صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علوم القرآن
------------------------------------------
العنوان: من أخلاق القرآن بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
المؤلف: محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
تخريج الأحاديث والفهرسة والتنسيق الفني: قاسم بن عمر حاج امحمد - عبد الله بن موسى ابن عيسى
الناشر: منشورات ألفا
مكان النشر: الصنوبر البحري - الجزائر
تاريخ النشر: 2013م
الطبعة: 1
سلسلة من أخلاق القرآن (3)
ردمك: 978-9947-886-86-1
الإيداع القانوني: 2011/3617
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4731&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع:
https://www.chikhkaabache.net/articledaita.php?id=38
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 رمضان 1446ه/ 07 - شهر 03 - 2025م. من أخلاق القرآن
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
محمد سعيد كعباش
éditions
Alpha (1/1)
صفحة 2
فضيلة الشيخ
محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
من أخلاق القرآن
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة
من أخلاقيات الحقوق المتبادلة (1/2)
صفحة 3
الكتاب
من أخلاق القرآن: بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة
من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
تأليف
فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم سعيد كعباش
تخريج الأحاديث، الفهرسة، والتنسيق الفني
أ. قاسم بن عمر حاج امحمد
أ. عبد الله بن موسى ابن عيسى
الطبعة الأولى: الجزائر 2013
الناشر
منشورات ألفا قصر المعارض الصنوبر البحري، الجزائر
الهاتف: 21210972 213+
الفاكس: 21210774 213+
البريد الإلكتروني:
editions@alpha-dz.com
www.editions_alpha.com
الإيداع القانوني: 2011 - 3617
ردمك: 1 - 86 - 886 - 9947 - 978
جميع الحقوق محفوظة للناشر (1/3)
صفحة 4
للمؤلف
المطبوعات:
- نفحات الرحمان في رياض القرآن، تفسير، 12 مجلدات. - (حديث الشيخ الإمام بيوض»، جزءان.
صرخات على مسرح المجتمع»، الحلقة الأولى.
تاجنينت أم القرى الميزابية في ذكراها الألفية). - (من أخلاق القرآن، صفات عباد الرحمان»، الحلقة الأولى. - (مسابقة رمضان، أسئلة شرعية و أجوبتها». من أخلاق القرآن الوصايا العشر ووصية لقمان).
المخطوطة:
- (حديث يوم الخميس، شرح المسند الربيع»، مجلدان. - صرخات على مسرح المجتمع»، الحلقة الثانية.
- (من أخلاق القرآن»، الحلقة الثانية.
- (من أخلاق القرآن»، الحلقة الثالثة.
النداء الرباني للمجتمع الإيماني».
-الاعرة الـ
لا من مقام المسؤولية في المجالات السياسية). جيل النهضة والإصلاح في العطفاء بلد النضال والكفاح». - (جمعية النهضة بين الفكرة والتأسيس والفعالية).
- (القول الوثيق في زيارة البيت العتيق).
- رحلة العمر).
- مجموعة محاضرات.
مواجد وخواطر شاعر. (1/4)
صفحة 5
مقدمة
الحمد لله الذي هدانا للإيمان وأنار بصائرنا بهدي القرآن. نرجوه تعالى أن يجعلنا من أحباء رسوله ومن عباد الرحمن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداهم
إلى يوم الدين.
أما بعد
الله
فيشرفني أيها الأخ المسلم - أن أقدم إليك الحلقة الثالثة من السلسلة التي تحمل عنوان من أخلاق القرآن في العنوان الرئيسي وتحمل عنوان. في بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة في عنوانها الفرعى. ونحن فى ذلك نتيمن ونقتدي برسول الله الذي قالت عنه أمنا عائشة -رضي عنها كان خلقه القرآن وهي الأخرى سلسلة دروس في الوعظ والإرشاد، كنت قد ألقيتها في المسجد الجامع ببلدة العطف من ولاية غرداية في ليالي رمضان المعظم لسنة 1416 هـ - 1996 م. اعتمدت فيها على النص القرآني الكريم بيانا وتفسيرا، مستنيرا في ذلك بمختلف التفاسير، مبسطا معاني الآيات للجمهور المؤمن، وهو فى إقبال كبير ببركة شهر رمضان المعظم يستحث خطاه إلى بيت الله بعد الإفطار للذكر والعبادة، ولطلب العلم والحكمة استفادة وإفادة. وكنت لا أقتصر على البيان والتفسير لمعاني الآيات في مثاليتها وروحانيتها كما نزلت من عند الله، ولكنني أتنزل إلى واقع الناس في سلوكاتهم
5 (1/5)
صفحة 6
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
وتصرفاتهم محللا ومقارنا بين تلك المثالية السامية، وبين ذلك الواقع المعيش، بأسلوب الطبيب النفساني الأريب الذي يحاول أن يكشف العقدة النفسية لدى المريض ليخفف عنه المعاناة، ويرد إليه بسمة الأمل وبهجة الحياة. وليس ذلك بالهين اليسير إذا لم يستطع الواعظ المرشد أن يحتك بواقع الناس ويعيش معاناتهم ويهتم بانشغالاتهم.
ويرتكز التجاوب الواجداني بين الواعظ والجمهور على تلك الثقة المتبادلة، وعلى ذلك القدر من الاحترام والتقدير الذي يكون مبعثه ما يمتاز به الواعظ من حسن الخلق ومن السلوك النظيف، يجسد ما ينصح به الناس حتى يكون لهم قدوة فيما يدعوهم إليه، ويراعي في أسلوب حديثه المستوى الثقافي لمن يخاطبهم، فلا يسف إلى مستوى الأمي الجهول، ولا يتسامى إلى الأسلوب الجامعي في الطرح والتحليل. والأهم من ذلك هو ذلك المدد الإلاهي من الإلهام وتنوير البصيرة وانشراح الصدر، يستنزلها الواعظ بنبل القصد وإخلاص النية والعمل الله تعالى.
وبعد: فإنني لا أزكي نفسي على الله إذا قلت لك أيها القارئ المسلم بأنك سوف تجد ما تقرأه في هذا الكتاب من حلقاته المختلفة تلك المعاني الروحية السامية. وتعيش بها لحظات هنيئة وأنت تمرح في رياض القرآن والسنة، تستمد منها معاني الطهر والنقاء، وتنال بعون الله موجبات رحمة الله وعزائم مغفرته.
وليس يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياك في عداد الصالحين من عباده، ومن المنتفعين
بنصحه وإرشاده.
6
العطف يوم 01 محرم 1432
الموافق ليوم 07 ديسمبر 2010 (1/6)
صفحة 7
بين يدي السورة (1/7)
صفحة 8
[صفحة فارغة] (1/8)
صفحة 9
نحن بازاء سورة مدنية من نوع المفصل أو المحكم، لا تتعدى آياتها ثماني عشرة آية، وهي السورة الثامنة بعد المائة في ترتيب التنزيل، والتاسعة والأربعون في ترتيب سور المصحف الشريف، نزلت بعد سورة المجادلة سنة تسع للهجرة. سميت بالحجرات) أي حجرات أزواج رسول الله التي ورد ذكرها في أول السورة، في قصة وفد بني تميم كما سيأتي في التفصيل
(
وفي السنة التاسعة من الهجرة عرف المد الإسلامي في جزيرة العرب توسعا كبيرا، انداخت دائرته إلى أطراف حدود الجزيرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وقد دانت أم القرى مكة المكرمة لحكم الإسلام بعد الفتح المبين ودخل الناس في دين الله أفواجا. ولئن تبلورت النقلة الجديدة بالتربية الإسلامية الفضلى، وفي ذلك الرعيل الأول من صحابة رسول الله، وتجسدت في واقع حياتهم اليومية أحكام الدين الحنيف وتمثلت الأخلاق القرآنية في إيمانهم الراسخ وسلوكهم الطاهر النظيف، فإن من سماهم المؤرخون مسلمة (الفتح ما يزالون مثقلين بذلك الركام من التقاليد والعادات الجاهلية، يرزحون تحت وطأة العنصرية القبلية بكل ما تعنيه الحمية الجاهلية والنخوة الطائفية، مما يتطلب مزيدا من الإرشاد الحكيم والتوجيه السليم. وقد تضمنت هذه السورة الكريمة إرشادات وآدابا في تنظيم شؤون المجتمع، وتمتين الروابط والعلاقات بين جميع أفراده، وذلك بإزالة أسباب البغضاء والشحناء مما ينزعه الشيطان وأعوانه بين الناس. ثم صيانة تلك العلاقات بالأخوة الدينية وتأمينها من أي انصداع.
والسورة على قلة آياتها تضع المعالم المحددة لمجتمع فاضل لا تتصادم فيه العلاقات، ولا تند الرغبات عن حدود الآداب مع الله ورسوله أولا، ثم مع الخلائق
9 (1/9)
صفحة 10
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة، من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
وتقول بعض الروايات إنها نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله عليه السلام فأمرهم أن يعيدوا الذبح فتفرع عن هذه الرواية بحث
تحدو بها
طويل للعلماء في جواز تقديم الطاعات عن أوقاتها أو عدم جواز ذلك إلا في بعضها، إلخ. الخير والفضيلة وتكره النشر علم وأيا كان سبب النزول، فالعبرة بعموم اللفظ، أراد الله تعالى به أن يرتب على ذلك الآداب الرفيعة التي يجب على المؤمنين أن يلتزموها مع رسول الله وهم في مقام التلقي لإرشادات الله بواسطة رسوله ومن ثم فَهُم في مقام القدوة الصالحة لغيرهم، فحذرهم أن يتعجلوا القضاء في قول أو فعل قبل إبرام رسول الله له بأمر من الله، إذ الواجب يقتضي منهم أن يقفوا موقف المنتظر الشغوف لما يقضي به سبيله أن يؤخذ عن رسول الله من أمور الدين والدنيا. ولما كانت التقوى هي الباعثة الحسن الإنصات والاتباع أمرهم الله بها بعد ذلك التحذير، ثم جاء التذييل بصفتي السميع العليم للذات العليا لتأكيد معنى النهي والأمر في الآية الكريمة، بمعنى: (فإنَّ الله السميع لأقوالكم العليم بأعمالكم أحق أن تمتثلوا أمره وتجتنبوا
الله
نهيه).
واندفع كالسيل الجار
الإنسانية ويفتح مسال
نحو
والله أعلم وأخيرا فإن السورة الكـ
تضع معايير العقيد
الصحيحة
في سبيل
الله أُولَئِكَ هُم
لؤمن في تركيز تلك يدة وتجسيدها في واقع
115، تلك هي المحاور التي
عالجتها السورة الكريمة سوف تفصلها بيانا وتفسيرا بحول الله دونما إطناب ولا
ا وجاهدوا بأموالهم
اختلال وبالله التوفيق.
14
المؤلف (1/10)
صفحة 11
الآداب الواجبة مع الله ورسوله (1/11)
صفحة 12
[صفحة فارغة] (1/12)
صفحة 13
أ) النص:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
عليمٌ} [الحجرات، 01]
ب) التحقيق اللغوي:
ولَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}
فيه قراءتان لا تقدموا بفتح التاء من التقدم وأصله لا تتقدموا. حذفت إحدى
التامين للتخفيف.
لا تقدموا بضم التاء من التقديم، أي لا تتقدموا بقول أو فعل أو لا تقدموا قولا أو فعلا بين يدي الله ورسوله. نهاهم أن يسبقوا رسول الله فيما يأخذونه عنه من أحكام الشريعة. والنهي فيه للتحذير.
ج) البيان والتفسير:
أورد المفسرون روايات في أسباب النزول كلها يصح أن يكون سببا لنزول هذه الآية، والحادثة التي رويت عن عبد الله بن الزبير تكون قد جمعت بين هذه الآية وبين التي تليها في سبب النزول. ذلك أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله فنادوه بجفوة من وراء الحجرات، فلما قضى معهم قال أبو بكر أمر عليهم القعقاع بن معبد، وقال عمر أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردتَ إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك. فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت
الآية الأولى.
13 (1/13)
صفحة 14
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الله
وتقول بعض الروايات إنها نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يصلي رسول عليه السلام فأمرهم أن يعيدوا الذبح فتفرع عن هذه الرواية بحث طويل للعلماء في جواز تقديم الطاعات عن أوقاتها أو عدم جواز ذلك إلا في بعضها، إلخ. وأيا كان سبب النزول فالعبرة بعموم اللفظ أراد الله تعالى به أن يرتب على: ذلك الآداب الرفيعة التي يجب على المؤمنين أن يلتزموها مع رسول الله وهم في مقام التلقي لإرشادات الله بواسطة رسوله ومن ثم فَهُم في مقام القدوة الصالحة لغيرهم، فحذرهم أن يتعجلوا القضاء في قول أو فعل قبل إبرام رسول الله له بأمر من الله، إذ الواجب يقتضي منهم أن يقفوا موقف المنتظر الشغوف لما يقضي به الله سبيله أن يؤخذ عن رسول الله من أمور الدين والدنيا. ولما كانت التقوى هي الباعثة لحسن الإنصات والاتباع أمرهم الله بها بعد ذلك التحذير، ثم جاء التذييل بصفتي السميع العليم للذات العليا لتأكيد معنى النهي والأمر في الآية الكريمة، بمعنى: (فإنَّ الله السميع لأقوالكم العليم بأعمالكم أحق أن تمتثلوا أمره وتجتنبوا
نهيه).
14
والله أعلم (1/14)
صفحة 15
أدب الحديث بحضرة الرسول (1/15)
صفحة 16
[صفحة فارغة] (1/16)
صفحة 17
أ) النص:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}
[الحجرات، 02]
ب) التحقيق اللغوي:
ولَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ): أي لا تجهروا بأصواتكم إذا كلمتموه، لأن رفع
الصوت لا يكون إلا عند المشاجرة، أو إبلاغ الصوت إلى مكان بعيد. ولَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ: أي أخفضوا صوتكم على صوته إذا حدثتموه بحيث لا يكون مساويا لحديث بعضكم لبعض. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ}: الفعل حبط مأخوذ من قولهم: حبطت الإبل؛ إذا أكلت الخضر فانتفخت بطونها وربما هلكت وحبطت الأعمال: أي بطل ثوابها. وتقدر فيه لام التعليل: لئلا.
ج) البيان والتفسير:
ذكر الرواة فى سبب نزول ما تقدم من تلاوم أبي بكر وعمر أمام الرسول في قصة وفد بني تميم. وقد روى البخاري عن أبي مليكة قوله: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند رسول الله حين قدم عليه ركب بني تميم، الخ. وقيل إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان خطيبا مفوها جهوري الصوت، قيل إنه خطب خطبة بليغة فغلب وفد بني تميم حين طلبوا المفاخرة أمام
17 (1/17)
صفحة 18
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الرسول على عادة العرب. وعلى هذه الرواية تكون قصة بني تميم قد جمعت بين الآيتين الأولى والثانية في سبب النزول.
تصدرت كلتا الآيتين بنداء الحبيب إلى المؤمنين، وللإيمان بالله ورسوله التزاماته ومقتضياته وتكرار النداء للاهتمام بما يترتب عليه من إرشاد وتوجيه. وقد اختير له أسلوب النهي عن تلك المعاملات السيئة، وذلك أفيد في أسلوب التربية والتهذيب. لأن التخلي قبل التحلي كما يقول الحكماء، ودرء المفاسد أولى من جلب المنافع. فأي أدب يجب أن يتحلى به المؤمنون أمام رسول الله، وأي تشريف لمقام النبوة ترشد إليه هاتان الآيتان لأن رفع الصوت والجهر به لا يتم في كل مقام ولا مع أي شخص. غير أن المستوى الحضاري في التربية ينمي في الإنسان ذلك الحس المدني في علاقته الاجتماعية فينزل الناس منازلهم، والحديث إلى الناس أو أمامهم هو المحك الذي يمحص المستوى المدنى للإنسان. فقد نهى الله المؤمنين عن رفع الصوت فوق صوت النبي، لأن ذلك ينم عن عدم التقدير والاحتشام أولا، ثم نهاهم أن يكون حديثهم للرسول مساويا لحديث بعضهم لبعض، لأن التساوي يسقط الكلفة، وقد يجر ذلك إلى عدم التوقير والاحترام. والله يقول (لتعزرُوه وتوقروه). وفي عدم التوقير والاحترام لرسول الله حبط للأعمال، وقد يؤدي ذلك إلى الكفر إذا كان مصحوبا بالهزء والاستخفاف.
18
والله أعلم (1/18)
صفحة 19
محدثو رسول الله بين الترغيب
والترهيب (1/19)
صفحة 20
[صفحة فارغة] (1/20)
صفحة 21
أ) النص:
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوَأَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)}
الحجرات، 3 - 4 - 5]
ب) التحقيق اللغوي:
يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ: أي يخفضونها حتى تميل إلى الإسرار امْتَحَنَ: بمعنى اختبر وهو هنا بمعنى مخص قلوبهم للتقوى، أي من قولهم امتحنت الفضة أي اختبرتها حتى خلصت أو من قولهم: محنت الأديم محنا حتى أوسعته؛ فيكون بمعنى شرح قلوبهم ووسعها للتقوى. الحجرات: مفرده حجرة، وهي الرقعة من الأرض المحجورة بحائط: أو مفرده حجر فيكون جمعا للجمع، والحاء فيه تُضم وتنصب؛ قراءتان.
