسق حركات كلماته ونغمتها، وحروف ألفاظه وروعة جرسها وبنائها للمعاني، وإن لم تكن كل الكلمات _كما أشرت في المطلب الأول من هذا المبحث _، ولكن أقف عند ما استطعت أن أتوصل إليه وانتهى إليه علمي والله تعالى أعلم.
المبحث الأوّل:
مظاهر الإعجاز من دراسة بعض المدود ومعنى كلّ مدّ في موضعه.
إنّ مبحث المدود في علم التّجويد ثريّ للغاية، وهي متعدّدَةٌ كثيرةٌ، كالمدّ الطَّبيعيّ والمدّ اللاّزم ومدّ العوض ومدّ اللّين والمدّ العارض للسّكون ومدّ الصّلة وما إلى ذلك، وهذا رسمٌ توضيحيٌّ شاملٌ لها:
وقد تحدَّث بعض العلماء على أنَّ لها سرًّا في القرآن الكريم، إذ تزيد الحرف إيقاعًا، أو الكلمة إمتاعًا في النّفوس.
وأهمّ ما يُذكر في هذا المقام قبل الدّخول في المطالب؛ أن للمدّ سببان هما: الهمز والسّكون، أي أنّ المدّ في القرآن لا يُمدّ إلاَّ إذا وُجد بعده همزٌ أو سكونٌ (1) ما عدا المدّ الطّبيعي وسيأتي بيانه.
وقد أضاف بعض علماء التّجويد سببًا آخر وهو المعنوي فقيل:
«وأمّا السّبب المعنوي فهو قصد المبالغة في النّفي وهو سببٌ قويٌّ مقصورٌ عند العرب وإن كان أضعف من السَّبب اللّفظي (2) عند القرّاء ومنه مدّ التَّعظيم نحو: { ، ،
} [محمد: 19، آل عمران: 02، الأنبياء: 87].
وهو قد ورد عن أصحاب القصر في المنفصل لهذا المعنى.
__________
(1) _ وكلام علماء التجويد عن المد يدور على ما كان سببه الهمزة أو السكون. (الدراسات الصوتية 443).
(2) _ المد اللفظي يقصد به ما مد من أجل الهمزة والسكون.(الدراسات الصوتية، 443). (1/48)
صفحة 49
نصَّ على ذلك أبو معشر الطّبَري (1) وأبو القاسم الهُذَليّ (2)
__________
(1) _ أبو معشر الطّبري: هو عبد الكريم بن عبد الصمد محمد بن محمد بن علي بن محمد أبو معشر الطّبري القطان الشافعي، شيخ أهل مكة، إمام عارف محقق وأستاذ كامل ثقة صالح، قرأ على أبي القاسم علي بن محمد بن علي الزبيدي بحران، وأبي عبد الله الكارزيني، وابن نفيس وغيرهم، وقرأ عليه الحسن بن بليمة مؤلف «تلخيص العبارات»، وإبراهيم بن عبد الملك القزويني، وعبد الله بن منصور بن أحمد البغدادي، ألف كتاب «التلخيص في القراءات الثمان»، و «سوق العروس»، و «الرشاد في شرح القراءات الشاذة»، وغيرها، توفي بمكة سنة (478).(انظر النهاية في طبقات القراء: لأبي الخير محمد بن محمد بن الجزري (ت 833)، عنى بنشره ج برجستراسر، ط 3/ 1402هـ_1982م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1/ 401).
(2) _ أبو القاسم الهذلي: هو يوسف بن علي بن جبارة بن محمد بن عقيل أبو القاسم الهذلي اليشكري، الأستاذ الكبير الرحال والعلم الشهير، ولد في حدود (390هـ) تخمينا وطاف البلاد في طلب القراءات، فلا أعلم أحدا في هذه الأمة رحل في القراءات رحلته، قال في كتابه «الكامل» فجملة من لقيت في هذا العلم (365) شيخا ولو علمت أحدا تقدم علي في هذه الطبقة في جميع بلاد الإسلام لقصد ته، قال بن ماكولا: «كان يدرس علم النحو»، وذكره عبد الغافر ونعته بأنه كان ضريرا فيحتمل أنه عمي في آخر عمره، وكان مقدما في النحو والصرف وعلل القراءات، وأخذ القراءات عن إبراهيم بن أحمد الأربلي، وإبراهيم بن الخطيب ببغداد، وأحمد بن رجاء بعسقلان وغيرهم الكثبر وعد تهم 122 شيخا، وروى عنه إسماعيل بن الإخشيد وسمع منه «الكامل»، وكذلك عبد الواحد بن حمد بن شيدة السكري وغيرهم، توفي الهذلي سنة (465هـ). (المرجع السّابق: 2/ 397_398، 400_401).. (1/49)
صفحة 50
وابن مَهْران (1) والجاجانيّ (2) وغيرهم، وقرأت به من طريقهم واختاره، ويقال له أيضًا مدّ المبالغة.
قال ابن مَهران في كتاب المدّات له: «إنما سمّي مدّ المبالغة؛ لأنّه طلبٌ للمبالغة في نفي إلهية سوى الله سبحانه.
قال: وهذا معروفٌ عند العرب؛ لأنَّها تَمدّ عند الدّعاء وعند الاستغاثة وعند المبالغة في نفي شيءٍ، ويمدّون ما لا أصل له بهذه العلّة.
قال: والذي له أصلٌ أولى وأحرى.
قلت: يشير إلى كونه اجتمع سببان وهما: المبالغة ووجود الهمزة كما سيأتي والذي قاله في ذلك جيّدٌ ظاهرٌ.
وقد استحبّ العلماء المحقّقون مدّ الصّوت بـ «لا إله إلاَّ الله» إشعارًا بما ذكرنا وبغيره».
__________
(1) _ ابن مهران: هو أحمد بن الحسين بن مهران الأستاذ أبو بكر الأصبهاني ثم النيسابوري مؤلف كتاب «طبقات القراء»، و «كتاب المدات» وغيرها، ضابط محقق ثقة صالح مجاب الدعوة، وقد وقع لي بحمد الله رواية كتابه عاليا، قرأ بدمشق على ابن الأخرم، وببغداد على أبي الحسين أحمد بن بويان، وحماد بن أحمد، وخلق كثير وسمع القرآن من لفظه بقراءة ابن كثير، وأحمد بن كامل بن خلف ومحمد بن عبد الله بن محمد بن مرة، وقرأ عليه مهدي بن طرارة شيخ الهذلي، وعلي بن أحمد البستي وغيرهم، توفي في شوال سنة (381)، وله (86 سنة). (المرجع السّابق: 1/ 49_50).
(2) _ الجاجاني: هو محمد بن عبد الله بن محمد إبراهيم بن مندة أبو عبد الله الجاجاني الدستي الأصبهاني، روى القراءات عن أبي علي الأهوازي، وروى القراءات عنه أبو بكر محمد بن علي بن محمد الأصبهاني شيخ الحافظ أبي العلاء الهمذاني. (المرجع السّابق: 2/ 184) (1/50)
صفحة 51
قال الشيخ مُحيي الدّين النّووي (1) _ رحمه الله _ في الأذكار: «ولهذا كان المذهب الصّحيح المختار استحباب مدّ الذّاكر قوله (لا إله إلاَّ الله) لما ورد فيه من التّدبر.
قال: وأقوال السّلف وأئمّة الخلف في مدّ هذا مشهورةٌ والله أعلم»» (2) .
وإنّي أرى أنّ هذا السّبب المعنوي إشارةٌ واضحةٌ لمعنى من معاني المدود، والذي عندي أنّ هذا لا يقتصر على قصد المبالغة فقط، بل إنّه يدلّ في هذا الموضع على ذلك دون المواضع الأخرى، وسأذكر في نهاية هذا المبحث تقريرًا شاملاً لما تدور حوله معاني المدود في القرآن الكريم.
فأقول مقرِّرًا: أنّ هناك معاني أخرى تَرِدُ حسب الموضع الذي يكون فيه المدّ، وهذه سأُورد منها فيما يلي من الأمثلة.
ولمّا كانت كذلك أفردت لها مبحثًا خاصًّا، واخترت منها ثلاثةً أرى أنّ لها عظيم الدّلالة وهي: المدّ الطّبيعيّ والمدّ الواجب المتّصل والمدّ الجائز المنفصل، ولكلّ منها مطلبٌ خاصٌّ للدِّراسة ولتبيين أسراره.
المطلب الأوّل: المدّ الطّبيعيّ ومغزاه في ذلك الموضع:
المدّ الطبيعيّ: هو الذي يسمّيه البعض بالمدّ الأصلي ويقصدون به المعروف بالفطرة السّليمة لدى أيّ إنسانً يعطيه حقه بمقدار حركة الأُصبع قبضًا وبسطًا، كقولنا: قال أو طاف أو لا أو سبحان أو غيرها ممّا ليس بعدها همزٌ أو سكونٌ.
«
__________
(1) _ لعله يقصد محيي الدين النووي: صاحب «شرح صحيح مسلم»، ولقد عد ت إلى الكتاب فلم أجد كتاب الأذكار، وإنما وجد ت كتاب الذكر؛ لذلك أشكل علي عندما لم أجد كلامه هذا فلم أورد ترجمة عنه، رغم أني بحثت كتبا أخرى عن ترجمته فلم أعثر عليه.
(2) _ النشر في القراءات العشر: لأبي الخير محمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري، ط 1/ 1418هـ_1998م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1/ 268_269. (1/51)
صفحة 52
فالطّبيعيّ: حقُّه أن يُؤتى بالألف والياء والواو التي هي حروف المدّ واللِّين ممكناتٌ على مقدار ما فيهنّ من المدّ الذي هو صيغتهنّ، من غير زيادةٍ ولا إشباعٍ، وذلك إذا لم تلق واحدة منهنّ همزة ولا حرفًا ساكنًا، وُيسمِّي هذا الضَّرب القرّاء مقصورا ...». (1)
ومواضعه في القرآن الكريم كثيرة جدًّا نأخذ بعضها للدّراسة والتّحليل.
المثال الأوّل: قوله تعالى: { } [الفاتحة]، المدّ في كلمة العالمين بعد حرف العِين يدلّ على الشّمول ويصور لنا ذلك المعنى، وكأنّه نداءٌ يصل إلى كلّ الآفاق ليسمعوا تلك الألف من أنّ هناك ربٌ موجود، وهذا نستشفّه من سياق الكلام، ولو حُذف الألف من اللّفظ؛ لم يكن هنالك ما ينتاب النّفس من روعة العبارة، إذ أنّ توالي الحركات تُقلق السّمع فتطلب الحاسّة شيئًا يرفِّه عنها ويدلهّا على المعنى الحقيقيّ وجماله.
وأمّا مدّ الياء بين الميم والنّون _ قبل الوقف على نهاية الآية فيصبح مدًّا عارضا للسّكون _ يوحي بكثرة وتعدّد ذلك الشّيء الذي شمله حرف الألف، وهي تزيد الكلمة احتواءً للعالمين.
المثال الثّاني: قوله تعالى: { ...} [البقرة]، إن الألف هنا ليست للمشاركة كما يقال، أي أن الخداع لم يكن من اثنين كما توحي صيغة «فاعل». (2)
فسرها ومعناها في هاته الآية هو أنَّها تدلّ على جعل اعتقادهم بالخداع يذهب أدراج الرّياح مع ذهاب هواء الألف عند إتمام النّطق بها، فكأنّ في الكلمة الأولى ذكر معتقدهم ووصفهم بذلك، وفي الثّانية أجابهم بما يعتقدون وبالكلمة نفسها؛ لتدلّ على معنًى آخر عند قران مخادعتهم بأنفسهم، فالأولى مع الله والذين آمنوا، والثّانية ليس كذلك بسبب الألف التي توحي بذلك استشفافًا من سياق الكلام.
__________
(1) _ الدّراسات الصوتية: 447.
