صفحة 1
محاضرة: إعادة صياغة الأمة لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) إعادة صياغة الأمة
محاضرة ألقاها : سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسطنة
يوم السبت 25 من ربيع الثاني هـ1422ـــ
6/يوليو مـ2002ــــ
بمسجد التوبة بالغبرة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
والحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
أصحاب الفضيلة الحضور الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أضاعت هذه الأمة وقتاً طويلاً وهي تحمّل أعدائها أسباب إخفاقها في التدافع الحضاري ، وفوتت فرصاً كبيرة كان يمكن عبرها أن تقوم بواجبها في الشهود الحضاري ، فنشأت الحضارة الحديثة مشوهة جائرة بمعزل عن إسهام المسلمين وعانى الإنسان والكون وباءته . (1/1)
صفحة 2
من وهدة الهزيمة تبحث الأمم لنفسها عن سبيل الحياة ، وتتفحص حالها بلهفة وإلحاح باحثة عن أسباب الهزيمة وعوامل الانكسار ، ومع اشتداد مأزق أمتنا ، ومع استمرار تهميشها عن مجال التأثير في الحياة ، وحين وضعتنا الأحداث شئنا أم أبينا على حافة صراع حضارات فإن النظر إلى الذات أصبح أولى من النظر إلى الآخر ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) ، وفي حالة أمة كأمتنا لم تشد حضارتها إلا على هدي من الدين ، ولم يعرف لها التاريخ أي إسهام حضاري بمعزل عنه ، ولم تتميز إلا حين آمنت به وتمثلته ، فإن البحث في أسباب مأزقها يقتضي منا أن نتفحص بعناية علاقتها بالمكون الحضاري الأول لحضارتها أي علاقتها بدينها وبدون ذلك يبدو البحث عبثاً وتجديفاً في اليبس ، ومن المنطقي أن يمر البحث بمناطق أخرى تابعة يخالها البعض ثانوية وهي مع ذلك حسّاسة وخطرة من قبيل العلاقة بين الخلف والسلف بين الحاضر والماضي التي وصفها بعضهم خطأ أو صواباً لا أدري بأنها علاقة يحكم فيها الأموات الأحياء ، عالم من الأحياء يحكمه الأموات على حد عبارته ، أو من قبيل تجديد المناهج ، مناهج الاستنباط والاجتهاد أو إعادة النظر في سلم الأولويات المختل أو دراسة تبادل التأثير بين تصور المسلمين لدينهم وتطور تاريخهم السياسي والاجتماعي . (1/2)
صفحة 3
هذه كلها مناطق يشعر كثير من الباحثين أمامها بالرهبة إما لضخامة المهمة أو خوفاً من التهم المعلبة الجاهزة التي تنتظر كل من يغامر بالدخول إلى مناطق حرمها البعض على البحث ممن أعفى نفسه من فريضة التفكير وألزم الآخرين بذلك ، وبالجملة فإن الأمة كما يلخص سماحة شيخنا العلامة الخليلي في حاجة إلى إعادة صياغة من جديد حتى تستطيع أن تنهض بمهمتها الحضارية شاهدة على العالمين ، ونحن هنا اليوم أيها الأخوة لنستطلع رؤية الشيخ التي عبّر عنها في أكثر من مناسبة والتي أصبحت عنصراً رئيسياً يلح عليه دائماً وباتت سمة واضحة لخطاب سماحة الشيخ في الآونة الأخيرة .
سماحة الشيخ لتسمح لي : تردد كثيرا في أحاديثكم ومحاضراتكم في الآونة الأخيرة في محاضرتكم مثلا في مناسبة الهجرة المشرفة ، في الاحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف ، في حلقات برنامج سؤال أهل الذكر ، تردد كثيراً في خطابكم عبارة ( إعادة صياغة الأمة ) .
سيدي سماحة الشيخ : سؤالي بشكل مباشر ما الذي يعنيه سماحتكم بـ ( إعادة صياغة الأمة من جديد ) تفضلوا .
الشيخ الخليلي :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فالسلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته وبعد ،،، (1/3)
صفحة 4
فإن الأمم إنما تقوم - أول ما تقوم - على التصور الصحيح ولذلك كان هدم التصورات الباطلة وتشييد التصورات الصحيحة أول شيء يضطلع به المرسلون ، فما من رسول من رسل الله سبحانه إلا وقد واجه تصورات باطلة عششت في الأذهان واستحكمت في النفوس وسيطرت على الألباب وقادت الأمم إلى حافة الانتحار ، فكان أول شيء يدعون إليه بين أممهم هو أن تعرف هذه الأمم من أين جاءت وإلى أين تنتهي وماذا عليها أن تعمل فيما بين المبدأ والمنتهى لتقوم حياتها على التصور الصحيح ، ونحن نرى أن سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام عندما جاء بالدعوة الحقة دعا أول ما دعا إلى التصور الصحيح ، دعا إلى الإعتقاد الحق بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
هذا التصور هو الذي شيدت عليه دعائم حياة هذه الأمة الفكرية والحضارية والاجتماعية حتى كانت خير أمة أخرجت للناس ، فهي أدركت تمام الإدراك أنه لا إله إلا الله ، وأن الحكم المطلق إنما هو لله سبحانه الذي أوجد هذا الكون ، والذي أفاض على الوجود ما أفاض من تجلياته العظيمة التي تشاهد في كل ذرة من ذرات الوجود بحيث صارت كل ذرة من ذرات هذا الكون تعرب بلسان حالها عن افتقارها إليه سبحانه وتعالى وأنه هو الغني الذي لا يحتاج إلى أي شيء سواه . وأن كل ما في الكون إنما يسعد بالخضوع لأمره والاستجابة لداعيه والوقوف عند حدوده ولذلك تناغى هذا الكون مع هذه الحقيقة كما يعرب بذلك القرآن الكريم عندما قال في وصفه سبحانه ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفورا ) . (1/4)
صفحة 5
والإنسان هو واحد من هذه الكائنات آتاه الله سبحانه وتعالى ما ميّزه به عليها من الإرادة والتفكير والقدرة على التأثير في نفسه والتأثير فيما حوله ، فلذلك نيطت به مسئولية عظيمة ، فهو إن تجاوب مع هذا الكون ودار في فلكه بحيث كان مستجيباً لأمر الله ، قائماً بحكم الله سبحانه وتعالى سعد وانعكس أثر سعادته على الوجود ، وإن شذ كان شذوذه داعياً إلى التنافر بينه وبين الكون وكان سبباً للفساد كما يعرب عن ذلك قوله سبحانه وتعالى ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) .
ومع هذا أيضاً فإن طريق التلقي عن الله سبحانه وتعالى هو طريق واحد وهو ما يدل عليه الاعتراف والشهادة بأن محمداً رسول الله فهذا هو طريق التلقي عن الله سبحانه وتعالى بحيث يتلقى الإنسان المسلم المؤمن بالله وبنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام من هذا الطريق عن الله سواء كان هذا الذي يتلقاه وحياً ظاهراً وهو القرآن الكريم أو كان وحياً باطناً وهو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .
شيدت دعائم حضارة هذه الأمة على أساس هذا التصور الصحيح والفكر الناصع ، ولكن هل ظلت الأمة مستمسكة بهذا الأمر ناهجة هذا النهج ؟؟ كلا . فقد دخلت التصورات الباطلة التي تنقض هذا التصور وإن كانت هي لا تزال تحت مظلته حسبما يزعم الكثير الكثير ، وذلك بسبب التأويلات الباطلة وبناء الفكر على غير قواعد ثابتة من كتاب الله سبحانه ومن هدي رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام . (1/5)
صفحة 6
ونحن إذا نظرنا إلى ما ورثته هذه الأمة بسبب أن هنالك طوائف من البشر دخلوا الإسلام وهم يحملون أوزاراً مما كانوا يعتنقونه من قبل من الأفكار ، وبسبب تأثير السياسة إذا نظرنا إلى ما رزأت به هذه الأمة من ذلك نرى أن بعض ذلك يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان بالله ، وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للإيمان باليوم الآخر ، وبعضها يعود إلى عدم الفهم الصحيح للعلاقة التي يجب أن تكون بين البشر حكامهم ومحكوميهم في هذه الأرض .
أما العنصران الأولان فهما يرجعان كما قلت إلى كون كثير من الأمم دخلت في الإسلام وهي تحمل أوزاراً من مواريثها الفكرية السابقة ، والعنصر الأخير إنما يرجع إلى انحراف الذين أخذوا بزمام القيادة الدينية السياسية في هذه الأمة منذ تلك المرحلة المبكرة بعدما انتهت الخلافة الراشدة .
أما الأمران الأولان فأولهما كما قلت عدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله ، عدم الفهم الصحيح لحقيقة الإيمان بالله أدّى بكثير من الناس إلى أن يسلكوا مسلكين متناقضين عجيبين أولهما : تشبيه الخالق بمخلوقاته ، وثانيهما تشبيه المخلوقات بخالقها .
