صفحة 1
الكتاب: الأعمال الكاملة لبدر العبري ج1
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) الأعمال الكاملة لبدر العبري
الجزء الأول
محرم – ذي الحجة 1427هـ
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فيسرني أن أقدم لكم الجزء الأول من أعمالي الكاملة لعام 1427 هـ، والتي تتضمن المقالات والمحاضرات والبحوث والأنشطة والخطب، سائلا الله تعالى أن يعم به الفائدة، والحمد لله رب العالمين.
كتبه بدر بن سالم العبري
وحدانية الله من خلال سورة الصمد
هذه السورة من أعظم سور القرآن الكريم، جاءت مجسدة للحقيقة الإلهية، المنزهة عن الشبيه والمثيل، والمتعالية عن الصفات البشرية القاصرة، ولذا جاء في الأثر أنها تعادل ثلثي القرآن، ولهذا كان بعض الصحابة يكثر من قراءتها في الصلاة، بل بعضهم كان يقرؤها في كل ركعة من ركعات الصلاة.
والله تعالى في هذه الآية يحدد أربعة مقاصد للتعامل مع الذات الإلهية:
- المقصد الأول: أحدية الذات الإلهية.
- المقصد الثاني: صمدية الذات الإلهية.
- المقصد الثالث: تنزه الذات الإلهية عن التوالد والتكاثر.
- المقصد الرابع: تنزه الذات الإلهية عن الشبيه والمثيل.
* المقصد الأول: أحدية الذات الإلهية
وهذا ما نلاحظه في الآية الأولى " قل هو الله أحد "، فاستخدم القرآن لفظة أحد، ولم يستخدم لفظة واحد، وهذا للدلالة على عمومية الأحدية، من هنا يعيش المسلم مع هذه الأحدية المطلقة، ويعانقها بروحه وجسده، ويعيش معها بقلبه وجوارحه، يعيش مع الأحدية في التلقي، ويعيش مع الأحدية في المقصد.
فالمسلم أحدي في تلقيه للأوامر، فهو يراقب أوامر ربه، ولا يتعدى حدوده، حتى لا يقع في غضب الذات الإلهية.
كذلك المسلم أحدي في المقصد، فلا يعمل إلا لله، ويرفض أن يتعدى حدود الله من أجل رضاء فلان من الناس، ولو قطعت جوارحه قطعة قطعة. (1/1)
صفحة 2
بهذه الأحدية يشعر المسلم بالأمن والسعادة والعلو، فهو آمن لأنه مع ربه، وسعيد لأنه طبق أوامر ربه، ويعيش مرتفعا عن الدونية البشرية، لأنه ارتفع بنفسه وجسده إلى الأحدية الإلهية.
* المقصد الثاني: صمدية الذات الإلهية
والصمدية نتيجة من نتائج الأحدية، " الله الصمد " أي المقصود وحده بالعبادة، فالذي ذاق حلاوة الأحدية لا يمكن أن يصرف عبادته للقبور والصخور والعيون، ولا يمكن أن يصلي أو يصوم من أجل فلان وعلان، فهيبة الذات الإلهية تجعل المسلم ينصاع لها، ويخلص لها في العبادة والتوجه.
* المقصد الثالث: تنزه الذات الإلهية عن التوالد والتكاثر
زعمت اليهود أن عزيرا ابن الله، وزعمت النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فكان هذا المقصد ردا عليهم، وتنزيها لله تعالى عن التكاثر والتوالد، فالأحدية الإلهية لا يشبها شيء من مخلوقات الله تعالى، فالله تعالى لم يلد ولم يولد.
* المقصد الرابع: تنزه الذات الإلهية عن الشبيه والمثيل
لقد شبه اليهود ربهم، وأضافوا إليه صفات بشرية، كما يظهر من التلمود والعهد القديم، وفاق النصارى في التشبيه والتجسيم، حتى أصبح الله في صورة رجل شاب، كما يظهر في كتبهم ورسوم كنائسهم.
وقد كانت الأمة في أمن من هذا الغثاء، لاتحاد مصدرها في التلقي، فقد كانت تأخذ من القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعملت بمقصد التنزيه المطلق لله تعالى، وفهمت قرآنها كما أراده الله تعالى، إذ أنزله بلسان عربي مبين.
وعندما انتشر المد الروائي بين الأمة، وكثر الهرج والمرج فيه، ترك بعض المسلمين كتاب ربهم، واتبعوا روايات من المشرق والمغرب، وحملوها على القرآن، وجعلوها أصلا والقرآن فرعا، وهكذا انتشرت روايات التشبيه والتجسيم، فظهرت المجسمة الزاعمة أن لله يدا كأيدنا، وعيننا كأعيننا، وما شابه ذلك، وظهرت المشبه المثبتة لله صفات بشرية، مع تفويض معناها إلى الله تعالى. (1/2)
صفحة 3
والصفات الإضافية لا يراد بها ذات الصفة، ولكن يراد بها معنى آخر، وهذا موجود في جميع اللغات، فالله تعالى عندما يقول " تجري بأعيننا " لا يريد بالعين العين الجارحة، ولكن استخدمها كناية عن القوة، وهذا يفهمه الجاهل والصغير، فضلا عن المتبحر في علوم اللغة والشريعة.
فلا بد أن ننزه الذات الإلهية من مشابهة خلقه، لنحقق الأحدية التي يريدها الله تعالى، وبها نتذوق حلاوة السعادة والطمأنينة.
العلاج القرآني للزنا والقذف من خلال سورة النور
من الآية (1) وحتى الآية (5)
يسرنا في هذا الدرس أن نتأمل في سورة النور ومع الجزء الأول، هذه السورة من السور العظيمة التي جاءت لتقوية الجوانب الأخلاقية والاجتماعية، لذلك كان السلف يحفظونها نسائهم، واليوم نحن بحاجة إلى حفظها ذكورا وإناثا.
في هذا الجزء من السورة يظهر لنا جانبان مهمان لهما تأثير في المجتمع، وقد ركزت السورة على علاج هذين الأمرين، والجانبان هما الزنا والقذف، فهذان الجانبان يفسدان العلاقات الاجتماعية، وبسببهما تعم الفتنة بين المؤمنين، وتقل جوانب الثقة بينهم، وينتشر الانحراف في المجتمع، وفي هذا الدرس نتطرق إلى النظرة القرآنية في علاج هذين الجانبين.
- النظرة القرآنية في علاج الزنا
نلاحظ من خلال النصوص القرآنية التكامل في العلاج، سواء كان من حيث سد ذرائع الفساد، أو من حيث إيجاد البديل، ونلاحظ في القرآن أنه يتعامل مع الإنسان كإنسان يصيب ويخطأ، له غرائز وشهوات، وهذه فطرة الله في الإنسان، من هنا يجب أن يكون العلاج متلائما مع الطبيعة البشرية، من هنا يحذر الله من الرهبانية ويدعو إلى الزواج، بل ويأمر بتزويج الفقراء، فالفقير يجب أن يساند في حوائجه البشرية بما في ذلك حاجته إلى سد غريزة الجنس " وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم". (1/3)
صفحة 4
كذلك يرفع الله الإنسان عن المنزلة الحيوانية، فالإنسان يختلف عن الحيوان بما كرمه الله من نعمة العقل، فلا معنى أن تنزل درجته، وللأسف أن تبنى بعض النظريات المعاصرة المتعلقة بالإنسان على الطبيعة الحيوانية، وهذا ما وقعت فيه نظرية فرويد، مع أن فرويد من العلماء الذين كرسوا جهدهم في حل الكثير من المشاكل التي يعانيها الإنسان في حياته كالاضطرابات النفسية، ومن الحلول التي حاول أن يجعلها حلا لهذه الاضطرابات الحرية الجنسية، من خلال الطبيعة الحيوانية للإنسان، مما أوقعت الغرب في واد من الإباحية الجنسية، وانتشار الأمراض البدنية والنفسية، فضلا عن آثارها الاجتماعية والاقتصادية والتعليمة، وذلك لأن حلول فرويد – مهما كانت أهميتها من الناحية العلمية والفلسفية – إلا أنها تعتبر قاصرة، لأنها بعيدة عن النواميس الربانية، العالم بالطبيعة البشرية، قد عانى الغرب بعد فترة قصيرة من شيوع هذه النظرية، مثلا تشارلز دافي ألف كتاب " مشكلات الشباب " مبينا آثار هذه النظرية على إنجلترا، وقد ألف الكتاب عام 1959م، أي بعد أقل من ربع قرن من شيوع نظرية فرويد، يقول مثلا في الصفحة (41): " من سجلات الأخصائيين الاجتماعيين، والمشرفين في المدارس العليا، بل من دفاتر الأطباء، وسجلات أقسام البوليس، ثبت أن هناك 272 حالة اغتصاب من النساء والفتيات قد وقعت خلال عام واحد في ويلز وانجلترا، ومن المؤسف أن مرتكبي كل هذه الحوادث كانوا فتيان لا تزيد أعمارهم عن الرابعة عشرة "، فكيف لو كان المؤلف حيا إلى وقتنا الحالي ورأى ما يحل بالعالم أجمع من جراء الفلسفات المعاصرة، البعيدة عن الخط الإلهي.
كذلك نجد القرآن كما أمر بتسهيل الزواج واعتبره بديلا عن الزنا، وفي المقابل شدد من الاقتراب إلى الحرام، وأغلق جميع الوسائل المؤدية إليه، من التبرج والسفور، والنظرة المحرمة، والاختلاط المحرم، كل هذا لضمان أمن المجتمع، ولحمايته من جراثيم الانحراف. (1/4)
صفحة 5
ومع هذا يدرك القرآن أن هناك أناسا قلوبهم مريضة، ولا يمكن إصلاحهم بالوعظ والإرشاد، والتخويف والتهديد، وبعض هؤلاء لا يهدأ لهم بال إلا بنشر الفاحشة، وإشاعة المنكر، ليسهل عليهم الأمر في اقتراف المحرمات، من هنا جاء تشريع الحد، وفي هذه الآيات يشير القرآن إلى حد الزاني غير المحصن " والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهم مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ".
وبهذا التشريع الرباني يعيش المجتمع في أمن واطمئنان، يخرج الإنسان من بيته وهو آمن في نفسه وعرضه، وما انتشار الخوف والقتل اليوم إلا نتيجة البعد عن العلاج الرباني، بل عم العالم اليوم بسبب الاستهتار بهذه المحرمات الأمراض المخيفة، وفي مقدمتها مرض الإيدز القاتل، فقد أشارت منظمة الصحة العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدة أنه أصيب بهذا المرض في عام 2004م أربعة ملايين نسمة، وفي عام 2005م أصيب به خمسة ملايين نسمة، أي الزيادة بين العامين بمعدل مليون نسمة، فكيف يكون مصير العالم بعد خمسين سنة!!!، بل دلت الإحصائيات الآن أن المرض ينتشر بمعدل ست ثواني، هذا نتيجة البعد عن الخط الإلهي، فمتى يفيق النائمون، ويتدبروا في كتاب ربهم.
- النظرة القرآنية في علاج القذف
أعطى القرآن الإنسان الحرية في حياته الدنيوية، واعتبر حرية الفرد من الجنس البشري محدودة، أي أنها لا تتعدى حريات الأفراد الآخرين من بني جنسه، بل لا تتعدى حريات المخلوقات الأخرى، فالإنسان له الحرية في الكلام، أباح الله له الكلام الطيب، ولكن لا يعني هذا أن يسلط لسانه على الآخرين بالسب والقذف والجرح، فهذا تعدٍ محرم، فحريتك أيها الإنسان مهما كنت في المنزلة تبقى محدودة. (1/5)
صفحة 6
من هنا حفظ الله كرامة الإنسان من أن تهان، ذكرا كان أم أنثى، صغيرا أم كبيرا، أبيضا أم أسودا، فحرم المساس بأعراض الآخرين، وشرع حد القذف لمن لا يرتدع بالزجر والتهديد " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وألئك هم الفاسقون ".
من هنا ندرك أن حفظ المجتمع وأمنه لا يسود إلا من خلال تعاليم رب السماء.
شعبان طريقك إلى رمضان
غدا بمشيئة الله تعالى أول أيام شعبان وبقي بذلك شهر واحد ويدخل علينا رمضان، فإدراكنا لشعبان فرصة عظيمة لاستغلال رمضان، من هنا جاء في الأثر (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان).
وكان السلف يحيون شعبان من أجل ترويض أنفسهم فتكون مستعدة لاستغلال رمضان اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كما روت عائشة أنه عليه الصلاة والسلام يصوم في شعبان حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان، وعندما سأله أسامة بن زيد عن علة كثرة صيامه في شعبان قال: ذاك يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.
وكانت السيدة عائشة – رضي الله عنها – تؤجل صوم قضاءها إلى شعبان رغبة في إدراك فضل شعبان، من هنا ينبغي للمسلم أن يستعد لرمضان من خلال استغلاله لشعبان ووضع جدولة لأعماله في رمضان، و هناك عدة طرق يمكن إتباعها وهي:
1 - تقوية العلاقة بالله تعالى ورسوله بالتوبة الصادقة والالتزام بالشريعة والبعد عن المخالفات.
2 - محاسبة النفس عن العشرة الشهور الماضية أي ما بعد رمضان الماضي ... كيف كانت علاقة النفس مع الله تعالى.
3 - وضع جدولة لاستغلال رمضان سواء كان مع النفس أو الأسرة أو الحي الذي يسكن فيه.
4 - التفقه في أحكام رمضان وسؤال أهل الذكر فيما أشكل عليه.
5 - تقوية الصلة مع الوالدين والأرحام والجيران والناس من حولك. (1/6)
صفحة 7
6 - رد الحقوق إلى أصحابها والتخلص من الأمور المالية المحرمة.
7 - وضع جزء من المال للفقراء والمحتاجين، والتفقه في أحكام الزكاة وخاصة زكاة المال والفطر.
وأخيرا أنبه أن من الصيام المحرم في شعبان صيام يوم الشك وهو يوم الثلاثين وبعضهم حكا الكراهة، وقيل غير ذلك، والمفتى به التحريم، ومن البدع التي تحدث في شعبان بدعة إحياء ليلة النصف من شعبان على اعتبار أنها ليلة مباركة وفيها حولت القبلة وهذا لم يرد فيه دليل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم والأصل في العبادات الاتباع لا الابتداع.
الخلاصة / ينبغي جعل شعبان محطة وقوف لمحاسبة النفس مع وضع الخطط؛ حتى يدخل رمضان وقد روض المسلم نفسه على فعل الطاعات، فيجني ثمرة ذلك في رمضان بإذن الله تعالى.
طرق الاستعداد لرمضان
* فضائل شهر شعبان
لا شك أن شهر شعبان فرصة عظيمة للاستعداد لرمضان، وهو آخر محطة يقفها المسلم قبل رمضان، فحري بالمسلم أن يجعل من شعبان محطة لمحاسبة النفس وترويضها على الطاعة والعمل، من هنا جاءت الروايات المسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم والسلف مشيرة إلى اهتمامهم بهذا الشهر المبارك، وهنا نورد بعضها:
• عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ). (1/7)
صفحة 8
• عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: (كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلاً).
• عن عَائِشَةَ قالت: (كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ).
• دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ” اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان“.
• استعداد السلف لشهر رمضان قبل ستة أشهر من قدومه، واستغلالهم لشهر شعبان خاصة.
* شعبان طريقك إلى رمضان
كان السلف يحيون شعبان من أجل ترويض أنفسهم فتكون مستعدة لاستغلال رمضان اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم كما روت عائشة أنه عليه الصلاة والسلام يصوم في شعبان حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما منه في شعبان، وعندما سأله أسامة بن زيد عن علة كثرة صيامه في شعبان قال: "ذاك يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم".
وكانت السيدة عائشة – رضي الله عنها – تؤجل صوم قضاءها إلى شعبان رغبة في إدراك فضل شعبان، من هنا ينبغي للمسلم أن يستعد لرمضان من خلال استغلاله لشعبان ووضع جدولة لأعماله في رمضان، و هناك عدة طرق يمكن إتباعها وهي:
1. تقوية العلاقة مع الله تعالى ورسوله بالتوبة الصادقة، والالتزام بالشريعة، والبعد عن المخالفات.
2. محاسبة النفس عن العشرة الشهور الماضية أي ما بعد رمضان الماضي، كيف كانت علاقة النفس مع الله تعالى. (1/8)
صفحة 9
3. وضع جدولة لاستغلال رمضان سواء كان مع النفس أو الأسرة أو الحي الذي تسكن فيه.
4. التفقه في أحكام رمضان وسؤال أهل الذكر فيما أشكل عليك.
5. تقوية الصلة مع الوالدين والأرحام والجيران والناس من حولك.
6. رد الحقوق إلى أصحابها والتخلص من الأمور المالية المحرمة.
7. وضع جزء من المال للفقراء والمحتاجين، والتفقه في أحكام الزكاة وخاصة زكاة المال والفطر.
* الجدول العملي المقترح في نهار رمضان
وهذا قد يكون مع النفس والأسرة والمجتمع، وينبغي التعود عليه من شعبان.
# أولا مع النفس
1. قبل الفجر بقليل صلاة التهجد.
2. تناول وجبة السحور.
3. قراءة ورقتين (أربع صفحات) (1) من المصحف بين سنة الفجر والفريضة.
4. المحافظة على أذكار الصباح بعد الصلاة.
5. قراءة ورقة من المصحف قبل صلاة الظهر وورقة بعد صلاة الظهر.
6. صلاة العصر وقراءة أربع ورقات بعدها.
7. المحافظة على الدعاء مع أذكار المساء قبل أذان المغرب.
8. تناول وجبة الفطور.
9. قراءة ورقتين من المصحف قبل صلاة التراويح.
10. جدول الزيارات والرياضة.
11. قراءة كتيب بسيط قبل النوم المبكر.
12. المحاسبة.
# ثانيا: مع الأسرة
1. إحياء سنة التهجد في البيت.
2. إقامة حلقة تلاوة في الفترة الصباحية.
3. إقامة حلقة علمية في الفترة المسائية.
4. إنشاء صندوق للتبرعات، ويستحب أن يترك للأولاد في توزيعه واختيار الفقراء.
5. إقامة جدول زيارات يومي أو أسبوعي على الأقل.
6. قراءة أدعية الطعام والشراب بشكل جماعي.
7. إقامة مسابقات رمضانية في الأسرة.
8. المحاسبة.
# ثالثا: مع المجتمع
1. إقامة حلقة تلاوة.
2. إقامة حلقة علمية.
3. إقامة صندوق للتبرعات.
4. إقامة جدول للزيارة في المنطقة.
5. إحياء سنة الاعتكاف.
__________
(1) وذلك لأن المصحف يتكون من ثلاثين جزءا، والجزء – حسب المصحف المنتشر اليوم – مكون من عشر ورقات، أي من عشرين صفحة، فتقسم الورقات على اليوم، مع التدبر في قراءة القرآن. (1/9)
صفحة 10
6. إقامة أنشطة ترفيهية في المجتمع.
7. الاهتمام بالناشئة.
8. إحياء سنة التهجد.
الاستعداد لشهر الصيام
الحمد لله الذي شرع لنا الصيام, وجعله فرضا على الأنام, و الصلاة والسلام على خير من صلى و صام, وأدى الشعائر العظام, و على آله و صحبه الكرام, و على تابعيه بإحسان إلى يوم القيامة للمالك العلام.
أشكر اللجنة المنظمة لهذه الأمسية، كما أني أشكركم على هذا الحضور، في هذا المكان الطيب، والليلة المباركة.
قبل أن أبدأ في المحاضرة أضرب لكم مثالا واحدا، تصوروا لو أن طالبا من الطلاب لم يذاكر دروسه إلا عند اقتراب موعد الامتحانات ماذا تكون النتيجة؟ إما ضعف في الدرجات! أو سقوط في بعض المواد! إلا من رحم الله، وهذا قليل ....
كذلك الذي لا يستعد لاستقبال الشهر العظيم لن يستطيع تأديته كما ينبغي، وقد يتكاسل عن العبادة في منتصف الشهر الثاني؛ لأنه لم يتعود على الطاعة، من هنا يجب ترويض النفس على الطاعة قبل دخول الشهر، وترويض النفس يكون على ثلاث محطات:
1 – الاستعداد الديني.
2 – الاستعداد النفسي.
3 – الاستعداد العملي.
- المحطة الأولى: الاستعداد الديني:
كما تعلمون أيها الأخوة أن شعبان طريق من طرق الفوز في رمضان، لو استغل استغلالا جيدا لكان الفوز في رمضان أقرب إلى الحصول بإذن الله تعالى، من هنا ينبغي أن نستغل شعبان بالمحاسبة عما قدمنا في الأيام الماضية، وبترويض النفس على الطاعة والأنفاق في سبيل الله، والتخلص من التبعات، وعلى العموم توجد عدة طرق لاستغلال هذه الأيام دينيا نذكر منها:
1. تقوية العلاقة مع الله تعالى ورسوله بالتوبة الصادقة والالتزام بالشريعة والبعد عن المخالفات.
2. محاسبة النفس عن العشرة الشهور الماضية أي ما بعد رمضان الماضي ... كيف كانت علاقة النفس مع الله تعالى.
3. وضع جدولة لاستغلال رمضان سواء كان مع النفس أو الأسرة أو الحي الذي تسكن فيه من خلال المسجد. (1/10)
صفحة 11
4. التفقه في أحكام رمضان وسؤال أهل الذكر فيما أشكل عليك.
5. تقوية الصلة مع الوالدين والأرحام والجيران والناس من حولك.
6. رد الحقوق إلى أصحابها والتخلص من الأمور المالية المحرمة.
7. وضع جزء من المال للفقراء والمحتاجين، والتفقه في أحكام الزكاة وخاصة زكاة المال والفطر.
- المحطة الثانية: الاستعداد النفسي:
التفاؤل والعزيمة أساس المنافسة في الشهر الفضيل، من منا لم يبتعد قليلا عن الله؟ من منا لم يرتكب المخالفات الشرعية؟ من منا لم يقصر في جناب الله؟
إذا كلنا أخطأنا في حق الله!!! فشهر رمضان فرصة للعودة والرجوع وهذا يحتاج إلى:
1 – إكبار النفس:
أي أن تعطي نفسك الدافع المعنوي، فنفسك قادرة فعلا على صيام الشهر، وقادرة على تحقيق الفوز في هذا الشهر بإذن الله تعالى.
2 – البدء بالقليل مع العزيمة الجادة:
النفس كالطفل تحتاج إلى رعاية، وهذا لا يكون دفعة واحدة، فلا بد من التدرج، ولا بد من النظام، ولا بد من ترتيب الأولويات.
- المحطة الثالثة: الاستعداد العملي:
وهذا يحتاج إلى وضع جدولة مع النفس والأسرة والمسجد مع المحاسبة اليومية على الأقل مع محاولة التطبيق في بعض الأمور قبل الشهر الفضيل، ويقترح في هذا مثلا:
أ/ وضع تصور عن العمل يومي، بداية مع النفس، ويمكن أن يكتب في ورقة مثلا:
1. قبل الفجر تصلي صلاة التهجد وتكثر من الدعاء.
2. تناول وجبة السحور.
3. قراءة ورقتين (أربع صفحات) من القرآن بين سنة الفجر والفريضة.
4. المحافظة على أذكار الصباح بعد الصلاة.
5. قراءة ورقة من المصحف قبل صلاة الظهر وورقة بعد صلاة الظهر.
6. صلاة العصر وقراءة أربع ورقات بعدها.
7. المحافظة على الدعاء مع أذكار المساء قبل أذان المغرب.
8. تناول وجبة الفطور.
9. قراءة ورقتين من المصحف قبل صلاة التراويح.
10. جدول الزيارات.
11. قراءة كتيب بسيط قبل النوم المبكر.
12. وقفة المحاسبة.
كذالك مع الأسرة مثلا: (1/11)
صفحة 12
1. إحياء سنة التهجد في البيت.
2. إقامة حلقة تلاوة في الفترة الصباحية.
3. إقامة حلقة علمية في الفترة المسائية.
4. إنشاء صندوق للتبرعات، يعود فيه الأطفال على التبرع، مثلا يضعون فيه خمسا وعشرين بيسة من مصروفهم الشهري، وفي نهاية رمضان يؤمرون بتوزيعه على الفقراء.
5. إقامة جدول زيارات يومي.
6. قراءة أدعية الطعام والشراب بشكل جماعي.
7. إقامة مسابقات رمضانية في الأسرة.
8. المحاسبة.
كذلك في المسجد الذي تصلي فيه مثلا:
1. إقامة حلقة تلاوة في المسجد.
2. إقامة حلقة علمية.
3. إقامة صندوق للتبرعات.
4. إقامة جدول للزيارة في المنطقة.
5. الاهتمام بالناشئة.
6. إحياء سنة التهجد في جماعة إذا أمكن.
7 - إقامة أنشطة ترفيهية في الحي.
ركائز النجاح في رمضان
للنجاح في رمضان لا بد من ركائز يتبعها الصائم، من هذه الركائز:
# الإخلاص
يقول الحق تبارك وتعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا "، فالإخلاص أس العبادة في الإسلام، وبدونه تتحول العبادة إلى غبار متناثر لا فائدة منه، وكلما أخلص العبد كان أقرب إلى النجاح في مقصده دنيا وأخرى، فبإخلاصك في صيام الشهر والاجتهاد فيه كنت أقرب إلى النجاح والتوفيق، والقبول والرضوان.
# ترويض النفس (1/12)
صفحة 13
قديما قيل: والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، ونلاحظ كثيرا من الناس في بداية رمضان يجتهدون في المسابقة في أعمال الخير وهذا أمر طيب، ولكن ما إن يتقدم رمضان إلا ويبدأ التناقص في المنافسة، وهذا شيء طبيعي لأن النفس لم تروض على هذا الأمر، فالذي يريد النجاح في دراسته لا بد من ترويض النفس على المذاكرة، وإلا ثقل عليه أمر المذاكرة عند الامتحانات، وكان مصيره الفشل في دراسته، كذلك الذي يريد الفوز في رمضان لا بد من ترويض النفس عل أعمال البر، والتدرج في الطاعة، من هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدرج في الطاعة في رمضان، حتى إذا ما دخلت العشر الأواخر يكون قد روض نفسه فأكثر من الصالحات والطاعات.
# التفاؤل
ذهب رمضان الماضي , ومرت أيام و ساعات, وها نحن في شهر الصيام من جديد ....
كم قصر الواحد منا في جنب الله، و كم أخطانا في حقه, و كم بعدنا عن بابه ...
ومع هذا باب الأمل مفتوح, وباب الرجاء لا يغلق, فها هي هدية الله ورحمته, تعلن أن لا باس من روح الله, و لا قنوط من رحمته، فشمر أخي في الله عن ساعدك, و اقبل إلى ربك, و ظن خيرا بخالقك ....
فو الله الذي لا رب سواه لو جئت قبل رمضان و ذنوبك مثل حيال الدنيا, جئت بقلب ذليل خاضع لله, وأنت عازم للرجوع إليه, لبدل الله سيئاتك حسنات, وتقبل صيامك, و كنت من عتقاء الشهر إن شاء الله ....
فإلى متى الغفلة, وإلى متى التعلق بالدنيا و الشهوات ..
فالأوبة الأوبة, و الرجعة الرجعة, حتى لا يفارقك الشهر و أنت في غفلة و بعد عن الديان.
قل للذي ألف الذنوب و أجرما ... فغدا على زلاته متندما
لا تيأسن من الجميل فعندنا ... فضل ينيل التائبين تكرما
يا معشر العاصين جودي واسع ... توبوا و دونكم المنى و المغنما
لا تقنطوا فالذنب مغفور لكم ... إني الجدير بان أجود و أرحما
((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا)). (1/13)
صفحة 14
# الركيزة الثالثة: التنظيم والتدرج
لا بد من التنظيم في جميع الأمور، خاصة في الأمور العبا دية، ولا بد من التدرج في ترويض النفس، وهذا ما سنلاحظه في العنصر الأخير.
أمة اقرأ
" أمة تقرأ أمة ترقا، أمة تلعب أمة تذهب " شعار ينبغي أن نقف معه وقفات ووقفات، في السابق كنا أمة أقرأ، واليوم أصبحنا أمة اللعب والمسلسلات، إن تدني مستوى الثقافة في بلادنا له عواقب خطيرة إن لم نقف جميعا لعلاجه، من هنا أحببت في هذا اللقاء أن أقف مع هذا الأمر، لنقدم له بعض الحلول، وسنتحدث في هذه الدورة حول خمسة عناصر:
1. أهمية القراءة.
2. العلل المثبطة للقراءة.
3. أسس عامة في القراءة.
4. أقسام القراءة.
5. القراءة عن طريق التلخيص.
*أهمية القراءة
للقراءة أهمية عظيمة تعود للفرد ذاته، وتنطلق إلى المجتمع الذي يعيش فيه، والبيئة التي ينتمي إليها.
• أهمية القراءة للفرد: لا شك كما أن الإنسان بحاجة إلى رياضة لبدنه، كذلك هو بحاجة إلى رياضة لعقلة، ولذلك تشير الإحصائيات أن المثقفين والعلماء أقل عرضة للوقوع في الجنون، أو ضعف العقل في حالة تقدم السن، وبالقراءة يستطيع الفرد التعامل مع الحياة واتجاهاتها، ويستطيع التعبير عن مستجدات الحياة بكل عقلانية ومنطقية، ويستطيع إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجهه في الحياة.
