صفحة 1
الكتاب: حال المخطوطات في المكتبات الخاصة بشمال الصحراء لعمر لقمان
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الجمهورية الجزائريَّة الديموقراطية الشعبية
وزارة الاتصال والثقافة ... ... ... ... ... وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
مديرية الثقافة - ولاية غرداية
بالتنسيق مع
مخبر المخطوطات (جامعة الجزائر) ... ... ... ... مخبر المخطوطات (جامعة وهران)
حال المخطوطات في المكتبات الخاصة بشمال الصحراء
دراسة ميدانية
عمر لقمان سليمان بوعصبانة
(أستاذ بجامعة وهران)
غرداية 19-20 ذو القعدة 1423هـ / 22-23 يناير 2003م
F
وبه نستعين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
تمهيد:
يكفي ما خطَّته يد الإنسان فخرا أن يُقسِم المولى عَزَّ وَجَلَّ به، وأن يكون ضمن المخلوقات المشرَّفة التي أقسم بها؛ حيث قال بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم: 1) .
وأن ينوه بآلة الكتابة حيث قال بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ خَلَقَ الاِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الاِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: 1 ـ 5) .
ويكفي المسلمين شرفا أن يكون أولى الاهتمامات تمهيدا لنسخ القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرتها، أمْرُ النبي الأعظم محمد J بعد غزوة بدر أسرى بدرٍ تعليمَ المسلمين القراءة والكتابة.
وإنَّ سَنام ما خطَّته يد البشرية جمعاء، كتاب الله عز وجل في صدر الإسلام، خاصة وقد ضمن الله تبارك وتعالى حفظه إذ قال عز من قائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ, لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) .
ويكفي الجزائر كلها شرفا أن يُعقد مثل هذا الملتقى الوطني، وفاء لسلفها، واعترافا برسوخ قدمها في العلم.
وإن محاضرتنا هذه قد تعدُّ لبنة في جدار صرح الثقافة الإسلامية إن وفقنا الله تبارك وتعالى فيها. (1/1)
صفحة 2
فهي وصفية تحسيسيَّة لوقت نحن أحوج فيه إلى تحسيس واستنفار، أكثر مما نحن أحوج فيه إلى ترداد زفرات واستنكار. فلكي ألبي طلب مخبر المخطوطات بالمساهمة بمحاضرة في الموضوع، أُراني عاجزا لأمرين:
- عاجزا عن رد الطلب الجميل.
- وعاجزا عن أن أفِيَ بحقِّ المقصد النبيل.
و ما زرناه من مكتبات في جنوب الجزائر على طرق القوافل، من ملُّوكه، المطارفة، أدرار،
وفي وسطها: غرداية، مليكة، بني يزجن، العطف، بنورة، بريان، القرارة.
وفي شرقها: وارجلان، عجاجة، نقوسة، تماسين، المغيَّر.
قد يعد كافيًّا كي يكوِّن نماذج لأغلب خزاناتنا بشمال صحراء الجزائر، وما آلت إليه المخطوطات، مع الظروف الصحراوية، وما تتسم به من صفات.
ولاشك أنَّ النوايا الحسنة تحدونا، وأنَّ حبَّنا لتراثنا الإسلامي يفوق التَّصَوُّر. لَكِنَّ طريقة الوصول إلى الحل تحتاج إلى تروٍّ وحكمة بالغة. واسترداد ما ضاع من خارج وطننا يحتاج إلى بدء سريع، ونفَس طويل، وبذل مال، ووقفة رجال. لو ستنطقنا المخطوطات الموجودة الآن نفسها لكشفت عن أعداد هائلة من المخطوطات لم يبق منها إلا العنوان، وقد ضاعت في عهدها فضلا عما ضاع بعدها.
لقد ضيع المسلمون بأيديهم مكتبات بكاملها. فمن أغار على غيره، شتت أنصاره، وغوَّر آباره، وأجتثَّ أشجاره، وأحرق الأخضر واليابس، غير عابئ بوعيد الله، وغير قابل اختلافه في رأيه وفتواه.
كما تلاعبت أيدي المستشرقين بالتراث الإسلامي، فهرَّبت الكثير، قصد استلابٍ حضاريٍّ، فأخفت أروع المؤلفات في مكتباتها، وأحكمت عليها بالأرتاج، في أماكن لا ترى النور، ولا يستفيد منها إلا من سمحوا له بذلك بعد أن يجعلوا له عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
كما زادت العوامل الطبيعية في الصحراء من إيذائها للموروث الحضاريِّ فلم يبق منه إلا النزر اليسير، نحن أحوج ما نكون إلى الوفاء به، وحبِّه، والتعلق به، فضلا أن نزيد له تلفا، ولأهله إجحافا. (1/2)
صفحة 3
ولكي نتكلم عن حال المخطوط في شمال صحرائنا، يستحسن أن تكلم عن أهم العوامل المتسببة في إتلافه، أو حفظه وبقائه. وهي:
1 - المؤثرات الطبيعية.
2 - المؤثرات البشرية.
