صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علوم القرآن
------------------------------------------
العنوان: من أخلاق القرآن الوصايا العشر ووصية لقمان
المؤلف: محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
تخريج الأحاديث والفهرسة والتنسيق الفني: قاسم بن عمر حاج امحمد - عبد الله بن موسى ابن عيسى
الناشر: منشورات ألفا
مكان النشر: الصنوبر البحري - الجزائر
تاريخ النشر: 2010م
الطبعة: 1
سلسلة من أخلاق القرآن (2)
ردمك: 9947-886-55-7
الإيداع القانوني: 2009/5542
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع:
https://www.chikhkaabache.net/articledaita.php?id=39
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 رمضان 1446ه/ 07 - شهر 03 - 2025م. من أخلاق القرآن
الوصايا العشر ووصية لقمان
محمد سعيد كعباش
éditions lpha (1/1)
صفحة 2
فضيلة الشيخ
محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
من أخلاق القرآن
الوصايا العشر، ووصيّة لقمان (1/2)
صفحة 3
الكتاب
من أخلاق القرآن: الوصايا العشر، ووصية لقمان
تأليف
فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
تخريج الأحاديث، الفهرسة، والتنسيق الفني
أ. قاسم بن عمر حاج امحمد
أ. عبد الله بن موسى ابن عيسى
الطبعة الأولى: الجزائر 2010
الناشر
منشورات ألفا، قصر المعارض، الصنوبر البحري، الجزائر
الهاتف: 21321210972+
الفاكس: 21219861 213+
البريد الإلكتروني:
editions@alpha_dz.com
www.editions-alpha.com
الإيداع القانوني: 2009 - 5542
ردمك: 7 - 55 - 886 - 9947
جميع الحقوق محفوظة للناشر (1/3)
صفحة 4
للمؤلف
المطبوعات:
- نفحات الرحمان في رياض القرآن، تفسير، 10 مجلدات.
- (حديث الشيخ الإمام بيوض»، جزءان.
- صرخات على مسرح المجتمع»، الحلقة الأولى.
- تاجنينت أم القرى الميزابية في ذكراها الألفية. - (من أخلاق القرآن صفات عباد الرحمان»، الحلقة الأولى. - مسابقة رمضان أسئلة شرعية و أجوبتها».
المخطوطة:
-
حديث يوم الخميس، شرح لمسند الربيع»، مجلدان.
- صرخات على مسرح المجتمع»، الحلقة الثانية.
- (من أخلاق القرآن»، الحلقة الثانية.
- (من أخلاق القرآن»، الحلقة الثالثة. النداء الرباني للمجتمع الإيماني».
- المجموعة السنية للرسائل الفنية).
- من مقام المسؤولية في المجالات السياسية». - جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح. - جمعية النهضة بين الفكرة والتأسيس والفعالية.
- «القول الوثيق في زيارة البيت العتيق».
- رحلة العمر.
- مجموعة محاضرات.
مواجد وخواطر شاعر. (1/4)
صفحة 5
مقدمة
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وعلمنا، القرآن وجعلنا من أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، نحمده حمد الشاكرين ونحبه ونجله إجلال العارفين، ونصلي ونسلم على أشرف خلق الله، محمد بن عبد الله، الذي قالت عنه زوجه عائشة أم المؤمنين: (كان خلقه القرآن، عندما شهد على عظمة خلقه الرّحمن الله عليه وعلى آله وصحبه أولي العدل والإحسان.
صلي
وبعد، فهذه
هي
الحلقة الثانية من سلسلة (أخلاق القرآن»، وقد تم تخريجها
كالحلقة الأولى صفات عباد الرّحمن»، من خلال دروس الوعظ والإرشاد التي ألقيتها في شهر رمضان المعظم لسنة 1418 هـ / 1998 م في المسجد الجامع بمدينة العطف ولاية غرداية، والتي ركزت فيها على تفسير الوصايا العشر في خواتم سورة الأنعام وعلى وصية لقمان لابنه، وهي وصايا جامعة لأصول الدين ومبادئ الأخلاق في تنظيم علاقة العبد بربّه وعلاقته بالنّاس تلك الأصول والمبادئ التي جاءت بها الديانات السماوية، وتكاملت في تركيز أسسها وترسيخ قيمها، كما بين الله ذلك في قوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}
(الشورى: 13).
1. رواه مسلم من حديث زرارة بن أبي أوفى كتاب التهجد، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض،
رقم 1773.
5 (1/5)
صفحة 6
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وقد زاوجت بين الوصايا المذكورة؛ لأنها تشترك في بيان بعض الأصول والمبادئ، وتنفرد كلّ منها ببعض الإرشادات الخلقية الأخرى، كما توحيت فيها البيان الشافي والشرح المفيد للنّصوص الشرعية المتعلقة بكل وصية، مضيفا إليها ما يسندها من النصوص الأخرى الواردة في القرآن أو السنة، حتى يكتمل بذلك الإطار المرسوم لمثالية الدين كما أرادها الله لعباده كاملة غير منقوصة، متجاوبة مع سنة التطوّر الحضاري مهما بلغت مداها في الحياة البشرية، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتلك نعمة امتن الله بها على الأمة الإسلامية، إذ قال: ل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3). وذلك هو الإطار السليم والمثالي للسلوك النظيف والتوجه المستقيم الذي يطبع حياة المسلم في كل جوانبها فرديا واجتماعيا وفي كل أحوالها شدّةً أو رخاء، وصحةً أو سقمًا، وخوفًا أو أمنًا.
وإذ يستمع المسلم لتلك التوجيهات والإرشادات الربانية ويتجاوب معها بحسّه الإيماني وشعوره الديني، فلا شك أنه سيقع في تجاذب شديد بين مثالية الدين كما وعاها من خلال تلك الوصايا، وبين الواقع المعيش المتردّي في هاوية الانحراف والابتداع، وفي جاذبية التبعية والتقليد ومهما تكن وطأة الواقع ثقيلة عليه، ومغريات التقليد ضاغطة على سلوكه، فإنه سيحاول بعون الله أن يكون من المتقين المتذكرين عندما يسمعون كلام الله، وممن يصدق فيهم قوله تعالى: إِنَّ الذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (الأعراف: 201). وحينئذ لا يبقى حبيس الواقع، ولا فريسة في مصيدة الشيطان، بل يسارع إلى تصحيح أخطائه، وتدارك نقصه قبل فوات الأوان؛ لأن القلوب مهما صدأت أو تحجّرت، ولم تحط بها الخطايا، فإنها تصحو على نداءات القرآن، وتهفو لنفحات الرحمن، فإذا هي منيبة إلى ربّها تائبة لرشدها، وصدق مولانا العظيم إذ يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لما فِي الصُّدُورِ وَهُدًى
وَرَحْمَة للمُومِنينَ) (يونس: 57).
ولئن أصبحت الأمة الإسلامية في غثائية نكراء كما تنبأ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئن تطاول أعداء الإسلام، وفرحوا بما عندهم من العلم فإن دينا
الله لا يعدم
6 (1/6)
صفحة 7
مقدمة
أنصارا، وشمس نوره لا تخشى ستارا، ودورة الفلك تملي للظالمين، فلا يملكون معها ثباتا ولا استقرارا، وملاك الأمر في الدعوة إلى الله ونصرة دينه أن لا ييأس الدعاة من روح الله، ولا يقنطوا من رحمة الله مهما اشتدت وطأة الباطل على الناس، ومهما فرح الطغاة بحظوتهم من القوة والبأس فإن للبيت ربا يحميه ولدين الله أولياء يضحون بكل ما يفديه: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّه وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ} (المائدة: 56).
واستكمالا لمسيرتي في الدعوة إلى الله على منبر المسجد، فإني آثرت أن أدوّن كل ما ألقيه على المنبر من دروس وإرشادات بأسلوب التأليف ليبقى ذخرا للأجيال، ومرجعا لما ألقيته من أحاديث مما يحتاج إليه الدارسون، ولا يستغني عنه الباحثون، راجيا من الله العلي القدير أن يكون عملي هذا خالصا مخلصا لوجهه الكريم، ويبقى لبنة طيّبة في صرح الدّعوة إلى الله، تقوّي دعائمه وتوطد أركانه حتى يعلو على كل بنيان، ويتركز وجوده في كل الأوطان. {رَبَّنَا أَثْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التحريم: 8).
العطف،
المؤلف: محمد بن سعيد كعباش
يوم الجمعة 30 ربيع الأول 1430 هـ / 27 مارس 2009 م (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
المدخل إلى تفسير الوصايا
هذه الوصايا العشر من رب العالمين افتتح بها الربع الأخير من سورة الأنعام. وسورة الأنعام هى من السور المكية باستثناء بعض الآيات بين الرواة أنها مدنية أما آياتها فهي مائة وسبع وستون آية في العدد المكي والمدني، وسميت بـ (الأنعام» لما ذكر فيها من العادات الجاهلية وتصرفاتهم في تصنيف الأنعام إلى ما يحلّ لهم وما لا يحل والإنكار عليهم في ذلك بحيث تكرّر فيها لفظ (الأنعام» ست مرات ولا يعرف لها إلا هذا الاسم، وهي السورة السادسة في ترتيب المصحف الشريف، وقد وردت عدة روايات أنها نزلت على رسول الله جملة واحدة، وشيعها سبعون ألف ملك، يقول عنها الإمام الفخر الرازي في تفسيره: «وقال الأصوليون: هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة أحدهما أنها نزلت دفعة واحدة، وثانيها أنها شيعها سبعون ألفا من الملائكة، والسبب فيه أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوءة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين والمبطلين».2 قلت: تُعدّ سورة الأنعام من سور الحمد وهي: الأنعام، الفاتحة، الكهف، (»
سبأ، فاطر. لمشاركتها في افتتاحية الحمد لله، وفي المكيّة.
مكانة الوصايا العشر
سميت بالوصايا العشر لتذييل آياتها الثلاث بقوله تعالى: {ذَالِكُمْ وَصَّاكُم به، وقد ثبتت عدة روايات تشيد بفضلها رواها الأصحاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله الله: (أيكم يبايعني على هذه الآيات
2. الفخر الرازي، مفاتيح الغيب 1736/ 1.
9 (1/9)
صفحة 10
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
الثلاث؟ ثم تلا: {قُل تَعَالَوْا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم}. ثم قال: «فمن وفّى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته،
ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء آخذه، وإن شاء عفا عنه». 3 وروي عن ابن مسعود أنه قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: {قُل تَعَالَوا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم. إلى قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
ويلاحظ في أسلوبها التنوع بين صيغة النهي وصيغة الأمر، في حين أن الله تعالى يذكر أنها كلها محرمات، وهذا التنوع له ما يبرره من النكت البلاغية التي تفنّن بعض المفسرين في بيانها، وقد افتتحت بأمر الرسول أن يقول لمخاطبيه من المشركين ولمن يسمع القرآن. وقد تردّد فعل «قُل» في هذه السورة الكريمة كلما كان مقول القول شيئا يسترعي الانتباه. وعن الأحكام التي تضمنتها الوصايا يقول الإمام ابن عاشور: «وقد انقسمت الأحكام التي تضمنتها هذه الجمل المتعاطفة في الآيات الثلاث المفتتحة بقوله: قُل تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أحكام بها إصلاح الحالة الاجتماعية العامة بين الناس وهو ما افتتح بقوله: {أَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
الثاني: ما به حفظ تعامل النّاس بعضهم مع بعض، وهو المفتتح بقوله: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيم.
الثالث: أصل كلي جامع الجميع الهدى، وهو اتباع طريق الإسلام، والتحرر من الخروج عنه إلى سبل الضّلال، وهو المفتتح بقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وقد ذيل كل قسم من هذه الأقسام بالوصاية بقوله: {ذَالِكُمْ وَصَّاكُم به ثلاث مرات 4.
3. رواه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير باب تفسير سورة الأنعام، رقم 3240، 348/ 2، وقال:
صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
4. محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير: 156/ 8. (1/10)
صفحة 11
الوصايا العشر (1/11)
صفحة 12
[صفحة فارغة] (1/12)
صفحة 13
الوصية الأولى
النهي عن الإشراك بالله (1/13)
صفحة 14
[صفحة فارغة] (1/14)
صفحة 15
أ- النص
قال تعالى: {وَقُل تَعَالَوْا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
(الأنعام: 151).
ب- التحقيق اللغوي
تَعَالَوا: «تعال) فعل أمر ممن يكون في مكان عال يأمر من دونه للصعود إليه، وقيل: هو اسم فعل أمر بمعنى أقدم»، توسّع اللغويون في استعماله لمطلق الإقبال. ويقال أيضا: هلم، وهو اسم فعل قطعا. اتْلُ: مجزوم في الجواب، وهو من التلاوة والقراءة، وكذا السرد وحكاية اللفظ. {أَلا تُشْرِكُوا: تفسيرية لفعل أتل، وجملة: {أَلا تُشْرِكُوا): عطف بيان.
ج- البيان والتفسير
تجيء هذه الوصايا جامعة لأصول المحرمات، بعد تلك الجولة الكبيرة في محاجة المشركين ودحض شبهاتهم في ما حرموه على أنفسهم أو ذويهم من صنوف الأنعام أو أجزاء منها، افتراء على الله بما لم ينزل به سلطانا، فقال تعالى مخاطبا رسوله: قُل تَعَالَوْا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم ..
أمر الله رسوله بأن يقول لمن يخاطبه من المشركين وبالتالي لسائر الناس ممن بلغه هذا القرآن والابتداء بأمر القول للتنبيه على الاهتمام بالمقول لما فيه من الإرشاد والتوجيه، واختيار فعل: {تَعَالَوا، ينم على إرادة رفع المخاطبين من وهدة الأوهام والخرافات التي جنوا بها على أنفسهم إلى المستوى الرفيع من تربية وإرشاد
15 (1/15)
صفحة 16
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
رب العالمين الذي يملك وحده حق التشريع فيحلّ ويحرم وفق ما تقتضيه مصلحة عباده، فالرسول يدعوهم بترفق ولطف ليُقبلوا عليه مستمعين إلى ما يتلوه عليهم من الوحي، ولم يكلفهم في هذه الدّعوة بغير السّماع إلى ما يتلى عليهم، لما
يتطلبه الموقف من حسن الكياسة، حتى يستأنس القوم إلى ما يدعون إليه. وقبول الحضور والسماع هو الخطوة الأولى للتجاوب بين المدعوين والداعي، ثم بعد ذلك يجتذب القرآن بسحر بيانه من أعرض ونفر ولا شك أن التأثر بالإنصات والاستماع سوف يجرّ صاحبه إلى الانصياع والإتباع. فاعجب لهذا الأدب الرباني الرّفيع في أخلاقيات الدّعوة، حتى ولو كان المخاطب مشركا كافرا، ويؤيد ذلك قوله تعالى لرسوله في سورة التوبة: {وَإِن اَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ} (6).
وإسناد فعل التحريم لكلمة «الرّب» دون سواها من أوصاف الذات العلية ينم أيضا عن معاني الرعاية والتربية والفضل والإحسان، والهداية إلى الطريق القويم، وذلك التحريم من «الرّب» البرّ الرّحيم ليس للإعنات والتضييق، بل هو لما يوفّر سعادتكم وهناءكم بالقضاء على ما يفسد أبدانكم وأموالكم وأعراضكم، أو ما يقطع أواصركم الاجتماعية.
وبدأ تعالى بأشنع المحرمات وأفدحها ظلما وهي الشرك بالله فقال تعالى: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وقد يعبر عنه بـ (الكفر»؛ لأنّ الإنسان قد ينكر وجود الله تماما فهو كافر جحود، وقد يتقرب إلى الله بعبادة غيره من المخلوقات فهو مشرك ضال.
والشرك بالله أنواع كثيرة، منه الجلي والخفي، فالجلي مثل اتخاذ الأصنام أو عبادة الشمس والقمر وما إليهما من عظيم المخلوقات، اعتقادا بأن لها تأثيرا على السلطة الغيبية المهيمنة وراء الأسباب والسنن ذلك الاعتقاد الباطل الذي عبر عنه القرآن الكريم على لسان المشركين عندما قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمُ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر:3).
16 (1/16)
صفحة 17
الوصية الأولى: النهي عن الإشراك بالله
وهذا الشرك لا يخص الجانب العقدي بل يتعداه إلى الجانب التشريعي حين يرضى المشركون بما يشرع لهم شركاؤهم من الجن والإنس كما فصلته الآيات السابقة في هذه السورة الكريمة، ويبقى المزلق الخطير في الشرك الخفي الذي عبر عنه رسول الله بالشرك الأصغر، كالرياء والسمعة وحب الظهور والمحمدة، وتقديس الأشخاص أحياء أو أمواتا إلى درجة التماس جلب النّفع أو دفع الضر عندهم. (1/17)
صفحة 18
[صفحة فارغة] (1/18)
صفحة 19
الوصية الثانية
بر الوالدين (1/19)
صفحة 20
[صفحة فارغة] (1/20)
صفحة 21
أ- النص
قال الله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. (الأنعام: 151).
ب- التحقيق اللغوي
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}: التقدير: أحسنوا بالوالدين إحسانا، جاء التعبير بالمصدر المفيد للتأكيد، والمبالغة، وهو يتعدى بحرفي «الباء» و «إلى» فيقال: أحسن به، وأحسن إليه. وتدل الباء» على الإلصاق، و «إلى» تدلّ على الغاية، والإلصاق أبلغ في تأكيد شأن العناية والإحسان بالوالدين.
ج- النصوص التي جاءت على هذه الصيغة أ وَ وَإِذَ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}
(البقرة: 83).
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (النساء: 36). ج وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفْ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)
(الإسراء: 23 - 24).
د - الآيات التي جاءت بأسلوب التوصية
أ وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} (العنكبوت: 8).
21
17 (1/21)
صفحة 22
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنَّ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ
به
مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان: 14 - 15). ج وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا وَوَضَعَتْهُ كَرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف: 15).
هـ- بعض الأحاديث في حق الوالدين الله أ عن عبد بن مسعود قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين، قلت: ثم أي؟، قال: الجهاد في سبيل الله. ب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، فلم يدخل الجنة.
ج عن عبد الله بن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن في
الجهاد، فقال: أحيّ والداك؟، قال: نعم قال: ففيهما فجاهد ".
و - البيان والتفسير
قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، هذه هي الوصية الثانية، والتقدير: أي مما وصاكم به ربِّكم أن تحسنوا بالوالدين إحسانا. وقد جاء الأمر بصيغة المصدر: إحْسَانًا للدلالة على التأكيد والمبالغة، ولا يتأتى ذلك إلا بأن يكون ذلك الإحسان تامًا كاملا لا نقص فيه ولا تقصير والإحسان ضده الإساءة، ولم ترد
5. رواه البخاري في الصحيح، كتاب التوحيد باب) وسمى النبي عليه الصلاة عملاء، رقم 7096. ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، رقم 262. 6. رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنة، رقم 6674.
7. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير باب الجهاد بإذن الوالدين رقم،2842 ورواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به رقم 6668
22 (1/22)
صفحة 23
الوصية الثانية: بر الوالدين
الوصية بالنهي عنها؛ لأن ترك الإساءة بالنسبة للوالدين مما تدعو إليه الفطرة السليمة، غير أنها موقف سلبي أزاء إحسان الوالدين بولدهما، والإحسان لا يتحقق جزاؤه إلا بإحسان مثله، يقول تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} (الرحمن: (60). والمطلوب من الولد في هذا المقام هو السعي لإرضاء والديه بما يحقق لهما من النفع والخير، سيما في حالة عجزهما كما ترشد إليه آية الإسراء. وحسب الوالدين قدرا ومنزلة عند الله وتأكيدا لحقهم على الأولاد أن يرد أمر الله بالإحسان إليهم مقرونا بطاعته وعدم الإشراك به، وأن يجيء مكررا بتلك الصيغ المختلفة.
يقول الشيخ شلتوت في تفسيره: (والقرآن الكريم لم يُعن هذه العناية كلها بحق الوالدين نظرًا لشخصهما فقط، بل نظرا لأنهما عمادًا الأسرة، وأن الأسرة لا بد لها من التكوين الذي يستظل فيه أفرادها بلواء العزّة والسعادة، ويمتد منها إلى الأقارب والجيران وسائر النّاس والمخلوقات حتى ملك اليمين، وبذلك تمتد الفضيلة وتبسط أشعتها على الأمة كلها، وما الأمة إلا مجموعة الأسر يخلع عليها ثوبها، إن شرا وإن خيرا، وإن سعادة وإن شقاء».
قلت: يجب أن يكون ذلك الإحسان من الولد لوالديه بدافع الحب والرحمة وفي هالة من الإجلال والتقدير كما ترشد إليه آية سورة الإسراء؛ لأنه كثيرا ما تطغى النظرة المادية لدى بعض الأولاد حين يكون أحدهم غنيا ويصاب بالحرص والشح، ويكون الوالدان بحاجة إلى المعونة المادية للإنفاق على نفسيهما أو بعض من أفراد أسرتهما، فيغدو ذلك الولد في موقف المنعم المتفضّل، ويعامل والديه بأسلوب المن والأذى، وفي الصورة المقابلة: قد يتألّى الوالدان على الولد بأسلوب القهر وإخضاع الولد لإرادتهما تجاوزا للحق المشروع، وتعديا لحدود الله في رسم الحقوق والواجبات، وكلتا الحالتين مذمومتان. ولا يتحقق الهناء العائلي والتوازن الأسري إلا بتنفيذ ما أمر الله به في مثل تلك الحقوق المتبادلة.
وقد ساق المحدثون حادثة في هذا الشأن لملاحاة وقعت بين ولد وأبيه أمام
رسول الله.
8. محمود شلتوت: التفسير: 408/ 1.
23 (1/23)
صفحة 24
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
روى البيهقي والطبراني عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أخذ مالي، فقال النبي: اذهب فأتني بأبيك وقد أوحى الله لنبيه أن الرجل قال في نفسه شعرا، فلما جاء الشيخ قال له النبي الله: ما بال ابنك يشكوك؟، أتريد أن تأخذ ماله؟. قال: سله يا رسول الله هل أنفقته إلا على عماته وخالاته أو على نفسي؟، ثم قال له النبي: أخبرني عن شيء قلته في نفسك، فأنشد يقول:
غذوتك مولودا وعلتك يافعا تعل بما أدني إليك وتنهل إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت السقمك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضّل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل فأوليتني حق الجوار ولم تكن عليّ بمال دون مالك تبخل
ثم بكى الرّجل، وحينئذ أخذ الرّسول بتلابيب الولد وقال: أنت ومالك لأبيك».
الضعف
وفي آية سورة الإسراء زيادة تفصيل وإيضاح لما يجب أن يكون عليه برّ الولد لوالديه، سيما إذا مد الله في أجليهما أو واحد منهما حيث يكونان من والعجز كما كان ذلك الولد عندهما في بدء حياته، فإذا تأكد برهما والإحسان إليهما في كل مراحل حياتهما، فإن ذلك هو أوكد عند شيخوختهما وعجزهما، ولذا فصلت آية الإسراء منهجية ذلك البر والإحسان: أولا: أن لا يسمعا منك أدنى قول يسيء إليهما في أي حال من أحوالهما، وكلمة: أُفٍّ} (الإسراء: 23) تعني التضجر والقلق، وهو أدنى ما يعبر به
9. رواه البيهقي في دلائل النبوة رقم 2563: 70/ 7، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم 6570
339/ 6
24 (1/24)
صفحة 25
الوصية الثانية: بر الوالدين
الأف
الإنسان في تلك الحالة، وجاء في الأثر: لو علم الله تعالى شيئا أدنى من لنهى عنه، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار. ومعنى ذلك أنّ كلاً من العاق والبار سوف يجني ما يترتب عن عقوقه من الخذلان أو عن بره من التوفيق.
ثانيا: أن لا تعاملهما بفظاظة وغلظة، بأن تظهر المخالفة لهما في القول بالرد العنيف، أو التكذيب والتسفيه.
ثالثا: وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} (الإسراء: 23)، ويتمثل القول الكريم بكل ما يطيب الخاطر ويشرح الصدر مقرونا بالتوقير والحياء، قال عمر في تفسير القول الكريم: «هو أن يقول له: يا أبتاه يا أماه أي لا يدعوهما بأسمائهما، ولا يرفع الصوت أمامهما، ولا يحملق بنظره فيهما».
قلت: يؤيد ذلك ما حكاه الله عن أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم وهو يخاطب أباه المشرك بقوله في لين وأدب: {يَا أَبَتِ} (مريم (42)، كما ورد ذلك مكررا في سورة مريم، وليس من الأدب الشرعي ما درج عليه كثير من الشباب في وصف والديهم: «الشيخ»، و «العجوز) عندما يتحدثون مع أقرانهم.:رابعا: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} (الإسراء:24). وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب تشبيها بالطائر الذي يضم فراخه تحت جناحيه، أي تتذلّل لهما بالطاعة فيما أمراك به ما لم يكن ذلك في معصية الله،
الكفاء العادل
ويكون ذلك على وجه الرّحمة والشفقة طلبا لرضى الله، لا خوفا من العباد. خامسا: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء:24). والدعاء بالرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا، ورحمة الله لجهودهما وتضحيتهما في القيام بواجب التربية لذلك الولد عندما كان صغيرا، وأعظم بالتربية مسؤولية شاقة يتقرر بها مصير ذلك الولد صلاحا وتقوى
أو فسادا وفجورا.
هي
25
25 (1/25)
صفحة 26
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
والولد الصالح هو الذخر الثّمين لوالديه، وهو امتداد لذكرهما في الصالحين، وقد اعتبره رسول الله له الوصلة التي لا تنقطع بموتهما عندما قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو
له 10.
