صفحة 1
الكتاب: فتاوى حول القرآن الكريم وعلومه
المؤلف: الإمام نور الدين/ عبد الله بن حميد السالمي (ت: 1332هـ)، مأخوذة مِن جواباته
مصدر الكتاب: موقع القبس
alkabs.net فتاوى الإمام نور الدين السالمي - رحمه الله
مجموعة فتاوى حول تفسير القرآن الكريم مأخوذه من أجوبته. (1/2)
صفحة 2
* تعريف بالإمام السالمي - رحمه الله
## اسمه ومولده :
هو الإمام نور الدين عبد الله بن حميد بن سلّوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي .
ولد ( بالحوقين ) من أعمال الرستاق سنة ( 1286هـ ) .
وبدأ في صباه بحفظ القرآن الكريم ، حتى أتم حفظه واستظهاره .
## طلبه للعلم :
رحل إلى الرستاق طلباً للمعلم ، وتتلمذ على يد الشيخ راشد بن سيف اللمكي .
وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره كف بصره ، وانكب على الحفظ والدراسة ، وحضور مجالس العلم .
واشتهر بدأبه وشدة اهتمامه ، حتى أصبح شيخاً وأستاذاً معروفاً في بلدة (الرستاق) التي تعلم بها .
ومن خلال مواظبته على مجالس العلم التقى بالشيخ صالح بن علي الحارثي فأعجب الإمام السالمي به وواظب على مجلسه ، وظل ملازماً للشيخ صالح الحارثي إلى أن وافاه أجله ، ولازم بعده ابنه عيسى بن صالح الحارثي .
ثم شاع صيت الإمام السالمي في ربوع عمان وفي كافة أرجائها .
## صفاته :
وكان رحمه الله شديد الغيرة على محارم الله تعالى ، يقول الحق وينطق بالصدق ، مشهور بالبسالة والصلابة ، كثير الرد على من خالف ملة الإسلام ، مشغول البال بأمته ، يفرح بما ينفعها ، ويحزن لما يضرها ، وإنه ليكتئب إذا أصيب أحد من الأمة بحدث ولو بالصين .
## تلامذته ومؤلفاته :
ترك لنا الإمام السالمي ثروة علمية هائلة ، ومكتبة ضخمة ، ومدرسة خرجت فطاحل العلماء ، كالإمام سالم بن راشد الخروصي ، والإمام محمد بن عبدالله الخليلي ، بل إن أكثر علماء عمان اليوم تخرجوا من مدرسته .
أما مؤلفاته فهي المعتمد في المذهب الإباضي ، وعليها تخرج أكثر طلبة العلم ، وكلها مشهورة منتشرة نافعة مباركة ، ونذكر منها :
## في الحديث الشريف :
شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب في ثلاثة أجزاء .
## في العقيدة :
- مشارق أنوار العقول .
- بهجة الأنوار .
- غاية المراد في الاعتقاد .
## في أصول الفقه :
- كتاب طلعة الشمس في جزئين . (1/3)
صفحة 3
## في الفقه :
- معارج الآمال شرح مدارج الكمال .
- الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة .
- جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام .
- تلقين الصبيان .
- العقد الثمين في فتاوى الإمام نور الدين .
## في اللغة العربية :
0 شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل .
0 المنهل الصافي في العروض والقوافي .
## في التأريخ :
- تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان .
- اللمعة المرضية في أشعة الإباضية .
## كتب أخرى :
- بذل المجهود في الرد على النصارى واليهود .
وفاته : -
توفي -رحمه الله- في 18 من صفر سنة 1332هـ ، بعد حياة مليئة بالعلم والعمل ، والجد والاجتهاد ، فهو رب السيف والقلم ، فرحم الله تلك الأبدان ، وأدخل روحه الجنان :
فحسبك من تثني عليه دفاتِرُه ** وتفقده أقلامه ومحابِرُه
فكم لبني الأيام والناس ألسنٌ ** أوائله تثني له وأواخِرُه (1/4)
صفحة 4
1- معنى تفسير القرآن بالرأي الموعود عليه الوعيدَ الشديد
السؤال:
ما معنى تفسير القرآن بالرأي الموعود عليه الوعيدَ الشديد لقوله صلى الله عليه وسلم: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"، نعوذ بالله منها ومما يؤدي إليها، فإني كثيراً ما أجد في التفاسير ترجيحا وتضعيفا، هل تلك الأقوال توقيفية؟ فإن كانت فمن أين ساغ الترجيح والتضعيف، وكيف ذلك؟ تفضل بالجواب.
الجواب :
التفسير بالرأي هو الذي لا يستند إلى وجه من وجوه الاستنباط.
فهو نظير من أفتى مسألة بغير علم، أو فسر رؤيا بغير علم، فإن هذا مخطئ وإن أصاب، ولولا اتساع المقال في ذلك ما كان للقرآن وجوه ولا تفاوتت فيه الأفهام، على أنه البحر الزاخر الذي لا قعر له، لا تفنى عجائبه على مر الليالى والأيام.
والحديث بذلك مشكوك في صحته والله أعلم. (1/5)
صفحة 5
2- { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين }(البقرة:184)
السؤال:
ما يوجد عن أبي محمد ما نصه :
"واختلف الناس في معنى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ }(البقرة:184) فقال كثير منهم: إنها منسوخة نسختها آية الصوم.
وقال آخرون: إنها ليست بمنسوخة وحكمها باق، وبهذا القول يأخذ أصحابنا، وفي آخر الآية ما شهد بمخالفتهم على تأويلهم، لأن الله تعالى قال: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم}".
ما معنى قوله: وفي آخر الآية ما شهد بمخالفتهم بمخالفة من أخبرنا؟ وما صورة هذه الفدية؟ وهل هذه خاصة بأحد دون أحد أم لا؟
-----------------------------------------------------
الجواب:
كلام أبي محمد على ظاهره، وأراد بقوله: "ما شهد بمخالفتهم" يعني مخالفة القائلين بالنسخ، ومعنى قول أصحابنا ببقائها: ثبوت حكمها في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم؛ فإنه يطعم عندهم عن كل يوم مسكينا.
وبيان ذلك: أنهم تأولوا قوله {وعلى الذين يطيقونه} بحذف النافي، والمعنى: وعلى الذين لا يطيقونه، وحذف النافي مع الدليل عليه ثابت في لغة العرب، ومنه قوله تعالى {تالله تفتئوا تذكر يوسف}(2) أي: لا تفتتؤ، وقول القائل:
تالله ألقى الدهر مثلهم ** حتى أكون رهينة القبر
أي: لا ألقى دهري مثلهم. والله أعلم. (1/6)
صفحة 6
3- ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )(آل عمران:92)
السؤال:
تفسير قول الله تعالى { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } (آل عمران:92) ، { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} (المنافقون: من الآية10). أهذا الرزق أمر بإنفاقه كله، أم يمسك منه؟ أفتنا ولك عظيم الثواب إن شاء الله تعالى.
الجواب:
في الآيات حث على الإنفاق، ويدخل تحت ذلك الإنفاق الواجب والمندوب، فمن الواجب إخراج الزكاة، ونفقة الزوجات والأولاد، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، وإعانة المحتاج على تفصيل في ذلك. وأما الإنفاق المندوب فهو ما يتصدق به الإنسان في غير اللازم. والواجب أفضل من المندوب.
وقد بيّن الربُّ سبحانه وتعالى مواضع الإنفاق في قوله عز من قائل{ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ } (البقرة:215) . وبيّن ما ينفق من الأموال في قوله عزّ من قائل { وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (البقرة: من الآية219) يعنى: الفاضل عن حاجة النفس والعيال، فما فضل بعد أداء الواجبات من ذلك ونحوه فهو الذي يتصدق به الإنسان تبرعاً.
ثم إنه بين أن الإنفاق مما نحبّ، فلا يدرك المرء البر حتى ينفق مما يحب، وذلك لأن النفقة يراد بها وجه الله، فمن عدل عمّا يحب وتصدق بما يكره كان ذلك دليلاً على قلّة رغبته في رضا ربه، فقوله {مما تحبون} نَصّ في أن المنفق بعض ما يحبون لا جميعه، ولما سمع أبو طلحة رضي الله عنه هذه الآية تصدق ببيرحاء (وهو مال له بالمدينة) كان أحب أمواله. والله أعلم ، والسلام. (1/7)
صفحة 7
4- { فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ) ( النساء :34)
السؤال :
تفسير قوله تعالى: { فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ }ً(النساء:34) ما الذي تجب فيها الموعظة؟ وما الذي يجب فيه الهجر؟ وما حدّه الذي يجب فيه الضّرب؟
الجواب:
لا يجب شيء من ذلك بل يجوز، وإنما يجوز عند النشوز؛ وهو أن تستكبر المرأة نفسها وتترفع على الزوج وتمتنع من أداء حقوقه، فهاهنا ينبغى له أن يبادرها بالنصيحة والموعظة ويذكرها عقوبة الله، فإن أصرت هجرها في المضجع، وذلك أن يعطيها ظهره إن نام معها، ولا يطلب منها حاجة، فإن أصرت جاز له أن يضربها ضربا غير مبرح، أي غير كاسر ولا مؤثر، فهذه مراتب التأديب للناشز، والله أعلم. (1/8)
صفحة 8
5- ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ ) (المائدة:83)
السؤال:
سبب نزول قوله تعالى: {( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ )الخ الآية..(المائدة:83)؟
----------------------------------------------------
الجواب:
إن هذه الآية قيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة في زمانه صلى الله عليه وسلم، فإنه كان منه ما وصف الله، وأنه قد أسلم فهو محسن قطعا، وقد صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة حين بلغه خبر موته والله أعلم. (1/9)
صفحة 9
6- { كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ } (الأنعام: من الآية71)
السؤال:
قوله تعالى { كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ } (الأنعام: من الآية71) قال صاحب الكشاف: هذا ورد على ما تعتقده العرب أن الجن تستهوي الإنسان، والغيلان تستولي عليه، كيف يرد القرآن ويخبر ويشبه بما لا حقيقة له، وهذا على سبيل الكشف.
الجواب:
الغرض من التشبيه رسوخ المعنى في ذهن السامع على الوجه المطلوب، سواء كان للمشبه به حقيقة أم خيال، ومن التخييل الاستعارة التخييلية، وللعرب في ذلك فنون؛ ومنه: قول امرئ القيس: كأنياب أغوال. ومنه:
أعلام ياقوت نشرن ** على رماح من زبرجد
وليس للأغوال أنياب، بل لا وجود للأغوال أصلا، وإنما هو محض الخيال، وكذلك لا يوجد أعلام ياقوت على الوصف المذكور، والقرآن جمع أساليب البلاغة، ومن ذلك قوله تعالى: { طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات:65) فافهم ذلك كله. والسلام عليك والعلم عند الله. (1/10)
صفحة 10
7- { رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ }( الأعراف:143 )
السؤال:
معنى قوله تعالى حاكياً عن سيدنا موسى عليه السلام حين قال: { رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ }( الأعراف:143 ) كيف قال هكذا، وقد علم بأن الله تعالى لا تدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة؟
وإن كان لأجل قومه لكي تطمئن قلوبهم بذلك، فكيف يسخط خالقا ويرضى مخلوقا؟ وهذا أمر من ربه أم لا؟
وهل يجوز لنا أن نقول: إنه اجتراء على الله، وإن كان هذا قد سبق في علم الباري ولا بد من كونه؟ تفضل بالجواب.
----------------------------------------------
الجواب:
سأل موسى _عليه السلام_ وهو لم يره حقيقة وإنما أراد أن يقنع قومه حين قالوا له: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً )( البقرة:55)، فأجابهم بما أجابهم به من المنع، فلم يرتدعوا عنه لِلجاجهم في طلبها.
وموسى عليه السلام يعلم استحالتها، فقوله تعالى حكاية عنهم {لن نؤمن لك} يدل على أن بينهم مع موسى مخاطبات في منع الرؤية، وأنه أخبرهم بمنعها، وإلا لما كان الجواب بلن نؤمن لك إلى آخر الآية، بل كان سؤالهم: أن يقولوا أرنا الله جهرة، أو نريد أن نرى الله جهرة، تعالى الله عما يقول المبطلون علّوا كبيرا.
وإذا عرفت أن موسى عليه السلام لم يرد حقيقة الرؤية وإنما أراد الجواب باستحالتها من عند الله عرفت أنه ليس في ذلك تجاسر من موسى _عليه السلام_ على طلب محال، فليس فيه سخط الخالق لرضا المخلوق، لأن السخط أن لو طلب حقيقة الرؤية وهو لم يردها، ولو أراد ذلك لأخذته الصاعقة كما أخذت قومه الطالبين لها، ولعُنِّف كما عنفوا.
كيف يطلب حقيقتها وهو يصفهم بالسفه في طلبها، كما ذكر ذلك تعالى في قوله: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}(الأعراف:155) لكن لما كان سؤاله لذلك بغير إذن من ربه رجع إلى ربه بالتوبة، وذكر حال إيمانه وأنه ليس قصده قصد القوم، وذلك قوله { سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }(الأعراف:143)، وقوله (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} .
