صفحة 1
الكتاب: محاضرة افتتاح مسجد الإمام ابن بركة لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
محاضرة بمناسبة افتتاح مسجد الإمام ابن بركة
لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان
( 24/7/2002) يوم الأربعاء
مقدمة
الحمد لله خالق الخلق وباسط الرزق ومالك الملك الذي له ما في السماوات و الأرض،وله علينا حق العبادة كما شرع لنا من مندوب وفرض، أحمده تعالى حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى وله الحمد في الآخرة والأولى ،وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله الله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ،فبلغ الرسالة ،وأدى الأمانة ،ونصح الأمة ،وكشف الله به الغمة، صلوات الله وسلامه عليه ،وعلى آله وصحبه أجمعين و على تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ... فالسلام عليكم أيها المؤمنون ورحمة الله وبركاته ،أحييكم هذه التحية الطيبة ونحن في هذا المكان المبارك نتفيأ ظلال هذه المناسبة الغالية العزيزة ،مناسبة إفتتاح هذا الصرح الديني الذي أسس على تقوى من الله ، ليكون معلم هداية ومنبر دعوة ومنارة إشعاع ومركز ثقافة وتعليم ،تقام فيه شعائر الله وتتلى فيه آياته وتتدارس فيه أحكامه، ليتخرج بمشيئة الله فيما بين جنباته رجال يحملون أمانة الله ويضطلعون بالواجب الملقى على عاتقهم، لتحويل الأمة بمشيئة الله من الظلمات إلى النور ومن التشتت للاجتماع ومن الضياع إلى ما فيه سلامة الدنيا وعزها وسعادة العقبى وفلاحها. ولا ريب أن ربط هذه المؤسسات بأعلام الفكر، والفقه من السلف الصالح أمر يحفز الهمم على أن يحذوا الخلف حذوهم، وأن يحافظوا على تراثهم، وأن يحيوا ما اندرس من سيرتهم، وأن يحرصوا كل الحرص على الاستفادة من آثارهم ومآثرهم، ليكون هذا الخلف بمشيئة الله سبحانه امتداداً للسلف ،وليكون أيضا في هذا الخلف ما ترنوا إليه الأبصار وتتطلع إليه النفوس من إحياء مجد الإسلام. (1/1)
صفحة 2
ولا ريب أن مساجد الله سبحانه وتعالى تنظم حياة الأمة، ذلك لأن الله تعالى جعلها بيوته في أرضه روادها هم زوار لله سبحانه وتعالى يأتون إليه في بيوته بقلوب طاهرة ونفوس طامعة في رحمة ومشفقة من عذابه ،وفي هذا كما قلنا تنظيم لحياة الأمة ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم أول ما حرص عندما هاجر إلى المدينة المنورة على إنشاء بيوت الله سبحانه وتعالى هنالك ففي طريقه إلى المدينة قبل أن يرسو في مقره أسس مسجد قباء على تقوى من الله، ثم لما بركت به ناقته عند منزل أبي أيوب الأنصاري قال: ها هنا المسجد إن شاء الله، فشرع في تأسيس مسجده الذي كان مركزاً لهذه الأمة تدار من بين جنباته ومن عراصه انطلقت كتائب الجهاد إلى آفاق الأرض لتخرج الإنسانية من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الاعوجاج إلى الإستقامة. ) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(الحديد: من الآية21) .
وقد شرع الله سبحانه وتعالى ما شرع من أعظم مقدسات عبادته في هذه المساجد، وشرع أيضا صلاة الجمعة في المساجد الجامعة من أجل أن ترتقي هذه النفوس على طاعة الله، ومن أجل أن تنجلي مراياها ما عسى أن يلتصق بها مما يكدر صفوها كما هو شأن حياة البشر من خلال احتكاك بعضهم ببعض، لتكون قلوبهم قلوباً متآخية ولتتفجر مشاعر الرحمة من بين جنباته لتتعاطف حتى تكون هذه النفوس كما قال النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام :"ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". (1/2)
صفحة 3
والإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى من جسم وروح ،فهو بحاجة إلى راحة جسمه ومتطلباته، وهو بحاجة أيضا إلى متطلبات الروح ليسمو إلى المراقي العالية، وليكون في صفوف الملأ الأعلى الذين يقضون أوقاتهم جميعا في طاعة الله سبحانه وتعالى وذكره )يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ)(الانبياء:20).