• أهمية القراءة في المجتمع: رقي المجتمع مبني على رقي أفراده، ولا يمكن أن يرقى مجتمع وأفراده منغمسون في أوحال الجهل، من هنا المجتمعات الراقية تسعى لتثقيف أبنائها، ويذكرنا هذا بالرجل الذي يعمل في الولايات المتحدة الأمريكية، فعندما ألحق ابنه بإحدى المدارس هناك، تعجب من أمر ما في المدرسة، ألا وهو أنهم يطلبون في السنة الواحدة أن يقرأ الطالب ما لا يقل عن (250) كتابا، وهذا ناتج عن إدراك أن رقي الوطن مرهون برقي أبنائه المتكامل، القائم على حب القراءة والإبداع. (1/14)
صفحة 15
• الأمة: ذكر السيد هلال هلال في كتابه " اعتقال العقل المسلم " في حين كان المسلمون منغمسين في كتب السحر والجان والشعوذة والكرامات، كانت أوروبا تترجم عشرات الكتب العلمية ككتب ابن سينا والفارابي من اللغة العربية إلى اللاتينية، فتضع هذه الكتب في أيدي القارئ الغربي، مما أدى إلى تقدم أمتهم، وتأخر أمتنا، فقلة القراءة وإعمال العقل في هذه الأمة نتج عنه تأخر هذه الأمة قرونا من الزمن.
*العلل المثبطة القراءة
1. عدم الوقت، فكل وقتي مزحوم بالأعمال، ولا يوجد فيه متسع للقراءة، وهذا ناتج عن سوء التنظيم في الحياة، وعدم وضع جدولة واضحة في ترتيب أعمال اليوم، وضعف التفريق بين ما هو أولوي وثانوي.
2. ظروف الأسرة، فالصباح في العمل والمساء مع أسرتي، وهذا في مجمله داخل في العنصر الأول.
3. العمل أخذ وقتي في النهار، فجسمي غير مهيأ في المساء للقراءة، وهذا ناتج من التقليل بأهمية القراءة، فلو جعلنا القراءة جزء من حياتنا لما تذبذبت أمام العمل والأسرة.
4. لم أتخذها هواية لي، وهذا خطأ كبير، فالقراءة غاية وهدف لا هواية.
* أسس عامة للقراءة
1. الإدراك بكونك فرد من هذه الأمة فأنت على ثغر من ثغورها ولبنة من لبنات هذا المجتمع ولن تستطيع أن تؤدي هذه الوظيفة ما دمت جاهلاً.
2. اتخذها غاية وهدفاً.
3. حاول أن تنمي قراءتك في المجال المتخصص فيه.
4. نظم جدولك وابدأ بالأولويات.
*أقسام القراءة
1. قراءة عمودية وقراءة رأسية.
القراءة العمودية = القراءة السطحية [القراءة الهامشية]، وهذه قد يحتاج إليها الباحث، وقد يمارسها الرجل العادي في قراءته للصحف والمجلات والروايات. القراءة الرأسية = القراءة العميقة، وهذه في الجملة هي القراءة المطلوبة، فليس العبرة بكثرة الصفحات والكتب التي تقرأها، وإنما العبرة بالفائدة التي تجنيها من القراءة.
2. للقراءة العميقة لا بد من أمرين:
أ- تحديد المجال الذي تحب أن تقرأ فيه.
ب- اختيار الكتاب. (1/15)
صفحة 16
3. طرق القراءة:
أ- قراءة الكتاب كاملاً مع فهم ما فيه.
ب- القراءة عن طريق التلخيص (مهمة جداً خاصة للمبتدئين)
طرق القراءة عن طريق التلخيص
1. اقرأ المقدمة والفهرس لتكون لديك صورة واضحة عن الكتاب، (مثال تطبيقي: كتاب مازن بن غضوبة للدكتور مبارك الراشدي.
2. ابدأ بالفصل الأول وستجده مقسماً إلى مباحث أو مطالب وبعض الكتّاب لا يستخدم هذه التقسيمات.
3. اختر الفقرة الأولى (واختر منها الفكرة الرئيسة والأفكار الثانوية، مثل الفقرة الأولى من الكتاب المذكور في باب عمرو بن العاص وكتّاب النبي عليه السلام ص 37: (سبق أن ذكرنا أن بداية إسلام أهل عمان كانت على يد مازن إذ كان داعية إلى سبيل الله قبل ورود كتّاب النبي إلى أهل عمان ويذكر المؤرخون العمانيون أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب رسالتين إلى عمان الأولى منها موجهه إلى أهل عمان كافة والثانية إلى عبد وجيفر ابني الجلندى)
نلاحظ من الفقرة:
الفكرة الرئيسة: سبب إسلام أهل عمان.
الأفكار الثانوية:
1) إسلام أهل عمان على يد مازن بن غضوبة.
2) رسائل الرسول –صلى الله عليه وسلم- إلى أهل عمان.
وهكذا واصل تلخيصك لباقي الفقرات وبعد ما تنتهي من الفصل أو الباب، جمّع الأفكار الرئيسة والثانوية.
4. ثم أكتب بأسلوبك هذه الأفكار.
5. والخطوة الأخيرة: كتابة الملخص.
مثلا: كتاب حديث الروح لسيد قطب.
1. اكتب مقدمة تعرف القارئ عن الكتاب ومؤلفه والعصر الذي عاش فيه حتى تربط بين المعلومات.
2. اكتب الملخص مع مراعاة أصول التلخيص وهذا على طريقتين:
1. الطريقة الرقمية، أي على شكل أرقام ونقاط.
2. الطريقة الإنشائية، وهذا ما يعبر عنه بالتعبير الإنشائي.
3. نقدك للكتاب إن كان لديك نقد مع ظهور رأيك فيه إن أمكن، وهذا مهم، فالقارئ لا بد أن يعمل عقله في قراءة الكتاب.
4. مدى استفادتك من الكتاب.
الشائعات وخطرها على المجتمع
مقدمة (1/16)
صفحة 17
للشائعات دور كبير في تفكك المجتمع، وانتشار العداوة والفرقة بين أبنائه، فكم من قطيعة حدثت بسبب شائعة، وكم من دماء أريقت بسبب الأكاذيب والشائعات، من هنا أحببت أن ألقي الضوء حول هذا الموضوع، مبينا الأسباب والحلول، وقد قسمت الدورة إلى خمسة عناصر:
• القواعد الأربع للتعامل مع الشائعات في منظور الإسلام.
• الشائعات في التاريخ.
• أسباب انتشار الشائعات.
• أثر الشائعات على الفرد والمجتمع.
• العلاج.
* القواعد الأربع للتعامل مع الشائعات من منظور الإسلام
# القاعدة الأولى: " لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين "، وهذه الآية جزء من سورة النور، التي تتضمن آيات تبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، عندما خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق في السنة الثانية للهجرة، وقد كانت خفيفة الوزن، وأثناء تمركز القافلة عندما أرادوا الرجوع إلى المدينة خرجت عائشة تبحث عن عقد فقدته فتأخرت في بحثها له، فظن الصحابة أنها في هودجها لخفتها فرجعوا، وعندما رجعت لم تر أحدا فأخذها النوم ولم تستيقظ إلا على ترجيع – أي قول إنا لله وإنا إليه راجعون – صفوان ابن المعطل، فأمر أن تركب الراحلة، فعندما وصلا المدينة استغلها المنافقون فرصة في قدح عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتشر الهرج والمرج حول هذه القضية، ووقع فيها بعض الصحابة، وتعليما من الله لعباده لم ينزل التبرئة إلا بعد شهر، معلّما عباده بضرورة حسن الظن، والتأكد في نشر الخبر. (1/17)
صفحة 18
# القاعدة الثانية: ” يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين "، وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة عندما أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم لجمع الزكاة من قبيلة الحارث بن ضرار، خاف على نفسه، فرجع وادعى أنهم ارتدوا وامتنعوا عن إخراج الزكاة، فأشار بعض الصحابة بقتالهم، فنزلت هذه الآية مؤكدة في ضرورة التحري في الأخبار، حتى لا تزهق أرواح الأبرياء، كما يحدث الآن في أرض العراق التي أزهقت ألاف الأرواح بسبب شائعة الترسانة النووية التي أشاعتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها.
# القاعدة الثالثة: " إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون "، والتقول على الله شرك عند بعض أهل العلم، والعجب أن يكثر التقول على الله اليوم عن طريق الهاتف النقال، فقد يرسل إليك شخص رسالة مضمونها انشر لا إله إلا الله عشر مرات، وإن نشرتها سوف يحصل لك كذا، وإن لم تنشرها يحصل لك كذا، وهذا كذب صريح، وتقول على الله بلا وحي أو علم، وهذا ما نلاحظه في نشر أوراق أحمد خادم المسجد النبوي، المتضمنة الأكاذيب لإرشاد الناس، ويذكرنا هذا بالوعاظ الذين وضعوا عشرات الروايات من أجل جذب الناس إلى الدين، والحقيقة: في كتاب غنى لمن أراد إرشاد الناس إلى الحق والصراط المستقيم.
# القاعدة الرابعة: " كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكل ما سمع ".
* أسباب انتشار الشائعات
• الخواء الفكري والنفسي، وذلك نتيجة ضعف الإيمان، ومراقبة الديان، وكثرة أوقات الفراغ واللهو.
• طغيان الجانب المادي.
• ضعف الجانب الاجتماعي، وانتشار العجب والحسد بين أبناء المجتمع.
• ضعف التعامل مع الأولويات في الجانب الحيوي.
• الانترنت والصحف والهواتف النقالة، فهي مجال خصب لنشر الشائعات.
• انتشار مجالس اللهو. (1/18)
صفحة 19
• انتشار وكالة يقولون كما يقول عبد الرحمان العشماوي: " والمتأمل الواعي الصادق لما يجري في كثير من مجالسنا ومناسباتنا الاجتماعية من أحاديث غير موثقة تبثها وكالة أنباء يقولون، وهي وكالة منتشرة انتشارا عجيبا لسهولة الإسناد إليها دون ضوابط ولا رقيب ... كم من مجلس من مجالسنا نقوم منه على مثل جيفة حمار لما كان فيه من الغيبة والنميمة والكذب الصريح وسرد الشائعات الوهمية ”.
• انتشار عبارة ”حدثني من أثق به“، وهذه دعاية لنشر الشائعات.
* أثر انتشار الشائعات على الفرد والمجتمع
• حدوث الاضطرابات والفوضى، كما أشيع قبل أشهر وفاة أحد كبار علماء هذا البلد ما أدى إلى حدوث فوضى في المجتمع.
• تهويل الأمر، مثل أنفلونزا الطيور في مصر، حيث هولت وفخمت، حتى أشيع أن المرض ينتشر عن طريق مياه الأنهار والأفلاج، مما جعل من بعض الناس إلى شراء المياه.
• الخسائر البشرية، مثل ما أشيع في إحدى شركات الصحراء، أن أمّ العامل الفلاني (أحد العمال بالصحراء) قد انتقلت إلى ربها، وفارقت الحياة، فعندما وصل الخبر إلى العامل أصابه الهمّ من الخبر، وإذا به يذهب بسرعة إلى بلاده، فعندما وصل علم أنّ هذه مجرد شائعة، والشاهد تصوروا لو حدث لهذا العامل شيء من جراء السرعة في وقت لا توجد فيه الهواتف النقالة، سيكون لا شك خسارة بشرية للشركة والمجتمع.
• الخسائر المادية، مثل ما حدث في شركة ماكدونالدز الأمريكية، المنتجة للهمبرجر، حيث أشيع عنها أنها تستخدم الديدان في إنتاج الهمبرجر، وإذا أكلت مع الصودا ينتج عنه انفجار المعدة، ولمحاربة هذه الشائعة من قبل الشركة خسرت آلاف الدولارات في جانب الإعلانات فقط.
• تفكك الروابط الاجتماعية.
• قلة الثقة بين أبناء المجتمع.
• انتشار بعض الموبقات كالكذب والقذف، والغيبة والنميمة.
• الانشغال بالثانويات وترك الأساسيات.
* العلاج
• تربية النفوس على الخوف من الله تعالى (المراقبة الذاتية). (1/19)
صفحة 20
• تربية المجتمع على التثبت في نقل الأخبار.
• تنمية حسن الظن بين أبناء المجتمع.
• إيجاد وكالات إخبارية موثوقة.
• إيجاد مكاتب للتحري في الأمر.
• سد الفراغ الذي لا يوجد في شريعة الإسلام، يقول عبد الرحمان النحلاوي في كتابه (التربية الإسلامية والمشكلات المعاصرة) يقول: " إن المبدأ التربوي الذي طرحته التربية الإسلامية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا لا يعترف بوجود فراغ، ولا يترك للنفس الإنسانية أي مجال للشعور بالفراغ، إن التربية الإسلامية تربي الناشيء على أن ينظر إلى كل شيء في الحياة ولحظاتها على أنها أمانة في عنقه ”.
وقفات مع سورة الناس
بسم الله الرحمن الرحيم
" قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس "
سورة الناس على الأشهر سورة مكية، ومن المعلوم أن السور المكية جاءت لتعالج قضية الإيمان بالله تعالى، وما يندرج تحتها من تقوية العلاقة مع الله تعالى، التي حاول شياطين الأنس والجن إفساد هذه العلاقة.
ونعود قليلا إلى الزمن الجاهلي، فشياطين الإنس والجن استطاعوا إبعاد الناس عن الخالق، فعبدوا غير الله، عبدوا الأصنام والأحجار، وأباحوا المعاصي والفجور، ولجئوا في الشدائد إلى الجان والصخور.
كذلك شياطين الإنس والجن يحاولون اليوم إبعاد الناس عن هذه العلاقة، سواء كان في العقيدة أم في التصورات، أم في الأخلاق، أم في العبادات والحياة العامة.
مثلا في العقيدة يشككون في وجود الله تعالى، وفي بعثة الأنبياء عليهم السلام، كذلك يشككون في حجية السنة، عن طريق وسائل الأعلام، فالحداثيون اليوم لهم المجال الواسع في قنوات التلفزة، ومجالات الحياة المختلفة. (1/20)
صفحة 21
كذلك شياطين الإنس والجن حاولوا إفساد تصورات الناس، فبدلا أن يلجأ المسلم إلى الخالق لجأ إلى القبور والعيون، وبدلا أن يطرق باب الله طرق باب المشعوذين وأصحاب الزار، ناهيك عن أفساد تصورات الناس نحو الحرية، والأصولية، والتدين وما شابه ذلك من تصورات.
أيضا شياطين الإنس والجن أفسدوا أخلاق الناس بالدعوة إلى الحرية الجنسية، ونشر فكرة الاختلاط بين الجنسين في المدارس والأماكن العامة، ناهيك عن نشر الصور العارية في وسائل الأعلام المختلفة وغيرها من المخططات.
أيضا هؤلاء نشروا أفكارا عجيبة لترك العبادات كدعوى أن الصلاة والصيام والحج طقوس من نتاج الفقهاء، و نشر فكرة مساواة المرأة بالرجل في الميراث، ومحاربة الحجاب، وإباحة الربا، ومحاربة الزكاة لاعتبارها ضريبة من الضرائب، وغير ذلك من الأفكار والتصورات.
في هذا الجو كانت سورة الناس، جاءت لتقرير العقيدة الكلية في الالتجاء مع الله ومحاربة شياطين الأنس والجن لهذه العلاقة.
س / من هم شياطين الجن؟ ومن هم شياطين الإنس؟ وأيهم أشد؟ وما هو المخرج؟
شياطين الجن قوم لا نراهم، وعلى رأسهم إبليس وجنوده، يسعون لإضلال الناس وإغوائهم عن الطريق السوي، أما شياطين الإنس فقوم مشاهدون، يظهرون حلاوة لسان وقوة فكر، وفي باطنهم حرب لله ورسوله، من هؤلاء صاحب السوء، والبطانة الفاسدة التي تضل الحاكم، والنمام الذي يفسد العلاقة بين الناس، والعاهرات الآتي يفسدن الرجال، وكتاب المقالات والروايات والمنشورات الهابطة والمشككة في دين الله، وأصحاب القنوات والمجلات والمواقع الفاسدة وغير هؤلاء كثير.
وشياطين الأنس أكثر قدرة على الإفساد والغواية من شياطين الجن؛ لظهورهم، ولجمال مخططاتهم، وفي هذا يقول الإمام السالمي رحمه الله:
ويفسد القرين في اليوم كما ... قد يفسد اللعين في الشهر اعلما (1/21)
صفحة 22
أما عن المخرج من هذه القضية فقد حددته سورة الناس، لكي لا يبقى حجة على العباد، ولكي لا يحاسبنا الله يوم القيامة إلا على أمر واضح.
(قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس)
الآية تضمنت أربعة أمور " قل + أعوذ+ رب + الناس " وهنا نطرح السؤال الأول: لماذا بدأت الآية بقل؟ لماذا لم تدخل في الموضوع مباشرة؟ لاحظوا مثلا لو قلت لفلان: قرأت الدرس، وفي الوقت نفسه قلت له: قل قرأت الدرس، أيهما أشد؟ لا شك أن الثاني أشد وأقوى؛ لأن فيه إلزام وتأكيد، كذلك هنا يريد الله أن يقرر عقيدة جازمة أن الاعتصام واللجوء لا يكون إلا لله، يظهر ذلك من ثلاثة نواحي:
* الناحية الأولى: (الرب + الملك + الإله)، تضمنت السورة هذه الألفاظ الثلاث على الترتيب؛ لكي لا يكون مجالا للشرك وإفساد العلاقة مع الله تعالى، فالرب هو الخالق الذي أوجد الناس من عدم، وبالتالي الناس ملك لله تعالى، فالله تعالى هو المالك، وبما أنه هو المالك فلا يصح أن يعبدوا غيره فهو الإله المعبود، النتيجة لا التجاء ولا اعتصام إلا بالله.
* الناحية الثانية: مجيء حرف الجر الباء مع لفظة الرب، وحرف الجر لا يأتي إلا لمعنى، وهنا أتى بمعنى الاختصاص، إي أن الله مختص بالربوبية والإلوهية، بجانب انفراده بالملك، فمن كانت هذه صفته فهو الأولى بالاستعاذة به، والاعتصام بأقواله وأحكامه، وهو الأولى باللجوء إليه في الرخاء والشدة.
* الناحية الثالثة: الإضافة؛ فالله أضاف الصفات الثلاث إلى الناس لأمرين: الأول التشريف، والثاني التأكيد، فالله لم يقل رب المخلوقات، أو إله العالمين، وإنما أضاف ذلك إلى الناس لبيان منزلة الناس عند الله تعالى، كذلك تأكيد أن الله هو الخالق المالك الإله، فهو أحق بالعبادة والاستعاذة.
والآن أطرح السؤال الثاني في مسألة الاستعاذة، هل الاستعاذة مقتصرة على كلمات يقولها الإنسان، أم هي أعم من هذا؟ (1/22)
صفحة 23
للأسف أن يظن الناس أن الاستعاذة هي مجرد حمل مسبحة، وترديد بعض الأوراد والأذكار، وهذا ليس صحيحا، بل الاستعاذة بالله أعم من هذا فهي تعم الأقوال والأفعال، فالمسلم يستعيذ بلسانه يراقب الله في كل كلمة يقولها، ويكثر من ذكر الله، ويصدق في الكلام، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، كذلك بالنسبة للأفعال، فهو يؤدي الواجبات، ويجتنب المحرمات، ويتحلى بالأخلاق الحميدة، وبهذا يكون في حرز الله وعنايته، يقيه من شياطين الأنس والجن، ويعصمه من شرهم.
والسؤال الثالث من المخاطب بقل؟ هل النبي صلى الله عليه وسلم هو المخاطب؟ أوليس معصوما من شر شياطين الإنس والجن؟
الجواب المخاطب هو النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا زيادة تأكيد، فإذا وجه الخطاب إلى النبي وهو معصوم، فمن باب أولى أن يتوجه إلى غيره، وهذا ما سنلاحظه في تفسير سورة الصمد، فإذا كان النبي موقن بالذات الإلهية، ومع ذالك أمر بتوحيد الله، وهذا زيادة تأكيد، وفي هذا دلالة على أن القرآن من عند الله، فلو كان من أساطير محمد كما يزعم المشككون لما كان هذا الخطاب على هذه الصورة.
الخلاصة: هنا يخاطب الله تعالى الناس مبيننا لهم أن الاستعاذة لا تكون إلا لله فهو الرب المالك الإله، فكيف يرجى غيره! ولا يستعاذ به؟
(من شر الوسواس الخناس)
*معاني المفردات:
1 – شر: يقصد النقص الحاصل في الكمال، مثلا الصحة كمال، وهو الأصل، والمرض عارض وهو شر، كذلك الهداية والاستقامة كمال وهي الأصل والانحراف شر؛ لأنه يفسد هذه النعمة.
2 – الوسواس: الشيطان الموسوس، مشتق من الوسوسة، وهو الكلام الخفي، والوسواس هنا عام يدخل فيه الجن والأنس كما تفسره الآية الأخيرة من السورة.
3 – الخناس: من خنس أي توارى واختفى.
* تفسير الآية: (1/23)
صفحة 24
بعد ما بين المولى جل جلاله أن الاستعاذة خاصة به، ولا يجوز أن يشرك معه غيره، ويلزم من هذا أتباع أوامر الله جل وعلا، واجتناب نواهيه، ومراقبة الله في السر والعلن، حتى يكون الإنسان في حرز الله وعنايته، ثم بعد هذا يبين الله الوجه المقابل من الصراع فعندنا طائفتان طائفة مستهدفة وهم عموم الناس، وطائفة تسعى لإضلال الناس، وهم شياطين الإنس والجن، والنتيجة أن الناجي من اعتصم بالله، والهالك من اتبع شياطين الإنس والجن، وهذا ما يقرره القرآن فالله تعالى يقول في آية أخرى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأن الله لمع المحسنين"، فالهداية والاستقامة على دين الله الحصول عليها لا يأتي بالتمني بل لا بد من مجاهدة، ولفظة مجاهدة يدل على أن هناك صراع، وهذا الصراع هو الذي تفسره سورة الناس، وطريقة المجاهدة يعني كما أسلفنا مراقبة الله في كل حين مع الالتزام بأوامره، واجتناب نواهيه، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ".
من خلال الآية نطرح سؤالين:
السؤال الأول: لماذا أضاف الله الوسواس إلى شر ولم يقل من الوسواس مباشرة؟
الجواب: في هذا تأكيد على أن شياطين الإنس والجن لا يصدر منهم خير، وإن صدر منهم هذا إنما يريدون به الشر، مثال ذالك مصطلح الحرية الذي يتغنى عليه الغرب هو في ظاهره خير، ولكن يقصدون بهذا المصطلح الشر، يقصدون به هدم الأخلاق وانتشار الرذائل وفي هذا يقول تعالى (وزين له سوء عمله فصد عن السبيل).
السؤال الثاني: لماذا استخدم القرآن مصطلح الوسواس الخناس ولم يستخدم مصطلح الشيطان مباشرة؟ (1/24)
صفحة 25
الجواب: هذا دليل على أن شياطين الإنس والجن لا يبعدون الناس عن الهداية مباشرة، وإنما هنا خطوات يتبعونها، وفي هذا يقول تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين " فالشيطان لا يوقع الإنسان في الزنا المحرم وإنما يبدأ من الخطوات الأولى، وفي هذا يقول شوقي:
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء
وهذا ما نلاحظه حديثا فالأعداء بينوا أنه لا يمكن إبعاد شباب الإسلام عن دينهم إلا بطريقة واحدة وهي الجنس، فنشروا دعواتهم الثلاث: الحرية، وتحرير المرأة من ظلم المسلمين، والاختلاط بين الجنسين في المدارس والأماكن العامة، فهم يستخدمون وسائل خفية للإضلال عن دين الله، والمخرج من هذا هو التمسك بأوامر الله حتى يبقى المسلم في عناية الله وحرزه.
ملحوظة:
بعض الروايات تفسر الخناس بمعنى الفرار إذا ذكر الله وفي الحديث " إن الشيطان واضع خطمه – أنفه – على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس وإذا نسي الله التقم قلبه فوسوس "، وفي هذا بيان بوجوب الاعتصام بالله، وكثرة ذكره جل جلاله.
الخلاصة:
للنجاة من شر شياطين الإنس والجن لا بد من الاعتصام بأوامر الله، بجانب مراقبته في السر والعلن.
مع سورة الفلق
{قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد}. (1/25)
صفحة 26
تحدثنا في الدرس الماضي عن سورة الناس، واليوم نبدأ الحديث في تفسير سورة الفلق، وسورة الفلق سورة مكية، وقلنا إن غالب السور المكية جاءت لتعالج تصورات الناس المنحرفة، وتبين لهم التصور الصحيح، ومن هذه التصورات المنحرفة اللجوء إلى المخلوقات للاستعاذة، ويتركون رب المخلوقات، مثلا يلجأ ون إلى الجان والزار، أو إلى القبور والعيون، ويتشبثون بالتمائم والحروز، ويتركون رب هذه المخلوقات، فالله تعالى هو خالق الخير والشر، فهو خالق السحر والأمراض النفسية، وهو أعلم بالعلاج، وأقدر على الشفاء، فلماذا لا نلجأ إليه ونطلب منه الشفاء مباشرة؟ فصانع السيارة أليس أدرى من غيره في إصلاح سيارته؟!!! نعم نبحث عن الوسائل التي تعين الإنسان على العلاج، مثلا نلجأ إلى الطبيب النفسي في علاج بعض الأمراض النفسية كما أننا نلجأ إلى الطبيب البدني في علاج أمراض البدن، ونتخذ الأسباب التي تعيننا على العلاج، ولكن لا بد من شرطين: الشرط الأول شرط داخلي وهو أن نعتقد أن الشافي هو الله تعالى، وإنما هذه أسباب ظاهرة نتخذها للعلاج، وفي الحديث: " تداووا عباد الله فإن لكل داء دواء "، والعجيب أن الناس إذا أصابهم ضر مادي عبسوا و قنطوا من روح الله، فيزدادون مرضا نفسيا مع مرضهم البدني، والأطباء يقولون إن للراحة النفسية أثر كبير في الشفاء، والمؤمن إذا أصابه ضرر علم أنه ابتلاء فيصبر على قضاء الله وقدره، ويلجأ إليه بالدعاء والطلب، فتهدأ نفسه، ويرتاح باله، وفي الوقت نفسه يبحث عن الأسباب التي تعين على الشفاء بإذن الله تعالى.
أما الشرط الثاني فهو شرط خارجي؛ أي أن تكون الأسباب الخارجية المعينة على العلاج أسباب مشروعة، فلا يلجأ إلى المشعوذين والدجلة طلبا للعلاج، لأنهم يكذبون على الناس من أجل مقابل مادي، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " من أتى عرافا لم تقبل منه صلاة أربعين يوما ". (1/26)
صفحة 27
والفلق له تفسير عام وخاص، أما العام فهو بمعنى الخلق، أي الوجود من العدم، فالكون بما فيه من نبات وبحار وغير ذالك أوجد من عدم، أوجده الله تعالى بقدرته وإرادته، وجعل له أسبابا معينة ومنظمة قائمة على التوالد والتكاثر، فالسماء أصلها – كما قيل – ماء فالماء هو الفلق أي الأصل، والسماء انفلقت منه، والطفل يخرج من بطن أمه فالأم هي الفلق وهكذا، وذكر الفلق هنا أشارة إلى عظمة الله تعالى، أي أن الله تعالى هو خالق الكون كله فلماذا لا نلجأ إليه؟!
أما التفسير الثاني فهو التفسير الخاص أي التفسير اللغوي وهو بمعنى الصبح الذي ينفلق من الظلام ومنه قوله تعالى: " فالق الإصباح ".
ومضمون الآية التحدث عن أربع معوذات، ذكر بداية عن شر ما خلق في الكون، ثم ركز على ثلاث معوذات للحذر منها، وهي شر الليل، والسحر، والحسد، وسيأتي تفصيل هذا في شرح الآيات بعونه تعالى.
" قل أعوذ برب الفلق "
تحدثنا في تفسير سورة الناس عن الاستعاذة وقلنا أن الاستعاذة لا يقصد بها فقط حمل مسبحة وترديد أذكار، بل هي أعم من هذا، فهي قلبية بتوحيد الله وتنزيه وإخلاص العبادة له وحسن المراقبة، وهي كذلك قولية بذكر الله، والصدق في الكلام، والبعد عن الكذب وقول الزور وما شابه ذلك، وهي أيضا عملية بفعل الطاعات، والابتعاد عن المحرمات، فإذا عمل المسلم بهذا كان في حصن ألاهي منيع.
وفي هذه الآية يؤكد المولى جل وعلا اختصاصه بالاستعاذة بأربع مؤكدات:
1. لفظة قل: وابتداء الآية بها دليل على أهمية الكلام الذي سيأتي، وفيه نوع من الحزم والجدية، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الخطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الخطاب موجه إليه عليه الصلاة والسلام وهو في قمة الاستعاذة الحقيقية فمن باب أولى نطالب نحن بتحصيل الاستعاذة، لنكون في حصن الله وعنايته.
2. الباء: وفيها دليل أن الله تعالى هو المختص بالاستعاذة. (1/27)
صفحة 28
3. الرب: فالله تعالى لم يقل هنا إله أو ملك وإنما قال رب؛ وذلك لأن لفظة رب هنا أولى وأكثر تأكيدا، فالرب بمعنى الخالق، فالله خالق الخير والشر أولى أن يستعاذ به.
4. الفلق: وسبق أن عرفنا الفلق، واستخدام هذه اللفظ فيه إشارة إلى خلق الكون من عدم، فالذي أوجد الكون من عدم أعلم بأمر خلقة فلم لا يلجأ إليه ويستعان به؟
الحاصل أن الله تعالى هو المختص بالاستعاذة والعبادة.
أثر الأسرة المنحرفة على المجتمع
من خلال سورة المسد
الأسرة ركن من أركان المجتمع، وسلاح فاعل في إصلاحه أو إفساده، من هنا اهتم الإسلام بجانب الأسرة، وبين الطرق والوسائل في إصلاحها.
سورة المسد تضرب لنا مثالا للأسرة المنحرفة، التي اتبعت هواها، وعبدت الشيطان من دون الله، فأصبح الابن المدلل لهذه الأسرة، يقودها حسب مشيئته وإرادته، مما كان لها دور في انحراف المجتمع المكي، وبعده عن الطريق المستقيم.
