صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: التفسير وعلوم القرآن
------------------------------------------
العنوان: فك الأزمة وإنقاذ الأمة فك الأزمة الاقتصادية من خلال الأبعاد الدلالية لآية البر مع بعض المقترحات الاقتصادية
المؤلف: راشد بن سالم بن راشد البوصافي
الناشر: مكتبة خزائن الآثار
مكان النشر: بركاء - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1443ه/ 2022م
الطبعة: 1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/844
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/213696784241
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 18 رمضان 1446ه/ 18 - شهر 03 - 2025م. فك الأزمة وإنقاذ الأمة
فَكُ الأَزْمَةِ الْاقْتِصَادِيَّةِ مِنْ خِلَالِ الْأَبْعَادِ الدَّلَالِيَّةِ لآيَةِ البِرَّ مَعَ بَعْضِ الْمُقْتَرَحَاتِ الاقْتِصَادِيَّةِ
دِرَاسَة
راشد بن سالم بن راشد البوصافي (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1443 هـ / 2022 م
نشر وتوزيع:
مكتبة خزائن الآثار
سلطنة عُمان - بركاء
نقال: 0096895510025
الراعي الإعلامي:
موقع بصيرة الإلكتروني
موسوعة إلكترونية في العلوم الإسلامية
لسماحة
الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
للتواصل: www.baseera.net
طبع هذا الكتاب كصدقة جارية للمرحوم بإذن الله تعالى سالم بن درويش بن سالم العزري (1/2)
صفحة 3
فا لانفة وانقاد الأمة
فَكُ الأَزْمَةِ الاقْتِصَادِيَّةِ مِنْ خِلَالِ الابْعَادِ الدَّلَالِيَّةِ لآيَةِ البِرَّ مَعَ بَعْضِ الْمُقْتَرَ خَاتِ الاقْتِصَادِيَّةِ
دراسة
رار بن سالم بن راشد البوصافي (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
المقدمة
المقدمة
الله الرحمن الرحي
الحمد الله الوهَّابِ الحكيم، الرزّاقِ العليم، المعطي الكريم الباسط الحليم، مالك الملك والملكوت ربّ العزة والجبروت، لا إله إلا هو الغفور الرحيم والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين، سيدنا المصطفى، ونبينا المجتبي، محمد عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان، ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد،،،
فلا تزال الدول الإسلامية وغيرُها ترزح تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمرُّ بها في هذه السنين القاحلة، والأيام
لبنة
العجاف؛ إذ لم تكن الأمة الإسلامية بمعزل عن العالم، فهي من لبناتِ صرحه، وقوامةٌ من قوائم كيانه، ودعامة من دعائم بنيانه، أضف إلى ذلك أن العالم اليوم بأسره أصبح كالمجتمع الواحد في صغره وترابطه يعلم كلُّ أفراده عن بعضهم البعض، (1/5)
صفحة 6
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
وعما يدور في مشارقه ومغاربه، وما يحدث بين أقطاره المترامية في البعد في غضون ساعة من النهار، بل في أقل من ذلك كما لو كانوا في قرية صغيرة واحدة، وهذا التقارب المعنوي يؤذن بالتقارب المادي في مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية، وغيرهما من مجالات الحياة
شللا
ولا شك أن المحنّ الاقتصادية من أكبر المؤثرات المباشرة على حياة أفراد المجتمع العالمي بصفة عامة، وأفراد الأمة الإسلامية بصفة خاصة، فقد تشلُ هذه المحن حركة هذه الدول يقصم فقار الظهر، ويقطع أوصال الحياة، فتضيق أسباب المعيشة، ويقع الناس في لأواء العيش وضنكه؛ إذ تقطعت السبل، وشحتْ ما في أياديهم من المصادر، ولم يبق الحال على هذا فحسب، بل تسبب في إيجاد طبقات مجتمعية بين أفراد الأمة، فبينما هناك من يعاني من التخمة المالية المفرطة؛ إذ يوجد
بهم
هناك من لا يجد ما يقيم به أود حياته وحياة عائلته، ويسد به حاجاته المعيشية، الضرورية، التي يكدح عمره كله لتوفيرها؛ عن التفكير في ما يحلم به غيره من إيجاد مشاريع ذات
فضلا
دخل رافد له ولعائلته.
والله الله خلق الخلق لغاية عظيمة ولأمر جلل، فقال له: (وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، ولكي يقوموا بتحقيق (1/6)
صفحة 7
المقدمة
هذه الغاية من خلقهم؛ سخّر لهم ما في السموات وما في الأرض، فقال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَنْهَا * وَالْجِبَالَ ارسها منعًا لَكُمْ وَلأَنْعَمِكُمْ} [النازعات: 30 - 33]، ويقول: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَا صَبَنَا الْمَاءَ صَبَا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبَّا وَعِنَبا وَقَضَبًا * وَزَيْتُونَا وَنَخَلا * وَحَدَابِق غلبا وَفَكِهَةٌ وأَبا منعًا لكُم ولأنعيكُمْ} [عبس: 24 - 32]، وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات القرآنية التي تذكّر هذا الإنسان بنعمة الله عليه بتسخير الأرض وما فيها لأجله وبتهيئة أسباب عيشه وراحته فيها.
فإن الله تعالى هو ربُّ العالمين، والرَّب هو المربي الذي يعول عياله، القائم بشؤونهم حتى يكبروا، ومن هنا قيل للرجل القائم على البيت ربُّ البيت؛ لأنه القائم بتربية عياله ومن هم تحت رعايته والمسؤول عن توفير كل ما من شأنه أن يقوم بتربيتهم وتنمية قدراتهم وإذا كان الوالد ـ ربُّ البيت - لم يُوجد أولاده، ولم يخلقهم ولم يصنعهم، فهم ليسوا من صنعه ولا من خلقه، وإنما هو سبب لإيجادهم في هذه الحياة فحسب، فيكدح من أجلهم كل الكدح، ويوفر له ما يحتاجونه في معيشتهم؛ حتى يكونوا قادرين على الكسب بأنفسهم، فهو يسهر ليناموا، ويجوعُ ليشبعوا، ويقتر على نفسه ليكونوا هم في كفاية وعافية، وهذا كله وهو سبب في وجودهم، فكيف بالله (1/7)
صفحة 8
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
العظيم الذي خلق الخلق، وصنعهم وشكلهم وأبدعهم، أتراه يضيعهم وهو أكرم الأكرمين الذي لا تضيع ودائعه، ولا يضيع
عيالهلال
•
ولقد كان الإنسان يكدح في هذه الحياة لتحصيل لقمة عيشه ومن يعولهم، فيسد به رمق معيشته، ويسكت به حاجات بيته، ويحفظ به ماء وجهه عن السؤال أو الشكاية، ولكن الأزمة الاقتصادية العالمية ألقت بثقلها على كواهل الدول العربية والإسلامية؛ حتى غدت في مقدمة الدول المتضرّرة اقتصاديا، هذا على مستوى العالمية، وأما على مستوى الدول المسلمة ذاتها فإن هذا النقل لامس ضرره المسلمين من ذوي الدخل المتوسط؛ عن الفقراء الذي ألفوا الفقر وألفهم، فكانوا في غياهب النسيان، مطوية صفحة حياتهم عن الذكر، ولعمري لقد أضرَّ بهم غاية الضرر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
فضلًا
فالإسلام يريد للناس أن يحيوا حياة طيبة، ينعمون فيها بالعيش الرغيد، ويغتنمون بركات السماوات والأرض، ويأكلون من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ويحشون فيها بالسعادة تغمر جوانحهم، وبالأمن يعمر قلوبهم، وبالشعور بنعمة الله يملأ صدورهم، وعليه يُقبلون على عبادة الله بخشوع وإحسان، لا يشغلهم الهمُّ في طلب الرغيف، ولا الاشتغال بمعركة الخبز (1/8)
صفحة 9
المقدمة
عن معرفة الله وحسن الصلة به، والتطلع إلى حياة أخرى هي خير وأبقى (1).
ومن المعلوم فطرةً مدى حبّ الإنسان للمال، فهو حريص عليه، شحيح به ضنين ولا غرو في ذلك؛ إذ المال سبب من أسباب توفير سبل السعادة، وتحقيق عيشة كريمة؛ غير أن هذه السعادة منغصة بما يراه الإنسان المسلم ويسمعه من حال إخوانه المسلمين وقد أضرَّ بهم الفقر، وعضهم العوز، وأرهقتهم الحاجة، فلا يهنؤون بعيش ولا ينعمون بلذيذ طعم، فيحترق فؤاده كمدا، ويعتصر قلبه ويتقطعُ ألما، وتنقبض نفسه لوعة وأسى، فأي سعادة وهناء يعيشه وإخوانه يئنون تحت وطأة القحط ولأواء العيش وأي هناء بعيش وأصوات أطفال الفقراء ينبعث من كل
الاتجاهات، فلا إله إلا الله، ولا نشكو حالنا ومآلنا إلا إليه.
وإذا كانت الدول العالمية غير المسلمة تفتقر إلى نظام مالي دستوري منظم؛ فإن الدول الإسلامية تملك هذا النظام المالي، وهذا الدستور المنظم، فقد عُني الإسلام العظيم بالمجتمع الإنساني، وعلاج مشكلاته وأدوائه، وكفل للإنسان الرعاية بشرع التكافل الاجتماعي بين أفراده؛ لأنه دين إنساني، جاء لتكريم
(1) انظر: القرضاوي، يوسف دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية و شروط نجاحها دار الشروق ط 1: 1422 هـ / 2001 م، ص 20 (بتصرف). (1/9)
صفحة 10
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
الإنسان وتحريره؛ لتتعانق في منهجه المعاني الروحية والمعاني الإنسانية؛ لتكونا منهجًا إسلامياً ربانياً غاية في العدالة والرحمة والمساواة بين أفراده.
فالإسلام لا يتصوّر الإنسان فردًا منقطعا يعيش في فلاة، أو منعزلا في صومعة أو في كهف أو دير، لا علاقة له بالمجتمع المحيط به ولا اتصال؛ بل الإسلام يتصوره دائما فردا في له وزنه وقيمته ومكانته يتأثر به ويؤثر فيه، ويعطيه مجتمع، ويأخذ منه، وإذا كانت عناية الإسلام بالإنسان في المجتمع بصفة عامة؛ فإنه قد اعتنى بالفئات الضعيفة فيه بصفة أخص، فقد جاءت تعاليمه بإيجاب الزكاة والحث على الإنفاق، وبذل الإحسان للفقراء واليتامى والمساكين وابن السبيل، وبذل المال لتحريرهم من ربقة العبودية بفك رقابهم منها، وذلك يدلُّ على أنه دين الرحمة والمساواة، فلا يحسن أن يكون فيه من يتقلب في نعماء العيش بطيئًا، ومَن لا يجد ما يسد رمقه، فهذا الفارق الفاحش بين الفئتين لا يجوز في دين العدل والمساواة الإسلام. ولا يعني ذلك أن يكون كلُّ أفراد المجتمع متساوين في المستوى المعيشي كلا؛ فلكل اجتهاده وثمرات أتعابه، والغنى أو كثرة المال غير محرَّم في الإسلام، وإنما المقصود أن هذا التفاضل في المستوى المعيشي بين الفقراء والأغنياء مسموح به (1/10)
صفحة 11
المقدمة
» 11 «-
بعد الارتفاع بمستوى معيشة الفقراء إلى مستوى مقبول فلا يكون البون هناك شاسعًا بينهم وبين الأغنياء، ولا يمكن القول بجواز ذلك مع وجود فقراء لا يجدون ما يسدون به حاجاتهم المعيشية الضرورية التي تقيم أود الحياة، ولكن إن حصل ذلك وارتفع الفقراء إلى حال يجدون معها حاجاتهم المعيشية الضرورية؛ فلا مانع من التفاضل والتمايز في المعاش؛ إن كان بالكسب الحلال والتجارة المباحة شرعًا، فالإسلام دين اعتدال، قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَسُطها كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا تَحْشُورًا} [الإسراء: 29].
يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين»: « ... فإن الله ل على عبده نعمةً في نفسه وفي ماله، فالعبادات البدنية شكر النعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال، وما أخس من ينظر إلى الفقير
وقد ضيّق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي
شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله» (1).
ويُعدُّ التضخم النقدي في المجتمع المسلم من الأمراض الاقتصادية التي تحدث آثارًا سيئة في الاقتصاد، وله أسباب
(1) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (ت: 505 هـ)، إحياء علوم الدين، دار المعرفة بيروت - لبنان تاريخ الطبعة: 1402 هـ / 1982 م، ج 1 ص 214. (1/11)
صفحة 12
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
متعدّدة، وقد أشار بعض الاقتصاديين إلى أن الزكاة تعالج التضخم في حالة زيادة الطلب عن العرض؛ حيث تكون النقود المتاحة داخل المجتمع أكبر من قيمة السلع المعروضة، كما أن ركود النقود وعدم تحريكها آفة أضر منها على المجتمع؛ إذ اكتناز النقد وإخراجه عن محيط التداول والسريان، وحبسه عن دورة الاقتصاد ذهابًا وكسبا؛ يعد ظلمًا وتعطيلا لفائدته، وإبطالا لوظيفته في إنعاش اقتصاد المجتمع، ولا يبعد أن يكون ذلك من الكنز المنهي عنه كما في آية كنز الذهب والفضة، والله أعلم.
يقول الإمام الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين»: « ... فإذن من كنزهما فقد ظلمهما، وأبطل الحكمة فيهما، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه؛ لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم، ولا يحصل الغرض المقصود به، وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة، ولا لعمرو خاصة؛ إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما؛ فإنهما حجران، وإنما خلقا لتتداولها الأيدي فيكونا
حاكمين بين الناس، وعلامة معرفة المقادير مقومة للراتب»).
يقول الدكتور القرضاوي في دور الزكاة في علاج المشكلات وذلك أن من أهداف الإسلام الكبيرة في ميدان
الاقتصادية»:
)
(1) الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 4 ص 91. (1/12)
صفحة 13
المقدمة
» 13
الاقتصاد والاجتماع إقامة توازن اقتصادي واجتماعي عادل، ومقتضى هذا أن يشترك الناس في الخيرات والمنافع التي أودعها الخالق في هذه الأرض، ولا يقتصر تداولها على فئة الأغنياء وحدهم، ويحرم الآخرون، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي
أن
الأرض جميعا) [البقرة: 29]، وكلمة جَمِيعًا) في الآية يصح تكون تأكيدا لما في الأرض، أو للناس المخاطبين، ولا مانع من إرادة المعنيين معا، فالمعنى على هذا: أن ما في الأرض جميع
مخلوق للناس جميعًا، لا لتستأثر به فئة دون أخرى» (1).
ولا شك أن تجميد الأموال وعدم السماح لها بالجريان في وسط المجتمع وبين أفراده واكتنازها إلى حد التضخم؛ آفة قاتلة، وداء عضال يصيب النفس فيفسدها، وينمي فيها حب الدنيا والحرص عليها، والإفراط في حبّ المال والأثرة به، فيثقل على الإنسان حينها التخلي عن شيء منه في سبيل الله تعالى، حتى يصل عفن هذا المرض إلى أن يطمس القلب عن أداء الفرض المالي وركن الإسلام الأساسي ألا وهو الزكاة، فتحل النهاية المأساوية على هذا الجاني بدايةً بالأمراض النفسية والعضوية، وانتهاء بموت القلب والضمير، ثم خروج الروح بمصرع السوء، نسأل الله العافية.
(1) القرضاوي دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية، ص 49. (1/13)
صفحة 14
14
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
وفي
هذا المعنى يقول الأستاذ المفكر الكبير سيد قطب في
كتابه الرائد في ظلال القرآن»: «وما قيمة إيتاء المال ـ على حبه والاعتزاز به ـ لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب؟
-
إن قيمته هي الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة، انعتاق الروح من حب المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق، ويقبض النفوس عن الأريحية، ويقبض الأرواح عن الانطلاق، فهي قيمة روحية يشير إليها ذلك النص على حبّ المال، وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال، لا في الرخيص منه ولا الخبيث؛ فيتحرر من عبودية المال؛ هذه العبودية التي تستذل النفوس وتنكس الرؤوس، ويتحرر من الحرص، والحرص يذلُّ أعناق الرجال، وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام الذي يحاول دائما تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها، يقينا منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس؛ وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات .. !
ثم إنها بعد ذلك كله قيمة إنسانية في محيط الجماعة ... هذه الصلة لذوي القربى فيها تحقيق لمروءة النفس، وكرامة الأسرة، (1/14)
صفحة 15
المقدمة
->10<<
ووشائج القربى والأسرة هي النواة الأولى للجماعة، ومن ثَم
هذه العناية بها وهذا التقديم).
يقول الشيخ عبد الرزاق نوفل في كتابه «فريضة الزكاة مبينا علاج الزكاة لمرض حبّ المال وآثاره: «كما أن الزكاة تحرّر الإنسان من سيطرة حبّ المال على نفسه، تلك السيطرة التي تؤدي بالإنسان دائما إلى المرض، بل إلى الانتحار أحيانًا؛ إذ إن المال والحرص عليه والبخل به هو السبيل إلى سيطرة حب المال على الإنسان، وما من طريق إيجابي لمحاربة هذه السيطرة إلا البذل والجود والعطاء، وإن أهون مظاهر سيطرة المال على تخلفه الإنسان هو
جمع
عن الحياة الكريمة، بل إنها تكون السبب في
أن يهمل الإنسان شؤون عائلته بل ودينه ... » (2).
وأوضح أيضا بأن الدراسات العلمية الحديثة تدلُّ على أن تسلط فئة من أفراد الشعب على الأموال واكتنازها ـ وحقها أن تتداول بين أفراد الدولة - يكون سببًا لتخلف تلك الدولة وسبب تعاستها وشعبها؛ إذ يقول في ذلك: « ... وتشير الدراسات الحديثة إلى أن تسلُّط فئة من الشعب على أموال
(1) سيد قطب سيد قطب إبراهيم حسين الشاربي (ت: 1385 هـ)، في ظلال القرآن دار الشروق ط 42: 1436 هـ / 2015 م، مج 1 ج 2 ص 159 - 160.
(2) نوفل، عبد الرزاق فريضة الزكاة دار الشروق ط 1: 1403 هـ / 1983 م، ص 42. (1/15)
صفحة 16
16
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
الدولة، وتداول هذا المال بين قلة منه؛ إنما هو سبيل التخلف بما يسببه من تسلط فئة في الفئات الكثيرة، وانعزال هذه الفئات، وكلما زادت الفئة الغنية في غناها كلما ازدادت في قسوتها على باقي الفئات، ولذلك حرص الإسلام حرصا شديدًا على تفتيت الثروات الكبيرة، ومنع قيامها والحد من طغيانها، والعمل على توزيع الثروات توزيعا واسعا، فأمر الله الله رسوله الكريم أن يوزع ما يرزقه الله به توزيعا شاملًا على أهل الله وعلى دعوته، وللرسول ما يريد، وعلى ذي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل حتى لا تستأثر بالمال فئة فيظل المال بين الأغنياء فقط» (1).
وقد أخبرنا الله الالها بما ذكره لنا من صفات المنافقين، فكانت منها صفة قبض الأيدي عن الإنفاق، فقال الله: {الْمُتَفِقُونَ والْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، فهم يقبضون أيديهم عن الإنفاق شحا وبخلا، وعن مدها بالمعونة ومساعدة المحتاجين، وإنما خيرُ الناس من فك كَفَّه وكَفَّ فكّه، وشر الناس من فك فكه
وكَفَّ كفه.
(1) نوفل، فريضة الزكاة، ص 44. (1/16)
صفحة 17
17
«
المقدمة
وقد حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمته من الأثرة؛ لأنها المفسدة للترابط الاجتماعي والتضامن التكافلي بين أبناء الأمة والمجتمع، فقال رسول الله: إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض» قال أنس: فلم نصبر» (1). هذا؛ وقد رسخ الإسلام مبدأ التعاون والاشتراك بين أفراده في كثير من الأمور، حتى في الأمور التعبدية، فقد علمنا أن نقول في صلاتنا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصراط الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 5 - 6] فقولنا: (نعبد) و (نستعين) و (اهدنا) فيها من معاني الاشتراك في هذا الأمر ما لا يخفى، فالاشتراك بين أفراد الأمة في المستويات المعيشية جانب من الجوانب التي جاء الإسلام لإذكائها ونشرها.
ونحن لو أتينا إلى كلمة (زكاة) لوجدناها وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وفي معظمها وردت مسبوقة بفعل الأمر بصيغة الجمع (وآتوا) لتدل على روح التضامن والتكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع المسلم فهي تدل على الشراكة الأغنياء والفقراء في تحقيق هذه العبادة، فلا بد من وجود
بين
(1) صحيح البخاري باب ما كان النبي يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، رقم الحديث: (3147) / صحيح مسلم، باب: إعطاء المؤلفة
قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، رقم الحديث: (1059). (1/17)
صفحة 18
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
من يعطي ومن يأخذ؛ ليتحقق المقصد الشرعي من هذه
الفريضة المشروعة.
ومن
الملاحظ أيضًا في قضية الاشتراك بين العباد في العبادات اقتران ذكر إيتاء الزكاة بذكر إقامة الصلاة في كثير من الآيات القرآنية، وقد علمنا أن الصلاة تقام بطريقة جماعية، وأنها وإن انفرد المسلم بأدائها إلا أن صلاته مشمولة بجوانب المشاركة لغيره فيه كما بينا ذلك قبل قليل، وإذا كانت الصلاة عمود الدين وركنه المتين؛ فالزكاة أيضًا ركن من أركانه، ودعامة من دعائمه؛ لذا كان الاقتران بينهما في القرآن الكريم، والله
تعالى أعلم.
وقد اعتنى الإسلام العظيم بنشر العدالة والمساواة بين أفراده، وحثّ أفراده على الشعور الإنساني بآلام الفقراء وعوزهم وحرمانهم، والمبادرة إلى إنقاذ الفقراء من بؤسهم وحرمانهم، أو بالتخفيف من ويلاتهم ومصائبهم التي جرَّها إليهم الفقر المدقع، وما ذلك إلا أن الإسلام يعتبر الفقر المدقع ببعض أفراد المجتمع وضعا عمليا سيئًا للغاية، ونقطة سوداء في جبين الإنسانية، يربأ المجتمع المسلم أن يتصف بها، كيف لا؟ والبر بالفقراء ومساعدتهم مما جبلت عليه النفوس المستقيمة والفطر السليمة، والإسلام هو دين الرحمة والعدل والمساواة. (1/18)
صفحة 19
المقدمة
-> 19 <-
ولم تكن عناية الإسلام بالفقراء من أفراده عناية نظرية شكلية سطحية، تتمثل في تعاليمه وحنّه وترغيبه بالإنفاق على الفقراء، ومساعدة المساكين والحنو على المحتاجين فحسب؛ بل جعل ذلك من أول أركانه، وخاصة أسسه، وصلب أصوله، وذلك حين فرض فرضا واجبًا للفقراء وذوي الحاجة حقا ماليا ثابتا في أموال الأغنياء، يكفر جاحده، ويُفسَّق معطله والهارب منه، ويؤخذ بالقوة والسلطان ممن منعه وتشن الحرب لاستيفائه على من منعه وجحده وأبي دفعه وتمرد.
وفي هذا رفع للمعاناة عن المحرومين، وردم للهوة الفاصلة بين طبقتي الأغنياء والفقراء؛ حتى لا يحس أولو الخصاصة بالجفوة والحرمان ولا تعتمل في نفوسهم نوازع الحقد بسبب شعورهم بضيق العيش ومكابدتهم لأواء الحياة، مع ما يرون فيه أهل اليسر من رغد العيش ونعيمه، فإن الأخذ بهذه الوصايا الربانية واتباع هذا النهج المستقيم يصل قلوب الأغنياء والفقراء بعضها ببعض، فقلوب الأغنياء تفيض بالرحمة تجاه إخوانهم الفقراء؛ حتى لا يهنأ لهم عيش ولا يهدأ لهم بال إلى أن يغمروهم بفيض من البر والإحسان، يذهب بما بهم من الشدة، وقلوب الفقراء تتدفق بالحب والولاء تجاه إخوانهم الأغنياء، فلا تلبث ألسنتهم أن تلهج (1/19)
صفحة 20
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
بالدعاء لهم بالخير والتوفيق والجزاء الحسن في الدنيا
والآخرة).
ولما كانت الزكاة الشرعية هي الحق المشهور والمتعارف عليه لدى الجميع، حتى لا يُعرف حق مالي سوى الزكاة؛ كانت الرؤية العامة إلى أن من أخرج زكاة ماله مرةً واحدةً في الحول الهجري فقد برئت ذمته من جانب التعبد المالي في الإسلام وهذا فكر مرجوح، ورأي محجوج، فآيات الكتاب العزيز تنصُّ على أنواع كثيرة من الإنفاق ولا يمكن حصرها في فريضة الزكاة؛ سواء كان هذا التنصيص بصفة العموم (في سبيل الله) أو بصفة الخصوص في ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وفي الرقاب ... إلخ).
وكما قلت سابقا إن الأمة الإسلامية أولى الأمم التي مسَّها هذا القحط، وأضرَّتْ بها هذه السنون العجاف، وقرحت أديمها الأزمة الاقتصادية الخانقة، إلا أنها ليست كباقي الأمم، فهذه الأمة المسلمة تملك المنقذ لها من هذه الهوية السحيقة التي وقعت بها، وبيدها الحل لتجاوز محنتها، والنهوض على أقدامها
(1) انظر: الخليلي، أحمد بن حمد بن سليمان البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي مكتب الإفتاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عمان، ط 2 1423 هـ /2011 م، ص 72 - 73. (1/20)
صفحة 21
المقدمة
» 21 «
من بعد هذا السقوط، وانتشال نفسها من بوتقة هذه المحنة الاقتصادية المزرية، وذلك كله بالرجوع إلى القرآن الكريم، الدستور الإلهي الذي فيه تنظيم حياة هذه البشرية جمعاء، فما على الأمة الإسلامية إلا الرجوع إلى كتاب ربها ودستوره العادل لتنقذ نفسها، وتنظر في الحلول المتاحة فيه لحل هذه الأزمة وإنقاذ الأمة منها.
