صفحة 1
بحث تخرج: منهج ابن جني في توجيه القراءات الشاذة يونس الغافري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] منهج ابن جني في توجيه القراءات الشاذة
إعداد الطالب:
يونس بن هلال الغافري
بسم الله الرحمن الرحيم
- - - - -
إهداء
مقدمة
مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الكبير المتعال، ذي القدرة والجلال، القائل {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (1) ، والصلاة والسلام على خير إنسان، المبعوث للإنس والجان، سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله _ صلى الله عليه وسلم _، أرسله سراجا للمهتدين، ومنارا للسالكين، خير من قرأ القرآن، ودعا إلى الله بإحسان، وعلى آله وصحبه الكاشفين سبيل الهدى للخلق، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:_
فإن القرآن الكريم مائدة الله في أرضه منه يستقي المسلمون تعاليمهم، وبه يخرجون من الضلال إلى النور، قال تعالى {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (2) ، ولما كان القرآن الكريم المنهج الرباني الذي ينبغي لكل مسلم أن يجعله نصب عينيه؛ فإن أعداء الإسلام ما فتئوا يطعنون في آيات القرآن الكريم ليثنوا المسلمين عن دينهم، وهيهات وقد قال الله عز وجل{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (3) ، وقد مَنَّ الله على المؤمنين أن هداهم لهذا الدستور العظيم، وبعث فيهم رسولا منهم يعلمهم الكتاب والحكمة، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، فكان قرآنا يمشي على الأرض يتمثل كل آية من آيات الكتاب العزيز، ومن بعده الصحابة الكرام الذين كانوا يستقون من القرآن الكريم العلم والعمل معا، حتى صاروا خير فئة على هذا الوجود.
__________
(1) الإسراء 106.
(2) الإسراء 9.
(3) الحجر 9. (1/1)
صفحة 2
ولاريب أن هذا القرآن الكريم يحتاج إلى قلوب واعية، وآذان مصغية، وأرواح تتلهف إلى عناقه، وقد يسر الله تعالى هذا القرآن الكريم لقراءته وتلاوته يقول تعالى{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (1) ، ومن مظاهر هذا التيسير أن أنزله الله على سبعة أحرف، فاجتهد العلماء في تعلّم هذه الأحرف، فانتشر القرآن في الأصقاع، وتعلم الناس وتفقهوا في أمور دينهم ودنياهم، فحفظ الناس القرآن، فمنهم الضابط له، ومنهم الذي ينسى، ومنهم من يتعتع فيه؛ فتواترت بعض القراءات عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وبعضها انقطع
إسنادها، فظهرت القراءات المتواترة وغير المتواترة، فتصدى لذلك جهابذة العلماء في هذا الفنِّ وهو علم القراءات، وفي هذا البحث أردت أن أشارك إخواني المسلمين في المساهمة بشيء ينفع هذا الدين، وقد كتب العديد من المؤلفين في القراءات المتواترة، وأنا سأبحث في القراءات الشاذة ومدى موافقتها للغة العربية، وقد ارتأيت أن أدرس منهج ابن جني في توجيه هذه القراءات من خلال كتابه المحتسب، فسميت بحثي« منهج ابن جني في توجيه القراءات الشاذة من خلال كتابه المحتسب _ در اسة تطبيقية في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم_»، وقد قسمت البحث كالآتي:_
1) مدخل إلى البحث: أتحدث فيه عن حياة الإمام أبي الفتح ابن جني ويتضمن
فروعا متعددة من حياته.
2) الفصل الأول: القراءات بين التواتر والشذوذ.
أ.المبحث الأول: القراءة القرآنية بين اللغة واصطلاح العلماء.
ب.المبحث الثاني: القراءات الشاذة واختلاف العلماء في حدها(تعريفها).
ج.المبحث الثالث: مفهوم القراءة الشاذة عند ابن جني.
3 ) الفصل الثاني: منهج ابن جني في توجيه القراءات الشاذة من خلال كتابه المحتسب.
أ.المبحث الأول: الظواهر اللغوية في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم(النحوية والصرفية).
__________
(1) القمر 14. (1/2)
صفحة 3
ب.المبحث الثاني: الظواهر الدلالية في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم.
4) خاتمة البحث: أوضح فيها أبرز النتائج التي توصّلتْ إليها هذه الدراسة التطبيقية في جزء واحد من كتاب الله العزيز.
وكنت قد نويت أن أضع مبحثا ثالثا في الفصل الثاني أتحدث فيه عن علاقة الشواذ بالصوتيات، وقد عدلت عن فكرتي لأن علاقة الشواذ بالصوتيات _ في الحقيقة _ تحتاج إلى رسالة خاصة تنفرد بالبحث في هذا الموضوع، واقتصرت على مبحثين في الفصل الثاني لدراسة منهج ابن جني في توجيه القراءات الشاذة، والله أسأل أن يوفقني إلى كل خير، والحمد لله رب العالمين.
يونس بن هلال الغافري
المدخل إلى البحث
حياة الإمام أبي الفتح ابن جني
اسمه ونسبه:
هو أبو الفتح عثمان بن جنِّي الموصلي النحوي المشهور ولا يعرف نسبه من وراء هذا؛ وذلك أنه غير عربي، وكان أبوه جنِّي روميا يونانيا، وكان مملوكا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي (1) لذلك ينتسب ابن جني أزديا بالولاء، وإلى نسبه يشير في أبيات له عندما قال:
فإن أصبح بلا نسب فعلمي في الورى نسبي
على أني أؤول إلى قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا أرمّ الدهر ذو الخطب
أولئك دعا النبي لهم كفى شرفا دعاء نبي
__________
(1) لم أقف على تخريج له. (1/3)
صفحة 4
وجنِّي عَلَمَ رومي، ويذكرون أنه معرب كِنّي، ويقول ابن ماكولا (1) في كتابه المؤتلف والمختلف:« وحكى لي اسماعيل بن المؤمل (2) أن أبا الفتح كان يذكر أباه بأنه كان فاضلا بالرميّة»، وظاهر أن ابن جني يريد تفسير اسم أبيه جنيّ الروميّ و أن معناه في العربية: فاضل و جني تكتب بالحروف اللاتينية ممثله للفظ اليوناني gennaius ومعناها: كريم، نبيل، جيد التفكير، عبقري، مخلص. ومن هذا يبدو صدق تفسير ابن جنيّ لاسم أبيه. (3)
مولده:
__________
(1) علي بن هبة الله بن علي بنجعفر بن علّكان، أبونصر المعروف بابن ماكولا،أصله من جرباذقان من نواحي أصبهان، له مصنفات منها(الإكمال) ت(475هـ).(وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان /لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان 608_680هـ/ دار إحياء التراث العربي بيروت الطبعة الأولى 1417هـ،1997م/ ج2 صـ145.
(2) لم أقف على تخريج له.
(3) أنظر وفيات الأعيان 2/117_118.
أنظر معجم الأدباء لياقوت الحموي ت 1179 ـ1229 هـ المجلّد السادس ج12 ص81 ـ82، دار أحياء التراث العربي ط (1) 1408هـ ـ1988م.
أنظر مقدمة تحقيق محمد عبدالقادر عطا على كتاب المحتسب لابن جني ج1 ص45، دار الكتب العلمية، بيروت ،ط (1) 1419 هـ ـ1998م.
أنظر إنباه الرواة على أنباه النجاة لأبي الحسن علي بن يوسف القفطي ت 624 هـ ـ، تحقسق محمد أبو الفضل إبراهيم ج2 ص335 ـ340 دار الفكر العربي القاهرة، ط (1) 1406 هـ ـ1986م. (1/4)
صفحة 5
ولد ابن جنّي في الموصل ويقول من ترجم له: أنه ولد قبل الثلاثين والثلاثمائة من الهجرة ولايعينون مولده بعد هذا إلا أبا الفداء (1) في المختصر يذكر أن وفاته سنة 302هـ، ويرى بعض الكاتبين عنه من علماء المشرقيات أن ولادته كانت سنة 320هـ، وبعضهم جعل مولده سنة 300هـ، وهذا قريب مما جاء في رواية أبي الفداء (2) .
نشأته:
نشأ ابن جنّي في الموصل وتلقى مباديء التعليم فيها، ويقول صاحب وفيات الأعيان: أنه قرأ الأدب في صباه على أبي علي الفارسي (3) ، وسمع من جماعة من الموصلة والبغداديين، ويذكر أنه كان يدرس العرية في جامع الموصل وهو شاب فمرّ به أبو علي الفارسي فوجده يتكلم في مسألة صرفية فاعترض عليه أبو علي الفارسي فوجده مقصرا ونبهه على الصواب وقال له: تزببت وأنت خصوم ! (4) فتبع أبا علي حتى نبغ بسبب صحبته إياه وبلغ من أمره ما بلغ ولكن تذكر بعض الروايات أن أبا الفتح لم يكن يعرف أبا علي قبل هذه الحادثة ومن ذلك ما يذكر أن ابن جنّي سأل عنه فقيل له: هذا أبو علي الفارسي.
__________
(1) اسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه، مؤرخ لهكتب منها(المختصر في أخبار البشر) (ت732هـ).أنظر الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة / شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني (ت852هـ)/ دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان ج1 صـ371.
(2) انظر وفيات الأعيان ج2 صـ118،117، وانظر معجم الأدباء ج12 صـ115،81، وانظر مقدمة الخصائص صـ11،10، وانظر مقدمة المحتسب صـ47،45، وانظر إنباه الرواة ج2 صـ340،335.
(3) الحسن بن أحمد بن عبدالغفار بن حمد بن سليمان بن أبان الفارسي النحوي إمام في اللغة(ت377هـ). انظر وفيات الأعيان 1/230.
(4) يعني به كثرة الكلام. انظر القاموس المحيط صـ99. (1/5)
صفحة 6
وتجمع الروايات على أن أبا الفتح صحب أبا علي سنة 337هـ، ولازمه في السفر والحضر، وأخذ عنه وصنف كتبه في حياة أستاذه فاستجازها ووقعت عنده موقع القبول (1) .
جلالاته وثناء العلماء عليه:
بلغ أبو الفتح في علوم العربية من الجلالة والقدر ما لم يبلغه إلا القليل فقد أصبح ابن جنّي في مجرى القرون مضرب المثل في معرفة النحو والتبريز فيه.
قال ابن ماكولا: «كان نحويا حاذقا»، ويقول الثعالبي (2) : «هو القطب في لسان العرب وإليه انتهت الرياسة في الأدب»، وقال عنه ياقوت الحموي (3) واصفا له: «هو من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف وصنّف في ذلك كتبا أبرّ بها على المتقدمين وأعجز بها المتأخرين، ولم يكن في شيء من علومه أكمل منه في التصريف، ولم يكلم أحد أدق منه كلاما في التصريف»، وذكر ياقوت أن أبا الحسن الباخرزي ذكر ابن جنّي فقال: «ليس لأحد من أئمة الأدب في قسم المقفلات وشرح المشكلات ماله فقد وقع عليها من ثمرات الأعراب ولا سيما في علم الإعراب... » ، وكان المتنبي (4) يقول: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس»، ويبدو فضله وعلمه في كتبه ومباحثه التي توفر عليها وأحسن عرضها وهو يعد بحق فيلسوف العربية (5) .
مذهبه الفقهي:
__________
(1) المصدر السابق.
(2) عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري، له مصنفات منها«سحر البلاغة وسر البراعة»، «مؤنس الوحيد»، (ت429هـ). انظر وفيات الأعيان 2/85.
(3) ياقوت بن عبد الله الرومي الجنس والمولد الحموي المولى البغدادي الدار، له مصنفات منها« معجم البلدان»،(ت626هـ). انظر وفيات الأعيان 3/267.
(4) أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي المعروف بالمتنبي شاعر مشهور (ت354هـ). انظر وفيات الأعيان1/67.
(5) انظر معجم الأدباء ج12 صـ115،81
انظر إنباه الرواة ج2 صـ335 - 340
انظر مقدمة الخصائص صـ52،50 (1/6)
صفحة 7
يبدو أن ابن جني كان حنفي المذهب فإن لم يكنه فقد كان له هوى في المذهب وانعطاف نحوه ولا غرو فهو عراقي يصبو إلى مذهب أهل العراق، وهو في هذا كأغلب نحويي العراق كالسيرافي (1) الذي كان يفضي على مذهب أهل العراق.
وانتسابه للحنفية يبدو من قوله في الخصائص:«وكذلك كتب محمد بن الحسن (2) _ رحمه الله _ إنما ينتزع منها أصحابها العلل...« (3) .
وظاهره أنه يريد محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة (4) ، فقوله: «أصحابنا« يعني به أتباع أبي حنيفة.
__________
(1) الحسن بن عبدالله بن المرزبان السيرافي النحوي المعروف بالقاضي، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، له كتب منها «الوقف والابتداء»، (ت368هـ). انظر وفيات الأعيان 1/230.
(2) محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء، الفقيه الحنفي، نشأ بالكوفة وطلب الحديث وحضر مجلس أبي حنيفة، له مصنفات منها«الجامع الكبير«،(ت189هـ). انظر وفيات الأعيان 2/322.
(3) الخصائص 1/136.
