صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: علوم القرآن
------------------------------------------
العنوان: من أخلاق القرآن صفات عباد الرحمن في بيان سورة الفرقان (الحلقة الأولى)
المؤلف: سعيد محمد إبراهيم كعباش
الناشر: المطبعة العربية
مكان النشر: غرداية
تاريخ النشر: 1914ه/ 1998م
الطبعة: د.ط
سلسلة من أخلاق القرآن (1)
ردمك: 9961-908-32-5
الإيداع القانوني: 98/419
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1272&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع:
https://www.chikhkaabache.net/articledaita.php?id=41
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF)
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 07 رمضان 1446ه/ 07 - شهر 03 - 2025م. من أخلاق القرآن
صفات عباد الرحمن في بيان سورة الفرقان
الحلقة الأولى
تأليف الشيخ
سعيد محمد ابراهيم (كعباش)
بلدية العطف ولاية غرداية (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
من أخلاق القرآن في بيان
صفات عباد الرحمان
الحلقة الأولى
للمؤلف
سعيد محمد ابراهيم كعباش
المطبعة العربية - غرداية
1419 هـ - 1998 م (1/3)
صفحة 4
جميع الحقوق محفوظة
المطبعة العربية
11 نهج طالبي احمد غرداية
Tél & Fax (09) 88 36.53 Tel: (09) 87.34 34
الإيداع القانوني رقم: 98/ 419
ردمك 32.5 - 908 - 9961 ISBN (1/4)
صفحة 5
بسم الله الحمدالرحيم
المقدمة.
تبارك الله الرحيم الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان علمه ربي البيان، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله القائل: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه صلى الله عليه وعلى
عاله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فيا أيها القارئ الكريم، تعينت مرشدا بالمسجد الجامع المدينة العطف - ولاية غرداية - في بداية السبعينات ولم أتجرأ في بداية مشواري في الوعظ والإرشاد أن أقتحم مجال التفسير الكتاب الله، وكنت أتمثل في خاطري كلام الصديق (رضي الله عنه) أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كلام الله برأيي، وكنت لا أستشهد بآية من كلام الله في حديثي إلى الجمهور، حتى أطالع تفسيرها وأستوعب معناها من إحدى التفاسير الكبرى على أنني - بفضل الله - لست أقل زادا ولا أضعف ذخيرة في العلوم الإسلامية من أولئك الذين تطفلوا على المنابر واعظين ومفتين وقد تزودت من موارد معهد الحياة بالقرارة والجامع الزيتوني بتونس الخضراء، بما يؤهلني لخوض هذا الغمار، ويأخذ بيدي ويسدد خطاي للسير في هذا المضمار، وبعد أن خطوت الخطوات الأولى مستعينا بالله مسترشدا بنتاج الفطاحل من علماء التفسير قديما وحديثا، إطمأنت نفسي إلى الشروع في دروس
-3 - (1/5)
صفحة 6
التفسير وشرح الحديث النبوي الشريف في خصص اسبوعية منظمة كنت أحضرها بكل اهتمام وعناية فانطلقت بعون
في تفسير
ناسبات
السور الصغرى، ثم تفسير السور التي كانت على في العديدة كسور بس والكهف، والأنعام، ثم شرعت في تتبع السور
ترتيبها في المصحف الشريف بدءا من سورة الفاتحة، وقد
انتهيت من تفسير الربع الأول يفضل الله وأنا
حتى
ترتيبه
للطبع
وتنسيقه وعسى الله تعالى أن يمد في جبال الأجل أقدمه وإلى جانب ذلك رأيت أنه من المفيد من باب التذكير والإرشاد أن انشق حلقات مختصرة بعنوان من أخلاق القرآن أختار لها من الآيات ما يعالج المواضيع الخلقية التي يهذب سلوك المؤمن، وتنقى فيه الحس الديني ليتحلى بأخلاق القرآن، إقتداء برسول الله الله إذ كان خلقه القرآن كما وصفته أمنا عائشة (رضي الله عنها).
والثمن الأخير من سورة الفرقان خير نموذج لأخلاق القرآن من بيان صفات عباد الرحمان تناولته بالبيان والتفسير في ليالي شهر رمضان المعظم لسنة 1997/ 1417 بالمسجد الكبير لمدينة العطف، أنا أقدمه يديك - أيها القارئ المسلم - عساك تجد فيه ما يغنيك عن كل فلسفة خلقية تعقها البشر لأن منزل القرآن هو أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير، وهو القائل: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من
وشفاء لما في الصدور نفعني الله وإياكم يهدي كتابه المنير
ربكم
العطف يوم الجمعة 20 شوال 1417 هـ / 28 فبراير 1997 م (1/6)
صفحة 7
المؤلف في سطور
هو سعيد محمد ابراهيم كعباش من مواليد العطف ولاية غرداية بلاد الجزائر خلال سنة 1930 تلقى تعلمه الإبتدائي في مسقط رأسه، ثم التحق بمعهد الحياة بالقرارة حيث حفظ القرآن وزاول دراسته الثانوية وفي سنة 1950 التحق بتونس ليتابع دراسته العالية في الجامع الزيتوني، كما التحق بالمعهد الخلدوني وحصل منه على دبلوم العلوم التطبيقية، عاد إلى بلده سنة 1954 ليتولى مهمة التعليم في مدرسة النهضة، وبعد الإستقلال الوطني اندمج في سلك التعليم العمومي أستاذا للأدب العربي في المتوسط، ثم في الثانوي بعد أن حصل على شهادة ليسانس من جامعة الجزائر سنة 1972 وفي 1980 تعين مديرا في التعليم الأساسي إلى أن أحيل على التقاعد لسنة 1990 التحق بحلقة العزابة للمسجد الكبير في العطف لسنة 1958 وتكفل بمهمة الوعظ فيه منذ 1970 ولا يزال يواصل مهمته في الدعوة إلى الله إرشادا وتفسيرا الكتاب الله وإفتاء وتنويرا وفقه الله وجزاه عن الإسلام خير الجزاء
العطف يوم الجمعة 20 شوال 1417 هـ / 28 فبراير 1997 م
5 - (1/7)
صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
قدرة الله وحكمته في اختلاف الليل والنهار
أ) - النص: تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا كم والفرقان:61 - 162.
ب) - التحقيق اللغوي:
تبارك: على وزن تفاعل، والبركة هي كثرة الخير فما أكثر نعم الله على خلقه، وأعظمها نعمة الهداية بنزول القرآن بروجا: منازل الكواكب السيارة سميت بالبروج أي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها. سراجا: الشمس قال تعالى: (وجعلنا سراجا وهاجا) خلفة: إما على معنى يخلف أحدهما الآخر فيعقب هذا ذلك وذلك هذا، وإما على معنى الإختلاف أي هما مختلفان، والأول أقرب إلى معنى السياق.
ج) - بين يدي النص: جاء هذا النص مكملا لما تقدم من أول سورة الفرقان التي افتتحت
بنفس العبارة لتعظيم الله والتذكير بجليل نعمته في إنزال هداية القرآن والتنويه بشأن رسول الله وعالمية رسالته، ثم تكررت العبارة مرة ثانية في معرض الإستدلال على عظمة الله وقدرته إذ تفرد بالحلق ولا يعجزه أن يأتي لرسوله بما يتحداه به المشركون كما لا يعجزه إحياء الموتى ونشرهم للبعث وما يترتب عليه من الجزاء للشاكرين والكافرين. (1/8)
صفحة 9
وسورة الفرقان من السور المكية التي عالجت موضوع العقيدة الإسلامية بأسلوب بليغ، عالجتها في شقيها من الإقرار بالشهادتين: بأن
لا إله إلا الله محمد رسول الله:
الشق الأول: ركزت على وحدانية الله بالتعرض إلى بديع
ففي الشق
صنعه في لفت الأنظار إلى بعض الظواهر الكونية، وأنه القادر على تحقيق النشأة الآخرة بالبعث والجزاء وأن المكذبين بهما سوف يندبون حظهم. وفي الشق الثاني: تنوه بشأن رسول الله وتثبت صدقه وأمانته، وأنه لا تعارض بين بشريته وتكريم الله إياه بالنبوءة والرسالة، وأثناء العرض لهاتين الدعامتين في العقيدة الإسلامية فلمس ذلك الإيناس والتنبيت لقلب رسول الله وهو يواجه تلك المعركة العنيفة في تصحيح الأوضاع البشرية المتردية في الأباطيل والضلالات، بلخص الإمام الرازي موضوع السورة بقوله: اعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوءة وأحوال القيامة، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين، ولما كان إثبات الصانع وإثبات صفات جلاله أن تكون مقدما على الكل لا جرم افتتح الله ذلك بقوله: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده، ص 44 م: 20
جب
د) - البيان والتفسير قلت: وبنفس التقديم والتمهيد تجيء عبارة تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيراك وهي في آن واحد رد لأولئك المستهترين من الكفار الذين ينكرون معرفتهم الرحمان بمثل ذلك الإستفهام الإستغرابي الذي يدل
-7 - (1/9)
صفحة 10
على التطاول والعناد، ثم التجاهل الكلي لمعنى الإسم باستعمال كلمة «ماه عوضا عن كلمة من وزادهم تفورا أن كان الأمر من محمد الذي ينكرون نبوءته. وهؤلاء إذ يستكبرون عن السجود للرحمان، فهم بذلك في زمرة عباد الشيطان ومن دلائل الرحمة في المعبود الحق ما يعرفونه من تلك البروج السماوية التي وضعوا لها أسماء وصنفوها المعرفة منازل الكواكب، فأية بركة يلتمسونها في غير الله، وهو الخالق لتلك الأجرام الضخمة الهائلة وهم يتمتعون بها في ليل ونهار، وشركاؤهم لم يخلقوا من ذلك شيئا، كما قال في شأنهم بأول السورة واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا
نشورا وتتعرض الآية إلى ظاهرة الليل والنهار في تقلبهما ليخلف
أحدهما الآخر. وبما أن الإنسان في الفه للوتيرة الواحدة في أي نظام كان قد يغفل ويسهو، كان اختلاف الليل والنهار مجالا للتأمل والتدبر في الله، وأن ذلك لا يتم صدقة كما يدعيه الملحدون، والتأمل الواعي يستدعي الإرادة وبالإرادة يحقق الإنسان كل ما تقتضيه إنسانيته من الكمال النفسي والسمو الروحي ويستدرك ما فاته بليل أو نهار، سيما في مجال العبادات و القربات
صنع
وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان: وإن الله
يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار، ويبسط بده بالنهار ليتوب مسي (1/10)
صفحة 11
الليل، والتعبير بفعل أن يذكر يفيد التجدد والإستمرار
التوحيد أصل الدين:
تتضافر النصوص عند جميع المذاهب الإسلامية على أن توحيد الله هو الركيزة الاساسية للإيمان، ومعرفة الله تعالى لا تتم إلا بالأدلة الناطقة والصامتة: فالناطقة هي الوحي المنزل من عند الله عند الله في بيان وجود الخالق المعبود وبيان صفاته العلية وأسمائه الحسنى ثم بيان واجب الخلق نحوه من حق عبادته وتعظيمه وتنزيه اعتقادا وقولا وعملا فالشهادتان متلازمتان في أساس العقيدة الإسلامية:
جاء في مسند الإمام الربيع بن حبيب (رحمه الله) خرج رسول الله ذات يوم إلى المسجد، فوجد أصحابه يزين: يتذاكرون فنون
العلم، فجلس إلى ثلاث حلق.
أما المحلقة الأولى: فيقرؤون القرآن فقال لهم: بهذا أرسلني ربي وقرأ: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ. وأما الثانية: فيتكلمون في الحلال والحرام، فلم يقل شيئا
الأفضلية الآخرين عليهم.
وأما الثالثة: فيذكرون توحيد الله تعالى و نفي الأشباه والأمثال عنه فأطال الجلوس مع هؤلاء إستحسانا لما هم فيه يقول الإمام جابر ابن زيد (رضي الله عنه) تعليقا على الخلقة الأخيرة: يقول: لإن التوحيد معرفة الله عزوجل ومن لا يعرف توحيد الله فليس بمؤمن
وجاء في نص عقيدة التوحيد و إن سأل سائل فقال: ما أصل الدين؟؟ فقل الدين هو التوحيد (1/11)
صفحة 12
لقوله تعالى: وإن الدين عند الله الإسلام.
والإسلام لا يتم إلا بقول وعمل. أما القول فشهادة أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، ولا تد ولا ضدّ ولا قرين ولا شبيه ولا مثل وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما جاء به حق من عند ربه، وأما
العمل فالإتيان بجميع الفرائض.
الإيمان يزيد وينقص:
لقد ثبت من الإدلة الشرعية أن الإيمان يزيد وينقص وذلك بالنسبة إلى الأشخاص فيما بينهم، وجعل الله ذلك أساسا للتفاضل، ويستطيع المسلم أن يرتقي في سلم الفضل والقربى عند الله إلى درجة الصدقين، لقوله تعالى: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدقين
والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله. وبالنسبة إلى الشخص الواحد يزيد وينقص الإيمان في قلبه على قدر ذكر الله تعالى أو غفلته عنه يقول (عليه السلام): إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدد إيمانكم» رواه أحمد.
ويقول: الإيمان ليف وسبعون شعبة أعلاما لا إله إلا الله
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
قلت: إن نصوص القرآن تدل على زيادة الإيمان و نقصانه. يقول تعالى في شأن المؤمنين: ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم الفتح: 104
-10 - (1/12)
صفحة 13
والذين اهتدوا زادهم هدى و اناهم تقواهم القتال: 117 فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (التوبة: 124). وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يشهد له رسول الله بكمال الإيمان بحيث لو وضع في كفة لرجح إيمان الأمة بكاملها، ويقول فيه الرسول، مافضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولاصيام، ولكن بشيء وقر في صدره وبذلك بلغ مرتبة الصديقين.
-11 - (1/13)
صفحة 14
منْ هُم عباد الرحمان؟؟
أ) - النص: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا
خاطبهم الجاهلون قالوا سلامات 6
ب) - التحقيق اللغوي:
الهون
أي
مصدر الهين وهو السكينة والوقار فهو إما حال: أي عيشون هم متواضعون تعلوهم السكينة والوقار أو صفة المشي أي أن تكون صفة مشيهم منامية الأخلاقهم في التواضع والحلم. الجاهلون: الجهل هنا بمعنى السفاهة والحقوة في الطبع هذه الحلم سلاما مصدر بمعنى السلامة أبي نحن مسلمون منكم، أو بمعني التحية المعهودة.
جمعني
يجمعني التأمين
مين
المسلم والمسلم عليه
ج) - البيان والتفسير:
على ذكر المستهترين بالتبوعة الجاحدين الرحمة الله في جلال صفته المقدسة والرحمان، وبعد التقديم المناسب يذكر عليات عظمته الحلقة الليل والنهار وأنهما مجال للمذاكرين الشاكرين، يتخلص السياق
إلى الإشادة بالمؤمنين وتعداد أوصافهم التي كان بها ذلك التشريف بأنهم عباد الرحمان لأنهم آمنوا بعبد الله الذي تنزل عليه الفرقان فكانوا أخرياء بذلك التشريف من العبودية للرحمان، على عكس أولئك الذين أنكروا معرفتهم له وصحابة رسول الله بالطبع هم النموذج الأعلى لهذا النوع من المؤمنين، ويلتحق بهم كل من تحققت فيهم تلك الصفات الحميدة، وهم الجماعة التي يرتبها الإسلام ويكونها لنشر
-12 - (1/14)
صفحة 15
الصلاح والخير وإفراد الخالق بالعبادة والدعاء وهم المستحقون الرعاية الله والموعودون بالجنة وهذا الصنف من الناس لا يخلو منهم زمان ولا مكان، سواء قلوا أو كثروا تبعا لأوضاع كثروا تبعا لأوضاع المجتمعات البشرية وتداول
الأيام عليها بين القوة والضعف والصلاح والفساد.