يقول سماحة الشيخ الخليلي في كتابه «البعد السيا لأسباب الفقر»: « ... إن الإسلام الحنيف لم ينحصر علاجه لمشكلة الفقر في محاربته وحده بل أتى على مشكلات الحياة مشكلة مشكلة فحل عقدها، وقضى على أسبابها، وتتبع جذورها فشملها استئصالا وإبادة، وجاء البشر بنظام رتيب ينظم الحياة بأسرها، وينسق بين جميع جوانبها، ويقضي على كل نشاز واضطراب فيها، وقبل أن يعنى بهذه الجوانب المترامية الأنحاء بدأ بالنفس البشرية التي هي محور هذا الأمر، فأصلح فسادها، وقوم اعوجاجها بما دعا إليه من تزيكتها: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَنهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَنهَا} [الشمس: 9، 10]، وكانت نقطة انطلاقه في هذا المجال الرحب هي وضل هذا المخلوق بخالقه؛ حتى تكون نزعته في الحياة نزعة ربانية لا يرد ولا يصدر في أي شيء كان إلا حسب ما يكون مرضيا الله (1/21)
صفحة 22
-> YY «-
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
و موافقا لحكمه، ثم وضل الفرد بمجتمعه، وذا القربي بقريبه، بل وصل الإنسان بجنسه، كما أنه ربط بين العمل وجزائه، وقرن بين الدنيا والآخرة، وبين الملك والملكوت، وبين عالم الشهادة وعالم الغيب).
على أن الفقراء في مجتمعاتنا أصناف ثلاث، أو يمكن أن نصنفهم إلى ثلاثة أصناف ويمكن للمختصين دراسة حالات أولئك الفقراء فلا يخرجون عن هذه التصنيفات الثلاثة غالبا،
الآتية (2): وهي
الصنف الأول: فقير سبب فقره البطالة؛ وهما قسمان: بطالة جبرية، وبطالة اختيارية.
1 - فقير سبب فقره البطالة الجبرية: وهي البطالة التي لا اختيار للإنسان فيها، وإنما تفرض عليه أو يبتلى بها كما يبتلى بمصائب الدهر كافة، فقد يكون سببها عدم تعلمه مهنة في الصغر يكسب منها معيشته ومسؤولية هذا تقع على أولياء أمره، وبخاصة الذين أهملوا تعليمه في صغره ما ينفعه في كبره، وعلى المجتمع كله وولاة الأمر فيه بصفة عامة.
(1) الخليلي، البعد السياسي لأسباب الفقر، ص 64. (2) انظر: القرضاوي دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية، ص 10 وص 13
وص 22 وص 23. (1/22)
صفحة 23
المقدمة
من
2 ـ فقير سبب فقره البطالة الاختيارية وهي بطالة يقدرون على العمل، ولكنهم يجنحون إلى القعود، ويستمرئون الراحة، ويؤثرون أن يعيشوا عالة على غيرهم، يأخذون من الحياة ولا يعطون، ويستفيدون من المجتمع ولا يفيدون، ويستهلكون من طاقته ولا ينتجون ولا عائق يحول بينهم وبين السعي والكسب، من عجز فردي أو قهر اجتماعي.
لأحد
الصنف الثاني: فقير عاجز عن اكتساب ما يكفيه، وعجزه هذا
سببين:
1 - السبب الأول: يكون لضعف جسماني يحول بينه وبين الكسب؛ لصغر السِّن وعدم العائل كما في اليتامى، أو لكبر السن كما في الشيوخ والعجائز، وقد يكون لنقص بعض الحواس أو
بعض
الأعضاء، أو مرض معجز.
2 ـ السبب الثاني: للعجز عن الكسب هو انسداد أبواب
العمل الحلال في وجه القادرين عليه من الفقراء، برغم طلبهم له، وسعيهم الحثيث إليه، فهؤلاء - لا شك ـ في حكم العاجزين عجزا جسمانيا مقعدًا، وإن كانوا يتمتعون بالمرة والقوة؛ لأن القوة الجسدية وحدها لا تطعم ولا تغني من جوع، ما لم يكن
معها اكتساب. (1/23)
صفحة 24
24
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
الصنف الثالث فقير مستور الحال ليس عاطلاً عن العمل، ولا عاجزا عنه، ولكنه يعمل ويكسب بالفعل، ويَدرُّ عليه كسبه دخلا ورزقا، ولكن دخله لا يفي بخرجه، ومكسبه لا يسد كل حاجاته، ولا يحقق تمام كفايته، ككثير من العمال والمزارعين، وصغار الموظفين والحرفيين ممن قل مالهم، وكثر عيالهم، وثقلت أعباء المعيشة عليهم.
ولما كان المواطن على هذه البلد الطيبة لبنة من لبناتِ بناء صرحها المشيد، وغصنا يافعا من أغصان دوحتها المنيفة؛ كان لهذا المواطن الصالح في المجتمع المسلم دور فاعل في نهضة بلاده وعمارتها والدفع بحضارتها المادية والمعنوية؛ لتكون في مصاف الدول المعتزة بالترابط بين أفراد هرمها التكويني، وهذا الدور لا بد أن يؤديه المواطن تجاه مجتمعه ووطنه وأمته ما دام يقيم على أرضها، ويتنعم بخيراتها، ويرفل في أمنها واستقرارها، فهذا ـ لعمري ـ من أوجب الواجبات التي لا تجوز خيانتها، ومما لا ينبغي التقصير فيه، وهذا ما تدعو إليه الحكومات الرشيدة والقيادات الحكيمة من مشاركة المواطن في بناء نهضة بلاده بالقول والقلم والفعل، لا أن يكون عالة عليها، وعبئًا لا يزيدها إلا هما وأسى. (1/24)
صفحة 25
المقدمة
لذا تحركت عزيمتي - على قلة بضاعتي وقصر باعي ـ نحو الإسهام بطرح بعض الحلول القرآنية وتسليط الضوء على بعض المنافذ والمسالك الربانية؛ لتكون عونا على إنقاذ الأمة الإسلامية من هذه الأزمة الاقتصادية، وذلك من خلال الوقوف على معاني آية البرّ من سورة البقرة الشريفة، أبعاد وسبر دلالاتها، والوقوف على معاني ألفاظها ومدلولاتها، وإثبات أن فيها حقا واجبًا في المال غير الزكاة، ثم بيان أهمية الرجوع إلى مبدأ جباية الزكاة؛ لتكون موردا ماليا منتظما، يرفد خزينة الدولة الإسلامية، ويسد حاجة الفقراء والمحتاجين، وفي الأخير أضع بعض المقترحات والحلول لتثمير هذه الموارد المالية وتصريفها، وبذلك تستطيع الأمة أن تنقذ نفسها من هذه الأزمة، وأن تنتشل كيانها من هذه المحنة؛ إذ ما من محنة عظيمة إلا وفيها منحة أعظم؛ وذلك إن لاقى هذا الأمر تخطيطا سليما، وتنفيذا أمينًا، واسترشادًا سليمًا، والله أسأله التوفيق لما فيه الخير.
وقد سمّيتُ هذا البحث «فكُ الأزمة الاقتصادية وإنقاذ الأمة الإسلامية بالحلولِ القرآنية؛ تفاؤلا مني وعقيدة بأن حلول القرآن الكريم هي المنقذ الرئيس للأمة من هذه الأزمة الجاثمة على الصدور، والله تعالى ييسر ما فيه الخير والصلاح لهذه الأمة (1/25)
صفحة 26
» 26»
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
ما تمسكت بكتابه وسنة نبيه، وأخذت بمراشدهما، على أني آمل أن يقوم الباحثون المسلمون - كل بقدر ما آتاه الله تعالى من
مع
المشكلات
أعدل
العلم والفكر والنظر - في مواصلة هذه الفكرة وهذا الرأي، وبيان الموقف الإسلامي وكيفية تعامله الاقتصادية؛ لأن الحل القرآني للأزمة الاقتصادية هو وأكمل وأمثل الحلول؛ لأنه صبغةُ الله تعالى وحكمتُهُ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138].
على أن يكون كلامنا في هذا البحث منصبا في بعض المباحث التي نتوصل من خلالها إلى بيان ما نريد بيانه، وكشف مخدّرات المعاني من خلال التدبر، واقتفاء الآثار لبلوغ الغاية، إذ إني على يقين تام أن القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل ولا يأتي بالباطل، فهو كلام الصانع العليم والخالق الحكيم الذي يعلم خلقه ومصالحهم وما يصلحهم؛ لذا سيكون الحديث في هذا البحث عن تدبُّر جزء من آية البرّ، وهي الآية (177) الواردة في سورة البقرة الشريفة، ثم بيان الأقوال في قضية وجود حق واجب في المال غير الزكاة أو لا، ونتطرق بعدها إلى أدلة ذلك ومناقشتها وبيان الراجح منها، ثم نتكلم على مبدأ جباية الزكاة وأهميته وفوائده، وأخيرًا نضع بعض المقترحات (1/26)
صفحة 27
المقدمة
27 -
والحلول لتثمير موارد الأموال المختلفة التي من شأنها فكُ الأزمة عن هذه الأمة - بإذن الله تعالى، فهذا بيان وتوصيف مختصر لما أريد بحثه في هذا البحث المختصر، والله الموفق لما فيه الخير والصلاح. (1/27)
صفحة 28
[صفحة فارغة] (1/28)
صفحة 29
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
» 29 «
المبحث الأول
تدبر آية البر الكريمة،
والوقوف على أبعادها الدلالية
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِر مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَيكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَنَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ و الَّى الزَّكَوةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضراء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَبكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)
[البقرة: 177].
هذه الآية الكريمة تتحدث عن أركان وأساسيات البرّ، ومعناه لا برّ إلا في الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأنه إيمان بالمبدأ
والمعاد، والإيمان بعدهما بالملائكة؛ لأنهم المبلغون عن
الله
تعالى، والكتب وهي الدساتير التي أوحاها الله تعالى إلى أنبيائه؛ ليحكموا بين الناس بما أنزل الله فيها، والإيمان بالنبيين؛ (1/29)
صفحة 30
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
الأنبياء والرسل، فما من رسول إلا وهو نبي
أي: جميع أصح الأقوال.
على
ولا بر إلا بإيتاء المال رغم حبّ النفس له وشحها به، وإنفاقه على ذوي القربى من الأهل والأرحام واليتامى الذين فقدوا من يعولهم، والمساكين الذي لا يجدون قوتهم، وابن السبيل المنقطع عن أهله في أرض سفر، وفي الرقاب؛ أي: إنفاقه في تحرير الرقاب من ربقة العبودية للبشر.
ثمَّ بَيَّن أن لا برَّ أيضًا إلا بإقامة الصلاة كما شرع، وإيتاء الزكاة المفروضة من الأصناف المخصوصة في الأوقات المخصوص بالمقادير المخصوصة وأدائها للفئات المخصوصة، والوفاء بالعهود والعقود والوعود والصبر على كل حال وعلى كل ما يعرض للإنسان من شدائد وضرر.
هذه الآية الكريمة تبيّن أساسيات البر وأركانه، ولكن جزءا منها فقط كفيل بأن يوجد لنا حلولا للأزمات الاقتصادية الخانقة؛ إن تم توظيفه والعمل بمقتضاه بطريقة سليمة وصحيحة وأمينة، وهذا الجزء من هذه الآية هو محل كلامنا وبحثنا ـ إن شاء الله تعالى، وهو قوله تعالى: {وَآلَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى القُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وأقامَ الصَّلَاةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ).
- (1/30)
صفحة 31
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
مسألة فقهية: هل يوجد حقٌّ واجب في المال سوى الزكاة؟ اختلف العلماء في وجودِ حق واجب في المال غير الزكاة المفروضة؛ فقيل: إن فريضة الزكاة هي الحقُّ الواجب في المال فقط، وقد نسخت كل حق واجب قبلها، وأصبح ما عداها مندوبا إليه وليس بواجب.
وقيل: بوجود حق واجب في المال غير الزكاة؛ والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَآلَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ إلى آخر الآية، وهذا القولُ أقوى القولين؛ لأن الله تعالى ذكر الإنفاق على هذه الأصناف المذكورة، ثم عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن المعلوم أن العطف يقتضي التغاير، وكما لا يمكن أيضًا القول بالنسخ هنا؛ إذ لا تنسخ الآية القرآنية بعضها ببعضها في وقت واحد، أضف إلى أن الله تعالى ذيل الآية الكريمة بقوله: «أُولَبكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، فيه نوع حصر التقوى في أصحاب الصفات المذكورة سابقا، وذلك مستفاد من تعريف المسند والمسند إليه، وتوسيط ضمير الفصل بينهما.
يذكر الإمام ابن بركة العُماني في كتابه «الجامع» تحريرا واضحًا يترجح به هذا القول المنصور ويبين به قوته، بل حكم (1/31)
صفحة 32
» 32 «
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
بإثم تارك الإنفاق على المسلم الجائع والعاري وذي الحاجة القدرة عليه، فقال:
مع
فإن قال: فإن كان بيننا فقراء قد أضرّ بهم الجوع والبرد، ولم يكن على أحدٍ منا زكاة هل يلزمنا لهم غير الزكاة؟ وإن نحن تركناهم هل نحن آثمون بذلك؟ قيل له: الواجب عليكم أن تواسوهم من أموالكم إن لم تكن عليكم زكاة تدفعوا عنهم الضرر الذي بهم وإلا كنتم آثمين، وكذلك إذا كان أحد متجردًا متكشفًا وليس عليه ما يستر به ويصلي فيه، ولم يكن هناك ثوب يواريه فيجب على المسلمين ستره ودفع ما يصلي فيه، وإلا كانوا آثمين.
منهم
فإن قال: ولِمَ أوجبتم على الناس غير الزكاة للفقراء؟ قيل له: إن الله جل ذكره أوجب على الناس حقوقاً غير الزكاة بقوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبَرَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيْكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِينَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى القربى واليَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّابِرِينَ في البأساء والضراء وحين البأس أوليكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، يعني أنهم اتقوا النار، والنار إنما تتقى بأداء الفرائض،
فهذا يدلُّ على وجوب أشياء في الأموال غير الزكاة. (1/32)
صفحة 33
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
وفي
السنة عن الرسول أنه قال: «ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره، طاو»، فهذا يدلُّ على أن المسلمين لا يتركون الفقراء بسوء الحال وهم يقدرون على تغيير حالهم من غير المفروض؛ لأن الفرض له وقت يعرف وسوء حال الفقراء أوقاته مختلفة لا تعرف
يقول الإمام الفخر الرازي في تفسيره: «مفاتيح الغيب» في الآية السابقة: « ... اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء؛ فقال قوم: إنها الزكاة، وهذا ضعيف؛ وذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَعَاتَى الزَّكَوةَ، ومن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يتغايرا، فثبت أن المراد به غير الزكاة، ثم إنه لا يخلو إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات، لا جائز أن يكون من التطوعات؛ لأنه تعالى قال في آخر الآية: {أُولَبكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، وقف التقوى عليه، ولو كان ذلك ندبًا لما وقف التقوى عليه، فثبت أن هذا الإيتاء، وإن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات ... » (2).
(1) ابن بركة عبد الله بن محمد: (ت: 362 هـ)، كتاب الجامع، تحقيق: عيسى بن يحيى الباروني، وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة عمان، (دط)، ج 1
ص 600 - 601.
(2) الرازي، محمد بن عمر بن الحسن التيمي (ت: 606 هـ)، مفاتيح الغيب المسمى بالتفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 3: 1420 هـ،
جه ص 216. (1/33)
صفحة 34
34
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
وقد بين السيد محمد رشيد رضا في تفسيره «المنار» أن الإنفاق على هذه الأصناف المذكورة في الآية الكريمة إنما هو من غير مال الزكاة، ولا يتحدّد بمقدار ولا نصاب ولا زمان؛ إذ ومشروعية البذل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة
يقول:
)
لا تتقيد، بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود ولا بكون المبذول مقدارا معينا بالنسبة إلى ما يملك ككونه عشرا أو ربع العشر أو عشر العشر مثلا، وإنما هو أمر مطلق بالإحسان، موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى).
وهذا ما ذكره من مذهب شيخه الأستاذ محمد عبده، إذ يقول عنه: «قال الأستاذ الإمام: وهذا الإيتاء غير إيتاء الزكاة الآتي، وهو ركن من أركان البرّ وواجب كالزكاة؛ وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل في غير وقت أداء الزكاة، بأن يرى الواجد مضطرًا بعد أداء الزكاة أو قبل تمام الحول، وهو لا يشترط فيه نصاب معين بل هو على حسب الاستطاعة (2).
يقول سيد قطب في كتابه «في ظلال القرآن»: « ... مما يشير إلى أن الإنفاق في تلك الوجوه ليس بديلًا من الزكاة،
(1) رشيد رضا محمد رشيد بن علي رضا الحسيني (ت: 1354 هـ)، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 2:
1426 هـ / 2005 م، ج 2 ص 93.
(2) رشيد رضا، تفسير المنار، ج 2 ص 92. (1/34)
صفحة 35
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
» 35 د
وليست الزكاة بديلة منه، وإنما الزكاة ضريبة مفروضة، والإنفاق تطوع طليق، والبِرُّ لا يتم إلا بهذه وتلك، وكلتاهما من مقومات الإسلام، وما كان القرآن ليذكر الزكاة منفردة بعد الإنفاق إلا وهي فريضة خاصة لا يسقطها الإنفاق، ولا تغني هي عن الإنفاق» (1).
يقول سماحة الشيخ الخليلي في «جواهر التفسير» في تفسير فاتحة سورة البقرة: « ... وأنت إذا تدبَّرت ما شرعه الإسلام من النفقات الخاصة والعامة المنظمة وغير المنظمة؛ أدركت أن الآية شاملة لها جميعًا؛ سواء المفروض منها والمندوب، فالخاص منها: ما وجبَ لأناس مخصوصين كالعيال، والعام: ما كان لعامة المحتاجين، وفي سائر السبل الخيرية والمنظم منها: الزكاة التي خصصها الله لأصناف مخصوصين من الناس في أصناف مخصوصة من المال؛ مع بلوغه مقادير معينة، وبنسبة معينة، وغير المنظم: سائر النفقات الواجبة التي لا تقدر إلا بقدرِ الحاجة، وهي أيضا تدخل في ضمن المفروض مع عدم سداد العوز بدونها، كما يدلُّ على ذلك قول الله تعالى في بيان أعمال البِرِّ: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآلَى الزَّكَوةَ، حيث
(1) سيد قطب في ظلال القرآن، مج 1 ج 2 ص 161. (1/35)
صفحة 36
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
عليه، ومن
ذكر الزكاة بعد ذكر إيتاء المال لذوي القربي إلى آخره معطوفة شأن العطف التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وفي هذا ما يكفي دليلا على أن الحقوق المالية المذكورة في الآية قبل الزكاة خارجة عنها، وهو الذي يدلُّ عليه حديث فاطمة بنت قيس عند الترمذي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إن في سوى الزكاة» وهو وإن أُعِل بأبي حمزة ميمون الأعور القصاب؛
المال لحقا
فإن له ما يعضده عند ابن ماجه، كما أن صريح الآية واضح في الدلالة على هذا المعنى
-
ويقول أيضا في تفسير هذه الآية - آية البرّ ـ بعدما أشار إلى ما تقدم ذكره من تفسير فواتح سورة البقرة: « ... وقد استدللت بذلك - أي على القول أن في المال حقا سوى الزكاة ـ بحديث فاطمة بنت قيس المرفوع: «إن في المال لحقا سوى الزكاة»، وقلت: بأن ذلك الحديث وإن أُعل بميمون الأعور القصاب؛ فإنه يعتضد بهذا العطف هنا؛ إذ العطف من شأنه أن يدل على التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه فالمعطوف هو غير المعطوف عليه، سواء كان هذا التغاير تغايرا ذاتيًا، أو كان تغايرا وصفيًا،
(1) الخليلي، أحمد بن حمد بن سليمان جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عُمان، الطبعة الثانية، 1433 هـ /
2012 م، ج 2 ص 152 (في تفسير فواتح سورة البقرة). (1/36)
صفحة 37
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
فالمعطوف غير المعطوف عليه، فإذن الإنفاق في تلك الوجوه المتقدمة إنما هو إنفاق غيرُ الإنفاق الذي فرضه الله لا مقدرًا بمقادير معيَّنة، ومشترطًا ببلوغ النصاب ومشترطا بانقضاء الحول، هذا الإنفاق لا يحدّد بمقدار معين ... ، فالزكاة حق في المال منظم، تجب هذه الزكاة في أصناف مخصوصة من المال، إذا بلغ قدرًا مخصوصا، وبشرط أن يحول عليه الحول، أو أن يكون ذلك عند الحصاد، وذلك في زكاة الزروع وزكاة الثمار، أما هذا الحقُّ العام الذي ينفق في هذه الوجوه فهو غير محصور بهذه الزكاة، لا يتقيَّد بوقت، معيَّن ولا يتقيَّد بمقدار معين، ولا يتقيد بنسبةٍ معيَّنة، تدفع ولا يتقيَّد أيضا بأصناف مخصوصة
من المال» (1)
ويقول سماحته في كتابه البعد السياسي لأسباب الفقر»: والإنفاق في الإسلام خارج محيط النفس والعيال ينقسم إلى
قسمين:
أولهما: إنفاق مقدر بمقادير معينة، وهو الزكاة الواجبة في أصناف مخصوصة ببلوغ مقادير معينة، وهي نصاب كل صنف منها، وبمرور زمن محدد عليها وهو الحول في غير الزروع
(1) الخليلي، جواهر التفسير تفسير الآية رقم (177) (مادة سمعية رقم 194 - موقع بصيرة). (1/37)
صفحة 38
» 38 «
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
والثمار، وهي فريضة بنص الكتاب والسنة وإجماع جميع
المسلمين سلفهم وخلفهم، فلا مجال للتخلف عنها ...
ثانيهما: إنفاق لا يختص بشيء من الأصناف المالية ولا يقدر بمقدار، ولا يشترط له بلوغ نصاب معين، ولا مرور زمن معين، وهو الإنفاق العام الذي أمر الله به، وحض عليه في آيات كثيرة من كتابه، ووعد عليه خير الدنيا والآخرة وهو واجب على ذوي اليسار لدفع خصاصة، أو تحقيق منفعة عامة، أو لتمتين أواصر قربى ولأجل أهمية هذا الإنفاق قرنه الله تعالى بالإيمان في قوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَتَبِكَة والكتب والنَّبيِّنَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177]، وهو بالطبع غير الزكاة المفروضة بدليل ما ولي ذلك من قوله تعالى: وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَعَاتَى الزَّكَوةَ} [البقرة: 177]، فإن العطف يقتضي
التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه» (1).
ويقول سماحته في كتابه القيّم نداء الحق» بعدما ذكر آية البر السابقة: « ... وما ذكره أولا إنما هو حقوق واجبةً على المسلم في ماله جميعًا من غير نظر إلى صنفه، ولا إلى قدر ما ينفق منه، وإنما يجب في كل ما فضل عن حاجته من المال
(1) الخليلي البعد السياسي لأسباب الفقر، ص 70 - 71. (1/38)
صفحة 39
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
39
إن وجد من يحتاج إليه من الناس، أو ما يحتاج إليه من مشروع خيري، فهو إنفاق مطلق غير مقيد بشيء بخلاف الزكاة التي أطرت بإطار خاص ... ، ويدل على أن كلا منهما حق مستقل المغايرة بينهما بالعطف، فقد ذكر الله تعالى في الآية الزكاة مقرونة بالصلاة معطوفتين على هذا الإنفاق المطلق ... » (1).
وفي هذا المعنى أيضا يقول الشيخ عبد الرزاق نوفل في كتابه «فريضة الزكاة»: « ... وإيراد الإنفاق والزكاة في آية واحدة يشير إلى اختلاف كلَّ منهما عن الآخر، كما أن الفصل بين الإنفاق والزكاة بالصلاة مما يدلُّ كذلك على الاختلاف بينهما، والمتدبر لمصارف الزكاة ومصارف الإنفاق في الآية الشريفة السابقة؛ يجد أن آية الإنفاق قد استبعدت في مصارفها العاملين على الجباية، بينما حُدِّدَ لهم سهم في الزكاة؛ مما يشير إلى أن الزكاة تُجبى بالدولة بحصة مقرّرة، وأن الإنفاق في سبيل الله لا حد له ولا تحديد لنصيبه، ويقدمه الفرد طواعية للدولة، كما أن المؤلفة قلوبهم والغارمين لهم من الزكاة ولم يُقرَّر لهم في الإنفاق شيء،
(1) الخليلي، أحمد بن حمد بن سليمان، نداء الحق إلى كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، الكلمة الطيبة، مسقط - سلطنة عمان، ط 1: 1439 هـ / 2018 م، ص 188. (1/39)
صفحة 40
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
مما يؤكد اختلاف الوجهين، وأن الإنفاق في سبيل الله إنما هو أمر قد تقرر مع الزكاة).
والقول بأن فى المال حقًّا واجبًا غير الزكاة ـ وهو مذهب الصحابي أبي ذر الغفاري وكان ينادي به ـ هو قول جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، والحسن بن علي، وفاطمة بنت قيس وآخرون، وهو قول كثير من التابعين، فهؤلاء كانوا يقولون: إن في المال حقا سوى الزكاة، كما هو مذهب أبي ذر الغفاري الله، على أن هذا الحق أو الإنفاق لا يحدد بمقدار معين، وإنما تحدده حاجة الفقراء ومقدرة الأغنياء، أما الزكاة فهو حق في المال منظم، فيجب في أصناف مخصوصة، وبمقادير، مخصوصة في أزمنة مخصوصة تختلف باختلاف نوعية الصنف المزكَّى.
وقد ذكر الإمام ابن حزم في «المحلى» بعض الروايات عن الصحابة وأقوالهم ومذاهب بعض التابعين فيمن قالوا بوجود حق واجب سوى الزكاة في مال الغني للفقراء، إذ يقول: « ... وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قال
(1) نوفل، فريضة الزكاة، ص 27. (1/40)
صفحة 41
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
41
عمر بن الخطاب الله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسَّمتها على فقراء المهاجرين»، هذا إسناد في غاية الصحة والجلالة.