وللمرأة دور مهم في صلاح المجتمع، وذلك لكونها زوجة لها تأثير على زوجها، ولكونها أما لها كامل التأثير على أولادها، ولكونها بنتا لها تأثير على إخوتها وأبيها، من هنا ركز الإسلام على المرأة، واعتبرها نصف المجتمع، بل أصل المجتمع، فهي أصل في وجوده وصلاحه، إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع.
وفي هذه السورة نلاحظ أم جميل أروى بنت حرب، التي تلاعب بها الشيطان، وأصبح ربها الذي تسير على طريقه، استطاعت هذه المرأة أن تؤثر في زوجها وولديها، فكونت أسرة كانت وبالا على المجتمع، ومعول هدم له.
عندما نزل قوله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم " وأنذر عشيرتك الأقربين "، همّ النبي عليه الصلاة والسلام لتنفيذ هذا الأمر، فصعد الجبل فنادى: " يا صباحاه "، فاجتمعت إليه قريش فقال: " أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم وممسيكم، أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك، فأنزل الله هذه السورة. (1/28)
صفحة 29
وقيل عندما علمت زوجة أبي لهب بنزول السورة في زوجها أخذت حصاة تريد أن تنتقم لزوجها، وتضرب به النبي صلى الله عليه وسلم، فأعماها الله عن رؤيته عليه الصلاة والسلام.
* الأب المنحرف
" تبت يدا أبي لهب وتب "، هلكت يدا أبي لهب وتب، هذا الرجل المليء بالحقد والحسد للنبي صلى الله عليه وسلم، ولعباد الله المؤمنين، أغواه الشيطان هو وزوجه، فكونوا أسرة أصبحت وبالا على المجتمع، فسخروا جهدهم في إيذاء المؤمنين، فحق عليه العذاب في الدنيا والآخرة، " سيصلى نارا ذات لهب ".
لقد من الله تعالى على أبي لهب بثلاثة نعم: السلطة، والأموال والأولاد " ما أغنى عنه ماله وما كسب "، وهذه إن تولاها شقي كانت وبالا على المجتمع، فالسلطة بها ينتظم المجتمع، ويشعر بحلاوة الأمن والحرية، وبها يتساوى الناس في ميزان العدالة والمساواة.
وأبو لهب من أصل هاشمي، كانت له من الراية في تنظيم المجتمع المكي، وكانت كلمته مسموعة، فاستغل هذه السلطة في نشر الفساد، ومحاربة أولياء الرحمان، فكانت السلطة وبالا له في الدنيا والآخرة، فالسلطة في ذاتها تكليف لا تشريف، ولا يفرح الذين يمسكون المراتب العليا في المؤسسات العليا، فظنوا أنهم وصلوا إلى هذه الدرجة لمنزلة كانوا فيها، أو لعلم جدوا فيه، فأخذوها شرفا وكبرا، فتكبروا على من دونهم، وأضهروا غلظتتهم وأنانيتهم، بل قد يستغلوها في نشر الفساد، ومحاربة المؤمنين، فيلقوا جزائهم في الدنيا والآخرة.
كذلك المال لا يغني شيئا إذا استغل استغلالا سيئا، فكان وسيلة إلى محاربة الله في أرضه، فلا يغتر أصحاب الأموال بما أعطاهم الله من مل فجعلوه في الحرام، وحرموا منه الفقراء والمساكين، فلن تدفع عنهم هذه الأموال غضب الله تعالى.
كذلك الأولاد زينة الله في الدنيا، بهم تزهو الأمم، وتقوى الدول، والأولاد وإن كثروا ما لم يحسن في تربيتهم يكونوا وبالا وشرا على أسرتهم ومجتمعاتهم. (1/29)
صفحة 30
والمؤمن في هذه البسيطة مطالب منه أن ينظر إلى العلو في الدنيا والآخرة، يريد منا الإسلام أن نكون أصحاب سلطة نجعلها وسيلة في إقامة حدود الله تعالى، وفي نشر دينه، وإلا أخذها المفسدون في الأرض، فنشروا بها فسادهم وانحرافاتهم.
لا يريد منا الإسلام أن ننزوي في زاوية من المسجد، وننادي ليلا ونهارا " اللهم انصر الإسلام والمسلمين "، ونحن بعيدون عن هذه الحياة ومتطلباتها، فالنصر لا بد له من أسباب، ومن أسبابه القوية الدخول في معترك هذه الحياة.
كذلك لابد من المسلم أن يكون غنيا في نفسه وماله، فبالمال ننشر الدين، ونعلي كلمة الحق، خاصة في هذا الزمان الذي يعتبر المال شريان الحياة، والدعوة بحاجة في إعلامها ونشرها إلى دعم مالي، فعلى المسلم أن يجد في كسب المال.
كذلك الأولاد وسيلة لرفع هذه الأمة، والإسلام كما نادى بالإكثار من الأولاد، اهتم بتربية الأجيال، ودعا إلى تعليمهم العلوم النافعة، خاصة القرآن، ليتربو عليه، ويعيشوا تحت مظلته.
وعلى العموم أبو لهب أخذ بحظ وافر من السلطة والأولاد والمال، وبما أنه كان مثالا للرجل المنحرف، استغل هذه النعم في نشر فساده في المجتمع الذي يعيش فيه، ولم يكتف بهذا بل حارب أولياء الله تعالى، فانتقم الله منه في الدنيا ولآخرة.
وتشير الروايات التاريخية أن الله سلط عليه مرضا يشبه الجدري يدعى بمرض العدسة، أقعده مريضا لا يستطيع أحد أن يزوره حتى هلك وأراح الناس من شره، ويذكرنا هذا بلينين في زمننا المعاصر، الذي جوع الأبرياء، وشرد الضعفاء، ونشر فساده الشيوعي في روسيا، حيث مات في روسيا فقط بسبب المجاعة – نتيجة نظريته الداروينية الشيوعية – ما يقرب من خمسة ملايين نسمة، وشرد ما يقارب من عشرين مليون نسمة.
سلط الله على هذا الرجل مرض الصداع، الذي لم يفارقه ليلا ولا نهارا، ولم يستطع الأطباء علاجه، حتى اسود وجهه، وضعف جسمه، ثم فارق الحياة بعد فترة بسيطة من حكمه. (1/30)
صفحة 31
ويذكرنا الدكتور القرضاوي في نونيته بحمزة البسيوني، الذي عذب المؤمنين في سجن جمال عبد الناصر من الأخوان المسلمين، فانتقم الله منه في حياته، وينال جزاءه بعد موته بعدل ربه، فقد كان يقود سيارة صغيرة، وأمامه سيارة كبيرة تحمل أسياخا من حديد، فاصطدمت سيارته بتلك السيارة، فدخلت الأسياخ في جسمه، وهو يعلو في الصراخ، والناس لا تستطيع فعل شيء، فهذا انتقام من الله لهؤلاء الظالمين في الدنيا قبل الآخرة.
فعلى المؤمن أن لا يقنع بالقليل، بل عليه أن يكون طموحا في تحقيق شرع الله تعالى ونشره، اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكما أمرنا الله بذلك في قرآنه الكريم.
- الزوجة المنحرفة
للزو جة أثر في انحراف زوجها أو صلاحه، خاصة إذا كان الزوج ضعيف الشخصية أمام النساء، ولها أثر كبير في تربية وتنشئة أولادها، لاتصالها الكبير بهم.
وهنا يضرب لنا القرآن للمرأة المنحرفة التي أثرت في زوجها أبي لهب، والظاهر من الروايات أن أبا لهب كان ضعيف الشخصية، لذلك كان ضعيف الكلمة أمام زوجه أم جميل، فقد سخرته لإيذاء محمد صلى الله عليه وسلم، ويظهر هذا عندما أمرت زوجها أن يطلق ابنتي محمد أمّ كلثوم ورقية، فقد كانت أم كلثوم عند عتبة، ورقية عند عتيبة، فعندما عرضت أم جميل على زوجها أمر الطلاق ما كان منه إلا السمع والطاعة.
وتشير السورة إلى أعظم سلاح تتمتع به به المرأة في الغالب، وهذا السلاح قد يستخدم في الخير، وقد يستخدم في الشر، هذا السلاح هو سلاح اللسان والكلام، فالمرأة أكثر كلاما من الرجل، وفي الغالب ـ للأسف ـ نجد القليل من النساء الاتي يسخرن هذا السلاح وفق حدود الشريعة، فنراها أحيانا تتجاوز الخط الأحمر، فتقع في الغيبة والنميمة، وذكر فلانة وعلانة، وهذا ما كانت مبتلية به زوجة أبي لهب، فهي مشهورة بالنميمة في المجتمع المكي، وسخرته خاصة ضد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. (1/31)
صفحة 32
" وامرأته حمّالة الحطب " أكثر أهل التفسير على أن هذه الآية لا يقصد بها ظاهرها، فهي كناية عن السلاح التي كانت تستخدمه ضد المؤمنين خاصة، وبه تفرق بين الناس عامّة، ألا وهو سلاح النميمة، الذي يفسد بنيان المجتمع، ويزرع فيه الحقد والكراهية والضغينة، ففي الآية استعارة، حيث استعار عن ذكر النميمة بذكر حمّالة الحطب، فهي كالذي يحمل الحطب لا يهدأ له بال إلا أن يتخلص من هذا الحطب، ليريح ما في نفسه من عناء الحمل، فأمّ جميل أشربت بحب الفتنة والنمية والفرقة، وبغض محمد وأصحابه، فلم يهدأ لها بال إلا بنشر النميمة والفرقة في المجتمع، وفي هذا سعادة وراحة لها، ومثل أم جميل مثيل من النساء والرجال يتجدد في الحياة، ينبغي أن يقف المجتمع نحوه وقفة صادقة، حتى لا تنتشر الفتنة والفرقة بين المؤمنين.
وبعض المفسرين يذهب إلى ظاهر الآية، أي أنه كانت تحمل الحطب والشوك، فتضعه أمام باب بيت النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل إيذاءه عليه الصلاة والسلام، ويمكن الجمع بين التفسيرين، فكونها مصابة بداء النميمة وحب الفرقة، هذا دليل على اسوداد قلبها، وخبث طويتها، فمثل هؤلاء ـ كما يقول علماء النفس ـ تظهر منهم اسقاطات سيئة، وهذا ما كان يظهر من أم جميل من إيذاء مادي لمحمد عليه الصلاة والسلام.
وتشير الآية الأخيرة ــ " في جيدها حبل من مسد " ــ إلى اسقاط آخر، فيه دلالة على خبت وفساد باطن هذه المرأة، فقد ذكر بعض المفسرين رواية عن ابن المسيب، أن لأم جميل قلادة فاخرة من جوهر، فقالت: " واللات والعزى لأنفقنها في عداوة محمد"، فأعقبها الله حبلا في جيدها من مسد النار، والجيد هو العنق، والمسد الحبل المفتول بقوة، فسوف تلاقي هذه المرأة جزاءها عندما تعود إلى باريها، ولا يظلم ربك أحدا. (1/32)
صفحة 33
فالأنسان مهما أضمر في باطنه من خير أوشر، لا بد من إسقاطات تضهر مدى نظافة باطنه من اسوداده، فلكي تكون سلوكنا واعمالنا قويمة، لا بد بداية من تنظيف الباطن وإصلاحه.
وعموما المرأة سلاح كبير من أقوى الأسلحة في صلاح المجتمع أو فساده، فخديجة بنت خويلد كانت سلاحا في صلاح المجتمع، بينما أروى بنت حرب كانت سلاحا في دماره، من هنا لا بد من اعداد المرأة الصالحة، واختيار الزوجة المستقيمة، وتنشئة البنات تنشة قويمة، وفي هذا صلاح المجتمع والأمة.
- الأولاد المنحرفون
الطفل يولد على فطرة بيضاء، لا يعرف شيئا من فلسفات الحياة وتصوراتها، وإنما يكتسب بداية هذه التصورات من الأسرة التي يخرج منها، ثم من البيئة التي يتربى فيها.
وقد أشرنا آنفا إلى نعمة الأولاد التي حضي بها أبو لهب، ولكن بما أن محضن هذه الأسرة فاسدا، أثر هذا في سلوك الأبناء وتوجهاتهم.
وتشير الروايات أن لأبي لهب ثلاثة من الأولاد عتبة ومعتب وعتيبة، وقد تأثر هؤلاء بالأسرة التي ترعرعوا فيها، فلما نزلت هذه السورة قال أبو لهب لعتبة وعتيبة وكانا قد تزوجا ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأسي ورأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد "، فطلقها عتبة في مجلسه، أما عتيبة لما أراد الخروج إلى الشام مع أبيه قال: " لآتينّ محمدا وأوذينه "، فأتى محمدا فقال: " يا محمد إني كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى "، ثمّ تفل في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وطلق ابنته، فغضب عليه السلام ودعا عليه بقوله: " اللهم ارسل عليه كلبا من كلابك "، وقيل افترسه الأسد وهو في طريق إلى الشام.
أما عتبة ومعتب فتذكر الروايات أنهما دخلا الإسلام عام الفتح، وعلى العموم كان للأسرة دور في انحرافهم، حيث زرعت هذه الأسرة الحقد والكراهية في قلوبم، فاشتعل نار الحقد والكراهية في قلوبهم، فلم يبق أثر للفطرة البيضاء، إلا من رحم الله منهم. (1/33)
صفحة 34
من هنا لا بد من الاهتمام بالأسرة، فهي المحضن الأول للمجتمع، بها يصلح حاله، وبها ينحدر في مستنقع الفساد والانحراف.
مراحل التعامل مع القرآن
الحمد لله الذي أكرمنا بالقرآن، وجعله شفاء ورحمة للإنسان، أحمده بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، كان خلقه القرآن، ومنهجه القرآن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الحق تبارك وتعالى: " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم " (المائدة / 15 – 16).
لقد أرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم هاديا وبشيرا، وأرسل معه نورا مبينا، ليخرج به الإنسانية من ظلمات الشرك والوثنية، إلى نور التوحيد الخالص لرب البرية، وهو مصدر الهداية، ومنبع الرحمة والسعادة، يقول تعالى: " ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون " (الأعراف / 52)، فحري بهذا الإنسان أن يتدبر هذا الكتاب العظيم، ويتأمل في أسراره وإعجازه، وحري به أن يتقيد بآدابة وأحكامه، إذا كان يريد السعادة في الدنيا، والفوز في الأخرى. (1/34)
صفحة 35
ولكي نكون من أهل القرآن، المستفيدين من آدابه وأسراره، المتقيدين بأوامره ونواهيه، الواقفين عند حدوده وزواجره، لكي نكون من هؤلاء لا بد من الوقوف عند مراحل التعامل مع هذا الكتاب العظيم، وأولى هذه المراحل مرحلة التعلم والقراءة، فعن جابر بن زيد قال بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " علموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يتعلم من علم الله هو "، فحسن القراءة وإتقانها تعين القاراء على فهم وتدبر آيات الكتاب العزيز، ولهذا حث جل وعلا على تحسين قراءة وتلاوة القرآن حيث قال سبحانه: " ورتل القرآن ترتيلا " (المزمل / 4)، وقد كان السلف يتحلقون حلقا في المساجد، ويتجمعون جماعات، صغارا وكبارا، يرتلون كتاب ربهم، ويعلم عالمهم جاهلهم، فهلا أحيينا هذه السنة المباركة، وأقمنا الحلقات في البيوت والمساجد، نتعلم كتاب ربنا، ونرتله ترتيلا. (1/35)
صفحة 36
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التدبر والتأمل، وهذه المرحلة من أهم مراحل التعامل مع القرآن، فبالتدبر يفقه المسلمون كتاب ربهم، وبه يحكمونه فيما بينهم، وبالتأمل ينصاع المسلمون لأوامر القرآن، ويقفون عند حدوده ونواهيه، ولهذا يسر الله القرآن تيسيرا، وجعله واضحا مبينا، سهل الفهم والإدراك على الصغير والكبير، يقول تعالى: " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " (القمر / 17)، وقد أنكر الله سبحانه على الذين لا يتدبرون في كتاب ربهم، وإنما يقتصرون على القراءة السريعة، التي لا تتضمن فهما ولا تأملا، يقول تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (محمد / 24)، فليست العبرة بكثرة القراءة، وإنما العبرة بالاستفادة من هذا الكتاب العظيم، فهذا هو منهج الصحابة، فقد كان بعضهم يقرأ في اليوم آية واحدة، يتدبر ويتأمل فيها، ثم يعمل بها، فينبغي على الواحد منا، أن يكون له ورد يومي من آيات الكتاب العزيز، يتأمل فيها، وينزلها إلى نفسه، ومن ثم يعمل بها، وينبغي أن لا تقتصر حلقات التلاوة على القراءة فحسب، بل ينبغي أن يكون للتأمل والتدبر حظه الوفير من هذه الحلقات، لكي نربط أنفسنا بهذا الكتاب الخالد. (1/36)
صفحة 37
أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العمل، فالقرآن لم ينزل ليكون حبرا في ورق، أو نقشا في حائط، وإنما أنزل ليكون منهج حياة للمسلم، في كافة جوانب الحياة، فكرا وسلوكا، قولا وعملا، ولهذا حذر الله تعالى من هجر القرآن وعدم العمل به، يقول سبحانه: " وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " (الفرقان / 30)، أي هجروا أحكامه، واتبعوا نواهيه، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تعلم القرآن ثم نسيه حشر يوم القيامة أجذم "، أي مقطوع اليد، وذلك لأنه تعلم قراءته وتلاوته، وأدرك أحكامه وحدوده، إلا أنه لم يعمل به في حياته، فاستحق هذه العقوبة من عند ربه، فعلينا أن نعمل بما جاء في كتاب ربنا، ففيه السعادة في دنيانا، والنجاة في أخرانا، وعلين أن نجسد القرآن في سلوكنا، مصداقا لقوله تعالى: " فإذا قرآناه فاتبع قرآنه " (القيامة / 18)، واتباعا لنبينا صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها واصفة خلق النبي عليه الصلاة والسلام "كان خلقه القرآن "، فكان عليه السلام خير مثال وأسوة للرجل المتبع للقرآن، المتمسك به قولا وفعلا، فكرا وسلوكا. (1/37)
صفحة 38
أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة التبليغ، فأمة الإسلام أمة تبليغ ودعوة، وأعظم ما يبلغه المسلم كتاب ربه، بعد تدبره والعمل به، فهو مصدر الشفاء الذي يحتاج إليه الناس في حياتهم، يقول جل جلاله: " وننزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين " (الإسراء / 82)، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ القرآن ونشره، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: " بلغوا عني ولو آية "، وهذا لا يتأتى إلا بعد تعلم وتدبر القرآن، ثم تطبيقه قولا وفعلا، وبعد هذا يأتي دور التبليغ مصداقا لقوله تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " (آل عمران / 103 – 104)، فالدعوة والتبليغ من آثار الاعتصام بكتاب الله والعمل به، لنكون أمة صادقة في دعوتها، مخلصة في تمسكها بكتاب ربها، وبذلك ننشر هذا الخير في كافة ارجاء المعموررة، ونوصله إلى البشرية جمعاء.
أما المرحلة الخامسة والأخيرة من مراحل التعامل مع القرآن فهي مرحلة الحفظ، وهذه من المراحل المهمة التي اهتم بها عليه الصلاة والسلام، فقد كان كثير الاهتمام بتحفيظ الصحابة ما نزل من القرآن إثر نزوله، مصداقا لقوله تعالى: "وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا " (الإسراء / 106)، وقد حث عليه الصلاة والسلام الصحابة على حفظه واستظهاره قائلا لهم: " خيركم من تعلم القرآن وعلمه "، فتسابقوا إلى حفظه والعمل به، فكثر القراء والحفظة، وتعددت حلقات حفظ وتعلم القرآن الكريم في البيوت والمساجد. (1/38)
صفحة 39
إن حفظ القرآن الكريم من أكبر النعم التي يحظى بها من حفظ القرآن كله أو بعضه، وهذه النعمة لا بد أن تكون مقرونة بنعمة العمل والتدبر، فحافظ القرآن والماهر به ينبغي أن يكون أسوة للناس في التمسك بأحكام القرآن الكريم، فعليه أن يتخلق بأخلاق القرآن، وأن يكون قوله وفعله متجسدا لما جاء في القرآن من أحكام وآداب، وعليه الحذر من الوقوع في النواهي التي حذر منها القرآن، فقد حمل أمانة عظيمة يجب أن يحافظ عليها، ويسعى في نشرها وتبليغها.
هذه كانت وقفات سريعة تتطرقنا فيه إلى مراحل التعامل مع القرآن، ليكون تعاملنا مع القرآن تعاملا صادقا، وليظهر أثر هذا الكتاب العزيز في أنفسنا وأوطاننا.
أهمية المراكز الصيفية
بسم الله الرحمان الرحيم
" والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر "
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد:
أشكر الأخوة الفضلاء الذين أشرفوا على هذا الحفل، كما أني أشكر كل من ساهم وشارك في المراكز الصيفية عموما، وفي هذا المسجد خصوصا، وأسأل المولى جل وعلا أن يجعل هذا في ميزان حسنات الجميع.
لا شك أن المراكز الصيفية قديمة المنشأ، فهي تعود إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أمر بإحياء المساجد بالعلم وحلقاته، وفي هذا يقول الله تعالى: "في بيوت إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " ولا شك أن رفع المساجد لا بد أن يكون بالعلم لا بالجهل، ومن المؤسف أن تقتصر المساجد على الصلاة وقراءة القرآن دون الاهتمام بالحلقات العلمية في الفقه وغيرها، ولم تعد المساجد تنظر في أحوال المرضى والمساكين ومساعدتهم، وهذا تهميش لدور المسجد، من هنا كانت المراكز الصيفية نوعا من أنواع إحياء وتعمير بيوت الله تعالى. (1/39)
صفحة 40
وهنا – لضيق الوقت المعد لي وهو ربع ساعة – أتحدث في نقطتين: الأولى نقطة المحاسبة، فكل واحد منا يحاسب نفسه في هذه الأجازة، فأنت أيها الأب ماذا أنتجت في هذه الإجازة؟ هل وفرت الجو المناسب لأبنائك في هذه الفترة؟ هل رغبتهم في الالتحاق بالمراكز الصيفية؟
وأنت أيها الطالب ماذا عن استفادتك في هذه الفترة؟ أقضيت وقتك في النوم وتحت القنوات، وفي التسكع في الطرقات، أم أخذت نصيبا من العلم والمعرفة بجانب العب واللهو البريء، فأي القسمين يكون فائزا في النهاية؟
في فرنسا يستعدون للإجازة الصيفية بكل قواهم، لما رأوه من انحراف الأحداث، ومدى إفسادهم في المجتمع، وكثروا من الرحلات وإقامة الدورات، ومع هذا لم يثمروا كثيرا، بينما المراكز الصيفية كانت على جهود بسيطة، ومع ذلك كان لها الأثر، من هنا يحارب الغرب هذه المراكز لما رأوه من أثرها في تحسين الأخلاق، وسموها بأسماء مختلفة.
النقطة الثانية أتحدث فيها عن المدرسة من جانبين الجانب الأول أوجهه إلى جماعة المسجد، لاشك أن من الحاضرين من وفر مستلزمات الدراسة لأبنائه، وكم لاحظ البسمة على نفس ابنه وهو يستلم دفاتره وأقلامه، هناك – أيها الأخوة – من يكابد نفسه في توفير مستلزمات الدراسة، وربما لجأ إلى البنوك الربوية للاقتراض، فحبذا أن تقام لجنة في المسجد تنظر في فقراء الحي، وتعينهم في هذه المحنة، وهذا من تعمير بيوت الله ورفعها.
الجانب الثاني أوجهه إلى الطلاب، فأنتم بعد أسبوع تستأنفون عامكم الجديد، فنصيحتي لكم أن تحددوا الهدف في التنافس في طلب العلم، وعليكم بتنظيم الوقت، والاجتهاد أولا بأول، وعليكم احترام المعلمين وتوقيرهم، والتخلق بالأخلاق الحميدة، والحفاظ على ممتلكات المدرس؛ لأنها ملك للجميع. (1/40)
صفحة 41
وفي الختام أتمنى أن يتواصل المركز أيام العام ليعم نفعه، كما أتمنى التركيز على جانب القراءة، لأننا نريد مجتمعا مثقفا، فإسرائيل التي تصدر لنا الفيديو كليب وستار أكاديمي، يعيش أبنائها تحت مظلة المفاعلات النووية والبحوث العلمية، حتى أن إحصائية إحدى السنوات وجد لكل عشرة آلاف شخص في إسرائيل ست وسبعون عالما، ولو أن العالم الإسلامي خطى خطو هؤلاء لكان الآن فيه أحدى عشر مليون ونصف عالما، هذا ما أرت قوله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحكام التيمم
شرع التيمم بكتاب الله تعالى في سورة المائدة " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا"، وهذا رخصة من الله لعبادة، وتيسير عليهم.
ولا بد من التيمم بالصعيد وهو وجه الأرض من التراب الذي يتطاير منه الغبار، فلا يصح التيمم بالحصى أو الجص إلا عند تعذر وجود التراب يتيمم بما هو أقرب من التراب، وعند تعذر هذا كله كالمريض في بيته أو المستشفيات، ولا يستطيع الحصول على التراب أو ما هو أقرب منه، هنا قيل يضرب على أي شيء يظهر منه تراب كأن يضرب على البساط أو الأرض، قيل: ولو يضرب على الهواء، وبعض العلماء يرى أن التيمم ساقط عنه في هذه الحالة، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
* حالات التيمم
توجد خمس حالات تبيح التيمم وهي:
1. إذا لم يجد الماء، هنا يباح له التيمم، مع الخلاف في استحباب إتيان الصلاة، هل في أول الوقت أو آخره، على اعتبار أنه سيجد الماء.
2. قلة الماء، وهذا إذا خاف على نفسه من انعدام الماء إذا استخدمه للوضوء مع حاجته إليه.
3. إذا كان به جرح أو علة تمنعه من استخدام الماء، هنا يباح له التيمم، والخلاف إذا كان به علة في عضو من أعضاء الوضوء هل يتيمم لذلك العضو أم يمسح على الجبيرة في هذه الحالة.
4. إذا كان الماء شديد البرودة أو السخونة، ولا يوجد وقت لتسخينه أو تبريده، هنا يباح التيمم. (1/41)
صفحة 42
5. ويزيد المالكية وبعض الحنفية إذا خاف ذهاب الوقت، كأن يستيقظ على جنابة فإن اغتسل ذهب الوقت، وإن تيمم صلى في الوقت، فيرون إباحة التيمم هنا، والجمهور على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن ذهاب الوقت كان مشغولا بذمة شرعية، فلا يأثم على خروج الوقت، إلا إن كان مهملا في تأخير الغسل.
* كيفية التيمم
للتيمم حالتان: الأولى أن يضرب بيديه التراب ضربا خفيفا فيمسح بهذه الضربة وجهه، ثم يضرب التراب مرة أخرى فيمسح يديه إلى الرسغين، والحالة الثانية أن يضرب بيديه التراب فيمسح وجهه ويديه بضربة واحدة، وكلا الحالتين جائز، مع وجوب النية، واستحباب البسملة.
وينقض التيمم ما ينقض الوضوء، لأنه بدل عنه فيأخذ حكمه، ويصح أن يصلي في الوقت الواحد أكثر من صلاة، ويقرأ القرآن بتيمم واحد، مع تعميم النية، والتيمم للجنابة مثل التيمم للوضوء مع الخلاف في النية، وإذا تيمم فصلى في أول الوقت ثم وجد الماء قيل: يعيد صلاته، وقيل: لا إعادة عليه.
من أحكام الطهارات
نتحدث اليوم عن القيء والقلس والدم والرعاف والنوم.
* أولا: القيء والقلس
القيء هو الطعام الخارج من المعدة عن طريق الفم، أما القلس فهو الطعام الواصل إلى الحلق ثم يرجع إلى المعدة، وهذا غير الحموضة التي يشعر بها الفرد في حلقه.
وهذان عندنا وعند بعض علماء قومنا ناقضان للوضوء لا الصلاة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: " من قاء أو قلس فليتوضأ "، ولكونهما خارجان من المعدة، وهي موطن النجاسة، والأصل إذا خرج هذا النوع من المصلي عليه أن يخرج بلا التفات، وبما أنه متعذر اليوم حصول هذا بحكم بعد دورات المياه عن محل الصلاة، بالتالي يحدث التفات أثناء السير، على هذا لابد من إعادة الوضوء والصلاة.
* ثانيا: الدم (1/42)
صفحة 43
والدم ينقسم إلى قسمين: مسفوح وغير مسفوح، أما الدم المسفوح فهو الذي يخرج بغزارة وتدفق، وهذا دم نجس لقوله تعالى: " أو دما مسفوحا "، والنجس ناقض للطهارة، وهذا مذهب جمهور العلماء، ويدخل في هذا الدم الحاصل أثناء الذبح.
أما الدم غير المسفوح فهو الدم الذي يبقى جامدا، وإذا خرج شيء منه يخرج شيئا بسيطا بلا تدفق، وهذا معفو عنه، وهو غير ناقض للوضوء والصلاة.
وقد رخص الشرع في دم الكبد والسمك، ويدخل في هذا الدم الحاصل أثناء تقطيع اللحم فهو غير ناقض للوضوء والصلاة.
كذلك الدم الذي يجده المتوضئ في فيه إذا كان قليلا، أو أصفرا، أو كان الريق هو الغالب، أو مجرد رائحة فهذا أيضا غير ناقض للوضوء والصلاة.
* ثالثا: الرعاف:
دم الرعاف في الجملة ناقض للوضوء والصلاة على مذهب جمهور العلماء لقوله صلى الله عليه وسلم: " من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ "، ولأنه في الجملة دم مسفوح، ويستثنى إذا كان الدم قليلا، أو فضلات الأنف هي الغالبة، فهذا غير ناقض للوضوء والصلاة.