أما تشبيه الخالق بمخلوقاته فهو أن يوصف الله سبحانه وتعالى كما يوصف الخلق بأنه محدود متحيز متحرك يذهب ويجيء ويفرح ويحزن وتعرض له العوارض التي تعرض للبشر حتى أنهم قالوا بأنه ينسى نسياناً حقيقياً يليق بجلاله . وهذا على أي حال إنما هو راجع إلى نبذ المحكم واتباع المتشابه والله سبحانه وتعالى يقول ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) هذا ضلال في التصور . (1/6)
صفحة 7
أما الصورة الثانية فهي كما قلت تشبيه المخلوق بخالقه وذلك بأن يوصف المخلوقون بصفات الألوهية بحيث ينظر إلى طائفة من الناس إما لعنصرهم وإما لحالهم بأن ينظر إليهم أنهم يتصرفون في هذا الكون تصرفاً مطلقا ، فهم بيدهم البسط والقبض ، والعطاء والمنع ، والرفع والخفض والقبول والرفض ، يدخلون الجنة من يشاءون ، ويحرمون من يشاءون منها ، ويلقون في النار من يريدون لأن الأمر كله راجع إليهم وتصريف الكون بأيديهم ، وهذا أمر في منتهى الخطورة
هذه العقيدة جاء الإسلام لاجتثاثها فلو صيغت الأمة صياغة قرآنية من حيث تصورها لكانوا أبعد ما يكونون عن هذا التصور كما أنهم يكونون أبعد ما يكون عن التصور الأول . ذلك لأننا نرى أن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أن أي أحد من خلقه ليس له من الأمر شيء فالله سبحانه وتعالى يخاطب عبده ورسوله محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام إذ يقول ( ليس لك من الأمر شيء ) ويقول له صلوات الله وسلامه عليه ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) ، وكذلك يقول له سبحانه وتعالى ( قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) (1/7)
صفحة 8
فإذن ما معنى هذا التعلق بأفراد بسبب عنصرهم أو بسبب حالهم وهم أحياء أو أموات ، مع أن النبي صلوات الله وسلامه عليه على عظم شأنه ومنزلته العليا عند الله سبحانه وتعالى لا يملك من الأمر شيئاً وهو في حياته يملأ ثيابه ويملأ السمع والبصر ، فكيف هذا التمسك بالأموات والتعلق بالماضين واعتبار أن هؤلاء يقدمون ويؤخرون وينفعون ويضرون ، أو التعلق بالأحياء ممن تضفى عليهم صفة القداسة . ونجد أن الله سبحانه وتعالى ينعى على المشركين مثل هذا المعتقد كثيراً في كتابه عندما يقول عز من قائل ( قل من رب السموات والأرض قل الله أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار )
والقرآن الكريم يصور لنا التصوير الصحيح لهذه الحقيقة في مواضع شتى فالله تعالى يقول ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ويقول ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ) ويقول سبحانه وتعالى ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم ) ويقول ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ) .
قد يتساءل الإنسان ما علاقة هذا بنهوض الأمة أو عثرتها ؟؟ (1/8)
صفحة 9
الجواب عن هذا العلاقة في هذا ظاهرة ذلك بأن الله سبحانه وتعالى عندما يوصف بصفات المخلوقين تذهب هيبة الربوبية التي له سبحانه وتعالى في قلوب عباده ، فعندما يوصف هذا الخالق العظيم بأنه يؤتى به محمولاً على سرير من ذهب تحمله أربعة ملائكة ، أو أنه يذهب ويجيء ويفرح ويحزن ، إلى غير ذلك من هذه الصفات هل تبقى في قلوب عباده هيبة كما يحسون بذلك عندما يعتقدون اعتقاداً جازماً أنه تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأنه عز وجل لا يشبه شيئاً من مخلوقاته ، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته ، وأنه منزه عن كل شبه بأي شيء من هذه الكائنات فهو لا تعرض له العوارض ولا تبدو له البدوات ، ولا تكتنفه الأقطار ، ولا تحيط به الجهات ، هو الخالق المصور المبدئ المعيد ، قد كان قبل خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، لا يدرك بعين ، ولا يطلب بأين .
أما الأمر الذي يتعلق بالإيمان باليوم الآخر ، فإن الإيمان باليوم الآخر يأتي قرين الإيمان بالله في كتاب الله سبحانه وتعالى ، فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى يذكر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان به سبحانه وهو يعني أن من آمن بالله واليوم الآخر فكأنما أمسك حبل الإيمان من طرفيه ، واكتنف الإيمان من قطريه ، ذلك لأن الإيمان بالله إنما هو الإيمان بالمبدئ العظيم الذي خلق فسوى وقدر فهدى ، الذي أسبغ على العبد نعمه ظاهرة وباطنة ، والذي تتجلى عظمته وكبرياؤه في كل مشهد من مشاهد هذا الكون ، في كل ذرة من ذرات هذا الوجود ، فهذا الإيمان يحفز صاحبه إلى أن يتفاعل معه تفاعلاً تاما ، وذلك بأن يضبط جميع أعماله وفق أمر من خلقه فسواه وأنعم عليه بهذه النعم الظاهرة والباطنة (1/9)
صفحة 10
ولكن مع ذلك تعرض للإنسان عوارض يعرض له الذهول وتعرض له الشهوات ، وتتحرك في نفسه الغرائز ، وذلك مما يؤدي به إلى الوقوع في مخالفة أمره سبحانه وتعالى إلا أن ذلك كله يمكنه أن يتحكم فيه وأن يضبطه ضبطاً متقناً عندما يكون مؤمناً باليوم الآخر لأن إيمانه باليوم الآخر إنما هو إيمانه بالمعاد ، والإيمان بالمعاد يقتضي أن يكون الإنسان مفكراً تفكيراً عميقاً في ذلك المعاد ، فإن هذا المعاش الذي يمر بمرحلته لا يوازي شيئاً بجانب ذلك المعاد ، فالمعاد أبدي والمعاش إنما هو لفترة محدودة ، المعاد أمر حقيقي والمعاش إنما هو حياة وهمية إذ لا يدري الإنسان متى تنصرم هذه الحياة ، فلذلك يتحكم الإنسان في رغباته ونزواته ونزغاته عندما يرسخ الإيمان باليوم الآخر رسوخاً في نفسه على أن يكون تصوره لذلك اليوم تصوراً صحيحاً ، تصوراً مستلهماً من القرآن الكريم ومن الصحيح الثابت عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم ، لا من الأماني الفارغة فإن الله سبحانه وتعالى يقول ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا ) والله سبحانه وتعالى يقول في وصف ذلك اليوم ( وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) ، ويقول عز وجل ( من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ويقول تعالى ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) ويقول سبحانه ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) (1/10)
صفحة 11
عندما يرسخ هذا الاعتقاد في النفس فإنه ولا ريب يؤدي ذلك إلى أن تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً فتصاغ حياتها وفق هذا المعتقد ، ولكن عندما تَفرّغ هذه النفس من هذا المعتقد ويكون هناك تبث بالأماني والآمال الباطلة لا ريب أن الحياة تتحول تحولاً جذرياً من الخير إلى الشر ومن الصلاح إلى الفساد ، فإن النفس البشرية جبلت على الطمع ، والإنسان يحب العاجلة وينسى الدار الآخرة عندما تحيط به شهوات نفسه وتدفعه دفعاً إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية ، ولا ريب أن الإيمان بأن الحق سبحانه وتعالى يجزي كل نفس بما عملت يؤدي بالإنسان كما قلنا إلى أن يتحكم في هواه ويسيطر على رغباته ويصوغ حياته صياغة شرعية
ولكن نرى من أجل ذلك كيف جاء القرآن الكريم بما يدلنا على أن القول بوعيد الله سبحانه وتعالى هو الذي يمكن للإنسان بسببه أن يتحكم في نزغاته ونزعاته وأن يسيطر على أهواءه وأن يقود نفسه قيادة سليمة إلى خير الدنيا وسعادة الآخرة ، فالله تعالى يقول ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) ومعنى ذلك أن الذي لا يخاف وعيد الله سبحانه وتعالى لا يجديه التذكير بالقرآن ، فعندما يرسخ في نفس الإنسان أن الله سبحانه وتعالى إذا وعد وفى وإذا توعد عفا ، لا بد من إن تهتز نفس هذا الإنسان وأن يؤدي به هذا المعتقد إلى الوقوع في الكثير من المخالفات الشرعية ، ولذلك نحن نجد كيف يصف الله سبحانه وتعالى اليهود بالانحراف بسبب رسوخ هذا المعتقد في نفوسهم فهو تعالى يقول ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) (1/11)
صفحة 12
وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر أن إعراض اليهود عن الكتاب الذي أنزل عليهم إنما كان بسبب اعتقادهم أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودات فقد قال سبحانه وتعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم يظلمون ) ، هذه المعتقدات انتقلت كما قلنا إلى هذه الأمة وأورثها ذلك ما أورثها من اتباع الأهواء وتشتت الكلمة وذهاب ريحها وأن تصبح أمة هزيلة .
فعقيدة الإرجاء إذن لها أثر كبير في تدمير هذه الأمة ، وفي تدمير أخلاقها ، وفي القضاء على معنوياتها ، وفي الكبوة بها بعدما كانت أمة ناهضة قوية عزيزة يحسب لها بين الأمم جميعاً كل حساب .
ولا ريب أن مثل هذه المعتقدات أخذت تنخر في جسم هذه الأمة نخراً ، وليس ذلك وليد اليوم والأمس وإنما ذلك منذ بدأ هذا الانحراف ، أخذت هذه المعتقدات تنخر في جسم هذه الأمة نخراً حتى أصبح مفهوم الإيمان عندها مفهوماً نظرياً شكلياً لا أثر له في الحياة كأنما الناس تعبدوا بأن يعتقدوا أن هذا كذا وأن هذا كذا وألا يتأثروا بهذا المعتقد في حياتهم ، ومن غريب ما يذكره الإمام محمد عبده من أمثلة ذلك أن أحد الكبراء في وقته كان يقول : أنا لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني والحمد لله مسلم أدين بأن الربا حرام . أي تناقض هذا هو يعتقد أنه يكفيه أن يعتقد أن الربا حرام ولئن اعتقد ذلك فحسبه هذا المعتقد سبباً لنجاته من النار . قال الإمام محمد عبده تعليقاً على ذلك : وقد فات هذا أنه يلزمه بناء على هذا المعتقد أن يعتقد أنه من الذين يحاربون الله ورسوله ، وأن يعتقد أنه من أهل الوعيد على أكل الربا . (1/12)
صفحة 13
ولكن بما أن هؤلاء الناس يعتقدون ما ذكرته من أن هذا الوعيد يطرأ عليه التبديل والتغيير بسبب عفو الله سبحانه وتعالى كما قالوا ( إذا وعد وفى وإذا توعد عفا ) ، وأنهم لا يرون لهذا الوعيد أثراً في سلوكهم فلذلك يجترأون على محارم الله تعالى غير مبالين بها .
ونحن نرى أن تفريغ الإيمان من معناه الحقيقي وهو الأثر على هذه النفس البشرية حتى تكون نفساً يعتدي على ذلك ، وهذا يتحين الوقت من أجل أن يحتال على ذلك ، كل واحد منهم لا يشتغل إلا بمصلحة نفسه بخلاف ما إذا كان العقيدة راسخة لأن كل واحد مجزي بعمله ( من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) هذا المعتقد هو الذي يجعل هذه الأمة متواصلة الحلقات أمة قوية .