1 - العوامل الطبيعية المؤثرة في المخطوطات بشمال صحراء الجزائر:
أ )- الحرارة والبرودة:
تتعرض المنطقة لتقلبات جوية بالغة التباين بين حرارتها وبرودتها. فالمنطقة (شمال الصحراء الجزائرية) يقع فيها التباين الشاسع بين حرارة وبرودة اليوم الواحد، فضلا عن صيفها وشتائها، فالمدى الحراريُّ فيها واسع جدا، وهذا ما يؤدي إلى تقصُّف الصخور وتفتُّتها وتهْيِئتها للنقل بواسطة الرياح، وهذا العامل يسمى في علم المناخ بـ(التجوية)، المؤثر خاصة على المشبَّكات (أو الكونغلومِرَات) كما يؤثر أيضا على الصخور المتجانسة. فإذا كان التباين يفعل فعله في الصخور، فهو يؤثر كذلك على جميع ما هو كائن تحت تأثيره، فالحرارة الشديدة تؤدي إلى جفاف الجلد والأوراق وتيبسها الشديد، وبالتالي يؤدي هذا إلى تقصُّفها، فتصير الورقة اللينة مثل الجريد اليابس، ما أن يحاول أحد طيَّ أحد أطرافها إلا وتقصَّفت وتساقطت أجزاء.
ب )- النور:
كما أن نور الشمس يؤدي إلى زوال الكتابة وأخذ حبرها، وإضفاء الصفرة على الأوراق البيضاء، وهذا ما نراه الآن حتى على الواجهات الزجاجية لمتاجر الصحراء، أو الطلاء المعرض للشمس، مثل طلاء السيارات مثلا. (1/3)
صفحة 4
ولقد شاهدنا في زيارتنا لمكتبة سانت بطرسبرغ (لينينغراد سابقا) في روسيا، حيث خزانات المخطوطات قد وضعت في أماكن معزولة، وعلى أبوبها الزجاج الواقي، والأستار الملوَّنة بالأبيض من الخارج، والأسود من الداخل رغم برودة المكان. وحيث إن المنطقة تتعرض ليوم طويل في الصيف قد يصل إلى عشرين ساعة، والنور موجود ولو بعد غروب الشمس في فصل الصيف، فإنه من الضروري اتخاد مثل هدا الإجراء، حيث خطر النور هناك ظاهر للعيان وحادٌّ. وهذه المكتبة تضم مخطوطات إسلامية آلت إليها من تركة الدولة العثمانية بعد سقوطها.
ج )-الرياح الرملية:
كما أن بيئة شمال الصحراء تتعرض في شهور: مارس، أفريل، ماي لزوابع رملية حادَّة لتباين الضغطين: الأزوري المرتفع في المحيط الأطلسي، والقابسي المنخفض، فتتجه الرياح قوية من الغرب إلى الشرق، حاملة معها الرمال، الحادَّ منها والثقيل، والغبار الرقيق، فتحرك الكثبان ثم تهدأ. لكن الغبار الرقيق يبقى مدة طويلة في الجو، ثم يتساقط. فالمُحمَّلة بذرَّات (الكوارتز) هي الكاشطة والخادشة، والرقيقة هي النافذة إلى داخل كل المسامَّات، من خلال الشقوق والمنافذ الدقيقة، فضلا عن الشبابيك الواسعة والساحات المفتوحة.
وبالتالي فالمخطوط المليء بالتراب الدقيق معرَّض للتلف السريع.
د )-الرطوبة:
كما أن بالمنطقة وخاصة وادي أريغ أراض منخفضة (دون مستوى سطح البحر) تتعرض لظهور شطوط ملحية واسعة، مثل سباخ وارجلان وتقرت، البرك المائية بالواد. مما يجعل أرضية وأسس المباني تمتصُّ كمية كبيرة من الماء بواسطة ما يسمى بالجاذبية الشعرية (capillarity) وتشيعها في محيطها. (1/4)
صفحة 5
ولا شك أن الحرارة هي الخزان الأساسي للرطوبة، فكلما ازدادت المنطقة حرارة أمكن للرطوبة أن تحمل فيها بنسب عالية جدا (علما بأن المخطوط لا يتحمل أكثر من % 50 - % 65 من الرطوبة) (1) ويندر أن تتكاثف بها ذرات الماء، وبالتالي أهم ما يمص ذرات الماء العالقة في الجوِّ هو الخشب والورق، فتتوسوس الأخشاب، وتعين على ظهور حشرات رهيبة في المحيط، كما تتعفن الأوراق فتظهر بها حشرات ناخرة، وقد تلتصق الأوراق بعضها ببعض، ويؤدي ذلك إلى تشابكها في حزم مختلفة العدد، ثم يبدأ حبرها في الانتقال من وجه إلى آخر، وينتشر الماء فيها على شكل بقع واسعة لا تسمح للقارئ التمييز بين الواضح والباهت، وبين أسطر الصفحة والأسطر المتنقلة منها من الجهة المقابلة.
هـ)- التقادم والتلوث البيئي:
كما أن للزمن أثره على المخطوط.
يصف الأستاذ الكيميائي محمد بدر الدين فكري في بحثه قائلا عن التقادم: «إن التقادم هو عملية بيولوجية طبيعية (فيزيائية) وكيميائية، وأحيانا ميكانيكية تحدث في المخطوط أو الكتاب نتيجة لفعل عوامل مختلفة بيئية خارجية أو داخلية.... وهذه العوامل التي تؤدي إلى ظهور أعراض التقادم الشائعة من هشاشة وجفاف، وضعف في الألياف، واصفرار أو تشققات...» (2) .