(4) النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي مولاهم الكوفي المعروف بأبي حنيفة فقيه أهل العراق (ت150هـ). انظر تذكرة الحفاظ / أبوعبدالله محمد بن أحمد الذهبي الدمشقي (673_748هـ)/ مراجعة عبدالرحمن بن يحيى المعلمي / دار الكتب العلمية بيروت 1374هـ ج1 صـ168. (1/7)
صفحة 8
وتراه ينصر الحنفية على الشافعية، ومن أمثلة ذلك ما ورد في سر الصناعة في حرف الباء: «وأما ما يحكيه أصحاب الشافعي عنه من أن الباء للتبعيض فشيء لايعرفه أصحابنا...«، وجاء ذكر الإمام أبي حنيفة في الخصائص ويذكر الجصّاص (1) شيخ أبي حنيفة ويذكر أبا يوسف (2) صاحب أبي حنيفة (3) .
مذهبه النحوي:
كانت المذاهب النحوية في عهد ابن جنّي ثلاثة: مذهبان قديمان وهما البصري والكوفي، ومذهب حدث من خلط المذهبين والتخير بينهما وهو مذهب البغداديين، وكان ابن جنّي _ كشيخه أبي علي الفارسي _ بصريا، فهو يجري في كتبه ومباحثه على أصول هذا المذهب وهو ينافح ويذب عنه ولا يألو جهدا في ذلك.
__________
(1) أحمد بن علي الرازي، أبو بكر الجصاص، فاضل من أهل الرأي سكن بغداد ومات فيها، انتهت إليه رئاسة الحنفية، له متب منها« أحكام القرأن« (ت370هـ). انظر الجواهر المضية في طبقات الحنفية/ محي الدين أبي محمد عبدالقادر محمد بن محمد بن نصرالله بن سالم بن أبي الوفاء القرشي الحنفي(696_775هـ)/ تحقيق د.عبدالفتاح محمد الحلو/ مؤسسة الرسالة 1413هـ،1993م، ج1صـ220.
(2) يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد من أهل الكوفة كان شيخا متقنا (ت182هـ). انظر الثقات / أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي(270_354هـ) / مراجعة السيد شرف الدين أحمد / دار الفكر 1395هـ_1975م، ج7 صـ647.
(3) المرجع السابق 1/208, انظر مقدمة المحتسب صـ55. (1/8)
صفحة 9
ولم يدر في خلد ناظر أن ابن جنّي كان كوفيا، فهذا ما لم يجر في الوهم والخيال، ولكن بعض الباحثين طاب له أن يسك ابن جني في عداد البغداديين وشبهته في هذا أنه سكن بغداد واستوطنها حتى لقي ربه، وإنما كان مقامه فيها في آخر حياته بعد أن نضج واستقرت إمامته، وتأصل عده في البصريين، والناظر في كلام ابن جنّي يرى من الدلائل ما لايحصى على هدم هذه الدعوى ونقضها، وهو بريء من العصبية التي تعمي عن الحق وينحى باللائمة على من ينساق معها، ويمضي في سبيلها، إلا أنه قد يرى في النحو ما يراه البغداديون (1) .
وفاته:
بلغ ابن جنّي المنهل الذي يرده كلُّ من على ظهرها وألقى عصى التسيار في هذه الحياة في يوم الخميس السابع والعشرين من صفر سنة 392هـ، ويكاد الرواة يجمعون على سنة وفاته إلا ما كان من ابن الأثير (2) في تاريخه، فهو يجعل وفاته سنة 393هـ، وتبعه على هذا أبو الفداء في المختصر، وتولى الصلاة عليه الشريف الرضي (3) وكان بينهما صداقة وكيدة، وكانت وفاته ببغداد حيث استقر آخر عمره ودفن في مقابرها وقد رثاه الشريف الرضي بقصيدة مطلعها:
ألا بالقوم للخطوب الطوارق وللعظم يرمى كل يوم بعارق (4) .
مؤلفاته:
لقد خلف ابن جنّي كتبا حسانا تدل على فضله وسعة علمه وقد تخير لها أسماء كذلك وهي تقرب من خمسين مؤلفاً، وسأذكر بعضا منها:
1) الخصائص.
2) سر الصناعة.
3) تعاقب العربية.
4) تفسير ديوان المتنبي الكبير.
__________
(1) انظر مقدمة الخصائص صـ47،44. وانظرمقدمة المحتسب صـ57،56.
(2) نصر الله بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبدالكريم بن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير الجزري، له مصنفات منها« المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر« (ت637هـ). انظر وفيات الأعيان 3/193.
(3) محمد بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسن بن موسى بن محمد بن موسى(ت406هـ). انظر وفيات الأعيان 2/424.
(4) انظ مقدمة المحتسب صـ60 , مقدمة الخصائص صـ59, معجم الأدباء ج12 صـ83. (1/9)
صفحة 10
5) اللمع في العربية.
6) مختصر العروض والقوافي.
7) المقتضب.
8) التبصرة.
9) التذكرة الأصبهانية.
10) المسائل الواسطية. (1)
...
الفصل الأول
القراءات بين التواتر والشذوذ
المبحث الأول:
القراءة القرآنية بين اللغة واصطلاح العلماء.
المبحث الثاني:
القراءة الشاذة واختلاف العلماء في حدها(تعريفها).
المبحث الثالث:
مفهوم القراءة الشاذة عند ابن جني
المبحث الأول:
القرآءة القرآنية بين اللغة واصطلاح العلماء
لاريب أن القراءة القرآنية – سواء كانت متواترة أو شاذة- حفظت لنا اللغة العربية وأسرارها، والعلماء الفطاحل قد درسوا هذه القراءات، وبينوا للناس في كتبهم أنها لغة عربية سواء كانت هذه اللغة مشتهرة ومعروفة كلغة الحجازيين مثلا، أو لغة ليست بتلك الدرجة من الشهرة كلغة هذيل مثلا، وفي هذا المبحث سأذكر تعريفات العلماء للقراءة القرآنية، وماذا قالوا فيها، وقبل ذلك لابد أن نعرف القراءة في اللغة.
جاء في القاموس المحيط قوله:« القرآن التنزيل. قرأه و- به، كنصره ومنعه، قرءا وقراءة، وقرآنا فهو قارئ من قرأة وقراء وقارئين: تلاه كاقترأه وأقرأته أنا والقراء ككتان: الحسن القراءة ج: قراؤون. (2)
وقرأ الكتاب – قراءة، وقرآنا: تتبع كلماته نظرا ونطق به (3)
وقرأت الشيء قرآنا: جمعته وضممت بعضه إلى بعض ومنه قولهم ما قرأت هذه الناقة سلى قط، وما قرأت جنينا قط: أي لم يضطم رحمها على ولدها، ومنه قول آخر: لم تقرأ جنينا أي لم تلقه، ومعنى قرأت القرآن لفظت به مجموعا أي ألقيته... والقراء: ج قارئ« (4)
__________
(1) انظر مقدمة المحتسب صـ65,61. مقدمة الخصائص صـ68،60. معجم الأدباء ج12 صـ113،109. وفيات الأعيان ج2 صـ118,117.
(2) القاموس المحيط/ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (817ه)/ مؤسسة الرسالة / ط3 صـ62.
(3) المعجم الوسيط/ د.ابراهيم أنيس، د.عبدالحليم منتصر وآخرون / ج2 صـ722.
(4) لسان العرب / ابن منظور/ دار صادر بيروت /ط1 ج12 صـ50.بتصرف (1/10)
صفحة 11
هذا بالنسبة لتعريف القراءة في اللغة، ولو لاحظنا أن القراءة من التعريفات السابقة تأتي على معنيين رئيسيين هما التتابع، والجمع والضم، فكأن قارئ القرآن يتتبع طرق القراءة، أو الآيات الكريمة، والقرآن هو الذي يجمع ويضم بين دفتيه هذه الآيات الكريمة.
وأما بالنسبة لتعريف القراءة في اصطلاح العلماء فقد ذكروا عدة تعريفات للقراءة وسأذكرها، وسأحاول أن أعلق عليها، وأستنتج المقصود من كل تعريف.
1) تعريف ابن حيان (1) :
عرف ابن حيان التفسير وقال:« هو علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية، والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك.
ثم عقب ذلك بقوله في تعريف علم القراءات «... وقولنا يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن هذا هو علم القراءات«. (2)
فقوله كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم تشمل أحكام التجويد التي هي الأساس، وتشمل جميع القراءات، وعلم التجويد هو: علم يبحث في الكلمات القرآنية من حيث إعطاء كل الحروف حقها من الصفات اللازمة كالاستعلاء والاستفال، أو مستحقها من الأحكام الناشئة عن تلك الصفات كالتفخيم والترقيق والإدغام والإظهار وغير ذلك (3)
وقوله ألفاظ القرآن الكريم، تشمل القراءات القرآنية التي هي عبارة عن الأوجه الثابتة التي نزل بها القرآن الكريم.
__________
(1) محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفزي الأندلسي ثم المصري، له مصنفات منها: البحر المحيط، ارتشاف الضرب من لسان العرب. ت745ه.(ذيل تذكرة الحفاظ/محمد بن علي بن الحسن الحسيني الدمشقي ت765ه / دار الباز للنشر والتوزيع)
(2) تفسير البحر المحيط / محمد بن يوسف الشهير بابن حيان الأندلسي / دار الفكر / ط2 ج1 صـ14.
(3) غاية المريد في علم التجويد/ عطية قابل نصر/ ط1 صـ40. (1/11)
صفحة 12
2) تعريف الإمام بدر الدين الزركشي (1) : -
يقول:« والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفياتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما (2)
ولعل الإمام الزركشي – في هذا التعريف – يريد الإشارة إلى اختلاف العلماء في معنى الأحرف السبعة، ولست الآن بمعرض ذكر الخلاف وربما سأذكره فيما بعد إذا دعت الحاجة إليه.
وعموما إذا نظرنا إلى هذا التعريف نظرة فاحصة نلاحظ أن عبارة « اختلاف ألفاظ الوحي...«، تدل على أن الوحي جاء بالقرآن على ألفاظ متعددة ثابتة، والمقصود بـ« كتبة الحروف...«، هو الرسم العثماني الثابت ثبوتا قطعيا لا إشكال فيه، وهذا لايتنافى مع نزول القرآن على قراءات متعددة، وأقصد بها الثابتة عن طريق التواتر القطعي، فالقرآن هو كلام الله تعالى، والقراءات هي أداء لهذه الكلمات.
3) تعريف ابن الجزري:- (3)
يعرف ابن الجزري القراءات فيقول:« القراءات علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة«. (4)
__________
(1) محمد بن بهادر بن عبدالله التركي الأصل المصري الزركشي ت794ه. (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة / ابن حجر العسقلاني/ دار الجيل بيروت ج3 صـ397.)
(2) البرهان في علوم القرآن/ بدر الدين الزركشي / محمد أو الفضل إبراهيم/ دار المعرفة ط1 ج1 صـ318.
(3) محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الدمشقي الشافعي، كان إماما في القراءات، له مؤلفات منها: النشر في القراءات العشر، ت833ه.(ذيل طبقات الحفاظ للذهبي / أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي / دار الباز للنشر والتوزيع صـ377 ).
(4) انظر القراءات وأثرها في التفسير والأحكام/ محمد بن عمر بن سالم بازمول/ دار الهجرة ج1 ط1 صـ108. (1/12)
صفحة 13
فقوله«... واختلافها...«، يدل دلالة واضحة على أن هناك قراءات بعضها تختلف عن بعض في أداء الكلمات، مثل قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } (1) ، قرئ لفظ مسكين هكذا بالإفراد، وقرئ مساكين بالجمع. (2)
وقوله«... بعزو الناقلة«، أي أن القرآن الكريم وإن نزل بقراءات مختلفة، ولكن العبرة بالناقل لهذه القراءات هل هو ثقة أم لا؟ لأن القرآن الكريم هو دستور هذه الأمة، منه تستقي تعاليمها الإسلامية السمحة، ولابد أن يصلنا هذا القرآن ونحن مطمئنون إلى أن طرقه طرق صحيحة ثابتة عن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ عن جبريل الأمين عن رب العزة جل شأنه وتعالت قدرته.
4) تعريف طاش كبرى زاده:-
يعرف القراءات فيقول:« هو علم يبحث عن صور نظم كلام الله تعالى من حيث وجوه الاختلافات المتواترة...«.
قال: وقد يبحث فيه أيضا عن صور نظم الكلام من حيث الاختلافات غير المتواترة الواصلة حد الشهرة«. (3)
__________
(1) البقرة 184.
(2) غاية المريد في علم التجويد/ عطية قابل نصر/ ط4 صـ26.
