صفحة 1
الكتاب: منهج الدورات القرآنية لبدر العبري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) مدخل الدورة
لماذا نقرأ القرآن ولا نستفيد منه في حياتنا؟
الكثير من الناس يقرؤون القرآن ولكنهم لا يستفيدون منه شيئا لسبب بسيط وهو غياب الإنصات الصحيح لكلام الله تعالى.
هناك من يستمع إلى القرآن من الأشرطة ولكنه لا يفقه شيئا ولا يتعظ، وهناك من ينظر إلى آيات الله تعالى ولكنه لا يعتبر، فضلا أن يبلغ كلام الله ورسالاته، قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} الأحزاب: 39.
الله تعالى وصف كتابه العظيم بأنه نور قال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} إبراهيم:1، وللاستفادة من هذا النور لا بد من الإنصات الجيد، ومحاولة إعادة قراءة الآية للاستفادة من نورها.
وإذا جئنا إلى أدوات التلقي في القرآن نجدها ثلاثة قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} النحل: 78، وقد أشارت الآية إلى المنافذ الثلاثة السمع والبصر والفؤاد، ولم تشر إلى الجوارح الأخرى لأنّ هذه هي المنافذ للتلقي والإنصات.
والسؤال المطروح هنا: كثير من الناس يتلون القرآن بعد المغرب أو بعد الفجر أو في غيرها من الأوقات ولكنه لا يحس بثمرة هذه التلاوة؟ والجواب: هؤلاء الناس إما أنهم لا ينصتون إلى القرآن الكريم، وإما أنهم لم يصونوا آذانهم عن سماع المحرم كالغيبة والسخرية والسماع المنهي عنه، وبالتالي يتسخ القلب فيصبح غير مهيأ لنزول القرآن عليه. (1/1)
صفحة 2
كذلك تقع الإشكالية بين أبنائنا فهم يدرسون القرآن، ويحفظون الكثير منه أو بعضه إن لم يكن كلّه، ولكنهم لا يطبقونه، وذلك لأنّ القرآن لم ينزل إلى قلوبهم، فلم يكن للقرآن أثر في حياتهم وسلوكهم.
والشيطان أكبر عدو في صرف القرآن عن حياتنا، وجعله مجرد غناء نتغنى به في صلاتنا أو إعلامنا، أو نقش نزين به بيوتنا ومساجدنا، يقول تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فاطر: 6.
فلا بد من الإنصات الجيد، وذلك بمحاولة تكرير قراءة الآية، مع التفكر، وصيانة الجوارح عن المعاصي، وبعدها سينزل القرآن إلى القلوب، وتظهر آثاره تلقائيا في الجوارح والسلوك، وفي حياتنا وتوجهاتنا، وفي أقوالنا وأفعالنا، وفي مساجدنا وشوارعنا.
الدرس الأول: مع آيات النعم
إنا أنزلناه في ليلة مباركة
يقول تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} الحجر: 87.
من أسماء القرآن: العظيم، فلا بد من تعظيم القرآن، لا يُعظّم القرآن بالشعارات واللافتات، وإنما يعظّم بالجهد، أي يعظّم ميدانيا وتطبيقيا، أما الشعارات واللافتات إذا لم يصحبها جهد لن تكون لها نتيجة.
ولعظم القرآن الكريم وبيان قيمته يأمر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم- بقراءته في جوف الليل الآخر، يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} المزمل: 1 – 8. (1/2)
صفحة 3
والمزمل هو المتغطي بثوب النوم، وهنا الله تعالى يخاطب الله نبيه بأمرين: الأول قم، والقيام جهد، وليس بالسهولة على النفس تطبيقه، والثاني رتل، أي اقرأ القرآن بتمعن وتدبر.
فقيام الليل وما يصاحبه من صلاة وخشوع ودعاء وتبتل، بجانب سكون الليل يعين النفس على تدبر وتفهم آيات الكتاب العزيز.
والسؤال هنا: لماذا يأمر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم- بقيام الليل مصحوبا بترتيل القرآن الكريم؟ والجواب: { ... إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} المزمل: 4 – 8.
حيث قراءة القرآن في جوف الليل مع الخشوع والتدبر تعين على تبليغ هذا الذكر والثبات من أجله في النهار، قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} الأحزاب: 39.
والنبي –صلى الله عليه وسلم- أدّى ما أمره ربه جلّ وعلا من قيام وتلاوة وتبليغ، يقول تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} المزمل: 20، فالله تعالى يبين أنّ نبيه –صلى الله عليه وسلم- أدّى ما أمر به، فهو قد قام نصف الليل، وأحيانا ثلثيه، وأحيانا أقل بما يعادل الثلث، ولكنه لم يترك قط قيام الليل وقراءة القرآن فيه وتدبره. (1/3)
صفحة 4
والليل يبدأ بغروب الشمس {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة: 187، وينتهي بطلوع الفجر {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} القدر: 5، فلكي تقوم الليل احسب الوقت بين غروب الشمس وطلوع الفجر، وحينها سيتبين لك منتصف الليل وثلثه وثلثيه.
والله تعالى وصف الليل بالوفاة، فأنا في الليل يتوفاني الله تعالى، يقول جل وعلا: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الأنعام: 60، ويقول تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الزمر: 42.
فأنت عندما تقوم من الليل تتصور مرحلة الوفاة والانتقال إلى الدار الآخرة بما يصحبه من سكون وهدوء، وهذا يساعدك أن تتدبر القرآن الكريم وتفهم معانيه، وبالتالي يعينك على العمل به وتبليغه.
وفي الوقت نفسه عندما تشعر وأنت تتلوا القرآن كأنك في الدار الآخرة هذا يعينك على الاستعداد للانتقال الحقيقي إلى الدار الآخرة لأنها آتية لا محالة، فلا تلهك بعدها أموالك وأهلوك عن القرآن الذي يصور لك حقيقة الدار الآخرة وكأنك تعيش فيها، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} المنافقون: 9. (1/4)
صفحة 5
وفي المقابل سوف يتحسر الكفار يوم القيامة على عدم قراءتهم لكتاب الله، وبالتالي عدم استعدادهم للدار الآخرة يقول تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} الحاقة: 48 – 52.
وقد وصف الله تعالى أنّ القرآن أنزله بليل يقول تعالى: " {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} الدخان: 1 – 3، وكان إنزاله للتدبر والاتعاظ يقول تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} ص: 29، والنبي –عليه الصلاة والسلام- كان كثير التدبر له في الليل خاصة، ونحن أمرنا بالتأسي والاقتداء به قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب: 21، والمتأسون به هم المؤمنون بالله واليوم الآخر وكذلك الذاكرون الله كثيرا، أي القارئون المتدبرون لكتاب ربهم جل وعلا.
والخلاصة الليل فرصة لفهم وتدبر كتاب الله تعالى، والمؤمن الحق لا يفوّت قيام الليل {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} الذاريات: 17، ففيه تفهم معاني كتاب ربك وكلامه، وفيه إعانة على العمل به وتبليغه خاصة وقت النهار.
إنهم كانوا قبل ذلك محسنين
يقول تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الذاريات: 15 – 18. (1/5)
صفحة 6
المتقون في علم الله تعالى في جنات وعيون، آخذين ما آتاهم ربهم، ولم يقل الله تعالى سيأخذون ما آتاهم ربهم؛ لأنّ هذا القرآن كلام الله تعالى، وهو يبين علمه لنا، لأنّ علمه جلّ وعلا مطلق ليس مكتسبا كعلمنا، فهو عالم بما كان وسيكون وما هو كائن، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الأعراف: 52، وهذا الكتاب نفسه منزل بعلم الله تعالى، قال جلّ وعلا: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} النساء: 166.
وعلم الله تعالى يشمل علمه بأحداث الآخرة، فهو يعلم بما سيكون في الجنة، ومن سيخلد فيها، وهو عالم مثلا برزق أهل الجنة، وهذا الرزق خالد بخلود أهل الجنة أنفسهم، قال تعالى: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} الصافات: 40 – 43.
والسؤال هنا: كيف وصل أهل الجنةِ الجنةَ واستحقوا هذا الرزق؟ والجواب: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}، ولم يقل مسيئين؛ فكيف يعتقد بعض الناس أنّهم بإساءتهم سيدخلون الجنة؟!!!
والمحسن في تعريف القرآن هو بذل الجهد، وهو شرط لا بدّ منه للوصول إلى الهداية الموصلة إلى الخلود في جنات النعيم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} العنكبوت: 69.
والقانون القرآني يقول: بذل الجهد في الذكر والتمسك به وتبليغه نتيجته الحصول على الهداية الربانية، والتي تتضمن التوفيق والتأييد الرباني، والهداية الربانية سبب للخلود في الجنة في الدار الآخرة. (1/6)
صفحة 7
والذي يبذل جهده في الدنيا، وهو غافل عن الذكر والاستعداد للآخرة يُعطى نصيبه بقدر جهده، مثاله: الذي يبذل جهدَه في تجارته يُعطى بقدر جهده في التجارة، وإذا لم يبذل الجهد من أجل الحصول على الهداية يُحرم منها، وبالتالي لن يكون له نصيب في الآخرة إلا النار والعياذ بالله تعالى.
بعض الناس يتصورون الهداية كالهدية توزع على أناس مخصوصين، فهي من الصدف، وهذا خطأ، فالهداية تُعطى لكل من بذل الجهد في تحصيلها، ويمنُ الله تعالى بها على عباده الذين اجتهدوا لتحصيلها، فسبحانه لا يظلم أحدا أبدا.
ونلاحظ أنّ الله تعالى أكدّ في لفظة "لنهدينهم" في الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} باللام ونون التوكيد، فهو لم يقل مثلا "نهديهم"، فكل من اجتهد في سبيل الحصول على الهداية، ولكي يكون من المحسنين سوف يتحصل قطعا على بغيته، وسينال الهداية بلا شك.
وفي المقابل الذي يحصل على الهداية ويزيد في شكره لله تعالى وتمسكه بدينه يزيد الله تعالى تأييده وتثبيته، وزيادة درجته، والذي لا يبال بها، ولا يسع إليها سوف يتلقى ضربات من قبل الله تعالى، يقول جلّ وعلا: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} إبراهيم: 7.
وقد يسأل البعض ويقول: إنّ أبنائي يدرسون القرآن، ويحفظون الكثير منه أو بعضه إن لم يكن كلّه، ولكنهم لم يتحصلوا على الهداية؟ والجواب: أنهم بذلوا الجهد في حفظه أو حفظ بعض منه، ولكنهم لم يبذلوا الجهد في تدبره وأخذ الهداية منه، لذا كانت النتيجة لم يتحصلوا على الهداية، وإنما مقدر حظهم حفظ ظاهر السور، لذا لم يكن للقرآن أثر في سلوكهم وحياتهم. (1/7)
صفحة 8
الحاصل الهداية بحاجة إلى جهد من خلال تعظيم كلام الله تعالى وتدبره والعمل به وتبليغه، ومن ثم كان الحصول على الهداية سهلا، وبعد تتحصل على الإحسان الذي هو شرط للخلود في الجنان.