وإنما حمله على السؤال قبل ذلك حرصه على إيمان قومه، لا لأجل أن يرضوا عنه، وذلك من رضا ربه لا من رضا قومه، كما يدل عليه قوله في قضية أخرى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}(طه:84).
ولا يصح أن يوصف أحد من الأنبياء بالتجرؤ على الله فإن ذلك محال، فمن وصفهم بذلك فقد كفروا. والله أعلم. (1/11)
صفحة 11
8- سبب حذف البسملة من التوبة، وتكرارها في النمل
السؤال:
سورة براءة، قال السَّائِل: ما سبب حذف البسملة منها، ولم وقع في سورة النمل بسملتان، أفتنا في الوجهين؟ والسلام عليك .
الجواب:
أما براءة فإنّها آية غضب على الكفار، والبسملة آية رحمة، والرحمة لا تناسب الغضب، فنزلت السورة بدون بسملة.
وأمَّا البسملة الثانية في سورة النمل فإنها حكاية عن كتاب سليمان -عليه السلام- إذ كذلك كتبه { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (النمل:30) ، وكانت كتب الأنبياء اختصاراً والله أعلم. (1/13)
صفحة 12
9- { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ )(هود: من الآية7)
السؤال:
عن الحكمة في قوله تعالى{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ )(هود: من الآية7) ، وقول الله{ هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش}(الحديد: 4)، وقوله { فقضاهن سبع سموات في يومين}(فصلت:12) وغير ذلك في القرآن، أعني ذكر الأيام، ما الحكمة في ذكر الأيام؟ لأنه قال تعالى { إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون}.(يس:82) بين لنا وجه ذلك؟
الجواب:
قيل: إن الحكمة في ذلك تعليم خلقه التأني في الأشياء وإن كان الفاعل قادرا، لأن العجلة مذمومة غالبا، وقد جرت أفعال الصانع الحكيم تعالى على أسلوب الحكمة المستحسن الباهر للعقول، ومن عظيم قدرته تعالى أن خلق ذلك كله في ستة أيام، مع أن أقل المخلوقات يحتاج إلى مدة طويلة حتى يكمل خلقه، ففي الآية إظهار القدرة القاهرة، وبيان الحكمة الباهرة.
وزيادة الكشف أن تنظر بعين عقلك إلى هذه المخلوقات في زمانك، ومنها: الطفل، فإنه يقوم في البطن مدة، ثم يربى في المهد مدة، ثم ينشأ قليلا قليلا حتى يبلغ رشده، والله قادر أن يخلقه من أول مرة بشراً سويا، لكن حكمته الباهرة اقتضت هذا الصنع العجيب. وكذا القول في الثمار وغيرها. والله أعلم. (1/14)
صفحة 13
10- ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } (الحجر:87)
السؤال:
قوله سبحانه { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } (الحجر:87)دليل على أن البسملة من المثاني، وهل هو قاطع إن كان؟
الجواب:
قد استدل بعضهم بالآية على أن البسملة آية من الفاتحة، وليس هذا الاستدلال قاطعا لنزاع الخصم؛ بل فيه مقال. والله أعلم. (1/15)
صفحة 14
11- ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)(الاسراء: من الآية24)
السؤال:
قوله تعالى: ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا)(الاسراء: من الآية24) في حق الأبوين. أهذا الدعاء ثابت لهما مطلقا وليين كانا أو غير ووليين؟ وما المراد بالرحمة هنا؟
------------------------------------------------------
الجواب:
نعم، قيل: إن الدعاء بالرحمة ثابت للوالدين كانا وليين أو مجهولين، وأنهما يُتوليان لهذه الآية، لأن العلة التي أمرنا بالدعاء لهما بالرحمة حصول التربية منهما.
وقيل: لا يتوليان إلا إذا كانا وليين كغيرهما من الناس، وعلى هذا فالآية خاصة في الوالدين الوليين والظاهر عدم التخصيص.
وأما من ظهر فسقه منهما فلا يتولى قطعا، بقوله تعالى {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}(التوبة: 114). والله أعلم. (1/16)
صفحة 15
12- (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}(الاسراء:44)
السؤال:
قوله تعالى { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (الاسراء: من الآية44)، ما معنى هذا التسبيح الذي لا نفقهه الدلالة على وجوده تعالى، أم شيء لا نعقله؟
وهل يجوز أن يخلق الله تعالى شيئا يسبحه ويأمره وينهاه من غير أن نعقله؟ وإن كان كون الدلالة على وجوده هو التسبيح، أليس ذلك من معقولنا، وإذا كان عالم الإنس دالاً على وجوده تعالى، وتسبيحهم أيضا دال على ذلك، هل يمكن أن يكون تسبيح جميع العوالم لا نفقهه مثل نقيق الضفادع وغير ذلك، وإذا كان إثبات شيء غير معقول فاسداً من أين هذا الفساد، وهل فرق بين المعقول والمفقوه، أم عدم الفقه مختص بأحد دون أحد؟
الجواب:
حسبك قوله تعالى {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} فقد أخبرنا سبحانه وتعالى أن جميع الأشياء تسبح بحمده تسبيحا لا نفقهه، فمن تعاطى أن يفقهه بعد هذا فهو ساعٍ في تبديل كلمات الله، وإياك والتكلف.
وفقه الشيء فهمه، وليس من المحال إثبات شيء لا نفهمه، والآية من متشابه القرآن الذي يجب علينا الإيمان به، عرفنا تأويله أو لم نعرف { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة:285) ، والله أعلم. (1/17)
صفحة 16
13- { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} (مريم:71)
السؤال:
قوله تعالى { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} (مريم:71)، فهذه آية عامة لا خاصة، وما صفة الورود هاهنا؟ أفتنا.
الجواب:
إن الخطاب في الآية خاص بالكفار، لأن أول الآية خطاب لمنكري البعث، وهو قوله تعالى { وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} (مريم:66)، فجرى الخطاب هذا المجرى حتى التفت إليهم بقوله {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيَّا، ثم ننجّي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}، فالورود هو دخول الكفار النار، والمتقون منه ناجون.
وقيل: الخطاب عام، وعليه فمعنى الورود المشارفة من الشيء والوقوف عليه، ومنه قوله تعالى { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ)(القصص: من الآية23) }، أي شارفه ووقف عليه (ثم ننجي الذين اتقوا}، بعد المشارفة والوقوف {ونذر الظالمين فيها جثيا}.
وهذا القول هو قول أكثر أصحابنا، وعند قومنا في ذلك كلام يخالف القطعيات، لا حاجة لنا بذلك والله أعلم. (1/18)
صفحة 17
14- ( حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ) (مريم:75)
السؤال:
قوله تعالى في سورة مريم { حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً) (مريم:75) .
الجواب:
"إما" للتفصيل، و"العذاب" في الآية: القتل والأسر الواقع يوم بدر، كذا قيل. و"الساعة": القيامة.
والمعنى: أنهم يستمرون على الطغيان إلى أن يعلموا إذا رأوا العذاب أو الساعة من هو شر مكانا وأضعف جندا. والله أعلم. (1/19)
صفحة 18
15- { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً } (مريم: 85 )
السؤال:
قوله تعالى { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً } (مريم: 85 ،86) ، هل فيها دليل يؤيد بعض ما قيل في قوله سبحانه وتعالى { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا} (مريم: من الآية71)؟
الجواب:
نعم قد يؤيد القول بأن الورود خاص بالكفار، وإن المراد منه الدخول، فإنه تعالى ذكر أنه يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا، ولم يذكر لهم مشارفة على النار، وذكر أنه يسوق المجرمين إلى جهنم وردا، أي دخولا فيها. والله أعلم. (1/20)
صفحة 19
16- { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } ( طه:15)
السؤال:
معنى قوله تعالى: { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } ( طه:15) أقرب أن أخفيها؟ أم أنه لكثرة علامات القيامة وظهور دلالتها صارت كالمعاينة، أم ماذا؟
الجواب:
قيل معنى: ( أكاد ) أريد إخفاء وقتها، وقيل معناه: أقرب أن أخفيها، فلا أقول: إنها آتية لولا ما في الإخبار بإتيانها، وهذا المعنى هو الذي لاح لك، وذكرته في السؤال، وهو حقيقة كاد، والقرآن جار على أسلوب العرب في مخاطباتهم، وقيل معناه: أكاد أظهرها من أخفاه إذا سلب خفاه، وقيل: أكاد زائدة، والمعنى: أنه تعالى كاد أن لا يذكرها، ولو إجمالاً لكونها أخفى المغيبات، لكنه ذكرها كما في قوله: ( إن الساعة آتية لحكمة )، وهي اللطف بالمؤمنين لحثهم على الأعمال الصالحة. ا هـ . ملخصا من الفتوحات. والله أعلم. (1/21)
صفحة 20
17- { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى } (طه:56)
السؤال:
معنى قوله تعالى تأنيباً لعدوه فرعون{ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى }(طه:56) ما معنى هذا التأكيد؟ و"كل" للإحاطة والشمول، ومن المعلوم قطعاً أنه تعالى أراه بعض آياته الباهرة كاليد والعصى والطوفان، وغير ذلك من الآيات التسع، ما معنى هذا الشمول؟
الجواب:
التأكيد للمضاف في قوله تعالى ) آياتنا )، والإضافة هاهنا لمعنى "ال"، وهى للعهد، فالمؤكد الآيات المعهودة من العصى وما بعدها، وأنت تقول: أخذت الدراهم كلها، وأخذت دراهمك كلها، إذا كان هنالك دراهم معهودة. والله أعلم. (1/22)
صفحة 21
18- ( قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ )(طه:63)
السؤال:
رفع (هذان) على أي وجه ارتفع من قوله تعالى: { قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) (طه:63) ؟
الجواب:
قيل: (هذان) اسم إن على لغة بنى الحارث بن كعب، فإنهم جعلوا الألف للتثنية، وأعربوا المثنى تقديرا، وقيل: اسمها ضمير للشأن المحذوف، وهذان لساحران خبرها. وقيل: إن بمعنى نعم، وما بعدها مبتدأ وخبر، وفيها أن اللام لا تدخل خبر المبتدأ، وقيل أصله: إنه لهذان ساحران، فحذف الضمير، وفيه أن المؤكد باللام لا يليق به الحذف.