(3) مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم / أحمد مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده/ دار الكتب العلمية ج2 ط2 صـ6. (1/13)
صفحة 14
والتعريف يدل على وجود القراءات المختلفة التي ثبتت عن النبي الكريم، وأقصد بالثابتة التي وصلتنا عن طريق التواتر، وأقصد بالتواتر هنا التواتر الشفهي من ثقة إلى ثقة وليس التواتر المكتوب في الكتب، إذ إن الكتب لاتخلو من سقط أو تحريف أو تبديل وإن لم يكن هناك سقط أو تحريف أو تبديل فالكتب ليست معصومة، وأما صدور الثقات الخائفين من ربهم يستحيل عليهم الكذب على ربهم، ولذلك نقدم رواية الثقة عن المكتوب، وأما بالنسبة إلى الشطر الثاني من التعريف وهو قوله:«... غير المتواترة الواصلة حد الشهرة«، فهذا تصريح منه بأن بعض القراءات لم تنقل إلينا بالتواتر، وإنما اشتهرت فقط عند الناس وتلقاها الناس بالقبول، وفي الحقيقة أننا لانعترف إلا بالقراءة المتواترة، والقراءة المشهورة جاءت من طريق الآحاد وهو غير قطعي إلا أن بعض العلماء أدخلها ضمن القراءة المتواترة وهو الإمام ابن الجزري وذلك في قوله:«... فهذا صحيح مقطوع به أنه منزل على النبي – صلى الله عليه وسلم – من الأحرف السبعة وهذا الضرب يلحق بالقراءة المتواترة وإن لم يبلغ مبلغها«. (1)
وقد ذهب ابن الجزري هذا المذهب وتبعه عليه الخلائق، وهذا مناقض لقوله في تعريف القراءة «... بعزو الناقلة«، وسأذكر في المبحث الثاني عند تعريف القراءة الشاذة قول الإمام مكي بن أبي طالب (2) ، وأنه هو القول المعتمد في هذا الباب.
5) تعريف الإمام الزرقاني: -
__________
(1) القراءات وأثرها في التفسير والأحكام/ محمد بن عمر بن سالم بازمول / دار الهجرة ج1 ط1 صـ152.
(2) مكي بن أبي طالب حموش القيسي من أكابر القراء والمجودين له كتب منها: التبصرة في القراءات السبع، ت437ه. (كتاب الوفيات / أحمد بن حسن بن علي بن الخطيب / تحقيق عادل نويهض / دار الآفاق الجديدة ط1 صـ 242 ). (1/14)
صفحة 15
يعرف الإمام الزرقاني القراءة فيقول:« مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفا به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه سواء كانت هذه المخالفة في النطق أم في نطق هيئاتها (1) .
وقوله:« مذهب يذهب إليه إمام...«، يعني مما هو متواتر عند أئمة القراءة، وعزز ذلك بقوله:«... مع اتفاق الروايات والطرق عنه...«، ويقصد بالاتفاق أنها نقلت إلينا بالتواتر القطعي، وعدم شذوذ أحد الطرق المعروفة التي جاءت بها القراءة، ولايضر قوله:«... سواء كانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها«.
لأن القراءات السبع المتواترة وهي التي نعتمدها تختلف عن بعضها البعض في نطق بعض الحروف أو في الهيئات.
من خلال النظر إلى هذه التعريفات من هؤلاء العلماء، نستطيع القول بأن التعريف الصحيح للقراءات هو:-
« أوجه أداء ألفاظ القرآن الكريم الواردة والثابتة عن النبي _ صلى الله عليه وسلم- بالطرق المتواترة«.
هذا ما تحرر من تلك التعريفات والحمد لله رب العالمين.
المبحث الثاني
القراءة الشاذة واختلاف العلماء في حدها (تعريفها).
__________
(1) مناهل العرفان في علم القرآن/ محمد عبدالعظيم الزرقاني / دار إحياء التراث ج1 ط3 صـ405. (1/15)
صفحة 16
عرفت أخي القارئ في المبحث السابق معنى القراءة في اصطلاح العلماء ولكنهم أشاروا إلى القراءة الشاذة، وإذا نظرنا إلى تعريف الإمام الزرقاني سابقا عندما قال:«...مع اتفاق الروايات والطرق عنه...«، فهناك إشارة إلى القراءة غير المتواترة، وغير المتواتر هو الآحاد، والمشهور والشاذ من أقسام الآحاد، فبعض القراءات الآحادية قبلت؛ لأنها اشتهرت بين الناس فالشهرة هي التي رقتها لتكون قراءة، وذكرتُ كيف أن القراءة المشهورة بعيدة كل البعد عن المتواتر من القراءات، وأما الشاذ فليس مشهورا لسقوط بعض الكلمات مثلا أو زيادة أو غيرها، ولذلك سمى شاذا لمخالفة المصحف الصحيح، وسأتطرق في هذا المبحث لتعريف القراءة الشاذة كما ذكرها العلماء، وقبل أن أدخل في المعنى الاصطلاحي للقراءة الشاذة سأعرف معنى الشذوذ في اللغة.
1)الشذوذ في اللغة:
شذذ: شذّ عنه ويشذ ويشذ شذوذا، إذا انفرد عن الجمهور وندر، فهو شاذ...،
وشذ الرجل: إذا انفرد عن أصحابه، وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ، وكلمة شاذة، ويقال أشذذت يا رجل إذا جاء بقول شاذ ناد.
ويقال: ما يدع فلان شاذا ولا نادا إلا قتله إذا كان شجاعا لا يلقاه أحد إلا قتله. ويقال: شاذ أي متنح. (1)
هذا بالنسبة لتعريف الشذوذ في اللغة وهو المنفرد عن الجماعة سواء كان برأي أو بأي شيء آخر إذا انفرد به.
وأما إذا جئنا إلى معنى القراءة الشاذة في اصطلاح العلماء فقد ذكروا ضوابط لمعرفة القراءة الشاذة، ومن المعلوم أن القراءة الشاذة تندرج تحت الآحاد هذا هو الصحيح، وليست قسما مستقلا بنفسه وإنما يقل في الدرجة عن القراءة المشهورة، وسأبدأ بذكر قول الإمام مكي بن أبي طالب في القراءة الشاذة.
قال:« إن جميع ما روي من القراءات على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال وهي:
*أن ينقل عن الثقات إلى النبي – صلى الله عليه وسلم-.
__________
(1) لسان العرب / ابن منظور / دار صادر ج1 ط1 صـ43. (1/16)
صفحة 17
*ويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا.
*ويكون موافقا لخط المصحف.
فإذا اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث قرئ به وقطع على مغيبه وصحته وصدقه؛ لأنه أخذ عن إجماع من جهة موافقته لخط المصحف، وكفر من جحده.
والقسم الثاني: ما صح نقله عن الآحاد، وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف.
فهذا يقبل ولا يقبل لعلتي:
إحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع إنما أخذ بأخبار الآحاد، ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد.
والعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده ولبئس ما صنع إن جحده.
والقسم الثالث: هو ما نقله غير ثقة أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية، فهذا لا يقبل وإن وافق خط المصحف«. (1)
فالقسم الثاني يتحدث عن القراءة المشهورة لأنها نقلت عن طريق الآحاد، و قوله يقبل أي يصح أن يستشهد به في أبواب النحو هذا هو التعليل الصحيح لأنه رفضه لعلتين ذكرهما، ولا يؤخذ قرآن ثبت عن طريق الآحاد، وهو مخالف لما أجمع عليه فالأحوط عدم الأخذ به؛ لأن القرآن الكريم هو كتاب الله وينبغي أن يصلنا بطرق قطعية لا ظنية والآحاد ظني، وإذا نظرنا إلى قول الإمام ابن الجزري في الطيبة عندما قال:
فكل ما وافق وجه النحو وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح اسنادا هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت شذوذه لو أنه في السبعة (2)
__________
(1) انظر القراءات وأثرها في التفسير والأحكام/ محمد عمر سالم بازمول /دار الهجرة ج1 ط1 صـ163.
(2) انظر شرح طيبة النشر في القراءات العشر/ ابن الجزري/دار الكتب العلمية /ط2 صـ7. (1/17)
صفحة 18
فلو كانت القراءات الثلاث المضافة إلى السبع متواترة لذكرها ولقال:«... لو أنه في العشرة «، فهذا دليل على أنها ليست متواترة، وقد قال في تعريف القراءة المشهورة كما ذكرت في المبحث الأول: «... ولو لم تبلغ مبلغها...«، ولكنه ألحقها بالقراءة المتواترة بجامع الشهرة فقط وقد رأيت أخي القارئ قول الإمام مكي وأنه لا يقبل إلا المتواتر، وقد أخذنا بقوله لأنه الأسبق على الإمام ابن الجزري وهوعالم بالقراءات ولايخفى ذلك على كل ذي لب (1) .
وبالنسبة للقراءة الشاذة فقد بين الإمام مكي بن أبي طالب في القسم الثالث ما هي، وإذا تأملت قوله تجده ينطبق على القراءة الشاذة، فضابط هذا القسم أن ينقل من غير ثقة، أو نقله ثقة ولا وجه له في العربية، فهذا لا يقبل حتى ولو وافق خط المصحف.
وقد ذكر أحمد البيلي كلاما حسنا في هذا المقام حيث قال:« وبعد تتبعي لشواذ القراءات حول الأسماء من سورتي الفاتحة والبقرة في المصادر التي عثرت عليها، ومقارنتها بما تواتر من القراءات، تبين لي أن القراءات الشاذة ثلاثة أنواع:_
النوع الأول: القراءة الشاذة المشهورة، وهي القراءة التي وافقت العربية والرسم وصح سندها ولكنه لم يبلغ درجة التواتر.
النوع الثاني: قراءة الآحاد وتحتها قسمان:
*القسم الأول: كل قراءة وافقت العربية والرسم ولم يصح سندها.
*القسم الثاني: كل قراءة وافقت العربية وخالفت الرسم سواء صح سندها أو لم يصح.
هذا وأما التي تخالف اللغة العربية بكل لهجاتها، فلا توصف بأنها قراءة بل تعتبر ضربا من ضروب الوضع والاختلاق.
__________
(1) اشتراط التواتر هو رأي جمهور العلماء من الأصوليين وفقهاء المذاهب الأربعة، والمحدثين، والقراء، فيرون أن شروط القراءة الصحيحة هو التواتر ولاتثبت بالسند الصحيح غير المتواتر.(القراءات أحكامها وصادرها/ د.شعبان محمد اسماعيل / دار السلام القاهرة الطبعة الثالثة 1424هـ،2004م/ صـ79. (1/18)
صفحة 19
والنوع الثالث: القراءة المدرجة وهذا النوع من شواذ القراءات هو الذي زيد في الآية على وجه التفسير (1) ، كقراءة أبي بن كعب «وله أخ أو أخت من أم« (2) .
وكل هذه الأنواع الثلاثة تندرج تحت القراءة الشاذة حتما لا محالة إذ كلها تخالف القاعدة الرئيسية وهي عدم التواتر القطعي الذي لا جدال فيه، وهذا لابد منه أي شرط التواتر حتى أن الشيخ الزرقاني قال كلاما حسنا في هذا الباب، حيث قال:« فلا غرو إن كان التعويل على الرواية والتلقي هو العمدة في باب القراءة والقرآن». (3) وهذا شيء يجب التنبه له، فإن القرآن الكريم لا يؤخذ من المصحف لأن المصاحف سابقا لم تكن منقوطة لا مشكولة والكلمة تكون بصورة في مصحف وبصورة أخرى في مصحف آخر، لا أقصد من جهة اختلاف القراءات وإنما التحريف والتبديل، ولذلك فإن القرآن يؤخذ من صدور الثقات الذين سمعوا القرآن رطبا كما أنزل على سيدنا وحبيبنا محمد _ صلى الله عليه وسلم _ فالتحقيق في هذه المسألة يوجب تلقي القرآن من ثقة عن ثقة وإمام عن إمام.
ثم إن العلماء اختلفوا في القراءات الثلاث المتممة للعشر وهي قراءة أبي جعفر (4) ، ويعقوب (5) ،
__________
(1) الاختلاف بين القراءات / أحمد البيلي / دار الجيل ط1 صـ110.
(2) البحر المحيط/ أبو حيان الأندلسي / مؤسسة التاريخ العربي ج3 ط2 صـ190.
(3) مناهل العرفان في علوم القرآن / محمد عبد العظيم الزرقاني / تحقيق أ.د. أحمد عيسى المعصراوي ج1 ط1 صـ323.
(4) يزيد بن القعقاع أبو جعفر المخزومي المدني القارئ أحد القراء العشرة تابعي مشهور كبير القدر ت130هـ وقيل غير ذلك. (انظر غاية النهاية في طبقات القراء / ابن الجزري 2/382 ).
(5) يعقوب بن اسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، أبو محمد البصري المقري النحوي (ت205ه)
(
تهذيب الكمال /المزي/ط1 ج32 صـ314). (1/19)
صفحة 20
وخلف (1) ، هل هي متواترة أم لا ؟ فبعضهم ذهب إلى تواترها كالإمام ابن الجزري (2) ، والزرقاني (3) ، وبعضهم ذهب إلى عدم تواترها كالإمام مكي بن أبي طالب (4) ، ولم يختلفوا في أن القراءات السبع متواترة، فالعمل بالمتفق عليه أولى بالعمل من المختلف فيه وأحوط.
وبالنسبة لتاريخ القراءة الشاذة يقول د.عبد القيوم بن عبد الغفور السندي:
« فالذي أراه والله أعلم هو أن نقول: إن القراءات شذت على مرحلتين:
*في العرضة الأخيرة وما قبالها (5) ، فالمنسوخ من القرآن حتى العرضة الأخيرة يعتبر شاذا، ويدخل فيه ما نقل عن مصحفي أبي بن كعب وابن مسعود رضي الله عنهما وهو منسوخ التلاوة.
*حين أمر عثمان رضي الله عنه بجمع المصاحف، وحمل الأمة عليهما، فكل ما كان مع الصحابة من القرآن المنسوخ ولم يعلموا بنسخه، أو كان
يقرأ ولم يثبت تواتره فخالف رسم المصاحف العثمانية كل ذلك يعتبر شاذا«. (6)
وللإمام مكي بن أبي طالب كلام في تاريخ شذوذ القراءات حيث قال:_
«...
