صفحة 1
الكتاب: فتاوى حول القرآن الكريم وعلومه
المؤلف: الشيخ إبراهيم بن عمر بَيُّوض، مأخوذة مِن فتاواه
مصدر الكتاب: موقع القبس
alkabs.net
تنسيق وفهرسة للشاملة: عبد الله بن محمد الحبسي
alhabsi2006@gmail.com فتاوى العلامة إبراهيم بن عمر بَيُّوض- رحمه الله
مجموعة فتاوى في القرآن الكريم وعلومه مأخوذة من أجوبته. (1/2)
صفحة 2
1- هل يكلف الله عباده بالإلهام من غير كتاب
سؤال:
ما معني ما نسب لبعض المشايخ: يجوز أن يكلف الله عباده بالإلهام من غير كتاب، ولا رسول مستدلين بقوله تعالى: ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) (الشمس:8) .
الجواب:
اعلم أيها الأخ الكريم أن هذا القول لا تصح نسبته إلى أهل الحق، و الاستقامة المتمسكين بكتاب الله، وسنة رسوله؛ لأنه مخالف لصريح كتاب الله الكريم فإن الله تبارك وتعالى يصرح في كتاب الكريم القرآن العظيم بما لا يدع مجالا للشك، و الارتياب، بأنه تبارك وتعالى لم يقم الحجة على عباده إلا بالرسل وما جاءوا به من البينات، كما قال في حقهم في سورة الحديد ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )(الحديد: من الآية25). (1/3)
صفحة 3
ودونك بعض الآيات الصريحة الواضحة في شأن قيام الحجة على البعاد، قال في سورة القصص "وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا" وقال في سورة الإسراء: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" وقال في سورة النساء "إنا أو حينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيئين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما، رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيما" وقال في سورة طه: "ولو أنا أهلكنا بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونجزى" وقال في سورة القصص "ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيدهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسول فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين" وقال في شأن أهل النار في سورة غافر: "وقال الذين في النار لخزنة جهنم أدعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى، قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" وقال في سورة الملك: "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء" .
فأنت ترى إذا تأملت هذه الآيات البينات الصريحة، الواضحة، القطعية الدلالة أن الله تبارك وتعالى لم يقم الحجة على عباده المكلفين إلا بالرسل، وما جاؤوا به من البينات فلا يبقى في قلب مؤمن شك، ولا ارتياب في أن الله أقام حجته على عباده بالرسل، والكتب، التي جاؤوا بها من عنده، فلا يجوز القول بغير هذا، ومن شك فيه، أو ارتاب، أو قال بغيره، فقد كفر، ومرق من الدين، فإن دلالة هذه الآيات وما أشبهها في القرآن قطعية الدلالة لا تأويل لها إلا ما يدل عليه صريح لفظها. (1/4)
صفحة 4
وأما قوله تبارك وتعالى: "فألهمها فجورها وتقواها" وما أشبه ذلك من قوله: "وهديناه النجدين" وقوله: "إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا" فإنها لا تفسر إلا بما يوافق ويطابق صريح الآيات المتقدمة، ولا يجوز أن تفسر بما يناقض تلك الآيات، أو يخالفها؛ لأنها محكمة، صريحة قطعة الدلالة كما قدمنا والقرآن لا يتناقض فيه، ولا اختلاف، وهو يفسر بعضه بعضاً ويرد متشابهه إلى محكمه، "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً" فتمسكوا أيها الأخوان بالعقيدة الحقة الصحيحة الصريحة، من أن حجة الله لم يقمها على عباده المكلفين إلا برسالة، وكتبه التي جاؤوا بها من عنده وفقنا الله وإياكم جميعا إلى ما يحبه ويرضاه، وحفظ قلوبنا من الزيغ والزلل، وعقائدنا مما قد يلابسها من باطل، إنه سميع قريب مجيب. حفظ الله لأخيكم الفقير إلى مولاه الغني. (1/5)
صفحة 5
2- معنى الوسيلة في قوله تعالى ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ )(المائدة:35)
سؤال:
سألت عن الوسيلة في قوله تبارك وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (المائدة:35) .