لكان خيرا لهم يجوز فيه معنيان: أن يكون اسم تفضيل: أي انتظارهم أفضل من تعجلهم بالنداء. ويجوز اسما ضد الشر.
ج) البيان والتفسير:
بعد ذلك التحذير والنهي عن رفع الصوت بحضرة الرسول بما لا يتناسب وجلال النبوّة أي يجب أن يلقى بالكيفية التي يكون فيها مسموعا، مع كونه ينم عن الاحترام والتقدير بعد ذلك التحذير المخيف في إحباط الأعمال، يجيء هذا
21
17 (1/21)
صفحة 22
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الترغيب اللطيف مؤكدا بأن الاهتمام بمضمونه. معبرا عن الثناء عليهم لمبادرتهم في الأخذ بهذا الأدب الرفيع الذين يستحقون الجزاء عليه، فقد وردت روايات تدل على مدى إشفاقهم من الوقوع في هذا المحذور، فقال أبو بكر: والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السرار، وكان عمر بعد ذلك ما حدث رسول الله يوما فسمع کلامه حتى يستفهمه مما يخفض. أما قصة ثابت بن قيس فعجيبة في هذا الباب. إذ كان شديد الصوت من طبعه فخاف أن يكون قد حبط عمله فيكون من أصحاب النار فانعزل في بيته مغموما لذلك حتى افتقده رسول الله، ولما علم خبره طمأنه عليه السلام قائلا: لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير: فأي أثر تركه في قلوبهم ذلك الإرشاد الإلهي؟
إنها القلوب المفعمة بالتقوى بعد تمحيص واختبار. فقد علم الله ما في قلوبهم فاستحقوا هذا الجزاء من المغفرة على ما بدر منهم والأجر العظيم على صدقهم وإخلاصهم، فما كان رفع الصوت منهم استخفافا برسول الله -حاشاهم ولا لعزة نفس أو كبرياء كما يفعل المنافقون، ولكنها العفوية والسذاجة والطيبة. بل هو الحب المكين لرسول الله الذي يحملهم أحيانا، إلى إسقاط الكلفة بحضرته ـ عليه السلام مع ما كان يحبوهم به من الحنان والرحمة والمرونة واللين والإحسان الله في المعاملة وللإمام الرازي ملحظ جيد في هذا المعنى إذ يقول: واعلم أن تعالى لما أمر المؤمنين باحترام النبي وإكرامه وتقديمه على أنفسهم وعلى كل من خلقه الله تعالى. أمر الله نبيئه عليه السلام بالرأفة والرحمة وأن يكون أرأف بهم من الوالد كما قال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُومِنِينَ} [الحجر، 88] وقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف، 28] وقال: {وَلا تَكُنْ كصاحب الحوت} [القلم، 48] إلى غير ذلك لئلا تكون خدمته خدمة الجبارين الذين يستعبدون الأحرار بالقهر فيكون انقيادهم لوجه الله: التفسير الكبير م 22 ص 114 انتهى. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} بَل إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}. أورد الله هذا المثال للجهر المنهي الآية السابقة مما صدر من وفد بني تميم حين قدموا إلى الرسول سنة تسع
22 (1/22)
صفحة 23
محدثو رسول الله بين الترغيب والترهيب
التي سميت بـ «عام الوفود» فنادوه من وراء حجرات أزواجه. يا محمد أخرج إلينا فإن مدحنا زين وإن ذمنا، شين نحن أكرم العرب وذلك على عادة العرب من المفاخرة والتباهي وروي أنهم وفدوا إليه في وقت الظهيرة وهو راقد، فاستيقظ وخرج إليهم فنزلت. وصفهم الله أكثرهم بقلة العقل، ولم يعمم الحكم عليهم جميعا، إذ ربما كان فيهم من لم يناد، فكأنهم لجفوتهم وغلظتهم في ندائهم هم أدنى إلى صراخ الحيوانات العجماء منهم إلى تأدب الإنسان العاقل أمام من يستحق التقدير والاحترام. وقد نهى الله عن رفع الصوت بكيفية منكرة وجاء على لسان لقمان الحكيم فقال جلّ من قائل: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَات لَصَوْتُ الحمير [لقمان، 19].
وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رحيم.
وبما أن خلق الصبر في الإنسان وتوطين النفس عليه هو أساس المكرمات في التحلي بالأخلاق الفاضلة، كانت مناسبة في هذا المقام أولى من فعل انتظروا ... مثلا والصبر خير كله وهو عدة المؤمن في كل الأحوال، والخير الذي يحصل عليه هو شرف التوقير للرسول بعدم إزعاجه في خلوته، وهو الذي لا يحتجب عن الناس إلا عند الاشتغال بضرورات قصوى، ثم إنَّ مراعاة هذه الآداب الرفيعة مع كافة الناس تكسب صاحبها قدرا واحتراما في قلوبهم، فما بال علية القوم وساداتهم؟
وفوق ذلك جلال النبوءة ووقارها.
والتذييل بقول تعالى: {وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ (دون أمرهم بالتوبة، ينم عن رحمة الله وفضله، إذ لم يُحص عليهم ذنبا في ذلك، إذ أنهم جروا على عادتهم الجاهلية على قاعدة: (من جاء على أصله فلا لوم عليه»، وفي اختيار صفتي المغفرة والرحمة للذات العلية تحريض على التوبة والإنابة.
والله أعلم
23 (1/23)
صفحة 24
[صفحة فارغة] (1/24)
صفحة 25
وجوب التثبت والتبين في الأخبار (1/25)
صفحة 26
[صفحة فارغة] (1/26)
صفحة 27
أ) النص: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات، 06].
ب) التحقيق اللغوي:
فَاسِقٌ: هو المتصف بالفسوق إذا ارتكب منكرا كالكذب واشترط بعضهم أن يعلن ذلك نَبا: الخبر الذي يكون له أهمية كبرى تَبَيَّنُوا: من التبين. قوة إنابة الشيء بتكلف ذلك. {جَهَالَةٍ: لها مفهومان: فهي إما ضد العلم، أو ضد الحلم. {نَادِمِينَ} الندم: إظهار الأسف على ارتكاب
مخالفة ما.
ج البيان والتفسير:
هذا هو النداء الثالث المحبوب عند المخاطبين صدر به هذا الإرشاد الإلهي في قضية حساسة تتعلق بها صدور أحكام على الناس في علاقاتهم ومعاملاتهم، وفي الحقوق المتبادلة، ويكثر فيها التسرع والعجلة بدوافع مختلفة تخضع لأهواء النفوس - غالبا وتتحكم فيها المنافع والمصالح الخاصة عند ضعف الوازع الديني، وغياب الوازع السلطاني.
أبي معيط حين بعثه رسول
الله
جابيا لصدقات
بني
وعن سبب النزول. فهناك روايات تذكر أن حادثا وقع بين الوليد بن عقبة بن المصطلق، فخرجوا إليه تحت السلاح، فهابهم ورجع إلى المدينة ليخبر الرسول بأنهم منعوا الزكاة، فهم الرسول بتأديبهم لولا أن بعث إليهم خالد بن الوليد ليتثبت من ذلك، فوجدهم يقيمون
27 (1/27)
صفحة 28
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الأذان والصلاة، فأخبرهم بما بلغ رسول الله عنهم وقبض زكاتهم. ولما رجع
من
إلى المدينة علق رسول الله على هذه الحادثة بقوله: «التثبت الله، من الشيطان».
والعجلة
ولكن الإمام الرازي علق على هذه الرواية بقوله: «هذه الرواية ضعيفة، لأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقا، كيف والفاسق في أكثر المواضع يراد به من خرج من ربقة الإيمان لقوله تعالى: {إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الرازي م 28 ص 119].
قلت، أيا كان سبب النزول فحكم الآية عام يفيد مبدأ التمحيص والتثبت في الأخبار قبل نشرها وإشاعتها. لأن مصادر الخبر وإن تعددت أنواعها اليوم فإنَّ العمدة فيها على الإنسان وهو إما أن يكون ثقة لما يشتهر به من صلاح وتقوى فيؤخذ بخبره، وإما فاسق بلغ حدَّ الاستهتار والمجاهرة بفسقه، فلا بد في أخد خبره من التحري والتمحيص، وإلا فإن التسرع في تصديق الإشاعات يُفضي إلى اضطراب ميزان العدل والإنصاف في حقوق الناس ويوقع كثيرا من الأبرياء تحت طائلة القانون والمؤمن الوفي لأخلاقيات الإسلام إذا لم يتحر ويثبت في ما يتداول
من الإشاعات فإنه يتحسر ويندم مما قد يصيب أولئك الأبرياء من الأضرار. وللإمام ابن عاشور ملحظ جيد في تفسير هذه الآية، إذ يقول: «وهذا الخطاب
الذي اشتمل عليه قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا () () موجه ابتداء للمؤمنين المخبرين بفتح الباء كل بحسب أثره بما يبلغ إليه من الأخبار على اختلاف أعراض المخبرين بكسر الباء ولكن هذا الخطاب لا يترك المخبرين بكسر الباء بمعزل عن المطالبة بهذا التبيين فيما يتحملونه من الأخبار، ويتوخى سوء العاقبة فيما يختلقونه من المختلقات. ولكن هذا تبين وتثبت يخالف تبيَّن الآخر وتثبَّتَهُ. فهذا تثبت من المتلقي بالتمحيص لما يتلقاه من حكاية أو يطرق سمعه من كلام والآخر تمحيص وتمييز الحال المخبر. انتهى.
التحرير والتنوير م 26 ص 232.
28 (1/28)
صفحة 29
وجوب التثبت والتبين في الأخبار
وقد فرع العلماء عن هذه الآية كثيرا من الأحكام تطلب من مصادرها، غير أنهم متفقون على عدالة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممن قال الله فيهم: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف، 157].
ويستثنى من هذا الحكم عند بعض العلماء أولئك الذين رأوا الرسول أو زاروه لماماً.
أما عن الخلاف الفقهي في كون أن الأصل في الناس العدالة حتى يثبت العكس، أم أن الأصل في مجهول الحال عدم العدالة حتى يعرف وتثبت عدالته، فأحسب أن روح الآية تؤيد القول الثاني، لأن المناخ الذي يعيش فيه مجتمع ما له تأثير كبير في آراء المجتهدين من الأيمة حين يميلون إلى رأي ما. فهذا سيدنا عمر عنه قد اختلف موقفه في قبول الشهادة فقال: «المسلمون عدول بعضهم عن بعض ولما بلغه ظهور شهادة الزور رجع فقال: «لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول).
رضي
الله
C
وتنكير كلمتي «فاسق» و «نبأ» في سياق الشرط بـ «إنْ» يفيد العموم، والفساق من الناس تتفاوت درجاتهم في الفسق، كما أن الأنباء تختلف في درجات الخطورة.
وبما أن معرفة الناس وتقييم سلوكاتهم شيء صعب، وهو شيء نسبي يتفاوت من شخص لآخر، فإن أسلوب التعميم في الآية الكريمة هو أنسب لأخذ الحيطة والحذر، والتعليل بالندم على الفعل لإمكان إصابة أحد، يدعو إلى التثبت والتبين أكثر في نوع الأنباء التي تتعلق بها حقوق الغير حتى لا يتساهل فيها، سواء من المخبرين - بالكسر أو المخبرين بالفتح وبذلك تصان حقوق الناس وأعراضهم
كما أرشد الله إلى ذلك في قصة الإفك إذ قال: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْلٌ مُّبِينٌ} [النور، 12].
29
29 (1/29)
صفحة 30
[صفحة فارغة] (1/30)
صفحة 31
فضل الله على المؤمنين بوجود الرسول
بينهم (1/31)
صفحة 32
[صفحة فارغة] (1/32)
صفحة 33
33
33
أ) النص:
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِّنَ الله وَنِعْمَةً، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8))
[الحجرات، 07 - 08]
ب) التحقيق اللغوي:
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُمْ} أي لو يعمل ما تشيرون به عليه وترغبون فيه من الأمور لعنتم من العنت، إما بمعنى الإثم والذنب، وإما بمعنى الوقوع في أمر شاق. {وَزَيَّنَهُ: من التزيين للشيء، أي جعله زينا ضدّه الشين. الرَّاشِدُونَ: من الرشد والرشاد، أي الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، لأن الرشاد في الأصل هي الصخرة الصلبة. الْعِصْيَانَ: عدم الامتثال والانقياد.
ج) البيان والتفسير: عطفت جملة وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ}، على التشريع السابق من وجوب التثبت والتحري في الأخبار وفعل «علم» يفيد اليقين، وهذا العطف يفيد الاستفهام بما يتضمنه التركيب الذي تعدى إليه الفعل من أن واسمها وخبرها المقدم. فالإخبار بشيء معلوم لديهم بالمعايشة والواقع، إنما المقصود منه هو تحفيزهم وتحسيسهم بما قد يغفلون عنه، فلا يولونه من الاهتمام والتقدير ما (1/33)
صفحة 34
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
يلزم، فالذين عاشوا تلك الفترة الوضيئة بأنوار النبوة، وعاينوا شخص الرسول الكريم وهو بين ظهرانهم نور وهدى يمشي على رجلين، ربما يذهلون أحيانا عن الحقيقة، سيما عندما تند رغباتهم وهم يريدون أمرًا فلا يقدرون عاقبته. ومن ثم جاء هذا التنبيه للمؤمنين بذلك الأسلوب المؤكد ليستصحبوا في أنفسهم تصور هذه الحقيقة، لأن المعاشرة حجاب كما يقول الحكماء، ويستروح من تركيب النص أن من المؤمنين من تعجل في الحكم ورغب من رسول الله أن يتخذ موقفا من هذا القوم بمجرد سماع الخبر. ولئن كان النداء لجميع المؤمنين في أول الآية فإن المخاطبين فيها يتوزعون على فريقين: فريق يرغب في إطاعة الرسول لهم في بعض الأمور يحذرهم الله تعالى من العنت الذي يقعون فيه من جراء ذلك، ويرشدهم إلى الإذعان لتدبير الرسول والرجوع إليه لأنه لا يتصرف إلا بوحي من الله، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، والرسول في مثل تلك المواقف يعز عليه أن يتحمل المسلمون العنت والمشقة، كما قال تعالى في شأنه: «عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. وفريق مذعن منقاد لأن الإيمان متغلغل في قلبه، وهم المخاطبون بقوله تعالى: وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ .. الخ. يقول الإمام الرازي في اختلاف صفة المخاطبين في هذه الآية. ثم قال تعالى وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإِيمَانَ، خطابا مع بعض المؤمنين غير المخاطبين بقوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ} «دون أطاعكم» يدل على أنهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة ودوام النبي صلى عليه وسلم على العمل باستصوابهم، ولكن يكون ما بعدها على خلاف ما قبلها. وها هنا كذلك وإن لم تحصل المخالفة بتصريح لأن اختلاف المخاطبين في الوصف يدل على ذلك. لأن المخاطبين أولا بقوله: لَوْ يُطِيعُكُم هم الذين أرادوا أن يكون النبي يعمل بمرادهم والمخاطبين بقوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان هم الذين أرادوا عملهم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم. هذا ما قاله الزمخشري واختاره وهو حسن: م 28 ص 122. قد كشف في وحيه عن كثير من الصفات النفسية للإنسان: فقال عنه: إنه ظلوم جهول، جحود کنود، هلوع، جزوع، منوع، وقال عنه في سورة الإسراء: {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا} (الآية) (11)، وقال في سورة الأنبياء:
قلت: إن
الله
الله
تعالى وهو خالق هذا الإنسان
-
خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} (آية 37).
