صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: تفسير - علوم القرآن
------------------------------------------
العنوان: معالم ورؤى [الشيخ اطفيش ومنهجه في التفسير]
المؤلف: يوسف بن إبراهيم بن سعيد السرحني
الناشر: مكتبة خزائن الآثار
مكان النشر: بركاء - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1438ه/ 2017م
الطبعة: 1
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=6323&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/846
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 05 رمضان 1446ه/ 05 - شهر 03 - 2025م. بصيرة
معالم ورؤى
تأليف
الدكتور يوسف بن إبراهيم بن سعيد السرحني (1/1)
صفحة 2
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
1438 هـ / 2017 م
نشر وتوزيع
مكتبة خزائن الآثار
سلطنة عمان ـ بركاء
نقال: 009898177789
0096895510025
الراعي الإعلامي:
موقع بصيرة الإلكتروني
موسوعة إلكترونية في العلوم الإسلامية
السماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان
للتواصل: info@baseera.net
www.baseera.net
- (1/2)
صفحة 3
محالمُوَرَوَى
تأليف
الدكتور يوسف بن ابراهيم بوك عيد المسير جيني (1/3)
صفحة 4
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين أما بعد: فيقول الله تعالى وهو أصدق القائلين: {إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].
أصل هذا الكتاب أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الزيتونة بتونس الخضراء بعنوان: «الشيخ أطفيش ومنهجه في التفسير» وقد نوقشت وأوصي بإجازتها بتقدير امتياز» يوم الأربعاء 7 ربيع الآخر 1425 هـ / 25 مايو 2004 م. (1/4)
صفحة 5
ديباجة الأطروحة (1)
والله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد الرسول الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم
تسليمًا كثيرًا.
زملائي أعضاء اللجنة. أصدقائي الحضور طلابي ذكورا وإناثًا. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته:
إنه لما أحيل الإشراف إلى على هذا الطالب من طرف الجامعة، أعجبت بعنوان الرسالة، وأعجبت بالشخص العالم الذي هو من علماء التفسير، وهو الشيخ أطفيش رحم الله، والذي شد انتباهي لهذا الموضوع محوران؛ المحور الأول: أن هذا عالم بالتفسير وأحب البحث في التفسير؛ لكوني مختصا في هذه المادة، فأريد أن أثري معلوماتي وأوسع ملكاتي بما كتبه علماء ما زالت علومهم خطية.
والمحور الثاني: أن الطالب الذي أحيل لي له ارتباط عقدي بهذا العالم، حيث إن الطالب إباضي والمفسر إباضي وأنا عروقي إباضية باعتباري من
(1) يشرفني وبإشارة من أحد الإخوة الصالحين المحبين أن أجعل الكلمة التي ارتجلها أستاذي المشرف الأستاذ الدكتور صالح بن أحمد داسي بداية جلسة المناقشة التي استمرت أربع ساعات وسبع دقائق متواصلة ديباجة لأطروحتي؛ وفاءً له، وتقديرًا، ولا أملك أن أقول أمام ما جاء فيها إلا ما قاله سيدنا أبو بكر الله فيما يروى عنه: «اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرًا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون». (1/5)
صفحة 6
6
معالم ورؤى
من
نفطة حول
سكان نفطة، وأنتم تعرفون الأطروحة) التي أعدها أحد العلماء الإباضية بالجريد بتونس وهو زميل لنا بهذه الجامعة ومتخرج فيها. فالإنسان مهما تقدم ومهما تطور لا يستطيع أن يتنكر للدماء التي تجري في عروقه؛ لأن تلك الدماء التي تجري في عروقه تحمل حضارة سابقة لوجوده.
أتساءل
لذلك قلت هذا
من
لذلك فرحت كثيرًا بمتابعة هذه الرسالة وبتذوق هذه الرسالة، وبتطوير العلوم والمسائل المتعلقة بهذه الرسالة، فكانت بيني وبين الطالب علاقة ود بيني وبين نفسي ما أبعاد هذه العلاقة؟ وإلى الآن أستغرب وأنا في حيرة بيني وبين نفسي ما الذي يشدني إلى هذا الطالب كأني أنظر إلى واحد من أجدادي، وإلى واحد ممن عايشوا بلدتي من قديم الزمان، حاول هذا الطالب إحياءه وحاول هذا الطالب الكلام عنه، فكنت أشعر في مراسلاته اللطيفة وفي كتاباته المتعلقة بهذه الرسالة بانجذاب نحو هذه الرسالة. لا أقول بشوق؛ لأن الانجذاب أقوى من الشوق ولا أقول بتوق لأني أعاني الحيرة؛ الاختيارات الإلهية التي لا نقاش فيها ولا جدال، فالله اختار هذا الطالب لكي أشرف عليه واختارني أنا أيضا لكي أتنعم بنعمة الإشراف على هذه الرسالة. ليس من باب رمي الورود أبدا، وإنما من باب التعبير عن المشاعر؛ لأن الإنسان حواس وعقل ووجدان ولا يمكننا أن نعيش بالحواس أو أن نعيش بالعقل وحده، بل لا بد أيضًا من وجود بلسم يربط التعايش بين الحس والعقل، وهذا البلسم العميق فينا والدفين فينا الذي له نكهته وأبعاده، هو الوجدان. إنها المواجيد والأذواق، خاصة وقد لمست لدى الطالب الجدية وذكرني بكتاب «السد» لمحمود المسعدي الذي كرّس فيه معاناة الإنسان الصخرة التي يحملها من السفح إلى رأس الجبل، وإرادة الإنسان ليحقق آليته في الوجود.
(1) قصده أطروحة: الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، إعداد: د. صالح باجية.
مع (1/6)
صفحة 7
ديباجة الأطروحة
Y
الطالب كان مع هذا الجهبذ من العلماء، مع هذا العملاق من المفسرين من الإباضية كان يعاني حمل صخرة من سفح الجبل إلى قمة الجبل، كانت لديه معاناة تظهر في كتابته وتظهر في تساؤلاته، وتظهر في مكالماته لي عن طريق الهاتف، وتظهر في حيرته الجدية، وتظهر في جديته المسؤولة، وتظهر أيضا في لطفه ودماثة أخلاقه التي هي من خصائص العلماء، ومن خصائص الباحثين الموضوعيين.
الطالب يعاني من مشكلة، وعبر عنها في تقديمه بأنه سيعد رسالة أخرى (1) حول هذا التفسير المتميز بحول الله تعالى.
نشعر بأن الطالب عندما كان يقدم أنه يقدم وهو خائف وجل، ولكنه مستعذب لهذا الخوف ولهذا الوجل. أنا أعبر عنه بالألم الحلو. لا أقول الألم المر، وإنما الألم الحلو.
الطالب عندما يعمل بجدية ويعرف مهمة رسالته لا لأخذ الشهادة فقط، وإنما لإماطة اللثام عن شخصية علمية غمرت ولم تأخذ حقها، خاصة إذا علمنا أن هذه الشخصية لها محطات متعددة ولها محطات متنوعة، ولها أذواق معرفية كثيرة جدا، ولها مشارب نحب أن نقف عليها بين الحين والآخر. أيضا هذا الطالب كان يراجعني بين الحين والحين حول المنهجية. لماذا؟ لأن الطالب لم تكن لديه منهجية إسقاطية كما يضعها بعض الطلبة، وإنما منهجيته دوما متجددة تبعًا لمطالعته وتبعا لما يقف عليه من مخطوطات، فالطالب إذا كان يدرس دراسة موضوعية علمية مجردة، ليس فيها تأويل، وليس فيها تطويع لأفكار على حساب أفكار وإنما فيها استجابة للمعطيات العلمية التي عثر عليها في بطون المخطوطات، وهذا هو المطلوب من الطلاب الباحثين أن لا يطوعوا النصوص، وإنما النصوص هي التي توسع مداركهم وتوسع معارفهم
(1) تختص بتتبع الإسرائيليات. (1/7)
صفحة 8
معالم ورؤى
مكالماته،
وتوسع آفاقهم، ولقد لاحظت كثيرًا من الطالب من مراسلاته ومن ومن مهاتفاته لي حيرته، لكن ليس حيرة العابث، وإنما حيرة المسؤول، حيرة الذي يقف على معلومات جديدة؛ يتساءل أين يوظف هذه المعلومات؟ وفي أي باب يضع هذه المعلومات؟ وفي أي فصل يضع هذه المعلومة؟ وكيف يعالج هذه المعلومة؟ وكيف يعاشرها معاشرة العالم النزيه؟ وكيف لا يغمطها
حقها؟ وكيف لا يعطيها انجذابًا فوق رؤاها وفوق إكسيرها وفوق جاذبيتها؟ الاعتبار الآخر أن الطالب جعلني أنشرح لا أنبسط. وإنما أنشرح لوجود عالم مثله لديه هذه القدرات في بلد عربي يحلو لنا الكلام عنه، ويحلو لنا الانتساب إليه، ويحلو لنا التعايش معه.
فالطالب بعمله هذا كأنه أضاء نورًا في تلك البلدة التي ينتسب إليها، وفي البلدة التي ينتسب إليها الشيخ أطفيش، يقول لنا نحن هنا معكم، نحن في هذه الديار نضيء هذه الديار بأفكارنا، وبمؤلفاتنا المتنوعة، وبفهومنا لآيات الذكر الحكيم، فنحن لسنا ضدكم، وإنما نحن معكم نعانقكم باليد والصدر وبالوجدان. إن طالبا يحيى تراثًا، ويصحح مفاهيم، ويضيف رؤى، لجدير بالتقدير والتكريم، ولجدير بالتبجيل والاحترام؛ نحترمه لا لذاته، وإنما نحترمه لعلمه؛ لأنه بهذا العمل أصبح من الذين قال فيهم الله: لا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَةٍ} [المجادلة: 11] فإذا ما أضفنا لهذا الطالب تواضعه المتأصل، ودماثة أخلاقه، وحياءه الواضح المستمر لا المتصنع اطمأننا على العلم الإسلامي في تلك الديار، وفي هذه الديار أيضا باعتبار هذا الطالب أصبح ابنا لجامعة الزيتونة العريقة، أصبح يعيش في أحشائها لأنه تخرج فيها، وإليها ينتسب فنعتز بطلاب من هذا النوع لهم لذة الانتساب، ولهم حرارة الانتماء. لا أطيل على زملائي ولا أغمطهم حقهم. أسمح لهم بإبداء ملاحظاتهم ومعذرة إن أوجزت.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته (1/8)
صفحة 9
كلمة شكر وتقدير
إن الاعتراف بالفضل لذويه سنة حميدة وخلق رفيع؛ خصوصا إذا تعلق الأمر بالاعتراف للأساتذة الذين يقودون طلاب البحث العلمي الجامعي بكل ما أوتوا من علم وخبرة، وكفاءة وقدرة على توجيه المناهج وتجديدها؛ لخدمة مقدمة التراث الديني والثقافي العام، ويأتي في من كان ـ - وسيبقى ـ له الفضل في توجيهي، والصبر على تساؤلاتي أستاذي الدكتور العلّامة صالح بن أحمد داسي ـ حفظه ورعاه ـ الله الذي تفضل بقبول الإشراف على أطروحتي، وقاد خطاي في هذه الدراسة، فقد فتح لي قلبه وعقله كلما زرته أو هاتفته، فلا يتبرم ولا يتذمر، ولا يقلق على الرغم من ظروفه الصحية، وكثرة أعماله اليومية، وواجباته العلمية، ومسؤولياته العملية، فإلى شخصه الكريم أرفع آيات الشكر والتقدير، وأزف أصدق معاني الحب والإجلال، راجيا من الله تعالى له دوام الصحة وتمام العافية وطول العمر، وأدعو الله تعالى أن يحفظ جامعة الزيتونة العريقة؛ لتظل منارة علم ومعرفة ولتبقى مركز إشعاع إسلامي حضاري عالمي متألق، وأن يوفق لالالالالاله القائمين عليها لما فيه الخير والسداد. وفي الختام أتقدم بالشكر الجزيل وبالامتنان العظيم، إلى الأفاضل الأساتذة الأجلاء أعضاء لجنة المناقشة، وإلى كل يد بيضاء من عُمان وتونس وغيرهما امتدت لتساعدني من قريب أو من بعيد بطريقة أو بأخرى؛ لإنجاز هذا العمل وإتمامه، داعيًا الله تعالى أن يحفظ الجميع من كل سوء ومكروه، وأن أوفى الجزاء في الدنيا والآخرة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
يجزيهم (1/9)
صفحة 10
[صفحة فارغة] (1/10)
صفحة 11
11
المقدمة (1)
|
يتبوأ القرآن الكريم مكان الصدارة في حياة الأمة الإسلامية منذ نزوله؛ إذ نال حظا وافرًا من العناية لم ينلها أي كتاب سماوي آخر، ولا غرو في ذلك ولا عجب، فالقرآن الكريم هو معجزة الإسلام الكبرى الخالدة، والمرجع الأساسي للأحكام، والفيصل حين الاختلاف، وهو مناط الصلاح والسعادة في
الدارين.
وإذا كانت العلوم والمعارف - مع تعددها وتنوعها ـ ذات قدر جليل وشأن عظيم، فإن علم التفسير أعظمها قدرًا، وأعلاها شأنا، وأجلها نفعا، وأخصبها مادة؛ لذلك عُني علماء الإسلام بتفسير كتاب الله تعالى على مر العصور، فتعددت طرق التفسير وتنوعت أساليب المفسرين بحسب ثقافتهم، مما نتج عنه ظهور مناهج التفسير المختلفة وتطورها؛ حتى أصبح لكل مفسر سمة يتفرد بها في تفسيره، ورؤية تميزه عن غيره من المفسرين وأمام هذا التراكم الهائل من نتاج المفسرين والتنوع البيّن في مناهجهم، كان عليّ أن أختار موضوعًا لأطروحتي يتحصن بالضوابط العلمية، ويلتزم بالشروط الأكاديمية؛ لأخرج من حيرة اختيار الموضوع، فوقع اختياري - بتوفيق من الله تعالى ـ على الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، ومنهجه في التفسير، وحصرت العنوان في هذه الصيغة التي اعتقدت أنها الأكثر دلالة على فصول الأطروحة، ومباحثها وهي:
(1) أوصت لجنة المناقشة أن تعلق المقدمة في المكتبة المركزية بجامعة الزيتونة للاستفادة منها. (1/11)
صفحة 12
12
معالم ورؤى
»
الشيخ أطفيّش ومنهجه في التفسير 1236 - 1332 هـ / 1820 - 1914 م»
يُعد الشيخ أطفيش لالالالالالالا أبرز علماء الإباضية في التفسير؛ إذ ترك ثلاثة تفاسير هي: «هميان الزاد إلى دار المعاد» و «داعي العمل ليوم الأمل» و «تيسير
(1)
التفسير»).
لقد اعتمدت في دراستي هذه تفسير هميان الزاد» باعتباره الأصل لباقي تفاسير الشيخ أطفيش، ولأنه لم يحظ بدراسة علمية شاملة (2) وكنت استأنس بتفسير تيسير التفسير لمزيد من الدعم والإحاطة حسب ما يقتضيه السياق، بينما اكتفيت بالتعريف بتفسير داعي العمل ليوم الأمل» لأنه مازال مخطوطا، وهو غير كامل.
أهمية اختيار الموضوع
تتمثل أهمية اختيار هذا الموضوع في أن الشيخ أطفيش يعتبر من أهم أعلام الإباضية، وأبرز من يمثلهم علميًا في العصر الحديث؛ إذ يعد نشاطه العلمي بعثًا جديدًا للمدرسة الإباضية في القرن الرابع عشر الهجري، وبالرغم من نشاطه العلمي المتميز، ودوره في الإصلاح، إلا أنه ما زال مجهولا لدى الكثير من الدارسين والباحثين.
يعتبر الشيخ أطفيش من أحسن من ألف في في التفسير التفسير من علماء الإباضية إلى الآن، ويعد تفسيره هميان الزاد إلى دار المعاد مرجعا تفسيريًا مهما
(1) سيأتي التعريف بها تحت مبحث مؤلفات الشيخ أطفيش في التفسير ومصادره فيها. (2) توجد رسالة ماجستير واحدة فقط في منهج هذا التفسير للباحث سليمان الشعيلي إلا أنها مقتضبة ولا تجيب على الكثير من إشكاليات الدراسة بخلاف أطروحتي، استخدم فيها الباحث المنهج الوصفي مركزا على وصف مصادر الشيخ أطفيش في تفسيره ومنهجه في علوم اللغة، والحق يقال: إنها قدمت إضاءات استفدت منها. (1/12)
صفحة 13
المقدمة
13
للمدرسة الإباضية؛ إذ يبرز وجهة نظرة الإباضية في تفسير كلام الله تعالى، إضافة إلى ذلك، فإن هذا التفسير يعتبر دائرة معارف لأشهر المفسرين السابقين، ومن هنا تظهر أهميته وتبرز مكانته بين كتب التفاسير في العالم
الإسلامي.
إشكاليات الدراسة
تسعى هذه الدراسة للإجابة على العديد من التساؤلات التي شغلت بال الكثير من الدارسين والباحثين منها: هل الإباضية يفسرون القرآن الكريم بحسب الهوى؟ وهل يعد تفسير الشيخ أطفيش هميان الزاد إلى دار المعاد» من التفسير بالرأي المذموم كما صنفه الدكتور محمد حسين الذهبي؟ (1) وهل يعتبر الشيخ أطفيش متعصبًا لمذهبه في تفسيره للقرآن الكريم؟ وما موقف الشيخ أطفيش من الخليفتين الراشدين عثمان وعلي؟ وما موقفه من قضية التحكيم؟ وما موقفه من الفرق الإسلامية؟ وأخيرًا ما سبب عنايته البالغة في تفسيره باللغة وعلومها؟
هذه التساؤلات وغيرها من المناقشات فرضت نفسها عليَّ وأنا أقلب النظر في تفسير الشيخ أطفيش وأتفيأ ظلال قضاياه ومصادره ومنهجه.
صعوبات الدراسة
وجدت نفسي أمام صعوبات جمة ـ وهي في معظمها تنعكس على كل بحث ـ لولا توفيق الله تعالى ثم إضاءات أستاذي المشرف في تذليلها، وكان يشفع لي في ذلك قيمة الجهد الذي يقدر بمدى ما عانيته للتغلب عليها، وقد تمثلت تلك الصعوبات التي واجهتني في التهيب من الموضوع؛ نظرًا لثقافة
(1) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 1 ص (363) ج 2 ص (336). (1/13)
صفحة 14
14
معالم ورؤى
الشيخ أطفيش الواسعة، وقوته في الجدال، وقدرته على التحليل المعمق والمناقشة المستفيضة، وفي قلة توافر مصادر المادة العلمية ومراجعها، والتي سنوات العمل، وأيضًا في سوء إخراج التفسير وطباعته، وافتقاره
اكتملت مع
إلى عنصر الترتيب، وخلوه من الضبط، وترقيم الآيات الكريمة، مما جعله مشحونا بالأخطاء المطبعية، إضافة إلى إهمال بعض العبارات والجمل، بل وبعض الصفحات. زد على ذلك قوة أسلوب الشيخ أطفيش، وصعوبة عباراته، وعمق ثقافته، التي كان يستأنس بها في إنجاز هذا التفسير المتميز الأصيل.
البناء الهيكلي للأطروحة
لقد تجسد الجهد لتذليل الصعوبات في هذه الخطة التي توسلت بها بمعية أستاذي، وبمكتبتي وخبرتي المتواضعة في البناء المنهجي والهيكلي للأطروحة، وهو: المقدمة: وتحتوي على أهمية الموضوع وقيمته وإشكالياته وصعوباته، والخطة المرسومة لإنجازه، ثم المنهج في بناء الأطروحة، ونقد
بعض المصادر والمراجع، وأخيرًا الرموز المستعملة في العمل.
وبعد ذلك انتقلت إلى وضع البناء الهيكلي للأطروحة، فحصرته في ثلاثة أبواب ـ تضم ثلاثة عشر فصلا باثنين وأربعين مبحثا ـ وخاتمة، ثم أنهيت عملي بوضع جملة فهارس احترمت فيها الضوابط التقنية المعمول بها في عمل بهذا المستوى الأكاديمي.
هذا
هو البناء النظري لهيكل الأطروحة عرضت فيه القضايا الآتية: في الباب الأول بفصوله ومباحثه، وقفت مع المذهب الإباضي؛ من حيث التعريف به وأصل تسميته، ثم انتشاره في المغرب العربي، وهي نظرة تاريخية عامة أسست بها للحديث في باقي فصول الباب عن مصادر التشريع عند الإباضية، وأهم أصولهم الفكرية العقدية والسياسية والفقهية، وعلاقة الإباضية (1/14)
صفحة 15
المقدمة
15
بالخوارج. كل ذلك قادني مع الباب الثاني إلى الشيخ أطفيش: عصرًا وحياة وسيرة ومكانةً وموقفًا، ونتاجًا متميزا في مجال التفسير أساس هذه الأطروحة
وروحها.
وكأني بالعمل يطرد في فصول البابين الأول والثاني ومباحثهما، فينقلنا هذا التطور إلى أهم عنصر في الأطروحة، والذي يمثل جوهر الرسالة، ويجسد سدى لحمتها، ويشكل لب صلبها، وهو منهج الشيخ أطفيش في التفسير الذي أفردت له الباب الثالث، وهو منهج وضعت له ثلاث ركائز هي: تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين، ثم وضحت موقف الشيخ من جملة قضايا تعد امتدادًا للفصل الأول من الباب، وهي: موقفه من المكي والمدني، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والقراءات، وأواصل في الفصلين الثالث والرابع موقف الشيخ من الروايات الإسرائيلية، التي تتعلق بالعقيدة والتي لا تتعلق بها، وموقفه من ومسألة خلق القرآن الكريم ورؤية الله تعالى وحقيقة الإيمان، وكلها عناصر لأدوات المنهج عنده، ولكنها أدوات علمية انعكست بوضوح على مباحث الفصل الخامس والسادس الآخرين اللذين تحرك فيهما الشيخ من خلال جملة قضايا أهمها الوقوف على قواعد الأصول، وعرض أقوال الفقهاء، ومسائل الفقه التي خالف الإباضية فيها غيرهم، وعناية الشيخ باللغة وعلومها، وبلاغتها وأشعارها، مما يتعامل معه بثقافة متينة، وهو يتابع رحلته العلمية القوية في تفسير القرآن الكريم.
6
المتشابه
وهكذا أختم أطروحتي بخاتمة تركيبية هادفة تتضمن أهم ما توصلت إليه الدراسة من رؤى ونتائج وأنهي العمل بفهرس المصادر والمراجع، ثم فهرس الموضوعات.
هذه
هي
القضايا الأساسية التي غطت أبوابها وفصولها ومباحثها هذه (1/15)
صفحة 16
16
معالم ورؤى
الأطروحة، حاولت فيها أن أرتبط بالمصدر، وبالمذهب، في النظام الذي كان المشرف يرعاه ويوجهه، أحاور فيها المصدر والمرجع حيثما قادني السياق
إليه.
فماذا عن المنهج الذي يحكم قبل وبعد هذه الخطة، التي تمثل الأساس الصناعي والهندسي لكل عمل أكاديمي؟
منهج الدراسة
إن للمنهج - في مثل هذه الموضوعات الإشكالية ـ وجهين أو بنيتين أساسيتين: الوجه أو البنية الأولى تنحصر في المنطلق المذهبي، الذي يدور الموضوع في فضائه، وهو هنا عنصر يتكون من محاور المذهب الإباضي الذي أدين به باحثًا في عقيدتي وسلوكي، ثم المصدر - أو المصادر ـ الذي اشتغلت عليه الأطروحة، وهو ذو علاقة وطيدة بالعنصر المذهبي الأول، وأخيرًا الشخصية التي مارست هذا التفسير بنفس المذهب لكن بثقافة أوسع وأعمق، مكنت الشيخ أطفيش من إنجاز تفسير ظهرت مميزاته، وتحدد منهجه فيه، في ضوء تلك الثقافة والمذهب، والسلوك.
إن هذه الأسس قد مثلت بنية عميقة - كما يقول اللسانيون ـ وجهتني، و ملكت علي حياتي، وربطتني بثوابتها، حتى جاء هذا العمل صورة لتلك الروح والمنهجية التي بدونها لم يكن العمل لينجح بهذه الصورة، التي تنتظر توجيها أكبر عندما يوضع أمام لجنة عالمة متمكنة تقلب فيه النظر، وتراجع حدود الإنجاز على كل المستويات لأستفيد من مجموع ذلك، ويقوى العمل بعون الله تعالى.
بعد هذا الوجه - المنهجي السلوكي والمذهبي والثقافي - يأتي المنهج الإجرائي بأدواته وآلياته؛ ليمثل الإطار العملي لبناء العمل، وتحديد صورته (1/16)
صفحة 17
المقدمة
17
العملية الملموسة، ولعل فيما قدمته الخطة ما يفي بهذا الغرض والهدف، ويبقى أمامنا في الأخير العنصر المنهجي المتعلق بالسائد من هذه المناهج، والتي لخصتها في المنهج التكاملي الذي اتحدت فيه جملة مناهج تاريخية، ووصفية، وتحليلية ونقدية، ومقارنة وغيرها من مكونات هذا المنهج التكاملي، لقد قادتني مباحث العمل إلى توظيف هذه المناهج في سياقات مختلفة كنت أحترم المنهج فيها بحسب ما يفرضه السياق، فأوظف المنهج التاريخي في سياقه، والوصفي في سياقه والتحليلي في سياقه، والنقدي في سياقه، وهكذا بقية المناهج، مما جعلني في الأخير أمام تلاحم هذه المناهج وتأزُرها، فيما أسميته بالمنهج التكاملي، فكانت الأطروحة.
ولقد أدركتُ أن الاعتراف بالفضل لأهله أمر محمود مطلوب، فخصصت
(1)
قسما من هذه المقدمة للحديث عن بعض المصادر والمراجع التي اعتمدتها في الأطروحة مسلطا عليها بعض الأضواء، فأقول: إن المصادر والمراجع التي كانت الأساس في إنجاز هذا العمل ضمن الأعمال المرجعية الأخرى يمكن تحديدها في الآتي: مبتدئًا بمرجع كان لمؤلفه موقف من الشيخ أطفيش ومذهبه وتفسيره هميان الزاد إلى دار المعاد وهو كتاب: «التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي، مما جعلني مضطرًا للوقوف عند بعض آرائه إلى طريق الحق ـ فيما أرى ـ سواء في شخصية هذا المفسر الكبير،
(1) جميعها موثقة في فهرس المصادر والمراجع ومجموعها مع القرآن الكريم موزعة على النحو
الآتي:
أولا: القرآن الكريم بقراءة حفص عن عاصم.
ثانيا: المخطوطات وعددها (20).
ثالثًا: المطبوعات وعددها (315).
رابعا: الوثائق الأخرى وتشمل المرقونات والمجلات والجرائد واللقاءات وعددها (21). (1/17)
صفحة 18
18
معالم ورؤى
أو في تفسيره المتميز هميان الزاد دون النظر إلى السبق التاريخي للمصدر أو المرجع، ولا إلى طبيعته، وخصوصية تقديم الحديث عن هذا المرجع يفرضها موقف الدكتور الذهبي الهجومي من الشيخ أطفيش، ومذهبه، وتفسيره. على أن ألحقه بباقي المصادر والمراجع التي انتقيتها من ركام المكتبة التي اعتمدتها في هذا العمل. لقد تحدث الدكتور الذهبي عن الشيخ أطفيش، وتفسيره في ثماني عشرة صفحة (319 - 336) من الجزء الثاني، ويمكن حصر المحاور التي ناقشها الدكتور الذهبي، ووقفت معه فيها فيما يلي:
أولا: التعريف بالشيخ أطفيش.
ثانيًا: التعريف بالتفسير، ومنهج الشيخ فيه.
ثالثًا: قضايا التفسير.
(1)
لقد اكتفى المؤلف في التعريف بالشيخ أطفيش، وتراثه في صفحة واحدة فقط) ثم انتقل إلى المحور الثاني فعرّف - بإيجاز شديد ـ بتفسير هميان الزاد، وعرّج على منهج الشيخ فيه وذلك في أقل من صفحة ونصف (2) دون أن يقدم صورة دقيقة لهذا المنهج، مما سأوسع القول بشكل أكثر دقة وتوفية، وكذلك الحال مع المحور الأول.
بعد ذلك فتح بابًا على القضايا التي احتواها التفسير في رأيه، تدور كلها حول العقيدة عند الشيخ وموقفه من بعض القضايا (3) هذا هو مضمون ما تحدث به المؤلف عن الشيخ أطفيش، وتفسيره، فماذا يمكن نقده فيه فيما قدم: موضوعًا، ومنهجًا، وقضايا؟ إن ما أوجزه المؤلف عن سيرة الشيخ أطفيش لا
(1) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (319). (2) الذهبي: ن. م. س. ج 2 ص (320 - 321). (3) الذهبي: ن. م. س ج 2 ص (321 - 336). (1/18)
صفحة 19
المقدمة
19
يستجيب ـ بالعمق المطلوب - لما نهضت به الأطروحة من توسيع القول في هذه السيرة؛ إيمانا مني بالعلاقة التلازمية بين حياة الشيخ، وثقافته، وتفسيره، ومنهجه، أضف إلى ذلك أنّ حصره للمنهج في نقط بسيطة لا تقدم الصورة الصحيحة المرجوة عن منهج الشيخ، الذي خصصت له في عملي ما يرقى بمفهوم المنهج، وأصوله عند الشيخ، وهو ما قصر فيه المؤلف، ولو بالضرورة المنهجية التي اعتمدها في كتابه.
أما القضايا التي عرضها المؤلف فقد اكتفى - بإيجاز شديد ـ بقضايا كلها تدور حول مذهب الشيخ العقدي، في حين قامت الأطروحة بجميع القضايا، والأدهى من ذلك أن وقوف الدكتور الذهبي مع الجانب العقدي للشيخ اتسم بأسلوب هجومي، مش شخصية، الشيخ، ومذهبه مثل اتهامه بأنه خارجي، ومتعصب، وأنه يفسر القرآن بالرأي المذموم، وهو بذلك صاحب عقيدة زائفة، و مذهب فاسد، وأنه يطعن في الخليفتين عثمان وعلي، ويتحامل على أهل السنة ...... الخ وهذا ما أخذ قسطه الوافر في الدراسة بالمرجعية العلمية والنقاش الموضوعي.
بعد هذا أستأذن للوقوف مع نماذج من المصادر والمراجع المتنوعة مؤخرًا المصادر التفسيرية؛ لقيمتها المباشرة في بناء مباحث الأطروحة.
نقد بعض المصادر والمراجع
1 ـ کتاب «سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكريا بن أبي بكر الوارجلاني، من علماء القرن الخامس الهجري، ويعتبر هذا المصدر أقدم كتب السير الإباضية في شمال إفريقية، اعتمد عليه كثير من علماء الإباضية المتأخرين، أسهب فيه المؤلف في تاريخ الدولة الرستمية، وأورد أحاديث كثيرة تشيد بالفرس، ودورهم في نصرة الإسلام والمسلمين. (1/19)
صفحة 20
20
معالم ورؤى
2 - كتاب «الطبقات» لأبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني (ت: 670 هـ) وقد أسدى هذا المصدر خدمة جلّى في التعريف ببعض مراحل تطور تاريخ الحركة الإباضية، وأبرز مشايخها في المشرق والمغرب؛ إذ ترجم فيه المؤلف لمشايخ الإباضية بحسب طبقاتهم جيلا بعد جيل حتى آخر عهده، غير أن البعض يأخذ على المؤلف تحيزه للفرس والبربر بمدحهم، والثناء عليهم،
والإشادة بهم. 3 ـ كتابه «السير» لأحمد بن سعيد الشماخي (ت: 928 هـ) تناول فيه المؤلف تاريخ الإسلام منذ البعثة النبوية، وقدم صورة واضحة عن رأي الإباضية في الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام، سالكا منهجًا يعتمد مناقشة الروايات وتحليلها، وإعطاء رأيه فيها، وقد كان ـ أحيانًا ـ يرجح روايات أهل السنة على الروايات الإباضية، مما يجعله نصيرًا للموضوعية حيثما
وجدها.
4 ـ كتب الفرق التي وقفت عند أهمها منها: الفرق بين الفرق الإسلامية للبغدادي والملل والنحل للشهرستاني، ومقالات الإسلاميين للأشعري، وقد كنت حذرًا في التعامل مع هذه المصادر المتعلقة بالفرق؛ لأن أغلب مؤلفيها كانت تنقصهم الموضوعية حينما يتكلمون عن الفرق المخالفة لمعتقداتهم، فما أوردته هذه المصادر من معلومات عن الإباضية لا تمت في معظمها بصلة إليهم فهذه الكتب أساءت كثيرًا إلى الإباضية؛ إذ أصبحت مصادر أصلية لمن يكتب عن الإباضية من غير الإباضية، مما أدى إلى ازدياد الفجوة بين الإباضية وأتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، ومن هنا فإن الاعتماد عليها فيما يتعلق بالإباضية لا يزيد الأمر إلا تشويها وتعقيدًا وضبابية.
ه ـ كتاب الإباضية في موكب التاريخ ليحيى علي معمر، معظم مباحث هذا الكتاب عبارة عن معجم عن حياة وأعمال الأئمة والمشايخ الإباضية، (1/20)
صفحة 21
المقدمة
21
وخاصة في شمال إفريقية، إضافة إلى تضمنه لمحات سريعة عن بعض أماكن وجود الإباضية.
6 ـ كتاب الإباضية بين الفرق الإسلامية لعلي يحيى معمر، عالج فيه روايات أصحاب المقالات قديمًا وحديثًا، وأقوال بعض المستشرقين وقد فنّد معظمها. 7 ـ كتاب «دراسة في الفكر الإباضي» للباحث عمربا من السنغال يمثل الكتاب رؤية صحيحة صادقة عن التفتح الفكري مع أحساس عميق، وشعور صادق بضرورة الوحدة الإسلامية منتهجًا المؤلف سبيل الموضوعية العلمية، وإن كان الكتاب لا يخلو من بعض الملاحظات والمآخذ عليه؛ لعدم وضوح بعض المسائل، والمفاهيم لدى الباحث أثناء استعراضه لنشأة المذهب الإباضي، وتطوره الفكري.
هذا
ـ «جامع البيان في تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري، يعتبر المصدر من أقدم التفاسير بالمأثور وأشهرها؛ لذلك كان المرجع الأول للمفسرين، وقد التزم فيه المؤلف بذكر الروايات بأسانيدها، إلا أن ما يؤخذ عليه أنه ـ غالبا ـ لا يتعقب الأسانيد بتصحيح أو تضعيف، كما أنه يتساهل في نقل الروايات الإسرائيلية، ولا يهتم في - الغالب - بالتعقيب عليها بما يفيد بطلانها، اكتفاء منه بذكر أسانيدها، مما جعل تفسيره في حاجة إلى مراجعة، وتنقية، ودراسة علمية تستدرك عليه، كما أنه ينتقد القراءات المتواترة وكأنها
آراء لأصحابها، وليست روايات متواترة النقل عن النبي المعصوم.
9 - تفسير القرآن العظيم لابن كثير، يعد من أشهر كتب التفسير بالمأثور بعد تفسير الطبري ومما يمتاز به هذا التفسير أن مؤلفه يتعقب الروايات الإسرائيلية، ويبطلها، ويحذر منها على وجه الإجمال تارة، وعلى وجه التعيين تارة أخرى، ومما يؤخذ عليه أنه يدخل في خلافات الفقهاء، ويخوض في مذاهبهم، كلما تكلم عن آية لها تعلق بالأحكام الفقهية. (1/21)
صفحة 22
22
معالم ورؤى
10 - الكشاف للزمخشري يعتبر هذا المصدر العمدة في بلاغة القرآن فهو كتاب قيم لا غنى عنه لتميزه بالإحاطة بعلوم البلاغة، والإعراب، ومما يشهد له به أنه مقل في ذكر الروايات الإسرائيلية، وإن ذكر شيئًا من ذلك فهو إما أن يصدره بلفظ روي المشعر بضعف الرواية وبعدها عن الصحة، وإما أن يفوض علمه إلى الله تعالى، وهذا هو الغالب في هذه الروايات، ومما يؤخذ عليه انتصاره للآراء الاعتزالية.
-
11 - أنوار التنزيل وأسرار التأويل لعبد الله بن عمر البيضاوي اختصره ـ المؤلف من «الكشاف» ولكن ترك ما فيه من الآراء الاعتزالية، وإن كان يذهب أحيانًا - مذهب صاحب الكشاف، ويهتم بذكر القراءات دون أن يلتزم بالمتواتر منها، وهو مقلّ جدا في ذكر الروايات الإسرائيلية، إلا أنه مما يؤخذ عليه ـ أحيانًا - اختصاره الشديد في بعض القضايا التي تحتاج إلى توسيع في الشرح، مما يؤدي إلى الإخلال بالمعنى.
هذه
هي
بعض المصادر والمراجع التي تعاملت معها في أطروحتي
اكتفيت منها هنا بنقد بعض جوانبها باختصار اقتضاه سياق المقدمة.
•
تلك كانت خطة الأطروحة، ومنهجي في بنائها، مع فتح قوس لنقد بعض المصادر والمراجع التي اعتمدتها في العمل، وأشير هنا إلى جزئية تتعلق بالرموز التي استعملتها في الأطروحة لتكون دليلا للقارئ في متابعة السياق
وهذه الرموز هي:
: لحصر الآيات الكريمة.
[] لحصر الأحاديث الشريفة.
>> ·
لحصر النصوص المنقولة حرفيا.
ص: الصفحة. (1/22)
صفحة 23
المقدمة
23
ج: الجزء (باستثناء تفسير الطبري فيراد به المجلد لخطأ مطبعي من الصعب
تدارکه
، ط: الطبعة.
ت: تاريخ الوفاة.
هـ: للهجرة.
م: للميلاد.
[د. ت]: بدون تاريخ
[====]: يرمز إلى ما سبقه في الرقم الذي قبله.
و وجه الورقة.
ظ ظهر الورقة.
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنيبُ} [هود، 88]. (1/23)
صفحة 24
[صفحة فارغة] (1/24)
صفحة 25
الباب الأول
المادي الابا الضري: د اللياة وافونات
الفصل الأول:
التعريف بالمذهب الإباضي وانتشاره في المغرب العربي
الفصل الثاني:
مصادر التشريع عند الإباضية وأهم أصولهم الفكرية
الفصل الثالث:
العلاقة بين الإباضية والخوارج (1/25)
صفحة 26
توطئة
أرى من الضرورة بمكان التعرف على المذهب الإباضي أولا ـ مذهب الشيخ أطفيش - باعتباره طرفًا مهما في هذه الدراسة) إذ التعرف عليه بشكل علمي صحيح يزيل كثيرًا من الإشكال، ويجيب على العديد من الأسئلة كما أنه يساعد على تحديد منهج الشيخ في التفسير، ومن ناحية أخرى، فإنه يوجد عدد كبير من الدارسين يخلطون بين الإباضية والخوارج، مما جعلهم يجهلون الشيء الكثير عن حقيقة هذا المذهب الإسلامي، ومبادئه، ومن هنا تأتي أهمية هذا الباب في الرسالة.
لقد اعتمدت في الحديث عن المذهب الإباضي على المصادر الإباضية بشكل أساسي؛ وذلك بهدف توخي المعلومات الدقيقة عن هذا المذهب؛ لأن الإباضية هم وحدهم أدرى وأعلم بحقيقة مذهبهم من غيرهم، وعليه فإن مظان وجود كل شيء متعلق بهم، وهذا ما تقتضيه الأمانة
مصادرهم هي العلمية، والدراسة الموضوعية المجردة.
يتكون هذا الباب من ثلاثة فصول تتضمن التعريف بالمذهب الإباضي وأصل تسميته، ونسبته إلى عبد الله بن إباض، ومكانة التابعي الكبير جابر بن زيد في المذهب الإباضي، وانتشار المذهب الإباضي في بلاد المغرب العربي - موطن الشيخ أطفيش ـ إضافة إلى مصادر التشريع عند الإباضية، وأهم
أصولهم الفكرية والعلاقة بين الإباضية والخوارج.
(1) الحديث عن المذهب الإباضي يكون فيما يتعلق بالدراسة. (1/26)
صفحة 27
التعريف بالمذهب الإباضي
وانتشاره في المغرب العربي
المبحث الأول: التعريف بالمذهب الإباضي.
المبحث الثاني: أصل التسمية.
المبحث الثالث: سبب نسبة المذهب إلى ابن إباض.
المبحث الرابع: مكانة الإمام جابر بن زيد في المذهب الإباضي.
المبحث الخامس: انتشار المذهب الإباضي في المغرب العربي. (1/27)
صفحة 28
توطئة
|
28
أتحدث في وسبب نسبته إلى عبد الله بن إباض، ومكانة التابعي الكبير جابر بن زيد في المذهب الإباضي، والتوفيق بين ما جاء في المصادر الإباضية من إمامة جابر بن زيد للمذهب الإباضي، وما جاء فيها أيضًا من إمامة ابن إباض لأهل التحقيق، ورئاسته لمن، بالبصرة، إضافة إلى انتشار المذهب في المغرب العربي، ودخوله وادي ميزاب بلد الشيخ أطفيش.
هذا الفصل عن حقيقة المذهب الإباضي، وأصل تسميته (1/28)
صفحة 29
المبحث الأول:
التعريف بالمذهب الإباضي
29
المذهب الإباضي مذهب إسلامي ظهر في القرن الأول الهجري في مدينة البصرة، نتيجة لظروف تاريخية، وأحداث معينة (1) فهو أقدم المذاهب الإسلامية نشأة، وقد تبلور وتشكل من فقه أئمة كبار (3) شأنه شأن بقية المذاهب الإسلامية الأخرى، فهو يستمد قوته من الإسلام الذي اختاره الخالق ليكون دين البشرية جمعاء، كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لم ينحرف به عن الصراط السوي .... ولم تنتشر فيه الخرافة التي يبثها مشايخ طرق يتصيدون بها الدنيا عن طريق الدين، ولم يتجمد بتحكم فقهاء على العقول والمدارك فيمنعون الاجتهاد، ويقصرونه على عصر، أو أناس لا يحق لغيرهم أن يصلوا إليه ......... واحتفظ الفقهاء
الجامدون (3) بالمفاتيح في مخبأ سري لا يهتدي إليه الباحثون». (4)
(1) إن الحديث عن نشأة المذهب الإباضي يتطلب الإلمام والإحاطة بتلك الظروف والأحداث، وهذا ليس مجال هذه الدراسة فمن أراد الاطلاع على ذلك فليرجع: الأزكوي كشف الغمة، مخطوط ورقة (218. و) الشماخي: السير ج 1 ص (41) الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص (453) ابن كثر البداية والنهاية ج 7 ص (273) البرادي الجواهر المنتقاة مخطوط ورقة (115. و) خليفات: نشأة الحركة الإباضية ص (94) الأصول التاريخية للفرقة الإباضية. معمر: الإباضية في موكب التاريخ جميع الحلقات الإباضية بين الفرق الإسلامية. (2) على رأسهم الإمام جابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، والربيع بن حبيب، وأبو نوح صالح الدهان، وحيان الأعرج، وضمام بن السائب، وجعفر بن السماك، وصحار بن عباس العبدي وغيرهم على مر العصور حيث لم يغلق الإباضية باب الاجتهاد. انظر: الدرجيني: طبقات المشايخ السيابي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى، الحارثي: العقود الفضية في أصول الإباضية. (3) أي الفقهاء الذين أغلقوا باب الاجتهاد لا الفقهاء. جميع (4) معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (6، 5). (1/29)
صفحة 30
30
معالم ورؤى
عبد
يقول السيد عبد الحافظ عن المذهب الإباضي: «وهذا المذهب أقدم المذاهب تأسيسا، وعلماؤه أكثر العلماء تأليفا؛ فهم أول من دون تفسير القرآن، وأول من دون الحديث، وأول من دون الفقه والأصول، وكثيرا من العلوم والفنون) ويقول مصطفى المصري: «إن المذهب الإباضي نسبة إلى الإمام الله بن إباض (2) هو أقدم المذاهب تاريخًا، وأوثقها مصدرًا، وأصحها تأويلاً، وأحفظها للباب طهارة الدين الحنيف ونقاوته وسماحته، وزكاوته، وعلى ذلك فليس ثمة مراء في أنه هو الطريق الحق، الذي كان يمضي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة وتلقاه عن جبريل» (3) ويقول المجدوب عن الإباضية: «حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه البررة في سلوكهم، وأمور معاشهم» (4). ويقول الشماخي: «فقد أخذنا ديننا تقييدا عن كتاب الله، وتقليدا لنبيه وعل، محمد صلى الله عليه وسلم، واستبصارًا برأي المسلمين الأبرار المتقين، الذين شاهدوا الوحي، ونقلوه إلينا طبقة بعد طبقة، وجيلا بعد جيل» (5) ويقول العلامة الوارجلاني: «إننا اتبعنا أوائلنا .. تقييدا ولم نتبعهم تقليدا»).
(1) عبد الحافظ الإباضية مذهب وسلوك ص (258). (2) هو عبد الله بن إباض بن تيم اللات بن ثعلبة التميمي عاش في زمان معاوية، ومات في آخر حياة عبد الملك بن مروان أخذ العلم عن ابن عباس وجابر بن زيد وغيرهما لا يعتبره الإباضية إماما روحيًا لهم، وإن كانوا ينتسبون إليه أشتهر بقدرته على المناظرات والمراسلات، فقد كان اللسان الناطق للإباضية يصدر جميع أقواله وأفعاله بأمر شيخه الإمام جابر بن زيد. الدرجيني: طبقات المشايخ ج 2 ص (14) الأزكوي كشف الغمة مخطوط ورقة (232. ق) القلهاتي: الكشف والبيان ج 2 ص (423) الحارثي: العقود الفضية ص (121) البرادي الجواهر المنتقاة مخطوط ورقة (78) الشماخي السير ج 1 ص (72) السيابي: طلقات المعهد ص (77). (3) نقلاً عن الحارثي: العقود الفضية ص (167).
(4) المجدوب: الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية ص (104).
(5) الشماخي: القول المتين ص (97).
(1) الوارجلاني: الدليل والبرهان ج 1 ص (50)؟ (1/30)
صفحة 31
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
31
ويقول الشيخ السيابي: «ليس للإباضية مذهب خاص، يتقيدون به تبعًا لعالم خاص من علماء الأمم، كأبي حنيفة، أو أحمد بن حنبل، أو الشافعي، أو مالك، أو الثوري أو غيرهم من علماء الإسلام، فلا توجد لابن إباض مسألة واحدة تؤثر عنه في الدين، ومن هنا يعلم مقام الإباضية في الإسلام، فإن الإباضية رجال تقييد لا تقليد، وأهل اعتماد على الحق لا على الخلق، فلا يتقيدون إلا بالله ورسوله فقط» (1) ويقول الإمام نور الدين السالمي الله مبينا منهج الإباضية في قبول الحق ورفض الباطل وليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضا، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيبًا، ونعرف الرجال بالحق؛ فالكبير عندنا من وافقه والصغير خالفه ولم يشرع لنا ابن إباض مذهبًا، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق، وأما الدين فهو عندنا لم يتغير والحمد الله» (2). ويقول في أرجوزته كشف الحقيقة:
من
ونحن في الأصل وفي الفروع على طريق السلف الرفيع فنأخذ الحق متى نراه لو كان مبغض لنا أتاه
والباطل المردود عندنا ولو أتى به الخل الذي له اصطفوا (3)
فالإباضية يزنون الرجال بالحق، لا يزنون الحق بالرجال، فعندهم الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها، فهم في الأصول والفروع على نهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، يقبلون الحق ويردون الباطل، يقبلون الحق من حيث كونه حقا ويردون الباطل من حيث كونه باطلا. إنهم ينظرون إلى الأشخاص في ضوء العقيدة لا كما يفعل غيرهم من النظر إلى العقيدة في ضوء الأشخاص.
(1) السيابي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج ص (20 - 21).
(2) السالمي: العقد الثمين، ج 1 ص (126 ـ 127).
(3) السالمي: كشف الحقيقة ص (49، 50) الأبيات من بحر الرجز. (1/31)
صفحة 32
المبحث الثاني: أصل التسمية
ليس ثمة خلاف في ضبط لفظ - إباض - من حيث الحروف، وإنما الخلاف واقع من حيث الشكل على ثلاثة أقوال:
قول بكسر الهمزة فيقال: إباض، وإباضية، وهو المشهور عند جمهور الإباضية وغيرهم) كما أنه قد ورد في قواميس اللغة العربية) وقول بفتح الهمزة، فيقال: أباض، وأباضية، وهو مستعمل عند أكثر أهل عُمان، وقول بضم الهمزة فيقال: أباض وأباضية، وهو قول شاذ لا سند له (3).
تتفق جميع المصادر الإباضية، ومعظم المصادر غير الإباضية قديما وحديثًا على أن المذهب الإباضي ينسب إلى عبد الله بن إباض التميمي
(4)
(1) معمر: الإباضية في موكب التاريخ جميع الحلقات الإباضية بين الفرق الإسلامية، أعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، الجعبيري: البعد الحضاري ص (46) محمد زينهم وآخر دراسة في تاريخ الإباضية وعقيدتها السهيل: الإباضية في الخليج العربي ص (14) خليفات: نشأة الحركة الإباضية، الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (135) غباش: عُمان الديمقراطية الإسلامية ص (58) السمعاني: الأنساب ج 1 ص (111). (2) ابن منظور: لسان العرب ج 1 ص (27) الفيروز آبادي: القاموس المحيط ج 1 ص (103) الزبيدي: تاج العروس ج 5 ص (62) إبراهيم: المعجم الوسيط ج 1 ص (3).
(2)
(3) الهاشمي وسائل المعرفة في الفكر الإباضي ص (4) الأزكوي: كشف الغمة مخطوط ورقة (232. و) المنحي كتاب البصائر والإرشاد - مخطوط ج 2 في معرفة ألقاب الفرق في الإسلام غير مرقم الأوراق القلهاني: «الكشف والبيان ج 2 ص (472) الشماخي: السير ج 1 ص (22) الحارثي: العقود الفضية ص (121) السيابي: طلقات المعهد ص (77) أعوشت: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص (20، 136) معمر: الإباضية مذهب إسلامي معتدل ص (9) البغدادي: الفرق بين الفرق ص (82) الشهرستاني:
32 (1/32)
صفحة 33
=
33
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
ويعلق الباحث عمربا على اضطراب الذين خالفوا إجماع الإباضية، والمشهور عند غيرهم قائلا: «بل إني أزعم بأن هذا الاضطراب ناشئ عن عوامل منها: تعمد بعض الكتاب من المؤرخين لتوافر سوء النية في كل ما يتعلق بالفرق؛ لأن معظم الذين اختلفوا بشأن شخص عبد الله بن إباض هم من الذين يستخفون بشأن هذا الرجل بغية خلق غموض حوله ليتسرب الغموض إلى فرقته ومذهبه ... كحرب نفسية ضد أتباعه، ومنها ضيق الأفق في النظرة، واستخفاف المراجع الإباضية التي هي مظان وجود كل شيء متعلق بالإباضية ... غير إني لا استبعد حصول الشيئين معا أي سوء الفهم، وسوء القصد ... بدون إدراك أن محاربة الفرق لا تقتضي عدم تقصي الحقائق العلمية لأن ذلك تجن على العلم ... فهؤلاء المؤلفون لو تجشموا مشقة استنطاق
المراجع وكتب الشير، وأخلصوا النية لسلموا من الاضطراب والحيرة).
ومع إجماع، الإباضية، والمشهور عند غيرهم على نسبة المذهب الإباضي إلى عبد الله بن إباض التميمي، إلا أن الإباضية لا يعتبرونه إماما روحيًا لهم، ولا مؤسسا لمذهبهم، وإنما إمامهم الروحي، والمؤسس لمذهبهم، والمنظر له هو التابعي الكبير جابر بن زيد حمدالله (2).
=
الملل والنحل ص (137) الشكعة: إسلام بلا مذاهب ص (143) غباش: عُمان الديمقراطية الإسلامية ص (58) السهيل: الإباضية في الخليج العربي ص (14) ابن منظور: لسان العرب ج 1 ص (27) الفيروز آبادي القاموس المحيط ج 1 ص (103) الزبيدي: تاج العروس ج 5 ص (2) إبراهيم: المعجم الوسيط ج 1 ص (3) ابن عبد ربه العقد الفريد ج 3 ص (346، 347) خليفات: نشأة الحركة الإباضية ص (75) دائرة المعارف الإسلامية ص (495) أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية ص (78).
(1) عمربا دراسة في الفكر الإباضي ص (24).
(2) هو التابعي الكبير جابر بن زيد اليحمدي الأزدي الجوفي البصري، يكنى بأبي الشعثاء، ولد
في قرية فرق من أعمال ولاية نزوى بعمان بين عامي (18) - 22 هـ) تلقى مراحل تعليمه الأولى
في مسقط رأسه، ثم انتقل بعد ذلك إلى البصرة التي كانت من أهم الحواضر العلمية آنذاك، (1/33)
صفحة 34
34
معالم ورؤى
يقول الإمام نور الدين السالمي نعم الله:
ونحن الأولين لم يشرع لنا نجل إباض مذهبا يحملنا
من ذاك لا تلقى له في المذهب مسألة نرسمها في الكتب
ويقول الشيخ السيابي: فلا توجد لابن إباض مسألة واحدة تؤثر عنه في الدين» (3) ويقول في موضع آخر: الإباضية هم أهل الحق من أول الأمر قبل ابن إباض وبعده، لأن الإمام ابن إباض ما كان إلا رجلًا واحدًا من المسلمين لم يكن صاحب مذهب خاص به دون غيره من المسلمين فيكون متبوعا عليه مقلدا فيه ... فالإباضية تسمية اصطلاحية في عرف الأمم المتمذهبة في الإسلام» (3).
=
ويقول في كتاب آخر: «لم يكن عبد الله بن إباض إمام مذهب خاص أخذ
:
فأخذ ينهل من معين الصحابة كابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعائشة أم المؤمنين، شهد له بالعلم كثير من الصحابة والتابعيين مات سنة (93 هـ) على أرجح الأقوال، وقد ترك ديوانًا ضخما يسمى ديوان جابر لكنه لم يعثر عليه إلى الآن كما توجد له بعض الآثار العلمية. انظر ابن رزيق الصحيفة القحطانية مخطوط ورقة (351. و) ابن مداد صفة نسب العلماء مخطوط ورقة (108. ظ) ابن سعد: الطبقات ج 2 ص (133) الدولابي: الكنى والأسماء ج 2 ص (5) الذهبي: تذكرة الحفاظ ج 1 ص (72) الشقصي: منهج الطالبين ج 2 ص (615) الشقصية، السيرة الزكية للمرأة الإباضية ص (40) (41) البطاشي: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، ج 1 ص (40، (41) البرادي الجواهر المنتقاة ورقة (155.و) الشماخي: السير ج 1 ص (72) الباروني، سلم العامة والمبتدئين ص (10) البخاري: التاريخ الكبير ج 2/ 1 ص (204) ابن حجر: تهذيب التهذيب ج 2 ص (38) أبو نعيم حلية الأولياء ج 3 ص (86) ابن كثير: البداية والنهاية ج 9 ص (94) حاجي خليفة كشف الظنون ج 1 ص (791) ابن الشيخ: القرآن تفسيره ومغسروه ص (35) السيابي: إزالة الوعثاء ص (26) الصوافي: الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة الحارثي العقود الفضية ص (93، 94). (1) السالمي: كشف الحقيقة ص (49) البيتان من بحر الرجز. (2) السيابي: أصدق المناهج ص (21) و ص (45). (3) السيابي: أصدق المناهج ص (21) و ص (45). (1/34)
صفحة 35
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
35
به أتباعه وقلدوه فيه، بل كان هو خاصة يصدر عن أهل العلم منهم كجابر بن
زيد وأبي عبيدة (1). (2)
(1) هو مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء إفريقي الأصل، كان زاهدا. أخذ العلم عن جابر بن زيد وجعفر بن السماك وصحار العبدي وضمام بن السائب قيل: أدرك بعض الصحابة، كان عالما فذا من علماء الإباضية الأوائل فهو المرجع لهم بعد الإمام جابر بلا خلاف انتهت إليه رئاسة الإباضية فاتخذ سردابًا تحت الأرض للتعليم وإعداد الدعاة الذين عرفوا بحملة العلم إلى مختلف الأمصار، وبإشارته أسَّسَ الإباضية دولا مستقلة في عُمان واليمن والمغرب، قام بتطوير المجالس السرية للدعوة الإباضية فوضح معالمها وصنف وظائفها ورتب درجاتها وصفه الشماخي بقوله: «تعلم العلوم وعلمها ورتب روايات الحديث وأحكمها، وهو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه ... وقد اعترف له بحوزة قصب السبق في العلوم» توفي في ولاية أبي جعفر المنصور.
انظر الشماخي: السير ج 1 ص (78) الدرجيني الطبقات ج 2 ص (238) السيابي إزالة الوعثاء ص (33) خليفات: نشأة الحركة الإباضية ص (103) الحارثي: العقود الفضية ص (139)، الراشدي أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه الجعبيري أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق ص (71).
(2) السيابي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص (56). (1/35)
صفحة 36
المبحث الثالث:
سبب نسبة المذهب إلى ابن إباض
(1)
تعود نسبة المذهب الإباضي إلى عبد الله بن إباض لمواقفه الجريئة الشجاعة العلانية حيث اشتهر بمناظراته، ومجادلاته للخوارج وغيرهم كما اشتهر بنصائحه ومراسلاته لعبد الملك بن مروان حتى أنه كان يخاطبه باسمه مجردًا من أي لقب (2) لقد كان لا يمثل همزة وصل بين جماعته الإباضية، والسلطة القائمة، فهو يعتبر اللسان الناطق لفئة الإباضية التي توجه إليها التهم بإقحامها مع الخوارج، ومعارضتها للحكم الأموي، فإن ابن إباض هو الشخص المؤهل للقيام بهذه المهمة الجريئة، وهذه الخطوة الشجاعة، لقدرته على المناظرة، والمجادلة، ولانتمائه إلى قبيلة بني تميم إحدى أهم قبائل البصرة آنذاك، فمن الصعب على ولاة بني أمية أن يتعرضوا له بأذى؛ خوفًا من إغضاب قبيلته، وخاصة أنه لم يحمل سيفًا، ولم يجرد سلاحًا ضدهم، يقول الدكتور خليفات: «وكان ابن إباض هو المؤهل للقيام بهذه المهمة الدعائية لأنه بالإضافة إلى قدرته في المناظرة والمجادلة ينتمي إلى قبيلة تميم إحدى أهم قبائل البصرة آنذاك ومن الصعب على الولاة أن يتعرضوا له بأذى خوفًا من إغضاب قبيلته ... مما جعل اضطهاده أمرًا صعبًا وخاصة أنه لم يجرد السلاح ضد الحكام الأمويين» (3) ويقول الشيخ الجعبيري: .. وكان يتمنع بحماية قبيلته
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 4 ص (167 (168 الشماخي: السير ج 1 ص (73) الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 7 ص (68) الحارثي: العقود الفضية ص (122) الرقيشي: مصباح الظلام مخطوط ورقة (38. ط). (2) الأزكوي كشف الغمة مخطوط ورقة (232 و) البرادي: الجواهر المنتقاة - مخطوط ورقة (78). (3) خليفات: نشأة الحركة الإباضية ص (82).
36 (1/36)
صفحة 37
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
37
تميم وهي كبرى القبائل بالبصرة آنذاك ... ولذلك نسبت الفرقة إلى ابن إباض لأنه كان الشخص المقدم من قبل أتباعه ليناظر مخالفيهم، ويتكلم باسمهم وهو المعروف في ذلك الوقت لدى جمهور الناس فغلب اسمه على من اتفق معه في الرأي ... ».
علنا
ويقول عنه الإمام نور الدين السالمي الله:
وأصله أن فتى إباض كان محاميا لنا وماض (2) مدافعا أعداءنا بالحجة وحاميا إخواننا بالشوكة قد كان في المنعة من عشيرته ولا يطاق بأسه لسطوته فأظهر الحق على رغم العدا والكل من أعدائه قد شهدا قد كان في أيام عبد الملك مع شدة الأمر وضيق المسلك وبين الصوابا ولم يكن لبأسه قد هابا
ناقشه
وكان لا يدعوه إلا باسمه تعززا بحقه وعلمه فصار معروفاً لدى الجميع لما حوى من شرف رفيع ونسبوا من كان في طريقته إليه لاشتهار حسن سيرته (3)
الله
ويقول عنه الشيخ السيابي: كان أثقل على زعماء الباطل من الصخرة» (4) وقال الشيخ الشماخي: «وأما تسمية مذهبنا بالإباضية فلكون عبد إباض له كان المجاهد علنًا، والمناضل علنا في سبيل تحقيق الحقائق
بن
(1) الجعبيري: دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية بحث مقدم في ندوة الفقه الإسلامي بمسقط ص (532).
(2)
خطأ نحوي للضرورة الشعرية والصحيح ماضيا فعامل الإمام المنقوص في النصب معاملته
للمنقوص في الرفع والجر.
(3) السالمي: كشف الحقيقة ص (48، (49) الأبيات من بحر الرجز.
(4) السيابي: طلقات المعهد ص (77). (1/37)
صفحة 38
38
معالم ورؤى
وتصحيح قضايا العقول، فيما أحدثه أهل المقالات والبدع من الزور والافتراء في شريعة ربنا، وكان شديدًا في الله تعالى وله مناظرات ... كانت الحجة التي يخنس أمامها كل ثرثار، وله كلام مع عبد الملك بن مروان يهضم نفس كل جائر جبار، فغلب على المسلمين أصحابه الذين يقولون بقوله بالإباضية وتسمى المذهب باسمه على هذا المعنى).
ويقول عنه صاحب كتاب السير: ومنهم عبد الله بن إباض المري التميمي إمام أهل التحقيق والعمدة عند شغب أولي التفريق، سلك بأصحابه محجة العدل، وفارق سبيل الضلالة والجهل (2).
ويقول الشيخ الدرجيني: «كان عبد الله بن إباض إمام أهل الطريق، وجامع الكلمة لما وقع من التفريق فهو العمدة في الاعتقادات، والمبين لطرق الاستدلالات والاعتمادات والمؤسس لأبنية هي مستندات الأسلاف، والمهدّم لما اعتمده أهل الخلاف، وكان رأس العقد، ورئيس من بالبصرة، وغيرها من الأمصار، والمتقدم في حلية الفضل بين أولئك الأخيار» (3) ويقول الشيخ السيابي: إذ كان كل مقاصد عبد الله بن إباض الله وفي الله، فكانت له بذلك شهرة أضفت إليه لباس زعامة دينية تبعه عليها أهل الحق فأضيفوا إليه، وعرفوا به فكان سورهم المنيع من جانب السلطان وردءهم المكين، ورئيس القوم لزعامته القبلية» (4).
لقد جاءت هذه التسمية من قبل المخالفين (5) فظل الإباضية يقاومونها،
(1) الشماخي: القول المتين ص (103).
(2) الشماخي: السير ج 1 ص (72). (3) الدرجيني: الطبقات ج 2 ص (214).
(4) السيابي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص (56، 57).
(5) دبوز تاريخ المغرب الكبير ج 2 ص (398) أعوشت دراسات إسلامية ...... ص (20) جهلان
الفكر السياسي عند الإباضية ص (34). (1/38)
صفحة 39
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
39
لكنهم مع مرور الزمن، وإصرار مخالفيهم على تسميتهم بهذا الاسم قبلوا به، خاصة وأنهم لم يجدوا فيه ما يؤذيهم أو يسيء إلى سمعتهم».
ويقول الإمام نور الدين السالمي:
فما الإباضيون الإ علما لخلفاء الحق منا فاعلما إن المخالفين قد سمونا بذاك غير أننا رضينا (2) ويقول في موضع آخر: ولم يشرع لنا ابن إباض مذهبًا، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق» (3) ويقول الشيخ السيابي: وهذه التسمية جاءتنا من مخالفينا فقبلناها غير متبرمين منها» (4).
وهنا يتبادر سؤال: لماذا نسب الإباضية إلى إباض، وهو والد عبد الله، ولم ينسبوا إلى عبد الله نفسه؟
ويجيب على هذا السؤال البرادي حمدالله قائلا عن الإباضية: «إمامهم عبد الله ونسبوا إلى أبيه إباض؛ لأنه أعرف من عبد الله، وأشهر منه، كما نسبت الصفرية إلى الصفار والأزارقة إلى الأزرق» (ه).
(6)
وهكذا يظهر أن السبب يعود لتميز اسم أبيه عن اسمه () وللسبب نفسه نُسب الحنابلة إلى حنبل، مع أن إمامهم أحمد بن حنبل، ونُسب الأزارقة إلى الأزرق، مع أن إمامهم نافع بن الأزرق، ونُسب الصفرية إلى الأصفر، مع أن إمامهم زياد بن الأصفر، ونُسب الوهابية إلى عبد الوهاب، مع أن إمامهم
(1) خليفات التنظيمات السياسية والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان ص (5). (2) السالمي: كشف الحقيقة ص (48) البيتان من بحر الرجز.
(3) السالمي: العقد الثمين ج 1 ص (127).
(4) السيابي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص (49). (5) البرادي الجواهر المنتقاة - مخطوط ورقة (78. ظ). (6) ما أكثر من يتسمى بعبد الله. (1/39)
صفحة 40
40
معالم ورؤى
محمد بن عبد الوهاب، وكذا نُسب الحنفية إلى حنيفة، مع أن إمامهم
النعمان
بن ثابت المكنى بأبي حنيفة.
وعليه فهي تسمية للتمييز لا غير، ولذلك قبلها الإباضية وتداولوها في مؤلفاتهم وعُرفوا بها فأصبحت علما عليهم.
(1)
إن المتتبع للمصادر الإباضية الأولى لا يجد ذكرًا لكلمة ـ إباضية ـ وإنما ورد فيها ذكر عدة أسماء منها أهل الدعوة وجماعة المسلمين، وأهل الحق والاستقامة، والشراة (2).
ويبدو أن هذه التسميات التي اختارها الإباضية لأنفسهم، كانت مقصودة يهدف منها تمييز فئة خاصة انبثقت من جماعة المُحكّمة (3) وبما أن المحكمة انقسمت إلى فرق فإن فرقة الإباضية اختارت لنفسها هذه التسميات لأمرين:
(1) ظهرت كلمة ـ إباضية - لأول مرة في مؤلفات علماء الإباضية في المغرب، وذلك في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري خلفيات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص (12). (2) رسائل الإمام جابر بن زيد بالمكتبة الإسلامية بمسقط مرقونة، كتاب الزكاة للإمام أبي عبيدة طبع وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، مدونة أبي غانم الخراساني. طبع وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان، رسالة ابن إباض لعبد الملك بن مروان الأزكوي: كشف الغمة - مخطوط ورقة (232). و) خطب أبي حمزة الشاري. الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 7 (294) وما بعدها الدرجيني: الطبقات ج 2 ص (266) وما بعدها، عهد الإمام الصلت بن مالك لأحد ولاته على رستاق هجار السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص (184 - 193).
(3)
هم
بني
الذين رفضوا التحكيم وقالوا لا حكم إلا الله فهذه الفئة استمرت بتفكير واحد تدافع «لا عن آرائها بقوة الدليل وحجة البرهان إلى أن اختلف أتباعها حول مبدأ الخروج لحرب ولاة أمية وعندئذ انقست إلى فرق وبناء على هذا الانقسام تبلورت آراء كل فرقة المعتدلة والمتطرفة منها. انظر: الأزكوي كشف الغمة - مخطوط ورقة (238.و، 266.و) المنحي: كتاب البصائر والإرشاد - مخطوط ج 2 باب في معرفة ألقاب الفرق في الإسلام ـ غير مرقم الأوراق، خليفات: نشأة الحركة الإباضية ص (67، 71 - 74). (1/40)
صفحة 41
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
41
عبد
الأول: الأصل في الانتساب إنما يكون للدين الذي وحد الشعوب، وأذاب الطائفية في أمة واحدة هي أمة الإسلام وعلى هذا يؤكد الإباضية بأنهم لا يتمذهبون مذهبًا غير الحق حتى إذا جارى الإباضية المؤرخين، وانتسبوا إلى الله بن إباض، واتخذوا لهم اسمًا كسائر الفرق، فلا يعني أنهم يقلدون الرجال، ويقدسون أقوالهم، ويتبعونهم اتباعًا أعمى، ويرفعون أولئك الرجال إلى مراتب الكمال التي لا يصلها إلا أنبياء الله المصطفون، وإنما يحرصون أن لا يأخذوا دينهم إلا على من توفرت لهم فيه الثقة والأمانة في دين الله: الأمانة في القول، والأمانة في العمل»).
الثاني: التسمية بأهل الاستقامة تشير إلى تخصيص جماعة دون غيرها تتميز بالمحافظة على التعاليم الشرعية، التي لا تقبل التبديل والتغيير، والالتزام بأصول العقيدة الإسلامية يقول الدكتور خليفات: «إن المدقق في المصادر الفقيهة الإباضية يجد أنّ أصحاب المذهب الإباضي من أكثر المسلمين، اتباعًا للسنة الشريفة، والاقتداء بها، أما ما تلصقه بهم بعض المصادر من تهم، فإنما هو ناتج عن أحد أمرين: الجهل أو التعصب» (3) ويقول جهلان: «فنعت الإباضية بهذه التسمية ـ أهل الاستقامة - يقتضي وجود فرق أخرى حادت عن سواء السبيل ... وترمي الإباضية من وراء ذلك أن تتميز - خاصة ـ عن الخوارج الذين أحدثوا ما لم يكن من الشرع» (3).
ومهما يكن من أمر التسمية، فإن العبرة بالمبادئ والأصول، والعمل بإخلاص وإتقان وفق ما يرتضيه الخالق سبحانه، وما كان الإيمان يوما من بمجرد التسمي، والانتساب والتمني، وإلا لما حلّ بالمسلمين ما حل
الأيام
(1) معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (6). (2) خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص (54).
(3) جهلان الفكر السياسي ص (37). (1/41)
صفحة 42
42
معالم ورؤى
بهم من محن وهزائم وفتن كقطع الليل المظلم، لا سيما الآن مع كثرتهم الكاثرة، كل ذلك حدث بسبب بعدهم عن تعاليم الإسلام، واكتفائهم بمجرد الانتساب اليه والتسمي به. (1/42)
صفحة 43
المبحث الرابع
43
مكانة الإمام جابر بن زيد في المذهب الإباضي
تجمع المصادر الإباضية على أن الإمام جابر بن زيد هو مؤسس المذهب الإباضي، وأنه إمام الإباضية بلا منازع) يقول الشيخ الشماخي: « ... ومنهم جابر بن زيد الأزدي الله بحر العلم، وسراج الدين، أصل المذهب، وأته الذي قامت عليه أطامه صاحب ابن عباس الا الله وكان أشهر من صحبه وقرأ عليه» (2) ويقول صاحب كتاب القول المتين: «وإنما كان الإمام القائد والوسيلة الراشد، أس المذهب وحاميه، ومرجع الفضل في تدوينه وتشييد مبانيه إنما كان جابر بن زيد رحم الله» (3).
(1) البرادي الجواهر المنتقاة مخطوط ورقة (155. و الشماخي: السير ج 1 ص (72) السيابي: إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء ص (26) الحارثي: العقود الفضية ص (194) البطاشي: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان ج 1 ص (40، (41) معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (143) دبوز تاريخ المغرب الكبير ج 2 ص (138) بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد ص (28) الصوافي: الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة، ويذكر الأشعري، وابن أبي الحديد، وهما من غير الإباضية، أن الإباضية يعتبرون جابر بن زيد أحد أسلافهم، ولم يحاول أي منهما دحض هذا القول، ولوملكا الدليل والبرهان على خطل هذا الرأي لقاما بتفنيده الأشعر مقالات الإسلاميين ص (151) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة ج 5 ص (96) ويقول خليفات: «بعد هذا العرض والتحليل يبدو أن قضية انكار جابر لعلاقته بالإباضية كما توردها بعض الروايات في المصادر السنية إنما اخترعت من قبل بعض رواة السنة الذين كانوا يرون في جابر شيخًا جليلًا ومحدثا ثقة وبالتالي فيجب عدم الصاق ـ تهمة الإباضية به حتى لا يعتبر مجروح ... » نشأة الحركة الإباضية ص (95).
(2) الشماخي: السير ج 1 ص (67). (3) الشماخي: القول المتين ص (103). (1/43)
صفحة 44
44
معالم ورؤى
وفي موضع آخر يقول عن الإمام جابر هو: «بحر العلم وسراج الدين الذي جمع الله تعالى له بين العلم والعمل والورع والإخلاص، وحسن اليقين، وكفى بثقته في الرواية لدى جميع الفرق شهرة وتعريفا، وفضلا، وتشريفا».
ويقول الشيخ علي يحيى معمر: «إذا أردنا أن نؤرخ للمذاهب الإسلامية. نسبتها إلى المعلمين الأوائل الذين كان لهم التأثير الروحي والثقافي الأكبر على الناس، فإن المذهب الإباضي يكون من أولها نشوءا، فقد كان معلمه الأول جابر بن زيد من كبار التابعين الذين نشروا الثقافة الإسلامية في القرن الأول الهجري".
وهنا سؤال: لماذا لم ينسب المذهب الإباضي إلى جابر بن زيد الذي هو أصله وأسه؟ والذي يظهر أن ذلك يعود لسبين هما:
الأول: أن الظروف آنذاك فرضت على الإمام جابر بن زيد أن يعمل في الخفاء بعيدا عن أعين المخالفين؛ لأن أي أمر يكشف انتماءه للإباضية سيعرضه لا محال إلى خطر من قبل بني أمية يعود عليه، وعلى المذهب بالضرر، خاصة وأن العلاقة بين جابر والحجاج كانت في البداية ودية، ولذلك اختار الإمام جابر سياسة التأقلم. حسب الظروف، فهو من جهة يعمل على إرساء أسس المذهب سرًا عن طريق الحلقات التعليمية لإعداد رجال المذهب الذين سيكلفون فيما بعد بنشره في بلاد الإسلام، ومن ناحية أخرى لم يكن الإمام جابر في معزل عن المجتمع، يعيش على هامش الأحداث، بل سعى إلى ربط أواصر الأخوة الإسلامية مع ولاة بني أمية في البصرة حتى لا يعرض
(1) الشماخي: القول المتين ص (16).
(2) معمر: الإباضية موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (59). (1/44)
صفحة 45
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
45
نفسه إلى العيون المتربصة، ولا يعرض تلاميذه وأتباعه للأذى، فإن ذلك يعود حتما بالضرر والخطر على المذهب).
الثاني: أن المخالفين لا يريدون نسبة هذه الفرقة إلى جابر بن زيد حتى «لا يجذبون إليهم الأنظار، ولا يبدون في هالة جابر المشرقة، فتميل إليهم النفوس، فنسبوهم إلى عبد الله بن إباض وهو أقل منزلة من جابر في العلم وإن كان لا يقل عنه في التقوى والورع، والصلاح» (3).
وقد يسأل سائل: كيف يُوفق بين ما جاء في المصادر الإباضية من إمامة جابر بن زيد للمذهب الإباضي، وبين ما جاء فيها أيضا من إمامة ابن إباض لأهل التحقيق، ورئاسته لمن بالبصرة وغيرها من الأمصار؟
وأرى أنه لا تعارض بين ما تقوله المصادر الإباضية في هذه القضية، فجابر بن زيد هو الإمام الروحي، الذي بلور الفكر الإباضي، وكان يعمل في الخفاء، بينما عبد الله بن إباض هو المسؤول عن الدعوة والدعاة في البصرة وغيرها، وكان يعمل في الجهر، أو بعبارة أخرى أن جابر بن زيد يعتبر إماما للإباضية من الناحية العلمية بينما عبد الله بن إباض يعتبر إماما لهم من الناحية الحركية، والدليل على هذا أن عبد الله بن إباض كان لا يناظر ولا يراسل إلا بأمر من شيخه إمام المذهب جابر بن زيد رحمةالله يقول الشيخ الشماخي: «وفي حفظي أنه يصدر في أمره عن رأي جابر بن زيد (3).
ويقول صاحب كتاب القول المتين: « ... وعبد الله ابن إباض كان صنوه وتلوه ـ أي الإمام جابر بن زيد - وكان لا يصدر في النوازل إلا عن رأيه ونظره،
(1) خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص (22 (23) جهلان الفكر السياسي ص (35). (2) دبوز تاريخ المغرب الكبير ج 2 ص (398، 399). (3) الشماخي: السير ج 1 ص (73). (1/45)
صفحة 46
46
معالم ورؤى
وبعد وفاة جابر بن زيد، ظهر (1) عبد الله بن إباض بأجلى مظاهر الغيرة الدينية، ولقّن أصحابه مبدأ الإقدام في تقرير الحق، وقمع الجور والظلم، والمنحرفين عن جادة الصواب») بل يجمع مؤرخو الإباضية على أن عبد الله بن إباض كان يصدر في كل أقواله وأفعاله عن الإمام جابر بن زيد (3).
(2)
(1) قصده أن عبد الله بن إباض بعد وفاة الإمام جابر بن زيد ظهر أكثر في المجال الحركي من
حيث المناظرات والدفاع عن أصحابه.
(2) الشماخي: القول المتين ص (103).
(3) خليفات: الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص (9). (1/46)
صفحة 47
المبحث الخامس:
47
انتشار المذهب الإباضي في المغرب العربي
دخل المذهب الإباضي أرض المغرب العربي في مطلع النصف الأول من القرن الثاني الهجري (1) على يد الداعية الكبير سلمة بن سعد الحضرمي الى الذي أرسله شيخه الإمام أبو عبيدة لنشر مبادئ المذهب الإباضي هناك (3). وجد سلمة أرضا بكرًا صالحة لدعوته خاصة وأن البربر قد وجدوا في دعوة الإباضية مبدأ المساواة التي حرمهم منها الأمويون، فقام سلمة بنشاط كبير بين البلدان والقبائل لا سيما قبيلتي هوارة ونفوسة (3).
لقد
اتخذ سلمة من جبل نفوسة بليبيا معبرًا وممرا، ومن القيروان بتونس مقرًا وانطلاقا لدعوته، فنالت دعوته نجاحًا باهرا، ووجدت إقبالا واسعا، فأدرك بأن
(1) مما تجدر الإشارة بذكره هنا أن محمد بن عبد الحميد بن مغطير النفوسي الجناوني يعد من أوائل إباضية المغرب العربي، بل هو أول من رحل إلى المشرق للتعلم فدرس على يد أبي عبيدة قبل مجيء سلمة بن سعد إلى المغرب العربي وذلك على رأس القرن الأول الهجري ثم عاد إلى وطنه جبل نفوسة قبل حملة العلم فصار علما ومرجعا للفتوى، انظر: أبو زكريا: سير الأئمة ص (117) الشماخي: السير ج 1 ص (128) معجم أعلام الإباضية - قسم المغرب الإسلامي ج 2 (385) وأقول: ليس ببعيد أن يكون محمد بن عبد الحميد هو الذي مهد لسلمة بن سعد الذهاب إلى المغرب العربي لنشر المذهب الإباضي هناك. (2) الأزكوي: كشف الغمة - مخطوط ورقة (313. ط الشماخي: السير ج 1 ص (113) الحارثي: العقود الفضية ص (183) معمر الإباضية في مركب التاريخ الحلقة الثالثة ص (21) البوسعيدي: حملة العلم إلى المغرب ص (16، 17) المجدوب الصراع المذهبي بإفريقية ص (105) دبوز: تاريخ المغرب الكبير ج 3 ص (183) الدرجيني: الطبقات ج 1 ص (11) إلا الدرجيني ذكر اسمه سلامة وليس سلمة كما هو في المؤلفات السابقة الذكر وغيرها.
(3) حسين الإباضية في المغرب العربي ص (21). (1/47)
صفحة 48
48
معالم ورؤى
ما يطمع إليه شيخه أبو عبيدة من إظهار دعوة المسلمين في تلك البلاد يمكن تحقيقه، فكان يقول: وددت لو يظهر هذا الأمر يوما واحدا فما أبالي أن تضرب عنقي»).
لقد رأى الداعية الكبير سلمة بن سعد الا من الضرورة توسيع قاعدة الدعوة، فعمل جاهدا على حثّ وحصّ الشباب الإباضي للتوجه إلى المشرق؛ للدراسة على يد الإمام أبي عبيدة في البصرة، فكُللت جهوده بإرسال بعثة علمية مؤلفة من أربعة طلاب (2) من مناطق مختلفة (3) إلى البصرة. وأرى أن هذا الاختيار دليل على انتشار المذهب الإباضي في مناطق عدة من المغرب العربي هذا من جهة، ومن جهة أخرى دليل على النظرة الثاقبة والواعية للداعية سلمة، وذلك لضمان استمرارية الدعوة الإباضية، حيث سيقوم هؤلاء الطلبة بعد عودتهم من البصرة بواجب الدعوة كل في منطقته، فهم أقدر من غيرهم على التأثير على أبناء مناطقهم؛ لإقامتهم معهم، ولأنهم أعلم بشؤونهم، وأحوالهم، وهذا المنهج الدعوي يعد من فقه الدعوة، فقد تحقق ما كان يتمناه سلمة، فبعد دراسة هؤلاء الأربعة على يد الإمام أبي عبيدة خمس سنوات عادوا إلى المغرب العربي سنة 140 هـ، وقد انضم إليهم أبو الخطاب المعافري اليمني) فقاموا بواجب الدعوة كل في منطقته، حتى عرفوا في المصادر
(1) الشماخي: السير ج 1 ص (113). . (2) هم عبد الرحمن بن رستم وعاصم السدراتي، وأبو داود القبلي النفزاوي، وإسماعيل بن درار الغدامسي، ابن الصغير: أخبار الائمة الرستميين ص (30) أبو زكريا: سير البوسعيدي: حملة العلم إلى المغرب معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة
ص (130 - 134 السيابي: طلقات المعهد ص (57 - 59).
الأئمة ص
(54)
القيروان، والمغرب الأوسط، والجنوب التونسي - منطقة الجريد ـ وغدامس. دبوز:
(3) هي: تاريخ المغرب الكبير ج 3 ص (188).
(4) الدرجيني: الطبقات ج 1 ص (22) ابن سلام کتاب ابن سلام ص (139) ـ السيابي: طلقات
المعهد ص (53). (1/48)
صفحة 49
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
49
الإباضية بحملة العلم إلى المغرب العربي. وهكذا انتشر المذهب الإباضي في المغرب العربي انتشارًا واسعًا اعتنقه البربر، وغيرهم، حتى أصبح المذهب الرسمي لهم، إذ حكم الإباضية هناك حكمًا متصلا، فأول إمامة إباضية كانت
سنة (140 هـ).
حيث بويع بالإمامة أبو الخطاب المعافري واستمرت إمامته إلى (144 هـ) (1) وفي عام (160 هـ) بويع بالإمامة عبد الرحمن ابن رستم، فاتخذ تاهرت عاصمة لدولته، وقد استمرت الإمامة الرستمية حتى قضى عليها العبيديون سنة (296 هـ) (2).
أما عن دخول المذهب الإباضي وادي ميزاب موطن الشيخ أطفيش، فتدل المصادر على أن سكان وادي ميزاب كانوا أولا على مذهب المعتزلة، ثم اعتنقوا المذهب الإباضي بسبب دعوة الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي حمد لله المتوفى سنة (440 هـ) (3) يقول الشيخ أطفيش رحم الله أثناء حديثه عن قرى وادي ميزاب وليس أهل هذه القرى إباضية من أول الأمر، بل كانوا معتزلة يسافرون إلى تيهرت؛ لقتال الإباضية، وكانت المعتزلة
(3)
(1) الدرجيني: الطبقات ج 1 ص (23، 34) أبو زكريا: سير الأئمة ص (57) دبوز تاريخ المغرب الكبير ج 3 ص 209، 210) حسين الإباضية في المغرب العربي ص (25).
(2) الدرجيني: الطبقات ج 1 ص (40) وذكر رواية أخرى أنه بويع بالإمامة سنة (162 هـ) الباروني: الأزهار الرياضية ... ص (293) الفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي ص (149، 150). (3) تعلم بجربة، وتولى التدريس والدعوة، فظل ينتقل للدعوة بين جربة ونفوسة، وسدراته ووادي ريغ، ووارجلان وقرى وادي ميزاب ومعه تلاميذه وفي تلك الجولات كان يناظر أولئك القوم المعتزلة، ويشرح لهم مبادئ مذهبه حتى استحسنوها، ثم انتهى الأمر بهم إلى اعتناق المذهب الإباضي. الدرجيني. الطبقات ج 1 ث (183) النوري: نبذة من حياة الميزابيين ج 1 (56) معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة ص (418) طلاي مزاب بلد كفاح ص (15) خليفات: النظم الاجتماعية ص (78). (1/49)
صفحة 50
معالم ورؤى
أقوياء ... ولما غلبتهم الإباضية صار أمرهم في إدبار، وكان الشيخ محمد بن بكر بعد انقراض إمامة الإباضية من تيهرت يأتيهم من القبلة، ويردهم بالوعظ،
والتعليم».
(1) أطفيش الرسالة الشافية مخطوطة ورقة (64.و، 65.ظ). (1/50)
صفحة 51
مصادر التشريح عند الإباضية وأهم أصولهم الفكرية
المبحث الأول: مصادر التشريع عند الإباضية.
المبحث الثاني: الأصول العقدية للإباضية.
المبحث الثالث: الأصول السياسية للإباضية.
المبحث الرابع: الأصول الفقهية للإباضية. (1/51)
صفحة 52
T
توطئة
?
52
أتناول في هذا الفصل مصادر التشريع عند الإباضية، وسبب إطلاق بعضهم مصطلح الرأي على الإجماع، والقياس والاستدلال وغيرها من المصادر الأخرى، إضافة إلى أهم الأصول العقدية، والسياسية، والفقهية للإباضية، مبرزا أهم ما يتفرد به الإباضية عن غيرهم في مجال العقيدة، وما يتميزون به في مجال الفكر السياسي. (1/52)
صفحة 53
المبحث الأول:
مصادر التشريع عند الإباضية
53
لا تختلف مصادر التشريع عند الإباضية عن مصادر التشريع عند غيرهم من المسلمين، بل الجميع ينهلون من المنابع الأصلية للإسلام كل بحسب قدرته، يقول الإمام نور الدين السالمي مبينا مصادر التشريع عند الإباضية: والأصل للفقه كتاب الباري إجماع بعد سنة المختار والاجتهاد عند هذي منعا وهالك من كل فيها مبدعا والرأي في غير الأصول جوزا وواجب أن نتحرى الأجوزا (1)
ويقول شارحًا ذلك: «المراد بالفقه هنا معرفة النفس ما لها وما عليها، فيشمل الاعتقادات، وعلم الأخلاق، والفروعيات، لأن جميعها مستنبط من هذه الأصول الثلاثة وما خالفها أو خالف شيئًا منها فهو باطل، وإنما أطلق اسم الفقه على هذه الثلاثة بناء على طريقة الأقدمين (2) حتى أن بعضهم سـ الكلام فقها أكبر» (3).
وقال العلّامة أبو مسلم البهلاني الله: «الدلائل الشرعية أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وخامسها الاستدلال، وهو ما ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس، والمراد به طلب الدليل مما لم تأت به الدلائل الأربع» (1).
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 1 ص (174، 178، (181) الأبيات من بحر الرجز. (2) زيدان المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص (62).
(3) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 1 ص (174).
(4) أبو مسلم: نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر مخطوط ج 1 ورقة (82. ظ). (1/53)
صفحة 54
54
معالم ورؤى
ويقول الشيخ السيابي: «أسس الحكم عند الإباضية الكتاب والسنة والإجماع، وعلى هذه الثلاثة المعتمد فحلالها حلال وحرامها حرام لا هوادة في ذلك، ولا اختيار لأحد، بعد ما جاء في هذه الأصول الثلاثة، ثم القياس، ثم الاستدلال).
ويقول في موضع آخر: الأحكام عند الإباضية تجري على قانون الكتاب، والسنة والإجماع، ثم على القياس، والاستدلال، والاستحسان، والاستصحاب» (2).
ويقول الشيخ أطفيش زحمه لله في أصول الدين: «هي القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، ومن أنكر واحدا من الثلاثة الأولى أشرك؛ وهي أصل للقياس، وإنما كان أصلا في الدين بواسطة اعتماده على الثلاثة» (3) ويقول العلّامة الوارجلاني الله في مصادر التشريع: «فالأصلية تنقسم إلى ثلاثة أقسام الكتاب والسنة ورأي المسلمين» (4) وفي موضع آخر يقول: «وينقسم الشرع المسموع إلى ثلاثة أقسام أصل ومعقول أصل واستصحاب حال الأصل، وينقسم الأصل إلى ثلاثة أقسام الكتاب والسنة والإجماع» (ه).
هي
الكتاب،
ويقول الإمام نور الدين السالمي الله: «والمراد بأدلتها والسنة والإجماع، والقياس والاستدلال فأما الكتاب والسنة والإجماع
فلا خلاف بين أحد من المسلمين» (1).
(1) السيابي: أصدق المناهج ص (26).
(2) السيابي: أصدق المناهج ص (47).
(3) أطفيش: شامل الأصل والفرع ج 1 ص (9).
(4) الوارجلاني: الدليل والبرهان ج 3 ص (8).
(5) الوارجلاني: العدل والإنصاف ج 1 ص (14). (6) السالمي: شرح طلعة الشمس ج 1 ص (19). (1/54)
صفحة 55
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
55
ولقد ذكر الشيخ أطفيش رحم الله هذه الأصول عند تفسيره لقول الله تعالى: و يَنَايُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمرِ مِنكُمْ فَإِن تَتَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ ... [النساء: 59] إذ يقول: «فالأحكام ثلاثة حكم بالقرآن، وحكم بالسنة وهما في قوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وحكم بالقياس، وهو في قوله تعالى: {فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ» الآية، ولنا حكم رابع، وهو حكم الإجماع .... وهو مستفاد من قوله تعالى: {وَأُولِي الأتي: ... وحاصل الأربعة اثنان؛ لأن القياس والإجماع مبنيان على القرآن والسنة، وذلك أن الإجماع عندي إجماع على حكم يستنبطه أهل العصر من القرآن، أو السنة، أو من القياس عليهما ... » (1) ويقول أيضا: «الإجماع حجة، وخبر الواحد حجة، والقياس حجة أثبتها القرآن» (2).
عصر
ويقصد بالإجماع إجماع الأمة الإسلامية على حكم مسألة ما في أي كما صرح بذلك الشيخ أطفيش في تفسيره (3) مستدلاً على ذلك بقوله: صلى الله عليه وسلم [لا تجتمع أمتى على ضلالة] (4).
وقد سُئل سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله عن المدرسة الفقهية الإباضية، فأجاب قائلا: «المدرسة الإباضية قائمة كسائر المدارس الإسلامية على أسس الكتاب العزيز، وسنة الرسول وإجماع الأمة، وعندما نتحدث الأمة، فإنما نتحدث عن كل من دان بالشهادتين: أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدا رسول الله، فجميع طوائف الأمة داخلة في ذلك، وهؤلاء كلهم هم
عن
(1) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (21) وللمزيد انظر ج 1/ 9 ص (337). (2) أطفيش ن. م. س. ج 1/ 6 ص (78) وللمزيد انظر ج 7 ص (221). (3) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (165).
(4) رواه الترمذي في سننه (34) كتاب الفتن (7) باب ما جاء من لزوم الجماعة رقم (167) عن
ابن عمر رض الله عنهما. (1/55)
صفحة 56
معالم ورؤى
الذين يُعد بإجماعهم، والأصل الرابع هو القياس» (1) ويقول الشيخ علي يحيى معمر: مصادر التشريع عند الإباضية هي: القرآن والسنة والإجماع، والقياس والاستدلال، ويدخل تحت الاستدلال الاستصحاب، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وقد يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة - الرأي - فيقولون عندما يتحدثون عن مصادر التشريع هي: الكتاب والسنة والرأي؛
لذلك أخطأ بعض من كتب عنهم فظن أنهم ينكرون الإجماع (3).
وجاء تعبير الإباضية بالرأي عن الإجماع والقياس والاستدلال الخ في بعض الأحيان على ما يبدو؛ لأن هذه الكلمة أشمل مقتبسينها من تعبير الصحابي الجليل معاذ بن جبل الله حين سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن بم تقض يا معاذ؟ قال أقضي بكتاب الله قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله قال فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي فأقره الرسول صلى الله عليه وسلم وضرب على صدره، وقال: الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله] (3) وفي ضوء هذه المصادر التشريعية يبني الإباضية أصولهم الفكرية في جميع المجالات، وأكتفي في المباحث الآتية بذكر أهم أصولهم.
(1) مجلة العالم - ص (30) العدد (413) السبت 6 رجب 1412 هـ/11 يناير 1992 م. (2) معمر: الإباضية مذهب إسلامي معتدل ص (30).