نموذجان متقابلان في وصية الأحقاف
عرضت سورة الأحقاف نموذجين متقابلين من الأولاد، في مجال البر بالوالدين
أو عقوقهما:
أ- النموذج البار
قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا وَوَضَعَتْهُ كَرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيَ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنَ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (الاحقاف:15). هذا النموذج الطيب الصالح يحمل في نفسه تلك العاطفة النبيلة، ويزكو قلبه بتلك الخوالج الطيبة، وهو في مرحلة الرشد والنضج، يقف ليتأمل ما مضى من عمره ويتدبر ما بقي في مرحلة العمر، فإذا بالنفس الصالحة تلتفت إلى الماضي لتستجلي نعم الله الصافية عليها وعلى والديها وهي لا تكاد تقوى على شكرها وأداء حقها، فهي تستعين بربها لتنهض بواجب الشكر؛ لأنه واجب ثقيل لنعمة تمتد جذورها في تربة طيبة تمت عليها شجرة هذه الأسرة المباركة، فهي تستشرف الله بالعمل الصالح: وَأَنَ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ، ثم ترجو استمرارية ذلك الصلاح في العقب والذرية في أمل فياض، وحسن ظن بالله في تخشع وتذلّل: إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. فما هو جزاء هذا النموذج الصالح، الذي جسّده الله تعالى في دعاء سيدنا إبراهيم حين دعا ربه بقوله: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا
رضي
10. رواه مسلم من حديث أبي هريرة كتاب الوصية باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم
4310
26 (1/26)
صفحة 27
227
الوصية الثانية: بر الوالدين
وَتَقَبَّلْ دُعَاءِي، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (إبراهيم: 41 - 40). جزاء هذا النموذج هو ما بينته نفس الآية: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ عَنْهُمُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيُتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} (الأحقاف: 16). ومن أقوى الأسباب في صلاح الأولاد وبرهم لوالديهم أن يكون الرجل قدوة لهم في بر والديه قال رسول الله: «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعفّ
نساؤكم ".
ب- النموذج العاق
الله
نموذج الفسوق والعصيان، تعرضه الآية الكريمة منحرفا متمردا عن طاعة والديه، في موقف نصح وإرشاد يتصل بالعقيدة، وهي حبل النّجاة وقارب الإنقاذ، في بحر من الضَّلالات ما تزال أمواجه تتلاطم ولا عاصم منها إلا من رحم تلك هي قضية البعث والجزاء، أنكرها هذا الولد وهو يردّد شبهة الضالين أمثاله: أَتَعِدَانِنِي أَنَّ اخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي، يقولها لوالديه في تضجر وتأفف وعناد، {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله} في إشفاق ونصح: {وَيْلَكَ عَامِن إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ. ولكن الولد العاق يفصح بوقاحة عن كفره وإلحاده: {فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} (الأحقاف:17). وقد قالها من قبل أقوام سخروا برسلهم وأعرضوا عما جاؤوهم به من البينات الله كلمة العذاب فذاقوا وبال أمرهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي اُمَم قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ}
فحقت عليهم من
(الأحقاف: 18). فأي النموذجين أرضى للنفس المؤمنة؟، ومهما تكن رغبة الوالدين في صلاح الذرية -وهم الكنز الثّمين فإن للتربية الصالحة والقدوة الحسنة أثرهما في تنشئة الولد، وبعد ذلك يستعين الوالدان بتوفيق الله وفق دعاء عباد الرحمن: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنَ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (الفرقان: 74).
11. رواه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم 1002: 299/ 1 (1/27)
صفحة 28
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
اللغة
ما هي أهم حقوق الوالدين؟ ركز القرآن في حق الوالدين على كلمة (الإحسان»، يعرفه الدكتور الشرباصي في كتابه القيّم (موسوعة أخلاق القرآن) فيقول: (الإحسان في معناه الإتقان، وهو ضدّ الإساءة، وهو الإخلاص وصدق المراقبة، وهو التطوع بالفضل بعد مراعاة العدل، وهو الصنع الجميل، والتصرف الحميد). ثم يقول: ولا عجب في ذلك، فعلماء الأخلاق يقولون: إن الإحسان خلق جامع الجميع أبواب الحقائق، وفيه لبّ الإيمان وروحه ولعل أساس التعريف بالإحسان هو العبارة النبوية الجليلة التي يقول فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» 12.
قلت: إن الإحسان إلى الوالدين يتناول الجانبين: المادي والمعنوي، بحيث يكون تصرف الولد أزاءهما بما يحقق رضاهما في كل حالة وبكل الوسائل الممكنة إنفاقا ماديًا بما يكفل ضروراتهما، وقياما على شؤونهما في حالة الضعف والعجز، وتلطفا في معاملتهما بتواضع وتقدير واحترام وطاعة لهما في حدود ما رسمه في أحكام الحلال والحرام، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والله تعالى يقول: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
الله
(لقمان: 15).
ولعلّ الأحاديث الآتية ترشدنا إلى إطار المنهجية الصحيحة في بر الوالدين: أ عن عائشة قالت: (أتى رسول الله الله رجل ومعه شيخ كبير فقال له: هذا الذي معك؟. قال أبي، قال: فلا تمش أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه ولا تستسب له (3). أي لا تعرضه للسب بأن تسب أبا غيرك
يا فلان من
فيسب أباك.
12. رواه البخاري من حديث أبي هريرة كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه و سلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة رقم 50، ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام
والإحسان، رقم 9 و 10، وأخرجه عن عمر في الباب نفسه رقم 8.
13. رواه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم 267/ 44159
28 (1/28)
صفحة 29
الوصية الثانية: بر الوالدين
ب روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي يستأذن في الجهاد فقال: أحيّ والداك؟. قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد 14. ج- روى الإمامان النسائي وأحمد من طريق معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله أردت الغزو وجئت لأستشيرك، فقال: هل لك من أم؟. قال نعم قال: إلزمها فإن الجنة عند رجليها 15. د ما رواه الإمام البيهقي في قصة الولد الذي شكا والده لرسول الله لأخذه ماله فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك (16).
ففي حديث عائشة نجد تلك الإرشادات النبوية لذلك الولد، ومعه أبوه الشيخ، وهي كلها تدلّ على آيات التقدير والإجلال للوالدين في التعامل اليومي، بحيث لا يندّ من الولد البارّ ما ينم عن الترفّع والتكبر، فلا يعلو صوته على صوتهما، وحتى في ندائهما يتوخى ما هو أرضى للنفس بأن يقول: يا أبتاه، يا أماه. إذ النداء بالاسم للأب حماقة، ورعونة بله أن يكون سببا لسبهما، وأما المشي أمامهما فقد تقتضيه نية الدفاع عنهما في حالة خطر، أو توفير الأمن لهما في المسالك الوعرة مثلا، فلا يكون في ذلك حرج على الولد، وقل مثل ذلك بالنسبة إلى الجلوس، قبلهما، أما في الظروف العادية فإن ما بينه الرسول في حقهما هو الأوفق بالطاعة والبرّ، وقد سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم المأمور به الآية فقال: (هو قول العبد المذنب للسّيد الفضّ».
في
أما الحديثان الثاني والثالث فيعظمان من شأن برّ الوالدين إلى درجة اعتبار ذلك أولى من الجهاد في سبيل الله لنصرة دينه.
ويؤيد الحديثين ما رواه ابن مسعود من أنه سأل رسول الله: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها». ثم ثنّى ببر الوالدين ورتب الجهاد في سبيل الدرجة الثالثة؛ ذلك لأن جهاد النفس في طاعة الوالدين يتطلب عناء
الله
في
14. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير باب الجهاد بإذن الوالدين رقم،2842 ورواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به رقم 6668
15. رواه النسائي في السنن الصغرى كتاب الجهاد باب الرخصة في التخلف لمن له، والدة رقم 3104
رواه أحمد في المسند، رقم 15577 429/ 3.
16. تقدم تخريجه ص
16
29 (1/29)
صفحة 30
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
كبيرا في مدافعة نوازغ الشيطان ومغريات المال والأزواج والأولاد، وقد اعتبر الرسول ذلك جهادا في حدّ ذاته، وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر، ثم إن ترتيب الرّسول لأفضل الأعمال جاء وفق ما في الآية الكريمة، إذ جعل الصلاة في الرتبة الأولى، لأن حق الله مقدّم على حق عباده، ثم إن الجهاد فرض كفاية، ما لم يتعين على الولد القتال حين يأمره الإمام، أو حين يدعو إلى النفير العام، بينما بر الوالدين هو فرض عين.
أما حادثة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للولد الشاكي من أبيه: «أنت ومالك لأبيك» فقد تقدمت الإشارة إلى أن ذلك يجب أن يتم بين الوالدين والأولاد عن طريق التشاور والإقناع حتى يكون الإحسان باعثه الرّحمة والإجلال والاحترام المتبادل؛ لأن أسلوب القهر والإلزام مذموم من أي طرف كان
الأم أعظم حقا
في آيات سورة لقمان وسورة الأحقاف تنبيه إلى ما تختص به الأم من الحقوق هي أعظم من حق الأب، لما تقاسيه من المتاعب والآلام في حمل الولد ووضعه وإرضاعه فقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا وَوَضَعَتْهُ كَرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} (الاحقاف:15). وقال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنَّ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير) (لقمان: 14). فالآيتان بعد أن أمرتا بالإحسان إلى الوالدين بصفة عامة خصتا الأم بالذكر لما تقاسيه في سبيل ولدها، مما يدل على أن لها بعض الامتياز ذلك الحق، ولكنه امتياز لا يضعف من حق الأب، لأنه الراعي والكفيل للأم والأولاد، ويؤيّد عظم حق الأم ما ورد في السنة النبوية: أ- جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟، قال: أمك. قال: ثم من؟، قال: ثم أمك. قال: ثم من؟، قال: ثم أمك. قال: ثم من؟، قال: ثم أبوك ".
17. رواه البخاري في كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، رقم 5626، ورواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، رقم 6664.
30 (1/30)
صفحة 31
الوصية الثانية: بر الوالدين
ب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال: أنت أحق به ما لم تنكحي. ج- وعنه قال: «نمت فرأيت الجنة، فسمعت صوت قارئ يقرأ القرآن، فقلت: من هذا؟، فقالوا: هذا حارثة بن النعمان وكان من أبر الناس بأمه فقلت: كذلكم البر، كذلكم البر.
والحديث المتقدم الذي أمر فيه الرّسول السّائل عن أمه أن يلزمها لأن الجنة عند رجليها، يؤيد ما ورد في هذه الأحاديث من عظم حق الأم، وأن المقصود بوجود الجنة عند رجليها هو لزوم طاعتها والإحسان إليها؛ لأن الولد قد يستضعف جانبها لما تمتاز به من العطف والرّقة والحنان.
شان
وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأبوين إذا اختلفا على الولد في من الشؤون فليتبع أمه؛ لأن حقها أعظم، اللهم إلا إذا كان الرأي الصالح في جانب أبيه فليلاطفها وليتأدب معها حتى يقنعها ذلك في وسط الجو العائلي الملتئم، أما إذا وقع الطلاق، فإن الولد يلتحق بأمه ما لم تتزوج كما يدلّ عليه الحديث، غير أن في هذه القضية تفاريع فقهية تطلب من مظانها.
هل للوالدين حقوق بعد موتهما؟
ليست وفاة الوالدين أو موت أحدهما هي النهاية للوفاء بحقهما، فهناك صلة القربي لوالديك وهناك عشراء وأصدقاء فمن المروءة والكرم والوفاء بحق الوالدين أن يراعي الأولاد ما لهؤلاء من حقوق؛ لأنهم يذكرون بوفاء الصحبة وصلة القربى، ويكونون امتدادا لذكر الوالدين ومن مراعاة الجميل وكرم الأخلاق أن يحافظ على تلك الصلات، ولو بأيسر الأمور، كإقراء السّلام والزيارة، والإهداء الرمزي إن أمكن وغير ذلك مما يديم تلك العلاقة الطيبة؛ لأن الولد الصالح
18. رواه أحمد في المسند، رقم 6707، 182/ 2. والحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق، رقم 2830، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأبو داود في السنن، كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد، رقم 2278. 19. رواه الحاكم في المستدرك من حديث عائشة، كتاب معرفة الصحابة باب ذكر مناقب حارثة بن النعمان، رقم 4929.
31 (1/31)
صفحة 32
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
يعتقد أن كل ما بذله من البر والإحسان لوالديه في حياتهما لا يمكن أن يوازي ما بذلاه من تضحيات في سبيل تربيته ولا يساوي آلام طلقة من طلقات الوضع كما ورد في الحديث الشريف، فقد أخرج أبو داود في سننه عن أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني.: سلمة. فقال: يا رسول الله هل بقي لي من برّ أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟. قال: نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما 20.
وروى الإمام مسلم قوله له: (إن أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه» 21. وإذا قدّر لولد أن عق والديه وجفاهما إلى أن ماتا فكيف يتنصل من عقوقه لهما؟ وهل له من توبة؟.
في الإجابة على هذا السؤال يقول الشيخ أبو اليقظان الحاج إبراهيم في (سلّم الاستقامة) في فصل الحقوق الشرعية) يقول: (إن توبته من ذلك هي أن يستغفر
ربه في ما تقدم، ويندم على ما فرط من برهما، وقصر في أداء واجبهما عليه. وقد أتى رجل إلى بعض الصحابة، فسأله عن مثل هذا فقال: «أنظر إن كان لأمك أخت فبرها أو أمها فبرها» 22، وقد علمت أن الأخ الأكبر بمنزلة الأب عند موته وكذلك العم بعده، فبر أحدهما برله.
ومن البر بعد الموت أداء ما عليهما من ديون وتنفيذ وصاياهما والصدقات عليهما، والإحسان إلى أصدقائهما وكفّ شتائم الناس عنهما، إلخ، وأمره بعد ذلك إلى الله إن علم إخلاص التوبة منه فإنه غفور رحيم» 23.
20. رواه أبو داود كتاب الأدب، باب في بر الوالدين رقم 5144 ورواه ابن ماجة كتاب الأدب، باب صل من كان أبوك يصل رقم 3664. 21. رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما، رقم 6677.
22. ورد الخبر مرفوعا من حديث عبد الله بن عمر قال: (أتى رسول الله الله رجل فقال: يا رسول الله أذنبت ذنبا كبيرا فهل لي توبة؟ فقال له رسول الله الله: ألك والدان؟، قال: لا، قال: فلك خالة؟، قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبرها إذا». رواه الحاكم في المستدرك، كتاب البر والصلة، رقم 7261: 171/ 4. وقال: صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه. ورواه أحمد في المسند من حديثه أيضا، رقم 4624
13/ 2
23. إبراهيم أبو اليقظان، سلم الاستقامة.
32 (1/32)
صفحة 33
33
33
الوصية الثانية: بر الوالدين
قلت: ويؤيده قوله تعالى في سورة الإسراء: {رَبُّكُمُ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمُ إن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} (25)، غير أن الكيس الأريب هو الذي يتجنّب هذه الورطات ويأخذ بالحزم والاستقامة في سلوكه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل الذنوب يؤخر الله ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجل لصاحبه في الحياة قبل الممات 24. ومن المحزن والمؤسف أن يتردّى مستوى التربية في أكثر المجتمعات الإسلامية اليوم بالغزو الفكري والثقافي وطغيان الحس المادي الانتفاعي عند كثير من الأسر، فلا يجد الأبوان أو أحدهما برا ولا إحسانا من أولادهما، وقد بلغا من الكبر عتيا، فينبذان نبذ النواة، وأوفرهما حظا من يجد مكانا له في إحدى الملاجئ أو المستشفيات، وقد يموت وتتكفّل المؤسسة بدفنه في غياب أولاده وأقاربه، مما يدل على ضعف الوازع الديني، بل ضمور الحس الاجتماعي والإنساني. والرسول عليه الصلاة والسّلام وهو القائل: «إن أبرّ البر صلة الولد أهل ودّ أبيه 25 كان القدوة الصالحة في ذلك، فقد روت أم المؤمنين عائشة أنه كان يهش ويتلطف بعجوز فلما انصرفت سألته عائشة عنها فقال: «يا عائشة: إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان. 2. كما ورد في الصحيح أنه الله كان يذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائل خديجة. 27
صلة الرحم
إذا كان الوالدان أول الأرحام، صلة، وهما قمة الهرم في الحقوق الشرعية المتبادلة بين الأنام بعد حق الخالق المعبود وإذا أصبح واقع الأمة إلى ما أشرنا إليه من ضعف الوازع الديني والحس الاجتماعي في قطيعة الوالدين وإهمالهما أحيانا فكيف بأرحامهما؟
24. رواه الحاكم في المستدرك من حديث عبد العزيز بن أبي بكرة، كتاب البر والصلة، رقم 7263. 25. رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل صلة أصدقاء الأب والأم ونحوهما، رقم 6677.
26. رواه الحاكم في المستدرك، كتاب الإيمان، رقم 40. وقال: صحيح على شرط الشيخين. 27. رواه مسلم من حديث عائشة، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين، رقم 6431. (1/33)
صفحة 34
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وقد لا يكلف الكثير من أبناء الأسر أنفسهم حتى معرفة ذوي قرباهم. ولذا فإن الشريعة الغراء لم تغفل هذا الجانب الاجتماعي الهام، وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله نذكرها في مايلي، ثم نعقبها بالشرح والبيان.
{وَإِذَ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي
الْقُرْبَى} (البقرة: 83).
ب
وَاعْبُدُوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى
(النساء: 36).
ج يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء: 1).
- وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} (الأنفال:75). إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ الذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ
هـ
(الرعد: 19 - 21).
ومن الأحاديث
أ عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرّحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله 28.
ب روى الإمام مسلم بسنده المتصل إلى رسول الله له أنه قال: «من سره أن يبسط عليه رزقه أو ينسأ في أثره، فليصل رحمه 29. ج- روى الإمام مسلم عن أبي هريرة: «أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة
28. رواه مسلم، کتاب البر والصلة باب الرحم وتحريم، قطيعتها، رقم 6683. 29. رواه البخاري من حديث أنس كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، رقم 5639. ورواه مسلم من حديثه أيضا، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم 6687.
34 (1/34)
صفحة 35
35
35
الوصية الثانية: بر الوالدين
أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك (30).
د
يقول الرسول في الوصايا التسع التي وصى بها أمته: «وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني. .
ه وروى الطبراني عن ابن مسعود قال: «أبواب السماء مرتجة دون قاطع
رحم. (32).
الشرح والبيان
الرَّحِم جمعه «أرحام»، ومعناه اللغوي أنه البيت الذي يتكوّن فيه الجنين، ثم أطلق هذا اللفظ وأريد به قرابة الإنسان سواء من جهة أبيه أو أمه، ومن شرف المحتد ودليل الأصالة أن يعرف الإنسان شجرة نسبه في أصولها وفروعها، وقد
الفاظ
امتاز العرب بحفظ الأنساب، وكان أبو بكر نسابة، وشاءت رعاية الله لرسوله لـ أن يحفظ نسبه إلى الجد الأعلى عدنان)، سلسلة ذهبية لم تدنّس بلوثة العار. وللعلماء تحديدات لرتب الأرحام والتعبير القرآني للقرابة قد استعمل ثلاثة هي: ذوو القربى، والأقرب، والقريب. ولكل منها مدلوله في سلّم الأرحام،: يقول العلامة الشيخ بكلي عبد الرحمن في تعليق له على كتاب القواعد للشيخ إسماعيل الجيطالي: «الذي يبدو لي والله أعلم أن هناك فرقا بين الأقربين والأقارب وذوي القربى:
أ فالأقربون: ولصيغة التفضيل دلالتها هم الذين يجمعهم الجد الرابع، ويدلّ لذلك أن الله تعالى لما أنزل قوله: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214)، أبناء عبد مناف: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس، وهؤلاء يجمعهم
جمع
الجد الرابع، بخلاف.
30. رواه مسلم، كتب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم 6689. 31. أورده القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 346/ 7
32. رواه الطبراني في المعجم الكبير رقم 8793: 158/ 9. (1/35)
صفحة 36
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
ب الأقارب: جمع قريب وهم الذين يجمعهم الجد السابع، والدليل على هذا أن أبا طلحة الأنصاري تصدّق بأرضه «بيرحاء» فقال له: «اجعلها لفقراء أقاربك. فجعلها لحسان بن ثابت وأبي بن كعب اللذين يجمعهما به عمر بن مالك بن النجار وهو الجد السابع الجامع.
ج وأما ذوو القربى فمشترك يتناول الصنفين). 34
قلت: ومعنى صلة الرحم قد عرفه القاضي عياض بقوله: «الصلة العطف والحنان»، ثم قال: (وأما الصّلة من العبد فهي الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، والقطع على خلاف ذلك».
ولا شك أن الصّلة تختلف درجاتها بحسب القرب، كما أنها تختلف نوعا وكما، وإيجابا وسلبا وجملة حقوقهم أن يحسن الإنسان إليهم، وأن يواسيهم بكل ما يكفل ضروراتهم إن كانوا محتاجين، ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم وينصح لهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويزورهم لتفقد أحوالهم كلما قدر على ذلك، وإن منعه مانع فلا أقل من أن يبعث إليهم بالسلام، سيما وقد توفرت اليوم وسائل الاتصال يفعل المؤمن ذلك ولو لاقى منهم إساءة وقطيعة فلا يقابلهم بالمثل لما ورد من الإرشاد في القرآن الكريم، من الدفع بالتي أحسن وأخذ العفو، وللحديث الذي رواه أبو هريرة والذي قال فيه رسول الله الله السائله حين قال له: إن لي أقارب أصل ويقطعون، وأحسن ويسيئون، وأعفو ويظلمون، أفأكافئهم بما يصنعون؟. فقال له: «إذا يرفضكم الله جميعا،
الله
ولكن إذا قطعوا فصل، وإن أساؤوا، فأحسن وإذا ظلموا فاعف ولن يزال من لك عليهم ظهير». 35 ولقد كان لهذه التربية الإسلامية المثلى أثرها البليغ في تماسك الأسرة والحفاظ على وشائجها مهما تقلبت عليها الظروف والأحوال، وفي التراث الأدبي الإسلامي روائع فنية ترسم صورة بديعة لتلك الآداب والأخلاق يقول الشاعر الكندي:
33. رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه ومن الأقارب رقم 2601.
34 قواعد الإسلام: 1992 (الهامش).
35. تقدم نحوه، ص 31
36
36 (1/36)
صفحة 37
الوصية الثانية: بر الوالدين
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هم هووا في هويت لهم رشدا وإن زجروا بالنحس طيرا تمر بي زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا لهم جلّ مالي إن توفّر لي غنى وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم فليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
فلا عجب أن يتحلى المسلم الوفي بذلك الخلق العظيم، وقدوته في ذلك رسول الله، وهو الذي لم يزد على قوله لأولئك الأقرباء الذين آذوه وأخرجوه من بلدته حين عاد إليهم منتصرا، لم يزد على أن قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء». وهذا يوسف، وهو في قمة عزه ومجده يواجه إخوته بالحلم والصفح وقد اعترفوا بذنبهم أزاءه فيقول لهم: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ) (يوسف: 92).
وقد دلّت التجربة من حياة النّاس أن العداوة إذا استحكمت بين الأقرباء، فإنها تكون أشدّ إيلاما وأبلغ جرحا في نفوس أصحابها، يقول طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربي أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
ومهما يتجمل الإنسان، ومهما يتودّد لغيره من النّاس الأبعدين، فإن المعيار لخلقه الحقيقي يكون من خلال معاملته لأقرب الناس إليه، لأن إطار القرابة هو المحك الدقيق لطبع الإنسان ومزاجه، فإذا جافى ذوي قرباه وضيعهم فهو لمن سواهم
أجفى وأضيع. (1/37)
صفحة 38
[صفحة فارغة] (1/38)
صفحة 39
الوصية الثالثة
النهي عن قتل الأولاد (1/39)
صفحة 40
[صفحة فارغة] (1/40)
صفحة 41
أ- النص
قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}
(الأنعام: 151).
ب- التحقيق اللغوي
من إملاق: «من» تعليلية الإملاق هو الفقر، ويقال: الفاقة، العوز، العيلة. قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ (التوبة: 28). والمسكنة. وفي الوصف يأتي التعبير القرآني بالفقير والمسكين: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} (التوبة: 60). وقد عرف الرسول المسكين بأنه «هو الذي لا يؤبه به فيعطى ولا يقوم فيسأل الناس 3. قال تعالى: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (البلد: 16::.
ج- نصوص من القرآن والسنة في قتل الأولاد
قال الله تعالى:
أ وَكَذَالِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ
وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} (الأنعام: 137).
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمُ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ
خطفًا كَبِيرًا} (الإسراء: 31). ج وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (التكوير: 98).
36. رواه البخاري بلفظ قريب من حديث أبي هريرة، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: لا يسألون الناس
إلحافا، رقم 1409.
41 (1/41)
صفحة 42
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
ومن
السنة:
أ
روي الشيخان من
حديث عبد الله
بن مسعود: «أنه سأل رسول
الله: أي الذنب أعظم؟، قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟، قال: أن تزاني حليلة جارك. ثم تلا رسول الله: {وَالذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ حَرَّمَ الله إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} (الفرقان: 68). 37
التي
ب-
-
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت 38.
د البيان والتفسير قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إِمْلَاقٍ، عطفت الجملة على ما قبلها في الأمر بالإحسان إلى الوالدين، ولكن الله تعالى في معرض الإحسان إلى الأولاد لم يأمر به كما فعل بالوالدين ولكنه نهى عن قتل الأولاد لعلة الفقر الحاصل: من املاق، ذلك لأن إحسان الوالدين إلى الأولاد أمر فطري في طبيعة الإنسان السوية، فهو لا يحتاج إلى من يذكره بذلك، غير أن الظروف القاسية التي قد يتعرض إليها الإنسان من جهة، وضغوط التقاليد والأعراف الفاسدة من جهة أخرى، تفسد تلك الطبيعة، وتدفع الإنسان أحيانا إلى تصرفات حمقاء، لا يتحاشاها حتى مع أعز الناس لديه والعرب في ذلك لم يكونوا بدعا من البشر، وهم يعانون من الفقر والحرمان ومن ضغوط العادات والتقاليد ما جعلهم يقدمون على قتل أولادهم ووأد بناتهم، والإسلام وهو دين العدل والرحمة جاء لينقذ البشرية من وهدة الظلم والفساد.
ومن خلال التعبير القرآني في سورتي الأنعام والإسراء في النهي عن قتل الأولاد بصفة عامة، ووأد البنات بصفة خاصة في سورة التكوير، تتلخص أسباب هذه الظاهرة الفاسدة في ما يلي:
37. رواه البخاري، كتاب التفسير باب سورة الفرقان رقم 4483، ورواه مسلم كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، رقم 268.
38. رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، رقم 1694.
42 (1/42)
صفحة 43
الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد
أ- الخوف من الفقر الواقع أو المتوقع، ولذلك جاء النهي وعلته على صورتين مختلفتين، ففي الفقر الحاصل قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وقال في الفقر المتوقع مستقبلا: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} (الإسراء:31). أي حين يكبر الولد ويصبح هو المنفق على والديه في حالة عجزهما.
