صفحة 1
الكتاب: نتعلم كيف نحفظ القرآن
المؤلف: سليمان بن محمد موسلمال
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) لسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على رسول الله
نتعلّم كيف نحفظ القرآن
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
مدرسة الفتح القرآنية – كاف حمودة
بريان - غرداية
هاتف: 029 84 65 37 / نقال: 0795 00 44 14
e-mail : elmal slimane @ gmail.com
الإيداع القانوني ... 2010 - 726
ردمك 9947 - 0 - 2854 - 4 978 -
رمضان 1431 / أوت 2010
نتعلم كيف نحفظ القرآن
روحيا و علميا
المقدّمة
الحمد لله ربّ العالمين حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، ومن أنزل إليه أفضل كتاب، وأحسن تنزيل، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإنّ كثيرا من عناصر الأمّة الإسلاميّة ـ أمّة القرآن ـ يتمنّون حفظ كتاب ربّهم، ويتأسّفون الأسف الشديد من عدم تحقيق ذلك في فترة طفولتهم، والتي تكون فيها الذاكرة تربة طيّبة، تُخرج نباتها الطيّب بإذن ربّها، وتستوعب ما لا يستطيع الكبار استيعابه ـ فالعلم في الصغر كالنقش على الحجر ـ.
والأسباب التي دعتني إلى اختيار هذا الموضوع هو عدم اهتمام كثير من عناصر الأمّة الإسلاميّة بهذا الكنز الثمين الذي وهبه لهم ربّهم، والذي جعل فيه أسباب هدايتهم، ونصرتهم، وبه يطوّرون طرق التفكير لديهم، هذا التفكير الذي أصبح موضع دراسة ومناقشة من كثير من المهتمّين بمستقبل هذه الأمّة.
وقد تعدّدت الطروحات والطرق التي أوردها كثير من العلماء التربويّين حول مشروع حفظ كتاب الله - عز وجل -، حيث ألّف حول هذا الموضوع كتب كثيرة تبيّن طرقا للسير في تحقيق مثل هذا الهدف.
فلا يخفى على أحد أهميّة هذا الهدف، الذي يعتبر أغلى وأعلى وأفضل هدف يحقّقه المؤمن في حياته.
ومن أجل بلوغ هذا الهدف، فقد حاولت في هذا العمل المتواضع الذي أطلب من الله - سبحانه وتعالى - أن يجعله في ميزان الحسنات، أن أرشد فيه القارئ الكريم إلى بعض الطرق الحديثة التي تعمل بها الذاكرة، والتي توصّل إليها الباحثون والخبراء بعد سنوات متواصلة من البحث. (1/1)
صفحة 2
ولا شكّ أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزل كتابه لخلقه بأسلوب يوافق المهارات التي تعمل بها الذاكرة في التعلّم والاستيعاب، لأنّه هو خلقها وجعل فيها طرقاً للحفظ توافق الأسلوب الذي أنزل عليه كتابه القرآن الكريم.
وقد اعتمدت في هذا المحاولة على بعض المراجع التي ألّفها بعض المهتّمين بهذا الموضوع مثل:
المحاور الخمسة للقرآن الكريم، كيف نتعامل مع القرآن، العودة إلى القرآن الكريم، كيف تحفظ القرآن الكريم، كيف نحفّظ أبناءنا القرآن الكريم، كيف نحيا بالقرآن الكريم، ورتّل القرآن ترتيلا، أسرار الذاكرة في حفظ القرآن الكريم.
كما اعتمدت بعض المراجع التي ألّفها بعض الخبراء في عمل الذاكرة، وبناء الذكاء، مثل:
الوصفة الطبيّة للذاكرة، العقل أوّلا، العقل القويّ، الذكاء الروحي، الذكاء الاجتماعي، كتاب تدريبات الذاكرة، كيف يعمل العقل.
أمّا الدراسات الكثيرة التي قام بها بعض الخبراء في هذا الموضوع فهي تهتمّ بالجانب الروحي للقرآن الكريم، وبجانب التلاوة الصحيحة، وأحكامها، وآداب تلاوته وحفظه وتثبيته، وحاولت أن أربط طريقة حفظه بطرق عمل الذاكرة، والتي توصّل إليها علماء الذاكرة بعد بحوث وتجارب متواصلة منذ سنوات متواصلة.
والشيء المهمّ الذي توصّلوا إليه هو أنّ الذاكرة تستطيع القيام بأيّة مهمّة تريد القيام بها، ولكن بشرط أن يثق بها صاحبها، وينظر إلى قواه العقليّة بنظرة إيجابيّة تفاؤليّة، مع عقد العزم على الوصول إلى تحقيق ما يريده.
فهذه القوّة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لكلّ واحد من خلقه ستصل إلى حفظ واستيعاب كلام خالقها - عز وجل -، عندما يعتقد صاحبها، ويؤمن بأنّه يستطيع القيام به، وأنّ الذاكرة البشريّة أقوى ممّا نعتقده، وهذا متى ما اتّبعنا التقنيّات التي تبني بها تلك القوّة، وتحافظ عليها في مختلف مراحل العمر. (1/2)
صفحة 3
إنّ علماء الذاكرة يخاطبون كلّ واحد منّا ويطمئنونه بأنّ الذاكرة تستطيع أن تقوم بهذه المهّمة وبغيرها من المهام الخاصّة بها بسهولة وبنجاح، إذا وضعنا فيها الثقة اللازمة لذلك.
ولكنّ الشيء المؤسف له أنّ أغلبيّة معلّمي القرآن الكريم يشتكون من صعوبة حفظ كلام الله - سبحانه وتعالى - على الجيل الحاضر، وعدم تعلّقهم به، وما ذلك إلاّ لجهل فضله الجليل، وعدم معرفة قيمة ومنزلة حامله عند الله - عز وجل -، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم اكتشاف قدراتهم التي وهبها لهم ربّهم - عز وجل -، وذلك ما نلمسه من كلامهم وشكاياتهم المتواصلة بأنّهم ضعيفوا الذاكرة، وأنّ زمن الحفظ قد ولّى مع الأجيال الماضيّة، وكأنّ هذا الجيل الحاضر قد خُلق على فطرة غير الفطرة التي فطر الله - عز وجل - عليها الأجيال السابقة، والله - سبحانه وتعالى - يقول في محكم كتابه:
{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}. - ... [الروم ـ 30]
إنّ جيلنا الحاضر لا يزال لم يعط لكلام ربّنا - سبحانه وتعالى - حقّه الذي يليق به، وقدره الذي رفعه إليه منزّله - سبحانه وتعالى -، لذلك لم يهتمّ به كامل الاهتمام، فلم يفتح الله - عز وجل - له أبواب الحكمة والعلم، ولم يسهّل عليه حفظه واستيعابه، وتدبّره، وفهمه، فالله - عز وجل - وحده هو الذي يجعل الوعر إن شاء سهلا.
ونطلب من ربّنا - سبحانه وتعالى - أن يتقبّل منّا هذا العمل المتواضع، وأن يفيد به عباده العاملين المخلصين والمجتهدين في حفظ كتابه، واستيعابه، وأن يجعله في ميزان الحسنات، وأن يهدي، ويعين به، ويوفّق جميع عباده إلى الاستفادة من هذا الكنز العظيم الذي أنزله إليهم ليكون لهم نورًا وهدايةً يقودهم إلى رحمته، وإلى جنّته. (1/3)
صفحة 4
اللهمّ ارحمنا بالقرآن الكريم، واجعله لنا إماماً ونوراً وهدىً ورحمةً، اللهمّ ذكّرنا منه ما نسينا، وعلّمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، واجعله لنا حجّةً بين يديك يا ربّ العالمين.
الفصل الأوّل
أهميّة حفظ القرآن
القرآن الكريم لغةً واصطلاحاً
القرآن لغة: مأخوذ من مصدر قرأ، بالهمز، يقرأ، قراءة، وقرآنا، واقترأ الكتاب: نطق بالمكتوب فيه، أو ألقى النظر عليه وطالعه.
قال في المنجد: القرآن الكريم هو كتاب المسلمين. قال - سبحانه وتعالى -:
- {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. - ... [فصّلت ـ 2ـ3]
ويسمّى أيضا الفرقان والذكر والتنزيل والمصحف والكتاب، تتناول آياته العقيدة والسنّة الأخلاقيّة والاجتماعيّة.
قال أبو عبيدة: سمّي القرآن لأنّه يجمع السور فيضمّها، وقد قال - سبحانه وتعالى -:
{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}. - ... [القيامة ـ 17ـ18]
قال ابن عبّاس: أي فإذا بيّناه لك بالقراءة، فاعمل بما بيّناه لك.
القرآن اصطلاحا:
القرآن: هو كلام الله - عز وجل - المنزّل على رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم -، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المعجز بسورة من سوره، وبآية من آياته، المجمع عليه من طرف العلماء جميعا، وقد تعبّد الله - سبحانه وتعالى - عباده بتلاوته.
والقرآن الكريم قد سمّاه ربّنا - عز وجل - مبين، بمعنى أوضح وأظهر، والأصل في الإبانة أن يوصف به المتكلّم، ولكن جعله الله - سبحانه وتعالى - وصفا لكتابه الكريم، وكأنّه ينطق، ويتكلّم، والقرآن يَدُلُنا على منهجه، وإذا أردنا أن نعبد ربّنا - سبحانه وتعالى - حقّ العبادة فعلينا أن نقرأ قرآنه الكريم، فبالكون نعرفه، وبالقرآن نعبده. (1/4)
صفحة 5
وإذا قرأنا القرآن، وأردنا حفظه، ولم نفكّر في منزّله - سبحانه وتعالى -، فكأنّنا ما قرأناه، لأنّه يأمُرُنا أن نفكّر، فإذا لم نفعل، فقد عطلّنا الآيات التي تأمرنا بالتفكّر الذي يقوّي إيماننا.
وقد سمّاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ناطقا فقال:
«تركت فيكم واعظين: ناطقا وصامتا، فالناطق القرآن، والصامت الموت «.
والقرآن الكريم ينطق ويتكلّم، لأنّه لغة تُقرأ وتُفهم، فكأنّ للقرآن الكريم لسانا يتكلّم به، وكأنّ له صوتا يسمع.
وقال الجرجاني:
«القرآن هو الكتاب المنزّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلا متواترا، بلا شبهة «.
قال الراغب:
«القرآن الكريم قد خصّ بالكتاب المنزّل على محمّد - صلى الله عليه وسلم - فصار له كالمعلّم، كما أنّ التوراة علم لما أنزل على سيّدنا موسى - عليه السلام -، والإنجيل علم لما أنزل على سيّدنا عيسى - عليه السلام - «.
وقد سمّي هذا الكتاب قرآنا من بين كتب الله - عز وجل - لكونه جامعا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم، وذلك كما أشار إلى ذلك ربّنا - سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم نفسه:
{وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. -[يوسف ـ 111]
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} ... [النحل ـ 89]
أهميّة حفظ القرآن وتلاوته
الله ربّنا هو الذي أنزل هذا الروح من أمره ليكون نورا لعباده المؤمنين وهاديّا يهتدون به في حياتهم الدنيويّة، وينالون به الدرجات العلا في الحياة الأخرويّة.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}. -[الشورى ـ 52]
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. -[الإسراء ـ 9] (1/5)
صفحة 6
فالقرآن دستور ربّنا - عز وجل -، وهو الدستور الذي يستمدّ منه المسلمون حقائق دينهم وقد جعله الله - سبحانه وتعالى - ربيع قلوبهم، وجلاء أحزانهم وذهاب همومهم وغمومهم، وقائدهم إلى الدرجات العلى في الجنّة، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله.
وعلينا أن نهتمّ به حفظا وتلاوة وتدبّرا لنستحقّ نيل المكانة التي بيّنها لنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - حين يقول لنا:
روى ابن ماجه بسنده عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إنّ لله من الناس أهلين، قالوا يا رسول الله: من هم؟ قال: هم أهل القرآن، أهل الله وخاصّته «. (1)
والقرآن الكريم يعني الكامل، ويجمع كلّ الصفات الكاملة الراقيّة، عزيز المنافع والفوائد، وهو كريم بمصدره الذي هو الله - سبحانه وتعالى -، والله - عز وجل - كريم بذاته، هذه الكلمات كلّها تتلخّص في كلمة: الكريم.
والكريم هو الذي يبتدئ بالنعمة والمعروف بدون طلب، أو استحقاق، والقرآن يكرّم المتعامل معه بكلّ صفات الكرم، منها ما وصل العلماء إلى معرفتها، ولكن ما خفي عنهم كثير، بل إنّ ربّنا الكريم يتفضّل بها دون استحقاق.
- {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}. - ... [الإنفطار ـ 6]
قيل الكريم هو الذي كان طاهر الأصل، ظاهر الفضل، لفظه فصيح، ومعناه صحيح، وتعبيره صريح.
والقرآن أيضا كريم لأنّه من أقبل عليه طالبا سقاه من معين علمه الذي لا ينضب، فالمتّقي يقرأه فيتذكّر منه، والعالم يستخرج منه ما يهمّّه في اختصاصه، والأديب يحفظه، فيقوى به أسلوبه وتعبيره.
وهو كريم لأنّ له من الثمرات ما لا يحصى، وما لا يستطيع أن يعدّها ناطق بفم، فهو يرفع قارئه ليصل به إلى مصاف العظماء، ويصير من أفضل الناس عند ربّه، ومن أعلاهم درجة.
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في المقدّمة (215) وأحمد (3/ 127) (1/6)
صفحة 7
وهو كريم لأنّه يملأ قلب قارئه بالأنوار ويظلّه بظلل الرحمات، ويحيطه بالملائكة، ويكون له سببا لتنزّل السكينة، ودعوة الملائكة الكرام البررة له بالرحمة والمغفرة، فالله - سبحانه وتعالى - يرفع به أقواما، تعلّقوا واهتمّوا به، ويخفض به آخرين، ممّن أعرضوا عنه وهجروه.
هذه المكارم ينالها المحافظ على كتاب الله - عز وجل - في الدنيا، أمّا التي ينالها في الآخرة، فالله - عز وجل - وحده يعلمها، ويعلم فضلها وخيرها، فهو ينال به الدرجات العلا في أعلى الجنان.
فعن عبد الله بن عمرو ـ - رضي الله عنه - ـ عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
«يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا؛ فإنّ منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها «. (1)
كما أنّ القرآن يرفع من قيمة المحافظ عليه يوم القيامة حتّى يصل به إلى درجة السفرة الكرام البررة.
فعن عائشة ـ - رضي الله عنه - ـ عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران «. (2)
وغير ذلك كثير من الأحاديث والأخبار الكثيرة التي تبيّن فضل كتاب الله - عز وجل - ورفعة شأنه، وعلوّ قيمته عند منزّله، وما ذكر لنا ذلك إلاّ ليمتلئ العقل الباطن للمؤمن بقوّة روحيّة إيجابيّة قويّة، فتنشرح نفسه، وينفتح قلبه فيُقبل عليه بكلّ ما يملك من قوّة عزيمة، وقوّة ذاكرة.
__________
(1) أخرجه أحمد (2/ 192) ـ والترمذي (2914)
(2) 2 أخرجه البخاري في الفتح (8/ 4937) ـ ومسلم (797) (1/7)
صفحة 8
إنّ مثل هذه القيم العاليّة التي بيّنها ربّنا - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والعلماء تعطي العقل الباطن قوّة كبيرة لتنفيذ الرغبات والأهداف المعيّنة التي يريد صاحبها تحقيقها، ويظهر ذلك بكلّ سهولة، وكأنّه قد جاء من عالم الغيب، وهذا العالم هو عون الله - عز وجل - وتوفيقه، فيجد المرء نفسه تسير في الطريق الصواب دون مشقّة أو تعب، لأنّه يكون في ذلك الوقت مستحقّا لكلّ خير، وذلك ما دام على الطريق الصحيح.
فما على الشخص الذي يريد أن يحقّق مقاصده وأهدافه بكلّ بساطة وواقعيّة، وأن يرى النتائج الباهرة التي لم يكن ينتظرها من قبل، إلاّ أن يعي أفكاره وطموحاته ورغباته، ويردّدها ويتصوّرها بوضوح، حتّى يتمكّن عقله الباطن من التقاطها، والقيام بتنفيذها.
فعلينا أن نكرّر اسم ما نريد استيعابه وحفظه باستمرار، لأنّ التكرار مهمّ، فهو يساعد في فتح طريق العقل الباطن ليحفّز صاحبه على العمل والاجتهاد والمثابرة للوصول إلى الهدف المنشود دون عناء يذكر، إذن فما علينا إلاّ أن نطلب ما نريده من عقلنا الباطن ليهدينا ويوصلنا إلى نيله بكلّ بساطة.
إنّ إطلاق القوّة الخارقة الكامنة في نفس الإنسان، وبالخصوص من العقل الباطن هو بالتأكيد أعظم التحدّيات التي يستطيع أن يحقّق بها كثيرا من أفكاره، وأهدافه، وهذه الطاقة تشعر صاحبها بقوّة كبرى من الثقة والإبداع والرضا عن النفس.
والجسد البشري ليس إلاّ آلة وجهازا لتنفيذ ما نسجّله في العقل الباطن، والإفصاح عن النوايا المسجّلة فيه، وهو ليس إلاّ أداة للروح، ومطيّة لها، وهي التي توجّهه، لأنّ دور الروح أن تعطي التوصيلة من عالمها إلى عالم المادّة، وذلك بواسطة العقل. (1/8)
صفحة 9
كما أنّ كلّ واحد منّا يمتلك عالم ما فوق الواعي، والذي يعتبر مملكة الله - سبحانه وتعالى - في داخل نفوسنا، فكلّ ذكي فطن يعمل من خلاله، وذلك عندما يستطيع فهم هذه الحقيقة التي وهبها له ربّه - عز وجل -، ويقويّها بما يملؤها من الأفكار الإيجابيّة والأمل في هذه الحياة، والتفاؤل بالمستقبل، والإيمان بأنّه يملك القدرات والملكات التي يستطيع بواسطتها تحقيق كثير من الأعمال.
فعلينا أن نعرف جيّدا بأنّ كلّ الحوارات التي تدور بين العقل والقلب أو بين العقل الواعي والعاطفة، أو بين الإرادة والمخيّلة، فإنّ العقل الباطن هو الذي يكسب المعركة على الدوام.
لذلك نجد القرآن الكريم يستخدم لفظ القلب الذي يجمع بين النوازع النفسيّة، والنظر العقلي للإشارة إلى القدرات النظريّة والفهميّة التي يملكها الإنسان.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا}. - ... [الأعراف ـ 179]
إنّ للنوازع النفسيّة أثرًا عظيمًا وخطيرًا في إحداث الانحراف في الفهم والأداء.
قال الله - عز وجل -:
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. - ... [الحجّ ـ 46]
أنواع التلاوة
اتّفق علماء التفسير والباحثون في علوم القراءة أنّ هناك عدّة أنواع من التلاوة:
1 ــ الترتيل: رتّل القرآن: إذا أتبع بعضه بعضًا على مكث وتفهّم من غير عجلة، ولا سرعة، بحيث يستطيع تدبّر آياته وفهمها. (1/9)
صفحة 10
والترتيل: القراءة ببطء بحيث تبعث الاطمئنان في النفس بما نقرؤه من الآيات، وهو كذلك إخراج كلّ حرف من مخرجه، وإعطاؤه حقّه الذي يستحقّه بنطق صحيح، مع ضبط الكلمات القرآنيّة، كي يضمن عدم الوقوع في الخطأ، لأنّ الكلمة التي يحفظها الإنسان بشكل خاطئ يصعب عليه تصحيحها إذا رسخت في ذاكرته.
فيجب على كلّ من يريد حفظ كلام ربّه - عز وجل - أن يحرص على تلقّي القرآن الكريم من شيخ حافظ متقن، أو يسمع المقطع بصوت أحد القرّاء، ليسلم من الخطأ، ويحفظه على أساس متين. قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}. -
[الإسراءـ 106]
{كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}. - ... [الفرقان ـ 32]
وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بترتيل القرآن ترتيلا فقال - عز وجل -:
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}. - ... [المزمّل ـ 4]
قال ابن عبّاس: معناه بيّنه، وقال مجاهد: تأنّ فيه، وقال الضحّاك: انبذه حرفًا حرفا، كأنّ ربّنا - سبحانه وتعالى - يريد أن نثبّت في قراءتنا، ونتأنّى في أدائها، ونفصل الحرف من الحرف الذي بعده.
قال ابن حجر: ترتيل القرآن اصطلاحا يراد به ترتيله، أي تلاوته تلاوة تبيّن حروفها، والتأنّي في أدائها، ليكون ذلك أدعى إلى تدبّره، وفهم معانيه.
وكذلك هو القراءة بتؤدة واطمئنان، وإخراج كلّ حرف من مخرجه، وإعطاؤه حقّه ومستحقّه مع تدبّر المعاني.
2 ــ الحدر: وهو مصدر حدر، يحدر، إذا أسرع، وهو من الحدور الذي هو الهبوط، لأنّ تلك القراءة تستلزم نوعًا من الإسراع.
والحدر هو: إدراج القراءة وسرعتها مع مراعاة أحكام التجويد من إظهار، وإدغام، وقصر، ومدّ، ووقف إلى آخر القواعد.
سئل الأهوازي عن الحدر، فقال: (1/10)
صفحة 11
«الحدر هو القراءة السمحة العذبة الألفاظ التي لا تُخرج القارئ عن طباع التحدّث باللغة العربيّة الفصيحة، وعمّا تكلّمت به الفصحاء، بعد أن يأتي بالرواية عن إمام من أئمّة القراءة «.
3 ــ التدوير: ومصدره في اللغة من: دوّر الشيء، جعله مدوّرا.
والتدوير مرتبة متوسطّة بين الترتيل والحدر.
وهو كذلك عبارة عن التوسّط بين الحدر والترتيل.
قال صاحب النهاية: وهو الذي ورد عن أكثر الأئمّة ممّن روى المدّ المنفصل، ولم يصل فيه حدّ الإشباع.
4ـ التحقيق: وهو يشبه الترتيل، ولكن مع شيء من الاطمئنان أكثر منه، وهو المأخوذ به في مقام التعليم.
وقد قال كثير من علماء القراءة والتجويد والأداء أنّ التحقيق يعتبر مرتبة من مراتب التلاوة.
وهو في اللغة بمعنى: حقّقت الشيء، إذا بلغت يقينه ومعناه المبالغة في الشيء بالإتيان على حقيقته من غير زيادة فيه، ولا نقصان.
وهو عند علماء التجويد: إعطاء الحروف حقّها من إشباع المدّ وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات وتوفيّة الغنّات، وتفكيك الحروف، وإخراج بعضها من بعض بالسكوت والترسّل والتؤدة والوقف على الوقف الجائز، والإتيان بالإظهار والإدغام على وجههما، وهي القراءة التي استحسنها أغلبيّة العلماء لتعليم المبتدئين، من غير أن يتجاوز بها حدّ الإفراط.
يقول الشيخ مكّي:
«ذكر بعض شرّاح الجزريّة أنّ الترتيل نوع من التحقيق عند الأكثرين، فكلّ تحقيق ترتيل، وليس كلّ ترتيل تحقيق «.
وقال بعضهم:
«التحقيق يكون للريّاضة والتعليم، والترتيل يكون للتدبّر والتفكّر والاستنباط «.
الفصل الثاني
الحفظ الجيّد، الاهتمام
قال في المنجد: همّ، همًّا بالشيء: أراده، وأحبّه، وعزم عليه وقصده.
إنّ أكبر تقنيّةٍ جعلها الله - سبحانه وتعالى - في الذاكرة، والتي تعمل بها بشكل فطري وتلقائي هي الاهتمام، فبقدر ما يهتمّ الشخص بشيء، يريد حفظه واستيعابه، يكون تعلّقه بالذاكرة أكثر، وتكون درجة رسوخه أحسن. (1/11)
صفحة 12
«قل لي بماذا تهتمّ أقل لك ماذا تحفظ «.
والتركيز على الاهتمام بما نريد حفظه، يجعلنا نراقب كلّ العمليّات التي تجري داخل عقلنا، الأمر الذي يساعدنا على التأمّل الصحيح الذي يرشد العقل إلى التفكير الفطري الذي أودعه فيه خالقه، ويجعله يفهم فهمًا جيّدًا ما يباشره من المعلومات.
إنّ المهارة الذي تعمل به الذاكرة هي الاهتمام، ونلاحظ بأنّ تدريب الاهتمام هو تدريب إيجابي لاستيعاب الذاكرة وتحسينها، وهو المكوّن الحسّي الذي يسمح للمعلومات أن تدخل إلى الذاكرة الفعّالة من خلال استعمال كلّ الحواسّ، وعلى قدر قوّة الاهتمام، أو ضعفه، تكون قوّة الاستيعاب، أو ضعفه.
فيجب علينا أن نهتمّ بالمعلومات أوّلاً حتّى تجد طريقها إلى مخازن الذاكرة، ويتطلّب الاهتمام جهدًا كبيرًا وواعيًّا، ولكي تمتصّ الذاكرة معلومةً معيّنة، وتضع لها آليّة واعيّة للاسترجاع فيما بعد، ينبغي أوّلاً أن نولي لها اهتمامًا جيّدًا وقويًّا، وعلينا أن نأخذ المادّة التي نريد حفظها وتذكّرها ذهنيّا فيما بعد، ونقوم بليّها ولفّها عدّة مرّات في الذهن، والتركيز على أكبر قدر ممكن من الجزئيّات الموجودة فيها، وهذا كلّه يفسّر بالاهتمام الجيّد للمعلومة.
والجهد الذي نبذله في بناء الاهتمام لما نريد أن نتحصّل عليه هو العملة التي نستخدمها لنتحصّل على النتائج، التي تكون على قدر ذلك المجهود، لأنّه ببذل الجهد نكتشف تفاصيل لم نكن نعلمها من قبل، ونتيجة لذلك نقوم بما يجب القيام به كي نحقّق النتائج التي نطلبها.
وإحدى الطرق التي نبني بها ذاكرة جيّدة هي أن نركّز على التفاصيل الموجودة في المعلومة التي نريد حفظها، لأنّ ذلك يجعلنا ننقل الانتباه بين عناصر مختلفة موجودة فيها. (1/12)
صفحة 13
ونلاحظ أنّ كثيرا من الناس ينجذبون بطريقة طبيعيّة وسريعة إلى عناصر معيّنة، وذلك لأنّهم قد عوّدوا أنفسهم على الاهتمام بتلك العناصر فقط، ويجدون ميلا إليها، ولا يبذلون جهدًا للانتباه إلى عناصر أخرى جديدة يستطيعون أن يغيّروا بواسطتها طريقة استيعابهم وحفظهم.
فمثلا، لو أنّنا نشعر بضعف في تذكّر أسماء الأشخاص الذين نلتقي بهم، فعلينا في هذه الحالة أن نفكّر فيما ننتبه إليه عندما نقابل أيّ شخص لأوّل مرّة، فمن المؤكّد أنّنا سنجد أنفسنا ننتبه لأشياء سلبيّة نكرهها، وهي موجودة فيه، وهذه هي المؤثّرات التي تجلب انتباهنا عن التركيز على بعض التفاصيل المهمّة التي يحملها كي نجعلها نقاط للربط، نستطيع أن نربط بها اسمه داخل ذاكرتنا، ويُسجَّل فيها بطريقةٍ مشفّرةٍ منظّمةٍ.
إنّ ذاكرتنا تستوعب بطريقة جيّدة بقدر الجهد الذي نبذله للاهتمام، لذلك علينا أن نولّي انتباهًا كبيرًا للاهتمام، لأنّه بقدر ما نولّي من الاهتمام للمعلومة، تكون درجة الانتباه إلى كلّ التفاصيل الدقيقة الموجودة فيها، وبقدر ما تكون قوّة التركيز على كلّ جزئيّاتها.
وقدْ قالوا: إذا خرج الماءُ من الإناءِ ملأهُ الهواءُ، إذن فبقدر ما نهتمّ بالشيء الذي نريد حفظه، نملأ نفسنا بما يجلب لنا ما نستطيع أن نستوعبه بطريقة أحسن، ثمّ يسهّل علينا استذكاره فيما بعد، فعلينا أن نفكّر في الأمرِ الذي نهتمُّ له، هلْ نبذل في سبيل تحقيقه الجهد الكافي، والعناءَ المطلوب؟، وهل نحن نعطيه من عقلِنا، ولَحْمِنا، ودَمِنا، وراحتِنا، ووقتِنا ما يكفي لحفظه واستيعابه؟
وإذا أعطى العبدُ اهتمامه الكبير لما يريد تحصيله وحفظه، صعد بهِ ذلك الاهتمام في درجات الاستيعاب، وصعِد بهِ في درجاتِ التعلّم والعلم. (1/13)
صفحة 14
ومنْ سجايا الإسلامِ التَّحلِّي بكِبر الهمَّةِ، وجلالةِ المقصودِ، وسموِّ الهدفِ، وعظمةِ الغايةِ، خاصّة إذا كان ذلك الهدف، أو تلك الغاية هي حفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم.
فالهمَّة هي مركزُ الشخصيّة الموجبِ إذا كانت قويّة، والسالبِ إذا كانت ضعيفة، وهي الرقيبُ على جوارحِنا، وهي الوقودُ الحسِّيُّ والطاقةُ الملتهبةُ، التي تمدُّنا بالوثوبِ إلى المعالي والمسابقةِ إلى المحامِدِ.
وعلوّ الهمَّةِ يجلبُ لنا بإذن اللهِ - سبحانه وتعالى - خيْراً كثيرًا، لنرقى إلى درجاتِ الكمالِ، فيُجْرِي في عروقِنا الطاقة الكافية للسير قدمًا نحو تحقيق الأهداف التي نعتزم تحقيقها، والركْضِ في ميدانِ العلمِ والعملِ، فنجد أنفسنا لا نقف إلاّ على أبواب العمل والمثابرة، ولا نبسط أيدينا إلاّ للتعلّق بمهمَّاتِ الأمورِ، فننافسُ الرُّوَّاد في الوصول إلى الدرجات العلى، لا نرضى بالدُّون، ولا نقفُ في وسط الطريق، ولا نقبلُ بالمجهود الأقلِّ.
إنّ علوّ الهمّة تبني في نفوسنا قوّة المثابرة، وتسلبُ منّا سفساف الآمال والأعمالِ، وتجتثُّ من داخل نفوسنا شجرة الكسل والتسويف، فكبيرُ الهِمَّة ثابتُ القرار، بما يكسب من قوّة الإرادة، ولا تُرهبُه المواقفُ، وفاقدُها تمتلئ نفسه كسلاً وتهاونًا وتسويفًا، وتتكوّن فيه الأحاسيس السلبيّة، والتي تقوده إلى الأفعال السلبيّة الغير المنتجة.
فقوّة الاهتمام تصعَدُ بصاحبِها أبداً إلى الترقّي في سلّم التفوّق والنجاح، وضعف الاهتمام يهبطُ به دائماً إلى الحضيضِ، فيا من يريد حفظ كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى -، ارسمْ لنفسك كِبر الهمّةِ، ولا تنفلتْ منها لتكون دائماً على يقظةٍ من اغتنامِها.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«لن ينجي أحدًا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ (1/14)
صفحة 15
قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمّدني الله برحمة، سدّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا «. (1)
إنّ ذاكرتنا تمتلك الطاقة الروحيّة الكافيّة لتهتمّ بما نريد حفظه، ولكن ذلك يتحدّد على حسب الحالة النفسيّة التي نكون فيها، سواء من الناحية الإيجابيّة، أو السلبيّة.
الباعث على الحفظ هو الله - سبحانه وتعالى -
إنّ الله - عز وجل - يرشد عباده إلى الأفعال المخصوصة التي يتمنّون الوصول إليها وتحقيقها، فهو يُلهم كثيرًا من الناس في حركاتهم وسكناتهم، كي يحقّقوا ما يريدونه، ويطلبونه من ربّهم، وذلك بالطبع لصالحهم مكافأةً على نيّتهم الطيّبة، فهو المطّلع على ما في نفوسهم من النيّات الحسنة، أو السيّئة.
قال الله - سبحانه وتعالى -: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. - ... [ق ـ 16]
وقد أخبرنا النبيء - صلى الله عليه وسلم - أنّ الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يتصرّف في قلوب عباده كيف يشاء، فيهدي التي تبتغي الهداية، وتنوي الفوز بتحقيق العمل الصالح.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}. - ... [فاطر ـ 8]
وقد روى أَبو عبد الرحمنِ الْحبلي أَنّه سمع عبد الله بن عمرِو بنِ الْعاصِ يقول أَنَّه سمع رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول:
«إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ «. (2)
__________
(1) أخرجه البخاري، الفتح: 11 (6363)
(2) أخرجه الإمام أحمد من حديث أمّ سلمة (1/15)
صفحة 16
فالعبد إذا أخلص نيّته، وتحرَّك نحو ربّه الجليل قليلاً بصدق، يبارك له في حركاته، ويشجِّعه، ويشرح له صدره، ويُعينه على تحقيق عمله الحسن الذي يريد الوصول إليه، وكلّ ذلك يكون بمجهود قليل، بينما من لا يقبل على ربّه - عز وجل - بصدق، ولا يتوكّل عليه، ولا يستعين به في أموره التي يريد قضاءها، فإنّه يتعب كثيرًا، وربّما لا يصل بذلك المجهود الكبير المتعب إلى مقصوده، أو يسقط في الطريق إلى هدفه.
والعبد إذا أقبل على ربّه - عز وجل -، وتوكّل عليه أصبح عالماً، وإذا أقبل على الله - عز وجل - أمدّه بقوّةٍ من عنده، وإن أقبل على مولاه - سبحانه وتعالى - بإخلاص علّمه مالم يكن يعلم.
فالمخلص لا يرى مع ربّه - عز وجل - أحداً، ولا يرى لنفسه شيئاً، وحينما يفتقر إليه - سبحانه وتعالى -، يستحقّ كلّ تكريم، ولكن عندما يظنّ أنّ قوّته هي التي توصله إلى تحقيق أهدافه، فالله يجعله يبتعد عن القرار الذي يوصله إلى الهدف الذي يرمي إليه، ويجعل صدره ضيِّقا حرجاً، كأنَّما يصَّعد في السماء.
فالإنسان حين يقول: سأحفظ كلام ربّي - عز وجل - لأنال الدرجات العلا، فهذا هو الباعث الذي يبعث في نفسه القوّة والعزيمة، وعند ذلك يُمِدّه ربّه - عز وجل - بقوّة منه، فالله - جل جلاله - حينما يراه يريد أن يحفظ بحقّ، يعينه على الوصول إلى ذلك، لأنّه هو الذي يحقّق كلّ أفعال العباد، مهما كانت كبيرة، أو صغيرة، فالأفعال بيده - سبحانه وتعالى - وحده، والإنسان يملك الانبعاث، يملك الإرادة، يملك الاختيار، يملك العزم والعزيمة، وما سوى ذلك فهو من خلق الله - عز وجل -، هو الذي يبعث الهمّة إلى الترقّي في ساحات الأهداف المهمّة والكبيرة والعاليّة، فهذه هي عقيدة المسلمين المخلصين.
الاستعداد للحفظ والاستيعاب (1/16)
صفحة 17
إنّ الشيء المهمّ في عمليّة الحفظ والاستيعاب هو أنّنا نعدّ أنفسنا لذلك ذهنيًّا، تمامًا كما يستعدّ مختلف الأشخاص لأداء عمل من الأعمال، فمثلاً نجد لاعبي كرة القدم يستهلكون وقتًا كبيرًا في الاستعداد لخوض المباراة، ويطلق علماء الذاكرة على هذه العمليّة اسم تكوين وضع استعداد، وهذا يشبه فكرة رياضي يقوم بعمليّة إحماء قبل بدء المباراة.
فعلى كلّ من يرغب في الحفظ الجيّد والاستيعاب لما يحفظه أن تكون نفسه مستعدّة للبداية في ذلك بإرادة قويّة وعناية شديدة.
عليه أن لا يبدأ في ذلك وهو متعب، لأنّه إذا كان كذلك فإنّه بمجرّد أن يبدأ في العمل، سيتغلّب عليه النوم بعد قليل من بدايته، وأن يبعد الغمّ والهمّ من تفكيره، وأن لا يكون مهتمًّا بمشكل من مشاكله، لأنّ في ذلك الحين سيكون مشغول البال، ومهما ذاكر وحاول الحفظ فإنّ العقل لن يعي ما يقرأ، ولن تثبت فيه معلومات، بل ستكون إلى النسيان أقرب وأسرع.
ففي مثل هذه الحالات فإنّ إرغام النفس على الحفظ والاستيعاب لن يزيد الأمر إلاّ سوءًا، وسيبعث في النفس الملل والضجر، وسيضيّع ذلك الوقت والجهد دون جدوى ملائمة، وكلّ هذا سيكوّن في النفس تصوّرات سلبيّةً عن قوّة حفظها واستيعابها.
ولكي نتدرّب على بناء وضع استعداد ذهني، يجب علينا أن نتدرّب ذهنيًّا على كلّ الأنشطة وكلّ المتطلّبات التي تتطلّبها عمليّة تنبيه الحواسّ إلى ما نريد حفظه واستيعابه، وكذلك نلاحظ كلّ الصعوبات المحتملة التي قد تحدث في تلك المواقف، وهذا يشبه عمليّة إحماء الذهن، وهذه هي الطريقة الصالحة لإعداد الذاكرة للعمل الكامل.
وتعتبر عمليّة بناء وضع الاستعداد الذهني عمليّة بسيطة جدّا تستغرق فقط بعض الدقائق، ولكنّها طريقة فعّالة لزيادة الاستيعاب والحفظ، ويأخذ كثير من الناس عمليّة استغلال جميع الحواسّ بأنّها بسيطة، ولكن ذلك يحتاج إلى الجهد الكافي والاستعداد اللائق. (1/17)
صفحة 18
وعمليّة الاستعداد تجعلنا نتذكّر كلّ الاستراتيجيّات التي نتغلّب بها على مصاعب الحفظ، ونستعمل كلّ الأساليب الممكنة التي تضمن لنا النجاح في هذه المهمّة، وبذلك نضمن لأنفسنا وضعًا ذهنيًّا جيّدًا نستوعب به ما نريد بصفة أسرع وأوثق، ويقطع استعدادنا المناسب للحفظ شوطًا كبيرًا في عمل ذاكرة نريد الاعتماد عليها.
كوّن لنفسك وضع استعداد، وذلك بإلقاء نظرة عامة على الجزء الذي حدّدته لتحفظه، وبالمحافظة على أوضاع ذهنيّة منطقيّة وتكيّفيّة مع عمل الذاكرة، وبتكوين وضعيّة مرحة تجعل النفس منشرحةً ومتفتّحةً لاستقبال ما يلقى إليها من المعلومات.
إنّ عمليّة الاستعداد خطوةً بعد خطوة تجعلنا نراجع عمليّة ذاكرتنا، ونضبط أداءها، وذلك مطلب ذهنيّ تحتاجه ذاكرتنا لمنع الارتباك والإحباط، وهذا ما يعتري كثيرًا من الناس، ممّا يدفعهم إلى السأم والقلق، فينسحبون من العمل والتحصيل، ويتكوّن لديهم اعتقاد سلبيّ بأنّ ذاكرتهم ضعيفةً، ولا تستطيع أن تحفظ وتستوعب، وكلّ ذلك اعتقادات خاطئة إذا ملأنا بها عقلنا الباطن تصبح خطرًا على ذاكرتنا.
علينا أن نكوّن في نفوسنا الرغبة في بذل جهد، وتنفيذ أسلوب بناء الاستعداد، لأنّ ذلك يسهّل عمل ذاكرتنا في استيعاب المعلومات التي نريد حفظها، وعلينا أن نرسّخ لأنفسنا أوضاعًا ذهنيّةً صحّيةً أكثر فعاليّة، فتلك الأوضاع الذهنيّة الصحيّة ستعلّمنا مهارات جديدةً لإنجاز المطالب المتعدّدة التي نطلبها من ذاكرتنا.
وإذا استعملنا هذه المهارة بكلّ جدّية واقتناع، فستزداد عمليّة الحفظ لدينا قوّةً ورسوخًا مرّةً بعد مرّة.
تطبيق هذه المهارة (1/18)
صفحة 19
عند بداية الحفظ لحصّة من الحصص التي نريد حفظها، يمكن لنا على سبيل المثال أن نحدّد الحصّة التي نريد حفظها، ويمكن أن نحدّدها بعدد الآيات، وفي أيّ سورة توجد تلك الحصّة؟، والسورة هل هي مكّية، أو مدنيّة، وأين هو موضع تلك الحصّة بالنسبة إلى السورة؟، هل هو في بدايتها، أم في وسطها، أم في نهايتها؟، ثمّ موضع السورة بالنسبة للقرآن، أي في أيّ ربع توجد فيه؟.
وبعد ذلك نستعمل عمليّة الربط في المصحف، ـ ويجب أن نقرأ ونحفظ، ونراجع من طبعة واحدة ـ فنستعمل ذاكرتنا لننظر مكان الحصّة بالنسبة للصفحة، ومن أين تبتدئ؟، وأين تنتهي؟، هل تبتدئ في أعلى الصفحة؟، أم في وسطها، أم في أسفلها، وهل هي تشمل مثلاً صفحتين؟، إلى غير ذلك من التقنيّات التي نستطيع أن نعتبرها كعمليّة استعداد لبداية الحفظ.
كما يمكن لنا أن نتدبّر جيّدًا الحصّة التي نريد حفظها كي ندرس المواضيع المذكورة فيها، مثلاً: موضوعها يختصّ بالعقيدة، أو المعاملات، أو القصّة، لأنّ كلّ ذلك يعطينا فكرةً عامّةً عن الحصّة التي نحن بصدد حفظها.
الحفظ من مصحف واحد
يجب على كلّ شخص، ذكرٍ كان أو أنثى أن يختار لنفسه مصحفًا لكي يحفظ منه كتاب ربّه - عز وجل -، وكلّ واحد من الناس له معاييره التي يعتبرها في اختيار ذلك المصحف. (1/19)
صفحة 20
هذا وإنّ كلّ علماء الذاكرة والمعلّمين يوصون تلامذتهم وطلبتهم بأن يستعملوا نسخةً واحدة لحفظ كتاب الله - عز وجل -، أي طبعة واحدة طوال المدّة التي يحفظونه فيها، من بداية حفظه إلى استظهاره، وفي ذلك من العون ما لا يشعر به إلاّ من تنبّه لذلك انتباهًا مركّزًا، خاصّة إذا كان يستعمل طريقة الربط بين الآيات التي يقرؤها والصفحات التي يقرأ فيها، بدايتها ونهايتها، وبين الحصص التي يحفظها وبين علامات الثمن والربع والنصف والحزب، وغير ذلك من العلامات التي يستطيع أن يستعملها كي تبقى الآيات راسخة في ذاكرته طوال حياته، بل هناك من يستعمل قلم الرصاص لوضع علامات تعينه على ذلك.
أمّا إذا تغيّرت طبعات المصاحف التي يحفظ منها مرّة بعد أخرى، فإنّ هذا سيؤدّي إلى انطباع صور مختلفة في الذهن، بسبب تغيّر أماكن العلامات، وزيادة حجم الصفحات، أو نقصانها، كما أنّ الآيات ستتغيّر أماكن بدايتها ونهايتها من كتاب لآخر، وأنّ الخطّ كذلك لا يكون على شكل واحد، وهذا ممّا يحدث تشتّتًا كبيرًا في الذهن، ولا يستطيع المرء أن يطبّق معه عمليّة الربط التي تحتاجها ذاكرته ليسهل عليها تسجيل ما يريد حفظه.
كما أنّ حفظ القرآن الكريم من مصحف واحد طوال مدّة حفظه، سيثير في الذاكرة مهارة الانتباه التي تعمل بها بشكل فطري، فتبحث فيه عن كثير من التفاصيل التي تمرّ بها في كلّ مرّة تراجعه فيها، وذلك ممّا يؤدّي إلى تشفير الآيات والسور بشكل أفضل، وبالتالي سيؤدّي ذلك إلى استدعائها بشكل أحسن.
وإحدى الطرق التي ذكرها علماء الذاكرة لبناء عضلة الانتباه لدى الشخص هي أن يركّز على التفاصيل، وينقل انتباهه عن عمد بين أشياء مختلفة. (1/20)
صفحة 21
فعلى كلّ من يريد أن يحفظ بطريقة جيّدة أن يركّز تركيزًا كبيرًا على العناصر التي تشدّ انتباهه أوّلا، ولا يمكنه تطبيق ذلك إلاّ إذا داوم على الحفظ من مصحف واحد، لأنّه إذا كان يغيّر المصحف في كلّ مرّة، فإنّه لا يستطيع أن يكوّن لنفسه مثل هذه العناصر التي تشدّ انتباهه، بسبب تغيّر العلامات في كلّ مرّة يغيّر فيها المصحف الذي يحفظ منه.
وكلّ واحد من الناس يستطيع أن يقوم بذلك بشيء من الجهد، كي يركّز انتباهه إلى تفاصيل يغفل عنها أغلبيّة الطلبة عادة.
كما أنّ الحفظ من مصحف واحد يجعل صورة الكلمة ومكانها من السطر والصفحة ترسخ في الذهن، وهذا ما يسمّى في مجال عمل الذاكرة بالربط، وممّا يساعد على استرجاعها بشكل أسهل وأسرع.
وكلّما فتح الطالب المصحف وجد تلك الآيات وأشكالها وشكل الصفحات المكتوبة عليها، والتي ألفها، وبكثرة التكرار بتركيز وانتباه ترسخ تلك الآيات والسور.
والمداومة على الحفظ من مصحف واحد مفيد في الحدّ من مصادر تشتيت الانتباه، والذي هو مهارة يستطيع أن يبنيها كلّ واحد منّا، وذلك يتطلّب المزيد من بذل جهد من أنفسنا، وهذا الجهد الذي نبذله للانتباه هو العملة الغالية التي سنستعملها للانتباه، فكلّ ما يطلب منّا هو مزيد من الانتباه، وذلك يطلب منّا بذل المزيد والمزيد من الجهد والتضحيّة في سبيل تحقيق ذلك.
نصيحة:
كما ننصح كلّ من حفظ القرآن الكريم، أو يتدارسه في كلّ وقت أن يلتزم بمصحف واحد، وذلك إلى آخر مراحل عمره.
كيفيّة الحفظ
إنّ من نعم الله - سبحانه وتعالى - الكبرى على هذا المخلوق الضعيف أن جعل له عقلاً وجعله موضع الذاكرة والحفظ، ومن ثمّ وهب له حافظةً قويّةً أو ذاكرة قويَّة، فذلك فضل منه وتمييز له، لأنَّ الإنسان إذا استمع كثيراً ونسي ما سمعه، فماذا سيستفيد من هذا الاستماع يا ترى؟ (1/21)
صفحة 22
فحين يجلس في مجلس من المجالس، أو حين يكلّف بإلقاء كلمة في مجمع من المجامع مثلاً، فلم يستطع تذكّر ما يريد أن يعبّر عنه، فكيف ستكون حالته يا ترى؟ أو حينما يتحدَّث إلى صديق من أصدقائه، فتخونه ذاكرته لأنّه لم يحفظ النصوص، ولا الوقائع التي يريد أن يعبّر عنها، ولا الأفكار التي كان قد تلقّاها من قبل، فكيف يستطيع أن يصول ويجول؟.
فنعمة الحافظة القويَّة من أعظم النعم على الإنسان، إلاّ أنَّ العلماء يرون أنَّ الحافظة متعلِّقةٌ بالاهتمام، فالشيء الذي نهتمُّ به نحفظه، والشيء الذي نغفل عنه لا نحفظه بسرعة، ولا بشكل جيّد.
وهل هناك في الوجود علم، أو شيء يجب أن نهتمّ به الاهتمام الكبير مثل كتاب الله - سبحانه وتعالى -؟، فقل لي بماذا تهتمُّ، أَقُل لك ماذا تحفظه، والله - سبحانه وتعالى - يقول:
{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}. - ... [الأعلى ـ 6ـ7]
لقد كان رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - إذا أنزل ربّنا - عز وجل - على قلبه الشريف بعض آيات من كتابه الكريم أسرع إلى إعادتها وتكرارها كي يحفظها من أوَّل مرّة، وهذا ليبيّن لنا بأنّ الحفظ لا يكون إلاّ بالتكرار والعمل المتواصل، والتعلّق بما نريد حفظه، والاهتمام به.