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا
يقول تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} العنكبوت: 69.
الجهد في الذكر وتلاوة القرآن والتدبر فيه وتطبيقه وتبليغه طريق الحصول على الهداية، وبالجهد تكون من المحسنين، والمحسنون يخلّدون في جنات النعيم.
والجهد سهل إذا كان الإنسان مع القرآن، يشعر بحلاوة تلاوته وتدبره، وبطمأنينة وسكون إتباعه وتطبيقه، وبنور نشره وتبليغه.
ومن الجهد قيام الليل؛ لأنّه أفضل وقت لتدبر وتأمل الذكر الحكيم، ومع هذا العديد من الناس يسوّفون فيه، ويتكاسلون عنه، ولا يهتمون به ولو في الأسبوع مرة واحدة؛ بل قل ولو في الشهر مرة واحدة على الأقل.
انظروا إلى عباد الرحمن المتقين، فمن أعظم صفاتهم قيام الليل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} الفرقان: 64.
كذلك الصلاة بخشوعها وركوعها وسجودها يعتبر جهدا، فبعض الناس إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، وهذا من صفات المنافقين، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} النساء: 142.
والمنافق تعريفه في القرآن سهل حيث يقوم بالمظاهر كالصلاة والحج، ولكن يؤديها بكسل أو رياء، لذلك لا يبذل جهدا في ذكر الله تعالى، وهذا لن يتحصل على الهداية؛ لأنّ الجهد شرط للحصول على الهداية. (1/8)
صفحة 9
والذكر كقراءة القرآن جهد، وهذا لا يقرأ بكسل، ولننظر إلى الواقع كيف تقرأ علوم الفيزياء والطب والكيمياء، فهل لو طبق فيها قانون الكسل سنخرج بنتيجة؟!! وهل يُقبل الطالب الكسول لدراسة هذه العلوم؟!!!
في المقابل لماذا عندما نصل إلى القرآن يقرأ بكسل؟! فُهِمَ أم لم يُفهم الأمر سيّان، المهم في النهاية القراءة، ليس المهم التدبر والخشوع والعمل!
ولنقارن مثلا بين الطب والقرآن، فدراسة الطب بجهد يخرّج أطباء، وهؤلاء الأطباء سوف يعالجون أمراض بعض الناس، ويخففون عن آلامهم، ولكن لن يستطيعوا إرجاع الشيخ العجوز شابا شافعا، وقد لا يتمكنون من الشفاء لبعض الأمراض المستعصية، وإن حصل فهو تخفيف للمرض، وقد يعقبها أعراض أشدّ.
أما علم القرآن فيعطينا صحة خالدة في الجنة، فالقرآن يعطي صحة جسدية فلا هرم ولا مرض ولا ألم.
الخطأ في الطب قد يؤدي إلى كارثة، والخطأ في القرآن يؤدي إلى المعصية، التي تخلّد صاحبها في نار جهنم.
ومن فوائد الجهد أنّ الإنسان يصل إلى الهداية، وبالهداية يثبته الله تعالى وينير له الطريق، وبه يتعرف المرء على عيوبه وينشغل بها عن عيوب غيره، {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} القيامة: 14 – 15.
وإذا جئنا إلى الإنسان الشقي نجده يوم القيامة يعرف عيوبه بينما قبل الموت كان منشغلا بعيوب غيره عن عيوبه، أما الإنسان التقي فيتعرف قبل الموت على عيوبه وينشغل بها عن عيوب غيره، فالقرآن كان مرآته في الدنيا، يقول تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} المائدة: 15. (1/9)
صفحة 10
فبقراءة القرآن والتأمل فيه وتدبره والعمل به وتبليغه والاجتهاد في ذلك نتيجته أنّ الله تعالى يُلقي في القلب نورا، بعدها لن تشعر بالران في القلب الذي نتيجته الملل والفتور والكسل، فتتحصل بذلك على الهداية الربانية التي تنقذك من نار الجحيم، وتخلّدك في جنات النعيم.
والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} الفرقان: 64.
عباد الرحمن يخافون لقاء ربهم ويخشون عذابه، لذا تراهم مجتهدين في قيام الليل والتضرع فيه، فيتحصل عندهم النور الذي يرفعهم عن الكبر والغرور والحسد والعجب بالنفس، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} الفرقان: 63 – 66.
فعباد الرحمن محسنون لأنّهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الذاريات: 15 – 18.
فهم كانوا قليلا ما ينامون في الليل والباقي يتركونه للقيام والخشوع والذكر وتلاوة كلام الله تعالى والتدبر فيه، فقيام الليل خير معين على فهم القرآن وتدبره، وهو يختصر مسافة فهم وإدارك كلام الله تعالى، حيث أنّ الصعوبات تُذلل في قيام الليل. (1/10)
صفحة 11
فعباد الرحمن تتجافى جنوبهم عن المضاجع قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} السجدة: 16 - 17.
والمضجع شيء جميل تشتاق إليه النفس وتهفو، ولكن عباد الرحمن أجسادهم تتباعد عن المضاجع، وهذا الجهد لن يضيع عند الله تعالى، {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فقيام الليل أعدّ الله فيه مكافآت ليس في الآخرة فحسب بل في الدنيا أيضا، وقد تكون المكافأة في نهار اليوم نفسه، لذا كان دعاء عباد الرحمن {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} الفرقان: 74.
لذا أخفى الله تعالى مكافآته وجوائزه، حتى تكون النفس أكثر اشتياقا إليها، فتزيد همتها، وتعلو رايتها، فقد يعاني الإنسان من مشاكل خاصة به، الله تعالى بقيام الليل يسهل أمره، ويفك عسره، والله تعالى قادر على ذلك.
نعم قد يُبتلى المؤمن في الدنيا قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} البقرة: 155 – 157. (1/11)
صفحة 12
وفي المقابل يتلقى المنافق ضربات من قبل الله تعالى في الدنيا لعله يفيق، فقد يتلقى ضربات في أهله وماله وولده ونفسه، وليست هذه الضربات من قبيل الابتلاء، ولكن من قبيل العذاب، قال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} التوبة: 55، فضلا عن الضربة الكبرى يوم القيامة وهو الخلود في النيران والعياذ بالله تعالى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} النساء: 145. الخلاصة قيام الليل يعين على التأمل والتدبر في القرآن، وبه يُقذف النور في قلب المؤمن، ليكون حاجزا له عن الوقوع فيما نهى عنه، وحبلا يوصله إلى الرحمة الخالدة.
فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين
قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} السجدة: 16 - 17. (1/12)
صفحة 13
مريم ابنة عمران كانت قانتة لله تعالى، والقنوت علامة القيام بالليل، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} الزمر: 9، والقيام بالليل يجعل الله تعالى له مكافآت، {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، والقيام لا بدّ لتحقيقه من جهد ليؤتي ثمرته، وقد أمر الله تعالى مريم بالقنوت {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} آل عمران: 43، فكانت نعم المرأة الصالحة القانتة {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} التحريم: 12.
ومن مكافأة الله تعالى لمريم -عليها السلام- أن تكفل برزقها، قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} آل عمران: 37، ومريم ابنة عمران توفاها الله تعالى عند نزول هذا الذكر، فهي لا تعلم شيئا منه، ولكن ذكره الله تعالى لتكون أسوة لنا، فنكون من القانتين الخاشعين الذاكرين، المستغلين ليلهم في الصلاة والذكر والتدبر، فلا نعلم نحن أيضا إن كنا من القانتين ما أخفي لنا من قرة أعين، جزاء لحسن تضرعنا وقنوتنا. (1/13)
صفحة 14
ومريم –عليها الصلاة والسلام- كانت تتصور أنّ الرزق كان يأتي من طريق زكريا –عليه السلام-، ولكن الله تعالى بين لها أنّ الرزق من حيث لا يتوقع زكريا نفسه، مع أنّه هو المتكفل بشؤونها، ولا يعلم شيئا إلا عندما يدخل عليها المحراب الذي تحارب الشيطان فيه ولا يعرف مصدره {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
هنا استخدم زكريا نفس الجهد في طلب الولد، حيث بلغ مرحلة من العمر ولم يرزق بولد وامرأته عاقر، فقنت في محراب العبادة، وتضرع بين يدي ربه، وقام ليله، وأيقن بقدرة الله تعالى المطلقة، فكانت المكافأة من قبل الله تعالى أنّ منّ عليه بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين، قال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} آل عمران: 38 – 39.
ومريم وزكريا كان أسوتهما نبي الله إبراهيم –صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} النحل: 120 – 122. (1/14)
صفحة 15
وإبراهيم نفسه استجاب الله تعالى له في قنوته، ومن عليه بإسماعيل، ومن بعد إسماعيل إسحاق، وكان منهما الذرية الطيبة، قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} هود: 69 – 73.
ومحمد –صلى الله عليه وسلم- مطالب أيضا أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا، ويكون قانتا خاضعا لله تعالى؛ لييسر الله له أمر تبليغ هذا الدين الحق، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} النحل: 123.
ونحن كذلك مطالبون أن نتبع ملة إبراهيم حنيفا لنكون أمة قانتة خاشعة لله تعالى، نذكره كثيرا، ونتدبر في كتابه، ونعظمه بكرة وأصيلا، قال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} آل عمران: 95.
الخلاصة: القنوت لله والخشوع له يتحصل من تلاوة الذكر الحكيم وتدبره، وأعظم وقت لتحصل ذلك جوف الليل الآخر، وفيه أعد الله للقانتين ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء لحسن صنيعهم، وقبول قنوتهم.
اذكروا الله ذكرا كثيرا (1/15)
صفحة 16
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} الأحزاب: 41 – 43، وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} إبراهيم: 1.
الله تعالى يصلي علينا وملائكته ليخرجنا من الظلمات إلى النور، وهذا يحدث بالذكر الكثير من قبلنا، وذلك بقراءة القرآن قراءة متدبرة، معظمين جلال الله تعالى فيه، فبهذا نتحصل على النور الذي به نخرج من الظلمات.
أما الذكر القليل فيبقي الإنسان في الظلمات ولو فقه لغة القرآن، فالمنافقون في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- كانوا يفقهون لغة القرآن، إلا أنهم كانوا لا يذكرون الله إلا قليلا، لذلك بقوا في الظلمات، ولم يستطيعوا الخروج منها.
ونحن اليوم في أكثر العالم الإسلامي نفقه لغة القرآن ومع ذلك الناس يعيشون في الظلمات، وذلك لأنّ الذكر قليل، فتسمع أصوات القرآن في الأشرطة والمساجد، ولكن بلا تدبر وخشوع وتعظيم له، وهذا هو النفاق.