وقد كان في هذه الصلوات الخمس التي يصليها الإنسان في هذه المساجد تنظيم لحياة هؤلاء البشر من أجل إعطاء الجسم و الروح حقهما حتى لا يطغى جانب على جانب. والله سبحانه وتعالى شرع الصلوات الخمس في أوقات ليس فيها حرج على عباده، فهم يغدون على ذكر الله عندما يستيقظون ،ويأتون بعدما يقضون ما شاء الله سبحانه وتعالى من ذكره والتهجد بين يديه في جنح الليل إلى هذه المساجد ليجتمعوا على صلاة الفجر، ثم يقضون ما شاء الله سبحانه وتعالى من وقتهم في ذكره تعالى وتلاوة كتابه، وبعد ذلك يواجهون هذه الحياة كل في مجاله منهم من يعنى بالجانب العلمي ومنهم من يعنى بالجانب العملي. وبإمكانهم أن يأخذوا قسطا من الراحة بعدما يأوبون من أعمالهم في غدوهم قبيل صلاة الظهر، وإن شق ذلك عليهم وتعسر فإنهم بإمكانهم بعدما يصلون الظهر ويتناولون من رزق الله سبحانه وتعالى ما يقيم أودهم أن يأخذوا من الراحة بين الظهر والعصر، ثم يستيقظون مرة أخرى على ذكر الله تعالى في صلاة العصر ليواجهوا الحياة من جديد سواء كانت هذه الحياة حياة علم أو حياة عمل، ثم بعد ذلك تغرب الشمس وهم يتهيئون لذكر الله من جديد ويقضون ما شاء الله سبحانه وتعالى من وقتهم بين العشائين فيما هيأ الله تعالى لكل منهم، فإذا جاء وقت العشاء صلوا العشاء. وهنا جاء التوجيه النبوي بالناس بأن يتركوا السهر بعد العشاء وأن يأووا إلى فرشهم ليأخذوا قسطاً من الراحة، وهذا مما أضاعه الناس مع الأسف الشديد، وترتب على هذا أن يكون الناس في أعمال الخير سواء كانت هذه الأعمال دينية أو كانت دنيوية أصبح (1/3)
صفحة 4
شبه مفقود، وكذلك صار الناس أيضاً متناسين لقيام الليل بسبب لهوهم فيما بعد العشاء في سمرهم وسهراتهم ،وكثير ما يكون هذا السمر ملهياً عن ذكر الله سبحانه وتعالى وشاغلاً عن أعمال الخير، وهذا مما يؤسف له كثيراً.
ولا ريب أن الإنسان مسؤول عن أوقاته كلها فإن هذا الزمان الذي منح للانسان إنما هو من أعظم هبات الله تبارك وتعالى لعباده ،فقد وهب الله سبحانه وتعالى عباده ما لا يحصى من الهبات العظيمة ،ولكن هذه الهبات جميعاً تتقدم على ما أوتيه كل واحد من زمن عيشه وهو ما يسمى بالعمر ،هذا العمر هو أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أفقه وماذا عمل فيما علم). يسأل عن هذه الأمور الخمسة، ولكن أول ما يسأل عنه العمر لأن العمر كما قلنا هو هبة الله الكبرى التي تترتب عليها الهبات الأخرى. فما من هبة إلا وهي مترتبة على هذه الهبة. لذلك كان حرياً بالإنسان أن يحافظ على هذا العمر، ذلك لأن العمر لا يعوض. فالإنسان يسير به الزمن سيراً حثيثاً من غير أن يفتر في جميع الأوقات في الليل والنهار، وفي الذكر وفي الغفلة، وفي النوم واليقظة، وفي الراحة والتعب، وفي الصيف وفي الشتاء، وفي السفر وفي الحضر، يسير به الزمن سيراً حثيثاً. والليل والنهار يطويان هذا الشريط باستمرار ، أي شريط العمر وقد أجاد الشاعر الذي قال:
إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌ تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
فالليل والنهار يتقاضيان الإنسان باستمرار لأنهما يدنيان ما كان بعيداً ويقربانه من لقاء الله سبحانه وتعالى، فلذلك كان يؤثران على الإنسان فينقلانه من الصحة إلى السقم ومن الشباب إلى الهرم ومن القوة إلى الضعف ومن الحياة إلى الموت. (1/4)
صفحة 5
فما أجدر هذا الإنسان وهو يغدو ليستقبل النهار ويمسي ليستقبل الليل أن يذّكر وأن يفكر في مضي كل نهار ومضي كل ليل بأن ذلك النهار الذي مضى لن يعود بنفسه أبداً ،وإنما كلما عاد من جنسه فإن هو على حساب هذا العمر ،وكذلك هذه اللحظات التي تمر بالإنسان هي التي تسير بالليل والنهار هذا السير السريع.