فمكتبات شمال الصحراء قديمة قدم الحركة العلمية والتجارية بها.
__________
(1) ... محَمَّد بدر الدين فكري: دراسة تحليلة للطرق العِلمِيَّة لعلاج وترميم المخطوطات والوثائق، قسم الترميم، سلطنة عُمان، (مرقون) ص8.
(2) ... محَمَّد فكري: المرجع السابق، ص7. (1/5)
صفحة 6
ونلاحظ أن أغلب القرى في شمال الصحراء توجد على خطوط طرق القوافل. وربما للدولة الرستمية والمرابطين دور في انتقال الفكر الإسلامي خلالها فضلا عن تجارة الذهب، فقد لاحظ جوزيف شاخت انتقال العمارة خلال بحثه، ولا شك أن الدعاة المسلمين الذين بنوا تلك المساجد قد حملوا معهم كتبا تعينهم عَلَى التفقه والإفتاء، وهذا طبعا يحدو بنا إلى البحث عن الأقدم في المخطوطات الموجودة بالنطاق المدروس، حتى نسارع إلى ترميمها قبل أن يحين أجلها، وتصويرها قبل فوات الأوان. فأقدم ما وجد من المخطوطات نسخا قد يرجع إلى القرن السابع الهجري، مثل ما قال لي بعض القيمين على المكتبات، أما مؤلفوها فمنهم من عاش في القرن الثاني إن لم أقل القرن الأَوَّل الهحري. مثل:
- جوابات جابر بن زيد (ت: 93هـ).
- نوازل نفوسة للإمام عبد الوهاب (ت: 171هـ) (محقق).
- وأقدم مخطوط مغاربي هو بدء الإسلام وشرائع الدين لابن سلام اللواتي (ت: 273هـ) (محقق).
أما عامل التلوث البيئي من عوادم السيارات، والغبار الناشئ عن سيرها السريع في الطرق الطينية والرملية، هو الملاحظ على أوراق الأشجار وجريد النخيل المحاذي للطرقات، ولحسن الحظ فإن الرياح تدفع بأدخنه الغاز المحترق إلى الصحراء الشرقية، وهي بيئة فارغة من العمران (حاليا)، غير أن الخطر محدقٌ لا محالة إن كانت هناك تيارات هواء ارتدادية أو دائرية إعصارية. وهناك تتحول الأبخرة والغازات إلى أحماض، قد تأتي على الأخضر واليابس لا قدر الله.
2-العوامل البشرية:
يعد الإنسان المسؤول الأول في أغلب الحالات عن مصير تراثه، لأنه يستطيع أن يتحكم إلى حد بعيد في المؤثرات الطبيعية من جهة، كما أنه يستطيع أن يرقى بتراثه ويحافظ عليه إن تحكم فيما يؤثر عليه شخصيا من حيث مكوِّناته وأهواؤه وميوله ورغباته، ويمكن أن نحصر هذه العوامل البشرية في الآتي:
أ - العامل الثقافي: العلم والجهل.
ب- العامل العاطفي: الحب والكره. (1/6)
صفحة 7
ج - العامل النفسي: الخوف والأمن.
د - العامل المادي: الغنى والفقر.
أ - العامل الثَّقَافِي (العلم والجهل):
لعل أهم عامل تظهر نتائجه على حالة المخطوط محافظة أو تلفا هو المستوى الثقافي لمالك المخطوط، فالعالم يحافظ على المخطوط أكثر مما يحافظ على ممتلكاته المادية، لأنه يعرف قيمة ما يتضمنه من ثروة ثقافية قد تكون نادرة. فيتخذ لمخطوطه جميع الأسباب لبقائه في حالته الجيدة التي تركها عليه.
فإذا لا حظنا الوصايا التي يتركها هؤلاء العلماء نعرف مدى تعلقهم وحبهم لكتبهم وخزاناتهم.
فعلى سبيل المثال لا الحصر قد أوصى أحدهم على أن لا تفرق كتبه بين الورثة، لأنه يعلم أن في تفرقها ضياع وتلف، فبعض الورثة قد يكون السبب في إهمالها لكونه جاهلا، أو حدَثَ السِّنِّ، أو امرأة تحت رجل لا يقدِّر ما آل إليها من أبيها.
ولذا يستحسن أن تبقى عند أعلم الورثة مجملة، ويمكن للبقية الاستفادة منها عند الضرورة.
كما أن بعضهم أوصى بعرجون نخلة وقفا على المخطوط يبقى ريعه للمحافظة عليه وتجليده وما يمكن أن يحتاجه.
أما الجاهل: فهو ذلك الإنسان الذي يحكم عليه حظه بمسؤولية ثقيلة عليه، فيجد في مجموعة الكتب عبثا لا يمكن أن يتخلص منه إلا بمواراته عن الأنظار، وهو أيضا يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسُّه في التراب .