(2) _ وجوه من الإعجاز الموسيقي: 63. (1/52)
صفحة 53
المثال الثّالث: قوله تعالى: { ...}، فإنّها كلمةٌ من تسعة أحرفٍ، وهي على ثلاثة مقاطع، وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها». (1)
فالياء الذي قبله كسرةٌ إذًا هو سرّ روعة الكلمة مع إمكانية حذفه، أي تصبح الكلمة (فسيكفكهم) على جواز الحذف في مثل هذه الصيغة في اللغة، لكنّ الياء قلَّلَت من حدّة توالي الحركات.
فلو أنّ أديبًا ذكر هاته الكلمة في مقاله يمكن أن يختار حذف الياء على أسلوبه الخاصّ، لكنّها ما دامت ضمن أسلوب القرآن فلابدّ لها أن تُعجز السّامع بشيءٍ يبعثُ على الأريحية فتقرع سمعه، ثمّ تستقرّ في قلبه.
كلّ هذا بِسِرّ الياء فقط، دون أن ننسى الحروف جميعها وجرسها ودورها في بناء المعنى.
المثال الرابع: نأخذ هنا لونًا إعجازيًّا ذكره الرّافعي في كتابه «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» ضمن تحليله لمدّ ما الزّائدة كما يَظنّ البعض فقال ما معناه:
أنّ الكلمات التي يُظنّ أنّها زائدةٌ في القرآن كما يقول النّحاة، فإنّ فيه من ذلك أحرفًا كقوله تعالى: { ...} فإنّ النّحاة يقولون إنّ «ما» في الآية زائدةٌ، ويذكرون هذا حين إعراب الجملة.
فيَظنّ من لا بصر له أنّه كذلك في النّظم ويقيس عليه، مع أنّ في هذه الزّيادة لونًا من ألوان التّصوير لو حُذف من الكلام لذهب بكثيرٍ من حسنه وروعته، فإنّ المراد بالآية تصوير لَيْن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لقومه، وإنّ ذلك رحمةٌ من الله، فجاء هذا المدّ في «ما» وصفًا لفظيًّا يُؤكّد معنى اللِّين ويفخِّمه، وفوق ذلك فإنّ لهجة النّطق به تشعر بانعطافٍ وعنايةٍ لا يُبتدأ هذا المعنى بأحسن منه في بلاغة السّياق. (2)
ثمّ إنّ حرف الميم المتوسّط بين الشّدّة والرّخاوة، يزيد للباء انسجامًا وروعةً لإبلاغِ معناه.
__________
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 229.
(2) _ المصدر السّابق: 231 (بتصرف). (1/53)
صفحة 54
والحقيقة التي أراها بعد تفحّصي كثيرًا من الألفاظ التي فيها المدّ الطّبيعيّ، قلّما وجدتُ المراد الذي كنت أصبو إليه، فنجد من المدّ في تلك الكلمة معنًى آخر غير المشاركة مثلاً أو الإحاطة بالشَّيءِ، لكن لا أُسمِّيه إعجازًا؛ لأنّه قد يُستعمل في اللّغة ويراد به ذلك المعنى، أو بعبارة أخرى ليس هناك ما يستدعي الإعجاز بأن لا يكون ذلك المدّ في كلمةٍ مثلها أو نستطيع حذفه؛ لأنَّه أصلٌ في الكلمة كما يسمّيه علماء التّجويد المدّ الطّبيعيّ أو الأصليّ.
وقضى ربُّنا _ سبحانه _ أن يكون الإعجاز في المدود التي تزيد عن المدّ الأصليّ الطّبيعيّ وهذا ملاحظٌ لدى العلماء.
ثمّ إنّ الإعجاز يكمن _ على وجه الخصوص _ فيما جاء به القرآن من أشياء لم يشهدها العرب في لغتهم ولا في نطقهم السَّليقيّ، كالمدّ الواجب المتّصل الذي سببه الهمز _ كما سيأتي _ وكذا المدّ الجائز المنفصل، فعلى ضوء رواية ورش من طريق الأزرق نرى في المطلبين التاليين سرّهما ومغزاهما ودورهما في زيادة المعنى كلّ في موضعه.
المطلب الثّاني: المدّ الواجب المتّصل ومغزاه المعجز في ذلك الموضع:
يقسِّم العلماء المدود إلى نوعين: ما سببه الهمز وما سببه السّكون كما بيّنت سابقًا وممَّا سببه الهمز المدّ الواجب المتّصل:
وهو أن يكون حرف المدّ والهمز بعده في كلمةٍ واحدةٍ، وسُمِّي «واجبًا» لإجماع القرّاء على مدّه مدا زائدًا عن الأصلي، و«متّصلاً» لاتّصال حرف المدّ بالهمز في كلمةٍ واحدةٍ.
حكمه: جاء في كتاب تظم الجامع ما نصه: «أمرت القارئ أن يشبع المدين المنفصل والمتصل لورش وبينت مقدار الإشباع بقولي: «ستا» أي ست حركات بحركة الأصبع قبضا وبسطا. (1/54)
صفحة 55
والخلاصة أن لورش وجها واحدا في المدين المنفصل والمتصل وهو الإشباع ست حركات» (1) ، فالمتصل نحو: { }، { }، { }، أما المنفصل فسيأتي بيانه في دراسته.
ومن هنا أبدأ في دراسة هذا الموجود في ألفاظٍ مختلفةٍ من القرآن الكريم من حيث سرّه ومظهر الإعجاز الذي يحمله.
المثال الأوّل: قوله تعالى:{ ...} [البقرة: 05]، فإنّ المدّ بعد اللاَّم بمدِّه ستّ حركاتٍ يدلّ على المبالغة في بُعد الشَّيء، ولكن لا يمكن أن نقول أنَّ هذا البعد خيرٌ أو شرٌ لأولئك أو رفعٌ أو تسفّلٌ بهم؛ إلاّ من خلال السّياق.
فجملة { ... } تعطي الألف معنًى وهو رفعتهم وقيمتهم المرموقة، فكأنَّه يشير إليهم (أي المدّ) وهم في العلّيِّين { }.
ويجوز أن نقول:أنّ لها معنَيَين، البعد والرّفعة، أي بعدهم عن الدّنايا والرّذائل وتسفّلهم بها، ورفعتهم في المقام العالي، ويؤيّد هذا اكتمال الآية بعد ذلك حيث يقول عزّ وجلّ: {
} [ البقرة ]، فواو العطف تؤكّد الكلمة التي بعدها، فضلاً عن الألف التي لها جرسٌ فيها، لو كانت في غير القرآن لمَّا قرئت كذالك ولمَّا دلّت على هذا؛ لأنّ هذا المدّ مخصوصٌ بالقرآن لزيادة المعنى على الأوّل، وتكرير المدّ في الكلمتَين إشارةٌ إلى العناية بشأن المتّقين الفائزين بالدّرجات العالية في جنّات النّعيم. (2)
والذي دلّ للألف على أنّ معناها المقام العالي وبعد المسافة بينهم وبين من دونهم كلمة المفلحون؛ لأنّ الفلاح هو الفوز والنّجاح. (3)
__________
(1) _ انظر شرح النظم الجامع لقراءة الإمام نافع: لعبد الفتاح القاضي، د ط/ 1959، مكتبة تاج بطنطا، 16_17.
(2) _ صفوة التفاسير: لمحمد علي الصابوني،ط 9، د ت، دار الصابوني، القاهرة، مصر، 1/ 32.
(3) _ المصدر السّابق: 31. (1/55)
صفحة 56
المثال الثّاني: قوله تعالى: { } [الأنعام]، فالمدّ هنا مع معنى الكلمة وهو المجيء كأنّه يوحي بمجيء الشّيء من بعيدٍ { }، وأرى أنّ هذا المفهوم يكون للمغرور الذي يرى أنّ الساعة بعيدةٌ عنه أو الذي كذَّب بلقاء الله قال تعالى:
... } [الأنعام: 31].
المثال الثّالث: قوله تعالى: {
} [الحجر]، حيث أنّ المدّ هنا يشبه النّداء للجميع، فكأنّه أوتي به؛ ليدلّ على إيصال القول إلى كلّ الملائكة أوّلهم وآخرهم، وأقربهم وأبعدهم.
وقد نستدلّ لهذا بتكرار الكلمة في الآية التي ما بعدها: {
} [الحجر] أي بعدما قال للملائكة وسمعوا قول الله وأوامره بالسّجود سجدوا كلّهم لم يبق منهم إلاَّ ما استثنى بعد ذلك بعد ما وصل القول للمستثنى، وسآتي لذكر هذا السّر للاستثناء في المدّ الجائز المنفصل.
المثال الرّابع: قوله تعالى: {
...} [القصص: 71].
وهنا أشير إلى شيئين وهما: المدّ الواجب المتّصل والفتحة التي قبله، فالمدّ أراه إشارةً واضحةً إلى انتشار الضّوء في النّهار (1) إذا ما أراد _ سبحانه _ أن يأتي بالضّياء.
__________
(1) _ إشارة إلى ضده المذكور في الآية وهو الليل: { إن جعل عليكم الليل سرمدا}. (1/56)
صفحة 57
أمّا الفتحة فهنا يجب التّدبّر والإصغاء أكثر عند النّطق بها مع الألف؛ ليرتسم تصوير المعنى في المخيّلة، حيث أنّ الفتح يدلّ على نصاعة الشّيء ووضوحه وبيان الضّوء، فعندما نقول،:{يآ} مع معنى الكلمة فإنّه يوحي بأنّ الضّوء يصعد صعودًا فيبدأ في الانتشار شيئًا فشيئًا إلى أن يشمل كلّ الآفاق؛ لأنّ من سمات الضّوء الانتشار وشمول المكان بضرب خيوطه _ كخيوط الشّمس مثلاً _ إلى أقصى حدّ ممكنٍ، ونستطيع أن ندقّق أكثر مع قولنا أنّ الياء حرفٌ منتشرٌ في الفمّ، ويظهر هذا في الفتح أكثر، أي إذا فتح حرف الياء، فإذا زدنا له (مدًّا) سواءً واجبًا أم جائزًا؛ رأينا روعة الزّيادة في المعنى والإعجاز الذي يوحيه في القرآن بخلاف ما لو استعمل في غيره، فإنّه لا يؤدّي ذلك المعنى المراد.
المثال الخامس: قوله تعالى: {
}[الزخرف]، وهنا أقول أنّ الألف التي بعدها الرّاء مدّها يوحي ويدلّ على تبرئة سيّدنا إبراهيم ممّا يعبدون، بل وأكثر من هذا فإنّه يوحي بالمبالغة في البراءة من ذلك الشّيء؛ لأنّه بعيد كل البعد عمّا في معتقدهم من عبادة التماثيل، وشتّان بين من يعبد ربّ العالمين الواحد، ومن يجعل لذلك الواحد شركّا فيما آتاه الله فتعالى الله عما يشركون.
وقد يفهم معنًى آخر من وراء السّياق بعد التّأمل الحسّي الدّقيق، أنّ الألف كأنّها نداءٌ أيضًا يريد سيِّدنا إبراهيم أن يوصله لجميع من يعبد شيئًا ممَّا يُتبرّأ منه من قومه.
وأنبّه إلى أنّ تفخيم الرّاء مع فتحها ومدّها بالألف بعدها توحي بإحاطة البراءة بالكلّ، بالعباد وأصنامهم، وقد لا يتأتَّى هذا المعنى الدَّقيق إلاَّ بالسَّماع أكثر من التَّعبير الذي طالما خانني في كثيرٍ من تحليل مثل هذه الدَّقائق المجرَّدة.
المثال السَادس: قوله تعالى: {
} [ البينة ]. (1/57)
صفحة 58
فالبريئة يقصد بها الخلق على الإطلاق (1) ، ومحلّ الشّاهد هو المدّ بعد الرّاء المكسورة، فإنّه يدلّ عند التّدبّر في قراءته أنّ المخلوقات جميعها جَمَعها في مدَّة مدّ الواجب المتّصل { } بحركاته السّتّة، وكأنّ المدّ جيء ليشمل كلّ ما خلق الله في الوجود.
وإذا تأمَّلنا أحدّ التّأمل حين النّطق بالمدّ وجدنا أنّ النَّبَرات تدلّ على تعدّد المخلوقات؛ لأنّ الصّوت عبارة عن مَوجاتٍ صوتيَّةٍ ترتدد فيها الحبال الصّوتيَّة.