والصلوات الخمس إنما فيها تذكير للناس بمضي هذه الأوقات، فالإنسان عندما يغدو، ويذهب إلى المسجد ليصلي الفجر يفكر في مضي ليلته ،ثم عندما يأتي وقت الزوال ويذهب إلى المسجد ليصلي الظهر يفكر في مضي هذا الجزء المهم من النهار، وإذا جاء وقت العصر وذهب إلى المسجد ليصلي العصر تذكر أيضاً مقدار الوقت الذي مضى بين الظهر والعصر وأنه أزف النهار أن يرحل عنه، فإذا جاء وقت المغرب وذهب إلى المسجد ليصلي المغرب تذكر أن النهار قد مضى، وأن الليل قد أقبل، فإذا جاء وقت العشاء تذكر بأن جزءاً من هذا الليل قد اضمحل وهكذا في جميع أوقاته، ففي ذلك ما يدعوه إلى التذكر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، فإن وجود الإنسان في هذه الحياة إنما هو وجود استخلاف من قبل الله ،والمستخلف يسأل مستخلفه عما حمله من واجبات وما وكل إليه من الأعمال، فالإنسان مستخلف من أجل عمارة هذه الأرض والقيام بعبادة الله سبحانه وتعالى ،على أن هذه العمارة عندما تكون على الوجه الصحيح الذي يرضي الله سبحانه وتعالى تكون بجميع أشكالها عبادة، وقربة إلى الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى قد مكن للإنسان تمكيناً في هذه الأرض لم يمكن منه أي مخلوق آخر، فنحن نرى انتفاع الإنسان بجميع الكائنات الموجودة في الأرض سواء ما كان على ظهرها أو ما كان في أعماق باطنها، وسواء ما كان منها يشارك الإنسان الحياة والدبيب على ظهر هذه الأرض أو كان جماداً لا يتحرك أو كان نباتياً ينمو كما ينمو الحيوان من حيث النمو ومن حيث كون بقائه إلى أمر محدود، فالإنسان سخر له جميع ذلك والله تبارك (1/5)
صفحة 6
وتعالى يمتن على الإنسان تسخير منافع الأرض له حيث يقول عز من قائل : )هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)(البقرة: من الآية29) بل سخر للإنسان بفضل الله تعالى وبرحمته ما في الكون وفي ذلك يقول تبارك وتعالى: )وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه)(الجاثية: من الآية13) هذا هو عطاء الحق سبحانه وتعالى للإنسان في مقابل أن يقوم الإنسان بخلافة الله تبارك وتعالى في هذه الأرض ،وذلك أن يضطلع بالواجبات الملقاة على عاتقه وأن يقوم بالإصلاح وأن يتجرد لله سبحانه وتعالى ،وهذا التجرد هو كله في حقيقته عبادة لله، ولذلك كانت أنواع الأعمال التي يقوم بها الإنسان في عمارة هذه الأرض بحسب سنن الله ونواميسه وعلى حسب ما شرع الله عز وجل من العبادات التي يتقرب بها إلى الله، ولذلك قال سبحانه وتعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) )مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) )إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)(الذريات 56: 58).فهذا كله من منن الله سبحانه وتعالى التي أسبغها على هذا العبد الضعيف الذي هو أحوج ما يكون إلى فضل الله تبارك وتعالى ورعايته ونعمته وإحسانه وبره . (1/6)
صفحة 7
ولئن كان الإنسان مستخلفاً في هذه الأرض، وعمره محدود فإن كل إنسان يدرك أن عمر الجنس البشري في هذه الأرض عمر محدود جداً ،فمن عمر في هذه الأرض لا يتصور أن يعمر أكثر من مائة عام ،وهذا من عجائب الدهر أن يعمر الإنسان نحو مائة عام، ولكن ربما خيل للإنسان أنه سيعيش مائة عام، وهذا ربما يدغدغ أذهان كثير من الناس بسبب تشبثهم بالآمال مع أن أي أحد لا يدري متى يفجأه ريب المنون، فإن الموت لا يأتي على ميعاد، فكل إنسان محكوم عليه بالموت، فمثل الناس في هذه الحياة كمثل السجناء الذين حكم عليهم جميعاً بالإعدام، وإنما أوقات تنفيذ هذا الحكم متفاوتة، فقد يقوم بعضهم على بعض ولا يدري الإنسان الساعة التي ينفذ فيها الحكم، على أن هذا الحكم ليس حكماً بشرياً، فالحكم البشري قد يتغير لسبب أو لآخر، فقد يتراجع الحاكم بنفسه قبل أن ينفذ هذا الحكم. وإنما هذا الحكم من الله سبحانه وتعالى الذي لا تبديل لكلماته ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. هو حكم على الكل بالموت )كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185) (1/7)