(3) رواه أبو داود في سننه ج 3 ص (303) كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء رقم
(3592) (1/56)
صفحة 57
المبحث الثاني:
الأصول العقدية للإباضية
ينزه الإباضية الخالق لالالالالالة التنزيه المطلق بنفي النقص عنه، وإثبات الكمال له (فمن هذا الأصل ينطلق الإباضية في أصولهم العقدية لذلك يوجبون تأويل النصوص التي يوهم ظاهرها تشبيه الخالق بمخلوقاته سواء تلك النصوص من القرآن الكريم أو السنة النبوية، يقول الشيخ السيابي: «إن الكمال المطلق هو الله جل شأنه لا يشاركه فيه أحد، وإن اتصف بالصفات السامية، وتظاهر بالخصال العالية فإنها إلى النقص تؤول وإلى العدم تنتهي، أما كمال الله فهو هو لا غير، وبذلك يعلم ثباته، وفي الصفات المارة (2) ما يدل على الكمال الإلهي، فإنه إذا امتنع في حقه النقص ثبت له الكمال، وتأويل المتشابه بما قلناه موجب لكمال الله، وإبقاؤه على حاله الظاهر معرب عن النقص، ولا يرضى به عاقل مهما كان ولا يصح أن يضاف إليه تعالى شيء يوهم النقص فضلا عما يوجبه» (3).
ويقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله: «إن حمل الألفاظ على التأويل يفتح الباب على مصراعيه لأصحاب العقائد المنحرفة
ظاهرها، وعدم الضالة على اختلافها» (4).
(1) أبو عمار: الموجز ج 2 ص (429) وما بعدها.
(2) أي صفات الله تعالى التي ذكرها الشيخ السيابي سابقا انظر: طلقات المعهد ص (93) وما بعدها.
(3) السيابي: طلقات المعهد ص (103).
(4) الخليلي: الآيات المتشابهات في القرآن الكريم ص (26). (1/57)
صفحة 58
??
معالم ورؤى
وفيما يلي أهم أصولهم العقدية:
أولا: صفات الله تعالى الذاتية هي عين ذاته، وليست زائدة على الذات، ولا قائمة بها، ولا حالة فيها).
ثانيًا: استحالة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة (2).
ثالثًا: خلود مرتكب الكبيرة إن لم يتب في النار خلودًا أبديا (3) فهذا الشيخ أطفيش عند تفسيره لقول الله تعالى {خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَالُ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] يرد على القائلين بفناء النار، وعلى القائلين بخروج الموحدين منها في خمس صفحات تقريبا (4).
(4).
ومما قاله في شأن المراد بالاستثناء في الآية: «والواضح أن المراد الاستثناء من الخلود في خصوص العذاب بالنار، فيكون المعنى أنهم خالدون في التعذيب بحرارة النار إلا ما شاء الله من تعذيبهم في بعض الأزمنة بالزمهرير، وأنواع أخرى من العذاب كلدوغ الحيات والعقارب لهم في موضع لا نار فيه ... فإن ذلك كله عذاب أيضا» (ه).
(1) أبو مسلم نثار الجوهر - مخطوط ج 1 ورقة (31). و) الوارجلاني الدليل والبرهان ج 1 ص (60) وما بعدها السالمي: مشارق أنوار العقول ج 1 ص (346) الخليلي: شرح غاية المراد في الاعتقاد ص (5). (2) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 1 ص (380) وما بعدها الأزكوي: كشف الغمة ـ مخطوط ورقة (438. و.) السيابي: طلقات المعهد ص (107) وما بعدها، الخليلي: الحق الدامغ ص (67) شرح غاية المراد في الاعتقاد ص (9) عزة رؤية الله بين المثبتين والنافين وسيأتي الحديث عن هذه المسألة في فصل مذهب الشيخ العقدي ص (242). (3) الأزكوي: كشف الغمة - مخطوط ورقة (453. ظ الأصم: كتاب النور ص (254) أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص (196) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (144) الخليلي: تمهيد قواعد
الإيمان ج 2 ص (15) الخليلي: الحق الدامغ ص (202) وما بعدها.
(4) أطفيش: هميان الزاد ج 1/ 8 ص 284) - 288) وللمزيد انظر: هميان الزاد ج 1 ص (497) ج 2
ص (140).
ن. م. س
(5) ====: ن. م. س ج 1/ 8 ص (284). (1/58)
صفحة 59
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
59
ويقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله تعالى: «وعقيدتنا معشر الإباضية إن كل من دخل النار من عصاة الموحدين والمشركين مخلدون فيها إلى غير أمد (1).
رابعًا: الله صادق في وعده ووعيده، وهما لا يتخلفان (2) يقول الشيخ أطفيش: «فإن الألوهية تنافي خلف الوعد والوعيد» (3).
خامسًا: الإيمان اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالأركان، ولا يجوز
الفصل بين الإقرار والعمل فهما شرطان لصحة الإيمان أو ماهيته (4). يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: «فالإباضيون يؤكدون أن الإيمان بدون
تطبيق فرائض الإسلام لا معنى له، وإلا فأصبح فكرة جوفاء» (ه).
ويقول الشيخ أبو مسلم البهلاني كم الله: «ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل، لا على أنه ركن، ونحن نقول ـ أي الإباضية - انضمامهما إليه ركن وهما جزء، ماهيته وقيل شرط خارج عن الماهية لا ينتفع به بدونهما، وأن ماهيته هي التصديق بالقلب فقط، وأما الإقرار فلإشهار دين الله ... وأما العمل فلوجوب، الصدق فمن لم يعمل فقد كذب اعتقاده وإقراره» (6).
(1) الخليلي: الحق الدامغ ص (191).
(2) أبو عمار: الموجز ج 2 ص (104 - 106) أطفيش الذهب الخالص ص (8) الخليلي: الحق الدامغ ص (219).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (24).
(4) أبو مسلم نثار الجوهر مخطوط ج 1 ورقة (47. و) الشماخي: شرح عقيدة التوحيد ص (25) معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (77) الخليلي: الإيمان زيادة ونقصانا ص (12) وما بعدها، شرح غاية المراد في الاعتقاد ص (13) وسيأتي الحديث عن هذه المسألة مع بيان رأي الشيخ أطفيش فيها في فصل مذهب الشيخ العقدي ص (249).
(ه) نقلا من أعوشت دراسات إسلامية ص (57).
(1) أبو مسلم: نثار الجوهر ـ مخطوط ج 1 ورقة (47.و). (1/59)
صفحة 60
60
معالم ورؤى
سادسًا: ولاية الأشخاص، وبراءة الأشخاص واجبتان (1) وهذا ما يتفرد به الإباضية عن غيرهم من المسلمين في مسألة الولاية والبراءة مما ساعد على حفظ المجتمع الإباضي من المعاصي، وعدم المجاهرة بها، ومازال إباضية وادي ميزاب إلى اليوم يعلنون عنهما في مساجدهم بعد الصلاة، وخاصة في مساجد مدينة القرارة (2) وهذا الإعلان بمثابة علاج ناحع، فما أن تعلن البراءة من شخص ما حتى يسارع إلى التوبة، فيتحقق الغرض منها، وعليه فحقيقة البراءة إصلاح وخير، وإن كان طعمها مرا، فهي آخر علاج كالكي. سابعا: الكفر نوعان: كفر شرك، وكفر نعمة، فإذا أطلقت هذه الكلمة على
ما تتهم
مسلم فتعني كفر نعمة، وإذا أطلقت على غير مسلم فتعني كفر شرك (3). لقد كان هذا التقسيم مصدر إشكال عند غير الإباضية؛ لأن كلمة الكفر تطلق في كثير من النصوص الإباضية بدون إضافة شرك أو نعمة، ولهذا كثيرًا الفرق الأخرى الإباضية بأنهم يكفرون مرتكب الكبيرة، دون الوقوف على هذا التقسيم الاصطلاح، فيقف الإباضية موقف الدفاع، وللإباضية أدلة على كفر النعمة من القرآن الكريم والسنة النبوية منها: قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ الله [آل عمران: 97] والخطاب للمصدقين (4).
:
(1) حقيقتهما حب كل من علم منه الوفاء لدينه، وبغض كل من علم منه الإصرار على المعصية، وكل منهما ينقسم إلى قسمين ولاية الحقيقة وولاية بحكم الظاهر وبراءة الحقيقة وبراءة بحكم الظاهر انظر الكدمي: الاستقامة ج 1 ص (25) وما بعدها، المعتبر: ج 1 ص (137) الثميني: معالم الدين ج 2 ص (114) وما بعدها معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (84) السيابي: طلقات المعهد ص (117) وما بعدها، أبو الحسن: الولاية والبراءة. (2) كما ذكر لي ذلك كثير من إباضية ميزاب ومنهم الدكتور محمد ناصر بو حجام. (3) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (312) معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص 89 - (92) الخليلي: شرح غاية المراد في الاعتقاد
ص
(24)
(4) الجعبيري البعد الحضاري ص (509). (1/60)
صفحة 61
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
61
وقول النبي: اسباب المسلم فسوق وقتاله كفر].
ثامنا: شفاعة الرسول، ثابتة وهي: قسمان: الشفاعة الكبرى لبدء صلى الله عليه وسلم الحساب، والشفاعة الصغرى، وتكون للمؤمن لزيادة الدرجات، أو تعجيل الحساب، أو تيسيره، له، أو إدخاله الجنة بغير حساب، ولا تكون لمن مات على كبيرة (2).
(2)
وقد ذكر الشيخ أطفيش رحم الله عند تفسيره لقوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79] أقسام الشفاعة في معرض رده على القائلين بأن الشفاعة تكون لأهل الكبائر من الموحدين، مدعمّا رأيه بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وبما قاله بعض العلماء (3) ومما قاله: «الشفاعة أقسام: الأول: الشفاعة في المحشر وهي عامة، والأصل فيها هذه الأمة وغيرهم تبعًا لهم ... الثاني: إدخال قوم الجنة بغير حساب ... الثالث: رفع الدرجات لمن حوسب، ومن لم يحاسب، وهي مشهور المذهب ... وزاد قومنا ... إخراج الموحدين من النار ...
(4)
•
تاسعا: الناس يوم القيامة قسمان: سعيد وشقي، يقول الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَقِي وَسَعِيدٌ} [هود: 105].
(1) رواه البخاري في صحيحه - فتح الباري - 78 كتاب الأدب، باب 44 ما ينهى عن السباب واللعن ج 10 ص (479) رقم الحديث 6044، مسلم في صحيحه ـ شرح النووي، كتاب الإيمان، باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ج 4 ص (54). (2) الأزكوي كشف الغمة ورقة (442. و) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (132) بهجة الأنوار ص (106) السعدي: قاموس الشريعة ج 5 ص (506) الجيطالي: قناطر الخيرات ج 1 ص (148) أطفيش: إزالة الاعتراض عن محق آل أباض ص (5) الخليلي: جواهر التفسير ج 3 ص (265) وما بعدها.
(3) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 9 ص (296 - 314) وللمزيد انظر:: هميان الزاد ج 2 ص (21 - 24). (4) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 9 ص (309 - 310). (1/61)
صفحة 62
62
معالم ورؤى
عاشرا: ومن أصولهم العقدية الأخرى):
1 - الإنسان حر في اختياره مكتسب لعمله ليس مجبرا عليه ولا خالقا له، والاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده.
2 ـ التوبة الصادقة أساس المغفرة، فالكبائر تكفر بالتوبة، والصغائر تكفر
باجتناب الكبائر شريطة عدم الإصرار على الصغيرة أو احتقارها.
3 ـ الحسن ما حسنه الشرع لا العقل والقبيح ما قبحه الشرع لا العقل. 4 ـ حجة الله تعالى تقوم على خلقه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب.
ه - إنكار معلوم من الدين بالضرورة شرك. 6 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (173) معمر: الإباضية مذهب إسلامي معتدل ص (28) الوارجلاني: الدليل والبرهان ج 3 ص 229 - 236، (254 الثميني: معالم الدين ج 1 ص (256، (257 أطفيش هيميان الزاد ج 1 ص (490) ج 2/ 6 ص (21) ج 2/ 10 ص (166، 167). (1/62)
صفحة 63
=
63
المبحث الثالث:
الأصول السياسية للإباضية
يعتمد الإباضية في سياستهم على أساس أسلوب الدعوة، والحوار، والإقناع وعدم اللجوء إلى العنف والشدة إلا في مقام الدفاع عن النفس) ولذلك فهم «لم يشتركوا في عمل من أعمال العنف التي قام بها الخوارج، والشيعة، والتوابون، وابن الزبير، وابن الأشعث وغيرهم ضد الدولة الأموية، ونقدهم العنيف لسلوكهم المنحرف عن الكتاب والسنة (2).
وفيما يلي أهم أصولهم السياسية:
أولا: يرى الإباضية أن الإمامة فرض واجب على المسلمين، بفرض الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله تعالى، والجهاد، والعدل، وإقامة الحدود، ومشروعية الزكاة. (3)
يقول الشيخ أطفيش: «وعندنا - أي الإباضية ـ أن الإمامة من الأصول لما صح عن عمر وغيره من الأمر بقتل من تعين نصبه إمامًا فأبى قبولها (4).
(1) معمر الإباضية مذهب إسلامي معتدل ص (25) وما بعدها هاشم نشأة الحركة الإباضية في المشرق ص (290) وما بعدها مصلح: هذه مبادؤنا ص (197) وما بعدها. (2) معمر الإباضية مذهب إسلامي معتدل ص (24) وللمزيد انظر السيابي: أصدق المناهج ص (26). (3) أبو عمار: الموجز ج 2 ص (223) - (234) أطفيش: شرح النيل ج 14 ص (272). (4) إذ بالامتناع عن قبول الإمامة تتفرق كلمة المسلمين وينحل النظام، وتتعطل الحدود، وفي
-
التاريخ الإباضي أمثلة على ذلك منها: لقد أمر الإمام أبو عبيدة حملة العلم إلى المغرب بقتل
أبي الخطاب المعافري إذا رفض مبايعته بالإمامة، وكذلك أمر الإمام السالمي تلميذه الكبير (1/63)
صفحة 64
معالم ورؤى
فمعني کونها من الأصول أنه لا يجوز الخلاف فيها).
ويقول في تفسيره تيسير التفسير: (والآية (3) تدل على وجوب الإمامة الكبرى ونصح الناس، وكل آية أوجبت الإقامة، أو إقامة الدين فهي موجبة للإمامة، فهي من القرآن استنباطا، وكذا في الأحاديث» (3) ويقول في موضع آخر: «والحق وجوب نصب الإمام إذا أمكن لأن أمرنا باق من الدين ولا سبيل إلى إقامته إلا بوجود الإمامات على أنفس الناس وأهلهم وأموالهم، ومنع تعدي بعض على بعض، وذلك لا يصح إلا بوجود إمام يخافون سطوته، ويرجون رحمته، ويرجعون إليه، ويجتمعون عليه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فنصب الإمام واجب، ووجب أن يكون واحدًا لئلا يختلفا فيكون «الفساد» (4).
ويرى أيضًا أن مما يوجب إقامة الإمامة اقتضاء للمصلحة الاجتماعية من دفع الضرر، وجلب المنفعة، فيقول: «في نصب الإمام دفع ضرر مظنون، ودفع الضرر المظنون واجب إجماعًا لأنا نعلم بالضرورة أن المناكحات، والجهاد، والحدود، والمقاصات والأعياد، والجمعات ونحو ذلك منافع عائدة إلى الخلق معادًا ومعاشا ... لا يتم إلا بإمام وللوسائل حكم المقاصد، ولولا الإمامة لتغابن الناس بالقتل والنهب والزنا وتعطلت معالم الدين والدنيا، وربما كان كل واحدٍ مشغولا بحفظ ماله ونفسه تحت قائم سيفه وذلك مضرة للدين والدنيا» (5).
=
الشيخ أبا زيد الريامي نعم الله بقطع عنق الإمام سالم بن راشد الخروصي عندما رفض مبايعته بالإمامة سنة 1331 هـ، الشماخي: السير ج 1 ص (114) السالمي: نهضة الأعيان ص (163، 164). (1) أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص (221).
(2) هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10].
(3) أطفيش تيسير التفسير ج 12 ص (294).
(4) أطفيش: تيسير التفسير ج 12 ص (295). (2) أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص (222). (1/64)
صفحة 65
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
65
ومما تقدم يتضح أن الإمامة هي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين، وحفظ حوزة الملة، وتبليغ الإسلام، وعليه فيرى الإباضية أنه لا يجوز أن تبقى الأمة الإسلامية بدون إمام
لشخص، وهي
الظهور
(1)
ترجع إليه تحت أي ظرف من الظروف، ولضمان استمرارية الإمام، فإنهم يقسمون الإمامة إلى أربعة أنواع تسـ مسالك الدين وه والدفاع (2) والشراء (3) والكتمان (4).
وتعتبر
هذه المسالك من أهم ما يتميز به الإباضية، في مجال الفكر السياسي، فهذا الأصل يضع جملة من التعاليم والمبادئ، والأسس يحدد الإباضية وفقها مواقفهم السياسية في مختلف الظروف الزمانية، والمكانية، سواء المتعلقة بالشؤون الداخلية أو الخارجية.
(1) تعني بمفهوم العصر الاستقلال، وهو الأصل المأمور به الذي يجب أن يكون عليه المسلمون. الشماخي: شرح مقدمة التوحيد ص (50) الخليلي: شرح غاية المراد ص (33) أعوشت: دراسات إسلامية ص (111).
(2) تعني بالمفهوم العصري الثورة على الغزو الأجنبي، أو على الظلم الداخلي أو الانحراف عن دين الله، معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (93) جهلان الفكر السياسي ص (156). (3) حقيقتها أن يبيع المسلم نفسه الله فيجاهد حتى النصر أو الشهادة ولا يقاتل إلا من يقاتله، وتنعقد بأربعين رجلا فصاعدا الخليلي: شرح غاية المراد ص (33) أعوشت: دراسات إسلامية ص (112).
(4) تعني السرية التامة، وذلك عندما يعجز المسلمون عن رد الظالم وإنكار المنكر إلا بالقلب حينئذ يتفق أهل الغيرة على الدين على شخص منهم يرجعون إليه في أمر دينهم، ويركزون نشاطهم على الإصلاح والتنظيم الداخلي للمجتمع في كل المجالات، وعلى العلاقات الخارجية بينهم وبين غيرهم فمرحلة الكتمان تدل على النضج السياسي لدى الإباضية، فهي ليست مرحلة سكون، وإنما هي مرحلة تنظيم وإعداد لمرحلة الظهور، وتعنى هذه المرحلة بالمحافظة على الدين، وصفائه أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص (76) الخليلي: شرح غاية المراد ص (34) أعوشت: دراسات إسلامية ص (113) جهلان: الفكر السياسي ص (165) هاشم: نشأة الحركة الإباضية ...... ص (292). (1/65)
صفحة 66
معالم ورؤى
ثانيًا: يرى الإباضية أن الخلافة ليست مقصورة على العلوية، أو الهاشمية، أو القرشية، أو العروبة، وإنما تراعى الأهلية والكفاءة المطلقة، فإذا تساوت الكفاءات كانت عندئذ العلوية، أو الهاشمية، أو القرشية، أو العروبة مرجحا (). ويقول الشيخ أطفيش الله: ويكون الإمام من قريش إذا وجد، وصلح للإمامة، وإلا فمن غيرهم، ولا يجب أن يكون من بني هاشم (3) ويقول الشيخ علي يحيى معمر زكم الله: «على أنني أعتقد أن الإمامة الإسلامية بعد التجارب الطويلة المريرة، وبعد أن ابتعد بها التاريخ عن المؤثرات الخاصة التي سيرتها في اتجاه معين لا يسعها إلا أن ترى رأي الإباضية في قضية الخلافة، وأن علماء الإسلام لا يمكن أن يرجحوا غير هذا الرأي ........... اللهم إلا في مقام الترجيح» (3). وهذا يعد أيضا من أبرز مزايا فكر الإباضية السياسي، وفي العصر الحديث يوجد من المفكرين من يرفض فكرة حصر الخلافة في أسرة محددة، أو فئة معينة، بل يرى أنها حق لمن صدق إيمانه وعمل صالحًا، فهذا أبو الأعلى المودودي، يقول في هذا المعنى:
لا يذهبن بكم سوء الفهم من كلمة النيابة إلى أنها عبارة عن ظل الله، أو حقوق الملوك الإلهية، فقد قضى القرآن أنه ليست هذه المنزلة - منزلة الخلافة - من حق فرد من الأفراد أو أسرة من الأسر، أو طبقة من الطبقات، حق لكل من يسلمون الحاكمية الله، ويؤمنون بعلو القانون الإلهي وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55] وهذا ما يجعل الخلافة الإسلامية ديمقراطية» (4).
وإنما
هي
(1) السالمي: شرح الجامع الصحيح ج 3 ص (1307) معمر: الإباضية مذهب إسلامي معتدل ص (25) غباش عُمان الديمقراطية الإسلامية ص (63).
(2) أطفيش تيسير التفسير ج 12 ص (195).
(3) معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (64).
(4) المودودي: نظرية الإسلام وهديه ص (259) وللمزيد انظر: المودودي نظرية الإسلام السياسية
ص (46). (1/66)
صفحة 67
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
67
ويقول الشيخ الداعية محمد الغزالي وهو يتحدث عن موضوع الخلافة: ونحن نتساءل فيم هذا الجدل كله؟ وما يضرنا، أو يفيدنا من هذا النسب؟ وما ينقصنا أو يزيدنا من إفريقية، أو آسيا؟ ...
ولماذا لا يقال في إيجاز إن الزنجي المسلم خير من الهاشمي المنافق»). ويقول فهمي هويدي: ظلت مسألة النسب القرشي شاغلا قلقًا عندي، إذ لم أجد لها مبررًا، ولا منطقا، فضلا عن استحالة الالتزام بهذا الشرط من
(2)
الناحية العملية» (2).
ويقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله: «وقبل بضع سنين حضر العلّامة الشيخ سعيد شعبان - زعيم جماعة التوحيد الإسلامية بلبنان ـ اجتماعًا عاما أقيم بمجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية بطهران عاصمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فدوى صوته أمام الجمهور داعيا الفرقتين الكبيرتين في الأمة - السنة والشيعة - إلى التخلص من الأصلين (3) اللذين بنتا عليهما أفكارهما، وقال إنهما أصلان باطلان تسربت الوثنية إلى الأمة من خلالهما، وإن على كل واحدة من الطائفتين الرجوع عن هذا الأصل الذي تمسك به إلى
(1) نقلا عن معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص 64) (65) وأذكر أنني قد قرأت هذه العبارة في أحد مؤلفات الشيخ الغزالي أثناء دراستي الجامعية - البكالوريوس ـ فاجتهدت في البحث عنها الآن من مؤلفات الشيخ الغزالي التي بين يدي، ولكن لم أصل إليها ولعلها
في كتاب آخر لا يوجد معي.
(2) هويدي: القرآن والسلطان ص (37).
(3) الأصلان هما: القرشية والعلوية فأهل السنة يشترطون أن يكون الإمام قرشيا، بينما الشيعة يشترطون أن يكون الإمام علويا أي من نسل علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ انظر: شرف: نشأة الفكر السياسي وتطوره في الإسلام ص (283) غباش: عُمان الديمقراطية الإسلامية ص (65) الأمين: أعيان الشيعة، اعتقادهم في الإمامة والخلافة ج 1 قسم 2 ص (26) الشهرستاني: الملل والنحل ج 1 ص (146). (1/67)
صفحة 68
68
معالم ورؤى
جوهر الإسلام الأصيل، وما كان ينادي به هو عين ما عليه أهل الحق والاستقامة، وقد كان ذلك قبيل وفاته بقليل .... على أن ما دعا إليه صرح عندي
اثنان
من
علماء سورية بأنه من أبرز مزايا فكر أهل الحق).
ثالثًا: يرى الإباضية عدم جواز الخروج على الحاكم العادل، وإنما يجوز الخروج على الحاكم الجائر إذا غلب الظن نجاحه، سواء كان هذا الحاكم إباضيًا، أو غير إباضي؛ وذلك لأن العدل والجور ليس لهما مذهب.
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحم الله: «وإنما أوجبوا ـ أي الإباضية - الطاعة عندما تكون الإمامة سائرة بمنهج الشريعة، وأجازوا البقاء والخروج حسبما تقتضيه أحوال الناس وظروف المجتمع إذا كان الحكم جائرا» (2).
ويقول الشيخ أطفيش رحم الله: وكان يأمر باتباع الأئمة، ما داموا على الحق فوجوبها بشرع» (3).
ويقول الشيخ عبد اللطيف محمد نصار وهو يتحدث عن الإباضية، مؤيدا رأيهم في هذه المسألة: «إنني أقول: إن الخروج على الحكم الظالم، والثورة عليه من أعظم الواجبات في الإسلام، إذا لم يترتب على ذلك شر أكبر» (4).
(1) الخليلي رده على أحد علماء ميزاب ص (12).
(2) معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية ص (457) انظر: الإباضية مذهب إسلامي معتدل
ص (25، 26).
(3) أطفيش: تيسير التفسير ج 12 ص (294).
(4) مجلة الغدير ص (19) مقال للشيخ عبد اللطيف محمد نصار مدرس بالأزهر ـ بعنوان:
الإباضية بين الفرق الإسلامية. (1/68)
صفحة 69
المبحث الرابع:
الأصول الفقهية للإباضية
69
يستقي الإباضية الأحكام الشرعية العملية من المصادر التفصيلية للتشريع الإسلامي، وفيما يلي بعض مسائل الأصول المتعلقة بالفقه.
أولا: شرع من قبلنا شرع لنا إذا وجد في القرآن أو السنة يقول الشيخ أطفيش والكلام على أن شرع من قبلنا شرع لنا هو الصحيح)
ويقول في موضع آخر: «وأما الحكم بشرع من قبلنا على جوازه، فمبني على القرآن أو السنة؛ لأنا لا نقول إنه من شرع من قبلنا إلا أن وجدناه عن شرع من قبلنا في القرآن، أو السنة (2) هذا ما ظهر لي في المقام» (3).
ثانيًا: الإجماع القولي حجة قطعية، بينما الإجماع السكوتي حجة ظنية، يقول الإمام السالمي: «فالإجماع حينئذ نوعان أحدهما إجماع قولي ... والنوع الثاني سكوتي ... ولكل واحد من النوعين حكم يخالف حكم الآخر أما حكم الإجماع القولي فهو أنه حجة قطعية يفسق من خالفها عند الجمهور ... وأما حكم الإجماع السكوتي فهو حجة ظنية ... فمن خالف الإجماع السكوتي لا يحكم بفسقه على الصحيح ... » (4).
(?)
:
(1) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (410) وللمزيد انظر هميان الزاد ج 1/ 6 ص (167). (2) لأن نسخ التوراة والإنجيل لا يعتمد عليها في معرفة شرع من قبلنا بعد ما أصابها التحريف
والتبديل من قبل علماء اليهود والنصارى.
(3) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (21، 22). (4) السالمي: طلعة الشمس ج 2 ص (66 - 72). (1/69)
صفحة 70
70
معالم ورؤى
ثالثًا: حديث الآحاد يقبل في العمل، ولا يقبل في الاعتقاد). رابعا: عمل أهل المدينة أو إجماعهم ليس حجة على غيرهم لأنهم بعض
الأمة (2).
خامسا: مذهب الصحابي ليس حجة على غيره (3) وللإباضية ثلاثة أقوال
(?)
في عدالة الصحابة هي الأول: جميع الصحابة عدول إلا مَنْ فسقه القرآن الكريم كالوليد بن عقبة بن أبي معيط.
الثاني: جميع الصحابة عدول، وروايتهم مقبولة إلا في الأحاديث المتعلقة
بالفتن ممن خاض فيها.
الثالث: الصحابة كغيرهم من الناس، فمن اشتهر بالعدالة فهو كذلك، ومن لم يعرف حاله يبحث عنه، يقول الشيخ أطفيش رحم الله: «والصحابة عدول لا يبحث عن عدالتهم في شهادة، ولا رواية لما ورد فيهم من المدح ......... أو كغيرهم، فيبحث عنها فيهم إلا من يقطع له بها كأبي بكر، وعمر، ومن ترجح له، أو عدول إلى أن وقعت فتنة عثمان أو إلى أن وقعت فتنة علي» (5).
سادسًا: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (6).
سابعا: إذا تعارضت السنة القولية، والسنة الفعلية، ولم يمكن الجمع
(1) السالمي: المصدر السابق ج 2 انظر على التوالي ص (64، 79، 15). (2) السالمي: المصدر السابق ج 2 انظر على التوالي ص (64، 79، 15). (3) السالمي: المصدر السابق ج 2 انظر على التوالي ص (64، 79، 15).
(4) الوارجلاني: العدل والإنصاف ج 1 ص (147 - 149) السالمي: طلعة الشمس ج 2 ص (42).
(5) أطفيش: تيسير التفسير ج 12 ص (295).
(6) السالمي: معارج الآمال ج 1 ص (206). (1/70)
صفحة 71
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
71
بينهما بأي وجه من وجوه الحق عندئذ تقدم السنة القولية على السنة الفعلية؛ لأن القول أقوى فهو موجه إلى المسلمين، بينما الفعل يحتمل الخصوصية
له.
ثامنا: الأعمال التي صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض العبادات لسبب عارض، أو حالة طارئة، أو فعلها ولم يعد إليها لا تعتبر سنة، وإنما تعتبر واقعة
حال يمكن الإتيان بها في ظروف مشابهة فقط، کشر به ماء زمزم واقفا. تاسعا: الاجتهاد في فروع الشريعة لا في أصولها، وعليه فإنه إذا اختلف المجتهدان في القطعيات فأحدهما مصيب، والآخر مخطئ آثم، أما إذا اختلفا في الظنيات، أي في الفروع، فإباضية المغرب، والعلّامة ابن بركة من المشرق يرون أن أحدهما مصيب له أجران، والآخر مخطئ له أجر واحد جزاء اجتهاده، بينما إباضية المشرق، والعلّامة أبو يعقوب الوارجلاني من علماء المغرب يرون أن كلا المجتهدين مصيب).
علماء
هذه أهم الأصول الفكرية للإباضية ذكرتها بإيجاز وهي في جملتها تبين
مدى تمسك الإباضية بالقران الكريم والسنة المطهرة.
(1) فيما يتعلق بـ (سابعًا وثامنًا وتاسعا انظر الوارجلاني: العدل والإنصاف ج 2 ص (12) معمر:
:
الإباضية مذهب إسلامي معتدل ص (32، 31). (1/71)
صفحة 72
[صفحة فارغة] (1/72)
صفحة 73
الحلاقة بين الإباضية والخوارج
المبحث الأول: إقحام الإباضية مع الخوارج.
المبحث الثاني: مدلول كلمة الخوارج.
المبحث الثالث: الفرق بين الإباضية والخوارج (1/73)
صفحة 74
T
توطئة
74
يتضمن هذا الفصل مسألة في غاية الأهمية في هذا الباب فهي السبب ـ في اعتقادي - في ظلم الإباضية والإساءة إليهم، وإهمال دورهم في خدمة الإسلام، وجعل الدارسين يجهلون الشيء الكثير عن حقيقة المذهب الإباضي، وذلك بجعل الإباضية فرقة من فرق الخوارج المارقين من الدين، وفي هذا الفصل أتحدث عن إقحام (1) الكتاب الإباضية مع الخوارج، وعن مدلول كلمة الخوارج، والفرق بين الإباضية والخوارج في ضوء المفاصلة (2) بين الفريقين.
(1) الإقحام معناه إدخال الشيء في غيره من غير روية وتثبت انظر: ابن منظور: لسان العرب ج 5
ص (205).
:
(2) المفاصلة من فَصَلَ بمعنى قطع وقضى وفض. يقال: فاصل الشريك شريكه أي فض ما بينهما من شركة انظر: ابن منظور لسان العرب ج 5 ص (134) المعجم الوسيط ج 2 ص (691) ويراد بالمفاصلة هنا قطع العلاقة بين الإباضية والخوارج في ضوء مبادئ كل منهما. (1/74)
صفحة 75
المبحث الأول:
إقحام الإباضية مع الخوارج
Vo
إن تأخر تدوين التاريخ الإسلامي كان سببًا رئيسًا في ضبابيته؛ إذ أُدخلت عليه الكثير من التحويرات والتعديلات والتشويهات والملابسات واللمسات المصبوغة بصبغة السياسة العامة السائدة والمهيمنة على العصر، والموجهة للمجتمع والمرتبطة بأهداف خاصة، فولد مشوها، وجاء مغشوشا) «وحين نتأمل في واقعنا المعيش نجده ـ في أغلبه - إفرازات لتوجيهات معينة، واجتهادات بعض المؤرخين الذين يفتقدون كثيرًا من الشروط المطلوبة في كتابة التاريخ لذلك نجدهم يقولون ويتقولون ويتأولون مرتكزين على منطلقات فكرية معينة، وربما ضيقة، فيقيمون بعض المواقف ويقررون بعض الأحكام الخاطئة فتتناقلها الأجيال كقضايا مسلمة ويسير في ركابها من يأتي من بعدهم من المؤرخين فيتأصل الخطأ» (2).
كما أن كثيرًا من المعلومات التاريخية والأحداث السياسية «قد لعبت بها الأهواء الاجتماعية والسياسية والمذهبية الدينية والقبلية» (3).
فإذا كان هذا هو حال التاريخ الإسلامي العام، فما بالك بالإباضية الذين تعرضوا للمضايقات والتهديدات وحملات الإبادة والاجتثاث، مما اضطروا
(1) بو حجام ملاحظات حول تاريخنا القديم ص (8، 7).
(2) بو حجام نخاف من التاريخ فنجني عليه مقال بجريدة النصر - قسنطينة - ع: 13 جانفي
1988 م.
(3) مصطفى: التاريخ العربي والمؤرخون ج 2 ص (83). (1/75)
صفحة 76
76
معالم ورؤى
المغالطات
إلى أن يسلكوا مسلك التخفي والتنظيم السري، ولقد تناول أغلب كتاب الفرق، والمقالات الإباضية بكثير من الأخطاء، وبعديد من والملابسات، فنال الإباضية حظا وافرا من الأذى والتشنيع والتشويه، مما أدى إلى اختفاء كثير من معالمهم وتراثهم عن الميدان العام للعالم الإسلامي، ومن الأخطاء الشائعة في كتب الفرق إقحام الإباضية مع الخوارج تعصبا أو جهلا (1) على أنهم فرقة منهم، والطامة الكبرى والمصيبة العظمى أنهم يقصدون بهذه النسبة المدلول الديني: بمعنى الخروج عن الإسلام، والمروق من الدين) وبهذا جنى كتاب المقالات جناية كبيرة على الفكر الإسلامي بعامة وعلى الإباضية بخاصة بسبب الأخطاء التي ارتكبوها في حق الفرق التي تناولوها بالدراسة؛ لأن مؤلفاتهم غدت مصادر لا يمكن الطعن فيها أو المساس بها، وهم بدورهم غدوا رموزا لا يجوز النيل منهم، وعلى هذه المعلومات بني صرح التاريخ الإسلامي وشيد بنيانه؛ لهذا يحذر د. خليفات من التسليم بكل ورد في كتب المقالات قائلًا: ويجب أن نستخدم هذه المؤلفات بحذر شديد لأن أصحابها تنقصهم الموضوعية ويعوزهم الحياد عندما يتكلمون عن نشأة فرق مخالفة لمعتقداتهم ولا تزودنا هذه الكتب بمعلومات قيمة عن الحركة الإباضية وتنظيماتها السرية وما أوردته هذه المصادر من معلومات لا تمت في معظمها للإباضية ولا علاقة لهم بها» (3).
ما
ويقول الباحث عمر با: والحق أن كتاب المقالات جنوا على التاريخ وجنوا على العلم، وجنوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم جنوا على التاريخ لأنهم زوروه،
(1) خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية ص (54).
(2) الأشعري: مقالات الإسلاميين ص (189) البغدادي الفرق بين الفرق ص (55) الشهرستاني:
الملل والنحل ص (106).
(3) خليفات: نشأة الحركة الإباضية ص (12). (1/76)
صفحة 77
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
VV
وكتبوا وقائعه على نحو سقيم، واعتدوا على قوم أبرياء .......... وزيفوا مبادئهم ... وجنوا على العلم لأن كتبهم - مع عدم صحة ما ورد فيها، وانتفاء الثقة منها - أصبحت مراجع يرجع إليها من يريد الاطلاع على آراء الفرق الإسلامية، والتزود بمادة علمية منها، والحال أنها خالية من أية مادة علمية. وجنوا على أمة محمد المحاولة تفريقها، أو الإمعان في تمزيقها، وبالتالي إضعافها ... والغريب أن بعض كتاب المقالات وضعوا أنفسهم موضع الحكم فتراهم قد ذكروا الفرق الناجية منها والهالكة ... والمصيبة أن الكتاب المحدثين أصبحوا يعتمدون على كتب المقالات كمراجع ... والحق أن كل ما يقال عن الفرق ليس فقط أمورًا لا تقرها الفرق، وتراها مقحمة فيها، بل هي أمور خلقت افتراء و دست فيها ... والحق أن من يريد الكتابة عن مسألة معينة، فعليه بحثها في، مظانها، وهذا هو العلم الحي ليزود الناس علما
خالصا (1).
محترم
ما
ويقول الدكتور صالح باجية: وكانت المعلومات على تلك الفرقة ـ أي الإباضية - قليلة نادرة تذكر في كثير من الغموض والإجمال لا يعطي عليها أي صورة تقربها من الحقيقة، بل تقدم في اقتضاب مجحف مقرون بالشتم أحيانًا، وفي ذلك غمط لفرقة كانت لها نواح إيجابية لا شك فيها» (2).
ويقول جودت عن الدولة الرستمية الإباضية: «يبدو أن الخضوع للانتماء المذهبي كان مسيطرا على مؤرخي العصور الوسطى ... إن من يطلع على مؤلفات هؤلاء وغيرهم من غير الإباضية يلاحظ أنهم يجتمعون حول موقف واحد من الدولة الرستمية قائم على تجاهلها إلا من بعض العبارات القليلة» (3).
(1) عمربا: دراسة في الفكر الإباضي ص (48 ـ 51).
(2) باجية الإباضية بالجريد من العصور الإسلامية الأولى ص (2).
(3) جودت العلاقات الخارجية للدولة الرستمية ص (13). (1/77)
صفحة 78
78
معالم ورؤى
ومع أن العالم في هذا العصر أصبح وكأنه قرية واحدة بسبب تطور وسائل المواصلات والاتصالات، إلا أن كثيرًا من الباحثين المعاصرين (1) الذين كتبوا عن الإباضية، قد جانبوا الحقيقة العلمية، فهم لم يلتزموا بمنهج البحث العلمي القائم على الأمانة العلمية، وذلك بأخذ المعلومة من مظانها الأصلية؛ إذ لم يرجعوا إلى المصادر الإباضية (3) ولم يكلفوا أنفسهم مشقة الانتقال إلى أماكن وجود الإباضية، ليطلعوا على واقعهم وحقيقتهم، وليلتقوا بأعلامهم، وعلمائهم، ورجالاتهم.
على أن هناك من الباحثين المعاصرين من كانت كتاباتهم منصفة للإباضية، برجوعهم إلى المصادر الإباضية، وأخذهم المعلومة من مظانها، وتجردهم من الهوى والتعصب المذهبي))
(3)
(1) أمثال: صابر طعيمة «الإباضية عقيدة ومذهبا محمد عبد الفتاح عليان «نشأة الحركة الإباضية في البصرة» ناصر عبد الكريم العقل «الخوراج أول الفرق في تاريخ الإسلام» أحمد محمد وأحمد جلى دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين ـ الخوارج والشيعة» وليد مساعد الطبطبائي: «الإباضية تاريخ وعقيدة». (2) يمكن للباحث أن يحصل على المصادر الإباضية بواسطة سفارات سلطنة عُمان في الخارج، أو عن طريق المراسلات، كما أن كثيرًا من المصادر الإباضية موجودة في عدد من الجامعات والمؤسسات العلمية كجامعة الزيتونة وجامعة الأزهر، ودار الكتب المصرية، وجامعة قطر، والجامعة الأردنية، وجامعة آل البيت، وجامعة اليرموك.
نشأة
(3) أمثال: د. عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية والأصول التاريخية للفرقة الإباضية، عمربا: دراسة في الفكر الإباضي، د. غباش عُمان الديمقراطية الإسلامية، مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضية في المشرق العربي، السيد عبد الحافظ ربه الإباضية مذهب وسلوك، د. محمد حسان كسبة: الإباضية وعقيدتهم. (1/78)
صفحة 79
المبحث الثاني:
مدلول كلمة الخوارج
79
إن لكلمة الخوارج مدلولات عدة) والذي يعني هذه الدراسة المدلولان الشهيران السياسي والديني، فعلى المدلول السياسي تطلق كلمة الخوارج على الذين رفضوا التحكيم، واعتزلوا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عند ما قبل التحكيم مضطرًا إليه، ومكرها عليه غير مقتنع به (2) وعلى المدلول الديني تطلق على الذين مرقوا من الدين استنادًا لقوله صلى الله عليه وسلم: [يخرجون فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ... ] (3).
(1) ومن مدلولاتها الجهاد في سبيل الله استنادًا إلى قوله تعالى: (وَمَن يَخرُج مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ} [النساء: (100] انظر معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (19) السابعي: الخوارج والحقيقة الغائبة ص (152 ـ 158) الحجري: الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين ... ص (181 - 183). (2) هذه هي وجهة نظر الإباضية انظر: البرادي الجواهر المنتقاة مخطوط ورقة (146 ظ) الأزكوي: كشف الغمة مخطوط ورقة (121 ظ) القلهاني: الكشف والبيان ج 2 ص (252) الحارثي: العقود الفضية ص (46) وهي تتفق مع روايات أهل السنة والنصوص التاريخية، فالإمام علي يدرك أن طلب التحكيم خدعة من قبل الشاميين، ولكنه أكره على قبوله انظر الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 6 ص (27) ابن كثير البداية والنهاية ج 7 ص (279) البلاذري، الأنساب ج 3 ص (110 - 113) المنقري، صفين ص (529) جعيط: الفتنة ص (211) المبرد: الكامل ج 3 ص (1138). (3) رواه الربيع الجامع الصحيح ج 1 ص (34) (35) باب 5 في طلب العلم رقم (36) مالك: الموطأ ج 3، أبو اب السير باب 2 رقم (864)، البخاري: صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن
باب 36 رقم (5058) مسلم: صحيح مسلم كتاب الزكاة باب ذكر الخروج رقم (1064). (1/79)
صفحة 80
معالم ورؤى
ويبدو أن المدلول السياسي ليس هو المراد، لأنني لا أرى مبررًا يجعله خاصا بمن رفض التحكيم واعتزل الإمام علي، وإلا فإنه ينطبق أيضا على طلحة، والزبير ومن معهما الذين خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب في موقعة الجمل، وكذلك ينطبق هذا المدلول على معاوية ومن معه الذين خرجوا على الإمام علي في معركة صفين في الوقت الذي لم يزل الذين اعتزلوا الإمام علي بعد قبوله التحكيم كانوا معه ويحاربون في جيشه، وتحت لوائه، اللهم إلا إذا كانت مسألة رفض القرشية في الإمامة سببًا في التسمية.
على أن رفض مبدأ القرشية لا يمكن أن يكون مبررًا للتسمية، فحسبنا قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات: 13] فهذا الشهرستاني يعرّف الخارجي بأنه: «كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان» (1)، كما أن ابن خلدون يطلق كلمة الخوارج على المنازعين للسلطة، فهو يعتبر الصراع لأجل الحكم هو صراع بين دولة قائمة وخوارج منازعين لها (3).
وعليه فإن هذا المدلول ينطبق على كل الدول وخير مثال على ذلك هو دولة بني العباس التي قامت على أنقاض دولة بني أمية بعد معارك وحروب طاحنة، وهكذا يتضح أن مصطلح الخوارج بالمدلول السياسي ليس خاصا بتلك الفئة التي خرجت على الإمام علي كرم الله وجهه بعد قبوله التحكيم، هنا يظهر أن الإباضية لا يقيمون وزنًا للمدلول السياسي (3) في إطلاق
ومن
(1) الشهرستاني: الملل والنحل ج 1 ص (114).
أمية
(2) ابن خلدون المقدمة ص (229، 232، 334، 350، 364، 376). (3) أرى أن هذا المصطلح - الخوارج - أريد به في أول نشأته المدلول السياسي من قبل بني وغيرهم، وأريد به الخروج للجهاد في سبيل الله من قبل من تبقى من أهل النهروان لذا لا يجدون في إطلاقه عليهم غضاضة بل بعضهم ذكره في شعره ونثره في مقام المدح والثناء. (1/80)
صفحة 81
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
81
كلمة الخوارج سواء كان هذا الخروج لأسباب شرعية أو غير شرعية، يقول علي يحيى معمر: يرى الإباضية أن إطلاق كلمة الخوارج على فرقة من فرق الإسلام لا يلاحظ فيه المعنى السياسي الثوري سواء كانت هذه الثورة لأسباب شرعية عندهم أو لأسباب غير شرعية» (1).
(1)
لذلك فإن الإباضية لا يطلقون كلمة الخوارج على قتلة الخليفة الثالث عثمان، ولا على طلحة والزبير ومن معهما، ولا على معاوية بن أبي سفيان
(2)
ومن معه، وإنما كل ما يلحظونه في إطلاق هذه الكلمة هو المدلول الديني الذي يتضمنه حديث المروق من الدين في صيغه المختلفة، وهو الذي يتفق مع ما ينسب إلى الخوارج من آراء كما نقلها كتاب الفرق والمقالات (3) وعليه
=
(1)
انظر: الأزكوي كشف الغمة مخطوط ورقة (238. و) أمين ضحى الإسلام ج 3 ص (343) الحارثي: العقود الفضية ص (74، 109، (135 ثم لما كثر استعمال هذا المصطلح ليدل على المروق من الدين صار أمرًا داعيًا إلى التخلي عنه يقول الإمام السالمي رحمةالله: (واعلم أن اسم الخوارج كان في الزمان الأول مدحا لأنه جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج للغز وفي سبيل الله تعالى ... ثم صار ذمّا لكثرة تأويل المخالفين أحاديث الذم فيمن اتصف بذلك آخر الزمان ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها فمن ثم ترى أصحابنا لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة السالمي شرح الجامع الصحيح ج 1 ص (59). معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (33) انظر: أعوشت: دراسات
إسلامية ... ص (39).
(2) معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (33) السابعي: الخوارج والحقيقة الغائبة ص (193 - 212).
(3) الآراء المنسوبة إلى الخوارج رفض التحكيم، وجواز أن تكون الإمامة في غير قريش، وتكفير كفر شرك من ارتكب كبيرة غير مستحل لها، واستعراض الأبرياء بالسيف، ومما لا يخفى على أحد أن الاستعراض أمر فظيع تتجلى فيه وحشية كاسرة، وتتخلى فيه النفس عن إنسانيتها بسبب عدوانها على نفس برئية، ولعل التكفير أخطر من الاستعراض لأن الاستعراض متفرع في الحقيقة عن الحكم المخرج من الإسلام. البغدادي: الفرق بين الفرق ص (73) الشهر ستاني: الملل والنحل ج 1 ص (116) الأشعري: مقالات الإسلاميين ج 1 (167، 207). (1/81)
صفحة 82
82
معالم ورؤى
فالخوارج في الفكر الإباضي هم الذين يخرجون عن الإسلام، والخروج عنه إنما يكون إما بإنكار الثابت القطعي من أحكامه، أو بالعمل بما يخالف المقطوع به من نصوص أحكام الإسلام) ولذلك فإن الخوارج في نظر الأزارقة والنجدية، والصفرية (3) فهؤلاء خرجوا عن الإسلام
حرم
الإباضية هم بحكمهم على مرتكب الكبيرة بالشرك، فاستحلوا ما حرم الله تعالى بالمعصية، ولا يخفى على أحد من المسلمين أن استحلال ما الله رد على الله تعالى، وهو شرك محض لا يرتاب فيه من له تمييز بين الحق والباطل، يقول العلّامة الوارجلاني: «وزلة الخوارج نافع ابن الأزرق، وذويه حين تأولوا قول الله {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي، ما أتوا ولو أصغرها» (3) ويقول في موضع آخر: «وأما المارقة فقد زعموا أن من عصى الله تعالى ولو في صغير من الذنوب أو كبير أشرك بالله ... وعقبوا بالأحكام، فاستحلوا قتل الرجال، وأخذ الأموال، والسبي للعيال» (4). وفي موضع ثالث يقول: «وأما المارقة وهم الخوارج، فلن يخفى على عاقل بسيرة ما ساروا في أهل الإسلام كسيرة أهل الإسلام في أهل الأوثان والأصنام كأنما بعث إليهم رسول آخر غير محمد).
ويقول الشيخ السيابي: الخوارج في الأصل جمع خارجة، وهي طوائف
(1) معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (33) أعوشت: الإباضية في مرآة علماء الإسلام ص (47).
(2) لا تقتصر كلمة الخوارج على هؤلاء، وإنما تطلق كل من يتبنى فكرهم قديمًا وحديثًا كالوهابية حشوية الحنابلة الذين يكفرون ويبدعون ويضللون من يخالفهم حتى في المسائل الفرعية
والجزئية منها انظر القحطاني: هؤلاء هم الخوارج.
(3) الوارجلاني: الدليل والبرهان ج 1 ص (28).
(4) ====: ن - م - س ج 1 ص (43، 44).
-
(5) ====: ن - م - س ج 2 ص (66). ـ 2 (1/82)
صفحة 83
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
83
تخرج في الإسلام ضالة أو محقة (1) وفي عرف الفقهاء فرق من فرق الإسلام رأسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار وأتباعهم خرجوا على أهل الحق في زمن التابعين وتابعيهم وحكموا على مرتكب الكبير من الذنوب بالشرك، وفرعوا عليه حلية ماله فيغنم، ودمه فيسفك، ورأوا أن ذلك هو الحق، واشتدوا على الناس ......... وتعلقوا بتأويلات خالفوا فيها غيرهم من سائر الأمم (2) الإسلامية ... فكان لهم خطب جسيم في الإسلام» (3).
(2)
(ad)
ويقول الشيخ أبو إسحاق: «الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين،
الله
بن
وتابع التابعين، رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الصفار، ومن شايعهم، وسموا خوارج؛ لأنهم خرجوا عن الحق والأمة بالحكم على مرتكب الكبيرة بالشرك» (4) ويقول الشيخ أطفيش رحم الله: «ولما قالت الصفرية والنجدية، والأزارقة بتحليل الدماء والأموال بالذنب خرج عنهم الإباضية» (5).
وهكذا يتجلى رأي الإباضية واضحًا وصريحًا من أقوال علمائهم، وهو يتلاقى مع رأي جمهور المسلمين في التسمية، وإن كان يختلف في التعليل،
(1) الطوائف المحقة هي التي تخرج خروجًا سياسيا على الحاكم لأسباب شرعية، بناء على المدلول السياسي. العسعس: الأمة والسلطة باتجاه الوعي والتغيير ص (28) وما بعدها. عبد اللطيف: الإباضية بين الفرق الإسلامية مقال بمجلة الغدير ص (18) العدد 55 السنة
الخامسة.
(2) قصده الجماعات أو الطوائف أو الفرق الإسلامية وإلا فالأمة الإسلامية أمة واحدة بدليل أنه وصف الإباضية في موضع آخر بأنهم أمة من أمم الإسلام أي فرقة من فرق الإسلام السيابي:
أصدق المناهج ص (20).
(3) السيابي: أصدق المناهج ص (21 - 22).
(4) أبو اسحاق الفرق بين الإباضية والخوارج ص (11).
(5) أطفيش: تيسير التفسير ج 12 ص (376). (1/83)
صفحة 84
??
معالم ورؤى
فالأزارقة والنجدية، والصفرية خوارج في نظر الإباضية لأنهم أخطاؤوا تأويل آيات الكتاب العزيز، فأدى هذا إلى رد آيات، وإبطال أحكام، حيث إنهم يحكمون على مرتكب الكبيرة بالشرك، ويخرجونه من ملة الإسلام ويستحلون، دمه، وليسوا خوارج لأنهم انفصلوا عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وخرجوا عنه بعد قبوله التحكيم، أو لأنهم ثاروا على بني أمية، حيث إن الإباضية لا يقيمون وزنًا للمدلول السياسي في إطلاق كلمة الخوارج، سواء كان هذا الخروج لأسباب شرعية أو غير شرعية، في حين أن الأزارقة، والنجدية، والصفرية خوارج عن جمهور المسلمين للسببين معا أي لأنهم حكموا على مرتكب الكبيرة بالشرك، ولأنهم خرجوا عن الإمام علي بن أبي طالب کرم الله الله وجهه بعد قبوله التحكيم. (1/84)
صفحة 85
المبحث الثالث:
الفرق بين الإباضية والخوارج
85
يقف الإباضية من الخوارج مواقف عنيفة، قد تكون أشد من مواقف غيرهم، فهم يعلنون البراءة منهم، ويطردونهم من مجالسهم، ويمنعون أتباعهم من التحدث عن آرائهم المتطرفة، وتوجد مفاصلة بين الإباضية والخوارج في أقوال ومواقف علماء الإباضية الأوائل، فهذا جابر بن زيد الإمام المنظر للمذهب الإباضي يخرج إلى الخوارج فيناظرهم في قضية استحلال دماء المخالفين، قائلًا: «أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟ فيقولون: بلي، الله البراءة منهم بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول أو ليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ فيقولون، بلى فيقول: وحرم ولا يتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟ فيقولون: نعم، فيقول: هل أحل ما بعد هذا بدين فيسكتون» (1).
وحرم
وهذا عبد الله بن إباض الإمام الحركي للدعوة الإباضية، قال عندما وصلته دعوة نافع بن الأزرق رأس الخوارج: «قاتله الله أي رأي رأى صدق نافع لو كان القوم مشركين كان أصوب الناس رأيًا، وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين، ولكنه قد كذب فيما يقوله إن القوم براء من الشرك» (3).
وفي رسالته إلى عبد الملك بن مروان يصرح بأنه وأصحابه يبرؤون من الخوارج، إذ يقول: «إنا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق وأتباعه من الناس، لقد
(1) الشماخي: السير ج 1 ص (72) انظر الدرجيني: الطبقات ج 2 ص (208، 209). (2) الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 7 ص (68) الحارثي: العقود الفضية ص (123). (1/85)
صفحة 86
86
معالم ورؤى
كانوا خرجوا حين خرجوا على الإسلام فيما ظهر لنا، ولكنهم ارتدوا عنه وكفروا بعد إيمانهم فنبرأ إلى الله منهم»).
وعندما وصل أمر الخوارج إلى الإمام أبي عبيدة، والربيع بن حبيب،
و ضمام بن السائب رحمهم الله قالوا نرى ما داموا على قولهم هذا فخطؤهم محمول عليهم، وإن تجاوزوه إلى الفعل حكمنا بكفرهم» (2).
(2)
ولم يقبل الإباضية من القائد هلال بن عطية الخراساني الانضمام إليهم إلا بعد أن يعود إلى الذين دعاهم إلى مبادئ الخوارج، ويعلمهم ببطلان تلك المبادئ، وفساد تلك الآراء التي دعاهم إليها، ولما فعل اعتنق المذهب الإباضي، وكان قبل ذلك على مذهب الصفرية (3).
وقد قاتل الإمام الجلندي بن مسعود رحم الله شيبان الخارجي، وهو على مذهب الصفرية عندما قدم في جيش إلى عُمان هاربًا من السفاح العباسي ودارت المعركة بين الجيشين أسفرت عن مقتل شيبان وجنوده (4).
(4)
وهذا الإمام الصلت بن مالك رحمه الله يكتب لأحد ولاته كتابا، قال فيه: وأظهر الشدة والتخويف لأهل الخلاف لقول المسلمين، ومن يرى رأي القدرية، والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة، وأخمد أمرهم، وأمت بدعتهم، وأوغر عليهم في اللفظ).
ومن أقوال علماء الإباضية المتأخرين في شأن الخوارج ما قاله الشيخ أطفيش: «والخوارج ـ قبحهم الله - قالوا: إن نصب الإمام غير واجب، وأنه
(1) الأزكوي: كشف الغمة مخطوط ورقة (238.و) الحارثي: العقود الفضية ص (135).
(2) السيابي: أصدق المناهج ص (23).
(3) أبو إسحاق: الفرق بين الإباضية والخوارج ص (8).
(4) السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص (94).
(5) السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص (184). (1/86)
صفحة 87
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
87
يجب على أن يقيموا كتاب الله فيما بينهم» (1) وقد كتب لإخوانه أهل عُمان رسالة ضمنها ردًا على الصفرية، والأزارقة، ومن نحا نحوهم حيث بين فيها
(2)
حقيقة الخوارج، وكشف فيها عيوبهم، وفساد ما ذهبوا إليه (") بل تجاوز الشيخ أطفيش من تقبيح الخوارج إلى لعنهم (3) في مواضع عديدة منها: ما قاله أثناء حديثه عن إجماع الصحابة والتابعين على أنه لا يحل مال الموحد الباغي ...... هذا خطأ فاحش من الخوارج ـ لعنهم الله ـ فإن الأموال لا تحل بالذنب مطلقا، بل بالشرك، ولزمهم - لعنهم الله ـ أن بسبوا عائشة ويسترقوها إذ حضرت القتال، وجرى على يدها ............. ويمكن أن يقولوا - لعنهم الله - إنها لما غفر الله لها أستثنيت من ذلك» (4).
بن
ويقول في موضع آخر: «وروي أن الخوارج ـ لعنهم الله ـ مروا بعبد الله خباب فانطلقوا به قهرا، ومروا على ثمرة سقطت من نخلة، فألقاها أحدهم في فيه، فقالوا: ثمرة معاهد لا تحل فقال عبد الله: ألا أدلكم على ما هو أعظم حرمة؟ قالوا بلى قال أنا فقتلوه ..... وأصحابنا الإباضية الوهبية (0) لا
6
(1) أطفيش: شرح النيل ج 13 ص (8).
(2) أطفيش: المعلقات لأصحابنا ص (2) وما بعدها.
(3) فهل يصح بعد هذا أن يقال إن الشيخ أطفيش خارجي، أو أنه يمت إلى الخوارج بصلة كما يزعم الذهبي انظر: الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (305) وما بعدها.
(4) أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص (219).
:
(5) الوهبية: نسبة إلى الإمام عبد الله بن وهب الراسبي عم الله انظر الفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي ص (145) الذهبي التفسير والمفسرون ج 2 ص (319) الهامش، وقيل نسبة إلى الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي رحمه الله: انظر: معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية ص (299) وأرى أن الراجح هو الأول إذ لو كان الثاني لقيل ـ الوهابية ـ كما هو الشأن في نسبة أتباع محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولأن هذا المصطلح يطلق على أيضًا إباضية المشرق، وليس خاصا بإباضية المغرب العربي انظر أطفيش: كشف الكرب ج 1 ص (81) البطاشي: اتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان ج 1 ص (386).
: (1/87)
صفحة 88
M
88
معالم ورؤى
يرضون بقتل عبد الله بن خباب، ولم يحضروا في قتله، ولا استحلال مال
بذنب).
ويقول الإمام الشماخي و قال: فمن الأخسرين أعمالًا {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا} [الكهف: 104] نافع بن الأزرق ........ وتلاحق به الصفرية والجهمية وغيرهم الذين نقضوا قولهم بفعلهم، حيث زعموا أن من عمل ذنبًا فهو مشرك» (2).
ويقول الإمام نور الدين السالمي الله: «ولا نرى أن نقذف أحدا ممن يستقبل قبلتنا بما لم نعلم أنه فعله خلافًا للخوارج الذين يستحلون قذف من يعلمون أنه برئ من الزنا من قومهم وهم بذلك مضلون، ونبرأ ممن زعم أن الزنا في دينه حلال ولا نرى استعراض قومنا بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة، ولا نرى قتل الصغير من أهل قبلتنا ولا من غيرهم) (3).
ويقول أبو إسحاق: «فلما ظهرت بدعتهم طردهم أصحابنا من مجالسهم، وطاردوهم في كل صوب معلنين البراءة منهم، فلما تجاوزوا القول إلى الفعل أعلنوا الحكم بكفرهم (4) ويقول السيابي: اعلم أن الخوارج في حكم الإباضية مشركون» (5).
(4)
ومن أقدم ما يبرز آراء الإباضية المخالفة لآراء الخوارج سيرة سالم بن ذكوان الهلالي (6) فقد أعلن - معبرًا عن الإباضية - تبرؤه من القضايا التي تبناها
(1) أطفيش شرح عقيدة التوحيد ص (220).
(2) الشماخي: القول المتين ص (75). (3) السالمي: تحفة الأعيان ج 1 ص (82).
(4) أبو إسحاق: الفرق بين الإباضية والخوارج ص (12).
(5) السيابي: أصدق المناهج ص (32).
(6) تابعي ولد بعُمان. يعد من أركان الحركة الإباضية في عهد نشأتها، ويمتاز بالكفاءة العلمية
والسياسية، له كتاب مطبوع يعرف بـ (سيرة سالم بن ذكوان انظر: الشماخي: السير ج 1:
= (1/88)
صفحة 89
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
89
الأزارقة وأمثالهم في النصوص الآتية: نرى حق الوالدين، وحق ذي القربى، وحق اليتامى والمساكين وحق أبناء السبيل، وحق الصاحب، وحق الجار، وحق ما ملكت أيماننا علينا حقا أبرارا كانوا أو فجارًا ونؤدي الأمانة إلى من استأمننا عليها ... ونوفي بعهود قومنا ... ونجير من استجارنا من قومنا ومن غيرهم ... ونرى مناكحة، قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا ... ولا نرى استعراض قومنا ما داموا يستقبلون القبلة من قبل أن ندعوهم إلى مراجعة الحق والأخذ به ..... ولا نرى قتل صغير من أهل قبلتنا لا ذنب له ... ولا نرى أن نستحل فرج امرأة رجل تزوجها بكتاب الله، وسنة نبيه حتى يطلقها زوجها أو يتوفى عنها ثم تعتد عدة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها ... ولا نرى انتحال الهجرة من دار قومنا ... ولكن يخرج من خرج منا مجاهدًا في سبيل الله على طاعته، فإن هو رجع إلى دار قومه توليناه إذا كان عارفًا لحق الله مقرا به في نفسه وماله ... وندعو إلى الله أن يطاع الله فنحل حلاله، ونحرم حرامه، ونحكم بما أنزل الله في كتابه، ونتبع سنة نبيه، وسنة الصالحين من عباد الله ليس من رأينا بحمد الله الغلو في ديننا ولا الغش) في أمرنا ولا العدا على من فارقنا ... (2) إن جميع الاعتبارات التي سُمي الخوارج من أجلها خوارج لا وجود لها عند الإباضية، بل هم أبعد الناس عنها عقيدة، وقولا، وعملا، وإذا كان الإباضية يشتركون مع الخوارج في مسألتي رفض القرشية، واعتبار التحكيم خطاً، فهذا لا يعني أنهم منهم، وإلا فما من فرقة من الفرق الإسلامية، إلا وتشترك مع كل فرقة في مسألة أو أكثر، ومن المعلوم أن توافق فرقتين على
=
ص (175) بابا موسى: معجم أعلام الإباضية - قسم المغرب الإسلامي - ج 2 ص (167). (1) الغشم بمعنى الظلم ابن منظور لسان العرب ج 5 ص (38).
(2) ناصر: منهج الدعوة عند الإباضية ص (379 - 384). (1/89)
صفحة 90
معالم ورؤى
رأي معين لا يجعلهما فرقة واحدة، وفي هذا السياق، يقول الشيخ علي يحيى معمر رحم الله: «إن توافق رأي الإباضية مع الخوارج في نقطة لا يجعل الإباضية خوارج، ولا الخوارج إباضية» (1).
إن الإباضية يختلفون عن الخوارج في غير المسألتين السابقتين اختلافا جوهريًا كبيرًا لا لقاء معه، لذلك هم يغضبون حين يسمعون أحدا ينسبهم إلى الخوارج، يقول الدكتور عامر النجار بعد اعترافه بدور الإباضية في خدمة العلم، وريادتهم في تدوين الأحاديث: ولا شك عندنا أن هناك فروقا عديدة
بين مبادئ الخوارج، ومبادئ الإباضية، ولا يكاد يجمع بينهما جامع سوى إنكار التحكيم، وأن الإمامة لا تختص بقريش» (2).
لقد
(r)
(2)
بين العلماء والباحثون من الإباضية وغيرهم الفرق بين الإباضية والخوارج، وأكتفي هنا بذكر الآتي أولا: الإباضية لا يحكمون على أهل التوحيد بالشرك لارتكابه معصية
كالخوارج.
ثانيا: الإباضية لا يستخدمون سيفا على أحد من أهل القبلة عكس
الخوارج.
ذلك ثالثًا: الإباضية لا يشهرون السيف في نشر الدعوة، بل سلاحهم في البيان لإقامة الحجة بخلاف الخوارج.
(1) معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (27).
(2) النجار: الخوارج عقيدة وفكرًا وفلسفة ص (82).
(3) للمزيد انظر أطفيش يا عقبى يا جزائري إزالة الاعتراض عن محق آل إباض، الشماخي: القول المتين الحارثي من مميزات الإباضية، أبو إسحاق: الفرق بين الإباضية والخوارج، السيابي: أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج خليفات: الأصول التاريخية للفرقة
الإباضية. (1/90)
صفحة 91
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
91
رابعًا: الإباضية لا يغنمون أموال أهل القبلة ولا يجهزون على جريح، ولا
يتبعون مدبرًا ولا يمثلون بقتيل مهما كان كما هو صنيع الخوارج.
خامسًا: الإباضية يجيزون مناكحة
جميع
المسلمين وموارثتهم خلافًا
للخوارج.
سادسا: لا ينكر الإباضية عذاب القبر في حين ينكره الخوارج (3). سابعًا: يؤمن الإباضية بالدجال بينما ينكره الخوارج، يقول الشيخ
أطفيش الله: «وأنكر الدجال الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة» (3). ثامنا: يقول الإباضية بوجوب نصب الإمام بخلاف الخوارج، الذين يقولون بعدم وجوبه يقول الشيخ أطفيش رحمه الله: «وقالت الخوارج) والأصم من المعتزلة: أنه لا يجب على الناس نصب الإمام، ومنهم من قال بوجوب نصبه عند ظهور الفتن ومنهم من عكس والحق وجوب نصب الإمام إذا أمكن؛ لأن أمرنا باق من الدين ولا سبيل إلى إقامته إلا بوجود الإمامات» (5).
تاسعا: الإباضية خدموا الإسلام علمًا وعملا (1) فرصيدهم العلمي، ونظامهم السياسي خير دليل وشاهد على ذلك بخلاف الخوارج، فالتاريخ لم ينقل أسماء علماء، وكتب تنسب إلى الأزارقة والنجدية، والصفرية، بل كل ما
(1) انظر: البغدادي: الفرق بين الفرق ص (103) الأشعري: مقالات الإسلاميين ج 1 ص (184) الشهرستاني: الملل والنحل ج 1 ص (134).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 13 ص (106) تيسير التفسير ج 11 ص (359) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (105) وما بعدها.
(3) أطفيش تيسير التفسير ج 11 ص (367).
(4) النجدات انظر: أبو عمار: الموجز ج 2 ص (233) الشهرستاني: الملل والنحل ج 1 ص (124). (ه) أطفيش ن. م. س. ج 12 ص (294، 295).
(6) خليفات نشأة الحركة الإباضية ص (14) عبد الحافظ الإباضية مذهب وسلوك ص (258). (1/91)
صفحة 92
92
معالم ورؤى
يعرف عنهم، وما يقال فيهم وما يوصفونه به ما ترويه كتب المقالات والفرق التي كتبها غيرهم، يقول الشيخ أبو إسحاق رحم الله في هذا السياق: «الإباضية اتجهوا إلى خدمة الإسلام علمًا وعملا منذ ابتدأت الفتنة، فاشتغلوا بالتدوين، فكانوا أول من دون الحديث، فإمامنا جابر بن زيد أول من دون الحديث، وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه أنه وقر بعير، ثم تلاميذه من بعده، وهم حملة العلم إلى المشرق والمغرب، والخوارج جنحوا إلى إراقة الدماء، وإخافة السبيل، وتعطيل الأحكام، ولم يذكر عن أحد من الخوارج ألف كتابًا، والذين يذكرون المؤلفات للخوارج إنما يذكرون الإباضية وهم دون شك بهم التشنيع والتشغيب، أما الصفرية والأزارقة، والنجدية فلم تذكر لهم رواية ولا تدوين ... وأزيد أنهم جنحوا إلى الحروب لا إلى التأليف، ورواية العلم، وكل ما ذكره قومنا من رجال العلم، ونسبوه للخوارج، فليسوا إلا من الإباضية ولقد أتى أصحابنا - أي الإباضية - في تدوين العلوم العجب العجاب (1) وعرفوا بالصدق والأمانة والورع ما لم يبلغ شأوه غيرهم، فلجأ بعض الكاتبين من قومنا إلى تشويه الحقائق بالدعاية الفاجرة، والبهتان الكاذب حين بهرتهم تلك الأنوار الساطعة، وما خلطوا بين الإباضية والخوارج، إلا لطمس معالم الحق والصواب حسدا من عند أنفسهم، وأنى
يريدون
(1) أتى الإباضية بنتاج علمي كثير وغزير في شتى صنوف العلم والمعرفة ومازالوا كذلك، فهناك مؤلفات إباضية تقع في عشرات الأجزاء منها على سبيل المثال: قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة للشيخ جميل بن خميس السعدي يقع في تسعين جزءا، وبيان الشرع للشيخ محمد بن إبراهيم الكندي يقع في اثنين وسبعين جزءا، والمصنف للشيخ أحمد بن عبد الله الكندي يقع في ثلاثة وأربعين جزءا، ومنهج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ خميس بن سعيد الشقصي يقع في اثنين وعشرين جزءا، ومعارج الآمال للإمام السالمي ويقع في ثمانية عشر جزءا، ولباب الآثار لشيخ جمعة الصائغي ويقع في سبعة عشر جزءا، وشرح النيل للشيخ محمد بن يوسف أطفيش ويقع في سبعة عشر جزءا وجميع هذا المؤلفات مطبوعة. (1/92)
صفحة 93
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته
93
لمن اتخذ التشغيب مطية أن يعترف بالحق والصواب، وقد عميت بصيرته ... » (1).
ومما تقدم يتضح أن الإباضية يختلفون عن الخوارج اختلافا كليا، وأن العلاقة بينهم وبين الخوارج لا تتجاوز الإطار والبعد التاريخي؛ لذا فإن نسبة الإباضية إلى الخوارج فكريًا تعد أساسًا خاطئًا، وعليه فإن أي دراسة تبنى على هذا الأساس، وتقوم على هذا التصور تكون بعيدة عن الموضوعية العلمية، بل تولد أفكارًا ضبابية مشوهة مغلوطة، تزيد الأمر تعقييدا، والموضوع غموضا، مما يسفر عن ذلك زيادة الشقة بين الإباضية وإخوانهم المسلمين.
(1) أبو إسحاق: الفرق بين الإباضية والخوارج ص (24 - 26). (1/93)
صفحة 94
[صفحة فارغة] (1/94)
صفحة 95
الباب الثاني
ال العلمي مصورة وحيا الآناه
الفصل الأول:
عصر الشيخ أطفيش
الفصل الثاني:
سيرة الشيخ أطفيش الذاتية
الفصل الثالث:
سيرة الشيخ أطفيش العلمية
الفصل الرابع:
اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه وإشادته بأصحابه
وموقفه من بعض القضايا (1/95)
صفحة 96
96
توطئة
أتناول في هذا الباب قضايا عديدة، ومسائل جديرة بالدراسة لأهميتها في البحث، تتعلق بالشيخ أطفيش رحم الله منها: أثر البيئة في تكوينه، وعوامل تحديد شخصيته، فمعرفة الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصر الشيخ وما يتميز به مجتمعه عن بقية المجتمعات الإسلامية من الأهمية بمكان؛ إذ إن العالم وليد عصره، وابن بيئته، ونبت أرضه.
كذلك يتضمن رغبة الشيخ أطفيش الصادقة في التجديد والإصلاح، ودوافع ذلك، ودوره في أوضاع عصره المتمثل في إصلاح واقعه، ومقاومة الاستعمار، والخطوات التي وضعها والتي تؤدي في النهاية إلى الجهاد المسلح، كذلك يتضمن نسبه وولادته ونشأته وأثر أسرته في تكوينه، ووفاته، وطرق تعليمه ولقبه ومكانته العلمية وإشادة العلماء بها، واشتغاله بالتدريس، والتأليف، والإفتاء، والوعظ، ومعهده، وشروط الالتحاق به،
وبرنامج الدراسة فيه، وطبقات تلاميذه وأبرزهم.
أيضا يتناول الباب رحلات الشيخ أطفيش وأسفاره، واتصاله بالعلماء، والحكام، ونتاجه العلمي العام، والدوافع التي دفعته إلى الإكثار من التأليف، ومؤلفاته في التفسير، ومصادره فيها، وكذا اعتداده بنفسه، واعتزازه بمذهبه، وإشادته بأصحابه، وموقفه من الخليفتين عثمان وعلي، وموقفه عن قضية التحكيم، وموقفه من الفرق الإسلامية، مع بيان موقفه من التفسير الإشاري. (1/96)
صفحة 97
عصر الشيخ أطفيش
المبحث الأول: الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصر
الشيخ أطفيش.
المبحث الثاني: دور الشيخ أطفيش في أوضاع عصره. (1/97)
صفحة 98
98
توطئة
يتناول هذا الفصل الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصر الشيخ أطفيش وما يتميز به مجتمعه عن بقية المجتمعات الإسلامية الأخرى ورغبة الشيخ الصادقة في التجديد والإصلاح ودوافع ذلك ودوره في أوضاع عصره والمتمثل في إصلاحه للواقع الاجتماعي ومقاومته للاستعمار والخطوات التي وضعها والتي تؤدي في النهاية إلى الجهاد المسلح للتخلص من المستعمر وكما يتناول صورًا من احتقار الشيخ للعدو المستعمر المحتل. (1/98)
صفحة 99
99
المبحث الأول:
الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية
في عصر الشيخ أطفيش
إن البيئة التي يتربى فيها الإنسان تتدخل في تكوينه الاجتماعي والفكري والنفسي، فيتأثر بها إيجابًا أو سلبًا وهذا ما أكده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: [كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه]) فالإنسان ابن بيئته وابن نبت أرضه فهو كائن اجتماعي بطبعه مدني بفطرته (2) إن تكوين شخصية الإنسان يعود إلى عاملين أساسين هما:
أولا: العامل الداخلي والمتمثل في الوراثة (3).
(2)
ثانيًا: العامل الخارجي والمتمثل في البيئة فهذان العنصران جوهران في تربية الإنسان وتوجيهه وعاملان مهمان في تشكيل الإنسان، وصياغة شخصيته، إذ العناصر الوراثية تتفاعل مع أوضاع البيئة المحيطة بالإنسان
والشيخ أطفيش لم يشذ عن هذه القاعدة، ولم يخرج عن هذا التكوين. وفي هذا المبحث أتناول العامل الخارجي والمتمثل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية التي تعتبر من أهم العوامل المؤثرة على أفكار الناس، وتكوين شخصيتهم وتوجهاتهم، ويأتي العلماء على رأسهم؛ لذا فإن معرفة
(1) رواه البخاري في صحيحه - فتح البارى - 23، كتاب الجنائز 79 باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، ج 3 ص (260) رقم 1359، مسلم في صحيحه شرح النووي ج 4
ص (2047 - (46 كتاب القدر، باب كل مولود يولد على الفطرة ج 16 ص (207).
(2) ابن خلدون المقدمة ص (46).
(3) سيأتي الحديث عن العامل الوراثي. (1/99)
صفحة 100
100
معالم ورؤى
أحوال عصر الشيخ أطفيش من الأهمية بمكان؛ إذ إن «المفكر تعبير وتصوير لمجتمعه ....... فإن الشخصيات الكبرى مرآيا شعوبها» (1).
وقع العالم الإسلامي في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين التاسع عشر والعشرين الميلاديين - تحت وطأة الاستعمار الصليبي، حيث بسطت بريطانيا نفوذها على مصر والعراق والأردن وفلسطين، والخليج العربي، بينما بسطت روسيا نفوذها على دول أواسط آسيا المسلمة، في حين بسطت هولندا نفوذها على إندونيسيا، وبسطت إيطاليا نفوذها على ليبيا، والقرن الإفريقي والحبشة، وبسطت فرنسا نفوذها على سورية، ولبنان، وشمال إفريقية وغربها.
رحبة، ومع
يصف هذا الخطب الجلل الشيخ جمال الدين الأفغاني بقوله: «هذه الأمة يبلغ عددها اليوم (3) زهاء ستمائة مليون من النفوس، وأراضيها آخذة من المحيط الأطلسي إلى أحشاء بلاد الصين تربة طيبة، ومنابت خصبة، وديار ذلك نرى بلادها منهوبة، وأموالها مسلوبة، تتقلب الأجانب على شعوب هذه الأمة شعبًا شعبًا، ويتقاسمون أراضيها قطعةً بعد قطعة ولم يبق لها كلمة تسمع، ولا أمر يطاع، حتى أن الباقين من ملوكها يصبحون كل يوم في ملمة، ويمسون في كربة مدلهمة، ضاقت أوقاتهم عن سعة الكوارث التي تلم بهم، وصار الخوف عليهم أشد من الرجاء لهم. هذه هي الأمة الإسلامية التي كانت الدول العظام يؤدين لها الجزية عن يد وهن صاغرات، استبقاء لحياتهن، وملوكها في هذه الأيام يرون بقاءهم في التزلف إلى تلك الدول الأجنبية، ويا للمصيبة، ويا للرزية» (3).
(1) حسان ابن حزم الأندلسي عصره، ومنهجه وفكره التربوي ص (39). (2) هذا العدد في عهد جمال الدين الأفغاني أما الآن فيربو عدد المسلمين على المليار ونصف
الميار نسمة.
(3) الأفغاني جمال الدين الشيخ محمد عبده العروة الوثقى ص (171). (1/100)
صفحة 101
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
هذا
هي
101
الحالة السياسية للعالم الإسلامي من المحيط إلى الخليج، أما من
الناحية الاجتماعية والفكرية، فقد عاش على أنقاض ما خلفته عصور الجمود والتقليد، فشهد انحطاطا اجتماعيا، وفكريًا عامًا في كل مجالات الحياة وجوانبها، إلا أنه بالرغم من ذلك الكابوس الاستعماري الخانق، وتلك الأوضاع المتردية، والأحوال السيئة، إلا أنها نشأت ردود فعل من أهل اليقظة والثورة فظهرت عدة انتفاضات إسلامية مسلحة تدعو إلى الجهاد المقدس لطرد المحتل الغاشم وتحرير البلاد الإسلامية من الطغيان كما ظهرت حركات إصلاحية) وإذا انتقلنا إلى وادي ميزاب (2) بيئة الشيخ أطفيش لا نجد أوضاعها تختلف عن أوضاع العالم الإسلامي آنذاك، غير أن المجتمع الميزابي يمتاز
(1) كثورة أحمد عرابي في مصر، والمهدي في السودان، وعبد القادر في الجزائر، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده في مصر، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، والإمام نور الدين السالمي في عُمان وهاتان الثورتان تكللتا بمبايعة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي بالإمامة سنة (1285 هـ) ومبايعة الإمام سالم بن راشد الخروصي بالإمامة سنة (1331 هـ) انظر على التوالي السالمي: تحفة الأعيان ج 2 ص (247) السالمي: محمد نهضة الأعيان
ص (177).
(2) تشير المصادر إلى أن أصل هذه الكلمة - ميزاب - هو «مصعب» أو «مصاب» أو «مضاب» وتطلق على منطقة في جنوب الجزائر تتألف من سبع قرى هي: العطف، بنورة، مليكة، غرداية، بني يسجن، بريان القرارة انظر جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية ص (103، 109) ويرى بعض الدارسين أن ميزاب اسم لقبيلة جاءت إلى هذه المنطقة من جبل نفوسة بليبيا. انظر: معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة ص (409) في حين أن الشيخ أطفيش يرى أن لفظ ميزاب: هو اسم آلة وزوب الماء أي انحداره، وانصبابه وتدفقه وقال أيضا: والصواب بني ميزاب ... ومعنى بني ميزاب أصحاب الميزاب فهو اسم يأهل له كل إباضي .. من أهل الدعوة، ولو من أهل عُمان، وذلك أنهم كلهم يقفون في الطواف تجاه ميزاب الكعبة، ولا يقف في ذلك سواهم من أهل المذاهب انظر أطفيش الرسالة الشافية - مخطوطة ورقة (84 و) وأقول إنه مازال الإباضية يحرصون إلى الآن أن يكونوا اتجاه الميزاب وخاصة
المغاربة.
: (1/101)
صفحة 102
102
معالم ورؤى
عن غيره من المجتمعات الإسلامية بخضوعه لنظام العزابة) منذ دخول المذهب الإباضي إليه في القرن الخامس الهجري كما تقدم (2) ولا يزال هذا النظام الديني الدقيق المتميز حتى يومنا هذا هو المحرك الأول، والموجه الأساسي للمجتمع الميزابي، وخاصة في المجال الاجتماعي، وعليه فإن المجتمع الميزابي كان يحكم نفسه بنفسه بهذا النظام الفريد، ولم يكن خاضعا خضوعا مباشرًا للسلطة السياسية حتى الاحتلال الفرنسي لوادي ميزاب سنة (1882 م) ففي عهد الحكم العثماني كانت هناك علاقات بين الميزابيين والدولة العثمانية، ولهم أمناء ينوبون عنهم لدى الباي العثماني بمدينة الجزائر، وكانت هذه العلاقات تتم في إطار بنود المعاهدة الموقعة بين الطرفين، والمتضمنة تعهد الحكومة العثمانية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لوادي ميزاب والعمل على توفير الأمن والحماية الكافية للمزابيين، والسماح لهم بمزاولة الأعمال الحرة في جميع البلدان التي تحت نفوذ الدولة العثمانية وسيطرتها، على أن يدفعوا لها مقابل ذلك مبلغا ماليا سنويًا محددًا، واستمر الحال إلى
أخذ
(1) هو تنظيم ديني محكم الإمامة مصغرة، خاص باباضية المغرب ـ لأن إباضية المشرق، ومعقلهم عمان مازال الحكم بيدهم إلى اليوم - غايته المحافظة على المجتمع الإباضي فهو يهدف إلى تنظيم الحياة تنظيما إسلاميًا خالصًا قائما على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد نشأ هذا النظام بعد انتهاء الإمامة الرستمية عام (296 هـ) على شكل حلقة علم رتب قوانينها الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر بإرشاد من شيخه أبي زكريا فيصل، ثم هذا النظام في التطور حتى اكتمل نضجه في وادي ميزاب. يقول إبراهيم طلاي ونظام العزابة نظام اجتماعي مبني على مراعاة الدين والمحافظة عليه، والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الجهلة والأغرار ولهذا النظام الفضل في بقاء رونق «الإسلام طلاي مزاب بلد كفاح ص (39) انظر: الدرجيني، طبقات المشايخ ج 1 ص (3) - (5) خليفات النظم الاجتماعية ص (20) الجعبيري: نظام العزابة ص (8) معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الأولى ص (97) ناصر: حلقة العزابة ص (10) أ عوشت قطب الأئمة ص (52).
يرجع
(2) انظر: الرسالة مبحث انتشار المذهب الإباضي في المغرب العربي. (1/102)
صفحة 103
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
103
مجيء الاستعمار الفرنسي، وباحتلال فرنسا القطر الجزائري عام (1830 م) انتهى الحكم العثماني).
إن حال الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي يصفه الشيخ أبو اليقظان بقوله: «لقد تسلطت على الأمة عوامل ثلاثة: لو تسلط عامل منها على أمة كبيرة لزعزع ركنها، وهد بناءها ألا الجهل والفقر والافتراق؛ فالجهل أفقدها
وهي
الشعور بوجودها وكيف تذب عنه، والفقر أقعدها عن العمل، وشلَّ أعضاءها عن الحركة والافتراق أذاب قوتها وذهب بريحها، فبقيت والحالة هذه عرضة للتلف والهلاك والاضمحلال» (2) والحق أن هذه الحالة هي حالة العالم الإسلامي بأسره، فالدول الاستعمارية طبقت بين أبنائه قاعدة ـ فرق تسد ـ فأصبحوا شيعًا وأحزابًا مما سهل عليها نهب خيرات المسلمين، والاستيلاء على ثرواتهم، وتدنيس مقدساتهم، وامتصاص خيراتهم، والتحكم في كما أنها نشرت الجهل بينهم بكل الوسائل، مما أدى إلى جهلهم بدينهم وتاريخهم وميراثهم الحضاري، ولغتهم العربية (3) باحتلال فرنسا الشمال الجزائري زحفت جيوشها نحو الجنوب حتى وصلت إلى مدينة الأغواط (4) سنة (1852 م) فأصبح الفرنسيون قربيين من وادي ميزاب وكان المزابيون الذين يعملون في الشمال، ويشاركون إخوانهم في الجهاد، قد
مصيرهم،
(1) طلاي ميزاب بلد كفاح ص (42) - (43) معمر: الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة ص (329) وما بعدها عيسى الإمام أطفيش المصلح الاجتماعي الديني ص (7). (2) أبو اليقظان: شعور الأمة نائم فماذا ينبهه؟ مقال نشره على جريدة وادي ميزاب الجزائر العدد (42) بتاريخ 1927/ 7/21 م. (3) انظر: بك: الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقية ص (149) بك: فرنسا ومستعمراتها «الاستعمار يواجه الإسلام في «الجزائر» مقال بمجلة الرسالة المجلد الثاني ص (882) خرفي: مدخل إلى الأدب الجزائري الحديث ص (49) المدني: تاريخ الجزائر ص (45) فرحات: ليل الاستعمار ص (105).
(4) مدينة تبعد عن العاصمة الجزائر (400) كم تقريبا. وتعد بوابة الصحراء. (1/103)
صفحة 104
معالم ورؤى
شاهدوا ما آل إليه أمر تلك الديار من دمار وتخريب وسلب ونهب، وقتل جماعي، وفساد وإفساد، وانتهاك للمحارم والأعراض (1) الأمر الذي دفعهم للبحث عن حل يجنبهم الخطر الصليبي الزاحف، ويحول دون تدخل فرنسا في شؤونهم الداخلية) حتى يحافظوا على دينهم، وكيانهم الاجتماعي، فتقدم نفر من المزابيين بمحض إرادتهم، فأبرموا معاهدة مع فرنسا يوم 16 إبريل سنة (1853 م) تنص في مجملها على عدم تدخل فرنسا في الشؤون الداخلية للمجتمع الميزابي، مقابل دفع ضريبة مالية معينة سنوية لفرنسا (3) على أن الشيخ أطفيش الله، ومن معه من العزابة، والعلماء وقفوا موقف المعارض لهذه الاتفاقية لعلمهم بحقيقة نوايا فرنسا، ومقاصدها السيئة، ومخططاتها العدوانية، لكنهم لم يستطيعوا منع الآخرين عن إمضائها، والتوقيع عليها، يقول طلاي: «فقد كانت الهيئات الدينية غائبة عنه ـ أي عن حل توقيع المعاهدة - تحرجا من إمضاء معاهدة مع المشركين» (4).
وقد برر موقعو المعاهدة للمعارضين أن حقيقة هذه المعاهدة وسيلة وليست غاية، وإنها الخلاص لهم لحفظ دينهم، وأخلاقهم، وصون مجتمعهم
من الانحلال والفساد، الذي يعقب الاحتلال ويترتب عليه عادة (5).
لقد تحقق ما كان يتوقعه المعارضون للمعاهدة، فسرعان ما ظهرت نوايا العدو، ومقاصده السيئة، حيث لم يدم الحال طويلا، إذ نقضت فرنسا
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (14) فرحات ليل الاستعمار ص (79 - 81). (2) لأن الميزابيين لا يستطيعون مقاومة هذا الزحف بالقوة، والتصدي له بالسلاح فلجؤوا إلى
المعاهدة.
(3) طلاي ميزاب بلد كفاح ص (46، (47) جغلول: الاستعمار والصراعات الثقافية في الجزائر
ص (11).
(4) طلاي ميزاب بلد كفاح ص (49).
(5) النوري نبذة من حياة الميزابيين ج 1 ص (138). (1/104)
صفحة 105
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
1.0
المعاهدة، فاحتلت وادي ميزاب وأخضعت هذا الإقليم لسيطرتها الفعلية، وقبضتها العسكرية، وذلك في 30 نوفمبر (1882 م) فشددت الخناق على سكانه الميزابيين، وأحكمت القبضة عليهم أكثر من غيرهم؛ لمواقفهم المتصلبة من المحتل داخل ميزاب وخارجها، ومساندتهم لإخوانهم المجاهدين في جميع أنحاء القطر الجزائري).
إن تمسك الميزابيين بالعقيدة، وعدم قابليتهم للاندماج والذوبان، ورفضهم التعاون مع السلطات الاستعمارية من أهم العوامل التي أدت بفرنسا إلى تشديد الحصار على منطقتهم، واعتبارها من ضمن المناطق العسكرية المحظورة، تطبق فيها أبشع القوانين وأقساها.
يقول بكلي: «والشعب الميزابي من خصائصه أنه لا يستجيب إلا لقال الله تعالى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما غيرها من الدعوات فقلما تصادف منه إصغاء» (3).
وقف الميزابيون أمام الاحتلال الفرنسي للجزائر منذ اللحظة الأولى، موقف الرافض المقاطع له حيث ضحوا ضده بالنفس والمال، وشاركوا إخوانهم الجزائريين في الجهاد في جميع أنحاء القطر الجزائري، وأمدوهم بالرجال والمال، يقول أحد الدارسين واصفًا هذا الموقف المتشدد: «إن في الجزائر جماعة مسلمة واحدة فقط، لم تتأثر أبدا بالتدخل الأوروبي .... وهؤلاء هم الميزابيون، فهم لم يغيروا قيد أنملة من لباسهم، ولم يلتحقوا بالمدارس الفرنسية، ولم يشاهد أحد منهم يتوسل منصبًا حكوميا، أو يتعاون مع
الأوروبيين في أي فرع من فروع التجارة، والصناعة، والزراعة» (3).
(1) النوري: نبذة من حياة الميزابيين ج 1 ص (303) ناصر: الشيخ القرادي حياته وآثاره ص (230). (2) بكلي: الحركة العلمية في بني يسجن ص (13، 14).
(3) شبنار: الإباضية والحركة الإصلاحية بالجزائر المعاصرة ص (20، 21). (1/105)
صفحة 106
1.7
معالم ورؤى
ويقول المؤرخ الألماني سيمون بفايفر واصفًا مشاركة الميزابيين إخوانهم الجزائريين الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي: «وقد تولى الآغا أفندي إبراهيم قيادة الجيش الجزائري الذي كان ينضم إليه كل يوم بضعة آلاف من العرب، والقبائل بقيادة باياتهم، وشيوخهم، وخلفائهم، فوصل باي قسنطينة إلى أسطوالي مع حوالي اثنى عشر ألفا، وباي تيطرى مع ثمانية آلاف، وخليفته مع ثلاثة آلاف وخليفته باي وهران مع تسعة آلاف ومع شيوخ القبائل ما بين ستة عشر، وثمانية عشر آلفا، ومع أمين الميزابيين في الجزائر العاصمة حوالي أربعة آلاف) وجاء في جريدة الشعب اليومية: فأي مجاهد أو فدائي في أي ناحية، يتقدم إلى دكان ميزابي مستظهرًا بكلمة سر خاصة يتلقى على الفور كل المساعدات الممكنة المطلوبة» (2) وقد تناول الشيخ علي يحيى معمر جهاد المزابيين للعدو الخارجي من ثلاثة جوانب عمل فردي، وعمل جماعي تنظيمي، وكفاح مزدوج في الناحيتين السياسية والعسكرية لمدى طويل (3). من الناحية السياسية، أما من الناحيتين الاجتماعية، والفكرية، فقد
هذا
رحمه الله
انتشرت في المجتمع الميزابي كثير من المعتقدات الفاسدة، والمفاهيم الخاطئة، والسلوكيات المعوجة، والبدع السيئة، فعمد الشيخ أطفيش رحمة الله جاهدا لتقويمها وإصلاحها (4) وقد سبقه إلى ذلك اثنان من كبار المشايخ العلماء المصلحين، ثم واصل تلاميذه من بعده لواء الإصلاح إلى اليوم يقول الشيخ دبوز: «لقد اجتازت النهضة الحديثة في وادي ميزاب منذ نشأتها في القرن الثالث عشر الهجري إلى يومنا هذا خمسة أدوار، قادها في كل دور زعيم
(1) نقلاً عن أعوشت: قطب الأئمة ص (54).
(2) نقلا عن أعوشت: قطب الأئمة ص (56).
(3) معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة ص (568) وما بعدها. (4) سيأتي الحديث عن إصلاحه في مبحث دور الشيخ اطفيش في أوضاع عصره. (1/106)
صفحة 107
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
107
مخلص من قادها وكفلها الشيخ أبو زكريا يحيى بن صالح، وفي دور الطفولة قادها وحماها الشيخ عبد العزيز الثميني ومعه شيخه أبو زكريا، وفي صدر شباب النهضة، وهو الدور الثالث قادها ودخل بها شبابها وقوتها الشيخ الحاج أمحمد أطفيش، ثم بلغت قمة الشباب والنضوج على يد تلاميذه المنبثين في وادي ميزاب کله سيما أبناؤه الثلاثة في القرارة العلماء المجاهدون: الشيخ الحاج إبراهيم الأبريكي، والشيخ الحاج عمر بن يحيى، وأعانهما في التعليم الشيخ إبراهيم بن بكير، أما في تونس فقد هاجر إليها العلماء الثلاثة من القطب، وأنشاؤوا فيها البعثات العلمية، التي تولت التعليم في المدارس العصرية في ميزاب، وهم الأساتذة الأجلاء: الشيخ إبراهيم أطفيش، والشيخ أبو اليقظان الحاج إبراهيم، والشيخ الحاج محمد بن صالح الثميني، وقادها في مرحلتها الخامسة وبلغ بها تمامها أستاذنا الجليل الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض ومعه الأساتذة الأجلاء: الشيخ أبو اليقظان والشيخ عبد الرحمن بن عمر، والشيخ سليمان بن الحاج داود والشيخ عدون بن الحاج وغيرهم»).