ب خوف العار بفاحشة أو سبي، أو التزوج بغير الكفء في الشرف والحسب، وكان ذلك هو الدافع القوي لوأد البنات - أي دفنهن وهن على قيد الحياة. ج قتل الأولاد تديّنا ووفاء بالنذر للآلهة، وذلك عندما ينجب الأب كثيرا من الذكور كما فعل عبد المطلب بولده عبد الله والد الرسول الله حسبما هو مفصل في السيرة النبوية، وكما تفيده آية: {وَكَذَالِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} (الانعام: 137).
وإلى جانب هذا النهي الصّريح المصحوب بعلته نجد القرآن الكريم يمتن على بني إسرائيل بما حباهم الله تعالى من فضله إذ أنجاهم من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وجاء التعبير بالذبح في سورة البقرة والحجر، وبالقتل في سورة الأعراف. ولا تزال علة الفقر الواقع أو المتوقع هي الباعث على كثير من الجرائم البشعة قديما وحديثا، وجاء في الأثر: كاد الفقر أن يكون كفرا»؛ ذلك لأن البطون الخاوية لا تبقي للقلب ولا للعقل سيطرتهما على الجسد الحيواني، حين يحوّله الجوع إلى ضار مفترس. ومن ثم فإن الإسلام قد عالج هذا المشكل بطرق عملية تتمثل في تحريضه على التكافل الاجتماعي في أصدق صوره برعاية الطبقات المحرومة وضمان القدر الضّروريّ من العيش الكريم بما شرعه من الزكاة وأنواع الصدقات ومن توفير تكافؤ الفرص للجميع في مجال العمل والكسب، وضمان العدالة الاجتماعية في الإدارة والتسيير.
وقضية الرّزق لا تقل اهتماما من الإنسان في التدبر والتفكير عن قضية الموت والبعث، ولذا نجد القرآن الكريم قد ركز عليها كثيرا فربط بين الخلق والرزق
43 (1/43)
صفحة 44
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
والبعث في كثير من آياته سيما في القرآن المكي الذي اعتنى بتركيز أسس العقيدة الإسلامية، فاقرأ إن شئت نموذجين لذلك في سورتي الواقعة وعبس: أ- اقرأ في سورة الواقعة، من قوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ} إلى قوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (57 - 74).
ب وفي سورة عبس من قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} إلى قوله في آخر السورة: {أَوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} (17 - 42).
ولكن الإسلام وهو دين الفطرة والواقعية وإن ربط الخلق والرزق والبعث بقدرة الله ومشيئته، وأن تدبير شؤون الخلق تجري بقضائه وقدره، فإنه لم يهمل بحال من الأحوال عنصر الكسب والسعي في الإنسان سواء ما كان منهما في الجانب المادي أو الروحي: أ ففي الجانب المادي: قال تعالى: هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15). وقال: يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم منَ الأرْض} (البقرة: 267). وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الجمعة: 10). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل ابن آدم قط طعاما خيرا من يده، وكان نبي
الله
داود يأكل من يده 39. وقد اشتغل صلى الله عليه وسلم بالرعي والتجارة لكسب قوته. ب- وفي الجانب الروحي: يرشد القرآن الكريم إلى طلب العون من الله والتزام الصلاح والتقوى في الكسب الحلال؛ لأن ذلك مجلبة لليمن والبركة والخير الأسباب وتذليل الصعاب، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}
بتيسير
(الطلاق: 2 - 3). ويقول: في نفس السورة: {وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ
(الطلاق: 4).
مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا
39. رواه البخاري من حديث المقدام، كتاب البيوع، باب " الرجل وعمله بيده، رقم 1966.
44 (1/44)
صفحة 45
الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد
أما على المستوى الجماعي فيقول في سورة الأعراف: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى عَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (96). وقال رسول الله: «لو كنتم تتوكلون على الله حق التوكل لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا 4. وقد ربط الرّسول بين بعض المنكرات حين تفشو في مجتمع ما، ربط بينها وبين ما يسلّط الله عليه من عقوبات فقال: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم
بينهم 4.
وحسب جريمة القتل للأولاد من وعيد الله قوله تعالى في سورة الأنعام: قَدْ خَسِرَ الذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهام بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءُ عَلَى الله قَد ضَلُوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} (140).
فهو إذا خسران مادي وأدبي بفقدانهم زينة الحياة الدنيا بوجود الأولاد، ومن الناحية الأدبية فإنهم يفقدون أنبل العواطف الإنسانية للأبوة الشريفة، وفي هذا النوع من الخسران يقول المولى تبارك وتعالى في سورة الزمر: قُل إِنَّ الْخَاسِرِينَ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَالِكَ هُوَ الْخَسْرَانُ المبين) (15).
40. رواه الترمذي من حديث عمر بن الخطاب، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، رقم 2344، وقال:
حسن صحيح.
41. رواه ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر، کتاب الفتن، باب العقوبات، رقم 4019.
45
F (1/45)
صفحة 46
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
منكرات في حق الأولاد حاربها الإسلام
أ- تحديد النسل بين الإفراط والتفريط
ليست مشكلة تحديد النسل وليدة اليوم، إذ هي تابعة للحياة الزوجية، وقد اختلفت فيه آراء العلماء قديما وحديثا لعدم ورود نصوص قاطعة في شأنها، تبعا لمنهجية الإسلام في تشريع الأحكام عندما تختلف المصلحة باختلاف الأزمنة والبيئات، وفي مجال البحث عرضت المسألة قديما وحديثا بعناوين مختلفة كالعزل، وتحديد النسل، وتنظيم النسل.
وأزاء الحشد الهائل من النصوص الشرعية في استكثار سواد الأمة الإسلامية وتنوعها بين الكمية والنوعية، نجد العلماء تختلف آراؤهم بين التضييق والتوسعة، على اعتبار كل فريق ونظرته للولد أهو حق للوالد وحده، أم للوالدين معا أم هو مشترك بينهما والأمة؟.
ومراعاة لقاعدة الوسطية والاعتدال وتغليبا للمصلحة العامة، فإن الموضوعية تقتضي أن نأخذ بقاعدة التنظيم؛ لأنها الأوفق للتكيف مع ظروف الأمة ومصلحتها من جهة واعتبار وضعية الزوجين من حيث الصحة وظروفهما الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى، وأن ننظر إلى الولد على أنه حق مشترك بين الوالدين والأمة فنأخذ بالتنظيم السليم فى الأحوال العادية لحياة الزوجين وحياة الأمة، ونأخذ بالتحديد أو بالمنع في غير الأحوال العادية.
والنصوص الشرعية وإن كانت تدعو إلى التكاثر والتناسل، فإن الشريعة لا تعجبها الكثرة الهزيلة الغثائية كما وصفها رسول الله له عندما قال: «أنتم يومئذ كغثاء السيل 2. وكما قال له: «المؤمن القوي أحب إلى
الضعيف 43.
الله من المؤمن
42. رواه أبو داود من حديث ثوبان كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، رقم 4299، ورواه أحمد في المسند من حديثه أيضا، رقم 22450: 278/ 5. .43. رواه مسلم من حديث أبي هريرة كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله وتفويض المقادير الله، رقم 6945.
46 (1/46)
صفحة 47
الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد
وإذا ما أخذ الزوجان بتنظيم نسلهما فيجب أن يتم ذلك في إطار التوجيهات الشرعية والإرشادات الطبية، حتى لا يقعا في محذور إسقاط الحمل بعد تخلقه
في الأرحام.
ب الإجهاض أو إسقاط الحمل
وحكم الإجهاض هو الآخر تناوله العلماء بالبحث واختلفت آراؤهم في اعتبار نفخ الروح فيه متى يتم؟. والآية الكريمة يندرج في نهيها قتل الجنين قطعا وإن لم ينفصل عن أمه بالولادة، وإسقاطه بعد نفخ الروح فيه حرام اتفاقا تلزم فيه الدّية إن نزل حيّا، والغرّة إن نزل ميتا، وقدّر بعض العلماء قيمة الغرّة بخمسة من الإبل من السنّ الأوسط، أي نصف عشر الدّية الكاملة التي تؤدى عليه لو سقط حيا. وفي تحديد مدة نفخ الروح بعد أربعة أشهر أو قبلها يرى بعض المحققين أن نأخذ في ذلك بنتائج البحث العلمي، ومنهم الإمام محمود شلتوت يقول في تفسيره للوصية الثالثة من سورة الأنعام يقول: (أما إسقاطه قبل نفخ الروح فيه فزعم فريق أنه جائز توهّما أنه لا حياة فيه فلا جناية بإسقاطه، فلا حرمة، والتحقيق أنه حرام، لأن فيه حياة محترمة هي حياة القبول والاستعداد. وقال فيها الإمام الغزالي: «إنه جناية على مولود، حاصل، وأن أول مراتب الوجود أن تقع المادة في المحل وتختلط بالبويضة وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية وتعظم الجناية كلما انتقلت المادة من طور إلى طور، حتى تصل إلى منتهاها بعد الانفصال حيّا 44.
وفي اعتبار مباحث الطب وبناء الحكم الشرعي عليها يقول في نفس المصدر: ومن هنا أيضا نرى أن علماء الشريعة يرون كما يرى الطب أن مادة التلقيح فيها حياة، وأنهم يقدرونها ويعتدون بها، ويرتبون عليها الآثار، أما الحياة التي لا تكون إلا في الشهر الرابع فهي حياة الحسّ، والحركة، وهي متولدة من حياة النمو والتطور، وهي التي عبر القرآن عنها بالخلق الآخر، وعبّر عنها الحديث بنفخ الروح، والقرآن دائما يدور محور إرشاده حول المرئيات والمشاهدات التي تقع
44. محمود شلتوت، التفسير: 413/ 1.
47 (1/47)
صفحة 48
من أخلاق القرآن، الوصايا العشر، ووصية لقمان
عليها أبصار النّاس جميعا، ويعلمونها جميعا، أما ما وراء ذلك من خفيات السنن التي لا يدركها إلا أرباب البحث والنظر، فإنه يتركها للبحث والنظر، ومتى ظهرت عن طريق البحث الصادق والنظر المكتنه للحقائق أوجب عليهم أن يرتبوا الأحكام والآثار».45
قلت: وهناك حالة تستوجب إسقاط الجنين حتما حين تتعرض حياة الأم
إلى الخطر، فنطبق قاعدة ارتكاب أخف الضررين للحفاظ على حياة الأم. أما تناول حبوب منع الحمل لأجل ارتكاب فاحشة الزني خشية الافتضاح بوجود الحمل فتلك جريمة مضاعفة وإفساد للدين والنسل والعرض -والعياذ بالله
ج- مشكل التبني
التبني هو إلحاق ولد الغير بنسب الرجل، بحيث يعتبره كالولد الصحيح له ويثبت له من حقوق البنوّة كل ما قررته الشريعة في حق الأولاد الحقيقيين، وهذه الظاهرة
الاجتماعية كانت معروفة لدى أهل الجاهلية، ولهم دوافعهم الكثيرة في ذلك. وشأن الإسلام في تنظيم الأسرة وترتيب حقوقها وواجباتها شأنه في المجالات الأخرى من مراعاة الوسطية والاعتدال واعتبار المصلحة العامة لمجموع الأمة في صيانة حقوق الأسرة والمحافظة على الأنساب والتبنّي الجاهلي على الصورة المتقدمة هو إقحام لعنصر دخيل في الشَّجرة النسبية للأسرة من شأنه أن يخلخل جذورها، وأن يجرّ لها ما ينغص هناءها واستقرارها. وشاءت حكمة الله تعالى أن يأخذ رسوله بهذه العادة الجاهلية قبل نزول التشريع، إذ تبنّى زيد بن حارثة فكان يدعى زيد بن محمد، وعلى رضى والدي زيد عن هذا التبنّي واختياره للرّسول على والديه، فقد نزل حكم الله بإبطال ذلك التبني أيا كانت أسبابه واتفاقاته فقال جل من قائل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ إلى قوله: {كَانَ ذَالِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} (الأحزاب: 4 - 5 - 6). وحتى يكون الرسول قدوة في إبطال هذه العادة قدر الله أن يتزوج زوجة متبناه لرفع الحرج عن المؤمنين فقال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ
45. محمود شلتوت، التفسير: 414/ 1.
48 (1/48)
صفحة 49
الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد
لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب: 37). وبذلك حسم القرآن هذه القضية، وهو يرس الأسرة المسلمة على الأسس الأخلاقية المتينة.
د- مشكل اللقطاء
قواعد
أما الصورة الأخرى للبر والإحسان والعطف على المحرومين من حنان الأبوة كالأيتام والأولاد اللقطاء فذلك يندرج في التكافل الإجتماعي الذي أمر به المسلمون، وفي التعاون على البر والتقوى، ولذلك صور عديدة تتم على مستوى الأفراد الموسرين أو المصابين بالعقم، كما تتم على مستوى مؤسسات الدولة للتضامن الاجتماعي، وفي كل حالة لا يجوز شرعا ضمّ الولد إلى غير أبيه في النسب عملا بكتاب الله في الآيات المتقدمة، وقد عدّ الرّسول ذلك من المنكرات الشنعاء التي تستوجب اللعنة فقال له: (من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا. ومهما قيل عن «اللقيط» في الوضع الاجتماعي فهو نفس إنسانية – لا ذنب لها في وسيلة وجودها فيجب أن تكرّم ويحسن إليها حتى يضمن لها الإدماج الاجتماعي الكامل، وكم كان لهذا النوع من العناصر الاجتماعية من ميزات الذكاء والدهاء ما جعلهم قادة زعماء، وعلماء حكماء، وثمة أحكام مفصلة في الفقه الإسلامي عن اللقيط كيف ينسب وكيف يعامل، وما هي حقوق
ملتقطه، إلخ.
وإكمالا للفائدة في هذا المختصر ننقل ما أورده الإمام شلتوت في فتاويه بنصه تحت عنوان: اللقيط في نظر الشّريعة يقول: (عنيت الشريعة الإسلامية بالنظر إلى الأطفال وعرض الفقهاء لنوع خاص منهم، هو أجدرهم بالعناية نظرا لفقده من يعوله ويتعهده من أب أو قريب، وذلك النوع هو المعروف عند الناس باسم اللقطاء» فعرفوا اللقيط، وبيّنوا أحكامه من جميع جهاته في بحث مستقل،
48. رواه مسلم من حديث علي بن أبي طالب، باب فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة،
رقم 3393.
49 (1/49)
صفحة 50
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وتحت عنوان خاص هو «باب اللقيط» وقد عرّفوه بأنه مولود حيّ، طرحه أهله خوفا من الفقر أو فرارا من التهمة، وهو تعريف يصور لنا شأن اللقيط باعتبار الأسباب التي تدعو غالبا إلى نبذه، وطرحه وأنها لا تكاد تخرج عن أمرين: إما الخوف من الفقر وعدم القدرة على تربيته والإنفاق عليه وإما الخوف من تهمة العرض، وقد قرّروا أن أخذه والتقاطه واجب على من يجده، لأنه إحياء لنفس صار لها حظ في الوجود، ويرجى أن يكون لها نفع في الحياة، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَنَ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32).
والواقع أن تركه مع القدرة على أخذه والتقاطه تضييع له وقضاء عليه 4.
هـ- تعقيب وتعليق
لشفقته
إن الله سبحانه وتعالى في آية المائدة قد قابل بين الذنب العظيم لقاتل النفس، وبين الأجر الكبير لمحبيها فقال: كتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسَامٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنَ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: 32). فعلى قدر ما للملتقط الكريم من الأجر والثواب ورحمته باللقيط، يؤوب مضيعه ونابذه بالخزي والمعرة حاملا لأوزار ذنوبه مهما استخفى من النّاس والتمس لنفسه من الأعذار؛ لأن الله تعالى عندما نهى عن قتل الأولاد فقد سفّه عذر القائمين بذلك إن خوفا من الفقر أو خوفا من العار ولئن كان إزهاق أرواحهم جريمة كبرى في نظر الإسلام، فإن نبذهم وتركهم للإهمال والتشرد والضياع هو قتل معنوي لا يقل بشاعة عن القتل المادي، إن لم نقل أنه أشنع منه لأن الضّحية في القتل المادي تستريح ويبقى وزرها على من قتلها بينما هي في القتل المعنوي تبقى معذبة طيلة حياتها بما تعانيه من العذاب النفسي والاجتماعي وإن الإنسان لتنهمر دموعه ويتفتت قلبه وهو يشاهد في برامج التلفزة الوطنية أولئك البؤساء المحرومين كيف يتحسّرون ويستعطفون على الرّغم مما لاقوه من ملتقطيهم الكرماء من
عطف وإحسان.
47. فتاوي الإمام شلتوت: ص 319.
50 (1/50)
صفحة 51
الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد
حقوق الأولاد الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا هم أغلى منحة من الله تعالى للوالدين، حين يحسنون تربيتهم وينشئونهم النشأة الصالحة المستقيمة، جعلهم الله تعالى زينة الحياة الدنيا، وامتن بهم علينا وجعل ذلك من دلائل قدرته فقال جل من قائل: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} (النحل:72).
الأولاد نعمة أو نقمة
ما أسعد البيت الذي يحتضن الأولاد، وهم في أتم صحة وسعادة، يرتعون ويمرحون في جنباته ويملأونها بهجة وسرورا وهم قرة أعين لوالديهم، وهم كما قال عنهم تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (الكهف:46). وقال: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) (آل عمران: 14). ولكن نعمة الأولاد لا تظهر ولا تكتمل إذا أهمل الوالدان رعايتها وصيانتها من شوائب الانحرافات التي قد يقع فيها الأولاد، لنقص في تربيتهم، أو تدليل مفرط يعرضهم للفسولة، والميوعة، فيصبحون نقمة على أهليهم ومصدر خطر على المجتمع، ذلك لأن الله تعالى يبتلينا بالخير والشّرّ، وجعل الأموال والأولاد فتنة، قد يخيب في مواجهتها كثير من الناس، والله يحذرنا من مغبة ذلك وينصحنا بحسن الإنفاق، والتزود بالتقوى وحسن الأخلاق في تدبير شؤوننا وسياسة أولادنا فقال جل من قائل: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنَ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
(التغابن: 14 - 16).
51 (1/51)
صفحة 52
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
حقوق الولد مادية وأدبية
الولد أمانة غالية استودعها الله الوالدين، فهم المسؤولون بالدرجة الأولى على وضعيتهم ومصيرهم، فقال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ
(النساء: 11).
}
ووصية الله في سورة النساء وإن اختصت بالجانب المادي في تقسيم الميراث فإن وصيته تعالى في سورة التحريم شاملة لكل الوسائل التربوية الناجعة في تحصين الولد وإبعاده من الشقاء والضَّلال، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (التحريم:6).
ومن تمام حكمته تعالى وعدله أن خلق الإنسان على الفطرة السليمة، وزوّده بمؤهلات التعلم والتفكير، وأحاطه بمحفّزات النمو والتطور ليصبح ابن بيئته يرتبها كيف يشاء، ومن ثم تتحدّد مسؤوليته وفق اختياره لنهج الصلاح أو الفساد والخير أو الشر، فقال تعالى: {وَالله أَخْرَجَكُم مِّنم بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78). وفي تحديد المسؤولية يقول رسول الله الله: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». ويقول: «إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيّع حتى يسأل الرّجل عن أهل بيته، فما هي الحقوق الشرعية للولد؟.
بما أن الولد إنسان له كرامته وقدره، وهو في أصل خلقته مزدوج التكوين من مادة وروح، فإن حقوقه تتفرع هي الأخرى إلى مادية وأدبية:
أ- الحقوق المادية
وهي تتلخص في توفير البيئة الصالحة بما يكفل له النمو الطبيعي في جسمه وعقله، فينشأ صحيح، البدن سليم العقل، ولا شك أن الخطوة الأولى في تحقيق
6
48. رواه البخاري من حديث أبي هريرة كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي، رقم 1923، ورواه مسلم من حديثه أيضا كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة رقم 6926. 49. رواه ابن حبان في صحيحه من حديث الحسن مرسلا كتاب السير، باب في الخلافة والإمارة، رقم
52
32
4493 (1/52)
صفحة 53
الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد
البيت السعيد الذي يحتضن هذا الولد هو اختيار الزوجة الصالحة التي تصبح أما لذلك الولد تغمره بعطفها وحنانها وتتولى شؤون تربيته في كل مراحله
بحرص وعناية.
الله
ومن هنا حرص الإسلام في بناء العش العائلي أن يتم الاختيار والانتقاء للزوج الكفء الصالح فقال له: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس». وقال: «اظفر بذات الدين تربت يداك.
وقال شاعر النيل:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبا طيب الأعراق
وقد بيّنا كيف أن الإسلام ضاعف من حق الأمّ لما لها من جهد مضن وأثر بالغ في تربيته، وبالطبع فإن مجهود الأب في الإنفاق وتوفير الوسائل الصحية لولده مما يساعد الأم على القيام بواجبها في تتبع مراحل تربية ولدها منذ أن يتخلق جنينا في بطنها حتى يبلغ أشده، لتأتي بعد ذلك مرحلة التعليم والتثقيف، وليختر له من الأسماء أحسنها وأصدقها، وتأتي أسماء الأنبياء والصلحاء في قمة الاختيار بهم، وقيل: إن أصدق الأسماء هي ما أضيف إلى اسم الجلالة، أو إلى إحدى صفاتها العلية كعبد الله وعبد الرحمن وكم عير أقوام بأسمائهم الدنيئة حتى اضطروا إلى تغيير أسمائهم بحكم قضائي، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى اختيار أسمائنا فيقول: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم، وبأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم 52.
تيمنا
وفي التربية الصحية يجب على الوالدين أن يبدءا بنفسيهما في الأخذ بأسباب الصحة مطعما ومشربا وملبسا ومسكنا تتوفّر فيه الوسائل الصحية اللازمة، ثم يحصنان جسميهما من كل مرض وبيل يستكن في دمهما مما يكون
50. روى ابن ماجة نحوه من حديث عائشة، كتاب النكاح، باب الأكفاء، رقم 1968. 51. رواه البخاري من حديث أبي هريرة كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقم 4402. ورواه مسلم من حديثه أيضا، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين رقم 3708.
52. رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء، رقم 4950.
53 (1/53)
صفحة 54
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
له انعكاسات خطيرة في حياة الطفل، حتى يغدو منبتا طيبا لذريتهما، وبعد ذلك يوفران للطفل كل اللوازم الصحية - هو الآخر ويعنيان بالمراقبة الطبية له في كل مراحل نموّه، وهو جنين في بطن أمه أو مولود في مهده، أو رضيع في حجر أمه حتى يتم فطامه.
ومن الإرشاد الديني السامي في مجال الإنفاق أن يتوخى الوالدان الكسب الحلال في تربية أولادهم، لأن ذلك أجلب للخير والصلاح، وأدعى للتوفيق والنجاح والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به». ويقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (البقرة: 168).
وقد لا يعير كثير من الآباء أهمية كبيرة لهذا الجانب، حتى إذا ظهر انحراف ما في أحد أولادهم تحيّروا وأغرقوا في تعليل ذلك، بينما نجدهم لا يصدقون أحيانا أن ذلك الانحراف هو نتيجة للكسب الحرام واللقمة الحرام التي غذوا بها أولادهم اعتقادا منهم أنهم قد طهروا تلك الأموال بما يبذلونه في سبل الخير، جاهلين أو متجاهلين بأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا.
ب- الحقوق الأدبية للولد
وهي تتمثل أولا في القدوة الصالحة التي يجب أن يكون عليها الوالدان؛ لأن الولد هو ألصق بهما من غيرهما وهو أشدّ محاكاة وأكثر تقليدا لهما في الخير والصلاح أو الشّرّ والفساد، ولذا قيل في المثل السائد: «ومن يشابه أباه فما ظلم» وتعتبر التربية المثلى في البيت للولد هي الركيزة الأولى في بناء شخصيته وتنمية مواهبه في حضن المدرسة والمجتمع ولا يتأتى ذلك بالوسائل القمعية الجافة التي تلتزم بها بعض الأسر المحافظة ولا بالإفراط في الدلال والميوعة بإطلاق العنان للولد في إرضاء رغائبه وإشباع نزواته بدون حسيب ولا رقيب بل الوسطية والاعتدال بين هذا وذاك هو المنهج الصحيح في التربية الفضلى
53. رواه الترمذي بلفظ قريب من حديث كعب بن عجرة كتاب أبواب السفر، باب ما ذكر في فضل الصلاة، رقم 433.
54 (1/54)
صفحة 55
الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد
والتي يجب أن ترتكز على الحوار الهادئ والإقناع الهادف لما ينبغي وما لا ينبغي في معايير السلوك النظيف. وفي مجال المعرفة والتحصيل فإن حق الولد على الوالدين هو أوكد من حقوقه المادية، سيما إذا كان الولد يمتاز بمواهب فذة تجعل منه رجلا سويا لامعا يخدم دينه ووطنه. ولئن كانت الدول الحيّة تتكفل بهذا الجانب الهام في حق مواطنيها، فإن دور الوالدين في التأطير والتوجيه وتشجيع ولدهما لا يستغنى عنه في هذا المجال، بل يصبح من أوكد الواجبات عليهما؛ لأن الولد جزء منهما. (1/55)
صفحة 56
[صفحة فارغة] (1/56)
صفحة 57
الوصية الرابعة
النهي عن قرب الفواحش (1/57)
صفحة 58
[صفحة فارغة] (1/58)
صفحة 59
أ- النص
وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَابَطَنَ) (الأنعام: 151).
ب- التحقيق اللغوي
وَلَا تَقْرَبُوا): أي سد الذريعة إلى ما يوصل إلى الفاحشة، وهو كناية عن ملابسة الإثم أقل ملابسة. الْفَوَاحِشَ: مفرده فاحشة، وهي اسم لكل ما عظم قبحه، واستبشعته الفطرة السليمة، وقد تطلق ويراد بها الزنا والشذوذ الجنسي. والإثم: يجمع على آثام، وهو أعم من الفاحشة؛ لأنه يشمل كل ضار من الصغائر والكبائر فحش قبحه أم لا. قال تعالى في سورة النجم: الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاثم وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ (32). {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ): أي ما كان منها في السر والعلن.
ج- البيان والتفسير
من المفيد أن نقف قليلا عند كلمة: {فَوَاحِشَ، التي تكررت في القرآن كثيرا بصيغة المفرد والجمع عند النهي عن بعض الأعمال القبيحة لتكون علة لتحريمها مما يدل على أن الفحش والضّرر الناتج عنه هو أصل يتحاكم إليه وجودا وعدما في حل أو حرمة ما لم ينص الشارع على حله أو حرمته مما لم يكن موجودا في زمن التشريع. وفي هذا المعنى يقول الإمام شلتوت في حديث طويل تحت عنوان: ميزان الحل والحرمة فيما لا نصّ فيه) يقول: (وإذن فمتى عرفت للشيء آثار ضارة أو أن ضرره أكثر من نفعه كان حكمه في نظر الإسلام بمقتضى هذا الأصل
59 (1/59)
صفحة 60
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
التشريعي هو التحريم ومتى لم يعرف للشيء آثار ضارة في ناحية ما، أو عرف له ضرر ما، ولكن عرف له خير أعظم من ضرره كان حكمه بمقتضى هذا الأصل هو الحل وإن لم يرد في الحالين نص بتحريمه أو تحليله».