__________
(1) خلف بن هشام بن ثعلب، أبو محمد المقري ت 229 ه من القراء العشرة. (تهذيب الكمال 8/299).
(2) انظر القراءات وأثرها في التفسير والآحكام 1/152.
(3) مناهل العرفان / الزرقاني 1 /344.
(4) المرجع السابق 1/332.
(5) يقصد بالعرضة الأخيرة عندما نزل جبريل ليقرأ القرآن على النبي الكريم في شهر رمضان مرتين.
(6) صفحات في علوم القرآءات / د.عبد القيوم بن عبد الغفور السندي / دار البشائر الإسلامية ط2 صـ71. (1/20)
صفحة 21
وكان النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قد وجه بعض الصحابة إلى البلدان ليعلموا الناس القرآن والدين، ولما مات النبي _ صلى الله عليه وسلم _ خرج جماعة من الصحابة في أيام أبي بكر وعمر إلى ما افتتح من الأمصار، ليعلموا الناس القرآن والدين، فعلّم كل واحد منهم أهل مصر على ما كان يقرأ على عهد النبي _صلى الله عليه وسلم_ فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علموهم، فلما كتب عثمان المصاحف ووجهها إلى الأمصار، وحملهم على ما فيها، وأمرهم بترك ما خالفها، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجه إليهم على ما كانوا يقرأون قبل وصول المصحف إليهم، وما يوافق خط المصحف الذي وجه إليهم وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها مما يخالف خط المصحف.
فاختلفت قراءة أهل الأمصار لذلك بما لا يخالف الخط، وسقط من قراءتهم كلهم ما يخالف الخط، ونقل ذلك الآخر عن الأول في كل مصر، فاختلف النقل لذلك، حتى وصل النقل إلى هؤلاء الأئمة السبعة على ذلك، فاختلفوا فيما نقلوا على حسب اختلاف أهل الأمصار، لم يخرج واحد منهم عن خط المصحف فيما نقل، كما لم يخرج واحد من أهل الأمصار عن خط المصحف الذي وجهه إليهم، فلهذه العلة اختلفت رواية القراءة فيما نقلوا واختلف أيضا قراءة من نقلوا عنه لذلك، واحتاج كل واحد من هؤلاء القراء أن يأخذ مما قرأ، ويترك. فقد قال نافع: قرأت على سبعين من التابعين فما اجتمع عليه اثنان أخذته، وما شذ فيه واحد تركته، حتى ألفت هذه القراءة«. (1)
ونستخلص من هذه التعريفات من العلماء للشاذ من القراءات أن القراءة الشاذة هي التي لم تصل حد التواتر، ولم توافق العربية بوجه من الوجوه.
المبحث الثالث
مفهوم القراءة الشاذة عند ابن جني
__________
(1) القراءات أحكامها ومصادرها / د.شعبان محمد اسماعيل / دار السلام / ط3 صـ99. (1/21)
صفحة 22
عرفت أخي القارئ في المبحثين السابقين كيف أن القراءات الثلاث وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف فيها خلاف هل هي متواترة أم لا؟ والقول الصحيح أنها ليست متواترة، وإنما اشتهرت بين ألسن الناس حتى ألحقوها بالقراءات السبع المتواترة، ومما هو معلوم أن الأخبار إما متواترة أو آحاد، ولا خلاف في أن المتواتر صحيح مقطوع بحجيته، ولذلك فإننا نأخذ بالمتواتر في مثل هذه الأمور التي لا يجب التساهل فيها، وأما الآحاد (1)
__________
(1) وهو مالم يبلغ حد التواتر أو لم شروط التواتر ويقسم إلى:
مشهور: هو الحديث الذي رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة من طبقات السند ولم يبلغ درجة التواتر.
العزيز: هو الحديث الذي يرويه اثنان عن اثنين.
الغريب: هو الحديث الذي تفرد بروايته شخص واحد.
(
انظر كتاب الحديث الضعيف أسبابه وأحكامه / د.ماهر منصور عبد الرزاق استاذ الحديث وعلومه المساعد بجامعة الأزهر وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية / دار اليقين /ط1 صـ19 ). (1/22)
صفحة 23
فإن علماء الحديث يقسمونه إلى مشهور وعزيز وغريب، وهذا من حيث عدد الرواة، وأما من حيث الصحة والضعف فإنهم يقسون الآحاد إلى صحيح وحسن وضعيف، ومن أقسام الضعيف الحديث الشاذ، فتبين من ذلك أن الشاذ من أقسام الآحاد الضعيف، إذ إن المتواتر لا يكون ضعيفا أبدا وقد عرفت _ أخي القارئ _ في المبحث الثاني معنى الشاذ وأنه لا يعمل به، وقد درس الكثير من العلماء هذه القراءات الشاذة، ومن بين هؤلاء الإمام أبي الفتح بن جني الذي ألف كتابا أسماه « المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها«، وفي هذا المبحث فأنا بصدد ذكر تعريف ابن جني للقراءة الشاذة من خلال هذا الكتاب، وإذا تأملنا مقدمة هذا الكتاب نجد أن الإمام ابن جني يذهب إلى أن ماعدا السبعة شاذ، ويفهم ذلك من قوله:«وضربا تعدى ذلك، فسماه أهل زماننا شاذا، أي خارجا عن قراءة القراء السبعة« (1) ، وذكر هذا بعد أن قال:« ضربا اجتمع عليه أكثر قراء الأمصار...«، فكأن ابن جني يقرر أن السبعة متواتر، ولا تصح مخالفتها، وأن ما عداها شاذ، وفي قوله:« ضربا اجتمع...«، يدل دلالة واضحة أن هناك ضرب اختلف فيه هل هو متواتر أم لا ؟.
وقد قال في موضع آخر:« اعلم أن جميع ما شذ عن قراءة القراء السبعة...« (2) ، فالسبعة متواترة وما عداها شاذ، ومن خلال هذه العبارات التي جاءت في مقدمة كتاب المحتسب فإن ابن جني يعرف القراءة الشاذة:«هي ماعدا القراءات السبع المتواترة المجمع على تواترها عند قراء الأمصار«.
__________
(1) المحتسب / ابن جني / تحقيق محمد عبدالقادر عطا /دار الكتب العلمية ط1 ج1 صـ 102
(2) المرجع السابق صـ106 (1/23)
صفحة 24
وقد نتسائل لماذا يؤلف الإمام ابن جني كتابا يوجه فيه القراءات الشاذة مع العلم أن القراءة الشاذة لا يقراء بها، وغير ثابتة عن النبي _ صلى الله عليه وسلم_ ؟ وهذا لايستبعد من إمام عظيم كالإمام أبي الفتح لأن القراءة الشاذة لايزال فيها روح من اللغة العربية، ومما هو معلوم أن الإمام ابن جني كان نحويا فذا متضلعا في علم اللغة العربية نحوها وصرفها، وعندما كان ينظر إلى القراءة الشاذة بعين البصيرة يرى أن هذه القراءة وإن كانت شاذة؛ فإن لها وجها في اللغة العربية، وهذا واضح من توجيهه للقراءة الشاذة في كتابه المحتسب، وليس بعيدا أن تجد الإمام ابن جني يعرف القراءة الشاذة بهذا التعريف؛ لأن القراءة الشاذة خرجت عن إطار القراءة المتواترة.
وبالرغم من أن ابن جني يعتبر ماعدا القراءات السبع شاذة إلا أنه يعجب من هذه التسمية التي تسمى بها تلك القراءات، وهذا يتضح جليا من قوله:«إلا أنه مع خروجه عنها نازع بالثقة إلى قراءه، محفوف بالروايات من أمامه وورائه؛ ولعله، أو كثيرا منه، مساو في الفصاحة للمجتمع عليه. نعم وربما كان فيه ما تلطف صنعته، وتعنف بغيره فصاحته، وتمطوه قوى أسبابه، وترسو به قدم إعرابه «. (1)
فهو يقرر بأن القراءة الشاذة قد تنقل أحيانا عن الثقة، وقد تكون في درجة فصاحة المتواتر، إلا أنه لم تصل إلى حد التواتر، وقد ذكر غرضه من تتبع القراءة الشاذة حيث قال:« لكن غرضنا منه أن نري وجه قوة ما يسمى الآن شاذا، وأنه ضارب في صحة الرواية بجرانه، آخذ من سمت العربية مهلة ميدانه...«، (2) فابن جني يعرف القراءة الشاذة في بداية مقدمته لكتابه المحتسب بأنه ماعدا المتواتر، ثم يستطرد بعد ذلك ويقول: إن هذه الشواذ لاتخلو من صحة في النقل، وفصاحة في التركيب، ولها من القوة ما نستطيع أن نحتج به في العربية.
وأختتم هذا المبحث بذكر بعض الطرق لمعرفة القراءة الشاذة:_
__________
(1) المحتتسب / ابن جني / ج1صـ103.
(2) المحتسب 1/103. (1/24)
صفحة 25
1) مراجعة كتاب من الكتب الصحيحة المؤلفة في القراءات السبع، مثل: كتاب « الحجة في القراءات السبع«، لابن خالويه (1) ، و«الحجة في علل القراءات السبع «، لأبي علي الفارسي. (2)
2) مراجعة كتاب من الكتب التي تعني _ على وجه الخصوص_ ببيان القراءات الشاذة، مثل: كتاب« المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات «، لأبي الفتح عثمان بن جني، وكتاب « المختصر في شواذ القرآن «، لابن خالويه.
3) بالرجوع إلى أئمة القراءة، والعلماء المتخصصين في هذا الموضوع، حيث إن القراءة لا تكون إلا بالتلقي والأخذ عن الشيوخ مباشرة، وهم أعرف الناس بذلك. (3)
الفصل الثاني
منهج ابن جني في توجيه القراءات الشاذة
المبحث الأول: الظواهر اللغوية في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم (النحوية والصرفية).
المبحث الثاني: الظواهر الدلالية في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم.
المبحث الأول:
الظواهر اللغوية في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم (النحوية والصرفية).
في هذا المبحث أحاول أن أبحث في الظواهر اللغوية _ النحوية و الصرفية _ في الجزء الثلاثين من خلال كتاب المحتسب لابن جني في القراءات الشاذة ثم بعد ذلك نستخرج النتائج من هذه الدراسة وسأبدأ بسورة النبأ.
سورة النبأ
بسم الله الرحمن الرحيم
{ عَمَّ يَتَسَاءلُون(1)}
__________
(1) الحسين بن محمد بن خالويه النحوي اللغوي أبوعبدالله من أهل همذان، له تصانيف منها الاشتقاق والجمل في النحو (ت370 ه). (انباه الرواه على أنباه النحاه /علي بن يوسف القفطي 624 ه، تحقيق محمد أبوالفضل ابراهيم / دار الفكر العربي القاهرة ط1 ج1 صـ359.)
(2) الحسن بن أحمد بن عبدالغفار بن سليمان، أبوعلي الفارسي النحوي ولد بفسا من أرض فارس، له كتب منها: التذكرة، الحجة في القراءات. (انباه الرواة على أنباه النحاة 1/ 308 ).
(3) القراءات أحكامها ومصدرها / د.شعبان محمد اسماعيل/ دار السلام / ط3 صـ103. (1/25)
صفحة 26
وقرئ «عمّا يتساءلون« (1) ، بإثبات الألف.
قال أبو الفتح: هذا أضعف اللغتين، أعني إثبات الألف في «ما« الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر. (2)
وعلة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر (3) ؛ فلهاذا حذفت في نحو{ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} (4) ، {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} (5) ، وثبتت في قوله تعالى {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ} (6) ، وقوله {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} (7) ، وأما على قراءة من أثبت الألف فنادر، وأما قول حسان بن ثابت:
على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرّغ في دمان (8) .
فضرورة ولا يعول عليه.
فأبو الفتح يرى أن إثبات الألف وجه ضعيف في اللغة ولا يعول عليه وبالتالي فالإعراب يكون على النحو التالي:
«عمّا يتساءلون«: عن: حرف جر لامحل له من الإعراب.
ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل جر بحرف الجر على، والجار والمجرور متعلقان بالفعل يتساءلون، وقد ثبتت هذه الألف على وجه وهو ضعيف في العربية.
ويمكن أن نوجه الآية الكريمة توجيها آخر وهو أن تكون «ما« بإثبات الألف هنا موصولة، ويكون المعنى أن سيدنا محمداً _صلى الله عليه وسلم_ يسأل ربه: عن الذي يتسألون؟ أي المشركين، فيجيبه: عن النبأ العظيم.
ولا توجد ظاهرة صرفية في هذه الآية الكريمة.
* * *
{ وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا(14)}
ومن ذلك قراءة ابن عباس «وأنزلنا بالمعصرات« (9) ، بالباء.
__________
(1) وهي قراءة عكرمة وعيسى بن عمر. (التفسير الكبير / الفخر الرازي / دار الكتي العلمية / ط1 ج31 صـ2
(2) المحتسب (2/ 410).
(3) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب / ابن هسام الأنصاري / دار الكتب العلمية / ط1 ج1 صـ574.
(4) النازعات 43.
(5) النمل 35.
(6) النور14.
(7) البقرة4.
(8) مغني اللبيب(1/574).