فيجعلها مرة في صناديق عادة ما تكون قديمة، ترجع إلى أيام تقسيم التركة. وقد يجلعها في زنابيل أو أكياس، ويرمى بها فوق الخزانات، والأدهى هو ذلك الإنسان الذي يتضايق منها فيرميها في بئر أو يحرقها.
ولعل هذا النوع مع شيوع الثقافة قد نقص أو زال.
ب - العامل العاطفي (الحب والكره):
هذا الجانب يشترك فيه العالم والجاهل، وقد يكون هذا مندرجا تحت المؤثر الأول، أو نتيجة عنه.
فحبُّ الإنسان لكتاب بعينه قد يكون لشيء وجده فيه يؤدي إلى التعلق به إلى حد إخفائه ضنًّا به. (1/7)
صفحة 8
فإذا كان المخطوط نفيسا أخفاه صاحبه، إلى أن يؤدي هذا الإخفاء إلى ظهور علامات التلف عليه.
أما إذا كرهه فقد يتركه عرضة للضياع، فيتركه لأولاده الصغار، يتعلمون عليه أصنافا من الرسوم والتشطيب والتمزيق.
ج- العامل النفسي ( الخوف والأمن ):
يعدُّ الخوف أهمَّ عامل على الإطلاق لإخفاء المخطوطات عن الأنظار، وهذا ما لمسناه في زياراتنا لمالكي خزانات، آثروا أن يخفوها في دور مهجورة بين الكثبان الرملية، فالخوف من ذهابها من بين أيديهم له أسبابه التاريخية.
- فلقد ضاعت كثير من الخزانات بسب الفتن الهوجاء، التي أتت على الأخضر واليابس، فالتاريخ يذكر كيف تعامل التتار في القديم مع أنفس المخطوطات في بغداد، ورموا بها في الأنهار.
وكيف أحرق العبيديون مكتبة المعصومة بتاهرت سنة 296 هـ.
وكيف هدم ابن غانية الميورقي مدينة سدراتة بكاملها، بما فيها الآثار المعمارية الرائعة، وما فيها من النفائس المخطوطة، سنة 626 هـ.
وكيف تعامل الإسبان مع المسلمين بعد سنة 904هـ/1499م (1) ، وكيف حرقوا أكثر من مليون مخطوط في ساحة باب الرملة بمدينة غرناطة، حتى أدى ذلك ببعض المسلمين إلى بناء أسوار عليها وسط دورهم.
وكيف تعامل الاستعمار مع الجزائريين، وحرق المكتبة الوطنية الجزائرية قبل مغادرته إلى الأبد.
كما أن أصحاب المكتبات قد عانوا من السلطات العسكرية إبان الاستعمار، فقد تعسفوا، واستخدموا مختلف أساليب التخويف لقهر الناس.
فقد تحايل بعض الأوروبيين المنبثِّين في هذه المناطق حينما نزلت طلائع الجيش إلى الصحراء، فرأت أن أهم شيء لمعرفة الجزائريين وفرقهم وقبائلهم ولهجاتهم هي الكتب التاريخية، واللغوية.
فأخذ "ماسكراي" من المنطقة كتاب سير أبي زكرياء وترجمه سنة 1878. وتعلم باسيه اللغة البربرية وكتب عنها.
__________
(1) ... د. عبد الرحمن علي الحجي: محاكم التفتيش الغاشمة وأساليبها، شركة الشهاب، الجزَائِر، ص27-31. (1/8)
صفحة 9
وحينما أخفى الأهالي ما يمتلكونه، بل هدَّدوا بعض الأروبيين بالقتل إن امتدت أياديهم إلى الكتب، فهموا أنَّ التخويف لا يجدي نفعا، فحولوا الخطة إلى بث الأمن وإشاعة التقرب والتزلف.
فـ"زقمونت سموجورفسكي" (smogorzewski,zygmunt )لم ينل ماناله إلا بعد أن تظاهر باحترام الناس وحبهم، وأبدى رغبته الملحة لخدمة العلم، فنال مبتغاه وحمل معه صناديقَ عديدة من المخطوطات إلى "لفوف" lwow)) ببولونيا ـ بلده الأم ـ وذلك في سنة 1913 - 1926. وعقد ندوة مشهودة في جامعة الجزائر شرح فيها كل أعماله (1) .
أما "ريني باسيه" فلم يستطع الدخول إلى مكتبة الزاوية التيجانية إلا بعد أن أتى مرفوقا برسالة من الوالي العام بالجزائر، موجهة إلى شيخ الطريقة التيجانية، السيد محمد الصغير بن الحاج على التيجاني شيخ الطريقة التيجانية بتماسين، وذلك بتاريخ 26 فيفري 1885 طالبا منه أن يفتح له خزانة المخطوطات حتى يقتبس منها مايحتاج إليه (2) .
كما تنكَّر بعضهم في زيِّ عربي لإيهام الناس، مثل ما فعل الرحالة "جون ليتيو"، وصار يرتحل في الصحراء عبر طرق القوافل خمسين سنة، وجمع ما جمعه من المخطوطات، هذا ما جعلنا نتتبع خطواته إلى حيث يختلي بين الجبال في فرنسا. ولكن حالت دوننا الأعذار الواهية، فلم نظفر به، ولا بمخطوطاته. وأهم ما ذكره في كتابه "وارجلان مدينة صحراوية": كتاب البراهمي في سلوك المذهب الإباضي، يتناول تاريخ سدراته ووارجلان في القرون الهجرية الأولى.