والذين آمنوا وعملوا الصَّالحات من هذه المخلوقات هم خير البريَّة.
فإذًا من الإعجاز التَّجويدي الذي يوحيه المدّ الواجب المتّصل تعدّد المتعدّد، ومن هنا فإنّه قد يدلّ على التّعدّد في مواضع أخرى من القرآن الكريم.
وهذا المعنى الذي ذكرته في المثال السّادس، والمعاني الموجودة في الأمثلة السّابقة لم أذكرها على سبيل الحصر، بل توجد أسرارً أخرى لهذا النّوع من المدود يحملها على حسب سياق الجملة ومعنى الكلمة، فتُستوحى معانٍ خفية لا يدركها سوى فقيه اللّغة ومن له حدّة التّصوير الفنِّي في مخيِّلته ومن له حسٌّ دقيقٌ مرهف.
هذا هو المدّ الواجب المتّصل فضلاً عن المدِّ الجائز المنفصل الذي أرى فيه ثراءً أكثر في زيادة المعاني ممَِّا سأبيِّنه.
المطلب الثَّالث: المدّ الجائز المنفصل ومغزاه المعجز في ذلك الموضع:
__________
(1) _ البريئة: «قال الفراء: هي من بَرَأَ الله الخلق أي خلقهم، والبرية الخلق، وأصلها الهمز، وقد تركت العرب همزها، ونظيره النَّبِيُّ والذُّرِّيَّةُ، وأهل مكة يخالفون غيرهم من العرب، يهمزون البريئة والنَّبيءَ والذُّرِّيئةَ، من ذرأ الله الخلق، وذلك قليل.
وقد ذكر أيضا في التهذيب: البرية أيضا الخلق بلا همز»، (انظر لسان العرب 1/ 31، والتهذيب 15/ 269) (1/58)
صفحة 59
وهذا المدّ: هو أن يكون حرف المدّ آخر كلمةٍ والهمز أوّل الكلمة التّالية، وسُمِّي «جائزًا» لاختلاف القرّاء في مقدار مدِّه، ومن هؤلاء القرَّاء ورش من طريق الأزرق فإنَّه يمدّه ستّ حركاتٍ، وسمِّي «منفصلاً» لانفصال حرف المدّ عن سببه وهو الهمز، بمعنى يفصل بين كلمتين. (1)
وأمثلته في القرآن الكريم كثيرةٌ بأسراره المتنوّعة، وهذه بعضٌ منها:
المثال الأول: أستهلّ التّمثيل في هذا المطلب بأعظم كلمةٍ في الوجود وهي «لآ إله إلاَّ الله»، استنادًا إلى اتِّفاق جميع علماء الإسلام على أنَّ من لم ينطق بها بهذا اللفظ لم يكن له نصيبٌ من الإسلام، وطبعًا مع اقترانها بشهادة أنَّ محمّدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنّ ما جاء به حقّ من عند ربّه.
فقوله تعالى: { } [آل عمران] مشتملٌ على نفي الألوهية عمَّا سوى الله عزَّ وجلَّ، وحرف النّفي { } يمدّ مدًّا جائزًا منفصلاً لأنً بعده همزة في بداية الكلمة الموالية، وهذا المدً أصله طبيعيًٌ لكن في هذا الموضع يمدّ مقدار ستّ حركاتٍ؛ لأنّ له مغزًى وهو دلالته على المبالغة في النًّفي المطلق للتّعظيم دون أي شكٍّ أو ريب في ألوهية الله (كما ذكر هذا المعنى صاحب كتاب النَّشر، وأشرت إليه سابقًا)، فكأنَّنا رفعنا بأعلى صوتنا مُبْدِين هذا المعنى { }، وبذلك يقرّ النّاطق به بالألوهية المطلقة لله وحده لا شريك له.
وإذا تدبَّرنا هذا المعنى جيِّدا نجد فيه معنًى آخر وهو كأنَّ الله _ عز وجل _ أراد بهذا النَّفي أن يوصله إلى كلّ المخلوقات، أي يشملهم دون استثناء، ويُعلمهم بأن هناك إلهٌ واحد وهو الله، فكأنّه إسماعٌ لهم بهذا المدّ.
__________
(1) _ القول المألوف في المدود والوقوف ومخارج الحروف: لأحمد محمود عبد السميع الشافعي (إجازة في قراءة نافع المدني)، ط 1/ 1421هـ_2000م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان 37. (1/59)
صفحة 60
المثال الثَّاني: قوله تعالى: { ... } [الأنعام]، ولفهم مغزى المدّ في الآية يلزم في هذا الموضع أن أورد الآية التي قبلها ليتسنَّى لنا الفهم الدَّقيق والشَّامل لسرّ المدّ في كلمة انتظروا، قال تعالى: {...
. } [الأنعام].
وفي هاته الآية الكريمة يتكلّم عن الذين كفروا وكذّبوا بآيات الله وصدفوا عنها؛ بأنّ إيمانهم عند قيام السّاعة أو عند طلوع الشّمس من مغربها كإيمانهم في الدّنيا، فحقّ عليهم أمر الله بتهديدهم بالانتظار (1) والله معهم منتظر، وشتَّان بين انتظارهم وانتظار الله _ جلّ وعلا _.
لهذا فإنّ مدّ كلمة { } } دليلٌ على أنّه كُتب عليهم طول الانتظار وكأنّه _ سبحانه _ يسخر بهم، وهو كذلك، أي قل انتظروا ما يحلّ بكم من عذابٍ ووعيدٍ (2) إنّا منتظرون.
والمغزى الثّاني الذي نستنبطه وهو كأنّ الله تعالى يريد إجماعهم بالانتظار، أي جميع الذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله يدخلون في هاته الواو المدية مدًّا جائزًا، فيصبح الأمر لزامًا عليهم جميعًا أن ينتظروا للوعيد، _ وبمعنى أدق _ أنَّ إغلاق الشَّفتَين مع وجود فرجة لخروج هواء مدّ الواو يوحي باحتواء كل الذين شملتهم الآية الكريمة من الكفّار وغيرهم.
المثال الثّالث: قوله تعالى: { ...} [النحل: 63]، إنّ للمدّ في كلمة { } سرٌّ عجيبٌ وغريب.
أولا أنّ النّون تدعى بنون العظمة أي عظمة المرسِل وهو الله _ عزّ وجلّ _، ويلزم هاته النّون الألف، كما في هذا الموضع إلاَّ أنّ هنا زيد في مدّها لورود الهمزة في أوّل الكلمة الموالية؛ ليدلّ _ بأوّل تأمّل معه _ على الإرسال، أي أنّ الله تعالى أرسل كثيرًا من الرّسل،ويُستدلّ على هذا بالقسم الذي في بداية الآية.
__________
(1) _ صفوة التفاسير: 431.
(2) _ المصدر السّابق:. (1/60)
صفحة 61
وإنِّي أرى أنّ له مغزًى ثانٍ، حيث يكمن الإعجاب والإعجاز في حقّ هذا المدّ في هذا الموضع، وهو إفصاحه عن محذوفٍ تقديره (كثيرًا من الرّسل)، أي كأنّ المقصود منه تالله لقد ارسلنا كثيرًا من الرّسل إلى أممٍ من قبلك.
وقد نستنتج أيضًا أنّ المدّ يسع بطوله كلّ الأُمم التي أُرسلت إليها الرّسل، وكأنّ الأُمم متفرّقةٌ هنا وهناك فيشملها طول المدّ الذي يدلّ على كثرة إرسال الرّسل إليها.
المثال الرّابع: قوله تعالى: { ...} [القصص: 13]، وهنا قبل أن أدخل في تبيين معنى مدّ حرف الجر{ } من الآية، يجب عليّ أن أُقرِّب الفهم بإيراد الآيات السّتّة السّابقة التي تتكلّم عن قصّة سيّدنا موسى، من رضاعه إلى أن يُردّ إلى أمّه كي تقرّ عينها قال تعالى: { ...
[القصص].
فالمدّ في { } معناه نستوحيه من مفهوم الآيات كلّها فنقول: أنّه يدلّ على طول المدّة التي بين الرّضاع وإيصاله إلى أمّه، وكأنّه انتقالٌ من مكان إلى مكان، أي من لحظة رضاعه ومرورًا بفرعون والتقاط آله موسى – عليه السّلام _، وحوار فرعون مع امرأته، وفي هذا كلّه كان فؤاد أمّ موسى فارغًا، إلى أن كتب الله _ سبحانه _ لابنها العودة إلى حضنها، فأقول: أنّ كلّ هاته المعاني يحملها مدّ { }، هذا إن تدبّرنا جيّدًا من بداية القصّة، بعدها يتسنّى لنا فهم إعجاز هذا المدّ.
فإذًا من معاني المدّ الجائز المنفصل بيان طول مدّة الشّيء.
وقد قال قائلٌ معنًى قريبٌ من هذا المعنى في مدّ الواجب المتّصل من قوله تعالى: {
... } [يسن: 20]فقال: أنّ المدّ هنا يدلّ على المجيء من بعيد، ويؤيّد هذا كلمة { }.
ويمكن أيضًا للمتأمّل الدّقيق أن يستوحي معانٍ غير التي ذكرت.
المثال الخامس: قوله تعالى: { (1/61)
صفحة 62
} [الرحمن]، يظهر المدّ في كلمة { }، فالميم هي ميم الجمع كما في اللّغة، أمّا الواو بعدها فهو مدٌّ جائزٌ منفصلٌ انفرد به ورشٌ، والذي منهجه في مثل هاته الكلمة؛ أنه يضم ميم الجمع ويصلها بواو، إذا كان بعدها همزة قطع نحو: { }. (1)
فالمدّ إذًا في كلمة { } أصله مدّ الواو الطّبيعيّ، ولم زيد مدّه دلّ على شيءٍ، وهو جمع كلٍّ من الجنّ والإنس في هذا المدّ وتحدّيهم بعدم استطاعتهم من نفوذ السّماوات والأرض، أي إن استطعتم أيّها الإنس والجنّ جميعكم أن تنفذوا فانفذوا.
ويمكن أن نضيف معنى ثانٍ _ وهو بعيدٌ نوعًا ما _، وهو أنّه يدلّ على أنّ التّوصل إلى الاستطاعة أمرٌ شاقٌّ وصعبٌ وهذا المعنى يأتي بناءً على النَّفي المشتمل على التّحدي في نهاية الآية.
المثال السَّادس: قوله تعالى: { . ... } [البينة]، يظهر المدّ في كلمة { }، وأرى أنّ معناه واضحٌ على المتدبّر في القرآن وإعجازه، وعلى كلّ من يقرأ شيئًا من القرآن بفهم، حيث أنّ الآية تتحدّث عن خلود أهل الجنّة فيها، فزيد في ألف كلمة فيها؛ ليدلّ على الأبديّة التي لا نهاية لها.
ويمكن أن يقال أنّ المدّ أيضًا يشير إلى شساعة الجنّة وعَرْضها الفسيح الذي يبلغ عرْض السّماوات والأرض، قال تعالى: {
} [آل عمران].
وهكذا نرى للمدّ معانٍ مختلفةٍ كلٌّ حسب موضعه، وعند تدبّرنا لمفهوم الآية أو الآيات السّابقة للتي فيها المدّ يمكن أن نستنتج معنًى بل أحيانًا معانٍ، وتتنوّع المعاني من حيث القرب والبعد من المفهوم الأوّل المتبادر إلى الذّهن.
ولست أرى الدّراسة في هذا المجال لغير المختصّين، بل أحصرها في من هو متضلّعٌ في علم التّجويد والقراءات من جهة، وعلم الأصوات من جهة أخرى، وأيضًا من له باعٌ في اللّغة وأسرارها ومكنوناتها، ويملك دقّة التّصوير والخيال العلمي المعنوي، وإلاَّ فلن يتسنّى له الفهم الدّقيق ولا استنباط المعاني.