والذي يحفظ معلومة ما يدلّ على أنَّه مهتم بها، فالأشياء التي لا تعنينا لا نحفظها بل إنّنا ننساها، لأنَّ الذاكرة صُممت بشكلٍ عجيب، فالذاكرة كما يقول العلماء المختصُّون في علم التشريح والفيزيولوجيا - علم وظائف الأعضاء - أنَّ مكان الذاكرة في الدماغ يتَّسع لسبعين مليار صورة، وهذه الصور مبوَّبة ومصنَّفة، كما أنّ الذاكرة أنواع كثيرة لا نقدر على عدّها، منها الذاكرة السمعيّة، والذاكرة الشمِّية، والذاكرة البصريّة، وذاكرةٌ للألوان، وذاكرة للأسماء، وذاكرة للأرقام، إلى غير ذلك من أنواع الذاكرة التي لا يعلمها إلاّ خالقها ومنشئها. (1/22)
صفحة 23
إنّ الحافظة وحدها من آيات الله العجيبة الدالة على عظمته، ونعمة من نعمه الجليلة، فنحن لا نتذكَّر إلاّ الشيء الذي نهتمُّ به.
فربّما نجد إنساناً، يسمِّيه علماء الذاكرة نسَّاءً، لأنّه كثير النسيان في موضوعات لا تعنيه، أمّا في الموضوعات التي تعنيه كأنَّ ذهنه آلة تسجيل، فهو قويّ الحفظ، سريع التذكّر، فلذلك إذا اهتمَّ أحدنا بآيات ربّه - سبحانه وتعالى - الكريمة التي هي كنزٌ ثمين يحفظها، والمؤمن يهتمّ بكلام ربّه أكثر من اهتمامه بأيّ شيء آخر في حياته، وإذا اهتمَّ بحديث نبيّه - صلى الله عليه وسلم - يستوعبه، إذن فكلّ مسلم يستطيع أن يحفظ جزءًا منه، وقد صدق ربّنا - عز وجل - حين يقول:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. -[القمر ـ 17]
وقد يقول أحد: والله ما سمعت معنىً دقيقاً متعلِّقاً بكتاب الله - عز وجل - إلاّ حفظته، فنقول له: احمد الله الذي وهب لك مثل هذه القوّة في حفظ كلامه، لأنّ كلّ من أوتي حافظة قويّة، فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
وقد قال علماء الذاكرة أنَّ الذكاء شيء والذاكرة شيءٌ آخر، فما كلُّ ذكيٍ يملك ذاكرة قويَّة، وما كلُّ ذي ذاكرةٍ قويّة ذكي ثمّ قالوا: إلاّ أنَّ هناك منطقةً مشتركةً بين دائرتين داخل المخّ، وهذه المنطقة هي القاسم المشترك بين الذكاء والذاكرة فكلّ إنسان يتمتَّع بذكاء، فلا بدَّ من أن يستعين بذاكرة جيّدة، وكل إنسان عنده ذاكرة جيِّدة لا بدَّ من أن يكون على حدٍّ ما من الذكاء، فالذاكرة شيء، والذكاء شيءٌ آخر.
الطرق الفطريّة للحفظ
إنّ الشيء المسلّم به، ولا يمكن أن يختلف فيه اثنان أنّ لكلّ طالب طريقته الخاصّة في الحفظ والاستذكار، والوقت الذي يحتاج إليه لذلك، والذي يجد فيه إقبالاً عليه. (1/23)
صفحة 24
وهذا الأمر أشبه ما يكون ببصمة الشخصيّة لكلّ إنسان في هذه الحياة، والتي يتميّز بها عن غيره من بني البشر، ولكن هناك مبادئ أساسيّة يمكن الاعتماد عليها ليتعرّف كلّ واحد منّا على أفضل طريقة للحفظ، مع بقاء الأمر نسبيًّا وخاصًّا بكلّ شخص.
إنّ من الحقائق التي يجب أن يستوعبها ويعيها جيّدًا كلّ طالب علم هي أنّ القدرة على الحفظ والتحصيل الجيّد ليس شيئًا فطريًّا يولد مع الإنسان، مثل القدرة على التنفّس، ولكنّها تنبني على مجموعة من المهارات التي يجب أن يتعلّمها ويتقنها، لذلك عليه أن يبحث عن هذه المهارات داخل نفسه، كي يعرفها، ويتدرّب عليها، ويتقنها، ولكن إلى الآن فإنّ كثيرًا من الطلبة يحفظون بدون استعمال المهارات اللازمة لذلك.
ولقد حدّد العلماء ثلاث طرق للحفظ ولكن لا يستطيع أحد مهما بلغ علمه أن يحدّد، أو يقول بأنّ هذه الطرق الثلاث هي التي يحفظ بواسطتها جميع الناس، لأنّ لكلّ واحد من خلق الله - سبحانه وتعالى - قدراته، ومهاراته، فربّما يحفظ الواحد من الناس بإعادة قراءة ما يريد حفظه مرّتين أو ثلاث فقط، بينما لا يحفظ الآخر إلاّ بعد مدّة طويلة نوعا ما، وهذا يكون حسب اهتمام الشخص بما يريد حفظه واستيعابه له.
وفي كلّ طريقة يجب أن ننتبه إلى التلفّظ الجيّد للكلمات التي نطمح إلى حفظها، لكي نصحّحها تصحيحًا فوريًّا إذا وجدنا فيها خطأً.
1ــ الطريقة الأولى: [وهي الحفظ التسلسلي]
وقد اعتبرها العلماء من أحسن أنواع طرق الحفظ والاستيعاب، وهي أن نحفظ الآيات بطريقة متسلسلة، متتابعة، أي الواحدة بعد الأخرى، فبعد أن نحفظ الآية الأولى، ننتقل إلى الآية التي بعدها، وعندما نحفظ الآية الثانية، نرجع إلى البداية فنعيد قراءة الأولى مع الثانية، ثمّ ننتقل إلى التي بعدها، ونربطها بالتي قبلها، وهكذا حتّى نحفظ نصيبًا كبيرًا من الآيات، وفي النهاية نجد حافظتنا قد استوعبت تلك الآيات الكريمة بطريقة مرتبطة مرتّبة منظّمة. (1/24)
صفحة 25
وفي هذه الطريقة تكون الآيات الأولى قد حفظت أحسن وأفضل من الأخيرة، فلماذا يا ترى؟
كلّنا يستطيع أن يجيب على هذا السؤال، لأنّه يعلم جيّدًا أنّ الآيات الأولى قد كرّرت، وأعيد قراءتها أكثر من الآيات الأخيرة، ويعلم جيّدا بأنّ الرسوخ يكون أحسن، كلّما كان التكرار والتعهّد لما نريد حفظه أكثر.
وقد اعتبر علماء الذاكرة هذه التقنيّة من أقوى أسس الحفظ والاستيعاب، والعبادات الإسلاميّة وقواعدها كلّها مبنيّة على هذه القاعدة، لأنّنا نجد أنّها كلّها تتضمّن معنى التكرار، وذلك بقصد جلب انتباه الإنسان واهتمامه.
وهذه الطريقة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الربط بين الآيات، والربط هو أمر ضروريّ وواجب، لذلك تتطلّب تركيزًا جيّدًا وقويًّا على آخر كلّ آية وبداية الآية التي تليها، ويكون ذلك بتكرير الآيتين عدّة مرّات، مع مراعاة ما إذا كان هناك ملاحظة، أو خصوصيّة نستطيع أن نجعلها نقطة انتباه وربط.
وهذا الحفظ يعتبر حفظًا منظّمًا وهو مهمّ، لأنّه يضمن لصاحبه قوّة الانتباه والتركيز لما يحفظه، وحفظ حصّة صغيرة بطريقة منظّمة خير من الحفظ الكثير غير المنظّم، وهذه العمليّة تحتاج إلى عمل متواصل وصبر ومثابرة.
وقد أثبتت التجارب أنّ الحفظ القليل المتقن والمنظّم يبعث الثقة في النفس، ممّا يشجّعها على المضيّ قدمًا إلى الزيادة في العمل وإلى تحقيق الأهداف، وإلى مزيد من النجاح، فمزيد من العمل يحقّق مزيدًا من النجاح، ومزيد من النجاح يبعد عن النفس الكسل والخمول والتسويف، ويبعث فيها مزيدًا من الثقة والصبر والمثابرة.
2ــ الطريقة الثانيّة: [الحفظ الجمعي]:
وهي أن نهتمّ ونركّز على حفظ الحصّة آية آية، فنحفظ الأولى، ثمّ ننتقل إلى الثانية، والثالثة، والرابعة، إلى أن نصل إلى آخر الحصّة التي حدّدناها، فنجمع الآيات كلّها، ونكرّرها عدّة مرّات، حتّى نستوعب الحصّة ونحفظها حفظًا جيّدًا متقنًا. (1/25)
صفحة 26
وهذه الطريقة تسمّى أيضاً الحفظ الجزئي، وقد يكون التقسيم بآية واحدة، أو آيتين، ولكي تكون نتيجة الحفظ جيّدة، فعلينا أن لا نجمع بين أكثر من آيتين، خاصّة إذا كانتا طويلتين.
3ــ الطريقة الثالثة: [الحفظ المقسّم]
وفي هذه الطريقة نقسّم الحصّة إلى أقسام متّحدة في الموضوع وفي المعنى، ونضع لها عنوانا يحدّد موضوعها، وهدفها، ومن الأحسن أن نكتبها في كراس حتّى نزيد ونقوّي مهارة الانتباه، ثمّ نشرع في حفظها واستيعابها، وفي هذه الطريقة نلاحظ أنّنا نستخدم تقنيّة الربط التي تستوعب بها الذاكرة المعلومات بشكل أسرع وأفضل، وبعد الانتهاء نجمع بين الأقسام بعضها إلى بعض.
إنّ نظام الربط في عمل الذاكرة يعتبر من أفضل أنظمتها، وبواسطتها سيكتسب الشخص الأساس الذي يتمكّن من خلاله أن يجعل التعلّم غايةً في السهولة، والتعلّم هو أكثر الأنظمة تقدّمًا، والربط يزيد القدرة الكلّية للذهن.
وتسمّى هذه الطريقة كذلك بالقراءة الكلّية وترجيعها، وهو تكرار القسم الذي حدّدناه من أوّله إلى آخره، إلى أن يتمّ حفظه جيّدًا تمامًا كما نحفظ بالتجزئة.
وأشير إلى أنّ هذه الطريقة تشتمل على تقنيّة علميّة منظّمة قد توصّل إليها علماء الذاكرة، بعد بحوث طويلة، ليوفّروا مجهودًا كبيرًا من عمل الذهن، وسمّوها خريطة العقل، أو خريطة الذهن، وهي تقنيّة نستوعب بها المعلومات بطريقة منظّمة، كما أنّها أكثر رسوخًا.
وقد ألّف فيها عالم الذاكرة (توني بوزان) عدّة كتب بيّن فيها كيف يستطيع الشخص أن يقسّم المعلومات التي يريد مراجعتها وحفظها إلى محاور متعدّدة، ويعيّن لكلّ قسم عنوانًا خاصًّا به، وبذلك يعين مخّه على أن يستوعب تلك الفقرة كوحدة متكاملة، وسمّى ذلك خريطة العقل.
إنّها الأداة الرائعة في تنظيم التفكير، وهي غاية في البساطة. (1/26)
صفحة 27
إنّها أسلوب من التفكير نستطيع تطبيقه على مجموعة كاملة من أنشطة عقلنا اليوميّة، وخاصّة دروس المواد المدرسيّة، وهو مبنيّ ومركّز على الطريقة التي يعمل بها العقل بصورة فطريّة، كما أنّه أداة تفكير ممتازة، وبسيطة وجميلة، يعكس الإبداع الفطري لعقولنا، كما يعكس الأساليب المتشعّبة في التفكير.
إنّه أسلوب يسمح لنا بتنظيم المعلومات والحقائق والأفكار بطريقة مشابهة للطريقة التي يعمل بها الذهن منذ البداية المبكّرة، وهذا يعني أنّ تذكّر الأمور واستدعاءها من الذاكرة في مرحلة لاحقة يصبح أسهل بكثير من استخدام الأساليب التقليديّة في الحفظ والمراجعة.
إنّ هذه الطريقة تسهّل عمليّة استرجاع المعلومات، ولكن ويا للأسف إنّ كثيرًا من عقول الناس تحتوي على المعلومات التي يحتاجونها، إلاّ أنّها غير منظّمة تنظيمًا جيّدًا، كما يتطلّبه عمل الذاكرة، إلى درجة يستحيل معها استذكارها في وقت الحاجة إليها، وما فائدة الحصول على معلومات جديدة إذا كنّا لا نستطيع الوصول إلى ذلك المخزون المعلوماتي فيما بعد.
وفي كلّ هذه الطرق لا بدّ لنا أن نسجّل الملاحظات في سجّل خاصّ، لأنّ تلك الملاحظات هي التي ستعيننا على تغيير وتبديل طريقة الحفظ إلى الأحسن، وذلك بدفع النقائص، وتثبيت ما هو حسن، ثمّ تكرير ذلك إلى أن يصبح الحفظ شيئًا سهلاً، لا يحتاج إلى مجهود كبير.
طريقة حفظ القرآن الكريم من القرآن
إنّ حفظ القرآن الكريم شيء عظيم وجليل، ولا يحقّ لنا أن نقول بأنّه صعب، لأنّه يسير على من يسّره الله عليه، والله - سبحانه وتعالى - هو الذي يسهّل حفظه وفهمه وتفسيره على من يشاء من عباده، وهو القائل - سبحانه وتعالى -: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}. - ... [البقرة ـ 269]
ويقول الله - سبحانه وتعالى -:
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}. -[فاطر ـ 32] (1/27)
صفحة 28
إنّ حفظ القرآن الكريم حفظاً جيّدًا، وتلاوته تلاوة الماهر به من أعظم ما يتقرّب به المسلم إلى ربّه - سبحانه وتعالى -، وفيه من الأجر العظيم ما لم يجعله ربّنا - عز وجل - في غيره من الأعمال، لذلك يجب على من يريد حفظه واستيعابه أن يبذل جهدًا معتبرًا، لأنّه بقدر العناء يكون الثواب.
وبما أنّ حفظ القرآن الكريم شيء عظيم جليل فهو يستحقّ جهدًا عظيمًا وجليلاً كي نحقّق هذا الهدف.
قال الإمام ابن الجزري رحمه الله - سبحانه وتعالى -:
وبعد فالإنسان ليس يشرف إلاّ بما يحفظه ويعرف
لذاك كان حاملو القرآن ... أشراف الأمّة أولي الإحسان
وإنّهم في الناس أهل الله ... وإنّ ربّنا بهم يباهي
وقال في القرآن عنهم وكفى بأنّه أورثه من اصطفى
فليحرص السعيد في تحصيله ولا يملّ قطّ من ترتيله
وليجتهد فيه وفي تصحيحه على الذي نقل من صحيحه
إنّه ليس من السهل أن يحفظ القرآن الكريم بكامله عن ظهر قلب، وخاصّة تلك الآيات المتشابهة التي يخطئ فيها كثير ممّن قد حفظه حفظًا جيّدًا، لذلك وضع بعض العلماء كثيرًا من الكيفيّات التي يظنّون أنّها طرقاً مثلى وناجحة في حفظه، وخاصّة تلك الطريقة التي استنتجوها من طريقة تحفيظ الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهي التي ذكرها في القرآن الكريم:
{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}. - ... [القيامة ـ 16ـ19]
إنّ حفظ كلام ربّنا - عز وجل - واستيعابه في الذهن يحتاج إلى تقنيّات ومهارات قد فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها هذا الجهاز العقلي المعجز الذي وهبه لهذا الإنسان، وفضّله به على سائر المخلوقات، وبه يسخّر ما قد ضمن له ربّه - عز وجل - تسخيره. (1/28)
صفحة 29
إنّ تلك التقنيّات تسهّل عمل العقل، فيحفظ ما يريد صاحبه بشكل جيّد، ولا ينساه بسرعة، لأنّه يرسّخه ويوثّقه داخل الخلايا بصفة منظّمة، وهذا ما يطلبه عقل الإنسان عند ورود المعلومات إليه.
وهذه الطريقة القرآنيّة هي أفضل طريقة، لأنّها من وضع ربّ العزّة - جل جلاله - الذي أنزله، ويعلم كيف يحفظه العقل البشري، وقد وضعها لنبيّه - صلى الله عليه وسلم -، وأرشده إلى اتّباعها وتطبيقها، والرسول هو - صلى الله عليه وسلم - أوّل إسوة للمؤمنين، كما قال الله - سبحانه وتعالى -:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}. - ... [الأحزاب ـ 21]
يقول السيّد قطب في تفسيره، في ظلال القرآن: (1)
«وفي ثنايا السورة وحقائقها تلك ومشاهدها تعترض أربع آيات تحتوي توجيهًا خاصًّا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتعليمًا له في شأن تلقّي هذا القرآن الكريم، ويبدو أنّ هذا التعليم جاء بمناسبة حاضرة في السورة ذاتها، إذ كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخاف أن ينسى شيئًا ممّا يوحى إليه، فكان حرصه على التحرّز من النسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقّيه، وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه، فجاء هذا التعليم:
{ ... لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} جاءه هذا التعليم ليطمئنه إلى أنّ أمر الوحي، وحفظ القرآن الكريم، وجمعه، وبيان مقاصده، كلّ ذلك موكول إلى صاحبه، ودوره هو، هو التلقّي والبلاغ، فليطمئنّ بالاً، وليتلقّ الوحي كاملاً، فسيجده في صدره منقوشًا ثابتًا.
فأمّا هذا التعليم فقد ثبت في موضعه حيث نزل، أليس هو من قول الله - عز وجل -؟ أليس قول الله ثابت في أيّ غرض كان؟ ولأيّ مراد أراد؟
__________
(1) مختصر تفسير ابن كثير، جزء: 3، ص:576. (1/29)
صفحة 30
وهذه كلمة تثبت في صلب الكتاب، شأنها شأن بقيّة الكتاب، ودلالة إثبات هذه الآيات في موضعها هذا من السورة دلالة عميقة موحيّة على حقيقة لطيفة في شأن كلّ كلمات الله - عز وجل - في أيّ اتّجاه كان، وفي شأن هذا القرآن الكريم وتضمّنه لكلّ كلمات الله - سبحانه وتعالى - التي أوحى بها إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - لم يخرم منها حرف، ولم تند منها عبارة، فهو الحقّ والصدق والتحرّج والوقار.
إنّ الإيحاء الذي تتركه هذه الآيات في النفس هو تكفّل الله - عز وجل - المطلق بشأن هذا القرآن الكريم، وحيًا وحفظاً وجمعًا وبيانًا، وإسناده إلى الله - سبحانه وتعالى - بكلّيته، ليس للرسول - صلى الله عليه وسلم - من أمره إلاّ حمله وتبليغه، ثمّ لهفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشدّة حرصه على استيعاب ما يوحى إليه، وأخذه مأخذ الجدّ الخالص، وخشيته أن ينسى منه عبارة، أو كلمة، ممّا كان يدعوه إلى متابعة جبريل - عليه السلام - في التلاوة آية آية، وكلمة كلمة، يستوثق منها أنّ شيئًا لم يفته، ويثبّت من حفظه له فيما بعد «.
فإذا كان هذا هو موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع القرآن وهو ينزل عليه، وهو المعصوم، وقد اختاره ربّه واجتباه ليكون رسولاً إلى الناس أجمعين، ويحمل هذه الأمانة العظيمة، أمانة القرآن الكريم، فكيف يجب أن يكون تعامل بقيّة المسلمين مع القرآن الكريم، إذا كانوا يريدون حفظه بحقّ.
والله - سبحانه وتعالى - يبيّن لجميع للمسلمين في مثل هذه الآيات كيف كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعتني بحفظ القرآن الكريم، كي يعلموا بأنّه لا بدّ لهم من أن يضحّوا تضحيّات عظيمة في سبيل حفظه وجمعه، فليتأمّل من يريد تعلّم القرآن الكريم واستيعابه.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: (1)
__________
(1) مختصر تفسير ابن كثير، جزء: 3، ص:576. (1/30)
صفحة 31
«هذا تعليم من الله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في كيفيّة تلقّيه الوحي من الملك، فإنّه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره ربّه - سبحانه وتعالى - إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفّل - عز وجل - له أن يجمعه في صدره، وأن ييسّره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبيّنه له، ويفسّره ويوضّحه.
فالحالة الأولى: جمعه في صدره.
والحالة الثانية: تلاوته.
والحالة الثالثة: تفسيره وإيضاح معناه «.
وهذا هو الأسلوب القرآني الربّاني الصحيح في تثبيت الحفظ، وقد أنزله من فوق سبع سنوات، وهو الطريقة الأنسب لطبيعة عمل العقل واستيعابه.
قال الدكتور حريزي موسى في كتابه أسرار الذاكرة:
«إنّ الإنسان يميل فطريًّا إلى مسك الألفاظ والعبارات في ذهنه قبل أن تفلت منه، فيحفظها عن ظهر قلب، وهو في هذه المرحلة يتأرجح عقله بين الحفظ ومحاولة الفهم الذاتي، وهذا ما يسهّل الحفظ، ويرسّخه رسوخًا أوّليًّا، وفي المرحلة الأخيرة عندما يتمّ التبيان والشرح وإدراك المقاصد من الآيات يسهل رسوخ الحفظ لمدّة طويلة، وخاصّة إذا ما تمّت عمليّة التطبيق بعد ذلك «. (1)
فيجب أن يتوفّر في الذي يريد الحفظ والاستيعاب الدافع الذي يدفعه إلى فعل ذلك ومحاولة الحصول عليه، وأن يكون الغرض من فعل ذلك واضحًا، حتّى يسير نحوه بقوّة إرادة وثبات، وكذلك أن يكون هناك استعداد صادق لتحقيق ذلك الغرض، ثمّ الممارسة المتكرّرة دون ملل أو كلل، مع طلب العون من الله - سبحانه وتعالى -، كي يوفّقه للصبر في الطريق الموصل إلى ذلك.
الفصل الثالث
التركيز مع القرآن الكريم
التركيز هو القدرة على الانتباه إلى موضوع واحد، وترك كلّ الأفكار الأخرى والقضاء على أحلام اليقظة.
__________
(1) أسرار الذاكرة في حفظ القرآن الكريم، ص:151. (1/31)
صفحة 32
وإذا طلبنا من أيّ شخص يريد حفظ كتاب الله - عز وجل - أن يشرك في القراءة حواسّه كلّها، فإنّما نريد منه أن يقرأ القرآن الكريم كما يقرأ أيّ كتاب أو رسالة، أو أيّ شيء آخر مهمّ.
وقد روي في التوراة، يا عبدي: «أما تستحي منّي، يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت تمشي في الطريق، فتعدل عنه، وتقعد لأجله، فتقرأه، وتتدبّره حرفًا، حرفًا، حتّى لا يفوتك منه شيء، وهذا كتابي أنزلته إليك، أنظر كم وصلت لك فيه من القول، وكم كرّرت عليك لتتأمّل طوله وعرضه، ثمّ أنت معرض عنه، أفكنتُ عليك أهون من بعض إخوانك «.
«يا عبدي، يقعد إليك بعض إخوانك، فتقبل إليه بكلّ وجهك، وتصغي إلى حديثه بكلّ قلبك، فإن تكلّم متكلّم، أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كفّ، وها أنا مقبل عليك، ومحدّث لك وأنت معرض بقلبك عنّي، أفجعلتني أهون عليك من بعض إخوانك «.
فيجب علينا أن نهتمّ بكلام ربّنا - عز وجل - القرآن الكريم، ونقرأه بحضور ذهن، فإذا ما جاءنا الشيطان ليشوّش علينا فهم كلماته وآياته، نحاول قدر المستطاع إعادة تلك الآيات التي شرد فيها ذهننا.
ففي البداية سنجد صعوبةً كبيرةً في تطبيق هذه المهارة، وذلك بسبب تعوّدنا على التعامل مع القرآن تعاملاً سطحيًّا، حيث نهتمّ بقراءة كلماته وآياته، وإعادة ذلك لنيل الأجر الكبير فقط، ولكن بالمداومة والمثابرة والإخلاص لله - سبحانه وتعالى -، وطلب العون منه - سبحانه وتعالى -، فإنّه سيمنحنا عونه وتأييده. وهو القائل - عز وجل -:
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. -
[الأعراف ـ 204] (1/32)
صفحة 33
والطريقة الحسنة السهلة لتحقيق التركيز على ما نقرؤه هو أن نأخذ المعنى الإجمالي للآيات التي نريد حفظها، وإذا وجدنا بعض الألفاظ صعبة المعنى لا نتوصّل إلى فهمها، فما علينا إلاّ أن نحاول فهمها من السياق، ما قبلها وما بعدها، كما يقرأ أحدنا مقالاً باللغة الفرنسيّة مثلاً، ولا يفهم معنى بعض الكلمات، ولكنّه عندما يتمعّن في الكلمات المفهومة من قبلها، ومن بعدها يفهم معناها الإجمالي تقريبًا من السياق.
وفي هذا المعنى يقول رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -:
«إنّ القرآن لم ينزل يكذّب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردّوه إلى عالمه «. (1)
ويجب أن نستعمل هذه الطريقة أثناء التلاوة فقط، وذلك حتّى لا نتوقّف عن القراءة، بسبب الرجوع إلى كتاب التفسير والبحث عن معنى الكلمة، وربّما يكون ذلك سببًا للانقطاع عن التلاوة والحفظ، ولكن لا بدّ أن نرجع بعد ذلك إلى كتب التفسير، لنعلم معناها الحقيقي، ولا شكّ أنّ للتفسير دورًا إيجابيًّا ومهمًّا في حسن الفهم، وقد وفّرت بعض المطابع كتب القرآن فيها شرح الكلمات على الهامش، فهذا يعين كثيرا على الحفظ.
ومع هذا فلا بدّ أن نفرد لقراءة كتب التفسير وقتها الخاصّ بها، وأن يكون غير مرتبط بوقت التلاوة، حتّى لا نخرج من لقائنا المباشر بالقرآن الكريم، لأنّ ذلك يسمح لقوّة التأثير أن تتحرّك وتقوى داخل نفوسنا من خلال المداومة المستمرّة للتلاوة والاسترسال مع الآيات والتجاوب معها.
لنترك أنفسنا للقرآن الكريم
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنّه قال:
«لقد عشنا برهة من دهرنا، وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتتنزّل السورة على محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فنتعلّم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن نقف عليه منها «.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/33)
صفحة 34
وهكذا كان الصحابة الأوائل يعطون أنفسهم للقرآن الكريم بكلّ تواضع وخشوع، دون مناقشة، فلذلك أعانهم ربّهم على حفظه واستيعابه.
وعن أبي قلابة أنّ رجلا من أهل الكوفة لقي أبا الدرداء فقال:
«إنّ إخوانًا لك من الكوفة يقرئونك السلام، ويأمرونك أن توصيهم، فقال: أقرئهم السلام، ومرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم، فإنّه يحملهم على القصد والسهولة، ويجنّبهم الجور والخزونة «. (1)
والخزائم: جمع خزيمة، وهي حلقة من الشعر توضع في وترة أنف البعير، يشدّ بها الزمام.
والمراد بذلك: اجعلوا القرآن مثل الخزام في أنف أحدكم، فاتّبعوه، واعملوا به.
وهذا يدلّ على التواضع الكبير للقرآن الكريم، وإعطائه كلّ اهتمامنا، مع التعلّق به، وحبّه بكامل قلوبنا أكثر من أيّ علم آخر في هذا الكون.
جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال:
«علّمني كلمات جوامع نوافع، فقال: نعم، تعبد الله - عز وجل -، ولا تشرك به شيئا، وتزول مع القرآن الكريم أينما زال، ومن جاءك بصدق من صغير، أو كبير وإن كان بعيدًا بغيضًا فاقبله منه، ومن جاءك بكذب وإن كان حبيبًا قريبًا، فاردده عليه «. (2)
وقال حذيفة بن اليمان لعامر بن مطر:
«كيف أنت إذا أخذ الناس طريقًا واحدًا، وأخذ القرآن طريقًا، مع أيّهما تكون؟، فقال: أكون مع القرآن، وأحيا مع القرآن، وأموت مع القرآن، قال: فأنت إذن أنت، فأنت إذن أنت «. (3)
__________
(1) فضائل القرآن، لأبي عبيد.
(2) 2 نفس المصدر السابق.
(3) 3 نفس المصدر السابق. (1/34)
صفحة 35
ولذلك يجب على كلّ من يريد أن يحفظ القرآن الكريم حقًّا، ويستوعبه استيعابًا جيّدًا، أن يتعلّق به أكثر من أيّ شيء آخر مهمّ في حياته، أكثر من نفسه، فيترك بعض ما تهواه، أكثر من ماله، فينفقه في سبيل تعلّمه ووعيه، أكثر من راحته فيترك نومه وراحته، ويبقى مع كلام ربّه - عز وجل -، يحفظه ويستوعبه، أكثر من أسرته فيبقى معه ساعات يقضيها كثير من الناس مع أهليهم وأقربائهم، أكثر من أصدقائه فيذاكره معهم، عوض أن يقضي معهم الأوقات الطوال في التحدّث عن المباراة، والأفلام، وغير ذلك ممّا أصبح يشغل أغلبيّة أناس هذا العصر.
فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربّ منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفّعني فيه.
ويقول القرآن: ربّ منعته النوم بالليل، فشفّعني فيه، فيشفعان «. (1)
وعن جابر - رضي الله عنه - عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال:
«القرآن شافع مشفّع، وماحل أي (خصم مجادل) مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار «. (2)
وعن كعب - رضي الله عنه - قال: «عليكم بالقرآن، فإنّه فهم العقل، ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمان عهدا، وقال: في التوراة:
«يا محمّد، إنّي منزّل عليك توراة حديثة، تفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً «. (3)
ولكن ما هي حالتنا مع القرآن
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}. -
[الفرقان ـ 30]
__________
(1) أخرجه أحمد 2 (174).
(2) 2 أخرجه ابن حبّان في صحيحه.
(3) 3 أخرجه الدارمي (3330). (1/35)
صفحة 36
لقد أعطانا ربّنا - سبحانه وتعالى - نورًا يكشف لنا الطريق القويم في هذه الحياة، ويبدّد لنا ظلمات الجهل والشكّ والريب، وما جعل كثيرًا من الناس في هذا العصر يتيهون في مختلف السبل، ويتفرّقون شيعًا وأحزابًا، هو ابتعادهم عنه، والاشتغال بما هو دونه في الأهميّة والقدر.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}. -
[النساء ـ 174]
{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. - ... [المائدة ـ 16]
لقد وصف لنا ربّنا - سبحانه وتعالى - الدواء الذي نداوي به أنفسنا، كي نحقّق حياة مطمئنّة، ونعالج به كلّ الأدواء النفسيّة والاجتماعيّة التي سلّطتها علينا هذه المدنيّة التي لا ترحم من تعلّق بها وجعلها هدفه ومتعلّقه، فكيف هو يا ترى تعاملنا مع هذا الدواء؟.
ولكن ويا للأسف فعندما ندرس حالتنا بكلّ صراحة وموضوعيّة، نجد أنّنا قد تركنا المصباح جانبا، وأتعبناً أنفسنا بالجري وراء أضواء مصطنعة برّاقة، لا تستمدّ طاقتها من أصل ثابت.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله «. (1)
لقد اهتمّ الجيل الأوّل بكلام الله - سبحانه وتعالى -، وتعلّقوا به، واتّخذوه بحقّ نورًا يهتدون به في كلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم اليوميّة، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم سبل السلام، وأصلح أمورهم كلّها، فحقّق لهم حياةً طيّبةً.
__________
(1) أخرجه الدارمي برقم (3375) (1/36)
صفحة 37
ومن معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنّه قد أخبر بأنّه ستكون فتن كقطع الليل المظلم، وأن المخرج منها هو الاستمساك بالقرآن الكريم، حفظاً وتلاوةً وتطبيقاً واتّباعاً، وأخبر كذلك بأنّ القرآن والسلطان سيفترقان، وأنّ المسلم الصادق المخلص الذي يطلب لنفسه النجاة والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، فعليه أن ينحاز إلى كلام الله - سبحانه وتعالى -.
قال الإمام مالك:
«لا يصلح حال آخر هذه الأمّة إلاّ بما صلح به أوّلها «.
فالقرآن يولّد في نفس المداوم على تلاوته طاقة إيجابيّة بصورة يوميّة، تدفعه إلى المسارعة في الخيرات، وإلى مخالفة نفسه التي تجلبه إلى الراحة والتكاسل، وتبعث في عقله طاقة يستطيع أن يحفظ بها كلام ربّه - عز وجل - وغيره من العلوم بكلّ سهولة وسرعة.
وهو يوقظ كوامن القوى العقليّة التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها العقل البشري، ويحرّرها من أسر التقليد الأعمى التي يتعوّد عليها صاحبه على مرّ الأيّام، ويرفع من قدرته على التفكير الجيّد، ويرفع له قيمته التي قد جعلها له ربّه - عز وجل -، فينطلق في التحصيل والاستيعاب بقوّة لم يكن قد عرفها من قبل، وما ذلك إلاّ لبركة نور كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وللطمأنينة التي يملأ بها النفس، وهدوء خواطرها، فلا تفكّر في ماض يبعث على الحزن، ولا تتطلّع إلى مستقبل يزيد لها الهمّ، وبذلك يصفو الذهن، ويصبح مستعدّا للتلقّي بكلّ قوّة وإرادة ورسوخ معلومات.
إنّ استمرار العبد على التعامل الصحيح مع القرآن الكريم يجعله في حالة دائمة من اليقظة الذهنيّة، والحفظ والتذكّر، ففي كلّ مرّة يقرأ القرآن الكريم، سيجد آيات ذات معنى جديد راق ومحكم، فيدفع خلاياه المخّية إلى النشاط من جديد، ممّا يجعلها تستوعب أكثر، وقد وجد خبراء الذاكرة في كثير من تجاربهم أنّ الخلايا الذهنيّة كلّما نشطت أكثر إزداد استيعابها أكثر. (1/37)
صفحة 38
ويجب أن نعلم جيّدًا ونتيقّن أنّه كلّما تعلّمنا أكثر، أصبح من السهل علينا تعلّم المزيد، لأنّه كلّما تعلّمنا أكثر نكون قد قمنا بترييض خلايا مخّنا أكثر، وزدنا من الارتباطات العصبيّة داخل ذهننا.
وكلّما أمددنا ذاكرتنا بالمزيد من المعلومات والتدريبات، زاد عطاؤها في المقابل، ولا يزيد عطاؤها إلاّ عندما تستوعب كميّة أكبر من المعلومات.
إنّ الزيادة اليوميّة في قراءة آيات القرآن الكريم سوف يصاحبها تلقائيًّا زيادةً في سرعة التعلّم لدينا، وأيضًا زيادة في الاستمتاع باللغة والقصص والحوار والتوجيهات الإيجابيّة التي يوجّهنا إليها هذا القرآن الكريم. وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}. - ... [النحل ـ 79]
إنّ قرآن ربّنا - عز وجل - يتيح لنا معرفةً متعدّدة الجوانب، وعقل الإنسان يحبّ الكمال، ويسعى دائماً وأبداً إليه، وكلّما وصل إلى كمال، تاق إلى درجة أكمل وأرقى، وهو دائما يبحث عن الأكمل.
وكلام ربّنا - سبحانه وتعالى - لا يشبع منه العلماء، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك من اشتغل بقراءته والتفكير في آياته، فإنّه سيزداد حكمةً، لأنّ هذه الحكمة سيؤتيها له ربّه - عز وجل -، وهو الذي يهبها من يشاء.
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}. -
[البقرة ـ 269]
ويقول ابن مسعود: «من أراد العلم، فليتفكّر في القرآن «.
فمن أراد العلم النافع، فليبدأ بالقرآن الكريم، ليعرف ربّه من خلاله، فيتحقّق قلبه بالخشوع والانكسار له - سبحانه وتعالى -، فإذا انتقل بعد ذلك إلى تعلّم العلوم الأخرى صار حفظها سهلا عليه، لأنّه قد درّب ذاكرته بما هو مهمّ.
قال كعب: «عليكم بالقرآن الكريم، فإنّه فهم العقول ونور الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالرحمان عهدا «. (1/38)
صفحة 39
قال القرطبي: «فلمّا كان كتاب الله - عز وجل - هو الكفيل بجميع علوم الشرع، والذي استقلّ بالسنّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري «.
ويقول مجاهد: «استفرغ علمي القرآن «.
فمن اشتغل بالقرآن الكريم، ووقف له حياته، لن يندم على ذلك لحظة من لحظات حياته.
فالقرآن الكريم مليء بأنواع كثيرة من العلوم وأوجه الإعجاز، فمن قرأه وهو يبحث عن البلاغة وجدها، ومن قرأه وهو يبحث عن القصّة أخذ نصيبه منها، ومن قرأه وهو يبحث عن الإعجاز العلمي أشبع فطرة نفسه منه، ومن قرأه وهو يريد أن يهديه إلى الطريق المستقيم هديَ بإذن ربّه إليه، ومن قرأه وفي نيّته أن يقرأه فقط، فالله - سبحانه وتعالى - لن يتركه ينصرف من قراءته بدون فائدة، لأنّه سيجازيه بكلّ حرف قرأه عشر حسنات.
التكرار وأثره على الذاكرة
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}. - ... [آل عمران ـ 113]
وعن عائشة ـ - رضي الله عنه - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ له أجران «. (1)
لقد توصّل علماء الذاكرة بعد بحوثهم المتعدّدة بأنّ المعلومة تعتبر أحد الشروط اللازمة لبقاء العقل والخلايا المخّية في حالة جيّدة، وأنّ الخلايا المخّية بحاجة دائمة إلى غذاء من البيانات والمعرفة لكي يتمّ تفعيلها، ولكي تجد سببًا وهدفاً يدفعها إلى استخدام الغذاء والأكسجين الوارد إليها بواسطة الدورة الدمويّة.
ولعلّ لهذا السرّ أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده المؤمنين بتلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، كي يحفظوا لخلايا مخّهم حيويّتها ونشاطها طوال سنوات عمرهم التي كتب لهم أن يحيوها في هذه الدنيا.
__________
(1) أخرجه البخاري ـ الفتح 8 (4937) (1/39)
صفحة 40
فعلى المسلم الذي يريد أن يحفظ كلام ربّه - سبحانه وتعالى -، ولا ينسى ما حفظه أن يداوم على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، في الحضر والسفر، وألاّ يمرّ عليه يوم دون القراءة في المصحف.
إنّنا عندما نعطي القرآن الكريم المساحة الزمنيّة اللازمة من وقتنا وعمرنا فسنتمكّن من حفظه حفظًا جيّدًا، ومراجعة ما حفظناه مراجعةً حسنةً، ممّا يثبّته في عقولنا، وهذا يعني كذلك أن نأخذ عن كلّ حرف من حروفه عشر حسنات، وذلك هو الفضل العظيم، لأنّ كلّ حسنة من هذه الحسنات خير من الدنيا وما فيها، وهل يستطيع أحد من القارئين أن يعدّ كم من الحسنات سيأخذ عندما يقرأ كلام ربّه، ويعيد قراءته، ويكرّر آياته دون كلل، أو ملل، وهو المؤلّف من ثلاث مائة ألف حرف. وقد قال رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - في هذا:
عن ابن مسعود ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«من قرأ حرفا من كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ـ ألم ـ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف «. (1)
وقد جعل العلماء المواظبة على تلاوة القرآن من الأسباب الأساسيّة لحفظه والمحافظة عليه، واستدلّوا على ذلك بالأحاديث المتعدّدة التي رويت عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -:
فعن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
«تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفصيّا من الإبل من عقلها «. (2)
وعن عبد الله بن عمر بن الخطّاب ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«إنّما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت «.
وزاد مسلم في رواية أخرى:
«إذا قام صاحب القرآن، فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه «. (3)
وفي مهارة التكرار يقول علماء الذاكرة:
__________
(2) 1 أخرجه الترمذي 5 (2910)
(3) 2 أخرجه البخاري الفتح 8 (5031) ومسلم (789) (1/40)
صفحة 41
«إنّ تكرار الفكرة عدّة مرّات يزيد من فرص النجاح «.
إنّ كلّ شيء تقوله، أو تفعله، أو تشعر به، إذا كرّرته، سوف تزيد من فرصة القيام به مرّة أخرى بطريقة أسهل من المرّة الأولى، وسوف تزيد فرصة مواصلتك للعمل بطريقة أفضل والتحدّث والتفكير بطريقة أسهل.
إنّ المخّ ذاتي الإبداع، وبالتكرار تتكوّن في خلاياه المزيد المزيد من مجرّات وأكوان التفكير، تزداد معها بالفعل الروابط العصبيّة داخل العقل، وتلك الروابط سوف تجعله أكثر قوّةً ورقيًّا وتقدّمًا ونجاحًا.
وبعبارة أخرى: فإنّ العقل الذي نقرأ به المعلومة في المرّة الأولى ليس هو نفس العقل الذي نقرؤها به في المرّة الثانية، ثمّ ليس هو نفسه في المرّة الثالثة والرابعة، إلى أكثر من ذلك، ولن يبقى نفس العقل غدًا، لأنّه في كلّ مرّة سوف يؤدّي نفس العمل الذي قام به من قبل بسهولة أكثر.
وكلّما استعمل الإنسان ذاكرته بالشكل المناسب، وبطريقة جيّدة، سهلت عليه مهمّة الحفظ في الذاكرة، وكلّما استخدمها بطريقة جيّدة تحسّن مستوى أدائها.
فالقرآن قد أنزله ربّنا - سبحانه وتعالى - ليُقرأ ويُكرّر ويُرتّل بصفة دائمة، وما ذلك إلاّ ليزيد من قوّة عمل العقل وتحسينه وتقويّة عمله في كلّ مرّة نراجعه فيها.
وكثرة تلاوة القرآن الكريم في كامل سنوات العمر له أثره الكبير في المحافظة على قوّة تفكير العقل، والمحافظة عليه في صفة حسنة، وقد قال علماء الذاكرة في هذا المجال:
«إنّ مبدأ العقل العامل الذي يحفّز على طول سنوات العمر، يشير إلى أنّ المعتقدات الشائعة بأنّ التفكير والإبداع يخمد مع التقدّم في السنّ، وأنّ المهارات البدنيّة والذهنيّة يصيبها التدهور والانتكاس بسبب الكبر في السنّ، تعدّ مفاهيم خاطئة خطيرة «. (1/41)
صفحة 42
لماذا يا ترى تعدّ مثل هذه المفاهيم خاطئة وخطيرة، ذلك لأنّه إذا ما اعتقد الإنسان مثل هذا الاعتقاد، فإنّه يتكاسل ويفشل، ولا يغذّي عقله الغذاء الذهني الذي ينمّيه، ويرفع من إبداعه، فيبقى في أسفل الدرجات، وبذلك يزداد فتورًا وكسلاً، وتفقد خلايا المخّ قوّتها على مرّ السنين، وهذا هو الخطر العظيم.
لكنّ الحقيقة هي عكس ذلك تمامًا، فكلّما حافظ المرء على نشاط عقله، فإنّه سيزداد قوّةً وإبداعًا مع التقدّم في السنّ، وتنمو الروابط الداخليّة، ونتيجةً لذلك يزداد ذكاؤه، ولا زال هناك المزيد من الأنباء السارّة، وتعتبر المعلومة أحد الشروط اللازمة لبقاء العقل والخلايا العقليّة وزيادة قوّتها وإنتاجها.
فمع تكرار قراءة أو مراجعة المعلومة تقلّ المقاومة، ويزيد التكرار بالضرورة من احتمال حدوث تحسّن في القدرة الذهنيّة.
يقو الدكتور حريزي موسى في كتابه: أسرار الذاكرة في القرآن الكريم: (1)
«إنّ كثرة التكرار والترداد للوحدة المحفوظة يؤدّي عادة إلى حفظها وتثبيتها في الذهن، فلو كان شخص يحفظ بعد تكراره عشر مرّات، يجب عليه أن يكرّر ضعف هذا العدد ليكون حفظه قويًّا، وقد ذكر ابن خلدون أنّ التعليم المفيد يحصل بالتكرار، وقد أكّدت الدراسات التجريبيّة الحديثة العلاقة الوثيقة بين مستوى التذكّر وبين عدد مرّات التكرار، فهو ممّا يثبّت المعلومات والمهارات، ويساعد في جودة التذكّر، وهذا ما أكّده العلماء المسلمون في هذا الميدان «.
لقد اقترح الزرنوخي التكرار ليكون نظامًا يساعد التلميذ في الحلقات القرآنيّة على الحفظ فقال:
__________
(1) 1 من كتاب أسرار الذاكرة في حفظ القرآن الكريم، ص:176 (1/42)
صفحة 43
«وينبغي أن يكرّر ما حفظه بالأمس خمس مرّات، وما حفظه في اليوم الذي قبله أربع مرّات، والذي قبله ثلاث مرّات، والذي قبله اثنان، والذي قبله مرّة واحدة، فهذا داع للحفظ، فالحفظ إنّما يحصل بالتكرار، ويرتبط ارتباطًا طرديًّا «. (1)
وهناك مثال جيّد يسوقه علماء الذاكرة لتوضيح مهارة التكرار وتأثيرها في خلايا وأعصاب المخّ، وهو للغابة البكر.
فعلى كلّ واحد منّا أن يتصوّر أنّه مزوّد بمنجل، وأنّه يناضل من أجل شقّ طريق داخل هذه الغابة من طرفها إلى نهاية الطرف الآخر، ففي المرّة الأولى التي يمرّ فيها عبرها، سوف يواجه الكثير من عوامل المقاومة في الطريق، ولكن عندما يرجع مرّة ثانية عبر ذلك الطريق، ويطلب منه أن يقطع نفس المسافة مرّة أخرى، فإنّ المقاومة سوف تنقص، بسبب الطريق الذي مهّده في المرّة الأولى في رحلته السابقة.
ثمّ بعد ذلك في كلّ مرّة يعبر فيها نفس الطريق سوف يبدو أكثر اتّساعاً، وتنقص المقاومة شيئًا فشيئًا، حتّى يتحوّل إلى مسار ممهّد سهل، ثمّ إلى طريق صغير، ثمّ إلى طريق أكبر، ثمّ إلى شارع رئيسي.
__________
(1) 1 أسرار الذاكرة في حفظ القرآن الكريم، حريزي موسى. (1/43)
صفحة 44
فالعقل يعمل بنفس الطريقة مع كلّ معلومة جديدة ترد إليه، وكلّما أعادها مرّة ثانية وثالثة ورابعة سهل عليه مراجعتها، حتّى تصبح تلك المعلومة سهلة التذكّر والاسترجاع، وكأنّها قد اتّخذت لنفسها شارعًا رئيسيًّا داخل المخّ. فكلّما أدّى عقل الإنسان فعلاً معيّنًا، ثمّ أعاده مرّةً ثانيّةً وثالثةً، أصبح ذلك الفعل نفسه أكثر سهولة، يؤدّيه بعد ذلك بكفاءة عاليّة، فإذا كان ذلك الفعل مثلاً هو حفظ آية من كلام الله - عز وجل -، أو بيت شعر، فكلّما أعاده مرّة بعد أخرى، سهلت عليه مهمّة حفظه، وإذا كان ذلك الفعل يعني الإبداع فهذا يعني أنّه كلّما مارس الإبداع بالشكل الصحيح، ازداد التفكير الإبداعي سهولة بالنسبة له، وهذا تمامًا مثل الإنسان الذي يستعمل جسده بطريقة جيّدة ثمّ يعيد نفس العمليّة مرّةً بعد أخرى، فإنّ مستوى أدائه الجسدي يتحسّن أكثر بعد كلّ مرّة يعيد فيها نفس العمل.
ومثال لذلك حفظ سورة الفاتحة، فنجد أنّ كلّ المسلمين يحفظونها حفظاً لا مثيل له، الذكر منهم والأنثى، الصغير منهم والكبير، وما ذلك إلاّ لأنّهم يكرّرونها دون توقّف، أو ملل.
ولعلّ هذا السرّ يكمن في الإيحاء الذي يكوّنه التكرار في العقل الباطن، حيث يرسخ داخل العقل الباطن أنّنا قادرون على الحفظ والاستيعاب بعد مراجعة المعلومة ثلاث مرّات، والذي بواسطته نعدّل المنبّهات العقليّة بحيث تتحوّل إلى قوّة روحيّة تتكوّن داخله، فيبعث في النفس التفاؤل والثقة بأنّ القوى العقليّة قادرة على الحفظ بعد مراجعة المعلومة عدّة مرّات، والعقل الباطن هو المحفّز للعقل المفكّر الحافظ للمعلومة، فهو الذي يبعث فيه قوّة لا متناهيّة للحفظ والاستيعاب.
وبهذا التأثير وهذا الإيحاء يستعمل العقل أقصى قدراته ليستوعب المعلومة ويحفظها بعد إعادتها ثلاث مرّات، أو أكثر.