«
وبعد أن ضرب لذلك مثلا بتحريم المخدّرات التي لم يرد فيها نص قرآني قال: ويستوي في ذلك جميع الأفعال والأقوال ظاهرة وباطنة، حتى المعاني النفسية التي تنطوي عليها الصدور، ويكون لها من الآثار في أصحابها أو في غيرهم ما يضعف حياتهم وينزل بكرامتهم ويفسد مجتمعهم».54
قلت: وتلك هي معجزة القرآن في تناوله للحقائق العميقة الصالحة لكل زمان والمناسبة لكل الأحوال، يتناولها بألفاظ ذات المدلول الشامل، ليأخذ منها العلماء ما يناسبهم من المعاني والأحكام التي يجلونها لوقتها، حتى لكأن القرآن نزل لتلك الحادثة المستجدّة، وصدق رسول الله الله إذ يقول عن القرآن في حديث رواه الإمام الترمذي: «هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، لا تلتبس به الألسنة ولا يخلق على كثرة الرّ، ولا يشبع منه العلماء ولا تنقضي عجائبه».
استعمالات الكلمة في القرآن أقُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} (الأعراف:33). إِنَّ اللهَ لاَ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ} (الأعراف: 28).
الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} (النجم: 32).
ج وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الإسراء: 32). د وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ وَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبيلا) (النساء: 22).
ه وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ، أَينَّكُمْ لَتَأْتُونَ
الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلَ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (النمل: 54 - 55). و إِنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور: 19).
54. محمود شلتوت، تفسير القرآن.
55. رواه الترمذي من حديث علي كتاب فضائل القرآن باب فضل القرآن، رقم 2906.
60 (1/60)
صفحة 61
الوصية الرابعة: النهي عن قرب الفواحش
النساء:
ويرد ذكر الفاحشة في بعض أحكام الزوجية مثل قوله تعالى في سورة الـ وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ} (15). كما ورد ذكرها في سورة الأحزاب
خاصة بأزواج النبي له: يَانِسَاءَ النَّبِيءِ مَنْ يَّاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ
لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} (30).
كلمات الفحش والفاحشة في السنة
تناولت السنة هذه الكلمة بمختلف الصيغ مثل: الفحش، والفاحشة، والتفحش، والتفاحش، والفحاش، إلخ. وقد استعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من المنهيات في الأقوال والأفعال والمعاملات مما يدلّ على سعة مدلولها في كل ما يستهجن ويستقبح ماديًا أو معنويا كما ذهب إليه الإمام شلتوت -رحمه من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال لا الحصر:
أ و لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش».
الله،
ب إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه 57. ج «إن الله لا يحب الفاحش المتفحش 58.
د ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء. هـ «لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا سلط الله عليهم أمراضا لم تكن في أسلافهم. قال تعالى في الوصية الرابعة: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وهي معطوفة على النهي السابق: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّن إِمْلَاقٍ، نهى تعالى عن قرب الفواحش سدا للذريعة، وأطلق الكلمة: {الْفَوَاحِشَ لتشمل كل أنواعها مما هو مستهجن في نظر العقول السليمة، وحتى ما هو مستقبح عرفيا
الله
56. رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، رقم:6514 162/ 2 57. رواه البخاري من حديث عائشة، كتاب الأدب، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب رقم 5707.
58. رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، رقم:6514: 162/ 2.
59. رواه الترمذي من حديث عبد الله كتاب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة، رقم 1977.
60. تقدم تخريجه، ص 40.
61 (1/61)
صفحة 62
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
صيانة للأخلاق العامة في المجتمعات المسلمة، وحفاظا على كرامة الإنسان من كل ما يفسد عليه دينه وعقله وعرضه.
وقوله تعالى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، يعني ما يرتكب من هذه الفواحش علانية أو خفية؛ ذلك لأن الأوضاع الاجتماعية تختلف وتتحوّل باعتبار المجتمع الواحد في أيام قوته وضعفه وفي أحوال يسره وعسره كما تختلف تلك الأوضاع والأحوال في ما بين مجتمع وآخر حسب الأعراف والتقاليد، وحسب النظم والإيديولوجيات. ويبقى تحديد القول أو الفعل وحتى المعاني النفسية مما يسميه العلماء «دباغ السوء) متى يعتبر فحشا أو فاحشة منهي عنها، يبقى ذلك مرهونا بمدى تقدير الضرر الفردي أو الاجتماعي لكل تصرف ينتج عنه ذلك. ولذا نجد المفسرين القدامى قد اختلفت تحديداتهم للفحشاء الظاهرة والباطنة، بناء على ما كان شائعا في جاهلية العرب في فاحشة الزنا» ترتكب سرًا أو علانية، باعتبار وجهاء القوم وأراذلهم، أو باعتبار الحرية والاسترقاق، ومنهم من وسع المدلول إلى منكرات أخرى تشملها مثل قول بعضهم: ما ظهر منها ظلم الناس، وما بطن الزّنا والسرقة. وأيا كان تفسير القدامى، فإن أمثلتهم لا تؤخذ على أنها تحديد لبعض أفراد الفواحش، بل هي أمثلة لدلالتها العمومية، ومما يرجح هذا التفسير ما ورد في السنة النبوية من أمثلة تتناول كثيرا غيرها من التصرفات القبيحة.
وهناك معنى آخر لقوله تعالى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، بما أن هذه المنهيات جاءت في جملة توصية الله لخلقه، فإن الرادع الحقيقي للمؤمن في الابتعاد عنها يجب أن يكون هو مراقبة الله في السر والعلن؛ لأن الله تعالى لا تخفى عنه خافية، وقد خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، ولأن الظاهر من هذه الفواحش كفاحشة الزنا واللواط والسّرقة مثلا لها ما يردع عنها بما شرع الله لها من حدود، أو بتعزير الإمام وتنكيله بالجاني، وهي زواجر مادية يخشى جانبها فتكبح جماح السفهاء الغاوين، ويبقى الزاجر الروحي القوي بخشية الله وتقاه هو الذي تكون له الفعالية المطلوبة فى حسن سلوك المؤمن واستقامته ولذا نجد تلك الرجاءات المتكررة خلال الوصايا العشر: لعلكم تعقلون، لعلكم تذكرون، لعلكم تتقون.
62 (1/62)
صفحة 63
الوصية الرابعة: النهي عن قرب الفواحش
كتابنا
ومجال القرب من هذه الفواحش تبيّنه الأحكام والإرشادات التي وضعها الإسلام لسد الذريعة قبل الوقوع في المحذور، فنهى عن كشف العورات، والقول الفاحش بذكر أسمائها الصّريحة ونهى المرأة عن إظهار زينتها إلا ما ظهر منها وعن السفر بغير محرم يحميها ويصونها، ونهى الرجل عن الاختلاء بامرأة أجنبية وأمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر. وفي حفظ الفروج وإشباع الغريزة الجنسية شرع الزواج الشرعي مع الأزواج أو ما ملكت اليمين، ثم قال تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} (المؤمنون: 7). ليشمل كل أنواع الفواحش التي تمارس بغير الارتباط الشرعي كاللواط والسّحاق وإتيان البهائم والعادة السرية ... إلخ مما فصلناه في بيان صفات عباد الرحمن). وحسب الفساق السفهاء من وعيد الله ونقمته ما ورد في سورة النور: إِنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النور: 19). وقد أشار الرسول إلى العذاب الدنيوي في كثير من الأحاديث مثل قوله في الحديث السابق: «لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا سلّط الله أمراضا لم تكن في أسلافهم»، وفي الأثر: (بشر الزاني بالفقر ولو بعد حين. اللهم جنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأخرجنا من الظلمات إلى النور.
61. تقدم تخريجه، ص 57.
63 (1/63)
صفحة 64
[صفحة فارغة] (1/64)
صفحة 65
الوصية الخامسة النهي عن القتل (1/65)
صفحة 66
[صفحة فارغة] (1/66)
صفحة 67
أ- النصوص من القرآن
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
(الأنعام: 151).
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ
سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا} (الإسراء:33). مِنْ أَجْلِ ذَالِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسَامٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنَ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)
(المائدة: 32).
وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29). وَالذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بالحقِّ) (الفرقان: 68).
ب- نصوص من السنة
عن أبي هريرة عن النبي الله أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا:
الله
يا رسول الله وما هن؟، قال: الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات 62.
62. رواه البخاري من حديث أبي هريرة كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، رقم 2615. ورواه مسلم من حديثه أيضا كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها،
رقم 272.
67 (1/67)
صفحة 68
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم
يصب دما حراما 63.
ج- التحقيق اللغوي
القتل: من قَتَلَه يقتله قتلا وإقتالا أماته وأزهق روحه، أما الفقهاء فيعرفونه
الله،
بقولهم: هو إزهاق روح إنسان متحقق الحياة قارّها بفعل من شأنه عادة أن يزهق الروح، يقوم به إنسان مؤاخذ بعمله. ويقال: قتله في مقام المدح والثناء والاستحسان. التي حَرَّمَ الله له: التحريم بالمعنى التشريعي الذي نزلت به الشرائع السماوية، وبمعنى العصمة الطبيعية التي للإنسان بمقتضى تكريم الله له بالعقل إلا بالحَقِّ: كقوله الله: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
التيب الزاني، والنّفس بالنّفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.
د البيان والتفسير
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ الله إِلا بِالْحَقِّ: وهي الوصية الخامسة معطوفة على ما قبلها، والنهي فيها للتحريم. وعرفت: النَّفْسَ» بـ «آل» الجنسية لإفادة الاستغراق، وقتل النفس من الفواحش الكبرى المنهي عنها سابقا، خصصها الله تعالى بالذكر لما فيها من فساد عظيم، أنهك المجتمع الجاهلي، لما درج عليه من ثارات قديمة، أو الغزو لأجل السلب والنهب. ولإهراق الدّماء عواقبه الوخيمة في زرع الإحن والبغضاء بين الأفراد والجماعات، قد لا يعفي عليها الزمان، ولا ينسيها الصلح وأداء الدّيّات، ولذا تكرر النهي عن القتل في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة بمثل النصوص المذكورة.
وهذه الجريمة المنكرة صحبت البشرية منذ نشأتها الأولى بدافع الحيوانية في الإنسان عندما تتغلب على العقل والحكمة فتتجاوز غضبيته حدودها فيثور وينتقم. وفي قصة ابني آدم قابيل وهابيل المذكورة في سورة المائدة ما يدل
على ذلك.
63. رواه البخاري من حديث ابن عمر كتاب الديات رقم 6469.
64. رواه مسلم من حديث ابن مسعود كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم رقم 4468
68 (1/68)
صفحة 69
الوصية الخامسة: النهي عن القتل
الله
غير أن النظم الإنسانية في مختلف الحضارات المتعاقبة منذ بدء الخليقة كلها متفقة على أن القتل العمد بغير حق جريمة شنعاء لا يستسيغها عقل ولا يقرها دين، ويدل على ذلك قوله تعالى: التي حَرَّمَ الله، أي في الديانات السابقة، كما تشير إليه آية المائدة: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (32)؛ ذلك لأن الحياة حق مقدس هو أغلى منحة من لخلقه فلا يملك انتزاعها إلا هو متى استوفت النفس أجلها حسبما هو مقدّر في علم الله، لأن الذي يملك الإيجاد يملك الإعدام. قال تعالى: {تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الملكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الذي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (الملك: 1 - 2).
والشّريعة الإسلامية، إذ شنعت بهذه الجريمة وشددت النكير عليها، فقد عنيت كل العناية ببيان أحكامها الدنيوية إن بالطرق الوقائية لتفادي وقوعها، أو بالطرق العلاجية متى وقعت، وهي في كل ذلك مترفقة حكيمة في القتل الخطأ، وصارمة متشددة في القتل العمد.
وتفاصيل تلك الأحكام قد تولاها الفقهاء ودوّنوها في موسوعاتهم لمن يريد الاستقصاء والبحث وحسبنا من هذا البيان المختصر أن نلم ببعض الأسس العامة، ولم يقتصر القرآن على بيان الأحكام الدنيوية بل أفاض في ذكر الأحكام الأخروية بما يكون رادعا قويًا للابتعاد عن تلك الجريمة النكراء.
هـ-
هـ - أنواع القتل وعقوبته الدنيوية يتفرع القتل باعتبار إيقاعه لذات الإنسان أو لغيره إلى الانتحار وقتل الغير. وباعتبار الدافع إليه يتفرع إلى قتل العمد وقتل الخطأ. ولفظ النفس مطلق في الآية الكريمة فهو يعم ذات القاتل نفسه ونفس غيره، عن قتل الإنسان نفسه في سورة النساء فقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمُ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (29). كما فصل أحكام قتل الخطأ والعمد فقال في قتل الخطأ: وَمَا كَانَ لِمُومِن اَنْ يَقْتُلَ مُومِنًا إِلَّا خَطَأَ وَمَن قَتَلَ مُومِنًا خَطَاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يُصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٌّ
وقد نهى
الله تعالى
69 (1/69)
صفحة 70
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
لَّكُمْ وَهُوَ مُومِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُومِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُومِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء:92). وقال في قتل العمد: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى اخر بِالحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ غُفِيَ لَهُ مِنَ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتَّبَاعُم بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَالِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
(البقرة: 178 - 179).
وفي سورة المائدة يذكر أحكام شريعة موسى فيقول تعالى: {وَكتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنف بالأنف والأذن بالأذنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (45).
وفي تطبيق قاعدة: «من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه»، حکمت الشريعة أن القاتل يحرم من ميراث مقتوله إذا كان بينهما سبب من أسباب الميراث. كل ذلك يعكس لنا مدى حرص الشريعة على صيانة النفس البشرية، وهي إحدى الكليات الخمس التي تتمحور حولها أغلب أحكام شريعتنا الغراء، ولعذاب
الآخرة أشدّ وأبقى.
و- العقوبات الأخروية
وبإزاء العقوبات الدنيوية الصارمة نجد القرآن الكريم يتوعد بغضب الله وبالخلود في النار لقاتل النفس المؤمنة متعمدا، وأصرح آية في ذلك هي قوله تعالى في سورة النساء: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُومِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (93). ولم يعقب الله هذا الوعيد بالتوبة على عادة القرآن بعد ذكر الكبائر، بل ورد الوعيد مطلقا في الآية الكريمة، بينما آية الفرقان ورد بعدها ذكر التوبة وهي قوله تعالى: {وَالذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
70 (1/70)
صفحة 71
الوصية الخامسة: النهي عن القتل
إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَاتِ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا) (الفرقان: 68 - 70).
وعلى اختلاف العلماء في الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم فقد اختلفوا أيكون لقاتل العمد توبة؟ ويرى ابن عباس أن ليس له توبة، وأن آية الفرقان مكية نسختها آية النساء المدنية.
ولرسول الله أحاديث كثيرة تؤكد ما ورد في القرآن من ذلك الوعيد الشديد الذي لم يذكر الجريمة أخرى وقد تعرّض فيها الرّسول لقاتل العمد لنفسه أو لغيره، أو لقتل المعاهد. فقال: أ- روى أبو داود والنسائي: «كلّ ذنب عسى) الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا 65. ب وفي جريمة الانتحار روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردّى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسّى سمّا فقتل نفسه فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)). ج عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما 67. وفي قصة ابني آدم ما يسند هذا الوعيد الشديد بقول الأخ المظلوم للظالم: إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوا بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنَ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَالِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ}
(المائدة: 29).
65. رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء، كتاب الفتن، باب في تعظيم قتل المؤمن، رقم 4272، ورواه النسائي من حديثه أيضا كتاب تحريم الدم، رقم 3984.
66. رواه النسائي من حديث أبي هريرة كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على من قتل نفسه، رقم 1965. 67. رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب الجزية والموادعة باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم، رقم 2995.
71 (1/71)
صفحة 72
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
ز الحق الذي يسقط حرمة النفس
للنفس البشرية حرمتها المقدسة بالنظر إلى ذاتها وأصل خلقتها، وهذا الحق ثابت لها عقلا وشرعا ما لم يطرأ عليها سبب يسقط عنها ذلك الحق وتلك الحرمة، فإن صدر عنها ذلك فإن قتلها عندئذ يكون قتلا بحق غير منهي عنه، وذلك ما يفيده الاستثناء الوارد في الآية الكريمة: إلا بالحقِّ. والأحوال التي يثبت بها ذلك الحق منها ما ذكره القرآن، ومنها ما ورد في السنة المطهرة، ونجد العلماء إزاء تلك النصوص القطعية الدلالة أو الظنية قد يتفقون أو يختلفون في إباحة القتل بها.
ونحن نذكر منها ما اتفق عليه وما اختلف فيه بإيجاز:
أ ما اتفق عليه بدلالة النص القطعي
قتل النفس عمدا لقوله تعالى في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (178). ثم قوله بعد ذلك: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ
حَيَاةٌ) (179). الحرابة والإفساد في الأرض لقوله تعالى في سورة المائدة: {إِنَّمَا جَزَاؤُا الذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} (33).
اعتداء الكفار على حقوق الإسلام والمسلمين لقوله تعالى في سورة النساء: فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} (91).
ب ما اختلف فيه العلماء ولم ينل إجماعهم
هناك حالات تثبت بنص السنة وهو ظني الدّلالة كتارك الصلاة، ومانع الزكاة، وزنا المحصن، والشَّذوذ الجنسي، والسحر، والدفاع عن حرمة العرض أو المال، والمرتد؟.
وأيا كانت الحالات التي تسقط حرمة النفس البشرية سواء بنصوص قطعية أو غير قطعية، فإننا نستصحب معنا ملاحظتين هامتين:
72 (1/72)
صفحة 73
الوصية الخامسة: النهي عن القتل
أن تكون الأسباب المسقطة لحق النفس المبيحة لقتلها متيقنة الوقوع بكيفية لا شبهة فيها، وقد روي: «ادرءوا الحدود بالشبهات». - يتولى تنفيذ الحدود ولي الأمر الشَّرعيّ، وهو إمام المسلمين وذلك للحفاظ على النظام العام لقوله لعل الله: (أربعة أمور لا تكون إلا للولاة: الفيء والحدود والصدقات والجمعة».
والمقصود بولي الأمر الشرعي هو ما نسميه اليوم بالسلطة الشرعية عند المسلمين ولا تهم تسمية الحاكم ما دام المسلمون يتمتعون باستقلالهم في تدبير شؤونهم بأنفسهم. وتبقى صورة واحدة يكون للأفراد حق الإباحة في القتل، وذلك عند دفاعهم عن حرمة أعراضهم أو أموالهم، حين يكون المعتدي متلبسا بالجريمة، ثم لا يجد المعتدى عليه سبيلا إلا القتل وقد توسّع الفقهاء في ذكر الأسباب المبيحة للقتل وشروطها، تطلب من الموسوعات الفقهية.
73 (1/73)
صفحة 74
[صفحة فارغة] (1/74)
صفحة 75
الوصية السادسة
النهي عن أكل مال اليتيم (1/75)
صفحة 76
[صفحة فارغة] (1/76)
صفحة 77
أ- النص
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيم بالتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
(الأنعام: 152).
ب- التحقيق اللغوي
اليتيم: من يتم يتيم: بفتح التاء وضمها وكسرها، يتم يتما ويتما من أبيه، صار يتيما، أي فقد والديه أو أحدهما، واليُتم الإنفراد وأخذ منه اليتيم. بالتِي هِيَ أَحْسَنُ: الباء للملابسة، أي ملابسين للخصلة أو الحالة التي هي أحسن حالات القرب، أي التي لا ضر فيها لليتيم ولا لماله. {يَبْلُغَ أَشُدَّهُ: الأشد مشتق من الشَّدّ وهو التوثق: أي بلوغه القوة مع صحة عقله حين تكون له
أهلية التصرف في ماله.
ج- البيان والتفسير
هذه هي الوصية السادسة في الترتيب العام للوصايا العشر، وهي الوصية الأولى من الآية الثانية، وجملة: {وَلاَ تَقْرَبُوا) معطوفة على المحرمات السابقة، وتشتمل الآية الثانية هذه على وصايا أربع تندرج كلها في مراعاة الحقوق المتبادلة بين النّاس وتنظيم قواعد التعامل بينهم تحقيقا للعدالة الاجتماعية، وصونا لحقوق الضعيف، والعاجز، ومن في مجتمع النّاس أضعف من اليتيم الذي فقد عائله؟، وبالتالي يفقد ذلك القدر الضّروريّ من العطف والحنان، وإن ترك له والده قدرا من المال، فقد يصبح بذلك عرضة للطامعين، وللمال شهوة عارمة في نفوس
البشر لا تقل إلحاحا وإغراء عن شهوة الجنس، ومن ثم نجد التعبير القرآني في
12
77 (1/77)
صفحة 78
من أخلاق القرآن، الوصايا العشر، ووصية لقمان
كل الشهوات التي تميل إليها النفوس يأتي بالنهي عن القرب منها، كما في هذه الآية الكريمة وكما في نهيه تعالى عن الزنا في قوله: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبيلاً} (الإسراء:32).
وقد بينا في ما تقدم من النهي عن قرب الفواحش، كيف أن كثيرا من أحكام الإسلام تقوم على قاعدة سد الذرائع لقطع الوسائل الموصلة إلى الحرام: إلا بالتي هي أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، ولما كان هذا التحذير الشديد من قرب مال اليتيم يمنع حق التصرف فيه ولو بصونه وحفظه وذلك بالطبع يعرّضه للتلف، والضّياع أو باستثماره وإنمائه فيعرّضه للنفاد، جاء هذا الاستثناء: إلا بالتِي هِيَ أَحْسَنُ، أي لا تقربوا ذلك المال إلا بالكيفية التي هي أحسن، بما يضمن حفظه وإنماءه، وذلك ما يجب أن تلتزموا به أيها الأوصياء على الأيتام إلى غاية بلوغهم القوة البدنية والعقلية التي تؤهلهم لحسن التصرف في أموالهم بجدارة واستحقاق. وتخصيص الوصية الإلهية بمال اليتيم دون غيره من النّاس لأنه مظنة الإضاعة والتلف لفقدانه من يدافع عنه، وربما يكون أولياؤهم الأقربون هم أول من يعتدي عليهم بمختلف الأساليب والوسائل. وقد عرف المجتمع الجاهلي هذا النوع من الظلم المسلّط على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، ولذلك جاء ذلك الحشد من الآيات في كل من القرآن المدني والمكي، توصي باليتيم تربية وتنشئة
صالحة لشخصه، وصونا وإنماء لماله.
د- نصوص من القرآن في حق اليتيم ففي القرآن المكي يتجه الإرشاد الإلهي إلى ذات اليتيم فيدعو لحسن معاملته ومراعاة كرامته جسميا ونفسيا حتى لا يشعر بالعزلة والاحتقار، فيندمج في مجتمعه عضوا صالحا وإنسانا سويًا، يقول تعالى مخاطبا رسوله وهو اليتيم النموذجي في رعاية ربه له: أ- أَلَمْ يَجدِّكَ يتيمًا فَتَاوَى، وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائلاً فَأَغْنَى، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (الضحى: 6 - 11).
78 (1/78)
صفحة 79
الوصية السادسة: النهي عن أكل مال اليتيم
ب أَرَأَيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَالِكَ الذِي يَدُعُ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الماعون: 1 - 3). ج {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُ رَقَبَةٍ، أَوِ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (البلد: 11 - 17).
د آية سورتي الأنعام والإسراء
وهكذا نجد هذه الدّعوة الحارّة إلى البر والإحسان باليتامى إلى ذلك الحد الذي يعتبر فيه الذي ينتهر اليتيم في أدنى معاملة له، يعتبره مكذبا بالدين، ويجعل من المقربات التي تساعد المؤمن على اقتحام عقبة الآخرة أن يأوي إليه يتيما يقرب إليه، وكيف بالبعيد عنه؟ وإذ يمتن الله على رسوله برعايته له في يتمه، فهو يرشده أن يكون شكره على تلك النعمة هو العطف على اليتيم والنهي عن قهره، مما يدل على ما كان يعانيه المجتمع الجاهلي من أمثال تلك الظواهر التعسة.
ولقد كانت لهذه التوجيهات الربانية أثرها البليغ في نفوس القوم حتى تحرّجوا من وضعية يتاماهم أيتركونهم للضّياع ويعزلون أموالهم ولا يؤاكلونهم ولا يشاربونهم فتتعقد نفوسهم ويشعرون بالذلة والمسكنة؟، وهكذا أصبحوا في حاجة ملحة إلى مسلك يخرجهم من تلك الحيرة، ويرسم خطة صالحة لمعاملة هؤلاء، فإذا
بالوحي الإلهي يحسم الأمر في ما تنزّل من القرآن المدني في قوله تعالى:: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلِ إِصْلَاح لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَالله يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
(البقرة: 220).
- يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، وَءَاتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} (النساء:1 - 2).
79
72 (1/79)
صفحة 80
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنَ انَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمُ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمُ إِلَيْهِمُ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ
سيبا (النساء: 6).
انَّ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (النساء: 10). وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتي لا تُوتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ
كَانَ بهِ عَلِيمًا} (النساء: 127).
هـ- نصوص من السنة في حق اليتيم
وللرسول الله حشد من الأحاديث يوصي فيها باليتيم خيرا، وهو الذي ذاق مرارة اليتم، فلم تكتحل عيناه برؤية والده ولا نعم بحضن أمه إلا قليلا، فوجد من رعاية الله له ما ثبته وملأ فراغ نفسه وهو يقول له: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (الضحى: 5).
وفي ما يلي بعض من تلك الأحاديث الشريفة: أ عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. ب عن عوف بن مالك الأشجعي عن النبي قال: «أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة وأومأ بالوسطى والسبابة امرأة آمت من زوجها
ذات منصب، وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا. ج عن صفوان بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل 70.
68. رواه البخاري من حديث سهل كتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما، رقم 5659. 69. رواه أبو داود من حديث عوف بن مالك كتاب الأدب، باب في فضل من عال يتامى رقم 5151. 70. رواه البخاري من حديث أبي هريرة كتاب النفقات باب فضل النفقة على الأهل، رقم 5038. ورواه مسلم من حديثه أيضا، كتاب الزهد والرقاق، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم، رقم 7659.