__________
(1) _ البدور الزاهرة 12. (1/62)
صفحة 63
والتّقرير الذي أخرج به في نهاية دراستي لمعاني المدود الإعجازية في القرآن الكريم هو: أنّ الصّفة الغالبة على تلك المعاني هي الزّيادة أو المبالغة أو الاحتواء، ، والمحور الرّئيسي _ في نظري – والذي تدور حوله تلك المعاني هو المبالغة والشّمول والله تعالى أعلم.
المبحث الثّاني
نماذج ممّا ذكر العلماء في الإعجاز في الأداء وتأثير اللّفظ القرآنيّ المرتَّل في النّفس الإنسانية
لقد اطّلعت على بعض تلك الكتب المتعلِّقة بعلم الأصوات وعلم الإعجاز بصفةٍ عامّةٍ، فوجدت أنّ هناك من العلماء من تكلّموا في هذا الإعجاز وذكروا لذلك نماذج أقتصر على بعضها في المطلب الأوّل، ثمّ أذكر ما للّفظ القرآنيّ المُرتَّل من تأثيرٍ على النّفس الإنسانيّة ونماذج على ذلك.
المطلب الأوّل: نماذج ممّا ذكر العلماء لمظهر الإعجاز في الأداء.
النموذج الأول: اختار سيّد قطب في كتابه «في ظلال القرآن» أن يسمّي تسمية الإعجاز في الأداء فقال: إنّ القرآن الكريم معجزٌ في بنائه التّعبيريّ وتنسيقه الفنّي وأسلوبه في الأداء. (1)
وذكر لذلك ثلاثة جوانب أهمّها، استحياءُ المشاهد واستحضارها: وقال فيه: «وللأداء القرآني طابع بارز كذلك في القدرة على استحضار المشاهد» (2)
لكنّه لم يَسُق لذلك أمثلةً، بل كلّ ما هنالك من الأمثلة فإنّها تتعلّق بالإعجاز البيانيّ. (3)
النموذج الثاني:«ويختلف الاختيار للصّيغة في القرآن الكريم وذلك نحو قوله تعالى:
{ } [البقرة: 9].
__________
(1) _ نظرية التصوير 308.
(2) _ في ظلال القرآن م 3، ج 11/ 1787.
(3) _ وقد نُقل من تلك الأمثلة في كتاب: «نظرية التصوير الفني»، 212_214. (1/63)
صفحة 64
فلفظ القراءة { } فيه صيغتان إحداهما هذه، والأخرى هي: يخدعون، واختار هذه الكوفيون وابن عامر وآخرون كأبي جعفر والحسن وقتادة وأبي عبد الرّحمن السُّلَمي ، وحجّتهم من اللّغة والتّفسير ونصّ القرآن؛ ذلك لأنّ فاعل وفعل بمعنى واحد، وأنّ الخداع لم يكن من اثنين كما توحي صيغة «فاعل».
واختار الآخرون من السّبعة ومعهم الأعرج وابن جندب وشيبة ومجاهد صيغة المفاعلة على استواء الصّيغتَين، وحملوا اللّفظ الثّاني على الأول.
والمسموع من نطق اللّفظين مختلفين يوحي بفرقٍ بين الصّيغة الأولى التي ليس فيها ألف، ويوحي بشيءٍ من المعنى، والمسموع منهما متّفقَين يوحي برَتَابةٍ ويوحي بتأكيد المعنى وعودته على أنفس المخادعين وحدهم». (1)
النموذج الثالث: «وفي قوله تعالى {
... } [يونس: 35]، أربعة اختيارات: أوّلها الياء وتشديد الدّال، وهو لابن كثير وابن عامر وورش، ووافقهم أبو عمرو وقالون لكنّهما خفّفا فتحة الهاء.
وثانيهما: فتح الياء وكسر الهاء وتخفيف الدّال وهو لحمزة والكسائي.
وثالثهما: فتح الياء وكسر الهاء والتّشديد وهو لحفص.
والرّابع : كسر الياء والهاء وهو لأبي بكر. (2)
__________
(1) _ وجوه من الإعجاز الموسيقي: 63، (بتصرف)، نقلا عن كتاب «المختار في قراءات أهل الأمصار» و « زاد المسير، 1/ 29» و «تفسير ابن كثير، 1/ 48».
(2) _ المصدر السّابق: 65، نقلا عن كتاب «معاني القرآن، 1/ 464»، و«تفسير الطبري، 15/ 87»، و «زاد المسير، 4/30». (1/64)
صفحة 65
وفي ذكر هذا الفعل باختلاف مسموع ألفاظه، ووروده خمس مرّات في الآية يؤكّد صيغةً من اللّفظ يُملِح في الأذن، لكنّ في لفظ الفعل المختلف فيه نهاية الحسن ولا سيما إذا كان القارئ يجمع بين أكثر من قراءةٍ لهذا اللّفظ في تلاوته، وقد اجتمع له صوتَا عِلّة هما الياءان: إحداهما بأوّل اللّفظ، والأخرى بآخره وبينهما هاء التي يصحب نطقها نفخٌ وتنفّسٌ يملأ الصّدر، ويصحب ذلك أكثر أصواتِ الحركات والصّوت المشدّد وهو الدّال يترك أثرًا مغايِرًا بين كلّ هذه الأصوات». (1)
أمّا الوقف في القرآن، فقد ذكر العلماء نماذج لما يوحي من معانٍ وهو: «دون الوصل في وسط الآية، وضمن فقراتها، وعند فواصلها، ولمّا كان مبنى الفواصل القرآنيّة على الوقف في مختلف صورها مرفوعةٌ ومجرورةٌ ومنصوبةٌ اسمًا كانت أم فعلاً، مفردًا أم مثنىَّ أم جمعًا مذكّرًا ومؤنَّثا، فإنّ الوقف في مجالها متميّز الأبعاد، ومتوافرُ العطاء». (2)
«وأكثر ما وجدت الكلام عن هذا الجزء من الإعجاز في فرعٍ منه وهو ما يسمّيه البعض بـ: «الفواصل في القرآن».
النموذج الرابع: قوله تعالى: {
} [القمر].
فالكلمة { } وهي مجرورةٌ تَبِعتْها في الفاصلة التي تليها { } وهي مفتوحةٌ، والكلمة { } وهي مجرورةٌ تبعتْها في الفاصلة التي تليها { } وهي مفتوحةٌ، وقد تمَّت تسويتها الصّوتيَّة على وتيرةٍ نغميَّةٍ واحدةٍ ضمن نظام الوقف في الفواصل فنُطقت ساكنةً». (3)
وقد عدّد صاحب كتاب «الصّوت اللّغوي في القرآن» أمثلةً لذلك، يغلب عليها مثلُ هذا التّحليل. (4)
«
__________
(1) _ المصدر السّابق: 65.
(2) _ الصوت اللغوي في القرآن 108.
(3) _ المصدر السّابق: 109.
(4) _ ذكر أمثلة عدة في هذا الصدد 109_111. (1/65)
صفحة 66
أمّا الوقف في وسط الآية، وفي نهاية الجملة، وعند بعض الفقرات من الآيات، فإنّه يخضع لقواعدَ إعرابيّةٍ حينًا، وتركيبةٍ حينًا آخر، وقد أشرنا إليها فيما سبق، ولا يترتّب عليها كبيرُ أمرٍ في الأصوات، لهذا كانت الإشارة إليها مغنيةً، وكان التّفصيل في الوقف عند الفواصل لارتباطه بالصّوت اللّغويّ». (1)
وأختم هاته النّماذج _ والتي أحسبها تدخل ضمن مطلب: إشارات بعض العلماء إلى هذا النوع من الإعجاز كأمثلةٍ لما أشاروا إليه _ بنموذجَين للرّافعي:
والنّموذجَين قد ذكرتهما بتصرّف من قبل، وسأوردهما هنا كاملين:
النموذج الخامس: «لفظة { } جمع نذير؛ فإنّ الضّمّة ثقيلةٌ فيها لتواليها على النّون والذّال معًا، فضلاً عن جسْأَة هذا الحرف ونُبوِّه في اللّسان، وخاصّة إذا جاء فاصلةً في الكلام، فكلّ ذلك ممّا يكشف عنه ويُفصِح عن موضع الثّقل فيه؛ ولكنّه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: { } [القمر]، فتأمّل هذا التّركيب، وأَنْعِم ثمّ أنعم على تأمّله،وتذوّق مواقع الحروف وأجْرِ حركاتها في حسّ السّمع وتأمّلْ مواضع القلقلة في دال {لقد}، وفي الطّاء من { } وهذه الفَتَحات المتوالية فيما وراء الطّاء إلى واو { }، مع الفصل بالمدّ، كأنّها تثقيلٌ لخفّة التّتابع في الفتحات إذا هي جَرَت على اللّسان؛ ليكون عليه مستخفًّا بعد؛ ولكون هذه الضّمّة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة، ثمّ ردّد نظرك في الرّاء من { } فإنَّها ما جاءت إلاَّ مسانِدةً لراء { } حتَّى إذا انتهى اللّسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجفّ عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه، ثم اعجبْ لهذه الغنَّة التي سبقت الطَّاء في نون { } وفي ميمها، وللغنّة الأخرى التي سبقت الذّال في { }». (2)
__________
(1) _ المصدر السّابق: 111.
(2) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 227_228. (1/66)
صفحة 67
النموذج السادس: « قد وردت في القرآن ألفاظٌ هي أطول الكلام عدد حروفٍ ومقاطع ممَّا يكون مستثقلاً بطبيعة وضعه أو تركيبه، ولكنّها بتلك الطّريقة التي أومَأْنا إليها قد خرجت في نظمه مخرجًا سرِّيًّا، فكانت من أحضر الألفاظ حلاوةً وأعذبها منطقًا وأخفِّها تركيبًا، إذ تراه قد هيَّأ لها أسبابًا عجيبةً من تكرار الحروف وتنوُّع الحركات، فلم يُجْرها في نظمه إلاَّ وقد وجد ذلك فيها، كقوله: { } [النور: 55] فهي كلمةٌ واحدةٌ من عشرة أحرفٍ، وقد جاءت عذوبتُها من تنوُّع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها، فإنَّها بذلك صارت في النُّطق أربع كلماتٍ؛ إذ تُنطق على أربع مقاطع، وقوله: { } [البقرة: 137]فإنَّها كلمةٌ من تسعة أحرفٍ، وهي ثلاثة مقاطع وقد تكرّرت فيها الياء والكاف، وتوسّط بين الكافَين هذا المدّ الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلِّها». (1)
ومن هنا أقول: أنَّ كلام الرَّافعي أدقّ وأحسن تحليلاً، ولا أربط هذا إلاَّ بتمكُّنه في اللُّغة وبيانها، ومعرفته بأسرارها وأصولها؛ لهذا فإنّ تحليله لدقائق علم التَّجويد _ في هذين النموذجين مثلاً – كمخارج الحروف وحركاتها، أو القلقلة أو الغنّات وغيرها من الأحكام مؤثّرٌ في نفس من له باعٌ في أسرار لغة القرآن، فضلاً عن القرآن نفسه إذا تُلي تلاوةً صحيحةً.
المطلب الثَّاني: التَّأثير الإعجازي للَّفظ القرآني المرتَّل في النَّفس الإنسانيّة:
لا يشكّ أحدٌ من أهل القرآن وغيرهم، أنّ القرآن يؤثّر في النّفس فيهديها إلى الصّراط المستقيم، ويتأثّر أكثر بل يزداد تقوًى به صاحب التَّرتيل الصَّحيح الذي يعطي للحروف حقّها وللأحكام مواضعها.
__________
(1) _ المصدر السّابق: 229. (1/67)
صفحة 68
وقد وقع مثل هذا التّأثير في عصر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، ونسمع عن الكثير ممّن اهتدوا حين سماعهم لتلاوة النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وليس فوقها تلاوةٌ، وحتّى إلى عصرنا هذا منهم الأستاذ المقرئ الشَّيخ عبد الباسط عبد الصّمد (1) _ على سبيل المثال _ الذي «أسلم بسماع القرآن من صوته النّديّ وأدائه القويّ خلقٌ لا يحصون كثرةً» (2) .