العلماء الكبار، أو جماعة من العلماء المخلصين، ففي دور الميلاد
تلاميذ
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (289).
*** (1/107)
صفحة 108
108
المبحث الثاني:
دور الشيخ أطفيش في أوضاع عصره
أظهر الشيخ أطفيش رحم الله رغبة صادقة، وأمنية جادة في أن يكون المجدد للإسلام في عصره، وقد دفعه إلى ذلك أمران هما: الأول: واقعه حيث كانت أوضاع الأمة الإسلامية متداعية سياسيا، واجتماعيا وفكريا على كافة الصعد
والمستويات.
الثاني: ما علمه من رؤيا أبيه) وأمنية أهله أن يكون عالما لرفعة الدين، وإعزاز الإسلام، فتكون له مكانة بارزة ومنزلة متميزة بين العلماء في العالم الإسلامي، وبمرور الزمن، والسنين تبوأ الشيخ أطفيش الله مكانة عالية في مجتمعه وأمته بنشاطه العلمي، ودوره الإصلاحي على رغم الأوضاع المتردية، ووطأة الاستعمار، ومعارضة أبناء مجتمعه، حيث قال في رسالة بعثها إلى أحد إخوانه العُمانيين يصف فيها ما يعانيه، ويثقل كاهله: «واعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض تأخر، وما ذلك إلا لأهوال عظام علي من النصارى وأهل
بلدي» (2).
لقد جاء عصر الشيخ أطفيش رحم الله في المرحلة الثالثة أدوار النهضة من
(1) يذكر أن أباه تعلق بأستار الكعبة فدعا الله تعالى أن يرزقه الولد الصالح النابغة الذي يحيي العلم في وطنه، وبعد الطواف نام فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه يدنو منه باسما متهللا ويكتب شيئًا على ظهره، فاستيقظ وقلبه يغمره الانشراح فعلم أن الله قد استجاب دعاءه، وأن كتابة النبي صلى الله عليه وسلم في ظهره معناه الولد الصالح الذي ينصر الدين دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (294). (2) أطفيش كشف الكرب ج 2 ص (55). (1/108)
صفحة 109
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
109
الحديثة المباركة بوادي ميزاب كما تقدم) ودور الشيخ في أوضاع عصره،
ومجتمعه يتمثل في أمرين هما:
أولا: إصلاحه للواقع
يصف الشيخ واقعه بقوله: «إنما أطنب في هذا المقام لأحرك أذهانا ألفت الجمود، وأهيج أفهاما طالما مالت نيرانها إلى الخمود» (2).
يرى الشيخ أن الإصلاح الاجتماعي أوجب وأولى من غيره فاتجه إلى تغيير وتصحيح كثير من الاعتقادات الفاسدة، والمفاهيم الخاطئة، والسلوكيات المعوجة، حتى يعود الناس إلى الطريقة الجادة والصواب، وإلى السبيل القويم، ويتخلوا عن البدع المذمومة (3).
لقد استعمل الشيخ رحم الله في الإصلاح الاجتماعي أسلوبين هما (4):
(1) انظر: الرسالة مبحث: الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصر الشيخ أطفيش. (2) أطفيش حاشية السؤالات مخطوط ورقة (96.ط).
(3) يقسم الشيخ البدعة إلى قسمين: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة حيث يقول: «وسميت البدعة لأنه لم يسبق إليها، والبدعة التي تميت الدين، أو تضعفه مردودة .... وأما البدعة التي تقيم الحق، أو تعينه فحق مثل كتابة العلوم بالقالب أي بآلة الطباعة. أطفيش الذخر الأسني
ص (239، 240).
وعليه فإن البدعة في ذاتها كل جديد فما كان موافقا للشرع معينا له كان محمودًا مقبولا، وما كان مخالفا للشرع مضعفا له، كان مذموما مردودا. وما قاله الشيخ يدل على تفتح عقليته، وعمق فهمه وبعد نظره، كما يدل على مدى اهتمامه بالمقصد الشرعي من حفظ الدين، فهو بهذا أراد أن يفتح مجالا واسعًا للمسلم ينطلق فيه للعمل، والإبداع في ضوء المنهج الإسلامي القويم. وفي هذا الموضوع يقول العزالي: إن كل ما خالف الكتاب والسنة، وإجماع فهو بدعة مردودة» انظر: الغزالي مكاشفة القلوب ص (448) وللمزيد يراجع القنوبي: السيف
الحاد ص (5، 6).
(4) وينتن آراء الشيخ أطفيش العقدية ص (32).
الأئمة (1/109)
صفحة 110
110
معالم ورؤى
الأول: أسلوب الاستعجال والمواجهة المباشرة وخاصة في بداية عهده ولعل هذا عائد إلى الحماس الزائد لدى الشيخ أطفيش بغية تعجيل الإصلاح، هو شأن الكثير من المصلحين في بداية عهدهم) والثاني: أسلوب التدرج
كما
والتأني.
تعددت وسائل الإصلاح لدى الشيخ أطفيش أهمها: التدريس، والتأليف، والوعظ والإرشاد (3) حيث دعا الشيخ إلى تطوير أسلوب الوعظ، إذ يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وَذَكَرْ فَإِنَّ الذِكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]: «وينبغي للقاص أن لا يطيل، فيملوا فتذهب بركة العلم ...... وينبغي لمن يطيل أن يذكر لهم في مجلسه ما يتبسمون به ترويحًا لهم، وينبغي للمستمع أن يقول للواعظ أو المعلم كلما حدثه بحديث أن يقول له: صدقت أو أحسنت، ليكون راغبا ولا بد من حذر الرياء» (3) ويهدف الشيخ من هذا أن يكون التجاوب متبادلاً بين المتحدث والمتلقي، ويراعي الأول طاقة الثاني، وأن يقابل الثاني ما أسداه له الأول بمعروف وإحسان على أن يحاط هذا بالنية الحسنة والإخلاص الله تعالى ليكون عبادة يؤجر عليها صاحبها ويثاب.
كما تعددت مجالات الإصلاح التي قام بها الشيخ أطفيش أهمها (4): أولا: تصحيح المعتقدات الفاسدة، كمنع الناس عن الشعوذة والدجل، وتقديس الأماكن، والتبرك بالموتى، والذبح عند القبور، أو قبل بداية عمل بئر، أو بناء منزل، لأنها مما يذبح لغير الله تعالى يقول الشيخ عند تفسيره لقوله
(1) وكان من نتائجه نفي الشيخ إلى مدينة بنورة كما سيأتي في مبحث: دور الشيخ أطفيش من
أوضاع عصره.
(2) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (340 - 349).
(3) أطفيش: تيسير التفسير ج 12 ص (485).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (303) انظر تيسير التفسير ج 3 ص (16). (1/110)
صفحة 111
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
111
تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَلِدَيَّ ... [نوح: 28]: اعلم أنه جرت عادة بني مضاب إذا قرأوا آيات وسورًا مخصوصات آخرهنَّ سورة الناس أن يبسملوا، ويقرأوا رب أغفر لي ولوالدي ....... إلخ، وقلت لهم: إن أصحابنا كرهوا قراءة البسملة وسط قراءة القرآن والبدء بها في غير أول سورة في قراءة القرآن فتركوها، وقال جاهل: إن قولنا رب اغفر لي ولوالدي ... الخ السورة ليس قرأنا لأنا دعونا به دعاء، وهذا كفر شرك لأنه نقص من القرآن، وقد يعتبر قوله لأنا دعونا به تأويلا فيكون نفاقا» (1).
وعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] يقول وهو يذكر معتقدات الناس الفاسدة في الجن: «ومن العياذة بالجن إلقاء الملح والرماد حيث عثر الإنسان، أو أصيب بضر ظنا أن الجن، ومن العياذة بهم ذبح شاة في نفس الموضع الذي يريدون حفر البئر فيه، أو في دار أريد الحفر فيها للبئر وكل ذلك حرام؛ لأن قصدهم التملق إلى الجن بإلقاء الملح والرماد، فهو كالذبح لهم، وكذا إلقاء القصبر () أو نحوه
ذلك
من
لهم» (3).
ثانيًا: تصحيح المفاهيم الخاطئة كالركون إلى الكسل، وترك العمل، وانتظار الخوارق، فكان الشيخ أطفيش الله يدعو إلى وجوب العمل، والأخذ
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 14 ص (184). (2) كلمة عامية مستخدمة في ميزاب تطلق على الكزبرة وتسمى الكسبرة، وهي لغة عربية معروفة يستعملها أيضا أهل الميزاب ويطلقونها على الكزبرة، وهي نبتة زراعية تضاف أوراقها إلى بعض الأطعمة، وتستعمل بذورها في الطعام والصيدلية، وتسمى ثمرتها الجلجلان انظر: ابن منظور: لسان العرب ج 1 ص (450) ج 5 ص (400) فأرى أن الشيخ رحم الله أراد الكزبرة لكنه عبر عنها بالعامية لشيوعها بين الناس فخاطبهم بالتسمية المتداولة بينهم لتوضيح المقصود بغية
المزيد من الإصلاح وعلاج الواقع.
(3) أطفيش: تيسير التفسير ج 14 ص (196). (1/111)
صفحة 112
112
معالم ورؤى
بالأسباب، وقد قال في تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} [الشرح: 7]: «والآية زاجرة عن البطالة، قال عمر بن الخطاب الله الله: «أكره أن أرى أحدكم لا في عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة).
ثالثًا: إصلاح السلوك المعوج، لقد اجتهد الشيخ أطفيش في تربية أبناء مجتمعه على التحية الإسلامية بلفظ - السلام - وعلى الاستئذان بها للدخول إلى البيوت وغيرها بدلا من قولهم صباح الخير، ومساء الخير (1) إن الإصلاح الاجتماعي لدى الشيخ لا يعني الرفض المطلق لكل شيء، وإنما يعني رفض كل ما يخالف الشرع؛ إذ يقول: «وإنما يتخلق الإنسان بأخلاق أهل زمانه فيما لا يخالف السنة والقرآن، ولا يؤدي إلى مخالفتهما، ولا يكون تشرعا منه» (3).
أما
من الناحية السياسية، فقد كان الشيخ رحمةالله على اتصال وثيق ببعض الحكام في عصره كحكام عُمان، وزنجبار خاصة بسبب الوحدة المذهبية (4) وكذلك اتصاله بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وكان يرى في حكم العثمانيين رمزا للحكم الإسلامي الباقي إلى عهده، ويأمر المسلمين بالدعاء للسلاطين العثمانيين بالنصر والتأييد، والتسديد وهذا دليل على حرص الشيخ على الوحدة الإسلامية، وغيرته الصادقة على الإسلام، ونظرته الشمولية للأخوة الإسلامية، وهذا هو شأن العلماء العارفين وخلق الدعاة المخلصين
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 15 ص (224) وقد جاء ذكر قول عمر الله بهذا اللفظ «إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا، لا عمل في دنياه، ولا عمل في آخرته» والسبهلل الذي لا شيء معه، وقيل الباطل، انظر: الألوسي روح المعاني ج 15 ص (392) الزمخشري: الكشاف ج 4
(467) الخازن: تفسير الخازن ج 4 ص (265).
(2) عيسى: الإمام أطفيش ص (22).
(3) أطفيش القنوات الدانية في مسألة الديوان العانية ص (5).
(4) لقد خصص السلطان برغش بن سعيد سلطان زنجبار للشيخ منحة مادية إعانة له، كما تكفل بطبع تفسيره هميان الزاد انظر عيسى الإمام أطفيش ص (33 - 34). (1/112)
صفحة 113
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
113
وسمة القادة المجاهدين، ومما قاله عند تفسيره لقول الله: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةَ} [النمل: 82]: «فأكثروا الطواف، والقراءة، وادعوا الله لا ينصر السلاطين العثمانية، يسددهم الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام» (1) كما أنَّ الواقع الاستعماري ألزمه بالاتصال بمن يمثل فرنسا سواءً في ميزاب أو الجزائر العاصمة، وذلك عن طريق المراسلات واللقاءات أحيانًا (2) وكان من ثمار هذه الاتصالات، ومن نتائج هذه العلاقات أن منح الشيخ أطفيش من حكام هذه الدول أوسمة ونياشين، وكان بقدر ابتهاجه، وسعادته بهذه الأوسمة والنياشين يتحرج ويحتقر الوسام الفرنسي، باعتباره شعارًا صادرًا من دولة كافرة ظالمة (3) كذلك يتجلى أثره في هذه الناحية دفاعه عن حرمة الإسلام وكرامة المسلمين، وذلك بتأليف رسائل يردُّ فيها على من يطعن في دين الله تعالى، ويقدح في المسلمين (4) إضافة إلى مساندته لمشروع
(4)
السكة الحديدية إلى الحجاز، ودعوته إلى قيام الجامعة الإسلامية).
:ثانيًا: مقاومته للاستعمار
كان الشيخ غيورا على الإسلام والمسلمين، يمقت الاستعمار بأي شكل من الأشكال؛ لذلك قارعه بكل ما أوتي من وسيلة فكان شغله الشاغل يعز
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 9 ص (382).
(2) أبو اليقظان: ملحق سير
الشماخي ورقة (159، 161. و أطفيش: مجموع رسائل بين الشيخ
والإدارة الاستعمارية مخطوط ورقة (ه. و).
(3) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (329).
(4) منها رسالته «رد الشرود إلى الحوض المورود» مخطوطة بمكتبه السيد أحمد بن محمد بالسيب رقم (692.ر) ناقش فيها آراء بعض أعداء الإسلام، ورسالة «إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض» و «إن لم تعرف الإباضية وهاتان مطبوعتان ورسائله تمتاز في معظمها بالحدة في القول، والشدة في الرأي كرد فعل. (5) أيوب: الشيخ أطفيش المجند للدفاع عن الحقائق ص (6) عيسى: الإمام أطفيش ص (13 - 14). (1/113)
صفحة 114
114
معالم ورؤى
عليه أن يهضم شعب إسلامي، ويسلب حريته، أو يناله أدنى ضيم، كثير الدعاء بالنصر للأمة الإسلامية على من يناويها شديد الرغبة في وجود الجامعة الإسلامية ... ) لقد نظر الشيخ أطفيش نحمدالله إلى الاستعمار من خلال النصوص الشرعية كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ} [المائدة: 51] وقوله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].
ويرى الشيخ أطفيش أن تكون قطيعة تامة بين المسلم والكافر، إذ يقول: ولا يجوز لباس المشركين، ولو لدفع حرارة الشمس، أو البرد، إلا لضرورة لا محيد عنها؛ لأن دفع الحر والبرد لا يختص بلباسهم، وقد جاء في الأثر بالنهي عن زي الفساق في اللباس وغيره، فكيف زي المشركين، وأنا متعجب ممن يفتي بجواز لباسهم لنحو حر واقتصاره على الكراهة فقط ... وموادتهم مطلقا وموالاتهم، ومظاهرتهم، أو اكتساب ودهم ولو بلا مظاهرة، بل حبهم حرام، إلا أن كان بالطبع لنفعهم له، فليعالج زواله (2) ويقول في موضع آخر: وعلى كل حال لا يحكم بكفر من تزيا بزيهم ..... ولكن ينكر عليه فإن في التزيي بزيهم ستر الحق وهو تزيي المؤمنين، وإظهار الباطل وهو زيهم، وليس زينا معشر المؤمنين حقا لذاته وشرعًا، بل لمخالفة زي المشركين، ولا زيهم كفرًا لذاته، وباطلا لأنهم امتازوا به عن المؤمنين ولو لبسنا لباسًا آخر غير لباس المشركين لكان جائزا حلالا (3) ويؤكد على البراءة من الكافرين، إذ يقول: «تجب براءة الكافرين إجمالا، وأشرك من تبرأ من الناس كلهم، أو تولاهم كلهم، أو خص جملة من ولاية الجملة، أو براءتها» (4).
(1) أطفيش الذهب الخالص - المقدمة ص ج.
(2) أطفيش كشف الكرب ج 1 ص (152). (3) أطفيش كشف الكرب ج 1 ص (154). (4) أطفيش: الذهب الخالص ص (45). (1/114)
صفحة 115
=
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
110
إن ما يراه الشيخ أطفيش هو نفسه ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب استقلال الشخصية الإسلامية، وحرمة التشبه بالمشركين، لأن المشابهة في الظاهر تورث محبة الباطن، ومحبة غير المسلمين، حرام، وكل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام وعليه فلا يصح للمسلمين أن يتشبهوا بغيرهم خشية الوقوع في المحظور.
لقد أعلن الشيخ أطفيش رحم الله رفضه التام والقاطع لأي تدخل أجنبي في شؤون ميزاب وقال: «إن تشيع ثمانون جنازة في اليوم من بني يسجن، أحب إليّ من أن يطرق سمعي أن فرنسا وضعت قدمها على حجر واحد من تيضفت» هي من أحياء ميزاب العتيقة (1).
قاد الشيخ أطفيش مقاومة إثر دخول فرنسا ميزاب سرعان ما تمكن الفرنسيون من قمعها، وإخمادها، واعتقلوا الشيخ حتى لا تتسع مقاومته، وليكون رادعا لغيره، ولما أطلق سراحه وضع في إقامة جبرية لكي لا يتحرك إلا في محيط ضيق جدا، لدرجة أنه لم يسمح له بالتنقل بين مدن ميزاب إلا برخصة من حاكم غرداية (2).
اختلف وممن
تعرض الشيخ أطفيش لشدائد، ومكائد، ومحن من الأعداء، معهم في الرأي من أبناء مجتمعه حتى وصف إحدى تلك المحن قائلا: «أظن أن الشيطان قد دخل فيها بنفسه» (3) هذا فقد عاش الشيخ أطفيش على أمل ومع
التخلص من الاستعمار، واسترجاع المسلمين كرامتهم، وحريتهم ومجدهم
(1) النوري: نبذة من حياة المزابيين ج 1 ص (320).
(4)
(2) معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة ص (590) دبوز: نهضة الجزائر ج 1
ص (331).
(3) أطفيش: خطبتا العيدين مخطوط ورقة (45 و).
(4) أطفيش هميان الزاد نهاية كل سورة تجده يختمها بالدعاء على الكفرة مثال ذلك: «اللهم (1/115)
صفحة 116
117
معالم ورؤى
لقد كانت لدى الشيخ أطفيش رغبة في الجهاد المسلح لتحرير البلاد من الاستعمار، لكن وضعه لم يسعفه إلى ذلك، لأنه لم يجد رجالا، ولا سلاحًا، إلا أنه لم يستسلم، بل غير منهج جهاده من المقاومة المباشرة بالسلاح، إلى المقاومة غير المباشرة، وبعبارة أخرى من الجهاد المسلح إلى إعداد الرجال، فرجع إلى التدريس، والتأليف يقول: ولذلك قلت أكب على التأليف إذ لم أجد لنا ابنا غازيًا يوما، ولا ما به أغزو، ولو كنت في زمن الأمير يوسف بن تاشفين لكنت أطوع له من سائر أعوانه إن شاء الله ولعل الله يجعل لي ثوابًا لقصدي».
وقد وضع الشيخ رحم الله لتحقيق هدفه أربع خطوات تؤدي في النهاية إلى الجهاد المسلح للتخلص من الاستعمار وهي:
الله
الأولى: التعليم للرجوع والعودة إلى العقيدة الصحيحة، والتفقه في دين تعالى، والإخلاص الله رب العالمين الذي بيده النصر والتمكين يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
الثانية: تحقيق الوحدة وجمع الكلمة والشعور بالمسؤولية، فالمسلمون أمة واحدة، قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] و وَإِنَّ هَذِهِ أَمَتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52] و وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
يقول الشيح أطفيش نحمد لله: «قلت إذا لم يتألف المؤمنون عوقبوا بكل ما الألفة ضاع من أمر الدين والدنيا بعدم
بينهم».
(2)
ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ... وبركة هذه السورة أخز النصارى وسائر المشركين، وأهنهم، واكسر شوكتهم، وغلب المسلمين وجملة الموحدين عليهم أطفيش الهميان: سورة البقرة ج 3
ص (471) أطفيش كشف الكرب ج 2 ص (207 - 363).
(1) أطفيش تيسير التفسير ج 4 ص (377) ج 5 ص (36). (2) أطفيش: شرح مخمسة أبي نصر مخطوطة ورقة (56.ظ). (1/116)
صفحة 117
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
117
الثالثة: الإعراض عن سفاسف الأمور والشهوات، يقول الشيخ لأحد مراسليه: «لعل الله يرحمكم بأن يوقظكم لطرح مالا يعني، وللتقليل من
الشهوات والباطلات، وللاشتغال بالمحافظة على بر الإسلام».
الرابعة: وجوب الأخذ بأسباب القوة المادية كما أمر قال: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].
يقول الشيخ أطفيش نعم الله عند تفسيره لهذه الآية: «والآن يجب على عامة الموحدين ولا سيما السلاطين وأتباعهم أن يستعدوا بالرصاص، والبارود، والمدافع، ويتعلموا ذلك تعلما كليا محققا، ويعلموه الأجناد لعلهم يزيلون بعض غلبة أهل الشرك والآية شاملة لهذا المعنى بالمعنى والإلحاق، والقياس وكأنها نص فيه» (2) وقال في معرض تفسيره لقوله تعالى: {مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ»: «من كل ما يتقووا به على حربهم من سيف، ورمح، ونبل، ودروع، ودواب، وزاد، وجوالق وغير ذلك» (3).
إن هذا المنهج دال على أصالة فكر الشيخ أطفيش، كما أنه نابع عن تشخيصه العميق لواقع المسلمين في ذلك الوقت، فحري بالمصلحين، والمفكرين، والدعاة من أبناء الإسلام اليوم أن يتأملوا فيه فهم أولى بالاستفادة منه، لم تقتصر مقاومة الشيخ للاستعمار في الجزائر فحسب، بل امتدت إلى جميع البلاد الإسلامية، بل كان يطمح في استرجاع بلاد الأندلس (4) لذلك كان يحرض تلاميذه للمشاركة في تحقيق الهدف، وكان على اتصال دائم بتلميذه سليمان الباروني أحد قادة الثورة في ليبيا، فيؤيده بالنصح، والدعاء، والمال،
(1) أطفيش تفسير الغاز ص (51). (2) أطفيش: تيسير التفسير ج 4 ص (395).
ج.
(3) أطفيش هميان الزاد ح 1/ 7 ص (261). (4) أطفيش: شرح النيل ج 15 ص (302). (1/117)
صفحة 118
118
معالم ورؤى
كما كان يمنع من يستفتونه من الهجرة من أوطانهم حتى لا يخلو الجو للمستعمر () كان الشيخ أطفيش نعم الله لا يهاب جبارًا، ولا يعظم لديه خطر أو جلل، وكم انتابته نوائب الدهر، ومكائد الأعداء لم تضعف نفسه أمامها، بل كان يحتقر المستعمرين، ويمقتهم لكفرهم، وظلمهم، وتعصبهم الأعمى ضد الإسلام والمسلمين، وكان يغرس في نفوس تلاميذه هذا المقت والاحتقار، ويظهر احتقاره للمستعمرين الفرنسيين من مواقفه الجريئة تجاههم من خلال معهم، ومراسلاته لهم، والأمثلة على ذلك كثيرة منها (2):
تعامله
أولا: أنه زاره بعض القسس وكبار الولاة من الفرنسيين، فوقفوا معه في مستوى واحد من الأرض، فارتفع الشيخ أطفيش عنهم فوق درجة، فسأله أحدهم: هلا وقفت معنا في نفس المكان؟ فرد عليه الشيخ: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه».
ثانيًا: وضع الفرنسيون على طوابع البريد في الجزائر صور عظمائهم، فكان الشيخ أطفيش يلصقها في رسائله التي يبعثها بالبريد مقلوبة؛ استهزاء، ونكايةً بهم، وإذا وصلته رسالة أخذ القلم وطمس بالحبر عيني الصورة في طابع تلاميذه أن يفعلوا ذلك.
البريد، وكان يوصي ثالثًا: ذات يوم استدعاه الحاكم العسكري إلى مكتبه لقضية عامة، فاقترح على الشيخ أطفيش بعض أصدقائه ألا يذهب بالأوسمة الإسلامية فقط، فإن ذلك يغيظ الحاكم، وألحوا عليه أن يعلق الوسام الفرنسي معها، فوافقهم وعلقه في أسفل ذيل ثوبه، بينما الأوسمة الإسلامية تشرق على صدره، ولما دخل على الحاكم سأله: وأين وسام رئيس الدولة الفرنسية؟ قال الشيخ
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (332). (2) أطفيش الذهب الخالص المقدمة صج، دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (327، 331) لنوري: نبذة من حياة المزابيين ج 1 ص (323) جهلان: الفكر السياسي ص (110 ـ 111). (1/118)
صفحة 119
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
119
للترجمان وهو يشير إلى ذيل ثوبه قل له: إنه في الذيل! إنه في الذيل!؛ أي:
أسفل الثوب.
رابعا: ذات يوم أراد القائد الفرنسي أن يساوم الشيخ أطفيش كما يفعل بالماديين، فقال له اطلب منا ما شئت نعطه لك ولعائلتك فرد عليه: «إن طلبي أن لا تبنوا في ميزاب، ولا تستقروا فيه، وإن ترحلوا عنا فلسنا في حاجة إليكم في
شيء» (1).
خامسا: عندما حاول الفرنسيون هدم الجامع الكبير بالعاصمة لبعض مآربهم كتب الشيخ أطفيش إلى الوالي رسالة احتجاج شديدة اللهجة يحذره فيها من مغبة الاقتراب إلى بيوت الله تعالى ومن رسائله الاحتجاجية رسالته إلى الحكومة ذكر فيها ظلم الولاة لأبناء شعبه، ومنعهم من الحج والسفر إلى
الخارج (2).
ورسالة أخرى بمناسبة اغتيال أحد الوزراء الفرنسيين في باريس جاء فيها: «لقد تمادى بكم ظلم المسلمين، فكان الله يراقبكم، حتى أصبح وزراؤكم يقتلون في الطرقات كالكلاب» (3).
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (331). (2) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (330). (3) جهلان الفكر السياسي ص (111). (1/119)
صفحة 120
[صفحة فارغة] (1/120)
صفحة 121
سيرة الشيخ أطفيش الذاتية
المبحث الأول: نسب الشيخ أطفيش وولادته. المبحث الثاني: نشأة الشيخ أطفيش ووفاته. (1/121)
صفحة 122
توطئة
|
122
أتحدث في هذا الفصل عن نسب الشيخ أطفيش، وآراء الباحثين في ذلك، ولقب أسرته، وولادته، وسبب تفضيل الشيخ أطفيش إضافة الألف والهمزة في أول اسمه ليكون هكذا ـ أمحمد ـ وكذلك عن نشأة الشيخ أطفيش، وأثر أسرته في تكوين شخصيته وطرق تعليمه وأهم شيوخه، ونبوغه، ووفاته. (1/122)
صفحة 123
123
المبحث الأول:
نسب الشيخ أطفيش وولادته
*
أولا: نسب الشيخ أطفيش
هو الشيخ العلامة محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح بن عبد الرحمن بن عيسى بن إسماعيل أطفيش الحفصي العدوي (1) قيل ينتهي نسبه إلى عمر بن حفص الهنتاتي جد الأسرة الحفصية التي حكمت تونس بعد دولة الموحدين، وعليه فإن الشيخ أطفيش من قبيلة المصامدة في جنوب المغرب الأقصى) وقد
نقل ابن خلدون نسب الحفصيين إلى بني عدي القبيلة العربية المعروفة (3). وقيل ينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب الله
(4)
والعدوي نسبة إلى عدي بن كعب بن لؤي القرشي جد الخليفة الثاني ()
وقد ذكر الشيخ نفسه هذا النسب (5) وأكده في أرجوزته () التي نظمها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
(1) أطفيش: قصيدة المعجزات - مخطوطة ورقة (30 (31) الرسالة الشافية - مخطوطة ورقة (70.و) الزركلي: الأعلام ج 7 ص (156).
(2) أطفيش: جامع الشمل ج 1 ص (12) دبوز نهضة الجزائر الحديثة ج 1 ص (290) بابا عمي: معجم أعلام الإباضية ج 2 ص (399).
(3) ابن خلدون تاريخ العلامة ابن خلدون ج 12 ص (578).
(4) أبو اليقظان ملحق سير الشماخي مخطوط ورقة (153.و) أطفيش: شرح النيل ج 1 ص (9)
الذهب الخالص ص
(1)
(ه) أطفيش: الرسالة الشافية - مخطوطة ورقة (70.و).
(6) أطفيش: قصيدة المعجزات - مخطوطة ورقة (30 (31) تلقين التالي لآيات المتعالي مخطوطة ورقة (23). و) الذهب الخالص ص (أ)، (ب) الأبيات من بحر الرجز. (1/123)
صفحة 124
124
معالم ورؤى
وناظم الأبيات من بني عدي يتصل اتصال يوم بغد واليوم بالأمس وزند بيد وكلوة بكبد وكتد
إلى أن قال:
(1)
مع اجتماع في عدي بعمر وبالنبي في لؤى وزمر (1) وهذا القول بحاجة إلى مزيد من التحقيق والتقصي من قبل الباحثين في التاريخ والأنساب، لأنه وإن كان الشيخ أطفيش أكده إلا أنه قد يكون سائرا في إثباته على منهجه في كتابه - الرسالة الشافية - التي حاول فيها إثبات النسب العربي لكثير من العشائر بوادي ميزاب ومنها عشيرته.
يقول أحد الباحثين: «ولا نستطيع أن نجزم بصحة النسب إلى عمر بن الخطاب الهلهلهلهلهله لعدم توفر الأدلة الواضحة في سلسلة هذا النسب، ولطول الأمد بين عصر الراشدين، وعصر، الشيخ، وكذا بعد الشقة كما لا يمكن الجزم بعدمه) (2).
وأرى إن صحت نسبة الحفصيين الهنتاتييين إلى بني عدي القبيلة العربية المعروفة كما ذكر ذلك ابن خلدون فإنه لا تعارض بين القولين في نسب الشيخ أطفيش كما الله إذ إن قبائل عربية نزحت مع الفتوحات الإسلامية من الجزيرة العربية فاستقرت في مناطق كثيرة من بلاد الإسلام كما هو معلوم، فليس من المستبعد نزوح بعض أفراد قبيلة بني عدي العربية إلى شمال إفريقية واستقرارهم هناك، فكانت أسرة الشيخ منهم وعلى أي حال فمهما يكن النسب فحسبنا قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ} [الحجرات: 13].
(1) أظنه خطأ كتابي والصحيح مضر وهو الجد السابع عشر للنبي الله. (2) وينتن آراء الشيخ أطفيش العقدية ص (23). (1/124)
صفحة 125
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
125
ويفضل الشيخ أطفيش رحم الله إضافة الألف والهمزة في أول كلمة - محمد ـ اسمه لتكون هكذا «أمحمد» بفتح الهمزة أول الكلمة، وإسكان الميم بعدها، وهذا ما يتجلى بوضوح في مراسلاته).
من
ويذكر أن سبب تفضيله لهذه الإضافة حتى تميزه عن لفظ اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ما تعرض الشيخ أطفيش للسب أو الشتم من قبل الناس ـ وهذا ما حدث له كثيرًا بسبب مواقفه الإصلاحية - فإنه لا ينسحب ذلك على - النبي صلى الله عليه وسلم وقد سُئل الشيخ أطفيش عن سبب كتابة اسمه بالهمزة هكذا (أمحمد فأجاب: «بأن بعضا يسمي محمد بضم الميم على الأصل المأمور به، وبعض يسمي بإسكان الميم (3) فاستحق الهمزة، وكانت همزة قطع مفتوحة ....... وسبب التغيير إلى أمحمد نهيه عن تقبيح من اسمه محمد، ويلعن فيقال لعن الله محمدا يريد رجلا من المحمديين لا النبي صلى الله عليه وسلم بل يقول: لعن الله ولد فلان، أو هذا أو نحو ذلك، فإذا استحق الشتم جاز ذلك لمخالفة اسم النبي (3).
وأرى أن الاسم يتوجه إلى المسمى في آنه، ولا يتعداه إلى غيره، ولكن هذا اجتهاد من الشيخ أطفيش ـ وهذا شأن العلماء المتواضعين ـ فهو لم ينظر إلى عموم من سُمي محمد، وإنما نظر إلى شخصه ـ محمد ـ ففضل زيادة همزة القطع المفتوحة تمييزا بين أصل المسمى ومن دعي به.
(1) أطفيش كشف الكرب انظر على سبيل المثال: ج 1 ص (5 - 9) ص (41، 45) ج 2 ص (17،
(173،35،31
(2) مازال أهل عُمان ينطقون - محمد ـ بإسكان الميم وأرى أنها لهجة دارجة، وليست لغة لأنها مخالفة للأصل المأمور به إلا أنها شاعت لخفتها. (3) دائرة المعارف الإسلامية مجلد 3 ص (528) معجم أعلام الإباضية - قسم المغرب الإسلامي
ج 2 ص (406). (1/125)
صفحة 126
126
معالم ورؤى
تلقب أسرة الشيخ رحم الله بأطفيش، أو أَطْفَيَّاس بالمد، وهو باللهجة المزابية مركب تركيبًا مزجيا من ثلاث كلمات (1)
هي:
لفظ
بربري
الأولى: «أطف» بفتح الهمزة، وتشديد الطاء المفتوحة، وسكون الفاء
ومعناها (خذ)
الثانية: - «أَيَّ» بفتح الهمزة، وتشديد الياء، ومعناها (تعال)
الثالثة: «أش» بفتح الهمزة وسكون الشين ومعناها (كل) فمعنى الكلمات على الترتيب خذ تعال كل ولعلها كناية عن الجود والكرم في هذه الأسرة.
ثانيًا: ولادة الشيخ أطفيش
تتفق
جميع
المصادر التي بين يدي (3) على أن ولادة الشيخ أطفيش كانت
سنة (1236 هـ/1820 م) باستثناء مصدرين أحدهما يحدد ولادته سنة (1237 هـ) (3) والآخر يرجح أن ولادته كانت سنة (1238 هـ) (4) والذي يظهر لي أن ولادته كانت سنة (1236 هـ) لسببين هما:
أولا: أن جميع المصادر باستثناء ما ذكر تثبت هذا التاريخ.
ثانيا: أن جميع المصادر متفقة وبدون استثناء على أن الشيخ أطفيش مات سنة (1332 هـ) وأنه عاش ستا وتسعين سنة، وعليه فإن ولادته كان سنة
(1236 هـ).
(1) دائرة المعارف الإسلامية مجلد 3 ص (528) معجم أعلام الإباضية - قسم المغرب الإسلامي ج 2 ص (406).
(2) أبو إسحاق: الدعاية إلى سبيل المؤمنين ص (17) قطب الأئمة ص (63) أطفيش: الذهب الخالص ص (ب) الزركلي: الأعلام ج 7 ص (156) نويهض: معجم أعلام الجزائر ص (190)
دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (290) جهلان الفكر السياسي ص (103).
(3) حفار السلاسل الذهبية - مخطوط ورقة (6. ظ).
(4) وينتن آراء الشيخ أطفيش العقدية ص (25). (1/126)
صفحة 127
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
127
لقد كانت ولادة الشيخ أطفيش الا الا الان في مدينة غرداية) على الصحيح، ولم تكن في بني يسجن (2) كما المشهور لأمرين: هو
الأول: تصريح الشيخ نفسه بهذا وذلك عند شرحه لمعنى لفظ - مسقط - حيث قال: «أي: موضع السقوط نحو غارداية مسقط رأسي، أي موضع ولدت فيه، وسقط فيه رأسي من بطن أمي غفر الله لها» (3).
ويرى الشيخ أن لفظ - غرداية - يتألف من كلمتين غار وهو الكهف، وداية اسم امرأة، أو اسم الغراب؛ إذ يقول: «وأما غار داية فسميت باسم الغار، وهو كهف في الجبل، واسم امرأة نزلت به وهو معروف إلى الآن في أعلى الجبيل الذي بنيت عليه هذه القرية، وأيضا داية اسم الغراب، ويقال ابن داية، ولعل غرابا ينزل فيه، فاضيفت إليه» (4).
الثاني: أن أقرب تلاميذه وهما الشيخ إبراهيم حفار، والشيخ أبو اليقظان (ه) يذكران أن مولده كان بغرداية، حيث انتقلت أسرته إليها أثر خلاف اجتماعي حدث بين والده، وبعض أعيان بني يسجن حول قضايا الإصلاح الاجتماعي، فظلت الأسرة فيها إلى أن ولد الشيخ أطفيش، وبلغ من العمر أربع سنوات، ثم
(1) مدينة أنشئت سنة (477 هـ) تبعد عن العاصمة الجزائر 600 كم تقريبا، وتدعى بالبربرية (تغردايت جهلان الفكر السياسي ص (109) الهامش. (2) مدينة من وادي ميزاب بولاية غرداية، أنشئت سنة (1321 هـ) ذكر الشيخ أن يسجن تعني بالبربرية النصف، ويزقن اسم، رجل، فيقول: «وأما لفظ يسجن فإما أن يكون تعريب اسجن وهو بالبربرية النصف بالعربية وكانوا يعدون أنفسهم نصف أهل غرداية ... أو تعريب يزقن فإن أهل كل قرية يجتمعون مع قبائل ومواضع ففي أعمال قسطينة قوم يسمون أولاد يزقن جاءت منهم إلى هذه القرية فنسبت إليهم أطفيش الرسالة الشافية مخطوطة ورقة (62.و).
طائفة
(3) أطفيش: شرح لامية الأفعال ج 4 ص (437).
(4) أطفيش: الرسالة الشافية مخطوطة ورقة (63. ظ).
(5) ستأتي ترجمتهما في ص (104). (1/127)
صفحة 128
128
معالم ورؤى
عادوا جميعًا إلى بني يسجن) إلا أنه مع هذا، فإن الشيخ أطفيش ينسب نفسه إلى بني يسجن ويسميها بلده، وذلك باعتبار أصوله، وموطن آبائه وأجداده، فقد قال الشيخ رحمه الله في معرض شرحه لعبارة وإن شرط عليه لا يعطيه أجرة - إن لم يبعها»: «وقيل: لا يأخذ إن لم يبع ـ لأن المؤمنين على شروطهم، وقد شرط هو عليه أو أهل البلدة على أن من لم يبع لا يأخذ ـ وبه العمل في بلدنا - وهو البلد المسمى يسجن وهو بلدي».
(1) حفار السلاسل الذهبية مخطوط ورقة (36.ظ أبو اليقظان: ملحق سير الشماخي مخطوط
ورقة (153.و).
(2) أطفيش: شرح النيل ج 9 ص (352، 353). (1/128)
صفحة 129
المبحث الثاني:
نشأة الشيخ أطفيش ووفاته
129
أولًا: نشأة الشيخ أطفيش
ينحدر الشيخ أطفيش رحم الله من عائلة ماجدة كريمة، اشتهرت بالذكاء، والإصلاح، والتقوى والورع، والفضل، فوالده كان ذا شخصية اجتماعية قوية، يعنى بإصلاح ذات البين ويهتم بحل مشاكل الناس، ويجتهد في قضاء حوائجهم، فهو من المصلحين الكبار، ومن حماة النهضة الحديثة، يود أن يكون من العلماء، إلا أن ظروفه الأسرية حالت دون ذلك حيث لم تساعده على الانقطاع إلى العلم، فاشتغل بتجارة الثياب الصوفية).
(2)
أما أمه ماما فهي ستي بنت الحاج سعيد بن عدون بن يوسف من عشيرة آل يدر ببني يسجن (2) عاش الشيخ أطفيش الأربع السنوات الأولى من عمره في غرداية، محاطا بالرعاية والحنان من قبل والديه، وبعد رجوع الأسرة إلى بني يسجن مات والده في العام نفسه، فعاش الشيخ أطفيش يتيما تحت رعاية أمه وأخوته، وقد كان لأمه الأثر الأكبر في تربيته، وتكوينه، وتوجيهه، وتعليمه، يقول الشيخ دبوز: «لقد كان لوالدة القطب (3) أكبر الأثر فيه بوراثتها الكريمة،
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (290 - 293). جا (2) أطفيش الرسالة الشافية مخطوط ورقة (67). و أبو اليقظان: ملحق سير الشماخي مخطوط ورقة (153. و) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (295). (3) لقد اشتهر الشيخ أطفيش عند الإباضية بالقطب كما سيأتي في مبحث: مكانة الشيخ أطفيش
العلمية ورحلاته. (1/129)
صفحة 130
130
معالم ورؤى
وهي كل السبب في تجاه الشيخ إلى العلم بعد وفاة والده لولاها لاتجه اتجاها ماديًا، يؤدي بنبوغه كما أودت المادة والجهل، بنبوغ كثير من اليتامى وأبناء الأمهات الجاهلات» (1).
وهكذا يتضح أن الوراثة مثلت دورًا جوهريا في إبراز شخصية الشيخ أطفيش العلمية، والاجتماعية، فأمه أدخلته في الخامسة من عمره أحد الكتاتيب ليحفظ القرآن الكريم، فأظهر تفوقا بارزًا على أقرانه، فكان أكثرهم إقبالا على الكتاب العزيز، فختمه وأتقن حفظه، واستظهره، وهو ابن ثماني سنوات، وكان مولعا بجمع، وحفظ الأوراق المكتوبة، ويتظاهر بقراءتها، رغم أنه لا يعرف بعد القراءة والكتابة (2).
وبعد استظهاره للكتاب العزيز، أسرع إلى دور العلم، ومجالسه، فزاحم زملاءه بالركب، فأظهر نبوغا مبكرًا في علوم الشريعة، والعربية، والكلام وغيرها، فما كاد يصل سن الخامسة عشرة حتى جلس للتدريس، والتأليف، ولما وصل سن العشرين، كان أكبر عالم في ميزاب ومن كبار علماء الإسلام يشار إليه بالبنان في علمه (3) ففتح داره لتكون معهدًا للتعليم، وعكف على التأليف، والتدريس، وسعى جاهدًا للإصلاح الاجتماعي، وجاهد بالكلمة
لتطهير الجزائر من الاستعمار (4).
عرف الشيخ أطفيش بعصاميته، واعتماده على نفسه في تعلمه، بعد اعتماده على الله تعالى «فالرجل لا يعرف المستحيل في سبيل العلم، والحصول على المعرفة، لقد نبغ بعيدا عن جوامع الثقافة الإسلامية التي كانت معروفة في
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (295).
(2) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص 289 - 305).
(3) حفارة السلاسل الذهبية مخطوط ورقة (18.ظ).
(4) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (302) أعوشت: رجال خالدون ص (75). (1/130)
صفحة 131
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
131
عصره مثل الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب الأقصى، وهذا ما يدعونا إلى التعجب ... فجميع الظروف غير مواتية له، بل معاكسة له: عائليّا، واجتماعيا وسياسيا واقتصاديًا وثقافيًا ... ) ().
كان الشيخ أطفيش رحم الله حريصًا كل الحرص على اقتناء الكتب النفيسة يبذل لها الأموال الكثيرة على فقره (2) حتى أنه لا يسمع بكتاب في المغرب، ولا في المشرق إلا وجد في شرائه، أو استنساخه فكان لا يهدأ له بال، حتى يكون في حوزته، ويقرؤه، فكون مكتبة عظيمة في داره (3) يذكر البعض أن هذه المكتبة كانت تضم آلاف من المجلدات في شتى العلوم (4).
(4)
ومما تقدم ذكره يتبين أن تعليم الشيخ أطفيش جاء عن طريقتين: الأولى: مشايخه وإن لم يستفد منهم كثيرًا، إلا أنهم فتحوا الباب أمامه لمواصلة التعلم والبحث وفي مقدمة هؤلاء المشايخ تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني رحمه لله ومنهم:
الحاج إبراهيم بن يوسف شقيق الشيخ (5) وقد تأثر به أكثر من غيره، مما كان له الأثر الفعال في تكوين شخصيته العلمية الفذة، يقول الشيخ أبو اليقظان: «لما رجع أخوه الشيخ الحاج إبراهيم من المشرق من عُمان، ومصر،
(1) ابن الشيخ الشيخ أطفيش المجتهد المتفتح ص (2) وأقول كم من المواهب والملكات قد قتلت بسبب الظروف التي أجبرت أصحابها إلى اقتحام ميادين أخرى لا تتلائم مع مواهبهم
وملكاتهم. (2) أرى أن هذا كان في بداية عهده كما سيأتي في آخر الحديث عن نشأة الشيخ اطفيش.
(3) مكتبة الشيخ الحالية ببني يسجن. (4) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (305 - 308).
(0) أبو اليقظان: ملحق سير الشماخي ورقة (155.و) حفارة السلاسل الذهبية ورقة (18.ظ) دبوز:
نهضة الجزائر ج 1 ص (300). (1/131)
صفحة 132
132
معالم ورؤى
وهو مملوء الوطاب، وبأوسع المدارك ... إذ احتضنه تعليما، وتثقيفا، فأخذ حظه منه في سائر الفنون، ثم تفرغ للتدريس والتأليف، وصرف قوة شبابه فيهما إلى آخر عمره) ويقول الشيخ دبوز: «فوجد الشيخ فيه بغيته ... انقطع إليه، فأتم على يده الثانوية وأخذ كل مفاتيح العلوم .... » (3).
كان الشيخ إبراهيم عالما جليلا، من تلاميذ الشيخ عبد العزيز الثميني، سافر إلى عُمان، ومصر طلبًا للعلم، وإتمام الدراسة، وبقي في الأزهر أربع سنوات، ثم عاد منهما إلى وطنه وادي ميزاب بكثير من نفائس الكتب، يقول جهلان: «وكان أستاذه الشيخ إبراهيم أطفيش قد رحل إلى المشرق لطلب العلم ... وفي المشرق أقام في عُمان مدة يتخصص في الشريعة، واللغة العربية على علمائها، ثم رحل إلى مصر وأقام فيها أربع سنين لطلب العلم في الأزهر، ولما عاد إلى وطنه الجزائر انتصب للوعظ والتدريس ... إلى أن توفي حوالي (1310 هـ) وترك تلاميذ كثيرين منهم الشيخ محمد أطفيش (3).
الثانية: المكتبات (4): وقد أقبل عليها فاستفاد فائدة كبيرة أهلته ليكون من كبار العلماء، يقول الشيخ دبوز: «كان لا يسمع بخزانة حافلة إلا ويتخذ كل الوسائل للاطلاع عليها، فيستعير نفائسها ليدرسها، وإذا تعذرت الاستعارة، بذل
أكبر الأجور لمن ينسخها له من أهل البلد» (ه).
(1) أبو اليقظان: ملحق سير الشماخي ورقة (155.و). (2) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (300).
(3) جهلان الفكر السياسي عند الإباضية ص (104).
(4) من أهمها في وادي ميزاب مكتبة أخيه إبراهيم، ومكتبة الشيخ الثميني، ومكتبة أزبار ومكتبة عمر بن الحاج سعيد، ومكتبة دار التلاميذ بغرداية، ومكتبة زوجه التي ورثتها من أبيها. انظر: دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص 303 - (305) وينتن آراء الشيخ العقدية ص (48) جهلان الفكر
السياسي ص (104) الهامش.
(5) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (304). (1/132)
صفحة 133
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
133
وتعتبر مكتبة الشيخ عبد العزيز الثميني أول المكتبات التي حصل عليها الشيخ أطفيش فقد دعاه إليها الشيخ عيسى نجل الشيخ الثميني قائلا له: «هذه كتب والدي ومؤلفاته تحت تصرفك فخذ منها ما شئت، وفي أي وقت شئت). لذلك كان الشيخ أطفيش ينوه بالشيخ الثميني، ويثني عليه، ويذكر فضله، ويعتد به (2) إضافة إلى ذلك فإن الشيخ استخدم طرقًا أخرى لتحقيق أمنيته منها: مراسلة العلماء خاصة العُمانيين، فكان يمدهم بمؤلفاته ما استطاع لذلك، ويطلب منهم أن يرسلوا له ما عندهم من الكتب، وكان الحجاج المزابيون الواسطة بينه وبين العُمانيين وأهل زنجبار (3).
ومنها رحلتاه إلى الحجاز، فقد كانتا فرصتين مهمتين، اقتنى فيهما عددًا من الكتب، والتقى بعدد من مشايخ العلم فاستفاد وأفاد (4) كما كانت تصله كتب من مصر، والمغرب الأقصى بواسطة تلاميذه وغيرهم من المسافرين إلى
هناك (ه).
لقد عانى الشيخ أطفيش مع أسرته وطأة، الفقر، وشظف العيش، وهذا ما يجده القارئ في ثنايا، مؤلفاته ورسائله خاصة تلك التي يبعثها إلى العُمانيين، لدرجة أنه كان يتحرج من نفقات مراسلاتهم، ولا يرغب في زيارتهم لقلة ما
في يده (6)
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (303).
(2) انظر على سبيل المثال: أطفيش شرح النيل وشفاء العليل شرح معالم الدين مخطوط. (3) أطفيش: مجموع الرسائل مخطوط ورقة (151 ـ 168) كشف الكرب ج 1 ص (7، 11، 45). (4) أطفيش حاشية القناطر. مخطوط ورقة (241. و) لغز الماء مخطوط ورقة (176.ظ) السيرة الجامعة ص (61، (188) شرح لامية الأفعال ح 3 ص (63) نويهض: معجم إعلام الجزائر ص (20). (5) أطفيش السيرة الجامعة ص (231). (6) أطفيش: كشف الكرب ج 1 ص (8، 10، 11، (74) حفار: السلاسل الذهبية مخطوط ورقة (41.و) وينتن آراء الشيخ العقدية ص (26). (1/133)
صفحة 134
134
معالم ورؤى
وأرى أن هذه الحالة لم تلازمه طيلة حياته، وإنما كانت في بداية عهده، ثم ما لبثت أن تحسنت بدليل أن الشيخ أطفيش قد اشترى ستا من الديار، وكل دار بثلاث طبقات، كما اشترى بستانًا كبيرًا من النخيل والأشجار لابنه الحاج
(1)
يوسف الذي كان يهوى الفلاحة إضافة إلى أنه كان يمد الشيخ سليمان الباروني بالمال").
ومن المحن التي تعرض لها الشيخ أطفيش نفيه إلى مدنية بنورة بسبب استعجاله لإصلاح بعض الأوضاع الاجتماعية المتمكنة في النفوس، وبقي في المنفى قرابة سبع سنوات، بعدها رجع إلى بني يسجن وظل فيها، ولم يغادرها إلا قليلا حتى وافاه الأجل المحتوم (3).
ثانيًا: وفاة الشيخ أطفيش
لكل بداية نهاية ولكل أجل كتاب لقد انتقل الشيح أطفيش له إلى جوار ربه بعد حياة طويلة حافلة بالأعمال الجليلة، وذلك في الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر لعام (1332 هـ) الموافق مارس (1914 م) عن عمر يناهز ستة وتسعين عاما. مات الشيخ أطفيش بسبب مرض ألم به، وألزمه الفراش مدة ألم: ثمانية أيام وهناك من يرى أنه مات متأثرًا بسم دس له من قبل الاستعمار الفرنسي، ليتخلصوا منه، كما فعلوا ذلك
(4)
أمثاله (2) مع الكثيرين من ويري
(1) دبوز نهضة الجزائر انظر على التوالي ج 1 ص (385، 384) (332).
(2) دبوز نهضة الجزائر انظر على التوالي ج 1 ص (385، 384) (332).
)
أحد
(3) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (336) (338) حفار السلاسل الذهبية مخطوط ورقة (26، 27).
:
(4) حفار: السلاسل الذهبية ورقة (7.و) أبو اليقظان: ملحق سير الشماخي ورقة (196.ظ) أعوشت: رجال خالدون ص (80) الزركلي: الأعلام ج 7 ص (156) نويهض معجم أعلام الجزائر
ص (19).
(5) النوري: نبذة من حياة الميزابيين ج 1 ص (326). (1/134)
صفحة 135
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
135
الباحثين أن هذا أبعد عن الواقع؛ معللا أن الاستعمار لو أراد ذلك لفعله عندما كان الشيخ أطفيش في سن الشباب وقوة المعارضة) وأرى أن هذا ليس بعيدًا - وإن كنت لا أجزم به ـ فالعدو لا يراعي شيبة ولا ضعفًا، خاصة وقد علمنا دور الشيخ أطفيش في إصلاح المجتمع، ومقاومة الاستعمار لدرجة أنه قد وضع في إقامة جبرية وقيدت حركته.
وبموت الشيخ أطفيش رزئت الأمة الإسلامية، وقد رثاه كثير من الشعراء بقصائد طوال منهم: الشيخ أبو مسلم البهلاني () وتلميذه الشيخ أبو اليقظان (3)
(2)
(1) وينتن آراء الشيخ أطفيش العقدية ص (28، 27). (2) أبو مسلم ديوان أبي مسلم ص (314 ـ 327). (3) أبو اليقظان: ديوان أبي اليقظان ج 1 ص (175 - 176). (1/135)
صفحة 136
[صفحة فارغة] (1/136)
صفحة 137
سيرة الشيخ أطفيش العلمية
المبحث الأول: مكانة الشيخ أطفيش العلمية ورحلاته واتصالاته.
المبحث الثاني: نتاج الشيخ أطفيش العلمي العام.
المبحث الثالث: مؤلفات الشيخ أطفيش في التفسير ومصادره
فيها. (1/137)
صفحة 138
138
توطئة
يتضمن هذا الفصل مكانة الشيخ أطفيش العلمية، وإشادة العلماء والمفكرين بنبوغه، ولقبه، واشتغاله بالتدريس والتأليف، ومعهده وشروط الالتحاق به، وبرنامج الدراسة فيه وسيرها، وطبقات تلاميذه وأبرزهم، ورحلات الشيخ وأسفار داخل القطر الجزائري وخارجه، واتصاله بالعلماء والحكام، ونتاجه العلمي العام والدوافع التي دفعته إلى الإكثار من التأليف، وأخيرًا مؤلفاته في التفسير ومصادره فيها. (1/138)
صفحة 139
139
المبحث الأول:
مكانة الشيخ أطفيش العلمية ورحلاته
واتصالاته
يعد الشيخ أطفيش رحمة الله عالما موسوعيًا، ومفسرًا لامعًا، اشتغل بالتدريس، والتأليف منذ صغره له مؤلفات عديدة في شتى فنون العلم، وصنوف بساتين المعرفة، نبغ في كثير من العلوم، ومما يروى عن ذكائه أنه لا يكاد يبدأ الكتاب في فن جديد على يد شيخ حتى يتمه بنفسه دون حضرة شيخه، وكان يقول له: حسبي من دروسك إن شئت قررت الأبواب كلها، وشرحت لك ما فيها» (1) وقد بدأت علامات نبوغه تظهر وهو مازال تلميذًا، إذ استطاع نظم كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام وذلك في خمسة آلاف بيت، وهو
يتجاوز السادسة عشرة من عمره
(2)
?
لقد اشتهر الشيخ أطفيش عند الإباضية بالقطب (3) وذلك لغزارة علمه، وسعة اطلاعه وعمق ثقافته، وتنوع معرفته، وكثرة مؤلفاته، وقد أصبح هذا اللقب مقصورًا عليه (4) ويذكر شريفي أن الذي لقبه هو الإمام نور الدين
(?)
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (301). (2) حفار السلاسل الذهبية ورقة (69.و) دبوز نهضة الجزائر ج 1 (302). (3) معناه سيد القوم، وقوام كل شيء ومدارة موسوعة السلطان قابوس
ص (2189).
لأسماء العرب ج (4)
(4) أطفيش: الذهب الخالص ص (د) جامع الشمل ج 1 ص (12) السيرة الجامعة صج، أعوشت: قطب الأئمة ص (62) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (290) العدوي: الواقعية ص (17) الهامش، الجعبيري: البعد الحضاري ص (183) الهامش البطاشي: كتاب غاية المأمول جميع الأجزاء على سبيل المثال ج 7 ص (93) وما بعدها. (1/139)
صفحة 140
140
معالم ورؤى
السالمي، إذ يقول: «أذكر مفسرين جليلين بين أيدينا الآن آثارهما: الأول: الله الشيخ أمحمد أطفيش الذي لقبه العالم الجليل الشيخ عبد السالمي العُماني بقطب الأئمة حتى غلب عليه هذا اللقب وجرى على
ألسنتنا» (1).
بن حميد
ومما يؤكد ما قاله شريفي أن الإمام نور الدين السالمي رحمة الله كثيرًا ما يذكر الشيخ أطفيش في مؤلفاته بهذا اللقب فقط (3).
لقد أشاد كثير من العلماء والمفكرين بمكانة الشيخ أطفيش العلمية منهم: أولا: الشيخ أبو اليقظان يقول عنه: «منهم الشيخ الحاج أمحمد بن يوسف أطفيش الشهير بقطب الأئمة عند المغاربة، وبقطب المغرب عند المشارقة وهو جدير بحق بهذا اللقب العظيم، فإن علماء المشرق والمغرب كالكواكب تدور على هذا الشيخ في فلكه الواسع» (3).
ثانيًا: الشيخ أبو إسحاق يقول عنه: «فقد ذاع صيته حتى صار مرجع المسلمين في جميع الأقطار في مشكلاتهم» (4) وقال عنه في موضع آخر: أفاض الله عليه من مواهبه اللدنية، وأشرقت في قلبه الأنوار العرفانية، وانكشفت له الحقائق العلمية الخفية، وتجلت في سماء فكره الحكمة الربانية، فكان قدوة للسالكين وهداية للمسترشدين، ومنهلا للواردين» (ه).
(1) شريفي: التفسير ومناهجه عند علماء الإباضية ص (10) وكذلك جاء في معجم أعلام الإباضية ج 2 ص (405).
(2) انظر: مؤلفات الإمام السالمي على سبيل المثال: شرح طلعة الشمس، ومشارق أنوار العقول، والعقد الثمين، ومعارج الآمال.
(3) أبو اليقظان: ملحق سير الشماخي ورقة (153.و). (4) أبو إسحاق الدعاية إلى سبيل المؤمنين ص (109). (5) أطفيش: الذهب الخالص المقدمة ص ج. (1/140)
صفحة 141
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
141
ثالثًا: الدكتور الذهبي يقول عنه: نشأ بين قومه، وعرف عندهم بالزهد، والورع، اشتغل بالتدريس والتأليف، وهو شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وانكب على القراءة، والتأليف حتى قيل إنه لم ينم في ليلة أكثر من أربع ساعات، وله من المؤلفات في شتى العلوم ثروة عظيمة تربو على الثلاثمائة مؤلف» (1).
رابعًا: الزركلي يقول عنه: «علامة بالتفسير والفقه، والأدب، إباضي المذهب، مجتهد كان له أثر بارز في قضية بلاده السياسية تدل على وطنية صحيحة» (2).
خامسًا: نويهض يقول عنه: «مجتهد من أكابر العلماء بالفقه، والأدب،
(?)
واللغة والتفسير، ومن رجال النهضة الإصلاحية الحديثة بالجزائر» (3). سادسًا: سماحة الشيخ أحمد الخليلي يقول عنه: «لقد كان الله أمةً في فرد، وفردًا في أمة، فقد جمع بين العلم والعمل» (4). تفرغ الشيخ أطفيش رحم الله منذ سن مبكر للتدريس، فاتخذ من داره معهدًا يؤمه التلاميذ من داخل القطر الجزائري وخارجه، فجاؤوا إليه من وليبيا وتونس وغيرها (ه).
عُمان
لقد اتخذ الشيخ أطفيش التدريس رسالة في الحياة، فعاش لأجلها، ولم
(1) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (319). (2) الزركلي: الأعلام ج 7 ص (156).
(3) نويهض معجم أعلام الجزائر ص (190).
(4) نقلاً عن أعوشت: قطب الأئمة ص (9) وقد سمعت هذه العبارة من لسان الشيخ الخليلي مباشرة أكثر من مرة أثناء حديثه عن الشيخ أطفيش.
(5) انظر: معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة ص (311) النوري: نبذة من حياة الميزابيين ج 1 ص (323). (1/141)
صفحة 142
142
معالم ورؤى
يشتغل بعمل آخر سوى القضاء الذي مارسه فترة قصيرة ثم تركه) وقد قضى حوالي ثمانين سنة في التعليم حتى آخر عمره، ولم يقتصر على مكان معين، بل كان يدرس مقيما، أو مسافرًا، حتى في منفاه ببلدة بنورة، درس في غار بجبل أبي العباس إلى أن عاد إلى بلده بني يسجن
(2)
يعد معهد الشيخ أطفيش مرحلة مكملة لمراحل التدريس في وقته، تدرس فيه علوم الشريعة الإسلامية، واللغة العربية، وفق نظام معين، مما جعل البعض يصفه بأنه معهد التعليم الثانوي والعالي
يتبع الشيخ أطفيش رحمةالله برنامجا معينا في التدريس على مدار أيام الأسبوع باستثناء يوم الجمعة، ثم طلب منه تلاميذه المغتربون زيادة يوم الخميس إلى العطلة الأسبوعية، فاستجاب لهم، وكان ذلك قبل وفاته بخمسة عشر عاما، فالشيخ أطفيش يبدأ يومه الدراسي بالدرس العام بعد صلاة الفجر مباشرة، ثم يدرس تلاميذه من الضحى إلى منتصف النهار، وبعد صلاة العصر يجلس للإفتاء، ويترك جزءا كبيرًا من الليل للتأليف والتحضير، وإعداد الدروس)
(4)
كما أنه اتبع نظام جامع الزيتونة في العطلة الصيفية؛ ليتفرغ التلاميذ لعملهم في البساتين، أو لأسفارهم () وكان يدرس على طريق الحلقات، ويرتب العلوم حسـ حسب أولويتها، وخص تلاميذه الغرباء بدروس بين الظهر والعصر وبالليل).
(1) وينتن آراء الشيخ أطفيش العقدية ص (54).
(2) حفار السلاسل الذهبية ورقة (54 - 56). (3) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (370).
(4) حفار السلاسل الذهبية ورقة (45).و) فرصوص: أبو اليقظان ص (23) دبوز نهضة الجزائر ج 1
ص (309).
(3) أطفيش مجموع رسائل مخطوط ورقة (74، 75).
(6) حفارة السلاسل الذهبية ورقة (45. و) فرصوص: أبو اليقظان ص (24). (1/142)
صفحة 143
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
143
وقد اشترط الشيخ أطفيش تحقق شروط معينة في التلميذ، الذي يرغب في الالتحاق بمعهده منها: الصلاح، والاستقامة، وحسن السيرة، وحفظ القرآن الكريم، وحفظ عدد من المتون، والإلمام بمبادئ العلوم كان الشيخ أطفيش يسند لبعض تلاميذه المتفوقين القيام بتدريس بعض المواد، وخاصة عندما يزيد عدد الطلبة، وكان منهجه في التعليم يقوم على إعطاء الطالب قاعدة صلبة في العلوم الشرعية، وذلك من خلال المتون كنواة ينطلق منها لتوسيع معارفه، وإثراء مداركه). لقد تتلمذ على يد الشيخ أطفيش رحم الله جمع غفير من الطلبة من الصعوبة حصرهم لكثرة عددهم، وتنوع نشاطهم، يقول البكري في شأن أثر الشيخ أطفيش على الجيل المثقف، وهيمنة شخصيته على الحياة العلمية: «إن الجيل المثقف على عمومه سواء في عصر الشيخ أطفيش، أو بعد عصره إلى يومنا يعد من تلاميذه إما مباشرة وإما بواسطة، فقد هيمنت شخصيته على الحياة العلمية هيمنة لم تتح لأحد قبله من العلماء» (2) وقد ذكر أحد الباحثين أن عدد العلماء الذين تخرجوا من معهد الشيخ أطفيش يضاهي المائة عالم حاز معظمهم درجة التخصص والاجتهاد (3).
بمكان
ويقسم الشيخ دبوز تلاميذ معهد الشيخ إلى ثلاث طبقات هي: المرحلة الابتدائية، والثانوية، والعالية (4) وفي موضع آخر يذكر أنهم أربعة أنواع: «منهم من قهرته ظروفه القاسية، فانقطع قبل إتمام المرحلة الابتدائية ... ومنهم من أتم مرحلته الابتدائية ... ومنهم من أتم مرحلته الثانوية ... ومنهم من درس الدراسة العالية فصار من العلماء» (ه).
(1) فرصوص: أبو اليقظان ص (22) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (365).
(2) البكري: الحركة العلمية في بني يسجن ص (6) وما بعدها.
(3) النوري نبدة من حياة المزابيين ج 1 ص (323، 324).
(4) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (370).
(ه) دبوز ن. م. س ج 1 ص (377). (1/143)
صفحة 144
-
144
معالم ورؤى
والذي أراه أنه لا تعارض بين القولين في أقسام تلاميذ معهد الشيخ أطفيش؛ لأن الذين لم يكملوا دراستهم لا يعدون من طبقات المعهد، شأنهم شأن من استفاد من دروس الشيخ بصورة أو بأخرى، ومن غير حرص، أو و مواظبة لحضور حلقات ومجالس الشيخ العلمية.
لقد خرج الشيخ أطفيش زكم الله كثيرًا من العلماء النجباء، الذين انتشروا في القطر الجزائري وخارجه يزرعون الحياة العزيزة الحرة الكريمة، وينصرون الدين، ويقارعون الاستعمار، وسأقصر الحديث على خمسة من أبرز تلاميذه
وهم"
(1)
:
أولا: إبراهيم حفار
هو الشيخ إبراهيم بن بكير حفار، ولد سنة (1308 هـ /1882 م) يعد من أقرب تلاميذ الشيخ ومن علماء القرارة، وتخرج على يده ثلة من الطلبة المتميزين تولى التدريس، ونشر العلم في بني يسجن، وأقام فيها ألف كتاب «السلاسل الذهبية في الشمائل الطفيشية توفي الشيخ إبراهيم رحم الله سنة (1954 م) (2).
ثانيا: أبو اليقظان
هو الشيخ إبراهيم بن عيسى ولد بمدينة القرارة سنة (1305 هـ) وقيل (1306 هـ) رحل إلى تونس لتلقي العلم، وقام بنشاط ثقافي، وسياسي، شارك في تأسيس جمعية العلماء في الجزائر، وأصدر ثماني صحف قارع فيها الاستعمار، وبين نواياه ومقاصده القريبة والبعيدة، وهي على التوالي وادي، ميزاب ميزاب، المغرب، النور البستان النبراس الأمة، الفرقان، إلا أن السلطات الفرنسية منعتها كلها تكميما لصوت الحق.
(1) مرتبين ترتيبا الفبائيا دون اعتبار الـ.
(2) لعلي، وحفار: مجموعة متون دينية المقدمة ص (20 ـ 26).
: (1/144)
صفحة 145
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
145
ترك الشيخ أبو اليقظان رحم الله عدة مؤلفات منها: «ملحق سير الشماخي» وسلم الاستقامة» و «الإباضية في شمال إفريقية» و «سليمان باشا في أطوار حياته» و «ديوان أبي اليقظان وإرشاد «الحائرين توفي الشيخ أبو اليقظان الاعلان بالقرارة سنة (1393 هـ / 1973 م) (1).
ثالثًا: أبو إسحاق
هو الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف أطفيش رحم الله، ولد في بني يسجن (1887 م) وشارك في الحركة الوطنية ضد الاستعمار، فنفي إلى تونس ومنها إلى مصر، فعاش في القاهرة إلى أن مات. كان أديبا من كبار العلماء، أصدر مجلة «المنهاج وعمل مصححا بدار الكتب المصرية، اجتهد في التعريف بالمذهب الإباضي، ورجالاته، ومؤلفاته كما أنه سافر إلى زنجبار للدعوة، وكان سفيرًا لدولة إمامة عُمان لدى جامعة الدول العربية، ودافع عن القضية العُمانية ضد بريطانيا في الأمم المتحدة، له مؤلفات منها: «الدعاية إلى سبيل المؤمنين وتأويل المتشابه والفرق بين الإباضية والخوارج» و «صلاة السفر» و «وعصمة الأنبياء» توفي الشيخ أبو إسحاق رحم الله في القاهرة، سنة (1385 هـ / 1965 م) (2).
(1) فرصوص: الشيخ أبو اليقظان كما عرفته، ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، أعوشت: قطب الأئمة ص (83) الزبير تاريخ الصحافة في الجزائر ج 6 ص (168) الجابري النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس (1900 - 1962 م) ص (265). (2) الزركلي: الإعلام ج 1 ص (73) دبوز نهضة الجزائر: ج 2 ص (38) الجعبيري: البعد الحضاري ص (84) الهامش جهلان: الفكر السياسي ص (109) الهامش ناصر: الشيخ إبراهيم أطفيش وجهاده الإسلامي على سبيل المثال ص (15، 26، 43،،، (58)، الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس (1900) - 1962 م) ص (222، 265، 267) العدوي:
الواقعية والوحدة الإسلامية ص (108) الهامش. (1/145)
صفحة 146
146
معالم ورؤى
رابعا: سليمان الباروني
هو الشيخ سليمان باشا بن عبد الله بن على بن أحمد الباروني الله، ولد سنة (1287 هـ) بمدينة جادو من جبل نفوسة بليبيا، حفظ في مسقط رأسه القرآن الكريم، وأخذ مبادئ العلم عن والده، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس، فدرس فيه، ثم رحل إلى الأزهر بمصر، ثم انتقل إلى معهد الشيخ أطفيش بالجزائر، فدرس فيه ثلاث سنوات، وقيل سنتين كان الشيخ يحبه حبا جما، ويعتد بنبوغه، وصلاحه، ويتوقع له مستقبلا مشرقا زاهرًا لخدمة الإسلام والمسلمين وقد تحقق ذلك.
أصدر جريدة «الأسد الإسلامي وقاد المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي وقد اهتم كثيرًا بالفكر والسياسة والشعر والتاريخ، انتخب عضوا في مجلس الأعيان العثماني، وأنشأ في القاهرة مطبعة الأزهار البارونية، له
مؤلفات عديدة منها:
«الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية وتاريخ الحرب في طرابلس الغرب» إضافة إلى ديوانه الشعري (1) زار الشيخ سليمان عُمان، واستقبل استقبالا حافلا، وكانت له مكانه عالية عند العُمانيين، حتى أن الإمام محمد بن عبد الله الخليلي رحم الله (2) فوضه في القيام بتنظيم شؤون الإمامة
(1) الزركلي: الإعلام ج 3 ص 129 (130) عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي ج 1 ص (43) أبو اليقظان: سليمان الباروني باشا في أطوار حياته ج 1 ص (47) وما بعدها، دبوز: نهضة الجزائر ج 1 ص (380). (2) هو الإمام محمد بن عبد الله بن سعيد بن خلفان الخليلي، ولد بولاية سمائل سنة (1299 هـ) درس على يد عمه الشيخ أحمد بن سعيد، والإمام السالمي. بويع بالإمامة سنة (1338 هـ) فقام بشؤون المسلمين خير قيام نشر العدل فأحبه المسلمون، يتصف بالزهد والورع، كان ذا علم واسع له تحقيقات فقهية وله كتاب الفتح الجليل مات سنة (1373 هـ) السالمي نهضة الأعيان ص (377)
وما بعدها الفارسي: نزوى عبر الأيام ص 210 - (212) الزركلي: الإعلام ج 6 ص (246). (1/146)
صفحة 147
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
147
(1) -
العسكرية والمالية، والسياسية (1) توفي الشيخ الباروني بالهند سنة
(1359 هـ / 1940 م).
خامسًا: صالح بن عمر لعلي
هو الشيخ صالح بن عمر بن داود بن صالح بن إبراهيم لعلي الله، ولد في بني يسجن سنة (1287 هـ) (2) نشأ ودرس في ودرس في مسقط رأسه، وكان مشغوفا بالعلم رغم فقدانه للبصر، وهو ابن الخامسة من عمره، لم يخرج من بلده إلا من أجل أداء فريضة الحج، اجتمع في تلك الرحلة بعلماء من مصر والحجاز، كما جلس في حلقات الأزهر مستمعًا، فأعجب بنظامه التعليمي، ولما رجع من رحلته هذه فتح معهدًا لتدريس العلوم الشرعية، والعربية، كما أنه كان يلقي من الدروس والمحاضرات الدينية المتنوعة في المسجد، وكذلك أنشأ ناديًا للثقافة تقام فيه حفلات الأفراح الجماعية، إضافة إلى هذا فقد اهتم بالتأليف، ومن أهم مؤلفاته القول الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز)
سلسلة
وقد كوّن الشيخ صالح مكتبة زاخرة ظلت في طي النسيان نحو ستين سنة بعد وفاته حتى افتتحت في الأسبوع الثقافي لمدينة بني يسجن في (24 سبتمبر 1987 م).
توفي الشيخ صالح لعلي في مسقط رأسه سنة (1347 هـ /1928 م) بعد حياة
(4)
علمية أهلته أن يكون من كبار علماء الإباضية في الجزائر (4).
(1) أبو اليقظان: سليمان الباروني باشا ج 1 ص (30).
(2) نويهض: معجم أعلام الجزائر ص (194) معجم المفسرين ج 2 ص (776).
(3) يتضمن نحو جزئين بداية من الفاتحة حتى الآية (182) من سورة البقرة، وهو مخطوط في مجلد واحد بمكتبة الشيخ لعلي ببني يسجن أتمنى أن تتبنى جمعية القرارة للتراث بالجزائر وهي جديرة - إخراج هذا الكنز إلى النور.
(4) نويهض: معجم إعلام الجزائر ص (194) معجم المفسرين ج 2 ص (776) دبوز: نهضة الجزائر
ج 2 ص (144) وما بعدها. (1/147)
صفحة 148
148
معالم ورؤى
أما عن رحلات وأسفار الشيخ أطفيش، فقد كان الشيخ قليل الرحلات والأسفار؛ لأنه نذر وقته كله للعلم قراءة، وبحثًا، وتدريسا، وتأليفا، إضافة إلى الاستعمار الفرنسي الذي قيد حركته، وضيق عليه في تحركاته؛ لدرجة أنه كان إذا أراد أن يسافر لا يخبر أحدا بسفره إلا في اللحظة الأخيرة؛ خشية أن يتسرب الخبر إلى أعدائه «كان الشيخ يعرف ضمائر الفرنسيين له، فقلل من أسفاره، وإذا أزمع السفر إلى بلد قريب في ميزاب لا يخبر أحدا بما عزم عليه، وكان رفقاؤه ببريان، والقرارة لا يخبرهم بسفره، إلا في آخر ساعة، لأن الاستعمار، وأذنابه كانوا له بالمرصاد، بودهم أن يودوا به في أحد أسفاره فيستريحوا».
(1)
لقد تمثلت هذه الرحلات والأسفار في تنقلاته بين مدن ميزاب، ومدينة
وارجلان، ولم يخرج من هذا المحيط، إلا مرتين إلى بلاد الحجاز لأداء فريضة الحج، وهاتان الرحلتان الحجازيتان قد ذكرهما كثيرًا في مؤلفاته" زار الشيخ خلال هاتين الرحلتين كثيرًا من المدن ففي شمال الجزائر زار عنابة، وقسنطينة، والأغواط، وبوسعدة، وحلقة، والتقى بأعيانها وعلمائها، وألقى دروسا دينية واجتماعية فيها، وفي طريقه توقفت الباخرة في تونس، فزار مدينة تونس، والتقى بعلماء جامع الزيتونة، كما زار جزيرة جربة. وفي مكة المكرمة، والمدينة المنورة التقى الشيخ أطفيش بعلماء الحرمين الشريفين، وتحاور معهم، وناظرهم، وناقشهم، لا سيما الشيخ زيني دحلان كبير علماء الحرم النبوي الشريف، الذي أكرمه، وأجله، وفتح له مجال الوعظ والإرشاد في المسجد النبوي الشريف وقال له: «أنت أحق أن ينتفع بك المسلمون» (3).
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (350). (2) أطفيش القصيدة الحجازية مخطوطة، الذخر الآسني ص (240) تفسير ألغاز ص (11، 12) يعقوب: حظ جربة من تعاليم الشيخ ص (3).
(3) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (352). (1/148)
صفحة 149
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
149
ومن النوادر الدالة على ثقة الشيخ بالله تعالى أنه لما توجه إلى الحج سافر من تونس إلى طرابلس على سفينة شراعية، فبينما هي في عرض البحر؛ إذ هبت عاصفة شديدة جدًا، وأتلفت قلعة السفينة، وذهبت بها عن طريق الجادة، إلى الوسط، وبلغ الأمر إلى حد أن استسلم كل من فيها للقضاء، وأيقنوا بالهلاك، فجاءه رفقاؤه فوجدوه مطمئنا هادئًا كأن لم يحدث شيء، وبشرهم
(1)
بالسلامة، والوصول إلى طرابلس قريبا، فكان الأمر على ما قال إن رحلات
(2)
الشيخ أطفيش وأسفاره وإن كانت قليلة إلا أنها قد فتحت له آفاقا رحبة جديدة، ودلته إلى نوافذ واسعة، وقادته إلى أبواب جديدة ضافية، تعرّف من خلالها على أوضاع العالم الإسلامي وظروفه وأحواله، وخير تداعياته وعلله وأمراضه، فقد التقى بعدد من أعلام الفكر الإسلامي وأقطابه، وناقشهم وناظرهم، وتوثقت الصلة بينه وبين كثير من العلماء في الأقطار الإسلامية عن طريق المراسلات (2) كما أنه اطلع على عدد من المؤلفات الإسلامية، التي لم تكن موجودة ببلده فاستفاد منها، وخاصة كتب الحديث الشريف، إذ يقول: وكانت كتب الحديث غير موجودة في مضاب، ورأى مالكي عالم من أهل مكة مضاببًا ينسخ شرح النيل في مكة، ولم يجد فيه الحديث كثيرا، فأعطاني البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة، والنسائي وأبا داود وغير ذلك، وأنا حاضر في مكة، فانتفعت بتلك الكتب، كما انتفعت بصحيح الربيع بن حبيب، فجمعت منها وفاء الضمانة، وجامع الشمل في حديث خير الرسل» (3) وفي هذه الرحلات والأسفار تعرف الشيخ أطفيش على حقيقة العالم الإسلامي،
(1) أطفيش الذهب الخالص المقدمة ص ج. (2) أطفيش: مجموع الرسائل مخطوط، کشف الكرب ج 1 ص (5) وما بعدها ـ رسائل إلى إخوانه العُمانيين، ج 2 ص (31)، (32) المعلقات لأصحابنا جوابات الشيخ لبعض علماء عُمان في الرد
على الصفرية ص (2 ـ 5).
(3) أطفيش تيسير التفسير ج 10 ص (201). (1/149)
صفحة 150
10.
معالم ورؤى
تجعله
وأمراضه الاجتماعية وتداعياته الفكرية وظروفه السياسية، وحال المسلمين في المشرق العربي، يقول الشيخ دبوز: كان الشيخ ذا شخصية اجتماعية قوية، يهتم بحالة المسلمين أينما حل غيورًا على الدين، والعالم الإسلامي شجاعًا يعتقد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض من الله على العالم أينما حل، لذلك لا يحل في مكان ويتصل بأهله إلا يعظهم، ويرشدهم، ويدلهم على الصراط المستقيم).
لقد استطاع الشيخ أطفيش أن يتصل بكثير من العلماء والمفكرين المسلمين في المغرب والمشرق، وأن يوطد علاقته بهم بوسائل عدة منها: تنقلاته الداخلية، وأسفاره الخارجية، وتوافد الطلبة إلى معهده، وانتقال تلاميذه، إضافة إلى رسائله وكتبه التي طبعت في حياته.
ومن هؤلاء العلماء الذين اتصل بهم الشيخ أطفيش: ففي الجزائر الشيخ عبد القادر المجاوي أحد زعماء النهضة في الشمال، والشيخ المولود بن الموهوب (2) وفي خارج الجزائر الشيخ إبراهيم حقي العالم التركي، والشيخ إبراهيم بن سليمان المالكي التونسي (3) وفي مكة المكرمة، والمدينة المنورة الشيخ أحمد زيني دحلان، ومحمد سليمان حسب الله، ومحمد حقي بن علي بن إبراهيم، ورحمة الله بن خليل الرحمن الهندي (4) وفي عُمان الإمام نور الدين السالمي والمشايخ العلماء: عيسى بن صالح الحارثي، ومحمد بن شيخان السالمي، وسعيد بن خلفان الخليلي وراشد بن عزيز الخصيبي
وغيرهم).
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (352).
(2) دبوز ن. م. س ج 1 ص (353).
(3) أطفيش إن لم تعرف الإباضية ص (16 ـ 17). (4) وينتن آراء الشيخ أطفيش العقدية ص (52) الهامش. (5) أطفيش: كشف الكرب ج 1 ص (5 - 8) ج 2 ص (23). (1/150)
صفحة 151
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
151
وفي مصر عرف مكانة الشيخ أطفيش الشيخ الإمام محمد عبده، فحين سأله أهل جامع الزيتونة عن مسائل، أشار إليهم أن يرجعوا إلى الشيخ أطفيش في المشكلات، وأن يسألوه في المسائل الشرعية، قائلا: «إنا نسأله من مصر وأنتم أقرب منا»).
أيضا كان الشيخ أطفيش رحمةالله على اتصال ببعض المستشرقين، الذين حضروا إلى وادي ميزاب، مثل الفرنسي ما سكوراي، أو الذين راسلوه، فقد دعا بعض النصارى أن يحضروا إلى ميزاب لمناظرته فأبوا (2).
(34)
(1) أطفيش: إن لم تعرف الإباضية ص (13) تيسير التفسير ج 9 ص (2) أطفيش تيسير التفسير ج 9 ص (34) ج 12) ص (55) الرد على الإنكليزي الطاعن في
ص (5).
الدين (1/151)
صفحة 152
152
المبحث الثاني:
نتاج الشيخ أطفيش العلمي العام
بدأ الشيخ أطفيش التأليف مبكرًا، واستمر يؤلف طيلة حياته حتى في سفره) فكثرة مؤلفاته، وتعدد فنون تصانيفه وطريقته في التأليف، كل ذلك يدل على غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وتنوع ثقافته، ورغبته في الإصلاح، وجديته في التجديد فكان يؤلف كتابين أو ثلاثة أو أكثر في وقت واحد حول موضوعات مختلفة، يقول تلميذه الشيخ أبو اليقظان: «ليس في تأليفه كسائر الناس، يؤلف كتابًا واحدًا، فكتابًا، ولكنه يؤلف جملة كتب في آن واحد في فنون متعددة، وفي ألوان مختلفة كأنه اتخذ هذه الطريقة ترويحًا للنفس، واستجماما لقواه، حتى إذا ملَّ من نوع رجع إلى تحرير نوع آخر، فإذا أتم واحدًا أتم الجميع» () وهذا ما يؤكد سر إكثاره من التأليف، وتعدد فنونه، وكأنه يريد استعجال النهضة، ويسابق الزمن، وهو أيضا ما يفسر تداخل بعض الموضوعات والفنون في بعض مؤلفاته.
إن هناك أسبابا كثيرة دفعت الشيخ للإكثار من التأليف أهمها:
أولا: الرغبة في التجديد
كان الشيخ يعيش على أمل أن يكون مجددًا للدين في عصره كما تقدم،
(1) أطفيش: شرح النيل ج 1 ص (44) حفار: السلاسل الذهبية ورقة (46) ط) دبوز: نهضة الجزائر
ج 1 ص (308، 309).
(2) أبو اليقظان: ملحق سير الشماخي ورقة (157 - 159). (1/152)
صفحة 153
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
153
وقد عبر عن
هذا الشعور والإحساس وعن هذه الرغبة والجدية بقوله: «قلت
قد بلي هذا الدين فاسألوا الله تعالى أن يجعلني مجددًا ولأحواله مسددًا ولما
خص منه مشددا (1).
إن عصر الشيخ لم يكن خاليا من الجهل والانحراف، والتخلف، فاضطلع بالتأليف كاضطلاعه بالتدريس، فأبدع فيه، ويظهر هذا في جهوده التي قدمها في علوم العقيدة، والشريعة، التي تعنى بتصحيح أوضاع عصره، ومعالجة أمراض مجتمعه، واستئصال آفات بيئته فبالتدريس والتأليف يكون الشيخ قد استطاع أن يجمع بين العمل الميداني والنتاج الفكري.
ثانيا: الفراغ العلمي حيث قل التأليف والنتاج العلمي في عصره، فرأى أن يسده ليمهد لطلاب العلم سبل اكتساب المعرفة، وتحصيل العلوم، وحتى يشتغل الناس بالعمل الحضاري، الذي يصلح حياتهم الدنيوية، إذ يقول: «والإم يشتغل الناس بالتأليف، ويتركون العمل والدرس، وقد وجدوا من كفاهم مؤنة التأليف».
ثالثًا: الاستجابة لسائليه
مختلف
لقد أصبح الشيخ كعبة رواد العلم، ومقصد طلاب المعرفة من بقاع العام الإسلامي، فمراسلاته تدل على أن كثيرًا من آثاره العلمية ألفها مستجيبًا لطلب الآخرين وإفهامهم، أيضا كان يطلب من العُمانيين أن يخبروه بما يرغبون فيه من التأليف (3).
ألف الشيخ أطفيش حمد لله كثيرًا من المؤلفات في شتى العلوم، ومختلف
(1) أطفيش: خطبتا العيدين ورقة 11.
(2). أطفيش: مجموعة رسائل مخطوط ورقة (51.و).
(3) أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص (180) شرح الدعائم ج 1 ص (2) كشف الكرب ج 1 ص (6). (1/153)
صفحة 154
154
معالم ورؤى
المعارف، يقول تلميذه الشيخ أبو اليقظان: «وقد عد بعضهم مؤلفاته فوجدها تتجاوز ثلاثمائة مؤلف ما بين صغير وكبير ومتوسط»).
(2)
وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق أن عدد مؤلفات الشيخ يقارب الثلاثمائة أو يزيد (2) وهذا العدد نقله عن لسانه الدكتور محمد حسين الذهبي (3) وذكره الزركلي) وأثبته الشيخ الجعبيري، إذ يقول: «اشتهر بقطب الأئمة لغزارة علمه، وكثرة مؤلفاته التي بلغت ثلاثمائة مؤلف منها ما طبع ومنها ما لم يطبع (ه) ومهما كان العدد فإن الشيخ رحمة الله قد خلف ترانا علميًا زاخرا، جديرا بالدراسة والاهتمام من قبل الدارسين والباحثين، وخاصة في مجال الفكر الإباضي حيث جمع آراء من سبقه من علماء المسلمين، ورتبها وشرحها، وحللها تحليلا علميا واسعا (1) وبهذا خرج الشيخ أطفيش بمدرسته الإباضية إلى
الساحة الإسلامية الواسعة.
أما عن الفنون والمعارف التي ألف فيها الشيخ أطفيش فهي كثيرة منها: التفسير والتجويد والحديث الشريف ومصطلحه، والعقيدة، والفلسفة، والمنطق والأخلاق والفقه وأصوله، والسيرة، والتاريخ، والنحو والصرف،
(1) أبو اليقظان ملحق سير الشماخي ورقة (159.و). (2) أبو إسحاق: الدعاية إلى سبيل المؤمنين ص (108) الهامش أطفيش الذهب الخالص المقدمة
(3) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (319). (4) الزركلي: الأعلام ج 7 ص (157).
(5) الجعبيري: البعد الحضاري ص (83) إلا أن الشيخ الجعبيري - وقد كان أحد أعضاء لجنة المناقشة لهذه الأطروحة - قد تراجع أثناء المناقشة عن إثبات هذا العدد، فرجح أنها أقل بكثير من هذا العدد شريط تسجيلي للمناقشة بحوزتي.
(6) على سبيل المثال: أطفيش هميان الزاد إلى دار المعاد، شرح النيل، الذهب الخالص، الشامل للأصل والفرع شرح عقيدة التوحيد، ترتيب الترتيب، وفاء الضمانة بأداء الأمانة، جامع
الشمل. (1/154)
صفحة 155
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
155
والعروض والقوافي والوعظ والإرشاد والطب، والفلك، والجبر، والحساب، والرسم، والفلاحة ((1) ولقد اجتهدت في تقديم قائمة بآثار الشيخ العلمية التي توصلت إليها مرتبة ترتيبا، ألفبائيا، مقدما المخطوطات على
المطبوعات كما يلي:
أولا: المخطوطات
1 - أجوبة لأهل عُمان، مكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (ج.27). - الإسعاف في الإنصاف، مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، سلطنة عُمان رقم (785.أ) في أربعة مجلدات كبار وهو شرح للقصيدة اللامية في الولاية والبراءة.
- إيضاح الدليل إلى علم الخليل، مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ.
(?. p
4 - إيضاح المنطق في بلاد المشرق، مكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (65) مكتبة سماحة ئة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي سلطنة عُمان رقم (112).
ه - البرهان الجلي في الرد على الجربي علي مكتبة الحاج صالح لعلي بدون
رقم.
- بيان البيان مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن، مكتبة سماحة الشيح بن حمد الخليلي سلطنة عُمان رقم (110).
أحمد
7 - تاريخ وادي ميزاب مخطوط بحوزتي.
(1) أطفيش: الذهب الخالص المقدمة ص. ز، الزركلي: الأعلام ج 7 ص (157) نويهض: معجم أعلام الجزائر ص (20)، (21) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (315 - 322) جهلان: الفكر السياسي ص (111 - 117) وينتن آراء الشيخ أطفيش العقدية ص (479 - 497) بابا عمي: معجم أعلام الإباضية ج 2 ص (400 - 404). (1/155)
صفحة 156
156
معالم ورؤى
- تخليص العاني من ربقة جهل المثاني، مكتبة سماحة الشيح أحمد بن الخليلي سلطنة عُمان رقم (111).
حمد
9 - ترتيب كتاب اللقط للشيخ التلاتي، مكتبة الاستقامة ببني يسجن بدون رقم.
10 - ترتيب المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني، مخطوطة مصورة نشر دار اليقظة العربية للتأليف سورية سنة (1394 هـ /1974 م).
11 - تلقين التالي لآيات المتعالي مكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (ج.67).
12 ـ جواب مشايخ مكة ـ مخطوط بحوزتي.
13 - حاشية أبي مسألة مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. و.6). 14 - حاشية السؤالات مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. و.).
15 ـ حاشية على جواب ابن خلفان مكتبة غرداية رقم (38). 16 ـ حاشية على شرح الرائية، مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (ج.7). 17 - حاشية على شرح المراد على الألفية مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. م.1). 18 ـ حاشية على شرح النونية، مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (هـ.120).
-
19 ـ حاشية القناطر، مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (هـ. 3). 20 - حاشية الموجز، مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (هـ. 3). 21 ـ حي على الفلاح، مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. و. 10). 22 - خطبتا العيدين مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ز.3).
- (1/156)
صفحة 157
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
157
23 - داعي العمل ليوم الأمل، مكتبة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، سلطنة عُمان المجلد الأول رقم (2، 3) المجلد الثاني رقم (4، 5، 6).
24
2 - ربيع البديع مكتبة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي سلطنة عُمان
رقم (113).
25 - رد الشرود للحوض المورود، مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي
سلطنة عُمان رقم (692. ر).
26 - الرسالة الشافية - مخطوطة بحوزتي.
27 - رسالة في بيان صحة المذهب الإباضي، مكتبة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي سلطنة عُمان رقم (104).
28 - شرح أصول بتغورين، مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. هـ. 4). 29 - شرح الدعائم الموسع لابن النضر مكتبة الشيخ أطفيش، ببني يسجن رقم (أ. و.2).
30 ـ شرح الشمسية على المنطق، مكتبة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي سلطنة عُمان بدون رقم. 31 - شرح شرح أبي سليمان التلاتي - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. م.2).
32 - شرح شرح الاستعارات - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. س.1). 33 - شرح شواهد الوضع - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ع. 3). 34 - شرح القلصادي - مكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (71).
35 ـ شرح لامية ابن النضر - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ت.1). (1/157)
صفحة 158
158
معالم ورؤى
36 ـ شرح شرح مختصر العدل والإنصاف - مكتبة الشيخ أطفيش رقم (ا. هـ.1).
37 ـ شرح مخمسة أبي نصر - مكتبة الشيخ أحمد الخليلي بدون رقم. 38 - شرح معالم الدين - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ر.3). 39 - شرح نونية المديح - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ن. 3). 40 ـ عدم الرؤية وإدحاض مذهب أهل الفرية - مكتبة الشيخ أطفيش رقم (أ. ز.6).
41 ـ العمارة - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ر. 3).
42 ـ قصائد الشيخ - مكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (ف. 1). 43 ـ القصيدة البائية - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ر.7).
-
44 ـ قصيدة بدر - مكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (ف.11). 45 ـ القصيدة الحجازية في رحلته الثانية - مكتبة الشيخ أطفيش رقم (أ. ز. 7). 46 ـ قصيدة الغريب نظم المغني - مكتبة الشيخ أطفيش رقم (أ. م.9).
47 ـ قصيدة المعجزات - مكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (ف. 11). 48 ـ الكافي في التصريف - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن، بدون رقم. 49 ـ لغز الماء: مخطوطة بحوزتيز. 50 ـ المسائل التحقيقية - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. م. 5).