والمنافق قد يذكر الله قليلا في المسجد ولكنه إذا خرج لم يستفد شيئا، فقد يسب أو يسرق أو يرابي أو نحو ذلك من المعاصي، وذلك لأنّه ذكر الله قليلا، ومع ذكره كان الذكر باللسان لا بالقلب، لذا لم يستفد شيئا، وبقي في الظلمات، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} النساء: 142. (1/16)
صفحة 17
والذكر لا يكفي باللسان فقط بل لا بد من القلب مع التدبر والتضرع والخشوع، واستحضار عظمة الله تعالى، قال جلّ وعلا: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} الأعراف: 205.
وقد ذكر الله تعالى لنا مثالا في سورة الشعراء للذين يذكرون الله قليلا وهم بعض الشعراء، فمن الشعراء من يذكر الله كثيرا لذا كان شعرهم سليما من الكذب والرياء والفجور، ومن الشعراء من يذكر الله تعالى قليلا لذا لم يخلو شعرهم من الكذب والرياء والفجور، قال تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} الشعراء: 224 – 227.
والله تعالى يعلم أنّه سيظهر أدباء وفصحاء وبلغاء، يتكلمون لغة القرآن، إلا أنهم لا يذكرون الله إلا قليلا، ولكن قانون القرآن لا يحمل مغفلين، فهم وإن تعمقوا في لغة القرآن إلا أنهم يعيشون في الظلمات؛ لأنهم لم يتدبروه ويذكروا الله فيه كثيرا، فمثلهم كمثل الوليد بن المغيرة الذي فقه لغة القرآن لكنه لم يستفد منه شيئا، وهؤلاء أولى أن يكونوا أكثر ذكرا بالقرآن وتدبرا له لما آتاهم الله تعالى من فصاحة وبلاغة وفقه لغة.
والمستشرقون كذلك العديد منهم يفقه القرآن كثيرا لربما أفقه من كثير من المسلمين، ولكن لم يستفيدوا منه شيئا، فلم يُلق فيهم نوره الذي يخرجهم من الظلمات؛ لأنهم لم يذكروا به الله كثيرا، ولم يتدبروا فيه حق التدبر، وإنما حصيلة جهدهم معلومات منه تحصلوها. (1/17)
صفحة 18
ومن أبنائنا أيضا من يحفظ القرآن بعضه أو كله، ويدركون لغته وفقه، ومع ذلك فهم في الظلمات منغمسون؛ لأنّ قانون الله سرى فيهم، حيث لم يستفيدوا منه شيئا، ولم يدركوا نوره الذي يقودهم إلى تطبيقه والعمل به.
الخلاصة القرآن كما أنّه لا بد من فقه معانيه ولغته لا بدّ أيضا من قراءته كذكر حتى يتحصل على النور الذي به يخرجون من ظلمات التصور والسلوك السيئ، ويقودهم إلى التصور الصحيح والسلوك المستقيم، بجانب الاطمئنان والسكينة والراحة النفسية، والقانون خلاصته:
فهم الآية + الذكر الكثير = الهداية
فهم الآية + الذكر القليل = الظلمات
والقرآن ذي الذكر
قال تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} ص: 1.
وقال جلّ جلاله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9.
من أراد المال فعليه كسبه من محله، ومن أراد فقه علم الفيزياء فعليه بالمختصين في هذا العلم، وبالكتب المتخصصة في هذا العلم، كذلك من أراد الذكر الحقيقي فعليه بكتاب الذكر وهو القرآن العظيم.
والله تعالى يسر القرآن للذكر، قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} القمر: 17، فبعض الناس يصعب عليه فهم القرآن لأنّه تعامل معه كمعلومات، أما بالنسبة للذكر فهو سهل ويسر؛ لأنّ الله يسره وجعله سهلا ميسرا.
ومن أراد قراءة القرآن كذكر سيجد فيه سهولة ويسرا قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} الليل: 5 – 7. (1/18)
صفحة 19
والذكر في القرآن معناه أن تتوقف مع لفظة الجلالة ومشتقاتها في القرآن معظما لها، مثاله وأنت تقرأ قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} الكهف: 26، انظر إلى لفظة الجلالة الله ومشتقاتها من ضمائر متصلة ومستترة، بجانب أسماء الإشارة التي تشير إلى عظمته جلّ وعلا، وتوقف عندها جيدا، وتدبرها، وحاول أن تسقطها على نفسك وواقعك، مثلا في الآية السابقة انظر:
- قل الله أعلم
- له غيب السماوات والأرض
- أبصر به وأسمع
- ما لهم من دونه من ولي
- ولا يشرك في حكمه أحدا
لذا ستجد كلمة الله ومشتقاتها وما يعود إليها في كلّ آية، وبعض المصاحف المطبوعة وضعوا لها لوننا مميزا، فذكرك الله في القرآن ووقوفك كثيرا مع لفظة الجلالة، مع تدبرك وتعظيمك لها حق التعظيم، سوف تتحصل على نوره المبارك.
والمعرفة في القرآن شيء والذكر شيء آخر، وإن كان بينهما تلازم إلا أنّ الذكر أهم، وهو مقدّم على المعرفة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}، فلم يقل تعالى: اعرفوا وإنما قال: اذكروا، ثمّ بين أنّ رحمته بالذكر الكثير وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، وخص الرحمة للمؤمنين؛ لأنّ المنافقين لا يذكرون الله تعالى إلا قليلا. (1/19)
صفحة 20
والله تعالى جعل النور الذي يقود إلى الهداية في الذكر الكثير، يقول تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} المائدة: 15 – 16.
لذا يحاول الشيطان صرف الناس عن الذكر في كتاب الله تعالى، والاقتصار على معانيه الظاهرة دون تعظيم ولا تدبر له، ومن أهل الشيطان إذا ذكر الله وحده تشمئز قلوبهم؛ لأنّه يكشف ما فيها من خبث ومرض، بينما يفرحون إذا ذكر الذين من دونه، قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} الزمر: 45.
الخلاصة: عليك وأنت تقرأ القرآن أن تركز على الذكر أكثر من المعرفة، أي تنظر إلى لفظة الجلالة ومشتقاتها وما يدل عليها، معظما لجلال الله، ومتدبرا للنص الذي ورد فيه، ثم أنزله إلى واقعك، وقم بتبليغه لغيرك، لأنّك قد تحصلت على النور، الذي يقودك ويقود المجتمع إلى الخلق الرباني العظيم، والتصور السليم، من خلال التحصل على الهداية الربانية.
انظروا ماذا في السموات والأرض
قال تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} يونس: 101.
الذكر ذكران: ذكر الله تعالى في القرآن، وذكر الله في الكون، فعندما ترى شيئا في الكون مثل الحب والنوى، وهو شيء ميت يخرج الله تعالى منه شجرا عظيما، فاذكر الله تعالى فيه، وذكرك بنسبة هذا الفعل إلى فاعله الحقيقي وهو الله تعالى، وهذا بحاجة إلى نظر وتعظيم وتدبر. (1/20)
صفحة 21
والله تعالى في القرآن ذكر بعض مظاهر الكون المرئية ونسبها إليه جلّ جلاله، مثال ذلك في سورة الأنعام يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الأنعام: 95 – 99.
فالله تعالى هو:
-فالق الحب والنوى، الذي أخرج من هذا الميت نباتا حيا، ينتفع الناس به.
- فالق الإصباح من الليل، وجاعل الليل سكنا للإنسان ليرتاح فيه بعد جهد النهار.
- سخر الشمس والقمر، وجعل دقتهما حسابا للإنسان، وتوقيتا لوقته.
- سخر النجوم زينة للسماء، وهداية للإنسان في ظلمات البر والبحر.
- خلق الإنسان الذكر والأنثى من نفس واحدة، وجعل مستقره ومستودعه في هذه الحياة الدنيا.
- أنزل من السماء ماء فأنبت به نباتا مختلف الأنواع والثمار. (1/21)
صفحة 22
فهذه المظاهر الحية تتكرر في حياة الإنسان يوميا، وأنت تراها في يومك باستمرار، فبها تذكر الله تعالى، فعندما تشرق الشمس تدرك أنّ الذي أمرها بالشروق هو الله تعالى، وعندما تجلس في مائدة الطعام تعلم أنّ الذي خلقه وأوجده هو الله تعالى فتنسبه إليه، وعندما تمر على الجبال تستحضر خلق الله تعالى لها لتحفظ الأرض من الارتباك، وهكذا فأنت لا يمر عليك مظهر من مظاهر الكون إلا وتستحضر ذكر الله تعالى، فتكون من الذاكرين، وتبعد عنك الغفلة الحاجبة للهداية الربانية.
فكل شيء في الكون خلقه الله تعالى، وهو الذي يسيره، وليس للطبيعة دورا فيه، قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} لقمان: 11.
وكثير من الناس يرون هذا الأمر طبيعيا، ويظهر بشكل اعتيادي، ولا يستحضرون ذكر الله تعالى وعظمته، وهذه هي الغفلة، بل بعضهم درس في هذا الكون، وتوصل إلى دقائق فيه، ومع ذلك لم يزده إلا غفلة وضلالا، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} الجاثية: 23. (1/22)
صفحة 23
ومن وسائل الذكر في الكون كما يرشدنا بذلك القرآن أن نوجه السؤال إلى أنفسنا من أوجد هذا الجزء من الكون أنا أم الله، فتجيب معظما معترفا بقصورك وعظمة الله تعالى، وهذا ما يبينه الله تعالى في سورة الواقعة يقول تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} الواقعة: 58 – 72، وفي النهاية تخرج معترفا بعظمة الله تعالى، ومنزها له عن النقص والتقصير {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} الواقعة: 73 – 74.
الخلاصة: علينا أن نكون ذاكرين لله تعالى من خلال الآيات الكونية بجانب الآيات القرآنية، فنعيش مع الذكر، مستحضرين عظمة الخالق جلّ وعلا، فلا يغيب علينا مظهر من مظاهر الكون إلا وقد استحضرنا ذكر الله تعالى فيه.
لا تدركه الأبصار (1/23)
صفحة 24
قال الله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} الأنعام: 102 – 104.
كيف نعرف الله تعالى؟ كثير من الناس انشغلوا بالبحث عن ذات الله من خلال محاولة تكييف ذات الله تعالى، بل منهم من تجرأ وتمنى رؤيته رؤية حسية ولو في المنام، واعتبرها من الكرامات.
والله تعالى بين من أراد معرفته حق المعرفة، وتعظيمه حق التعظيم؛ فعليه بالنظر في مخلوقاته تعالى في الكون، وبالنظر فيه تدرك صفات الله تعالى كالعلم والحكمة والقهر والقدرة وغيرها من صفات العظمة والجلال.