وفي التركيب اللغوي: يكون عباد الرحمان مبتدأ خبره يحتمل أن يكون قوله تعالى: والذين يمشون والصلات الأخرى تكون معطوفة عليه، وإما أن تكون الصلات كلها تموتا لعباد الرحمان ويكون الخبر هو قوله تعالى في آخر السورة: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا فما هي تلك الصفات التي امتدحهم الله بها؟!
عند هي
الإمام الفخر الرازي تسع صفات بينما هي عند الإمام
القرطبي، إحدى عشرة صفة لحصبها في مايلي:
التواضع، الحلم، التهجد، الحوف، ترك الإسراف والإقتار النزاهة عن الشرك، البعد عن الزنى والقتل التوبة وتجنب الكذب العفو عن المسمى قبول المواعظة الإبتهال إلى الله، وأيا كان العدد، فإن هذه الصفات تتوزع التحلي عن الأباطيل والضلالات والتحلي بالكمالات الدينية والآداب الشرعية أسوة برسول الله (عليه الصلاة والسلام)
الصفة الأولى: التواضع
قال تعالى
وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض
يتردد التفسير بين اعتبار هونا» حالا أي بمعنى هيدين. يتسمون بالسكينة والوقار في معاملتهم للناس وفي جميع تصرفاتهم، وإذا اعتبرتا
13 - (1/15)
صفحة 16
وهونا صفة المصدر المشي المحذوف فيكون المعنى أنهم غير متعجرفين في مشيتهم كما يفعله المتجبرون إذ يقرعون الأرض بأرجلهم كبرا وخيلاء يقول السيد قطب (رحمه الله) في توجيه صفة المشي بالهون فالمشية ككل حركة تعبير عن الشخصية وعما يستكن فيها من مشاعر والنفس السوية المطمئنة جادة قاصدة فيها وقار وسكينة وفيها جد وقوة وليس معنى يمشون على الأرض هونا) أنهم يمشون متماوتين منكسي الرؤوس، متداعي الأركان، متهاوي البنيان، كما يفهم بعض الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح، ج 19 ص:52 قلت، ورب ماش بسكينة ووقار وفي نفسه غل وحقد وحسد
يخدع الناس بسمته ووقاره ليتصيد المنافع العاجلة.
يقول الشاعر محمود غنيم:
كم لحية أجدى على ربها
من ألف
سهم
بيد الصائد
وقد نهى الله تعالى عن مشية الإختيال فقال في سورة الإسراء: ولا تمش في الأرض، مرحا، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاكم والآية: 137. كما ورد ذلك في وصية لقمان لابنه حين قال: واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحميري الآية: 19، وقال له قبل ذلك: ولا تصاعر حدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال
فخورة والآية: 118.
وقد وصف الصحابة مشية رسول الله وهو المثل الأعلى في التواضع، فقالوا عنه: إنه عليه الصلاة والسلام إذا زال زال تقلعا، ويخطو
-14 - (1/16)
صفحة 17
تكفؤا ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما يحط من صبب. وخلق التواضع لم يرد في القرآن الكريم بهذا اللفظ ولكن وردت ألفاظ أو تعابير تصويرية كما في هذه الآية الكريمة: فمن الألفاظ قوله في صفة أصحاب رسول الله: الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم الله فالرحمة من خلق التواضع ومن ذلك وصفه تعالى للقوم الذين يحبهم ويحبونه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) المائدة: 54، والمراد بالذلة هنا التواضع واللين مقابل الشدة والعزة على الكافرين. ويقول في حق الوالدين على ولديهما: واخفض لهما جناح
الذل من الرحمة) الإسراء: 124
وضة التواضع التكبر وقد من القرآن حملة شعواء على المتكبرين المتجبرين فنهى عن كل مظاهره من الإختيال والبطر وتصغير الخد، ورفع الصوت، وللتكبر دوافع كثيرة مما يغتر به الناس من المال أو العلم او الجاه أو القوة والشهرة أو غير ذلك مما يدفع المتكبر إلى التطاول على غيره وتحقيره وإذايته. ولذا ينفى الله حبه عن المختال الفخور ويتوعده بالخذلان والضلال بقوله تعالى: وكذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبارك وغافر:135، ويقول في سورة الزمر: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين الآية: 60)، وقد روي عن رسول الله أنه قال: ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبره. ويتجلى خلق التواضع في تصرفات عباد الرحمان في علاقاتهم بالله إجلالا وخضوعا وقناعة بحكمة ما شرع، ورضي بما حكم
-15 - (1/17)
صفحة 18
وقضى، ومع رسول حيا وتقديرا واقتداء بسنته، ومع خلق الله رحمة ولينا في العشرة، ووفاء بحقهم في المعاملة وقد ورد في الحديث: وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزاء ولا تواضع أحد إلا رفعه الله ... يقول الإمام ابن القيم في معنى الآية: إذا كان الله قد رضي
أخاك المسلم عبدا، أفلا ترضى أنت به أخام.
والبدء بهذه الصفة الكريمة لعباد الرحمان دليل قاطع على مالها من قيمة عند الله، ويتفرع عنها كل الصفات الأخرى من الأخلاق الكريمة المذكورة في الآيات اللاحقة، لأن التواضع يدل على قوة الشخصية، وذلك بالتحكم في الفورة الغضبية المودعة في ذات الإنسان، فلا ينفلت زمامها عن المتواضع العاقل. بل هو يوظفها بمقدار ماتدعو إليه الحاجة في الحفاظ على الكرامة وضمان البقاء - والله أعلم.
الصفة الثانية: الحلم
4
قال تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامات الخطاب هو أفصح تعبير ينبئ عن عقل المتكلم ورزانته، أو جهالته وطيشه، والمرء معقود بلسانه، واللسان ترجمان لما في الجنان كما يقول زهير بن أبي سلمي لسان الفنى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
فإذا كان عباد الرحمان بتواضعهم في معاملة الناس لا يمكن أن يصدر عنهم أذى لغيرهم تكريما منهم وإباء للظلم، فكيف يواجهون الأذى حين يأتي من قبل السفهاء الجاهلين؟؟.
والظلم من شيم النفوس كما يقول المتنبي:
16 - (1/18)
صفحة 19
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عقة قلعلة لا يظلم
فإذا كانت علة التعفف عن الظلم هي التواضع والحلم في عباد الرحمان، فإن الجهالة والسفاهة هي الدافع للظالم أن يؤذي غيره، وقد كان المشركون في مكة يؤذون الرسول وأصحابه بالسب والشتم للكبراء من المؤمنين، وبالقتل والتعذيب للمستضعفين منهم، فيتحملون ذلك الأذى بالإعراض عنهم، لأنهم لم يُؤمروا بعد بقتالهم، كما قال تعالى في شأنهم: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين له والقصص: 155
وقد وصف الله هذه الظاهرة وصفا مقرونا بالتهديد والوعيد في سورة المطففين بقوله تعالى: وإن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مررا بهم يتغامزون. وإذا انقلبوا إلى أهلهم إنقلبوا فاكهين. وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك
ينظرون. هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون والآيات: 136/ 29.
وردهم على هؤلاء بقولهم سلاما، بمعنى السلامة أو بمعنى التحية المعهودة، فإن هذا الرد يعني المتاركة بين الطرفين، لاخير فيها ولاشر. وكم للفظ السلام في التحية من أثر ندي في النفوس الجموحة
يفعل فعله في إسكات الغضب وتهدئة الثورات.
والنفوس العظيمة لا تستخفها جهالة الحمقى، ولا تستفزها سفاهة الجاهلين لأن في مهامها العظمى وانشغالاتها الكبرى ما يدفعها
- 17 - (1/19)
صفحة 20
إلى الترفع عن سفاسف الأمور صونا لكرامتهم وحفاظا على قدرهم وشرفهم، وشحا بأوقاتهم أن يضيعوها في المهاترات
وقد قال الشاعر الحكيم
لو كل كلب عوى القمته حجرا
الأصبح الصخر مثقالا بدينار
فهي في معاملتها
مع الناس بين
الكف عن
الأذى بتواضعها
وتحمل الأذى بحلمها، وكل من الصفتين الحميدتين تنبعان من قوة الشخصية وقوة الإيمان. يقول الإمام ابن عاشور: ولأجل المناسبة بين الصيغتين عطفت هذه على الصلة الأولى، ولم يكرر إسم الموصول كما
كرر في الصفات بعدها م: 19 ص: 70 أسماء الله الحسنى «الحليم» يقول تعالى: {قول معروف
من
ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم والبقرة: 1263. وقد عرف الحكماء الحلم بأنه الأناة وضبط النفس، أي أنه إخضاع النفس لسلطان العقل وتأتي هذه الصفة وسطا بين رديلتين: الغضب والبلادة فالحليم يملك العزة والقدرة للإنتقام، ولكنه لا يفعل ذلك لما في طبعه من الكرم وعلو النفس، غير أن الحلم بالنسبة لله تعالى كما يقول الإمام القرطبي رحمه الله: هو ما يفيد معنى طرح المؤاخذة وأنه باب رفق وتوسعة على الخلق يقول المولى تبارك وتعالى في سورة يونس ولو يعجل الله للناس الشر إستعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم
قنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون والآية:11، ورسل
الله هم
النموذج الأعلى
الحلم، وقد أشاد في
18 -
القرآن الكريم لهذه (1/20)
صفحة 21
في قصصهم مع أقوامهم، ولاشك أن سيدنا محمدا في القمة بهذا الخلق الكريم .. حين بدأ في تبليغ الرسالة مستضعفا في مكة، والله تعالى يقول الله ولاصحابه وكفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ويقول له مرشدا وأخذا بيده إلى قمة الأخلاق العظيمة الوخذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم لله والأعراف: 200/ 199). وهو لقمة في ذلك حين إنتصر على أولئك الذين ناصبوة العداء، وحاربوه والبوا عليه الخلفاء وقد دخل بلدهم عنوة فقال لهم إذهبوا
الطلقاء
ودون الأنبياء والرسل تأتي مراتب الأولياء والصلحاء، ومنازل العظماء والحكماء، وكم من قصص مثيرة تروى في الحلم لأسياد وزعماء في أقوامهم مثل فيس بن عاص عند العرب .. والأحنف بن
قيس وغيرهما كثير.
يروى عن قيس
انه
كان جالسا بفناء، داره فدخلت عليه جماعة
تحمل قتيلا وشخصا مكتوفا، فقالوا له هذا ابنك قد قتله أخوك فلم يتزعج ولم يضطرب، بل إلتفت إلى أحد أبنائه وقال له: قم فأطلق عن عمك ووار أخاك، واحمل إلى أمه مائة من الإبل ثم أنشد يقول:
أقول للنفس تأساء وتعزية إحدى يدي أصابتني ولم ترد كلاهما خلف عن فقد صاحبه، هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي الأحنف أن رجلا تبعه بالشتم والسباب إلى حيه
ومن حلم
فقال الأحنف للمرجل السباب: يا هذا إن كان بقي في نفسك شيء
- 19 - (1/21)
صفحة 22
قهائه وانصرف، لا يسمعك بعض سفهائنا فتلقى ما تكره وفي كل قوم يشتهر هذا الصنف من الناس وهذا سقراط الفيلسوف تبعه أحد السيابيين من خصومه وسقراط لا يلتفت إليه وعندما هدده خصمه بأنه سيسمع عشرات الشتائم إن تفوه بكلمة واحدة أجابه سقراط بهدوء ورزانة قائلا: لمين تفوهت بمئات الشتائم ما سمعت واحدة. وكان العرب تغلب عليهم الغضبية في الإنتقام، فيبالغون في العقوبة، ويغالون
في
مني
الأخذ بالثأر وقد قال قائلهم ألا لا ليجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فهذب الإسلام نفوسهم وضبط جموحهم، بل حول تلك الغضبية القبلية إلى أعداء دينهم حتى استحقوا ذلك الوصف الكريم من الله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم .. والقرآن الحكيم في إرشاده لم يحاول أن يخنق فيهم تلك الغيرة وذلك الحماس في الدفاع عن ذمارهم وكرامتهم، بل وجهها إلى الحد المعقول بمثل قوله تعالى في سورة النحل وهي مكية: إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولتن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله والآية: 0126 ويمثل قوله تعالى في سورة الشورى وهي أيضا مكية وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمن عفى وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ماعليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم. ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأموركم الآية: 143/ 40 جعلنا الله تعالى في مصاف أولى العزم صابرين شاكرين، والله أعلم.
20 - (1/22)
صفحة 23
الصفة الثالثة: التهجد
النص: والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما الفرقان: 164.
ب - التحقيق اللغوي:
بات: بيت: قال الزجاج بات الرجل بيت إذا أدركه الليل نام أو لم مساجد قياما: جمع قالم تصحاب قال تعالى: ومن الليل
سجدا
به ناقلة، التهجد: القيام من النوم إلى الصلاة ناقلة: النقل لغة: الغنيمة والهية والنط أي الزيادة على الواجب، الناقلة وهنه
ج) - البيان والتفسير:
مي
الصلاة.
هذه هي الموصول الذين» للتأكيد. فهم كما قيل عنهم: أسود بالنهار رهبان بالليل جهادهم لا يتقيد بزمان ولا مكان ففي النهار يجاهدون غرور أنفسهم وتوازغ الشيطان في معاملاتهم لأصدقائهم وأعدائهم بالرحمة أو الشدة، وفي الليل يناجون ربهم خوفا وطمعا كما قال عنهم تبارك وتعالى في سورة السجدة: وتتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون والآية: 17/ 16، وقد وردت نصوص أخرى في القرآن والسنة تشيد بقيام الليل للتهجد زيادة على ما فرضه الله على عباده التركيز روح المبادرة إلى الخير في نفسه، والتنافس في أعمال البر فقال جل من قائل في سورة الذاريات: وإن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم. إنهم كانوا قبل ذلك
الصفة الثالثة لعباد الرحمان معطوفة على ماقبلها بإعادة
- 21 - (1/23)
صفحة 24
محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون الآيات: 18/ 15، ويقول تعالى في سورة الزمرة وأمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة
ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب الآية: 109 ويصف الله تعالى: أولو الألباب أي الذين يتأملون بعقولهم، يصفهم في سورة آل عمران بأنهم والذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض والآية:191)، فهذه النصوص الكريمة تؤكد ماورد في هذه الصفة لعباد الرحمان من أنهم يبيتون لربهم سجدا وقياماي وليس المراد من فعل يبيتون بأنهم لا ينامون الليل كله، بل المقصود من التهجد هو القيام من النوم لأجل العبادة.
وقد روي عن رسول الله أنه قال: وأيحسب أحدكم إذا قام من الليل كله أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد رفدة، ثم الصلاة بعد، رقدة ثم الصلاة بعد رقدة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: نتجافى جنوبهم عن المضاجع، أي أنه قد حصل لهم نوم قبل قيامهم للصلاة والتحريض على الإتيان بالنوافل تدريب للمؤمن على الإستزادة من فعل الخير للإستشراف إلى منزلة الإحسان التي ينال بها محبة الله فقد ورد في الحديث القدسي الذي رواه الإمام البخاري: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما أفرضته عليه، ومايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى
أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به،
الذي يصر
22 - (1/24)
صفحة 25
ويده التي
إستعاد بي
يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولكين الأعيدته وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن نفس
المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته.
