صفحة 1
الكتاب: إعادة صياغة الأمة - لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) إعادة صياغة الأمة
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
الفهرس:
مقدمة
إعادة صياغة الأمة
معنى إعادة صياغة الأمة
كيف نتغلب على صعوبات إعادة صياغة الأمة؟
هل مسيرة الفكر الإسلامي سلسلة ردود أفعال أم نابعة من صميم العقيدة؟
إعادة صياغة المناهج
حال المؤسسات العلمية ودورها في إعادة صياغة الأمة
ضرورة استقلال الأمة من ربقة التبعية
ضرورة الاستفادة من التجارب الرائدة
هل ستطال إعادة الصياغة المذهب الإباضي؟
من أصداء ندوة إعادة صياغة الأمة:
المدرسة الإباضية بالبصرة
المدرسة الأثرية
الفقه الإسلامي بين مقاصد الشريعة وظواهر النصوص:
الأخذ بالأسباب ودوره في نهضة الأمة:
الصحوة الإسلامية في العصر الحديث
التعلق بالوهم وترك الأسباب عقبة في طريق الصحوة
الأخذ بالأسباب من صميم الدين
الآثار السلبية المتولدة عن ترك الأسباب والتعلق بالأوهام
وراء الأسباب مسببها
الآثار الناجمة عن الإعراض عن سنن الله
الأسباب والمشيئة الإلهية
آيات الله تتجلى في خلقه
الكرامات والأولياء
التحذير من الوقوع في الوهم
دعوة إلى تنقية الأذهان
ملحق الأسئلة
الغزو الفكري قديماً وحديثاً:
أهمية الفكر السليم
الكذب على الأنبياء
قصة داود عليه السلام
قصة يوسف عليه السلام
قصة هاروت وماروت
افتراء على النبي صلى الله عليه وسلم
عقيدة التجسيم والتشبيه
خطورة الإرجاء
الغزو المعاصر
طالب العلم والمستقبل:
الخلافة في الأرض بالعلم
فقه النص وفقه الواقع
ضرورة العمل بالعلم
المداومة على العلم
عقبات على الطريق:
الإسلام بريء من هذه الأفعال
تلبس الجن بالإنسان
السحر وتفريق القلوب
الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم:
مكانة الدعوة
أساليب الدعوة
أهمية العلم للداعية
خطورة التقول على الله بغير علم
أهمية علم المقاصد للداعية
بين مسائل الدين والرأي
أمثلة من اختلاف العلماء في الرأي
الداعية بين الدين والرأي
خطورة الفرقة والتشتت
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم (1/1)
صفحة 2
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد .....
فقد كان الخطاب الذي وجهه سماحة الشيخ الخليلي حفظه الله في ندوة (إعادة صياغة الأمة) بمثابة جرس الإنذار بضرورة المراجعة ومحاسبة النفس حتى تعود لهذه الأمة مكانتها وهيبتها وتقبض على زمام المبادرة في ركب الحضارة الإنسانية.
وهذا الخطاب من الشيخ ليس وليد اليوم، لكنه يرجع للبدايات الأولى من حياته الدعوية، لكن برز هذا الخطاب بشكل لافت للنظر في السنوات الأخيرة، وبعد تلك الندوة كانت للشيخ بعض الايضاحات والتفصيلات لمجملات تلك الندوة في عدد من الدروس والمحاضرات، ولا نزال ننتظر منه المزيد.
ومشاركة منا في إبراز هذا العمل قمنا بتفريغ أشرطة تلك المحاضرات، وكان عملنا فيه الآتي:
1. صياغة نصوص المحاضرات لتتفق مع الأسلوب الكتابي، مع اعترافنا بالعجز عن التعبير بمستوى الشيخ.
2. إعطاء عناوين فرعية للموضوع الواحد.
3. تخريج الآيات والأحاديث تخريجاً مختصراً، واعتمدنا في ذلك على موقع (المحدث) في الشبكة العالمية للمعلومات (الانترنت) http://www.muhaddith.org
4. التعليق البسيط على بعض المواضع.
5. الترجمة لبعض الأعلام التي لها تعلق بموضوع الكتاب.
6. العرض النهائي للعمل على سماحة الشيخ لإبداء التوجيهات والملاحظات.
وسيكون هذا الكتاب إن شاء الله تعالى الحلقة الأولى من سلسلة حلقات حول هذا الموضوع، والله نسأل أن يبارك في حياة الشيخ لتستفيد الأمة من فيض علمه، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
خالد بن مبارك الوهيبي
مسقط - سلطنة عمان
إعادة صياغة الأمة
ندوة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان.
أدارها: عبدالله بن عامر العيسري ومحمد بن سعيد الحجري (1/2)
صفحة 3
يوم السبت 25 من ربيع الثاني 1422هـ 6 يوليو 2002م
بمسجد التوبة بالغبرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
أصحاب الفضيلة الحضور الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
معنى إعادة صياغة الأمة
أضاعت هذه الأمة وقتاً طويلاً وهي تحمّل أعداءها أسباب إخفاقها في التدافع الحضاري، وفوتت فرصاً كبيرة كان يمكن أن تقوم عبرها بواجبها في الشهود الحضاري، فنشأت الحضارة الحديثة مشوهة جائرة بمعزل عن إسهام المسلمين وعانى الإنسان والكون وباءاته. (1/3)
صفحة 4
من وهدة الهزيمة تبحث الأمم لنفسها عن سبيل الحياة، وتتفحص حالها بلهفة وإلحاح باحثة عن أسباب الهزيمة وعوامل الانكسار، ومع اشتداد مأزق أمتنا، ومع استمرار تهميشها عن مجال التأثير في الحياة، وحين وضعتنا الأحداث شئنا أم أبينا على حافة صراع حضارات، فإن النظر إلى الذات أصبح أولى من النظر إلى الآخر (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم)آل عمران: 165، وفي حالة أمة كأمتنا لم تشد حضارتها إلا على هدي من الدين، ولم يعرف لها التاريخ أي إسهام حضاري بمعزل عنه، ولم تتميز إلا حين آمنت به وتمثلته، فإن البحث في أسباب مأزقها يقتضي منا أن نتفحص بعناية علاقتها بالمكوِن الحضاري الأول لحضارتها أي علاقتها بدينها وبدون ذلك يبدو البحث عبثاً وتجديفاً في اليبس، ومن المنطقي أن يمر البحث بمناطق أخرى تابعة يخالها البعض ثانوية وهي مع ذلك حسّاسة وخطرة من قبيل العلاقة بين الخلف والسلف وبين الحاضر والماضي؛ التي وصفها بعضهم خطأ أو صواباً لا أدري! بأنها علاقة يحكم فيها الأمواتُ الأحياء، عالم من الأحياء يحكمه الأموات على حد عبارته، أو من قبيل تجديد مناهج الاستنباط والاجتهاد، أو إعادة النظر في سلم الأولويات المختل أو دراسة تبادل التأثير بين تصور المسلمين لدينهم وتطور تاريخهم السياسي والاجتماعي. (1/4)
صفحة 5
هذه كلها مناطق يشعر كثير من الباحثين أمامها بالرهبة إما لضخامة المهمة أو خوفاً من التهم المعلبة الجاهزة التي تنتظر كل من يغامر بالدخول إلى مناطق حرمها البعض على البحث، ممن أعفى نفسه من فريضة التفكير وألزم الآخرين بذلك، وبالجملة فإن الأمة كما يلخص سماحة شيخنا العلامة الخليلي في حاجة إلى إعادة صياغة من جديد حتى تستطيع أن تنهض بمهمتها الحضارية شاهدة على العالمين، ونحن هنا اليوم أيها الأخوة لنستطلع رؤية سماحة الشيخ التي عبّر عنها في أكثر من مناسبة والتي أصبحت عنصراً رئيسياً يلح عليه دائماً وباتت سمة واضحة لخطاب سماحته في الآونة الأخيرة، سماحة الشيخ لتسمح لي: تردد كثيراً في أحاديثكم ومحاضراتكم في الآونة الأخيرة عبارة (إعادة صياغة الأمة)؛ مثلاً في مناسبة الهجرة المشرفة، في الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف وفي حلقات برنامج سؤال أهل الذكر..
سيدي سماحة الشيخ: سؤالي بشكل مباشر ما الذي تعنونه بـ(إعادة صياغة الأمة)؟.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فالسلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته وبعد،،،
فإن الأمم إنما تقوم - أول ما تقوم - على التصور الصحيح؛ ولذلك كان هدم التصورات الباطلة وتشييد التصورات الصحيحة أول شيء يضطلع به المرسلون، فما من رسول من رسل الله سبحانه إلا وقد واجه تصورات باطلة عششت في الأذهان واستحكمت في النفوس وسيطرت على الألباب وقادت الأمم إلى حافة الانتحار، فكان أول شيء يدعون إليه بين أممهم هو أن تعرف هذه الأمم من أين جاءت وإلى أين تنتهي وماذا عليها أن تعمل فيما بين المبدأ والمنتهى؛ لتقوم حياتها على التصور الصحيح. (1/5)
صفحة 6
ونرى أن سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عندما جاء بالدعوة الحقة دعا أول ما دعا إلى التصور الصحيح، فقد دعا إلى الاعتقاد الحق بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذا التصور هو الذي شيدت عليه دعائم حياة هذه الأمة الفكرية والحضارية والاجتماعية حتى كانت خير أمة أخرجت للناس، فهي أدركت تمام الإدراك أنه لا إله إلا الله، وأن الحكم المطلق إنما هو لله سبحانه الذي أوجد هذا الكون وأفاض على الوجود ما أفاض من تجلياته العظيمة التي تشاهد في كل ذرة من ذراته؛ بحيث صارت كل ذرة من ذراته تعرب بلسان حالها عن افتقارها إليه سبحانه وتعالى، وأنه هو الغني الذي لا يحتاج إلى أي شيء سواه، وأن كل ما فيه إنما يسعد بالخضوع لأمره والاستجابة لداعيه والوقوف عند حدوده؛ ولذلك تناغى هذا الكون مع هذه الحقيقة كما يعرب بذلك القرآن الكريم عندما قال في وصفه سبحانه ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً)الإسراء: 44.
والإنسان واحد من الكائنات، آتاه الله سبحانه وتعالى ما ميّزه به عليها من الإرادة والتفكير والقدرة على التأثير في نفسه وما حوله، فلذلك نيطت به مسئولية عظيمة، فهو إن تجاوب مع الكون ودار في فلكه؛ بحيث كان مستجيباً لأمر الله قائماً بحكمه، سعد وانعكس أثر ذلك على الوجود، وإن شذ كان شذوذه داعياً إلى التنافر بينه وبين الكون وكان سبباً للفساد كما يعرب عن ذلك قوله سبحانه وتعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس )الروم: 41. (1/6)
صفحة 7
وطريق التلقي عن الله سبحانه وتعالى واحد، وهو ما يدل عليه الاعتراف والشهادة بأن محمداً رسول الله، بحيث يتلقى الإنسان المسلم المؤمن بالله وبنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام من هذا الطريق عن الله، سواء كان هذا الذي يتلقاه وحياً ظاهراً وهو القرآن الكريم أو كان وحياً باطناً وهو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ولقد شيدت دعائم حضارة هذه الأمة على أساس هذا التصور الصحيح والفكر الناصع، ولكن هل ظلت الأمة مستمسكة بهذا الأمر ناهجة هذا النهج؟ كلا، فقد دخلت التصورات الباطلة التي تنقض هذا التصور وإن كانت لا تزال تحت مظلته حسبما يزعم الكثيرون، وذلك بسبب التأويلات الباطلة وبناء الفكر على غير قواعد ثابتة من كتاب الله سبحانه ومن هدي رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.
وإذا نظرنا إلى ما ورثته الأمة بسبب طوائف من البشر دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزاراً مما كانوا يعتنقونه من قبل من الأفكار، وأيضاً بسبب تأثير السياسة؛ نرى أن:
1. بعض ذلك يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان بالله.
2. وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان باليوم الآخر.
3. وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للعلاقة التي يجب أن تكون بين البشر حكامهم ومحكوميهم في هذه الأرض.
أما العنصران الأولان فهما يرجعان إلى كون كثير من الأمم دخلت في الإسلام وهي تحمل أوزاراً من مواريثها الفكرية السابقة، والعنصر الأخير إنما يرجع إلى انحراف الذين أخذوا بزمام القيادة الدينية السياسية في الأمة منذ تلك المرحلة المبكرة بعدما انتهت الخلافة الراشدة.
وعدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله أدّى بكثير من الناس إلى أن يسلكوا مسلكين متناقضين عجيبين:
1. تشبيه الخالق بمخلوقاته.
2. تشبيه المخلوقات بخالقها.. (1/7)
صفحة 8
- أما تشبيه الخالق بمخلوقاته: فهو أن يُوصَف الله سبحانه وتعالى كما يوصف الخلق بأنه محدود ومتحيز ومتحرك، يذهب ويجيء ويفرح ويحزن وتعرض له العوارض التي تعرض للبشر، حتى أنهم قالوا بأنه ينسى نسياناً حقيقياً يليق بجلاله، وهذا يرجع إلى نبذ المحكم واتباع المتشابه والله سبحانه وتعالى يقول: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) آل عمران: 7 فهذا ضلال في التصور.
-أما تشبيه المخلوق بخالقه: وذلك بأن يُوصَف المخلوقون بصفات الألوهية، بحيث ينظر إلى طائفة من الناس إما لعنصرهم وإما لحالهم على أنهم يتصرفون في الكون تصرفاً مطلقاً، فهم بيدهم البسط والقبض، والعطاء والمنع، والرفع والخفض، والقبول والرفض، يدخلون الجنة من يشاءون، ويحرمون من يشاءون منها، ويلقون في النار من يريدون؛ لأن الأمر كله راجع إليهم وتصريف الكون بأيديهم، وهذا أمر في منتهى الخطورة، فهذه العقيدة جاء الإسلام لاجتثاثها، فلو صيغت الأمة صياغة قرآنية من حيث تصورها لكانت أبعد ما تكون عن هذه التصورات. (1/8)
صفحة 9
ذلك لأننا نرى أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أن أي أحد من خلقه ليس له من الأمر شيء، فالله سبحانه وتعالى يخاطب عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم: ( ليس لك من الأمر شي) آل عمران: 128، ويقول له صلوات الله وسلامه عليه: ( قل إنما أنا بشر مثلكم) الكهف: 110، وكذلك يقول له سبحانه وتعالى: ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) الأعراف: 188، فما معنى هذا التعلق بأفراد بسبب عنصرهم أو بسبب حالهم وهم أحياء أو أموات، مع أن النبي صلوات الله وسلامه عليه على عظم شأنه ومنزلته العليا عند الله سبحانه وتعالى لا يملك من الأمر شيئاً وهو في حياته يملأ ثيابه ويملأ السمع والبصر؟ !، فكيف هذا التمسك بالأموات والتعلق بالماضين واعتبارهم يقدمون ويؤخرون وينفعون ويضرون، أو التعلق بالأحياء ممن تضفى عليهم صفة القداسة؟ !. (1/9)
صفحة 10
ونجد أن الله سبحانه وتعالى ينعي على المشركين مثل هذا المعتقد كثيراً في كتابه كما في قوله عز من قائل: ( قل من رب السماوات والأرض قل الله أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار) الرعد: 16، والقرآن الكريم يصور لنا التصوير الصحيح لهذه الحقيقة في مواضع شتى فالله تعالى يقول: ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون)التوبة: 51 ويقول ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم) يونس: 107 ويقول سبحانه وتعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم) فاطر: 2 ويقول: ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) الزمر: 38.
وقد يتساءل الإنسان؛ ما علاقة هذا بنهوض الأمة أو عثرتها؟. (1/10)
صفحة 11
والجواب: إن العلاقة ظاهرة؛ ذلك بأن الله سبحانه وتعالى عندما يوصف بصفات المخلوقين تذهب هيبة الربوبية التي له سبحانه وتعالى في قلوب عباده، فعندما يوصف الخالق العظيم بأنه يؤتى به محمولاً على سرير من ذهب تحمله أربعة ملائكة، أو أنه يذهب ويجيء ويفرح ويحزن إلى غير ذلك من هذه الصفات، هل تبقى في قلوب عباده هيبة! كما يحسون بذلك عندما يعتقدون اعتقاداً جازماً أنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؟، وأنه عز وجل لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، وأنه منزه عن كل شبه بأي شيء من هذه الكائنات فهو لا تعرض له العوارض ولا تبدو له البدوات، ولا تكتنفه الأقطار، ولا تحيط به الجهات، هو الخالق المصور المبدئ المعيد، قد كان قبل خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يدرك بعين ولا يطلب بأين.
أما الأمر الذي يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، فإن الإيمان باليوم الآخر يأتي قرين الإيمان بالله في كتابه، فنرى أن الله سبحانه وتعالى يذكر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان به سبحانه، وهو يعني أن من آمن بالله واليوم الآخر فكأنما أمسك حبل الإيمان من طرفيه واكتنف الإيمان من قطريه؛ ذلك لأن الإيمان بالله إنما هو الإيمان بالمبديء العظيم الذي خلق فسوى وقدر فهدى، الذي أسبغ على العبد نعمه ظاهرة وباطنة، والذي تتجلى عظمته وكبرياؤه في كل مشهد من مشاهد الكون، وفي كل ذرة من ذرات هذا الوجود، فهذا الإيمان يحفز صاحبه إلى أن يتفاعل معه تفاعلاً تاماً، وذلك بأن يضبط جميع أعماله وفق أمر من خلقه فسواه وأنعم عليه بهذه النعم الظاهرة والباطنة. (1/11)
صفحة 12
ولكن مع ذلك تعرض للإنسان عوارض كالذهول والشهوات وتتحرك في نفسه الغرائز؛ وذلك يؤدي به إلى الوقوع في مخالفة أمره سبحانه وتعالى، إلا أن ذلك كله يمكنه أن يتحكم فيه وأن يضبطه ضبطاً متقناً عندما يكون مؤمناً باليوم الآخر؛ لأن إيمانه باليوم الآخر إنما هو إيمانه بالمعاد، والإيمان بالمعاد يقتضي أن يكون الإنسان مفكراً تفكيراً عميقاً فيه، فإن هذا المعاش المحدود الوهمي الذي يمر بمرحلته لا يوازي شيئاً بجانب ذلك المعاد الأبدي الحقيقي، إذ لا يدري الإنسان متى تنصرم هذه الحياة؛ فلذلك يتحكم في رغباته ونزواته ونزغاته عندما يرسخ الإيمان باليوم الآخر في نفسه، على أن يكون تصوره لذلك اليوم تصوراً صحيحاً مستلهماً من القرآن الكريم ومن الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا من الأماني الفارغة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً)النساء: 123 ويقول في وصف ذلك اليوم.. وما أدراك ما يوم الدين.. ثم ما أدراك ما يوم الدين.. يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله) الانفطار: 17-19، ويقول عز وجل: ( من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون.. ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) النمل: 89-90 ويقول تعالى: ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون)القصص: 84، ويقول سبحانه: ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)الأنعام: 160. (1/12)
صفحة 13
عندما يرسخ هذا الاعتقاد في النفس فإنه ولا ريب يؤدي إلى أن تتفاعل معه تفاعلاً تاماً، فتصاغ حياتها وفق هذا المعتقد، ولكن عندما تَفرّغ النفس منه ويكون هناك تشبث بالأماني والآمال الباطلة فلا ريب أن الحياة تتحول تحولاً جذرياً من الخير إلى الشر ومن الصلاح إلى الفساد، فإن النفس البشرية جبلت على الطمع، والإنسان يحب العاجلة وينسى الدار الآخرة، وعندما تحيط به شهوات نفسه وتدفعه دفعاً إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية، فلا ريب أن الإيمان بأن الحق سبحانه وتعالى يجزي كل نفس بما عملت يؤدي بالإنسان إلى أن يتحكم في هواه ويسيطر على رغباته ويصوغ حياته صياغة شرعية. (1/13)
صفحة 14
ونرى من أجل ذلك كيف جاء القرآن الكريم بما يدلنا على أن القول بنفاذ وعيد الله سبحانه وتعالى هو الذي يمكِن للإنسان أن يتحكم في نزغاته ونزعاته ويسيطر على أهوائه، ويقود نفسه قيادة سليمة إلى خير الدنيا وسعادة الآخرة، فالله تعالى يقول: ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) ق: 45 ومعنى ذلك أن الذي لا يخاف وعيد الله سبحانه وتعالى لا يجديه التذكير بالقرآن، فعندما يرسخ في نفس الإنسان أن الله سبحانه وتعالى (إذا وعد وفى وإذا توعد عفا) لا بد أن تهتز نفسه، ويؤدي به هذا المعتقد إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية، ولذلك نجد كيف يصف الله سبحانه وتعالى اليهود بالانحراف بسبب رسوخ هذا المعتقد في نفوسهم فهو تعالى يقول: ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا)الأعراف: 169، وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر أن إعراض اليهود عن الكتاب الذي أنزل عليهم إنما كان بسبب اعتقادهم أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات فقد قال سبحانه وتعالى: ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون.. ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون.. فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) آل عمران: 23-25، فهذه المعتقدات انتقلت إلى الأمة وأورثتها اتباع الأهواء وتشتت كلمتها وذهاب ريحها، فأصبحت أمة هزيلة.
فعقيدة الإرجاء لها أثر كبير في تدمير الأمة وأخلاقها، والقضاء على معنوياتها، والكبوة بها بعدما كانت أمة ناهضة قوية عزيزة يحسب لها بين الأمم جميعاً كل حساب. (1/14)
صفحة 15
ولا ريب أن مثل هذه المعتقدات أخذت تنخر في جسم هذه الأمة نخراً، وليس ذلك وليد اليوم والأمس، وإنما منذ بدأ هذا الانحراف، حتى أصبح مفهوم الإيمان عندها مفهوماً نظرياً شكلياً لا أثر له في الحياة، كأنما الناس تعبدوا بأن يعتقدوا أن هذا كذا وهذا كذا، وألا يتأثروا بهذا المعتقد في حياتهم، ومن غريب ما يذكره الإمام محمد عبده أن أحد الكبراء في وقته كان يقول: "أنا لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني والحمد لله مسلم أدين بأن الربا حرام! " أي تناقض هذا؟ ! يعتقد أنه يكفيه اعتقاد أن الربا حرام، ولئن اعتقد ذلك فحسبه هذا المعتقد سبباً لنجاته من النار! !. قال الإمام محمد عبده تعليقاً على ذلك: وقد فات هذا أنه يلزمه بناء على هذا المعتقد أن يعتقد أنه من الذين يحاربون الله ورسوله، وأنه من أهل الوعيد على أكل الربا.
ولكن بما أن هؤلاء الناس يعتقدون أن الوعيد يطرأ عليه التبديل والتغيير بسبب عفو الله سبحانه وتعالى كما قالوا: (إذا وعد وفى وإذا توعد عفا)؛ فإنهم لا يرون لهذا الوعيد أثراً في سلوكهم؛ فلذلك يجترئون على محارم الله تعالى غير مبالين بها.
ونرى أن تفريغ الإيمان من معناه الحقيقي وهو الأثر على هذه النفس البشرية حتى تكون مطيعة لأمر الله سبحانه وتعالى يؤدي بالناس إلى أن يحكم كل أحد منهم هواه ولا يبالي بمصالح الآخرين، فهذا ينتهز الفرصة ليعتدي، وذاك يتحين الوقت من أجل أن يحتال، فكل واحد منهم لا يشتغل إلا بمصلحة نفسه، بخلاف ما إذا كانت العقيدة راسخة أن كل واحد مجزي بعمله (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون)القصص: 84، فهذا المعتقد هو الذي يجعل الأمة متواصلة الحلقات وقوية. (1/15)
صفحة 16
ولقد وجدنا شيخاً معمماً يقود حركة جهادية وينتصر على الأعداء، ويمكن الله تعالى له، ثم بعد ذلك يتنازع مع الآخرين من أجل السلطة والوصول إلى المراكز القيادية، وعندما يهمش ويتولى القيادة غيره، ويأتي العدو بعد ذلك ليضرب هذا الغير؛ يبدي راحة بسبب ما يصيب أبناء ملته وبلدته وجلدته من الدمار، ويقول بأن ضميره مرتاح من هذا، ذلك كله راجع إلى تحكيم الهوى، ومنشؤه فقدان التصور الصحيح، وعدم إدراك ما للإيمان من أثر في نفس الإنسان حتى تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً مع مرضاة ربها سبحانه وتعالى ومصلحة أمتها، وتتفانى في ذلك، فلذلك قلت إن الأمة بحاجة إلى صياغة قرآنية ليكون تصورها صحيحاً مبنياً على دعائم من أدلة القرآن الكريم والسنة الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. (1/16)
صفحة 17
ومن التصورات الباطلة الناشئة من إعطاء المخلوق صفات الخالق، وما وَلِي ذلك من كون الإنسان لا يؤمن بوعيد الله وعيداً جازماً ما شاهدناه في سلوك كثير من الناس، وما سجله كثير من العلماء من الأمثلة الظاهرة التي تؤيد هذه المشاهدات، ومما شاهدته في بعض البلاد الإسلامية أن كثيراً من أهل ذلك البلد ولا أعني جميعهم عندما يقع أحدهم في ارتكاب جريرة، ويطالبه صاحب الحق بحقه ويخوفه بالله تعالى وباليوم الآخر لا يبالي بهذا كله ولا يتذكر، ولكن إن قال له: إنه سيتوسل بأسماء أهل بدر حتى يستوفي حقه، لا يكاد يقول له هذه الكلمة حتى ينهار ويرجع ليسلّم تسليماً، ذلك لأنهم يعتقدون أن لأهل بدر رضي الله تعالى عنهم تأثيراً في هذه الحياة ليس لرب العالمين، كأنما أهل بدر هم الذين يميتون ويحيون، ويعطون ويمنعون، ويرفعون ويخفضون، وبيدهم كل شيء، فتراهم لا يبالون بسلطان الله ولكن يبالون بأولئك، مع أن أولئك رضي الله عنهم مع ما لهم من المنزلة والقدر والشأن أفضوا إلى ربهم سبحانه وتعالى، وهم بحاجة إلى أن نقول كلمة دعاء في حقهم كأن نقول "رضي الله عنهم" أو "أدخلهم الله تعالى الجنة" أو "بوأهم الله مبوأ الرحمة" أو "رفع الله منازلهم يوم الدين" إلا أن هذا التصور عشش في نفوس كثير من الناس، ومما يؤسف له أن نجد كثيراً من العلماء يغذّون هذا التصور الباطل. (1/17)
صفحة 18
أما ما يتعلق بعلاقات الناس بالحياة السياسية، فعندما جاء النبي صلى الله عليه وسلّم قائداً للأمة إلى الخير، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر داعياً إلى الله، كان الأمر -مع كون الوحي ينزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه- شورى بين المسلمين، وكان القرآن ينزل ليثبت مبدأ الشورى، فالحق تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلّم في مقام حسرة هذه الأمة على ما أصابها من الوهن والضعف والنكسة بسبب مخالفة الكثير للنبي صلى الله عليه وسلّم في السياسة الحربية وذلك في غزوة أحد، ينزل القرآن مع ذلك ليثبت مبدأ الشورى فيقول لله تعالى له: ( وشاورهم في الأمر)آل عمران: 159 ذلك لأنهم وإن وقعوا في الخطأ إلا أنه خطأ عارض، أما قضية الشورى فهي من الثوابت، ولذلك لا يهدم الثابت من أجل العارض.
وعندما كانت الخلافة الراشدة كان الأمر شورى ما بين المسلمين، كان الخليفة كواحد من المسلمين يعرض الأمر عليهم ويطلب منهم مناصحته، ويعلن على الملأ: أيها الناس إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني. فيقوم أحد من عامة الناس ويقول: لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فما يكون من الخليفة إلا أن يحمد الله تعالى على هذه النعمة أن يجد في رعيته من يقوّم اعوجاجه بسيفه.
وكان الناس يتصورون جميعاً أن سياسة الأمة لا تقوم إلا على العدل، بأن يكون الخليفة عادلاً، وأن يحاسب من جميع طوائف الأمة لأنه أجير قائم على رأس هذا الأمر، وهو مسئول فيما بينه وبين الله كما أنه مسئول فيما بينه وبين الأمة، للبشر أن يحاسبوه في الحياة، كما أن الله سبحانه وتعالى يحاسبه في الدار الآخرة. (1/18)
صفحة 19
وعندما أفضى الأمر إلى بني أمية اجتثوا هذه القواعد من أساسها، وأتوا على هذا الأمر من قواعده وأقاموا سياسة مبنية على الاستبداد بالرأي والرغبة في التحكم، وأشاعوا في الناس بأن هذا قدر مقدور من الله، وأن على الجميع أن يسلّم له، ومن لم يسلّم له فهو شاذ عن أمر المسلمين، خارج عن جماعتهم، حرب عليهم.
وقد رأينا في كلام العلامة الكبير السيد أبي الأعلى المودودي في كتابه التجديد لهذا الدين تصويراً رائعاً لهذا الأمر، فعندما وصف الحالة في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم قال إنها كانت تمثل قمة الإسلام، ثم جاء بعد ذلك أبو بكر، ثم جاء بعده عمر رضي الله عنهما، وكان الأمر في عهدهما امتداداً لما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم جاء بعد ذلك الخليفة الثالث وقد بلغ من الكبر عتياً، ومع هذا كانت المواهب التي أوتيها العظيمان اللذان قبله لم تتوافر فيه، فدخل بعض الناس الذين استغلوا هذه الحالة التي كان عليها الخليفة في آخر سنه من أجل شق صف الأمة؛ ومن أجل محاولة الاستئثار والبلوغ إلى الرغبات، وفي مقدمة هؤلاء مروان بن الحكم ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأدى الأمر إلى الفتنة والشقاق، ثم جاء الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ووجد الأمر فيه شيء من التداعيات، فلم يستطع أن يصلح ما تقدم بسبب ذلك، وتغلغل الذين أرادوا أن يستبدوا بسياسة الأمة، وبعد ذلك انقلب الأمر إلى جاهلية متحكمة في حياة الناس، يقول فيها السيد أبو الأعلى المودودي هي أخطر من الجاهلية الأولى لأنها تلبس لبوس الإسلام، فكل من أراد مقاومتها حورب باسم الإسلام. (1/19)
صفحة 20
ونجد من المفكرين الإسلاميين من يقول بأن ذلك العصر كانت الحياة تدور فيه حول شخص واحد هو شخص الخليفة، فمن أجله يكدح الكادح، ويزرع الزارع، ويحصد الحاصد، وتحمل الحامل، وتلد الوالدة، ومن أجله تخرج الأرض خيراتها، وحوله تدور حياة الأمة بأسرها، وقال بأن ذلك العصر شبيه بعصر القياصرة والأكاسرة وليس هو من الإسلام في شيء، وهو في حكم الإسلام ليس حرياً أن يبقى يوماً واحداً.
ولكن مع الأسف كان هذا هو النهج الذي اختطه هؤلاء لأنفسهم وأثروا به على العامة، فأصبحت العامة تتفاعل معه تفاعلاً تاماً، وأن كل من خرج هذا النهج أو حاول أن يصلح الأمر فهو باغ وخارج عن سبيل المسلمين ومحارب للخلافة الإسلامية ومتنكر لها، وأخذت الأبواق التي تدعو إلى هذه السياسة يتردد صداها هنا وهناك، وتوضع الأحاديث الكثيرة بأن لهؤلاء الطاعة المطلقة وإن ضرب أحدهم ظهرك أو أخذ مالك فما عليك إلا أن تخضع وتنقاد، إذن كلمة لا إله إلا الله بناء على هذا إنما هي وسيلة للاستبداد والظلم والتسلط على رقاب الناس!. (1/20)
صفحة 21
ومن التناقضات العجيبة والمفارقات الغريبة أن نجد الذين يروجون لهذا الأمر يقولونبأن القيام على هؤلاء حجر محجور لا يجوز أبداً، لكن لو وجد من يقوم عليه أو من يقوم على خليفة عادل مبايع بيعة شرعية على نهج كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم، ثم بعد ذلك يتغلب هذا القائم على الخليفة العادل المؤمن الوفي التقي الصالح ويستبد بالأمر دونه فإن طاعته تصبح واجبة وخلافته شرعية، وبيعته في جميع رقاب الأمة، وعلى الناس جميعاً أن يطيعوا وأن يخضعوا وأن ينقادوا! !، فمثل هذه التصورات جميعاً لا بد من إعادة النظر فيها وبيان أن المنهج الصحيح الذي جاء به الإسلام هو العدل، فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً)(1)، فما معنى هذا الحديث الذي يلزمنا أن نقبض على يد الظالم ونأطره على الحق أطراً ومع ذلك يقال بأن هذا الظالم تجب له الطاعة كما يطاع الله تبارك وتعالى وتعطف طاعته على طاعة الله سبحانه وتعالى؟ ! هذا التصور الذي ساد في واقع الأمة هو الذي انحرف بها عن المنهج الصحيح.
=================================
(1): أبو داود (4337).
كيف نتغلب على صعوبات إعادة صياغة الأمة؟
شكراً سماحة المفتي على هذه الإفاضة في مفهومكم لإعادة صياغة الأمة، وقد فهمنا من ذلك أن إعادة صياغة الأمة من جديد تقوم على هدم التصورات الباطلة، وتصحيح المفاهيم الثلاثة وهي الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر والعلاقة بين الحاكم والمحكوم لتكون مفاهيم قرآنية، ومع هذا التفصيل نقول: سماحة المفتي؛ لا شك أن هذا المشروع النهضوي الضخم من أجل إعادة صياغة الأمة من جديد يتطلب خطوات كثيرة، فما خطوات الإعادة في تصور سماحتكم؟. (1/21)
صفحة 22
كل أحد مطالب بأن يؤمن بكتاب الله وبالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأن لا يؤثر هوى نفسه على ما جاء في كتاب الله سبحانه وما جاءت به سنة نبيه صلى الله عليه وسلّم، فالله عز وجل يقول: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً)الأحزاب: 36، وقد أمرنا أن نستهدي بالكتاب العزيز ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)، ويقول سبحانه: ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) الإسراء: 82، ويقول تعالى فيه: ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) البقرة: 2، ويقول فيه: ( هدى ورحمة للمحسنين) لقمان: 3، ويقول فيه: (هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)النمل: 2، فالقرآن أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون هداية للعالمين، والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام هي المصدر الثاني للتشريع والفكر عند هذه الأمة، فلجوء الأمة إلى الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أساس هذا الخير كله، ولكن كيف يمكن للأمة أن تتغلب على موروثاتها الفكرية التي عششت في أذهانها وسادت ردحاً من الزمن، وغذيت بما غذيت به من دعوات الدعاة وترويج المروجين، حتى صار رسوخها كرسوخ الجبال الرواسي في النفوس؟ وكيف يمكن لذلك أن يؤتى عليه؟. (1/22)
صفحة 23
الجواب: ذلك سهل لمن سهله الله تبارك وتعالى له، ومن المعلوم أن المعتقدات التي كانت سائدة في الأمم عندما بعث النبيون كان رسوخها عجيباً، وكان التعصب لها مقيتاً، وكانت تعتبر جزءاً من حياة تلكم الأمم بحيث لم يكن لهم فكاك عنها، إلا أن وضوح الحجة وسطوع البرهان وطريقة الإقناع كل ذلك أدى إلى هدم تلكم المعتقدات جميعاً واجتثاثها من أصولها، وإقامة حياة نظيفة قائمة على التصور الصحيح والفكر السليم، ويمكن لأي أحد أن يتغلب على هذه الأفكار عندما يتجرد تجرداً تاماً، كأنما لم يغذ بأي فكر من قبل، يأتي إلى كتاب الله سبحانه موقناً أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وأن الاحتكام يجب أن يكون إليه ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً )النساء: 59 وعندما يكون الرجوع إلى الكتاب العزيز وإلى الفهم الصحيح له؛ يمكن لهذه الأمة أن تتغلب على كل العراقيل والعقبات.
ويلزم قبل كل شيء تشويق النفوس إلى التجرد والاحتكام إلى القرآن والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وعندما تكون هذه الدعوة قائمة في أوساط الأمة لا ريب أنها ستعطي ثماراً يانعة وستحقق نتائج محمودة بمشيئة الله وهذا ما نرجوه بعون الله.
وقد ذكرت أن الموروثات القديمة مما يجب أن تتجرد منه الأمة؛ لأن لها أثراً أكبر، وإلا فهناك الكثير من الأمور التي استجدت على الساحة، ومن بينها انبهار الأمة بالحضارة الغربية، بحيث أدى بهم إلى قبولها على علاتها، وعدم التفريق بين النافع والضار منها، وذلك نتيجة ما أصاب الأمة من الهزيمة النفسية والشعور بمركب النقص، مما أدى بدوره إلى أن تكون خاضعة كل الخضوع لأعدائها، وهذا أمر يكون مقدوراً عليه عندما يكون الاحتكام إلى القرآن، بحيث تعرف الأمة مصدر عزتها وهدايتها، عندها يمكنها بمشيئة الله تعالى أن تتخلص من كل هذه الأمور. (1/23)
صفحة 24
هل مسيرة الفكر الإسلامي سلسلة ردود أفعال أم نابعة من صميم العقيدة؟
سماحة الشيخ: يقول البعض بأن مسيرة الفكر الإسلامي هي سلسلة من ردود الأفعال وأخذاً من الفقرة الأخيرة في حديثكم إن هذه الدعوة يمليها الشعور بالخطر الداهم والمأزق الحرج الذي تعبره الأمة الآن؛ فهل هذه الدعوة فعل، أم رد فعل؟ هل هي نتاج يسير في سياق حركة تطور الفكر الإسلامي في سياقها الطبيعي، أم هو رد فعل للشعور بالخطر الداهم الذي تواجهه الأمة الآن؟.
هذه الدعوة ليست إلا تفاعلاً مع عقيدة الأمة الراسخة التي جاء بها القرآن والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، هي دعوة إلى عودة الأمة إلى أصولها واكتشاف هويتها، ومعرفة عقيدتها، والصحيح والباطل من مسلكها، والصواب والخطأ في نهجها،. إذن ليس هذا رد فعل وإنما هو عين الواجب الذي تفرضه العقيدة على الأمة، فعلينا أن ننظر: هل الإسلام أنزل من قبل الله سبحانه وتعالى ليكون أمراً شكلياً لا أثر له في الحياة؟ هل أُنزل ليكون نظريات تدغدغ الأذهان من غير أن يكون لها تأثير عليها في حياة الناس؟ !. لا، إن الإسلام منهج حياة، ولما كان كذلك فإنه يجب أن يتجسد في كل جزئية من جزئيات الحياة، وذلك لا يتم أبداً إلا عندما يكون هنالك تصور صحيح قائم على فهم القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ونبذ العصبيات العمياء التي مزقت الأمة، بحيث يتعصب كل حزب منها لموروثه الفكري، ويدع النظر في الكتاب وهدي رسوله صلى الله عليه وسلّم، أما عندما ينشد كل أحد الحقيقة لا بد بمشيئة الله سبحانه وتعالى من التغلب على الأهواء، والسيطرة على هذه النزعات، والوصول إلى الغاية المرجوة..
إعادة صياغة المناهج (1/24)
صفحة 25
سماحة الشيخ: لكن هل ستطال إعادة الصياغة صلب مناهج الدراسات الإسلامية التفسير وأصول الفقه وعلوم الحديث مثلاً، أم ستقتصر إعادة الصياغة على التطبيقات وستكون تكراراً للدعوات التي نسمعها دائماً، بمعنى آخر هل هي دعوة إلى بعث روحي فحسب دون إعادة النظر في المنهج، هل ترون أن علوم الشريعة وآلات الاستنباط والاجتهاد في هيئتها الراهنة الموروثة كافية للتعامل مع العصر الحديث؟، وإذا أردنا طرح السؤال بطريقة أخرى، هل نجح علم الحديث في تنقية السنة من شوائب الوضع؟، هل سيقدر علم التفسير بمختلف طرقه؛ التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي ومع احتفاله الشديد بالمعنى اللغوي وخفوت عنايته بروح النص، هل سيقدر مع ذلك على تحمل التصور القرآني وأدائه للعالمين؟ وهل علم أصول الفقه في طريقتيه: طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين هو نهاية التصور لهذا المنهج إذا أردنا إعادة صياغة الأمة من جديد؟.
هنالك فرق بين الثوابت والمتغيرات، وهناك فرق بين الوسائل والمقاصد، المقصد هو الوصول إلى الغاية، والوسائل تختلف فيها الأنظار، الثوابت لا مساس بها، والمتغيرات يمكن لكل أحد أن يجتهد فيها إن توافرت عنده آلة الاجتهاد وكان قادراً عليها.
علينا أن ننظر في الموروثات من هذه العلوم، هل هي حقائق تطبق أو هي نظريات؟. (1/25)
صفحة 26
1. لو جئنا إلى علم الحديث مثلاً؛ نرى أن مما يقوله المحدثون جميعاً بأن الحديث لا يرقى إلى درجة الصحة، حتى يكون غير متصادم مع القرآن الكريم والمتواتر من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولكن هل طبق ذلك تطبيقاً دقيقاً؟ بحيث أخذ بالحديث الذي يتفق مع مدلول القرآن، وترك الأخذ بالحديث الآحادي الذي يتعارض معه؟. لا، بل نجد تناقضاً عجيباً عند علماء الحديث؛ بين ما يؤصلونه وما يسيرون عليه،. من أمثلة ذلك أن الألباني يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله من رواية ابن عباس رضي الله عنهما (إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني)(1) بأن هذا الحديث حديث باطل لا يصح، وهو من وضع الزنادقة والخوارج و.. إلى آخره، ثم يقول: لو جئنا وحكمّنا هذا الحديث نفسه وعرضناه على القرآن لوجدناه حديثاً باطلاً لأن القرآن يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم، ولما كان يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم فعلينا أن نأخذ بهذا الأمر ونرفض هذا الحديث الذي تبين لنا بهذا المقياس أنه حديث باطل.. الخ.
-أولا: لننظر؛ هل الحديث يقول بأنه يُرفض شيء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلّم، أو أنه يقول بأن معرفة التمييز بين الصحيح وغيره من جملة طرقه أن نرجع إلى القرآن لننظر في موافقة الرواية للقرآن وعدم موافقتها؟.
-ثانياً: لننظر في مسلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فمع قرب عهدهم بالرسول صلوات الله وسلامه عليه كانوا يحرصون كل الحرص على أن يأخذوا بالرواية التي لا تتعارض مع القرآن، وعندما تأتيهم رواية يشتّمون منها أي معارضة له لا يقبلون ذلك. (1/26)
صفحة 27
فعمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه ردّ حديث فاطمة بنت قيس، مع أن فاطمة بنت قيس صحابية، وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها طلقت في عهده طلاقاً بائناً ولم يفرض لها نفقة ولا سكنى، فقال عمر رضي الله عنه: (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت) (2)، مع أنه ليست هنالك واسطة بينها وبين النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنما تلقت الحكم من النبي صلوات الله وسلامه عليه مباشرة، لم يكن هذا الحكم حكماً في غيرها وإنما كان فيها، وصاحب القصة أولى بأن يحفظ.
كذلك ما ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها ردت رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدالله رضي الله عنهما في أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت في عبدالله بن عمر: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكن ليكذب على النبي صلى الله عليه وسلّم ولكن لعله سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقول في المرأة اليهودية التي مر على أهلها يبكون عليها: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها، وقالت: حسبكم القرآن (لا تزر وازرة وزر أخرى)(3) الأنعام: 164.
=================================
(1): الربيع (40)
(2): مسلم (1480)
(3): الربيع (483)، البخاري (1227)، مسلم (929)
كذلك عندما سئل جابر بن زيد رحمه الله عن حديث تحريم الحمر الأهلية قال: قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس وقرأ ( قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرَّماً) (1)الأنعام: 145.