80 (1/80)
صفحة 81
الوصية السادسة: النهي عن أكل مال اليتيم
قلت: إن القوم قد تحرّجوا من مخالطة اليتيم بعد الوصايا المكية فاشرأبت أعناقهم إلى ما يخفف عنهم العنت فتنزّل قوله تعالى في سورة البقرة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن الْيَتَامَى قُلِ إِصْلَاح لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِح وَلَوْ شَاءَ الله لأَعْنَتَكُم إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (220). يقول صاحب المنار في تفسير موجز لهذه الآية مهد به للتفصيل يقول: «يعني أي إصلاح لهم خير من عدمه، فلا تتركوا شيئا مما تعلمون أن فيه صلاحا لهم في أموالهم وأحوالهم من تربية وتهذيب، هذا ما أفاده تنكير: إصلاح، وإن تخالطوهم لرؤيتكم الخير لهم في المخالطة في المعيشة فهم إخوانكم في الدين، وإنما شأن الإخوان المخالطة في المعاشرة. وقد أزالت الكلمة الأولى من هذا الجواب الوجيز شبهة المتأثمين من كفالتهم، وكشفت الكلمة الثانية شبهة القوّامين المتحرّجين من مخالطتهم، ومن هذا الجواب عرفنا حقيقة السؤال، وهذا من ضروب الإيجاز التي لا تعرف إلا من القرآن (7. قلت: إن اختيار كلمة (الأخوة في الدين لمعامل اليتامى لها وقعها البليغ في نفوس الرعيل الأول، وقد عاشوا مفاسد الجاهلية فأصبحوا بنعمة الله: إخوانا، والمخالطة الأخوية لا يمكن أن تثمر إلا إذا قامت على أسس التسامح والمحبة
والإيثار، غير أن النوازع النفسية من الحرص والشَّحَ والأثرة قد تفسد الفطرة السليمة، وتضعف ما لعلاقة الأخوة من التوافق والتعاون، فكان لا بد من وازع ليقظة الضمير وتحريك الوجدان في مراقبة الله وهو القوي العزيز والحكيم في تدبير شؤون الخلق، فحذار من سوء النية ودناءة القصد: {وَالله يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللَّه لَأَعْنَتَكُم ..
وفي سورة النساء وقد تنزّلت بعد سورة البقرة نجد في افتتاحيتها تلك اللمسة الحانية في التمهيد لأحكام معاملة اليتامى فهم وإن لم يتصلوا بكم بوشائج القربى في إطار أسركم وعشائركم، فهم إخوانكم وأرحامكم في الإنسانية التي خلقها الله تعالى من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا
ونساء، فالزموا تقوى الله فى مراعاة تلك العلاقة فإنه مراقبكم ومحاسبكم.
71. محمد رشيد، رضا تفسير المنار: 342/ 2 - 343
81 (1/81)
صفحة 82
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وبهذا التمهيد الحافز الرشيد تتوالى الأحكام في شأن اليتيم بين أمر ونهي ووعد ووعيد، وهي تركز على حفظ ماله وإنمائه حتى يبلغ أشده، ثم دفعه إليه متي آنسنا رشده والإشهاد عليه لنفي كل احتيال أو إنكار. وقد أحاطت الآيات بتفاصيل الموضوع بوضوح وإحكام، بما لا يدع لاي لبس تتعدد فيه التأويلات، فتعرضت حتى لضروب الاحتيال على أكل مال اليتيم، والتي تعطي الفرصة للوصي أن يتستر بها أو يتعلل فقال تعالى: {وَلاً تَتَبَدَّلُوا الخَبيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمُ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}
(النساء: 2).
و - اليتامى وتعدد الزوجات
مجالا
ومن غريب صور الاحتيال والرّغبة في استغلال مال اليتيم أن يسلك الوصي مسلك الزواج، فيرغب في التزوّج بيتيمته حين يكون لها مال، أو يزوّجها لبعض أبنائه إذا كانت لا تحل له فيكون ذلك الزواج ذريعة للتصرف في مالها الموروث، أو في مالها من حق الصداق الشرعي، وحتى هذه الحيلة التي تبدو عليها سيماء البر والإنسانية لم تغفلها آيات سورة النساء فقال جل من قائل: {وَإِنْ خِفْتُمُ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}
(النساء: 3). والحديث الذي رواه الإمام البخاري عن عائشة يفسر هذه الآية الكريمة مع آية: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} (النساء: 127). قال الزهري: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمُ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى. قالت يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال: وإن الناس استفتوا رسول الله بعد هذه الآية، فأنزل الله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُوتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا
82 (1/82)
صفحة 83
الوصية السادسة: النهي عن أكل مال اليتيم
لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} (النساء: 127). قالت عائشة: «وقول الله في الآية الأخرى: {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهم إذا كن قليلات المال والجمال». 72
وبمناسبة التعرّض لأموال اليتامى تتناول السورة الكريمة إرشادات ضافية حول
سياسة المال في المحافظة عليها وتداولها واستثمارها مثلا في قوله تعالى: - وَلَا تُوتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ التِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَما} (النِّساء: 5). - يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ} (النساء: 29).
ز متى يدفع لليتيم ماله؟
ذكرت الآيات جملتين تحدّدان المستوى من السن الذي يبلغه اليتيم ليدفع الوصي إليه ماله وتقيّد ذلك بشرط فقال تعالى: {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (الأنعام: 152). وقال: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} (النساء: 6). أما التقييد بالشرط فقال: {فَإِنَ انَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمُ أَمْوَالَهُمْ} ثم قال تعالى بعد ذلك: {فَإِذَا دَفَعْتُمُ إِلَيْهِمُ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: 6). فأي ضمان وأي توثيق ترشد إليهما هذه الآيات. فبلوغ الأشدّ أو بلوغ النكاح هو في الغالب المستوى الذي يصبح فيه الشاب مؤهلا لتحمل مسؤوليته إذا ما نشأ نشأة طبيعية سليمة.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد السِّنّ والصفات التي يجب أن تتوفّر في اليتيم ليتسلّم ماله من وصيه، ولكن القيد الذي ذكره الله بعد ذلك يحسم ذلك الخلاف، فليس المهم ضخامة الجثة مع سفاهة الأحلام، وإنما المهم هو استئناس الرشد فيه بعيدا عن كل سفاهة محتملة لتضييع، ماله ولا يتحقق الوصي من ذلك إلا بالممارسة والاختبار ليتيمه، ويقتضي ذلك منه أن يصحبه ميدانيا وقد طرح عليه
72. رواه البخاري من حديث عائشة، كتاب التفسير باب تفسير سورة النساء، رقم 4298.
83 (1/83)
صفحة 84
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
قسطا من المسؤولية ليتبيّن، رشده ثم ينبغي أن يشهد عليه حين التسليم حتى تبرأ ذمته ويسد الطريق أمام المتحرّشين إنه العدل الإلهي العليم بطبائع خلقه، وهو أسرع الحاسبين: {وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا.
أباح
ولما كانت مسؤولية المحافظة على مال اليتيم وإنمائه ملقاة على كاهل الوصي وقد الله مخالطته بما يكون له فيه خير وصلاح، فهل للوصي مقابل لمجهوده؟. ذلك ما توضّحه نفس الآية في كيفية تسليم المال لليتيم، إذ قال تعالى: {فَإِنَ - انَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمُ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ، فمن المفروض شرعا وعقلا أن يكون لكل مجهود أجر ومقابل، والله تعالى يقول: {إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً، أَوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ}
(الكهف: 30 - 31).
التي
وعدالة الإسلام مع سموّ أخلاقها ومبادئها لم تغفل الحوافز المادية والمعنوية تدفع الإنسان إلى إتقان عمله وإحسان صنعه، فأجازت للوصي الفقير أن يأكل من مال يتيمه بالمعروف ووكله إلى ضميره في ذلك حتى لا يتجاوز الحد المقدر لسدّ الضرورات، أما الغني فرغبته في الاستعفاف طلبا لما عند الله من الأجر والثواب: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ} (النحل:96).
ح الوعد والوعيد في مخالطة اليتامى رأينا في ما استعرضناه من الآيات في مراعاة حق اليتيم كيف أن الله تبارك وتعالى يوصي بالإحسان إليه وبحفظ ماله ويستحث الشعور الديني ويقظة الضمير عند المسلم في مراقبة الله بمثل قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (البقرة: 220). وقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} (النساء:6).
وفي نهاية تلك التوجيهات التي تشمل اليتامى وأولي القربى والمساكين يأتي الأمر الإلهي بما يشرح صدورهم ويطيب خواطرهم ماديا ومعنويا، وذلك بما يحصلون عليه من رزق في المال المقسوم بين الورثة فقال جل من قائل: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً
روفاه (النساء: 8).
84 (1/84)
صفحة 85
الوصية السادسة: النهي عن أكل مال اليتيم
ونحن نعلم أن للموصي حق الثلث في وصيته، إن شاء أوصى به كلية للفقراء والمساكين، سيما لذوي القربى إذا كانوا ممن لا يرثون، أو يوصي بقسط منه للمشاريع الخيرية لتقوم بواجبها في نشر الفضيلة والتعليم الديني، وتساعد على التكافل الاجتماعي بين المسلمين. واليتامى المحاويج هم أولى من يستفيد بمثل هذه الوصايا، ثم إن الله تعالى العليم بطبائع النفوس يأمر بالقول المعروف والقول السديد لهؤلاء المستضعفين حتى لا تخدش كرامتهم فلا يتأذون بما قد تند به الألسنة أمام الحرص على المال، والله يقول: قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَدَى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} (البقرة: 263). ويقول: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالنَّ والأذى} (البقرة: 264).
ثم يخاطب الأوصياء والأولياء الذين يحاولون تعطيل البر والإحسان لهؤلاء إما بأكل مال الوصية لهم، أو بتبديلها لغير ما خصصت له، يذكرهم بتقوى الله، وبأن يخافوا أن تقع ذريتهم من بعد موتهم في مثل ما وقع فيه أولئك الضعاف والمحاويج من اليتامى والمساكين فيعاملون بالقسوة والحرمان، كيف تكون
حالهم؟. ومن شأن المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولم يقتصر وعيد الله على هذا التنظير الحسّاس، بل أردفه بالعذاب الدنيوي والأخروي بلهجة حادّة تهزّ كيان المسلم، فقال جل من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء: 10).
فأي لذة أو منفعة في لقمة من نار تدخلها إلى بطنك، وأنت تأكل سحتا يتغذى به لحمك أو تربي به أولادك والرسول يقول: «كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به» 73، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى. فهل يرعوي أولئك الطامعون عن العبث بأموال اليتامى وعن تعطيل تنفيذ الوصايا أو تحريفها؟، إن ربك
لبالمرصاد.
C
وأزاء هذا الوعيد الشديد نجد ذلك الوعد الحاني المشوّق في أحاديث رسول الله لكل من آوى يتيما وكفله، فليس هو مجرد ضمان دخول الجنة له، بل هو
73. تقدم تخريجه، ص 52.
85
55 (1/85)
صفحة 86
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
القرب من منزلة رسول الله فيها على قدر قرب السبابة من الوسطى في الطول، إنه الجزاء الأوفى لكل صادق موف لحقوق الأيتام.
بقضاء
وما ظنك بتلك المرأة التي حبست نفسها على يتاماها ترعاهم وتربيهم وقد آمت من زوجها وهي ذات منصب وجمال، إنها الرّحمة والحنان في الأم الصالحة التي ترى قرة عينيها في أولادها، وتؤثر أن تبقى وفية لزوجها راعية لعهده ناسية حظوظ نفسها، على أنها لو تزوّجت فلا تأثيم لها في حساب الله، ولكنه الرضى الله، والقناعة بما قسم الله في أغلى صوره. وما أروع ذلك التنظير بين مجالات القربي إلى الله بين ما يعتبر في ذروة الإيمان ومسالك الدين كالجهاد وصيام النهار وقيام الليل وبين السعي على الأرملة والمسكين؛ ذلك لأن كلا من الجهاد في سبيل الله، وهو الجهاد الأصغر، والصوم والقيام وهما الجهاد الأكبر إنما يقصد بهما توفير الأمن والاستقرار للمسلمين على مستوى حياتهم الفردية والاجتماعية، وكذا الأمر في السعي على الأرملة والمسكين، إذ يسد كل ثلمة في صرح المجتمع المسلم، عندما يجد هؤلاء المحرومون ما يكفي ضروراتهم ويلم شعثهم، وفي الحديث القدسي يقول الله: «أبغوني في ضعفائكم» 74.
جعلنا الله تعالى من المحسنين الأبرار.
74. رواه الترمذي من حديث أبي الدرداء كتاب الجهاد، باب ما جاء في الاستفتاح بصعاليك المسلمين،
رقم 1702، وقال: حسن صحيح.
86 (1/86)
صفحة 87
الوصية السابعة
إيفاء الكيل والميزان (1/87)
صفحة 88
[صفحة فارغة] (1/88)
صفحة 89
أ- النص
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
(الأنعام: 152).
ب- التحقيق اللغوي
أوفُوا: من الإيفاء للشيء حقه، أي الإتيان به كاملا غير منقوص. الْكَيْلَ والوزن: وسيلتان للتعامل وهما المعياران اللذان تم تحديديهما عالميا، وذلك
C
بتقدير وحدة كل منهما، مع جزئياتها ومضاعفاتها. بِالْقِسْطِ: أي بالعدل الذي لا يبخس حق الغير و الباء للملابسة وكلمة «الإيفاء من المفاعلة التي تقتضي طرفين يقسط بينهما. و وُسْعَهَا}: الوسع: هو ما يكون في طاقة الإنسان ومكنته، وذلك على قاعدة رفع الحرج.
ج- المدخل إلى تفسير الآية
درج الفقهاء في بيان أحكام الشريعة الغراء بأن يقسموها إلى فقه العبادات وفقه المعاملات، وذلك باعتبار واقع حياة الإنسان في جانبيها المادي والروحي وفي مجال الممارسة والتطبيق نجد كثيرا من الناس لا يولون لجانب المعاملات كثيرا من المراعاة والاهتمام حتى في تلك العهود الزاهرة لحضارة الإسلام قبل أن يتردّى المسلمون إلى ما هم عليه اليوم من التبعية والتقليد لأعدائهم في المجال الاقتصادي والسياسي، والفصل بين الدين والدولة، ذلك لأن الجانب المادي أشدّ ارتباطا بحياة الإنسان اليومية وأدعى لانشغاله وحرصه لتوفير ضروراته وحاجاته الملحة، فهو إن لم يتوصل إليها بالطرق الشرعية أو القانونية، ينزلق لا محالة
89 (1/89)
صفحة 90
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وتعكر الصفو
إلى المسالك الملتوية والوسائل الخسيسة التي تفسد عليه دينه، الرّوحي فيبتعد عن رحمة الله ورضاه، وجاء في الأثر: «الدين المعاملة». وقد اجتهد الفقهاء في تأصيل أحكام المعاملات، سيما في باب البيع والشراء، وهو المحور الذي تدور حوله كل الأبواب الأخرى كالرهن والشفعة والإجارة والشركة والقسمة والمساقاة، الخ؛ لأن كل عمل يقوم به الإنسان يبذل فيه جهدا مقابل أجر فهو يندرج في هذا الباب. ولذا رتبت الشريعة الغراء قواعد وآدابا في البيع والشراء تضمن لكل من المتعاملين حقه، وهي تقوم كلها على السماحة والوفاء ونبذ الغش والاحتكار والتزوير فيقول الرسول في هذا الصدد: «من غشنا فليس منا، ويقول: «رحم 75 رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى 76. ولما كان الكيل والميزان أساسين ومعيارين اتخذهما الناس للعدل بينهم في التعامل العام فقد ركز القرآن على إيفائهما، وتوعد المطففين بالحساب العسير، وجعل من أصحاب مدين وقصتهم مع الرسول شعيب جعل منهم عبرة لأولى الألباب، واعتبر التطفيف في الكيل والميزان إفسادا في الأرض ينجر عنه سخط
الله
الله
وعذابه.
وقد تكررت قصتهم بأساليب مختلفة في عدة سور من القرآن الكريم نقتصر فيها على ما جاء في سورة الأعراف الآية (85). قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهِ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. والغاش في أي مجال من عمله لا يعتبره الرسول مؤمنا يرعى عهد الله وميثاقه؛ لأنه بغشه ذلك قد خان أمانة الاستخلاف في الأرض، فينتقم والله عزيز
ذو انتقام.
الله
منه،
75. رواه مسلم من حديث أبي هريرة كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا،
رقم 294.
76. رواه البخاري من حديث جابر بن عبد الله، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف رقم 1970.
90 (1/90)
صفحة 91
الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان
د البيان والتفسير
هذه هي
الوصية السابعة، تضمنت الأمر بإيفاء الكيل والميزان، جاءت معطوفة على النهي عن أكل مال اليتيم وكلاهما أكل لأموال النّاس بالباطل، والملاحظ أن الله تعالى أمر بالإيفاء هنا، بينما في قصة شعيب يؤكد الأمر بالنهي عن النقص مثل قوله: {وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ}) هود:84)؛ ذلك لأن إيفاء الكيل والميزان هو أدل على السماحة والكرم في التعامل، وأدنى درجة العدل أن لا يكون النقص، وهو الحق الذي ينبغي أن لا يبخس ويريد الإسلام أن يرفع أتباعه إلى مستويات أعلى في كرم الأخلاق وحسن المعاملة.
وقوله: بالقسط الباء» فيه للملابسة والقسط هو العدل، ومفاعلة الإيفاء تكون بين الطرفين المتعاملين، ويدلّ هذا التركيز على العدل في التعامل أن هذه العادة من التطفيف فى الكيل والميزان كانت تمارس لدى الجاهليين، بل إنها ممارسة تضرب جذورها في أعماق المجتمعات البشرية مذ عرف الناس البيع والشراء، وليس عبثا أن يخصص الله تعالى سورة من السور المكية باسم المطففين»، كما أن أغلب الأوامر والنواهي في قضية الكيل والميزان وردت في السور المكية.
لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا}: هذا تعقيب على الأمر بالإيفاء تستدعيه قاعدة اليسر ورفع الحرج في ما لا يكون بمقدور الإنسان أن يأتي به؛ لأن الكيل والميزان بدقة بالغة لا يمكن إلا في ما هو نفيس نادر كالذهب وما إليه، مما لا يتسامح فيه النّاس، أما المواد المتداولة بكثرة كالحبوب والخضار وما إليها فحسب المتعاملين أن يتحريا الإيفاء بما هو متعارف لدى النّاس بحيث يرتاحان أن المكيل أو الموزون مضبوطان بدون زيادة ولا نقصان أما آلات الوزن والكيل فالمفروض فيها أنها مراقبة من حين لآخر من طرف السلطات المعنية بالقطاع التجاري، كما كان نظام الحسبة معروفا في التاريخ القديم، وحسب المطفف من الشر والوعيد أن يعتبره القرآن الكريم من المفسدين فى الأرض لما ينجر عن ذلك من فساد العمران واستفحال المظالم. وفي النصوص التالية يتبين لنا ذلك.
91
16 (1/91)
صفحة 92
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
هـ- نصوص من القرآن في إيفاء الكيل والميزان نلاحظ التنوّع في الصيغة ما بين الأمر والنهي والإخبار.
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقُسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تاويلا) (الإسراء: 35). الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ القرآن، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانِ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانٌ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} (الرحمن: 1 - 9).
لَقَد أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد: 25). وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمُ أَو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (المطففين: 1 - 6).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ} (المائدة: 1).
الأمم
وقصة شعيب مع قومه وردت في القرآن بإطناب في بعض السور وبإيجاز في أخرى، وفي نهاية المطاف في دعوة شعيب ونصحه لقومه وهم يتعنتون ويستكبرون بأن لا يأتي عذاب المحق والاستئصال، كما جرت سنة الله في الخوالي، ونقتصر هنا على النموذج الوارد في سورة هود، قال تعالى في الشطر الأول من القصة:
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهِ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا المِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٌ، قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوَ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ أنَّكَ لأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (84 - 87).
ونحن أمام هذا الحشد الهائل من النصوص القرآنية في قضية تبدو لأول وهلة بسيطة لا شأن لها بالسلوك الديني في الإنسان يستوقفنا من تلك النصوص
92 (1/92)
صفحة 93
الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان
نموذجان نحاول من خلالهما أن نبيّن كيف أن الله تعالى يريد بنا خيرا ويدعونا إلى التحلّي بصفاته العليّة، على اعتبارنا أننا خلفاؤه في هذه الأرض استعمرنا فيها وقدر حياتنا الأولى على ظهرها محكا للاختبار ومعبرا للحياة الأبدية الباقية.
أ- النموذج الأول
وهو يتمثل في افتتاحية سورة الرحمن، يقول تعالى: {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ القرآن، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانِ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ، فأي إجلال وأية عظمة تغمر قلب المؤمن وهو ينطق بهذه الصفة للذات العلية «الرّحمن». إنها صفة مشتقة من الرّحمة في مستوى عظمتها التي لا تدانيها صفة لمخلوق، حتى قال العلماء: لا يجوز إطلاقها لغير الله تعالى، إنها تلك الرحمة التي هبط جزء واحد منها من مائة جزء إلى الأرض، ومن ذلك الجزء الواحد تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه كما صوّرها رسول الله له في حديث صحيح. والسورة كلها تتحدث آلاء الله عن ومجالي رحمته، يذكر بها الثقلين من الإنس والجن في معرض التكليف وتحمّل الأمانة، ويكون هذا الإنسان هو مجلى القدرة الإلهية في خلقته، وهو في طليعة الوجود كله في أرضه وسمائه، وهو مزدوج التكوين من مادة وروح. ولما كان مناط تكريمه وامتيازه هو تلك النفخة الله جاء تقديم القرآن على خلق الإنسان في ذكر آلاء الله ترتيبا
الله
العلوية من روح مناسبا لجلال الخالق وقداسة كلامه بما يتجاوب ويتناسق مع أعظم منة من لهذا الإنسان، بأن علمه البيان، تلك المنة العظمى التي أسجد لها ملائكته لآدم اعترافا لاستحقاقه خلافة الله في الأرض، ذلك هو التكوين الروحي للإنسان. وقبل أن ينتقل النص القرآني، إلى تكوينه المادي في قوله تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالِ كَالْفَخَّار تجيء تلك الإيحاءات الربانية بذكر دينونة الخلائق لجلاله وعظمته: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان، وهما مرتبطان في حياتهما بكل من الشمس والقمر، وكل منهما يسبح في الفضاء بحساب دقيق في مدار مضبوط.
93 (1/93)
صفحة 94
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
في
إنه التناسق العجيب بين الكائنات، وهي مرتبطة بمصدر الوجود، ارتباط العبودية والعبادة بالتسبيح والسجود، ورفع السماء بغير عمد من أعظم آيات الله الآفاق، إنه الخلق العظيم الذي بهر الإنسان وهو يرفع البصر إليه فيرجع وهو حسير: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (الذاريات:22). خلق الله ذلك بالحق ووضعه بميزان قد قدّره في علمه الأزليّ، إنها موازين الحق والعدل، وموازين القيم المضبوطة لكل ما في الوجود، يشهد لها واضعها الخالق المعبود، ويشهد لها الملائكة في الملأ الأعلى، ويشهد لها أولوا العلم في الأرض من الراسخين الذين يخشون الله ويدينون لعظمته: شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْم قائماَم بالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران: 18).
أَلَا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}: لنتأمل هذا التأكيد العجيب، بالأمر والنهي لمدلول الميزان الإلهي الثابت المستقر، على أساس الحق والعدل، لينتظم كل المخلوقات في أرضه وسمائه، وبالتالي فإن كل طغيان فيه وكل إخسار سوف تنجر عنه عواقب وخيمة، تدمر في الإنسان تلك الفطرة السليمة، فيخيس بعهد الله، ويتحدى خالقه ومولاه، بينما هذه الأرض التي يعيش عليها، ويظن أنه مستقل بها لوحده هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بأجزاء الكون كله تؤوّب معه بحمد ربّها وتسبّح الجلاله، وقدرته، وقد دحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها متاعا لنا ولأنعامنا، بنفس الدقة ونفس الميزان، وقد قال في سورة الحجر: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ
موْزُونٍ} (19). ولا تصلح هذه الأرض ولا يستقر عمرانها إلا حين تبقى متصلة بالسماء بذلكم الرباط المقدس في هالة من ذلك النور المستمد من مشكاة الله، ينزل به الروح الأمين على رسله كتابا وميزانا ليقوم الناس بالقسط قال تعالى في سورة الحديد: لَقَدَ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (25). إنه الميزان الإلهي الذي قامت عليه الأرض والسماوات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، هو الميزان الثابت المستقرّ الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تتصارع فيه المصالح، إنه حجة الله على خلقه، ليقيموا حياتهم على أسس الحق والعدل، حتى
94 (1/94)
صفحة 95
الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان
يمكن الله لهم في هذه الأرض، ويكونوا في مأمن من الشر والفساد، ومتى استقامت البشرية على منهج. الله واتخذته حكما في ما شجر بينها، فإن الله تعالى يوفقها ويلهمها سبل رشدها، ويهديها سبل السّلام، وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد. ب- النموذج الثاني
اله
يتمثل في قصة رسول الله شعيب إلى مدين في نص مطوّل بسورة هود: يبتدئ بقوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّن غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرِ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ محيط (84). وينتهي بقوله تعالى: {أَلا بُعْدًا المَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95). ومدين اسم قبيلة كانت تسكن ما بين الحجاز والشّام بالقرب من تبوك، وقد استقى موسى له من بئرهم كان لهم تصوّر فاسد في عقيدتهم، وظلم وإجحاف في معاملاتهم، أبرزه التطفيف في الكيل والوزن ومن رحمته تعالى بهم أن بعث لهم شعيبا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ الشركاء والأنداد. ومنطلق كل دعوة صالحة هو تصحيح العقيدة أولا، ثم تأتي الأعمال الصالحة تجسيدا لتلك العقيدة في توحيد الله والالتزام بأحكام شريعته. يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنِ إِلَهِ غَيْرُهُ}: وهي الدعوة الأصلية التي دعا إليها رسل الله جميعهم في مسيرة البشرية منذ انطلاقتها قال تعالى في سورة الأنبياء: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (25). وحين تتركز العقيدة الصحيحة في قلب الإنسان، وتمتلئ جوانحه بخشية الله، فإن كل إصلاح للأوضاع الفاسدة، وكل تغيير للعادات الباطلة، سوف يأتي بالثمرة المرجوة فتستقيم النفوس على نهج الله، سلوكا نظيفا في الحياة الشخصية، وإخاء
وتراحما في العلاقات الاجتماعية، وصدقا وأمانة في المعاملات الاقتصادية. وأصحاب مدين كانوا في موقعهم من طريق القوافل بين شمال الجزيرة وجنوبها، قد استمرأوا الربح السهل، بقطع الطريق على القوافل، ومن ثم يفرضون عليها ما يشاؤون من أنواع المعاملات الجائرة، وأعظمها ظلما التطفيف في الكيل والميزان؛ لأنه سرقة مقنعة خفية، تستغل ثقة النّاس في استصحابهم لأصل الصدق والعدل والأمانة في طرق التعامل ووسائل المبادلات المتمثلة في المكاييل والموازين وما إليها.