وقرأ أبو عمرو {إن هذين} وهو ظاهر، وابن كثير وحفص {إنْ هذان} على أنها هي المخففة، واللام هي الفارقة أو النافية، واللام بمعنى إلا .اهـ. نقلا عن القاضي البيضاوي، وفي كل واحد من الوجوه بحث لا يسع المقام ذكره. والله أعلم. (1/23)
صفحة 22
19- ( وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )(الحج: من الآية47)
السؤال:
وسأله الشيخ سليمان محمد أحمد الكندي نظماً فقال:
أسائل شيخي الهمام الأغر ** سليل حميد الكمي الأبر
وحيد الزمان عظيم الجنا** ن بسيط اللسان جليل القدر
قليل الهجوع كثير الركو** ع مفيض الدموع بوقت السحر
منار الأنام صدوق الكلا ** م وفيّ الذمام عظيم الفكر
كثير الرماد طويل النجا** د مغيث العباد مميط الضرر
غضوب لمولاه راض بما ** به هو راضٍ إذا الخطب كر
هو البحر عذب لكل امرئ ** تقي، أجاج لمن قد فجر
فلا عيب فيه سوى أنه ** صبور فطوبى لعبد صبر
لقد حار ذهني بما قد حكا**هُ الإله العظيم لنا في السور
ويوم كألف سنينا أذلك طول ليوم عظيم بهر ؟
أم الهول فيه كتلك السنين على الخلق من عظم يوم أمر؟
وهل ذا على كل عبد يكون أم الأمر خص به من كفر؟
فمالي إلهي مغيث سواك إذا برزت جنة أو سقر ؟
ولولا الرجا فيك كادت تفيض من الخوف نفسي لعظم الخطر
فيارب عفوا لعبد جنى ** فأنت الغفور وأنت الأبر
-----------------------------------
الجواب:
غررت ومثلك من لا يغر ** رأيت السهى فظننت القمر
أيمدح مثلك مثلي بذا ** وما أنا في ورده والصدر
ولو شمتني وأنا نائم ** زمان الغنائم عفت الخبر
هديت إلى الخير هلا اقتصرت ** مديحك مني على ما ظهر
أعوذ بربي أن أحمدن ** بما ليس فيَّ لكي لا أسر
أتقرأ لا تحسبنهم ** فإن بها للورى مزدجر
تبصر خليلي تلق الهدى ** ففي الذكر نور لأهل البصر
وخف موقفاً هائلاً يومه ** كألف لعظم البلا والخطر
وما ثم يوم ولا ليلة ** ولكنه الهول حين انتشر
وفي آية قد أتى وصفه ** بخمسين ألفاً فأين المفر
وتطبيقه تجعلن الحساب ** في الكل وصفا بليغ العبر
ووصف الكتاب عباراته ** تعبر عنه بحال بهر
أشاب الوليد وشق السماء ** وكورت الشمس ثم القمر
وقيل الحساب على أصله ** فوقت القيامة هذا القدر (1/24)
صفحة 23
وإن لها موقفين معاً ** فألفا وخمسون ألفا أخر
وقيل مواقف معدودة ** وكل كألف وهذا أمرّ
وقيل المراد بيان اقتدار ** العليم للحساب الأبر
وإنكم لو توليتموه ** ما كان منكم بذاك القدر
وهو يحاسبهم لحظة ** بأسرع حال كلمح البصر
وليس على مؤمن شدة ** ولكن على فاسق قد كفر
وهي أخف على مؤمن ** من الفعل للفرض نص الخبر
وقيل المراد بما في السور ** حصول العروج كما قد ظهر
فغلظ السماء كخمس مئين ** والأرض منها كخمس أخر
ويعرج بينهما أمره ** وينزل أيضا كما قد ذكر
ومن بعد ذاك إلى عرشه ** معارج غير الذي قد غبر
تعرج فيهن أملاكه مع الروح ** كلا على ما قدر
ومقدار ذاك كخمسين ألفاً ** هم يعرجون بيوم أغر
وهذا هو الظاهر المرتضى ** وحسبك بالظاهر المختصر
وجاء عن البحر بحر العلوم ** في صفة اليوم وقف بهر
فهاك الجواب هديت الصواب ** ونلت الثواب كفيت الضرر
كفيت من الشر شر الورى ** وشر التواني وشر الغرر
ونلت من الخير صدق اليقين ** والعزم والصبر والمفتكر
ولا زلت ترقى على رغم من ** يعاديك أعلى المراقي الغرر
ويتحفنا الله من فضله ** عزائم تذهب عنا الخور
وتصعدنا في مراقي العلا ** ويجعلنا قدوة للبشر
ونحيي بها سنة المصطفى ** ونمحي بها جور من قد فجر
عليه الصلاة عليه السلام ** ما قام في الناس داع وقرّ (1/25)
صفحة 24
20- { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً ..)(النور:60)
السؤال:
قوله تعالى { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (النور:60)وهل فيها دليل يؤيد منطوق { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } (الأحزاب:59)الآية؟
الجواب:
المراد بالقواعد النساء القاعدات عن الحيض وطلب الرجال، وهن العجائز اللاتي لا يَشتهين ولا يُشتهين، رخص لهن الرب تعالى أن يضعن ثيابهن، يعنى جلابيبهن بشرط أن لا يقصدن تبرجا لزينة، أي لا تقصد بوضع الجلباب كشف الزينة لترى متزينة، فإنها إن قصدت ذلك حرم عليها ومنع وضع جلبابها، وإن لم تقصده جاز لها وضعه، وإن لم تضعه تعففاً فهو خير لها، والله أعلم. (1/26)
صفحة 25
21- ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ )(الأحزاب:50)
السؤال:
الوهب في قوله تعالى { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ )(الأحزاب: من الآية50 } الخ . هل هذا الوهب وقع من المرأة للنبي أم لا؟ وهل هذه الآية أنزلت قبل الوهب أم بعده؟ وهل ( إن ) للشرط في الآية في الموضعين أم لا؟
الجواب:
اختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لم يتفق للنبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة وهبت نفسها له، وإن الآية نزلت على تقدير الوجود، أي: إن وجد ذلك وأردتها لنفسك فقد أحللناها لك.
والقول الثاني: أنه قد اتفق له ذلك فلم يقبل، وأن امرأة وهبت نفسها له صلى الله عليه وسلم فسكت عنها، فقام رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فزوجه بها النبي صلى الله عليه وسلم على ما عنده من القرآن. وقيل: إن خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فأرجأها، فتزوجها عثمان بن مظعون بإذنه، وعن ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد لم تكن عنده امرأة صلى الله عليه وسلم بالهبة.
والقول الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم تزوج بالهبة ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة - أم المساكين- الأنصارية الهلالية، وأم شريك بنت جابر بن عوف من بنى أسد، وقيل: من بنى عامر بن لؤي، وهي قرشية، وطلقها بعد الدخول، وقيل: قبله، وكانت خولة بنت حكيم من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال القطب: وذلك من عائشة دليل على أنه كانت عنده بالهبة غير واحدة، وهو أيضا مروي عن عروة بن الزبير.
هذه أقوالهم ونسب بعضهم إلى أكثر أن الواهبة نفسها أم شريك عزيزة بنت جابر الدوسية، فلم يقبلها ولم تتزوج حتى ماتت.
وأما ( إن) في الموضعين فإنها للشرط. والمعنى: أن الحل مقيد بالشيئين: الهبة منها، والقبول منه صلى الله عليه وسلم، فإن حصل الشرطان حلت له، وإن اختل أحدهما فلا تحل والله أعلم. (1/27)
صفحة 26
22- ( يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ:10)
السؤال:
نصب الطير على أي وجه من وجوه الإعراب انتصب في قوله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سبأ:10) ؟
الجواب:
قال القاضي: إن (الطير) عطف على محل (الجبال) قال: ويؤيده القراءة بالرفع عطفا على لفظها، تشبيها للحركة البنائية العارضة بالحركة الإعرابية، أو على ( فضلاً)، أو مفعول معه لأوبّي، فعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بالعطف على ضميره، وكأن الأصل: ولقد آتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال والطير، فبدل به على هذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه وكبرياء سلطانه، حيث جعل الجبال والطير كالعقلاء المنقادين لأمره، وفي نفاذ مشيئته فيها. هذا كلامه.
وقيل: يجوز أن يكون مفعولاً بفعل محذوف تقديره: فسخرنا له الطير والنار والحديد، وهذه أحسن، لأن على الوجه الأول اعتراضات، ولا اعتراض على هذا الوجه والله أعلم. (1/29)
صفحة 27
23- ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يّس:39)
السؤال:
الهلال إذا اعتراه النقص هل هذا من حائل يحول أم هذا نقصان في ماهيته؟
-------------------------------------------------------
الجواب:
الله أعلم بذلك، والظاهر من قوله تعالى ( حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)(يّس:39)أن ذلك من نقصان في ذاته، لأن هذا الوصف إنما يكون في الذات، وذلك أنه لا يكون كالعرجون إلا إذا شابهه في الدقة والانحناء، وقد سأل معاذ بن جبل وثعلب بن يختم _وكانا من الأنصار_ قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزل قوله تعالى: ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج}(البقرة:189).
وهذا السؤال منهم يدل على أن الدقة في ذات الهلال، وقد أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فهمهم من ذلك، ولو كان التغير لحائل لبيّنه لهم، فجاء جوابهم من قبل الله تعالى بقوله: {قل هي مواقيت للناس والحج}، وذلك يدل على أن سؤالهم كان عن وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة.
وقيل: إن سؤالهم كان على ظاهره، وإنهم إنما سألوا عن العلة في تلك الزيادة والنقصان فأجيبوا ببيان حكمة ذلك؛ وهي معرفة المواقيت والحلول والآجال والحج ومعالم الحج، تنبيها على أن اللائق السؤال عن الحكمة.
قال السعد -من قومنا-: لأنهم ليسوا ممن يطلعون بسهولة على دقائق علم الهيئة.
قال السيوطي: وهذه قلة أدب منه وجهل بمقدار الصحابة -رضي الله عنهم-.
قال بعضهم: وزبدة ما أطال به السيوطى: أن الاختلاف في أحوال الأهلة ما بين في علم الهيئة؛ وهو باطل عند أهل الشريعة، فإنه يبنى على أمور لم يثبت منها شيء. (1/30)
صفحة 28
غاية الأمر: أنهم تخيلوها موافقة لما أبدعه الحكيم المطلق، وذلك أن أهل الطبائع والمنجمين زعموا أن نوره مستفاد من الشمس، وأبدا لا يكون أحد نصفيه مضيئا بالتمام إلا أنه عند الاجتماع يكون النصف المضيء هو النصف الفوقاني، فلا جرم نحن لا نرى من نوره شيئا، وعند الاستقبال يكون نصفه المضيء مواجها لنا، فلا جرم نراه مستنيرا بالتمام، كلما كان القمر أقرب إلى الشمس كان االمرئي من نصفه المضيء أقل، وكلما كان أبعد كان المرئي من نصفه المضيء أكثر، ثم إنه من وقت الاجتماع إلى وقت الانفصال يكون كل ليلة أبعد من الشمس، ويرى كل ليلة ضوؤه أكثر من وقت الاستقبال إلى وقت الاجتماع، ويكون كل ليلة أقرب إلى الشمس، فلا جرم يرى كل ليلة ضوئه أقل، ولا يزال يقل ويقل حتى عاد كالعرجون القديم.
هذا قولهم، وهو مبني على الوهم والخيال. والحق إن ذلك أمر من الله تعالى يفعل فيه وفي غيره ما يشاء، ويمكن أن يكون بسبب وأن يكون بغير سبب، غير أن الاطلاع على نفس السبب في ذلك متعذر إلا من باب الوحي، ولم ينقل لنا عن أحد من الأنبياء _عليهم السلام_ ببيان السبب في ذلك، وقد انسد من بعدهم باب الوحي، فلا سبيل إلى القول في ذلك إلا بالحدس والتخمين {( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ )(الأنعام: من الآية116)والله أعلم. (1/31)
صفحة 29
24- { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ } (الصافات:24)
السؤال:
قوله تبارك وتعالى { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ } (الصافات:24) ، وقال في موضع: ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) (الرحمن:39) .
الجواب:
لا تنافي بين الآيتين، فإن قوله تعالى {وقفوهم إنهم مسؤولون} أي سؤالاً نصه {ما لكم لا تناصرون}، فهو سؤال توبيخ وتبكيت، لا سؤال عن ذنبهم.
ثم إن في القيامة مواقف في بعضها يقول المجرمون: { وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } (الأنعام: من الآية23) ، وفي بعضها { وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} (النساء: من الآية42) ، فيمكن أنهم لا يسألون عن ذنبهم في بعض المواقف دون بعض لثبوت الحساب قطعا. والله أعلم. (1/32)
صفحة 30
25- ( إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً )(ص:23)
السؤال:
قوله تعالى { إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) (ص:23، 24) . هذا الجواب من سيدنا داود - عليه السلام- قبل استفهام الخصم أو بعده؟ على سبيل الاختصار نطق به القرآن أم على سبيل الفتيا؟ أم على سبيل الحكومة من داود -عليه السلام-، إذا كان على ما قلت وقد ظلمك؟
الجواب:
قال القاضي: ولعله قال ذلك بعد اعترافه أو على تقدير صدق المدعي.
قلت: والوجه الأول أنسب بالحكم، والثاني أقرب إلى الفتوى، والظاهر الأول لأنهم طلبوه في قولهم {فاحكم بيننا بالحق}، والله أعلم. (1/33)
صفحة 31
26- ( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ) (سورة ص:47)
السؤال:
قوله تعالى: ( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ) (سورة ص:47) اجتمعت حالتا المثنى وجمع المذكر السالم، أهذا جمع مصطفى من باب اسم المقصور أم لا؟ وكيف سكنت هذه الياء وفتح ما قبلها. أفتنا؟
------------------------------------------------------
الجواب:
هذا شأن جمع السالم من المقصور، فإنه يفتح الحرف الذي قبل الياء حفظاً لفتحة الألف بعد حذفها في الجمع، فالفتحة دليل عليها.
وأما ظهور السكون على الياء فلسبق الفتحة عليها، ولا يمكن النطق بالياء بعد الفتحة إلا كذلك.
وأما فتحة النون فهي فتحة نون الجمع بعينها والله أعلم. (1/34)
صفحة 32
27- {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ}(غافر:11)
السؤال:
الاعتراض المورود على الآية المستدل بها في ثبوت عذاب القبر وهي قوله تعالى حكاية عن الكفار {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ}(غافر:11) فذكروا أنهم أميتوا اثنتين كما أنهم أحيوا اثنتين.
واعترض بأن الحياة الأولى هي الحياة الدنيوية والثانية الأخروية، وأن الإماتة الأولى عبارة عن عدمهم قبل الوجود، والإماتة الثانية هي التي فارقوها في الدنيا، والبحث كيف تطلق الإماتة على الشيء المعدوم قبل وجوده؟ ألم تكن مشروطة بوجود الميت، فإنا نرى الموت يحل على الشيء الموجود الواجب فناؤه لا على المعدوم.
----------------------------------------------------
الجواب:
أطلق الموت على العدم قبل الوجود مجازاً كما أطلق القمر على الشمس في قولهم: القمران، ومثله العمران لأبي بكر وعمر. والله أعلم. (1/35)
صفحة 33
28- { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (ق:18)
السؤال:
معنى قوله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (ق:18) معناه: أن كل كلمة يلفظ بها بلسانه تكتب عليه من قليل وكثير، وسر وجهر، وصدق وكذب، أم معناه رقيب شاهد عليه، ومستمع له بما يقول؟
الجواب:
معناه: أن الملك الموكل بالحفظ على الإنسان يكتب عليه ما بلفظ به من قول، واختلف فيما يكتب الملكان، فقيل: يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقيل: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يوزر به. والله أعلم. (1/36)
صفحة 34
29- {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ}الرحمن:31،{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى}النجم:43
السؤال:
ما معنى قوله تعالى { سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ) (الرحمن:31) وقوله تعالى ( وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) (النجم:43) ، فضلاً منك أن تمن علينا بذلك.