51 ـ مسلك الفلك - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ض. 1). 52 ـ مجموع الرسائل - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ز. (6). 53 ـ مجموع القصائد - مكتبة الشيخ أطفيش ببني يسجن رقم (أ. ز. 7). 54 ـ مجموع كتب من عُمان ـ مكتبة الحاج سعيد رقم (27) ز. (1/158)
صفحة 159
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
159
ثانيا: المطبوعات
1 - إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض. ط 2 (1982 م) وزارة التراث الثقافة،
سلطنة عُمان.
2 - إزهاق الباطل بالعالم الهاطل، ط قديمة (1317 هـ).
3 ـ أساس الطاعات والنيات لجميع العبادات. ط قديمة (د. ت) توجد نسخة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي السيب رقم (216).
4 - إطالة الأجور وإزالة الفجور. ط حجرية (1314 هـ).
ه - الإمكان فيما جاز أن يكون أو كان. ط قديمة (1304 هـ).
6 - إن لم تعرف الإباضية يا عقبى يا جزائري ط قديمة (د. ت) نسخة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي رقم (215).
- تحفة الحب في أصل الطب. ط 2 (1405 هـ / 1985 م) وزارة التراث والثقافة،
سلطنة عُمان.
- ترتيب الترتيب. ط قديمة (1326 هـ) الجزائر.
9 - تفسير الغاز. ط قديمة (1306 هـ) نشر داود إبراهيم.
10 ـ التوأم. ط (1344 هـ) ـ مطبعة العرب تونس.
11 ـ تيسير التفسير. ط 1 قديمة (1326 هـ) ـ الجزائر، ط 2 (1405 هـ) (1409 هـ) ـ
وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان.
12 ـ جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل. ط (1404 هـ / 1984 م) وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، ط (د. ت) مكتبة الاستقامة، سلطنة عُمان.
13 - جامع الوضع والحاشية. ط قديمة (1306 هـ). (1/159)
صفحة 160
160
معالم ورؤى
14 ـ الجنة في وصف الجنة. ط (1403 هـ / 1983 م) وزارة التراث والثقافة، سلطنة
عُمان.
15 ـ جواب أهل زوارة. ط 1 (1325 هـ) الجزائر.
16 ـ جواب مشايخ مكة. ط 2 (1301 هـ) الجزائر، وتوجد مخطوطة منه بحوزتي
بدون رقم.
17 - الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد. ط قديمة (د. ت).
18 - حكم الدخان والسعوط. ط حجرية (1326 هـ) الجزائر.
19 - ديوان نظم - ضمن مجموع - ط (1321 هـ) المطبعة المديرية تونس.
20 ـ الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. ط قديمة (1326 هـ). 21 ـ الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص. ط (د. ت) المطابع العالمية، سلطنة عُمان، ط 2 (1400 هـ / 1980 م) مطبعة البعث قسنطينة.
22 ـ الرد على الإنكليزي الطاعن في الدين ضمن مجموع ـ ط (321 هـ) المطبعة
المديرية تونس.
23 ـ الرد على الصفرية والأزارقة. ط حجرية (1314 هـ) ـ مصر.
-
24 ـ الرسالة الشافية ط 2 (1326 هـ) - توجد مخطوطة منها بحوزتي بدون رقم. 25 ـ الرسم في تعليم الخط. ط (1404 هـ / 1984 م) وزارة التراث والثقافة سلطنة
عُمان.
26 ـ السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة. ط (1405 هـ /1985 م) وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان. (1/160)
صفحة 161
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
161
27 ـ شامل الأصل والفرع. ط (1348 هـ) المطبعة السلفية القاهرة ط (1404 هـ / 1984 م) وزارة التراث الثقافة، سلطنة عُمان.
28 - شرح الدعائم لابن النضر العُماني - المختصر ـ ط 1 قديمة (1325 هـ). 29 - شرح عقيدة التوحيد. ط قديمة (1326 هـ) - ط (1403 هـ /1983 م) وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان.
30 - شرح لامية الأفعال. ط (1407 هـ / 1986 م) وزارة التراث والثقافة، سلطنة
عُمان.
31 - شرح النيل وشفاء العليل. ط 3 (1405 هـ / 1985 م) مكتبة الارشاد جده.
32 ـ الغسول من أسماء الرسول. ط قديمة (1319 هـ).
33 ـ القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية. ط قديمة (1314 هـ) مصر. 34 ـ كشف الكرب. ط (1405 هـ / 1985 م) وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان. 35 ـ مجموع قصائد ـ ضمن مجموع - ط. قديمة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي السيب رقم (216).
36 ـ المعلقات لأصحابنا - ضمن مجموع - ط قديمة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي السيب رقم (216).
37 - هميان الزاد إلى دار المعاد ط 1 (1305 هـ) المطبعة السلطانية زنجبار.
ط 2 (1401 هـ /1411 هـ.) وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان.
38 - وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث. ط (1402 هـ /1982 هـ) وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان. (1/161)
صفحة 162
162
أولا: المؤلفات
المبحث الثالث:
مؤلفات الشيخ أطفيش في التفسير
ومصادره فيها
إن تراث الشيخ أطفيش رحم الله في مجال التفسير يعد أهم تفسير للإباضية إلى الآن، ولقد جاء هذا التفسير ضرورة ملحة أملتها الظروف حين شعر الشيخ
كغيره من
(1)
علماء المذهب الإباضي بحاجتهم إلى تفسير واسع يبرزون من خلاله وجهة نظرتهم في تفسير كلام الله تعالى كما هو الشأن بالنسبة لسائر المذاهب والمدارس الإسلامية الأخرى.
لقد فسر الشيخ أطفيش القرآن الكريم ثلاث مرات، بغية تغطية النقص عند الإباضية في هذا المجال للرد على المخالفين، وإيضاح مبادئ الإباضية بأدلة نقلية وعقلية، وكذلك حفزًا للنفوس على مطالعة التفسير، وقراءته، يقول في مقدمة تفسيره الأول (هميان (2) الزاد إلى دار المعاد»: « ... ويتضمن إن شاء الله
(1) يوجد لدى الإباضية تفسيران آخران كاملان مطبوعان إلا أنهما مختصران: الأول: «تفسير كتاب الله العزيز» للشيخ هود بن محكم الهواري من علماء القرن الثالث الهجري ويتكون من أربعة أجزاء.
والثاني: «التفسير الميسر للشيخ سعيد بن أحمد الكندي المتوفى سنة 1207 هـ ويتكون من
ثلاثة أجزاء. (2) الهميان معناه شداد السراويل ووعاء للدراهم، وكيس للنفقة يشد في الوسط. انظر: ابن منظور: لسان العرب ج 6 ص (359) الفيروز آبادي: القاموس المحيط ج 4 ص (587) إبراهيم: المعجم الوسيط ج 2 ص (996). (1/162)
صفحة 163
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
163
الكفاية في الرد على المخالفين فيما زاغوا فيه، وإيضاح مذهب الإباضية الوهبية، واعتقادهم وذلك بحجج عقلية ونقلية».
ويقول في خطبة تفسيره تيسير التفسير»: «أما بعد: فإنه لما تقاصرت الهمم عن أن تهيم بهميان الزاد إلى دار المعاد، الذي ألفته في صغر السن، وتكاسلوا عن تفسيري داعي العمل ليوم الأمل أنشطت همتي إلى تفسير يغتبط ولا يمل، فإن شاء الله قبله بفضله، وأتمه قبل الأجل، وأنا مقتصر على حرف نافع ولمصحف عثمان تابع، وأسأل ذا الجلال أن ينعم علي بالقبول والإكمال» (2).
،
إن تفسير الشيخ أطفيش للقرآن الكريم ثلاث مرات دليل على علو همته، وصدق شعوره ومدى تعلقه بكتاب الله تعالى وتطلعه إلى أن يكون هو المجدد للدين في عصره، فلا غرو أن يهتم بتفسير القرآن الكريم الذي هو
المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وهو معجزة الإسلام الخالدة.
:
إن أول تفسير للشيخ أطفيش هو هميان الزاد إلى دار المعاد» (3) وقد بدأ في تأليفه في مستهل شبابه، إلا أنه لا يعرف على وجه التحديد كم كان عمره آنذاك، وإن كان يرى بعض الباحثين (4) أنه قد ابتدأه وهو في سن الخامسة والعشرين، وأرى أن هذا على وجه التقريب لا على وجه التحديد، وذلك لعدم وجود دليل صريح على ذلك، وإنما كل ما ذكره الشيخ أنه ألفه في صغر سنه، وهي عبارة ليست صريحة في التحديد بالخامسة والعشرين. أما فراغه منه فقد كان عام (1271 هـ) كما نص على ذلك الشيخ في آخر
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (5).
(2) أطفيش: تيسير التفسير ج 1 ص (7).
(3) كما صرح بذلك الشيخ في خطبة تفسير التيسير السابقة. (4) انظر: شريفي: التفسير ومناهجه عند علماء الإباضية ص (11). (1/163)
صفحة 164
164
معالم ورؤى
التفسير؛ إذ يقول: «كُمل الربع الرابع وقت الظهر من يوم السبت لتسع مضين من شهر رمضان من عام ألف ومائتين وواحد وسبعين بخط العجلة وقلمها» (1) وهذا التفسير كامل، وهو مطبوع ومتداول، وقد طبع للمرة الأولى في زنجبار ما بين عامي (1305 - 1314 هـ) وكان في أربعة عشر مجلدا، ثم أعادت طبعه وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان في واحد وعشرين مجلدا، وكان ذلك ما بين عامي (1401 - 1411 هـ) الموافق (1980 ـ 1991 م).
أما التفسير الثاني فهو: «داعي العمل ليوم الأمل» والموجود منه أربعة أجزاء من سورة الرحمن إلى آخر سورة الناس، وهو مازال مخطوطا في مجلدين كبيرين بخط المؤلف (3) يحتوي المجلد الأول على الجزء التاسع والعشرين، والجزء الثلاثين من أجزاء التفسير، وهو يبدأ بسورة الرحمن، وينتهي بآخر سورة الملك، أما المجلد الثاني فإنه يحتوي على الجزء الحادي والثلاثين، والجزء الثاني والثلاثين، وهو يبدأ بسورة القلم وينتهي بآخر سورة الناس، إضافة إلى سبع صفحات من الجزء الخامس والعشرين تتضمن تفسير الآيات الأولى من سورة ص إلى قول تعالى: وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص: 3] ويري بعض الباحثين أن الشيخ أطفيش قد بدأ هذا التفسير من سورة الرحمن إلى
(1) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (522).
هذا
(2) توجد مخطوطة هذا التفسير بمكتبة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله تعالى المفتي العام لسلطنة عُمان. بمسقط، المجلد الأول رقم (2، 3) المجلد الثاني رقم (4، 5، (6) ومما يجدر ذكره أن مكتبة الشيخ تزخر بكثير من المخطوطات حيث إن الشيخ قد اشترى مكتبة الشيخ أبي إسحاق إبراهيم أطفيش رحم الله من القاهرة. كما توجد مخطوطة من التفسير إلا أنها إلى سورة المزمل عند قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلا) آية رقم (4) وذلك بمكتبة الشيخ ببني يسجن رقم (أ، ب (2) وأخرى بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب رقم (191) وهذه المكتبة تعد من أكبر المكتبات العُمانية إن لم تكن أكبرها إذ إن السيد محمد - مشكورًا - يوليها اهتماما خاصا، ورعاية شخصية، مما جعلها مليئة بالمخطوطات والمؤلفات النادرة. (1/164)
صفحة 165
=
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
165
الخواتيم، في حين يرى بعضهم أنه قد بدأه من أواخر السور، وانتهى به إلى
سورة الرحمن (1)
وأرى أن الدلائل لا تؤيد ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون، بل تؤيد أنه تفسير كامل، إلا أن بقية أجزائه ما زالت مفقودة إلى الآن، وذلك لأن الموجود منه مقسم إلى أربعة أجزاء، إضافة إلى بعض الجزء الخامس والعشرين، فهذا يدل على أن الموجود من هذا التفسير تابع لما سبق من أول التفسير، ولأن الشيخ حمدالله قد ذكر هذا التفسير مع تفسير الهميان في خطبة «تيسير التفسير (3) فلو كان ناقصا لأشار إلى ذلك ولم يغفله، وقد قال الشيخ أبو إسحاق رحم الله عن هذا التفسير: «لقد رأيت في هذا التفسير من التحقيق ما لم أره في غيره (3). أما التفسير الثالث فهو: «تيسير التفسير وهو كامل ومطبوع، إذ طبع للمرة الأولى في الجزائر العاصمة طبعة حجرية في سبعة مجلدات، وذلك بين سنتي (1325 هـ 1326 هـ) وقد تم طبع الجزء الأخير منه ليلة الخامس عشر من شهر رجب (1326 هـ) حيث تكفل بطبعه تلميذاه الحاج عمر بن الحاج إبراهيم بن محمد العطف والحاج محمد بن الحاج صالح بن عيسى بن سليمان اليسجني (4) تم أعادت طبعه وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان في خمسة عشر مجلدا ما بين عامي (1405 - 1409 هـ / 1985 ـ 1988 م) (5).
(?)
(1) انظر: شريفي: التفسير ومناهجه عند علماء الإباضية ص (11) وينتن: آراء الشيخ أطفيش العقدية ص (483) الهامش.
(2) انظر: الرسالة مبحث مؤلفات الشيخ اطفيش في التفسير ومصادره فيها.
(3) نويهض: معجم المفسرين ج 1 ص (289) معجم أعلام الجزائر ص (21). (4) أطفيش تيسير التفسير ج 15 ص (430).
(5) مما ينبغي التنبيه عليه أن وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان طبعت «هميان الزاد» و «تيسير
التفسير بدون تحقيق ولا عناية تليق بالتفسيرين، ولعل ذلك راجع إلى استعجالها في
طباعتهما طباعة عصرية، وسرعة إخراجهما للنور للحاجة الملحة إليهما من قبل الدارسين. (1/165)
صفحة 166
177
معالم ورؤى
ثانيا: المصادر (1)
إن التعرف على المصادر التي استقى منها المفسر مادته العلمية في شتى حقول العلم، ومختلف بساتين المعرفة يوضح مدى الجهد الذي بذله المفسر، ومدى حيرته ومعاناته ونوع تساؤلاته هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن ذلك يمثل الركيزة الأساسية لدراسة منهج المفسر في التفسير، وتحديد معالمه، وتعيين سماته، كما أنه يمثل المنطلق العلمي الصحيح لإبراز شخصية المفسر، وأهمية تفسيره، ومكانته بين كتب التفاسير الأخرى، والمتتبع لتفسير «هميان الزاد» يجد أن الشيخ أطفيش الله قد استفاد من مصادر كثيرة متنوعة العلوم، ومختلفة المذاهب، تشهد له بسعة الاطلاع، وغزارة العلم، وتنوع المعرفة، وأكتفي في هذا السياق بذكر أشهر المصادر؛ لأن الغاية من ذلك تحديد منهج الشيخ في التفسير، وإبراز معالم شخصيته التفسيرية، وبيان القيمة العلمية لتفسيره.
أولا: المصادر التفسيرية (2)
لقد اطلع الشيخ أطفيش رحم الله على مصادر تفسيرية متنوعة، صنفت قبله، واشتهرت، وذاع صيتها، وهذا يعد مفخرة لكل من ولج باب هذا العلم الشريف، وخاض في لججه وعبابه، والحق أن الشيخ أطفيش قد وقف مع مواقف متعددة، وتعامل مع تفاسيرهم على أنحاء متفرقة يقول الدكتور الذهبي:
=
المفسرين
لذا يلحظ في الطباعة كثرة الأخطاء المطبعية، وإهمال بعض العبارات والجمل أحيانا بل وبعض الصفحات فمثلا سقطت سهوا ست عشرة صفحة تتضمن تفسير ثماني آيات من سورة النساء آية 15 إلى 22 انظر الهميان ج 4 ص (464) وكذلك عدم ترقيم الآيات، وتخريج الأحاديث ... إلخ. (1) أكتفي بذكر مصادر الشيخ في تفسيره «هميان الزاد» باعتباره عمدة الدراسة من جهة، وأهم تفسير للشيخ من جهة ثانية إذ هو الأصل.
(2) تذكر المصادر مرتبة ترتيبا الفبائيا بحسب أسمائها دون اعتبار الـ. (1/166)
صفحة 167
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
167
(1)
«إن الرجل وقد قرأ الكثير من كتب التفسير تأثر بما فيها، واستفاد الكثير من معانيها ومع أن الشيخ أطفيش قد استقى من مصادر تفسيرية عديدة، إلا أن اعتماده كان أكثر على تفسيري الزمخشري، والقاضي البيضاوي".
وهنا سؤال: لماذا كان أكثر اعتماده على هذين المصدرين؟
وأرى أن سبب ذلك يعود إلى عناية الشيخ البالغة باللغة العربية وعلومها؛
لأنها وعاء لكلام الله تعالى، فلا يفهم القرآن إلا في ضوء لغته (3).
إن الزمخشري يعد إمامًا للغة من غير منازع، وسلطانا للبيان من غير مدافع، فجدير به أن يكون عمدة، وأن يكون من بعده عالة عليه، أما تفسير
(4)
القاضي البيضاوي فيعد تهذيبًا للكشاف (4) قد يقول قائل: إن أكثر اعتماد الشيخ أطفيش على الكشاف كان من باب التوافق بين المذهبين في بعض قضايا العقيدة، والحق أن الشيخ قد تعقب الزمخشري في كثير من آرائه الاعتزالية كما هو واضح لمن تتبع تفسير الهميان () وهذه أهم مصادر الشيخ التفسيرية (6).
1 - «أحكام القرآن» (7) لابن العربي محمد بن عبد الله (ت: 543 هـ). 2 - «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» (8) لعبد الله بن عمر البيضاوي (ت: 791 هـ).
(1) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (320). (2) كما ذكر الشيخ بنفسه في مقدمة الهميان ج 1 ص (5)، انظر: الرسالة مبحث: اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه وإشادته بأصحابه، والباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير توطئة.
(3) سيأتي الحديث عن عناية الشيخ باللغة وعلومها.
(4) ابن عاشور التفسير ورجاله ص (67).
(5) سيأتي ذكر موقف الشيخ من المعتزلة ص (153) وللمزيد انظر: هميان الزاد ج 1/ 6 ص (211، (221) ج 1/ 10 ص (333) ج 13 ص (295) ج 15 ص (196).
(6) للمزيد انظر: الشعيلي: منهج الشيخ أطفيش في الهميان ص (19 ـ 54).
(7) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (113).
(8) ====: ن. م. س ج 1/ 6 ص (17). (1/167)
صفحة 168
168
معالم ورؤى
3 ـ «البحر المحيط () لأبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي (ت: 745 هـ). 4 ـ «التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل» (2) لأحمد بن عمار المهدوي (ت: 430 هـ).
ه ـ «تفسير كتاب الله العزيز) (3) لهود بن محكم الهواري (ت: 280 هـ). 6 - «جامع البيان في تأويل آي القرآن» (4) لمحمد بن جرير الطبري
V
(ت: 310 هـ).
ـ «الجامع لأحكام القرآن» (5) لمحمد بن أحمد القرطبي (ت: 671 هـ). ـ «زاد المسير في علم التفسير (6) لابن الجوزي عبد الرحمن بن علي
(ت: 567 هـ).
9 ـ «كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية» (7) لمكي بن أبي طالب القيسي
(ت: 437 هـ).
10 ـ «الكشاف» (8) لمحمود بن عمر الزمخشري (ت: 538 هـ).
11 ـ «الكشف والبيان عن تفسير القرآن» (9) لأحمد تفسير القرآن» (9) لأحمد بن إبراهيم الثعلبي
(ت: 427 هـ).
(1)
(2)
====: ن. م. س ج 1/ 6 ص (77).
====: ن. م. س ج 3 ص (420).
===== (r)
ن. م. س ج 1 ص (474).
(4) ====: ن. م. س ج 1/ 6 (76).
(5) ====: ن. م. س ج 2 ص (85). (6) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (18). (7) ====: ن. م. س ج 1/ 6 ص (77). (8) ====: ن. م. س ج 1 ص (5). (9) ====: ن. م. س ج 2 ص (188). (1/168)
صفحة 169
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
179
(1)
12 ـ «لباب التأويل في معاني التنزيل) لعلى بن محمد الخازن (ت: 725 هـ).
13 ـ «المحرر الوجيز (3) لابن عطية عبد الحق بن غالب (ت: 546 هـ).
14 - معالم التنزيل (3) للحسين بن مسعود البغوي (ت: 510 هـ).
15 ـ «مفاتيح الغيب» (4) لمحمد بن عمر الرازي (ت: 704 هـ).
(0) ,
16 ـ «الوسيط في تفسير القرآن المجيد» (5) لعلي بن أحمد الواحدي (ت: 468 هـ).
ثانيا: مصادر علوم القرآن الكريم
1 - «الإتقان في علوم القرآن» (6) لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي
(ت: 911 هـ).
ـ «البرهان في علوم القرآن» (7) لمحمد بن عبد الله الزركشي (ت: 794 هـ). 3 ـ «التيسير في القراءات السبع» (8) لأبي عمر وعثمان بن سعيد الداني
(ت: 444 هـ).
4 ـ «الحجة للقراء السبعة» (9) لأبي علي بن الحسن بن عبد الغفار
(ت: 377 هـ).
333
(1)
(2)
(4)
====: ن. م. س ج 5 ص (223).
====: ن. م. س ج 2 ص (17). (3) ====: ن. م. س ج 4 ص (151). ن. م. س ج 1/ 6 ص (77). (5) ==== ن. م. س ج 2/ 10 ص (23). (1) ====: ن. م. س ج 14 ص (322).
(7) ====: ن. م. س ج 2 ص (237). (8) ====: ن. م. س ج 1 ص (501). (9) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 8 ص (34). (1/169)
صفحة 170
170
معالم ورؤى
ه ـ «المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها») لابن جني عثمان (ت: 392 هـ).
ثالثًا: مصادر الحديث الشريف
ذكر الشيخ أطفيش في تفسيره عددًا من كتب الحديث المعتمدة، ولكن هذا
عن
لا يعني أن الشيخ اطلع عليها كلها (2) إلا أنه كان ينقل من كتب نقلت المصادر، ومن أشهر المصادر الحديثية التي ذكرها الشيخ في تفسيره الآتي:
1 - «الجامع الصحيح) (3) للربيع بن حبيب الفراهيدي (ت: 175 - 180 هـ).
(4)
2 - سنن ابن ماجه) لمحمد بن يزيد (ت: 273 هـ).
ـ «سنن أبي داود (9) لسليمان بن الأشعث (ت: 275 هـ). ـ (سنن البيهقي» (6) لأحمد بن الحسين (ت: 458 هـ). ه ـ «سنن الترمذي) (7) لمحمد بن عيسى (ت: 297 هـ). - سنن النسائي» (8) لأحمد بن شعيب (ت: 303 هـ). - صحيح البخاري) (9) لمحمد بن إسماعيل (ت: 256 هـ).
(1)
====: ن. م. س ج 2/ 8 ص (44).
(2) كما ذكر الشيخ ذلك بنفسه انظر: الرسالة: مبحث تفسير القرآن بالسنة.
(3) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (57).
(4) ====: ن. م. س ج 4 ص (191). ==: ن. م. س ج 4 ص (205).
(c) =:
(1) ==== ن. م. س ج 2 ص (419). (7) ====: ن. م. س ج 4 ص (191). (8) ====: ن. م. س ج 2/ 9 ص (288). (9) ====: ن. م. س ج 3 ص (133).
تلك (1/170)
صفحة 171
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
A
(1)
- صحيح مسلم) لمسلم بن الحجاج (ت: 261 هـ).
171
9 ـ «المستدرك على الصحيحين» (2) لمحمد بن عبد الله الحاكم (ت: 405 هـ).
10 ـ «مسند أحمد (3) لأحمد بن حنبل الشيباني (ت: 241 هـ).
11 ـ «المعجم الكبير» (4) السليمان بن أحمد الطبراني (ت: 360 هـ).
12 ـ «الموطأ» (5) لمالك بن أنس الأصبحي (ت: 179 هـ).
رابعا: مصادر الفقه
المتتبع لتفسير هميان الزاد يجد أن الشيخ أطفيش يذكر المراجع الإباضية، أما أقوال المذاهب الأخرى، فإنه ينسب القول إلى قائله دون ذكر مصدره، وهذه أشهر المراجع الإباضية التي ذكرها الشيخ في تفسيره:
(6)
1 ـ «الإيضاح» (1) لعامر بن علي الشماخي (ت: 792 هـ).
2 - «التاج» (7) لعبد العزيز بن إبراهيم الثميني (ت: 1223 هـ).
3 ـ «الديوان» (8) يوجد كتابان بهذا الاسم، وكلاهما مخطوط؛ الأول: ديوان مشايخ جربة، والمعروف بديوان الغار، وقد ألفه سبعة من العلماء في غار
(1)
====: ن. ن. م. س ج 3 ص (134). (2) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (40). (3) ====: ن. م. س ج 2/ 9 ص (280). (4) ====: ن. م. س ج 2/ 8 ص (93). (5) ====: ن. م. س ج 1/ 10 ص (118).
(1) ====: ن. م. س ج 2 ص (497). (7) ====: ن. م. س ج 1/ 7 ص (78). (8) ====: ن. م. س ج 2 ص (145، 113). (1/171)
صفحة 172
172
معالم ورؤى
4
مجماج، ويقع في اثني عشر جزءا، والثاني: ديوان الأشياخ المعروف بديوان العزابة، وقد ألفه عشرة من العلماء، ويقع في أربعة وعشرين جزءا وقيل في خمسة عشرين جزء (1) ولم يحدد الشيخ أطفيش رحم الله ـ حسب اطلاعي ـ من أي الديوانين ينقل.
ـ «قواعد الإسلام» (2) الإسماعيل بن طاهر الجيطالي (ت: 750 هـ).
خامسًا: مصادر العقيدة
1 - «الدليل والبرهان» (3) لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاتي
(ت: 750 هـ).
ـ «الموجز» (4) لأبي عمار عبد الكافي (ت: 600 هـ).
سادسًا: مصادر السيرة والقصص
1 - سيرة الرسول) () لأبي بكر محمد بن إسحاق (ت: 150 هـ)
-
2 ـ «مغازي الرسول (6) لأبي عبد الله الواقدي (ت: 207 هـ). ـ «عرائس المجالس» (7) لأحمد بن إبراهيم الثعلبي (ت: 427 هـ).
(1) ندوة الفقه الإسلامي بمسقط ص (202، 203). (2) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (393). (3) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 10 ص (179). (4) ====: ن. م. س ج 1 ص (389). (5) ====: ن. م. س ج 3 ص (151). (1) ====: ن. م. س ج 5 ص (348). (7) ====: ن. م. س ج 1/ 7 ص (55). 1/ 7 (1/172)
صفحة 173
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
173
سابعًا: مصادر اللغة وعلومها
1 - «البيان في إعراب غريب القرآن (1) لابن الأنباري محمد بن القاسم بن محمد (ت: 328 هـ).
2 ـ «تفسير غريب القرآن» (2) لابن قتيبة عبد الله بن مسلم (ت: 276 هـ). - شرح التسهيل» و «شرح الكافية (3) لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الطائي
(ت: 762 هـ).
ـ «الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» (4) الإسماعيل بن حماد الجوهري
(ت: 393 هـ).
ه ـ «القاموس المحيط» (5) لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت: 817 هـ). 6 ـ «مجاز القرآن» (6) لأبي عبيدة معمر بن المثنى التميمي (ت: 209 هـ).
ـ معاني القرآن (7) لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت: 207 هـ).
- معاني القرآن وإعرابه» (8) لأبي إسحاق إبراهيم السري الزجاج (ت: 312 هـ). 9 - «مفردات ألفاظ القرآن (9) للراغب: الحسين بن محمد د الأصفهاني
(ت: 425 هـ).
(1) ====: ن. م. س ج 2/ 6 ص (47). (2) ====: ن. م. س ج 2/ 8 ص (238). (3) ==== ن. م. س ج 1 ص (60). (4) ====: ن. م. س ج 1 ص (442). (ه) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 10 ص (134). (1) ====: ن. م. س ج 1/ 9 ص (144). (7) ====: ن. م. س ج 2 ص (174). (8) ====: ن. م. س ج 4 ص (206). (9) ====: ن. م. س ج 5 ص (81). (1/173)
صفحة 174
[صفحة فارغة] (1/174)
صفحة 175
اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه وإشادته بأصحابه وموقفه من بعض القضايا
المبحث الأول: اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه وإشادته بأصحابه.
المبحث الثاني: موقف الشيخ أطفيش من الخليفتين عثمان وعلي ومن قضية التحكيم.
المبحث الثالث: موقف الشيخ أطفيش من الفرق الإسلامية (1/175)
صفحة 176
176
توطئة
في هذا الفصل أتحدث عن اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه، واعتزازه بمذهبه،
وسبب
ذلك، وعن موقفه من الخليفتين عثمان
بن
عفان،
وإشادته بأصحابه وعلي بن أبي طالب، وقضية التحكيم، وأخيرًا عن موقف الشيخ أطفيش من الفرق الإسلامية التي تعرض لها كثيرًا في تفسيره مع بيان موقفه من التفسير
الإشاري. (1/176)
صفحة 177
177
المبحث الأول:
اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه وإشادته
بأصحابه
إن المتتبع لتفسير «هميان الزاد يجد أن الشيخ أطفيش رحم الله يعتد بنفسه، ويشيد بأصحابه، ويعتز بمذهبه في مواضع كثيرة، ومما يدل على اعتداده بنفسه ما قاله في مقدمة التفسير: (وبعد فهذا تفسير رجل يسجني إباضي وهبي، يعتمد فيه على الله الله، ثم على ما يظهر لفكره بعد إفراغ وسعه، ولا يقلد فيه أحدا إلا إذا حكى قولا أو قراءةً، أو حديثًا، أو قصةً، أو أثرًا لسلف وأما نفس تفاسير الآي، والرد على بعض المفسرين والجواب، فمنه إلا ما تراه منسوبا، وكان ينظر بفكره في الآية أولا، ثم تارة يوافق نظر جار الله (1) والقاضي (2) وهو الغالب والحمد الله، وتارة يخالفهما، ويوافق وجها أحسن، مما أثبتاه أو مثله، وذلك من فضل الله الكريم عليه ... ويتضمن إن شاء الله الكفاية في الرد على المخالفين ... » (3).
(2)
(1) هو محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري الملقب بجار الله ولد بقرية زمخشر من خوارزم سنة 476 هـ، إمام في التفسير والنحو والبلاغة من مؤلفاته (الكشاف) و (أساس البلاغة توفي سنة 538 هـ انظر: ابن خلكان وفيات الأعيان ج 5 ص (168) السيوطي: طبقات المفسرين ص (12) ابن حجر لسان الميزان ج 6 ص (4) الزركلي: الأعلام ج 7 ص (178). (2) مراده البيضاوي إذ يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) [البقرة: 199] (أي موضع إفاضة الناس وهو المشعر الحرام ... ورأيته أيضا قولا في تفسير القاضي ومرادي به البيضاوي حيث ذكرته (انظر هميان الزاد ج 3 ص (127) والبيضاوي هو عبدالله بن عمر بن محمد الشيرازي ولد في المدينة البيضاء بفارس قرب شيراز كان مفسرا تولى القضاء فاشتهر بالقاضي من مؤلفاته: (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) و (طوالع الأنوار) توفي في تبريز سنة 685 هـ انظر: ابن كثير: البداية والنهاية ج 13 ص (309) الزركلي: الأعلام ج 4 ص (110). (3):أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (5). (1/177)
صفحة 178
178
معالم ورؤى
وقال أثناء تفسيره لقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]: وإن عرضت لأحد شبهة، وظن اختلافا في شيء من كتاب الله، فالواجب أن يتهم نظره، ويسأل من هو أعلم منه، وما ذلك إلا لنقصان قوة البشر، وقد خرجت عن ذلك والحمد الله» (1).
ويقول في موضع آخر: «ولست أقول ذلك معجبًا بنفسي، ولا متعجبًا ممن عصى، بل حق ظهر لي فصرحت به (3) ويقول أيضا: «هذا ما ظهر لي بدون أن في ذلك أحدا» (3). د
أقلد
ومن الأدلة على اعتزاز الشيخ أطفيش بمذهبه، وإشادته بأصحابه، ما قاله عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} [البقرة: 170]: اعلم أن الحق هو القرآن والسنة، وما لم يخالفهما من الآثار، فمن قام بذلك، فهو الجماعة، والسواد الأعظم، ولو كان واحدا؛ لأنه خالف ذلك نائب النبي والصحابة والتابعين الذين اهتدوا، وكل مهتد، ومن فهو مبتدع ضال ولو كان جمهورًا، هذا ما ظهر لي بالاجتهاد، وكنت أقرره للتلاميذ عام تسع وسبعين ومائتين وألف، فأصحابنا الإباضية الوهبية هم الجماعة، والسواد الأعظم وهم أهل السنة، ولو كانوا أقل الناس؛ لأنهم المصيبون في أمر التوحيد، وعلم الكلام والولاية والبراءة، والأصول دون غيرهم، وأما في الفروع، فقولهم فيها أصح لأدلته، لكن قد يشاركهم غيرهم في الصحة فيما خالفهم، ثم اطلعت بعد ذلك بنحو عامين على ما ذكرته، ووجدته نصا للثوري، قال الشعراني، كان سفيان الثوري يقول: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة، ولو كان واحدًا والحمد الله» (4).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (64). (2) أطفيش ن. م. س. ج 1/ 10 ص (228). (3) أطفيش ن. م. س. ج 1 ص (52) وللمزيد انظر الهميان ج 6 ص (422) 1/ 7 ص (128).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (452). (1/178)
صفحة 179
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
179
وعند تفسيره لقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112] يقول: اعلم يا أخي - رحمك الله - أني استقريت هذه المذاهب المعتبرة ... بالمنقول والمعقول، ولم أر مستقيما منها في علم التوحيد والصفات سوى مذهبنا، فإنه مستقيم خال من التشبيه والتعطيل حججه لا تقاومها حجة، ولا تثبت لها» (1).
وعند تفسيره لقول الله الا الله: وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10] يقول: «المؤمنون الذين جاؤوا إلى الإيمان، أو إلى المدينة من بعد المهاجرين الأولين والأنصار، أي من هجرة المهاجرين، وإيمان الأنصار، أو الذين جاؤوا إلى الإيمان حتى تقوم الساعة بعد المهاجرين والأنصار، فنقول: هم إن شاء الله مثل جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع بين حبيب، ومن بعدهم، ومن معهم من أئمة العدل الإمامة الكبرى كعبد الرحمن بن رستم، ومن بعده من أئمة عُمان الجلندى بن مسعود من شراة أبي يحيى سنة إحدى
أئمة
المغرب ... ومن وثلاثين ومائة، والإمام محمد بن عفان سنة سبع وسبعين ومائة، والإمام الوارث بن كعب سنة تسع وسبعين ومائة، والإمام غسان بن عبد الله سنة اثنتين وتسعين ومائة والإمام عبد الملك بن حميد سنة مائتين وسبع، والإمام المهنا بن جيفر سنة ست وعشرين ومائتين، والإمام الصلت بن مالك سنة وثلاثين ومائتين والإمام عزان بن تميم سنة سبع وسبعين ومائتين، ومن بعدهم، ومن المتأخرين الإمام ناصر بن مرشد سنة أربع وثلاثين وألف والإمام سلطان بن سيف سنة ألف وستين .... ومن مشاهير علماء عُمان موسى بن أبي جابر، والبشير بن المنذر، وهاشم بن المهاجر، وسليمان بن
سبع
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 8 ص (295) من الأسباب القوية التي دفعت الشيخ إلى التأليف في (295) التفسير الرد على المخالفين، واثبات صحة مبادئ الإباضية فهو يدافع عن مبادئه التي يؤمن
بها، ويعتقد صحتها شأنه شأن سائر المفسرين والعلماء الذين يدافعون عن مبادئهم. (1/179)
صفحة 180
180
معالم ورؤى
قحطان
عثمان وهاشم بن غيلان ومحمد بن هاشم وموسى بن علي، ومحمد بن سعيد بن محرز، والوضاح بن عقبة، ومحمد بن محبوب، وعزان بن الصقر، وأبو المؤثر الصلت بن خميس وبشير بن محمد، وخالد وغسان بن محمد، وسعد بن عبد الله، وعبد الله بن محمد ابن بركة، وأبو الحسن بن علي، وابنه محمد .... (وغيرهم)
(1)
بن
وعند تفسير لقول الله الا الله فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَومٍ ........ [المائدة: 54] يقول الله: {مادحًا الأئمة الرستميين المتبيَّن أثرهم في الدين كالإمام عبد الرحمن بن رستم، والإمام أفلح والإمام عبد الوهاب والإمام محمد، وفيهم نزل وإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [محمد: 38] أيضا ضرب يده على كتف سلمان الفارسي، فقال: [هذا وذووه، وقال: لو تعلق الدين بالثريا لناله رجال من أبناء فارس] (2) (3).
ثم يذكر حادثة وقعت في تونس وهي أن البعض طعن في دين الميزابيين فنصب الباي مجلسًا بحضرة شيخ الإسلام، وحكم بأنه من طعن في المزابيين يقتل شرعًا إن لم يتب لأنه طعن في الإسلام جملة، ونحن كلنا تجمعنا كلمة التوحيد والمزابيون يوفون بالقول والعمل
(4)
لا يجد الشيخ أطفيش فرصة الإشادة بأئمة مذهبه إلا انتهزها مظهرًا مآثرهم فقد ذكر بإعجاب وتقدير موقف السلطان حمود سلطان زنجبار الرافض بناء
(1) أطفيش تيسير التفسير ج 13 ص (249، 250). (2) رواه الترمذي في سننه ج 5 ص (384) رقم (3261) الحاكم المستدرك على الصحيحين ج 4 ص (437) رقم (7318). (3) أطفيش: تيسير التفسير ج 3 ص (212) الهميان ج 5 ص (497) انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص (182) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 8 ج 16 ص (236). (4) أطفيش ن. م. س. ج 13 ص (121). (1/180)
صفحة 181
181
V
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
مقام للإباضية على غرار مقامات المذاهب الأخرى فقال في معرض تفسيره لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى} [البقرة: 125]: «وقد قال أمير مكة حمود، وهو سلطان، زنجبار أعوام إقامته بمكة: أبني مقاما لك وللإباضية أهل مذهبك؟ فقال: لا تفعل لأنه خلاف الشريعة، ولأنهم لا يقبلون عني ولا عنك، ولا يقف فيه أحد
للسلطان
ذلك
منهم
(1)
من خلال ما تقدم يتجلى بوضوح اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه، وانتماؤه إلى المذهب الإباضي، واعتزازه بأئمته، وأرى أن اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه من باب التحدث بنعمة الله تعالى، كما هو واضح من كلامه انطلاقا من قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِتْ} [الضحى: 11].
أما اعتزازه بمذهبه وإشادته بأصحابه فمن قبيل الدفاع عنهم، والتعريف بهم، وإبراز حقيقتهم، وهذا هو شأن المحبين على أن هذه الإشادة لا تصل إلى حد التعصب، الذي يجعل صاحبه يتصامم عن النقول الصحيحة، والعقول السليمة، كالصاوي الذي يقول في تفسير سورة الكهف: «ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة، والحديث الصحيح، والآية؛ فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر (3) وكأبي الحسن عبد الله الكرخي شيخ الحنفية ببغداد الذي يقول: «كل آية تخالف ما عليه أصحابنا ـ أي الحنفية ـ فهي مؤولة، أو منسوخة، وكل حديث كذلك، فهو مؤول، أو منسوخ (3) وكالحشوي عبد الرحيم الطحان الذي يقول: «لا خير في قرآن بلا
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 1 ص (173) وللمزيد انظر: التيسيرج 12 ص (343، 344) الهميان ج 10 ص (227).
(2) الصاوي: حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 4 ص (1192).
(3) هويدي: القرآن والسلطان ص (21). (1/181)
صفحة 182
182
معالم ورؤى
سنة، ولا خير في سنة بلا فهم السلفنا الكرام» (1) ومراده ب ـ سلفنا ـ سلف الحشوية المجسمة كابن تيمية وابن القيم وابن خزيمة، وابن بطة،
والبربهاري، والخلال، والهوازي (3).
(1) الخليلي: وسقط القناع ص (78).
:
(2) انظر على التوالي الخليلي وسقط القناع ص، (78، (90) وللمزيد انظر المالكي: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجا ص (129) - (133)، ولمعرفة غلو حشوية الحنابلة في شيوخهم انظر المصدر نفسه ص (151 - 158). تجد أن ما عابه الحشوية على غيرهم وقعوا فيه، بل أسوأ وأشد. (1/182)
صفحة 183
183
المبحث الثاني:
موقف الشيخ أطفيش من الخليفتين
عثمان وعلي ومن قضية التحكيم
يقف الشيخ أطفيش من الصحابة والله بما فيهم عثمان وعلي موقف إجلال وتقدير، وحديثه عما جرى بينهم من أحداث كحديث غيره من العلماء لا يزيد عن حكاية ما حدث، فعند تفسيره لقوله تعالى: {وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ} [التوبة: 100] يقول: «قال جمهور السلف والخلف: إن الصحابة أفضل الخلق بعد النبي) ()
ويقول في شأن المهاجرين له عند تفسيره لقول الله تعالى: {أُولَيكَ هُمُ الصَّدِقُونَ} [الحشر:]: «العالون مرتبة باتصافهم بمهاجرة الديار، والأوطان، والأحباء، والأموال، والتوكل على الله في طلب الرزق والرضوان ... الكاملون في الصدق ... وذلك بأنهم اختاروا الله جل ورسوله على أنفسهم، وعلى جميع مالهم في الدنيا (2) ويقول في شأن الأنصار لي عند تفسيره لقول الله: فَأَوْلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]: «الفائزون بخير الدنيا والآخرة الناجون من كل مكروه» (3).
ويقول في شأن الخلفاء الراشدين الي الله عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 00]: «وفي أيام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ... كانت الفتوح العظيمة، وتمكن الدين
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 7 ص (239). (2) أطفيش تيسير التفسير ج 13 ص (243). (3) أطفيش تيسير التفسير ج 13 ص (248). (1/183)
صفحة 184
184
معالم ورؤى
لأهله وقال في المراد من قوله تعالى: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْلَهُ، فَتَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29]: وعن النقاش عن ابن عباس الزرع النبي، فآزره علي فاستغلظ بأبي بكر فاستوى على سوقه، بعمر، وقيل الزرع النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
وشطأه أبو بكر، فآزره عمر، فاستغلظ عثمان فاستوى على سوقه علي).
وفي معنى هذه الآية الكريمة يقول الإمام الزمخشري: «وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء أمر الإسلام، وترقيه في الزيادة إلى أن قوي، واستحكم؛ لأن النبي قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، حتى يعجب الزراع» (3).
ويقول ابن عاشور: ومعنى هذا التمثيل تشبيه حال بدء المسلمين، ونمائهم حتى كثروا، وذلك يتضمن تشبيه بدء دين الإسلام ضعيفا، وتقويه يوما فيوما حتى استحكم أمره، وتغلب على أعدائه. وهذا التمثيل قابل لاعتبار تجزئة التشبيه في أجزائه بأن يشبه محمد له بالزارع. ..... ويشبه المؤمنون الأولون بحبات الزرع التي يبذرها في الأرض مثل أبي بكر، وخديجة، وعلي، وبلال، وعمار، والشطء: من أيدوا المسلمين فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى الله وحده، وانضم إليه نفر قليل، ثم قواه الله بمن ضامن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع» (4).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 11 ص (340). (2) أطفيش هميان الزاد ج 13 ص (505) وقد وجدت هذا في عدة تفاسير منها: الزمخشري: الكشاف ج 3 ص (551) الخازن: تفسير الخازن وبهامشه تفسير البغوي مجلد (4) ج 6 ص (215) ابن عباس: تنوير المقباس ص (546).
(3) الزمخشري: الكشاف ج 3 ص (551) وللمزيد: انظر الطبري: جامع البيان ج 11 ص (374) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص (204) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد (8) ج 16 ص (268) البيضاوي: أنوار التنزيل ص (656) الكندي: التفسير الميسر ج 3 ص (237) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد (14) ج 28 ص (94) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 5 ص (169). (4) ابن عاشور: التحرير والتنوير مجلد (12) ج (26) ص (209 - 210). (1/184)
صفحة 185
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
185
لذا أرى أن ما قاله الشيخ أطفيش من أن المراد الخلفاء الأربعة لا يتنافى مع ما قاله بقية المفسرين من أن هذا مثل ضربه الله تعالى للصحابة و فقد كانوا قلة في بداية الإسلام ثم كثروا، واستحكموا، وإنما خص الشيخ الخلفاء الأربعة لسابقتهم في الإسلام، وتضحياتهم الجليلة المعروفة، ومكانتهم العالية، ومنزلتهم المرموقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال في إمامة الخلفاء الأربعة عند تفسيره لقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ امَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55]: «والآية حجة على صحة خلافة الأئمة الثلاثة والرابع علي فهم أربعة، وأبطلت دعوى الشيعة أن الإمام بعده هو علي، وهو نفسه مقر بإمامة الثلاثة قبله») وقال في موضع آخر: «وإمامة الصديق وعمر وعثمان وعلي صحيحة بإجماع الصحابة الأكثرين، والمعتبرين من الصحابة وغيرهم ... » (3).
وعند تفسيره لقول الله سبحانه تعالى: وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ} [التوبة: 100] قال: «أما السابقون من المهاجرين، فالذين صلوا إلى القبلتين، وأما الأنصار، فأهل بيعة العقبة الأولى، وهم سبعة، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم، أبو زرارة مصعب بن عمير، علمهم القرآن» (3).
وقال في موضع آخر: «هم أهل بدر ...... وقيل: الذين أسلموا قبل الهجرة، وقيل: أهل بيعة الرضوان .... وقيل: كل من هاجر قبل نسخ الهجرة، وكل من أسلم من الأوس والخزرج على عهده صلى الله عليه وسلم وقد قسم الصحابة ثلاثة: مهاجري،
(1) أطفيش تيسيرا التفسير ج 9 ص (141). (2) أطفيش: ن. م. س. ج 13 ص (243). (3) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 7 ص (235). (1/185)
صفحة 186
186
معالم ورؤى
وأنصاري، وسائر من أسلم من الصحابة، إلا أن قيل: المراد بالأنصار كل ناصر لرسول الله، ولو لم يكن من الأوس والخزرج».
وبعد أن عدد الشيخ طبقات الصحابة، وذكر أول من أسلم، قال: «ويجمع بأن أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال الصديق، ومن الأطفال علي، ومن الموالي زيد، وأسلم على يد الصديق عثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص ....... » (3).
وقال في شأن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما نصه: ومن خصائص الإمام علي بعد قرابته أنه أشد الصحابة حفظا على عورته من أول أمره، وأشدهم غضا لعينه، ولذلك تولى غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره (3). ومن هذه النصوص يتضح أن الشيخ أطفيش رحمة الله لم يذكر الخليفتين الثالث والرابع بسوء، ولم يلصق بهما أي نقيصة، بل يدخلهما مع بقية الصحابة الذين أثنى الله تعالى عليهم، ومدحهم في القرآن الكريم.
كما أن الشيخ رحمه الله يروي عن عثمان وعلي كبقية الصحابة في تفسيره من ذلك، ما قاله عند تفسير قول الله تعالى: {لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى} [التوبة: 108] بعد أن ذكر الرأي المشهور الصحيح من أن المراد بالمسجد في الآية مسجد قباء: «وقال علي وعثمان وابن عمر وزيد بن ثابت، وأبو سعد المراد مسجد المدينة (4).
وعند تفسير قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 7 ص (236، 237).
(2) أطفيش: تيسير التفسير ج 5 ص (138) للمزيد انظر: الهميان ج 1/ 7 ص (237 - 239).
(3) أطفيش تيسير التفسير ج 12 ص (347).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 7 ص (258). (1/186)
صفحة 187
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
187
سبيلا} [آل عمران: 97] يستشهد بالحديث المروي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيا] (1) وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [الإسراء: 37] يذكر حديثا عن علي في وصف مشية الرسول صلى الله عليه وسلم (2) ومما يرويه عن عثمان ما ذكره في معنى ـ الويل - في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ للَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 97] إذ يقول: «وروى عثمان بن عفان النبي: أنه جبل من جبال النار] (3) وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَلبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] قال: وقال ابن عباس: العمل الصالح، وعنه السمت الحسن في الوجه، وقاله عثمان على المنبر» (4).
عن
أما ما ذ ا ذكره الدكتور الذهبي (5) من تحامل الشيخ على عثمان وعلي، فأرى أنه لا يزيد عن حكاية ما حدث في عهديهما، فمن يتتبع «هميان الزاد» ويوازيه بما جاء في «تيسير التفسير» يجد أن ما كتبه الشيخ عن الأحداث التي وقعت في عهد الخليفتين الراشدين الثالث والرابع لا وجود له في «التيسير» (6) ويبدو الشيخ أطفيش نحمد لله قد تنبه بعد ذلك أن لا فائدة من ذكر تلك الأحداث، فأعرض عنها صفحا.
على أن الدكتور الذهبي أعرض عن تفسير الشيخ رحم الله «تيسير التفسير» مع
(1) أطفيش الهميان ج 4 ص (183) الحديث أخرجه الترمذي في سننه، 7 کتاب الحج 3 باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج ج 3 ص (176) رقم (812).
(2) أطفيش الهميان ج 2/ 9 ص (186) وللمزيد: الهميان ج 3 ص (288) وج 14 ص (348). (3) أطفيش الهميان ج 2 ص (132، 133).
(4) أطفيش: الهميان ج 2/ 6 ص (47) وللمزيد انظر ج 1/ 7 ص (224).
(5) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (332).
(6) قارن على التوالي أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (207) ج 2/ 7 ص (114) ج 11 ص (340). ص (253) تيسير التفسير ج 2 ص (138) ج 5 ص (22) ج 9 ص (137) ج 11 ص (479).
ج 13 (1/187)
صفحة 188
188
معالم ورؤى
اطلاعه عليه كما ذكر بنفسه (1) واكتفى بهميان الزاد ولم يول أي اهتمام بالعمر الزمني لهذا التفسير، الذي ألفه الشيخ في مقتبل العمر.
وموقف الشيخ أطفيش من الصحابة، ومن الأحداث التي وقعت بينهم، هو نفسه موقف الإباضية من ذلك يقول الدرجيني: «فالذين اجتمعت عليهم الخمسون الأولى من المائة الأولى هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضيلتهم ... وأسماؤهم ومزاياهم أشهر من أن تحتاج إلى تعدادهم، فهم نجوم الهدى ومصابيح الدجى
ويقول التعاريتي: «إن اعتقادنا في الصحابة واللون أنهم عدول أتقياء، بررة أصفياء ... وكيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لا ينام، أن يكفر صهر نبيه الذي لم يسجد قط للأصنام» (3).
ويقول الشيخ علي يحيى معمر: «فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولياء كل مؤمن صادق، وهم أعداء كل منافق ... وإذا كان في المسلمين من أي مذهب من يحمل لأصحاب رسول الله الله أو لأحدهم أي معنى لا يليق بجلال مرکزهم وشرف، صحبتهم، فإن عليه أن يطهر قلبه بالتوبة ... فإنه لا أألم ولا أشد كفرانًا ومعصية من إنسان يتطرق إلى قلبه شيء من بغض من أحبه الله ورسوله قبل ثلاثة عشر قرنًا» (4) ويقول الحارثي: «ولا تكاد تجد أحدا
(?)
وله مزية خاصة به لي وجازاهم عن الإسلام وعن نبيه خيرًا» (ه).
(1) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (318).
(2) الدرجيني: الطبقات ج 1 ص (6).
(3) التعاريتي: المسلك المحمود في معرفة الردود ص (18).
(ه).
(4) معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية ص (331) و (332) للمزيد انظرص (321 - 331).
(5) الحارثي: العقود الفضية ص (86).
منهم إلا (1/188)
صفحة 189
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
189
ويقول الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله: «إنني أعتقد أن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة كبرى، فقد أثنى الله الا الله عليهم في كتابه ......... وإنني أعتقد أن أحدًا لو أنفق مثل أحد ذهبًا لما ساوى مدّ أحدهم، أو نصفه ... وإنني لحريص جدًا على طي صفحة الفتن التي كانت بينهم ... وإذا كنت أكره شيئًا من التاريخ فإني أكره ذلك التاريخ تاريخ الفتنة العمياء التي نجمت بين أصحاب رسول الله).
وفي موضع آخر يقول: «وإنما أردت بما ذكرته هنا تبرئة الإباضية من التهمة فهم ليسوا وحدهم الذين يتحدثون عن الأحداث التي وقعت في عهد الخليفة الثالث، وإنما كثير من المؤرخين، والكاتبين من المتقدمين (2) والمتأخرين (3) تحدثوا عنها، فكيف ينحى باللوم على الإباضية
وحدهم ......
(2)
وأما بالنسبة للخليفة الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فإن الإباضية لا يزيدون عن حكاية ما حدث في عهده، ولا ينالون من شخصه، وهم أكثر الناس تقديرًا، له واحترامًا لصحبته برسول الله صلى الله عليه وسلم و قرابته منه، ويدركون كل الإدراك أنه من أفقه صحابة النبي وأكثرهم اطلاعا على سيرته عليه أفضل الصلاة والسلام، وأكثرهم علما بكتاب الله الا الله، ولذلك كثير ما يأخذون بآرائه في الفقه ......... كما هو واضح في كتب الفقه، وإنما يذكرون قضية التحكيم - تحكيم الحكمين ـ التي أكره عليها الإمام علي، ولم يكن راضيا عنها ونصحه
(1) الخليلي مجلة جبرين ص (29، 30).
(2) ومنهم: ابن عبد ربه العقد الفريد ج 4 ص (94) وما بعدها، ابن قتيبة الإمامة والسياسية ج 1 ص (35، 36، 46).
(3) ومنهم سيد قطب العدالة الاجتماعية في الإسلام ص 210، (212) المودودي: الخلافة والملك
(VE-TE) (1/189)
صفحة 190
190
معالم ورؤى
كثير
(1)
من أصحاب العقول، والأفكار، والبصائر عن قبول التحكيم، ولكن
(Y),
الظروف أجبرته على قبول التحكيم» (2).
فالإباضية يترضون عن جميع
الصحابة، فهذه خطب الجمعة على مسمع
الإباضية وغيرهم شاهدة على ذلك، وأحاديثهم، وكتاباتهم في كل مكان، وعبر أي وسيلة ناطقة بذلك، ومناهجهم الدراسية في جميع المراحل دالة على ترضي الإباضية عن جميع الصحابة، فكفى بهذا حجة على بطلان زعم من يزعم أن الإباضية يعادون بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وينالون من كرامتهم. وأرى أن ما وقع في عصر الصحابة والتابعين من أحداث يجب السكوت عنه، وطي صفحته، والكف عن الخوض في تلك الفتن حتى تعود للمسلمين
(1) منهم: عمار بن ياسر ابن قتيبة الإمامة والسياسة ص (109 (110) ابن كثير: البداية والنهاية ج 7 ص (274) القلهاتي: الكشف والبيان ج 2 ص (233، 235).
الأحنف بن قيس ابن قتيبة الإمامة والسياسة ص (107) 108).
عدي بن حاتم المنقري: وقعة صفين ص (482) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ص (106،
(108
سليمان بن صرد الخزاعي المنقري وقعة صفين ص (518) الدنيوري: الأخبار ص (197). . عمرو بن الحمق الخزاعي: المنقري: وقعة صفين ص (382) ابن قتيبة الإمامة والسياسة
ص (109).
سعيد بن قيس المنقري وقعة صفين ص (520). الأشتر النخعي: المنقري: وقعة صفين ص (482) البلاذري الأنساب ج 3 ص (104) الطبري: الأمم والملوك ج 3 ص (101) ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج 5 (121)
ابن قتيبة الإمامة والسياسية ص (109، 110).
• حريث بن جابر ابن قتيبة الإمامة والسياسة ص (105).
عمير بن عطارد ابن قتيبة الإمامة والسياسة ص (108).
عبد الرحمن بن الحارث ابن قتيبة الإمامة والسياسة ص (109).
(2) الخليلي مجلة جبرين ص (32 - 33). (1/190)
صفحة 191
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
191
وحدتهم، وعدم إثارة أشياء حدثت قبل أربعة عشر قرنًا. المسلمون في ألف غنى عن إثارتها في هذا العصر، الذي هم فيه أحوج ما يكونون إلى ما يجمع الشمل، ويؤلف بين القلوب، ويجب على كل مسلم أن يضع نصب عينيه قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
[البقرة: 134].
وهذا المبدأ هو الذي أعلنه الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبد العزيز الله، إذ قال: «تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلا نلوث بها ألسنتنا» (1).
وهو نفسه الذي قال عنه الإمام نور الدين السالمي و الاعلان:
فما مضى قبلك لو بساعة فدعه البحث عنه ليس طاعة (2) فالإباضية يقررون أن البحث في الأحداث التي وقعت بين الصحابة من ليس من ورائه فائدة، ولا أثر، محمود، وعليه فالخير كل الخير للمسلم أن يستبرئ، لدينه، وعرضه، ولا يفني عمره في التنقيب عن هنات أشخاص أصبحوا في ذمة التاريخ، يقول الشيخ السيابي: «أما الأحداث التي جرت بين الصحابة فكلهم، مجتهد، وملتمس للحق ... وما كلفنا الله التنقيب والتفتيش عن عيوب الناس، وعن حال من مضى ... والعاقل يشتغل بعيوب نفسه عن غيره، ويسعى في تخليصها ونجاتها، وعليه أن يحسن الظن بجميع المسلمين ويلتمس الأعذار، ويحملهم على المحامل الحسنة ما وجد سبيلا إلى ذلك» (3). أما موقف الشيخ أطفيش رحم الله من قضية التحكيم فإنه يقف موقف مذهبه
(1) معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية ص (331). (2) السالمي: كشف الحقيقة ص (65) البيت من بحر الرجز. (3) السيابي: فصل الخطاب في المسألة والجواب ج 1 ص (20). (1/191)
صفحة 192
192
معالم ورؤى
بعض
الرافض لها، والمعارض لنتيجتها، فالشيخ يحرص في سرد الصراع بين علي ومعاوية على تحليل الأحداث لإثبات موقف الرافضين للتحكيم، وندم علي على قتالهم، كما يذكر انفصال الإباضية عن الخوارج، وذلك عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَتِلُوا الَّتِي تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ} [الحجرات: (9] قال: «والمذهب حمل ذلك على أن تقاتل الباغية فقط، وبه قال جماعة من قومنا ... وصرح الحنابلة بأنه أفضل من جهاد المشركين؛ لأن علي ابن أبي طالب ترك جهلا المشركين واشتغل بقتال معاوية وليس كذلك، بل اشتغل بقتاله لما ظهر بغيه وبغي من معه من بني أمية، فلو تركه لأدى الأمر إلى فساد أقوى مما وقع ولولا أنه يؤدي إلى ذلك لم يكن أفضل من جهاد المشركين، وقد قدم علي اشتغاله بقتال الخوارج عنه، وقال: ليتني لم أقاتلهم، لأنهم أسد النهار، ورهبان الليل شفيت نفسي وقطعت يدي وعاتبه ابنه الحسن، وروي أنه تاب، ولم يعتن الناس بتوبته؛ لأنه لم يشهرها، ولم تتيقن عنه، ولما قالت الصفرية، والنجدية، والأزارقة بتحليل الدماء والأموال بالذنب خرج عنهم الإباضية الوهبية، ومن أول الأمر امتنع عن قتال الخوارج، وما زال به الأشعث بن قيس عامله الله و بما أجرم - حتى قاتلهم، قال ابن عمر: ندمت جدا، إذ لم أقاتل مع علي معاوية، ومن معه، لأنهم فئة باغية، كما أمرني الله تعالى بقوله: «وإن طائفتان الخ ...... وذلك أن الإمام هو علي، ولا يجوز لمعاوية منازعته في الإمامة، ولا لعلي تركها) وقال أيضا: ... وسمع علي رجلاً يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا الله، فقال: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث، لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم في أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال، قلت الحق أنه إذا حكم الله بحكم في مسألة، فلا
،
(1) أطفيش تيسير التفسير ج 12 ص (376، 377). (1/192)
صفحة 193
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
193
حكم لأحد فيها سواه، فالحق مع الرجل، ولو كان علي أعلم عالم) ويقول عند تفسيره لقول الله الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35]: ولا دليل في الآية على جواز التحكيم؛ لأن مسألة الحال إنما هي ليتحقق بالحكمين ما قد يخفى من حال الزوجين، بخلاف ما إذا ظهر بطلان إحدى الفرقتين بأن الله قد حكم بقتالها، وأيضا المراد هنا الإصلاح مثلا، لا مجرد بيان الحق» (2).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 13 ص (527). (2) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (533). (1/193)
صفحة 194
المبحث الثالث:
موقف الشيخ أطفيش من الفرق الإسلامية
تقدم الحديث عن موقف الشيخ أطفيش من الخوارج) وفي هذا المبحث أوضح موقف الشيخ أطفيش من الأشاعرة والشيعة، والمعتزلة، والصوفية؛ لكونها أكثر الفرق الإسلامية التي تعرض لها الشيخ في تفسيره
أولا: الأشاعرة
(2)
ينتقد الشيخ أطفيش الأشاعرة في المسائل الخلافية خاصة في مسائل الأصول (3) وأحيانًا يكون انتقاده لهم عنيفًا لاذعا يدل على إيمانه بالمسائل الأصولية للإباضية، واعتقاده الجازم بصحتها، لإيمانه أن الحق في الأصول واحد، وغيره مخطئ، بينما الحق في الفروع واحد، وقد يخطئ الباقون، ولكن لا أثم عليهم، يقول في جوابه لأهل زوارة: «واقر إخواننا علماء أهل زوارة أن الحق في غير الأصول مع كل من الأصول مع كل من المخالفين ممن له الاجتهاد. بمعنى أن الله تعالى جعل قول كل واحد منهم حقا عنده وهو قول، وقيل الحق مع فقط، وقد يخطؤون جميعا، ولا إثم على المخطئ، وهو الصحيح وهو
مذهبنا» (4).
(1) تقدم ذكر ذلك تحت عنوان: الفرق بين الإباضية والخوارج.
واحد
(2) يذكر الشيخ في تفسيره بعض الفرق الأخرى المنتسبة للإسلام، ويفند آراءها كالقدرية والمرجئة انظر: أطفيش هميان الزاد ج 14 ص (74، 75) التيسير ج 8 ص (178) ج 12 ص (608).
(3) كما سيأتي في فصل مذهب الشيخ أطفيش العقدي.
(4) أطفيش كشف الكرب ج 1 ص (84 85).
194 (1/194)
صفحة 195
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
195
وعليه فلا عجب إذا وجد الشيخ أطفيش يفند آراء المخالفين في الأصول، وينتقدها، بل ويحكم عليها بالبطلان، ويدعو إلى اعتناق آراء مذهبه، فهو يستنكر الخلاف في الأصول، قائلا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 105]: «وكالقائلين من هذه الأمة الإجابية بما لا يجوز الخلاف فيه كرؤية الباري، وكون صفاته، غيره، وإثبات الجوارح بلا كيف) ويقول في تفسيره هميان الزاد:
ولا يخفى أن النهي عن التفرق، والاختلاف والوعيد عليه، إنما هما في الأصول دون الفروع» (2) على أن الشيخ في بعض المسائل يقتصر على سرد آرائهم دون التعليق عليها، ومن أمثلة ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {وَيَعْفُواً عن السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25] تعرض لمسألة مرتكب الكبيرة، فبعد أن عرض رأي الإباضية فيها، قال: « ... والأشاعرة أجازوا العفو عن الكبائر غير الشرك بلا توبة، ومنها الإصرار على الصغائر» (3).
وإذا وجد الشيخ أطفيش اتفاقا في مسألة بين الإباضية أو أحد المذاهب الأربعة ذكر ذلك، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]: «والآية دليل على أن
،
حجة الله على عباده الكتب والرسل والعقل، وهذا مذهبنا ومذهب الأشاعرة» (4) وعند تفسيره لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرُ وَمِنكُم مؤْمِنُ} [التغابن: 2] يقول: «وأفعال الله كلها حسنة، وخلق القبيح أيضا ... هذا
(1) أطفيش تيسير التفسير ج 2 ص (139). (2) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (206).
(3) أطفيش تيسير التفسير ج 11 ص (485) انظر: الهميان ج 13 ص (256) وللمزيد انظر الهميان
ج 2/ 6 ص (237).
(4) أطفيش: تيسير التفسير ج 2 ص (470). (1/195)
صفحة 196
196
معالم ورؤى
مذهبنا معشر الإباضية، والمعتزلة، وأهل السنة» (1) وعند تفسيره لقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] يقول: ومعنى استوائه على العرش أي: ملكه (2) وبعد كلام طويل، قال: ومذهبنا ومذهب أبي الحسن الأشعري تأويل المتشابه، وكانت مالكية المغرب ينزهون الله عن ظاهر المتشابه، ويعرضون عن تأويله إلى أن ظهر محمد بن تومر مهدي الموحدين في صدر المائة السادسة فخرج إلى المشرق، فأخذ التأويل عن علماء مذهب أبي الحسن الأشعري، ثم عاد إلى المغرب فنشر به تأويل المتشابه بما في كلام العرب من التفنن، والمجاز» (3).
ويقول عند تفسير قوله تعالى: {وَيُجرَكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31]: ومعلوم أن لا دار للمكلف بعد البعث إلا الجنة والنار، ومن لم يكن في إحداهن كان في الأخرى، فكما يجير الجن المؤمنين من العذاب يثيبهم الجنة، ولا فرق بينهم وبين الآدميين في دخول الجنة والتنعم بأكلها، وشرابها وأزواجها وغير ذلك، هذا مذهبنا ومذهب مالك بن أنس، والحسن البصري، والضحاك وغيرهم، وهو الحق وعليه الأكثر» (4).
أما ما ذكره الدكتور الذهبي من تحامل الشيخ أطفيش على أهل السنة تحت عنوان: حملته على أهل السنة» (5) وذلك في ضوء ما قاله الشيخ عند تفسيره لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: 4]: وترى أقواما ينتسبون إلى الملة الحنيفة يضاهئون اليهود في قولهم
(1) أطفيش هميان الزاد ج 14 ص (275). (2) أطفيش تيسير التفسير ج 8 ص (131). (3) أطفيش تيسير التفسير ج 12 ص (207، 208). (4) أطفيش: تيسير التفسير ج 8 ص (134). (3) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (323). (1/196)
صفحة 197
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
197
لن تمسنا النار إلا أياما معدودة» (1) فأرى أنه استنتاج لا يقوم على أساس متين، لأنه وإن اختفت عبارة الشيخ تلك من موقعها في تفسيره «تيسير التفسير" فإنها لا تدل بالضرورة على تحامل الشيخ على أهل السنة، فالشيخ رحم الله لم يذكر اسم أي مذهب أو فرقة وإنما كانت عبارته عامة (3) علما بأن هذا الاعتقاد لدى اليهود هو الذي زين لهم فعل المنكرات والانغماس في المعاصي، وليس بعيدا أن يكون كذلك بالنسبة للمسلمين، بل هو أهم الأسباب في تمادي العصاة على غوايتهم، وعدم التوبة.
ولما ظن الدكتور الذهبي أن ذلك تحامل من الشيخ على أهل السنة، فقد طعن صراحة في عقيدة الشيخ ومذهبه) ولعل عبارة الشيخ: «ويتضمن إن شاء الله الكفاية في الرد على المخالفين فيما أزاغوا فيه، وإيضاح مذهب الإباضية الوهبية واعتقادهم بحجج عقلية ونقلية» (5) هي التي أزعجت الدكتور الذهبي، وكانت سببًا لإثارة حفيظته، وعصبيته المذهبية.
على أن مصطلح - أهل السنة - لا يزال معظم الدارسين يجهلون مصدره، وفحواه، بدقة، فمن العلماء من يرى أن هذا المصطلح ظهر في القرن الأول الهجري، فهو نعت قبيح يعني تلك السنة السيئة التي استنها معاوية وأتباعه، من لعن علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه على المنابر في خطبة صلاة الجمعة وغيرها من الخطب، وقد ظلت سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير
(1) أطفيش: هميان الزاد ج 1 ص (224). (2) أطفيش تيسير التفسير ج 1 ص (15). (3) هناك غير أهل السنة يقولون بهذا كالشيعة الإمامية، وبعض المرجئة انظر: الطوسي: الاقتصاد ص (197) مغنية: الكاشف ج 1 ص (139) الشهرستاني: الملل والنحل ج 1 ص (143)
التفتازاني: شرح المقاصد ج 5 ص (132).
(4) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 2 ص (321، 336).
(ه) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (5). (1/197)
صفحة 198
198
معالم ورؤى
(1)
إلى أن غيّرها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الله) وفي هذا السياق يقول الإمام نور الدين السالمي الله: إن تسمية أهل السنة كانت في الزمن الأول نعتا قبيحا، لأنها كانت تعني تلك السنة التي اتخذها معاوية وأتباعه من لعن علي على المنابر، وقد اتخذوها سنة ينشأ عليها الصغير، ويهلك عليها الكبير، ولما غيّرها الخليفة عمر ابن عبد العزيز اختفى سبب التسمية الأصلي، وظن الخلف أن السنة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فتمدحوا بذلك ... » (3).
العلماء ومن
من يرى أنه مصطلح يقابل مصطلح - الشيعة ـ باعتبار أن أهل السنة يمثلون أتباع معاوية بن أبي سفيان والشيعة يمثلون أتباع علي بن
طالب (3).
ومن
(0)
أبي
العلماء من يرى أن مصطلح - أهل السنة - إنما ظهر لأول مرة حوالي القرن السابع الهجري، أي بعد عصر آخر الأئمة الأربعة، وهو أحمد بن حنبل بحوالي أربعة قرون) وأجد أن هناك من ذكر هذا المصطلح في القرن الخامس العلماء الهجري ومن لا من يهتم بالنشأة التاريخية لهذا المصطلح، وإنما يربطه بالواقع العملي، والاعتقادي، بمعنى يطلق مصطلح ـ أهل السنة ـ على كل مسلم يسير على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتفي منهج الصحابة، والسلف الصالح) وعلى هذا المفهوم فلا يكون هذا المصطلح حكرًا على فرقة دون
(1) انظر: الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص (188) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3 ص (234) ج 4 ص (154) ابن كثير: البداية والنهاية ج 8 ص (259) ج 9 ص (80) المنذري: الصراط المستقيم ص (27) المودودى الخلافة والملك ص (113) خالد: خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم
ص (566) الشماخي: القول المتين ص (95).
(2) السالمي: شرح الجامع الصحيح ج 1 ص (59).
(3) انظر: دائرة المعارف الإسلامية مادة سنة ج 12 ص (282) الجعبيرى البعد الحضاري للعقيدة
الإباضية ص (7).
(4) الشكعه إسلام بلا مذاهب ص (410).
(د) البغدادي: (ت: 429 هـ) الفرق بين الفرق ص (325).
(6) الشكعة إسلام بلا مذاهب ص (491). (1/198)
صفحة 199
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
199
غيرها، فما من فرقة من الفرق الإسلامية إلا وتعظم السنة النبوية، وتوجب التمسك بها، وتدعي انتسابها إليها، على أن التحقق في شأن الفرقة التي تكون
أحق بهذه التسمية في ضوء هذا المفهوم ليس من شأن هذه الدراسة. وإذا أردنا أن ننظر إلى هذه المسألة نظرة موضوعية ندرك أن الاسم وحده لا يكفي لتمييز فرقة على أخرى وتفضليها، والذي أراه أن كل مسلم من أي فرقة يقتدي برسول الله ويقتفي أثره، هو من أهل السنة، وبهذا يجتمع شمل المسلمين ويتلاشى الخلاف بين طوائف الأمة، ويذوب الجليد بين أبنائها، ويزول التعصب المذهبي المقيت بين أفرادها.
ثانيا: الشيعة
يقف الشيخ أطفيش من الشيعة موقفًا يختلف تماما عن موقفه من الأشاعرة، فهو يتعقب الشيعة في مواطن كثيرة، ولم يترك فرصة تمر إلا وقف معهم، ويبطل تأويلاتهم، وهذا الموقف يتجلى في رده عليهم بألفاظ قاسية غليظة، فعند تفسيره لقوله تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ}
[هود: 73] قال: «وإنما الدليل على أن زوجة الرجل من آله آية الأحزاب: اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَةِ رَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] وزعمت الشيعة أنها لا تدخل في آل زوجها وأهل بيته إلا إن كانت من نسبه وأخرجوا لعنهم الله سبحانه ـ عائشة لا من هذه الآية) وعند تفسيره لقوله تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29] قال: ولم أر أحدًا أقرب إلى الشرك من الشيعة، إذ جعلوا من للتبعيض وحكموا بالردة على من لم يبايع عليا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يمدح الله قوما مرتدين؟ ويذكر الله أنه راض عنهم، وهو عالم الغيب».
(1) أطفيش تيسير التفسير ج 5 ص (471).
(2) أطفيش: تيسير التفسير ج 12 ص (345). (1/199)
صفحة 200
20
معالم ورؤى
الله،
وبلغ به الأمر إلى أن يجمعهم مع اليهود والنصاري، فعند تفسيره لقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [الأنبياء: (26] قال: «قالت اليهود عزير بن وقالت النصارى عيسى بن الله ... أفرطت النصارى في حب عيسى السلام حتى اتخذوه إلها، وأفرطت اليهود في حب عزير حتى اتخذوه إلها، وأفرطت الشيعة في حب علي حتى ادعى له أوائلهم الألوهية، وتالوهم النبوة، ومن بعدهم الإمامة قبل غيره، وأنكروا غيره، فهم الآن في الطواف يقولون: الحمد لله الذي جعل الإمام عليا، وإنما هو إمام تحقيقا، لكنه بعد الإمام عثمان، وقبح الله لك من يطوف بهم مع تلك الكلمة، وكلا من الإفراط والتفريط» (1) كما أنه يحذر من أحاديثهم قائلًا: «وإذا جاءك حديث في أهل البيت، وفي سنده شيعي، فخذ حذرك، فإنهم يكذبون» (3) ويسمي الشيخ أطفيش الشيعة روافض، فعند تفسيره لقوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ} [الشرح: 7] يقول: «وعن بعض الرافضة ـ قبحهم الله - أنه قرأ فانصب بكسر الصاد وأراد نصب عليا للإمامة» (3).
ثالثًا: المعتزلة
وقف الشيخ أطفيش مع أقوال المعتزلة، ورد على تأويلاتهم، وأوسعهم تهكما، خاصة في المسائل التي اختلفت فيها وجهات النظر بين الإباضية والمعتزلة ومن الأمثلة على ذلك، ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: {بَلْ قَالُوا إنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أمة} [الزخرف: 22]: «وكفّرت المعتزلة من قال: المعصية بمشيئة الله» ونقول: «هم كفروا بهذا التكفير كفر نفاق ونعمة، ولا حجة لهم في الآية (4) وعند تفسيره لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرُ وَمِنكُم
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 8 ص (119).
(2) أطفيش ن. م. س. ج 5 ص (365). (3) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (344). (4) أطفيش تيسير التفسير ج 12 ص (21). (1/200)
صفحة 201
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
201
1
:
مُؤْمِنُ} [التغابن: 2] يقول: « ... لأن المعتزلة ـ قبحهم الله ـ يقولون: الفاعل يخلق فعله، والله عالم بما يفعله علما أزليّا» (1) وعند تفسيره لقوله تعالى: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْنَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] يصف الشيخ المعتزلة بأنهم إخوان الشياطين في التحسين والتقبيح العقليين؛ إذ يقول: «جواب معنوي واللفظ أن يقول ـ لعنه الله منعني كوني خيرًا منه ونحو ذلك ... وفي جوابه إشارة إلى أن من شأنه الخلق من النار لا يحسن السجود لمن ليس منها فكيف يؤمر، والمعتزلة إخوانه في التحسين والتقبيح» (2) وانتقد الشيخ أطفيش المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين، فعند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] يقول: والآية رد على المعتزلة في قولهم بالحسن والقبح العقليين، وأن العقل يحكم بالوجوب والتحريم طبق حكم الله، خطأ فاحش، والعقل عاجز عن ذلك كما لا يخفى عن كل أحد، أحد، وهو لنص القرآن» (3).
وهو
مخالف
من جهة أخرى فإن الشيخ أطفيش يستشهد بآراء المعتزلة لتدعيم رأيه، إذا وافق قول الإباضية قول المعتزلة، فمثلا عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] يقول: «فإن الألوهية تنافي خلف الوعد والوعيد، والآية دليل لنا وللمعتزلة» (4) وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ} [البقرة: 48] يقول: «والآية دليل لنا وللمعتزلة على أن لا شفاعة لأهل الكبائر» (5) وعند تفسيره لقوله تعالى: تَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33] يقول: «والآية دليل لنا،
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 13 ص (382).
(2) أطفيش تيسير التفسير ج 4 ص (22). (3) أطفيش: تيسير التفسير ج 7 ص (143). ج/ (4) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (24). (5) أطفيش تيسير التفسير ج 1 ص (71). (1/201)
صفحة 202
202
معالم ورؤى
وللمعتزلة أن الكبيرة الواحدة، أو الصغيرة المصر عليها تحبط الأعمال، ولو كانت بعد نجوم السماء»).
رابعًا: الصوفية
(3)
يشن الشيخ أطفيش هجومًا عنيفًا على الصوفية، ويرد تفاسيرهم التي تخالف الظاهر، وليس لها شبهة دليل، أو برهان، فيقول: «وأنا أعوذ بالله من تفسير الصوفية» (2) وعند تفسيره لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ} [المدثر: 1]، يقول: وقيل المدثر الغائب في حراء، أو في ثيابه، أو في صورة عن الحقيقة المحمدية أو عن أنظار الخلق فلا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، والقولان للمتشدقين الصوفية - قبحهم الله وعل - يغيرون القرآن عن ظواهره إلى ما هو خارج عن معناه، وحقيقته يعلمها الله تعالى وحده وعند تفسيره لقوله تعالى: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ... [البقرة: 102] قال بعد أن ذكر أنه عبر عن العقل والنفس المطمئنة بالملكين، وعن النفس الأمارة بالسوء بالزهرة، وعن مفارقتهما بالموت بالصعود إلى السماء: «وأقول: حمل القرآن على أمثال هذا جهل وضلال، وإخلال بإعجازه وبلاغته، ولا أرى شيئًا من طريق الصوفية صحيحًا إلا ما وافق القرآن والسنة ولم يوقع في إبهام وإلباس (4). فالشيخ أطفيش يرفض التفسير الصوفي، ولا يقبله إلا بشروط هي: أن لا يخالف الظاهر، ولم يكن متكلفا ولم يخالف أسلوب العربية أما إذا لم تتحقق هذه الشروط، فلن يقبل منه شيئًا ولا يعذر من يفسر به ولا يقبل شهادته
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 12 ص (268). (2) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (38) ومن الجدير بالذكر أن الإباضية ينفرون من الطرق الصوفية
ولا شأن لها عندهم.
(3) أطفيش تيسير التفسير ج 14 ص (256).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (209). (1/202)
صفحة 203
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصرد وحياته
203
ويتقرب إلى الله تعالى ببغضه والبراءة منه والبراءة منه، والدليل على ذلك ما قاله عند تفسيره لقول الله تبارك وتعالى: {وَمَا رَزَقْهُم يُنفِقُونَ} [البقرة: 3]: «وليس تفسير الصوفية عندي مقبولاً إذا خالف الظاهر، وكان تكلفا، أو خالف أسلوب العربية، ولا أعذر من يفسر به ولا أقبل شهادته، وأتقرب إلى الله ببغضه، والبراءة منه» (1).
وقد تحدث الأستاذ الدكتور صالح داسي بالتفصيل عن موقف الدارسين من التفسير الإشاري، فقال: تناولت فيما سلف موقف الدارسين من التفسير الإشاري، وحصل لنا من خلال ذلك أن منهم من قبل هذا اللون من الإشارات، ومنهم من قدم الظاهر ومنهم من أوغل في الباطن، لكنهم جميعا يقولون بالظاهر والباطن معا فالذين قدموا الظاهر كان استدلالهم في ذلك المحافظة على الشريعة، مستدلين بأن الظاهر هو أصل للباطن، والشريعة بنصوصها القرآنية والسنية جاءت لكافة الناس لا للخاصة، والذين قدموا الباطن لهم حجتهم، وهو أن الباطن هو المقصود من الظاهر، وأن هذه البواطن لا يعلمها إلا الراسخون في العلم والذين يقولون، آمنا، كما أنهم لم يتركوا الشريعة، وظاهر النصوص، لأنهم بذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهناك فريق ثالث لم يغلب الظاهر، كما لم يغلب الباطن، وإنما اتخذ ذلك سبيلا ... » (2). بين
(2)
ومما سبق أرى أن الشيخ أطفيش الله يريد أن يثبت للمخالفين (3) مكانة المذهب الإباضي بين المذاهب الإسلامية، وصحة مبادئه، ولا يمكن أن يفسر ذلك بالتعصب المذهبي لثلاثة أسباب هي:
الأول: أن إيمان الشخص بصحة مبدأ ما يقتضي منه الدفاع عنه، ويحتم
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (216).
(2) داسي: التفسير الإشاري عند أهل السنة والشيعة ج 1 ص (343).
(3) خاصة الذين أساؤوا فهم المذهب الإباضي، فطعنوا في مبادئه، وقدحوا في أتباعه. (1/203)
صفحة 204
204
معالم ورؤى
عليه تبنيه بقوة؛ لاعتقاده بصحته خاصة المسائل المتعلقة بالعقيدة، وإلا كان إيمانه بهذا المبدأ إيمانًا سطحيّا، وعليه فإنه لا يعد الدفاع عن المعتقد، أو المذهب عيبًا في حد ذاته، وإلا فما فائدة هذا الاعتقاد لدى المفسر أو غيره من العلماء، وإنما العيب يكون في خروج المفسر، أو العالم عن حدود المنهجية العلمية، والمصادر المتفق عليها من قبل علماء المسلمين، وتقوله على الله تعالى بهواه بدون دليل سائغ
الثاني: تعرض المذهب الإباضي وأتباعه من قبل المخالفين للطعن والتجريح، وقد كان لعصر الشيخ دور في هذا، خاصة أن فرنسا زرعت العداوة بين الإباضية وغيرهم من المسلمين في الجزائر بقصد تفريقهم، وإضعافهم، فاستجاب لها البعض، مما دفع الشيخ أطفيش رحم الله إلى تأليف رسائل عدة منها رسالة إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض، ورسالة إن لم تعرف الإباضية يا عقبى يا جزائري، ورسالة إلى أهل زوارة ورسالة لأهل عُمان في الرد على الصفرية والأزارقة، وهذه الرسائل تمتاز في معظمها بالحدة في الرد، والشدة في القول كرد فعل.
الثالث: دعوة الشيخ أطفيش رحم الله إلى تقارب المسلمين، ووحدة الأمة، وتجاوز الخلافات المذهبية، فعند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] يقول: «والنزاع كان فشا في أهل التوحيد، فملكهم أهل الشرك، ولو رجعوا إلى مذهبنا في الأصول (1) أو أغضوا عن مسائل الخلاف كأن لم تكن وكانوا يدا واحدة لغلبوا على أهل الشرك» (2).
المذاهب
ويرد على من يتعصب للمذهب، وينكر على الشيخ استفادته من الأخرى، والرجوع إلى مسائلها إذا كانت صحيحة، قائلا: «ومن العجيب أن
(1) لاعتقاده الجازم بصحتها.
(2) أطفيش تيسير التفسير ج 4 ص (376). (1/204)
صفحة 205
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
205
تكون المسألة حقا فتترك؛ لأنها جاءت من مخالف هذا غلو، واذكروا قوله تعالى في غير أهل القبلة: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ} [المائدة: 8] .. (1) ويذهب الشيخ إلى أبعد من ذلك، إذ يستحسن الرجوع إلى السنة لاستنباط الأحكام منها، وحرق كتب الفروع، فقد قال عند تفسيره لقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا نُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] وقد أمر عبد المؤمن بتحريق كتب الفروع، ورد الناس إلى قراءة كتب الحديث، واستنباط الأحكام منها، وكتب بذلك إلى جميع طلبة العلم ... قلت: ذلك حسن لولا أنه لا يقدر الطلبة كلهم على الاستنباط، وليس يوجد في كل قطر طالب يستنبط، فقد يتعطل أمر العامة بذلك، وليس يوجد في كل موطن مجتهد ... ».
(2)
ومما يجدر بذكره هنا أن الإباضية يرون أن عهد المذهبية قد ولى، وانقضى، وأن زمن الصراع المذهبي بين الفرق الإسلامية فات أوانه، وحان وقت التعارف والالتقاء، والاطلاع إلى ما عند الآخرين، فالحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها أن المسلمين في حاجة إلى التعارف الكامل الواضح في هذا العصر؛ الذي تيسرت فيه وسائل اللقاء، وسُبل التلاحم ومن منطلق هذه الرؤية، فقد نادى علماء الإباضية بإلغاء المذهبية والتسمي بالإسلام وكفى يقول الإمام نور الدين السالمي الا في رده للشيخ الباروني: «وجمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا، مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمرًا كان، والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له، أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية، ويحثهم على التسمي بالإسلام، فإن الدين عند الله الإسلام، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين» (3) ويقول الإمام الخليلي و العالى: (ومن الأمر بالمعروف، السعي في
(1) أطفيش: كشف الكرب ج 1 ص (95).
(2) أطفيش تيسير التفسير ج 12 ص (352 - 353).
(3) السالمي: العقد الثمين ج 1 ص (126، 127). (1/205)
صفحة 206
206
معالم ورؤى
توحيد كلمة المسلمين وفي إلغاء الانتساب إلى المذاهب، وإظهار التعصب لها اللذين قضيا على الإسلام».
وقد سُئل مرجع الإباضية الآن سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله تعالى: هل ترون فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية مثلا فكرة واردة في هذه الأيام؟ فأجاب قائلا: «نحن على أي حال أول من يمد اليد إلى ذلك، وقد سارعنا إلى هذا منذ زمن بل إن هذه الفكرة سبقت عندنا بوقت طويل» (2)، ويقول السيابي: والذي أراه في هذه القضية توحيدا للمذاهب الإسلامية، أو تقريبًا منها هو إلغاء المذهبية بين المذاهب وإماتة الانتماءات إليها، والرجوع إلى التسمي بالإسلام والانتساب إليه فقط، ويكفي أن يكون المسلم مسلما يبحث عن الحق، وهذا الرأي هو أقرب الآراء، وأكبر العوامل في القضاء على الفرقة، ومن شأنه التقريب بين المسلمين» (3).
ويقول العدوي: «تندرج الألقاب المذهبية في قائمة الألفاظ التي تحول عن الوحدة الإسلامية، وتأتي خطورة هذه الألقاب؛ من كونها حملت من أصحابها كل معاني الإجلال والافتخار، في حين ألصق بها الآخرون كل
معاني الحقارة، والبعد عن الدين .... وتشبثت الفرق بهذه الألقاب ـ التي ينزل بها من سلطان - وكأن الدين جاء بها فليس من مسميات الإسلام الإباضية والشيعة، والأشعرية والزيدية والمالكية والشافعية، والأحناف، والحنابلة ولا غيرها من المسميات بل المسميات التي جاءت بها الشريعة:
(1) السالمي: نهضة الأعيان ص (442) 3. (2) مجلة العالم ص (31) العدد 413.
(3) السيابي جهود العلماء المصلحين في توحيد المذاهب الإسلامية، التقريب بين المذاهب
الإسلامية ص (85). (1/206)
صفحة 207
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
207
الدين، والإيمان، والإسلام ... ومرة أخرى نطرح مشروعًا للوحدة الإسلامية) هو إلغاء هذه الألقاب، ولكل إنسان أن يطلع على ما عند الآخرين، وقد زوده الله تعالى بالعقل السليم، وبوجود الكتاب العزيز، والسنة المطهرة بين يديه ليرتوي من مناهلها الحق ويفند بآلتها الباطل» (2).
على أن هناك الكثير من أبناء المسلمين من غير الإباضية من ينادي بالعودة والرجوع إلى التسمي بالإسلام، وترك التسمي بغيره من الألقاب التي ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا الباحث السعودي حسن فرحان، يقول في كتابه: «قراءة في كتب العقائد، المذهب الحنبلي نموذجا): «ولنترك الانتسابات التي تفرقنا بها شيعًا فلا شرعية لكلمة شيعة، ولا سنة، ولا جهمية، ولا سلفية، ولا معتزلة كشرعية كلمة الإسلام، وكل من رغب عن التسمية بالإسلام فلن يجد تسمية أفضل منها، فهي تسمية مأمور بها في كتاب الله، وهي تسمية ارتضاها الله لنا، ولم يأت نص باستحباب تسمية أخرى، ومن زعم ذلك فعليه بالدليل، ولا دليل إلا من باب التوهم فقط» (4).
(1) طرح هذا المشروع في مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية والذي عقد بمدينة طهران في الفترة من 10 – 12 يوليو 1998 م.
(2) العدوي الواقعية والوحدة الإسلامية ص (91، 92). (3) الكتاب جدير بالاقتناء. أماط المؤلف اللثام عن كثير من القضايا فهو كتاب يدعو إلى وجوب رجوع المسلمين إلى المصدرين الأصليين للإسلام وهما القرآن الكريم والسنة الصحيحة والتخلص من المذهبية، علما بأن مؤلف هذا الكتاب كان في الماضي من غلاة الوهابية كما
صرح بنفسه ثم اهتدى للاعتدال. انظر: نفس المصدر ص (234) الهامش.
(4) المالكي: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجا ص (182). (1/207)
صفحة 208
[صفحة فارغة] (1/208)
صفحة 209
الباب الثالث
السلاح الام الاماني
الفصل الأول:
منهج الشيخ أطفيش في التفسير بالمأثور
الفصل الثاني:
موقف الشيخ أطفيش من علوم القرآن الكريم
الفصل الثالث:
موقف الشيخ أطفيش من الإسرائيليات
الفصل الرابع
مذهب الشيخ أطفيش العقدي
الفصل الخامس:
منهج الشيخ أطفيش في عرض الأحكام الفقهية
الفصل السادس:
عناية الشيخ أطفيش باللغة وعلومها
(1) كنت ناويا أن أجعل منهج الشيخ في التفسير في بابين باعتباره أهم عنصر في الأطروحة هذا من جهة ومن جهة أخرى بغية تحقيق التوازن بين أبو اب وفصول الرسالة إلا أنني رأيت بعد جمع مادته العلمية وتصنيفها، وإعادة تقليب النظر فيها أن أجعله في باب واحد؛ لأن فصوله الستة في نظري تشكل وحدة متكاملة تمثل نسيجا متماسكا، ولحمة مترابطة فأخبرت أستاذي المشرف بما رأيت، وشرحت له وجهة نظري، فأجابني بأن لا مانع لديه، والأمر يعود إلى لجنة المناقشة، وها أنا أضع الموضوع بين أيديكم الكريمة - أعضاء لجنة المناقشة - فإن كنت موفقا فيما رأيت، فذلك فضل من الله تعالى وإلا فمنكم التسديد والتوجيه، وشتان بين وجهة نظر طالب علم، وبين رؤية عالم متمكن مختص، لقد وافقت لجنة المناقشة على ما رأيت، وما توفيقي إلا بالله، والله الحمد أولا وأخيرًا). (1/209)
صفحة 210
[صفحة فارغة] (1/210)
صفحة 211
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
توطئة
211
لم يفصل الشيخ أطفيش رحم الله منهجه العام في التفسير في مقدمة تفسيره، كما هو عادة كثير من المفسرين كالإمام ابن جرير الطبري، والقرطبي، وأبي حيان، والألوسي، وابن عاشور وغيرهم، وإنما اكتفى رحم الله بذكر مقدمة صغيرة في نصف صفحة تقريبًا، قال فيها: «فهذا تفسير رجل يسجني إباضي وهبي يعتمد فيه على الله يا الله، ثم على ما يظهر لفكره بعد إفراغ وسعه، ولا يقلد فيه أحدًا إلا إذا حكى قولا أو قراءة أو حديثًا، أو قصةً أو أثرًا لسلف، وأما نفس تفاسير الآي، والرد على بعض المفسرين والجواب فمنه إلا ما تراه منسوبًا، وكان ينظر بفكره في الآية أولا، ثم تارة يوافق نظر جار الله والقاضي، وهو الغالب والحمد لله وتارة يخالفهما، ويوافق وجها أحسن مما أثبتاه، أو مثله
6
وذلك من فضل الله الكريم عليه، وسماه هميان الزاد إلى دار المعاد ....... ومما يدل على منهجه إضافة إلى ما ذكره في المقدمة السابقة، ما يذكره من عبارات في ثنايا التفسير كقوله: وهكذا أذكر مذهبي في المعنى والإعراب وغيره، وأذكر مذهب غيري، ولو شئت والحمد لله لفسرت القرآن كله بما يظهر لفكري، وأقتصر عليه فلا يرى من توغل في المعقول والمنقول معا أحسن منه، ولكني أقصد الاحتياط، فذكرت ما ظهر لي وما ظهر لغيري، وربما اقتصرت على ما ظهر لغيري، لأكون من أهل الدرجة الوسطى في التفسير، فإن
أهله ثلاثة أقسام:
الأول من يغوص بفكره ويقتصر على قوله.