فإذا كان هؤلاء الصحابة يرفضون روايات جاءت من طرق صحابة ثقات، فهل هم في ميزان الألباني من الزنادقة الذين كانوا يردون سنة النبي صلى الله عليه وسلّم اتباعاً للهوى، أو أنهم كانوا يحرصون على السلامة؟. (1/27)
صفحة 28
ثم نجد التناقض البين ما بين هذا الذي قاله الألباني هنا وما بين ما قاله في كتابه آداب الزفاف، ففيه تعرض لحرمة الذهب على النساء بناء على رأيه الذي خالف به إجماع الأمة، حيث يقول إن الذهب حرام على النساء، مع أن بعض العلماء نقلوا الإجماع على إباحة الذهب للنساء، ومن الذين نقلوا ذلك الحافظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر العسقلاني، فاعترض على رواية الإجماع، وقال بأن رواية الإجماع لا تصح، ونقل عن ابن القيم بأنه يجب أن ينظر في رواية الإجماع، فلا تقبل أي رواية للإجماع، فإنه لا إجماع إلا إن كان له أصل من السنة، ولا سنة إلا إن كان لها أصل من الكتاب، فنجد التناقض بين ما ذهب إليه هنا وهناك، فإذن كثير من أئمة الحديث وعلمائه وقعوا في الكثير من التناقضات.
2. ثم إذا جئنا إلى قضية التعديل والتجريح، نجد هذه القضية شيبت بالكثير، فلربما كان تجريح أحد من الرواة بسبب موقف سياسي ما كان يتفق مع السياسة التي كانت متغلبة ومتسلطة في ذلكم العصر، ولربما كان ذلك بسبب عدم اتفاق في قضية من القضايا مع جمهور المحدثين، بحيث كان لهذا الراوي موقف معين، وكانت العصبية تدعو إلى أن يعتبر مجروحاً ترفض روايته ولا تقبل، فإذن قضية التعديل والتجريح يجب أن تكون مجردة من العصبيات المذهبية والأهواء، فأنا أعجب عندما أقرأ مثلاً في كتب نقد الرجال ما يحكيه البعض من أن عمرو بن عبيد كان يصلي أمام الناس صلاة الخاشع القانت الأواه، وعندما يصلي بنفسه يصلي صلاة فيها لعب وتلفت.. الخ، مع أن عمرو بن عبيد كان رجلاً مشهوراً بالزهد، ولكن هذا إنما راجع إلى العصبية لأن الرجل كان معتزلياً، وبسبب ذلك قدح فيه أصحاب الحديث ورموه بهذه التهم، هذا أمر يجب أن ينظر فيه، وأن يعاد النظر في رواية الأحاديث. (1/28)
صفحة 29
3. أما بالنسبة إلى التفسير؛ فهو إما أن يكون مستنداً إلى أدلة ثابتة، وإما أن يكون بخلاف ذلك، فما كان مستنداً إلى الدليل الثابت فعلينا أن نقبله، ولكن أن يرد حكم جاء به القرآن الكريم، أو قضية نص عليها القرآن الكريم لأجل أن السواد الأعظم لا يرى ذلك، هذا أمر فيه خطر كبير، ثم إن اللغة العربية هي وعاء القرآن فلابد من فهمها فهماً دقيقاً، كيف ونحن نرى أنها تصرف عن دلالاتها في تفسير القرآن الكريم كثيراً ليتوافق التفسير مع أمور صارت راسخة في أذهان طائفة من الأمة؛ بحيث لا يصطدم التفسير مع ما رسخ في أذهانها، هذا من جملة الأمور التي ينبغي النظر فيها.
4. وكذلك إذا جئنا إلى أصول الفقه، فلا ريب أنها قواعد منضبطة من أجل ترسيخ الملكة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ولكن مع هذا كله هنالك فرق بين قضية وأخرى في ردها إلى قواعد هذه الأصول، فجمهور الأمة مثلاً يقولون بأن دلالة العام ظاهرة ظنية وليست دلالة نصية قطعية، هذا مسلم في الفروع، أما في الأصول الثابتة فلا يمكن أن تكون دلالة العام ظنية، هب أن كل عام خُصص؛ ومن أجل ذلك كانت دلالة أي عام ظنية.
- ماذا عسى أن يقول القائل في قول الله تعالى: ( لا تخفى منكم خافية)الحاقة: 18؟ هل يقول بأن هذا العموم يخصص؟، وأن بعض الأشياء قد تكون خافية على الله سبحانه وتعالى لأن الدلالة ظنية؟، واعتقاد أن الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء هي دلالة يمكن أن لا يؤخذ بها؟.
- وأيضاً قوله تعالى: ( لم يلد) الإخلاص: 3 عام؛ أي لم يلد أي أحد، هل يمكن أن يكون ذلك مخصصاً بسبب أن هذا اللفظ عام، وأن تكون هذه الدلالة ظنية، وأن يعذر من نسب إلى الله تعالى ولداً؟ !.
- وكذلك ( لم يلد) الإخلاص: 3، وأيضاً: ( لم يكن له كفواً أحد) الإخلاص: 4 هل يقال بأن هذه الدلالة دلالة ظنية؟. (1/29)
صفحة 30
- وقوله تعالى: ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) محمد: 19 أيضاً لفظ عام، فيه نفي لكل إله إلا الله سبحانه وتعالى، هل يقال بأن هذا النفي ظني والدلالة دلالة ظنية؟، إلى غير ذلك من الأمور التي يجب أن يعاد النظر فيها.
لا بد من أن يُفرق ما بين الفروع والأصول، فالأصول الثابتة لا يمكن أن يتناولها التخصيص، وإنما يؤخذ بعموم الأدلة فيها والله تعالى أعلم.
============================
(1): البخاري (5209).
حال المؤسسات العلمية ودورها في إعادة صياغة الأمة
سماحة الشيخ؛ إعادة الصياغة تحتاج إلى كوادر وأشخاص ينهضون لإعادة الصياغة يتمثلون هذه الفكرة وينادون بها، فهل أنتم راضون سماحة الشيخ عن المؤسسات العلمية والمعاهد القائمة على تدريس علوم الشريعة؟ هل ترون أنها قادرة في وضعها الراهن على مجاراة حركة التطور السريع ومساوقة العصر؟ هل ترون أنها تفلح حتى الآن في تخريج الداعية الفقيه والمتزن الواعي بعالمه؟ لاسيما وأن الدعوة إلى إعادة الصياغة تتطلب دعاة وفقهاء من نوع خاص قلما نراهم بين أفواج التقليديين الذين تخرجهم معاهد العلوم الإسلامية في وضعها الراهن.
المعاهد والمؤسسات التربوية والعلمية إنما هي، وما كان كذلك فإنه يمكن أن يتغير بين حين وآخر، لا يلزم أن يكون على نهج واحد، ودخول التعديل والتغيير فيه أمر وارد، ولذلك كانت جميع المناهج الدراسية في هذه المؤسسات العلمية خاضعة للتجربة والنظر في صلاحيتها، ومن أجل هذا فإنه لا بد من إعادة النظر في هذه المناهج والنظم التي تسير عليها هذه المؤسسات لنرى كيف يكون وضع الخريج الذي يحظى بالدراسة فيها. (1/30)
صفحة 31
ومع هذا كله فإن هنالك ضرورة داعية إلى أن يربى هؤلاء جميعاً على تعظيم كتاب الله سبحانه وتعالى والسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى احترام السلف احتراماً لا يصل إلى حد القداسة، فمن غير الجائز أن يُعتبر كل ما جاءوا به لا يجوز النظر فيه ولا تعديله ولا تغييره، وأنهم مبرءون من جميع الأخطاء، فكل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه الذي لا يمكن أن يعترض على شيء مما جاء من قبله عليه الصلاة والسلام.
ولقد مرت فترة جمدت حركة الإبداع عند الأمة وقل النظر والاجتهاد، وسلّم الناس تسليماً بكل ما وجدوه عن أسلافهم، وقد وصلت المغالاة في ذلك إلى حد بعيد، ولا أدل على هذا مما نجده من النصوص العجيبة في كتب العقيدة والتفسير وغيرها، التي تجعلنا نحار من أمرها وقائليها، مثال ذلك ما يقوله الصاوي في حاشيته على الجلالين أنه يجب على جميع الناس أن يقلدوا الأئمة الأربعة ومن لم يقلدهم فهو ضال مضل، ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة! هذا كلام في منتهى الخطورة، فيُنسَف ما يدل عليه القرآن وما جاءت به السنة الصحيحة وأقوال الصحابة -الذين هم خير جيل- من أجل قول أربعة أئمة اجتهدوا وبذلوا جهدهم من أجل الوصول إلى الحقيقة والحق، ولم يدّعوا لأنفسهم العصمة والسلامة من الخطأ في أي يوم من الأيام، بل كانوا يدعون أتباعهم إلى النظر والاجتهاد، ومثل هذا قول اللقاني في جوهرته:
وواجب تقليد حبر منهم =كما روى القوم بلفظ يفهم
ومن أعجب الأمور أن نرى التناقضات العجيبة عند كبار العلماء المحققين أحياناً، ومن ذلك ما يقوله الفخر الرازي بأن دلالة الألفاظ دلالة ظنية؛ لأنها تفتقر إلى نقل اللغات ومعانيها وهذه النقول هي نقول آحادية والآحاد مظنون، وما بني على الظني لا يتجاوز إلى مرتبة القطعي، هذا الرأي الذي رآه لنسكت عنه!، لكن ما الذي فرّع عليه فيما بعد؟. (1/31)
صفحة 32
عندما أتى إلى قول الله سبحانه وتعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) الأنعام: 103: قال إن الله تبارك وتعالى تمدح هنا بنفي إدراك الأبصار له، أي تمدح بنفي الرؤية عنه، والله سبحانه وتعالى لا يتمدح بنفي مطلق، إنما يتمدح بحقيقة ثابتة لا بالنفي، ولما كان متمدحاً بنفي الرؤية ولا يمتدح سبحانه وتعالى بنفي محض، فإذن هذا دليل على إمكان الرؤية! !، والأمة اختلفت: منهم من قال إن الله تبارك وتعالى يرى فقال بجواز الرؤية وبوقوعها، ومنهم من قال باستحالتها وبعدم وقوعها، ولم يوجد أحد يقول بأنها ممكنة ولن تقع، وبناء على هذا فإن هذه الآية إما أنها امتداح والله سبحانه لا يمتدح إلا بممكن، وهذا الممكن من قال بإمكانه قال بوقوعه فهي دليل قطعي على إمكان رؤيته تعالى وعلى ثبوت هذه الرؤية!.
فهو من ناحية يقول:
1. بأن دلائل الكتاب والسنة المتواترة ظنية مهما كان الدليل النقلي لأنه دليل لفظي، والدليل اللفظي ظني.
2. ومن ناحية أخرى يجعل من دلالة الدليل على الشيء دليلاً قطعياً على عكس ذلك الشيء.
فإذن لنرجع إلى قاعدته التي أصّلها ونطبقها على قوله الله سبحانه وتعالى ( لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد)الإخلاص: 3-4، فتكون دلالة الآية على نفي المولودية والكفء عن الله دلالة ظنية، وبناء على النهج الذي نهجه أيضاً فإن دلالة هذه النصوص دلالة قطعية على إثبات الولد وكون الله مولوداً ووجود الكفء له سبحانه.
كذلك فإن دلالة قوله تعالى: (وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولداً) الجن: 3 على نفي الصاحبة والولد دلالة ظنية بناء على في أن دلالة الألفاظ على معانيها ظنية، ولكن بناء على النهج الذي نهجه في أن الله لا يتمدح بالنفي المحض يكون إثبات الصاحبة والولد لله سبحانه وتعالى أمراً قطعياً. (1/32)
صفحة 33
كذلك بناء على قاعدته؛ نفي السنة والنوم عن الله تعالى أمر ظني في قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم)البقرة: 265 وبناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات السنة والنوم لله تعالى أمراً قطعياً!.
ونفي الظلم عن الله تعالى بناء على الأصل الذي أصّله هو أمر ظني في قوله تعالى: ( ولا يظلم ربك أحداً)الكهف: 49 وبناء على ما اتبعه في مسلك استدلاله يكون إثبات الظلم لله تعالى أمراً قطعياً!.
هذه الأمور هي التي يجب أن تترفع عنها الأمة، وهي التي يجب أن تنتزع من مناهج الدراسة لتسير الأمة سيراً سليماً في اتباع الحق، والتعويل على الدليل، وعدم التأثير على الدليل بسبب هوى النفس.
ضرورة استقلال الأمة من ربقة التبعية
هذا سؤال أعتذر عنه مقدما، ولكن المقصود منه تبرئة ساحة المفكرين الذين يريدون الخير للأمة، ثمة من يقول بأن المطالبة بالتجديد في نوعية التعليم ومناهج التعليم الديني ظهرت في مصر في عهد الأستاذ محمد عبده في الوقت الذي انتشرت فيه الماسونية والعلمانية، وظهرت على يد محمد إقبال لأنه قدم بفلسفة أوروبية من ألمانيا، وتظهر الآن عند كثير من المفكرين لتأتي متناغمة مع التوجه العالمي والضغط من أجل تغيير مناهج التعليم، والتعليم الديني خصوصاً في البلاد الإسلامية، ألا تخشون سماحتكم من أن يفسر البعض دعوتكم إلى إعادة صياغة الأمة ومناهج التعليم بمثل هذا التفسير الذي فسر به سابقاً؟. (1/33)
صفحة 34
من أراد قدحاً في فكرة أو في شخص لم يحجزه عن ذلك حاجز، ولم يمنعه من ذلك مانع، ولكن الأمر يجب أن ينظر إليه نظرة واقعية فاحصة، لا نظرة منبعثة من هوى النفس والرغبة في الانتقاد، فعلى أي حال قد يقول ذلك قائل، وأنا لا أستطيع أن أمنع ألسن الناس أن تنطلق بما وقر في نفوسهم من هوى النفس، فإن هوى النفس متحكم في حديثهم، إلا أني إلى ماذا أدعو؟ هل أدعو إلى انسياق الناس وراء الرغبة الغربية في تذويب قيم الأمة، أو أنني أدعو إلى أن تكون هذه الأمة أمة قوية غير خاضعة للأمم الأخرى، تعوّل على فكرها الذي جاء به دينها لا على الأفكار المستوردة، ولا تبني أفكارها على ما تتلقفه من هنا وهناك.
وطالما نادينا وقلنا بأن على الأمة أن تستقل وتتخلص من التبعية العمياء لغيرها، فهي أمة أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون عزيزة، وهي لا تسعد ولا تسلم ولا تتمكن من تبوأ مكانتها الجديرة بتبوئها إلا عندما تتخلص من هوى موالاتها لأعدائها؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)المائدة: 51، ثم يبين سبحانه أن هذه الموالاة ناجمة عن مرض نفساني حيث يقول ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين)المائدة: 52 وكثيراً ما قلت بأن هذه التبعية والموالاة تفضي والعياذ بالله إلى الارتداد؛ لأن الله تعالى في معرض التحذير منها حذر من الارتداد حيث قال ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) المائدة: 53. (1/34)
صفحة 35
وحصر الأمة ولاءها لربها سبحانه وتعالى ولنبيها صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين هو السبب في التمكن والغلبة والانتصار فإن الله تعالى يقول (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)المائدة: 55-56 فأنا أدعو إلى نبذ ما يكون سبباً لاتباع الهوى والتبعية العمياء من هذه الأمة لأعدائها، وقد وجدنا في ظل هذا الانبهار بأعداء الإسلام وغياب المفاهيم الصحيحة وانحسار الفكر الإسلامي الصحيح كثيراً من التخبط العجيب للناس، قبل ما يقارب عقدين من السنين كان رئيس إحدى الدولة الصليبية يصب الويلات على رؤوس المسلمين صباً فيها، وهو رجل صليبي حاقد متعصب، ويحرص على إبادة المسلمين الموجودين هناك، وكانوا بقدر مستطاعهم يدافعون عن شخصيتهم ودينهم واستقلالهم، فزار زائر تلكم الدولة ورجع من هناك يتحدث عن إعجابه بما وجده هناك وقال لولا أن هنالك من المسلمين من يكدرون الصفو ويثيرون الشغب! ! فسألته أي شغب هذا؟ فقال: هؤلاء متمردون، قلت: كيف؟ وما هو تمردهم؟ ومن الذي عصوه؟، قال: إنما عصوا ولي الأمر والله تعالى يقول: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء: 87 فسألته وهل فلان الصليبي هو ولي أمر المسلمين مع أن الله يقول في صدر هذه الآية الكريمة ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء: 59 أي منكم معشر المؤمنين لا الصليبين الحاقدين.
فغياب المفاهيم الإسلامية أدى بالناس إلى تخبط لا مثيل له، وهذا نتيجة لانحسار الوعي الإسلامي وعدم وجود التصور الإسلامي الصحيح، وهكذا في تلكم العصور السحيقة عندما تحكم بنو أمية وبنو العباس في حياة الأمة وصل تخبط الناس تخبطاً عجيبا في مقاومة الإصلاح والمصلحين، ونبذ كل من يحاول أن يرد الناس إلى المحجة البيضاء. (1/35)
صفحة 36
وقد وجدنا من الفقهاء الكبار من يقول إن الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلّم قتل بسيف جده، أي أنه ثار على ولي أمر المسلمين الذي تجب طاعته والخضوع له سواء بر أو فجر، عصى أو أطاع، عدل أو جار، ولا يحاسب على شيء من أعماله، ومخالف ذلك حقيق بالقتل، فما أنزله يزيد بن معاوية بالحسين إنما كان تطبيقاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم! ! فهكذا وصل الناس إلى هذا المستوى من ضلال الفكر.
ووجدنا أن الناس بسبب انبهارهم بما كان عليه المتسلطون في الأرض من مظاهر الترف -الذي هو سبب للدمار وتقهقر الأمة- يقيسون حضارة الإسلام ورقي الأمة بقدر تلكم المظاهر، وقبل فترة من الزمن كنا في رحلة إلى العراق، وذهبنا إلى سامراء، وكان هناك تنقيب عن آثار العباسيين، فجئنا إلى مكان كان فيه تنقيب عن آثار من يلقب بالمتوكل، وقد وجدوا تحت طبقات التراب التي تتراكم على المنطقة بركة سباحة كبيرة جداً، وتحتها خنادق لإيقاد النار لأجل أن يحمى الماء فيها، فقال أحد العلماء الذين حضروا في هذا المكان: الله أكبر ما هذه العظمة للإسلام؟ ! أي أن عظمة الإسلام حيث كان يجلس الرجل الفاسق المخالف لأمر الله بين الجواري وهن يسبحن في هذه البركة عاريات من الثياب وفي حالة من الاستخفاف بحرمات الله! ! أين عظمة الإسلام من هذا؟.
عظمة الإسلام كانت عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيش في كوخ، وعندما تصدر منه رسالة إلى كسرى يهتز كسرى وعرشه بسببها، وعندما كان أهل الشرق والغرب يخشون سطوة الإسلام، وليست عظمته في مظاهر الترف. (1/36)
صفحة 37
كذلك عندما نسمع الكثير من الناس يرددون بأن عظمة الإسلام تتمثل في قول هارون الملقب بالرشيد للسحابة عندما انجابت عن ذلك المكان (أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك)، قالوا هذا دليل عظمة الإسلام! !، أين هذا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم؟ ! فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً ولم يبعثه جابياً، فهذا القول منه يدل على الرغبة في أخذ الضرائب، وضمها إلى خزينته لأجل أن يستمتع بها حسب هواه، فأين هذه العظمة للإسلام إذن؟.
عظمة الإسلام تمثلت عندما كانت دعوته تشق الطريق إلى نفوس الناس ويتسابق الناس إلى اعتناقه لما يرونه في القائمين عليه من العدل والإنصاف وزجر النفس عن هواها، وضبط حياة النفوس بحسب ما يتلاءم مع جوهره.
كذلك عندما نسمع الكثير من الناس يقولون بأن من مظاهر الإسلام العظيمة قصر الحمراء في غرناطة وغيرها من القصور! !، وهؤلاء بقولهم يدنسون سمعة الإسلام، فهو لا يتمثل في الأعمال التي قام بها هؤلاء المترفون، وهذا هو الذي جر هؤلاء جراً إلى أن يمجدوا أعداء الله تعالى من الأمم التي حكم عليها القرآن بأنها أمم كفر وعتو وفساد وضلال وانحراف عن الحق، فقد مجّدوا الفراعنة، وكان من بين الشعراء الممجدين شاعر كان يمدح الرسول صلى الله عليه وسلّم ويثني عليه ويمجده، ومن ناحية أخرى يمجّد فرعون تمجيداً يقول فيه:
جلت ذاتك العلية عن أن =تنالها الألقاب والأسماء
فيصل به الأمر إلى أن يؤله فرعون، وهو مع ذلك محسوب على شعراء الإسلام، فهذا دليل انحراف الفكر وضلال العقيدة.
ضرورة الاستفادة من التجارب الرائدة (1/37)
صفحة 38
سماحة الشيخ؛ كان ظهور علماء الإحياء الإسلامي كالأفغاني(1) مثلاً ومحمد عبده (2) ورشيد رضا(3) والسالمي (4) وأبي مسلم (5) ومحمد باقر الصدر (6) وغيرهم إرهاصاً لما عرف لاحقاً بالصحوة الإسلامية، فهل هذه الدعوة التي تنادون بها الآن (إعادة صياغة الأمة) مؤشر لبداية عصر إحياء جديد سيرشد الصحوة التي فجرها عصر الإحياء الأول؟ وهل يمكن عبور المرحلة القادمة دون هذا الإحياء الجديد؟
علينا أن نستفيد من كل تجربة ولا نحصر دعوتنا هذه في إطار ضيق وتجربة خاصة دون غيرها، ولهؤلاء العلماء جهد مشكور، فقد قاموا بدورهم وبذلوا جهدهم وحاولوا الإصلاح، فإذا جئنا إلى المدرسة الإصلاحيةالتي أرسى دعائمها بمصر السيد جمال الدين الأفغاني، ثم قام بتشييد مبانيها تلميذه العملاق الشيخ محمد عبده، وهي مدرسة آتت أكلها، وكانت لها ثمار طيبة.
ولكن مع ذلك لا نستطيع أن نبرئها من كل خطأ، فلا بد من أن نأخذ الصواب وندع الخطأ، وكل أحد معرض للخطأ، فالدعوة التي قام العلامة الإمام محمد عبده في مصر كانت في وسط كثير من العلماء الذين يتبنون الخرافات، حتى وصل الأمر بكثير من الناس إلى أن يضفوا على المخلوقين صفات الألوهية، وهذا أمر في منتهى الخطورة لم يكن محصوراً في مصر وحدها، ولكن كان في كثير من بقاع الأرض، فقد وجدنا على سبيل المثال أحد الكاتبين يكتب عن عالم من العلماء ويترجم له ويضفي عليه من القداسة الشيء العجيب الذي ينبو عنه العقل السليم فضلاً عن رفض النصوص القاطعة لمنطقه، فكان مما قاله (ولما كانت حياته حياة الرسل والملائكة المقربين، كانت تتجلى له الأشياء على حقائقها ومعرفة الشقي والسعيد ومعرفة الآجال ومداها، وكان تزوره الملائكة والأموات والأنبياء يقظة ويَستمِدُ منهم المدد... الخ )، ولا تزال هذه الأفكار موجودة إلى الآن. (1/38)
صفحة 39
والإمام محمد عبده قاوم هذا الفكر بشدة وبعنف، كما استطاع أن يتحرر من كثير من التقاليد التي أصر عليها الكثير من العلماء، ففي مسألة الوعد والوعيد قال فيها كلمة جازمة في أكثر من موضع من دروسه التفسيرية، فقد قال بأن وعيد الله تبارك وتعالى لا يتبدل، وأن ما توعد الفسقة المجرمين من هذه الأمة لا يختلف عما توعد به غيرهم، فليست هنالك محاباة من الله تبارك وتعالى لهذه الأمة دون غيرها، فهي كغيرها من الأمم، وهذا مما قاله كثيراً.
وكذلك مسألة الشفاعات التي يتشبث بها الكثيرون؛ تحدث عنها بإسهاب في مواضع متعددة من تفسيره، وقال بأن ما تشبث به المتشبثون من شفاعات الأنبياء والصالحين يوم القيامة إنما هو تشبث بأوهام إلا عندما يكون الإنسان قد عمل عملاً صالحاً وتاب توبة نصوحاً فكان حقيقاً بأن يُشفع له من قبل النبيين، وإلا فهذه الأوهام هي التي كانت عند أهل الكتاب، وقد تحدث عن ذلك في تفسير قول الله تبارك وتعالى ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين، واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) البقرة: 47-48 وتفسير قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة)البقرة: 254 إلى غير ذلك، وقال إن الشفاعة لله وحده، وذكر بأن هؤلاء إنما يتشبثون بما وجدوا عليه الناس؛ فهم قد وجدوا أصحاب المصالح المتسلطين في الأرض قد يتنازل أحدهم عن الوعيد الذي يتوعده مجرماً بسبب ما يراعي من مصلحته فينثني عن عزمه ويترك ذلك المجرم؛ فقاسوا حال الخالق الله سبحانه وتعالى على حال الخلق.
ولكنه كان بين تيارين:
-تيار الذين جعلوا من الخرافة ديناً.
-وتيار الذين جاءوا من الغرب بأفكار بعيدة عن الفكر الإسلامي وصاروا لا يؤمنون بما وراء المادة، ولا يؤمنون إلا بما وقع تحت طائلة الحواس. (1/39)
صفحة 40
فأراد أن يسلك مسلكاً بين التيارين، وأراد أن يقنع الناشئين بالإسلام ومعتقداته، فلذلك حاول يضيّق نطاق الغيبيات في كثير من تفسيره كقوله إن المراد بآدم عليه السلام هو الجنس البشري، وبالشجرة الشر، وبالملائكة ملكات الخير، وبالشياطين ملكات الشر إلى غير ذلك الكثير، مما لا يسلم له به.
وقد تأثر به تلميذه السيد محمد رشيد رضا، وإن كان أقل منه في هذا، والسيد رشيد رضا تأثر من بعد أستاذه بما سمي بالمدرسة السلفية فوُجِد شئٌ من النقائض في كثير من كلامه، وقد نبهت على بعض الأشياء فيما دونته، ولكن هذا لا يمنع أن نستفيد منهم وأن نكبر جهدهم ونحذو حذوهم في كثير من الأمور المتفقة مع المنهج الصحيح.
أما بالنسبة إلى الإمام السالمي رحمه الله تعالى فإنه كان امتداداً لفكر تأصل منذ الرعيل الأول، فمنهجه هو منهج أسلافه منذ فترة طويلة، وقد عُني الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بوضع الخطة السليمة لهذا المنهج، ثم اعتنى بتنفيذ هذه الخطط ونهج هذه المسالك تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة، ونهج من بعدهم هذا المنهج، فهذا المنهج إنما كان منهجاً تاريخياً من الممكن أن يفيد الأمة كثيراً إذا بلور ووضح وضوحاً جيداً، وصور تصويراً يتلاءم مع أفهام بني العصر، وهذا ما قامت به بحمد الله أقلام معاصرة، ومن أمثلة ذلك ما كتبه الدكتور حسين غباش في كتابه عمان الديموقراطية الإسلامية فإن هذه الخطوة خطوة إيجابية جداً، ونرجو من الكثيرين أن يحذو حذوه في ذلك.
ودعوتنا عامة لا تنحصر في إطار طائفة معينة، وهناك الكثير من العلماء الذين قدموا خدمة جليلة لهذه الأمة من خلال مؤلفاتهم ومحاضراتهم، كالإمام أبي الأعلى المودودي والسيد أبي الحسن الندوي وغيرهم من العلماء الأجلاء، فهؤلاء أفادونا فائدة كبيرة، فيمكن أن نستفيد من هذه التجارب جميعاً.
========================
( (1/40)
صفحة 41
1) ولد السيد جمال الدين الأفغاني في عام 1254هـ/1838م، نشأ في كابول عاصمة الأفغان، رحل عن أفغانستان سنة 1285هـ/1868م، وعندما بلغ الثامنة عشرة أتم دراسته للعلوم، ثم سافر إلى الهند لدراسة بعض العلوم العصرية، تنقل بين العديد من البلدان داعياً إلى نهضة الشرق، وطارده الاستعمار حيثما حل، أنشأ مع تلميذه محمد عبده جريدة العروة الوثقى، كانت وفاته في عام 1314هـ/1897م.
(2) ولد الإمام محمد عبده في عام 1266هـ/ 1849م لأب تركماني الأصل، وأم مصرية تنتمي إلى قبيلة بني عدي العربية، ونشأ في قرية صغيرة من ريف مصر هي قرية محلة نصر بمحافظة البحيرة، نال شهادة العالمية من الأزهر سنة 1294هـ/1877م، شارك في الثورة العرابية عام 1882م، وبعد فشلها نفي من مصر إلى بيروت، ثم سافر بعدها إلى باريس وشارك من هناك أستاذه جمال الدين الأفغاني إصدار جريدة العروة الوثقى، عاد إلى مصر عام 1889م، وفي عام 1317هـ/1899م تم تعيينه مفتيًا للديار المصرية، كانت له دروس تفسير شهيرة بالجامع الأزهر كتب عنها تلميذه الوفي محمد رشيد رضا وضمنها من بعد تفسيره المنار، توفي عام 1333هـ/1905م.
(3) ولد في قرية القلمون في 1282هـ/1865م وهي قرية من قرى جبل لبنان، درس في المدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس سنة 1299هـ/1882م انتقل إلى مصر عام 1315هـ/1898م واتصل بالإمام محمد عبده، وبدأت رحلة جديدة لرشيد رضا كانت أكثر إنتاجًا وتأثيرًا في تفكيره ومنهجه الإصلاحي.
أصدر العدد الأول من مجلة المنار في عام 1315هـ/1898م، وحرص فيها على تأكيد أن هدفه هو الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة، وبيان أن الإسلام يتفق والعقل والعلم ومصالح البشر، وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام، وتفنيد ما يعزى إليه من الخرافات، من أشهر كتبه تفسير المنار وصل فيه إلى سورة يوسف، توفي في عام 1354هـ/ 1935م.
( (1/41)
صفحة 42
4) هو العلامة عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي، ولد بالحوقين من أعمال الرستاق عام 1286هـ، عالم مجتهد مطلق، اتسمت مؤلفاته بالتحقيق العلمي الرصين، كان داعية إلى الوحدة والجامعة الإسلامية، كافح الاستعمار، له تآليف في معظم الفنون كأصول الدين وأصول الفقه والفقه واللغة والأدب والتأريخ، وكان مصلحاً اجتماعياً، وتوفي بتنوف من أعمال نزوى العاصمة العمانية آنذاك عام 1332هـ.
(5) هو العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي البهلاني ولد عام 1273هـ بعمان، مجتهد مطلق، وأديب وصحفي وشاعر فحل، لقب بعالم الشعراء وشاعر العلماء،، عني بأمر الوحدة الإسلامية ودعا إليها، وكان قاضي قضاة المسلمين بشرق أفريقيا، له العديد من المؤلفات، توفي في سنة 1339هـ بزنجبار.
(6) ولد بمدينة الكاظمين بالعراق عام 1353هـ/1933م، انتقل إلى مدينة النجف في عام 1365هـ/1945م لمواصلة دراساته العليا، درس هناك على يد كبار مراجع التقليد وأساتذة الحوزة العلمية، له العديد من المؤلفات منها اقتصادنا وفلسفتنا والأسس المنطقية للاستقراء، توفي عام 1979م.
هل ستطال إعادة الصياغة المذهب الإباضي؟
بهذه الخاتمة سماحة المفتي تكون قد أجبت على سؤالنا الموالي الذي كنا نود أن نطرحه عليكم وهو أن هذه الدعوة تتزامن مع حركات إعادة نظر أخرى لكن في نطاقات مذهبية مثل حركة إعادة نظر على المستوى السني التي تمثلت سابقاً في كتب الشيخ محمد الغزالي (1) وعلى نحو ما الآن في كتاب السلطة في الإسلام لعبد الجواد ياسين (2)، وتتزامن أيضاً مع بروز تيار الإصلاح على المستوى الشيعي في إيران وصدور كتاب أحمد الكاتب الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، ولكن هذا يعنينا بشكل آخر هل دعوتكم لإعادة صياغة الأمة بأكملها على مختلف توجهاتها ومذاهبها الفقهية والفكرية ستطال المذهب الإباضي كذلك أم لا؟. (1/42)
صفحة 43
كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد، ونحن لا ندّعي العصمة لأي أحد كان، إنما الحكم في ذلك الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فما وجدناه منسجماً مع دليل الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أخذنا به، وما كان مخالفاً لهما فإن ذلك مرفوض ممن جاء به، نحن قد نرى أن كثيراً من الإباضية ربما سرى إليهم بعض الأشياء التي وجدت عند غيرهم كبعض الأوهام، قد يكون ذلك في العامة أكثر مما هو في الخاصة، وفي الجهلة أكثر مما هو في العلماء(3)، ولكن وجدت فتاوى لبعض أهل العلم تبرر ما يفعله العامة من الذهاب إلى المقابر وتقديم القرابين وتقديم النذور، وهي وإن كانت أشياء شاذة وجمهور أهل العلم يرفضونها لكن وجدتُ من بعض الناس انسجاماً مع هوى العامة، فمثل هذه الأشياء لا بد من أن تقتلع من جذورها ولا تتبع بأي حال من الأحوال.
==========================
(1) ولد في عام 1917م بمحافظة البحيرة بمصر، تخرج من كلية أصول الدين بالجامع الأزهر سنة 1356هـ/1937م، انتسب لحركة الإخوان المسلمين في بداية حياته ثم عمل في مجال الدعوة الإسلامية دون انتماء لحركة معينة، له العديد من المؤلفات منها: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ودستور الوحدة الثقافية بين المسلمين وكيف نتعامل مع القرآن الكريم، توفي في عام 1996م.
(2) قاض مصري من مواليد عام 1954م، تخرج من كلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1976م، وتدرج في سلك النيابة العامة والقضاء منذ تخرجه، له مؤلفات في الفكر السياسي والفقه الدستوري، يعمل حالياً بوزارة العدل بدولة الإمارات العربية المتحدة.
(3) سيأتي تفصيل بعض ذلك في المحاضرات الأخرى للشيخ حفظه الله في هذا الكتاب.
شكر خاص (1/43)
صفحة 44
حقيقة سررنا سماحة الشيخ وسعدنا كثيراً بأطروحاتكم القيمة وبمنهجكم الذي كنا وما زلنا، ونرجو أن نستمر بإذن الله تعالى في التلقي منه إلى أن نلقى ربنا سبحانه وتعالى، ولكن سرورنا وسعادتنا يكتملان باختلاف طريقتنا في منهج التلقي من مشايخنا حفظهم الله تعالى، وقد أعجبني كثيراً أحد الأخوة الذين كتبوا حينما نشر الإعلان عن هذه الندوة إعادة صياغة الأمة فقال بأن منهجنا ينبغي أن يختلف في التلقي، فكثير من الناس حينما يسمعون الدعوات أو يسمعون دعوة إلى النهوض الحضاري يتصورون أن المخاطب هم سكان القمر أو المريخ أو أن الدعوة إنما تطال جميع الناس إلا أنا، فكل واحد منا يبرئ ساحته ويبرئ نفسه ولكن الأولى بنا والأحرى بنا أن نعيد منهجنا بحيث يعتقد كل واحد منا أنه هو المخاطب، وأن الأمة إنما تخلفت وتقهقرت وتراجعت بسبب قصوره وتقصيره.
وفي خاتمة هذا اللقاء نجدد لكم الشكر ونبث لكم البشرى بأن سماحة الشيخ حفظه الله تعالى مع هذه التفصيلات الكثيرة التي أدلى بها إلا أنه ينوي بعون من الله سبحانه وتعالى أن يفصل كثيراً من هذه الأمور، كل نقطة منها في محاضرة وندوة مستقلة بها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في عمره وأن يبارك في حياته وعلمه وعمله.
من أصداء ندوة (إعادة صياغة الأمة)
حوار أجراه طلاب مركز الإمام الخليلي (1) بولاية بهلا مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، حول بعض موضوعات الندوة(2).
=====================
(1) أحد المراكز الصيفية.
(2) تم اللقاء ليلة 8 جمادى الأولى 1423هـ الموافق 18 يونيو 2002م، وأدار الحوار مع سماحة الشيخ الطالبان: أحمد بن زايد الهنائي وزكريا بن يحيى الإسماعيلي، واقتصرنا على هذا القدر لأن بقية الأسئلة أجاب عنها الشيخ في ندوة إعادة صياغة الأمة.
المدرسة الإباضية بالبصرة (1/44)
صفحة 45
كانت المدرسة الإباضية وعلى رأسها الإمام جابر بن زيد وتلميذه من بعده الإمام أبو عبيدة متميزة بجمعها بين الدراية والرواية، فلم تفرط في جانب على حساب الجانب الآخر، وكان كل من الإمامين يجمع بين اجتهاد الفقيه الراسخ في العلم وسياسة القائد المحنك مما كان لهما أثر كبير في تصحيح اتجاه الأمة، فلو تحدثونا سماحتكم عن دور هذين الإمامين في تصحيح مسير الأمة.
إن الإمام أبا الشعثاء رحمه الله ورضي عنه ولد في عهد الخلافة الراشدة، ولكنه بعدما بلغ مبلغ العطاء العلمي كانت الخلافة قد انتهى أمدها وحل بالأمة نظام ملك عضوض، فيه حرصٌ على أن تكون الحياة كلها تدور حول شخص واحد هو قطب رحاها، وهو من يسمى عندهم بالخليفة، بحيث فقدت قيمة الإنسان التي جاء بها القرآن وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من أجل الارتفاع به من الدركات الهابطة إلى الذرى الرفيعة، ليكون عبداً خاضعاً لله تبارك وتعالى، وبين الناس إنساناً صالحاً، وفيما بين الكائنات سيداً مطاعاً.
فسلب هذا الإنسان حقه، وأصبح لا يملك من الحق شيئا إلا أن يقول سمعنا وأطعنا، فوضعت الروايات الكثيرة من قبل أولئك الذين يتزلفون إلى أولئك المتحكمين في أمور الناس حتى تكون الشرعية مضفاة على كل ما يأتونه، فقالوا بأنه تجب الطاعة والامتثال لمن تسلط ولو أكل مالك وضرب ظهرك. (1/45)
صفحة 46
وكان كثير من الناس الذين حملوا الفقه رضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواق دعاية لذلك النظام المتسلط آنذاك في مقابل أن يعيشوا على فتات العيش المتساقط من أيدي أولئك الظلمة، ولكن الله تبارك وتعالى يهيئ في كل وقت من يسوس الناس بسياسة الإسلام ويبين لهم معالم الحقيقة لئلا تضل عقول جميع الناس، وكان من بين هؤلاء في ذلك العصر الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد، ومع وجود كثير من الناس الذين كانوا متنورين حقاً وكانوا يقفون في وجوه الظلمة من أمثال الحسن البصري وسعيد بن جبير وغيرهم من الذين وقفوا في وجوه الظلمة وقالوا لهم كلمة لا، وإنما تميز الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بأنه حرص على تكوين جماعة تحمل هذا الفكر وتسير في هذا النهج وتجمع ما بين الجانب الديني والجانب السياسي، كانت هذه الجماعة هي جماعة أهل الحق والاستقامة، وقد خلفه فيما بعد في قيادتها تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمه الله تعالى ورضي عنه، فكان نعم القائد المحنك الذي جمع بين الفقه في الدين والبعد السياسي والنظام الدقيق الذي نشأ عنه تخطيط دقيق لسير الدعوة في وسط تلك الأعاصير الهوجاء، ومع ما أصيب به من إيداعه السجن والتنكيل به، خرج من ذلك السجن بعزيمة الرجل المؤمن الموصول بالله تبارك وتعالى، فحمل الراية بصدق وأمانة وبقوة وجدارة، وكان يقظاً يتابع ما يجري في هذا العالم، ويرسل الدعاة إلى أرجاء الأرض مع الاستفادة من الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بتلك المجتمعات، وبذلك شاء الله تبارك وتعالى أن يكتب له النجاح. (1/46)
صفحة 47
فعلينا أن نتعلم من هذا القائد المحنك حرصه على تتبع ما يجري في آفاق الأرض، مع أن العصر في ذلك الوقت لم يكن بحسب ما نشاهد ونعايش من تسخير وسائل الاتصال والنقل، بحيث يمكن للإنسان أن يطلع على ما يجري في العالم من أقصاه إلى أقصاه، فكانت الأخبار تتناقلها الركبان، ولكن مع ذلك كان يحرص على جمع المعلومات وتحليلها ودراستها ووضع الخطط التي تناسب الأوضاع التي فهمها من تلك الدراسات.
والآن تيسر لنا فهم ما يجري في هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، والكلمة يمكن أن تصل في لحظة خروجها من لسان أحد إلى أقاصي الأرض، فعلى هذه الأمة أن تدرك واجبها تجاه هذا الأمر وتحرص على نشر فكر أهل الحق والاستقامة الذي يمثل حقيقة الإسلام وجوهره، من أجل انتشال الأمة من الضياع الذي سببته تراكمات الأفكار المنحرفة عن جادة الحق، وانتشال الإنسانية الضائعة وإرشادها إلى الطريق القويم؛ لتبني حضارتها على أسس سليمة من الفهم الصحيح لكتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، والله تعالى الموفق.
المدرسة الأثرية
لقد تطرقتم سماحتكم في ندوة (إعادة صياغة الأمة) إلى المدرسة السلفية، فماذا تقصدون بها وما هو تأثيرها على الأمة، وهل هي المدرسة الأثرية؟ (1/47)
صفحة 48
هذا مصطلح قاله كثير من الناس، بل قاله أصحاب هذه المدرسة أنفسهم، فأطلقوا عل أنفسهم اسم السلفيين، وهم بعيدون كل البعد عن نهج السلف الصالح، وإنما أرادوا في فترة انتشار دعوتهم وظهور سلطانهم وقوة آلتهم لنشر فكرهم أن يضفوا على أنفسهم هذا الوصف حتى يبعدوا عن أنفسهم ما هم واقعون فيه، ويبعدوا الناس عن معرفة حقيقة أمرهم، وإلا فهم سموا من أول الأمر بالحَشَوية(1) والحَشْوية(2)، فهذه المدرسة هي التي لا تحرص على الفهم الصحيح للقرآن فتأخذ بالمتشابه وتدع المحكم، أما إن قيل بأن هنالك مدرسة سلفية صحيحة فهي مدرسة أهل الحق، التي استفادت حقاً من السلف الصالح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التابعين لهم بإحسان، واستمسكت تمام الاستمساك بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن نحن لا نريد أن نسمي أنفسنا بذلك حتى لا يلتبس الأمر ويظن الناس أننا أتباع لأولئك الحشوية، والله تعالى الموفق.
=================================
(1) قال الشيخ حفظه الله في هذا السياق: (الحَشوية نسبة إلى الحشا؛ لأن الحسن البصري عندما أبعدهم من مجالسه قال أخرجوهم إلى حشا المجلس).
(2) قال الشيخ حفظه الله في نفس السياق: (ومنهم من يسميهم حشوية لأنهم لا يأخذون إلا بالحشو ويدعون الحقيقة).
الفقه الإسلامي بين ظواهر النصوص ومقاصد الشريعة
برنامج الشريعة والحياة
قناة الجزيرة القطرية
حوار مع سماحة الشيخ العلامة/أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله
المفتي العام لسلطنه عمان
العنوان: النص الإسلامي والتشريع الإسلامي بين المقصد العام وبين ظاهر النص
بسم الله الرحمن الرحيم
ماهر عبد الله:
أعزائي المشاهدين سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج "الشريعة والحياة". (1/48)
صفحة 49
الإسلام دين يتميز بأنه يجمع -إضافة إلى ما فيه من روحانيات- كميات كبيرة تشكل الجزء الأعظم منه هي عبارة عما يسمى بلغة اليوم (قوانين وتشريعات). ومنذ أن كان الإسلام، منذ عهد الصحابة الأول، والناس يختلفون في فهم النصوص ذات العلاقة بالتشريع، بعضهم أصر على الأخذ بحرفيتها وظاهر نصها، وبعضهم رأى أن ثمة خيوطاً ناظمة تجمع المقاصد العامة للتشريع، وإن تميزت المدرسة المالكية في تاريخ الإسلام بأنها الأحرص على ما يُسمى بالمقاصد العامة للتشريع إلا أن الأمر لم يقتصر عليها، ولعل الإمام (الشاطبي) في كتابه الموافقات كان من أوائل من لمّح وصرح بوجود هذه المقاصد الناظمة لأهداف التشريع الإسلامي.