الجواب:
اعلم أن الصحابة، والتابعين وكبار المفسرين، وأمة الفقه في الدين مجمعون على أن الوسيلة في الآية إنما هي طلب رضا الله، والتقرب إليه بتقواه، فهو يأمر بالتقوى ثم يقول: "وابتغوا إليه الوسيلة" أي بتقواكم، والتقوى كما هو معلوم امتثال الأمر، واجتناب النهي، فلا وسيلة للعبد إلى ربه إلا عمله الصالح، وكل قول يخالف ذلك فهو باطل لا دليل عليه في كتاب، ولا سنة، فلا ينفع عاصياً مقصراً في حق الله أن يقول: ربي أغفر لي و ارحمني ببركة فلان، أو بجاه فلان أو حرمة فلان، وكذلك معني الوسيلة في آية الإسراء، فإنما هي التقرب إلى الله بما شرعه ولم يرد في أدعية الكتاب، والسنة، توسل بمخلوق مطلقاً بشر، أو ملكا أو غيرهما من سائر المخلوقات فالتوسل بالموتى كيفما كانت منزلتهم ممنوع مطلقاً، وغير جائز، فإنهم قد انقطعت أعمالهم فلا ينفعون أنفسهم ولا غيرهم بشيء ما، وأما الأحياء فإنه يجوز التوسل بدعائهم بأن تقول لأخيك المسلم: ادع الله لي، فإن دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب يرجى قبوله، سواء أكان المدعو له حيا أو ميتا، وفي أدعية المؤمنين، والملائكة و النبيئين الواردة في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، أقطع دليل على ذلك، هذا فقط هو الجائز، بل المطلوب شرعاً مما يمكن أن يسمى - تجوزا - وسيلة بمخلوق، ولا يجوز مطلقا أن تفسر به الوسيلة في آيتي المائدة، والإسراء. (1/6)
صفحة 6
وما ورد من توسل الصحابة رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنما هو بدعائه وهو حي، ولذلك توسل سيدنا عمر بن الخطاب في استسقائه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بعمه العباس بن عبد المطلب، أي بدعائه كما هو مشهور، وقد قال النبيء صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وهو يودعه قاصداً العمرة: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" فلا معنى ولا فائدة مطلقاً في قول القائل: اللهم إني أسألك بحرمة كذا، أو بحق كذا، أو بجاه كذا، فإنه لغو من القول لا أثر له فإن التوسل إلى الله وطلب القرب منه، ورضاه لا يكون إلا بتقواه، واتباع ما شرعه، ومما شرعه أن تدعوه متجها إليه وحده مخلصا دعاءك بغير واسطة فإنه يقول لك: "أدعوني أستجب لكم" ويقول: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون" أمعن النظر في قوله (( إذا دعاني )) و تأمل هذا الشرط، ثم أمعن النظر في قوله: (( فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )) وتأمل جيداً هذا التفريغ بالفاء يظهر لك فقه واسع دقيق في المسألة فتدرك أنه لا حاجة بالمسلم إلى أن يستعين في دعائه إلا بالتوجه الخالص إلى الله وحده معرضاً عن كل ما سواه، ثم يشرك إخوانه المؤمنين أحياء، وأمواتا في دعائه بالخير، والمغفرة، والرحمة، ويطلب من الأحياء منهم أن يدعوا له بالخير، والمغفرة، والرحمة، ولو كان في التوسل بالجاه، والحرمة، والحق، والبركة لبعض المخلوقات لورد شيء منه في أدعية الكتاب، والسنة الكثيرة، ولم يرد شيء من ذلك مطلقاً وإنه ليشبه أن يكون شركاً.
فإنه دعوة لما لا يملك ضراً، ولا نفعاً، ومن لم يغنه دعاء الكتاب، والسنة، وما كان على غراره فلا أغناه شيء، هذا ما أمكن تحريره الآن، وعليك بالاطلاع على ما كتبه الإمام الحجة الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار في آية المائدة: "اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة" فإنك تجد فيه ما يشفي غليلك في مسألة الوسيلة، وتجد فيه بيان ما اشتبه عليه أمره في المسألة مما أشرت إليه في كتابك. (1/7)
صفحة 7
3- رأي الإباضية في إعجاز القرآن الكريم
سؤال:
ما هو رأي الإباضية في إعجاز القرآن.