اللفظ
الكريم
34 (1/34)
صفحة 35
فضل الله على المؤمنين بوجود
بينهم
غير أن المؤمن القوي في إيمانه يكون متوازنا في تصرفاته فلا تند به الطبيعة البشرية إلى القلق والشطط، بل هو كما قال عنه رسول الله: «المؤمن بخير على كل حال ومن ثم كان من طبيعة الأشياء في أتباع دعوة ما، أو مسشاري زعيم
ما، أن تختلف رغباتهم ومشاربهم بين رزانة، واعتدال، أو طفرة واستعجال. ورسول الله مع أصحابه لم يخرجوا عن هذه القاعدة الاجتماعية، فكان بعض الأصحاب قليلي التبصر في العواقب وهم يذهلون أحيانا- عما هم فيه من خصوصية عظمى بوجود رسول الله بين ظهرانهم، ومن ثم فهم في فورة الاستعجال قد ينسون تلك الحقيقة العظمى. وهل أقوى إيمانا وأصدق حبا ووفاء لرسول الله من عمر -رضي الله عنه ومع ذلك فقد ندَّ به الاستعجال في موقفه من رسول الله يوم الحديبية، حتى أخذ أبو بكر الصديق رضي عنه يذكره ويخفف من حدته بقوله: (ويحك إنه رسول فاستمسك بغرزه، ثم ما وقع فيه بعض الأنصار بعد غزوة حنين حين قسم الرسول الغنائم فأعطى منها بعض المؤلفة قلوبهم، ورأى أولئك الأنصار أنهم لم يستوفوا حقهم من تلك الغنائم فوجدوا لذلك. حتى قام رسول الله يستلطفهم ويقنعهم بمقصوده فقال لهم يا معشر الأنصار ألم يجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فالفكم الله بي؟ وكنتم عالة فأغناكم الله بي؟ - قالوا بلى: الله ورسوله أمن وأفضل. وكلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أأمن، ثم قال لهم: «الا يستركم أن يرجع القوم بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم قالوا بلى، فبكى القوم حتى ابتلت لحاهم. وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَنِعْمَةٌ، وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ). ما أنسب موقع هذا الاستدراك «وَلَكِنَّ) بعد ذكر أولئك الذين غفلوا عن ميزة وجود رسول الله بينهم والاستعجال في الحصول على المرغوب دون مراعاة ما ورسوله قد يفضي إلى العنت وقد يجرّ إلى الفسوق والعصيان، ولكن الله بفضله ونعمته عليكم حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، واختير أسلوب الخبر وصيغة الماضي للدلالة على أن ذلك أمر واقع، وأنه من إرادة الله في أن يغمركم بفضله ونعمته علما منه بما يصلح لكم وحكمة في ما يختاره لكم.
به يوصي
الله
35 (1/35)
صفحة 36
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ويا له من فضل ويا لها من نعمة حين يشرح الله صدر الإنسان للإيمان، وهو يحس بجماله ويتذوق حلاوته، ثم هو يكره أن يعود إلى الكفر والفسوق كما يكره أن يقذف في النار كما ورد في الحديث الشريف. وأية عاطفة هي أقوى وأصدق من عاطفة الحب والكره غير أن مصداقيتها وفعاليتها تكون وفق متعلقها شرفا وقدرا أوحطة ودناوة.
وفي
الآية ترغيب وتحسيس لمراعاة مقتضيات الإيمان وتحذير من مغبة الفسوق
والعصيان.
والذين يجدون في قلوبهم تلك العاطفة هم الراشدون الموفقون، وهم
الله
المحظوظون بفضل بالركب لأن ذلك هو وحده سبيل الرشاد. والتذييل بقوله: {وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} لبيان أن ما ذكر في الآية هو من آثار علم الله بأحوالكم ظاهرها وباطنها، ومن حكمته في تدبير شؤون حياتكم وتشريع ما تنظم به أمور معاشكم ومعادكم.
ونعمته، فليجتهد من ضعفت فيه عاطفة الإيمان ليلتحق
فاللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان
واجعلنا من الراشدين.
والله اعلم –
36
36 (1/36)
صفحة 37
إصلاح ذات البين وقتال البغاة .. (1/37)
صفحة 38
[صفحة فارغة] (1/38)
صفحة 39
أ) النص: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)} [الحجرات، 9 - 10]
ب) التحقيق اللغوي:
طَائِفَتَانِ الطائفة: الجماعة من الناس وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور، 02]، قال: الواحد فما فوقه، والطائفة من الشيء القطعة منه، بَغَتْ: من البغي، وهو التطاول والفساد بحيث تجاوزت الحد في الظلم. حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ): أي ترجع إلى الحق، وحتى الغاية أي يستمر قتالها إلى غاية رجوعها إلى أحكام شريعة الله. أَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ: أي يكون التصالح بالتراضي وإنصاف حق المظلوم. وَأَقْسِطُوا: أي ارفعوا الظلم والجور، والقاسط هو الجائر. قال تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن، 15] والقسط هو القيام بالعدل في كل شيء، وهو من شؤون الله تعالى في تدبير ملكه، قال تعالى: {قَائِمًا بِالْقِسْط) [آل عمران، 18]
39 (1/39)
صفحة 40
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ج) البيان والتفسير:
ذكر المفسرون عدة روايات تحكي عن بعض الخصومات وقعت بين أفراد من الأوس والخزرج، أو بين طائفتين تفضى الملاحاة بينهما أحيانا إلى التشابك بالأيدي والنعال وحتى بالسلاح - أحيانا- وأخص ما قيل من ذلك هو ما رواه ابن جرير عن الحسن قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين فيدعون إلى الحكم فيأبون أن يجيبوا فأنزل الله «وَإِنَّ طَائِفَتَان».
قلت: لا تعجب أن تقع مثل تلك الخصومات في مجتمع فاضل من صحابة رسول الله، لأن الإنسان مجبول على العجلة، فما يزال تدافع الناس واختلافهم هو المحرك الأساسي في استمرار العمران البشري كما قال تعالى: {وَلَوْلَا دِفَاعَ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ الله ذُو فَضْل عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة، 251]. وفضل الله على ذلك المجتمع الممتاز أنه سريع الاستجابة لداعي الله والرسول
نزاع إلى الخير مثال للفضيلة عندما تعترض المشاكل وتقدم لها الحلول. والإسلام يعتمد في منهجه التربوي على مبدإ الوقاية ثم يقدم العلاج الشافي للحالة المرضية. فبعد أن حذر الله المؤمنين من الاغترار بنبأ الفاسق، وأمرهم بحسن التبين والتبصر، فقد ينفلت الزمام من أيديهم ويقعون في المخدور بإشعال نار الفتنة والشاعر العربي يقول:
فإن النار بالعودين تُذْكَى وإن الحرب أولها الكلام فإِن لم يُطفِها عقلاء قوم يكون وقودها جثث وهام
وعندما يتعطل منطق العقل وتتأجج العواطف فإن الفتنة عمياء لا تبقي ولا تذر، وتُفضي - أحيانا- إلى البغي والطغيان والإيمان القوي هو العاصم القوي من هذه الانزلاقات الخطيرة.
ومن مقتضيات التكافل بين المؤمنين يقتضى اللجوء إلى الصلح بين المتخاصمين، والصلح خير وهو سيد الأحكام كما يقولون. فالتقاتل بين المتخاصمين - وإن كان شديد الوطأة عليهم - فهو لا ينفي صفة الإيمان. وظاهر النص يفيد أن محاولة الصلح بين الطائفتين تكون بعد التقاتل، وذلك على
40 (1/40)
صفحة 41
في
إصلاح ذات البين وقتال البغاة
239
حسم
هذه
خلاف قاعدة الوقاية خير من العلاج غير أن الإمام ابن عاشور قد الإشكالية بالتحليل اللغوي للعبارة ثم قال: «والوجه أن يكون فعل» اقتتلوا مستعملا في إرادة الوقوع مثال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمُ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}، ومثل قوله: {وَالَّذِينَ يَظْهَرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا أي يريدون العود، لأن الأمر بالإصلاح بينهما واجب قبل الشروع الاقتتال، وذلك عند ظهور بوادره ثم قال وبذلك يظهر وجه تفريع قوله: فَإِنْ بَغَتِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، على جملة اقْتَتَلُوا – أي «فان ابتدأت إحدى الطائفتين قتال الأخرى، ولم تنصع إلى الإصلاح، فقاتلوا الباغية». انظر التحليل اللغوي لجملة. وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا م 26 ص قلت: إن واجب الصلح منوط بالطائفة المؤمنة المحايدة، وهو منوط بالإمام عند قيام الدولة الإسلامية، سيما إذا أفضى الأمر إلى قتال الفئة الباغية: {فَإِنْ بَغَتِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}. فإن تعذر الصلح بين الطائفتين، وأفضى التعنُّتُ إلى البغي من إحدى الطائفتين، وقد يكون من كلتيهما باعتبار جانب من جوانب شروط الصلح، فقد أمر الله المؤمنين بقتال الطائفة الباغية حتى تُذْعن إلى أمر الله، ولكن ما هو ضابط البغي الذي بموجبه يقاتل المؤمنون إحدى الطائفتين؟ وفي تحديد ذلك الضابط اختلف علماء الأمة بين الإفراط والتفريط والسماحة والتشديد. ويلخص الإمام ابن عاشور بعض الضوابط بقوله: (ويتحقق وصف البغي بإخبار أهل العلم أن الفئة بغت على الأخرى أو بحكم الخليفة العالم العادل، وبالخروج عن طاعة الخليفة وعن الجماعة بالسيف إذا أمر بغير ظلم ولا جور، ولم يخش من عصابته فتنة، لأن ضرَّ الفتنة أشد من شر الجور في غير إضاعة المصالح العامة من مصالح المسلمين. وذلك لأن الخروج عن طاعة الخليفة بغي على الجماعة الذين مع الخليفة»، قلت: حبذا لو أن هذه الضوابط كانت محل اتفاق بين الطوائف الإسلامية إذن لكفيت الأمة شرًا مستطيرا ذهب بآلاف الضحايا قديما وحديثا ومرجع الخلاف هو في مبدإ الحكم السياسي في الإسلام، ومرتكزه في شروط الإمامة، وكيفية تعيين الإمام، ولعل الأحداث العالمية اليوم والتغيرات
1. التحرير والتنوير. م 26، ص 240
41 (1/41)
صفحة 42
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الجذرية في أساليب الحكم وأنماطه كفيلة بحل هذا المشكل الذي ما يزال مطروحا في كثير من البلدان الإسلامية.
وقوله تعالى: {حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ) - أي يجب أن يستمر قتال المؤمنين للفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، وهو الإذعان إلى أحكام شريعتة الغراء من الحقوق والواجبات وتفاديا للانحياز وغلبة الأهواء.
فإن الله تعالى أتبع أمر القتال بأمره بالعدل والإنصاف في الإصلاح بين الطائفتين: قطعا لدابر الفتنة في تلك القضية المتنازع عليها، وأردف ذلك بقوله: {وَأَقْسِطُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) تأكيدا للعدل الخاص بعدل عام يتوخاه المؤمنون في كل علاقاتهم ومعاملاتهم للفريقين، حتى لا يشعروا بأحاسيس الغالب والمغلوب، لأن انکسار الخواطر وكوامن الشحناء والبغضاء لا يغضي عليها إلا بالعودة إلى رفق الإيمان، واللياذ إلى من له بحق العزة والسلطان ثم قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} وعندما يتقوّى الشعور الإيماني في مجتمع ما فإن بواعث الشقاق تضعف وتزول، وعندما تند بعض البواعث وذلك من سنن الله في خلقه، فإن التكافل والتعاون بين المؤمنين يفرض عليهم حتما الإسراع إلى إصلاح ذات البين، وقد تقررت بحكم الله في هذه الآية الكريمة الأخوة الإيمانية التي هي أقوى من رابطة النسب حين يكون حبُّ الله ورسوله هو أشد الحب عند المؤمنين كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا الله} [البقرة، 165] وكما قال رسوله الله (ص)، لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
وقد أكد الله تلك الأخوة بقوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، والعدول إلى الظاهر موضع الضمير لزيادة تقرير معنى الأخوة واختلفت القراءتان ما بين تثنية لفظ «الأخ» وجمعه «إخوتكم على اعتبار أن الطائفة بمثابة الأخ في صيغة التثنية، وعلى اعتبار كل فرد من الطائفتين كالأخ في صيغة الجمع. {وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وأية رحمة هي أعظم من رحمة الأمن والعافية، ومن تبادل
(
42 (1/42)
صفحة 43
43
إصلاح ذات البين وقتال البغاة
الثقة والاحترام بين أفراد المجتمع، تلك الرحمة التي وصف الله بها أصحاب رسول
الله
)
في سورة الفتح فقال: والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم وتقوى الله هي ملاك الأمر في تصرفات المؤمن، فهي التي تجعله متوازنا في مواقفه تند به الرغبات ولا تطغى عليه الشهوات.
لا
وأعظم رحمة يكون عليها المجتمع المسلم هي التي توفّر عليه الأمن والاستقرار، وتشحن طاقاته لتحقيق الرقى والازدهار، في كنف الأخوة الإيمانية وحسن الجوار.
والله اعلم – (1/43)
صفحة 44
[صفحة فارغة] (1/44)
صفحة 45
النهي عن السخرية واللمز والتنابز
بالألقاب (1/45)
صفحة 46
[صفحة فارغة] (1/46)
صفحة 47
أ) النص:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات، 11]
ب) التحقيق اللغوي:
ولا يَسْخَرْ قَوْمُ: السخرية والاستهزاء يقال: سخرت منه أسخر سخرًا وسُخْرًا. وقد يتعدى بالباء فيقال: سخرت به ويقال هزات منه وهزات به القوم اسم جمع وهو خاص بالرجال، وقد يدخل فيه النساء تغليبا أو مجازا. اللمز: اختلف اللغويون في تحديد معنى الهمز واللمز، فقال الطبراني: اللمز باليد والعين واللسان والإشارة والهمز يكون إلا باللسان وزاد بعضهم فقال: الهمز هو ذكر عيب أحد مواجهة – أي مباشرة في وجهه – و النبز: هو لقب
السوء ج: الأنباز
قال الشاعر:
أكنه حين أناديه لأكرمه
ولا ألقبه، والسوأة اللقب
واللقب قد يُشعر بخسه. كأنف الناقة، وقد يشعر بشرف - كتاج الدين.
47 (1/47)
صفحة 48
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ج) البيان والتفسير: هذا النداء الرابع يتضمن الإرشاد لما ينبغي أن يكون عليه المسلم مع أخيه
الآية
المسلم من حسن معاملة تقتضيها الأخوة الإسلامية التي أشاد الله بها في السابقة وأحاطها بسياج من الوفاق، والصلح وهي منازل عليا تتطلب حسا اجتماعيا مرهَفًا يدرأ عن الجماعة كلّ أسباب المهاترات ودواعي التلاحي والتنافر. وكم لإرشادات القرآن من أثر طيب في نفوس الجماعات المسلمة، وهي تحدو بهم لنبذ الفرقة، والخصام حين تعتصم بحبل الله وتتمسك بعروته الوثقى. ذكر المفسرون عدة روايات لسبب النزول: فقيل إن بني تميم قد سخروا من بعض الصحابة الضعاف كبلال وعمار وصهيب، وذلك عند وفادتهم إلى رسول الله وندائه من وراء الحجرات وما تزال فيهم الشنشنة الجاهلية. أما ابن عباس فروى أنها نزلت في ثابت بن قيس عندما تخطى رقاب الناس في مجلس الرسول ليوسعوا له إلى جانب الرسول إذ كان ثقيل السمع، ولم يفسح له رجل كان بينه وبين رسول الله، فجلس ثابت من خلفه مغضبا، ثم سأل عن الرجل فقيل له فلان، فقال ثابت بن فلانة وذكر أمّاً له كان يُعيَّربها في الجاهلية فاستحيا الرجل فنزلت وقيل نزلت لما عُيّرت بعض أزواج النبي أم سلمة بالقصر وصفية بنت حيي باليهودية. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ونلاحظ تناسبا عجيبا بين هذه الإرشادات ووجوب إصلاح ذات البين بين المتخاصمين والصلح بين المتقاتلين كما ورد في الآيات السابقة، وذلك بالنهي في هذه الآية الكريمة وما يتلوها من الآيات عن أسباب التوتر والخلاف، ودواعي التنافر والكره والأخوة الإيمانية في المجتمع المسلم هي السياج الواقي وجهاز المناعة في جسم الأمة، لأن للجاهلية رواسبها في مجال العلاقات الاجتماعية يجب القضاء عليها لذلك جاءت تلك الإرشادات الربانية بأسلوب النهي الصارم مع التعليل الحكيم بعدم الاغترار بالمظاهر وسوء التقدير للمفاهيم. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء من نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [الحجرات [1]. واختيار كلمة (قوم) مع تنكيرها في مقام النهي عن السخرية هو لاعتبار ما كان شائعا عند الجاهليين
48 (1/48)
صفحة 49
النهي:
عن
السخرية واللمز والتنابز بالألقاب
من الملاحاة الجماعية بمثل هذه الأمور المنهي عنها. وهو يشمل النساء بطريق التغليب وتخصيصهن بالذكر فى الآية الكريمة لغلبة هذه الصفة عليهن أكثر، ذلك لأن المرأة أكثر حبا لذاتها حريصة على أن تكون أكثر فتنة من غيرها في أعين الرجال، وقد قال أمير الشعراء:
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهنَّ الثناء
فهي بذلك تصطاد المعايب لكل امرأة تعتقد أنها تنافسها في الجمال، والنساء أكثر انشغالا بالقيل والقال. وجملة: عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} [الحجرات، 11]، تعليل للنهي يشمل عموم الأحوال للناس أفرادا كانوا أم جماعات. ولما كان دافع السخرية عند الساخر هو الخطأ في تقدير قيمة نفسه وقيمة غيره، جاء التعليل لتصحيح ذلك الخطا، بأن لا يغتر الإنسان بالصور والأشكال، لأن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأشكال الظاهرية، ولكن ينظر إلى ما في القلوب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - رُبِّ أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس، لو أقسم على الله لأبره. رواه الحاكم -
وكما قال الشاعر:
لا تحتقر كيد الضعيف فإنما
أرقى الكواكب ما استبان ضئيلا
وقال آخر
ترى الرجل النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسد هصور
وَلا تَلْمِرُوا أَنفُسَكُمْ}: نهى الله المؤمنين عن اللمز وهو أن تعيب أحدا: مواجهته بما يكره، ولذلك أساليب مختلفة كما قال الطبري، فيكون باليد والعين واللسان وبالإشارة تعاظما وكبرياء، والقرآن الكريم يضفى هذه الصفة الخسيسة على الأثرياء الكبراء. قال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ
وَعَدَدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنْ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3)} [الهمزة، 1 - 2 - 3]
مالا
49
69 (1/49)
صفحة 50
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
وقال في سورة القلم، الآية 10 - 14 وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلَ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} فإذا كان المال أكثر فتنة للناس كما ورد في القرآن الكريم، فإن الخطوة الدنيوية الأخرى لا تقل فتنة لبعض الناس يحتقرون من دونهم في المنصب والجاه والحظوة كما قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
وهذه الأخلاق الدنيئة لا تجد مرتعا خصبا إلا عند الجماعات المتخلفة حيث تسود الروح الانفرادية عند أغلب الناس. ولذا جاء التعبير القرآني بما يبعث على الروح الجماعية في المجتمع المسلم، إذ جعل لمز النفس الواحدة فيه لمزاً لنفوس المؤمنين جميعا تأكيدا لمعنى الأخوة الإيمانية كما تقدم - وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ: التنابز بالألقاب عادة جارية بين الناس قديما وحديثا،
ومنها ما يسوه ويغيظ، وإن كان المنبوز قد رضي بالأمر الواقع. والإسلام يحافظ على كرامة كل إنسان برفع العلاقات الإنسانية والاجتماعية إلى المستوى الحضاري الرفيع ومن الألقاب ما يدل على الشرف والرفعة. والنهي بلفظ التنابز ينصب على الألقاب التي تشعر بالخسة والمهانة وتسوء المنبوزين. ولذا فلا حرج في الألقاب التي اشتهر بها أصحابها، بحيث لا تسوء أحدا كما لقب سيدنا عثمان» بذي النورين، وخالد بن الوليد بسيف الله، منهم وسيدنا عمر» بالفاروق».
بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ} الأرجح أن يكون هذا التذييل لكل المنهيات المتقدمة، بأنها كلها مذمومة عند الله، وأنها فسوق عن الصراط السوي، وظلم للغير في حقه وكرامته. وقيل المعنى: بئس أن يذكر أحد بالفسوق بعد أن وصف بالايمان.
50 (1/50)
صفحة 51
فنهى
النهي عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب
قال ابن عباس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب الله أن يُعَيَّرَ بما سلف، ويدل عليه ماروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عير مؤمنا بذنب تاب منه كان حقا على الله أن يبتليه به ويفضحه فيه في الدنيا والآخرة نقله القرطبي م 16 ص 329.
وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} والتوبة لا تكون إلا من معصيته، وقصر الظلم على مرتكبي هذه المعاصي دليل على فظاعتها، يقول الرسول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يحقره، بحسب المرء من الظلم أن يحقر أخاه المسلم). ومهما يكن حجم المعصية في أساليب السخرية والاحتقار فإن التوبة إلى الله هي البلسم الشافي الذي يزيل آثار الظلم في نفس الظالم بالإنصاف والاعتراف. ومن نفس المظلوم بالكف عما يغيظه ويسيئه وبذلك تتوثق العلائق الاجتماعية، لأنها تقوم على الأخوة الإيمانية والاحترام المتبادل.
- والله اعلم -
51 (1/51)
صفحة 52
[صفحة فارغة] (1/52)
صفحة 53
النهي عن سوء الظن والغيبة والتجسس (1/53)
صفحة 54
[صفحة فارغة] (1/54)
صفحة 55
أ) النص:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبٍ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ الله تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات، 12]
ب) التحقيق اللغوي:
الظَّنّ: هو ما يحصل في خاطر الإنسان نحو شخص أو شيء في الحكم له
معه دين الظان والمظنون به عند
أو عليه وهو مذموم ومحمود. فالمحمود ما سلم بلوغه. والمذموم ما كان ضد ذلك. قال تعالى: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْلٌ مُّبِينٌ} [النور، 12]
اجْتَنِبُوا: الاجتناب الابتعاد عن الشيء بحيث تكون منه في جانب آخر، قال تعالى: { ... فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص، 11] أي
رأته من بعيد. التجسس: البحث بوسيلة خفية عما هو مكتوم عنك.
بهتان.
والتحسس: - بالحاء هو طلب الأخبار والبحث عنها. يغتب: من الغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره وإن ذكرته بما ليس فيه فهو
ج) البيان والتفسير:
قد نتساءل: لم أعيد النداء للدين آمنوا والسياق ما يزال ينهى عن
التي تعكر صفو العلاقات الاجتماعية؟
الآفات
55
55 (1/55)
صفحة 56
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ويبدو لي والله أعلم أنَّ خاطرة الظن هي من الآفات النفسية الخفية التي تدفع إلى الآفات الظاهرة على الحواس إذا لم يجتنبها صاحبها بحمل نفسه على حسن الظن وطيب الاحتمال؛ كما قال تعالى: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْلٌ مُّبِينٌ} [النور، 12]
ولما كان الظن خاطرة قلبيه قد تميل بصاحبها إلى اتهام غيره والتجسس عليه واغتيابه، صدر النهي بالنداء المحبوب لاستجاشة العواطف الإيمانية، وذيلت المنهيات الثلاثة بالأمر بالتقوى لمزيد من الاهتمام البالغ في الحذر من هذا المزلق
الخطير. والرواية التي ذكرها المفسرون على أنها سبب للنزول نجدها قد جمعت المنهيات الثلاثة: سوء الظن والتجسُّس والاغتياب. ملخصها أن رسول الله قد ضم سليمان الفارسي إلى رجلين موسرين ليخدمها في سفر، فلم يهيء لهما طعاما لغلبة النوم عليه فأمراه بالذهاب إلى النبي ليلتمس عنده طعاما، وإداما، فأحاله النبي إلى أسامة بن زيد خازنه، وعندما رجع إلى صاحبيه بخُفَّيْ حُنَين ظن الرجلان أن أسامة قد بخل فبعثاه إلى بعض الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فقال: لو بعثنا سليمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان على أسامة فَرَآهُما النبي -صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ وعندما نفيا أنهما أكلا لحما قال لهما الرسول: ولكنكما ظللتما تأكلان لحم سلمان وأسامة، فنزلت الآية.
ومهما تكن تفاصيل الحادثة، فإن الله قد قدَّر أن تجري مثل هذه الحوادث حتى في ذلك المجتمع الفاضل من خيرة أصحاب رسول الله لنكون سببا لتشريع الأحكام وهم القدوة الحسنة للأمة من بعدهم. يقول الدكتور الشرباطي في تعريف الظن: إنَّ الظن ما يحصل عن أمارة، وهو بهذا شك ولكنه قد يلحقه تدبر فيصير ضربا من اليقين، ولكنه دون يقين المعاينة، وقد تضعف الأمارة فيكون الظن توهما وفي
هذه الحالة يكون الظن مذموما. ثم يقول: والظن الحسن هو تغليب
56
56 (1/56)
صفحة 57
57
57
النهي عن سوء الظن والغيبة والتجسس
جانب الخير على جانب الشر، وتجنب المسارعة بالاتهام دون برهان. والآية الكريمة لا تنهى عن مجرد الظن، لأن ذلك أمر متعسر، ولكنها تحرّض المؤمنين على اجتناب كثير من الظن ولم تذكر متعلق الظن ليشمل كل أنواع الظنون الآثمة. وهي ما يتعلق بأحوال الناس. وحتى يبقى المؤمن سليم النفس يجب عليه أن يمحص ويتَثَبَّتَ في الأمارات التي تبعث على الظن، أهي صادقة أم ما عناه الرسول بقوله: (إذا ظننت فلا، تحقق كما حذر المؤمنين من
كاذبة؟ وهي
الوقوع في وسوسته) فقال: (إياكم والظن فإنَّ الظن أكذب الحديث).
خير
لا
وقوله تعالى: { ... إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات، 12]، يدلُّ على أنَّ بعض الظن ليس فيه إثم، ولذلك قال بعض العلماء: إن الظن القبيح بمن ظاهره يجوز، وإنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره قبيح. غير أن الرجل الصالح أو العالم التقي، بل كل من كانت له منزلة مرموقة بين الناس يجب عليه الاحتراز من التهمة والابتعاد عن مواطن الشبهة، فإن غلطة الأمير بلقاء مشهورة، وحسنات الأبرار سيئات المقربين كما يقول المثل. وهذا رسول الله يُعَلِّم أصحابه كيف يجب أن يحترزوا من التهم. فقد روت
1:
زوجته صفية بنت حيي أن النبي كان معتكفا في المسجد، فذهبت إليه وتحدثت معه، فلما أمست انصرفت فقام رسول الله يمشي معها. فمرَّ بهما رجلان من الأنصار، فسلَّما وانصرفا، فنادهما الرسول وقال: «إنها صفية بنت حيي، فقالا: يا رسول الله ما نظن بك إلا خيرا، فقال الرسول: إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم في الجسد فخفت أن يقذف في قلبيكما». متفق عليه، واللفظ للبخاري.
فإذا قال الحكماء: الزق يرشح بما فيه، فإن هذه القاعدة تنطبق على أكثر الناس في هذا الموضوع، لأنهم غالبا ما يقيسون غيرهم بما في بواطنهم إن خيرا أو شراً، فخبيث الباطن لا تراه إلا سيء الظن بغيره، وهو إذ يمشي في الناس بقاذوراته
يفاخر بها، ويسعى إلى تكثير رفاقه حتى تعم البلوى.
42
1. موسوعة أخلاق القرءان، م 04،
ص (1/57)
صفحة 58
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
يقول المتبني في هذا المعنى:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من تَوَهُم
وعادي محبيه لقول عداته
وأصبح في ليل من الشك مظلم
فإذا كان الحذر مطلوبا من المسلم كما أَمَرَهُ الله، فإن تغليب حسن الظن بالناس في الأوساط الفاسدة الموبوءة يسبب للإنسان مشاكل كثيرة، إذ يؤتى الحذر من مأمنه، وفي الحديث (احتجزوا من الناس بسوء الظن». أما حسن الظن بالخالق فهو من كمال الإيمان لما جاء في الحديث القدسي،
«أنا عند ظن عبدي بي) ولا يظن بالله سوء إلا الكافرون، والمنافقون). يقول في سورة الفتح، الآية 6 وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} قال تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ حمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات، 12].
وفيه قراءة بالحاء «ولا تحسسوا وهما قريبتان في المعنى، وقد جمعهما الرسول في حديث: «إياكم الظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» وقد فرق اللغويون بين التجسس والتحمُّس بقولهم: «التجسس» البحث عما هو مكتوم بطرق خفية. والتحسس) هو تسقط الأخبار والبحث عنها، والواقع أن الدافع لذلك هو سوء الظن، سيما إذا تمكن من النفس، فإنَّ صاحبها لا يهدأ له بال وقد طغى عليه الوهم والشك، فلا ينفك عن تتبع عورات الناس والتماس عيوبهم.
1. رواه الشيخان.
58 (1/58)
صفحة 59
النهي عن سوء الظن والغيبة والتجسس
والجاسوس لا يكتفي بمعرفة ذلك لنفسه، بل يفعل ذلك لغيره. كما قال تعالى في شأن المنافقين: {وَفِيكُمْ سَمَاعُونَ لَهُمْ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ} [التوبة، 47]. وقد أصبح فن الجوسسة أمرا متعارفا عليه لدى الأمم. فالآية الكريمة تنهى عن كشف عورات الناس وتتبع سقطتاتهم في زواياهم وخباياهم، بل يجب أن نتعامل مع خلق الله على حسب ظواهرهم، فهذا رسول الله المؤيد بالوحي تعامل مع المنافقين بحسب ظواهرهم بين جماعة المسلمين. وكان من توجيهاته عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى التصوّن والستر، كما في حديث (من ستر أخاه المسلم في الدنيا فلم يفضحه، ستره الله يوم القيامة» وفي حديث آخر: (لا تؤذوا عباد الله ولا تُغيَّروهم، ولا تطلبوا عوراتهم فإن من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته). ولسيدنا عمر - رضي الله عنه – أيام خلافته قصص مع كثير من الأصحاب، تجسس عليهم من شدة حرصه على أمور الرعية ولكن هؤلاء الزموه الحجة بهذه الآية الكريمة فتركهم. ومن ذلك ما حدث لأبي محجن الثقفي إذ كان يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل: فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك، فقد نهاك الله عن التجسس، فخرج
عمر وتركه.
وجدير بالملاحظة في هذا المقام أنَّ التجسس المنهي عنه هو الذي يضرُّ بالمسلمين فرادى أو جماعات، أما ما هو ضروري لدرء الأخطار عنهم مما يكيد به أعداؤهم فلا يشمله هذا النهي، إذ كان النبي يبث عيونه للإطلاع على تحركات العدو، ومن هذا النوع الجائز لضمان أمن المجتمع تعقب قوات الأمن لتحركات جماعات المجرمين. وذلك من باب الحيطة والحذر إذ أمر الله تعالى المؤمنين بذلك
في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... } [النساء، 71].
وقال تعالى: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات، 12].
نهي
الله
عن الاغتياب وهو أن تذكر أخاك في غيبته بما لا يحب أن يذكر به والاسم منه (الغيبية). وفرّق بعضُ العلماء بين الغيبة والإفك والبهتان، وكلها وردت في كتاب الله، فقالوا: الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه والإفك أن «تقول فيه ما بلغك عنه، والبهتان أن تقول فيه ما ليس فيه».
59 (1/59)
صفحة 60
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة، من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
(
وجاء التعبير (لا يغتب بعضكم بعضا ليكون شاملا ولم يقل في هذا النهي لا تغتابوا أنفسكم كما تقدم في اللمز، وقد علله الإمام الرازي بقوله: «وأما من اغتاب فالمغتاب أولا يعلم عيبه فلا يحمل فعله على أن يعتابه، فلم يقل ولا تغتابوا أنفسكم»، لما أن الغيبة ليست حاملة للعائب على عيب من اغتابه، والعيب حامل على الغيب) م 28 ص 134 قلت: إن اختيار البعضية المشتركة بغضهم بغضا» مع ذكر الأخوة في التشبيه اللاحق يوحي بوجوب مراعاة حق تلك الأخوَّة التي أحاطها الإسلام بسياج من الكرامة والتقدير، فلا تدنّس بما يخدش كرامتها. ففي هذا التشبيه التمثيلي نجد المشبه - وهو اغتياب البعض للبعض - يقابله المشبه به أكل الأخ للحم أخيه الميت، فإذا كان أكل اللحم الآدمي فظيعا لا يرتكبه عاقل سليم الفطرة، فهو أفظع وأشد وحشية إذا كان المأكول لحم أخيك الميت. ولذلك عقب على هذا التشبيه بقوله تعالى: {فَكَرِهْتُمُوهُ} أي إذا حصلت عندكم الكراهة بأكل لحم الميت فاكرهوا غيبة الناس وقد قال المفسرون أن اللفظ وإن جاء على صيغة الخبر فهو في المعنى أمر. وما أبلغ الاستفهام التقريري في أول الخبر (أيحبُّ أحدكم» يمهد للجواب في آخره بقوله فَكَرِهْتُمُوهُ) ثم يأتي الأمر بالتقوى معطوفا على قوله: اجْتَنِبُوا، ليتناول المنهيات الثلاثة، وهي مُفْتَتَحَةٌ باستجابة الشعور الإيماني: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا).