لمناقشة هذا الموضوع: النص الإسلامي والتشريع الإسلامي بين المقصد العام وبين ظاهر النص وحرفيته، يسعدني أن أضيف في هذه الأمسية سماحة العلامة الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان.
سماحة الشيخ أهلاً وسهلاً بك في قناة الجزيرة.
الشيخ أحمد الخليلي:
أهلاً وسهلا ومرحباً بكم، بارك الله فيكم.
ماهر عبد الله:
لو ابتدأنا بالمقدمة المنطقية لهذا الموضوع، وهو تميز الإسلام عن غيره مما درج على تسميته بالدين باشتماله إلى الجانب الروحي: اشتماله على التقنين والتشريع، هل تؤيد أن الإسلام فيه هذان الجانبان أم أنه جانب روحي فقط؟.
الشيخ أحمد الخليلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فقبل كل شيء أحيي الإخوة والأخوات المؤمنين والمؤمنات بتحية الإسلام الخالدة، فأقول لهم وهم يتابعون هذا الحديث: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ماهر عبد الله:
وعليكم السلام.
الشيخ أحمد الخليلي: (1/49)
صفحة 50
لا ريب أن الإسلام نظام إلهي جاء من أجل وصل هذا الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى باعتباره خليفة في هذه الأرض وسيداً في هذا الكون، سخر الله سبحانه وتعالى له منافع الأرض والكون بأسره، وهو لم يُوهب هذه الموهبة العظيمة إلا لأنه ينوء بمسؤولية كبرى تقتضي أن تكون حياته حياة منظمة ومبنية على أسس من أوامر الله سبحانه وتعالى الذي استخلفه في هذه الأرض، فإن الأرض التي اُستخلف فيها الإنسان ما هي إلا جزء من مملكة الله تعالى الواسعة، وهذا الجزء لا يهدأ ولا يستقر ولا يسعد إلا إذا ما نفذ فيه أمر الله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أنه لا يمكن لأي حاكم من الحكام، وهو يتولى مسؤولية تسيير دَفَّة مجموعة من الناس إلا أن يضع لهم نظامًا، ولئن كان الأمر كذلك بالنسبة إلى هؤلاء الحكام، فمن المعلوم أنه من الأحرى بأن يكون الله تبارك وتعالى لم يهمل عباده، ولم يهب الإنسان ملكة العقل والتدبير التي تمكن من خلالها أن يسيّر الأمور في هذه الأرض بمشيئة الله تعالى وتوفيقه إلا من أجل أن الإنسان مأمور بأن تكون حياته حياة مضبوطة ومُقيدة، ليست كحياة الحيوان الأعجم الذي يتصرف وفق شهوته ورغبته من غير أن تكون له ضوابط.
ماهر عبد الله مقاطعاً:
لو سمحت لي بالمقاطعة في هذه الجزئية تحديدًا، ثمة ديانة قبلنا هي الديانة اليهودية كان فيها تشريع، وفيها الجانب الخلقي الذي تعرضت إليه في الأخير.. هل نحن متوازنون أم نقع في نفس المطب؟ !
هل هناك توازن فيما ترى بين الجانب الخلقي والجانب التشريعي؟ لأن اليهودية سبقت بالجانب النظامي هذا لكنها لم تنجح.
الشيخ أحمد الخليلي: (1/50)
صفحة 51
إذا جئنا إلى الشرائع المنزلة من عند الله تبارك وتعالى على الرسل السابقين نجد أنها كانت شرائع مرحلية، ولذلك لم تكن كشريعة الإسلام المنزلة على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام في استيعابها لمشكلات الإنسانية وعمقها في وضع حلول فطرية عميقة لجميع هذه المشكلات؛ لأنها كانت شرائع مرحلية، بخلاف هذه الشريعة الخاتمة الجامعة، فالله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)النحل: 89 ولا يلزم أن يكون هذا التبيان تبياناً نصياً، فقد يكون هذا التبيان تبياناً نصياً، وقد يكون ظاهراً، وقد يكون عمومياً شاملاً، وقد يكون عائدًا إلى قاعدة من القواعد، برعاية مقاصد الشارع، فكل من ذلك فيه تبيان لما تحتاج إليه هذه الإنسانية.
ماهر عبد الله:
اسمح لي أن أطلب منك أن تتوسع في هذه القضية قليلاً، فجزء من أزمة الفكر الإسلامي اليوم أن هذه الحلول الفطرية ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) النحل: 89 يُساء فهمها ويعطي الانطباع للمسلم في الشارع (1) أن كل الحلول جاهزة للمشكلة.. فقط فسر لي ما المقصود بالحلول الفطرية؟ وما المقصود بقوله تعالى: ( تبياناً لكل شيء) النحل: 89؟.
الشيخ أحمد الخليلي:
كما قلت أولاً: من ناحية التبيان لكل شيء، البيان قد يكون نصيًّا، فبعض الأحكام جاءت نصية في الكتاب لا تقبل الجدل، ولا تحمل معنى آخر: (حُرِّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم )النساء: 23، هذه آية جاءت ناصة على مدلولاتها ولا تحتمل معاني أخرى، كذلك ( حُرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به )المائدة: 3 هذا التحريم جاء نصياً. (1/51)
صفحة 52
قد تكون هنالك آيات عامة تحتمل التخصيص، ولذلك يقول جمهور من العلماء بأنه ما من عام إلا وقد خُصص، ولكن هذا بطبيعة الحال إنما هو في آيات الأحكام، ولا يمكن أن نحمل عليه مثل قول الله تبارك وتعالى: ( لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد)الإخلاص: 3-4.
ماهر عبد الله:
أنها قد تخصص! !.
الشيخ أحمد الخليلي:
لا نحمل مثل هذه الآيات على التخصيص، فهذه آيات عَقَدية دلت أدلة العقل أيضًا على أنها باقية على عمومها، ولا يمكن أن يتناول عمومها شيء من التخصيص قط، أما آيات الأحكام فالتخصيص وارد فيها، حتى آيات العبادات خاطب الله تعالى الناس جميعًا بالصلاة والصيام، ولكن الحائض لا تصلي ولا تصوم في أثناء حيضها.
ماهر عبد الله:
بل ويحرم عليها.
الشيخ أحمد الخليلي:
يحرم عليها أن تصلي وتصوم (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً )النساء: 103 ولكن مع ذلك كله فالحائض لا تدخل في عموم وجوب الصلاة عليها في أثناء حيضها وكذلك النفساء، والله تبارك وتعالى فرض فرائض متعددة دخلها التخصيص.
الأحكام التي جاءت في القرآن الكريم كثير منها قد خُصِّص، حتى إننا نجد أن آية خُصصت بمخصصات متعددة: متصلة ومنفصلة، على سبيل المثال: الله تعالى يقول ( قل لا أجد فيما أُوحي إليَّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أُهِلَّ لغير الله به )الأنعام: 145 هذا التخصيص متصل، ثم جاءت مخصصات منفصلة تخصص هذا العموم؛ من ذلك: تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير، كما جاء النهي عن أكل الحُمر الأهلية، وهنالك مخصصات منفصلة أيضًا من نفس القرآن الكريم منها: تحريم الصيد على المُحرم، وتحريم الخمر، لأن الخمر من جملة المطعومات.
ماهر عبد الله: (1/52)
صفحة 53
دعني أسألك في هذا الجانب، فقد ذكرت أشياء لها علاقة بالصلاة والصوم، ثمة تمييز قبل أن ندخل في جوهر الموضوع، في العادة أنتم مشايخنا علمتمونا أن الدين نقسمه عمومًا إلى عبادات، وهذه لا يمكن فهمها إلا نصيًّا، وقبلها عقائد ثم معاملات، كمقاربة؛ حجم الاعتماد على المقاصد العامة والروح العامة للتشريع، أي حجم الاعتماد على العقل.. أين يكون الأكثر: في نصوص العقائد أم نصوص العبادات أم نصوص المعاملات؟
الشيخ أحمد الخليلي:
إذا جئنا إلى نصوص العقائد نجد أنه ما من نص إلا والعقل يؤيده، ولذلك نجد من مزايا القرآن الكريم أنه عندما يقرر قضية عقدية يتبعها بالأدلة العقلية، فعندما قال الله تبارك وتعالى (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) البقرة: 163 أتبع بعد ذلك بالأدلة العقلية التي تؤكد ما أثبته من أن الحق سبحانه وتعالى إله واحد، وذلك قوله سبحانه (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفُلْك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المُسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)البقرة: 164.
و نجد أن نصوص العبادات أقرب إلى التسليم، نحن لا نشك أن كل عبادة من العبادات إنما شُرعت لحكمة علمها الله سبحانه، إذ أعمال الحكيم لا تخلو أبدًا من الحكمة، ولكن مع ذلك كله هذه الحكمة في عمومها متجلية، لأن الله تعالى بَيَّن أن الغاية من العبادات ومشروعيتها تقوى الله، فهو القائل ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة: 21 على تفسير ابن جرير الطبري وجماعة من المفسرين وهو قول جماعة من علماء العربية أن (لعل) بمعنى: كي، وهذا مما استشهد له بشواهد عربية، فالشاعر يقول:
وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا= نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كفننا الحرب كانت عهودكم= كلمع سرابٍ في الملا متألق (1/53)
صفحة 54
أي: لعلنا نكف بمعنى: لنكف، بدليل قوله: ووثقتم لنا كل موثق.
ثم إننا نجد أن الله تبارك وتعالى يقول عن الصلاة ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)العنكبوت: 45 وفي الزكاة يقول ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)التوبة: 103 ونجد في الصيام ( يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)البقرة: 183 ونجد في الحج ارتباطه بالتقوى مذكورًا في أكثر من آية، قال تعالى ( وأتموا الحج والعمرة)البقرة: 196 إلى أن ختم هذه الآية بقوله ( واتقوا الله إن الله شديد العقاب)المائدة: 2 ثم قال بعد ذلك (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقونِ يا أولي الألباب) البقرة: 197 ثم قال ( واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومَنْ تأخَّر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون)البقرة: 203 وقال فيه (ومن يُعَظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)الحج: 32 وقال أيضاً ( لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) الحج: 37.
كل ذلك يدل على أن هذه العبادات في عمومها تؤدي إلى تقوى الله، فالحكمة من مشروعيتها تقوى الله، لكن لا نستطيع أن ندخل في هذه جزئيات العبادة ونتساءل: لماذا كان فرض المغرب ثلاث ركعات؟ ولماذا كان فرض الفجر ركعتين؟ ولماذا كان فرض الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات؟ ولماذا صلاة الظهر صار وقتها ممتدًا إلى بداية وقت صلاة العصر، وهكذا صلاة المغرب يمتد وقتها إلى بداية وقت العشاء، بينما ينتهي وقت صلاة الفجر بطلوع قرن من الشمس، ولا تتصل بوقت صلاة الظهر، فهذه أمور نكلها إلى الله، لا يمكن للعقل البشري أن يتدخل فيها. (1/54)
صفحة 55
كذلك إذا جئنا إلى الحدث، فبسببه تمنع الصلاة مع أن مورده مكان مخصوص، لماذا لم يقتصر على تنظيف ذلك المورد فقط؟ ثم لماذا خصصت له أعضاء يكون تنظيفها رفعًا لهذا الحدث؟ هذه أمور لا يمكن أن يتدخل فيها أحد.
================
(1) المقصود بالشارع هنا الجمهور والناس.
ماهر عبد الله:
لكن في المحصلة النهائية؛ إذن في البندين الأوَّلين: العبادات والعقائد ليست هي مجال بحثنا الرئيسي لهذه الليلة، فيما يتعلق بالمقاصد والنصوص، لأنه كما تفضلتم نأخذها على وجه التسليم في الأساس.
الشيخ أحمد الخليلي:
نعم.... كذلك إذا جئنا إلى الأحكام الشرعية، فإنها تدور حول مصالح البشر، سواء كانت هذه المصلحة مصلحة الدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، وتتفاوت بقدر أثرها في هذه المصالح فقد تكون هذه المصلحة ضرورية أو حاجية أو تحسينية.
ماهر عبد الله:
اسمح لي قبل أن تواصل، تحدثت عن الدين والنفس والعقل والنسل أو العرض، والمال.... الأربعة الأخيرة لن نختلف عليها كثيراً لأن كل البشرية مسلمين وغير مسلمين يقرون بها.. مسألة الدين، ما هي أهمية أن يكون الدين هو المصلحة العامة الأولى والمطلوب الحفاظ عليها؟ كيف تُقنع غير المسلم بأهمية أن يكون له دين؟ ماذا سيستفيد؟.
الشيخ أحمد الخليلي: (1/55)
صفحة 56
إن الإنسان وهو في هذه الأرض وبطبيعته مُسْتخلف فيها ومسؤول عن عمارتها بأمر الله سبحانه وتعالى، يحس بخواء فكري وفراغ روحي عندما يكون غير متدين، ولذلك كان الناس لهم مسالك متعددة في البحث عن الدين بفطرتهم، إذ الإنسان بفطرته يبحث عن الدين، لأنه يشعر بحاجة الاتصال بقوة غيبية تسيطر على هذا الكون، فهو يشعر بأنه بدون هذا الاتصال يعيش في خواء وفراغ، فمن هنا كان دائماً يشعر بالحاجة إلى الرغبة في هذا الاتصال، وبما أن الدين لا يخضع لتجارب البشر ولا لمقاييس العقل وحده، إذ العقل محدود كسائر الطاقات التي في الإنسان، وكما أن البصر لا يمكن أن يخترق الحجب فيبصر ما وراءها، كذلك العقل لا يمكن أن يخترق الحجب المعنوية فينفذ إلى ما ورائها، والعقل يتأثر بمؤثرات كثيرة، فقد يتأثر العقل بمؤثر اجتماعي ونفسي، ومن هنا تتفاوت المجتمعات في الاستحسان والاستقباح، وقد يتفاوت الناس الذين يعيشون في البيئة الواحدة في الاستحسان والاستقباح، ولذلك كانت الضرورة داعية إلى أن ينزل وحي من الله تعالى ليوجه هذا العقل البشري إلى الفطرة والحق المستقيم.
فمن هنا تأتي ضرورة حاجة البشر إلى الدين، وإذا جئنا إلى مصالح البشر بدون دين نجدها لا تقوم أبدًا، بغض النظر عن مصلحة الإنسان في الدار الآخرة، وعن حاجته إلى الصلة بربه سبحانه، ففي الحياة الدنيا لا يمكن للأوضاع البشرية أن تستقر بدون دين، لأن الناس خُلِقوا اجتماعيين بفطرتهم مدنيين بطبعهم، ومن هنا كانت المصالح بينهم مشتركة، واشتراكهم في المصالح يؤدي إلى التدافع والتجاذب، وهذا يعني أنه لابد من أن يكون هنالك نظام يسيطر على هذه النفوس البشرية، فيوجهها وجهة واحدة ليكون تجاذبها وتدافعها في حدود الفضيلة والأخلاق.
ماهر عبد الله: (1/56)
صفحة 57
كنا قد تحدثنا عن أهمية الدين في الحياة، ولهذا رُتِّب على أنه المقصد الأول من مقاصد التشريع العامة، لكن ثمة من يقول: إن أوروبا والعالم الغربي والكثيرين من البشر نجحوا وعاشوا، بالعكس تجد ثمة مكانة للإنسان في المجتمعات غير المتدينة -إذا جاز التعبير- أكثر مما هو موجود في المجتمعات المتدينة.
الشيخ أحمد الخليلي:
الجواب عن هذا من وجهين:
-الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى يبتلي من يشاء من عباده بما شاء، وهؤلاء الغربيون-ولا ريب- بنوا الحياة المادية بناءً باهرًا؛ لأنهم أولوها كل اهتمامهم، ولكن هل استطاعوا أن يبنوا الإنسان؟.
نجد أن هذه البلاد التي تقدمت في مجال الحضارة المادية أخفقت من حيث بناء الإنسان بالقيم الإنسانية، ولذلك أصبحت الجرائم هناك تقاس بالثواني، وهي تتزايد باستمرار، والقوة لم تستطع أن تؤمّن الإنسان هناك، بينما عندما كان الدين سائدًا، والمسلمون آخذون بحجزته غير مفرطين في جزئية من جزئياته فضلاً عن التفريط في كلياته، في ذلك الوقت كانت الدولة الإسلامية تمد نفوذها إلى جانب واسع من هذه الأرض- نستطيع أن نقول بأنها ورثت معظم الممالك الرومانية والفارسية- وساد العدل والاستقرار والطمأنينة في هذه الأراضي كلها، في وقت لم تكن توجد فيه مخابرات ولا وسائل الاستكشاف الموجودة في وقتنا هذا ولا أسلحة، ولكن مع ذلك كله حصلت الطمأنينة والاستقرار، واطمأن الإنسان -أي إنسان كان- بغض النظر عن دينه ومعتقده، حتى أن الذمي كان يُنازل الخليفة أمام القاضي، وبما أن الخليفة تعوزه البينة يكون الحكم لصالح الذمي. (1/57)
صفحة 58
-الأمر الثاني: أن المسلمين في وقتنا هذا ما كان تخلفهم إلا بسبب الغزو الفكري الذي أبعدهم عن التمسك بدينهم، ولو أنهم استمسكوا به تمام التمسك لما كانوا متخلفين، فإن الإسلام يأمر بالأخذ بأسباب القوة، فالله تبارك وتعالى يمتن علينا بقوله (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً)البقرة: 29 ويمتن علينا بقوله (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه)الجاثية: 13 فإذن علينا أن نتخذ الوسائل ونستغل المنافع التي في الأرض لأجل مصلحة الإنسان في هذا العالم.
ماهر عبد الله:
اسمح لي عند هذه النقطة، نحن نتحدث عن المقاصد، وذكرنا الإمام الشاطبي وذكرنا المذهب المالكي، لكن.. هذا المدخل إلى فهم الشريعة، هل هو فهم مُستحدث أم أنه ثمة في حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي حياة الصحابة من حوله ما أشعرنا ودلنا على وجود مثل هذا الفهم المقاصدي العام؟ هل اختلف الصحابة في فهم النصوص بين مقاصديين وظاهريين؟.
الشيخ أحمد الخليلي: (1/58)
صفحة 59
نعم، حصل الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم أقر هؤلاء وهؤلاء على ما رأوا؛ لأن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أراد أن تكون الشريعة سمحة وواسعة، ولا ريب أنه لو لم يختلف الصحابة رضوان الله عليهم لما أمكن لمن بعدهم أن يختلفوا، وهذا يعني إغلاق باب النظر والاجتهاد، وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه الشريعة شريعة فيها الاجتهاد والنظر في الأمور غير القطعية، فلذلك أقرهم على ما فهموه من كلامه صلى الله عليه وسلم، فهو عندما قال للصحابة رضي الله تعالى عنهم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) (1)، منهم من فهم الحديث على ظاهره، وأنه يمكن أن يخصص عموم وجوب المحافظة على وقت الصلاة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، إذ النبي مُبلغ عن الله سبحانه وقد أمرنا الله تعالى بطاعته، وجعل طاعتنا له من طاعته سبحانه، فلذلك قالوا: نحن لا نصلي كيفما كان ولو فات وقت الصلاة حتى نصل إلى بني قريظة.
وطائفة أخرى نظرت إلى المقصد، وهو أن الصلاة كتاب موقوت، لها أوقات محددة، ورأوا أن الحديث لا يعني تأخير الصلاة عن وقتها، وإنما يعني الحديث الشريف المسارعة بحيث إذا أمكنهم فلا يصلوا إلا هنالك، بحيث لا يفوت وقت الصلاة إلا وقد بلغوا عند بني قريظة، فعليهم أن يفعلوا ذلك، فلذلك قالوا: نحن نصلي الصلاة لوقتها، ونتعجل الذهاب امتثالاً لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رجعوا إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه أقر الفريقين على اجتهادهما، ولم يرد أن يقول بأن هؤلاء أصوب رأياً حتى لا يغلق باب الاجتهاد. (1/59)
صفحة 60
وفي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم نرى أنهم كانوا يجتهدون في تطبيق النص، بل ربما كان النص يُطبق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي جزء من عهد الخلافة الراشدة على نحو معين، ولكن يأتي من بعده عهد آخر فيرى الخليفة والمسلمون معه عدم تطبيق النص على ذلك النحو، لأن الأمور تغيرت والأحوال تحولت، فعندما منع عمر رضي الله تعالى عنه المؤلفة قلوبهم ما كانوا يُعطَونه من قبل من سهم في الزكاة، لم يكن بذلك مُعطلاً للنص -حاشاه عن ذلك- وإنما كان مُعملاً للنص كما يقتضيه الحال، فقد أدرك تمام الإدراك أن الأمر جاء من عند الله وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم لحكمة، وذلك لأن هؤلاء كانوا في ذلك الوقت يرهب جانبهم، فالدولة الإسلامية في بداية نشأتها ومن داخلها أعداء ومن خارجها أعداء، فبداخلها المنافقون الذين كانوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وخارجها كان الكفرة من الروم والفرس الذين كانوا يتربصون الدوائر بهذه الدولة، أما وقد وصل الأمر بأن تُثلَّ عروش الظالمين من الأكاسرة والقياصرة ويُنزلوا من عليائها صاغرين، فإنه ولا ريب لم يبقَ هنالك جانب يرهب من قبل أولئك الذين كانت تتألف قلوبهم بسبب دخولهم في الإسلام من جديد، فإذن هو إعمال النص، فأعطاهم عندما كان الأمر يقتضي ذلك، ومنعهم عندما كانت المصلحة تقتضي ذلك.
ماهر عبد الله: (1/60)
صفحة 61
مولانا، أنت فتحت باباً عظيماً، في الأمثلة الأولى، سماحتكم تفضلتم ببيان من اجتهدوا في نصوص قابلة للفهم بهذه الطريقة أو تلك، لكن ما ختمتم به حديثكم عن اجتهاد في معرض نص واضح قطعي الثبوت قطعي الدلالة، وهي قضية المؤلفة قلوبهم، والقضية الأشهر قضية الحدود في عهد عمر بن الخطاب، هذا أولاً يصدمنا بالتعارض مع قاعدة شرعية دارجة على الألسن "لا اجتهاد في معرض النص"، يصدمنا في اضطرارنا للموافقة على قبول بعض من يُسمون بالعلمانيين العرب على تاريخية النص الإسلامي بما فيه بعض القطعي في القرآن والسنة.
الشيخ أحمد الخليلي:
لا نشك أن القرآن شرع حق المؤلفة قلوبهم، ولا نشك بأن ما كانوا يُعْطَوْنه كانوا يعطونه باستحقاق بأمر الله تبارك وتعالى، ولكن لم يكن هذا الحق لهم وحدهم ومنعوا منه، هنالك أصناف تُدفع إليها الزكاة بسبب استحقاقهم: الفقراء والمساكين والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل وفي الرقاب، ونظراً إلى الظرف تكون تغطية جانب هؤلاء أهم، فلا يعني أن آية الأصناف الثمانية عُطلت، وإنما أُخر إعطاء المؤلفة قلوبهم ما كانوا يعطونه من قبل بسبب أنهم كانوا يعطون لحكمة، فرأى عمر رضي الله عنه أنها انتفت، ولا يعني ذلك تعطيلاً للنص ولا إلغاءً له، فعندما تكون الحاجة داعية إلى تأليف الناس لمصلحة الإسلام.
ماهر عبد الله مقاطعاً:
أنا لم أقل إنه ألغى ولا عطل ولا دعا إلى إلغاء أو تعطيل، لكن فتح الباب أمام الاجتهاد في معرض النص القطعي الثبوت والقطعي الدلالة.
الشيخ أحمد الخليلي:
الاجتهاد في تطبيق النص، وليس في عين النص.
ماهر عبد الله:
طبعاً.. طبعاً.
الشيخ أحمد الخليلي:
تطبيق النص..... يعني أن النص يُطبق عندما تكون الحاجة داعية، لأن مشروعية هذا السهم لأجل حاجة المسلمين، فعندما تكون الحاجة داعية يُعطون، أما عندما تكون الحاجة غير داعية، مع وجود أصناف هي أكثر استحقاقًا فالأولى أن يُصرف هذا السهم في تلك الأصناف. (1/61)
صفحة 62
=================================
(1) البخاري (904)، مسلم (1770).
ماهر عبد الله:
لو سألتك السؤال التالي بعد هذا: يبدو أنك تتفق مع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب..
الشيخ أحمد الخليلي مقاطعاً:
ومن أنا حتى أُقرن بعمر رضي الله عنه؟ !.
ماهر عبد الله:
تتفق مع رأي إمامنا وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن من غير عمر يملك هذه الأحقية؟ قد يقول لك قائل: إن هذا هو الخليفة الثاني، هذا كان من المقربين جدّاً من المصطفى صلى الله عليه وسلم، هذا الذي وردت إشارات من المصطفى باتباعه واتباع بعض الخلفاء الراشدين من بعده، قد يجوز له ذلك، كيف لمن يأتي بعده؟.
الشيخ أحمد الخليلي:
لا نستطيع أن نقول بأن الباب يُفتح على مصراعيه لأجل اقتحام هذا الأمر، فهذا أمر لا يمكن أن يُقتحم هكذا، على أننا لو قلنا بفتح هذا الباب من الذي يضمن أنه لا يدعي مدع بأن مصلحة الأمة الآن في فتح البارات لأجل جلب السواح لتنمية اقتصاد البلاد والتوفير، وأن مصلحة الأمة في المعاملة الربوية والتسامح في الأخلاقيات؟ !. (1/62)
صفحة 63
في ذلك الوقت كان الإيمان يملأ النفوس، ومخافة الله تعالى تسيطر على القلوب، ولذلك كانوا والحمد لله مُوفقين في اجتهادهم، ولا ريب أن باب الاجتهاد مفتوح، لكن لنسأل أنفسنا ما هي المصلحة؟، علينا أن ندرك أن المصلحة المعتبرة هي المصلحة التي اعتبرها الشارع لا التي ألغاها، فالمصلحة التي ألغاها الشارع لا قيمة لها، والله تبارك وتعالى ألغى اعتبار ما يمكن أن يتصور بأنه مصلحة بالنسبة إلى الخمر، بداية الأمر لأجل تنبيه الناس، عندما قال سبحانه وتعالى ( يسألوك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) البقرة: 219، ولكن بعدما نزلت الآية القاطعة لدابر كل شقاق وكل تمسك بمحاولة تبرير شرب الخمر أو بيعها وشرائها، وهي قوله سبحانه وتعالى ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يُوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) المائدة: 90-91 ما بقي مجال لدعوى أن الخمر فيها منفعة، وأن هذه المنفعة يمكن أن تُنمى وتعود بالمصلحة.
ربما يدعي مدع أيضاً بأن الله تبارك وتعالى أمرنا أن ننظر في مصالح اليتامى حيث قال: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير)البقرة: 220 ومال اليتيم ربما ينمو بالاتجار في الخمر وبالمضاربة في الربا وبمثل هذه الأمور، هذا باب يجب أن يُغلق؛ لأن الله تبارك وتعالى ما اعتبر ذلك مصلحة، ونبيه صلى الله عليه وسلم ما اعتبرها كذلك.
فإذن لا يمكن أن يُفتح هذا الباب قط، لكن نقول بأن المصالح تُعتبر إذا كانت معتبرة شرعاً، أما ما يتصور بأنه مصالح وقد ألغاها الشارع؛ فلا يمكن اعتبارها، على أننا قبل كل شيء ذكرنا أن عقل الإنسان محدود، فلابد من أن يستسلم لأمر الشارع.
ماهر عبد الله: (1/63)
صفحة 64
سنعود إلى المصلحة، لكن اسمح لي عند هذه النقطة أن نعود إلى الإخوة المشاهدين لنشركهم معنا في هذا الحوار، معي الأخ نضال أبو نواس من السعودية، تفضل أخ نضال.
نضال أبو نواس:
السلام عليكم.. تحية طيبة سيدي ماهر وتحية للسيد الخليلي، وبصراحة أنا أحبه ومتابع له.
ماهر:
وعليكم السلام، حياك الله أهلاً بك.
نضال:
أولاً سوف أتكلم وأقول: هذا رأي خاص بي، قد أكون صائبًا وقد أكون مخطئا، فلست فقيهاً ولا شيخاً، يعني إنسان مسلم على الأقل، العقل المقنن أو المسدد -إن جاز التعبير- هو الفعل الذي يبتغي به الإنسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة أو موافقة الشرع، يقول الله عز وجل في سورة التوبة ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) التوبة: 5، نجد بعض الفقهاء يحاول الهروب من هذه الآية والاستشهاد بآيات أخرى، لأنها قد تكون محرجة لهم أمام مفاهيم الإنسانية كحرية الرأي والتفكير المتحرر، أو الخيار الديني الحر، فيما نجد في المقابل أن بعض الفقهاء المناضلين يؤيدون فرض الجهاد لأنهم يؤيدون الآية السابقة وتفسيرها الذي ليس فيه حرج لهم، فهم يريدون الحرب. (1/64)
صفحة 65
ألا تشعر معي سيدي الشيخ وسيدي ماهر أن كلا الفريقين يشوهان تفسير الآية بإسقاط هموم وهياج كل فريق على الآية؟ كل حسب فهمه، ثم ألا ترى أن تفسير الآية يجب أن يكون عبارة عن خليط من العقل المسدد أو المقنن في زمن الرسول، والعقل المسدد في زماننا هذا مع الاستظلال بعقلية التشريع النبوي، في زماننا هذا مثلاً سيدي ماهر وسيدي الشيخ ضعف العرب كثيرًا، وكثرت المعاهدات والاتفاقيات والتداخل بين الغرب والإسلام والهجرة والاستعمار، ألا يكون لهذه الأمور مساعد لنا أو مبرر في البعد عن حرفية النص، ومحاولة استخراج فهم جديد يستظل بنفس الروح التشريعية الإلهية؟ مثلاً كيف نستطيع الالتزام بنفس النصوص دون تغيير في الفترة التي كانت إبان سيد البشر، ونحن نشهد تغييرًا مطردًا في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولهذا أنا أجد من وجهة نظري المتواضعة جدًّا أن كثيرًا من الجماعات الإسلامية لم تصل إلى مآربها السلطوية بسبب هذا التجمد النصوصي.. الآن سأقول نقطتين وآخذ فيها رأي سيدي الشيخ أولاً: ما أهمية البعد التاريخي وملاصقته لفقه التشريع؟ ثانيًا: المجتهدون المعاصرون.. ألا ترى سيدي أنهم مُقيدون، اعتمدوا على سوابق السلف، قرءوا وحفظوا فقط؟ ولهذا انحصرنا في الإملاء والكتابة والحفظ فقط.. أشكرك على رحابة صدرك يا أستاذ ماهر، وشكراً.
ماهر عبد الله:
مشكور، معي الأخ عبد الله بن عامر من سلطنة عمان، أخ عبد الله تفضل.
عبد الله بن عامر:
السلام عليكم.
ماهر عبد الله:
وعليكم السلام.
عبد الله بن عامر: (1/65)
صفحة 66
أول شيء أشكركم حقيقة على هذا البرنامج، ومسرور جدًّا أن عندكم اليوم سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله، وحقيقة نحن ممن تربينا على روح هذه المدرسة، وما أريد أن أقوله باختصار.. أستاذ ماهر أنت ذكرت في البداية بأن قضية مقاصد التشريع تأسست من حيث التأصيل الفكري التنظيري مع وجود الإمام القرافي، وقد ذكر سماحة المفتي بأنه اعتباراً من بعد ذلك وُجِد ما يسمى بالتفريق بين النصوص التعبدية المحضة، والنصوص التي لها مقاصد، وكذلك الإمام السالمي الفقيه الإباضي المشهور يقول في طلعة الشمس:
وقيل إن الأصل في الأحكام= تعليلها بحسب المقام
وقال قوم عدم التعليل=أصل فيحتاج إلى دليل (1/66)
صفحة 67
ما أريد أن أقوله باختصار بأن الحياة منذ الإمام القرافي مرورًا بالإمام السالمي رحمه الله إلى عصرنا هذا تعرضت لمتغيرات، وأنا أعلم بأن الفقهاء المعاصرين يعقدون اجتماعات دائمة عبر ملتقيات الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي، ونلاحظ أن هناك اهتمامًا واسعًا بقضية الفروع الفقهية ومستجدات الحياة، ما أريد أن أقوله: هل هناك اهتمام بإعادة التنظير لمسألة مقاصد الشريعة، يعني ما هو الأمر الذي يمكن أن يعد أمرًا تعبديًّا محضًا لا يمكن للعقل البشري أن يدخل فيه، وما هي الأمور التي يمكن للإنسان أن يجادل فيها ويحاور، ثمة مسائل كثيرة تعرض لها الفقهاء السابقون، وقالوا بأنها من باب الأمور التعبدية المحضة. وهناك الآن نفس هذه القضايا بسبب مستجدات الحياة وتغير النظرة وظروف العقل، من الفقهاء من يقول بأنه يمكن أن ينظر إليها وفق مقاصد التشريع، أذكر على سبيل المثال ثقب الأذن، من الفقهاء القدامى من شَدَّد ومنهم من رخص باعتبار أن هذه من الأمور الضرورية التي تعتبر من الضرورات بالنسبة للمرأة، وكذلك قضية محرمات السماع من الأغاني والموسيقى، كثير من الفقهاء سابقاً وقفوا حيالها وقفة التشدد، ومن الفقهاء المعاصرين من قال الآن بأنها مُباحة نظرًا لأنها تتساوق مع ما يسمونه بفلسفة الجماليات في الإسلام.
أريد أن أقول باختصار: هل هناك اهتمام واسع بوضع قواعد جديدة تضاف إلى القواعد التي وُجدت في عصر الإمام القرافي؟ أم أن الملتقيات التي تعقد للفقه الإسلامي ستقتصر على مجرد مناقشة الفروع الفقهية، بغض النظر عن وضع لغة جديدة..
ماهر عبد الله مقاطعاً:
سؤال جميل يا أخ عبد الله وإن شاء الله تسمع من الشيخ تعليقاً عليه، طيب يا سيدي.. اعتقد أنك سمعت الأسئلة طبعاً. (1/67)
صفحة 68
سنبدأ بها بالترتيب، الأخ نضال كان يريد منك تعليق على الآية، ثمة من يفسرها اليوم تفسيرًا ليبراليّاً لأن الإسلام بحاجة أن يدافع عن نفسه، وثمة من يقول: لا.. الجهاد فرض عين إلى قيام الساعة، أي التفسيرين هو الأصح؟.
الشيخ أحمد الخليلي:
لا يملك أحد أن يلغي حكم الجهاد، ولكن علينا أن نعرف بماذا نبدأ؟ وما هي الخطوات التي نتخذ؟ وما هي الوسائل التي ترتفع بنا إلى أن نكون أهلاً للجهاد؟.
نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم ربى هذه الأمة قبل كل شيء على الإيمان والألفة والمودة، والتضحية، وعندما حان موقف الجهاد هَبَّت هذه الأمة بسبب تلك التربية لنصرة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، على أن الجهاد إنما كان تأمينًا لسير الدعوة؛ حتى تصل إلى نفوس المستضعفين الذين يتطلعون إليها، وقد حاول أولئك المتغطرسون المتكبرون أن يحولوا بينها وبين مسامعهم، فلابد من تذليل العقبات لأجل أن تصل هذه الدعوة.
ومع هذا كله نجد أن الله سبحانه وتعالى يأمر في الجهاد بالعدل والإنصاف ( وقاتلوا في سيبل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة: 190، والأمة الإسلامية استمسكت بهذا الأمر الرباني وسارت في هذا الطريق الصحيح، فوصلت إلى ما وصلت إليه.
ومعاذ الله أن نقول بنسخ الجهاد، فإن الجهاد قائم ما دامت السماوات والأرض، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، ولكن مع هذا كله نقول بأن الأمة عليها أن تجاهد قبل كل شيء نفسها لتتآلف على كلمة سواء، ولتكون أهلاً للاضطلاع بهذه الأمانة، قد صدق علينا اليوم ما جاء في الحديث: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ؟. قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل)(1)، فلأجل هذا نريد أن نخرج من مرحلة الغثائية.
ماهر عبد الله مقاطعاً: (1/68)
صفحة 69
هل تتفق معه أن أحد أسباب هذه الغثائية - طبعًا هو لم يذكر هذا التعبير- قال إن سبب تأخر كثير من الحركات الإسلامية وكثير من الدول الإسلامية هذا الفهم النصي الظاهري الحرفي للنصوص؟.
الشيخ أحمد الخليلي:
لا نريد أن نتهم أحدًا بأنه كان سبباً للتأخر، لكن ندعو الجميع إلى التعمق في فهم الإسلام وإدراك أبعاده، وفهم الحكمة من مشروعية ما شُرع فيه من أحكام، وما أمر به من الأخلاق.
===============
(1) أبو داود (4297).
ماهر عبد الله مقاطعاً:
طيب.. في هذا التعمق سؤاله التالي الذي أشكره عليه، عن دور وقيمة البعد التاريخي والظرف التاريخي في فهمنا اليوم، ثمة ملاصقة في تعبيره بين التشريع كما وقع وبين حوادث تاريخية أخرى، جزء من مشروع سياسي، جزء من تغير في النظام السياسي، جزء من حركة فتوحات، في التعمق الذي تنادون به.. كيف تفسرون ذلك؟
الشيخ أحمد الخليلي:
قلنا أكثر من مرة بأن الجمود غير محمود، ونحن ندرك أن الحالة في عهد الخلافة الراشدة أخذت بعدًا آخر غير ما كانت عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وغير ما كانت عليه في صدر الخلافة الراشدة، فقد دونت الدواوين، ومصرت الأمصار، وأنشئ التاريخ، هذا كله مما يدل على انفتاح الرعيل الأول على مستجدات الحياة، ومواجهتهم هذه المستجدات بالحلول المناسبة، ولذلك عندما تدخل الأمة منعطفًا تاريخيًّا لابد من أن تكون هنالك اجتهادات تتواءم مع هذا الدخول.
ماهر عبد الله:
نعم، سؤال الأخ نضال: هل تعتقد أن البعد التاريخي أثّر في صياغة بعض التشريعات، في حلقة منذ ثلاثة أو أربعة أسابيع تحدثنا عن دور الصراع السياسي في صياغة المدارس العقائدية في الإسلام.
الشيخ أحمد الخليلي: (1/69)
صفحة 70
أن تدخل الصراعات في القضايا الإيمانية فهذا شيء غير مقبول، ما فُرض علينا الإيمان به علينا أن نؤمن به كما هو، وما جاءت النصوص مخالفة له لا يمكن أن نعتقده، ولكن المعطيات المعاصرة لها أثر في الاعتبار في القضايا الفرعية، لأجل النظر إلى المواءمة وحتى تكون الاجتهادات ملبية لحاجات العصور المتطورة.
ماهر عبد الله:
سأعود للسؤال الأخير للأخ نضال وأسئلة الأخ عبد الله، لكن بعد هذه المداخلة من الأخ حسام بلال من ألمانيا، أخ حسام تفضل.
حسام بلال:
السلام عليكم.
ماهر عبد الله:
وعليكم السلام.
حسام بلال:
يا أستاذ، إذا سمحت لي بمداخلتين: المداخلة الأولى: وهي تتعلق بدور العقل في الإسلام، للعقل في الإسلام دوران أساسيان، الأول فيما يتعلق بالعقيدة، وفي هذا المجال لابد للعقل أن يعمل ويبحث حتى يصل إلى إثبات صحة العقيدة، وأن يكون الإيمان مبنيًّا على العقل ابتداءً، أما ما يتعلق بالنصوص الشرعية فإن دور العقل يقتصر فيها على الفهم وإعمال النظر من أجل استنباط الأحكام الشرعية منها.
المداخلة الثانية: فيما ذكره فضيلة المفتي، عندما تحدث عن قيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنع سهم المؤلفة قلوبهم، وأسمح لنفسي هنا أن أذكر الشيخ بما تحدث عنه الأصوليون في باب مسالك العلة، عندما تحدثوا عن العلة التي تُستفاد من النص دلالة، وهي ما يسميها الأصوليون بالتنبيه والإيماء، وهي على قسمين، على أن الذي يعنينا هنا في البحث هو القسم الأول منها وهو أن يكون الحكم في النص مسلطًا على وصف مُفهِم بحيث يكون له مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة، وهذا الحكم ينطبق على الآية التي يقول فيها الله سبحانه وتعالى ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) التوبة: 60. (1/70)
صفحة 71
فالمؤلفة قلوبهم هم أشخاص مسلمون تٌتألف قلوبهم بإعطائهم الزكاة، فهذا ليس اسمًا، وإنما هو وصف مناسب لحكم إعطاء الزكاة، فكأن علة إعطائهم الزكاة تأليف قلوبهم، وهذا ينطبق على باقي الأوصاف: الفقراء والمساكين، فعلة إعطائهم الزكاة هي الفقر، فإذا ما زالت العلة؛ إذا مازال هذا الواقع -واقع الفقر- مُنعوا من حكم الزكاة، ولذلك كان هذا الفهم فهماً لهم..
ماهر عبد الله مقاطعاً:
لكن هذا الفهم غير الفهم الدارج على كل الأحوال، من حقك أن تجتهد، لا أعتقد أننا سنحجر عليك، لكن ليس هذا هو الدارج في فهم هذه الآية، لكن إن شاء الله ستسمع من الشيخ، معي الأخ محمد الكبيسي من قطر، تفضل.
محمد الكبيسي:
السلام عليكم.
ماهر عبد الله:
وعليكم السلام.
محمد الكبيسي:
شكراً لسماحة العلامة الشيخ أحمد الخليلي وشكراً لك يا أخ ماهر.. حقيقة كثر الكلام حول اجتهاد سيدنا عمر في قضية المؤلفة قلوبهم وكأنك أشرت أخي ماهر إلى أن هذا اجتهاد في معرض النص مع أنه في الحقيقة ليس في معرض النص؛ لأنه النص لا يُلزم المزكي أو المعطي للزكاة سواء كان فرداً أو دولة بأن يقسم الزكاة على الأصناف الثمانية، فللمزكي أن يقدم من يشاء ويؤخر من يشاء بحسب ما تقتضيه المصلحة، وهو لم يلغِ النص ولم يوقف النص أصلاً، الحكم باق والمؤلفة قلوبهم لهم سهم، لكن للمزكي فردًا أودولة أن يختار من الثمانية ما يشاء. (1/71)
صفحة 72
المداخلة الثانية- لو سمحت أخي الكريم- أن عنوان الحلقة: الفقه الإسلامي بين ظواهر النصوص ومقاصد الشريعة، في الحقيقة مقاصد الشريعة في الغالب هي نصوص أيضًا، لكنها نصوص عامة، فالاجتهاد يدور في التوفيق بين النصوص الخاصة والنصوص العامة -إن صح التعبير- والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي أرشدنا إلى الأخذ بالنصوص العامة والانتباه لها كقواعد كلية أو مقاصد عامة كما يسميها الأصوليون اليوم، فالنبي عليه الصلاة والسلام كما ورد في صحيح البخاري أنه كان يتحدث عن الخيل فيقول: (الخيل لثلاثة: لرجل مغنم، ولرجل أجر، ولرجل وزر" فقام رجل وقال: يا رسول الله أرأيت الحمر أي الحمير قال النبي عليه الصلاة والسلام: "لم ينزل علي فيها شيء إلا تلك الآية الفاذة الجامعة ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره)الزلزلة: (6-7 )، فهو أرشد الصحابة رضي الله عنهم إلى أن يعملوا هذا النص ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره)(1)الزلزلة: 6-7 على هذه الجزئيات.