استعمال الذاكرة السمعيّة (1/44)
صفحة 45
لقد بيّنت التجربة أنّ الاستماع للقرآن الكريم كلّ يوم بمعدّل ساعة على الأقلّ يزيد من القدرة المناعيّة للجسم.
لذلك لا يستطيع المسلم الحقّ أن يغفل في لحظة من لحظات حياته عن قراءة كلام ربّه وتدبّره وفهمه، وهو يستعمل في ذلك ذاكرته السمعيّة قدر المستطاع.
كما أنّ استعمال الذاكرة السمعيّة بصفة واسعة وبكثرة ينشّط الخلايا الدماغيّة، ويزيد من قدرتها على الإبداع، واتّخاذ القرارات السليمة، ويخلّص النفس من الوساوس والمخاوف، التي جعلت كثيرا من الناس لا يستغلّون قدراتهم الفكريّة الاستغلال الحسن.
قال الله - عز وجل -: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. -
[الأعراف ـ 204]
ولسنا نقصد بهذا الاستماع للقراءة والتلاوة من مصدر آخر فقط، بل يستطيع القارئ أن يُسمع نفسه بنفسه، وهذا ما يدعو إليه كثير من العلماء، وما يقصدونه من الاستماع.
وقد توصّل العلماء في بحوثهم أنّ المداومة على استخدام هذه الوسيلة يحدث الأثر العظيم على النفس، لأنّها تجعل العقل في يقظة، بحيث يتجاوب القلب تجاوبا جيّدا مع تلك القراءة.
والقرآن خطاب مباشر من الله - سبحانه وتعالى - لجميع البشر، لي ولك، ولغيرنا من الناس، وهذا الخطاب يشمل كثيرًا من المواضيع التي تخصّ جميع خلق الله - عز وجل -، فهو يشمل الأسئلة والأجوبة، والأمثال، والقصص التي تجعل المخّ ينشط، ويعمل بطاقة جيّدة قويّة، وفيه من الوعد والوعيد، والأوامر والنواهي، وغير ذلك.
1ـ الذاكرة السمعيّة، Memory Auditory : كما عرّفها علماء الذاكرة:
هي القدرة على استدعاء سلسلة من الأسماء والكلمات والأعداد، وغير ذلك من المعلومات المقدّمة شفويّا، ومن لديه خلل في الذاكرة السمعيّة قد يحتاج إلى مذكّرات للتعليمات المقدّمة شفويّا. (1/45)
صفحة 46
ونستطيع أن نقول بأنّ حفظ كلام الله - عز وجل - يعتمد على الذاكرة السمعيّة، أكثر من الأنواع الأخرى، فبالسمعيّة يسمع تلقين المعلّم للآيات التي ينوي حفظها، ثمّ يستعمل الذاكرة اللفظيّة ليعيد ما سمعه من الكلمات والآيات.
وقد بيّن العلماء أنّ الذاكرة السمعيّة أوسع وأشمل من الذاكرة البصريّة، بحيث لا نستطيع أن نقارن بينهما، فدائرة المشاهدات إذا قسناها بدائرة المسموعات فهي كلا شيء، أمّا دائرة المسموعات ودائرة المشاهدات إذا قسناهما كليهما بدائرة التصوّرات، فإنّهما تصبحان كلا شيء، لذلك ذكر الله كثيرًا من المشاهد التي لا تعدّ ولا تحصى في كتابه القرآن الكريم، وأنزل معجزة الدين الإسلامي قرآنًا يتلى ويعتمد على الذاكرة السمعيّة والذاكرة التصوّريّة أكثر من اعتماده على الذاكرة البصريّة.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}. -[الإسراء ـ 36]
والقرآن الكريم يدرّب ويقوّي أنواع الذاكرة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لعباده لكي يتحصّلوا بواسطتها على العلوم المختلفة، وخاصّة منها الذاكرة السمعيّة، التي تعتمد على الانتباه أكثر من الذاكرة البصريّة، فإذا كنّا بصدد تلقّي معلومات بصريّة، فعادة يكون لدينا وقت أكبر لننظر إليها، كي نلمّ بالتفاصيل، ويمكن أن ينصرف انتباهنا قليلاً، ولكنّنا لا نزال نستطيع أن نحصل على كلّ البيانات، أمّا في الذاكرة السمعيّة فإنّ المعلومات تقدّم إليها بشكل لفظي، فإن تجوّل انتباهنا للحظة فقط، فستفوتنا بعضًا منها، وبالتالي لا يمكن لنا أن نتذكّرها.
ــ أهميّة السمع في التعلّم:
ومن الملاحظ في الآيات القرآنيّة التي ذكرت السمع والبصر أنّ كلمة السمع تسبق البصر دائمًا بلا استثناء، فلابدّ أن نتساءل، هل لهذا السبق من دلالة خاصّة؟ (1/46)
صفحة 47
لقد ثبت علميّا أنّ الأذن الداخليّة للجنين تتحسّس الأصوات في الشهر الخامس، وهو يسمع أصوات وحركات قلب وأمعاء أمّه، وتتولّد نتيجة لذلك إشارات عصبيّة سمعيّة في الأذن الداخليّة، والعصب السمعي والمنطقة السمعيّة في مخّه، لا يمكن تسجيلها إلاّ بالآلات المخبريّة الدقيقة، وهذا برهان علمي يثبت سماع الجنين للأصوات في هذه المرحلة المبكّرة من عمره، بينما لا يمكن تسجيل تلك الإشارات العصبيّة في الجهاز البصري للجنين إلاّ بعد ولادته.
لذلك فإنّه يمكن للإنسان أن يدرّب هذه الحاسّة لديه، بما يسمعه يوميّا من آيات كتاب الله - سبحانه وتعالى -، إذا أراد أن يصبح في المستقبل إنساناً يركّز جيّداً إلى ما يسمعه، كي يعقله، ويحفظه، وقد أكّد الله - سبحانه وتعالى - على أنّ الإحساسات الصوتيّة التي يسمعها الإنسان بأذنيه تصل مستوى الوعي أكثر من تلك التي تصله عن غير طريقه، كالبصر واللمس والشمّ. فقد قال الله - سبحانه وتعالى - في هذا الشأن:
{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}. -[الحاقّة ـ 12]
وهذا دليل على أنّه يوجد بين القلب وحاسّة البصر صلة وثيقة، ربّما لا توجد بينه وبين حاسّة البصر، ولقد خصّ الله - سبحانه وتعالى - حسّ السمع وجهازه، ولم يذكر البصر عندما أراد تخصيص أهميّة حواسّ بعض عباده. فقال - سبحانه وتعالى -:
{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ}. -[الأنعام ـ 36]
كما اكتشف العلماء بأنّ حسّ السمع لكلّ أذن يتمثّل في كلّ من شقّي المخّ، فإذا أصيب أحد الشقيّن بمرض، فإنّ إحدى الأذنين لا يصيبها الصمم، بينما في حاسّة البصر، فإنّ العين اليمنى يتمثّل مركز رؤيتها في الشقّ الأيسر، والعين اليسرى يتمثّل في الشقّ الأيمن، لذلك إذا أصيب أحد شقيّ المخّ بمرض، فإنّ المصاب يفقد الرؤية في العين المعاكسة لجهة الإصابة. (1/47)
صفحة 48
والدليل الراجح على أنّ طريقة التسميع هي أفضل الطرق في التعليم، أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعلها الطريقة التي علّم بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بداية إنزال الوحي عليه بواسطة جبريل - عليه السلام - وأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد علّم بها أصحابه، وما ذلك إلاّ لتأثيرها الإيجابيّ ونتائجها الطيّبة في نفس الإنسان، ونحن يجب علينا أن نجعل رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - إسوتنا الحسنة.
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. - ... [الأحزاب ـ 21]
لذلك إذا درّب الإنسان نفسه على السمع الجيّد لبعض الآيات القرآنيّة، وبعض القصص، فإنّه يدرّب شقيّ مخّه معًا، وهذه العمليّة تعتبر أحسن وسيلة لتدريب المخّ تدريبًا جيّدًا، خاصّة وأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد جعل في القرآن الكريم كلّ الخاصيّات التي يستطيع الإنسان أن يدرّب بها الشقّين معًا، فهو يتكوّن من الكلمات التي يحفظها الجانب الأيسر، والصوت الحسن الذي هو من اختصاص الجانب الأيمن، إلى غير ذلك من اختصاصات كلّ من الشقّين.
ولسبب ما فقد جعل الله - عز وجل - حُجّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - آيات كريمة تسمع، وتحفظ في الصدور، وتُتناقل بين الرواة عن طريق السمع، وتُقرأ بترتيل وتجويد، لأنّ لكلّ إنسان صوته الخاصّ الذي يحدث بواسطة عمليّات معقّدة تتمّ في الدماغ بتعليمات معيّنة يتمّ بواسطتها إصدار هذا الصوت الذي هو عبارة عن موجات ميكانيكيّة، تتلاءم مع تردّدات خلاياه، ومن هنا نستطيع أن نفهم قوله - سبحانه وتعالى -:
{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}. -[الروم ـ 22] (1/48)
صفحة 49
كما أنّ صوت كلّ إنسان يتأثّر بالأحداث التي تمرّ عليه، من حبّ وحنان وعطف، أو بغض وكراهيّة وغضب، ومن جهة أخرى فإنّ الإنسان يتأثّر بطبيعة كلّ صوت على حسب حالته التي يكون فيها، لأنّ نفسه تنفتح، وتنشرح للسماع والتأثّر، أو تنقبض ولا تنشرح، ولا تتأثّر.
ومن هنا نستطيع أن نفهم جيّداً وبصفة إيجابيّة مقنعة كيف يتأثّر الإنسان بصوت قارئ القرآن الكريم، خاصّةً إذا كان ذلك الصوت هو صوته، وكان بترتيل جيّد.
والقرآن كريم وحكيم، فقد أنزله الله - سبحانه وتعالى -، ورتّب كلماته وحروفه بتناسق محكم، وبشكل يعطي تناسقاً عظيماً، يؤثّر في عقل الإنسان، وفي قلبه أيضاً، وهذه القراءة لكلام الله المبارك، بصوت محبوب يدخل عبر أذنيه، ويؤثّر على خلاياه، فيملؤها بالخشوع، وينشّطها ويبعث فيها الحياة، لأنّ القرآن الكريم كلّه حياة وروح وطاقة بالنسبة لكلّ خليّة من خلايا جسم هذا الإنسان.
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}. -[الشورى ـ 52]
إنّ الاستماع لتلاوة كلام الله - عز وجل -، وقراءة آياته يملأ النفس أمانًا وطمأنينةً وسكينةً فيستنير القلب، وتنشرح النفس، فتعمل القوى العقليّة بأقصى درجة ممكنة، وإذا تدرّبت الخلايا على ذلك، فإنّها ستصبح قادرة على الاستيعاب الجيّد لما يلقى إليها من المعلومات الأخرى، فيصبح صاحبها ذكيًّا فطنًا عبقريًّا.
وهكذا فقد اتّبع العلماء والفقهاء سنّة رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، فكوّنوا حلقات لتحفيظ القرآن الكريم في المساجد بالتلقين وتكرار التسميع، وهو أن يسمع التلميذ المتعلّم ما يمليه عليه معلّمه، ثمّ يعيد عرض ما تلقّاه عليه، فهذا يعتبر إحياء للطريقة النبويّة في تلقّي القرآن الكريم. (1/49)
صفحة 50
إنّ تكرار القراءة والتلقين ثلاث مرّات فيه سرّ إلهي، وله تأثير نفسي في ذهن السامع، لذلك فإنّ الله - سبحانه وتعالى - بدأ إنزال الوحي من أوّل مرّة على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكيفيّة، وهو تكرار القراءة عليه ثلاث مرّات.
والحادثة التاريخيّة العظيمة التي بدأ بها الله - سبحانه وتعالى - هذا الدين العظيم، الدين الإسلامي الذي غيّر خطّ التاريخ كما لم يتغيّر من قبل قطّ، وكما لن يتغيّر من بعد أبدًا، وكان هذا الحدث هو مفترق الطريق بين الحقّ والباطل، فقد بدأ نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم -، أو القرآن الكريم، حين جاءه الملك جبريل - عليه السلام - وهو يتعبّد في غار حراء، فقال اِقرأ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اِقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثانية، حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اِقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثالثة، ثمّ أرسلني، فقال:
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ
مَا لَمْ يَعْلَمْ}. -[العلق ـ1ـ 5]
وقد لاحظ بعض العلماء أنّ الحوادث، أو المشاهد التي وقعت للرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحادثة التاريخيّة العظيمة كلّها قد تكرّرت ثلاث مرّات. (1/50)
صفحة 51
فجبريل - عليه السلام - قد أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة ثلاث مرّات، وأنّ استفهام النبيء - صلى الله عليه وسلم - لجبريل ـ ما أنا بقارئ ـ وقع منه ثلاث مرّات، وأنّ جبريل - عليه السلام - قد ضمّه ثلاث مرّات، وأرسله كذلك ثلاث مرّات، وهذه أربعة مشاهد بين جبريل - عليه السلام - والنبيء - صلى الله عليه وسلم - وقعت ثلاث مرّات، وكلّ هذا من تدبير العليم الخبير، ليبدأ به أكبر وأعظم وأجلّ حدث يقع في تاريخ البشريّة أجمع، إلى يوم الدين، وهو تعليم النبيء الأمّيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يقرأ، ولم يكتب في يوم من الأيّام حرفًا، ومن هنا استنبط العلماء أنّ كلّ من أراد أن يتعلّم شيئًا، أو يعلّمه أحدًا غيره عليه أن يكرّره ويعيده ثلاث مرّات، حتّى ينتبه إليه جيّدًا، ويركّز عليه دون غيره من المعلومات، ومن ثمّ يرسخ في ذهنه بكلّ سهولة وبقوّة.
مشاركة كلّ الحواس
إنّ الله - سبحانه وتعالى - بحكمته وقدرته قد وهب هذا الإنسان قوةً إدراكية تتمثل في حواسّه وفي فكره وفي قلبه، فالحواسّ تشعر والفكر يدرك والقلب يعقل، والحواس الخمس مشتركة بين الإنسان وغيره من المخلوقات، هناك حيوانات ترى وتسمع وتدرك ببعض الحواس التي وهبها الله - عز وجل - إيّاها لتعيش في المحيط الخارجي، ولكن الله ميّز الإنسان وكرّمه بالفكر، ويسمّيه بعضهم: العقل.
فقال - سبحانه وتعالى -:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}. -[الإسراء ـ 70]
وقد استنتج العلماء أنّ هناك فرقاً بين الإحساس والإدراك.
فالإحساس: أن نرى ضوء بأعيننا، أو أن نسمع صوتًا بآذاننا، أو أن نشمّ رائحةً بأنفنا، أو أن نشعر بحرارة بجلدنا، هذا هو الإحساس.
كما أنّ الإحساس يكون عن طريق الحواسّ، والإدراك يكون عن طريق الفكر. (1/51)
صفحة 52
الحواس: تشعر، وتحسّ، والفكر يدرك والقلب يعقل، والمعوّل عليه هو القلب، وذلك حينما نأخذ موقفاً عمليّاً، فمعنى ذلك أنّنا نعقل الحقيقة.
إذن بالحواسّ نحسّ، وبالفكر ندرك، وبالقلب نعقل، وهذه الحواسّ، وهذا الفكر وذاك القلب هي القوى الإدراكيّة في الإنسان، و لو أغفلنا الجانب الإدراكي في الإنسان لصار بهيمةً من البهائم، فلولا العلم لكان كالبهيمة تماماً.
فلا يمكن أن نسميّ الإنسان عاقلاً إلا إذا استطاع أن يترجم أفكاره إلى ممارسات وإلى سلوك وإلى مواقف.
يقول (ليوناردو دافنشي) ببعض الحزن: (1)
«إنّ الشخص العادي ينظر بدون أن يرى، ويسمع دو أن ينصت، ويلمس دون أن يشعر، ويأكل دون أن يتذوّق، ويتحرّك دون وعي بدني، ويستنشق دون أن يعي الرائحة، أو العبير، ويتحدّث دون تفكير «.
فهل أنت كذلك؟ فهناك ذكاء خاصّ بالحواس هو ذكاء يتعلّق بقدرتك على أن تستخدم كلّ واحدة من حواسّك الخمس الجسديّة، في حفظ كلام ربّك الكريم إلى الحدّ الذي تبلغ فيه تلك الحواسّ أقصى قدرتها، ثمّ لا تهمل حاسّتك السادسة الحدس.
وجعل كلّ الحواس تشارك في قراءة الجزء الذي نريد حفظه يساعد كثيرًا على تسهيل عمليّة الحفظ، وهي حاسّة النظر والسمع والنطق، وما ذلك إلاّ لأنّ تلك الحواس هي السبل التي تدخل منها المعلومات إلى الذاكرة، وكلّما كانت الطرق متعدّدة، ازداد انتباه الذاكرة إلى تلك المعلومات التي تصل إليها، وقويّ الحفظ وترسّخ.
__________
(1) من كتاب العقل أوّلا، توني بوزان، ص:150. (1/52)
صفحة 53
ويكون ذلك بتلاوة جهريّة لما نريد حفظه، لتشارك حاسّة السمع في سماع التلاوة فترتاح نفسنا إليها، وخاصّة إذا كنّا نقرأ بتجويد وبصوت حسن محبّب إلى النفس، وفي نفس الوقت ننظر في الصفحة التي توجد فيها حصّتنا التي نودّ حفظها، مع تدقيق النظر وتكراره حتّى تنطبع صورة الصفحة في ذاكرتنا، أمّا من يحفظ بالنظر إلى المصحف وهو ساكت، أو عن طريق سماع تسجيل للقرآن دون أن ينظر إلى المصحف، أو يكتفي أثناء حفظه بالقراءة بصوت خافت، فإنّ هذه الطريقة لا تؤدّي إلى المطلوب بشكل سهل وميسور.
ومن جهة أخرى فإنّ استعمال كلّ الحواس إلى أقصى درجة ممكنة، يوفّر الانتباه والتركيز اللذين هما من الأسس، وهذا ممّا يكوّن بالضرورة سبلاً داعمة لعمليّة الحفظ، ويسهّل عمليّة التشفير، التي تسهّل لنا عمليّة استذكار تلك المعلومات.
كما أنّ استعمال أقصى قدر من الحواس التي نملكها، يقوّي الانتباه الذي يعتبر مكوّنًا بالغ الأهميّة من مكوّنات الذاكرة، فعمل الذاكرة الجيّد هو النتيجة الحسنة لاستعمال أكبر عدد من الحواس، والانتباه يقتضي جهدًا واعيًّا، إذا أردنا أن نرسّخ المعلومة المعيّنة في الذاكرة، ونضع آليّةً واعيةً للاسترجاع فيما بعد.
والله - سبحانه وتعالى - يقول:
- {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. -[النحل ـ 78]
وقد اعتبر العلماء استعمال الحواسّ كلّها في قراءة القرآن الكريم عبادة يتقرّب بها العبد إلى ربّه - عز وجل -، لكي يضاعف له الأجر، لذلك كان بعض المشائخ ممّن يحفظ القرآن الكريم عن ظهر القلب يقرؤه من المصحف، ويقول: «إنّني أفعل هذا رغبة في زيادة الأجر، فاللسان يقرأ، والأذن تسمع، والعين تبصر «.
وقد ورد في الأثر:
«قراءة الرجل القرآن الكريم في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف تضاعف على ذلك إلى ألفي درجة «. (1/53)
صفحة 54
ومن استمع حرفًا من كتاب الله - عز وجل -، أو قرأه نظرًا، كتب الله له حسنةً، ومحيت عنه سيّئةً، ورفعت له درجةً، ومن ختمه، كتبت له عند الله دعوةً مستجابةً معجّلةً، أو مؤخّرةً.
وذاكرتنا ستكون جيّدةً، وتستوعب بطريقة أفضل وأقوى وأسرع بقدر الجهد الذي نبذله في الانتباه، وذلك باستعمال أقصى عدد ممكن من الحواس، فعلينا أن نأخذ المعلومة المراد حفظها وتذكّرها فيما بعد، فنقوم بليّها ولفّها عدّة مرّات ولا نتشاغل عنها بشيء آخر غيرها، أو ننظر إلى أشياء أخرى، لأنّ ذلك سيجلب حواسنا إلى تلك الأشياء، وبذلك نفقد الانتباه الكامل والتركيز الجيّد على ما نريد حفظه واستيعابه.
وقد استنتج علماء الذاكرة أنّ المرحلة الأولى لعملها هو المكوّن الحسّي الذي يسمح للمعلومات بالدخول إليها بصفة فعّالة وذلك من خلال الحوّاس التي يعتبرها العلماء أدوات لتشفير المعلومات التي نريد حفظها، وإنّ صرف حاسّة واحدة عن الانتباه إلى تلك المعلومة سيخلّ بالذاكرة في مرحلة الاستيعاب.
فمثلا إذا صرف انتباهنا بالنظر إلى التلفزة ونحن نحاول حفظ معلومة، فإنّ ذلك بلا شكّ سيجعل قوّة استيعاب الذاكرة تتشتّت، وسيجعل مهمّة التركيز تضعف، وتنصرف إلى ذلك الشاغل الذي اشتغلنا به.
ومهّمة بناء مهارة الانتباه إلى المعلومات بكلّ الحواسّ يتطلّب كثيرًا من الجهد من أنفسنا، وهذا الجهد الذي نبذله هو عملتنا لتقويّة الذاكرة والاستيعاب الجيّد، وعندما يتطلّب منّا أن ننتبه إلى المعلومة بكلّ حواسّنا، فذلك يتطلّب منّا المزيد من الجهد.
وتحسن ذاكرتنا ما نقدّم لها بطريقة جيّدة، وإذا تحسّن انتباه حواسّنا، وزاد تركيزنا على التفاصيل المتعدّدة من حولنا، فذلك يعني حفظًا أحسن واستيعابًا أفضل، وتشفيرًا أعمق، وتعلّمًا أحسن، وذاكرةً أفضل وأقوى. (1/54)
صفحة 55
ويتكوّن التشفير الواعي بالانتباه الواعي بكلّ الحواس إلى المعلومة التي نريد حفظها، كما ينبني الاسترجاع الواعي كذلك بقليل من الجهد، لأنّنا سنضع المعلومة في ملفّ الذاكرة بناء على عناصر السمع والنظر واللمس، وإنّ استخدام الحواسّ المختلفة يخلق مسارات إضافيّة تسير فيها المعلومة أثناء الاستيعاب، وإشارات مرجعيّة تبادليّة، نرجع إليها أثناء الاسترجاع، وبذلك يصبح التذكّر عبارة عن مسألة ملاحظة التفاصيل، وخلق الإشارات المرجعيّة للوصول إلى المفهوم الذي نريد تذكّره فيما بعد.
ويشبه إشراك كلّ الحواسّ في حفظ معلومة بتركيز آلة تصوير كاشفة قويّة ذات عدّة تقنيّات، فهذا يتيح لنا الانتباه لكلّ التفاصيل الممكنة في الشيء الذي نريد التقاطه، ويفتح أثرًا لتلك المعلومة في كلّ حاسّة، كما أنّه يفتح زوايا متعدّدة لإمكانيّة تذكّرها، واستدعائها فيما بعد، عندما نحاول فعل ذلك.
ولتطوير الحواسّ بالطرق المختلفة فوائدة كثيرة وكبيرة، بحيث تزوّد المرء بذاكرة فائقة، فعندما نتفكّر في هذا سنجد أنّ ذكريات كثيرة تتأثّر بتلك الحواسّ المختلفة، حيث تنهال على مخيّلتنا طوفان من الذكريات.
فعندما نطوّر ذكاءنا الحسّي، فسوف نجد أنفسنا بلا معاناة ننمّي ونقوّي عضلات ذاكرتنا وعقلنا.
وبما أنّ استعمال كثير من الحواسّ عند التلاوة والحفظ هو أدعى للتركيز، فلا بدّ أن نشير إلى التركيز ولو إشارة قصيرة.
الفصل الرابع
النظام يوفّر الجهد
كن منظّما كي توفّر كثيرا من الجهد
إنّ تنظيم الوقت، وتنظيم الحصّة التي نريد حفظها، وتحديدها تحديد جيّدا، سيوفّر لنا كثيرًا من الوقت والمجهود اللذين يضيعان سدىً في الحالة التي لا نقوم فيها بمثل هذه البرمجة، وبالنظام يمكن أن نشحن ذاكرتنا بطاقة قويّة تعمل بها إلى أقصى درجة ممكنة، وتحقّق نتائج إيجابيّة رائعة ما كنّا نحلم بها من قبل. (1/55)
صفحة 56
إنّ الكثير من الناس يقومون بعمل ذلك بشكل تلقائي، بل إنّ كلّ العلوم التي نريد تحصيلها مقسّمة على ذلك النحو.
والقرآن الكريم قد قسّمه العلماء منذ تدوينه إلى حصص تتمثّل في الأثمان والأرباع والأنصاف والأحزاب، وما فعلوا ذلك إلاّ ليوفّروا لنا هذا العمل للعقل، كي يعمل بشكل تلقائي في استيعابه وحفظه على ذلك النظام وذلك التقسيم.
فبتقسيم المادّة التي نريد حفظها إلى فئات، أو مجموعات يخلق داخل الذاكرة هيكلا، أو بنية لها معنى، يسهل على العقل حفظها وتذكّرها، والشخص غير المنظّم يبذل جهدًا أكبر بكثير من الشخص المنظّم، ولكنّه لا ينجز إلاّ القليل.
وأتمنّى أن يقوم أحد من العلماء بتقسيم القرآن الكريم من أوّله إلى آخره على حسب المواضيع الموجودة فيه، ليسهّل على كثير من الحفّاظ حفظه بالطريقة الثالثة (الحفظ المقسّم).
وهي الطريقة التي نقسّم فيها الحصّة إلى أقسام متّحدة في الموضوع وفي المعنى، ونضع لها عنوانا يحدّد موضوعها، وهدفها، وهذه كلّها وسائل تزيد من تقنيّة الربط وقوّة الاستيعاب والحفظ.
وسرّ نجاح الكثير من البارزين العبقريّين في مجال العمل يكمن في مهاراتهم التنظيميّة، ويعمد خبراء الذاكرة إلى استخدام إستراتيجيّة تنظيميّة عند تقسيم المعلومات، وذلك بتقسيم مجموعة كبيرة من عناصر الموضوع إلى أجزاء منفصلة ذات سمات مشتركة، وهذا ممّا يساعد كثيرًا في تطبيق عمليّة الربط.
وقد برمج الله - سبحانه وتعالى - العقل كي يعمل بنظام، ولا أدلّ على ذلك من أنّه قد خطّط العبادات على أوقات محدّدة لا يجوز للمحافظ عليها الملتزم لها أن يؤدّيها قبل ذلك الوقت المحدّد لها، ولا بعده.
وقد شبّه الخبراء العقل البشري بالكمبيوتر، واعتبروا القناعات الموجودة فيه هي البرامج التي تقوم بعمليّات التشغيل، فما كان موافقا للبرنامج الداخلي قبلته، وما كان مخالفا له رفضته. (1/56)
صفحة 57
وكلّ ما يجب علينا فعله هو انتقاء البذور الطيّبة، أو القناعات الإيجابيّة وزرعها بالعقل الباطن، لنجني نتائج جيّدة وطيّبة، لأنّ العقل الباطن ما هو إلاّ أرض خصبة لأيّ قناعة نزرعها فيه، سواء إيجابيّة، أو سلبيّة.
والعقل البشري لا يقبل أن يعمل ويحفظ ويستوعب بطريقة غير منظّمة، لأنّه قد فطر وبرمج على العمل بنظام وتنظيم، والله - سبحانه وتعالى - قد علّمنا هذا النظام من خلال ما أخبرنا به من الأنظمة الموجودة في الكون كلّه، وفي المخلوقات المختلفة من حولنا.
فيمكننا أن نقسّم المعلومة إلى أجزاء صغيرة، تسهّل علينا مهمّة تذكّرها من خلال الذاكرة العاملة، وهذه إستراتيجيّة ناجحة نستخدمها جميعا عندما نسعى لتسجيل، أو حفظ رقم هاتف معيّن.
ويعتبر هذا التقسيم للمعلومة التي نريد حفظها من المهارات اللازمة لإنجاز المهام التقليديّة اليوميّة التي تفرض علينا المزيد من التحدّيات والعمل والتضحيّة، كي نملأ عقلنا الباطن بالرسائل الإيجابيّة التي توجّه إرادتنا توجيهًا صحيحًا وقويًّا، ويجعل ذاكرتنا تستوعب إلى أقصى درجة ممكنة.
فعندما تحاول الذاكرة استيعاب معلومة ما، فأوّل شيء تقوم به هو البحث عن النظام الذي تحتويه تلك المعلومة، وعن العناصر المتشابهة فيها، كي تجد لنفسها تدعيما ومساندة وإعانة تستوعب بها تلك المعلومة، لأنّها تبحث لنفسها عن طريق صحيح ممهّد ومعبّد كي تسير عليه عند حفظ المعلومة، دون تعب، ثمّ تستعمله فيما بعد لاسترجاعها.
فهي تبحث عن التفاصيل وعن المعاني الموجودة فيها والتي ستساعدها على استقبالها بصفة سهلة، وتثبيت عناصرها داخل منطقة الكمون، وهذه الطريقة تشبه المشبك، فمثلما يعمل المشبك على تثبيت الأشياء في أماكنها، كذلك تعمل هذه التقنيّة على تثبيت المعلومات داخل العقل. (1/57)
صفحة 58
وهذه التقنيّة تعمل على تثبيت المعلومات وفق ترتيب دقيق تختاره الذاكرة، ولذلك فعلى كلّ شخص يريد الحفظ بسرعة أن يركّز ويلاحظ ويستخرج تلك الخصوصيّة الموجودة في تلك المعلومة كي يستوعبها بطريقة أفضل، لأنّه عندما يقوم بمثل هذا العمل يصبح في العادة أكثر حماسا، وتتولّد لديه طاقة عالية جدّا.
وذلك مثل رجل أراد السفر، فهو يحاول أن يدرس جيّدًا الطريق الذي سيقطعه في سفره، كم هي مسافته؟، هل فيه مقاطع خطيرة؟، المدن الموجودة بجانبه، أو التي يمرّ بداخلها، الأماكن التي يستطيع أن يستريح فيها، المحطّات التي يستطيع أن يتزوّد فيها بالبنزين، أو بحاجياته المادّية، إلى غير ذلك من النظم الموجودة في الطريق والتي تسهّل له ذلك السفر.
فتقسيم المعلومة يعتبر خطوة مهمّة للسير نحو الهدف والعزم على تحقيقه، كما أنّه يوفّر مصدرًا أساسيًّا للطاقة العقليّة، ويجعل النفس تشعر بالأمان والاطمئنان كلّما حقّقت جزءًا من العمل الذي قسّمته، وتريد تحقيقه، ممّا يقوّي فيها العزيمة والإرادة، فتزيد من بذل جهد أكثر.
علينا أن نكيّف جهازنا العصبي وتركيزنا الذهني، بحيث نجعل عقلنا يبحث باستمرار عن أيّ شيء يفيدنا في حياتنا، وإذا تفكّرنا جيّدًا، وركّزنا تفكيرنا على كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى -، فإنّنا نجد بأنّه يفيدنا فوائد كثيرة وعديدة لا نستطيع حصرها أو عدّها، بل أكثر من ذلك فهو يفيدنا في حياتنا الدنيويّة والأخرويّة معًا.
إنّ الروابط العصبيّة المختلطة وغير المنظمّة والتي تسبّبها الأعمال غير المنظّمة تحدث خداعًا كبيرًا في التفكير، وكثير من الناس لا ينجزون أعمالهم بطريقة جيّدة، والسبب في ذلك كما استنتجه كثير من العلماء راجع إلى تقطّع تذبذبات خلايا المخّ، وعدم انتظامها، فهي تزدهر في بعض الأحيان، ويعتريها الخمول مرّات أخرى. (1/58)
صفحة 59
والمحافظ على تلاوة القرآن الكريم، والمداوم على تدبّره يجعل تلك الخلايا تنتظم بصفة حسنة إيجابيّة، خاصّة وأنّ العلماء يقرّرون بأنّ كلمات القرآن الكريم وآياته قد رتّبت بطريقة تحفظ تردّدات خلايا الجسم كلّها، وليس خلايا العقل فقط، وقد بنوا خاصيّة الشفاء التي جعلها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه على ذلك، وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. -[الإسراء ـ 82]
والحمد لله أنّه قد أنزل هذا القرآن الكريم على هذا النظام الدقيق الذي يوافق نظام تفكير مخلوقه الذي أنزله إليه، لأنّه هو الذي خلق هذا العقل، وهو الذي أنشأ فيه هذا النظام، ويبيّن أنّ هذا الكتاب حقّ، قال الله - عز وجل -:
{إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ}. -[النساء ـ 105]
لقد يسّره لكلّ من يريد أن يستعمل عقله في التفكّر فيه وتدبّره بطريقة حسنة، توافق طريقة تفكير عقله التي فطر الله - عز وجل - عليها عقل كلّ إنسان سويّ، وقد ذكر ذلك في موضعين آخرين بأنّه - سبحانه وتعالى - لم يجعل في كتابه الكريم عوجا لا يوافق عمليّة التفكير المنظّمة التي جعلها فيه فقال - سبحانه وتعالى -:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا}. - ... [الكهف ـ 1]
{ولم يجعل له عوجا} فالعوج هو الانحراف والاختلاف ضدّ الاستقامة، فالشيء إمّا مستقيم، وإمّا غير مستقيم.
{ولم يجعل له عوجا} لا في ألفاظه، ولا في كلماته، ولا في آياته، ولا في أغراضه، أو مقاصده، ولا أحكامه. وقال الله - عز وجل - في شأنه:
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}. - ... [النساء ـ 82] (1/59)
صفحة 60
فالقرآن الكريم مستقيم من كلّ النواحي والاختصاصات، كلماته منتقاة مصطفاة من اللغة العربيّة الفصحى، ليس فيها إلاّ ما هو خفيف على اللسان، حلو المذاق، إذا نطق بها أحد، يجد فيها خفّةً وسهولةً، بدون عنت، أو مشقّة، وهي متّصفة بكلّ ما قاله علماء البيان، وجعلوه أمارة لفصاحة الكلمة.
فأسلوب القرآن الكريم مستقيم، لا عوج فيه أبدًا، لم يخرج، ولم ينحرف عن جادّة البيان، ولا عن جادّة البلاغة، بحيث يستطيع أن يحفظه كلّ من يريد حفظه واستيعابه بنيّة طيّبة، وكلّ كلمة، وآية فيه، لم تنحرف عن الجادّة التي تليق بالعقل البشري، والتي يميل إليها ويستسيغها، فلا نجد كلمة انحرفت عن مكانها، ولا نابيّة عن موضعها، أو غير فصيحة، أو نجد في اللغة العربيّة كلّها بديلة لها، أو خيرًا منها.
فالقرآن الكريم حروف وكلمات وآيات متّصل بعضها ببعض، مؤلّفة تأليفًا خاصًّا، من ربّ العزّة - جل جلاله - في آيات، ثمّ ألّف الآيات وقسّمها سورًا، فصل بينها بالبسملة كما شاء، فمبنى القرآن الكريم مستقيم، لا عوج فيه، ولا انحراف.
ومعانيه هو ما اشتمل عليه من المعاني التي أفرغت في هذه القوالب اللفظيّة، وكلّها حقّ وصدق، مستقيمة، لا انحراف فيها، لا باطل فيها، لا في عقيدة، ولا في خلق، ولا في عمل.
وكلّ ما جاء في القرآن الكريم، وما حكم به، وكلّ ما دعا إليه، وكلّ ما نهى عنه، وكلّ ما شرعه للناس، هو حقّ، لا مرية فيه، ولا ريب، ولذلك قال الله - سبحانه وتعالى - في أوّل سورة البقرة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}. - ... [البقرة ـ 2]
وقال كذلك - عز وجل -: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ}. ... -[فصّلت ـ 42]
وقال - عز وجل -: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}. -[الزمر ـ 28] (1/60)
صفحة 61
فالقرآن الكريم يشكّل في العقل التفكير الصواب غير المعوجّ، فهو يصوّب كلّ فكرة خاطئة لديه، ويبني فيه اليقين الصحيح لكلّ الأفكار والمعتقدات.
والله - عز وجل - قد جعل العقل البشري بطبيعته يميل إلى القرآن الكريم إذا ما خالطه صاحبه بنفس صافيّة خاليّة من التعلّق بشيء آخر سواه، ذلك لأنّه نور يشعّ، وينير له طريق التفكير، وهو المرشد الذي يرشده، ويهديه للتي هي أقوم، وهو وكيله الذي يدبّر له شؤونه، ويصلح له أموره، ويهذّبه في توجّهاته، ويربّيه في سلوكه، وأكثر من ذلك وأهمّ فهو يضمن له السعادة في الدنيا والآخرة، فأيّ خير أكثر من هذا الخير يستطيع أن يميل إليه هذا العقل، ويعتمد عليه.
ومن الوسائل التي يستعملها القرآن الكريم، ضرب الأمثال، وهي تعتبر من الأنماط المهمّة التي يحتاجها العقل ليوفّر لنفسه التفكير الصحيح الصواب، لأنّها من أهمّ الوسائل التي تبسّط المعلومة، وتربطها بالذهن بطريقة منظّمة مقنعة، فالمعلّم الناجح القدير هو الذي يقدّم المعلومات لتلاميذه في أمثلة من الواقع المعيش.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ
إِلَّا كُفُورًا}. - ... [الإسراء ـ 89]
وقال - عز وجل -:
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. -
[الزمر ـ 2]
إنّ الفطرة التي فطر الله - سبحانه وتعالى - عليها عقولنا من طبيعتها أن تبحث عن النظام في إنجاز أعمالها، والتي هي آليّة أساسيّة لتحافظ بها على حيويّتها وعملها وقوّتها.
ولذلك يخبرنا التاريخ بأنّ العباقرة والمفكّرين قد أقرّوا أنّ هدفهم الأساسي في هذه الحياة هو البحث عن الحقيقة، واتّباع النظام إلى أقصى درجة ممكنة كي يحقّقوا أهدافهم. (1/61)
صفحة 62
والقرآن كلّه عبارة عن حقائق منظّمة على الكيفيّة التي يفهمها ويتقبّلها العقل، وهو يخبر عنها، ويقرّها بطريقة منظّمة، ولا نستطيع أن نحصي الآيات التي تختصّ بالإخبار عن الحقائق، ولعلّ أوّل آية أنزلها الله - عز وجل - على أمّة العلم والتعلّم تقرّ حقائق كثيرة، لا يستطيع العلماء تحديدها وعدّها.
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ
مَا لَمْ يَعْلَمْ}. -[العلق ـ 1ـ5]
ومن خصائص القرآن التي لا ينكرها أحد أنّه يبني لنا تصوّراتنا عن العالم الذي من حولنا وقراراتنا على بيانات صحيحة حقيقيّة، وقد استنتج العلماء أنّ العقل إذا ما تحصّل على بيانات صحيحة، فسوف يصدر قرارات أكثر ذكاء، وأصحّ رؤية، وذلك ممّا يزيد من فرصه في العمل والنموّ والاستيعاب، وارتباطه بالذاكرة، ليضمن لنفسه البقاء.
أمّا إذا تحصّل على بيانات خاطئة عن العالم من حوله، ففي ذلك الوقت سوف يصدر قرارات مبنيّة على بيانات خاطئة، ممّا يعرّضه للخطر، لأنّه سيتكوّن لديه تفكير سلبيّ، متناقض، وهذا ما يدفعه إلى الفشل في التفكير، فيضعف بذلك عمل الخلايا المخّية، ويضعف عمله ككلّ.
وربّما نشير هنا إلى حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي هو تبيانا لكتاب الله - عز وجل -، والذي يرشد فيه أتباعه إلى اتّباع الحقائق، وترك كلّ ما فيه شكّ وريب، فيقول في حديث من أحاديثه، عن الحسن بن عليّ سبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - رضي الله عنه -:
«حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». (1)
وعند الترمذي وغيره زيادة وهي:
«فإنّ الصدق طمأنينة، وإنّ الكذب ريبة، ولفظ ابن حبّان: فإنّ الخير طمأنينة، وإنّ الشرّ ريبة».
__________
(1) أخرجه الترمذي (2518) والنسائي 8 (327) (1/62)
صفحة 63
إنّ قارئ القرآن الكريم بكلّ إخلاص وتدبّر يتفكّر في تلك الحقائق التي يقرّرها، فتستقرّ في عقله، ثمّ تستحوذ على تفكيره، وتنمو لتتحوّل إلى عادات كبيرة حسنة وطيّبة، وهذه الخطوات الكثيرة المتتابعة هي من وسائل تنميّة التفكير، والتي هي أساس تقويّة الذاكرة.
والذي يتلوه بتدبّر لمحاولة فهم الحقائق الكبرى التي يتضمّنها، يوظّف حشود خلاياه العقليّة المبهرة، لكي تبني مجدها وتفوّقها وقوّتها، فينمو نتيجة لذلك الجزء الخلفي من "قرن آمون" لديه، ويزداد حجمه لكي يتواءم مع المعلومات والحقائق المختلفة التي يتضمّنها كتاب ربّنا - عز وجل -، فيتفوّق في قواه الفكريّة.
فإذا أردنا أن نكوّن جيلا عبقريّا فعلينا أن نرشده كي يهتمّ بكتاب ربّه - عز وجل - ويجعله منهاج حياة، ويقتحم به جميع ميادينها، كي يصبح جيلاً ناشراً للعلم والخير والصلاح في جميع الاختصاصات، عند ذلك سينجح في الحياة الدنيويّة، ويفوز برضى ربّه - عز وجل - في الدار الأخرويّة.
والقرآن الكريم أشبه من منجم ذهبي للذاكرة، كلّما نقّب القارئ المخلص بداخله، امتلك المزيد من التفكير، بما جعل الله - سبحانه وتعالى - فيه من تقنيّات التفكير، والتي تلائم خلايا مخّ الإنسان ملاءمة كبيرة.
إنّه يحتوي تقنيّة تفكير يمكننا أن نطبّقها في كلّ جوانب حياتنا، فضلا عن أنّها أداة سوف تمكّننا من تحقيق كلّ أهدافنا المرجوّة.
وهذه الأطر التفكيريّة الإيجابيّة التي يحتويها كلام ربّنا - عز وجل - هي التي يمكن أن تدعّم تفكير الإنسان المهتمّ به، ممّا يقوّي فيه الخلايا المخّية التي يعلم الله - سبحانه وتعالى - وحده كيفيّة عملها، وأسس تقويّتها، كما أنّها هي التي تضمن إطالة عمل تلك الخلايا.
إتّخاذ وقت معيّن للحفظ (1/63)
صفحة 64
لكي نستطيع أن نحفظ كلام ربّنا الكريم، فلا بدّ لنا أن نختار أحسن الظروف المناسبة لذلك، ومنه اختيار المكان الهادئ بعيدا عن الضوضاء كي يعيننا ذلك على التركيز، وحسن الفهم، وسرعة التجاوب مع القراءة، وذلك كلّه ممّا يعين على الحفظ والاستيعاب إعانة كبيرة.
وبعد اختيار المكان المناسب مع عظمة القرآن الكريم الذي يحتاج إلى الخشوع والتركيز، علينا أن نختار الوقت المناسب لتلاوته وحفظه، فنغتنم وقت نشاط النفس وإقبالها على العمل، وليس في وقت التعب والرغبة في النوم، فلذلك اختار العلماء المسلمون وقت الفجر لدراسة وتحفيظ القرآن الكريم، وهو ما تقوم به المدارس القرآنيّة إلى الآن في وادي ميزاب.
وقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يوجّه أمّته، ويأمرها أن تستغلّ وقت البكور، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «بورك لأمّتي في بكورها «. (1)
وكلّ إنسان خُلق وجُبل على اكتساب العادة، والعادة هي وظيفة العقل الباطن.
والمسلم الحقّ الملتزم بتعاليم القرآن الكريم هو إنسان فريد بالفعل، حيث يتعوّد على عادات طيّبة عالية، تحقّق له حياة معتدلة كريمة، ويتعوّد على الاستيقاظ الباكر، ويستقبل يومه الجديد بجدّ ونشاط ونيّة طيّبة لأداء أعماله، وتحقيق أهدافه بكلّ عزيمة وصدق.
إنّه يعوّد نفسه على مباشرة أعماله اليوميّة في الساعات الأولى من النهار، حيث تكون إمكانيّاته الذهنيّة والنفسيّة في أعلى مستوياتها في الأداء، ممّا يؤدّي إلى مضاعفة الإنتاج، وذلك في وسط محيط مليء بالسكون والهدوء والصفاء والسرور والانشراح، حيث تدبّ الحياة في هذا الكون منذ الفجر، فيصير إنسانًا مميّزًا فريدًا ناجحًا متفوّقًا.
__________
(1) أخرجه الطبراني (1/64)
صفحة 65
وإذا أردنا معرفة هذه الحقائق فما علينا إلاّ أن نسأل رجلين أحدهما استيقظ باكرًا، وصلّى الفجر مع الجماعة، وبدأ الحركة على بركة الله - عز وجل -، والآخر نام إلى ما بعد شروق الشمس، كيف يشعر الذي استيقظ باكرًا بالسعادة والإقدام على العمل بكلّ جدّ طوال اليوم، وكيف يشعر الآخر الذي استيقظ متأخّرًا بالسأم والقلق والثقل في أداء أعماله.
ونستطيع أن نفسّر قلق أهل هذا الزمان وثتاقلهم في أداء أعمالهم، وعدم إتقانها، بعدم التبكير لأداءها. قال الله - سبحانه وتعالى -:
{إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}. -[المزمّل ـ 6]
وقد أقسم الله - سبحانه وتعالى - بالفجر، وما ذلك إلاّ لقيمته، والله - عز وجل - لا يقسم إلاّ بشيء جليل.
{وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}. - ... [الفجر ـ 1ـ4]
والفجر هو الساعة التي تتنفّس فيها الحياة في يسر، وفرح، وابتسام، ويستيقظ فيها الوجود في هدوء وسكون، ويستيقظ معه الإنسان وهو في نشاط تام، ونفس منشرحة، ومقبلة على الحياة.
إنّ غاز الأوزون يكون في أعلى نسبته في الجوّ عند الفجر، وتقلّ تدريجيّا حتّى تنقص عند طلوع الشمس، وبعده.
وقد جعل الله - سبحانه وتعالى - بقدرته وإعجازه في هذا الغاز تأثيراً عجيباً على خلايا أجهزة الجسم البشري، خاصّة خلايا المخّ، حيث يفيد الجهاز العصبي إفادة كبيرة، وينشّط القوى الفكريّة والعضليّة، فتعمل بأقصى قدراتها ممّا يحقّق أصحابها أكبر نسبة من النجاح.
لقد تبيّن للعلماء الباحثين في هذا الميدان أنّ ذروة النشاط لأجهزة الإنسان تكون في وقت السحر والصباح الباكر، ويستشعر الإنسان لذّةً ونشوةً ونشاطًا، لا يجد لها مثيلا في أيّ وقت آخر من بقيّة اليوم، عندما يستنشق نسيم الفجر الصافي المليء بالأكسجين النقيّ، فتعمل جميع خلاياه بكامل قوّتها، لأنّها تجد حاجتها من الأكسجين.
يقول (هولمس): (1/65)
صفحة 66
«متى تفتح عقل الإنسان بفكرة جديدة، فلن يعود أبدا إلى آفاته الأصليّة «
يجب على كلّ من يريد النجاح، والتحصّل على ما يطمح إلى تحقيقه أن يعوّد نفسه على الانضباط، وأن يخصّص وقتًا لعمله، ووقتًا لعائلته، ووقتًا لصحّته.
وهذا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ينصحنا ويرشدنا إلى تنظيم حياتنا، كي نضمن النجاح في مختلف نواحيها، لأنّه يعلم أنّ هذه النفس البشريّة تحتاج إلى مثل هذا النظام كي تنجح، وتدفع عن نفسها السأم والقلق. فيقول - صلى الله عليه وسلم -:
«إنّ لربّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلّ ذي حقًّا حقّه «. (1)
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطّط لنا في هذا الحديث طريق النجاح بيننا وبين ربّنا، وبيننا وبين أنفسنا، وبيننا وبين أفراد عائلتنا، وذلك بمراعاة كلّ جهة، وتوفيّة حقّها، وهذا يستلزم تنظيمًا دقيقًا، فهذا حقّ الله - عز وجل - قد نظّمه ربّنا بنفسه وجعل له أوقاته التي يؤدّي فيها المرء ما يلزمه، دون تقديم، أو تأخير.
وبنفس النظام يجب على من يريد النجاح أن ينظّم وقته، ويخطّط برنامجه، ولا يكفي التخطيط وحده، بل لا بدّ من تطبيقه في الواقع المعيش، وإلاّ سيزيد لنفسه فوضى وتأخّرًا.