ومن طريق سعيد بن منصور عن أبي شهاب عن أبي عبد الله الثقفي عن محمد بن علي بن الحسين عن محمد بن علي بن أبي طالب أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: «إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه، وعن ابن عمر أنه قال: «في مالك حق سوى الزكاة»، وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن علي، وابن عمر أنهم قالوا كلُّهم لمن سألهم: «إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع؛ فقد وجب حقك». وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة له أن زادهم فَنِي، فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء، فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة، لا مخالف لهم منهم. وصح عن الشعبي، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم، كلُّهم يقول: «في المال حق سوى الزكاة» ... »).
(1) ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي (ت: 456 هـ)، المحلى بالآثار، تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري دار الكتب العلمية، بيروت -
لبنان، ط 1: 1425 - 2003 م، ج 4 ص 283. (1/41)
صفحة 42
42
فك الأزمة وإنقاذ الامة
من
يقول الإمام السالمي في «معارج الأمال عن الصنف الثاني أصناف المنفقين: « ... وهم الممسكون أموالهم، المراقبون المواقيت الحاجات ومواسم الخيرات، فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم، وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها، وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة، وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة.
قيل للشعبي: هل في المال حق سوى الزكاة؟ قال: نعم؛ أما سمعت قوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَى ... الآية، وقال مزاحم بن زفر كنت جالسا عند عطاء فأتاه أعرابي فسأله: إن لي إبلا، فهل فيها حق بعد الصدقة؟ قال: نعم. وعن مجاهد في قوله تعالى: {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) قال: سوى الزكاة، وعن قزعة قال: قلتُ لابن عمر إن لي، مالا، فما تأمرني إلى من أدفع زكاته؟ قال: ادفعها إلى ولي القوم (عنى الأمراء) ولكن في مالك حق سوى ذلك يا قزعة.
ودليلهم قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَهُم يُنفِقُونَ}، وقوله تعالى: أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم، ومعناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجًا أن يزيل حاجته، فضلا عن مال الزكاة؛ وذلك لأن دفع الضرورة عنه فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن (1/42)
صفحة 43
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
الآخرين؛ إذ لا يجوز تضييع مسلم، وقد أوجب الله حقه على
أخيه المسلم»).
وذهب القائلون بأن الحق الواجب هو الزكاة فقط إلى تأويلات للإفلات من إلزامية العطف في الآية الكريمة بين الإنفاق في الوجوه المتقدّمة وإيتاء الزكاة، وحملوا الآية على محامل متعددة، منها:
أولا: أنهم قالوا بأن هذه الحقوق كلها نُسِخت وما بقي حق في المال سوى الزكاة، واستدلُّوا على ذلك بحديث علي بن أبي طالب مرفوعًا، عن النبي أنه قال: «نسختِ الزكاة كل صدقة في القرآن».
والجواب على هذا التأويل من وجهين:
1 - هذا الحديث الذي استدلُّوا به على أن الزكاة نسخت كل. حق في المال حديث ضعيف لا تقوم به حجة، فقد رواه البيهقي في «السنن الكبرى»، والدارقطني في «السنن»، وفي إسناده المسيب بن شريك، وقد أجمعوا على كذبه وترك الحديث، وفيه عتبة بن يقظان متروك أيضا.
(1) السالمي عبد الله بن حميد بن سلوم (ت: 1332 هـ)، معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تقديم: معالي الشيخ عبد الله السالمي، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز وآخرون، مكتبة الإمام نور
بن محمد
الدين السالمي ولاية بدية - سلطنة عمان (د. ط): 2010 م، ج 7 ص 511 ـ 512. (1/43)
صفحة 44
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
2 ـ وأما قضية النسخ بالآية نفسها فيبعد أن تكون آية واحدة تنسخ بعضها ببعضها، فالله تعالى ذكر إيتاء المال في تلك الوجوه السابقة، ثم عطف عليها إيتاء الزكاة، فإن كانت الآية منسوخة فيجب أن يكون كلُّ ما فيها منسوخا، وهو مذهب الفخر الرازي وغيره، ومذهب شيخنا بدر الدين الخليلي
(1)
يقول الفخر الرازي في «تفسيره»: « ... واحتج من طعن في هذا القول بما روي عن علي الله عنه أنه قال: «إن الزكاة نسخت كل
حق»، والجواب: من وجوه:
الأول: أنه معارض بما روي أنه قال: «في المال حقوق
سوى الزكاة»، وقول الرسول أولى من قول علي.
الثاني: أجمعت الأمة على أنه إذا حضر المضطر فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر، وإن كان قد أدى الزكاة بالكمال. الثالث: المراد أن الزكاة نسخت الحقوق المقدرة، أما الذي لا يكون مقدرًا فإنه غير منسوخ بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة، ويلزم النفقة على الأقارب، وعلى المملوك، وذلك غير مقدر» (2).
(1) انظر الخليلي جواهر التفسير، تفسير الآية رقم (177) (مادة سمعية رقم 194 ـ موقع بصيرة).
(2) الرازي مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، ج 5 ص 216. (1/44)
صفحة 45
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
* 45»
ويقول أيضا: «القول الثالث: أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجبًا، ثم إنه صار منسوخا بالزكاة، وهذا أيضا ضعيف؛ لأنه
تعالى جمعَ في هذه الآية بين هذا الإيتاء وبين الزكاة).
ثانيًا: قالوا: إنه ليس في المال حق سوى الزكاة، واستدلوا
بحديث: «ليس في المال حق سوى الزكاة» (3).
والجواب عليهم:
أن المحققين من العلماء وأهل الحديث يقولون بأن هذا اللفظ مغلوط، فقد قال ذلك العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري (343/ 3)، وهذا نصه: « ... ووقع لفظ الحديث في ابن ماجه مغلوطًا، بنقيض معناه بلفظ: «ليس في المال حق سوى الزكاة وهذا خطأ قديم في بعض نسخ ابن ماجه، وحاول بعض العلماء الاستدلال على صحة هذا اللفظ عند ابن ماجه، كما في التلخيص الحبير» للحافظ ابن حجر (ص 177) و «شرح الجامع الصغير» للمناوي (7641).
ولكن رواية الطبري الماضية (2527) وهي من طريق يحيى بن آدم التي رواه منها ابن ماجه تدل على أن اللفظ
(1) الرازي، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، جه ص 217. (2) سنن ابن ماجه، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، رقم الحديث (1789). (1/45)
صفحة 46
46
فك الأزمة وإنقاذ الامة
الصحيح هو ما في سائر الروايات، ويؤيد ذلك أن ابن كثير نسب الحديث للترمذي وابن ماجه معا، ولم يفرق بين روايتهما، وكذلك صنع النابلسي في ذخائر المواريث» (11699)؛ إذ نسبه إليهما حديثًا واحدا.
ويؤيد هذا أيضًا أن البيهقي بعد أن رواه قال: والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: ليس في المال حق سوى الزكاة»، فلست أحفظ فيه إسنادًا، والذي رويت في معناه ما قدمت ذكره. ولو كان في ابن ماجه على هذا اللفظ لما قال ذلك، ـ إن شاء الله» انتهى كلام العلامة أحمد شاكر.
كما علّق الشيخ المحدث شعيب الأرنؤوط على هذا
الحديث في حاشيته على سنن ابن ماجه، قائلا: .. فأخرجه
):
الترمذي (665) و (666) من طريقين عن شريك بن عبد الله النخعي بهذا الإسناد، بلفظ: إن في المال لحقا سوى الزكاة»، هكذا على الإثبات، وقد صح عن الشعبي من قوله عند الطبري في «تفسيره» (2525) من طريق إسماعيل بن سالم عنه، سمعته يسأل: هل على الرجل حق في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم؛ وتلا هذه الآية: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزكوة) [البقرة: 177]، وصح عن ابن عمر فيما أخرجه} (1/46)
صفحة 47
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة والوقوف على أبعادها الدلالية
47
ابن أبي شيبة (191/ 3) أنه قال القزعة بن يحيى: « ... .... ولكن في
مالك حق سوى ذلك يا قزعة.
أن
وذكر الطبري في جامع البيان (3/ 348) عن بعضهم في المال حقوقاً تجب سوى الزكاة، واعتلوا لقولهم ذلك بهذه الآية ليسَ البِر ... [البقرة: 177] وقالوا: لما قال الله تبارك الله وتعالى: {وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِي الْقُرْبَى) ومن سمى معهم، ثم قال بعد: وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآلَى الزَّكَوةَ؛ علمنا أن المال الذي وصف المؤمنين به أنهم يؤتونه ذوي القربى ومن سمى معهم غير الزكاة التي ذكر أنهم يؤتونها؛ لأن ذلك لو كان مالا واحدًا لم يكن لتكريره معني مفهوم». انتهى كلام الشيخ الأرنؤوط.
أقول: ثم إني وجدتُ شاهدا يشهد للفظ الأول، وهو: «إن في المال لحقا سوى الزكاة»، فيما أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير من طريق أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه: قال موسى بن إسماعيل، عن محمد بن راشد عن عبد الكريم، عن حبان بن جزاء، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في المال حق بعد الزكاة؟ قال: نعم، يحمل على النجيبة)، ومعنى ذلك أن لفظة
(1) البخاري، محمد بن إسماعيل (ت: 256 هـ)، التاريخ الكبير، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ط 1: 1434 هـ / 2012 م، ج 2 ص 55 (ترجمة رقم: 311). (1/47)
صفحة 48
-» EA «
فك الأزمة وإنقاذ الامة
(ليس) زيدت في حديث ابن ماجه عن طريق النساخ، وشاع الخطأ بعد ذلك، كما نبه إلى ذلك العلامة محمد شاكر في كلامه
السابق، والله تعالى أعلم.
رابعا قالوا أيضًا بأن الإنفاق في تلك الوجوه السابقة
محمول على سبيل الاستحباب لا الوجوب:
والجواب عليهم:
بأن الله تعالى قد ذيل الآية الكريمة بقوله: {أُوْلَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوَلَيْكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، وهذا الحصر يدلُّ على وجوب
ما تقدم؛ إذ الكلُّ مطالب أن يكون من الصادقين والمتقين ولا يكون حصر التقوى فيما كان مندوبا؛ إذ المندوب غير واجب العمل، وإنما هو مستحب؛ من شاء فعله، ومن لم يشأ لم يفعله، ولا تثريب عليه، والمطالبة بأن يكون المرء من المتقين أمر واجب عليه، ولا يكون التوصل للواجب إلا بالواجب؛ إذ
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مثله.
وقد رد الفخر الرازي هذا القول بأن الله تعالى وقف التقوى على الخصال المذكورة كلّها في الآية الكريمة، فدل ذلك على وجوب كل الخصال، قال في «تفسيره»: « ... لأنه تعالى قال في آخر الآية: (أَوَلَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَبكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) وقف التقوى (1/48)
صفحة 49
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
» 49 «
عليه، ولو كان ذلك ندبًا لما وقف التقوى عليه، فثبت أن هذا
الإيتاء وإن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات ... ».
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى»: « ... وهذه الخصال المذكورة في الآية قد دلت على وجوبها؛ لأنه أخبر أن أهلها هم الذين صدقوا في قولهم، وهم المتقون، والصدق واجب والإيمان واجب إيجاب حقوق سوى الزكاة» (2).
ويقول الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: «ووجهه أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات، والمراد المتقون من الشرك والأعمال السيئة، فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون» (3).
وتعقب أبو حيان الأندلسي الفخر الرازي في قوله السابق، فقال في تفسيره «البحر المحيط»: « ... وهذا التضعيف ليس
(1) الرازي، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، ج 5 ص 216. (2) ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم الحراني (ت: 728 هـ)، مجموع الفتاوى، جمعها: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وابنه محمد، طباعة: فهد لطباعة المصحف الشريف المدينة النبوية المملكة العربية السعودية
مجمع
الملك
عام النشر: 1416 هـ / 1995 م، ج 20 ص 133 - 134. (3) العسقلاني، حمد بن علي بن حجر (ت: 852 هـ)، فتح الباري بشرح صحيح البخاري رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عن الطبعة التي حقق
أصلها عبد العزيز بن باز دار الحديث - القاهرة، (دط)، تاريخ الطبع 1424 هـ / 2004 م، ج 1 ص 65. (1/49)
صفحة 50
50
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
بمجموع
الأوصاف
بشيء؛ لأن المشار إليهم بالتقوى من اتصف السابقة المشتملة على المفروض والمندوب، فلم يفرد التقوى، ثم اتصف بالمندوب فقط، ولا وقفها عليه، بل لو جاء ذكر التقوى لمن فعل المندوب ساغ ذلك؛ لأنه إذا أطاع الله في
المندوب، فلأن يطيعه في المفروض أحرى وأولى»).
و مفاد تعقبه أنه ذكر في الآية الكريمة خصال الواجب
والمندوب، وكما يكون فعل الواجب برًا يكون فعل المندوب برا كذلك، وكما يكون فعل الواجب تُقّى يكون فعل المندوب تقى كذلك، ولكن شيخنا الخليلي ردَّ عليه مستنكرًا تعقبه هذا على الفخر الرازي، في تفسيره «جواهر التفسير» قائلا:
وفي هذا الكلام الذي يقوله أبو حيان نظر؛ لأن الله الله ذكر في هذه الآية الكريمة الأعمال الأساسية للبر ردًّا على أهل الكتاب الذين يتمسكون بالقشور من الأعمال، وحصر الله الا الله المتقين في هذا الصنف من الناس أُوْلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيكَ {هُمُ الْمُتَّقُونَ، هذا الحضر مستفاد من التعريف؛ تعريف المسند} والمسند إليه، وتوسيط ضمير الفصل بينهما: {أَوْلَبِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
(1) أبو حيان، محمد بن يوسف الأندلسي (ت: 745 هـ)، تفسير البحر المحيط، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية لبنان، ط 3: 2010 م، ج 2 ص 6. (1/50)
صفحة 51
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
- 01 «
وَأُولَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، ويعني ذلك أن مَن لم يتصف بجميع ما في هذه الآية الكريمة من الصفات فليس هو معدودًا في المتقين، والذي ترك جانبًا من أعمال الندب لا تنتفي عنه صفة التقوى بتركه ذلك الجانب» (1).
الأدلة على قوة هذا القول - وهو وجود حق واجب في المال سوى الزكاة -:
القول بأن في المال حقًّا واجبًا سوى الزكاة والذي نراه
راجحًا على غيره في هذه المسألة يعتضد بكثير الأدلة من الشرعية التي تحت به وتدلُّ عليه وتقويه، وهذه الأدلة منها العام الذي يجمع الزكاة وغيرها، ومنها الخاص الذي لا يمكن أن يقال بأن المراد به الزكاة الشرعية فينصرف إلى حق سواها في المال.
أولا: الأدلة القرآنية الخاصة:
1 - قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 4 - 7]، هذه الآيات تدلُّ على ترتب الوعيد على منع الماعون، وهو وإن كان جاء بلفظ الماعون بصفة خاصة؛ إلا أن المراد مفهوم بأنه
:
(1) انظر الخليلي جواهر التفسير تفسير الآية رقم (177) (مادة سمعية رقم 194 ـ موقع بصيرة). (1/51)
صفحة 52
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
مطلق المنع، ولا يخص بالزكاة؛ لأن الزكاة لها توصيف مخصوص، وهي في أصناف مخصوصة وبمقادير مخصوصة. 2 - قال الله تعالى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَدِّينَ * وَلَوْ نَكَ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) [المدثر: 42 - 44]، رتب الوعيد على عدم إطعام المسكين والزكاة ليست طعامًا فحسب، وإن كانت قابلة للتأويل إليها؛ إلا أنها غير مانعة من قصد غيرها من الحقوق المالية في المال.
- ومنها قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّتٍ مَعْرُوشَتٍ وغير معروشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّان متشبِها وَغَيْرَ مُتَشَبِةٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حصادِهِ وَلَا تُشْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]، فقوله: وَآتُوا حَقَهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (أمرٌ بإيتاء حق الزرع والثمر يوم حصاده، والزكاة تكون بعد التنقية والتصفية)، وإيتاء هذا الحق الحصاد، فعلم أنه غير الزكاة.
يوم
قال ابن حزم في «المحلى»: « ... والثاني: قوله تعالى فيها: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن الزكاة لا يجوز إيتاؤها يوم الحصاد؛ لكن في الزرع
:
(1) انظر الخليلي جواهر التفسير تفسير الآية رقم (177) (مادة سمعية رقم 194 ـ موقع بصيرة). (1/52)
صفحة 53
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
53
بعد الحصاد، والدرس والذرو والكيل، وفي الثمار بعد اليبس والتصفية والكيل، فبطل أن يكون ذلك الحق المأمور به هو
الزكاة التي لا تجب إلا بعدما ذكرنا.
والثالث: قوله تعالى في الآية نفسها: {وَلَا تُسْرِفُوا) [الأنعام: 141]، ولا سرف في الزكاة؛ لأنها محدودة، ولا يحلُّ أن ينقص منها حبة، ولا تزاد أخرى.
فإن قيل: فما هذا الحق المفترض في الآية؟ قلنا: نعم؛ هو حق غير الزكاة، وهو أن يعطي الحاصد حين الحصد ما طابت به نفسه ولا بد لا حد في ذلك، هذا ظاهر الآية»).
ثم ساق ابن حزم بعد ذلك أقوال العلماء من الصحابة والتابعين والسلف الصالح ممن يقول بوجود حق واجب في المال سوى الزكاة الشرعية، فليراجع «المحلى» في
ذلك.
4 ـ وقوله تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبُ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ والنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَ مِنْهُ أَوْ كَثُر نَصِيبًا مفروضا الله ووَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [النساء: 7 - 8]، دلت الآية بنصها على وجوب إعطاء الذين يحضرون القسمة ممن لا يرثون
(1) ابن حزم، المحلى بالآثار، ج 4 ص 20. (1/53)
صفحة 54
54
فك الأزمة وإنقاذ الامة
وإعطائهم نصيبا من التركة، إذا كان مال التركة وافرا، أو الاعتذار
إليهم إذا كان مال التركة قليلا.
قال ابن حزم في «المحلى»: «وفَرَضَ على كل آخذ حظه من المقسوم أن يعطي منه من حضر القسمة من ذوي قربي أو
مسكين ما طابت به نفسه ويعطيه الولي عن الصغير، والمجنون، والغائب؛ لقول الله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَنَمَى والْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} [النساء: 8]، وأمر الله تعالى فرض حتى يأتي نص ثابت بأنه ليس فرضا وإلا فقول من قال: لا يلزم إنفاذ أمر الله تعالى لخصوص ادعاه، أو نسخ زعمه، أو لندب أطلقه بظنه قول ساقط مردود فاسد فاحش إلا أن يخبرنا بشيء من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعا وطاعة؛ لأنه المبلغ عن الله تعالى أحكامه، وأما من دونه فلا).
ثم ساق ابن حزم أقوال المفسرين في ذلك، ورد على من ادعى نسخ الآية، أو عدم وجوب هذا الحق عند القسمة لمن حضر من غير الورثة، ثم ختم النقاش بقوله: « ... ثم إن قول القائل: هذه الآية منسوخة، أو غير واجبة؛ قول لا يحل اتباعه؛ لأنه دعوى بلا برهان ونهي عن اتباع أمر الله تعالى
(1) ابن حزم المحلى بالآثار، ج 6 ص 420. (1/54)
صفحة 55
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
وأمر رسوله بلا برهان أو إباحة لمخالفتهما كذلك، وكلُّ ذلك باطل متيقن إلا بنصَّ ثابت من قرآن أو سنة، وبالله تعالى التوفيق»).
ه ـ حكى الله تعالى لنا قصة أصحاب الجنة الذين تواعدوا أن يقطفوا ثمارها ليلا؛ ليحرموا الفقراء والمساكين أن يصيبوا منها يوم حصادها، فقال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لبَصْرِمُنهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَتْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَابِفٌ مِن رَّبِّكَ وَهُمْ نَايِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصّرِيمِ * فَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اعْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَرِمِينَ فَأَنطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَفَنُونَ * أَن لَّا يَدْخُلَنَهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِسْكِينُ * وَعَدَوا عَلَى حَرْدٍ قَدِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَحُونَ * قَالُوا سُبْحَنَ رَبَّنَا إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بعض يتلومُونَ * قَالُوا يَوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَعِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إلى ربنا رَاغِبُونَ الله كَذلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [القلم: 17 - 33]، فظاهر الآيات تدلُّ على أن ما أصاب الجنة إنما بسبب نيتهم في منع إيتاء المساكين حقهم يوم حصاد الثمار، ولا تكون العقوبة من الله إلا على ترك الواجب.
يقول الدكتور القرضاوي في «فقه الزكاة»: «وفي سورة (القلم) يقصُّ الله على عباده قصة أصحاب الجنة الذين
(1) ابن حزم المحلى بالآثار، ج 6 ص 422. (1/55)
صفحة 56
07 «
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
تواعدوا أن يقطفوا ثمارها بليل؛ ليحرموا منها المساكين الذين اعتادوا أن يصيبوا شيئًا من خيرها يوم الحصاد، فحلت
عقوبة الله العاجلة» (1).
بهم
- قال الله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ) الذاريات: 19]، ويقول: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّابِلِ والْمَحْرُومِ} [المعارج: 24 - 25]، في الآيات الكريمة تنصيص على أن في مال الغني حقا للسائل والمحروم، وإثبات هذا الحق للسائل يكفي لإثبات أن في المال حقا واجبًا سوى الزكاة؛ لأن السائل لا وقت لسؤاله ما دام في بوتقة الفقر، فمتى سأل وجب حق في مال من يسألهم من الأغنياء وجوبا، وهذا القول قول مجاهد في تفسيره هذه الآية، والله أعلم.
يقول الدكتور القرضاوي في «فقه الزكاة»: ... فهنا قد وصف الحق الذي في أموالهم بأنه (معلوم)، وهذا ما جعل بعض العلماء يقولون: إنه الزكاة؛ لأنها الحق المعلوم المقدر في أموال الأغنياء، وهم يعلمون ويذكرون أن السورة مكية ولا شك، والزكاة المعروفة لم تفرض إلا في المدينة - كما سنعرف، وما الحق المعلوم هنا إلا
(1) القرضاوي، يوسف فقه الزكاة .. دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة، دار الرسالة العالمية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة قطر، طبعة خاصة: 1430 هـ / 2009 م، ج 1 ص 75 ـ 76. (1/56)
صفحة 57
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
-» ov «
أنه جزء مقسوم، قد فرضوه على أنفسهم، وعينوه للسائل والمحروم، فالفرق بين هذا الحق وبين الزكاة أن هذا معلوم بتحديدهم وتقديرهم أنفسهم، أما الزكاة فمعلوم بتحديد الشارع وتقديره». ـ قوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ولا تبذر تبذِيرًا} [الإسراء: 26]، وفيها إثبات لحق في المال غير الزكاة لذي القربى والمساكين وابن السبيل، والدليل المال قوله: {وَلَا تُبَذِرْ تَبْذِيرًا}، والزكاة لا تبذير فيها ولا سرف، كما يقول ابن حزم في «المحلى»: « ... ولا سرف في الزكاة؛ لأنها
أنه غير
محدودة، ولا يحلُّ أن ينقص منها حبة، ولا تزاد أخرى» (3).
- قوله الله في آيات الإنفاق في سبيل الله وما بعدها من آيات الصدقات في سورة البقرة: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 261 - 262]، كلها آيات تدلُّ على الحث على الإنفاق في سبيل الله تعالى مطلقا، ولا يمكن حصر هذه النصوص وما بعدها في فريضة الزكاة.
(1) القرضاوي، فقه الزكاة، ج 1 ص 79. (2) ابن حزم، المحلى بالآثار، ج ص 20. (1/57)
صفحة 58
فك الأزمة وإنقاذ الامة
ومما يجدر ذكره في هذه الآية أن الله تعالى جعل المنفقين أموالهم في سبيله كالشهداء الذين جاهدوا في سبيله وقاتلوا وقتلوا؛ وذلك لأن عبارة: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وردت في القرآن الكريم في حق الشهداء والمنفقين في سبيل الله تعالى، فهؤلاء من لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ففي حق المنفقين أموالهم في سبيل الله ذُكرت مرتين في سورة البقرة في الآية (262) والآية (274)، وفي حق الشهداء مرة واحدة في سورة آل عمران في الآية (170).
9 - قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِ {عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَونَكَ سَكَنْ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَليه} [التوبة: 103]، هذه الآية تثبت حقا في المال غير الزكاة نزلت فيمن تخلف عن الجهاد يوم تبوك، فكان هذا الحقُّ في أموالهم لتمام توبتهم وطهارة أنفسهم.
في
يقول الدكتور القرضاوي: وقال بعض العلماء: إن الصدقة الآية المذكورة لا تعني الزكاة فهي واردة فيمن تخلف عن غزوة تبوك، ممن خلط عملا صالحًا وآخر سيئًا، فالضمير عائد إليهم، والصدقة المأخوذة منهم لتكفير ذنوبهم، فهي كصدقة
خاصة النفل، وهي
العبرة فيه بعموم
بهم
كما يشعر به السياق، وليس مما تكون
اللفظ لا بخصوص السبب عند الأصوليين، وأما
الواجبة فهي لا تخصهم، ولا يصلح تخلفهم سببًا لها؛ لأن الزكاة (1/58)
صفحة 59
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
09 -
من حق الإسلام، لا من موجبات الجنايات، وهذا هو اختيار
الطبري، ونقله عن عدد من أهل التأويل».
10 ـ ومما تترجّح به قوة هذا القول ـ وجوب حق في المال سوى الزكاة ـ هو عند الرجوع إلى سياق آية البر السابقة، فإننا نجد توسيط إيتاء المال على حبّه بين أمرين عظيمين وركنين جليلين، وهما ركن العقيدة المتمثل في الإيمانيات، والركن العملي المتمثل في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فالله تعالى يقول: ولكن البر مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيْكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ، فما هذا التوسيط إلا دليل على أهمية الاحتفاء بهذا الأمر، وتأكيده ولفت الانتباه إليه، والحثّ على الاعتناء به، والله أعلم.