ولننظر إلى الآيات السالفة نجد الله تعالى بعد ما حث على النظر في الكون – الحب والنوى، الإصباح، الشمس والقمر، النجوم، الإنسان- قرر الخلق والربوبية والإلوهية له وحده ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ، ثم قرر سبحانه بعد ذلك تنزهه عن إدراكه بالأبصار، حتى لا يدخل الوهم في بعض الناس فيجسمونه ويمثلونه لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، فمن أراد معرفة ربه، وإدراك عظمته وصفاته فعليه بالنظر في الكون، والتدبر فيه، وذكر الله به، فبه يتوصل حقيقة وتعظيما إلى الله جلّ جلاله. (1/24)
صفحة 25
فهذا الكون بما فيه من عظيم مخلوقات الله تعالى هو بصائر لهذا الإنسان، فمن تدبر فيه وأبصر فلنفسه، حيث هو المستفيد في النهاية من تحقيق الذكر المستمر لله تعالى، وما فيه من فوائد عظيمة وجليلة ومنها انشراح النفس، واطمئنان القلب، فيشعر أنه جزء من هذا الكون الواسع الدال على عظمته تعالى، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الرعد: 28.
في المقابل الذين يعيشون في عمى أمام هذا الكون، ولا يحدث لهم شيء في حياتهم، ولو أدركوا ما أدركوا من عظيم صنع الله ودقائق خلقه، هؤلاء تضيق صدورهم، وتعتريهم الأوهام والأمراض النفسية، قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} الأنعام: 125.
والذكر في الكون سهل، ولكن الشيطان يقف حاجزا أمام الناس ليبعدهم إدراك عظمة الله تعالى في هذا الكون، وينبغي أن يكون المؤمن واعيا لخطط اللعين، فإذا رأى الشمس مشرقة قال: أخرجها ربي، وإذا طلع النهار قال: فلقه الله تعالى، وإذا أكل قال: أطعمني ربي، وإذا استيقظ ردد أحياني الله، وهذا هو منهج الأنبياء –عليهم السلام- يرجعون النعم ومظاهر الكون إلى باريها جلّ وعلا، يقول الله تعالى مثلا عن إبراهيم -عليه السلام-: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} الشعراء: 78 – 82.
وهكذا تعيش مع هذا الكون ذاكرا لله تعالى، ومعظما له، وسائر على طريق هديه، ومنهاج أنبيائه –عليهم السلام-. (1/25)
صفحة 26
ومن آياته أن خلقكم من تراب
قال الله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} الإنسان: 1 – 2.
وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} الروم: 20.
عندما ينظر الإنسان إلى نفسه يتصور نفسه قويا عزيزا غنيا، ولكن الله تعالى يبين له حقيقته، فهذا الإنسان قبل فترة من الزمان لم يكن شيئا مذكورا، لا أحد يعرفه من بني جنسه، وبعد فترة يكون رهينا في التراب، ويصبح كأن لم يكن على ظهر الأرض.
الإنسان في الأرض لم يكن له اختيار في مكان ولادته، أو عشيرته، ولم يكن له اختيار في الأبوين واللون والجنس، الله وحده هو الذي تكفل بذلك، قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة: 28.
فالله تعالى هو الذي هيأ ولادة الإنسان ومجيئه إلى هذه الحياة الدنيا قال تعالى: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} عبس: 18 – 19.
وهو الذي يسر له سبيل الحياة قال تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} عبس: 20.
وهو الذي يتوفاه إليه قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} يونس: 104.
وإذا جئنا إلى مراحل الخلق نجد الله تعالى يبين أنّ أصل الإنسان من تراب قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} الروم: 20. (1/26)
صفحة 27
وإذا علم الناس أنّ الكل مخلوق من تراب، والتراب موجود في كل مكان، ينتج من هذا وجود الأخوة وعدم التكبر والتعالي، وفي هذا يحدثنا القرآن في سورة الكهف عن صاحب الجنة الذي تعالى على الرجل الفقير، فذّكره الرجل الفقير بأصله: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} الكهف: 37 – 38، فصرفه إلى أصل الخلق وهو التراب وهو شيء بسيط تدوسه الأقدام، وتضع فيه الأنعام أرواثها وأوساخها، فلم التكبر والتعالي إذا؟!!!
قد يتكبر ويتعالى بعض الناس على بعض بسبب مال أو جاه أو جمال أو قوة أو نسب، وهؤلاء غفلوا عن أصل خلقهم، ولو نظروا إليه لما حدث هذا التعالي والكبر قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} طه: 55.
وهؤلاء لو دخلوا أقرب مقبرة ضمت أمواتا من البشر لما استطاعوا التفريق بين الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والأبيض والأسود، والذكر والأنثى، الكل رجعوا إلى أصلهم وهو التراب.
ولو شاء الله تعالى لخلق الناس من ذهب، وإذا لتعالى بعضهم على بعض، ولكن من رحمته للإنسان خلقه من تراب.
ومع هذا فالتراب عظيم لأنّه ورد في كتاب عظيم، وذكره رب عظيم، فأنا أعظم التراب بعدم التعالي والكبر، أجلس مع الفاجر لأنصحه، ومع الكافر لأبلغ له ديني، ومع أي إنسان كان لأنّه مثلي من تراب. (1/27)
صفحة 28
فالله لا يستحي أن يذكر التراب لأنه حق، والله لا يستحي من الحق، فقد أشار إلى الذبابة والبعوضة، فكل شيء في الكون لا يُستخف به، فهو عظيم، يدل على رب عظيم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} البقرة: 26.
وبما أنّ الكل من تراب إذا المؤمن لا يخشى أحدا لمال أو سلطة؛ بل يبلغ رسالات ربه إلى أيّ إنسان مهما كان جنسه أو لونه أو ماله أو جاهه، قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} الأحزاب: 39.
وبتبليغ رسالات الله إلى الكل نقضي على التمييز العنصري، والفتنة العمياء، التي قد تراق دماء بسببها، ويستعبد أناس بغير حق، فالكل من تراب، ويعود إلى التراب.
ألم نخلقكم من ماء مهين
قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} الطارق: 5 – 7.
تعتبر النطفة هي المرحلة الثانية من مراحل الخلق، وهي جزء من ستمائة مليون جزء من الماء الدافق أو ما يسمى بالمني.
ومن هذه الستمائة مليون يختار الله تعالى نطفة واحدة، ومع ذلك فهي لا تُرى بالعين المجردة؛ بل تحتاج إلى مكبر أقوى آلاف الأضعاف من رؤية العين المجردة.
والنطفة على عظمة خلقها فهي دليل واضح على ضعف الإنسان وحقارته، ومع ذلك زين له الشيطان الملعون أنّه شيء عظيم، فطغى وتكبر وعتا في الأرض بغير الحق. (1/28)
صفحة 29
وفي المقابل هذه النطفة الحقيرة التي يخرج الله منها إنسانا سميعا بصيرا يدلُ هذا على عظمة الخالق سبحانه، قال تعالى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} السجدة: 6 – 9.
والله تعالى وصف النطفة بأنّها شيء مهين أي حقير قال تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} المرسلات: 20.
والله تعالى قادر أن يبقي الإنسان ماء مهينا، وقادر أن يخلقه مباشرة، ولكنه أراد ذلك لِيُعلِمَ الإنسانَ حقيقته، فلا يغتر بنفسه، ولا يتكبر على خالقه، ولا يتعالى على بني جنسه، ولكي يعرف حقيقة خلقة، فإذا عرف ذلك عرف خالقه جلّ وعلا، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} الحج: 5.
خُلِقَ الإنسانُ من علق
قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} العلق: 1 – 2. (1/29)
صفحة 30
إذا رجع الإنسان إلى الوراء قليلا سيجد من مراحل خلقه العلقة، ومرحلة العلقة مرحلة ضعيفة بين المضغة والنطفة، حيث يكون الجنين في بدايته معلقا برحم الأم، قال تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} المؤمنون: 14.
وسورة العلق لم تسم بسورة الغلام أو الشاب، وإنّما سميت بسورة العلق، وفي ذلك إشارة إلى هذه المرحلة من مراحل الخلق، فأنت الآن قد تكون شابا يافعا، ولكنك لم تخلق هكذا مباشرة؛ بل كنت علقة ضعيفة لا تملك لنفسك نفعا ولا ضرا، فصرت شابا يافعا سميعا بصيرا فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
فمراحل الخلق بما فيها العلقة كلها ضعيفة، ولكنّ الله تعالى هيأ ما يحفظها ويرعاها قال تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} الزمر: 6.
والله تعالى عليم حكيم، عالم بما سنحتاج إليه في فترة وجودنا في هذه الحياة، بما في ذلك طبيعة خلق أجسامنا، مثلا: الله تعالى يعلم أننا سنحتاج إلى جهاز تنفسي وبولي، ومن حكمته سبحانه وضع كلّ شيء في موضعه، وقد علم بأننا بحاجة إلى سمع وبصر وشم، فأوجد كلّ ذلك بحكمة بالغة.
وأوجد لنا هذا الكون، وسخره لنا من نجوم وأشجار، ومياه وبحار، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} المؤمنون: 17. (1/30)
صفحة 31
والله تعالى عالم بأننا بحاجة إلى آيات بينات، تهب لنا النور في الحياة، فأنزل إلينا آيات بينات، نستمد النور منها، فكما أنّ النجوم تهب لنا النور في ظلمات الكون، كذلك الآيات البينات تهب لنا النور في ظلمات الحياة، قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} المائدة: 15 – 16.
وكما أنّ هذا الكون خلق محكما كذلك هذه الآيات محكمة في ترتيبها ووضوحها وتيسيرها، قال تعالى: {يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} يس: 1 – 2.
فمراحل الخلق دليل على وجود الخالق سبحانه، وفي الوقت نفسه هذه المراحل ناطقة بعلمه جلّ وعلا وبحكمته، فالإنسان مهما بلغ من القوة والنظارة هو بحاجة إلى خالقه، وفقير إليه سبحانه.
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم
قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف: 28.
من أراد الهداية الربانية فعليه بالجهد في سبيل تحصيلها، فإذا وجد الجهد وجدت الهداية، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} العنكبوت: 69. (1/31)
صفحة 32
ومن الجهد للحصول على الهداية الصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ، والذين يذكرون الله كثيرا، ويتلون آياته ويتدبرون فيها ليلا ونهارا، فالإنسان يتلوا آيات ربه، ويتدبر فيها، ويذكر الله تعالى بها، قال تعالى: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} الكهف: 27، ومع هذا هو بحاجه إلى من يعينه على الصبر في الذكر، من مجالس جماعية يذكر الله تعالى فيها، فهي من الجهد الذي به يحصل الإنسان على الهداية، فبعد ما جاء الأمر بتلاوة القرآن أعقبه بالصبر مع جماعة الذاكرين الله تعالى كثيرا، قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف: 28.