الجواب:
أما قوله تعالى {سنفرغ لكم أيها الثقلان} فمعناه القصد إلى حسابه، فهو وعيد لهم وتهديد، كقول القائل يريد تهديدهم : إذن أتفرغ لكم، أي أقصدكم بالعقوبة، شبّه تدبيره تعالى أمر الآخرة من الأخذ في الجزاء وإيصال الثواب والعقاب إلى المكلفين، بعد تدبيره تعالى لأمر الدنيا بالأمر والنهي والإماتة والإحياء والمنع والإعطاء - وأنه لا يشغل شأنه- بحالة من إذا كان في شغل يشغله عن شغل آخر، إذا فرغ من ذلك الشغل شرع في آخر، فهو استعارة تمثيلية، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.
وأما قوله {وأنه هو أضحك وأبكى} فمعناه: أن السرور والحزن بيد الله تعالى؛ يدخل السرور والحزن على من شاء، وأن ذلك بيده دون غيره، قال الحسن: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقيل: إن الفعلين من الأفعال اللازمة، كقوله تعالى { وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ)(آل عمران: من الآية156) }، وهذا يدل على أن ما يعمل الإنسان فبقضائه وخلقه، حتى الضحك والبكاء. والله أعلم. (1/37)
صفحة 35
30- قصة الغرانيق وما نسج حولها من أساطير
السؤال:
قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الحج: 52-54).
كيف والأنبياء معصومون عن الشيطان وإلقائه ووسواسه؟ وهل يصح كما حكوا عنه حين نزلت عليه سورة والنجم فأخذ يقرأها فلما بلغ {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى }(النجم:20) وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهواً إلى أن قال: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى" .
ففرح المشركون به حتى تَبِعوه بالسجود لما سجد في آخرها، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبهه جبريل فاغتم به فسلاّه الله بهذه الآية، وهي {وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي}. تفضل اشرح لنا.
----------------------------------------------------
الجواب:
خبر الغرانيق أنكره قوم وتأوله آخرون، وممن أنكره الفخر الرازي وابن العربي والقاضي عياض والبيهقي والبزار، وقال الرازي: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}(النجم:3-4) وقال تعالى: {سنقرئك فلا تنسى}(الأعلى: 6). (1/38)
صفحة 36
وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون، وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أنه عليه السلام قرأ سورة والنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق، بل روى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق، ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك، أي: مما ألقاه الشيطان على لسانه، ويبطل قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}(المائدة:67) فإنه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه.
قال: فبهذه الوجوه النقلية والعقلية عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، وقد قيل: إن هذه القصة من وضع الزنادقة لا أصل لها.
وقال ابن العربي: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها.
وقال القاضي عياض: هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة ولا رواة ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده، قال: ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صحابي، وأكثر الطرق عنهم في ذلك واهية. قال: وقد بين البزار أن الحديث لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا من طريق أبي بشير عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله. قال: وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه، ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم. قال: ولم ينقل ذلك.
وأما من أثبت القصة فقد تأولها بتأويلات منها: قول بعضهم: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سِنة من النوم وهو لا يشعر، فلما أعلمه الله بذلك أحكم آياته. ورُدّ بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم ولا في اليقظة. (1/39)
صفحة 37
وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره. ورُدَّ بقوله تعالى حكاية عن الشيطان: {وما كان لي عليكم من سلطان}الآية(إبراهيم: 22) . فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة.
وقيل: قال ذلك سهواً. ورُدّ بأنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع، وحينئذ تزول الثقة عن الشرع.
وقيل: لعله قال ذلك توبيخاً للكفار.
قال القاضي: وهذا جائز إذا كان هناك قرينة تدل على المراد. قلت: لا يجوز، لأنه منتظم في سلك التلاوة، فيتوهم السامع أنه تهكم نزل في القرآن لا من النبي _عليه السلام_ وحده، فيحمله على اعتقاد الخطأ، حيث يعتقد القرآنية لما ليس بقرآن.
وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: {ومناة الثالثة الأخرى} خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به كعادته إذا ذكرها، فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي _عليه السلام_ على عادتهم في قولهم (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه}(فصلت:26) أي: أظهروا اللغو برفع أصواتكم تخليطاً وتشويشا عليه، ونسب ذلك للشيطان لأنه الحامل لهم عليه، أو المراد بالشيطان: شيطان الإنس.
وقيل: المراد بالغرانيق العلى: الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله ويعبدونها، فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: {ألكم الذكر وله الأنثى}(النجم:21) فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك، فنسخ تينك الكلمتين؛ وهما تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى، وأحكم آياته. قلت: ليس هذا بشيء لأنه لو كان كذلك لما جعل من إلقاء الشيطان، لأنه وحي أوحي ثم نسخ. (1/40)
صفحة 38
وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن فترصده الشيطان في سكتة من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكيا صوت النبي صلى الله عليه وسلم بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قول النبي وأشاعها. قال القاضي: وهذا أحسن الوجوه، واستحسنه ابن العربي أيضاً، وسبق إليه الطبري فصوبه. قلت: ومع ذلك فهو باطل أيضاً، إذ لو كان للشيطان قدرة على ذلك لالتبس الحق بالباطل، وتشبه الشيطان بالنبي، واختلط على الناس أمر دينهم. فإن قيل: إن ذلك كله ينتفي بقوله: { فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته} لأنه تعالى أخبر بأن ذلك لا يبقى. قلنا: عدم بقائه غير رافع لما ذكرنا في التلبيس، وأقل ذلك: جواز الشك في المسموع، هل هو النبي، أم الشيطان؟ فإنه متى جوزنا أن تكون للشيطان تلك القدرة في التشبه بصوته _عليه الصلاة والسلام_ لزم في ذلك تجويز الشك في المسموع حتى يأتي ما يزيله، ومن المعلوم أن الشك في ذلك باطل وكفر، فلو جوزناه لجوزنا الكفر في بعض الأحوال، فذلك باطل، فبطل هذا الوجه الذي استحسنه هؤلاء الرجال.
وإذا ظهر لك ما في هذه الاحتمالات كلها علمت أن الصواب إنكار القصة من أصلها، وإذن نرجع في تفسير معنى الآية وهي قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته}.
اعلم أن حقيقة التمني: طلب ما ليس معك، والأمنية: ما بولغ في تمنيه، كأحدوثة للحديث المستحسن جدا،ً ويطلق مجازاً على القراءة. قال تعالى: {ومنهم أميون لا يعرفون الكتاب إلا أماني}(12) أي: إلا قراءة، لأن الأمي لا يعلم الكتاب من المصحف، وإنما يعلمه قراءة.
وقال حسان:
تمنى كتاب الله أول ليلة ** وآخرها لاقى حمام المقادر
قيل: إنها سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها، وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها، فهذان وجهان في معنى التمني والأمنية. (1/41)
صفحة 39
فإن حملناها على المعنى الأول وهو طلب غير الحاصل، فالمعنى: أن النبي _عليه السلام_ متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور وسوس الشيطان إليه ودعاه إلى ما لا ينبغي، كالاشتغال بالدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: "إنه ليُغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم سبعين مرة". أي: يغشاه الشيطان بالوسوسة، ثم ينسخ الله ذلك، بمعنى يزيله ويبطله.
وإن حملناها على المعنى الثاني الذي هو القراءة، فالمعنى: بإلقاء الشيطان فيها ما يجوز أن يقع الرسول _عليه الصلاة والسلام_ فيه، ويشتبه إلى القارئ دون ما رووه من قوله: تلك الغرانيق العلا، وذلك مثل ما يقع في التلاوة من السهو الممكن وقوعه منه _صلى الله عليه وسلم_، فإنه إذا وقع منه مثل ذلك السهو حق له أن يحزن، وحينئذ يستوجب التسلية من قبل ربه تعالى.
فهذان المعنيان قد تعارضا في تفسير الآية، ويرجح المعنى الأول؛ كون التمني حقيقة في طلب غير الحاصل، ويرجح المعنى الثاني؛ قوله تعالى: {ثم يحكم الله آياته}، فإن ذلك قرينة صالحة لصرف التمني عن حقيقته الأصلية إلى معناه المجازي. والله أعلم. (1/42)
صفحة 40
31- ( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ) الممتحنة: 1
السؤال:
معنى قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ) (الممتحنة:1) كيف معنى: "وإياكم أن تؤمنوا بالله" أهذا زجر وردع عن إيمان أم كيف ذلك؟
---------------------------------------------
الجواب:
قوله: "وإياكم" معطوف على "الرسول" ومعناه: يخرجون الرسول ويخرجونكم كراهة أن تؤمنوا بالله وحده، وليس في الآية تحذير، وإياك يكون للتحذير ويكون للضمير، والأصل فيها هو المعنى الأخير. والله أعلم. (1/43)
صفحة 41
32- معنى آيتي العدة في سورتي الأحزاب والطلاق
السؤال:
قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } (الأحزاب:49) ، وقوله تعالى { وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَالّلائِي لَمْ يَحِضْنَ} (الطلاق: من الآية4) أهذا متعلق بالأول؟ أفتنا.
الجواب:
الآيتان في سورتين كل واحدة منهما مستقلة عن الأخرى، فالأولى في سورة الأحزاب، ومعناها: عدم لزوم العدة إن طلق قبل المس، وأنه يجب عليه أن يمتعها؛ وذلك أن يعطيها نصف الصداق، إذا كان قد سمّى لها صداقاً، وإن لم يسم فيدفع إليها شيئا غير محدود، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وذلك في مقابلة نصف الصداق لو سمّى لها صداقاً.
وأمَّا الآية الثانية ففي سورة الطلاق، ومعناها في عدة المؤيسة من الحيض: أن عدتها ثلاثة أشهر، وذلك في مقابلة ثلاث حيض من اللواتي يحضن، وقوله: {إن ارتبتم} أي: إن شككتم في عدتهن ولم تعرفوا عدتهن، فهذا حكمهن، وقوله( واللائي لم يحضن ) مبتدأ محذوف الخبر ومعناه: واللائي لم يحضن كذلك، أي: عدتهن مثل اللائي يئسن من المحيض، والمراد باللائي لم يحضن: هُنّ اللواتي لم يطرقهن الحيض رأساً، وهذا مجمع عليه، ومثله اللواتي انقطع عنهن الحيض بسبب من الأسباب غير الحمل، فإن عدة الحامل وضع حملها، والله أعلم. (1/44)
صفحة 42
33- { إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لمَا عَلَيْهَا حَافِظٌ } (الطارق:4)
السؤال:
من يقرأ {والسماء والطارق}(2) أفيها وجه أن يقرأ { إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لمَا عَلَيْهَا حَافِظٌ } (الطارق:4) بالتخفيف، ما الذي يعجبك أعني التخفيف ( لمَا ) وتثقيلها؟ عرفنا بالجواب.
الجواب:
اختلف القراء في ذلك:
فمنهم من قرأ بالتخفيف على جعل ( إنْ ) في الآية مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارق بين النافية والمخففة، وما زائدة، وهذه القراءة هى التى تصدر بها في "الهميان" و"الجلالين".
ومنهم من قرأ بتشديد الميم، على جعل أن نافية، ولمَّا بمعنى إلا، وهي قراءة أبي عامر وعاصم وحمزة، وعليها العمل في عمان، فلا يعجبنى خلافه. والله أعلم. (1/45)
صفحة 43
34- { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وذكر اسم ربه فصلى } (الأعلى:14، 15)
السؤال:
قد أشكل علي كلام بعض المفسرين أن معنى قوله عز وجل { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } (الأعلى:14) أي من تصدَّق قبل مروره إلى العيد، {وذكر اسم ربه فصلى} أي صلاة العيد مع الإمام، أسأل كيف تكون صدقة في ذلك الوقت، ولعلها المراد بالصدقة زكاة الفطر؛ وزكاة الفطر فرضت بعد فريضة الصيام فيما يتبادر في العقل وينقدح في الذهن، ونزول فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة، ونزول الآية الكريمة بل السورة بأسرها بمكة، بإجماع حكاه بعضهم، فما وجه هذا القول؟ فضلا بالبيان.