ومختتمة بأمره بتقوى الله التي تدفعه إلى التوبة والاستغفار كلما بدرت منه بادرة بإحدى تلك المنهيات وللشاعر الكندي تعبير جيد في هذا المعنى قال:
وإن الذي بيني وبين بني أبي
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
وإن ضيعوا غيبي حفظت غُيُوبهم
وبين بني عمي لمختلف جدا
وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
60 (1/60)
صفحة 61
النهي عن سوء الظن والغيبة والتجسس
وإن زجروا بالنَّحْسِ طَيْرًا تمر بي
ولا أحمل الحقد القديم عليهم
زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا
فليس كريم القوم من يحمل الحقدا
ولعلماء الأمة خلاف فى حكم الغيبة؛ أهي من الكبائر أم الصغائر؟ بل هي من الكبائر عند أرجح الأقوال وفرَّعوا عن هذا الاختلاف كيفية التوبة من هذا الذنب، أيجب استحلال المغتاب بعد التوبة إلى الله أم لا؟
من
فمن قائل بوجوب الاستحلال ومن قائل بعدم وجوبه لأنها خطيئة بينه وبين ربه، وأن المظلمة لا تكون إلا في البدن، والمال، ومن قائل: إن كفارة ذلك أن يستغفر لصاحبه الذي اغتابه والأرجح أنها مظلمة يجب أن يتحللها لقوله - عليه السلام - من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحلله منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه دينار ولا درهم يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته» رواه البخاري وليست الغيبة محرمة في كل حالة ولجميع الناس إذ فصل علماء الأمة بعض الأحوال والأشخاص لا تحترم الغيبة معهم، منها: أ- التظلم، وهو أن يشكو المظلوم لمن يظن أنه في مقدوره أن يزيل ظلامته يقول تعالى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء، 148]. ويقول عليه السلام: «لصاحب الحق مقال) ويقول الواجد يحل عرضه وعقوبته. ب - المغير للمنكر يستعين بمن يظن قدرته على إزالته فيذكر له ذلك المنكر. ج - التشهير بالفاسق المجاهر والمتباهي بما يفعل. لقوله عليه السلام: «اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس». د - المستفتي يذكر لمفتيه ما يُعينه على الإفتاء الصحيح كما فعلت هند بنت عتبة مع رسول الله حين وصفت زوجها أبا سفيان بالشح فرخص لها أن تأخذ من ماله من غير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف.
ومن
هذا الباب أيضا ما يكون من الاستشارة إذا كان في ذكر المغتاب بالسوء فائدة، كما أشار رسول الله لفاطمة بنت قيس حين خطبت للزواج، فقال لها عليه الصلاة والسلام أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع
عصاه
عن عاتقه.
61 (1/61)
صفحة 62
29
62
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
هـ ـ ما يكون لتخريج الشهود والرواة ومن إليهم كرجال الإعلام حتى لا يغتر
المسلمون منهم. و وأخيرا يقول الإمام ابن عاشور في تنويره وتحريره:
يقول في سياق عموم البلوى بالغيبة كما هو شأن الناس اليوم، وأما عموم البلوى فلا يجب اغتفار ما عمت به إلا عند الضرورة والتعذُر، ثم يقول: أنَّ وعندي الضابط في ذلك أن يكثر في الناس كثرة بحيث يصير غير دال على استخفاف بالوازع الديني، حينئد يفارقها معنى ضعف الديانة الذين جعله
الشافعية جزءا من ماهية الغيبة - انتهى
ج 26 ص 257.
والله اعلم - (1/62)
صفحة 63
مبدأ المساواة بين الناس في الإسلام (1/63)
صفحة 64
[صفحة فارغة] (1/64)
صفحة 65
أ) النص:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات، 13]
ب) التحقيق اللغوي: الشعوب: مفرده «شعب) - بفتح الشين مجمع القبائل التي ترجع إلى جد واحد وذلك لتشعبهم واجتماعهم كأغصان الشجرة. والشعب بكسر الشين الطريق في الجبل يجمع على شعاب والقبائل» مفرده «قبيلة» ما تحت الشعب مثل تميم من مضر.
،
ونسابة العرب يقسمون نسل العرب إلى سبع شعب كمضر وربيعة، قبيلة ككنانة عمارة كقريش بطن كقصي «فخذ» كعبد مناف، (فصيلة) كهاشم، «عشيرة» كعباس.
(
ج) البيان والتفسير: بعد المنهيات المتقدمة والتي من شأنها أن تفكك أواصر الجماعة المؤمنة إن لم تتذرع بالإيمان والتقوى محاربتها. يختتم الله تعالى تلك التوجيهات بهذا النداء العام لأمة الدعوة (يا أيها الناس) لمناسبة ذلك الإرشاد، فيذكر بأصل الخلقة للبشرية كلها لا فرق بين مؤمن ولا كافر ومناسبة ذلك بالنسبة للتوجيهات السابقة هي محاربة ما بقي من الرواسب الجاهلية في التعاظم بالآباء والأجداد والتفاخر بالأنساب، تلك الشنشنة التي سرعان ما ينجم قرنها كلما عرت رياح
65 (1/65)
صفحة 66
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
التلاحي على بقاياها سيما ونحن في عام الوفود بعد فتح مكة، والمسلمون الجدد قريبو العهد من العادات والتقاليد الجاهلية، ولذا نجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يركز على هذا المبدإ مبدإ المساواة بين الناس في وصاياه للأمة بحجة الوداع فيقول: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم - قال: فليبلغ الشاهد الغائب»، كما قال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.
تذكر الروايات بعض الأحداث التي كانت سببا للنزول، وهي توضح أثر تلك الرواسب الجاهلية من تحقير وسخرية بين قبيلة وأخرى أو بين فرد وآخر بسبب اللون أو الجنس أو النسب. وخير عينة على ذلك هي ما خلده الشعر العربي في المعلقات الجاهلية بل حتى في صدر الإسلام الأول في ما وقع من التلاحي بين الشاعرين الفحلين، جرير والفرزدق ومن أقوال هذا الأخير لجرير:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ويقول:
فغض الطرف إِنَّكَ من تميرٍ
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
وكان الفرزدق من قبيلة بني تميم ذات الشهرة والنفوذ الواسع في الجزيرة. وما كان من رسول الله، وهو يلمس آثار تلك الرواسب بعد فتح مكة إلا أن يعفي على تلك الآثار بإرشاده الحكيم فيقول: – أيها الناس إن الله قد أذهب
الله
عنكم عيبة الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بَر تقي كريم عند ورجل فاجر شقي هين على الله ثم قرأ هذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} [الحجرات، 13]، والمقصود بالذكر والأنثى أبونا آدم وأمنا حواء، أو هما صنف الذكر والأنثى اللذين يتكوّن منهما الفرد البشري على سنة الزوجية
66 (1/66)
صفحة 67
مبدأ المساواة بين الناس في الإسلام
التي تنتظم الخلائق كلها كما قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وفي التقسيم الاجتماعي للمجموعات البشرية تذكر الآية نوعين منهما: الشعوب والقبائل، وذلك وفق ما كان معروفا لدى العرب، لأن الشعوب هي مجمع القبائل التي ترجع إلى جد واحد. ككنانة وقيس وتميم من شعب مصر، والأوس والخزرج من شعب (أزد).
ولما كان الواقع المرير الذي عاشته الجاهلية حين كان ذلك التقسيم مثار الحمية والعصبية والتنافر، جاءت علة جعل الله إيانا شعوبا وقبائل على خلاف ذلك الواقع حين يكون سببا للتكامل والتعارف وهو يحتضن الهرم الاجتماعي من قاعدته إلى قمته انطلاقا من الأسرة إلى مجمع الأمة بكاملها، تدرجا واستشرافا، إلى الوحدة الإنسانية جمعاء، والتي جاءت الدعوة الإسلامية تنادى بها، وترفع شعار المساواة بين الأجناس والألوان. إذ جعل الله ذلك الاختلاف مجلى لعظمته وقدرته، وآية لتدبيره وحكمته، فقال تعالى في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لِلْعَالَمِينَ، وإذا خطبته عليه السلام في حجة الوداع بمنزلة الدستور القديم للأمة الإسلامية فإن من بنوده الأساسية مبدأ المساواة بين الناس كما تقدم
ولئن افتخرت الحضارة الحديثة بالثالوت الجريء الذي رفعته الثورة الفرنسية حين نادت بالحرية والإخاء والمساواة واعتبرته أوروبا فتحا مبينا بانتصارها على سلطة الكنيسة والملوكية وعلى الإقطاع، فإن للأمة الإسلامية أن تعتز وتفتخر بأن كانت السباقة إلى تركيز تلك المبادئ وتطبيقها فى الحياة الواقعية. ورسولها الأعظم هو القدوة في كل إصلاح دعا إليه، وفي كل مبدأ نادى به. ألم يكن من حاشيته الخاصة: بلال الحبشي وصهيب الرومي وسَلْمَان الفارسي؟ وكان يقول
1 - الذاريات 49.
2 - الروم 22.
67
67 (1/67)
صفحة 68
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
لأصحابه كلما تحركت فيهم الحمية الجاهلية بتحريض من اليهود والمنافقين في بعض المواقف، يقول: (دعوها فإنها منتنة -أي العصبة الجاهلية 1. وإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات، 13]، والتفاضل بين الخلائق من سنة الله في خلقه، ولكن المعيار الذي يعرف به فضل الناس وتضبط به قيمتهم هو تقوى الله، فعلى قدر تقواهم تكون كرامتهم عند الله، وبذلك ينهار ذلك السد السميك الذي وضعه البشر من الفوارق الاجتماعية المزيفة، وبنوا عليه ارتبطاتهم الاجتماعية المختلفة، ونشأت عنها تلك الصراعات الدامية قديما وحديثا.
ويوم يحتكم الناس إلى ذلك المعيار اللاهي ويقيمون حظوظهم وفق مقاييسه فسوف تتقلص من حياتهم ظواهر التشنج والتوتر، وبالتالي تقل دوافع العنف والإرهاب، ويعيش الناس في أمن وسلام
إن الله عليم خبير عليم بما تكون فيه كرامتكم، وتستقيم به أموركم،
وهو خبير بشؤون عباده عالم بدخائلهم، يزنهم بميزان الحق وهو أعلم بمن اتقى.
- والله أعلم -
1. رواه مسلم.
68 (1/68)
صفحة 69
بيان عناصر الإيمان الصادق (1/69)
صفحة 70
[صفحة فارغة] (1/70)
صفحة 71
أ) النص:
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَمَا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ لَا يَلتُكُم مِّنْ أَعْمَالَكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبيل الله أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)} [الحجرات، 14 - 15].
ب) التحقيق اللغوي: الْأَعْرَابُ: سكان البادبية من العرب خاصة، ليس له مفرد، ويضاف إلى ياء النسبية إذا أريد به الإفراد فيقال أعرابي أَسْلَمْنَا: أي خضعنا واستسلمنا لَا يَلِتْكُم: لا ينقصكم من فعل؛ لات، يليت. ويقال، آلت، ألتنا والمعنى واحد قال تعالى: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِنْ شَيْءٍ} [الطور، 21]. لَمْ يَرْتَابُوا) أي لم يشكوا ولم يترددوا.
ج) البيان والتفسير:
يعد إعلان مبدإ المساواة بين البشر في أصل الكرامة الإنسانية، وإن التقوى وحدها هي معيار التفاضل عند الله، والتقوى لا تكون إلا بالإيمان الصحيح، وقد حدد الله عناصره الأساسية بعد أن أورد مقولة «عراب قيل أنهم بنوا أسد بن خزيمة جاؤوا لرسول الله، وكانت سنة جدب ببلادهم وقد أسلموا وامتنوا على رسول الله بقولهم: جئناك بالأثقال والعيال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلتك العرب، وكانوا يرددون ذلك المنَّ على رسول الله ليصرف إليهم الصدقات
71 (1/71)
صفحة 72
بيان ما في سورتي الحجرات، والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
وكان هذا الموقف الجافي مناسبا لما تقدم في الآيات السابقة من جفاء بني تميم في ندائهم للرسول، وهنا يذكر جفاء بني أسد بمنهم عليه.
وقد تنزلت هذه الإرشادات اللاهية لتبين للمؤمنين كيف يرتفعون إلى المستوى
الحضاري الرفيع في علاقتهم بالله ورسوله وعلاقة بعضهم ببعض. وفي سورة التوبة نجد ذلك التصنيف الدقيق لهؤلاء الأعراب في سنة الوفود، على أساس من صدق الإيمان وهشاشته ليتبيَّن الرسول حقيقة واقعهم في التعامل معهم بما يناسب كل صنف.
قالوا آمنا، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فأنبأهم الله بحقيقة ما في قلوبهم من التردد والشك والارتياب وبيّن لهم الفرق بين حقيقة الإيمان والإسلام، وإن ما أظهروه للرسول هو الإسلام، أي الخضوع والاستسلام لدافع منفعة عاجلة في الحفاظ على أنفسهم وأموالهم.
ولم يعنّفهم الله تعالى بتكذيبهم في ما قالوه، بل أعلمهم بحقيقة أمرهم، ثم عرفهم بحقيقة للإيمان المطلوب وأن مستقره القلب. فأية سياسة حكيمة في هذا الأسلوب الإلهي، وهو يتألف قلوب هؤلاء الأعراب، ويدعوهم إلى حظيرة الإيمان الصحيح فحسب الإنسان أن يخطُوَ الخطوة الأولى إلى ساحة الله ورسوله بالإيمان والخضوع وحسبه بذلك أن يتخطى عتبة الكفر والشرك وينجو من براثين الشيطان وأعوانه، فإنه بذلك يغرس البذرة الأولى للإيمان في قلبه، وحين نجد التربة الطيبة والمناخ الملائم، فإنها تنفتق عن شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء لأن أول الغيث قطر ثم ينهمر. ولعل هذا ما تستروحه من الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد، 17].
قد يقول الإنسان ما ليس له معتقد في القلب، والإنسان مدفوع أن يقول في بعض المواقف، وهو يتقلب مع الظروف ويتعامل مع بني جنسه لينال مطلبا أو يحقق هدفا، ولكن الله العليم بذات الصدور لا ينظر إلى الصور والأشكال، ولا تخفى عليه الدوافع والنوايا والقلب وحده هو مستودع الأسرار، ومنبع المقاصد والنوايا، والإيمان الصادق هو ما وقر في القلب وصدقة العمل.
72 (1/72)
صفحة 73
بيان عناصر الإيمان الصادق
وحين قال الأعراب بألسنتهم «آمنا» أجابهم الله بحقيقة ما في قلوبهم من الشك والارتياب، وأنَّ المظهر الذي بدوا عليه أمام رسول الله إنما هو الإسلام فهم في أول السلم يتدرجون، فلماذا جاؤوا «يمنون» وقوله تعالى: {وَلَما يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات،14]، يدل على انتفاء الإيمان الصحيح من قلوبهم إلى زمن الأخبار. وقد عرَّف الرسول كلا من الإيمان والإسلام في حديث جبريل عليه السلام حين قال للرسول: أخبرني عن الإيمان فقال رسول الله الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وأما عن الإسلام فقال: الإسلام أن تشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت
إليه سبيلا.
وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات، 14]، فأي سياسة حكيمة تأخذ بأيدي هؤلاء إلى حظيرة الإيمان الصحيح،
فحسبهم ذلك الإسلام الذي يفصلهم عن الكفر، فيرشدون إلى الإيمان المطلوب. إنه الإرشاد الإلاهي الذي لا ينفر، إذ أنه لا يبخس أي حق مهما ضؤل، بل هو الغفور الرحيم لمن تاب إليه وأناب وفي اختيار هاتين الصفتين للذات العلية تحريض لهم على الإيمان الصحيح الذي بين الله عناصره الأساسية بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبيل اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات، 15]، صدرت الجملة «بإنما» لإفادة الحصر، وهي تبين العناصر الأساسية للإيمان الكامل الصحيح المطلوب وهي: أ ـ أن يستقر الإيمان بالله ورسوله في قلب المؤمن استقراراً متمكنا ثابتا ويقر به اللسان في صدق وإخلاص.
ب ـ أن لا يتطرق إليه أي شك وارتياب في الحال والاستقبال؛ وقد أفاد ذلك العطف «بثم» التي تدل على التراخي، أي لا يتطرق إليه أدني شك بعد أن يستقر في القلب. ج - وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبيل الله} [الحجرات، 15]، والجهاد في سبيل الله بمفهومه الواسع هو البرهان القاطع على صدق ذلك الإيمان، بحيث
73 (1/73)
صفحة 74
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
يكون ذلك الجهاد لإعلاء كلمة الله وطلب مرضاته. وتخصيص ذكر الجهاد دون بقية الأعمال الصالحة الأخرى لأنه المحك الحقيقي للإيمان الصادق من الإيمان الزائف ولذلك جاء التعقيب بقوله: {أَوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات، 15]، لا غيرهم، ونظير هذه الآية في سورة الصف بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تَجَارَةِ تُنجيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) [الصف، 10 - 11] ثم بين الله أوجه تلك الخيرية نتيجة للجهاد فقال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتٍ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأَخْرَى تُحِبُونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)} [الصف، 12 - 13].