ثانيا: الأدلة القرآنية العامة:
1 - قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْذِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكَوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْيرون} [التوبة: 34 - 35]، هذه
(1) القرضاوي، فقه الزكاة، ج 1 ص 90. (1/59)
صفحة 60
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
الآية الكريمة من الآيات العامة التي يمكن أن يستدل بها على وجود حق واجب في مال الأغنياء سوى الزكاة كما هو مذهب أبي ذر الغفاري الذي كان يستشهد بهذه الآية، وغيره من الصحابة، كما أنه يمكن أن يُستدل بها على وجوب الزكاة المخصوصة فقط.
يقول الإمام السالمي في معارج الآمال عن الحكمة من كي هذه الأعضاء الثلاثة بالذات: «وقيل: إن الحكمة في تخصيص الجباه والجنوب والظهور بالكي؛ أن السائل إذا رآه صاحب المال مقبلا عليه؛ انتصبت أسارير وجهه، وهي الخطوط التي في جبهة الإنسان وقطب وجهه وهو المعتاد في الإنسان إذا رأى ما يكره رؤيته، فكوى الله بذلك المال جبهته، فإن السائل يعرف ذلك في وجهه، فيجد في قلبه ألما لذلك، وإذا رأى السائل قد أقبل تمعر وجهه وأعطاه جانبه، وتغافل عنه عسى عنه، ولا يواجهه بالسؤال فكوى الله به جنبه، فإذا علم من السائل أنه يقصده ولا بد، أعطاه ظهره، وسارع كأنه لم يره، وكأنه يريد يفعل شغلا عرض له، ولا يخفى ذلك على الله
يرجع
فيرجع السائل محروما، فكوى الله ظهره؛ فلذا خص الجباه
والجنوب والظهور بالكي»).
(1) السالمي، معارج الآمال، ج 7 ص 40. (1/60)
صفحة 61
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
-->11 «
2 - قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3]، وهذه الآية عامة فيمكن الاستدلال بها على مطلق الإنفاق مما رزقهم الله بلا تخصيص، وفي سبيل الله تعالى ووجوه الخير عامة، ويمكن الاستدلال بها على الزكاة المخصوصة فقط.
- قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَتُهُ، زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الذينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * أَوَلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4]، هذه الآيات دلالات عظيمة ومعان جليلة، ويمكن القول بأنها تدلُّ أيضًا على مطلق الإنفاق في سبيل الله تعالى، كما يمكن
ففي
أن يُستدل بها على الزكاة المخصوصة، والله أعلم.
- قوله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة: 254]، فقد قيل: أراد به مطلق الإنفاق في سبيل الله تعالى، كما قيل في سابقتها. يقول سماحة الشيخ الخليلي معلقا على هذه الآية في تغريدة له على حسابه في تويتر: «ذكرُ الكافرين بعد الأمر بالإنفاق
(1) لفظة الكفر: تطلق على كفر النعمة وهو ارتكاب المعصية، والله أعلم. (1/61)
صفحة 62
62
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
والتحذير من يوم لا بيع فيه ولا خُلةٌ ولا شفاعة؛ يؤذن بأن المراد بهم الذين أمسكوا أيديهم عن الإنفاق، فمنعوا ما فرض الله في أموالهم من حقوق».
ه - قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، وهذه الآية تتضمن الوصف الأخوي للمؤمنين، وكيف تكون الأخوة إن أدقع بأحد الأخوين الفقر لدرجة أنه لا يجد ما يسد به رمقه، ويقيم به أود حياته، وأخوه الغني لا يبذل له من المال ما ينتشله مما هو فيه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن من لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، كما سنذكر هذا الحديث ومفاده في موضع الاستدلال بالسنة المطهرة.
6 ـ وقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2]، ففي هذه الآية أمر ونهي وموعظة ووعيد، فأمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهي عن التعاون على الإثم والعدوان وموعظة بتقوى الله تعالى ملاك الأمر كله ووعيد شديد وتخويف من عذاب الله
التي هي تعالى لمن ترك ذلك الأمر، والآية الكريمة جامعة لكل تعاون في وجوه الخير والبر المختلفة، وأولها وجوه البر المالية، فليس من التعاون على البر ترك الفقير يصطلي ويلات الفقر والعوز، والأغنياء يتنعمون بمختلف صنوف النعم، ولا يواسونه من مال (1/62)
صفحة 63
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
» 63»
الله الذي آتاهم واستخلفهم فيه، فدلت على أن الإنفاق على لسد عوزهم واجب؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى
الفقراء
والله أعلم.
- لا شك أن الدعوة إلى البر والإحسان إلى الفقراء والضعفاء دعوة الأنبياء السابقين ومن شرائعهم، ولا يمكن القول أن شرائعهم السابقة لشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خلت من هذا الجانب الإنساني، فمن خلال الاطلاع على بعض الآيات ذلك نستنتج بوضوح، فمن ذلك قول الله تعالى حكايةً عن نبيه إبراهيم الخليل وأبنائه إسحاق ويعقوب ـ عليهم جميعا وعلى نبينا أفضل صلاة وأتم تسليم -: {وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَةً يهدون بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَبِدِينَ} [الأنبياء: 73]، فقوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ هذا أمر من الله تعالى لهم، وفعل الخيرات لا يمكن أن يقال بأنه يخلو من هذا الجانب الإنساني المالي، وهو غير الزكاة المفروضة عليهم بدليل عطفها عليه.
ومن ذلك قوله تعالى عن أخذه الميثاق على بني إسرائيل: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَاءِ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا (1/63)
صفحة 64
64
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم معْرِضُونَ} [البقرة: 83]، ففي هذه الآية أخذ الميثاق على بني إسرائيل على الإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ثم عطف على ذلك كله إيتاء الزكاة، والمعطوف يخالف المعطوف عليه كما هو معلوم، ولا يمكن أن يقال إن الإحسان إلى الوالدين وذي القربى والمساكين لا يكون بإيتائهم المال؛ إذ ذلك مما لا يمكن المصير إليه بحال، فعلمنا
حقا
من
أن هذا الإيتاء والإحسان هو غير إيتاء الزكاة.
ثالثًا: الأدلة من السنة النبوية الشريفة
1 - قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حَقٌّ الإِبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ»)، قال مصطفى البغا في تعليقه على هذا الحديث: (أن تحلب على الماء أن يتصدق من لبنها على من حضر من المساكين عند سقيها.
وقال ابن حزم في «المحلى»: «وفُرِضَ على كلّ ذي إبل وبقر وغنم أن يحلبها يوم وردها على الماء، ويتصدق من لبنها بما طابت به نفسه (3)، ثم أورد الدليل على ذلك، ثم قال: «قال
(1)
صحيح البخاري، باب: حلب الإبل على الماء، رقم الحديث (2378)، صحيح مسلم، باب إثم مانع الزكاة، رقم الحديث (2252).
(2) ابن حزم، المحلى بالآثار، ج 4 ص 151. (1/64)
صفحة 65
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
أبو محمد: ومَن قال: إنه لا حق في المال غير الزكاة؛ فقد قال: الباطل، ولا برهان على صحة قوله، لا من نص ولا إجماع،
وكلُّ ما أوجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأموال فهو (واجب)
قال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على سنن أبي داود على هذا الحديث: «وأهل القُرى في دمشق ـ بارك الله فيهم ـ الذين عندهم البقر يوزع غالبهم الحليب يوم الجمعة على الفقراء حسبة لله، وقد كانوا يفعلون ذلك إذ كنت فيهم قبل ربع وأظنهم لا يزالون يقومون بذلك إلى يومنا هذا؛ لما أعلم فيهم
من الكرم وحب الخير والبر بالفقراء والمساكين» (3).
قرن،
2 ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُوا العاني» (3)، وقد ترجم الإمام البخاري في «صحيحه» لهذا الحديث عندما أورده في باب عيادة المريض بقوله: «باب وجوب عيادة المريض»، فهو يستدلُّ بهذا الحديث على وجوب عيادة المريض، ومن باب أولى القول بوجوب باقي خصال الحديث، ومنها «أَطْعِمُوا الجَائِعَ»، و «وَفُكُوا العَانِي»، وإطعام الجائع وفكُ
(1) ابن حزم المحلى بالآثار، ج 4 ص 152.
(2) سنن أبي داود، باب في حقوق المال، رقم الحديث (1659) ـ انظر: تعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط.
(3) صحيح البخاري، باب وجوب عيادة المريض، رقم الحديث (5649). (1/65)
صفحة 66
-> 17 -
فك الأزمة وإنقاذ الامة
الأس سير
لا يكونان إلا بالمال، فكلُّ هذه الخصال في الحديث تحمل على الوجوب؛ لأنها جاءت في سياق واحد، بل حكم ابن بركة بإثم من تركهم ولم يدفع عنهم الضرر مع قدرته على ذلك)، والله أعلم.
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ردُّوا السائل ولو بظلف محرق» (3)، والرد هنا ردُّ إعطاء لا حرمان أي أعطوه شيئًا يرد به، وذكر الظلف وهو حافر الغنم والبقر، وبكونه محرقا فيه مزيد مبالغة في الحقارة، ومع ذكر لا يرد السائل صفر اليدين، ولو لم يوجد إلا الظلف المحترق هذا يعطاه، وفي الحديث ما لا يخفى من
الحض على الإنفاق، ووجوب سدّ حاجة السائل العاني.
4 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌ تَمْرَةٍ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ النَّارَ (3)، فكم الإنسان بحاجة إلى الوقاية من النار، فالإنفاق في وجوه الخير وسد حاجة المحتاج ولو شيئًا يسيرًا يقي المرء النار، فشق التمرة يحوي الكثير من مثاقيل الذرات، والله تعالى يقول: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وقال مالك: بلغني أنَّ مسكينًا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها
(1) انظر: ابن بركة كتاب الجامع، ج 1 ص 600.
(2) مسند الربيع بن حبيب باب في الصدقة، رقم الحديث (352). (3) مسند الربيع بن حبيب باب في الصدقة، رقم الحديث (348). (1/66)
صفحة 67
-> TV «-
67
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
عنب، فقالت لإنسان: خذ حبة فأعطه إياها، فجعل ينظر إليها ويتعجب، فقالت عائشة: أتَعْجَبُ؟ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة؟! والصدقة تطفئ - أي تخمد ـ النار، كناية عن البعد عنها والنجاة من عذابها وحرّها.
ه ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوء» (1)، ففي الحديث دلالة على أثر الصدقة على خاتمة صاحبها، وفيها من الحث على الإنفاق ما لا يخفى؛ إذ ما من أحدٍ إلا ويحب أن يوقي مصارع السوء وميتته.
6 - قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ» (2)، هذا الحديث نص في أن المال المنفق في وجه الخير على سبيل الصدقة وإعانة المحتاجين لا ينقص منه المال، أو لا ينقص المال، بل ينميه ويباركه، وهذا ما أخبرنا الله تعالى به حينما قال: يَمْحَقُ الله الرّبوا وَيُرْيِي الصَّدَقَتِ}، فالصدقات والإنفاق مما يربو بهما المال ويتنامي
7 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ
(1) مسند الربيع بن حبيب باب في الصدقة، رقم الحديث (350). (2) سنن الترمذي، باب ما جاء في مثل الدنيا مثل أربعة نفر، رقم الحديث
(2325) (1/67)
صفحة 68
فك الأزمة وإنقاذ الامة
TA -
مُتَعَلِّقٌ قَلْبُهُ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًا فِي اللهِ اجْتَمَعَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بالدُّمُوعِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ، وفي الحديث مبالغة في الإخفاء، فمن أخفى صدقته ابتغاء وجه الله تعالى استحق هذه
الفضيلة، وهو ظله أنه تعالى يُظله في لا ظل إلا ظله، ويؤيد يوم ذلك قوله تعالى: (إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).
8 - قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ، أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ).
قال المعلّق على الحديث وهو الشيخ مصطفى البغا: (اشفعوا) توسطوا في قضاء حاجة السائل، (وليقض الله .. )
(1) مسند الربيع بن حبيب، باب الولاية، والإمارة، رقم الحديث (49) / وباب: في الصدقة، رقم الحديث (356). (2) صحيح البخاري باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا، رقم الحديث
(6026) (1/68)
صفحة 69
-» 79
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
أي شفاعتكم لا تغير قضاء الله تعالى، ولكنها تكون سببًا لنيلكم الأجر».
وفي الحديث تنصيص على مدى ترابط المؤمنين ببعضهم حتى شبههم بأنهم كالبنيان في تماسكهم وتعاونهم واتحادهم وتآلفهم، ولا يكونون كذلك إلا إذا فكُوا كرب الفقر عمن أدقعه الفقر، وسدوا جوعة المسكين، وإلا ما فائدة هذا البنيان؟! كما أن في الحديث أمرًا من النبي بأن يشفعوا ويتوسطوا لقضاء حاجة أخيهم السائل، والأمر في ذلك للوجوب ما لم تصرفه
قرينة، كيف والقرائن كلها تدل عليه من الكتاب والسنة.
' (1) `
9 ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم: تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطْفِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضوا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» (1)، والحديث واضح في وجوب التراحم والتعاطف والتعاضد والمواساة، وأن المجتمع المسلم يمثل لحمة واحدةً، وهو كالجسد في ترابطه وإحساسه بآلام أجزائه، والحديث واضح الدلالة، ولا يحتاج إلى مزيد
شرح وإيضاح.
(1)
صحيح البخاري باب رحمة الناس والبهائم، رقم الحديث (6011) / صحيح مسلم: باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم الحديث
(2586) (1/69)
صفحة 70
فك الأزمة وإنقاذ الامة
10 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ؛ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ()، والحديث فيه نفي الإيمان عن المؤمن المدعي له حتى يكون في مرتبة أن يحب لأخيه المؤمن ما يحبه لنفسه، وهذا الحبُّ لا يكون بالادعاء القلبي فحسب، بل لا
أخاه
أن يكون واقعا عمليّا مشاهدًا، فالمؤمن الغني الذي يرى المؤمن يتلوى في مضايق الفقر والحرمان لا يمكن أن يكون إيمانه ذلك إيمانا حقيقيًا وإن تشدق به، وقد أسلفنا سابقا ذكر وتدبر آية البرّ، فالله تعالى نفى البر في تقليب الوجوه قبل المشرق والمغرب، ثم أثبت البر في خصال بينها، ومن تلك الخصال قوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَعَالَى الزَّكَوةَ.
رابعا: إجماع فقهاء الأمة:
وجوب
قد حكى كثير من الفقهاء والمفسرين إجماع الأمة على سد الضرورة عندما تعرض بعد إيتاء الزكاة، إذا لم تكن الزكاة فضلةٌ بقدر سد تلك الضرورة، ومن المعلوم أن العلماء أجمعوا على وجود حقوق في المال من غير الزكاة، ومن تلكم
في
(1) صحيح البخاري، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم الحديث (13) صحيح مسلم، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن
يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، رقم الحديث (45). (1/70)
صفحة 71
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
الحقوق الإنفاق على الوالدين في حالة الحاجة، والإنفاق على ذوي القربى في حالة الضرورة، ووجوب الإنفاق على العيال
والزوجة، ووجوب الإنفاق على الضيف (1).
ومما لا ريب فيه أن للضيف حقًا في مال مضيفه، حتى إنه إن لم يقم المضيف بحق الضيافة؛ وجب على الناس مناصرته لأخذ حق ضيافته من مال ذلك الذي نزل عليه).
فمن هذه الأدلة الكثيرة التي ذكرنا بعضها يتضح لنا القول الراجح، وهو وجود حق واجب في المال سوى الزكاة، وهذا القول هو الأليق بسماحة الإسلام والموافق لمقاصده وغاياته، فالإسلام دين الرحمة والعطف والإنسانية، دين العدل والمساواة والإنصاف، فالمال مال الله تعالى، وقد استخلفنا فيه، وناظر ما نصنع به، فقال لا الله و عَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم
:
مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا هُمْ أَجْرٌ كَيْرٌ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ وَايَتٍ بَيِّنَتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ
:
(1) انظر الخليلي جواهر التفسير تفسير الآية رقم (177) (مادة سمعية رقم 194 - موقع بصيرة).
(2) انظر الخليلي جواهر التفسير تفسير الآية رقم (177) (مادة سمعية رقم
:
194 - موقع بصيرة). (1/71)
صفحة 72
-> VY «<--
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
يكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيَرَاثُ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ) [الحديد: 7 - 10].
وبعدما بين الله تعالى أركان البر الأساسية التي يقوم عليها
في
كما بينها في آية البرِّ السابقة؛ جعل ملاك أمر البر كله مزية الإنفاق تنبيها لها ومزيد اهتمام بها، فقال له: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، ولا شك أن هذا الإنفاق هو غير الزكاة الواجبة، وهذا المعنى مفهوم سائد بين أوساط صحابة رسول الله، وهو ما فهمه أبو طلحة الأنصاري له ودفع به إلى التصدق بأحبّ أمواله إليه؛ إذ تصدق ببستانه
(بيرحاء).
فقد أخرج الإمام الربيع في مسنده ذلك بسنده عن أنس بن مالك لله قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالا بالمدينة من نخل، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من مائها وهو طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: 92]؛ قال أبو طلحة إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها لصدقة الله أرجو بsها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَحْ بَحْ، ذلك مال رائح يروح بصاحبه إلى الجنة، وقد سمعت ما قلت وأنا أرى أن تجعلها في (1/72)
صفحة 73
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
» 73»
الأقربين»، قال أبو طلحة أفعل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها
أبو طلحة في أقاربه أقاربه وبني عمه).
تأملات في آيات الإنفاق الواردة في سورة التوبة قبل أن أختم الحديث في هذا المبحث أرى من المناسب أن نتأمل قليلا بعض الآيات الواردة في سورة التوبة، ومن المعلوم أن هذه السورة تفضح حال المشركين والمنافقين معا بما لا يدع مجالا للشك بهلاكهم الأخروي، وكلما تلوث آيات هذه السورة من أولها إلى آخرها أراها تركز على قضية الإنفاق في سبيل الله تعالى أكثر من غيرها من القضايا؛ إذ الإسلام في المجتمع المدني أصبح دينًا ودولةً، ولا بد للدين من دولة ذات قوة وشكيمة تحميه وتذود عنه، وتحفظ حدوده وحرماته، فكان إنفاق الأموال في سبيل الله تعالى يوازي الجهاد بالسيف والبدن في مواطن القتال؛ لذا كان التوبيخ والتشنيع على القابضين أيديهم والكارهين الإنفاق في سبيل الله، المستأذنين والمعتذرين عن ذلك خوفا من الفاقة، والله بما يعملون محيط، وسنذكر هذه الآيات ونعلّق عليها بما يناسبها في هذا المقام، والله أعلم وأحكم.
(1) مسند الربيع بن حبيب باب في أفضل ما يتصدق به والبركة في الطعام،
رقم الحديث (358). (1/73)
صفحة 74
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
1 - قال الله: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأَوَلَيْكَ هُمُ الْفَابِرُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم برَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانِ وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيهَا نَعِيم مقيم الله خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرُ عَظِيمٌ} [التوبة: 19 - 22].
هذه الآيات يرد الله تعالى فيها على ما يظنه كثير من الناس الذين كانوا في مكة وغيرهم أن السقاية والرفادة خير من الجهاد في سبيل الله، لهذا كان هذا الأسلوب التوبيخي على تلك الفكرة المضمرة في النفوس، ثم بيّن الله تعالى بأن السقاية والرفادة لا تستوي البتة مع الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، وأكد ذلك بأن من آمن وهاجر وجاهد أعظم درجة، وهم الفائزون حقا في الدنيا والآخرة، وأن الله يبشرهم وهم في الدنيا من خلال ما يوحيه إلى رسوله له من آيات القرآن الكريم بأن لهم الرحمة الله والرضوان، والمقام الأبدي في جنات النعيم، وأنهم في ذلك النعيم خالدون أبدا، وأن الله عنده لهم فوق ذلك أجر عظيم يرونه هناك في الجنة.
من
والشاهد أن الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال لا يعدله
شيء أبدا ولو كانت ضيافة ضيوف الله تعالى في بيته الحرام، (1/74)
صفحة 75
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
والقيام بأكلهم وسقايتهم وخدمتهم، فإن ذلك لا يعدل أبدا ما يقوم به المؤمنون من الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال.
وما في هذه الآية من التقابل والمقارنة كالذي ورد في
آية
البر التي ذكرناها سابقا، فالله تعالى يقول فيها: {لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَيكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَّبِيِّنَ وَعَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ واتى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُوا وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضراء وحينَ الْبَأْسِ أُولَيكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)
[البقرة: 177].
2 - قال الله: {وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نار جهنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْترُونَ} [التوبة: 34 - 35].
في
هذه الآيات الوعيد الشديد والعذاب الأليم لمن امتنع عن الإنفاق في سبيل الله، وأمسك أمواله شحيحة بها نفسه عن ذلك، يجمعها ويلهث في جمعها ويكنزها لتكون عليه القيامة وبالا يوم ومصدر شقائه وعذابه؛ ليزداد ألما وحسرة بأن ما جمعه إنما جمعه ليعذب به ويكوى، ومثل ذلك في آية البخل، فهو يعذب (1/75)
صفحة 76
» 76 «
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
بما بخل به قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَنهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ هَمْ سَيُطَوَقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [آل عمران: 180]. 3 - قال الله: (قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى ولا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ * فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ)
[التوبة: 53 - 55].
في هذه الآيات الكريمات أغلق الباب بعد فوات وقت الإمكان، فسيأتي يوم على الناس لا تقبل منهم نفقة ولا صدقة؛ سواء كانت عن رضا أو سخط منهم، أو كانت عن طواعية أو كراهية، والعلة أنهم كفروا بالله ورسوله؛ أي: عصوا الله ورسوله؛ لأن الخطاب للمنافقين الذين يظهرون الإسلام، وينطقون به بألسنتهم، ويصلون وينفقون، ثم ذكر صفات هؤلاء العصاة بأنه لا يأتون الصلاة إلا وهو كسالى يحسبونها ثقلا عليهم، ولا ينفقون وإن أنفقوا لا ينفقون إلا عن كراهية، ثم نهى الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعجب بأموالهم وأولادهم وكثرتها، إنما كلُّ ذلك هو من باب
الاستدراج لنهاية مأساوية تحيق بهم في الدنيا والآخرة. (1/76)
صفحة 77
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
C
4 - قال الله الله: (الْمُتَفِقُونَ وَالْمُتَفقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يأمرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نسوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ * وَعَدَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [التوبة: 67 - 68].
أوضحت هذه الآيات صفات المنافقين والمنافقات، ومن أهمها أنهم يقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، فاستحقوا نسيان الله تعالى لهم بمعنى عدم رضاه عنهم، وأنهم فاسقون، ثم توعدهم الوعيد الشديد بأن لهم نار جهنم خالدين فيها، وعليهم لعنة الله وعذابه المقيم، حالهم في المصير الأخروي حال الكفار المشركين؛ لأن المصير منوط بالعمل والمسير.
ه ـ قال الله به الا الله: {وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَبِنْ آتَنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ فَلَمَّا آتَنهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَامُ الْغُيُوبِ) [التوبة: 75 - 78]. هذه الآيات تحكي لنا قصة نفر أدقعهم الفقر ومسهم الضر، فعاهدوا الله لئن أغناهم لقاموا بالتصدق والإنفاق على الفقراء؛ إذ (1/77)
صفحة 78
VA -
فك الأزمة وإنقاذ الامة
لا يحس بالفقير إلا الفقير، أو من مشه الفقر، فأغناهم الله من فضله، فبخلوا بما آتاهم وأمسكوا عن الإنفاق وأخلفوا الله ما وعدوه، فكتب في قلوبهم النفاق إلى يوم يلقونه، وهذا ختم على القلوب والعياذ بالله تعالى.
6 - قال الله: (الَّذِينَ يَلْمِرُونَ الْمُطَّوعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ} [التوبة: 79 - 80].
تذكر لنا هذه الآيات المستهزئين الذين يلمزون المؤمنين المتطوعين في الصدقات بما تجود به أياديهم على قلته، فيسخرون منهم ومن حالهم وقلة ما أنفقوه، فتوعدهم الله بالعذاب والخزي والسخرية، منهم، وأخبر نبيه بأنه لن يغفر لهم؛ ولو
?
استغفر لهم النبي سبعين مرة، فهم لم ينفقوا في سبيل الله، بل كانوا يسخرون من المتصدقين والمتطوعين بما جادت به أياديهم
من الإنفاق في سبيل الله تعالى.
7 ـ قال الله الله: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الذين لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا (1/78)
صفحة 79
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
» 79 «
أتوكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وطبعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وسيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فينيتكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لتعرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَلَهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءَ بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فإن اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 91 - 96].
الضعفاء
تذكر هذه الآيات حال الذين لا حرج عليهم ولا تثريب في قضية الجهاد بالنفس والأموال في سبيل الله، وهم والمرضى والمعسرون الذين لا يجدون ما ينفقونه ويبذلونه، ومن جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم يريدون الجهاد بالنفس ولكن لا يملكون مركوبًا فعذرهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يجد لهم ما يحملهم عليه من الرواحل، فأصابهم الحزن وفاضت أعينهم بالدمع لعدم نيلهم شرف الخروج والجهاد في سبيل الله تعالى.
ثم ذكر الله تعالى أن السبيل والحرج والإثم على الذين يستأذنون في القعود وعدم الإنفاق في سبيل الله وهم أغنياء، (1/79)
صفحة 80
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
فالإتيان بلفظة (أغنياء) دون لفظ (أقوياء) دليل على أنه يقصد الجهاد بالمال والإنفاق في سبيل الله تعالى، ثم استعرض كيفية خداعهم وحلفهم بالباطل؛ ليستروا ما فضحهم الله به، وختم الآيات بكونه تعالى لا يرضى عنهم وإن استطاعوا بحلفهم وخداعهم أن ينالوا رضا المؤمنين، فالله لا يرضى عن الفاسقين.