ونحن وجدنا كيف أصاب هذه الأمة الوهن ، وجدنا شيخاً معمما يقود حركة جهادية وينتصر على الأعداء ، ويمكن الله تعالى له ثم بعد ذلك يتنازع هو مع الآخرين من أجل السلطة ومن أجل الوصول إلى المراكز القيادية ، وعندما يهمش ويتولى القيادة غيره ، ويأتي العدو بعد ذلك ليضرب هذا الغير يبدي راحة بسبب ما يصيب أبناء ملته وأبناء بلدته وأبناء جلدته ما يصيبهم من الدمار ، يبدي الراحة ويقول بأن ضميره مرتاح من هذا . لا يبالي بعدوان العدو على أبناء ملته وأبناء جلدته وأبناء بلدته ، وما يصيب بلاده ، وما يصيب شعبه من الدمار ، ذلك كله راجع إلى تحكيم الهوى . ما منشأ تحكيم الهوى ؟؟ منشأ ذلك عدم التصور الصحيح ، عدم إدراك ما للإيمان من أثر في نفس الإنسان حتى تتفاعل هذه النفس تفاعلاً تاماً مع مرضاة ربها سبحانه وتعالى ، ومع مصلحة أمتها ، وتتفانى في ذلك . فلذلك قلت بأن هذه الأمة هي بحاجة إلى صياغة جديدة ، صياغة قرآنية ليكون تصورها تصوراً صحيحاً مبنياً على دعائم من أدلة القرآن الكريم ومن أدلة السنة الثابتة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . (1/13)
صفحة 14
ومن هذه التصورات الباطلة الناشئة عن ما ذكرته من قبل من إعطاء المخلوق صفات الخالق ، وما وَلِي ذلك من كون الإنسان لا يؤمن بوعيد الله وعيداً جازماً ، ما شاهدناه في سلوك كثير من الناس ، وما سجله كثير من العلماء من الأمثلة الظاهرة التي تؤيد هذه المشاهدات التي شاهدناها ، أنا بنفسي مما شاهدته في بعض البلاد الإسلامية أن أهل ذلك البلد ، ولا أعني جميعهم ولكن الكثير منهم ، يقع أحدهم في ارتكاب جريرة ، ويطالبه صاحب الحق بحقه ، ولكن لا يبالي بهذا كله يخوف من الله تبارك وتعالى ولا يخاف ويذكّر باليوم الآخر ولا يتذكر ، ولكن إن قال له صاحب الحق سيتوسل بأسماء أهل بدر حتى يستوفي حقه لا يكاد يقول له هذه الكلمة حتى ينهار ويرجع ليسلّم تسليماً ، ذلك لأنهم يعتقدون أن لأهل بدر رضي الله تعالى عنهم تأثيراً في هذه الحياة ليس هو لرب العالمين ، كأنما أهل بدر هم الذين يميتون ويحيون ، ويعطون ويمنعون ، ويرفعون ويخفضون ، بيدهم كل شيء ، لا يبالون بسلطان الله ولكن يبالون بأولئك ، مع أن أولئك رضي الله عنهم مع ما لهم من المنزلة والقدر والشأن أفضوا إلى ربهم سبحانه وتعالى ، فهذا يرجع إلى عدم التصور الصحيح للإيمان والإسلام ، أولئك أفضوا إلى الله هم بحاجة إلى أن نقول كلمة دعاء في حقهم أن نقول رضي الله عنهم وأن نقول أدخلهم الله تعالى الجنة وأن نقول بوأهم الله مبوأ الرحمة وأن نقول رفع الله منازلهم يوم الدين إلا أن هذا التصور عشش في نفوس كثير من الناس (1/14)
صفحة 15
ومما يؤسف له أن نجد كثيراً من العلماء يغذّون هذا التصور الباطل . وقلنا كذلك أمر آخر يتعلق بعلاقات الناس أنفسهم بالحياة السياسية التي تحكم أفراد الناس عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلّم قائداً هذه الأمة إلى الخير آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر داعياً إلى الله ، وكان على رأس الدول الإسلامية ، كان الأمر مع كون الوحي ينزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه شورى بين المسلمين ، وكان القرآن ينزل ليثبت مبدأ الشورى ، فالحق تبارك وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلّم في مقام حسرة هذه الأمة على ما أصابها من الوهن والضعف والنكسة بسبب مخالفة الكثير للنبي صلى الله عليه وسلّم في السياسة الحربية وذلك في غزوة حنين ، ينزل القرآن مع ذلك ليثبت مبدأ الشورى فيقول لله تعالى له ( وشاورهم في الأمر ) ذلك لأنهم وإن وقعوا في الخطأ إلا أن هذا الخطأ خطأ عارض ، أما قضية الشورى فهي من الثوابت (1/15)
صفحة 16
ولذلك لا يهدم الثابت من أجل العارض وعندما كانت الخلافة الراشدة كان الأمر شورى ما بين المسلمين كان الخليفة كواحد من المسلمين يعرض الأمر عليهم ويطلب منهم مناصحته ، وكان الخليفة يعلن على الملأ : أيها الناس إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني . فيقوم أحد من عامة الناس فيقول له لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا فما يكون من الخليفة إلا أن يحمد الله تعالى على هذه النعمة لئن يجد في رعيته من يقوّم اعوجاجه بسيفه . وكان الناس يتصورون جميعاً أن سياسة الأمة لا تقوم إلا على العدل ، أن يكون الخليفة خليفة عادلا ، وأن يحاسب من جميع طوائف الأمة لأنه أجير قائم على راس هذا الأمر ، أجيراً لهذه الأمة وهو مسئول فيما بينه وبين الله كما أنه مسئول فيما بينه وبين الأمة ، للبشر أن يحاسبوه في الحياة ، كما أن الله سبحانه وتعالى يحاسبه في الدار الآخرة . وعندما أفضى الأمر إلى بني أمية اجتثوا هذه القواعد من أساسها ، وأتوا على هذا الأمر من قواعده وأقاموا سياسة مبنية على الاستبداد بالرأي والرغبة في التحكم ، وأشاعوا في الناس بأن هذا قدر مقدور من الله ، وأن على الجميع أن يسلّم له ، ومن لم يسلّم له فهو شاذ عن أمر المسلمين ، خارج عن جماعتهم ، حرب على المسلمين . (1/16)
صفحة 17
وقد رأينا في كلام العلامة الكبير السيد أبي الأعلى المودودي في كتابه ( التجديد لهذا الدين ) تصويراً رائعاً لهذا الأمر عندما وصف الحالة في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم كانت تمثل قمة الإسلام ، ثم جاء بعد ذلك أبو بكر ، ثم جاء بعده عمر رضي الله عنهما ، وكان الأمر في عهدهما امتداداً لما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ، ثم جاء بعد ذلك الخليفة الثالث وقد كان بلغ من الكبر عتيا ، ومع هذا كانت المواهب التي أوتيها العظيمان اللذان قبله لم تتوافر فيه ، فدخل بعض الناس الذين هم استغلوا هذه الحالة التي كان عليها الخليفة في آخر سنه من أجل شق صف هذه الأمة ، ومن أجل محاولة الاستئثار والبلوغ إلى الرغبات ، وفي مقدمة هؤلاء مروان بن الحكم الذي هو معروف ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فأدى الأمر إلى الفتنة والشقاق ، ثم جاء الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ووجد الأمر فيه شيء من التداعيات ، فلم يستطع أن يصلح ما تقدم بسبب هذه التداعيات وتغلغل هؤلاء الذين أرادوا أن يستبدوا بسياسة الأمة ، وبعد ذلك انقلب الأمر إلى جاهلية متحكمة في حياة الناس ، جاهلية يقول فيها السيد أبو الأعلى المودودي هي أخطر من الجاهلية الأولى ، ذلك لأن هذه الجاهلية تلبس لبوس الإسلام ، فكل من أراد مقاومتها حورب باسم الإسلام (1/17)
صفحة 18
ونجد من المفكرين الإسلاميين من يقول بأن ذلك العصر كانت الحياة تدور فيه حول شخص واحد وهو شخص الخليفة ، من أجله يكدح الكادح ، ويزرع الزارع ، ويحصد الحاصد ، وتحمل الحامل ، وتلد الوالدة ، من أجله تخرج الأرض خيراتها ، وحوله تدور حياة الأمة بأسرها ، قال بأن هذا العصر إنما هو عصر شبيه بعصر القياصرة والأكاسرة وليس هو من الإسلام في شيء ، وهو في حكم الإسلام ليس حرياً أن يبقى يوماً واحداً . ولكن مع الأسف كان هذا هو النهج الذي اختطه هؤلاء لأنفسهم وأثروا به على العامة فأصبحت العامة تتفاعل به تفاعلاً تاماً مع هذا النهج ، وأن كل من خرج هذا النهج أو حاول أن يصلح الأمر فهو إذن باغ خارج عن سبيل المسلمين ، محارب للخلافة الإسلامية ، متنكر لهذه الخلافة إلى آخر ما كانوا يرددونه . وأخذت الأبواق التي تدعو إلى هذه السياسة يتردد صداها هنا وهناك ، وتوضع الأحاديث الكثيرة بأن لهؤلاء الطاعة المطلقة وإن ضرب أحدهم ظهرك أو أخذ مالك ما عليك إلا أن تخضع وتنقاد .
إذن كلمة لا إله الله بناء على هذا إنما هي وسيلة للاستبداد والظلم والتسلط على رقاب الناس ومن التناقضات العجيبة والمفارقات الغريبة أن نجد الذين يروجون لهذا الأمر يقولون بان القيام على هؤلاء حجر محجور لا يجوز أبداً ، لكن لو وجد من يقوم عليه أو من يقوم على خليفة عادل مبايع بيعة شرعية بصفة شرعية على نهج كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم ، ثم بعد ذلك يتغلب هذا القائم على الخليفة العادل المؤمن الوفي التقي الصالح ويستبد بالأمر دونه فإن طاعته تصبح واجبة ، وتصبح خلافته شرعية ، وتصبح بيعته في جميع رقاب الأمة ، وعلى الناس جميعاً أن يطيعوا وأن يخضعوا وأن ينقادوا (1/18)
صفحة 19
فإذن مثل هذه التصورات جميعاً هي لا بد من إعادة النظر فيها ، ولا بد من بيان أن المنهج الصحيح الذي جاء به الإسلام هو العدل . النبي صلى الله عليه وسلّم يقول ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتقبضن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) فإذن ما معنى هذا الحديث الذي يلزمنا أن نقبض على يد الظالم ونأطره على الحق أطرا ومع ذلك يقال بأن هذا الظالم تجب له الطاعة كما يطاع الله تبارك وتعالى ، تعطف طاعته على طاعة الله سبحانه وتعالى .