__________
(1) _ عبد الباسط عبد الصمد (1346_ 1409هـ = 1927_ 1988م): هو شيخ المقرئين، ورئيس نقابة قراء ومحفظي القرآن الكريم في مصر، وعضو المجلس الأعلى الإسلامي، كان من رواد قراءة القرآن الكريم في الإذاعة والتلفزيون، قرأه لأكثر من 35 عاما، وحصل على العديد من الأوسمة والنياشين من ملوك ورؤساء العالم، وقد رزقه الله من حسن الصوت والأداء بما لا يوصف، ولم ير من يضاهيه في هذا العصر، وكان ينتقل بين بلدان العالم وخاصة في شهر رمضان لقراءة القرآن الكريم، وكان حتى النصارى وغيرهم يستمعون إليه لحسن صوته ونقائه وجمال أدائه، ومن الأصوات التي تتلمذ على نهجها أصوات المشايخ محمد رفعت، والشعشاعي، ومصطفى إسماعيل وغيرهم، وافته المنية بمصر بعد أن سجل القرآن الكريم كله عشرات المرات بالقراءات السبع. (انظر تتمة الأعلام: لمحمد خير رمضان يوسف، ط 2/ 1422هـ_2002م، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1/ 265_266).
(2) _ الأستاذ: لؤي محمد قبيصي الشريف الصعيدي المصري، مدرس بمعهد العلوم الشرعية بسلطنة عمان، متخرج من معهد القراءات بالأزهر الشريف بمصر، له كتاب «القسطاس المستقيم في بيان مدى مشروعية صدق الله العظيم». (1/68)
صفحة 69
فـ«ليس يخفى أنّ مادّة الصّوت هي مظهر الانفعال الصّوتيّ، وأنّ هذا الانفعال إنّما هو سببٌ في تنويع الصّوت، بما يخرجه فيه مدًّا أو غنَّة أو ليّنا أو شدّة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تُناسب ما في النّفس من أصولها» (1) .
وإذا أخذنا مثلاً أغنيةً مشهورةً بموسيقاها الرّائعة ونزعنا التّفنّن في مدودها ومخارج حروف كلماتها وما إلى ذلك من الأشياء الرّنّانة في أذن السّامع: _ أقول إذا نزعنا هذا _ وقرأناها قصيدةً فحسب، فإنّنا نُحسّ بأنّنا نكَّرنا هذه القصيدة؛ لأنَّ شيئًا أساسيًّا يتغلغل في النّفس ويُحكِم على سيطرتها قد نزعتَه وتركتَه.
فهكذا القول بالنّسبة للقرآن الكريم _ وحاشا له أن يشبه بالغناء _؛ لأنَّ الغناء تستطيع ذلك، وأمّا القرآن فلا، وإذا حاولنا أن نسقط شيئًا من أحكام تلاوته ونبعده عن التّطبيق فنقرأه قراءةً نثريَّةً، سنرى أنّ النّفس تحسِبه كالكلام العاديّ، بل تشمئزُّ من ذلك قلوب ذوي الاختصاص بالأخص.
«فلو اعتبرنا ذلك (2)
__________
(1) _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: 215.
(2) _ تعود كلمة ذلك إلى الفقرة التي ذكرتها سابقا حيث قال قبل هاته الفقرة «وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها؛ ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع؛ أو الإطناب والبسط؛ بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها، مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى.
فلو اعتبرنا...»، إعجاز القرآن للرافعي 216. (1/69)
صفحة 70
في تلاوة القرآن على طرق الأداء الصّحيحة، لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللّغات كلّها في هزّ الشّعور واستثارته من أعماق النّفس؛ وهو من هذه الجهة يغلب بنظمه على كلّ طبعٍ عربيٍّ أو أعجميٍّ (1) حتّى إنّ القاسية قلوبهم من أهل الزّيغ والإلحاد، ومن لا يعرفون لله آية في الآفاق ولا في أنفسهم، لَتَلِين قلوبهم وتهتزّ عند سماعه؛ لأنّ فيهم طبيعةٌ إنسانيّةٌ؛ ولأنّ تتابع الأصوات على نِسبٍ معيّنةٍ بين مخارج الأحرف المختلفة، هو بلاغة اللّغة الطّبيعيّة التي خلقت في نفس الإنسان، فهو متى سمعها لم يصرفه عنها صارف من اختلاف العقل أو اختلاف اللّسان؛ وعلى هذا وحده يُؤوِّل الأثر الوارد أنّ في الصّوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا؛ لأنّه يجنّب هذا الكمال اللّغوي ما يُعدُّ نقصًا منه إذا لم تجتمع أسباب الأداء في أصوات الحروف ومخارجها، وإنَّما التَّمام الجامع لهذه الأسباب صفاء الصّوت، وتنوّع طبقته، واستقامة وزنه على كلّ حرف».
وما تلك الحروف وأصواتها فضلاً عن أحكام علم التَّجويد المُترتِّبة على اللّفظ القرآنيّ التي يُطالَب المجوَّد بتطبيقها، إلاَّ ضربٌ من النَّغم الفاعل في ما لا يفعله الحرف في كلمةٍ غير القرآن، كما أوردنا مثال لفظة { } مقارنةً بـ «تثاقلتم».
__________
(1) _ «وهذه حالة مطردة يعرفها الناس جميعا، وما من أعجمي يسمع ترتيل القرآن إن فهمه أو لم يفهمه إلاَّ اعترته رقة للشجى والنظم، وأحس أن هذه الآيات تتموج في نفسه وتجيش نفسه بها، مع أنه لا يعتريه من ذلك شيء إذا هو سمع الألحان العربية في الغناء والشعر، وقد لا يجد في الموسيقى ضربا أسخف منها، لمكان اختلاف الأذواق، وما تجده ملحدا لا يؤمن بالله إلاَّ وهو مؤمن بهذا الإعجاز في كتابه حين يسمعه مرتلا من صوت جميل، كأن النبوة حينئذ تلامسه.(إعجاز القرآن للرافعي 216). (1/70)
صفحة 71
فهذه الطّريقة «في القرآن هي صوت إعجازه الذي يخاطِب كلّ نفسٍ تفهمه، وكلّ نفسٍ لا تفهمه، ثمّ لا يجد في النّفوس على أيّ حالٍ إلاَّ الإقرار والاستجابة، ولو نزل القرآن بغيرها؛ لكان ضربًا من الكلام البليغ الذي يُطمَع فيه وفي أكثره، ولمّا وجد فيه أثرٌ يتعدى أهل هذه اللّغة العربيّة إلى أهل اللّغات الأخرى، ولكنّه انفرد بهذا الوجه للعجز». (1)
وقد ذكرت سابقًا أنّنا لو أخذنا أحكام التّلاوة وأسقطناها على فقرةٍ نثريَّةٍ لما أمكن لنا ذلك؛ لأنّه خلطٌ بين طريقة قراءةٍ وكلام ليس بينهما انسجام، لاسيما بين النّثر والقرآن، حيْث أنّ القرآن ليس بشعرٍ حرٍ ولا بنثرٍ بل يسمّى كذلك، فالتّجويد طريقةٌ يُقرأ بها القرآن فقط لا غير الذي هو من علم الله، وهيهات أن يدرك علم الله بعلم البشر.
إلاَّ أنّ أرباب فنّ الإنشاد يستقرّون عند قاعدةٍ تتوافق وجزءًا من علم التّجويد، وهي استعمال مخارج الحروف، فهم يقولون: لابدّ للمنشد الفذّ بالأخصّ أن يتعلّم مخارج الحروف، وحتّى بعض الأحكام الأخرى كالغنّة مثلاً أو نقل الحركة أو غيرها ممّا يساعده على الأداء الجيد، _ والحمد لله _ أنّي ذُقت حلاوة ذلك عند معرفتي بذلك.
وهذا دليلٌ آخر على أنّ الإعجاز التّجويديّ أثَّر في غيره كالإنشاد.
وهذا يكون دافعًا لأن يُقال للقرآن سحرٌ يُؤثَر من أوّل نزوله على قلب سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ، قال تعالى: { ... } [المدثر].
وقد تهافت النَّاس ممَّا يُلاحظ مرارا في بعض البلدان؛ أنَّهم يتوجَّهون نحو المسجد الذي يكون إمامه جيِّد القراءة، يعطي للحروف حقّها وللأحكام مواضعها وتطبيقها على الوجه الحسن مع حُسن الصّوت، وأكثرَ ما نشاهد هذا في شهر رمضان بالنّسبة لصلاة التّراويح، فتجد النّاس يتحدّثون بانطباعاتهم الموجّهة نحو إمام المسجد حول كيفيَّة قراءته وأداءه وصوته وتطبيقه للقواعد والأحكام.
__________
(1) _ المصدر السّابق: 217. (1/71)
صفحة 72
ولئن كان النَّاس والعوامّ على وجه الخصوص لا يعرفون القواعد، لكن مع ذلك يتأثّرون لمجرّد سماعهم للمدّ الواجب مثلاً أو الغنّة أو القلقلة التي تترك في أذن السّامع ذَبْذبةَ الحرف أو الاختلاف بين لامات لفظ الجلالة بالنّسبة لقضيّة التّفخيم والتّرقيق وغيرها من الأحكام.
كلّ هذا يحسّ به النّاس عندما يقارنون قراءة الإمام بقراءة أحد الأئمَّة الكبار المجوِّدين.
فاللَّفظ القرآنيّ المجوَّد له تأثيرٌ بليغٌ وأخَّاذٌ ترتاح إليه النَّفس وتجذبها نحو قراءة القرآن وتدبُّر معانيه.
هذا فقط عن التَّجويد فضلاً عمَّن له فقه بالإعجاز البيانيّ كذلك.
وهذا هو فعل سحر القرآن في نفوس النّاس «فانظروا إلى هذا القرآن لقد كنت تجد من حاربه من المشركين ويخرج في جنح الظّلام ليستمع إلى بيوت الصّحابة وهم يَقرؤون القرآن، وكان هؤلاء المشركين يمنعون نساءهم وأبناءهم من سماعهم خوفًا من تأثيره في هؤلاء الأبناء» (1) .
فلا نقول هنا أنَّ الأبناء يتأثَّرون بالبيان المعجز؛ لأنَّ هناك منهم من لا يفقه الشَّيء الكثير من البيان حتّى يقارن مع القرآن، فنقول: أنَّ منعهم من الاستماع دليلٌ على أنَّ ترتيله قد أثَّر في بعضهم فأدخله الإسلام، وليس كلّه بل هناك من تأثّر بالبيان، بمعنى أنّ للتّرتيل نصيبٌ من التَّأثير فيهم.
ولقد تواصى المشركون والكفّار فيما بينهم ألاَّ يستمعوا لهذا القرآن (2) ، قال تعالى: {
} [الفرقان]، وبل حتّى خرج بعضهم شاهرًا سَيْفه يريد القضاء على الإسلام وعلى نبيّ الإسلام؛ فيقع أسيرَ القرآن ويتحوَّل سنَدًا وعَونًا له. (3)
«
__________
(1) _ دراسات قرآنية: من محاضرات نادي المدينة المنورة الأدبي، محاضرة إعجاز القرآن بتاريخ4_6_1399هـ، د ط، د ت، نادي المدينة المنورة، 1/ 71.
(2) _ سأذكر في المطلب الموالي نماذج من تأثير القرآن في النفوس.
(3) _ دراسات قرآنية: 71. (1/72)
صفحة 73
فرحم الله أصحاب رسول الله وأهل المدينة حين كنت تسمع لهم دويًّا كدويِّ النَّحل كلَّما مررتَ ببيوتهم، أمَّا الآن ويا للأسف قد تحوَّلت إلى دويٍّ هائلٍ للتّلفزيونات والأغاني.
وقد دفعهم ذلك إلى تطبيق أحكام القرآن ابتداءً من القراءة الجيِّدة إلى التَّطبيق العملي لِما شُرع فيه، فكانوا يقِفُون عند حلاله وحرامه، ويَبذُلون قصارى جهدهم، بل وحياتهم وأموالهم وكلّ ما أوتوا من قوّة في سبيل الدّفاع عن حياض القرآن، ألا تَرَون أنّ هذا إعجازٌ أثَّر فيهم حتَّى استقرُّوا إلى وَهْب حياتهم لإعلاء كلمة القرآن» (1) .