همسة في أذن الغني:
أيها الغني، ومن آتاه الله تعالى الأموال الطائلة لا تنس فضل الله تعالى عليك، وأن هذا المال إنما هو من الله وحده، وما بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، {وَأَمَدَدْنَكُم بِأَمْوَالِ و بينين وَجَعَلْتَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 1]، وأنه لا استخلفك فيه وناظر ما أنت صانع به عَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7] ثم بعد هذه الآيات من سورة الحديد ذكر عاقبة من لم ينفق من أمواله في سبيل الله تعالى فقال: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الحديد: 10]، فالمال الذي في يديك وملكك إنما هو مال الله الذي استخلفك فيه وابتلاك به، وناظر ما أنت
صانع به.
وبعدما علمت أن المال الذي بين يديك هو مالُ الله تعالى، وإنما أنت مستخلف فيه؛ اعلم أنه أمرك بالإنفاق في سبيله، (1/80)
صفحة 81
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
81
وبإيتاء المال على حبه لمن أمرك بإيتائهم المال من عياله وعباده، فهو يقول لك آمرًا وأمره مطاعٌ مجاب: {وَآلَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى القربى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَنَكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلوةَ وَآلَى الزَّكَوةَ} [البقرة: (177]، وقال: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةُ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 254].
وإذا علمت أيضا أن أمره الا الله لك بالإنفاق من المال الذي استخلفك فيه؛ فاعلم أن إنفاقك وإحسانك بهذا المال إنما نفعه راجع إليك في الدنيا والآخرة، فالله تعالى يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أموالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتَّبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 261 - 262]، ويقول: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةُ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْقُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245]، ويقول: وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [البقرة: 272]، ويقول لها الله: {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، ويقول: إِنْ أَحْسَنتُمْ (1/81)
صفحة 82
-> AY <-
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]، والآيات في ذلك كثيرة جدا تبشر المنفقين في سبيل الله تعالى، السادين جوعةً وحاجات الفقراء والمساكين والمحتاجين، الراحمين لهم من هم الفقر وشدة الفاقة وذل السؤال.
والنبي صلى الله عليه وسلم بين ما تفعله الصدقة والإنفاق من درء المصائب عن المنفق في سبيل الله، كما جاء في الحديث الصحيح الثابت عن الصادق المصدوق أنه قال: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ»)، فقد يدفع الله تعالى عن المنفق كربًا أو هما عظيمًا يجثم على صدره، أو ينقذه في حياته من مأزق يأتيه منه الخزي في الدنيا بسبب نفقة أنفقها، كما يقول الله تعالى في أمثال من يبذلون في سبيل الله الأنفس والأموال بأن كل ما يصيبهم إنما يكون في ميزان حسناتهم يوم القيامة: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَا وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُو نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَلِحَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إلا كُتِبَ هَمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[التوبة: 120 - 121].
(1) مسند الربيع بن حبيب باب في الصدقة، رقم الحديث (350). (1/82)
صفحة 83
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
ويقول له أيضًا: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ النَّارَ)، فكم الإنسان بحاجة إلى أن يكثر من أسباب الوقاية من نار جهنم وذلك بمختلف وجوه الوقاية وأسبابها، ولو كان ذلك بإنفاق شق تمرة، فالإنسان لا يحتقر من المعروف
شيئًا، كما جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وجاء في الحديث القدسي عن ربّ العزة والجلال أنه قال: «أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (3)، يتضمن الحث على الإنفاق في
وجوه الخير والتبشير بالخلف من فضل الله تعالى، فمن أنفق أنفق الله عليه، ومن أنفق الله عليه لا يخشى فاقة ولا ضياعا، ولتكن للمرء بينه وبين ربه - تبارك وتعالى ـ خبيئة خير يتقرب بها إلى مولاه، فقد جاء عن الزبير بن العوام قوله: «أيكم استطاع أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل».
على أن للإنفاق في وجوه الخير وعون المحتاجين بما تستطيعه يد الغني الموسر من غير مال الزكاة آثاره النفسية الإيجابية على نفس المنفق في لحظة الإنفاق وما بعده في قابل الأيام؛ إذ تتطهر نفسه من الأثرة والبخل والشح والصّن بالمال،
(1) مسند الربيع بن حبيب، باب في الصدقة، رقم الحديث (348). (2) صحيح البخاري باب فضل النفقة على الأهل، رقم الحديث (5352) صحيح مسلم، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق، رقم الحديث
(993) (1/83)
صفحة 84
84
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
كما أن في هذا الإنفاق فوائد جليلة وعوائد عظيمة على المجتمع المسلم بصفة عامة، فهو يقي المجتمع من الآفات وجرائم السطو والسرقة والاختلاس وغيرها من الجرائم.
وقد لخص سماحة الشيخ الخليلي ـ حفظه الله تعالى ـ الآثار النفسية الإيجابية التي تعود على كل من المنفق أمواله في سبيل الله (من زكاة وغيرها، ونفسية المنفق عليه، فقال في «الفتاوى»: «أما معطيها فإنه يستفيد بها طهارة نفسه ونماء فضائلها؛ لأنها تُخلّصه من حب الأثرة والاستبداد بالمال والشهوة المالية الجامحة، التي لا تلبث عندما تستحكم في النفس أن تسيطر على أحاسيسها ومشاعرها، وتستولي على جميع تصرفاتها وأعمالها، حتى يتحول الإنسان إلى سبع ضار لا يبالي بما يأتي به من الإجرام في سبيل إشباع هذه الشهوة المسعورة وما جرائم قطاع الطرق والعصائب الإرهابية التي تشيع الذعر وتهدد الأمن إلا نتائج استحكام شهوة المال في الأنفس ولا تقف خطورتها عند حد، بل كثيرًا ما تؤدي إلى نضوب العواطف وجفاف المشاعر، حتى لا تراعي حرمة للحمة القرابة والنسب، فكم سمعنا باغتيال ولد لوالده، وعدوان قريب على قرابته طمعا في الاستئثار بما في أيديهم من المال، وما من علاج لهذا الداء أنجح وأجدى من تربية النفس على إنفاق المال فيما يعود بالخير والإحسان على الأمة، (1/84)
صفحة 85
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
85
ونجد في نظام الزكاة المشروعة في الإسلام المرهم النافع والمبضع المستأصل لهذا الداء، وبتعود الإنسان إيتاءها تتفجر في نفسه مشاعر الرحمة، وتغمرها عواطف الإحسان، فلا يشعر بهدوء بال، ولا استقرار نفسي مع تصاعد أنات الفقراء والبؤساء حتى يفيض عليهم من صلاته، ويغمرهم بشفقته وحنانه، وهذا هو ما أشار إليه الحق تعالى في قوله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا). {
سعير
في
وأما آخذها فإنها مع دفعها لخصاصته وسدها لعوزه، وتمكنه بها من مقاومة لأواء الحياة ومواجهة عسر مطالبها تطفئ في نفسه الحقد ولهيب الحسد، اللذين تؤججهما مشاهدته للتباين الكبير بين وضعه ووضع الغني المستأثر بالثروات، الذي يتقلب أعطاف النعيم، غير مبال بصيحات أولي المسغبة التي تصعدها حاجتهم الملحة إلى ضرورات الحياة، إلا أنه عندما هذه الهوة السحيقة بالزكاة التي تجسد المشاركة المالية الاجتماعية بين طبقتي الأغنياء والفقراء يتلاشى ما في نفوس الفقراء من حقد وكراهية لطبقة الأغنياء، فلا تلبث قلوبهم أن تفيض بالمودة لهم، وألسنتهم أن تلهج بالثناء عليهم والدعاء لهم، وباجتماع هاتين الطبقتين على كلمة سواء يجتمع الشمل وتتآلف القلوب، وتتوحد المشاعر والأحاسيس، وينعم المجتمع بأسره بالهدوء والاستقرار والراحة والسكينة والرحمة والمودة،
تردم (1/85)
صفحة 86
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
ويتجسد فيه معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ... » (1).
ولا شك أن من المهم التذكير به أن الإنفاق في سبيل الله إنما يميزه عن غيره من الإنفاق النية الصادقة والرغبة المخلصة لوجه الله تعالى وابتغاء ما لديه من الأجر الدنيوي والأخروي، وإلا فهناك إنفاق أيضا لا يرضاه الله ولا يثيب عليه، بل يعاقب
عليه ويعذب، وهو في حد ذاته إنفاق في ظاهره.
فالله تعالى يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: (261]، وفي المقابل يقول في نوع آخر من الإنفاق: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال: 36].
(1) الخليلي، أحمد بن حمد بن سليمان الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج)، الكتاب الأول، مراجعة قسم الفتوى بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عمان (د. ط): 1434 هـ / 2013 م، ص 551 ـ 553/ أو طبعة الأجيال، ط 3: 1423 هـ / 2003 م، ص 489 - 491. (1/86)
صفحة 87
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
» AV «
ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَرَةٌ لَّن تَبُورَ ليوفيهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شكور [فاطر: 29 - 30]، وفي المقابل يقول في إنفاق من نوع آخر: {قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُنَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلوةَ إِلَّا وَهُمْ كسالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ} [التوبة: 53 ـ 54]، فهذا إنفاق، وذاك إنفاق.
يقول الإمام ابن بركة السليمي في كتابه «الجامع»: «الدليل على ذلك قول الله وعل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينَا وَيَتِيما وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ) مدحهم الله تعالى بإنفاقهم لأموالهم إذا كانت المقاصد الله، وقال لك في موضع آخر: {وَالَّذِينَ وعل، يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) فدمهم بالإنفاق؛ لأنهم لم يقصدوا الله جل ذكره بها، وقد استوى الإنفاقان في الظاهر، وهذا منفق وذلك منفق، حصل أحدهما طائعا بالإخلاص والقصد إلى
الله جل وعزَّ، والآخر عاصيًا لتعريه من هذه الحال هذه الحالة. تساويهما في الإنفاق»).
(1) ابن بركة كتاب الجامع، ج 1 ص 264 - 265.
مع (1/87)
صفحة 88
» 88 «
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
وإذا تقرر بأن الراجح وجود هذا الحق الواجب في مال الغني سوى الزكاة؛ فإني اجتهدتُ في البحث والنظر في إمكانية فرض إخراجه من أموال الأغنياء بسلطة السلطان، وهل يمكن للحاكم الشرعي فرض نصيب من أموال الأغنياء إن تطلب الأمر ذلك، وضاقت الأمور الاقتصادية بالدولة والشعب، وهل في مجال السياسة الشرعية ما يمكن الاعتماد عليه في تسويغ فرض الحاكم
لهذا الحق الواجب على الغني فيما فضل من ماله؟
غير أني مع البحث والمطالعة وجدتُ بعض النصوص لبعض العلماء المحققين تنصُّ صراحة على حقية الحاكم الشرعي - إن تطلب الأمر - مطالبة الأغنياء بقوة السلطان لدفع هذا الحق الواجب في أموالهم، إن كانت هناك ضرورة معتبرة، وخطورة تهدد بقاء الدولة وقوتها، فكان لزاما أن يقوم الحاكم بجبر الأغنياء
بدفع هذا الحق الواجب، فمن هذه النصوص ما يأتي:
قال ابن حزم في «المحلّى»:»: « ... وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يَكُنهم من المطر، والصيف والشمس، وعيون المارة ... »).
(1) ابن حزم، المحلى، ج ص 281. (1/88)
صفحة 89
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
-> 19 <-
قال إمام الحرمين الجويني في «غياث الأمم»: « ... والذي
أختاره قاطعا به
أن الإمام يكلّف الأغنياء من بذل فضلاتِ
الأموال ما يحصل به الكفاية والغناء» (1).
ويقول أبو حامد الغزالي في «المستصفى»: «أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام، فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ... » (2).
يقول الشاطبي في «الاعتصام»: «إنا إذا قدرنا إمامًا مطاعا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال عن المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم؛ فللإمام إذا كان عدلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه
كافيًا لهم في الحال إلى أن يظهر مال في بيت المال ... » (3).
(1) الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف (ت: 478 هـ)، غياث الأمم والتياث الظلم، تحقيق: فؤاد عبد المنعم ومصطفى حلمي، دار الدعوة - الإسكندرية، (دط): 1979 م، ص 189. (2) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (ت: 505 هـ)، المستصفى، تحقيق: محمد
عبد السلام عبد الشافي دار الكتب العلمية، ط 1: 1413 هـ/1993 م، ص 177. (3) الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي (ت: 790 هـ)، الاعتصام، = (1/89)
صفحة 90
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
ولما كان هذا الحق واجبًا في مال الغني من غير تحديد ولا توصيف كان تنظيمه وبيان طرق تثميره من أوجب الواجبات، ولا سيما إذا أراد الأغنياء إسقاط هذا الحق مما آتاهم الله تعالى من فضله إلا أنهم لا يجدون المصارف الموثوقة أو السبل المتاحة التي تيسر لهم ذلك؛ لذا سنقترح في مبحث الحلول والمقترحات آليات متعدّدة لتحصيل هذا الحق وتثميره وتوظيفه حتى يصل إلى مستحقيه، ويكون عونا للأغنياء على إسقاط تبعته من أموالهم كما يسقطون تبعة الزكاة الشرعية منها، فيبارك الله في أموالهم أضعافا مضاعفة لا تحصى والله غالب على أمره وبه التوفيق والتيسير، وعليه
التوكل وبيده الهداية.
قصتان مؤثرتان
القصة الأولى: لا تحقرن من المعروف شيئًا:
في
سمعتها من لسان سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مقطع صوتي عنه، يقول الشيخ - حفظه الله تعالى -: رجلٌ
دراسة وتحقيق هشام بن إسماعيل الصيني دار ابن الجوزي للطباعة والنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية، ط 1: 1429 هـ / 2008 م، ج 3
ص 22. (1/90)
صفحة 91
المبحث الأول: تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
من
» 91 «
فقير مسكين سار وطرق بيتا من البيوت ـ بيت غني ـ في يوم من الأيام لما طرق ذلك البيت، كانت امرأة ذلك الغني قريبة الباب، فجاءت ورأته فقيرًا ورحمته وأعطته شيئًا من المال، ولما رجعت إلى زوجها سألها، فأخبرته بهذا، فغضب عليها غضبًا شديدًا وطلقها؛ لأنها أخرجت شيئًا من المال وأعطته ذلك الفقير، ومرَّتِ الأيام فتقدم إليها رجل بعد ذلك وخطبها واتفقوا على الزواج وتزوجها، ولما تزوجها عاشوا في راحة ونعمة ووئام ووفاق، وفي ليلة من الليالي جاء أحدٌ من الفقراء وطرق الباب، ولما طرق الباب قال لها زوجها أحد يطرق الباب هناك، قالت أنا أسير أشوف قال: لعل هذا سائل يسأل فقير أو شيء، فأعطيه إن كان أحدًا من الفقراء، فسارت، ثم رجعت إلى الزوج تبكي، فقالت: وجدتُ الرجل هو مطلقي الذي طلقني، وكان طلقني بسبب أن فقيرا جاء وطرق الباب وأنا أعطيته، فغضب علي الزوج غضبا شديدا فطلقني، والآن هو الفقير الذي يطرق الباب، فقال لها زوجها وأنا المسكين الذي جئت وطرقت الباب ذاك اليوم، وأنا فهمت القصة والله تعالى أبدلني بعد ذلك استطعت أن أخطبك وأتزوجك
والحمد الله» (1).
بيسر
(1) نقلاً من المقطع الصوتي (بتصرف). (1/91)
صفحة 92
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
القصة الثانية: البخيل):
كان هناك رجل يمتلك قدرًا هائلا من الذهب المدفون في الأرض، وكان يعود إلى الموضع الذي دفنه فيه ليلقي نظرة عليه ويحصيه قطعة قطعةً، كان يذهب كثيرًا جدا إلى كنزه المدفون لدرجة أن لصا كان يراقبه استطاع تخمين أن الرجل يخفي كنزا، وفي ليلة من الليالي حفر اللصُّ بهدوء، وأخرج الكنز ولاذ بالفرار.
وعندما اكتشف الرجل خسارته غرق في الحزن واليأس، وراح يئن ويتأوه ويصرخ ويمزق شعره، رآه أحد جيرانه فقال له: لا تحزن إلى هذا الحد، ادفن بعض الحجارة في الحفرة وتخيل أنها ذهب، ستؤدي الغرض بنفس الكفاءة؛ لأنك لم تكن تنفق شيئًا من الذهب عندما كان موجودًا».
* * *
(1) انظر: إتش. جاكسون براون الابن / وروتشيل بنينجتون، مميز بالأصفر، مقرر مختصر في العيش بحكمة والاختيار بذكاء الكتاب نسخة إلكترونية بنظام (PDF)، (د. ن)، (دط)، (البخيل) ص 88. (1/92)
صفحة 93
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
L
المبحث الثاني
مبدأ جباية الزكاة الشرعية
وأهميته وفوائد تصريفها
لا شك أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، ودعامة من دعائمه العظام، لا ينكرها إلا كافر، ولا يمنعها إلا فاسق، وهذا الحكم الشرعي الصريح الواضح المجمع عليه بين أهل الإسلام جميعا، فإن من يحقرون من شأن الزكاة، ويرون أنها لا تصلح لهذا - للأسف - من أبناء المسلمين؛ ناشئون في قلب
العصر، وهم - بلاد الإسلام، فماذا يعني قولهم هذا إلا الردة عن الإسلام، فإن الدين قد كمل والنعمة قد تمت به: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وأتممتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
وقد لا يكون الجحد والمنع للزكاة ظاهرا؛ وإنما يكون باطنا بعدم إخراجها ودفعها للفقراء المستحقين لها، ولا سيما لما ارتفع تطبيق مبدأ الجباية، فشح كثير من الأغنياء بأموالهم، وضنُّوا بها على الفقراء والمحتاجين المستحقين لها، وطغت
93 (1/93)
صفحة 94
94
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
النفوس إذ ظنت أنها استغنت كما أخبرنا الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَوَاهُ اسْتَغْنَى) [القلم: 6 - 7]، إذ إن أنانية الإنسان الجامحة، وميله إلى التبذير والإسراف؛ لا يحدهما شيء، وقلّما يعرف التوازن والاعتدال في سلوكه ومطالبه، بل إنه متى استغنى طغى وبغى كما قال الله تعالى.
والمهم بعد ذلك أن نعلم أن الزكاة مما عُلم من الدين بالضرورة، وأنها أحد أركان الإسلام، وتناقل ذلك الخاص والعام، وأن فرضيتها ثبتت بالآيات القرآنية الصريحة المتكرّرة، وبالسنة النبوية المتواترة، وبإجماع الأمة كلها خلفًا وجيلًا عن جيل).
عن
سلف
ويرى العلامة الكاساني من الحنفية بعدما استدل على وجوب الزكاة بأدلة الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، ثم ذكر إجماع الأمة على ذلك؛ ويرى أنها تجب أيضا بمقتضيات العقول، فالعقول السليمة تدلُّ على وجوب الزكاة، إذ يقول في كتابه «بدائع الصنائع»:
وأما المعقول فمن وجوه أحدها أن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف، وإغاثة اللهيف، وإقدار العاجز وتقويته على أداء
(1) انظر: القرضاوي فقه الزكاة، ج 1 ص 109. (1/94)
صفحة 95
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
» 90 «
ما افترض الله وعجل عليه من التوحيد والعبادات، والوسيلة إلى أداء
المفروض مفروض.
والثاني: أن الزكاة تطهر نفس المؤدي عن أنجاس الذنوب، وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم، وترك الشح والصن؛ إذ الأنفس مجبولة على الضّن بالمال فتتعود السماحة، وترتاض لأداء الأمانات وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، وقد تضمن ذلك كلَّه قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) {
[التوبة: 103].
والثالث: أن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء، وفضلهم بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية، و خصهم بها، فيتنعمون ويستمتعون بلذيذ العيش، وشكر النعمة فرض عقلا وشرعًا، وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة فكان فرضا» (1).
وهذا الاستدلال العقلي؛ أي: الاستدلال على وجوب الزكاة بالنظر العقلي في مقاصد الشرع؛ ضروري القول به لمن فهم دين الإسلام ومادته ومقاصده، والله أعلم.
(1) الكاساني، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الحنفي (ت: 587 هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 2: 1406 هـ / 1986 م، ج 2 ص 3. (1/95)
صفحة 96
-» 97 -
فك الأزمة وإنقاذ الامة
عقوبة تارك الزكاة
الزكاة ركن من أركان الإسلام لا يستقيم إسلام المرء إلا
بالإقرار بها وأدائها، أما الإقرار بها فيجب على الناس، جميع لا يفرق فيه بين غني وفقير على السواء، وأما الأداء فيجب على من وجد نصابها بشروطها المخصوصة، فمن ترك الإقرار منهما فقد هلك، وأما من حيث الأداء فالفقير يتركه لعدم مخاطبته به، وأما الغني إن تركه فقد هلك.
ولا يصح إسلام امرئ - الإسلام المنجي له يوم القيامة ـ إلا بالأخذ بجميع تعاليمه، فالأخذ بجميع تعاليم الإسلام واجب على كل من دخل الإسلام، فالإسلام عُرّى إذا انحلت منه عروة واحدة انفرط عقده كلُّه، لهذا أمر الله تعالى بالأخذ بكل الكتاب، فقال: خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّة، وقد نعى الله على بني إسرائيل أخذهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، فقال: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خرى ... )، فمن هنا كان ترك الزكاة أو التهاون فيها موجبا للعقوبة لما في ذلك من منع حق الفقراء أن يصل إليهم وهم في أمس الحاجة إليه، لذلك كان عقوبته دنيوية وأخروية.
يقول الدكتور القرضاوي في «فقه الزكاة»: «وفي أحاديث أخرى أنذر الرسول و مانعي الزكاة بالعذاب الغليظ في الآخرة؛ (1/96)
صفحة 97
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
97
لينبه بهذا الوعيد القلوب الغافلة، ويحرك النفوس الشحيحة إلى البذل، ويسوقها بعصا الترغيب والترهيب إلى أداء الواجب طوعا، وإلا سيقت إليه بعصا القانون وسيف السلطان كرها» (1).
عقوبة مانع الزكاة الأخروية
تقدم الكلام عند بيان أدلة وجوب حق مالي في المال سوى الزكاة على بعض الآيات القرآنية التي جاء فيها الوعيد الشديد لمانع الزكاة، وتلك الآيات فيها من الوعيد ما يجعل العاقل يربأ بنفسه من أن يلحقه شيءٌ منه، كيف وفيها من الهلاك في الآخرة، والخسارة في الدنيا، فلا خير في خيرٍ بعده النار، وحسب العاقل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سبيل الله) [التوبة: 34]، وذكر ثلاثة أعضاء استحقت الكي بالنار القيامة؛ لأنها الأعضاء التي يعبر بها المانع عن منعه واستكباره، فتكوى الجبهة لأنها التي تتقطب عند سؤال الفقير عن حقه الواجب له، فتكوى لتقطبها، ويكوى الجنب الذي يعطيه المانع للفقير السائل عن حقه منه معرضا عنه، فأول ما يبدأ بالإعراض إنما يكون إعطاء الجنب ليصد عنه صدودًا، فيكوى هذا الجنب لصدّه، ويكوى الظهر الذي يعرض به، ويدبر عن
يوم
(1) القرضاوي، فقه الزكاة، ج 1 ص 99. (1/97)
صفحة 98
فك الأزمة وإنقاذ الامة
» 98 «
الفقير المسكين الذي يسأله حقه الواجب له عنده، فيكوى ذلكم
الظهر لإدبار صاحبه، والله المستعان.
الدار
وأما الأحاديث النبوية الدالة على الوعيد الشديد في الآخرة لمانع الزكاة فهي كثيرة ومنذرة ومخيفة، ولا يمكن لمن قلبه مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله وأن ما جاء به من
كان
عند ربه حق مبين إلا ويرجف قلبه من هول ما يسمع، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحةٌ ثابتةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق الأمين؛ فمن ذلك:
1 - عن النبي: قال: من كثر ماله ولم يزكه جاءه يوم القيامة في صورة شجاع أقرع له زبيبتان موكل بعذابه حتى يقضي الله بين الخلائق
قال الربيع: يعني ثعبان أقرع فيكون في فمه من كلا الجانبين رغوة السم بمنزلة الزبيبتين في التماحهما، ولم يرد بهما العينين.
2 ـ عن أبي هريرة الله الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني بشدقيه ـ،
(1) مسند الربيع بن حبيب باب الوعيد في منع الزكاة، رقم الحديث
(347) (1/98)
صفحة 99
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
99
ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يبخَلُونَ ... إلخ الآية» (1).
وقد جاء في شرح مفردات هذا الحديث أن الشجاع الحية الذكر والأقرع الذي لا شعر له لكثر شمه وطول عمره، الزبيبتان: نقطتان سوداوان فوق العينين، وهو من أخبث الحيات.
ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار ... ، ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله
حلبها
إما إلى الجنة، وإما إلى النار ... ، ولا صاحب بقر، ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئًا ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء
(1) صحيح البخاري باب إثم مانع الزكاة، رقم الحديث (1403). (1/99)
صفحة 100
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه
أخراها، في يوم العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار»).
كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين
وهذا الحديث مع صحته المستقلة فهو يعتضد أيضا في مقطعه الأول بالآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، وفي
الحديث من الوعيد الشديد ما ترى.
العقوبة الدنيوية لمانع الزكاة
كما بينت الأحاديث العقوبة الأخروية لمانع الزكاة بينت أيضا العقوبة الدنيوية التي ينالها مانع الزكاة، على أن لفظة مانع الزكاة لا تنصرف فقط إلى المشركين الذي لا يؤمنون بالله تعالى فهذه اللفظة تشمل كل من منع الزكاة كافرا كان أو مسلما، فالعقوبة إنما نيطت بعلة المنع، لا بديانة من منع، فمن الأدلة
النبوية الدالة على إثم مانع الزكاة وعقوبته ما يأتي:
يقتل
1 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مانع الزكاة يقتل» (3)؛ أي: مانع الزكاة حدا، هذا إذا كان مجاهرًا بمنعها، ولا يؤديها إلى إمام
(1) صحيح مسلم، باب إثم مانع الزكاة، رقم الحديث (987).
(2) مسند الربيع بن حبيب، باب الوعيد على منع الزكاة، رقم الحديث (344). (1/100)
صفحة 101
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
عادل، ولا يخرجها بنفسه، وقامت عليه الحجة بذلك فمنع وأصر، فيتولى الإمام قتله حدا.