هذا التصور الذي ساد في نفوس هذه الأمة وساد في واقع هذه الأمة هو الذي انحرف بهذه الأمة كما قلنا عن المنهج الصحيح .
سؤال :
شكراً سماحة المفتي على هذه الاقاضة في مفهومكم لإعادة صياغة الأمة وقد فهمنا من ذلك أن إعادة صياغة الأمة من جديد تقوم على هدم التصورات الباطلة ، وتصحيح المفاهيم الثلاثة وهي الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر والعلاقة بين الحاكم والمحكوم لتكون مفاهيم قرآنية ، ومع هذا التفصيل نقول : سماحة المفتي : هذا المشروع النهضوي الضخم من أجل إعادة صياغة الأمة من جديد لا شك أنه يتطلب خطوات كثيرة فما خطوات الإعادة في تصور سماحتكم ؟؟
الشيخ الخليلي : (1/19)
صفحة 20
الجواب : كل أحد مطالب بأن يؤمن بكتاب الله وأن يؤمن بالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأن لا يؤثر هوى نفسه على ما جاء كتاب الله سبحانه وعلى ما جاءت به سنة نبيه صلى الله عليه وسلّم والله عز وجل يقول ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا ) ، ونحن أمرنا أن تستهدي بالكتاب العزيز الله تبارك وتعالى يقول ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ، ويقول سبحانه ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ، ويقول تعالى فيه ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين )، ويقول فيه ( هدى ورحمة للمحسنين ) ، ويقول فيه ( هدى وبشرى للمسلمين )
القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون هداية للعالمين ، والسنة الثابتة الصحيحة الثابتة عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام هي المصدر الثاني للتشريع ، والمصدر الثاني للفكر عند هذه الأمة ، فإذن لجوء هذه الأمة إلى الكتاب العزيز وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أساس هذا الخير كله ، ولكن كيف ؟ يمكن لهذه الأمة أن تتغلب على موروثاتها الفكرية التي عششت في أذهانها وسادت ردحاً من الزمن ، وغذيت بما غذيت به من دعوات الدعاة وترويج المروجين ، حتى صار رسوخها كرسوخ الجبال الرواسي في نفوس هذه الأمة ، كيف يمكن لذلك أن يؤتى عليه ؟ (1/20)
صفحة 21
الجواب على أي حال ذلك سهل لمن سهله الله تبارك وتعالى له ، ومن المعلوم أن المعتقدات التي كانت سائدة في الأمم عندما بعث النبيون كان رسوخها رسوخاً عجيباً ، وكان التعصب لها تعصباً مقيتاً ، وكانت تعتبر جزءاً من حياة تلكم الأمم بحيث لم يكد لهم فكاك عنها ، إلا وضوح الحجة وسطوع البرهان وطريقة الإقناع أدى إلى هدم تلكم المعتقدات جميعاً ، واجتثاثها من أصولها ، وإقامة حياة نظيفة قائمة على التصور الصحيح والفكر السليم . ويمكن لأي أحد أن يتغلب على هذه الأفكار عندما يتجرد تجرداً تاماً كأنما لم يغذ بأي فكر من قبل ، يأتي إلى كتاب الله سبحانه موقناً أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وأن الاحتكام يجب أن يكون إليه ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) عندما يكون الرجوع إلى الكتاب العزيز وإلى الفهم الصحيح للقرآن الكريم يمكن لهذه الأمة أن تتغلب على كل هذه العراقيل وأن تذلل هذه العقبات . وعلى أي حال يلزم قبل كل شيء تشويق النفوس إلى التجرد والاحتكام إلى القرآن وإلى السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، عندما تكون هذه الدعوة قائمة في أوساط هذه الأمة لا ريب أنها ستعطي ثمراً يانعة وستحقق نتائج محمودة بمشيئة الله وهذا ما نرجوه بعون الله (1/21)
صفحة 22
وأنا عندما ذكرت ما يجب أن تتجرد منه هذه الأمة ذكرت قضايا هي الموروثات القديمة لأن الموروث القديم له أثر أكبر ، و إلا فهناك الكثير الكثير من الأمور التي استجدت على الساحة ، ومن بين القضايا التي استجدت للأسف الشديد انبهار هذه الأمة بالحضارة الغربية ، بحيث أدى بهم هذا الانبهار إلى قبولها على علاتها ، وعدم التفريق بين النافع والضار منها ، وذلك نتيجة ما أصاب هذه الأمة من الهزيمة النفسية ، وما أصابها من الشعور بمركب النقص فإن ذلك أدى بها إلى أن تكون أمة تخضع كل الخضوع لأعدائها ، و على أي حال هذا أمر يكون مقدور عليه عندما يكون الاحتكام إلى القرآن بحيث تعرف الأمة مصدر عزتها ومصدر هاديتها ، عندما يكون الاحتكام إلى القرآن الكريم كل هذه الأمور يمكن للأمة بمشيئة الله تعالى أن تتخلص منها
سؤال :
سماحة الشيخ : يقول البعض بأن مسيرة الفكر الإسلامي هي سلسلة من ردود الأفعال ، فربما يقول قائل وأخذاً من الفقرة الأخيرة في حديثكم ربما يقول قائل أن هذه الدعوة يميلها الشعور بالخطر الداهم والمأزق الحرج الذي تعبره الأمة الآن . فهل هذه الدعوة فعل ، أم رد فعل ؟ هل هي نتاج يسير في سياق حركة تطور الفكر الإسلامي في سياقها الطبيعي ، أم هو رد فعل للشعور بالخطر الداهم الذي تواجهه الأمة الآن ؟؟
الشيخ الخليلي : (1/22)
صفحة 23
الجواب : هذه الدعوة ليست إلا تفاعلاً مع عقيدة الأمة الراسخة ، عقيدة الإيمان التي جاء بها القرآن ، وجاءت بها السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . هي دعوة إلى عودة الأمة إلى أصولها واكتشاف هويتها ، ومعرفة عقيدتها ، ومعرفة الصحيح والباطل من مسلكها ، ومعرفة الصواب والخطأ في نهجها ، إذن ليس هذا رد فعل وإنما هو عين الواجب الذي تفرضه على هذه الأمة عقيدتها ، فنحن علينا أن ننظر هل الإسلام الذي جاء به النبي عليه أفضل الصلاة والسلام بل جاء به المرسلون من قبل ، هل هذا الإسلام أنزل من قبل الله سبحانه وتعالى ليكون أمراً شكلياً لا أثر له في حياة الأمة ؟ هل هذا الإسلام أنزل ليكون نظريات تدغدغ أذهان هذه الأمة من غير أن يكون لها تأثير عليها في حياتها ؟ لا . إن الإسلام هو منهج حياة ، ولما كان منهج حياة ، فإن هذا الإسلام يجب أن يكون يتجسد في كل جزئية من جزئيات حياتها ، وذلك ما لا يتم أبداً إلا عندما يكون هنالك تصور صحيح ، تصور قائم على فهم القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، ونبذ العصبيات العمياء التي مزقت هذه الأمة بحيث تتعصب كل أمة منها لموروثها الفكري ، وتدع النظر في كتاب والنظر في هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم . عندما يكون هنالك تجاوز لهذه العصبيات بحيث ينشد كل أحد الحقيقة لا بد بمشيئة الله سبحانه وتعالى من التغلب على هذه الأهواء ، والسيطرة على هذه النزعات ، والوصول إلى هذه الغاية المرجوة .
سؤال : (1/23)
صفحة 24
سماحة الشيخ : لكن هل ستطال إعادة الصياغة صلب مناهج الدراسات الإسلامية التفسير وأصول الفقه وعلوم الحديث مثلاً ، أم ستقتصر إعادة الصياغة على التطبيقات وستكون تكراراً للدعوات التي نسمعها دائماً ، بمعنى آخر هل دعوة إلى بعث روحي فحسب دون إعادة النظر في المنهج ، هل ترون أن علوم الشريعة وآلات الاستنباط والاجتهاد في هيئتها الراهنة الموروثة كافية للتعامل مع العصر الحديث ؟؟ ، وإذا أردنا طرح السؤال بطريقة أخرى هل نجح علم الحديث من تنقية السنة من شوائب الوضع ؟؟ ، هل سيتقدر علم التفسير بمختلف طرقه التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي ومع احتفاله الشديد بالمعنى اللغوي وخفوت عنايته بروح النص هل سيقتدر مع ذلك على تحمل التصور القرآني وأداءه للعالمين ؟؟ وهل علم أصول الفقه في طريقتيه طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين هو نهاية التصور لهذا المنهج إذا أردنا إعادة صياغة الأمة من جديد ؟؟
الشيخ الخليلي :
الجواب : هنالك فرق بين الثوابت والمتغيرات ، وهناك فرق بين الوسائل والمقاصد ، المقصد كما قلنا هو الوصول إلى هذه الغاية ، والوسائل تختلف فيها الأنظار ، والثوابت لا مساس بها ، إنما هي ثوابت ، والمتغيرات يمكن لكل أحد أن يجتهد فيها إن توافرت عنده آلة الاجتهاد وكان قادراً عليها ، وعلى أي حال أولاً وقبل كل شيء نحن ننظر في نفس هذه الموروثات من هذه العلوم ، هل هي حقائق تطبق ، أو هي نظريات ؟؟ ، نحن نرى لو جئنا إلى علم الحديث مثلاً نرى أنه مما يقوله المحدثون جميعاً بأن الحديث لا يرقى على درجة الصحة ، ولا يعتبر حديثاً صحيحاً حتى يكون غير متصادم مع القرآن الكريم ومع المتواتر من السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (1/24)
صفحة 25
ولكن هل طبق ذلك تطبيقاً صحيحاً بحيث أنه أخذ بالحديث الذي يتفق مع مدلول القرآن ، وترك الأخذ بالحديث الآحادي الذي يتعارض مع مدلول القرآن ؟ لا . بل نجد التناقض بين علماء الحديث بين ما يؤصلونه وما يسيرون عليه ، نجد هناك تناقضاً عجيباً من أمثلة ذلك نرى أن الألباني يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله من رواية ابن عباس ( إنكم ستختلفون من بعدي ، فإذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فإن وافقه فهو عني ، وإن خالفه فليس عني ) يقول بأن هذا الحديث حديث باطل لا يصح ، هو من وضع الزنادقة ومن وضع الخوارج و.. إلى آخره .. ثم يقول : لو جئنا وحكمّنا هذا الحديث نفسه وعرضنا هذا الحديث نفسه على القرآن لوجدناه حديثاً باطلاً لأن القرآن يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم ، ولما كان يأمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلّم فإذن علينا أن نأخذ بهذا الأمر ونرفض هذا الحديث تبين لنا بهذا المقياس أنه حديث باطل ..الخ .