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (5). (1/211)
صفحة 212
212
معالم ورؤى
الثاني: من يذكر قوله وقول غيره.
الثالث: من يقتصر على قول غيره ويسمى ناقلا (1)
إن المتتبع لتفسير هميان الزاد والسابر لأغواره وتفصيلاته، يتضح له منهج الشيخ أطفيش العام في التفسير، إذ يبدأ في تفسير كل سورة بمقدمة، يذكر فيها أسماءها، والمكي والمدني منها، وعدد آياتها وكلماتها، وحروفها، ثم يذكر حديثا، أو أكثر في فضلها إن وجد، ثم ينتقل في تفسير آياتها آية آيةً، حيث يتناول كل لفظة منها أو كل جملة بحسب ما يقتضيه المقام متبعا المنهج التحليلي في تفسير الآية الكريمة، ويتضمن هذا الباب باعتباره سدى الأطروحة ولحمتها وأهم عنصر فيها ستة فصول، تضم عشرين مبحثًا.
أتحدث
في هذا الباب عن منهج الشيخ أطفيش في التفسير بالمأثور،
وموقفه من علوم القرآن الكريم، والروايات الإسرائيلية، ومذهبه العقدي، ومنهجه في عرض الأحكام الفقهية، وعنايته باللغة وعلومها.
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 6 ص (42، 43). (1/212)
صفحة 213
منهج الشيخ أطفيش في التفسير بالمأثور
المبحث الأول: تفسير القرآن بالقرآن.
المبحث الثاني: تفسير القرآن بالسنة النبوية
المبحث الثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.
i (1/213)
صفحة 214
T
توطئة
214
|
يتكون هذا الفصل من ثلاثة مباحث تتضمن موقف الشيخ أطفيش من تفسير القرآن بالقرآن وكيفية تطبيق ذلك، وموقفه من السنة النبوية، وطريقة
تعامله معها، وموقفه من أقوال الصحابة والتابعين، ومدى اعتماده عليها. (1/214)
صفحة 215
215
المبحث الأول:
تفسير القرآن بالقرآن
الله،
يعد تفسير القرآن بالقرآن أصح طرق التفسير وأولها على الإطلاق؛ لأن الله تعالى أعلم ببيان كلامه، وتوضيح مراده يقول تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ} [آل عمران: 7] ويقول: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلِ إِلَّا جِئْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]. وبما أن القرآن وحدة متكاملة فإنه «لا بد لمن يتعرض لتفسير كتاب الله تعالى أن ينظر في القرآن أولا فيجمع ما تكرر منه في موضع واحد، ويقابل الآيات بعضها ببعض، ليستعين بما جاء مسهبًا على معرفة ما جاء موجزا، وبما جاء مبينا على فهم ما جاء مجملا، وليحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، وبهذا يكون قد فسر القرآن بالقرآن، وفهم مراد الله بما جاء وهذه مرحلة لا يجوز لأحد مهما كان أن يعرض عنها، ويتخطاها إلى مرحلة أخرى؛ لأن صاحب الكلام أَدْرَى بمعاني كلامه وأعرف به من غيره». وقد ذكر الشيخ أطفيش نحمد الله أنه لا بد للناظر في كتاب الله تعالى أن يرد بعضه إلى بعض ليتبين المفسِّر من المفسّر، إذ يقول: «وإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافا في شيء من كتاب الله، فالواجب أن يتهم نظره، ويسأل من هو منه، وما ذلك إلا لنقصان قوة البشر فما تخيل شيء من المنافاة إلا تحقق عدمها، بل بعضه يفسر بعضا لأدلة تبين المفسر من المفسر).
أعلم
(1) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 1 ص (42).
عن
(2) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (64، 64، (65) وللمزيد انظر الهميان: ج 1 ص (448) التيسير ج 12
ص (112، 193) ج 13 ص (184). (1/215)
صفحة 216
216
معالم ورؤى
لقد طبق الشيخ أطفيش هذه القاعدة في تفسيره كما يلي:
أولا: حمل المجمل على المبين
ذكر الشيخ أطفيش رحم الله أمثلة كثيرة على حمل المجمل على المبين، صرح في بعضها بهذا المصطلح، ولم يصرح به في البعض الآخر، بل يفسر الآية الأولى مباشرة بلفظ الآية الثانية، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [النساء: (1) يقول الشيخ أطفيش: «أي يأمركم بما فيه صلاحكم في شأن ميراث أولادكم، وهذا إجمال فصله بقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ ... () يقول الإمام الزمخشري عند تفسيره الآية المذكورة: «وهذا إجمال تفصيله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ ... (2) وعند تفسير الشيخ لقوله تعالى: {فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَةٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37] ينقل الشيخ أطفيش (3) عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن بن علي، ومجاهد، وعكرمة: أن تلك الكلمات هي ما حكى الله تعالى عنه: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ} [الأعراف: 23] فالآية الأولى مجملة، والآية الثانية مبينة لها، يقول الشيخ أطفيش: وذلك أنهن كلمات تتضمن الاعتراف بالذنب والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه» (4).
(?) ,
وقد ذكر الإمام الطبري عدة أقوال في المراد بالكلمات التي تلقاهن آدم من ربه، ثم قال: «والذي يدل عليه كتاب الله تعالى أن الكلمات التي تلقاها آدم من الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها ... معترفًا بذنبه، وهو قوله: {رَبَّنَا
ربه هي
ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ (0).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (447). (2) الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (505). (3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (485).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (487) وللمزيد انظر الهميان ج 1 ص (140، 143، 154، 155) ج 4 ص (441). (5) الطبري: جامع البيان ج 1 ص (283) وللمزيد انظر ابن كثير تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (81). (1/216)
صفحة 217
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
217
ثانيًا: حمل المطلق على المقيد
ذكر الشيخ أطفيش رحمة الله أمثلة عديدة على حمل المطلق على المقيد منها قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] فهذه الآية مطلقة، إذ الوعيد فيها يشمل من قتل مؤمنا متعمدا تاب أو لم يتب، فقيدت بقول الله تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُولَتِبِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 70].
يقول الشيخ أطفيش رحم الله في حديثه عن الآية الأولى: «ومعلوم أن الإخبار
أنها
لا يدخله النسخ على الصحيح، وآية الفرقان إلا من تاب إخبار، ولا يصح منسوخة بهذه الآية في جنب قتل النفس بغير حق، إن كانت مؤمنة، وأيضا لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع بحمل المطلق على المقيد، فالمطلق هذه الآية، والمقيد آية، الفرقان فكأنه قال هنا وأعد له عذابًا عظيمًا إلا من تاب ... » (1).
يقول الإمام القرطبي: «والأخذ بالظاهرين تناقض فلابد من التخصيص، ثم إن الجمع بين آية (الفرقان) وهذه الآية ممكن، فلا نسخ، ولا تعارض، وذلك أن يحمل مطلق آية (النساء) على مقيد آية (الفرقان) فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا من تاب لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب، وهو التواعد بالعقاب» (2) وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَابِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسًا} [المجادلة: (3) فالرقبة في الظهار مطلقة (3) جاء تقييدها في آية القتل، وهي قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ *
(1) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (103، 104).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 3 ج 5 ص (286).
(3) الزمخشري: الكشاف ج 4 ص (72). (1/217)
صفحة 218
218
معالم ورؤى
[النساء: 92] يقول الشيخ حمد لله عند تفسيره لآية الظهار: «والمراد الرقبة المؤمنة
حملًا على رقبة القتل»).
ثالثًا: حمل العام على الخاص
خصت
لقد ذكر الشيخ أطفيش نحمد لله أمثلة كثيرة على حمل العام على الخاص منها قوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ} [البقرة: 221] يقول الشيخ: «ولكن من عموم المشركات في هذه الآية النساء الحرائر المحصنات الكتابيات لآية المائدة وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ} [المائدة: 5] فهن حلال لمن يتزوجهن من المؤمنين، وهذا تخصيص من عموم، والعمل بالخاص لا ينسخ عموما، وسورة المائدة ثابتة كلها لم ينسخ منها شيء» (3).
يقول الإمام الطبري بعدما ذكر ما قيل في المراد بالمشركات في الآية المذكورة: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة: من أَنَّ الله تعالى ذكره عنى بقوله: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات وأن الآية عام ظاهرها، خاص باطنها لم ينسخ منه شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها، وذلك أن الله تعالى ذكره أحل بقوله: {وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ} للمؤمنين من نكاح محصناتهن مثل الذي أباح لهم من نساء المؤمنات (3). وقول الله تعالى: (يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ) [البقرة: 189] في هذه الآية الأهلة كلها مواقيت للحج على العموم، فخصص هذا
(1) أطفيش هميان الزاد ج 14 ص (163) ويقول في موضع آخر: «كذا نقول ......... حملاً للمطلق على المقيد» هميان الزاد ج 14 ص (165) وللمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (460) ج 1/ 8
ص (170) ج 1/ 9 ص (137).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (201). (3) الطبري: جامع البيان ج 1 ص (389). (1/218)
صفحة 219
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
219
العموم بقول الله: الْحَجُ أَشْهُرُ مَعْلُومَت (البقرة: 197] يقول الشيخ عند تفسير هذه الآية بعد أن بيّن أشهر الحج ولا معارضة بين هذه الآية وقوله: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ؛ لأن المعنى أن الأهلة مواقيت للحج ولغير الحج، وهذه الآية في الحج فقط، فهي خصوص من عموم وما قاله الشيخ أطفيش رحمة الله هنا هو الذي صححه الإمام القرطبي في تفسيره (3).
(1)
تلك
رابعًا: تفسير المفردة القرآنية والاستدلال على معانيها بما ورد من المعاني في آيات أخرى، ومن الأمثلة على ذلك تفسير لفظة «يستفتحون» في قوله تعالى: {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 89] يقول الشيخ أطفيش: ومعنى يستفتحون يستنصرون قال الله جل وعلا: فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بالفتح} [المائدة: 52] أي: يطلبون من الله الفتح أي النصر بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، إذ آذوهم كما قال الله جل وعلا: عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: مشركي العرب، يقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة» (3).
خامسًا: الجمع بين الآية ونظائرها إن المتتبع لتفسير هميان الزاد يجد هذا واضحًا في تفسير الشيخ كما يلي: أولًا: تارة يكون للآية نظائر وأشباه يزداد المعنى بها وضوحًا، وفي هذه يسرد الشيخ أطفيش تلك الآيات، وصنيعه هذا يشبه ما الموضوعي في هذا العصر، من جهة هذا العصر، من جهة جمع الآيات ذات الموضوع الواحد، ومن
الحالة
يسمى
بالتفسير
، (455)
(1) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (201) وللمزيد انظر: الهميان ج 3 ص (225، 229) ج 14 ص (295). (2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 2 ص (197). (3) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (167، 168) انظر: الطبري: جامع البيان ج 1 ص الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (296) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 2 ص (27) وللمزيد انظر: الهميان: ج 5 ص (317، 318). (1/219)
صفحة 220
220
معالم ورؤى
أمثلة ذلك ما فعله عند تفسيره لقوله تعالى: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] فقد سرد جميع الآيات تقريبا التي ورد فيها ذكر هذا اليوم).
تعالى:
ثانيا: تارة يأتي المراد في الآية مبهما فيفسره الشيخ أطفيش بما جاء في آية أخرى، وهذا من باب تفسير القرآن بالقرآن كما فسر أُولِي الضَّرَرِ) في قوله لا يَسْتَوِي القَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النساء: 95] بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حرج} [الفتح: 17] إذا يقول: يعني أن الضرر في الآية العمى والعرج والمرض). ثالثًا: وتارة تأتي الآية مقررة وموضحة لآية أخرى كقوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ
بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَت لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] يقول الشيخ: «وهذه الآية مقررة وموضحة لقوله تعالى: {أَوَلَيْكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ... [البقرة: 16] ... (3) وكأنه أراد أن يقول: إن الظلمات المذكورة في الآية الأولى، هي الضلالة المذكورة في الآية الثانية، وإن النور المذكور في الآية الأولى، وهو الهدى المذكور في الآية الثانية.
سادسا: التوفيق بين الآيات التي يوهم ظاهرها التعارض لقد اعتنى الشيخ أطفيش رحم الله بهذا النوع من التفسير عناية واضحة جلية؛ حرصا منه على إزالة الوهم العارض بين هذه الآيات من الأذهان، فهو يسعى جاهدًا للتوفيق بينها بما يظهر له من الأدلة الشرعية، والشواهد اللغوية، وسأقتصر على بيان ذلك بمثالين فقط (4).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (143) وللمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (431، 432). (2) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (114) انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (541). (3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (289) انظر الطبري: جامع البيان ج 1 ص (176)، الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (203).
:
(4) للمزيد انظر أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (150، 408، 406، 451) ج 1/ 6 ص (113، 114). (1/220)
صفحة 221
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
221
الأول: الآيات الكريمة التي تتحدث عن الهداية، ففي بعضها أسند الله تعالى الهداية لنفسه، ونفاها عمن سواه، كما في قول الله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ} [القصص: 56] وفي آيات كريمة أخرى أسند الله تعالى فيها الهداية إلى غيره كإسنادها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] فالشيخ يبين أنه لا تعارض بين هذه الآيات؛ إذ إن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية توفيق، وهداية بيان، فالأولى يختص بها الله تعالى، والثانية له ولغيره كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يقول الشيخ عند تفسيره لقول الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ} [البقرة: 272]: أي توفيقهم إلى الإيمان، بل عليك بيان الطريق لهم، والحث على أداء الفرض، وعلى المحاسن، والزجر عن المعاصي والقبائح ... وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى: يوفق على الإيمان وقد ذكر ابن قتيبة أن أصل هدى أرشد، وأن الإرشاد له عدة معان منها: الدعاء كقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] أي تدعو).
(2)
ويقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله عند تفسيره لقول الحق: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * [الفاتحة: 6] «وقد استظهر أصحابنا رحمهم الله من هنا أن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية، بيان، وهداية توفيق؛ فهداية البيان تعم المؤمن والكافر ... وأما هداية التوفيق فهي محصورة في المؤمنين ... وهداية البيان يصح إسناد فعلها إلى غير الله تعالى كما في قوله: * وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، فإن المراد بهدايته إلى الصراط المستقيم دعاؤه إليه ... أما هداية التوفيق فليست من مقدور البشر، وإنما هي من مقدور القادر على كل شيء الذي يصرف القلوب كيف يشاء ... » (3).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (418، 419).
(2) ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن ص (443، 444).
(3) الخليلي: جواهر التفسير ج 1 ص (265) للمزيد انظر الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 1 ج 2 ص (134). (1/221)
صفحة 222
222
معالم ورؤى
كان
الثاني: الآيات التي تتحدث عن الملائكة وإبليس، ففي بعضها أن إبليس الملائكة كقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا من إبليس} [البقرة: 34] وفي بعضها أن إبليس كان من الجن كقوله تعال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] ولا تعارض بين هذه الآيات، يقول الشيخ أطفيش رحمة الله عند تفسيره لقول الله عزّ شأنه: {فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ [الحجر: 30، 31]: «استثناء منقطع لأن إبليس ليس من الملائكة، ويجوز أن يكون متصلا تنزيلا له منزلة الواحد منهم، إذ كان فيهم وعابدا بعبادتهم» (1) وفي موضع آخر يقول: «استثناء منقطع فإن إبليس ليس من الملائكة، لكن لما كان ناشئًا فيهم، عابدا بعبادتهم مخاطبًا بخطابهم حسن استثناؤه، ولا سيما أن قوله تعالى: {أَسْجُدُوا» شامل له بالقصد والقرينة، ولو كان موجهًا إلى الملائكة (3) وما قاله الشيخ في هذا المسألة قد قال به كثير من المفسرين، فهذا العلّامة ابن كثير يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [البقرة: 34]: أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل بليس في الخطاب
والغرض
لهم، وذم في مخالفة الأمر» (3) وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] قال: «وذلك أنه قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة، ونبه الله تعالى هاهنا على أنه من الجن (4).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 9 ص (151).
(2) أطفيش ن. م. س. ج 1/ 10 ص (122).
(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (77).
(4)
(4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص (88) وللمزيد انظر: الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (273) الخليلي: جواهر التفسير ج 3 ص (74). (1/222)
صفحة 223
المبحث الثاني:
تفسير القرآن بالسنة النبوية
223
تعد السنة النبوية ميدانا رحبًا، ومجالا واسعا للمفسرين يلتقطون منها ما يعينهم على فهم كلام الله تعالى ولكن هذا لا يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فسر جميع القرآن وإنما بيّن لأصحابه ما أشكل عليهم، ثم ترك الباقي لعقولهم. إن تفسيره الله لا يجوز تجاوزه، فإذا كان الأمر كذلك، فإن القرآن بتفسيره من قبل النبي صلى الله عليه وسلم سيفقد خاصية من أهم خصائصه، وهي التفكر، والتدبر، وإعمال العقل في معانيه، يقول تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
کله
والمتتبع لتفسير «هميان الزاد يجد أن الشيخ أطفيش رحم الله قد اعتنى بالسنة النبوية في تفسيره، وأولاها عناية واضحة، فهو يرى أنه لا نظر مع الحديث إن صح، ولا يجوز العدول عنه (1) ومع هذا يوجد في تفسيره كثير من الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة، خاصة في فضائل السور، والآيات، وأرى أن هذا يعود إلى سببين هما:
الأول: عدم دراية الشيخ أطفيش بعلم الحديث حين تأليفه هميان الزاد دراية كافية؛ وذلك لعدم توافر كتب الحديث لديه في ـ ميزاب ـ غير الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب رحم الله، ولما سافر الشيخ أطفيش إلى الحجاز لأداء فريضة الحج تمكن من الاطلاع على كتب الصحاح المعروفة وغيرها،
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 7 ص (258). (1/223)
صفحة 224
224
معالم ورؤى
صرح هو
(1)
نفسه بذلك ومن
فجمع منها ما جمعه من الأحاديث في كتابيه (وفاء الضمانة بأداء الأمانة) و (جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل) كما يتصفح الكتابين المذكورين يجد أن الشيخ أطفيش رحم الله قد بدأ كتابه (وفاء الضمانة بأداء (الأمانة بفن الحديث، حيث جعل الفصل الأول في أنواع الحديث الصحيح، فعرفه، وذكر أقسامه، ثم واصل حديثه في ذكر بقية أنواع الحديث الأخرى (2) وذيل كتابه (جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل) بجملة من الفوائد المتعلقة بمصطلح الحديث، وأقسامه (3).
(2)
الثاني: فعل الشيخ أطفيش ذلك بهدف الترغيب في حفظ القرآن الكريم، والإقبال على قراءة التفسير ومطالعته، ومهما يكن من أمر، فإن هذا يعد عيبًا منهجيًا، وللشيخ أطفيش أجر نيته، وثواب قصده.
إن القارئ لهميان الزاد يمكنه تلخيص منهج الشيخ أطفيش في تعامله السنة النبوية في تفسيره كما يأتي:
أولا: مدى اعتماده على السنة النبوية
مع
أولا يستشهد بالأحاديث الصحيحة والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة: 59] فقد ذكر أن القول الذي بدله بنو إسرائيل هو قولهم: حبة في شعيرة بدل قولهم حطة واستدل على ذلك بحديث صحيح رواه البخاري ومسلم فقال: «. فنطقوا بألفاظ تقارب ألفاظ ما أمروا به معنى ولفظا، أو فقط معني
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 10 ص (201) انظر: الرسالة: مبحث مكانة الشيخ أطفيش العلمية
ورحلاته واتصالاته.
(2) أطفيش وفاء الضمانة ...... ج 1 ص (7 - 31).
(3) أطفيش: جامع الشمل ....... ج 2 ص (312 - 358). (1/224)
صفحة 225
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
2250
استهزاء، إذ كان المعنى مخالفا ...... روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سُجَّدًا وقولوا حِطَّةٌ فدخلوا يزحفون على إستاهم يعني مقاعدهم وقالوا حبة في شعيرة] يعنى حبة بر مع حبة شعير ... وإنما قالوا ذلك استهزاء» (3).
ثانيًا: ويستشهد بالأحاديث الضعيفة دون نقدها إلا في بعض الأحيان من جهة السند، فمن الأحاديث التي لم ينتقدها ما استشهد به عند تفسيره لقوله: تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتُ} [آل عمران: 105] يقول الشيخ أطفيش: ولا يخفى أن النهي عن التفرقة، والاختلاف، والوعيد عليه، إنما هو في الأصول دون الفروع» (3) ثم يستشهد بحديث [اختلاف أمتي رحمة]) والحديث روي بسند منقطع عن ابن عباس، وفي سنده ضعف (5) وقال عنه ابن حزم: «وهذا أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم ... وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى بيان الدين ... (6). أقول: إن هناك من يفرق بين الخلاف والاختلاف؛ فالخلاف معناه التضاد
-
(1) رواه البخاري في صحيحه - شرح الباري (65) ـ كتاب التفسير (5) باب وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ج 8 ص (14) رقم الحديث (4479) مسلم في صحيحه بشرح النووي ـ كتاب التفسير
ج 18 ص (152).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (55) وللمزيد انظر: الهميان: ج 1 ص (163) ج 2 ص (414) ج 3 ص (69، 70، 472) ج 1/ 9 ص 309) ج 2/ 9 ص (135) ج 1/ 10 ص (234) ج 15 ص (226).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (206) وللمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (414).
(4) الهندي: كنز العمال مجلد 5 ج 10 ص (59) حديث رقم (28682). (5) العجلوني: كشف الخفا، ج 1 ص (79) وقال عنه المحقق «لا أصل له الهامش ج 1 ص (79). (6) ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام ج 5 ص (64). (1/225)
صفحة 226
226
معالم ورؤى
منهي
عنه، فهو
والنزاع والشقاق والخصام بينما الاختلاف معناه التنوع في الأفكار والتباين في الآراء، والتعدد في وجهات النظر والرؤى، وعليه فالخلاف مذموم، أما الاختلاف أمر فطري، بديهي، وظاهرة صحية، فهو محمود، وقيل: إن الخلاف لا يستند إلى دليل، وحجة، وإنما هو ناتج عن هوى، بينما الاختلاف يستند إلى دليل وحجة، وهو ناتج عن اجتهاد، ومن لا العلماء من يفرق بين المصطلحين فهما مترادفان، ولا مشاحة في الاصطلاح؛ لذا أرى أن الحديث المذكور فيه نظر من حيث السند، أما من حيث المعنى فهو صحيح؛
على رأي من يفرق بين المصطلحين، وعلى رأي من لا يفرق بينهما.
ومن الأحاديث الضعيفة التي انتقدها الشيخ أطفيش من جهة السند ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 156] فقد أورد حديثًا عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: [من عزى مصابا فله مثل أجره]) فذكر أن إسناده ضعيف، ولم يذكر وجه الضعف، قائلاً: «وإسناده
ضعيف» (2).
ثالثًا: يستشهد بالأحاديث الموضوعة من غير تمحيص إن أكثر الأحاديث الموضوعة التي ذكرها إنما كانت في فضائل السور والآيات (3) حيث يجعلها في بداية تفسير السورة، أو الآية؛ ليرغب القارئ في درسها وحفظها.
يقول رحم الله: «وإنما أذكر فضائل السور في أوائلها ليرغب القارئ في (1) أخرجه الترمذي في سننه 8 كتاب الجنائز، 71 باب ما جاء في أجر من عزى مصابا، وابن ماجه في سننه 5 كتاب الجنائز، (56) باب ما جاء في ثواب من عزى مصابا حديث رقم (1602) وقال عنه ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح الموضوعات ج 3 ص (223).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (414) وللمزيد انظر: الهميان: ج 3 ص (87). (3) يعتبر الدارسون أحاديث فضائل سور القرآن موضوعة إلا القليل انظر: الزركشي: البرهان جا ص (513). السيوطي: الإتقان ج 4 ص (102 (115) ابن الجوزي: الموضوعات ج 1 ص (8) 239 ـ 256) ج 3 ص (211). (1/226)
صفحة 227
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
227
(1)
سي
تفسيرنا هذا في درسها، وحفظها وتكرار قراءتها رجاءً لنيل ثوابها هذا مقصدي» ومن أمثلة ذلك ما ذكره في فضل سورة يس" من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من قرأ سورة يس ليلة الجمعة أصبح مغفورا له] (3) قال الإمام ابن (4) الجوزي: «هذا الحديث من جميع طرقه باطل لا أصل له ومن ذلك ما ذكره في فضل آية الكرس (ه) من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت] قال عنه الإمام ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح» (7) وأحيانًا يذكر الشيخ أطفيش رحمة الله أن الحديث ضعيف أو موضوع من غير أن يبين وجه ذلك أمثلته عند تفسير قوله تعالى: {وَلَا تُسْتَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة: 119] ذكر حديثا مرويًا عن أم المؤمنين السيدة عائشة لنا أن الله تعالى أحيا أبو يه حتى آمنا به (8) ثم تعقب الشيخ أطفيش ذلك بقوله: «والحديث بإحيائهما وإن كان ضعيفًا فالقدرة (9) صالحة
ومن
:
(10)
لذلك، والحديث الضعيف يعمل به في المناقب، كما يعمل به في الفضائل وفي شأن هذا الحديث، يقول العلامة ابن كثير: والحديث المروي في حياة أبويه ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف، والله
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (17).
(2) أطفيش ن. م. س ج 2/ 1 ص (288) وللمزيد انظرا: الهميان ج 13 ص (332). (3) المنذري: الترغيب والترهيب ج 1 ص (578) رقم (1090).
(4) ابن الجوزي: الموضوعات ج 1 ص (247).
(5) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (351).
(6) المنذري: الترغيب والترهيب ج 2 ص (448) رقم (2373).
(7) ابن الجوزي: الموضوعات ج 1 ص (243).
(8) قال عنه محقق كشف الخفاء: «واو» انظر: العجلوني: كشف الخفاء ج 1 ص (75) الهامش، وقد
وجدت في التاج ما نصه: «وقد ورد وصح عند أرباب الكشف أن الله تعالى أحيا أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ناصف: التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ج 1 ص (382).
(9) يريد بها القدرة الإلهية، أي أن الله تعالى قادر على إحياء أبو يه. (10) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (291) وللمزيد انظر: الهميان ج 2/ 12 ص (286). (1/227)
صفحة 228
228
معالم ورؤى
أعلم) (1) وقال عنه الإمام ابن الجوزي: «هذا حديث ضعيف بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم عديم العلم ... » (3) وعند تفسيره لسورة الفاتحة يذكر الشيخ أطفيش حديثًا عن النبي أنه: [إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيّا، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب الحمد لله رب العالمين، فيسمعه الله تعالى، فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة] (3) يقول الشيخ أطفيش رحم الله معلقا على هذا الحديث: «وهو حديث موضوع عن حذيفة» (4).
ثانيًا: طريقة تعامله مع السنة النبوية
6
أولا: تفسير الآية بالحديث؛ لتوضيح المعنى، أو لتأكيده كشاهد عليه، ومن الأمثلة على النوع الأول: ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ} [البقرة: 79] فقد ذكر الشيخ أطفيش أن المراد بالويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا، مستدلا على ذلك بحديث رواه الإمام الترمذي، فقال: «أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري، وقال حديث غريب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره] (5) والخريف عبارة عن العام) (1) ومن الأمثلة على النوع الثاني: ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: {وَعَلَى
(6)
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (162). (2) ابن الجوزي: الموضوعات ج 1 ص (284).
(3) ذكره البيضاوي في تفسيره عن حذيفة بن اليمان، ولم يعلق عليه بشيء، انظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ص (6) وقال عنه العجلوني: «فإنه موضوع ..... وقيل إنه ضعيف» انظر:
العجلوني: كشف الخفاء ج 1 (254).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (11).
(5) الترمذي: سنن الترمذي - كتاب التفسير حديث رقم (3088).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (132) وللمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (404، 412) ج 4 ص (375) ج ه ص (47) ج 2/ 6 ص (81) ج 1/ 7 ص (261). (1/228)
صفحة 229
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
229
اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] فقد أورد حديثا ليس صريحًا في تفسير الآية، ولكنه شاهد على المعنى إذ يقول: «أخرج الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عن رسول الله: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانًا] (3). (2).
ثانيًا: تبيين ما جاء مجملاً في القرآن ومن أمثلة ذلك: ما قاله عند تفسيره لقول الله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظلَمُوا رِجْراً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59] حيث ذكر أن المراد بالرجز في الآية العذاب، فقال: {رِجْزًا»: «عذابًا بلغ في شدته أنه يستقذر كما تستقذر الأخباث» (3).
ثم ذكر أن المراد به في الآية الطاعون، مستدلا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: [الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها، فلا تخرجوا فرارًا منه] (4) وعلى هذا فالرجز في الآية بمعنى العذاب، وهو مجمل، بينته السنة النبوية بأنه الطاعون (ه).
(1) الترمذي: سنن الترمذي 37 كتاب الزهد (33) باب في التوكل على الله رقم (2344). (2) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (328 (329) وللمزيد انظر: الهميان: ج 4 ص (406) ج 2/ 9
ص (135، 169).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (57).
(4) رواه الربيع في جامعه الصحيح، كتاب الأحكام (42) باب في الطاعون ج 2 ص (25) رقم (640) والبخاري في صحيحه - فتح الباري - 60 كتاب أحاديث الأنبياء (54) باب ج 6 ص (592) حديث رقم (3473) ومسلم في صحيحه - شرح النووي ـ كتاب السلام باب الطاعون ... ج 14 ص (204). (ه) وللمزيد من الأمثلة على هذا انظر: الهميان ج 2 ص (484، 485) ج (5) ص (291) ج 9/
ص (184) وما بعدها. (1/229)
صفحة 230
230
معالم ورؤى
ثالثًا: تقييد ما جاء مطلقا في القرآن الكريم، ومن القرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: فَإِن طَلَقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] أي: بعد الطلقة الثالثة، يقول الشيخ أطفيش والسنة قيدت طلاق التزوج في الآية بالمسيس ألا يكون بقصد التحليل» (1) مستدلاً على ذلك بما روي أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وأن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وأن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال صلى الله عليه وسلم: [أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت نعم قال: لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك]. رابعا: تخصيص ما جاء عاما في القرآن الكريم، ومن أمثلة ذلك قول الله والمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ كِتَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] والمعنى أنه يحل نكاح ما سوى المذكورات في الآية السابقة من التحريم بسبب النسب، أو الرضاع، أو المصاهرة، وهذا المعنى عام في الآية، فخصصت السنة النبوية هذا العموم، بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها] (3) يقول الشيخ أطفيش: ومعنى وَرَاءَ ذَلِكُمْ» غير ذلك، والإشارة إلى هؤلاء المحرمات بتأويل من ذكر، وخصصت السنة من
عموم تحليل ما وراء ذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها» (4).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (241) وللمزيد انظر: ج 3 ص (95) ج 4 ص (460). (2) رواه البخاري في صحيحه - فتح الباري - 68 كتاب الطلاق (37) باب طلقها ثلاثا ... ج 9 ص (374) حديث رقم (5317) ومسلم في صحيحه - شرح النووي ـ كتاب النكاح باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره ... ج 10 ص (2). (3) رواه الربيع في جامعه الصحيح كتاب النكاح (25) باب ما يجوز من النكاح وما لا يجوز ج 2 ص (208) رقم (517) والبخاري في صحيحه - فتح الباري - (67) كتاب النكاح، 27 باب لا تنكح المرأة على عمتها ج 9 ص (4) رقم (5108، 8109) ومسلم في صحيح - شرح النووي - كتاب النكاح باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ج 9 ص (190). (4) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (492) للمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (459) ج 5 ص (435). (1/230)
صفحة 231
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
231
خامسًا: يذكر بعض الأحيان أحاديث ظاهرها التعارض، ثم يجمع بينها، مثال ذلك: ما ذكره عند تفسير قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
جماعة منهم
(1)
الله} [الفتح: 10] فقد ذكر روايتين: رواية عن مَعْقِل بن يسار () أن المبايعة كانت على عدم الفرار، ورواية عن سلمة بن الأكوع (3) أن المبايعة كانت على الموت، ثم جمع بينهما، فقال: « ... وعن معقل بن يسار لم نبايع على الموت، بل على أن لا نفر، وقال سلمة بن الأكوع بايعنا على الموت، ويجمع بين الروايات بأن سلمة بايعوا على أن يقاتلوا حتى يموتوا أو ينتصروا، وجماعة معقل على أن لا يفروا) (3) وما قاله الشيخ أطفيش ع الله في شأن التوفيق بين هاتين الروايتين، والجمع بينهما قال به صاحب التاج بعد أن ذكر الحديثين: كلا الحديثين صحيح قد بايعه قوم على ألا يفروا، وبايعه آخرون، على الموت» (4) وأرى من الضرورة بمكان تخصيص دراسة حديثية تعنى بدراسة الأحاديث التي أوردها الشيخ في تفسيره دراسة علمية من حيث السند والمتن؛ خدمة لهذا التفسير الجامع الجليل.
منهم
(1) رواه مسلم في صحيحه - بشرح النووي - كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش
عند إرادة القتال ج 13 ص (5).
(2) رواه البخاري في صحيحه ـ فتح الباري ـ 56 كتاب الجهاد والسير (110) باب البيعة في الحرب ج 6 ص (136 137) رقم الحديث (2960) مسلم في صحيحه ـ شرح النووي ـ كتاب الإمارة باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ج 13 ص (6). (3) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (465) وقد ذكر هاتين الروايتين ابن كثير في تفسيره القرآن العظيم ج 4 ص (187).
(4) ناصف: التاج الجامع لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ج 4 ص (343). (1/231)
صفحة 232
232
المبحث الثالث:
تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين
تعد أقوال الصحابة والتابعين الأصل الثالث من أصول التفسير بالمأثور، وهذا الأصل يبدو واضحًا جليا في تفسير الشيخ أطفيش رحم الله لكثير من الآيات الكريمة، فهو يعتمد التفسير بالمأثور إلى حد كبير، حتى تسربت إلي تفسيره الإسرائيليات، فكثرت فيه (1) شأنه شأن الكثير من المفسرين عبر العصور، والذي يلحظه القارئ لتفسير الشيخ أطفيش أن من مميزات طريقته في اعتماد أقوال الصحابة، احترامه لآرائهم وإجماعهم؛ إذ لا يتعدى ذلك إلى رأيه، واجتهاده، وهذا المبدأ يعد أساسيا في مناهج المفسرين، وأصول الفقه لدى الإباضية، كما هو لدى المسلمين كافة (2) فالصحابة لا أعلم الناس بتفسير کتاب الله تعالى لما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح بالظروف والملابسات التي صاحبت نزول القرآن الكريم، إضافة إلى أن القرآن نزل بلغتهم، وعالج أحوالهم، وقد أعانهم على ذلك توقد أذهانهم، وصفاء سرائرهم وطهارة وجدانهم، وعمق فهمهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، يرجعون إليه فيما أشكل عليهم، فيبين لهم ذلك، ويضع لهم القواعد،
والضوابط، التي تمكنهم من فهم، ومعرفة سائر القرآن بالرجوع إليها.
ويتمثل موقف الشيخ إزاء النقل عن الصحابة والتابعين في جانبين: جانب النقل دون تعقيب وجانب النقل مع التعقيب بالترجيح، أو الجمع، وفيما يلي
(1) كما سيأتي في فصل: موقف الشيخ أطفيش من الإسرائيليات.
(2) السالمي: شرح طلعة الشمس ج 2 ص (78، 79). (1/232)
صفحة 233
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
233
أمثلة على أقوال الصحابة والتابعين وكيفية تعامل الشيخ أطفيش رحم الله معها في
تفسيره:
أولا: يرجح أقوال الصحابة كما جاء في تفسيره لسورة الفاتحة حيث رجع أنها مكية لما روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة، فقال: «.، فقال: «. وصح أنها مكية لقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] وهو مكي مراد به الفاتحة بنص ابن عباس أو غيره من الصحابة، وحكم قول الصحابي في القرآن ولا سميا في النزول - حكم الحديث المرفوع عنه).
ثانيًا: يجمع بين أقوال الصحابة، ومن ذلك ما جاء في المراد بالصراط المستقيم في سورة الفاتحة، إذ يقول: وعلى كل حال فالمراد طريق الحق، وقيل ملة الإسلام، وهو قول ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وقيل القرآن، وهو قول علي ... وقيل ما هو عليه جماعة الصحابة من السنة والوحي، وقيل طريق المستحقين للجنة، وعن ابن مسعود وابن عمر: ترك النبي صلى الله عليه وسلم طرف الصراط عندنا، وطرفه في الجنة، ومرجع هذه الأقوال كلها (واحد) يقول العلّامة ابن كثير في معرض ذكره للأقوال التي ذكرها الشيخ أطفيش في المراد بالصراط: «ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط وإن كان حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة الله يرجع وللرسول» (3).
(2)
ثالثًا: يذكر مع أقوال الصحابة أقوالا أخرى، ثم يعقب عليها بالرد، مثاله عند تفسيره لقوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] يذكر الشيخ أقوال
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (9).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (153) وللمزيد انظر: ج 15 ص (483، 484). (3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (27) وللمزيد انظر: الطبري: جامع البيان ج 1
ص (104). (1/233)
صفحة 234
234
معالم ورؤى
مطلقا،
الصحابة وغيرهم في المراد بالذين أنعم الله عليهم، فيقول: «والتنصيص بأن الصراط المستقيم هو صراط المسلمين الذين أنعم الله الرحمن الرحيم عليهم وبه قال ابن عباس والجمهور ... روى ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بالذين أنعمت عليهم الأنبياء والملائكة، والصديقون، والشهداء، ومن أطاعه، وعبده، وعن ابن عباس أيضا هم قوم موسى وعيسى، الذين سبقوا لم يبدلوا، ولم يغيروا، وقيل أصحاب محمد، وأهل بيته، وهو قول غير صحيح، أو غير جائز»).
رابعا: يرد قول الصحابي ويفنده بما لا يقدح في أمانته، ولا يقلل من منزلته، كما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 2] يقول الشيخ نعم الله فيما قيل عن معنى الصمد: «السيد المنتهي في الشرف والسؤدد، وهو قول علي، وقيل عن ابن مسعود إنه الباقي ... وروي عن ابن عباس أنه الذي لا جوف له (2) وهو ضعيف؛ لأنه ربما أوهم ثبات غير الجوف له تعالى، ولعل مراده أنه كناية عن عدم الأكل والشرب كما يقال ليس بأصم، ولا يعتبر ما يتوهم من ثبات الصماخ (3) حاشاه» ()
(?)
خامسا: يذكر أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم دون تعقيب، مثاله ما قاله في تفسير قوله تعالى: {أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106] أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ: أي من أقاربكم أو من المسلمين ... {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ
:
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (154 (155) انظر الطبري: جامع البيان ج 1 ص (106 و 107)، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (28).
(2) قال عنه ابن كثير: وهذا غريب جدا تفسير القرآن العظيم ج 4 ص (570). (3) الصماخ هو قناة الأذن التي تفضي إلى الطبلة انظر: ابن منظور، لسان العرب ج 4 ص (69) المعجم الوسيط ج 1 ص (522) مادة صمخ. (4) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (507) انظر: الطبري: جامع البيان ج 12 ص (742 - 744) البيضاوي: أنوار التنزيل ص (5). (1/234)
صفحة 235
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التـ
235
غَيْرِكُمْ: أي من المشركين ... وقيل ذوا عدل من أقاربكم المؤمنين، أو آخران من غيركم ذوا عدل من المؤمنين ليسوا بأقارب لكم، وهو قول الحسن، وعكرمة، والزهري، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وقد فسر أبو موسى الأشعري وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ويحيى بن معمر وأبو مجلز، وإبراهيم، وشريح، وعبيدة السلماني، وابن سيرين، ومجاهد: ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ * بعدلين من المسلمين أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}
(2)
بعدلين من المشركين).
کچھ
سادسًا: يذكر أقوال الصحابة والتابعين مع التعقيب بالترجيح، أو الجمع بينها، فمن النوع الأول: ما قاله عند تفسيره لقول الله: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خير} [الأعراف: 26]: «والمراد بلباس التقوى الإسلام، والعمل الصالح، وامتثال المأمور به، واجتناب المنهي عنه، والورع وخشية الله، وقال ابن جريج: الإيمان وقال معبد الجهني: الحياء، وقال ابن عباس: العمل الصالح، وعنه السمت الحسن، وقاله عثمان على المنبر، وعروة بن الزبير: خشية الله، وابن الأنباري: ستر العورة، والحسن الورع والسمت الحسن في الدنيا، وعن ابن عباس، والكلبي، العفة، وقيل الصوف وما فيه تواضع لله، وقال زيد بن علي السلاح، وآلة الجهاد، وقيل ما يتقى به في الحرب كالدرع، والمغفر، ونسب لزيد بن علي، والصحيح ما ذكرته أولا، وما كان من الأقوال بعده
متضمنا له» (3).
(1) الصحيح يحيى بن يعمر انظر: الطبري: جامع البيان ج 5 ص (104) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (111) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 3 ج 6 ص (268) ولعله خطأ
مطبعي.
(2) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (620، (621) وللمزيد انظر: ج 5 ص (289، 290) ج 1/ 6 ص (29) انظر: الطبري: جامع البيان ج 5 ص (103 ـ 108).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 6 ص (47) (48) وللمزيد انظر: الهميان ج 3 ص (287 - 291). (1/235)
صفحة 236
236
معالم ورؤى
يقول الإمام ابن جرير الطبري بعد أن ذكر الأقوال التي قيلت في معنى وَلِبَاسُ التَّقْوَى: «وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى) استشعار النفوس تقوى الله في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه، والعمل
بما أمر به من طاعته، وذلك يجمع. الإيمان والعمل الصالح، والحياء وخشية
الله، والسمت الحسن؛ لأن من اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره به عاملا، ومنه خائفًا وله مراقبا ... ومن كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه، فحسن سمته وهديه، ورثيت عليه بهجة الإيمان ونوره (1).
ومن
الأمثلة على النوع الثاني: ما جاء في تفسير سورة الفاتحة من الاختلاف في إثبات قراءة البسملة في الصلاة، ونفيها (2) فبعد أن ذكر الشيخ أطفيش رحمة الله أقوال من يقول بقراءتها في الصلاة ومن لا يقول بقراءتها من الصحابة والتابعين، جمع بين الأقوال، فقال: «ويمكن الجمع بحمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر» (3).
الصلاة،
وفي موضع آخر يقول: قد مر الجمع بين أحاديث قراءتها في وأحاديث عدمها بأن نفيها محمول على حال الإسرار بها، وإثباتها على حال
الجهر» (4).
سابعا: يرجح قول تابعي على آخر، ومن ذلك ترجيحه لقول مجاهد على قول الحسن في نزول المائدة عند تفسيره لقوله تعالى: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَابَدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 114] يقول: «. وعن الحسن والله ما نزلت، ولو نزلت
(1) الطبري: جامع البيان ج 5 ص (460). (2) الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (24) و (25) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (16 و 17) الخازن لباب التأويل ج 1 ص (18) الخليلي جواهر التفسير ج 1 ص (173 - 182).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (20). (4) أطفيش ن. م. س. ج 1 ص (22) وانظر الخازن لباب التأويل ج 1 ص 19 و 20). (1/236)
صفحة 237
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
237
لكانت عيدًا إلى يوم القيامة، والصحيح أنها نزلت، وهو الموافق لقوله تعالى: إِنِّي مُنَزِلُهَا عَلَيْكُمْ} [المائدة: 115] وهو رواية عن مجاهد» يقول الإمام الطبري: والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى ... » (2).
(2)
ثامنا: يرد قول التابعي مثاله ما جاء في المراد بالصراط المستقيم في سورة الفاتحة، حيث رد قول أبي العالية، إذ يقول: «وقال أبو العالية: الصراط المستقيم محمد صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر ... وفيه تكلف بعيد» (3) ومما تقدم يظهر أن الشيخ أطفيش يجتهد في تفسير القرآن بالقرآن، فإن لم يجد يجتهد في تفسير الآية بالسنة النبوية، أو بأقوال الصحابة والتابعين، إلا أنه مما يؤخذ عليه، أنه يكثر من الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، خاصة فيما يتعلق بفضائل السور والآيات والقصص، كما أنه لا يعتني بتخريج الأحاديث، ويبدو أن هذا راجع إلى استعجال الشيخ في إخراج تفسيره، وهو مازال في بداية حياته العلمية، إضافة إلى عدم رسوخ قدمه في هذا السن المبكر في علم الحديث، واحترازه من تكذيب الروايات والأقوال التي قد تكون صحيحة.
ومما تجدر الإشارة بذكره هنا أن الشيخ قد أحس بخطورة الأمر، وفداحة الخطب، فتفطن إلى ذلك، فكان أكثر تمحيصا، وتدقيقا للآثار حتى كاد أن يجرد تفسيره تيسير التفسير من الأحاديث الموضوعة (4).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (644).
(2) الطبري: جامع البيان ج 5 ص (135).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (153).
(4) أطفيش هميان الزاد على سبيل المثال: ج 4 ص (413) ج 2/ 12 ص (286) ج 5 ص (78، 142،
161) ووازنه بالتيسير على التوالي: ج 2 ص (255) ج 11 ص (5) ج 14 ص (295، 379، 412). (1/237)
صفحة 238
238
معالم ورؤى
أما تخريجه للأحاديث، فكان اهتمامه بذلك في تيسير التفسير واضحا، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَلَةِ) [النساء: 176] يقول الله: روي أن جابر بن عبد الله كان مريضا، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت الآية» في حين أنه يذكر هذا مخرجًا في تفسيره تيسير التفسير؛ إذ يقول: «ويروى أن جابر بن
(1)
عبد الله مرض مرض، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني كلالة كيف أصنع بمالي؟ ولفظ البخاري ومسلم (2) عن جابر بن عبد الله مرضت، فأتأنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر يعوداني ماشيين فأغمي علي، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صب علي من وضوئه، فأفقت، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول كيف أصنع في مالي، كيف أقضي في مالي، فلم يرد علي شيئًا، حتى نزل قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ} .... ثم ذكر لفظ أبي ذر عند البخاري، اشتكيت وعندي تسع أخوات، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك لأبي داود (3) وكذا الترمذي (4) .. » (5).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (282).
(2) رواه البخاري في صحيحه - فتح الباري - 85 كتاب الفرائض 13 باب ميراث الأخوات والأخوة ج 12 ص (26) رقم (6743) ومسلم في صحيحه ـ شرح النووي ـ كتاب الفرائض ج 11
ص (54 ـ 56).
(3) رواه أبو داود في سننه كتاب الفرائض، باب في الكلالة ج 3 ص (119) رقم (2886). (4) رواه الترمذي في سننه، كتاب الفرائض، باب ميراث الأخوات ج 4 ص (417) رقم 2097. (5) أطفيش: تيسير التفسير ج 2 ص (482، 483 وللمزيد انظر: الهميان ج 4 ص (385) ج 5 ص (282) ج 1/ 10) ص (315) ووازنه بما جاء في تفسير التيسير على التوالي ج 2 ص (234) ص (483) ج 8 ص (98). (1/238)
صفحة 239
موقف الشيخ أطفيش
من علوم القرآن الكريم
المبحث الأول: موقف الشيخ أطفيش من المكي والمدني
المبحث الثاني: موقف الشيخ أطفيش من أسباب النزول وطريقته في عرضها
المبحث الثالث: موقف الشيخ أطفيش من الناسخ والمنسوخ
المبحث الرابع: موقف الشيخ أطفيش من القراءات (1/239)
صفحة 240
240
توطئة
T
يقصد بعلوم القرآن تلك المباحث المتعلقة بالقرآن من حيث نزوله،،وترتيبه وتدوينه ومكيه ومدنيه وقراءته، وتفسيره وإعجازه، وناسخه، و منسوخه، ودفع الشبه عنه ونحو ذلك (1) ومما لا يخفى على أحد أن معرفة هذه المباحث من شروط المفسر، فهي تعين على فهم القرآن الكريم، وتوضيحه، وبيانه، والدفاع عنه، ورد الشبهات، والتعرف على أسراره، والاطلاع على أحكامه، وأكتفي هنا بذكر المكي والمدني، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ والقراءات؛ للوقوف على مدى عناية الشيخ أطفيش،
واهتمامه بهذه المباحث في تفسيره، وكيفية تعامله معها.
(1) الزرقاني: مناهل العرفان ج 1 ص (25، 26) الصالح مباحث في علوم القرآن ص (10). (1/240)
صفحة 241
المبحث الأول:
موقف الشيخ أطفيش من المكي والمدني
241
(1)
يبدأ الشيخ أطفيش رحم الله حديثه عن المكي والمدني، بذكر المراد بهما في اصطلاحات العلماء، إذ يقول: «وللناس اصطلاحات في المكي والمدني: أشهرها أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بالمدينة، أو بمكة عام الفتح، أو عام حجة الوداع، أم بسفر من الأسفار، وقيل ما نزل في طريق المدينة قبل الوصول إليها مكي، قال به يحيى بن سلام وقيل المكي ما نزل بمكة، ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة، فما نزل في السفر على هذا ليس مكيا، ولا مدنيًا، ويدل له قول سليم بن عامر بن عنه: [أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة بمكة والمدينة، والشام] يعني بيت المقدس، أو تبوك، واستحسنه بعض (3) أو كليهما؛ لأنهما من الشام، ويدخل في مكة ضواحيها كمنى وعرفات والحديبية، وفي المدينة وضواحيها، كبدر، وأحد، وسلع، وقيل المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني: ما وقع خطابًا لأهل المدينة» (4).
أمامة
(1) هو يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة التميمي بالولاء البصري الإفريقي، ولد سنة (124 هـ) كان مفسرا وعالما باللغة والحديث، مات سنة (200 هـ) من مؤلفاته «تفسير القرآن» انظر: الذهبي: ميزان الاعتدال ج 3 ص (290) الزركلي: الأعلام ج 8 ص (148) ابن حجر: لسان الميزان ج 6
ص (259، 261).
(2) رواه الطبراني: المعجم الكبير من طريق الوليد بن مسلم ج 8 ص (171) رقم الحديث (7717). (3) استحسن الوليد بن مسلم راوي الحديث بيت المقدس انظر السيوطي: الإتقان ج 1 ص (23). (4) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (9، 10). (1/241)
صفحة 242
242
معالم ورؤى
(2)
وعند تفسيره لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [البقرة: 21] يتحدث الشيخ عن الوسيلة التي يعرف بها المكي، والمدني، وضوابطهما، فينقل عن الجعبري قوله: «المعرفة المكي والمدني طريقان: سماعي وقياسي، فالسماعي ما وصل إلينا نزوله بأحدهما، والقياسي كل سورة فيها * يَأَيُّهَا النَّاسُ * فقط أو كلا () أولها حرف تهجي (3) سوى الزهراوين (3) والرعد (4) أو فيها قصة آدم، وإبليس سوى البقرة فهي مكية، وكل سورة فيها قصص الأنبياء، والأمم الخالية فهي مكية) وكل سورة فيها فريضة (6) أو حد فهي مدنية، وقال مكي: كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية، قال غيره إلا العنكبوت، وفي كامل البذلي كل سورة فيها سجدة فهي مكية () كما نقل عن ابن مسعود، وابن عباس، وعلقمة، والحسن أن كل شيء نزل فيه {يَأَيُّهَا النَّاسُ) فمكي، ويَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا فمدني، ثم يعقب الشيخ أطفيش على هذا بقوله: «ولم يصح رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا فضلا عن أن يكون حديثًا حسنًا، أو صحيحًا، وقد تقرر أن البقرة مدنية، وقد ذكر فيها {يَأَيُّهَا النَّاسُ (8) وكذا النساء (9) والحجرات (10) واتفقوا على أن الثلاث مدنيات، وقد ذكر فيهن * يَأَيُّهَا النَّاسُ، وسورة الحج
(1) ورد الفظ كلا ثلاثا وثلاثين مرة في النصف الثاني من القرآن ابتدأ من سورة مريم. (2) أي: أحد الحروف الهجائية المقطعة مثل: الم، الر ... إلخ.
(3) المراد بهما سورتي البقرة وآل عمران.
(4) الصحيح أن الرعد مكية حيث تبدأ بـ الم، وفيها سجدة.
(5) باستثناء سورتي البقرة وآل عمران.
(6) المراد آيات المواريث.
(7) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (329).
(8) (يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... ) [البقرة: 21].
(9) يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ... ) [النساء: 1] ..
(10) {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ... ) [الحجرات: 13].
(10) (1/242)
صفحة 243
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
243
مكية، وقد ذكر فيها يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا .. ويرجح الشيخ) () أطفيش رحم الله التقسيم الزماني في المراد بالمكي والمدني، وهو أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعد الهجرة، بغض النظر عن مكان نزوله، وهذا هو رأي جمهور المفسرين (3).
بمكة
(4)
يقول الشيخ أطفيش رحم الله عند تفسير سورة البقر: ...... وهي المدنية ...... . وذكر بعضهم أن قول الله له الا الله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] نزل النحر في حجة الوداع) ولا ينافي القول بان هذه الآية أيضا مدنية؛ يوم لأن المدني ما نزل بعد الهجرة مطلقا) () والمتتبع لمنهج الشيخ أطفيش في عرض الأقوال في المكي والمدني، يجده يسردها أحيانًا من غير تعقيب، وأحيانًا يعقب عليها كما يلي:
أولا: عرض الأقوال من غير تعقيب، ففي مقدمة تفسيره لسورة الأعراف، يقول: «سورة الأعراف مكية إلا {وَسَتَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ} [الأعراف: 163] الآية، قال قتادة: وقيل إلا ثماني آيات {وَسَلَهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ» إلى {وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَبَل) [الأعراف: 171] وقيل: إلا {وَسْئَلَهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ» إلى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ} [الأعراف: 167] خمس آيات، وهو قول مقاتل، ورواية عن ابن عباس، وقال
(1) قوله تعالى (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا ... ) [الحج: 77]. (2) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (328).
(3) السيوطي: الإتقان ج 1 ص (23) الزركشي: البرهان ج 1 ص (239) الزرقاني: مناهل العرفان ج 1 ص (142) الصالح مباحث في علوم القرآن ص (168) لاشين اللآلئ الحسان ص (19). (4) وهناك قول آخر: وهو أن هذه الآية نزلت قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بتسع ليال. انظر الزركشي: البرهان ج 1 ص (267) الزرقاني: مناهل العرفان ج 1 ص (75) لاشين: اللآلئ الحسان ص (32،
(33) والأخيران، رجحا هذا القول. (5) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (163). (1/243)
صفحة 244
244
معالم ورؤى
الضحاك كلها، مكية، وهو المختار عند بعض») ولم يعقب الشيخ أطفيش الله على هذه الأقوال، ولم يرجح قولاً منها، وإنما ذكر القول الأخير المختار عند بعض العلماء.
ثانيًا: عرض الأقوال مع التعقيب والترجيح على النحو الآتي: 1 - تارة يرجح رأي الجمهور مستندًا على دليل مرة، وعلى غير دليل مرة أخرى، فمن الأمثلة على النوع الأول: ما يقوله في بداية تفسيره سورة الرحمن: وتسمى عروس القرآن مكية عند الجمهور، وهو الصحيح بدليل قول جابر بن عبد الله لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه الرحمن حتى فرغ قال: [مالي أراكم سكوتا الجن أحسن منكم ردًا (3) () ().
«< ..
ومن الأمثلة على النوع الثاني: ما يقوله عند تفسيره لسورة القمر: «. وهي مكية كلها عند الجمهور، وقال بعضهم: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} [القمر: 45] الآية مدنية، وقال بعضهم: إِنَّ الْمُتَّقِينَ) الآيتين مدنيتين، والصحيح قول الجمهور».
2 ـ تارة يرجح قول أحد الصحابة مستندًا على دليل، ومرة على غير دليل، فمن الأول: ما قاله عند تفسيره لسورة الجمعة: وهي مدنية على الصحيح لما أن أبا هريرة قال: «كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت عليه سورة الجمعة وإسلامه بعد الهجرة بمدة - وقوله يَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا} [الجمعة: 6] خطاب
روي
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 6 ص (5) انظر: أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 2 ص (317) النسفي: تفسير النسفي مجلد 1 ج 2 ص (44). (2) رواه الترمذي: سنن الترمذي 48 كتاب التفسير 56 باب ومن سورة الرحمن ج 5 ص (399) رقم (3291).
(3) أطفيش: هميان الزاد ج 14 ص (80) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 9 ج 17 ص (138) النسفي تفسير النسفي مجلد 2 ج 4 ص (207).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 14 ص (56) انظر: أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 5 ص (232). (1/244)
صفحة 245
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
245
لليهود، وكانوا بالمدينة» (1) ومن الثاني: ما قاله ومن الثاني ما قاله في مقدمة تفسيره لسورة الأنفال: «وسماها ابن عباس بدرًا، وهي مدنية، قال مقاتل: إلا * وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 30] الآية مكية، والحق أنها مدنية، كما قال ابن عباس أنها نزلت بالمدينة تذكيرًا بما وقع له من تنجية الله إياه من أهل مكة حين أرادوا قتله في مكة» (2).
3 ـ تارة يستعين على الترجيح بسبب النزول فعند تفسيره لسورة الكافرون ذكر أن سبب نزولها أن نفرًا من قريش منهم أبي بن خلف، وأبو جهل، وأبنا الحجاج عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد ربهم مقابل أن يعبدوا ربه، فنزلت، قال الشيخ أطفيش: وفي ذلك دليل على أن السورة مكية» (3).
ثالثًا: يجمع بين الأقوال كما جاء ذلك في تفسيره لسورة الفاتحة، إذ يقول: «وهي مكية وقيل نزلت مرتين نزلت بمكة حين فرضت الصلاة، وبالمدينة حين حولت القبلة ....... وسبب نزولها مرتين التنبيه على شرفها، كما كثرت أسماؤها لكون كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وفضله، أو نزلت أولا على وجه واحد، ثم نزلت ثانيًا ببقية وجوهها نحو مالك، أو ملك، والصراط، والسراط، وأكثر العلماء أنها نزلت بمكة فقط، وقال مجاهد، وعطاء بن يسار نزلت بالمدنية، وقال: بينهما بأنها نزلت مرتين فأخبر كل بما علم أولما يجمع حولت القبلة أخبر أن الفاتحة ركن في الصلاة، كما بمكة فظن ذلك إنزالا» (4).
:
(1) أطفيش هميان الزاد ج 14 ص (244) انظر: البيضاوي: أنوار التنزيل ص (469). (2) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 7 ص (119) انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (282)، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 4 ج 7 ص (323).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (465) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1
ص (200).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (9) انظر الخازن لباب التأويل ج 1 ص (15).
ج 2 (1/245)
صفحة 246
246
معالم ورؤى
وفي مقدمة تفسيره لسورة الرعد قال: «مكية عند الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، ورواه طلحة، ومجاهد عن ابن عباس ... ومدنية عند جابر بن زيد، ورواه عطاء الخراساني، والعوف عن ابن عباس، ومجاهد عن ابن الزبير، وبعض عن قتادة، والذي يجمع بين القولين أنها مكية الآيات منها، فأطلق بعض أنها مكية؛ لما رأى فيها مما يناسب مكة، ولم يتفطن لما فيها مما يناسب المدينة، وعكس بعضهم كذا ظهر لي».
رابعا: إذا لم يكن في السورة، خلاف، فالشيخ أطفيش ينقل الإجماع، أو الاتفاق، كما قال في مقدمة تفسيره لسورة الحاقة مكية بإجماع» (2) وفي سورة نوح، قال: «مكية إجماعا (3) وفي سورة الحشر قال: «مدنية باتفاق» (4).
***
(1) أطفيش ن. م. س ج 2/ 8 ص (284) انظر الخازن لباب التأويل ج 4 ص (2). (2) أطفيش ن. م. س، ج 14 ص (364) انظر النسفي تفسير النسفي مجلد 2 ج 4 ص (285). (3) أطفيش ن. م. س ج 14 ص (398) انظر أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 5 ص (395). (4) أطفيش ن. م. س، ج 14 ص (184) انظر الخازن لباب التأويل ج 7 ص (55). (1/246)
صفحة 247
247
جمهور
المبحث الثاني
موقف الشيخ اطفيش من أسباب النزول
وطريقته في عرضها
لقد اهتم الشيخ أطفيش رحم الله بذكر أسباب النزول مستوعبا ما قيل من غير تمحيص في الغالب، ويرى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كبقية العلماء) إذ يقول في معرض ذكره لسبب نزول قوله تعالى: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188] بعد أن ذكر ما روي في ذلك: «. فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح (2) وطريقته في ذكر أسباب النزول كما يلي:
(ad)
أولا: تارة يذكر السبب مع مصدره، وسنده، مثال ذلك ما ذكره من سبب نزول قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ} [البقرة: 143] يقول: «قال البخاري ومسلم (3) عن البراء أن النبي لو كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار، وأنه صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأن أول صلاة صلاها إلى الكعبة بعد البيت المقدس صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن
(1) السيوطي: الإتقان ج 1 ص (85) الزركشي: البرهان ج 1 ص (57) الزرقاني: مناهل العرفان ج 1 ص (94) الصالح: مباحث في علوم القرآن ص (158) لاشين - اللآلئ الحسان ص (150). (2) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 7 ص (94) وللمزيد انظر الهميان، ج 2 ص (487) ج 1/ 6 ص (340) ج 1/ 7 (176) ج 1/ 8 ص (170، 300). (3) رواه البخاري في صحيحه - فتح الباري - 65 كتاب التفسير 2 سورة البقرة 18 باب ولكل وجهة هو موليها ج 8 ص (24) رقم (4492) رواه مسلم في صحيحه بشرح النووي - كتاب
المساجد والصلاة، باب تحويل القبلة من المقدس إلى الكعبة ج 5 ص (9) 10). (1/247)
صفحة 248
248
معالم ورؤى
صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة فداروا كما هم ......... وكانت اليهود قد أعجبهم أنه كان يصلي صلى الله عليه وسلم قبل بيت المقدس، وهي قبلة أهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، قال البراء في حديثه هذا ومات على القبلة قبل أن يتحول رجال، وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَنكُمْ} [البقرة: 143]» (1).
ثانيا: وتارة يذكر السبب من غير ذكر مصدره أو سنده، مثاله عند تفسير قول الله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] يذكر الشيخ في سبب نزولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش الأسدية لمولاه زيد بن حارثة، فظنت أنه يخطبها لنفسه فرضيت، فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت، وقالت أنا بنت عمتك يا رسول الله، فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة، وفيها حدة، وقد كره أخوها عبد الله ذلك، وغضبا جميعًا، فنزلت هذه الآية (2).
ثالثًا: وتارة يذكر الشيخ الروايات المتعددة في سبب نزول الآية دون تعقيب، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بها [النحل: 126] يذكر الله في سبب نزولها روايتين هما:
الرواية الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حال عمه حمزة له، وقد مثلوا به حيث شق بطنه، وجذع أنفه ... بكى بكاء شديدا، ولم ير شيئًا أوجع قلبه منه، فقال: [رحمة الله عليك، كنت وصولا للرحم فعالا للخيرات، ولولا حزن
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (381) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 2 ص (147) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (189) وللمزيد انظر: الهميان ج 3 ص (67). (2) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 12 ص (90) انظر: الطبري: جامع البيان ج 10 ص (301) وللمزيد انظر الهميان: ج 4 ص (159) ج (5) ص (283) ج 1/ 10 ص (48) ج 1/ 12 ص (279). (1/248)
صفحة 249
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
249
من بعدك عليك لسرني أن أدعك أن تحشر من أجواف شتى، أما والله لئن
الله أظفرني وذلك بالمدينة.
بهم
لأمثلن بسبعين منهم
مكانك] (1) وقيل: بثلاثين فنزلت الآية
الرواية الثانية: عن كعب (2) قال أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما لنزيدن الفعل، والمثلة، ولما كان فتح مكة أنزل الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبتُمْ، فقالوا: بل نصبر يا ربنا، وروي أن رجلا من المسلمين قال لا قريش بعد اليوم، فقال صلى الله عليه وسلم: [كفوا عن القوم إلا أربعة] (3) (4).
(0) ,
وهاتان الروايتان فيهما نظر؛ فالرواية الأولى ذكرها ابن كثير من طريقين هما: الأول: مرسل عن محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه، عن عطاء ابن يسار، قال ابن كثير: وهذا مرسل، وفيه رجل مبهم لم يسم (5) الثاني: متصل عن أبي هريرة، قال ابن كثير: وهذا إسناد ضعيف؛ لأن صالحًا هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث (6) أما الرواية الثانية، فلا تصلح أن تكون سببًا لنزول الآية الكريمة؛ ذلك لأن الحادثة ليست متزامنة مع نزول الآية، ويؤيد ذلك السياق، قال الإمام الفخر الرازي بعد أن استبعد أن تكون إحدى الحادثتين سببًا لنزول الآية: «إن حمل هذه الآية على
(1) رواه الطبراني: المعجم الكبير ج 3 ص (143) رقم (2937). (2) الرواية عن أبي بن كعب، وليست عن كعب، ولعله خطا مطبعي، انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (592).
(3) رواه الترمذي: سنن الترمذي 48 كتاب التفسي (17 باب ومن سورة النحل ج ص (299، 300) رقم (3129).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 9 ص (410، 411) وللمزيد انظر: ج 15 ص (327).
(5) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (592).
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (592). (1/249)
صفحة 250
250
معالم ورؤى
قصة لا تعلق لها بما قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله تعالى وذلك يطرق الطعن إليه، وهو في غاية البعد، بل الأصوب عندي أن يقال: المراد أنه تعالى أمر محمدا لله أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاث وهي: الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالطريق الأحسن ... فهذا هو الوجه الصحيح الذي يجب حمل الآية عليه).
ومن جهة ثانية فقد ذكر الإمام ابن جرير الطبري، والعلّامة ابن كثير من أسباب النزول ما روي عن ابن زيد أنه قال: «أمرهم الله أن يعفوا عن المشركين، فأسلم رجال لهم منعة، فقالوا: يا رسول لو أذن الله لنا لأنتصرنا من هؤلاء الكلاب، فنزل {وَإِنْ عَاقَبتُم ... (3) وذكر الإمام الطبري أيضا أن الآية فيمن ظلم، فلا يحل له أن ينال ممن ظلمه أكثر مما نال الظالم منه، وقد اختاره، إذ يقول: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل ما عوقب به إن اختار عقوبته» (3).
رابعًا وأحيانًا يعقب على الروايات الواردة في أسباب النزول بالترجيح أو التضعيف مستندًا في ذلك على الدليل العقلي تارة، وعلى تاريخ النزول تارة أخرى، فمن الأول: ما ذكره من سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] روي أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية، وقيل إن الصحابة لله سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي ساعة ندعو ربنا؟ فنزلت، وعن ابن عباس الله قال يهود المدينة: يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت
(1) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 10 ج 20 ص (113). (2) الطبري: جامع البيان ج 7 ص (665) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (592). (3) الطبري: جامع البيان ج 7 ص (665). (1/250)
صفحة 251
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
251
تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وأن أغلظ كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت (1).
فالقارئ يجد أن الشيخ أطفيش زكم الله يعقب على هذه الروايات مستندًا في ذلك على الدليل العقلي، حيث يرى أن الروايتين الأولى والثانية، هما أولى في سبب نزول الآية الكريمة، إذ يقول: «والروايتان السابقتان أولى؛ لأن إضافة العباد إلى نفسه مع قوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ) الآية تدل على اللطف والرحمة، ولا يناسبها هؤلاء الكفرة المغضوب عليهم» (2) ومن الثاني ما ذكره سببًا لنزول قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] فقد ذكر روايتين:
الأولى: «عن ابن مسعود له الله مرَّ ملأ من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب، وعمار، وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء بدلا من قومك. أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم تبعناك، فنزلت الآية، وتفسير الملأ جاء في رواية عكرمة أنه قال: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر، فقالوا يا أبا طالب لو أنَّ ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءهم، فإنما هم عبيدنا، وعتقاؤنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه تصديقنا ... والثانية: «وروى سلمان وخباب بن الأرت فينا نزل: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ ربهم) الآية، جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، وهما من المؤلفة قلوبهم، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع صهيب، وبلال، وعمار،
(3)
(1) اطفيش هميان الزاد ج 3 ص (36) وقد ذكر هذه الروايات إلا الأخيرة الطبري: جامع البيان ج 2 ص (165).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (36) وللمزيد انظر ج 1/ 9 ص (142). (3) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 6 ص (91). (1/251)
صفحة 252
252
معالم ورؤى
وخباب، في نفر حوله من ضعفاء المسلمين، فلما رأوهم حقروهم فأتوهم، فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس، ونفيت عنا هؤلاء، وأرواح جباتهم، وكانت عليهم جبَّات صوف لها رائحة ليس عليهم غيرها لجالسناك، وأخذنا عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 114] قالوا: فإنا نحب أن تجعل لنا مجلسًا تعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبدة، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فأقعدهم إن شئت قال نعم قالوا فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا، قال: فأوتي بالصحيفة، ودعا عليا ليكتب قال سلمان ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بقوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم» إلى قوله أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا، فأتيناه،
(1)
هذه
وهو يقول: سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] .. ويعقب الشيخ أطفيش على الرواية الثانية مستندا على تاريخ النزول قائلا: «ولا شك أن إسلام سلمان بالمدنية كما شهرت قصته في السير، وكذا إسلام المؤلفة قلوبهم كان في المدينة، بل شهر أنه بعد الفتح، والأنعام مكية، فلم تصح الرواية، اللهم إلا أن يقال: إن سورة الأنعام نزلت مرتين كما قيل، أو أن مراد سلمان بقوله: فينا نزلت أنها نزلت في جنسنا معشر الضعفاء، فلا يشكل في نزولها، ولو نزلت في مكة على أن يسقط من الرواية هؤلاء المؤلفة» (3) والروايتان ذكرهما الإمام الطبري دون تعقيب أو تعليق (3) كما ذكرهما العلامة ابن كثير، وقال معقبًا على الرواية الثانية: «وهذا حديث غريب، فإن الآية مكية، والأقرع بن حابس، وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر» (4).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 6 ص (92، 93). (2) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 6 ص (93). (3) الطبري: جامع البيان ج 5 ص (199).
(4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (135). (1/252)
صفحة 253
المبحث الثالث:
253
موقف الشيخ أطفيش من الناسخ والمنسوخ
ناقش الشيخ أطفيش رحم الله موضوع النسخ في القرآن الكريم مناقشة مستفيضة من جميع الجوانب وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {مَا نَنسَحْ مِنْ وَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] حيث ذكر تعريفات النسخ اللغوية، والشرعية والفرق بينه والتخصيص، وبينه والبداء، ورد على منكري النسخ بالأدلة النقلية، والعقلية، ثم ذكر طرق معرفة النسخ، وتحدث عن أنواعه، وأجاز نسخ الإخبار الذي بمعنى الأمر والنهي، كما أجاز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، ومما قاله في هذه المسألة: «فإن من معاني النسخ الإزالة، والآية من هذا المعنى ....... ويطلق النسخ أيضا على تحويل الشيء من موضع لآخر ... وليس شيء من القرآن بهذا المعنى منسوخا، ويطلق النسخ أيضا على النقل مع الإبقاء لأصول المنقول منه، فالقرآن على هذا كله منسوخ، لأنه كله منسوخ من اللوح المحفوظ ... وأصل النسخ في اللغة المعنى الأول، وحقيقة النسخ الشرعي بيان انتهاء التعبد بقراءة الآية، أو بالحكم المستفاد منها، أو بهما جميعا ... ويخالف التخصيص بأن التخصيص يقع بشيء ثالث بين شيئين، والنسخ يقع بشيء على شيء، أو بلا شيء، وبأن التخصيص يقع في غير النص فيه، والنسخ في النص ... واختلفوا هل النسخ رفع لتعلق الحكم بالمكلف، أو بيان الانتهاء أمده؟ والمختار الأول لشموله النسخ قبل التمكن من الفعل ... وزعموا أن النسخ بداء، والبداء محال في حق الله ل، لأنه يستلزم الجهل، لأنه ظهور ما كان خفيًا، وليس كما زعموا، بل النسخ إبطال الشيء في وقت قد علم الله في الأزل أنه سيبطله في ذلك الوقت ... ولا مانع (1/253)
صفحة 254
254
معالم ورؤى
عندنا
من جواز نسخ الإخبار الذي بمعنى الأمر والنهي ... وفائدة نسخ اللفظ دون الحكم مع أن في بقاء اللفظ جمع ثواب العمل والتلاوة أن يظهر مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن ..... فيسرعون بأيسر شيء كما أسرع الخليل بذبح ولده والمنام أدنى طريق الوحي ........ وأنا أعجب ممن ن أجاز نسخه ـ أي القرآن - بالسنة مطلقا ....... وتقدم اختيار أن سنة الآحاد لا تنسخ القرآن ... وأنه لم يقع إلا بالمتواترة .... الخ») وبالجملة فإن موقف الشيخ من النسخ لا يختلف عن موقف غيره من العلماء السابقين). لقد تبنى الشيخ أطفيش وقوع النسخ كبقية جمهور العلماء (3) وهو رأي الإباضية) فالقارئ لهميان الزاد، يجد أن الشيخ أطفيش يولي اهتماما كبيرًا بهذه القضية عند تفسيره لآيات الأحكام حيث يذكر الأقوال، ويناقشها، ثم القول الذي يختاره والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
يرجح
عند تفسيره لقول الله الله: إن يكن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِاتَنَيْنِ) [الأنفال: 65] يرى أن هذه الآية منسوخة الحكم بقوله تعالى: {الْكَنَ خَفَّفَ اللهُ عنكم وعلم أن فيكُمْ ضَعْفًا فَإن يكن مِّنكُم مِائَةٌ صَابَرَةٌ يَغْلِبُوا مِاتَنَين ...
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (258، 222).
ج
(2) انظر الزركشي: البرهان ج 2 ص (33951) السيوطي: الإتقان ج 3 ص 59 - 77). (3) انظر الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 2 ج 3 ص (206) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 2 ص (63) الآمدي: الإحكام ج 3 ص (106) وما بعدها، الغزالي: المستصفى ج 1 ص (111) ابن أمير الحاج التقرير والتحبير ج 3 ص (44) وما بعدها، ابن قدامة: روضة الناظر جا ص (292) السيوطي: الإتقان ج 3 ص (60) وما بعدها ابن حزم الأحكام ج 4 ص (470) وما بعدها، الزحيلي: التفسير المنير ج 1 ص (263) السرخسي: أصول السرخسي ج 2 ص (67). (4) انظر الوارجلاني: العدل والإنصاف ج 1 ص (162 163) السالمي: شرح طلعة الشمس ج 1 ص (269، 270) السيابي: فصول الأصول مخطوط ورقة (192) الشقصي: منهج الطالبين ج 1 ص (271) ابن بركة: الجامع ج 1 ص (66). (1/254)
صفحة 255
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
255
[الأنفال: 66] إذ يقول: «ومذهبنا أنه كان الثبات لعشرة واجبًا، ثم نسخ بوجوب الثبات للاثنين، وهو من نسخ الثقيل بالخفيف».
وقول الله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرِكَ خَيْرًا الوُصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ...... [البقرة: 180] يقول الشيخ أطفيش: «فعندنا الآية منسوخة بآية الإرث إلا وصية الأقرب الذي ليس بوارث فغير منسوخة، فتجب عندنا وصية الأقرب على من له مال قليل أو كثير» (2) وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِم مَّتَلَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخراج} [البقرة: 240] نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر، في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 334].
يقول الشيخ أطفيش في معرض تفسيره للآية الأولى: «. ومعنى ذلك كله أنه لزم المحتضر أن يوصي لزوجته أن تسكن في بيته أو بيت يعده لها حولا، ويجري عليها نفقتها كلها في الحول ... كان ذلك في صدر الإسلام فنسخ الحول بأربعة أشهر وعشر في الآية السابقة» (3) وعند تفسيره لقول الله سبحانه: ياتِهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَائِهِ} [آل عمران: 102] يذكر الأقوال التي رويت في نسخ الآية المذكورة بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ويناقشها ويخلص إلى أنه لا نسخ بين الآيتين وإنما هو بيان وشرح، فيقول:. والمراد قدر الاستطاعة فهو مفسر بقوله تعالى {فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله: و لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وذلك في كميات الطاعات، وكيفيتها، وحالها ... والصحيح القول بأن الآيتين تفسير لها، وأنهما المراد فيها
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 7 ص (272) انظرا لطبري: جامع البيان ج 6 ص (285). (2) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (496) انظر: الطبري: جامع البيان ج 2 ص (596). (3) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (297) انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (296). (1/255)
صفحة 256
256
معالم ورؤى
(1)
لا ناسختان لها وهذا مذهبنا) يقول الدكتور الزرقاني: «والذي يبدو لنا أنها غير منسوخة لأن التعارض الحقيقي بين الآيتين غير مسلم، فإن تقوى الله حق تقواه مأمور بها في الآية الأولى معناه: الإتيان بما يستطيعه المكلفون ... دون
ما خرج عن استطاعتهم ... فإذن لا تعارض بينها وبين قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم وحيث لا تعارض لا نسخ» (").
(2)
(1) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (189). (2) الزرقاني: مناهل العرفان ج 2 ص (522). (1/256)
صفحة 257
المبحث الرابع:
موقف الشيخ أطفيش من القراءات
257
مع
علم القراءات علم جليل يُعرف به كيفية أداء كلمات القرآن الكريم واختلافها مع عزو كل وجه لناقله، ولقد اعتنى الشيخ أطفيش رحم الله بالقراءات كثيرًا، إذ لا يكاد يمر بآية إلا ويذكر ما فيها من قراءات متواترة، أو شاذة، توجيهها في الغالب، والمتتبع لهميان الزاد، يمكنه تلخيص منهج الشيخ في عرض القراءات فيما يلي:
أولا: يرجح ـ أحيانًا ـ بين قراءتين متواترتين، ومن الأمثلة على: ذلك ترجيحه لقراءة - ملك - على قراءة - مالك - عند تفسيره لسورة الفاتحة، إذ يقول: «والمختار ملك بدون ألف لأنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغالب،
هي
وقراءة أهل الحرمين ... واختيرت هذه القراءة لما فيها من التعظيم».
ولما كان الشيخ يقرأ بقراءة نافع، وقد رسم مصحفه بهذه القراءة، فإنه إذا ذكرها يقدمها على سائر القراءات، ويختارها إذا تعذر الجمع بينها، فمثلا عند تفسير قوله تعالى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغ} [الكهف: 64] يقول: «أثبت الياء في الوصل نافع، وحذفها في الوقف، وكذا أبو عمرو، والكسائي، وأثبتها في الوصل والوقف ابن كثير، وقراءة نافع أولى اتباعًا لخط المصحف» (2) على أن كثيرًا من العلماء قد منعوا ترجيح إحدى القراءات المتواترة على الأخرى، فهذا أبو
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (141). (2) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 10 ص (148). (1/257)
صفحة 258
258
معالم ورؤى
جعفر النحاس يقول: «السلامة في الدين أنه إذا صحت القراءتان ألا يقال: إحداهما أجود، لأنهما جميعا عن النبي، فيأثم من قال ذلك، وكان رؤساء الصحابة ينكرون مثل هذا (1) ويقول ابن الجزري: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من ـن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت الأئمة عن السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء كانت عن السبعة، أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف» (2) ويقول أبو شامة: «أكثَرَ المصنفون من الترجيع بين قراءة مالك ـ و ـ ملك ـ حتى أن بعضهم يبالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة
من
-
(3)
الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين» (3) ويقول الشيخ سماحة أحمد الخليلي حفظه الله في معرض بيانه لأدلة المرجحين لقراءة ـ مالك ـ على ـ ملك ـ والعكس معقبًا عليهم: ونحن إذا أمعنا النظر لم نجد فائدة في هذا الاختلاف فالقراءتان صحيحتان مشهورتان وكل واحدة منهما تؤكد معنى ...... فلا داعي إلى ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، مع ثبوتهما جميعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أختار أن يلتزم القارئ في الصلاة وفي غيرها القراءة التي اعتادها فلا تكون قراءته للقرآن مركبة بعضها بقراءة قارئ وبعضها بقراءة قارئ آخر» (4).
ثانيا: يجمع بين قراءتين متواترتين فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: أَقَتَلْتَ
(1) السيوطي: الإتقان ج 1 ص (229).
(2) ابن الجزري: النشر في القراءات العشر ج 1 ص (9).
(3) نقلا عن السيوطي: الإتقان ج 1 ص (229).
(4) الخليلي: جواهر التفسير ج 1 ص (235). (1/258)
صفحة 259
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
259
نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ} [الكهف: 74] يقول: «قرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو، وورش عن يعقوب زاكية بألف بعد الزاي، وتخفيف الياء، وقرأ الباقون بدون ألف وتشديد الياء، والمعنى واحد لكن في الثانية مبالغة).
ثالثًا: يوجه قراءة متواترة فعند تفسيره لقوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَلَها زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] يقول: «وشدد الفاء حمزة، والكسائي، وعاصم وقصروا زَكَرِيّا،، فزكريا على هذه القراءة، إما فاعل والتشديد للمبالغة، وإما مفعول ثان والتشديد للتعدية، وروى حفص عن: عاصم أنه مد زَكَرِيَّا * ونصبه على أنه مفعول ثان، وهو دال على الوجه الثاني، وكذا تدل عليه قراءة أبي وأكفلها زكريا بالهمزة قبل الكاف، وهي للتعدية، ونصب زكريا: أي: أكفلها الله زكريا وعلى التشديد، والنصب، ففاعل وَكَفَلَها ضمير يعود إلى الله تعالى
الله، وهو
رابعا: يذكر قراءات متواترة من غير توجيه فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: إِذْ يُغَشِيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11] يقول: «في يغشى ضمير مضارع أغشى تعدى لاثنين بالهمزة والكاف مفعول ثان، والنعاس مفعول أول، لأنه المجعول غاشيا، وذلك قراءة نافع، والأعرج، وقرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر، والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين، وبه قرأ عروة بن الزبير، والحسن، وأبي رجاء، وعكرمة وغيرهم، والإعراب مثله في ذلك، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، إذ يغشاكم النعاس بفتح الياء والشين، ورفع النعاس، وبه قرأ مجاهد، وابن محيص وأهل مكة (3).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 10 ص (158) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 2 ج 4 ص (66). (2) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (77).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 7 ص (166) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 4 ج 7
ص (333). (1/259)
صفحة 260
260
معالم ورؤى
خامسًا:
يوجه قراءة شاذة (1) فمثلاً عند تفسيره لقول الله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] يقول: «وقرأ مجاهد: فَتَقَبَّلْها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا، وكَفَّلْها زكريا؛ بإسكان لام تقبل، وكفل، وتاء انبتها، وكسر باء، انبت وفاء كفّل بصورة الأمر تدعو الله بذلك، ونصب ربها على النداء، وزكريا على المفعول الثاني، أي: واجعله كافلها وهذا دليل أيضا على الوجه الثاني المذكور آنفا» (2).
سادسًا: يستشهد بالقراءة الشاذة في تفسير المفردة القرآنية، أو في ترجيح قول على آخر لبيان حكم شرعي، فالأمثلة على النوع الأول كثيرة: منها قول الله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَهُم مُلَقُوا رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] حيث يفسر الشيخ أطفيش رحمة الله يظنون) بمعنى يعلمون، استنادًا لقراءة ابن مسعود، إذ يقول: «الَّذِينَ يَظُنُّونَ}: يعلمون فإن الظن كثيرًا ما يستعمل بمعنى العلم ويقوي هذا التفسير قراءة ابن مسعود (الذين يَعْلَمُون) (3) .. وذلك استعارة، شبه ترجيح الشيء بالجزم به؛ لأن في كل منهما إثباتا، فسماه باسم الجزم، وهو العلم ولم يذكره، بل ذكر لفظ المشبه ـ وهو يظن ـ على الاستعارة المكنية التبعية (4) وفسر الجمهور يظنون
أشد
بمعنى يوقنون، وهو من وادي التفسير، بمعنى يعملون، ولكن اليقين من العلم» (5) ومن الأمثلة على النوع الثاني: ما يراه الشيخ عند تفسيره لقوله تعالى: و فمن كان منكم قرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] من وجوب
صح نقله
(1) القراءة الشاذة ما صح: نقله عن الأحاد، وصح وجهه في العربية، وخالف لفظه خط المصحف انظر: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر ج 1 ص (14) الزرقاني: مناهل العرفان ج 1
ص (297).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (77 (78) انظر: الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (427). (3) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 1 ص (170).
(4) سيأتي الحديث عن الاستعارة وأنواعها مع التميثل ص (291).
(5) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (17) وللمزيد انظر ج 5 ص (438) ج 1/ 9 ص (340). (1/260)
صفحة 261
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
261
(1)
التتابع في قضاء رمضان، استنادا على قراءة أبي بن كعب «فعدة من أيام أخر متتابعات» إذ يقول: «وهذا التتابع واجب على الصحيح كما نصت عليه قراءة أبي ويدل له أنها بدل أيام يجب تتابعها» (2) ومما تجدر الإشارة بذكره هنا أن القراءة الشاذة لا تعد قرآنًا، بحال وإنما يقصد بها - إن صحت نسبتها إلى الصحابة - تفسير اللفظ الوارد في القراءة الصحيحة المتواترة، لذا فإن القراءة الشاذة تقبل في العمل (3) ولا يقرأ بها لعلتين؛ إحداهما: أنها لم تؤخذ بإجماع، إنما أخذت بأخبار الآحاد ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد، والثانية: أنها مخالفة لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه، وصحته، وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، ولبئس ما صنع إذا جحده أن البعض نقل الإجماع على عدم جواز القراءة بالشاذة).
حتى
(4)
سابعًا: يوجه قراءة متواترة، وقراءة شاذة، ويجمع بينهما لاتفاقهما في المعنى، ومن الأمثلة على ذلك: عند تفسيره لقول الله له: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيك يبدنك لتكون لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةٌ} [يونس: 92] يذكر الشيخ أطفيش مع قراءة الجمهور (نُنَجِّيك) بتشديد الجيم، قراءة يعقوب (نُنَجِّيك) بتخفيف الجيم، ثم يجمع بينهما قائلا: «. ومعناهما واحد، ويجوز أن يكونا مأخوذين من النجوة المكان المرتفع أي نلقيك على نجوة من الأرض، وقرئ - ننحيك -
وهي
(1) الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (335). (2) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (18) ويروى هذا عن عائشة وانا انظر: القرطبي: الجامع الأحكام
القرآن مجلد 1، ج 2 ص (262) وللمزيد انظر: الهميان ج 3 ص (84) ج 5 ص (568).
(3) يرى الإباضية والحنفية والحنابلة وجوب العمل بالقراءة الشاذة انظر السالمي: شرح طلعة الشمس ج 1 ص (31) ابن حاجب منتهى الأصول ص (46) السيوطي: الإتقان ج 1 ص (228) الزرقاني: مناهل العرفان ج 1 ص (297) الدوري مناهج الفقهاء في استنباط الأحكام ص (3). (4) انظر: السالمي: شرح طلعة الشمس ج 1 ص (31) ابن حاجب منتهى الأصول ص (46) ابن الجزري: النشر في القراءات العشر ج 1 ص (14) الزرقاني: مناهل العرفان ج 1 ص (297). (5) السيوطي: الإتقان ج 1 ص (307). (1/261)
صفحة 262
262
معالم ورؤى
بالحاء المهملة من أنحاه بمعنى ألقاه في ناحية» (1) وعند تفسيره لقوله تعالى: فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} [الإسراء: 5] يفسر جاسوا بالطواف، والتردد للقتل، والغارة، ثم يذكر قراءة أبي السماك فحاسوا» بالحاء المهملة، ويجمع بين قراءة الجمهور المتواترة - فجاسوا - وقراءة أبي السماك الشاذة ـ فحاسوا - قائلا:
(2)
وقرأ أبو السماك فحاسوا بالحاء المهملة والمعنى واحد» (2) ومما سبق يتجلى مدى اهتمام الشيخ أطفيش وعنايته بمباحث علوم القرآن؛ لأهميتها في التفسير، ومعرفة الأحكام، فقد درج أن يذكر في بداية تفسير كل سورة ما فيها من مكي، ومدني، والأقوال التي ذكرت في ذلك، كما أنه يكثر من ذكر أسباب النزول، ويرى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويولي اهتماما كبيرًا بمباحث النسخ ومناقشتها، وبالقراءات وتوجيهها، فيقدم قراءة نافع على
سائر القراءات، ويختارها إذا تعذر الجمع بينها.
(1) أطفيش: هميان الزاد ج 1/ 8 ص (125) انظر الزمخشري: الكشاف ج 2 ص (251، 252). (2) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 9 ص (87) انظر الطبري: جامع البيان ج 8 ص (26) البيضاوي: أنوار التنزيل ص (234)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 3 ص (425). (1/262)
صفحة 263
موقف الشيخ أطفيش
من الإسرائيليات
المبحث الأول: موقف الشيخ أطفيش من الروايات غير المتعلقة
بالعقيدة.
المبحث الثاني: موقف الشيخ أطفيش من الروايات المتعلقة
بالعقيدة. (1/263)
صفحة 264
T
توطئة
|
264
الإسرائيليات جمع إسرائيلية نسبة إلى بني إسرائيل، وتعني ما داخل التفسير من روايات وأخبار لأهل الكتاب اليهود والنصارى، وإنما سميت بالإسرائيليات؛ لأن أغلبها نقل عن اليهود) وقد تساهل الشيخ أطفيش عفا الله عنه ورحمه الله في نقل هذه الروايات الإسرائيلية، والإكثار منها، وهذه الروايات منها ما يتعلق بالعقيدة ومنها ما لا يتعلق بها، ومن خلال المبحثين الآتيين يتضح موقف الشيخ أطفيش من هذه الروايات، وكيفية تعامله معها.
(1) الذهبي: التفسير والمفسرون ج 1 ص (176) الإسرائيليات في التفسير والحديث ص (19) دائرة المعارف الإسلامية مادة تفسير ج 9 ص (414) أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات في
كتب التفسير ص (21). (1/264)
صفحة 265
265
المبحث الأول:
موقف الشيخ أطفيش من الروايات غير
المتعلقة بالعقيدة
لقد وجدت الروايات الإسرائيلية سبيلا إلى القلوب، والأفئدة؛ لأنها تدغدغ العاطفة، والوجدان، ولأن من عادة النفس حب عادة النفس حب الاستطلاع، واكتشاف المجهول، ولما كان القرآن الكريم قد سكت عن كثير من المبهمات، ولم يفصل القول في العديد من القصص، وجد القصاص مادتهم المرغوبة مع اختلاف في القصد، فنسجوا حولها ما تقشعر منه الأبدان، وترفضه العقول السليمة، فضلا عن مصادمته للنصوص الصحيحة الصريحة، ومما يؤسف له أن المفسرين قد تساهلوا في نقل الإسرائيليات، إلا القليل، كالعلّامة ابن كثير، وما كان ينبغي لهم ذلك، بل كان الأجدر بهم أن يفحصوها بتطبيق قواعد الرواية والدراية عليها.
إن المتتبع لهميان الزاد يجد أن الشيخ أطفيش رحم الله مولع بذكر أشياء أبهمها القرآن الكريم لأسباب ذكرها السيوطي منها:
::
أولا: ـ الاستغناء ببيانه في موضع آخر كقول الله الا: هو صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] فإنه مبين في قوله تعالى: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَ} [النساء: 69].
ثانيا: أن يتعين لاشتهاره كقوله تعالى: {وَقُلْنَا يَتَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)
[البقرة: 35] ولم يقل «حواء» لأنه ليس له غيرها.
(1) السيوطي: الإتقان ج 4 ص (79، 80). (1/265)
صفحة 266
معالم ورؤى
ثالثًا: قصد الستر عليه، ليكون أبلغ في استعطافه نحو قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَولُهُ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيا ... [البقرة: 204] وهو الأخنس بن شريق. رابعا: ألا يكون في تعيينه كبير فائدة نحو قوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى
(1)
السند (2)
قَرْيَةٍ} [البقرة: 259] ومن هذه الأشياء ما ذكره الشيخ من أقوال في نوع الشجرة التي أكل منها، آدم وحواء، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) [البقرة: 35] فقال: «والشجرة شجرة القمح، وهي الأغصان التي تنبت من حبة القمح التي تبذر وتثمر السنبل ونسب هذا القول لابن عباس، ومحمد بن كعب، مقاتل، وقيل شجرة العنب ونسب لابن عباس وابن مسعود، مقاتل، وقيل شجرة التين وقيل شجرة الكافور ونسب لعلي بن أبي طالب، وقيل شجرة الحناء وفيها من كل شيء، وقيل شجرة العظلم () والظاهر أن الصحابة لا يقولون فيها عن رأيهم، وإنما روي عنهم مرفوعًا بمنزلة المرفوع إذا صح وقد ذكر الإمام الطبري هذه الأقوال بسنده، ثم عقب عليها قائلا: فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه؛ فأكلا منها كما وصفهما الله تعالى ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا في السنة الصحيحة فأنى يأتي ذلك» (3) فالإمام الطبري لم يأت بجديد في تعيين شجرة بعينها، وكذلك فعل العلّامة ابن كثير عند ما نقل كلام الإمام ابن جرير الطبري قائلا: «وهو الصواب» (4) دون أن يضيف شيئًا جديدًا.