فالجهد المؤدي إلى الهداية يتمثل في ثلاث جوانب: الجانب الأول ذكر الله تعالى بالتأمل والتدبر في الآيات البينات في القرآن والكون، والجانب الثاني الصبر في حلقات الذكر والتدبر، والجانب الثالث تبليغ الآيات البينات إلى الناس كافة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ذاكرا الله تعالى كثيرا في القرآن والكون، وصابرا مع الذاكرين المتدبرين، ومبلغا للآيات البينات ولم ينزوي على نفسه، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة: 67. (1/32)
صفحة 33
والناس مطالبون أيضا بالتبليغ، وسيسألون يوم القيامة عن ذلك، ومطالبون بالذكر الكثير طيلة وجودهم في هذه الحياة، فمن الناس من يذكر الله في رمضان، ويتلوا فيه آيات الله، ولكن ما أن يبدأ رمضان بالرحيل يبدأ الذكر بالتلاشي، وهؤلاء يكونون عرضة كبيرة للشيطان.
ومن الناس أيضا من يذكر الله في مكة ومزدلفة ومنى وعرفة، فإذا ذهب موسم الحج أو العمرة هُجِرَ الذكر.
لذا أمر الله تعالى بإقامة حلقات الذكر والتدبر؛ لأنها من الجهد الذي يساعد على مواصلة الذكر والإكثار فيه، وهذه تحتاج إلى صبر؛ لأنّ الشيطان يُركن النفس إلى متاع الدنيا الزائل، ويوسوس للناس رغبة منه في تجنيبهم هذه الحلقات، وبالتالي إيقاعهم بعيدا عن الهداية الربانية، {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.
فهذا موسى عليه السلام يطلب من ربه أن يجعل له وزيرا يعينه على الذكر الكثير، فهو لا شك كان ذاكرا الله تعالى كثيرا، ومعظما له بكرة وأصيلا، ومع هذا هو بحاجة إلى من يصبر معه، ويعينه على الذكر، وبالتالي يستطيع تبليغ الآيات البينات إلى فرعون وقومه، قال تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} طه: 24 – 35. (1/33)
صفحة 34
والمال والبنون من نعم الله تعالى في الحياة الدنيا، ولكن لا ينبغي أن تكون عائقا عن الذكر الكثير، وحاجزا عن مجالس الذكر؛ لأنها لا تغني عن الإنسان شيئا يوم القيامة، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} الكهف: 46.
والشيطان يحاول صرف المجالس عن ذكر الله تعالى، والانشغال بذكر الناس وعيوبهم، حتى يوقعهم في المعاصي القلبية والظاهرية، لذا تجد الكثير من الناس تشمئز قلوبهم عندما يُذكر الله تعالى في المجالس، بينما يفرحون إذا ذكر الذين هم من دونه، قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} الزمر: 45.
بينما المؤمنون يفرحون بما يُتلى عليهم من الآيات البينات، ويبتهجون بذكر الله تعالى، قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} التوبة: 124 – 125.
ولذا فالمؤمنون باجتهادهم وصبرهم تحصلوا على الهداية، ورفعتهم إلى منزلة الإحسان، فاستحقوا المعية الإلهية، قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} العنكبوت: 69.
والمعية الإلهية صنفان: معيّة عامة تشمل الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم، وهي معية المراقبة والنظر والعلم، قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الحديد: 4. (1/34)
صفحة 35
ومعية خاصة لا تكون إلا لأهل التقوى والإحسان، وهي معية النصر والتأييد والهداية والرحمة والمغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} النحل: 128، وهؤلاء لن يضيع الله أعمالهم يوم القيامة، قال جلّ شأنه: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} هود: 115.
الخلاصة: دخول الجنة، والتأييد الرباني في الدنيا والآخرة لا يتحقق إلا للمحسنين الأتقياء، الذين هداهم الله تعالى بعد ما علم حسن اجتهادهم في الذكر الكثير، وصبرهم على ذلك في مجالس الذكر، وتبليغهم لهذا الذكر العظيم إلى الناس كافة.
وأنذر عشيرتك الأقربين
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} الأحزاب: 41 - 43.
يطالبنا الله تعالى بالذكر الكثير؛ لأنّ الشيطان يريد أن يبعدنا عن ذكر الله تعالى، فنكون عرضة لوساوسه وأمانيه، وبالتالي البعد عن الهداية والنور الرباني، قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} المجادلة: 19.
ولتحقيق هذا الذكر الكثير يتمّ بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الحلقة الجماعية في المسجد أو الحي أو القبيلة أو العشيرة أو الأماكن الجماعية، حيث يُذَكر الناسُ بالله وآياته البينات، وبسننه وقوانينه، وبوجوب طاعته واتباع أمره، والتحذير من القرين والشيطان ووساوسه. (1/35)
صفحة 36
ولقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته الأقربين، قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} الشعراء: 214، ونحن مطالبون بالاقتداء به عليه الصلاة والسلام قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب: 21.
ونلاحظ من الآية أنّ الذي يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم حقا هو الذي تحقق معه أمران: الاستعداد للقاء الله تعالى، والذكر الكثير، أما أن تكون الأسوة مجرد شكليات في الهيئة، أو ترديد الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن في المقابل خشيته من الله تعالى قليلة، وذكره له قليل، بجانب آخر لا يقوم بدور التبليغ والإنذار؛ فهذا ليس متأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولو ادعى ذلك بلسانه أو شكله.
المرحلة الثانية: الحلقة الصغيرة في الأسرة مثلا، حيث يجتمع فيها أفراد قليلون، ويذكرون الله تعالى كثيرا بتلاوة كتابه وتعظيمه، مع التدبر وإنزاله إلى الواقع، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} التحريم: 6.
المرحلة الثالثة: مرحلة التفكر والنظر، وذلك عندما يكون الإنسان بنفسه، يتفكر في آيات القرآن الكريم ويتدبر فيها، وينزلها إلى واقعه، ويتدبر في آيات الكون المنظور ويتأمل فيه، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الجاثية: 13. (1/36)
صفحة 37
وأولوا الألباب هم الذين يتفكرون في خلق الكون، وليست هي درجة معينة في الجنة كما يتصورها البعض؛ بل يجب أن يكون كلُّ مؤمن من أولي الألباب الذين لا يفتحون للشيطان مجالا للوسوسة والتزيين، وذلك بتعظيم الله تعالى بالتدبر والنظر في كل دقيقة وثانية تعيشها في هذه الحياة القصيرة، فتستحضر عظمة الله تعالى، فيلقي الله النورَ في قلبك، فيصبح حاجزا عن وسوسة شياطين الإنس والجن، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} آل عمران: 190 – 191.
فالله تعالى بين أنّ أولي الألباب لا يذكرون الله في المسجد فقط وينسونه خارج المسجد، ولا يكتفون بذكره في الجمعة أو رمضان أو الحج وبعدها لا يذكرون الله إلا قليلا، فهؤلاء هم الغافلون الذين يكونون عرضة للشيطان الذين لا يوجد في قلوبهم النور الذي يدفع عنهم الوسوسة والتزيين.
أما ألو الألباب فيذكرون الله كثيرا في المسجد وخارجه، في الجُمع وسائر أيام الأسبوع، وفي رمضان وغيره من الشهور، وفي الحج وغيرها من المواسم.
فبذكرك الله تعالى كثيرا في هذا الكون تتعرف على خالقك، فتكون معظما له حق العظمة، واقفا عند حدوده وأوامره، فمن الناس من يتفكر في الخالق ولا يتفكر في المخلوق، فهؤلاء ما قدروا الله حق قدره، قال تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج: 74.
فأنت لو دخلت معرضا لبيع الحواسيب، ستتعرف على عظمة الصانع من خلال معرفة مكونات ودقة عمل الحاسوب، ولن يخطر ببالك شكل الصانع، ولن تسأل عن ذلك أصلا. (1/37)
صفحة 38
وما هذا الكون إلا معرض لمعرفة الخالق وعظمته، فلن تتعرف عليه وعلى صفاته إلا بالتدبر والنظر فيه، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} آل عمران: 190 – 191.
وكأين من آية يمرون عليها وهم عنها معرضون
قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} يوسف: 105 – 106.
بعض الناس يتسلقون الجبال، لا يتسلقون إلا للرياضة فحسب، ويغيب عن أذهانهم هذا المخلوق العظيم، فلو تأملوا فيه مليا لتوصلوا إلى عظمة الخالق وحكمته، وكانوا بذلك من الذاكرين الله تعالى كثيرا.
وبعضهم من يسافر في أنحاء الأرض طالبا للنزهة والتمتع، فيمر على عجائب مخلوقات الله تعالى، ومع ذلك لا يكون حظه إلا ظاهر هذه المخلوقات من حيث الجمال والبديع الحسي، بينما يغيب عنه خالق هذه المخلوقات وعظمته تعالى.
الذاكرون الله كثيرا هم الذين يتفكرون في هذا الكون العظيم، ويسيحون فيه، وبذلك يدركون عظمة الله تعالى، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} آل عمران: 190 – 191. (1/38)
صفحة 39
فهذا الكون العظيم هو ذاته بستان للذاكرين، به يدركون عظمة الخالق الحكيم، فتنزل الخشية في قلوبهم، ومع الذكر الكثير يشع النور في هذه القلوب، فيتحول هذا النور إلى واقع سلوكي متمثلا في الهداية الربانية التي تكون حاجزا عن الوسوسة والتزيين الشيطاني، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} آل عمران: 190 – 195. (1/39)
صفحة 40
أما الغافلون فيمرون في آيات الكون ولا تحدث في نفوسهم شيئا، فمنهم من ينبهر بجمالها فيضعها لوحة فنية في بيته أو معمله، ومنهم من يضعها مرتعا يسيح فيها للتسلية والجمال، ومنهم من يبحث في بعض خصائصها الجيولوجية وأصل تكوينها، فهؤلاء كالأنعام بل هم أشدّ، آيات واضحة تدل على الحكيم العليم، يمرون عليها وهم معرضون مستكبرون، قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف: 179، وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} الفرقان: 44 – 50.
فالذكر كما يكون بالآيات المتلوة، يكون كذلك بآيات الكون المحسوسة والمرئية، فكن من الذاكرين الله كثيرا، قياما وقعودا وعلى جنب، ولا تكن من الغافلين، تنل الهداية الربانية، وتحض بالرحمات الإلهية.
وجاء بقلب منيب (1/40)
صفحة 41
قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} عبس: 24 – 32.