إنه النصر على الأعداء والتمكين في الأرض بالعرة والسلطان وهو الجزاء الدنيوي العاجل، يعقبه النعميم المقيم في الجزاء الأخروي ومغفرة الله ورضوانه. ونلاحظ أنه كلما ذكر الجهاد في القرآن كما في هاتين الآيتين، إلا ونجد المال مقدما على الأنفس. لأن المال هو قوام القوة المطلوبة لمواجهة العدو في أمره تعالي للمؤمنين: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قَوَةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللَّهِ وَعَدُوكُمْ} [الأنفال، 60]. وإننا في ختام هذه الآية الكريمة نهيب اليوم بالدعاة إلى الله أن يسترشدوا بما ورد في هذه الآية من الأساليب الحكيمة في النصح والإرشاد وهم لا يواجهون كفارا ولا مشركين، بل يواجهون أمثالهم من إخوانهم المسلمين، ليس لهم من
ذنب إلا أنهم يخالفونهم في الرأي أو الانتماء المذهبي، فليكونوا مبشرين
منفرين، فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه.
لا
74
والله اعلم - (1/74)
صفحة 75
الله وحده المنة في نعمة الهداية (1/75)
صفحة 76
[صفحة فارغة] (1/76)
صفحة 77
أ) النص:
{قُلْ أَتُعَلَّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} [الحجرات، 16 - 17 - 18].
ب) التحقيق اللغوي: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ} الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والضمير يعود إلى الأعراب الذين حلفوا للرسول أنهم مؤمنون. تُعلمون الله بدينهم، أن يخبرونه بما
في قلوبهم، والحال أن الله يعلم ما في السموات والأرض. يَمُنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا يمنون من المن. هو ذكر النعمة والإحسان ليراعيه المحسن إليه. «أن أسلموا في موضع النصب - بنزع الخافض والتقدير «يمنون عليك بإسلامهم» بَل الله يمن عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي يكون الفضل الله وحده في ما
ادعوه من الإيمان، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
ج البيان والتفسير: أعيد الأمر الإلاهي لرسوله (قل لطول الفصل، لأن المقول لهم هم الأعراب الذين أمر الرسول أن يقول لهم «لم نؤمنوا قيل أنهم لما سمعوا ذلك جاؤوا إلى النبي يحلفون إنهم مؤمنون ... ولكن الله العليم بحقيقة أمرهم أنكر عليهم ذلك الموقف الذي يحاولون به إخفاء ما في باطنهم و الحال أنه تعالى لا يخفى
77 (1/77)
صفحة 78
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وللدلالة على شدة إلحاحهم في الاستدلال على خلوص إيمانهم لإقناع الرسول بذلك جيء بصيغة التفعيل في قوله تعالى: {أَتُعَلِّمُونَ الله بدِينِكُمْ، ثُم قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَل الله يمن عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في ذلك إشارة إلى موقف بني أسد
حين جاءوا إلى رسول الله بعيالهم وذراريهم وقالوا له::: لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان امتنانا منهم على رسول الله بإسلامهم، فرد الله عليهم بهذا الرد اللطيف الذي يردُّ فيه المنة كلها الله وحده أن أرشدهم إلى الإيمان إن كانوا صادقين في ما يدعونه، وسماه الله إيمانا مجاراة لزعمهم، وإلا فإن الإيمان الحقيقي متى تحقق في عبد من عباد الله، فإن المنة في ذلك تكون الله وحده، إذ أنعم على عبده بتلك الهداية، ويعود نفعها على صاحبها، لا على الرسول الداعي وقوله بَل الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} فيه إيذان بأنه تعالى سيمن عليكم بذلك
متى شاء.
ثم في ختام السورة احد الله تعالى علمه بكل شيء فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، أكدت الجملة بإنَّ لأن المتحدث عنهم لم تكتمل بعد في عقولهم الصفات الكاملة للألوهية الحقة وقد خصص هنا علم الغيوبات على علمه الشامل المذكور فى الآية السابقة من باب ذكر الأخص بعد الأعم ليكون أنسب بيان بصره تعالى بأعمال عباده ليحاربهم بها إن -
خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وفي قوله: تعلمون قراءة بياء الغائب «يعلمون».
والله اعلم –
78 (1/78)
صفحة 79
من إرشادات سورة المجادلة (1/79)
صفحة 80
[صفحة فارغة] (1/80)
صفحة 81
بين يدي السورة (1/81)
صفحة 82
[صفحة فارغة] (1/82)
صفحة 83
ليس من غرضي أن أغطي السورة الكريمة سورة المجادلة بيانا وتفسيرا
لجميع آياتها كما فعلت بسورة الحجرات بل أتناول منها ما يتعلق ببعض الإرشادات للمجتمع المسلم، وهو يعايش في المدينة أصنافا من العناصر البشرية التي لا ينسجم معها ولا تتمتع بالحصانة الإيمانية التي تنفى عنها أوضار الجاهلية وتحررها من أغلال الطائفية لأن التركيبة البشرية في المجتمع المدني ما تزال من أول تدافعها ومماحكتها لغرض وجودها وإسماع صوتها فإلى جانب المسلمين ووحدة جبهتهم تحت راية الدين البرية، فهناك المنافقون ممن آثروا أسلوب المراوغة والتعلق بالإيمان الكاذبة وهناك اليهود بكيانهم المستقبل ونفوذهم الاقتصادي ونظرتهم الحولاء لمن يسمونهم «بالأميين».
فان السورة الكريمة في أغراضها الأساسية قد تعرضت إلى تلك الجوانب، وأشارت إلى تلك العناصر، وهي تخص المجتمع المسلم بتوجيهات عقائدية وسلوكية لترشيد للبشرية جماعته وتوطيد الأخوة الإيمانية للتغلب على كل التناقضات الاجتماعية التي تناوشه من هنا وهناك.
وسوف أركز على تلك الإرشادات التي أعتبرها في صميم أخلاق القرآن التي ينبغي للمسلم الواعي أن يتدبرها ويحاول تطبيقها في محيطه الأسري والاجتماعي. والله أسأل أن يوفقني في اختيار النصوص المناسبة وفي بيان دلالاتها وأحكامها لتتكامل مع ما ورد في سورة الحجرات من توجيهات وإرشادات وكلتاها سورة مدنية تركز ان أسس الدولة الإسلامية الفتية.
المؤلف
العطف يوم: 01 صفر 1432 الموافق ليوم 06 جانفي 2011
83 (1/83)
صفحة 84
[صفحة فارغة] (1/84)
صفحة 85
علم الله بأحوال خلقه ووعيد المناجين
بالسوء (1/85)
صفحة 86
[صفحة فارغة] (1/86)
صفحة 87
أ) النص:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةِ إلَّا هُوَ رَابعُهُمْ وَلا خَمْسَةِ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّعُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَن النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لَمَا نُهُوا النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهَ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ الله بما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبقس المصير (8)، [المجادلة،
[8 - 7
ب) التحقيق اللغوي:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَم ألم تر: الرؤية علمية والخطاب للرسول ولمن يتلقى القرآن يعلم والمصدر سدَّ مَسَدَّ المفعول مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَة إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} النجوى اسم مصدر) (ناجاه)) إذا سارَّهُ بكلام خفي والنجوى هو ما ارتفع من الأرض، لأنَّ المتسارين كأنهما يجلوان وحدهما بنجوة من الأرض. مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةِ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ تخصيص الأعداد بالذكر في الآية لا تقصد لذاتها، وإنما لكون المناجين يكونون مجموعات بذلك العدد. وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله كقول اليهود لرسول الله السام عليك أي الموت وتحية الله هي السلام على عباده الذين اصطفى. {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسهمْ} أي يقول بعضهم لبعض أو يقولون فى مجامعهم و حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ لوْنَهَا أي كافيهم من العذاب نار جهنم يقاسون حرها.
87 (1/87)
صفحة 88
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
ج البيان والتفسير:
يعد بيان حكم الظهار في مفتتح السورة الكريمة، وذلك في إطار المحافظة على استقرار الأسرة المسلمة وصيانتها من عوامل التفتت والانهيار. انتقل السياق إلى معالجة أوضاع المنافقين ومما لأنهم لليهود في إذاية المسلمين ووضع العراقيل في مسار الدعوة الإسلامية تجاه الوعيد الشديد للذين يحادُّون الله ورسوله، وقبل أن يتطرق إلى ذكر بعض أحوالهم في معاملة المسلمين، مهد لذلك بذكر عنصر هام من عناصر العقيدة الإسلامية في بيان الصفات الواجبة للذات العلية من العلم الكامل المطلق الذي يحيط بكل ما في أرجاء الملكوت. ويطلح على أعمال خلقه ويحصيها عليهم فلا تخفى منها خافية. ثم يجازيهم عليها إن خيرا أوشرا. لأن ربط الأعمال والسلوكات بالعقيدة يجعلها أوثق حظا في التطبيق والتنفيذ وأدعى إلى الطاعة والانقياد. قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةِ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةِ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة، 7].
الله
الخطاب لرسول الله ولكل قارئ القرآن والاستفهام تعجبي، والرؤية علمية، وجملة «يعلم ما في السموات» سدت مَسَّدَّ المفعول، فالحياة والعلم والقدرة من الصفات الواجبة للذات العلية. وقد كان مربونا في الكتاتيب رحمهم - يلقنون لنا منذ نعومة أظفارنا أصول العقيدة الإسلامية بأسلوب بسيط وفق مداركنا فيقولون لنا مثلا في شأن علم الله المحيط يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصَّمَّاء في الليلة الظلماء ... يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة.
وفي هذه الآية الكريمة يضع الله القاعدة العامة لعلمه الشامل المحيط الذي يسع السموات والأرض وهي في المصطلح القرآني كل ما في الكون مما نعرفه وما لا نعرفه. ثم يمثل لذلك بما هو من واقع حياتنا ومألوف أحوالنا. فيذكر منها ما هو أدعى إلى الستر والإخفاء مما يدور - أحيانا- بيننا من التناجي، أي المسارة بالكلام الحفي مهما تكن الدوافع إلى ذلك.
88 (1/88)
صفحة 89
علم الله بأحوال خلقه ووعيد المناجين بالسوء
وفي الواقع المعيش من التركيبة البشرية في المدينة المنورة، فإن المنافقين لا ينفكون عن مراوغة المسلمين وإغاظتهم باستعمال ذلك الأسلوب الخسيس من التناجي فيما بينهم. إذ يلتقون في مجموعات تقل أو تكثر وهم لضعف عقيدتهم في الله أو لانعدامها تماما يتوهمون أنَّ النجوى لا يسمعها أحد غيرهم. فنبههم الله إلى ذلك الاعتقاد الزائغ وأخبرهم بأنه تعالى يعلم سرهم ونجواهم وهو معهم أينما كانوا. وعلم الله لا يعتريه النسيان بطول الوقت كما يحدث للبشر، كما قال تعالى: أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ} وهنا يقول: ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، ففى ذلك الإنباء بعد تقادم العهد تأكيد لديمومة علم الله وشموليته بما يلزم الحجة ويضع المكلفين أمام مسؤوليتهم ولهذه الآية نظائر في القران الكريم
لقوله تعالى:
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَامُ الْغُيُوبِ،
[التوبة، 78]
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}،
[الزخرف، 80].
بل إنَّ علم الله بأحوال عباده لا يقتصر على المنطوق باللسان والمتصرف بالجوارح، ولكن ينفذ إلى مكامن السر في أغوار النفس وحنايا الصدور، فيقول
تعالى:
- يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}، [غافر، 19]. ب - وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، [ق، 16] فإذا كان من صفات الله الحسنى أنه سميع بصير، وأنه عليم خبير ولخلقه رقيب حسيب، وهو تعالى ينبئنا كيف يكون في موقف الحساب شاهدا على نفسه، ويشهد عليه لسانه وجوارحه بما كان يعمل إذا ما حاول الإنكار وكيف تعرض عليہ صحائفه فيقال له: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، [الإسراء، 14].
قلت: إذا كان الله يخبرنا بما ينتظرنا في ذلك العالم الغيبي العجيب من أمور لا تكاد عقولنا تعيها ولا نكاد نستوعبها إلا بالإيمان الصادق، فإن ما
89
68 (1/89)
صفحة 90
90
96
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
توصلت إليه التكنولوجيا في مجال الاتصالات والمعلومات تجعلنا نحن أبناء هذا الجيل – أرسخ إيمانا ويقينا بما ورد في كتاب الله من أحوال يوم القيامة ولله المثل الأعلى - وما ندري ما يكون من تطورات في التكنولوجيا المعلوماتية وهي لا تزيد المؤمنين إلا إيمانا وتصديقا بعظمة الله وقدرته وما الإنسان وعقله إلا دليل
على تلك العظمة وتلك القدرة.
والله اعلم (1/90)
صفحة 91
عقاب المتناجين بالسوء وآداب المناجاة (1/91)
صفحة 92
[صفحة فارغة] (1/92)
صفحة 93
أ) النص:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْم وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى، مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)،
المجادلة، 8 - 9 - 10].
صدق الله العظيم
ب) التحقيق اللغوي:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ألم تر: الاستفهام تعجبي للتوبيخ والرؤية هنا بصرية والذين نهوا عن النجوى هم اليهود والمنافقون نهاهم الرسول عن ذلك إذ تأذى المسلمون بذلك لإيقاع للريبة في قلوبهم. ولكنهم عادوا لمثل ذلك وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ الإثم: الذنب بما في كلامهم من الكفر وإذاية المسلمين والعدوان والاعتداء على الغير، وتكون معصيتهم للرسول بمخالفة ما يأمرهم به. وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله) وذلك بقول اليهود لرسول الله «السام عليك». وهم يقصدون الموت، وتحية الله لرسله هي «السلام على عباده الذين
اصطفى» «وسلام على المرسلين». وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بَمَا
35
93 (1/93)
صفحة 94
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
نَقُولُ أي إن كان حقا رسولا من عند الله فهلا يعذبنا بسبب ما نقول. إذا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ التقييد «بإذا» يشير إلى أنه لا ينبغي التناجي، فإن لم يكن منه بد فليحذروا من عواقبه. {وَتَنَاجَوْابِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى البر: ضد الإثم، وهو كل ما فيه الخير للمجتمع المسلم. إنما النَّجْوَى،
مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا: النجوى الـ للعهد أي نجوى المنافقين، الشيطان هو المزين لها والمحرّض عليها ليحزن الذين آمنوا بما ينتابهم من خواطر الشر وسوء الظنون. {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي لا يضر المؤمنين ذلك لأن الله يحفظهم من كيد الشياطين.
شيئا) منصوب على المفعول المطلق.
حسبهم جهنم يصلونها مبتدأ خبر والجملة يصلونها في موضع نصب حال.
الله
ج) البيان والتفسير:
بعد تركيز العقيدة بعلم الله الشامل المحيط بكل شيء، وأنه سميع لأحاديث خلقه في السر والعلانية أعقب الله ذلك ببيان موقف اليهود والمنافقين من التناجي في ما بينهم بحضرة المؤمنين لأغاظتهم وبعث الشكوك في نفوسهم فنهاهم رسول عن ذلك فلم ينتهوا وكيف كان اليهود يحيون رسول الله بالسوء مخالفين تحية الله لِرُسُلِه فهددهم بوعيد جهنم، ثم بيَّن للمؤمنين آداب التناجي ودعاهم إلى البر والتقوى وطمأنهم بالوقاية من كيد الشيطان في تحريض أوليائه على إذاية المؤمنين، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَن النَّجْوَى، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ التعبير بصيغة الماضي «نهوا عن النجوى وخطاب رسول الله بصيغة الاستفهام التعجبي يدلُّ على أن ذلك قد سبق نزول هذه الآية، كما ورد في أسباب النزول، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ابن حيان قال كان بين النبي -صلى الله عليه وسلم وبين اليهود، موادعة، فكانوا إذا مرَّ بهم رجل من الصحابة جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكرهه فنهاهم النبي عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت الآية: (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى». النجوى: هي
النهي
:
94 (1/94)
صفحة 95
عقاب المتناجين بالسوء وآداب المناجاة
أن يسار اثنان أو أكثر دون واحد و ال يحتمل أن تكون للجنس، فتعم كل نجوى مهما كان موضوعها سدا للذريعة ويحتمل أن تكون «ال» للعهد، فتكون الآية
النجوى المنهي عنها هي التي تحزن الذين آمنوا كما ورد التعليل بذلك في إنما النَّجْوَى، مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقد روى الإمام مالك في الموطأ أنَّ رسول الله قال إذا كان ثلاثة فلا يتناجى إثنان دون واحد وزاد في رواية مسلم: إلا بإذنه فإنّ ذلك يحزنه. ولا شك أنَّ هذه الوسيلة الخسيسة مما كان يتدرع بها المنافقون لبث البلبلة في صفوف المسلمين سيما في الفترة الأولى من استقرار الرسول وأصحابه بالمدينة المنورة. فإن المنافقين وقد مردوا على النفاق لا يألون جهدا في تسخير تلك الوسائل الخسيسة في مجال التعامل مع المسلمين ويظهر تعنتهم في ذلك التمادي على النجوى بعد أن نهاهم رسول الله عنها، وقد تبين له كيف كانت نجواهم بما هو إثم وظلم وتحريض فيما بينهم على مخالفة رسول الله حتى أصبح ذلك من سجاياهم التي لا ينفكون عنها، كما تدل على ذلك صيغة المضارع في قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ {وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله.