بقيت جزئية صغيرة- لو يتسع لي صدر سماحة العلامة- استغربت من استشهاده بها، وهو أنه لما كان يتكلم عن ما يشبه القاعدة عند الأصوليين وقولهم: ما من عام إلا وقد خُص، قال: هذا ليس على إطلاقه واستشهد بقوله تعالى( قل هو الله أحد) الإخلاص: 1 وقال: هذه طبعاً لا تخص، مع أن هذه الآية ليست من ألفاظ العموم قطعاً، فإذا كان للشيخ رأي آخر فيا حبذا أن نتعلم منه وجزاكم الله خيراً.
===========
(1): البخاري (2242)، مسلم (987).
ماهر عبد الله: (1/72)
صفحة 73
ستسمع منه إن شاء الله، مشكور يا سيدي، طيب لو عدنا للسؤال الأخير للأخ نضال وهذا له علاقة بجزئية مما قاله الأخ محمد الكبيسي: أن الطابع العام على من يسمون بالمجتهدين اليوم أنهم حفظة وليسوا مبدعين ومجتهدين، وهنا اسمح لي أتفق جداً مع الأخ نضال وبالتالي أختلف جزئيّاً مع الأخ الكبيسي لما قال إنه في الأخير إن المقاصد العامة ما هي إلا نصوص، نحن لا ندعو إلى ابتداع شيء، المسألة كلها في النهاية محصورة في هذا النص الذي هو المصدر الأساسي وربما الوحيد للتشريع في المحصلة النهائية، لكن نحن نتحدث عن عقليات دارجة نسمعها ونراها، وهي التي تؤثر في الإسلام اليوم، هل تعتقد أن الحفظ والسير على نهج الأقدمين هو المسيطر اليوم على العقلية الاجتهادية المسلمة؟
الشيخ أحمد الخليلي:
لا أستطيع أن أقول ذلك على الإطلاق، ولكن هناك من الناس من يحاول أن يجتهد من دون أن يكون جامعاً لآلات الاجتهاد، وهذه مشكلة، فكيف يحاول إنسان أن يجتهد وهو لم يجمع آلات الاجتهاد؟ والفقهاء بينوا من هو المجتهد، فمن يجتهد عليه أن يكون ملمّاً بقدر المستطاع لما يحتاج إليه من اللغة العربية، وهي لغة القرآن ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الخطأ في هذه اللغة يؤدي إلى الخطأ في فهم النصوص والانحراف في الاجتهاد، كذلك أن تكون عنده ملكة في أصول الفقه، وأن يكون عنده من علم المقاصد، ومن تفسير القرآن الكريم، ومن الحديث النبوي الشريف إلى آخره، لئلا يجتهد في معرض النص، هذا أمر لابد منه، أما أن أقول بأن جميع الناس الآن هم حرفيون..
ماهر عبد الله مقاطعاً:
لا.. لا.. لا نقول هذا، لكن الطابع العام الغالب.
الشيخ أحمد الخليلي:
لعله الطابع العام، الله أعلم قد يكون كذلك، ولكن ندعو علماءنا الأفاضل إلى النظر في القضايا الاجتهادية التي تحتاج إلى استفراغ الوسع من أجل النظر فيها عن إدراك وتعمق وفهم لمقاصد الشريعة الغراء.
ماهر عبد الله: (1/73)
صفحة 74
هذا يدخلنا في سؤال الأخ عبد الله من عمان الذي بدأ بالحديث عن الإمام القرافي، من سطّر أولاً؟ لا يعنينا كثيراً في هذا الموقع، لكن وليسمح لي أن أصوغ ما قال، يتهمكم علماء المسلمين اليوم أن الغالبية العظمى من مؤتمراتكم إنما هي لمناقشة الفروع.
وحقيقةً لو أخذنا الإنتاج المعرفي الإسلامي في الخمسين سنة الماضية، وتساءلنا: كم كتاب أُلِّف في المقاصد العامة للتشريع في هذه الخطوط الناظمة لهذا الفكر الإسلامي؟ وكم كتاب ألف في المسح على الخفين وفي التفاصيل والفروع التي أُشبعت وقتلت بحثاً؟ سنجد أن ما ألف في هذا النظم الجامع العام في مقاصد التشريع الإسلامي لا يستحق الذكر مقارنة مع ما ألف في الفروع.
الشيخ أحمد الخليلي:
وأنا أقول كذلك، وأرجو من مجامع الفقه الإسلامي أن تُعنى أيضًا بالنظر في القواعد والأسس لأجل ضبط الاجتهاد والمصلحة ونظر الفقهاء في القضايا المستجدة، فالبحث في مثل هذه القضايا يسهل النظر في الفروع فيما بعد، فأنا أشاركهم النظر بأن الدعوة مفتوحة للعلماء لأن يجتمعوا بمشيئة الله تعالى في مجامعهم الفقهية من أجل البحث في القواعد، والعناية بالقواعد أهم من العناية بالفروع.
ماهر عبد الله:
أنت جزئيًّا أجبت عن سؤاله الثاني: هل ترى ثمة إمام قادر مثل القرافي ومثل الشاطبي على ذلك.
الشيخ أحمد الخليلي مقاطعاً:
أنا لا أستطيع أن أبيّن منازل العلماء، من هذا الذي هو في منزلة الإمام القرافي؟ ومن هذا الذي هو في منزلة الإمام الشاطبي؟، لا أستطيع ذلك.
ماهر عبد الله:
هل يمكن أن تقوم المجامع بهذا الدور؟
الشيخ أحمد الخليلي:
المجامع فيها علماء متمكنون، وبإمكانهم مع اجتماعهم أن يقوموا بدور لا يقومون به فرادى، فإن الإنسان قليل بنفسه كثير بالآخرين.
ماهر عبد الله:
بارك الله فيك يا سيدي، معنا الأخ منذر عبد الله من الدانمارك، أخ منذر تفضل.
منذر عبد الله:
السلام عليكم.
ماهر عبد الله:
عليكم السلام.
منذر عبد الله: (1/74)
صفحة 75
حقيقة أود التعليق حول سؤالك يا أخ ماهر فيما يتعلق بالحاجة إلى الدين في الحياة والمقارنة بين واقع المسلمين اليوم الذين هم أصحاب دين وبين الغربيين الذين فصلوا الدين عن الحياة.. أنا أقول: إن المسلمين لم يتخلفوا عن ركب العالم نتيجة لتمسكهم بدينهم، وإنما بدأ تخلف المسلمين يوم تركوا هذا التمسك وتساهلوا فيه، وسمحوا للحضارة الغربية الأجنبية أن تدخل ديارهم وللمفاهيم الغربية أن تحتل أذهانهم، يوم أن تخلوا عن القيادة الفكرية في الإسلام حين تقاعسوا عن دعوته، وأساءوا تطبيق أحكامه، فلذلك أقول مبيناً بشكل مباشر حاجة الأمة إلى الإسلام ليس كدين روحي، إنما كعقيدة سياسية تُبنى جميع شؤون حياتهم عليها، أقول: لنبين للناس أن الإسلام لو تمسك المسلمون به تمسكاً صحيحاً وبنيت حياتهم عليه أنه ينهض بهم ويعزهم، ويخرجهم من هذا البلاء الرهيب الذي يعيشون فيه.
ماهر عبد الله:
لو عدنا للأخ حسام وتفسيره للمؤلفة قلوبهم، وأن الموضوع كان ضمن النص، ليس لشيء خارج عليه فعل عمر بن الخطاب ما فعل.
الشيخ أحمد الخليلي:
كما قلنا بأن النص لم يعطل بحال من الأحوال، الأصناف الثمانية أُعطيت، ولكن كما تفضل أحد الإخوة المداخلين.
اختار المصارف، ورأى أنهم ليسوا بحاجة لأن يُعطوا، فلذلك قدم غيرهم فهذا لا يقتضي أبدًا بحال من الأحوال تعطيل النص.
ماهر عبد الله:
لو سألتك عن سؤاله الأخير، أنا لم أفهمه تمامًا، لكن يا ليتك توضح لي وجهة نظرك في (ما من عام إلا وقد خُصِّصَ) وتحديداً في قوله تعالى، ( لم يلد ولم يولد) الإخلاص: 3؟
الشيخ أحمد الخليلي: (1/75)
صفحة 76
هو قد أخذ الآية الأولى من السورة، وأنا ما كنت أشير إلى الآية الأولى، وإنما أشير إلى ( لم يلد) الإخلاص: 3 لأن قوله سبحانه وتعالى ( لم يلد)الإخلاص: 3 عام لا يمكن أن يقبل التخصيص، فلا يمكن أن يٌقال بأن أحدًا هو مولود لله، وكذلك ( لم يولد) والفعل حكمه حكم النكرة، فهو في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، فعندما يقول القائل: لم آتك يعني أنه لم يأت في أي وقت إلا إذا قام دليل على تخصيص عموم كلامه بحيث يُحمل على أنه لم يأتِ في وقت معين، فقوله سبحانه ( لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد)الإخلاص: 3-4 كل منها عام لا يقبل التخصيص، وكذلك قوله سبحانه ( ولا يظلم ربك أحداً)الكهف: 49 عام لا يقبل التخصيص، وكذلك قوله سبحانه ( بكل شيء محيط) فصلت: 54 وقوله ( بكل شيء عليم) البقرة: 29.
ماهر عبد الله:
طيب اسمح لي أن تفصّل بعض الشيء في الكلام الذي أعتقد أننا سنتفق فيه مع الأخ محمد الكبيسي عندما قال: إنه ليست المسألة نصوص وقواعد عامة، وإنما لأن هذه القواعد هي من النصوص، يعني قد يفهم الموضوع خطأ بأن هذه الأمور مبتدعة، لأننا ذكرنا عقلاً وديناً ونصاً، هل هي توافقية بحتة أم هي مبنية أصلاً على نصوص؟
الشيخ أحمد الخليلي:
المحافظة على هذه القواعد أو على هذه الأسس من نصوص ثابتة، فالله تبارك وتعالى يقول في المحافظة على النفس يقول ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) النساء: 29، وفي المحافظة على النسل نهى عن الزنا، وفي المحافظة على العرض نهى عن قذف المحصنات وشدد فيه، إلى آخره، هذا كله يرجع إلى النصوص، ولكن لا يمنع أن تكون هنالك مقاصد لا يمكن أن تُفهم إلا من خلال النظر، فلابد من الرجوع إلى النصوص، ولكنها تحتاج إلى شيء من الاجتهاد. (1/76)
صفحة 77
دعني أضرب مثلاً: الله سبحانه وتعالى أوجب الزكاة في الأموال، وفرضها على الأغنياء للفقراء، وبيّن أن هذه الزكاة هي طُهرة لنفوس هؤلاء الأغنياء ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) التوبة: 103 وتجمع ما بين أمرين: تطهير النفوس من الشح والأثرة والاستئثار بشهوة المال، وفي نفس الوقت تزكي الأخلاق الفاضلة في نفس الإنسان، هذه الزكاة وجبت في الأموال من غير أن يأتي نص قرآني يبين ما هي هذه الأموال، جاءت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينة فروض الزكاة في أنواع من المال، وهناك أنواع أخرى لم تذكر، فبعض العلماء قال بحمل ما لم يُذكر على ما ذكر، واعتبر أن كل مال يزكى لأجل عموم قول الله تعالى ( وفي أموالهم حق معلوم)المعارج: 24 ولأن الزكاة إنما فُرضت لتطهير النفوس من الشح، وتخليصها من حب المال، وحب المال -أي مال كان- هو محبوب إلى النفوس، ومنهم من اقتصر على ما جاءت به أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن حيث أخذها الرسول صلى الله عليه وسلم تؤخذ؛ وتوضع في مواضعها.
الآن حصل أخذ وردّ بين العلماء عندما حدثت هذه الأوراق النقدية، هل تُحمل على الذهب والفضة أو لا تحمل على الذهب والفضة؟، عندما ننظر أي شيء تشح به النفس؟ ثم ننظر أيضًا إلى الأصناف التي بين النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة فيها، نجد أن هذه الأصناف مما تدعو إليه حاجة الناس، سواء كانت تلك الحاجة ملحة لقوامها في حياتهم، أو لأجل قضاء مآربهم بها، فنجد الحبوب التي أُخذت منها الزكاة هي مُدخرة ومُقتاتة يحتاج إليها الناس، وتتطلع إليها نفس الفقير لحاجته إليها، ونجد أيضًا أن الأنعام مما تحتاج إليه نفوس البشر، فلذلك وجبت فيها الزكاة.
ماهر عبد الله:
سماحتكم كنا قاطعناكم: عندما ظهرت الأوراق النقدية احتار الناس علام يقيسونها؟.
الشيخ أحمد الخليلي: (1/77)
صفحة 78
الزكاة فُرضت لتطهير النفوس ولتربيتها على الأخلاق، ومن المعلوم أن النفوس التي جُبلت على حب المال حباً جماً تحب الآن هذه الأوراق النقدية كما كانت تحب من قبل الذهب والفضة، فالأوراق النقدية تقضى بها المآرب، ويُبلغ بها إلى المقاصد وتقضى بها الديون وتلبى بها الحاجات وتُستَحل بها الفروج وتودى بها القتلى، فإذا كانت هذه وظيفة هذه الأوراق النقدية فكيف يُقال بأنها تختلف عن الذهب والفضة ولا تزكى مثل زكاة الذهب والفضة؟ !
والآن لو عطلنا الزكاة في الأوراق النقدية، لتعطلت الزكاة عند معظم الناس، إذ معظم الناس الآن لا يملكون الذهب والفضة، وإنما يملكون هذه الأوراق النقدية، فأرصدة الناس أصبحت منها، فلماذا تعطل الزكاة؟ فهذا دليل على وجوب الزكاة فيها، ودليل أيضًا على أنها من حيث أحكام الربا كالذهب والفضة.
ماهر عبد الله:
سؤال بالفاكس من الأخ عبد السلام محمد الرواحي من سلطنة عمان: هل كان هناك اجتهاد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي وجوده مع أصحابه؟ وهل اجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه أم أن جميع الأحكام الشرعية نزلت عليه من عند الله سبحانه وتعالى من غير زيادة؟
الشيخ أحمد الخليلي:
ذكرنا أن الصحابة رضي الله عنهم اجتهدوا في فهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)(1)، وأقر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام هؤلاء وهؤلاء على ما توصل إليه فهمهم، ولم يُعنف هؤلاء ولا هؤلاء....
ماهر عبد الله مقاطعاً:
هل اجتهد قبل أن يأتيه الوحي؟ بمعنى أنه بعد أن أصبح نبياً ورسولاً؟
الشيخ أحمد الخليلي:
نعم.. في قضية أسرى بدر، ولذلك نزل عِتاب من الله تبارك وتعالى لأن الله تبارك وتعالى ما أراد تشريع ذلك الحكم في ذلك الوقت، ولكن بما أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان مبنيًّا على أساس شرعي أُقر على ما هو عليه.
ماهر عبد الله:
الأخ سالم عبد الله، تفضل.
سالم عبد الله:
شكرًا، السلام عليكم. (1/78)
صفحة 79
ماهر عبد الله:
وعليكم السلام.
سالم عبد الله:
الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه( قل إنما أنذركم بالوحي)الأنبياء: 45 وهناك عدة آيات في القرآن الكريم تحظر الإنذار بالوحي، والذين قالوا بمقاصد الشريعة ما قالوا هذا القول الذي يخالف هذه الآية القطعية الثبوت والدلالة، حتى أن الشافعي رضي الله عنه قال: من استحسن فقد شرع، ومن استصلح فقد شرع، وقام أيضًا علماء العصر الحاضر بافتراءات على الشيخ الشاطبي في موضوع مقاصد الشريعة، ونعلم أن الذين قالوا بمقاصد الشريعة اليوم أجازوا دخول البرلمانات التي تحكم بالكفر، وأجازوا إعطاء الثقة لحكومة تحكم بالكفر، وأباحوا الربا، وقالوا بجواز الحوار بين الأديان، والسلام مع اليهود، وأن الإسلام دين سلام، والحوار الديني القومي، وعدم قتل المرتد، وعدم قطع يد السارق، وعدم العمل للخلافة، وكل أدلتهم التي استدلوا بها موضوع مقاصد الشريعة، فهذا الرأي لا شك أنه يخالف القطعي من القرآن الكريم.
ماهر عبد الله مقاطعاً:
اسمح لي، لكن كلمة (لا شك) هذه خطيرة بعض الشيء، فهم علماء وأخذوا بالمقاصد، وأنت اختلفت معهم، لا شك أنهم اختلفوا معك في الرأي، أما أنه لا شك أنه يختلف مع القطعي.
سالم عبد الله:
هم أرادوا أن يوفقوا بين الحضارة الغربية والإسلام، وهذه وضعية علماء العصر الهابط منذ أواخر القرن الثامن عشر والقرن الحالي.
ماهر عبد الله مقاطعاً:
على كل اسمح لي أن أصنف هذا الحكم من الحكم على النوايا، ستسمع إن شاء الله من الشيخ تعليقًا على هذا، معي الأخ أحمد هويس من سوريا، أخ أحمد تفضل.
أحمد هويس:
السلام عليكما.
ماهر عبد الله والشيخ أحمد الخليلي:
وعليكم السلام.
أحمد هويس:
أحييكم من سوريا ظِئر الإسلام والعروبة، واسمحوا لي أن أُدلي بدلائي في هذا الموضوع.. مباشرة. (1/79)
صفحة 80
النص الإسلامي مُقدس وهو مطلق على معين بذاته، هو النص القرآني أو الصحيح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة الراشدين الهادين المهديين، النص إما من القرآن المحكم، وإما من المتشابه، وفي مورد النص لا اجتهاد؛ انطلاقًا من الآية القرآنية (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)آل عمران: 7 يعني 6236 آية في القرآن هي مجموع آي القرآن الكريم، 365 آية على التقريب هي المحكم في القرآن، وفيه الوضوح والإبانة في الحدود والمقاصد والحلال والحرام والفتاوى والميراث.. إلى آخره، وباقي القرآن الكريم هو المتشابه بما فيه من أمثلة وقصص، وفيه الغموض والمجاز العقلي واللغوي بأنواعه، وفيه قضايا علم البيان والبديع، وأسرار البلاغة القرآنية، وعلمي التأصيلي والتأسيسي والسمة ( قل فلله الحجة البالغة فلو شاء.. )الأنعام: 149.
فالتشريع الإسلامي ينصب على المعاملات وتنظيم القوانين بالعدل لإحقاق الحق والعدالة، القوانين العامة والخاصة لكافة المصالح المرسلة، ولتوضيح مقاصد الشريعة وأخلاق الناس، إنما الدين المعاملة، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعاملات والعقائد والعبادات كلها لتنظيم حياة الناس، بما يجسد الغاية من الاستخلاف، وأخذ ميثاق النبيين لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الآية 81 من سورة آل عمران أيضاً.
أخي ماهر، مولانا الشيخ، القانون أعمى في يد العميان، والقانون ظالم في أيدي الجهلة والظالمين، والقانون الوجودي إن كان عند علماء أكفَاء بصير، يمثل مقاصد الشريعة في حياة المسلمين وغير المسلمين، أي أن القانون بصير في أيدي العلماء أهل البصيرة والحكمة في التشريع ومقاصده الحيوية التي ترتقي بإنسانية الإنسان، فالتشريع العادل هو التشريع العالم المستنبط لأحكام الله، وماذا يريد الله.
ماهر عبد الله:
أخ أحمد.. أرجوك أن تختم بسؤال، نحن شارفنا على نهاية البرنامج. (1/80)
صفحة 81
أحمد هويس:
التشريع العادل يحتاج إلى مشرعين أكفَاء، ورثة أنبياء، أي باختصار التشريع في كل زمان ومكان يحتاج إلى مشرعين مجددين يوضحون القوانين والقواعد التشريعية المواكبة لروح العصر ومستجدات الحياة، أخي الأستاذ ماهر، أخي الإمام.. إن حوار الأديان المقارن يعني حوار الحضارات المنفتحة، حوار الإنسان المتحضر المؤمن الذي يصنع الحضارة والمحبة.
ماهر عبد الله مقاطعاً:
أخ أحمد، هذا ليس سؤالاً، أنا طلبت منك سؤالاً؛ لذا فأنا مضطر لمقاطعتك لأن عندي مجموعة من الفاكسات، كنا نتمنى أن تختم بسؤال.
الأخ حسن علي السقاف من الأردن يسأل بالفاكس: ما معنى قول بعض محققي العلماء: إن الدليل العقلي وخاصة في العقائد مقدم على الدليل النقلي؟ وهل لهذه العلاقة علاقة بظاهر النص؟
===============
(1) البخاري (904)، مسلم (1770)
الشيخ أحمد الخليلي:
نحن لا نؤمن بأن العقل السليم يختلف مع النص الصريح، وإنما العقل جعله الله سبحانه وتعالى وسيلة من وسائل الفهم والإدراك، وهو أعظم وسيلة، ولذلك نعى الله سبحانه وتعالى على الذين لا يعقلون، وعلى الذين لا يعملون، وعلى الذين لا يفقهون، فنصوص القرآن لا تتصادم أبدًا مع العقل، وإنما العقل هو وسيلة من وسائل فهم مقاصد هذه النصوص، عندما تكون متعلقة بالعقائد والأفكار.
ماهر عبد الله:
أسألك سؤاله الثاني: هل يوجد هناك نصوص قرآنية صريحة تؤكد دور العقل وقيمته في إدراك الحقائق الشرعية في تقديم نص على آخر أو تقديم آية على حديث يتعارض متنه مع ظاهر الآية؟.
الشيخ أحمد الخليلي: (1/81)
صفحة 82
أما نصوص قرآنية صريحة تدل على تقديم نص على نص؟ لا، النص القرآني مُقدم، ولئن كانت الرواية عندما تتعارض مع رواية أقوى منها سندًا تُرد الرواية الأضعف بجانب الرواية التي هي أقوى، فما بالكم إذا كانت الرواية لا تتفق مع القرآن الكريم؟، على أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا قد ردوا جانباً من الروايات التي رواها صحابة أيضًا معلوم صدقهم وثقتهم، ولكنهم ردوها عندما يشتمون من هذه الرواية ما يفهمون منه مخالفة لما جاء في القرآن الكريم.
فأمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه رد حديث فاطمة بنت قيس، وقال: (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت) (1)، وكذلك ردت السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رواية ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكن ليكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم)(2)، فحملت كلامه على أنه ربما التبس عليه الفهم، وردت ذلك بقول الله تبارك وتعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى)الأنعام: 164.
فعندما يكون هنالك نص قرآني، لا يمكن أن تقبل الرواية المخالفة له، وإذا كانت في مستوى الروايات الصحيحة، ومما عرّف به علماء الحديث الرواية الصحيحة بأنها ما نقله الثقة عن الثقة من غير شذوذ أو علة، وأن لا يخالف القرآن.
ماهر عبد الله:
لكن ثمة شواهد على التخصيص.
الشيخ أحمد الخليلي مقاطعاً:
نعم لا شك، وردت المخصصات، والعمومات تُخَصَّص بأدلة.
ماهر عبد الله: (1/82)
صفحة 83
سؤال من الأخ أسامة عبد اللطيف أبو قورة في شكله الظاهر ليس في صلب الموضوع، ولكن نطرحه نظراً لأنه جاء أكثر من فاكس بهذا الاتجاه، نحن ذكرنا في المقاصد العامة تشريع الدين والنفس والعقل والعرض والمال، لم نذكر أرض المسلمين، ووطن الإسلام، يريد أن يسأل: أين تقع أرض الإسلام في هذا؟ وخصوصًا تخصيصه مكانة القدس الشريف والمسجد الأقصى؟ وهذا السؤال شبيه بسؤال الأخ محمد عبد الله من فلسطين: للأرض.. لدار الإسلام، هل ثمة مكانة لها في هذه المقاصد، هل للأقصى مكانة خاصة في المقاصد؟
الشيخ أحمد الخليلي:
للأقصى مكانة خاصة، والأقصى أمانة المسلمين بأيديهم، والله تبارك وتعالى سائلهم عنها، نجد في كتاب الله تعالى ما يدل على هذه المكانة، أولاً: لماذا اختار الله سبحانه المسجد الأقصى لأن يكون مسرى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وجمع بينه وبين المسجد الحرام في آية واحدة عندما ذكر قصة الإسراء وتشريف الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الرحلة الميمونة المباركة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم إننا نجد أن الله سبحانه وتعالى وجه المسلمين إلى المسجد الأقصى، ذلك لأن هذه الأمة وريثة الأمم السابقة في مقدساتها، ووريثة هدي النبوات السابقة، فالمحافظة على هدي النبوات أمر واجب على هذه الأمة، ولذلك كانت المحافظة على المسجد الأقصى أمراً واجبًا عليها، ونحن ندعو جميع المسلمين لأن تتضافر جهودهم على تخليص المسجد الأقصى ورده إلى حظيرة الإسلام.
ماهر عبد الله:
مشكور جدّاً على هذه الإجابة، لو انتقلنا إلى المقاصد التي تحدثنا عنها اليوم، هي المقاصد التي نص عليها الشارع، أو التي فُهمت منه دلالة أو إشارة، ثمة مقاصد مسكوت عنها، يسميه شيخنا الدكتور القرضاوي بمنطقة العفو، هل ثمة مقاصد شرعية فيما سُكت عنه؟
الشيخ أحمد الخليلي: (1/83)
صفحة 84
دل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم على أن الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله، وما سكت عنه فهو عفو، هذا وقد نص العلماء على أن المقصد المعتبر هو ما وافق الشريعة الإسلامية، فالمقصد المعتبر ما لم يتصادم مع نص من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما ما كان متصادمًا فلا يعتبر مقصدًا، ولذلك أريد أن أطمئن الأخ الذي وجه إلينا سؤالاً أو تحدث بحرارة وغيرة وشدة عن الأوضاع المعاصرة، وقال بأن الناس الذين يعتبرون المقاصد هم الذين أباحوا ما أباحوه، أريد أن أطمئنه بأن العلماء المحققين الذين يخشون الله تعالى ويتقونه لا يحومون حول الحمى فضلاً عن أن يقعوا فيه، أخذًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيها).
فالذين يخشون الله ويتقونه لم يكونوا بحال من الأحوال ليبيحوا لأنفسهم بأن يحللوا ما حرم الله سبحانه، فالحرام يبقى حراماً ما دامت السماوات والأرض إذ لا نسخ لشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت من عند الله مهيمنة على ما قبلها، فلا إباحة لشيء من المفاسد، ولا تسويغ لشيء من المنكرات، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا الرشد جميعاً.
ماهر عبد الله:
سماحة الشيخ أحمد الخليلي جزاك الله خيراً، وشكراً لك على هذه المساهمة.
أعزائي المشاهدين، باسمكم أشكر سماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي سلطنة عمان، وصاحب الباع الطويل والمشهود له في باب الفقه الإسلامي، والمشارك أيضًا في أكثر من منتدى حول التقارب بين المذاهب الإسلامية.
=======================
(1) مسلم (1480).
(2) الربيع (483)، البخاري (1227)، مسلم (929).
الأخذ بالأسباب ودوره في نهضة الأمة (1/84)
صفحة 85
محاضرتان ألقاهما سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله في مسجد جامعة السلطان قابوس، ليلة الثلاثاء 24من رجب 1423هـ، الموافق 30سبتمبر2002 م.، وليلة الثلاثاء 8 من شعبان 1423هـ، 14 من أكتوبر 2002م
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هو على كل شئ قدير، وبكل شيء بصير، سبحانه خلق الأسباب والمسبَبات، وجعل لكل شيء سبباً، وهي سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً، أحمده حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لا حد لغايته ولا أمد لنهايته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله هادياً وبشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فعلم من الجهالة وهدى من الضلالة وبصر من العمى، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد،،،
فأحييكم جميعاً أيها المؤمنون والمؤمنات بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإني لأحمد الله سبحانه وتعالى على اجتماعنا في هذا الجامع الشريف في قلب هذه المؤسسة العلمية الكبرى، لنتعلم جميعاً ما يسر، ولنتزود ما يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل يعبد بالعلم لا بالجهل، وهو تبارك وتعالى رفع من أقدار العالمين العاملين، الذين يعملون بأمره ويزدجرون عن نهيه ويأخذون بسننه، وهذه هي الغاية التي يجب على الإنسان أن يحرص عليها في هذه الحياة الدنيا، إذ هذه الحياة الدنيا إنما يُوطَد خيرها بتقوى الله سبحانه وتعالى واتقاء كل ما يضر والأخذ بالأسباب النافعة؛ ليكون الإنسان حقاً قائماً بواجب الخلافة فيها، مطيعاً لربه، شاكراً لنعمه، واقفاً عند حدوده، عارفاً نعمة الله تبارك وتعالى التي أسبغها عليه.
الصحوة الإسلامية في العصر الحديث (1/85)
صفحة 86
ولا ريب أن أمتنا الإسلامية مرت منذ أمد بعيد بفترة حالكة مدلهمة، احلولكت فيها حناديس الجهل والشك، فرانت على القلوب، وانصرفت قلوب كثير من الناس عن الله سبحانه وتعالى، وقد أغرقت هذه الأمة في الكثير جداً من أسباب الفرقة والخلاف، فتنادت بالقوميات الضيقة، ونسيت النداء الذي يشملها جميعاً، فإن الله تبارك وتعالى جمع شتيتها تحت كلمة الإيمان عندما نادى جميع المؤمنين بقوله ( يا أيها الذين آمنوا)، ولم يناد كل قومية بنداء خاص بها، وإنما جمع المؤمنين في نداء واحد؛ لأن المؤمنين إنما يجمعهم الإيمان، وعندما يكون النداء شاملاً للمؤمنين وغيرهم يناديهم الله سبحانه وتعالى بـ( يا أيها الناس)؛ لأن الإنسانية تجمع طوائف البشر بأسرها، فتدخل في عموم هذا الخطاب.
ومن فضل الله سبحانه وتعالى أن منَّ على هذه الأمة بصحوة منذ فترة من الزمن قد استبشر الكل بها خيراً، ورجونا بفضل الله سبحانه وتعالى أن تجمع الشتات وأن تؤلف بين القلوب المتنافرة، وأن توحد بين الفئات المتدابرة؛ فتنضوي الأمة جميعاً تحت لواء الحق والحقيقة.
التعلق بالوهم وترك الأسباب عقبة في طريق الصحوة
ولكن مما يؤسف له أن هذه الصحوة أصيبت بشيء من غبش التصور في بعض الأمور، وذلك مما جعل أبناءها يعيشون في عالم الأوهام، أسارى للخيالات المختلفة، وقد دفعهم ذلك إلى تجاهل سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه، مع أن الله سبحانه خلق الخلق، وجعل لخلقه سنناً لا تتبدل حتى يرث الله الأرض وما عليها، وما يقع من الخوارق التي قد تكون رأي العين خارجة عن هذه السنن؛ فإنما ذلك يرجع إلى أمر الله سبحانه عندما يريد أن يتعطل شيء من السنن في قضية معينة، مع أن هذه الحالة لا يمكن أن يقاس عليها، وهي حالات في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى؛ لأن السنن تسير حسب ما شاء الله سبحانه وتعالى مما رسمه لهذا الكون من نواميس معينة لا تتبدل ولا تتغير حتى يرث الله الأرض ومن عليها. (1/86)
صفحة 87
ولكن غبش التصور هو الذي يحول بين البصائر والرؤية الصحيحة لحقائق الأشياء، وذلك مما يجعل هذه النفوس أسيرة الأوهام فتبتعد كل البعد عن هذه الحقائق.
الأخذ بالأسباب من صميم الدين
ونرى أن الله سبحانه وتعالى عندما بعث عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بعثه بدعوة جامعة، وهو عليه أفضل الصلاة والسلام على مسمع ومرأى من الله سبحانه وتعالى، وهو أقرب الخلق إليه، ولكن مع ذلك أمره سبحانه وتعالى أن يأخذ بالأسباب.
وكان عليه الصلاة والسلام حريصاً كل الحرص على أن يأخذ بالأسباب في كل شيء امتثالاً لأمر الله سبحانه؛ فلذلك عندما هاجر صلوات الله وسلامه عليه سلك مسالك فيها تعمية على المشركين لئلا يطلعوا على أمره، مع أنه محفوظ بعناية الله سبحانه، ولأن جميع تصرفاته وأعماله صلى الله عليه وسلم تشريعات لهذه الأمة؛ كان لزاماًُ أن يسلك المسالك التي تتفق مع مصالح الأمة في اتباعها سنن هذه الحياة.
وقد كان لبعض أصحابه رضي الله عنهم شأناً ربما يختلف بعض الاختلاف عن مسلكه صلى الله عليه وسلم؛ من حيث اتباع الأسلوب الذي فيه تعمية على المشركين، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما هاجر لم تكن هجرته خفية، وإنما كانت هجرته علانية، فقد جاء إلى البيت الحرام وطاف بالبيت سبعاً وصلى وراء المقام، ثم نادى قريشاً وأعلمهم أنه مهاجر، وأن من أراد أن يثكل أمه أو يرمل زوجه أو يوتم ولده فليلقه خلف الوادي(1)، كان ذلك تحدياً منه رضي الله عنه لعنجهية المشركين وكبريائهم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلك هذا الطريق؛ لأن مسلكه صلى الله عليه وسلم تشريع للأمة، وفعل عمر رضي الله عنه إنما كان تصرفاً شخصياً لا تلزم الأمة باتباعه، ولا يلزم أي أحد أن يقتدي به في هذا التصرف، مع أنه ليس كل أحد قادراً أن يتصرف هذا التصرف، بحيث يقابل كبرياء الجاهلية بمثل هذا التحدي السافر. (1/87)
صفحة 88
والنبي صلى الله عليه وسلم كان عمله بخلاف ذلك، فقد أمّ مع الصديق رضي الله عنه غار ثور، وبقي هنالك ثلاثة أيام، ثم سلك مسالك ليست هي المسالك المألوفة في الذهاب إلى المدينة المنورة؛ من أجل أن يعمي أمره على المشركين، مع أنه ولا ريب كان محفوظاً بعناية الله سبحانه، ولا أدل على ذلكم مما وقع لسراقة عندما تعرض له، فساخت قوائم يعبوبه في الأرض الصلدة الصلبة، هذه الآية تدل دلالة واضحة على أن الله سبحانه أراد لنبيه صلى الله عليه وسلم الحفظ، ولكن مع ثقته بالله وتوكله على ربه سبحانه وتعالى أخذ بالأسباب. (1/88)
صفحة 89
ونحن نرى الدعوة في القرآن الكريم إلى الأخذ بالأسباب دعوة واضحة فالله تبارك وتعالى يقول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعاً)النساء: 71 فالله تبارك وتعالى يأمر المؤمنين بأن يعدوا عدتهم للمشركين ويقول سبحانه وتعالى ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ)الأنفال: 60 كل ذلك من باب الأخذ بالأسباب حتى لا تتواكل هذه الأمة ولا تتبع الأوهام، فإن من لم يأخذ بالأسباب كانت نهاية أمره أن يصطدم بنواميس الحياة وسنن الكون، ويؤدي به هذا الاصطدام إلى ما لا تحمد عاقبته، فالمؤمنون عندما فرطوا في الأخذ بالأسباب في غزوة أحد كان ما كان من أمر الله سبحانه وتعالى، إذ عاقبهم الله تبارك وتعالى فأصابتهم لطمة من القدر جندلت من أبطالهم سبعين بطلاً؛ حتى يعرفوا أن مخالفة ما أمر الله تعالى به وما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم من الأخذ بالأسباب تؤدي إلى ما لا تحمد عاقبته، هذا بجانب عدم الاغترار بالأسباب وحدها، فإن هؤلاء المؤمنين أنفسهم عندما أخذوا بالأسباب ورأوا في نفوسهم القوة وأصابهم شيء من الغرور بسبب هذه القوة في حنين حتى قالوا: لن نهزم اليوم من قلة، أصيبوا أيضا بما أصيبوا به، ومعنى ذلك أن يكون الإنسان آخذا بالأسباب ومتوكلاً على الله تبارك وتعالى مسبب الأسباب. (1/89)
صفحة 90
ونجد أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان بنفسه حريصاً على الأخذ بالأسباب، ومن أمثلة ذلك: (أنه عندما مرّ وراء جدار مائل أسرع المشي، فقيل له: أتفر من قضاء الله يا رسول الله؟ !، قال: نعم أفر من قضاء الله إلى قدره)(2)، ومعنى فراره من قضاء الله إلى قدره، أن كل شيء مقضي عند الله، ولكن الله تبارك وتعالى جعل للأشياء أسباباً، فهو يفر إلى القدر الذي هو نتيجة القضاء، وهو مفهوم ما قضاه الله تبارك وتعالى في الأزل على من أراد أن يقع عليه ذلك الأمر فيما لا يزال، فإن كان وقوع الجدار عليه أمراً مقضياً في الأزل فإن ذلك القدر لا بد من أن يتحقق فيما لا يزال، وإن كان غير مقضي في الأزل فإن قدر عدم وقوع الجدار عليه أمر لا بد من أن يقع، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما يفر إلى ما قدر الله تبارك وتعالى وقوعه.
=============
(1) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج4 ص 58، ابن الأثير، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(2) لم أعثر عليه، وقد أورده بهذا اللفظ الشيخ خميس الشقصي في منهاج الطالبين (1/424) ط وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، لكن في شعب الإيمان للبيهقي ( (1359) أخبرنا أبو سعد الماليني ثنا أبو أحمد بن عدي الحافظ ثنا عبدالرحمن بن عبيد الله بن أخي الإمام بحلب ثنا إبراهيم بن سعيد ثنا أبو معاوية عن إبراهيم بن الفضل عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحائط مائل، فأسرع المشي فقال له بعض القوم يا رسول الله كأنك خفت هذا الحائط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أكره موت الفوات" تفرد به إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف، وروي من وجه آخر ضعيف.
( (1/90)
صفحة 91
1360) أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو ثنا يوسف بن عبدالله الخوارزمي ثنا يوسف بن عدي ثنا عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن موسى بن وردان عن عبدالرحمن بن جبير عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحائط قد أردى فأسرع، فقلت: "يا رسول الله قد أسرعت"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أخاف موت الفوات"، قال البيهقي إسناده ضعيف، ورواه أبو عبيد في كتابه مرسلاً) راجع الموسوعة الألفية، وقد ورد في مسند الإمام الربيع بن حبيب (641) أن أبا عبيدة بن الجراح قال لعمر بن الخطاب: أفراراً من قدر الله يا عمر، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. (1/91)
صفحة 92
وفي غزوة الأحزاب أخذ بمشورة سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه في حفر الخندق حول المدينة المنورة؛ من أجل تأمين المدينة من غزو المشركين، كذلك في نزوله ببدر أخذ بمشورة الحباب بن المنذر رضي الله تعالى عنه حيث قال: بأن هذا ليس لك بمنزل، فاتبع صلى الله عليه وسلم مشورته (1) وأخذ بالأسباب، وهكذا في جميع الأمور كان عليه أفضل الصلاة والسلام يعلم هذه الأمة أن تأخذ بالأسباب، ولا ريب أن تناسي هذه الأسباب يؤدي بالناس إلى أن يقعوا في كثير من الأوهام، والله تبارك وتعالى خلق الخلق، وبسط الرزق، وقضى على من قضى بالصحة، وقضى على من قضى بالسقم، وهو سبحانه وتعالى جعل أسباباً لكل شيء، وهكذا شأن الحياة، فالإنسان في حياته يتقلب بين صحة وسقم، وقوة وضعف، فهو يبدأ طريق حياته ضعيفاً (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً)الروم: 54 والله تبارك وتعالى يبين سنته في الخلق إذ يقول (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أفلا يَعْقِلُونَ) يس: 68 هكذا يبدأ الإنسان من نقطة الضعف، وهو يولد ضعيفاً لا يستطيع حتى أن يدفع أذى ذرة تقرصه، ثم تنمو قواه شيئا فشيئا ويأخذ جسمه في النمو، ثم بعد ذلك يأخذ في الانتكاس شيئا فشيئا حتى يذبل وتنتهي حياته، هذه هي سنة الله تبارك وتعالى في الخلق. (1/92)
صفحة 93
وفي ثنايا تشريعات الله تبارك وتعالى هنالك دعوة إلى اتقاء المضار، فالله تبارك وتعالى يقول (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)الأعراف: 31 ذلك لأن الإسراف يؤدي إلى الإضرار بالجسم، وكذا دليلها ما جاء على لسان رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لتنسفه) (2) وميزان الاعتدال في الغذاء حتى يكون الإنسان آخذاً بأسباب الصحة ومتجنباً لأسباب السقم، مع أن الصحة والسقم من سنن هذه الحياة التي لا تتبدل.
ونجد في الحديث الثابت من رواية جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عز وجل) (3)، والله تبارك وتعالى جعل لكل داء دواء، فإذا عولج الإنسان بذلك الدواء وأصاب الدواء موضع الداء كان ذلك سبب البرء، وجاء في حديث آخر من طريق أبي هريرة عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)(4).
وجاء في حديث أسامة بن شريك أن جماعة من الأعراب جاءوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن التداوي، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يتداووا، فقال لهم: (تداووا فإنَّ اللهَ لم يضعْ داءً إلاَّ وضعَ لهُ شفاءً أو دواءً، إلاَّ داءً واحداً، فقالوا: يا رسولَ اللهِ وماهو؟ قال: الهرَم)(5)، فكل داء له شفاء.
وجاء في رواية أخرى: (ما أنزل الله من داء إلا وقد أنزل معه شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله)(6)، فكل علة من العلل جعل الله تبارك وتعالى لها علاجاً، والناس مطالبون أن يأخذوا بالأسباب، وهذا لا يمنع الإنسان أن يكون متوكلا على الله، فإن الأخذ بالأسباب هو من باب التوكل؛ لأنه طاعة لمسبب الأسباب سبحانه وتعالى. (1/93)
صفحة 94
كذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بعلاج الحمى بالماء ويقول: (الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء) (7)، ومعنى كونها من فيح جهنم أنها حارة وساخنة، آخذة صفة شدة الحرارة من جهنم والعياذ بالله، والأطباء إلى الآن يعالجون الحمى أحيانا بالتبريد، وأنا بنفسي عولجت بهذا العلاج وكان ذلك سبباً للشفاء، وهذا من إعجاز النبوة، ودليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم شديداً على من يتعامى عن هذه الأسباب أو يتجاهل سنن الله سبحانه في هذه الحياة، فالكون كله مسير حسب أمر الله سبحانه وفق نواميس وسنن أرادها الله تبارك وتعالى له إلى أن يرث الأرض ومن عليها.
وعندما يطرأ على الناس في عهده صلى الله عليه وسلم شيء من التوهم، يردهم من الوهم إلى الحقيقة ليستبصروا ولا يتيهوا في متاهات الوهم، فعندما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم- وكان في سن الطفولة الباكرة- حزن النبي صلى الله عليه وسلم عليه حزناً شديداً، وفي ذلك اليوم كسفت الشمس فتراءى للناس أن كسوف الشمس إنما هو بسبب موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم لما ألّم به صلى الله عليه وسلم من المصاب، ولكن في هذه الساعة الحرجة الحزينة أبى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يرد الناس إلى الجادة ويبصرهم بالحقيقة، فقال لهم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروه)(8)، فالشمس والقمر آياتان من آيات الله؛ لأنهما من ضمن خلق الله سبحانه الدال على جلاله وشهود كبريائه في هذا الكون. (1/94)
صفحة 95
وللشمس والقمر سنن في هذا الدوران، كما أن ذلك لسائر الأجرام السماوية التي تدور في مداراتها وفق السنن، ووفق هذه السنن التي أرادها الله قد يختفي شيء من ضوء الشمس، أو شيء من ضوء القمر، أو ضوء القمر كله، بحيث يصيبه المحاق، وبما أن هذا الأمر هو أمر خارج عن المألوف المطرد مما يراه الناس في الشمس والقمر، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعوا إلى ذكر الله سبحانه وتعالى، بحيث يأخذون العبرة من ذلك، وأن كل شيء يطرأ عليه ما يطرأ بأمر الله سبحانه وتعالى، وهذه سنة كونية أرادها الله تبارك وتعالى.