القانون الإلهي يقول: النظر الكثير في الكون + (التسبيح الكثير + الذكر الكثير) يؤدي إلى غسيل القلب من الأوساخ الباطنية، وبالتالي يقذف الله تعالى فيه نورَ الهداية، والنتيجة: سيكون القلب مُحاطا بسور ضد الوساوس والتزيين الشيطاني، وبهذا يكون الإنسان قد هيأ نفسه لرضوان الله تعالى، قال تعالى: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} الشعراء: 87 – 89.
والتوبة الصادقة تبدأ بالنظر الصادق في الكون قال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} ق: 6 – 8.
ومنيب من أناب، أي بمعنى تاب ورجع، والتوبة أمر إلهي قبل الموت، وفي كل لحظة من لحظات الوجود؛ لأنّ الإنسان لا يدري متى يفجعه ريب المنون، قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} الزمر: 53 – 54. (1/41)
صفحة 42
والعبد المنيب كثير التوبة والرجوع إلى الله تعالى، والنظر في الكون يذّكر بالله تعالى وعظمته وجبروته، والإكثار في النظر الكوني يؤدي إلى تعظيم الله وخشيته، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} آل عمران: 190 – 191.
وتعظيم الله وخشيته يجعل الناظر في الكون دائم الرجوع والإنابة إلى الله تعالى، وبهذا يغسّل قلبَه من أوساخ الشرك الخفي، وأدران المعاصي، فيكون القلب مهيأ للقاء الله تعالى، والفوز برضوانه، قال تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} ق: 31 – 35.
فالتوبة الصادقة تبدأ بالنظر، والنظر الصادق يولّد الندم على المعصية، ومن آثار الندم عدم الرجوع إلى المعصية والعزم على ذلك، قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} المائدة: 83 – 85. (1/42)
صفحة 43
أما مجرد من يخادع الله تعالى بالدموع الكاذبة، وينتهك حرمات الله تعالى في الخفاء، ويدّعي التوبة والإنابة؛ فهذا لا يخفى على الله جلّ وعلا، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} إبراهيم: 42.
ومن الناس من يذهب إلى الشاطئ للاستحمام والرياضة، وشواطئ الأنهار والبحار أكبرُ دلالة على الخالق جلّ وعلا، ومع ذلك يحاربونه بكشف العورات، وانتهاك المحرمات، وقد كان بإمكانه أن يجعل من الشاطئ أكبر سائق إلى التوبة الصادقة، والإنابة المخلصة، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} البقرة: 164.
وإذا جئنا إلى الجمل مثلا، والذي يُسمى بسفينة الصحراء، وقارناه بالسيارة؛ نجد بينهما فروقا عديدة، فالله تعالى يسيّر الجمل لمسافات شاسعة ولا يحتاج إلى ماء، بينما السيارة لمسافات محددة تحتاج إلى وقود، فمن الذي هيأ الجمل لتحمل هذه المسافات؟ ومن الذي خلق له ذلك الخزان الضخم؟ إنّه الله القدير.
الجمل يستطيع المشي ولو مع وجود الغبار الكثيف، بينما السيارة لا تستطيع مواصلة السير مع كثرة الغبار، فمن الذي وضع لأعين الجمل تقنية خاصة ضد الغبار؟ إنّه الله الحكيم، قال تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الغاشية: 17. (1/43)
صفحة 44
وهناك أناس خرجوا من الكرة الأرضية، ونظروا إلى ما هو أكبر من الأرض، ومع ذلك لم يؤمنوا بالله وحده، ولم ينقادوا له؛ لأنهم نظروا فقط إلى الكون كمعلومات بحته، ولم ينظروا إليه كذكر لله تعالى؛ فيزيدهم قربا له تعالى وخشية، قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} يوسف: 105 – 106.
والمؤمن هو الذي ينظر في الكون نظر تفكر، وتراه يسأل نفسه –مثلا-: من أوجد هذه الآية وكوّنها على هذه الصفة الرائعة؟! ولماذا أنا عاجز عن إيجاد مثلها؟!! قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} الواقعة: 58 – 72. (1/44)
صفحة 45
وأنت كذلك مطالب أن توجه إلى نفسك السؤال ذاته، وفي خلاصة توجيه السؤال إليك ستجد أنك عاجز عن ذلك، وستدرك هنا عظمة الخالق جلّ وعلا، وحينها تقرُّ بتنزهه سبحانه، فتخر له خاضعا مسبحا، قال تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} الواقعة: 73 – 74.
وهنا عندما تدرك عجزك وعظمة خالقك، حينها تكثر من الذكر له سبحانه وتسبيحه، ليلا ونهارا، بالغدو والآصال، قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} الأعراف: 205 – 206.
وبهذا يصفو قلبك، ويتخلص من الأوساخ والأدران، ويصبح مهيأ للنور الإلهي الذي يقودك إلى الهداية الربانية، ويصبح التسبيح والذكر الكثير حاجزا عن وساوس الشياطين وتزيينهم لك، وتكون من المخَلصين الذين يفدون إلى ربهم بقلب منيب.
آلله خير أمّا يشركون
قال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} النمل: 59 – 60.
القانون الإلهي يقول: النظر الكثير في الكون + (التسبيح الكثير + الذكر الكثير) يؤدي إلى غسيل القلب من الأوساخ الباطنية، وبالتالي يقذف الله تعالى فيه نورَ الهداية، والنتيجة: سيكون القلب مُحاطا بسور ضد الوساوس والتزيين الشيطاني، وحينها لن يستطيع القرين من شياطين الجنّ أو الإنس العبور إلى القلب. (1/45)
صفحة 46
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يوجد إله مع الله تعالى؟ كالشجر أو الحجر أو الكواكب أو القرين مثلا!!
والجواب: لا إله إلا الله، ومع هذا تجد العديد من الناس يؤمنون بهذه الجملة من حيث العموم، فلا يتقربون لصنم أو حجر أو شجر، ومع ذلك يشركون بالله شركا خفيا؛ لأنّ القانون الإلهي اختل؛ حيث لا يوجد الذكر والتسبيح الكثير، من هنا يكون القلب فارغا من نور الله تعالى، ولا يوجد السور الذي يحجزه عن ووسوسة وتزيين القرين، مثاله: استعداد الناس لتنفيذ أوامر المخلوقين بحذافيرها، وفي المقابل يقصرون تقصيرا عجيبا في تنفيذ أوامر الله تعالى، بل ومنهم من ينفذ أوامر المخلوقين ولو كانت مخالفة لأوامر الخالق، وهذا هو الشرك الخفي، والله تعالى يقول: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} النمل: 59.
والشرك الخفي هو عبادة القرين من دون الله تعالى، ولو ادعوا عبادتهم لله تعالى، قال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} الأنعام: 22 – 24. (1/46)
صفحة 47
والنظر في الكون يعين الإنسان على التوحيد الصادق لله تعالى، توحيدا صادقا ظاهرا وباطنا، فكل شيء في الكون يسبح الله تعالى وينزهه، ويمجده ويعظمه، فأنت تستشعر عندما ترى هذه المخلوقات العظيمة في الكون من نجوم ونبات وأحجار وغيرها؛ أنّك في حلقة ذكر وتسبيح لله تعالى، قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} الإسراء: 44.
وكلّ ما في الكون هو من نعم الله تعالى المسخرة للإنسان، فإذا كانت هذه النعمة مسخرة لك وهي تسبح ربها؛ فمن الأولى أن تكون أنت كذلك مسبحا لخالقك ومعظما له تعظيما مطلقا، ظاهرا وباطنا، قال جلّ وعلا: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} إبراهيم: 32 – 34.
فكل شيء سخره الله تعالى لك هو من نعم الله تعالى التي لا تعدُّ ولا تُحصى، وذكرك لهذه النعم تجعلك تستحضر أنّها ليست لك؛ إنّما هي ملك لله تعالى وحده، سخرها لك لفترة بسيطة ثمّ تعود إلى خالقها جلّ وعلا، قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} غافر: 16. (1/47)
صفحة 48
وبما أنّ صاحب النعم ومالكها هو الله تعالى وحده؛ فالله تعالى قادر على سلبها وأخذها في أي وقت شاء، فأعضاء جسمك من النعم الإلهية، وهو مالكها وحده، فمتى ما عصيت قادر على سلبها وأخذها منك، في أي وقت شاء، {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} إبراهيم: 6 – 7.
والكافر هو من يعرف النعم ولا يذكر الله تعالى بها، بل قد يستعملها في معصية الله تعالى ومحاربته، قال سبحانه: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} إبراهيم: 34.
والإنسان يؤمر أن يذكر نعم الله تعالى؛ ليكون معترفا بفضل الله تعالى وحاجته إليه، فيذكر الله تعالى بهذه النعم، قال تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} يوسف: 101.
وكلما كان الإنسان ذاكرا لنعم الله تعالى كلما كان موحدا له جلّ وعلا، غير مشرك به أحدا، قال سبحانه: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} النحل: 17 – 18. (1/48)
صفحة 49
وذكرك للنعم أن تنسبها للمنعم الحقيقي وهو الله تعالى، فيوسف عليه السلام نسب النعم إلى الله تعالى وحده، قال جلّ وعلا: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} يوسف: 100 – 101.
أما الكافر لنعم الله تعالى فهو ينسب النعم لنفسه، مع افتقاره إليها، لذا لا تحدث تغييرا لواقعه، ولا تقوده إلى ذكر به سبحانه، قال الله تعالى حكاية عن فرعون: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} الزخرف: 51.
كذلك قارون نسب فضل نعمة المال عليه إلى نفسه، قال تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} القصص: 78. (1/49)
صفحة 50
الخلاصة النظر الكثير في النعم، ونسبتها إلى منعمها الحقيقي + (التسبيح الكثير + الذكر الكثير) يؤدي إلى غسيل القلب من الأوساخ الباطنية، وبالتالي يقذف الله تعالى فيه نورَ الهداية، والنتيجة: سيكون القلب مُحاطا بسور ضد الوساوس والتزيين الشيطاني، وحينها لن يستطيع القرين من شياطين الجنّ أو الإنس العبور إلى القلب، وتكون موحدا له تعالى وحده لا شريك له سبحانه.
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} الأنعام: 95 - 96.
القانون الإلهي يقول: النظر الكثير في الكون + (التسبيح الكثير + الذكر الكثير) يؤدي إلى غسيل القلب من الأوساخ الباطنية، وبالتالي يقذف الله تعالى فيه نورَ الهداية، والنتيجة: سيكون القلب مُحاطا بسور ضد الوساوس والتزيين الشيطاني، وحينها لن يستطيع القرين من شياطين الجنّ أو الإنس العبور إلى القلب، ومن ثمّ يمنُّ الله على عبده بالهداية الربانية، ويعرّفه بنفسه.