* النوم
جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من نام فليتوضأ "، وجاءت روايات تفيد في مجملها أن النبي صلى الله عليه وسلم نام ولم يتوضأ، من هنا حدث الخلاف بين العلماء.
ولكن يمكن الجمع بين الروايات من خلا إدراك علة كون النوم ناقضا للوضوء، وهذا يتحدد في أمرين: خروج الريح، وعدم إدراك أين وضع النائم يده فلعله وضعها في مكان النجاسة، من هنا في الغالب لا يكون هذا إلا في النوم الثقيل الذي لا يدرك به النائم ماذا خرج منه أثناء نومه، وأين وضع يده، فيقال على هذا إذا كان النوم ثقيلا انتقض وضوؤه، وبعضهم أضاف نوم الاضطجاع، لكون الريح تسيل بسهولة عند الاضطجاع.
العارية
تعريفها: إباحة نفع عين في وقت معين ثمّ يردها إلى مالكها.
مثال: استعار زيد من عمرو سيارة لمدة يومين، فهو يتصرف فيها بالمعروف في هذه المدة. (1/43)
صفحة 44
مشروعيتها: من الكتاب قوله تعالى " ويمنعون الماعون ".
ذهب الجمهور أن الإعارة سنة في الجملة، ورجّح ابن تيمية وجوبها إذا كان في غنى عنها لظاهر الآية.
من السنة فعله عليه الصلاة والسلام؛ حيث استعار فرسا من أبي طلحة، واستعار أدراعا من صفوان بن أمية.
حكمة مشروعيتها: زيادة التعاون والمحبة بين الناس، والتسهيل في معاشهم وأمور حياتهم.
أحكامها:
1. لا بد أن يكون المعار مباحا، أو لا يؤدي إلى حرام، فلا يجوز إعارة أمر محرم، أو إذا علم أن المستعير سوف يستعين بها على محرم لقوله تعالى: " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ".
2. يجب على المستعير المحافظة على الأمانة لقوله تعالى: " إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، ولقوله عليه الصلاة والسلام: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه "، وقال أيضا: " أد الأمانة إلى من أتمنك ".
3. يد المستعير يد ضمان لظاهر الحديث: " على اليد ما أخذت حتى تؤديه "، ولحديث صفوان: " بل أدراع مضمونة "، وهذا إذا قصّر في حفظها، مثلا استعار كتابا ولم يحافظ عليه فمزقه أولاده هنا عليه الضمان، يضمن قيمته أوعينه، وقيل إن يده يد أمانة ولو قصر، إلا إذا اشترط عليه، وعلى هذا يحمل حديث صفوان.
الجوائز
تعريفها: الجوائز جمع جائزة وهي العطية، وفي الاصطلاح تطلق على العطايا التي يهبها أصحاب السلع للمشتري.
حكمها: الإباحة في الجملة.
أقسامها:
1. جوائز يتحصل عليها عن طريق دفع رسوم للدخول في المسابقة، مثل المشاركة في مسابقات التلفزة والإذاعة.
حكمها: لا يجوز؛ لأنه من الميسر المحرم، وهو نوع من أنواع أكل أموال الناس بالباطل.
2. أن تكون الجائزة من البائع بلا قيد ولا شرط، وهذه تنقسم إلى قسمين من حيث نوع الجائزة:
أ/ الجائزة عينية، مثل إذا فصّل ثوبا يزاد ثوبا آخر. (1/44)
صفحة 45
ب/ الجائزة تكون في المنفعة: مثلا: إذا صلح الرجل سيارته في هذه الشركة يكون الفحص مجاني بالنسبة لهذا الزبون.
حكمها: جائزة إن كانت بلا شرط ولا قيد.
3. أن تكون الجائزة هدية معلومة للمشتري، مثل: يوجد في بعض العلب الغذائية ماعون ملحق كهدية للسلعة.
حكمها: جائزة شريطة أن لا يكون القصد من الشراء هو الجائزة.
4. أن تكون الجائزة هدية في السلعة ولكنّها غير معلومة، وهذه تنقسم إلى قسمين:
أ/ أن يكون لها أثر في السعر: مثلا: اليانصيب.
ب/ لا يكون لها أثر في السعر، مثلا: يشتري سلعة ويجد في داخلها هدية.
حكمها: إن كانت لها أثر في السعر فهذا غرر لا يصح، فقد يكون الثمن أعلى، وقد يكون أقل، وهذا من الغرر المحرم، وإن لم يكن للسعر أثر فهذا جائز، شريطة أن لا يكون المشتري قاصدا من الشراء الجائزة.
5. أن تكون الجائزة في بعض السلع دون بعض.
حكمها: جائزة بشرطين:
أ/ أن لا يكون لها أثر في السعر.
ب/ أن لا يكون فيها نقود، ويرخص إذا كان قليلا، وعلى العموم في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم.
زكاة المال
المعنى العام: هو المال الذي بلغ النصاب وحال عليه الحول، يخرج ربع عشره.
الدليل: قوله تعالى: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ".
وقوله عليه الصلاة والسلام: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا كان يوم القيامة صفّحت له صحائف من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ".
الأصل بزكاة المال هو الذهب والفضة، ويدخل فيهما النقد، لأنه يقوم مقام الذهب والفضة في السوق المعاصر.
شروط زكاة المال:
1. بلوغ النصاب.
2. دوران الحول.
مقدار النصاب: (1/45)
صفحة 46
في الفضة: خمسة أوقية (ليس في ما دون خمسة أوقية صدقه)، والأوقية أربعون درهما مضروب في خمسة فيكون الناتج مائتا درهم، ويساوي مائة وأربعين درهم، والمثقال يساوي 4,25 غرام، فيكون النصاب مقدرا بالغرامات 140 مثقال مضروبا في 4,25 غرام، فيكون الناتج 140 مثقال، النتيجة إذا بلغت الفضة 140 مثقال فما فوق، وحال عليه الحول، يجب هنا إخراج ربع العشر.
في الذهب: إذا بلغ عشرين مثقالا (وليس فيما دون عشرين مثقالا صدقة)، والعشرون مثقال تساوي 595 غرام (20 X 4,25 = 595 غرام)، فإذا بلغ الذهب 595 غرام فما فوق، وحال عليه الحول، هنا يخرج ربع العشر.
أما النقود الورقية فتقدر الآن بالذهب، وهذا يختلف باختلاف السوق، فإذا بلغ عندك ما يساوي نصاب الذهب أو أكثر تخرج ربع العشر.
مثل: حال عند سعيد 1000 ريال عماني، وكان الألف بالغا للنصاب هنا عليه إخراج ربع العشر على النحو التالي: 1000 ÷ 40 = 25 ريال عماني.
المضافات: (أي المضافة إلى أصل المال فيخرج منها الزكاة أيضا) الذهب والفضة + التجارة + الدين الحال وعلى ملي + الراتب + الهدية.
المستخرجات: (أي المال المستخرج فلا يخرج منه الزكاة) الديون الحالة والآجلة مثل أقساط السيارة والقروض.
مفطرات رمضان
لا شك هناك مفطرات معنوية ومفطرات مادية، ويجب على المرأة المسلمة (1) أن تفقه هذه الأمور وتعلمها أخواتها في الحي، حتى لا يترتب عليها شي في صيامها، وحتى تصوم عن بينة من أمرها.
أ/ المفطرات المعنوية:
ويقصد بها المعاصي القلبية والظاهرية، أما المعاصي القلبية فكالحسد والكبر والرياء والعجب وما شابه ذالك، والظاهرية مثل عقوق الوالدين والكذب والغيبة والنميمة وما إلى ذالك.
الخلاصة لا بد للمرأة أن تراقب سمعها وبصرها وسائر جوارحها في هذا الشهر الفضيل.
ب/ المفطرات المادية:
وسأتحدث عن أمثلة منها وهي:
__________
(1) المحاضرة كانت للنساء في سبلة الرواشد بولاية السيب، لذلك الخطاب موجه إلى النساء. (1/46)
صفحة 47
*أولا: إدخال داخل:
1 –الطعام والشراب، فلا يصح في نهار رمضان، وإن دخل نسيانا لا عليها شيء لظاهر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل في هذا:
أ/ غير المطعوم كالتراب والورق يأخذ حكم المطعوم في عدم جواز إدخاله إلى الجوف تعمدا.
ب/ يجوز للمرأة أن تتذوق الطعام شريطة عدم إدخال شيء منه على سبيل التعمد.
ج/ إن أكلت أو شربت ظنا منها أن الفجر لم يطلع وكان العكس عليها بدل ذلك اليوم، كذلك الأمر مع غروب الشمس.
2 – الأدوية: وفيها:
أ/ الأدوية عن طريق الدبر مثل التحاميل ناقضة للصوم.
ب/ الأدوية عن طريق القبل غير ناقضة للصوم.
ج / البخاخ الأصل ناقض للصوم ولكونه مرض بعضهم أمر بالفدية، وبعضم لم يوجب الفدية، هذا إذا كان مزمنا لا يرجى برؤه وهو الغالب، أما إذا كان يرجى الشفاء هنا عليها البدل.
د/ غسل الكلى يوجب الفدية.
هـ/ قلع الأضراس الأفضل في الليل خشية دخول دم، ويصح في النهار مع التوقي قدر الإمكان.
و/ قطور العين ناقضة للصوم، ويجوز استعمال الكحل والمرهم في نهار رمضان.
ح/ قطور الإذن غير ناقضة للصوم.
3 – البخور غير ناقض للصوم إلا إذا أحست المرأة بأثره في الجوف.
4 – يصح السواك في نهار رمضان مع توقي المعجون.
5 – يجوز نتف الشعر، وتقليم الأظافر في نهار رمضان.
6 – يصح المضمضة مع عدم المبالغة والاستحمام في نهار رمضان.
ثانيا: إخراج خارج مثل:
1 – الريق غير ناقض للصوم إلا إذا جمع فأدخل، أو أخرج ثم أدخل.
2 – القيء غير ناقض للصوم إلا إذا أخرج تعمدا، أو أدخل تعمدا بعد خروجه.
3 – القلس غير ناقض للصوم.
5 – النخامة تخرج قدر الطاقة، وإن دخلت دون عمد لاشيء عليك في هذه الحالة.
6 – الرعاف غير ناقض للصوم إلا إذا أخرج تعمدا، أو أدخل تعمدا بعد خروجه.
7 – يصح التبرع بالدم وكذلك فحص الدم. (1/47)
صفحة 48
ثالثا: الجماع والحيض والنفاس: فلا يجوز الجماع في نهار رمضان، والحيض والنفاس مانع من موانع الصوم، ولا يصح استخدام موانع الحيض لأنه لا ضرورة هنا، ولأن الله أوجد البديل، والحمد لله رب العالمين.
أحكام السجود
السجود في طبيعته ينقسم إلى خمسة أقسام:
1. كونه جزء من الصلاة.
2. سجود السهو.
3. سجود التلاوة.
4. سجود الشكر.
5. سجود الدعاء.
أولا: سجود الصلاة
وهذا ركن داخل في جنس الصلاة، ولا يصح الاقتصار على سجدة واحدة، أو الزيادة على السجدتين.
وقد تقدم الحديث عن هذا النوع من السجود في دروس الصلاة.
ثانيا: سجود السهو
للسهو معنيان معنى عام، ومعنى خاص.
أما المعنى العام فيراد به الغفلة عن التدبر في الصلاة أثناء الصلاة، مع إتمام أركان الصلاة وواجباتها وسننها.
وأما المعنى الخاص فيراد به النقصان أو الزيادة في الصلاة.
وإذا جئنا نتتبع الروايات نجد أن سجود السهو يدخل في المعنى الثاني، والأول معفو عنه، من هنا كان السجود جبرا للنقص أو إرغاما للشيطان.
# حالات سجود السهو
لسجود السهو أربع حالات:
1. إذا سلم قبل إتمام الصلاة كما في حديث ذي اليدين أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين في رباعية، فقال له رجل يدعى ذو اليدين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة، فقال عليه السلام: " لم أنس ولم تقصر "، ثم قال: " أكما يقول ذو اليدين " قالوا: نعم، ثم قام فصلى ركعتين، ثم سلم فسجد سجدتي السهو، فهنا إذا أنقص المصلي وتذكر بعد التسليم عليه أن يتم صلاته، والكلام بعد الصلاة إن كان لمصلحة الصلاة لا يؤثر فيها، اللهم إلا أن طال كما هو المفتى به الآن. (1/48)
صفحة 49
2. عند الزيادة في الصلاة، كأن يصلي الفجر ثلاثا، والعصر خمسا، هنا عليه إن تذكر وهو في قيامه أن يجلس ويقرأ التحيات ثم يسلم وبعدها يسجد للسهو، وإن تذكر بعد التسليم عليه سجود السهو، ودليل هذا ما روا ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا ثم سجدتي السهو بعد ما سلم.
3. عند نسيان التشهد الأول ثم تذكرة وقد اصطلب في قيامه، أو شرع في القراءة هنا لا يعود إلى التشهد، بل عليه أن يسجد سجود السهو، قبل التسليم أو بعده، لقوله عليه الصلاة والسلام: " إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس وإن استتم فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو "، ويقاس على هذا السنن القائمة بذاتها كقراءة سورة بعد الفاتحة، وبعضهم أدخل حتى السنن غير القائمة بذاتها كقول "سبحان ربي العظيم " في الركوع، واختلف في هذا السجود هل هو قبل التسليم أو بعد التسليم كما سيأتي بيانه بعد قليل.
4. السجود عند الشك في الصلاة لحديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أواحدة صلى أم اثنتين فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها اثنتين، وإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته قبل أن يسلم "، والحديث نص على أن السجود قبل التسليم، وعلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وبعضهم أخذ بحديث " لكل سهو سجدتان بعد التسليم".
# وقت سجود السهو
اختلف العلماء متى يسجد للسهو، الأكثر أنه يسجد بعد التسليم، وبعضهم أخذ بظواهر النصوص الواردة في السهو، وبعضهم فرق بين النقصان والزيادة، فالنقصان في الصلاة كالحالة الثالثة يسجد له قبل التسليم، وفي الزيادة سجد بعد التسليم، والأخير هو المفتى به الآن، وإذا سجد الإمام بعد التسليم لا يجب على المأمومين متابعته، وإذا سجد قبل التسليم يجب على المأمومين متابعته.
# حكم سجود السهو (1/49)
صفحة 50
يرى جمهور العلماء خلافا للإباضية والحنفية أنه سنة، ويستثنى هنا إذا سجد الإمام قبل التسليم فيجب متابعة الإمام.
# عدد سجود السهو
سجود السهو سجدتان لا يصح الاكتفاء على واحدة، ولا يصح الزيادة فيه.
# ماذا يقال في سجود السهو؟
يقال فيه مثل ما يقال في سجود الصلاة " سبحان ربي الأعلى " ثلاثا، وإن شاء اقتصر على واحدة، وإن شاء زاد.
# نسيان سجود السهو
إن نسي المصلي سجود السهو وتذكرة بعد فترة بسيطة فليسجد، وإن تذكره بعد فترة طويلة قيل يسجد، وقيل يسقط عنه.
ثالثا: سجود التلاوة
سنة من السنن لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ علينا القرآن فإذا مرّ بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه.
وأحكامه هي:
1. عدد السجود سجدة واحدة.
2. يقول فيها مثل ما يقول في سجود الصلاة " سبحان ربي الأعلى " ثلاثا، وإن شاء زاد، وإن شاء اقتصر على واحدة، وفي الأثر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود الليل: " سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته "، وعند القيام يقول: " سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ".
3. لا يشترط لسجود التلاوة الوضوء عند بعض العلماء، ولكن يستحب أن يكون على طهارة.
4. هل السامع لآية السجدة مثل القارئ عليه السجود؟ خلاف بين أهل العلم، والمستحب أن يسجد، وإذا كان يقود سيارة، أو ماشيا فأراد السجود فليسجد ولو بالنطق أو الإيماء.
5. للإمام الحرية في سجود التلاوة هل يسجد عند قراء الآية مباشرة، أو بعد التسليم، والمستحب الأول، وعلى المأموم متابعة الإمام في الحالة الأولى.
6. إذا قرأ الإمام آية السجدة فسجد ثم قام هو بالخيار إن شاء واصل القراءة، وإن شاء ركع بعد الاصطلاب في قيامه.
7. لا يجوز سجود التلاوة في الأوقات المحرمة، وعند الحدث الأكبر.
رابعا: سجود الشكر (1/50)
صفحة 51
وهذا مستحب في جميع الأوقات والأحوال، عدا الأوقات المحرمة، يسجد المرء شكرا لله على أمر وفقه إياه، ولا يجوز السجود إلا لله وحده، وفي الأثر عن ابن عباس أنه استحب السجود بعد كل صلاة شكرا لله على توفيقه لأداء الصلاة، وعلى هذا ذهب أصحابنا أنهم يسجدون بعد كل صلاة عدا المغرب، وبعضهم ينويها سهوا على القول بسجود السهو في المعنى العام، واستحسن الشيخ بيوض عدم السجود بعد الصلاة جبرا للوسواس.
وسجود الشكر لا يحد بعدد، فبإمكانك أن تقتصر على سجدة واحدة، أو سجدتين، أو أكثر، وتقول فيه مثل ما تقول في سجود الصلاة.
خامسا: سجود الدعاء
في الأثر أن الله يكون أقرب من عبده وهو ساجد، هنا يستحب الإكثار من الدعاء في السجود، وهذا يصح في جميع الأوقات عدا الأوقات المحرمة، ويطلب من الله ما يريد في السجود، وإن دعا في صلوات النوافل والسنن جاز له ذلك.
من أخطاء الحجاج والمعتمرين
أخطاء تقع عند الميقات وفي الإحرام:
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج أو العمرة ".
من هذه الأخطاء:
1. ترك الإحرام من الميقات، كالقادمين عن طريق الجو، يدعون الإحرام من الميقات حتى نزولهم إلى جدة، مع أنهم يمرون فوقه.
2. اعتقاد بعض الناس أنه لا بد أن يحرم بنعلين من البلاستيك.
3. اعتقاد بعض الناس أنة لا يجوز تبديل ملابس الإحرام ولا غسلها حتى التحلل.
4. الاضطباع من حين الإحرام.
5. الاعتقاد بوجوب صلاة ركعتين قبل الإحرام.
6. الاعتقاد بوجوب الغسل قبل الإحرام.
أخطاء تقع عند التلبية والوصول إلى مكة:
المشروع في التلبية أن يرفع الحاج والمعتمر صوته بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال".
من الأخطاء: (1/51)
صفحة 52
1. ترك رفع الصوت بالتلبية خاصة في منى وعرفة وعند الذهاب إلى مزدلفة.
2. اعتقاد بعض الناس أنه لا بد أن يؤدي المتمتع أو القارن مناسك العمرة مباشرة ولو كان في حاجة شديدة للراحة.
أخطاء تقع أثناء الطواف:
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ابتدأ الطواف من الحجر الأسود في الركن اليماني الشرقي من البيت، وأنه طاف بجميع البيت من وراء الحجر، وأنه رمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط في الطواف أول ما قدم من مكة، وأنه كان في طوافه يستلم الحجر الأسود ويقبله، واستلمه بيده وقبلها، واستلمه بمحجن كان معه وقبل المحجن وهو راكب على بعيره، وطاف على بعيره فجعل يُشير إلى الركن - يعني الحجر - كلما مر به. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستلم الركن اليماني.
من الأخطاء:
1. مزاحمة الناس عند استلام الحجر والركن اليماني.
2. تعظيم الكعبة والحجر الأسود لذاته.
3. المزاحمة عند الأشارة للحجر الأسود.
4. رفع اليدين عند الإشارة للحجر الأسود.
5. عدم الأخذ باليقين وبقاء الأصل في أمر الطهارة وعدد الأشواط فيقعون في الشك والوسواس.
6. الطواف داخل الحجر.
7. التقبيل والإشارة للركن اليماني.
8. الرمل في جميع الأشواط.
9. الرمل الشديد مع الزحام.
10. الاضطباع في غير طواف القدوم.
11. عدم استحضار القلب في الدعاء والذكر، وحمل كتب الأدعية.
12. المزاحمة في الطواف بين الكعبة ومقام إبراهيم.
13. بدء الشوط من جديد عند قطع الصلاة.
14. استلام الركنين العراقي والشامي.
15. رفع الصوت بالدعاء.
16. الالتصاق بالكعبة وأستارها.
أخطاء تقع في ركعتي الطواف:
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما فرغ من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " فصلى ركعتين، والمقام بينه وبين الكعبة، وقرأ في الركعة الأولى الفاتحة و قل يا أيها الكافرون وفي الركعة الثانية الفاتحة و قل هو الله أحد.
من الأخطاء: (1/52)
صفحة 53
1. اعتقاد كثير من الناس أن الركعتين لا تصح إلا خلف المقام.
2. الإطالة فيها، كذلك يدعو بعدها دعاء طويلا في وقت زحام.
3. ترك الصلاة بعد الفجر والعصر حتى طلوع وغروب الشمس.
أخطاء تقع عند شرب ماء زمزم:
يستحب بعد الفراغ من الطواف شرب ماء زمزم، والتضلع منه، والدعاء عند إرادة الشرب، فماء زمزم لما شرب له.
ومن الأخطاء:
1. توسيخ المكان بالمياة.
2. رمي الكوبات البلاستيكية في الأرض.
أخطاء تقع عند السعي بين الصفا والمروة:
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين دنا من الصفا قرأ: " إن الصفا والمروة من شعائر الله " ثم رقى عليه حتى رأى الكعبة، فاستقبل القبلة ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو، فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شي قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل ماشيًا فلما انصبَّت قدماه في بطن الوادي وهو ما بين العلمين الأخضرين سعى حتى إذا تجاوزهما مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصَّفا.
من الأخطاء:
1. مزاحمة الناس عند صعود الجبل.
2. الوقوف طويلا عند الدعاء في الجبل في وقت الزحام.
3. مضايقة الآخرين في تطبيق سنة الهرولة.
4. التشويش على الآخرين في رفع الصوت بالدعاء.
5. السرعة في المشي للتخلص من السعي.
6. السعي ففي المكان المخصص للمعوقين.
7. قراءة " إن الصفا والمروة " في كل شوط.
8. الاعتقاد بوجوب الطهارة من الحدثين في السعي.
أخطاء تقع عند التحلل بالنسبة للمتمتع والمعتمر:
يجب على المتمتع والمعنمر أن يتحلل من عمرته ليحل له كل شيء كان محرما عليه عند الإحرام للعمرة.
من الأخطاء:
1. الأخذ من أماكن مختلفة من الرأس عند الحلق أو التقصير.
2. توسيخ المكان بالشعر.
3. تقصير المرأة شعرها عند الرجال الأجانب.
أخطاء تقع يوم التروية: (1/53)
صفحة 54
جاء عنه صلى الله عليه وسلم لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، وركب النبي صلى الله عليه وسلم ناقته القصواء فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
من الأخطاء:
1. اعتقاد بعض الناس أنه لا بد أن تحرم يوم التروية من مسجد الجن أو المسجد الحرام أو مسجد التنعيم.
2. ترك الجهر بالتلبية.
3. التأخر في الذهاب إلى منى.
4. ترك المبيت بمنى.
5. كثرة الكلام الدنيوي ليلة عرفة.
أخطاء تقع في عرفة:
لما كان اليوم التاسع مكث النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعت الشمس، فأجاز حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة.
من الأخطاء:
1. الانطلاق من منى قبل طلوع الشمس.
2. ترك التلبية في المشي.
3. الإسراع في المشي عند المرور بوادي محسر (بالنسبة للمشاة).
4. رمي الزبالة في غير الأماكن المخصصة.
5. التأخر كثيرا عند الذهاب إلى عرفة، وقد لا يدرك الخطبة.
6. الصعود في الجبل والتزاحم فيه.
7. الدعاء وقوفا طيلة الوقت.
8. عدم استغلال الوقت بالدعاء والذكر.
9. اعتقاد أن الدعاء في الجبل أو عند الصخرات من السنة.
10. الوقوف في بطن عرنة.
11. بدء الإفاضة قبل غروب الشمس.
أخطاء تقع في مزدلفة: (1/54)
صفحة 55
عندما أفاض النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة بعد الغروب نادى في الناس: " السكينة السكينة "، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حت طلع الفجر، وصلى الفجر، حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا الحديث.
من الأخطاء:
1. الإسراع في المشي.
2. ترك التلبية في مزدلفة.
3. تأخير صلاتي المغرب والعشاء عن منتصف الليل بحجة عدم الوصول.
4. الاعتقاد بوجوب جمع الحصى من مزدلفة.
5. إزعاج الناس بالكلام الخارجي في مزدلفة خاصة عند إرادة النوم.
6. صلاة الفجر قبل الوقت.
7. ترك الذكر بعد صلاة الفجر.
8. التنافس على مسجد المشعر الحرام.
9. الإسراع في الإفاضة بعد صلاة الفجر.
10. الإفاضة إلى منى بعد طلوع الشمس.
11. عدم الإسراع في مجاوزة وادي محسر.
أخطاء تقع يوم النحر:
ثم سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، كل حصاة مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فأتى البيت فأفاض.
من الأخطاء:
1. ترك التلبية عند الطريق لرمي جمرة العقبة.
2. الاعتقاد بوجوب غسل الحصى.
3. أخذ حصيات كبيرة الحجم.
4. رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس.
5. رمي الحصيات دفعة واحدة.
6. الرمي باليد اليسرى.
7. مزاحمة الناس عند الرمي من أجل تتطبيق سنة الوقوف عند الرمي.
8. الدعاء بعد رمي جمرة العقبة.
9. النيابة عن الرمي للمستطيع.
10. الوسوسة والشك في عدد الحصيات المرمية.
11. النحر قبل الرمي.
12. عدم التأكد من الذبح، فيتحلل لمجرد وعد بالذبح.
13. الاعتقاد أنه لا يجوز الأكل من الهدي. (1/55)
صفحة 56
14. عدم ترتيب أعمال اليوم العاشر.
15. الاعتقاد أنه يجب طواف الإفاضة في اليوم العاشر.
16. إلزام المرأة الحائضة والمقرنة إذا طهرت بعد الدخول في الحج بطوافيين وسعيين.
17. مباشرة مقدمات الجماع بعد التحلل الأصغر.
أخطاء تقع في أيام التشريق:
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله.
من الأخطاء:
1. مزاحمة الناس في بداية الرمي وذلك عند الزوال.
2. اعتقاد الناس أن في هذه الجمرات شياطين.
3. مزاحمة الناس عند تطبيق سني الدعاء عند الرمي.
4. الوقوف للدعاء بعد رمي جمرة العقبة الكبرى.
5. اعتقاد بعض الناس أنك لا بد أن ترمي الحائط الموجود في الجمرات الثلاث.
6. بعض الناس يزيد في عدد الحصى المرمية.
7. عدم المبيت في منى ليالي أيام التشريق.
8. الإخلال بالنظام ونظافة المكان في منى.
أخطاء تقع في طواف الوداع:
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض.
من الأخطاء:
1. يجمع بعض أصحاب الأعذار بين نيتي طواف الوداع والإفاضة عند تأخير طواف الإفاضة، وبعضهم ينوي طواف الوداع وهو مؤخر لطواف الإفاضة.
2. بعض الحجاج يودعون ثم يمكثون طويلا في مكة.
أهلا رمضان
الخطبة الأولى
((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) (1/56)
صفحة 57
الحمد لله الذي شرع لنا الصيام, وجعله فرضا على الأنام, و الصلاة والسلام على خير من صلى و صام, وأدى الشعائر العظام, و على آله و صحبه الكرام, وعلى تابعيه بإحسان إلى يوم القيامة للمالك العلام.
أيام قليلة, و ساعات معدودة, ويهل علينا شهر الصيام ...
فيا لها من نعمة عظمى, ومنة كبرى, أن نصوم شهر الله المعظم ...
اشكروا الله - أيها المسلمون – واسألوه أن يبلغنا رمضان, ويرزقنا قيامه وصيامه ....
أهلا بشهر الصوم ذي البركات
خير الشهور و سيد الأوقات
أهلا به رمضان أهلا مرحبا
ناهي عن الفحشاء و الشبهات
شهر يفوق عن الشهور بليلة
عن ألف شهر جاء في الآيات
وها نحن معاشر المسلمين فارقنا إحدى عشر شهرا، فمنا المطيع حق الطاعة، ومنا المقصر في الأيام الماضية، وها هو رب الاراضين و السماوات العالية، يفتح بابه للمذنبين في رمضان وللناس قاطبة؛ ليغفر لهم ما أسلفوا في الأيام الخالية، وليفتحوا صفحة بيضاء في الأيام المقبلة.
فرحماك ربي ما ألطفك على عبدك.
أيها المسلمون:
شهر رمضان فرصة ذهبية لا تتعوض, ومنة إلاهية لمن شمّر عن ساعد الجد و اجتهد, فطوبى ثم طوبى لمن أدى حقه, وعظم حرمته, وأدرك فضله و مغفرته.
فيا أبناء شهر رمضان المعظم:
ها انتم مقبلون على هذا الضيف الكريم, فماذا عساكم فاعلون؟
أجدية و اجتهاد في هذا الشهر؟ أم نوم و كسل و تضيع للوقت؟
أمراقبة لله و مسابقة في الصالحات؟ أم غفلة و اقتراف للمنهيات؟
إخوة الإيمان:
هاكم ثلاث محطات أقفها بين جنابكم قبل دخول شهركم المبارك, عسى أن تكون فاتحة خير للاستغلال الشهر الفضيل.
* المحطة الأولى: تفاؤل و أمل:
ذهب رمضان الماضي, ومرت ايام و ساعات, وهانحن على أبواب رمضان من جديد ...