=============
(1) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج1 ص 364-365، ابن الأثير، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(2) الترمذي (2486) وابن ماجه (3349).
(3) مسلم (2204).
(4) البخاري (5354)، ابن ماجه (3439).
(5) الترمذي( 2109)، أبو داود (3855).
(6) المستدرك (7424/2)
(7) الربيع (643)، البخاري (3088)، مسلم (2209).
(8) الربيع (194)، البخاري (994)، مسلم (911).
الآثار السلبية المتولدة عن ترك الأسباب والتعلق بالأوهام
ولا ريب أن اتباع الإنسان الأوهام يبعد عقله عن درك الحقيقة الماثلة أمام ناظريه، فيتصور شيئاً من الوهم البعيد هو عين الحقيقة؛ مع ما آتاه الله سبحانه وتعالى من عقل ومن أسباب القوة، ولكن هذا العقل يصيبه الغبش حتى لا يدرك الحقيقة الماثلة أمام ناظريه. (1/95)
صفحة 96
ومن أمثلة ذلك ما كان من استئسار المصريين قبل الإسلام للوهم، حيث كانوا يعتقدون أن النيل لا يجري إلا إذا ألقيت له فتاة بكر من أحسن الفتيات جمالاً في أكمل زينتها (1)، لكننا نعلم أن النيل من خلق الله، يأتي من أماكن معروفة، فجزء منه يأتي من بلاد الحبشة، وجزء منه يأتي من بحيرة (فكتوريا) التي كانت تسمى من قبل بحيرة (نيانزا)، وهي من أكبر بحيرات الدنيا، فما الذي يمنع هذا النيل من الجريان إن لم ترم له هذه الفتاة؟ ! وما الداعي إلى أن تقدم إليه هذه العرائس؟ ! وما الذي يعني النيل وجريانه من هذا الأمر؟ !، واستأسر الناس لهذا الوهم وظنوا أن النيل لا يجري، مع أن فيضان المياه بكثرة الأمطار التي تصب في تلكم البحيرات، والروافد التي ترفد تلكم البحيرات هي التي تزيد من جريان النيل عندما يشاء الله وتبارك وتعالى ذلك، وتلك سنة مطردة في كل عام من الأعوام، فما الذي يمنع النيل من الجريان؟ ! !.
ولما خشوا بعد الإسلام إن لم يفعلوا ما كانوا يفعلونه قبل الإسلام أن يتوقف جريان النيل، كتبوا بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فعالج عمر رضي الله عنه هذا الوهم علاجاً نفسياً، حيث أرسل إليهم كتابه في ورقة صغيرة كتب فيها (إلى نيل مصر، إن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا في جريانك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر)، هذا علاج لذاك الوهم، وإلا فما الذي يمنع النيل من الجريان؟ !.
وإنما عولج هذا الوهم بأمر عقدي، من خلال بيان سنة الله تبارك وتعالى وأن الكون كله مصرف بأمره، هو الذي يسبب الأسباب ويجعل المسبَََبَات مرتبطةً بها، فهو الذي ينزل الأمطار متى يشاء سبحانه وتعالى، فتزيد المياه وتتدفق من تلك البحيرات في أفريقيا حتى تصل إلى النيل. (1/96)
صفحة 97
فالصحوة الآن أصيبت بغبش التصور عند الكثير من الناس، فاستأسر خاصة الناس فضلاً عن عامتهم بهذه الأوهام، ووجدنا الناس الآن إذا أصيب أحدهم بزكام قال: إنه مسحور، وإذا أصيب بصداع قال: إنه مسحور، وإذا أصيب بأوجاع في ركبتيه، قال: إن ذلك بسبب السحر، وهو ناشئ عن دخول جني في جسمه، وإذا أصيب برمد، قال أيضاً: بأنه مسحور، جاءني أحد قبل فترة يشكو بحة في حلقه، يقول: إن هذا أصابه بسبب تأثير جنية عليه؛ ونتيجة سحر وقع عليه! ! هذه أمور خطيرة جداً تبعد الناس عن الحقيقة، فما الذي يربط بين السحر وما بين هذه الأمور العادية؟ !، فالله تبارك وتعالى هو الذي خلق الصحة والسقم، والموت والحياة.
كانت هناك شائعة قبل وقت من الزمن شاعت في أوساط الجهلة وتقبلها بعض الناس، وهي أن السحرة قد يتسلطون على أحد فيأخذونه ويصورونه ميتاً وهو غير ميت، ويضعون مكانه لوحاً يخيل إلى الناس أنه ميت. (1/97)
صفحة 98
وأنا بنفسي عايشت قضيتين من أمثال هذه القضايا وتتبعتهما حتى وصلت في نهاية المطاف إلى استبانة كذب هذه المقولة، وأنها ليست من الحقيقة في شيء، ومما يؤسف له أن إحدى القضيتين روج لها، حتى أن وسائل الإعلان تناقلتها، حيث ادعى مدع بأنه كان مسحوراً، وأنه مات قبل سنين وتقمص شخصية أحد الموتى، وجاء إلى أم ذلك الميت بعد أكثر من عقدين من السنين، وادعى أنه ابنها، وقالت إنها وجدت من العلامات التي كانت في ابنها ظاهرة فيه، وصدق الناس بأنه نفس الشخص الميت، مع أنه كاذب في قوله، ثم أتى من الإجرام ما استحق به القتل، وقبل قتله اعترف بالحقيقة، وقد استبنت منه ذلك بنفسي، وصرّح بكل شيء، وحدثني بمن كان يملي عليه هذه الأخبار، والآن أصبح الناس يصدقون أن كل ما يقع عليهم إنما بسبب تأثير السحرة، كأن هؤلاء سلطوا على الناس يتصرفون في أمرهم كما يشاءون يمرضون من يشاءون ويعافون من يشاءون، وكأنما الجن مسخرون لهؤلاء السحرة، يسلطون من يشاءون منهم على من يشاءون في أي وقت من الأوقات ولا يستطيع هؤلاء الجن خلافاً لأمر هؤلاء. (1/98)
صفحة 99
نحن لا نريد أن نخوض هنا في أمر علاقة الجن بالأمراض وغيرها، هناك أمر من الله تبارك وتعالى أن يستعيذ الإنسان من شر الجنة والناس، وقد يتعرض الإنسان لحسد من إنسي أو جني، ولكن أمر بأن يستعيذ من شر كل حاسد إذا حسد، فما لهذا الإنسان وتصديق هذه الأوهام، بحيث يعتبر كل شيء من تأثير الجن، وأن كل ما يصيبه بسبب سحر الساحرين؟ !، مع أن الله تبارك وتعالى ذكر السحر وقال ( وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ) البقرة: 102 قد علل الله سبحانه أن كل ما يصيب الإنسان إنما يصيبه بأمر الله ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) التوبة: 51 ( وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) الأنعام: 17 ( وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يونس: 107.
ويقول الله تعالى ( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فاطر: 2 فالأمر كله بيد الله، فهو سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر على من يشاء، لكن الكثير من الناس عندما يصبحون في حالة تعب وفقر، يتوهمون أن ذلك بسبب سحر الساحرين، وأنه لولا ذلك السحر لكانوا أغنياء متفوقين في الغنى! !. (1/99)
صفحة 100
هذه أوهام بعيدة كل البعد عن الحقائق، فعلى الناس أن يأخذوا بالأسباب، وليس من الأخذ بالأسباب أن يطلب الإنسان بين عشية وضحاها أن يكون صاحب ثراء عظيم من غير أن يكدح ويعمل، فكل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس، ولكن الإنسان مطالب بأن يجد ويجتهد وأن لا يعجز، وأن يأتي الأمر من بابه ويأخذه بأسبابه، ولا يستسلم للأوهام، وأن يعتقد بأنه لو ذهب إلى فلان أو فلان وكتب له كتابة أصبح غنياً ثرياً، وزال عنه ما أصابه من جراء سحر الساحرين والجن الذين يكيدون له! !، أين هذه الأوهام من عقيدة الإسلام التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ ! أين ذلك من مسلك السلف الصالح؟ !.
ومما يؤسف أن كثيراً من هؤلاء الذين يصابون بأمثال هذه الأشياء، عندما يذهب أحد إلى أحدهم يشتكي إليه ما أصابه، سرعان ما يزيده وهماً على وهم، فيقول له: هذا أصابك بسبب السحر، بل أقل ما يقولون له إن هذا بسبب الحسد.
لو مرض أحد وشكا مرضه إلى أحد من هؤلاء الذين قد يعتنون بالعلاج الروحاني فأدنى ما يقولونه للمصاب أصبت بما أصبت به بسبب حسد الحاسدين؛ كأن الناس لا يصابون بأمراض إلا بسبب حسد من الناس، مع أن البلوى من الله، فالله تبارك وتعالى يحكي عن إبراهيم قوله ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين) الشعراء: 80 فالمرض إنما ينزله الله سبحانه وتعالى، والشفاء إنما يمن به الله سبحانه وتعالى على عباده.
====================================
( (1/100)
صفحة 101
1): حياة الصحابة ج3 ص602-603، محمد يوسف الكاندهلوي، ط دار القلم دمشق، حيث جاء فيه: (أخرج ابن عبدالحكم في فتوح مصر وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن قيس بن حجاج عمن حدثه قال: لما فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر، أتى أهلها إليه حين دخل بؤنة(=من الأشهر القبطية) فقالوا له: أيها الأمير إنا لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذلك؟ قالوا: إنه إذا كان لثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها شيئاً من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، فإن الإسلام يهدم ما قبله.
فأقاموا بؤنة وأبيب ومسري (=أشهر قبطية) لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك، فكتب إليه عمر، قد أصبت إن الإسلام يهدم ما قبله، قد بعثت إليك ببطاقة، فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي، فلما قدم الكتاب على عمرو فتح البطاقة فإذا فيها:
((من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الواحد القهار فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك)).
فألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء وللخروج منها، لأنهم لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستة عشر ذراعاً وقطع تلك السنة السوء عن أهل مصر)، أخرجه الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن قيس بن الحجاج).
الأوهام هي التي سببت الوساوس الشيطانية، وتراكمات هذه الأوهام عبّدت الطرق للشياطين، حتى أصبح الناس أسارى ما تمليه الشياطين عليهم من الوساوس، ومن المعلوم أن أي أحد يصدق وهما من الأوهام يكون أسيراً لهذا الوهم، كما ذكرنا عن الناس قبل الإسلام في مصر وغيرها. (1/101)
صفحة 102
وفي هذه الآونة الأخيرة أخبرت بأن أحداً من الناس كان يخيل إليه أن في رأسه مسماراً من حديد، وقد ذهب إلى الأطباء وحاول كل طبيب أن يقنعه أن ليس في رأسه شيء، وهو يقول: لا، ويقول إنه موقن أن في رأسه مسماراً من حديد، حتى جاء إلى طبيب عرف داءه فأراد أن يعالجه علاجاً نفسياً، فقال له: صدقت فيما قلت، والمسمار ظهر في الأشعة ونحن إن شاء الله سننتزعه، فخدره ونومه، وبعد التخدير شطبه قليلاً ثم ضمده، ثم جاء بمسمار بحديد وطلاه بدم ديك ذبحه، ثم قال له بعدما أفاق: الحمد لله هذا المسمار نزعناه، وأنت ستكون بصحة جيدة، وإنما بقي أن تترك هذه الضمادة حتى يشفى جرحك وسيزول ما بك، وأخذ ذلك الرجل يشكر ذلك الطبيب ويقول: الحمد لله ارتفع عني ذلك الوجع الذي كنت أحسه، فقد كان لا ينام ليله.
وظل هكذا فترة من الزمن في راحة بعدما زالت عنه تلك المعاناة، إلا أن بعض الناس قال له بعد فترة؛ ما كنت تشكو شيئاً وإنما الطبيب عالجك علاجاً نفسياً، وحدثه بقصة الطبيب وما فعله. فقال: لذلك أنا أحس بالوجع إذ لا يزال الوجع في رأسي، وأخذ بعد ذلك يسهر ليله مما يحس من الوجع الوهمي، ويبكي من شدة الوجع ويقول: لا يزال المسمار موجوداً في الرأس! !. فهذه الأوهام هي التي كانت توجع رأسه.
وقبل ثلاثة عقود من السنين اطلعت على قصة مفادها أن أحداً من الناس كان يخيل إليه أنه حبة قمح، وكلما أبصر دجاجة هرب منها؛ خشية أن تبتلعه، فعالجه الأطباء النفسانيون وحدثوه بأنه ليس حبة قمح وإنما هو إنسان، وبصروه بالفوارق بينه وبينها، بأن حبة القمح لا تتكلم وليس لها لسان ولا يدان ولا رجلان وليس لها عقل وبصروه بحاله، فخرج من هنالك مقتنعاً، ولكنه في الطريق عندما صادف الدجاج هرب مرة أخرى، فسئل عن ذلك؟ فقال: أنا اقتنعت بأني إنسان ولست حبة قمح، ولكن هل اقتنعت الدجاج بذلك؟ !. (1/102)
صفحة 103
هذه الأوهام عندما تعشش في الأذهان تتلاعب بالإنسان، فيصبح أسيراً لها، بل يصبح أسيراً لوسوسة الشيطان بعد ذلك، فبهذه الأوهام تعبد الطرق للشياطين.
قبل نحو ربع قرن من الزمن أو ما يزيد على ذلك؛ كان من النادر أن يصادف الإنسان أمراً من أمثال هذه الأمور، بينما الآن أصبح هذا الأمر سائدا عند الصغار والكبار والنساء والرجال، الكل يشكو كل ما يشكو بسبب السحر والجن المردة والشياطين، ونحن نرى أن هذا أدى إلى ما يزلزل العقيدة، ويضعفها في نفوس البشر، حتى أصبحت الثقة بالله أمراً غير وارد عند كثير من الناس، فكثير من هؤلاء لو شكا أمراً من هذا النوع وأرشد إلى تلاوة آيات من كتاب الله سبحانه أو دعاء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ يرى أن ذلك لا يفيده، ولا يريد إلا أن يكتب له، وقد يؤمن كثير منهم بكتابات فيها من غير القرآن من طلاسم وأوفاق لا نعرف معانيها ولا من أين جيء بها؟ ! مع أن هذا لا يجوز، ولله در الإمام السالمي رحمه الله حيث يقول:
ثم الكتابة التي قد ذكرت=لا أعرف الوجه لها لو شهرت
حادثة في جمعنا المعهود=وأصلها قد كان في اليهود
والله قد أغنى العباد عنها=بأدعيات يستجاب منها(1)
وعندما سئل عن مثل هذا قال: بالله عليكم كم حرز كان على أبي بكر، وكم حرز كان على عمر؟ !. (2) (1/103)
صفحة 104
فصحابة النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يعرفون هذه الأشياء، فقد كانوا يأخذون بالأسباب مع تعويلهم على الله وتوكلهم عليه سبحانه وتعالى واستعمالهم الرقى الشرعية، كانوا يعالجون أنفسهم بأنفسهم بآيات من الكتاب العزيز، والنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، كان كثيرا ما يرقي بالمعوذتين، وأقر أصحابه على الرقية بفاتحة الكتاب، وقال لمن رقى بها: (وما أدراك أنها رقية؟ ) (3)، وهذا إنما راجع إلى الإيمان؛ لأن أثر الإيمان في حياة الإنسان أثر كبير، فبقدر ما يكون الإنسان مؤمناً بالأمر يكون تأثيره أبلغ تأثير، نحن نرى كثيراً من الناس الآن يقولون بأنهم يترددون على الطب المادي ولكنهم لا ينتفعون، هذا لأنهم يأتون إلى الطبيب وفي قرارة نفسهم أن ذلك العلاج ليس علاجاً لهذه العلة، والإنسان عندما يقبل على الدواء وهو غير واثق بأن الله تبارك وتعالى جعل ذلك الدواء سبباً لشفاء ذلك الداء؛ لا يكون للدواء تأثير في الغالب؛ فلذلك ينبغي للإنسان أن يقبل على العلاج والأخذ بالأسباب وهو واثق بأن الله تبارك وتعالى قد جعل لكل شيء سبباً وأنه هو مسبب الأسباب، فإن أراد شفاء هذا الداء بهذا الدواء فسوف يشفى بمشيئة الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عز وجل) لم يقل برئ وإنما قال بإذن الله؛ لأن الأسباب مهما توافرت فإن وراءها مسبب الأسباب. (1/104)
صفحة 105
ومما ينبغي أن ننبه عليه أن ترداد مثل هذه الحكايات التي لا أصل لها ولا حقيقة بين الأولاد سبب لإصابتهم بأمراض نفسية، فإن نشأة المولود ما بين أبوين يسمع منهما هذه الحكايات التي لا أصل لها من الصحة يجعله أسيرا لهذه الأوهام وتتنامى في نفسه شيئاً فشيئاً؛ لأنه رُبِّيَ عليها من أول الأمر، فبعد ذلك يكون كثير الفزع يتصور أشباحاً متنوعة، ويتحدث عن أشياء ومشاهد مختلفة مع أن ذلك ليس من الحقيقة في شيء، وكما يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابيه فجر الإسلام(4) وضحى الإسلام (5) عندما تحدث عن المعتزلة: بأن اعتقاد المعتزلة وعدم تصديقهم بأن الجن يظهرون للناس ويتعرضون لهم؛ جعل أولادهم بمنأى عن كل هذه الخيالات التي تصيب أولاد الآخرين، ولذلك فإن أولادهم لو خرجوا في ظلام الليل الدامس لا يتخيلون أشباحاً تطاردهم، أو أن شيئا يتمثل لهم بين عيونهم؛ لأن هذا الوهم غير وارد عندهم.
وهكذا اعتقاد الإنسان الشيء بأنه واقع يجعله في صورة واقعة، وإن لم يكن واقعاً، فلذلك نحن ندعو إن تكون هذه الصحوة نظيفة بمشيئة الله سبحانه وتعالى من أمثال هذه الترهات بقدر المستطاع، وهذا لا ينافي أن يكون الإنسان مأموراً أن يستعيذ بالله من شر الجنة والناس، وإنما هذه الاستعاذة بالطرق المألوفة وذلك بأن يذكر الله تبارك وتعالى، وأن يعول على تلاوة كتابه الكريم، وأن يعول على الطهر والنظافة في المظهر والمخبر، في الظاهر بحيث ينام على وضوء وذكر الله سبحانه وتعالى، وفي المخبر بحيث يكون طاهر السريرة، موصولاً بالله سبحانه، جامعاً بين خوف الله سبحانه وتعالى ورجائه حتى لا يشغله شيء من الخوف عن خوف الله، ولا يشغله شيء من الرجاء والتعلق عن رجاء الله تبارك وتعالى والتعلق به، بهذا ستندرىء هذه الأوهام بإذن الله، وستزول.
======================================
( (1/105)
صفحة 106
1) جوهر النظام، باب عقد التزويج وشروطه ص 188-189، عبدالله بن حميد السالمي، تحقيق أبو اسحاق اطفيش ط 1410هـ/1989م.
(2) جوابات الإمام السالمي ج5 ص516، عبدالله بن حميد السالمي، الطبعة الثانية 1419هـ/1999م.
(3) البخاري (4721)، مسلم (2201).
(4) فجر الإسلام ص287-301، أحمد أمين، ط دار الكتاب العربي بيروت 1975م.
(5) ضحى الإسلام ج3 ص87-88، أحمد أمين، ط دار الكتاب العربي بيروت.
وراء الأسباب مسببها
واستسلام الناس للأوهام أدى بهم إلى تعطيل مداركهم وتعطيل الأخذ بسنن الله سبحانه وتعالى اتباعاً للسراب واغتراراً بالخيال، وهذا مما يؤدي بدوره إلى تعطيل الكثير من الطاقات، وقد يكون ذلك من أسباب تخلف الأمة الإسلامية عندما تكون غير آخذة بأسباب الحياة.
ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى سن سنناً وجعل للمسبَبَات أسباباً، وإنما علينا أن نعلم أن وراء الأسباب مسببها وهو الله سبحانه وتعالى، فإن كانت الأسباب تفضي إلى مسبَبَاتها فإن هذا الإفضاء إنما هو بإرادته سبحانه وتعالى، ولا تكون بنفسها مؤثرة، وهذا مما يجب أن يرسخ في عقيدتنا، لأن علينا أن نوقن بأن كل ما ينفذ في هذا الكون إنما ينفذ بمشيئته سبحانه، ولئن كانت هنالك مشيئة للعبد فإن تلك المشيئة مقيدة بمشيئة الله، فالله تبارك وتعالى يقول ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) الإنسان: 30 أي ما تتحقق مشيئتكم إلا بمشيئة الله، فأنتم لو شئتم ما شئتم إلا أن هذه المشيئة تكون مقيدة بمشيئة الله، فإن شاء الله سبحانه وتعالى إنفاذها أنفذها، وإن لم يشأ إنفاذها لم ينفذها. (1/106)
صفحة 107
هذه الحقيقة يجب أن ترسخ في عقولنا بجانب أخذنا بالأسباب كلها ومعرفتنا أن الله تبارك وتعالى وحده هو الذي يصرف هذا الكون بأسره، فكل ذرة من ذرات هذا الكون إنما تتحرك بأمر الله سبحانه وتعالى، ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن يحركوا ذرة من ذرات الكون من غير إرادة الله سبحانه لما تحركت، ولو اجتمعوا على أن يسكنوا حركة من حركات أي ذرة من هذه الذرات بدون أمره سبحانه وتعالى فكذلك لا يمكن أن يقع ذلك.
بهذه العقيدة يكون الإنسان آخذاً بالأسباب مع عدم الاغترار بها، لأنه يدرك أن وراء الأسباب مسببها وهو الله سبحانه وتعالى، وبها يتحرر من الأوهام ويبتعد كل البعد عن اللهاث وراء السراب والعدو وراء الخيال؛ لأنه يتبع الحقائق، فهو من ناحية يأخذ بسنن الكون ويلتفت إلى ما وراء هذه السنن من إرادة العزيز الحكيم القادر المصرف للوجود.
الآثار الناجمة عن الإعراض عن سنن الله
والناس وقعوا في أمر مريج بسبب إعراضهم عن السنن، وتجاهلهم لما جعله الله تبارك وتعالى من طبيعة هذه الحياة، فلذلك صاروا ينسبون الأشياء إلى من لا يجوز أن تنسب إليه، فعندما يصاب الإنسان بمرض سرعان ما يرمون أحداً بأنه سحره، كأنما الناس لا يصابون بأي مرض من الأمراض إلا بسبب تأثير سحر الساحرين، وكذلك عندما يقع لهم أي حدث من الأحداث يعزونه إلى سحر أو حسد أو نحو ذلك. (1/107)
صفحة 108
ومن عجيب ما وقع بعدما افترقنا من اجتماعنا المنصرم أن اتصل بي أحد من الناس وذكر أن أحداً وقع في حادث سير، وبسبب هذا الحادث تعطل جانب من أعضائه، ثم سرى أثر ذلك إلى مداركه، وصار يهذي ويتكلم بخلاف الحقيقة، ولكن هذا المتصل يقول بأن وقوع ذلك له بسبب سحر ساحر! !، فعجبت من هذا وحاولت إقناعه بأن الناس يصابون منذ خلق الله تبارك وتعالى الإنسان واستخلفه في هذه الأرض، فهذه سنة الحياة ولا يمكن أن تُعطَل، وكيف يتجاهل الإنسان تأثير الأسباب في مسبباتها بأمر الله سبحانه وتعالى، فلئن صُدم أحد فإن هذه الصدمة سبب لأن يتأثر جسمه أو دماغه، ويكون ذلك سبباً لهذيانه، وأنى أن ينسب ذلك إلى سحر، ولكن رسخ في نفس هذا المتصل أن هذا لم يقع إلا بتأثير سحر الساحرين، حتى قلت له من العجب: أكل الناس الذين ماتوا وأصيبوا ونكبوا في هذه الدنيا إنما نكبوا بسحر الساحرين؟ ! فهذه العقلية هي التي تقعد بنا عن مسابقة الأمم؛ لأننا لا نأخذ بأسباب الحياة.
واتصلت بي إحدى النساء وذكرت أن امرأة عجوزاً عندهم ساحرة! وقد أثرت بسحرها على بعض أقربائها، وحاولتُ إقناعها أن اتهام أي أحد بالسحر رجلاً أو امرأة أمر غير جائز، ولئن كان كل من شاخ يتهم بأنه ساحر فقد آن الأوان لأن أتهم بأني ساحر!؛ إذ لن يبقى منا أحد يعمر إلا ويتهم بأنه ساحر، مع أن اتهام أي أحد بالسحر كاتهامه بالكفر.
ومما يزيد الطين بلة أن كثيراً من هؤلاء أصبحوا يؤمنون بأمور هي كفر صريح أو شبيهة به؛ لتناقضها تمام التناقض مع القرآن الكريم، وذلك أن أحدهم يذهب عندما يصاب بأي مصيبة من المصائب إلى أحد ليسأله عن سببها، وأنى لذلك أن يعلم الغيب؟ ! ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون إيان يبعثون ) النمل: 65. (1/108)
صفحة 109
وأولئك لا يتورعون أن يقولوا بأن هذا كان بسبب سحر ساحر أو على الأقل بسبب حسد حاسد، وهذا مما يغري بعض الناس على بعض، ومن عجيب ما بلغني من نحو هذا، أن رجلاً أصيب ابنه بمرض، فذهب إلى أحد من الذين يدعون علم الغيب وهم كاذبون، وسأله فقال له: إن عجوزاً في بيتكم سحرته! ! وهذه العجوز ليست هي إلا أم الرجل، وعندما رجع إلى البيت أرادت الأم أن تلف حفيدها وأن تستقبله بالحنان، إذا بابنها يدفعها بكل شدة وينهرها، فهذا الابن العاق الذي صدر منه ما صدر ارتكب ما يوجب الوزر، كذلك الذي أغراه بهذا الأمر ونسب إلى هذه المرأة البريئة ما نسب إليها بدعواه الكاذبة عليه مثل وزر ذلك، بجانب وزر التقول على الله تعالى بغير علم.
الأسباب والمشيئة الإلهية
وقد يتصور بعض الناس بأنني أريد أن أثبت من خلال هذا الحديث أن الأسباب تفضي إلى المسبَبَات بنفسها، وهذا ما أريد أن أنفيه، فإن الأسباب إنما تكون مؤثرة بقدرة مسببها.
وعندما يريد الله عز وجل أن يعطل الأسباب فإنها تتعطل، فقد يكون هنالك سبب بحسب الظاهر يؤدي إلى موت أحد من الناس؛ ولكن مع ذلك يتعطل السبب ولا يؤدي إلى ذلك. (1/109)
صفحة 110
قبل سنين حضر رجل عراقي إلى عمان، وهذا الرجل قيل فيه على سبيل المزاح والسخرية بأن عنده حصانة من الموت؛ ذلك لأنه تعرض للكثير من المشكلات التي كادت تؤدي بحياته، ولكن مع ذلك سلم، من ذلك أنه كان من ضمن الذين ترصدوا للرئيس العراقي الأسبق عبدالكريم قاسم، وحاولوا أن يفتكوا به، وفعلاً أصابوه، ولكن هذا الرجل أصيب برصاصة كادت تودي بحياته، وبقي في حالة فيها الكثير من الضيق، وكاد يموت في جحر هروباً من السلطات، ثم رأى بعد ذلك الخروج وحمل إلى العلاج وعولج ثم حكم عليه بالإعدام، وما بقي إلا التنفيذ، وقبل التنفيذ بساعات كان الانقلاب على عبدالكريم قاسم وجاء عبدالسلام عارف، وبدلاً من أن ينفذ فيه حكم الإعدام استقبل استقبال الفاتحين الأبطال، فهو قد نجا من الموت مرتين: مرة عندما أصابته الرصاصة في مقتل، ومرة عندما نجا من الإعدام.
بعد ذلك وقعت له حوادث أخرى من بينها أنه سقطت به طائرة، ومع ذلك نجا من الموت، فسبحان الله! من ذا الذي يسقط مع الطائرة ويؤمل له أن يعيش؟ ! إنما الله تبارك وتعالى الذي خلق الموت والحياة يبتلي من يشاء بما يشاء ويعافي من يشاء متى يشاء، كل ذلك بإرادته تبارك وتعالى. (1/110)
صفحة 111
وقبل نحو عقدين من السنين، جاءني رجل وذكر لي أن أختاً له طالبة بالولايات المتحدة الأمريكية، كان لها زميل يدرس معها في نفس الجامعة، واتفقا على الزواج، ولكنها أصيبت بمرض عضال وفتاك، ولكن هذا الزميل لأجل الوفاء بما وعدها به رأى أن يتزوجها مهما كان الأمر، فأراد مني أخوها أن أعقد زواجه بها وهي هناك تحت الإشراف الطبي، وقد قرر الأطباء أنها لن تعيش أكثر من عام لإصابتها بسرطان الدم-والعياذ بالله-، وقد قيل بأن شعرها قد تساقط بسبب العلاج الكيماوي، فتزوجها الرجل ومضت السنة ولم تمت، ومضت السنوات ولم تمت، وهي إلى الآن حية، وقد جاءت بأولاد وزوجها له مكانة مرموقة في الدولة ويتبوأ منصباً رفيعاً، فهذه سنن الله تبارك وتعالى في الحياة، وذلك دليل على أن كل شيء إنما يصرفه الله تبارك وتعالى، فمن هنا يجب علينا أن نفهم أن هذه السنن التي أرادها الله تبارك وتعالى عندما يريد أن يعطلها فإنها تتعطل بمشيئته تبارك وتعالى.
وقد يتصور الإنسان الذي يقف عند النظرة المادية ويجمد معها أن الأمور لا تجري إلا وفق هذه المقاييس، وهذا أمر يجب أن نبعده عن الأذهان، فإن الأمور تجري جرياناً عجيباً وفق أمر الله تبارك وتعالى، ولو كانت خارجة عن مقاييس البشر، فنحن نؤمن أن الله سبحانه عندما يريد أن يخرق الخوارق يقع ما يريد تبارك وتعالى ولو كان ذلك لا يستوعبه العقل البشري، فمن خلال نظرنا إلى سنة هذه الحياة نرى أن الإنسان كغيره من الكائنات الحية يتكون بلقاء بين ذكر وأنثى ولا يكون إلا ذلك، ولكن عندما أراد الله سبحانه أن يخلق المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام من غير أن يكون له أب، خلقه من أم ولم يكن هناك لقاء بينها وبين فحل، إنما خلقه بكلمة كن فكان كما أراده تبارك وتعالى، ولا يعني ذلك أن هذه حالة تتكرر؛ لأن الله سبحانه أرادها لتكون معجزة. (1/111)
صفحة 112
وكذلك نرى أن الإنسان قد يتعطل عن الولادة في سني شبابه، وربما يمن عليه تبارك وتعالى بالولد بعدما يتقدم به العمر، فامرأة زكريا عليه السلام عندما كانت شابة لم تلد، ولكن زكريا بسبب ما رآه من أمر لفت انتباهه من إكرام الله سبحانه لأَمَته مريم، بحيث كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً التفت إلى عظيم قدرة الله سبحانه، فدعا الله عز وجل أن يمن عليه بالولد، وعندما أُخبر مبشَراً من قبل ملائكة الله بأن الحق سبحانه وتعالى سيمن عليه بالولد عجب من ذلك؛ لأنه أصبح شيخاً متقدماً في السن وامرأته عاقر، فأنى لها أن تحمل؟ ولكن حملت بمشيئة الله، فالله خرق لهما هذه النواميس عندما أراد خرقها، لأنه هو الذي أوجدها، وهو الذي عندما يشاء أن يرفعها رفعها.
وليس للعقل دخل في هذه القضايا حتى يحكم الإنسان فيها عقله، فإن الإنسان لو كان يرجع إلى عقله القاصر المحدود من غير أن ينظر إلى سنن هذه الحياة؛ وأخبر بأن نطفة في منتهى القذارة والحقارة والدقة، تنظر بالمجهر ولا تكاد تبصر يتكون منها إنسان عاقل سميع بصير مفكر قادر ويعيش في الحياة هذه العيشة؛ لما كان لعقله أن يتصور ذلك، وإنما ألف الإنسان هذه السُنة فأصبح عقله يؤمن بذلك، وإلا فكيف بهذه الخلية المهينة الحقيرة تتولد منها ملايين من الخلايا على اختلاف أنواعها ثم ينفخ فيها الروح؟ فهذا من أمر الله. (1/112)
صفحة 113
من أجل ذلك عندما مارى المشركون في البعث وعجبوا أن يكون الإنسان الذي يميته الله سبحانه وتعالى ويبليه وتتفرق ذرات جسمه وتختلط بالتراب يبعثه الله مرة أخرى أحيلوا على هذه الآية الكريمة ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون، أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون) يس: 77-83، ففي هذه الآيات العظيمة:
1. أحال الله تعالى على خلق الإنسان من نطفة، ثم كيف تطور بمشيئته سبحانه حتى صار بشراً سوياً، سميعاً بصيراً، عليماً مفكراً إلى غير ذلك مما يتصف به الإنسان، مع التفاوت الكبير بين أفراد الجنس البشري، هذا التفاوت الذي لا يقف عند حد.
2. ذكّر الإنسان بأن الله سبحانه جعل من الشجر الأخضر ناراً، والخضرة تنافي حرارة النار.
3. وكذلك خَلَقَ هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف من عدم، وهذا هو الذي يغرس في نفس كل أحد أن الله تعالى على كل شيء قدير، فشأنه عندما يريد أي شيء أن يقول له كن فيكون، فهو عز وجل كما خلق السماوات والأرض بكلمة كن فوجد هذا الكون المترامي الأطراف الواسع الأرجاء الذي لا يستطيع العقل البشري المحدود أن يتصوره؛ كذلك هو الذي ينشئ الإنسان النشأة الأخرى، فإيجاد الأسباب والمسببات إنما هو عند الله، وإفضاء هذه الأسباب إلى المسببات بأمر الله سبحانه وتعالى، ولا تفضي الأسباب إلى مسبباتها إفضاء تلقائياً. (1/113)
صفحة 114
فكم من إنسان ينهكه المرض ويكون في حالة يرثى لها، ينتظر أن تخرج روحه بين عشية وضحاها وإذا به يعمر، قبل سنين اتصل بي أحد من مستشفى النهضة (1) في ساعة متأخرة من الليل، وذكر لي عن أحد المشائخ الفضلاء بأنه يحتضر، وفي وقت الصباح سألت عنه فقيل لي بأنه لا يزال على حاله، وذهبت إليه فإذا هو يتماثل للشفاء شيئاً فشيئاً، ثم جاء بعد ذلك شهر رمضان المبارك وقد عوفي الرجل ورجع إلى أهله، وأخذ يصلي بهم صلاة التهجد ويقرأ جزئين من القرآن في الليلة الواحدة.
في نفس الوقت بعد شهر رمضان المبارك من تلك السنة توفي أحد الأصحاء الأقوياء الذي لم يكن يشكو مرضاً قط، وقد كان قبل فترة قصيرة ذهب عدواً مسافة 30 كم، وإذا بالموت يفاجئه في لحظة واحدة، من غير أن يكون هنالك سبب معروف للموت إلا كونه مخلوقاً معرضاً له.
وقد يرى الإنسان الأسباب متعطلة ولكن مع ذلك إذا بالمسببات تأتي من حيث لا يدري، فما على الإنسان إلا أن يفوض الأمر إلى الله، فمرادنا بأننا لا نعطل الأسباب ولا نتجاهلها؛ أنه علينا أن لا نعطل سنن الحياة التي أرادها الله تعالى، وليس معنى ذلك أن الله عندما يريد أن يعطل هذه الأسباب فلا تفضي إلى مسبباتها لا يكون ذلك، ولا أن هذه الأسباب تفضي تلقائياً إلى مسبباتها، فهناك مسبب الأسباب الذي يخلق ما يشاء ويحكم ما يريد.
===================================
(1) مستشفى في سلطنة عمان، في منطقة روي التابعة لولاية مطرح.
آيات الله تتجلى في خلقه (1/114)
صفحة 115
* ونرى في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدعونا إلى الاعتبار، وما يجعل عقولنا تقف عند حدودها ولا تتجاوزها، كفى عبرة بقصة أصحاب الكهف، أن قوماً ينامون ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، وفي هذا النوم لا يتغذون بشيء، ولكن الله سبحانه حفظ لهم الحياة، وعادت إليهم الحياة واليقظة، ولم تبل أجسامهم بعد هذه المدة، فهذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى، ومن شك في ذلك فقد شك في الله الذي أنزل القرآن والإسلام كله.
* كذلك قصة الرجل الذي لما رأى العظام قال (أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه) البقرة: 259ومن المعلوم أنه حسب السنن التي هي مألوفة ومعهودة ألا يُبعث أحد إلا يوم القيامة، ولكن هذه أمور خارجة عن المألوف المعهود لما أراده الله تبارك وتعالى.
* ونجد في القرآن الكريم أن من ضمن إعجاز المسيح عليه السلام إحياء الموتى على يديه، وليس هو المحي في الحقيقة، وإنما الله تعالى هو المحي، ولكن جعل الله ذلك على يديه آية له ومعجزة. (1/115)
صفحة 116
* ونؤمن أن النبي صلى الله عليه وسلم جرت له خوارق؛ لاشتهار ذلك في الروايات الصحيحة، فقد أخرج الإمام الربيع بين حبيب رحمه الله وأصحاب الصحاح والسنن أن الماء نبع من بين أصابعه الشريفة صلوات الله وسلامه عليه (1)، وهذا أمر خارق للعادة لم يكن مألوفاً، فكيف لأصابع تتكون من عصب ولحم وعظم وجلد أن يخرج منها الماء ويكفي للجماهير؟ ولكن لم يكن ذلك في مقام التحدي، وإنما كان إكراماً لعبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما في مقام التحدي فإن الناس كانوا يحالون على آية واحدة وهي القرآن، فالله سبحانه وتعالى يقول ( قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) العنكبوت: 50-51 لأن الله سبحانه أراد لهذه الرسالة أن تكون ممتدة في أعقاب هذه الأمة جيلاً بعد جيل، إذ كل جيل من هذه الأجيال مخاطب بهذه الرسالة، فلذلك لم تكن معجزتها معجزة وقتية وإنما كانت صالحة لكل عصر من العصور، بخلاف آيات النبيين التي انقضت.
وقد بين سبحانه وتعالى بأن النبيين الذين جاءوا بالآيات أهلكت أممهم بسبب كفرهم بتلك الآيات يقول الله تعالى ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون)الإسراء: 59، وهذا نص صريح في أن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى الأولين أنبياء بآيات كونية خارقة للعادة، ولكن من قسا قلبه وأظلم عقله وانطمست بصيرته لا يكاد يؤمن بشيء؛ فلذلك كفروا بها. (1/116)
صفحة 117
ونجد في القرآن الكريم ما يدل على إهلاك من أهلك الله سبحانه بهذه الآيات، فقد أهلك الله سبحانه عاداً بريح صرصر عاتية، وثمود بصيحة وفرعون بالإغراق؛ وكل ذلك من آيات الله، فكون موسى عليه السلام يضرب البحر بعصاه وينفلق البحر وينقسم إلى قسمين كل فرق كالطود العظيم؛ أليس ذلك من الآيات؟ وأليس ذلك من خرق العادات؟ هل من المألوف عند الناس أن أحداً لو أخذ عصاه وضرب بها البحر أن ينفلق البحر حتى يكون كل فرق كالطود العظيم؟ ! لا، هذا ليس مما يؤلف قط، وإنما أراده الله تبارك وتعالى ليكون آية بينة لموسى عليه السلام وحجة على بني إسرائيل الذين أعرضوا عن اتباع الحق الذي جاءهم به موسى، مع كونهم رأوا هذه الآية الكبرى بأم أعينهم فلم يكادوا يجاوزون ذلك المكان وتجف أقدامهم من أثر ثرى البحر حتى قالوا لموسى ( اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) الأعراف: 138، فكانت هذه حجة بالغة عليهم، وسبباً لإهلاك فرعون.
فالآيات إنما أرسل بها الرسل من قبل كانت في مقام التحدي، ونبينا صلى الله عليه وسلم أرسل بآية واحدة في مقام التحدي هي القرآن الكريم، وهي الآية الباقية التي تتحدى الأمم جيلاً بعد جيل منذ بعث الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على الأخذ بالأسباب في كل شيء، فكان يجند الأجناد ويوري، فعندما هاجر أخذ بالأسباب وحاول أن يبعد الأنظار عنه بقدر جهده، مع أنه لما تعرض له سراقة رأى من آيات الله تبارك وتعالى ما أراه من أجل حماية الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، حتى أن سراقة نفسه قال لأبي جهل عندما لامه وعاتبه(2):
أبا حكم والله لو كنت شاهداً=لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمداً=رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
عليك بكف القوم عني فإنني=أرى أمره يوماً ستبدو معالمه (1/117)
صفحة 118
فهكذا ظهرت هذه الآية العظيمة، ولكنها كانت إكراماً من الله سبحان لرسوله؛ ولم تكن في مقام التحدي.
وكذلك جند صلى الله عليه وسلم الأجناد وغزا أعداءه وقاتلهم ونازلهم في ميادين المعركة، أخذاً بسنن هذه الحياة، ولم يكن عليه أفضل الصلاة والسلام يتكل على الآيات، بحيث إنه يدعو الله تبارك وتعالى أن يهلك المعاندين فحسب، فقد كان يدعو الله تعالى أن ينصره ويثبت أقدامه وأقدام أمته ويكتب لهم التأييد والنصر والاستخلاف في الأرض مع الأخذ بالأسباب، والله تعالى قادر على أن يخسف بأعداء النبي صلى الله عليه وسلم الأرض ويهلكهم كما فعل ذلك بالأمم السابقة، فمنهم من خسف به الأرض مثل ما وقع لقارون، وهذا من الممكن أن يعاقب الله تعالى به أي أمة من الأمم وأي أحد من الناس في أي وقت من الأوقات، فقبل بضع سنوات وصلني خبر أن بيتاً في زنجبار كان مجمعاً للفساد قد خسف الله تعالى به الأرض، فساخ هذا البيت في الأرض وغُطِي بعد ذلك بالماء، وذهب الناس إلى مكان الحادث ورأوه بأم أعينهم، وعندما ذهبت قبل ثلاث سنوات من الآن حرصت على أن أقف عليه بنفسي، ووجدته غائباً بين البيوت في أعماق الأرض وفوقه الماء، فهذه آية من آيات الله.
فالله تبارك تعالى لو شاء أن يهلك هؤلاء الكفرة المعاندين الآن بمثل هذه الآيات لأهلكهم؛ ولكن تعبدنا أن نأخذ بالأسباب وسنن الحياة، فليس لنا أن نتكل على ذلك، نحن ندعو الله أن يهلكهم ويدمرهم ويقطع دابرهم ويستأصل شأفتهم ويخسف بهم الأرض ويسقط عليهم كسفاً من السماء؛ ولكن مع هذا لابد من الأخذ بالأسباب؛ لنكون متبعين لنهج الرسول صلى الله عليه وسلم.
========================================
(1) الربيع (131)، البخاري (167)، مسلم (2279).
(2) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج2 ص 264-266، ابن الأثير، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الكرامات والأولياء (1/118)
صفحة 119
وتصديق الناس بكل ما ينسب من الكرامات والخوارق وصل بهم إلى أمر مريج، وقد يفضي ذلك إلى التشكيك في المعتقدات الدينية، والناس من شأنهم أن يروجوا الكثير من أمثال هذه الأشياء.
1. فقد ينسبون إلى الميت الكثير جداً، فقد وجدنا بعض الشائعات التي نسبت إلى قطب الأئمة رحمه الله في عُمان وذكر ما ذكر له من الكرامات لا يعرف إخواننا من أهل المغرب عنها شيئاً قط، كقصة المرأة التي أراد الفرنسي أن يغتصبها ويحملها في الباخرة، وهذه القصة لا تتداول ولا تعرف عندهم.