وخصصت الآية من أعمال الصلاة ركني القيام والسجود، للإهتمام بهما، وقدمت ذكر السجود عن القيام، لأن السجود هو الصورة الأقوى تعبيرا للخضوع والتذلل إلى الله، ولقوله (عليه الصلاة والسلام): «أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجده
أبيها
وأورد الإمام القرطبي لله قوم أخلصوا في حبه
قوم إذا جن الظلام عليهم
في معنى
الآية تذكرها إتماما للفائدة:
فرضي بهم واختصهم خداما
باتوا هنالك سجدا وقياما
خمص البطون من التعفف ضعرا. لا يعرفون سوى الحلال طعاما فإذا كان ما تقدم من النصوص في صفات عباد الرحمان لا يجعل من قيام الليل أو غيره من النوافل فرضا محتوما على المؤمن فإنه في حق رسول الله فرض لازم كما ذهب إليه كثير من العلماء عند تفسير قوله تعالى ومن الليل فتهجد به ناقلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا والإسراء: 179، وفي قوله في سورة المزمل: يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا والآيات 104/ 01، ويلاحظ أن الآيتين ذكرنا في التهجد تلاوة القرآن وحسن ترتيله يقول السيد قطب (رحمه الله) في تفسير الآية الأولى ومن الليل فتهجد به نافلة لك، والتهجد الصلاة بعد نومة أولى ليل، والضمير في (به عائد على القرآن، لأنه روح الصلاة وقوامها.
23 - (1/25)
صفحة 26
قلت: روي عن ابن عباس أنه من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا وقائما، غير أن معنى التهجد لا يتحقق
إلا بعد رقدة كما ورد عن رسول الله في الحديث السابق، ومناط
القبول عند الله ليس هو كثرة عدد الركعات يقدر ما هو الإخلاص في طاعة الله بمراعاة شرطين أساسيين:
d
حسين القيام بالفرائض وأدائها على الوجه الأكمل.
ب) - تحري لقمة الحلال ما يطعمه المؤمن
طيب لا يقبل إلا طيبا.
الأن الله تعالى
ومجال النوافل واسع لا يقتصر على التهجد بالليل، بل حسب المؤمن أن يكون قلبه هينا لينا بخشية الله .. ولسانه رطبا حلوا بذكر الله، قال معاذ بن جبل الرسول الله له: أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله».
فإذا كان الرسول يتهجد بالليل - وهو المغفور له - فكيف بنا نحن الغارقين في الذنوب إلى الأذقان فما أحوجنا إلى التحلي بصفات
عباد الرحمان - والله أعلم
دعاء الرسول عند قيامه للتهجد:
كان يقول اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن أنت الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة
- 24 - (1/26)
صفحة 27
حق، والنار حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت، فاغفرلي ماقدمت وأخرت وأسررت وأعلنت، أنت إلاهي لا إله إلا أنت.
ويقول: اللهم عات نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت وأصرف علي سيتها، فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت، أسألك مسألة البائس الفقير المسكين وأدعوك دعاء المفتقر الذليل فلا تجعلني بدعائك ربي شقيا وكن بي رؤوفا رحيما حفيا، يا خير
المسؤولين ويا أكرم المعطين
-25 - (1/27)
صفحة 28
الصفة الرابعة: الخوف من عذاب جهنم
أ) - النص: والذين يقولون: ربنا أصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما 65 إنها ساءت مستقرا و مقاما 66 «الفرقان».
ب) - التحقيق اللغوي:
إصرف عنا: باعد عنا ونجنا من النار. غراما: هلاكها وعذابها ملح دائم، ومنه لفظ الغريم» أي لزوم الدائن لمدينه: ساعت: بمعنى «شر» للدم. مستقر: مكان الإستقرار المقام: مكان الإقامة
ج) - البيان و التفسير:
الخوف من عذاب الله كما جاء الوعيد به في القرآن الكريم جاء مناسبا للصفة التي قبلها من التهجد إلى الله و حسن عبادته، مما يدل على قوة إيمانهم بالله واليوم الآخر وهما دعامتا الإيمان الصحيح الذي يرتكز على العلم والمعرفة بالله قال الإمام القرطبي في هذا المعنى إنهم يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه عن علم كانوا أعرف بعظم قدر ما يطيلون، فيكون ذلك أقرب إلى النجح الجامع الأحكام
72:
القرآن م:13 ص: 72 قلت: إن هذا القول ينبئ عما في قلوبهم من خوف ووجل سواء قالوا ذلك في قيامهم وسجودهم كما ذهب إليه إبن عباس أو كانت تردّده ألسنتهم دعاء كلما اعتلجت خواطر الخوف في نفوسهم كيفما كانت أحوالهم، لأن أقوالهم هذه متناسبة مع أعمالهم الخيرة
26 (1/28)
صفحة 29
?
الشدة خوفهم من
الله لا يدرون أيقبلها منهم أم رفضها كما جاء
قوله تعالى من سورة المؤمنون: وإن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا يشركون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم
راجعون) والآيات: 160157
وقد روى الإمام الترمذي عن عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت: يارسول الله والذين يؤتون ما آنوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟؟ قال: ولا يابنت الصديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل. قلت: انصاف عباد الرحمان بهذه الصفة الحميدة، وقيامهم بذلك النوع من العبادة إذ يتهجدون بالليل اجتهادا واصطبارا، هو دليل على سعيهم في مرضاة الله، لأنه صمام الأمان من عذاب الله لأن العمل المبرور في تقييم المؤمن الوفي ليس بالضروري ان يكون مقبولا عند الله، فهو فيه بين الخوف والرجاء وقد علمنا الله تعالى ذلك حتى
لا تغتر فقال جل من قائل من سورة النجم: وإن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون
أمهاتكم، فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى الآية: 32). وهذا رسول الله (عليه الصلاة والسلام) يعلم أصحابه كيف يلتمسون رضي الله، وكيف يترددون في مسعى أعمالهم بين الخوف والرجاء حين قال لهم: ولا يدخل الجنة أحدكم عمله، قالوا: ولا أنت يارسول الله؟؟ قال: ولا أنا إلا إن تغمدني
الله
برحمته.
- 27 - (1/29)
صفحة 30
والجملتان: إن عذابها كان غراما، إنها ساءت مستقرا ومقامام يجوز أن تكونا من كلام الداعين، أو هي من كلام الله اختلاف المفسرين وهما على أي احتمال تعليل لسؤالهم صرف عذاب جهنم عنهم وذم كبير لذلك العذاب، مما يدل على نهم مؤمنون به حق الإيمان وإن لم يعاينوه، وحسبهم من وعيد الله به ما يسمعون في القرآن من أوصاف جهنم تثير في نفوسهم الرهبة،
ويشهقون لسماعها
حتى
كان زفيرها في أذانهم.
نصوص حول عذاب جهنم: ة) - من القرآن الكريم:
واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم
ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيعه. ويأتيه الموت من كل مكان وماهو بميت ومن ورائه عذاب غليظ وإبراهيم: 617/ 15.
إن الذين كفروا بآياتنا سوف تصليهم تارا، كلما نضجت
جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيماكم والنيساء: 156 والذين كفروا لهم نار جهنم لا يُقضى عليهم فيموتوا
ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا تعمل صالحا غير الذي كنا تعمل. أولم تعمركم ما يتذكر فيه من تذكر؟؟ وجاءكم النذير؟؟ فذوقوا فما للظالمين من نصيرة وفاطر: 136.
28 (1/30)
صفحة 31
ولا تكاد سورة من القرآن القرآن الكريم تخلو من ذكر جهنم وما ينتظر
فيها الكافرين الظالمين
ب) - ومن السنة النبوية:
الجد الأحاديث الكثيرة تتفاوت قوة وضعفا، سيما تلك التي يصف فيها رسول الله أنواعا من العصاة وهم يتعذبون في جهنم بألوان من العذاب، وقد رأى من آيات ربه الكبرى ليلة الإسراء والمعراج ولعل أبلغ ما روي عنه (عليه الصلاة والسلام) هذا الحديث الذي يشخص فيه نعيم الجنة وعذاب النار فيقول: أرغبوا فيما رغبكم الله واحذروا وخافوا ما خوفكم الله به من عذابه وعقابه ومن جهنم كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها طبيبتها لكم. ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها حبتها عليكم. وقد ورد في السنة هذا الدعاء لسيدنا داوود (عليه السلام): الاهي لا لي على حر شمسك، فكيف صيري على حر بارك؟؟ ولا. لي على صوت، رحمتك فكيف على صوت عذابك
فإنه لو
ميزان الخوف والرجاء في قلب المؤمن: مما جاء في عقيدة التوحيد، مما يجب على المكلف المعرفة بع الأمر والنهي، والمن والدلائل والخوف والرجاء والولاية والبراءة يعقد الشيخ إسماعيل الجيطالي (رحمه (الله) في كتاب القيم قواعد الإسلام يعقد فصلا يبين فيه متى يجب أن يتوازن الخوف والرجاء أن في قلب المؤمن، ومتى يجب يميل أحدهما عن الآخر للخص
29 - (1/31)
صفحة 32
ما
أ - يجب على العبد أن يعدل بين الخوف والرجاء في قلبه، بحيث لا يميل أحدهما عن الآخر، لأن الميل إلى الخوف يدعو إلى الأناس من رحمة الله وهو يقول: وإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 187. وإن مال إلى الرجاء، خشي عليه الأمن من عذاب الله وهو يقول: فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون والأعراف:199 ويقول رسول الله: الو وزن خوف المؤمن ورجايه بميزان تريض ما زاد أحدهما عن الآخرة.
ب) - يقول العلماء إذا احتضر المؤمن فالرجاء في تلك الحالة ألبق به وأحق كما روي حذيفة بن اليمان حين احتضر أنه قال: اللهم أمرتنا أن تعدل بين الخوف والرجاء. فالآن الرجاء فيك أمثل، ثم يقول الشيخ إسماعيل (رضي الله عنه: والخوف والرجاء فريضتان غير محدودتين يثبتان في القلب بفرائض غير محدودة كبر الآباء والندم على سوالف الآثام، ويثيتان أيضا بجهل المصير وعاقبة الخاتمة، وبجهل قبول التوبة إذا تاب من ذنب اقترفه وهما من أفعال العباد يتفاضلون جعلنا الله من الراجين
فيهمان إنتهى قوله بتصرف.
والله أعلم
لثوابه الخالقين من عقابه
نموذج من عباد الرحمان:
يروى عن التقي الزاهد حاتم الأصم أنه قيل له: كيف تصلي؟؟ فقال: وإذا أردت الصلاة أسبغت الوضوء، ثم أتيت الموضع الذي أريد
-30 - (1/32)
صفحة 33
بالاة فيه فأقعد حتى اتجتمع جوارحي، ثم أقوم في المصلي، فأجعل الكمية بين الحاجبي، والصراط تحت قدمي، والجنة يميني، والنار عن شمالي، وملك الموت وراثي، وأظنها أخر صلا بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيرا بتحقيق وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعا وأسجد مسجودا بتخشع، ثم أجلس على التمام، وأتشهد على الرجاء، وأسلم بالسنة وأتبعها بإخلاص، ثم لا أدري أقبلت أم 337
-31 - (1/33)
صفحة 34
- الصفة الخامسة: الإعتدال في النفقة
أ) - النص: والذين إذا أنفقوا لم يُسرقوا ولم يقتروا وكان بين
ذلك قواما الفرقان: 167
ب) - التحقيق اللغوي:
أنفقوا: أي الإنفاق غير الواجب كيا نفاق المرة على عائلته وأصحابه.
يسرقوا: من الإسراف، وهو تجاوز الحد والإفراط في إتلاف المال يقتروا: الإفتار هو عكس الإسراف: أي الشح والإمساك قواما: العدل بين الطرفين.
والقوام: مايقام به الشيء
ج) - البيان والتفسير:
القصد والإعتدال في كل شيء من السمات التي امتاز به الإسلام في تشريع أحكامه وتوجيه إرشاداته. ولا غرو في ذلك إذ هو دين الوسطية بين المادية اليهودية والرهبانية النصرانية. وهو إذ يراعى
ازدواجية التكوين البدني والنفسي في الإنسان يوازن بين مطالب والروح، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
الجسد
وكان الجاهلون يغالون في الغذات، ويسرقون في الملاهي من النساء والخمر والميسر، ويعتبرون ذلك من مقومات الرجولة في الشجاعة والكرم والشعر الجاهلي وبالأخص المعلقات خير دليل في ذلك، فهذا طرفة بن العبد يقول مفتخرا:
ولولا ثلاث من من لذة الفنى، وحقك لم أحفل متى قام عودي
32 - (1/34)
صفحة 35
فمنهن سقى العائلات بشرية، كميت متى ما تعل بالماء تزيد وتقصير يوم الدين والدجن معجب. يبهكنة تحت الحياء المعمد وكرى إذا نادي المضاف محتبا. كسيد الغضا نبهته المتورة وقال عنترة:
وإذا شربت فإنني مستهلك، مالي وعرضى وافر لم يكلم فكيف استطاع الإسلام إنقاذ هؤلاء الناس من الوحدة التي
كانوا فيها؟؟
القد حولهم من عباد الشيطان إلى عباد الرحمان وركز في نفوسهم تلك الصفات الخلقية الكريمة، فأصبحوا منشغلين بالمهام العظمى في نشر رسالة الله في الآفاق. ويوم يربط الإنسان نفسه بعظائم الأمور فإنه يترفع حتما عن اللهو والعبث ويعتدل في مطالبه الجسدية بالقدر الذي يقيم أوده ويقوى به على أداء وصف رسول الله (عليه الصلاة والسلام) أصحابه يقول: ونحن قوم لا تأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا فلا تشبع.
مهمته، كما
والإعتدال في الإنفاق هو الصفة الخامسة العياد الرحمان، وقد اختلف المفسرون في تحديد المقصود من الإنفاق في الآية الكريمة، أهو ما يكون في طاعة الله أو في معصيته حتى يتحدد معنى الإسراف أو الإفتار، أو هو الإنفاق من مال الغيرة ومتع حقه، وقد أورد الإمامات القرطبي والرازي كثيرا من أوجه التفسير لمعنى الإشراف والإفتار وأوضح الإمام ابن عاشور المقصود من الإنفاق في الآية من خلال التعبير المستعمل فقال: «وأريد بالإتفاق منا الإتفاق غير الواجب وذلك
-33 - (1/35)
صفحة 36
إتفاق المرء على أهل بيته وأصحابه الأن الإنفاق الواجب لا يقم الإسراف فيه والإنفاق الحرام لا يحمد مطلقا بل له أن يذم الإقتار فيه على أن في قوله: إذا أنفقوا إشعارا بأنهم اختاروا أن ينفقوا ولم يكن واجبا عليهم م:19 ص 71.
قلت: ويؤيده قوله تعالى مخاطبا رسوله في سورة الإسراء: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورام والآية: 129 وكما ورد في حديث الوصايا التسع في قوله (عليه السلام): «أوصاني ربي يتسع أوصيكم بها أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضى والغضب (الحديث).