(9) وقرأ بها ابن الزبير والفضل بن عباس وعبدالله بن يزيد وعكرمة وقتادة. (البحر المحيط(8/412)). (1/26)
صفحة 27
قال أبو الفتح: إذا أنزل منها فقد أنزل بها، كقولهم: أعطيته من يدي درهما، وبيدي درهما، والمعنى واحد، وليست «من« هاهنا مثلها في قولهم أعطيته من الدراهم؛ لأن هذا معناه بعضها، وليس يريد أن الدراهم بعض اليد، لكن معنى «من« هنا ابتداء الغاية، أي كان ابتداء العطية من يده، وليس معناه: أعطاه بعض يده. (1)
ومعنى هذا أن حروف الجر تقوم مقام بعضها، وهذا كقول الشاعر:
شربن بماء البحر... (2)
أي: شربن من ماء البحر.
فإعراب الآية يكون كالآتي:
بالمعصرات: الباء: حرف جر لامحل له من الإعراب، والمعصرات: اسم مجرور بحرف الجر الباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره؛ لأنه جمع مؤنث سالم.
ولاتوجد ظاهرة صرفية في هذه الآية الكريمة.
* * *
... { ... وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا(28)}
وقرئ « وكذبوا بآياتنا كِذَابا« (3) ، بخف الذال.
وقرئ «... كُذّابا« (4) ، بضم الكاف، وشد الذال، وهو جمع كاذب.
إعراب الآية: كِذَابا: بالتخفيف، تكون مفعولا مطلقا.
كُذّابا: بضم الكاف وشد الذال: منصوبة على الحال المؤكدة (5)
وقد يكون وصفا لمصدر محذوف، أي « كذبوا بآيآتنا كِذّابا كُذّابا«، أي كِذّابا متناهيا في معناه، فيكون الكُذّاب هاهنا واحدا لاجمعا، كرجل حُسّان، ووجه وُضّاء، ونحو ذلك من الصفات على وزن فُعّال. (6)
__________
(1) المحتسب(2/410).
(2) المغني (1/219)
(3) قرأ بها علي بن أبي طالب وعوف الإعرابي وأبو رجاء ووالأعمش وعيسى. (البحر المحيط(8/414)).
(4) قرأ بها عبدالله بن عمر بن عبدالعزيز وفي كتاب ابن خالويه عمر بن عبد العزيز ،والماجشون فخرج على أنه جمع كاذب.
(انظر البحر المحيط(8/415)).
(5) المرجع السابق
(6) المحتسب(2/411). (1/27)
صفحة 28
الصرف: قال أبو الفتح: يقال كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِباً، كِذَاباً، وكَذّبَ كِذّاباً، بتثقيل الذال فيها جميعا. وقالوا أيضا: كِذَاباً خفيفة، وقال قطرب: قالوا: رجل كِذَاب، صاحب كَذِب. (1) كلها من صيغ المبالغة: كذلك كُذّاب، على وزن فُعّال (2) ، ومنه قوله تعالى{وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} (3) .
* * *
{عَطَاء حِسَابًا(36)}
وقرئ «... حَسّابا«، بفتح الحاء وشد السين. (4)
الإعراب: قال أبو حيان: وهو مصدر مثل كَذّاب أقيم مقام الصفة أي إعطاءً محسباً أي كافيا. (5)
الصرف:
قال أبو الفتح: طريقه عندي _ والله أعلم _ عطاء محسبا، أي كافيا، أعطيته ما أحسبه أي: كفاه، إلا أنه جاء بالاسم من أفْعَل على فَعّال، وقد جاءت منه أحرف، قالوا: أجْبَر فهو جَبّار، وأدرك فهو دَرّاك، وأسْأَرَ من شرابه فهو سَأار، وأَقْصَرَ عن الشيء فهو قَصّار. (6)
وأنا أذهب في قولهم أحسبه من العطية _ أي كفاه _ إلى أنه من قولهم: حَسْبُكَ كذا، أي أعطاه حتى قال: حَسْبُ، كما أن قولهم: بَجّلت الرجل، ورجل بَجيل وبَجَال _ كأنه من قولهم: بَجَلْ، أي: حَسْبُ، فكأنه انتهى من الفضل والشرف إلى أنه متى جرى ذكره قيل: بَجَلْ، قِفْ حيث أنت، فلا غاية وراءه.
وكذلك عندي أصل تصرُّف النعمة والنعيم والإنعام وجميع ما في هذا الحرف _ إنما هو من قولنا: نَعَمْ؛ وبذلك أن «نَعَمْ« محبوبة مستلذة، وهي ضد «لا« الكزة المستكرهة. (7)
__________
(1) المرجع السابق
(2) التطبيق الصرفي / د. عبده الراجحي / دار النهظة العربية صـ78.
(3) نوح 22.
(4) وهي قراءة ابن قطيب. (البحر المحيط(8/ 415)).
(5) المرجع السابق.
(6) المحتسب(2/412).
(7) المرجع السابق. (1/28)
صفحة 29
قيل: قد اشتق منها في غير موضع، قالوا: سألني حاجة، فلالَيْتَ له أي: قلت له: لا. وسألتك حاجة، فَلَوْلَيْتَ لي، أي: قلت لولا. وقالوا: حاحيت، وعاعيت، وهاهيت، فاشتقوا من جَاءٍ، وعاءٍ، وهاءٍ، وهن أصوات، والأصوات للحرف أخوات، وما أكثر ذلك. (1)
وحاصل الكلام أن «حَسّابا« بمعنى كافيا.
* * *
سورة النازعات
بسم الله الرحمن الرحيم
{فِي الْحَافِرَةِ(10)}
وقرئ « في الحَفِرَة«، بغير ألف. (2)
الإعراب: في الحفرة: في: حرف جر لامحل له من الإعراب، والحفرة: اسم مجرور بحرف الجر «في«، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
الصرف:_
قال أبو الفتح: وجه ذلك أن يكون أراد « الحافرة «، كقراءة الجماعة، فحذف الألف تخفيفا، كما في البيت:
إلا عَرَاداً عَرَداً
أي عاردا.
وفيه وجه آخر ذو صنعة، وهو أنهم قد قالوا: حَفِرَت أسنانه: إذا ركبها الوسخ من ظاهرها وباطنها. فقد يجوز أن يكون أراد الأرض الحفِرة، أي المنتنة؛ لفسادها بأخباثها، وبأجسام الموتى فيها. (3)
والحَفِرَة على وزن فَعِلَ، وهو من أوزان الصفة المشبهة، كفَرِحَ فَرِحَة. (4)
* * *
{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا(30)}
وقرئ « والأرضَ مع ذلك دحاها«. (5)
الإعراب: في هذه القراءة حلّت «مع« محل «بعد«، وكلها تجر ما بعدها، فـ«مع«: حرف جر، ذلك: اسم مجرور مبني على الفتح في محل جر.
__________
(1) المرجع السابق
(2) وهي قراءة أبي حيوة وأبي بحرية وابن أبي عبلة.(البحر المحيط(8/420)).
(3) المحتسب(2/420).
(4) التطبيق الصرفي صـ79.
(5) قرأ بها مجاهد. (مجمع البيان في تفسير القرآن / الفضل بن الحسن الطبرسي/ دار مكتبة الحياة /المجلد6 صـ27. (1/29)
صفحة 30
قال أبو الفتح: ليست هذه القراءة مخالفة المعنى لمعنى قراءة العامة «بعد ذلك«، لأنه ليس المعنى _ والله أعلم _ أن الأرض دحيت مع خلق السموات وفي وقته، وإنما اجتماعها في الخلق، لا أن زمان الفعلين واحد. وهذا كقولك: فلان كريم، فيقول السامع: وهو مع ذلك شجاع، أي: قد اجتمع له الوصفان، وليس غرضه فيه ترتيب الزمان. (1)
* * *
{وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا(32)}
وقرئ « والجبالُ أرساها« (2) ، بضم الجبال.
الإعراب: الجبال: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره والواو هنا هي واو الابتداء. ويمكن أن نعربها: جملة اسمية معطوفة على جملة فعلية وهي «والأرضَ بعد ذلك دحاها«.
* * *
{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى(36)}
وقرئ « وبرزت الجحيم لمن ترى« (3) ، بالتاء المفتوحة.
والفعل هنا: فعل ماض مبني على الفتح لامحل له من الإعراب.
قال أبو الفتح: إن شئت كانت التاء في «ترى« للجحيم، أي لمن تراه النار، وإن شئت كان خطابا للنبي _ صلى الله عليه وسلم _ أي: لمن ترى يامحمد. (4)
* * *
... ... { ... أَيَّان(42)}
وقرئ « إيَّان« (5) ، بكسر الهمزة.
وهي لغة قوم سليم. (6)
الإعراب: أيّان: اسم استفهام في محل نصب على الظرف الزمانية، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومرساها مبتدأ مؤخر. (7)
* * *
سورة عبس
بسم الله الرحمن الرحيم
... ... {أَن جَاءهُ الْأَعْمَى(2)}
وقرئ « آن جاءه الأعمى« (8) ، بالمد.
الإعراب:_
__________
(1) المحتسب(2/414).
(2) قرأ بها أبو حيوة وعمرو بن عبيد وابن أبي عبلة وأبو السمال. (البحر المحيط(8/423)).
(3) وهي قراءة عكرمة وزيد بن علي وعائشة أم المؤمنين ومالك بن دينار.(البحر المحسط(8/423)).
(4) المحتسب (2/ 414).
(5) وهي قراءة السلمي. (البحر المحيط(4/443).
(6) المرجع السابق.
(7) إعراب القرآن الكريم وبيانه / محي الدين الدرويش / دار ابن كثير / ج3 صـ504.
(8) قرأ بها الحسن وأبوعمران الجوني وعيسى وزيد بن علي.(البحر المحيط(8/427)). (1/30)
صفحة 31
قال أبو الفتح: أن معلقة بفعل محذوف دل عليه قوله تعالى« عبس وتولى«، تقديره: أأن جاءه الأعمى أعرض عنه، وتولى بوجهه؟ فالوقف إذا على قوله «وتولى «، ثم استأنفت لفظ الاستفهام منكرا للحال فكأنه قال: ألأن جاءه الأعمى كان ذلك منه؟. (1)
ومعنى ذلك أن الهمزة الأولى للاستفهام، والثانية هي همزة أن، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوب.
ويجوز أن يكون منصوبا بتولى تقول: تولى لمجيء الأعمى، أو يكون منصوبا بعبس، تقول: عبس أن جاءه الأعمى وتولى لذلك.
قال أبو الفتح: كما تقول: ضربت فأوجعته زيداً، إذا أعملت الأول، وإن شئت لم تأت بمفعول أوجعت فقلت: ضربت فأوجعت زيداً، أي: وأنت تريد أوجعته، إلا أنك حذفته تخفيفا وللعلم به، والوجه إعمال الثاني؛ لقربه. (2)
* * *
{فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى(6)}
وقرئ « فأنت له تُصَدَّى« (3) ، بضم التاء وتخفيف الصاد.
وهذا الفعل مبني للمجهول، وقرئ أيضا « فأنت عنه تُلهّى«. (4)
الإعراب:_
تُصدّى: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الداع الذي يدعوك إلى التصدي له، والإقبال عليه. (5)
* * *
{شَاء أَنشَرَهُ(22)}
وقرئ « شا نشره« (6) ، بإسقاط الهمزة. وهما لغتان في الأحياء، أي إثبات الهمزة وحذفها.
الإعراب: شا: فعل ماض مبني على الفتح وحذفت الهمزة تخفيفا على لغة.
نشره: فعل ماض مبني على الفتح وحذفت الهمزة تخفيفا على لغة والفاعل في كلا الفعلين ضمير مستتر تقديره هو يعود على لفظ الجلالة الله عزوجل. قال أبو الفتح: وإن أقوى اللغتين أنشره. (7)
* * *
{شَأْنٌ يُغْنِيهِ(37)}
__________
(1) المحتسب(2/416).
(2) المرجع السابق.
(3) قرأ بها أبو جعفر. (البحر المحيط (8/427)).
(4) قرأبها أبو جعفر الباقر.( البحر المحيط(8/427)).
(5) المحتسب(2/416).
(6) قرأ بها أبو حيوة عن نافع وشعيب بن أبي عمرة.(البحر المحيط (8/429).
(7) المحتسب(2/417). (1/31)
صفحة 32
وقرئ « شأن يعنيه« (1) ، مفتوحة الياء والعين.
الإعراب: يعنيه: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. والهاء: فاعل مبني على الضم في محل رفع.
* * *
سورة الانفطار
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6)}
وقرئ « ما أغرّك« (2) ، فاحتمل أن يكون تعجبا، واحتمل أن تكون ما استفهامية (3) .
الإعراب: على التعجب: ما: تعجبية في محل رفع مبتدأ. أغرك:فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره هو يعود على «ما«. وجملة أغرك بربك الكريم، في محل رفع خبر للمبتدأ.
على الاستفهام: ما: استفهامية في محل رفع مبتدأ. أغرك: صلة لموصول محذوف تقديره الذي وهو خبر للمبتدأ. وتقدير الكلام:ما الذي أغرك بربك الكريم؟.
* * *
سورة الطارق
بسم الله الرحمن الرحيم
{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)}
قرئ «فمهل الكافرين مهلهم رويدا« (4) ، بغير ألف.
الإعراب: مهلهم: فعل أمر مبني على ما يجزم به مضارعه، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت.
الصرف: مهّلهم: هذا التضعيف يدل على التأكيد للشيء.
وكلا الفعلين فعل أمر.
* * *
سورة الغاشية
بسم الله الرحمن الرحيم
{عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ(3)}
وقرئ « عاملةً ناصبةً « (5) ، بالنصب.