إنّ الانضباط يكوّن عادات إيجابيّة حسنة، وقد استنتج العلماء الذين يدرسون حياة الناجحين، أنّ من القواعد الأولى التي يحقّقون بها تلك النجاحات هي النظام والانضباط، لأنّهم يستعملون قوّة الانضباط في تحسين مستوى حياتهم، ليعيشوا حياةً أفضل بما يحقّقون فيها من النجاحات المختلفة.
فبدون الانضباط والنظام لن تكون لدينا أيّة طاقة لتحقيق أيّ هدف، بل لن نستطيع أن نحدّد الهدف تحديدًا دقيقًا، لأنّنا لم نحدّد الطريق الذي سنسير فيه نحو الهدف.
__________
(1) رواه الربيع (1/66)
صفحة 67
إنّ الانضباط الذاتي سيمكّن المنضبط من المداومة على ذلك العمل، لأنّه سيتّخذ لنفسه ذلك الوقت المحدّد للعمل، ويتحكّم في كلّ عواطفه، ويتغلّب على كلّ ما يعترض برنامجه، ويعمل بكلّ طاقته لتطبيق البرنامج تحت وطأة أيّ ظرف من الظروف، وسيتخلّص من كلّ المعوقات التي تعرقل مسيرته في طريق تحقيق برنامجه الذي خطّطه لنفسه.
إنّ الناجحين والمتفائلين يتحلّون بالمسؤوليّة الذاتيّة، ويحاولون بكلّ طاقتهم وإرادتهم أن يتّبعوا برنامجًا محدّدًا يحقّقون به أهدافهم، أمّا الفاشلون التعساء فهم يتهرّبون من تحمّل المسؤوليّة تجاه أنفسهم.
يقول (مايكل دبليو):
«إنّه لشيء هيّن، فكلّما أكثرت من تحمّل مسؤوليّة كلّ شيء تفعله، وتشعر به، ستصبح أسعد وأنجح، وكلّما قلّّلت من تحمّل مسؤوليّة فيما تقوم به في حياتك، إزداد شعورك بالتشاؤم والقلق، وربّما تصل إلى حالة فقدان السيطرة «.
وبتنظيم وقتنا سنتمكّن من الاستيقاظ باكرًا لبداية حفظ كلام ربّنا - عز وجل -، مطبّقين قول رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ـ بورك لأمّتي في بكورها ـ وسنبتعد عن العادات السيّئة التي هي سبب فشل كثير من أناس هذا العصر، وسيساعدنا برنامجنا وانضباطنا على تغيير البرمجة التي تحدّ من تصرّفاتنا إلى البرمجة الإيجابيّة التي توجّه طاقاتنا تجاه النجاح.
وقد صدق الشاعر الحكيم حين قال:
وما فازوا بمعجزة علينا ولكن في أمورهم نظام
إنّ الإنسان الغير المنظّم الذي لا يحدّد البرنامج اللازم لتحصيله وأعماله، يصبح لديه إضاعة الوقت شيئًا سهلاً، ويصير شخصًا غير منضبط، ولا يستمرّ في العمل المنتج المفيد، بحيث يصبح لا يبالي بوقته كيف يقضيه، ولا كيف يمضيه، وغير مستعدّ لبذل الجهد في سبيل إنجاز مشاريعه، ولا يتقدّم في حياته، والتعلّم والتكوين لا يأتيان من العلم وبذل الجهد فقط، بل من كيفيّة تسيير الوقت، وتنظيمه. (1/67)
صفحة 68
إنّ النجاح يأتي من ضبط الوقت وتنظيمه، وهذا يعني أنّ من يريد النجاح حقًّا فعليه أن يتحكّم في نفسه ويضبطها في كيفيّة التصرّف في وقته، وأن يبتعد عن العادات السيّئة التي لا يبالي فيها صاحبها كيف يقضي وقته، وإذا لم يستطع الشخص أن يسيطر على تنظيم وقته، وترويض نفسه وإرغامها على تطبيق البرنامج الذي يخطّطه لها، فإنّه سرعان ما يصبح ذلك الوقت عدوًّا له، وذلك بمقدار اللامبالاة التي يتصرّف بها تجاه وقته.
وقد صدق الشاعر حين يقول:
إنّ الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أيّ مفسدة
إنّ أقوى الأسباب في وجود هذه الهوّة الكبيرة بين الناجحين والغير الناجحين هو كيفيّة استغلال الوقت وتنظيمه، وتقديره حقّ قدره، لأنّ الوقت هو الحياة، وعدم تنظيمه يسبّب تأجيل الأعمال والمماطلة في أداء الواجبات، وهذا يعدّ من أكثر أسباب الفشل شيوعًا، ويرافق كلّ شخص فاشل تقريبًا.
إنّ معظم الناس لا ينظّمون أوقاتهم، لذلك فهم يتسوّفون في بداية العمل من يوم لآخر.
ومثل هذه الوضعيّة تقضي على تركيزنا، ولكن إذا ما درّبنا أنفسنا وعوّدناها على النظام والعمل المنظّم، فإنّنا نصبح أكثر إدراكًا للأنشطة التي نهتمّ بها، ويدفعنا قدمًا إلى العمل بهدف تحقيق الأولى وإنجاز المهمّ، ويجعلنا نركّز على أولويات لا نتخطّاها، ونسير في حدود لا نتعدّاها بسهولة.
إنّ كثيرا من الفاشلين الحائرين يقضون أوقاتًا أكثر من اللازم في أداء أعمال لا يعرفون عنها الكثير من المعلومات، ويفتقرون إلى معرفة الإستراتيجيّات الفعّالة لإدارة الوقت بشكل منظّم ومنتج في الأشياء الضروريّة. (1/68)
صفحة 69
والتنظيم المحكم للوقت يدفعنا إلى أن نحدّد وقتًا محدّدًا للحفظ والمراجعة، ويجعلنا لا نغفل عن أهميّة المراجعة للحصّة التي حفظناها، وأن ننصرف عن الاهتمام بكثير من الملهيات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كما أنّه يعلّمنا كيف نرتّب الورد اليومي ونواظب عليه دون تسويف أو تأخير، ونواصل قراءة ذلك الورد ولا نقطعه وهذا تأثيراً عظيماً وإيجابيّاً في الحفظ والاستيعاب.
استغلال النوم لترسيخ الحصّة
قال عالم من العلماء: «الأحلام منجم لم يستثمر بعد «.
والنوم أعظم نعمة أنعم الله - سبحانه وتعالى - بها على الإنسان لاستعادة نشاط وقوّة جسمه التي أنهكها وأضعفها العمل والتعب.
إنّنا نقضي ثماني ساعات من كلّ 24 ساعة في النوم، أو بعبارة أخرى، إنّنا نقضي ثلث حياتنا في النوم، وهو أحد قوانين الحياة، والنوم نعمة إلهيّة أنعم بها علينا لنجد راحتنا وهدوءنا فيه، ثمّ ننهض لنستقبل حياةً جديدةً بنفس نشيطة منشرحة.
والله - سبحانه وتعالى - يقول:
{وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}. -[الروم ـ 23]
لقد أصبح الناس يعتقدون أنّ النوم عمليّة تعويضيّة، أو راحة للجسد نتيجة للجهد الذي نبذله أثناء فترة العمل، ولكن هذه النظريّة ليست صحيحة صحّة كاملة، لأنّ أغلبيّة أعضائنا لا ترتاح ولا تهدأ أثناء النوم، فهناك كثير من الأعضاء الحيويّة تؤدّي وظيفتها دون كلل، أو ملل.
فالقلب يضخّ كميّات كبيرةً من الدم لا يعلمها إلاّ خالقه، كي يوفّر للخلايا المختلفة ما تحتاجه من الأكسجين والغداء، الذي نستهلكه ونحن نائمون، والرئتان تؤدّيان وظيفتهما، والغدد تعمل دون توقّف، وجلدنا يفرز العرق، وأظفارنا وجلدنا يستمرّان في النمو، وإذا تناولنا مثلاً كميّةً من الطعام قبل النوم فإنّه يتمّ هضمها وحرقها ونحن نائمون. (1/69)
صفحة 70
ومثل سائر الأعضاء نجد خلايا المخّ كذلك تؤدّي بعض الوظائف، فتبقى نشطةً، وتدير بعض الأعمال بحيويّة، كما أن العقل الباطن يبقى يوجّه ويرشد، ويشيع في النفس نوعًا من السعادة والبهجة، أو العكس نوعًا من الحزن والانقباض، لذلك ينصح العلماء النفسانيّون الذاهب إلى النوم بتهدئة أعصابه، وأن يجعل جسده ساكنًا، ويطلب من جسمه أن يسترخي، كي ينام وهو منشرح النفس، لينهض من نومه ويستقبل الحياة بنفس متفائلة.
وببساطة فإنّ سرّ توجيه العقل الباطن هو أن نفكّر قبل النوم بهدوء وانشراح بشأن الشيء الذي نريد تحقيقه في حياتنا الواقعيّة، وسوف تنير الحكمة بداخلنا طريق النجاح، ويرشدنا ربّنا - سبحانه وتعالى - إلى ما فيه خيرنا ونجاحنا.
ولكي تنجح هذه العمليّة علينا أن نوجّه المعلومات المختلفة لنفوسنا، ونملأها أملاً وإيمانًا بأنّنا سوف ننجح في تحقيق تلك الأماني التي نتمنّاها، ونودّ الوصول إليها، فيتفاعل عقلنا الباطن طبقا لذلك الإحساس والاعتقاد.
والصور العقليّة سوف تتحقّق بإذن الله - سبحانه وتعالى - من خلال قوّة العقل الباطن، إذا عُزّزت بالإيمان والإصرار لأنّه هو مخزن الذاكرة، وفيه تتمّ كلّ التجارب التي تعلّمناها منذ الطفولة.
فعلى كلّ من يريد تحقيق هدف ما أن ينقل الأمر الذي يريده إلى عقله الباطن قبل النوم، ويثق في أنّ الله - سبحانه وتعالى - سوف يستجيب له، لأنّ التفكير في العمل هو الفعل، واستجابة العقل الباطن هو ردّ الفعل، فبقدر ما تكون أفكارنا صائبةً وحكيمةً، فإنّ أفعالنا وقراراتنا ستكون حكيمةً.
أوضح الدكتور (جون بجيلو) أشهر الباحثين في مجال النوم، أنّنا أثناء النوم نتلقّى انطباعات من خلال أعصاب الإحساس المتّصلة بالعين والأذنين والأنف والأعصاب الموجودة تحت الجلد، وحتّى شبكة الأعصاب المتّصلة بالمخّ تكون في حالة نشاط تامّ.
الطاقة القويّة وقت الفجر
يقول الدكتور (جميل قدسي): (1/70)
صفحة 71
«إنّ طاقة الفجر القويّة آتية من تجلّي الله - سبحانه وتعالى - في الثلث الأخير من الليل، وقد أثبت علم الطاقة نتائج ذلك مؤخّرًا، إذ استطاعت بعض الأجهزة قياس طاقة عظيمة تنزل من السماء إلى الأرض بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، ويقول الهندوس بأنّ هذه الطاقة ليست بطاقة الشمس «.
ونحن المسلمون نفسّر تلك الطاقة بالبركة العظيمة التي ينزّلها الله - سبحانه وتعالى - في ذلك الوقت، والنور الذي يتجلّى منه - سبحانه وتعالى - عندما ينزل إلى السماء الدنيا، وهو نور السماوات والأرض.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لأمّته ويبشّرها بالبركة الكبيرة التي ينالها كلّ من نهض في وقت الفجر:
«بورك لأمّتي في بكورها «. (1)
وقد حثّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمّته وأرشد عناصرها أن لا يفوتهم هذا الوقت وهم نائمون، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما عليها «. (2)
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلّى الفجر في جماعة ثمّ قعد يذكر الله - سبحانه وتعالى - حتّى تطلع الشمس، ثمّ صلّى ركعتين، كانت كأجر حجّة وعمرة تامّة «. (3)
قال العلماء:
«إنّ نور الله - سبحانه وتعالى - وقوّته وبركاته تتنزّل على أهل الأرض في الثلث الأخير من الليل، وتدخل عبر نقرة الإنسان، وهو المكان المقعّر كالمرآة المقعّرة، والتي تستقطب الضوء والنور وتجمعهم، والنقرة هذه موجودة عند التقاء الرأس مع العنق في الخلف، وحين تستقبل هذه الطاقة، فإنّها والله أعلم تدخل إلى نفس الإنسان «.
والإنسان الذي يكون نائمًا قد توفّاه ربّه - سبحانه وتعالى - في تلك اللحظات، ونفسه التي هي محلّ استقبال تلك الطاقة، أو تلك الروح العالية التي تتنزّل بقدرة الله - عز وجل -، غير موجودة، أو هي لا تعمل، فهو في غيبوبة مؤقّتة، وذلك استنادًا إلى قول الله - سبحانه وتعالى -:
__________
(1) أخرجه الطبراني
(2) 2 أخرجه مسلم
(3) 3 أخرجه الترمذي (1/71)
صفحة 72
{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. -[الزمر ـ 42]
فإذا كانت طاقة الفجر التي تسري في نفس الإنسان الذي يستيقظ مبكّرًا، ويهتمّ بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم وكثرة الذكر آتية من تجلّي الله - سبحانه وتعالى - في الثلث الأخير من الليل، فكيف إذا كانت همّة هذا الشخص حفظ كلام ربّه - عز وجل - الذي يعتبر في حدّ ذاته نورًا، وطاقةً وبركةً كلّه، فهو في بركات متواصلة تمدّه بالقوّة والنشاط ما لا يجده في أيّ وقت آخر، فتتفتّح ذاكرته، وتقوى، فتحفظه بسهولة وبسرعة.
عليك أن تختار ما دام لك الاختيار
إنّ واحدة من أفضل الطرق لمضاعفة الحفظ، وتقويّة الذاكرة، وجعلها تستوعب أكبر قدر من المعلومات، وبصفة أسرع، أن يختار الإنسان بين ما هو مهمّ فيملأ به ذاكرته، ويترك ما هو ثانوي وغير مهمّ، فلا يهتمّ به، كي لا يشغل به حيّزا معتبرا من ذاكرته، وقبل ذلك فهو يضيّع فيه كثيرًا من وقته العزيز، الذي إذا ذهب لا يرجع أبدًا إلى يوم الدين.
فمن الأفضل أن نشغل ذلك الوقت الذي هو من عمرنا، وسيحاسبنا ربّنا - عز وجل - عليه أشدّ الحساب بما نجلب به الخيرات والحسنات والبركات، ونفرغه من الأمور التي لا نحتاجها، ونمحوها من ذاكرتنا.
فكثير من الملهيّات قد شغلت أغلبيّة الناس في هذا العصر، والشباب خاصّة، فهم يقتلون فيها الأوقات والأوقات دون حساب، وإذا خاطبت أحدهم وبيّنت له أنّه قد أسرف على نفسه بمثل هذا الاشتغال الكبير بهذه الأشياء التي لا تنفعه في شيء، يجيبك ونفسه ممتلئة ثقةً وتفاخرًا بأنّ هذا من التفتّح والثقافة، وأنّه يملك روحًا متحرّرة، وأنّ هذه الملهيّات هي المتنفّس الوحيد الذي بقي للشباب، حيث يجدون فيها راحتهم أمام مشاكل العصر التي تسلّطت عليهم. (1/72)
صفحة 73
فلماذا يا ترى نبتعد عن ما يبعث الطمأنينة والراحة في نفوسنا، ثمّ نشتكي بعد ذلك بأنّ مشاكل العصر قد كثرت، وقد كبرت، وأنّه لا مفرّ منها إلاّ بالاهتمام بمثل هذه الأشياء التي تبثّ في القنوات في كلّ الأوقات.
والله - سبحانه وتعالى - يقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. - ... [الرعد ـ 28]
فإذا أردنا بحقّ معالجة كلّ أمراضنا النفسيّة والفكريّة، والنظر إلى هذه الحياة نظرة إيجابيّة صادقة، فما علينا إلاّ أن نهتمّ بهذا الخير الذي بين أيدينا، وقد وهبه لنا ربّنا امتنانًا منه وتفضّلاً.
فطول المكث مع القرآن الكريم، والتعلّق به بكلّ إخلاص من شأنه أن يقويّ فينا العقل الذي وهبه الله - سبحانه وتعالى - لنا، فيستوعبه بطريقة أفضل وأحسن، وأسرع.
فماذا يا ترى قدَّمنا إلى ربّنا - عز وجل -؟ الذي قدَّم لنا الوجود، وأنعم علينا بنعمة الإيمان والإسلام، قدَّم لنا الحواس الخمس لنستعملها ونستغلّها في حفظ كلامه الكريم، قدَّم لنا العقل كي نحفظ ونستوعب به آيات كتابه الكريم، وقدَّم لنا الأعضاء.
فالمؤمن الحقّ المخلص كلّ حياته عطاء، يعطي من وقته، من جهده ومن ماله، ومن خبراته، يقدّم كلَّ شيء في سبيل حفظ كتابه ربّه الكريم.
فلنُر الله - عز وجل - من أنفسنا خيرًا واهتمامًا وتضحيّةً من أجل تحصيل حفظ كتابه، والمحافظة عليه، ولنعلم بأنّ إمداد ربّنا - سبحانه وتعالى - لنا يكون بحسب استعدادنا وتضحيّتنا، وذلك كما يقول - عز وجل -: {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا
أُخِذَ مِنْكُمْ}. -[الأنفال ـ 70]
قال القرطبي: (1/73)
صفحة 74
«إذا استمع العبد إلى كتاب الله - سبحانه وتعالى - وإلى سنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بنيّة صادقة على ما يحبّ الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، أفهمه الله - سبحانه وتعالى - كما يحبّ، وجعل في قلبه نوراً يمشي به «.
فنقطة البداية تبتدئ من داخل نفوسنا، وهو استشعار الحاجة الماسّة إلى كتاب ربّنا - عز وجل - واهتمامنا، وتعلّقنا به أكثر من أيّ شيء آخر في هذه الحياة، مهما كان مهمًّا وعزيزًا علينا، ويجب علينا أن نترجم ذلك في العزيمة الصادقة والنيّة الحسنة والمداومة على حفظه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار.
علينا أن نبعد عن واقع حياتنا كلّ ما يثبّط عزائمنا، ويبعدنا عن الاهتمام بكتاب ربّنا - عز وجل -، وعن حفظه، أو بعبارة أخرى أن نبتعد عن مثل هذه المعرقلات والمحبطات والملهيات، عَلَيْنا بالاهتمام به، لعلّنا نتحصّل على بعضه، لأنّه لا يُعْطينا بعْضَهُ، إلا إذا أَعْطَيْناه كُلَّ ما لدينا من الوقت والجهد والمال، فإذا أعْطَيْناه بعضنا لم يُعْطِنا شيئا، ً ويَظَلُّ المرء عالِماً ما طلب العِلم، فإذا ظنّ أنَّه قد علِم فقد جهِل.
أمّا أفضل الأوقات لتلاوة القرآن الكريم فيقول عنها الإمام النووي:
«اعلم أنّ أفضل القراءة ما كان في الصلاة، وأمّا القراءة في غير الصلاة، فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأوّل، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأمّا قراءة النهار، فأفضلها ما كان بعد صلاة الصبح، ولا كراهة في القراءة في أيّ وقت من الأوقات الأخرى، ولا في الأوقات التي نهي فيها عن الصلاة «.
ولد يحفظ القرآن الكريم في المهجر
وهذه أمّ تعيش مع أسرتها في المهجر أخذت على عاتقها تحفيظ طفلها محمّد القرآن الكريم، وتدريسه اللغة العربيّة والتاريخ الإسلامي، وهدفها كما تقول: (1/74)
صفحة 75
«أن تعلّمه بنفسها طاعة الله - عز وجل -، وتحصّنه من فتن العصر، فبدأت تعلّمه اللغة العربيّة حتّى ينشأ وهو يتقنها، ثمّ بدأت في تعليمه دينه وتاريخه الإسلامي، ليتعرّف على شخصيّته وهويّته من يكون، وحتّى يتمسّك بدينه وعاداته وتقاليده الإسلاميّة «.
لقد نظّمت وقت ابنها وقسّمته في حفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى -، وفعلت مثل ذلك مع ابنتها التي بدأت ترتدي الحجاب منذ السنة الثامنة من عمرها، وقد ساعدها الاستقرار النفسي والاجتماعي، وقوّة الثقة في نفس ولديها كثيراً وبصفة إيجابيّة في تحفيظهما كتاب الله - عز وجل -.
التكرار وتنظيم الوقت
كان الطفل لا ينام حتّى تقرأ عليه أمّه المقدار الذي يستطيع حفظه، وربّما تُراجع له بعض ما كان قد حفظه من قبل، وذلك قبل بلوغه السنّ السادسة، وعندما بلغها بدأ يراجع بعض كتب التفسير، ولقد اتّبع في حفظه نظام تكرار الآية، أو الآيات في الحفظ، وقسّم وقته بين الدراسة في المدرسة الرسميّة وحفظ القرآن، والرياضة، مع البحث في كتب التفسير، وهكذا كان يمضي يومه بين الدراسة والحفظ والراحة.
فأين نجد مثل هذه الأمّهات يا ترى، واللائي بواسطتهنّ نستطيع أن نكوّن جيلاً مسلماً قرآنيّاً قويّاً في حفظه لكتاب ربّه وفي دراسته وقوّته البدنيّة.
«ومن علّم أمّاً ووجّهها الوجهة الحسنة، فقد علّم جيلاً وربّاه تربيّةً طيّبةً».
«ومن علّم ولداً فقد علّم فرداً، ولكن من علّم بنتاً، فقد علّم جيلاً».
كلمة محمّد لإخوانه
وقد وجّه محمّد كلمةً لإخوانه المسلمين الصغار، يقول فيها:
إنّ حفظ القرآن الكريم ليس بالشيء الصعب، وأنّ أيّ طفل وضع لنفسه هدف حفظه، وعمل بجدّية ونشاط، سيحقّق له ربّه بغيته، فالقرآن الكريم نور القلوب، وهو هداية الصدور والطريق الصحيح إلى ربّنا - عز وجل -.
كلمة أمّ محمّد إلى الأمّهات (1/75)
صفحة 76
وتوجّه أمّ محمّد رسالةً هامّةً إلى كلّ الأمّهات الغيورات اللائي يردن الخير والفوز والصلاح لأولادهنّ، وبواسطة أولادهنّ يجلبن الخير والأجر الكريم والثواب الجزيل لهنّ ولأزواجهنّ، ولأمّتهنّ، وتقول لهنّ:
«نصيحتي إلى كلّ أمّ مسلمة غيورة على دين ربّها - عز وجل -، الحذر ثمّ الحذر من هذه التيارات الجارفة التي أملتها المدنيّة الحديثة المنحرفة، التي تريد تحطيم هذا الدين بكلّ وسيلة ممكنة لديها، وشدّي الوثاق، شدّي وثاقك، وشدّي وثاق أسرتك التي اختارك الله - سبحانه وتعالى - راعيّةً لها، راقبي أطفالك، حصّنيهم بالقرآن الكريم، ليحفظهم ربّهم، والله خير الحافظين».
وتقول أمّ محمّد:
«لقد لمست ثمرة جهودي في سلوك ابني محمّد وفي طريقة كلامه ومناقشته، فأشعر بأنّه رجل لا طفل، وقد فعلت مثل ذلك مع ابنتي، فكانت النتائج حسنة».
وما ذلك إلاّ لأنّه قد تشبّع بأسلوب القرآن وتعبيره، وملأ وعاء عقله بما هو قيّم، وأسلوب القرآن الكريم يطوّر تفكيرنا لما يعلّمنا من إبداع كبير في كامل ميادين التفكير والإبداع، ولأنّ أسلوبه يشمل على قصص وحوارات ووصف للجنّة والنار بمختلف الأوصاف التي لا نجدها في أيّ أسلوب آخر مهما كان راقيّا، ولا توجد في الحياة الواقعيّة التي نحياها، فيسمو بتفكيرنا إلى أعلى الدرجات وأرقى الخيالات بما يكوّنه من تلك الصور الخياليّة الجديدة.
إلى الأولياء
إنّ الله - عز وجل - لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا يخيّب ظنّ من يجتهد ويثابر في سبيل إصلاح نفسه، وإصلاح الآخرين، خاصّة إذا كان ذلك من الوالدين، فالله - سبحانه وتعالى - يستجيب دعاءهما لأولادهما عن ظهر غيب، وخصوصاً في ميدان الدين والصلاح وتعليم القرآن الكريم، وهو القائل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}. - ... [الكهف ـ 30] (1/76)
صفحة 77
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. -
[العنكبوت ـ 69]
الفصل الخامس
الاستعداد للحفظ، التسلّح بالدافع
تتطلّب عمليّة تهيئة النفس والاستعداد الجيّد للمذاكرة والحفظ ضرورةً قصوى للتسلّح بدوافع قويّة ترفع من همّته، وتجدّد نشاطه، وفي عمليّة حفظ القرآن الكريم نجد هناك دوافع كثيرةً ومهمّةً جدًّا تبعث المسلم على حفظه والاهتمام به.
والإنسان بدون دافع يدفعه لفعل شيء ما، لا تكون عنده رغبة في إنجازه، فالدافع هو الذي يكوّن الحماس الكافي لإنجاز العمل، ويجعل الشخص يدرك هدفه أكثر، فتندفع من داخله الطاقة الكافيّة لتحقيق ذلك الهدف الذي يكون قد أدرك الطريق الجيّد الذي يوصله إليه.
سأل أحد التلاميذ الحكيم الياباني (كوشيدو كوندو) عن الشيء المهمّ الذي يقوم به كي يكون حكيمًا، فكان جوابه:
«أن تكون لديك رغبة مشتعلة «.
والدافع يتكوّن، ويقوى حسب الرغبة والاهتمام بالمادّة التي نرمي لحفظها.
فليسأل كلّ واحد منّا ممّن يريد أن يحفظ كلام ربّه، هل لديه رغبة مشتعلة لتحصيل ذلك، أم لا؟.
وقد سأل شاب الدكتور (روبرت شولر):
«كيف أستطيع أن أكون كاتبًا ناجحًا ومرموقًا مثلك «.
فكان جوابه: «عندما تكون عندك رغبة مشتعلة، لكي تكون ما تريد «.
فسأل الشابّ: «وما هي الرغبة المشتعلة؟ «
فأجابه «عندما تفكّر في الكتابة قبل النوم، وتفكّر في الكتابة عند استيقاظك من النوم، وتفكّر في الكتابة وتتكلّم عنها في كلّ فرصة ممكنة، عندما تصبح الكتابة الشيء المسيطر على أفكارك، وتسير في دمك، هذه هي الرغبة المشتعلة التي تجعلك تصبح كاتبًا مرموقًا «. (1/77)
صفحة 78
فعلى كلّ من يريد أن يحفظ كلام ربّه - عز وجل - أن يكون القرآن الكريم هو الشيء الوحيد الذي يفكّر فيه في كلّ أوقاته، قبل استسلامه للنوم، وعند الاستيقاظ منه، وعند الجلوس مع الأصدقاء، وفي أغلبيّة المناسبات، كي يصبح القرآن الكريم يسير في دمه مع كريّاته، ويختلط مع لحمه ودمه.
وكلّ من يريد تحقيق شيء ما، فعليه أن يسأل نفسه دائمًا وفي كلّ وقت.
ما هو الشيء الذي يريد تحقيقه في حياته حقًّا، أكثر من أيّ شيء آخر؟.
فإذا كان جوابه أنّه يريد حفظ كلام ربّه حفظًا جيّدًا، إذن فعليه أن يجعله يمشي في عروقه على الدوام، وذلك بأن يفكّر فيه باستمرار، ويخطّط له مختلف الخطط، ثمّ يبدأ في التنفيذ، ويجاهد نفسه مجاهدة كبيرة ليكون دائم الاتّصال به، ومهما كانت التحدّيات، فيجب عليه أن لا يتركه أبدًا، ويتيقّن بأنّ ربّه - عز وجل - لن يضيّع جهده، ولن يخيّب ظنّه، خاصّةً وأنّ هذا الشيء هو كلامه، أفضل، وأعزّ شيء في الوجود.
وقد رأينا من قبل علوّ قيمة القرآن الكريم الذي هو كلام ربّنا - عز وجل -، وكيف يرفع الله - سبحانه وتعالى - المهتمّ به والذي يحفظه، وينزّل له البركة في كلّ نواحي حياته، وفي كلّ ممتلكاته، وينير له طريقه في الحياة الدنيا، ويبعثه من قبره وهو مزوّد بنوره لأنّه اهتمّ به في حياته، ويجازيه الله - سبحانه وتعالى - بكلّ حرف عشر حسنات، ويقال له اقرأ وارق إلى أعلى درجات الجنّة.
وكلّ هذه العوامل تعتبر دوافع قويّة ومهمّة لحفظ القرآن الكريم واستيعابه، وتقوّي الرغبة في ذلك، كما أنّها تعين على تعلّم عادات ومهارات جديدة، وتجعل النفس تصبر وتثابر في هذا الطريق إلى أن تحقّق نتائج حسنةً كثيرةً، وبهذا تزيد قوّة الرغبة والدافع للحصول على ما تريده النفس. (1/78)
صفحة 79
إنّ عدم حصول كثير من الناس على ما يطلبون الوصول إليه يرجع إلى عدم تحديد الهدف، وعدم تبيّنهم للدافع الحقيقي الذي يدفعهم للوصول إلى ذلك الهدف، وهذا هو أكثر ما يعوق التهيئة النفسيّة للحفظ القويّ والتحصيل الجادّ.
وكلّ علماء النفس متّفقون على أنّ الدافع شرط ضروريّ للاستعداد للحفظ، وخاصّة حفظ كتاب الله - عز وجل - الذي هو أغلى وأعلى ما يوجد في هذا الوجود، وكلّما كان الدافع قويًّا زادت فعاليّة الذاكرة والمذاكرة.
وما أحلى أن يجعل الإنسان الدافع الذي يندفع من أجله في هذا الطريق هو إرضاء ربّه - سبحانه وتعالى -، وإخلاص النيّة له وحده، ويطلب منه العون وحده، ويملأ قلبه خيرًا وإيمانًا به، وهو القائل - عز وجل -:
{إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. -[الأنفال ـ 70]
وكلّ مسلم يحفظ حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه:
«إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى «. (1)
قال بعض العلماء: الأعمال هنا على عمومها، لا يخصّ منها شيء.
وفي رواية ابن حنبل: أحبّ لكلّ من عمل عملا من صلاة، أو صيام، أو صدقة، أو أيّ نوع من أنواع البرّ أن تكون النيّة متقدّمة في ذلك قبل الفعل.
وهذه النيّة تأتي في كلّ أمر من الأمور.
وكلّ مسلم مؤهّل لحفظ كلام الله - سبحانه وتعالى - إذا ما أخلص في الاستعداد بالتضحيّة في سبيل ذلك، وإذا علم ربّه منه ذلك فسيجبر خضوعه وتواضعه لطلب ذلك، ويفتح له أبواب الفهم والحفظ، لأنّه قد وضع نفسه في الموضع الذي يريده الله - سبحانه وتعالى - لحملة كتابه القرآن الكريم. قال - سبحانه وتعالى -:
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}. -[فاطر ـ 32]
__________
(1) أخرجه البخاري وأحمد ومسلم (1/79)
صفحة 80
وعلماء النفس يرون أنّ الشخص الذي لا يكون له دافع يدفعه إلى إنجاز عمل من الأعمال، تؤول النتيجة في أغلبيّة الأحيان إلى الفشل.
وهناك فرق كبير بين أن يكون الدافع هو تحقيق هدف مهمّ عال ثمين، وبين أن يكون الدافع هو تقليد الآخرين، أو قضاء بعض الوقت فقط، فلينظر حافظ القرآن الكريم ما هو الدافع الحقيقي الذي يدفعه إلى حفظه واستيعابه.
الاستعداد المعنوي
يقول (شاد هيلمستيتر):
«ببساطة يصدّق العقل ما نخبره به كثيرًا، وما نخبره به عن أنفسنا، سيصنعه، فهو ليس لديه اختيار «.
ويقول (كلود بريستول):
«تكرار التوكيدات وإثبات الذات هو الذي يؤدّي إلى الاقتناع بها، وبمجرّد أن يصبح هذا الاقتناع إيمانًا راسخًا، تبدأ الأشياء في التحقّق «.
وكلّ عمل من الأعمال يحتاج إلى قوّة الروح وقوّة البدن، فإذا ما استطعنا أن نستعدّ هذا الاستعداد، فإنّ الضمير سيستيقظ، والقلب يحيا، وعند ذلك سنعمل بكلّ قوّة، كي نصل إلى الهدف الذي نطلب تحقيقه.
إنّ طبيعة الاستعداد إذا تغلغلت في النفس وتمكّنت منها، فإنّها تضفي على الإنسان قوّة تظهر في سلوكه، فإذا تكلّم كان واثقًا من قوله، وإذا اشتغل كان راسخًا في عمله، وإذا اتّجه كان واضحًا في وجهته، لأنّه مطمئنّ إلى الفكرة التي يريد تحقيقها، وفي هذه الحالة قلّما يجد التردّد إلى نفسه سبيلاً، وقلّما تزحزحه العواصف والمعوّقات عن الوصول إلى هدفه.
وبهذا التدريب يكتسب المرء إرادةً مقرونةً بالتحدّي، وثقةً أنّ ما يراه هو الحقّ، وشعورًا بقوّة اليقين في شخصه وفي نفسه.
ويمكن لنا أن نسمّي الاستعداد المعنوي بآداب التلاوة، كما سمّاها العلماء والمشائخ.
وهذه الآداب عديدة، وقد أفردها بعض العلماء بالتصنيف، ومنها:
ــ استحباب الوضوء، لأنّ القرآن الكريم أفضل الأذكار، وقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكره أن يذكر الله - سبحانه وتعالى - إلاّ على طهارة. (1/80)
صفحة 81
وقد وصف الله - سبحانه وتعالى - كتابه فقال: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}. ... -[الواقعة ـ 77ـ79]
ــ صلاة ركعتين، وجلب رحمة الله - سبحانه وتعالى - وعونه وتوفيقه، وتقويّة النفس من الناحية الروحيّة، فتمتلئ راحة وطمأنينة.
ــ من السنّة القراءة في مكان نظيف خال من الشواغل التي تشغل الحواسّ، وأفضل الأمكنة المسجد.
ــ يسنّ أن يستاك تعظيمًا وتطهيرًا للجهاز الذي يقرأ به هذا الكلام العظيم الطاهر، وهذه من السنن المهجورة.
ــ أن يطهّر اللسان عن الكلام القبيح الذي لا يتفّق مع كلام الله الرفيع القيمة والعالي الشأن.
ــ أن يجلس القارئ مستقبلا القبلة إذا أمكن، متخشّعًا بسكينة ووقار مطرقًًا رأسه، وهذه من أفضل الوسائل التي تقوّى الانتباه، وتزيد التركيز.
ــ التعوّذ قبل القراءة، كي يطرد الشيطان الذي لا يريد له أن يأخذ من مأدبة الله - عز وجل -، وذلك امتثال لقول الله - عز وجل -:
- {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. -[النحل ـ 98]
ــ تسنّ التلاوة بتدبّر وتفهّم، وهذا هو المقصود من قراءة القرآن، والمعين على حفظه، لأنّ ذلك يزيد من الاهتمام والانتباه والتركيز.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}. -
[ص ـ 29]
قال العلماء:
«قل لي بماذا تهتمّ أقل لك ماذا تحفظ «.
ــ أن يذكّر نفسه بأنّ قارئ القرآن الكريم يكون في مصّاف العظماء، ومن أفضل الناس، وأعلاهم درجة.
ــ تشمله ظلّة الرحمة، وتحوط به الملائكة، وتتنزّل عليه السكينة.
ــ أنّ الملائكة الكرام تدعو له بالرحمة والمغفرة.
ــ قارئ القرآن الكريم يرتفع به درجات عليا في الدنيا، إذ يرفع به أقواماً، ويخفض به آخرين.
ــ قارئ القرآن الكريم يكتب عند الله من الذاكرين والقانتين. (1/81)
صفحة 82
ــ قارئ القرآن الكريم ممّن يشهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غدًا يوم القيامة.
ــ الحافظ للقرآن الكريم والماهر به يبعثه الله - عز وجل - يوم القيامة مع السفرة الكرام البررة.
ــ قارئ القرآن الكريم تبتعد عنه الشياطين، وتخرج من بيته، وذلك ممّا حفظه، ويبعد النسيان، وممّا يقوّي العقل الباطن، فتزيد قوّة الاستيعاب عنده.
ــ قارئ القرآن الكريم يستنير عقله بنوره، ويمتلئ قلبه بالحكمة، وتتفجّر منه ينابيع العلم، وهذا هو أكبر محفّز لصاحبه على الثبات على القراءة لزيادة حفظه واستيعابه.
ــ أهل القرآن الكريم يذكرهم الله - عز وجل - فيمن عنده، وكفى بذلك شرفًا وفضلاً، لأنّهم يسألون ربّهم فيجيب لهم دعوتهم فضلاً منه وكرمًا، فيجب أن يسعى المؤمن بكلّ طاقته ليحفظ كلام ربّه، ليكون من أهل الله - عز وجل -.
الإخلاص لله - سبحانه وتعالى - والدعاء
الإخلاص، والطاعة، وترك المعاصي واللّمم من القول هو سرّ التوفيق والنجاح، خاصّة في حفظ كتاب الله - عز وجل -، وتعلّمه والعمل به، فهذا العمل هو من أعظم العبادات، وأجلّ الطاعات، وخير ما يجمعه العبد، لأنّه نور الله وكتابه المبين، يهدي به من اتّبع رضوانه سبل السلام، ومن سبل السلام توفيقه وإعانته على حفظه وتلاوته، والعمل به.
يقول العلماء:
«اجعل قصدك وهدفك من الحفظ التقرّب إلى الله - سبحانه وتعالى -، واستحضر أنّ ما تتلوه وما تحفظه هو كلام ربّك العزيز الجبّار، الهادي والمعين، واحذر أن يكون دافعك إلى ذلك نيل مكانة بين الناس، أو الحصول على بعض المكاسب الدنيويّة والمكافآت، والجوائز، فالله - عز وجل - لا يقبل من العمل إلاّ ما كان خالصا لوجهه الكريم «.
قال الله - عز وجل - ّ:
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}. -[البيّنة ـ 5] (1/82)
صفحة 83
وإذا أراد العبد أن يحفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى - حقًّا، فعليه أن يعمل قدر استطاعته كي يصل إلى درجة الاصطفاء فيصطفيه ربّه - عز وجل -، ليكون أهلا أن يورثه كتابه.
فالله هو باعث الهمم، والإنسان أحياناً تضعف همّته، ولكنّه إذا استعان بربّه - عز وجل - أعطاه همّةً قويّة، وعزيمةً ثابتةً، وجعل له اندفاعاً، لذلك فالمؤمن الصادق يدعو ويقول:
«اللهمَّ تبرَّأت من حولي وقوَّتي، والتجأت إلى حولك وقوَّتك، ياذى القوَّة المتين «.
فالعمل أساسه الإرادة، والإرادة تتحرَّك بالباعث، وإذا التجأنا إلى ربّنا - سبحانه وتعالى - وجعلناه هو الباعث لنا إلى ما يحبّه، ويرضاه، فإنّه سيبعثنا إلى أعمالٍ صالحة اخترناها، ويصرف عنّا الأعمال السيّئة التي تحبط عزائمنا، وتضعف قوّة الاهتمام والتركيز والحفظ، والاستذكار.
كما أنّه بالصلاة والدعاء نستطيع أن نغيّر الأنماط الداخليّة السلبيّة، ونحقّق نتائج باهرة، لأنّ النجاح الذي نطلب من ربّنا - سبحانه وتعالى - أن يبلّغنا، ونصلّي وندعوه أن يعيننا على تحقيقه متعلّق بالثقة به - سبحانه وتعالى -، وبالإيمان العميق أنّه هو الوحيد الذي يستطيع أن يعيننا إعانة حقيقيّة وواقعيّة، والصلاة هي التي ترشدنا إلى الطريق الصواب الذي يوصلنا إلى الهدف، وتحفظنا في الطريق الذي نسير فيه لتحقيقه، وهذا كلّه ممّا يمدّنا قوّة صادقة في المضيّ قدمًا نحو الهدف، دون تردّد، أو خوف، أو ملل.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. -
[البقرة ـ 152] (1/83)
صفحة 84
إنّ الصلاة التي يصلّيها صاحبها بكلّ إخلاص، والدعاء الذي يدعوه بخضوع، يملآن النفس بالثقة التي تطلق العنان للقوّة الداخليّة التي نمتلكها، وبذلك ندفع بعيدًا الأنماط والأشكال العقليّة التي توحي لنا بأنّنا سنفشل، وأنّنا لا نستطيع النجاح أبدًا، لأنّ الفشل والنجاح ينشآن في العقل الباطن قبل أن يظهرا في أعمالنا وأفعالنا الخارجيّة، لذلك فإنّ الصلاة والدعاء يقتلعان الفشل من العقل الباطن.
وعلى كلّ من يريد أن يوصله ربّه إلى حفظ كتابه الكريم الذي هو أعلى الدرجات أن يلتزم ثلاث تطبيقات:
1ــ عليه أن يعلم أحوال قلبه وأحوال نفسه وأحوال اعتقاده وتصوّراته وقِيَمه، ولا بدّ أن يصحّحها، إذا كانت غير صحيحة.
2ــ أن يقوم بكلّ ما يقوّي له إرادته، كي يصلح اعوجاج نفسه وأعماله، ويقيم جوارحه على طاعة ربّه - عز وجل -.
3ــ وأن يملك الصدق كي يستمرّ على ذلك، علم وإرادة وصدق.
قال الله - سبحانه وتعالى -: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ
الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}. ... -[فاطر ـ 32]
وإذا ما قمنا بتهذيب النفس وتقويمها بقدر استطاعتنا {لا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها}، فعلينا بعد ذلك أن نلتجئ إلى ربّنا بالدعاء الدائم في كلّ وقت وحين، وخاصّة بعد تقديمنا لصدقة بين يدينا، لأنّ ذلك هو خير لنا وأطهر.
ونلتجئ إليه بالدعاء والإلحاح على الطلب والسؤال، لأنّه هو الطاقة العليا التي ترشدنا كي نعتمد عليها ونستمدّ منها القوّة والعزيمة والمثابرة والصبر.
فهذه الطاقة العليا هي النور الذي نستنير به في طريقنا للوصول إلى أهدافنا بكلّ ثقة وثبات، وهي عبارة عن طريقة لوصف الطاقة الروحيّة. (1/84)
صفحة 85
وهذا النور الذي يرى به صاحب العزيمة القويّة هو طاقة تنبع من داخل النفس، إذا هداها الله - سبحانه وتعالى - إلى الطريقة الإيجابيّة التي تكتشف بها طاقاتها وقدراتها الموجودة داخلها، وهذا ما يجعلها تعتمد على تلك الطاقات بقوّة كافيّة للوصول إلى تحقيق أهدافها، ولا تربط تلك القدرات بأيّ تأثير خارجي، مهما كان، سواء كان إنسانًا، أو وسيلة أخرى، بل تجعل تلك الوسائل كأدوات تستعين بها للسير في الطريق التي توصلها إلى تلك الأهداف.
وفي هذا المجال يقول "رالف والد أمرسون":
«ما يوجد أمامنا، وما يوجد خلفنا، يعتبر ضئيلا جدّا بالمقارنة بما يوجد بداخل نفوسنا «.
فعندما نحيل أفكارنا ومشاعرنا وأنشطتنا وقوّتنا الحياتيّة نحو هذه الروح العليا القويّة، فسوف نشعر بالقوّة الروحيّة الربّانيّة التي نفخها فينا ربّنا - سبحانه وتعالى - تتحرّك داخلنا، فتبعث فينا طاقة غير محدودة للعمل بكلّ ثقة واقتناع، لأنّنا نشعر بأنّنا نتحرّك بطاقة وعون ربّنا - عز وجل - اللامحدودة واللامتناهيّة، وليس بطاقتنا المحدودة والمتناهيّة، ويشعّ ويتحرّك فينا أمر تلقائي يفوق سرعة أفكارنا وقوّة طاقتنا، وبذلك نحقّق انسجامًا مع مصدر القوّة الروحيّة، فنوسّع واقعنا، بحيث نستلهم القوّة اللازمة للعمل والقيام بما يجب علينا، لنبلغ الأهداف التي نريد تحقيقها، وأعظمها، وأجلّها إتقان حفظ كتاب ربّنا الكريم.
ما أروع هذه الحكمة التي قالها أحد العلماء الروحيّين:
» تتواجد الذبذبات المنخفضة في الواقع المادّي، أمّا الذبذبات المرتفعة فتتواجد في الواقع الروحي، أمّا النطاق الكامل للذبذبات فيوجد في الواقع الممتدّ «.
إنّ الدعاء يعتبر وسيلة لتوسيع تفكيرنا كي نناضل من أجل الوصول إلى النطاق الواسع والقويّ لطاقاتنا التي وهبها الله - عز وجل - لنا، وهذا التوسّع يعتبر بالغ الأهميّة في طريقنا إلى معرفة إمكاناتنا الحقيقيّة. (1/85)
صفحة 86
إنّ الإخلاص يملأ أعمالنا بركة، هذه البركة التي نستطيع أن نفسّرها بالحكمة التي يهبها الله - سبحانه وتعالى - لعباده المخلصين، فهو القائل في كتابه الكريم:
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}. - ... [البقرة ـ 269]
فنحن بالحِكمة يمكن أن نصل إلى أعلى الدرجات، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - سيوفّقنا إلى استغلال وقتنا القليل، ومواهبنا التي نملكها، وربّما نحن ننظر إليها على أنّها مواهب ضعيفة، ولكن مع الإخلاص سينزّل الله - عز وجل - فيها البركة، فنحقّق بها أهدافًا كبيرة معتبرة، ولا يكون الإخلاص في شيء إلاّ زانه، وقوّاه، ولا يُنزع من شيء إلاّ شانه، وأضعفه.
يقول ابن المقفّع:
«أمّا بعد: فإنّ لكلّ مخلوق حاجة، ولكلّ حاجة غاية، ولكلّ غاية سبيل، فغاية الناس وحاجتهم: صلاح المعاش والمعاد، والسبيل إلى إدراكها هو العقل الصحيح، وأمارة صحّة العقل اختيار الأمور بالبصر «.
قال ابن تيميّة:
«إنّه ليقف خاطري في المسألة والشيء، أو الحالة التي تشكُل عليّ، فأستغفر الله - سبحانه وتعالى - ألف مرّة، أو أكثر، أو أقلّ، حتّى ينشرح صدري، وينحلّ إشكال ما أشكل «. قال:
«وربّما أكون في المسجد، أو المدرسة، أو السوق، أو الدرب، لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار، إلى أن أنال مطلبي «.
وكان رحمه الله يقول:
«ربّما طالعت على الآية الواحدة تفاسير كثيرة، ثمّ أسأل الله - سبحانه وتعالى - الفهم، وأقول: يا معلّم آدم وإبراهيم، علّمني، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرّغ وجهي في التراب، وأسأل الله - عز وجل -، وأقول: يا معلّم إبراهيم، فهّمني «.
وورد في الأثر أنّ المرء إذا أراد أن يهب له ربّه - عز وجل - الفهم فعليه أن يدعوه ويقول:
«اللهمّ علّمنا كما علّمت آدم - عليه السلام -، وفهّمنا كما فهمت سليمان - عليه السلام -.
الدعاء (1/86)
صفحة 87
علينا أن نعلم بأنّ الإمداد من عند ربّ العزّة - جل جلاله - يكون بقدر الاستعداد، فلنتضرّع إليه قدر المستطاع، ولنداوم قرع الأبواب، وإن أبطأت عنّا الإجابة.
فهذا ابن عطاء الله السكندري يقول في إحدى حكمه:
«متى أطلق لسانك بالطلب، فاعلم أنّه يريد أن يعطيك «(1)
قال رجل لذي النون: «يا شيخ، ما الذي أصنع، كلّما وقفت على باب من أبواب المولى، صرفني عنه قاطع المحن والبلوى «.
فأجابه: «يا أخ الإسلام، كن على باب مولاك كالصبيّ الصغير مع أمّه، كلّما ضربته أمّه ترامى في أحضانها، والتجأ إلى حجرها، واحتمى بها منها، وكلّما طردته تقرّب إليها، فلا تزال كذلك حتّى تضمّه إليها «.
علينا أن نستشعر الحاجة إليه، كما نستشعر الحاجة لكتابه العزيز، وهذا الشعور لا بدّ أن نترجمه في هيئة خضوع واحتياج إليه، طالبين منه الهدى، ليهدينا إلى طريق الخير.