والقوام أو الاعتدال المطلوب يختلف تقديره باختلاف الأحوال المعيشية للناس، بصفة عامة، وباختلاف سعة الرزق وضيقه بين واحد وآخر. وفي ذلك يأتي هذا التوجيه الإلهي الحكيم: اولينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما اتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما اتاها سيجعل الله به عسر يسرا الطلاق: 17 قال ابن عباس: من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف ومن أنفق درهما في غير حقه فهو سرف، ومن منع من حق عليه فقد فتره. ولا شك أن لشهوة البطن انعكاسا على سلوك الإنسان في حياته اليومية، ولمنع الجسد بصفة عامة أثر بالغ في الحياة الإجتماعية للأمم، لأن الشبع والري إلى حد الإسراف يؤدي إلى سعار الشهوة البهيمية، حتى تنفلت عن ضوابط العقل وفي ذلك يقول المولى تبارك وتعالى
-34 - (1/36)
صفحة 37
سورة القتال: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تاكل
الأنعام والنار مثوى لهم الآية: 22
ومع الإسراف والتبذير يصبح الشرف والبدخ هو الطابع المهيمن على الحياة العامة فتختل بذلك موازين الإقتصاد، وتسوء الحالة الإجتماعية حين يزداد الأغنياء عنى والفقراء فقراء
وفي غياب العدالة الإجتماعية والحاج البطون الجائعة يضطرب الأمن وتسود الفوضى وقد حذر الله تعالى عباده من هذا المصير المشؤوم فقالى في سورة الإسراء: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا والآية: 116 ومن جهة أخرى لا يريد الإسلام أن يركز أتباعه إلى التقشف
والزهد كما يدعو إليه المتصوفة قديما وحديثا.
التي
بل لا حرج على المؤمن
أن يستمتع بأطايب الحياة، وأن يأخذ
بزينتها في حدود الإعتدال، يقول تعالى: أقل من حرم زينة الله أخرج العباده والطيبات من الرزق الأعراف:32، ويقول تعالى من سورة المائدة: وليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح في ما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين والآية 93
وتوخى الاعتدال مطلوب أيضا في الحياة الروحية، بحيث يأخذ
أداء ركن من
المؤمن بالرخص التي تبشر عليه حيثما تكون المشقة في أركان العبادة والله يقول: وما جعل عليكم في الدين من حرج) وولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما النساء 129
35 (1/37)
صفحة 38
وقد نهى الرسول أصحابه عن الوصال في الصوم. وقال الأولئك
الذين تواطأوا على الزهد والرغبة عن النساء: إني امرؤ أنام وأقوم وأصوم وأفطر وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني .. ولعل أبلغ آية في التحريض على القصد والإعتدال هي قوله تعالى في سورة الأعراف: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين والآية: 31. وروى الإمام البخاري: أن رسول الله الله قال: وسددوا وقاربواء واعدوا وروحوا، وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا».
- والله أعلم -
-36 - (1/38)
صفحة 39
الصفة السادسة: التنزه عن الشرك
-
النص
والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون
النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانام والفرقان: 169,68
ب) - التحقيق اللغوي:
لا يدعون مع
الله إلها آخر: أي لا يجعلون له أندادا الزنا: إتصال الجنسين إتصالا غير شرعي بالسفاح يلقى أناما: الأنام: العقاب والجزاء على الإثم. وفي التفسير المنقول: أي أنه واد في جهنم، وقيل هو
جل يضاعف: يشدّد عليه العذاب بقوة. مهانا: ذليلا حامثا.
ج) - البيان والتفسير: بعد ذكر صفات التحلي لعباد الرحمان بحميد الحصالي، من التواضع والحلم والتهجد والخوف من عذاب الله تجيء صفات تخليهم عن الموبقات الكبرى من الشرك بالله وقتل النفس بغير الحق، والزناء وقد لزها الله تعالى في قرن واحد بعد ذكر موصول واحد نظرا لشناعتها وقبحها، وما تجنيه على المجتمعات البشرية من مفاسد ولكون العرب في جاهليتهم كانوا يمارسون تلك المظالم كلها. وهم مع قد يتحلون بعض الخصال المتقدمة من الحلم والتواضع والإعتدال فقد أشكل على بعض المفسرين مثل هذا الترتيب العكسي لأن التحلي قبل التحلي كما يقول الحكماء ونقل الإمام القرطبي عن
ذلك
- 37 - (1/39)
صفحة 40
شيخه أبي العباس إجابة حسنة عن ذلك الإشكال فقال: وإنما صح تشريف عباد الله باختصاص الإضافة بعد ان تحلوا بتلك الصفات الحميدة، وتخلوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأ صدر هذه الآيات بصفات التحلي تشريفا لهم، ثم أعقبها بصفات التخلي تبعيدا لها (جامع الأحكام م:13 من:75)
في
قلت: إن المشركين كانوا يقترفون تلك المنكرات وهم
يعتقدون أنهم متدينون على ملة أبيهم إبراهيم، وهم في على آثار آبائهم مقتدون بدليل قولهم في عبادة الأصنام: وما تعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى (الزمر: 03) وقولهم: شفعاؤنا عند الله يونس: 18
وهؤلاء
وفي هذا المعنى يجيب الإمام الرازي بقوله: وإن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمسكا بالشرك لدينا، ومقدما على قتل
بتلك
الموعودة تدينا، وعلى الزنا تدينا فين تعالى أن المرء لا يصير الحصال وحدها من عباد الرحمان حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانيا
لهذه الكبائر (م:24 ص 111/ 110)
ا - أولى هذه الكبائر الشرك بالله:
تذكر هذه الموبقة عادة في القرآن الكريم بلفظ الشرك أو الكفر. ر أن التعبير في هذه الآية الكريمة جاء بنفي الدعاء لغير الله. والنكتة في ذلك والله أعلم هو إكمال الصورة الحقيقة العبادة لله التي يمارسها عباد الرحمان في جوف الليل، وأنها عبادة خالصة لوجه الله
38 (1/40)
صفحة 41
لا يشوبها رياء ولا سمعة وهما من الشرك الحقي، ثم إن الدعاء مخ العيادة كما يقول العلماء، فليس بالضرورة أن يكون العابد أمام صنم ليقال عنه: إنه كافر أو مشرك فقد يدعي مسلم الإيمان بالله، وقد يمارس عبادته على الصورة التي كلف بها، ولكنه في توجهاته القلبية أو حتى في بعض أذكاره يخطئه التوفيق، فيهوى به الشيطان في قرار سحيق، حين يدعو آباءه وأسلافه قائما على أضرحتهم، أو حين يستشفع بولي من الأولياء أو يتوسل به في كشف الضراء وينذر إليه بوعدة إن استجاب الدعاء وهذا هو المزلق الخطير في باب العقيدة. وعباد الرحمان يظهرون أنفسهم من تلك الشوائب. بالإخلاص التام لله تعالى في دعائهم وعبادتهم وقد جاء رجل إلى رسول الله (عليه السلام) فقال له: إني لأقف الموقف أريد وجه الله، وأريد أن يرى موطني، فلم يرد عليه حتى نزل قوله تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحداكم والكهف: 110). وفي ما رواه الإمام البخاري في نزول هذه الآية: أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله أي الذهب أكبر؟ قال: أن تدعو الله أندادا وهو خلقك قلت: ثم أي قال: أن تقتل ولدك حيقة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تراني حليلة جارك. فأنزل الله تعالى تصديقها والذين لا يدعون مع الله إلاها آخركم إلى قوله: ويلق أنا ماك فالشرك بالله نوعان الشرك الأكبر، والشرك الأصغر
أ) - الشرك الأكبر: هو أن تجعل الله ندا بعبادة أي خلق من
39 - (1/41)
صفحة 42
مخلوقاته في الأرض أو في السماء كيفما كان نوعه أو منزلته من الله، سواء كان ملكا مقربا أم نبيا مرسلا، وقد تضافرت نصوص القرآن في حرمة ذلك وأنه من أكبر الكبائر لقوله تعالى: وإن الله لا يغفر أن
يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد إفترى
إثما عظيما النساء: 148
ب)
-
الشرك الأصغر: ويسمى بالشرك الخفي وله صور
عديدة قد لا ينتبه إليها العابدون، وأخطرها، طلب السمعة والرياء. روى الإمام أحمد أن رسول الله قال وإياكم والشرك الأصغر قالوا يارسول الله ما الشرك الأصغر؟ قال: الرياعه. يقول الله تعالى يوم بجازي
العباد بأعمالهم.
إذهبوا إلى الذين كنتم تراعونهم بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل
تجدون عنهم جزاء
والرياء مخادعة لله تعالى وصف بها المنافقين، ثم توعدهم بالدرك الأسفل من النار فقال جل من قائل: وإن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاك (النساء: 1942، ثم قال: وإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا والآية: 145 من نفس السورقة.
وقد عرف العلماء الإخلاص بقولهم: أن تكون
خلق، ومع خلق الله
فما أكثر الضلالات التي وقع فيها الناس قديما وحديثا، وما أكثر
40 - (1/42)
صفحة 43
الخرافات والأوهام التي تعلقوا بها، سيما في محاولتهم معرفة المجهول وكشف العيوب. وكان الإسلام حريصا على صيانة جوهر العقيدة في
قلب المسلم، والتي تبني على التوحيد الخالص لله تعالى، بأنه وحده عالم الغيب والشهادة وبيده ملكوت كل شيء، لا يعرب عن مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولم يدع رسول الإسلام معرفة
علمه
الغيب بل أمره تعالى أن يقول لأتباعه: طوقل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير
وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يومنون والأعراف: 1188. فلا دجل ولا شعودة في الإسلام، ولا تومثل إلى غير الله فلم يتخذ المسلمون كهانا ولا رهبانا في مساجدهم ليكونوا وسطاء بينهم وبين الله، وهم بذلك يطبقون ما أمرهم الله به في قوله: وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداكة والجن: 118.
وحتى ما درج عليه الناس في باب التفاؤل والتشاؤم أو التطير ببعض الأشخاص أو الأشياء نجد للإسلام توجيهات قيمة تدرب المؤمن
على الرضى بقضاء الله والتوكل عليه فلا يسب الدهر إذا لحق به مكروه، ولا يلعن البهائم والأشياء إذا لم تطاوعه لما يريد، لأن العرب قد ألفوا الإعتبار لهذه العادات فيزجرون الطير لتمر بهم سعدا أو نحيا كما يعتقدون ويستقسمون بالأزلام عندما يهمون بأمر عظيم، ويتشاءمون بميلاد الأنثى، ثم يقدمون على وأدها دون شفقة ولا رحمة. يقول تعالى في سورة النحل: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه
41 (1/43)
صفحة 44
على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون والآية: 159:58 كل هذه العادات وأشباهها حاربها الإسلام وقضى عليها، بتركيز العقيدة الصحيحة في قلوب المؤمنين، وتفويض الأمر إلى الله مدبر
الأمور ومقدّر الأسباب وعلام الغيوب.
يقول رسول الإسلام ثلاثة لا ينجو منها أحد الظن، والطيرة
والحسد، ثم يقول في التحرز منها: إذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطييرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ - والله أعلم -
-42 - (1/44)
صفحة 45
الصفة السابعة: التنزه عن قتل النفس بغير الحق
أ) - النص: ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق.
ب) - نصوص تحرم القتل
يقول المولى تبارك وتعالى
1 - ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم. ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) (الأنعام: 1151.
(2) ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرًا، ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا، فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراك) الإسراء: 31
133
(3
وومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها
وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما النساء: 193.
4 - من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل، أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا (المائدة:31).
) - وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت والتكوير 198.
43 - (1/45)
صفحة 46
ج) - البيان والتفسير: - تمهيد -
القتل هو أول اعتداء من الإنسان على أخيه الإنسان بدافع الغيرة والحسد، فقد قص الله علينا أحداث هذه الجريمة الأولى التي وقعت بين إبني آدم في سورة المائدة
وصور الله فيها كيف كانت الحالة النفسية لكل من القاتل والمقتول، وذلك من خلال الحوار الذي جرى بينهما قبل تنفيذ العملية
وكيف استولى الندم على نفس القاتل وهو يوارى سوأة أخيه، مما يدل بأن جريمة القتل مستقطعة كريهة من أول حدوثها بين الأخوين، وهما يكونان مع والديهما الخلية الأولى في الجسم البشري كله، وربط الله تعالى بهذه الحادثة الشنعاء قوله تعالى: ومن أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفسه إلى آخر الآية: 31)، ليبين حكمه
أن
الشديد في مثل هذه الجريمة في تشريع التوارة، وما من شك في الشرائع كلها السماوية منها والوضعية لم تقف موقفا سلبيا من هذه الجريمة، بل عرفت ألوانا من التشريع الجنائي يتفاوت بين اللين والقسوة
وبين القوة والضعف، تبعا لتصوراتها وإيديولوجياتها، جاء الإسلام ونبتت حضارته في المجتمع العربي، وهو مجتمع
تغلب عليه ثورة العاطفة، واعتمد في شطر من كسبه على الغارات فكثرت فيه العداوات، وما تدعو إليه من الأخذ بالثارات بل حتى العاطفة الأبوية الرحيمة لم ترق عندهم إلى ذلك المستوى من الجنان العاطفي والرحمة الفطرية في التضحية من أجل الولد. فقهروا المرأة ووأدوا البنات واستضعفوا الولدان وإذا انتصروا لظلمهم فلا يكتفون
44 (1/46)
صفحة 47
بالمثل، بل ينتقمون أضعافا مضاعفة.
وأمام هذا الوضع المتردي، فهل يلام الإسلام في تشريعاته الجنائية
عندما شرع القصاص في جريمة القتل؟؟
كلا، بل ملك في ذلك طريقا وسطا بين الإفراط والتفريط، بما يتلاءم مع الطبيعة البشرية وهو يشترع لها. من الأحكام والقوانين ما يحقق لها الإستقرار والسلام والنصوص التي بين أيدينا، سواء منها ما جاء بالنهي الصريح، أو بالإخبار كما في آية الفرقان كلها تنص على حرمة النفس البشرية منذ أن خلقها الله كما نص الحديث والأدمي بنيان الرب، فملعون من هدم بنيان الرب وصيغة النهي الصريح القتل النفس جاءت في سورتي الأنعام والإسراء على هذا التعبير: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وقد جال الإمام محمود شلتوت (رحمه الله) جولة صادقة في فلك الثالوث المكون الأجزاء الجملة وتوضيح معناه فقال بعد أن فتر قوله تعالى والتي حرم الله على وجهين التحريم التشريعي الذي نزلت به الشرائع السابقة، والتحريم بمقتضي العصمة الطبيعية في كونه كالنا عاقلا عاملا في الحياة وخليفة الله في الأرض قالى بعد ذلك وهذا التقرير في معنى التحريم المذكورة برشد ارشادا واضحا إلى أساس ما يقره العلماء من أن الحرمة هي الأصل في النفوس لا تباح إلا بحق طارئ على ذاتها قد اقترفه بطغيانها وهواها وأنها في ذلك بخلاف الأموال فإن الأصل فيها هو الإباحة. الخ)
الإسلام عقيدة
(159 385
قلت والحق الطارئ في قوله تعالى: وإلا بالحق قد بينته (1/47)
صفحة 48
الصوص القرآن ونصوص السنة وإجماع العلماء.