كم قصرنا في جنب الله! و كم أخطانا في حقه! و كم بعدنا عن بابه ... (1/57)
صفحة 58
ومع هذا باب الأمل مفتوح, وباب الرجاء لا يغلق, فهاهي هدية الله و رحمته, تعلن أن لا يأس من روح الله, و لا قنوط من رحمته، فشمر أخي في الله عن ساعدك, واقبل إلى ربك, و ظن خيرا بخالقك ....
فو الله الذي لارب سواه لو جئت قبل رمضان و ذنوبك مثل حيال الدنيا, جئت بقلب ذليل خاضع لله, وأنت عازم للرجوع إليه, لبدل الله سيئآتك حسنات, وتقبل صيامك, و كنت من عتقاء الشهر إن شاء الله ....
فإلى متى الغفلة! وإلى متى التعلق بالدنيا و الشهوات!! ..
فالأوبة الأوبة, و الرجعة الرجعة, حتى لا يفارقك الشهر وأنت في غفلة وبعد عن الديان.
قل للذي ألف الذنوب و أجرما ... فغدا على زلاته متندما
لاتيأسن من الجميل فعندنا ... فضل ينيل التائبين تكرما
يا معشر العاصين جودي واسع ... توبوا و دونكم المنى و المغنما
لاتقنطوا فالذنب مغمور لكم ... إني الجدير بأن أجود و أرحما
((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر النوب جميعا)).
المحطة الثانية: مع المدرسة الرمضانية:
مدرسة رمضان أعظم مدرسة يمر بها المسلم في عامه كما أن مدرسة الحج أعظم مدرسة يمر بها في عمره ..
مدرسة رمضان لطالما خرجت المؤمنين الأتقياء .... و لطالما خرجت المجاهدين النبلاء ...
من مدرسة رمضان خرج صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم ينشرون الخير للإنسانية ...
ومن مدرسة رمضان خرج الدعاة ينشرون دين الله ....
من مدرسة رمضان خرج المسلمون بملأون الارض قسطا و عدلا و سعادة و سرورا ....
من مدرسة رمضان كانت غزوة بدر الكبرى, وفتح مكة ...
ومن مدرسة رمضان كانت العدالة و الحرية و المساواة ....
فأين نحن من مدرسة رمضان ... ؟
أين نحن من هذه الجامعة العريقة؟
أباللهو و اللعب في ليالي رمضان نتخرج منها؟
أبالمسلسلات و الأفلام و الفوازير ننجح فيها؟
أبالنوم و التسكع في الطرقات نتفوق فيها؟
أبالكسل و تضيع الوقت نستفيد منها؟ (1/58)
صفحة 59
أبالتخمة و التنافس في المؤكولات نتعلم فيها؟
إيه و الله مدرسة رمضان لو وقفنا معها وقفة صادقة لتغير حالنا, لو عقدنا العزم للاستفادة منها لكان لنا شأن آخر ....
في اخا الاسلام ....
هلا تخرجت من مدرسة رمضان و قد اخذت شهادة امتياز في الإيمان والعبادة و الاخلاق ...
هلا خرجت من هذه المدرسة و شعارك تقوى الله , و مراقبه سرا و علاينة ...
وهلا خرجت منها ونور الاخلاص والمحافظة على الصلاة في جماعة لا يفارق حياتك .....
وهلا خرجت منها و قد تغير سلوكك من الإهمال الى النظام، و ومن الغش الى الأمانة , ومن الكبر إلى التواضع, ومن الجهل الى العلم, ومن تضيع الوقت إلى الاهتمام به.
هلاتخرجت من هذه المدرسة وقلبك مليئ بالرحمة و الشفقة للوالدين والأقربين والفقراء والمساكين ....
و يا فتى القرآن:
هلا تخرجت من مدرسة رمضان وقد أديت أمانة التربية والتوجيه في أسرتك, و ربيت أولادك تربية صالحة , وأقمت حلقات القرآن في بيتك, وأرشدت زوجتك إلى الطهر و العفاف, وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر في بيتك و مجتمعك و مكان عملك ...
فيا الله ما أعظم مدرسة رمضان، و ما أجلها من جامعة , فلا تضيعوا يرعاكم الله هذه المدرسة, عضوا عليها بالنواجد, و راقبوا فيها مولاكم في كل لحظة و حين و استغفروا ربكم انه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
المحطة الاخيرة: قف قبل رمضان:
اخي المسلم
لا يخفى ما لنفسك من حنين و شوق لرمضان , وما لخاطرك من رغبة في استغلال الشهر الكريم ...... (1/59)
صفحة 60
فإذا ما دخل الشهر الكريم كثرت العبادة , و تعددت الطاعة , ثم لا تلبث أن تتناقص شيئا فشيئا , و إذا ما أقبل رمضان على الرحيل قد يترك الواحد منا قراءة القرآن , بل يترك صلاة الجماعة , و يتساهل في منهيات رمضان , و هذا خطأ كبير, و جهل عظيم , مخالف لهدي محمد صلى الله عليه و سلم , فقد كان في النصف الثاني من رمضان وخاصة في العشر الأواخر أشد عبادة , و تقربا إلى الله تعالى.
فيا أخي العزيز
عليك بالإخلاص أولا, ولا تكثر من الطاعات في الأيام الأولى إن كنت غير متعود على ذالك , و ابدأ بالقليل، وتدرج في الطاعة طيلة الشهر , لتغنم فضل العشر الأواخر, و عليك بالمحافظة على الواجبات الشرعية , كالصلاة في جماعة و بر الوالدين , و صلة الأرحام , و إخراج الزكاة, و الأمانة في العمل , عظ عليها بالنواجذ.
ومن الملاحظات في رمضان – أخوة الإيمان – انفتاح الناس على النواهي الشرعية في ليالي رمضان , كمشاهدة المسلسلات التي تحتوي على صور عارية , أو شبه عارية , و فتح العنان للسان لتقول ما تشاء من غيبة و نميمة و كذب وبهتان؛ لاعتبار أن المعصية في الليل لا تنقض رمضان , و هذا استهتار بعظمة الشهر العظيم، فرمضان معظم ليله و نهاره، فاتقوا الله وارعوا حرمة شهركم.
ومن الملاحضات أيضا استهتار بعض الطلاب في المدارس فيتساهلون في العلك و اللبان، و قد يتفاخرون بالأكل و الشرب في نهار رمضان أمام الطلاب , ليظهر شجاعته و بطولته , و هذه سخرية في دين الله ما بعدها سخرية، وهذا كما يقول بعض أهل العلم إنها ردة و خروجا عن دين الله تعالى.
فاتقوا الله عباد الله، و عظموا شهركم, و تفقهوا في أحكام دينكم , تنالوا الأجر عند ربكم.
كيف نرقى بأوطاننا
الخطبة الأولى (1/60)
صفحة 61
الحمد لله الذي أعزنا بنعمة الإسلام، وأمرنا بالإحسان إلى الأوطان والأنام، أحمده بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير داع إلى بناء الأطان وتعميرها، والسعي إلى رقيها وتقدمها، وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله:
من تكريم الله للإنسان أن سخر له الكون بأكمله، ليتدبر في آلاء الله، ويسعى في تعميره وإصلاحه، ويحافظ على جماله وبهائه، قال تعالى: " وسخر لكم الليل والنهار والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لأيات لقوم يعقلون، وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لأية لقوم يذكرون، وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " (النحل / 12 ــ 14).
هذا والإنسان بطبعه قد جبل على الاستقرار في بقعة معينة من هذا الكون الواسع؛ ليتخذها وطنا له وسكنا، ويعيش فيها آمنا مطمئنا، ويكون فيها صالحا مصلحا، فنعمة الوطن من أعظم النعم التي يتنعم بها العباد، من هنا كان له حقوقا يجب أن تؤدى، وواجبات يجاب أن تصان وتراعى.
عباد الله:
نعمة الأمن والأمان من أعظم النعم الي تستقر وترقى بها الأوطان، فبها يستقر الناس في معاشهم، ويتطورون في حياتهم، فما ارتقت أمة من الأمم، وما تقدم مجتمع من المجتمعات، إلا إذا ساد الأمن بين زواياه، وعم الاطمئنان بين أفراه.
ولهذا امتن الله تعالى على أهل سبأ بنعمة الأمن والأمان، مما كان له الأثر في قوة اقتصادهم، وتتطور بلدانهم، يقول تعالى: " وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين " (سبأ / 18). (1/61)
صفحة 62
ومن النعم العظيمة التي تمتع بها أهل مكة فبيل البعثة نعمة الأمن، فانتعشت تجارتهم، وتطورت بلدانهم " فأطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " (قريش / 4).
فإذا أردنا المحافظة على إنجازاتنا، والتقدم بأوطاننا؛ علينا أن نحافظ على هذه النعمة، ونسخرها في صالحنا وصالح مجتمعنا، وهذا من أعظم الشكرلله على هذه النعمة العظيمة.
أيها المسلمون:
لكل مجتمع تراث يتمتع به، وإنجازات سعى لتحقيقها، في كافة مجالات الحياة، التربوية والاجتماعية، والصحية والاقتصادية، من مساجد ومستشفيات، ومدارس ومعاهد وطرقات، فهذه الإنجازات هي عنوان الرقي والتطور، وهي رمز التقدم والمدنية، ليكون الوطن مربوطا بماضيه المجيد، وحاضره التليد.
والأمة الواعية هي التي تحافظ على إنجازاتها، وتسعى لرقيها وتتطورها، وهذا لا يقتصر على فئة معينة، بل يعم جميع شرائح المجتمع، صغار وكبار، ذكورا وإناثا.
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة اشترك جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار في وضع أسس الوطن الجديد، بداية من المسجد ليكون منطلقا للعلم والمعرفة، وانطلاقا إلى الجوانب الأخرى.
فهلا كنا يدا واحدة في بناء ورقي وطننا وتقدمه، وهلا حافظنا على تراثه ومنجزاته، فهذا من المعروف الذي يثاب فاعله، فعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل معروف صدقة "، فسابقوا رحمكم الله في نماء ورقي أوطانكم، تنالوا الأجر عند ربكم.
أيها المؤمنون:
ومن طرق المحافظة على مكتسبات الوطن وإنجازاته الإحسان إليه، وأنت قد ترعرعت تحت سمائه، ولهوت فوق أرضه، وتعلمت في مدارسه وجامعاته، وأكلت من أرضه، وارتويت من مائه، فهو كالأم الحنون يرعاك بعطفه وحنانه، ويساندك بصبره وقوته، " وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان " (الرحمان / 60). (1/62)
صفحة 63
فأنت أيها الأب كن محسنا مع وطنك بتربية أبنائك التربية الفاضلة، وتنشئتهم التنشئة الصالحة، اغرس في قلوبهم حب الوطن والمحافظة على إنجازاته، واجعلهم بررة صالحين لأوطانهم، مخلصين في رقيه وتقدمه، يقول عليه الصلاة السلام: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأب راع وهو مسؤول عن رعيته ".
وأنت أيها الطالب كن محسنا مع وطنك بالجد والاجتهاد، والعمل الدؤوب في كسب العلم والمعرفة، فمن حق الوطن عليك أن تسعى لرقيه فكريا وثقافيا، أخلاقا واجتهادا، يقول تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " (المجادلة / 11).
وأنت أيها الصانع والعامل كن محسنا إلى وطنك بالاجتهاد في العمل، والمحافظة على منجزاته المتعددة، وتطوراته المختلفة، وسخر قدراتك في رقيه ونموه، وتقدمه وتمدنه، يقول تعالى: " وقل اعملو فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون " (التوبة / 105).
فلنتعاون جميعا في رقي أوطاننا، كل بحسب جهده وقدراته، وكل في تخصصه ومجال عمله، ولنكن مخلصين لأوطاننا في بيوتنا ومدارسنا، وفي أسواقنا وأماكن عملنا، أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأنبياء والمتقين، وأفضل خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: (1/63)
صفحة 64
حب الأوطان من الغرائز التي يتمتع بها الإنسان، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخرج من المدينة، خرج حزينا لفراقه وطنه الذي ترعرع بين حناياه، وعاش بين زواياه، خرج مستقبلا وطنه الأم، وموجها إليها خطابه الجميل: " والله لأنت أحب البلاد إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني ماخرجت ".
فحب الوطن شيء فطري، وأمر جبلي، ولكن لا يتوقف حب الوطن عند الكلمات الرنانة، بل لا بد أن يجسد إلى واقع عملي، فالحب لا بد أن يتجسد إلى إخلاص لهذا الوطن، مقرونا بالتفادي في رقيه وخدمته، يقول عزوجل: " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " (المائدة / 2).
ومن حب الوطن التقيد بأنظمته وقوانينه، فالنظام أساس التقدم والرقي، وبدونه لا تقدم ولا مدنية، فلنكن منظمين في حياتنا وأوطاننا، وبذلك نرقى بأنفسنا وأمتنا، ونحافظ على أمننا واستقرارنا.
كذلك من حب الوطن المحافظة على نظافته المادية والمعنوية، فالنظافة عنوان التطور والمدنية، والنظافة أساس نموا العقل وتفعيل دوره في الحياة، فلنحافظ على النظافة المادية، في كل شبر من وطننا الحبيب، في البيوت والشوارع، وفي المؤسسات والمتنزهات العامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".
كذلك علينا أن نحافظ على نظافة الوطن المعنوية، بالدعوة إلى الوحدة، ونبذ الفرقة، والمحافظة على الواجبات الشرعية، والبعد عن الغل والحسد والكبر، واجتناب النميمة والغيبة والفتنة، ومساعدة المحتاجين وإعانتهم، والصدق في القول والعمل، والتمسك بالآداب الفاضلة والأخلاق الحميدة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ". (1/64)
صفحة 65
فاتقوا الله عباد الله، وكونوا أداة خير لأوطانكم، واجتهدوا في تقدمها ورقيها، تجدون آثار ذلك في حياتكم، وتنعمون بالفضل والأجر عند لقاء ربكم.
هذا وصلوا وسلموا ..............
مع أحداث كأس العالم
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل لنا نورا نهتدي به في ظلام الدنيا الفانية، والصلاة والسلام على خير البرية، محمد وعلى آله وصحبه صلاتا وسلاما إلى يوم القيام لرب الأراضين والسماوات العالية.
أما بعد:
فها أنتم تعيشون في هذه الأيام في ظلال أحداث متعددة، منها ما يسعد القلب، ويشرح الصدر، ومنها ما يبكي العين، ويحزن النفس.
ينتقل بنا قطار الأحداث في هذه الأيام من أنشطة الصيف وفعالياته، إلى غزة المنكوبة تحت الدمار والتقتيل، وأخيرا يقف بنا القطار مع كأس العالم، وما فيه من أحداث عجاب، تضحك الإنسان تارة، وكثيرا ما تبكي منه عيون أولي الألباب.
وها أنا أوجه إليك أخي المستمع هذا السؤال؟ وعسى أن تستمع إلي بقلب خاشع، يريد الوصول إلى الحقيقة!!!
والسؤال الذي يجب أن نجد له حلا، وأن نقف معه وقفات ووقفات؟ ما موقفك أخي المسلم من هذه الأحداث؟ وهل أعددت لنفسك مكانا ترقى به لنفسك ولوطنك ولأمتك ...
أخي العزيز: وقفتان أضعها بين يديك، عسى أن تكون إشراقة نور لي ولك ولأمتنا المجيدة.
* الوقفة الأولى: بين الأساسيات والثانويات
لم يكن غريبًا أن تنطلقَ منافسات كأس العالم في الوقتِ الذي انطلقت فيه قنابل إسرائيلية لتقتلَ الأطفال والنساءَ وتقطِّع أوصالهم وتنثُر أشلاءَهم على أرضِهم، ليس ذلك غريبًا لأن العدو لا تهمّه الدماء المسلمة، ولا تعنيه أرواح المسلمين، وإنما العجَب من غفلة المسلمين، وموت شعورهم، وتبلّد إحساسهم، ونضوب الغَيرة من قلوبهم إلا من رحم الله تعالى.
إنّ هذا الحدثَ الرياضيّ العالميّ فيه درس للمسلمين، لابد أن يستفيدوا منه: (1/65)
صفحة 66
فهل نالت قضايا مجتمعاتهم وأوطانهم من اهتمامهم وعناية ما نالته هذه المنافسات؟! هل حظيت منهم همومُ الأمّة المسلمة وقضاياها المصيرية مثل ما حظيت به هذه المنافسات؟! هل كان لهم من الحرص على إنجازات أوطانهم والمساهمة في تقدّمها ورقيها مثل حرصهم على متابعة هذه المنافسات؟!
كم من أموال أنفقت!!! وكم من أوقات ضيعت!!! دون تفريق بين أولوي وثانوي، ولا بين نافع وضار ...
ومن العجب العجاب أن نجعل من اللهو واللعب ركيزة من ركائزنا، وهدفا من أهدافنا، ونقدمه على جميع الأهداف والركائز، حتى في الجانب العلمي والثقافي.
وحتى لا أكون مبالغا في الأمر، ومهولا لهذه القضية، لقد رأيت بنفسي من خلال المركز الصيفي، ورآه غيري في مراكز أخرى ......
نجد أبنائنا منغمسين في الجانب الرياضي، وثقافتهم لا بأس بها في هذا المجال ...
وهذا أمر طيب، بل الأمة مطالبة أن تكون قوية جسميا وعقليا، وأن تكون ثقافتها تعم الجانب الرياضي والترفيهي ....
ولكن ما إن تسألهم عن تاريخهم وتاريخ أمتهم، ما أن تقف معهم في ظلال قرآنهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ....
ما أن تحلق معهم في حلقات العلم والتاريخ المعاصر ..... تجد القليل منهم ممن يهتم بهذا الأمر، ويعطيه حقه ومستحقه ......
قلت لهم مرة حدثوني عن صبرا وشاتيلا، حدثوني عن جنين، حدوثوني عن غزة والضفة، حدثوني عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ....
بل تجد الكثير منه يحفظون أسماء المغنين والاعبين أكثر من حفظهم لأفضل من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .....
أيها المؤمنون: لا يجوز أن نخادع أنفسنا، ونكتم عوامل الضعف فينا ...
إن هذه الأمة أمة متكاملة في ثقافتها ومنهج حياتها، ولا يجوز أن نهتم بجانب معين، ونترك الجوانب الأخرى ...
بل لا بد من التكامل في الجوانب الفكرية والاجتماعية والرياضية والسياسية والعلمية وغيرها .... " ما فر طنا في الكتاب من شيء " .... (1/66)
صفحة 67
وعلينا أن نربي أنفسنا وأبنائنا على التكامل في حياتهم، وأن نعودهم على الرياضة العقلية كم عودناهم على الرياضة البدنية .....
إننا لن ننصر إخواننا المسلمين ما دمنا أمة جاهلة، أمة همها اللعب وحده فقط ...
فلنكن عنصر تكامل في هذه الأمة، ولنقدم الأولويات على الثانويات، وأن نتعاون جميعا على رقي هذه الأمة .... نسأل الله تعالى أن يوفقنا لنصرة دينه ....
أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم، فاستغفروه يغفر لكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
أما الوقفة الثانية فهي نداء إلى كل أب رحيم، وراع أدرك قيمة الأمانة التي في يده.
هذه الرسالة أرسلها لكم مجموعة من الفتيات في هذه المنطقة وغيرها، يشتكين لوعة العذاب، وحرارة الصبر.
ما ذنب تلك المسكينة التي وصل سنها الثلاثين أو أكثر، وهي محبوسة في بيتها، وطارق بابها يأتي بين فترة وفترة، ولا يجد إلا الصد والنكران.
أوليس لهن عاطفة، أو لا يمتلكن شهوة، أو لا يوجد عندهن عقل يفكرن به.
ما ذنب تلك المسكينة إذا كان ابن عمها أو خالها الذي حجزت له لم يتقدم بعد، أو أنه لم يهيء نفسه، فلماذا نمنعها من الزواج، ونضيق عليها الحلال.
ما ذنبها إذا من الله عليها بوظيفة ما أن تمنع من الزواج، ليكون لأبيها أو لوليها حصته من المال؟
أما يوجد في قلوب هؤلاء رحمة، أما يوجد في نفوسهم عطف لبناتهم.
أما قرع أذهان هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
واعلموا أن وضيفة الولي هو تنظيم الأمر فقط، فمن حق المرأة وحدها أن تقرر أنها تريد هذا الزوج أو ترفضه، ولا يجوز شرعا ولا عقلا أن نمنعها عن الزواج من أجل أننا نريدها لأقاربها، أو أن يكون الزوج من قبيلتها، فالأمر راجع إلى المرأة وحدها في اختيار الزوج، وعلى الولي الإرشاد والتنظيم فقط. (1/67)
صفحة 68
كذلك من حق المرأة وحدها في تحديد المهر، لأن هذا من حقوقها، فمن حق المرأة أن تتزوج بمائة ريال، أو ألف، وهي صاحبة القرار في هذا، ولا يجوز لأبيها أو أمها أو أخيها أن يجبرها على مقدار معين من المهر، ولا يجوز لهم أن يأخذوا فلسا واحدا منه إلا برضاها، فهي صاحبة التصرف في هذا المهر.
فاتقوا الله أيها الأولياء ثم اتقوا الله ثم اتقوا الله فإنكم مسئولون عن هذه الأمانة.
وقبل الختام أريد أن أنبه على موضوع له أهميته، فكما تعلمون أيها الأخوة أن الإجازة الصيفية محطة للاستفادة وتنمية الذات، فأبناؤنا يعيشون طيلة هذه الأيام في فراغ دامس إذا لم يجدوا من ينقذهم من هذا الفراغ.
ومن فضل الله علينا، وعلى هذا الوطن، أن من الله علينا بالمراكز الصيفية، فكانت ملتقى لهؤلاء الطلاب، وكانت مدرسة يتعلمون فيها أحكام دينهم، ويحفظون فيها كتاب ربهم، وكانت جامعة يتعلمون فيها الأخلاق ولآداب.
ونحن بدورنا في هذا الجامع وفرنا في هذا الجامع ما يقل عن اثني عشر مدرسا ومدرسة، وحافلتين لنقل الطلاب والطالبات، بجانب الأنشطة التعليمة والترفيهية، مما عشنا أياما جميلة في ظلال العلم والمعرفة.
والأسبوع المقبل هو الأسبوع الختامي لهذا المركز، وبما أن المركز قائم على الجهود الذاتية، وعلى التبرعات من قبل المحسنين، يوجد عندنا نقص في توفير مكافآت المعلمين، وتكريم المتميزين في المركز، من هنا فتحنا الباب في هذه الجمعة وطيلة الأسبوع لجمع التبرعات للمركز، فمن لديه الرغبة في الإنفاق والتبرع فالباب مفتوح، ولكم جزيل الشكر والامتنان.
وفي الختام صلوا وسلموا عل سيد البشرية وخاتم البرية كما أمركم الله في كتابه حيث قال " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ".
وقفة مع الشعب الفلسطيني
الخطبة الأولى (1/68)
صفحة 69
الحمدلله الذي أعزنا بالإسلام، والصلاة والسلام على خير الأنام، وعلى آله وصحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
هي القدس مسرى النبي الأمين
هي القدس يا إخوتي المؤمنين
جراحك يا قدس في قلبنا
فداؤك يا قدس أرواحنا
فلا تحزني يا عرس البلاد
فتحرير أرضك من ديننا
ومهما ألمت بك النائبات
فأنت رؤانا وأنت المنى
سيبزغ فجرك عما قريب
وتشرق شمسك في الكائنات
همساتٌ أوجهها إليكم، وخواطرٌ أبعثها لكم، أسأل الله أن يكتب لها الأثر والقبول.
الهمسة الأولى: أوجهها إلى كل كل عاقل لبيب، أوجهها إلى ذوي النهى، وأصحاب العقول.
أنادي بها كل من عرف حلاوة الحرية، وسعادة الأمن والمساواة.
قلبي وقلبكم يعتصر ألماً، ويتقطع حزناً ونكداً على ذلك الطفل المسكين، الذي عشق حلاوة اللعب، وبهجة المرح، فأبدل بصوت الدبابات، وغناء النائحات، وبكاء الثكالى.
واحزناه على تلك المرأة المسكينة، التي طالما أرادت الأنس في بيتها، تخدم زوجها وأولادها، ولكن هيهات هيهات ... دمر بيتها ... وشرد زوجها وأولادها.
لقد شاهدتم وسمعتم ما يحصل اليوم في أرض الرسالات، ومهبط النبوات، في أرض فلسطين.
لقد اظهر العالم الغربي بشاعة فعله، وقباحة تصرفه ...
لقد ظهرت العدالة التي ينادون بها ...
والمساواة التي يتبجحون بها ...
والحرية التي يطبلون حولها ...
ماذنب ذلك الشعب البريء إذا طبقوا الديمقراطية التي ينادون يها، أم يريدون منهم الخضوع والذلة والمسكنة؟!!
شردوهم في أصقاع الأرض، فعاشوا في خيمٍ لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.
قتلوهم أمام مرأى من العالم، ومسمع من هيئة الأمم المتحدةََ! ..
أو نسينا دير ياسين، وصبرا وشاتيلا؟ َ! (1/69)
صفحة 70
واليوم في عصر الديمقراطية والحرية، يقاطع ذلك الشعب! لا لشيء! إلا لأنه طلب الحرية الحقيقية، والمساواة العادلة.
فرحماك ربي
ماذنب أولئك الأطفال الصغار، يجوعون بلا رحة ولا شفقة؟، أين هيئة حقوق الأطفال؟!.
ماذنب ذلك الشيخ العجوز؟، وما ذنب تلك المرأة الضعيفة؟، أن يجوعوا بلا ذنب ولا جريمة؟، أين هيئة حقوق المرأة وكبار السن؟!.
ما ذنب ذلك الموظف المسكين، الذي خرج لكسب الرزق وإطعام أولاده وأهله؟، فيحرم من أجره بلا خجل ولا حياء!، فأين هيئة الدفاع عن حقوق العمال؟!.
لقد أعلن العالم الإسلامي في الأيام الماضية رفضه لهذه المقاطعة الغاشمة، فتبرعوا بما تجود أنفهسم عن طريق البنوك في البلدان العربية وغيرها ...
واليوم تهدد تلك البنوك بالمقاطعة من قبل أولئك الحاقدين ..
فما أحلاها من حرية ...
وما أبهجها من ديمقراطية ...
إلهنا وخالقنا مالنا في هذا اليوم المبارك إلا أن نتضرع إليك بهذا الدعاء، فما لنا حيلة إلا بك، ولا رجاء إلا منك، بعد هذا التخاذل من بني جلدتنا وقومنا ..
اللهم يا قوي يا عزيز يا رحيم يا وهاب يا منتقك ....
اللهم انصر اخواننا في فلسطين ...
اللهم انصر اخواننا في فلسطين ...
اللهم انصر اخواننا في فلسطين ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم إنا نسألك بحق يومك هذا أن تنصرهم على عدوك وعدوهم يالله يالله يالله ...
اللهم إنا نسألك باسمك الطيب الطاهر المبارك، الأحب إليك، الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت، نسألك لأخوتنا لإي فلسطين فتحاً قريباً، ونصراً عزيزاً، وصبراً جميلاً، في عافية بلا بلاء، ونسألك الفية من كل بلية، ونسألك تمام العافية، والشكر على العافية ... (1/70)
صفحة 71
اللهم حل على أعدائك نقمة تخلصنا من شرهم، يا رب العالمين ...
اللهم دمرهم تدميراً، وافعل بهم كما فعلت بعاد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد ...
اللهم إنا نتوسلُ إليك بأولئك الأطفال الرضع، والعجزة والنساء، اللهم إلى من تكلهم، إلى بعيد يتجهمهم، أم إلى عدوٍ ملكته أمرهم، إن لم يكن بك عليهم غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شيء.
اللهم أرسل عليهم فاتحاً يخلصهم من بلائهم، وينقذهم من عدوهم، واجعلهم محكمين لشرعك، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر ...
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجوا إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجوا إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجوا إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
يا رحيم يا ودود يا ذا الجلال والإكرام والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد ...
همستي الثانية: أوجهها إلى الطلاب بداية، وإلى المجتمع المسلم ثانياً ...
ساعات قليلة، وتبدأ الامتحانات، ويحل علينا طيف الاختبارات، فيكشف المجتهد في عامه الدراسي، ويظهر الكسول من خلال درجاته، فنصيحتي للطلاب بالجد والاجتهاد، والسعي إلى العلا في نتائج العام.
فبذلك تقروا أعين آبائكم، فلطالما سهروا من أجلكم، وتعبوا في مقابل راحتكم، فقابلوهم بالإحسان، وردوا إليهم ولو قليلاً من السرور والسعادة من خلال نتائج العام. (1/71)
صفحة 72
وبالنجاح المتفوق تسعدوا أيضاً معلميكم، فهم يفرحون بتفوقكم، ويحزنون أيما حزن برسوبكم، أو بتدني مستواكم، فكم ليلة سهروه من أجلكم، وكم من وقت تركوا أهليهم وأولادهم من أجل تعليمكم، فردوا إليهم هذا الإحسان، وادخلوا السعادة إلى قلوبهم.
وبالتفوق أيضاً – معاشر الطلاب- تتقدمون بأمتكم ووطنكم ومجتمعاتكم وبذلك تقرا عين دولتكم، وفرت لكم مدارس تتعلمون فيها، ومعلمين يعلمونكم، بل وفرت لكم وسائل نقل بلا درهم ولا دينار، فهلا رددتم إليها هذا الجميل، وأسعدتموها بتفوقكم وأخلاقكم.
فاجتهدوا وجدوا، واستغلوا مابقي من أيام، وإياكم والغش في الامتحانات، فإنه من سمات الفاشلين، وهو عارٌ في جبين الأمم المتحضرة، والله لن تستفيدوا منه شيئاً إلا الخديعة والنفاق، وهذا ليس من شيم المسلم الصالح، يقول عليه الصلاة والسلام: {من غشنا فليس منا}.