ولا ينبغي أن يدفعنا تأخّر الإجابة إلى اليأس والانسحاب من بين يديه، لأنّ ربّنا - سبحانه وتعالى - هو الذي يعلم ما يصلح لنا، ومتى يستجيب لدعائنا، وكيف يلبّي لنا طلباتنا، وحسبنا في ذلك ما قاله لنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
«يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي «. (2)
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}. -[غافر ـ 60]
__________
(1) شرح وتحليل الحكم العاطائية، جزء: 2، ص:491.
(2) أخرجه البخاري، الفتح 11 (6340) (1/87)
صفحة 88
فالعارف بربّه أنّه رحيم به يستجيب له إذا دعاه، وعارف بنفسه أنّه ضعيف لا يستطيع أن يبلغ ما يتمنّاه في هذه الحياة من مختلف الأعمال إلاّ بعون ربّه - عز وجل -، يجتهد في الدعاء بكلّ طاقته وقدرته، ويتصيّد أسباب الإجابة من الزمان والمكان، وغير ذلك، ولا يملّ، ولا يسأم، ويجتهد في التعامل مع ربّه - عز وجل - بما يجعله أهلا لإجابة دعائه، وقد علّمنا ربّنا - عز وجل - أن ندعوه في كلّ ركعة من الصلاة، فنقول:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. -[الفاتحة ـ 5]
فهو الذي يجيب دعاء المحتاجين:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
«يتنزّل ربّنا - سبحانه وتعالى - كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فَيَقُولُ: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأُعطيه، وممن يستغفرني، فأغفر له «. (1)
قال أبو سليمان الداراني، رحمه الله:
«من أراد أن يسأل الله - عز وجل - حاجة، فليبدأ بالصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ يختم بالصلاة على النبيء - صلى الله عليه وسلم -، فإنّ الله - عز وجل - يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما «. (2)
يقول ابن تيميّة، رحمه الله - سبحانه وتعالى -: «وكلّ عمل لا يعين الله العبد عليه، فإنّه لا يكون، ولا ينفع، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له، لا ينفع ولا يدوم، فذلك أمر الله العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} «.
وللإجابة شروط قد ذكر العلماء بعضها، أوّلها: البعد عن المعاصي، وعدم التكالب على شهوات الدنيا، لأنّ الذي يكون قلبه مشغولا بذلك لا يوجد فيه موضع لنور القرآن الكريم، فالمعاصي حاجز يحجز قبول الدعاء، بل يحجزه عن الصعود إلى ربّ العزّة، كما أنّها تحجز عن الحفظ. قال الله - سبحانه وتعالى -:
__________
(1) البخاري، الفتح 13 (7494).
(2) 2 إحياء علوم الدين (1/88)
صفحة 89
{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ}. -[المجادلة ـ 19]
والله قد وعد عباده المخلصين المتّقين استجابة دعائهم، وهو المجيب.
وكلمة مُجيب اِسم من أسماء الله الحُسنى لها معنيان:
- المعنى الأول: الإجابة.
- المعنى الثاني: أن يُعطي الله السائل مطلوبه.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. - ... [البقرة ـ 186]
قال الدكتور النابلسي:
«فالمجيب: اسم من أسماء الله الحُسنى، وزوال الكون أهون على الله من أن تدْعُوَه فلا يستجيب لك، فهو يستجيب لك بِشَكلٍ أو بآخر، إمّا أن يُطمئنك، وإمّا أن يعطيك «. خاصّة إذا دعوته أن يعينك لتحفظ كتاب الله - عز وجل -.
وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:
«إِنَّ ربّكم حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي من عبده، إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إليه بدعوة أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا ليس فيهما شيء «. (1)
والله - سبحانه وتعالى - يحبّ أن يدعُوَه عباده، ويلتجئوا إليه، ويتّصلوا به، وأن يُمَرِّغوا وجوههم في أعتابِه، كي يُسْعِدهم بالاتّصال به، فَيَجْعل حاجتهم إليه وسيلة لِهدف عال، وهو الاتّصال والتعبّد.
وكذلك شرع لهم الدعاء من أجل أن يصلّوا له، ويدعوه، ومن أجل أن يترجّوه، لأنّهم بتلك الصلاة والدعاء، وذاك الاتّصال، وهذا الرجاء يسعدون، وإنّ التضرّعُ في الدعاء هو الهدف، وخاصّة إذا كان هذا الدعاء هو طلب الإعانة على حفظ كلامه الكريم، الذي هو أفضل وأعزّ وأحبّ ما في هذا الكون إليه - سبحانه وتعالى -.
فأنت لا تنادي إلاّ قريباً، لا تنادي إلاّ من يسمعك، لا تنادي إلاّ من يقدر على أن يُجيبك.
قال الله - عز وجل -:
__________
(1) أخرجه الترمذي (3556) (1/89)
صفحة 90
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}. - ... [هود ـ 61]
ما الذي يمنعنا أن نصلي بعض ركعات في الثلث الأخير من الليل، وأن نقول يا ربّنا آتنا من حكمتك، وسهّل علينا حفظ كلامك، وأعنّا على ذلك، فبذلك نكون أهلا لأن يؤتينا الحكمة، وهو الذي يؤتي الحكمة من يشاء، وكلامه - سبحانه وتعالى - هو الحكمة التي ليس فوقها حكمة، وليس هناك أحسن، وأفضل من هذه الحكمة.
وحينما نضع الثقة في ربّنا - جل جلاله -، فإنّه سيجيب دعوتنا، وسيعيننا بلا شكّ، ولا ريب، خاصّة في الثلث الأخير من الليل حين ينزل إلى السماء الدنيا، ينادي عباده كي يلتجئوا إليه، ويطلبوا منه مختلف حوائجهم، لأنّه لا يوجد بين العبد وربّه حِجاب في الدعاء، وليس بينه وبين ربّه وسيط، ولا وسيلة، هو قريب سميع مجيب، ما علينا إلاّ أن نسأله، فهو يحبّ من يسأله كلّ حوائجه، ويغضب إذا لم يسأله عباده.
فهو ربّنا ورحيم بنا، يدرك، ويتفهّم حالتنا، ويعرف وضعنا في أدق التفاصيل، يعرف ظروفنا التي تسهّل لنا حفظ كلامه، فيسهّلها لنا، ويعرف العقبات التي أمامنا، فيذلّلها، ويسهّلها حتّى تصبح سهلة نستطيع تجاوزها، ويعرف الصوارف التي تصرفنا عن حفظ كلامه، فيبعدها عنّا، ويعرف حجم التضحية التي تلزم للحفظ والاستيعاب، فيعيننا كي نضحّي بالقدر الكافي، ليبلّغنا مرادنا الذي نريد الوصول إليه.
سماعه لدعاءنا: يا ربّنا نحن نحبّ كلامك، ونريد حفظه واستيعابه، يا ربّ استجب لنا، فضلاً عن أنّه يسمع دعاءنا كصوت، فهو يعلم حقيقة حالنا، فأوّل سماعه، سماع الصوت، والسماع الثاني سماع الفهم. (1/90)
صفحة 91
لكن من أجل أن نعرف ماذا نسأله، علينا أن نؤمن به أنّه يجيب عباده، وأن نستجيب له فيما يطلبه منّا، حتّى نحسِن سؤاله، وهو ما أمرنا أن ندعُوَه إلاّ لِيَستجيب لنا.
كما يرشد العلماء أن نطلب الدعاء من أهل الخير والإيمان والصلاح، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لهم الله - سبحانه وتعالى - كي يعينهم على قضاء مختلف مصالحهم، وتحقيق ما يتمنّونه، وقد دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لابن عبّاس أن يوفّقه الله - عز وجل - في طلب العلم والتفقّه في الدين، فقال - صلى الله عليه وسلم -:
«اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل «. (1)
وقد كان السلف الصالح إذا دخل الولد إلى الكتّاب لحفظ كتاب الله - عز وجل -، يستغلّون كلّ الوسائل التي تجلب له البركة والخير، مثل الرقية الشرعيّة، وتقديم الصدقة بين أيديهم، والالتجاء إلى الله - سبحانه وتعالى - بالدعاء كي يفتح على أولادهم أبواب العلم والفقه والحكمة والفهم.
والله - سبحانه وتعالى - يضمن للعبد إجابة الدعاء بما يعلم أنّه خير له في دينه ودنياه، وعلى حسب نيّته، وعمله وتضحيّته وتفانيه، لأنّ الإخلاص هو سرّ توفيق الله - عز وجل - لعباده الصالحين.
ولا أظنّ أنّه يوجد شيء في هذا الكون يستحقّ اتّخاذ مثل هذه الأسباب كي يحفظ، ويحافظ عليه، مثل كلام الله - عز وجل - فهو أفضل كلام وأرقى وأثمن كتاب في هذا الوجود، فمهما اتّخذنا من تلك الأسباب فهي قليلة في حقّه وقيمته.
فعلينا أن نحسن القصد، ونصدق النيّة، ابتغاء حفظ كتاب ربّنا - عز وجل -، لأنّه خير عمل نقوم به في هذه الحياة.
فعن عثمان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه «. (2)
__________
(1) أخرجه البخاري في باب الوضوء (143)، ومسلم (2477).
(2) البخاري، الفتح:8 (5027) (1/91)
صفحة 92
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «علّموا أولادكم القرآن فإنّه أوّل ما ينبغي أن يتعلّم من علم الله هو «. (1)
المداومة على قراءة آيات الحفظ
علينا أن نريَ الله - عز وجل - من أنفسنا خيرًا، ولنكثر من الاستغفار والتوبة، ثمّ الدعاء في مختلف المناسبات، وبعد كلّ عمل صالح نقدّمه لربّنا - سبحانه وتعالى -، ولنداوم على الخضوع والخشوع أمام عتباته، ولا نسأم من كثرة قرع أبوابه، فإنّ الله - عز وجل - لا يسأم حتّى نسأم.
وهو يمدّ عبده على حسب استعداده لأن يسير في طريق الخير، فإذا أردنا أن يفيض علينا ربّنا خيرًا، فعلينا أن نريَه من أنفسنا خيرًا.
فالبداية تكون من العبد وهي استشعاره الحاجة إليه، والنتيجة تكون من عنده - سبحانه وتعالى - إذا علم صدق نيّته وحسن عمله، فعلينا أن نكثر من الدعاء والتضرّع كي ييسّر لنا حفظ كتابه وفهمه والعمل به، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، ويفتح لها أبواب الحكمة، ويملأها نورًا، نور كتابه الكريم.
ندعوه - سبحانه وتعالى - بأن يمنع عنّا كلّ ما يثبّط عزائمنا، وما يبعدنا عن حفظ كلامه واستيعابه، ونلحّ عليه بما قد جعله سببًا لفتح تلك الأبواب، مثل آيات الحفظ التي قد ذكرها العلماء، وقد استخرجوها من كتاب الله - سبحانه وتعالى -. ومن هذه الآيات قوله - سبحانه وتعالى -:
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}. -[البقرة ـ 255]
{فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. -[يوسف ـ 64]
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}. -[الرعد ـ 11]
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. - ... [الحجر ـ 9]
{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ}. -[الصافّات ـ 6ـ7]
__________
(1) 2 أخرجه الربيع (1/92)
صفحة 93
{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}. -[البروج ـ 21ـ22]
فالمؤمن الحقّ يأخذ بالأسباب المادّية والأسباب المعنويّة، ويعتمد على ربّه - عز وجل - اعتمادًا كلّيًا، فهو يعلم أنّه حينما ينسى دور الله - عز وجل -، أو ينسى اسم الله الحفيظ، أو ينسى أن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يفتح له أبواب الحفظ إن شاء، وأنّ الأسباب المادّية لا تكفي وحدها، خاصّة في حفظ كتاب الله الكريم، وحينما يتجاهل أن الحِفظَ وحده بيد الله - عز وجل -، وأنّه مهما كان ذكيّاً، ومهما كان أريباً، ومهما كان ذا خبرة عريقة، مهما أخذ من الاحتياطات، مهما اتّخذ من الأسباب المادّية، فإذا لم يفتح الله - سبحانه وتعالى - له من خزائن علمه وحكمته فلن يصل إلى حفظ شيء مهما بذل من جهد.
{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. -[فاطر ـ 2]
فهو الذي يفتح أبواب رحمته وخزائن علمه وحكمته إن شآء، على من يشآء، ومتى شآء، وكيف يشآء، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، يعني أنّه إذا أمسك فليس في الأرض كلّها قوّة تستطيع أن تفتح، وإذا فتح فليس في الأرض كلّها قوّة تستطيع أن تغلق، بل إنّ قوى الأرض مجتمعةً ليس في إمكانها أن تفتح ما أغلقه الله - عز وجل - ولا أن تغلق ما فتحه - سبحانه وتعالى -، فهو القائل - سبحانه وتعالى -:
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}. - ... [البقرة ـ 269] (1/93)
صفحة 94
فالله - سبحانه وتعالى - هو الفتّاح، هو الذي يفتح لنا الأبواب المغلقة، أو الأبواب المستعصيّة، أو الأبواب الكثيرة، فيفيض علينا من حكمته ما لا نحتسب، وبالقدر الذي لا نتصوّره، وحينما يطهّر الإنسان قلبه، ويخلص لربّه نيّته، وتصبح سريرته سليمة، يصبح أهلاً لنيل كرامة ربّه - عز وجل -، وليس هناك كرامة أفضل وأحسن من حفظ كلام المولى - عز وجل -.
فعن عبد الله بن عمرو ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«من قرأ القرآن فقد استدرج النبوّة بين جنبيه، غير أنّه لا يوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد، ولا يجهل مع من يجهل، وفي جوفه كلام الله - سبحانه وتعالى - «. (1)
وحفظ القرآن الكريم يعتبر بداية العلم، وكلّ آية يحفظها المرء هي باب مفتوح إلى ربّه - عز وجل -، وكلّ آية لم يحفظها أو حفظها ثمّ نسيها باب مغلق دون ربّه.
ترديد الآيات التي تؤثّر في نفوسنا
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}. - ... [العنكبوت ـ 49]
إنّ معنى تأثير آية من الآيات البيّنات في القلب هو دخول نورها إليه، ودليل ذلك النور هو تفاعله معها، وخشوعه، وزيادة تعلّقه بكتاب ربّه - عز وجل - الذي يزيد له إيمانًا، حينًا بعد حين، فإذا وفّقنا ربّنا - سبحانه وتعالى - وهدانا إلى الشعور بمثل هذا التأثّر، فعلينا أن نغتنم تلك النفحات، ولا نتركها تذهب سدًى.
يقول (ابن القيّم):
«ولو علم الناس ما في قراءة القرآن بتدبّر من الفوائد الجليلة، لاشتغلوا بها عن كلّ ما سواها، فإذا قرأه أحدكم بتفكّر وتدبّر، ومرّ بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه، كرّرها ولو مائة مرّة «.
__________
(1) أخرجه الحاكم، الترغيب والترهيب 2 (325) (1/94)
صفحة 95
فقراءة آية واحدة بتفكّر وتفهّم خير وأفضل من ختمه عدّة ختمات بغير تفهّم معاني ما يقرؤه، كما أنّ ذلك أدعى للإيمان وتذوّق حلاوة القرآن الكريم، وقد كانت هذه عادة الصحابة - رضي الله عنه -.
فعن (جندب) - رضي الله عنه - قال:
«كنّا غلمانًا حزاورة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن فازددنا به إيمانًا «. (1)
وقال (محمّد بن الحسين): «والقليل من الدرس للقرآن مع التفكّر والتدبّر أحبّ إليّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبّر، ولا تفكّر فيه وظاهر القرآن يدلّ على ذلك، وكذلك السنّة وقول أئمّة المسلمين «. (2)
إنّه بترديد آية من القرآن الكريم، والتي نجد لها تأثيرًا في القلب، تتولّد داخل النفس طاقة وقوّة تجعل القارئ يتعلّق بالقرآن الكريم، ويحفظه بسهولة، فعلى كلّ من يجد مثل هذا التأثّر أن يزيد من القراءة والتلاوة والحفظ، كي يدخل أكبر قدر من النور إلى قلبه بترديد تلك الآية مرّات ومرّات.
يقول سيّد قطب: «إنّ هذه الطلائع ـ طلائع البعث الإسلامي ـ في حاجة إلى منهج القرآن، تستلهمه وتستوحيه، تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها، وتستوحيه فيما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات، وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق «.
فعندما نتلو آيات كلام ربّنا - عز وجل - بتدبّر وفهم، وبعقل نقيّ طاهر، لا يفكّر إلاّ في قوّة منزّله وعزّته وتدبيره وتسييره لهذا الكون، ونحن جزء من الكون، فسوف يدبّ داخل نفوسنا وميض من روح تلك الآيات التي نقرؤها، ثمّ تتحوّل إلى طاقة نقيّة وشعلة مقدّسة في روحنا، فتدفعنا إلى أقصى ما يمكن من الأمل والتفاؤل بأنّ ربّنا سوف يلهمنا، ويرشدنا إلى الطريق الموصل إلى النجاح في كلّ نواحي الحياة.
__________
(1) نزهة الفضلاء 1 (383)
(2) أخلاق أهل القرآن (169) (1/95)
صفحة 96
فعناصر الأمّة في حاجة ماسّة لتدبّر القرآن الكريم وفهم ما أنزل الله - سبحانه وتعالى - فيه من الأوامر والنواهي والإرشادات، وبذلك يصبح حفظه واستيعابه سهلاً عليهم.
وتدبّر القرآن الكريم وفهم كلماته يعين كثيرًا على حفظه، فعندما نقف على معانيه، وندخل إلى مأدبته، يصبح حفظه سهلاً علينا، وحفظه نعمة عظيمة يهبها الله - عز وجل - من يشاء ومن يريد من عباده المخلصين المضحّين، وهي مرتبة عالية، تمنح صاحبها شرفًا كبيرًا في الدنيا والآخرة.
هذا من الناحيّة الروحية، أمّا من الناحية العضويّة الجسميّة، فقد أشار كثير من علماء الذاكرة إلى هذه المهارة وأهميّتها في حفظ معلومة ما وتشفيرها داخل الذاكرة، ويسمّون هذه التقنيّة بالتكرار اللفظي مقابل الكتابة المتكرّرة، ويعتبرون ذلك مهارة من مهارات التشفير.
قاعدة
إنّ كلّ فعل نقوم به في حياتنا يتّخذ مسلكًا خاصًّا داخل أعصاب وخلايا المخّ، وكلّما كرّر العقل النشاط أو الفعل مرّات عديدة، يصبح نفس المسلك أكثر قوّة ووضوحًا، ممّا يزيد ذلك الفعل أو النشاط رسوخًا، ويجعل استرجاعه فيما بعد سهلاً وسريعًا.
الوضوء وإزالة الخطايا
قال الشاعر:
شكَوْت إلى وكِيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلم نور ... ونور الله لا يُهدى لعاص (1/96)
صفحة 97
وإذا كان الوضوء ينقّي أعضاء الجسم المختلفة من الذنوب، كما يخبرنا بذلك رسول الله - سبحانه وتعالى -، فإنّ الدراسات العلميّة قد اكتشفت بأنّ هناك علاقة طرديّة بالأيدي والأرجل والوجه والأذن، كما تؤكّد ذلك الدكتورة (ماجدة عامر) حيث وجدت الدراسة بأنّ الذنوب تحدث أثرًا يتعلّق بمسارات الطاقة والمجال المحيط بجسم الإنسان، حيث إنّها تترك اختلافات واضحةً فيه، بمعنى تغيّر الوجه، أو العضو، ممّا يؤثّر سلبيًّا على صحّته، وذلك لأنّ الإنسان لا يتكوّن من مادّة صلبة فقط، بل إنّ الذرّات المكوّنة للجسم البشري ما هي إلاّ طاقات إلكتروكيميائيّة (الهرمونات) وإلكترومغناطيسيّة (التجاذب بين الخلايا نفسها، وبين العناصر المكوّنة للخليّة الواحدة).
وأنا أقول بما أنّ جسم الإنسان تتحكّم فيه هرمونات كثيرة متنوّعة تفرزها غدده، فربّما يوجد للوضوء والتدليك خاصّة تؤثّر على تلك الغدد، فينشّطها، ويجعلها تفرز هرموناتها بشكل جيّد ومتوازن، ممّا يوفّر للخلايا دبدباتها الطبيعيّة العاديّة، فيجعلها تعمل بصفة طبيعيّة متوازنة.
كما أنّ للذنوب تأثيرًا سلبيًّا على روح الإنسان ونفسه، والذاكرة هي طاقة روحيّة نفسيّة، أكثر منها جسميّة عضويّة، فهذا التأثير الروحي السلبي للذنوب يضعف تلك الروح الموجودة في خلايا المخّ التي يريد أن يحفظ بها الروح الذي أنزله الله - سبحانه وتعالى - على رسوله محمّد - صلى الله عليه وسلم - وهو القرآن الكريم.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}. -[الشورى ـ 52]
وزيادة على ذلك، فإنّ الذنوب ظلام، والقرآن نور، فالذنوب إذن تجعل الخلايا مظلمة، وتغلق أبوابها، لذلك تكون غير مستعدّة لتلقّي نور الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم. (1/97)
صفحة 98
ومن هنا نستنتج بأنّ الذنوب لها تأثير سلبيّ على إفراز الهرمونات، ربّما لأنّ النفس تنقبض عند اقترافها للذنب، فتختلّ الإفرازات التي هي مفاتيح للخلايا كي تدخل إليها المعلومات، وهي التي تجعل الأعصاب مستعدّةً للتواصل الجيّد فيما بينها وبين الخلايا، لتمرير المعلومات من خليّة إلى أخرى.
والقرآن نور، والعقل نور، والذنوب ظلمة، فلا يلتقي النور مع الظلمة.
وأقول كذلك بأنّ الوضوء يبعث الراحة والهدوء والنشاط في خلايا الجسم، وخاصّة خلايا المخّ التي تتأثّر تأثيرًا إيجابيًّا قويًّا بمثل هذه الحالات، فيجعلها تستوعب بشكل أسرع وأحسن.
وقد أثبتت الدراسة أنّ الوضوء يجدّد خلايا الجسم المختلفة، ويمدّها بالطاقة اللازمة التي تشعّ من أجسامنا، والتي تسمّى «بران «، وهذه هي حقيقة ملموسة، استطاع الخبراء اكتشافها بمختلف تجاربهم.
ولا غرابة ولا عجب في ذلك، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - يقول في كتابه الكريم:
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}. - ... [الأنبياء ـ 30]
وما دام أنّ الماء يبعث الحياة في كلّ شيء، وأنّ الإنسان إذا شربه، بعث فيه الحياة، والنشاط والحيويّة، فكذلك الخلايا بدورها تعتبر شيء حيّ، فإذا ما اغتسل الإنسان، فإنّه بذلك يبعث فيها الحياة والنشاط، ويبعث فيها نوعا من الحيويّة، التي تجعلها جاهزة للعمل بكلّ طاقاتها وقدراتها.
بعض فوائد الوضوء قبل تلاوة القرآن
أكّد بحث علميّ حديث للدكتورة (ماجدة عامر) أستاذة جهاز المناعة بجامعة عين شمس، واستشاري الطبّ البديل أنّ الوضوء وسيلة فعّالة جدًّا للتغلّب على التعب والإرهاق، كما أنّه يجدّد نشاط الإنسان. (1/98)
صفحة 99
كما أشار البحث إلى أنّه يعيد توازن الطاقة التي تسري في مسارات الجسم، وإذا كان تأثير الوضوء على هذا النحو، فإنّ سريان الطاقة في أجهزة الجسم بشكل متوازن يضمن للخلايا المختلفة توازنها الطبيعي الذي يجعل أداءها في أعلى مستوياتها، وأقوى أدائها، وخاصّة خلايا الدماغ وأعصابه التي تحتاج إلى مثل هذا النشاط، وإلى قوّة التواصل فيما بينها، كي تستوعب بشكل جيّد، وبطريقة أسرع.
ومن هنا نفهم جيّدًا لماذا يرشدنا رسولنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - لإسباغ الوضوء قبل بداية تلاوة وحفظ القرآن الكريم.
أمّا من الناحية المعنويّة، فإنّ المتوضّئ يحسّ باطمئنان وراحة معنويّة، إذا شعر أنّه ينظّف أعضاءه من مختلف الخطايا التي اقترفها في أقواله، وأفعاله، وحركاته، وتصرّفاته، فتمتلئ نفسه نورًا، ونتيجة لذلك تقوى روحه، ويجد قوّةً ونشاطًا وإرادةً وعزيمةً في الميل إلى حفظ كتاب الله - عز وجل -، القرآن الكريم الذي هو نور فوق نور، ويجد من نفسه إقبالاً ونشاطًا وحبًّا للاستيعاب والحفظ.
ففي الوضوء علاج روحيّ لكلّ أجهزة الجسم، وخاصّةً منها القلب والعقل، حيث تتفتح أبوابهما لاستقبال نور الله - سبحانه وتعالى - القرآن الكريم.
وأنا أقول بأنّ الذاكرة والاستيعاب والحفظ والاستذكار كلّها عمليّات روحيّة نفسيّة أكثر منها عضويّة جسميّة، وإلاّ فأين يكمن يا ترى كلّ هذا الكمّ الهائل من المعلومات الهائلة والكثيرة التي تحفظها أمخاخنا.
إذن فإذا كان للوضوء تأثير روحيّ على مختلف أجهزة الجسم، لأنّه يبعث الروح القويّة في خلايا وأعصاب المخّ، فهو يجعل تلك الخلايا والأعصاب المخّية مستعدّةً وجاهزةً للحفظ والاستيعاب. (1/99)
صفحة 100
وفي دراسة علميّة قام بها مركز أكاديمي أمريكي أكّد الخبراء بأنّ عمليّات التدليك لأعضاء الجسم أثناء الوضوء للصلاة تعيد لعضلاتها وللدورة الدمويّة حيويّتها ونضارتها، وبالإضافة لذلك فإنّها تساعد الشرايين على الاستمرار في إمداد خلايا المخّ بما يلزمها من الدم الذي يحمل إليها الأكسجين والغذاء.
فائدة استقبال القبلة
لقد تبيّن من خلال الدراسات أنّه لكي تتمّ عمليّة التفريغ لبعض الشحنات لا بدّ من الاتّجاه نحو مكّة التي توجد فيها قبلة المسلمين، وهو ما أمر الله - سبحانه وتعالى - المسلمين القيام به في الصلاة أثناء السجود، لأنّ مكّة هي مركز اليابسة في العالم.
وقد أوضحت الدراسات أنّ التوجّه إلى مكّة في السجود هو أفضل الأوضاع لتفريغ الشحنات بفعل الاتّجاه إلى مركز الأرض، الأمر الذي يخلّص الإنسان من آثار همومه وأحزانه، فيشعر بعدها بالراحة النفسيّة.
ولعلّه توجد هناك جاذبيّة تجذب إليها الإنسان، تلك الجاذبيّة هي الشعور النفسيّ بأنّه يتّجه إلى أفضل مكان على وجه الأرض، وإلى أوّل بيت وضع للناس مباركًا، فبتفكيره في مثل تلك الطاقة يشعر بأنّ له قيمة في هذا الوجود، وأنّ له قوّةً يلتجئ إليها لترشده وتوجّهه إلى ما فيه خيره، وتلك القوّة هي ربّه وخالقه وواهب له كلّ النعم، ومنها نعمة الحفظ والتذكّر.
فائدة صلاة ركعتين
يرشد العلماء خاصّة الروحانيّين منهم الإنسان الذي يشعر بالإرهاق أو التوتّر، أو الصداع العصبي أن يلتجئ إلى السجود، لأنّه يخلّصه من كثير من الأمراض العصبيّة والنفسيّة، هذا ما أثبتته دراسة حديثة أجراها أستاذ العلوم البيولوجيّة، ورئيس قسم تلوّث الأغذيّة بمركز تكنولوجيا الإشعاع، الدكتور (محمّد ضياء الدين).
وللسجود أثر عميق ودور فعّال في إزالة القلق من نفس المصلّي الذي يخشع في صلاته بكلّ جوارحه، حيث يشعر فيها بفيض من السكينة يغمره، وطوفان من نور اليقين والتوحيد يملأ قلبه. (1/100)
صفحة 101
كما اكتشف العلماء بعد دراسات طويلة أنّه عندما يضع الساجد جبهته على الأرض، فإنّها تمتصّ منه شحنات سلبيّة، لا يعلم إلاّ الله - سبحانه وتعالى - سرّها ومقدارها، فالسجود هو عبارة عن إفراغ شحنات من تلك الطاقة السلبيّة التي تؤثّر في ذاته تأثيرًا سلبيًّا، ولو بقيت فيه ربّما ستضرّه ضررًا بليغًا لا يعلم مقداره إلاّ خالق هذا الإنسان، والذي أمره بالسجود له لفوائد متعدّدة، لا يعلمها إلاّ هو - سبحانه وتعالى -.
خاصّة إنسان هذا العصر الذي صار يغضب ويتنرفز بسرعة، نتيجة تأثّره بما حوله من الأحداث التي تتغيّر بسرعة منقطعة النظير.
ونقصد هنا بالسجود الذي يؤدّيه الإنسان بكلّ خشوع وتواضع واطمئنان الجوارح كلّها، لأنّه يوجد كثير من المصلّين الذين لا يتمّون سجودهم على أحسن وجه، وبصفة حسنة.
وكثير من الناس في اليابان يخرّون ساجدين بمجرّد شعورهم بالإرهاق، أو الضيق، أو الاكتئاب دون أن يعرفوا أنّ هذا الفعل ركن من أركان صلاة المسلمين.
أمّا الدكتور (إليكسيس كارليل) الحائز على جائزة نوبل في الطبّ، فيقول عن الصلاة:
«إنّ الصلاة تعتبر أعظم مولّد للنشاط، ومغيّر ومقوّي للذات عُرف إلى يومنا هذا، وقد رأيت كثيرًا من المرضى الذين أخفقت العقاقير في علاجهم، كيف تدخّلت الصلاة فأبرأتهم تمامًا من عللهم «.
إنّ الصلاة تعتبر كمعدن الراديوم مصدرًا للإشعاع ومولّدًا ذاتيًّا للنشاط الفكري، ولقد شاهدت تأثير الصلاة في مداواة أمراض مختلفة، مثل التدرّن الرئوي، والتهاب العظام، وبعض الجروح، والسرطان، وغيرها، وبعد الصلاة يأتي الدعاء.
ويستطيع الأطبّاء المسلمون أن يهتمّوا بالصلاة لعلاج مختلف الأمراض، وذلك تمامًا كما أصبح كثير من العلماء العصريّين يهتمّون بالتأمّل الإدراكي لمعالجة مرضاهم، لأنّنا إذا درسنا الصلاة من جميع النواحي والجوانب نجدها عبارة عن تأمّل إدراكي إسلامي بأتمّ معنى الكلمة. (1/101)
صفحة 102
ومن المعلوم نفسيًّا وجسميًّا أنّ الإنسان إذا كان هادئًا نفسيًّا، وصحيحًا بدنيًّا تستطيع ذاكرته أن تعمل بأقصى درجة ممكنة، لأنّه لا يكون هناك شيء آخر يفكّر فيه العقل، أو يشغله عن التركيز على ما يحفظه، وما يستوعبه.
والهدوء النفسي والصحّة الجسميّة تجعل الخلايا المخّية تتفاعل فيما بينها بطريقة حسنة متوازنة ممّا يجعلها تستوعب بشكل أحسن، كما أنّ عدم تردّد الخلايا بشكل متوازن يسبّب النسيان والشرود الذهني.
الفصل السادس
أهميّة تحديد الهدف
تحديد الهدف سبب لتحقيق النتيجة
لقد فطر الله - سبحانه وتعالى - العقل البشري على العمل بقوّة الأهداف ورقيّها وأهميّتها، وما لم يأت الدافع من أهداف عالية مهمّة جيّدة تهمّنا، فالعقل لا يعمل شيئًا، ولا يستجيب.
يقول أحد الحكماء:
«لا تحلم أحلامًا صغيرةً، فإنّها ليست لها قوّة لدفع الأشخاص «.
وبناء على هذه القاعدة نستنتج أنّه كلّما حدّدنا أهدافاً مهمّة جيّدة، كلّما ازدادت استجابة العقل، وكلّما زدنا من قوّة الأهداف الإيجابيّة، كلّما ازدادت الاستجابة في العمل والصبر والمثابرة.
والعقل بقدرة خالقه - سبحانه وتعالى - يطلق طاقة بقدر قيمة وأهميّة الهدف الذي نريد تحقيقه، وتلك الطاقة التي يطلقها هي التي تعطي للجسم القوّة على تحمّل التعب، والصبر على العمل المتواصل، إلى أن يحقّق المرء هدفه.
ويقول العلماء:
«الحكمة أن تعرف ما الذي تفعله، والمهارة أن تعرف كيف تفعله، والنجاح هو أن تحقّقه في الواقع «.
فالعلماء والعباقرة لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تحقيق الأهداف العالية إلاّ لمّا حدّدوها لأنفسهم، وبذلك استجابت قوّة عقولهم الباطنة، فقويت فيهم إرادة إيجابيّة، وصارت لديهم عزيمة قويّة تعادل نفس المجهود الذي يجب عليهم أن يبذلوه، كي يحقّقوا تلك الأهداف في الواقع.
يجب أن يكون الهدف محدّدا، وأن تكون الرؤية واضحة، وقابلة للتحقيق. (1/102)
صفحة 103
كما يجب أن يكون إيجابيًّا تمامًا، وأن يكون دقيقًا ومباشرًا نحو الهدف الإيجابي المنشود.
ويعتبر الإيمان القويّ بوصلة، أو خريطة ترشدنا للوصول إلى أهدافنا بثقة قويّة، وهو الذي يمنحنا القدرة على استدعاء القوّة اللازمة لتحقيق تلك الأهداف، وبوجود المعتقدات القويّة المرشدة، سيكون لنا القدرة على التخطيط الجيّد، والقدرة على إنجاز الأفعال اللازمة لبلوغها، كما أنّ الإيمان القويّ يساعدنا على رؤية ما نريد، ويمنحنا النشاط اللازم للحصول عليه بكلّ بساطة.
وحينما يعرف الإنسان هدفه الذي يرمي إلى الوصول إليه، ويصير واضحًا أمامه، وجليًّا، وحينما يسعى إلى تحقيقه بوسائل مشروعة، ويؤمن إيمانًا قويًّا بأنّه قادر على تحقيقه والوصول إليه، يغلب على أفعاله وأقواله وتصرّفاته المثابرة والأناة والتبصّر والهدوء، وهذه الصفات تنمو مع الأيّام، لأنّ خبراته تزداد، ويتمرّن على ذلك.
ولمّا سئل رئيس أحد الشركات الناجحة عن الشيء الذي يحتاجه أيّ شخص لكي ينجح، ويصل إلى القمّة، قال:
«ما دمت مقتنعًا بالفكرة التي في ذهنك، فقم بتنفيذها فورًا «.
وكلّما عُلمت النتيجة، كان ذلك سببًا لدراسة الأسباب التي توصل إليها بكلّ موضوعيّة وتركيز وتعمّق، وإذا أردنا أن نعلم جيّدًا كيف نصل إلى هدف ما، فما علينا إلاّ نبدأ من النهاية، أي أن ندرس كلّ النتائج التي سنصل إليها في النهاية، لأنّه بذلك نصبح على بصيرة بمقصدنا، ونعمل على ضوئها.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. -
[الملك ـ 22]
وعندما يحدّد الإنسان هدفًا معيّنًا، واعتقد أنّه يملك القوّة اللازمة للوصول إلى تحقيقه في مرحلة من مراحل حياته تقوى لديه الدوافع على العمل الدؤوب، والنشاط، والمثابرة، والصبر، لكي يحقّقه في نهاية الأمر، وهذا هو الإنسان الكيّس المجتهد الذي يحقّق لنفسه نجاحًا تلو النجاح. (1/103)
صفحة 104
أمّا الإنسان العاجز الذي لا يحقّق لنفسه نجاحًا في مراحل حياته، فهو الذي يسير فيها كما اتّفق، لا يخطّط لمستقبل، ولا يحدّد لنفسه هدفًا، ولا يدرس الأعمال التي يجب أن يقوم بها بالتحديد كي يحقّق لنفسه شيئًا مهمًّا في حياته.
يقول (زيج زيجلار):
«يفشل الناس أحيانا، وليس ذلك بسبب نقص القدرات، ولكن بسبب النقص في الالتزام «.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«الكيّس، (أي العاقل) من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني «. (1)
فالعاجز لا يحدّد لنفسه هدفًا بعيدًا، ومهمّا، بل يعيش لحظته، ويعيش حظوظه، وميوله، ورغباته، أما الكيّس فيحيا حياة ما بعد الموت، أي يُعِدُّ لها منذ الآن.
وتعتبر عمليّة تحديد الهدف عمليّة تفكير منطقيّة ذهنيّة، يقوم بها كلّ واحد منّا عدّة مرّات في اليوم، لأنّنا نربط تحديد الهدف، والتخطيط للوصول إليه بعدّة أشياء وأشخاص وصفات، أو أيّ شيء آخر يخطر ببالنا، ونظنّ في أغلب الأحيان أنّه سيؤثّر في السير الحثيث إلى تحقيقه.
وهذه العمليّة مستمرّة وثابتة، ونحن نأخذها كأمر مسلّم به، ولا ندرك مطلقا أنّنا نؤدّيها بهذه الطريقة.
وكثير من الناس يجدون صعوبة كبيرة في تحديد الهدف، والتخطيط المحكم لتحقيقه والوصول إليه، ولا يستطيعون إصدار الأحكام والوصول للنتائج، والتساؤل عن كيفيّة إصدار الأحكام، وما الشيء الصحيح الذي يقودنا إلى النتائج الصحيحة؟.
وعلينا أن نشير هنا إلى أنّ تحقيق الهدف ليس معناه الوصول الواجب إلى غاية ما يتمنّاه المرء، لأنّ العلماء يعتبرون تحقيق الهدف مرحلةً من المراحل السابقة لمرحلة الاستفادة من ذلك التحقيق، وجني ثمارها.
فكثير من الناس يقومون بوضع أهداف، ويجتهدون في تحقيقها إلى أقصى درجة، حتّى يصلوا إلى أقصى أمنيّة يتمنّونها، ولكن بعد ذلك قد يكون مردود ذلك سلبيّا عليهم، وعكس ما كانوا يتوقّعون.
__________
(1) أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن (1/104)
صفحة 105
ولكن حاش أن يخيّب الله - عز وجل - ظنّ عبده في تحقيق مراده بأن يحفظ كتابه، بل سيحقّق له كلّ رغباته وأهدافه التي بذل جهده للوصول إليها عن طريق حفظ كلامه الكريم.
وهل يستطيع أحد مهما أوتي من سعة علم أن يعدّد الأهداف التي نحفظ من أجلها كتاب ربّنا - عز وجل -، إنّها لا تعدّ ولا تحصى، فمنزّله - سبحانه وتعالى - هو وحده يعلم ما يضمن لقارئه وحافظه من فوائد في الناحية النفسيّة والعقليّة والجسميّة.
ويرشد العلماء كلّ إنسان يريد الوصول إلى تحقيق أهدافه أن يواجه الأمر بصراحة، لأنّ كلاًّ منّا يتقن فعلاً كلّ جوانب التفكير العقلاني المنطقي، ويقوم به بشكل تلقائي، لذلك فهو دائم التساؤل عن هذه العوامل المؤثّرة في أفعاله، والتي تجعله يصل إلى أهدافه، ولا يتوقّف عن تحليل الأفعال، وكيف توصله إلى ما يريد الوصول إليه.
ويوجد لتحديد الهدف أثر كبير في العمل والابتكار، وإلاّ فسيشعر المرء بالارتباك، ويعتبر نفسه ضعيف الذكاء، لأنّه ليس لديه فكرة إلى أين يسير، وماذا يريد تحقيقه، ونتيجة لذلك لا يدري ما هي الأعمال التي يجب عليه أن يقوم بها، ويؤدّيها، وفي النهاية يشعر بالانهزام وينسحب قبل أن يبدأ.
يقول (زيج زيجلار):
«لا يمكن أن يتحقّق لك أبدًا ما تريد طالما أنّ أهدافك عامّة، غير محدّدة، وبلا معنى «
ينبغي أن تكون الأهداف واقعيّة وقابلة للتحقيق، لذلك يجب على كلّ من يريد حفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى - أن يستغلّ كلّ مواهبه ومهاراته، وموارده الضروريّة التي يستطيع أن يوفّرها، لأنّ الفشل في تحقيق الأهداف غالبًا ما يجعلنا نشعر بعدم اللياقة، أو بمشاعر سيّئة نحو ذواتنا.
سوف ترى النتيجة عندما تؤمن بها (1/105)
صفحة 106
عند دراسة تحقيقات علماء النفس، وعلماء الذاكرة، وما توصّلوا إليه من نتائج، نستنتج أنّ كلّ واحد من عباد الله - سبحانه وتعالى - يملك قدرات منقطعة النظير، قدرات خارقة للعادة، ولكن المشكل هو أنّه لا يؤمن بأنّه يمتلكها، وما ذلك إلاّ لأنّه لم يرها بعد في واقعه المعيش، ولكن ما أن يبدأ في العمل والاجتهاد والمثابرة، ويحقّق بعض النجاحات الملموسة، والنتائج الجيّدة يتكوّن لديه الإيمان بأنّه يمتلكها، وبعد كلّ نتيجة حسنة يزداد إيمانه بذلك، وتقوى ثقته بنفسه وهكذا، فبعد كلّ نجاح تزداد الثقة، وكلّما ازداد النجاح، زادت ثقته بنفسه.
وإذا كنّا نؤمن بواقعيّة وحقيقة أفكارنا، فسنحقّق نجاحات لا مثيل لها، وإذا كان العكس، فلن نحقّق شيئا، لأنّه طبقا لما نعتقد داخل أنفسنا، فإنّنا سوف نجني الثمار الخارجيّة الواقعيّة، ولأنّ الفكرة التي نحملها عن طاقاتنا هي شيء واقعي في عقلنا، فهل يا ترى نحن نؤمن بأنّنا نمتلك طاقات وقدرات عاليّة قويّة، نستطيع أن نرقى بها إلى درجات عليا، فإذا أردنا تغيير مصيرنا، فعلينا أن نغيّر أفكارنا التي نحملها حول قدراتنا.
فقانون الحياة هو قانون الاعتقاد، فلينظر كلّ واحد منّا ماذا يعتقده حول نفسه، هل يعتقد أنّه يستطيع النجاح، أم يعتقد أنّه فاشل، لا يستطيع ذلك.
إنّ الاعتقاد بأنّ لدينا قدرات تنتظر منّا أن نستغلّها استغلالاً حسنًا إيجابيًّا، والعمل على تنميّتها في الواقع، يجعلنا نتقدّم ونتطوّر في مهاراتنا دون عناء يذكر، ويسمّي العلماء مثل هذا الاستغلال وتحقيق النتائج بـ:
ــ السريان الطبيعي للأمور، وهو سبب كاف ليجعل مثل هذا الاعتقاد حقيقيًّا بالنسبة لكلّ واحد من عباد الله - عز وجل -. (1/106)
صفحة 107
ــ وبالتعبير الديني الإسلامي نستطيع أن نسمّي هذا السريان بأنّه توفيق من الله - سبحانه وتعالى -، واهب هذه النعم، لأنّ هذه القدرات التي نحقّق بها مختلف الأعمال واستغلالها هبة منه كذلك، وكلّما استغلّها صاحبها، فهو يشكرها، وكلّما شكرها باستغلالها تزداد نتائجها.
والله - سبحانه وتعالى - يقول: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. -[إبراهيم ـ 7]
إنّ الاستمرار في الحركة في اتّجاه من الانسجام والتوافق والحبّ للنفس وللآخرين، والسير في الاتّجاه السليم، وقول ـ نعم ـ للحياة، والوثوق في قدراتنا التي وهبها لنا ربّنا - عز وجل -، يجعل كلّ شيء في حياتنا يصبح متوازنًا وتامًّا.
ألا يمكن لنا أن نعتبر هذا التوازن والانسجام هو تعرّض لنفحات ربّنا التي قد كتبها وقدّرها لنا في الأزل، لأنّه لا شيء يسير بطريقة عشوائيّة في هذه الحياة، وهذا ما يجب علينا أن نعتقده ونؤمن به، وذلك ما يعبّر عنه في العقيدة بالإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشرّه.
فعن عبد الله بن مسعودـ - رضي الله عنه - ـ قال: حدّثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق:
«إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يومًا نطفةً، ثمّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمّ يكون مضغةً مثل ذلك، ثمّ يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقيّ، أو سعيد «. (1)
فإذا أردنا حفظ كلام ربّنا - عز وجل - حفظًا جيّدًا، فما علينا إلاّ أن نفكّر في ذلك بانتظام ونجعله مركز اهتمامنا ومحور محادثاتنا وحواراتنا، ولا شكّ ولا ريب أنّه سوف نرى الكثير من ذلك في واقع حياتنا.
علينا أن نفكّر فيه دائمًا، ونتحدّث فيه مع الآخرين من حولنا، وأن نجعل تصرّفاتنا قائمةً على إيماننا بذلك، والتأكّد بأنّنا سوف نراه عندما نؤمن به.
__________
(1) أخرجه البخاري (3208) ومسلم (2643) (1/107)
صفحة 108
إنّ معظم الناس في هذا الكون يستعملون تفكيرهم في التفكير العكسي لهذه القاعدة، وهي: سوف أؤمن به عندما أراه.
إنّه يجب علينا جميعا أن نميل إلى التفكير في الأشياء التي نريد تحقيقها في حياتنا، ونعمل باستمرار، ونؤمن بأنّنا قادرون على تحقيقها، وندع المخاوف جانبًا، وبذلك سوف نكتشف أشياء عن أنفسنا ربّما لم نفكّر فيها فيما مضى.
إنّ النجاح والفوز الذي نريد أن نصل إليه موجود بداخلنا، وعلينا أن نؤمن بأنّه متأصّل فينا، ولن يأتي إلينا من مكان آخر، أو أن يهدى إلينا من أحد عناصر مجتمعنا.
قال (مارك توين): «لا تقل إنّ العالم يدين لك بسبل العيش، إنّه لا يكفل لك شيئًا، فلا تلق عليه بالمسئوليّة، فهو مخلوق قبلك «.
وعندما نؤمن بوجود هذه القوّة وهذه القدرات، فإنّنا سوف نتخلّص من كثير من الصراعات والمواجهات التي لسنا بحاجة إليها، وسوف نبدأ بالاستفادة من القوّة العظيمة التي هي كامنة داخل عقلنا، وسوف نتأمّل السير إلى أهدافنا في هدوء، وسنكون نحن أنفسنا عبارة عن عقل هادئ، نختار الوصول إلى أهدافنا، ونكوّن اعتقادًا داخل أنفسنا بأنّه يمكن لنا تحقيق كثير من الأشياء ونصل إليها.
«إنّنا نحتاج إلى التعرّف على القوّة الهائلة التي تكمن بداخلنا، والتي لا يمكننا استخدامها طالما أنّنا نشعر بكوننا ضحايا «.
وقد ضرب الله - سبحانه وتعالى - لنا مثالاً من الطبيعة والأشجار الموجودة من حولنا فنحن نرى الأرض تخضرّ من حولنا، وتنبث من كلّ زوج بهيج، والأشجار تورق وتخضرّ وتبتهج بأوراقها الجديدة الخضراء، وأزهارها المختلفة الألوان، وثمارها اليانعة الطيّبة، فأين كانت تكمن كلّ تلك القوى المختلفة، لقد كانت داخلها نفسها، حيث كست الأشجار بأثواب خضراء، وجعلتها في شكلها البهيج بعد أن كانت عبارة عن أغصان عارية، ما كان يظنّ أحد أن تصبح على ذلك الشكل. (1/108)
صفحة 109
فمثل هذه القوّة والطاقة موجودة داخل نفوسنا، ونحن نحملها، ولا تنتظر منّا إلاّ نؤمن بأنّها موجودة كي نستغلّها استغلالاً حسنًا، فكما أنّ الأشجار تحتوي على قوّة الحياة داخلها، فكذلك الإنسان يحتوي على قوّة النجاح والتفوّق داخل نفسه، والشيء الوحيد الذي ينقصه هو الإيمان بأنّها موجودة.