أولاً للنظر هل الحديث يقول بأنه يُرفض شيء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلّم ، أو يقول بأن معرفة التمييز بين الصحيح وغيره من جملة طرقه أن نرجع إلى القرآن لننظر في موافقة الرواية للقرآن وعدم موافقتها ، ثم للنظر في مسلك الصحابة رضوان الله عليهم ، نحن نرى أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا مع قرب عهدهم بالمنبع بالرسول صلوات الله وسلامه عليه كانوا يحرصون كل الحرص على أن يأخذوا بالرواية التي لا تتعارض مع القرآن ، وعندما تأتيهم رواية يشتّموا منها أي معارضة للقرآن لا يقبلون ذلك ، عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه ردّ حديث فاطمة بنت قيس ، مع أن فاطمة بنت قيس صحابية وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنها طلقت في عهده طلاقاً بائناً ولم يفرض لها نفقة ولا سكنى ، فقال عمر رضي الله عنه : لا نترك كتاب الله لقول امرأة لا ندري أذكرت أم نسيت . (1/25)
صفحة 26
هذا مع أنه ليست هنالك واسطة بينها وبين النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ، إنما تلقت الحكم من النبي صلوات الله وسلامه عليه والحكم مباشر ، لم يكن هذا الحكم حكماً في غيرها وإنما كان حكماً فيها ، وصاحب القصة هو أولى بأن يحفظ ، كذلك ما ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها ردت رواية ابن عمر بل ردت رواية عمر رضي الله عنه أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . وقالت في عبدالله بن عمر: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكن ليكذب على النبي صلى الله عليه وسلّم ولكنه لعله سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقول في المرأة اليهودية التي مر على أهلها يبكون عليها إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب ببكائهم عليها . هي ردت الرواية فقالت : حسبكم القرآن ( لا تزر وازرة وزر أخرى )
كذلك عندما سئل جابر بن زيد رحمه الله عن حديث تحريم ذوات الناب من السباع أو حديث الحمر الأهلية نسيت ذلك هو في صحيح مسلم قال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ولكن أبى ذلك البحر قال : لا نترك كتاب الله لقول أعرابي إلى آخره . فإذا كان هؤلاء الصحابة يرفضون روايات جاءت من طرق صحابة ثقات ، فهل هؤلاء في ميزان الألباني من الزنادقة الذين كانوا يردون سنة النبي صلى الله عليه وسلّم اتباعاً للهوى ؟ ، أو أنهم كانوا يحرصون على السلامة ، ثم نجد التناقض ما بين هذا الذي قاله الألباني هنا وما بين ما قاله في كتاب ( آداب الزفاف ) نجد التناقض بيناً (1/26)
صفحة 27
ففي كتاب آداب الزفاف تعرض لحرمة الذهب على النساء بناء على رأيه الذي خالف به إجماع الأمة ، حيث يقول إن الذهب حرام على النساء ، مع أن بعض العلماء نقلوا الإجماع على خلاف هذا الرأي ، ومن الذين نقلوا ذلك الحافظ ابن عبد البر والحافظ ابن حجر العسقلاني نقلوا الإجماع على إباحة الذهب للنساء ، فهو اعترض على رواية الإجماع وقال بأن رواية الإجماع لا تصح ، ونقل عن ابن القيم بأنه يجب أن ينظر في رواية الإجماع فلا تقبل أي رواية للإجماع فإنه لا إجماع إلا إن كان له أصل من السنة ، ولا سنة إلا إن كان لها أصل من الكتاب ، نجد التناقض بين ما ذهب إليه هنا وهناك . فإذن كثير من أئمة الحديث أو علماء الحديث وقعوا في الكثير من التناقضات .
ثم إذا جئنا إلى قضية التعديل والتجريح نجد هذه القضية شيبت بالكثير الكثير ، فلربما كان تجريح أحد من الرواة بسبب موقف سياسي ما كان يتفق مع السياسة التي كانت متغلبة في ذلك الوقت وكانت متسلطة في ذلكم العصر ، ولربما كان ذلك بسبب عدم اتفاق في قضية من القضايا مع جمهور المحدثين بحيث كان لهذا الراوي موقف معين ، وكانت العصبية تدعو إلى أن يعتبر مجروحاً ترفض روايته ولا تقبل
فإذن قضية التعديل والتجريح يجب أن تكون مجردة من العصبيات المذهبية مجردة من الأهواء ، فأنا أعجب عندما أقرأ مثلاً في كتب نقد الرجال ما يحكيه البعض من أن عمرو بن عبيد كان عندما يصلي أمام الناس يصلي صلاة الخاشع القانت الأواه وعندما يصلي بنفسه يصلي صلاة فيها لعب وفيها تلفت وفيها وفيها ..الخ مع أن عمرو بن عبيد كان رجلاً مشهوراً بالزهد ، ولكن هذا إنما راجع إلى العصبية لأن الرجل كان معتزلياً وبسبب كونه معتزلياً أصحاب الحديث لا بد أن يقدحوا فيه وأن يرموه بهذه التهم هذا أمر يجب أن ينظر فيه ، وأن يعاد النظر في رواية الأحاديث . (1/27)
صفحة 28
أما بالنسبة للتفسير فالتفسير على أي حال إما أن يكون مستنداً إلى أدلة ثابتة ، وإما أن يكون بخلاف ذلك ، ما كان مستنداً إلى الدليل الثابت فعلينا أن نقبله ، ولكن أن يرد حكم جاء به القرآن الكريم ، أو قضية نص عليها القرآن الكريم لأجل أن السواد الأعظم لا يرى ذلك ، هذا أمر فيه خطر كبير، ثم إن اللغة العربية هي وعاء القرآن ولا بد من فهمها فهماً دقيقاً ، وكيف ونحن نرى أنه تُصرف في هذه اللغة في تفسير القرآن الكريم كثيراً ليتوافق هذا التفسير مع أمور صارت راسخة في أذهان طائفة من الأمة حتى لا يصطدم التفسير مع ما ما رسخ أذهانها ، هذا من جملة الأمور التي ينبغي النظر فيها
كذلك إذا جئنا إلى أصول الفقه ، لا ريب أن أصول الفقه هي قواعد هي في الأصل منضبطة من أجل ترسيخ الملكة لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، ولكن مع هذا كله هنالك فرق بين قضية وأخرى في ردها إلى قواعد هذه الأصول ، جمهور الأمة مثلاً يقولون بأن العام دلالته دلالة ظاهرة ، ليست دلالة نصية ، وأن دلالته دلالة ظنية ليست قطعية ، هذا مسلّم ، هذا مسلم في الفروع أما في الأصول الثابتة فلا يمكن أن يكون دلالة العام دلالة ظنية . في الأصول الثابتة كيف يكون دلالة العام دلالة ظنية ؟؟ هب أن كل عام خُصص ومن أجل ذلك كان دلالة أي عام دلالة ظنية ماذا عسى أن يقول القائل في قول الله تعالى ( لا تخفى عليه خافية ) ، هل يقول هذا بأن هذا العموم يخصص ؟ ، وأن بعض ألأشياء قد تكون خافية على الله سبحانه وتعالى ؟ ، وأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟، واعتقاد أن الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء هذه دلالة هل يمكن أن يؤخذ بهذا ؟ . (1/28)
صفحة 29
قول الله تعالى ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحدا ) هل يمكن أن يخصص ؟؟ قوله ( لم يلد ) عام لم يلد أي أحد ، هل يمكن أن يكون ذلك مخصصا بسبب أن هذا اللفظ لفظ عام ، وأن تكون هذه الدلالة دلالة ظنية ، وأن يعذر من نسب إلى الله تعالى ولداً .
كذلك ( لم يولد ) ، كذلك ( لم يكن له كفواً أحد ) هل يقال بأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟
( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) هذا أيضاً لفظ عام ، نفي لكل إله إلا الله سبحانه وتعالى ، هل يقال بأن هذا النفي ظني ؟ وأن هذه الدلالة دلالة ظنية ؟
إلى غير ذلك . هذه أمور يجب أن يعاد النظر فيها .
لا بد من أن يُفرق ما بين الفروع والأصول ، الأصول الثابتة لا يمكن أن يتناولها التخصيص ، وإنما يؤخذ بعموم الأدلة فيها والله تعالى أعلم .
سؤال :
سماحة الشيخ :
إعادة الصياغة تحتاج إلى كوادر ينهضون لإعادة الصياغة ، إلى أشخاص يتمثلون هذه الفكرة وينادون بها ، فهل أنتم راضون سماحة الشيخ عن المؤسسات العلمية والمعاهد القائمة على تدريس علوم الشريعة ؟ هل ترون أنها قادرة في وضعها الراهن على مجاراة حركة التطور السريع ومساوقة العصر ؟ هل ترون أنها تفلح حتى الآن في تخريج الداعية الفقيه والمتزن الواعي بعالمه ؟ لاسيما وأن الدعوة إعادة الصياغة تتطلب دعاة وفقهاء من نوع خاص قلما نراهم بين أفواج التقليديين الذين تخرجهم معاهد العلوم الإسلامية في وضعها الراهن ؟؟ .