ولم يكن المنافقون واليهود بأحسن سلوكا ومعاملة عند حضورهم لمجلس الرسول فإن أسلوب المراوغة في الكلام واستعمالهم لكلمات تبدو للسامعين أنها صالحة، ولكنهم يلوون ألسنتهم بها لتعبر عن سوء نواياهم رعونة وخبثا، فكانوا إذا دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيونه بقولهم «السام عليكم» عوضا عن «السلام عليكم، كما هو شعار الإسلام وتحية الله لرسله. وهم يقصدون بذلك «الموت»، فكان النبي يجيبهم بقوله «وعليكم». وقد يلجأون إلى تحية الجاهلية فيقولون: أنعم صباحا شغفا منهم بتقاليد الجاهلية، وللمنافقين نظائر لمثل هذه الكلمات السيئة في حق رسول الله تعلموها من اليهود – لعنهم الله – وقد جاء في سورة النساء قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا في الدِّينِ، [النساء، 46]، {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير، [المجادلة، 8].}
95
S 6 (1/95)
صفحة 96
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الضمير يرجع الى المنافقين فهم حين تبدر منهم تلك البادرة السيئة في معاملة الرسول ويقول بعضهم لبعض أو يقولون ذلك في مجامعهم بصفة عامة. «لولا يعذبنا الله بما نقول.» «ولولا) للتحضيض. أي لو كان محمد نبيا حقا لانتقم الله منا بما نؤذيه من أقوالنا. فهم يشكون في نُبُوَّة الرسول، ويسيؤون الظن بالله في أنه تعالى يتأثر بما يقولون ويستفزه الغضب فيسرع إلى الانتقام كما يفعله البشر، فجاء الرد الإلاهي شديدا بقوله: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا} أي يكفيهم ما يلقونه في جهنم من عذاب الحريق، فبئس الجزاء والمصير.
ثم يبين الله آداب المناجاة بتوجيه النداء الإيماني وبيان مقتضياته في مجال المعاملة التي توطد العلائق الاجتماعية بين المؤمنين وتصد عنها كيد الشيطان، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُول، [المجادلة، 9]، ينهى الله المؤمنين عن التشبيه بالمنافقين واليهود في التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ولما كان المؤمنون الخلص الأوفياء لا يمكن أن يفعلوا ذلك، وكان بينهم أولئك المنافقون الذين يتظاهرون بالإيمان معهم، فقد جاء تقييد النهي (بإذا الشرطية بما يُفيدُ أنه يحسنُ أن لا يكون التناجي مطلقا سدا لذريعة الظنون السيئة بين الناس، فإذا لم يكن من التناجي بد فليكن بما لا يضر العلائق بين الناس) وتناجوا بالبر والتقوى، واتقوا الله الذي إليه تحشرون»، وبديهي أن يكون الأمر للإباحة توسعة للناس في قضاء مآربهم والتي يجب أن يراعى فيها جوانب الخير والبر والتقى ومراقبة الله في ما أمر به وما نهى عنه، لأن ذلك هو قوام الدين ومن مقتضيات الإيمان باليوم الآخر يوم تجزى كل نفس بما كسبت.
ثم ذكر الله الدوافع السيئة لمناجاة السوء فقال: (إنما النجوى من الشيطان، وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون).
إنما النجوى من الشيطان وللشيطان شرور ومكائد كثيرة يفسد بها على الناس دينهم، ولما كان القصد هو تسلية المؤمنين وإزالة ما يعتريهم من حزن عند مشاهدة نجوى المنافقين جيء بصيغة الحصر- إنما - لقصر النجوى على كونها من الشيطان حتى يكون المؤمنون على حذر من ذلك بدافع من حصانتهم الايمانية
96 (1/96)
صفحة 97
عقاب المتناجين بالسوء وآداب المناجاة
ونظرتهم العدائية للشيطان وأعوانه. وَلِطَمْأَنَةِ المؤمنين برعاية الله لهم جاء التعقيب بقوله تعالى: (وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله). والنكرة في سياق النفي تفيد العموم أي أنه تعالى ينفي على المؤمنين أي ضرِّ يلحقهم من الشيطان كما جاء توكيد ذلك في قوله: {إِنْ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، [الحجر، 42].
وما أبلغ الاستثناء من ذلك العموم بقوله تعالى إلا بإذن الله إذ أن تدابيره تعالى في تيسير شؤون الخلق تجري بحكمة وفق ما يعلمه تعالى من أحوال عباده
سراً أو علانية. إذ قد يغيب علينا وَجْهُ الحكمة في وقوع أمر قد نفجأ به أحيانا ويفتح علينا بابا كبيرا من الوساوس والتخمينات، ويطرح كثيرا من التساؤلات
كما حدث للمسلمين في غزوة أُحَدٍ فقال تعالى: {أَوَلَمَا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنِّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
[آل عمران 165].
ولما كان من مقتضيات الإيمان الصحيح أن يتأكد المؤمنون أن الأمور تجري على ما قدَّره الله بعلمه وحكمته جاء هذا التذييل المناسب بقوله تعالى (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) فالتوكل على الله وحده في مثل تلك المواقف الحرجة هو الضمان الأكيد لنفي وساوس الشيطان والحفظ من شروره وكيده، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وكفى بربك وكيلا.
والله اعلم
97
37 (1/97)
صفحة 98
[صفحة فارغة] (1/98)
صفحة 99
آداب المجالسة (1/99)
صفحة 100
[صفحة فارغة] (1/100)
صفحة 101
أ) النص:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَح لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُرُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتِ وَالله بَمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، [المجادلة، 11].
صدق الله العظيم
ب) التحقيق اللغوي:
تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا} «تفسحوا» من التفشح وهو التوسع من فسح، يفسح له بفتح السين وفسح المكان بضم السين (إذا صار فسيحا) في المجلس يجوز أن تكون «ال) للعهد أي في مجلس الرسول ويجوز أن تكون للجنس فتشمل كل مجلس) يفسح الله لكم» الفعل مجزوم في جواب «فافسحوا» ومعنى يفسح الله لكم بواسع رحمته. {وَإِذَا قِيلَ انْشُرُوا فَانْشُرُوا} انشروا) أمر من نشز» إذا نهض من مكانه يقال نشز ينشر من باب «ضرب» إذا ارتفع، ويقال امة ناشز أي منتحية عن زوجها. يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} «يرفع (مجزوم في جواب (فانشزوا) أي يعلي منزلتهم في الدنيا والآخرة، والجملة، والذين أوتوا العلم درجات» عطف
الله
الله
للخاص على العام، تنويها بشأن العلم.
ج) أوجه القراءة:
في المجلس» قرأ الجمهور بالإفراد وقراه عاصم المجالس بصيغة الجمع. انشزوا» قرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر بضم الشين فيها وقراه الباقون بكسر الشين وهما لغتان متكافئتان.
101 (1/101)
صفحة 102
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
د البيان والتفسير:
إذا كانت النجوى سببا لبث الشكوك وترهيب النقد بين الناس في المجتمعات، وقد تقدم النهي عنها، فان التواضع لأخيك المسلم بفسح المكان له في مجلس ما يكون سببا لتوثيق أواخر المحبة والألفة وتركيز الثقة والاحترام المتبادل بين الناس وقد أمر الله بذلك في هذه الآية الكريمة، وأنه تعالى يرفع منازل المؤمنين والعلماء درجات في الدنيا والآخرة، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِس فَافْسَحُوا يَفْسَح الله لَكُمْ}. قد تكون للمنافقين نوازع الكيد والمكر حتى في حضور مجلس رسول الله فهم لا يألون جهدا في صدور أي تصرف منهم من شأنه أن يقلق رسول الله أو يثير حفيظة المسلمين لإرباكهم وإخراجهم فقد يعزم في أواخر سورة النور ذلك الوعيد الشديد من الله تعالى لأولئك الذين يتسللون لِوَاذًا من مجلس رسول الله قبل ختام الجلسة ودونما استئذان للقيام. فقال جل من قائل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، النور 63]، وهنا يتصدر الإرشاد الالاهي ذلك النداء الإيماني الندي لاستجاشة شعور المؤمنين الأوفياء ليتحملوا المسؤولية الجماعية في كل ما يوطد المحبة والألفة بينهم. ومن أعظم الأسباب في ذلك أن يسود الاحترام الشامل بينهم وأن يُنزلوا الناس منازلهم اللائقة بهم لأن مما يذكره الرواة في أسباب النزول لهذه الآية الكريمة مما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل: أنها أنزلت يوم الجمعة، وقد جاء ناس من أهل بدر وفي المكان ضيق، فلم يفسح لهم، فقاموا على أرجلهم فأقام النبي -صلى الله عليه وسلم نفرا بعدتهم وأجلسهم مكانهم. فكره أولئك النفر ذلك فنزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسَ فَافْسَحُوا يَفْسَح اللهُ لَكُمْ} بين هذه الآية والتي سبقتا ارتباط وثيق. إذا عالجت كتابهما ما قد يتعرض إليه المؤمن في مجالهم من مضايقات المنافقين سواء بتعمد النجوى في ما بينهم أو التضييق من الجلوس وكدم مراعاة التفاوت في درجات الناس، مما قد ينفر البعض عن حضور المجلس أو يجلس فيه على مصض كاظما غيظه ومنطويا على حفيظته وكم من حوادث مؤسفة تنجر عن عدم اللياقة في مراعاة أدب المجالسة، تؤدي - أحيانا- إلى احترام الخصومة وتمزيق أمر الجماعة. فكيف يكون الحلال عندما يكون ذلك المجلس ناشئان يتصدره أمير وزعيم.
102 (1/102)
صفحة 103
آداب المجالسة
فمهما تكن قيمة ذلك المجلس أو موضوع النقاش فيه فإنَّ الأصل أن يجلس الرجل حيث انتهى به المجلس ولا يتخطى رقاب الناس، ولكن الكرم والفضيلة يقتضيان من المؤمن المتواضع أن يحترم ذوي الفضل والمكانة فيوسع لهم في المجلس اعترافا بفضلهم لأنه تعالى يقول:
1 - وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة، 237]
ب - وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضْلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ، [النساء، 32]، ويقول في تفاوت درجات الناس واختلاف منازلهم لا يُسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ الله الحُسْنَى، [الحديد، 10].
الضمير
وحتى في صفوف الصلاة الجماعية حيت تنتفي الفوارق ويقف الناس سواسية أمام الله. فقد أمر الرسول أن يليه من أصحابه أولو النهى منهم. وليس ذلك حطا من كرامة غيرهم، بقدر ما هو اعتراف وتقدير لذوي السبق والفضل. الله ولما لهذا الموضوع من حساسية في تعامل الناس فقد استجاش الإيماني في المجتمع المسلم ليكفكف بذلك من غلواء المنافقين الكائدين ثم رتب لمن وسع في المجلس لأخيه أن يوسع الله له أبواب رحمته، وأطلق تلك التوسعة ولم يذكر متعلقها لتشمل كل أنواع البر والإحسان، على قاعدة قوله -صلى الله عليه وسلم من يسر على معشر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في كمون العبد مادام العيد في عون أخيه - رواه احمد والترمذي وفعل «تفحسّوا» يفيد تجنب المضايقة والتراص في الجلوس بحيث لا يتأذى بذلك الجالسون، والأمر فيه إما للوجوب أو الندب وذلك بحسب الظروف الداعية لانعقاد ذلك المجلس وما يعالج فيه من القضايا وكلما توطدت العلائق الإيمانية بين الناس وسادت روح المودة والإخاء بينهم، إلا تواطأت أكنافهم تواضعا واحتراما لبعضهم بعض، عن طيب خاطر ورضى نفس.
وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ انشُرُوا فَانشُرُوا يَرْفَعِ اللَّهَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة، 11]. «انشزوا» أمر بالنشوز، وهو نهوض المرء من مكانه، وخص النهوض من المكان بالذكر بعد الأمر
103 (1/103)
صفحة 104
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة، من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
بالتفسيح لأنه أشد إحراجا من الأمر بالتفسيح من قعود، ثم إن الأمر بالنهوض من المجلس، قد يقتضيه عمل خيري أو طارئ يستدعي الحذر أو غير ذلك حتى قيل إذا أمر صاحب المجلس لمن حضر بالقيام فينبغي أن يقوموا. أما في الظروف العادية فان المفهوم من جواب الشرط بقوله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ بأن الأصل إن يستمر الحاضرون في الجلوس على المقاعد التي سبقوا إليها، لأن الرسول نهى أن يقام الرجل من مجلسه، ويجلس فيه آخر وقال: ولكن تفسحوا وتوسعوا ولكن يجب أن تراعى أولية ذوي الفضل والمكانة في العلم والتقى كما فعل رسول الله بأهل بدر وقد جعل الله الجزاء في ذلك من حسن العمل. فكما كان ارتفاعه عن تبجيلا لغيره من ذوي الفضل، فقد رفع الله درجات من يفعل ذلك تمشيا مقتضيات الإيمان بالله.
،
مکانه
مع
ومن تفريعات هذا الإرشاد الإلاهي ما ذكره الإمام ابن عاشور بقوله: وللرجل أن يرسل إلى المسجد ببساطه أو طنفسته أو سجادته لتبسط له في مكان من المسجد حتى يأتي فيجلس عليها، فإن ذلك حوز لذلك المكان في ذلك الوقت) ج 28 ص 40. وقوله: والله بما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تذييل مناسب لان تعالى يحاسب على الدوافع والنوايا فيحاسبكم عليها، وهو اعلم بمن يستحق الاحترام الله جل من عباده، فلا تخفى عليه حقائق عباده وان حاول إخفاءها، فكم انخدع الناس بتظاهر التقى والورع عند بعض الناس ولكنهم في الواقع شياطين
في زي نُسَّاكِ وَعُبَّادٍ.
والله اعلم
104 (1/104)
صفحة 105
تقديم الصدقة لمناجاة الرسول (1/105)
صفحة 106
[صفحة فارغة] (1/106)
صفحة 107
أ) النص:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ غَفْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتِ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)} [المجادلة، 12 - 13].
صدق الله العظيم
ب) التحقيق اللغوي:
إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ أي إذا أردتم التحدث معه فالفعل «ناجيتم» مستعمل في معنى إرادة الفعل. {فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، بين يدي نجواكم، أي قبل نجواكم بقليل .. استعار اليدين لما يكون قبل الشيء حيث شبه النجوى بالإنسان. ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ الإشارة إلى تقديم الصدقة، وذلك خير لكم، مبتدأ وخبر، والجملة لبيان حكمة الأمر بتقديم الصدقة أأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجوَاكُمْ صَدَقَاتِ الخطاب لطائفة من المؤمنين، والاستفهام للوم. والمعنى أتخافون الفقر في تقديم تلك الصدقة. {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، أَي تجاوز الله عن عدم تقديم الصدقة وجملة وتاب الله عليكم» معترضة.
ج) البيان والتفسير:
تتابعت النداءات الإلاهية للمجتمع الإيماني فتكررت مع كل حكم أراد الله ترسيخه في بيان آداب المناجاة والمجالسة. وإذ كان المؤمنون يتنافسون إلى مجالس
107 (1/107)
صفحة 108
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
رسول الله، ويستكثرون من مناجاته حتى كان ذلك يشقّ على رسول الله - أحيانا- فأراد الله تعالى أن يخفف على رسوله وهو الصبور الحليم في معاملة أصحابه ... فأمر المؤمنين بتقديم صدقة قبل مناجاة رسول الله تعظيما لمقامه، ونفعا لفقراء المسلمين بتلك الصدقات .. وبذلك يتميز المؤمنون الأوفياء عن المنافقين الذين قد يصدون عن تلك المجالس ويبخلون بالمال، فقال جل من قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
تعددت الروايات في ذكر أسباب النزول. وأحيانا تكون متخالفة حتى قال عنها الإمام ابن عاشور: (ولا أحسبهم يريدون منها إلا حكاية أحوال للنجوي كانت شائعة، فلما نزل حكم صدقة النجوى أقل الناس من النجوى. وكانت عبارات الأقدمين تجرى على التسامح، فيطلقون على أمثلة الأحكام وجزئيات الكليات اسم أسباب النزول». يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً أَمر الله المؤمنين أن يقدموا صدقة إذا أرادوا مناجاة رسول الله في أمر من أمور دينهم، وفي بيان حكمة تقديم تلك الصدقة يقول تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وتتحقق الخيرية بطاعة الله وامتثال أمره. ثم ما يترتب على ذلك من الثواب والأجر، وأما الطهر فيكون للأنفس بخلوها من النفاق ومن الشح والبخل. وفي الأموال بالحفظ والنماء، مع ما يتحقق من النفع والعون للفقراء، والتكافل بين أفراد المجتمع المسلم. وقد اختلف العلماء في كون الأمر للوجوب أم هو للندب والاستحباب. فذهب الجمهور على أنه للوجوب لقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي ذلك لما يترتب على تركه من الذنب ولا يكون ذلك إلا لما هو واجب. غير أنَّ هؤلاء يقولون: إن هذه الصدقة نسخت بفرض الزكاة كما روي ذلك عن ابن عباس، ويرى آخرون أنَّ الأمر للندب. ونقل الدكتور وهبة الزحلي أن أبا مسلم الأصفهاني أنكر وقوع النسخ وقرر أن الأمر بتقديم الصدقة على النجوى لتمييز المؤمن المخلص من المنافق. فَلَمَّا تحقق الغرض انتهى الحكم. أي أنَّ ذلك التكليف
1. التحرير والتنوير ج 28، ص 42.