فإذا آمنّا حقًّا بأنّ ما نفعله هو الذي يحدّد جوهرنا، فسوف نبذل مجهودات لا حدود لها لكي نحقّق ذلك الجوهر، وإذا أردنا أن يكون جوهرنا هو كلام ربّنا النور المبين، فسنجد راحةً وطمأنينةً في بذل ذلك المجهود الكبير لحفظ القرآن الكريم، ولن نشعر بتعب أو قلق ونحن نقدّم تلك المجهودات، لأنّ كلام ربّنا نور ينير لنا بصائرنا، ويقوّي لنا معنويات نفوسنا، ويملؤها بالقوّة الروحيّة، وعند ذلك لا نشعر بأيّ تعب إزاء العمل الذي نبذله لحفظ كلام ربّنا.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}. -
[النساء ـ 174]
{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}. - ... [المائدة ـ 15]
فعندما نؤمن بهذا المبدأ، فإنّه سيتطوّر لدينا نوع جديد من الذكاء دون جهد أو تعب منّا، وسيفتح الله - صلى الله عليه وسلم - علينا مفاهيم جديدة لم نكن نظنّ أن نصل إليها من قبل، والتي كانت تبدو لنا في وقت من الأوقات غير واضحة، وسنستمتع بالحفظ والاستيعاب، ويتولّد داخل أنفسنا اهتمام جديد وقويّ لم نكن نجده في نفوسنا من قبل، كما أنّ مهارة الحفظ ستبدو لدينا مناسبة لمستوى استعداداتنا العقليّة، والتي كنّا نظنّ من قبل أنّنا لا نملكها.
إنّ هذا الاعتقاد وهذا الإيمان سوف يفتح لدينا مدارك واسعة لعمليّات الحفظ والاستيعاب، لأنّ رؤيتنا الخاصّة التي أصبحنا ننظر بها إلى أنفسنا قد أصبحت واضحة، ولأنّ الاعتقادات الخاطئة في مواهبنا هي التي كانت تحجب عنّا تلك الرؤية فيما مضى من الأيّام. (1/109)
صفحة 110
وسوف نلمس تحوّلاً إيجابيًّا شديدًا في قوانا الذهنيّة، لأنّ الاعتقاد الخاطئ الذي كنّا نعتقده من قبل لم يصبح يسيطر على توجّهاتنا، ولم يعد يخفي تلك الطاقات التي وهبها لنا ربّنا - عز وجل -، وهذا شيء رائع أن نعيش حياتنا وفقًا لما هو حقيقي، وما نملكه من قدرات متأصّلة داخل نفسنا.
إنّ وعينا الذاتي وإدراكنا للحياة وحقيقتها سيزداد لدينا، لأنّنا سنمارس نوعًا أعلى من مستويات الطاقة التي كنّا نبذلها من قبل أن نكتشف تلك القوى الهائلة التي نملكها، والتي كنّا قد أهملناها من قبل دون شعور منّا، ودون إدراك لها.
إنّنا نهمل كثيرًا من القدرات الإنسانيّة التي نملكها، ولا نستغلّها، ثمّ بعد مدّة من ذلك الإهمال نفقدها، وما ذلك إلاّ لأنّنا عجزنا عن إدراك حقيقتها وتنميّتها وتطويرها كي نحافظ عليها.
لقد منح الله - سبحانه وتعالى - كلّ واحد منّا مواهب فطريّة دائمة مع جهد داخليّ قويّ لتحويلها إلى مواطن قوّة، واستخدامها في مواصلة أعمال وأشياء تمثّل لنا أهميّة خاصّة، فكلّ واحد منّا باستطاعته أن يكشف ويستخدم مواهبه الفريدة والكبيرة، ويواصل عبر السنين تعزيز مواطن القوّة الجديدة لديه، ويقدّم الأفضل ممّا لديه، والذي يعتبر فريدًا من نوعه.
لقد أثبتت البحوث العالميّة على مدار أربعين سنة مضت، والتي أجريت على ما يقرب من مليوني شخص أنّه يمكننا القيام بأيّ شيء بصورة مرضيّة بمجرّد الإيمان بأنّنا نستطيع القيام به، وهذا يعتبر من المواهب الفرديّة، والشيء الوحيد الذي ينقصنا ونحتاج إليه هو أن نكتشفها وننمّيها لتصير مواطن قوّة يمكن تحقيق أقصى استفادة منها. (1/110)
صفحة 111
إنّ المواهب العبقريّة تكمن داخل كلّ واحد منّا، ولكن الشيء الذي جعلها لا تظهر، ولا تكتشف هو عدم تركيزنا بشدّة على محاولة إصلاح نقاط ضعفنا التي يمكن تشبيهها باقتلاع الحشائش الضارّة فقط، وعدم اهتمامنا من جهة أخرى بغرس ما يلزم من النباتات الصالحة التي ستؤتي أكلها بعد حين بإذن ربّها، لدرجة أنّنا نفشل في زراعة حديقة عظيمة، وتلك النباتات هي عبارة عن المهارات المتعدّدة التي يجب أن نهتمّ بها، ونتعلّمها.
والمواهب التي نمتلكها هي عبارة عن نماذج فطريّة طبيعيّة من التفكير والشعور، أو السلوك، يمكن تعزيزها من خلال الإيمان بها بأنّها موجودة، وأنّنا نمتلكها، ومن خلال المعرفة والمهارات والتجارب الجديدة، فالمهارات على سبيل المثال تكشف عمّا إذا كان بإمكاننا أن نفعل شيئًا ما، بينما تكشف الموهبة عن مدى كفاءتنا في القيام بها مرّات متعدّدة، فالموهبة غريزيّة ودائمة، بينما المعرفة والمهارات، التي تظهر لنا نقاط القوّة التي نمتلكها، يمكن اكتسابها عبر التعلّم والتطبيق.
ومع الوقت والعمل والاجتهاد والمثابرة يمكن تنميّة الموهبة إلى موطن القوّة كأداء شبه كامل ومتواصل، فالتواصل هنا هو القدرة على التألّق الدائم، وهو أمر حيوي.
التحفيز
يلعب التحفيز دوراً رئيسيّاً في تنميّة وتقويّة مهارات وقدرات الأشخاص، وربّما يعتقد بعض الناس أنّ التحفيز لا يكون إلاّ من جهة إلى جهة أخرى، في حين أنّ التحفيز يكون كذلك من الشخص نحو نفسه.
يقول (باراماهانسا):
«يمكنك فهم أشعّة البهجة الروحيّة إذا جعلت انتباهك داخليّاً، ويمكنك امتلاك مثل هذه المفاهيم عن طريق تدريب عقلك على الاستمتاع بالمشهد الجميل للأفكار في المملكة غير المرئيّة، وغير الملموسة الموجودة داخلك «. (1/111)
صفحة 112
إنّ الإنسان الذكيّ العبقريّ الذي يريد أن ينجح بحقّ في حفظه لكتاب ربّه - عز وجل -، هو الذي يستمتع بقلب متفتّح للملكات والقدرات الموجودة داخل نفسه، والتي سخّرها له ربّه - سبحانه وتعالى -، ووهبها له، ولا يمكنه أن يفعل ذلك إلاّ بتحفيز نفسه مرّة بعد أخرى، لأنّ ذلك يجعل تلك المهارات تنمو، وتقوى بصفة حسنة.
فعلى كلّ من يرغب في النجاح بحقّ أن يحفّز نفسه، بأن يكرّر في كلّ مرّة، أنا أحبّ ذاتي، أنا إنسان ناجح، وذلك ثلاث مرّات على الأقلّ كلّ صباح، وقبل الذهاب إلى النوم، فإذا داوم على ذلك، فسوف يزداد نجاحه مرّة بعد أخرى.
إنّ ذلك التحفيز يعتبر نوعاً من الشكر يقدّمه الشخص لنفسه، وكلّما زاد لها في الشكر، يزداد اكتشافه للمهارات والقدرات التي كانت مختفيّة داخلها، وإذا كان لا يملك القدرة على التعبير عن شكر نفسه، فيمكنه اصطناع ذلك، حتّى يألفه، ويصبح قادراً على تحقيقه بشكل إيجابيّ.
إنّ هذا التحفيز للنفس وممارسة الامتنان بوعي وبثبات نحوها، يمكّن من المحافظة على تدفّق التيار الروحي القويّ الموجود داخلها، وسيجدها شاكرة له كلّ ذلك بما سيحقّقه من نجاحات ونتائج حسنة، وبعد وقت قصير سوف يبدأ بالاستمتاع بمجرّد تقديم مثل ذلك التحفيز لنفسه.
لقد اتّفق علماء التربيّة بأنّ للثواب نتائج حسنة في توجيه سلوك الشخص، وفيه فعاليّة إيجابيّة للتحكّم في سلوكه، وحدّدوا شروطا لذلك.
1ــ حبّ النفس لأسلوب التحفيز، وإذا لم تفلح المكافأة في تدعيم السلوك، ولم ترغب النفس فيه، فيجب أن يبحث الشخص عن ثواب آخر.
2ــ يجب تغيير حجم التحفيز بين مدّة وأخرى، وأن لا تحصل عليه النفس بمقادير كبيرة مرّة واحدة، كي ترضى بنوع الثواب، ونترك دائما مجالاً للزيادة فيه، من حين لآخر. (1/112)
صفحة 113
ويجب أن تتناسب المكافأة مع اهتمامات النفس، وحاجاتها، مع عدم الإفراط في المكافآت المادّية، ويمكن للشخص خاصّة أن يتّفق مع نفسه على المكافأة التي سيقدّمها لها، عندما تحفظ حصّةً معيّنةً ومحدّدةً.
ويرى المختصّون التربويّون بأنّ الثواب المعنوي أفضل من الثواب المادّي، لأنّ المعنوي يتيح للنفس أن تبني وجدانها وضميرها، ويقوّي فيها الثقة، ويصوّب أخلاقها، ويشعرها بأنّها قد أحسنت في تأديّة عملها، وأنّها قادرة على الزيادة في الإتقان.
أمّا الثواب المادّي فيعلّم النفس مبدأ الحصول على المنفعة، ويزداد حرصها على الاستزادة من تلك الأشياء المادّية، مثل الهدايا والنقود، فيخرج معنى الثواب عن الهدف الذي نريد أن نتحصّل عليه من خلاله، ولا يؤدّي المقصد الذي نرمي إليه، ويصبح لدى النفس غايةً، بدلاً من أن يكون وسيلةً، كما أنّه يجب أن لا تثاب النفس على واجب من الواجبات التي يجب عليها القيام بها.
إنّ تحفيز العقل بعد كلّ إنجاز أنجره، يجعله يستريح لذلك العمل، ويستعدّ بقوى جديدة لإنجاز أعمال أخرى متعدّدة نتمنّى إنجازها في الأيّام المقبلة من حياتنا، فالتحفيز هو الذي يمكّن من تدفّق الأفكار التي نصل بها إلى تحقيق أهداف أخرى مهمّة، لأنّه يشحّذ العقل ويسمح له بالتعمّق أثناء دراسة أيّة مسألة.
وعمليّة تحفيز العقل ببعض الأعمال التي نقوم بها بعد كلّ عمل ننجح فيه بصفة إيجابيّة، يجعله يظهر ما لديه من قدرات هائلة للتغلّب على أعظم تحدّيات الحياة، فيحقّق نتائج باهرة لم نكن نحلم بها من قبل، والتحفيز يجعل العقل يرقى بأدائه إلى أرقى الدرجات، كما يجعله يخترق حواجز الخوف والكسل، ويجلب الطمأنينة وراحة البال. (1/113)
صفحة 114
فهو يملأ النفس ثقة، والثقة بالنفس تنمو وتزداد بالتطبيق، وليس بمجرّد التفكير، فالأفعال هي وحدها التي تولّد النتائج، والاعتقاد في النجاح يبدأ من داخل النفس وليس من خارجها، وذلك بما نملؤها من مختلف الأفكار الإيجابيّة التي تنتج عن التحفيز الذي نقدّمه لعقلنا بعد كلّ نجاح نتحصّل عليه، ويكتشف أنّه يمتلك قدرات أكبر وأفضل، وأنّه لم يكن يعرف أنّ بداخله كلّ هذا الخير.
يقول الباحث (كيلي لونبار) في مجلّة العقل والبسيكولوحيا: (1)
«إنّ عقلنا قد فطر على برمجة حبّ الفرح والسرور بعد كلّ عمل يقوم به، وهو مفطور على الشعور بإحساس عميق من الرضا حين ينجز عملاً بطريقة ناجحة «.
إنّ مثل هذا الشعور يجلب إليه مصادر لازمة لمتابعة الحياة الإيجابيّة المتوازنة، وهذا ما يسمّى بالتحفيز المرتبط بالمجهود.
يقول علماء الذاكرة:
«إنّه كلّما تعلّمت أكثر، أصبح من السهل عليك تعلّم المزيد «.
يقول (إدوارد ويجام):
«أقوى صورة بداخلك هي صورتك العقليّة عن ذاتك «.
بعض أنواع المكافآت
لقد وضع بعض المختصّين أشياء يستحسن أن تقدّم كمكافأة للنفس بعد قيامها بما طالبناها به، ويستطيع كلّ شخص أن يقدّمها لنفسه تماماً كما يقدّمها لأيّ شخص آخر، لأنّ العلماء يوصون كلّ من يريد تحقيق النجاح أن يجازي نفسه، ويقدّم لها بعض الهدايا، سواء معنويّة أو مادّية، لأنّ عقل الإنسان يعمل بصفة أحسن ويزيد من قوّة استيعابه كلّما كانت النفس فرحةً مسرورةً بما يقدّم لها من التحفيزات والتشجيعات المختلفة، وفي موضوعنا هنا، يختصّ بحفظ بعض الآيات التي حدّدناها، أو السورة التي انتهينا من حفظها، ومن هذه التحفيزات:
__________
(1) من مجلّة سيرفو بسيكو رقم: 30 ديسمبر 2008. (1/114)
صفحة 115
1ــ الدعاء لها بالخير والنجاح والتفوّق، وذلك ممّا يشجّعها، ويجعلها تشعر بأهميّة الدعاء وقيمته وتأثيره في النفس، وقد لاحظ العلماء النفسانيّون بأنّ النفس يمكن أن تستوعب أنّ الدعاء شيء مهمّ، وأنّ صاحبها يقدّمه لها كمكافأة على حسن أدائها، وقيامها بما هو جيّد.
2ــ التلفّظ ببعض الكلمات الحسنة التي تبعث في النفس السرور والانشراح، وتغرس فيها معاني تلك الكلمات، لأنّ ذلك سيجعلها تشعر بأنّ لها قيمة ومكانة في هذا الوجود، وبين عناصر المجتمع.
3ــ الكلمة الطيّبة، ولهذا المعنى نجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحثّ ويرغّب في الكلمة الطيّبة التي يجب أن تصدر من المسلم نحو جميع خلق الله - سبحانه وتعالى -، حيث يقول: «والكلمة الطيّبة صدقة «، خاصّة إذا كانت لترغيب النفس على حفظ كتاب الله - عز وجل -، فذلك هو الفضل العظيم.
وذلك مثل: الدعاء بالخير والهداية والإعانة، أحسنت، بارك الله فيك، جزاك الله خيراً، وهذا هو سلوك الأذكياء، هكذا يجب أن تكون النفس المهذّّبة والمثابرة والمنظّمة، وغير ذلك من الكلمات التي تبعث النشاط والعزيمة فيها.
4ــ المدح والثناء عليها، وبذلك يزداد فرحها ونشاطها وعملها.
5ــ كما يجب أن تكون الهديّة المادّية متناسبة مع مقدار المجهود المطلوب أداؤه من النفس، ويستحسن أن تكون من الأشياء المشاهدة دائماً كساعة أو أيّ شيء آخر ذات أهميّة.
وإذا كانت البيئة غنيّة بالمؤثّرات التي تحفّز خلايا المخّ، وتزيد في عدد الروابط التي تصل الخلايا العقليّة ببعضها، فستزيد من تحقيق أهداف كثيرة، والبيئة هي أهمّ الأسباب لزيادة الذكاء عند من يداوم على مثل هذه التحفيزات، وكتاب الله - عز وجل - القرآن الكريم يوفّر لمن يتعامل معه مثل تلك المؤثّرات والمحفّزات.
6ــ ويمكن تشجيع النفس بتقديم جائزة بعد كلّ استظهار تؤدّيه بإتقان، وتكون عبارة عن شيء بسيط، مثل علبة شكولاطة، قارورة عطر، وما شابه ذلك. (1/115)
صفحة 116
واهتمامنا بالقرآن الكريم، وتعهّده، ومراجعة ما حفظناه من الآيات، يعين على رسوخه في الذهن، ويحثّ النفس على المحافظة عليه، ويجعلها لا تغفل عن المراجعة الدّائمة والمستمرّة، خاصّة إذا كان ذلك بصوت حسن جيّد، وما أحسن ذلك إذا كان قبل النوم.
الفصل السابع
التفاؤل والثقة بالنفس
يقول (ماكسويل مالتز):
«كلّ إنسان خلقه الله بطريقة تؤهّله لأن يكون ناجحًا «.
تعدّ الثقة بالنفس مقوّمًا أساسيًّا لكلّ شخص يريد أن يحظى بالنجاح المستمرّ، وهذه الثقة هي شيء غير مرئي، وليس لها تقدير نستطيع أن نقدّرها به، ولكن ربّما نقول بأنّها هي الأساس في نجاح الشخص، أو عدم نجاحه.
وتعتبر الثقة بالنفس عادة من العادات التي تتشكّل من العديد من المصادر النفسيّة والمحيط الاجتماعي، ولدى كلّ إنسان العديد من الطرق يستطيع أن يزيد بها مستوى ثقته بنفسه، وإيمانه بأنّه قادر على تحقيق أهداف كبيرة.
وتتكوّن الثقة بالنفس لدى الإنسان من خلال التنشئة الاجتماعيّة القائمة من حوله، مثل الأسرة والبيئة التي تحيط به، لأنّ للبيئة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الذات، كما أنّه لا يكتسب الثقة بنفسه، أو لا تتكوّن لديه عن طريق اكتساب الخبرات المتنوّعة والمختلفة، كما يكتسبها عن طريق المقاومة التي تكوّنت فيه، والتغلّب على المواقف الصعبة التي يتعرّض لها، وعلى حسب درجة المقاومة التي يملكها تقوى أو تضعف ثقته بنفسه.
وترتبط الثقة بالنفس ارتباطًا وثيقًا بنموّ الإنسان بدنيًّا وعقليًّّا واجتماعيًّا، والشخصيّة الإنسانيّة تعتمد اعتمادًا جذريًّا على المعتقدات، ونتيجة لذلك فإذا استطعنا أن نغيّر معتقداتنا، استطعنا تغيير قدراتنا وأفعالنا، وبالتالي نقوّي من ثقتنا بنفسنا، وبذلك نصل إلى تحقيق أهداف عاليّة، كنّا نعتقد من قبل أنّنا لا نستطيع الوصول إليها. (1/116)
صفحة 117
وعندما يشعر الإنسان بأنّه غير كفء لمواجهة المواقف المختلفة التي يواجهها يؤدّي به شعوره ذلك إلى فقدان ثقته بنفسه وبالآخرين وبالبيئة المحيطة به.
وبنفس التقنيّة، ونفس التصوّر يعمل العقل في الحفظ والاستيعاب، أو يضعف مدى استثمار تلك القوّة التفكيريّة من طرف صاحبها، فالناس كلّهم سواسيّة في القوى العقليّة تقريبًا، ولهم جهاز متشابه بنفس الخلايا وبنفس الأعصاب، ولكن التصوّر الذي يبنيه كلّ واحد منهم عن عقله هو الذي يحدّد قوّة أو ضعف استيعابه وحفظه، وتذكّره للمعلومات فيما بعد.
إنّ الذي يحكم على نفسه سلفًا بالعجز والفشل وعدم الحفظ والاستيعاب، يستحيل عليه أن يستوعب ما يريد حفظه، لأنّه لا يؤمن بأيّ اكتشاف ذاتي يتوصّل إليه.
يقول (إيريك نيرن):
«نولد أمراء، ثمّ نتحوّل بالأسلوب المتّبع في تربيّتنا إلى ضفادع «.
ويقول (إمرسون):
«الرجال السطحيّون يؤمنون بالحظّ، أمّا الأقوياء يؤمنون بالسبب والنتيجة «.
والثقة بالنفس تنفع صاحبها في مواجهة الصعاب والمصائب والمشكلات التي يجدها في مختلف مراحل الحياة، لأنّه يكتسب رؤيةً بعيدةً راشدةً، ويعرف السنن الإلهيّة التي تلهم وتعين أمثال هؤلاء الناس، فيكيّف ظروفه لمواجهة تلك الظروف وحلّ تلك المشكلات بصفة إيجابيّة دون أن يحدث ضعفًا في قوّته التي اكتسبها على مدى الأيّام.
إنّ التعلّم والتثقّف من الأعمال التي تقوّي وتعزّز الثقة بالنفس، لأنّ ذلك يعين الشخص على اكتشاف قدراته ومهاراته، فكلّما زاد في التحصيل والتعلّم أحسّ بأنّه قويّ ومطلّع، وأنّه يستطيع تحقيق أهداف عاليّة ما كان يحلم بها.
وبالتعلّم وسعة الاطّلاع فإنّ معرفتنا تتوسّع، وتزداد خبراتنا، ممّا يتكوّن لدينا طرق متعدّدة لحلّ بعض المشاكل، ويعيننا على التغلّب على مخاوفنا التي تقف في طريق تحقيق أهدافنا.
يقول (جيم وايتيكر):
«لا يمكننا أن نغزو الجبل أبدا قبل أن نتمكّن من غزو مخاوفنا الذاتيّة «. (1/117)
صفحة 118
وقد بدأ الله - سبحانه وتعالى - كتابه بالأمر بالقراءة والتعلّم، وما ذلك لأنّه يعلم - عز وجل - بأنّ هذه النفس البشريّة التي خلقها لا تكتشف طاقاتها، ولا تسير في طريق النجاح إلاّ بالتعلّم والقراءة والتثقيف، فأمر نبيّه - صلى الله عليه وسلم - أوّل ما أمره بالقراءة.
يقول العلماء: «إنّ النقص في الثقة بالنفس يؤدّي بصاحبها إلى ذاكرة غير منتظمة «.
فكيف يستطيع الذي يملك هذه الذاكرة أن يحفظ كتاب ربّه الكريم، ذا القيمة العظيمة الذي يحتاج إلى قوّة عزيمة، ومثابرة وصبر وثبات.
فعلى من يريد تحقيق ذلك أن يفكّر في النجاح، ويعتقد أنّه يملك أسسه، وأن يقتدي بسيرة الناجحين الذي حقّقوا أهدافًا مثل التي يريد تحقيقها، مع المحافظة على الصلاة والدعاء والتوكّل على الله أحسن التوّكل، فبذلك يمدّ نفسه بالطمأنينة والسكينة، ويذهب عنها الخوف من المستقبل، ويمدّها بطاقة روحيّة، لا يعلم قوّتها إلاّ ربّنا - سبحانه وتعالى -.
فعندما يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، يصبح في درجة من الحفظ، لأنّه يتوكّل على ربّه - عز وجل -، ويعتمد عليه - جل جلاله - وهو في أوجّ قوتّه، وأوجّ صحّته، وأوجّ علمه، فالعاقل يجب أن يكون على هذه الحال، بحيث إذا أقدم على أيّ عمل يقول:
«اللّهم إنّي تبرّأت من حولي وقوّتي، والتجأت إلى حولك وقوّتك، ياذا القوّة المتين «.
والثقة بالنفس وقوّة الإنجاز تأتي من ربط الذهن والفكر بشكل مركّز، وبصفة دائمة بما نريد إنجازه وتحقيقه، وبإبعاد أنفسنا عن الشواغل المختلفة والقلق، ثمّ بناء توجّهات إيجابيّة تدفع بصاحبها إلى الصعود في سلّم النجاح بكلّ سهولة.
التردّد والتسويف يضعف الثقة بالنفس (1/118)
صفحة 119
إنّ الإنسان الذي يعاني من ضعف الثقة بالنفس يتردّد كثيرا، ويتسوّف في إنجاز كثير من الأعمال التي يستطيع أن ينجزها بكلّ قوّة وإقدام، وهذا التردّد والتسويف لا ينتج إلاّ من شيء واحد، وهو عدم إيمانه القويّ والحقيقي بأنّه قادر على إنجاز ذلك العمل الذي يريد تحقيقه.
وإذا ركّز الإنسان على التفكير السلبي، يحكم على نفسه بالفشل والضعف، ويتصوّر بأنّه غير قادر على القيام بشيء أمام ما يقوم به الآخرون، وسوف يستحوذ ويسيطر عليه كلّما أراد إنجاز عمل من الأعمال، ويحول دون وصوله إلى كثير من الأهداف، حتّى تصبح تلك الأوهام حقائق، فيصاب بالفشل، وذلك ما يريد الشيطان أن يحقّقه مع عباد الله أجمعين.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}. -[النور ـ 21]
وقد ذكر بعض العلماء أنّ التردّد والتسويف من خطوات الشيطان، فإذا كان الشيطان يقوم بذلك مع ابن آدم في كثير من الأعمال، فكيف به إذا كان هذا العمل هو حفظ القرآن الكريم، ففي هذا العمل سيأتي لابن آدم من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، حتّى يفسد عليه هذا العمل الفاضل الكريم، خاصّة كما نعلم أنّ في حفظ القرآن الكريم أجرًا كبيرًا مضاعفًا.
قال (ابن عطاء السكندري): (1)
«إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس «.
قال في المنجد: رعن، رعنًا، ورعُن، رعونةً: حمق، وكان أهوج في كلامه، فهو أرعن.
قال (الشيخ رمضان البوطي) في شرح هذه الحكمة العطائيّة:
«يقول أحدهم، وقد انهمك في مشروعه التجاري، أو في الملاهي، أو النوم والراحة، حين يذكّر بوضع منهاج دراسي خفيف، والتقيّد به، بحيث يحفظ من خلاله كلام ربّه - عز وجل -، ويحافظ على تلاوته كما أمره ربّه - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويتعلّم دينه وعقيدته، ويتفقّه في أحكام الدين، يكون جوابه:
__________
(1) الحكم العطائيّة، شرح وتحليل، جزء: 1، ص:264. (1/119)
صفحة 120
إنّني قد وضعت هذا الذي تقول في برنامج أعمالي، وأدرجته في قائمة الأولويات، وذلك حين أنتهي من مشروع أو اثنين.
يقول: إنّني في الحقيقة أنتظر أن أتفرّغ بعض الوقت، ولكن هذا المشروع أو ذاك قد أخذ منّي كلّ أوقاتي، ولم يترك لي بعضًا منه، كي اهتمّ بحفظ القرآن الكريم، ولأنّني إذا ما تركت هذا المشروع، ولم أكمله، فستتغيّر الأوضاع، وترتفع الأسعار، وربّما تنفذ السلع من السوق، والزبائن يذهبون إلى غيري، إلى غير ذلك من الأعذار التي يقدّمها بين يديه، كي يبرّر تأخّره في حفظ كلام ربّه - عز وجل -.
ويجيبك آخر بيني وبين التقاعد ثلاث سنوات أو أربع، وفور تقاعدي سوف أقصد بيت الله الحرام، وأزور الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأطلب ربّي - عز وجل - في ذلك الموضع كي يوفّقني ويعينني على حفظ كلامه، وعلى المداومة على عمارة المسجد، وأداء الصلاة مع الجماعة، ولسوف تجدني في الصفّ الأوّل في المسجد عند كلّ صلاة، وسأداوم على النهوض إلى أداء صلاة الصبح مع الجماعة «.
ويقول آخر: «إنّني شديد الرغبة في حفظ كلام ربّي - عز وجل - وفي تدبّره وفهمه، والمحافظة على تلاوته، وبمجرّد أن أتقاعد فسيكون ذلك أوّل مشروع أقوم به.
وإذا سألته: ولماذا لا تبدأ المسير من الآن، ولو بمجهود قليل، وبنصيب من وقتك، أجابك بكلّ حماسة واندفاع، وهو واثق بنفسه بأنّه سيقوم بذلك بكلّ إخلاص، وسيتفرّغ لذلك بكامل أوقاته، ويبذل في ذلك كلّ مجهوده «.
إنّ الحلّ الأمثل للتسويف هو تحديد الأجل، ولن نحقّق الأهداف التي نودّ تحقيقها إلاّ بقطع المسافة المناسبة لذلك. (1/120)
صفحة 121
فنقول لهؤلاء: لماذا أنتم مهتمّون بأمور معاشكم، وتبذلون في سبيل ذلك كلّ مجهودكم، وأوقاتكم، في حين أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد ضمنها، وقدّرها، وتسوّفون في الاجتهاد في أداء واجبات ربّكم بشيء من الجدّ والنشاط، ولا تهتمّون بحفظ كلامه - عز وجل - وأنتم في كامل قوّتكم العقليّة والفكريّة، والله - سبحانه وتعالى - قد خاطب نبيّه محمّدًا - صلى الله عليه وسلم - وأرشده إلى الاهتمام بالعبادات، وعدم النظر إلى زخارف الحياة، وأنّه - عز وجل - هو الذي يرزق عباده، وإنّما الشيء الوحيد الذي يطلبه منهم هو الاهتمام بطاعته وأداء الواجبات المفروضة عليهم. فقال - عز وجل -:
{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}. - ... [طه ـ 132]
وقال في سورة الذاريات:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}. - ... [الذاريات ـ 56ـ57]
يقول (ابن عطاء) في حكمة من حكمه: (1)
«اجتهادك فيما ضُمن لك، وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك «.
فكم من إنسان سوّل له الشيطان، وأملى له بأنّه ما زال في ريعان الشباب، وأنّه يجب عليه أن يلتفت أوّلاً إلى جمع ثروة يضمن بها مستقبله المادّي في هذه الحياة، ولكن كان له الأجل بالمرصاد، ولم يعلم بأنّ الموت ملاقيه عند كلّ منعرج من منعرجات الحياة.
وعندما تسأل أحدهم متى سيداوم على تحقيق عمل ديني من الالتزام بصلاة الصبح مع الجماعة مثلاً، فيكون الردّ التقليدي بكلّ بساطة على سبيل التسويف، نحو: في وقت لاحق، أو غدًا، أو عندما أنتهي من كذا وكذا.
__________
(1) شرح وتحليل الحكم العطائية، جزء:1، ص:81. (1/121)
صفحة 122
وفي النهاية سوف تكون له وقفة مع نفسه، ويقول: واحسرتاه، لقد ضيّعت حياتي سدى.
فهذا الذي يخطّط لنفسه مثل هذا المخطّط الذي يبني فيه أمانيه على مستقبل يجهله، فمن أين ضمن لنفسه أنّه سيعيش إلى أن يفرغ من مشاريعه المختلفة، وأن يحقّق أحلامه الواسعة، أو أن يبقى إلى أن يتقاعد من وظيفته؟
ومن الذي أخبره أنّه سيبقى حيًّا يرزق إلى الأمد الذي حدّّّّّده لنفسه بنفسه؟، وهل سيبقى في صحّة جيّدة، وسيتمتّع بعقله كاملاً إلى تلك اللحظات، أليس هذا كلّه إملاء من الشيطان الذي لا يريد له أن يسير في طريق الله - سبحانه وتعالى -، لأنّه يحسده على ذلك.
وكم من إنسان مدّ له الشيطان جسورًا من الآمال، وصرفه عن التفكير في اللحظات التي يعيش فيها، فلم يستطع استغلالها واستثمارها استغلالاً حسنًا، ولم يربح من القوى المختلفة التي وهبها له ربّه - سبحانه وتعالى -، فجاءه الموت على حين غفلة منه، حتّى أصبح ينادي.
{رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا}. -
[الأنبياء ـ 100]
ويقول:
{رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}. -
[المنافقون ـ 10]
وهنا يجب علينا أن نتساءل: لماذا لا يجعل الناس هذا التسويف فيما يخصّ مشاريعهم الدنيويّة المادّية، بل يجعلونه في الأعمال الخيريّة والأخرويّة التي ينالون بها رضا ربّهم ورحمته وجنّته، أليس هذا دليل قويّ وقاطع على أنّ هذا من وسوسة الشيطان، وخطواته. (1/122)
صفحة 123
فربّما تجد الواحد منهم يضحّي بعامين أو أكثر في تعلّم لغة أجنبيّة كي يتخصّص في علم من العلوم التي هي مدوّنة بتلك اللغة، وليفتح بها أبواب الوظيفة الدنيويّة، ويصعد مراتب التعيين فيها، أفلا يحقّ للمسلم الموقن بالبعث والحساب الآخر أن يضحّي ببعض الوقت ليتعلّم لغة الآخرة التي سيتكلّم بها مع ربّه - عز وجل -، وتكون هي اللغة التي تفتح له أبواب الجنّة، ويصعد بها أعلى الدرجات.
ولكن نقول لهؤلاء: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا، وأنّ المحافظة على تلاوة القرآن الكريم وحفظه يجلب البركة والحفظ لكلّ شيء نحتاجه في تنميّة تلك المشاريع والأعمال، فيتمازج النشاط الديني بالوظائف الدنيويّة فتزكو وتنمو هذه الأخيرة ببركتها. والله - سبحانه وتعالى - يصف كلامه بالبركة في كثير من الآيات:
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}. -
[ص ـ29]
مبارك فيه الخير الكثير، والعلم الغزير، وهو الذي تستمدّ منه سائر العلوم، وتستخرج منه كلّ البركات، فما من خير إلاّ دعا إليه، ورغّب فيه، وذكر الحكم والمصالح التي تحثّ عليه، وما من شرّ إلاّ وقد نهى عنه، وحذّر منه، وذكر الأسباب المنفّرة عن فعله وعواقبها الوخيمة.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ربّه - عز وجل -، ويقول:
«اللهمّ اجعل لي نورًا في قلبي، ونورًا في بصري، ونورًا في سمعي، ونورًا في شعري، ونورًا في بشرتي، ونورًا في لحمي، ونورًا في دمي، ونورًا في عظامي، ونورًا بين يديّ، ونورًا من خلفي، ونورًا عن يميني، ونورًا عن شمالي، ونورًا من فوقي، ونورًا من تحتي، اللهمّ زدني نورًا فوق نور، وأعطني نورًا، واجعل لي نورًا «. (1)
فعلينا أن نحذر كلمة (سوف) وتأخيرَ الأعمالِ والتسويفَ بأداء الواجبِ، فإنّ هذا يعتبر عنوان الفشلِ والإخفاقِ، وعدم التقدّم والتفوّق.
__________
(1) أخرجه الترمذي. (1/123)
صفحة 124
وعلينا أن نترك التردّدَ في اتّخاذِ القرارِ، وأن نبتعد عن التذبذبَ في المواقف لأنّ الجزم والعزم هما من الأسس الثابتة للتقدّم.
إنّ الذي يرجئ أعماله الدينيّة ووظائفه التعبّديّة إلى ما بعد فراغه من أنشطته وأعماله الدنيويّة المتنوّعة ووظائفه الاجتماعيّة والإداريّة المختلفة، حيث التقاعد، وبعد أن يكون قد استنزف قواه المتعدّدة التي وهبها له ربّه - عز وجل -، وبعد أن يصبح غير قادر على العمل بقوّة ونشاط كما كان يقوم به من قبل، إنّما يقوم بذلك بعد أن انتهى من أعماله الدنيويّة، وبعد استنفاذ جهده اللازم للقيام بذلك، ولو أنّه بقي عنده شيء من القوّة لاستمرّ في طريق أعماله الدنيويّة، ولزاد من تسويفه في القيام بكثير من الأعمال الربّانيّة، مثل عمارة المسجد في كلّ الأوقات، والإكثار من النوافل ومن تلاوة القرآن، في حين أنّ الله - سبحانه وتعالى - يباهي ملائكته بالشابّ العابد، وليس بالشيخ العابد.
إنّ الشيطان يضع في طريق المسلم كثيرًا من المحبطات والمعرقلات، والعوائق والشواغل على شكل مصالح وأهداف حسنة يجب تحقيقها، حتّى يبعده عن طريق الجدّ في التحصيل، ويملأ نفسه بالأماني والظنّون كي يضلّ عن السير في طريق الاجتهاد في تحقيق الأعمال الطيّبة التي توصله إلى رحمة ربّه - عز وجل -.
وقد قال الله في هذا الشأن:
{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}. - ... [النساء ـ120]
لماذا لا يحقّق كثير من الناس أهدافهم
توجد كثير من الأسباب والمخاوف التي تؤدّي بكثير من الناس إلى عدم تحقيق أهدافهم، منها:
1ــ عدم التحديد المسبّق لتلك الأهداف المنشودة.
2ــ عدم وضوح الرؤية حول الهدف والطريق المؤدّي إلى تحقيقه.
3ــ عدم التضحيّة في سبيل تحقيق تلك الأهداف.
4ــ الخوف من عدم تحقيق تلك الأهداف.
5ــ عدم تنظيم البرنامج اللازم للوصول إلى تلك الأهداف.
6ــ الانحراف عن الطريق السويّ الذي يوصل إلى الهدف. (1/124)
صفحة 125
7ــ عدم تقسيم الهدف إلى أقسام صغيرة.
8ــ الملل والضجر من عدم تحقيق ذلك الهدف بسرعة.
9ــ التخطيط لأهداف غير ممكنة التحقيق، أي مستحيلة التحقيق.
10ــ فقدان الثقة في النفس، وأنّها غير قادرة على تحقيق الهدف.
وإذا درسنا كيفيّة تحقيق هدف حفظ كلام الله - سبحانه وتعالى - نجد أنّ كلّ هذه الأسباب السلبيّة والمخاوف تتلاشى أمام من يريد الوصول إلى ذلك.
1ــ فأوّل هذه الإيجابيّات الموجودة في حفظ القرآن الكريم أنّه محدود، فتحديد هذا الهدف سهل، بل قد حدّده منزّله من فوق سبع سموات.
2ــ وحفظ كتاب ربّنا - عز وجل - طريق واضح المعالم، وكيفيّة حفظه واضحة، يستطيع تطبيقها كلّ من يريد تحقيق ذلك.
3ــ أنّ كتاب الله - عز وجل - هو الذي يدعونا إلى التضحيّة بما نستطيع، ولا يحقّ للمؤمن أن يضحّي في سبيل تحقيق هدف في هذه الحياة أكثر من أن يضحّي في سبيل حفظ كلام ربّه - عز وجل -، ومن أنعم عليه ربّه - عز وجل - بقراءته كلّه، أو حفظه، فقد بلغ الغاية العظمى التي يتمنّاها كلّ مسلم مخلص، وتلك هي المنزلة التي تشرئبّ إليها الأعناق.
4ــ أمّا الخوف من عدم تحقيق الهدف، فهذا ما لا يحقّ للمؤمن أن يضنّه في حفظ كتاب الله - عز وجل -، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد وعد كلّ من أخلص في عمله، واستعان به أن يوصله إلى ما يتمنّاه، خاصّة إذا كانت تلك الأمنيّة هي حفظ كلامه. قال - سبحانه وتعالى -:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. -[القمر ـ 22]
5ــ أمّا عدم التنظيم، فهذا لا يمكن أن يكون في حياة المؤمن، فالله - سبحانه وتعالى - قد نظّم حياته، وحدّد له الأوقات التي يستطيع أن يحفظ فيها كلامه بكلّ طمأنينة وبكلّ راحة، فمن تلك الأوقات التي يستطيع أن يقوم فيها بذلك وقت السحر، وبين الصلوات، وهذه الأوقات هي أفضل إطار زمني يستطيع أن يتقرّب فيها العبد المؤمن إلى ربّه بقراءة كتابه وحفظه. (1/125)
صفحة 126
والله - سبحانه وتعالى - قد فرض الصلوات في أفضل الأوقات.
6ــ أمّا الانحراف عن الطريق الصحيح الذي يؤدّي إلى الهدف المنشود، فهذا ما لا يمكن أن يقع مع حفظ كتاب الله - سبحانه وتعالى -، فهو محدود ومعلوم، والله - سبحانه وتعالى - يوفّق عبده الصالح حتّى يصل إلى تحقيق هدفه بكل ثقة وسهولة.
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}. -[محمّد ـ 17]
7ــ أمّا تقسيم الهدف إلى أجزاء صغيرة، والذي يسهّل العمل، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - قد كفانا مؤونة ذلك بأن قسّم القرآن إلى سور وآيات متفاوتة في القصر والطول، كما زاد العلماء وقسّموه إلى أثمان وأرباع وأنصاف وأحزاب، وذلك بإلهام وهداية من الله - سبحانه وتعالى -، ممّا يسهّل المهمّة على من يريد استيعابه وحفظه.
8ــ أمّا الملل والضجر من العمل المتواصل لتحقيق الهدف، فهذا ما لا يشعر به المؤمن الصادق في حفظ القرآن الكريم، والمخلص مع ربّه.
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. - ... [الرعد ـ 28]
وعن ابن مسعود ـ - رضي الله عنه - ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، ... إلى أن يقول: ولا يخلق من كثرة الردّ «. (1)
وعن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«لا حسد إلاّ في اثنين: رجل علّمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له، فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل «إلى آخر الحديث. (2)
ولكن هل يضجر قارئ القرآن، وهل يقلق، وقد أنزله الله - سبحانه وتعالى - شفاء لما في الصدور، وطمأنينة للنفوس، وهو يعيش بنفس راضيّة مرضيّة، وفي هذا يقول الشاعر:
__________
(1) الترغيب والترهيب 2 (352)
(2) 2 أخرجه البخاري، الفتح 8 (5026) ومسلم (815) (1/126)
صفحة 127
رضينا قسمة الجبّار فينا لنا علم وللجهّال مال
9ــ أمّا التخطيط لأهداف غير ممكنة التطبيق، فهذا لا يمكن أن يشعر به الذي يخطّط لحفظ القرآن الكريم، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - قد ضمن العون والتوفيق والرشاد لمن أراد تحقيق ذلك، ووعده أن يهديه سواء السبيل، وأن يهديه إلى الطريق الحقّ الذي يبلغ به مراده الذي يريده من هذا الهدف النبيل. وهو القائل:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. -
[العنكبوت ـ 69]
10ــ أمّا فقدان الثقة في النفس، أو الظنّ بأنّها لا تستطيع حفظ القرآن الكريم، ففي هذه الحالة لا نستطيع أن نجيب إلاّ بقول الله - سبحانه وتعالى -:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. -[القمر ـ 17]
فهذا ربّنا - عز وجل - ينادي عباده جميعا كي يأتوا إلى كتابه، ويقرؤوه، ويتذّكروا به، فهو ميسّر لكلّ من أراد أن يتذّكر.
يقول السيّد قطب في تفسيره: في ظلال القرآن. (1)
«هذا هو القرآن حاضر، سهل التناول، ميسّر الإدراك، فيه جاذبيّة ليقرأ ويتدبّر، فيه جاذبيّة الصدق والبساطة، وموافقة الفطرة، واستجاشة الطبع، لا تنفد عجائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ، وكلّما تدبّره القلب عاد منه بزاد جديد، وكلّما صحبته النفس بإخلاص ونيّة صادقة زادت له ألفةً وبه أنسًا.
وهذه هي الآية التي تتكرّر بعد كلّ مشهد يصوّره الله - سبحانه وتعالى -، ويقف السياق عنده بالقلب البشري، يدعوه دعوة هادئة إلى التذكّر والتدبّر، وبهذا يملأ النفس ثقةً في العمل والتحصيل «.
ويقول - عز وجل - في آية أخرى:
{الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}. - ... [الرحمان ـ 1ـ2]
العزم والعزيمة
العزم في اللغة: مصدر قولهم عزم ويعزم: وهي تدلّ على الصريمة والقطع.
والاعتزام: لزوم القصد في المشي.
__________
(1) في ظلال القرآن، جزء: 6، ص: 3431. (1/127)
صفحة 128
وعزم، عزما، وعزيمة: اعتزمه واعتزم عليه، أراد فعله، وفي القرآن الكريم قال الله - سبحانه وتعالى -:
{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}. -[آل عمران ـ 159]
ويقال ما لفلان عزيمة: أي لا يثبت على أمر يعزم عليه، وعزم عليه ليفعلنّ كذا، أي أقسم عليه، وعزمت عليك، أي أمرتك أمرا جديّا.
والعزم اصطلاحا هو: عقد القلب على إمضاء الأمر، أو القصد على إمضاء الأمر.
ومن مصطلحات العزيمة الروحيّة كما سمّاها بعض العلماء الروحيّين: الإخلاص: وهو إخلاص العمل لله - سبحانه وتعالى -، والذي يعتبرونه عبادة يتقرّب بها العبد إلى ربّه - عز وجل -.
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}. -[البيّنة ـ 5]
ولكي تصل إلى قوّة العزيمة التي ستحقّق بها المعجزات في حياتك، والتي لم تكن تحلم بها من قبل، ولن تصدّق بأنّك بلغت إلى مثل تلك الدرجة، فإنّه يجب عليك أن تبقي على الجانب الإيجابي النشط من نفسك، وعقلك الباطن.
يجب أن تدرّب نفسك تدريبا يكوّن فيك رغبة مشتعلة لحفظ كلام ربّك، وأن تجعل ذلك يسيطر على أفكارك، ويعيش في قلبك، ويسري في عروقك ودمك، وبذلك يخرج إلى الخارج بكلّ بساطة، وبكلّ قوّة.
احلم كلّ يوم وكلّ ليلة بما أنت عازم على فعله، وما أنت عازم على أن تكون عليه، وسوف ترى على مرّ الأيّام أنّ تلك الأحلام تفسّر لك عزمك الذي أنت عازم على تحقيقه، وفي موضوعنا هنا هو حفظ كتاب الله - عز وجل -، واستيعابه.
فبتطبيق مثل هذه التقنيّة الذهنيّة في حياتك اليوميّة سوف تعين نفسك على أن تترجم أفكارك إلى ممارسات في الواقع، وقناعاتك إلى مواقف وتصرّفات والتزامات تلتزم بها بقوّة إرادة، وصلابة عزيمة. (1/128)
صفحة 129
لا تدع الشكّ والتردّد يقتحم أحلامك ونواياك وعزيمتك، لأنّ الأهداف البشريّة تتغذّى على أحلام الحالمين، فكن من أحد هؤلاء الحالمين الذين هم منقذو العالم، لأنّ كلّ ما وصلوا إليه في مختلف الميادين كان في يوم من الأيّام أحلاما داخل نفوسهم.
ويشرح العلماء حقيقة العزيمة بالروح الموجودة داخل نفوسنا، والتي تتوق إلى التعبير عن نفسها في تحقيق الأهداف العالية التي نريد الوصول إليها، إنّها الروح التي تحثّنا على الوصول إلى الحسّ العميق الذي خلقنا من أجله.
والتمسّك بالعزيمة هي الإيمان بأنّنا نملك طاقات ومهارات كثيرة لا تنتظر منّا إلاّ أن نحقّقها في أعمالنا وسلوكاتنا، وهي التي تجعلنا نؤمن بأنّ كلّ عمل نعمله في حياتنا اليوميّة يجب أن يكون منظّما، وتبعث فينا الإيمان بأنّ كلّ شيء في هذا الكون يسير بنظام محكم، وهو يسير بأدقّ التفاصيل وأروع الصور، وذلك من أصغر خليّة، إلى أكبر منظومة كونيّة، وأنّه قد حان لنا أن نعود إلى الفطرة الإلهيّة التي فطرنا الله - سبحانه وتعالى - عليها، وعندها سنتمتّع بروعة الإيمان، ونصحّح مسارات تلك الطاقة التي منحها لنا ربّنا - سبحانه وتعالى -، فننبعث إلى العمل لتحقيق الأهداف العاليّة بكامل قوّة الإرادة التي نملكها، ونعيد ترميم المصنع الداخلي لتلك القوى الموجودة في داخل نفوسنا، ونحسّن من أدوات العمل، فنعمل بحبّ وإخلاص، ونتمتّع بروعة النجاح، لأنّنا قد سعينا بحقّ لتحقيق خلافة الله على الأرض، والتي خلقنا من أجلها.
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. -
[البقرة ـ 30]
ومن بين سمات العزيمة أن نفكّر في قدرتنا الحقيقيّة التي وهبها لنا ربّنا في التفكير والتصرّف كما لو كان ما نريد الوصول إليه قد تحقّق بالفعل، وهذا هو سرّ النجاح الداخلي الذي ينبثق إلى الخارج عن طريق العمل والصبر والمثابرة، وغيرها من الصفات التي تنبني عليها قوّة العزيمة. (1/129)
صفحة 130
إنّ قوّة العزيمة هي قوّة داحضة للشكّ، وتواصلنا معها سوف يعمل على تغذيّة حسّ المعرفة لدينا بالكيفيّة التي نبلغ بها ما نتمنّاه بصفة حقيقيّة واقعيّة، وحسّ المعرفة ينبع من الجانب الإيجابي لقوّة العزيمة، وهو الذي يجعل عطاءنا من الجهد غير محدود، ويهب لنا طاقة غير محدودة، بها نستطيع أن نبلغ أهدافاً عاليّة ساميّة.
والرغبة القويّة الصادقة المشتعلة لها أكبر الأثر في تقويّة العزيمة في الاعتناء بالحفظ، وزيادته، والتركيز عليه، وتسهيله.