استثنى الإمام أبو يعقوب الوارجلاني قال في كتابه «العدل والإنصاف» من قضية قتل مانع الزكاة إلى ولي الأمر؛ من ظفر ولي الأمر بماله، فأخذ منه حق الله فلا يقتل إلا أن يكابر، فيقول: مانع الزكاة لولاة الأمور فحين منعها يقتل لا يستأنى، إلا أن يظهر الوالي على ماله فيأخذ منه حق الله تعالى، ولا يقتل، إلا إن كابر قتل».
«وأما
يقول الإمام الحضر مي الهلال في «مختصر الخصال: ... وجائز لإمام المسلمين أخذ الصدقة ممن وجبت عليه طوعًا وكرها، إلا في ثلاث خصال؛ أحدها: أن يكون ممن لا تجزئه بيعته، الثاني: أن يكون ماله خارجًا عن بيعة الإمام، فإنه لا يجوز له جبره على صدقة ماله الخارج عن بيعته، الثالث: أن يغيب عن الإمام أو من يقوم مقامه في ذلك، فلا يجوز له أخذ الصدقة من ماله حتى يحضر، فإن أصر على عدم دفعها، جاز أخذها من ماله غائبًا كان أو حاضرًا، بعد أن يحتج عليه (2).
(1) الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت: 570 هـ)، العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف وزارة التراث القومي والثقافة - سلطنة
عمان، (دط): 1404 هـ / 1984 م، ج 2 ص 56.
(2) الحضرمي، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس (ق: (هـ)، مختصر الخصال، = (1/101)
صفحة 102
» 102 «
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
قال الإمام السالمي في شرح الجامع الصحيح» في شرح الحديث السابق: «قال أبو عبيدة: ذلك إذا منعها من كان يستحق أخذها، وأما غيره فلا يقتل من منعه إياها؛ لأنه ليس بأهل لأخذها، ولا تلزم الناس، طاعته، وكيف يلزمهم دفع زكواتهم إليه على أنه تعالى قد أوجبها لأصناف مخصوصة، وليس تلك الأصناف، ولا هو بالمأمون على وضعها فيهم،
الجبار من وصاحب المال مخاطب بها ويلزمه دفعها إلى الإمام العادل إن وجد، وإلا فعليه وضعها في محلها من الأصناف الثمانية حتى يكون من أدائها على يقين فلو منعها من الأصناف هلك بلا خلاف، لكن ليس لأحد قتله على ذلك؛ لأن الأصناف كثيرة وأفرادهم عديدة، وليس بعضهم أولى بها من بعض، فلا تتعين المطالبة لواحد منهم بعينه، ولما كان الإمام العادل قائما في مطالبتها مقام الأصناف الثمانية؛ لأنه المخاطب بأخذها وبقسمتها ووضعها في أهلها كان له قتل مانعها، وأيضا فإن قَتْلَهُ حد من حدود الله تعالى، وأمر الحدود إلى الإمام العادل، ولا يجوز للجائر إقامته في هذا الموضع حتى على رأي من أجاز للجائر إقامة الحدود؛ لأن الحدّ هاهنا فيه نوع شبهة لكثرة
تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن نبهان الخروصي، مكتبة مسقط، مسقط ـ سلطنة عمان، ط 1: 1432 هـ / 2011 م، ص 248. (1/102)
صفحة 103
» 103
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
أصناف الزكاة، فلا يتحقق المنع بخلافه في السرقة ونحوها، والحدود تدرأ بالشبهات، والله أعلم).
وهل تأخيرها مع إمكان دفعها داخل في هذا الوعيد كمنعها؟ في ذلك خلاف بين العلماء إلى ثلاثة أقوال ـ كما سيأتي ذكرها ـ، ومنشأ الخلاف هل الأمر المطلق يدلُّ على الفور أو لا؟ وهذه الأقوال هي (2):
القول الأول: مؤخرها بلا عذر عاص؛ لأنه يفضي إلى ذهابها والتهاون بشأنها، وهذا القول هو الصحيح عند الإمام السالمي وعليه بعض العلماء كابن بركة والعصيان هنا بسبب التمادي وخشية التضييع، لا للقول بالفورية في الأمر المطلق، ثم إن قرنها في غالب آي الكتاب بالصلاة يدلُّ على تأكيد المسارعة في أدائها، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس الآتي في الباب: لا صلاة لمانع الزكاة» (3).
(1) السالمي عبد الله بن حميد بن سلوم (ت: 1332 هـ)، شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي الأزدي، مكتبة الإمام نور الدين السالمي - لصاحبها سعود بن حمد بن عبد الله السالمي، السيب ـ الحيل
الجنوبية، (دط)، ج 2 ص 93.
:
(2) انظر السالمي شرح الجامع الصحيح، ج 2 ص 91 - 92 (بتصرف). (3) مسند الربيع بن حبيب باب الوعيد في منع الزكاة، رقم الحديث
(346) (1/103)
صفحة 104
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
القول الثاني: من فرَّط فيها مع التمكن من أدائها حتى يدخل
حول في حول فهو هالك.
القول الثالث: لا يهلك ما لم يمت مضيعا لها، وهذا الذي اختاره الإمام أبو سعيد الكدمي الله له له، وبه جزم في مواضع من «استقامته»، وتبعه عليه أتباعه من بعده.
والظاهر من أن غرض الإمام الكدمي الى من ترجيح القول الثالث، وهو عدم الهلاك ما لم يمت مضيعا لها؛ هو التوسعة عليه؛ كي لا يُتبرأ من متمسك برأي؛ لأن من العلماء من وسع في فرض الزكاة والأمر المطلق فيها - غير الموقت بوقت معين سوى العمر كله، وجعل العمر كله محلا للأداء، فمن أخذ بهذا الرأي وأخر الزكاة فهو آخذ برأي فقهي؛ لذا كان تقييد الإمام
الكدمي له بقوله: «ما لم يمت مضيعا لها».
أضف إليه أن هذا القول ذكره في معرض البحث في أسباب البراءة، وإلا لو سئل في جانب العمل لحثّ على الإخراج عند الإمكان.
أضاف الإمام السالمي: أن القول بعصيان مؤخرها عن وقت الإمكان هو اختيار أبي محمد ابن بركة، وهو أقوى في النظر، ولا يُبرأ من آخذ برأي من آراء المسلمين إلا إذا حكم (1/104)
صفحة 105
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
*
1.0 «
عليه الإمام بخلافه؛ فإنه يلزمه الانقياد لحكم الإمام إجماعا،
والله أعلم.
ويقول في معارج الآمال في مسألة مؤخر الزكاة بعد وجوبها: «إن كان قد طلبها الإمام أو نائبه فلا يسعه التأخير عن وقت الإمكان إجماعا لما تقدم من إجماع الصحابة على قتال المانعين، والمؤخّر بغير عذر في حكم المانع، وفي الحديث: لاوي الصدقة ملعون واللاوي هو المماطل، وإن طلبها منه المسلمون، فقال: نعم، ثم تربَّص في ذلك سنة ثم مات ولم يوص؛ فإن كان مات مطلق اللسان فقيل هو أهون ما يكون من أمره الوقوف عنه، وإن كان ممن يُقر بالزكاة، ويدين بها غير أنه بلي بالتواني فمات ممسك اللسان أو مفاجأة أخذتِ الزكاة من ماله، ولم يبلغ به إلى أن يحول عن ولايته التي كانت له من قبل، كذا في الأثر» (2).
ثم حكى الخلاف في تأخير الأداء بعد وجوبها إن لم يكن في وقت إمام يطلبها منه، أو لم تطلب منه من قبل المسلمين أنفسهم؛ هل يسعه تأخيرها عن وقت الإمكان أو لا؟ ثم رجح الى القول بتحريم التواني في أدائها قائلا:
(1) انظر السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 2 ص 92. (2) السالمي، معارج الآمال، ج 7 ص 29. (1/105)
صفحة 106
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
«وإذا تأملت آيات الكتاب العزيز وأحوال السنة النبوية ظهر لك من لحن الخطاب تحريم التواني في أدائها، وأن المتواني بعد الإمكان عاص، وليس هو بمنزلة من توانى في الأمر المطلق؛ لأن تأكيد الزكاة والتشديد فيها يؤكد الفورية فيها، وهذا الحال لم يوجد في الأمر المطلق، فنحن إنما نقول بوجوب التعجيل عند الإمكان بانضمام أحوال مع الأمر بالأداء، لا بنفس الأمر حتى يلزمنا القول بجعل الأمر للفور.
ثم إن تأملت ما يترتب على التأخير من المفاسد الدينية والدنيوية ظهر لك رجحان القول بوجوب التعجيل؛ لأن المرء لا يدري متى يموت، فإذا عاجله الموت قبل الأداء بقيت زكاته في عنقه، فإن أوصى بها انتقل حال السعة الذي كان للهالك إلى الوصي، فيسعه من التأخير ما وسع الأول حتى يحضر الموت، ثم يموت والوصية في عنقه. فإن أوصى بها أيضا سع الوصي الآخر ما وسع الوصي الأول، وهكذا فيفضي الحال إلى تعطيل الزكاة رأسا، وكفى بها مفسدة عظيمة، وهذا المعنى نبه عليه شيخنا الصالح - رحمة الله عليه ـ، فظهرت لنا
به أكبر المصالح»).
(1) السالمي، معارج الآمال، ج 7 ص 30 - 31. (1/106)
صفحة 107
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
» 107 «
2 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لمانع الزكاة ـ قالها ثلاثا - والمتعدي فيها كمانعها» (1)، قال الإمام الربيع: المتعدّي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها.
يقول الإمام السالمي في شرح الجامع الصحيح»: « ... أي من منع الزكاة لا يقبل الله له صلاة؛ لأنه غير متق، ولا يقبل الله العبادة إلا من المتقين: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27]، وأيضا فإن الزكاة ركن من أركان الإسلام كالصلاة، فإن الإسلام بُني على خمس منها الصلاة والزكاة، وإذا انهدم بعض أركان الإسلام انهدم جميعه، ولا ينتفع بالبعض دون البعض ... ، وإنما كان هذا متعديًا؛ لأنه قد تجاوز ما حد له من أمر الزكاة، فلم يؤدها على وجهها، ومعنى التعدي مجاوزة الحد، وإنما كان المتعدي فيها كمانعها؛ لأن كل واحد منهما ظالم في حقها، فالمانع ظالم من حيث المنع، والمتعدي ظالم من حيث الأداء؛ لأن الأداء إذا كان على خلاف المطلوب شرعا فليس بأداء، ولا يقبل الله عبادة على خلاف ما شرع يوم القيامة، والله أعلم» (2).
(1) مسند الربيع بن حبيب باب الوعيد على منع الزكاة، رقم الحديث
(346)
(2) السالمي شرح الجامع الصحيح، ج 2 ص 96 - 97 (بتصرف) (1/107)
صفحة 108
--> 1•^ «-
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله
بالسنين).
قال الألباني في «السلسلة الصحيحة»: « ... وبالجملة فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيح بلا ريب، وتوقف الحافظ ابن حجر
في ثبوته إنما هو باعتبار الطريق الأولى، والله أعلم» (3).
قلت: هذا الحديث يمكن أن يكون حسنًا بما احتف به من شواهد ومتابعات تجبر خفة الضبط في بعض رواته، ويمكن أن يكون صحيحًا كما حكم عليه الشيخ الألباني، والصحيح حجة باتفاق، والحسن حجة على رأي الجمهور، والله أعلم.
مبدأ جباية الزكاة:
إن من أهم ما جاء به الإسلام الحنيف في المجال الاقتصادي مبدأ الضمان الاجتماعي، بمعنى ضمان الحد اللائق لمعيشة كل فرد من أفراده بما عبّر عنه الفقهاء القدامى بمصطلح (حد الكفاية)؛ تمييزا له عن (حد الكفاف) الذي هو الحد الأدنى للمعيشة.
(1) رواه الطبراني في المعجم الأوسط، ورواته ثقات، وله شواهد كثيرة. (2) الألباني، محمد ناصر الدين بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري (ت: 1420 هـ)، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، مكتبة
المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، ط 1، ج 1 ص 220. (1/108)
صفحة 109
=
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
» 109 «
فحد الكفاية المقصود هنا هو سد الحاجات الأصلية
للشخص من مطعم وملبس ومسكن وغيرها، مما لا بد منه على
ما يليق بحاله وحال من في نفقته من غير إسراف ولا تقتير)
6 (1)
معنى ذلك أن حد الكفاية هو المستوى الذي إذا بلغ إليه المرء واستوفاه حَرُم عليه أخذ الزكاة.
فمن مسؤوليات الدولة المسلمة ورئيسها (ولي الأمر) العمل على تحقيق حد الكفاية للرعية المسلمين وغير المسلمين الذين يعيشون في الدولة، وذلك بتوفير الحاجيات الأساسية والأمور الأصلية للحياة الكريمة، وهذا بدوره يحتاج إلى تنمية اجتماعية واقتصادية ومصدر تمويل ضخم، ومن المعلوم أن الزكاة أحد هذه المصادر التي تعنى برفع المستوى المعيشي لأفراد الدولة الذين تشملهم قائمة أصناف تصريف الزكاة، وإذا ما تبنت الدولة مبدأ جباية الزكاة من أموال الأغنياء بنظام مدروس وتقنية حديثة؛ فستسهم الزكاة في علاج كثير من المشكلات الاقتصادية، وتقضي على كثير من الظواهر الاجتماعية السلبية التي كان منشؤها ودوافعها ضعف ذات اليد، ومن أهم المشكلات الاقتصادية التي تعالجها الزكاة ما يأتي (2):
(1) انظر: محمد نجم، علي، الكفاية في استحقاق الزكاة وضابط تحديده، ضمن بحوث مجلة البحوث الإسلامية - المملكة العربية السعودية، العدد (112)، ص 95.
(2) انظر: أبو طه أحمد محمد أحمد الزكاة وأثرها الاقتصادي والاجتماعي (1/109)
صفحة 110
110
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
1 - مشكلة الاكتناز: فالزكاة تحفز على الاستثمار المشروع
النافع.
2 - مشكلة الفقر: فالزكاة ترفع مستوى الفقراء والمساكين
المادي.
3 - مشكلة
سوء عدالة التوزيع: فالزكاة علاج للتفاوت الكبير
بين الفقراء والمساكين.
4 - مشكلة التضخم النقدي: فالزكاة تنمي الإنتاج الضروري
النافع.
ه ـ مشكلة العجز في الموازنة تغطي الزكاة جزءا من النفقات العامة المتعلقة بالضمان الاجتماعي، وبذلك توفر للدولة مصادر التمويل.
6 ـ مشكلة البطالة تسهم الزكاة في توفير المال اللازم لتمويل أدوات الإنتاج للفقراء والمساكين القادرين على العمل. وكما أن الدولة المسلمة مسؤولة عن إقامة شرائع الدين وتوجيه الناس إليها؛ كالصلاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كذلك هي مسؤولة عن تحقيق ركن الزكاة
=
في معالجة التضخم النقدي وإعادة توزيع الدخل، ص 497 ـ 498
(مرقون). (1/110)
صفحة 111
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
والمقصد الشرعي من فرضيتها على المكلفين من أبناء الدولة المسلمة، وكما أن الدولة مسؤولة أيضًا عن إقامة الصلاة وتهيئة دور العبادة؛ كذلك هي مسؤولة عما يخص شعيرة الزكاة.
يقول الإمام السالمي الان في «مدارج الكمال»:
ولا يلي زكاته بنفسه حتى يرى إمامه في رمسه أو كان لم تجب عليه طاعته أو موضع ما أُهملت حمايته زكاة كل بلد في أهلها ما لم تكن مصلحة لنقلها يقول الإمام السالمي شارحًا هذه الأبيات في «معارج الآمال»: يعني أن الإمام أولى بإنفاذ الزكاة من أهلها، فعلى كلّ واحدٍ أن يسلّمها إليه، أو إلى عامله، ولا يصح له أن يتولى إنفاذها
منهم
بنفسه ما دام حيًا، فإن مات ولم يستخلف، ولم ينصب المسلمون مكانه كان كلُّ واحدٍ منهم متعبدًا في خاصة نفسه بأمر زكاته،
وعليه وضعها في موضعها ... )).
وفي مسألة
•
وجوب تسليم الزكاة إلى الإمام العدل قال قال: وقد أجمع أهل العلم أن الزكاة تدفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى رسله وعماله، وإلى من أمر بدفعها إليه، ثم أجمعوا أيضا على أن للإمام العادل في الأحكام العامة من وجوب الطاعة ونحوها
(1) السالمي معارج الآمال، ج 7 ص 645. (1/111)
صفحة 112
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
ما لرسول الله، ثم أجمعت الصحابة على وجوب تسليمها للخليفة الأول أبي بكر الصديق الله؛ لاجتماعهم على قتال مانعيها، ثم أجمعوا على ثبوت دفعها إلى عمر بن الخطاب الله بعد أبي بكر، والعلة كونه إماما عادلا، فوجب ثبوت هذا الحكم
في غيرهم إذا ساواهم في العلة، ثم اختلفوا في من دفعها بنفسه
في زمان الإمام من غير إذنه:
فقال
جمهور أصحابنا، وأبو ثور من قومنا لا يسعه ولا يجزئه، ومقتضاه أنه يلزمه أن يستأنف الأداء إلى الإمام، وقال الحسن البصري، ومكحول، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وميمون بن مهران: يجزئه إذا وضعها موضعها، وهو قول شاذ في المذهب أيضا.
وقال الشافعي: لا أحب أن يولي زكاة ماله غيره، وقال أبو عبيد في زكاة الذهب والفضة إن لم يدفعها إلى الإمام وفرقها تجزئه، وقال في المواشي والحب والثمار: لا يليها إلا الأئمة، وإن فرقها ربها لم يجزه وعليه الإعادة، وفيها قول آخر خرجه أبو سعيد وهو: إن سألوه عن ذلك لم يجزه إلا أن يسلمها إليهم،
وإن لم يسألوه إياها لم يضمن، والصواب الأول»).
(1) السالمي، معارج الآمال، ج 7 ص 646 ـ 647. (1/112)
صفحة 113
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
» 113 «
فترى الإمام نور الدين السالمي ينص على أن الزكاة إنما تدفع للإمام العادل أو من يقوم مقامه، ويصحح القول بعدم إجزائها عمن دفعها بنفسه مع وجود الإمام وبغير إذنه، ويلزمه إعادة أدائها إلى الإمام من جديد.
D
أو
يقول عبد الرزاق نوفل في كتابه «فريضة الزكاة»:. وبديهي أن الحقوق يجب أن تؤدى بحيث يشرف ولي الأمر من يختاره على حسن النية وضمان الأداء، ولقد كان سيدنا رسول الله يتولى استيفاء الزكاة عن طريق من يعينهم من عماله، وكان بذلك يقوم بعمل رئيس الدولة، والمتدبر للآية الشريفة التي حددت مصارف الزكاة يجد أن من بين من تصرف عليهم أموال الزكاة العاملين عليها؛ أي: الجباة والمشرفين عليها، وكل من يتصل عملهم بجمع أو تنفيذ أو ترتيب أمور الزكاة، وذلك بنص الآية الشريفة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [التوبة: 60].
وكذلك قررت آيات القرآن الكريم أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتولى بنفسه توزيع الزكاة فيما يعود بالنفع على المسلمين كأفراد وجماعات، وذلك في مثل النص الشريف: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِرُكَ فِي الصدقتِ فَإِنْ أَعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * (1/113)
صفحة 114
» 114 «
فك الأزمة وإنقاذ الامة
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا
اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ} [التوبة: 58 - 59]
(1)
منهم،
ثم يقرر ضرورة تدخل الدولة في تحقيق هذا الركن الإسلامي تحقيقا صحيحًا يؤدي إلى المقصد الذي شرع من أجله، قائلا: « ... ولا يمكن للإنسان أن يتبين بنفسه حق كل نوع ممن أوجبت الآية الشريفة أن تُؤدَّى إليهم الزكاة، فالفقير ـ مثلا ـ أو المسكين كيف يتبين الإنسان العادي أنه حقا وأنه لا يتصنع الفقر أو يتمثل المسكنة؟ وكذلك كيف للإنسان أن يعرف الغارم وهو من كانت ديونه من النوع الذي يجعله مستحقا للزكاة؟ وهكذا في باقي من أوجبت الآية الشريفة أداء الزكاة لهم، وبذلك فإن الدولة بأجهزتها العديدة أقدر من الإنسان الفرد على التعرف على الفقير والمسكين وتستطيع أن تحدد الجهات التي توجه إليهم أسهم الزكاة تنفيذا للآية الشريفة.
وبذلك فإن الزكاة يحسن أن تدفع إلى الدولة ممثلة فيما تقيمه من مؤسسات خاصة بأموال الزكاة، أو تؤدى إلى جهة تشرف عليها الدولة بحيث تختص كلُّ محافظة بزكاة أفرادها، بل كل قرية وكل بلد ويمكن نقل ما يفيض من بلد إلى آخر، ومن محافظة إلى أخرى، طبقا لحاجة كل محافظة، وأن تشرف على
(1) نوفل فريضة الزكاة، ص 22. (1/114)
صفحة 115
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
110 K
هذا الجهاز بأكمله هيئة تنسق وتعاون وتنفذ وتقوم بجباية الزكاة وتوزيعها طبقًا لما قرَّره القرآن الكريم، فإن في ذلك تحقيقا للنص القرآني الذي يؤكد حق الدولة في جباية وتوزيع الزكاة، كما أن في ذلك زيادة في الخير ودقة في التوزيع».
جميع
يقول سماحة الشيخ الخليلي في «الفتاوى»: « ... ولا يجوز لأحد صرف الزكاة في غير هذه المصارف المشروعة بنص الكتاب، وما من شك أنه لا يتسنى لأي أحد أن يضعها بنفسه في هذه المصارف؛ لتوقف ذلك في بعضها على وجود ولي أمر للمسلمين يضع كلَّ شيءٍ في نصابه الشرعي، فيأخذ الزكاة بحقها ويضعها في مستحقها؛ إذ من هذه المصارف سبيل الله، وهو مصرف واسع يشمل وجوها شتى من مصالح الأمة في دينها ودنياها، والقائم برعاية ذلك كله هو ولي أمر المسلمين، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيم فيهم حدود الله وينفذ فيهم أحكامه، فإنه أجدر برعاية مصالحهم، وأحق بجمع صدقاتهم، ووضعها حيث أمر الله، فيعطي الفقراء والمساكين والعاملين عليها وسائر الأصناف المفروضة لهم مستحقاتهم منها بحسب ما يقتضيه ميزان العدل أما مع انفراط عقد المسلمين وعدم وجود من يقوم برعاية مصالحها؛ فإن كل واحدٍ منهم
(1) نوفل، فريضة الزكاة، ص 23 - 24. (1/115)
صفحة 116
»
116
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
مطالب بأن يتحرى الأمانة والعدل في أداء ما فرض الله عليه من
زكاة ماله (1).
وقد اتفق الفقهاء على مشروعية جمع ولي الأمر (الإمام أو من يُنيبه لأموال الزكاة وأن ذمة المزكي تبرأ بدفعها إليه، وهو
الذي يتولى جمعها ووضعها في مصارفها الشرعية (2).
والدولة بقيامها بهذا الواجب المقدَّس، بواجب جباية الزكاة من الأغنياء ودفعها إلى الفقراء؛ إنما تعمل على إقامة العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم، وتقليل التفاوت الذريع في الدخل والثروات، ما من شأنه أن يخلق الترابط والتراص بين صفوف المجتمع وطبقاته؛ إذ الفقر هو المشكلة الأساسية الكبرى التي تواجه المجتمع، وتهدد استقرار الدولة، وسد عوز الفقراء والمحتاجين ورفع مستوى المعيشة لديهم، وإشاعة السعادة بينهم؛ يكبح الكثير من حنق الحرمان الذي يضطرم في قلوبهم، الحنق الذي يحركه الحرمان والضنك للانتقام والإجرام، ويمنعه الخوف والخشية من ارتكاب الإثم والذنب، فيبقى يتقلب بين لوعة الفقر وخشية العقاب.
6
10.8 - 0.4
(1) الخليلي الفتاوى، ص 567 / أو طبعة الأجيال، ص 3 (2) انظر: الحجيلان عبد العزيز بن محمد، استثمار أموال الزكاة من قبل ولي الأمر أو من ينوب عنه وضوابطه، ضمن بحوث مجلة البحوث الإسلامية -
المملكة العربية السعودية، العدد (111)، ص 383. (1/116)
صفحة 117
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
117
أضف إلى أن الزكاة تعرف اقتصاديا: بأنها فريضة مالية تقتطعها الدولة، أو من ينوب عنها من الأشخاص العامة أو الأفراد دون أن يقابلها نفع معين، تفرضها الدولة طبقا للمقدرة التكليفية للممول، وتستخدمها في تغطية المصارف الثمانية المحددة في القرآن والوفاء بمقتضيات السياسة المالية العامة الإسلامية).
وهذا الفكر يدلُّ على تأصيل هذا المبدأ في الواقع العملي الإسلامي، فالدولة وولي الأمر هما المسؤولان عن تحقيق المقصد الشرعي من فرضية الزكاة، وإن لم يقوما بهذا الدور ضاع حق الفقراء وتنوسي.
كما يؤصله أيضا قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) [التوبة: 103]، فقوله: (خُذ) نص صريح في الأمر بالأخذ من أموالهم، وقطعًا الآخذ غير صاحب المال، وفيه تصريح وتنبية على الوجوب؛ أي: وجوب هذا الأخذ وحتميته، وهذا من عمل الحاكم ولي الأمر، أو من يقوم مقامه من الشخصيات الاعتبارية، ووجوب التسليم من صاحب المال.
(1) انظر: سحنون، جمال الدين، تفعيل شعيرة الزكاة لمقاومة الفقر وتحقيق لعدالة الاجتماعية - نماذج إسلامية ناجحة، الملتقى الدولي الثاني حول: المالية الإسلامية صفاقس - تونس، تاريخ: 2013، ص 3. (1/117)
صفحة 118
118
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ والمسكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وفي سبيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَة من الله والله عليه حكيم) [التوبة: 60]، ففي الآية دلالة على أن الزكاة تُجبى وتصرف بواسطة العاملين عليها مما يبين لنا أن الزكاة تتولاها الحكومة لا الأفراد)، وكما جعل سهما للعاملين عليها؛ جعل آخر للمؤلفة قلوبهم»، وتقدير ذلك من تصريف الإمام وواجباته).