وأخيراً أوجه ندائي إلى المجتمع، وأذكركم بأن الأجازة الصيفية قد أقبلت، وهي راحة بعد جهد جهيد في أيام الدراسة، ولكن لا تعني الأجازة الصيفية تضيع الأوقات، والتسكع في الطرقات، بل هي فرصة لمراجعة الذات، وتقوية النقص الوارد في أيام العام، فحري بالآباء والمربين أن يتعاونوا في استغلال الأجازة، ووضع الخطط في تنميتها، وعلى حلقة الأسرة والمسجد التعاون في تنمية المراكز الصيفية، فهي من أنجح الوسائل في استغلال الإجازة، وعلى الطلاب أن يضعوا جدولاً في استغلال الأجازة، وأن يستعينوا بالكبار والمعلمين، فهم خير معين.
ووفقكم الله وسدد على الخير خطاكم ..
وقفة مع اليوم العالمي للمرأة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي كرم النساء، وجعلهن شقائق أولاد حواء، والصلاة والسلام على خير الأولياء، محمدٍ وعلى آله وصحبه الفضلاء، وعلى تابعية بإحسان إلى يوم القيام لرب الأرض والسماء. (1/72)
صفحة 73
يقول تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 124]
أما بعد:
فقد احتفت الإنسانية في الأيام الماضية، باليوم العالمي للمرأة، بعدما هضمت حقوقها في المجتمعات الأوربية طيلة من الزمن، حتى جاءت الثورة الفرنسية، وتبعتها الفلسفة الفرويدية، فنقلت المرأة من ظلم الإفراط إلى ظلم التفريط، ومن اعتبارها روحاً شريرةً لا مكانة لها في المجتمع، إلى حيوان يتلاعب به الذئاب.
فالمرأة اليوم – وهي تحتفي بهذه الذكرى العالمية– بحاجة إلى تصور سليم، يجمع بين فطرتها التي جبلت عليها، ومكانتها التي لا بد أن تتبوأها؟ إن المرأة بحاجة إلى شريعة تحمي عرضها وشرفها؟ شريعة تخلصها من الذئاب وتقربها إلى رب الأرباب.
إن البناء وإن تسامى واعتلى
مالم يشيد بالتقى ينهار
تبقى صروح الحق شامخة وإن
أرغى وأزبد حولها الإعصار
قد يحصد الطغيان بعض ثماره
لكن عقبى الظالمين دمار
***** ... ***** ... *****
ماذا يريدون من المرأة؟
إن الغرب نادى بأعلى صوته إلى حرية المرأة، وسخّر أقلامه وإعلامه لتحرير المرأة، إنقاذها من الظلم والقهر ...
وكان منهم المخلص الذي يريد أن يرجع حقوق المرأة، ومنهم الكاذب الذي كان هدفه التمتع بجمال المرأة ...
ومع صدقهم أو كذبهم أوقعوا المرأة في ظلم أكبر ... وفساد أعظم ... (1/73)
صفحة 74
لقد شاعت الفاحشة شيوعاً مخيفاً، فقد اكتسح الغرب التحرير، فانتشرت الفاحشة، ولم تقتصر على أماكن البغاء، بل تجاوزت إلى الفنادق والمقاهي الراقصة والمنتزهات، وعلى قارعة الطريق، ولم يعد من الغريب ولا الشاذ أن يقع الأب مع بناته، والأخ مع أخته، بل لقد أصبح ذلك شائعاً ومألوفاً، وأصبحت الخيانة الزوجية ظاهرة عامة، ففي إحدى الدول الغربية، امرأة واحدة من كل أربع نساء تخون زوجها، فالمرأة تخون زوجها، والزوج يخون زوجته، مما أدى إلى الطلاق، وتفكك الأسر وتبعثرها، وانتشار اللقطاء والسرقات.
فأصبحت المرأة تنظر إلى الرجل أنه وحش مفترس يريد أن ينقض على من هو أضعف منه، وينظر الرجل إلى المرأة أنها قطة متوحشة، يقول سلفستر ستالون: " أحد مفكري الغرب": عندي كل الأسباب التي تجعلني أكره النساء".
أما الاغتصاب فأصبح مخيفا في الغرب فهو يقع عشرات المرات في دقائق معدودة، ناهيكم عن الانتحار في ظل الرفاهية المزعومة والحرية، فقد دلت الإحصائيات أن أربعا وثلاثين بالمائة من النساء يفكرن في الانتحار، أما الأمراض التي ظهرت بسبب الفاحشة والشذوذ، فقد انتشر الزهري والسيلان وهما من الأمراض الخطيرة، فضلا عن الإيدز الذي ينتشر بمعدل ست ثواني، يقول جيمس باترسون مؤلف كتاب "يوم إن اعترفت أمريكا بالحقيقة" يقول: (مئات الآف من الأمريكيين يكوّنون علاقات جنسية في كل ليلة من ليالي الأسبوع، مع أشخاص يعتقدون أنهم مصابون بهذا المرض)، ثم يقول: (إن استقراء سريعا لإحصائيات هذه الدراسة، تبشر إلى أن هناك مليونين على يقين أنهم مصابون بهذا المرض، وسبعة ملايين يعتقدون أنهم في خطر كبير من الإصابة بهذا المرض، ومعظم هؤلاء المصابين بالإيدز هم أسوياء وغير شاذين، فكم تكون النسبة بين الشاذين؟) (1/74)
صفحة 75
إن المرأة في الغرب أصبحت رهينة الملاجئ والضرب والاغتصاب، ولا نرى عجباً أن نجد في إحدى الدول الأوربية ستون بالمائة من النساء يتمنين العودة إلى القرون الوسطى، وتعيش في ظلم تلك الجاهلية، بدلاُ من جاهلية اليوم، ولسان حالها يقول:
ربُ يومَ بكيت فيه ... ******* ... فصرت في غيره أبكي عليه
***** ... ***** ... *****
ماذا يريدون من المرأة؟
إن التصور الإسلامي الرباني هو التصور الوحيد الذي ينقذ المرأة من ظلم الشعوب والمجتمعات، ويعيدها إلى الفطرة والعفاف، مع التقدم والتطور في كافة مجالات الحياة، وفقا للقاعدة الكونية {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}.
ويوم ابتعد المسلمون عن دينهم، أوقعوا المرأة في ظلم بغيضٍ، أدى إلى سخرية الأعداء منا، ونسبوا هذه الأمثلة إلى الإسلام ظلماً وزورا، أولم يظلموا المرأة في أكل أموالها بدون حق؟!، أولم يظلموا المرأة بمنعها من الزواج رغبة في أكل مالها؟! ...
أولم يظلموا المرأة برفع المهور وكأنها سلعة تباع وتشترى؟! ....
أولم يظلموا المرأة بالتضييق عليها في الخروج إلى المحاضرات، ودراسة العلم الشرعي، والمشاركة في الأنشطة النافعة في المساجد وغيرها؟! ...
أولم يظلموا المرأة بالتضييق عليها في عدة الوفاة؟!، فأجبروها أن تجلس في مكان ضيق، وأن تلبس أسوداً أو أبيضاُ، وأن لا تكلم أرحامها، ولا تزور أقربائها، ولا تخرج لقضاء حوائجها الخاصة المضطرة إليها ...
أولم يظلموا المرأة بعدم تفقيهها في الدين؟!، فأصبحت تجهل الأمور الأساسية من دينها، خاصة فيما يتعلق بأركان الإسلام ...
أولم يظلموا المرأة بالتهديد بالطلاق والضرب لأتفه الأسباب؟! ...
أفلا يتدبر المسلمون كتاب ربهم ويتأملوا نظرة القرآن إلى المرأة، أفلا يتعضون بسنة نبيهم – صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع المرأة وهو القائل: {خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي}، أفلا يقرؤون تاريخهم كيف كانت المرأة وكيف أصبحت ... (1/75)
صفحة 76
أين خديجة المنفقة الصابرة، التي سخّرت أموالها ونفسها لنشر دين الإسلام؟
أين عائشة الفقيهة العالمة التي سخّرت وقتها في تفقيه أمتها ونشر العلم النافع؟
أين البلجاء المجاهدة المضحية التي استشهدت من أجل رفع الظلم عن أمتها؟
أوليس لهن بيوت؟!، أوليس لهن أولاد وأزواج؟!، أمنعهن الحجاب والعفاف عن الجهاد ونشر الدعوة؟!
لسان حالهن يقول:
سرت والتقوى ضيائي
خلف خير الأنبياء
إن لي نفساً أبية
إنها تأبى الدنية
إن دربي يا أخية
قدوتي فيه سمية
من هدى الدين اغترافي
نبعنا أختاه صافي
دربنا درب العفاف
فاسلكيه لا تخافي
ديننا دين الفضيلة
ليس يرضى بالرذيلة
يا ابنة الدين الجليلة
أنت للعليا سليلة
باحتجابي باحتسابي
أفرض الآن احترامي
سوف أمضي للأمام
لا أبالي بالملام
أقول ماتسمعون واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.
الخطبة الثانية
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
أما بعد ...
ماذا يريدون من المرأة؟
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
عباد الله:
إن المرأة كائن بشري، له خصوصياته الخاصة، ومع هذا لم يخلق للشهوة والتمتع به فقط، بل خلق ليؤدي وظيفته في هذه الحياة.
والحمد لله ظهر تقدم عند المرأة المسلمة في الآونة الأخيرة، فأدركت دورها ومكانها في الحياة، فرأينا المسلمة المحجبة الداعية إلى الله بقلمها ولسانها وأخلاقها، ورأينا المربية الحنونة التي تربي أولادها وأمتها على الخير والصلاح.
ومع هذا يوجد من نسائنا من يحاولن تقليد الغرب على علاته، دون الأخذ بمسببات قوته، فأخذن منهم القشور وتركن اللب، أخذن التبرج والسفور، وتركن العلم والاهتمام بتقدم الأمة الإسلامية.
فعلينا أن نتعاون جميعا في إرشاد نسائنا إلى الخير والصلاح، ونكن رجالاً ونساء أداة فاعلة في إصلاح الأمة وقدم الإنسانية. (1/76)
صفحة 77
وليتق الله أولئك الذين يحاولون إفساد المرأة، وإشاعة الفاحشة، فإن عذاب الله أليم، وانتقامه شديد، فالله الله في نساء المؤمنين، خذوهن باللطف والرفق، وأرشدوهن إلى الخير والصلاح.
مناصرة الشعب اللبناني في حربه مع إسرائيل
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أنزل لنا نورا نهتدي به في ظلام الدنيا الفانية، والصلاة والسلام على خير البرية، محمد وعلى آله وصحبه صلاتا وسلاما إلى يوم القيام لرب الأراضين والسماوات العالية.
أما بعد:
فهذه رسالتان أقرأها بين أيديكم، الأولى وضعتها وفقا للأحداث المعاصرة، لنعيش ولو لحظة مع تلك الشعوب المقهورة، والثانية رسالة وجهتها إلينا أخوات في الله، يشتكين ظلم الآباء، وقهر الأولياء، فإلى الرسالتين.
الرسالة الأولى: أمة التكامة والأخوة
إن مما يميز الأمة المسلمة، والجماعة المؤمنة، عنصر التكامل والأخوة، بين أفرادها وتياراتها، وبين مذاهبها ومدارسها، فربها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، وكتابها واحد، فلنكن أمة واحدة في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".
إن الإسلام لا يريد من التكامل الأخوي بين هذه الأمة أن يكون مجرد شعارات براقة، وهتافات لا أثر لها، بل لا بد أن تتجسد هذه الأخوة بين الأمة في جميع المجالات، وفي مختلف الظروف والحالات.
وعندما غاب عنصر التكامل بين هذه الأمة، وعندما فقدت الأمة روح الأخوة ووحدتها، انتشر الشقاق بين هذه الأمة، وعمت الضغينة والحقد بين أفرادها.
إن الأمة اليوم بحاجة إلى عنصر الأخوة والوحدة أكثر مما مضى، خاصة في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة، وقد تعالت صيحات التكفير والفرقة بين أتباعها، في وقت استغله المغرضون لنشر الخلافات بين الأمة فأشاعوها من أجل الفتنة، ومن أجل قاعدة فرق تسد. (1/77)
صفحة 78
وعندما ننظر اليوم إلى واقعنا، ونتأمل في تاريخنا المعاصر، نجد أنفسنا في حاجة ماسة إلى عنصر التكامل والوحدة بين الأمة.
فالمسلم هو المستهدف من قبل التيارات المتعجرفة، والأحزاب الحاقدة، بغض النظر عن لونه وجنسه، فضلا عن فكره ومدرسته، أو ما ترون ما يحدث اليوم في أرض الرافدين، أو ما شاهدتم ما حصل في كشمير والشيشان وأفغانستان، أو ما رأيتم ما حدث ويحدث في أرض فلسطين ولبنان، وصدق الله حين قال " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ".
إن العين لتدمع دما، وإن القلب ليتقطع حزنا ونكدا، على ما نراه اليوم في أرض فلسطين ولبنان، لم يُبرز التأريخ قضيةً تجلّت فيها ثوابتُنا الشرعية وحقوقنا التأريخية، وأمجادنا الحضارية، كما برزت فيها الأحقاد الدولية، وظهرت فيها المتناقضات العالمية، وانكشف فيها حرب المصطلحات، وتعرّى فيها بريق الشعارات، وسقط القناع عن التلاعب فيها بالوثائق والقرارات كهذه القضية، قضية فلسطين المسلمة المجاهدة، والقدس المقدسة، والأقصى المبارك، ولبنان الصامد، حيث تشابكت حلقات الكيد في سلاسل المؤامرة، لتمثل منظومةً شمطاءَ من العداء المعلن، والكره المبطّن، في تآمر رهيب من القوى العالمية، كان من أبرز إفرازاته الخطيرة انخداعُ كثير من بني جلدتنا بخطط أعدائنا، ويتجلى ذلك في إقصاء هذه القضية من دائرتها الشرعية، ومنظومتها الإسلامية، إلى متاهاتٍ ومستنقعات من الشعارات القومية والإقليمية، والنعرات الحزبية والطائفية، وذلك ـ لعمرو الحق ـ بترٌ لها عن قوّتها المحرِّكة، وطاقتها الدافعة المؤثرة، حتى تاهت القضية في دهاليز الشعارات، والتواء المسارات، وظلام المفاوضات، لغياب التأصيل العقدي والشرعي لهذه القضية، أولسنا أمةً لها مصادرها الشرعية، وثوابتها العقدية، وحقوقها التأريخية؟! (1/78)
صفحة 79
أولم نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82]، وقوله سبحانه: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]؟!
اقرؤوا التأريخ لتدركوا أن يهود الأمس سلف سيِّئ، ويهودَ اليوم خلف أسوأ، كفَّارُ النعم، عُبَّاد العجل، قتلة الأنبياء، مكذِّبو الرسالات، خصوم الدعوات، شُذَّاذ الآفاق، حثالة البشرية، مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة:60].
هؤلاء هم اليهود، سلسلةٌ متصلة من اللؤم والمكر والعناد، والبغي والشر والفساد، وَيَسْعَوْنَ فِى الأرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة:64].
حلقات من الغدر والكيد، والخسة والدناءة، تطاولوا على مقام الربوبية والألوهية، لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران:181]، وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا
لقد رموا الرسل بالعظائم، واتهموهم بالشناعات والجرائم، آذوا موسى، وكفروا بعيسى، وقتلوا زكريا ويحيا، وحاولوا قتل محمد، أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة:87]. (1/79)
صفحة 80
وها هي اليوم تواجه الأمة الصراع على أشدّه مع أعداء الأمس واليوم والغد، مع أحفاد بني قريظة والنضير وقينقاع، عليهم لعائن الله تترى، فهل يعي بنو قومنا حقيقةَ أمةِ الغضب والضلال بعد أن تفاقم شرهم وتطاير شررهم وطفح بالعدوان كيلهم؟! فالصراع أخذ يتفجّر ويتعاظم، والاستغلال والأطماع تزداد وتتفاقم، والتمادي في الاستخفاف بالعرب والمسلمين ومقدساتهم بلغ أوج خطورته من جرذان العالم، نقضةِ العهود والمواثيق، مَنْ عشَّش الغدر والتخريب والمكر في عقولهم، وسرى الظلم والطغيان في عروقهم، فأبوا إلا التقتيل والفساد والأذى، فاستحقوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
ولعل ما شهدته الساحة اللبنانية هذه الأيام من مشاهد مرعبة ومآسي مروِّعة حيث المجازر والقذائف والدبابات، جُثثٌ وجماجم، حصار وتشريد، تقتيلٌ ودمار، في حرب إبادة بشعة، وانتهاك صارخ للقيم الإنسانية، وممارسة إرهاب الدولة الذي تقوم به الصهيونية العالمية، مما لم ولن ينساه التأريخ، بل سيسجّله بمداد قاتمة، تسطّرها دماء الأبرياء، الذين رويت الأرض بمسك دمائهم، من إخواننا وأخواتنا في تلك الأرض المباركة، الذين يُذبَّحون ذبح الشاه. العديد من المساجد دمِّرت، ومئات من البيوت هُدّمت، وآلاف الأنفس أُزهقت، كم من نساءٍ أيِّمت، وأطفالٍ يُتِّمت، ومقابر جماعية أقيمت، فإلى متى الذل والمهانة والضعف والهزيمة والاستسلام؟! أما آن لهذا الهوان أن ينتهي، وللضعف والذل أن ينقضي، وليلِ الليل الطويل أن ينجلي؟! فهل تفيق أمتنا من سباتها؟! وتستيقظ من نومها. (1/80)
صفحة 81
إن من يشنّ هذه الحرب الضروس، ومن يقف وراءها انطلاقاً من فلسفة الإبادة العنصرية، لن يفلت من قبضة الجبار جل جلاله، كما لن يسلم من غضب الشعوب، وسخط التأريخ، إنها مأساة يعجز اللسان عن تصويرها، ويخفق الجنان عند عرض أحزانها، ويعيى البيان عن ذكر مآسيها، ويقصر الوصف عن بيان أبعادها وخطورتها، مأساةٌ بكل المقاييس، ومعضلةٌ بكل المعايير، ليس لها من دون الله كاشفة، فرحماك ربنا رحماك0
إن هذه الكارثة من أوضح الدلائل على سجية القوم، وما يكنُّونه لأمتنا ومقدّساتنا، إنه لأمر تبكي له العيون دماً، يُقتَل الأبرياء العزّل على أيدي سفاحي الصهاينة، ورثة النازية والفاشية، فأيُّ حقٍّ لهم في الأرض المباركة؟! وهي جزء من الأرضِ العربية الإسلامية التأريخية إلى قيام الساعة، التي تبوّأت منذ فجر التأريخ مكانتها المرموقة لدى المسلمين، بل هي جزء من ثوابتهم، وأمانة في أعناقهم، ولن يفرّطوا بشبر من أرضها ـ بإذن الله ـ ما دام فيهم عرق ينبض، ورجال رضعوا من كتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
ومما يشرح الصدر، ويبهج النفس، ما نراه من أولئك الشباب، من النساء والرجال، في أرض فلسطين ولبنان، باعوا أنفسهم لله، وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، بل سمعنا جميعا، ورأينا ما بثته وسائل الإعلام عن تلك المرأة العجوز، التي رزقها الله سبعة أولاد ذكور، فنذرت أن يكون الثلاثة الأوائل شهداء لله تعالى، فربتهم وعندما شبوا قدمتهم لتحرير الأرض، فاستشهدوا واستشهد معهم رابعهم من الأخوة، فإذا بها تخر لله شاكرة على هذه النعمة العظيمة، والمنة الجليلة، ومثل هذه المرأة كثير تعجب منه العقول. (1/81)
صفحة 82
هذه البطولات والتضحيات حيرت العالم أجمع، فلم يفلح القتل ولا الإرهاب، ولا التنديد والتهديد، فبالتضحية والبطولة قضى الرسول الله عليه وسلم وخلفائه الراشدون على دولة الشرك والوثنية، وبه حرر صلاح الدين البيت المقدس من الصليبيين، وبه أخرج الاستعمار ذليلا من بلاد المسلمين، وبه إن شاء تحرر جميع بلاد المسلمين.
لقد سطرت التضحيات والبطولات في فلسطين ولبنان بأحرف العز والنصر والشرف ملحمةً من أروع النماذج في التأريخ المعاصر، لقد أعدتم الأمل في النفوس، فأيقنوا بنصر الله لكم، متى ما نصرتم دينه، إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]. قلوبنا معكم، والله ناصركم، والمال نبذله، فواصلوا دربَكم، واستنهضوا الهمما، هنيئاً لكم تقديمُ الأرواح رخيصةً في سبيل الله، ودعاؤنا أن يتقبل الله قتلاكم شهداء، وأن يكتب لمرضاكم عاجل الشفاء، وأن يحيينا وإياكم حياة السعداء، لا تيأسوا من روح الله، فالنصر قادم بإذن الله، وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ [الروم:47]، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].
الله أكبر، هذه بوارق النصر تلوح، ورائحته تفوح، تتوِّجها انتفاضةٌ جهادية باسلة، لا تزال هي الورقة الرابحة، وشمعة الأمل المضيئة في أيدي المخلصين من أبناء هذه الأمة، حيث لم تنجح معها سياسة ليّ الذراع، وألوان الصلف والتعسف. إنها أرواح تتهادى نصرة لدين الله، وإعلاءً لكلمة الله، وما أكثر النماذج الحية في أمتنا المعطاءة، التي أنجبت الأبطال والشهداء.
ومع هذا لا بد من تحقيق عنصر التكامل والأخوة بين الأمة، فلا بد أن نناصرهم قلبا وقالبا، نفسا ومالا. (1/82)
صفحة 83
ومن أهم عناصر المناصرة الرجوع إلى الله تعالى رجوعا صادقا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتطبيق شرعه، فمتى كانت الأمة قريبة من الله، كان الله قريبا منها، إذ كيف ننصر هؤلاء ونحن غارقون في المعاصي والآثام، والفواحش والموبقات، فالتوبة التوبة، والرجعة الرجعة.
ومن عناصر المناصرة الدعم المادي، والأنفاق في سبيل الله، وقد فتحت الجهات المعنية أبوابها لنصرة هؤلاء ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ [الصف:10 - 11]، وقال: ((جاهدوا المشركين بألسنتكم وأموالكم وأنفسكم)).
والمسلم الحق لا يتردد في البذل والعطاء في مواطن الجهاد والفداء، هَا أَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُم [محمد:38].
ومن عناصر المناصرة تربية الأجيال على البطولة والفداء، والعزة والنصرة، بدلا من الليونة والتكسر، وأن نفقهم في دينهم وتاريخهم، وفي أمجادهم وبطولاتهم.
فاتقوا الله أيها المؤمنون، كونوا أمة واحدة، وجسدا واحد، كونوا كرجل واحد في نصرة دينكم وأمتكم، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
أما الرسالة الثانية فهي نداء إلى كل أب رحيم، وراع أدرك قيمة الأمانة التي في يده.
هذه الرسالة أرسلها لكم مجموعة من الفتيات في هذه المنطقة وغيرها، يشتكين لوعة العذاب، وحرارة الصبر.
ما ذنب تلك المسكينة التي وصل سنها الثلاثين أو أكثر، وهي محبوسة في بيتها، وطارق بابها يأتي بين فترة وفترة، ولا يجد إلا الصد والنكران. (1/83)
صفحة 84
أوليس لهن عاطفة، أو لا يمتلكن شهوة، أو لا يوجد عندهن عقل يفكرن به.
ما ذنب تلك المسكينة إذا كان ابن عمها أو خالها الذي حجزت له لم يتقدم بعد، أو أنه لم يهيء نفسه، فلماذا نمنعها من الزواج، ونضيق عليها الحلال.
ما ذنبها إذا من الله عليها بوظيفة ما أن تمنع من الزواج، ليكون لأبيها أو لوليها حصته من المال؟
أما يوجد في قلوب هؤلاء رحمة، أما يوجد في نفوسهم عطف لبناتهم.
أما قرع أذهان هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".
واعلموا أن وضيفة الولي هو تنظيم الأمر فقط، فمن حق المرأة وحدها أن تقرر أنها تريد هذا الزوج أو ترفضه، ولا يجوز شرعا ولا عقلا أن نمنعها عن الزواج من أجل أننا نريدها لأقاربها، أو أن يكون الزوج من قبيلتها، فالأمر راجع إلى المرأة وحدها في اختيار الزوج، وعلى الولي الإرشاد والتنظيم فقط.
كذلك من حق المرأة وحدها في تحديد المهر، لأن هذا من حقوقها، فمن حق المرأة أن تتزوج بمائة ريال، أو ألف، وهي صاحبة القرار في هذا، ولا يجوز لأبيها أو أمها أو أخيها أن يجبرها على مقدار معين من المهر، ولا يجوز لهم أن يأخذوا فلسا واحدا منه إلا برضاها، فهي صاحبة التصرف في هذا المهر.
فاتقوا الله أيها الأولياء ثم اتقوا الله ثم اتقوا الله فإنكم مسئولون عن هذه الأمانة.
وقبل الختام أريد أن أنبه على موضوع له أهميته، فكما تعلمون أيها الأخوة أن الإجازة الصيفية محطة للاستفادة وتنمية الذات، فأبناؤنا يعيشون طيلة هذه الأيام في فراغ دامس إذا لم يجدوا من ينقذهم من هذا الفراغ.
ومن فضل الله علينا، وعلى هذا الوطن، أن من الله علينا بالمراكز الصيفية، فكانت ملتقى لهؤلاء الطلاب، وكانت مدرسة يتعلمون فيها أحكام دينهم، ويحفظون فيها كتاب ربهم، وكانت جامعة يتعلمون فيها الأخلاق ولآداب. (1/84)
صفحة 85
ونحن بدورنا في هذا الجامع وفرنا في هذا الجامع ما يقل عن اثني عشر مدرسا ومدرسة، وحافلتين لنقل الطلاب والطالبات، بجانب الأنشطة التعليمة والترفيهية، مما عشنا أياما جميلة في ظلال العلم والمعرفة.
والأسبوع المقبل هو الأسبوع الختامي لهذا المركز، وبما أن المركز قائم على الجهود الذاتية، وعلى التبرعات من قبل المحسنين، يوجد عندنا نقص في توفير مكافآت المعلمين، وتكريم المتميزين في المركز، من هنا فتحنا الباب في هذه الجمعة وطيلة الأسبوع لجمع التبرعات للمركز، فمن لديه الرغبة في الإنفاق والتبرع فالباب مفتوح، ولكم جزيل الشكر والامتنان.
وفي الختام صلوا وسلموا عل سيد البشرية وخاتم البرية كما أمركم الله في كتابه حيث قال " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ".
اللهم يا قوي يا عزيز يا رحيم يا وهاب يا منتقم ....
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ولبنان ...
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ولبنان ...
اللهم انصر إخواننا في فلسطين ولبنان ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم فرج همهم، وأزل كربتهم وأنصرهم على عدوك وعدوهم ...
اللهم إنا نسألك بحق يومك هذا أن تنصرهم على عدوك وعدوهم يالله يالله يالله ...
اللهم إنا نسألك باسمك الطيب الطاهر المبارك، الأحب إليك، الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت، نسألك لأخواننا في فلسطين فتحاً قريباً، ونصراً عزيزاً، وصبراً جميلاً، في عافية بلا بلاء، ونسألك العافية من كل بلية، ونسألك تمام العافية، والشكر على العافية ...
اللهم حل على أعدائك نقمة تخلصنا من شرهم، يا رب العالمين ...
اللهم دمرهم تدميراً، وافعل بهم كما فعلت بعاد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد ... (1/85)
صفحة 86
اللهم إنا نتوسلُ إليك بأولئك الأطفال الرضع، والعجزة والنساء، اللهم إلى من تكلهم، إلى بعيد يتجهمهم، أم إلى عدوٍ ملكته أمرهم، إن لم يكن بك عليهم غضب فلا نبالي، رحمتك وسعت كل شيء.
اللهم أرسل إليهم فاتحاً يخلصهم من بلائهم، وينقذهم من عدوهم، واجعلهم محكمين لشرعك، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر ...
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نستغيث به سواك، فاستجب دعائنا، وأفرج كربة أخواننا ...
يا رحيم يا ودود يا ذا الجلال والإكرام والحمد لله رب العالمين.
مشاركة الشعب اللبناني في فرحة النصر
الخطبة الأولى
الحمد لله ناصر الإسلام والمسلمين، ومذل الشرك والمشركين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيقول الحق تبارك وتعالى: ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين.
في هذه الأيام يعيش أخواننا المسلمون في لبنان خاصة، وفي العالم أجمع، يعيش المسلمون مع نفحات النصر المبين، وها نحن نشاركهم بهجتهم وفرحتهم، ونهنئهم ونهنئ أنفسنا وجميع المسلمين بهذا الظفر وهذا النصر الذي أحرزته قضيتهم، تلك القضية التي أشغلت المسلمين، ولقد كان لوعي إخواننا في تلك البلاد وصبرهم وإصرارهم على القتال وشدة بأسهم في النزال أكبر الأثر في نجاح مسعاهم، والفضل أولا وأخيرا لله تبارك وتعالى الذي من على المسلمين بهذا النصر، وبرجوع اللاجئين إلى ديارهم، وبتحرير جميع بلاد المسلمين قريبا إن شاء الله تعالى.