ــ فكثير من الناس يقولون بأنّهم يجدون صعوبات في كيفيّة البدء في الحفظ والمراجعة، وأنّهم قد ابتلوا بالتأجيل في كلّ مرّة يريدون أن يبدؤوا فيها، فنجيب أمثال هؤلاء بأنّهم لم يعزموا بعد العزيمة الكافيّة الحقيقيّة القويّة للقيام بهذه المهمّة، ولو عقدوا العزم بصفة جيّدة، وبنيّة طيّبة، لكان انطلاقهم في الطريق سهلا، بل يندفعون بإرادة قويّة.
ومنهم من يلوم نفسه، لأنّها لا تستطيع أن تبقى لمدّة طويلة في المراجعة والحفظ، ونجيبه بأنّ هذه الحالة هي نتيجة القلق، وعدم الوثوق في القدرات التي وهبها له ربّه - سبحانه وتعالى -، وتأتي من العجلة وحبّ إنجاز الأعمال بشكل سريع، وبدون جهد يذكر.
ويزداد العزم، وتقوى العزيمة بالتشجيع المستمرّ، ومعرفة قيمة ما نحفظه، والأجر الذي يعطيه ربّنا - عز وجل - للمحافظ على تلاوة كتابه الكريم، ومنزلته عنده، وعند ملائكته وعباده، كما أنّ صدق العزيمة وقوّة الإخلاص يدفع وسواس الشيطان الذي يضعف النفس عن المضيّ قدما في هذا السبيل.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
«من صدق في عزيمته يئس منه الشيطان، ومتى كان العبد متردّدا، طمع فيه، وسوّفه، ومنّاه بالبدء والعمل بعد حين «. (1/130)
صفحة 131
إنّ هذا التفكير الإيجابي ينبني على تصوّر إمكانيّة تحقيق أهدافنا التي نفكّر فيها، وكلّ هذه الأهداف العالية التي حقّقها العلماء والباحثون والمخترعون، إنّما كانت نتيجة لهذا التفكير الإيجابي في أنّهم قادرون على تحقيقها، بدلا من اعتقادهم أنّها مستحيلة.
لقد تجاهلوا كلّ السخافات والأفكار السلبيّة التي تجعلهم يفكّرون ويعتقدون بأنّهم غير قادرين على تحقيق مثل تلك الأهداف، وبقوا مركّزين على إمكانيّة التحقيق فقط.
ويعتبر وقت القراءة إحدى الأوقات الرئيسيّة التي يفقد فيها الإنسان تركيزه، ولعلّ أحد أهمّ هذه الأسباب، هو عدم قيام القارئ بأخذ فترات منتظمة من الراحة، ومن يريد أن يداوم على القراءة والحفظ، فعليه أن يمنح عينيه ونفسه فترات راحة منتظمة.
من هنا نستنتج أنّه إذا أراد أيّ أحد من الناس أن يداوم على القراءة، فعليه أن يهب لنفسه فترات قصيرة من الراحة، وعلى سبيل المثال يستطيع أن يأخذ قلما ويضع خطّا تحت الكلمات الرئيسيّة، أو قلما ملوّنا ويلوّن تلك الكلمات الرئيسيّة في النصّ بلون ساطع، وسوف يكون ذلك سبباً لتحسين التركيز على الفور، ونتيجةً لذلك يصبح استيعابه لما يريد حفظه أسرع وأثبت.
إنّ فترة التوقّف أو الراحة التي تبدو للبعض إنقاصًا للتركيز هي بالعكس تزيد منه، ذلك لأنّ الراحة تعطي للعقل والجسم الفرصة في إعادة التنظيم والاهتمام من جديد بمزيد من الدافعيّة وتساعد على حلّ المشكلات التي قد تواجهه بقوّة أكبر، وتقلّل من توتّره وتزيد من طاقته الكلّية.
وكلّ من كان هدفه استدعاء أو تذكّر شيء يريد تذكّره أو يدرسه، فعليه أن يحرص على تنظيم وقته، وهذا التنظيم للوقت يتوافق مع دورة الراحة والعمل، وهذه الفترة من الراحة تزيد من الفهم والقدرة على الاستدعاء. (1/131)
صفحة 132
فعلينا أن نسجّل جيّدا في ذاكرتنا، ونتذكّر دائما بأنّ أخذ فترة من الراحة، وأخذ متنفّس ذهنيّ قبل الانتقال إلى مجموعة المعلومات التالية، يسمح للعقل بأن يدمج المواد التي تمّ اكتسابها.
أصرخ قائلا لنفسك ـ نعم ـ أستطيع أن أحفظ كتاب ربّي - عز وجل - في كلّ مرّة تتساءل فيها عن إمكانيّة تحقيق ذلك، لأنّ تحويل كلمة ـ نعم ـ إلى نموذج داخلي سوف يسمح لك بالتوسّع خارج نطاق نفسك المحدودة المجهود، وسوف تجذب إليها المزيد والمزيد من الصبر والمثابرة، وقبول كلّ ما هي عازمة عليه بشكل إيجابيّ.
قل كلمة ـ نعم ـ لنفسك كلّما أمكن، وبذلك سوف تحوّل نفسك إلى قوّة مبدعة، وتشقّ طريقك نحو كلّ ما يفوق العادي، وهي التي تخلق وتمنح الأساليب المتعدّدة للوصول إلى تحقيق أهدافك بكلّ سهولة ومرونة.
إذا كانت توقّعاتك التي تنتظرها من نفسك هي توقّعات عادية، وإن كانت مقتصرة على التفكير في أن توفّر لنفسك حياة عادية بسيطة تقليديّة، فإنّ نفسك سوف تبذل مجهوداً بالقدر الذي تحقّق به السير في هذا المجال فقط، ولن تفكّر في الصعود إلى تحقيق الأهداف العالية الراقيّة، ولن تبدع في طريقة إنجاز الأعمال، وسوف تعيش في ظلّ التردّدات العادية، وتجتذب المزيد من الأمور العادية التقليديّة في حياتك.
فعليك أن تفكّر بنوع من التفاؤل كي تجلب لنفسك أكثر الوسائل الممكنة لتخطّي حدود العادي والانتقال إلى عالم ما يفوق العادي، أو ما هو خارق، وذلك بالإكثار من كلمة ـ نعمـ أمام كلّ عمل صعب تنوي تحقيقه، وتتجنّب قدر المستطاع كلمة لا أستطيع، لا أقدر، لا أملك القدرات لتحقيق ذلك.
إنّ الشخص العادي يدأب دائما على تثبيط عزيمته، وإضعاف قوّتها بالإكثار من قول أمثال هذه كلمات: (1/132)
صفحة 133
كلاّ هذا لن يجدي، كلاّ لا أظنّ أنّني أستطيع حفظ كلام الله - سبحانه وتعالى -، كلاّ لقد جرّبت ذلك من قبل ولم أنجح، هذا العزم هو شيء مستحيل بالنسبة لي، وكلّ هذه العبارات يعتبرها العلماء كلمات محبطة مثبّطة للعزيمة التي أودعها ربّنا - عز وجل - في نفسيّة كلّ واحد منّا.
إنّ هذا التفكير بكلمة كلاّ دائما سوف تجذب المزيد من الأفكار السلبيّة التي تنمّ عن كلمة كلاّ في حياتنا، وسوف تبقى هي المسيطرة على كلّ توجّهاتنا.
إنّك إذا ما وجّهت قوّة نفسك الداخليّة بكلمة ـ نعم ـ فسوف تمنح لها طاقة روحيّة مرتفعة، وتذيب الطاقات المنخفضة، وسوف تشرع تلك الطاقة المرتفعة في العمل أمام كلّ فرصة يوفّرها لك ربّك، كما أنّها توفّر لك المواظبة والاستمرار في العمل، وهذه منحة إلهيّة يهبها ربّنا - سبحانه وتعالى - لمن يشاء من عباده، ممّن ينوي العمل والمثابرة والصبر، فيهديهم سبل السلام، ويوفّقهم للوصول إلى ما يتمنّونه من الأعمال الحسنة الجيّدة، ويكون بذلك من الذين قال فيهم - عز وجل -:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}. -
[العنكبوت ـ 69]
إنّ قوّة الإرادة والعزيمة تزيد وتنقص لدى نفسيّة الإنسان على حسب علوّ همّته، وشرف غاياته وأهدافه، وفهم رسالته التي خلق من أجلها، وبالطبع لا توجد غاية شريفة، وهدف نبيل مثل حفظ كتاب الله - عز وجل -، ولا يمكن أن تعلو همّة شخص مسلم فوق همّة طلب حفظ القرآن الكريم، وكيف لا تكون مثل ذلك، والقرآن هو أهمّ وأغلى وأعظم ما في هذا الكون على الإطلاق.
وتقويّة الإرادة والعزيمة تحتاج إلى نضال وكفاح في سبيل تحقيق الهدف النبيل الذي نريد تحقيقه، وتحتاج أوّلا إلى أن نعرف أين نحن، وإلى أين نريد أن نصل، كي نستطيع أن نعلم جيّدا ماذا نفعل، وبذلك نوفّر لأنفسنا القوّة الكافية للحصول عليه.
ويقول (ديكارت) في هذا الصدد: (1/133)
صفحة 134
«إنّ الإرادة تقوم على استطاعتنا أن نفعل الشيء، أو لا نفعله، وأن نثبّته، أو ننفيه، وأن نقدم عليه، أو أن نحجم عنه «.
ولقد ذكر العلماء بأنّ هناك بعض العوامل التي تضعف العزيمة، وتوهن الإرادة، وتستنفد الطاقة التي وهبها لنا ربّنا - سبحانه وتعالى - في غير فائدة، وذلك مثل المخاوف التي تعترض طريقنا لتحقيق أهدافنا العالية، لذلك يجب علينا أن نتعلّم كيفيّة التغلّب على تلك المخاوف والشكوك، وكيفيّة اكتساب عادة الثقة بالنفس.
ومن تلك التوجيهات التي يرشد إليها العلماء كي نتغلّب على مخاوفنا أن نتساءل بكلّ صراحة وموضوعيّة:
ــ ما الذي أخشاه حقًّا؟ ما هو أكثر شيء أخشاه؟ ما الذي أخشاه الآن؟ ما الذي أخشاه في المستقبل؟.
قم بعد ذلك بتدوين إجاباتك، أضف إلى هذه القائمة باستمرار بعض المعلومات التي تتعلّق بثقتك بنفسك، بذاكرتك، قوّتها، وضعفها، إلى غير ذلك.
كن متفتّحا لكلّ ما يرد بذهنك، أو يخطر ببالك في أيّ وقت لاحق، وبهذه التقنيّة تستطيع أن تكتسب المزيد من الأفكار والرؤى الإيجابيّة.
ما هي مصادر معتقداتك الشخصيّة
كلّ ما يحتاجه من يطلب النجاح والتفوّق هو استخدام الأفكار المفيدة التي تجعله يشعر بالتفاؤل من تلقاء نفسه، وأن يكون أكثر تفتّحاً للأفكار التي من شأنها أن تقدّم له العون.
يجب علينا أن نجد التجربة التي نرغب في تحقيقها في المستقبل، وندرّب عقلنا على تطبيقها وإتقانها إتقاناً حسناً كما لو كانت أمراً واقعيّاً.
وإذا أردنا حقّاًُ أن نغيّر من تصوّراتنا الداخليّة، فما علينا إلاّ أن نعتقد في إمكانيّة تغيير ما نعتقده، وأنّ ذلك يمكن حدوثه، وكذلك الأمر مع التجارب التي نتخيّلها في ذهننا لما نريد أن نكون عليه في مستقبلنا، وهذا ما يسمّيه العلماء بتحقيق النتائج في المستقبل. (1/134)
صفحة 135
فلكي نستطيع فعل ذلك فما علينا إلاّ أن نقوم بمساندة أنفسنا، وتدعيمها، لجعلها في حالة نفسيّة جيّدة تتمتّع فيها بالقوّة والفاعليّة، ونستطيع معها أن نبني أسساً إيجابيّةً قويّةً لمعتقداتنا وحالاتنا النفسيّة وأفعالنا، وذلك بأن نصنع في نفسنا صورةً واضحةً للنتيجة التي نرغب في الوصول إليها وتحقيقها، ونتمثّلها لنفسنا كما أنّنا قد حقّقناها بالفعل، وعند هذه الحالة سوف ندخل في حالات نفسيّة تساعدنا على تحقيق النتائج التي نريدها.
إنّ الأغلبيّة الغالبة من الناس يبنون اعتقاداتهم بشكل عشوائي، وعلى أسس واهيّة غير قويّة، وغير صحيحة، كما يجعلون مصادرها من الكلام الكثير الذي يسمعونه هنا وهناك، ولا يستندون على بناء مصادر معرفتهم وأسس اعتقاداتهم على دراسات علميّة مدقّقة ممكنة الوقوع.
وأخطر ما في الحياة أن يتّجه الإنسان إلى جهة سلبيّة، وأخطر ما فيها أيضاً أن يعتقد اعتقاداً غير صحيح ليس له مرتكز واقعي أبداً، وأخطر كلام يقوله أن ينطق بشيء لا يرتبط بالواقع، والذي ضيّعَ الناس هو بناء كثير من اعتقاداتهم على أسس من الباطل، وقد يعتقد الإنسان اعتقاداً، وبعد سنين طويلة ينكشف له أنّه اعتقاد باطل، وأنّ هذا المبدأ غير صحيح، وأنّ هذا المبدأ لم يحقّق له نفعاً، بل زاده شقاءً.
والمسلم قد أعطاه ربّه هذا القرآن الحكيم الذي يجد فيه توجيهات حقيقيّةً يستطيع أن يبني بها اعتقادات نفسيّةً إيجابيّةً وقويّةً، وأن يحقّق بواسطتها حياةً واقعيّةً سعيدةً.
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. - ... [الإسراء ـ 9]
والقرآن الكريم يقوم بتحصين الإنسان من داخله ضدّ كل الاعتقادات السلبيّة التي تصدر إليه من مختلف الجهات، وأغلبها لا تريد له النجاح ولا التفوّق، بل تريد له أن يعيش على هامش الحياة. (1/135)
صفحة 136
إنّ كثيراً ممّن يعاني مشكلات من الحياة، يفسِّرون تلك المعاناة بقلّة الحظّ، ومنهم من يرجع كسله وعدم القدرة على التحصيل إلى ضعف ذاكرته، فهذا تفسير باطل، لأنّه بمثل هذه الاعتقادات يتّهم ربّه - سبحانه وتعالى - بأنّه لم يهب له ذاكرةً جيّدةً مثل غيره من البشر.
وهناك تفسير آخر أن يقول: إنّ لي حُسّاداً كثيرين رموني بحسدهم، وهذا تفسر باطل أيضاً، لأنَّه لا يستطيع أحد أن يهب أحداً قدرات، أو أن يسلبها منه، ولا أحد يستطيع أن ينفع أحداً، أو أن يضرّه إلاّ بمشيئة الله - عز وجل - وقدرته وتدبيره، وكلّ واحد من الناس في هذا العصر أمام آلاف المقولات الباطلة، ولن يكون أحد على الحقّ إلاّ إذا عرفه، ولن يعتقد به، ولن يَنطِق به إلاّ إذا عرفه، لذلك قال الله - سبحانه وتعالى -:
{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}. -
[يونس ـ 32]
{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ}. - ... [يونس ـ 36]
ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك «. (1)
فإن اعتقد أحدٌ خِلاَف ما في هذا القرآن فهو بالدليل القطعي ضالّ، وعليه أن يصحّح عثرة نفسه.
فكلّ شخص يريد أن يحفظ كتاب ربّه - عز وجل -، عليه أن يبحث أوّلاً وقبل كلّ شيء من أين يستمدّ معتقداته الشخصيّة، ما هو مصدرها، هل مصدرها رجل الشارع؟ هل مصدرها من التلفاز أو المذياع؟ هل مصدرها الصحف الغير اللائقة؟ أم مصدرها كلام العلماء المتحدّثين الأذكياء المتعلّمين المثقّفين الأحسن تحدّثاً ومناقشة.
__________
(1) أخرجه الترمذي (1/136)
صفحة 137
فإذا أراد أن ينجح حقّاً في حفظ كلام ربّه - سبحانه وتعالى -، وفي تلقّي مختلف العلوم، فمن الحكمة أن يختار مصدر معتقداته بعناية، ولا يترك تفكيره في مهبّ الريح مثل ورقة عصفت بها الرياح، لا تدري على أيّ شيء، وفي أيّ مكان تقع.
إنّ الحياة أكثر تعقيداً ودقّةً ممّا يظنّ أكثريّة الناس، ولذا فإنّ لم يبن أحدنا معتقداته على أسس صحيحة، فما عليه إلاّ أن يقوم بمراجعتها منذ الآن، ويقرّر بكلّ حزم وجدّية تغييرها، وأن يدرس بكلّ واقعيّة وإلى أيّ مدى، وإلى أيّ درجة يستطيع أن يقوم بذلك.
التفاؤل ثمّ التفاؤل دائما
يقول العلماء:
«إنّ الطريقة التي ننظر بها إلى قيمة أنفسنا، وقدراتنا ومهاراتنا هي الطريقة الوحيدة التي سننظر بها إلى العالم من حولنا «.
فإذا كنّا ننظر إلى أنفسنا بأنّنا نستطيع أن نحقّق الأهداف العاليّة، المهمّة ـ وليس هناك هدف أعلى وأغلى من حفظ كلام الله - عز وجل - ـ وأنّنا نملك القوّة اللازمة، والقدرة الكافية لبلوغ ذلك، والطاقة الجيّدة التي نستعين بها على السير في سبيل الوصول إلى أعلى الأهداف، فإنّنا سنحقّق نجاحات باهرة، وأهدافًا ساميةً.
أمّا إذا كان العكس، فسنرى العالم من حولنا عبارة عن ورشة فاشلة، وخيبة أمل، لا يستطيع أحد أن يبلغ إلى أيّ هدف ممكن فيه ونظنّ في أنفسنا بأنّ الناس جميعا مثلنا، لا يستطيعون الوصول إلى النجاح، ولا يمكن لهم أن يتفوّقوا، أو أن يحقّقوا أهدافاً نبيلةً راقيّة.
وهذه هي الوضعيّة الحقيقيّة التي يحياها أغلبيّة عناصر الأمّة الإسلاميّة، بحيث ينظرون إلى أنفسهم وإلى عناصر أمّتهم بأنّهم ضعفاء لا يستطيعون بلوغ شيء، أو تحقيق إختراع، أو أيّ إبداع.
يقول (شاد هيلمستيتر):
«ببساطة يصدّق العقل ما نخبره به كثيرًا، وما نخبره به عن أنفسنا، سيصنعه فهو ليس لديه اختيار «. (1/137)
صفحة 138
فالإنسان العاقل الذكيّ المليئة نفسه بالطموح يواظب على تنقيّة ذهنه، وتصفيّته من تلك التصوّرات الخاطئة التي تكوّنت في عقله الباطن على مرّ الأيّام نتيجة للرسائل السلبيّة التي سجّلها فيه، وأصبح ينظر من خلالها نحو نفسه.
إنّ مثل تلك الرسائل تتكوّن لدى العقل الباطن بما تعوّد عليه الشخص من تذمّر وكثرة الشكاية، وبما يسمعه ممّن حوله من هذه الأحاديث التي أصبحت مسيطرة على الناحية الإيجابيّة في كلّ نواحي الحياة وميادينها ويا للأسف.
وأفضل الوسائل للوصول إلى قوّة العزيمة، ودوام المثابرة في طريق العمل الجادّ الذي نحقّق بواسطته نتائج إيجابيّة عظيمة هو تنقيّة الذهن من مثل تلك التوجّهات السلبيّة، وذلك بالجلوس مع النفس ومساءلتها بكلّ صراحة عن سبب تكوّن تلك التوجّهات في الذهن، وهل ما نعتقده صحيح، أم خاطئ، ومحاولة إيجاد الحلول الملائمة لدفع تلك التصوّرات شيئًا فشيئًا، إلى أن تُقتلع من الجذور بإذن الله - سبحانه وتعالى -.
والطريقة الأفضل والأحسن لفعل ذلك هو إخراجها من العقل الباطن بواسطة كتابتها على الورق، لأنّ هذا العمل كما يقول العلماء يحرّر طاقة جديدة وعظيمة في التركيز لتحقيق أهداف عالية، وهو كذلك سبيل لمعرفة كلّ المثبّطات التي تحدث في وسط الطريق بدقّة وشفافيّة.
وبتلك العمليّة نستطيع تحديد الأشياء غير الضروريّة التي تشوّش الذهن، والتي تملأ النفس إحباطا وتشاؤما وتذمّرا ويأسا.
فعندما تكون هناك أفكار وأمور كثيرة داخل العقل، وليس لها علاقة بما هو مهمّ وأساسيّ في الحياة، فإنّها تكون سببًا لفقدان الصورة الكبيرة للأهداف النبيلة، التي يتمنّى كلّ إنسان الوصول إليها وتحقيقها في مسيرة حياته. (1/138)
صفحة 139
إنّ مسيرة الحياة تحتاج إلى نظام وتنظيم محكم، لأنّنا بذلك نستطيع تحديد الأشياء والأعمال الأوّليّة التي يجب علينا أن نهتمّ بها أكثر من الأخرى، والأعمال التي يجب علينا التخلّي والابتعاد عنها، كي لا نضيّع أوقاتنا بدون فائدة، كما يمكن لنا بواسطة ذلك أن نحدّد المستويات التي نستطيع البلوغ إليها، وما يمكن تحقيقه، وكلّ ذلك لا يكون إلاّ في وقته المحدّد.
فبالنظام والبرمجة الجيّدة للمستقبل نفتح أبواب التفاؤل أمام أنفسنا، ونملؤها ثقة وقوّة في العمل، وكثير من الناس يغلقون أبواب الأمل والتفاؤل أمامهم لأنّهم يقومون بأعمال عشوائيّة وفي أيّ وقت يمكنهم ذلك، ولا يدرسون الكيفيّة التي يمكنهم أن يقضوا بها على تلك المعوّقات، وكيف يتخطّونها إلى ما هو أحسن.
إنّنا في كثير من الأحيان نترك العادات السيّئة التي ورثناها وتعوّدنا عليها تعرقل مسيرتنا وتقدّمنا نحو الاتّجاه الصحيح، وندع التفكير السلبي يسيطر على تصوّراتنا، والتي هي بلا شكّ سبب النجاح أو الإحباط.
فنحن نرى أنّ كثيرًا من الأحلام الكبيرة صعبة التحقيق، وربّما نظنّ أنّها مستحيلة التحقيق، ثمّ بعد أداء مجهود صغير جدّا، وبعد وقت قصير نجد أنفسنا قد بلغناها كأحسن ما يكون.
يقول الحكيم الصيني (كونفيوشيس):
«إنّ ما ينشده الرجل السامي يجده داخل نفسه، وما ينشده الرجل العامّي يجده في الآخرين «.
وأنا أقول بأنّه يجب علينا أن نبحث عن الشيء الذي نريد بلوغه داخل أنفسنا، ولا نبحث عنه عند الآخرين.
إنّ حفظ كلام ربّنا - سبحانه وتعالى - قد يسّره لعباده، ولكن من سنّته في هذا الكون أنّ الإنسان لا يصل إلى تحقيق حوائجه إلاّ باتّخاذ الأسباب، وببذل نصيب من الجهد، وذلك حتّى يكون أهلاً لنيل الأجر الكبير. قال الله - عز وجل -:
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}. -[القمر ـ 17] (1/139)
صفحة 140
فعلى كلّ من يريد حفظ كتاب الله - عز وجل - أن يمضي كلّ دقيقة من وقته في التفكير في أنّ الله - سبحانه وتعالى - قد يسّر حفظه عليه إذا تعامل معه بإرادة قويّة وإخلاص، وأن يختار الأصدقاء الذي يبعثون فيه الهمّة والنشاط والثقة، ويحرص على مجالسة العلماء والصالحين الذين سيذكّرونه بذلك، ويبعثون فيه الهمّة والإرادة، وعليه أن يكثر من مساءلتهم عن الطرق الصحيحة التي توصله إلى ذلك.
يقول الله - سبحانه وتعالى -:
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. -[النحل ـ 43]
عليه أن يسأل، ولا يملّ عن السؤال، لأنّ السؤال كما يقول العلماء هو نصف العلم، فلا يترك مقالة تتحدّث عن تقنيّات حفظ القرآن الكريم، أو خبر يتعلّق بكيفيّة من الكيفيّات التي تؤدّي إلى ذلك، أو فكرة تهدي إلى حفظه وتدبّره إلاّ وحاول أن يطّلع عليها ويفهمها جيّدا، كي يستطيع تطبيقها.
وعلى كلّ من يريد أن يحفظ كلام ربّه - عز وجل - بسرعة أن يحرص على الاستماع إلى سورة معيّنة، أو صفحة على الأقّل، وهذا أقلّ ما يمكن تطبيقه، وأن يكرّر الاستماع إليها عدّة مرّات، ويقرؤها في صلاته، الفرض منها أو النافلة، ويكرّر ما حفظه قبل النوم، وبعد الاستيقاظ مباشرة، فبهذه الطريقة يرسخ الحفظ في العقل الباطن، فلا ينساه بسرعة بإذن الله - سبحانه وتعالى -.
وبذلك ينتبه لانتباهه، فيركّزه كلّه في موضوع حفظ كلام الله - عز وجل -، ولأنّ سرّ الذاكرة القويّة، التي تحفظ بسرعة، هو إرادة الانتباه، وهو كذلك سرّ الحياة الناجحة. (1/140)
صفحة 141
إنّ حياة الشخص تتوجّه في أيّ لحظة إلى ما هو موجود في ذهنه، وما ينتبه إليه أكثر من أيّ شيء آخر، وإنّ كثيرًا من العناصر التي يولّي لها انتباهه أكثر، تؤثّر على أحواله المزاجيّة ومشاعره، والانتباه هو أداة العقل في الملاحظة، يؤدّي دور الضوء الكشّاف الذي يضيء أيّ شيء يتمّ توجيهه إليه، ويترك الباقي مظلما، لذلك فمهارة الانتباه هي مهارة حيويّة للغاية.
فمعظم الناس لا يفكّرون في تفكيرهم ولا ينتبهون إلى انتباههم، بحيث لا يستطيعون في أيّة لحظة من حياتهم أن يصرّحوا بكلّ وضوح ما الذي يولونه انتباههم بالضبط، وبذلك يضيّعون قدرًا هائلاً من الطاقة في أشياء تافهة لا تستحقّها.
لقد استنتجت إحدى الدراسات التي أجراها الدكتور "ياكوف سترن" مع زملائه في جامعة [كولومبيا] بنيويورك إلى أنّ ما يحدث الفارق بين الذاكرة القويّة والضعيفة ليس هو حجم المخّ، أو صغره وكبره، وإنّما ينتج ذلك عن كيفيّة استخدام هذا العقل، وانتباهه بكلّ قوّة إلى ما نريد حفظه واستيعابه، ولقد قام الباحثون من خلال هذه الدراسة باختبار جماعة من الأشخاص يتراوح حاصل ذكائهم بين المنخفض إلى المتوسّط، وكان المشاركون يجرون اختبارات الذاكرة بينما كان الباحثون يقيسون أنماط نشاطهم من خلال أشعّة MRI.
وقد أظهرت الأشعّة أنّ معدّل النشاط في الفصوص الجبهيّة للعقل يكون أكثر ارتفاعا عند الأشخاص الأكثر ذكاء، والأكثر تفكيرًا، ولذلك فعلى كلّ من يريد حفظ كتاب ربّه - سبحانه وتعالى - أن يشغل به تفكيره أغلبيّة أوقاته، وخاصّةً قبل النوم، وعند الاستيقاظ منه، فيوجّه تفكيره إلى الحصّة التي حدّدها لنفسه كي يحفظها. (1/141)
صفحة 142
وقد أثبتت نفس التجارب أثر التعلّم المتواصل في حماية الذاكرة، حيث تشير مختلف الدراسات إلى أنّه كلّما زاد معدّل التعلّم واستخدام العقل، ازدادت قوّة الذاكرة، وازداد نشاطها، وقوي حفظها وزاد استيعابها، والشيء المهمّ في كلّ هذا أنّ قدرة النشاط الذهني وزيادته والمداومة عليه، يحمي العقل من مرض النسيان.
إنّ التدريبات الذهنيّة بالتفكير دائما في الآيات القرآنيّة، واستخدام القوى العقليّة بصفة دائمة ومتواصلة لن تحافظ على صحّة خلايا العقل فقط، وإنّما تساعد أكثر وأكثر على تنميّة تلك الخلايا، وتشير الأبحاث إلى أنّ العقل يملك قدرة غريبة على تجديد الروابط التي تصل بين خلاياه، وتشكيل خلايا جديدة، وهو ما يطلق عليه اسم [توالد الخلاياـ Neurogenesis] وهو ما كان ينظر إليه بأنّه مستحيل على مدى العقود القليلة السابقة، وقد أثبتت الدكتورة {إليزابيت جولد} في جامعة [بريستون] قدرة العقل على بناء خلايا جديدة حتّى في سنّ الرشد، وذلك من خلال بحثها على الحيوانات المعمليّة التي أثبتت قدرتها على توليد خلايا جديدة في [قرن آمون]، وهو ذلك الجزء الذي يشبه حصان البحر تحت منطقة الصدغ، وقد أظهر الدكتور (فريد جيج) ومساعدوه في معهد [سالك] أنّ هذا التوالد للخلايا العصبيّة يمكن أن يحدث في البشر أيضا، وبواسطة مؤشّر كيميائي يقيس انقسام الخلايا.
وقد وجد الباحثان من خلال دراستهما أنّ البيئة الغنيّة التي يعيش فيها بعض الحيوانات قد ارتبطت بزيادة في عدد الروابط التي تصل الخلايا العقليّة ببعضها البعض في مراكز الذاكرة بالمخّ، كما ثبت أنّ إجراء اختبارات الذاكرة يعمل على تحفيز العقل فيصير أكثر ذكاء. (1/142)
صفحة 143
وإذا وفّر المجتمع لعناصره محيطًا محفّزًا يعتمد على حفظ كتاب الله - عز وجل - والاهتمام به في كامل أوقاتهم، واستخدام عقلهم بقراءة بعض آياته كلّ يوم، ومراجعتها، فإنّ خلايا مخّهم ستجد الغذاء الذهني الغنيّ الذي يحفّزها ويزيد من استيعابها، لأنّه لا توجد بيئة أغنى من البيئة التي يدرس فيها كلام ربّنا - عز وجل -، وتشتغل فيها الذاكرة بتدبّره والتفكير فيه في كلّ لحظة.
إنّ مثل هذه الدراسات قد قادت الكثير من الباحثين إلى الاعتقاد بأنّ التدريبات الذهنيّة المنظّمة تعمل على تحفيز الروابط الموجودة والقائمة بالفعل بين الخلايا العصبيّة، ممّا يقود بدوره إلى تشكيل روابط عصبيّة جديدة داخل العقل.
والخبر المهمّ والذي يفرح به جميع من يريد أن يحافظ على ذاكرة جيّدة إلى آخر عمره أنّ التدريبات الذهنيّة المستمرّة والنشاط الذهني وممارسة أعمال المرونة الذهنيّة التي تنشّط الذاكرة يبعد خطر شيخوخة المخّ وفقدان الذاكرة، فضلا عن أنّه يمكن أن يثري حياتنا بشكل ملحوظ.
وإذا كانت هذه التدريبات الذهنيّة هي المحافظة على تلاوة القرآن الكريم المبارك، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - سينزّل البركة في تلك الخلايا، فيحفظ لها قوّتها بصفة أحسن، والقرآن الكريم يثري حياتنا أكثر من أيّ علم آخر في هذه الحياة.
ولقد أثبتت هذه الدراسات المختلفة التي أجريت على الخلايا الذهنيّة، أنّ تلك التدريبات تترك أثرًا إيجابيًّا قويًّا على خلايا المخّ، وذلك مثل القراءة وحلّ الأحجيّات المصوّرة، والكلمات المتقاطعة، والأعمال الخشبيّة والرسم، أو تعلّم لغة جديدة، أو قراءة رواية مثيرة، أو سيرة ذاتيّة.
وتقول الحكمة الصينيّة:
«تعتبر القراءة بالنسبة للعقل كالرياضة بالنسبة للجسم «.
وقال (فرانسيس بيكون):
«القراءة تصنع الشخص المتكامل «.
وهناك عامل الترفيه الذي يلعب دورا أساسيّا في تنشيط الذاكرة، لأنّه يدفعنا إلى الاستزادة من تلك النشاطات مع مرور الوقت. (1/143)
صفحة 144
إنّ النتيجة المثلى التي يتطلّع إليها أسلوب التدريبات الذهنيّة المختلفة هي تشغيل كلا الشقّين، لذا فنحن في حاجة إلى المناوبة بين برامج الحفز الذهني للشقّين، وقد أظهرت إحدى الدراسات التي أجريت مؤخّرًا أنّ هناك أنواعًا معيّنةً من أنشطة شقّ المخّ الأيمن مثل قراءة الخرائط التي يمكن أن تؤثّر على حجم [قرن آمون] الذي يعتبر أحد الأجزاء الأساسيّة المسؤولة عن الذاكرة.
وإذا علمنا أنّ القرآن الكريم يتضمّن كلّ المهارات الذهنيّة التي يختصّ بها كلّ من شقّي المخّ، وذلك مثل الكلمات التي يختصّ بحفظها الجانب الأيسر، والقصص التي هي من اختصاص الجانب الأيمن، كما أنّ المنطق هو من اختصاص الجانب الأيسر، والترتيل من اختصاص الجانب الأيمن، وغير ذلك من العمليّات التي حدّدها العلماء لكلّ واحد من الجانبين.
وسنذكر ذلك بالتفصيل في كتابنا: تأثير القرآن في شقّي المخّ، إن شاء الله - سبحانه وتعالى -.
ويقول علماء الذاكرة أنّه مثل أيّ برنامج تدريبي آخر، كلّما أضيفت المتعة والترفيه والطمأنينة والرضا، سهل على الأشخاص أن يواصلوا البرنامج لأطول فترة ممكنة، ولذلك فعلى كلّ شخص يريد تدريب ذاكرته أن يختار مثل هذه البرامج، أو يبتكر بعضها بنفسه، للمساعدة على زيادة كفاءة العقل بمرور الوقت.
وأظنّ أنّ أفضل طريقة للتدريب الذهني بالنسبة للمسلمين هي تلاوة القرآن الكريم، فهو يحتوي على عدّة جوانب من التدريبات التي يضعها العلماء، وأهمّها التكرار وتقنيّة الربط وتقويّة الحفظ لدى الأشخاص الذين يداومون على تلاوته وقراءته، وهذا ما اكتشفه العلماء في تلاميذهم، كما أنّه يشتمل على الموضوعات التي تدرّب كلاّ من شقّي المخّ الأيمن والأيسر كليهما.
تجنّب التصوّرات الذهنيّة غير المنطقيّة (1/144)
صفحة 145
يجب علينا أن نعدّل من الأوضاع الذهنيّة المتّصلة بعمل الذاكرة، إذا أردنا تقويّة الحفظ وتحسين الاستيعاب، لأنّ كثيرًا من الناس يبنون تصوّرات ومواقف غير سليمة لعملها، وهذا ممّا يسبّب تدهورًا في استيعابها وحفظها.
وتلك التصوّرات غير المنطقيّة تضعف قوّة ذاكرة الأشخاص الذين يرسّخون ذلك في أذهانهم.
وقد أوضح (ألبرت إليس" 1976 و (جيليس) 1977 وهما مختصّان في العلاج المنطقي العاطفي، أربع طرق نتعرّف بها على الاعتقادات غير المنطقيّة، كي نتفاداها، وهما يوصيان جميع من يريد أن يكتسب ذاكرةً قويّةً فعّالةً أن يبحث عن أنماط التفكير التي يفكّر بها نحو ذاكرته، وقد أعطانا أمثلةً عن تلك الاعتقادات غير المنطقيّة.
ــ مثلا: ذاكرتي تخذلني، ولا أستطيع أن أتحمّل.
ــ يجب أو ينبغي أن تعمل ذاكرتي بشكل أفضل.
ــ هذا مرعب، لا أستطيع أن أتذكّر اسم ذلك الشخص.
ــ أصبحت لا أتذكّر الأماكن التي أضع فيها الأشياء الخاصّة.
ــ ذاكرتي تزداد سوءًا، وستصبح أسوأ.
والوسيلة الناجعة لعلاج مثل تلك الأفكار غير المنطقيّة، والتي يعين بها أمثال هؤلاء أنفسهم في تغيير تلك الاعتقادات، هي فحص المؤثّرات التي تقودهم إلى تلك الاعتقادات السلبيّة، ثمّ محاولة استبدالها بأخرى إيجابيّة، وأن يضعوا مكانها أفكارًا أكثر واقعيّة وتكيّفيّة، كي يذهب عنهم الخوف، ويتبدّل ذلك الاعتقاد.
علينا أن ننظر إلى تصوّراتنا حول ذاكرتنا، ونحدّد ما إذا كانت واقعيّة، أو غير واقعيّة، أو غير منصفة، ونسأل أنفسنا:
ــ هل اعتقدنا أنّ ذاكرتنا جيّدة، عندما قمنا من فراشنا في الصباح؟.
ــ وهل اعتقدنا أنّ ذاكرتنا لن تخذلنا اليوم، وسوف نثبت أنّها واقعيّة؟.
ــ هل وضعنا مخطّطاً يوميًّا للذاكرة، وذلك لأنّ ذاكرتنا تميل إلى النظام، وتحبّه.
ــ وضع يوميّات لعمل الذاكرة، وملاحظات تقدّمها، أو عدم تحسّنها.
ــ كيف تتعامل ذاكرتنا مع الهفوات التي تعترض لها في كلّ مرّة؟. (1/145)
صفحة 146
ــ تسجيل المشاعر التي مرّت بنا مع كلّ عمل وملاحظة خاصّةً بها؟ وبماذا كنّا نحسّ في ذلك الوقت؟.
والأمر الحقيقيّ الهامّ الذي يجب أن نركّز عليه في هذه الحالات يتلخّص ببساطة شديدة في طرق الحفظ التي ينتهجها كلّ واحد منّا، لأنّ كلّ واحد منّا لا يتّبع الطريقة الجيّدة الواقعيّة للحفظ، ولا يتّبع المنهج الذي يتلاءم مع عمل واستيعاب ذاكرته.
وفي هذا المجال يجب أن نعلم جيّدًا بأنّ لكلّ إنسان طريقته الخاصّة به، والتي تساعده على الحفظ والاستيعاب، وذلك حسب الطريقة التي نشأ عليها، والتي درّب عليها ذاكرته، وذلك من مسؤوليّة الوالدين إلى درجة كبيرة، ومسؤوليّة طرق التدريس.
ومن جهة أخرى يأتي عدم التنظيم، وعدم اتّباع البرنامج الذي يخطّطه كلّ واحد منّا لنفسه، وهذا ما يسبّب التذبذب الكبير في عمل الذاكرة، وعدم تدرّبها على طريقة واحدة، كي تألفها، وتستقرّ عليها، وتؤتي أكلها، فنجني منها الثمار التي نرجوها.
وكلّ شخص في هذا الكون يختصّ بطريقته في الحفظ والمذاكرة، بحيث لا يتّفق فيها اثنان اتّفاقًا كاملاً.
الانسحاب من مشاكل الحياة
يمرّ العقل الواعي طوال اليوم بالكثير من المشادّات والنزاعات والقلق، ومن الضروري له، ومن فائدته أن ينسحب ولو لبعض الوقت من تلك الضغوطات الحسّية، ومن العالم المادّي الموضوعي، ويتواصل ويتّحد بهدوء بالحكمة الداخليّة للعقل الباطن.
وبالحصول على الإرشاد والقوّة والذكاء في كلّ مرحلة من مراحل الحياة، سوف يستطيع التغلّب على كلّ الصعوبات، وسيتمكّن من حلّ كلّ المشاكل.
هذا الانسحاب المنتظم من مشاكل الحياة اليوميّة وما تحتويه من ضوضاء وتشويش يعدّ شكلاً من أشكال النوم، والحرمان من ذلك الانسحاب وتلك الراحة يجعل الإنسان مكتئبًا ومتقلّب المزاج، فلا يقدر على الحفظ والاستيعاب، لأنّ الذاكرة تحتاج دائمًا إلى السكينة والاطمئنان كي تؤدّي عملها بصفة حسنة. (1/146)
صفحة 147
ويشير الباحثون الذين يدرسون عمليّة الحفظ وعمل الذاكرة، وعلاقتها بالراحة والنوم أنّ الحرمان من النوم يجعل الخلايا العصبيّة المخّية في حالة من الاضطراب ممّا يجعلها لا تستوعب ما يلقى إليها من المعلومات، وبالحصول على قسط وافر من النوم نجلب السعادة والحيويّة للخلايا المخيّة، فتستوعب بشكل أحسن.
لقد أراد شاب في السابعة عشرة من عمره عام 1964 أن يدخل موسوعة جينس للأرقام القياسيّة، وذلك ليرفع رقمه القياسي في عدم النوم، فأرغم نفسه ليبقى مستيقظا لمدّة 11 يوما، أي ما يساوي 264 ساعة، وكانت النتيجة السلبيّة التي تحصّل عليها أنّ عمليّات الاستيعاب والتفكير لديه قد تدهورت، وكان حديثه متقطّعًا، وعانى من فقدان مؤقّت للذاكرة، وفي الساعات الأخيرة بدأ يعاني من الهلاوس البصريّة والسمعيّة.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا}. -
[الفرقان ـ 47]
وقد أظهرت التجارب التي أجريت على بعض المتطوّعين أنّ المخّ المتعب يكون في حاجة ماسّة للنوم، لدرجة أنّه قد يضحّي بأيّ شيء من أجل الحصول عليه.
كما اكتشف الباحثون في مجال النوم وأثره على النفس الإنسانيّة أن المرء الذي يوجّه نفسه قبل النوم، ويرشدها بما يريد حفظه، أو إنجازه عند استيقاظه، يجعل عقله الباطن يقوم بوظيفته في تسهيل تلك المهمّة، ويقوم بذلك أحيانًا في صورة حلم، وعند الاستيقاظ يشعر بقوّة ذاتيّة تنبثق من داخل نفسه للعمل دون كلل، أو ملل لتحصيله، ويشعر بالثقة في إنجازه، وباستجابة نفسه للقيام به بكلّ سعادة وحيويّة.
وهناك نظريّة شائعة ومهمّة تؤكد أنّ النوم ضروريّ لإنعاش الذاكرة وتقويّة القدرات الذهنيّة، والأشخاص الذين يأخذون قسطهم من النوم هم أقدر على حلّ المعضلات، وفهم المسائل العلميّة المعقّدة. (1/147)
صفحة 148
ويشرح المتحمّسون لهذه النظرية ذلك بأنّ الدماغ أثناء النوم يقوم بترتيب المعلومات وتنظيمها بشكل منطقي، بحيث يسهّل الاستفادة منها، ويؤكّدون كذلك أنّ أخذ قسط من النوم بعد جهد ذهنيّ مرهق هو أفضل وسيلة لاستيعاب وفهم المعلومات الجديدة.
وأكّد باحثون آخرون بأنّ الدماغ يبقى في حالة نشاط أثناء النوم، بحيث يقوم بمعالجة المعلومات التي اختزنها طيلة النهار، وترتيبها، وتنسيقها في خلايا خاصّة، فبعد أبحاث طويلة تبيّن أنّ دماغ الإنسان النائم يستطيع تمييز الأصوات وتحليلها وتخزينها أيضا.
وإذا كان كذلك فيمكننا أن ندرك أهميّة قراءة القرآن الكريم والاستماع إليه قبل النوم، كوسيلة تساعد من أراد الحفظ بسهولة وبجهد قليل بعد الاستيقاظ بحيث يراجع بعض المرّات، فيجعل خلايا مخّه تتذكّر ما قرأه في الليل قبل النوم، ويثبّتها فيها.
ولعلّ لهذا السرّ العظيم يرشدنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قراءة بعض الآيات القرآنيّة، والأذكار المختلفة التي تبعث السعادة والاطمئنان في النفس أثناء النوم، فتنهض من النوم وهي منشرحةً ومقبلةً على الحياة بكلّ ثقة وعزيمة ونشاط.
وقد ذكر الدكتور (فرانسيس كريك) أنّ دور الأحلام هو التخلّص من الارتباطات العصبيّة الزائدة، والناجمة عن النشاط الذهني المضاعف، وهذا يخالف نظريّة (فرويد) الذي يؤكّد أن الأحلام تعبير عن رغباتنا المكبوتة، ونحن نعلم جيّدًا أنّ محاولة التخلّص من أمر ما، وإبعاده عن وعينا، يفتح الطريق لرؤيته في أحلامنا.
وقد اكتشف العلماء أنّ الدماغ في بعض مراحل النوم يبقى فعّالاً كما في حال اليقظة، كما ظهر أنّ نوعًا من العصبونات (الخلايا العصبيّة) تنشط أثناء النوم لتهيّئ الإنسان للولوج في مرحلة النوم العميق، ولم يعرف حتّى الآن كيف تعمل تلك العصبونات، لكنّه تمّ التأكّد بأنّها تنشط مع ارتفاع حرارة المحيط الخارجي، مما يفسّر رغبتنا في النوم بعد حمام ساخن، أو عند الجلوس قرب نبع حراري. (1/148)
صفحة 149
إنّ مبدأ عمل العقل مبدأ مهمّ ومشجّع، فهو ببساطة يحتاج إلى التشجيع وإلى التحفيز بما نقدّم له من الرسائل الإيجابيّة والابتعاد عن الرسائل السلبيّة، وأحسن وقت، وأفضل مناسبة نستطيع أن نقدّم له فيها مثل هذه الرسائل هو وقت الخلود إلى النوم، فما علينا إلاّ أن نغتنم مثل هذه الفرصة.
فإذا قدّمنا له بيانات صحيحةً محفّزةً ومنشّطةً قويّةً، فسوف يصدر قرارات أكثر ذكاء وصوابا، وبذلك نستطيع أن نتحصّل على نتائج صحيحة إيجابيّة، أمّا إذا قدّمنا له بيانات خاطئة لا نجني إلاّ نتائج خاطئة سلبيّة.
وكلام ربّنا إذا قرأناه بتدبّر وبنفس مقبلة منشرحة، سوف يملأها بالرسائل الإيجابيّة، لأنّه لا يوجد فيه إلاّ مثل تلك الرسائل، وحاشى أن يشتمل على الرسائل السلبيّة، التي تملأ النفس بالتشاؤم، وقد قال فيه ربّنا - سبحانه وتعالى -:
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. - ... [الإسراء ـ 9]
إنّ القناعات الإيجابيّة أو السلبيّة هي التي تقوم بتوجيه نشاطنا وحماسنا للقيام بأيّ عمل نرغب أن نقوم به، أو العكس لا نرغب في القيام به، وكلّ ذلك ما هو إلاّ نتيجة لتلك القناعات التي نؤمن بها، وسجّلناها في أعماق اللاواعي، فتؤثّر في سلوكنا دون أن نعي ذلك.
فإذا كانت قناعاتنا لحفظ كلام ربّنا - عز وجل - إيجابيّة فعلينا أن نعزّزها ونقوّيها، حتّى نستطيع أن نجني منها ثمارًا طيّبةً، ونتائج حسنةً، أمّا إذا كان العكس، أي نملك قناعات سلبيّةً فعلينا أن نتخلّص منها، ونصحّحها، ونوجّهها إلى الوجهة الصحيحة، لأنّ تلك القناعات السلبيّة تقف أمام إرادتنا وعزيمتنا كالسدّ المنيع دون تحقيق النجاح والتفوّق. (1/149)
صفحة 150
فيجب أوّلا أن نعرف السبب الداخلي الذي كوّن في نفوسنا هذه القناعات، ومن ثمّ نستطيع أن نتخلّص منها، وبعد ذلك يمكن لوعينا أن يعود إلى حالته المتوازنة الطبيعيّة، وبالتالي يعود العقل إلى حالته الطبيعيّة، فيستوعب جيّدا، ويحفظ بصفة طبيعيّة وبسرعة وثقة كاملة.
الفصل الثامن
الربط الذهني
اكتشف طريقة عمل ذاكرتك
ولكي تكتشف طريقة عمل ذاكرتك عليك أن تتساءل مرّة بعد أخرى عن الأعمال والبرامج التي تقوم بها كي تصل إلى ذلك، وما هي المهارات التي تعمل بها ذاكرتي في المذاكرة والحفظ، وذلك بأن توجّه إلى نفسك أسئلة كثيرة، وتحاول أن تجيب عنها بكلّ صراحة، فمثلا تسأل نفسك:
ــ هل أضع لنفسي برنامجاً زمنيّاً لأحفظ فيه كلّ يوم حصّةً معيّنةً؟.