فمن القرآن قوله تعالى: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراح «الإسراء: 33. وقوله: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى. الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم البقرة: 1178
وأما السنة فكقوله (عليه الصلاة والسلام): لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق»، وكل من الأسباب الثلاثة علة معقولة. ففي قتل المرتد إلى الكفر، دفع للفساد الروحي في
ضمنها ويعرف أسرارها.
الجماعة
بخروج من
كان يعيش
وفي قتل الزاني المحصن بالرجم، دفع للفساد الإجتماعي بالإعتداء
على الأعراض ونشر الفاحشة في الذين آمنواء
وفي القصاص من القاتل عمدا حياة كما قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون والبقرة: 179، وذلك بردع المجرم لأنه عضو مريض يجب أن يستأصل من جسم، المجتمع ضمانا لأمنه وعافيته، ثم في القصاص تطمين لأصحاب الدم أن تثور نفوسهم
أنه
فينتقمون بأيديهم ومن أحكم وسائل العلاج في التشريع الإسلامي وكل تنفيذ الحدود إلى إمام المسلمين، حسما للفوضى والانتقامات الشخصية فقال رسول الله: أربعة أمور لا تكون إلا للولاة: الفيء
46 (1/48)
صفحة 49
والحدود والصدقات والجمعات وتمت أسباب أخرى إتفق العلماء على إباحة القتل بها، وأسباب اختلفوا فيها تطلب من المطولات الفقهية». ذلك هو العقاب الدنيوي للمجرم القاتل، وهو جزاء عادل لهذه
حكم
الجريمة الشنعاء، وإن رأى بعض المسلمين المستغربين أن في الإعدام قساوة وغلظة لا تليق بالمجتمعات المتمدنة التي عرفت حقوق الإنسان، ونعمت بمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن. فالله القوي قاهر فوق عباده هو الذي شرع هذه الأحكام وهو أعلم بمن خلق، وهو أرحم بعباده حين قال: ولكم في القصاص حياة.
أما الجزاء الأخروي فقد قال تعالى في سورة النساء: ومن يقتل
مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد
له عذابا عظيما الآية: 193
وقوله تعالى بعد ذكر جريمة الزنا من هذه الآية الكريمة: لومن يفعل ذلك يلق أناما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، فأولئك يبدل الله سيئاتهم
حسنات وكان الله غفورا رحيما.
وقد لو الله تعالى هذه الكبائر الثلاث في قرن واحد وعطف بعضها على بعض باسم موصول واحد مما يدل على أنها في منزلة واحدة من القبح والظلم والشناعة ويترتب على مرتكبيها القتل، وأقصى الجلد لمن كان غير محصن في الزنا وفي قبول التوبة منها سيما القتل العمد للمؤمن خلاف بين العلماء كما سيأتي بيانه
-
والله أعلم -
47 (1/49)
صفحة 50
الصفة الثامنة: التنزه عن الزنا
أ) - النص: ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أناما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا الفرقان:68 - 969
ب) - نصوص أخرى في فاحشة الزنا:
قال تعالى:
1 - ولا تقربوا الزنا، إنه كان فاحشة وساء سبيلا «الإسراء».
2 - واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم، فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما والنساء: 15 - 116
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، رنيشهد عذابهما طائفة من المؤمنين الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على
المؤمنين والنور: 02 - 03
ج) - البيان والتفسير:
بناء على تقسيم الإمام القرطبي، فان تنزه عباد الرحمان عن ارتكاب فاحشة الزنا هي الصفة الثامنة وهي من صفات التخلي مقرونة
48 - (1/50)
صفحة 51
يموبقة الشرك بالله وجريمة القتل، والعرب في جاهليتهم أكثر ممارسة لهذه الفاحشة، سيما بفتياتهم من الإماء اللاتي يملكونها ويتخذون منهن بغايا في دور خاصة بهن تعلوها أعلام حمراء اجتذابا للراغبين، وتحصيلا على الأموال، ولم يكن غير العرب في الحضارات الأخرى بمنأى المرض الاجتماعي الوبيل. فهؤلاء الرومان والفرس في عهد التنزيل تفشت
فيهم هذه الفاحشة وروجوها بمختلف الوسائل.
عن
هذا
والإسلام - هو دين الظهر والنقاء - قد حارب هذه الظاهرة بخطته الحكيمة في التشريع، وضيق خناقها بمختلف الوسائل الوقائية في تلبية الرغبة الجنسية بالطرق الشرعية أولا، ثم شرع من الحدود الصارمة ما يقطع دابرها إن طبقها حاكم المسلمين ثانيا.
والنص الصريح في تحريم فاحشة الزنا هو قوله تعالى في سورة الإسراء ولا تقربوا الزنا، إنه كان فاحشة وساء سبيلا كما ورد بصيغة التعميم في سورة الأنعام بقوله تعالى: {ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن. وفي الآية الكريمة من سورة الفرقان بوصف الإخبار ولا يزنون وكذا في سورتي المؤمنون والمعارج: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين والزنا هو الإتصال غير الشرعي بين رجل وامرأة، ولا يتم ذلك الإتصال عادة إلا بعد مقدمات في إثارة الرغبة الجنسية تتحطم معها الحواجز الإجتماعية، سيما عند ضعف الوازع الديني. وتوفر وسائل الفتنة والإغراء. يقول أمير الشعراء شوقي
نظرة فابتسامة فسلام .. فكلام فموعد فلقاء
-49 - (1/51)
صفحة 52
ولذلك جاء النص الصريح في النهي بالتحذير من مغاربة الزنا ولا تقربوا الزناكية وبذلك يقطع الطريق على كل الأسباب الموصلة إليه من الفتنة والإغراء بالتبرج وإظهار الزينة، واختلاط الرجال بالنساء أو الإختلاء بهن، وفي الجانب الإيجابي يحرض الإسلام الشباب على التزوج، ويدعو للتخفيف من مؤونته ويضفى اليمن والبركة على المرأة
إذا رخص مهرها وطابت عشرتها وصلح دينها. ويدعو إلى مساعدة المملوكين على المكاتبة حين يبتغون الحرية والإحصان وبحريض المؤمنات والمؤمنين على غض الأبصار وحفظ الفروج، ويحرم قذف المحصنات وكل ذلك هي وسائل وقائية لتطهير المجتمع المسلم من هذا الداء العضال. ثم يهدّد بعد ذلك كل أولئك الذين يروجون للفاحشة بأي وسيلة كانت يهدّدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة فيقول تعالى في سورة النور: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) والآية: 19).
ونجد في كلنا الآيتين من سورة الإسراء والفرقان أن جريمتي القتل والزنا ذكرتا في نسق واحد سواء في معرض النهي أو النفي وذلك لما بين الجريمتين من الآثار الوخيمة على المجتمعات البشرية في إهدار حق الدماء والأعراض، فبينهما صلة ومناسبة قوية أوضحها السيد القطب
(رحمه الله) في ظلاله ببيان شاف نورده بنصه فيما يلي:
وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس -
50 - (1/52)
صفحة 53
الذات الصلة وذات المناسبة.
إن في الزنا قتلا من نواحي شتى إنه قتل ابتداء لأنه إراقة المادة الحياة في غير موضعها، يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلّق، أي قبل مولده أو بعد مولده
فإن ترك الجنين للحياة ترك في الغالب الحياة شريرة، أو حياة مهينة. وهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من الأنحاء ... وهو قتل في صورة أخرى، قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع
الأنساب وتختلط
الدماء، وتذهب الثقة في العرض والولد، وتتحلل الجماعة وتتفكك
روابطها فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات.
وهو قتل للجماعة من ناحية أخرى، إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية ناقلة لا ضرورة لها. ويجعل الأسرة تبعة لا داعي لها والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة، لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه (م ج: 15 ص: 321)
قلت: إن الله العلي القدير قد جعل من دلائل قدرته وبديع صنعه تلك المادة العجيبة في المني كيف تخرج من الصلب والترائب بلذة فائقة تدفع الإنسان دفعا قويا إلى طلبها لدى الجنس الآخر، وجعلها وسيلة للإنجاب واستمرار النسل البشري فقال جل من قائل في سورة الواقعة: أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟؟ نحن قدرنا بينكم الموت، وما نحن بمسبوقين على أن تبدل أمثالكم وتنشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا
تذكرون الآيات: 58 - 162
-51 - (1/53)
صفحة 54
الله
ووضع هذه المادة في غير موضعها من أعظم الكبائر عند الله،
قال رسول الله (عليه السلام): وما من ذنب بعد الشرك بالله أعظم عند نطقة من وضعها رجل في فرج لا يحل له» (رواه أحمد والطبراني). وهذا الذنب متفاوت الحجم تبعا لنوع الجريمة وطبيعتها، فكلما كانت مع أقرب الناس نسبا أو جوارا كانت أحبث فحشا وأعظم ذنبا. وفي الحديث المتقدم عن عبد الله بن مسعود في إجابته عن أي ذنب أعظم؟؟ قال له في السؤال الثالث: أن تزني بحليلة جارك. ثم إن الله تعالى قد حدد الإطار الشرعي لذوات المحارم اللائي يحرم على الرجل نكاحهن في قوله تعالى من سورة النساء وحرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى قوله وكتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم
أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين والآيات: 12423. ونظرا لفظاعة هذه الفاحشة وما ينجر عنها من الآثار الوخيمة في الحياة الفردية والاجتماعية، فإن العقاب عليها يكون دنيا وأخرى أو بالأخرى ماديا ومعنويا، وقد جمع الله بينهما في قوله بسورة النورة إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) الآية: 119 وهذا رسول الله ينفى الإيمان عن مرتكب هذه الفاحشة حين يرتكبها
فيقول: ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) (الحديث - رواه الشيخان) وهيك أن الزاني أو الزانية يستخفيان بجريمتهما بحيث لا تثبت عليهما الإدانة ثيوتا شرعيا بإقرار أو شهادة الشهود فينفلتان من الحد الصارم، فكيف يلقى هؤلاء الزناة جزاءهم الدنيوي المتوعد به في الآية
52 (1/54)
صفحة 55
الكريمة - فلنستمع إلى رسول الله يجيب على ذلك بقوله: (يا معشر المسلمين اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة فأما التي في الدنيا فذهاب ماء الوجه، وقصر العمر، ودوام الفقر وأما التي في الآخرة، فسخط الله تبارك وتعالى وسوء الحساب
والعذاب بالنار» (رواه البيهقي وابن الجوزي).
قلت: إن لهذا الحديث ما يسنده في روايات أخرى، تثبت وتبين ما ورد في آية النور من أن عقاب الزناة لا يقتصر على عذاب الآخرة فقصر العمر مثلا تدل عليه الإحصائيات قديما وحديثا في المصابين بالأمراض الفتاكة التي تودي بحياة الذين يمارسون هذه الفاحشة، كمرض الزهري والسيلان القيحي، وكمرض السيدا حديثا. وأما التعرض للفقر فقد ورد فيه حديث وبشر الزاني بالفقر ولو بعد
حين، فكم من غني أصبح مملقا بعد أن استنفد جل ماله في تحقيق
رغبات المومسات ولا ينطفئ سعاره لمزيد من الشهرة البهيمية، وهو لا يكاد يحس بلذة في قضائها حلالا عند زوجه. وأما ذهاب ماء الوجه فهو أدهى وأمر عندما يتنتهي الزاني إلى فقدان كل قيمة دينية أو اجتماعية وبالتالي لا يغار على شرف أسرته، حين تعامله بالمثل فلا تصون له عرضا ولا شرفا، بل يرضى بالدنيئة في فراشه فير تحب بالأخدان ويستقبلهم برضى واطمئنان ويغدو ديوثا مهينا. وتلك هي العقوبة الدنيوية القاسية التي هي الجزاء الوفاق للزناة وقد جاء في الحديث: «من زنا زني به ولو في كسر بيته. وقانا الله شر هذا الوباء وجنبنا الفواحش ماظهر منها وما بطن - والله أعلم -
53 (1/55)
صفحة 56
فواحش أخرى حاربها الإسلام
ا) - النصوص: - ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن الأنعام 6151. 2 - وقل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها وما بطن (الأعراف:33). 3 - أتاتون الذكران من العالمين، وتذرون ما خلق لكم
رتكم من أزواجكم (الشعراء:165 1166
(4) - ولوطا إذ قال لقومه: إنكم لتاتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، أينكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل
وتأتون في ناديكم المتكريم والعنكبوت: 28 29).
(5) ولوطا ءاتيناه حكما، وعلما، ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين، وأدخلناه في
رحمتنا إنه من الصالحين والمؤمنون: 74 - 475
ب) - التحقيق اللغوي:
الفواحش جمع فاحشة هي كل فعلة شديدة القبح مثل الزنا واللواط والسحاق والحبالت ضده الطبيبات والحينة هي بمعنى الفاحشة من الدناءة والقيح تدرون تشتركون قانون الذكران من الاتيان أي المجيء يقال: جنت البلد وألينه، واستعمل في العملية الجنسية ويكون مفعولة حدثا كقوله تعالى: انكم الأتون الفاحشة ويكون شخصا كقوله: أناتون الذكران: جمع ذكر وهو
يتناول الصغير والكبير النادي حيث يجتمع الناس للحد أو اللهو.