الجواب:
أما سؤالك عن رأي الإباضية في إعجاز القرآن فقد جمعت لك في صفحات ثلاث ما تيسر لي نقله من بعض المصادر المعتبرة عند الإباضية قديماً، وحديثاً … وأما عن رأي الإمام جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمه - هكذا بالتحديد - فإني لم أعثر فيما بين يدي من مصادر، ومراجع، ولا فيما حفظته عن أشياخنا عن نص صريح بأن جابر بن زيد، أو أبا عبيدة قالا كذا وكذا في إعجاز القرآن، ولكن ما تواتر عند علماء الإباضية مما تجده في الصفحات المشار إليها يدل على أن ذلك رأي أئمتهم الأولين.
قال قطب الأئمة العلامة الشيخ الحاج محمد بن يوسف اطفيش في تفسيره الكبير (( هيمان الزاد إلى دار المعاد)) مخطوط في مكتبة القطب، وفي بعض خزائن ميزاب، وقد طبع قديماً في زنجبار، ولكن نسخ المطبوع نادرة جداً، لا تكاد ترى - قال في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله" بعد كلام طويل: وحكمة جعل القرآن سوراً تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله عز وجل، والإشارة إلى أن كل سورة طريق مستقل في نوعه، فسورة يوسف تترجم عن قصته، وسورة براءة تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم والتنبيه على أن الطول ليس من شرط الإعجاز إذ كان منه طوال، وقصار، وأوساط، وكلها معجزة، وهذه سورة الكوثر آيات ثلاث وهي معجزة إعجاز سورة البقرة، فلو أن تفاوت الإعجاز بالطول، والقصر، والتوسط، لأمكن لهم أن يأتوا بمعجز قصير، أو كادوا يأتون به، ولا يمكن لهم ذلك ولو اجتمع الخلق، فافهم. (1/9)
صفحة 8
ثم قال بعد كلام طويل جداً في تفسير الآية وفي حكمة تعدد السور و اختلافها طولاً، وقصراً ما نصه: وقد اعترف الفصحاء بإعجاز القرآن، وكان قد تحدى الله به من حيث تأليفه، ومعانيه، وإخباره بالغيب وكان في زمان هاجت فيه فحول الشعراء، وفصحاء الكلام، فتحداهم بتأليفه كما تحداهم بمعانيه، وأخابرهم بالغيب، وعجزوا كلهم وانكشفوا، وقد قال الوليد بن المغيرة في وصف القرآن: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى في سورة يونس: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله" في الفصاحة، والبلاغة، فإنكم عربيون فصحاء مثلي أكثر تناولاً للكلام، وتعاطي أحسنه، واختياره … (( وادعوا)) للإعانة على الآتيان به "من استطعتم من دون الله" ولو جميع الخلق "إن كنتم صادقين" في ادعائكم أن محمداً افتراه، فعجزوا كما قال الله سبحانه "لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" . (1/10)
صفحة 9
وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى في سورة هود "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين" "مثله" في البلاغة، والفصاحة، والبيان، وحسن النظم، وهذه السورة نزلت قبل سورة يونس تحداهم في سورة يونس بسورة بعدما تحداهم في سورة هود بعشر، و عجزوا، وهكذا كما يقول من يتعاطى الكتاب إن كتابته خير: اكتب عشرة أسطر مثل كتابتي، وإذا بان له العجز سهل عليه فقال: أكتب سطراً واحداً مثل كتابتي: إذ لا يصح أن يعجز في واحدة ثم يكلف عشراً، وعن بعض إن آية هود نزلت قبل آية يونس، وأنكره المبرد وقال: إنه قال في يونس بسورة؛ لأن المراد