وها نحن في هذا اليوم العظيم نأخذ الدروس والعبر من هذا النصر المبين: (1/86)
صفحة 87
فأولا: هذا أول نصر نذوق طعمه نحن المسلمين في هذا العصر، نحن أبناء هذا الجيل الذي عشنا في عصر الهزائم، اعتدنا على الهزائم والنكسات، لم نذق طعم النصر أبدا حتى كاد اليأس والإحباط يستوليان على النفوس وحتى نسينا طعم النصر، فلقد شهدنا تدنيس المسجد الأقصى، وشهدنا سقوط كابول وبغداد، هكذا بالتقسيط، شهدنا الدمار والتقتيل اليومي في أرض فلسطين، شاهدنا السخرية من المسلمين تارة بالفاشية، وتارة بالنازية، وتارات بالإرهاب، شاهدنا السخرية من أحكام الدين وتعاليمه، وهذا النصر الذي نعيش في أجوائه اليوم هو أول نصر نذوق طعمه، وإن كان طعما فيه شيء من المرارة، وإن كان ظفرا لم يسلم من بعض المنغصات والمكدرات، ولكنه على أية حال يعد من الانتصارات. (1/87)
صفحة 88
ثانيا: هذا النصر إنما تحقق ببركة الصمود، ورفع راية الجهاد، والتمسك بشعار الإسلام الذي رفع لواءه إخواننا المجاهدون، وصبروا عليه حتى آخر لحظة، هذه بركات الله أكبر، فانظروا إلى أي شيء انتهت الله أكبر، إلى النصر، إلى هزيمة أعتى دولة على وجه الأرض، وفي هذا النصر الإسلامي المؤزر درس بليغ للأمة أن النصر لا يحصل علية بالأماني، ولا بالكلام الرنان، ولكن بالعزيمة والبذل، والتضحية والفداء، فللنصر أمتنا بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والبذل بالمال والنفس في سبيل الله، نعم لقد خسر أخواننا عشرات الأرواح والأموال، وزاد طغيان الباطل وبطشه، ولكن هذه البداية، ويتبعها إن شاء الله انتصارات وانتصارات حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا ... أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ (1/88)
صفحة 89
ثالثا: إننا لنضع أيدينا على قلوبنا شفقة على هذا النصر الذي حققه إخواننا خشية أن يضيع، لأن الأعداء متربصون وقد عودنا هؤلاء الأعداء على سرقة الثمار والسطو على النتائج، فما لم ينالوه بقوة السلاح وما عجزوا عن نيله في ساحة القتال، فإنهم ينالونه بالمكر والخداع والمناورات السياسية. إنهم يستغلون مشاكلنا نحن المسلمين ونقاط الضعف فينا أسوأ استغلال ونحن في قمة فرحتنا بهذا الظفر، نرى الإذاعات الأجنبية يكشفون كل العيوب والنقائص حتى نظن أن هؤلاء المجاهدين سيأكل بعضهم بعضا، فتعالو نلهج إلى ربنا بالدعاء، فإن الدعاء في الأيام المباركة، ويوم الجمعة منها، الدعاء في مثل ذلك هو من أعظم ما ندعم به إخواننا المجاهدين، فلنلهج بالدعاء إلى ربنا أن يلهم هؤلاء المجاهدين من أمرهم رشدا، اللهم ألهمهم من أمرهم رشدا وشد أزرهم ووحد كلمتهم وانزع الغل من صدورهم واجعلهم إخوانا تحت لواء الإسلام متفقين متكاتفين يا رب العالمين. (1/89)
صفحة 90
خامسا: علمنا هذا النصر أن معية الله أقوى من أي شعار براق، والنصر لا يتحقق إلا من خلال قول الله تعالى: " الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَاتَوُاْ الزَّكَواةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وقوله تعالى: " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا"فمن جمع تلك الخصال وحصّلها نصر دين الله، والله قد وعد ـ والله لا يخلف الميعاد ـ أن ينصر من نصر الدين، فيا لبت قومي يعلمون، فإذا صدق العبيد ربهم وامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه ثم سألوه النصر واستغاثوه وطلبوا منه العون والمدد والتأييد فإن النصر يتنزل عليهم من عنده، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، ويمدهم سبحانه بجنوده التي لا يعلمها إلا هو، وحينئذ فلن يقف أمام جند الله كلّ قوى الباطل مهما بلغ عدتها وعُددها، وستتهاوى أمام التأييد الإلهي كلّ الأرقام الفلكية والحسابات الضوئية في رصيد القوة الكافرة، إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ ". (1/90)
صفحة 91
سادسا: علمنا النصر أن الوحدة هي طريق النصر والصمود، فبدونها لا نصر ولا تقدم، بل انهزامية ورجعية، آن لهذه الأمة أن تدرك معنى قوله تعالى " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا "، آن لهذه الأمة أن تقف مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا "، لقد عانت هذه الأمة من صيحات التكفير والتفسيق، والتبديع والتضليل، فأصبحت أحزابا متناحرة، وتيارات متعددة، أولم يدرك هؤلاء أن ربهم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة، آن لنا أن نقف مع قوله تعالى " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون "، آن لهذه الأمة أن تتحد وتعتصم بحبل الله في الشدة والرخاء.
سابعا: علمنا هذا النصر أن العدو لا يهمه إلا نفسه وجنسه، فهم لا يجتمعون إلا من أجل مصالحهم الخاصة، وإن كلمتهم متحدة ضد المسلمين، شهر كامل يقتل فيه الأطفال والنساء، مجازر وتخريب، دمار وتقتيل، فلم يقوى واحد منهم على إدانة هذا الأمر والتحرك جديا، أين الشعارات البراقة التي ينادون بها؟ أم أنها الحقيقة المرة " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ".
فآن لهذه الأمة أن تتحد، آن لهذه الأمة أن ترجع إلى دينها، وتتأمل في قرآنها، فهو طريق الخلاص لهذه الأمة، أقول ما تسمعون واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
نداء أوجهه من هذا المنبر إلى مسامعكم الكريمة، ونحن نعيش هذه الأيام السعيدة.
نحن جزء من هذه الأمة، نفرح لفرحها، ونحزن لما يصيبها من سوء وألم، وصلاحنا صلاح للأمة، وانحرافنا يضر أمتنا المجيدة.
والسؤال الذي طالما يطرحه كثير من الناس، أنا فرد لا أستطيع أن أقدم شيئا لهؤلاء المستضعفين والمنكوبين، وأنا في الجملة بعيد عنهم فضلا أن أن أنصرهم؟
لا يا أخي العزيز تستطيع أن تقدم الشيء الكثير لأمتك، فكل واحد منا يستطيع أن ينصر أمته، من نفسك تنصر أمتك، ومن بيتك تنصر أمتك، ومن مجتمعك تنصر أمتك. (1/91)
صفحة 92
إن أكبر حرب يوجهها الأعداء حرب الثقافة والفكر، حرب التعليم والتمسك بشريعة الله، أنظروا إلى التلفزة كم عدد القنوات التي تهتم بإصلاح المجتمع وإرشاده إلى الخير؟
ادخلوا أقرب حانوت لكم يبيع المجلات كم عدد المجلات الهادفة التي تباع في هذا الحانوت؟
من هنا لا نرى عجبا أن نجد شابا تائها في ظلمة الحياة، اتخذوا من الماجنين قدوة لهم، بعد ما أصبحت لهؤلاء الماجنين الذين يأكلون أموال الأمة حظا من القنوات ووسائل الإعلام؟
ومن هنا أيضا لا نرى عجبا أن يتدنى مستوى الثقافة وإعمال العقل بعد ما طغت علينا الأغاني الماجنة، فأسرت عقول شبابنا، وضيعت أوقاتهم؟ وقل فينا من يقرأ، ويحضر حلقات العلم؟
بل لا نرى عجبا من انحراف أسرة بكاملها، أن نراها تهتم بالثانويات دون الأساسيات، وتبذر المال دون مراعاة لفقير ولا مسكين.
ولكن في الأمة خير كثير من أمثالكم، ولا بد أن يتجسد هذا الخير إلى واقع عملي، في أنفسنا وبيوتنا، في مساجدنا وأسواقنا، لا بد بداية من إصلاح النفس، ومراقبة الله تعالى، لا بد إصلاح الأسرة وتربيتها تربية قرآنية، لا بد من إصلاح المجتمع، لا بد من تفعيل دور المسجد، وإحياء الحلقات العلمية بين زواياه، لا بد من إعانة المساكين، والتبرع لإخواننا المستضعفين في لبنان وفلسطين وغيرها من بقاع المسلمين، بهذا وأمثاله نكون قريبين من الله تعالى، فيستجاب دعاؤنا، ويعمنا نصر الله، وبهذا نصر الله أوليائه في العهد الأول، وبه ينتصر الخلف إن شاء الله.
وقبل الختام كما تعلمون أيها المسلمون أن المدارس قد اقتربت أبوابها على الانفتاح، والكل يسعى في توفير مستلزمات الدراسة لأبنائه، من ملابس وأدوات، من هنا كالعادة عزمنا إن شاء الله تعالى أن نخصص جزء من التبرعات في هذه الجمعة لتوفير مستلزمات الدراسة للأسر الفقيرة، حيث خصصنا الصناديق الخارجية لهذا الغرض، أما الصناديق الداخلية فهي مخصصة لمشاريع المسجد. (1/92)
صفحة 93
وفقكم الله، وسدد على الخير خطاكم، وتقبل عملكم ومسعاكم،
اللهم صلى على محمد وآل محمد .........
الإحسان وأثره في المجتمع
الحمد لله المتنزه عن الشريك والخلان، الذي لا يحده زمان ولا مكان، والصلاة والسلام على النبي العدنان، وعلى آله وصحبه من الصحابة وأهل الإحسان.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تراه فإنه يراك).
الإحسان يا عباد الرحمان طريق للفوز بالجنان، بل هو طريق لبناء الأمة والمجتمعات.
إن النفس تحفها دواعي الشر والانحراف، فهي سرعان ما تنقاد للهوى وأوامر الشيطان، سهلة الوقوع في الانحراف ومخالفة أوامر الديان، من هنا يأتي الإحسان؛ ليكون عاصما للنفس البشرية عن الزلل وعصيان الرحمان.
جبريل عليه الصلاة والسلام لماذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان أولا؟، ولماذا سأله عن الإسلام ثانيا؟، ولماذا جاء سؤال الإحسان في المرتبة الثالثة؟!!!
أو ما يكفي إيمان بلا إسلام؟!!، أوما يكفي إسلام بلا إحسان؟!!!
الإحسان أيها المسلمون شرط لصحة الإيمان والإسلام ....
ما الفائدة من رجل يدعي الإسلام ولكنه لا يبالي بحرمات الإسلام؟!!!
ما الفائدة من رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإذا ما اقترب من حدود الله انتهكها؟!!!
وما الفائدة من رجل محافظ على الصلاة، مؤد للزكاة، وفي الوقت نفسه محارب لله بالربا، وشرب الدخان والزنا؟!!!!
ما الفائدة من رجل إذا ما اقترب رمضان صام وأدى ما عليه من الإلزام، وإذا ما فارقه أصبح حربا على ربه والإسلام؟!!!!!
يا عبدا لله:
الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ....
الإحسان أن تعبد الله في نفسك وبيتك، وتعبده في مسجدك وسوقك، وتعبده في مجتمعك وأمتك. (1/93)
صفحة 94
الإحسان – يا عبد الله – أن تراقب الله ليس في المسجد فقط!! ولا في شهر رمضان ويوم الجمعة فحسب، بل الإحسان أن تراقب الله في كل وقت وزمان، وفي كل حين ومكان.
فاسلك طريق المتقين ... وظن خيرا بالكريم
واذكر وقوفك خائفا ... والناس في أمر عظيم
إما إلى دار الشقاوة ... أو إلى عز الكريم
فاغنم حياتك واجتهد ... وتب إلى الرب الرحيم
الوقفة الأولى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ....
أيها الأخيار:
إن تنشئة النفس المؤمنة على البر والتقوى، والعفة والأمانة، والخوف والمراقبة، هي وحدها العملية الممكنة لحل معضلة الشر والانحراف في المجتمع المسلم.
من هنا لا بد للمسلم أن يكون محسنا مع نفسه، محسنا مع والديه وأرحامه، محسنا مع جيرانه وأبناء وطنه ومجتمعه، محسنا في بيته وسوقه، محسنا مع أمته ووطنه.
إيه والله لا بد أن يكون المسلم محسنا مع نفسه يربيها على خير الخصال، ويبعدها عن سيء الأعمال والأقوال، ويعلمها العلوم النافعة، و يغرس فيها الآداب الفاضلة، وعليه أن يحاسب نفسه عما قدمت في ماضي الأيام، وماذا عن استعدادها ليوم الحساب.
لا بد أن يكون المسلم محسنا مع والديه بالبر والإحسان، والرعاية والسؤال، محسنا مع أرحامه وجيرانه وأبناء وطنه بالتواضع وحسن الخلق، بالمساعدة ولين الجانب، بالسؤال عن المحتاج والفقير وإعانته، ومناصرة المظلوم وتفريج همه.
وكذلك لا بد أن يكون المسلم محسنا في بيته بالتوجيه والرعاية، وحسن التقويم والتنشئة، وإعطاء الزوجة حقوقها، وإرشادها إلى الخير والصلاح.
ولا بد للمسلم أن يكون محسنا مع أمته بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله تعالى، وإرشاد الناس إلى الخير والصلاح.
فكن أخي المسلم محسنا مع نفسك وأمتك، محسنا في بيتك ومجتمعك، راقب مولاك في كل لحظة وزمان، وفي كل حين ومكان.
(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) (1/94)
صفحة 95
الوقفة الثانية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ...
أحفاد القرآن:
يا لها من حياة مستقرة، وبيئة آمنة إذا انتشر الإحسان بين أتباعها، وعم بين أفرادها.
إن الإحسان طريق لاستقرار الحياة وأمنها، ومنهج لتقدمها وانتعاشها.
فالكل في المجتمع يعمل من أجل إرضاء ربه، وأداء الأمانة التي وكل بها، وحمل إياها.
فيا أيها الحاضرون:
كلمات أوجهها إليكم من عبد مقصر، واقف بين جنابكم.
نصيحتي لكم أخوة الإيمان:
أحسنوا علاقتكم مع الله، تتقدم أمتكم وأوطانكم، إياك أخي في الله أن تتقاعس عن العمل الجاد في بناء أمتك ووطنك، وإياك تعمل العمل من أجل رضا فلان وعلان، وإياك أن تخل بالأمانة التي وكلت إياها، وأمرت بحملها.
الإحسان الحق – أيها المسلمون – يربي في العامل والصانع والموجه والمربي الإخلاص والجدية في العمل، والبعد عن الغش والنفاق والكذب والخداع.
فلنعمل جميعا مدراء وموظفين طلابا ومعلمين رؤساء ومرؤوسين فلنعمل على رقي مجتمعاتنا وتقدمها، بكل ما تحمله الكلمة من شعارات التقدم والمدنية الفاضلة.
ولنجعل من أنفسنا صورة مؤمنة محسنة تظهر للعالم تقدمها، ليس بالشعارات البراقة، ولا بالكلمات الخادعة، بل بالعمل الجاد، والإخلاص التام.
إن أي أمة من الأمم، وأي مجتمع من المجتمعات تدعي التقدم والمدنية، وهي تعاني ما تعانيه من التخلف والرجعية، حظها من التقدم الاسم، ونصيبها منه الرسم.
إن الإحسان يعلمنا – معاشر المسلمين - أن الأمة المتقدمة هي المتقدمة ظاهرا وباطنا، حقيقة واسما، يظهر آثار تقدما في إنجازاتها المادية، وسلوك أبنائها المعتدلة، وفي عقول أبنائها النيرة، ويكون التقدم ظاهرا في معاهدها ومصانعها، وفي إعلامها وجامعاتها، وفي معاهدها ومصانعها.
إن أمتنا أمة متكاملة، وتكاملها لا يحصل بالتشدق والكلام الفضفاض، بل بالعمل الجاد، والاجتهاد المتواصل. (1/95)
صفحة 96
فأحسنوا علاقتكم مع ربكم، تتقدم أوطانكم، وترقى أمتكم، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
الوقفة الأخيرة: وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ...
أتباع محمد صلى الله عليه وسلم:
من رحمة الله علينا أن من علينا بنبوة خير الأنام، محمد عليه الصلاة والسلام، أرسله الله ليخرج الإنسانية من الجاهلية العمياء إلى الشريعة الغراء.
ومن فضل الله علينا أن من علينا بالقرآن الكريم، ليكون منهجا لنا ودستورا، ونورا يشع علينا وتبيانا.
لقد أدى محمد عليه من الله أفضل صلاة وسلام الرسالة، وأداها بكل فخر وأمانة، وتحمل من أجلها المشاق، وجاهد في سبيل تبليغها رغم خشونة الطريق وقسوة الصعاب.
وسخر الله في ذلك رجال مخلصون ضحوا بأنفسهم وأهليهم أرضاء لرب السماوات، وقربة لخالق البريات، وها هي الرسالة الغراء وصلت إلينا ناصعة بيضاء، كاملة لا نقص فيها ولا خواء.
فمن الإحسان – أيها المسلمون – أن نلتزم بشريعة محمد، ونعظ عليها بالنواجذ.
من الإحسان أن لا نقبل أفكارا خارجية مناهضة لشريعة محمد عليه السلام، ولا نقبل توجهات شرقية ولا غربية مخالفة لمبادئ القرآن.
إذ كيف نقبلها وعندنا شريعة رب السماء والأرض، فأحسنوا علاقتكم مع شريعة ربكم، وطبقوها في أنفسكم ومجتمعاتكم، وفي ذالكم فوزكم ونجاحكم.
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان
أبناء الإسلام:
لقد قامت الدولة مشكورة بتوفير متطلبات الوطن ومستلزماته التحتية من مدارس ومستشفيات، ومعاهد وجامعات، فمن الإحسان أن نحافظ عل منجزات الوطن، والبعد عن العبث فيها والإخلال بها، وعلينا أن نواصل مسيرة البناء وذلك بالإخلاص في العمل، وأداء الأمانة على أكمل وجه ممكن، وأن نجعل من أنفسنا محسنين لأمتنا، متمسكين بعادات الوطن وأخلاقه الإسلامية، مبتعدين عن التشبه بالعادات الغربية المذمومة. (1/96)
صفحة 97
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان
طلاب العلم والمدارس:
أيام قليلة وتنهون عاما دراسيا مضى، وها أنتم في هذه الأيام على خطى امتحانات نهاية العام الدراسي.
فمن الإحسان – أيها الطلاب – أن تجتهدوا وتجدوا، وتثابروا لتحصلوا على المراكز المتقدمة والشهادات المتفوقة، وترضو بذلك آبائكم ومعلميكم وأمتكم.
عام مضى، وسنة كاملة ذهبت، حاسبوا أنفسكم عن مدى استفادتكم من العام الدراسي الماضي ... ومدى إنتاجكم فيه.
إن الأيام تمر، والسنون تمضي فعليكم باستغلالها حتى تكون في نصيبكم، وتكتب في رصيدكم.
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان
اللهم صلي على محمد وآل محمد ....
ميلاد خير الأنام أمن وسلام
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي شرف الإنسانية بمولد خير الأنام، والصلاة والسلام علي أفضل من صلى وقام، وأدى الشعائر العظام، محمد وعلى آله وصحبه الكرام.
(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم، فإن تولو فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)
ظلام حالك، وليل دامس، وفساد عارض، وبعد عن منهج الخالق.
عمت الجاهلية، وانتشرت الوثنية، وظلت الإنسانية.
رقص الشيطان فرحا، وتغنى جنوده طربا ومرحا.
ظلم الضعيف ولا ناصر له
أكلت أموال الناس ولا راد لها
أهينت المرأة ولا مدافع عنها
ظلمات بعضها فوق بعض
الله أكبر
الله أكبر
الله أكبر
نور يضئ، وفجر يشرق، وشمس تسطع.
إنه ميلاد نبي الرحمة، ورسول الإنسانية، وفخر الأمة.
إنه ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم
الله أكبر لا شرك بعد التوحيد
الله أكبر لا ظلم بعد النور والإسلام
*المحطة الأولى: رسول الإنسانية والسلام:
محمد – صلى الله عليه وسلم – أرسله الله لينقذ الإنسانية من ظلم الشرك والوثنية إلى نور التوحيد والربوبية، أرسله الله ليقود الإنسانية من الجاهلية العمياء إلى الشريعة الغراء. (1/97)
صفحة 98
فهو خاتم النبيين، وقدوة المتقين، فلا رسول بعده، ولا نبي يأتي بعده إلى يوم القيامة.
(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).
عباد الله:
إن الإنسانية اليوم تعيش في خبط عشواء، وتردى من الأوضاع، وانحراف في المنهج والفكر والعقيدة، وفساد في الأخلاق والسلوك، مع تقدم في الحياة المادية، وتقارب بين الشعوب المختلفة، وتطور في الاتصالات المعرفية.
ومع هذا الإنسانية اليوم تعيش في حالة يرثى لها من البعد عن المنهج السليم، ومفارقة الطريق القويم.
فانتشرت الحروب، وعم القتل، وسفكت دماء الأبرياء، وراح ضحيتها النساء والأطفال، والشيوخ والعجزة، والعجب كل العجب أن يحصل هذا باسم السلام والدفاع عن حقوق الإنسان.
جاهلية اليوم عم فيها الفساد الأخلاقي، والتحلل العجيب عن كل القيم والتقاليد، فانتشرت الإباحية، وعمت الفوضى الخلقية في وسائل الإعلام المختلفة، والنوادي المتنوعة، والمهرجانات المتعددة، والعجب أن يكون باسم الفن والثقافة.
جاهلية اليوم انتشر فيها ظلم الإنسان، وتعددت فيها العنصرية، وظهرت فيها الطبقات المخيفة، فإما غنى في أيدي فئة قليلة من الناس، وإما فقر مدقع يعم غالب شرائح المجتمع، والعجب والله أن ينتشر هذا في زمن النفط والتقدم التكلنوجي، وباسم العدالة والديمقراطية.
جاهلية اليوم أهينت فيها كرامة المرأة، وأصبحت ألعوبة بين أنياب الذئاب، لا هم لهم إلا أن تخرج عارية متبرجة، ليشبعوا بذلك رغباتهم الجنسية، وشهواتهم الحيوانية، انتشر هذا باسم المساواة والحفاظ على كرامة المرأة.
أتباع الرحمان:
ها هي جاهلية اليوم تنادي بأعلى صوتها شوقا لرسول الإنسانية والسلام، عليه أغلى تحية وسلام. (1/98)
صفحة 99
وإذا كان رسول السلام قد مات؛ فإن شريعة السلام والإسلام باقية إلى يوم القيام للملك العلام.
فحري بأبناء الإسلام أن يعودوا إلى طريق الإسلام، ومنهج القرآن، ويقتدوا بالنبي العدنان.
حري بنا أن نجدد بيعتنا وولاءنا لرسول السلام والإسلام، وحري بنا أن ننشر شريعته في أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا.
الله أكبر:
إن تمسكت الأمة بمنهج رسولها، واعتصمت بطريق نبيها، انتشر السلام والأمن والاطمئنان في أرجاء المعمورة، وعم الرخاء وسادت المساواة بين الإنسانية.
(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).
المحطة الثانية: ماذا يعني احتفالنا بمولد النور عليه الصلاة والسلام:
الأمة المسلمة تحتفي في هذه الأيام بميلاد خير البشر عليه الصلاة والسلام.
فيا ترى أاحتفالنا بميلاده عليه الصلاة والسلام له دور في واقعنا، أله أثر في أنفسنا ومجتمعاتنا.
أأحتفالنا بمولده يقتصر على الكلمات الرنانة، والقصائد المؤثرة000 أم احتفالنا بمولده عليه الصلاة والسلام طريق إلى تغير حالنا وواقعنا ...
فأنت أيها المسلم ماذا يعني احتفالك بمولد الهدى عليه الصلاة والسلام؟!!!
هل احتفالك بمولده طريق لرجوعك إلى الله تعالى؟!!!
هل احتفالك بمولده طريق لالتزامك بكتاب الله، والاعتصام به، والتقيد بأوامره، والبعد عن نواهيه؟!!!
هل احتفالك بمولده طريق لتمسكك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاعتصام بمنهجه عليه الصلاة والسلام؟!!!
هل احتفالك بمولده طريق لتغير حالك من الضلالة إلى الهدى، ومن الظلام إلى النور والسعادة؟!!!
هل احتفالك بمولده طريق لمراجعة ذاتك؟! ماذا عن علاقتك مع الله ورسوله في الأيام الماضية؟! ماذا عن استعدادك ليوم الرحيل؟! أمستعد أنت أم مقصر!! أأعددت العدة لملاقاة مولاك يوم لا ينفع إلا ما قدمت من صالح الأعمال ... (1/99)
صفحة 100
وأنت أنت أيها الأب ... ماذا عن احتفالك بمولد الهدى عليه الصلاة والسلام ....
أراجعت جدولك في أمانة التربية والتوجيه؟! أكنت مثل محمد في توجيه الأسرة إلى الخير والصلاح؟! أكنت أبا مشفقا على أسرتك من الوقوع في سخط الله وغضبه؟!!!
وأنت أيها المعلم والصانع والعامل في القطاعات المختلفة ... ماذا عن احتفالك بميلاد خير الأنام عليه الصلاة والسلام .. أجدية في العمل؟! وإخلاص في الإنتاج؟! أبعد عن الغش والكسل؟! أمراقبة لله في ما استودعتموه من أمانات الأمة .... ؟!
وأنت أيها التلميذ والطالب:
ماذا عن احتفالك بمولد الهدى عليه الصلاة والسلام ...
أرغبة في طلب العلم؟!!! وجد واجتهاد في تحصيل العلوم النافعة؟!!!
أاحترام للمعلمين وتوقير للأساتذة وحملة أمانة التوجيه والتربية؟!!!
أحفاد محمد صلى الله عليه وسلم:
كان نبيكم عليه الصلاة والسلام عابدا مؤمنا، داعيا إلى الله رءوفا بالمؤمنين.
كان محمد عليه الصلاة والسلام نعم الأب الموجه، والمعلم الحنون، والطالب المجد، والعامل المخلص، فكونوا مثل محمد يرحمكم الله.
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بسنة رسوله، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب، والصلاة والسلام على النبي الأواب، وعلى آله وأصحابه الأحباب.
أنا من جنود الله حزب محمد ... وبغير هدي الله لا أهتدي
حاشاي أن أصغي لدعوة ملحد ... وأنا فتى القرآن وابن المسجد
أنا مسلم هل تعرفون المسلما ... أنا نور هذا الكون إن هو أظلما
أنا مصحف يمشي وإسلام يرى ... أنا نفحة علوية فوق الثرى
المحطة الأخيرة: كونوا أنصار محمد صلى الله عليه وسلم:
أخوة الإسلام:
إن شريعة محمد تحارب وستحارب إلى يوم القيامة، ومع هذا فهي محفوظة برجالها الذين يحافظون عليها، ويدافعون عنها. (1/100)
صفحة 101
فيا أبناء محمد كونوا أنصار محمد صلى الله عليه وسلم، ناصروه قلبا وقالبا، باطنا وظاهرا.
ناصروه في أنفسكم وبيوتكم وأسواقكم وأماكن عملكم.
ناصروه بتطبيق أوامره واتباع سنته ومنهجه.
أتباع محمد صلى الله عليه وسلم:
إن أعظم حرب يشنها أعداء الإسلام لفصل أبناء الأمة عن نبيهم وحبيبهم محمد عليه الصلاة والسلام هو خلخلة عقيدة الولاء والبراء، وزعزعتها من نفوس أبناء هذه الأمة.
للأسف أن تجد شابا من أبناء المسلمين ترعرع بين جنبات المسجد، وحلقات القرآن ثم تجده يوالي أعداء الله من الكفرة والفسقة والماجنين.
بل الأعجب أن توفي نجم من نجوم الكفرة، لمقام علمي كان فيه، أو لنجومية سطع فيها، ثم تجد من أبناء المسلمين من يدعو له بالرحمة والمغفرة.
والأشد غرابة أن يترك أبناء المسلمين سنة نبيهم ويتمسكوا بسنن من ضل وأضل، أو سنة هؤلاء أكمل وأفضل من سنة خير البشر، أو هديهم أفضل من هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
والأدهى أن تعتبر سنة محمد صلى الله عليه وسلم رجعية بل وأصولية حجرية متخلفة، وتعتبر سنن غيره تقدم ومدنية، ولو كان صاحبها فاسقا أو كافرا.
(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاه ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)
فاتقوا الله أيها المسلمون عظموا سنة نبيكم، واغرسوها في أبنائكم وبناتكم، وعضوا عليها بالنواجذ
اللهم صل على محمد وآل محمد ....
التبغ غير المدخن آثار وحلول
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أحل لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث والمنكرات، والصلاة والسلام الذي شرفنا بخير الرسالات، وأفضل التوجيهات، بها نسمو إلى رب السماوات، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والبركات، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: (1/101)
صفحة 102
فيقول الله تعالى واصفا نبيه صلى الله عليه وسلم: " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم عليهم الخبائث"، ويقول أيضا: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ".
هذا ومن سنن الله عزوجل أن البقاء يكون للأصحاء والأقوياء، فهم الذين يستخلفهم الله في الأرض فيعمرونها، ويصلون إلى خباياها وأسرارها، ويكشفون عن خيراتها وكنوزها، وما توجت أمة بتاج الشرف، ولا ارتقت ذروة المجد، إلا بقوة أبنائها، وصحة أبدانهم، وإن ذلك وسيلة لسلامة عقولهم، ونضج تفكيرهم، ومضاء عزيمتهم، وسداد أعمالهم.
ولهذا أمرت الشريعة بحفظ العقل، واعتبرت المساس به جرم لا بد أن يدفع، فحرمت شرب الخمر والدخان؛ لضرره الكبير على العقل والجسم، ونادت الشريعة بالمحافظة على الجسم البشري؛ لأن قوام الأمم والأوطان قائم بأجساد وعقول أبنائه، فإذا اختل هذا الجانب كان هلاك الأمم والمجتمعات، لذلك حرمت الشريعة الزنا والشذوذ الجنسي، وما شابه ذلك.
من هنا أدرك فلاسفة العالم ومفكروه، والعديد منهم ليسوا من أهل الإسلام، أدرك هؤلاء أن الشريعة الإسلامية هي الشريعة الوحيدة التي بها يحفظ الإنسان دينه وعقله، فضلا عن جسده وماله، إذا ما طبقت هذه الشريعة عمليا في المجتمع، ووظفت إعلاميا وتربويا، فكريا واجتماعيا، فالحمد لله الذي شرع لنا الإسلام دينا، والشكر لله أولا وآخرا.