الشيخ الخليلي : (1/29)
صفحة 30
المعاهد والمؤسسات التربوية والعلمية إنما هي من صنع البشر ، وما كان من صنع البشر فإنه يمكن أن يتغير بين حين وآخر ، لا يلزم أن يكون على نهج واحد ودخول التعديل والتغيير فيه أمر وارد ، ولذلك كانت جميع المناهج الدراسية في هذه المؤسسات العلمية خاضعة للتجربة وخاضعة للنظر هل هي صالحة لهذا العصر أو غير صالحة ، ومن أجل هذا فإنه لا بد من إعادة النظر في هذه المناهج ، وفي هذه النظم التي تسير عليها هذه المؤسسات لنرى كيف يكون وضع الخريج الذي يحظى بالدراسة فيها .
ومع هذا كله فإن هنالك ضرورة داعية إلى أن يربى هؤلاء جميعاً أولاً على تعظيم كتاب الله سبحانه وتعالى ، وعلى تعظيم السنة الثابتة عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ، وعلى احترام السلف احتراماً لا يصل على حد القداسة ، بحيث يعتبر أن كل ما جاءوا به هو لا يجوز النظر فيه ، ولا يجوز تعديله ولا تغييره ، وأنهم مبرءون من جميع الأخطاء ، هذا أمر غير جائز ، كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه فإنه الذي لا يمكن أن يعترض على شيء مما جاء من قبله عليه الصلاة والسلام . (1/30)
صفحة 31
ولكن بطبيعة الحال مرت فترة جمدت حركة الإبداع عند هذه الأمة وقل النظر والاجتهاد ، وسلّم الناس تسليماً بكل ما وجدوه عن أسلافهم . وقد وصلت المغالاة في ذلك إلى حد بعيد ، ولا أدل على هذا مما نجده من النصوص المبعثرة في كتب العقيدة وكتب التفسير وغيرها ، تلكم النصوص التي تجعلنا نحار من أمرها ومن أمر قائليها . نصوص عجيبة نجد مثال ذلك ما يقوله الصاوي في حاشيته على الجلالين أنه يجب على جميع الناس أن يقلدوا الأئمة الأربعة ومن لم يقلدهم فهو ضال مضل ، ولو أنه وافق ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة . هذا كلام في منتهى الخطورة ، يُنسف ما يدل عليه القرآن ، ويُنسف ما جاءت به السنة الصحيحة ، وتُنسف أقوال الصحابة الذين هم خير جيل من أجل قول أربعة أئمة اجتهدوا وبذلوا جهدهم من أجل الوصول إلى الحقيقة والوصول إلى الحق ، ولكن لم يدّعوا لأنفسهم العصمة ، ولم يدّعوا لأنفسهم السلامة من الخطأ في أي يوم من الأيام ، بل هم كانوا يدعون أتباعهم إلى النظر والاجتهاد مثل هذا قول الزرقاني في جوهرته :
وواجب تقليد حبر منهم **** كما روى القوم بلفظ يفهم
ومن أعجب الأمور أن نرى التناقضات العجيبة عند كبار العلماء المحققين أحياناً ، نرى ما نعجب منه ، على سبيل ذلك الفخر الرازي يقول بأن دلالة الألفاظ دلالة ظنية ، ذلك لأن الألفاظ تفتقر إلى نقل اللغات ومعانيها بهذه النقول هي نقول أحادية ولما كانت نقولاً أحادية والآحاد مظنون ، وما بني على الظني لا يتجاوز إلى مرتبة القطعي ، لنسكت . هذا رأي رآه لنسكت عنه . لكن ما الذي فرّع عليه فيما بعد ؟؟ عندما يأتي إلى قول الله سبحانه وتعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) (1/31)
صفحة 32
يقول إن الله تبارك وتعالى تمدح هنا بنفي إدراك الأبصار له ، تمدح بنفي الرؤية عنه ، والله سبحانه وتعالى لا يتمدح بنفي مطلق إنما يتمدح بحقيقة ثابتة لا بالعبث ، ولما كان متمدحاً بنفي الرؤية ولا يمتدح سبحانه وتعالى بنفي محض ، فإذن هذا دليل على إمكان الرؤية . والأمة اختلفت منهم من قال الله تبارك وتعالى يرى فقال بجواز الرؤية وبوقوعها ، ومنهم من قال باستحالتها وبعدم وقوعها ، ولم يوجد أحد يقول بإمكانها - يقول بأنها ممكنة ولن تقع - وبناء على هذا فإن هذه الآية إما أنها إمتداح والله سبحانه لا يمتدح إلا بممكن ، وهذا الممكن من قال بإمكانه قال بوقوعه فهي دليل قطعي على إمكان رؤيته تعالى وعلى ثبوت هذه الرؤية . هو ناحية يقول بأن الدليل النقلي أي دلائل الكتاب ودلائل السنة المتواترة هي دلائل ظنية مهما كان الدليل النقلي لأنه دليل لفظي فهو دليل ظني ، ومن ناحية أخرى يجعل من دلالة الدليل على الشيء أنه دليل قطعي على عكس ذلك الشيء
فإذن لنرجع إلى قاعدته التي أصّلها إذا أردنا أن نطبقها على قوله الله سبحانه وتعالى ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) بناء على القاعدة التي طبقها فإن دلالة الآية على نفي الولد عن الله دلالة ظنية ، ودلالتها على نفي المولودية على الله أيضاً دلالة ظنية ، ودلالتها على نفي الكفء عن الله تعالى دلالة ظنية ، وبناء على النهج الذي نهجه فإن دلالة هذه النصوص على إثبات الولد ، وعلى إثبات كون الله مولوداً ، وعلى إثبات وجود الكفء له سبحانه دلالة قطعية . فيستخلص من ذلك أنه بناء على هذا الذي أصّله تكون الدلالة على إثبات الولد لله تعالى ، وعلى إثبات الوالد لله ، وعلى إثبات الكفء لله دلالة ظنية . (1/32)
صفحة 33
كذلك إذا جئنا بناء على ما أصّله يقول الحق سبحانه وتعالى ( وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) دلالة الآية على نفي الصاحبة عن الله ونفي الولد دلالة ظنية ، ولكن بناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات الصاحبة وإثبات الولد لله سبحانه وتعالى أمراً قطعيا . كذلك ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) بناء على التأصيل الذي أصله نفي السنة والنوم عن الله أمر ظني ، وبناء على النهج الذي نهجه يكون إثبات ذلك أمراً قطعياً ، وفي إثبات السنة لله وإثبات النوم لله تعالى أمراً قطعيا .
قول الله تعالى ( ولا يظلم ربك أحدا ) نفي الظلم هنا عن الله تعالى بناء على الأصل الذي أصّله هو أمر ظني ، وبناء على ما اتبعه في مسلك استدلاله يكون ذلك أمراً قطعيا .
هذه الأمور هي التي يجب أن تترفع عنها الأمة ، وهي التي يجب أن تنتزع من مناهج الدراسة لتسير الأمة سيراً سليماً في اتباع الحق ، والتعويل على الدليل ، وعدم التأثير على الدليل بسبب هوى النفس .
سؤال :
شكراً سماحة المفتي .
هذا سؤال أعتذر عنه مقدما ولكن المقصود منه تبرئة ساحة المفكرين الذين يريدون الخير لهذه الأمة ، ثمة من يقول بأن المطالبة بالتجديد في نوعية التعليم ومناهج لتعليم الديني ظهرت في مصر في عهد الأستاذ محمد عبده في وقت الذي انتشرت فيه الماسونية والعلمانية ، وظهرت على يد محمد إقبال لأنه قدم بفلسفة أوروبية من ألمانيا ، وتظهر الآن عند كثير من المفكرين لتأتي متناغمة مع التوجه الأمريكي والضغط من أجل تغيير مناهج التعليم ، والتعليم الديني خصوصاً في البلاد الإسلامية . ألا تخشون سماحتكم من أن يفسر البعض إلى إعادة صياغة الأمة وإلى إعادة مناهج التعليم أن تفسر بمثل هذا التفسير الذي فسر به سابقاً ؟ .