95 (1/95)
صفحة 96
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
حسن
ونلاحظ في دعوة رسول الله شعيب ذلك الربط المحكم بين العقيدة والشريعة، أي بين الإيمان والعمل الصالح، فلا خير في عقيدة لا يبلورها في واقع حياة الناس الأخلاق وكرم، الخصال، ومن ثم كان ولا تزال ممارسة الفصل بين العقيدة والشريعة أو بين الدين والدنيا على قاعدة الماديين الطغاة التي تقول: «ما الله الله، وما لقيصر لقيصر». لا يزال ذلك الفصل النّكد هو سبب الانزلاق والانحراف الخطير الذي نكب البشرية في رصيدها الديني وتراثها الحضاري، وأصحاب مدين يمثلون بفساد معاملاتهم ذلك الركام من الظلم والفساد في الأرض تلهفا على المال، واعتداء على حقوق النّاس، فلنستمع إلى شعيب كيف يدعوهم إلى موازين الحق والعدل برجوعهم إلى الله والخضوع لطاعته: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّن إِلَهِ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرِ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطِ، وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ} (هود: 84 - 86).
وكان شعيب في بلاغه واضحا في تشخيص هذا الداء الإجتماعي العضال، وهو في أمره بالإيفاء ونهيه عن التطفيف في المكيال والميزان يذكرهم بما هم فيه من وفرة المال، وأن ذلك هو خير من الله يبلوهم به ولسوف يحوله عنهم إن لم يشكروا نعمته، وما عند الله هو خير لهم وأبقى ذخرا وثوابا، ويمزج نصحه بالتخويف من عذاب الله عاجلا أو آجلا إن هم تمادوا وأصروا، وما هو عليهم بحفيظ، إذ لا يملك إلا النصح والإرشاد كما أمره الله. فما مدى تأثير هذه الدعوة في نفوس القوم؟. ولنستمع مرة أخرى إلى هذا الردّ المشبوه الضّال: قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوَ اَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشيدُ (هود: 87). إنه ردّ الساخر الغشوم في إنكار سافر لصدق تلك الدعوة، وكان شعيب كثير الصَّلاة لربه، وهم يشكون في صدق توجهه أن يكون الله هو الذي أمره بما يقول، ويظنون أن ما ينهاهم عنه في معاملاتهم من الغش
96 (1/96)
صفحة 97
الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان
والتطفيف، هو مجرد حيلة منه لينفرد بالربح وهو الغني مثلهم بكسب حلال: أَرَأَيْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} (هود:88). وما أوقعهم في سوء التقدير لدعوة نبيهم إلا ذلك الفساد في التصوّر الجاهلي لحقيقة الألوهية، فهم لا ينكرون وجود الله ولكنهم يتشفّعون إليه بشركاء يعبدونهم من دون الله تقليدا لآبائهم، ثم لا يرون صلة بين العبادة والمعاملة، فهم أحرار في إدارة أموالهم بما هو الأوفر ربحا وإن بخسوا حقوق الناس. فأعجب لهذه الفكرة الشيطانية كيف سرت في كيان البشرية جرثومة خبيثة، تتيقظ وتنمو كلما ضعف جهاز المناعة عن مقاومتها، حتى أصبح اليوم جسم الإنسانية عليلا بها، وقد صرعته حيل اليهود ومكرهم وهم يديرون الأموال وفق هواهم بعيدا عن إرشادات التنزيل ذلك بأنهم قالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
(آل عمران: 75). ونحن المسلمين لا نملك حولا ولا قوة في المجالات الاقتصادية إلا أن نخضع للنظام العالمي المفروض علينا في المجال الاقتصادي والسياسي، وليتنا نعترف أننا ما نزال على الغثائية التي تنبأ بها الرّسول لأمته، فنحاول تغيير أوضاعنا وإصلاح أحوالنا وفق ما أرشدنا الله إليه، وكتابه العزيز ينادينا: يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السَّلْم كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 208 209). ولكن الدّاهية الدّهياء أن نبرر عجزنا وضعفنا بمحاولة إخضاع أحكام الله إلى واقعنا المريض، فوقعنا في ما وقع فيه أهل مدين بذلك الفصل النكد بين
العبادة والمعاملة.
ولئن كان من رحمة الله وفضله على أمة محمد عل الله أن رفع عنها عذاب السخط والاستئصال، كما فعل بأصحاب مدين فليس معنى ذلك أننا في حلّ من أمرنا، أو أن سنن الله لا تنطبق علينا مهما أوغلنا في الشّر والفساد؛ لأننا من أتباع خير العباد، فهذا رسول الله يحذر أقرب الناس من تلك الإتكالية ويوصي عمته صفية وابنته فاطمة يوصيهما بتقوى الله والعمل على طاعته، ويقول المولى تبارك
وتعالى: {وَلَا تَحْسِبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} (إبراهيم:42).
97 (1/97)
صفحة 98
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
وكل ما نراه اليوم من زينة ومتاع ومن قوة وسلطان لمن يحاد الله ورسوله من أعداء الإسلام التقليدين يهودا أو نصارى أو غيرهم من الماديين الملحدين إنما هو فتنة واستدراج من الله، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وصدق الله العظيم إذ يقول: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمُ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مَّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ للهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 44 - 45).
تعليق وتعقيب
لقد انطوت صفحة القرن العشرين بكل ما حدث فيه من تطورات ومفاجآت غيرت وجه العالم، وأشدّها وطأة في حياة الشعوب والأمم حربان عالميتان مدمرتان، وما أعقبهما من ظاهرة الاستعمار البغيض ومن تصفيته في بحر من
دماء ودموع. وتطلعت البشرية إلى انطلاقة الألفية الثالثة وكلها أمل ورجاء أن ينعم الناس بالرخاء والازدهار، وتتمتع الشعوب بالأمن والاستقرار، بما رفعوه من شعارات، وما حاولوه من تكتلات ولكن محاربتهم لدين الله وتنكرهم لقيمه ومبادئه أبقاهم في ضلالهم يعمهون. ولم يكد العقد الأول من الألفية الثالثة ينتهي حتى انهار النظام الرأسمالي القائم على الرّبا ومن قبله قد انهار النظام الاشتراكي المتطرف، فها هي الأزمة الاقتصادية تأخذ بخناق أعتى الدول وأشدّها طغيانا وجبروتا على المستضعفين. فهل هي حرب الله قد أذن بها على أولئك الطغاة المتجبرين، فلا تنفعهم تكتلاتهم ولا تدابيرهم إلا أن يفيئوا إلى نهج الله، ويأخذوا بأحكام كتابه وسنة رسوله، فهل يستجيبون؟. (1/98)
صفحة 99
الوصية الثامنة الأمر بالعدل (1/99)
صفحة 100
[صفحة فارغة] (1/100)
صفحة 101
أ- النص
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِي} (الأنعام:152).
ب- التحقيق اللغوي
العدل: يقول الدكتور الشرباصي في تعريف العدل في موسوعته القيمة يقول: «العدل هو القصد في الأمور، وهو الإنصاف والمساواة بين الناس، وهو الحكم بالاستواء، وهو تحرّي المساواة والمماثلة بين الخصمين، بأن لا يرجح أحدهما على الآخر قط». ثم يقول: «والعدالة أو المعادلة يقتضي معنى المساواة والعدل نقيض الظلم والجور والعدل له مرادف هو القسط». 77
ج البيان والتفسير توالت الأوامر الإلهية في الوصايا الثلاث: السابعة والثامنة والتاسعة، توالت معطوفا بعضها على بعض، والتناسب بينها واضح جلي لكونها تتصل بالمعاملات بين الناس في أقوالهم وأفعالهم وتعهداتهم، وقد جاء الأمر بالعدل في القول بصفة عامة ليشمل كل ما من شأنه أن ينصف حقا أو يجلب نفعا ويدفع ضرا، والناس يتعاملون بمنطقهم؛ لأنه تعبير عما يجول في النّفس من معان تتبلور إلى أعمال في واقع النّاس، تأخذ منحى الحق والعدل أو الجور والظلم، وفق ما استقر في نفس الإنسان من نوايا وإرادات. والتعليق بأداة الشرط: {وَإِذَا قُلْتُمْ} فيه إشارة إلى هذا المعنى؛ لأن سكوت الإنسان لا ينبني عليه حكم بعدل أو ظلم، والله وحده هو العليم بذات الصدور: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19).
77. الشرباصي موسوعة أخلاق القرآن: 22/ 1.
101 (1/101)
صفحة 102
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
من
لله
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى: ولهذا الوصل معناه المناسب في هذا المقام؛ لأن القرابة مظنة العصبية قد تحمل القائل على أن لا يكون عادلا في قوله ميلا لنفع قريب فنبهت الآية إلى وجوب الالتزام بالصدق والعدل ولو كان الذي نقول عنه قريبا لنا، بل إنه تعالى قد فصل تلك الصلات التي من شأنها أن تميل بالناس إلى عدم العدل بصفة عامة سواء في أقوالهم وأفعالهم وما تعارفوا عليه فقال جلّ قائل في سورة النساء: يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمُ أَوِ الْوَالِدَيْن وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهِ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (135). فالله تعالى يأمرنا أن نعدل حتى مع أنفسنا بله الأقربين، ويحذرنا من اللي والإعرام عن ذلك، مهما كانت الاعتبارات النسبية أو الاجتماعية؛ لأن الله تعالى أحق
أن نخشاه.
وفي قمة السموّ الخلقي للمسلم أن يتوخى العدل حتى مع خصومه وأعدائه، وأن لا يتخذ من الخصومة والعداوة ذريعة للجور والظلم، ذلك ما نقرأه في سورة المائدة من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ اللَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَقَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُم بِمَا تَعْمَلُونَ) (8).
أرأيتم إلى هذا السموّ الروحي، حين يلتزم المسلم بالعدل فلا يثنيه عنه قرابة ولا ولاء، ولا جاه ولا سلطان، ولا فقر ولا غنى والحافز لذلك كله هو تقوى الله: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
بل الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك فى مسؤولية السلطة عند المسلمين أن تسعى لبسط العدل وحمايته بقوة الحديد والنار؛ لأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن، فقال جل من قائل في سورة الحديد: {لَقَدَ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (25).
102 (1/102)
صفحة 103
الوصية الثامنة: الأمر بالعدل
فذكر الحديد وبأسه ومنافعه للناس بأزاء القيام بالعدل وفق شرع الله للإشارة إلى
مسؤولية السلطة كما تقدم.
د العدل في القرآن
لقد أحصى الدكتور الشرباصي تكرار كلمة «العدل» بمشتقاتها في القرآن الكريم بما يقرب من ثلاثين مرة وهو يتناول كثيرا من الأقوال والأفعال ومختلف التصرفات التي يمارسها المسلم في عبادة ربه، وفي حقوق نفسه، وحقوق أسرته، ومع مجتمعه وأمته، ومع الإنسانية جمعاء، بل حتى مع الكون والأحياء في المحافظة على البيئة والرفق بالحيوان.
ومع
هذا الحشد الكبير من النصوص التي تأمر بالعدل نجد النهي عن نقيضه من البغي والظلم، وكيف أن الله تعالى أهلك القرون من قبلنا لما ظلموا، وأنه تعالى بالمرصاد للذين ظلموا، وإن بدا لهم أنهم في منعة وقوة فقال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} (إبراهيم: 42).
وأجمع آية في القرآن تعرّضت للعدل ونقيضه هي قوله تعالى في سورة النحل: إِنَّ الله يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (90). (1/103)
صفحة 104
[صفحة فارغة] (1/104)
صفحة 105
الوصية التاسعة الوفاء بعهد الله (1/105)
صفحة 106
[صفحة فارغة] (1/106)
صفحة 107
أ- النص
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الأنعام: 152).
ب- التحقيق اللغوي
العهد: عرفه صاحب المنار بقوله: (العهد ما تلتزم الوفاء به لغيرك. فإذا. اتفق اثنان على أن يقوم كل منهما للآخر بشيء مقابلة ومجازاة يقال: إنهما تعاهدا. أَوْفُواً: إيفاء من فعل وفى، يفي، وفاء. وتدل المادة لغويا على الإتمام والإكمال للشيء، وأما خلقيا فقالوا: الوفاء هو ملازمة طريق المؤاساة، والمحافظة
على عهود الخلطاء.
ج- البيان والتفسير
الله
جاءت الوصية التاسعة بعد أمر الله تعالى لنا بالعدل في الأقوال والأفعال، فهو يأمرنا أن نوفّي بعهده، وأضيف إلى اسم الجلالة، وهو يقتضي كل عهد فيه معنى الانتساب إلى الله، والله مع عباده عهود كثيرة ورد ذكرها في القرآن الكريم، منها به إلينا، ومنها ما عاهدناه نحن عليه ويندرج فيه أيضا الوفاء بكل العهود التي تنعقد بين الناس في تدبير شؤونهم وفي معاملتهم الخاصة والعامة، والتي أمر الله تعالى بالمحافظة عليها والوفاء بها في قوله: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ} (المائدة: 1).
ما عهد
والوفاء بعهد الله هو أساس كل الفضائل التي أمر الله بها في القرآن، وضدّه الخيانة، وقد ندّد الله بها المتصفين بها من محبته فقال جل من قائل: وحرم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَخُونُوا الله وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}
(الأنفال: 27).
107 (1/107)
صفحة 108
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
عَلَى
وقال في قصة امرأة العزيز مع يوسف: ذَالِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمَ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ الله لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} (52). وقال في نقض عهود الصلح: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَانبِذِ إِلَيْهِمْ سَوَاءٍ إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: 58). ومن الفضائل التي يتمادح بها العرب في جاهليتهم الوفاء، ويعتبرون الغدر والخيانة خساسة لا يتصف بها الكرماء الأحرار. وقد تأكد الأمر بالوفاء في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة مما يدلّ على الأهمية البالغة التي أولتها الشريعة الغراء لهذه الصفة الخلقية الكريمة، إذ هي من صفات الخالق يتصف بها المصطفون الأخيار من الأنبياء والرسل والأولياء والصلحاء، فقال
جل من قائل: فَأَمَّا الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمُ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم
مِّن فَضْلِهِ} (النساء: 173).
كما وصف إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بالوفاء فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى (النجم: 37).
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِينًا}
(مريم: 54).
د نصوص من الكتاب في الوفاء بالعهد
بالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} (الإسراء: 34).
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ علَيْكُمْ كَفيلاً إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (النحل: 91).
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (البقرة:40). وَمَنَ أَوْفَى بمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَنُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح: 10). نلاحظ في هذه النصوص أن الله تعالى يركز على هذه الفضيلة الخلقية «الوفاء بالعهد» تارة بإضافتها إلى لفظ الجلالة، وتارة تأتي مطلقة كما في سورة الإسراء: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً، ويعد المتصفين بها بالجزاء الأوفى، سيما وأن أغلب التعهدات بين النّاس يتم توثيقها وتوكيدها بالإيمان بالله، وحتى
العرب في جاهليتهم كانت مواثيقهم وعهودهم تؤسس على ذلك.
108 (1/108)
صفحة 109
الوصية التاسعة: الوفاء بعهد الله
وللإمام ابن عاشور ملحظ دقيق في التعقيب على هذه الأوامر بقوله تعالى: ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، قال: «وجاء مع هذه الوصية بقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ لأن هذه المطالب الأربعة عرف بين العرب أنها محامد، فالأمر بها والتحريض عليها تذكير بما عرفوه في شأنها ولكنهم تناسوه بغلبة الهوى وغشاوة الشرك على قلوبهم» 78.
أ
هـ- أنواع العهود
العهود أنواع كثيرة تعرّض القرآن الكريم للكثير منها، منها عهود أخذها الله تعالى على أنواع من خلقه، ومنها عهود يأخذها النّاس بعضهم على بعض. الله. على خلقه عهود منها العهد العام الذي أخذه الله على البشر في عالم الذر أي في أصلاب الآباء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وأن يحذروا من الشيطان لأنه عدوّهم المبين فقال جل من قائل في سورة الأعراف: {وَإِذَ أَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي عَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (172). وقال في سورة يس: أَلَمَ أَعْهَدِ إِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنَّ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} (60 - 61). وبأزاء هذا العهد العام إلى بني آدم كلهم نجد العهود الخاصة بصفوة خلق الأنبياء والرسل، على اعتبارهم أنهم القدوة والدعاة إلى الخير والصلاح، وأنهم بناة لصرح واحد أساسه توحيد الله وأركانه شرائع الله، فهم متعاونون متكاملون: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَلاً يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّتُم بَعْدَ الرُّسُلِ (النساء: 165). يقول تعالى في سورة آل عمران: {وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيمِينَ لَمَا وَآتَيْنَاكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لَا مَعَكُمْ لَتُومِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} (81). وقال في سورة الأحزاب: {وَإِذَ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيئِينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا، لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينُ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} (7 - 8).
الله
من
78. محمد الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير: 8/ 170.
109 (1/109)
صفحة 110
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
والعلماء هم ورثة الأنبياء لما حباهم الله به من العلم والحكمة، فهم الذين يتابعون مسيرة الرسل في الدعوة إلى الله، وفي التذكير والنصح والإرشاد، وقد ميثاقهم أن يبينوا للناس أحكام شرائعه وإرشاداته، ولعن الكاتمين منهم
أخذ
الله
خوفا من الناس، أو المتلاعبين بآيات الله طمعا في حظوة أو مال، فقال جلّ من قائل في سورة آل عمران: {وَإِذَ اَخَذَ الله مِيثَاقَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِيسَ مَا يَشْتَرُونَ} (187). وقال في سورة البقرة: إِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنم بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أَوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (159). ب عهود الناس بعضهم لبعض
هي كثيرة ومتنوعة، وهي تتجدّد وتأخذ صورا مختلفة في وسائل التوثيق، تعارف عليها الناس في علاقاتهم ومعاملاتهم، والشريعة الغراء ترسم الإطار الذي
يلتزم الناس بالوفاء به فيقول المولى تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة: 1). ويقول الرسول: المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حلّ حراما 79. فكل تعهد يتم في إطار قضاء المصالح وتبادل المنافع، وهو لا يتصادم مع الشرع الحنيف، فهو ملزم يجب الوفاء به في المجتمع المسلم، وحتى المعاهدات مع الأعداء يجب الوفاء بها ما لم تبدر منهم خيانة، يقول تعالى: ولا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحة: 8).
الله
ويشهد التاريخ بصور مشرقة في الوفاء بالعهد لدى المسلمين، كان رسول الله الله النموذج الأعلى في ذلك فهم المفلحون الصادقون الذين وصفهم بقوله: {وَالذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} (المؤمنون: 8). وأقدس عهد وأوثقه بعد عهد الله، وميثاقه هو عقد الزوجية، وما رتبت عليه الشريعة من حقوق لكلا الزوجين؛ ولأنه يؤسس على فرض الله وسنة رسوله، سمّاه الله تعالى ميثاقا غليظا في سورة النساء، إذ قال تعالى: {وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدَ أَفْضَى
79. رواه الترمذي من حديث عوف المزني، كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله له في الصلح بين المسلمين رقم 1352، وقال: حسن صحيح.
110 (1/110)
صفحة 111
الوصية التاسعة: الوفاء بعهد الله
بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضِ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (21). وقال رسول الله: «استوصوا
بالنساء خيرا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله) 80 فهذا الرباط المقدّس قد أحاطته الشريعة الغراء بأنواع من الحواجز والسياجات للمحافظة على بقائه واستمراره بل وأتاحت للزوجين فرض تجديده إذا ما انفصم للمرة الأولى والثانية حسبما هو مفصل في أحكام النكاح والطلاق، تدعيما لأركان الأسرة المسلمة وتوفيرا لأسباب السعادة والهناء؛ لأنه لا صلاح للمجتمع المسلم إلا
بصلاح الأسرة.
80. رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله، كتاب الحج، باب حجة النبي يا الله، رقم 3009.
111 (1/111)
صفحة 112
[صفحة فارغة] (1/112)
صفحة 113
الوصية العاشرة
إتباع صراط الله (1/113)
صفحة 114
[صفحة فارغة] (1/114)
صفحة 115
أ- النص
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَالِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153).
ب- التحقيق اللغوي
الله
الصراط: الطريق الجادّة الواسعة، وقد عبر القرآن عنها بـ «السبيل» قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} (يوسف: 108). المستقيم: أي لا التواء فيه ولا اعوجاج، وإضافته إلى الله يراد به دين الإسلام، ومقابله الصراط»، وهو مفرد بجمع. (السبل»: يقدر لها صفة نقيضة لـ «مستقيم»، أي سبل متفرقة، ويقال عنها: بنيّات الطّريق.
ج- البيان والتفسير
انتهينا بعون الله إلى الوصية العاشرة وهي الوصية الجامعة العامة المتضمنة
الجميع أحكام الله في دينه الحنيف، الذي يتميز بوضوحه واستقامة منهجه، لا تضل فيه العقول ولا تلتبس به الأهواء والجملة معطوفة، وعلى قراءة الفتح لهمزة: أن يكون في تقدير بعض اللغويين معطوفا على قوله تعالى: واتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم} (الأنعام: 151). فتكون: أَنَّ ومعمولاها في محل نصب، والتقدير: أتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما. والإشارة في قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا إلى دين الإسلام، وقد تعرضت سورة الأنعام إلى كثير من أحكامه وتشريعاته التي تتخللها المواعظ والإرشادات، وتشبيه الإسلام بالطريق المستقيم
115 (1/115)
صفحة 116
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
الذي لا التواء فيه ولا انحراف هو تشبيه لشيء معنوي بشيء محسوس مشاهد ذلك لأن أحكام الدين واضحة جلية في أصوله وفروعه، وأن الله تعالى أكمل دينه بالتمام وبيّنه الرسول أتم بيان وقال له: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها»، ويؤيّد المقصود من الصّراط المستقيم بأنه دين الإسلام قوله تعالى في الآيات اللاحقة: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قَيِّمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: 161).
والسير على الطريق المستقيم مضمون الغاية في الوصول إلى المقصد المنشود بدون تعب ولا مشقة وهو مأمون السير، لا خطر فيه من أخاديد أو فجوات، ولا خوف فيه من تحرّشات أو مضايقات؛ ذلك لأن مخططه ومعبده هو الله العليم الخبير، يعلم ما يصلح بعباده لخير معاشهم ومعادهم، بكل ما يشتمل عليه من أصول العقائد، وفروع العبادات وأحكام المعاملات ومن الأخلاق والآداب، لحمته الحق الذي لا تتعدّد فيه المناهج، وسداه العدل الإلهي الذي قامت عليه السماوات والأرض.
يقول الإمام شلتوت: «وفي التعبير عنه بضمير الواحد: صِرَاطِي والتعبير عما سواه بالجمع: السُّبُلَ إيحاء إلى أن الحق واحد لا تعدّد فيه، أما الباطل فذو صور شتى وأنحاء متعددة، فالحق منبعه الواقع، ومصدره الله، والباطل منابعه النفوس ومصادره الأهواء والشهوات». 82 وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ: إنها سبل الباطل المتشعبة، وتسمّى «بنيات الطريق»، يتيه سالكها في التواءاتها، ثم هي سبب التفرق، نهى الله عن اتباعها وحذر المسلمين مما أصاب الذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات. ولكن الواقع المرير الذي عاشه المسلمون بعد الفتنة الكبرى وبروز المذاهب والتعصب لها جعلهم شيعا كل حزب بما لديهم فرحون حتى أصبحوا نهبا للأعداء، وتحققت فيهم (الغثائية) التى تنبأ بها رسول الله، ولو أنهم امتثلوا أمر الله في هذه الآية الكريمة لمكن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ولبدلهم من
81. رواه أحمد في المسند من حديث العرباض بن سارية رقم 17182: 126/ 4
82. محمود شلتوت، تفسير القرآن: ص 445.
116 (1/116)
صفحة 117
الوصية العاشرة: إتباع صراط الله
بعد خوفهم أمنا، وكفى من تحذير الله ما جاء في أواخر السورة: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمُ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (الأنعام: 159). فكيف يلاقي ربه من ضل وغوى، ولم ينه النفس
عن الهوى؟.
ولا تتأتى الاستقامة على الصراط السوي، ما لم يطرح المؤمن مراعاة الخلق في ما بينه وبين الله، فيكون حنيفا لله مخلصا في توجهه وعبادته، لا تؤثر فيه تصرفات الخلق إن هم ضلوا وانحرفوا، مقتديا برسول الله، وقد أرشده ربه إلى تجسيد هذا المستوى الرفيع في منازل القربى عند الله، حين يعلن: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي
للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162 - 163). كما حذره تحذيرا صارما، كان يقول عنه كلما ذكره: «شيبتني هود وأخواتها». في قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنَ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (هود: 112 - 113).
فإذا كان رسول الله وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يشفق لهذا التحذير حتى يشيب، فما لنا نحن وهمتنا لا تقوى على الصعود إلى هذه القمة السامية؟. إلا أن يتداركنا المولى برحماته، ويوفقنا إلى طاعته وحسن عبادته، فاللهم ارحم ضعفنا وارحم تضرعنا، ولا تحرمنا لقلة شكرنا، اللهم اجعلنا من المتقين الذين يتبعون وصاياك ويستشرفون رضاك والجنة.
د الصراط المستقيم في القرآن والسنة ورد ذكر الصراط المستقيم فى القرآن كثيرا بالمعنى السابق مضافا إلى الله تارة، ومطلقا أو مضافا إلى الذين اتبعوه والتزموه ويرد شهادة من الله لرسوله بأن دعوته
تهدي إليه، وسيرته تجسيد لذلك، فقال جل من قائل زيادة على ما تقدم: أ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: 5 - 6).
83. رواه الترمذي من حديث ابن عباس كتاب تفسير القرآن باب تفسير سورة الواقعة، رقم 3297
وقال: حسن غريب.