(1) نبت يستخرج منه صبغ أزرق يعرف بالنيلة. المعجم الوسيط ج 2 ص (609).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (459).
(3) الطبري: جامع البيان ج 1 ص (270 - 171). (4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (80). (1/266)
صفحة 267
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
267
ومنها ما ذكره ره لأسماء الطيور التي أمر إبراهيم بذبحها عند تفسيره لقوله تعالى: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةُ مِنَ الطَّيْرِ} [البقرة: 260] فقال: «خُص الطير من الحيوان لأنه أقرب للإنسان في طلب الهمة، والعلو، وخص أربعة هي:
لأن
طاووس، وديك، وغراب وحمامة عند مجاهد، وعطاء، وابن جريج؛ الطاووس يحب الزينة، والديك شديد الشغف بحب النكاح، وفيه الصولة والغراب خسيس النفس بعيد الأمل، حريص على الجيفة يطير إليها ببكور، والحمامة قليلة الرغبة في الترفع، والمسارعة إلى الهوي، تألف وكرها، وتلد فيه حتى تموت وروي النسر بدل الحمامة ... وقيل الغرنوق (1) بدل الغراب وعن ابن عباس: النسر بدل الغراب (2) ومنها ما ذكره من أسماء كاسم الذي مر على القرية (3) وأسماء الكواكب التي رآها يوسف، وأسماء إخوته (4) وأسماء أهل الكهف وكلبهم) وعدد من كان مع نوح في السفينة) كما أنه يستطرد في ذكر قصص غريبة، وأخبار عجيبة دون أن يعقب عليها بشيء، كقصة البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها (7) وقصة فلق البحر لموسى، وغرق فرعون (8) وقصة داود مع جالوت (9) وقصة زواج يوم ف اللام
(1) طائر أبيض من طير الماء طويل العنق ابن منظور لسان العرب ج 5 ص (32، 31). (2) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (383) انظر الخازن لباب التأويل ج 1 ص (81) البيضاوي: أنوار التنزيل ص (87) تفسير الطبري ج 3 ص (53) تفسير ابن كثير ج 1 ص (315).
(3) أطفيش: ن. م. س ج 3 ص (369، 370). (4) أطفيش ن. م. س ج 2/ 8 ص (13، 19). (ه) أطفيش ن. م. س ج 1/ 10 ص (22). (6) أطفيش ن. م. س ج 2/ 6 ص (127، 128). (7) أطفيش ن. م. س ج 2 ص (107 ـ 111). (8) أطفيش ن. م. س ج 2 ص (31 - 34).
(9) أطفيش ن. م. س ج 3 (312 - 324) ص (334 - 340). (312 (1/267)
صفحة 268
268
معالم ورؤى
(4)
بزليخا وقصة أصحاب الكهف (2) وقصة ذي القرنين (3) وقصة يأجوج ومأجوج وأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة على هذه الروايات التي لم يعقب عليها الشيخ أطفيش.
الأول: عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] يذكر الشيخ قصة طويلة وغريبة، عن طلب بني إسرائيل البقرة التي أمروا بذبحها بعد أن وصف الله تعالى لهم ما سألوا عن صفتها، وأنهم وجدوها عند رجل كان من أبر الناس بأمه، وأنهم ساوموه فيها
(o).
حتى أعطوه ملء جلدها دنانير، فذبحوها، وضربوا القتيل بالبضعة (5) التي بين
الكتفين، فعاش فسألوه عن من قتله. لقد ذكر الشيخ أطفيش هذه القصة في صفحتين تقريبا، قائلًا: «كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن صغير، وكانت له عجلة، فأتى بها إلى موضع الماء، والشجر، وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر، فمات الرجل، فشبت العجلة حتى صارت، عوانا وكانت تهرب ممن يرومها، وكان الابن بارًا بوالدته، فلما كبر كان يقسم الليل ثلاثة: يصلي ثلئًا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، وينام ثلثا؛ فإذا أصبح انطلق يحتطب على ظهره، فيأتي السوق فيبيعه بما شاء الله، فيتصدق بثلثه ويأكل ثلثه، ويعطي أمه ثلثه، فقالت له أمه يوما يا بني إن أباك ورثك عجلة، وذهب بها إلى موضع كذا، واستودعها الله، فانطلق إليها، وادع الله أن يردها إليك، وإن علامتها إذا نظرت إليها أن يتخيل إليك أن بها شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى
(1) أطفيش ن. م. س ج 2/ 8 ص (164 ـ 168). (2) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 10 ص (55 - 89). (3) أطفيش: ن. م. س ج 1/ 10 ص (189 - 196).
(4) أطفيش: ن. م. س ج 1/ 10 ص (207 - 211).
(5) القطعة من اللحم، ابن منظور لسان العرب ج 1 ص (216). (1/268)
صفحة 269
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
269
المذهبة لحسن لونها وصفائه، وصفرة لونها، فأتى الموضع، فرآها ترعى فصاح عليها، فقال: أعزم عليك بالله ....... فأقبلت تمشي حتى وقعت بين يديه، فقبض على عنقها، وقادها ........... وقدر الله سبحانه على بين إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة») وهذه القصة على طولها لم يعلق الشيخ أطفيش عليها بشيء، ولو نقل ما ذكره العلامة ابن كثير لكفاه نقدا لها، يقول ابن كثير: وهذه السياقات عن عبيدة، وأبي العالية، والسري وغيرهم فيها اختلاف والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها (3) ولكن لا نصدق ولا نكذب فلهذا لا يعتمد عليها، إلا ما وافق الحق عندنا والله أعلم» (3).
ثلاثة
الثاني: عند تفسيره لقول الله تعالى: {قَالُوا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ ... } [الكهف: 94] ذكر الشيخ أطفيش الشيء الكثير من العجائب، والغرائب في شأن يأجوج ومأجوج، من ذلك ما نصه: «وروى حذيفة مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يأجوج ومأجوج أمة كل أمة أربعة آلاف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه كلهم قد حملوا السلاح، قال: أصناف كالأرز، شجرة بالشام طوله مائة وعشرون ذراعا، وصنف منهم طوله و عرضه سواء مائة وعشرون لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف يلتحف أحدهم أذنه، ويفترش الأخرى، لا يمرون بفيل، ولا وحش، ولا خنزير، إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه» (4).
هم
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص 109 - (110) يبدو أن الشيخ نقلها عن الإمام البغوي. انظر: تفسير البغوي ج 1 ص (70، 71).
(2) لعله قال ذلك لعدم وجود ما يعارضها من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة، ولأنها لا تمس
العقيدة.
(3) ابن كثير: تفسر القرآن العظيم ج 1 ص (110).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 10 ص (209). (1/269)
صفحة 270
270
معالم ورؤى
(1)
وقد ذكر الإمام الطبري) هذه الرواية وغيرها من الروايات، وكذلك الإمام القرطبي) وهذا الحديث منكر وموضوع كما نص على ذلك الإمام ابن الجوزي، ووافقه عليه الإمام السيوطي
(3)
يقول الدكتور أبو شهبة: «وحق له أن يكون موضوعا: فالمعصوم صلى الله عليه وسلم أجل ممن أن يروى عنه مثل هذه الخرافات، وفي كتب التفسير من هذا الخلط وأحاديث الخرافة شيء كثير).
(4)
ويقول في موضع آخر: «إن أصحاب الكهف، وذا القرنين، ويأجوج ومأجوج حقائق ثابتة لا شك، وكيف لا وقد أخبر بها الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الذي ننكر أشد الإنكار هذه الخرافات والأساطير التي حيكت حولهم، وتدسست إلى المرويات الإسلامية، والله ورسوله بريئان منها، وإنما هي من أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم وتحريفاتهم».
الثالث: عند تفسيره لقوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} [الفجر: 7] يذكر الشيخ روايات طويلة وغريبة في المراد بهذه المدينة ووصفها منها: أن المراد بها دمشق، وقيل الإسكندرية
وقيل بلاد الرمل، والأحقاف بين عُمان وحضرموت، ومما قاله في وصفها: أن قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد، والياقوت
«وروي
(1) الطبري: جامع البيان ج 8 ص (283).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 5 ج 10 ص (427).
(3) انظر: على التوالي ابن الجوزي: الموضوعات ج 1 ص (206) والسيوطي: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج 1 ص (90).
(4) أبو شهبة الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص (344). (5) أبو شهبة الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص (347). (1/270)
صفحة 271
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
271
(2)
في كل قصر غرف، وفوق الغرف غرف من ذهب وفضة، ولؤلؤ، وياقوت، وأبو اب القصر مثل مصارع باب المدينة، وماءها يجري في سواقي فضة، وقيل إنه أمر عليها مائة قُهْرَمَان (1) ومع كل قهرمان ألف من الأعوان يديرون بناءها، وإنها بنيت أسوسها من الجزع اليمني، وإنهم بقوا في الجهاز إليها عشرين سنة» (2) وقد عقب العلامة ابن كثير على ما جاء في شأن إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * من روايات قائلًا: «ومن زعم أن المراد بقوله إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ) مدينة إما دمشق كما روي عن سعيد بن المسيب، وعكرمة أو إسكندرية كما روي عن القرطبي أو غيرهما ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا {أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} [الفجر: 7،6] إن جعل ذلك بدلًا، أو عطف بيان؟ فإنه لا يتسق الكلام حينئذ.
ثم المراد هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الإخبار عن مدينة، أو إقليم، وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية من ذكر مدينة يقال لها إرم ذات العماد مبنية بلبن الذهب والفضة ... وإنها تنتقل، فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن وتارة بالعراق، وتارة بغير تلك البلاد، فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم؛ ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس ...... والله الا الله الهادي للصواب» (3) ويقول الدكتور أبو شهبة: «وهذه القصة موضوعة، كما نبه إلى ذلك الحفاظ، وآثار الوضع لائحة عليها ... وكل ذلك من خرافات بني إسرائيل، ومن وضع زنادقتهم، ثم رواها مسلمة أهل الكتاب فيما رووا، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين،
(1) لفظ فارسي معرب ومعناه أمين الملك، ووكيله الخاص. انظر المعجم الوسيط ج 2 ص (764). (2) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (276 - 284).
(3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص (507، 508). (1/271)
صفحة 272
272
معالم ورؤى
وألصقت بتفسير القرآن الكريم» (1) وقال الإمام الفخر الرازي: «ومن الناس من طعن في قول من قال إن إرم هي الإسكندرية، أو دمشق؛ لأن منازل عاد كانت بين عُمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال والأحقاف، كما قال تعالى: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: (21] وأما الإسكندرية، ودمشق فليستا من بلاد الرمال» (2) وهكذا يتضح بطلان الروايات، وزيف الآثار التي قيلت في المراد بإرم ذات العماد وتعيين، موقعها، ووصفها، ومبانيها، وقصورها وسورها، وحراسها وأنهارها وبساتينها وما إلى ذلك.
(1) أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات ...... ص (396). (2) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 16 ج 31 ص (152). (1/272)
صفحة 273
273
المبحث الثاني:
موقف الشيخ اطفيش من الروايات
المتعلقة بالعقيدة
المتتبع لهميان الزاد يجد أن الشيخ أطفيش رحمة الله لا يعقب على هذه الروايات، ولا يعلق عليها بشيء، إلا إذا كانت تمس عصمة نبي من أنبياء الله، أو ملك من ملائكته وعلى هذا يمكن تقسيم هذه الروايات إلى قسمين هما:
أولا: روايات لم يعقب عليها بشيء، ومن الأمثلة على ذلك قصة إغواء الشيطان لآدم، وأكله من الشجرة، فعند تفسيره لقوله تعالى: (فَأَزَلَهُمَا الشَّيْطَنُ عَنهَا} [البقرة: 36] قال: «وروي أنه ـ أي إبليس ـ أراد الدخول، فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية، فدخلت به وهم لا يشعرون، وقيل: تمثل في صورة دابة فدخل، ولم يشعروا، وقيل: كانت الجن تدخل الجنة، وإنما منع منها إبليس وحده، فأرسل بعض أتباعه منهم فأزلهما، فنسب الإزلال إليه؛ لأنه أمر به، ومحب له، وذكر بعضهم أن الحية كانت صديقة لإبليس، فلما منعته الخزنة من الدخول أتاها، فسألها أن تدخله الجنة في فيها فأدخلته، وهم لا يعلمون به، مع أنها مرت عليهم، وكان لها أربع قوائم، كقوائم البعير من أحسن الدواب، وكانت من خزان الجنة، قيل وسم أنيابها من مكث إبليس فيها، ومسخها الله ـ ا ـ لذلك ورد قوائمها في بطنها (1) قال العلامة ابن كثير معقبًا على هذه الروايات: «ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات والله أعلم
بصحتها» (2).
-
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (463).
(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (206، 207). (1/273)
صفحة 274
274
معالم ورؤى
وقال الإمام الفخر الرازي: «واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه، لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية، فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة، ولأنه لما فعل ذلك بالحية، فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة، ولا مكلفة).
النصارى منهم
عنهم
وقال العلامة محمد رشيد رضا معقبًا على هذه القصة: «وقد صرح بأن إبليس دخل في الحية، وتوسل بها إلى إغواء حواء، ونقل المسلمون ما نقلوا في ذلك، ونحن لا نعتد بما يخالف ما في القرآن، وصحيح ما في السنة من ذلك، إذا علمت هذا فلا يغرنك شيء مما روي في التفسير بالمأثور في تفصيل هذه القصة، فأكثره لا يصح، وهو أيضا مأخوذ من تلك الإسرائيليات المأخوذة من زنادقة اليهود الذين دخلوا في الإسلام للكيد له، وكذا الذين لم يدخلوا فيه» (2).
ومن
(2)
ذلك ما ذكره الشيخ أطفيش في قصة زواج الرسول الله بالسيدة زينب بنت جحش ا، وذلك عند تفس وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَاَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37] إذ يقول: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجها من زيد ومكثت عنده حينا، أتى زيدا يومًا لحاجة فأبصرها في درع وخمار، وهي بيضاء جميلة من أتم نساء قريش، فوقعت في نفسه، وأعجبه حسنها، فقال: [سبحان الله مقلب القلوب، فلما جاء زيد ذكرت له ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففطن لذلك، وألقى الله كراهتها في قلبه في الوقت، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال له: «مالك أرابك منها شيء» قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعاظم علي بشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أمسك عليك
(1) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 2 ج 3 ص (15).
(2) رضا تفسير المنارج 8 ص (356). (1/274)
صفحة 275
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
...
زوجك] (1). فإن قلت: كيف رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعجبته؟ قلت: هي رؤية فجأة لم يتعمدها لسوء - حاشاه - وبتلك الرؤية الفجائية حصل في قلبه استحسانها، وأعجبته أو رأى وجهها لا لشهوة، بل كانت النساء لا تحتجبن منه فحصل له ذلك») والعجيب أن الإمام الطبري ذكر هذه القصة بأسانيدها، ولم يعقب عليها بشيء (3) في حين أن العلامة ابن كثير ضرب عنها صفحا لعدم صحتها فقد قال عند تفسيره للآية المذكورة: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثارًا عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها فلا نوردها» (4).
أما الإمام الألوسي فقد جعلها من كلام القصاص، إذ يقول: «وللقصاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القول) وقال الإمام ابن العربي بعد أن تحدث عن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم السامية، وعصمته من المعاصي صغيرها، وكبيرها: «وهذه الروايات كلها ساقطة الأسانيد، إنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما من الوحي شيئًا لكتم هذه الآية ... » (6) على أن أعداء الإسلام قد نسجوا من هذه الروايات الواهية ثوبًا من الكذب والخيال والافتراء، فصوروا السيدة زينب، وقد رآها النبي الطاهر كما يصور الشباب الطائش إحدى غادات المسرح، وطعنوا في غير مطعن، فالروايات المذكورة في هذه القصة ليس لها أساس من الصحة، فبناؤهم على
(1) رواه الترمذي: سنن الترمذي 48 كتاب التفسير 34 باب ومن سورة الأحزاب ج 5 ص (354)
رقم 3212.
(2) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 12 ص (92، 93).
(3) الطبري: جامع البيان ج 10 ص (302). (4) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص (419). (5) الألوسي: روح المعاني ج 22 ص (24). (6) ابن العربي: أحكام القرآن ج 3 ص (577). (1/275)
صفحة 276
276
معالم ورؤى
غير أساس إلا الكيد والحقد والهوى، والتعصب البغيض، يقول الدكتور أبو شهبة مبينا الحكمة من زواجه و رادًا على الطاعنين وزواجه بالسيدة زينب بنت جحش لإبطال هذه العادة - أي عادة التبني ـ ويطول بي القول لو استقصيت الحِكَم في زواجه، فلذلك مقام آخر، والعجب من هؤلاء الطاعنين، إذا وقعوا على ما يشفي غليلهم من باطل الروايات تمادوا في قلب الحقائق، وأنكروا عقولهم، وتجاهلوا الظروف، والملابسات، والبيئة، وأحكامها، والعادات، وسلطانها ... بينما يطيشون بالحكم على روايات غاية في الصحة بأنها موضوعة، ولا حامل لهم في الحالين إلا الهوى، والتعصب وبعد ـ فإذا كانت القصة ... لا سند لها من جهة النقل، وحياة رسول الله تكذبها، وطبيعة البيئة التي جرت فيها تجلت أصولها فلم يبق إلا أنها موضوعة» (1) وكفى بما قاله هؤلاء العلماء لرد هذه الروايات المكذوبة والترهات الواهية، وإنه لمن المؤسف له أن الشيخ أطفيش رحمة الله لم يتعقبها بشيء خاصة أنها تتعلق بالرسول المعصوم، وإن كانت لا تمس العصمة، ولا تخدش الرسالة، فيا ليت الشيخ أطفيش كان ظهيرًا قويًا، وناصرًا معينا لمن سبقه من المفسرين في إبطال ورد هذه الروايات المتهافتة، وإعراضه عنها إعراض الخبير بها، والناقد البصير، كما فعل العلّامة ابن كثير.
ثانيا: روايات عقب عليها وردها، ومن أمثلة ذلك ما روي في معنى قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَ بِهَا لَوْلَا أَن رَّعَا بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] فالشيخ يرد ما نسب إلى نبي الله يوسف من الهم بالفاحشة ـ حاشاه ـ، إذ يقول: وروي أنها همت به حتى اضطجعت له وهم بها فحل سراويله، قلت: هذا لا يصح في جنبه، وأما الأول، فإن كان هم عزم، فالواجب أن ننزهه عنه، وإن كان هم طبع، ضروريًا، فلا إشكال، بل بمدافعته يقوي الأجر له لشدة مكابدته
(1) أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات ............. ص (459، 460). (1/276)
صفحة 277
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
277
بالدفع ولا وزر في الهم، ما لم توطن عليه النفس، وإن وطنت ولم تعمل كتبت عليها خطيئة الهم، وهي أدنى من خطيئة العمل ... قال عياض: والصحيح تنزيههم قبل النبوة أيضًا من كل عيب قيل لو كان همه كهمها عن عزيمة؛ لما مدحه الله بأنه من المُخْلَصين، وقيل هم بضربها، ودفعها، وقيل بالنظر إليها، وهذا أيضًا لا يجوز أن يعتقد فيه ... وقد زعموا عن ابن عباس: أنه حل العقد، وقعد بين شعبها الأربع مستلقية على قفاها. إن ذلك قبل النبوة غير قادح، وذلك زعم باطل كذب ... وعن الضحاك جرى الشيطان بينهما، وضرب بيده إلى عنق المرأة حتى جمع بينهما، وهذا ضعيف لا يعتقد " وفي موضع آخر يفسر الشيخ أطفيش هم يوسف بمعنى المشارفة، والمقاربة لا يمعنى الوقوع، فيقول: ويجوز أن يكون معنى وهم بها، شارف وقارب انهم بها. وعلى هذا فلم يهم أصلا، قال ابن هشام يعبرون بالفعل عن وقوعه، وهو الأصل، وعن مشارفته نحو: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 231] أي شارفن انقضاء
:
أجلهن ". بل إن الشيخ أطفيش ينفي هم يوسف بامرأة العزيز أصلا لرؤيته للبرهان، إذ يقول: «ويجوز أن يقدر لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، وعلى هذا يكون قوله: وَلَا أَن رَّءًا بُرْهَانَ رَبِّهِ) مرتبطًا بقوله: {وَهَمَّ بِهَا» هو دال على جوابها فيكون لم يهم بها أصلا كقولك: قام زيد لو قام عمرو، فإن زيدا لم يقم لعدم قيام عمروة " ويرى الشيخ الشعراوي ما قاله الشيخ أطفيش من نفي هم يوسف بامرأة العزيز أصلا لرؤيته البرهان قائلا: «ويكون فهمنا للعبارة: ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، لأننا نعلم أن (الولا) حرف امتناع لوجود مثل
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 8 ص (81، 82). (2) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 8 ص (83). (3) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 8 ص (83). (1/277)
صفحة 278
278
معالم ورؤى
ما نقول: «لولا زيد عندك لأتيتك .. إذًا: فبرهان ربه سابق ... وبذلك تنتهي المسألة ... فلا داعي أن يدخل الناس في متاهات إنه هم وجلس بين شعبتيها ولم يرتعد إلا عندما تمثل له وجه والده يعقوب (1) ينهاه عن هذا الفعل، فأفسق الفساق لو تمثل له أبو ه، وهو في مثل هذا الموقف لأصيب بالإغماء» (2) وإنه لمن المؤسف له أن يذكر الإمام الطبري (3) والإمام السيوطي (4) في تفسيريهما وغيرهما من المفسرين في معنى وَهَمَّ بِهَا ما ينافي عصمة الأنبياء، وما يخجل القلم من تسطيره ومالا يليق بإنسان سوى عادي أن بتصف به، فضلًا عن كونه نبيا معصوما.
ومن العجيب أن الإمام الطبري على جلالة قدره، وغزارة علمه، ورسوخ قدمه في التفسير يحاول أن يُضعف في تفسيره ما ذهب إليه الذين ينفون هذا الزور والبهتان برد تلك الروايات ويفسرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة، وقواعد الشرع، وما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة، هذه الروايات هي: قول جميع أهل العلم بتفسير القرآن الذين يؤخذ وتابعه على هذا الخازن (6) يقول الدكتور أبو شهبة: «وهذه المرويات الغثة المكذوبة التي يأباها النظم الكريم، ويجزم العقل، والنقل باستحالتها التي اعتبرها الطبري، ومن تبعه أقوال السلف!!. وهي
ويعتبر
عنهم
(0)
على الأنبياء لا هي
(1) ذكرت عدة أقوال في المراد بالبرهان غير هذا منها: أن يوسف رأى خيال سيده، أو أنه رأى آيات الوعيد على الزنى مكتوبة على سقف البيت، أو أنه سمع صوتا ينهاه انظر الطبري:
جامع البيان ج 7 ص 183) - (188) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص (474).
(2) الشعراوي تفسير الشعراوي مجلد 11 ص 6911 ـ 6914).
(3) الطبري: جامع البيان ج 7 ص (181 - 183).
(4) السيوطي: الدر المنثور ج 4 ص (14 - 16). (5) الطبري: جامع البيان ج 7 ص (182، 183). (6) الخازن تفسير الخازن مجلد 2 ج 3 ص (274). (1/278)
صفحة 279
الباب الثالث: الشيخ أطفيت
279
غفلة شديدة من هؤلاء الأئمة لا نرضاها ولولا أني أنزه لساني، وقلمي عن الهجر من القول، وأنهم خلطوا في مؤلفاتهم عملا صالحًا، وآخر سيئًا لقسوت عليهم، وحق لي هذا، ولكني اسأل الله لي ولهم العفو والمغفرة" ويقول العلّامة صاحب المنار: «وهذه الأقوال التي أسرف ذكرها هؤلاء المفسرون: إما إسرائيليات، وخرافات وضعها زنادقة أهل الكتاب القدماء، الذين أرادوا بها النيل من الأنبياء والمرسلين، ثم حملها أهل الكتاب الذين أسلموا، وتلقاها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية، أو اعتمادًا على ظهور كذبها، وزيفها، وإما أن تكون مدسوسة على هؤلاء الأئمة، دسها عليهم أعداء الأديان كي تروج تحت هذا الستار، وبذلك يصلون إلى ما يريدون من إفساد العقائد،
وتعكير صفو الثقافة الإسلامية الأصلية الصحيحة، وهذا ما أميل إليه» (3). وقد ردّ هذه الروايات المحققون من العلماء الأعلام ومنهم الزمخشري، وابن العربي (3) وأبو حيان (4) وأبو السعود (5) والألوسي) والرازي، وأكتفي بذكر ما قاله الزمخشري والرازي، يقول الزمخشري بعد ما ذكر بعض ما قيل هذه المسألة: «ولو وجدت من يوسف لا أدنى زلة لنعيت عليه، وذكرت توبته، واستغفاره كما نعييت علي آدم زلته وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب، وعلى ذي النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثني عليه، مخلصًا، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وإنه جاهد نفسه مجاهدة أولى القوة والعزم ... فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى
وسمي
(1) أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات ... ص (312 - 313).
(2) رضا تفسير المنارج 13 ص (2). (3) ابن العربي: أحكام القرآن ج 3 ص (47).
(4) أبو حيان البحر المحيط ج ص (294).
(5) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 3 ص (130). (6) الألوسي: روح المعاني ج 12 ص (214). (1/279)
صفحة 280
=
معالم ورؤى
280
أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين، ليقتدى بنبي من أنبياء الله في القعود بين شعب الزانية، وفي حل تكته للوقوع عليها ....... ولو أن أوقح الزناة، وأشطرهم ... لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرك، فيا له من مذهب ما أفحشه ومن ضلال ما أبينه» (1).
ويذكر الإمام الفخر الرازي: أن من منكرات الكبائر وأقبح الأعمال الزنا، والخيانة في معرض الأمانة ومقابلة الإحسان بالإساءة، والصبي إذا تربى في حجر إنسان من أول صباه إلى زمان شبابه، وكمال قوته مكفي المؤونة مصون العرض، ثم أقدم على إيصال أقبح أنوع الإساءة إلى ذلك المربي قائلا: «إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع، ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى، وأبعدهم عن كل خير لا ستنكف منه، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول الله المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة .. أن الأنبياء متى صدرت منهم زلة، أو هفوة استعظموا ذلك، وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع، ولو كان يوسف أقدم هاهنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار، ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع، وحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية ... إن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة (2)
(1) الزمخشري: الكشاف ج 2 ص (312). (2) أ) الله تعالى كتب ليوسف العصمة فقال عنه: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24].
وكفى بها شهادة.
ب الشاهد قال تعالى (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ... ) [يوسف: 26 - 28].
ج) العزيز قال تعالى {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا .... ) [يوسف: 29].
د) امرأة العزيز قال تعالى (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْكَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَوَدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ .... ) [يوسف: 51]. (1/280)
صفحة 281
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
281
يوسف ل من المعصية» (1) ومن الإسرائيليات التي عقب عليها الشيخ، وردها قصة الملكين هاروت وماروت، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ} [البقرة: 102].
،
(2)
و حاصلها أن هاروت وماروت ملكان من الملائكة، أنزلهما الله إلى الأرض، فافتتنا بامرأة فزنيا بها بعد أن شربا، الخمر، وقتلا نفسًا، فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة، أما المرأة فقد مسخها الله كوكبًا وهي الزهرة ثم عقب الشيخ أطفيش على هذا بما نقله عن البيضاوي وغيره (3) إن «ما يروى في ذلك من مراودتهما، المرأة، وشرب الخمر، وقتل النفس والصلاة للصنم غير صحيح عنه ولا عن علي، وابن عباس وغيرهما من الصحابة، بل كذب عنهم، وإنما ذلك من أخبار اليهود وكتبهم، وافترائهم، ولا يؤخذ ذلك بقياس، وأنكر السلف ذلك أيضا» (4) وقال أيضا: «ولأن الملائكة معصومون على الإطلاق كما هو مذهبنا ومذهب محققي مخالفينا، وجميع المعتزلة من الكبائر والصغائر، وزعمت طائفة أنهم غير معصومين، محتجين بقصة هاروت وماروت، فنجيب بأنها لم تصح كما مر، آنفا، وأنها مأخوذة من اليهود، وهم كاذبون على أنبيائهم وغيرهم» (5) يقول العلامة ابن كثير بعد أن ذكر الأخبار الواردة في هذه القصة: «وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛
كثير من
=
(0) ,
هـ) النسوة اللاتي دعتهن امرأة العزيز لمشاهدة جمال يوسف قال تعالى: {قَالَ مَا خَطْبُكُنَ إِذْ رَوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ} [يوسف: 51.]
(1) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 9 ج 18 ص (93).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (206 - 208).
(3) البيضاوي: تفسير البيضاوي ص (44) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 2 ج 3 ص (199).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (209).
(5) أطفيش: ن. م. س ج 2 ص (209). (1/281)
صفحة 282
282
معالم ورؤى
من غير
إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة بسط، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال» (1) قال الدكتور أبو شهبة: «وهذا الذي قاله العلامة ابن
كثير هو الحق الذي لا ينبغي أن يقال غيره ..............
عنهم
ثم هذه من ناحية العقل غير سليمة، فالملائكة معصومون عن مثل هذه الكبائر، التي لا تصدر من عربيد، وقد أخبر الله بأنهم لا يعصون الله ما امرهم، ويفعلون ما يؤمرون .... ثم كيف ترجع الفاجرة إلى السماء، وتصير كوكبًا مضيئًا، وما النجم الذي يزعمون انه «الزهرة، وزعموا أنه كان، امرأة، فمسخت إلا في مكانه من يوم أن خلق الله السماوات والأرض، وهذه الخرافات التي لا يشهد لها نقل، صحيح، ولا عقل سليم هي كذلك مخالفة لما صار عند العلماء المحدثين أمرًا يقينيا، ولا أدري ماذا يكون موقفنا أمام علماء الفلك، والكونيات إذا نحن لم نزيف هذه الخرافات وسكتنا عنها، أو انتصرنا لها (2) يقول عياض: «قصة هاروت وماروت، وما ذكر فيها أهل الأخبار، ونقله المفسرون ... فاعلم أكرمك الله أن هذه الأخبار لم يرو فيها شيء سقيم، ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو شيئًا يؤخذ بقياس، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم» (3) وقد حكم بوضع هذه القصة الإمام ابن الجوزي كما ذكر ذلك السيوطي (4) البعض على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على
خطيئتهما، فهو كافر بالله العظيم
(0)
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (141).
(2) أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات ... ص (229، 230). (3) عياض: الشفا في حقوق المصطفي ج 2 ص (170). (4) السيوطي: اللآلئ المصنوعة في الأخبار الموضوعة ج 1 ص (82). (5) الألوسي: روح المعاني ج 1 ص (341).
ونص (1/282)
صفحة 283
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
283
وقد ردَّ هذه القصة المحققون من المفسرين الذين رسخت أقدامهم في أصول الدين، ورفضت عقولهم قبول هذه الخرافات كالإمام الرازي وأبي السعود، يقول الرازي: «واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة؛ لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك، بل فيه ما يبطلها من وجوه الأول: ما تقدم من الدلالة الدالة على عصمة الأنبياء عن كل المعاصي، وثانيها: أن قولهم أنهما خيرا بين عذاب الدنيا، وبين عذاب الآخرة فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب؛ لأن الله خير بينهما من أشرك طول عمره، فكيف يبخل عليهما بذلك؟ ثالثها: أن من أعجب الأمور قولهم: أنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين، ويدعوان إليه، وهما يعاقبان») وقال أبو السعود بعد أن ساق الروايات في هذه القصة: «. فمما لا تعويل عليه لما أن مداره رواية اليهود، مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل» (2) ويرى ابن حجر ثبوت هذه القصة، لتعدد طرق ورواياتها الكثيرة، وأسانيدها مما يجعل لها أصلا يُرجع إليه (3).
وأقول: هذا شأن من عبدة الأسانيد، حتى لو كانت متون الروايات تخالف القرآن الكريم، بل نجدهم يخضعون الآيات الكريمة لتلك المتون الباطلة، وذلك باقتطاعها من سياقها ولي أعناقها، أو بالتكلف في تفسيرها بتحميلها ما لا تتحملها من المعاني، بحجة عدم جواز الطعن في أئمة الحديث، ولو كان ذلك على حساب النص القرآني.
وقد رد عليه الدكتور أبو شهبة بقوله: «وإن كونها صحيحة في نسبتها، لا ينافي كونها باطلة في ذاتها، ولو أن الانتصار لمثل هذه الأباطيل يترتب عليه
(1) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 2 ج 3 ص (199). (2) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 1 ص (227).
(3) ابن حجر: فتح الباري شرح البخاري ج 10 ص (232) كتاب الطب باب السحر. (1/283)
صفحة 284
284
معالم ورؤى
فائدة ما، لغضضنا الطرف عن مثل ذلك، ولما بذلنا غاية الجهد في التنبيه إلى
(1)
بطلانها، ولكنها فتحت على المسلمين باب شر كبير يجب أن يغلق). وهكذا يتضح أن الشيخ أطفيش بالرغم من اعتماده على نقد الروايات - وهي ميزة في تفسيره لآيات الاعتقاد والأحكام - لا يتحرج من إيراد الروايات الإسرائيلية، والإكثار منها من غير نقد، أو مناقشة إلا نادرا، بل أحيانًا يبدو مولعا بتتبع التفصيلات المختلفة للقصص القرآني حسب ما رواها أهل الكتاب، فلا يكاد يغادر صغيرة ولا كبيرة مما سطره الثعلبي في عرائسه إلا نقله (2) وزاد على ذلك ما نقله بعض المفسرين كالإمام ابن جرير الطبري والخازن، والبغوي (4) من إسرائيليات، فجمع دون تمييز، أو تعقيب، إلا أن كان في القصة مساس بعصمة نبي من أنبياء الله، أو ملك من ملائكته، فقلما يسكت عنها، بل يجتهد في ردها وإبطالها.
(4)
(1) أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات ..... ص (230).
(2) لدرجة أنه عقد فصلا كاملاً نقله من عرائس القرآن للثعلبي انظر الهميان ج 2/ 12 ص (410) وما
بعدها.
(3) الطبري: جامع البيان انظر على سبيل المثال ج 1 ص (501) وما بعدها، ج 17 ص (181) وما بعدها، ج 9 ص (174) وما بعدها، ج 10 ص (302) وما بعدها، ص (506) وما بعدها. (4) الخازن: تفسير الخازن وبهامشه تفسير البغوي انظر على سبيل المثال ج 1 ص (88) وما بعدها، ج 2 ص (274) وما بعدها، ج 3 ص (261) وما بعدها. (1/284)
صفحة 285
مذهب الشيخ أطفيش العقدي
المبحث الأول: موقف الشيخ أطفيش من المتشابه.
المبحث الثاني: موقف الشيخ أطفيش من مسألة خلق القرآن الكريم. المبحث الثالث: موقف الشيخ أطفيش من مسألة رؤية الله تعالى.
المبحث الرابع: رأي الشيخ أطفيش في حقيقة الإيمان. (1/285)
صفحة 286
T
توطئة
286
مذهب الشيخ أطفيش العقدي هو ما عليه الإباضية، وقد تقدم ذكر أصولهم العقدية؛ لذا أرى الاكتفاء بذكر أربع مسائل في هذا الفصل كأنموذج لمنهج الشيخ أطفيش في العقيدة، الأولى موقفه من المتشابه مع بيان موقف
من
المسلمين من قضية التأويل، ومنشأ الخلاف فيها، وحقيقته، وعرض أمثلة الألفاظ القرآنية المضافة إلى الله تعالى والتي يوهم ظاهرها التشبيه والتجسيم، والثانية موقفه من خلق القرآن ومجمل ما قيل فيها، والثالثة: موقف الشيخ من رؤية الله تعالى وطريقته في معالجتها وتحليلها وخلاصة ما قيل فيها، والرابعة: رأيه في حقيقة الإيمان. (1/286)
صفحة 287
287
المبحث الأول:
موقف الشيخ أطفيش من المتشابه
إن الذي أعنيه بالمتشابه هنا الألفاظ القرآنية المضافة إلى الله، والتي يوهم ظاهرها التشبيه والتجسيم، كاليد والعين والوجه والاستواء والمجيء ... إلخ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.
يقول الشيخ علي الطنطاوي: «لقد وصف ربنا نفسه في القرآن بألفاظ موضوعة في الأصل للدلالة على معان أرضية، ومقاصد بشرية، مع أن الله ليس كمثله شيء، وهو الرب الخالق تعالى عن أن يشبه المخلوقين، ولا يمكن أن تفعهم هذه الألفاظ حين إطلاقها على الله بالمعنى نفسه الذي تفهم به حين
إطلاقها على المخلوق» المصدر: تعريف عام بدين الإسلام ص (86).
لقد انقسم المسلمون إزاء هذه القضية إلى فريقين: أهل التفويض، وأهل التأويل، مع إجماعهم على تنزيه الله تعالى عن الحدوث، والمشابهة، والحلول، فأهل التفويض لم يقولوا شيئًا في معنى هذه الألفاظ، وإنما فوضوا الأمر إلى الله سبحانه، أما أهل التأويل فقد أوّلوا هذه الألفاظ على مقتضى لغة العرب، وعلى معنى يليق بجلال الله تعالى، وقد أخذ بهذين القولين سلف هذه الأمة وخلفها (1) بمعنى أنه سكت عنها من سكت من السلف لفهمهم بمقتضى
(1) انظر الزركشي: البرهان ج 2 ص (89) السيوطي: الإتقان ج 3 ص 12 - 14) الزرقاني، مناهل العرفان ج 2 ص (41) لاشين: اللآلئ الحسان ص (160) الصالح: مباحث في علوم القرآن
ص (282). (1/287)
صفحة 288
288
معالم ورؤى
التأويل،
السليقة المقصود من هذه الألفاظ القرآنية دون أدنى التباس يقتضي وأولها من أولها منهم قطعا لدابر المجسمة، وأصحاب العقائد المنحرفة.
منشأ الخلاف (1)
&
إن اختلاف العلماء في تأويل المتشابه ناشئ عن اختلافهم في موضع الوقف في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبَّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبَبِ} [آل: عمران 7] هل الوقف على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله، أم الوقف على قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فأهل التفويض يرون أن الوقف لازم على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وعليه، فإن الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ * هي واو الاستئناف، وتبدأ بها جملة جديدة تعني أن الراسخين في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، أما أهل التأويل فيرون أن الوقف على قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» وعليه فإن الواو في قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ) هي واو العطف، فالراسخون في العلم يشاركون الله في معرفة المتشابه، ولما انتشر الإسلام، وظهرت البدع، وجد أعداء الإسلام مدخلا للقول بالتشبيه، فظهرت الحشوية المجسمة (2) الذين
(1) انظر الطبري: جامع البيان ج 3 ص (182) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (346) الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (413) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 2، ج 2 ص (16) الطبطبائي: الميزان في تفسير القرآن ج 3 ص (49) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (19 - 20) عناية هدى الفرقان ج 4 ص (134). (2) الحشوية هم الذين شبهوا الله بخلقه، وسبب تسميتهم بذلك أن الحسن البصري، كان يلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يوما أناس من رعاع الرواة، ولما تكلموا بالسقط عنده قال: ردوا هؤلاء إلى حشل، الحلقة، أي جانبها فسموا بالحشوية، وهو لقب تحقير على الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث المسرفة في التجسيم من غير تفنيد، بل فضلوها على غيرها، وأخذوها بظاهر لفظها كحشوية الحنابلة انظر: الكوثري حاشية السيف الصقيل المقدمة، دائرة المعارف الإسلامية مادة الحشو: ج 7 ص (439) وقال الفراهيدي في كتابه العين، جا ص (388): «الحشو من الناس من لا يعتد به ولا يزال الفكر الحشوي موجودا، تحمل رايته (1/288)
صفحة 289
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في
سير
289
يقولون بظاهر اللفظ، ويزيدون للتمويه على طلابهم والعوام عبارة «كما يليق بجلاله ولمزيد من التضليل فهم يقتطعون النصوص، والشواهد القرآنية، ويجردونها من سياقاتها.
(2)
تلك السياقات التي وردت في الآيات الكريمة ضمن نسق خاص، ونظم متناسق وموضوع مترابط، وقد أدى هذا الاقتطاع للنصوص إلى إبطال مفعولها النفسي، وأثرها الروحي على المتلقين، فحدث غبش في قلوب الحشوية، وصدأ في عقولهم، فهم لا يتورعون من تجسيم الله، وتشبيهه بخلقه، بل يلحون على ذلك على حد قولهم: كما يليق بجلاله» وبهذا أصبحت عقيدة الحشوية لا تملأ العقل إلا شكّا وتناقضا، ولا تزيد القلب إلا ريبًا وغبشا، ولا تحدث في النفس إلا حيرة وباطلا (1) وقد رد الإمام ابن الجوزي الحنبلي على مجسمة الحنابلة قائلا: ورأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ... فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة، ووجها زائدا على الذات، وعينين، وفمّا، ولهوات، وأضراسًا، وأضواء لوجهه هي السبحات، ويدين، وأصابع، وكفا، وإبهاما، وصدرا، وفخذا، وساقين، ورجلين وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس ... ثم يرضون العوام بقولهم لا كما يعقل، وقد أخذوا بالظاهر من الأسماء، والصفات، فسموها
=
السوداء الوهابية المجسمة، مستغلة في ترويجه والدعاية له الحرمين الشريفين، ووفرة المال ومع. هذا فقد بدأ هذا الفكر - والحمد لله - يتداعى في عقر داره على يد أتباعه، الذين بان لهم
زيفه، وظهر لهم فساده، فهو في طريقه إلى زوال إن شاء الله هكذا يقول الواقع.
(1) المالكي: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي نموذجا ص (234 - 251). (2) هو أبو الفرج عبد الرحمن بن على التيمي البكري القرشي البغدادي، حنبلي المذهب، كان واعظا ومفسرا مات سنة (597 هـ) من مؤلفاته: «زاد المسير في علم التفسير» و «صيد الخاطر» و «المنتظم في التاريخ انظر: ابن العماد «شذرات الذهب، ج 6 ص (537) الزركلي: الأعلام
ج 3 ص (316). (1/289)
صفحة 290
290
معالم ورؤى
بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل، ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث، ولم يقنعوا بأن يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل يد على نعمة وقدرة ومجيء وإتيان على معنى بر ولطف، وساق على شدة بل قالوا نحملها على ظواهرها المتعارفة، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يحمل على حقيقته إذا أمكن ثم يتحرجون من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام ... ».
تعلق
يجمع
من
وقال في شأن مجسمة أهل الحديث: «واعلم أن المحدثين حملوا ظاهر ما صفات الباري سبحانه على مقتضى الحس، فشبهوا لأنهم لم يخالطوا الفقهاء، فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المحكم، وقد رأينا في زماننا من الكتب منهم، ويكثر السماع ولا يفهم ما حصل المصدر: تلبيس إبليس ص (127)، ويري سلامة القضاعي أن تسميتها صفات: «مغالطة من الحشوية، وباطل مكشوف للناقد البصير، فإن الوجه والعين والرجل، والساق، أجزاء، وأبعاض وأعضاء؛ لما هي فيه من الذوات لا معان وأوصاف تقوم مما ألحقوها به من الحياة والعلم، والإرادة والقدرة؟
بموصوفاتها، فاين هي م وهل تسميتهم لها بالصفات إلا ستر لموقفهم من التشبيه بما لا يسترهم عن ذوي الأنظار النافذة» (2) بظهور فئة الحشوية المجسمة ظهرت الحاجة إلى التأويل أكثر من ذي قبل، ولقد اختاره المحققون من سلف هذه الأمة (3) قال
(1) ابن الجوزي، دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ص (99 - 101). (2) القضاعي فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان ص (80). (3) الجويني: الإرشاد إلى قواطع الأدلة وأصول الاعتقاد ص (157) البيجوري: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص (57) المقدسي: المسامرة في شرح المسايرة ص (37). (1/290)
صفحة 291
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
291
سلامة القضاعي: وعليه المحققون من السلف ولقد جاء في مقدمة إيضاح الدليل: «والحاصل أن السلف والخلف مؤولون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره، ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى، وتأويل الخلف تفصيلي لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين» يقول الشيخ علي الطنطاوي: «المسلمون الأولون، وهم سلف هذه الأمة، وخيرها وأفضلها، لم يتكلموا فيها ... ولم يخوضوا في شرحها، بل آمنوا بها كما جاءت من عند الله على مراد الله. فلما انتشر علم الكلام، وأوردت الشبه على عقائد الإسلام، ظهرت طبقة من العلماء، انبرت لرد هذه الشبه نكلم هؤلاء في آيات الصفات، وفهموها على طريقة العرب في مجاوزة المعنى الأصلي للكلمة إذا لم يمكن فهمها به إلى معنى آخر، وهذا ما يسمى (المجاز) أو (التأويل) المصدر: تعريف عام بدين الإسلام ص (89 - 90)».
«(9 19)
وقد اعتمد الشيخ أطفيش رأي من يقول بالتأويل (3) وذلك بوجوب رد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها؛ لأن المحكم هو أصل الكتاب العزيز، ولأنه يدل على معنى واحد دلالة واضحة قطعية لا تحتمل تأويلا، ولا تخصيصا، ولا نسخا بخلاف المتشابه، الذي يحتمل أكثر من معنى) وكذلك مما يوجب رد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات إزالة ما يتوهمه القارئ أنه تناقض بين آيات الكتاب العزيز وإغلاق الباب أمام أصحاب العقائد
(1) القضاعي: فرقان القرآن ........ ص (98).
(2) ابن جماعة: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل ص (47). (3) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (21) التيسير ج 2 ص (10) ج 14 ص (30 ـ 31) وهذا هو رأي الإباضية أيضا انظر: ابن بركة الجامع ج 1 ص (56) الكندي: بيان الشرع ج 1 ص (209)
الشقصي: منهج الطالبين ج 1 ص (237) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (64، 83). (4) السيوطي: الإتقان ج 3 ص (3) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (64) بهجة الأنوار ص (92) الجرجاني: التعريفات ص (259) العك: أصول التفسير وقواعده ص (335) الزرقاني:
مناهل العرفان ج 2 ص (530) الراغب الأصفهاني: المفردات ص (443). (1/291)
صفحة 292
292
معالم ورؤى
المنحرفة. في هذا السياق يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله: « ... أن رد الآيات المتشابهات إلى المحكمات، هو الذي يجعلنا نتفادى التناقض في القرآن الكريم) ولو حملنا الألفاظ على ظاهرها؛ لأدى ذلك إلى التناقض ... ثم إن حمل الألفاظ على ظاهرها، وعدم التأويل، يفتح الباب على مصراعيه لأصحاب العقائد المنحرفة الضالة على اختلافها» (2).
يقول الشيخ أطفيش: «ومذهبنا ومذهب أبي الحسن الأشعري تأويل المتشابه ... » (3) فالشيخ أطفيش حين يتعرض للألفاظ القرآنية المضافة إلى الله سبحانه، والتي يوهم ظاهرها التشبيه، فإنه لا يتردد في تأويلها بمقتضى اللغة، وبما يوافق مبدأ التنزيه المطلق للباري على منهج مذهبه. فمثلا عند تفسيره عل لقوله تعالى: أَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ أَن يَحْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16] يقول: «وتأويل المتشابه هو الحق ... وكثيرًا ما أوَّل ابن عباس وغيره من الصحابة المتشابه، فلو كان التأويل حرامًا، أو مكروها لما فعلوه ... وفي تركه مع إمكانه تقصير في الدين وإبقاء للمرتاب على ارتيابه، وتقوية وإعانة للشبهة، وأما قوله: [آمنوا بمتشابهه] (4) فليس فيه النهي عن التأويل، بل أمر بالإيمان به ونهي عن إنكاره، وجعله من غير الله، أو أمر بالوقف لمن لم يدرك التأويل» (5) فالشيخ أطفيش رحم الله يفسر هذه الألفاظ القرآنية بردها إلى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] وهي 11]
الآية
(1) يريد بذلك ما يتوهمه القارئ أنه تناقض وإلا فإن القرآن الكريم صانه الله من أي نقص أو عيب أو تناقض.
(2) الخليلي: الآيات المتشابهات في القرآن الكريم ص (25، 26).
(3) أطفيش تيسير التفسير ج 8 ص (134).
(4) رواه البخاري في صحيحه - فتح الباري - 65 كتاب التفسير تفسير سورة آل عمران باب 8
حديث رقم 4547 ج 8 ص (57).
(5) أطفيش تيسير التفسير ج 14 ص (30 - 30). (1/292)
صفحة 293
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
293
المحكمة التي تنص على التنزيه المطلق للباري ولا عن الحدوث، والمشابهة، والحلول، وحتى يتضح موقف الشيخ أطفيش من هذه القضية، أذكر هنا مثالين من تفسير الشيخ للمتشابه من الألفاظ القرآنية المضافة إلى الحق سبحانه، والتي يوهم ظاهرها التشبيه والتجسيم:
الأول: الوجه
يفسر الشيخ وجه الله بمعنى ذاته تعالى، وذلك عند تفسيره لقول الله الله: وَاللَّهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَ وَجْهُ اللهِ} [البقرة: 15] وقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِك إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] وقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27] يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {إِلَّا وَجْهَهُ: «إلا ذاته الواجب للوجود، والوجه يعبر به عن الذات، قيل كل عمل لم يرد يرد به الله، فهو ضائع إلا ما أريد به الله» ويستفاد هذه العبارة أن من الشيخ أطفيش يأتي أولاً بالرأي الذي يعتمده، ثم يستأنس بأقوال أخرى يلتقطها من خلال مطالعاته لكتب التفسير وغيرها، ويكاد يجمع على تفسير الوجه بالذات (2).
الثاني: اليد
المفسرون
فسر الشيخ أطفيش اليد في قول الله ال: قَالَ إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بيدَى [ص: 75] وفي قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بِأَيْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}
(279)
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 12 ص (305) وللمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (279) ج 14 ص (87).
(2) انظر الطبري: جامع البيان ج 10 ص (119) الزمخشري: الكشاف ج 4 ص (646) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص (403) البيضاوي: أنوار التنزيل ص (675) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد (19) ج 17 ص (151) الطبرسي: مجمع البيان مجلد 26 ص (92) الرازي: مفاتيح الغيب ج 29 ص (93) ابن الجوزي: زاد المسير ج 6 ص (118) ج 7 ص (261) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 5 ص (246) الألوسي: روح المعاني ج 27 ص (108) أبو حيان: البحر المحيط ج 7 ص (133) النسفي تفسير النسفي مجلد 2 ج 4 ص (209). (1/293)
صفحة 294
294
معالم ورؤى
[الذاريات: 47] بالقوة والقدرة) وفسرها بالنعمة في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَعْلُولَةٌ غُلَتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] إذ يقول: «كناية عن سعة الإنفاق ... ويجوز أن يكون المراد باليدين النعمتين كل واحدة منهما عامة في جنسها إحداهما نعمة الدنيا، والأخرى نعمة الآخرة، ودخل فيها النعمة الظاهرة، والنعمة الباطنة» (3) والذي يلحظه القارئ أن الشيخ أطفيش رحم الله لم يفسر اليد منفصلة عن السياق الذي وردت فيه بل نظر إلى سياق الآيات، فأوَّلها بالقوة والقدرة عندما كان الحديث عن ذلك، وأولها بالنعمة والإنفاق عندما كان السياق يقتضي ذلك. إن مراعاة السياق أمر مهم جدا لتفسير آيات القرآن بصفة عامة، وهذه الألفاظ بصفة خاصة، ولو أخذ المانعون للتأويل بالتأويل لما كان لهذا الصراع الفكري أثر، ومن المعلوم أن هذه المعاني لهذه الألفاظ قد تكلم بها العرب، كما هو منقول في شعرهم ونثرهم، وما جاء القرآن الكريم إلا ليخاطبهم بما يفهمون من لغتهم العربية.
وعند تفسير قول الله الله: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ
:
أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] يذكر الشيخ أن المراد بيد الله في الآية هي يد رسوله صلى الله عليه وسلم على طريق التمثيل، إذ يقول: «فيد رسوله التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، والله منزه عن الجوارح، وصفات الأجسام، أي هو خبير بمبايعتهم فيجازيهم وعن ابن عباس يَدُ اللهِ بالوفاء بما وعد من الخير فوق أيديهم، وعن السدي يأخذون بيد رسول الله فيبايعونه، ويد الله فوق أيديهم، أي هم في حكمه، وقال الكلبي يده نعمته عليهم بالهداية فوق ما صنعوه من البيعة» (3).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 13 ص (57، 592). (2) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (517). (3) أطفيش هميان الزاد ج 13 ص (466). (1/294)
صفحة 295
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
1 295
وقد ذكر الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره الشهير وجهين من التأويل لمعنى يد الله في هذه الآية الكريمة: «أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة؛
لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه، والآخر: قوة الله تعالى فوق قوتهم في
(1)
نصرة رسوله؛ لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نصرته على العدو)
وقال الزمخشري: يريد أن يد رسول الله التي تعلو أبدي المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده الله من غير تفاوت بينهما (2) ويقول العلامة ابن كثير: مع أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله (3).
وما قاله هؤلاء المفسرون الثلاثة هو الذي ذهب إليه الإمام الجويني وقال به أئمة التفسير قاطبة () وبالجملة فإن الشيخ أطفيش رحمة الله يؤول جميع الألفاظ القرآنية المضافة إلى الله تعالى، والتي يوهم ظاهرها التشبيه، وذلك تنزيها الله تعالى عن كل ما لا يليق بذاته العلية، ومن ذلك فسر استواء الله تعالى على العرش بمعنى الغلبة والقهر والملك، وتوجيه الإرادة الإلهية، وفسر مجيء الله تعالى بمعنى وقوع أمره، وحدوث بطشه، وفسر عين الله بالحفظ والرعاية، وفسر الساق بمعنى شدة الأمر وعظمه وفسر ملاقاة الله بمعنى جزائه ثوابًا كان
(1) الطبري: جامع البيان ج 11 ص (339).
(2) الزمخشري: الكشاف ج 3 ص (543). (3) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص (185). (4) الجويني: الإرشاد ص (155).
(5) انظر: الرازي: مفاتيح الغيب ج 12 ص (35) ج 28 ص (75) أبو حيان: البحر المحيط ج 3 ص (533) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 5 ص (157) البيضاوي: أنوار التنزيل ص (652) ابن الجوزي: زاد المسير ج 2 ص (298) ج 7 ص (163) النسفي: تفسير النسفي مجلد 2 ص (158) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 8 ج 16 ص (244) الألوسي: روح المعاني: ج 26 ص (251) الشوكاني فتح القدير ج 5 ص (59). (1/295)
صفحة 296
296
معالم ورؤى
أو عقابا والحق أن ما قاله الشيخ أطفيش الله في المراد بهذه المسائل قد قال به عامة المفسرين الجهابذة والعلماء المحققين).
(1) انظر على التوالي أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (406) ج 2/ 6 ص (104 ـ 108) ج 2/ 10 ص (11 ـ 12) ج 5 ص (160) ج 3 ص (160) ج 15 ص (293) ج 1/ 8 ص (190) ج 2/ 10 ص (36) (293) (190) 2/ 10 ج 11 ص (121) ج 14 ص (355 - 356) ج 2 ص (18).
:
-
(2) انظر الجويني: الشامل في أصول الدين ص (553) البيهقي: الأسماء والصفات ص (412) ابن جماعة: إيضاح الدليل ص (103) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 7 ج 14 ص (94 ـ 96) الزمخشري: الكشاف ج 2 ص (530) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 3 ص (614) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 3 ج ه ص (182) ابن الجوزي: زاد المسير ج 1 ص (205) الجويني: الإرشاد ص (159) لطبري: جامع البيان ج 12 ص (197) ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ص (118) الحلبي: الدر المصون ص (105). (1/296)
صفحة 297
297
المبحث الثاني:
موقف الشيخ أطفيش من مسألة خلق
القرآن الكريم
إن مسألة خلق القرآن مسألة شغلت بال الكثير من المسلمين حتى جعلها البعض منهم حدًا فاصلاً بين الكفر والإسلام، وما كان لها أن تكون كذلك لولا ما ارتبط بها من بعد سياسي، وأثر عاطفي) وخلاصة القول فيها هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ ولا يهمني من قال بهذا أو ذاك، بقدر ما يهمني تحرير محل الخلاف في المسألة، وموقف الشيخ من هذه القضية، وما ذهب إليه المحققون من المفسرين وغيرهم في شأن هذه المسألة.
ولمعرفة محل الخلاف لابد من تحديد المراد بكلام الله تعالى الذي هو القرآن عند كل من الفريقين، والذي يظهر أن ما يعنيه الذين يقولون بقدم القرآن ذلك: «القول القائم بالنفس الذي تدل عليه العبارات، وما يصطلح عليه من الإشارات» (3) أي يعنون بقولهم هذا الكلام الذي هو صفة ذات، واصطلحوا
هو
(1) ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل ج 3 ص (25) ابن تيمية: فتاوى ابن تيمية مجلد 2
ص (382).
(2) لقد اعتنق الخليفة العباسي المأمون الفكر الاعتزالي فحمل الناس عليه فظهر في عهده ما يعرف بمحنة خلق القرآن التي عذب عليها أحمد بن حنبل وغيره. انظر الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 8 ص (631 ـ (644) ومن هنا نجد أن الوهابية - حشوية الحنابلة وخوارج العصر - يبدون اهتماما وانفعالا شديدين بهذه المسألة ويعتبرونها من أهم مسائل العقيدة تعاطفا أحمد بن حنبل. (3) الجويني: الإرشاد ص (104) التفتازاني: شرح المقاصد ج 4 ص (144) الباقلاني: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص (106). (1/297)
صفحة 298
298
معالم ورؤى
على تسميته بالكلام النفسي، وهذا لم يقل أحد بحدوثه. أما الذين قالوا بخلق القرآن فما أرادوا بذلك الكلام النفسي، وإنما أرادوا هذا القرآن الذي بين أيدينا، المكتوب في المصاحف المتلو بالألسن المحفوظ في الصدور .... الخ وهذا لم يقل عاقل بقدمه إلا غلاة الحنابلة والحشوية، والكرامية). ولقد أنكر الإمام الفخر الرازي على الحنابلة القائلين بقدم الحروف القرآنية عند تفسيره لقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَابِي حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلَى حَكِيمُ}} [الشورى: 51] حيث يقول في شأنهم: «وهؤلاء أخس من أن يذكروا في زمرة العقلاء، واتفق أني قلت يوما لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما إن يتكلم بها دفعة واحدة، أو على التعاقب، والتوالي، والأول باطل؛ لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، والثاني باطل؛ لأنه لو تكلم بها على التوالي، والتعاقب كانت محدثة، ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام، قال الواجب علينا أن نُقرَّ ونمُرَّ، يعني نقر بأن القرآن، قديم، ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه، فتعجب من سلامة قلب ذلك القائل، وأما العقلاء من الناس، فقد أطبقوا على أن هذه الحروف، والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت معدومة، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة أو لا يقال ذلك، بل يقال إنها حادثة، أو يعبر عنها بعبارة أخرى» (2).
ويقول السيابي مبينا مدى اهتمام الحنابلة بمسألة خلق القرآن، وسبب ذلك: «. بينما الحنابلة يرونها من أهم مسائل العقيدة، ويهتمون بها اهتمامًا
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (59) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 7 ج 14 ص (186). (2) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 14 ج 27 ص (161). (1/298)
صفحة 299
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
299
بالغا ... وما ذلك إلا لكون هذه المسألة قد عُذب عليها «أحمد بن حنبل» قضية عاطفية نفسية ليست إلا ومن المصائب في الدين أن تكون العاطفة مقياس الخطأ أو الصواب ... »).
فالقضية هي
ويقول التفتازاني: «ولا عبرة بكلام الحشوية، والكرامية، فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة، وهو في التحقيق عائد إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وأن القرآن المتلو هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حسي، وإلا فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي ولا لهم - أي المعتزلة - في قدم الكلام النفسي لو ثبت». وهذا هو موقف الشيخ أطفيش رحم الله من هذه القضية التي كثر حولها الجدل حيث يقول عند تفسيره لقوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] بعد أن بيّن بما خاطب الله الملائكة: «وهذا ما ظهر لي بعد استفراغ الوسع والنظر، وهو الحق إن شاء الله من كون كلامه تعالى قسمين: الأول: صفة فعل ودخل فيه خطابه لمن ذكر كله ... والثاني: صفة ذات وهو معنى نفي الخرس مع التنزه عن الجوارح، وصفات المخلوقات، وذاته تعالى كافية في علم كل شيء بلا أول، ولا إثبات للكلام النفسي، كما زعم قومنا أنه ثابت كما يثبت كلام الإنسان في نفسه، ثم يتكلم بألفاظ تدل عليه ... وكلامه كله قديم بهذا المعنى، وهو أنه ثابت في النفس الواجب الوجود بلا أول ... كما يجيء وقته، فيعبر عنه بألفاظ مخلوقة حيث شاء، فألفاظ القرآن عندهم مخلوقة كما عندنا، والعلم بها أنها ستكون، وبمعانيها عندنا قديم عندهم غير أنهم أثبتوا الكلام النفسي، ونفيناه، والحق نفيه لأنّ إثباته يستلزم كون الله جل وعلا عن كل نقص ... على ما زعموا من قدم، وانفراد القديم لتباين الظرف والمظروف، سبحانك ربنا عن كل من لا يليق» (3).
مثلا
كما
(1) السيابي: الرد على فتوى ابن باز ص (29، 30). (2) التفتازاني: شرح المقاصد ج 4 ص (146). (3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (447، 448). (1/299)
صفحة 300
معالم ورؤى
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) [الأعراف: 143] ردا على الحنابلة: «وزعم الحنابلة أن كلام الله مطلقا حروف وأصوات مقطعة قديم، يرده أنه إن كانت إلى الآن يصوت بها متكررة، أو غير متكررة، فهذا عين الحدوث، وإن انقطع التصويت بها فقد فنيت، وما فني فحادث، وهذا المصوت إن كان الله - حاشاه - فقد جعلوه محلا يخرج منه
(1)
الصوت، وإن كان غيره فالكلام لغيره لا له) ويقول أيضا: «وقال جمهور المتكلمين كلام الله صفة مغايرة لهذا الحروف والأصوات، وتلك الصفة قديمة أزلية ... وقلنا معشر الإباضية: إن كلام الله قسمان: الأول: خلق الأصوات في جسم، أو عرض، والثاني: نفي الخرس يقول: الله مكلّم تريد أنه لا يجوز وصفه بالخرس، وزعم أهل السنة وجمهور السلف والخلف من غيرنا أن کلامه قديم أزلي وسكتوا عن الخوض في حقيقته» (2) وإلى هذا ذهب الإمام نور الدين السالمي الله إذ يقول: «وإنما الخلاف في الصفة الذاتية المسماة بالكلام، فذهبت الأشعرية وطائفة من المشارقة - أي الإباضية - إلى أنه قديم لأنه صفة ذات وصفات الذات قديمة، وأطلقوا عليها اسم قرآن، فقالوا: القرآن الذي هو صفة الذات ليس بمخلوق، ولم يقم على تسمية الكلام الذاتي بالقرآن دليل، ولكن لهم أن يصطلحوا على ذلك، فيكون الخلاف لفظيا حاصله، هل يسمى الكلام الذاتي قرآنًا أم لا؟ (3).
ويقول في موضع آخر: واختلف في إثبات الكلام صفة ذات، الجمهور منا ومن غيرنا إلى أنها تكون صفة ذات وصفة فعل، وذهب المعتزلة وبعض أئمتنا إلى أنها صفة فعل فقط ويقول الإمام الثميني و الله تعالى: اعلم أن الكلام تارة
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 6 ص (236). (2) أطفيش ن. م. س ج 2/ 6 ص (237). (3) السالمي: ن. م. س ج 1 ص (344). (1/300)
صفحة 301
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
يضاف إلى الله تعالى على معنى نفي الخرس، فتكون صفات ذات، وتارة يضاف إليه على معنى أنه فعل له فيكون صفة فعل، فمعنى كونه متكلما على الأول أي ليس بأخرس، وعلى الثاني خالق الكلام».
في
وقد بين ما تقدم سماحة الشيخ الخليلي حفظه الله أحسن بيان، إذ يقول: ونحن عندما نتحدث عن خلق القرآن، فإنما نتحدث عن هذا القرآن المتلو بالألسن المكتوب في المصاحف ... ولسنا نتحدث عن الكلام النفسي، إذ لم يقم شاهد من الكتاب ولا من السنة على تسميته قرآنًا، وإنما اصطلحت الأشاعرة على تسميته بذلك، ولا مشاحة في الاصطلاح، غير أنهم لم يستندوا اصطلاحهم هذا على شيء ثابت سماعه، فلذلك لا نعول عليه، ونحن نثبت الله صفة الكلام ... ومما يجب أن يستقر في الأذهان عند الحديث عن خلق القرآن، أنه لا يقصد بالقرآن علم الله بما أنزله من كتبه على رسله، فإنه لا يماري أحد في قدم علمه تعالى بهذه الكتب إلا الذين قالوا بحدوث صفاته سبحانه ولا يعبأ بهم غير أن قدم العلم لا يقتضي قدم المعلوم، فالله سبحانه عليم بكلام البشر علمًا أزليّا كما أنه عليم بكلامه، وعليم بكل مخلوقاته، فهو عليم بما كان، وما يكون وما لم يكن أن لوكان كيف يكون، ولكن لا يستلزم ذلك قدم شيء من هذه المعلومات بحال، ولذلك قال بعض السلف القرآن حادث، وعلم الله به قديم ... » (3).
ويقول المحقق الخليلي الله: «وقد كان علم الله الذي هو من صفات ذاته ولا توراة معه ولا إنجيل ولا زبور ولا صحف ولا، قرآن، وهو الآن على ما هو عليه كان؛ لأن الصفات الذاتية لا يجوز عليها التكثر ولا التبديل، ولا التغير أصلا، وإنما تختلف آثارها، ومدلولاتها وتكثر أو تقل بحسب التجدد
(1) الثميني: معالم الدين ج 2 ص (9). (2) الخليلي: الحق الدامغ ص (103). (1/301)
صفحة 302
302
معالم ورؤى
والحدوث معلوماتها، والآثار كلها مخلوقة قال الله تعالى: {فَانظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: 50] فالكتب المنزلة إنما هي في الحقيقة مدلولات علمه الذي هو من صفات ذاته الا الله، لا هي نفس صفة العلم الذي هو صفة لذاته القديمة، وإلا لكان التوراة والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وموسى، والقرآن، وجميع الوحي كله قديمًا موجودًا في الأزل مع الله تعالى بهذه الألفاظ المخلوقة المحدثة على كثرتها، فيكون كثير من المخلوقات قديمًا موجودًا في الأزل مع الله القديم الأزلي، وهذا باطل إذ لا قديم سواه، وكل شيء غيره حادث، ولا يمكن أن يكون القرآن مثلا قديمًا معه بلا وجدان صورته، مكتوبًا أو متلوّا بألفاظه وكلماته؛ لأنه من القول بوجدان حقيقة لم توجد، وهو محال، فعلم ضرورة أن القديم الذاتي علمه بالقرآن، والتوراة، والإنجيل كما أن علمه بغيرهن من الكائنات قديم أيضا؛ لأنه صفة ذاتية للقديم الأزلي الواجب الوجود الا الله، وهذا ما لا يجوز الاختلاف فيه أبدا»).
،
ومما تقدم يتضح الفرق بين الكلام النفسي والكلام الموحى به إلى الخلق، كما يتضح الفرق بين الوحي، وعلم الله به، ويتضح أيضا وجه إضافة هذا الكلام الموحى إلى الله تعالى وحده، وعدم جواز إضافته إلي غيره تعالى، اللهم إلا أن يكون ذلك تجوزًا كما أضافه سبحانه إلى جبريل في قوله: {إِنَّهُ لَقَولُ رَسُول كريم} [الحاقة: 40 والتكوير: 19] وإلى هذا ذهب المحققون من الأشاعرة (2) ومنهم الإمام الفخر الرازي؛ إذ يقول في مقدمة تفسيره المسألة العاشرة: الكلام الذي هو متركب من الحروف، والأصوات، فإنه يمتنع في بديهة العقل كونه قديما لوجهين:
(1) الخليلي: تمهيد قواعد الإيمان ج 2 ص (9، 10). (2) للمزيد انظر: المقدسي: المسامرة ص (77) البياضي: إشارات المرام من عبارات الإمام ص (144) أبو دقيقة: القول السديد في علم التوحيد ج 2 ص (128 ـ 130). (1/302)
صفحة 303
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
303
الأول: أن الكلمة لا تكون إلا إذا كانت حروفًا متوالية، فالسابق المنقضي محدث؛ لأن ما ثبت عدمه امتنع، قدمه والآتي الحادث بعد انقضاء الأول لا شك أنه حادث، والثاني: أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة، لم تحصل الكلمة لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة، فلو حصلت الحروف معا، لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه
أولى من وقوعها على سائرها، ولو حصلت على التعاقب كانت حادثة» (1).
بل ذهب إلى أبعد من هذا عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] حيث يقول: «دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى، والناس مختلفون في كلام الله تعالى، فمنهم من قال: كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة، ومنهم من قال كلامه صفة حقيقية مغايرة للحروف والأصوات، أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون، اتفقوا على أنه يجب كونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن، وزعمت الحنابلة، والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه» (2).
وقال أيضا في معرض رده على المعتزلة عند تفسيره لقوله تعالى: {مَا يأتيهم من ذِكْرِ مِن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 2]: «المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن، محدث، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ العلمينَ} [ص: 87] .. والجواب من وجهين الأول: أن قوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ .... إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات، فإذا ضممنا إليه قوله: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ لزم حدوث المركب من الحروف
(1) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 1 ج 1 ص (36). (2) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 7 ج 14 ص (186). (1/303)
صفحة 304
304
معالم ورؤى
والأصوات، وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر» ().
أمسك
ويقول العلامة ابن عاشور في تفسيره لسورة النساء بعد حديثه عن كلام الله المنزل بواسطة الملك على الرسل المسمى بالقرآن وبالتوراة، وبالإنجيل، وبالزبور: «وهذا لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدين، ولكن بعض أئمة الإسلام عن التصريح بحدوثه، أو بكونه مخلوق في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة، أو ظلمة المكابرة والتحفز إلى النبز، والأذى دفعا للإيهام، وإبقاء على النسبة إلى الإسلام، وتنصلا من غوغاء الطغام» (2) ومما قاله هذان المفسران الأشعريان يتبين أن موقف الأشاعرة من هذا القرآن المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم المتلو بالألسن المحفوظ في الصدور، المكتوب في المصاحف لا يختلف عن موقف الإباضية، وموقف المعتزلة وغيرهم من القائلين بخلقه، وهو ما نص عليه المحقق الخليلي بقوله: «قد اتفقنا نحن والأشعرية أنه مخلوق، وصرح بذلك الشيخ أبو سعيد، ومحمد بن محبوب واتفق عليه أصحابنا المغاربة وفاقًا للمعتزلة، ولا منكر لذلك فيما قيل إلا بعض الحنابلة» (3) وهذا الذي يعنيه الإمام السالمي حيث جعل الخلاف بين الإباضية، والأشاعرة خلافا لفظيًا فقط (4).
وقد وجه سؤال يتعلق بمسألة خلق القرآن إلى الشيخ خلفان بن جميل السيابي لان فأجاب عنه بقوله: «واعلم أن مسألة خلق القرآن ليست من مسائل
(1) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 11 ج 22 ص (121) وللمزيد انظر نفس المصدر: مجلد 12 ج 24
ص (105).
(2) ابن عاشور: التحرير والتنوير ج 6 ص (38).
(3) الخليلي: تمهيد قواعد الإيمان ج 2 ص (6).
(4) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (60) وقد تقدم ذكره ص (237). (1/304)
صفحة 305
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
305
الدين التي تعبد الله بها عباده، ولا ألزمنا إياها كما ألزمنا صنوف العبادة، وليس من وجوبها من دليل في السنة، ولا في التنزيل، ولا في إجماع، ولا قياس جلي، ولم تذكر في عصر التشريع، ولا في عصر الصحابة من بعده والتابعين، وإنما حدثت بعدهم، وقيل: ألقاها رجل يهودي بين المسلمين، أظهر الإسلام والتنسك، فألقاها فتنةً وإضلالاً لهم، زعمه حسدًا، لما رأى من حسن الحال، واجتماع الشمل .... والتحقيق: إن أريد بالقرآن الحروف الملفوظة المتلوة المخطوطة، فإنها حادثة مخلوقة قطعا، وإن لوحظ علمه تعالى بالمعاني المودعة فيها، فإن علامه عليه الا الله ولا شك أنه قديم؛ لأن العلم من صفات الذات العلية، هذا تحقيق المقام والله أعلم المصدر: فصل الخطاب في المسألة والخطاب ج 1 ص (10 ـ 11).
هذا مجمل ما قيل في هذه المسألة، وموقف الشيخ أطفيش منها، وما أظن بعد ذلك أن مسلما يخاف الله تعالى ويخشاه ويحرص على وحدة الأمة، ولم أخاه المسلم بالكفر أو التضليل، أو الزندقة بسبب خلاف لفظي
شملها، يرمي
مسألة لا تعد من أصول التوحيد والعقيدة.
يقول السيابي مبينا درجة هذه المسألة عند الإباضية: «وهذه المسألة ـ أي مسألة خلق القرآن - يعتبرها البعض من الإباضية بأنها مسألة رأي لا مسألة دين، والآخرون وإن اعتبروها مسألة دين فهي عندهم في مرتبة ثانية بالنسبة إلى مسائل العقيدة الأخرى، ويكتفون من المسلم أن يعتقد أن القرآن كلام الله وحيه وتنزيله» (1).
وأرى أن الترف الفكري، وكثرة الجدال الذي عاشته الأمة الإسلامية، والأوضاع السياسية التي خلفتها الدول التي تعاقبت على حكم المسلمين بعد
(1) السيابي: الرد على فتوى ابن باز ص (29). (1/305)
صفحة 306
306
معالم ورؤى
الخلافة الراشدة من أقوى الأسباب التي أدت بالمسلمين إلى هذا الخلاف في مثل هذه المسائل الفكرية، مما كان له الأثر الأسوأ في تمزيق الأمة، وتراشق أبنائها بالتهم، والتنابز بالألقاب، والترامي بالأحكام القاسية، والتعصب الأعمى البغيض. (1/306)
صفحة 307
المبحث الثالث:
307
موقف الشيخ أطفيش من مسألة رؤية الله تعالى
إن مسألة رؤية الله الا الله من المسائل التي أشبعت بحثًا قديمًا وحديثًا حيث انقسم المسلمون إزاءها إلى قسمين قسم يؤمن باستحالتها، وآخر يؤمن بجوازها بدون كيفية، ولكل أدلته العقلية والنقلية والذي أريد إيضاحه هنا هو موقف الشيخ أطفيش من هذه المسألة.
لقد نالت هذه المسألة من الشيخ الله حظا وافرا من التحليل، والمناقشة، سلك في ذلك مسلك المتكلمين في الاحتجاج والرد، وأكتفي بذكر أربع آيات متعلقة بهذه المسألة، وقف عندها الشيخ باستفاضة؛ لإثبات استحالتها كما هو مذهبه، والآيات هي:
الآية الأولى: قول الله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَني) [الأعراف: 143] والآية الثانية: قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَر وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: (103) والآية الثالثة: قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] والآية الرابعة: قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] يبدأ الشيخ رحم الله في تفسير الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) بتعريف النظر، ثم يناقش المسألة قائلا:
(1) لمن أراد الاطلاع عليها فلينظر على سبيل المثال: السالمي: مشارق أنوار العقول ج 1 ص (362 - 395) الخليلي: الحق الدامغ ص (25 ــ 96) عزة: رؤية الله بين المثبتين والنافين الرازي مفاتيح الغيب مجلد 7 ج 13 ص (102 - 109) ج 14
ص (187 ـ 191). (1/307)
صفحة 308
308
معالم ورؤى
النظر توجيه البصر إلى شيء يدرك به، سواء أدركه أم لا، وليس مطلوبه به مجرد التوجيه، بل التوجيه لأجل الإدراك، فنفى الله سبحانه الإدراك لأنه محال من حيث إن ما تراه العين، لون والله منزه عن اللون ومحدود بالجهات، وحال في مكان أو في الهواء، والله منزه عن ذلك، فإنه يلزم من رؤية الله ـ حاشاه ـ أن يكون على لون من الألوان، وأن يكون في جهة وأن يكون له الجهات والحدود، وأن يحل في مكان أو في الهواء، وأن يكون جسما، أو عرضا، وأن تخلو عنه الأماكن التي ليس فيها عند رؤية الرائي، وذلك تشبيه بالخلق، ومستلزم للحدوث فإنه يكون بين الحادثين وعلى الحادث من هو حادث و مستلزم للتركيب والتركيب مستلزم للحدوث وللجهل ... وإن قيل: يدرك بغير اتصال شعاع العين به؟ قلنا: هذا نفي لرؤيته بالعين كما قلنا، وإثبات للعلم بحقيقته كما قال الإمامان الغزالي والفخر وغيرهما من المحققين: إن رؤيته أن يحصل للبشر إدراك بالنسبة إلى ذات الله تعالى، كنسبة الإبصار إلى المبصرات في قوة الظهور، وللمنقول محلها العين، ولا غير العين. قال الإمام الغزالي: إنما أنكر الخصم الرؤية لأنه لم يفهم ما نريد بها، وظن أنا نريد بها حالة تساوي الحالة التي يدركها الرائي عند النظر إلى الأجسام، والألوان هيهات نحن نعترف باستحالة ذلك في حق الله تعالى، وهذا أيضا لا نقبله عنه، فإن ذات الله أعظم من أن تدركها عقول البشر ولا غيرها أو تحيط به، وليس عند البشر معرفة كنه الله، وما عرفنا بالأدلة إلا أنه موجود عالم، قادر، حي، مريد قديم باق لا، جسم ولا عرض، وغير ذلك من الصفات، ولو جازت عليه الرؤية بالعين لجاز عليه اللمس والذوق، والشم، والسمع تعالى الله
(1)
ذلك ... ). عن
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 6 ص 238) - (239) وقد استمر الشيخ في تفنيد أدلة القائلين بالرؤية والرد عليهم انظر الهميان ج 2/ 6 ص (239 - 246). (1/308)
صفحة 309
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
وعند تفسيره للآية الثانية وهي قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) يؤكد الشيخ أن الإدراك مقصود به مطلق الرؤية، إذ لا دليل على تخصيصه بالإحاطة، وأن النفي في الآية لعموم السلب، بمعنى لكل بصر من كل زمان، ولما كان نفي الشركة مدحًا، وتعظيما، وكذلك فإن نفي الرؤية مدح، وتعظيم، وقد علمت الأشعرية بذلك، فاضطروا للقول بأن رؤيته بلا كيفية، فيقول: «لا تراه في زمان ما رؤية ما بصرما، ولا دليل على أن الإدراك موضوع لرؤية الشيء، ورؤية تفيد العلم من كل وجه لا لمطلق الرؤية، وأل في الأبصار للحقيقة فانتفى الإدراك أي الرؤية مطلقا عن حقيقة البصر، فكل ما يسمى بصرا لا يراه، أو للاستغراق حقيقة بمعنى كل، والنفي مع ذلك كلية لا كل، أعني لعموم السلب، ولو تأخرت عن النفي، وذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ} [القلم: 10] إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ) القمان: 18] ونحوه، والداعي لذلك أن دعوى جواز رؤيته يدل على جواز النقص عليه؛ لأن المرئي لون، وجسم، وحال في مكان وله عرض ... فالرؤية نقص في حقه فنفيه إياها عن نفسه نفي للنقص، كما نفى عن نفسه سائر النقائص، ولا يلزم امتناع الوصف لشيء للذات امتناع أن يكون نفيه فالشركة ممتنعة عن الله بالذات، وقد نفاها الله جل وعلا، فكما نفى الشركة مدحًا، وتعظيمًا، كذلك نفى الرؤية مدحًا، وتعظيما ... وإذا كان الإدراك موضوعًا لمطلق الرؤية فلم خصوه في الآية بالإحاطة، مع أن الحديث الداعي لذلك، وهو حديث الرؤية يجب تأويله لأدائه بلا تأويل إلى مستحيل، وقد علمت الأشعرية بذلك إلى أن تستروا إلى قولهم نرى بلا.
كيف ... » (1).
وقال الجصاص وهو من النافين للرؤية في نفي الإدراك بمعنى الإحاطة: ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة لأن البيت محيط بما فيه وليس مدركا
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 6 ص (202 - 204). (1/309)
صفحة 310
310
معالم ورؤى
الله
فقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ» معناه لا تراه الإبصار وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار كقوله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255] وما تمدح نفسه، فإن اثبات ضده ذم ونقص، فغير جائز إثبات نقيضه بحال، كما
بنفيه عن
جماعة
لو بطل استحقاق الصفة بلا تأخذه سنة ولا نوم لم يبطل إلا إلى صفة نقص، فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال، إذ كان فيه إثبات صفة نقص، ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ؛ لأن النظر محتمل لمعان منه انتظار الثواب، كما روي عن من السلف، فلما كان ذلك محتملاً للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بلا مسوغ للتأويل فيه» (1) وفسر الشيخ أطفيش نحمدالله الزيادة في الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةُ، بما يتفضل الله تعالى به لأهل الجنة من النعيم المتجدد الدائم فيها لقوله تعالى: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم من فضله} [النور: 38] ولقوله تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فضله} [فاطر: 30] ولقوله تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] يقول الشيخ أطفيش رکھتے بعد أن ذكر ما قيل في معنى الزيادة: «والذي يظهر لي من الآية الوجه الأول النعيم المتجدد في الجنة؛ لموافقته آيتي الزيادة المذكورتين ونحوها ... ». ويرد على من يزعم أن أل ـ الحسنى - للعهد، والمعهود دار السلام، وهي الجنة، وأنه يلزم بذلك أن تكون الزيادة أمرًا مغايرا لكل ما في الجنة، فيقول: فعلى تسليم العهد فيه فلا مانع من زيادة أمر في الجنة لم يكن فيها، فهو مغاير لكل ما رأوا فيها قبل ذلك، وأيضا مغفرته غير ما فيها، ورضاه كذلك، ودوامها كذلك، فإن دوام الجنة غير الجنة ولا مانع من تفسير الزيادة به، بل لا دليل على العهد، ولا مقوي له لاختلاف لفظ الدار، ولفظ الحسنى ... ولا
(1) الجصاص أحكام القرآن ج 4 ص (1170، 169).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 8 ص (50). (1/310)
صفحة 311
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في
311
مانع من كون أل ـ الحسنى - للجنس أو للحقيقة، والأمر سهل، سواء حملت على العهد، أو الجنس أو الحقيقة) وعند تفسيره لآية سورة القيامة، التي يستدل بها المثبتون للرؤية وهي قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، فسر الشيخ أطفيش النظر في الآية الكريمة بانتظار رحمة الله تعالى، ثم أخذ يرد على ما أثير حول هذا التفسير من إيرادات منها: أنه إذا كان بمعنى الانتظار لا يتعدى بحرف ـ إلى ـ ولا يسند إلى الوجوه مدعمًا رأيه بالآيات الكريمة، وبالشعر وبما ورد في اللغة العربية).
وقد أشكل على مثبتي الرؤية إسناد النظر في آية سورة القيامة إلى الوجوه؛ لذلك أدرك المحققون من معتقدي رؤية الله تعالى يوم القيامة هذا الإشكال فصرحوا بذلك، فهذا العلّامة ابن عاشور، يقول في تفسير آية سورة القيامة: فدلالة الآية على أن المؤمنين يرون بأبصارهم رؤية متعلقة بذات الله على الإجمال دلالة ظنية؛ لاحتمالها تأويلات تأوّلها المعتزلة بأن المقصود رؤية جلاله، وبهجة قدسه التي لا تخوّل رؤيتها لغير أهل السعادة» (3).
يوم
ومما يجدر بذكره هنا أن ابن عاشور تحدث عن أصل جواز رؤية الله تعالى القيامة عند تفسيره لقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] فقال: وسؤال موسى رؤية الله تعالى تطلع إلى زيادة المعرفة بالجلال الإلهي؛ لأنه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة، وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات، وسماع الحديث، وحصل لموسى أحد ركني الملاقاة وهو التكليم أطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة ... ولذلك كان أئمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الألوهية لا
(1) أطفيش: ن. م. س ج 1/ 8 ص (51). (2) أطفيش ن. م. س ج 15 ص (88 ـ 93). (3) ابن عاشور التحرير والتنوير ج 29 ص (353). (1/311)
صفحة 312
312
معالم ورؤى
تعلم كنهها وهو معنى قولهم بلا كيف وكان المعتزلة غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة، وقد يؤول الخلاف بين الفريقين إلى اللفظ، فإن الفريقين متفقان على استحالة إحاطة الإدراك بذات الله، واستحالة التحيز، وأهل السنة قاطعون بأنها رؤية لا تنافي صفات الله تعالى». أما عند تفسيره لقوله تعالى: {إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ، فإنه يتحدث عن كيفية رؤية فقد جاء ذلك صريحًا في آخر تفسيره لآية سورة يوم القيامة، إذا يقول: «هذا ما يتعلق بدلالة الآية على رؤية أهل الجنة ربهم، أما ما يتعلق بأصل جواز رؤية الله، فقد مضى القول فيها عند قوله تعالى: {قَالَ لَن تَركني في سورة الأعراف (2).
المؤمنين ربهم
وهذا العلّامة السيد محمد رشيد رضا يقول: «وأما رؤية الرب تعالى فربما قيل بادئ الرأي أن آيات النفي فيها أصرح من آيات الإثبات كقوله تعالى: {لَن تركني) وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ، فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ على الإثبات، فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن الكريم، وكلام العرب كقوله: {مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس: 49) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: 53] {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْعَمَاءِ وَالْمَلَتَبِكَةُ} [البقرة: 210] وثبت أنه استعمل بهذا المعنى متعديًا بإلى، ولذلك جعل بعضهم وجه الدلالة فيه على المعنى الآخر - وهو توجيه الباصرة إلى ما تراد رؤيته - أنه أسند إلى الوجوه، وليس فيها ما يصحح إسناد النظر إليها، إلا العيون الباصرة، وهو في الدقة كما تري (3) على أن هناك من القائلين بالرؤية من فسر الرؤية بالعلم، يقول الإمام
(1) ابن عاشور التحرير والتنوير ج 9 ص (91) و (92).
(2) ابن عاشور ن. م. س ج 29 ص (355).
(3) رضا تفسير المنارج 9 ص (131). (1/312)
صفحة 313
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
313
الغزالي: «وأما وجه إجراء الرؤية على الظاهر، فهو أنه غير مؤد إلى المحال، فإن الرؤية نوع كشف وعلم، إلا أنه أتم، وأوضح من العلم، فإذا جاز تعلق العلم به، وليس في جهة جاز تعلق العلم به وليس بجهة).
وقال ابن حجر: «واختلف من أثبت الرؤية في معناها، فقال قوم يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين، كما في غيره من المرئيات، وهو على وفق قوله في حديث الباب، كما ترون القمر، إلا أنه منزه عن الجهة، والكيفية وذلك أمر زائد على العلم وقال بعضهم: إن المراد بالرؤية العلم، وعبر عنها بعضهم بأنه حصول حالة في الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الأبصار إلى المرئيات، وقال بعضهم: رؤية المؤمن الله نوع كشف، وعلم، إلا أنه أبين وأوضح من العلم، وهذا أقرب إلى الصواب من الأول (2) وقال الجصاص عند تفسيره لقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ): «والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك؛ لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة» (3) وأقول: إن مجيء الرؤية بمعنى العلم معهود لغةً، ومن شواهده قوله تعالى: أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر: 6] على إن في الجنة من التجليات الربانية لأصحاب السعادة ما يفوق ما يكون قبلها لهم، فلا عجب إن عُبر عنها بالرؤية، أو نحوها من العبارات؛ توضيحًا للمعنى، تقريبًا للإفهام.
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين ج 1 ص (187). (2) ابن حجر: فتح الباري ج 13 ص (435). (3) الجصاص أحكام القرآن ج 4 ص (170). (1/313)
صفحة 314
314
المبحث الرابع:
رأي الشيخ أطفيش في حقيقة الإيمان
الإيمان في اللغة التصديق (1) ومنه قول الله الا الله على لسان إخوة يوسف لأبيهم يعقوب عليهما الصلاة والسلام: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} [يوسف: 17] أي: بمصدق لنا، ويذكر الشيخ أطفيش عند تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3] أن الإيمان يستعمل أحيانًا متعديًا بالباء، لأنه يتضمن معنى الاعتراف قائلا: ولكن عُدّي بالباء لتضمنه معنى الاعتراف بالقلب، واللسان، أو بالقلب، أو باللسان دون القلب في حالة الكذب» (2) ولقد اختلف العلماء في حقيقة الإيمان شرعًا، أي: فيما يقع عليه اسم الإيمان على أقوال أهمها:
(4)
مذهب
(0)
القول الأول: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وهو المشهور من أبي الحسن الأشعري (3) ونسبه التفتازاني إلى الجمهور (4) ورجحه البيجوري وهذا التعريف يجعل الإيمان مجرد شعور داخلي لا أثر له في الواقع من حياة المؤمن ومعاملاته وسلوكياته، وتصرفاته.
القول الثاني: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، وهو قول الكرامية، وبعض
(1) ابن منظور لسان العرب ج 1 ص (113) المعجم الوسط ج 1 ص (28) مادة أمن.
(2) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (193).
(3) الشهرستاني: الملل والنحل ج 1 ص (88). (4) التفتازاني: شرح المقاصد ج 5 ص (177). (5) البيجوري: شرح جوهرة التوحيد ص (45). (1/314)
صفحة 315
الباب الثالث: منيح الشيخ أطفيش في
315
المرجئة) وقد انتقد الشيخ أطفيش هذا القول بأن الإقرار اللساني لا يكفي وحده، إذ يمكن أن يقترن بالكذب، فالمقر بالشيء قد يضمر عكسه، كما أن الإيمان معناه لغة التصديق، ولا يكون التصديق إلا بالقلب، ولو كان معناه الاصطلاحي، هو التصديق اللساني لما ترك عاما بل لخص وقيد؛ ليصبح معناه الإيمان باللسان كذلك لو كان حقيقة الإيمان بالإقرار اللساني فحسب، لكان من لم ينطق بلسانه كافرا، ولو كان لعاهة كخرس أو لمانع آخر".
القول الثالث: الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان فقط، وعليه كثير من المحققين (3) وبعض الأشاعرة (4).
القول الرابع: الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، وهو قول الإباضية والأشاعرة، إلا أن الأشاعرة يرون أن انضمام الإقرار والعمل إلى التصديق شرط كمال (5) بخلاف الإباضية الذين يرون أن ذلك شرط صحة (6) ومع أن تعريف الإيمان بكونه تصديقا، وإقرارا، وعملاً، هو الأصل عند الإباضية، إلا أن الشيخ أطفيش لم يكن يراه تعريفا مناسبًا للإيمان، فهو تعريف يتضمن ثلاثة أجزاء التصديق، والقول، والعمل، وذكرها بهذا التتابع يدلّ على تغايرها فيما بينها، وهذا يعني أن للإيمان حقيقة، غير حقيقة القول والعمل مما جعل الشيخ يعدل عن هذا التعريف، ويتخذ رأيا آخر
(1) البغدادي: الفرق بين الفرق ص (223) الشهرستاني: الملل والنحل ج 1 ص (104) النووي شرح
صحيح مسلم ج 1 ص (147).
(2) أطفيش: شرح عقيدة التوحيد ص (201). (3) التفتازاني: شرح المقاصد ج 5 ص (178). (4) البيجوري شرح جوهرة التوحيد ص (46).
(5) التفتازاني: شرح المقاصد ج 5 ص (179) البيجوري: شرح جوهرة التوحيد ص (45) ابن حجر:. فتح الباري ج 1 ص (61).
(6) لقد مر ذكر ذلك في مبحث الأصول العقدية ص (38). (1/315)
صفحة 316
316
معالم ورؤى
فيه أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإذعان الله تعالى ولما يترتب عنه، فهو الإخلاص الحقيقي، وهو في حقيقته تصديق بالقلب يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]: «إنه لا شك عندي أن الإيمان محله القلب؛ لأنه التصديق» (1) ويزيد الأمر وضوحًا، وتجليةً، قائلاً عند تفسيره لقول الله هم الاول: كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمَا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} [آل عمران: 86]:
والآية دليل على أن الإقرار غير الإيمان، بل الإيمان تصديق بالقلب، والإقرار، وهو الشهادة إخبار باللسان عما في القلب» (2) وفي موضع آخر يقول: «إن العمل جزء من ماهية الإيمان لكن لا يخفى أنه جزء من ماهية الإيمان التام لا من مطلق الإيمان، بدليل أنه لا نحكم بالشرك على من ترك العمل .... فعلم أن الإيمان في القلب، وأنه بأي علامة كشف عنه حكمنا به، سواء كشف عنه اللسان أو غير اللسان (3) فبهذا التعريف أخرج الشيخ أطفيش القول والعمل من مفهوم الإيمان الأصلي، وجعلهما جزئين متممين للإيمان الكامل، وأيد رأيه هذا بأن القول والعمل لو كانا هما الإيمان لكان تاركهما مشركا (4) وما داما متممين للإيمان، فإن التصديق وحده لا يكفي، ولا يتحقق، إلا بالقول والعمل، فالإقرار باللسان شرط لئن تجرى الأحكام على المقر في الدنيا، وأما العمل فهو شرط للنجاة من العذاب ومظنة لاستحقاق الثواب والإيمان القلبي لا يكفي خاليا من الشرطين.