2. وقد ينسب إلى شخص في حياته ما هو بعيد منه، أنا بنفسي سألني سائل: يقال عنك أنك إبان مواسم الحج تحضر الموسم من غير أن يفتقدك الناس في عمان! قلت له: معاذ الله، هذه أمور لا أؤمن بها ولا أصدقها، فالناس لا يتورعون أن ينسبوا إلى أحد ما لم يكن منه في قبيل ولا دبير قط.
فعلينا أن لا نأخذ كثيراً من هذه الأشياء مأخذ الجد والتصديق، ولا بد من تمحيص كل خبر، فالخبر كما عُرِّف هو ما احتمل الصدق والكذب، إلا إن جاء من قول من لم يكن للكذب سبيل إليه قط.
وهذه الخوارق لو قدرنا وقوعها فإنها ليست مقياس الصلاح، فلا ينظر للإنسان من خلال ما يحدث له من الخوارق، يقول العلماء المحققون: لو رأيتم أحداً يمشي على الماء ولا يغرق أو يمشي على الهواء ولا يسقط؛ فإن ذلك ليس دليلاً على فضله وإيمانه حتى توزن أعماله بموازين الحق وتعرض على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالمقياس إنما هو اتباع الكتاب والسنة. (1/119)
صفحة 120
ونحن نرى في كتاب الله بياناً لحقيقة أولياء الله، فالله تبارك وتعالى يقول ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون) يونس: 62 فالعبرة بالإيمان وبالتقوى، وقد أجاد القول في تفسير هذه الآية العلامة رشيد رضا في تفسير المنار، وأتى فيها من البيان ما يشفي ويكفي(1)، والخروج عن هذا المنهج يؤدي إلى التصديق بالطامات العظمى، وتكفي الطامات المضحكات المبكيات التي توجد في كتاب الطبقات المنسوب إلى الشعراني، التي يشيب لهولها رؤوس الولدان، وقد تعرض لها السيد محمد رشيد رضا، وفيها من الأمور التي يكاد الإنسان لا يجرؤ أن يتحدث بها، وتعتبر كرامات وما هي من الكرامة في شيء، وأنا لا أستطيع أن أقول بأن من نسب إليهم شيء من ذلك هو صحيح، فإن هذه الأمور تقشعر منها الجلود.
1. فمن ضمن الأمور التي نسبت إلى الشيخ علي وحيش في هذا الكتاب أنه كان إذا أبصر أحداً راكباً أتاناً يطلب منه مطلباً صعباً فإن وافقه أصابه حياء شديد، وإن رفض تسمر مكانه ولم يستطع الحركة، وهذا المطلب هو أن يمسك الأتان من أذنيها والشيخ يرتكب معها الفاحشة! ! وعندما يسأل لماذا أنت تعمل هكذا؟ قال: ماذا رأيتموني أعمل؟ قالوا هكذا! قال: أنتم لا ترون ما أعمل، إنما أسد بهذا خروق سفن المسلمين في بحر قاق! (2)، فكيف وصل الناس إلى هذا المستوى من الإسراع في تصديق الخرافات؟ ! (3). (1/120)
صفحة 121
2. بل في هذا الكتاب نسبة الكفر إلى بعضهم، من ذلك أن الشيخ محمد الحضري جاء إلى مسجد في القاهرة في جمعة من الجمع، فطلب منه أن يخطب في الناس ويؤمهم، فوافق على ذلك، فرقى المنبر وسلم على الناس، وبعد الأذان أخذ يحمد الله تعالى، ثم قال: وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام! !، ثم عندما تعجب الناس منه سل السيف ففروا من بين يديه، وصاروا لا يستطيعون دخول المسجد، فظل مكانه في المنبر والناس ينظرون إليه حتى وقت العصر، وإذا بالخبر يأتي عنه أنه في ذلك اليوم بعينه والساعة بعينها خطب في ثلاثين مسجداً بمصر! !، وهذا الرجل الذي تنسب إليه هذه الكرامات كما يقول السيد محمد رشيد رضا لا يحسن إلا توحيد ألوهية إبليس (4)، لأنه يؤمن بألوهيته، فهل هذه كرامة؟ !، هذه الأمور هي التي عطلت مدارك هذه الأمة؛ فأصبحت لا تفرق بين الحق والباطل ولا بين الهدى والضلال ولا بين الغي والرشد ولا بين الصلاح والفساد ولا بين الاستقامة والاعوجاج، فمن أجل ذلك كان من الواجب على المجتمع أن يحرص على تنقية أذهانه من هذه الخرافات، وأن يكون ساعياً وراء الحقيقة متمسكاً بها.
=========================
(1) تفسير المنار ج11 ص351-381، محمد رشيد رضا، ط دار الكتب العلمية، لبنان بيروت. ومما قاله هناك: (فأولياء الله الذين يشهد لهم كتابه بالولاية هم المؤمنون الصالحون المتقون، ولكن اشتهر بين المسلمين بعد عصر السلف ما يدل على أن الأولياء عالم خيالي غير معقول، لهم من الخصائص في عالم الغيب والتصرف في ملكوت السماوات والأرض فوق كل ما ورد في كتاب الله وأخبار رسوله الصادقة في أنبياء الله المرسلين).
(2) المرجع السابق ج11 ص359.
(3) استعاذ الشيخ حفظه الله قبل ذكره لهذه القصة، لكن الضرورة كانت داعية لإيرادها.
(4) المرجع السابق ج11 ص359-360.
التحذير من الوقوع في الوهم (1/121)
صفحة 122
فمالنا وللتصديق بأن كل ما يقع على الناس من سحر الساحرين، إذن الناس لا يصابون وهؤلاء السحرة لهم الخلق والأمر ولهم الحكم والقهر يصرفون الأمور كما يشاءون، يميتون من شاؤا ويحيون من شاؤا.
الأمر لله وهذه إرادته تبارك وتعالى، لا شريك له في ملكه، هو الذي يحي ويميت لا إله إلا هو الحي الذي لا يموت، فأنى لنا أن نصدق بمثل هذه الأشياء؟ ! إنما الشيطان يحاول أن يؤثر على الناس شيئاً فشيئاً حتى يبعدهم عن الله ويتشبثوا بهذه الأوهام، وبهذا تتعطل مداركهم في فهم سنن الحياة وتطبيقها في تصرفاتهم وأعمالهم.
وكأنما ما يقع من حروب طاحنة تهلك الأخضر واليابس والحرث والنسل وتأتي على الطارف والتليد فلا تبقي ولا تذر إنما هي بفعل سحر الساحرين!.
دعوة إلى تنقية الأذهان
نحن ندعو الناس إلى تنقية أذهانهم مع الاعتقاد بأن الله تبارك وتعالى هو الذي يسبب الأسباب ويصرفها ويجعلها تسري في مسبباتها وتؤثر عليها، فقد يقع أمر لا يرى له الإنسان سبباً ظاهراً، ويرى أحياناً له السبب ومع ذلك لا يترتب مسببه على السبب، كمثل أن يخر الإنسان مع الطائرة ولا يموت، فالله تبارك وتعالى كتب له الحياة وأراد أن لا يهلك.
وأحد مشايخ العلم في عمان قبل نحو أربعين عاماً توفي لسبب بسيط، مع أنه وقعت له أحداث قد تفضي إلى الموت نحو أربع عشرة مرة، وقد نجاه الله تعالى منها.
1. ففي إحدى ليالي شهر رمضان كان يؤم الناس في صلاة التهجد، وإذا بأحد قطاع الطرق يطلق عليه النار ويريد أن يوجه بندقيته صوب رأسه، ولكن عندما أطلق الرجل النار كان الشيخ يخر للركوع وإذا بالطلقة تصيب جزءاً من عمامته، ولم يقطع الرجل صلاته لتوكله على الله سبحانه وثبات قلبه ورباطه جأشه.
2. وفي يوم من الأيام وجه إليه أحد الذين يريدون قتله بندقية، ولكن تمكن الرجل من القفز ورفع البندقية إلى أعلى.
3. وعندما جاءت ساعة موته وقع من حمارته على الأرض، وكان ذلك سبباً لموته. (1/122)
صفحة 123
وهكذا شأن الله تبارك وتعالى يصرف الأمور كما يشاء، الأسباب الطفيفة تفضي إلىمسببات كبيرة، والأسباب العظيمة قد تتعطل بأمر الله سبحانه وتعالى الذي يصرف الوجود كما يشاء ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله) الإنسان: 30 والله تعالى يقول ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون)التوبة: 51، فعلينا أن نؤمن بما أنزل الله وأن نقرأ القرآن قراءة تدبر وتمعن ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد: 24 لنستوحي العقيدة الحقة من كتاب الله سبحانه وتعالى ولنغسل الأذهان من أدران الخرافات، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقفنا لما يحبه ويرضاه، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ملحق الأسئلة
بعض الناس اتخذ من قصة المسحورة (1) التي أوردها الإمام السالمي رحمه الله تكأة لتبرير ما يدعون.
هذه القصة غير صحيحة، ومما يؤسف له أن الإمام السالمي رحمه الله ورضي عنه وعفا عنه وجد قصيدة نظمت فيها وأورد هذه القصة وليته لم يوردها، ولا أدري في أية حالة من الحالات أخذ هذه القصيدة على مأخذ الجد، وقد سئل الإمام محمد بن عبدالله الخليلي رحمه الله عن إيراد الإمام السالمي لهذه القصة فقال: لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة، وقال: بأن هذه كانت كبوة لشيخنا السالمي وليته لم يفعل ذلك.
وأنا وجدت من العلماء من هو سابق زمناً وتاريخاً على الإمام السالمي ينكر هذه القصة أشد الإنكار، فقد وجدت الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي يبالغ في إنكارها ويشدد في ذلك كثيراً، ويقول هذه قصة وهمية نسجت، وليست هي من الصحة في شيء (2)، فلا ينبغي أن يأخذ الإنسان هذه القصص مأخذ الجد ويصدقها وليعلم الطالب (أن السيرا تجمع ما صح وما قد أنكرا). (1/123)
صفحة 124
وقبل ستة وعشرين عاماً من الآن، ذهبت عند أحد المشائخ -وقد توفي الآن- فوجدته كتب قصة في دفتر موجود في مجلسه واطلعت على القصة فعجبت منها، وجدته كتب "جاءني فلان بن فلان، وهو من منطقة سداب (3)، وذكر أنه سافر كذا من السنين إلى الكويت، واصطحب معه ابناً له يسمى فلاناً وأصيب الولد بمرض وتوفي ودفن هناك، وإذا به بعد هذه السنين يظهر في عمان"، والشيخ الذي كتب هذه القصة هو أحد القضاة الشرعيين وله مؤلفات، يقول ووجده: "بعينه وعليه علاماته التي تدل على أنه هو الولد الذي كان عنده وتوفي حسب الظاهر"!.
ثم بعد أيام بعد الظهر إذا بي أرى سيارة تقف أمام بيتي وينزل منها رجل وامرأة، وجاءوا إليّ، وإذا بالرجل يحدثني بالقصة نفسها، ويقول بأنه هو أبو الولد وأنه اصطحب ابنه إلى الكويت، ومرض الولد وتوفي هناك، وبعد سنين بعدما عاد هو إلى عمان وجد الابن بعينه بكل علاماته عند أحد بعينه، ويقول هو الساحر الذي سحره! !، وقد أثّر عليه وغير اسمه وغير عقله وأصبح ينفر منا وينفر من أمه وهذه أمه، وتقول هي بأنها اطلعت على كل العلامات التي كانت تحفظها في جسم ابنها، اطلعت عليها في جسم هذا الذي ظهر، استبعدت هذا الأمر، وقلت لهما: انصرفا وإن شاء الله أفكر في ذلك. (1/124)
صفحة 125
في نفس ذلك اليوم بعد صلاة العصر أي بعد أقل من ثلاث ساعات من مجيئهما، ذهبت إلى عزاء في مسقط، وإذا برجل فيه لوثة جنون، وكان بعض المشائخ القضاة هناك، قالوا لي: بأن هذا الرجل طلق امرأته وهو مصاب بلوثة في عقله، فهل يثبت طلاقه؟ !، انظر إليه واسمع منه، وإذا بهم ينادونه بالاسم الذي فهمت من الرجل والمرأة أن الساحر سمى به ولده، فبعدما نظرت إليه قلت لهم: هل هذا هو الذي يقال بأنه مسحور؟ !، قالوا نعم، هذا هو الذي يقال بأنه مسحور، ومن عجيب الأمر أن هذه المرأة التي تدعي أنها أمه وتدعي أن هذا هو ابنها الذي مات قبل سنين؛ أنها قالت علاماته كذا وكذا وكذا، فجاءت الشرطة ورأوا هذه العلامات، فقالوا خذي ابنك، مع أننا نعرف أن هذا ولد هذا الرجل منذ طفولته، وابن خالته هو أحد أفراد الأسرة المالكة في عمان، فما كان من أب هذا الولد إلا أن ذهب إلى ابن الخالة -الذي هو من أفراد الأسرة- وأخبره، فاتصل بمحافظ العاصمة في ذلك الوقت وقال: هذا الرجل ابن خالتي، كيف ينزع من أبيه وأمه ويسلم إلى رجل آخر وإلى امرأة أخرى؟.
فما يقال من أن فلاناً توفي ثم بعد ذلك ظهر بعد سنين أو بعد أيام؛ شاعت في وقت من الأوقات نتيجة تعشيش الجهل في الأدمغة حتى كان لا يكاد يتوفى أحد إلا ويقال إنه مسحور، والآن أصبح لا يمرض أحد إلا ويقال بأنه مسحور، فهكذا من وهم إلى وهم.
==================================
(1) تحفة الأعيان ج2 ص 104-105، عبدالله بن حميد السالمي، ط مكتبة الاستقامة، ونص القصة كما في التحفة: (وكان في زمانه (=سيف بن سلطان الأول) في سنة تسع ومائة وألف (=1109هـ) وقعت بنزوى قضية غريبة عجيبة اعتنى بتاريخها بعض أهل العصر، فنظم فيها قصيدة بائية أحببنا إيرادها كما هي لأنها وافية بالمقصود وهي هذه كما ترى:........................
فتاة حليم منهم قبل دفنها=حياة بها ما صدقوا قول كاتب
ولو صدقوا هذا فكيف احتيالهم=وما قولهم في حادثات النوائب (1/125)
صفحة 126
وأنى لهم من حيلة غير دفنها=ولو طلبوا في ردها ألف صاحب
وقد جهزوها في ثياب كثيرة=من الخز والابريسم المتناسب
ولكنهم من بعد ظنوا بأنها=أصيبت بسحر قول أهل التجارب
فساروا لحفر القبر من بعد دفنها= فما وجدوها فيه يا ذا المآرب
فبعد سنين قد مضت وتكاملت=حساب تولى عده غير كاذب
رآها فتى ترعى شياهاً وعندها=فتاة من الأعراب عنها بجانب
تعرف منها حين لاحت بأنها=سلالة أشياخ كرام المناصب
تقرب منها ثم أمعن طرفه=فما شك أن الشخص عين المطالب
فقال لها من أنت قالت فلانة=فتاة فلان من كرام أطائب
فأيقن حقاً أنها بنت ماجد=سليل سليمان حليف المواهب
(2) قاموس الشريعة ج12 ص 93، جميل بن خميس السعدي، ط وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، 1404هـ /1984م، ونص كلامه هناك: (والثاني: الغصب وإخفاؤهم طول الحياة، فهذا بعض أنكره وبعض يقول قد وقع في زمن الشيخ ماجد الكندي، ماتت ابنة زماناً ثم ظهرت، وبعض أنكر ذلك من في زمانهم.......... وهذا القسم ينكره العقل، إذ كثير مضى من العلماء يستطيع أن يرد ذلك منهم)اهـ.
(3) قرية ساحلية من ضواحي مسقط.
ألا تعد قصة عمر بن الخطاب في جريان النيل كرامة لعمر رضي الله عنه؟.
النيل يجري جرياناً طبيعياً من منابع معروفة ومصادر معهودة، وهو معروف من منبعه إلى مصبه، فجريانه أمر طبيعي من سنن هذه الحياة، وإنما أراد عمر رضي الله عنه أن يعالج هذه النفوس علاجاً نفسياً حتى يردها إلى جادة الحق لا غير.
يقولون إن النيل ينبع من منابع معروفة، فما رأيكم فيما جاء في صحيح مسلم من أن سيحان وجيحان والفرات والنيل أنهار تنبع من الجنة؟. (1) (1/126)
صفحة 127
ليس كل ما روي في مسلم والبخاري روي رواية صحيحة، وإن ثبت السند ينقد من حيث المتن، إن مما يؤسف أن الكثير من المحدثين والنقاد نظروا إلى جانب السند وتجاهلوا جانب المتن، مع أنه لا بد من أن ينقد الحديث من جانب المتن، وهذا الذي فعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد كانوا كثيراً ما ينقدون الروايات حتى ولو جاءت عن الثقات من الصحابة، وما كان هناك واسطة إلا أحدهم بين المروي له وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ردوها، ومثال ذلك رد أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها رواية عمر وابنه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما بأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكن ليكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لعله وهم عندما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في اليهودية التي مروا على أهلها وهم يبكون عليها: (إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها)، ثم قالت: حسبكم القرآن ( لا تزر وازرة وزر أخرى) الأنعام: 164. (1/127)
صفحة 128
فقد ردت الرواية بسبب ما شذ فيها من معارضة لما جاء في القرآن الكريم، ومثل ذلك صنيع عمر رضي الله تعالى عنه في حديث فاطمة بنت قيس، وصنيع ابن عباس في رده رواية الحكم بن عمر الغفاري (2) وغيرهم، فكانوا يردون الرواية لما يشتبهونه منها من مخالفة للثابت في العقيدة، فهل نقبل أن النبي صلى الله عليه وسلم يتعرى أمام الملأ؟ ! ففي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم عندما كان يشارك قريشاً في بناء الكعبة كان يحمل حجارة على كتفه فتتأثر كتفه من حمل هذه الحجارة، وكان عليه إزار، فقال له عمه العباس: لو خلعت إزارك فاتقيت به، فخلع النبي صلى الله عليه وسلم إزاره! !، وخرّ بعد ذلك مغشياً عليه، ينادي إزاري إزاري (3). هل هذا الكلام معقول؟ ! فتنقد الرواية من أجل مخالفة متن ثابت، فالله تبارك وتعالى يصف الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بأنه على خلق عظيم، فأنى يصدر منه مثل هذا التصرف؟ !.
كذلك نجد في صحيح مسلم مما يروى (4) عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أُخبر بأن جاريته مارية يواقعها ابن عمها، فأمر علياً كرم الله وجهه أن يذهب إليه ويقتله! ! (5)، فهذا التصرف لو وقع من أي حاكم من الحكام لعد جباراً عنيداً، أفيصدر من الرسول صلى الله عليه وسلم لمجرد أن يقال له فلان فعل كذا؟ ! ولو كان صلى الله عليه وسلم بشراً عادياً لأخذ عبرة من قصة الإفك(6) -وكانت قبل ذلك-، فعندما وقعت لم يتصرف هذا التصرف، وهل يكون أغير على جاريته من غيرته على أم المؤمنين عائشة؟ !، وهو ما أمر بقتل من رمي بها، ولا صدر منه شيء من هذا التصرف قط، فكيف يمكن أن يقع ذلك؟ !، فهذا دليل على أن هذه الروايات دخلها كثير من كيد الكائدين للإسلام.
====================================
(1) مسلم (2839).
(2) البخاري (5209).
(3) البخاري (357)، مسلم (340).
( (1/128)
صفحة 129
4) (مما يروى) فيه احتراز من نسبة ذلك إلى الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد قال الشيخ الخليلي حفظه الله عن هذه الرواية: (نبرئ أنساً أن يقول ذلك).
(5) مسلم (2771).
(6) البخاري(2494)، مسلم (2770).
هناك الكثير من القصص التي تنسب إلى الأئمة والعلماء رضي الله تعالى عنهم مخالفة لأرسخ السنن الكونية، ويَدعي الكثيرون أنها من الكرامات التي يؤيدون بها، ما رأيكم في ذلك؟ !، ومن ذلك مثلاً ما يروى عن الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي رحمه الله أنه أخذ فلج الغنتق في نزوى وأجراه في مكة(1)، وما يروى عن الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله أنه كان يفهم منطق الطير. (2)
هذه القصص راجت في وقت من الأوقات كثيراً، وكل أمر لا يقبله العقل لا يمكن أن يسلم له، وأبعد من ذلك ما ذُكر أخيراً ولم يذكر أولاً من أن أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه دعا الله، فانفرجت السماء الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وأبصر العرش(3)، فهذا الكلام لا يصح ولا يقبل لأنه مخالف للسنن الكونية.
أرأيت الذين يفرقون بين المرء وزوجه، كيف يتم التأثير؟.
أما التأثير فالله أعلم به، ولكن الشيطان يوسوس وهؤلاء أولياء للشياطين، فيوسوس الشيطان حتى يكون هنالك شقاق وخلاف، ومن شأن الشيطان أن يوسوس، والشيطان أوتي قوة روحانية شريرة، هي ابتلاء من الله سبحانه وتعالى للعباد، فمن خلال تعاطف الشياطين مع أوليائهم هؤلاء قد يحاولون هذه المحاولات، تنجح أحياناً ولا تنجح أحياناً، وعندما يريد الله أن يبتلي من شاء تنجح هذه المحاولة، وإلا فلا.
كيف يتم تجنب هذا النوع من السحر؟. (1/129)
صفحة 130
تجنب هذا السحر إنما يكون بالرقية الشرعية، بأن يتسعيذ الإنسان بالله تبارك وتعالى من شر الجنة والناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يرقي لنفسه قبل النوم، حيث كان يقرأ المعوذتين، وينفث في يديه ثم يمسح على جسمه، وقد علم عبدالله بن عمرو عندما شكا إليه الأفزاع في نومه أن يقول: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، وكذلك من الدعاء المأثور: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)، ومن أيضاً (أعوذ بالواحد الصمد من شر كل ذي حسد)، ومنه أيضاً (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أجد وأحاذر)، هذه كلها بمشيئة الله تحصينات للإنسان لأن يعوذ بالله وهو واثق أن الله تبارك وتعالى يعيذه مما استعاذ به.
بناء على ما ذكرتم من كون السبب لا يفضي إلى المسبَبَ إلا بأمر الله، فهل تعريف الأصوليين للسبب في قولهم (هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم) يكون قاصراً؟.
هذا الكلام في السبب الشرعي لا في السبب الكوني؛ فكلام الأصوليين في الأسباب الشرعية التي تفضي إلى مسبَبَاتها من الأحكام، فعندما يقع السبب لا بد أن يقع المسبَبَ، أي يترتب المسبَبَ على سببه في الحكم الشرعي، وليس الكلام في الأسباب الكونية ومسبباتها.
ذكرتم ما أيد الله تعالى به أنبياءه من الخوارق مثل انفلاق البحر، لكننا نرى ونسمع ما يفعله الناس من سحر التخييل مما لا يستوعبه العقل فيفتتن به كثير من الناس فكيف يجاب هؤلاء؟. (1/130)
صفحة 131
هنالك فارق بين الحقيقة والخيال، فسحر التخييل كما قال الله تعالى ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) طه: 66، وهذا الشيء وجدناه بأنفسنا، فقد كنت في الصين ورأيت أموراً عجيبة، فقد كنا في جمع وأتوا بأمور عجيبة من التمرينات، ثم قالوا بعد ذلك جاء دور السحر، وفعلاً عندما جاء السحر رأينا أموراً عجيبة، من جملة الأشياء جاء رجل بورقة وعملها هكذا ثم أخذ يصب حليباً فيها، وبعد ذلك أخذ كأنما يصب الحليب من الورقة وإذا بمنديل يسقط، وبعدما سقط المنديل غُطِي بصندوق، ثم كشف عنه وإذا ببطة - يسمونها (بطة بكين)- تفر، فهذه خيالات ليست من الحقيقة في شيء، فيوهمون الأبصار ويفعلون هذه الأشياء بتأثير سحري روحاني عجيب، بينما ما وقع لموسى عليه السلام من فرق البحر لم يكن كذلك؛ لأن قومه عبروا معه ونجوا، وفرعون ومن معه لما أرادوا أن يقطعوا البحر أطبق عليهم وغرقوا.
===================
(1) إن لم تعرف الإباضية يا عقبي يا جزائري ص 178، محمد بن يوسف اطفيش، ط بدون تاريخ
(2). شقائق النعمان ج2 ص 333، محمد بن راشد الخصيبي، ط وزارة التراث القومي والثقافة 1409هـ/1989م.
(3) إن لم تعرف الإباضية يا عقبي يا جزائري ص 43، محمد بن يوسف اطفيش، ط بدون تاريخ.
يذهب البعض إلى أن معجزات الأنبياء والآيات التي كانت حجة على الخلق في وجود الله وقيام الساعة حدثت وفق سنن يعلمها الله تعالى وإن كانت لا يعلمها الإنسان، ولم تحدث عبثاً، هل هذا الكلام صحيح؟ وهل يمكن أن تحدث هذه المعجزات لغيرهم؟ كأن تزعم امرأة أنها أنجبت ولداً كرامة بدون أب في هذا الوقت؟.
من قال إنها حدثت عبثاً؟ ! من ادعى أنها حدثت عبثاً كفر. (1/131)
صفحة 132
وإذا زعمت امرأة أنها ولدت من غير أن يأتيها رجل فقولها يرد، وما حصل للسيدة مريم أراده الله أن يكون آية ولا يتكرر، وكون هذه الأمور جرت وفق سنن يعلمها الله تعالى؛ فالله هو الذي خلق السنن، وعندما يشاء تعطيلها فإنها تتعطل، وعندما يشاء أن يأتي أمر من طريقه بطريقة لا يعلمها إلا هو سبحانه؛ كذلك يقع ذلك، ولكن مهما كان ذلك فهو ليس من مقدور البشر، وذلك من الأمور التي خرجت عن مألوفهم وقدراتهم وطاقاتهم.
هناك الآن نظرية (تجميد الضوء) إلى درجة الصفر، بل أصبحت محاولة مستمرة، ومن خلال هذا يمكن للإنسان أن ينقل الشيء إلى مسافات بعيدة في سرعة مذهلة، لأن هذا التجميد يؤدي إلى أن تكون الأجسام في حكم الطاقة، فتنتقل بسرعة من مكان إلى آخر كما تنتقل المكالمة والرسالة عبر الفاكس، فقد يكون هذا هو الذي أوتيه الذي عنده علم من الكتاب، لكن ما كان الناس في ذلك الوقت قد اكتشفوا هذا الأمر، وما كانوا قادرين عليه، وإنما هو أمر آتاه الله تعالى من اختصه (وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)النمل: 40 فنقل عرش بلقيس من اليمن إلى الشام بسرعة مذهلة، فمن المحتمل أن يكون النقل بهذه الطريقة، ولكن هذه الطريقة لم تكن معروفة ولا تدور بخلد أحد من الناس في ذلك الوقت. (1)
منذ الدرس الماضي وأنتم تنادون بأن السنن الكونية ثابتة، لكن البعض اعترض على ذلك بدعوى أن ذلك تقييد للمشيئة الإلهية (يخلق ما يشاء) آل عمران: 47 (يفعل ما يريد) الحج: 14، فكيف نفهم السنن الإلهية في ضوء المشيئة الإلهية؟. (1/132)
صفحة 133
السنن الإلهية ثابتة ما أراد الله تعالى ثبوتها، وعندما يريد أن تنتهي هذه السنن ذلك أيضاً إليه سبحانه، فمثلاً نحن لا نؤمن بأن السماء يمكن أن تنشق قبل يوم القيامة؛ لأن الله تعالى يقول (إذا السماء انشقت.. وأذنت لربها وحقت)الانشقاق: 1-2 ولما علم من أن هذا الانشقاق يؤدي إلى تساقط الأجرام السماوية؛ لأنها من جملة ما يشكل السماء الدنيا بترابطها، وهذا الترابط جعله الله تعالى سبباً لبقاء الكون إلى أن يشاء الله تعالى زواله وهذا هو الذي أشار إليه قوله سبحانه (وإذا الكواكب انتثرت) الانفطار: 2.
فلا نصدق وقوع انشقاق للسماء قبل أن يريد الله انتهاء هذا الكون كما وجد ذلك في بعض ما كتب وما قيل (2)، فلذلك اعتبرنا مثل هذه المقالة لا تصدق، وأما تعطيل بعض السنن أو تغييرها فبمشيئة الله وإرادته مثل ولادة مولود من غير أب كولادة عيسى عليه السلام (3)، فقد كانت ولادته من غير أب، وحصل ذلك من غير أن يكون اعتراضاً على سنة الله تبارك وتعالى، وسنة الله استمرت في سائر الخلق ولكن عيسى عليه السلام خرج عن السنة المألوفة، وجريان الأمور وفق السنن أيضاً بإرادة الله ومشيئته.
هل في قصة العبد الصالح الذي صحبه موسى عليه السلام كما في سورة الكهف دليل على إثبات الخوارق؛ لأن ذلك العبد وهو الخضر كما جاء في الرواية خرق السفينة وقتل الولد وأقام الجدار؟.
العبد الصالح فعل فعلاً طبيعياً، فالقتل مثلاً أمر طبيعي، وهو علم بوحي أوحاه الله تبارك وتعالى إليه، سواء كان هذا الوحي بواسطة ملك أو كان إلهاماً من عند الله سبحانه بأنه مأمور بقتل ذلك الولد، ففعل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى، ولم يفعله بهوى نفسه، وكذلك خرقه للسفينة وإقامته للجدار، فهذه أمور جرت وفق الطبيعة ولم تخرج عن المألوف.
ما الفرق بين علم السحر والسحر؟. (1/133)
صفحة 134
أنا لم أمارس هذا الشيء حتى أجيب عنه!، لا أعرف السحر، ولم أدرس علم السحر، وأعوذ بالله من ذلك، وإنما بعض العلماء قالوا: بأن الإنسان إن كان يتعلم السحر للتوقي منه لا لأجل فعله يجوز له ذلك، ومنهم من يقول: بأنه لا يمكن للإنسان أن يعرفه ويدرسه إلا بعد أن يفعل ما يوجب الكفر، ولا يجتمع السحر والإيمان، فإذن لا يتوصل الإنسان إلى علم السحر إلا بالكفر، فلذلك قالوا إنه حرام على أي حال.
=================
(1) انظر أيضاً سلسلة كتاب الأمة العدد (26) أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، د/محمد أحمد كنعان، ط رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر، محرم 1411هـ، ومما قاله في ص 118: ( (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)، فإن هذه الآية لم تبين لنا شخصية ذلك الذي (عنده علم من الكتاب) أبشر هو أم جني؟ ! وهي لفتة جديرة بالتأمل، وأن نقف عندها طويلاً ونجعلها مع الإشارة السابقة إلى (الكتاب بهذا اللفظ المبهم! ) دليلاً قوياً على وظيفة العلم في عملية التسخير، وكأن الآية الكريمة تريد أن توحي لنا بأن العلم ما هو إلا (كتاب) مبثوثة حروفه وكلماته في أرجاء هذا الكون الفسيح، وما على الذين يريدون الاستفادة مما في هذا الكتاب إلا أن يحسنوا القراءة فيه).
(2) إن لم تعرف الإباضية يا عقبي يا جزائري ص43، محمد بن يوسف اطفيش، ط بدون تاريخ.
(3) إذا كان تعطيل السنن الكونية بمشيئة الله تعالى أمراً وارداً وهو بنفس مستوى السنن الكونية التي تعبر عن مشيئة الله تعالى هي الأخرى، فنحتاج إلى الدليل القطعي لإثباته، لا مجرد روايات يتداولها عوام الناس، وهذا الدليل القطعي يكون:
- نصاً قطعياً متواتراً في ثبوته ودلالته من الكتاب أو السنة المتواترة التي لا يشك في تواترها.
- نقلاً قطعياً من الواقع والحس والمشاهدة.
الغزو الفكري قديماً وحديثاً (1/134)
صفحة 135
محاضرة ألقاها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في جامع نزوى ليلة الخميس الخامس من شهر رجب 1423هـ، الموافق 11 سبتمبر 2002 م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالحجة القاطعة والمعجزة الساطعة والدعوة الجامعة، فبلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد،،،
فالسلام عليكم أيها المشائخ والأخوة والأبناء ورحمة الله وبركاته، أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة، وأحمد الله سبحانه وتعالى الذي جمعني بكم في هذا البلد العريق وفي هذا المسجد المبارك في ظل كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ونحن نستبشر بهذه الشبيبة التي نرجو بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن تكون دعامة حق لهذا الدين، وأن تكون مضطلعة بأمانته، قائمة بواجباته، مبلغة لرسالته، ناصحة لهذه الأمة، آخذة بزمام قافلة الإنسانية إلى طريق الخير والسعادة.
أهمية الفكر السليم (1/135)
صفحة 136
ولا ريب أنكم تدركون أن فكر الإنسان هو مصدر استقامته أو انحرافه، وهداه أو ضلاله، فبقدر ما يكون عليه الفكر من الهدى بحيث يكون نابعاً من أصل سوي تكون استقامة الإنسان في سلوكه، وبقدر ما يكون بخلاف ذلك يكون أيضاً انحرافه، ومن أجل ذلك أرسل الله سبحانه وتعالى رسله، وأنزل كتبه من أجل تنظيف فكر الإنسان من الدخيل الذي لا يتفق مع الحقيقة ولا ينسجم مع الفطرة، وقد أرسل الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم على حين فترة من الرسل بعدما استبدت الأهواء بالناس، وتشعبت بهم المسالك، وتفرقت بهم الطرق، وكانوا في أفكارهم وتصوراتهم وفي سلوكهم ومعاملاتهم متباينين تمام التباين، وأكثرهم لم يكونوا على شيء من الهدى إلا من كان مستمسكاً بالكتاب الذي أنزل من قبل، ولم يفرط في المحافظة عليه، ولم يحرف شيئاً مما جاء به، أولئك الذي قال الله سبحانه وتعالى فيهم (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون.. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) القصص: 52-53 وكان من بين أولئك الذين استمسكوا بالفكر الصحيح الحنيفيون الذين حرصوا على اتباع الحنيفية، وحرصوا على عقيدة التوحيد والبعد عن الضلال، وسائر الإنسانية تتسكع في الظلمات، وتهيم في أودية الضلال، لا تفرق بين حقيقة وخيال، ولا بين حق وباطل، لأنها لم تكن على بينة من أمرها، ولا على بصيرة من ربها فلذلك ضل فكرها ذلك الضلال البعيد، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تنظيف الفكر من كل ما علق به من الأوهام والضلالات والخيالات التي سلكت بالناس مسالك متعددة في الانحراف عن طريق الحق.
وقد ترك النبي صلوات الله وسلامه عليه الناس على المحجة البيضاء الناصعة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولكن هل بقي هذا الفكر على نصاعته ووضوحه وظهوره للناس؟ ! أو أن هذا الفكر أصيب بكثير من اللوثات التي انحرفت به ذات اليمين وذات الشمال. (1/136)
صفحة 137
من المعلوم أن اليهود منذ أن بعث الله تعالى نبيه صلوات الله وسلامه عليه ظلوا يخططون من أجل الانحراف بفكر هذه الأمة عن المنهج السوي، فلذلك دخل في أدمغة هذه الأمة الكثير من الأفكار التي خطط لها اليهود بطريقة أو بأخرى، وقد صدّق الناس كثيراً أولئك الذين تظاهروا بالإسلام من أهل الكتاب وتلقوا عنهم، ووجدت رواية تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلّم هي أبعد ما تكون عن الحقيقة أنه قال: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)(1)، فلذلك دخلت الأفكار المنحرفة في صميم عقيدة هذه الأمة وكان ذلك سبباً لزيغ هذا الفكر عن المنهج السوي.
ومن المعلوم أن من فضل الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة أن حفظ لها كتابها من التحريف والتبديل، وتلك إحدى معجزات القرآن الكريم، فإن كل من أراد أن يتطاول على القرآن بتحريف أو تبديل رد الله تبارك وتعالى كيده في نحره ولم يستطع أن يتوصل إلى مرامه، وظل الكتاب محفوظاً كما يقول الحق تبارك وتعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر: 9، ولكن مع هذا كله دخلت مرويات ألحقت بالسنة النبوية؛ فيها الكثير من الانحراف عن منهج الحق، وقد حرص العلماء على تنقية هذه المرويات من الشوائب، ولكن مما يؤسف له أن أولئك الذين اهتموا بهذا الجانب إنما عنوا بالنظر في الأسانيد، ولم يعنوا بالنظر في المتون، ومع ذلك نظروا إلى هذه الأسانيد من زاوية معينة، فكان المُجرح أو المُعدل ينظر إلى الراوي من خلال اتفاقه معه في معتقده، فمهما خالف معتقده رماه بالجرح، ووصمه بكثير من الصفات التي تنتقص من قدره وتشوه سمعته بين الناس؛ فلذلك لم يمكن لهؤلاء أن ينقوا السنة من جميع الشوائب التي ألحقت بها، وسنة النبي صلى الله عليه وسلّم بريئة من ذلك.
================
(1) البخاري (3274)، أبو داود (3662).
الكذب على الأنبياء (1/137)
صفحة 138
ومن بين هذا الغزو الفكري الذي بدأ في مرحلة مبكرة وكان له أثر على هذه الأمة في سلوكها؛ ما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، فقد أدرجت في تفسير القرآن الكريم مرويات شتى فيها الكثير جداً من الانحراف عن الحق، فنحن إن سكتنا عما يتعلق بالطبيعة وما أدخل في تفسير القرآن الكريم مما يتنافى مع دلالة القرآن، فإننا نرى أن الكثير من هذه المرويات فيما يتعلق بتفسير الآيات التي تتناول قصص الأنبياء تنتقص من قدرهم، وتصورهم شهوانيين لا هم لهم إلا السعي وراء شهوات أنفسهم، وهذا غير بدع إذا نظرنا إلى مسلك اليهود، فإن اليهود إنما ألصقوا بأنبياء بني إسرائيل الكثير من المرويات التي شوهت صورتهم، حتى أنهم قالوا في لوط عليه السلام إنه كان في حالة سكر وزنى بابنته وحملت منه، ونسبوا إلى الكثير من أنبياء بني إسرائيل من ذرية يعقوب عليه السلام ما نسبوا إليهم من الضلال، وغير بدع- وقد صدق الناس مرويات بني إسرائيل- أن تدخل هذه الروايات في تفسير القرآن الكريم، لذلك وجدنا التفسير محشواً بالكثير جداً من الضلالات التي نسبت إلى الأنبياء.
قصة داود عليه السلام
من ذلك ما نسب إلى نبي الله داود عليه السلام أنه عشق امرأة وبعث بزوجها في سرية من أجل أن يقتل حتى يتمكن من الزواج بتلك المرأة، وهذا مما تداوله المفسرون كثيراً(1) وهو بطبيعة الحال من الغزو الفكري، والله تبارك وتعالى وصف نبيه داود عليه السلام بأحسن الصفات التي تبرئه من هذا الذي نسب إليه.
================================
(1) جامع البيان مجلد12/ج 23 ص 174-175، ابن جرير الطبري، ط دار الفكر للطباعة والنشر 1420هـ/1999.
قصة يوسف عليه السلام (1/138)
صفحة 139
مما يؤسف له كذلك ما نسب إلى يوسف عليه السلام، فقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره وتناقله الكثير من المفسرين من أنه همّ بإتيان الفحشاء مع امرأة العزيز، وفُسّر بذلك قول الله سبحانه وتعالى ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه( يوسف: 24، بحيث زعموا أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته بين فخذيها بعدما حلّ تِكة سراويله، ورأى في هذه الحالة يعقوب عليه السلام عاضاً على أنامله، ومنهم من قال بأنه رأى يداً مكتوباً عليها كيف تفعل هذه الأفعال وأنت من النبيين، إلى غير ذلك مما نسبوه (1)، مع أن هذا بعيد عن الحقيقة.
وقد أجاد الفخر الرازي في هذا عندما قال بأن من قال هذا القول فقد كذّب الله تبارك وتعالى، وكذّب يوسف عليه السلام، وكذّب امرأة العزيز، وكذّب النساء اللواتي كن يراودن يوسف عن نفسه، وكذّب الشيطان نفسه. (2) (1/139)
صفحة 140
أما تكذيبه لله تبارك وتعالى فلأن الله سبحانه وتعالى قال ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) يوسف: 24 فكيف مع ذلك يوصف بهذا الوصف، وتكذيبه ليوسف عليه السلام فلأن الله تبارك وتعالى حكى عنه بأنه قال ( رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) يوسف: 33 فرجل يصل به الأمر وهو في ميعة الشباب إلى أن يستحب السجن مع ما فيه من العذاب والتنكيل، ويرى تغييبه في غياهب السجون خيراً له من أن يأتي شيئاً مما يدعى إليه لا ريب أنه أبعد ما يكون من أن يهم بهذه الفحشاء، وتكذيبه لامرأة العزيز لأنها قالت كما حكى الله تبارك وتعالى عنها ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم)يوسف: 32، ومعنى استعصم امتنع، أي كان معصوماً من إتيان هذا الأمر، وأما تكذيبه للنسوة فإن الله تبارك وتعالى حكى عنهن قولهن ( حاشا لله ما علمنا عليه من سوء) يوسف: 51، وأما تكذيبه للشيطان فلأن الشيطان الرجيم لعنه الله عندما أعلن التمرد على أمر الله سبحانه وتعالى قال في خطابه لله سبحانه ( لأغوينهم أجمعين.. إلا عبادك منهم المخلصين) ص: 82-83، ويوسف عليه السلام من عباد الله المخلصين بنص القرآن الكريم.
وما أدرك هؤلاء حقيقة الهم الذي نسبه الله سبحانه وتعالى إلى يوسف عليه السلام بعدما نسبه إلى امرأة العزيز، لا ريب أن امرأة العزيز راودته عن نفسها، وأرادت أن يقضي لها وطرها عندما تعلق قلبها به، ولكن بعدما امتنع عليها بأي شيء همت هي، وبأي شيء هم هو؟. (1/140)
صفحة 141
المرأة -كما بيّن العلامة السيد رشيد رضا في تفسيره المنار(3) - لا يمكن أن تهم بأن تفعل فاحشة بالرجل، وإنما غاية ما تفعله أن تدعوه إليها وتمكنه من نفسها، أما أن تهم به، أي تهم أن تفعل به الفاحشة فلا، لأنها مفعول بها وليست بفاعل، وإنما الرجل يفعل بها، فإذن ما الذي همت به وهم بها بسبب همها به؟، همت أن تضربه بسبب كبريائها وامتناعه عنها وعصيانه لأمرها، وهم هو أن يرد عليها بأن يضربها دفاعاً عن نفسه، ولكن رأى من آيات ربه سبحانه وتعالى ما يدله على أنه لو فعل ذلك وظهر الأثر عليها لكانت لها حجة في هذا لتوقعه في التهمة فلذلك هرب عنها، ولما هرب عنها استمسكت بقميصه فقدّت قميصه من دبر فكانت الحجة له عليها، ولم تكن الحجة لها عليه، هذا الهم الذي كان بينه وبينها، ولا ريب أنها كانت تريد أن يواقعها ولكن ليس هذا هو الهم المعهود في قول الله تعالى ( ولقد همت به وهم بها) يوسف: 24.
إنما همت أن تضربه بسبب امتناعه عنها كما هددته بالسجن فيما بعد، فهم هو أن يرد عليها دفاعاً عن نفسه، ورأى من آيات الله سبحانه وتعالى ومن الإلهام الرباني الذي وقع في نفسه بأنه لو فعل ذلك لأدى هذا إلى أن تبدو عليها آثار التهمة بسبب ما يكون عليها من علامة فعله ذلك، ولكن مع ذلك حشا الكثير جداً من المفسرين تفاسيرهم بهذه الأشياء، وقالوا بأنه رأى برهان ربه، أي رأى يعقوب يعاتبه أو رأى الكف التي كتب عليها ما كتب، ولو كان رجل من الفساق في لحظة قضاء وطره ورأى مثل هذا؛ أما كان له في ذلك ردع؟، فكيف يكون هذا ميزة لعبد وصفه الله تبارك وتعالى بأنه من عباده المخلصين؟ !، مع أن الفاجر الذي دأب على الفحشاء عندما يحاول إتيان الفحشاء وإذا به يرى أباه بين يديه يعاتبه أو أن يرى كفاً كتب عليها ما كتب أما كان في ذلك ما يردعه عن الوقوع في الفحشاء؟ !. (1/141)
صفحة 142
ولا ريب أن هؤلاء النبيين قدرهم عال وشأنهم عظيم، وقد أمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلّم أن يقتدي بهم عندما قال بعد ذكرهم ( فبهداهم اقتده) الأنعام: 90 ألا يجد من يقرأ عنهم مثل هذا الذي كتب عنهم من هذه السفاسف الدنية في ذلك ما يشجعه على الوقوع في الفحشاء والانحراف عن سواء الصراط؟ !، فهذا من جملة الغزو الفكري الذي أصيبت به هذه الأمة في صميم عقيدتها؛ لأن نزاهة النبيين وعفتهم من صميم عقيدة هذه الأمة.