وأنا بدوري في هذا المقام ألقي اللّوم على التّجار خصوصًا؛ لأنّي أرى أنّهم _ والله أعلم _ الوسيلة الكبرى لإدخال من يشاؤون إلى الإسلام، لو أنَّهم شغَّلوا في دكاكينهم أشرطةً لتلاوات القرّاء؛ لجلب أسماع النَّاس وسَلْب نفوسهم نحو القرآن وبالأخص التّجار الذين هم موجودون في غير بلاد الإسلام.
هذا لا ننسى أصحاب التَّخصُّصات الأخرى كالأطباء _ مثلاً _، فعليهم أن يستعملوا شريط قارئٍ من المقرئين ليُهدِّئوا المريض نفسانيًا، بدل أن يستعملوا الموسيقى الهادئة بدعوى بعث الأريحيَّة كما يفعل علماء النَّفس الغربيُّون؛ لأنَّه بلا شكّ يجد المريض في استماعه للقرآن نشوةً لا تضاهيها نشوةٌ، وقد قال أعزّ من قائل: {... ... } [فصلت: 44].
وأخطأ خطأً لا يغتفر من زعم وشكّ في تأثير القرآن وهدايته للخلق أجمعين.
المطلب الثّالث: نماذج ممّا ذكر العلماء من تأثير التّلاوة في نفوس البشر:
«إنّ الأداء القرآنيّ يمتاز ويتميّز من الأداء البشريّ...، إنّ له سلطانًا عجيبًا على القلوب ليس للأداء البشريّ، حتّى ليبلغ أحيانًا أن يؤثّر بتلاوته المجرَّدة على الذين لا يعرفون من العربيّة حرفًا (2) .
__________
(1) _ المصدر السّابق: 72
(2) _ في ظلال القرآن: م 3، ج 11/ 1786. (1/73)
صفحة 74
فهناك تأثيرٌ لا ريب فيه من تأثير القرآن في نفوسٍ متعدّدةٍ منذ نزول أوّل كلمةٍ أو آيةٍ منه إلى عصرنا الحاليّ، وهذه نماذج من ذلك أُوردها حسب التّسلسل الزّمنيّ:
النّموذج الأوّل: تأثير القرآن في نفوس الكفّار:
لقد ذكرت كتب السِّير والتّاريخ نماذجَ وأمثلةً لتأثير القرآن في نفوس الكفَّار، وهنا نكتفي بهذا النّموذج:
«ذكر ابن إسحاق في «السّيرة النّبويّة» عن الزّهري قصّة استماع ثلاثةٍ من زعماء قريشٍ الكافرين القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طيلة ليالٍ ثلاثٍ متتابعةٍ!
وخلاصة الحادثة أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام ليلةً يقرأ القرآن عند الكعبة، وكان ثلاثةٌ من زعماء قريشٍ يسمرون تلك اللّيلة بجانب الكعبة، دون أن يرى أحدهم الآخر، وهم أبو سفيان «صخر بن حربٍ»، وأبو جهلٍٍ «عمرو بن هشامٍ»، والأخنس بن شريق.
استمرّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قراءته حتّى الفجر، واستمرّ كلّ واحدٍ من الثّلاثة في مكانه يستمع القرآن منه حتّى الفجر!
وفي الصّباح عاد كلٌّ منهم إلى بيته، فجمعتهم الطريق، فقال كلٌ منهم للآخر ما جاء بك؟ وعرفوا أنّ كلاًّ منهم أمضى ليلته يستمع القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتعاهدوا على أن لا يعودوا إلى ذلك؛ لئلاّ يَفتنوا شباب قريشٍٍ، فماذا سيقول الشّباب إن علموا أنّ زُعماءهم يُمضون اللّيل يستمعون القرآن؟!
ولمّا كانت اللّيلة الثّانية قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ القرآن عند الكعبة، فجاء كلّ واحدٍ من الزّعماء الثّلاثة إلى مكانه بالأمس، ظنًّا منه أنَّ صاحبَيه لا يجيئان بسبب العهود التي تعاهدوها! واستمرّ في مكانه يستمع القرآن حتّى الصّباح، وفي الصّباح جمعتهم الطّريق، فتلاوموا وتعاتبوا وتعاهدوا!
وفي اللّيلة الثّالثة تكرّر نفس الحادث! (1/74)
صفحة 75
وفي صباح اليوم الثّالث أخذ الأخنس بن شريقٍ عصاه، وخرج من بينه وتوجّه إلى بيت أبي سفيان، فقال له: يا أبا حنظلة: أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمّد؟
فقال له أبو سفيان: يا أبا ثعلبة، لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها!
فقال له الأخنس: وأنا والله مثلك!
ثمّ توجّه إلى أبي جهلٍ، وقال له: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمّد.
فقال له أبو جهلٍ: وماذا سمعت؟ تنازَعْنَا نحن وبنو هاشمٍ الشّرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطَوْا فأعطينا، حتّى إذا تحاذَينا وكنَّا كفَرَسَيْ رِهانٍ قالوا: منَّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء!! فمتى ندرك نحن ذلك؟ لا والله لا نؤمن به أبدًا!!» (1) .
وفي هذه القصَّة أقول: أنَّ تأثير القرآن على الكفَّار من جهتين: الأولى للتّلاوة، حيث أنّ تلاوة النّبيّ لا تماثلها تلاوةٌ؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - يقرأ كما أنزله الله عليه بمقادير المدود والغنّة وأحكام الوقف وما إلى ذلك من أحكامٍ كان يقرأ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - التي قرَّرها علماء التّجويد، ولذلك تأثّر أولئك بتلاوته - صلى الله عليه وسلم - ، والثَّانية للبيان القرآني، حيث أنَّهم يعرفون أنَّ هذا الكلام يفوق بيانهم وهم أئمة البيان في زمانهم، فلذلك سحرهم الرّسول - صلى الله عليه وسلم - في نظرهم وهو ليس كذلك؛ بل أثَّر فيهم ولم يهدهم الله تعالى لتعنُّتهم وعنادهم ومكابرتهم على النّبيّ محمّد - صلى الله عليه وسلم - .
النّموذج الثّاني: تأثير القرآن في نفوس غير العرب:
__________
(1) _ حبذت اختيار هذا الاختصار لهاته القصة نقلا عن السيرة النبوية لابن هشام، حيث أوردتها من كتاب إعجاز القرآن البياني: لصلاح عبد الفتاح الخالدي، ط 1/ 1421هـ_2000م، دار عمار، عَمان، الأردن، 492_493. (1/75)
صفحة 76
لقد أثر القرآن بمجرّد التّلاوة _ كما سأبيّن _ في نفوس غير العارفين من العربيّة شيئًا وهذا نموذجٌ من ذلك حدث لسيّد قطب أقوله (بتصرّف):
كنَّا ستّة نفرٍ من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينةٍ مصريَّة تَمخُر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك، من بين عشرين ومائة راكبٍ وراكبةٍ أجانب ليس فيهم مسلمٌ..، وخطر لنا أن نقيم صلاة الجمعة في المحيط على ظهر السّفينة! _ والله يعلم _ أنَّه لم يكن بنا أن نقيم الصَّلاة ذاتُها أكثر مما كان بنا حماسةً دينيَّةً إزاء مُبشِّر كان يزاول عمله على ظهر السَّفينة، وحاول أن يزاول تبشيره معنا!.. وقد يسَّر لنا قائد السَّفينة _ وكان إنجليزيًا _ أن نقيم صلاتنا، وسمح لبحَّارة السَّفينة وطُهاتها وخدمها _ وكلُّهم نوبيُّون مسلمون _ أن يصلّي منهم معنا من لا يكون في «الخدمة» وقت الصّلاة! وقد فرحوا بهذا فرحًا شديدًا، إذ كانت المرّة الأولى التي تقام فيها صلاة الجُمعة على ظهر السَّفينة.. وقمت بخطبةِ الجمعة وإمامة الصّلاة، والرُّكَّاب الأجانب _ معظمهم _ محلِّقون يرقبون صلاتنا!.. وبعد الصَّلاة جاءنا كثيرون منهم يهنِّئوننا على نجاح «القُدَّاس»!!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا! ولكن سيّدة من هذا الحشد _ عرفنا فيما بعد أنَّها يوغسلافيَّة مسيحيَّة هاربةٌ من جحيم «تيتو» وشيوعيته! كانت شديدة التأثُّر والانفعال، تفيض عيناها بالدَّمع ولا تتمالك مشاعرُها، جاءت تشدّ على أيدينا بحرارةٍ وتقول _ في إنجليزيَّةٍ ضعيفةٍ _: إنَّها لا تملك نفسها من التّأثّر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوعٍ ونظامٍ وروحٍ!..وليس هذا موضع الشّاهد في القصّة ..ولكن ذلك كان في قولها: أيّ لُغةٍ هذه التي يَتحدّث بها «قِسّيسكم»! فالمسكينة لا تتصوّر أن يقيم «الصّلاة» إلاَّ قسِّيس أو رجل دينٍ، كما هو الحال عندها في مسيحيَّة الكنيسة! وقد صحَّحْنا لها هذا الفهْم!.. (1/76)
صفحة 77
وأجبناها، فقالت: إنّ اللّغة التي يُتحدّث بها ذات إيقاعٍ عجيبٍ، وإن كنت لم أفهم منه حرفًا.. ثمّ كانت المفاجأة الحقيقيَّة لنا وهي تقول: ولكن هذا ليس الموضوع الذي أُريدُ أن أسأل عنه..
إنَّ الموضوع الذي ألفت حسّي هو: أنّ «الإمام» كانت ترد في أثناء كلامه _ بهذه اللّغة الموسيقيّة _ فقرات من نوعٍ آخر غير بقيّة كلامه! نوعٌ أكثر موسيقيّةً وأعمق إيقاعًا.. هذه الفقرات الخاصّة كانت تُحْدث فِيَّ رَعشةً وقُشعريرةً! إنَّها شيءٌ آخر! كما لو كان «الإمام» مملوءًا من الرُّوح القُدس! _ حسب تعبيرها المستمدّ من مسيحيّتها! _.
وتفكّرنا قليلاً، ثمّ أدركنا أنّها تعني الآيات القرآنيّة التي وردت أثناء خطبة الجمعة وفي الصّلاة! وكانت _ مع ذلك _ مفاجأةٌ لنا تدعوا إلى الدّهشة، من سيّدة لا تفهم ممّا نقول شيئًا (1) .
وهذا نموذجٌ واضحٌ على أنَّ تطبيق أحكامِ علم التَّجويد أثَّرت حتَّى في نفوس غير العرب فأعجزهم ذلك بتأثير هذا الإعجاز.
النَّموذج الثَّالث: تأثير التِّلاوة في نفس المسلم:
هذه قصّة وقعت لي أيَّام كنت في بلدي بالجزائر وهي:
أنِّي ذهبت يومًا في الصَّباح الباكر كعادتي إلى أحد منازل مدينتي، وكنت بها عامل طلاءٍ آنذاك، وكان من عادتي تلاوة شيءٍ من القرآن أو إنشاد أنشودةٍ حين أكون لوحدي في مكان ما، وساعتها كنت أتفنَّن في طلاءِ نافذةٍ من النّوافذ، وكان معي في المنزل عاملٌ في غرفةٍ غير التي أشتغل فيها، وليس لي به سبْق معرفةٍ إلاَّ في ذلك المنزل منذ يومٍ مضى.
فحين اشتغالي اخترت أن أتلو شيئًا من القرآن، فشرعت في التّلاوة بتطبيق أحكام علم التّجويد _كما درست على أساتذتي _، ثمّ سكتّ برهةً وفجأةً سمعت صوتًا فالتفتّ فإذا الرَّجل واقفٌ أمامي يقول لي: أكمل أكمل من فضلك التِّلاوة، لقد كنت أسمعك فأعجبتني تلاوتك.انتهى.