117 (1/117)
صفحة 118
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
ب-
وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}
(الأنعام: 126).
ج وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ أَمْرنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإيمَانُ وَلَكن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمور} (الشورى:52 - 53). د فَاسْتَمْسِكْ بِالذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزخرف: 43 - 44).
وقد شرح الرسول الصّراط المستقيم في الوصية العاشرة شرحا تصويريا بيده الشَّريفة، فيما رواه عبد الله بن مسعود قال: «خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما. ثم خط خطوطا عن يمين هذا الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه. ثم قرأ الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}
(الأنعام: 153) 84
هـ وعن النواس بن سمعان مرفوعا: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعن جنبي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصّراط داع يقول: أيها النّاس هلم ادخلوا الصّراط المستقيم جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من الأبواب قال له: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتتحة محارم الله، وذلك الدّاعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم».
هـ- وصية الرسول في شأن الوصايا العشر
لقد نوه رسول الله كثيرا بشأن الوصايا العشر في أحاديث كثيرة تدلّ على مدى قيمتها وشأنها عند الله يقول عنها الإمام شلتوت: (وبعد: فهذه الوصايا
84. رواه أحمد في المسند من حديث عبد الله بن مسعود، رقم 4142: 435/ 1. 85. رواه أحمد في المسند من حديث النواس بن سمعان رقم 17671: 182/ 4.
118 (1/118)
صفحة 119
الوصية العاشرة: إتباع صراط الله
العشر تضع أساس العقيدة في توحيد الله، وتبني الأسرة على أساس من الخلق الفاضل بالإحسان إلى الوالدين وتحفظ الاجتماع بحرمة الأنفس والأعراض والأموال والنظام العام، ثم تربط التقوى العامة المطلقة التي هي منبع كل خير، وسبيل كل فلاح بالتزام صراط الله المستقيم». 86
يقول عنها رسول الله: أ عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله له «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا: {قُل تَعَالَوْا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم إلى ثلاث آيات ثم قال: فمن وفّى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء آخذه وإن شاء
عفا عنه». 87
ب وقد تقدم أن عبد الله بن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: قُل تَعَالَوا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
والله أعلم.
86. محمود شلتوت، تفسير القرآن.
87. رواه الحاكم في المستدرك من حديث عبادة بن الصامت، رقم،3240، وقال: صحيح الإسناد ولم
يخرجاه: 348/ 2
119 (1/119)
صفحة 120
[صفحة فارغة] (1/120)
صفحة 121
وصية لقمان (1/121)
صفحة 122
[صفحة فارغة] (1/122)
صفحة 123
مدخل
إن وصية لقمان الحكيم لابنه تأخذ جزءا رئيسيا من سورة لقمان المكية والتي تعالج كغيرها من السور المكية قضايا العقيدة الإسلامية في أسسها الرئيسية من الإيمان بوحدانية الله والإيمان بالنبوءة والرسالة والإيمان باليوم الآخر.
وللسورة الكريمة خصائصها في التعبير والأسلوب، وإن تشابهت في موضوعها بالسور المكية.
ولقمان الحكيم وإن شرفه الله بذكر اسمه مرتين في هذه السورة الكريمة لم يزد في تعريفه عن إتيانه الحكمة من الله تعالى ثم عرض بعض الأحاديث من تلك الحكمة التي نصح بها ولده والراجح عند المحققين أنه عبد من عباد الله الصالحين، جعله نموذجا للصلاح والتقوى، ناشرا للخير مهتديا في ذات نفسه، وهاديا لغيره بدءا بولده وأقرب الناس إليه، والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أني وجدها.
وفي مقابل هذه الصورة الوضيئة للرجل الصالح الداعي للهدى والرشاد، يذكر الله تعالى قبل ذلك صورة قاتمة لصنف من الناس اللئام، ممن عاشوا للغواية والضلال بما ينشرونه من اللغو والباطل، وبما يشيعونه من السفه والأراجيف بين الناس فقال عز من قائل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيل اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (لقمان:6). ثم هو أزاء النصح والإرشاد والتذكير بآيات الله مستغلق القلب، أصم الأذنين، قد طوح به
123 (1/123)
صفحة 124
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
الكبر واستحوذ عليه العجب بنفسه فلا صواب إلا في ما يراه هو وإن كان جاهلا غبيا يقول تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ وَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذْنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (7).
وقد تعرّضت وصيّة لقمان إلى ما ورد في الوصية الأولى والثانية من الوصايا العشر بشيء من التفصيل واختصت بإرشادات أخرى تتصل بالسلوك المثالي للإنسان السوي.
فأفردت لها دروسا خاصة على منبر المسجد لتتكامل مع الوصايا العشر، كما يجدها القارئ الكريم في هذه الحلقة من سلسلة ما عنوناه (من أخلاق القرآن). راجيا من المولى الكريم أن يجد فيها الأخ المسلم ما ينير دربه على نهج الله ورسوله ويأخذ بيده إلى منازل القربي عند الله بواسع رحمته وفضله.
124 (1/124)
صفحة 125
أ- النص
وَلَقَدَ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنَّ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن
كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} (لقمان:12).
ب- التحقيق اللغوي وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ: - آتَيْنَا: الفاعل نون العظمة، أي المؤتي هو الله تعالى، وفعل «آتى» يتعدّى إلى مفعولين، والحكمة تأخذ مدلولا شاملا في علم الأخلاق وفي الفلسفة، من كل ما من شأنه أن يقوم سلوك الإنسان ويسدّد تفکيره، فوصف النّاس الفيلسوف بالحكيم، كما وصفوا بذلك الطبيب ووصفوا صاحب الرأي السديد بالحكيم، إلخ، ولكن الآية هنا تفسّر الحكمة التي آتاها الله لقمان بقوله تعالى: أَن اشكر لله، والشكر في المصطلح القرآني يعني الوفاء بحق الله في الطاعة والعبادة، فهو سلوك عملي لا مجرد النطق بالحمد والثناء لله. وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ: أي العبد الشكور لا ينفع إلا نفسه بما يعود عليه من نتائج السلوك النظيف. وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ حَمِيدٌ): أقام العلة مقام جواب الشرط ليبين أن الله غني عن عباده حميد في صفاته العلية.
ج- البيان والتفسير
بعد أن نكون قد استوعبنا بعون الله الإرشادات الربانية في الوصايا العشر، وقد أمر الله رسوله أن يتلوها علينا واحدة تلو أخرى، فنعيها ونتفاعل معها بمقتضى إيماننا بالله ورسوله؛ لأننا تلقيناها منه مباشرة على لسان رسوله، وربما يخطر ببالنا ونحن نتتبع وصية لقمان لابنه أن لا نعطي لهذه الوصية ما تستحقه من العناية
125 (1/125)
صفحة 126
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
والاهتمام؛ لأنّها وصية رجل عادي لولده كما يفعل أحدنا بأولاده عندما ينصحهم ويرشدهم، ولعل لهذه الملاحظة شيئا من المعقولية عند النظرة العجلاء، غير أن
هذه الخاطرة ستتلاشى وتنمحي إذا ما استصحبنا في تأملنا المعطيات الآتية: أ لم تعد وصية لقمان كلاما عاديا بعد ما تنزّل بها قرآن يتلى، والراوي له هو رب العزة، فأصبحت لهذه الوصية قدسية القرآن وحقيته.
ب شهد الله بإيتاء الحكمة للقمان وهو القائل: {وَمَنْ يُوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِي خَيْرًا كَثِيرًا} (البقرة: 269). وليس ذلك مخوّلا لكل الناس، بل هو منة يهبها لمن يشاء من عباده، وهو القائل: يُوتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ
من
الله
(البقرة: 269).
ج- إن لم يرق لقمان إلى درجة الأنبياء كما هو الأرجح فهو في عمله التربوي في تلقين تلك الحكمة إلى ولده يقوم بمهمة الأنبياء والرسل في التبليغ والإرشاد، أو لم يقل الله في شأن رسوله: هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ عَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي
ضَلالٍ مُّبِينٍ} (الجمعة: 2).
وقال أمير الشعراء في هذا المعنى:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا أرأيت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسنا وعقولا
فلا غضاضة إذن للمؤمن أن ينتفع بكل كلام صادق مفيد مما يتداوله الناس من كلام البلغاء، والحكماء والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أني وجدها. وتعد الآية الكريمة مقدّمة مناسبة لخصت الحكمة التي آتاها الله لقمان في قوله تعالى: أَنَّ اشْكُرْ الله. والشكر بمعناه الاصطلاحي في القرآن يأتي بمعنى الإيمان الخالص لله والعبادة له، معتقدا صحيحا وسلوكا عمليا نرجو به ما عند الله، وضدّه الكفر بنعم الله، قال تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَتَكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (إبراهيم: 7).
126 (1/126)
صفحة 127
وصية لقمان
فحكمة لقمان ليست أقوالا فلسفية مجردة، بل هي ذلك الوازع الإيماني القوي الذي هداه إلى نور الله، وهيأه لعبادة ربه وطلب رضاه، فكان بذلك جديرا أن يعظ ولده بعد أن جعل له من نفسه القدوة الصالحة والأب المثالي الشفوق، امتثالا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم:6). وكل ما يقوم به العبد من الشكر لنعمة الله عليه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فإن نتيجة ذلك من الخير والنفع والصلاح لا تعود إلا إليه؛ لأنه تعالى غني عن عباده فلا تنفعه طاعتهم كما لا تضره معصيتهم. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} (الذاريات: 56 - 57). وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحميد) (فاطر:15). فالغنى والحمد صفتان ذاتيان لله تعالى لا يحتاج إلى شكر الشاكرين ولا حمد الحامدين بل له المنّة والفضل علينا بنعمة الإيجاد والخلق قبل أن يكون لنا شأن في هذه الحياة حتى نشكر أو نكفر. ولا شك أن لقمان كان بشهادة الله من أولئك الشاكرين لنعمة ربه، فبوأه تلك المنزلة بين الحكماء ممن يرجى نصحهم ويخلد ذكرهم.
في المعتقد: حق الله وحق الوالدين
أ- النص
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنَّ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ آنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (13 - 16).
127 (1/127)
صفحة 128
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
ب- التحقيق اللغوي
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ}: «إذ» ظرف للزمان الماضي، متعلق بمحذوف تقديره: «اذكر»، {وَهُوَ يَعِظُهُ: جملة حالية، والوعظ هو تقديم النصح والإرشاد لغيرك، وجيء بالمضارع: يَعِظُهُ للدلالة على التجديد والدوام. {يَا بُنَي لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ: بَنَي: تصغير لكلمة «ابن»، ويستعمل التصغير للدّلالة على الحبّ، كما يكون للتقليل والتحقير، وإنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}: تعليل للنهي عن الشرك، وهو اتخاذ الشريك الله بعبادة غيره أو التوسط به وقد يطلق عليه في القرآن بـ «الكفر»، والظلم لغويا: يأتي بمعنى التغطية والستر كالكفر، وقد استعمله القرآن في معنى أشمل لارتكاب المعاصي والتعدي على حدود الله، وأعظمها اتخاذ الشريك لله تعالى. حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ: الوهن: هو الضعف، والنعت والتعبير: وهنا على وهن يشير إلى تعب الأم المتزايد كلما تقدم بها الحمل، وَفِصَالُهُ: بمعنى إرضاع الأم لولدها لمدة عامين، {أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير: هذا هو مضمون الوصية الأولى، فا أن» تفسيرية، وقد تقدم معنى الشكر، واقترن هنا شكر الله بشكر الوالدين، ولكن شكر الله مقدّم عليه؛ لأنه الخالق المنعم على كلّ من الولد والوالدين، والتذكير بالرجوع إلى الله فيه إنذار لمن يعق والديه بما ينتظره من الحساب العسير. {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن مَا لَيْسَ لَكَ تُشْرِكَ بِي به عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا: المجاهدة في الأمر تكون بالإلزام والجبر. فلا تطعهما: تفيد استمرار النهي. وبما أن العلم بكنه الذات العلية يستحيل، فأي شريك يتخذه له النّاس فهو عمل بغير علم. وَصَاحِبُهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا: المصاحبة بالمعروف للوالدين يعني إدامة الإحسان لهما واحترام قدرهما. وقوله تعالى: {فِي الدُّنْيَا: تفيد مدة حياتهما. وَاتَّبِعْ سَبِيلَ {مَنَ آنَابَ إِلَيَّ: أي سبيل المؤمنين الصالحين المتعلقين بالله الثابتين على صراطه المستقيم. مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ: بمعنى بمقدار حبة الخردل، ويضرب بها المثل في الصغر.
128 (1/128)
صفحة 129
وصية لقمان
ج- البيان والتفسير
وصية لقمان لابنه تقدّم لنا نموذجا رائعا لما يجب أن تقوم عليه الأسرة المسلمة الطيبة من المودة والتكافل والتعاون سيما في القيام بأداة الحقوق المتبادلة بين جميع أفرادها من قمة هرمها المتمثلة في الوالدين إلى قاعدتها في الأولاد ومن دونهم من ذوي القربي.
ولئن بيّنا بتفصيل تلك الحقوق في الوصايا العشر، فإن في وصية لقمان بعض الزيادات الأخرى لابد من توضيحها وبيانها والقرآن يفسر بعضه بعضا كما يقول العلماء.
لأنعم
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}: لقد عرفنا لقمان مكرّمًا من الله بما آتاه من الحكمة، وعرفناه شاكرا الله بإيمانه وتقواه وعمله بما يرضي الله، والأخيار من عباد الله لا يحتكرون الخير والصلاح لأنفسهم، بل هم يعملون بجد وإخلاص لنشر الخير ونصرة الحق في عباد الله، وأولى النّاس بذلك هم أهلوهم وذووهم، اتباعا لما أمر الله به رسوله في أول دعوته بمكة إذ قال له تعالى:
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214).
- لتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (الشورى: 7).
وبعد أن يكون الواعظ الناصح مثالا يُقتدى به في أخلاقه وسلوكه، فإن وسيلته التعليمية لغيره لابد أن تعتمد على النطق باللسان لتقديم النصائح والإرشادات بما يتناسب مع مستوى المخاطبين، ولقمان إذ يمارس هذه المهمة مع ولده نجده مداومًا لها مستمرًا عليها حتى تتمكن وتتركز في النّفس، وذلك ما تفيده صيغة المضارع في قوله تعالى: {وَهُوَ يَعِظُهُ} ثم نجده ينادي ولده برفق ولطف: يَا بُنَي ليجذب انتباهه إلى ما يلقيه عليه من النصائح مستشيرا في نفسه مشاعر البنوّة اللطيفة ليكون ذلك أدعى للطاعة والامتثال. وبما أن بناء النفس المؤمنة بكل ما تتطلبه من الأخلاق والسجايا إنما ترتكز على أساس المعتقد الصحيح في المعبود الحق وهو الله تعالى، فقد بدأ لقمان بتركيز ذلك الأساس أوّلا، فنهى ولده عن الشرك بالله، وذلك هو منطلق الدعوات لجميع
129 (1/129)
صفحة 130
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
رسل
الله. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25).
ولم يقتصر لقمان على النهي المجرّد، بل أعقبه بالتعليل ليكون لكلامه كالدليل فقال: إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، استعمل المؤكدات «إن» و «اللام»، وَوَصَفَ الظلم بـ «عظيم»، وليس في ذلك ما يدلّ على أن الابن كان مشركا كما ذهب إليه بعض المفسرين؛ لأن الوعظ لا يقتصر بالضرورة على المشركين والكفّار، بل هو مطلوب لكلّ إنسان ولو كان مؤمنا؛ لأنّ الإنسان من طبعه الغفلة والنسيان. أو لم يأمر الله تعالى رسوله بقوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (الذاريات: 55). وقد يقتضي تذكير الناس أو الغافل أن يؤكد له الكلام ببعض المؤكدات ليستوعب ما يلقى إليه.
وكون الشرك ظلما عظيما؛ لأنه افتئات على الحق الذي قامت به السماوات والأرض، وظلم للنفس البشرية إذ أخذ الله عليها الميثاق أن لا تعبد إلا إياه، ويكفي في تصوير شقاء النفس المشركة قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخَطَّفَهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} (الحج: 31)، فإذا كان الإنسان بالشرك ظالما لنفسه فهو لما سواه أظلم.
ولتركيز هذا المبدأ الأساسي في العقيدة إيمانا بوحدانية الله تعالى، وقبل أن يدعمها لقمان بما يصوّر علم الله وقدرته بقوله في ما بعد: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ
إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبيرٌ، قبل ذلك تأتي هذه الجملة المعترضة في بيان حق الوالد فقال: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. فالموصى هو الله، با نون العظمة وتضعيف الفعل) وصى»، والوصية هي أمر أحد بما يصلح له ونهيه مما يضره، والله لا يوصي عباده إلا بما يصلح شؤونهم في المعاش والمعاد، وبما أنّ الوصيّة بشخص ما تعني الاهتمام به، فقد استغنى عن
)
130 (1/130)
صفحة 131
وصية لقمان
ذلك
قوله هنا «حسنا». وقبل التنصيص على تلك الوصية بقوله تعالى: {أَنَّ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ تجيء هذه الجملة المعترضة بقوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ. تجيء لتقرر مضاعفة حق الأم على الولد لما عانته في حمله ثم في إرضاعه حتى الفطام، فبعد شمول الوصية بالشكر لهما معا ذكر الله اسم الأم وبيّن سبب استحقاقها لذلك الشكر من الولد، وفصل موجباته بما تتعرض له الأم من الوهن المتراكب على بعضه البعض منذ أن يتخلق الجنين في رحمها حتى يولد، ثم يستمر ذلك التعب في إرضاع الولد حتى فطامه بعد عامين، وقد فصلنا القول في ذلك عند تفسيرنا للوصايا العشر وسقنا الأحاديث الصحيحة التي تضاعف حق الأم على حق الأب بثلاث مرات. ولا يعني إهمالا لحق الأب، بل هو للتأكيد على مراعاة حق الأم التي قد يستضعف جانبها بعض الأولاد لما تمتاز به من رقة وحنان. ويبدأ نص الوصية بالشكر لله أولاً، ويثني بالوالدين؛ لأن حق الله له الأولية والأسبقية على كل حق، إذ هو الخالق للوالدين والولد، وهو المنعم عليهم جميعا، فكان من مقتضيات الإيمان ومن أخلاقيات المسلم أن تصل كل أعمال البر بالآخرين عن طريق الله وفاء بالميثاق الذي يصل العبد بربه، ولذلك جاء هذا التذييل المناسب بقوله تعالى: إِلَيَّ الْمَصِيرُ. فما دامت نهايتنا إليه كما كانت بدايتنا منه، فينبغي أن تمر مراحل حياتنا في الطريق الذي رسمه لنا حتى نحقق ما أمر به رسوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمينَ) (الأنعام: 162 - 163). ثم قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.
مهما تكرر في القرآن الأمر بالإحسان إلى الوالدين، فقد تتعارض طاعتهما مع طاعة الله باختيارهما للكفر والشرك، أو بقاء أحدهما عليه كما حدث لبعض الصحابة -رضوان الله عليهم في مكة، ففي هذه الحالة تؤكد هذه الآية ما أوحت به الآية السابقة، من أنّ حق الله تعالى مقدّم على كلّ حق، فعلى الولد المؤمن أن
131 (1/131)
صفحة 132
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
يعصي والديه إذا أمراه بمعصية الله أو استقصيا جهدهما في حمل ولدهما على الشرك بالله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
غير أن الظروف المكية القاسية التي كان يعيشها المسلمون اقتضت هذا الإرشاد الإلهي بمصاحبة الولد المؤمن لوالديه الكافرين، بالمعروف، أي بأن يعاشرهما بالحسنى وبالإنفاق عليهما وخدمتهما. وقوله تعالى: في الدُّنْيَا، لتغطية المدة التي تستمر عليها تلك الحالة حتى تتغير في يوم من الأيام. وللأستاذ محمد قطب ملحظ دقيق في المقارنة بين هذه الآية والتي سبقتها في سورة العنكبوت إذ قال: «ويلفت نظرنا أن الأمر المشابه لذلك والوارد في الآيات الأولى من سورة العنكبوت وهي آيات مدنية في سورة مكية لم تأمر في المدينة بهذه المصاحبة: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (العنكبوت:8)، فالأمر بالمصاحبة بالمعروف كان في المجتمع المكي الذي لم ينفصل فيه المسلمون انفصالا حسّيا إنما كانت مفاصلة شعورية فحسب، أمّا في المدينة فقد انفصل المجتمع المسلم انفصالا كاملا وصار له تميزه الحسي والمعنوي 88.
قلت: ويؤيد ذلك ما جاء في سورة المجادلة، وهي مدنية، في قوله تعالى: {لاً تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوَ أَبْنَاءَهُم أَوِ اخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أَوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة: 22). ثم قال تعالى في إرشاد الولد: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ آنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. لم يقتصر الإرشاد الإلهي للولد على الأمر السلبي بنهيه عن طاعة الوالدين الأمرين له بالشرك، بل أكمل إرشاده بأمره أن يتبع سبيل المنيبين إلى
88. محمد قطب دراسات قرآنية: ص 201.
الله، وهم
132 (1/132)
صفحة 133
وصية لقمان
الرسول وأصحابه وكل الصلحاء والأتقياء في كل زمان ومكان، إذ الكل راجع إلى الله ليجازى بما عمل، وفي الرّجعى إلى الله تثبيت على الطريق السوي، وتطمين لأولئك الصابرين على نهج الله بالنصر والتأييد. ثم تأتي الوصية الثانية للقمان بقوله لولده: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَاتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ.
إنباء الله لكل مخلوق بما عمل في حساب يوم القيامة يطرح في النفس ذلك التساؤل عن سعة علم الله وإحاطته الكاملة، كيف تغطي كل ما في الوجود حتى تستوعب كل أعمالنا صغيرها وكبيرها؟. فتجيء هذه الوصية الثانية ضمن تركيز المعتقد الصحيح في الله وعلمه وقدرته تجيء في تصوير عجيب يلامس شغاف القلوب ويهز مشاعر الوجدان، وهو يعرض تلك الرقعة الهائلة من الكون الفسيح في الأرض وفي السّماوات، ثم في أصلد مادة من الأرض المتمثلة في الصخرة الصماء، ومع تعجبنا وذهولنا أمام سعة ذلك الظرف الزماني والمكاني وضخامته، وقد ارتد بصرنا أمامه خاسئا وهو حسير، فإن عجبنا يكون أعظم في تقدير ذلك المظروف الدقيق المتمثل في مثقال حبة من خردل، يختبئ في أطباق الصخرة الصماء، أو في جنبات الأرض الممتدة، أو هو يحلق في فضاء السماوات على تعدّد أطباقها، فإن ذلك الجزء الضّئيل لا يند عن علم الله ليأتي به في يوم الحساب، فهل هناك في خيالنا المحدود وفي تصوّرنا الباهت أروع من
هذا التصوير؟. فلو كان الناس في وقت التنزيل يعرفون شيئا أدقّ من حبّة الخردل لضرب الله مثلا به لواسع علمه وشمول قدرته ولله المثل الأعلى في إعجاز كتابه حين ضرب مثلا لذلك بما هو أصغر من الذرة، وهو يعلم أنّ الكشوفات العلمية سوف تصل إلى معرفة الذرة وتفجيرها بتفتيت جزئياتها التركيبية، فقال جل من قائل: {وَمَا يَعْرُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مُثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَالِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (يونس: 61).
133 (1/133)
صفحة 134
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ: إنه التذييل المناسب في مثل هذا المقام، وهو نفس التذييل الذي نجده في سورة الملك لبيان إحاطة علم الله بكل ما نعمله أو نقوله في السر والعلانية، فقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيهُم بِذَاتِ الصُّدُور، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ} (الملك: 13 - 14)، فالله لطيف لا ندركه بأبصارنا، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد.
والروح في أجسامنا - وهو النفخة العلوية منه تعالى والتي تدب بها الحياة في ذواتنا، يصوّر الله خروجها من الجسم عند الاحتضار، فيقول في سورة الواقعة: فَلَوْلاً إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكن لا
تُبْصِرُونَ} (الواقعة: 83 - 85). وهو ما يفسر هنا معنى اللطيف الخبير.: وإذا ما تركزت في نفوسنا دلائل هذا المعتقد الصحيح في ربنا تبارك وتعالى، فلا شك أننا سوف نراقبه في تصرفاتنا ونلتزم بالأحكام التي شرعها لنا، حتى نكون من الذين يتمنون لقاءه.
في السلوك وأخلاقيات المسلم
- في السلوك العملي
أ- النص
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَآمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ
ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان: 17).
ب- التحقيق اللغوي
أقم الصلاة: إقام الصلاة يتم بتوفية جميع شروطها وأركانها ومراعاة آدابها كما بينها رسول الله. المَعْرُوفِ: هو ما تتعارف عليه الناس من أمور الخير والصلاح واستحسنته الفطر السليمة. إِنَّ ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ: أي الأمور التي تقوي عزيمة الإنسان، لتحقق عظائم الأمور.
ج- البيان والتفسير
إن الصلاة هي التجسيد العملي والتعبير الخالص لما وقر في قلب المؤمن من
134 (1/134)
صفحة 135
وصية لقمان
إشراقات لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأنّ القلب في المصطلح القرآني هو مستودع الأنوار الربانية، وهو جهاز التلقي الذي يصل العبد بالحضرة القدسية، فيمد الجوارح بطاقة الهداية لتنشط في العبادة وفق ما رتبته الشريعة في مختلف الفرائض، وهذا هو ما عبّر عنه الإمام البوصيري في همزيته إذ قال:
وإذا حلت الهداية قلبا
نشطت في العبادة الأعضاء
والصلاة وهي أولى الأركان العملية في البناء الإسلامي- قد خصص القرآن لها حشدا كبيرا من الآيات لتأمر المؤمنين بها بمختلف الصيغ التي تعرفها اللغة العربية، ولا تأتي إلا مقرونة بلفظ إقامتها، حتى يؤدّيها المؤمنون على الصورة الكاملة التي بينها الرسول لأصحابه وقال لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي 89. وقد لا نجد في القرآن تلك التفاصيل التي بينتها السنة المطهرة، ولكننا نجد التعرض البعض المقاصد الشرعية منها مثل قوله تعالى:
- وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
(العنكبوت: 45). - وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري) (طه: 14).
قَدَ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (الأعلى: 14 - 15)
وفي بيان بعض ميزاتها وكيف يتعامل المسلم معها طيلة حياته نجد القرآن يركز على ثلاثة دعائم يجب أن تقوم عليها الصلاة حتى تتفاعل معها روح المسلم فيزداد بها قربا وصحبة عند الله، وهي:
الصحة
الديمومة: بحيث لا يتخلى المسلم عنها مهما تكن أحواله في والمرض، وفي الأمن والخوف، وفي الحضر والسفر، إلخ، يصليها كما أمكن له، كما هو مفصل في كتب الفقه، وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} (المعارج: 19 - 23).
89. رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، كتاب الآذان، باب الآذان للمسافر، رقم 605.
135 (1/135)
صفحة 136
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
المحافظة عليها: أي مع الدوام عليها يجب المحافظة على أدائها على الوجه الأكمل كما أمر الله به ورسوله؛ لأنه لا اجتهاد لأحد في أمور العبادة، بل الطاعة الحقة تتمثل في تنفيذ أوامر الله واجتناب نواهيه، وهو القائل: {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعَ أَهْوَاءَهُمْ} (الشَّورى: 15)، قال تعالى في شأن المحافظة على الصلاة: وَالذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (المؤمنون:9)، وقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة: 238).
الخشوع فيها: والخشوع هو روح الصلاة وقوامه أن يستجمع العبد همته وأن يتوجه بقلبه إلى الله مستحضرا عظمته وجلاله ومعظما للمقام وهو بين يديه يركع ويسجد. ولأن قلبه هو محلّ نظر الرّبّ، ويستعين بذلك بتتبع الأعمال التي يقوم بها، والتدبّر في الأقوال التي ينطق بها، ويقوم بذلك جهد المستطاع، إذ يصعب على أكثر النّاس استحضار أذهانهم واستجماع همتهم في فترة الصلاة كلها، فلا أقلّ للمرء المصلّي من استحضار ذهنه في تكبيرة الإحرام كما يقول العلماء، ولا يتأتى ذلك إلا بعد قراءة عبارات التوجيه وانتصاب القامة في مقام الصلاة وتركيز النظر على مكان السجود، ومع ذلك يقول العلماء: ليس لك من
صلاتك إلا ما عقلت.
وهنا يكون الفضل لصلاة الجماعة كما تمتاز به من عوامل التجميع للمؤمنين وحق بركة الترشيد والإيحاء والمحاكاة حتى قيل بأنّ القبول مضمون عند الله بمجرد القبول على واحد من المصلين والله تعالى أكرم من أن يردّ الجماعة كلها خائبة وهو يشهد بالفلاح للمؤمنين الخاشعين إذ قال: {قَدَ أَفْلَحَ الْمُومِنُونَ، الذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون: 2 - 1)، فإنّ الأب الحكيم «لقمان» أراد لولده أن ينشأ على طاعة الله بتوثيق صلته بربه في أدائه لفريضة الصلاة؛ لأنه بأدائه لحق الله يوفقه تعالى إلى القيام بواجباته الأخرى وييسره لليسرى في حياته فلا يضلّ ولا يشقى، ولقمان في ذلك ينهج في تربيته نهج رسل الله في قيامهم بهذه الفريضة وأمرهم أهلهم بها، وهم قدوة الصالحين، قال تعالى لرسوله: - وَامْرَ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132).
وقال مادحا إسماعيل: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيعًا، وَكَانَ
يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) (مريم: 54 - 55).
136 (1/136)
صفحة 137
وصية لقمان
وقال في حق عيسى: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيَّا
(مريم: 31).
وهذا أبو الأنبياء إبراهيم بعد أن وفّر لذريته مقام العبادة والصلاة في البيت الحرام، توجّه إلى ربه يطلب لهم الرزق ليقيموا الصلاة فيه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكُنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلَ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم: 37). فنعم الولد الصالح للأب الصالح، يبقى بعده ذكرا صالحا يدعو له بالخير، ويكون له لسان صدق في الآخرين، ويجمعهم في رحمته وجنة نعيمه مع
الخالدين.
الله
وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياجان منيعان لحفظ المجتمع المسلم من الشّر والفساد، وهما كما جاء في الأثر: (جندان من جنود الله، من نصرهما نصره ره الله، ومن خذلهما فعليه لعنة الله».
فتنة
وهل أضرّ للمجتمعات وأشد فتكا لقيمها ومقومات حضارتها من الشياطين ودعاة الفسق والفجور؟، فإذا نامت أعين الأبرار وانخذل العلماء الأحرار وسكتت أفواه النّصاح والمرشدين فلا راد للمجرمين أن يجوسوا خلال الديار، ولا مناص للطهر والفضيلة من الانكماش والانحسار. وحينئذ لا يكتفي المسلم بسيرته الذاتية والعيش في برجه العاجي لا يكترث بما حوله ولا يهتم بالمحيط الذي يعيش فيه؛ لأن الحريق إذا شب في زاوية ولم يبادره الناس بالإطفاء، فسوف يأتي على الأخضر واليابس، والله تعالى يحذر المؤمنين من ذلك ويقول: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً (الأنفال: 25). وما أروع تصوير رسول الله الله للمجتمع المسلم براكبي السفينة، منهم في أعلاها ومنهم في أسفلها، فرأى هؤلاء أن يخرقوا في حوزتهم خرقا لسقي الماء حتى لا يمروا على من فوقهم فإن أخذوا بيدهم نجوا، وإن تركوهم
هلكوا كلهم.
137 (1/137)
صفحة 138
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
كذلك يفعل المنكر بالمجتمعات إذا سكت عنه ذوو الصلاح والتقوى، فإذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وذكر الله يعصم عن الدنايا والآثام، فإنّ من واجب التقي المصلّي أن يدعو غيره إلى المعروف وينهاه عن المنكر ليحافظ على صلاح المجتمع المسلم.
وذلك ما كان يقصده لقمان الحكيم من هذه الوصية الثالثة لابنه، ومن خلالها يدرك المسلم واجبه ازاء هذه الشعيرة الدينية الهامة، والتي جعلها الله تعالى ميزة للأمة المسلمة، ووسمها بالخيرية بين النّاس فقال جل من قائل: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران: 110). بل اعتبر الله ذلك عماد الولاية في المحبة والتناصر بين المؤمنين، وباعث للتعاون بينهم على البر والتقوى فقال: {وَالمُومِنُونَ وَالمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُوتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أَوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71). ويستفاد من وصية «لقمان» لابنه بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يميز النصّ ذلك الولد بصفة يختص بها من العلم أو الجاه أو أية منزلة اجتماعية، إذ لم يعطه إلا صفة البنوة: يَا بُنَي - مما يفيدنا أن هذا الواجب الديني مطالب به کل مسلم كفرض عين كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وبالوسائل الشرعية المتاحة لكل شخص وفق ما بينه رسول الله الله في قوله: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
والمجتمع المسلم اليوم هو أحوج ما يكون إلى تطبيق هذه الشعيرة على اعتبار فرضيتها العينية على كل فرد فيه؛ لأنّ ولاة الأمور فيه لا يلتزمون بالأحكام الشرعية كما أمر الله ورسوله بل يحتكمون إلى القوانين الوضعية، وإلى الدساتير التي يضعونها أو يعدلونها من حين لآخر، ولهذا يترجح قول من يرى من المفسرين أن (منكم) للتحديد لا للتبعيض في قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَن المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104).
90. رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخذري، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان،
رقم 186.
138 (1/138)
صفحة 139
وصية لقمان
ومهمة الأمر والنهي مدعاة للسخط والإنكار بل للأذى والإضرار من طرف أولئك الذين ركبوا أهواءهم واستهوتهم الشياطين فهم خصوم الداء لدعاة الفضيلة، يواجهونهم بالسوء ويتربصون بهم بالمكر والأذى، فليس للآمر الناهي إلا التذرع بالصبر. وما أكثر ما يتعرّض إليه المؤمن الملتزم من أنواع الإيذايات المادية والمعنوية وهو يعيش في جو موبوء بالشَّرِّ والفساد ويعايش صنوفا من الناس ليس لهم رادع من دين ولا وازع من سلطان، فتصبح على حال من قال فيهم رسول الله له:
سيأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر. فما أحوجه إلى تلك القناطير من الصبر ليثبت على صراط الله المستقيم، ولذلك جاءت وصية لقمان عامة شاملة: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ، أَي فِي امتثال ما أمرك الله به واجتناب ما نهاك عنه. وكل ذلك يحتاج إلى عزيمة وإرادة، لا .. يقوى عليها إلا من يسره الله لليسرى وأمده بالعون والتوفيق. فقوله: {إِنَّ ذَالِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ: تذييل مناسب في تركيز القيم الرفيعة.
في أخلاقيات المسلم
أ- النص
وَلَا تُصَاعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
(لقمان: 18 - 19).
ب- التحقيق اللغوي
وَلاَ تُصَاعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ: يقال: صاعر، وصعر خده: إذا أمال عنقه إلى
جانب، وهو مشتق من الصَّعَر بالتحريك، وهو داء يصيب البعير فيلوي عنه عنقه، وهو تمثيل لاحتقار الغير وَلاَ تمش فِي الأَرْضِ مَرَحًا: المرح هو فرط النشاط والزهو، أي مشية التبختر والاختيال. {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ: واقصد:
91. رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك كتاب الفتن رقم 2260.
139 (1/139)
صفحة 140
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
من القصد، وهو الوسط العدل بين الطرفين. {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ: العَضَ: هو النقص في قوة استعمال الشيء، يقال: غض بصره، إذا أخفضه ولم يحدّق.
و من» للتبعيض.
من
ج- البيان والتفسير
ما أنسب تذكير لقمان لابنه ببعض أخلاقيات المسلم في تعامله مع الناس؛ لأن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتطلب تلك الأخلاقيات من التواضع ولين الجانب في دعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، إذ كلهم معرّض للابتلاء، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا يشعرن الداعي في أمره ونهيه أنه فوق منزلة الناس الذين يتوجه إليهم بنصحه بحيث تبدو عليه أمارات الاستعلاء فيحتقر الناس لمجرد ما يبدر عنهم من بعض التجاوزات، بل يحمد الله تعالى أن عصمه تلك الآثام وجعله هاديا لغيره فلا يحتقر أحدا، بل يعتبر نفسه واحدا من أفراد ذلك المجتمع يستوي معهم في نعمة الإيمان والإسلام، وليجعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوته الحسنة في خفض الجناح ولين الجانب والعطف والرحمة. والنهي عن مصاعرة الخدّ في قوله: {وَلاَ تُصَاعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) هو كناية عن الاحتقار أيا كان شكله بالفعل الرّزيء أو القول البذيء، وفي معناه النهي عن التكبر والتفاخر؛ لأن المتكبّر من صفات الله الحسنى، وقد ورد في الحديث الصحيح: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني فيهما أدخلته ناري 92. وقال تعالى: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم (الجاثية: 36 - 37). وانتفاء محبة الله عن المختال الفخور يعني عدم الرضى بهذه الصفة الذميمة التي هي من صفات القلوب مما يطلق عليه العلماء (دباغ السوء»، وقد أشكل على بعض الصحابة إعطاء بعض الممارسات صفات الكبر مثل اتخاذ اللباس الجميل النظيف أو الحذاء اللامع، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة؟، قال: «إن الجمال، الكبر:
الله
جميل
92. رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، كتاب اللباس، ما جاء في الكبر، رقم 4092.
140 (1/140)
صفحة 141
وصية لقمان
بطر الحق وغمط الناس. والحق أحق أن يُتبع ومعاييره ثابتة في كل الشرائع والأعراف، لا تنحرف بها الأهواء، ولا تتشكل مع المصالح، وبالتالي لا يعرف الحق بالرجال كما يقولون كيفما كانوا في حظوظهم الدنيوية أو منازلهم الاجتماعية، بل معادن الرجال تعرف بمعايير الحق وثوابته، ومتى تحققت فيهم تلك المعايير فهم الرّجال الكمّل والمختارون الأكفاء.
وغالبا ما يكون الكبر عند صاحبه بضعف الشخصية، يجعله ستارا لذلك النقص حتى لا ينكشف أمام أصدقائه ومعارفه، ولكن محك التجربة سوف تبين حقيقته للناس كما قال الشاعر:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وعلى العكس من ذلك نجد التواضع ولين الجانب مما يمتاز به ذوو النفوس العظيمة والمراتب العالية وهذا رسولنا الأعظم يمتدحه ربنا بتلك الصفة من
التواضع ولين الجانب فيقول:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ} (آل عمران: 159).
- وَلَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بالمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 128).
ومع آداب المعاملة مع الناس، هناك آداب خاصة مع ذواتنا يجب أن نتدرب عليها؛ لأنّها من شارات العقل والرزانة واكتمال الشخصية، ويظهر ذلك في هيئة المشي، وفي وظيفة النطق التي ميز الله بها الإنسان، فقال جل من قائل: الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ القرآن، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (الرحمن: 1 - 4) ولقمان الحكيم إذ توخى كمال الشخصية في ولده فقد نصحه بقوله: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.
93. رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم 275.
141 (1/141)
صفحة 142
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
القصد في المشي هو الاعتدال فيه بحيث يكون وسطا بين الدبيب والحبيب، وكلا طرفي قصد الأمور، ذميم، وخير الأمور أوسطها، فمشية المتماوت المتهالك،
إن كانت لإظهار الزهد والتصوف فهي نفاق ورئاء، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وقد رأى عمر بعض الزهاد يمشون مشية الموتى فقال لهم: «لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله، وما هذه مشية المؤمن، فارفع رأسك وامش
مقتصدا». 94
والسرعة في المشي لغير ضرورة كالهروب من خطر محدق أو للنجدة والإسعاف فهي تحط بقدر الإنسان وتدلّ على السفاهة والطيش، وقد وصف الصحابة مشية رسول الله فقالوا: «إنه عليه الصلاة والسّلام إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنه يحط من صبب).
ولما كان المشي والصّوت وسيلتين للإنسان في طلب مقصوده فقد جاء الربط بينهما في وصية، لقمان ويشارك الحيوان الإنسان في ذلك، ولكن الكيس العاقل من الناس هو الذي ينطق باتزان واعتدال مما يدلّ على ثقته بنفسه واطمئنانه إلى صدق حديثه، وأما الشاك المرتاب فإنه يحاول إخفاء ذلك بالحدة والصراخ، كما كان الجاهليون يفعلون وهم يفخرون بالصّوت الجهوري فيقول شاعرهم:
الكلام جهير العطاس
جهير الرواء جهير
النعم
ويعدو على الأين عدو الظلي م، ويعلو الرّجال بحلق عمم
وتشبيه ذلك بصوت الحمير للاستفظاع، والنكير، ومن منا لا يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إذا سمع نهيق الحمير؟.
الله
والله تعالى قد ندّد على أولئك الأعراب الجفاة الذين كانوا ينادون على رسول من وراء الحجرات فقال: إِنَّ الذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
(الحجرات: 4 - 5).
94. إبراهيم بن عمر بيوض، في رحاب القرآن: 400/ 11.
142 (1/142)
صفحة 143
وصية لقمان
ويزداد المتكلم الجهور رعونة وطيشا إذا نطق بالسوء والفحشاء، كما يزداد المتناجيان إثما وعدوانا إذا تناجيا بالعداوة والبغضاء وفي ذلك يقول المولى تبارك وتعالى:
- لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا}
(النساء: 148).
خيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن جَوَاهُمُ إِلَّا مَنَ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوِ إِصْلَاحِم بَيْنَ
النَّاسِ (النساء: 114).
- يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (المجادلة:9).
وهكذا يتوخى المؤمن في حديثه الكلام الطيب المتزن، فيستبقي بذلك مودّة واحترام الأصدقاء ويدفع عنه تحرشات الأعداء، يقول تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا التِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمُ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوَّا
مبينًا} (الإسراء: 53).
نفعني
الله وإياكم بهذه الوصايا القيمة، فليكن كل منا مع أولاده وأحبابه
لقمان الحكيم.
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا
(الأعراف: 58).
فكن أيها الوالد الحنون لأولادك بلدا طيبا عذب المياه جني الثمار وارف
الظلال. (1/143)
صفحة 144
[صفحة فارغة] (1/144)
صفحة 145
بعض الوصايا المأثورة عن لقمان (1/145)
صفحة 146
[صفحة فارغة] (1/146)
صفحة 147
جمعها الإمام ابن عاشور من تفسير الإمام الألوسي نثبتها في ملحق البيان المتقدم إتماما للفائدة:
يا بني: (إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها أناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكل على الله، لعلك أن تنجو، ولا أراك ناجيا».
من كان له من نفسه واعظ، كان له من الله عز وجل حافظ، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزا، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية». يا بني: «إياك والدين، فإنه ذل النهار وهم الليل
الله يا بني: «ارجا عز وجل رجاء لا يجرئك على معصيته تعالى، وخف الله خوفا لا يؤسيك من رحمته تعالى).
من كذب ذهب ماء وجهه ومن ساء خلقه كثر غمّه، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.
يا بني: «حملت الجندل والحديد وكل شيء ثقيل، فلم أحمل شيئا هو أثقل من حار السوء وذقت المرار فلم أذق شيئا هو أمر من الفقر.
يا بني: «لا ترسل رسولا جاهلا، فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك). يا بني: «احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكرك الآخرة، والعرس يشهيك الدنيا».
يا بنيّ: «لا تأكل شبعا على شبع فإن إلقاءك إياه للكلب خير من أن
تأكله».
147 (1/147)
صفحة 148
من أخلاق القرآن الوصايا العشر، ووصية لقمان
يا بني: «لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء». يا بني: إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه، وإلا فاحذره.
يا بني: لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء».
لا خير لك في أن تتعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت، فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحمل حزمة وذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها
أخرى». يا بني: «امتنع بما يخرج من فمك، فإنك ما سكت سالم، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك».
يا بني: «لا تكن حلوا فتبلع، ولا تكن مرا فتلفظ
(
يا بني: «انزل نفسك من صاحبك منزلة من لا حاجة له بك، ولا بدّ لك
منه 95.
95. عن التنوير والتحرير: ج 21 ص 169 - 170
148 (1/148)
صفحة 149
الخاتمة
ليست الوصايا العشر من ذلك النوع الذي اصطلحنا على تسميته بالوصية التي تكون من الهالك لورثته الشرعيين من بعده، فتلك لها مجال ضيق في محيط الأسرة، تتسع وتضيق وفق ما قدر الله لها من حظوظ ومنافع عاجلة، بل الوصايا العشر تأخذ قدسيتها وتنال قدرها وعظمتها من الموصي بها، وهو ربّ العالمين، وتتوثق مضامينها بتبليغ سيّد المرسلين، وقد أمره الله تعالى بتلاوتها على أمته، وقال في آخر تلك الوصايا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، فهذه تردّد أصداءها السماوات والأرض، ولتكون للخلائق ميزاناً للحق والعدل ومعالم على صراط الله المستقيم، وما هذه الوصايا الربانية إلا معالم على ذلك الصراط السوي. فكن أيها الأخ المسلم في زمرة السائرين على نهجه، وقد استوعبت مضمون تلك الوصايا، كما فتحت قلبك لوصية لقمان الحكيم، وأنت تشعر بحنان الأبوة الرحيمة يسري في أوصالك وتتجاوب معه أحاسيسك فتشعر في أعماق نفسك بخوالج البنوّة البارة التي تلتمس رضى الله تعالى برضى الوالدين، وتلهج بالشكر والثناء الله، وأنت تتمثل ما قاله عيسى بن مريم: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيَّا، وَبَرًا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (مريم: 31 - 33).
المؤلف
العطف، يوم الجمعة 13 شوال 1430 هـ / 2 أكتوبر 2009 م
149 (1/149)
صفحة 150
الصفحة
الصفحة
الفهارس
فهرس الآيات والعناوين الرئيسية
مقدمة.
الوصايا العشر
العنوان
المدخل إلى تفسير الوصايا
الوصية الأولى: النهي عن الإشراك بالله
الوصية الثانية: بر الوالدين
الوصية الثالثة: النهي عن قتل الأولاد الوصية الرابعة: النهي عن قرب الفواحش
الوصية الخامسة: النهي عن القتل الوصية السادسة: النهي عن أكل
مال اليتيم
الوصية السابعة: إيفاء الكيل والميزان.
الوصية الثامنة: الأمر بالعدل
الوصية التاسعة: الوفاء بعهد
الله.
الوصية العاشرة: اتباع صراط
الله
وصية لقمان
الآية
الآية
العنوان
مدخل (1/150)
صفحة 151
الصفحة
13 - 16 في المعتقد: حق الله وحق الوالدين.
في السلوك وأخلاقيات المسل.
(في السلوك العملي)
18 - 19 - في أخلاقيات المسل
بعض الوصايا المأثورة عن لقمان
الخاتمة.
فهرس الأحاديث
طرف الحديث
أبغوني في ضعفائكم
أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ومعه شيخ كبير
اجتنبوا السبع الموبقات
اجعلها لفقراء أقاربك.
الإحسان أن تعبد
الله كأنك تراه.
إذا مات ابن آدم انقطع عمله اذهبوا فأنتم الطلقاء
أربعة أمور لا تكون إلا للولاة.
الرّحم معلقة بالعرش
استوصوا بالنساء خيرا
اظفر بذات الدين تربت يداك
إن أبر البر
إن أبر البر صلة الولد.
إن أبي أخذ مالي
وأن أعفو عمن ظلمني (1/151)
صفحة 152
أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني إن الله سائل كل راع عما استرعاه
إن الله لا يحب الفاحش المتفحش
أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم.
إن شر الناس منزلة عند
أنا وكافل اليتيم
الله
أنا وامرأة سفعاء الخدين.
أنتم يومئذ كغثاء السيل.
أنظر إن كان لأمك أخت.
يوم القيامة
إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم
أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم ..
أي العمل أفضل؟.
أيكم يبايعني على هذه الآيات الثلاث
بروا آباءكم تبركم أبناؤكم
بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ..
تركتكم على البيضاء.
جاء رجل إلى النبي
يستأذن
جاء رجل إلى النبي يستأذن في الجهاد. خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده.
رحم الله رجلا سمحا
رغم أنف، ثم رغم أنف
الساعي على الأرملة والمسكين
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل.
سيأتي على الناس زمان (1/152)
صفحة 153
شيبتني هود وأخواتها صلوا كما رأيتموني أصلّي.
ضرب الله مثلا صراطا مستقيما.
كان خلقه القرآن
الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري
كفى بالمرء إثما أن يضيّع.
كل الذنوب يؤخر الله ما شاء
كلّ ذنب
الله أن يغفره
عسى
كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به
لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها
لو علم الله تعالى شيئا أدنى من الأف لنهى عن. لو كنتم تتوكلون على الله حق التوكل
ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان
لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث
لا يزال المؤمن في فسحة
ما أكل ابن آدم قط طعاما خيرا من يده ما من مولود إلا يولد على الفطرة. المؤمن القوي أحب إلى الله
المسلمون على شروطهم
من أحق الناس بحسن صحابتي
من ادعى إلى غير أبيه ......
من تردّى من جبل فقتل نفسه من رأى منكم منكرا فليغيره بيده
من سره أن يبسط عليه. (1/153)
صفحة 154
الصفحة
الصفحة
غشنا فليس منا. من
من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة
نمت فرأيت الجنة.
هذه اليتيمة تكون في حجر هو الذي لا يؤبه به فيعطى هو حبل الله المتين
يا رسول الله، أردت الغزو
يا عائشة: إنها كانت تأتينا زمن خديجة
طرف الأثر
فهرس الآثار
أبواب السماء مرتجة (ابن مسعود). إنه عليه الصلاة والسّلام إذا زال زال تقلعا.
بشر الزاني بالفقر ولو بعد حين
من سره أن ينظر إلى وصية محمد (ابن مسعود) لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله (عمر بن الخطاب)
فهرس الأبيات الشعرية
صدر البيت
إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت أرأيت أشرف أو أجل من الذي
الأم مدرسة إذا أعددتها.
تخاف الردى نفسي عليك وإنها. (1/154)
صفحة 155
جعلت جزائي غلظة وفظاظة. جهير الكلام جهير العطاس
غذوتك مولودا وعلتك يافعا. فأوليتني حق الجوار ولم تكن فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
فلما بلغت السن والغاية التي
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي. قم للمعلم وفه التبجيلا
كأني أنا المطروق دونك بالذي. لهم جل مالي إن توفّر لي غنى وإذا حلت الهداية قلبا
وإن الذي بيني وبين بني أبي. وإن زجروا بالنحس طيرا تمر بي وظلم ذوي القربي أشدّ مضاضة
ولا أحمل الحقد القديم عليهم. ومهما تكن عند امرئ من خليقة.
ويعدو على الأين عدو الظليم. (1/155)
صفحة 156
تم الطبع في مارس 2010 إيداع قانوني: 2009 - 5542
مطبعة الفنون الجميلة
الجزائر (1/156)
صفحة 157
محمد بن ابراهيم سعيد كعباش
من مواليد 1929 ببلدية العطف ولاية غرداية، بالجزائر. حفظ كتاب الله في سن مبكرة. درس بمعهد القرارة عند الإمام الشيخ بيوض، ثم رحل إلى تونس الخضراء حيث درس العلوم العربية والشرعية في الجامع الزيتوني والعلوم التطبيقية في المعهد الخلدوني. انخرط في صفوف جيش التحرير الوطني مجاهدا حتى الاستقلال. حصل على شهادة الليسانس في الأدب العربي من جامعة الجزائر وعمل في مجال التربية والتعليم أستاذاً ثم مديرا حتى تقاعده سنة 1990 م.
هو عضو في حلقة العزابة وإمام ومرشد بالمسجد الجامع بالعطف منذ سنة 1970 ومازال إلى اليوم يقوم بمهمته النبيلة في الإصلاح الديني والاجتماعي.
من أخلاق القرآن، الوصايا العشر ووصية لقمان
ما تزال الوصية الحكيمة خير وسيلة للتواصل واستبقاء المودة والرحمة بين قلوب الأحبة، وخير وشيجة للترابط بين الأرواح في التعاون على البر والتقوى. وكلّما توثّقت الصلة بين الموصي والموصى له كلّما كثُر جناها وزكا نماها، فكيف بها إذا كانت من عند رسل الله وأوليائه، وهم الدعاة إلى نهجه القويم، والقائمون على صراطه
المستقيم. والمسلم الوفي يهفو قلبه إلى تلقي وصايا ربِّه بالرّضى والإجلال، ويجتهد في تطبيقها بما تقتضيه من الأقوال والأفعال، وها هي ذي بين يديك - أيها الأخ المسلم الوصايا العشر من رب العالمين، ووصية لقمان لابنه، تدبَّر معانيها، تجد فيها للوصايا خير مثال.
www.editions-alpha.com
ISBN 9947 - 886 - 55 - 7
9789947886557 (1/157)