======================================
(1) المرجع السابق مجلد 7/ج 12 ص 239-250.
(2) التفسير الكبير مجلد9/ج18 ص91-92، الفخر الرازي، ط دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1411هـ/1990م.
(3) تفسير المنار ج12 ص 233-234، محمد رشيد رضا، ط دار الكتب العلمية.
قصة هاروت وماروت
وقد نسبوا إلى الملائكة أنهم كان بينهم وبين الله تبارك وتعالى ما كان، وأن الله عز وجل أمرهم أن يختاروا ملكين هما من أكثر الملائكة عبادة وخشية لله تبارك وتعالى، فأنزلهما إلى الدنيا، ولما أنزلهما إليها ابتلاءً وركّب فيهما الشهوة جاءتهما امرأة تشكو إليهما زوجها فراوداها عن نفسها فاشترطت عليهما أن يسجدا للصنم ويشربا الخمر ويقتلا زوجها ففعلا ذلك، ثم بعد ذلك نالهما من العذاب ما نالهما إلى آخر ما نسب إليهما(1) مما هو أبعد ما يكون عما وصف الله تبارك وتعالى به الملائكة في كتابه، فالله تعالى يقول فيهم ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) التحريم: 6، ويقول (لا يسبقونه بالقول هم بأمره يعملون.. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)الأنبياء: 26-27. (1/142)
صفحة 143
ومن المعلوم أن مثل هذه الأفكار عندما تروج وتشيع في أوساط الناس تؤدي إلى وقوع الناس في الفحشاء، إذ يقول الإنسان: إذا كان الملائكة وقد وصفوا بما وصفوا به وهم لم يستطيعوا أن يتمالكوا بل غلبتهم أنفسهم فاندفعوا وراء شهواتهم، حتى وقعوا في الكفر وسجدوا للصنم وشربوا الخمر وقتلوا النفس المحرمة بغير حق، فكيف بنا نحن؟، هذا الذي يقع في نفوس كثير من الضعفاء عندما تروج هذه الأفكار.
======================================
(1) جامع البيان مجلد1 /ج1 ص 638-642، ابن جرير الطبري، ط دار الفكر للطباعة والنشر 1420هـ/1999م.
افتراء على النبي صلى الله عليه وسلم
وكذلك وُصف نبينا صلى الله عليه وسلّم -على عظم قدره وعلو شأنه- في الكثير من هذه الروايات بأوصاف لا تدل إلا على الهمجية والشهوانية، فمما يؤسف له أن نجد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يشارك قومه في بناء البيت الحرام ويحمل الحجارة على كتفه لم يجد ما يتقي به فأشار عليه عمه العباس رضي الله عنه أن يخلع إزاره ويتقي به، فخلع إزاره وكان بادي العورة أمام الناس وأمام بيت الله الحرام ثم انتبه بعد ذلك وخر مغشياً عليه، من يصدق هذه الرواية ولو جاءت بأصح الأسانيد كما يزعمون؟ !، من يصدق أن النبي صلى الله عليه وسلّم الذي يصفه الله بأنه على خلق عظيم ( وإنك لعلى خلق عظيم)القلم: 4 يصل به الأمر بأن يرضى أن يبدي عورته؟ !.
ذلك الشيء لا يرضاه حتى أولئك الذين يعيشون في الأدغال أبعد ما يكونون عن الحضارة وعن القيم الإنسانية فضلاً عن القيم الدينية، من الذي يصدق هذا؟ !. (1/143)
صفحة 144
وكذلك ما نسب إليه صلوات الله وسلامه عليه كما جاء في صحيح مسلم أنه نما إلى علمه بأن ابن عم جاريته مارية يواقعها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب أن يذهب إليه ويقتله على الفور (1)، هذا أمر لو نسب إلى جبار من جبابرة الأرض لكان ملوماً، وقالوا بأن علياً ذهب والسيف في يده ووجد الرجل يستحم في ركوة ماء فأمسك بيده وأخرجه من الركوة من أجل أن يقتله، وإذا به يسقط إزاره ويتبين أنه مجبوب (2)، فرجع علي إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وأخبره الخبر فأمره النبي صلى الله عليه وسلّم بالكف عنه، من الذي يصدق هذه الرواية؟.
هل النبي صلى الله عليه وسلّم جبار يأخذ الناس بالظنة بمجرد أن ينسب إلى أحد أنه يفعل هذا الأمر يأمر بقتله؟ ! مع أن مجيء هذه الجارية إليه كان بعد وقوع قصة الإفك لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وقصة الإفك فيها درس لأي أحد، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلّم رجلاً عادياً ولم يكن نبياً مرسلاً من قبل الله سبحانه وتعالى لكفته قصة الإفك (3) درساً حتى لا يتجرأ مثل هذا التجرؤ.
ومن ناحية أخرى؛ هل يكون النبي صلى الله عليه وسلّم أغير على جاريته منه على زوجه أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها؟ ! فعندما نُمي إليه ما نُمي وتحدث الناس بأن رجلاً صارت بينه وبين أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها علاقة وبرأها الله من ذلك، فلماذا لم يأمر بقتل ذلك الرجل في ذلك الحال؟، مما يدل على أن هذه الرواية ليست صحيحة ولا يمكن أن تقبل، ومع الأسف جاءت في صحيح مسلم معزوة إلى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه!. (1/144)
صفحة 145
وكذلك نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلّم كما جاء في تفسير ابن جرير الطبري (4) بأنه أبصر امرأة زيد وكانت عليها ثياب رقاق فاستبد جمالها بقلبه، وسرى حبها في أعماق نفسه، فلم يتمالك وخرج وهو يقول سبحان مقلب القلوب، وقالوا بأن هواه بها وتعلقه بها هو المعني بقول الله تبارك وتعالى ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه)الأحزاب: 37، ونحن نتساءل؛ من أين جاء ذلك؟ وهل يليق هذا بالنبي صلى الله عليه وسلّم؟. وهل يليق برجل مؤمن عادي- فضلاً عن أن يكون نبياً مرسلاً من عند الله تبارك وتعالى عصمه الله- أن يذهب إلى بيت إنسان ويمتد نظره إلى ما في داخل حرمه حتى يرى امرأته بالثياب الرقاق، ويأخذ جمالها بشعاب نفسه ويستبد حبها بقلبه؟، فعلى هذا يكون المراد بقول الله تبارك وتعالى ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه)الأحزاب: 37 أنه كان يأمر زوجها زيداً بأن يستمسك بها ويقول له (أمسك عليك زوجك) الأحزاب: 37 مع أنه يعلم بأن الله تعالى كتب له أن يتزوجها.
====================================
(1) مسلم (2771)
(2) أي ليس فيه ذكر.
(3) البخاري (2494)، مسلم (2770).
(4) المرجع السابق مجلد12/ج22 ص17-18، ابن جرير الطبري.
عقيدة التجسيم والتشبيه ...
ونجد أن من جملة ما غزا به اليهود أفكار هذه الأمة؛ ما أشاعوه من تشبيه الله تبارك وتعالى بخلقه، وتشبيه الخلق بالله تبارك وتعالى، فقد أشاعوا في أوساط الأمة تشبيه الخالق سبحانه وتعالى بعباده، فوصفوه بكل صفات الخلق حتى وصفوه بالذهول والنسيان، ووصفوه سبحانه وتعالى بأن له أجزاء وحدوداً وأنه ينزل ويطلع إلى آخر ما وصفوه به، مع أن هذه الأوصاف هي ما يصف به اليهود ربهم سبحانه وتعالى كما في توراتهم المحرفة، وقد شاع ذلك في أوساط هذه الأمة حتى اعتبرت عقيدة التشبيه هي عقيدة السلف؛ نسبة لها إلى السلف الصالح، مع أن السلف براء منها. (1/145)
صفحة 146
وكذلك تشبيه الخلق بالله سبحانه وتعالى، بحيث جعلوا ما لله للعباد من البسط والقبض والعطاء والمنع والتصرف في هذا الكون إلى غير ذلك مما شاع عند الاتجاه الآخر، إذ لا تبقى هيبة للربوبية عند تشبيه الله بخلقه أو عند تشبيه الخلق بالله سبحانه وتعالى، ويؤدى إلى شيوع الفحشاء والمعصية، وعدم المبالاة بانتهاك الحرم والتملص من واجبات الدين والتخلص من تبعاته، والاستخفاف بجميع حرماته.
خطورة الإرجاء
ومن الفكر اليهودي الذي شاع في أوساط الأمة عقيدة الإرجاء؛ التي جعلت الإنسان يتناسى الوعيد ويستمسك بالوعد، بل إن هذه العقيدة تجعل الإيمان أمراً نظرياً مثالياً لا وجود له في عالم الواقع، إذ الإيمان أن يعتقد الإنسان فحسب تلكم المعتقدات كأنها نظرية تدغدغ الأذهان من غير أن تتحول إلى واقع ملموس، مع أن الإيمان الذي نيطت به النجاة من عذاب الله هو ذلكم الإيمان الذي يملك شعاب النفس ويستولي على الفكر والوجدان، ويهيمن على الجوارح والأركان، ويوجه الإنسان الوجهة المرضية في القول والعمل والأخلاق، فالله سبحانه وتعالى يقول ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون.. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.. أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) الأنفال: 2-4، فهل مثل هذا الإنسان الذي يوجل قلبه بمجرد ذكر الله تبارك وتعالى يتجرأ على انتهاك حرم الحق؟ ! وعلى الوقوع في معاصي الله سبحانه وتعالى من غير أن يتوب عنها ويقلع عنها. (1/146)
صفحة 147
وتجاهل هؤلاء الآيات الكثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى التي تدل على أن كل أحد مجزي بعمله فالله سبحانه يقول ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً) النساء: 123، فإذا بهم يتعلقون بأماني المغفرة والشفاعات والخروج من النار بعد التعذيب - كما يقولون - مدة قصيرة مع تخفيف عذابها حتى تكون لطيفة جداً.
وقد سمعت أحد هؤلاء الذين يشيعون عقيدة الإرجاء في وقتنا هذا يقول: إن أدخل المسلم النار فإن عذابها يُهوَّن عليه حتى يكون لطيفاً، وتكون النار في منتهى اللطف. فقال له من كان يسجل محاضرته: أتكون حرارة هذه النار مثل حرارة الاستديو؟ ! قال: هي أشد قليلاً!، هكذا وصل الأمر بهؤلاء إلى الاستخفاف بآيات الله مع أن الله تبارك وتعالى يقول( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) ق: 45، ويقول ( سيذكر من يخشى ) الأعلى: 10، ويقول ( إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة) هود: 103.
ونجد النصوص القرآنية دالة على أن هذه المعتقدات كلها إنما هي معتقدات يهودية، فالله تبارك وتعالى يقول ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) الأعراف: 169. (1/147)
صفحة 148
وفعلاً وقعت هذه الأمة فيما وقع فيه اليهود، فنجد في كلام أساطين هذه الأمة بأن الله تبارك تعالى إذا وعد وفى وإذا توعد عفا، وذلك عين كلام اليهود، وقد بيّن سبحانه وتعالى أن هذا الانحراف في المعتقد هو الذي يؤدي إلى عدم المبالاة بأوامر الله وعدم تحكيم أمره وعدم الانقياد لحكمه فقد قال عز من قائل (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهو معرضون.. ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون.. فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) آل عمران: 23-25، والآيات الدالة على نفاذ وعيد الله تبارك وتعالى ووعده هي كثيرة جداً فالله تعالى يقول ( لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد.. ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) ق: 28-29، ويقول ( لا تبديل لكلمات الله) يونس: 64، ويقول ( إن الله لا يخلف الميعاد) الرعد: 31.
ولننظر ماذا أثمر هذا الفكر؟ !، لقد أثمر شيوع الفحشاء والانحراف لدى هذه الأمة، وقد انعكس ذلك على الأدب الهابط الذي حفلت به كتب الأدب قديماً وحديثاً حتى صارت زاخرة بمثل هذه التصويرات العجيبة للفحشاء في أقبح صورها وتزيينها للناس وترغيب النفوس فيها، وصارت كتب الأدب حافلة بذلك، ليقرأ أحدكم كتاب الأغاني ومحاضرات الأدباء بل ليقرأ التراجم. (1/148)
صفحة 149
ومما يؤسف له أن نجد ابن خلكان مثلاً -وقد كان حسبما يلقب قاضي القضاة في عصره- يترجم ليحيى بن أكثم (1)، وينسب إليه من هذه الأعمال ما يندى له الجبين ويخجل منه المرء؛ وبسبب ذلك وقعت موقعاً عجيباً من نفوس الفساق، فهي تدفع بهم إلى ارتكاب الفحشاء من غير مبالاة بالانحراف والشذوذ، وهنا يقف عقل الإنسان حائراً بين التصديق والتكذيب، فكلا الأمرين صعب (وحسبي من أمرين أحلاهما مر)، فإما أن يكون هذا الذي نسب إليه صادقاً فيما نسبه إليه وتلك هي المصيبة، وإما أن يكون كاذباً وهذه أيضاً مصيبة لا تقل عن تلك؛ لأنه افترى عليه كذباً ونسب إليه ما هو منه براء ورماه بالفحشاء، وهذا مما يؤدي إلى شيوع الفحشاء وانتشارها في أوساط الناس.
============================
(1) قاضي القضاة في عهد الخليفة العباسي المأمون، انظر وفيات الأعيان ج6 ص152-155، أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، ط دار الفكر تحقيق د/إحسان عباس.
الغزو المعاصر
فهذه الغزوات الفكرية حصلت لهذه الأمة من قديم الزمان، وما حصل الآن ليس بأقل من ذلك، فكم من أمور دُست في صميم فكر هذه الأمة بسبب عدم استيعابها لمعاني القرآن، وعدم تفقهها في دين الله، وعدم استمساكها بحبل الله، وإذا بها تتخبط ذات اليمين وذات الشمال، وكل ما دس من المكائد إنما يقف وراءه اليهود ومن يشايعهم ويناصرهم من الصليبين والملحدين وغيرهم لأجل صد هذه الأمة عن دين الله. (1/149)
صفحة 150
وحسبنا أن نرى أن الدعوة التنصيرية مع أن ظاهرها دعوة إلى دين، ولكن مع ذلك يقول المنصرون بأنفسهم بأنهم لا يريدون من المسلم إلا أن يكون شهوانياً، فـ (زويمر) (1) يقول: إن مهمة التبشير (2) التي ندبتكم من أجلها الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في تنصير المسلمين فإن في ذلك هداية لهم وتكريماً، وإنما هي في إخراج المسلم من الإسلام وجعله مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبهذا تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري، ثم يقول لإخوانه القسيسين: إنكم نجحتم في إخراج جيل من المسلمين لا هم له إلا في الشهوات.
ونجد الآن المؤسسات الإعلامية التي تقف وراءها الصهيونية العالمية والصليبية العالمية والإلحاد العالمي وجميع مؤسسات الكفر في هذا العالم تصب في هذا المصب، فهي أولاً تنحرف بفكر المسلم وتشككه في إسلامه وتحاول إبعاده عن الله تبارك وتعالى، وسلخه من جميع مقومات عقيدته وفكره ليصبح أشبه بالبهيمة العجماء لا هم له إلا في شهواته، مع وجود المغريات الكثيرة، حتى أن بعض الكاتبين من الغربيين أنفسهم شبّه (السينما) بحملة المغول التتار على الأمة الإسلامية وسماها (مغول السينما)، ومعنى ذلك أن ما يدس في (السينما) لأجل القضاء على هذه الأمة وإبعادها عن مقوماتها وأسباب عزتها وكرامتها لا يقل عما أثَّره المغول في هذه الأمة.
وكذلك الصحافة التي تنشر الصور العارية التي تؤجج الشهوات في النفوس، والأفلام الخليعة والمسلسلات الهابطة إلى غير ذلك، كل ذلك مما يدخل في الغزو الفكري الأخلاقي لهذه الأمة من أجل الانحراف بمعتقداتها وأخلاقها، ذلك لأن الإنسان عندما يصبح أسير شهوته لا يصبح له معتقد، فلا هم له بالفكر ولا بالمعتقد ولا بأي أمر إلا في إشباع هذه الغريزة وما يؤججها من المهيجات الكثيرة. (1/150)
صفحة 151
وقد وجدت في إحدى الصحف أن شركة واحدة من الشركات الغربية المملوكة لليهود ولمن معهم تسمى (فايزر)، ربحت من بيع الدواء المهيج للشهوة الجنسية المسمى (الفياجرا) اثني عشر ملياراً من الدولارات، ذلك لأجل أن تكون هذه الأمة أمة شهوانية لا صلة لها بالدين والأخلاق، إنما تحاول إشباع شهواتها، فالله تبارك تعالى عندما ذكر الخلف الذي خلف أولئك النبيين قال ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً) مريم: 59.
فيجب على الأمة أن تحافظ على نفسها، وأن تحرص على شبابها، بغرس العقيدة الصحيحة فيها وإبعاد عقيدة الإرجاء والتشبيه والاستخفاف بالنبيين بنسبة الرزايا إليهم عنها؛ حتى يكون هؤلاء الشباب عارفين بالصورة الصحيحة التي كان عليها الأنبياء والمرسلون، وأن يحرصوا على اتباع هذا المنهج، وأن يربوا على الأخلاق الفاضلة والبعد عن متابعة المسلسلات الهابطة والأفلام المدسوسة والصحف الخليعة وغير ذلك مما يروج له بطريقة أو بأخرى من أجل إبعاد الشباب المسلم عن قرآنه ودينه ومنهاج النبوة، حتى يكون شباباً شهوانياً.
فالشباب المسلم بحاجة إلى تربية على الأخلاق والنهوض به لتكون همته عالية، يطمح في معالي الأمور ويسعى إليها، ويضحي بالغالي والثمين في سبيل تحقيقها، وهذا ما نرجو أن يتحقق من خلال المؤسسات التربوية والمراكز الصيفية التي تُنشئ الشباب التنشئة السليمة، ونريد بمشيئة الله أن لا تكون هذه التربية تربية نظرية بل نريدها عملية ليحرص الكل على اتباع الحق. (1/151)
صفحة 152
ومن الأهمية بمكان أن يعرف الشباب من يقتدون به، وأعداء الإسلام أدركوا ذلك، فلمّعوا شخصيات كافرة وهابطة وسافلة وشهوانية من أجل أن يحتذي الشباب المسلم بهذه الشخصيات ويعجب بها، بحيث يدرس هؤلاء الشباب سيرة هذه الشخصيات أكثر مما يدرسون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يجعلهم يعجبون بهؤلاء فينساقون وراء مسلكهم، وكذلك من الأهمية بمكان أن يغرس في نفوس الشباب بأن قيم الإسلام هي مصدر العز لهم، وأن المسلم المعتز بمواريثه الفكرية والعقدية يكون عارفاً بما يأتيه وما يذره، وقادراً على التكيف في هذه الحياة وفق معطيات القرآن وتوجيه السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؛ لا يخجل من شيء منها بحيث لا يصاب بمركب النقص والهزيمة النفسية، وإنما يعتز بذلك بحيث يكون ولاؤه لله تبارك وتعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين الصالحين، ليكون شباباً مكيناً مضطلعاً بواجباته، قائماً بكل ما كُلّفه من تكاليف شرعية، ومن بين هذه التكاليف نشر الدعوة في أرجاء الأرض ونشر الخير بين هذه القطعان الضالة من البشرية لإخراجها من ضلالها إلى الهدى ومن ظلماتها إلى النور.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
===================================
( (1/152)
صفحة 153
1) صموئيل زويمر Samuel Zwemer (1867م-1952م) من أبرز المستشرقين الأمريكان الذين خاضوا عملهم ميدانياً في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً جنوب العراق ودول الخليج العربية، وهو المحرر للمجلة الإنجليزية الاستشراقية الشهيرة (عالم الإسلام) وقد اشتهر بدوره التنصيري وعدائه الشديد للإسلام، له مؤلفات عديدة عن الإسلام، يعتبر زويمر من أكثر المستشرقين توجّهاً نحو التنصير، وتقديراً لجهوده التنصيرية أنشأ الأمريكيون وقفاً باسمه على دراسة اللاهوت وإعداد المنصرين، راجع المقال على شبكة الإنترنت:
http: //www. ahl-ul-bayt. org/Arabic/thqalayn/thaqa06/d-namazaj_6. htm
(2) كذا يقول زويمر، والحق إنه تنصير وليس تبشيراً.
طالب العلم والمستقبل
(رعى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان يوم الأربعاء: 5 جمادى الآخرة 1423هـ، 14 أغسطس 2002م حفل اختتام المركز الصيفي الذي أقامه مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية بالتعاون مع مكتب الإفتاء، واستمر خمسين يوماً، انتظم فيه سبعون طالباً من مختلف ولايات السلطنة، وأغلبهم من المعاهد الإسلامية، قام بالتدريس فيه ثلة من رجال العلم وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ العلامة سعيد بن مبروك القنوبي، وخلال هذه المناسبة ألقى سماحته كلمة جامعة شاملة لما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من وعي وإدراك لما يدور في فلك الحياة، وما ينبغي له أن يقوم به من واجب تجاه علمه ووطنه وأمته، فإلى نص هذه الكلمة الطيبة). (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
................................... (2) (1/153)
صفحة 154
إنها لفرصة سعيدة أن نلتقي في هذا الصرح العلمي وهذا المعهد الميمون بمركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية، ونحن نختتم هذا الجهد المبرور الذي بذله خيرة من العلماء الراسخين من أجل تنشئة جيل من الشباب الواعي على كتاب الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث يلقى الشباب في هذا الرحاب ما يشرح الصدور وينوّر البصائر ويملأ الأذهان علماً من المعارف الربانية على أيدي طائفة من الراسخين في العلم؛ لينقلبوا أيضاً هم ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون، حتى تتسلسل الحلقات آخذاً بعضها بحجزة بعض في القيام بأمر الله تعالى والاضطلاع برسالة الإسلام وحملها إلى آفاق الأرض، حيث تتعطش الإنسانية اليوم إلى مبادئ هذا الدين القويم وإنقاذها مما وقعت فيه من الهلكة.
========================================
(1) هذه المقدمة نشرتها جريدة (عمان).
(2) هذا هو النص الذي حصلنا عليه من المحاضرة التي نشرتها جريدة عمان، وتنقصه المقدمة فقط.
الخلافة في الأرض بالعلم
ولا ريب أن العلم النافع هو مفتاح الخير كله، فإن الله سبحانه وتعالى هيأ الإنسان لأن يتحمل رسالة العلم وجعل قيامه بمسؤولية الخلافة في الأرض أمراً منوطاً بالعلم، فلذلك عندما أنبأ الله تبارك وتعالى الملأ الأعلى بأنه سيجعل خليفة في الأرض قالت له الملائكة الكرام المقربون( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك )البقرة: 30 قال لهم سبحانه (إني أعلم ما لا تعلمون) البقرة: 30 وأتبع ذلك الاختبار، حيث امتحن الملائكة بسؤالهم عن الأسماء فأجابوا بأنهم لا علم لهم إلا ما علمهم الله سبحانه وتعالى، وعندما اختبر آدم أجاب فكان حقيقاً بأن يقوم بالخلافة في الأرض ويضطلع بالمسؤوليات الكبرى، ومن بينها عمارة الأرض على بينة من الأمر وبصيرة من الحق. (1/154)
صفحة 155
وبهذا يتبين أن الإنسان لا يسعد ولا يستقر أمره ولا ينتظم حاله ولا يمكن له الانسجام مع سنن الكون ومع نواميس الوجود إلا إذا عرف ما يقدم عليه وما يحجم عنه، من أجل هذا فإن الله سبحانه وتعالى عندما أرسل رسوله الأعظم صلوات الله وسلامه عليه بالرسالة الخاتمة الجامعة المانعة آذنه من أول الأمر بقوله سبحانه وتعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق.. خلق الإنسان من علق.. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم.. علم الإنسان ما لم يعلم) العلق: 1-5.
ومن أجل هذا كان العلم بجميع شعبه وفنونه من ضروريات الإنسان حتى يقوم بالواجب في الأرض، وليكون موصولاً بخالقه سبحانه وتعالى، وحياته الدنيا موصولة بالحياة الآخرة وعمله موصولاً بالجزاء الأوفى.
والعلم مطلب إنساني لا بد من أن يتحلى به الإنسان من أجل القيام بوظيفته، ولكن فنون العلم تتفاوت قيمتها بقدر تفاوت عطائها وخير العلم ما وصل الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى وغرس في قلبه خشيته وعرفه بما يأتيه وما يذره في حياته وفق أمره تعالى، ومن أجل ذلك جاء في الحديث الصحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم قوله: (من أراد الله به خيراً فقهه في الدين) (1)، فالفقه في دين الله سبحانه وتعالى هو الذي ينظم الحياة الإنسانية، ويجعل كل واحد عارفاً بما يأتيه وما يذره، فبه يعرف الإنسان كيف يعبد الله تبارك وتعالى ويطيعه لتكون تصرفاته وأعماله منسجمة مع أمره تعالى، وبه يوطد العلاقة الحسنة بينه وبين بني جنسه من المسلمين وغيرهم، وبينه وبين سائر مخلوقات الله تبارك وتعالى، إذ إن الإنسان مستخلف في الأرض ومطالب بأن تكون تصرفاته وتعامله فيما بينه وبين كل كائن من مخلوقات الله حسب أمر الله سبحانه وتعالى؛ ففقهه في دينه يعرفه ما له وما عليه، فيأتي تصرفه مضبوطاً بضوابط الحق وبقيود الشريعة.
==============================
(1) الربيع (25)، البخاري (71)، مسلم (1037).
فقه النص وفقه الواقع (1/155)
صفحة 156
إن شريعة الله تبارك وتعالى أتت على القليل والكثير من حياة الإنسان، سواء كان ذلك بالنص أو بالإجمال، وإنما يتمكن الراسخون في العلم الذين أنار الله تبارك وتعالى ألبابهم وشرح صدورهم حتى يستخرجوا الأحكام الشرعية من مكنونات الأدلة ليضعوا كل شيء في موضعه.
ومن المعلوم أن حياة الإنسان لا تستقر على حال، فمنذ أن خلق الله تبارك وتعالى الجنس البشري واستخلفه في الأرض تسير الحياة في نمو وتطور مطرد لا تقف عند حد معين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولئن كان التطور فيما سبق من القرون والأحقاب الماضية كان بحسب ما جعل الله سبحانه وتعالى من طاقات عند البشر وبحسب ما آتاهم من وسائل فإن هذا التطور أيضاً تسارع في عصرنا وصار يسابق الأحداث الزمنية، بل يمكن أن نقول مجازاً بأنه يقاس بسرعة الضوء لكثرة تقلبات الأحوال من حال إلى حال، ومع هذه التقلبات لا بد أن يكون هناك استيعاب لقضايا الحياة على اختلاف أنواعها وإنزال كل شيء منزله، وإعطاء كل قضية حكمها، حتى تنسجم الحياة الإنسانية مع أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني أن الفقهاء الربانيين لا بد لهم أن يكونوا على بينة من أمرهم عارفين بعصرهم، وهذا ما يعبر عنه بفقه الواقع، بحيث يعرف الإنسان القضايا المستجدة ويعطي كل قضية من هذه القضايا حكمها.
فطلبة العلم في وقتنا مطالبون بما لم يطالب به أسلافهم من معرفة الأحوال المستجدة والقضايا المتطورة التي تحتاج إلى حلول لمشكلاتها ورفع لمعضلاتها، وذلك أن يكونوا أبناء عصرهم في متابعة ما يقع ويحدث أولاً بأول ليعطوا الحلول للمشكلات، فالعالم الرباني ليس ذلك الذي يتقوقع بين جدر أربعة لا يعرف ما يجري وراءها، إنما هو الذي يتابع سير الأحداث أولاً بأول، مع رسوخ قدمه في العلم ومعرفته بكتاب الله سبحانه وتعالى وبسنة نبيه صلوات الله وسلامه. (1/156)
صفحة 157
فمن هنا كانت المسؤولية على عاتق طلبة العلم الآن مسؤولية كبرى، وأنتم تدرون جميعاً أن الإنسان مهما أوتي من ملكات وفتح له في هذا الكون من آفاق فإن عقله يبقى محدوداً وجميع طاقاته تبقى محدودة، والمشكلات إن عالجها الإنسان وفق عقله كان العلاج علاجاً قاصراً، بسبب هذا وقعت الإنسانية الآن في أزمة بالغة لأنها ابتعدت عن صراط الله تبارك وتعالى وعن أمره ونهيه فوقعت فيما وقعت فيه.
ولقد حاولت الإنسانية منذ وقت طويل أن تجد حلا لمشكلاتها مع ما حصل لها من الدراسات النفسية والدراسات الاجتماعية وتضافر الجهود على ذلك، ولكن أنّى لهذا العقل القاصر المحدود أن يتوصل إلى حل لمشكلات الحياة بدون أن يكون موصولاً بأمر الله سبحانه وتعالى ومستمداً بنوره سبحانه(1)، وما عادت هذه الحلول التي انبثقت من هذا العقل المحدود إلا تعقيداً للمشكلة كما وقع ذلك في العالم المتحضر، فالرأسمالية عندما طغت حاول الناس أن يجدوا مخلصاً منها وإذا بهم يرتمون في نار النظام الشيوعي الذي يأكل الطارف والتليد ويأتي على الأخضر واليابس، ليجدوا فيه حلا لمشكلتهم، قد تصوروه فردوساً وإذا به جحيم لا يطاق، ثم انقلبوا مرة أخرى إلى ما فروا منه، وسيظلون يترددون بين هذا الجانب وذاك ما لم يأخذ المسلمون بأيدي الإنسانية إلى طريق الخير ويعرفوها بما لها وما عليها وما هو الحل لمشكلتها؟، فمن هنا كانت الحاجة في كل مجتمع إسلامي وكل جيل من أجيال الأمة الإسلامية أن يوجد الراسخون في العلم العارفون بمشكلات زمانهم ليقدموا حلولاً للمشكلات إلى هذا العالم المتخبط في ظلماته.
ولأجل ذلك أناشد أبناءنا الطلبة أن يكونوا عارفين بأحوال زمنهم مدركين لما يدور في عصرهم، مع حرصهم على أن يتضلعوا بما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يستبصروا بهدي السلف الصالح الذين رسخت أقدامهم في العلم.
===============================================
( (1/157)
صفحة 158
1) القراءة الصحيحة قائمة على أمرين:
- قراءة الوحي.
- قراءة الكون.
وأي قراءة تعتمد على واحدة من هاتين القراءتين دون الأخرى هي بعد عن منهج القرآن الكريم، فالحضارة الغربية المعاصرة مثلاً كفرت بالوحي واعتمدت فقط على اكتشاف سنن ونواميس الكون، فكان ما كان من مشكلات تتعرض لها كل يوم، فالإنسان بدون الوحي يبقى متخبطاً في الظلمات، وكذا حال كثير من المسلمين عندما أهملوا النظر في كتاب الكون وظنوا أن نظرهم في الكتاب والسنة وحدهما هو المخرج مما يعانونه، فلم يصلح حال هؤلاء وأولئك، والقرآن الكريم يدلنا من أول آية نزلت على وجوب التعامل مع القراءتين (اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم* علم الإنسان ما لم يعلم).
ضرورة العمل بالعلم
ومع هذا كله فإن العلم الشرعي ليس مجرد نظريات تعيش في عالم المثاليات، وإنما هو منهج رباني يعيش في عالم الواقع، فعلى الإنسان الذي يتضلع بالعلوم الشرعية أن يحرص على التطبيق الدقيق لما يتعلمه، فإن من تعلم علماً ولم يعمل به كان وبالاً عليه والعياذ بالله، فنرى في كتاب الله كيف ذكر بني إسرائيل ووصفهم بما وصفهم به حيث قال ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين) الجمعة: 5، ولئن كان هذا المثل من حيث لفظه في بني إسرائيل فإنه من حيث معناه ينطبق على هذه الأمة عندما يكون عالمها غير عامل بما يعلم. (1/158)
صفحة 159
ولئن كان الله تعالى خاطب أهل الكتاب بقوله (يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل) المائدة: 68 فإن أمة القرآن ليست على شيء حتى تقيم تعاليم القرآن، فلذلك أدعو هذه الفئة من المؤمنين التي تلقت المعارف أن تحرص على التطبيق الدقيق لما تلقته؛ حتى يتجسد العلم في سلوكها وأخلاقها وأعمالها، فتكون أخلاقها مثالية تنجذب إليها الأفئدة وتتعطش إليها النفوس حتى تسري في عالم اليوم.
ونحن نرى كيف كان السلف الصالح رضي الله عنهم يتحلون بالأخلاق التي تحدثت بها الأمم وصار الناس ينجذبون إليها وإلى أصحابها، مع أن ذلك العصر كان عصراً بدائياً إذا ما قيس بهذا العصر من حيث الوسائل والطاقات، فالله تبارك وتعالى فتح الآفاق لأبناء هذا العصر، فبإمكانهم أن ينقلوا كلمة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى عبر وسائل مختلفة لتصل إلى آفاق الأرض، فقد يتحدث الإنسان وهو داخل بيته بين جدران أربعة وإذا بالعالم ينصت لما يقوله، في حين إنه في ذلك العصر كانت الكلمة تتناقلها الأفواه، وكانت وسيلة الانتقال وسيلة بدائية، ومع ذلك دخل الناس في دين الله أفواجاً، وإنما كانت الأخلاق هي التي تسري في نفوس الناس لتجتذبها اجتذاباً إلى الخير.
والرعيل الأول الذين حملوا أمانة هذه الدعوة وقاموا بواجبها لم يكونوا على معرفة باللغات، فلم يدرسوا لغة الروم ولا لغة الفرس ولا لغة غيرهما، وإنما كان تمثل الإسلام في أخلاق أهله وتطبيقهم لتعاليمه وقيمه هو الذين يجتذب تلكم النفوس إلى الإسلام؛ فدخل الفرس والروم وشعوب كثيرة في دين الله مع عدم معرفتهم باللغة التي يتخاطب بها الدعاة، وإنما رأوا الدعوة واضحة جلية في سلوك الداعين وأعمالهم، فكانت أعمالهم ادعى إلى الحق من أقوالهم. (1/159)
صفحة 160
فنحن اليوم بحاجة إلى أن نحرص على أن تكون الأخلاق هي النبراس الذي نسير على نوره وهديه وأن تكون هي الشعار الذي نحمله حتى ينجذب الناس انجذاباً إلى دعوتنا بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
المداومة على العلم
ومما لا يخفى على طلبة العلم جميعاً أن العلم لا يُدرَك في مرحلة دون غيرها، فإن العلم هو أعظم وأجل وأوسع من أن يتمكن الإنسان من الإحاطة به، وإنما على طالب العلم أن يبذل قصارى جهده في طلب العلم كما يقول حكيم من الحكماء: (اعط العلم كلك يعطك بعضه)، وقد سمعت أحد شيوخنا يقول في وصف طالب العلم: (إن طالب العلم كالبعير يأكل بالنهار ويجتر بالليل)، ومعنى ذلك أن يحرص طالب العلم على مدارسة ما قرأه وما تلقاه من مشايخه حتى يرسخ ذلك في ذهنه، وهذا يعني أنكم مطالبون بأن تحرصوا في كل أوقاتكم على مدارسة ما تلقيتموه فالآن وقد آن الأوان بأن تنطلقوا إلى دياركم ومدارسكم، فعليكم أن لا تنسوا ما تعلمتموه، وأن تحاولوا أيضاً نشره بقدر مستطاعكم حتى يرسخ ذلك في أذهانكم وحتى تتمكنوا من النفع به، وأسأل الله تبارك وتعالى لكم التوفيق والسداد وأن يأخذ بأيدينا وأيديكم إلى ما يحبه ويرضاه من صالح العمل والقول وزكي الأخلاق، إنه تعالى على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عقبات على الطريق
سؤال أهل الذكر (1): حلقة 22 رجب 1423- 29/9/2002م
سؤال أهل الذكر: 1 رجب 1423 هـ، 8 /9/2002م
================================================
(1) برنامج أسبوعي يبث على الفضائية العمانية، يقدمه الأستاذ/ سيف بن سالم الهادي، ويضيف سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة في معظم الحلقات، وفي بعضها فضيلة الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي.
الإسلام برئ من هذه الأفعال (1/160)
صفحة 161
أخت جزائرية تحكي مأساتها تقول: إنها كانت غير ملتزمة بالأصول والقواعد والآداب والأخلاق؛ لأنها كانت بعيدة نوعاً ما عن النصح والإرشاد، وتخرجت من الجامعة وحصلت على شهادة الليسانس في الحقوق، وبعد فترة من الزمن في الثمانينات سمعت بالمبادئ والقيم والأخلاق التي تدعو إليها الجماعات الإسلامية في الجزائر، فاعتنقت مبادئهم والتزمت ولبست الحجاب، وسمت تلك المرحلة بالمرحلة الذهبية لأنها شعرت فيها بحلاوة الإيمان وأحست أنها مؤمنة حقاً، في بداية التسعينيات حدث عندها تغير فكري عندما سمعت وعلمت أن هذه الجماعات الإسلامية التي تأثرت بها ورأت فيها القدوة الممتازة بدأت تقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وبدأت تستخدم وسائل مفزعة في إرعاب الناس، فهذا الأمر جعلها تشك في عقيدتها وإيمانها بالله جل وعلا، فمثلت هذه المرحلة عندها مرحلة مقلقة جداً أدت في بها في نهاية المطاف إلى خلع الحجاب والشك في القيم والمبادئ والأخلاق الإسلامية، وتحسب أنها في هذا الوضع تعاليم ميتة لا تصلح للحياة إذا كان الذين يدعون إليها يرتكبون مثل هذه الأعمال المنكرة.
وتقول: فكيف لمن كان يدعو للجنة والخير والمحبة والأخوة وكل الخير للناس أن يذبح ويمزق أشلاءهم بدون تمييز بين صبي وأنثى وبين رضيع وغيره، تقول: أريد معرفة حكم الإسلام في أفعالي؛ لأنها عندما تحولت فكرياً وبدأت تتخلى عن الحجاب تخلت أيضاً عن الصلاة والصيام، والعجيب أنها خلعت الحجاب في السابع والعشرين من رمضان عام 1996م.
ثم بعد ذلك شعرت بألم في بطنها وذهبت إلى الأطباء، لكن التحاليل لم تثبت شيئاً من الأمراض العضوية عندها، ثم ذهبت إلى الرقية ويبدو أنه لا يزال لديها بصيص من الأمل في الإسلام والقرآن الكريم، فقال لها الراقي إن جنياً دخل في جسدك ويتحدث بلسانك ويسيء إلى الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلّم!. (1/161)
صفحة 162
بقت المرأة في حالة اضطراب نفسي، وانتابها تغير فكري، ولم تدر ما حقيقة ما شاهدته من أفعال مرعبة وإرهابية؛ هل هو من قبل الذين يدعون إلى المبادئ والأخلاق الإسلامية، أم هو من قبيل فعل الجن والسحر كما سمته هي بسحر التكليف.
فهي تريد منك أن تبسط القول في هذه المسألة، وتقول: لا أريد أن أكون من الخاسرين، فلقد فطرت على حب الخير والأنبياء وأولياء الله الصالحين، ولقد واجهت مشاكل عويصة في حياتي وكنت والحمد لله من الصابرين، أريد أن تقنعني لأنني شعرت أنه لا يوجد رجل في العالم سواكم يمكن أن يحل مشكلتي..
فتريد منك أن تهديها إلى طريق السواء وأن توضح لها الحقيقة التي غابت عنها.
مما يؤسف له أن نجد قوماً محسوبين على الإسلام يدمرونه من الداخل أكثر مما يدمره أعداؤه من الخارج، ووجدت حالات عديدة فيها الكثير من المفارقات والتناقضات التي تدعو كل ذي لب إلى أن يقف عندها ليتدبر وينظر أسبابها، ويتساءل عن الدواعي والبواعث إلى ارتكاب هذه الأمور التي تؤدي إلى الاضطراب والمفارقات والتناقضات، مع أن دين الإسلام دين سمح أصيل جاء من عند الله، بعيداً عن المفارقات والتناقضات، ولقد وقفت مع نفسي كثيراً وتساءلت حول هذه القضايا التي أصبحت تدعو إلى الأسى، وقلت في أكثر من موقف بأنه يجب أن تصاغ هذه الأمة من حيث الفكر والأخلاق والاجتماع، على أن تكون هذه الصياغة قرآنية نابعة من صميم عقيدة القرآن وأسس الدين الحنيف الذي جاء به المرسلون وأكمله الله سبحانه وأتم به النعمة على يد عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. (1/162)
صفحة 163
ذلك لأن كل المآسي التي أصابت الأمة وجرت عليها شتى الانحرافات إنما هي بسبب فقدان التصور، فأولئك الذين ارتكبوا المآسي العظيمة لم يبالوا بالحرمات؛ فقتلوا الأطفال والنساء وشردوا الآمنين وارتكبوا ما ارتكبوا باسم الإسلام، والإسلام براء من كل ذلك، فإن الإسلام دين يدعو إلى الرحمة في أي موقف من المواقف، ولذلك ينهى أتباعه كل النهي وأشده عن العدوان، وحتى عندما يقابل المسلمون العدوان عليهم أن يردوا عدوان المعتدي وحده وألا يتعدوا على غيره، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه (وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)البقرة: 190.
ولئن كان الإسلام يأمر بالبر والإنصاف حتى مع غير المسلمين الذين لم يجاهروا المسلمين بالعداوة حيث يقول عز من قائل (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة: 8، فكيف يرضى المسلم مع ذلك أن يعامل إخوانه المسلمين من أهل بلدته وأبناء جلدته هذه المعاملة القاسية؟، ويتنكر لمبادئ الإنسانية حتى يكون سبعاً ضارياً لا يبالي بأن يفتك بالأطفال والنساء والشيوخ الكبار وكل ضعيف! إن هذه الحالة حالة شاذة بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وقيمه، فليت هؤلاء ما انتموا إلى الإسلام قط، وليتهم لم يرضوا بأن يلحقوا بهذا الدين الحنيف النظيف هذه التهم القذرة التي يبرأ الدين منها.
وقد سبق أن قمت بالإجابة على أسئلة طرحت في ندوة حول إعادة صياغة الأمة، فهذه الأخطاء ليست وليدة اليوم والأمس، وإنما هي وليدة تراكمات تاريخية حجبت عن الناس الصورة الصحيحة للإسلام، فلا بد أن يبني كل مسلم فكره على أساس التصور الإسلامي الصحيح حتى يعرف كيف يتصرف في الحياة. (1/163)
صفحة 164
أما بالنسبة إلى ما وقع لهذه المسكينة التي أصيبت في عقيدتها ودينها، أقول إن عليها أن لا تفهم الإسلام من خلال هذه التصرفات الشائنة التي تنطلق من أقوام لا معرفة لهم بالدين ولا دراية لهم بأصوله ولا بفروعه، ولا أساس عندهم من تعاليمه وفكره، وإنما عليها:
1. أن ترجع إلى الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فتستوحي تعاليم الإسلام منه.