الجواب:
إن صح هذا القول فوجهه: أن حكم الآية متأخر عن نزولها، ومعنى ذلك: أنها نزلت بمكة، فهي تتلى كذلك، وحكمها معلوم، غير أنه لم يؤمر به أمراً جازما إلا بالمدينة بعد فريضة الصيام، وقد تنزل الآية فتتلى ولها حكم لم يأتِ وقته، وقد ينزل الحكم قبل نزول الآية فيعمل به، ثم ينزل فيه قرآن يتلى، فهذا المعنى إن صح يكون من هذا الباب. والله أعلم. (1/46)
صفحة 44
35- { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } (الماعون:7)
السؤال:
قوله تعالى { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } (الماعون:7) ، قال السائل: ما صفة هذا الماعون الذي وعدهم الله عليه بالويل؟ هل هو ما تعارف به الجيران أم غير ذلك؟ وهل يختلف باختلاف العرف أم لا؟ وربّ قوم يتعارفون بأشياء لم يتعارف بها آخرون.
الجواب:
قيل المراد بالماعون: الزكاة، وعليه فالمعنى ظاهر، لأن منعها موجب للعذاب، وقيل: ما يتقاضاه الناس، وعليه فهو من صفات المنافقين، والوعيد إنما وقع على المنافقين بمجموع صفات منها: منعهم للماعون، فيقتضى ذلك منع حقوق الجار، ومنع قضاء حاجة المسلم، والماعون يختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فما كان معدًّا لقضاء الحوائج بين الناس فهو ماعون، ومنعه جفاء. والله أعلم. (1/47)
صفحة 45
36- إتيان المستمع للقرآن بكلام خارجي
السؤال:
المستمع للقارئ إذا أتى من الكلام ما يعلم به أنه منصت للاستماع فاهم للمراد، هل يجوز له ذلك أم لا؟
الجواب:
يجوز له ذلك إذ لا مانع منه شرعاً ما لم يرد به معنىً باطلاً، والله أعلم.
-----------------------
السؤال :
من يقرأ القرآن وعنده أحد يستمع وحينما أتم القارئ الآية قال المستمع طيب نعم، وهكذا كلما أتمَّ القارئ الآية قال المستمع كذلك، هل يجوز ذلك أم لا ؟
الجواب :
القرآن طيب لا محالة، وهذا المستمع إن آذى القارئ بذلك منع، وإن لم يؤذه فهو إلى قصده إن قصد خيراً فخير وشرا فشر والله أعلم . (1/48)
صفحة 46
37- كتابة الآيات الشريفة بالدم للاستشفاء
السؤال:
من يكتب على جبهة المرعوف آية من القرآن بدم الرعاف؟
الجواب:
لا يجوز أن يُكتب القرآن بالدم، وإن كان السر في كتابة الآية فليكتبها بالمداد، وإن كان السر في نفس الدم فليضع منه هنالك، ولا يمكن أن يكون مجموع الأمرين إلا إذا كان ذلك من عمل الشيطان، والله أعلم. (1/49)
صفحة 47
38- المفاضلة بين تعليم العلم والذكر والتلاوة
السؤال:
تعليم العلم وقراءة القرآن والذكر أيهما أفضل في شهر رمضان أو غيره من الشهور؟
الجواب:
في الجميع فضل عظيم، وإذا كان الكل نفلاً فقراءة القرآن في رمضان أفضل من باقي الأذكار، وتعليم العلم لا يقاومه شيء في الفضل، والواجب مقدم على النفل، والله أعلم. (1/50)
صفحة 48
39- استعمال الحروز من القرآن أو غيره
السؤال:
من استعمل لبس الحروز من كتاب الله تعالى، فأنكر عليه بعض مخالفينا فقالوا: هذه الحروز تمائم ولبس التمائم حرام؛ لأنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبسها، فقلنا له: أما آيات القرآن فجائز حملها وشرابها محو لكافة المسلمين، وأما التمائم التي ذكرتها أنت فغير آيات الله، فلم يصدقنا، فتفضل علينا ببيان التمائم.
الجواب:
ليس نهيه صلى الله عليه وسلم متوجهاً إلى آيات الكتاب العزيز ولا إلى الأدعية والأذكار النبوية ولا إلى ما عرف معناه أنه حق، وإنما النهي عن أشياء لا تحل شرعاً.
فعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: " إذا عسر على المرأة ولدها فلتكتب لها : بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا الله الحكيم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (النازعات:46)، (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ) (الأحقاف: من الآية35) إلى آخر السورة ".
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه السلام كان يأمرنا بكلمات من الفزع.
وشكا إليه خالد بن الوليد أنه يفزع في منامه، فقال: " إذا أخذت مضجعك للمنام فقل: بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" فكان عبدالله بن عمر من أدرك من ولده علمه إياهن، وأمره أن يقولهن إذا أراد أن ينام، ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه، والله أعلم.
وفي حاشية محمد الشنواني على مختصر ابن أبي جمرة ما نصه: (1/51)
صفحة 49
يحكى أن قيصر ملك الروم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن بي صداعاً لا يسكن، فابعث لي شيئاً من الدواء، فأنفذ إليه قلنسوة، فكان إذا وضعها على رأسه سكن ما به من الصداع، وإذا رفعها عن رأسه عاد الصداع إليه، فتعجب من ذلك، فأمر بفتحها، ففتشت فإذا فيها رقعة مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: ما أكرم هذا الدين وأعزه حيث شفاني الله تعالى بآية واحدة، فأسلم وحسن إسلامه، انتهى نقلاً، والله أعلم. (1/52)
صفحة 50
40- استئجار معلم للقرآن بمدرسة موقوفة من غلتها
السؤال :
رجل وجد أثَريّ ماء من مائه موقفتين للمدرسة ولم يرَ فيهما وصية إلا بشهرة أهل البلد أنهما للمدرسة موقفتان، ولم يخصا مدرسة معلومة من البلد انهما لتعليم القرآن العظيم أو لعمارة مدرسة البلد وربما أنهما مزمنان وارد من وجد في مائه هذا الماء للمدرسة أن يؤجر بهما رجلا يعلم القرآن العظيم كل شهر بأجرة معلومة، أرأيت إذا كان هذا الرجل فقيرا وعنده أولاد أيجوز له أن يعلم أولاده من ثمنها الذي فرضه للمعلم أم لا ؟ وكذلك أولاد عمه سواء أم لا ؟
الجواب :
يجوز لهذا الرجل أن يؤجر بغلّة الأثرين رجلا يعلم القرآن العظيم ويجوز لهذا المعلم أن يعلم بهذه الأجرة أولاده وأولاد المؤجر وأولاد عمه وغيرهم من أولاد المسلمين فإن الحكم فيهم سواء والأصل واحد والله أعلم . (1/53)
صفحة 51
41- اغتفار الخطأ في قراءة القرآن
السؤال :
من يقرأ قوله تعالى { قال الكافرون إن هذا لسحر مبين } طول عمره ولم تتمكن من قلبه قراءة { قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ }(يونس:2) ، وتردد قلبه هل هذه القراءة متواترة أم لا ؟ ومن بعد فطن لها هل يقدح في إسلامه هذا التردد إذا لم يرد إنكار تواتر القرآن ؟
الجواب :
هذا من الخطأ والغلط ، والله تعالى أكرم وأرأف أن يأخذ الناس على خطئهم، ولا يفضى به ذلك إلى شك في القرآن والحمد لله على العافية والله أعلم . (1/54)
صفحة 52
42- الإسراع في قراءة القرآن الكريم
السؤال :
من يقرأ القرآن ويتسارع كثيراً يجوز أم لا ؟ أفتنا .
الجواب :
إذا لم يكن في السرعة لحن ولا تحريف فلا بأس عليه إن شاء الله . والله أعلم . (1/55)
صفحة 53
43- حكم قراءة القرآن راقدا ً
السؤال :
هل تجوز قراءة القرآن للراقد على الأرض أم لا ؟
الجواب :
ليس ذلك من الأدب ولا من تعظيم القرآن، وتعظيمه واجب والتأدب عنده مطلوب والله أعلم . (1/56)
صفحة 54
44- كتابة حروف الآيات لتحصيل المطالب
السؤال :
بعض أكابر مجرمي قرية تملكوا البلاد وقهروا من فيها من العباد، بالجور والظلم والفساد، عدواً وظلما واستكبارا وعتوا ونفورا، فما أغنت عنهم الإنذار ولا التذكرة بأيام الله في الأخرة فتعمموا طغيا وبغيا فشرحوا بالجور صررا وكما ترى فليس للأمر قائم ذو قدرة يكبت أهل الضلال ألا وقد مس الضعفاء جور أولئك المفسدين، فعلى هذا ان أحدا من أنصار الله في حق الإسلام تفرع لمجاهدة الله الذين ذكرتهم فعمل لهم عملاً بكتابة الآيات القرآنية وليس من الآيات التى فيها أسماء الله إلا ضمير المعنى ضمير مستتر بل هي من آيات الوعيد، أترى فرقا في حرمة أي القرآن أم كله حرمة واحدة ؟
وإذا وضعت حروفاً مقطعة لا كلمات شكلية فهل يجوز دقها دقا أو سحقها أو حرقها بغير الجمر والشرر واللهب من النار ؟ بل إذا وضعت في الأسر فيذاب وهى فيه أو ماذا ترى في ذلك، فإن أحداً من العلماء قال ببعض وجه الجواز في ذلك إذ ذلك العمل عمله لله وفي الله وإلى الله وبالحق وفي الحق أعنى نية عامل هذا، لكن ماذا ترى إذا حضر مع السؤال وقامت عليه الحجة من قبل الله فقيل له ماذا فعلت بكتابى وآياتى أم كذبت بحسابى أم آمنت عقابي فهتكت حرمتى لأعراض دنياك الفانية ونسيت أخراك الباقية فماذا يكون جوابه عند المليك المقتدر .
قال وإن كان قد أتى مثل هذا فيما مضى زمانه فأصاب بذلك من أباح له فيه الشرع في مجتمع عليه من جواز أهلاكه ففعل ذلك بما وصفت لك لظنه يجواز ذلك وغفل السؤال قبل الدخول لما فعل ذلك . ثم انتبه للسؤال فإن صح أن ذلك محجور بذلك وأراد التوبة فماذا عليه في أحكام شروط توبته من ذلك هل يكون تغليظا أم ندما واستغفارا أم إذا ترى في جميع هذا تفصل بإفادة الضعيف وانقاذه من هلكة العمى والجهل لعله يستضيء بنور ما أوتيته من نور الحكمة والعلم ولك الأجر إن شاء الله . (1/57)
صفحة 55
الجواب :
حرمة القرآن جميعه واحدة، ولأسماء الله بنفسها حرمة أخرى بل للجميع حرمة واحترام فلا يصح حرق شيء من كلام الله تعالى ولا من أسمائه، وإن فكك الحروف بعضها من بعض ورسم حروفاً مقطعة مخالفة لرسم المصحف وقاعدة الكتابة فلا يبعد أن يقال في مثله يجوز استعماله فيما وصفت لأنها صارت حروفا منتثرة لا آية مجتمعة، وفاعل ما يمنع من ذلك تجزئه التوبة، وإن كان قد قتل به من يجوز قتله وقد فرض الله الجهاد على عباده بالأنفس والأموال وهي التجارة الرابحة المنجية من عذاب الآخرة وعلى إقامة سوقها مضى عصر النبوة وزمان الخلفاء ثم خلف من بعدهم خلف يقرؤون القرآن كما يقرؤون تواريخ الأمم، يسمعون أوامره وزواجره ويحملونها على من مضى كأنهم لم يدخلوا في خطابه، وكأنهم لم يعنوا بعتابه، فارتاحوا إلى الخمول واستروحوا بالقعود مع الخوالف وتوسعوا في المباحات وأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا وجنحوا إلى الإتراف فلا نجد خصلة نعاها القرآن على أهل النفاق في عصر النبوة إلا وهى موجودة في غالب أهل زمانك.
ثم إن المتنبه منا بعد ما أعيته الحيلة قام إلى آيات القرآن وأسماء الرحمن فكك بناءها وأحرق حروفها الله المستعان ما كان هذا الحال على عهد محمد صلى الله عليه وسلم ولا عهد الخلفاء الراشدين بل هو أمر محدث سعادة فاعله السلامة من حرجه { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً } (النور:55) فلو كنا من أهل هذه الصفة حقا - ونعوذ بالله من ضدها - لوفى الله لنا بما وعد ، وقال تعالى : { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ }(محمد:7) فلو نصرنا الله حقا لنصرنا الله غير أن قد اتصفنا بالفشل والتنازع وقد نهانا الله عن ذلك وركب غالبنا المناهى وعملوا بالمساخط وذلك موجب للغضب إن لم يعف الله . اللهم ارحم دينك وانصر المسلمين وأظهر الدين وألف بين القلوب وأجمع الشمل يا رب العالمين والله أعلم . (1/58)
صفحة 56
45- أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه
السؤال :
من استأجر على قراءة القرآن العظيم يقرأ على قبر هالك، وصح عليه ضرر من شمس أو غيرها من المضرات وأراد أن يقرأ في مكان بعيد عن القبر مثل مسجد أو غيرهما أيجوز له ذلك ؟
الجواب :
إذا خاف الضرر فيترك القراءة وليأخذ أجرة ما قرأ، وليس هذا فرضا لا بد منه ولا يصح له إذا استؤجر في مكان مخصوص أن يقرأ في غيره والله أعلم .