__________
(1) _ في ظلال القرآن: م 3، ج 11/ 1786. (بتصرف) (1/77)
صفحة 78
هذا هو القرآن في سحره العجيب، ودقّة نظمه الرّهيب الذي لا تملّه الأسماع.
جاء في كتاب «بيان إعجاز القرآن»: أن في إعجاز القرآن «وجهٌ آخر ذهب عنه النّاس، فلا يكاد يعرفه إلاَّ الشّاذّ من آحادهم..
وذلك صنيعه في القلوب، وتأثيره في النّفوس.
فإنّك لا تسمع كلامًا غير القرآن، منظومًا ولا منثورًا، إذا قرع السّمع خلص له إلى القلب من اللّذّة والحلاوة في حالٍ، ومن الرّوعة والمهابة في أخرى، ما يخلص منه إليه» (1) .
و«إنّ هنالك عنصرٌ ما ينسكب في الحسّ بمجرّد الاستماع لهذا القرآن يدركه بعض النّاس واضحًا، ويدركه بعض النّاس غامضًا، ولكنَّه على كلّ حالٍ موجودٌ.
هذا العنصر الذي ينسكب في الحسّ يصعب تحديد مصدره:
أهو العبارة ذاتها؟
أهو المعنى الكامن فيها؟
أهو الصّور والظّلال التي تشعّها؟
أهو الإيقاع القرآنيّ الخاصّ المتميّز من إيقاع سائر القول المصوغ من هذه اللّغة؟
أهي هذه العناصر كلّها مجتمعةً؟ أم إنَّها هي وشيءٌ آخر وراءها غير محدود؟» (2) .
أمَّا وجهة نظري فأقول: أنّ هذا السّر يكمن في السّماع الأوّل للصّوت المتميّز الخاصّ بالقرآن، وهو ما يسمّى بعلم التّجويد، وما أُسمّيه بالإعجاز التّجويديّ، حيث أنّه يُؤثّر بمجرّد السّماع الأوَّل، قبل أن يُتدبَّر ويُتفكَّر في عباراتِ القرآن وإعجاز بيانها وسحر بلاغتها، هذا ما ذكره سيّد قطب قائلاً:
«ذلك سرٌّ مودَعٌ في كلّ نصٍّ قرآنيٍّ يَشعر به كلّ من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداءً ...، ثمَّ تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتّدبّر والنّظر والتّفكير في بناء القرآن كلّه» (3)
...
الخاتمة
__________
(1) _ إعجاز القرآن البياني: 501.
(2) _ في ظلال القرآن: 6/ 3399.
(3) _ المصدر السّابق: 3399. (1/78)
صفحة 79
وبعدُ فقد انتهيت في الفصلين الذين يتألَّف منهما البحث إلى الكلام عن أسرار علم التّجويد حين يُرتَّل القرآن، وأنّ عمليّة التّرتيل الصّحيحة لها صفة التّأثير الأخّاذ للنّفوس لم يعهدها العرب من قبل؛ لأنّ القرآن نزل بطريقة قراءةٍ غير التي يُقرأ بها شعرهم ونثرهم، فأعجزهم عن التَّحدي بإتيان مثل تلك القواعد والأحكام.
وإنَّ أهمَّ النَّتائج أن كان الفصل الأوّل تحدّثت فيه عن أبرز مظاهر الإعجاز التّجويديّ وهو تفرّد القرآن بعلم التّجويد، فاخترت من قواعده القواعد المتعلّقة برواية ورشٍ الذي قرأ عن شيخه نافعًا وعنه تلميذه الأزرق المشتهر طريقُه ببعض قواعد تُميِّزه عن غيره كإعطاء المدّ الواجب الجائز مقدار ستِّ حركاتٍ، وقاعدة نقل الحركة، وغيرها.
ثمَّ تطرّقت إلى ذكر أنواع الإعجاز في القرآن، ومنها الإعجاز الصّوتي الذي يدخل تحته هذا النَّوع من الإعجاز الذي درسته.
وقبل دخولي لبَّ الموضوع كنت قد خصّصت مطلبًا لإيراد إشارات العلماء إلى هذا الإعجاز، وكانت أهمّها للأستاذ «مصطفى صادق الرَّافعي».
وبعد ذلك أخذت بعض الألفاظ القرآنية أحلِّلها وأدرسها من حيث مخارج الحروف وصفاتها وحركاتها انطلاقًا من تلك الإشارات، حتى خلُصتُ إلى أنّه ما من حرفٍٍ أو حركةٍٍ في الآية إلاَّ وأنت مصيبٌ من كلّ ذلك عجبًا في موقعه والقصد به، وأنَّ أصوات الحروف تنبئ عن معنًى يُصوَّر في الذّهن، كدلالة الحرف على انتشار الشّيء أو انبساطه أو قوّة خروجه، أو دلالة توالي الحروف على البُطء أو السُّرعة وغيرها من الدَّلالات.
وخرجت في نهاية هذا الفصل بأنَّ هذا غير مشتمِلٍ لكلِّ ألفاظ اللّغة فهي مختصَّة ٌبقليلها.
وأمَّا الفصل الثّاني فكان الكلام فيه عن أسرار بعض المدود، وأهمّ ما توصَّلتُ إليه أنّ المدود الموجودة في القرآن لها محورٌ رئيسيٌّ تدور حوله معانيها فهي دالَّةٌ على المبالغة في الشَّيء والإحاطة به وشموله. (1/79)
صفحة 80
وقد أضاف بعضهم سببًا آخر مع سَبَبي المدود (الهمز والسّكون)، وهو المبالغة في النَّفي، وكان ممَّن قال بهذا القول أبو القاسم الهذلي وأبو معشر الطَّبري.
وفي المبحث الأخير من الفصل سُقتُ بعض نماذج من ذكر العلماء لمظهر الإعجاز في الأداء، وتوصَّلت إلى أنَّ اللَّفظ القرآنيَّّ المجوَّد له تأثيرٌ بليغٌ وأخَّاذٌ ترتاح إليه النَّفس وتجذبها نحو قراءة القرآن وتدبُّر معانيه.
وقد وضعت في النِّهاية مطلبًا لنماذج من قصصٍ وقعت لكفَّارَ وغير العرب تأثَّروا بالتَّلاوة التي كان لها سلطانٌ عجيبٌ في النّفوس ومنها نفس السّائل الذي قال: إنَّ الموضوع الذي أَلْفَت حِسّي هو: أنّ «الإمام» كانت ترد في أثناء كلامه _ بهذه اللّغة الموسيقيّة _ فقراتٍ من نوعٍٍ آخر غير بقيّة كلامه! نوعٌ أكثر موسيقيّةً وأعمق إيقاعًا.. هذه الفقرات الخاصّة كانت تُحْدث فِيَّ رَعشةً وقُشعريرةً!، فكانت التِّلاوة هي الجواب الذي أُجيب به السّائل وكان يقصد ذلك.
بهذا كان الإعجاز التّجويدي هو العجز عن التّحدي بإتيان مثل قواعد وأحكام علم التّجويد التي لها صفة التّأثير الأخّاذ للنّفوس، كمخارج الحروف وصفاتها وحركاتها، أو كمعاني المدود وغيرها بحيث لو أُعطيت لغير القرآن لفَسُد المطلب من الإعجاز.
هذا هو السرٌّ المودَعُ في كلّ نصٍّ قرآنيٍّ يَشعر به كلّ من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداءً.
ملاحظة:
وفي الأخير أقول: بأني لا أجرؤ على القرآن فأجزم بما ذكرت من معاني بعض أحكام علم التجويد في القرآن أنها الصواب، فهي اجتهاد خاص على ضوء ما قاله العلماء،؛ لذا فهو يحتمل الخطأ. والله من وراء القصد وهو تعالى أعلم.
- - - - - - - - -
فهرس الآيات
فهرس المصادر والمراجع
فهرس المحتويات
فهرس الآيات
سورة الفاتحة ... الصفحة
اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ. ... 45
سورة البقرة ... الصفحة
أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ... 48 (1/80)
صفحة 81
خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. ... 30
يُخَادِعُونَ اللهَ. ... 46
يُخَادِعُونَ اللهَ والذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يُخَادِعُونَ إِلآَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. ... 56
فسيكفيكهم الله. ... 46_59
وّمِنْهُمُ أُمِّيُونَ. ... 54
سورة آل عمران ... الصفحة
اللهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ. ... 51
لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. ... 43_52
سَارِعُواْ إِلىَ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ . ... 55
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ. ... 46
سورة النساء ... الصفحة
كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا. ... 20
يَآ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّنّ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا. ... 14
سورة الأنعام ... الصفحة
حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً. ... 49
قَدْ خَسِرَ الذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللهِ حَتَّىآ إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً. ... 49
أَوْ تَقُولُواْ لَوَ اَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىا مِنْهُمْ ...قُلِ اِنتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ. ... 52
سورة الأعراف ... الصفحة
وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا. ... ... 31_32_38
سورة الأنفال ... الصفحة
إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ, ءَاياتُهُ زَادَتْهُمُ, إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. ... 23
سورة التوبة ... الصفحة
يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمُ, إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمُ, إِلَى الاَرْضِ ... 34
سورة يونس ... الصفحة (1/81)
صفحة 82
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهَدِّي إِلآَّ أَنْ يُّهْدَى. ... 57
- صلى الله عليه وسلم - سورة الحجر ... الصفحة
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ. ... 49
فَسَجَدَ الْمَلآَئِكَةُ كُلُّهُمُ, أَجْمَعُونَ. ... 49
سورة النحل ... الصفحة
تَاللَّهِ لَقَدَ اَرْسَلْنَآ إِلَىآ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ. ... 53
سورة الإسراء ... الصفحة
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً. ... 33
قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىآ أَنْ يَّاتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا. ... 14
وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً. ... 08
سورة الأنبياء ... الصفحة
لآ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ. ... 43
سورة المومنون ... الصفحة
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فيِ قَرَارٍ مَّكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا _اخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. ... 20
سورة النور ... الصفحة
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فيِ الاَرْضِ. ... 59
سورة الفرقان. ... الصفحة
وَقَالَ الذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَالِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً. ... 08
سورة القصص. ... الصفحة (1/82)
صفحة 83
فَرَدَدْنَاهُ, إِلَىآ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. ... 53_54
وَأَوْحَيْنَآ إِلَىآ أُمِّ مُوسَىآ أَنَ اَرْضِعِيهِ ... وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. ... 53_54
قُلَ اَرآيْتُمُ, إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا اِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنِ اِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُم بِضِيَآءٍ _اَفَلاَ تَسْمَعُونَ. ... 49
سورة يسن ... الصفحة
وجاء من اَقصا المدينة رجل يسعى. ... 54
وَءَايَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ... وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. ... 20
سورة ص ... الصفحة
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. ... 15
سورة فصلت ... الصفحة
وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ. ... 63
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَآءٌ. ... 64
...
سورة الزخرف ... الصفحة
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ... 50
سورة محمد ... الصفحة
لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه.ُ ... 43
سورة القمر ... الصفحة
فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ ... جَزَآءً لِمَن كَانَ كُفِرَ. ... 58
تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمُ, أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ. ... 37
وَلَقَدَ اَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ. ... 37_59
سورة الرحمن ... الصفحة
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمُ, أَن تَنفُذُوا مِنَ اَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ. ... 54
سورة الواقعة ... الصفحة
فَلَوْلآَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. ... 32_39
سورة المزمل ... الصفحة
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً. ... 08
سورة المدثر ... الصفحة (1/83)
صفحة 84
فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُوثَر.ُإِنْ هَذَآ إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر.ِ ... 62
سورة القيامة ... الصفحة
فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ... 08
سورة الإنسان ... الصفحة
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً. ... 08
سورة البينة ... الصفحة
إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئة.ِ ... 50
جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا. ... 55
فهرس المصادر والمراجع
01_ القرآن الكريم برواية ورش.