الشيخ الخليلي : (1/33)
صفحة 34
الجواب : من أراد قدحاً في فكرة أو قدحاً في شخص لم يحجزه عن ذلك حاجز ، ولم يمنعه من ذلك مانع ، ولكن الأمر يجب أن ينظر إليه نظرة واقعية فاحصة ، لا نظرة منبعثة من هوى النفس والرغبة في الانتقاد ، فعلى أي حال قد يقول ذلك قائل ، وأنا لا أستطيع أن أمنع ألسن الناس أن تنطلق بما وقر في نفوسهم من هوى النفس ، فإن هوى النفس متحكم في حديثهم إلى أن تكون هذه الأمة أمة قوية ، أمة غير خاضعة للأمم الأخرى ،
أمة تعوّل على فكرها الذي جاء به دينها ، لا تعول على الأفكار المستوردة ، ولا تبني أفكارها على ما تتلقفه من هنا ومن هناك ، طالما قلت بأن هذه الأمة عليها أن تستقل ، وأن تتخلص من التبعية العمياء لغيرها ، هي أمة أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون أمة عزيزة ، وطالما قلت بأن هذه الأمة لا تسعد ولا تسلم ولا تتمكن من تبوأ مكانتها التي هي جديرة بأن تتبوأها إلا عندما تتخلص من هوى موالاتها لأعدائها لأن الله تبارك وتعالى يقول ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ، ثم يبين سبحانه أن هذه الموالاة ناجمة عن مرض نفساني حيث يقول ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) (1/34)
صفحة 35
و كثيراً ما قلت بأن هذه التبعية وهذه الموالاة تفضي والعياذ بالله إلى الارتداد لأن الله تعالى في معرض التحذير منها حذر من الارتداد حيث قال ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) ، وقلت أكثر من مرة أيضاً بأن حصر الأمة ولاءها في ولائها لربها سبحانه وتعالى ولنبيها صلى الله عليه وسلّم وللمؤمنين هو السبب في التمكن والغلبة والانتصار وانضمامها إلى حزب الله فإن الله تعالى يقول ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) (1/35)
صفحة 36
فإذن أنا دعوتي واضحة ، إنما أدعو إلى نبذ ما يكون سبباً لاتباع الهوى ، سبباً لهذه التبعية العمياء من هذه الأمة لأعدائها ، ونحن وجدنا في ظل هذا الانبهار بأعداء الإسلام في ظل غياب المفاهيم الصحيحة ، وفي انحسار الفكر الإسلامي الصحيح وجدنا كثيراً من تخبط الناس تخبطاً عجيباً ، قبل ما يقارب عقدين من السنين من الآن كان رئيس دولة صليبية يصب الويلات على رؤوس المسلمين صباً في تلكم الدولة ، وهو رجل صليبي حاقد متعصب ، ويحرص على إبادة المسلمين الموجودين هناك ، وكانوا بقدر مستطاعهم يدافعون عن شخصيتهم ، ويدافعون عن دينهم ، ويدافعون عن استقلالهم . زار زائر تلكم الدولة ورجع من هناك يتحدث عن إعجابه بما وجده هناك وقال لولا أن هنالك من المسلمين من يكدرون الصف ويثيرون الشغب فسألته أي شغب هذا ؟ فقال : هؤلاء متمردون . قلت : وكيف ؟ ما هو تمردهم ؟ من الذي عصوه ؟ قال : إنما عصوا ولي الأمر والله تعالى يقول ( أطيعوا وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) فسألته وهل فلان الصليبي هو ولي أمر المسلمين مع أن الله يقول في صدر هذه الآية الكريمة ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) أطيعوا أي منكم معشر المسلمين لا الصليبين الحاقدين (1/36)
صفحة 37
فإذن غياب المفاهيم الإسلامية أدى بالناس إلى تخبط تخبطاً لا مثيل له ، وهذا نتيجة لانحسار الوعي الإسلامي وعدم وجود تصور الإسلامي الصحيح ، وهكذا في تلكم العصور السحيقة عندما تحكم بنو أمية وبنو العباس في حياة الأمة وصل تخبط الناس تخبطاً عجيبا في مقاومة الإصلاح ومقاومة المصلحين ، ونبذ كل من يحاول أن يرد الناس إلى المحجة البيضاء . نحن وجدنا من الفقهاء الكبار من يقول إن الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلّم قتل بسيف جده . ما معنى قتل بسيف جده ؟ معنى ذلك أنه ثار على ولي أمر المسلمين الذي تجب طاعته ويجب الخضوع له سواء بر أو فجر ، عصى أو أطاع ، عدل أو جار ، يجب أن يخضع له خضوعاً مطلقاً وأن لا يحاسب على شيء من أعماله ، ومخالف ذلك حقيق بالقتل فما أنزله يزيد بن معاوية بالحسين إنما كان ذلك تطبيقاً لما جاء به الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام . هكذا ضلال الفكر وصلت الناس إلى هذا المستوى .
كذلك نحن وجدنا أن الناس بسبب انبهارهم بما كان عليه المتسلطون في هذه الأرض من مظاهر الترف الذي هو سبب للدمار وسبب في تقهقر هذه الأمة ، وجدنا أولئك يقيسون حضارة الإسلام ورقي الأمة بقدر تلكم المظاهر مظاهر الترف ، قبل فترة من الزمن كنا في رحلة إلى العراق ، وذهبنا إلى سامراء ، وهناك تنقيب عن آثار العباسيين وجئنا إلى مكان حسب ما خطط لنا ، كان فيه تنقيب عن آثار من يلقب بالمتوكل ، وقد وجدوا تحت طبقات التراب التي تتراكم على المنطقة بركة سباحة كبيرة جداً ، وتحت هذه البركة خنادق لإيقاد النار لأجل أن يحمى الماء فيها . أحد العلماء الذين حضروا في هذا المكان ماذا قال ؟ . قال : الله أكبر ما هذه العظمة للإسلام . يعني عظمة الإسلام حيث يجلس الرجل الفاسق المخالف لأمر الله بين الجواري وهن يسبحن في هذه البركة عاريات من الثياب وفي حالة من الاستخفاف بحرمات الله . هذه عظمة الإسلام ؟ أين عظمة الإسلام من هذا ؟ . (1/37)
صفحة 38
عظمة الإسلام عندما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعيش في كوخ ، وعندما تخرج منه رسالة إلى كسرى يهتز كسرى ، ويهتز عرشه بسبب تلك الرسالة . هذه عظمة الإسلام ، عندما كان أهل الشرق وأهل الغرب يخشون سطوة الإسلام ، ليست عظمة الإسلام من مظاهر الترف .
كذلك عندما نسمع الكثير من الناس يرددون بأن عظمة الإسلام تتمثل في قول هارون الملقب بالرشيد للسحابة عندما انجابت عن ذلك المكان ( أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك ) ، قالو هذه عظمة الإسلام ودليل عظمة الإسلام ، أين هذا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم إن الله بعث محمداً داعياً ولم يبعثه جابيا ، هذا يدل على الرغبة في أخذ الضرائب ، وضمها إلى خزينة من يسمى بالخليفة لأجل أن يستمتع بها حسب هواه . أين هذه العظمة للإسلام ؟
عظمة الإسلام عندما كانت دعوته تشق الطريق إلى نفوس الناس ويتساوق الناس إلى اعتناقه لما يرونه في القائمين عليه من العدل والإنصاف وزجر النفس عن هواها ، وضبط حياة النفوس بحسب ما يتلاءم مع جوهر الإسلام .
كذلك عندما نسمع الكثير الكثير من الناس يقولون بأن من مظاهر الإسلام العظيمة قصر الحمراء في غرناطة وغيرها من القصور ، هؤلاء يدنسون سمعة الإسلام ، الإسلام لا يتمثل في هذه الأعمال التي قام بها هؤلاء المترفون ، وهذا جر هؤلاء جراً بسبب غياب المفاهيم الصحيحة جر هؤلاء إلى أن يمجدوا أعداء الله تعالى من الأمم التي حكم عليها القرآن بأنها أمم كفر وعتو وفساد وضلال وانحراف عن الحق ، مجّدوا الفراعنة ، وكان من بين الشعراء شاعر من ناحية يمدح الرسول صلى الله عليه وسلّم ويثني عليه ويمجد الرسول ، ومن ناحية أخرى يمجّد فرعون تمجيداً حتى يقول فيه :
جلت ذاتك العلية عن أن **** تنالها الألقاب والأسماء
يصل به الأمر إلى أن يؤله فرعون ، ومع ذلك محسوب على شعراء الإسلام ، هذا دليل انحراف الفكر وضلال العقيدة .
سؤال :
سماحة الشيخ : (1/38)
صفحة 39
كان ظهور علماء الإحياء الإسلامي الأفغاني مثلاً ومحمد عبده ورشيد رضا والسالمي وأبي مسلم ومحمد باقر الصدر ، كان ظهور هؤلاء الأعلام وغيرهم إرهاصاً لما عرف لاحقاً بالصحوة الإسلامية ، فهل هذه الدعوة التي تنادون بها الآن ( إعادة صياغة الأمة ) مؤشر لبداية عصر إحياء جديد سيرشد الصحوة التي فجرها عصر الإحياء الأول ؟ وهل يمكن عبور المرحلة القادمة دون هذا الإحياء الجديد ؟
الشيخ الخليلي :
الجواب : نحن علينا أن نستفيد من كل تجربة ولا نحصر دعوتنا هذه في إطار ضيق في تجربة خاصة دون غيرها ، علينا أن نستفيد من كل تجربة من هذه التجارب . وعلى أي حال لهؤلاء العلماء جهد مشكور قاموا بدورهم وبذلوا جهدهم وحاولوا الإصلاح ، نحن إذا جئنا إلى المدرسة الإصلاحية التي أرسى بمصر دعائمها السيد جمال الدين الأفغاني ، ثم قام بتشييد مبانيها تلميذه العملاق الشيخ محمد عبده نرى أنها مدرسة آتت أكلها ، وكانت لها ثمار طيبة ، ولكن مع ذلك لا نستطيع نبرأها من كل خطأ ، لا بد من أن نأخذ الصواب وندع الخطأ ، وكل أحد معرض للخطأ ، الدعوة التي قام العلامة الإمام محمد عبده في مصر كانت في وسط وجود كثير من العلماء الذين يتبنون الخرافات ، ووصل الأمر كما قلنا بكثير من الناس إلى أن يضفوا على المخلوقين صفات الألوهية ، وهذا أمر في منتهى الخطورة وهذا أمر لم يكن محصوراً في مصر نفسها ولكن كان في كثير من بقاع الأرض (1/39)
صفحة 40
نحن وجدنا على سبيل المثال أحد الكاتبين يكتب عن عالم من العلماء ويترجم له ويضفي عليه من القداسة الشيء العجيب العجيب الذي ينبو عنه العقل السليم فضلاً عن رفض النصوص القاطعة لمنطقه فكان مما قاله ( ولما كانت حياته حياة الرسل والملائكة المقربين ، كانت تتجلى له الأشياء على حقائقها ومعرفة الشقي والسعيد ومعرفة الآجال ومداها ، وكان تزوره الملائكة والأموات والأنبياء يقظة ويستمد منهم المدد ... الخ ) ، وجدت هذه الأفكار ولا تزال موجودة إلى الآن . والإمام محمد عبده قاوم هذا الفكر بشدة وبعنف ، كما أنه أيضاً استطاع أن يتحرر من كثير من التقاليد التي أصر عليها الكثير من العلماء ، مسألة الوعد والوعيد هذه قال فيها كلمة جازمة في أكثر من موضع من دروسه التفسيرية ، قال بأن وعيد الله تبارك وتعالى لا يتبدل وأن ما توعد الفسقة المجرمين من هذه الأمة لا يختلف عما توعد به غيرهم ، فليست هنالك محاباة من الله تبارك وتعالى لهذه الأمة دون غيرها ، هي كغيرها من الأمم هذا مما قاله كثيراً .