بالنظر في الكون يدرك الإنسان علم الله تعالى، فهو الذي أو جد الكون في منتهى الدقة، ولا يمكن أن يتحصل ذلك من عنده علم بسيط، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} الأنعام: 95 - 96. (1/50)
صفحة 51
أما علم الإنسان فعلمه قاصر وبسيط، فالغيب سمي غيبا نسبة إلى المخلوق الذي غاب عن علمه أمور كثيرة، أما الخالق جلّ وعلا فليس عنده شيء يسمى غيبا، فهو يعلم ما كان وما سيكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، يعلم ما في البر والبحر، مثلا: يعلمُ عدد السيارات في جميع الطرق في العالم في اللحظة الواحدة، قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} الأنعام: 59.
بينما علم الإنسان قاصر، فهو مثلا لا يعلم عدد النمل في العالم، ولا يعلم عدد الأسماك في البحار، فالبحار مثلا تمثل ثلاثة أرباع الأرض، توصل الإنسان إلى معرفة حوالي مليون نوعا منها، بينما يعجز عجزا شديدا في معرفة عدد هذا المليون نوع من الأسماك، والله تعالى وحده هو الذي يعلم ذلك، قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} الأنعام: 59.
وبين تعالى ما يعلمه فِي كِتَابٍ مُبِينٍ أي أنّه عالم بما سيقع قبل خلق الكون، أما نحن معاشر البشر فعلمنا يكون بالتحصل، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} سبأ: 3. (1/51)
صفحة 52
فالله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة، وقد توصل علماء الفيزياء والكيمياء إلى أنّ النواة تتكون من اليكترونات ونيترونات وهي لا تُرى بالعين المجردة، ومع هذا قد يختلف الفيزيائي عن الكيميائي في تعريف الذرة وتحديدها؛ لذا قال تعالى: وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
ومن علم الله تعالى أنّه أنزل قرآنا نورا وهدى للإنسان، قال تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} النساء: 166.
ونجد الناس يهتمون بما توصل إليه علم البشر من قوانين؛ بينما لا يهتمون بعلم الله تعالى، لذا لم يقل الله تعالى: والإنسان يشهد؛ لأنّه لا قيمة له حيث لا يهتم بقوانين علم الله تعالى، لذا قال: والملائكة يشهدون؛ لاهتمامهم بمعرفة قوانين علم الله تعالى، وإلا فالأصل وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
والله تعالى يعلم حال الإنسان عندما يوضع في قبره، وما الأول من جسمه الذي يبدأ بالتحلل، قال تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} ق: 4.
وعندما نعلم أنّ الله تعالى عليم هنا يتبادر لنا هذا السؤال: كيف ينزل علم الله تعالى إلى قلوبنا؟ والجواب: يكون ذلك باستمرار التفكر في سعة علم الله تعالى من خلال التفكر والتدبر في القرآن الكريم، وفي مخلوقات الله العظيم في الكون، حينها لن يكون إدراكنا لعلمه تعالى مجرد معلومات بحته، وإنما ذكر نذكر الله تعالى به لنتحصل على الهداية الربانية.
وعندما تتأمل وتتدبر في علم الله تعالى في القرآن تدرك رقابة الله تعالى عليك قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} المائدة: 7. (1/52)
صفحة 53
فهو سبحانه عالم بما تكنه الصدور من وساوس وخبايا، قال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} الملك: 13.
فأنت إن أسررت قولك أو جهرت به فالأمر سيان عند الله تعالى، قال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الملك: 13 – 14.
فقد تسر أمورا في قلبك تندم إذا فعلتها، فذكرك اسم الله العليم يجعل تراجع نفسك قبل الفعل، وتتجنب كل ما لا يرضي الله تعالى من وساوس قلبية؛ لأنك أدركت علم الله تعالى بها.
فلا بدّ أن تذكر اسم الله تعالى العليم في كلّ ما تسر به وتعلنه، فالذي لا يذكر اسم الله العليم لا يعرف الله جلّ جلاله، فالله تعالى يعلم ويرى خفاياك وأسرارك، كما أنه يعلم ما تفعله في الظاهر، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران: 5 - 6.
إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
قال تعالى: {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} لقمان: 16. (1/53)
صفحة 54
القانون الإلهي يقول: النظر الكثير في الكون + (التسبيح الكثير + الذكر الكثير) يؤدي إلى غسيل القلب من الأوساخ الباطنية، وبالتالي يقذف الله تعالى فيه نورَ الهداية، والنتيجة: سيكون القلب مُحاطا بسور ضد الوساوس والتزيين الشيطاني، وحينها لن يستطيع القرين من شياطين الجنّ أو الإنس العبور إلى القلب، ومن ثمّ يمنُّ الله على عبده بالهداية الربانية، ويعرّفه بنفسه.
الفيزيائي قد يتعرف على بعض مكونات الذرة ولكنه لا يستطيع الهيمنة عليها؛ بينما الله تعالى فيعلم ما في الذرة جميعا، وفي الوقت نفسه مهيمن عليها، قال تعالى: {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} لقمان: 16.
المشرك لا يعرف معنى المهيمن، لذلك يشرك إلها مع الله تعالى، قال سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} الحشر: 23.
ولذا كان تحذير لقمان لابنه كان أولا عن الشرك؛ لأنّ الله تعالى هو المهيمن على جميع الشركاء، ولو فقه المشرك هيمنة الله تعالى عليها لما أشرك بالله جلّ وعلا، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان: 13. (1/54)
صفحة 55
ثمّ أمر لقمان ابنه بالصلاة والخشوع فيها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبعض الأدبيات المهمة بعد ما بين له هيمنة الله تعالى على كلّ شيء، ومنها أصغر شيء وهي مثقال الذرة التي لا تُرى بالعين المجردة، فإدراكك لهيمنة الله تعالى حق الإدراك يقودك إلى الخشوع في الصلاة، والصبر في التبليغ، والتقيّد بأدبيات القرآن العظيمة، قال تعالى: {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} لقمان: 16 – 19.
وهذا الكون العظيم هو تحت هيمنة الله تعالى عليه، فهو أصله دخان، والدخان يعتقد العديد من الناس أنّه يسير عشوائيا، والحقيقة أنّه يسير تحت علم وهيمنة الله عليه، قال تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فصلت: 9 – 11. (1/55)
صفحة 56
هذا الكون يحتوي على ملايين المجرات، وكلُّ مجرة فيها ملايين النجوم، وكلُّ نجم من هذه النجوم يسير في مدراه الخاص به دون أن يصطدم بالآخر؛ بينما القطار مثلا، والذي وضع له الإنسان مدارا وسكة خاصة قد يصطدم بقطار آخر، وذلك لأنّ هيمنة الإنسان وعلمه بسيط قاصر محدود، بينما النجوم في الكون تمشي في مدراها الخاص منذ ملايين السنين دون أن تنحرف أو تصطدم بغيرها، قال تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس: 38 - 40.
وهذه الكرة الأرضية تسير في مدارها بسرعة شديدة، والإنسان الذي يعتبر ذرة بسيطة منها لا يحس بحركتها؛ لأنّ الذي هيمن على حركتها هو الله تعالى.
وجسم الإنسان نفسه يحتوي على آلاف الخلايا العصبية، والله تعالى هو المهيمن على هذه الخلايا، وهو القادر وحده على تعطيل سيرها، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} لقمان: 20.
وأيُّ نعمة في الجسم البشري هي من الله تعالى وحده، وهو وحده القادر على تعطيلها ورفعها؛ لأنّه وحده المهيمن عليها، قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} النحل: 53. (1/56)
صفحة 57
وإذا عطّل الله تعالى نعمة واحدة من آلاف النعم في الإنسان نراه يجأر إلى الله تعالى بالدعاء والصدقة والتضرع، وإذا رفع البلاء عنه رجع إلى شركه، وادعى أنّ الطب وحده وراء شفائه ومعافاته، قال سبحانه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} النحل: 53 - 54.
والله تعالى وحده قادر على رفع النعم؛ وهو الذي يعلم مكوناتها وخلاياها، وفي الوقت نفسه مهيمن عليها، لذا هو قادر على رفعها، بل وإبدالها بخلايا أخرى، فهذه عصى موسى عليه السلام حيث حول الله تعالى ذرات العصا النحيفة إلى ذرات أفعى سامة، قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} طه: 17 – 20.
والله تعالى قادر بكل يسر وسهولة على إرجاع ذرات الخلايا من جديد كما كانت عليه، فقد أرجع ذرات العصا بعد ما تحولت إلى ذرات أفعى، قال تعالى: {قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} طه: 21.
لذا الله تعالى قادر أن يرفع عن المخلوق الذي تعود على النظر الحرام نعمةَ العين في أيّ لحظة لأنّه هو المهيمن عليها وحده جلّ وعلا، فالقانون الإلهي يقول: أيُّ ذرة في الكون الله تعالى قادر على تحويلها إلى ذرات أخرى، فالله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران: 5 – 6. (1/57)
صفحة 58
ففقهك لهذا القانون يجعلك تراقب الله تعالى وتذكره خشية أن يرفع عليك نعمه الظاهرة والباطنة، فتفكرك وذكرك في القرآن والكون تدرك بذلك هيمنة الله تعالى، فيزيد خشوعك وتضرعك وذكرك، فيصبح قلبك غير مهيأ للوساوس والتزيين الشيطاني، وحينها يمن الله عليك بالهداية الربانية، ويبارك لك في نعمه وآلائه.
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ
قال تعالى: "وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ " [الأنعام/17، 18].
عالم النعم له علاقة بعالم الضر، وكلاهما من عالم الشهادة، فأي شيء يحدث في الكون إما نعمة وإما ضر، قال تعالى: "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ" [الحشر/22].
عالم النعم يدلنا على كثير من أسماء الله تعالى، وكذلك أيضا عالم الضر، وقد تدرك بهما بعض المعاني دون الاسم.
من أسماء الله تعالى التي تظهر جليا في عالم الضر الكاشف، يقول تعالى: "وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [الأنعام/17].
فأنت حينما تفقد النعمة تدرك قيمة من أوجدها، هنا تلجأ إليه تعالى أن يدفع عنك الضر ويرجع إليك النعمة، قال تعالى: "وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ" [النحل/53، 54]. (1/58)
صفحة 59
فالله تعالى هو المالك الحقيقي للنعمة، وكما أنّه أوجدها فهو قادر على رفعها، وإذا رفعها قادر على كشف الضر عنها، قال تعالى: "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [آل عمران/26].
فأنت عندما تتنعم بنعمة فهذا لا يعني أنّك قد ملكتها ملكا حقيقيا؛ بل هو ملك إضافي، والمالك الحقيقي هو الله تعالى، ولكنك تتصور نفسك المالك الحقيقي، فلا تشعر بقيمة الله تعالى إلا عندما يرفعها عنك، حينها تجأر إلى الله تعالى طالبا دفع الضر وكشفه، قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [يونس/12].