----------------------------
الاستئجار لقراءة القرآن
السؤال :
من يقرأ القرآن في المقابر بأجرة، ونيته أن يقرأ بأجرة لحفظ القرآن ومعونة لعياله فهل له من أجر بينه وبين الله تعالى ؟ وما الذي تحل له الأجرة به والذي يحرمها عليه من الشروط ؟ صرح لى ذلك .
الجواب :
إذا قصد بقراءته تحفظ القرآن لوجه الله تعالى مع القصد إلى أخذ لمؤنة العيال فعسى أن يمن الله عليه بالثواب لأن كلا القصدين طاعة وتحل له الأجرة إذا وفى بجميع ما اشترط عليه من أمر التلاوة وتحرم عليه إذا ضيع شيئا من الشروط .
وإذا لم يشترط عليه شيء لزمه أن يقرأ قراءة متوسطة يفصح فيها عن الحروف والاعراب ولا يجوز له أن يقرأ دون قراءته المعتادة في غالب أحواله لأن المؤخر إنما أجره على القراءة التى عرفها منه والله أعلم .
----------------------------
الإجارة على قراءة القرآن
السؤال :
رجل يُستأجر أن يقرأ القرآن على القبور أو من شاء من المسلمين قراءة في بيت أو في مسجد أيجوز له أن يأخذ أجرة عن قراءته لنفقته وقضاء دينه على هذه الصفة ؟ أرأيت أن ترك الرجل هذه الحرفة يضعف عن نفقته لعياله وقضاء دينه وكانت هذه مكسبه أتراه سالما أم هالكا فيما بينه وبين الله تعالى ؟
الجواب :
إن في أخذ الأجرة على قراءة القرآن الاختلاف الثابت في الأجرة على الفعل المنذور . وأحبّ عند المكنة أن لا يتخذ كتاب الله متجرا ولا آله للاكتساب وللضرورة حال آخر ومن أخذ بقول من أقوال المسلمين لايهلك والله أعلم .
----------------------------
الأجرة على تعليم القرآن
السؤال :
عمن استؤجر يعلم القرآن وعلم صبيا ثلث القرآن أو أقل ثم بدا لوالده منعه من التعليم أله أجره فيما علمه، وما اختياركم في أخذ الأجرة على تعليم القرآن ؟ أفدنا مأجورا .
الجواب :
لا بأس بأخذ الأجرة على تعليم القرآن، وخصوصا في هذا الزمان إذا لو لم يعطوا أجرة لاندرس تعليم القرآن وغالب الناس فقراء يحتاجون إلى السعي والأغنياء لا يتواضعون لذلك، ومن استأجر على تختيم الولد فأخذه أبوه قبل ذلك فعليه أن يدفع للمعلم قدر عناه من ذلك والله أعلم. (1/60)
صفحة 57
46- معنى أن القرآن الكريم كلام الله
السؤال :
قول ابن النظر وشرح ابن وصاف عليه في قوله :
وأما كلام الله فهو كتابه ** كذلك قال الله للطاهر الشيم
ومن شرح ابن وصاف عليه قوله : " أجمعت الأمة أن كلام الله تعالى من صفاته وكلام الله تبارك وتعالى كتابه وكتابه كلامه " أفلا تبين لي ما نَصَّهُ ابنُ وصاف وتُظهره وتُوضحه وتَكشف وجهَ القِناع عنه ؟ جزاك الله عنا خيراً .
الجواب :
معنى كلام ابن وصاف أن الأمة المحمدية أجمعت على أن كلام الله من صفاته وهوكذلك لكن الصفات قسمان ذاتية وفعلية والكلام نوعان :
أحدهما من صفات الذات وهو المعبر عنه بنفي الخرس فقولنا : الله متكلم بذاته، أي ليس بأخرس، أي ذاته تعالى متنزهة عن الخرس .
والنوع الثاني من صفات الفعل وهو الذي فسره ابن وصاف بقوله وكلامه كتابه، وإياه عني ابن النظر في قوله :
وأما كلام الله فهو كتابه
ومعنى ذلك أن الكتب المنزلة على أنبياء الله تعالى هي كلام الله أي كلامٌ خلقه الله تعالى فيما شاء كيف ما شاء وأضافه إلى نفسه تشريفا له وتعظيما كما أضاف ناقة صالح عليه السلام إلى نفسه فقال :
{نَاقَةَ اللَّهِ }(الشمس:13) وإنما هي خلق من خلقه، كما أضيفت الكعبة إليه فقيل بيت الله على قصد التشريف والتعظيم للمضاف .
ولما كانت الكتب المنزلة كلاماً مضافاً إلى الله تعالى للتعظيم والتشريف ولكونها مخلوقة له تعالى وجب أن يكون ايجادها بعض صفاته فهي من صفاته الفعلية كالايحاء والارسال للأنبياء وكالأمانة والإحياء للخلق إلى غير ذلك من أفعاله تعالى .
فالكلام المنزل من صفاته تعالى اجماعاً لكن اختلفت الأمة في كونه من أي الصفات هو، فذهب الجمهور إلى أنه من الصفات الفعلية كما ذهبنا إليه وذهبت الأشعرية إلى أنه من الصفات الذاتية فكان قولهم بذلك سبباً للتخليطات التي زعموا بها في القرآن حتى زعم بعضهم أنه لم ينزل وأن ما بين الدفتين ليس بالقرآن بل هو عبارات عن القرآن أبعده الله من قائل، إذ يلزمه بقوله هذا انكار قول الله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ}(الحجر:9) و{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ }(القدر:1) ، { )تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ }(السجدة:2) في أمثالها من الآيات وحتى زعم أن بعضهم أن القرآن قديم فلزمهم بذلك ثبوت قديم غير الله تعالى، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
ولأجل هذه التخليطات منع بعض أصحابنا من أن يكون الكلام صفة ذاتية، بل أوجبوا أن يكون صفة فعلية فقط واكتفوا في نفي الخرس عن الله تعالى بثبوت صفة القدرة له، لأن الخرس عجز ينافي القدرة . وحِصر ابن النظر الكلام في الكتاب يقتضي هذا المذهب وكذلك تفسير ابن وصاف له في قوله وكلام الله تعالى كتابه وإلى هذا المذهب ذهب الشيخ أبو ساكن صاحب الايضاح رحمه الله تعالى حيث قال في عقيدته "وندين بأن الله خالق لكلامه" والله أعلم . (1/62)
صفحة 58
47- الجهل بقراءة بعض الآيات وأثره
السؤال :
الجاهل بقراءة القرآن إن سمع منه مد فتحة اللام الأولى حتى صارت الضامن لا يعلمن من قوله تعالى : { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا }(العنكبوت:3) ومد فتحة اللام حتى صارت الضامن { لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ }(التغابن:7) أو مد فتحة القاف حتى صارت الضامن قوله عز وجل : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا }(النساء:1) أو حذف الألف من خالق من قوله تعالى : { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } (فاطر:3) أو الوقوف على خالق من قوله تعالى : { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } أو على إله من قوله سبحانه وتعالى : { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }(الأعراف: 65، وسور أخرى) ونحو ذلك فهل يحسن به الظن أم يحكم عليه بالشرك ؟ فإن قلتم أنه غير معذور ومحكوم عليه بالشرك وكان رجل قد سمعه من زوجه فجامعها قبل أن يستتيبها من ذلك وقالت له : أنها كانت قد تابت إلى الله جل وعلا ووحدت الله العظيم قبل جماعه لها فهل له تصديقها في ذلك أم تحرم عليه ؟
الجواب :
يحسن به الظن في بعض هذه الأمور فلا يحكم عليه بشيء ولا يحسن به الظن في البعض الآخر ويحكم عليه فيه بالارتداد .
فأما البعض الذي لا يحتمل له فيه بشيء فهو مد فتحة اللام حتى صارت الفا من تلك الآيات ونحوها فإن في جعل فتحها الفا نفيا لما وجب ثبوته قطعاً فهو شرك قطعا ولا يعذر الجاهل بجهله في الشرك .
وأما البعض الذي يحسن به فيه الظن فهو مد فتحة القاف من خلق وحذف الألف من خالق والوقوف على خالق واله في الايتين ونحو ذلك .
ووجه الاحتمال في هذا البعض دون ما قبله هو أن العرب كانت تطلق على المفرد خطاب الاثنين فلا يلزم من قراءته خلقا اثبات إلهين وأن العرب تحذف الفعل وتبقي الفاعل موفوعاً فيحتمل أن غير في الآية رفعها بفعل محذوف تقديره هل من خلق خلقه غير الله .
ويصح الوقوف بين النفي والاثبات من نحو تينك الآيتين لعذر في الواقف كعطاس أو ضيق نفس أو نحو ذلك فلا يحكم بشركه في هذه المواضع لهذه الاحتمالات .
أما الذي سمع من زوجته ما تشرك به فجامعها قبل أن يصح معه رجوعها إلى الإسلام فجماعه زنى بها فإن قالت له قد رجعت إلى الإسلام قبل أن يقع ذلك الجماع فعندي أنه ليس له أن يصدقها لأنها عنده في حكم المشركين ولا يكون المشرك مصدقاً في شيء من أمور الدين هذا ما عندي فيه والله أعلم فانظر في جميع ما كتبته لك والسلام . (1/64)
صفحة 59
48- حكم العصاة من الأمة إذا ذكروا الله وقرأوا القرآن
السؤال :
حديث " أوحى الله إلى موسى عليه السلام قل لعصاة أمتك لا يذكروني فإني آليت أن من ذكرني ذكرته فإذا ذكروني ذكرتهم باللعنة " أيكون الحديث خاصاً بتلك الأمة أم يتناول أمة نبينا محمد " لقوله تعالى : { أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ }(هود:18) ولقد رفع لي بعض من أثق به أن امرأة سألت عن أبيها فقالت هو يلعن نفسه فوجد يقرأ القرآن العظيم . تفضل ببيان ذلك ؟
الجواب :
إن صح هذا الخبر عن الله تعالى فهو يتناول جميع الأمم ولا يختص بأمة دون أمة لأن الله تعالى لا يبدل القول لديه والأخبار لا يمكن نسخها وصفات الله لا تتبدل .
ويمكن أن يقال إن ذكر العاصي باللعنة اخبار خاص بالعصاة من أمة موسى عليه السلام لقوله في أول الحديث قل لعصاة أمتك ثم قال في آخره فإذا ذكروني ذكرتهم باللعنة فيكون هذا الضمير عائداً إلى العصاة من أمة موسى وأن الخبر الذي لا يجوز نسخه ولا يصح تبديله هو ما في قوله فإني آليت أن من ذكرني ذكرته فيكون الذكر في حق العصاة من غيرهم مجملاً وفي حقهم معلوماً أنه باللعنة .
ولقائل أن يقول أن هذا التخصيص غير مناسب للأحكام فإن حكم الله في العصاة من جميع الأمم واحد فيجب أن يتساوى في ذلك .
ويمكن الجواب بأن حكم الله المتحد في العصاة هو حكمه عليهم في الآخرة دون احكام الدنيا فإن احكام الدنيا تختلف تخفيفاً وتشديداً ألا ترى أنه جعل توبة العاكفين على العجل قتل أنفسهم وحرم ذلك على هذه الأمة .
وبالجملة فيحتمل أن يكون الذكر باللعنة خاصاً بأولئك العصاة وأن يكون عاماً لهم ولغيرهم من سائر الأمم .
وأما قول المرأة في أبيها أنه يلعن نفسه فمرادها أنه يقرأ قوله تعالى : { أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ }(هود:18)، { فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } (آل عمران:61) { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ }(النساء:52)، { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ }(البقرة:161) ونحو ذلك من الآيات فإنها جعلت القارئ لذلك في منزلة اللاعن لنفسه إذا كان من أهل تلك الصفة . والله أعلم . (1/66)
صفحة 60
49- المفاضلة بين القرآن الكريم ونبينا عليه الصلاة والتسليم
السؤال :
قد كثر القيل والقال وطال الجدال في ترجيح الأفضلية بين القرآن ونبينا عليه السلام من الأفضل منهما ؟ ولا طائل تحت ما قالوه، ففضلا منك أن تبين لنا وجه الأفضلية بينهما .
الجواب :
لم يشتركا في الصفات حتى يميز الأفضل من غيره، بل اختص كل واحد منهما بصفات لم تكن في الأخر، فللقرآن صفات الكلام الكاملة وللنبي " صفات الإنسانية الكاملة، وقد وصف ربنا تعالى كل واحد منهما بصفات أقسم عليها فقال في حق نبينا " { إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ }(يس:3)، { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }(القلم:4)، وقال تعالى في حق القرآن { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ *لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } (الواقعة:77-79) .
وإن أردت علو الدرجة وعظم المنزلة عند الله فلا شك أن القرآن إنما أنزل معجزة لمحمد " فهو بعض معجزاته وبعض آياته وذلك يقتضي أن يكون حسنة من حسناته وكرامة واحدة من كراماته وناهيك أنه أنزل لأجله .