المماثلة في البلاغة، والفصاحة، وفي هود بعشر سور لأن المراد المماثلة في الإخبار عن الغيب وذكر الأحكام والوعد، والوعيد، وقال المراد هناك: المماثلة في حسب النظم، ولم يقل بعشر سور أمثاله، لأن المراد أن كلا منهن تماثله، والإفراد في تأدية هذا المعنى أقرب من الجمع، المراد حقيقة مماثلته لا أن كل واحدة تماثل وحدها جميع القرآن، و أقول: لا مانع أن يتحداهم أولاً بسورة، ثم يتحداهم بأكثر على معنى أنكم عجزتم عن واحدة فكيف العشر؟ وقد يقال إنه مثل لهم بعشر إذ كان باب السور افتراء أي إن كان القرآن من الافتراء فالإتيان به سهل، فأتوا منه بعشر سور مفتريات فإنكم عرب فصحاء مثله، وألزم منه لطرق الكلام، ومتدربون بالشعر، والسجع … (1/11)
صفحة 10
وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى في سورة الإسراء: "قل لئن اجتمعت الإنس، والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" … (ظهيرا) معينا على الإتيان بمثله مع ما في الناس من العرب الخالصة، و أرباب البيان، والتحقيق، نزل ذلك لما قالت جماعة من قريش لو نشاء لقلنا مثل هذا فلو جئتنا بغيره آية، والعرب لفصاحتها، وبلاغتها، اطلعت على ما فاق القرآن به سائر الكلام من البلاغة، والفصاحة، وغير العرب يطلع على ذلك استدلالا، ونظراً، وحصل علم قطعي بذلك للكل متفاوت ليس في مرتبة واحدة، وتجد كثيراً من الناس بل أكثرهم لا يطلعون على ذلك وإن لقن لهم ظنوا أن سائر الكلام كذلك، والآية دليل على أن القرآن حادث مخلوق؛ لأنه لو كان قديماً لم يصح أن يتحداهم، و يستعجزهم بالإتيان بمثله، لأن العجز إنما يكون حيث تكون القدرة بالفعل، أو بالإمكان لا حيث يستحيل الإتيان بمثله، فلا مدخل عليه للعجز، ولا للقدرة، ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا أن يكابر القائلون بقدمه فيقولون: الله قادر على المحال، أو يقلب الحقيقة فيقول: إنه لو كان مخلوقاً لأتوا بمثله. (1/12)
صفحة 11
وقال في تفسيره المسمى (( تيسير التفسير )) وهو مطبوع طبعا حجريا في عاصمة الجزائر عام 1325 هـ في سبعة مجلدات في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: "فأتوا بسورة من مثله" أي بسورة هي مثل ما أنزلنا في البلاغة، وحسن التأليف، والإخبار بالغيب مع الصدق (ص 29 ج1) وقال في تفسير سورة يونس ((فأتوا بسورة مثله )) أي في الفصاحة والبلاغة (ص 48 ج3) وقال في تفسير سورة هود ((فأتوا بعشر سور مثله )) في الفصاحة، والبلاغة، والحكمة، والإخبار بالغيوب (ص145 ج3) وقال في تفسير سورة الإسراء عند قوله تعالى (( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن" فصاحة وبلاغة (ص780ج3) وفي نفس الصفحة: نزل ذلك رداً عليهم إذ قالوا: "لو نشاء لقلنا مثل هذا" كذبوا لا طاقة لهم بفصاحته، وبلاغته، كما لا طاقة لهم في إخباره بالغيوب.
وقال في كتابه (( شامل الأصل والفرع )) المطبوع بالمطبعة السلفية بالقاهرة عام 1348هـ، بعد كلام طويل في عدة صفحات على ترتيب آي القرآن، ونزوله على سبعة أحرف ما نصه: قيل كان معجزاً لكونه بسبعة أحرف، والتحقيق عندي أنه معجز بنظمه، ومعجز أيضاً بمعانيه، وقال بعض بنظمه، وبعض بمعانية، وبعض بمجموعهما (ص48ج1) اهـ.