2. أن تنظر إلى الكون كله، فإنها تجد أن الكون مصاحف هداية للإنسانية، فكل ذرة من ذرات الكون هي كلمة من كلمات الله ناطقة بافتقارها إليها سبحانه وتعالى، وتناسق هذا الكون العجيب دليل واضح على وحدانية مكونه سبحانه وتعالى، ولذلك نجد أن في الكتاب الكريم إحالة الإنسان على النظر في دلائل الكون التي تدل على توحيد الله سبحانه في مقام الدعوة إلى توحيده فالله تعالى يقول ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) البقرة: 163 ثم يتبع الله سبحانه وتعالى ذلك قوله (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)البقرة: 164.
إن في ذلك كله آيات بينات؛ لأن خلق السماوات والأرض يدل دلالة واضحة على وحدانية المكون العظيم سبحانه وتعالى، ذلك لأن كل ما في الكون من سمائه وأرضه، إنما هو متناسق مع بقية أجزائه تناسقاً عجيباً؛ وذلك دليل صدوره عن مكون واحد، إذ لو كان ذلك عن أكثر من مكون واحد لكان لكل واحد منهم إرادة مستقلة عن إرادة غيره، مما يجعل كل واحد يستقل بمراده، فيكون التعارض والاختلاف والشقاق، وذلك يؤدي إلى الفساد كما قال سبحانه ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)الأنبياء: 22. (1/164)
صفحة 165
فلأجل هذا نجد اقتران ذكر التوحيد في كتاب الله سبحانه وتعالى بالعلامات الكونية الدالة على وحدانيته عز وجل فالله سبحانه وتعالى يقول ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ.. أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.. أَمَّن جَعَلَ الأرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ.. أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ.. أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) النمل: 59-63 فعليها أن تفكر في وجودها بنفسها ووجود الكائنات كلها من حولها، فإنها دلائل شاهدة صادقة على وحدانية الله سبحانه وتعالى. (1/165)
صفحة 166
وما اعتمل في نفسها من أفكار ووساوس إنما هو نتيجة حتمية لانحراف الإنسان عن الحق، فإن الإنسان عندما ينحرف عن منهج الحق يصاب بالأزمات النفسية، وتكون نفسه فريسة للشيطان الرجيم فالله سبحانه يقول ( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً) مريم: 83، ويقول سبحانه وتعالى في وصف الذين اتقوا أي الذين هم بعيدون عن هذا ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هو مبصرون)الأعراف: 201، لذلك ندعوها إلى أن تكون في زمرة المتقين ومن حزب عباد الله المصلحين الذين يتذكرون كلما مسهم مس من الشيطان، وكلما ألم بهم شيء من وسوسته وفكره، ولا ريب أن الشيطان عندما يوسوس للإنسان وينصرف الإنسان عن منهج الحق يكون عرضة بعد ذلك لمثل هذه الأزمات النفسية والأمراض العصبية التي تخيل إليه خيالات شتى. (1/166)
صفحة 167
فلذلك ندعوها إلى أن تكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، فإنه تطمئن به القلوب يقول الله سبحانه وتعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) الرعد: 28، وتكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وأنصحها بأن تتلو في كل يوم ما يتيسر من كتاب الله سبحانه وتعالى مع التزامها بدين الله، وأن تكثر من تلاوة المعوذات، وذلك بأن تقرأ الإخلاص والمعوذتين مع النفث في يديها والمسح، وينبغي أن تقول في حال مسح جسدها: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أعوذ بالواحد الصمد من شر كل ذي حسد، أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شره عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما أجد وأحاذر) فإن الله سبحانه يدفع عنها هذه الوساوس والقلق والأمراض والمصائب التي ألمت بها، وينبغي أن تلازم قراءة عشر آيات من سورة البقرة في كل صباح ومساء، وذلك بأن تقرأ أربع آيات من أول سورة البقرة إلى قول الله تبارك وتعالى (المفلحون)، ثم ثلاث آيات هي آية الكرسي والآيتان بعدها إلى قوله سبحانه وتعالى (خالدون)، ثم قوله سبحانه (لله ما في السماوات... ) إلى آخر السورة، فمع ملازمتها لذلك وإخلاصها لله سبحانه وتعالى فإنني أرجو كل الرجاء أن تنقشع أمام نظرها هذه الغيوم التي تلبدت حتى حجبت الحقيقة عن قلبها وعقلها، وأرجو بمشيئة الله أن تتلاشى هذه الوساوس والأمراض، وأن تعود إلى سيرتها الأولى والله تبارك وتعالى ولي التوفيق.
فيما يتعلق بهذه الأفعال التي يرتكبها من يدّعي الإسلام، هناك حجج ربما تطايرت إلى أسماع الناس وتعاطف معها الكثيرون ظانين أنها صحيحة، فهم يقولون إن الآخرين يقتلون أبناءهم ونساءهم وأطفالهم فلا بد أن يواجههم بالمثل، وبعضهم خصص ذلك بالكافرين، فما دام الكفار يفعلون مع أبنائهم وأطفالهم تلك الأفعال فلا بد أن يواجهوا بالمثل، هل هذه الحجة صحيحة؟. (1/167)
صفحة 168
لا وألف لا، فإن المسلم الصحيح الإسلام من شأنه الرفق والرحمة، فهو لا يعتدي على من لم يعتدِ عليه، فما ذنب الطفل الذي لا يزال على الفطرة لم يبلغ الحلم، ولم يرتكب شيئاً من المنكرات، ولم يقارف شيئاً من الأوزار، ولم يعتد على حرمة أحد من الناس حتى تنتهك حرمة حياته؟، فإن كل مولود يولد على الفطرة كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)(1).
وما ارتكبه غيره من حماقات لا ينعكس أثره عليه فالله تعالى يقول: (لا تزر وازرة وزر أخرى) الأنعام: 164، وهب أن أولئك الذين تنكروا لإنسانيتهم وفعلوا ما فعلوا من الأعمال الوحشية بالمسلمين؛ فهل المسلمون في مثل هذه الحالة يتنكرون لإنسانيتهم أيضاً ويتجردون من معانيها؟ ! لا وألف لا.
وأذكر في هذا المقام كلمة قالها الإمام أبو الخطاب المعافري اليمني رحمه الله تعالى ورضي عنه الذي نُصب إماماً لأهل الحق والاستقامة في بلاد المغرب، وكان مثالاً في العدل والاستقامة والنزاهة وتطبيق سيرة النبي صلى الله عليه وسلّم والخلفاء الراشدين، فإنه شدّد على جيشه في الأخذ من أموال أهل البغي، وقد كان هؤلاء البغاة يأكلون أموال الناس، فقال له بعضهم: نأكل من أموالهم كما يأكلون من أموالنا! قال: إذن حق على الله أن يكبنا معهم في النار فنكون كما قال الله تعالى ( كلما دخلت أمة لعنت أختها)(2) الأعراف: 38، فهكذا ينبغي أن يكون المسلمون في ورعهم ونزاهتهم وتطبيقهم لمبادئ الإيمان والإسلام والرحمة التي جاء بها القرآن الكريم.
====================================
(1) البخاري (1292)، مسلم (2658).
(2) طبقات المشائخ بالمغرب ج1 ص31، أحمد بن سعيد الدرجيني، تحقيق إبراهيم طلاي.
تلبس الجن بالإنسان
هل تلبس الجن بالإنس حقيقة واقعة أم هي أمور نفسية؟.
هذه القضية بحثها العلماء ووقفوا منها موقفين: (1/168)
صفحة 169
1. منهم من قال بدخول الجن في جسم الإنس؛ لأن أجسامهم لطيفة أقرب إلى الروحانية فلذلك يتمكنون من الدخول.
2. ومنهم من قال بعدم دخولهم، لأنهم ولو كانت أجسامهم لطيفة إلا أنهم أجسام فلا يتلبس جسم بجسم، ولكن مع هذا هنالك تأثير من حيث الإيحاء، فقد يتكلم الإنسان كلاماً يوحيه إليه الجني الذي تلبس به بطاقته الروحانية لا بدخوله في جسمه حسب ما يبدو، وإنما يؤثر عليه تأثيراً حتى يتحدث بما يتحدث به.
وهذه القضية لا ننكر وقوعها، إلا أن ذلك قد رُوّج له ترويجاً عجيباً عند الناس، وهذا الذي جعل الناس يتأثرون تأثراً نفسياً عجيباً، وتترادف عليهم الأمراض النفسية، وتكثر عندهم الأوهام، وتشيع عندهم الخيالات حتى يتحدث الإنسان بأنه رأى كذا وأنه يحس بكذا في حالة نومه أو في حالة انفراده أو في غير ذلك من أنواع هذه الحالات، وهذا إنما هو في الغالب ناشئ عن حالات نفسية، وقد كان الواجب أن تكافح هذه الأمور نفسياً، بحيث يُعوّد الناس على التصلب.
وقد وصل الأمر بالناس أن أحداً إذا أحس حشرجة في حلقه قال هذا من أثر الجن، أو أوجعته أذنه قال هذا من الجن، أو أحس بوجع في رأسه قال هذا من الجن، أو أصابه أي شيء قال هذا من الجن، كأنما الإنسان ليس عرضة للبلاء.
فمثل هذه الإشاعات أوحت إلى الناس إيحاءات غريبة، وأثّرت عليهم تأثيراً نفسياً، فلذلك من الواجب أن يكافح هذا، ومع هذا يؤمر كل أحد أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فعندما شكا عبدالله بن عمرو بن العاص إلى النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه عندما ينام يرى أهوالاً علّمه النبي صلى الله عليه وسلّم أن يقول (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون) (1). (1/169)
صفحة 170
ويؤمر المسلم أن يتقي الله في جميع أحواله، فينام على طهارة، ويستيقظ على نية خالصة ترضي الله تعالى، ويذكر الله قبل نومه وعند يقظته وفي جميع أحواله، فاستجابة المسلم لذكر الله تبارك وتعالى في أحواله المختلفة سبب لوقايته من الشرور والأوهام والخيالات، فليكثر الناس من ذكر الله تبارك وتعالى لتطمئن قلوبهم فإن الله تعالى يقول (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) الرعد: 28، والله تعالى الموفق.
================================
(1) المستدرك (2010/210).
السحر وتفريق القلوب
من خلال تفحصنا للواقع نجد أن مشكلة وقعت في هذا الموضوع فقد تنشز زوجة أحدهم عليه فيبقى حائراً هل ذلك النشوز هو بسبب السحر أم بسبب أنها لا تحبه أو لا ترغب فيه فيرتبك ولا يدري كيف يتصرف، فهل هنالك علامات معينة تدل على أن الزوجة إنما تأثرت بفعل السحر؟
نحن لا ننكر أن يكون هنالك سعي من بعض السحرة والدجالين للتفريق بين المرء وزوجه كما قال الله تعالى ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) البقرة: 102، ولكن مع هذا لا يقع إلا بقدر من الله ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) البقرة: 102، فالضرر يقع إذا كتبه الله تبارك وتعالى، وإلا فالأصل أن لا يؤثر سحر الساحر حتى يكون ذلك أمراً مقدراً من قبل الله سبحانه.
وكثير من الناس ربما يتوهمون أن ما يقع بينهم من خصومات وخلاف إنما هو بسبب سحر الساحرين، ولعله من النادر أن يكون ذلك بسحر السحرة، فإن كره المرأة لزوجها وكراهة الرجل لامرأته قد يحصل بدون أن يكون هنالك سحر، والخلاف ما بين الزوجين يقع حتى في أطهر البيوت، ففي بيت النبوة كان يقع خلاف أحياناً بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهله، حتى إنه آلى من نسائه لمدة شهر(1)، وما ذلك إلا بسبب ما يقع من خلاف فيما بينهم، فلا يُعد هذا أمراً خارجاً عن الطبيعة والمألوف.
===============================
(1) البخاري (2336) (1/170)
صفحة 171
الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم
محاضرة ألقاها سماحة الشيخ الخليلي في ولاية بهلا ... .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنان الكريم، الرحمن الرحيم، الذي يدعو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، سبحانه هو السميع البصير العليم الخبير، الذي وسع كل شيء علمه وأحاط بكل حادث حكمه، أحمده تعالى حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالدعوة القاطعة، والحجة الساطعة، والملة الجامعة، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين، أما بعد، فالسلام عليكم جميعاً أيها المؤمنون والمؤمنات ورحمته وبركاته.
أحييكم جميعاً بهذه التحية الطيبة المباركة، وأحمد الله سبحانه الذي أتاح لنا الفرصة الميمونة للقاء في هذا المكان الطيب، والصرح الديني، والمعلم الخيري، الذي نرجو بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن تنطلق منه دعوة الحق لتواكب مسيرة الحياة إلى شتى أرجاء الأرض، وتخرج منه كلمة الخير الجامعة، التي تؤلف القلوب وتجمع الشتات وتوحد الصف، وترأب الصدع، كما هو المراد من الإسلام الحنيف.
مكانة الدعوة (1/171)
صفحة 172
ولا ريب أنكم تدركون أهمية الدعوة في الإسلام، فإن أمر المؤمنين والمؤمنات إنما نيط بهذه الدعوة، إذ الحق سبحانه وتعالى أراد لهم أن يكونوا جميعاً على ولاية من بعضهم لبعض، وهي تتحقق مع القيام بمسئولية الدعوة كما يدل على ذلك قوله سبحانه: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله)التوبة: 71، والله سبحانه فرض على الأمة أن تكون أمة دعوة، وذلك عندما قال ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران: 104 وليست كلمة (من) هنا دالة على التبعيض، بحيث يحمل الأمر في الآية على بعض من الأمة على دون بعض، وإنما هي للبيان.
فالدعوة مطلوبة من الكل، كيف والله سبحانه وتعالى حصر الفلاح في هذا الصنف من الناس عندما قال ( وأولئك هم المفلحون)، والحصر حاصل بتعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما، وكل أحد مطالب بأن يحرص على الفلاح، وأن يسعى إليه جهداً، وأي مكسب للإنسان خير من الفلاح، الذي يفوز بسببه برضوان الله سبحانه، وما يتبع ذلك من جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
وقد بين سبحانه أن هذه الأمة إنما تكون أمة خيرة تفوق الأمم جميعاً في فضلها عندما تضطلع بأمانة الدعوة إلى الله، فقد قال سبحانه ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) آل عمران: 110، فهي على خير وصلاح وبر وعز ما حافظت على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
أساليب الدعوة (1/172)
صفحة 173
على أن هذه الدعوة لم تترك لأساليب الناس التي ربما كانت بإيحاء نزغات ونزعات، وإنما وجه الله سبحانه وتعالى إلى الأسلوب الأمثل، فقد قال الله تعالى خطاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)النحل: 125، فترون أن الله سبحانه في مقام دعوة غير المسلمين إلى ملة الإسلام أمر أن تكون الدعوة بالحكمة وبالموعظة الحسنة، وبما يحقق الغاية المطلوبة، ثم إن الله سبحانه بين أنه يمكن أن يكون التأثير باللطف والرفق أبلغ بكثير من التأثير بخلاف ذلك، فقد قال سبحانه ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فصلت: 34-35، فعندما يدفع الإنسان السيئة بالتي هي أحسن ينسجم المدعو مع الداعي ويتفاعل معه تفاعلاً تاماً ويستجيب لهذه الدعوة، وقد بين سبحانه أن الدعوة بهذا الأسلوب الحسن تؤلف النافر وتقرب الشارد وتدني البعيد، حتى يكون الخصم اللدود كأنه ولي حميم.
والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب للناس أروع الأمثال في ذلك، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان مثالاً في الدعوة بالتي هي أحسن والتأثير على الناس بالتلطف والترفق بهم، فقد كان بذلك يتألف النافر ويقرب الشارد ويدني البعيد، ولذلك تأثر أولئك الذين كانوا على قسوة وغلظة، حتى أنهم تسابقوا إلى اعتناق الدين الحق والتفاعل مع دعوته صلى الله عليه وسلم، فكم من رجل كان شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم ولدعوته، ولكن بحسن التلطف والكلمة الهادئة الهادفة التي كانت تنطلق من لسان الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكمة والموعظة الحسنة أثرت على أولئك تأثيراً بالغاً فتفاعلوا مع هذه الدعوة، وصاروا من أنصارها والمتحمسين للقيام بها. (1/173)
صفحة 174
فكم من أحد وتر في قريبه من أب أو ولد، ولكن بتأثير هذه الدعوة صار يحمي حماها، ويحرص على الدفاع عنها، ويقاوم أعداءها، كما كان ذلك من قبل عكرمة بن أبي جهل الذي كان والده شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم وقد قتل في غزوة بدر ثم سحب إلى قليب بدر، وقد تحمل ابنه تبعة الأخذ بثأره، ولذلك رزأ المسلمين في غزوة أحد، وكان شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بعدما استأمنت له امرأته في عام الفتح وجد من النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق والمعاملة الحسنة المقربة، فتحول من خصم لدود إلى صديق حميم، حتى أخذ من بعد يقاوم أعداء الدعوة متحدياً لهم غير لاوٍ على شيء من الحياة الدنيا، وانصرفت همته كل الانصراف إلى تأييد الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته. (1)
ومن المعلوم أن الداعية شأنه شأن الطبيب الذي يعالج الأبدان، فالداعية يعالج القلوب، وكما أن الطبيب عندما يعالج الأبدان يحرص على معرفة طباعها وما يجدي فيها من الدواء، كذلك على الداعية أن يكون حريصاً على معرفة هذه الطباع وكيفية التأثير عليها، حيث إنه يتخلل الناس بالموعظة الحسنة بحسب ما يرى من الأساليب المؤثرة عليهم المقربة لبعيدهم، المؤلفة لنافرهم.
=======================================
(1) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج4 ص4-5، ابن الأثير، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت
أهمية العلم للداعية
وعلى الداعية أن يدعو إلى الله على بصيرة، بحيث تكون دعوته في إطار ما أمر الله سبحانه وتعالى به حتى لا تتصادم هذه الدعوة مع ما يقصده الداعية نفسه؛ لأن الداعية عندما يكون على غير فقه ودراية ربما تؤثر دعوته سلبياً.
- فقد يتصور الكثير من القضايا بأنها أهم بالعناية بها ويدع ما هو أهم وأجدى وأولى بأن يعتني به.
- وقد يتصور الحق باطلاً والباطل حقاً والدين رأياً والرأي ديناً. (1/174)
صفحة 175
- ويتصور القضايا المختلف فيها أنها مجمع عليها والقضايا المجمع عليها بأنها مختلف عليها.
من هنا كانت الدعوة منوطة بالفقه، فكان لزاماً على الداعية أن يحرص على التفقه في دين الله تعالى قدر مستطاعه.
ونحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه لا تكون دعوتهم إلا على بصيرة، فالله تعالى يقول مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) يوسف: 108، ونجد وضوح الارتباط بين الدعوة والفقه في قوله سبحانه ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) التوبة: 122، فأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى ناط الإنذار بالتفقه في دينه، والإنذار هو عين الدعوة إلى الله، والداعية عندما يكون غير متفقه في دين الله يقلب الأمور رأساً على عقب.
والقرآن الكريم جاء بما يقطع لسان كل متقول على الله بغير علم، فإنه قرن بين ذلك وبين الإشراك به سبحانه وتعالى وذلك في قوله سبحانه وتعالى ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)الأعراف: 33 فالتقول على الله سبحانه ليس بالأمر الهين، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد رحمهم الله إرسالاً (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر له ولو أنه وافق الحق) (2)، ولئن كانت موافقة الحق لهذا الذي يفتي بغير علم أو يفسر رؤيا بغير علم لا تجديه شيئاً، فكيف إذا كان غير موافق للحق؟ !. (1/175)
صفحة 176
والجاهل لا يؤمن أن يكون غير موافق للحق، فإن القول بالجهل والعياذ بالله يؤدي إلى الكثير من الفساد، ولذلك قيل بأن فساد الأمة من رجلين: جاهل متنسك وعالم منتهك، وقد أجاد الشاعر عندما قال:
فساد كبير عالم متهتك=وأعظم منه جاهل متنسك
هما فتنة للعالمين عظيمة=لمن بهما في دينه يتمسك
فالعالم الذي لا يبالي فيما يأتيه وما يذره قد يحسن الناس به ظناً عندما يرونه يأتي المخالفات الشرعية، قائلين بأنه لو لم يعلم أن ما يأتيه صواب وحق لم يفعله؛ لأنه على علم ودراية، فهم ينظرون إلى علمه ولا يعرفون كيفية عمله، وكذلك الذي يتظاهر بالنسك وهو جاهل؛ ربما اغتر الناس بتصرفاته وأعماله، ظانين أن ما يأتيه على بينة من أمره وبصيرة من دينه، فلا يتصرف إلا وفق مقتضى أمر الله، مع أن تصرفاته وأعماله مخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى.
========================================
(1) قال الشيخ الخليلي عن مراسيل الإمام جابر في كتاب بيع الإقالة ص80-81 ط1 مكتبة الجيل الواعد: (وهذه الرواية وإن كانت مرسلة فإن مراسيل جابر رضي الله عنه هي حجة عند أصحابنا لثقته وأمانته وضبطه؛ بحيث تنزه ساحته عن الرواية إلا عن العدول الثقات، مع كثرة من لقيهم وروى عنهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم).
(2) الربيع (35).
خطورة التقول على الله بغير علم (1/176)
صفحة 177
على أن كثيراً من هؤلاء ربما اجترءوا على القول في أحكام الله سبحانه وتعالى، فهم لا يستطيعون التفرقة بين الأدلة الشرعية والأحكام الشرعية، بل ربما لا يفرقون بين خطاب التكليف وخطاب الوضع في شريعة الله، بل يحملون هذا على ذاك وذاك على هذا، وربما لا يفرقون بين المتواتر والآحاد، ولا بين الخاص والعام ولا بين المقيد والمطلق، ولا بين المجمل والمبين، ولا بين الناسخ والمنسوخ، فإذا بهم يندفعون ليقولوا من قبل أهوائهم ما يسنح لعقولهم من غير أن يلتفتوا إلى أحكام الله سبحانه وتعالى ويضبطوا كل ذلك بضابط الشرع، مع أنه كما هو مقرر في الأصول:
- عندما يتعارض القطعي والظني فإنه يقدم القطعي على الظني ولا يلتفت إلى الظني.
- وكذلك عندما يتعارض الناسخ والمنسوخ فإنه يقدم الناسخ على المنسوخ ولا يؤخذ بالمنسوخ بعد ثبوت نسخه.
- وكذلك عندما يكون هنالك تعارض بين خصوص وعموم، فإنه يقدم الخصوص على العموم، إذ الخاص كما يقول العلماء قطعي الدلالة ولو كان ظني المتن لكثرة ورود المخصصات على الأدلة الشرعية المتعلقة بالجوانب العملية فإن الخصوص يقدم على العموم، ولذلك يخصص عموم القرآن الكريم بالأحاديث الآحادية وبمفهوم المخالفة وبالقياس.
فهؤلاء الجهلة يجترئون على حرمات الله سبحانه وتعالى بغير علم، لينفوا بعض القواعد رأساً، مع أن هذه قواعد متأصلة في أصول الفقه وقد أجمع عليها العلماء. (1/177)
صفحة 178
دار حديث بيني وبين أحد هؤلاء الذين يمارون بدون علم قبل أكثر من عقدين من السنين، وسمع مني بعض الأحاديث المتعلقة بالاستئناس على حمل آية من كتاب الله سبحانه بما تفيده السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لي: وهل تقول بأن الحديث النبوي يخصص القرآن؟ قلت له: نعم، وتخصيص القرآن الكريم بالسنة أمر ثابت، ولا يجحده إلا جاهل، فقال: وكيف يمكن للسنة أن تخصص عموم القرآن؟ قلت له: إذن ماذا تقول في الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، فالله سبحانه وتعالى بعدما عدد المحرمات بنص القرآن الكريم قال ( وأحل لكم ما وراء ذلكم) النساء: 24 و(ما) من أدوات العموم، لكن السنة النبوية التي أجمع المسلمون على الأخذ بها خصصت هذا العموم، فحرمت الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها بما أفاده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى) (1).
والآية الكريمة التي عددت المحارم من النساء عندما تعرضت لحرمة الرضاع ما ذكرت إلا الأمهات والأخوات، ولم تذكر الخالات والجدات والعمات وبنات الأخ وبنات الأخت، ولكن جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لتفيد أن ما يحرم من قبل النسب يحرم مثله من قبل الرضاع (2).
وماذا عسى أن يقال في الرجم؟ ! مع أن الله سبحانه وتعالى يقول ( سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون.. الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) النور: 1-2، ومع هذا جاءت السنة النبوية التي أجمع المسلمون عليها لتبين أن هذا الحكم في الزاني والزانية البكرين، وأما الزاني والزانية الثيبان فإنهما يرجمان (3). (1/178)
صفحة 179
فهكذا ربما مارى الإنسان وقلب الأحكام رأساً على عقب بالتنطع وعدم المعرفة بأحكام الله سبحانه وتعالى، لأنه ليست عنده القدرة حتى يتمكن من النظر في الخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ.
=============================================
(1) الربيع (517)، البخاري (4819)، مسلم (1408)، الترمذي (1136)، أبو داود (2065).
(2) الربيع (523) (524)، البخاري (2502) (4812)، مسلم (1444) (1447) وآخرون.
(3) راجع على سبيل المثال قصة المرأة التي رجمت في: الربيع (597)، البخاري (2190)، مسلم (1697) وغيرهم.
أهمية علم المقاصد للداعية
الخوض في هذه القضايا لابد أن يكون مبنياً على النظر في مقاصد الشريعة، لأن الشريعة تعتمد على مقاصد عند الترجيح والاستنباط، فالأغمار الجهلة قد يشكل عليهم صنيع عمر رضي الله عنه عندما منع المؤلفة قلوبهم ما كانوا يعطونه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه من نصيب في الزكاة، وقد نص القرآن الكريم على هذا السهم الذي لهم، ولكن عندما يرجع الإنسان إلى الشريعة الغراء يدرك أن الفاروق رضي الله عنه ما نفذ إلا الأمر القرآني، فإنه أدرك أن إعطاء هؤلاء لأجل كفكفة غلوائهم والحد من شرهم، وذلك عندما يكون أمر المسلمين في حالة ضعف، أما عندما يكونون في غنى عن ذلك بسبب قوتهم وعدم الحاجة إليهم وعجزهم عن تصرف يعود بالنكاية على الأمة، فلا ريب أن إعطاء غيرهم من مستحقي الزكاة أولى من إعطائهم، فلذلك رد الفاروق رضي الله عنه هذا السهم في بقية الأصناف التي شرع الله سبحانه وتعالى لها الزكاة.
بين مسائل الدين والرأي
لابد للداعية من التمييز بين مسائل الدين ومسائل الرأي، (1/179)
صفحة 180
فمسائل الرأي للإنسان مجال واسع في الأخذ بالآراء التي تتفق مع المصلحة، لأن النظر في مصالح الأمة مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الغراء، ولذلك قال بعض العلماء بأن دين الله سبحانه وتعالى يدور مع المصلحة، فأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله، وهذا بطبيعة الحال عندما يكون الأمر لم ينص فيه على حكم من قبل الله، أما عندما يكون هنالك نص قطعي من قبل الله أو من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم فالمصلحة حيث أمر الله، ونحن إن تصورنا المصلحة في غير ذلك فإنما يرجع ذلك إلى قصور عقولنا، وإلا فلا تخرج المصلحة عن دين الله، ولكن في مسائل الرأي ربما يرجح الإنسان رأياً على رأي نظراً إلى مصلحة من المصالح، ولا ينبغي التعنيف في ذلك، فإن النظر في المصالح من أولي النظر القادرين وأهل الكياسة والفطنة والنباهة العارفين بالأحكام الشرعية أمر مطلوب، ومسائل الدين هي المسائل القطعية التي نص على أحكامها في الكتاب العزيز أو السنة المتواترة، فهذه مسائل لا تحتمل الرأي بحال من الأحوال. (1/180)
صفحة 181
ولا ريب أن على الإنسان الذي يريد أن يعرف هذه الأمور أن يكون على بينة من الأمر حتى يستطيع أن يفرق بين النص والظاهر، فقد يتصور الإنسان النص كل متن، ولكن ليس الأمر كذلك، فليست متون الآيات القرآنية بأسرها أو متون الأحاديث النبوية بأسرها ناصة، وإنما قد يكون الحكم فيها من طريق الظاهر، فدلالة العام على الحكم هي دلالة ظنية، ودلالة العام دلالة ظاهر وليست قطعية، ومن أجل هذا خصصت العمومات بالكثير من المخصصات، فأنتم ترون أنه بعدما عدد الله سبحانه وتعالى المحارم من النساء في قوله ( وأحل لكم ما وراء ذلكم)النساء: 24 و(ما) من أدوات العموم؛ جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لتخصص هذا العموم بما أشرنا إليه، وكذلك حكم الرجم خصص عموم قول الله سبحانه (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) النور: 2، وكذلك خصص قوله سبحانه ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما )المائدة: 38 حيث اشترط أن يكون ذلك من حرز، وأن تكون السرقة قد بلغت النصاب الذي تقطع فيه اليد.
فالقطعيات يجب عدم التردد فيها، فالآية القرآنية والحديث المتواتر إن نصا على حكم نحو قوله تعالى ( وأقيموا الصلاة)البقرة: 43 وقوله ( وآتوا الزكاة)البقرة: 43 وقوله (حرمت عليكم أمهاتكم)النساء: 23، وقوله ( حرمت عليكم الميتة) المائدة: 3 فلا مجال للنظر فيها، ولكن ما هي الميتة؟ أولاً ينظر في كلمة ميتة بنفسها، فهي عامة وفيها أنواع، وقد جاء التخصيص في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لكم ميتتان ودمان، فالميتتان: الجراد والسمك، والدمان: الكبد والطحال) (1) فهي لا تدخل في هذا العموم، والعلماء يقولون بأن العام ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن، وذلك لكثرة المخصصات الواردة على العموم بخلاف الخاص الذي دلالته قطعية، ومن أجل هذا يخصص العموم بالحديث الآحادي وبالقياس وبغير ذلك، وهذا ما فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. (1/181)
صفحة 182
فمسائل الرأي هي المسائل التي ربما تعارضت فيها الأدلة، أو كانت الأدلة نفسها فيها أخذ ورد من حيث ثبوتها، فقد يرى بعض العلماء ثبوت رواية من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى آخرون عدم ثبوت تلكم الرواية، فمن هنا يكون الاختلاف بينهم، ولا يفسق بعضهم بعضاً، ولا يضلل بعضهم بعضاً، ولا يقطع بعضهم عذر بعض، لأن قطع الأعذار إنما هو في مخالفة القطعيات، أما قضايا الفروع فهي اختلافات لا تصل إلى حدود القطع، فلذلك لا يفسق ولا يضلل الناس بعضهم بعضاً، ونحن نرى إقرار النظر والاجتهاد في مثل هذه الأمور في القرآن الكريم وفيما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
1. أما القرآن الكريم؛ فإنه أقر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على ما اختلفوا فيه في قتالهم لبني النظير، حيث إن بعضهم رأى أن تستأصل نخيلهم من أجل قطع دابرهم، والبعض الآخر رأى أن تستبقى هذه النخيل لعلها تكون فيئاً للمسلمين، فنزل القرآن الكريم بتصويب الطائفتين يقول الله تعالى ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) الحشر: 5. (1/182)
صفحة 183
2. كذلك وقع الاختلاف بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عندما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى بني قريظة وحثهم على الإسراع في هذا الذهاب، حتى إنه قال لهم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) (2)، فظن بعضهم أن تصلى العصر في بني قريظة ولو تأخر الوقت ووصلوا إلى هناك في وقت العشاء، وذهب فريق آخر إلى أن المراد التعجيل في المسير، فلو حضرت صلاة العصر قبل ذلك عليهم أن يصلوها قبل فوات وقتها؛ لأن الصلاة كتاب موقوت، فعمل هؤلاء بما وقر في وجدانهم وانقدح في أذهانهم وكذا الآخرون، ولما عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر كل فريق منهم على ما فعلوا، فلم يعنف الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة، ولا الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إليهم، فلم يقل لهم: خالفتم أمري أو إنما قصدت تعجيل مسيركم إلى بني قريظة، إنما أقر كلا الفريقين على اجتهاده، وفي هذا ما يدل على أن الاجتهاد في المسائل الفرعية الظنية سائغ بإقرار كل فريق على ما وصل إليه.
فلا ينبغي أبداً للداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ من مسائل الرأي سبباً للفرقة وقطع الحبال الواصلة ما بين الجانبين، بل عليه أن يعذر أخاه في ذلك، إن كان قد انقدح في ذهنه وترجح في قرارة نفسه رأي آخر.
========================================
(1) الربيع (618)، ابن ماجه (3314)، الموطأ (648)
(2) البخاري (904)، مسلم (1770).
أمثلة من اختلاف العلماء في الرأي
والعلماء المجتهدون مختلفون في الكثير من المسائل، فربما ضيق هذا في رأيه على الناس ووسع الآخر، والذي يقلد عالماً من هؤلاء العلماء عليه أن يرجع إليه في هذه القضايا، ولكن لا يعني ذلك أن يحمل الناس على تقليده للعالم الذي يقلده، كما أن الذي يقلد العالم المترخص لا يحمل الناس على تقليده، فعلى كل واحد من المقلِدَين أن يرجع إلى مقلده ليأخذ رأيه ويعتمد عليه. (1/183)
صفحة 184
وقد وقع الخلاف بين الترخيص والتشديد في عهود الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
1. فنجد أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان متشدداً جداً، لا يفتي إلا بما هو أشد، وإن اطلع على أمر فعله الرسول صلى الله عليه وسلم يلتزم ذلك الأمر مهما كلفه، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم في دفعه من عرفة وقف بمكان هنالك ليقضي حاجته، وقيل له الصلاة يا رسول الله، فقال: (الصلاة أمامك)(1)، فكان ابن عمر رضي الله عنهما عندما يصل إلى ذلك المكان وهو محرم بالحج يلتزم أن يقف هنالك ويريق البول كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
2. بينما ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان من الذين يفتون بالرخص، فكان يترخص في الكثير من الأمور، فبعض الناس عمل برأي ابن عباس، وبعضهم عمل برأي ابن عمر، فلم يعنف أحد منهم الآخر، بل كانوا يعذر بعضهم بعضاً.
ونجد في علمائنا من نحا هذا المنحى في عصر واحد، منهم من يتشدد ومنهم من يكون رأيه بخلاف ذلك.
-فابن محبوب (2) رحمهما الله كان كابن عمر في تشدده، فلذلك يفتي بما هو أشد.
-وموسى بن علي رحمهما الله كان يفتي بالرخص.
ولذلك وقع الخلاف بينهما في الكثير من القضايا، ولم يكن أحد العالمين يعنف العالم الآخر ولا من أخذ برأيه، ومن أمثلة المسائل التي اختلفوا فيها:
- أن ابن محبوب رحمه الله كان يقول في المرأة التي تزوج بدون ولي إن دخل بها الزوج يفرق بينهما، ولا تحل له لأن الولي شرط من شروط صحة النكاح، فكان يرى ما فعله عمر رضي الله عنه في جلد المتزوج والمتزوجة ومن عقد بينهما والشهود مع التفريق بين الزوجين، بينما موسى بن علي (3) يرى الزواج بغير ولي لا يصح، ولكن إن وقع الدخول لم يفرق بينهما، وقد علل العلماء قوله هذا بأنه وجد رأياً لبعض أهل العلم أنه لا مانع من أن تزوج المرأة نفسها، فلئلا يكون الزوجان آخذين بهذا الرأي رأى عدم التفريق بينهما.
========================
(1) البخاري (139)، مسلم (1280).
( (1/184)
صفحة 185
2) هو محمد بن محبوب بن الرحيل، من أكابر علماء عمان في عصره، آلت إليه الريادة العلمية في أيام الإمام الصلت بن مالك الخروصي في العقد الأول من القرن الثالث الهجري، ولابن محبوب أجوبة فقهية امتلأت بها كتب الفقه، وهو المعروف في الفقه الإباضي المشرقي بأبي عبدالله، توفي عام 260هـ في صحار.
(3) هو العلامة موسى بن علي بن عزرة السامي (177-234هـ)، أحد كبار علماء عمان في عصره، تولى تسيير شئون الدولة نيابة عن الإمام عبدالملك بن حميد عندما أصبح طاعناً في السن، وقام بها خير قيام، وبعد وفاة الإمام عبدالملك تزعم العلماء في مبايعة الإمام المهنا بن جيفر.
الداعية بين الدين والرأي
والتشدد في مسائل الرأي الذي يؤدي إلى تحامل الناس على بعضهم، هو نتيجة عدم الفقه في دين الله، وعدم التفريق بين مسائل الرأي ومسائل الدين، فمسائل الدين يتشدد فيها، بحيث يقطع عذر المخالف لأنه خالف نصاً في كتاب الله أو سنة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك لا مجال لعدم التشدد عليه، بينما مسائل الرأي بخلاف ذلك.
ونتيجة الجهل وعدم التفرقة بين مسائل الدين ومسائل الرأي ربما تساهل بعض الناس في مسائل الدين وتشددوا في مسائل الرأي، وهذا مما يدل على عدم الوعي الديني، فالداعية ليس له أن يتساهل أبداً في مسائل الدين من حيث العمل والتطبيق، فهذا الذي يدعي أن للإنسان أن يترك الصلاة في أوقات لم يرخص الرسول صلى الله عليه وسلم في ترك الصلاة فيها خالف أمراً قطعياً؛ لأن الصلاة كتاب موقوت بنص القرآن الكريم (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)النساء: 103 فلا يمكن التساهل في هذا الأمر، ولكن مع هذا إذا كان الخلاف مبنياً على نظر في الأدلة غير القطعية فلا ريب أنه لا يقطع عذر أحد الفريقين. (1/185)
صفحة 186
والداعية إذا كان غير قادر على النظر في الأدلة الشرعية؛ بحيث يكون غير متمكن من النظر والتفرقة بين الأشخاص الذين يعملون ببعض الرخص أو الذين ينبغي أن يتشدد عليهم؛ لا ريب أن عليه الرجوع إلى العالم الخبير بذلك؛ لأن الداعية كالطبيب، فالطبيب يضع الدواء المناسب في العلة المناسبة لاستئصالها، فلربما أخطأ الطبيب وأعطى الدواء الذي يصلح في فصل الشتاء لأحد في فصل الصيف وكان ذلك سبباً لإصابته، ثم إن طبائع الناس تختلف، فربما إن عولج أحد بهذا العلاج أدى إلى أن تثور علة أخرى في جسمه، فلربما كان مريض القلب مثلاً لا يحتمل كثيراً من العقاقير التي هي علاج لبعض الأمراض في جسمه، فيجب الاحتياط لئلا تؤدي تلك العقاقير إلى ثوران مرض القلب، فكذلك الداعية، ومن أجل ذلك كانت نظرة الدعاة الذين هم على بينة من الأمر إلى أحوال الناس تجعلهم ينزلون كل واحد منزلته، كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه جاءه رجل يستفتيه في قبلة الصائم لامرأته، فقال له: هي مباحة، فجاءه آخر فقال: هي ممنوعة، فنظر الناس إلى حال الرجلين فإذا الذي جاء يستفتيه أول الأمر وأباحها له هو شيخ (1)، فأدرك أن الشيخ لا تثور ثائرة الشهوة فيه بمجرد القبلة، ولذلك يمكن أن يملك نفسه، وأما السائل الآخر الذي منعه ابن عباس من القبلة فهو شاب، وبسبب ذلك منعه من التقبيل؛ لأن الشاب أسرع هيجاناً من الشيخ، فهذه الأمور ينبغي أن لا تعزب عن ذهن الداعية.
وعلى الداعية أن يتخير الوسائل والأساليب المجدية في تغيير المنكر وفي مسائل الرأي أيضاً، فإنه قد يأخذ أحياناً برأي المرخصين من أجل أنه يراه أجدى في مقام من المقامات وعلاجاً لعلة من العلل، ولربما يتشدد أحياناً لأجل استئصال شأفة فساد، عندما يرى أن الشدة هي الأجدى، فعليه أن يتحرى ذلك ويشاور من كان أعلم منه. (1/186)
صفحة 187
ولابد أيضاً من إحسان الظن بالمسلمين، والدعاة هم أولى بأن يحسنوا الظن بخاصة المسلمين وعامتهم، ويدخل في ذلك إخوانهم الدعاة، فلا يتحامل عليهم بمجرد اختلاف في قضايا الرأي، ومع هذا إن دخل في نفسه ريب أو رأى حرجاً في أمر من الأمور فليقدم النصيحة بالتي هي أحسن من غير تجريح وإساءة ظن وتفسيق.
============================
(1) الطبراني في الكبير، انظر مجمع الزوائد للهيثمي (4965)، كتاب الصيام (باب القبلة والمباشرة للصائم).
خطورة الفرقة والتشتت
من أهم القضايا التي يجب على الداعية أن يجعلها نصب عينيه ويجعلها الشغل الشاغل لفكره وحدة الصف، فإنها من أهم الأمور التي تبنى عليها أعمال الداعية، فعليه أن يتخذ أسلوب من يحرص على الاتحاد لا على الفرقة والتنافر وإساءة الظنون بالناس، ذلك بأن الله تعالى فرض الوحدة على الأمة، فجعلها أمة وحدة كما جعلها أمة توحيد (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) آل عمران: 102 - 103، فالاعتصام بحبل الله وعدم التفرق من الأمور التي تؤدي بفضل الله سبحانه وتعالى إلى العز، وأنتم ترون قضايا الساعة، فما الذي جعل الأمة الإسلامية بهذه الحالة من الضعف؛ بحيث تستجدي الحل والرحمة من ألد أعدائها، فلو كانت الأمة كما أمرها الله سبحانه وتعالى متحدة لما وقعت في هذا الأمر الحرج، ثم من المعلوم أن اعتراف الإنسان لذوي الفضل بما قدموه من خير أمر لابد منه، والداعية أولى بذلك، ففي الحديث عن النبي الله صلى الله عليه وسلم: (لم يشكر الله من لم يشكر الناس) (1)، فعلى الإنسان أن يحسن شكر الناس كما عليه أن يشكر الله تبارك وتعالى، وذلك بأن يعترف لأهل الفضل بفضلهم، فجحد فضل أهل الفضل يعتبر نكراناً للجميل، وليس ذلك من شأن الذين يخشون الله تعالى ويتقونه ويحرصون على تأليف القلوب ووحدة الصف وجمع الكلمة. (1/187)
صفحة 188
وهذا كله مما يندرج في البصيرة، التي ذكرها الله سبحانه وتعالى عندما قال (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله أنا على بصيرة ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) يوسف: 108 فالدعوة على بصيرة تستلزم ما ذكرته جميعاً وما لم أذكره مما فاتني، وهذا أيضا مما يدخل في الحكمة؛ لأن الحكمة أن يضع الإنسان الشيء في موضعه، فيستعمل الشدة في مقام الشدة، ويستعمل الرفق في مقام الرفق وهكذا حتى تؤتي الدعوة بمشيئة الله ثمارها.
ونحن واثقون بأن الدعاة المخلصين مع تعاونهم وتآزرهم ووضع بعضهم أيديهم في أيدي البعض الأخر سيسيرون بهذه الأمة قدماً إلى الأمام، فنحن نشاهد هذا التحول العجيب بين الأمس واليوم، فهذا الجمع الذي يجمع هذا اللفيف من المؤمنين والمؤمنات هو دليل على تقدم الدعوة إلى الأمام، وعلى حسن تصرف الكثير من الدعاة، فنرجو أن يتآزروا جميعاً ويتعاونوا على البر والتقوى، وأن ينشط من كان كسلان غير مؤد لواجبه في الدعوة إلى الله بما يجب عليه من الدعوة، فكل أحد عليه أن يبذل جهده، وأن يستبصر من لم يكن مبصراً بالمبصرين، أي أن يتوجه من لم يكن متفقهاً في دين الله، ومن لم يكن عارفاً بأحكامه إلى أولئك الذين منحهم الله سبحانه وتعالى الفقه والمعرفة، حتى تسير الدعوة في سبيل الخير والله تعالى ولي التوفيق.
==================================
(1) الترمذي (2021).
العنوان: http://ibadhiyah.net/maktabah/showthread.php?threadid=120 (1/188)