ولقد أدرك الشيخ أطفيش ما ينتج عن هذا القول من التأويلات، والرفض من قبل أتباع مذهبه، فبيّن أنه رأي رآه من أجل العلم لا للخلاف، فقال:
(1) أطفيش همان الزاد ج 1 ص (206 - 207). (2) أطفيش: تيسير التفسير ج 2 ص (114، 115). (3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (196 ـ 197).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (196).
: (1/316)
صفحة 317
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
317
ولست بذلك قاصدًا لمخالفة أصحابنا - رحمهم الله ـ ولكن ذكرت ما أدّى إليه
اجتهادي» (1).
ويظهر من هذا القول مدى اهتمام الشيخ أطفيش رحمة الله بتوحيد الصف الإباضي، وإدراكه لمساوئ الخلاف، ومدى اعتزازه برأيه، ولو خالف مذهبه. كما يظهر من تعريف الشيخ للإيمان بما يخالف ما عليه الإباضية تحرره وخروجه من الإطار المذهبي إلى رحابة الإسلام، ومحاولة إعطاء الإيمان مغزاه، وروحه الحقيقية، إن الشيخ بموقفه هذا أراد أن يشير إلى عمق الإيمان القلبي، وأنه إذا خلا القلب من الإيمان الحقيقي، فلن ينفع العمل على كثرته، وإذا لم يؤثر الإيمان القلبي على الجوارح في حركاتها، وسكناتها، فهو إيمان على غير حقيقة، وصدق، وقد استطاع بهذا التعريف أن يقطع الجفوة بين المسلمين وأن يردم الهوة بينهم في منع وصف الإيمان على حسب على حسب الأهواء، وحافظ بهذا على شمولية الإسلام لنواحي الاهتمام البشري، هذه الشمولية التي قال عنها محمد إقبال فالدين ليس أمرا جزئيا، ليس فكرًا مجردا فحسب، ولا شعورًا مجردًا، ولا عملا مجردًا، بل هو تعبير عن الإنسان
کله» (2).
إن الشيخ أطفيش يستنفذ جهده، ويستفرغ وسعه في تأييد مذهبه العقدي، والانتصار له بالرد على مخالفيه (3) فهو يستطرد في تحليل، ومناقشة المسائل العقدية على طريقة المتكلمين، فيقرر مذهبه أولا، مدعما ذلك بالأدلة النقلية
(1) أطفيش ن. م. س ج 1 ص (197).
(2) إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام ص (7). (3) لأن من أهم الأسباب التي دفعت الشيخ إلى تأليف تفسير هميان الزاد تقرير مذهبه العقدي والرد على المخالفين كما صرح ذلك بنفسه في مقدمة تفسيره هميان الزاد انظر: الرسالة:
مبحث مؤلفات الشيخ أطفيش في التفسير ومصادره فيها .. (1/317)
صفحة 318
318
معالم ورؤى
والعقلية، ثم يذكر آراء المخالفين، وأدلتهم، فيحاول جهده تفنيدها، ودحضها، خاصةً وأن له قدما راسخا، وباعًا طويلا في اللغة وعلومها، فأرى أن شخصية الشيخ أطفيش تبرز هنا من كونه ملك قدرة حوارية، وحجة بالغة، وجرأة فيما يراه حقا، ويعتقده صوابا، حيث استطاع أن يسخر ثقافته الواسعة، وتبحره في العلوم لخدمة أغراض التفسير، وقد وافق الشيخ أصحابه ـ الإباضية ـ في القضايا العقدية المتفق عليها بينهم وخالف المشهور عندهم في بعض
جميع
القضايا منها حقيقة الإيمان (1/318)
صفحة 319
منهج الشيخ أطنيش في عرض الأحكام الفترية
المبحث الأول: القواعد الأصولية عند الشيخ أطفيش.
المبحث الثاني: طريقة الشيخ أطفيش في عرض أقوال الفقهاء.
المبحث الثالث: موقف الشيخ أطفيش من المسائل الفقهية التي خالف الإباضية فيها غيرهم. (1/319)
صفحة 320
T
توطئة
320
لا تخفى نزعة الشيخ أطفيش الفقهية في تفسيره، فقد عني عناية فائقة بعرض المسائل الفقهية، وفي هذا الفصل أتحدث عن أهم القواعد الأصولية التي ذكرها الشيخ أطفيش كثيرًا، وكيفية تطبيقه لها، وعن طريقته في عرض أقوال الفقهاء، ومناقشتها،
وترجيحه - أحيانًا - لمذهب غير مذهبه، وأخيرًا موقفه من المسائل الفقهية
التي خالف فيها الإباضية غيرهم. (1/320)
صفحة 321
المبحث الأول:
القواعد الأصولية عند الشيخ أطفيش
321
لقد ذكر الشيخ أطفيش رحم الله كثيرًا من قواعد أصول الفقه، سواء كانت القاعدة مستفادة الآية الكريمة، أو أن الآية كانت مثارًا لتقرير تلك القاعدة تلك القواعد الأصولية التي ذكرها ما يلي:
من
الأصولية، ومن أولا: حمل المجمل على المبين، والمطلق على المقيد، والعام على الخاص".
ثانيا: العبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب (2).
ثالثًا: الأصل في الأشياء الإباحة، والحل إلا ما قام الدليل الشرعي على تحريمه يقول الشيخ عند تفسيره لقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ... } [النحل:]: «الأصل في الأشياء قبل النزول الحل إلا ما
تبين
(3)
ويقول عند تفسيره لقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جمِيعًا} [البقرة: 29]: «وتفيدنا الآية أن الأرض وما فيها كله مباحان للإنسان، وحلال لنا أكلا، وشربا، ولبسا، وركوبا، ومداواةً وغير ذلك، إلا ما قام عليه دليل» (4).
(1) انظر: الرسالة مبحث تفسير القرآن بالقرآن.
(2) انظر: الرسالة مبحث أسباب النزول. (3) أطفيش: تيسير التفسير ج 6 ص (462).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (405) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 1 ص (239). (1/321)
صفحة 322
=
معالم ورؤى
322
(1)
رابعا: الأمر للوجوب والفور ما لم تصرفه قرينة، يقول الشيخ عند تفسيره لقوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]: «والآية دليل واضح على أن الأمر للوجوب والفور، ما لم تصرفه قرينة، وذلك الله قطع عذره ـ أبعده الله ـ بعدم امتثال مجرد الأمر، ولولا أنه للوجوب ما قطع عذره حتى يخبره بالوجوب .. ويقول في الشامل: «والأمر للوجوب عندنا وعند الجمهور إذا تجرد عن قرينة وهو الصحيح، وبه قال الشافعي، وشيخه مالك» (2) ويقول في شرح عقيدة التوحيد: «الأمر للوجوب ما لم يقم دليل عدم الوجوب» (3) وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] يقول: «أي: ائتوا بالحج والعمرة تامين بأركانهما، وشروطهما، فهما معا واجبان؛ لأن الله وعل أمر بالإتيان بهما، تامين والأمر للوجوب على الصحيح ما لم يصرفه دليل عن الوجوب» (4).
ومن
الأمثلة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب لقرينة تدل على ذلك قوله تعالى: {يَبَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] يقول الشيخ عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: وجاء عن الحسن بن علي بن أبي طالب سبط النبي أنه إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له: يا ابن رسول الله لم ذلك؟ فقال إن الله جميل يحب الجمال، فأتجمل لربي، وهو يقول: «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، فأحب أن ألبس أجمل ثيابي، فهذا ندب (5) مسنون لا
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 6 ص (20) انظر أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 2 ص (327). (2) أطفيش شامل الأصل والفرع ج 1 ص (51). (3) أطفيش شرح عقيدة التوحيد ص (171). (4) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (84) وللمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (421) ج 3 ص (85). (0) القرينة هنا أن الواجب لبس ما يستر العورة حيث إن ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، ويجب على المرأة أن تستر جميع بدنها ما عدا الوجه
والكفين انظر: الهادي: فقه العبادات 1 ص (144 145) وقد أجمع المفسرون على أن المراد (1/322)
صفحة 323
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
323
واجب» (1) وعند تفسيره لقول الله: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] يقول: «والجمهور من الأمة على أن الأمر في هذه الآيات للندب، والنهي للتنزيه، لا للوجوب والتحريم» (3) يقول القرطبي بعد أن ذكر رأي من يقول بأن الأمر في الآية للوجوب: وقال الجمهور الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال، وإزالة الريب» (3)
خامسا: الأمر بعد الحظر - أي المنع - للإباحة يقول الشيخ أطفيش عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا} [المائدة: 2]: «فالأمر للإباحة بعد الحظر كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِلَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» فإن علة حرمة الاصطياد، وترك البيع معللة بالإحرام والاشتغال بأمور الصلاة وبالصلاة، فوجب أن تنتهي الحرمة بانتهاء علتها، فيرجع الحكم إلى أصله من الإباحة، كأنه قيل: فقد أبحت لكم الصيد، وهذا مذهبنا ومذهب أكثر الفقهاء، وأكثر المتكلمين لقرينة سبق الحظر» (4).
وقال عند تفسيره لقول الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ} [الجمعة: 10]: «ولا يخفى أنه إباحة بعد منع، وأراد الطلب التلبس بذكر الله، وليس الانتشار أو الابتغاء واجبين، وإن قعد في المسجد فأفضل، وإنما الآية مثل وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصَطادُوا)، فإنهم إن لم يصطادوا فلا بأس» (5) وقال أيضا: «إباحة للانتشار بعد ما منعوا منه بالحشر إلى الصلاة، لا
مع
:
بالزينة في الآية لبس الثوب الذي يستر العورة انظر الرازي مفاتيح الغيب مجلد 7 ج 14 ص (51) القرطبي مجلد 4 ج 7 ص (71) وعلى هذا فإن ما زاد على ستر العورة فهو مندوب.
(1) أطفيش: تيسير التفسير ج 4 ص (49).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (455).
(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 2 ج 3 ص (347).
(4) أطفيش: تيسير التفسير ج 3 ص (11) وانظر الهميان ج 5 ص (96) ابن كثير: تفسير القرآن
العظيم ج 2 ص (5).
(ه) أطفيش هميان الزاد ج 14 ص (254). (1/323)
صفحة 324
324
معالم ورؤى
إيجاب لجواز البقاء في المسجد بعد الصلاة، ولا ندب إجماعا) وعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ، قال: «إباحة للبيع بعد المنع وقال في موضع آخر: «إن الأمر بعد النهي للإباحة» (3).
عنه) (2)
سادسا: النهي للتحريم ما لم تصرفه قرينة إلى التنزيه يقول الشيخ عند
تفسيره لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27]: اعلم أن التسليم في البيوت واجب كما نصت الآية على أن الدخول حرام، حتى يكون الاستئذان والتسليم جميعًا ...
فإن النهي للتحريم على الصحيح، وهو مذهبنا ما لم تصرفه قرينة ... » (4). سابعا: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يقول الشيخ عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10]: «والحق وجوب نصب الإمام إذا أمكن لأن أمرنا باق من الدين ولا سبيل إلى إقامته إلا بوجود الإمامات على أنفس الناس، وأهلهم وأموالهم، ومنع تعدي بعضهم على بعض، وذلك لا يصح إلا بوجود إمام يخافون سطوته، ويرجون رحمته، ويرجعون إليه، ويجتمعون عليه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فنصب الإمام واجب» (5) ويفهم من هذا الكلام أن نصب الإمام ضرورة ملحة يقتضيها واجب إقامة شرع الله تعالى في الأرض والحكم بين الناس بالعدل، وإعطاء، كل ذي حق حقه وهذا لا يتحقق إلا بوجود إمام تلتف حوله الرعية، وترجع إليه في كل شؤونها من أجل ذلك كان نصب الإمام واجبًا.
(1) أطفيش تيسير التفسير ج 13 ص 351، (352 انظر الزمخشري: الكشاف ج 4 ص (106). (2) أطفيش ن. م. س. ج 13 ص (352).
(3) أطفيش ن. م. س. ج 13 ص (253) وللمزيد انظر: الهميان ج 1/ 7 ص (279). (4) أطفيش هميان الزاد ج 11 ص (258) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 6 ج 12 ص (197) وللمزيد انظر: الهميان ج 5 ص (316).
(5) أطفيش: تيسير التفسير ج 12 ص (295). (1/324)
صفحة 325
المبحث الثاني:
طريقة الشيخ أطفيش في عرض أقوال
الفقهاء
325
يقوم منهج الشيخ أطفيش في مثل هذه المسائل الفقهية على بسط أقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين، إضافة إلى أقوال فقهاء المذاهب الإسلامية كالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، والظاهرية ... إلخ وهو إذ يقوم بذلك لا ينسى أن يذكر قول المذهب الإباضي أولا، ويرجحه في أغلب الأحيان مدعما ترجيحه بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، أو بشاهد لغوي ومن الأمثلة على هذه المسائل ما يلي:
أولا: حكم العمرة يقول الشيخ رحم الله عند تفسيره لقوله تعالى: {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أَحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي ... [البقرة: 196]: «أي: ائتوا بالحج والعمرة تامين بأركا نهما وشروطهما، فهما معًا واجبان؛ لأن الله أمر بالإتيان بهما تأمين، والأمر للوجوب على الصحيح ما لم يصرفه دليل عن الوجوب، وقد قرأ بعضهم: وأقيموا الحج والعمرة) وهي قراءة أدل على الوجوب ................ والقول بوجوب العمرة قول أصحابنا وعلي وابن عباس، وابن عمر، وجماعة من التابعين منهم الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وهو أصح قول الشافعي، وبه قال أحمد، قال ابن عباس: العمرة واجبة كوجوب الحج، وقال: إنما لقرينتها في كتاب الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
(1) انظر: ابن كثير تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (230). (1/325)
صفحة 326
326
معالم ورؤى
:
قال ابن عمر الحج والعمرة فريضتان وقال ليس أحد من خلق الله إلا وعليه حج وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا، وذكر داود بن حصين عن ابن عباس أنه قال: العمرة واجبة كوجوب الحج، وهي الحج الأصغر. وعن مسروق أمرتم في القرآن بإقامة أربع الصلاة، والزكاة، والحج، والعمرة إلى البيت ............. .... قال ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وإبراهيم النخعي والشعبي والشافعي في مرجوح قوليه، ومالك، وأبو حنيفة أن العمرة غير واجبة، واستدلوا برواية جابر بن عبد الله أنه قال: «يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج؟ قال: لا ولكن أن تعتمر خير لك] .. والصحيح وجوب العمرة لكثرة أدلة الوجوب» (2).
(2)
ثانيًا حكم السعي بين الصفا والمروة
عند تفسير لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] يقول الشيخ أطفيش: .. وأجمعوا أن الطواف بين الصفا والمروة مشروع بالقرآن والسنة، فذهب جمهور أصحابنا إلى أنه سنة تجبر بالدم، وفي الإيضاح أنه سنة واجبة معمول بها (3) وقيل فريضة أيضا من تركه لزمه دم .... وذكر بعض أصحابنا أنه فريضة، وكذا قال أهل الكوفة، والحسن، وقتادة، وقال أبو حنيفة إنه واجب يجبر بالدم) وفي القواعد () أن القول بفرضه هو قول عائشة، والشافعي، وأحمد،
(1) رواه الترمذي في سننه كتاب باب ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا ج 3 ص (261) رقم
الحديث (931).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص 84) - (87) انظر ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (230) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 1 ص (343). اج ا
(3) الشماخي: الإيضاح ج 3 ص (302). (4) ابن الهمام: فتح القدير ج 2 ص (157). (5) الجيطالي: قواعد الإسلام ج 2 ص (158). (1/326)
صفحة 327
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
-
327
ومالك، وإسحاق) ولا حج لمن لم يسع عندهم، ولزمه من قابل أي إذا لم يسع حتى وطئ النساء، أو خرج وقته ... واحتج من قال بوجوبه بما روي أنه كان يسعى، ويقول: [اسعوا فقد كتب الله عليكم السعي] بأن الأصل في هذه العبادة أن تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على خلافه ... وعمدة من لم يوجبه قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوفَ بِهِمَا، معناه فلا جناح عليه في ألا يطوف بهما، وقراءة ابن مسعود - ألا يطوف بهما (3) كقوله تعالى: و يبين الله لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} [النساء: 176] معناه لئلا تضلوا قبل وحمل الأولون الآية على ظاهرها، وأن السعي من أفعاله واستدل من لم يوجبه برفع الجناح، وما فيه من التخيير بين الفعل والترك» (4) ثم يرد الشيخ القول الثاني بجواب السيدة عائشة لابن الزبير وحاصله: «أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرح برفع الإثم عن الفاعل والمباح يحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين لتوهمهم من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية ألا يستمروا في الإسلام، فخرج الجواب مطابقا لسؤالهم، والوجوب مستفاد من دليل آخر، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل
نفيه عن التارك فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفي الإثم عن التارك» (5). وأجاب عن قراءة ابن مسعود أن اللام زائدة، والقراءة شاذة، والشاذ لا يحتج به إذا خالف المشهور .... ثم يعقب قائلا: «والصحيح عندي وجوبه (6)
(1) ابن قدامة: المغني ج 3 ص (410).
(2) رواه أحمد في مسنده ج 6 ص (422) والبيهقي في سننه الكبرى كتاب الحج باب وجوب الطواف بين الصفا والمروة ج 5 ص (97، 98) الدار قطني في سننه كتاب الحج باب المواقيت ج 2 ص (256).
(3) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 2 ص (171).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (419، 420).
(5) اطفيش ن. م. س ج 2 ص (420).
(1) واختاره القرطبي أيضا انظر: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 2 ص (171). (1/327)
صفحة 328
328
معالم ورؤى
لقول عائشة لابن الزبير لو كان غير واجب كما قلت لقال إلا يطوف بهما، وتقدم أن قراءة ابن مسعود - ألا يطوف - شاذة أو أن لا زائدة ... والحديث [اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي] رواه الشافعي بسنده وصححه الدارقطني، ولرواية مسلم عن جابر في حديثه الطويل) في صفة حجة الوداع، قال: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ من من شَعَابِرِ اللهِ} [أبدا بما بدأ الله فبدأ بالصفا]، فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى وجب علينا السعي لقوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] ولقوله صلى الله عليه وسلم: [خذوا عني مناسككم] (2) والأمر للوجوب ... (3)
ثالثًا: حكم قصر الصلاة في السفر
ناقش الشيخ أطفيش رحم الله هذه المسألة عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْيْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] فبين أولا أن صلاة السفر ليست مأخوذة من الآية، وإنما أخذت من السنة، مثل قول ابن عباس كان رسول الله لا يصلي بين مكة والمدينة ركعتين لا يخاف إلا الله، وفي لفظ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين (4) ثم عرض بعد ذلك أقوال الفقهاء في حكم قصر الصلاة الرباعية في السفر فذكر قولين:
(4)
القول الأول: وجوب قصر الصلاة الرباعية في السفر لأنه الأصل، وذكر من أدلة القائلين به ما روي عن عائشة أنها قالت [أول ما فرضت الصلاة فرضت
(1) رواه مسلم في صحيحه - شرح النووي - كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم ج 8 ص (170). (2) رواه مسلم في صحيحه - بشرح النووي - كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم
النحرج 9 ص (44).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (421). (4) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (131). (1/328)
صفحة 329
329
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
ركعتين ركعتين فأقرت في السفر، وزيد في الحضر وما روي عن عمر الله أنه قال: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم] وما روي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بين مكة والمدينة ركعتين لا يخاف إلا الله] (3) وقال: «وهو مذهبنا () و مذهب ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، والسدي، وأبي حنيفة) فلو صلى المسافر أربعًا لم تجزه».
(A)
القول الثاني: - الأصل أربع ركعات فنقص منها للسفر ركعتان ترخيصا، وأنه لو صلى المسافر أربعًا لأجزته، وهو مذهب الشافعي ومجاهد، وطاووس، وأحمد (8) ومن أدلتهم: ما روي عن ومن أدلتهم ما روي عن عائشة أنها قالت: «اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة، قلت: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وصمت، وأفطرت، فقال: [أحسنت يا عائشة، وما عاب علي) وما روي أنه قال في صلاة السفر لعمر: [إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته] (10) واختلفت الرواية عن مالك:
(1) رواه الربيع في صحيحه كتاب الصلاة، باب في فرض الصلاة في الحضر والسفر ج 1 ص (81) رقم (186) البخاري في صحيحه - فتح الباري - 18 كتاب تقصير الصلاة 5 باب يقصر إذا خرج من موضعه ج 2 ص (663) رقم (1090).
(2) رواه النسائي في سننه كتاب تقصير الصلاة في السفرج 2 ص (118) رقم (1440). (3) رواه الترمذي في سننه كتاب 2 مواقيت الصلاة باب ما جاء في التقصير في السفر رقم (547). (4) أطفيش: شرح النيل ج 2 ص (350، 351) ابن بركه الجامع ج 1 ص (573) الشماخي: الإيضاح ج 2 ص (234).
(5) ابن الهمام: فتح القدير ج 2 ص (5، 6).
(6) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (131). (7) النووي روضة الطالبين ج 1 ص (483).
(8) ابن قدامة: المغني ج 2 ص (90).
(9) رواه النسائي في سننه كتاب تقصير الصلاة في السر 4 باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة
ج 2 ص (122) رقم (1456).
(10) رواه النسائي في سننه كتاب تقصير الصلاة ج 2 ص (116) رقم (1433). (1/329)
صفحة 330
330
معالم ورؤى
روي عن ابن وهب أن المسافر مخير في القصر والتمام، وقال جمهورهم: إن القصر هو السنة، وقال سحنون وغيره القصر فرض، وفي مدونة مالك أنه إن أتم في السفر أعاد في الوقت (1) (2).
ثم استمر الشيخ أطفيش يناقش أدلة القول الثاني، فيقول: «ونجيب عن قول عائشة قصرت وأتممت بأنها - والله أعلم - أرادت أنها قصرت بعد حد السفر، وأتمت قبل حده، وبعد شروعها في السير له» (3) وقال في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: [فاقبلوا صدقته]: «أي التزموها فمن لم يقصر صدق عليه أنه لم يقبلها، كذا نقول نحن وأبو حنيفة» (4).
وقال أيضا في موضع آخر: «وأكثر علماء الأمة أن القصر في السفر واجب، وبه قال عمر وعلي وابن عباس والحسن وجابر بن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وهو أصح الرواية عن مالك (5) (6).
ومع تقديم الشيخ لمذهبه وترجيحه في كثير من المسائل لكنه يخالف أحيانًا، مذهبه، ويرجح مذهبا آخر إذا اتضح له الدليل كما في مسألة القاتل إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا؟ فالشيخ عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كان امِنًا} [آل عمران: 97] يرجح مذهب الشافعي في قتل القاتل في الحرم إذا التجأ إليه مخالفا بذلك المذهب الإباضي، إذ يقول: «. قال أبو حنيفة (7)
(1) مالك: المدونة ج 1 ص (280) وقال القرطبي عند تفسيره للآية وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض، ومشهور، مذهبه وجل أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف إن القصر سنة وهو قول الشافعي القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 3 ج 5 ص (301).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (132).
(3) أطفيش ن. م. س ج 5 ص (135).
(4) أطفيش: ن. م. س ج 5 ص (135).
(5) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 3 ج 5 ص (301). (6) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (132، 133).
(7) ابن عابدين رد المختار على الدر المختار ج 10 ص (193). (1/330)
صفحة 331
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
331
(1)
وأصحابنا فيما إذا وجب قصاص القتل على إنسان خارج الحرم، ثم التجأ إلى الحرم، أو ارتد، أو فعل موجب القتل، أنه لا يخرج منه الحق في الحرم، بل لا يؤاد، ولا يطعم، ولا يسقى، ولا يباع له، ولا يتكلم معه حتى يضطر إلى الخروج، ثم يستوفى منه القصاص خارج الحرم إذا خرج ... وقال الشافعي" يستوفى منه الحق فيه، ولو التجأ إليه ... وهذا أولى عندي لأن الله جل جلاله - ذكر منته على أهل الحرم بأنهم لا يصيبهم فيه ما يصيب الناس في غيره من الظلم» (2) ومما سبق يتضح الآتي:
أن القارئ
أولا: أن الشيخ الله يستطرد في مناقشة المسائل الفقهية (3) حتى يحس وكأنه يقرأ كتاب في الفقه المقارن (4) بل إن الشيخ أطقيش زعم الله يناقش - أحيانًا - مسألة فقهية في غير موضعها، فمثلا عند تفسيره لقول الله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى ... [البقرة: 73] عني الشيخ بشرح أحكام القسامة (5) وهو ما لا أجد داعيا إليه، إذ لا مناسبة بين هذه المسألة، وهذه الآية الكريمة لعدم تعرضها لها بشيء، ويبدو أن الشيخ أطفيش، قد تأثر
(1) النووي: روضة الطالبين ج 7 ص (92). (2) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (179). (3) للمزيد انظر أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (88 - 106) ج 5 ص (317 ـ 327، 592 ـ 597) ج 14
ص (295 - 298).
(4) أرى لو أن الشيخ اقتصد في عرضه لمثل هذه المسائل بالقدر الذي تتضح به الآية لكان ذلك أجزى وأنفع لأن طالب التفسير ليس بحاجة إلى هذا الاستطراد، على أن الشيخ قد أفاض في الحديث عن هذه المسائل بكل تفريعاتها في مؤلفاته الفقهية، وعلى رأسها «شرح النيل وشفاء العليل» و «الذهب الخالص». (5) القسامة هي مصدر أقسم قسما وقسامة، ويراد بها هنا الأيمان. وصورتها: أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله فتجرى القسامة على الجماعة التي يمكن أن يكون القاتل محصورًا فيهم. انظر: ابن منظور: لسان العرب ج 5 ص (258) مادة قسم ابن حجر: فتح الباري ـ بشرح صحيح
البخاري - ج 12 ص (24). (1/331)
صفحة 332
332
معالم ورؤى
بالإمام القرطبي بذكر موضوع القسامة عند تفسير هذه الآية الكريمة) على أن الإمام القرطبي استدل بقصة البقرة المذكورة في الآية الكريمة على أن شرع من قبلنا شرع لنا) وفي هذا يقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي الخليلي حفظه الله: «وهو استدلال لا وجه له ... إذ لو كنا مخاطبين بما نص عليه في القرآن من شرائع الأنبياء السابقين وأحكامهم لكان علينا إذا تشاجر قوم في قتيل لم يعرف قاتله أن نأمرهم بذبح بقرة، وأن يضربوه ببعضها كما في القصة، وهو ما لم يقله أحد حتى من المحسوبين على هذه الأمة فضلا عمن يعتد بقوله» (3).
ثانيًا: أن المذهب الإباضي لا يختلف عن غيره من المذاهب الإسلامية إلا بمقدار اختلاف بعض تلك المذاهب مع بعضها الآخر، فالمذهب الإباضي إن اختلف في مسألة ما مع الحنفية مثلا، فإنه يتفق فيها مع بقية المذاهب، وكثيرًا ما يذكر الشيخ اتفاق الإباضية مع غيرهم من المذاهب في مسائل فقهية كثيرة منها يتفق الإباضية مع المذاهب الأربعة في وجوب غسل الرجلين عند الوضوء، يقول الشيخ عند تفسيره لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة: 6]: «فالأرجل معطوفة على الوجوه فهي مغسولة لا ممسوحة، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، ومالك والشافعي وأبي حنيفة، وأحمد، وهو فعل النبي الله وأصحابه والتابعين ومن بعدهم» (4) ويتفق الإباضية مع المذاهب الأربعة على تحريم نكاح المتعة، ولقد ناقش الشيخ هذه المسألة، ورد على القائلين بالجواز، فعند تفسيره لقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَاتُوهُنَّ
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص 111 - 119) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 1
ص (425 - 430).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 1 ص (430).
(3) الخليلي: جواهر التفسير ج 3 ص (460).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (334). (1/332)
صفحة 333
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
333
6
حرم ذ
أجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةُ .... [النساء: 24] يقول: «وقيل: المراد بالآية نكاح المتعة، وهو أن يتزوج امرأة إلى مدة معلومة بصداق، وإذا تمت المدة فارقته إلى، طلاق، وإن شاءا معا زادها في الصداق، وزادت في المدة بالولي والشهود ولا إرث بينهما إن مات أحدهما قبل تمام المدة، ثم نسخ ذلك، وقيل: لم ينسخ، والصحيح أنه نسخ، ونهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية، قال ابن معبد الجهني: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئا] (1) فالآية نسخت وهي في نكاح المتعة بهذا الحديث، على أن القرآن ينسخ بالسنة الموحاة، وقيل بقوله تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ} [المؤمنون: 6] والمرأة في المتعة ليست زوجة، ولا مما ملكت اليمين ... قال سالم بن عبد الله بن عمر: إن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله عنها، لا أجد رجلا ينكحها إلا رجمته بالحجارة، قال الشافعي: لا أعلم في الإسلام شيئًا أحل ثم حرم، ثم أحل ثم حرم غير المتعة، والصحيح أن نكاح المتعة جائز بالسنة، ثم نسخ بالسنة وليست الآية في نكاح المتعة فلا رخصة فيه لمضطر، ولا لغيره، وهو قول أهل العراق، والحجاز والشام وغيرهم من الأمة إلا رواية ابن عباس أنه أجازه، ولم يقل بنسخها للمضطر وغيره، ورواية عنه أنه أجازه للمضطر ... وروي أنه رجع عنه وقال بتحريمه ... » (2).
(2)
(1) رواه مسلم في صحيحه - شرح النووي - كتاب النكاح (179) باب نكاح المتعة ج 9 ص (186). (2) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (494 - 496). (1/333)
صفحة 334
334
معالم ورؤى
والذي قاله الشيخ أطفيش رحم الله في هذه المسألة في غاية الصحة؛ لأن
المتعة (1)
الأحاديث الصحيحة الصريحة قاطعة بتحريم نکاح وقد قال الإمام القرطبي: «. وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالح على أن هذه الآية منسوخة، وأن المتعة حرام» (3) ويتفق الإباضية مع الإمام أبي حنيفة في عدم جواز شهادة المشرك، ولو كتابيًا إلا على مثله، أو على من دونه من المشركين، فعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رجَالِكُمْ} [البقرة: 282] يقول: ولا يجوز شهادة مشرك ولو كتابيًا إلا على مثله أو على من دونه من المشركين هذا ما عندنا وعند أبي حنيفة» (3) ويتفق الإباضية مع الإمام مالك في وجوب غسل المرفقين عند الوضوء، فعند تفسير قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] يقول: «والجمهور على وجوب غسل المرفق ودخوله و به قلنا نحن ومالك» (4) ويتفق الإباضية مع الإمام الشافعي في أن طلاق المكره لا يقع، فعند تفسيره لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنُ بِالإِيمَنِ} [النحل: 106] يقول: «ومن أكره على طلاق أو إعتاق، أو بيع أو نحوه ففعل لزمه عند أبي حنيفة، ولم يلزمه عندنا، وعند الشافعي وأكثر العلماء لقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] أي لا عبرة ولا أثر لما يفعل من أمور بكره» (5).
(1) الربيع الجامع الصحيح كتاب الصوم (63) باب أدب الطعام والشراب ج 1 ص (153، 154) البخاري: صحيح البخاري - فتح الباري - 67 كتاب النكاح 31 باب نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة ج 9 ص (71) مسلم: صحيح مسلم - بشرح النووي كتاب النكاح باب ما جاء في نكاح المتعة ج 9 ص (179).
(2) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 3 ج 5 ص (117).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (449) وللمزيد انظر هميان الزاد ج 3 ص (226، 227).
ص (134).
:
جه
(4) أطفيش: هميان الزاد ج 5 ص (333) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 3 ج 6 ص (51) وللمزيد انظر الهميان ج 7 ص (269).
(5) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 9 ص (378) وللمزيد انظر: الهميان ج 2/ 9 ص (229). (1/334)
صفحة 335
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
335
ثالثًا: يرجح الشيخ أحيانًا مذهبًا غير مذهبه إذا ظهر له بدليل، وهذا خير شاهد على بعد الشيخ أطفيش عن التعصب، أما تقديمه لمذهبه، واختياره له في كثير من المسائل، فهذا أمر درج عليه كثير من علماء المذاهب، وهو أمر
بدهي إذا كان للقول المختار دليل يستند عليه، أما إذا كان عاريًا من الدليل، فاختياره على غيره هو عين التعصب، وسبق أن الشيخ أطفيش يختار القول الذي يعضده الدليل. (1/335)
صفحة 336
336
المبحث الثالث:
موقف الشيخ أطفيش من المسائل الفقهية
التي خالف الإباضية فيها غيرهم
خالف الإباضية غيرهم من أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى ـ حسب علمي ـ في عدة مسائل فقهية (1) ذكر الشيخ أطفيش بعضا منها في تفسيره، ولم يخالف فيها مذهبه، بل أكدها، ورجحها ومن هذه المسائل:
المسألة الأولى: قول آمين في الصلاة (2)
لقد ناقش الشيخ أطفيش هذه المسألة عند تفسيره لقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] إذ يقول: «وليس آمين من الفاتحة بعد قوله وَلَا الضَّالِّينَ} بالإجماع، ثم إن أهل الصواب منعوا التكلم به في الصلاة وغيرها بعد الصلاة؛ لأنه يوهم اعتقاد أنه منها، ولأنه من كلام الآدميين وكلامهم في الصلاة يفسدها، ولا يخفى أنه يجوز التكلم به بعد الفاتحة في غير الصلاة من غير اعتقاد أنه منها حيث لا يتوهم السامع أنه منها، ولا يسيء الظن بالمتكلم، وقد قيل يسيء ختم الفاتحة به
(3)
ثم يذكر أدلة من يقول آمين في الصلاة ويرد عليها، ومما قاله: «. وإن
قلت: فقد روي عنه [إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين ... فإن الملائكة
(1) منها مسألة المسح على الخفين فالإباضية لا يجيزون المسح على الخفين مطلقا. (2) وإن كان الإباضية لا يقولون آمين في الصلاة ولكنهم يجيزون الصلاة خلف من يقولها في
صلاته.
(3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (159). (1/336)
صفحة 337
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
rrv
تقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر ما تقدم من ذنبه] .. وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي موسى عنه صلى الله عليه وسلم [إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا، وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله] (2) قلت ذلك قبل تحريم الكلام في الصلاة .......... وأيضا لا نسلم بصحة سند تلك الأحاديث الدالة على ثبوته، وإذا ثبت على التأويل المذكور، قالوا صَحَّ أنه كان يقوله قبل نسخ الكلام في الصلاة صلى الله عليه وسلم سرا .... وعلة إخفائه الهلال و الحذر من إيهام أنه من الفاتحة ... » (3).
المسألة الثانية رفع اليدين في الصلاة
(4)
لقد سار الشيخ أطفيش على مذهبه في منع رفع اليدين في الصلاة عند التكبير (4) حيث ناقش هذه المسالة عند تفسيره لقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَر} [الكوثر: 2] فيقول الله: «سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النحر جبريل، فقال: [ارفع يديك إلى نحرك عند كل تكبيرة في الصلاة، وإن ذلك صلاتنا معشر الملائكة، وزينة الصلاة] (5) قلنا هذا حديث موضوع، لو صح للزمه النبي صلى الله عليه وسلم أو أكثر منه في صلاته، وكذلك الصحابة، ولم نجد حديثًا صحيحًا في
(1) رواه البخاري في صحيحه - فتح الباري - 10 كتاب الأذان 111 باب جهر الإمام بالتأمين ج 2 ص (306) رقم (780) مسلم في صحيحه - شرح النووي - كتاب الصلاة باب التسميع والتحميد والتأمين ج 4 ص (128). (2) رواه مسلم في صحيحه - شرح النووي - كتاب الصلاة 115 باب التشهد في الصلاة ج 4 ص (119 - (120) النسائي في سننه ج 2 ص (196) رقم (1064) أبو داود في سننه ج 1 ص (255) رقم (972).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (160).
(4) ومع ذلك فإن الإباضية يجيزون الصلاة خلف من يرفع ويضم.
(ه) رواه الحاكم في مستدركه على الصحيحين، 27 كتاب التفسير تفسير سورة الكوثر ج 2
ص (586) رقم (1119/ 3981). (1/337)
صفحة 338
338
معالم ورؤى
(2) (3)
أنه فعله، ولا في صحته، ثم رأيت ابن كثير قال: إنه حديث منكر جدا) وابن الجوزي: قال إنه موضوع .. وقال فيهمان الزاد: «. وكذب أيضا من قال: النحر رفع اليدين مع التكبير إلى المنحر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ولو رفعهما لكن في صلاة واحدة؛ ليقع السلاح من إبط من كان تحته، ولم يعد ذلك، ولم تفعله الصحابة) على أن الذين يقولون برفع اليدين في الصلاة يرونه ذلك مستحبًا لا واجبًا، فالصلاة صحيحة بدونه، يقول النووي: «أجمعت الأمة) على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام واختلفوا فيما سواها، فقال الشافعي، وأحمد، وجمهور من الصحابة فمن بعدهم يستحب رفعهما أيضا عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو رواية عن مالك، وللشافعي قول أنه يستحب رفعهما في موضع آخر رابع، وهو إذا قام من التشهد الأول ... وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام، وهو
العلماء
(6)
أشهر الروايات عند مالك، وأجمعوا على أنه لا يجب شيء من الرفع).
المسألة الثالثة من أصبح جنبًا أصبح مفطرا
لقد أشار الشيخ إلى هذه المسألة عند تفسيره لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] إذ يقول: «. «حَتَّى يَتَبَيَّنَ} غاية لقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا» لا لهما مع قوله: {بَشِرُوهُنَّ لأنه لا يتبادر
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص (558) ثم ساق رواية أخرى وقال: «كل هذه الأقوال غريبة جدا، والصحيح أن المراد بالنحر ذبح النسك ج 4 ص (559).
(2) ابن الجوزي: الموضوعات ج 2 ص (99). (3) أطفيش تيسير التفسير ج 15 ص (368).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (461).
(5) دعوى الإجماع غير صحيحة بدليل أن الإباضية يمنعون رفع اليدين في الصلاة مطلقا، ولعل قصده المذاهب الأربعة كما في سياق عبارته ..
(6) النووي: صحيح مسلم - بشرح النووي - ج 4 ص (95). (1/338)
صفحة 339
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
339
هذا
مع الفصل بقوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: [من أصبح جنبا أصبح مفطرا]) فمن أخر الجماع حتى يتصل بالفجر، ولا يكون بينهما ما لزمه من اغتسال الجنابة، أو من تيمم لها أصبح مفطرا، فعلمنا أنه يقدم الجماع بقدر ما يأتي فيه بما خوطب به من اغتسال أو تيمم، وما يتم به، والسنة تبين الكتاب، فبطل قول قومنا بأن قوله: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ) راجع إلى قوله: {بَشِرُوهُنَّ، وقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا * وإن ذلك دال على ترك الاغتسال لا يفطر به، وأنه يجوز تأخير الاغتسال إليه» (3) ويقول في تيسير التفسير: « ... حَتَّى غاية للأكل والشرب لا لهما، وللجماع لقوله لها من أصبح جنبًا أصبح مفطرا]، فيجب الكف عنه إذا لم يبق ما يتطهر فيه» (3).
:
وهكذا يرجح الشيخ مذهبه ويخالف ما عليه الآخرون الذين يرون أن من أصبح جنبًا يكون صومه صحيحًا لحديث عائشة وأم سلمة لها أن النبي يا الله:
كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم]).
المسألة الرابعة - زواج الزاني بمزنيته
صلى الله عليه وسلم
نافش الشيخ أطفيش هذه المسألة عند تفسير قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] تم
(1) رواه الربيع في صحيحه كتاب الصوم 51 باب ما يفطر الصائم ... ج 1 ص (129) رقم (315) وقد روي مسلم هذا الحديث بلفظ عن أبي هريرة أنه قال: «من أدرك الفجر جنبًا فلا يصم» غير أنه ذكر أن أبا هريرة رجع عن قوله هذا. انظر صحيح مسلم - كتاب الصوم، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ج 7 ص (220).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (54). (3) أطفيش تيسير التفسير ج 1 ص (273).
(4) رواه البخاري في صحيحه - فتح الباري - 30 كتاب الصوم، 25 باب اغتسال الصائم ج 4 ص (181) رقم الحديث (1930) مسلم في صحيحه - بشرح النووي: كتاب الصيام باب صحة
صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ج 7 ص (220). (1/339)
صفحة 340
340
معالم ورؤى
الحلال،
فيرى أن الحرمة في الآية على ظاهرها وأن الزاني لا تحل له مزنيته، ونسب هذا القول إلى بعض من الصحابة والتابعين وغيرهم، ثم أورد أقوال الآخرين، ورد عليهم منتصرًا لمذهبه، فقال: والصحيح أن المرأة الزانية، ولو اشتهرت بالزنى يحل تزوجها إذا تابت، وأصلحت إلا لمن زنى بها، فإن الزاني لا تحل له مزنيته، وأما ما روي عنه الله أنه سئل عن ذلك، فقال: [أوله سفاح وآخره نكاح، فضعيف) وقومنا قبله كثير منهم (3) وقالوا: الحرام لا يحرم ورووا الجواز عن ابن عباس، وعن عائشة لالالالالها أن الرجل إذا زنى بامرأة ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا باشرها كانا، زانيين وبذلك قال جابر بن زيد، وأبو عبيدة وصالح الدهان والربيع، ووائل، ومحبوب، وموسى بن علي، بن عبد العزيز، وأبو المؤثر، وابن مسعود، وعائشة، والبراء بن عازب، وعلي، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، والحسن البصري، وابن سيرين وذلك مذهبنا، وأباحت طائفة نكاحها مع التوبة والإصلاح.
وعبد الله
وروي عن ابن عمر وابن عباس، ومجاهد وسعيد بن المسيب، والثوري، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي أنه يجوز له نكاحها بلا شرط، ونسبه قومنا لجابر بن زيد، وروي عن جابر بن عبد الله أن رجلا أتى النبي، فقال: «يا رسول الله إن امرأتي لا ترد يد لامس قال [طلقها] قال: إني أحبها، وهي جميلة، قال: [استمتع بها] وفي رواية غيره [فأمسكها إذًا] وروي هذا الحديث عن ابن عباس أبو داود والنسائي (3) ولا دليل فيه لأن الكلام في نكاح الزاني بمزنيته بأن يزني
(1) هذا كلام ابن عباس وليس كلام النبي، انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 6، ج 12 ص (157).
(2) انظر: القرطبي: ن. م. س مجلد 6 ج 12 ص (157). (3) رواه أبو داود في سننه كتاب النكاح باب النهي عن تزوج من لم يلد من النساء رقم (2049) النسائي في سننه كتاب النكاح، باب تزوج الزانية. (1/340)
صفحة 341
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
341
بها ثم يتزوجها. نعم استدل به الخازن لبعض على جواز نكاح الزانية، والجواب عندنا أن هذا الحديث غير ثابت، كما قال النسائي نفسه، وعلى ثبوته فاللامس طالب معروف فيكون اشتكى من سخائها.
وروي عن ابن عباس في تزوج الزاني بمزنيته [إن أوله سفاح وآخره نكاح] ولا حجة في ذلك لأن ذلك في مشرك زنى بمشركة ثم تزوجها في الإسلام فهو حلال جائز والإسلام جب. وعن جابر من زنى بامرأة فلا يتزوجها، وليجعل بينهما البحر الأخضر، وإن قدر أن لا ينظر إليها فليفعل، وروي عنه [أيما رجل زنى بامرأة ثم تزوجها فهما زانيان إلى يوم القيامة] (2) [لا نكاح بعد سفاح] (3) وحكى بعض إجماع الفقهاء على التحريم».
يقول الشيخ علي يحيى معمر نعم الله عند حديثه عن صيانة كرامة المرأة وهو يتحدث عن هذه المسألة: ولو كان هذا الرأي هو رأي جميع فرق الأمة، وهذا الحكم هو حكمها، لقل انحراف الفتاة عن قصد، واستمسكت بطهرها، وعفافها ولم تتعد حدود البراءة، اللهم إلا من فقدت الحياء، وأعدت نفسها؛ لتحيا حياة دعارة، وبغاء؛ لأنها إذا كانت تعرف أنها سوف تحرم على الرجل الذي نزل معه، وتحرم منه، فلا يمكنه أن يتزوجها؛ لأن الدين يحرم هذا الزواج، فهي سوف تفكر كثيرا قبل أن تتساهل في أمر نفسها، ثم هي تعلم أنه لا يمكن أن يقدم على الزواج منها أحد آخر، ومن ذا الذي يقدم على الزواج من امرأة لها ماض أثيم؟!
(1) الخازن: تفسير الخازن ج 5 ص (49).
(2) من كلام ابن مسعود وليس من كلام النبي. انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 6
ج (12) ص (157، 158).
(157،
(3) رواه الترمذي في سننه كتاب التفسير باب تفسير سورة النورج 5 ص (328) أبو داود في سننه
كتاب النكاح باب قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية رقم (2051).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 11 ص (211/ 210). (1/341)
صفحة 342
342
معالم ورؤى
لقد عالج الإباضية موضوع التعزير بالفتاة قبل أن تقع المشكلة، فتأمل ...... هذا الرأي وزنه بميزان الشرع القويم، وميزان العقل الحكيم ... وإن شئت فأضف إلى ذلك القاعدة الهامة (1) التي وضعها الإمام العظيم مالك بن أنس للمعاملات، واشتهرت في كتاب الفقه بباب سد الذرائع» (3).
وقد أفاض سماحة الشيخ أحمد الخليلي حفظه الله في هذا القضية بما لا مزيد عليه وذلك في معرض إجابته عن هذه المسألة قائلا: «ولا ريب أن إباحة التزاوج بين الزانيين يفتح باب الفحشاء على مصراعيه ........ بحيث يمكن للشاب والفتاة أن يلتقيا في ظل الفحشاء ... كم من ذئب من ذئاب البشر افترس العديد من الفتيات بمخالب هذا الأمل الخادع فرزأهن في أغلى شيء في حياتهن، ثم رفسهن برجله باحثًا عن أخريات، بعدما كانت كل واحدة منهن تأمل بأن يكون في يوم من الأيام شريك حياتها ... أو ليس مثل هذا القول الصارم ـ أي تحريم نكاح الزانيين ـ هو الترياق النافع لمثل هذا التلاعب بالأعراض، والتغرير بأمثال هذه الفتيات الأعمار، خصوصا في هذا العصر الذي استشرى فيه داء الفساد ..... على أن باب سد الذرائع من أبو اب الفقه الواسعة التي تتسع لكثير من القضايا، وقد ولج منه كثير من الفقهاء منذ الصدر الأول لعلاج كثير من المشكلات .... » (3).
لقد ظهر الشيخ أطفيش نحمد الله في تفسيره فقيها متبحرا، ومجتهدا متمكنا، وأصوليا لامعا ملك أدوات الاجتهاد، واقتدر على بسط الأقوال، وتوجيه الآراء و مناقشتها، وأنه يرجح أحيانًا مذهبًا غير مذهبه، وهذا خير دليل على عدم
تعصبه.
(1) الصحيح أن يقال: القاعدة المهمة.
(2) معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى ص (113، 114). (3) الخليلي: كتاب فتاوى النكاح ص (152 ـ 154). (1/342)
صفحة 343
عناية الشيخ أطفيش باللغة وعلومها
المبحث الأول: المباحث اللغوية التي ذكرها الشيخ أطفيش. المبحث الثاني: موقف الشيخ أطفيش من بعض المسائل اللغوية. المبحث الثالث: الصور البلاغية التي عرضها الشيخ أطفيش. المبحث الرابع: استشهاد الشيخ أطفيش بالشعر. (1/343)
صفحة 344
توطئة
/
344
إن القرآن الكريم نزل باللغة العربية؛ بحيث لا تفهم مقاصده، وأحكامه، ولا تعرف أسراره، ومراميه إلا بفهم قواعدها ومعرفة أساليبها، ولقد كان الشيخ أطفيش رحم الله عالما باللغة، ومولعا بمعانيها وعلومها، وهذا أساس سليم لمن أراد أن يتصدى لتفسير كتاب الله تعالى، إذ إن من شروط المفسر الإلمام بعلوم اللغة العربية، وفي هذا الفصل أتحدث عن مدى اهتمام الشيخ بعلوم اللغة، من حيث مباحثها، وموقفه من بعض المسائل المتعلقة بها، وكذلك عرضه للصور البلاغية المختلفة، واستشهاده بالشعر. (1/344)
صفحة 345
المبحث الأول:
345
المباحث اللغوية التي ذكرها الشيخ أطفيش
ذكر الشيخ أطفيش رحمة الله مباحث لغوية عديدة، بغية أن يسبر أغوار الألفاظ القرآنية، لأجل أن يبين مدلولاتها، ويوضح مراميها للقارئ مستعينا بكبار علماء اللغة العربية البارزين، أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي) وسيبويه (2) والزجاج (3) والفراء (4) وغيرهم).
(1) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي العُماني، من أئمة اللغة والأدب واضع علم العروض نحوي وهو أستاذ سيبويه قيل مات سنة (170 هـ) وقيل سنة (175 هـ) من مؤلفاته كتاب «العين» و «معاني الحروف» و «كتاب العروض، انظر: الزركلي: الإعلام ج 2 ص (314) كحالة: معجم المؤلفين ج 1 ص (678). (2) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، لقب بسيبويه، إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو من أشهر مؤلفاته كتابه المسمى كتاب سيبويه في النحو توفي سنة (180 هـ) انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان ج 3 ص (463) الزركلي: الأعلام ج 5 ص (81). (3) إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، ولد في بغداد سنة (241 هـ) عالم بالنحو واللغة، كان في فتوته يخرط الزجاج تتلمذ على المبرد من مؤلفاته: «معاني القرآن» و «الاشتقاق» توفي سنة (311 هـ) الزركلي: الأعلام ج 1 ص (40) ـ كحالة: المؤلفين ج 1 ص (27). (4) أبو زكريا يحي بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي المعروف بالفراء، ولقب بذلك لأنه كان يفري الكلام، أي يحسن تقطيعه إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو والأدب واللغة من مؤلفاته المقصور والممدود» و «معاني القرآن مات سنة (207 هـ) انظر: ابن خلكان وفيات الأعيان ج 2 ص (228) الزركلي: الأعلام ج 8 ص (145). (ه) أطفيش هميان الزاد انظر على سبيل المثال: ج 1 ص 80، 145، 146، 493، 500) ج 2 ص (20) ج 3 ص (120) ج 4 ص (78، (206 ج 5 ص (17) ج 1/ 9 ص (23) ج 1/ 10 ص (309) ج 11
معجم
ص (59، 89) ج 1/ 12 ص (300) ج 14 ص (46) ج 15 ص (211، 254). (1/345)
صفحة 346
346
معالم ورؤى
وأكتفي بذكر ثلاثة مباحث لتوضيح اهتمام الشيخ بالجانب اللغوي في
تفسيره وهي:
أولا: الجانب الصرفي
من أمثلة ذلك تفسيره لقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] حيث يقف طويلا عند لفظ ـ أشياء - ويفصل بناءه الصرفي تفصيلا تعليميا، ربما كانت الآية في غير حاجة إليه، وينقل ما قيل في وزن ـ أشياء - مرجحًا قول الخليل، وسيبوبه، وهو قول الجمهور قائلا: «وليس أشياء جمع شيء على وزن أفعال، فليست الهمزة بعد ألفه لام الكلمة، ولا الهمزة الأولى همزة أفعال زائدة، لأن ما على وزن فعل بفتح فسكون لا يجمع قياسًا على أفعال، بل على أفْعُل بفتح الهمزة وإسكان الفاء وضم العين كبحر وأبحر إذا أريدت القلة، وعلى فُعُول بضم الفاء والعين كقلب وقلوب إذا أريدت الكثرة، ولأنه لو كان أشياء بوزن أفعال لصرف، لأن همزته بعد الألف حينئذ أصل، ولما منع الصرف علمنا أن هذه الهمزة للتأنيث ...... وهذا هو الصحيح، وعليه الجمهور، وهو قول الخليل، وسيبويه .. » (1).
وهي
وعند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّبِئِينَ ... ) [البقرة: 62] يتوقف الشيخ عند ألفاظ ـ هادوا والنصارى والصابئين - ليفصل القول في المعنى الذي اكتسبته كل لفظة، على هذه الصيغة (2) فمثلاً يقول في لفظة - النصارى: جمع نصران مثل قولهم في جمع ندمان، ندامي، والياء في نصراني للمبالغة المزيدة على المبالغة في نصران، فإن
(1) أطفيش هميان الزاد ج 5 ص (608، 609) انظر أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 2 ص (128)، الحلبي الدر المصون ج 4 ص (434).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (74 ـ 77). (1/346)
صفحة 347
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
347
في نصران مبالغة زيدت عليه ياء النسب لزيادة المبالغة، كما زيدت في فقيل أحمري، وكما زيدت بزيادة المبالغة في قوله:
أحمر .. والدهر بالإنسان دواري (1) وسموا نصارى؛ لأنهم نصروا المسيح أو لقول الحواريين منهم نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ} [آل عمران: 52 الصف: 14] أو لكونهم معه في قرية يقال لها، نصران فسمي كل واحد باسمها هو نصران، وما الياء في نصراني إلا مزيدة على نصران، وجمع بعد التسمية على نصارى، أو يقال لتلك القرية ناصرة، فأخذ لهم اسم من مادة هذا الاسم، ولو اختلف في الوزن، وفي الصحاح نصران قرية بالشام، وينسب إليها النصارى ... وإنما نسبوا إليها؛ لأن المسيح كان ينزلها، ويقال رجل نصران، ومرأة نصرانة، ونصراني ونصرانية ... (2).
وذلك
ويرى الشيخ أطفيش رحم الله أن الكلمة إذا كانت أعجمية فلا يجوز الاشتغال باشتقاقها لكنه ينقل أقوال العلماء في اشتقاقها ويتعجب من صنيعهم عند تفسيره لقوله تعالى: {وَأَنزَلَ التَّوْرَنَةَ وَالإنجيل} [آل عمران: 3] فقال: «والتوراة، والإنجيل اسمان أعجميان عبرانيان لا يدخلهما اشتقاق ولا تصريف، وقيل: مشتقان من الوري والنجل يقال: ورى الزند أي خرجت ناره ... كذلك التوراة التي أنزل الله فيها ضياء يخرج به من الضلال إلى الهدى (وَلَقَدْ آتَيْنَا موسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاهُ} [الأنبياء: 48] هذا قول الفراء والجمهور، وقال الفراء وزنه تفعلة بكسر العين أصله تورية قلبت الكسرة فتحة فقلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح، وذلك لغة طئ ...... وقيل: وزنه تفعلة بفتح العين قلبت الياء
(1) هذا شطر بيت لم أقف على نسبته ولا على شطره الآخر. (2) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (75) انظر الطبري: جامع البيان ج 1 ص (359) الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (285) وللمزيد من الأمثلة انظر الهميان ج 1 ص (493 - 496) ج 2 ص (463، 464) ج 2/ 8 ص (139) ج 1/ 9 ص (18). (1/347)
صفحة 348
348
معالم ورؤى
ألفًا بتحركها بعد فتح، والنجل: الأصل ....... والإنجيل الذي أنزله الله أصل مرجوع إليه في ذلك الدين قبل نزول القرآن: وقيل: مشتق من النجل بعد الاستخراج، كما يقال للماء الخارج من البئر نجل وكما يقال للولد: نجل، والإنجيل مستخرج من اللوح المحفوظ، فالنجل يطلق على الأصل، والفرع، وقيل: من النجل الذي هو سعة العين ....... إذ في الإنجيل سعة ليست في التوراة؛ لأنه أحلت فيه أشياء حرمت في التوراة. وقرأ الحسن: والأنجيل - بفتح الهمزة، هو دليل العجمة؛ لأنه ليس في الأوزان العربية أفعيل بفتحها، والعجب لمن يتعمد إلى لفظ أعجمي فيعمل فيه الاشتقاق والتصريف»).
ثانيًا: جانب معاني المفردات
ومن
الأمثلة على هذا ما ذكره الشيخ أطفيش في معنى الصراط (2) عند تفسيره لقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] إذ يقول: «والصراط: لغة قريش وهو الثابت في الإمام (3) وهو الطريق يذكر ويؤنث، وجمعه صرط - بضم الصاد والراء - وأصله السراط بالسين من سرط الطعام إذا ابتلعه ... كما شمي لقما - بفتح اللام والقاف - لأنه كان يلتقمهم، أو يلتقم المار، وإنما قلبت السين صادًا لتطابق الطاء في الإطباق والاستعلاء ... وقيل الطريق هو ما يطرقه طارق مطلقا، ولو لم يكن طريقًا، قبل والسبيل ما يطرقه، وهو معتاد السلوك، والصراط كالسبيل، إلا أنه مستقيم غالبًا، فهو أخص الثلاثة، والسبيل أخص من
6
(1) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (7)، انظر الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (410) البيضاوي: أنوار التنزيل ص (96) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 2 ج 4 ص (7 و 8). (2) هو السبيل الواضح، والصراط لغة في السراط، والصاد أعلى لمكان المضارعة وإن كانت السين هي الأصل، انظر ابن منظور لسان العرب ج 3 ص (277) مادة سرط.
(3) يريد به المصحف العثماني. (1/348)
صفحة 349
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
349
الطريق، وعلى كل حال، فالمراد طريق الحق، وقيل ملة الإسلام، وهو قول ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وقيل القرآن وهو قول علي ...
(1)
ومن الأمثلة أيضا على هذا تفسيره لقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العلمين} [الفاتحة: 2] فقد ذكر الشيخ لكلمة الرب خمسة عشر معنى، فقال: أي ما لكهم، أو سيدهم، أو مصلحهم أو مربيهم، أو صاحبهم، أو ثابتهم، أي الثابت لهم وقربهم أي القريب إليهم، وجامعهم في أنفسهم وآمرهم، أو محيطهم كذلك أو كثير الخير لهم، أو مولى النعم لهم، فهذه خمسة عشر معنى، كلها تدل على معنى الحفظ، والتربية، وكلها صفات فعل إلا لمالك، والسيد والثابتن فصفات ذات» (2) وعند تفسيره لقول الله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ برسم وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] يبين الشيخ المعنى اللغوي للاستهزاء، فيقول: «والاستهزاء: السخرية والاستخفاف وأصله الموت السريع، والفعل الخفيف السريع، يقال: هزأ فلان مات في مكانه سريعا، وهزأت الناقة، أي:
(3)
أسرعت، وخفت، وهزأ بقوله أسرع به من غير توقف ... (3) ثم يفرق بين مد، وأمد فذكر أن مد وأمد يأتيان بمعنى واحد وهو الزيادة، لكن أمد بالهمزة أكثر ما تستعمل في الخير، ومد بدون همزة أكثر ما تستعمل في الشر، يقول: ويمدهم: يزيدهم كما يقال مد الجيش، وأمده، إذا زاده ما يقوى به من ناس، أو طعام، أو سلاح، ومد الدواة وأمدها، إذا زادها ما تصلح به من ماء، أو مداد، ومد السراج، وأمده زاده زيتا، ومد الأرض، وأمدها زادها سمادًا، أو خلطها به من قبل أن يكون فيها شيء منه، وأمده الشيطان، ومده في الغي؛ إذا زاد في
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (152)، (153) انظر الطبري: جامع البيان ج 1 ص (103 - 106) الزمخشري: الكشاف ج 1 ص 68) و 69)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 1 ص (29 و 30). (2) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (132) انظر الطبري: جامع البيان ج 1 ص (91 و 92)، الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (53) ابن منظور لسان العرب ج 3 ص (14) مادة ربّ.
(3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (278) انظر ابن منظور، لسان العرب ج 6 ص (331) مادة هزاً. (1/349)
صفحة 350
350
معالم ورؤى
وسوسته، كل ذلك بالهمزة وتركها بمعنى واحد وأكثر ما يأتي مد بلا همزة في الشر، وأمد بهمزة في الخير والمعنى يزيدهم» (1) وكذلك فرق بين العمى، والعمه الكائن في نفس الآية الكريمة، فجعل العمى عاما في البصر، والرأي، والعمه خاصا بالرأي فقطن فقال: «ويعمهون يترددون متحيرين، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر، والرأي والعمه خاص بالرأي، وهو التحير، والتردد، لا يدرى أين يتوجه، يقال رجل أعمه، وعمه، أي: لا رأي له جازم ... وبين العمى والعمه عموم مطلق؛ لأنه خاص بالبصيرة، والعمى عام فيها، وفي البصر ... ولم يستعمل العمه في البصر وإن استعمل كان مجازا» (2).
ثالثًا: الجانب الإعرابي
يهتم الشيخ أطفيش رحم الله كثيرًا بالجانب الإعرابي، أو النحوي انطلاقا من كون الإعراب أداة مهمة في استجلاء، المعنى، وتوضيحه، فالشيخ يقلب المعنى على كل الوجوه المحتملة في إعراب الآية أو المفردة القرآنية، ولا يستقر عند معنى بعينه إلا إذا أسنده دليل، قوي فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: {مُتَّكِثِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَبِكِ} [الإنسان: 13] يقول في إعراب - متكئين -: «متكئين: حال من الهاء في جزاهم على أن الضمير الهاء، ومن قوله هم على أن الضمير الهاء، والميم، أو صفة الجنة غير جارية على لفظ جنة، ولم يبرز الضمير لأمن اللبس، ولو برز
(1) أطفيش: هميان الزاد ج 1 ص (281) انظر الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (188)، البيضاوي: أنوار التنزيل ص (14). (2) أطفيش ن. م. س: ج 1 ص (283) انظر الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (190)، أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 1 ص (83) ولمزيد من الأمثلة على اهتمام الشيخ بمعاني المفردات انظر: الهميان ج 4 ص (78) ج 1/ 7 ص (88) ج 1/ 10 ص (339). (1/350)
صفحة 351
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
351
لقيل متكئين، هم، ولكن يلزم من كونه صفة تقديم العطف على النعت (1) ويزيد الأمر وضوحًا في تفسيره تيسير التفسير؛ إذ يقول: «متكئين فيها ـ حال - من الهاء في جزاهم مقدرة على تفسير جزاهم بأدخلهم، أو أعطاهم، وخُص الجزاء بالأتكاء؛ لأنه أتم حالات المتنعم، وقيل حال مقدرة، من واو صبروا، أي صبروا ناوين بصبرهم الأتكاء، وهو ضعيف خلاف الأصل، وقيل نعت جنة، ولم يبرز الضمير مع جريان النعت على غير ما هو له أأمن اللبس، فالأصل متكأهم فيها بإفراد متكنا، وهم فاعل لمتكأ، ولا تقل الأصل متكئين هم فيها بالجمع؛ لأن الجمع فيه ضمير مستتر ...
(2)
وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء: 208، 209] يقول في إعراب لفظ ـ ذكرى ـ: «ذكرى ـ عظة وهو اسم مصدر ذكر بالتشديد وألفه للتأنيث، وهو أما مفعول مطلق لمنذرون أي: إلا لها منذرون إنذارا، الإنذار والتذكير والوعظ متقاربة، ويؤول منذرون بمذكرون أي إلا لها مذكرون تذكيرًا، وأما حال من المستتر في منذرون على المبالغة، جعلوا لإمعانهم في التذكرة نفس التذكرة، أو على تقدير مضاف، أي ذوي تذكر، أو على تأويل بمذكرين، وأما مفعول لأجله، وأما صفة لمنذرون مبالغة، أو بتقدير مضاف، أو بالتأويل بالوصف، أو خبر لمحذوف، أي: هذه تذكرة ... » (3).
وعند تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60] يقول في إعراب - مفسدين -: «حال مؤكدة لعاملها، كما قال ابن مالك، وابن هشام
(1) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (112) انظر أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 5 ص (437) النسفي تفسير النسفي ج 4 ص (318).
(2) أطفيش تيسير التفسير ج 14 ص (342، 343).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 12) ص (95) (96) انظر النسفي تفسير النسفي ج 3 ص (197). (1/351)
صفحة 352
352
معالم ورؤى
وغيرهما، فإن العثو، والإفساد بمعنى واحد وهما هنا المعصية، والماضي عثي بكسر الثاء مثل رضي وياؤه عن واو، وقيل العثي أشد الفساد، فالإفساد أعم منه، والحال مؤكدة؛ لأن معنى العام موجود الخاص مع زيادة في الخاص ... وقد يجعل مفسدين حالا باعتبار أن العثي قد يكون في الفساد ... ().
وعند تفسيره لقول الله: إِلا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَةً} [آل عمران: 28] ذكر في
ما
نصب - تقاة - ثلاثة أوجه تبعا لتفسيرها؛ إذ يقول: «وتقاة: مفعول به بمعنى يتقى من المضرات، فهو مصدر بمعنى مفعول، أو تتقوا على ظاهره: بمعنى تحذروا، و «تقاة مفعول مطلق، إلا أن تتقوا منهم اتقاء، فهم اسم مصدر اتقى، ومن للابتداء متعلق بتتقوا، ويحتمل أن يكون منهم يتقى، أي: لا تجعلوا ذلك، إلا لأجل تخوفكم أمرًا يتقى كائنا من جهتهم)) (1)
حالا
من
تقاة بمعنى
(2)
ما
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (60، (61) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 1 ج 1 ص (395) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 1 ص (181).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (61) انظر الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (422) البيضاوي: أنوار التنزيل ص (100) وللمزيد انظر هميان الزاد ج 1 ص (183) ج 5 ص (535) ج 1/ 9 ص (176) ج 2/ 10 ص (24) التيسيرج 14 ص (344). (1/352)
صفحة 353
353
المبحث الثاني:
موقف الشيخ أطفيش من بعض المسائل
اللغوية
أولا: الحروف الزائدة في القرآن الكريم
لقد انقسم العلماء إزاء هذه المسألة إلى قسمين: قسم يرى أن في القرآن حروفًا زائدة، في حين ينفي القسم الآخر - وهم الأكثرون ـ زيادة حروف في القرآن (1) حتى قال الرافعي: «إن اعتبار الزيادة فيه وإقرارها بمعناها نقص يجل القرآن عنه وليس يقول بذلك إلا رجل يتعسف في الكلام، ويقضي فيه بغير علمه، أو بعلم غيره فما في القرآن حرف واحد، إلا ومعه رأي يسنح في البلاغة من جهة نظمه، أو دلالته أو وجه اختياره، بحيث يستحيل البتة أن يكون في موضع قلق، أو حرف نافر، أو جهة غير محكمة، أو شيء مما تنفذ في منفذة الصنعة الإنسانية من أي أبواب الكلام إن وسعها منه باب» (2) والحق الذي لا مرية فيه أن ما من حرف في كتاب الله تعالى إلا وله أهميته في توضيح المعنى، وتقريره، وليس لأحد أن يبطل عمل حرف واحد في القرآن الكريم، والذي يظهر أن المراد بالزائد من جهة الإعراب وليس من جهة المعنى، يقول عقيلان: لا يوجد في القرآن حرف، زائد بل كل حرف له وزنه، وتقديره، ومعناه، والحروف التي يسميها النحويون زائدة هي زائدة عندهم في الإعراب،
(1) العكبري إملاء ما من به الرحمن ج 2 ص (67)، أبو حيان: البحر المحيط ج 5 ص (407) الزركشي: البرهان ج 3 ص (79). (2) الرافعي: تاريخ آداب العرب ج 2 ص (231 (232) انظر دراز النبأ العظيم ص (13) عباس: لطائف المنان ص (62). (1/353)
صفحة 354
354
معالم ورؤى
أما في النظم المعنوي، والبلاغي فهي ليست زائدة) ولقد نحا الشيخ أطفيش رحم الله منحى القائلين بالزيادة، وذكر هذا في مواضع كثيرة متعددة منها:
عند تفسيره لقول الله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّعْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ [إبراهيم: 21] يرى أن ـ من ـ في قول الله تعالى ـ من شيء - زائدة، فيقول: «أي: فهل أنتم دافعون عنا شيئًا، هو عذاب الله الواقع علينا، وإنما زيدت ما؛ لتقدم الاستفهام هذا ما ظهر لي في الآية، وهو إن شاء الله خال التكلف ... » (2) من وعند تفسيره لقوله تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَا عَلَيْهَا حَافظ} [الطارق: 4] يقول: «اللام فارقة بين النفي، والإثبات دالة على الإثبات وما زائدة للتأكيد» (3) على أن الشيخ رحم الله لم يكن مع القول بالزيادة على كل الأحوال، بل يتعقب القائلين بالزيادة، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30] يرد على أبي عبيدة قوله بزيادة إذ في جميع القرآن فيقول: «قال أبو عبيدة معمر بن المثنى إذ زائدة للتأكد في جميع القرآن، وليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة، ولاسيما في الأسماء» (4) وعند تفسير قوله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَنَا سُبُلَنَا} [إبراهيم: 12] يرد القول بزيادة ـ لا ـ، فيقول: «الاستفهام للإنكار، أي: لا عذر لنا في ألا نتوكل ... وذلك هو المتبادر عندي وعليه الزمخشري وابن هشام، وقيل: لا زائدة، والمصدر مفعول به الجار والمجرور؛ نظرًا إلى أن المعنى، ما منعنا التوكل، ويرده أنه لم يعهد عمل الجار والمجرور في المفعول به الصريح، وأنه وجه لتضمين لنا معنى منعنا، وأن الأصل عدم الزيادة، وقال: الأخفش إن
لا
(1) عقيلان من لطائف التفسير ج 1 ص (28) انظر بدوي: بلاغة القرآن ص (102). (2) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 9 ص (35). (3) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (244) انظر النسفي تفسير النسفي مجلد 2 ج 4 القرطبي: الجامع لأحكام القرآن مجلد 10 ج 20 ص (5) وللمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (357).
(4) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (415) انظر الزركشي: البرهان ج 3 ص (82).
ص
(347) (1/354)
صفحة 355
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
355
زائدة ناصبة، وكان يجيز عمل أن الزائدة كما يعمل الجار الزائد، ويرده أن الأصل عدم الزيادة، وأنها لو كانت زائدة لم تعمل لعدم اختصاصها كما يختص
حرف الجر الزائد بالاسم ...
(1)
ثانيًا: تناوب الحروف
ذلك
هذه المسألة تعددت فيها الآراء، وتشعبت فيها الأقوال، ونتج عن، مذهبان مذهب يقضي بتناوب بعض الحروف مكان بعضها، وهو مذهب الكوفيين ومن تبعهم، والمذهب الآخر لا يرى ذلك، وهو مذهب جمهور البصريين (3) ويبدو أن مذهب البصريين هو الأقرب إلى بلاغة القرآن الكريم، فلا ينوب حرف عن حرف، يقول الخالدي: «إن للحرف القرآني دورًا في تقرير الإعجاز البياني، وإن هذا الحرف يشارك عناصر الدلالة، والإعجاز، ووجوه الإعجاز الأخرى في التفسير القرآني، مثل الكلمة، والجملة، والأسلوب» (3) وممن رجح عدم تناوب حروف الجر مكان بعضها الدكتور فضل عباس إذ يقول: «إن ما ذهب إليه كثير من العلماء من تناوب الحروف بعضها مكان بعض قضية غير مسلمة أو مستساغة في كتاب الله تعالى، فكل حرف له مدلوله الخاص به، فإذا قال الله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] فإن حرف الجر ـ في ـ جيء به قصدا، ولا يسد غيره مسده، وهكذا كل حرف في كتاب الله تعالى لا ينبغي أن نقول أنه جاء عوضا عن غيره» (4).
،
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 9 ص (23) انظر الزمخشري: الكشاف ج 2 ص (370).
(2) حسن النحو الوافي ج 2 ص (537 ـ 542). (3) الخالدي: البيان في إعجاز القرآن ص (254). (4) عباس عجاز القرآن الكريم ص (193). (1/355)
صفحة 356
356
معالم ورؤى
أما موقف الشيخ أطفيش من هذه المسألة، فهو وإن كان يتبع مذهب الكوفيين بتناوب الحروف، إلا أنه غالبا ما يذكر المذهبين معا من غير ترجيح،
وكأن كليهما لديه صحيح، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: عند تفسيره لقوله تعالى: وَلَأُصَلبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71) يذكر مذهب الكوفيين أن ـ في ـ خرجت من الظرفية إلى معنى الاستعلاء، والمذهب البصري الذي يرى بقاءها على الظرفية دون أن يفصل فيها برأي، فقال: قال ابن هشام «في» للاستعلاء بمعنى على وإيضاحه أنه شبه الاستعلاء المطلق بالظرفية المطلقة بجامع التمكن فسرى التشبيه بجزئيات كل فاستعار لفظ «في» لمعنى على، وهو استعلاء جزئي، استعارة تبعية تحقيقية هذا مذهب الكوفيين، وقال البصريون: «في» هنا للظرفية. شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحال فيه على طريقة الاستعارة بالكناية أو شبه الجذوع بالظروف بجامع التمكن في كل على طريق الاستعارة بالكناية، و «في» على الوجهين تخييل ... ) وعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] يقول: «إلى بمعنى مع أو عند ... ويجوز إبقاء إلى على أصلها من الانتهاء على أن خلا بمعنى مضى، أي: امضوا من المؤمنين، أو عن المؤمنين إلى شياطينهم، أو بمعنى جاوزوا المؤمنين إلى شياطينهم، يقال خلاك ذم، أي جاوزك إلى غيرك، أو ضمن خلا بمعنى رجع أي رجعوا إلى شياطينهم، فإن الخلو من الشيء رجوع إلى غيره، أو ضمن معنى الإنهاء، والإبلاغ، من خلا فلان إذا سخر منه، وعبث به، أي: إذا بلغوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها.
(
(2)
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 10 ص (68) انظر الزمخشري: الكشاف ج 2 ص (564). (2) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (276) انظر الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (184) النسفي: تفسير النسفي مجلد 1 ج 1 ص (20) وللمزيد انظر: الهميان ج 3 ص (221) ج 1/ 10 ص (302). (1/356)
صفحة 357
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
357
:ثالثًا المعرّب (1) في القرآن الكريم
إن القرآن الكريم كتاب عربي مبين وهذه قضية مسلمة، نص عليها منزل القرآن بقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا [يوسف: 2] غير أن القرآن يتضمن ألفاظا كانت تستخدمها لغات أخرى، وهذه المسألة صارت مثار بحث بين العلماء المحققين، فالأكثرون منعوا أن يكون في القرآن لفظ غير عربي، حيث ذكروا أنه ليس في القرآن ألفاظ غير عربية، وما ورد في ذلك، إنما هو من قبيل اتفاق، وتوارد اللغات (2) وعلى رأس العلماء المانعين الإمام الطبري، والعلامة العوتبي، فالإمام الطبري عقد فصلا في مقدمة تفسيره بعنوان: «القول في البيان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من أجناس الأمم " والعلّامة العوتبي بقول: «هو عربي ليس فيه شيء أعجمي .... وهو حجة على من تلي عليه ولو كان التالي عليه (صبيا
(4)
(3)
ولقد ذكر الإمام السيوطي خلاف العلماء في هذه المسألة، ولخص القول فيه أن الأكثرية على عدم وقوع المعرب في القرآن، فيقول: «اختلف الأئمة في وقوع المعرب في القرآن، فالأكثرون ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبيدة، والقاضي أبو بكر، وابن فارس على عدم وقوعه فيه ... وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية، فقد أعظم القول، ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول ... » (5).
(1) عرفه السيوطي في كتابه الإتقان: «هو ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعان في غير لغتها وقال الجوهري في كتابه الصحاح: تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب
على منهاجها».
(2) الزركشي: البرهان ج 1 ص (359 - 363).
(3) الطبري: جامع البيان ج 1 ص (31).
(4) العوتبي: الضياء ج 2 ص (197). (5) السيوطي: الإتقان ج 2 ص (103). (1/357)
صفحة 358
358
معالم ورؤى
عربي
أما الشيخ أطفيش رحم الله فلم يقدم رأيًا واضحًا محددًا، ولم يقف موقفا واحدًا معينًا في هذه المسألة؛ ففي مواضع ينساق وراء من يقول بالتعريب، ويقول بقولهم، ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله عزّ وجلّ: بَطَابِنُهَا مِنْ إستبرق} [الرحمن: 54] حيث قال: «من إستبرق - ديباج ثخين، أي: غليظ وهو بالفارسية استبره» (1) وعند تفسيره لقوله تعالي گشكُوةٍ فِيهَا مِصْبَاحُ} [النور: 35] قال: «كمشكاة - كوة غير نافذة في لغة الحبشة، والعرب تنطق بها على لغة الحبشة» (2) وقال في تيسير التفسير: وهي فتحة في نحو حائط غير نافذة، وهو أصله مشكوة، قلبت الواو ألفًا لتحركها بعد فتحة، وقيل: حبشي عرب، وقيل: رومي عرب» (3) وفي مواضع أخرى ينص على أنه ليس في القرآن لفظ غير عربي ويبرئ ممن يقول بالتعريب بلا دليل (4) ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قول الله تعالى: {وَقِيلَ يَتَأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَسمَاءُ أَقْلِعِي} [هود: 44] حيث قال: وزعم البعض أن البلع الازدراد لغة حبشية، وبعض أنه بمعنى الشرب لغة هندية، وكل من فسر القرآن بغير لغة العرب، فهو من المغرقين في الجهل إلا ما قام دليله» () وعند تفسيره لقول الله تعالى: {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [الواقعة: 18] يقول: «وزعم بعض أن إبريق معرب إبريز أي صاب للماء، وأنا برئ من دعوى كل تعريب لما قبلته العربية بلا تعر
(1) أطفيش هميان الزاد ج 14 ص (95) ج 1/ 10 ص (98) انظر الطبري: جامع البيان ج 12 ص (371) السيوطي: الإتقان ج 2 ص (110).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 11 ص (306) انظر الزمخشري: الكشاف ج 3 ص (67) السيوطي: الإتقان ج 2 ص (116). (3) أطفيش: التيسيرج 9 ص (113).
(4) على أن الشيخ لم يلتزم بهذا الشرط عندما ذكر أمثلة على الكلمات المعربة إذ لم يذكر الدليل على تعريبها، لذا قلت إنه لم يعط رأيًا واضحًا محددًا في المسألة.
(ه) أطفيش: تيسير التفسير ج 5 ص (430) انظر السيوطي: الإتقان ج 2 ص (108). (1) أطفيش تيسير التفسير ج 13 ص (68) انظر الطبري: جامع البيان ج 11 ص (630)، السيوطي:
الإتقان ج 2 ص (108). (1/358)
صفحة 359
المبحث الثالث:
359
وبديع
الصور البلاغية التي عرضها الشيخ أطفيش
إن القرآن بلغ قمة البلاغة، وأوج، الفصاحة، ولا سبيل لمعرفة أسرار بيانه، دقائقه، إلا بمعرفة أساليب البلاغة وفنونها وصورها، يقول الزركشي: اعلم أن هذا علم شريف المحل، عظيم المكان، قليل الطلاب، ضعيف الأصحاب ليست له عشيرة تحميه، ولا ذوو بصيرة تستقصيه، وهو أرق من الشعر، وأهول من البحر، وأعجب من السحر، وكيف لا يكون! وهو المطلع على أسرار القرآن العظيم، الكافل بإبراز إعجاز النظم المبين ما أودع من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما تضمنه في الحلاوة، وجلله في رونق الطلاوة، مع سهولة الكلمة وجزالتها، وعذوبتها، وسلاستها، ولا فرق بين ما يرجع الحسن إلى اللفظ، أو المعنى» (1) إن التحقيق يدل دلالة واضحة على وجود المجاز في القرآن الكريم، فوجوده يعد من أسرار الإعجاز في القرآن الكريم، إذ إن المجاز يعد من خصائص اللغة العربية، فالعرب يعتبرونه أبلغ من الحقيقة، فهذا الإمام السيوطي يقول: «فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة» (2) لقد تذوق الشيخ أطفيش رحمة الله طعم البلاغة القرآنية، وحلاوتها، وأدرك روعتها الخلابة الجذابة المؤثرة، كما أخبر عن ذلك بنفسهن فعند تفسيره لقوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ .... [يونس: 38] يقول: «الحمد الله الرحمن الرحيم الذي من على بإطلاعه على تحقيق بلاغته، ومشاهدتي
(1) الزركشي: البرهان ج 2 ص (397). (2) السيوطي: الإتقان ج 3 ص (109). (1/359)
صفحة 360
360
معالم ورؤى
لطرقها، وإدراكي لها، ولا كلام يفوقه، ولا يقرب من مساواته، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم دون كلام الله في البلاغة، وإطلاق البلاغة في كلام الله تعالى سبحانه
مجاز»).
وعند تفسير قول الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِعْرَ} [يس: 69] يقول: «وله صلى الله عليه وسلم براهين تقوية - منها بلاغة القرآن، التي لا تطاق، وقد أدركت منها كثيرًا بقدر طاقة المخلوق والحمد لله، وبعضها تتنور في قلبي، ويعجز لساني عن بيانها إلا بإطالة كلام (2) إن المتتبع لهميان الزاد يجد أن الشيخ أطفيش رحمةالله قد طرق مختلف المباحث البلاغية، فقدم الكثير من الصور البلاغية المتنوعة بفنونها المتعلقة بعلم البيان، والمعاني، والبديع (3) وأكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة على ذلك، مع الإحالة لمن أراد المزيد.
أولا: علم البيان
يعد علم البيان وسيلة إلى تأدية المعنى بأساليب عدة بين تشبيه ومجاز، و استعارة، وكناية، وقد تعرض الشيخ أطفيش كثيرًا لهذا العلم، فذكر التشبيه
والمجاز، والاستعارة، والكناية.
أولا: التشبيه (4)
من أنواع التشبيه التي ذكرها الشيخ أطفيش ما يلي:
1 - تشبيه تمثيلي مثاله ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ
(1) أطفيش: التيسيرج 5 ص (260).
(2) أطفيش تيسير التفسير ج 11 ص (71).
(3) وإن كان الشيخ أطفيش يولي اهتماما بالصور البلاغية في تفسيره الهميان» إلا أنه يعطي هذا الجانب اهتمامًا أكبر في تفسيره «التيسير» كما هو في المبحث من خلال الأمثلة. (4) هو بيان أن شيئا أو أشياء شاركت غيرها في صفة أو أكثر بأداة الكاف أو نحوها ملفوظة أو ملحوظة انظر البابرتي: شرح التلخيص ص (468)، الجارم: البلاغة الواضحة ص (20).
هي (1/360)
صفحة 361
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
361
الدُّنْيَا كَمَاءِ أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ ... [يونس: 24] إذ يقول: «ليس المشبه به مجرد الماء، بل هو ما بعده إلى «حصيد» أو «بالأمس» فذلك تشبيه تمثيلي، ويقال له مركب .... شبه الدنيا بعد إقبالها بزوال خضرة النبات، وذهابه بثماره، بعد سكون النفس إلى أنه قد سلم من الجوائح ودخل زوال الدنيا، زوال الإنسان عنها بالموت فإن من مات فقد زالت عنه الدنيا).
2 ـ التشبيه البليغ () ومن ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 6، 7] حيث قال: كمهاد، أي: فراشا وهذا تشبيه بليغ، بسطناها مع وسعها وغلظها ... كالأوتاد لها مع ما في الجبال من المنافع
فهو تشبيه بليغ» (3).
ثانيا: المجاز (4)
ذكر الشيخ أطفيش المجاز بقسميه العقلي والمرسل، فمن النوع الأول قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ} [البقرة: 16] يقول الشيخ: «وإسناد الربح إلى التجارة من الإسناد إلى الظرف المجازي، فهو مجاز عقلي، ويسمى تجوزًا في الإسناد، وتجوزا في الحكم، وحقيقة الكلام عما ربحوا من تجارتهم، بإسناد الربح لأرباب التجارة، أو من الإسناد إلى السبب أو الملزوم، فإن التجارة للربح وملزوم له ... » (ه) ومن النوع الثاني قوله تعالى: {فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ
سبب
(1) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 8 ص (45، (48) انظر الزمخشري: الكشاف ج 2 ص (233) وللمزيد انظر الهميان ج 2/ 8 ص (328) ج 1/ 10 ص (116).
(2) هو ما حذفت منه الأداة ووجه الشبه، انظر البابرتي: شرح التلخيص ص (527). (3) أطفيش التيسيرج 14 ص (383) وللمزيد انظر: التيسير ج 1 ص (342) الهميان ج 4 ص (366). (4) هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي انظر البابرتي: شرح التلخيص ص (543). (0) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (285) انظر الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (191) وللمزيد انظر: الهميان ج 1 ص (366) التيسير ج 12 ص (251). (1/361)
صفحة 362
362
معالم ورؤى
جَهْرَةً} [النساء: 153] يقول الشيخ أطفيش: .. أطلق الجهر على مطلق الإجهار، فهو مجاز مرسل لعلاقة الإطلاق، والتقييد والمعنى أرنا الله مجاهر إلينا بفتح الهاء، أو أرنا الله مجاهرين له ... » (1).
وقد يلجأ الشيخ أحيانًا إلى الجمع بين الحقيقة، والمجاز، ومن ذلك ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَفتِ} [النور: 41] إذ يقول: «والرؤية بمعنى العلم استعارة من الإبصار بالعين؛ لعلاقة الإدراك، أو مجاز مرسل لعلاقة اللزوم، أو التسبب، وقيل: حقيقة، وفي جمع بين الحقيقة والمجاز، إذ جمعت التسبيح بالألسنة، والتسبيح بغيرها مما يعلمه الله من الجمادات، أو من حيوانات لا تسبح بلسانها، أو جمعت التسبيح بالنطق وبلسان الحال، وذلك على أن من في الآية مستعملة لغير
الآية
العقلاء
معهم تغليبًا ... » (2).
ثالثًا: الاستعارة (3)
لقد نالت الاستعارة جانبًا كبيرًا من تفسير الشيخ حيث عرض العديد من صورها مع التصريح بأنواعها في مواضع، وإغفال ذلك في مواضع أخرى، ومن أنواع الاستعارة التي ذكرها الشيخ أطفيش ما يلي: (1) الاستعارة التصريحية الأصلية، والتبعية (4) فمن الأمثلة على الأولى ما
(1) أطفيش التيسر ج 2 ص (453).
(2) أطفيش: التيسيرج 9 ص (126).
(3) هي تشبيه حذف أحد طرفيه، فعلاقتها المشابهة دائما، وهي قسمان: تصريحية وهي ما صرح فيها بلفظ المشبه به ومكنية وهي ما حذف فيها المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه انظر البابرتي: شرح التلخيص ص (555). (4) تكون الاستعارة أصلية إذا كان اللفظ الذي جرت فيه اسما جامدًا وتكون تبعية إذا كان اللفظ الذي جرت فيه مشتقا أو فعلا وتقسيم الاستعارة إلى أصيلة وتبعية عام في الاستعارة بقسميها التصريحية
والمكنية انظر البابرتي: شرح التلخيص ص (569) انظر الجارم: البلاغة الواضحة ص (84). (1/362)
صفحة 363
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
363
قاله عند تفسير قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138] فبعد ما ذكر ما قيل في معنى - صبغة الله - قال: «ولفظ صبغة في تلك الأوجه، والأقوال كلها استعارة تصريحية تحقيقية أصلية، ووجه الشبه الشهور، أو الدخول أو كلاهما، والقرينة الإضافة إلى الله ... » (1) ومن الأمثلة على الثانية ما قاله عند تفسيره لقول الله هلالالالالال: هو خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ) [البقرة: 7] وفي ختم استعارة تصريحية تبعية» (2).
(2) الاستعارة المكنية، ومنها ما قاله عند تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ} [الرعد: 25]: شبه العهد بالحبل بجامع التوصل بكل إلى المقصود، وبجامع الارتباط، ولم يذكر المشبه به بل ذكر المشبه فهو استعارة مكنية ... » (3).
الاستعارة التمثيلية (4) ومنها ما قاله عند تفسير قوله تعالى: الحرب أَوْزَارَهَا} [محمد: 4]: «وأصل الوزر الحمل، أو الثقل استعير لآلات الحرب، أو شبه الحرب بإنسان حامل لشيء ثقيل، ورمز لذلك بإثبات ما هو ثقيل على التخييل، أو ذلك استعارة تمثيلية» (5).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (360) وللمزيد انظر: الهميان ج 3 ص (49) ج 1/ 9 (207) التيسير ج 1 ص (16، 17).
(2) أطفيش التيسيرج 1 ص (16) انظر: الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (155) وللمزيد انظر: الهميان ج 7 ص (10).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 8 ص (346) انظر الزمخشري: الكشاف ج 1 ص (268) أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 1 ص (131) وللمزيد انظر: الهميان ج 2/ 9 ص (146). (4) هي تركيب استعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة معناه الأصلي انظر: البابرتي: شرح التلخيص ص (581). (5) اطفيش التيسيرج 12 ص (226) وللمزيد انظر: التيسيرج 7 ص (49) الهميان ج 1/ 10 ص (241). (1/363)
صفحة 364
364
رابعا: الكناية (1)
معالم ورؤى
لطف طبعه،
«الكناية مظهر من مظاهر البلاغة، وغاية لا يصل إليها إلا من وصفت قريحته، والسر في بلاغتها أنها في صور كثيرة تعطيك الحقيقية
(2)
مصحوبة بدليلها، والقضية في طيها برهانها (2) يذكر الشيخ أطفيش رحمة الله الكناية من غير أن يتوقف عندها، ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله الله: {وَإِذَا خَلَوْا عَضُوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119] يقول: «وعض الأنامل، كناية عن شدة إظهار الشر عليكم؛ لأجل شدة غيظهم وعدم رضاهم بصلاح ذات البين للمؤمنين، فبحصول هذه الشدة أحبوا، وأظهروا فيما بينهم أن لو أصابوا المؤمنين لقتلوهم بمرة (3) فهذا الشر المكنى عنه بعض الأنامل» (4) وعند تفسيره لقول الله تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} [الكهف: 42]
يقول: «وتقليب الكفين كناية عن الندم؛ لأن النادم يفعل ذلك تحسرًا» (ه). ثانيا: علم المعاني
يعين علم المعاني على تأدية الكلام مطابقا لمقتضى الحال، وتدخل في هذا العلم مفردات كثيرة أشار الشيخ أطفيش إلى بعضها في مواضع عديدة
منها (6):
(1)
هي لفظ أطلق وأريد به لازم معناه مع جواز إرادة ذلك المعنى: انظر: البابرتي: شرح التلخيص
ص
(099)
(2) الجارم البلاغة الواضحة. ص (131). (3) أي أن الكفار أحبوا لو أنهم تمكنوا من المؤمنين أن يقتلوهم في الحال مرة واحدة .. (4) أطفيش هميان الزاد ج 4 ص (238) انظر ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ج 1 ص (399). (5) أطفيش التيسيرج 7 ص (357)، انظر الزمخشري: الكشاف ج 2 ص (485)، وللمزيد انظر: هميان الزاد: ج 14 ص (357) التيسير ج 2 ص (153).
(6) انظر: الهميان ج 2/ 10 ص (23) ج 2 ص (185) ج 2/ 8 ص (365) التيسير: ج 7 ص (506) ج 9 ص (419). (1/364)
صفحة 365
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
أولا: الالتفات:
365
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 40 - 42] إذ يقول: «والمجرمون المشركون بدليل التكذيب بيوم الدين، ومقتضى الظاهر أن يقال ما سلكهم، وجاء على
طريق الالتفات للخطاب مبالغة في التوبيخ) وعند تفسير قوله تعالى: * جَعَلْنَكُمْ خَلَفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ اياتنا ... » [يونس: 14، 15] قال: وإذا تتلى عليهم أي عليكم يا أهل مكة، فجاء على طريق الالتفات من الخطاب حتى قوله: {جَعَلْنَكُمْ وتَعْمَلُونَ * إلى الغيبة» (2).
ثانيًا: التقديم والتأخير:
القاعدة البلاغية تقول: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، ولقد طبق الشيخ أطفيش هذه القاعدة في تفسيره، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله عند تفسير قول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] «أي: ما نعبد إلا إياك، وما نستعين إلا إياك، فالتقديم للحصر، والاهتمام، والتعظيم» (3) ففي الآية الكريمة حصر الله تعالى العبادة، والاستعانة له، فعلم أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، وأن لا معين إلا هو سبحانه، ومن الأمثلة أيضا ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: {لَا فِيهَا غَوْلُ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} [الصافات: 47] قال: «وتقديم
فيها للحصر، أي انتفى عنها خاصة الغول لا مثل خمر الدنيا» (4).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (72) انظر الزمخشري: الكشاف ج 4 ص (187). (2) أطفيش التيسيرج 5 ص (224).
(3) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (144) انظر البيضاوي: أنوار التنزيل ص (4) الخليلي: جواهر
التفسير ج 1 ص (261).
(4) أطفيش: التيسير ج 11 ص (109). (1/365)
صفحة 366
366
معالم ورؤى
ثالثا: الاستفهام: يرى الشيخ أطفيش رحم الله أن الاستفهام للتقرير، أو التوبيخ، فمن الأول ما قاله عند تفسير قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَيْنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا) الإنسان: 1] فبعد أن ذكر أقوال العلماء في معنى - هل ـ قال: «والظاهر أنها للاستفهام التقريري (2) ومن الثاني ما قاله عند تفسير قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 44] «والاستفهام توبيخ لهم وإنكار» (3).
(?)