وقل لمن فضله على محمد " يلزمك أن تفضل ناقة صالح عليه وأن تفضل عصا موسى عليه وأن تفضل سفينة نوح عليه وهكذا يلزم في جميع المعجزات .
فإن قال : إن القرآن كلام الله قلنا وكذلك وصف الله الناقة فقال ناقة الله وسقياها فالإضافة كالإضافة والكل للتشريف .
وإن قال : إن الكلام صفة من صفات الله وليست الناقة كذلك قلنا الكلام الذي هو صفة من صفات الله نوعان صفة ذات وهي شيء غير القرآن، وصفة فعل وهي الكلام المنزل ومن جملته القرآن وهذا النوع والناقة وغيرها من جميع المخلوقات مشتركة في كونها مفعولة لله وإن فضل بعضها بعضا .
ويدل على تفضيله " قوله تعالى { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ }(الشرح:4) وذلك أنه قيل أنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد فهذا يدل على أن ذكره " بمنزلة لفظ القرآن لأنه قد رفع ذكره كما رفع ذكر القرآن فكيف شخصه الكريم " .
هذا ما حضرني وأستغفر الله من مخالفة الحق وأتوب إلى الله مما خالف رضاه . (1/68)
صفحة 61
50- الخلاف في حكم أهل الفترة والآيات الواردة فيهم
السؤال :
هل لأهل الخلاف دليل على دعواهم إعذار أهل الفترة أم هو من جملة تقولهم على الله بما لم يعلموا ؟ وهل كلهم مطبقون على ذلك أم بعض منهم دون بعض ؟ فضلا منك بالجواب .
الجواب :
أهل الخلاف فرق كثيرة، والمخالف في المسألة الأشاعرة فقط ولعلهم أيضا لم يتفقوا كلهم على ذلك بل أكثرهم عليه، ولا دليل لهم على ذلك إلا أنهم تمسكوا بقوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (الإسراء:15) مع قوله عز من قائل { لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}(يس:6) قالوا: والغافل غير مكلف .
وقد جاءت أخبار يعترفون بصحتها مصرحة بتعذيب أشخاص ماتوا في زمان الفترة فقصروها على أولئك الأشخاص وعذروا من بعدهم فيقال لهم إن كان العذر واقعا لغيرهم لأجل الفترة فالمنصوص على تعذيبهم ماتوا فيها والحكمة إلهية تقتضى عدم الفرق مع اتحاد المعنى .
أما قوله تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} فمسوق في معرض هلاك الدنيا أي لا يهلك الله قوما بالخسف والصيحة أو الإغراق أو نحو ذلك من آثار الغضب إلا بعد أن يبعث إليهم رسولا يخوفهم عقوبة ذلك، كما أرسل نوحا إلى قومه وكذلك هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام .
وإن قلنا أن الآية عامة في عذاب الدنيا والآخرة فإن الله سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وقامت على الناس بهم الحجة ودعوتهم واحدة في تحريم الشرك ووجوب الإيمان والعقول شاهدة بذلك فالعذاب إنما كان بعد بعث الرسل .
وأما قوله تعالى { مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ } فمعناه أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل إلى العرب في خاصة أنفسهم نذيرا قبل محمد " .
والمراد بالعرب آباء المنذرين من قريش ونحوهم فإنهم لم يأتهم نذير ( رسول ) يخصهم وإن كانت دعوة الرسل عامة والحجة بذلك قائمة .
وقوله { فَهُمْ غَافِلُونَ } ذم على حد قوله عز وجل { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ }( الأنبياء:1) .
وليس المراد بالغفلة ما يظنه قومنا من الذهول المقتضى لعدم قيام الحجة، ولو كان المراد ذلك ماذمهم به فكيف وقد عقبه بقوله { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}(يس:7) وكيف تكون الغفلة والرسول يدعوهم إلى الاسلام ويتلو بينهم القرآن ويظهر لهم المعجزات والله أعلم . (1/70)
صفحة 62
51- كفر من تشاءم بالقرآن الكريم
السؤال :
هل يجوز التشاؤم بشيء من القرآن ؟ وما منزلة المتشائم بشيء منه عند المسلمين ؟
الجواب :
التشاؤم بالقرآن أو ببعض القرآن كبيرة، بل كفر بل شرك، لا أراه إلا قد عادى القرآن وتطيّر به، فهو تبع لإخوانه القائلين : { قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ }(النمل:47) وهذه خدعة من خدع إبليس ومكيدة عظيمة من مكايده نسأل الله العافية والله أعلم . (1/72)
صفحة 63
52- تعليم القرآن الكريم لليتيم وضربه لأجل ذلك
السؤال :
قولهم يجب تعليم القرآن لليتيم هل هذا فيما يخص الصلاة أو كل
القرآن ؟
الجواب :
الظاهر من الإطلاق أنه تعليم القرآن كله وإذا رجعت إلى معنى الأحكام رأيت أنه لا يلزم تعليمه من القرآن إلا ما يخص الصلاة لأن تعلم الباقي فرض على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن الباقين وإن أمعنت النظر في اللوازم رأيت أن الصبي في نفسه لا يلزمه شيء إلى أن يبلغ غير أن وليه هو المخاطب بذلك كما في الحديث : مروهم بالصلاة لسبع وإذا ظهر لك أن اللزوم متوجه على الولي قرب منك معنى الإطلاق في لزوم تعليم القرآن كله لأنه هو المخاطب في تأديبه وحثه على الخيرات وردعه عن المفاسد ولا خير مثل تعلم القرآن فيدخل في جملة الواجبات التي هي من حقوق اليتيم على وليه .
وأقول قد ثبت أن كثيراً من الصحابة كانوا لا يحفظون القرآن كله بل كان عند بعضهم بعضه وعند الآخر بعضه وفيهم من جمعه كله ولم يثبت تعنيف منهم بعضِهم لبعض ولا ثبت عن رسول الله " إلزامهم كلهم أن يتعلموه كله مع علمهم بأنه لم يحفظوه كلهم وإنما حفظه بعضهم وإذا ثبت هذا في حق البالغين المكلفين في خاصة أنفسهم فما ظنك في التكليف بخاصة غيرهم ؟
وهل يلزم الرجل أن يعلم الولد شيئا لم يلزمه بنفسه تعلمه ؟ فإن قيل إن اللوازم مختلفة باختلاف الأشخاص وإنه يحتمل أن يلزم الرجل في حق ولده ويتيمه ما لا يلزمه في خاصة نفسه مثاله الرجل يلزمه لزوجته من أموال النفقة ما لا يلزمه لنفسه وكذلك غير الزوجة فقد ظهر إن كان اللزوم الذي أنكرته قلنا أمر النفقات مخالف لأمر العبادات فإن النفقات إنما بنيت على العادات، والعبادات إنما بنيت على خطاب الشارع ومن المعلوم أن الصبي لم يخاطب في خاصة نفسه وإنما خوطب الولي بمصالحه ولا يلزمه أن يصلح الصبي أكثر من إصلاحه لنفسه . والله أعلم .
----------------------------
ضرب الصبي لعدم التعلم
السؤال :
من له ابن اخ يتيم فتكفل بتعليمه القرآن اشفاقا له فيفهمه اللفظة قدر عشر أو عشرين ويضربه كثيرا لأجل هدايته فهل عليه بأس ؟
الجواب :
لا بد من اعتبار الحال فإن كان سوء حفظه من تساهله في التحفظ وتهاونه بالتعلم فالضرب علاج دائه، ولا يزاد على قدر الحاجة فإن الزيادة ظلم، وإن كان لسوء حفظ في طبعه فلا يستحق الضرب على ذلك إذ ليس من قدرته أن يحفظ كما أن الأعمى ليس من قدرته أن يبصر، والقائم على هذا اليتيم هو الناظر في حاله إن كان ممن يبصر ذلك والله أعلم . (1/73)
صفحة 64
54- حكم قراءة القرآن على الدابة المركوبة
السؤال :
قول بعض العوام أنه لا يصح قراءة القرآن على الدابة المركوبة لأن ذلك يزيدها ثقلاً ولا يصح إلا بإذن من ربها ودليله على المنع قوله تعالى { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً }(المزمل:5) هل هذا عندك صحيح أو لا ؟
الجواب :
لعل القائل بذلك من أكابر العلماء لا من العوام كما زعمت، فإنه منقول في آثارهم من غير نكير عليه والعاميّ لا ينقل عنه العلم ولعل شبهة قائله ما يوجد أنه " يثقل عند نزول الوحي حتى قال بعض الصحابة أوحى إليه " وأن فخذه على فخذي فكادت تكسرها وإنما ذكروا الآية لظهورها في هذا المعنى عندهم .
والجواب أن الثقلة من نزول الوحي لا من حصول التلاوة فقد ثبت أنه " يغط عند نزول الوحي لثقله عليه ولا كذلك التلاوة وبيانه أنه في مباشرة الوحي تحمل مشقات ولا يوجد شيء منها في التلاوة كرؤية الملك أو سماعه وغير ذلك من الأحوال الهائلة .
وأما قوله تعالى { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } فيحتمل أن معنى الثقل ما وصفنا من حصول المشقة بمباشرة الوحي وإن يكون معناه ثقيلا في القدر فهو عبارة عن جزالة المعنى وفصاحة الألفاظ وبلاغة الأحوال وبالجملة فليس لما قيل من المنع دليل والله أعلم . (1/75)
صفحة 65
55- قراءة القرآن وهو يعمل أو يمشي
السؤال :
الذي يمشى في الطريق يقرأ القرآن يجوز له ذلك أم لا ؟ وكذلك الذي يخدم الخوص أعنى يقلد أو يسف أيكره ذلك أم لا ؟
الجواب :
ينبغى لقارئ القرآن أن يكون في أكمل الأحوال وأن لا يشغل نفسه عنه بعمل، وإن لم يجد بدا فلا بأس عليه والقراءة وهو يمشى أرخص والله أعلم . (1/76)
صفحة 66
56- اتباع القراءة بالدعاء دون التباس
السؤال :
هل يسع قارئ القرآن إذا وجد أن من قال على أثر السورة الفلانية من السور القرآنية كذا وكذا على معنى الدعاء ولغرض دنيوى أو أخروى متصلة قراءة الدعاء بقراءة السورة أم هذا ممنوع البتة ؟
الجواب :
أما المنع فلا أرى معنى إلا إذا كان يلتبس على السامع الذي لا يعرف القرآن، فإذا أوهم السامع أنه من القرآن وقع المنع والله أعلم . (1/77)
صفحة 67
57- قراءة القرآن بالمسجد أولى منها على القبور
السؤال :
ما الذي تستحبه في القراءة على القبور يجرى فيها على السنة أم يكتفى بالقراءة في المسجد على قدر ما يقرأ في القبور ؟
الجواب :
تعجبني عمارة المساجد بالقرآن والذكر والله أعلم . (1/78)
صفحة 68
58- قراءة الحائض والجنب القرآن الكريم أو تعليمه
السؤال :
الحائض والجنب هل يجوز لهما أن يقرآ القرآن ويبسملا [ بسملة ] تامة أم لا ؟
الجواب :
لا يقرآن القرآن، ورخص بعضهم في الآية والآيتين . والله أعلم .
-----------------------
قراءة الحائض المعلمة للقرآن
السؤال :
امرأة تُعَلِّم الصبيان إذا حاضت هل يجوز لها أن تكتب لهم قرآناً وترد على من يغلط وتقرئ الولد سورته .
الجواب :
اختلف في كتابة القرآن للحائض والجنب فمن جعل الكتابة كلاماً منع ومن رآها غير كلام رخص، وأزيدك شرطا في الترخيص وهو أن لا تمسك اللوح أو القرطاسة بعد الكتابة فإنها تكون ماسة للقرآن ولا يجوز أن تقرأ القرآن، ولا بأس برد الكلمة والكلمتين لم تبلغ حد الآية، ومنهم من يرخص في الآية والآيتين والله أعلم . (1/79)
صفحة 69
59- القراءة في الصلاة مع قصد الترهيب أو الدعاء
السؤال :
الامام إذا قرأ بعد الحمد آيات الجهاد وآيات حكم السارق وآيات حكم الزاني وآيات حكم الربا والآيات التي يعد الله بها عبادة بالجنة مع أفعالهم الحسنة ونية الامام في هذه القراءة أن يُفهم المأمومين أن يفعلوا ما أمر الله به وينتهوا عما نهى الله عنه، وكذلك آيات الاستغفار والدعاء إذا أراد بها قراءةً في الصلاة ودعاءً واستغفارات فهل يجوز هذا كله أم لا ؟ بين لنا ذلك .
الجواب :
تجوز قراءة القرآن مطلقاً في الصلاة التي فيها قراءة، ولا فرق في ذلك بين آية وآية، وينبغي أن يكون القصد للامام في ذلك التعبد بتلاوة القرآن على الوجه الذي أمر به ولا يقصد شيئاً غير ذلك .