6
ويدل على مشروعية مبدأ جباية الزكاة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث معاذ بن جبل في الصحيحين عن ابن عباس أن معاذا قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (3).
هم
(1) انظر: القرضاوي فقه الزكاة، ج 1 ص 88
:
(2) انظر السالمي معارج الآمال، ج 7 ص 647. (3) متفق عليه، واللفظ لمسلم انظر: صحيح البخاري، باب: وجوب الزكاة، رقم الحديث (1395)، صحيح مسلم، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم الحديث (19). (1/118)
صفحة 119
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
->119 «
119
يقول الدكتور القرضاوي في فقه الزكاة» عن حديث معاذ بن جبل السابق: «وقد دلَّ الحديث على بعث السعاة الذين يقومون الزكاة وتفريقها، وأن الزكاة من شأنها أن تؤخذ، لا أن تترك بجمع
للأفراد وحدهم، وهو تأييد لآية: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)). {ولنا أن نجمع الأدلة الدالة على مشروعية تطبيق مبدأ جباية الزكاة وأخذها من الأغنياء بطريقة رسمية وتوزيعها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وباقي مصارفها الأخرى، ويكون هذا الجمع كالآتي:
1 - قوله تعالى: (خُذ من قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ
صدقة. 2 - قوله تعالى: {وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا) من قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيرٌ). 3 ـ حديث بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، وقد جاء فيه: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في
فقرائهم». 4 ـ حديث أبي هريرة لهلهلهلهله عند الشيخين، والذي جاء فيه موقف الخليفة الأول أبي بكر الصديق الله من مانعي الزكاة،
(1) القرضاوي، فقه الزكاة، ج 1 ص 98. (1/119)
صفحة 120
120
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
حيث قال: «والله لأقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عِقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فكان يرى أن هذا من واجب الخليفة والحاكم الشرعي.
وفي ذلك يقول الإمام السالمي معلقا على هذا الحديث في «معارجه»: «أترى أبا بكر قاتل أهل الرّدة على شيء لم يجب عليهم فعله؟ أم ترى الصحابة قد اجتمعوا في ذلك على خطأ؟ كلا؛ لم يقاتلهم الله الله إلا على الواجب، ولم توافقه الصحابة إلا على الصواب، فثبت ما اخترناه بالكتاب والسنة وإجماع المهتدين من الأمة، فالقول بأن للمالك إخراج زكاة أمواله مطلقا أو أمواله الباطنة فقط محتاج إلى الدليل، ولم أعرف له دليلا ... ).
يقول الإمام القطب في شرح النيل»: « ... واستدل المانع بقول أبي بكر الله: «والله لو منعوا مني عقالا مما كانوا يؤدونه: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم حتى ألحق بالله»، فأباح قتالهم، بل اعتقده فريضة واجبة يثاب بها على منعهم الزكاة منه، وأطلق المنع فشمل ما لو منعوها؛ لكونهم قد أعطوها في أهلها، أو لكونهم أرادوا أن يعطوها لأهلها بأنفسهم، أو لكونهم لا يعطونها
(1) السالمي معارج الآمال، ج 7 ص 647. (1/120)
صفحة 121
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
» 121 «
مطلقًا إنكارًا لها، وهو الواقع في نفس الأمر؛ إذ قالوا: لا نجعل في أموالنا شركاء وارتدوا.
وإن قلت: إن كان هذا هو الواقع منهم؛ فقتال أبي بكر إياهم إنما أراده لإنكارهم إياها ومنعها أصلا فقط، فلو أعطوها بأنفسهم لأهلها، أو أرادوا إعطاءها لم يقاتلهم؛ قلت: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سببه، ولفظه علّق فيه القتال على المنع عموما، هذا ما ظهر لي في استدلال استدلال من استدل بذلك).
فترى القطب رحمه الله يقرر جواز قتالهم متى ما منعوا أداء الزكاة إلى إمام المسلمين، بغض النظر عن أسباب منعهم؛ إذ علق أبو بكر الصديق الله الله قتالهم على المنع عينه، لا على شيء من
أسبابه، وهذا ظاهر من حيث الدلالة واللفظ، والله أعلم.
ويقول الدكتور القرضاوي في «فقه الزكاة»: « ... ولعل الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر هي أول دولة فيما يعرف التاريخ تقاتل من أجل حقوق الفقراء والمساكين والفئات الضعيفة في المجتمع، التي طالما أكلتها الطبقات القوية، ولم تجد عونا لدى
الحكام الذين كانوا يقفون دومًا في صف الأغنياء والأقوياء» (2).
(1) أطفيش امحمد بن يوسف بن عيسى (ت: 1332 هـ)، شرح كتاب النيل وشفاء العليل مكتبة الإرشاد - جدة، ط 3: 1405 هـ / 1985 م، ج 3
ص 238 - 239.
(2) القرضاوي، فقه الزكاة، ج 1 ص 106. (1/121)
صفحة 122
122
فك الأزمة وإنقاذ الامة
والعمل بمبدأ جباية الزكاة من الأغنياء يحقق الغاية من فرضية الزكاة، ويرفع الحرج عن الفقراء بأخذ حقهم من أموال الأغنياء وتسليمهم إياه، فكان لا بد من التدخل السريع والجذري من قبل الحكومات لتدارك فوهة هذا البركان قبل الغليان والانفجار، وما ذلك إلا بتطبيق مبدأ جباية الزكاة، وأخذها من الأغنياء، ووضعها في الفقراء تحت إشراف سليم وتنفيذ أمين.
فالمسلمون والأمة الإسلامية في حاجة ملحة إلى التطبيق الإلزامي للزكاة؛ حتى يتحقق النماء والبركة والطهارة والعزة للمسلمين في الأمة الإسلامية، وإنقاذها من الأزمة الاقتصادية، ولا يخفى ما للزكاة من دور فاعل في تطور الدول وقيام نهضاتها؛ إذ تمثل الزكاة موردًا أساسا من الموارد المالية في الدولة الإسلامية، وهذا يخرجها من أن تكون عبادةً مخصوصة في نطاق ضيق، ليجعلها جزءا من النظام المالي والاقتصادي في الإسلام، ورافدا من روافد خزينة الدولة إن حسن توظيفه وتثميره.
لذلك
من غلب عليه الشُّح وحبُّ الدنيا ومنع الزكاة؛ لم يُترك وشأنه، بل تؤخذ منه قهرًا بسلطان الشرع وقوة الدولة، ويزاد على ذلك بمعاقبته بأخذ نصف ماله تعزيرًا وتأديبًا لكتمه حق الله تعالى ماله، وردعًا لغيره أن يسلك سبيله.
في (1/122)
صفحة 123
» 123
«
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
وقيل: إن هذه العقوبة منسوخة، فقد كانت في ابتداء الإسلام ثم نسخت، غير أني رأيتُ الدكتور القرضاوي في كتابه «فقه الزكاة» رد قول النسخ هذا؛ لعدم وجود دليل على النسخ، ويرى أن هذه العقوبة باقية، إلا أنها مفوّضة إلى تقدير الإمام، ينفذها حيث يرى تمادي الناس في منع الزكاة، ولم يجد سبيلا لزجرهم غير هذا). ولما كانت الدولة المسلمة تقوم بتطبيق هذا المبدأ ـ جباية الزكاة - بدقة وأمانة اندفع الفقر عن الناس، وحلت الراحة والطمأنينة، ولا أدل على ذلك من استقرار الأوضاع في خلافة أبي بكر الصديق الله، وخلافة الفاروق عمر بن الخطاب له؛ إذ تم تطبيق هذا المبدأ بدقةٍ وأمانة، وعاش المجتمع الإسلامي في استقرار ورخاء، ولما كان عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز أدرك أن تطبيق هذا المبدأ هو الحل لإنقاذ المجتمع من الأثرة والطبقية، فأعاد تطبيق مبدأ جباية الزكاة وتوزيعها على مستحقيها؛ حتى لم يبق من يستحقها وفاضت الأموال في بيت مال المسلمين، وترك باب بلا قفل من كثرة المؤن والأموال التي فيه، لا يخشى عليها من لص جائع، ولا فقير محروم، فزوج بها العزاب وفاضت بركات ذلك المال، فصرفه الخليفة عمر في
شراء رقاب العبيد وعتقهم.
(1) انظر القرضاوي فقه الزكاة، ج 1 ص 102.
: (1/123)
صفحة 124
-> IYE «<-
فك الأزمة وإنقاذ الامة
بالرغم من أن خلافة عمر بن عبد العزيز كانت أقصر الخلافات عُمُرًا، إلا أنها كانت من أعظمها إنتاجا، وأزكاها ثمرًا، وأبقاها أثرًا، وأخلدها ذكرًا، فأعاد إلى الأذهان سيرة جده الفاروق الله فقد انتشر العدل، وشاع الأمن، وعم الرخاء في الدولة الإسلامية بفضل الله ثم بفضل سياسة عمر الرشيدة التي استهدفت هداية الناس وإحياء معاني الإسلام في قلوبهم، ولقد قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد بها فقيرا، ولم نجد من يأخذها مني قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس، فاشتريت بها رقابا فأعتقتهم»).
ولا شك أن ترك الحاكم الشرعي تطبيق مبدأ الجباية سيؤدي إلى تراخي الأغنياء عن إخراج زكوات أموالهم إلا من رحم الله، وقليل ما هم، وعندما لا يطبق هذا المبدأ فيكون رسميا وقانونا متحتما، ستضيع حينها الأموال، وتتضخم في أيدي الأغنياء فقط، وتكون الأموال دولة في أياديهم، وتضيع حقوق الفقراء والمساكين الذين جاء الإسلام بحفظها لهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ عَبْدِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةٌ، فَلَمْ يَحُظُهَا
(1) انظر: علي محمد جماز وآخرون، مقرر السيرة للصف الثالث الإعدادي بقطر، مراجعة: عبد المعز عبد الستار، ط 12: 1424 هـ 2003 م، ص 121. (1/124)
صفحة 125
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
125
بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ)، ويقول في الحديث الذي يليه: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاسٌ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» (2).
عثمان
وقد حدث منع جباية الزكاة في عهد الخليفة الثالث بن عفان كما هو موجود في كتب التاريخ والسير؛ إذ إن الخليفة الثالث عثمان بن عفان وإن كان اتبع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في بعض سياسة تصريف مال الدولة الإسلامية؛ إلا أنه أدخل في هذا النظام بعض التغيرات التي كانت سببًا في الثورة عليه وانتقاده، فمن الأمور التي أحدثها عثمان في النظام المالي الذي استقرت عليه دولة عمر بن الخطاب، ودان الناس به، وألفوه، ويرون العدل والإنصاف فيه؛ ما يأتي:
أنه ترك الأغنياء يؤدون الزكاة إلى الفقراء بأنفسهم، فبعدما كان الأغنياء يأتيهم الجباة ليحصوا أموالهم ويأخذوا منها زكاتها؛ أصبحوا في أيام عثمان يدفعون الزكاة بأنفسهم إن شاؤوا، وقد فعل عثمان ذلك؛ إذ خاف المشقة والحرج في تفتيش الأموال من قبل سعاة السوء، ولعل هذا العمل أدَّى إلى أن يُهمل كثيرٌ من الأغنياء أداء زكاتهم.
(1) صحيح البخاري، باب من استرعي رعية فلم ينصح، رقم الحديث (7150). (2) صحيح البخاري، باب من استرعي رعية فلم ينصح، رقم الحديث (7151). (1/125)
صفحة 126
-> 117 «<-
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
قال السرخسي في «المبسوط»: «فإن المصدق كان يأخذ منها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده لها حتى فوض عثمان الله الأداء إلى أرباب الأموال لما خاف المشقة والحرج في تفتيش الأموال عليهم من سعاة السوء؛ فكان ذلك توكيلا لصاحب المال بالأداء فنفذ توكيله ... » (1).
منه
ونحن في بلادنا الحبيبة سلطنة عُمان نعيش في مجتمع مسلم منقاد لتعاليم الشريعة انقياداً نشكر الله تعالى عليه، فالشعب يلتحم مع قيادته، ويسهم في بناء نهضة بلاده، ويمتثل قرارات ولي الأمر فيما يعود إليهم وإلى بلادهم بالنفع والصلاح، فكيف هو الحال في أمر شرعته الشريعة الغراء وفرضه الدين الإسلامي، فلعمري هم إليه أمثل، وفيه أرغب، وله أطوع.
وإذا كانت الحكومة الرشيدة قد افترضت الضريبة الشرائية على بعض المواد الاستهلاكية الحيوية بنسبة (5?)، والشعب أذعن وانقاد لهذا الأمر مع ما قد مسهم من شظف في موارد الدخل، وما كابدوه من لأواء في العيش؛ إلا أن الأمر سرى بحكمة وعقلانية، وقد تخطى الشعب العُماني آثار هذه الصدمة بما لديه من الثقة الكبيرة في قيادته الرشيدة؛ بأنها لم تفرض
(1) السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل (ت: 483 هـ)، المبسوط، (د. ط): 1414 هـ / 1996 م، ج 2 ص 169 - 170. (1/126)
صفحة 127
المبحث الثاني: مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
»
127
ذلك إلا من أجل غاية سامية قد غُمِّي هلالها عن الأنظار، ولكن لا بد من أن يصفو سماؤها، وتنجلي غمتها بعد حين لكل ناظر وسامع، وما ذلك على الله القدير بعزيز.
فإن كان الشعب العُماني المسلم الأصيل، المحب لوطنه، الوفي لقيادته؛ تقبَّل فرض الضرائب الاستهلاكية بنسبة (5?)؛ فإن فرض جباية الزكاة في مال الغني العُماني المسلم الشهم وهي بنسبة (2,5?)، لا أشك في أنه سيلاقي القبول والرضا إن صدرت به الأوامر الرسمية، وأصبح منسقا تنسيقا حكيمًا وتنفيذا أمينًا، يعود على البلد وأبنائه بالخير العميم، وينشر جناح السعادة والعدالة الاجتماعية على أفراد مجتمعنا العُماني الأصيل، وسيقف الشعب العماني الأبي موقف المؤيد لمثل هذا القرار، والجميع حكومة وشعبا - سيجدون ثماره اليانعة بإذن الله تعالى.
وإني ضمين بأن سلطنة عُمان المحروسة بعين الله ستنجح في ذلك كما نجحت في فرض ضرائب على بعض البضائع والمشتريات دون أن يكون هناك صدام بين الحكومة والشعب.
ويسر،
وتمت السيطرة على الرأي العام حتى تقبل الأمر بسهولة مع بعض الامتعاض في بادئ الأمر، فإنها أيضا ستنجح ـ بإذن الله تعالى - في تطبيق مبدأ جباية الزكاة، التي هي أقل من الضريبة الاستهلاكية بمعدل النصف ـ كما قلنا سابقا ـ، ولن يلاقي - بإذن (1/127)
صفحة 128
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
128
الله تعالى ـ تنفيذها أي معارضة؛ لأن الزكاة فريضة واجبة يخرجها الغني بنفسه بصفة دورية، والفارق الآن فقط هو أن الدولة هي من تتولى جمعها وأخذها من الأغنياء وتضعها في مصارفها
ومستحقيها.
ففي داخلي أمل كبير في نجاح هذا المشروع، ولولي الأمر رعاه الله تعالى - وأصحاب القرار في بلادنا الحرة الأبية تجربة هذا الأمر في عام واحدٍ فقط، فجباية الزكاة من أبناء سلطنة عُمان الأغنياء وأثريائها في عام واحد فقط بتخطيط سليم وتنفيذ أمين؛ يكفي لإنقاذ السلطنة من الأزمة الاقتصادية الراهنة، وينتشلها من هذه المحنة الخانقة، وسينتعش اقتصادها وشعبها، وتزدهر فيها الحياة بالعطاء والوفاء، ويسير الشعبُ الوفي خلف قيادته الرشيدة بخطى ثابتة نحو التقدم والازدهار، والحضارة والرقي، والبذل والعطاء ـ بإذن الله تعالى ـ، والله ولي التوفيق.
afs of f (1/128)
صفحة 129
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
-> 149 «
المبحث الثالث
الحلول المقترحة لتثمير موارد
الأموال المختلفة وطرق تصريفها
كما قلت في
مقدمة هذا البحث بأنه لما كان المواطن في
هذه البلد الطيبة لبنةً من لبناتِ بناء صرحها المشيد، وغصنا يافعا
أغصان من المجتمع المسلم الدور الفاعلُ في نهضة بلاده وعمارتها، والدفع بحضارتها المادية والمعنوية لتكون في مصاف الدول المعتزة بالترابط بين أفراد هرمها التكويني، وهذا الدور لا بد من أن يؤديه المواطن تجاه مجتمعه ووطنه وأمته ما دام يقيم على أرضها، ويتنعم بخيراتها، ويرفل في أمنها واستقرارها، فهذا - لعمري ـ من أوجب الواجبات التي لا تجوز خيانتها، ومما لا ينبغي التقصير فيه طرفة عين، وهذا ما تدعو إليه الحكومات الرشيدة والقيادات الحكيمة من مشاركة المواطن في بناء نهضة بلاده بالقول والقلم، والفعل لا أن يكون عالة عليها، وطفيليا
دوحتها المنيفة؛ كان لهذا المواطن الصالح في
يفتات على مواردها، وعبئًا لا يزيدها إلا ثقلاً وهما وأسى. (1/129)
صفحة 130
» 130 «
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
ولما كان المواطن الصالح جزءا لا يتجزأ، ولا ينفصل من أجزاء تكوين أسرته ومجتمعه ودولته وأمته؛ كان ألمها ألمه وشجوها، شجوه، فلم يكن ليبقى مكتوف اليد واللسان وقد أضرت به الأزمة الاقتصادية الخانقة في المقام الأول، فكان أول المتضررين، وكان لزامًا أن يسهم في تنمية بلاده وانتشالها من هذه الهوة السحيقة التي تكاد تسقط فيها إن لم تتدارك نفسها بعد. لذا رأيتُ من الواجب الشرعي والوطني المتحتم علي تجاه بلدي والأرض التي تنبتُ منها والتي أسأل الله تعالى أن يحفظها وقيادتها وشعبها بالأمن والإيمان والاستقرار والسعادة والرقي؛ أن أضع بعض المقترحات التي لعلها تسهم بشيء من الأفكار ذات أهمية؛ لتكون بداية خير لتفعيلها ودراستها من قبل أهل الاختصاص وصناع القرار.
وبلادنا سلطنة عُمان الحبيبة بلاد تمتلك المؤهلات الكثيرة للقيام بالتنمية الاقتصادية، بل التنمية الشاملة فيها، فقد حباها الله تعالى موقعا جغرافيا فريدا من نوعه كما أن فيها من موارد الدخل الوطني ما يمكن أن تتجاوز به الأزمة الاقتصادية بسهولة؛ إن كان هناك تعاون واشتراك بين الحكومة والشعب، وهذا التعاون سينتج رباحًا وافرًا لا يختلف فيه عاقلان، فإن الحضارات إنما تقوم على كواهل وعقول أبنائها. (1/130)
صفحة 131
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
ولنستمع إلى كلام سماحة الشيخ المفتي العام للسلطنة وهو
يخبرنا عن أن حضارات الدول ونهضاتها العملية والعلمية والاقتصادية إنما تبنى بعقول أبنائها وسواعدهم، فبقدر إيمان الدول بطاقات أبنائها وثقتها في قدراتهم تكون نهضتها وريادتها وحضارتها، ولنا في القصة التي يذكرها لنا سماحة المفتي عبرة
وفكرة لمن أراد أن يعتبر؛ إذ يقول - حفظه الله تعالى -:
وفي هذا العام زارني في مكتبي رئيس المكتب التجاري والثقافي لتايوان في سلطنة عُمان، وأفادني أن تايوان مساحتها (36) ألف كيلو متر مربع، وأنها عديمة الموارد، وأن سكانها (22) مليون نسمة، ومع ذلك فإن دخلها القومي (350) مليار دولار أمريكي، وصادراتها (300) مليار، ورصيدها الاحتياطي (250) بليون، فما الذي رفعهم إلى هذا المستوى إلا عنايتهم ببناء العقل البشري مع حسن الإدارة والتنظيم؟
فهل يكفينا أن نتفرج على هذه الأرقام الخيالية، وندع الساحة لغيرنا! فما أعجب أن تكون أمة الإسلام أفقر الأمم، وهي أمة وسط، حتى في موقعها الجغرافي تحتل من بقاع الأرض سرتها وكبدها، وقلبها مع تميّز أرضها بتنوع مواردها وكثرة خيراتها واكتناز جوفها بمصادر الثروة من نفط وغاز
وأنواع المعادن، وقد أنعم الله عليها بالطاقة البشرية، فهي (1/131)
صفحة 132
» 132 <
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
لا تحتاج في نهوضها إلا إلى أمرين اثنين، وهما: التخطيط السليم، والتنفيذ الأمين. فهلا عنيت بذلك مع أن دينها يفرض عليها أن تكون رائدة في التقدم العلمي والإنتاج العملي، فليس نهوضها من هذه العثرة استجابة لمطلب دنيوي فحسب، بل هو استجابة لمطلب ديني، فالمؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى من المؤمن الضعيف، وهي مع هذا كله ليست فقيرة من الطاقات العقلية والملكات العلمية لو أنها استقطبت ذوي المواهب في مجالات العمل من أبنائها، ووطأت لهم الأكناف، ويسرت لهم الوسائل وهيأت لهم مناخ العلم والعمل في بلادهم».
الله
ومن الأمور ذاتِ البال في موضوع تنمية أموال الزكاة مسألة تثمير أموال الزكاة وتنميتها؛ وذلك بوضعها في المشاريع الاقتصادية للمحافظة على استدامة تنميتها وتوسيع دائرة الانتفاع بها، غير أن هذا الأمر يكتنفه بعض العوائق بسبب أنه جديد في الساحة الشرعية، كما أن الناس لم يألفوه، فمن الطبيعي أن تتجة نحوه بعض المخاوف من الإقدام عليه وهذه العوائق تكون من هذين الجانبين، وسنقوم ببيانهما بشيء من الاختصار:
(1) الخليلي، البعد السياسي لأسباب الفقر، ص 80 - 81. (1/132)
صفحة 133
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
الجانب الشرعي:
» 133»
قد اختلف العلماء في تثمير أموال الزكاة؛ ليكثر ريعها، ويتبارك ربحها، وتتنامى وتربو وتكون هي بذاتها مصدر دخل مالي لرفد مشاريع الفقراء؛ لأنها في الأصل هي أموالهم، فريعها وثمارها كذلك تبعًا للأصل.
فمن العلماء من أجاز أخذ أموال الزكاة وتثميرها في مشاريع نفعية رابحة لمصلحة الفقراء، ثم يسلّم ريعها للفقراء، ومنهم من توقف عند حدود النص وأوجب تسليم مال الزكاة لمستحقيه،
وهم أولى باستثماره أو الانتفاع به، وهاك تفصيل القولين.
القول الأول: عدم جواز استثمار ولي الأمر أو من ينيبه لأموال
الزكاة، بل يجب صرفها مباشرة على المستحقين لها شرعًا: وهذا القول قال به الإمام النووي في كتابه «المجموع»: «لا يجوز للحاكم ولا للساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة، بل يوصلها إلى المستحقين بأعيانهم؛ لأن أهل الزكاة أهل رشد، لا ولاية عليهم.
(1) النووي، محيي الدين بن شرف (ت: 676 هـ)، المجموع شرح المهذب، تحقيق محمد المطيعي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ط: 1،
(د. ت)، ج 6 ص 96. (1/133)
صفحة 134
-
134
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
ومن أبرز من ذهب إلى هذا القول أيضا: المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي
في الهند، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة
(1)
العربية السعودية، وغيرهم.
القول الثاني: جواز استثمار أموال الزكاة من قبل ولي الأمر أو
من ينيبه:
ومن أبرز من ذهب إلى هذا القول: مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة، ودار الإفتاء المصرية وبيت التمويل الكويتي، والهيئة الشرعية لبيت الزكاة في الكويت، وغيرهم).
يقول سماحة الشيخ الخليلي في كتاب «الفتاوى»: « ... هذا؛ ولم أجد في شيء من كتب الفقه السابقة تعرضا لاستثمار أموال الزكاة قبل وضعها في مواضعها وإنما أفادت مراجع الفقه وغيرها ما ذكرته من قبل من اختلاف نظرة الفقهاء بين التوسعة
(1) انظر الحجيلان استثمار أموال الزكاة من قبل ولي الأمر أو من ينوب عنه وضوابطه، مجلة البحوث الإسلامية السعودية، العدد (111)، ص 386
(بتصرف).
(2) انظر الحجيلان، استثمار أموال الزكاة من قبل ولي الأمر أو من ينوب عنه
وضوابطه، مجلة البحوث الإسلامية السعودية، العدد (111)، ص 387 - 388
(بتصرف). (1/134)
صفحة 135
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
» 135
والتضييق في بعض المسائل؛ بناء على اختلاف نظرتهم في أحد الأصلين على الآخر، فمن راعى جانب التعبد شدد
ترجيح
في ذلك، ومن راعى جانب المصلحة كان بخلافه).
كما يشير سماحته إلى أن العلة المعتمدة في جواز استثمار أموال الزكاة هي المصلحة المعتبرة شرعًا، فيجب أن يناط الحكم بها، وأوكل هذا الأمر إلى الحاكم الأمين الذي يراعي مصلحة المحتاجين (2)، فيقول:
ذلك،
ولئن كانت المصلحة هي المحور الذي يدور عليه الفقهاء الموسعون؛ فإن قضية الاستثمار يجب أن تكون موضوعة في إطار المصلحة، فيحكم بجوازه أو منعه بناء على ثبوتها أو انتفائها، إلا أنه لا يمكن أن يترك الحبل على الغارب في فيباح لكل أحد أن يتصرف وفق ما يدعيه من المصلحة التي يراها، وإنما ولي أمر المسلمين الأمين هو بمثابة الوكيل الشرعي لهم جميعًا في رعاية مصالحهم، فإن وجد أن الزكاة قد سدت
(1) الخليلي الفتاوى، ج 1 ص 567 / أو طبعة الأجيال، ط 3: 1423 هـ / 2003 م،
ص 504.