(2)
الجمال
ثالثًا: علم البديع يعنى علم البديع بتزيين الألفاظ، أو المعاني بألوان بديعية من اللفظي، أو المعنوي، وقد حفل تفسير الشيخ بالمحسنات البديعية منها: أولا: الطباق (4) والمقابلة (): ومن أمثلة ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وكَذَّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُسَرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل: 5 - 10] يقول: «وفي الآيتين طباق يسمى المقابلة، وهو أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر، ثم بما يقابل ذلك على الترتيب ... قابل أعطى ببخل، واتقى باستغنى، وصدق بكذب واليسرى بالعسرى ....
(6)
(1) الاستفهام هو طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل البابرتي: شرح التخليص ص (346). (2) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (98) التيسير ج 14 ص (326) انظر الزمخشري: الكشاف ج 4
ص (194).
(3) أطفيش التيسير ج 1 ص (68) الهميان ج 2 ص (10) انظر أبو السعود: إرشاد العقل السليم ج 1
ص (168).
(4) الطباق هو الجمع بين الشيء وضده في الكلام البابرتي: شرح التلخيص ص (613). أن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب.
(5) المقابلة هي البابرتي: شرح التلخيص ص (618).
(6) أطفيش هميان الزاد ج 15 ص (319) وللمزيد انظر التيسير ج 5 ص (393) الهميان ج 13
ص (501). (1/366)
صفحة 367
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
367
الساعة
ثانيا: الجناس (): ومن أمثلته ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةِ} [الروم: 55] إذ يقول: «وبين وساعة جناس تام مماثل، ولو اختلفا إعرابًا، وتعريفا، وتنكيرا، ولو اتحد مدلولهما في الأصل، وهو المدة الزمانية لاختلافهما في القصد» (2). ثالثًا: المشاكلة (3): ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبتُم فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل: 126] يقول الشيخ أطفيش: «وإن قلت الفعل الأول ليس عقابًا وهو فعل المشركين فلم قيل بمثل ما عوقبتم به، قلت: قيل ذلك مشاكلة ذلك ليشاكل قوله عاقبتم، ويسمى وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوع ذلك الشيء في صحبة ذلك الغير وقوعًا محققا، كما في الآية، أو مقدرا،
كما مر
(4)
' (0) `'
في قوله صِبْغَةَ اللهِ) ... » (ه).
***
(1) الجناس هو أن يتشابه اللفظان في النطق ويختلفان في المعنى وهو قسمان جناس تام وجناس
ناقص. البابرتي: شرح التلخيص ص (665).
(2) أطفيش التيسير ج 10 ص (110).
(3) المشاكلة هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. البابرتي: شرح التلخيص ص (623). (4) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (360).
(ه) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 9 ص (414) وللمزيد انظر الهميان ج 1 ص (279) ج 4 ص (113). (1/367)
صفحة 368
368
المبحث الرابع
استشهاد الشيخ أطفيش بالشعر
إن المتتبع لتفسير الشيخ أطفيش يقف على ثروة شعرية هائلة متنوعة الأغراض، ومتعددة الجوانب، وهذا دليل على تفطن الشيخ إلى أهمية الشعر في توضيح التفسير وإدراكه باعتبار أن الشعر ديوان العرب، ومرجع يعتمد عليه في معرفة غريب القرآن ومفرداته، وقد نقل عن عبد الله بن عباس ها قوله: «الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال: «إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب» (2) لقد حفل تفسير الشيخ أطفيش بأسماء كثيرة من الشعراء، فمن شعراء الجاهلية: امرؤ القيس (3) والنابغة الذبياني (4) وحاتم الطائي
(1) السيوطي: الإتقان ج 2 ص (55).
(2) السيوطي: الإتقان ج 2 ص (55).
(c)
(3) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل اختلف في اسمه فقيل حندج، وقيل مليكة، وقيل عدي انظر: الزركلي: الإعلام ج 2 ص (11) معجم المؤلفين ج 1 ص (397) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (320) ج 2 ص (93) ج 1/ 8
كحالة
ص (246).
(4) زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني من أهل الحجاز، كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ يقصده الشعراء فيعرضون عليه أشعارهم وكان خطيبا. انظر: الزركلي: الأعلام ج 3 ص (92) كحالة معجم المؤلفين ج 1 ص (738) انظر أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (343) ج 1/ 9 ص (268). (5) حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي القحطاني، من أهل نجد أبو عدي. كان فارسا وشاعرًا (1/368)
صفحة 369
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
369
=
وغيرهم) ومن شعراء العصر الأول للإسلام: حسان بن ثابت) وعبد الله رواحة (3) والأعشى وغيرهم) ومن شعراء العصر الثاني للإسلام الأخطل
(9)
والفرزدق (7) ورؤبة بن العجاج (8) وغيرهم)
بن
(6)
وجوادًا يضرب المثل بجوده مات في السنة الثامنة بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، الزركلي ـ الأعلام ج 2 ص (151) كحالة معجم المؤلفين ج 1 ص (517) أطفيش: هميان الزاد ج 1 ص (310).
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (26، 146) ج 1/ 6 ص (218). (2) حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، صحابي عرف بشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم أحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام مات سنة (54 هـ) انظر. الزركلي: الأعلام ج 2 ص (175) كحاله معج المؤلفين ج 1 ص (530) أطفيش هميان انظر الزاد ج 1 ص (348) ج 2 ص (155) ج 2/ 9 ص (6). (3) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، صحابي من قادة غزوة مؤتة استشهد فيها سنة (هـ) انظر: أبو نعيم حلية الأولياء ج 1 ص (118) الزركلي الإعلام ج 4 ص (86) أطفيش، هميان الزاد ج 2 ص (262) ج 1/ 7 ص (49) ج 2/ 10 ص (179).
(4) ميمون بن قيس بن جندل بن شراحبيل ولد باليمامة عاش طويلا، ولم يسلم مات سنة (7 هـ) انظر، الأصفهاني: الأغاني ج 9 ص (108 ـ 129) كحالة: معجم المؤلفين ج 3 ص (949)
أطفيش هميان الزاد ج ه ص (477) ج 2/ 9 ص (147).
(5) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (262) ج 1/ 7 ص (65) ج 2/ 10 ص (177) ج 1/ 12 ص (470) ج 2/ 12
ص (26).
(6) غياث بن غوث بن الصلت التغلبي، نصراني مات سنه (90 هـ) انظر: الأصفهاني: الأغاني ج 8 ص (280 - 319) كحالة: معجم المؤلفين ج 2 ص (605) أطفيش: هميان الزاد ج 1 ص (376) ج 3 ص (102) ج 4 ص (133). (7) همام بن غالب بن صعصعة التميمي، من أهل البصرة عظيم الأثر في اللغة والأخبار، كان شريفا في قومه، عزيز الجانب توفي سنة (110 هـ) انظر: ابن خلكان: وفيات الأعيان ج 2 ص (259 - 267 الزركلي: الأعلام ج 2 ص (96 - (97) كحالة: معجم المؤلفين ج 4 ص (65) 97) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (146) ج 2 ص (339) ج 4 ص (298).
(8) رؤبة بن عبد الله العجاج بن رؤبة التميمي السعدي من الفصحاء المشهورين من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية مات (145 هـ): الزركلي: الأعلام ج 3 ص (34) ابن خلكان: وفيات الأعيان ج 1 ص (187): أطفيش الزاد ج 1/ 9 ص (390).
(9) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص 283 (300) ج 2 ص (71، 160) ج 2/ 9 ص (251). (1/369)
صفحة 370
370
معالم ورؤى
يقف الشيخ أطفيش عند الآيات التي تتحدث عن الشعر والشعراء (1) وقفات طويلة، حيث يوضح الاختلاف بين القرآن الكريم والشعر، وبين أن الشعراء الذين ذمهم القرآن هم الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وتجتمع عليهم الأعراب، ويستمعون أشعارهم، ويذكر الشعراء المتشببين) ويقبحهم، ثم ذكر الشيخ أطفيش أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع لشعر حسان بن ثابت، وعبد الله وكعب بن مالك، وأجاز، شعرهم، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل ببعض الشعر، كما أنه أورد كثيرًا من الأبيات عن بعض الصحابة كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب (3) ولقد استشهد الشيخ أطفيش بالشعر في مجالات عدة
منها:
أولا: توضيح المعنى اللغوي للمفردة القرآنية:
ومن
بن رواحة،
أبيات
ذلك ما استشهد به على المعنى اللغوي للفسق عند تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ} [البقرة: 26] يقول رؤبة وهو يصف نوقا يمشين في المفازة على غير طريق:
يذهبن في نجد وغور غائرا فواسقا (4) عن قصدها جوائزا (5) وعند تفسيره لقول الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
(1) من هذه الآيات قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاهُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ} [الشعراء: 224] وقوله: {وَمَا عَلَّمْنَهُ الشعر} [يس: 69] وقوله: {وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعِرِ) [الحاقة:41].
(2) المتشببون هم الشعراء الذين يرققون أول شعرهم بذكر النساء كالفرزدق وأبي نواس، فتشبيب الشعر معناه ترقيق أوله بذكر النساء انظر: ابن منظور لسان العرب ج 3 ص (388). (3) أطفيش هميان الزاد ج 1/ 12 ص (104 - 111) ج 2/ 12 ص (345 - 347) ج 14 ص (378) التيسير:
2/ 12
-
ج 9 ص (302 - 309) ج 11 ص 70 - 77) ج 14 ص (120 - 124) أورد هذه الأبيات الألوسي في تفسيره ولم ينسبها لأحد انظر: روح المعاني ج 18 ص (139).
(4) فواسقا خارجات عن الطريق المعجم الوسيط ج 2 ص (689) مادة فسق. (5) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (393) والبيت من بحر الرجز. (1/370)
صفحة 371
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
371
الصِّيَامُ ..... [البقرة: 183] يقول: «والصوم والصيام لغة: الإمساك عن الشيء، صام النهار أي اعتدل وأمسك عن الميل، وقام قائم الظهيرة، وصامت الريح عن
(1)
الهبوب، وصام زيد: أمسك عن الكلام ...... ) ثم يستشهد على ذلك بقول
النابغة:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج" وأخرى تعلك اللجما وبقول امرئ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بحسرة ذمول (3) إذا صام النهار وهجرا)
وقال الشاعر:
حتى إذا صام النهار واعتدل وصار للشمس لعاب فنزل
ومن
(3)
ذلك تفسير الشيخ أطفيش للزمهرير بمعنى القمر على لغة طئ في قوله تعالى: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13] يقول: «. وقيل الزمهرير
القمر في لغة طيء، قال شاعرهم:
(6)
وليلة ظلامها قد اعتكر قطعتها والزمهرير ما زهر
(V)
وذلك أن الزمهرير يعني القمر في لغة طيء، وقد أتى بهذا كوجه آخر في
(1) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص (7). (2) العجاج: الغبار لسان العرب ج 4 ص (260) المعجم الوسيط ج 2 ص (584) مادة عج والبيت من بحر البسيط.
(3) ذمول تسير سيرا سريعا حسنا لسان العرب ج 2 ص (469) المعجم الوسيط ج 1 ص (315)
مادة ذمل.
(4) هجرا: انتصف واشتد حره المعجم الوسيط ج 2 ص (973) مادة هجر والبيت من بحر الطويل. (5) أطفيش هميان الزاد ج 3 ص 7 (8) والبيت من بحر الرجز. (6) اعتكر اشتد سواده: لسان العرب ج 4 ص (400) المعجم الوسيط ج 2 ص (618) مادة عكر. (7) أطفيش التيسير ج 14 ص (343، (344) والبيت من بحر الرجز. (1/371)
صفحة 372
372
معالم ورؤى
تفسير لفظ الزمهرير؛ لأن الشيخ أطفيش سبق وأن فسره بمعنى البرد القارس في أول كلامه، وهو الأصح عنده) وعند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ} [البقرة: 23] استشهد على أن السورة تأتي بمعنى المنزلة الرفيعة بما قاله النابغة، إذ يقول: «وقيل سميت سورة؛ لأنها مرتفعة الشأن؛ لأنها من كلام الله، والسورة المنزلة الرفيعة، قال
النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب» (2)
ثانيا: النحو يستشهد الشيخ أطفيش بالشعر في الإعراب فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] استشهد ببيت من الشعر للحارث بن كلدة على أن الرابط في الآية محذوف تقديره لا تجزي فيه إذ يقول: «هذه الجملة نعت ليوم والرابط محذوف: أي: لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئًا، فقيل حذف الجار والمجرور، رفعه، فالرابط حذف مخفوضا، وقيل حذف الجار، وانتصب محل المجرور على نزع الخافض، واتصل بتجزي خالد: فحذف منصوبا كحذف الرابط الذي هو ضمير مفعول به، قال الشيخ الأول مذهب سيبويه، والثاني مذهب الأخفش، قال الحارث بن كلدة الثقفي
يعاتب ابن عمه:
فما أدرى أغيرهم تناءى وطول العهد أم مال أصابوا (3) والتنائي التباعد والتقدير أو مال أصابوه، فحذف رابط النعت أي: لا
(1) أطفيش التيسير ج 14 ص (343، 344).
(2) أطفيش هميان الزاد ج 1 ص (343) وللمزيد انظر: الهميان ج 2 ص (380) ج 2/ 9 ص (136)
التيسير ج 2 ص (272) ج 7 ص (57) البيت من بحر الطويل.
(3) البيت من بحر الوافر. (1/372)
صفحة 373
373
:
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في
أدري أغيرهم تباعد وطول العهد، أو مال أصابوه، كما أن أكثر الناس يغيرهم الغني ... » (1) وعند تفسيره لقول تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خمسه} [الأنفال: 41] يذكر قولين في إعراب - ما - الأول: «أنها اسم موصول، والثاني: أنها شرطية فيقول: «. اسم موصول والفاء، في الخبر لشبه الموصول باسم الشرط في العموم والإبهام، وعن الفراء يجوز كون ما شرطية، وعليه قاسم أن محذوف أي أنه وهو ضمير الشأن كقوله (3):
:
إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جاذرًا) وظباء (4)
ولا يجوز هذا عند سيبويه إلا في الضرورة» (5).
ثالثا: البلاغة
•
ذلك ما ذكره عند تفسيره لقول الله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِ ومن مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 24] أن في الآية استعارة مكنية، فقد شبه الذل بالطائر ثم حذف المشبه به، وأبقى شيئًا من لوازمه عند انحطاطه وانخفاضه، وهو الجناح، وذلك الإثبات استعارة تخييلية، كما جعل لبيد للشمال، وهي ريح يدا، وللقرة بكسر القاف وهي البرد زماما في قوله: وغداة ريح قد كشفت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها (6)
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2 ص (20).
(2) البيت للأعشى، وليس للفراء.
(3) جاذرا ولد البقرة الوحشية: المعجم الوسيط ج 1 ص (103).
(4) ظباء: جمع ظبية وهو جنس حيوانات ذوات الأظلاف والمجوفات القرون: المعجم الوسيط
ج 2 ص (575).
(0) أطفيش: هميان الزاد ج 1/ 7 ص (219) وللمزيد انظر: هميان الزاد ج 2 ص (380) ج 2/ 9
ص (136) والبيت من بحر الخفيف.
(6) البيت من بحر الطويل. (1/373)
صفحة 374
374
معالم ورؤى
يقول الشيخ أطفيش: «أي زمام القرة شبه الشمال بالإنسان تشبيها مضمرا، أي: النفس على سبيل الاستعارة المكنية، وأثبت لها ما يلازم الإنسان، وهو اليد على طريق الاستعارة التخييلية، وشبه القرة بنحو ناقة كذلك، وأثبت لها لازم الناقة مثلا، وهو الزمام كذلك، وأمره الله الا الله بخفض الجناح مبالغة، ويجوز أن يكون المعنى واخفض لهما جناحك، كما قال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] وعليه فإضافة الذل لبيان لزوم الذل في حقهما، وللمبالغة، كما يقال: حاتم الجود كأنه قيل: جناحك الذليل، وحاتم الجواد»).
وأرى أن استطراد الشيخ أطفيش وتوسعه في علوم اللغة ـ مع كونه لا يخلو من فوائد للمتخصصين لاسيما المهتمين باللغويات - قد يصرف القارئ العادي عن فحوى الآية وهدايتها، لهذا كان من العلماء من يرفض أن يهتم المفسرون كثيرًا بمثل هذه المباحث، والتفريعات اللغوية (2) إلا أن الشيخ أطفيش الله حين يورد هذه المباحث، ويتوسع فيها لم يكن يفعل ذلك عبئًا، وإنما خدمة للنص القرآني لبيان مدلولاته واستجلاء معانيه، ولربما كان يهدف ذلك أيضا إلى إقناع القارئ بكثرة الأدلة، والتفريعات اللغوية، خاصة القارئ الجزائري في عهد الاستعمار الفرنسي الذي حاول جاهدا فرنسة الجزائر، بطمس هويتها الإسلامية، وإقصاء لغتها العربية، وعليه فإن اهتمام الشيخ أطفيش بعلوم اللغة يساعد على ترسيخ اللغة العربية في ذهن القارئ الجزائري، مما يؤدي إلى حمايته من لغة المستعمر، ومن ثقافته الدخيلة، وهذا ما يشفع للشيخ أطفيش رحمة الله سبب استطراده وتوسعه في المباحث اللغوية
من
وتفريعاتها.
(1) أطفيش هميان الزاد ج 2/ 9 ص (146، (147) التيسيرج 7 ص (155) وللمزيد انظر: الهميان ج 1 ص (373) ج 2 ص (470) ج 1/ 10 ص (299) ج 14 ص (91).
(2) الخولي: التفسير نشأته وتدرجه وتطوره ص (70). (1/374)
صفحة 375
الخاتمة
375
تلك كانت رحلتي مع الشيخ أطفيش العلّامة الموسوعي، ومع نص تفسيره هميان الزاد إلى دار المعاد الذي مثل رأيه، ومنهجه في التفسير، وهي رحلة كانت محفوفة في البداية بالتهيب؛ نظرًا لثقافة الشيخ الواسعة، وقوته في الجدال، وقدرته على التحليل، وتمكنه من مناقشة العلماء، ولكن ما إن اتضح لي التصور، وتوافرت المادة، وتكونت المكتبة، وفتح لي عقل المشرف، وقلبه حتى أنست من نفسي الثبات، والقدرة على مواجهة شيخ وتفسير، لم أكن في مستواهما إلا بتوفيق من الله تعالى، ثم بإشراف صادق لدن أستاذ من خبر العلم ورجاله والمناهج وسلطتها، والإشراف ومعاناته.
لقد كانت النهاية من هذا الإنجاز المتواضع بداية لآفاق أخرى؛ لعلها تستكمل عدتها، وتسترجع ثقتها في نفسي فيما يستقبل من إنجاز، ألتزم فيه بما حققته هذه الأطروحة من نتائج سواء في مناقشة قضايا تفسير الشيخ، أو تحليل أدواته المنهجية، وكل ذلك يمثل أرضية، ويكون وجهة نظر، أرجو أن يأخذ بها الباحثون في هذا المسار، الذي سلكته هذه الأطروحة، ويزداد هذا العمل قوة
بعد مناقشته، وإجازة صاحبه من قبل رجال البحث، والتخصص، والمناهج.
لقد انتهى هذا العمل - ولم ينته ما في نفسي وعقلي تجاهه ـ وحقق نتائج أقنعتني، وطمأنت المشرف، آملا أن ترتاح لها اللجنة الكريمة، وأن تقومها، وتوجه صاحبها نحو الأفضل في مستقبله العلمي والمنهجي. (1/375)
صفحة 376
376
معالم ورؤى
لقد عشتُ مع الشيخ أطفيش رحم الله وهو يتحرك في رحاب التفسير بخطى ثابتة، ورؤى سديدة، واضعا نصب عينيه في كل خطوة يخطوها مصادره، ومواقفه من بعض القضايا التي كانت أساس بناء منهج التفسير عنده. إن تعامل الشيخ مع المصادر كان تعاملا مع الأصل والفرع، حيث كانت مصادر التفسير، وعلوم القرآن الأخرى، ومصادر الحديث، والعقيدة، والفقه، وما تفرزه كتب السيرة، والقصص مما يخدم هذه المصادر هي الأساس الذي اعتمده، وتعامل معه، بينما جاءت مصادر السيرة في قضاياها العامة، وكذلك القصص، وعلوم العربية، وما تفرع عنها مصادر أساسية من وجه علاقتها الوطيدة بموضوع التفسير، وثانوية بالقياس لمرتبتها بعد المصادر الأساسية السابقة، وقد أحس الشيخ بالعلاقة الوثيقة بين هذه المصادر، وما أفرزته من قضايا منهجية حددت مواقفه ومذهبه، ومنهجه العام في نهاية المطاف.
تعامله
تجول الشيخ أطفيش - عالمًا ملتزما ذا خط مذهبي إباضي بداية ونهاية - في رحاب التفسير بالمأثور، وهو منهجه الذي يوجهه نحو موقفه من علوم القرآن ومن الإسرائيليات ومن الأحكام الفقهية، بل ومن اللغة وعلومها، فيما تمد مجال التفسير من آليات تقنية وأدوات أسلوبية تركيبية، واصطلاحية، ولقد أدرك الشيخ أن مذهبه العقدي يشكل منهجه العلمي والإيماني الحق في مع التفسير، والحقول التي شعر بها، مما هو منوه به من قبل، فبني مذهبه العقدي على تلك المواقف، وعلى ذلك التصور المنهجي، وأدواته الإجرائية الفاعلة هذه أهم الرؤى التي انتهت إليها الأطروحة، بفصولها الستة المكونة لهذا الباب والمشكلة لمباحثه المتشعبة، ولقد أدركتُ من جهة أخرى أن قيمة هذا الباب لم تكن لتأتي أكلها لولا دعامتان أساسيتان هما: التعريف بالمذهب الإباضي، وتحديد أصوله، وقواعده، ومعرفة عصر الشيخ، وحياته؛ وذلك للعلاقة التلازمية المتينة بين هاتين الدعامتين، ومنهج الشيخ في (1/376)
صفحة 377
الخاتمة
377
التفسير، فوقفت من خلال فصول، ومباحث الدعامة الأولى مع الباب الأول، وأضاءت المذهب إدراكا مني لتمثيله قاعدة التفسير ومنهجه، وقضايا لدى الشيخ في تفسيره، أما الدعامة الثانية التي قام عليها الباب الثاني، فكانت إضاءة لعصر الشيخ، وحياته ودورهما في تشكيل ثقافته، ورصد آفاقها، وحقولها، مع ذكر صورة العصر، وحركة المذهب الإباضي فيه، فعلى هاتين الدعامتين الأساسيتين المذهب الإباضي، وعصر الشيخ، وحياته، بنيت فصول، ومباحث الباب الثالث التي شكلت سدى الأطروحة، ولحمتها، وإذا كنت قد أوجزتُ في البناء الهيكلي لأبواب هذه الأطروحة الثلاثة، فإني قد احترمت فصولها، ومباحثها، فأعطيتها حقها في بناء رعاه الأستاذ المشرف، كما أنني احترمت مرجعيتي المذهبية؛ حتى أحقق تلك الثلاثية في التوجه الإباضي بيني، والشيخ والتفسير، ساعيًا بعد ذلك إلى الموضوعية، والتي كانت جزءا من رؤيتي، لكنها كانت الرؤية الكلية لأستاذي المشرف؛ في تسامح مذهبي، وفيض علمي، وتجربة ناضجة، وخبرة طويلة متجذرة.
أما بخصوص ما يتعلق بنتائج الدراسة فيمكن إيجازه فيما يلي: أولا: تكوين شخصية الإنسان يعود لعاملين أساسين؛ عامل الوراثة، وعامل البيئة المحيطة به، والشيخ أطفيش لم يشذ عن هذه القاعدة، ولم يخرج عن
هذا التكوين، فقد كان ابن بيئته، ونتاج عصره.
ثانيًا: تفرغ الشيخ أطفيش للعلم قراءةً، وتدريسًا، وتاليفا، ووعظا، وإفتاء، وقد اتخذ ذلك رسالة في الحياة، فعاش لأجلها إلى أن مات، ولم يشتغل بشيء
آخر سوى القضاء الذي مارسه فترة قصيرة ثم تركه.
ثالثًا: ترك الشيخ أطفيش تراثًا علميًا زاخرا في شتى العلوم والمعارف، ويأتي النتاج التفسيري في مقدمتها، وهو نتاج علمي جدير بالدراسة والاهتمام (1/377)
صفحة 378
378
معالم ورؤى
من قبل الدارسين والباحثين لا سيما في مجال الفكر الإباضي، حيث جمع آراء من سبقه من علماء المسلمين من شتى المذاهب الفقهية، والمدارس الفكرية، ورتبها وشرحها، وحللها تحليلا علميًا واسعا، وبهذا خرج بمدرسته الإباضية إلى الساحة الإسلامية الواسعة.
رابعًا: يعتد الشيخ أطفيش بنفسه من باب التحدث بنعمة الله تعالى عليه، ويشيد بأصحابه في حدود الشرع، ويحترم الصحابة بما فيهم عثمان وعليه ويثني عليهم خيرًا، ويستشهد بأقوالهم، ولا يتعداها إلى رأيه واجتهاده، وحديثه عما وقع بينهم لا يزيد عن حكاية ما حدث، إلا أنه يقف موقف الرافض
للتحكيم.
خامسًا: يقف الشيخ أطفيش من الفرق الإسلامية موقف المدافع عما يراه
حقا وصوابًا، وموقف المبين لمبادئ مذهبه بالحجج النقلية والعقلية. سادسًا: ينطلق الشيخ أطفيش في تفسيره من التفسير بالمأثور في ضوء ثلاث ركائز هي تفسير القرآن بالقرآن وتفسير القرآن بالسنة النبوية، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.
سابعًا: يبدو الشيخ أطفيش مولعًا بجمع وتتبع الروايات المتعلقة بالقصص القرآني من غير تعقيب، إلا إذا كانت الرواية تمس عصمة نبي من أنبياء الله، أو من ملائكته فقلما يسكت عنها.
ملك
ثامنا: ينطلق الشيخ أطفيش من مبدأ التنزيه المطلق الله تعالى، ويعتمد في القضايا العقدية على الأدلة المتواترة، ويقول بوجوب رد المتشابه إلى المحكم، ولا يتردد في تأويل الألفاظ القرآنية المتعلقة بصفات الله تعالى والتي يوهم ظاهرها التجسيم، إذ يؤولها على مقتضى لغة العرب، وعلى معنى يليق بجلال الله تعالى وتنزيهه (1/378)
صفحة 379
379
الخاتمة
تاسعا: يتصف الشيخ أطفيش بقدرة على عرض وبسط الأقوال الفقهية، وتوجيهها، إلا أنه يستطرد كثيرًا في مناقشة المسائل الفقهية، ولربما يناقش
مسألة فقهية في غير موضعها، وفي بعض الأحيان يرجح مذهبًا غير مذهبه.
عاشرا: يتوسع الشيخ أطفيش كثيرًا في عرض المباحث، والمسائل اللغوية، ومناقشتها وتحليلها، حيث يكثر من ذكر الأدلة، والتفريعات اللغوية لدرجة تشعر القارئ بأنه قد خرج عن حقل التفسير.
وإنني إذ أضع القلم في خاتمة هذا العمل، فإنني أحس بشيء منه في نفسي؛ لعل طلاب البحث في هذه المجالات والحقول يقدمون فيه ما يثلج الصدر، ويرقى بالرؤية المستقبلية الناضجة للبحث العلمي المسؤول أمام سلطة المنهج، وأصالته، وحداثته، وفي الختام أسأل الله القدير أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العلمين} [يونس: 10]. (1/379)
صفحة 380
380
فهرس المصادر والمراجع
T
مرتبة ترتيبا الفبائيًا بحسب أسماء المؤلفين دون اعتبار ال ويستثنى
منها القرآن الكريم فهو مقدم عليها.
أولا: القرآن الكريم (قراءة حفص عن عاصم).
ثانيا: المخطوطات.
الأنساب
1 - ابن رزيق حميد بن محمد (ت: 1290 هـ)، الصحيفة القحطانية في والحديث والفقه، مخطوطة، مكتبة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، سلطنة
عُمان، بدون رقم. 2 ـ ابن مداد محمد بن عبد الله: (ت: 917 هـ)، صفة نسب العلماء وموتهم وبلدانهم،
مخطوطة أصلية، مكتبة وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، رقم (156).
ـ أبو مسلم ناصر بن سالم اليهلاني (ت: 1339 هـ)، نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر، مخطوطة بخط المؤلف، مكتبة وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان، وتوجد نسخة مصورة بحوزتي.
4 ـ أبو اليقظان: إبراهيم بن عيسى (ت: 1393 هـ)، ملحق سير المشايخ للشماخي مخطوطة، مكتبة د. محمد ناصر، وتوجد نسخة مصورة بحوزتي.
ه - الأزكوي سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني (من علماء القرن الثاني عشر الهجري)، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة - مخطوطة بمكتبة وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان الرقم العام (58) وبمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بسلطنة عُمان، رقم (571) وتوجد بحوزتي نسخة منها وبمكتبة سماحة الشيخ بن حمد الخليلي سلطنة عُمان رقم (94، 85). 6 - أطفيش محمد بن يوسف (ت: 1332 هـ)، تلقين التالي لآيات المتعالي ـ مخطوطة بمكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (ج: 67).
أحمد (1/380)
صفحة 381
فهرس المصادر والمراجع
381
- ====: حاشية السؤلات - مخطوطة بمكتبة القطب ببني يسجن رقم (أ ـ و: 7).
- ====: حاشية القناطر - مخطوطة بمكتبة القطب ببني يسجن رقم (أ ـ و: 5).
-
9 - ====: خطبتا العيدين مخطوطة بمكتبة القطب بني يسجن رقم (أ - ز: 3).
10 - ==== خمس رسائل مخطوطة بحوزتي تتكون من 177 صفحة الأولى: حلقة العزابة، الثانية: تعليم الخط الثالثة: الرسالة الشافية الرابعة: لغز الماء، الخامسة:
،
جواب مشايخ مكة وجميعها بخط واحد وقد جاء في آخر الرسالة الثالثة ص (142) تمت بيد الريامي. 11 - ====: داعي العمل ليوم الأمل، مخطوطة بمكتبة سماحة الشيح أحمد بن حمد الخليلي سلطنة عُمان رقم المجلد الأول، (2)، (3) ورقم المجلد الثاني (6، 5، 4) ومكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب رقم (191).
12
-
==== رد الشرود للحوض المورود - مخطوطة بمكتبة السيد محمد البوسعيدي بسلطنة عُمان رقم (692.ر).
أحمد
بن
13 - ==== شرح مخمسة أبي نصر، مخطوطة بمكتبة سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بسلطنة عُمان بدون رقم. 14 - ====: القصيدة الحجازية. مخطوطة ضمن مجموع قصائد وأجوبة بمكتبة القطب رقم (أ ز).
15 - ==== قصيد المعجزات مخطوطة بمكتبة الاستقامة ببني يسجن رقم (ف: 11). 16 - البرادي: أبو القاسم إبراهيم (ت: 810 هـ)، الجواهر المنتقاة فيما أخل به كتاب الطبقات مخطوطة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بسلطنة عُمان رقم
(420) تاريخ).
17 ـ حفار إبراهيم بن أبي بكر، السلاسل الذهبية بالشمائل الطفيشية مخطوطة توجد
-
نسخة مصورة بحوزتي.
18 - الرقيشي: أحمد بن عبد الله من علماء القرن العاشر الهجري)، مصباح الظلام
18
(من
مخطوطة بدار الكتب المصرية رقم (20549 ب). (1/381)
صفحة 382
282
معالم ورؤى
19 ـ السيابي: خلفان بن جميل: ت: 1392 هـ)، فصول الأصول ـ مكتبة التراث والثقافة بسلطنة عُمان، نسخة أصلية رقم (2169).
20 ـ المنحي نجاد بن موسى من علماء القرن السادس الهجري)، كتاب البصائر والإرشاد مخطوط بمكتبة وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان غير مرقم الصفحات الرقم العام (2129)، الرقم الخاص (336) ب).
ثالثًا: المطبوعات
1 - ابن أبي الحديد عبد الحميد بن وهبة الله (ت: 668 هـ)، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم دار الجيل - بيروت ط 1 (1407 هـ / 1987 م).
2 ـ ابن الأثير: علي بن أبي الكرم (ت: (630 هـ)، الكامل في التاريخ، دار صادر بيروت ط (1965 م).
ـ ابن أمير: الحاج (ت: 879 هـ)، التقرير والتحبير، دار الكتب العلمية بيروت ط 2 (1409 هـ / 1989 م).
4 ـ ابن بركة أبو محمد عبد الله بن محمد من علماء القرن الرابع الهجري)، كتاب الجامع، حققه وعلق عليه عيسى يحيى الباروني، وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان المطبعة الشرقية بمطرح (د. ت).
ه - ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم: (ت (728 هـ فتاوي ابن تيمية، مطابع الرياض
(د. ت).
6 - ابن الجزري محمد بن محمد (ت: 833 هـ)، النشر في القراءات العشر، أشرف على تصحيحه ومراجعته علي محمد الضباع، دار الفكر (د. ت).
7 - ابن جماعة: إبراهيم بن عبد الرحيم (ت: 790 هـ)، إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل تحقيق وهبي سليمان غاوجي، دار السلام بيروت طا (1410 هـ / 1990 م).
- ابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي (ت: 597 هـ)، دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، تحقيق حسن السقاف، دار الإمام النووي، عمان الأردن ط 3 (1413 هـ / 1993 م). (1/382)
صفحة 383
فهرس المصادر والمراجع
383
=
==
تلبيس إبليس، عُني به هيثم جمعة هلال، دار المعرفة بيروت ط 1
(1425 هـ / 2004 م)
10. ==== زاد المسير في علم التفسير، حققه محمد عبد الرحمن عبد الله، خرج أحاديثه سعد زغلول، دار الفكر بيروت ط 1 (1407 هـ / 1987 م).
11 - ====: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق محمد عبد القادر، عطا مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ط 1 (1412 هـ / 1992 م)
12 - ====: الموضوعات، ضبط وتقديم وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر ط 2 (1403 هـ / 1983 م).
13 ـ ابن حاجب عثمان بن عمرو (ت: 646 هـ)، منتهى الأصول والأمل في علمي الأصول والجدل، دار الكتب العلمية بيروت ط 1 (1405 هـ / 1985 م).
14 ـ ابن حجر: أحمد بن علي (ت (852 هـ، تهذيب التهذيب، تحقيق عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت ط 1 (1415 هـ / 1994 م).
15 - ====: لسان الميزان دار الفكر بيروت ط 1 (1407 هـ /1987 م). 16 ـ ابن حزم علي بن أحمد (ت: 456 هـ) , الإحكام في أصول الأحكام ـ تحقيق ومراجعة لجنة من العلماء, دار الحديث القاهرة ط 1 (1404 هـ / 1984 م).
17 - ====: الفصل في الملل والأهواء والنحل مكتبة السلام العالمية (د. ت). 18 ـ ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد (ت: 808 هـ)، تاريخ العلامة ابن خلدون ـ دار الكتاب العربي، بيروت ط 3 (1979 م).
19 - ====: مقدمة ابن خلدون تحقيق درويش الجويدي المكتبة العصرية، صيدا بيروت ط 2 (1420 هـ / 2000 م).
20 ـ ابن خلكان أحمد بن محمد (ت: 681 هـ)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان تحقيق د. إحسان عباس دار صادر بيروت ط (1398 هـ / 1978 م).
21 - ابن سعد محمد بن سعد (ت: 230 هـ)، الطبقات الكبرى، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت ط 1 (1410 هـ / 1990 م). (1/383)
صفحة 384
384
معالم ورؤى
22 ـ ابن سلام الإباضي (ت: 273 هـ)، بدء الإسلام وشرائع الدين، تحقيق فيرنز شفارتز وسالم بن يعقوب دار صادر بيروت ط 1986 م.
23 ـ ابن الشيخ محمد الشيخ بلحاج القرآن تفسيره ومفسروه، السنة روايتها ورواتها عند الإباضية المطبعة العربية غرداية - ميزاب ط 1984 م.
24 ـ ابن الصغير: (من علماء القرن الثالث الهجري)، أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق محمد، ناصر إبراهيم بحاز، دار الغرب الإسلامي بيروت ط 1406 هـ / 1986 م. 25 ـ ابن عابدين: محمد أمين بن عمر: (ت: 1252 هـ)، رد المختار على الدر المختار، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت ط 1 (1415 هـ / 1994 م).
26 ـ ابن عاشور محمد الطاهر (ت: 1393 هـ)، التحرير والتنوير ـ الدار التونسية، الدار الجماهيرية (د. ت).
27 ـ ابن عاشور: محمد الفاضل، التفسير ورجاله، دار الكتب الشرقية تونس ط 2
(1972 م). 28 - ابن عباس: عبد الله ×، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس - منسوب ـ دار الكتب العلمية بيروت ط 1 (1412 هـ /1992 م).
29 ـ ابن عبد ربه أحمد بن محمد: ت: 328 هـ)، العقد الفريد، القاهرة ط (1940 م). 30 ـ ابن العربي: أبو بكر محمد بن عبد الله (ت: 543 هـ)، أحكام القرآن، تحقيق محمد عبد القادر عطا دار الفكر بيروت ط 1 (1408 هـ / 1988 م).
31 ـ ابن العماد عبد الحي بن أحمد (ت: 1089 هـ)، شذرات الذهب، تحقيق محمد الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط دار ابن کثير دمشق بيروت ط 1 (1410 هـ / 1989 م).
ـ
32 - ابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدنيوري (ت: (276 هـ)، الإمامة والسياسة ـ منسوب ـ تحقيق د. محمد الزيني ط دار المعرفة بيروت (د. ت). (1/384)
صفحة 385
فهرس المصادر والمراجع
385
=
- 33
(د. ت).
:: تأويل مشكل القرآن شرحه ونشره السيد أحمد صقر، المكتبة العلمية
34 ـ ابن قدامة: عبد الله بن أحمد (ت: (620)، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه تحقيق د. عبد الكريم بن علي النملة مكتبة الرشيد الرياض السعودية، ط 2 (1414 هـ / 1993 م).
35 - ====: المغني والشرح الكبير، دار الفكر ط 1 (1404 هـ / 1984 م). 36 - ابن كثير: إسماعيل بن عمر: (ت: 774 هـ)، البداية والنهاية مكتبة المعارف بيروت ط (1410 هـ / 1990 م).
37 - ====: تفسير القرآن العظيم، دار المعرفة بيروت ط (1405 هـ / 1984 م). 38 ـ ابن ماجة: محمد بن يزيد: (ت: 275 هـ)، سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي المكتبة العلمية بيروت (1980 م).
39 - ابن منظور محمد بن مکرم: (ت: 711 هـ)، لسان العرب، دار صادر بيروت ط 1 (1997 م).
40 - ابن الهمام محمد بن عبد الواحد (ت: 861 هـ)، فتح القدير، دار إحياء التراث العربي بيروت المكتبة التجارية مصر. طا (د. ت).
41 ـ أبو إسحاق إبراهيم أطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة ط 2 (1342 هـ /1923 م).
42 - ====: الفرق بين الإباضية والخوارج مكتبة الضامرى سلطنة عُمان (د. ت). 43 ـ أبو الحسن محمد شحاته الولاية، والبراءة المطابع العالمية سلطنة عُمان طا (1404 هـ / 1983 م).
44 ـ أبو حيان: محمد بن يوسف: (ت: 754 هـ)، البحر المحيط، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود على محمد الشيخ دار الكتب العلمية بيروت ط 1 (1413 هـ / 1993 م).
45 ـ أبو داود سليمان بن الأشعث (ت: 275 هـ)، سنن أبي داود، تحقيق محمد الدين عبد الحميد المكتبة العصرية صيدا بيروت (د. ت).
محيي (1/385)
صفحة 386
386
معالم ورؤى
46 ـ أبو دقيقة محمود القول السديد في علم التوحيد، دار الطباعة الحديثة مصر.
ط (1353 هـ / 1934).
الأئمة
47 ـ أبو زكريا يحيى بن بكر من علماء القرن الخامس الهجري)، سير وأخبارهم، تحقيق إسماعيل العربي، دار الغرب الإسلامي ط 2 (1402 هـ /1982).
48 ـ أبو زهرة: محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية ـ دار الفكر (د. ت).
49 ـ أبو السعود محمد مصطفي (ت: 982 هـ)، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم. تحقيق عبد القادر عطا، دار الفكر مكتبة الرياض الحديثة ط (1401 هـ /1981 م). 50 ـ أبو شهبة محمد الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير الأزهر مجمع البحوث الإسلامية، رقم الإيداع بدار الكتب (1973/ 4988 م) ط (1402 هـ / 1982 م). 51 ـ أبو عبيدة: مسلم بن أبي كريمة من علماء القرن الثاني الهجري)، كتاب الزكاة - إصدار وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان (د. ت).
52 ـ أبو عمار: عبد الكافي (ت: 600 هـ)، الموجز تحقيق د. عبد الرحمن عميرة دار الجيل بيروت (د. ت).
53 ـ أبو مسلم ناصر بن سالم (ت: 1339 هـ)، ديوان أبي مسلم وزارة التراث الثقافة، بسلطنة عُمان ط (1407 هـ / 1987 م).
54 ـ أبو نعيم: أحمد بن عبد الله (ت: 430 هـ)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء دار الفكر بيروت (د. ت).
55 ـ أبو اليقظان: إبراهيم بن عيسى، ديوان أبي اليقظان مكتبة الضامرى سلطنة عُمان،
-
ط (1411 هـ /1956).
56 _ ====: سليمان الباروني باشا في أطوار حياته المطبعة العربية الجزائر ط (1376 هـ /1991 م).
57 ـ الأشعري: علي بن إسماعيل (ت: 324 هـ)، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد دار الحداثة بيروت ط (1985 م). (1/386)
صفحة 387
فهرس المصادر والمراجع
387
??
58 ـ الأصبحي: مالك بن أنس (ت: 179 هـ)، المدونة الكبرى ـ دار الكتب العلمية
بيروت ط 1 (1415 هـ /1994 م).
:: الموطأ، بومباي دار السنة والسيرة دار العلم دمشق طا (1413 هـ /1992 م)، 60 - الأصفهاني: علي بن الحسين (ت: 356 هـ)، الأغاني مطبعة بولاق مصر (د. ت).
61 - الأصم: عثمان بن أحمد من علماء القرن السادس الهجري)، كتاب النور، وزارة ـ التراث والثقافة سلطنة عُمان ط (1403 هـ / 1984 م).
،
62 ـ أطفيش: محمد بن يوسف (ت: 1332 هـ)، إزالة الاعتراض عن محقي آل إباض وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان العدد 29 - المطبعة الشرقية مطرح.
63 - ====: إن لم تعرف الإباضية يا عقبى يا جزائري طبعة قديمة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي سلطنة عُمان الرقم (215).
64 - ====: ترتيب الترتيب طبعة قديمة، الجزائر (1326 هـ).
65 - ====: تفسير ألغاز نشر داود بن إبراهيم طبعة قديمة (1306 هـ).
-
-67
تيسير التفسير وزارة التراث الثقافة سلطنة عُمان، ابتداء من
(1405 هـ / 1985 م) إلى (1409 هـ / 1988 م).
جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل، حقق نصوصه وخرج أحاديثه د. عبد الرحمن عميرة دار إحياء الكتب العربية، الناشر مكتبة الاستقامة بسلطنة عُمان
(د. ت).
- ====: الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى طبعة قديمة (1326 هـ). 19 - ====: الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص تعليق: أبو اسحاق إبراهيم أطفيش، المطابع العالمية سلطنة عُمان (د. ت).
70 - ====: الرد على الإنكليزي الطاعن في الدين ضمن مجموع المطبعة المديرية
تونس ط (1321 هـ). (1/387)
صفحة 388
388
معالم ورؤى
71 - ====: السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ط (1405 هـ / 1985 م).
72 - ====: الشامل للأصل والفرع وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ط (1404 هـ / 1984 م).
73 - ====: شرح عقيدة التوحيد وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان
74
ط (1403 هـ / 1983 م).
==: شرح لامية الأفعال وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان
===
-
ط (1407 هـ / 1987 م).
:
75 - ====: شرح النيل وشفاء العليل مكتبة الإرشاد جدة ط 3 (1405 هـ /1985 م). 76 - ==== القنوان الدانية في مسألة الديوان العانية، مصر طبعة قديمة (1413 هـ). 77 - ==== كشف الكرب وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان ط (1405 هـ / 1985 م). 78 - ====: المعلقات لأصحابنا جوابات القطب لبعض علماء عُمان في الرد على الصفرية والأزارقة طبعة قديمة بمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، سلطنة
عُمان الرقم (216). 79 - ====: وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان، مطابع سجل العرب ط (1402 هـ / 1982 م)
80 - ==== هميان الزاد إلى دار المعاد وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ابتداء من (1401 هـ / 1980 م) إلى (1411 هـ /1991 م).
1 ـ أعوشت: بكير سعيد الإباضية في مرآة علماء الإسلام قديما وحديثا المطبعة العربية غرداية ت: س /663 (د. ت).
82 - ====: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية المطابع العالمية، سلطنة عُمان
ط 4 (1409 هـ).
83 - ==== رجال خالدون في ذاكرة الإسلام المطبعة العربية، غرداية الإيداع
:
القانوني رقم 94/ 11/22 (د. ت). (1/388)
صفحة 389
فهرس المصادر والمراجع
389
84 - ====: قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش - حياته ـ آثاره الفكرية ـ جهاده، مكتبة الضامري، دار ومكتبة الهلال بيروت (د. ت).
85 ـ الأفغاني: جمال الدين ومحمد عبده، العروة الوثقى ـ دار الكتاب العربي
ط (1983 م).
بيرود
86 ـ إقبال: محمد تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، مطبعة، لجنة التأليف القاهرة ط 1955 م.
87 - الألوسي: محمود بن عبد الله (ت. 1270 هـ)، روح المعاني، ضبطه وصححه على عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية بيروت ط 1 (1415 هـ / 1994 م).
88 ـ أمين: أحمد، ضحى الإسلام، دار الكتاب العربي بيروت ط 10 (د. ت). 89 ـ أنيس: إبراهيم وآخرون، المعجم الوسيط، دار إحياء التراث العربي، ط 2 (د. ت). 90 ـ بابا موسي محمد بن موسى وآخرون، معجم أعلام الإباضية من القرن الأول الهجري إلى العصر الحاضر - قسم المغرب الإسلامي دار المغرب الإسلامي، ط 2 (1421 هـ / 2000 م).
91 - البابرتي محمد بن محمد: (ت: (786 هـ)، شرح التلخيص، دراسة وتحقيق محمد: مصطفى، المنشأة العامة للنشر والتوزيع طرابلس ليبيا ط 1 (1392 هـ / 1983 م).
92 ـ باجيَّة صالح الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى دار بوسلامة تونس طا (1976 م).
93 - الباروني: سليمان بن عبد الله (ت. 1359 هـ) , الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية دار بوسلامة تونس (د. ت).
94
1
==:=:
سلم العامة والمبدئين إلى معرفة أئمة الدين مكتبة الضامري، سلطنة
عُمان ط 1 (1412 هـ /1992 م).
95 ـ الباقلاني: القاضي أبو بكر بن الطيب (ت: 403 هـ)، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، تحقيق محمد زاهد الكوثري، مؤسسة الخانجي ط 2
(1382 هـ /1963 م). (1/389)
صفحة 390
390
معالم ورؤى
96 ـ البخاري: محمد بن إسماعيل (ت: 256 هـ)، التاريخ الكبير، حيدر أباد
ط (1382 هـ).
97 - ====: صحيح البخاري، فتح الباري - دار الريان للتراث، القاهرة طا (1407 هـ /1986 م).
98 - بدوي أحمد أحمد، من بلاغة القرآن دار النهضة مصر القاهرة ط (1950 م). 99 - البطاشي: سيف بن حمود (ت: 1420 هـ)، اتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، مطابع النهضة سلطنة عُمان ط 1 (1413 هـ /1992 م).
100 ـ البطاشي: محمد بن شامس (ت: 1421 هـ)، غاية المأمول في علم الفروع والأصول وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان مطبعة الألوان الحديثة
ط (1406 هـ /1986 م).
101 - البغدادي: عبد القادر بن طاهر (ت: 429 هـ)، الفرق بين الفرق، دار الجيل دار الآفاق الجديدة، بيروت ط (1408 هـ /1987 م).
102 ـ بك: أحمد رمزي الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقية، المطبعة النموذجية القاهرة (د. ت).
103 - بكوش يحيى محمد فقه الإمام جابر بن زيد دار الغرب الإسلامي، بيروت طا (1407 هـ / 1986 م).
104 ـ البلاذري: أحمد بن يحيى (ت: 279 هـ)، أنساب الأشراف، تحقيق زكار. رياض زركلي دار الفكر، بيروت، ط 1 (1417 هـ /1996 م).
"
105 ـ بوحجام محمد بن قاسم، ناصر ملاحظات حول تاريخنا القديم (كيف نَدرُسُه وكيف نحققه المطبعة العربية غرداية القرارة ط (1417 هـ / 1996 م).
106 - البوسعيدي: سيف بن أحمد، حملة العلم إلى المغرب ودورهم في الدعوة الإسلامية، وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية سلطنة عُمان ط 1 (1413 هـ).
107 ـ البياضي: كمال الدين أحمد بن حسن (ت: 1098 هـ)، إشارات المرام من عبارات (1/390)
صفحة 391
فهرس المصادر والمراجع
391
الإمام حققه يوسف عبد الرازق شركة وطبعة مصطفي البابي الحلبي طا
(1368 هـ /1949 م).
108 ـ البيجوري: إبراهيم بن محمد (ت: 1277 هـ)، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد مطبعة البابي الحلبي، مصر،، ط (1358 هـ / 1939 م).
109 - البيضاوي: عبد الله بن عمر (ت (791 هـ) أنوار التنزيل وأسرار التأويل صحح محمد سالم محسن و شعبان محمد إسماعيل المدرسان بالأزهر، مكتبة الجمهورية العربية مصر (د. ت).
1 - البيهقي: أحمد بن الحسين (ت: 458 هـ)، الأسماء والصفات، تحقيق محمد زاهد الكوثري مطبعة السعادة مصر (د. ت).
111 - ====: السنن الكبرى دار المعرفة بيروت ط 1 (1352 هـ).
112 ـ الترمذي: محمد بن عيسي (ت: 279 هـ)، سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي بيروت (د. ت).
113 ـ التعاريتي: سعيد (ت: 1355 هـ)، المسلك المحمود في معرفة الردود. طبعة حجرية تونس (1321 هـ).
114 - التفتازاني: مسعود بن عمر (ت: 1355 هـ)، شرح المقاصد تحقيق وتعليق عبد الرحمن عميرة عالم الكتب بيروت ط 1 (1409 هـ /1989 م).
115 ـ الثميني: عبد العزيز بن إبراهيم (ت: 1220 هـ) معالم الدين، وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان - مطابع سجل العرب القاهرة ط (1407 هـ /1986 م).
116 ـ الجارم علي ومصطفى أمين البلاغة الواضحة، دار المعارف ج. م. ع (د. ت) رقم الإيداع، (1979/ 5311 م).
117 ـ الجابري محمد صالح النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس (1900 – 1962 م الدار العربية للكتاب بتونس والشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر ط (1983 م.). (1/391)
صفحة 392
392
معالم ورؤى
118 ـ الجرجاني: علي بن محمد: (ت: 816 هـ)، التعريفات، تحقيق وتعليق د. عبد الرحمن عميرة عالم الكتب بيروت ط 1 (1407 ـ 1987 م).
119 ــ الجصاص: أحمد بن علي (ت: 370 هـ) أحكام القرآن، تحقيق محمد الصادق قمحاوي دار إحياء التراث العربي ببروت ط (1405 هـ / 1985 م).
120 - الجعبيري: فرحات أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق، المطابع الذهبية،
121
-
سلطنة عُمان (د. ت).
:
:=
البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، مطابع الألوان الحديثة سلطنة عُمان
ط (1408 هـ / 1987 م).
122 - ====: نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة المطبعة العصرية تونس
ط (1975 م).
123 - جعيط هشام الفتنة جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر ترجمة خليل حمد خليل، دار الطليعة بيروت ط 2 (1993 م).
124 ـ جغلول: عبد القادر الاستعمار والصراعات الثقافية في الجزائر، دار الحداثة بيروت ط 1 (1984 م). 125 ـ جلي أحمد محمد وأحمد دراسة عن الفرق في تاريخ الإسلام «الخوارج والشيعة، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط 2 (1408 هـ / 1988 م).
126 ـ جهلان: عدون الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، نشر جمعية التراث بالقرارة (د. ت).
127 ـ جودت: عبد الكريم يوسف العلاقات الخارجية للدولة الرستمية المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر ط (1984 م).
128 ـ الجويني: عبد الملك بن عبد الله (ت: 478 هـ)، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد حققه محمد بن يوسف موسى علي عبد المنعم عبد الحميد، مكتبة الخانجي مصر ط (1369 هـ / 1950 م). (1/392)
صفحة 393
فهرس المصادر والمراجع
393
129 - ====: الشامل في أصول الدين حققه فيصل بديرعون، سهير مختار منشأة المعارف، الاسكندرية ط (1969 م).
130 - الجيطالي: إسماعيل بن موسي (ت (750 هـ)، قناطر الخيرات، تحقيق وتعليق د. عمر خليفة النامي مكتبة وهبة القاهرة جوان ط 1 (1965 م).
131 - ====: قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن بن عمر، مكتبة الاستقامة، سلطنة عُمان ط 1 (1416 هـ / 1995 م).
132 ـ حاجي خليفة: مصطفى عبد الله (ت: 1067 هـ)، كشف الظنون عن والفنون طهران ط (1957 م).
أسماء الكتب
133 - الحارثي: سالم بن حمد العقود الفضية في أصول الإباضية، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ط (1403 هـ / 1983 م).
134 - الحارثي: سعيد بن حمد من مميزات الإباضية مكتبة الضامري، طا (1411 هـ /1991 م).
135 - الحاكم: محمد بن عبد الله: (ت: 405 هـ)، المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية بيروت ط 1، (1411 هـ / 1990 م).
136 ـ الحجري علي بن محمد الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات، مطابع النهضة سلطنة عُمان رقم الإيداع (99/ 148)، ط 1 (1420 هـ /1999 م). 137 - حسان محمد حسان ابن حزم الأندلسي عصره، ومنهجه، وفكره التربوي، دار الفكر العربي (د. ت).
138 - حسن عباس النحو الوافي دار المعارف مصر طه (د. ت). 139 - حسين محمد، إلياس الإباضية في المغرب العربي، مكتبة الضامرى سلطنة عُمان ط 1 (1412 هـ / 1992 م).
140 ـ الحلبي: أحمد بن يوسف المعروف بالسمين (ت: 756 هـ)، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق د. أحمد الخراط دار القلم دمشق ط 1 (1411 هـ /1991 م). (1/393)
صفحة 394
394
معالم ورؤى
141 ـ الخازن: علي بن محمد (ت: 725 هـ)، تفسير الخازن وبهامشه تفسير البغوي دار الفكر ط (1399 هـ / 1979 م).
142 ـ خالد: خالد محمد خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، دار ثابت (د. ت).
1423 ـ الخالدي: صلاح عبد الفتاح البيان في إعجاز القرآن، دار عمار عمان الأردن ط (1996 م). 144 - الخراساني: أبو غانم (من) علماء القرن الثاني الهجري)، المدونة الكبرى، ترتيب وتحقيق وشرح محمد بن يوسف أطفيش دار اليقظة العربية سورية، لبنان
ط (1974 م). 145 ـ خرفي: صالح، مدخل إلى الأدب الجزائري الحديث، الشركة الوطنية للنشر الجزائر ط (1980 م).
146 ـ خليفات عوض الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، المطبعة الشرقية مطرح ط (1982 م).
147 - ====: التنظيمات السياسة والإدارية عند الإباضية في مرحلة الكتمان وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية سلطنة عُمان (د. ت).
148 - ====: نشأة الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب عمان الأردن ط (1978 م).
148
:====
- 149
النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية، المطابع النموذجية عمان الأردن ط 1 (1982 م).
150 ـ الخليلي: أحمد بن حمد، الآيات المتشابهات في القرآن الكريم، مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان ط (1420 هـ /2000/ 99 م).
151 - ====: الإيمان زيادة، ونقصانا، مكتبة الضامري سلطنة عُمان، طا
(1414 هـ / 1993 م).
،
152 - ====: جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان، الجزء الأول ط (1404 هـ / 1984 م) الجزء الثاني. ط (1406 هـ /1986 م) الجزء الثالث ط (1409 هـ / 1988 م). (1/394)
صفحة 395
فهرس المصادر والمراجع
395
153 - ====: الحق الدامغ مكتبة الضامري سلطنة عُمان، ط 2 (1412 هـ /1992 م).
154
==
-
شرح غاية المراد في الاعتقاد للإمام السالمي (د. ت).
100 - ====: فتاوى النكاح - الكتاب الثاني، مكتبة الأجيال سلطنة عُمان، ط 1 (1423 هـ /2002 م).
156 ـ الخليلي: سعيد بن خلفان (ت: 1288 هـ) تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد و مسائل، الأحكام والأديان وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان طا (1407 هـ / 1986 م).
157 ـ الخولي: أمين، التفسير نشأته، تدرجه تطوره، دار الكتاب اللبناني بيروت، ط 1
-
(1982 م).
158 ـ الدار قطني: علي بن عمر (ت: 385 هـ)، سنن الدار قطني، دار المعرفة بيروت
ط (1966 م).
159 ـ دبوز: محمد علي، تاريخ المغرب الكبير الجزء الثاني المطبعة العربية الجزائر، ط (1971 م) الجزء الثالث دار إحياء الكتب العربية، ط 1 (1383 هـ /1963 م).
??
==
:: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة المطبعة التعاونية، طا
(1385 هـ /1965 م).
161 ـ دراز: محمد عبد الله النبأ العظيم، دار القلم الكويت ط 2، 1970 م.
162 ـ الدرجيني: أحمد بن سعيد (ت: 670 هـ)، طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي مطبعة البعث قسنطينة الجزائر (د. ت).
:
163 - الدولابي محمد بن أحمد (ت: 310 هـ)، الكنى والأسماء، دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط 2 (1403 هـ /1983 م).
164 ـ الدينوري: أحمد بن داود (ت: 282 هـ)، الأخبار الطوال، تحقيق حسن الزين، دار الفكر الحديث بيروت ط (1988 م).
165 ـ الذهبي: محمد بن أحمد (ت: 748 هـ)، تذكرة الحفاظ، مؤسسة التاريخ العربي بيروت، دار إحياء التراث الإسلامي (د. ت). (1/395)
صفحة 396
396
معالم ورؤى
166 - ==== ميزان اعتدال في نقد الرجال دراسة وتحقيق: الشيخ علي محمد معوض وآخرون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 (1416 هـ / 1995 م).
1 - :الذهبي: محمد حسين الإسرائيليات في التفسير والحديث دار الإيمان دمشق
ط 2 (1405 هـ / 1985 م).
==
168
التفسير والمفسرون، مطبعة السعادة دار الكتب الحديثة، ط 2
(1396 هـ / 1976 م).
169 - الرازي: محمد بن عمر (ت: 606 هـ)، مفاتيح الغيب دار الكتب العلمية بيروت ط 1 (1411 هـ / 1990 م).
170 ـ الراشدي: مبارك بن عبد الله أبو عبيده مسلم بن أبي كريمة وفقهه مطابع الوفاء المنصورة ط 1 (1413 هـ 1993 م).
171 - الراغب الأصفهاني: الحسين بن علي (ت: 425 هـ)، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق عدنان داؤودي، دار القلم بيروت ط 1 (1412 هـ/1992 م).
172 - الرافعي: مصطفي صادق، تاريخ آداب العرب، دار الكتاب العربي بيروت، ط 2 (1394 هـ / 1974 م).
173 - رضا محمد رشيد (ت: 1354 هـ)، تفسير المنار، دار الفكر ط 2 (د. ت). 174 ـ الزبيدي: محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس دار مكتبة الحياة بيروت (د. ت).
175 ـ الزبير: سيف الإسلام، تاريخ الصحافة في الجزائر، مطبعة النسر القاهرة ط (1977 م).
176 ـ الزحيلي وهبة، التفسير المنير دار الفكر بيروت، دمشق ط 1 (1411 هـ/1991 م). 177 - الزرقاني محمد عبد العظيم مناهل العرفان في علوم القرآن، دار إحياء التراث العربي بيروت ط 1 (1416 هـ / 1995 م).
:
178 - الزركشي: محمد بن عبد الله (ت: 794 هـ)، البرهان في علوم القرآن، خرج أحاديثه (1/396)
صفحة 397
فهرس المصادر والمراجع
397
طا
وقدم له، وعلق عليه مصطفي عبد القادر عطا، دار الفکر بيروت ط 1
(1408 هـ / 1988 م).
179 - الزركلي خير الدين الأعلام، دار العلم للملايين بيروت ط 12 (1997 م). 180 - الزمخشري: محمود بن عمر (ت: 538 هـ)، الكشاف، دار الفكر (د. ت). 181 - زيدان: عبد الكريم. المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية مكتبة القدس، مؤسسة الرسالة ط 7 (1402 هـ /1982 م).
182 - زينهم محمد عزب و آخر دراسة في تاريخ الإباضية - دراسة وتحقيق مع رسالة في كتب الإباضية لأبي الفضل البرادي دار الفضيلة القاهرة، الإمارات، دبي
(د. ت).
-
183 ـ السابعي: ناصر بن سليمان الخوارج والحقيقة الغائبة، مطابع النهضة سلطنة عُمان رقم الإيداع 99/ 142، ط 1 (1420 هـ / 1999 م).
184 ـ السالمي: عبد الله بن حميد (ت: 1332 هـ)، بهجة الأنوار، مطابع النهضة سلطنة
185
عُمان ط 2 (1411 هـ /1991 م).
=
شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب، تحقيق عز الدين
التنوخي، مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان ط 2 (د. ت).
186 - ====: شرح طلعة الشمس، وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، المطبعة الشرقية مطرح ط (1401 هـ / 1981 م).
187 - ====: العقد الثمين مكتبة الضامري سلطنة عُمان ط 1، (1413 هـ /1993 م). 188 - ====: مشارق أنوار العقول، تحقيق وتخريج. د عبد الرحمن عميرة، دار الجيل بيروت ط 1 (1409 هـ /1989 م).
189 - ====: معارج الآمال على مدارج الكمال وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ط (1404 هـ / 1983 م).
190 - ====: منظومتا أنوار العقول وكشف الحقيقة مكتبة الضامري، سلطنة عُمان
ط 2 (1411 هـ /1991 م). (1/397)
صفحة 398
398
معالم ورؤى
191 - السالمي: محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان بحرية أهل عُمان، مطابع دار الكتاب (د. ت). العربي مصر 192 ـ السرخسي: محمد بن أحمد (ت: 490 هـ)، أصول السرخسي، حقق أصوله أبو الوفاء الأفغاني دار الفكر بيروت (د. ت).
193 - السعدي: جميل بن خميس من علماء القرن الثالث عشر الهجري)، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ط (1403 هـ / 1983 م). 194 ـ السمعاني: عبد الكريم بن منصور (ت: 562 هـ)، الأنساب، بيروت ط 2 (1980 م). 195 ـ السهيل نايف عيد جابر، الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين، مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان ط 2 (1418 هـ / 1988 م).
-
196 ـ السيابي: أحمد بن سعود الرد على فتوى ابن باز، مطابع النهضة سلطنة عُمان رقم الإيداع 87/ 18 ط 1 (د. ت).
197 ـ السيابي: خلفان بن جميل: ت (1392 هـ)، فصل الخطاب في وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان ط (1494 هـ / 1984 م).
المسألة والجواب
198 ـ السيابي: سالم بن حمود (ت: 1414 هـ)، إزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، تحقيق د. سيدة إسماعيل كاشف وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان ط (1979 م). 199 - ==== أصدق المناهج في تمييز الإباضية عن الخوارج تحقيق وشرح د. سيدة إسماعيل كاشف وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، مطابع سجل العرب رقم الإيداع (1979/ 3282 م ط (1979 م).
200 - ====: طلقات المعهد الرياضي في حلقات المذهب الإباضي، وزارة التراث الثقافة، سلطنة عُمان ط (1400 هـ / 1980 م).
201 - السيوطي: عبد الرحمن (ت: 911 هـ)، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية صيدا بيروت ط (1408 هـ / 1988 م). (1/398)
صفحة 399
فهرس المصادر والمراجع
399
202 - ====: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، مطبعة الأنوار المحمدية القاهرة
(د. ت).
203 - ==== طبقات المفسرين تحقيق علي محمد عمر مكتبة وهبة القاهرة، ط 1 (1396 هـ / 1986 م).
204 - ====: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (د. ت).
6
205 - شبنار بساح الإباضية والحركة الإصلاحية بالجزائر المعاصرة ترجمة أولاد بابهون بكير الجزائر ط (1984 م).
206 - شرف محمد جلال، نشأة الفكر السياسي وتطوره في الإسلام، دار النهضة العربية بيروت ط (1982 م).
207 ـ الشعراوي: محمد متولي، تفسير الشعراوي، مطابع أخبار اليوم التجارية، قطاع الثقافة رقم الإيداع (3092/ 1991 م).
208 ـ الشقصي: خميس بن سعيد (من علماء القرن الحادي عشر الهجري)، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تحقيق سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ط 2 (1413 هـ / 1993 م).
-
209 ـ الشقصية بدرية بنت حمد السيرة الزكية للمرأة الإباضية، المطابع العالمية سلطنة عُمان رقم الإيداع (2001/ 373) ط 1 (1421 هـ /2000 م).
210 - الشكعة مصطفى إسلام بلا، مذاهب الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، ط 11
(1416 هـ /1996 م).
211 ـ الشماخي: أحمد بن سعيد (ت: 928 هـ)، شرح مقدمة عقيدة التوحيد لابن جميع تصحيح وتعليق إبراهيم أطفيش القاهرة ط (1353 هـ).
212 - ====: كتاب السير تحقيق أحمد بن سعود السيابي وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان ط (1407 هـ /1987 م).
213 ـ الشماخي: عامر بن علي (ت: 792 هـ)، كتاب الإيضاح، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان، أمون القاهرة ط (1404 هـ / 1984 م). (1/399)
صفحة 400
400
معالم ورؤى
214 ـ الشماخي: قاسم بن سعيد (ت: 1334 هـ) القول المتين مكتبة الضامري، سلطنة عُمان ط 2 (1413 هـ / 1992 م).
-
215 ـ الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم (ت: (548 هـ) الملل والنحل، تخريج محمد فتح الله بدران مكتبة الأنجلو المصرية القاهرة ط (1956 م).
216 - الشوكاني: محمد بن علي (ت 1250 هـ)، فتح القدير، اعتنى به وراجع أصوله يوسف الغوش، دار المعرفة بيروت ط 1، (1415 هـ /1995 م).
217 - الشيباني: أحمد بن حنبل (ت: 241 هـ)، الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني مع شرح بلوغ الأماني، أحمد عبد الرحمن البنا دار إحياء التراث العربي، بيروت (د. ت).
218 ـ الصالح: صبحي، مباحث في علوم القرآن دار العلم للملايين بيروت ط 19 (1996 م) .. 219 - الصوافي صالح بن أحمد الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة. وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ط 2 (1989/ 1409 م).
220 ـ الطبراني: سليمان بن أحمد (ت: 360 هـ)، المعجم الكبير ـ تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، دار إحياء التراث العربي بيروت ط 2 (1405 هـ / 1985 م).
221 - الطبرسي: الفضل بن الحسن (ت: 548 هـ)، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة بيروت، ط 1 (1406 هـ /1986 م).
222 - الطبري: محمد بن جرير (ت: 310 هـ)، تاريخ الأمم والملوك ـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - دار التراث بيروت ط 1 (1387 هـ / 1967 م).
:====
223
جامع البيان في تأويل آي القرآن دار الكتب العلمية، بيروت طا
(1412 هـ / 1992 م).
:
224 ـ الطبطبائي محمد حسين الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة مطبوعات
-
إسماعيليان قم إيران ط 3 (1391 هـ /1972 م).
225 - الطبطبائي وليد مساعد الإباضية تاريخ وعقيدة، دار التجديد طا
(1415 هـ / 1994 م). (1/400)
صفحة 401
فهرس المصادر والمراجع
401
226 - طعيمة صابر، الإباضية عقيدة ومذهبا، دار الجيل بيروت ط (1406 هـ / 1986 م). 227 ـ طلاي: إبراهيم مزاب بلد كفاح - دراسة تاريخية اجتماعية، مطبعة البعث قسنطينة الجزائر ط (1970 م).
228 - الطنطاوي علي تعريف عام بدين الإسلام، الجزء الأول في العقيدة، دار الفرقان، الأردن.
229 - الطوسي: محمد بن الحسن (ت: 460 هـ)، الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد، دار الأضواء بيروت، ط 2 (1406 هـ /1986 م).
230 ـ عباس فضل حسن وآخر، إعجاز القرآن الكريم، دار الفرقان عمان الأردن (د. ت).
231 - ====: لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة في القرآن، دار النور بيروت ط 1 (1401 هـ / 1989 م).
232 ـ عبد الباقي محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم - إحياء دار التراث العربي بيروت (د. ت).
-
233 ـ عبد الحميد: سعد زغلول، تاريخ المغرب العربي من الفتح إلى بداية عصر الاستقلال، منشأة المعارف الإسكندرية (د. ت).
234 - عبد ربه السيد عبد الحافظ الإباضية مذهب وسلوك مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان، مطابع الألوان الحديثة ط (1406 هـ /1986 م).
235 ـ العجلوني: إسماعيل بن محمد (ت: 1162 هـ)، كشف الخفاء ومزيل الالباس لما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، حقق أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه
يوسف بن محمود، مكتبة العلم الحديث دمشق ط 1، (1422 هـ / 2001 م).
236 - العدوي: خميس بن راشد الواقعية والوحدة الإسلامية الفكر والتطبيق مكتبة الغبيراء سلطنة عُمان، مطابع النهضة رقم الإيداع (2000/ 48) ط 1 (1420 هـ / 2000 م).
-
237 ـ عزة: عبد المنعم زايد رؤية الله بين المثبتين، والنافين مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عُمان ط ا (د. ت). (1/401)
صفحة 402
402
معالم ورؤى
238 ـ العسعس: إبراهيم، الأمة والسلطة باتجاه الوعي والتغيير، دار البيارق بيروت طا (1417 هـ /1996 م).
239 ـ العقل: ناصر عبد الكريم، الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، دار الوطن طا
(1416 هـ).
240 ـ عقيلان: أحمد فرح من لطائف التفسير دار اليقين، دار القبلتين، مصر، المنصورة ط 1، (1419 هـ / 1998 م) رقم الإيداع (1997/ 14553 م).
241 ـ العك: خالد عبد الرحمن أصول التفسير وقواعده، دار النفائس بيروت ط 3 (1414 هـ / 1994 م).
-
242 ـ العكبري: أبو البقاء عبد الله بن الحسين (ت: 616 هـ)، إملاء ما من به الرحمن تحقيق إبراهيم عطوه دار الحديث القاهرة (د. ت).
243 ـ عليان محمد عبد الفتاح، نشأة الحركة الإباضية في البصرة ومناقشة دعوى تأسيس جابر بن زيد لها وعلاقتها بالخوارج، دار الهداية ط 1 (1415 هـ / 1994 م). 244 ـ عمر: با دارسة في الفكر الإباضي، تقديم وتعليق أحمد بن سعود السيابي، مطابع العقيدة سلطنة عُمان ط 1 (1407 هـ / 1986 م)
245 ـ عناية غازي هدى الفرقان في علوم القرآن عالم الكتب، بيروت طا، (1416 هـ /1996 م).
246 ـ العوتبي: سلمة بن مسلم من علماء القرن السادس الهجري)، الضياء، وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، ط 1 (1411 هجرية).
247 ـ عياض: عياض بن موسى (ت: 507 هـ)، الشفا في حقوق المصطفى، استنبول، العثمانية (د. ت).
-
248 ـ غباش: حسين عبيد غانم عُمان الديمقراطية الإسلامية تقاليد الإمامة التاريخ السياسي الحديث (1500) ـ (1970 م دار الجديد بيروت ط 1 (1997 م).
249 ـ الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد (ت: 505 هـ)، إحياء علوم الدين، دار الشعب القاهرة (د. ت). (1/402)
صفحة 403
فهرس المصادر والمراجع
403
250 - ====: المستصفى من علوم الأصول، دار الفکر بيروت (د. ت). 251 - ====: مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب، اعتنى به وعلق عليه، عبد الحميد طعمة حلبي دار المعرفة بيروت ط 2، (1419 هـ / 1998 م).
252 ـ الفارسي: ناصر بن منصور نزوى عبر الأيام معالم وأعلام، مطابع النهضة سلطنة عُمان ط 1 (1415 هـ / 1994 م).
253 ـ الفراهيدي: الخليل بن أحمد العين طبع انتشارات اسوه، قم، إيران، ط 1 (1414 هجرية).
254 ـ الفراهيدي: الربيع بن حبيب (من) علماء القرن الثاني الهجري)، الجامع الصحيح، ضبطه وخرج أحاديثه محمد إدريس، راجعه وقدم له عاشور بن يوسف، دار الحكمة
بيروت دمشق مكتبة الإستقامة سلطنة عُمان ط 1 (1415 هـ / 1995 م).
255 ـ فرحات عباس ليل الاستعمار، ترجمة أبي بكر رحالي مطبعة فضالة الرباط
(د. ت).
256 - الفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي ترجمة عبد الرحمن بدوي ـ دار الغرب الإسلامي بيروت ط 3 (1986 م) ك
257 - فرصوص: أحمد محمد الشيخ أبو اليقظان إبراهيم كما عرفته، مكتبة الضامري سلطنة عُمان ط 2 (1413 هـ /1992 م).
258 - الفيروز آبادي: محمد بن يعقوب (ت: 817 هـ)، القاموس المحيط: الدار العربية للكتاب ط 3 (1980 م).
-
259 ـ القحطاني: عبد الله، هؤلاء هم الخوارج، مكتبة الأثلة العامة بنزوى ط 2 (د. ت). 260 ـ القرطبي: محمد بن أحمد (ت: 671 هـ)، الجامع لأحكام القرآن، دار الفكر ط (1415 هـ /1995 م).
261 - القضاعي: سلامة، فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان، مطبعة السعادة مصر (د. ت). (1/403)
صفحة 404
404
معالم ورؤى
262 - قطب سيد (ت: 1387 هـ)، العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق بيروت القاهرة ط 9 (1403 هـ / 1983 م).
-
263 ـ القلهاتي: محمد بن سعيد (من) علماء القرن السادس الهجري)، الكشف والبيان تحقيق وشرح د. سيدة إسماعيل كاشف وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان ط (1400 هـ / 1980 م).
264 ـ القنوبي: سعيد بن مبروك السيف الحاد في الرد على من أخذ بحديث الآحاد في، مسائل الاعتقاد، مطابع النهضة سلطنة عُمان ط 3 (1918 م).
-
265 ـ كحالة: عمر رضا، معجم المؤلفين اعتنى به وجمعه وأخرجه مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بيروت ط 1 (1414 هـ / 1993 م).
266 ـ الكدمي: أبو سعيد محمد بن سعيد من علماء القرن الرابع الهجري)، كتاب الاستقامة وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، ط (1405 هـ / 1985 م).
267
-
====: كتاب المعتبر وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان، ط
(1405 هـ / 1984 م).
268 ـ الكندي: سعيد بن أحمد (ت: 1207 هـ)، التفسير الميسر للقرآن الكريم، تحقيق مصطفى بن محمد شريفي، ومحمد موسى بابا عمي من جمعية التراث بالقرارة رقم الإيداع، 1998/ 31 م مطبعة مزون سلطنة عُمان ط 1 (1418 هـ / 1998 م).
269 ـ الكندي: محمد بن إبراهيم من علماء القرن الخامس الهجري)، بيان الشرع، تحقيق لجنة من علماء عُمان بإشراف: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي راجعه
عبد الحفيظ شلبي، وزارة التراث والثقافة سلطنة عُمان ط (1402 هـ / 1982 م).
270 ـ الكوثري محمد زاهد تعليق على السيف الصقيل للسبكي، مكتبة زهران بمصر (د. ت).
271 - لاشين موسي شاهين اللآلئ الحسان في علوم القرآن، مطبعة الفجر الجديد 28 ش الكباري منشية ناصر مصر رقم الإيداع 1982/ 1709 م (د. ت). (1/404)
صفحة 405
فهرس المصادر والمراجع
405
272 - لعلي: الحاج صالح وإبراهيم، حفار مجموع متون دينية، المطابع العربية لدار الفكر الإسلامي الجزائر ط (1386 هـ / 1966 م).
273 - المالكي: حسن بن فرحان: قراءة في كتب العقائد المذهب الحنبلي، نموذجا. مركز الدراسات التاريخية، عمّان - الأردن ط 1، (1421 هـ /2000 م).
274 ـ المبرد: محمد بن يزيد (ت: 285 هـ)، الكامل في اللغة والأدب، تحقيق محمد أحمد الدالي مؤسسة الرسالة بيروت، ط 1 (1406 هـ / 1986 م).
275 ـ المجدوب عبد العزيز الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر، تونس ط (1975 م).
276 ـ مجموعة علماء: التقريب بين المذاهب الإسلامية المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم الثقافية ط (1415 هـ / 1994 م).
277.====: دائرة المعارف الإسلامية دار المعرفة بيروت (د. ت)، دار الشعب القاهرة (د. ت).
:
278 - ==== السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان، تحقيق د. سيدة إسماعيل كاشف، وزار التراث والثقافة سلطنة عُمان، ط 2 (1410 هـ / 1989 م).
279 - ====: موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب جامعة السلطان قابوس، مكتبة لبنان بيروت ط 1 (1411 هـ /1991 م).
280 - ====: ندوة الفقه الإسلامي بمسقط، جامعة السلطان قابوس، وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية سلطنة عُمان، ط 1 (1410 هـ / 1990 م).
281 ـ المدني: أحمد توفيق، تاريخ الجزائر، الجزائر ط (1350 هـ).
282 - مصطفي شاكر التاريخ العربي والمؤرخون - دار العلم للملايين، بيروت ط 2
(1980 م).
:
283 - مصلح أحمد بن مهني وآخر، هذه مبادؤنا، مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان، ط 2
(1417 هـ /1997 م). (1/405)
صفحة 406
406
معالم ورؤى
284 ـ معمر: علي يحيى الإباضية بين الفرق الإسلامية مكتبة الضامري سلطنة عُمان
ط 1 (1997 م).
:==
-
285
الإباضية في موكب التاريخ
•
الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي، مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان ط 2 (1402 هـ / 1989 م).
الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس، مكتبة الضامري سلطنة عُمان ط 2 (1993 م). الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر مكتبة الضامري سلطنة عُمان ط 2
(1993 م).
286 - ====: الإباضية مذهب إسلامي معتدل، تقديم وتعليق أحمد بن سعود السيابي، مطابع النهضة سلطنة عُمان ط 2 (د. ت).
287 - مغنية: محمود جواد التفسير الكاشف دار العلم للملايين بيروت ط 2 (1407 هـ / 1987 م).
288 ـ المقدسي: ابن أبي الشريف محمد بن محمد (ت: 906 هـ)، المسامرة في شرح المسايرة، مطبعة السعادة مصر (د. ت).
289 - المنذري: عبد العظيم بن عبد القوي (ت: 656 هـ)، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، حققه وقدم له وعلق عليه محيي الدين ديب سمير أحمد عطار، يوسف علي بدوي دار ابن كثير دمشق بيروت ط 3، (1420 هـ / 1999 م).
290 - المنذري: علي بن محمد، كتاب الصراط المستقيم مكتبة الاستقامة سلطنة عُمان ط 3 (1400 هـ /1980 م).
291 ـ المنقري: نصر بن مزاحم ت (212 هـ)، وقعة صفين تحقيق عبد السلام هارون دار الجيل بيروت ط 3 (1410 هـ / 1990 م).
292 ـ المودودي أبو الأعلى، الخلافة والملك، تعريب أحمد إدريس دار القلم الكويت
ط 1 (1398 هـ / 1978 م). (1/406)
صفحة 407
فهرس المصادر والمراجع
407
293
:=: نظرية الإسلام السياسية، دار الفكر دمشق، ط 3 (1388 هـ).
294 - ==== نظرية الإسلام وهديه ترجمة جليل حسن الإصلاحي، دار الفكر
(د. ت).
295 - ناصر: محمد أبو اليقظان وجهاد الكلمة، الشركة الوطنية للنشر الجزائر ط (1980 م).
296 - ====: حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، دراسة وصفية تحليلية للمجالس الدينية بوادي ميزاب جنوب الجزائر مكتبة الضامري سلطنة
عُمان ط (1410 هـ / 1989 م).
=
- 297
298
: الشيخ إبراهيم أطفيش وجهاده الإسلامي، مكتبة الضامرى سلطنة عُمان
ط 2 (1413 هـ / 1992 م).
ط (1990 م).
:
الشيخ القرادي حياته وآثاره جمعية النهضة المطبعة العربية، غرداية
299 - ====: منهج الدعوة عند الإباضية، مكتبة الاستقامة مسقط، ط (1418 هـ / 1997 م).
300 ـ ناصف منصور علي التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وعليه غاية المأمول، شرح التاج الجامع للأصول، دار الفكر بيروت ط (1401 هـ /1981 م).
-
301 ـ النجار: عامر الخوارج عقيدة وفكرًا وفلسفة، مكتبة القدسي بيروت طا (1406 هـ / 1986 م).
302 - النسائي: أحمد بن شعيب (ت (303 هـ)، سنن النسائي، دار المعرفة بيروت ط 3
(1414 هـ / 1994 م).
303 ـ النسفي: عبد
الله
بن أحمد (ت: 701 هـ)، تفسير النسفي - دار الفكر (د. ت).
304 - النوري حمو عيسى نبذة من حياة المزابيين الدينية والسياسية والعلمية في الفترة ما بين (1505) - (1962 م) مطبعة الكروان باريس ط 1 (1984 م). (1/407)
صفحة 408
408
معالم ورؤى
305 - النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف (ت: 676 هـ)، روضة الطالبين، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود على محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت (د. ت). 306 ـ نويهض عادل معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى منتصف القرن العشرين المكتب التجاري للطباعة والنشر بيروت ط 1 (1971 م).
307
=
معجم المفسرين تقديم الشيخ حسن خالد مؤسسة نويهض الثقافية
ط 1 (1403 هـ /1983 م).
308 ـ النيسابوري: مسلم بن الحجاج (ت: 261 هـ)، صحيح مسلم بشرح النووي، دار الكتاب العربي بيروت ط (1407 هـ / 1987 م).
309 - الهادي أحمد، وآخران فقه العبادات مكتبة الضامري سلطنة عُمان ط 4 (1419 هـ / 1998 م).
-
310 ـ هاشم: مهدي، طالب نشأه الحركة الإباضية في المشرق العربي حتى نهاية القرن الثالث الهجري دار الاتحاد العربي للطباعة بغداد ط 1 (1981 م).
15
311 - الهندي: علي المتقي بن حسام الدين (ت: 975 هـ)، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية بيروت طا
(1419 هـ / 1998 م).
312 ـ هويدي: فهمي، القرآن والسلطان دار الشروق، بيروت، القاهرة ط 2 (1402 هـ / 1982 م).
313 - الوارجلاني: يوسف بن إبراهيم (ت: 570 هـ)، الدليل والبرهان، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان ط 1 (1417 هـ 1997 م).
314 ـ ==== العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف وزارة التراث، والثقافة سلطنة عُمان ط (1404 هـ / 1984 م).
315 ـ وينتن مصطفى بن الناصر، آراء الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش العقدية. الإيداع: القانوني رقم 98/ 678 - المطبعة العربية غرداية (د. ت). (1/408)
صفحة 409
فهرس المصادر والمراجع
409
رابعا: الوثائق الأخرى
1 - ابن الشيخ محمد بن بابه الشيخ بلحاج الشيخ أطفيش المجتهد المتفتح ـ محاضرة ألقيت في مهرجان القطب، أرشيف جمعية البلابل الرستمية غرداية، الجزائر (1981 م) مرقونة بحوزتي نسخة مصورة منها.
2 ـ أيوب: محمد صدقي، الشيخ أطفيش المجند للدفاع عن الحقائق محاضرة ألقيت في مهرجان القطب أرشيف جمعية البلابل الرستمية - غرداية، الجزائر (1981 م) مرقونة بحوزتي نسخة مصورة منها.
- البكري عبد الرحمن بكلي (ت (1987 م)، الحركة العلمية في بني يسجن ـ محاضرة ألقيت في مهرجان القطب، أرشيف جمعية البلابل الرستمية غرداية، الجزائر
(1981 م)، مرقونة بحوزتي نسخة مصورة منها.
- جريدة النصر، قسنطينة ع: يوم 13 جانفي (1988 م).
ه - جريدة وادي ميزاب الجزائر العدد 42 بتاريخ (1927/ 7/21 م).
6 - الخليلي: أحمد بن حمد، رد على أحد علماء ميزاب مرقون بحوزتي نسخة مصورة
7
ـ
منه.
ـ داسي: صالح بن أحمد، التفسير الإشاري عند أهل السنة والشيعة، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه الحلقة الثالثة (1403 هـ / 1983 م) مرقونة، المكتبة المركزية، جامعة الزيتونة رقم ح 41.
- الدوري قحطان عبد الرحمن مناهج الفقهاء في استنباط الأحكام، كلية الدراسات الفقهية والقانونية، جامعة آل البيت بالأردن، مذكرة مرقونة بحوزتي نسخة منها. 9 - زيد: جابز، رسائل الإمام جابر بن زيد عددها سبع عشرة رسالة مرقونة بالمكتبة الإسلامية سلطنة عُمان بحوزتي صور لأربع رسائل منها.
10 - شريفي: بلحاج التفسير ومناهجه عند علماء الإباضية بحث مقدم في الملتقى الخامس عشر للفكر الإسلامي الجزائر (1980 م) مرقون، بحوزتي نسخة منه. (1/409)
صفحة 410
410
معالم ورؤى
11 - الشعيلي سليمان بن علي منهج الشيخ محمد بن يوسف أطفيش في تفسيره هميان) الزاد)، رسالة ماجستير مرقونة الجامعة الأردنية آيار 1996 م
12 ـ عيسى: الحاج سعيد، الإمام أطفيش المصلح الاجتماعي الديني محاضرة ألقيت في مهرجان القطب أرشيف جمعية البلابل الرستمية غرداية الجزائر (1981 م) مرقونة، بحوزتي نسخة منها.
13 - كسبة: محمد حسان الإباضية وعقيد تهم رسالة دكتوراه، كلية أصول الدين جامعة الأزهر (1978 م) مرقونة رقم (1530).
14 - مجلة جبرين يصدرها نادي طلبة سلطنة عُمان بالأردن، لقاء أحمد بن حمد الخليلي - حفظه الله - المفتي العام لسلطنة عُمان رجب / 1404 هـ) الموافق 1984/ 4/30 م).
مع
يوم
سماحة الشيخ الاثنين (29/
15 ـ مجلة الرسالة، المجلد الثاني العدد (740) السنة الخامسة عشرة، القاهرة سنة
(1947 م).
16 ـ مجلة العالم، العدد (413) السبت 6 رجب 1412 هـ /11 يناير 1992 م.
17 - مجلة الغدير يصدرها نادي المضيرب سابقا بسلطنة عُمان العدد (55) السنة الخامسة، شعبان 1402 هـ/ يونيو 1982 م.
18 - الهاشمي: مبارك وسائل المعرفة في الفكر الإباضي - رسالة ماجستير، قسم أصول الدين (1410 هـ / 1989 م) مرقونة بمكتبة جامعة السلطان قابوس رقم (1337
(GP 140
19 ـ يعقوب: سالم، حظ جربة من تعاليم القطب، محاضرة ألقيت في مهرجان القطب أرشيف جمعية البلابل الرستمية - غرداية ـ الجزائر (1981 م)، مرقونة، بحوزتي
نسخة مصورة منها.
20 - لقاءات عدة
مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ـ حفظه الله ـ المفتي العام
لسلطنة عُمان لتوضيح بعض التساؤلات والنقاط المتعلقة بالأطروحة.
21 ـ لقاء مع الدكتور ناصر محمد بو حجام - جزائري الجنسية - محاضر بكلية التربية بنزوي، صباح يوم الخميس 27 رمضان 1422 هـ /2001/ 12/13 م (1/410)
صفحة 411
فهرس الموضوعات
ديباجة الأطروحة.
كلمة شكر وتقدير ..
المقدمة
الباب الأول: المذهب الإباضي: دلالته وقوته.
الفصل الأول: التعريف بالمذهب الإباضي وانتشاره في المغرب العربي.
المبحث الأول: التعريف بالمذهب الإباضي.
المبحث الثاني: أصل التسمية.
المبحث الثالث: سبب نسبة المذهب إلى ابن إباض.
المبحث الرابع: مكانة الإمام جابر بن زيد في المذهب الإباضي.
المبحث الخامس: انتشار المذهب الإباضي في المغرب العربي.
الفصل الثاني: مصادر التشريع عند الإباضية وأهم أصولهم الفكرية .................
المبحث الأول: مصادر التشريع عند الإباضية.
المبحث الثاني: الأصول العقدية للإباضية.
المبحث الثالث: الأصول السياسية للإباضية.
المبحث الرابع: الأصول الفقهية للإباضية (1/411)
صفحة 412
الفصل الثالث: العلاقة بين الإباضية والخوارج
المبحث الأول: إقحام الإباضية مع الخوارج.
المبحث الثاني: مدلول كلمة الخوارج.
المبحث الثالث: الفرق بين الإباضية والخوارج.
الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته.
الفصل الأول: عصر الشيخ أطفيش ..
المبحث الأول: الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصر الشيخ أطفيش .........
المبحث الثاني: دور الشيخ أطفيش في أوضاع عصره.
الفصل الثاني: سيرة الشيخ أطفيش الذاتية.
المبحث الأول: نسب الشيخ أطفيش وولادته
المبحث الثاني: نشأة الشيخ أطفيش ووفاته.
الفصل الثالث: سيرة الشيخ أطفيش العلمية.
المبحث الأول: مكانة الشيخ أطفيش العلمية ورحلاته واتصالاته. المبحث الثاني: نتاج الشيخ أطفيش العلمي العام
المبحث الثالث: مؤلفات الشيخ أطفيش في التفسير ومصادره فيها .. الفصل الرابع: اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه وإشادته بأصحابه وموقفه من بعض القضايا.
المبحث الأول: اعتداد الشيخ أطفيش بنفسه وإشادته بأصحابه. المبحث الثاني: موقف الشيخ أطفيش من الخليفتين عثمان وعلي
ومن قضية التحكيم.
المبحث الثالث: موقف الشيخ أطفيش من الفرق الإسلامية. (1/412)
صفحة 413
فهرس المصادر والمراجع
الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير.
الفصل الأول: منهج الشيخ أطفيش في التفسير بالمأثور
المبحث الأول: تفسير القرآن بالقرآن.
المبحث الثاني: تفسير القرآن بالسنة النبوية
المبحث الثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.
الفصل الثاني: موقف الشيخ أطفيش من علوم القرآن الكريم.
المبحث الأول: موقف الشيخ أطفيش من المكي والمدني.
المبحث الثاني: موقف الشيخ اطفيش من أسباب النزول وطريقته في عرضها ......... 247
المبحث الثالث: موقف الشيخ أطفيش من الناسخ والمنسوخ.
المبحث الرابع: موقف الشيخ أطفيش من القراءات.
الفصل الثالث: موقف الشيخ أطفيش من الإسرائيليات.
المبحث الأول: موقف الشيخ أطفيش من الروايات غير المتعلقة بالعقيدة. المبحث الثاني: موقف الشيخ اطفيش من الروايات المتعلقة بالعقيدة. الفصل الرابع: مذهب الشيخ أطفيش العقدي.
المبحث الأول: موقف الشيخ أطفيش من المتشابه. المبحث الثاني: موقف الشيخ أطفيش من مسألة خلق القرآن الكريم. المبحث الثالث: موقف الشيخ أطفيش من مسألة رؤية الله تعالى.
المبحث الرابع: رأي الشيخ أطفيش في حقيقة الإيمان.
الفصل الخامس: منهج الشيخ أطفيش في عرض الأحكام الفقهية .............. (1/413)
صفحة 414
المبحث الأول: القواعد الأصولية عند الشيخ أطفيش.
المبحث الثاني: طريقة الشيخ أطفيش في عرض أقوال الفقهاء.
المبحث الثالث: موقف الشيخ أطفيش من المسائل الفقهية التي خالف الإباضية
فيها غيرهم
الفصل السادس: عناية الشيخ أطفيش باللغة وعلومها المبحث الأول: المباحث اللغوية التي ذكرها الشيخ أطفيش.
المبحث الثاني: موقف الشيخ أطفيش من بعض المسائل اللغوية. المبحث الثالث: الصور البلاغية التي عرضها الشيخ أطفيش
المبحث الرابع: استشهاد الشيخ أطفيش بالشعر.
الخاتمة.
فهرس المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات. (1/414)