صفحة 8
وهذا يعني أن يكون الإنسان في جميع أوقاته ،ولو كان في عز شبابه أو أوج صحته وقوته، مترقباً للموت، لأن الموت كما قلنا يأتي على غير ميعاد وهو لا يستهدف الضعفاء دون الأقوياء ولا الأصحاء دون المرضى ولا الشيبة دون الشباب، وإنما الكل مستهدف وهو محكوم عليه به. ولكن مع هذا لو خيل للإنسان أن الموت سيمهله حتى يعيش ما يخيل إليه أنه سيعيشه وما يتمناه وهو نحو مائة عام ،فلينظر ما الذي بقي له من هذه المائة التي يتصور أن يعيشها. فإن من بلغ عشر سنوات مضى عليه من المائة عشر سنوات وبقي له منها تسعون عاماً ،ومن مضى له عشرون سنة فإنه بقي له منها ثمانين عاماً ، ومن مضي له منها ثلاثون عاماً بقي له منها سبعون عاماً ، ومن مضي له منها أربعون عاماً يقي له منها ستون عاماً ومن مضي له منها خمسون عاماً بقي له مثلها وهكذا.
ولنقدر أن هذا الإنسان في أوج شبابه وصحته أي هو في سن العشرين مثلاً، ويخيل إليه أنه سيعيش ثمانون عاماً في المستقبل، ما هي هذه الثمانون لو فكر فيها الإنسان وأبصر؟ كيف تتسارع الأعوام وتقضي الليالي والأيام لتطوي صفحات هذه الأعوام، فإن كل مناسبة دورية تدور بدوران العام تذكر الإنسان بذلك، فليفكر الإنسان فيما بين شهر رمضان وشهر رمضان من عام قابل ،يفكر بين دخول العام ودخول شهر المحرم في العام القابل ،ويفكر في نحو شهر ربيع الأول إلى شهر ربيع الأول من العام القابل وهكذا. فإنه يرى كيف تتسارع هذه الأعوام بسرعة مذهلة تفوت حسبان الإنسان ،فجدير به إذن أن يتهيأ للقاء الله وأن يحافظ على هذا العمر.
ولئن كان عمر الإنسان كله بهذا القدر من جسامة نعمة الله تبارك وتعالى به، فإن الشباب له ميزة خاصة بين العمر، لأنه مرحلة متميزة بما فيها من القوة والفتوة وبما يكون فيها من الطموح والسعي إلى معالي الأمور. فلذلك كان جديراً بهذا الإنسان أن يعرف نعمة هذا الشباب ،ومن أجل ذلك يسأل عنه يوم القيامة سؤالاً خاصاً. (1/8)
صفحة 9
ولأن كان هذا الإنسان قد استخلف في الأرض وممتحن من قبل الله تبارك وتعالى، لأن الله تعالى جعل البشر خلائف في الأرض لينظر كيف يعملون ،وهو لم يكلهم إلى أهوائهم ونزعاتهم وغرائزهم، وإنما أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين ليرسموا لهم المنهج الصحيح الذي يسيرون عليه. وقد أتم الله سبحانه وتعالى على عباده النعمة وأكمل هذا المنهج ببعثه عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق الذي جاء به المرسلون من قبل ،ولكن جاء به النبي صلى الله عليه وسلم على أوسع أبوابه وأدق أحكامه وحكمه وأشمل منهاجه ،فهو منهاج يأتي على الدقيق والجليل مما تحتاجه هذه الإنسانية في حياتها الفردية والأسرية والاجتماعية والعلمية والعملية وغيرها إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى، في جميع أحوالها في السلم وفي الحرب وفي الخوف وفي الأمن، في المكره وفي المنشط، في جميع الأحوال. وعلى هذا فإن تبعة هذه الأمة التي بعث فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا المنهاج الرباني تبعة عظيمة ومسئوليتها مسؤولية كبرى.