(أ)
02 _ الإتقان في علوم القرآن: لجلال الدين عبد الرحمان أبي بكر السيوطي (ت 911)، ط 1/ 1407هـ_1987م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
03 _ أسد الغابة في معرفة الصحابة لعز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري (ت 630)، ط1/1419هـ_1998م، دار الفكر، بيروت، لبنان.
04 _ الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم، لخالد يوسف سعيد تفوشيت، د ط/ 1425هـ_2004م، د ن.
05 _ إعجاز القرآن البياني: لصلاح عبد الفتاح الخالدي، ط 1/ 1421هـ_2000م، دار عمَّار، عَمّان، الأردن.
06 _ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: لمصطفى صادق الرافعي، ط 9/1393هـ_1979م، دار الكتاب العربي بيروت_لبنان.
07 _ الأعلام: لخير الدين الزركلي، م 1، ط 7/ 1986م، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان.
(ب)
08 _ البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة: لعبد الفتاح عبد الغني القاضي، ط 1/ 1424هـ_2004م، دار السلام، القاهرة، مصر العربية.
09_ البيان في إعجاز القرآن: لصلاح عبد الفتاح الخالدي، ط 1/ 1420هـ_1989م، دار عمّار، عَمَّان، الأردن.
(ت)
10 _ تاج العروس من جواهر القاموس: لمحمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي، د ط، د ت، د ن.
11 _ تاريخ آداب العرب: لمصطفى صادق الرافعي، ط4/1394هـ_1974م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان. (1/84)
صفحة 85
12 _ تتمة الأعلام: لمحمد خير رمضان يوسف، ط 2/ 1422هـ_2002م، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
13 _ التصوير الفني في القرآن: لسيد قطب، ط12/ 1412هـ_1992م، دار الشروق، القاهرة، مصر.
14 _ التعريفات: لعلي بن محمد بن علي الجرجاني، ط 2/ 1413هـ_1992م، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
15 _ التمهيد في علم التجويد: لمحمد بن محمد بن الجزري، تحقيق علي حسين البواب، ط 1/ 1405هـ_1985م، مكتبة المعارف، الرياض، السعودية.
16 _ تهذيب اللغة: لمحمد بن أحمد الأزهري، د ط، د ت، تحقيق وتقديم عبد السلام هارون، مراجعة محمد علي النجار، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
(خ)
17 _ الخصائص: لعثمان بن جني، تحقيق محمد علي النجار، د ط، د ت، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
(د)
18 _ دائرة المعارف: للمعلم بطرس البستاني، د ط، د ت.
19 _ الدراسات الصوتية عند علماء التجويد: لغانم قدوري الحمد، ط 1/ 1423هـ_ 2003م، دار عمار، عمان، الأردن.
20 _ دراسات قرآنية من محاضرات نادي المدينة المنورة الأدبي: محاضرة إعجاز القرآن، بتاريخ4_6_1399هـ، د ط، د ت، نادي المدينة المنورة.
21 _ الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني: لحسام سعيد النعيمي، د ط/ 1980، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
22 _ ديوان الأعشى شرح: يوسف شكري فرحات، ط 1/ 1413هـ_1992م، دار الجيل،بيروت،لبنان.
(س)
23 _ سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد: لصلاح عبد الفتاح الخالدي، ط 1/ 1411هـ_1991م، دار القلم، دمشق، سوريا، والدار الشامية، بيروت، لبنان.
24 _ سرّ صناعة الإعراب: لعثمان ابن جني، ط 2/ 1413هـ_1993م، دار القلم، دمشق، سوريا.
(ش)
25 _ شرح طيبة النشر في القراءات العشر: أحمد بن محمد بن محمد بن الجزري الدمشقي، ضبط وتعليق الشيخ أنس مهرة، ط 2/ 1420هـ_2000م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. (1/85)
صفحة 86
26 _ شرح النظم الجامع لقراءة الإمام نافع: لعبد الفتاح القاضي، د ط/ 1959، مكتبة تاج بطنطا.
(ص)
27 _ الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: لإسماعيل بن حماد الجوهري (ت 383)، تحقيق إميل بديع يعقوب و محمد نبيل طريفي، ط 1/ 1420هـ_1989م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
28 _ صفوة التفاسير: لمحمد علي الصابوني،ط 9، د ت، دار الصابوني، القاهرة، مصر.
29 _ الصوت اللغوي في القرآن: ط 1/ 1420هـ_2000م، دار المؤرخ العربي، بيروت، لبنان.
(ف)
30 _ في ظلال القرآن: لسيد قطب، ط 12/ 1406هـ_1986م، دار العلم للطباعة والنشر، جدة، السعودية.
(ق)
31 _ القاموس المحيط: لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي، د ط، د ت، دار الجيل، بيروت، لبنان.
32 _ القراءات وأثرها في التفسير والأحكام: لمحمد بن عمر بن سالم بازمول، ط 1/ 1417هـ1996م، دار الهجرة بالرياض، المملكة العربية السعودية.
33 _ القول الأصدق فيما خالف فيه الأصبهاني الأزرق: لعلي محمد الضباع، ط 1/ 1419هـ_1999م، المكتبة الأزهرية للتراث.
34 _ القول المألوف في المدود والوقوف ومخارج الحروف: لأحمد محمود عبد السميع الشافعي (إجازة في قراءة نافع المدني)، ط 1/ 1421هـ_2000م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
(ل)
35 _ لسان العرب: لمحمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، د ط، د ت، دار صادر، بيروت، لبنان.
36 _ لسان العرب: لمحمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، ط 3 / 1414هـ_1994م، دار صادر، بيروت، لبنان.
37 _ لسان العرب: لمحمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، ط 5، د ت، دار المعارف، القاهرة، مصر.
(م)
38 _ محيط المحيط قاموس مطول للغة العربية: لبطرس البستاني، د ط/ 1983م، مطابع مؤسسة جواد للطباعة، مكتبة لبنان ساحة رياض الصلح، بيروت.
39 _ المزهر في علوم اللغة وأنواعها: عبد الرحمان جلال الدين السيوطي، د ط، د ت، دار الجيل، بيروت، لبنان. (1/86)
صفحة 87
40 _ المعجزة الكبرى القرآن: لمحمد أبو زهرة، د ط، د ت، دار الفكر العربي، بيروت – لبنان.
41 _ معجم الأدباء: لياقوت بن عبد الله الحموي (ت 1229)، ط 1/ 1408هـ_1988م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
42 _ المفردات في غريب القرآن: للحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني، د ط، د ت، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
43 _ الموسوعة العربية العالمية (ر_ز): ط 2/ 1419هـ_1999م، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع.
(ن)
44 _ النشر في القراءات العشر: لمحمد بن محمد الدمشقي الشهير بابن الجزري (ت 833)، د ط، د ت، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
45 _ نظرية التصوير الفني عند سيد قطب: لصلاح عبد الفتاح الخالدي، ط 2/ 1409هـ_1979م، دار المنارة، جدة، السعودية.
46 _ النهاية في طبقات القراء: لمحمد بن محمد بن الجزري (ت 833)، عنى بنشره ج برجستراسر، ط 3/ 1402هـ_1982م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
(و)
47 _ الوافي في كيفية ترتيل القرآن: لأحمد محمود عبد السميع الشافعي، ط 1/ 1421هـ_2000م، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
48 _ وجوه من الإعجاز الموسيقي في القرآن الكريم: لمحي الدين رمضان، ط 1/ 1402هـ_1982م، دار الفرقان، عمان، الأردن.
(مواقع الإنترنت)
49 _ WWW.ALBAYAN.CO.AE.
50 _ .www.quran-warch.com
...
المحتويات
العناوين ... الصّفحة
إهداء. ... 02
المقدّمة. ... 03
الفصل الأوّل: الإعجاز التجويدي برواية ورش وإشارات بعض العلماء لذلك ومظهره في وضع حروف الكلمة وحركاتها. ... 07
المبحث الأوّل: مفهوم الإعجاز التّجويديّ برواية ورشٍ عن نافعٍ في القرآن الكريم. ... 08
المطلب الأوّل: من أبرز مظاهر الإعجاز تفرّد القرآن بعلم التّجويد. ... 08
المطلب الثاني: تعريف الإعجاز التَّجويديّ لغةً واصطلاحًا. ... 11
الإعجاز لغة. ... 11
الإعجاز اصطلاحا. ... 13
التجويد لغة. ... 14
التجويد اصطلاحا. ... 15
الإعجاز التجويدي اصطلاحا. ... 16 (1/87)
صفحة 88
المطلب الثالث: معنى رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق. ... 16
ترجمة الإمام نافع المدني. ... 17
ترجمة الراوي ورش. ... 17
ترجمة أبو يعقوب الأزرق. ... 19
المطلب الرابع: أنواع الإعجاز في القرآن الكريم. ... 19
الإعجاز الفلكي. ... 20
الإعجاز الطبي. ... 20
الإعجاز العددي. ... 20
الإعجاز الغيبي. ... 21
الإعجاز التشريعي. ... 21
الإعجاز الصوتي. ... 21
المبحث الثاني: إشارات بعض العلماء إلى هذا الإعجاز ومظهره من حيث دراسة حروف بعض الكلمات وحركاتها. ... 23
المطلب الأول: إشارات بعض العلماء إلى هذا النوع من الإعجاز في القرآن. ... 23
المطلب الثاني: إعجازي لمخارج الحروف وصفاتها في دورها لصياغة معنى الكلمة. ... 29
رسم توضيحي لمخارج الحروف. ... 30
المثال الأول. ... 30
المثال الثاني. ... 31
المثال الثالث. ... 32
المثال الرابع. ... 34
المطلب الثالث: إيحاء الحركات الصّرفيّة والإعرابيَّة ومظهر الإعجاز في ذلك. ... 36
المثال الأول. ... 37
المثال الثاني. ... 37
المثال الثالث. ... 38
المثال الرابع. ... 39
الفصل الثاني: مظاهر الإعجاز التجويدي من دراسة بعض أبواب علم التجويد ونماذج من ذكر العلماء في ذلك وتأثير كل في النفس الإنسانية. ... 41
المبحث الأول: مظاهر الإعجاز من دراسة بعض المدود ومعنى كلّ مدّ في موضعه. ... 42
رسم توضيحي لأنواع المدود. ... 42
المطلب الأول: المدّ الطّبيعيّ ومغزاه في ذلك الموضع. ... 45
المثال الأول. ... 45
المثال الثاني. ... 46
المثال الثالث. ... 46
المثال الرابع. ... 46
المطلب الثاني: المدّ الواجب المتّصل ومغزاه المعجز في ذلك الموضع. ... 47
المثال الأول. ... 48
المثال الثاني. ... 49
المثال الثالث. ... 49
المثال الرابع. ... 49
المثال خامس. ... 50
المثال السادس. ... 50
المطلب الثالث: المدّ الجائز المنفصل ومغزاه المعجز في ذلك الموضع. ... 51
المثال الأول. ... 51
المثال الثاني. ... 52
المثال الثالث. ... 53
المثال الرابع. ... 53
المثال خامس. ... 54
المثال السادس. ... 54 (1/88)
صفحة 89
المبحث الثاني: نماذج ممّا ذكر العلماء في الإعجاز في الأداء وتأثير اللّفظ القرآنيّ المرتَّل في النّفس الإنسانية ... 56
المطلب الأول: نماذج ممّا ذكر العلماء لمظهر الإعجاز في الأداء. ... 56
النموذج الأول. ... 56
النموذج الثاني. ... 56
النموذج الثالث. ... 57
النموذج الرابع. ... 58
النموذج الخامس. ... 59
النموذج السادس. ... 59
المطلب الثاني: التَّأثير الإعجازي للَّفظ القرآني المرتَّل في النَّفس الإنسانيّة. ... 60
المطلب الثالث: نماذج ممّا ذكر العلماء من تأثير التّلاوة في نفوس البشر. ... 64
النموذج الأول. ... 64
النموذج الثاني. ... 66
النموذج الثالث. ... 67
الخاتمة. ... 69
الفهارس. ... 71
فهرس الآيات القرآنية. ... 72
فهرس المصادر والمراجع. ... 78
المحتويات. ... 83 (1/89)