__________
(1) ... ألقى زقمونت سموجورفسكى أستاذ بجامعة ليوبولد (Leopold) ببولونيا محاضرة في القاعة الكبرى بجامعة الجزَائِر. ينظر: Revue Africaine , 1926, n° 67 , p 242.
(2) ... Basset René : Les manuscrits arabes des bibliothèques des Zaouias de Ain Madhi et Temacin de Ouargla et de Adjadja, Bulletin de correspondance Africaine, Vol. 3, 1885, p211-265. (1/9)
صفحة 10
كما تحايل أحد الآباء البيض، وأخذ كتاب الأنساب من مسجد "حادور" بوارجلان. وهكذا فهم الغرب أن الخبز والدواء في يدٍ مقابل العقيدة والتراث من جهة أخرى.
د- العامل المادي (الغنى والفقر):
يلعب الغنى والفقر دورا بارزا في المحافظة على المخطوط من عدمه.
فالفقر قد يكون سببا في تسرب كثير من المخطوطات إلى ما وراء البحر، طعما في عملة صعبة، أو بسمة باهتة، أو رضى من إنسان يعتقد فيه القوة والكمال.
فكم من حفيد ضيَّع موروثه من أجداده بحفنه مال من سائح.
كما أن الغنى صار في الوقت الحاضر أهم عامل لتدارك الوضع لصاحب المكتبة نفسه.
وقد نبالغ إذا عزونا ضياع المخطوطات إلى عامل البيع، ونسينا أن الفقر الظاهر في القرى الصحراوية انعكس ليس على أحوال أصحاب المكتبات فقط بل حتى على محيطهم، فلقد رأينا ـ كما أسلفنا ـ دورا مهدَّمة السقوف، تحتوي على مجلدات ضخمة ومكدسة، لا الدولة انتبهت لذلك ومنحت أصحاب المكتبات دعما ماديا معتبرا لإ عادة ترميم هذه المكتبات، ولا أهلها أولوها عنايتهم، وقدموها على بعض حاجياتهم.
كما أن هناك مكتبات في أريغ سقطت عليها أمطار طوفانية، ولعدم وجود عازل في السطوح، ولكون المنازل من طابق واحد، تسربت المياه عبر الشقوق إلى الكتب والمخطوطات، فبادر أهلها إلى انقاذها مشكورين، ولكن يقول المثل: «ما كل مرة تسلم الجرة».
كلمة لا بد منها:
لا يفوتنا في هذه المحاضرة أن نقف وقفة شكر وتقدير لبعض الجمعيات، التي سخرت كل ما لديها من الإمكانيات لتحقيق المخطوطات وطبعها، أو قامت بفهرسة المكتبات بطريقة حديثة أخرجتها من الأقباء إلى الأضواء، ومن شكِّ الإخفاء إلى وضوح التعاون والإفادة.
وعلى رأس هذه الجمعيات في هذه المنطقة جمعية التراث - بالقرارة. التي يرأسها فضيلة الشيخ عدون شريفي سعيد -أمد الله في أنفاسه وقد جاوز القرن ولا يزال في اهتمامه البالغ بهذا الأمر، وهو جدير بالحفاوة والتكريم. (1/10)
صفحة 11
كما أن جمعية أبي إسحاق بغرداية قامت بمجهود كبير، فصورت المخطوطات وحفظتها على الميكروفيلم أو بالآلة الرقمية. أضف إلى ذلك كل ولايات الجنوب، وعلى رأسها السادة الولاة ومديرو الثقافة الدين بذلوا كل جهودهم للاهتمام بالتراث من كافة جوانبه.
بعض الملاحظات العامة:
ما يمكن أن نلاحظه من خلال هذه الوقفات التأملية أن الرطوبة الموجودة في أريغ ووارجلان غير موجودة بحدة في منطقة وادي ميزاب الجافة، والرمال الغامرة لمكتبات منطقة أدرار وملوكة والمطارفة ومنطقة وادي سوف غير موجودة كذلك في المناطق الصخرية بميزاب.
ولحسن الحظ مكتبات قرى ميزاب لا توجد بها هذه العوامل المتلفة للمخطوطات، ولكن دون أن ينتبه الكثير من أهاليها لذلك حتى يزيدوا في الحفاظ عليها، ودون أن ينتبه أهل المناطق الأخرى حتى يزيدوا احتياطا.
ويمكن أن نلاحظ أن الامر ليس عملية صيانة بقدر ما هو تحسيس بالوقاية من سد للمنافذ، وإحكام للأبواب، وإسدال للأستار العازلة للنور الساطع، ووضع للخزانات في أماكن ذات مناخ معتدل، لا تتفاوت فيه الحرارة بشكل ملحوظ، فلا هي أماكن علوية معرَّضة للحرارة، ولا هي دهاليز في المناطق المعرَّضة للرطوبة.