مسألة الشفاعات التي يتشبث بها الكثير الكثير تحدث عنها بإسهاب في مواضع متعددة من تفسيره ، وقال بأن ما تشبث به المتشبثون من شفاعات الأنبياء والصالحين يوم القيامة إنما ذلك تشبث بأوهام إلا عندما يكون الإنسان من الصالحين عمل عملاً صالحاً وتاب توبة نصوحاً فكان حقيقاً بأن يُشفع له من قبل النبيين وإلا فهذه الأوهام هي الأوهام التي كانت عند أهل الكتاب تحدث عن ذلك في تفسير قول الله تبارك وتعالى ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) كما تحدث عن ذلك في تفسير قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) (1/40)
صفحة 41
إلى غير ذلك وقال إن الشفاعة لله وحده وذكر بأن هؤلاء إنما يتشبثون بما وجدوا الناس فمن عادتهم أنهم وجدوا أصحاب المصالح المتسلطين في هذه الأرض قد يتنازل أحدهم عن الوعيد الذي يتوعده مجرماً بسبب ما يراعي من مصلحته ينثني عن عزمه ويترك ذلك المجرم فقاسوا حال الخالق الله سبحانه وتعالى على حال الخلق . هكذا ذكر في كثير من المواضع ، ولكن مع هذا نجد كان كما قلنا بين تيارين ، بين تيار هؤلاء الذين من الخرافة دينا ، وتيار الذين جاءوا من الغرب بأفكار بعيدة عن الفكر الإسلامي وصاروا لا يؤمنون بما وراء المادة لا يؤمنون إلا بما وقع تحت طائلة الحواس ، فأراد أن يسلك مسلكاً بين هؤلاء وهؤلاء ، وأراد أن يقنع الناشئين بالإسلام وبمعتقدات الإسلام ، فلذلك حاول يضيّق نطاق الغيبيات في كثير من تفسيره كتفسيره لقصة آدم عليه السلام بأن المراد بآدم الجنس البشري ، وأن المراد بالشجرة الشر ، وأن المراد بالملائكة ملكات الخير ، وأن المراد بالشياطين ملكات الشر إلى غير ذلك الكثير هذا تفسير غير مسلّم وقد تأثر به تلميذه السيد محمد رشيد رضا وإن كان أقل منه في هذا ولكنه تأثر به ، هذا مع أن السيد رشيد رضا أيضاً من بعد أستاذه محمد عبده تأثر بما سمي بالمدرسة السلفية من بعد فوجد شيء من النقائض في كثير من كلامه ، وقد نبهت على بعض الأشياء فيما دونته ، ونبهت على بعض هذه النقائض التي وجدت في كلام السيد رشيد رضا ، وهذا لا يمنع أن نستفيد منه وأن نكبر جهده ، ونحذو حذوهم في كثير من الأمور التي هي متفقة مع المنهج الصحيح . (1/41)
صفحة 42
أما بالنسبة إلى الإمام السالمي رحمه الله تعالى فإنه كان امتداداً لفكر تأصل منذ الصدر الأول منذ الرعيل الأول ، لم يأت بحاجة جديدة ، فمنهجه الذي سلكه هو منهج أسلاف سلفوه منذ فترة طويلة ، وقد عُني الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد بوضع الخطة السليمة لهذا المنهج ، ثم اعتنى بتنفيذ هذه الخطط ونهج هذه المسالك تلميذه العملاق الإمام أبو عبيدة ، ونهج من بعدهم هذا المنهج . فهذا المنهج على أي حال إنما هو كان منهج تاريخي ، منهج من الممكن أن يفيد الأمة لكثير إذا بلور ووضح وضوحاً جيداً وصور تصويراً يتلاءم مع أفهام بني العصر ، وهذا ما قامت به بحمد الله أقلام معاصرة ، ومن أمثلة ذلك ما كتبه الدكتور حسين غباش في كتابه ( عمان الديموقراطية الإسلامية ) فإن هذه الخطوة خطوة إيجابية جداً ، ونرجو من الكثير أن يحذو حذوه في ذلك .
وعلى أي حال دعوتنا دعوة عامة لا تنحصر في إطار طائفة معينة ، وهناك الكثير من العلماء الذين قدموا خدمة جليلة لهذه الأمة من خلال مؤلفاتهم ومن خلال محاضراتهم ، كما ذكرت الإمام أبو الأعلى المودودي قدم خدمة جليلة للأمة من خلال مؤلفاته ، ذلك كله مما يمكن أن يستفاد منه ، كذلك السيد أبو الحسن الندوي وغيرهم من العلماء الأجلاء ، هؤلاء أفادونا فائدة كبيرة فيمكن أن نستفيد من هذه التجارب جميعا .
سؤال : (1/42)
صفحة 43
بهذه الخاتمة سماحة المفتي تكون قد أجبت على سؤالنا الموالي الذي كنا نود أن نطرحه عليكم وهو أن هذه الدعوة تتزامن مع حركات إعادة نظر أخرى لكن في نطاقات مذهبية مثل حركة إعادة نظر على المستوى السنى التي تمثلت سابقاً في كتب الشيخ محمد الغزالي وعلى نحو ما الآن في كتاب ( السلطة في الإسلام ) لعبد الجواد ياسين ، وتتزامن أيضاً مع بروز تيار الإصلاح على المستوى الشيعي في إيران وصدور كتاب أحمد الكاتب ( الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه ) ، ولكن هذا يعنينا بشكل آخر أن دعوتكم سماحة الشيخ لإعادة صياغة الأمة بأكملها على مختلف توجهاتها ومذاهبها الفقهية والفكرية هل ستطال إعادة النظر المذهب الإباضي كذلك أم لا ؟
الشيخ الخليلي :
على أي حال نحن كما قلنا بأن أي أحد يؤخذ من كلامه ويرد ، نحن لا ندّعي العصمة لأي أحد كان ، إنما الحكم في ذلك الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فما وجدناه منسجماً مع دليل الكتاب العزيز والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أخذنا به ، وما كان مخالفاً لهما فإن ذلك مرفوض ممن جاء به ، نحن قد نرى أن كثيراً من الإباضية ربما سرى بعض الأشياء التي وجدت عند غيرهم كبعض الأوهام قد يكون ذلك في العامة أكثر مما هو في الخاصة في الجهلة أكثر مما هو في العلماء ولكن وجدت فتاوى لبعض أهل العلم تبرر ما يفعله العامة من الذهاب إلى المقابر وتقديم القرابين وتقديم النذور هذه وإن كانت أشياء شاذة والجمهور جمهور أهل العلم إنما يرفضونها ولكن وجدت من بعض الناس انسجاماً مع هوى العامة فمثل هذه الأشياء لا بد من أن تقتلع من جذورها ولا تتبع بأي حال من الأحوال .
سؤال : (1/43)
صفحة 44
حقيقة سررنا يا سماحة الشيخ وسعدنا كثيراً بأطروحاتكم القيمة وبمنهجكم الذي كنا وما زلنا ،ونرجو أن نستمر بإذن الله تعالى على أن نتلقى منه إلى أن نلقى ربنا سبحانه وتعالى ، ولكن سرورنا وسعادتنا يكتملان حقيقة باختلاف طريقتنا في منهج التلقي من مشايخنا حفظهم الله تعالى ، وقد أعجبني كثيراً أحد الأخوة الذين كتبوا حينما نشر الإعلان عن هذه الندوة ( إعادة صياغة الأمة ) فقال بأن منهجنا ينبغي أن يختلف في التلقي فكثير من الناس حينما يسمعون الدعوات أو يسمعون دعوة إلى النهوض الحضاري يتصورون أن المخاطب هم سكان القمر أو المريخ أو أن الدعوة إنما تطال جميع الناس إلا أنا فكل واحد منا يبرئ ساحته ويبرئ نفسه ولكن الأولى بنا والأحرى بنا أن نعيد منهجنا بحيث يعتقد كل واحد منا أنه هو المخاطب وأن الأمة إنما تخلفت وتقهقرت وتراجعت بسبب قصوره وتقصيره .
وفي خاتمة هذا اللقاء نجدد لكم الشكر ونبث لكم البشرى بأن سماحة الشيخ حفظه الله تعالى مع هذه التفصيلات الكثيرة التي أدلى بها إلا أنه ينوي بعون من الله سبحانه وتعالى أن يفصل كثيراً من هذه الأمور كل نقطة منها في محاضرة وندوة مستقلة بها ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في عمره وأن يبارك في حياته وعلمه وعمله ، ونرجو من سماحته أن يختم جلستنا هذه بدعائه المبارك .
الشيخ الخليلي :
اللهم لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، سبحانك ربنا لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ربنا ونتوب إليك ، ونعول في إجابة دعائنا عليك ، ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبدك ورسولك ، اللهم صل وسلّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد (1/44)
صفحة 45
نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته ، ولا عيباً إلا أصلحته ، ولا غماً إلا فرجته ، ولا كرباً إلا نفسته ، ولا ديناً إلا قضيته ، ولا مريضاً إلا عافيته ، ولا غائباً إلا حفظته ورددته ، ولا ضالاً إلا هديته ، ولا دعاء إلا استجبته ، ولا رجاء إلا حققته ، ولا بلاء إلا كشفته ، ولا سائلاً إلا أعطيته ، ولا محروماً إلا رزقته ، ولا جاهلاً إلا علمته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها في يسر منك وعافية ، اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره ، والقبر خير بيت نعمره ، واجعل ما بعده خير لنا منه ، اللهم إنا نسألك أن تهب كلاً منا لساناً صادقاً ذاكرا ، وقلباً خاشعاً منيبا ، وعملاً صالحاً زاكيا ، وإيماناً خالصاً ثابتا ، ويقينا صادقاً راسخا ، وعلماً نافعاً رافعا ، ورزقاً حلالاً واسعا ، ونسألك ربنا أن تهب لنا إنابة المخلصين ، وخشوع المخبتين ، ويقين الصديقين ، وسعادة المتقين ، ودرجة الفائزين يا أفضل من قصد وأكرم من سئل وأحلم من عصي يا الله يا ذا الجلال والإكرام . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين واقطع دابر أعداء الدين واستأصل شافتهم ولا تدع لهم من باقية ، اللهم شرّد بهم في البلاد ، وأفعل بهم كما فعلت بثمود وعاد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ، اللهم صب عليهم سوط عذاب ، وحل بينهم وبين ما يشتهون وافعل بهم كما فعلت بأشياعهم من قبل ، واجعل بأسهم بينهم شديدا ، وخلص اللهم عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين (1/45)
صفحة 46
اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين ، اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين ، اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين ، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا ، وأبدلنا بخوفنا أمنا ، وبذلنا عزا ، وبفقرنا غنى ، وبتشتتنا وحدة ، واجمعنا على كلمتك ، وألف بين قلوبنا بطاعتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام (1/46)