الإعراب: قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون النصب على الشتم (6) ، ويكون حالا من الوجوه أي حالها عاملة ناصبة.
* * *
{
__________
(1) قرأ بها ابن محيصن والزهري وابن السميفع وابن أبي عبلة وحميد.(البحر المحيط(8/430)).
(2) قرأ بها الأعمش وابن جبير. (البحر المحيط(8/436)).
(3) المرجع السابق.
(4) قرأ بها ابن عباس. (البحر المحيط (8/456)).
(5) قرأ بها عكرمة والسدي. ( البحر المحيط(8/462)).
(6) المحتسب(2/420). (1/32)
صفحة 33
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17) وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ(18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)}
قرئ «... كيف خلقتُ،... كيف رفعتُ،... كيف نصبتُ،... كيف سطحتُ«، بتاء المتكلم مبنيا للفاعل والمفعول محذوف أي: خلقتُها رفعتُها نصبتُها. (1)
وقرئ « سُطِّحت « (2) ، بشد الطاء.
الإعراب: خلقتُ ورفعتُ ونصبتُ وسطحتُ: كلها أفعال ماضية مبنية على السكون لاتصالها بضمير رفع متحرك، والتاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل.
سُطّحت: فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله عزوجل.
* * *
... ... {إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ(25)}
قرئ « أَلَا من تولى وكفر« (3) ، بتخفيف اللام في إلّا.
الإعراب: قال أبو الفتح: «ألا« افتتاح الكلام، ومَنْ هنا شرط وجوابه «فيعذبه الله«، كقولك: مَن قام فيضربه زيد، أي فهو يضربه زيد. وكذلك الآية، أي: مَن يتولّ ويكفر يعذبه الله، لابد من تقدير المبتدأ هنا؛ وذلك أن الفاء يؤتى بها في جواب الجزاء بدلا من الفعل الذي يجاب به، فإذا رأيت الفاء مع الفعل الذي يصلح أن يكون جوابا للجزاء فلا بد من تقدير مبتدأ محذوف هناك؛ لأنه لو أريد الجواب على الظاهرة لكان هناك فعل يصلح له، فكان يقول: ألا من تولى وكفر يعذبه الله، كقولك: مَنْ يقم أعطه درهما، ولو دخلت الفاء هنا لقلت: مَن يقم فأعطيه درهما، أي: فأنا أو فهو أعطيه درهما، فهو كقوله تعالى{ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ} (4) ، أي فهو ينتقم الله منه. (5)
فـ« ألا « هنا استفتاحية فقط.
* * *
{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)}
__________
(1) قرأ بها علي وأبو حيوة وابن أبي علية.(البحر المحيط(8/464)).
(2) قرأ بها الحسن وهارون. (البحر المحيط(8/464)).
(3) قرأ بها زيد بن علي، وابن عباس ،وقتادة ،وزيد بن أسلم.(البحر المحيط(8/465)).
(4) المائدة 95.
(5) المحتسب(2/421). (1/33)
صفحة 34
وقرئ « إيَّابهم « (1) ، بشد الياء.
الإعراب: «إيَّابهم«: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره والضمير: هم مضاف إليه مبني على السكون في محل جر.
الصرف: إيَّاب: مصدر الفعيل من آب على وزن فيعال أو مصدرا كفوعل كحوقل على وزن فيعال أيضا كحيقال أو مصدر الفعول كجهور على وزن فعوال كجهوار فأصله أوواب فقلبت الواو الأولى ياء ساكنة وانكسر ما قبلها واجتمع في هذا البناء والبناءين قبله واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغم ولم يمنع الإدغام من القلب؛ لأن الواو والياء ليستا عينين من الفعل بل الياء في فيعل والواو في فعول زائدتان. (2)
* * *
سورة الفجر
بسم الله الرحمن الرحيم
{بِعَادٍ(6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ(7)}
وقرئ « بعادٍ أَرَمَّ ذاتَ العماد« (3) .
وقرئ « بعادٍ أَرْمَ ذاتِ العماد«، الألف مفتوحة والراء ساكنة. (4)
وقرئ « بعادٍ أَرِمَ ذاتِ العماد«. (5)
وقرئ « بعادٍ إِرَمِ ذاتِ العماد«. (6)
الإعراب: أَرَمَّ: فعل ماض مبني على الفتح لامحل له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على لفظ الجلالة الله أو ربك. ذاتَ العماد: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، والجملة بدل من « فَعَلَ رَبُك«.
أَرْمَ: مضافة إلى عاد على من منعها من الصرف.
إِرَمِ: أضاف عاد إلى أرم.
أَرِمَ: فعلى أنه أراد أهل أَرِمَ، هذه المدينة فحذف المضاف وهو يريده (7) ، أي: أهل أَرِمَ ذاتِ العماد.
* * *
{فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)}
__________
(1) قرأ بها أبو جعفر وشيبة.(البحر المحيط(8/465)).
(2) البحر المحيط(8/465).
(3) قرأ بها ابن عباس وروي ذلك عن الضحاك. (البحر المحيط (8/469)).
(4) وروي ذلك عن الضحاك (انظر البحر المحيط(8/469)).
(5) وروي ذلك عن ابن الزبير. (المرجع السابق).
(6) وروي ذلك عن ابن الزبير أيضا. (المرجع السابق).
(7) المحتسب(2/426). (1/34)
صفحة 35
وقرئ « فادخلي في عبدي« (1) ، بالمفرد.
الإعراب: عبدي اسم مجرور بحرف الجر «في«، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على ما قبل الياء.
وعبدي هو مفرد عبادي.
* * *
سورة البلد
بسم الله الرحمن الرحيم
{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ(1)}
وقرئ « لأقسم بهذا البلد« (2) .
هنا في سورة البلد «ولا أقسم بالنفس اللوامة« في سورة القيامة لاخلاف بين القراء العشرة في إثبات الألف بعد اللام في الموضعين وما ذكره القرطبي من حذف الألف بعد اللام في موضع سورة البلد فلعله سَبْقُ قلم (3) .
* * *
{مَالًا لُّبَدًا(6)}
وقرئ « مالاً لُبَّداً « (4) ، بتشديد الباء.
قال أبو الفتح: يكون بلفظ الواحد نحو زُمَّل، وجُبّاء، ويكون جمع لابِد، كقائم وقوَّم، وصائم وصوَّم. (5)
الإعراب: مالاً: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
لُبَّداً: صفة للمال.
الصرف: لُبّدا: على وزن فُعّل وهي للجمع كقائم وقُوّم.
* * *
{فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ(14)}
وقرئ « في يوم ذا مسغبة « (6) ، بالنصب.
الإعراب: قال أبو الفتح: هو منصوب ويحتمل نصبه أمرين:-
__________
(1) قرأ بها ابن عباس وعكرمة والضحاك ومجاهد وأبو جفر وأبو صالح الكلبي وأبو شيخ الهنائي.(البحر المحيط(8/472)).
(2) وقرأ بها الحسن والأعمش(الجامع لأحكام القرآن / محمد الأنصاري القرطبي (20/59)).
(3) انظر البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة / عبدالفتاح القاضي / دار السلام القاهرة الطبعة الأولى 1424هـ،2004م، صـ478.
(4) قرأ بها أبو جعفر.(القرطبي (20/64)). وأبو جعفر من القراء العشرة على من أدخل قراءته وقراءة يعقوب وخلف ضمن القراءات السبع المتواترة، وظاهر كلام ابن جني أنه لا يعتبر قراءة هؤلاء الثلاثة من المتواتر كما قدمنا سابقا في الفصل الأول في المبحثين الأول والثاني فليرجع إلى الخلاف هناك.
(5) المحتسب(2/427).
(6) قرأ بها الحسن وأبو رجاء. (البحر المحيط (8/476)). (1/35)
صفحة 36
أظهرهما: أن يكون مفعول إطعام، أي: وأن تطعموا ذا مسغبة، ويتيما بدل منه، كقولك: رأيت كريما رجلا، ويجوز أن يكون يتيما وصفا لذا مسغبة.
والآخر: أن يكون أيضا صفة إلا أنه لموضع الجار والمجرور جميعا؛ وذلك أن قوله: «في يوم« ظرف، وهو منصوب بالموضع، فيكون وصفا له على معناه دون لفظه. (1)
حاصل الكلام أن ابن جني يرجح الرأي الأول على أن « ذا « مفعول إطعام.
* * *
سورة الشمس
بسم الله الرحمن الرحيم
{بِطَغْوَاهَا(14)}
وقرئ « بطُغواها « (2) , بضم الطاء.
الإعراب: طُغواها: اسم مجرور بحرف الجر الباء، وعلامة جره الكسرة على آخره منع من ظهورها التعذر.
الصرف: قال أبو الفتح: هذا مصدر على فُعلى، كأخواته من: الرُّجعى والحُسنى والبُؤسى والنُعمى، وعليه ما حكاه أبو الحسن من قراءة بعضهم: « وقولو للنّاس حُسنى« (3) ، كقولك: عُرفْاً (4) . وفُعلى من صيغ منتهى الجموع كحُبلى وحُبالى. (5)
* * *
سورة الليل
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى(2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى(3)}
وقرئ « والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى « (6) ، بغير «وما خلق«.
الإعراب: الواو: واو القسم، الذكر والأنثى: مقسم بها، وهما مجروران.
الصرف: لاتوجد ظاهرة صرفية في الآية الكريمة.
* * *
سورة الضحى
بسم الله الرحمن الرحيم
{مَا وَدَّعَكَ(3)}
__________
(1) المحتسب (2/428).
(2) قرأ بها الحسن ومحمد بن كعب وحماد بن سلمة.(البحر المحيط(8/481)).
(3) قرأ بها الحسن وأبو طلحة بن معرف والأخفش. ( البحر المحيط(1/285))
(4) المحتيب(2/430).
(5) المدخل الصرفي / د. علي بهاءالدين بو خدود استاذ الأدب العربي في كلية الآداب الجامعة اللبنانية / المؤسسة الجامعية للدرايات والنشر والتوزيع ط1 صـ158.
(6) قرأ بها ابن مسعود وأبوالدرداء وعلي بن أبي طالب وابن عباس. (البحر المحيط(8/443))، (القرطبي(20/81)). (1/36)
صفحة 37
وقرئ «وَدَعَك« (1) ، بالتخفيف. أي: تركك.
قال أبو الفتح: هذه قليلة الاستعمال، واستغنوا عن وَذَرَ وَوَدَعَ بقولهم: تَرَكَ، وعلى أنها جاءت في أشعار العرب كما في البيت:
ليت شعري عن خليلي ماالذي غاله في الحب حتى وَدَعَه
إلا أنهم قد استعملوا مضارعه فقالوا: يَدَع كما قال القائل:
وعضُّ زمان يابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلفُّ (2)
على ثلاثة أضرب:لم يَدَع، ولم يَدِع _ بكسر الدال وفتح الياء _، ولم يُدَعْ، بضم الياء.
فأما يَدَع _ بفتح الياء والدال _ فهو المشهور، وإعرابه أنه لما قال: لم يَدَع من المال إلا مسحتاً دلّ على أنه قد بقي، فأضمر مايدل عليه القول فكأنه قال: وبقي مجلف.
وأما يَدِع _ بفتح الياء وكسر الدال _ فهو من الاتّداع، كقولك: قد استراح وَوَدِع، وهو وادع من تعبه، فالمسحت _ على هذه الرواية _ مرفوع بفعله، ومجلّف معطوف عليه، وهذا ما لانظر فيه لوضوحه.
وأما يُدَع _ بضم الياء _ فقياسه يودع، كقوله تعالى { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)}، ومثله يوضع، والحديد يوقع، أي: يُطْرق، من قولهم وَقَعَتْ الحديدة، أي: طرقتها، قالوا: إلا أن هذا الحرف _ لكثرة استعماله _ جاء شاذاً، فحذفت واوه تخفيفا، فقيل: لم يُدَع، أي: لم يترك، والمسحت والمجلّفُ جميعا مرفوعان أيضا كما يجب. (3)
الصرف: وَدَع: على وزن فَعَلَ، ووَدّعَ: على وزن فَعّلَ، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
* * *
... ... سورة ألم نشرح
بسم الله الرحمن الرحيم
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)}
وقرئ « ألم نشرَحَ لك صدرك « (4) ، بفتح الحاء.
__________
(1) قرأ بها ابن عباس وابن الزبير. (القرطبي(20/94)). (مجمع البيان(5/503)).
(2) يروى هذا البيت عن الفرزدق.
(3) المحتسب (2/432). بتصرف.
(4) قرأ بها أبو جعفر المنصور. (القرطبي(20/109))، (البحر المحيط(8/487)). (1/37)
صفحة 38
الإعراب: ووجهه أن يقدر حذف نون التوكيد الخفيفة « ألم نشرحاً«، ثم أبدلت النون ألفا في الوقف ثم حمل الوصل على الوقف، ثم حذف الألف. (1)
كما في البيت:
من أي يوميّ من الموت أفِر أيوم لمَ يُقْدَرَ أم يوم قُدِر (2)
(لم يُقدَرَ: لم يُقدَراً)، بالنون الخفيفة وحذفها.
قال أبو الفتح: وهذا عندنا غير جائز؛ وذلك أن هذه النون للتوكيد، والتوكيد أشبه شيء به الإسهاب، والإطناب، لا الإيجاز والاقتصار، لكن فيه قول ذو صنعة. (3)
* * *
{وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)}
وقرئ « وحَطَطْنا عنك وِقْرَك « (4) ، الوقر: قيل: الخطأ والسهو (5) .