ومن المؤسف حقا أن نجد مكتبات أسقفها مكشوفة تماما، أو منهارة في مناطق تغمرها الرمال. (1/11)
صفحة 12
فوضعها المبكي يمكن أن يغيَّر بمصاريف أقلَّ من التي بنيت بها المكتبة، وذلك بتغيير اتجاه أبوابها ونوافذها، وإحكام غلق خزاناتها. كما أن استدبار الرياح الغربية الرملية، والشمالية الباردة، وعزل طابقها الأرضي بطابق علوي، يمكن أن يعين علىحفظها. وتضييق الأقواس وفتحها على شكل يسمح بوجود النور بشكل كاف عند الشروق، وبشكل محدد عند الزوال، وبشكل كاف عند الغروب يعين على وجود جو رائق للمخطوطات. وهذا ما نلاحظه في العمارة القديمة بميزاب، فقد استفاد أهلها من الطبيعة القاسية، كما التزموا بالضوابط الشرعية الموجودة في كتاب أصول الأرضين لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائبي النفوسي المتوفى سنة 504هـ/1110م. وكذا مختصر العمارة للشيخ امحمد بن يوسف اطفيش رحمه الله المتوفى سنة 1332هـ/1914م.
ومن أطرف ما يحضرني بالتأمل، وليس ضروريا أن أكون صائبا في الأمر، كيف كان وضع الكهف المذكور في القرآن وما فيه الخصائص التي أبقت على نضارة الشباب الذين آووا إليه.
انظر إلى قوله تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَّاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَالِكَ مِنَ ـ ايَاتِ اللَّهِ مَنْ يَّهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ, وَلِيًّا مُّرْشِدًا} (الكهف: 17) ، فالملاحظ أن الديار القديمة في ميزاب قد اهتمت بهذا الجانب مراعاة للضوابط الشرعية، فهي مستدبرة للرياح الدائمة، ومفتوحة على النور الضروري في عوارض سطوحها، ومضيِّقة للنور الساطع في أقواسها وسواريها المتقاربة، والشمس تدخل إليها عبر العوارض الواسعة عند الشروق، وتحصر بالسواري الضَّيِّقَة عند وجود الشمس في كبد السماء، ثُمَّ تتلقى أَشِعَّة الغروب عَبْرَ العوارض، ونجد أغلى ما يحفظ فيها يكون في الطابق الأرضي في فجوة منها، مثل خوابي التمر، وخزانات الكتب. (1/12)
صفحة 13
نماذج لبعض المكتبات وحال المخطوطات بها:
قبل أن أشرع في عرض أحوال بعض المكتبات والمخطوطات بها أراني مضطرًّا لوضع أرقام لها دون ذكر أسماء أصحابها، فعلى المتمرس في الموضوع أن يعرف صاحبها من بعض القرائن التي تركتُها، وَذَلِكَ لإشباع رغبة الحريصين إجمالا، ومُغفلا أسماء أصحابها، حَتَّى لا أزيد للأبواب إقفالا. مع أَنَّنِي لا أنسى كرم كثير منهم وحسن ضيافتهم، وفتح أبواب مكتباتهم، واستقبالهم وحسن تعاملهم معي.
1- إن أنس فَإِنَّنِي لا أنسى مكتبة زرتها مع صاحبها بعد أن قطعنا مسافة طويلة بين كثبان الرمال، فتراءت لنا قرية مهجورة تماما بأسوارها وبوَّاباتها وديارها، خلت أَنَّنِي في مدينة بومبي، أو هركلانوم، اللتين طغى عَلَيْهِما بركان فيزوف، فهُجرتا.
أزحنا الرمال من أمام باب الدار المقصودة الموصدة، فدلفنا إِلىَ غرفة قد انهار سقفها، وبها خزانات حديدية ملأى بالمخطوطات. وأغلب المخطوطات علاها الغبار، وأكلتها الأرضة، فصارت غرابيل، ينفذ منها نور الشمس، ما أن تفتح مخطوطا إِلاَّ وتساقط عَلَى حجرك طحين أبيض من بقايا ما أنفت الأرضة من أكله.
سألت صاحب المكتبة عن السبب في مبالغته وإيغاله في الإخفاء، ومن الأحسن له أن يرى أصحاب الاختصاص حَتَّى يصوّروا نسخا منها قبل أن تضيع إِلىَ الأبد، فأجابني بِنَصِّ هَذِهِ العبارة: «إننا قد أحسنَّا الظنَّ بالبعض، وَلَكِنَّهُم لم يُرجعوا ما أخذوه إِلىَ حدِّ اليوم، ولا نعرف مآله». فلم أجد الجواب الشافي، وقد التمست له بعض الأعذار. (1/13)
صفحة 14
2- مكتبة أخرى في نفس المنطقة، استقبلني صاحبها أحسن استقبال، وفتح لي مكتبته عَلَى مصراعيها، وحينما تصفَّحت جميع المخطوطات في خزانتين ملئتين، ارتاح إِلىَ كلامي، واطمأنَّ إِلىَ تعاملي معه، فصار يتردد عليَّ بالمخطوط والمخطوطين من داخل بيته، فتعجَّبت من فعله، وسألته عن عدم وضعها مع الأخرى، فقال: أ،ا آتي بها من غرفة نومي الخَاصَّة، ولا يطَّلع عَلَيْهَا إِلاَّ أن وثقت به، فلقد أخذ مِنِّي بعض الوجهاء من أصحاب المناصب العليا بعض المخطوطات عَلَى سبيل الاطِّلاَع، فلم يرجعوها. وَهَذِهِ أحسن طريقة لتفادي ذَلِكَ الإحراج.