ــ هل ألتزم بحفظ الحصّة المعيّنة، التي حدّدتها، ولا أتوانى في ذلك؟.
ــ هل أختار لنفسي مكاناً معيّناً لأحفظ فيه بكلّ استقلاليّة؟.
ــ هل أختار أصدقاء معيّنين أعمل معهم، أم أفضّل القيام بذلك لوحدي؟.
ــ كيف أوفّر لنفسي الهدوء المناسب، والوسائل المناسبة واللازمة؟.
ــ البداية، كيف أبدأ الحفظ، وهل أجد صعوبةً في ذلك، أم لا؟.
ــ هل من عادتي الصبر إلى أن أنتهي من حفظ حصّتي، أم لا؟.
ــ هل أنا أحاول وأجتهد في البحث عن الروابط التي أدعّم بها طريقة الحفظ؟.
ــ هل أحاول وأجتهد في البحث عن نقاط الضعف الموجودة في ذاكرتي؟.
ــ هل أحاول أن أغيّر من تلك العادات التي تضعف ذاكرتي؟.
ــ هل أنتقل من حصّة إلى أخرى إذا لم أستوعب الحصّة الأولى جيّداً؟.
إنّ مثل هذه التساؤلات تمكّننا من معرفة نقاط الضعف في ذاكرتنا فنهتمّ بها، ونقوّيها، ونقاط القوّة فنحافظ على مستواها، لأنّه كما يقول العلماء: (1/150)
صفحة 151
«إنّ قوّة الحفظ والتحصيل ليست من الأشياء الفطريّة التي تولد مع الإنسان مثل القدرة على التنفّس، ولكنّها مجموعة من المهارات والتوجّهات التي لابدّ للأولياء أن يعلّموها لأولادهم الصغار، كي يتقنوها في مختلف مراحل سنّهم، لأنّهم على حسب الطريقة والعادة التي ينشئون عليها، تكون مسيرتهم في مختلف المراحل المقبلة من حياتهم «.
ثمّ بعد أن يتكوّن فيهم الإدراك ويقوى، يصبحون هم المسؤولون بملاحظة مثل هذه المهارات التي يمتلكونها، وفي ذلك العمر يصبح بمقدورهم تغيير وتعديل طريقة عمل ذاكرتهم، فيستبعدون الخطوات التي تضعفها، ويحاولون اكتساب مهارات وقدرات جديدةً يدعّمونها بها، فتنمو تنميّةً تمكّنهم من الارتقاء بها إلى درجات قويّة جيّدة.
مبدأ الربط بين الأمور
كان مبدأ الربط بين الأمور الذي ابتكره (ليوناردو) إحدى أهمّ الركائز التي يرشد إلى استعمالها لتطوير العقل عظيم الإبداع.
وينصّ هذا المبدأ بصفة رئيسيّة على أنّ كل الأشياء متّصلة ببعضها البعض، وهو يقول: «تأتي الأشياء من بعضها، وتصنع كلّ الأشياء من بعضها، ويرجع أصل كلّ الأشياء إلى بعضها «.
وقد استخدم (ليوناردو) مبدأ الربط بين الأمور، ليأتي برؤية ثاقبة فائقة للطبيعة وللعالم من حولنا، ولقد أصبحت هذه الرؤى الثاقبة أساسًا لكثير من العلوم الحديثة.
وقد أعطى أمثلةً كثيرةً لذلك، منها هذين المثالين:
«فهو يدعونا أن نلاحظ مدى التشابه بين حركة الماء وحركة الشعر، والذي يتحرّك بنوعين من الحركة، وينجم أحد هذين النوعين عن وزن الشعر، والثاني في شكل تموّجات الشعر والتفافاته، وعلى نفس النسق، فإنّ سطح الماء يتحرّك في شكل دوائر مضطربة، ويتبع جزءٌ منها قوّةَ التيار الرئيسي، بينما يتبع الجزءُ الآخر منها حركة مصدر التوتّر «. (1/151)
صفحة 152
ثانيّا: «عند إلقاء حجر على سطح الماء فإنّه ينتج عن ذلك موجات دائريّة حول ذلك الحجر، وتنتشر على شكل دوائر حوله، حتّى تتلاشى، وبنفس الأسلوب، فإنّه عند إطلاق صوت أو ضوضاء في الهواء، فإنّه يتحرّك على هيئة موجات دائريّة «.
وعندما يتدرّب الإنسان على تطبيق هذه المهارة، وغيرها من المهارات في حفظ كلام الله - سبحانه وتعالى -، أو استيعاب معلومات أخرى هو في حاجة إليها، فإنّه يؤسّس بذلك أهدافًا واقعيّةً لعمل ذاكرته، ويعدّل من معتقداته في تحسين أفضل لعملها واستيعابها، وذلك بما يعدّله من أهدافه المتعلّقة بتحسين ذاكرته لتصبح واقعيّة، وممكنة التحقيق، ويتغلّب على التوتّر والعواطف السلبيّة التي تعوق التفكير السليم، وكلّما ازددنا تعلّمًا وتطبيقًا للمهارات المختلفة، تزداد الذاكرة قوّةً في الاستيعاب والاستذكار.
الربط الذهني بين الآيات القرآنيّة
الله - سبحانه وتعالى - خالق هذه النفس، وخالق هذا العقل، وقد جعل فيه تقنيّات ومفاتيح مهمّة وقويّة تجعله يؤدّي بها أعماله بنظام، ويستوعب بطريقة سريعة مرنة، وأهمّ هذه التقنيّات والمفاتيح: مفتاح الربط.
وقد اكتشف اليونانيّون منذ عصور بعيدة عن طريق استبطان الدوافع والمشاعر، والمناقشة، وتبادل الأفكار أنّ الذاكرة تعتمد في جانب كبير منها على مبدأ تداعي المعاني، والذي يعمل عن طريق ربط الأشياء ببعضها.
فعلى سبيل المثال بمجرّد أن يقوم المخّ بتسجيل كلمة تفّاحة، فسوف يبحث عن لونها، ومذاقها، وملمسها، ورائحتها، وكذلك جميع التجارب والأصدقاء والمناسبات التي ترتبط بمختلف الأوصاف.
فمثلا عندما نعطي الولد قطعة تفّاح، أو أيّ شيء آخر لأوّل مرّة، فإنّه يرفعها إلى أنفه كي يشمّ رائحتها، وكذلك يفعل مع كثير من الأشياء الأخرى. (1/152)
صفحة 153
بالإضافة إلى تداعي المعاني، فقد أدرك اليونانيّون كذلك أنّه لكي نتذكّر شيئاً ما بسهولة، فإنّه يجب علينا أن نكوّن له صورةً ذهنيّةً رائعةً ومتعدّدة الجوانب الحسّية داخل الذاكرة.
وتعدّ المكتبة أحسن مثال لقياس هذه المبادئ، فإذا دخلنا إحدى المكتبات التي تضمّ مليون كتاب، وأردنا أن نجد فيها كتابًا معيّناً نريد أن نأخذ منه معلومة ما، فسيكون البحث أسهل وأسرع، إذا كانت جميع الكتب مصنّفة ومرتّبة بطريقة منتظمة على حسب الفنّ الذي تنتمي إليه، بخلاف ما إذا كانت متراكمةً في وسط المكتبة دون ترقيم، ودون تقسيمها على حسب الاختصاص، فإنّ البحث عن ذلك الكتاب يصبح صعبًا، أو لا نستطيع أن نجده أبدًا.
إنّ الربط بين المعلومات هي عمليّة سحريّة، وهي السرّ الذي استخدمه جميع العباقرة المبدعين العظماء الذين أنجزوا أعمالاً جبّارةً عظيمةً.
فاسأل نفسك أيّها الأخ الكريم أيّ شيء تتذكّره بشيء آخر قد مررت به من قبل، أو مواز لشيء آخر تعرفه؟.
ويعبّر الربط الذهني بين المعلومات المتشابهة عن سرّ الطريقة التي يفكّر بها العقل البشري بشكل أساسي، وهو السرّ الذي إذا ما عرفه الإنسان وتعلّمه وتمرّن عليه، ثمّ طبّقه في عمليّة التحصيل، فإنّه سيحقّق أهدافًا كبيرةً، لم يكن يعتقد من قبل أنّه كان بإمكانه تحقيقها، وهو يكشف لمن تعرّف عليه وعلى كيفيّة استخدامه عن مجموعة نفسيّة لا حصر لها من كنوز الذاكرة التي غفل عنها كثير وكثير من الناس.
وتقنيّة الربط هي وسيلة للجمع بين اثنتين من اللقطات الذهنيّة بحيث يسهل تذكّرها فيما بعد، وتطبيقها في حفظ كتاب الله - عز وجل - هو أن نربط بين الآيات المتشابهة في الكلمات، وفي التعابير، وذلك مثل قصص نبيّ من الأنبياء المتعدّدة التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في كتابه الكريم. (1/153)
صفحة 154
والمداومة على استعمال قاعدة الربط سوف يساعدنا على تذكّر نفس الآية التي قرأناها من قبل، وفي أيّ سورة، وفي أيّ ربع من القرآن توجد، وكما أنّ هناك طرقًا عديدةً للتعلّم والتذكّر، فهناك أيضا طرق عديدة للربط بين المعلومات، فبعض الأشخاص يميلون إلى كلّ ما هو مرئي لتطبيق هذه التقنيّة، ومنهم من يميل إلى ما هو سمعي، وفريق ثالث يميل إلى اختلاق وابتكار قصص مختلفة تشبه الشيء الذي يريد أن يحفظه ليربط بينها.
وهذه التدريبات المختلفة لتعلّم وتطبيق هذه التقنيّة يتطلّب بذل جهد ذهنيّ وإبداعيّ للتوصّل إلى علاقة تربط بين كلمتين متشابهتين.
لقد توصّل (بونيت) إلى أنّ الألياف العصبيّة تتمتّع بنوع من المرونة، وقد شعر بأنّه كلّما زاد استخدام الأعصاب، زادت قدرتها على الاهتزاز، ونتيجة لذلك يزداد تحسّن عمل الذاكرة، وتزداد سعة استيعابها للمعلومات الواردة إليها.
والشخص الذي يزوّد عقله بالمعرفة الإبداعيّة الذهنيّة يدفعه بشكل طبيعي إلى الوصول إلى أقصى درجة من القدرات الممكنة التي يمكن أن يصل إليها عقل أيّ إنسان ذكيّ، وكلّما ازداد تعلّم العقل أكثر، أصبح من السهل عليه تعلّم المزيد، وكلّما أمدّ الإنسان ذاكرته بالمزيد، زاد عطاؤها في المقابل بالفائدة المركّبة.
وتعبّر تقنيّة الربط عن أساس الصلة بين الكلمات، أو العبارات، أو الآيات في كتاب الله - عز وجل -، وكذلك القصص المتشابهة التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم، لأنّ اللقطات الذهنيّة الموجودة في القصص ومجرياتها والصور الموجودة فيها سوف توفّر لنا إشارات لاسترجاع الآيات التي تعبّر عن القصص المتشابهة، كما أنّ الأحداث التي تدلّ عليها سوف تمكّننا من استعمال وتطبيق قاعدة الربط بصفة جيّدة سهلة. (1/154)
صفحة 155
وقد ضمّن الله - سبحانه وتعالى - كتابه الكريم كثيرًا من الأساليب والتعبيرات التي تجعلنا نستعمل قاعدة الربط والتداعي بصفة حيويّة، لذلك يجب علينا أن نفكّر جيّدًا ونلاحظ مثل هذه الآيات حتّى نطبّق هذه القاعدة بصفة واقعيّة إذا أردنا أن نحفظ تلك الآيات بسرعة، ولا ننساها.
وقد وهب الله - عز وجل - لنا عقلاً هو عبارة عن آلة ربط معجزة، والقرآن المعجزة يحتوي على كلّ تقنيّات الربط التي نستطيع تطبيقها بكلّ مهارة إذا ما أوليناها الاهتمام اللازم، وتعلّمناها بصفة جيّدة.
فوائد الربط بين الآيات المتشابهة
يجب على كلّ من يريد أن يحفظ القرآن الكريم أن ينتبه جيّدًا وبصفة إيجابيّة إلى الآيات المتشابهة أثناء الحفظ، ولعلّ الله - سبحانه وتعالى - قد أنزل كلامه على هذه الطريقة لأنّه قد خلق عقل الإنسان على فطرة يستعمل فيها قاعدة الربط بين الأشياء المتشابهة، وجعله يحتوي على هذه الآيات المتشابهة ليسهّل على العقل استعمال هذه التقنيّة، وأفعال ربّنا - عز وجل - متعلّقة بالحكمة المطلقة.
وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - هذا القرآن على هذا النحو بإرادته، وقد خلق عقل الإنسان بهذه التقنيّات، وكلّ شيءٍ أراده الله - عز وجل - فهو لحكمة بالغة، وأفعاله تتعلّق بالحكمة المطلقة، وإنّ حكمتَه المطلقة تتعلّق بالخير المطلق، ولو أنّنا فهمنا هذه المعاني والمقاصد التي أرادها الله - عز وجل -، وعقَلناها، وعشنا معانيها لتلاشت كلّ الصعوبات التي يضعها الشيطان أمامنا عند إرادة حفظ كتابه الكريم. وهو القائل - سبحانه وتعالى -:
{الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}. - ... [الرحمان ـ 1ـ4]
لقد عدّ العلماء المهتمّون بعلوم القرآن الكريم نحو ألفي آية فيها تشابه بوجه عام، وقد عدّوا آيات القرآن فقالوا إنّها تساوي: 6236 آية.
وبمعنى هذا أنّ ثلث الآيات في القرآن تقريبًا فيها تشابه. (1/155)
صفحة 156
ومعنى الآية في القرآن الكريم هو كلّ جملة منه دالّة على حكم سورة، أو فصلاً من سورة، وعلى هذا الاعتبار فآيات السور هي التي تعدّ بها أجزاء كلّ سورة من السور.
أمّا عدد كلماته: 77934 كلمة، وعدد حروفه: 323670 حرفًا.
فقد تصل بعض الآيات حدّ التطابق فيما بينها، أو الاختلاف في حرف واحد، أو كلمة واحدة، أو اثنتين، أو أكثر، كما يوجد بين بعض الآيات تشابه في تقديم بعض الكلمات، أو تأخير بعضها من سورة إلى أخرى، وخاصّةً في قصص الأنبياء التي كرّرها ربّنا - عز وجل - بكثرة في كتابه الكريم، وذلك مثل قصّة أبينا آدم، وقصّة سيّدنا نوح وغيرهما من الأنبياء.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ}. - ... [الزمر ـ 23]
يقول الشيخ بيّوض في تفسيره: (1)
«أشهر تفاسير القدامى والمحدثين ـ مثاني بمعنى تثنّى، إشارة إلى ما يكرّره الله - سبحانه وتعالى - ويعيده من أوامر ونواه، ومن قصص الأنبياء والمرسلين، وما وقع لهم مع أقوامهم، ومن المعلوم أنّ الاثنين هو أوّل كثرة في العدد، ثمّ يأتي ثلاثة، ولذلك يقال يثنّى بمعنى يضاعف، وليس المراد مرّتين فقط، واقتضت حكمة الله - سبحانه وتعالى - ولفائدة الخلق الذين أنزل إليهم الكتاب أنّ يكرّر فيه، ويعيد أوامره ونواهيه وآياته وقصصه، وبأساليب مختلفة، وليس في ذلك إطالة مملّة، أو تكرار لا فائدة فيه، وإنّما هو من فضل الله علينا أن يأتي بقصّة واحدة في أساليب مختلفة، نأخذ العبرة مرّة من أوّلها، ومرّة من وسطها، ومرّة من آخرها، لأنّ المقصود من القصص هو الاتّعاظ والاعتبار.
والقرآن ـ كما نقول دائمًا ـ ليس كتاب تاريخ، يرتّب القصص حسب تسلسل حوادثها وتواريخ وقوعها، ففي هذا التكرار فوائد جمّة، وحكم بالغة.
__________
(1) في رحاب القرآن: جزء 15، ص: 359. (1/156)
صفحة 157
ومن فوائد تعدّد الأساليب وتنوّع البيان في الأمر الواحد، أو القصّة الواحدة بحيث يسلبك كلّ نوع منه بأقصى درجات الإعجاز «.
وإذا كان الله - سبحانه وتعالى - هو الذي خلق هذا العقل، وجعل فيه مختلف المهارات التي يعمل بها بكلّ قوّة وثبات، ومنها عمليّة تشفير المعلومات التي يريد حفظها واستيعابها، وهذا التشفير يعتمد على بعض المهارات منها عمليّة الربط، فقد ضمّن كتابه مثل هذه الوسائل، ليسهّل حفظه على هذا العقل بطريقة منظّمة، فلا يتعب في استيعابه، ولا يفلت منه بسرعة.
إنّ عمليّة الربط تعزّز عمليّة التشفير، وتؤدّي إلى استخدام نظم متعدّدة للذاكرة، منها الانتباه والتركيز، وقوّة الملاحظة، مع تكرار قراءة تلك الآيات التي تشبه بعضها بعضا، وبزيادة الارتباط، يحدث داخل المخّ مستوى أعمق من المعالجة، وتجعل الآيات الكريمة أكثر قابليّة للتذكّر.
والشيء المدهش الذي اكتشفه علماء الذاكرة أنّ لكلّ شخص طريقته التي يتّبعها للربط بين المعلومات والكلمات المختلفة، ومهما يكن فإنّ استعمال مثل هذا التقنيّات يجعل الذاكرة تستوعب المعلومات بصفة منظّمة، وهذا ما يطلبه مخّ الإنسان كي تكتسب المعلومات معنى قويًّا لديه.
والحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم منظّمًا مرتّبًا يلائم تمامًا تقنيّات عمل العقل، ولا عجب في ذلك ما دام هو الذي علّم القرآن، وهو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم.
وممّا يسهّل ويدعّم عمليّة الربط في حفظ القرآن الكريم ما جاء فيه من ذكر القصص المختلفة، وتكرارها في مختلف سوره، ممّا يفتح أمام الطالب طريقًا سهلاً ممهّدًا لربط تلك السورة بالقصّة التي ذكرت فيها، ثمّ ربط تلك السورة بالسورة الأخرى التي ذكرت فيها نفس القصّة، إلى غير ذلك من الروابط المتعدّدة.
ذكر بعض الآيات المتشابهة (1/157)
صفحة 158
لقد كرّر ربّنا - سبحانه وتعالى - كثيرًا من الآيات في القرآن الكريم، وجعلها متشابهة في اللفظ، فقد تأتي نفس الآية في موضعين، أو ثلاثة مواضيع، وأحيانا كثيرة يقع فيها الزيادة أو النقصان.
وهي نماذج كثيرة، ولكن نذكر بعض الأمثلة لتقريب الفهم فقط، وعلى القارئ أن يستعمل مثل هذه التقنيّة في الآيات الأخرى.
فمثلا نقرأ في سورة البقرة في [آية:6] قوله - سبحانه وتعالى -:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.
ونقرأ في سورة يس [آية: 10]:
{وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.
ومثال آخر، نقرأ في سورة البقرة قوله - سبحانه وتعالى -، في [آية:47ـ48]
{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}.
وفي نفس السورة نقرأ في [آية:122ـ123]
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}.
فنجد بين الآيتين اختلافاً في بعض الكلمات التي تغيّرت بين الآية الأولى والثانية، ففي الأولى جاء قوله - عز وجل - ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل، وفي الثانية قوله - عز وجل - ولا يؤخذ منها عدل، ولا تنفعها شفاعة.
وفي نفس السورة نقرأ في [آية:121]
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. (1/158)
صفحة 159
وفي الآية الأخرى المشابهة لها، [آية:146]
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
وإذا تطرقنا إلى قصص الأنبياء التي أوردها ربّنا - سبحانه وتعالى - في مختلف السور نجد بينها تشابهاً كثيراً، فمنها قصّة أبينا آدم التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى - في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف، وفي سورة الحجر، ثمّ أشار إليها في سورة الإسراء، وفي سورة الكهف، وفي سورة طه وص فصّل في ذكرها نوعاً من التفصيل.
وفي أغلبيّة تلك القصص نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - يحدّثنا أنّ الملائكة سجدوا أجمعون، إلاّ إبليس استكبر، وكان من الكافرين، وحينما سأله ربّنا - صلى الله عليه وسلم - لماذا لم يسجد لما خلق بيده، وسأله أستكبرت، أم حسبت نفسك من العالين، فأجاب بأنّه خير منه، لأنّه قد خلق من نار، وآدم قد خلق من طين، ثمّ قال له اخرج مذموما مخذولا ملعونا إلى يوم الدين.
ولكن إبليس طلب منه أن ينتظره، ويؤخّره إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم القيامة، وطلب الإمهال إلى يوم يبعثون، وغير ذلك من الأساليب المتشابهة في تعبير وكلمات هذه القصّة في مختلف سور القرآن الكريم.
وبقراءتنا لهذه القصص المتشابهة في مختلف المواضع بشيء من الانتباه والتركيز والتدبّر، فإنّنا نستطيع أن نربط بينها، ونستوعبها بشيء قليل من المجهود، وتبقى راسخة في أذهاننا ما دمنا قد ربطناها برباط وثيق.
قصّة سيّدنا نوح:
وإذا لاحظنا قصص سيّدنا نوح التي وردت كذلك في مواضع كثيرة، ولاحظنا ما يفرّق بينها من الكلمات المتغايرة، أو الزائدة في موضع عن الموضع الآخر، أو الناقصة، فإنّ ذلك سيكون له الأثر الإيجابي العظيم في رسوخها في الذاكرة بصفة جيّدة. (1/159)
صفحة 160
وقد ذكرت هذه القصّة في سورة الأعراف، ويونس، وسورة هود، كما ذكرها الله - سبحانه وتعالى - في سورة المؤمنون، والشعراء، والعنكبوت، وسورة الصافّات، والقمر، وذكرها كذلك في السورة التي تسمّى باسمه، نوح.
وسيّدنا نوح هو الأب الثاني للبشريّة، وذلك من قوله - سبحانه وتعالى - {وجعلنا ذرّيّته هم الباقين}، كما أنّه يعتبر أوّل الأنبياء الذين تحمّلوا الأذى من قومه، وكلّ ذلك ممّا يجعل عمليّة الربط متوفّرة لمن يريد حفظ هذه الآيات.
ونجد أنّه ليس هناك تكرار في هذه القصص، وإنّما في كلّ واحدة منها إشارة، ومعلومة جديدة، ودروس هادفة هاديّة، وتعالج قضايا أساسيّة يشترك فيها الناس جميعا مهما تباعد الزمن، فالشبه التي تلقّاها سيّدنا نوح من قومه هي نفسها التي يقابل بها الجاهلون الدعاة في كلّ زمان ومكان.
ونجد أنّ القرآن الكريم يذكر دائما قصّة عاد وهم قوم سيّدنا هود بعد قصّة سيّدنا نوح مباشرة، وذلك في كلّ موضع من المواضع التي ذكر فيها قصص الأنبياء، وهو يشير في كثير من آياته إلى عاد وثمود، وثمود هم قوم سيّدنا صالح.
وقد جاء ذكر هذه القصص في كثير من السور، سواء بطريقة مطوّلة مفصّلة، أو بطريقة قصيرة مختصرة، أمّا التي فصّل فيها ربّنا - سبحانه وتعالى - مثل هذه القصّة فهي مثل سورة الأعراف، وهود، ثمّ سورة الشعراء، في حين قد أشار إليها في سور أخرى بشيء من الاختصار، وذلك مثل سورة الفرقان، والعنكبوت، والأحقاف، وق، والذاريّات، والنجم، والقمر، ونوح، ثمّ سورة الفجر. (1/160)
صفحة 161
وهكذا نجد كلّ قصص الأنبياء قد أعادها الله - سبحانه وتعالى - في كثير من سور القرآن، ففي ذلك حكمة بالغة، لا يعلمها إلاّ خالق هذا العقل والذي أنشأ له طريقة عمله، وأنزل هذا القرآن بطريقة يوافق التقنيّات التي يعمل بها، فما على الشخص المجتهد الذي يريد حقّاً أن يحفظ كلام ربّه - عز وجل - حفظاً جيّداً إلاّ أن يلاحظ جيّداً مثل هذا التشابه، ليستخرج منه الإشارات التي يشفّر بها طريقة الحفظ.
ومن الروابط التي نستطيع أن نربط بها حفظ هذه القصص هو أن نتذكّر عقاب كلّ أمّة من هذه الأمم، لأنّنا نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - يذكر بعد نهاية كلّ قصّة العذاب الذي أهلكوا به.
فقوم نوح كان هلاكهم بالغرق، كما كان هلاك فرعون بالغرق كذلك، فالله - سبحانه وتعالى - يقول في شأن قوم نوح في سورة الأعراف:
{فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ}. - ... [الأعراف ـ 64]
ويقول في شأن فرعون لمّا استكبروا وكذّبوا سيّدنا موسى - عليه السلام -:
{فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ}. - ... [الأعراف ـ 136]
وكذلك فإنّ عذاب قوم هود كان الريح الصرصر، قال الله - سبحانه وتعالى -:
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ}. - ... [فصّلت ـ 16]
ومن صفات هذا القوم أنّهم كانوا شديدي القوّة والغطرسة والبطش، وأنّهم يبنون في الدنيا، ويشيّدون ما يتفاخرون به.
{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}. -
[الشعراء ـ 128ـ 129] (1/161)
صفحة 162
وأمّا ثمود فقد جاءت الإشارة إليهم كذلك، وهي تتحدّث عن جوانب القوّة ومواطن الشدّة والبأس، ووصفهم الله - سبحانه وتعالى - بأنّهم يقطعون الصخر بالوادي، ويبنون به ما يريدون. فقال - سبحانه وتعالى -:
{وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}. -[الفجر ـ 9]
وأمّا عذاب قوم صالح - عليه السلام - فكان بالصاعقة:
{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. -[فصّلت ـ 17]
{وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}. -[الذاريّات ـ 43ـ44]
وبعد أن يذكر الله - سبحانه وتعالى - قوم نوح ثمّ قوم عاد، وبعدهما قوم صالح، يتبعهم دائما في كلّ المواضع بذكر قوم لوط، هؤلاء القوم الذين نشروا الفاحشة بينهم، ورضوا بها، ولم يتناهوا عن اقترافها، فجاءهم نبيّ الله - سبحانه وتعالى -، لوط فنهاهم عنها، ولكنهم لم ينتهوا، بل تمادوا وتكبّروا واستكبروا.
وقد ذكر الله - سبحانه وتعالى - هذه القصّة في أربعة عشرة موضعاً في القرآن الكريم، وأنّه - سبحانه وتعالى - يذكر في كثير من المواضع قصّة سيّدنا إبراهيم قبل ذكر هذه قصّة، وذلك مثل سورة سيّدنا هود، والحجر، والعنكبوت، والذاريّات.
وبعد ذكر قصّة قوم لوط يتبعها الله - سبحانه وتعالى - بقصّة قوم شعيب، لأنّ الله - عز وجل - قد أخبرنا بقصص الأنبياء، وهي مرتّبة ترتيباً زمنيّاً، كما يقول العلماء، وقد جاء شعيب إلى قومه ليأمرهم بإيفاء الوزن بالقسط والعدل، وينهاهم عن التطفيف، وبخس الناس حقوقهم، وأشياءهم ..
أمّا عذابهم فكان الرجفة، حيث بقوا في ديارهم جاثمين. (1/162)
صفحة 163
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. - ... [العنكبوت ـ 36ـ37]
أمّا سيّدنا إبراهيم فقد كان له الحظّ الأوفى، والنصيب الأوفر في القرآن الكريم، كما قال في ذلك العلماء، وهذا ليس بدعاً، لأنّه خليل الله - سبحانه وتعالى -، وأبو الأنبياء، وشيخ الحنفاء، وأنّ نبيّ هذه الأمّة - صلى الله عليه وسلم - هو دعوة من دعواته، كما جاء في السنّة الصحيحة، بل إنّ هذه الأمّة هو الذي سمّى عناصرها بالمسلمين.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}. - ... [النساء ـ 125]
{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ}. - ... [الحجّ ـ 78]
أمّا سيّدنا موسى - عليه السلام - فإنّه ليس غريباً أن يذكره الله - سبحانه وتعالى - في القرآن أكثر من أيّ نبيّ آخر، فهو من أولي العزم، وكذلك قد أرسله إلى فئتين، كانت كلّ منهما في جانب من الضلال والعناد والقسوة والكفر، فئة متكبّرة وطاغيّة وهي تزعم أنّها خير الأمم، فرعون وملؤه، وأخرى تعوّدت تحمّل الذلّة والتبعيّة والاستضعاف، وهم بنو إسرائيل.
كما كان القوم الذين أرسل إليهم على قدر كبير من القوّة والتمكّن في الأرض، بحيث لا تزال آثارهم حاضرة إلى يومنا هذا، وهم الفراعنة، أمّا الطرف الآخر فلها صراعات مع المسلمين أصحاب القرآن منذ فجر التاريخ، كما أنّ القرآن، قد تحدّث عنه من عدّة زوايا، وكثرت الجوانب التي تحدّث عنها ربّنا - سبحانه وتعالى - عن سيّدنا موسى - عليه السلام -، مثل ولادته ومعجزته مع فرعون الذي كبر في أحضان بيته، ثمّ بعد بعثه الله - سبحانه وتعالى - رسولا إليه. (1/163)
صفحة 164
ومنها: خبره مع فرعون، ومع بني إسرائيل، ومبدأ الرسالة التي جاء بها، ثمّ ما يخصّ مولده ونشأته، وخبره مع أمّه، وجانب المنن الإلهيّة التي خصّه بها، دون غيره من الرسل، وكذلك خبره مع العبد الصالح، وكلّ هذه الجوانب تجعل الذي يريد حفظ هذا القرآن الكريم يستعملها في ربطه للآيات التي يقرؤها.
قال الله - سبحانه وتعالى -:
كما أنّنا نجد أنّ الله - سبحانه وتعالى - يذكر قصّة سيّدنا موسى - عليه السلام - بعد قصص الرسل الآخرين في بعض المواضع، مثل سورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة هود.
وفي البعض الأخرى يأتي ذكرها قبل تلك القصص، وذلك ما نجده في سورة الشعراء، كما نلاحظ أنّ قصّة سيّدنا موسى - عليه السلام - قد استغرقت أكثر من نصف سورة القصص.
أمّا القصص الأخرى فنطلب من الله - سبحانه وتعالى - أن يوفّقنا لنفرد لها كتابا مستقلاّ نسمّيه إن شاء الله - سبحانه وتعالى - الخريطة الذهنيّة للقرآن الكريم.
مواضيع القرآن المتعدّدة والكثيرة
إنّ في القرآن الكريم مواضيع لا تعدّ، ولا يستطيع أحد من العلماء أن يحدّدها، ولكنّ كثيرًا منهم قد ذكروا ما توصّلوا إليه من الموضوعات التي ذكرها ربّنا - سبحانه وتعالى -.
وقد وجدت في كتاب القرآن الكريم الذي أصدرته [دار المعرفة] في سوريّة، الطبعة الثالثة سنة 1425هـ ــ 2003م فهرست مواضيع القرآن الكريم، وفيها:
1ـ أركان الإسلام، ... 2ـ الإيمان،
3ـ الدعوة إلى الله، ... 4ـ القرآن الكريم،
5ـ الجهاد ... 6ـ العمل،
7ـ الإنسان والعلاقات الأخلاقيّة، 8ـ الإنسان والعلاقات الاجتماعية
9ـ تنظيم العلاقات الماليّة، 10ـ العلاقات القضائيّة،
11ـ العلاقات السياسيّة والعامّة، 12ـ التجارة،
13ـ الزراعة، ... 14ـ الصناعة،
15ـ العلوم والفنون، 16ـ الديانات،
17ـ القصص والتاريخ.
فمثلاً موضوع أركان الإسلام يحتوي على ثمانيّة فروع وهي: (1/164)
صفحة 165
ـ التوحيد ـ سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - ـ الدين ـ الصلاة ـ الزكاة والصدقات ـ الصيام ـ الحجّ والعمرة ـ مسائل متفرّقة من العبادة.
وموضوع الإيمان يشتمل على ثمانيّة فروع كذلك وهي:
الله - جل جلاله - ـ الإيمان بالله ـ الأنبياء والرسل ـ الغيب ـ الكتب السماويّة ـ المؤمنون ـ الملائكة ـ اليوم الآخر.
وكلّ فرع من هذه الفروع يشمل كذلك على مواضيع تتفرّع منه.
فمثلا فرع التوحيد يحتوي على ثمانيّة عناوين، كما أنّ موضوع سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - يحتوي على 26 عنوان، كما أنّ موضوع الصلاة يحتوي على 21 عنوان، إلى غير ذلك من العناوين الكثيرة والمختلفة التي تتفرّع عن كلّ موضوع من المواضيع.
كما يوجد كتاب القرآن الذي صدر عن دار الفجر بالرسم العثماني، برواية ورش لقراءة نافع، وهو مذيّل بالتفصيل الموضوعي.
والشيء المهمّ الذي يعين على الحفظ أنّه استخدم فكرة الترميز بالتدرّج اللوني للدلالة على أقسام المواضيع.
كما يوجد بهامشه تفسير كلمات القرآن الكريم، وبهذا الترميز اللوني نستطيع أن نفسّر خريطة الذهن للقرآن الكريم.
وفي موضوع القصّة التي اهتمّ بها القرآن الكريم اهتمامًا كبيرًا لما فيها من تنميّة العقل والتفكير لدى الإنسان، وتوسيع خياله، نجد أنّه ذكر 34 قصّة يبيّن فيها خلق أبي البشريّة آدم - عليه السلام - وابنيه هابيل وقابيل، وذكر كثيرًا من قصص الأنبياء الآخرين، والوقائع المختلفة التي وقعت للنبيء - صلى الله عليه وسلم - مع قومه، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيّن للمسلمين أنّ القرآن هو غداء للناس.
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبيء - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: (1/165)
صفحة 166
«إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوجّ فيقوّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الردّ، اتلوه فإنّ الله يأجركم على تلاوته، كلّ حرف عشر حسنات، أمّا إنّي لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف «. (1)
ونستنتج من هذا الحديث أنّ الله - عز وجل - كما أنزل من السماء ماءً فأنبت به من كلّ الثمرات التي هي غذاء للجسم، فكذلك أنزل إلينا روحًا من أمره، ليكون غذاءً للعقل والروح. قال الله - عز وجل -:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. -[الشورى ـ 52]
قال المفسّر الشيخ [الطاهر بن عشور]: (2)
«ومن أساليبه {أي القرآن الكريم} ما أسمّيه بالتفنّن، وهو بداعة تنقّلاته من فنّ إلى فنّ بطرائق الإعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمرادفات عند التكرير تجنّبًا لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات، المعدود من أعظم أساليب التفنّن عند بلغاء اللغة العربيّة فهو في القرآن كثير وكثير، ثمّ الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاط متجدّد عند سماعه وإقبالهم عليه «.
إنّ أكثر أساليب القرآن الكريم من الأساليب البديعة العزيز مثلها في شعر العرب وفي نثر بلغائهم من الخطباء والأدباء.
__________
(1) الترغيب والترهيب 2 (354)
(2) 2 تفسير التحرير والتنوير (1/166)
صفحة 167
وفي هذا التفنّن والتنقّل مناسبات بين المنتقّل منه والمتنقّل إليه، وهي في منتهى الرقّة والبداعة، بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلاّ عند حصوله، وذلك التفنّن ممّا يعين على استماع السامعين، ويدفع سآمة الإطالة عنهم، فإنّ من أغراض القرآن الكريم استكثار أزمان قراءته.
وآيات القرآن الكريم لا تتناقض فيما بينها، ولا تتعارض، وهي متناسقة تناسقًا حسنًا، ولعلّ في هذا التناسق بين آيات القرآن الكريم سرًّا خاصًّا معجزًا في تأثيره في القلوب التي تهتمّ به، وسيطرته على المشاعر.
مثال لخريطة الذهن من سورة الحجرات
يقول السيّد قطب في مقدّمة تفسير هذه السورة. (1)
«هذه السورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، سورة جليلة ضخمة، تتضمّن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانيّة، حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقًا عاليّةً وآمادًا بعيدةً، وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة، ومعاني كبيرة، وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربيّة والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرّات.
وهي تبرز أمام القارئ أمرين عظيمين للتدبّر والتفكير، وتضع معالم كاملة رفيعة لعالم كريم نظيف سليم، يضمن لعناصره حياة كريمة مملوءة بالتفاهم والمعاشرة الطيّبة فيما بينهم، مبنيّة على قواعد وأصول ومبادئ ومناهج توفّر حياة آمنة مطمئنّة، وتكفل بناء هذا المجتمع، وصونه من كلّ ما من شأنه أن يقوّض أسسه ومبادئه.
عالم يصدر كلّ أسسه من الله - عز وجل -، ويتّجه في كلّ قوانينه إلى الله - سبحانه وتعالى -، عالم عفّ السريرة، واللسان، متأدّب في كلامه ومعاملاته، وفي حركات جوارحه «.
فالمقطع الأوّل كما يظهر لكلّ من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد يبيّن الآداب التي يجب على المؤمنين أن يتأدبوا بها بين يدي الله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) في ظلال القرآن، جزء: 6، ص:3335 (1/167)
صفحة 168
فلا يسبق العبد المؤمن إلهه في أمر، أو نهي، ولا يقترح عليه في قضاء، أو حكم، ولا يتجاوز ما يأمره به وما ينهاه عنه، ولا يجعل لنفسه إرادةً، أو رأيًا مع خالقه.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. - ... [الحجرات ـ 1]
والمقطع الثاني يرشد عناصر المجتمع المسلم إلى التثبّت في الأخبار التي تصلهم بواسطة بعض الناس الذي لا يتورّعون أن ينقلوا أخبارًا خاطئةً كاذبةً، وأن يستوثقوا من مصادرها، قبل أن يصدروا أيّ حكم على من نسبت إليهم.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ}. -
[الحجرات ـ 6]
والمقطع الثالث يرشد فيه الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين إلى عدم السخريّة من بعضهم البعض، فالمجتمع المسلم مجتمع مكفول الحرمات، مصون الأعراض، لا تتعرّض فيه حريّة المؤمن لأدنى مساس، ولا كرامته لأيّ انتقاص، ويحفظ فيه أمنه وسلامته.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ}. -[الحجرات ـ 11]
وفي المقطع الرابع والأخير يعرض الله - عز وجل - حقائق الإيمان الكامل الحسن، التي يسمّى بها الإنسان مؤمنًا.
{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ
فِي قُلُوبِكُمْ}. -[الحجرات ـ 14] (1/168)
صفحة 169
فباستخدام هذه الطريقة في الحفظ والاستيعاب يوفّر للعقل مجهودًا معتبرًا في تسجيل ما نريد حفظه واسترجاعه فيما بعد، لأنّ العقل يملك قدرة لا نهائيّة على حفز الأفكار، وعلى شقّ طرق مادّية قائمة على الارتباطات العصبيّة، كما يملك قدرة إبداعيّة في خلق روابط وصلات في كلّ اتّجاه، لأنّ العقل قد صمّمه ربّنا - عز وجل - على التفكير بشكل نظامي، وهذه هي طبيعته التي يميل إلى العمل بها بشكل أساسيّ، ولكن الشيء المهمّ الذي ينقصنا جميعا هو أن نمنح لعقلنا فرصة لكي يتدرّب على هذه الطريقة، ويعتاد عليها.
إنّ هذه العمليّة يعتبرها علماء الذاكرة عمليّةً قائمةً على مبدأ التكامل بين كلّ الأشياء التي تعلمناها في حياتنا الواقعيّة.
الخاتمة
إنّ مهمّة حفظ القرآن الكريم مهمّة صعبة، ولكنّها يسيرة وسهلة على من سهلّها الله - عز وجل - عليه، يسيرة على من كانت نيّته طيّبةً حسنةً في حفظ كلام الله - عز وجل -، سهلةً على من وقف فكره وعزمه على ذلك، وحرص على الصعود إلى تلك الدرجة العالية التي يهبها الله - سبحانه وتعالى - لمن يريد بحقّ الحصول عليها، ولا شكّ أنّها درجة عالية، يكفي ما قال الله - سبحانه وتعالى - في شأنها:
{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}. -[فاطر ـ 32]
والله - سبحانه وتعالى - لا يضعف أمل من نوى حفظ كتابه الكريم، ولا يخيّب له ظنّه، بل يحقّق له أمنيته، ولا يضيّع له جهده سدىً، فما على العبد إلاّ أن ينوي النيّة الحسنة، ثمّ يقرنها ببذل المجهود اللازم لذلك، فيحقّق له ربّه - سبحانه وتعالى - هدفه الذي يرمي إلى تحقيقه. (1/169)
صفحة 170
إنّ حفظ القرآن الكريم عمل جليل، وشرف عظيم، ولا بدّ من بذل المجهود اللازم لكلّ من يريد تحقيق ذلك، ومن اعتماد منهج محكم كي يصل إلى هذا الهدف العالي الذي يبلغ به مواضع الشرف والرفعة، ويكون له زين في الدنيا، ويوصله إلى أعلى درجات الجنان عند ربّ العالمين في الآخرة، فالله - سبحانه وتعالى - لا يخيّب أمله، فهو لا يضيع جهود من أحسن عملاً.
فما على من يريد أن يحقّق له ربّه هذه الأمنيّة التي ليس فوقها أمنيّة إلاّ أن يقبل على كلامه - سبحانه وتعالى - تلاوةً، وتدبّراً، وعملاً، وأن يجعله منهاجاً لحياته، وغذاءً لروحه، لأنّ الحياة المباركة توجد في ظلال هديه، وهو الذي يحقّق للمتعلّق به الأمن والعزّة والأخلاق الطيّبة، وبه يظفر بسعادة الآخرة أبد الآبدين.
إذن فالنتيجة التي نستطيع أن نقرّرها بعد ذكر هذه المعلومات البسيطة، هي أن نهتمّ أشدّ الاهتمام بكلام ربّنا - عز وجل - ونجعله رأس مالنا في كلّ مراحل الحياة، ونحاول قدر استطاعتنا أن نبحث عن الطرق التي توصولنا إلى حفظه، ونسارع إلى كلّ ما من شأنه أن يعيننا على ذلك.
يجب علينا أن لا نبخل بشيء مهما كان عزيزاً في سبيل حفظ كتاب ربّنا - سبحانه وتعالى -، وأن نجعل له حظّاً وافراً من أوقاتنا، وأن نعتصم به، فهو الحبل المتين، لأنّ من استمسك به ارتفع إلى أعلى الدرجات، واقترب من مولاه، وتخلّص من سفساف أهل الأهواء، وبذلك يستحقّ حكمة ربّه - عز وجل -، ويشبع من مأدبته - سبحانه وتعالى -. (1/170)
صفحة 171
اللهمّ لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت قيّوم السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت ربّ السماوات والأرض ومن فيهنّ، أنت الحقّ، ووعدك حقّ، وقولك حقّ، وقرآنك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنّة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، اللهمّ لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكّلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدّمنا وأخّرنا، وأسررنا وأعلنا، أنت إلهنا، لا إله إلاّ أنت.
اللهم أنت الحقّ المُبين، المبيّن للحقّ، والهادي إليه، والمُوَفِّق لاتِّباعِه، فاجْعَل بين أيْدِيَنا نوراً من نور قُرْآنِك وهِدايَةً من بيانِك، فإنَّك أنت الهادي إلى صراط مستقيم.
سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين
والحمد لله ربّ العالمين
قائمة المراجع
القرآن الكريم
التفاسير
في رحاب القرآن للشيخ إبراهيم بيّوض
التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي
الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله بن محمّد القرطبي
التحرير والتنوير محمّد الطاهر بن عاشور
في ظلال القرآن سيّد قطب
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن محمّد فؤاد عبد الباقي
موسوعة أسماء الله الحسنى محمّد راتب النابلسي
شرح أسماء الله الحسنى ابن القيّم الجوزيّة
نضرة النعيم ... مجموعة من المختصّين
صحيح البخاري
الجامع الصحيح ... الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري
من وصايا الرسول ... طه عبد الله العفيفي
جامع العلوم والحكم عبد الرحمان بن شهاب الدين
شرح الحكم العطائيّة محمّد سعيد رمضان البوطي
مختارات من خطب الجمعة محمّد سعيد رمضان البوطي
المستخلص في تزكيّة الأنفس سعيد حوّى
الطوفان قادم مجدي الهلالي
المحاور الخمسة للقرآن الكريم محمّد الغزالي
كيف نتعامل مع القرآن محمّد الغزالي
القرآن القول الفصل محمّد العفيفي
إنّه القرآن سرّ نهضتنا مجدي الهلالي
العودة إلى القرآن الكريم مجدي الهلالي
كيف تحفظ القرآن الكريم مصطفى مراد (1/171)
صفحة 172
كيف نحفّظ أبناءنا القرآن الكريم عمر قاسم العساكر
كيف نحيا بالقرآن الكريم عماد عليّ عبد السميع
ورتّل القرآن ترتيلا أنس أحمد كزرون
أثر القرآن الكريم في الأمن النفسي ناهد عبد العال الخرّاشي
القصص القرآني فضل حسن عبّاس
أسرار الذاكرة في حفظ القرآن الكريم موسى بن إبراهيم حريزى
الوصفة الطبيّة للذاكرة جاري سمول
مرّن عضلات مخّك طارق محمّد السويدان
التفاؤل التلقائي مايكل ميرسر ـ ماريان تروياني
العقل أوّلا توني بوزان
العقل القويّ ... توني بوزان
الذكاء الروحي توني بوزان
الذكاء الاجتماعي توني بوزان
كتاب تدريبات الذاكرة دوجلاس جيه ـ مايكل إل كون
كيف يعمل العقل ... سيرل بيرت ـ آررنست
قائمة المراجع
المقدّمة ... 05
الفصل الأوّل: حفظ القرآن وتلاوته
القرآن الكريم لغة واصطلاحا. 08
أهمّية حفظ القرآن وتلاوته 10
أنواع التلاوة ... 13
الفصل الثاني: الحفظ الجيّد
الاهتمام ... 16
الباعث على الحفظ هو الله - سبحانه وتعالى - 19
الاستعداد للحفظ والاستيعاب 20
تطبيق هذه المهارة ... 22
الحفظ من مصحف واحد 23
كيفيّة الحفظ ... 25
الطرق الفطريّة للحفظ 27
طريقة حفظ القرآن الكريم من القرآن 31
الفصل الثالث: التركيز والتكرار
التركيز مع القرآن الكريم 35
لنترك أنفسنا للقرآن الكريم 37
ولكن ما هي حالتنا مع القرآن 39
التكرار وأثره على الذاكرة 42
استعمال الذاكرة السمعيّة 47
مشاركة كلّ الحواسّ 53
الفصل الرابع: النظام يوفّر الجهد
كن منظّما ووفّر كثيرا من الجهد 58
اتّخاذ وقت معيّن للحفظ 65
استغلال النوم لترسيخ الحصّة 71
الطاقة القويّة وقت الفجر 72
عليك أن تختار ما دام لك الاختيار 74
ولد يحفظ القرآن في المهجر 76
الفصل الخامس: الاستعداد للحفظ
التسلّح بالدافع ... 79
الاستعداد المعنوي ... 82
الإخلاص لله - سبحانه وتعالى - والدعاء 85
الدعاء ... 89
المداومة على قراءة آيات الحفظ 94
ترديد بعض الآيات المؤثّرة 96
الوضوء وإزالة الخطايا 98 (1/172)
صفحة 173
بعض فوائد الوضوء قبل التلاوة 100
فائدة استقبال القبلة ... 101
فائدة صلاة ركعتين ... 102
الفصل السادس: تحديد الهدف
تحديد الهدف وتحقيق النتيجة 104
سوف ترى النتيجة عندما تؤمن بها 108
التحفيز ... 113
بعض أنواع المكافآت 116
الفصل السابع: الثقة بالنفس
الثقة بالنفس من أسس النجاح 118
التردّد والتسويف سبب ضعف الثقة 120
لماذا لا نحقّق بعض الأهداف 126
العزم والعزيمة ... 130
ما هي مصادر معتقداتك الشخصيّة 136
التفاؤل ثمّ التفاؤل دائما 139
تجنّب التصوّرات السلبيّة 146
الانسحاب من مشاكل الحياة 147
الفصل الثامن: الربط الذهني
اكتشف طريقة عمل ذاكرك 152
مبدأ الربط الذهني بين الأمور 153
الربط الذهني بين الآيات 154
فوائد الربط بين الآيات 157
ذكر بعض الآيات المتشابهة 159
مواضيع القرآن المتعدّدة 165
مثال لخريطة الذهن من سورة الحجرات 168
الخاتمة ... 171
المراجع
الفهرست (1/173)