على أن هذه الخلافة لا يمكن أن يقوم بها الإنسان بواجباتها إلا عندما يكون سائرا على هذا المنهج الصحيح ،ذلك لأنه المنهج الذي يصل بين الدنيا والآخرة، وبين العمل والجزاء، بل ويصل بين المخلوق والخالق بحيث يتلقى هذا المخلوق عن خالقه، ويصل هذا المنهج بين الفرد والأسرة، وبين الفرد والمجتمع، وبين الفرد والأمة، بل يصل هذا المنهج بين الإنسان المستخلف في هذه الأرض وبين وكل ما في هذا الكون الواسع الأرجاء المترامي الأطراف ،فمن هنا كانت الضرورة داعية إلى أن تدرك هذه الأمة المسؤولية العظيمة التي ألقيت على عاتقها. (1/9)
صفحة 10
على أن محافظة هذه الأمة على هذا المنهج وسيرها في هذا الدرب و استمساكها بهذا الحبل سبب لأن تكون قائدة الأمم ورائدة بينها في سبيل الخير ،وهذا ما تحقق فعلاً للسلف الصالح عندما أخذت هذه الأمة بهذا المنهج ولم تفرط فيه، فإن الله تبارك وتعالى مكن لها تمكيناً في هذه الأرض ،ولذلك قادت البشرية بأسرها، فالله سبحانه وتعالى جعل ميلاد هذه الأمة، وتربيتها في ظرف عقدين من السنين، ثم ذلك على يدي سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم تم بحسب ما يقتضيه هذا المنهج الرباني، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله سبحانه وتعالى بشيراً ونذيراً ،وظل بعد بعثته بمكة المكرمة نحو ثلاثة عشر عاماً، ثلاثة أعوام منها لم يؤمر فيها بالدعوة وإنما كانت تمهيداً لحمله هذه الرسالة وانطلاقة بهدايتها في مجتمعه وإلى آفاق الأرض، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة ،وأخذ أفراد قلة يستجيبون لهذا الداعي بين الفينة والفينة ،وأخذ الناس يدخلون في هذا الدين أفراداً لا جماعات ،وقد تعرضوا لما تعرضوا له من الضغوط الكثيرة من قبل أولئك الذين لم ترق لهم هذه الدعوة وأنزلوا على رؤوسهم الويلات ،وحاولوا أن يصرفوهم عن منهج الحق بكل ما أوتوا من قوة، ولكن الله سبحانه وتعالى وعد بأن يظهر نوره وأن يتمه ولو كره المشركون ،فقد أظهر الله تعالى هذا الدين مع تلك التحديات وتلك المكابرات، ثم وصلوا إلى حيث وصلوا، ثم كانت الهجرة فكان ميلاد هذه الأمة بالهجرة إذا انتقلت من كونها أفراداً موزعين مشتتين إلى كونهم جماعة منتظمة متآلفة مترابطة يوحد بينها نظام. (1/10)
صفحة 11
ووجدت دولة يتفيأ المؤمنون ظلالها فأخذت هذه الأمة تضطلع بالأمانة وتتربى على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الهجرة إلى أن قبض الله تعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بعدما أكمل هذا الدين وأتم به على عباده النعمة، فاضطلع الخلفاء الراشدون وسائر المهاجرين والأنصار رضى الله عنهم بهذه الأمانة وانطلقوا بها في أرجاء الأرض من أجل الخروج بهذه الإنسانية الضالة الحائرة من الظلمات إلى النور ،ومن الباطل إلى الحق ،ومن التشتت إلى الإجتماع ،ومن الفساد إلى الصلح فكانت دورة تاريخية لم يشهد التاريخ البشري لها نظيراً.