3- مكتبة أخرى آلت إِلىَ وارث عامِّي لا يعرف قيمتها، وجدتها في صندوق قديم، وبعد الاطِّلاَع عَلَيْهَا سألته عن أَهَمِّيَّتها، فوجدته لا يعرف عنها شَيْئًا. فعرَّفته بقيمة بعضها، وَلَعَلَّها نادرة، فشكر لي ذَلِكَ... وبعد رجوعي إليها مَرَّة أخرى اعتذر لي عن عدم إمكان فتحها، وقد صارت غالية، وهي بحاجة إِلىَ خزانات وتنظيم!!.
4- سَيِّد معتبر عنده مكتبة شددنا إِلَيْهَا الرحال، وبذلنا في سبيل الوصول إِلَيْهَا الأموال، ورغم الحفاوة في الاستقبال فَإِنَّهُ تعلل بعدم فتح خزانته لا في الحال ولا في المآل.
س- ما السبب في عدم فتح الخزانة لطلاَّب العلم ؟
ج- قرَّرت عدم فتحها لأي أحد.
- نرجوكم إن حجبتم عَنَّا الكتب فاعطوا لنا القائمة فقط.
- لا يا سَيِّدي الكريم، ولا حَتَّى القائمة الآن، إِلىَ أن يحين الوقت اللائق لفتحها.
فقلت في نفسي: شكرا لكم سَيِّدي، وشكرا للفرنسيِّ رينيه باسيه (René Basset)، الذي ترك قائمة مفصَّلة لها!!.
5- سَيِّد معتبر، بعد مُدَّة زمنية من المحاولات، ومعرفة بِأَنَّهُ ورث مخطوطات من والده العالم كان جوده بِبَعْض الأوراق التي لا يُفهم ولا يعرف أصلها، لأَنَّهَا كانت في متناول الصبيان، يأخذون منها بعض الفوائد!... (1/14)
صفحة 15
6- كان مالك المكتبة قاضيا، والقرية التي عاش فيها قد هُجرت بكاملها إِلىَ بنايات جديدة محاذية لها. وبعد الذهاب مع الدليل من القرية الجديدة إِلىَ القرية المهجورة، تسوَّرنا البيت، فنزلنا من فتحة في سقفه إِلىَ غرفة ملئية بأوراق المخطوطات كَأَنَّهَا أوراق الخريف. أدخلنا بعض الكراريس في كيس،وحاولنا لَمَّ بعضها إِلىَ بعض عَلَى شكل مخطوطات متجانسة في الخطِّ والحجم، فأرجعناها إِلىَ صاحبها دون الاهتداء إِلىَ هوية المخطوطات، لأَنَّهَا غير مكتملة أساسا.
7- طلبنا الدخول إِلىَ مكتبة معتبرة، وبعد البحث عن القيم والمفتاح دخلناها. مكتبة منظَّمة معروفة، لَكِنَّ العائق من الانتفاع بها انشغال القيم بأمور أخرى؛ فهي مغلقة إِلىَ أن يحين الوقتن اللائق.
8- مكتبة مفهرسة، بها من المخطوطات الشَّيْء الكثير، يفتحها صاحبها في ساعات قليلة من اليوم.
9- مكتبة لها وريث شرعيٌّ واحد ذكر، لَكِنَّهُ مغترب، ولا يرضى الاقتراب من داره ومخطوطاته، أعرف بما تحتويها، الألمان وَبَعض علماء الدول الشقيقة المجاورة.
10- مكتبة ضخمة، أغلب ما فيها من تأليف صاحبها، وقف لها دارا، اتُّخذت لها خزانات وقيم، لها أوقات يومية يشغلها الذكور في وقت، والإناث في وقت آخر يستفيد منها القاصي والداني.
11- مكتبات فُتحت حديثا تضمُّ بعض النسخ الخطية، مفهرسة بشكل جَيِّد جِدًّا، يستفيد من محتوياتها كُلُّ من قصدها للبحث.
هَذِهِ نماذج من مكتبات يمكن للبعض مِنَّا أن يعرف مكانها وصاحبها، وَهَذَا لا يُهِمُّ الآن، إِنَّمَا الأهمُّ هو دراسة الواقع، وإيجاد الحلول الناجعة لِهَذِهِ النماذج وغيرها. ولا يتأتَّى ذَلِكَ إِلاَّ بدراسة ما أعاق الاستغلال، وإيجاد الضمانات المريحة لصاحب المخطوط المتوجِّس خيفة من التعسُّف والسطو.
وفي الأخير، فقد تَبَيَّنَت لنا من خلال هَذِهِ الزيارات ملاحظات كثيرة تحتاج إِلىَ دراسة متأنية ونفس طويل قد نقسمها إِلىَ شقَّين: (1/15)
صفحة 16
- الشقُّ الأَوَّل خاص بمالكي المكتبات.