(2) انظر: أرشوم، مصطفى بن حمو القواعد الفقهية عند الإباضية .. دراسة نظرية تحليلية تأصيلية تطبيقية، إشراف معالي عبد الله بن محمد السالمي، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عُمان، ط 1: 1434 هـ /2013 م، ج 1
ص 327. (1/135)
صفحة 136
136
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
حاجة الفقراء والمساكين، وكانت بيده فضلة منها لو تركت لاستهلكت، فلا مانع في هذه الحالة ـ حسب نظري ـ من استثمار هذه الفضلة الزائدة عن حاجة أهلها فيما يعود عليهم
بالنفع الأعم»).
عمر
ه عندما
وقد استند في حكمه إلى جانب دليل المصلحة المرسلة على بعض الآثار المروية عن عمر بن الخطاب له لما كان أميرًا للمسلمين، فاعتبر ذلك من السياسة الشرعية، وكذلك على الإجماع (3)، فقال في شأن ذلك: «وربما كان في صنيع حبس الفيء على المسلمين لينتفعوا بريعه من غير أن يقتسموا أصله ما يستأنس به لصحة هذا النظر وسلامة هذا الاتجاه، وكذلك صنيعه - رضوان الله عليه ـ عندما رأى الإسلام اشتد عوده وعظمت منته، وبسقت دوحته، ولم يكن بحاجة إلى استعطاف المؤلفة قلوبهم لاستدرار نفعهم واتقاء ضرهم، وقف عنهم سهمهم من الزكاة، وليس ذلك إلا لما أبصره من حكمة التشريع، وأدركه من أبعاد المصلحة، فإن مشروعية إشراكهم في الزكاة ما كانت إلا لاجتلاب نفعهم ودفع ضررهم، وبما أن المسلمين أصبحوا في غنى عن ذلك لما
(1) الخليلي، الفتاوى، ج 1 ص 567 ـ 568.
(2) انظر: أرشوم، القواعد الفقهية عند الإباضية، ج 1 ص 327. (1/136)
صفحة 137
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
» 137 «
آتاهم الله تعالى من قوة ووهبهم من تمكين؛ رأى ذلك الخليفة الراشد البصير أن بقية مصارف الزكاة هي أولى بالتوفير، فوقف السهم، وكان ذلك على مرأى ومسمع من سادة الأمة المهاجرين والأنصار الله، ولم يكن منهم نكير، فكان ذلك إجماعا سكوتيا» (1).
عنهم
هذا
ويضيف في سياق تأصيله لحكم استثمار أموال الزكاة قائلا: ولئن ساغ اجتهاد ولي الأمر في ذلك عندما يرى مصلحة الفقراء والمساكين متعينة في استثمار نصيبهم من الزكاة بعد سداد خلتهم وإشباع مسغبتهم؛ فإنه لأحرى أن يجوز في نصيب المصرف السابع وهو سبيل الله؛ لأنه من أصله موكول إليه، ومردود إلى نظره، وقد نص الفقهاء على أن له أن يشتري به ما يراه مصلحة للمسلمين لأجل إعلاء كلمتهم وحماية بيضتهم ... » (3).
(r),
(ad)'
وبعد أن عرض الشيخ الخليلي حيثيات المسألة صرح بالجواز وفق شروط محدّدة على أساس البعد المقصدي فقال: «وخلاصة القول: أن استثمار أموال الزكاة إنما ينبني جوازه على رأي الذين غلبوا الجانب المصلحي فيها، ولا بد ـ في
(1) الخليلي، الفتاوى، ج 1 ص 568.
(2) الخليلي، الفتاوي، ج 1 ص 568 - 569. (3) انظر أرشوم، القواعد الفقهية عند الإباضية، ج 1 ص 329. (1/137)
صفحة 138
» 138
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
نظري ـ من أن يكون القائم بذلك هو ولي أمر المسلمين؛ نظرًا لما هو الأصلح، وحرصًا على ما هو الأوفر لمستحقي الزكاة، مع استشارة لأهل النظر من خبراء وفقهاء، والله ولي التوفيق ... (1).
ولا شك أن القول بجواز تثمير أموال الزكاة قول قوي و راجح، غير أن هذا القول ليس على إطلاقه عند كثير من العلماء الذين قالوا به، بل هو مقيّد بضوابط لا بد منها لجوازه؛ وهي كما يأتي (2):
:أولا ألا توجد وجوه صرف عاجلة تقتضي القسمة العاجلة لأموال الزكاة، فلا يجوز الاستثمار إلا بعد أن يعطى المحتاج من الفقراء والمساكين ونحوهم من أصناف أهل الزكاة ما يسد حاجته العاجلة، ويخرجه من الحاجة إلى الكفاية، فإن تم ذلك جاز استثمار الفائض.
ثانيا: أن يتحقق من استثمار أموال الزكاة مصلحة حقيقية راجحة للمستحقين؛ كتأمين مورد دائم يحقق لهم الحياة الكريمة،
ويسد الحاجة.
(1) الخليلي، الفتاوى، ج 1 ص 569.
(2) انظر الحجيلان استثمار أموال الزكاة، ص 408 - 409 (بتصرف).
: (1/138)
صفحة 139
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
» 139
ثالثًا: أن تكون مجالات استثمار هذه الأموال مشروعة؛ كالتجارة والصناعة والزراعة، فلا يجوز استثمار أموال الزكاة في مجال من المجالات المحرمة في الشريعة الإسلامية؛ كالربا والمحرمات شرعا.
رابعا: اتخاذ كافة الإجراءات التي تضمن بقاء تلك الأموال على أصل حكم الزكاة، بحيث لا يُصرف ريعها إلا للمستحقين الأصناف الثمانية، وإذا احتيج إلى بيع الأصول الثابتة
للزكاة من في المستقبل لأي سبب تُردُّ أثمانها إلى مصارف الزكاة، ويتم
التوثيق الشرعي الكافي لذلك.
خامسا: أن
يتم
إسناد قرار الاستثمار والإدارة إلى ذوي
الكفاءة والخبرة والأمانة والمشهود لهم بالصلاح والتقوى والاستقامة؛ تحاشيًا للدخول في مشاريع عالية المخاطر أو غير
قابلة للتنضيض (التسييل) عند الحاجة.
سادسًا: أن يعتمد قرار الاستثمار من له ولاية عامة؛ كولي الأمر نفسه، أو مَن يُنيبه لذلك كالقاضي أو جهة حكومية معينة.
الجانب النفسي:
كما تقدمت الإشارة إليه أن مسألة تثمير أموال الزكاة بوضعها وتشغيلها في مشاريع اقتصادية من أجل تنميتها (1/139)
صفحة 140
140
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
وتوسيع رقعة الانتفاع بها أمرٌ غير مألوف لدى الناس على مختلف ثقافاتهم، ولا سيما في مجتمعاتنا العربية؛ إذ الزكاة لا تزال في نظر المواطن العربي ووعيه ضمن مفهومها التعبدي الصرف ولم تتجاوز إلى بعدها الاقتصادي؛ لذا فالمواطن يخشى من دفع أموال الزكاة إلى الجهات المثمرة لتلك الأموال اقتصاديا لما يخشاه من المخاطرة بهذه الأموال وتبوء بالفشل والخسار هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يخشى أن تفقد هذه العبادة ـ الزكاة - بعدها التعبدي إن أصبحت تدار على أنها مشاريع استثمارية.
ومع القول برجحان الرأي المجيز لتثمير أموال الزكاة من قبل ولي الأمر أو من ينوب عنه من الجهات الحكومية أو الخيرية؛ إلا أن ذلك ليس على الإطلاق بحيث يذهب بكل أموال الزكاة ولا يتحقق بها الجانب الاجتماعي، وهو المقصد الشرعي الأول من فرضية الزكاة؛ لذلك كان الرأي الأعدل هو جواز تثمير جزء من أموال الزكاة بعد صرف الحاجات الفورية للمستحقين على أن يتم تثمير الجزء الخاص بالتثمير في المجالات الاقتصادية المشروعة والتي يغلب عليها الربح بنسبة مئوية عالية، وأن يستعان في إدارتها بالكفاءات من أهل الخبرة الاقتصادية والشرعية لتحقيق تنمية اقتصادية لهذه الأموال (1/140)
صفحة 141
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
» 141 «
وتوسيع مجالات الانتفاع بها فيما لا يخرج عما أوضحته
الشريعة الغراء، والله أعلم.
المقترحات:
حاولت جاهدًا أن أضع بعض المقترحات التي منها ما وجدته في بعض الدراسات السابقة التي اطلعت عليها، ومنها ما انقدح في ذهني ومنها ما يمكن أن نستنبطه من رغبات العقلاء من المواطنين ومثقفيهم وأمنياتهم، وهذه المقترحات محل دراسة قابلة للأخذ بها أو الاستفادة من بعضها وتطويره وتعديله، أو تركها، فالأمر في ذلك لأصحاب القرار، ولا أزعم أني أتيتُ بجديد ولكنه جُهدُ مُقِلّ وجَهدُ مُقَل، وقسمتُ هذه المقترحات إلى ثلاثة أقسام قسم يخص ما تقوم به الدولة، وقسم يخص ما يقوم به الأغنياء، وقسم يخص ما يقوم به الفقراء، ونسأل الله تعالى العون والرشاد، وهذه المقترحات كالآتي:
القسم الأول: ما يخص الدولة المسلمة:
1 - الأخذ بنظام الإسلام في التكافل الاجتماعي، وتدخل في ذلك جباية الزكاة من أموال الأغنياء، ووضعها في الأصناف المستحقة لها حسب نظامها الشرعي مع مراعاة أن بواسطة هيئات شرعية أمينة مخلصة.
يتم
ذلك (1/141)
صفحة 142
-> 1 EY «<--
فك الأزمة وإنقاذ الامة
2 - تطبيق مبدأ جباية الزكاة من الأغنياء بصفة دورية سنويا بآليات رسمية، وذلك بعد حصر الأغنياء أو من بلغوا منهم مرتبة الثراء، وذلك من خلال الاستعانة بمصادر الدولة للحصول على
هذه التفاصيل.
- إنشاء جهاز فني مسؤول عن جباية الزكاة وإنفاقها بطريقة شرعية ورسمية سليمة، تتوفر في هذا الجهاز الخبرات المختلفة من الخبراء والاقتصاديين والشرعيين، وتوضع القوانين والضوابط لتنفيذ عمله ومهامه، ووضع خطة عامة لتشغيله.
4 ـ إنشاء مركز عام للزكاة يجمع الخبراء والفقهاء لمناقشة موارد الزكاة والأموال وطرق تصريفها، ويكون ضمن برامج وطنية واضحة للقضاء على الفقر وإنعاش الاقتصاد الوطني، وهذا بدوره يظهر أهمية العمل المؤسسي الشعبي في الدولة.
ه - إنشاء عدة صناديق حكومية مختلفة؛ كصندوق لجباية الزكاة، وصندوق ترد فيه الأموال التي يخرجها الأغنياء من أموالهم سوى الزكاة الشرعية؛ وذلك حسب ما قررنا من وجود حق واجب في المال سوى الزكاة، فلا بد من وجود صندوق لاستقبال أموال الأغنياء الذين يريدون إسقاط هذا الحق من أموالهم طاعة الله ورسوله. (1/142)
صفحة 143
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
»»
143
6 ـ إنشاء صندوق حكومي ثالث يُعنى بالقرض الحسن لمن يحتاج من أفراد الشعب المال إلى إقامة مشاريع خاصة أو عامة،
ويتم دعم
هذا الصندوق من الصندوق الثاني الذي تجمع
الأموال المخرجة من الأغنياء سوى الزكاة الفريضة.
7
فيه
- تخضع هذه المراكز المنشئة والصناديق الثلاثة - صندوق جباية الزكاة، وصندوق الحق الواجب في المال سوى الزكاة، وصندوق القرض الحسن - ضمن استراتيجية شاملة، مما يضفي لها صفة الرسمية الموثوقة.
- تثمير أموال الزكاة أو جزء منها ـ خاصة الأموال التي ترد عن طريق الجباية ـ، بحيث تثمر في المشاريع الناجحة التي تدر الدخل الوفير وتنمي أموال الزكاة على القول بجواز تثمير أموال الزكاة لصالح الفقراء وباقي الأصناف الأخرى.
9 - إنشاء صناديق للوقف الخيري أو العيني تكون تحت غطاء رسمي من قبل الحكومة، ويتم توظيفه من قبل ثقاة من المؤهلين لخدمة تحقيق الهدف من إنشاء وتنظيم ونشر مثل هذه الصناديق الوقفية، وكما نعلم ما للوقف من إقبال كبير من المؤمنين على هذه الأرض الطيبة، ويتم إطلاق حملات توعوية وإعلامية لمثل هذه الصناديق وتحديد مهامها و مواردها
ومصارفها، ليكون الواقف فيها على بينة من أمره وثقة. (1/143)
صفحة 144
» 144»
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
10 ـ يتم حصر الفئة المستهدفة لاستحقاق الزكاة - وهم
-
ـ
الفقراء والمساكين وباقي الأصناف ـ من قبل المراكز الحكومية التي تنشئها الدولة لجباية الزكاة وتصريفها، بالتعاون مع لجان الزكاة بالولايات التي تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الموقرة، والتي لها الدور الفاعل في دراسة حالات المجتمع وفرزها على أن تقوم هذه المراكز.
تلك القوائم بوضع قواعد بيانات لحصر ومتابعة
بالتعامل مع هؤلاء الأصناف.
11 ـ لا يخفى ما تقوم به لجان الزكاة التي تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، والتي تقوم بواجبها الشرعي خير قيام من استقبال أموال الزكاة من المواطنين المزكين وصرفها إلى المستحقين لها، وبسبب الثقة الكبيرة لدى المواطنين تجاه هذه اللجان الفاعلة ارتفعت معدلات مبالغ الزكاة خلال الخمس سنوات الأخيرة ولله الحمد؛ إذ بلغت أموال الزكاة لعام 2015 م والذي تم صرفه (801590) ريالا عمانيا، بينما بلغت أموال الزكاة بعد مرور خمس سنوات أي في عام 2020 م والذي تم صرفه (5806020,845) ريالا عمانيا، حسب ما أفاد به تقرير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في دليلها «فلسفة إدارة الزكاة في عُمان»، جدول ص 13. (1/144)
صفحة 145
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
»
120 «
12 - أفادت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في تقريرها السنوي بعنوان «فلسفة إدارة الزكاة في عُمان»: بأن الرصيد الحالي للزكاة (643) ستمائة وثلاثة وأربعون ريالا عمانيا؛ بناء على الإيرادات المناسبة لدوران الحول لدى المزكين، ويجري صرفها في الربع الأخير من هذا العام.
13 ـ الوزارات المقترحة للقيام بهذا المشروع الرائد: وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ووزارة التنمية الاجتماعية، ووزارة الداخلية؛ لما لهذه الوزارات من اطلاع على أحوال أفراد المجتمع وبنيته الداخلية، ولا سيّما وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التي تمتلك زمام الأمور في هذا الجانب لكونها المسؤولة ضمن اختصاصاتها المنوطة بها في تنظيم شؤون الزكاة والأوقاف
وبيت المال.
14 ـ تثمير أوقاف كل بلد وكلّ ولاية على حدة، بحيث تثمر الأوقاف بعد تنميتها وسداد ما أوقفت له، ويتولى تحقيق ذلك لجان من نفس المنطقة أو القرية التي فيها الأوقاف، فأوقاف كل
بلد فيها.
15 ـ استغلال المواقع الجغرافية الاستراتيجية في البلاد من أجل ترويج السياحة، على أن يتم فرض رسوم رمزية على دخول تلك الأماكن السياحية أو الانتفاع بها من قبل أبناء البلد أو (1/145)
صفحة 146
146
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
الأجانب، والاستعانة بالخبراء في هذا المجال، والكل سيسهم في دفع تلك الرسوم الرمزية جدا، لما لها من أهمية في ترسيخ واجب شكر النعمة والخدمات المقدمة.
16 - المحافظة على المال العُماني داخل سلطنة عُمان، ومنع استثماره خارج البلاد مما يسبب إنعاش اقتصاديات تلك البلدان، وذلك بفتح باب الاكتتاب للمواطنين والأغنياء حسب مختلف فئاتهم ومستوياتهم المالية لتثمير أموالهم بالأسهم في الشركات الكبيرة، ما من شأنه أن يحفظ أموالهم وتنميتها وتثميرها في سوق بلادهم بدلاً من إخراجها خارج البلاد للادخار أو التثمير.
17 ـ فتح باب الاكتتاب في أسهم الشركات الكبيرة كشركة توليد الطاقة الكهربائية أو شركة موارد المياه ـ لجميع أفراد الشعب ويمنع احتكار الأثرياء فحسب لملكية هذه الشركات وأرباحها، كما يتيح فرص عمل للأيدي العاملة
العمانية.
القسم الثاني: ما يخص أغنياء المسلمين:
1 ـ التعاون مع الجهات المعنية في جباية زكاة ماله بكلّ أريحية وثقة، فما عليه إلا تمهيد الطريق لحساب أمواله (1/146)
صفحة 147
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
» 147 «
وتسهيل عملية احتساب الزكاة منها وجبايتها، وسيبارك الله في ماله.
2 ـ لا يغفل الغني عن أن يخرج من ماله ما يمكن أن يخرجه؛ نظرًا لما ترجح في هذا البحث من وجود حق واجب في المال سوى الزكاة، ووضع هذه الأموال في الأماكن المخصصة لها، أو في مستحقيها من الناس إن لم توجد صناديق رسمية لجمع هذه النفقات المالية.
- تثمير أموال الغني في مشاريع وشركات بلاده وعدم إخراجها خارج البلد؛ مما يسهم في الحركة التنموية في البلاد من خلال تثمير الأموال وتداولها في سوق البلد، فينتعش
اقتصادها وتدب فيه الروح من جديد.
4 - الإسهام في الاكتتاب في الشركات الكبرى لتثمير الأموال، ومنع المستثمرين الأجانب من الاستحواذ على ملكية
وإدارة هذه الشركات الكبرى في البلاد.
ة - الإسهام في تنمية المشاريع الصغيرة التي تخدم بعض الفقراء وذوي الدخل المحدود المقبلين على الأعمال الحرة
ودعمهم مقابل نسبة مئوية من الأرباح، وهذا
يتيح
الفرصة
لتثمير المال للغني وفرصة لكسب المال للفقير، وإتاحة فرص (1/147)
صفحة 148
-> IEA — 148
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
عمل للعمانيين من الشباب الطموح وأصحاب الحرف
والمهارات.
القسم الثالث: ما يخص فقراء المسلمين:
1 - إيجاد الطرق المفيدة للاسترشاد في استهلاك الدخل
الشهري أو مصدر الدخل.
2 - البحث عن طرق وآليات جديدة ومفيدة لينتشل نفسه من مستنقع الفقر، ولا يبقى هكذا عالة ينتظر أموال الزكوات تأتي
إليه من يد المزكين والمتصدقين.
- حضور الدورات التثقيفية التي تعنى بتعليم كيفية الاسترشاد في استهلاك الراتب الشهري، أو كيفية تثميره، على أني أشجع على قيام المختصين وأصحاب المؤهلات في هذا المجال بهذه الدورات.
4 ـ إعادة النظر في أسباب الفقر وانحدار المستوى المعيشي عن المستوى المقبول، ومعالجتها بإقامة الدورات التوعوية في هذا الجانب من قبل المتخصصين في الجانب المالي والرعاية الأسرية، ومن أهمها:
سوء التصرُّف المالي من حيث الإنفاق على الأسرة. (1/148)
صفحة 149
»» 149
المبحث الثالث: الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة
إثقال كاهل الدخل الشهري بشراء الكماليات التي يمكن
الاستغناء عنها.
إضافي.
الاعتماد الكلي على الدخل الشهري وعدم إيجاد دخل
رفع سقف ومستوى المصروفات الشهرية إلى مستوى أعلى
من الدخل الشهري.
*** (1/149)
صفحة 150
[صفحة فارغة] (1/150)
صفحة 151
الخاتمة
» 101 «-
الخاتمة
في ختام هذه الجولة العلمية الإيمانية، والتأملات القرآنية في آيات الكتاب العزيز، والتطواف على مكنونات خزائنه، والنظر في دلالات آياته بغية الاهتداء إلى حلول ربَّانية للأزمة الاقتصادية، فإننا نحمد الله تعالى ونشكره على ما تفضل به علينا وأنعم؛ إذ كان من سوانح هذه الجولة ما امتن به تعالى علينا من الفضل العميم، وما أكرمنا به من الخلوص إلى نتائج نرجو برها وذخرها عنده، ونرجو نفعها للعباد والبلاد، فكان هذه النتائج الآتية:
النتيجة الأولى: إثبات وجود حقٌّ مالي واجب في مال الغني سوى الزكاة، وهو حق غير محددِ المقدار ولا الميقات، وإنما تحدده حاجة الفقير ومقدرة الغني، وتم إثبات هذا الحق المالي من خلال النصوص القرآنية الكثيرة الخاصة والعامة، والأحاديث النبوية الصحيحة الثابتة وبيان أقوال العلماء القائلين به من السلف والخلف (1/151)
صفحة 152
152
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
النتيجة الثانية: أهمية تطبيق مبدأ أو نظام جباية الزكاة؛ وبيان الأدلة الدالة عليه من النصوص القرآنية الشريفة والأحاديث النبوية الصحيحة، وبيان أهميته في تحقيق الركن المالي في الإسلام بطريقة منظمة رسمية، وأهميته في رفد المجتمع الإسلامي بالمال؛ لتحقيق مصالحه العامة في تحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم، وحقية الجميع في الحصول على الكفاية في المعيشة، وبيان مشروعية جباية الزكاة لولي الأمر أو من يقيمه مقامه في
ذلك.
النتيجة الثالثة: الخلوص إلى مقترحات اقتصادية كحلول معينة في التخلص من الأزمة الاقتصادية الخانقة؛ وتم تقسيم هذه المقترحات إلى ثلاثة أنواع حسب الجهة المعنية بها، والجهات (الدولة أو الحكومة - الأغنياء وأصحاب الأموال ـ الفقراء
هي:
والمحتاجون)، فمن الحلول ما تحتاج إلى دراسة متخصص اقتصاديا وإعادة النظر في إمكانيته، وإنما أتيتُ بها من أجل فتح الباب لمن ينبري لمواصلة المشوار وهذا المضمار، فالخير في هذه الأمة ما بقيت الحياة.
هذا وقد تم بدر كمال هذا البحث المتواضع في هذه الليلة المباركة المنيرة من ليالي العشر الأواخر (ليلة 29 من (1/152)
صفحة 153
الخاتمة
153
رمضان لعام 1442 هـ)، سائلا المولى ل أن يكتب الخير والنفع والفائدة لمن يقرؤه أو يسمعُهُ أو ينشره أو يخدمه أو يدلُّ عليه، وأن يستجيب سبحانه دعاء من يدعو لكاتبه بظهر
الغيب.
كما أردتُ وكما أملتُ
قلبًا وسمعا وبصر
والحمد لله على ما يسرا عليَّ من إتمامه محرّرا لك الحمد على ما نلتُ ربي أبرزتني لعالم الوجودِ من عدم ما كنتُ بالموجود ربيتني طفلا صغيرًا في البشر وهبتني أخرجتني من ضعف لأضعف لا أستطيع دفع مؤذ متلف عزرتني منك بأصناف القوى لكي أعاصي مَن هوى ومن غوى غذوتني ربي باصناف النعم عن شكرها يعجز طوقي الأعم قويت من ضعف وقد آويت من يتم حمدًا لما أوليت من جوع كسوت من عرى أغنيت من فقر وكنتُ أفقرا هديت من ضلالة أهديت علما وفهما نعم ما أسديت الحمد لله على ما أنعما حمدًا كثيرًا كاملا متمما ثم الصلاة والسلام الباقي على الرسول الكامل الأخلاق محمد وآله الكرام وصحبه وصالح الأنام ما بريت بوادر الأقلام ورويت نوادر الكلام وشنفت مسامع الآذانِ وغشيت رصائع البيان
أطعمت (1/153)
صفحة 154
-> 102 <<
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
أو رسمت في صحفها آيات أو رمست في ضرحها أمواتُ أو سودت صحائف الآثار أو كُورَ الليل على النهار) وأسأله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا، ويستر عيوبنا، ويحقق
رجاءنا، ويبلغنا منه، آمالنا، ويلهمنا رشدنا، وييسر أمورنا، ويأخذ بأيدينا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يدفع عنا المحن والفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا من عباده المتقين، وأوليائه الصالحين، وأن يورثنا جنة النعيم، مع النبيين والصديقين، وآخر دعوانا أن
الحمد لله رب العالمين.
(1) أبيات من خاتمة سلك الدرر.
off of off (1/154)
صفحة 155
الفهرس
المقدمة.
» 100 «
الفهرس
..
المبحث الأول:
تدبر آية البر الكريمة، والوقوف على أبعادها الدلالية
290
مسألة فقهية: هل يوجد حق واجب في المال سوى الزكاة ...........
الأدلة على قوة هذا القول - وهو وجود حق واجب
في المال سوى الزكاة.
تأملات في آيات الإنفاق الواردة في سورة التوبة.
01.
V ..........
همسة
في أذن الغني.
قصتان مؤثرتان ..
المبحث الثاني:
مبدأ جباية الزكاة الشرعية وأهميته وفوائد تصريفها
عقوبة تارك الزكاة.
80
90
93
9600 (1/155)
صفحة 156
فك الأزمة وإنقاذ الأمة
970
100
108
107 -
عقوبة مانع الزكاة الأخروية.
العقوبة الدنيوية لمانع الزكاة
مبدأ جباية الزكاة.
المبحث الثالث:
الحلول المقترحة لتثمير موارد الأموال المختلفة وطرق تصريفها ... 129
الجانب الشرعي.
الجانب النفسي.
المقترحات ...
الخاتمة.
الفهرس.
1410
101
ffs off of (1/156)