هذه الدورة جعلت هؤلاء المستضعفين الذين كانوا مشتتين أوزاعاً من قبل في المجتمع المكي ثم اجتمعوا وهم قلة في المجتمع المدني والمجتمع العربي يرميهم عن قوس واحدة هؤلاء الأفراد صاروا هم القادة لهذه الإنسانية، قادوا أمما متحضرة إلى طريق الحق وأذاقوا هذه الإنسانية طعم العدل، واستقامت هذه الإنسانية من خلال هذه القيادة التي لم يعرف التاريخ لها مثيلاً قط ،إذ تلاحمت هذه الإنسانية، وتراحمت في ظل هذه العقيدة السمحة وزال عنها كل ما كان من أسباب العنصرية وأسباب التعصب والخلاف والتشتت ،فلم يكن هنالك فارق بين قوي وضعيف ولا بين عربي وأعجمي ولا بين ذي طبقة وذي طبقة أخرى ،إذ الكل كانوا متآخين في ذات الله سبحانه ،واستفادت الإنسانية من معطيات الحضارة الإنسانية التي لها أبعاد مختلفة في ظل الإسلام دين الله تعالى الحق. (1/11)
صفحة 12
ولكن عندما حصل من هذه الأمة ما حصل من الانهزام النفسي وتخلخل العقيدة وضعف الإيمان وإسلاس القيادة لأعداء الله تبارك وتعالى أخذ زمام قافلة البشرية قوم آخرون فساروا بها في درب الفساد والانحراف. وكان المسلمون بين الركب وهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. لأن الأساس الذي ترتكز عليه نهضتهم ويرتكز عليه وئامهم تلاشى فيما بينهم وهم على مقدرة بأن يستعيدوا هذا الأساس لأن أيديهم مصدر كل خير وسبب كل هداية وهو كتاب الله تعالى الذي لم يفرط الله تبارك وتعالى فيه من شيء كما قال ) مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء)(الأنعام: 38). وفيه تبيان كل شيء، فما أجدر هذه الأمة أن تعود إلى الله سبحانه تعالى.
على أن هذه الأمة وهي تمر الآن بهذه المرحلة الحاسمة الدقيقة الحساسة تواجه غزواً خطيراً، قد كن لفترات مضت في هذه العقود الأخيرة غزواً فكرياً وسياسياً ولكنه الآن أصبح غزواً عسكرياً مسلحاً يستهدف هذه الأمة جميعاً ،وإن كان ذلك تحت شعار محاربة الإرهاب، فإن الأمة بأسرها هي المستهدفة بهذا الغزو ،وهذا يعني إن على الأمة أن تحسب حسابها لهذا الغزو. (1/12)
صفحة 13
ولكن لننظر في هؤلاء الغزاة أنفسهم ما هي حالتهم الآن وما هو وضعهم؟! إن الأمة لو فكرت في أوضاع هؤلاء الغزاة أنفسهم لاكتشفت حقيقة هذا الغزو إنما هو لأجل إضعاف الأمة في وقت أصبح أعداؤها يدركون من أعماق أنفسهم أن نجمهم قد أفل وأن ليلهم قد أقبل وأن اجتماعهم قد أوذن بالشتات والتفرق وأن حضارتهم على وشك الدمار والانهيار ،فإن هذه الأمة هي سنة الله تبارك وتعالى في خلقه ،فقد قامت حضارات أمم من قبل والله تبارك وتعالى قد قص علينا من أنبائهم وأخبرنا بشؤونهم لقد بادت تلك الأمم وهي قد مكن لها في الأرض تمكينا )أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)(الأنعام:6) هذه هي سنة الله تبارك وتعالى في خلقه ،فوضع هؤلاء اليوم إنما هو كوضع الحية الجريحة التي تستجمع سمها لتفرزه في من تغرز فيه أنيابها فلذلك هم يريدون أن يحطموا هذه الأمة، حتى لا تكون هي الوريثة لحضارة هذه الأمة العاتية الكافرة الضالة ،وحتى لا تبني هذه الأمة حضاراتها على أنقاض تلك الحضارة التي أوشكت أن تبيد عما قريب. (1/13)
صفحة 14
ولكنها مهما فعلت لا تستطيع أن تغالب أمر الله سبحانه وتعالى ،والله تعالى لم يجعل قوة هذه الأمة في شؤونها المادية وإنما جعل قوتها قوة روحية ،وهذه الهجمة إن استطاعت أن تحطم البنى التحتية وأن تحطم الأسس المادية لن تستطيع أن تحطم القيم الروحية، فلذلك كان لزاماً على هذه الأمة أن تستدرك الآن فائتها وأن تكتشف هويتها وأن تعرف ماذا ينتظرها ،فإن العالم بأسره الآن أصبح متطلعاً إلى التغيير، فإن رياح التغيير قد هبت، وهذه هي سنن الله، أولئك كثيراً ما ركزوا على ما يسمونه بالإرهاب ومقاومته ومحاولة قطع دابره كما يزعمون. ولكن علتهم ليست فيما يزعمون وإنما علتهم من الداخل، ففساد أسسهم الحضارية بفقدانهم القيم الروحية والأخلاق التي ميز الله تبارك وتعالى بها وشرفه فقدت فيما بينهم لم تعد هنالك قيم روحية، ولم تعد هنالك أخلاق إنسانية ،إنما صاروا يلهثون وراء المادة وهي معبودهم من دون الله سبحانه وتعالى.