فإن قصد الترهيب والترغيب والدعاء في آيات الدعاء فلا أقول بنقض صلاته لأن آيات الترهيب انما نزلت لأجل الترهيب عن فعل المعاصي فإن قصد القارئ مع قصد العبارة هذا المعنى الذي لأجله نزلت تلك الآيات فلا أقول إن ذلك خارج عن الصواب .
وكذا القول في آيات الترغيب وآيات الدعاء وإن شدد في ذلك من شدد من العلماء فالحق الذي يظهر لي ما قدمت لك والله أعلم .
----------------------
السؤال :
عن المصلي هل يجوز له أن يقرأ في صلاته إن كانت الصلاة مما يقرأ فيه حمد وسورة مثلا أن يقرأ الأدعية التي نزل بها القرآن مثل قوله تعالى : { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } (البقرة:286) الآية وما أشبه ذلك من الأدعية القرآنية لقوله تعالى :
{ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } (المزمل:20) هل عليه أيضا نقض إن أتى بشيء منها ؟ افتنا مأجوراً إن شاء الله .
الجواب :
يجوز له عندي ذلك لأنه قرآن وقد أمر بقراء ة القرآن ولم يأت دليل يمنعنا عن قراءة بعضه وناهيك أن الدعاء ثابت في الفاتحة { هْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } (الفاتحة:6) وقد علمت أن الصلاة لا تقوم إلا بها والله أعلم . (1/80)
صفحة 70
60- سجود التلاوة في الصلاة للإمام والمأموم وما يقال فيها
السؤال :
من يقرأ القرآن في الصلاة فريضة كانت أو سنة أو نافلة ومر بآية السجدة أيسجد وهو في الصلاة أم حتى فراغه من صلاته ؟ أرأيت إن قرئت عليه وهو في الصلاة هل في ذلك فرق أم لا ؟
الجواب :
إذا قرأها بنفسه فليسجد كان في فريضة أو نافلة، وقيل يؤخرها حتى يفرغ، والأول أكثر وهو الأصح ، وأما إن قرأها غيره فلا يسجدها وهو يصلي .
وعلى المأموم أن يتبع إمامه في السجود إذا سجد والله أعلم .
-----------------
سماع المصلي آية سجدة
السؤال :
المصلي إذا سمع السجدة من لسان من يقرأ القرآن أيسجد لها في صلاته أم يؤخرها إلى بعد الصلاة ؟ وإن أخرها ولم يسجدها في الصلاة ولا بعد أعليه وزر أم لا ؟
الجواب :
إن كان السامع لآية السجدة وهو يصلي فليس عليه أن يسجدها في الصلاة ولا بعد الصلاة، وإن سجدها بعد الصلاة محسن، وإن سجدها في الصلاة فسدت صلاته إلا إذا سمعها من إمامه الذي يصلي هو وراءه فإنه إذا سجد الإمام وجب عليه أن يتبعه فإن لم يفعل فسدت صلاته والله أعلم .
---------------
التسبيح في السجود بآيات التسبيح
السؤال :
ما وجه قول من قال إن الساجد للتلاوة يقول { سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } (الإسراء:108) مع ثبوت النهى من طريق عن قراءة القرآن في السجود .
الجواب :
عندهم يقول ذلك على جهة التعظيم لا على وجه التلاوة، فإنه تعالى حكى هذه المقالة عن قوم قالوها في سجودهم وأثنى عليهم بذلك، ولهذا استحبوا أن يقولها في سجوده والله أعلم . (1/81)
صفحة 71
61- قراءة الفاتحة في الصلاة وتدبر القراءة
السؤال :
المأموم هل له أن يستمع لقراءة الفاتحة من الإمام أم يتدبر قراءة نفسه، لأن الله تعالى يقول { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } الأعراف:204) وهنا لا يحصل إنصات .
الجواب :
المراد باستماع قراءة الإمام استماع ما عدا الفاتحة، فالآية خاصة بما عدا الفاتحة من القرآن، وأما الفاتحة فإنه يشتغل بقراءتها .
وبعض قومنا يقضي بعموم الآية ويلزمك استماع الفاتحة أولا، فإذا فرغ الإمام قرأتها أنت والإمام ينتظرك قليلا ثم يقرأ السورة بعد ذلك وهذا شيء يطول، وقول الأصحاب هو الأول وعليه المعول والله أعلم .
------------------------
السؤال:
التدبر للقراءة في الصلاة هل هو من لوازم القراءة أم أحسن أن ينوى بها عبادة ويستصحب نيته .
الجواب :
استحضار القلب عند قراءة القرآن في الصلاة واجب ويعفى عما لا يستطاع، وذلك الاستحضار يستلزم التفهم لمعانيه وهو التدبر، ونية العبادة مقدمة فلا يمكن أن يعول على نفس ما قدم من النية ويهمل الاستحضار بل يستصحب النية ويستحضر القلب وهنالك الشيطان يحاربه ويطارده فيعرض عليه الشواغل، وكفى بهذا دليلا على شرف هذا المقام لولا إنه في غاية من الشرف ما جاهد فيه عدو الله هذه المجاهدة والله أعلم . (1/82)
صفحة 72
62- مناقشة مانعي النسخ في القرآن وتلاوة المنسوخ
قول من منع النسخ في القرآن ما وجهه ؟ وما يقول في الآيات الناسخِ بعضُها لبعض ؟ وأيضاً ما يقول في قوله تعالى : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } (البقرة:106)؟
الجواب :
قائلُ ذلك أحقرُ من أن يُلتفت إليه، فكيف يُلتمس له الحجة ؟!
ولعله يحتج بقوله تعالى : { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ }(فصلت:ة42) وذلك أن النسخ إبطال . وقد دلّت الآية على نفي الباطل عنه لا الإبطال والفرق بين الإبطال والباطل ظاهر، وذلك إن الإبطال الإضراب عن الشيء، والبطلان كونه باطلاً في نفسه وهو مخالفة الحق.
ولعله يقول في الآيات الناسخ بعضها لبعض أنها مخصصة للسابقة بالزمان الماضي كما نقل عنه أنه يقول بذلك وعليه فيكون قد أنكر التَّسميةَ لا المعنى فإنه يوافق في نقل الحكم الأول إلى حكم غيره لكن لا يسميه منسوخاً بل مُخصَّصاً بالزمان الأول، وذلك إن الأحكام المنسوخة مخصوصة بأوقات معلومة، وبانقضاء تلك الأوقات يكون النسخ . كتخصيص بقاء شريعة عيسى عليه السلام بالزمان الذي بينه وبين بعثة نبينا " .
وهذا المعنى أهون من انكار نفس النسخ وإن كان قوله تعالى :
{ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } يعارضه، فليس الخلاف في التسمية كالخلاف في المعاني والأحكام . والله أعلم .
------------------------------
قرآنية المنسوخ تلاوة
السؤال :
عرفت أن المنسوخ من القرآن تلاوة وحكما لا يسمى قرآنا لكن لم أعرف حكم المنسوخ تلاوة دون الحكم وعكسه، وظاهر كلام صاحب المنهاج أن المنسوخ تلاوة لا حكما لا يسمى قرآنا حيث قال والأشبه جواز من المحدث للمنسوخ لفظه اهـ ومفهومه أن العكس يسمى قرآنا فإن كان كذلك فما الفرق ؟
الجواب :
ما نسخت تلاوته فليس بقرآن، كيف يستحق اسم القرآن ويعطى حكمه والله تعالى سلبه أحكام القرآنية وسماه منسوخاً ؟ وأما المنسوخ حكمه دون تلاوته فهو قرآن لأن بقاء التعبد بتلاوته أثبت له حكم القرآنية وناهيك أن آية السيف قد نسخت لأحكام آيات كثيرة من القرآن المكتوب المنقول تواترا والاجماع منعقد على أن تلك آيات من القرآن وكذلك قوله تعالى { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ }(البقرة:240) فإنه منسوخ إجماعاً بقوله تعالى { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً }(البقرة:234) ومن المعلوم يقينا أن هذه الآية من القرآن ونظائرها كثير فلا يصح أن يشك في كونها من القرآن والله أعلم . (1/83)
صفحة 73
63- تخصيص نص القرآن بخبر الآحاد
السؤال :
قولهم : " يجوز تخصيص الكتاب بالآحاد " هل هذا القول مطلقاً في صورة السبب التي نزل فيها العموم وغيرها أو خاص بما عدا الصورةالمذكورة ؟
الجواب :
بل هو خاص بما عدا تلك الصورة، لأن دخول صورة السبب تحت العموم مقطوع بها . وخبر الآحاد ظنيّ، والقطعي لا يخرج بالظني . وقد خُطِّئ أبو حنيفة في اخراجه المستفرشة من قوله " : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " مع أن سبب الحديث ابن أَمَةٍ متسرّاة تُنوزع فيه . والله أعلم . (1/85)
صفحة 74
64- تحسين الصوت بالقرآن الكريم وحكم التغني به
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا قرأت القرآن فرتله ترتيلا، ولا تغنوا به فإن الله يحب ان تسمع الملائكة لذكره. رواه الربيع رحمه الله .
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن " رواه البخاري ومسلم .
قوله " ولا تغنوا به " أي لا تمدوا الصوت بالقراءة مداً يشبه الغناء، وهو الإفراط في الترسل فيشمل الترجيع والتضريب، والترجيع عبارة عن ترديد الصوت في الحلق كقراءة أصحاب الألحان، والتضريب عبارة عن مد الصوت وتحسينه .
والحاصل أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالترتيل ونهى عن التغني، وعلل بقوله " إن الله يحب ان تسمع الملائكة لذكره " وهذا يفيد أن الملائكة تستمع للترتيل دون التغني فإنهم ينفرون عنه، وذلك يقتضي المنع فإن حضورهم مطلوب، وعلى المنع أكثر العلماء .
وخالف أبو حنيفة والشافعي واحتجوا بحديث فيه" زينوا القرآن بأصواتكم " وآخر فيه " من لم يتغنَ بالقرآن فليس منا " .
والجواب أن " تزيين الصوت " لا ينحصر في التغني بل يكون في الترتيل أيضا، وأما قوله " من لم يتغن بالقرآن فليس منا " فمعناه أن من لم يستغنِ به عن غيره من كتب اليهود والنصارى وأضرابهم، يقال: تغنّيتُ وتغانيت واستغنيت، وقيل: أراد من لم يجهر بالقراءة فليس منا، وقد جاء مفسراً في حديث آخر " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به " قيل: إن قوله " يجهر به " تفسير لقوله " يتغنى به " .
قال ابن الأعرابي : كانت العرب تتغنى بالركبان إذا ركبت وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون هجيراهم بالقرآن مكان التغني بالركبان، ومعناه: اجعلوا مكان غنائكم تلاوة القرآن . (1/86)
صفحة 75
وأول من قرأ بالألحان عبيدالله بن أبي بكرة، فورثه عنه عبيدالله بن عمر، ولذلك يقال: قراءة العمري، وأخذ عنه ذلك سعيد بن العلاف، وسمع سعيد ابن المسيب عمر بن عبد العزيز يؤم الناس فضرَّّب-أي التلحين- في قراءته، فأرسل إليه سعيد : أصلحك الله، إن الأئمة لا تقرأ هكذا، فترك عمر التضريب بعد ذلك .
وقرأ رجل في المسجد النبوي فضرَّب، فأنكر ذلك القاسم بن محمد وقال: يقول الله عز وجل: ( كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) .
وقال مالك: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم .
وقال ابن قتيبة: كان الناس يقرأون بلغاتهم، ثم خلف من بعدهم قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ولا علم التكلم فهفوا في كثير من الحروف وزلوا وأخلوا .
• قال: ومنهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح وقرَّبه من القلوب بالدين، فلم أرَ فيما تتبعتُ من وجوه قراءته أكثر تخليطاً، ولا أشد اضطراباً منه؛ لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره ثم يوصل أصلاً ولا يخالف إلى غيره بغير علم، ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة، هذا إلى نبذه في قراءة مذاهب العرب وأهل الحجاز بإفراطه في المد والهمز والإشباع، وإفحاشه في الاضجاع- أي الإمالة في القراءة-والإدغام .
وجملة المتعلمين على المذهب الصعب وتعسيره على الأمة ما يسره الله تعالى، وتضييقه ما فسحه، قال: ومن العجب أنه يرى الناس بهذه المذاهب ويكره الصلاة بها، ففي أي موضع يستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها .
وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ في صلاته يحرفه أو أتم بإمام بقراءته أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين . (1/87)
صفحة 76
قال: وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقتهم وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف في أم الكتاب عشراً وفي مائة آية شهراً، وفي السبع الطول حولاً، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين دائر الوريدين راشح الجبين توهموا أن ذلك لفضله في القراءة وحذقه بها .
وليست هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خيار السلف ولا التابعين ولا القراء العالمين؛ بل كانت سهلة.اهـ .
هذا كلامه وهو من الحسن في نهايته، ومن الانصاف في غايته، ومن تأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق ليس من سنته ، والله أعلم.
------------------------------
شرح مسند الإمام الربيع ج3 / 624 (1/88)