54 (1/56)
صفحة 57
ج) - البيان والتفسير
لا يقتصر الجاهليون في كل زمان ومكان في إرضاء شهواتهم البهيمية على أسلوب واحد حين يحطمون الحواجز الأخلاقية المجتمعات، ولا يلتزمون بالضوابط القطرية السليمة، فلا عجب أن يبتدع
في
السفهاء من قوم لوط تلك الفعلة الشنيعة بإتيان الذكور والإعراض عن ما خلقه الله من مكان الحرث الطبيعي في النساء وحين يشد الإنسان عن فطرته السليمة فإنه يتخطى حتى الطبيعة الحيوانية في إشباع غريزته
أعلم
يمن خلق - يذكر هذا الصنف
من
المجتمعات
تعم
الجنسية، والله تعالى - وهو الناس في معرض التعجيب والإستنكار في سورة الفرقان فيقول جل من: قاتل أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟؟ إن هم إلا كالأنعام، بل هم أصل سلام والآية 43 44 أجل، إنه التأليه للهوى والشهوات في الجاهلية التي يقول عنها السيد قطب (رحمه الله) فالسمة الأولى للجاهلية - في كل زمان في كل زمان - كما ترى في جاهليتنا الحاضرة التي وجه الأرض هي الفوضى الجنسية والإنطلاق البهيمي بلا ضابط من خلق أو قانون، واعتبار هذه الإتصالات الجنسية الفوضوية مظهرا من مظاهر الحرية الشخصية، لايقف في وجهها إلا متعنت، ولا يخرج عنها إلا متزمت؟؟ - ولقد يتسامح الجاهليون في حرياتهم - الإنسانية كلها ولا يتسامحون في حريتهم البهيمية هذه وقد يتنازلون عن حرياتهم تلك كلها، ولكنهم بهتون في وجه من يريد أن ينظم لهم
حريتهم البهيمية، ويظهرها ظلال القرآن ج الرابع، ص 279)
55 - (1/57)
صفحة 58
قلت: من فضل الله ورحمته على البشرية كلها أن جاء الإسلام ليظهر هذه الأرجاس، ويتصدى لمحاربة تلك الفواحش ماظهر منها وما بطن، يحاربها لا بمجرد التذكير والإرشاد، ولا بعاطفة التقى والخشية
قدر حجم
الفاحشة
لرب العباد، بل واجه تحديات الغاوين السفهاء بالزجر والتأديب على ونوع ممارستها، وبذلك صان المجتمع وحافظ على كيان الأسرة، لأنه لا يكون صلاح أحدهما إلا بصلاح الآخر. والنصوص التي بين أيدينا، منها ما ينهى عن ارتكاب الفواحش ماظهر منها وما بطن بصفة عامة ومنها ما يركز على نوع منها بأسلوب القصة عن تاريخ أم خالية كانت تمارس أنواعا من تلك الفواحش التي كانت سببا في غضب الله عليها واستئصالها من الوجود بعد إقامة الحجة عليها بالوحي السماوي على لسان رسول من رسل الله، وأشدها محقا واستئصالا قرى قوم لوط كما خبر عنهم القرءان في كثير من السور منها قوله تعالى في سورة هود فلما جاء امرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وماهي من الظالمين ببعيد والآيتان:82 183، وقد ذكر القرآن تلك الفاحشة التي يرتكبونها، وهي إتيانهم الذكران من العالمين، وقد درج الفقهاء على تسميتها باللواط»، غير أن آية سورة الأنبياء في قوله تعالى ونجيناه من القرية التي لا تعمل الخبائث)، وقوله تعالى في سورة العنكبوت: وأتنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل، وتأتون في ناديكم المنكريم تشعران بأن هؤلاء القوم كانوا يمارسون ضروبا من الحبالت الأخرى في نواديهم، فقد روي عن ابن عباس (رضي الله عنه)
- 56 - (1/58)
صفحة 59
أنه قال: وعشر حصال من أعمال قوم لوط تصفيف الشعر، وحل الإزاره ورمي البندق، والحذف بالحصى واللعب بالحمام الطيارة والصغير بالأصابع، وفرقعة الأكعب، وإسبال الازار، وحل أزر الأقبية وإدمان شرب الخمر، وإتيان الذكور، وستزيد عليها هذه الأمة مساحقة النساء النساء. قلت: إن هذه الخبائث التي ذكرها ابن عباس تعني في جملتها التختت والميوعة في اللباس والحركات، وهي من الأعمال التي يقوم بها عادة هؤلاء المتخنتون وهم يعرضون أنفسهم في النوادي والساحات كما تفعله المومسات تصيدا للزبائن والشذاذ، أما فاحشة مساحقة النساء النساء، والتي قال ابن عباس أن الأمة الإسلامية ستبتلى أيضا من الفواحش الدنيئة التي لاتقل خبثا وفحشا عن الزناء فعن أبي هريرة رضي الله عنه) قال: قال رسول الله: أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخطه، قيل من هم يارسول الله قال: المتشبهون من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال
بها، فهي
والذي يأتي البهيمة والذي يأتي الذكره
ولم يرد نص صريح في القرآن لعقوبة هؤلاء إلا ما تأخذه من العبرة و الإتفاظ بمصير قوم لوط. أو في التفسير الذي ذهب إليه أبو مسلم الاصفهاني كما نقله الإمام الرازي أنه كان يرى - خلافا للجمهور - أن قوله تعالى في سورة النساء: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم يرى أنها خاصة بجريمة المرأتين إحداهما مع الأخرى - أي السحاق - وعقوبتهما كما جاء في الآية: الحبس إلى الموت وأن الآية الثانية هي قوله تعالى: واللذان يأتيانها منكم
-57 - (1/59)
صفحة 60
فآذوهما خاصة بجريمة الرجال أحدهما مع الآخر (اللواط) وعقوبتهما
الإيذاء بالقول والفعل
قلت: ويلتحق بالفاحشنين السابقتين إتيان المرأة في دبرها أو في حالة الحيض وقد ثبتت روايات عن رسول الله زيادة على ما ورد في القرآن من النهي عن الوطء في الحيض، ومنها ما رواه أحمد وأبوداوود عن حائضا أو
ذلك
أبي هريرة عن رسول الله (عليه السلام) أنه قال: ملعون من أتى امرأة في دبرهاه وقد علل الله إتيان المرأة في الحيض بأنه أذى وأكد النهي بالتركيز على ظهورها وتظهرها بحصول محبة للتوابين والمتطهرين، ثم أمر يانيان المرأة من مكان الحرث، وهو المكان الطبيعي للإنجاب. لأن الدير مكان للفرث لا يتلائم مع الفطرة السليمة، ولذا جاء النهي على يقول الله تعالى ونساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتمک البقرة: 223، وقد فسر الجمهور قوله تعالى: أني شتم بمعنى كيف شتم مستقبلين أو مستديرين، ولكن في مكان الحرث على أية وضعية. واختلف العلماء على عقوبة اللواط بين القتل والحرق والنفي ويرجع ويرجع الأمر
في ذلك الحاكم المسلمين يختار لكل حالة ما يناسبها قطعا لداير هذه الفاحشة الشاذة عن القطرة السليمة، ومن عجيب أمر الحضارات الفاجرة اليوم أنها تدعم ارتكاب هذه الفاحشة من قوانين تجيز ممارستها إلى حد بين الرجلين إذا ارتضيا ذلك بدعوى الحرية الشخصية. وصدق الله العظيم إذ يقول: أفمن زين له سوء عمله قرآه حسنا، فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء. فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم
بما يصنعون به خاطر:08
والله أعلم
58 (1/60)
صفحة 61
التوبة
أ) - النص: وإلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما. ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا والذين لا يشهدون الزور، وإذا مروا باللغو مروا كراما والفرقان: 70 71 172
ب) - التحقيق اللغوي: تاب ومتاب من التوبة وهي بمعنى الرجوع إلى الله بالإقلاع عن الذنوب مع الندم والعزم على عدم الرجوع إلى الذنب وهي ثلاث عناصر التحقيق التوبة النصوح يبدل مصدر تبديلا جعل الشيء بدلا عن شيء آخر. يقول تعالى ثم بدلا مكان السيئة الحسنة. يشهدون وشهد يكون بمعنى حضر فمن شهد منك الشهر فليصمه، ويكون بمعنى أخير عن شيء شهده. فاستشهدوا شهيدين من رجالكم الزور: كل ماهو باطل من قول أو عمل. ويستعمل غالبا للكذب اللغو: العيث والسفاسف مما لا قيمة له من قول أو عمل مروا كراما أي غير مشاركين فيه حفاظا على كرامة نفوسهم.
ج) - البيان والتفسير:
بعد ذكر العذاب المضاعف لمرتكبي الجرائم الثلاث: الشرك والقتل والزنا، سواء من ارتكبها جملة أو ارتكب إحداها، فتح الله باب التوبة تمشيا مع أسلوب القرآن الحكيم في الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فكان هذا إستثناء من العموم السابق الذي دلت
-59 - (1/61)
صفحة 62
عليه ومن الشرطية في قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أنا ماكم وقيل في سبب نزول هذه الآية مارواه الإمام مسلم عن ابن عباس: وأن تامنا من أهل الشرك، قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمد فقالوا: إن الذي تقول وتدعو الحسن لو تخيرنا أن لما عملنا كفارة
فنزلت والذين لا يدعون مع الله إلاها آخركم
قلت: وفي معنى هذا الحديث تنزل قوله تعالى في سورة الزمر: وقل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون والآيات: 55.53
ويستدل من الحديث الذي رواه ابن عباس أن المقصود من التوبة الأولى هي لأولئك الذين طرحوا إشكالية ماضيهم في الكفر وضلالاته الرسول الله وهم مشفقون على أنفسهم بما ارتكبوه من تلك الموبقات، فكانت كل من آيتي الفرقان والزمر بمثابة البشرى لهؤلاء بأن الله تعالى لا يؤاخذ ولا يعذب قبل أن يقيم الحجة على عباده برسله
وكتبه وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا والإسراء: 15 والإسلام جب لما قبله كما قال رسول الله ولعل في تقديم التوبة على ذكر الإيمان والعمل الصالح ما يؤكد هذا المعني: لأن التوبة من الكفر وأرحامه إنما تعنى الدخول في الإسلام وهو يقتضي الإيمان الصحيح والعمل الصالح وإشكالية ابن عباس في رفض توبة القاتل
60 - (1/62)
صفحة 63
عمدا كما تقدم إنما تطرح مع القاتل المسلم، أما القاتل المشترك فإن
إسلامه يجب ما قبله اتفاقا.
ويتفرع على هذه التوبة قوله تعالى: (فأولئك يبدل الله
سيئاتهم حسنات.
اختلف المقشرون في بيان المراد من تبديل السيئات بالحسنات على وجوه ذكرها كل من الإمامين الرازي والقرطبي، وقد أجاد الشيخ المراغي (رحمه الله) تلخيص تلك الأوجه بقوله: ولكن من رجع عن هذه الأنام مع إيمانه وعمله الصالحات، فأولئك يمحو الله سوابق معاصيه بالتوبة ويثبت له الواحق طاعته) (ج:19 - من:40). قلت: إن هذا التفسير مطابق لما ذهب إليه الزجاج إذ قال: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع النوبة، ويؤيد هذا المعنى حديث معاذ أن رسول الله قال: وإتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس يخلق حسن وومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله مناباكم. وللمفترين أقوال - أيضا - في بيان تكرير التوبة، منها القوي
والضعيف نلخصها في ما يلي:
- يرى ابن عباس أنها للتفريق بين أصناف المشركين الذين أسلموا قالآية الأولى جاءت في حق الذين أسلموا وقد قتلوا وزنوا في جاهليتهم، والثانية في حق الذين أسلموا ولم يكونوا قد فعلوا ذلك في جاهليتهم. فهؤلاء مفضّلون عند الله على الصنف الأول.
-61 - (1/63)
صفحة 64
ب - قال القفال يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من
المشركين والثانية لمن تاب من المسلمين.
ج) - ويحتمل أن المقصود من الآية الثانية بيان التوبة النصوح وأنها هي المعتبرة والمقبولة عند الله وذلك بدلالة التأكيد بالمفعول المطلق، ومعنى التجدد والإستمرار باستعمال الفعل المضارع يتوب
وقوله إلى الله» أي الرجوع الحقيقي إلى حكم الله وثوابه. وللشيخ المراغي توجيه آخر حسن إذ يقول بعد تأكيده على معنى التوبة النصوح في الآية الثانية. يقول: وفي هذا تعميم لقبول التوبة مع جميع المعاصي بعد ذكر قبولها من أمهاتها (نفس المصدر من: (40). والله أعلم
جعلنا الله من الصالحين التائبين
- 62 - (1/64)
صفحة 65
التوبة النصوح وأصناف الناس أزاءها
أ) - النصوص: ويا أيها الذين امنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار التحريم: 108 وإنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار، أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما والنساء:17 018
وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (النور: 31).
ثم أورتنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا. فمنهم ظالم
لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو
الفضل الكبيرة (فاطر: 32
ب) - التحقيق الغوي:
التوبة في المعنى اللغوي هي في معنى الرجوع والعودة وفي المصطلح الديني هي الرجوع إلى الله بالإلتزام بفعل ما أمر به وترك ما تهي عنه نصوحا مأخودة من النصح، أي الخلاص من الشوائب ونفي العش يعملون السوء بجهالة أي يعترفون الآثام عن علة الشهوة واتباع الهوى.
63 - (1/65)
صفحة 66
اصطفينا: أي اخترنا وفضلنا مقتصد يمتاز بالوسطية والاعتدال
جـ) - البيان والتفسير:
وظف القرآن الكريم لفظ «التوبة في صيغه المختلفة: مصادر وأفعالا وصيغا للمبالغة أو صفات مشبهة وناهيك بتسمية سورة التوبة وما ورد فيها من الأحكام الصارمة لمواجهة النفاق وكشف
مكايد المنافقين
والتوبة هي الإنابة إلى الله يترك الذنوب والندم على ما قط منها
مع العزم على عدم العودة إليها في المستقبل. وفي سورة التحريم جاء الأمر بها من الله للذين آمنوا وكذا في سورة النور مؤكدا بـ (جميعا) بصيغة الجمع في كلتا الآيتين، إثبات للمسؤولية التضامنية في المجمع المسلم للتحلي بهذا الخلق الكريم، الذي لا يمكن أن يستغنى عنه أي عبد مؤمن مهما ركا فعله وحسنت طاعته لأن الإنسان تتجاذبه نوازع الخير والشر منذ بده خليقته فقد
الأنبياء
عضي آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وحتى والرسا (عليهم السلام) لا يستغنون من طلب المغفرة من الله والله أمرهم بالإستغفار لذنوبهم، وهم الأخيار المعصومون. قال تعالى لرسوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم والقتال: 19). وجاء الأمر بالتوبة في سورة التحريم مقيدا بصفة نصوحاة مما يدل على أن التوبة أنواع تختلف باختلاف حال التائب. وبالتالى منها المقبول والمرفوض عند الله.
- 64 (1/66)
صفحة 67
وقد اجتهد العلماء في تحديد شروط التوبة النصوح المقبولة عند فقضاها شروطها، وصنفوا المخالفات الشرعية إلى ما هو حق لله
حق للعياد وحق العبد منه إلى ماهو مادي أو معنوي. يقول الدكتور الشرباصي في موسوعته الأخلاق القرآن: (وقد أوجز الأصفهاني الشروط التي يلزم توافرها في صحة التوبة، فذكر أنها ترك المذنب القبحه، والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة (ج 2 ص 58). قلت: إن الشرط الرابع في تدارك الأعمال يجب أن يفرق فيه
الين ما هو حق للخالق المعبود وما هو حقوق المخلوقين أم حق الله يتدارك بالقضاء لما فات قدر المستطاع وبأداء الكفارات المترتبة على بعض المخالفات الشرعية كهتك حرمة رمضان وكفارة قتل الخطأ والظهار وكفارات اليمين ... إلخ. أما حقوق العباد فيشترط في التوبة منها أن يبرئ التائب، ذمته، بإرجاع ذلك الحق إلى صاحبه ما وجد لذلك سبيلا وإلا فليستحلل صاحب الحق وليعلمه بذلك لقوله (عليه السلام): (من كان لأخيه عنده مال عرض فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات
مظلمة
من
والسيئات. وقد بين الرسول كيفية الحساب على مظالم العباد يوم القيامة في حديث الملبس فقال (عليه السلام) لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟؟ فقالوا: هو الذي لا درهم له ولا متاع فقال: المفلس من أمتي يوم القيامة من بأني صلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا وسفك دم هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى
65 - (1/67)
صفحة 68
إذا نفدت حسناته، أخذ من سيئات هذا فطرحت عليه، ثم طرح في
النار» (رواه مسلم والترمذي).
يقول الدكتور الشرباصي والراجح عند العلماء أنه لا يشترط على التائب أن يذكر كل شيء لصاحب الحق، بل يكفي التعميم وقد بحثوا – فيما بحثوا - موضوع التوبة من الغيبة والقذف، هل يشترط أن يذهب التائب إلى من اغتابه أو قذفه ويذكر له ذلك ليستسمحه؟؟ واختلفوا في ذلك» (ص: 56) قلت: وبعد أن ساق حجج المجيزين والمانعين الإخبار التائب من اغتابه أو قذفه رجّح القول بالمنع لما يترتب عن الإخبار من الإذابة وزرع العداوة والبغضاء فتكفي في هذه الحالة التوبة النصوح والملاطفة لمن اغتابه أو قذفه وذكره في المجامع بنقيض ما قاله فيه.