- الشقُّ الثاني خاص بالزائرين من الطلبة والعلماء
أَوَّلاً - قد يتداول الثروة الحضاريَّة (المخطوطات) أبناء لايعرفون قيمتها ويأنفون من إظهارها، والاعتناء بها، فترى في زوايا المنزل بعيدة عن أماكن البريق؛ فتتآكل الأوراق بالرطوبة، ويعلوها الغبار، وتعشش فيها شَتَّى القوارض والحشرات، فتحوِّل الأوراق إِلىَ غرابيل منخورة. فإذا شمَّت الرطوبة كما رأينا تمازجت فيها ألوان الحبر، أَمَّا إذا تعرضت للرياح والشمس جفت أوراقها، وتقصَّفت مثل أوراق الشجر اليابس.
هكذا يختلط الحبُّ والكره، فحبُّ التملُّك يوصل إِلىَ الضنِّ بِكُلِّ شَيْء، وكرهه يفضي إِلىَ إهماله، فلا صاحبها استغلَّ الموجود، ولا طالب العلم تنسَّم عبير الماضي السحيق. ومع هَذَا فَإِنَّ من صفات المسلم المتخلِّق التماس الأعذار. ولا يمكن أن نزيل الخوف عن صاحب المكتبة إِلاَّ إذا أشعنا في قلبه الأمل، وفي باله الراحة، عَلَى أَنَّ غرضنا الاطِّلاَع فقط، وأخذ المعلومات، وأننا نخرج كما دخلنا بأوراق وأقلام ومحفظة مفتوحة، مع أَنَّ هَذَا لا يشفي غليل الباحثين، إذ يمكن أن يستعمل صاحب المكتبة كُلَّ الوسائل الحديثة التي تضمن بقاء مخطوطه إن وُفِّرت له تلك الأسباب من الجهات المعنية.
ثانيا - جانب الزائرين: لَعَلَّ المتسبِّب الأَوَّل فيِ غلق المكتبات فيِ وجوه الباحثين الجادِّين، الذين سبقوا إليها في يوم ما، فلم يشرِّفوا بتعاملهم، إِمَّا استخفافا أو غفلة، فمنهم من أخفى مخطوطا، ومنهم من بتر كراريس كاملة من داخله.
وأرى أَنَّ هَذَا الجانب الحسَّاس يحتاج إِلىَ دراسة نفسية تَارِيخِيَّة يمكن أن يخصص لها المخبران يوما دراسيًّا، تحلَّل فيه الدوافع والسلوك، وتقترح فيه الحلول الناجعة. (1/16)
صفحة 17
وأعتذر إن تسبَّبت في إزعاج أيٍّ من الأطراف، إن هي إِلاَّ أَنَّة معاناة في بداية طريق طويل، وَلَكِن آن الأوان لأَن نتفاءل، ونقول: إِنَّ الأبواب صارت تفتح مع وجود المخلصين والمثقَّفين، والجمعيات الرائدة في الميدان.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىا عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: 105) .
المراجع:
1- جمعِيَّة التُّرَاث: دراسات وأبحاث عن الإِبَاضِيَّة "بيبليوغرافيا"، 1409هـ/1989م.
2- د. عبد الرحمن علي الحجي: محاكم التفتيش الغاشمة وأساليبها، شركة الشهاب، الجزَائِر، د.ت.
3- رسالة الوالي العام لولاية الجزَائِر لشيخ الطريقة التيجانية، Bulletin de correspondance Africaine.
4- عمر لقمان سليمان بوعصبانة: تراثنا والمستشرقون، ألفية الجزَائِر، (محاضرة مرقونة).
5- عمر لقمان سليمان بوعصبانة: واقع المخطوطات الإِسلاَمِيَّة في البلاد العَرَبِيَّة والأوربية، مخبر المخطوطات، كُلِّيَّة العلوم الإِنسَانِيَّة والحضارة الإِسلاَمِيَّة، جامعة وهران، (محاضرة مرقونة)، 29 ربيع الأَوَّل 1421هـ/2جويلية 200م.
6- محَمَّد بدر الدين فكري: دراسة تحليلة للطرق العِلمِيَّة لعلاج وترميم المخطوطات والوثائق، قسم الترميم، سلطنة عُمان، (مرقون)، د.ت.
7- Basset René : Les manuscrits arabes des bibliothèques des Zaouias de Ain Madhi et Temacin de Ouargla et de Adjadja, Bulletin de correspondance Africaine, Vol. 3, 1885.
8- Revue Africaine , 1926, n° 67.
المحتويات
تمهيد ...
1 - العوامل الطبيعية المؤثرة في المخطوطات بشمال صحراء الجزائر ...
أ )- الحرارة والبرودة ...
ب )- النور ...
ج )-الرياح الرملية ...
د )-الرطوبة ...
هـ)- التقادم والتلوث البيئي ...
2-العوامل البشرية ...
أ - العامل الثَّقَافِي (العلم والجهل) ... (1/17)
صفحة 18
ب - العامل العاطفي (الحب والكره) ...
ج- العامل النفسي ( الخوف والأمن ) ...
د- العامل المادي (الغنى والفقر) ...
كلمة لا بد منها ...
بعض الملاحظات العامة ...
نماذج لبعض المكتبات وحال المخطوطات بها ...
المراجع ... (1/18)