أنت قد ترى عزيزا من الناس لمال أو جاه أو صحة وقوة؛ في ثانية واحدة ينقلب ذليلا، فيصبح فقيرا بعد غنى، وسقيما بعد صحة وقوة، فلله تعالى الملك، يعز به أناسا، ويذل به آخرين، قال تعالى: "قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [آل عمران/26]. (1/59)
صفحة 60
من أراد العزة الحقيقة فعليه الارتباط بالله تعالى، فهو المعز المذل، من هنا تجدَ المنافق يجعل نفسَه عزيزا أمام المؤمن، لكنه أمام الكافر حقير ذليل، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ" [المائدة/51، 52].
والقانون القرآني يظهر من هذه المعادلة: (يُعطي ... ينزع ... يكشف) فالله يعطي النعمة، وهو المختص بنزعها، وعلى هذا فهو قادر على كشفها.
فكل نعمة في الكون كانت من قبل الله تعالى وحده، وكل نزع لها كان النزع من قبل الله تعالى، لذا هنا الناس يلجأون إليه، فإذا كشف الضر أشركوا مع الله غيره.
فإذا أصيب الإنسان مثلا بداء في عينه أذهب بصره، يتخذ كل الأسباب لإرجاع البصر، وينفق في ذلك وقته وماله، فإذا انعدمت الأسباب الحسية تراه يجأر إلى الله تعالى، ويتضرع إليه، فإذا كشف الله الضر أشرك مع الله إلها آخر، زاعما أنّ رجوع بصره كان بفضل الأسباب الحسية، ونسي الكاشف الحقيقي، قال تعالى: ""وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [الأنعام/17].
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ
قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} الأنعام: 18. (1/60)
صفحة 61
إذا تعرفت على المالك والمهيمن والكاشف اتضح لك القاهر جلّ وعلا، فرغم ادعاء العلماء أنّهم اكتشفوا واستنتجوا؛ إلا أنّ الله تعالى يبين لهم أنّه قاهر قادر، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} الزمر: 38.
لذا المؤمن الذاكر حين يدرك قهر الله تعالى وقدرته، وهيمنته وعظمته؛ يعيش مطمئنا في جميع أحواله، ساكن النفس في سائر أوقاته، فلا يقلق ولا ينزعج؛ لأنّه يعلم أنّ كلّ ذرة في هذا الوجود بيد الله تعالى وحده، قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} يونس: 107.
نعم قد يُصاب أحيانا ولكنه ليس عن عادة ومرض، لذا سرعان ما يزول، فتنزل في نفسه السكينة والطمأنينة.
أما الغافلون فمن أمراضهم القلق والخوف والاضطراب النفسي، لأنّهم هجروا القرآن، فنزلت بهم الأمراض النفسية، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} طه: 124 – 126. (1/61)
صفحة 62
الضر بيد الله وحده، لا ينزله إلا هو، ولا يكشفه إلا هو وحده، ولو اجتمع أهل العالم أجمع على أن يمنعوا الضر فلن يستطيعوا؛ لأنّ الله تعالى أراد ذلك، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} الزمر: 38.
نعم توجد معطيات وأسباب أوجدها الله في هذا الكون، ولكن لا نتوكل عليها، فقد نبحث عنها من باب الأخذ بالأسباب، أما التوكل التامّ فيكون بيد الله تعالى وحده؛ لأنّه المسبب الحقيقي لا شريك الله، قال تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} الزمر: 38.
والقانون القرآني يقول: أيُّ إنسان لا يتوكل على الله تعالى، ويرى الأسباب هي كلّ شيء، أنّ الله سيخيّب ظنه، ويريه من الآيات.
والدليل: الإنسان متعلق بحب الدنيا، لذا يحبُّ الخلود فيها ويكره الموت، قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} البقرة: 96.
ومن الناس من عنده ملايين الريالات، فإذا أصابه مرض وهو الضر تراه يبحث عن العلاج ولو مقابل ما ادخره من نقود، وذلك نتيجة طبيعة لغريزة حبّ البقاء. (1/62)
صفحة 63
فإذا أراد الله تعالى أن يكون هذا الضر نهاية لحياة هذا الرجل فلن يستطيع من في الأرض دفع الموت عنه؛ لأنّها إرادة الله تعالى وحده، ولا رادّ لإرادته.
الأطباء مثلا سيبذلون جهدهم لدفع الضر عن المريض، ومحاولة إعادة الحياة له، ولكن لا جدوى من ذلك، قال تعالى: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} الواقعة: 83 – 87.
هنا إرادة بقاء الحياة موجودة، والعلم كذلك موجود، ولكن إرادة الله تعالى هي الغالبة، ولا رادّ لإرادته جلّ في علاه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} الأنعام: 2.
فأجل الإنسان قضاه الله تعالى قبل ولادته، فالذاكر يتوكل على ربه، ولا يصيبه القلق والخوف من المستقبل، فهو يتوكل على ربه، قال تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} الزمر: 38.
والضر أخف من الموت، وهو من أسباب الموت، وكما أنّ الموت هو إرادة الله تعالى؛ فكذلك الضر أيضا، مثاله: اجتمع أشخاص على إلحاق ضر بشخص، إذا أراد الله تعالى عدم حصول هذا الضر فلن يستطيعوا، ولو وضعوا الخطط -مثلا- لقتله لم يفلحوا في خططهم إذا لم يرد الله تعالى ذلك، قال تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} الزمر: 38. (1/63)
صفحة 64
وكذلك إذا اجتمعوا لإنزال رحمة لشخص، إذا لم يرد الله تعالى إنزالها فلن تصل إليه، قال تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} الزمر: 38.
ولو اجتمعوا على إيقاف هذه الرحمة فستصل إليه إذا أراد الله تعالى ذلك، قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فاطر: 2.
فلو أراد رجل الزواج من امرأة ولم يرد الله ذلك، والكل قرر الزواج؛ لن يتمّ هذا الزواج؛ لأنّ الله لم يرد ذلك.
والعكس صحيح، لو لم يرد الناس الزواج من هذا الرجل وأراد الله تعالى؛ لتمّ هذا الزواج، لأنّ إرادة الله تعالى هي الغالبة القاهرة.
فمن أراد الرحمة فعليه بالله تعالى، مع الأخذ بالأسباب الحسية، وليتوكل على الله وحده، قال تعالى: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} الزمر: 38.
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً
قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} الأعراف: 205.
التضرع هو إظهار أنّك فقير من جميع النعم ولو كانت سليمة.
الخيفة هو الخوف من نزع الله تعالى لهذه النعمة. (1/64)
صفحة 65
والله تعالى لا يقبل دعاء شخص وهو يشعر أنّه مستغني، قال تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} القصص: 24.
الذكر بدون تضرع غير مقبول، فلا بد أن تظهر فقرك أمام الله تعالى، وأنّك محتاج إلى نعمه، ولو كنت غنيا تعيش في القصور، أو سليما معافى من الأمراض.
وفي الوقت ذاته في داخلك خوف أن يسلب الله تعالى منك هذه النعمة، قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} الأعراف: 205.
الذاكرون يدعون ربهم خوفا من سلب النعمة، وطمعا في نعم الله الواسعة، قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} السجدة: 16.
الذاكرون يعرفون عظمة الله تعالى، فيتركون الفراش الناعم، والنوم الهنيء؛ لأنّهم يخافون سلب النعمة، ويطمعون فيها.
أما الغافلون فلا يعرفون الله تعالى إلا في الشدة، فإذا حلت بهم مصيبة، أو سلبوا نعمة لجئوا إلى الله، وقد يقومون الليل فقط عند سلب النعمة، قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يونس: 12.
عندما تدرك أنّ الله تعالى هو صاحب النعمة، وهو الذي يكشف الضر؛ يجعلك لا تقنط من رحمة الله تعالى، فرحمته عامة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} مريم: 2. (1/65)
صفحة 66
في الآية قال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَتِ، ولم يقل "علم"، وإنما قال "ذكر"، أي اذكروا رحمة الله تعالى لزكريا، ليكون زكريا قدوة لكم وأسوة في الدعاء والتضرع والشكر حتى نال رحمت الله تعالى في الدنيا.
كذلك الله تعالى لم يقل "عذاب"، وإنما قال "رحمت"، إذ لماذا يعذّب الله زكريا وهو شاكر لأنعمه؟! قال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} النساء: 147.
الشيطان يقول: لو آمنت ما آمنت، واستقمت ما استقمت، ولو كنت شاكرا تقيا؛ لكنت معرضا لعذاب الله تعالى، والله تعالى يقول: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} النساء: 147.
والسؤال هنا: لماذا تحصل زكريا –عليه السلام- على رحمة الله تعالى؟ والجواب: لأنّه لم يقنط من رحمة الله تعالى.
والقانون القرآني يقول: أيُّ إنسان لم يقنط من رحمة الله تعالى الله يرحمه، والعكس صحيح، فلو قنط من رحمة الله حُرِمَ هذه الرحمة الربانية.
ورحمة الله تعالى لزكريا تمثلت في نعمة الولد عندما صار شيخا كبيرا، اشتعل رأسه شيبا، وامرأته عاقر، ومع ذلك لم يقنط من رحمة الله، فتضرع إليه تعالى موقنا بقدرته وإرادته الغالبة، {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} مريم: 4 - 6. (1/66)
صفحة 67
علم الله تعالى تضرع عبده زكريا، وتوسله إليه، مع شكره لأنعمه، فحق رحمة الله تعالى عليه، {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} آل عمران: 39.
هنا لعظم الموقف أشكل الأمر على زكريا قائلا: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} مريم: 8.
فأجابه الله تعالى قائلا: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} مريم: 9.
فإذا كانت هذه الحالة المستعصية هينة على الله تعالى، فما بالك بباقي النعم؟!!!
في المقابل الشيطان لا يريدنا أن ننهج هذا المنهج؛ لأنّ الله تعالى سيستجيب دعائنا، فزكريا حين ذكر قصته رهينا في التراب، فهو لا يستفيد منها شيئا، وإنما ذكرت لنا نحن لنقتدي به عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} الأنبياء: 89 – 90.
لماذا استجاب الله تعالى لزكريا؟
- لأنّهم كانوا يسارعون في الخيرات ...
- ويدعون ربهم رغبا ورهبا ...
- وكانوا خاشعين لربهم بالذكر الكثير ...
المسلمون يسارعون في الخيرات ولكن ببطئ شديد ...
ومنهم يدعو ربه في حين الشدة، وحلول المصيبة، وفقدان النعمة ...
ومن المسلمين من يفقدهم الخشوع في الذكر والاستجابة لله تعالى ... (1/67)
صفحة 68
فلإجابة الدعاء لا بد من التضرع الشديد في الرخاء والشدة، والخوف من فقدان النعمة، مع المسارعة في الخيرات، والخشوع له عزّ وجل. (1/68)