على أنهم أعلنوا الحرب على الله تبارك وتعالى وظنوا أنهم قد أوتوا من القوة ما لم يسبقهم إليه غيرهم من الأمم وهذه هي نقطة الضعف فإن الله تبارك وتعالى يقول )إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24) (1/14)
صفحة 15
ويقول ( وَلَقَدْ أَرْسَلنَآإِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ-- فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْوَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ -- فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍحَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ --فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) )سورة الأنعام: 42- 45) فهكذا شأن هؤلاء. لقد جاءتهم آيات الله تبارك وتعالى وجاءتهم نذره، ولكنهم تصامموا ولم يتضرعوا وأُخِذوا بالبأساء والضراء. فإن الله تبارك وتعالى أرسل إليهم صنوفاً من الآيات كما أرسل إلى فرعون وآله، أرسل إليهم من الأسقام والأمراض والبلايا ما لم يكن في الأمم السابقة وأرسل الله تبارك وتعالى إليهم الأعاصير والحرائق وأنواع البلوى و الفتن ولكن مع ذلك لم يذكروا. )فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِه)(لأعراف:165) بتعاميهم عن هذه الآيات وهذه النذر فتحت عليهم أبواب كل شيء بحيث أسلس العالم لهم القياد، ولم يكد العالم يسلس لهم القياد في فترة من فترات الزمن كما أسلس لهم القياد في هذه الفترة القصيرة، وقد فرحوا بما آتوا وظنوا أن كل شيء بأيديهم ،وهنا بدأت تلوح في الأفق إشارات أن يأخذهم الله تعالى بغتة وأن يقطع دابرهم ،وهذا ما تؤذن به الأحوال الموجودة عندهم فإن نهايتهم إنما ستكون بأيديهم ،فهذه المؤسسات الاقتصادية التي عندهم أصبحت تفلس مؤسسة بعد مؤسسة وتتهاوى كأن لم تكن وذلك مما يؤذن بنهايتهم. قبل أمس نشرت الصحف أن العجز في ميزانية الحكومة الفيدرالية الأمريكية بلغ 165 ملياراً هذا مع تهاوي المؤسسات ومن بينها شركة عملاقة لم يعرف لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ولا (1/15)
صفحة 16
غيرها وهذا مما يؤذن بالنهاية. فإذاً ما الذي تنتظره هذه الأمة؟! إنما على هذه الأمة أن تكتشف أمرها وأن تعرف مسؤوليتها، فإن مسؤوليتها مسؤولية عظيمةبأن تأخذ بزمام قيادة الإنسانية إلى الخير وأن تنتشلها من هذا الضياع وأن ترتفع بها من هذه الدركات الهابطة إلى الذرى الرفيعة من القيم والأخلاق والفضائل، عليها قبل كل شيء أن تبين لهذه الإنسانية العقيدة الصحيحة التي تصل بين الدنيا والآخرة وبين العمل والجزاء وبين المخلوق والخالق وبين الإنسان وسائر المخلوقات الأخرى ليعرف الإنسان لماذا وجد؟ ومن أين جاء ؟ وإلى أين يذهب؟ وماذا عليه أن يعمل فيما بين المبدأ والمصير؟ حتى يصل الإنسان إلى ما يطمح إليه من سلامة في الدنيا ومن سعادة في العقبى ،ذلك كله إنما هو منوط برجوع هذه الأمة إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وإلى هدي نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام. (1/16)
صفحة 17
و لا ريب أن هنالك الكثير من البشائر التي تلوح في الأفق تنذر بدمار الظالمين ونصرة المستضعفين وحسبنا ما بينه الله سبحانه وتعالى في كتابه من أحوال الأمم البائدة )وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) )وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص6:5). لقد قال سبحانه وتعالى في كتابه مبيناً أن فرجه إنما يأتي مع استحكام حلقات الضيق والشدة قال )حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110)(َقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف111:110) والله تعالى يقول: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55). ويقول سبحانه وتعالى: ) وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: من الآية40) )الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41) (1/17)
صفحة 18
وكم من آيات في كتاب الله سبحانه وتعالى تنذر بمصارع الظالمين وتنذر بنصرة المستضعفين.