أصناف الناس أزاء التوبة:
يقول تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير. قال الإمام الحسن البصري في معنى الآية: الظالم الذي ترجح سيئاته على حسناته والمقتصد الذي استوت
حسناته وسيئاته، والسابق من رجحت حسناته على سيئاته إنتهى قلت: إن التعبير القرآني في هذه الآية الكريمة يدل على كرامة هذه الأمة على الله، أمة الرسول محمد (عليه السلام) فهي محل الإصطفاء من الله بوراثة كتابه وهي بذلك تتحمل أثقل الأمانات وتتولى أضخم التبعات، ولكنها في ميزان التقييم لا تكون على درجة
-66 - (1/68)
صفحة 69
سواء، لأن مجرد الوقوع في معصية لا ينافي الإيمان والتقوى لأن
الرسول يقول: كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون فالظالم لنفسه هو الذي غلبت شهوته، وتحكمت فيه النفس الأمارة بالسوء، فجاهر بالمعاصي واستعلن بفواحشه حتى فقد الحياء من الله ومن الناس لا يصون عرضا ولا يرعى دماما، فهذا الصنف من الناس غالبا ما يخطئه التوفيق فلا يتوب إلا توبة الموت التي لا يقبلها الله، وهو القائل: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفاركم (النساء: 18 وهو من الصنف الذي عناه رسول الله بقوله: وكل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملاء ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يافلان: عملت البارحة كذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه».
والصنف الثاني هو المقتصدة ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ولكنه إذا ما وقع في الزلل لغلبة شهوته وطغيان هواه فإنه يخشى أن يطلع عليه الناس، ويراعى كرامته فلا تهون عليه، فهو يخاف ويتستر، وقد تيقظ فيه النفس اللوامة فيطلب التوبة والندم ويطرق باب مولاه وهو ما يزال قادرا على الإستمرار في المعصية، ولكن خشية الله تدركة فيستحي منه ويتوب إليه، فهذا الصنف ترجي له المعافاة والمغفرة بالتوبة التي قال الله فيها وإنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله
عليهم، وكان الله عليما حكيما النساء: 117
67 - (1/69)
صفحة 70
وهم الذين عناهم الله بقوله في سورة آل عمران: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين والآيتان: 135 1136
والصنف الثالث هم الذين قال الله فيهم ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير)، وهؤلاء هم الصفوة الأخيار، وفي طليعتهم رسل الله وأنبياؤه ثم تليهم مرتبة الصديقين والشهداء، ثم مرتبة الأولياء والصالحين، فأما الرسل والأنبياء فقد باركتهم السماء فعصموا من الدنايا والصفاهم الله ليكونوا قدوة للبرايا، شهد الله لهم بالتقى والصلاح وحياهم بالرضى والفلاح وقال أمثالهم وإنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين الأنبياء: 190 قلت: ليس من العفوية في ترتيب علي القرآن أن يرد بعد شهادة
في
الله للأنبياء أنهم كانوا يسارعون في الخيرات. يرد ذكر الصديقة مريم بأن جعلها الله وابنها آية للعالمين فهؤلاء الصديقون تفانوا في الله، واستغنوا به عمن سواه، فأبوبكر الصديق (رضي الله عنه) كان في جوابه الرسول الله خير دليل على ذلك الحب المكين. حين أتى بكل ماله لرسول الله وهو يسأله في إشفاق، ماذا تركت لأهلك وأولادك؟؟ فيجيب الصديق بكل ثقة واطمئنان تركت لهم الله ورسوله إنها تلك الشعلة المتوهجة في قلبه من الإيمان
68 - (1/70)
صفحة 71
والحب لله ورسوله كما شهد له رسول الله بذلك، حين قال عنه
الأصحابه اما فضلكم أبوبكر بصلاة ولاصيام ولكن بشيء وقر في
صدره.
ودون مرتبة الصديقين تأتي مراتب الشهداء والأولياء والصالحين وكلها منازل للقربى من الله، وكلها من فضله ورحمته بيتر أسبابها لمن يشاء من عباده. وللسير في مسالكها رياضات روحية وأنماط سلوكية، لا يتجاوز فيها العابد حدود الوسطية والإعتدال والرسول هو
القدوة الحسنة في ذلك لأن الإغراق في الزهد والتصوف ليس من سنته كما قال عليه السلام ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني يجعلنا الله مع النبيثين
والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. (1/71)
صفحة 72
- الصفة التاسعة: التنزه عن الزور واللغو
-
النص: {والذين لا يشهدون الزور، وإذا مروا باللغو مروا
كرامات والفرقان: 172
ب) - التحقيق اللغوي:
لا يشهدون يكون بمعنى الشهادة أي الإخبار عن الشيء، ويكون بمعنى المشاهدة للشيء أي بمعنى الحضور الزور كل باطل من قول أو فعل غرين ويزعرف أعظمه الشرك بالله ويغلب استعماله على الكذب اللغو: كل سقط من قول أو فعل تما لا خير فيه كراها من الكرامة وضدها الثوم والسفاهة أي يعرضون عن اللغو منزهين أنفسهم.
ج) - البيان والتفسير:
للإيمان ركائز لا يقوم إلا عليها وهي ما تقتضيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله من الإيمان به وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، وللبناء الإيماني محسنات وكمالات تزيده عظمة وشموخا. والمؤمنون يتفاوتون في التحلي بها. وعباد الرحمان هم من النموذج العالي في التحلي بتلك الكمالات. ولقد صور رسول الله ذلك البناء الإيماني فقال: الإيمان بيف وسبعون شعبة. أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
ومن كمال الإيمان أن يتخلى المؤمن عما يشينه، وأن يبتعد عن
مواطن الشبه، فلا يتعرض السفاهة الغاوين.
- 70 (1/72)
صفحة 73
وعباد الرحمان في مستواهم الإيماني والخلفي لا يحضرون مجالس الباطل بكل صنوفه وألوانه من كل ما ألفه المشركون في جاهليتهم من ضروب الزور سواء في معابدهم أو أعيادهم أو مجالسهم، ومن ثم لا يتصور أن يدلوا بشهادتهم كذبا وزورا لتفويت حتي على أحد، أو إقراره لأحد بالشهادة له أو عليه، وفي كلتا الحالتين من شهادة الزور أو مشاهدته ينزهون أنفسهم عن أحوال أهل الضلال والشرك وقدوتهم في ذلك رسول الله في دعوته الحكيمة، وهو يوم مجالس القوم داعيا مرشدا، والله يأمره أن يتجنبها عندما يخوضون في الباطل والزور. فقال جل من قائل في سورة الأنعام: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسيتك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين والآية:68). وفي سورة النساء يدعو الله تعالى عباده المؤمنين إلى تجنب تلك المجالس تسفيها لأهلها، واحترازا من غلبة الهوى وخطر التقليد، وصونا لكرامة الإيمان أن تخدش فقال تعالى: وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذن مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاكم والآية: 140، وأما الزور بمعنى الشهادة فمعناه الكذب والإفتراء، وهو ما يتنافى مع الصحيح، والله تعالى يقول: إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، وقرن الكذب بالكفر في قوله إن الله لا يهدي من هو كاذب كفارة والزمر: 103 وينفي رسول الله أن يجتمع
الإيمان
الإيمان
-71 (1/73)
صفحة 74
والكذب في قلب المؤمن فيقول: يطيع المؤمن على كل شيء، ليس
الخيانة والكذب (رواه البزار والطبراني). وأعظم الكذب فحشا وزورا ماكان على الله ورسوله، قد ورد قوله تعالى في سورة الزمرة فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه، أليس في جهنم متوى للكافرين والآية:32. وقال في نفس السورة ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم
أعظم
مسودة أليس في جهنم منوى للمتكبرين) والآية 190). قلت: ومن الجرم عند الله في ذلك أن أحد نفسه للفتوى بغير علم فيحرم ما أحل الله أو يحلل ما حرم الله وقد قال رسول الله من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، (رواه
الشيخان وغيرهما.
الإعراض عن اللغو:
كلمة اللغو تعني كل ما لا فائدة فيه من قول أو فعل حتى في إطار المباح من اللعب واللهو، لأنه يدخل في ذلك قيمة الوقت عند المسلم، فلا يصرفه إلا في ما هو نافع ومن باب أولى أن يشمل الدنايا التي يتنزه عنها أصحاب المروءة من مجالس الفسوق والسفاهة والعصيان وعباد الرحمان أرفع من أن يؤتوا تلك المجالات، أو أن يستكثروا من سوادها. بل إذا صادفتهم في طريقهم بأن مروا عليها، فإنهم لا يدخلونها صونا لكرامتهم أن تداس، وحفاظا على أوقاتهم أن تهدر في فيه كما يفعل السفهاء. ويستروح هذا المعنى من قوله تعالى في سورة
ما الأخير
-72 - (1/74)
صفحة 75
القصص وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا لنا أعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم لا تبتغي الجاهلين. ألا ترى إلى رسول الله كيف اعتبر كل ما يشغل المؤمن عن الإستماع إلى خطبة الجمعة لغواء حتى ولو كان واجبا في غير ذلك الموقف مثل رد التحية. وكان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يصوّر مثل هذا الكمال الإيماني والخلفي. عندما قال: كنا ندع سبعين بابا من الخلال مخافة أن نقع في الحرام، وقد اعتبر الله تعالى من تعيم أهل الجنة وأنهم لا يسمعون فيها لغوا ولا تأتيما إلا قيلا سلاما سلامان الواقعة: 2625). وقد نص الله تعالى أنه لا يواحد من اللغو في أيماننا، أي اللغو في أيماننا، أي التي تجري على است غير قصد ولا توكيد لها فقال في سورة المائدة: لا يؤاخذكم الله باللغو ولا
في أيمانكم والآية 189.
من
-73 - (1/75)
صفحة 76
الصفة العاشرة: التذكر والاتعاظ
أ) - النص والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما
وعميانا والفرقان: 173
ب) - التحقيق اللغوي:
ذكروا تذكيرا يقال: تذكر تذكرا واذكر اذكارات وكلها مشتقة من الذكر ضده النسيان والذكر حضور المعنى التنفس، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالقول، ومن معاني الذكر: العلا والشرق قال تعالى: وانه الذكر لك ولقومك والضمير القرآن يخروا من حر بحر حروراء وهو السقوط على غير قال تعالى: وفخر عليهم السقف من فوقهم ضمان
الذي لايسمع عميانا: جمع أعمى غير المبصر.
ج) - البيان والتفسير
جمع
التذكر والاتعاظ من فضائل الأخلاق التي حث عليها القرآن الكريم بمختلف الصيغ. وهي من صفات عباد الرحمان الذين يحملون بين جوانحهم قلوبا واعية وضمائر حية بقطة تستنير بصائرهم لكن إرشاد وتذكير يدعوهم إلى الفضائل وينفرهم من الرذائل ومن طبيعة الإنسان أنه يغفل وينسى، وقد تصرفه الشواغل الدنيوية عن التأمل
عن
الروحي والتألق الوجداني، فيترصده الشيطان في حين غفلته ليضله سواء السبيل، غير أن هؤلاء الأبرار لهم من قلوبهم الواعية، ومن ضمائرهم اليقظة حارس التذكر للتنبيه على الخطر الذهم من الشيطان
-74 - (1/76)
صفحة 77
وأعوانه. فإذا التحصينات المنبعة تصدّ العدو فلا يجد إلى قلوبهم سبيلا. يقول تعالى: فإن الذين اتقوا إذا متهم طائف من الشيطان تذكروا
فإذا هم مبصرون) الأعراف».
ومي
الآية الكريمة نفي
الصلة الموصول، فهو تقي الحال أن يكونوا
صفا وعميانا عند سماعهم للتذكير بنايات الله وليس نقيا لفعل الحرور الذي جيء به لتوطئة الكلام كقولهم قعد فلان يشتمني أو قام بيكي، وأنت تقصد الإخبار بحال الشتم والبكاء، إذ ليس تمت قيام ولا قعود. وفي التعبير تعريض بالمشركين الذين يعرضون عن سماع القرآن. فينكسون رؤوسهم إمعانا في النفور والإعراض، كما تفعل النعامة عند رؤيتها للصياد والله تعالى يصوّر حالتهم هذه في سورة فصلت فيقول على لسانهم وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون الآية: 105. وكذا التشبيه البليغ في سورة المدثر: فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة الآية: 49 451.
وبصيغة الإثبات جاءت صفة الحزور العباد الرحمان إذا سمعوا عايات الرحمان تتلى عليهم، فيكونون في حالة من الخشوع والتواجد بحيث لا يتمالكون من البكاء وهم ساجدون فقال جل من قائل:
أم - في سورة الإسراء ويخرون للأذقان يكون ويزيدهم
خشوعا والآية: 108
ب) وفي معنى هذه الآية في شأن القسيسين والرهبان من أهل
-75 - (1/77)
صفحة 78
الكتاب جاء في سورة المائدة: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق الآية 185 ج) - في سورة مريم ووممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم ايات الرحمان خروا سجدا وبكيان الآية: 158
(
د) وفي سورة السجدة وإنما يؤمن بناياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وستحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) الآية: 15 فايات الله في القرآن ووظيفة الرسول في الدعوة والتبليغ تركز على التذكير والإرشاد، حتى تستقيم نفوس المؤمنين على النهج السوي وترتبط بالله في كل حين، فنجد التحريض على التذكر يتكرر بالأساليب المختلفة تعرضت الآيات إلى النظر في ملكوت الله لاستجلاء عظمته وقدرته من خلالها، وقد لخص الله تعالى تذكير القرآن في قوله: ولقد يسرنا للقرآن للذكر فهل من مذكر وكرر هذه الآية عدة مرات في سورة القمر إثر كل قصة من قصص الأنبياء المذكورة فيها، كما حضر مهمة الرسول فى التذكير الهادئ فقال تعالى في سورة الغاشية: وذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطري والآية 21 122 والذكر منازل ودرجات أعلاها تذكر جلال الله وعظمته حتى يمتلى القلب حبا له وإجلالا، وتطمئن النفس إلى عظمته وقدرته فلا تخشى
حزنا ولا تكالا، يقول تعالى: وألا بذكر الله تطمئن القلوب ويقول: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين والأعراف 1206
76 - (1/78)
صفحة 79
ولا يكون الذكر بمجرد اللسان أورادا على، أو ترديدا لأسماء الله الحسنى، بل لا يتم التذكر المطلوب إلا بحضور القلب وتجاوبه مع ما ينطق به اللسان، والطاعة الخالصة لله تعالى هي التي تجسد المعنى الحقيقي الاتعاظ والتذكر بحيث تكون ذاكرين لعظمة ربنا في كل حالة لأن استحضار عظمة الله يورث التقوى والخشية، وهما ملاك الاتعاظ والاذكار، قال تعالى لرسوله فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى والأعلى:09 110.
كما أن خشية الله و استحضار عظمته في قلب المؤمن تقوى وتتنامي على قدر معرفته برته، ولا يتأتى ذلك إلا بإدمان النظر والتأمل في ملكوت الله في سبحات روحية تشرق فيها الأنوار الربانية
المسالكين العارفين وتلك منازل القرى عند الله يكرها لمن يشاء من عباده وهم المعنيون في قوله تعالى في سورة فاطر وكذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور والآية: 28
والله أعلم
-77 - (1/79)
صفحة 80
- الصفة الحادية عشرة: الإبتهال إلى الله وتطلب القدوة
أ) - النص: والذين يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما والفرقان: 174
ب) - التحقيق اللغوي:
هب لنا: دعاء الله أن يعطي لهم ذلك من فعل وهب: يهب والولد، هبة
الله الثمينة لعبده قال تعالى ويهب لمن يشاء إنانا ويهب لمن يشاء الذكورية.