108 (1/108)
صفحة 109
تقديم
الصدقة المناجاة الرسول
كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه بانتهاء تلك الغاية، فلا يكون هذا نسخا. قال الرازي: «وهذا الكلام حسن ما به بأس»، قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي فإن لم يجد أحدكم ما يتصدق به فلا حرج عليه أن يناجي الرسول بدون صدقة، لأن المأمور بها هو القادر عليها. ثم رفع الله الحكم السابق بعد فترة قليلة كما ذكره المفسرون فقال تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتِ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
والإشفاق توقع حصول ما لا يبتغيه الإنسان، والاستفهام للوم والتوبيخ ومفعول أشفقتم» هو جملة (أن تقدموا والتقدير أأشفقتم من أن تقدموا» والخطاب لمن قدر من المؤمنين أن يقدم الصدقة. ولكن ثقل عليه ذلك فلم يفعل، وقد قيل إنَّ هذه الآية نزلت بعد الآية السابقة بقليل، ولم يعمل بها إلا القليل .. إذ رفعت الحكم السابق وقد روي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال إن في كتاب الله لآية ما عمل بها قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ كان لي دينار فبعته، وكنت إذا ناجيت الرسول -صلى الله عليه وسلم تصدقت بدرهم حتى نفد، فنسخت بالآية الأخرى أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَات. فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالله خَبِيرٌ بمَا تَعْمَلُونَ، أي إن كثيرًا من الصحابة أحجم عن تقديم الصدقة قبل النجوى، إذ ثقل ذلك عليهم لا عن تقصير منهم في ذلك، بل للتخفيف على رسول الله من كثرة النجوى، فقوله تعالى: {وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ لا يدل على أنهم قد أذنبوا فاستحقوا التوبة ولكن المقصود هو رفع الحرج عنهم في ذلك، ولكنه أمرهم بالمثابرة على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله بصفة عامة، وذلك على أساس أنّ الزكاة المفروضة كانت سابقة على الأمر بصدقة النجوى، فيكون الأمر بالزكاة هنا بمعنى الالتزام والاستمرار عليها. ثم جاء التذييل بقوله تعالى: وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) تحذيرا من أي تفريط أو تقصير في امتثال أوامر الله وطاعة
1. التفسير المنير ج 28، ص 47.
109 (1/109)
صفحة 110
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
رسوله، وقبل أن نختم بيان ما ورد من إرشادات ربانية في هذه السورة الكريمة في آداب مجالسة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجدر بنا أن نجمع ونلخص ما ورد في غير هذه السورة من تلك الإرشادات الغالية في معاملة الرسول. وهو في أداء مهمته التبليغية يحمل أثقال المجتمع المسلم الناشئ وينفى عند تراكمات الجاهلية الله، ليشق طريقه الجديد على منهج متميزا في سلوكه وآدابه، والرسول القدوة مع ما وصفه الله به من الخلق العظيم، وأعظمه التواضع واللين والرحمة والرأفة بالمؤمنين، لأصحابه، ولا يتبرم إن ضايقوه، حتى في أماكن راحته الخاصة وهو
كان لا يتجهم في بيوت أزواجه أو في بعض خلواته يناجي ربه أو يتلقى الخبر من السماء، حتى لكأنَّ الأصحاب لا يقدرون فيه الضعف البشري وهم لا يكادون ينفّسون عن أتعابه
لحظات.
فإن من لطف الله برسوله أن تتوالى تلك الإرشادات في كيفية التعامل مع رسول الله في آداب الزيارة والمحادثة، والمناجاة بَلَّة الطاعة والانقياد والحب والإجلال، لا يؤمن له ذلك من أصحابه قوانين تعسفية ولا حرس خاص، ولا حاشيةٌ ولا حُجَّاب. بل هو الحب الخالص والإيمان الراسخ وطلب ما عند الله من الأجر والثواب وصدق الله تعالى إذ قال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)، (الشرح، 1 - 2 - 3 - 4]، فاللهم ارزقنا حبك وحب رسولك واجعلنا من أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام
6
110
والله أعلم (1/110)
صفحة 111
تحريم موالاة الأعداء وجزاء المخلصين
الأوفياء (1/111)
صفحة 112
[صفحة فارغة] (1/112)
صفحة 113
أ) النص:
ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادٌ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة، 22].
بروح
منه
صدق الله
العظيم
ب) التحقيق اللغوي:
يوادون من حاد الله ورسوله الموادة: حصول المودة من جانبين والمراد بها
الله
هنا النهي عن مودة المؤمنين للكافرين (حادَّ الله ورسوله»، أي عاداهما بالكفر والعصيان. ولو كانوا آبائهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، رتب أصحاب القرابة على طريقة التدلي من الأقوى إلى من دونه وعشيرة الإنسان. قبيلته، أي الأفراد الذين يجتمع بهم في جد غير بعيد. أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه أولئك: الإشارة إلى الموصوفين بأنهم يؤمنون الآخر أي هم المؤمنون حقا بثبات الإيمان في قلوبهم وأيدهم بروح
بالله
واليوم
منه» كناية عناية عن
الله
ولطفه بهم رضي
الله عنهم ورضوا عنه أي أن ذلك
الرضى المتبادل حاصل على الدوام.
ج) البيان والتفسير:
لله
مُشَاقَّتِهم
تعرضت السورة في بدئها وختامها إلى سوء أحوال المنافقين بسبب ورسوله وكانوا مندمجين مع أصحاب رسول الله بحكم القرابة والجوار. وكان
113 (1/113)
صفحة 114
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
الله
نفاقهم لا يخفى عنهم. فحذر الله المؤمنين الأوفياء من موالاة من يعصي ورسوله، لأن الحب في الله والبغض في الله من خصائص الإيمان الحق، فقال تعالى: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم هذه الآية متصلة المعنى بالتي قبلها من ذم المنافقين لتوليهم اليهود وهم ليسوا من أهل. ملتهم وقد وردت عدة روايات في أسباب نزولها، وقال الإمام الرازي إنَّ الأكثر اتفقوا على أن قوله تعالى: لا تجد قوما نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وإخباره أهل مكة بسير الرسول إليهم لما أراد فتح مكة، غير أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإن حكم الآية
يأخذ معناه الشمولي في ما ينبغي للمؤمنين أن يعاملوا به أهل الكفر والنفاق. والخطاب في الآية لرسول الله وهو المبلغ الأمين للمؤمنين، وهو قدوتهم الحسنة في تطبيق مقتضيات الإيمان والابتعاد عن كل ما ينافيه، سيما في الموالاة والمعاداة وهما أساس التعامل بين الأفراد والجماعات. فلا ينبغي ينبغي للمؤمنين بالله واليوم الآخر أن يوالوا ويصادقو من حادَّ الله ورسوله وعاداهما بالكفر والنفاق، أو الفسوق والعصيان ولو كانوا من قرابتهم في درجات سلّمها، من الأقرب إلى مستوى أفراد عشيرة الرجل لأن حق الخالق أولى بالمراعاة والتقديس في نفس
،
ورسوله
المؤمن، وهي معيار الإيمان الخالص، كما قال رسول الله: أوثق الإيمان، الحب في الله والبغض في الله رواه احمد وغيره وقال: اللهم لا تجعل لفاجر وفي رواية ولا لفاسق علي يدا ولا نعمة فيوده قلبي، فإني وجدت فيما أوحيت إلي، لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، وقال الشاعر في هذا المعنى:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم
وتلك هي معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإصلاح الاجتماعي إذ استطاع بتأييد الله وعونه أن يغير ظواهر الكفر والضلال، فجعل من القبائل المتناحرة أمة واحدة تدين بالله رباً وبالرسول إماما وبالقرآن منهاجا للحياة ودستورا،
114 (1/114)
صفحة 115
تحريم موالاة الأعداء وجزاء المخلصين الأوفياء
فرفع من نفوسهم اللصيقة بالأرض ومادتها لتحلق فوق السماء وتنظر إلى الكون وخالقه نظرة سامية عميقة.
ثم بين الله سبب الامتناع عن موالاة أعداء الله، ورتب الجزاء الذي يستحقه
المؤمنون.
أولئك كتب في قلوبهم الإيمن وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون
أثبت الله تعالى للمؤمنين الخلص أربع صفات:
أ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان: الإشارة للتعظيم. وكناية الإيمان القلوب، كناية عن رسوخه وثباته وأنه الإيمان الحق الذي يترتب عنه هدى
الله وتوفيقه.
ب وأيدهم بروح منه والتأييد بروح الله كناية عن عنايته وتأييده لهم بنصرهم على أعدائهم. ج- (ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها»، أي أنهم يجمعون إلى سعادة الدنيا: الفوز في الحياة الأخرى بدخولهم الجنة التي أعدها الله للمتقين خالدين فيها، وهم يجمعون بين النعيم المادي والنعيم الروحي بحصولهم على رضوان الله، وذلك هو الفوز العظيم.
د
الله ألا إن
حزب
الله
أولئك حزب هم المفلحون»، أي إن هذا الفريق من المؤمنين الأوفياء هم بحق جند الله وحزبه الغالبون. وهم وحدهم من حباهم الله بالفوز والفلاح و «ألا) هي لزيادة التنبيه على فضلهم وميزتهم عن فريق المنافقين الذين وصفهم بأنهم حزب الشيطان وحالهم الفشل والخسران .. وشتان بين هؤلاء وأولئك. فاللهم اجعلنا في صفٌ جندك وأوليائك .. ونجنا برحمتك من فتنة أعدائك: وَمَنْ يَتَوَلَ الله وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة، 56]
،
والحمد الله رب العالمين
115 (1/115)
صفحة 116
[صفحة فارغة] (1/116)
صفحة 117
الخاتمة (1/117)
صفحة 118
[صفحة فارغة] (1/118)
صفحة 119
الله لقد فرغت بعون من كتابة صفحات النص الأخيرة لسورة المجادلة) مع حلول الذكرى الغالية من ميلاد رسول الله ليوم 12 ربيع الأول 1432 هـ الموافق ليوم 16 فبراير 2011 م. فامتلكتني حالة نفسية امتزجت فيها أحاسيس الرضى والطمأنينة بما وفقني الله إليه من إكمال هذه الحلقة (من أخلاق القرآن» والتي أجد لها وقعا خاصًا في نفسي، لأنها تمثل المنهج السليم لما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم في مجال العلاقات الإنسانية والروابط الاجتماعية التي تضمن السلم الاجتماعي وتحقق السعادة والهناء والرفاه والرخاء، ومن جهة أخرى أحسست بلوعة الأسى والحسرة تعتصر قلبي وتناوش صفاء نفسي، وأنا أناظر وأقارن بين هتافات الوحي ومناشدات السماء بتلك الإرشادات الربانية، وبين واقع المسلمين وما هم عليه من تخبط وارتباك وما يعانونه من ضنك العيش ووطأة الشر والفساد. وعند التعليل وبيان الأسباب يسري عنى قوله تعالى:
{فَإِما يَأْتِيَنَكُمْ مِنّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنْ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)}.
طه، 123 - 124]
ثم استوحى ذكرى ميلاد رسول الله، فإذا بالوجود کله يهتز ببشري ميلاد النور والرحمة، واستعرض شريط السيرة النبوية العطرة من بعد أن اتصلت الأرض بالسماء بواسطة شخصه الكريم، فإذا ظلمات الجاهلية تنحسر وتتراجع، وإذا بعروش الطواغيت تتهاوى.
119 (1/119)
صفحة 120
بيان ما في سورتي الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
وتختص المدينة المنورة المولود الجديد للمجتمع المسلم وقد طعمه رسول الله ضد أمراض الجاهلية وكفله بوحي السماء، فحقق الله على يده تلك المعجزة الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها لا بقوة السلاح كما من
العظيمة
يدعون. ولكن بنور الحق والعدل، وكرم الأخلاق وعزة الدين. ولئن التحق رسول الله بالرفيق الأعلى فقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وترك القرآن الذي أوحى الله به إليه غضًا طريا تولّى الله حفظه، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والله يمتن به علينا فيقول: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلَام وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم (16)}، [المائدة، 15 - 16] فيا أُمة رسول الله ويا حاضنة القرآن الكريم، لقد دلَّ الواقع التاريخي أنك لست بدعًا من أمم في الأرض تقلبا بين القوة والضعف، وبين العز والذُّلِّ، وبين الشدة والرخاء، ومن ازدهار الحضارة وضمورها، فتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تحويلا فليس العيب أن يمرض الإنسان بعد صحة وعافية، ولكن العيب أن لا يذهب إلى الطبيب، أو لا يتناول الأدوية بعد الفحص. فلديك الطبيب الذي لا يستعصي عليه داء ولا يعوزه أي دواء، ولا يتطاول عليه الأطباء، ولا شك أنَّك أحسست اليوم بالمرض وذقت مرارته، فحرام عليك الانتظار لأن المثل يقول: من كتم داءه قتله».
فهذي عيادة القرآن فالتمس الاستشفاء فيها، فإنها نعم الوسيلة الربانية
للعلاج. ومن يدري ما تخبئه الغيوب، فعسى أن يكون هلال ربيع الأول لهذه السنة 1432 هـ طالعة سعد على الأمة الإسلامية، وقد خلعت عنها لباس الخوف والخنوع، وتمطت بعد طول نوم وهجوع. وأبت إلا أن تستراً مكانتها في العالمين. فقل لكل متخاذل متردد سيأتيك بالأخبار من لم تزود.
العطف يوم 24 ربيع الأول 1432 الموافق ليوم 28 فبراير 2011 م.
120
المؤلف (1/120)
صفحة 121
الفهرس
مقدمة.
بين يدي السورة
الآداب الواجبة مع الله ورسوله
أدب الحديث بحضرة الرسول محدثو رسول الله بين الترغيب والترهيب وجوب التثبت والتبين في الأخبار
فضل الله على المؤمنين بوجود الرسول بينهم إصلاح ذات البين وقتال البغاة
النهي عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب النهي عن سوء الظن والغيبة والتجسس مبدأ المساواة بين الناس في الإسلام
بيان عناصر الإيمان الصادق
الله وحده المنة في نعمة الهداية
من إرشادات سورة المجادلة
علم الله بأحوال خلقه ووعيد المناجين بالسوء
عقاب المتناجين بالسوء وآداب المناجاة
آداب المجالسة
الصدقة المناجاة الرسول الله تقديم
تحريم موالاة الأعداء وجزاء المخلصين الأوفياء
الخاتمة (1/121)
صفحة 122
تم الطبع في ماي 2014
الإيداع القانوني 2011 - 3617
مطبعة الفنون الجميلة
الجزائر (1/122)
صفحة 123
محمد بن ابراهيم سعيد کعباش
من مواليد 1929 ببلدية العطف ولاية غرداية، بالجزائر. حفظ كتاب الله في سن مبكرة. درس بمعهد القرارة عند الإمام الشيخ بيوض ثم رحل إلى تونس الخضراء حيث درس العلوم العربية والشرعية في الجامع الزيتوني والعلوم التطبيقية في المعهد الخلدوني. انخرط في صفوف جيش التحرير الوطني مجاهدا حتى الاستقلال. حصل على شهادة الليسانس في الأدب العربي من جامعة الجزائر وعمل في مجال التربية والتعليم أستاذا ثم مديرا حتى تقاعده سنة 1990 م.
هو عضو في حلقة العزابة وإمام ومرشد بالمسجد الجامع بالعطف منذ سنة 1970 م و مازال إلى اليوم يقوم بمهمته النبيلة في الإصلاح الديني والاجتماعي.
من أخلاق القرآن
بيان ما في سورتى الحجرات والمجادلة من أخلاقيات الحقوق المتبادلة
يا أمة رسول الله ويا حافظة القرءان الكريم لست أقل من أمم الأرض تقلبا بين متناقضات الدهر، ضعفا بعد قوة وذلا بعد عز ومرضا بعد صحة. فقد ناوشتك مختلف الأمراض، فلا تهاون في الاستشفاء، فلديك أمهر الأطباء وتملكين الدواء. فهاذي عيادة القرءان يرعاها رب الأرض والسماء، تستردين فيها صحتك وعافيتك، فادخلي فأنت فيها من المقربين وستكونين بحول الله من المعافين.
www.editions-alpha.com
ISBN 9947 - 886 - 86 - 1
39947 886861 (1/123)