وهذه القراءة كأنها رويت بالمعنى، فوَضَعْنا بمعنى حَطَطْنا، ووِزْرَك بمعنى وقرك.
الإعراب: حططنا: حطط: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، ونا: ضمير متصل في محل رفع فاعل.
وِقْرَك: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، والكاف: مضاف إليه.
قال أبو الفتح: قد سبقت مثل هذه الحكاية سواء عن أنس، وهذا ونحوه هو الذي سوّغ انتشار هذه القراءات، ونسأل الله توفيقا. (6)
* * *
سورة القدر
بسم الله الرحمن الرحيم
{مِّن كُلِّ أَمْرٍ(4)}
وقرئ « من كلِّ امريء «. (7)
الإعراب:كلِّ امريء: كلِّ: اسم مجرور بحرف الجر من وهو مضاف وامريء مضاف إليه.
وروي أن معنى هذه الآية: أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كل امريء مسلم. (8)
* * *
سورة لم يكن
بسم الله الرحمن الرحيم
{أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7)}
__________
(1) القرطبي(20/109).
(2) المحتسب (2/434)
(3) المرجع السابق.
(4) قرأ بها ابن مسعود. (القرطبي (20/106)).
(5) المرجع السابق. وقيل ثقل آثام الجاهلية، وقيل ذنوب أمتك...(أقوال).
(6) المحتسب (2/435).
(7) قرأ بها علي وابن عباس وعكرمة. (القرطبي(20/134)).
(8) انظر القرطبي(20/134). (1/38)
صفحة 39
وقرئ « أولئك هم خيار البرية« (1) ، جمع خيّر، كجيّد وجياد.
الإعراب: أولئك: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، والكاف: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
هم: مبتدأ ثاني مبني على السكون في محل رفع.
خيارُ البرية: خبر المبتدأ الثاني مرفوع، والبرية مضاف إليه، وجملة « هم خيار البرية«، في محل رفع خبر للمبتدأ الأول.
الصرف: قال أبو الفتح: يجوز أن يكون خيار جمع خيّر، فيكسر فَيْعِل على فِعَال، كما كُسِّر فاعِل على فِعال، نحو صائم وصيام، وقائم وقيام، ونظيره كيّس وكياس.
ويجوز أن يكون جمع خائر، كقولك: خِرْتُ الرجل فهو مخير، وأنا خائر له، فيكون على هذا أيضا كقائم وقيام.
ويجوز أن يكون جمع خير الذي هو ضد الشر، كقولك: هذا الرجل مجبول من خير، وبطين من شر.
ويجوز وجوه غير هذه، وهو أن يكون جمع خير من قولك: هذا خير من هذا وأصله أفْعَل: أَخْيَر، فيكسر على فِعَال، فقد جاء تكسير أفْعَل فِعَالا، قالوا: أَبْخَلُ وبِخَال. (2)
* * *
سورة العاديات
بسم الله الرحمن الرحيم
{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا(4)}
وقرئ « فأثَّرْنَ به « (3) ، بالتشديد في الثاء.
الإعراب: أثّرن به: أثّر: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك والنون هي نون النسوة وهي في محل رفع فاعل.
قال أبو الفتح: هذا كقولك: أرَيْنَ، وأبْدَيْنَ نقعا، كما يؤثر الإنسان النفس وغيره، مما يبديه للناظر وليس أثّرن من لفظ أثَرْن خفيفة، بل يكون من لفظ « أ ث ر «، وأثَرْن خفيفة من لفظ « ث و ر«. (4)
* * *
{فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا(5)}
وقرئ « فَوَسَّطن« (5) ، بالتشديد للسين.
__________
(1) قرأ بها حميد وعامر بن عبد الواحد. (البحر المحيط (8/499)).
(2) المحتسب(2/437).
(3) قرأ بها أبو حيوة وابن أبي عبلة. (البحر المحيط (8/504)).
(4) المحتسب(2/438).
(5) قرأ بها علي بن أبي طالب وقتادة وابن مسعود وأبي رجاء.(القرطبي(20/160)). (1/39)
صفحة 40
الإعراب: وسّطن: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك ونون النسوة في محل رفع فاعل.
الصرف: قال أبو الفتح: فأما «وسّطن« بالتشديد، فعلى معنى ميّزن به جمعا أي: جعلنه شطرين، قسمين، شقين، ومعنى «وسطنه«: صرن في وسطه وإن كان المعنيان متلاقيين، فإن الطريقين مختلفان. (1)
فعَّل أقوى معنى عن فَعَلَ لما مع التشديد من معنى التكثير والتكرير. (2)
* * *
سورة الفجر
بسم الله الرحمن الرحيم
... ... {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)}
وقرئ «لترؤن الجحيم، ثم لترؤنها « (3) .
قال أبو الفتح: هذا على إجراء غير اللازم مجرى اللازم، غير أنه ضعيف مرذول؛ وذلك أن الحركة فيه لالتقاء الساكنين وقد كررنا في كلامنا أن أعراض إلتقاء الساكنين غير محفول بها، هذا إذا كان في كلمتين، إلا أن الساكنين هنا مما هو جار مجرى الكلمة الواحدة.
ألا ترى أن النون تبنى مع الفعل كخمسة عشر؛ وذلك في قولك: لأفعلنّ كذا.
فمن هنا ضارعت حركة نون أين، وفاء كيف، وسين أمسِ، وهمزة هؤلاءِ، وذال منذ، وكل واحدة من هذه الحركات معتدة، وإن كانت لالتقاء الساكنين.
ألا ترى أنهم احتسبوها، وأثبتوها، وجعلوا ما هي فيه مبنيا عليها، وهذه الحركات _ لما ذكرناها من كونها في كلمة واحدة _ أقوى من حركات إلتقائهما في المنفصلين.
ألا ترى إلى اجتماعهم على أنه لم يبْنَ فعل على الكسر، هذا مع كثرة ما جاء عنهم من نحو «قُمَ الّليل« و«قُلَ الّلهم« وقول الشاعر:
زيادتنا نعمان لا تحرمننا تَقِ الله فينا والكتاب الذي تتلو
وسبب ترك اعتدادهم بها كون الساكنين من كلمتين، وكذلك أيضا قولهم لا ضم في الفعل، وقد قرئ «قُمُ الّليل« (4) ، وهذا واضح.
__________
(1) المحتسب(2/439).
(2) المرجع السابق.
(3) قرأ بها الحسن وأبوعمر في رواية عنهما.(البحر المحيط(8/508)).
(4) البحر المحيط(8/360). (1/40)
صفحة 41
فإذا ثبت بذلك الفرق بين حركتي إلتقاء الساكنين وهما متصلان وبينهما وهما منفصلان سكنت إلى همز الواو من قوله «لترؤن الجحيم« و«لترؤنها« فاعرف ذلك ؛فإن جميع أصحابنا تلقوا همزة هذا الواو بالفساد، وجمعوا بينهما وبين همزة الواو من قوله «اشترءوا الضلالة« (1) فيمن همز الواو، وهذا لعمري قبيحة؛ لأن الساكنين من الكلمتين؛ فلذلك فرق ما بين الموضعين. (2)
الإعراب: أصل الفعل لتروونَنْ على وزن تفعلون ثم لتروونّ، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين فأصبحت لترونّ فالواو في محل رفع فاعل، والواو المهموزة كما قال ابن جني: فهي قبيحة مرذولة.
* * *
سورة الفيل
بسم الله الرحمن الرحيم
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ(1)}
وقرئ « ألم ترْ كيف« (3) ، وهو جزم بعد جزم.
الإعراب: الأصل« ألم ترَ« وحذفت الألف للجزم، وأما ترْ فهو جزم بعد جزم فقد عومل معاملة المعتل فجُزِم.
وفيه من الشعر:_
ومن يتقْ فإن الله معه ورزق الله مؤتاب وغادي. (4)
يريد يتقِّ فحذف الكسرة بعد الياء.
* * *
{فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ(5)}
وقرئ « فتركهم كعصف مأكول« (5) .
الإعراب: تركهم: ترك: فعل ماض مبني على الفتح، هم: ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
__________
(1) البقرة16. قرأ بها الكسائي في رواية عنه فهي لغة عنده، وعند البصريين لحن، وقيل أنه أجاز همزها لانضمامها،ورد هذا ابن كيسان وغيره،والكسائي من القراء السبعة.(انظر معجم القراءات /د.عبد اللطيف الخطيب/دار سعد الدين للطباعة والنشر ط1 ج1 صـ51).
(2) المحتسب(2/441).
(3) قرأ بها السلمي.(البحر المحيط(8/512)).
(4) المحتسب(2/442).
(5) قرأ بها أبو المليح الهذلي.(انظر المحتسب(2/442)). (1/41)
صفحة 42
قال أبو الفتح: هذا على إقامة المسبب مكان السبب؛ إذ المراد به معنى القراءة العامة « فجعلهم «؛ وذلك أنه ليس كل من جعل شيئا على صورة تركه عليها، بل قد يجوز أن يجعله عليها، ثم ينقله عقيب جعله إياه عنها، فقوله تعالى: «فتركهم «، يدل على أنه بقاهم على ما أصارهم إليه، من الإجحاف بهم وغلظ المثال منهم، كذا توجب اللغة.
ثم إنه يجوز مع هذا أن يريد به معنى الجعل الذي مَنْ حصل عليه كان معرضا لبقائه بعد تمادي الحال به. (1)
* * *
سورة أرأيت
بسم الله الرحمن الرحيم
{فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)}
وقرئ « الذي يَدَعُ اليتيم« (2) ، بفتح الدال وخف العين.
أي يتركه ولايحسن إليه ويجفوه. (3)
الإعراب: يَدَعُ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
الصرف: يَدَعُّ: على وزن يفعل، يَدَعُ على وزن يفعُ، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
* * *
سورة تبت
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(4)فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ(5)}
وقرئ « ومريئتُه حمالةٌ للحطب «. (4)
الإعراب: مريئتُه: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
حمالةٌ: خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
الصرف: مريئة: على وزن فُعَيْلة وهو من أوزان التصغير وفيه تحقير للمذكور.
وبهذه السورة الكريمة انتهى القول في هذا المبحث، وقد رأينا كيف أن القراءة الشاذة لها وجه في اللغة العربية وإن كان في بعض الأحيان ضعيفا، المهم أنها لم تخرج عن إطار اللغة العربية، وبالله التوفيق.
المبحث الثاني
الظواهر الدلالية في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم
__________
(1) المحتسب(2/442).
(2) قرأ بها أبو رجاء وعلي والحسن واليماني. (البحر المحيط(8/517)).
(3) المرجع السابق.
(4) قرأ بها أبو حيوة وابن مقسم وعباس.(البحر المحيط(8/525)). (1/42)
صفحة 43
في هذا المبحث سأبحث عن الظواهر الدلالية التي تفيدها الآيات الشاذة في كتاب المحتسب في الجزء الثلاثين وما هي المعاني البلاغية التي تحملها، وسأبدأ بسورة النبأ.
سورة النبأ
{عَمَّ يَتَسَاءلُونَ(1)}
قرئ « عمَّا يتساءلون «، بإثبات الألف (1) .
إذا نظرنا إلى ألف الاستفهام كيف أثبتت في هذه القراءة، وأن الألف من حروف المد نجد كأن الكفار يمدونها استكبارا وتكذيبا واستهزاء بهذا اليوم العظيم فالألف تدل على تمردهم وطغيانهم وعدم تصديقهم باليوم الآخر، فمعنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن (2) .
* * *
{وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا(14)}
وقرئ « وأنزلنا بالمعصرات...«، بالباء.
والمعصرات: السحائب إذا أمطرت: شارفت أن تعصرها الريح فتمطر، كقولك: أجزّ الزرع: إذا حان له أن يجز، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض (3) .
ودخول الباء عليها فيها وجهان: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول: أعطى من يده درهما، وأعطى بيده (4) .
والعصر يدل على استخراج الماء حتى آخر قطرة، تقول عصرت الفاكهة حتى أخرجت آخر قطرة من العصر الموجود فيها، وكأن المعصرات هي التي تسحب الماء من الأرض ثم تنزله إليها مرة أخرى فالماء لا ينزل إلا بها، وأما من المعصرات: فكأن الماء داخل في هذه المعصرات، أي أن الماء موجود فيها من الأصل.
* * *
{وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا(28)}
وقرئ «... كُذَّابا«.
__________
(1) لن أذكر تخريج القراءات في هذا المبحث لأني ذكرت ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل فليتنبه لذلك.
(2) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل / أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي / دار المعرفة بيروت لبنان ج4 صـ206.
(3) المرجع السابق.
(4) المرجع السابق. (1/43)
صفحة 44
كُذّابا: أي متناهيا في كذبه، ومفرطا فيه، فهو أشد من الكِذّاب، كرجل وُضّاء، وحُسّان شديد الحسن والوضاءة.
فكأنه يكذب ويكذب مرات عديدة، وقد أعربه أبو الفتح: وصف لمصدر محذوف تقديره « كذبوا بآياتنا كِذّابا كُذّابا «، فهو وصف للكِذّاب أي أشد من الكِذّاب (1) ، فكأنهم خُلِقوا من الكذب.