الأزواج: جمع زوج: وهو يصلح للرجل والمرأة، كلاهما زوج للآخر، ولا يقال للمرأة: الزوجة في التعبير الفصيح ذرياتنا: مفرده وذرية» على وزن فعلية، قيل إنها مشتقة من الذر الذي من صلب آدم وقيل من فعل قرأ الله الخلق يترؤهم ذرما، أي علقهم، قال تعالى: {وهو الذي ذراكم في الأرض، وهو يصلح للواحد والجمع ويراد به - غالبا - الأولاد قرة أعين القرة قبل مأخوذة من القراره أي مسكون العين ما ليس له، وقيل من القر، أي البرد، لأن دمع
-
السرور
بارد قال الشاعر: فكم سخنت بالأمس عين قريرة .. وقرت عيون دمعها اليوم ساكب إماما: من أم يوم جمع أيمة وقيل هو جمع مفرده أم كصائم.
ج) - البيان والتفسير:
جمعة
صيام
الدعاء والإبتهال إلى الله سلاح المؤمن، لأنه يؤمن بأن أمر التدبير الشؤون الخلق يرجع إلى الله يتصرف فيها كيف يشاء وفق ما سبق في علمه الأزلي وما تقتضيه حكمته في ما ينفع وما يضر وهذا الإيمان لا يتنافى أبدا مع سعي الإنسان واستعمال طاقته وفكره في
الأخذ
- 78 - (1/80)
صفحة 81
بالوسائل واتباع السنين التي تحكم نظم الحياة. وتتطلب جهد الإنسان. وعباد الرحمان إذ يستنفذون جهدهم في إصلاح نفوسهم، فهم يعتبرون أنفسهم مسؤولين على استبقاء ذلك الصلاح والخير، وذلك بالعمل على نشره وتمكينه في المجتمع المسلم، بدءًا من أزواجهم وذرياتهم إمتثالا لقوله تعالى: ويا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراك والتحريم 106، واقتداء بسنة الأخيار من أنبياء الله ورسله فهذا أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم (عليه السلام) كان يرفع قواعد البيت مع ولده إسماعيل ويدعوان الله تعالى لذريتهما بالصلاح والتقوى وربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك كله والبقرة: 126 127 ودعاء إبراهيم في سورة
الشعراء واجعل لي لسان صدق في الآخرين إنما يعني الصلاح والتقوى في ذريته
امتداد
وقد قص الله علينا موقف لوح مع ولده العاق كيف كان يلاطفه ويدعوه إلى قافلة المؤمنين: يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين وعندما دعا زكرياء ربه أن لا يبقيه فردا وقد بلغ من الكبر عتبا، لم يطلب مجرد الولد بل توجه إلى مولاه بهذا الدعاء: فورت هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء وعال عمران: 138. ونعمة الزوج والولد الصالحين من أعظم النعم التي يمنحها الله لمن يشاء من عباده، حتى فشر بعض العلماء حسنة الدنيا بأنها المرأة الصالحة في قوله تعالى طورينا اننا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النارية والبقرة: 199، والرسول (عليه السلام) يعتبر
- 79 - (1/81)
صفحة 82
الولد الصالح امتدادا لذكر والديه في المكرمات والصالحات في حديقة المشهورة وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (رواه الترمسي والنسائي). وقال في اختبار المرأة عند زواج المسلم: فاظفر بذات الدين تربت يداك»، وقال تعالى في شأن الأزواج الظاهرات فالصالحات
أو
قائنات حافظات للغيب بما حفظ الله والنساء: 134
ولما كان المعتقد الديني من أهم الحوامل للإستقرار العائلي، فإن التوافق في الدين بين الأزواج مطلب شرعي أساسي في تكوين الأسرة المسلمة فقال عز من قائل: ولا تنكحوا المشركات حتى يو من له البقرة: 1219، وقال: {ولا تمسكوا بعصم الكوافرة الممتحنة:10) والتعبير ويقرة الأعين تصوير المنتهى السرور حين يسعد الإنسان بالحصول على ما يتمناه دنيا وأخرى فأما في الدنيا بكامل السعادة
والهناء العائلي في كنف الأزواج الصالحات والذرية الطيبة، وأما الآخرة قبوعد الله للمؤمنين الأوفياء أن يجمعهم الله بأزواجهم وذرياتهم في جنة الخلد إذ قال تعالى: وجنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدارية والرسم وقال: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان الحقنا بهم ذرياتهم وما
التناهم من عملهم من شيء (الطور:19
قلت: إن التعبير لفرط السرور يقرة العين قد ورد وصفا النعيم
الجنة في جزاء المتهجدين لله، وعباد الرحمان
ذلك كما
-80 - (1/82)
صفحة 83
تقدم، والله تعالى يصف ذلك الجزاء بقوله: يوفلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون السجدة: 17
ولأجل هذا الإستقرار العائلي المنشود فإن الشريعة الإسلامية، قد فضلت الحقوق الشرعية لكل من الأزواج والأولاد لابد من الإلتزام، بها ومراعاتها، وهي من الأسباب التي يأخذ بها المؤمن ويتحمل مسؤوليتها أمام الله، ثم هو بعد ذلك لا يستغنى مثل هذا الدعاء
الله أن
طالبا من
الصلاح المنشود.
بيشتر
له ولأهله طرق الهداية والتوفيق إلى ذلك
قال تعالى: (راجعلنا للمتقين إماماكم.
إمامة الدين وطلب القدوة في الصلاح والتقوى أمر مرغوب فيه. إتباعا لسنة الله في رسله، إذ جعلهم قدوة للبشر، وأسوة لهم في الخير والهدى، ودعا المؤمنين إلى الإنتساء بهم فقال جل من قائل: ولقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراكم الأحزاب: 21)، بل اعتبر القرآن قوافل الإيمان
والهدى والخير يهتدي بعضها بعض في مسيرتها على طريق الله
فجعل من أي الأنبياء سيدنا إبراهيم إماما للناس في الدعوة إلى توحيد الله والإلتزام بشرائعه فقال تعالى: (وإذ ابتلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إلى جاعلك للناس إماما والبقرة: 1123، ثم قال مخاطبا رسوله أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدهم والأنعام: 190. وقال بصيغة الجمع الجميع المؤمنين وقد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ولما تعبدون من
81 - (1/83)
صفحة 84
دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تومنوا بالله وحدهم الممتحنة: 04 ويتبين من هذه النصوص أن ظهور العنصر الصالح في المجتمعات لا يعني طلب الرئاسة والظهور وحب المحمدة، بل هو للإقتداء والإهتداء بهم، فهم يطلبون الإمامة للمتقين إستدامة للخير، وتمكينا للفضيلة أن تستمر في الأجيال لأن نصرة الحق لا تتحقق بالإنكماش والانزواء في المعابد، والجهاد الإعلاء كلمة الله إنما يكون بالمصاولة في الميدان، وخوض المجامع واختراق الصفوف. والله تعالى يقول في شأن الدعاة إلى الله والهداة لدينه: (وجعلنا منهم
أيمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون السجدة: 124 ومن بعد رسل الله غير عباد الرحمان حداة في موكب الإيمان يمدونه بالطاقة والقدرة على مواصلة السير في الطريق المستقيم ومواجهة كل التحديات التي تحاول تحريف القافلة عن مسارها الصحيح وتلك مهمة لا يتحملها إلا هؤلاء الأفذاذ من الرجال
الأوفياء جعلنا الله منهم.
والله أعلم
82 - (1/84)
صفحة 85
الجزاء
الأوفى
أ) - النص: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما، قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما والفرقان: 177
ب) - التحقيق اللغوي:
الغرفة البيت العلوي، يجمع على غرف وغرفات، والمقصود بها طبقات الجنة يقول تعالى: ولهم عرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار)، ويقول: الوهم في العرفات أمنون يُلقون ماضيه القاه: قال تعالى: ولقاهم تغيرة وسرورا بمعنى يستقبلون الشيء ويتلقونه ماديًا أو معنويا، ما يعناً: ماضيه غناً بكذا: أي اهتم به، مشتق من العبد: أي الحمل الثقيل وما يعبأ بكذا: كناية عن قلة العناية، الزامات مصدر لازم يلازم ملازمة ولزاما أي عدم مفارقة الشيء، والإخبار بالمصدر يقصد به المبالغة.
ج) - البيان والتفسير:
بعد انتهاء تلك الجولة في بيان صفات عباد الرحمان وتعداد مزاياهم بين الله تعالى في نهاية المطاف ما ينتظرهم من جزاء، فصدر الآية باسم الإشارة «أولئك إلى كل متقدم، وهو خير عن قوله تعالى:
وعباد الرحمان) والصفات المذكورة نعوت معطوف بعضها على بعض ومجيء صفة الإبتهال إلى الله في مؤخرة الترتيب للدلالة على معي الإنسان ومجاهدته في التحلي بتلك الصفات، لابد فيها من الإستعانة بالله وطلب توفيقه لأنه لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة
أن
83 - (1/85)
صفحة 86
من الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون من الله، فهؤلاء الأبرار قد أخذوا بسنة الحياة في الأخذ بالأسباب، ثم بالإلتجاء إلى الله
في تذليل الصعاب
الجزاء يعني
أولئك يجزون الغرفة بما صبرواكم والتعبير بالغرفة في تقرير أنهم في الدرجات العلى من الجنة وأل فيها للجنس لقوله تعالى: وهم في الغرفات امنون. وقد حدد الله منازل الجنة في قوله ولهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وخصص أعلى مراتبها للذين أنعم عليهم من التبيلين والصديقين والشهداء والصالحين.
وذكر الله صفة الصير سببا لذلك الجزاء ليبين أنهم مستحقون لذلك ولم يذكر متعلق الصبر ليشمل كل الأنواع المطلوبة في مجال الطاعات وأن الله يزيدهم إكراما وإحسانا بالتحية والسلام تلقاهم بهما الملائكة، أو يلقاهم الله وكلاهما وارد في غايات أخرى كقوله تعالى: وتحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريمات والأحزاب: 44. وقوله والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدارية والرعد: 25).
حسنت مستقرا ومقامات والمراد به الدوام والإستقرار وقل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم الخطاب موجه إلى رسول الله، فهو الداعي إلى الله، وهو المبلغ عن الله بأنه ثم يخلق الثقلين إلا لعبادته، وهو الغني عنهم، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية بل ينتفعون يتلك الطاعة فقوله تعالى: وما يعبأ بكم ربي معناه ما
الذين
84 - (1/86)
صفحة 87
يبالي وما يهتم كتابة عن قلة الإكثرات الأمر إذا كان لا وزن له عند المتحدث، ولفظ وماء يحتمل أن يكون للإستفهام أو للنفي. لولا دعاؤكم فيه احتمالان أن الدعاء مضافا إلى مفعوله، أي لولا دعاؤه إياكم والداعي هو الله يدعو خلقه إلى عبادته: ويا أيها الناس اعبدوا ربكم أو الداعي هو الرسول يدعو الناس إلى الإسلام، والمعنى على هذا التقدير لا يبالي بكم ربي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه.
والإحتمال الثاني: أن يكون الدعاء مضافا إلى الفاعل أي لولا دعاؤكم إياه، واختلف المفترون على هذا الإحتمال في تقدير معنى الدعاء فقالوا: هو الإيمان، أو العبادة، أو هو الإستغاثة بالله في وقت الشدة، أو هو الشكر على معنى قوله تعالى وما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما تفريع على قوله ولولا دعاؤكم والتقدير دعاكم الله إلى عبادته أو دعاكم الرسول إلى الإسلام فكذبتم، ويتعين الخطاب للمشركين القسوف يكون لزاما، وضمير (يكون) عائد إلى التكذيب، أي يكون تكذيبكم ملازما لكم بما يترتب عليه من العذاب في الدنيا والآخرة، وذهب عبد الله بن مسعود وغيره أن العذاب الدنيوي للمشركين هو ما حل بهم روي عنه أنه قال اللزام هو التكذيب نفسه، أي لا
يوم بدره
كما
يعطون التوبة منه.
قلت: أي أن ذلك على قاعدة الإمام جابر بن زيد: «من من الزم
شيئا لنفسه الزمناه له.
85 - (1/87)
صفحة 88
ولعل التفسير الأخير لعبد الله بن مسعود نظرا لعموم معناه فيدخل فيه ما أصاب المشركين يوم بدر وغيره في كل زمان ومكان مصداقا لقوله تعالى في سورة الرعد ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحلّ قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد الآية:32
فلا كرامة لهذا الإنسان إلا في حظيرة الإيمان بخالقه وارتباطه بمنهجه القويم، لأن الكفر والضلال ذلّة وهوان، ورسول الله هو الهادي الأمين في موكب البشرية على طريق الإيمان والإسلام لله، وفي هذا الخطاب الإلهى تسرية لنفسه الشريفة وإمداد روحي يقوي إرادته
وعزيمته في البلاغ والدعوة - والحمد لله رب العالمين.
86 - (1/88)
صفحة 89
الخاتمة
-
لقد تمت جولتنا في تفسير هذه الآيات من خواتم سورة الفرقان بفضل الله - وكان الجمهور الكريم في المسجد الجامع بمدينة
العطف، ينصت بشغف ويتابع باهتمام بالغ بيان صفات عباد الرحمان حتى كان كل فرد من الحاضرين يحاول أن يكون أحد الذين تتحقق فيهم تلك الصفات وكان لعبادة الصوم وقدسية المكان في بيت الله إيحاءاتهما البالغة في نفس كل مؤمن، حتى الآيات المفسرة نزلت لحيتها، وحين تقبل النفس المؤمنة بكل جوائحها لتنصت لكلام الله وتتجاوب مع إرشاداته وتوجيهاته في رحاب بيت
لكان
الله، فإنها تسمو عن نزوات الهوى وتتجافى عن نفايات الطين وبذلك تتهيأ لحسن التلقي وبركات التوفيق وصدق مولانا العظيم إذ قال في سورة التوبة: وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا؟؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) والآية: 125 1126
فإلى كل النفوس المؤمنة أقدم هذه الجهد المتواضع من تفسير هذه الآيات البيئات وأنا أرجو لها من الله مزيدا من الهداية والتوفيق وفيضا من البشارة والرضوان، كما أرجو الشفاء لكل نفس ألم بها مرض الغفلة والنسيان فوقعت في الإثم والعصيان، أن يأخذ الله بيدها
87 - (1/89)
صفحة 90
إلى مسالك الإنابة والتوبة، ويوفر لها موجبات الرحمة وعزائم العفو
والغفران عساها تكون - بفضل الله من عباد الرحمان.
العطف يوم الجمعة 14 ذو الحجة 1417 الموافق لـ 11 أفريل 1997 المؤلف: سعيد محمد ابراهيم كعباش
-
- 88 (1/90)
صفحة 91
[صفحة فارغة] (1/91)
صفحة 92
في الناس من خلقوا عباد الرحمان أو عباد للشيطان، ولكل من الفرقين الجزاء الأوفى عند الله، فإن كنت حقا أيها الأخ المسلم من أتباء محمد عليه الصلاة والسلام فإن رسول الله كان خلقه القرآن وفي هذه السلسلة من أخلاق القرآن تجد ما يرشدك لتكون من عباد الرحمان باذن الله إن أنت أحسنت قراءتها بوعي وتدبر
الزلف - الشيخ كمباش
ردمك 3 - 32 - 908 - 9961 ISBN (1/92)