ولا ريب أن هذا إنما يتوقف على الأخذ بأسباب هذا النصر والتمكين ،ذلك يتوقف على عنصرين اثنين: وذلك يتوقف من حيث الدين إلى الرجوع إلى المعتقد الصحيح إلى القرآن الكريم وإلى السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلى جميع قيم الإسلام من غير تفريط في شيء ومن غير تمييز بين شيء وآخر )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36)
و العنصر الثاني: هو الأخذ بالأسباب ،فإن الله تبارك وتعالى جعل المسببات منوطة بأسبابها ،فقد جعل لهذا الكون سنناً ونواميس، هذه السنن والنواميس لا بد من الأخذ بها والاستفادة منها في نهوض هذه الأمة. فإن الله سبحانه وتعالى أرسل نبيه صلوات الله وسلامه عليه بما أرسله به من الدين الحق على أكمل وجوه كما قلنا ،وكانت رسالته صلى الله عليه وسلم أعظم الرسالات ،ولكن مع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص - وهو مأمور من قبل الله تعالى بذلك - أن يلتزم بالأخذ بالأسباب واتباع السنن والنواميس في كل دقيقة وجليلة. (1/18)
صفحة 19
إن الله تبارك وتعالى قادر بأن يظهر نبيه صلى الله عليه وسلم على جميع أعداءه في لحظة من اللحظات من غير احتياج إلى أي قوة مادية ،ولكن الله تعالى أراد أن تظهر هذه الدعوة بحسب ما جعل الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة من سنن ،فلذلك هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من داره إلى دار أخرى يجد فيها مأمناً ويجد فيها أنصاراً ويجد فيها إيواء ،وكذلك أصحابه المهاجرون وكانت هذه الهجرة بطريقة فيها الأخذ بالأسباب ،فالنبي صلى الله عليه وسلم قد تخفى في هجرته ولم يعلنها ،مع أن من أصحابه رضي الله تعالى عنهم كعمر رضي الله تعالى عنه من أعلن هذه الهجرة ولم يتخف عندما هاجر، ولكن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام إنما أراد أن يكون قدوة لغيره في هذه الهجرة حتى تأخذ هذه الأمة بالأسباب في كل شيء ،وكذلك أخبر الله تبارك وتعالى ينزل على نبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60) هذا من الأخذ بالأسباب ومما يجب أن نستفيد منه. (1/19)
صفحة 20
فإذن هذه الأمة مطالبة بأن تأخذ بأسباب القوة والعلم، فعليها أن تنافس غيرها وأن لا تسلس القيادة للآخرين في المجال العملي، بل عليها أن تأخذ من كل علم بنصيب وافر وأن تكون أمة جادة في العمل غير كسولة حتى تستطيع أن تتقدم إلى الصفوف الأمامية، وعليها أن تنمي ما عندها من المواهب والقدرات ،وما أكثر هذه المواهب والقدرات التي تظهر ساعة ثم تختفي. قرأنا أول أمس عن شاب عماني اخترع طائرة أنشأها بنفسه فالأجدر بهذه المواهب أن تنمى وهذه القدرات أن تستغل من أجل ما هو أفضل في المستقبل بمشيئة الله سبحانه وتعالى. أولئك يستقطبون جميع المواهب التي توجد عندهم، وعند غيرهم، يستقطبون مواهب العالم، فكيف تضاع هذه المواهب هذا مع اعتصام الكل بحبل الله تعالى المتين واتباع الكل هذا النور المبين وعدم التفريط في أي شيء على الهدى المستقيم الذي جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نرى كيف عندما بعث الله سبحانه وتعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم كان ذلك التحول السريع الذي لم يشهد العالم له مثيلاً في ظل مدة قصيرة، واستطاع المسلمون أن يقهروا الروم والفرس، واستطاعوا أن يقودوا الشعوب المتحضرة إلى طريق الخير وكان هذا الانتقال في فترة قصيرة تكاد تكون خيالية بمشيئة الله عندما يأخذ المسلمون بالأسباب وإنما هم مطالبون بألا يفرطوا في هذه الأسباب. هم مطالبين كما قلت بكلا الأمرين بعدم التفريط في أمر الله فيما يتعلق بدينه وعدم التفريط أيضاً في أمره بالأخذ بالأسباب فيما يتعلق بأمر الدنيا. لأننا بذلك إنما نجمع ما بين أمري الله تعالى: الأمر المتعلق بالدين، والأمر المتعلق بالدنيا، وفي ذلك كله إحياء لهذا الدين ونهوض بهذه الأمة التي لا يمكنها إلا أن تنهض بالدين الحنيف.
تمت بحمد الله تعالى وتوفيقه ... (1/20)