* * *
{عَطَاء حِسَابًا(36)}
قال أبو الفتح: طريقه عندي _ والله أعلم _ عطاء محسبا، أي كافيا أعطيته ما أحسبه: أي ما كفاه (2) ، فكأن أهل الجنة ينعمون في النعيم العظيم فهو كافي غير منقطع ولا زائل.
* * *
سورة النازعات
{فِي الْحَافِرَةِ(10)}
وقرئ «... في الحَفِرة«.
فَعِلَ أبلغ من فاعل (3) ، فالحافرة: الحياة بعد الموت، والحَفِرَة: بمعنى المحفورة فكأنهم يقولون أإذا دخلنا في الحفرة وأكلنا الدود وأصبحنا ترابا وضمتنا الحفرة الضيقة سنعود إلى الحياة من جديد فذكروا الحفرة لزيادة المبالغة والاستهزاء بالأمر وتحقيره.
* * *
{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا(30)}
وقرئ « والأرض مع ذلك دحاها «.
قال أبو الفتح: ليست هذه القراءة مخالفة المعنى لمعنى قراءة العامة « بعد ذلك «؛ لأنه ليس المعنى _ والله أعلم _ أن الأرض دحيت مع خلق السموات وفي وقته، وإنما اجتماعهما في الخلق، لا أن زمان الفعلية واحد، وهذا كقولك: فلان كريم، فيقول السامع: وهو مع ذلك شجاع، أي: قد اجتمع له الوصفان وليس غرضه فيه ترتيب الزمان (4) .
* * *
{وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى(36)}
قرئ « وبرزت الجحيم لمن ترى«.
__________
(1) المحتسب 2/411.
(2) المرجع السابق 2/412.
(3) الكشاف 4/213.
(4) المحتسب2/414. (1/44)
صفحة 45
نلاحظ أن الضمير يعود إما على النبي _ صلى الله عليه وسلم _ وإما على النار، فالمعاني البلاغية التي يشملها حرف التاء واضحة، فإذا عاد الضمير إلى النبي _ صلى الله عليه وسلم _ فكأنه ينظر إلى أصحاب النار قبل أن يُلقوْا فيها وهم ليسوا بعيدين عنه، وإذا عاد الضمير إلى النار فكأن الله عزوجل خلق لها عينين ترى بهما الكفار، وهي تستعد لاستقبالهم وحرقهم وتعذيبهم في بطنها.
* * *
سورة عبس
{فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى(6)}
وقرئ « فأنت له تُصّدى«.
فأما تَصَدّى: أي أن تصغي إليه وتسمع كلامه.
وتُصّدى: أي أنت تقبل عليه، وتسمع كلامه وتهتم بأمره، لأنك تحبه أن يدخل الإسلام. (1)
فهذه القراءة لها معنى بلاغي عظيم فالرسول _ صلى الله عليه وسلم _ هو الذي يذهب إليهم ليدعوهم إلى الإسلام، فهو مهتم بأمرهم، ويهمه أن يدخلوا في الإسلام الحنيف، وهذا هو حال الداعية المسلم الذي يحب الخير للناس، فإنه يخرج بدعوته إلى الناس ولايقعد في بيته ينتظر الناس أن يأتوه لكي يعلمهم أمور دينهم، فهو يسعى في سبيل إعلاء هذا الدين الحنيف.
* * *
سورة الانفطار
{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6)}
وقرئ «... ما أغرَّك بربك الكريم«.
في هذه الآية الكريمة صورة بلاغية عظيمة، فعندما كان معنى غرّك: جهلك، كان أغرّك بمعنى: الغفلة (2) .
__________
(1) الكشاف 4/185.
(2) القرطبي 19/245. (1/45)
صفحة 46
فالغفلة أشد من الجهل، فالجاهل قد لايجد من يعلمه، ومن يأخذ بيده نحو سبيل التعلم؛ وذلك لأسباب عدة كعدم توفر الراحلة والمال وبعد المكان وهكذا، فإذا زالت هذه الأسباب لم يكن معذورا بجهله، ولكن الغافل قد يكون عالما أو طالب علم مثلا، فهو متعلم ولكنه يتغافل عن الحق فمعنى « ما أغرّك « ما أغفلك عن ربك؟ أي لماذا تكون غافلا عن ربك؟ وقد أنعم عليك بالقوة والصحة والمال والولد وغيرها من النعم العظيمة الجليلة، فالغفلة هي التي تعمي وتصم عن الحق فيقع الإنسان بسببها في الهاوية والعياذ بالله عزوجل.
* * *
سورة الغاشية
{إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ(23)}
وقرئ « ألا من تولى وكفر«.
في الآية المتواترة « إلا« حرف استثناء، وأما في الآية الشاذة « ألا« حرف استفتاح وله معنى بلاغي راقٍ جميل وكأن هناك أداة نداء محذوفة وتقدير الكلام« ألا يامَن تولى وكفر...«، فهذا نداء فيه تحذير للكافر الذي صد عن سبيل الله وتولى وكأن الله عزوجل ينادي الكافر ويحذره: إن لم تتب سيصيبك عذاب أليم مني فاحذر قبل فوات الأوان.
* * *
سورة الفجر
{إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ(7)}
وقرئ « أَرَمَّ ذاتَ العماد«.
وأَرَمّ: هنا فعل ماضٍ، ومعنى ذلك أن الله عزوجل جعل ذاتَ العماد كالرميم ليس لها أثر في هذه الحياة الدنيا؛ وذلك بسبب طغيانهم وعتوهم وتكذيبهم لأنبياء الله عزوجل.
* * *
سورة ألم نشرح
{وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)}
وقرئ « حَطَطْنا عنك وِقْرَك«.
والظاهر أن هذه الآية رويت بالمعنى، وإذا تأملنا كلمة حَطَطَ فإن أصلها حطَّ كفعل شدَّ وقد فُكّ الإدغام لاتصاله بضمير رفع متحرك، وحطَّ يدل على كثرة الأثقال التي كان يحملها فوق ظهره من أعباء الجاهلية فلا يختلف معنى هذه الآية عن معنى الآية المتواترة، فحططنا تعني وضعنا، ووِقْرَك تعني وِزْرَك فمعناهما واحد.
* * *
سورة البينة
{أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7)}
وقرئ «أولئك هم خيار البرية«. (1/46)
صفحة 47
خيار جمع خيِّر، كجياد وجيِّد، فالألف في خيار تدل على تمكنهم في الخير وحبهم له، فهم من خير الخيار أي هم الصفوة من الخلق.
* * *
سورة العاديات
{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا(4)}
وقرئ «فأثَّرْنَ به نقعا«.
أَثَرَ: من ثَوَرَ (ثار) الغبار يثور ثورا... هاج (1) .
أثَّرَ: من الأثر وهو الحديث المنقول، ومنه المأثرة وهي المكرمة لأنها تنتقل ويُتَحدّثُ بها (2) .
فكأن هذه الخيل من شدة ركضها في أرض المعركة تنقل التراب معها إلى حيث سارت، وهذا يدل على قوتها وشدة بطشها إذا ما غضبت وثارت.
* * *
{فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا(5)}
وقرئ «فوسَّطْن به جمعا«.
بالتشديد: جعلت الجمع قسمين، وبالتخفيف: أصبحت وسط الجمع (3) .
(بالتشديد): كأنها تخترق الصف حتى شقته إلى نصفين من قوة عدوها ودخولها في الصفوف فهي كالسهم المنطلق إلى جوف الصدر يخترقه فيشقه نصفين.
* * *
سورة التكاثر
{لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)}
وقرئ« لترؤن الجحيم، ثم لترؤنها عين اليقين«.
فهذه الهمزة تخرج من الحلق، وهي تخرج بقوة، وظهور الهمزة في الفعل وفوق الواو تدل على قوتها، ثم دخول نون التوكيد، فهذه القوة في المخارج واللام الموطئة للقسم في بداية الفعل، فكل هذه المؤكدات تدل أن النار لا مفرّ منها ولامحيص عنها، ودخول (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي، فالنار هي المستقر والمأوى الذي لابد أن يصير إليه الكفار والعياذ بالله تعالى، والدليل على ذلك قوله « لترونها عين اليقين«، أي: يرونها بأعينهم عيانا أمامهم.
* * *
سورة الفيل
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1)}
وقرئ « ألم ترْ كيف«.
__________
(1) المصباح المنير صـ57.
(2) المرجع السابق صـ9.
(3) القرطبي 20/160. (1/47)
صفحة 48
السكون يدل على الهدوء والسكينة، فالله عزوجل عندما أرسل هذه الطير الأبابيل لتعذب الكفار الذين أرادوا أن يهدموا الكعبة الشريفة، أصابهم الهلاك والويل والدمار فأصبحت الأرض ساكنة لاتسمع حسّاً ولاهمساً، فهم أموات قضي عليهم في ثوانٍ معدودة، فالسكون في حرف الراء يناسب السكون الذي صاروا إليه بعد العذاب الأليم.
* * *
{فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ(5)}
وقرئ « فتركهم كعصف مأكول«.
تقول: تركت المنزل: رحلت عنه، وتركت البحر ساكنا: لم أغيره عن حاله (1) .
قال أبو الفتح: ليس كل من جعل شيئا على صورة تركه عليها، بل قد يجوز أن يجعله عليها، ثم ينقله عقيب جعله إياه عنها، فقوله:«فتركهم«، يدل على أنه بقاهم على ما أصارهم عليه (2) .
أي أن الترك يبقي الشخص على الحالة التي كان عليها سابقا من التشوه والحرق، أما الجعل ففيه تنتقل الصورة من هيئة إلى هيئة أخرى، وهذه الآية في هذه القراءة تدل على ذلك، أي أنهم بقوا على حالتهم من التشوه وتغيير الخلقة.
* * *
سورة المسد
{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(4)}
وقرئ «ومريئته حمالةٌ للحطب».
مريئه تصغير امرأة، وهو يدل على تحقير لها ولشأنها وتقليل من منزلتها، فالتحقير ملازم لها أبدا، وهو كقولك لرجل: أنت رجيل، تريد تحقيره والتقليل من شأنه.
وبهذا تلاحظ أخي القارئ أن القراءة الشاذة لها من المعاني البلاغية ما لا يوجد في القراءة المتواترة وهذا واضح جلي من خلال النظر إلى معاني القراءة الشاذة، فابن جني يوجه القراءة الشاذة بما يتفق ومعاني اللغة العربية.
الخاتمة
في الحقيقة أن علم القراءات علم واسع وغزير، ويحتاج إلى مزيد جهد ودراسة ولاسيما القراءات الشاذة التي شغلت فكر العديد من العلماء على مرِّ العصور، ومن خلال هذه الدراسة التطبيقية في جزء واحد من كتاب الله العزيز لدراسة منهج ابن جني في توجيه القراءات الشاذة، فقد توصلت إلى الآتي:_
__________
(1) المصباح المنير صـ49.
(2) المحتسب 2/442. (1/48)
صفحة 49
1) أن ابن جني يرى أن القراءات المتواترة هي سبع قراءات وماعدا السبع فهي غير متواترة سواء كانت مشهورة أو شاذة.
2) إذا نظرنا إلى الناحية النحوية في توجيه ابن جني لشواذ القراءات فإنه يحاول بقدر المستطاع أن يجد لها توجيها من اللغة العربية حتى لايقطع علاقة الشواذ بالمتواتر من القراءات.
3) يقوم ابن جني أحيانا بذكر أقوال بعض علماء العربية في توجيه الآية نحويا وهو ملاحظ في كتابه المحتسب.
4) يقوم ابن جني في بعض الأحيان بتوجيه الآية أكثر من توجيه، وهذا يدل على سعة علمه، وتضلعه في علم العربية.
5) إذا نظرنا إلى الناحية الصرفية في توجيه ابن جني لشواذ القراءات؛ فإنه لايبتعد عن اللغة العربية، ويحاول جاهدا أن يجد للقراءة الشاذة بنيةً صرفيةً لاتخرج عن اللغة العربية، وهذا ملاحظ في كتابه المحتسب.
6) أما في المعاني الدلالية التي تشتمل عليها الآية فإنه يحاول أن يجد المعاني البلاغية التي تحتملها الآية الكريمة وربما استعان كثيرا بالصرف لكي يوجه المعنى البلاغي؛ وذلك كأن تكون الصيغة أحيانا من صيغ المبالغة...إلخ.
7) وكثيرا ما يربط المعنى البلاغي بالتوجيه النحوي، وهذا يرد كثيرا في كتابه المحتسب.
عموما فإن اللغة العربية واسعة الجذور، مترامية الأطراف ولذلك فإن ابن جني يحاول التوفيق بين القراءة الشاذة والقراءة المتواترة حتى لايخرج الشواذ من دائرة اللغة العربية ففيها الفائدة العظمى لمن أراد أن يعرف سعة اللغة العربية. (1/49)
صفحة 50
هذه _ تقريبا _ أبرز النتائج التي توصّلَتْ إليها هذه الدراسة التطبيقية في جزء واحد من القرآن الكريم، وذلك من خلال كتاب المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات للإمام أبي الفتح بن جني، ونسأل الله التوفيق والسداد إلى كل خير إنه ولي ذلك والقادر عليه{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)} (1) .
تم بحمد الله
- - - - - - - -
قائمة المصادر والمراجع
فهرس المحتويات
- - - - - - - -
المحتويات
العناوين ... ص
- الخاتمة
- قائمة المصادر والمراجع
__________
(1) الصافات 182،181،180. (1/50)