وقال القطب أيضاً في كتابه (( الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص )) طبع بالمطبعة السلفية بالقاهرة عام 1343 هـ، عند الكلام على الإيمان بكتب الله عموماً، وبالقرآن خصوصاً ما نصه: والإعجاز بالإيجاز والبلاغة، والبيان، والفصاحة، وبعدم كلال قارئه، وملل مستمعه، وبخرق العادة في نظمه، وبالإخبار بالغيب، وبأخبار من مضى، وبجمعه علوما لم يجمعها غيره من حلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، وبصرف الهمة عن معارضته، وعارضه قليل فافتضحوا (ص 21 - 22).
هذا ما أمكن نقله من كلام أكبر علماء إباضية المغرب في القرن الثالث عشرا والرابع عشرا، الشيخ محمد بن يوسف اطفيش المولود عام 1236 هـ والمتوفى عام 1332 هـ. (1/13)
صفحة 12
ودونك ما أمكن نقله كذلك من كلام أكبر علماء الإباضية بالمشرق (عمان) الشيخ عبد الله بن حميد السالمي المتوفى في نفس العام الذي توفي فيه عالم المغرب، هو عام 1332هـ، قال في منظومته الألفية المسماة ((شمس الأصول )):
أما الكتاب فهو نظم نزلاً ** على نبينا وعنه نقلا
توتراً وكان في إنزاله ** إعجاز من ناواه في أحواله
وقال في شرح البيتين من شرحه نفسه لهذه المنظومة المسمى (( طلعة الشمس) المطبوع في جزأين بمطبعة الموسوعات بشارع باب الخلق بالقاهرة في أوائل هذا القرن ما نصه: عُرف الكتاب والمراد به كتاب الله تعالى بأنه النظم المنزل على نبينا محمد المنقول عنه تواترا، والحال أن في إنزاله إعجاز من قصد معارضته في شيء من أحواله من نحو بلاغته الباهرة، وتراكيبه الظاهرة، وبراهينه القاهرة (ص27ج1) وقال: في منظومته في أوصول الدين المسماة ((أنوار العقول )):
والأصل للفقه كتاب الباري ** إجماع بعد سنة المختار
وقال في شرحه لهذا البيت في شرحه الصغير الذي وضعه هو نفسه لمنظومته (( أنوار العقول )) المسمى ((بهجة الأنوار)) وهو مطبوع على هامش الجزء الأول من (( طلعة الشمس)) الآنف الذكر ما نصه: أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المهتدين من الأمة، فأما الكتاب فلأنه معجز وهو من عند الله ولا شك، ولا يسع جهله، بل ولا يشك فيه لمن قامت عليه حجته، واختلف في وجه إعجازه هل هو من حيث التركيب على أنه أفحم البلغاء فيها، أو من حيث الإخبار بالغيب، أو من حيث إخباره عن الأمم الخالية، أو من حيث عدم التناقض فيه، مع طوله؟ أقول، و الظاهر أن كل ذلك معجز.
هذا ما أمكن نقله من أقوال بعض الأعلام الإباضية المتأخرين في القرنين الثالث عشر، والرابع عشر الهجري. (1/14)
صفحة 13
ودونك بعض ما قاله الأئمة المتقدمين، قال الشيخ الإمام أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني، وهو من علماء القرن الخامس، والسادس الهجري في كتابه الذي وضعه في أصول الدين، وعلم الكلام والتوحيد و يسمى " كتاب السؤالات "؛ لأنه سلك في تأليفه طريقة السؤال والجواب، وهو مخطوط موجود في بعض الخزائن الخاصة، والعامة ولم يطبع. قال في السؤال التاسع و الأربعين: الفرائض لا يصح عملها إلا بعلمها. وبعضها حجة لبعض … إلى أن قال: والحجة في التكليف العقل الصحيح، والحجة التي يعتصم بها العباد من الضلال، والكفر، الكتاب، والسنة، والحجة التي يثبت بها فرض الدين على العباد الكتب، والرسل، والحجة في صواب المصيب، و خطإ المخطئ، الأصل المجتمع عليه من الكتاب والسنة، والحجة، فيما يسع هو أن تعلمه من كتاب الله، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو مما أجمع عليه المسلمون مما دانوا به، ثم قال بعد كلام طويل في بيان أقسام الحجة ما نصه: والحجة في الكتاب الإجماع، والإعجاز، وأقل ما يثبت الإعجاز به في القرآن سورة لقوله تعالى: "قل فأتوا بسورة مثله" وأقلها ثلاث آيات وهي سورة الكوثر، فثبت أن الإعجاز يقع بثلاث آيات، فإن قال بماذا كان القرآن إعجازا فقل نظامه، وسرده، وقيل علم الغيب، وإن قال بماذا جاز فيه التكرار …
وبعد كلام طويل في صفحات أقام فيها الحجة بإجماع أهل الملل كلهم بأن القرآن من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ظهر فشهر، ومن قبله نجم فبهر … قال ما نصه: فإن قال هب الأمر كما ذكرتم بأن من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ظهر، ومن قبله نجم، وبهر، فمن أي وجه صار معجزا ؟ قلنا من ثمانية أوجه: (1/15)
صفحة 14
أحدها: الإيجاز، والبلاغة، كقوله عز وجل: "ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب"، فجمع في كلمة عدد حروفها عشرة، فوائد كثيرة، ومتى عارض بعض اليهود هذه الكلمة بقول العرب: القتل أنفى للقتل، قيل له فأين هذا، الأول عشرة أحرف، وهذه أربعة عشر حرفاً.
والثاني: البيان، والفصاحة، كالذي حكي أبو عبيدة قال: سمع رجل رجلا يقرأ "فلما أستيأسوا منه خلصوا نجيا" قال شهدت بأن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام، سمع آخر رجلا يقرأ "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" فقال سجدت لفصاحة هذا الكلام.
والثالث: أن قارئه لا يكل، ومستمعه لا يمل.
والرابع: كونه خارقاً للعادة، وخارجاً عن سائر نظومات العرب من سجعهم، وشعرهم، وخطبهم.
والخامس: ما انطوى عليه من أخبار الغيوب …
والسادس: هو ما أخبر عنه من أخبار الماضين وأحاديث الأولين …
والسابع: كونه جامعاً لعلوم لم تكن في غيره من الكتب من الحلال، والحرام، والقصص، والأخبار، والمواعظ، والأمثال …
والثامن: الصرفة، صرف همهم عن معارضته، ولو عارضوه لما قدروا عليه بشيء … ).
هذا ما قاله صاحب السؤالات، وهو بعد كل وجه من وجوه الإعجاز يؤيده بأخبار، وروايات.
وقد نقل عنه من جاء بعد من المؤلفين هذه الأجوبة كما فعل الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبي ستة، في حواشيه على كتاب ((قواعد الإسلام )) لمؤلفه الشيخ أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي صاحب كتاب ((القناطر)) حيث قال في الحواشي المذكورة ما نصه (( وذكر أيضاً في السؤالات أن إعجاز القرآن من ثمانية أوجه أحدها الإيجاز … إلخ )).
وأظن أن في هذا القدر ما يكفي لبيان رأي الإباضية في وجوه إعجاز القرآن، ولم نر من ذكر الصرفة من وجوه الإعجاز من الإباضية إلا الشيخ أبا عمرو صاحب ((السؤالات )) على أنه قد جعل الصرفة الوجه الثامن مضموماً إلى الأوجه السبعة التي يقول بها الجمهور. (1/16)
صفحة 15
أما الاقتصار على الصرفة كسبب واحد للإعجاز، فإنه لم يبلغنا عن إمام من أئمتنا المتقدمين، و المتأخرين، وإذا ذكر في بعض كتبهم فإنما يذكر كقول منسوب لغيرهم. (1/17)
صفحة 16
4- كيفية إنزال القرآن الكريم
سؤال:
حضرة الأستاذ الجليل: أرجوكم تحقيق القول فيما قرأته من بعض الكتب في سياق الحديث عن نزول القرآن الكريم، وقد وردت فيه العبارة التالية، (( فمنهم من قال إن الله أملاه (القرآن ) على جبريل عليه السلام مرة واحدة، وجبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب، والمواقف على الرسول … ) وما رأي المذهب الإباضي في المسألة؟
الجواب:
ما سمعنا قط بهذا القول الذي ذكرته في رسالتك، ونصه: (( فمنهم من قال إن الله أملاه ( القرآن) على جبريل عليه السلام مرة واحدة وجبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب، والمواقف، على الرسول)، وإننا لنستغفر الله من كتابتنا لهذا الكلام الذي لا نظن بمسلم مؤمن بالله حق الإيمان أن يجرؤ على مثل هذا القول، والله تبارك وتعالى منزل الكتاب يقول في وصفه: "بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ" ويقول: "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين" وكل ما بلغنا من خلاف إنما هو في تأويل قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، "إنا أنزلناه في ليلة مباركة"، "شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن" . (1/18)
صفحة 17
مع العلم بأن القرآن نزل منجما في بضعة وعشرين عاما، وهذا أمر يقيني لا شبهة فيه، ولا ريب، فرأى بعض العلماء اعتماداً على بعض الروايات أن نزوله في ليلة القدر في رمضان إنما هو نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة القدر، ومنها إلى الأرض منجماً كما هو معلوم، والمحققون على أن نزوله في ليلة القدر إنما هو ابتداء نزوله، والآية من القرآن تسمى قرآنا، و مهما يكن فإنه لا يجوز أن يقال إن جبريل هو الذي ينزله حسب الأسباب، والمواقف، على الرسول بعد أن كان حفظه جملة قبل ذلك، فإن القرآن كلام الله، وهو الذي ينزله على رسول محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الروح الأمين، والله وحده عالم الغيب والشهادة، العليم بمقتضيات، و أسباب النزول، فيوحي بما يشاء إلى الروح الأمين ليبلغه إلى الرسول الأمين الذي يبلغه إلى الناس أجمعين، وهذا من الأمور الغيبية التي لا ينبغي الخوض فيها؛ لأن حقيقتها لا تعرف إلا بوحي من الله، وقد انقطع الوحي، وختمت الرسالة بموت خاتم النبيئين فلا مطمع في الوقوف على حقيقة ذلك.
فليست المسألة مسألة مذاهب فقهية حتى تسأل فيها عن مذهب الإباضية، ونسبة التنزيل حسب الأسباب والمواقف إلى جبريل من محفوظة المنزل عليه قبل فيه من الخطر ما فيه، فاتقوا الله وكفوا عن هذا.
/ (1/19)
صفحة 18
5- حكم تدوير اليد على الوجه عند قراءة سورة الإخلاص
السؤال:
ما حكم تدوير اليد على الوجه عند قراءة سورة الإخلاص؟ وهل يؤجر فاعله؟
الجواب:
إننا لم نعثر على أثر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله، أو أمر بفعله. ولا عن أحد الصحابة أنه كذلك فعله، أو أمر بفعله، ولا يعبد الله إلا بما شرع. (1/20)
صفحة 19
6- حكم سجدة القرآن الكريم لمن يسمعها من المذياع
السؤال:
هل على مستمع القرآن من المذياع من سجود التلاوة عند آيات السجدة؟
الجواب:
مستمع القرآن من المذياع يجب عليه السجود عند سماع آيات السجدة لاسيما إذا سجد التالي كما هو المعتاد، ولا يقضي سقوط الوجوب إلا إن كان على حالة لا يصح معها سجود، أو تعذر، فإنه يقضيه وقت الإمكان عند الجمهور، ويقول بعض الفقهاء: إن السجود لا يجب على المستمع إلا إذا كان واجبا على التالي، وعلى هذا لا يجب على سامع صبي، أو أسطوانة (فونوغراف) والذي نراه هو الوجوب مطلقا ما دام المسموع هو القرآن كلام الله، والسامع مكلفا، وحكم الإصغاء إليه واحد على كل حال أيا كان التالي إنسا، أو جنا، حيوانا، أو جمادا. (1/21)