أخوة الإيمان:
قبل سنوات ما كنا نعرف شيئا يقال له المضغة ولا الأفضل، وما كنا نرى اللون الأحمرعلى الجدران، وما كنا نتأذى بالرائحة الكريهة التي تنبعث من فيه أبنائنا وبناتنا الطلاب. (1/102)
صفحة 103
ما كنا نتصور أن تظهر في بلادنا هذه الظاهرة السيئة، واليوم قد بدأت تنتشر بقوة، وللأسف أين؟ في معاقل التربية والتوجيه، في المدارس!!! وبين من؟ بين فلذات أكبادنا وجيل المستقبل!!!! بل اصبحت تنتشر ليس بين الكبار فحسب بل حتى بين أبناء المرحلة الابتدائية، ولم يقتصر انتشارها بين الطلاب فهي منتشرة بقوة بين الطالبات والله المستعان.
فيا ترى ما هذه الظاهرة؟
وما أسباب انتشارها؟
وما الآثار المترتبة على انتشارها؟
وما رأي الشرع فيها؟
وكيف نعالجها؟
هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذه الخطبة إن شاء الله تعالى.
ما المقصود بالتبغ غير المدخن؟!!!
يقصد بالتبغ غير المدخن التبغ الذي يوضع بصورة تخالف صورة التبغ الذي يظهر منه دخان، كالسيجارة والشيشة، وهذا يتمثل في ثلاثة أنواع:
1. التبغ: ويسمى عندنا بالأفضل أو الشيشة.
2. السوباري: وهي منتشرة عندنا وبصورة كبيرة.
3. القات.
وقد أكد الطب على على ضرر التبغ غير المدخن وخطورته، فله القدرة الكبيرة في إحداث الإدمان، حيث أن مضغة واحدة ولمدة ثلاثين دقيقة تعادل أربع سيجارات، ويحتوي هذا النوع من التبغ على أكثر من ثمان وعشرين مادة مسببة للسرطان، مثل سرطان الفم والبلعوم والحنجرة والمثانة، ناهيكم عن تسوس الأسنان، وتلوث البيئة.
وللأسف بعد هذا كله تنتشر هذه الظاهرة بين أبنائنا الطلاب والطالبات، وهذا عائد إلى عدة أسباب منها:
1. سهولة إخفاء هذا اللون من التعاطي عن الآباء والمراقبين، وإنما تكتشف في دورات المياة والجدران، عندما يخرجها المتعاطي من فيه بعد عملية التخزين.
2. ومن أسبابها الثمن الزهيد، فهي تباع في المدارس من قبل بعض الطلاب، أو في المحلات الغذائية، وكذلك عند بعض الباعة المتجولين في الشوارع، وأحيانا كثيرة في المجمعات الكبيرة، وهي زهيدة الثمن، لا تزيد غالبا عن خمسين أو مائة بيسة. (1/103)
صفحة 104
3. ومن أكبر أسبابها الدعاية على أنها معطرة للفم، وفيها مواد تساعد على الهظم، وفيها قدرة تعين الطالب على المذاكرة، وتقوي من قدرة الفهم والحفظ لديه.
4. كذلك من أسبابها رفقاء السوء، وغياب مصدر التوجيه، وتقليد الفاسقين من الممثلين والمطربين، فضلا عن الخواء الفكري، وضعف الثقافة التربوية والأسرية عند كثير من أولياء الأمور.
جميع هذه الأسباب ساعدت على انتشار هذه الظاهرة، مما كان آثارا كبيرة منها:
1. إضعاف الدين في نفس المتعاطي، من حيث كون هذا الداء معصية يجب التوبة منها، ولربما قادت إلى معاصي أخرى.
2. ومن آثاره قتل النفس وإيذاؤها، وقريبا قال لي أحد الدكاترة من إحدى المصحات إن طالبا في إحدى مدارس هذه المحافظة فارق الحياة،؛ لأنه تناول كمية كبيرة من الأفضل تقليدا لبعض الكبار، مما سبب له جلطة أودت بحياته.
3. ومن آثاره أيضا تشويه الفم وانسداده، بجانب تسوس الأسنان وتشوهها، بجانب تلويث البيئة وإضعاف العقل، وبالتالي تعطيل دوره في الحياة.
4. ومن آثاره إضاعة المال والإسراف فيه، وإضاعة الوقت فيما لا فائدة منه، والنتيجة إضاعة أوقات الوطن والأمة.
من هنا لا يمكن أن يقال بعد هذا أن التبغ غير المدخن مباح ويجوز استعماله، والله تعالى يقول: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار".
الخلاصة التبغ غير المدخن لا يجوز استعماله، ولا يجوز بيعه ولا شراؤه والمتاجرة فيه، وفاعله آثم إذا لم يتب إلى ربه، ومن هنا يجب محاربة هذا التبغ، وفقا لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفاظا على صحة بيئة المجتمع، وفي هذا حفظ صحة أجساد وعقول أبنائه.
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أيها المسلمون: (1/104)
صفحة 105
قد تبين لنا مما تقدم أن التبغ غير المدخن له ضرره الكبير، وخطره العظيم، الذي لا يقتصر على المتعاطي فحسب؛ بل يعم المجتمع ككل، من هنا يجب على جميع المجتمع محاربته، والتعاون في القضاء عليه، فالمسؤولية واحدة، والخطر يهددنا جميعا.
وهذه عدة طرق لعلاج هذه الظاهرة أضعها بين أيديكم:
1. العودة إلى الفكر القرآني، فالقرآن هو الشفاء لهذه الإنسانية، وهو المنقذ لجميع المشكلات التي تعاني منها البشرية، فلا بد من تحكميه والعودة إليه، وأن نعوّد أنفسنا وأبنائنا على تدبره والعمل به، ثم بعد ذلك يأتي حفظه وقراءته.
2. غرس المراقبة الذاتية، وتقوية الصلة بالله تعالى، والاستعداد ليوم الرحيل.
3. غرس محبة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الناشئة، واتباعه عليه السلام، لأنه هو الأسوة الذي اختاره الله لنا، فلا نرضى بديلا عنه علية الصلاة والسلام.
4. الاهتمام بالرياضة العقلية وتنميتها، فكما أن الإنسان بحاجة إلى رياضة لبدنه، كذلك هو بحاجة إلى رياضة لعقلة، فبالقراءة يستطيع الفرد التعامل مع الحياة واتجاهاتها، ويستطيع التعبير عن مستجدات الحياة بكل عقلانية ومنطقية، ويستطيع إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجهه في الحياة.
5. إيجاد نوادي رياضية وثقافية، والتكثيف من الرحلات الشبابية التي تتضمن الأنشطة المفيدة للشباب، وعدم الاقتصار في النوادي على الجانب الرياضي فحسب، بل لا بد من الاهتمام بالجانب الثقافي.
6. إيجاد دورات تربوية للأسر، للرقي في الجانب الأسري، فالجانب التربوي له دوره في علاج الكثير من القضايا، ولا بد من وجود دورات تربوية ترشد الأسر إلى صلاحها وصلاح أبنائها.
7. تفعيل القدوة في المجتمع (الأب و المعلم و الصديق)، فلا بد للأب أن يكون ذا قدوة صالحة لابنه، ولا بد من اختيار الصاحب الحسن، وعلى المعلم أن يحس سلوكه مع طلبته وأبنائه، حتى يكون قدوة صالحة لهم. (1/105)
صفحة 106
8. إيجاد عقوبات صارمة فيمن يروج التبغ غير المدخن في المجتمع، خاصة التجار، ولا يجوز التستر على من يقوم ببيع هذه القاذورات، سواء كان في المدارس من الطلاب، أو في المحلات والشوارع، وكذلك في الأسر، فلا بد من إبلاغ الجهات المعنية بذلك، حتى لا يستفحل هذا الوباء بصورة أكبر.
9. الاهتمام بالجانب النفسي للمصابين بهذا المرض، ومحاولة إخراجهم منه، فهم مرضى وبحاجة إلى علاج.
10. إيجاد دعايات مكثفة، تظهر رجالا أسوياء، وهم قد تخلصوا من هذا المرض، فللأسف أن نجد إعلانا جميلا، يظهر فيه رجل قوي يحمل سيجارة، بينما الإعلانات التي تحذر من التبغ بأنواعه، نجدها مجرد عبارات في شكل نقاط، لا تجذب الناس إليها، فالتفنن في الإعلان له دوره في علاج مثل هذه الأمور.
11. التكثيف من دور المعلم الاجتماعي والنفسي، فلا يصح أن يكون في مدرسة واحدة تحتوي على ألف طالب معلم أو اثنين من الأخصائيين الاجتماعيين، فعلى الأقل لكل مائة طالب معلم متخصص، يتابعهم وينظر في أحوالهم.
12. نشر الثقافة الصحية والدينية بين أبناء المجتمع.
هذا ومن ابتلي بهذا الداء حتى أدمن عليه اعلم أخي العزيز أنك قادر على التخلص من هذا الوباء إذا أردت، فقوي عزيمتك، وأظهر قدراتك، وإن كنت لا تستطيع الخلاص منه جملة واحدة؛ تخلص منه بالتدريج، واستعن بالعيادات النفسية والصحية، ففيها بدائل تعنييك للخروج من هذا المرض، واختر صاحبا صالحا تصاحبه، يعينك على التخلص من هذا المرض، وتجنب أماكن تعاي هذا الوباء، وعليك بالدعاء، فكن قريبا من الله، يكن الله قريبا منك.
هذا وصلوا وسلمو ...............
وقفات منوعة
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
" سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير "
الحمد لله الواحد القهار، الذي قدر الليل والنهار، سبحانه أسرى بعبده ليكون آية لذوي العقول والأبصار. (1/106)
صفحة 107
والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله وصحبه الأبرار، وعلى تابعيه بإحسان إلى يوم القرار.
تمر الأيام، وتعود الحوادث والمناسبات، لنعيد الذكريات، ونغرس الهمم والتفاؤلات، ونقف وقفة محاسبة مع أنفسنا وأمتنا، لنجدد عهدنا وولاءنا للإسلام، ولرسول الإسلام، فهذه وقفات ثلاث أضعها بين يديكم عسى أن يكون لها الأثر في قابل الأيام.
الوقفة الأولى
مسرى الرسول عليه الصلاة والسلام
بعث رسول الله – صلى الله عليه سلم – في زمن ساد الشرك فيه وعبادة الأوثان، وعم الجهل وطغى الساحل والوديان.
ولكن أي عزيمة كانت من ذلك البطل المغوار؟!
وأي تفاؤل كان منه عليه الصلاة والسلام؟!!!
شد الهمة، وقوى العزيمة، وظل يدعو وينشر دين الإسلام رغم إيذاء المشركين والكفار، وسخر الله له أبا طالب ليقيه من أذى مشركي قريش، فكان عونا له وسندا .....
كذلك سخر له السيدة خديجة الكبرى – رضي الله عنها – التي كان قلبها يتدفق بالحنان، والمحبة لشخصه عليه الصلاة والسلام، فكانت تؤازره، وتنسيه الهموم والأحزان.
ولكن ... دوام الحال من المحال؛ فقد أراد الله أن يبتلي عبده ليرى مدى صبره وشجاعته، فقبض روح أبي طالب، وفي العام نفسه قبضت روح خديجة، فطبل المشركون فرحا وسرورا، وتغنوا طربا ومرحا، فاشتد إيذاءهم لنبي الإسلام، وعظم حقدهم له، فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن هاجر إلى الطائف لعله يجد قلوبا تغمرها الرحمة والشفقة، وأنفسا يملؤها الذوق والحنان، ولكن ... هيهات هيهات!!! ما لقي نبي الإسلام من أهل الطائف إلا العذاب والهلاك، سلطوا عليه العبيد والسفهاء، يضربونه بالحجارة وينالون منه، فزاده ألما فوق ألم، وحزنا ما بعده حزن. (1/107)
صفحة 108
ولكن ... هيهات لنفس محمد أن تتراجع، هيهات لنفس لرسول الله أن تتخاذل عن الدعوة، فما زاده ذلك إلا إيمانا ويقينا بوجوب الجهاد، ونصرة دين الإسلام، فكانت هدية الله ونعمته، إذ أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليعلم محمدا أني معك أسمع وأرى، فاذهب ولا تكسل الله يجعل بعد ذلك أمرا.
فانطلقت الهمم، وكبرت النفوس، فانطلقت الدعوة يقودها رسول الله، انطلقت في أرجاء في أرجاء الأرض، ولم يقبض الله رسوله إلا والدعوة تعم أرجاء الجزيرة العربية كلها، وأصبح صوت الدعوة الإسلامية يرن في مسامع الأكاسرة والقياصرة، فقضي على الإمبراطورية الكسروية، وتبعتها الإمبراطورية القيصرية.
الله أكبر ....
أين أمة الإسلام من هذه الحادثة؟!
أين المسلمون من هذا النصر المبين؟!!
أبعد هذا نتخاذل عن دين الله ... !!!
أبعد هذا نتكاسل عن نشر دين الله ... !!!!
كم هي الإنسانية بحاجة إلى هذا النور الدفاق ... !!!!!
كم هم الضعفاء واليتامى والمساكين ينظرون شوقا لعدالة الإسلام ... !!!!!!
كم هم المظلومون يحنون إلى مساواة الإسلام ... !!!!!!!
أي حضارة ترك لنا هذا النبي الأمي ... !!!!!!!!!
وأي نور تركه لنا ... !!!!!!!!!!
أفنترك دين محمد وحضارة الإسلام، لنتبع حضارة لا تعطي قيمة للإنسان، تنادي بالحرية والمساواة وفي حقيقتها الظلم والفجور.
أيها المسلمون اعلموا علم اليقين لن تنصر أمتنا وهي تعيش تحت ستار أكاديمي، وفيديو كليب، ولن تتقدم أمتنا وهي تتفاخر بالفنانين والماجنين ...
إنما تتقدم أمتنا إذا اعتصمت بماضيها، وتمسكت بدينها، وسارت على نهج رسولها.
" وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ".
الوقفة الثانية
فراق الإجازة الصيفية (1/108)
صفحة 109
أسبوع واحد ونفارق الإجازة الصيفية .... فيا ترى ماذا كان حالنا فيها؟ وماذا أنتجنا فيها؟ سؤال أوجهه بداية إلى الآباء وأعقبه للطلاب.
فيا أيها الأب ما هو حالك في الإجازة الصيفية؟ أكنت عونا لابنك في استغلال الإجازة؟ أوفرت له الجو المناسب والخطة المناسبة؟ لكي يجمع بين الجد واللهو، بين العمل واللعب، ولكي نخرج جميعا من الإجازة ونحن في استغلال لأوقاتنا واستثمار لها.
وأنت أيها الطالب ما هو حالك في الإجازة الصيفية؟ أجد في وقت الجد! ولعب في وقت اللعب! أنظمت وقتك، وقسمت عملك، فخرجت من الإجازة وقد استفدت حفظا لبعض السور، أو قراءة لكتاب، أو مشاهدة لمفيد، أو تنمية لموهبة لك ...
أم خرجت من الإجازة وقد قضيت نهارك في نوم ولعب، وليلك تحت القنوات وفي السهرات الجانبية، فخرجت من الإجازة وقد تجمد عقلك بعد دراسة، وأقبلت على المدرسة وأنت صفر الثقافة، فأي الفريقين أحق بالفوز والسعادة، وأي الطلاب أحق بالتكريم والثناء!
أيها المسلمون:
إن الأمة المتقدمة هي التي تنظر إلى وقتها بعين الجدية والاهتمام، وتقدم الواجب على المندوب، وتهتم بالأولويات ثم تنطلق إلى الثانويات، تهتم أولا بالثقافة وتنمية المواهب ثم تنطلق إلى اللهو البريء، والسياحة النافعة.
فعلى المجتمع جميعا أن يتعاون في غرس أهمية الوقت في نفوس الطلاب، وأن يغرسوا في قلوبهم الاهتمام بالأولويات، وأن ينظروا إلى أوقاتهم وحياتهم أنها دقات سرعان ما تنقضي.
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثواني
عباد الله:
خير الكلام قول لا إله إلا الله، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
الوقفة الأخيرة
على عتبات المدرسة
أخي المسلم: هل وفرت مستلزمات الدراسة لأبنائك؟!
أخي العزيز: هل شعرت بحلاوة الفرحة في قلب ابنك وهو يقلب كراساته وأقلامه؟!! (1/109)
صفحة 110
أخي: ألا تعلم أن هناك من الأسر من تواجه صعوبة في توفير هذه المستلزمات، وقد تضطر إلى القروض الربوية ...
فهلا تساعدنا جميعا في إعانة هذه الأسر المحتاجة!
وهلا نظر الجار إلى جاره، وجماعة المسجد إلى أهل حيهم؟!! وتعاونوا في مساعدة المحتاجين لتدخل البسمة في نفوس الطلاب والطالبات.
وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان.
طلابنا الأكارم:
لا شك أنكم في شوق للعودة إلى مراكز العلم والتربية، وهاكم ستة نصائح أوجهها إليكم عسى أن يكون لها القبول والأثر.
أما الأولى فعليكم بتقوى الله، والمحافظة على الصلاة في جماعة، فهذا طريق للنجاح والتفوق.
وأما الثانية لا بد من وضع الهدف، فلكل طالب هدف يسعى لتحقيقه، وهو الحصول على المراكز الأولى، وهذا يحتاج إلى اجتهاد ومثابرة منذ بداية الدراسة من مراجعة للدروس، وتحضير لها.
والنصيحة الثالثة لا بد أخي الطالب أن تنظم وقتك، فلا تقضي طيلة الشهور الأولى في اللعب والتسكع في الطرقات، والجلوس تحت القنوات، وتأتي قبل الامتحان بأسبوع أو أسبوعين وأنت لا تفهم المادة، ولا تستحضر معالمها الأساسية، فتكون النتيجة إما ضعف في الدرجات، أو سقوط في المادة، واحذر هنا أخي الطالب من أصدقاء السوء الذين لا هم لهم إلا إضاعة وقتك، وتدمير مستقبلك، واستشر أباك أو أخاك أو إي رجل تثق فيه عمن تصاحب ليدلوك عل الصاحب المخلص.
أما نصيحتي الرابعة فلكي تكون متفوقا – أخي الطالب – لا بد من احترام المعلمين، وكافة القائمين على المدرسة من مدير ومعلمين وعمال وسائقي الباص، فالطلب الذي لا يحترم هؤلاء هو طالب مغرور، والطالب المغرور فاشل في حقيقته، ولن يكتب له نجاح في دراسته. (1/110)
صفحة 111
واحذر أيها الطالب من الإساءة إلى المعلمين ولو برفع صوت، فهذا يدل على دناءة في الأخلاق، وسوء في التربية، فكن طالبا محترما ينظر إليك الناس بعي الإجلال والاحترام، ولا تغتر بمن يستهزئ بالمعلم في الفصل أو في المدرسة فذلك طالب فاشل وإن أظهر حلاوة في اللسان، وقوة في الجسم، إلا أنه في حقيقته جبان لا يستحق الوقوف معه ومصاحبته.
ونصيحتي الخامسة عليك أخي الطالب بالتمسك بالأخلاق الحميدة، وإياك والكذب والغيبة والنميمة، والغش والسخرية من زملائك الطلاب، وابتعد عن الكلمات النابية، والعبارات السيئة، فإن كنت ذا خلق قويم فأنت من الطلاب المستحقين للثناء والاحترام.
ونصيحتي الأخيرة حافظ – أخي الطالب – على ممتلكات المدرسة ونظافتها، فالطالب المجتهد هو الذي يحافظ على ممتلكات أمته.
وأخير أوجه ندائي إلى إخواننا المعلمين، الذين نقف أمامهم أجلالا وإكبارا على صبرهم واجتهادهم، فالله الله أيها المعلمون في أبنائنا الطلاب، أغرسوا في قلوبهم حب الفضيلة وأهلها، وأبعدوهم عن الرذيلة والدنايا، اغرسوا في قلوبهم حب العلم والاجتهاد وتنظيم الوقت وتقديم الأولويات.
وعلى الآباء جميعا التعاون مع المدرسة والمسجد لتتكامل الحلقات الثلاث المسجد والمدرسة والبيت.
عباد الله: إن الله وملائكته ......
خطبة عيد الفطر السعيد
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
الله اكبر الله اكبر الله اكبر، لا اله إلا الله والله اكبر، ولله الحمد، صدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ...............
الله أكبر ما صام المسلمون شهر رمضان المعظم.
الله أكبر ما أحيا المؤمنون ليالي الشهر بالقيام.
الله أكبر ما أخرجوا زكاة فطرهم طيبة بها نفوسهم.
الله أكبر ما اجتمعوا في عيد الفطر يشكرون الله على ما هداهم للإسلام.
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر (1/111)
صفحة 112
يا شهر رمضان ودعناك بعد ما أنسنا بقرقك، وابتهجنا بضيافتك، كان نهارك صدقة وصياماً، وليلك قراءة وقياماً، فعليك منا تحية وسلاماً.
سلام من الرحمن كل أوان على خير شهر قد مضى وزمان
لئن فنيت أيامك الغر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفان
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
يالها من نعمة عظمى، ومنة كبرى، أن نصوم شهر الله المعظم، فهنيئا لكم أيها المسلمون نعمة الصيام، ويا طوبى لمن خرج من رمضان وقد حظي بجائزة العتق من النيران.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
هنيئا لكم احباب الرحمان هدية الله لعباده الصائمين، هنيئا لكم هذا العيد السعيد، وكل عام وأيامكم سعيدة، وساعاتكم مشرقة، وأوقاتكم هنيئة رغيدة.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
الله أكبر ما أجمل المجتمع المسلم في تماسكه وتكافله .........
الله أكبر ما اجمل المجتمع المسلم في وحدته وتآلفه ...........
الله اكبر يا لها من صورة جميلة، ومشهد رائع، يتقدم بها الغني والقادر فيخرج زكاة ماله وفطره، مساعدة للفقراء والمحتاجين، لأغنائهم في يوم العيد.
الله اكبر محبة وإخاء، مودة وسلام، صلة وتزاور، وحدة وتآلف، هذا هو شعار المؤمنين في يوم العيد، لا ضغينة ولا حقد، لا كراهية ولا بغضاء، لا حسد ولا قطيعة، هذا منهج المؤمنين وهم قد تخرجوا من شهر الصيام، ليفتحوا حياة جديدة بعيد الفطر المبارك.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
أيها الآباء الكرام:
لكم الشكر من اعماق القلوب.
أيها الأب الغالي:
شكرا على احيائك لسنة كونية، فكونت اسرة لتحيي بذلك نفوسا وأمة ....
مبارك عليك – أيها الأب الغالي – عيد الفطر السعيد، اجعله عزيزي الأب عيد محاسبة، كما أنه عيد فرحة، هلا حاسبت نفسك وقد تخرجت من شهر الصيام ........
أكنت قدوة صالحة لأبنائك .............
أحافضت على صلواتك وشعائر دينك ..............
اتمسكت بقرآنك وسنة نبيك عليه الصلاة والسلام ...........
عزيزي الأب: (1/112)
صفحة 113
ابنك ابنك يناديك وإن لم تسمع نداءه، ابنك بحاجة ماسة اليك، دله – يرعاك الله – على الطريق الصحيح، وجنبه الطريق المعوج؛ طريق الشيطان وقرناء السوء.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
أعيادنا فرحة
أعيادنا استبشار
أعيادنا نور وإيمان
أيها المدرسون الفضلاء، والمعلمون النجباء:
طوبى لكم العيد السعيد، وتقبل الله منا ومنكم ..........
شكرا لكم معلمونا الأفاضل على جهدكم وصبركم في تربية أبنائنا، وفلذات أكبادنا.
أخواني المعلمين:
أنتم على أمانة عظيمة، ومسؤلية كبيرة، أمانة العلم والتربية، ومسؤولية التوجيه والتنشئة، فلا تفرطوا – رحمكم الله – في هذه الأمانة، كونوا خير قدوة لأبنائنا، خلقا وعلما وثقافة، اغرسوا في قلوبهم الأخلاق الفاضلة، وبينوا لهم الطرق المستقيمة، واغرسوا في نفوسهم حب العلم والثقافة، واجعلو من عيد الفطر المبارك، نقطة تقدم ورقي في مجال التربية والتوجيه، سدد الله خطاكم، وبارك مسعاكم .........
الله اكبر الله اكبر الله اكبرلا إله إلا الله والله أكبر
عمّال الوطن الغالي وصانعوه، الموظفون في القطاع العام والخاص، جنود الوطن وحراسه:
هنيئا لكم جدكم واجتهادكم في بناء أمتكم ووطنكم، وإخلاصكم وتفاديكم في تقدمه ورقيه، بورك لكم عيدكم السعيد، وكل عام وأنتم تتنعمون فيه بنعمة الإخلاص والعمل الجاد في خدمة الوطن والأمة.
واعلموا رحمكم الله أنكم قد مسكتم أمانة عظيمة، فارعوها حق رعايتها، وعليكم بالصدق والإخلاص في العمل، والمحافظة على الوقت والممتلكات، واجعلوا من عيدكم هذا عيد انطلاق وتقدم لوطنكم وأمتكم.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
طلاب العلم والجامعات:
هنيئا لكم مقاعد العلم والدراسة، انتم تتنعمون بنعمة يغبطكم عليها الألوف، فطوبى لكم هذا النعيم، وبوركتم بالعيد السعيد ..... (1/113)
صفحة 114
اجعلوا عيدكم هذا وأنتم في بداية العام عيد اجتهاد وجد، تمسكوا بالأخلاق الفاضلة، واحترموا معلميكم وأساتذتكم، واجتهدوا في دروسكم وطلبكم للعلم، وبارك الله لكم، وجعلكم قرة خير للآبائكم ووطنكم.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
شباب الإسلام:
باقات الزهور والورود نبعثها إليكم بمناسبة العيد المجيد:
اشكروا الله على نعمة الشباب، إنها نعمة من اعظم النعم، نعمة يجب أن تسخّر في طاعة الرحمان، ومخالفة الشيطان.
شباب الإسلام:
دينكم يحثكم على التمسك بمبادئ الإسلام، من عقائد صحيحة، وعبادات شرعية مستقيمة.
دينكم يحثكم على طلب العلم والثقافة، وأنتم تعيشون عصر الإعلام والعولمة، وصراع الحضارات والثقافات المتعددة.
دينكم يحثكم على السعي في طلب العمل، وإياكم والبطالة، فإنها دمار لك ولأمتك، فعليكم بالاجتهاد في طلب الرزق، واستعينوا بالله وحده، واستثمروا عقولكم وقدراتكم الذاتية، واجعلوا من عيدكم هذا عيد انطلاق إلى المعرفة وطلب الزق الرغيد، وفقكم الله، ويسر أمور معاشكم.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
نساء الإسلام، مربيات الرجال، وأساتذة الابطال، هنيئا لكن العيد السعيد، فكل عام وأيامكن سعيدة ....
نساء الإسلام:
لقد أكرمكن الله بنعمة الإسلام، وأنقذكن من جاهلية الأمس واليوم، وبين لكن الطريق القويم، والصراط المستقيم.
وما فتئ دعاة الفجور والإباحية بالدعوة إلى هدم كيان الإسلام والأنسانية، بنشر الفساد والرذيلة، ومحاربة الصلاح والفضيلة، فجعلوا من بنات حواء طريقا لتحقيق مآربهم، وإنجاز مخططاتهم، فأظهروا المرأة عارية متبرجة فكرا وصورا وأفلاما وقصصا، عن طريق القصص الرمانسية، والمجلات الهابطة، والقنوات والمواقع المنحرفة، فضلا عن الشعر الحداثي ونثره. (1/114)
صفحة 115
فانتشرت الفاحشة، وعمت الرذليلة، وقد كانوا يطبلون بالدعوة إلى حقوق المرأة، ليتخذوها غطاء وسترا لهم، فإياكي أن تنخدعي – أمة الله – بهذه الدعوات، كوني فاضلة في بيتك ومجتمعك، قودي أمتك إلى العلم والصلاح، واجعلي من عيدك هذا عيد فضيلة وتقدم ورقي، وفقك الله، وسدد على الخير خطاك.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
لا اله إلا الله والله اكبر، ولله الحمد، صدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ...............
جاء العيد ويحمل في طياته ذكريات وناريخ عام مضى على هذه الأمة، من استمرار التقتيل والإبادة في أرض الرافدين، إلى محاربة وتذبيح أبناء أولى القبلتين.
عام مضى ويحمل في طياته رسوما وضعت للسخرية من نبي الإسلام والمسلمين، عليه الصلاة والسلام.
عام مضى ويحمل في تاريخة ذكريات انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان على الجيش الذي لا يقهر.
عام مضى والأرهاب الغربي سخر ضد هذه الأمة، في كافة مجالاته الفكرية والعسكرية.
الله أكبر عيد الفطر يذكرنا بانتصار المؤمنين في بدر ومكة وعين جالوت، هذا العيد يذكرنا بانتصار النفس على الشهوات والملذات إلى انتصارها في كافة جوانب الحياة.
ولكن متى نتذوق حلاوة النصر والأمية المقنعة تنتشر بيننا، والجهل بأبجديات الثقافة المعاصرة يعمنا.
متى نتذوق حلاوة النصر وأبناؤنا اتخذوا من الماجنين والمنحرفين قدوة لهم ومنهجا، وتركوا من جعله الله أفضل من وطأ تراب هذه البسيطة، قلدوهم في الحركات والسكنات، وفي اللباس وكيفية الكلام.
عباد الله: اجعلوا من عيدكم هذا عيد نصر لأمتكم، بالتمسك بالشريعة، والبعد عن الرذيلة، وانصروا رسولكم بالتمسك بسنته عليه الصلاة والسلام، واعتصموا بقرآنكم فهو طريقكم إلى النصر المنشود.
الله اكبر الله اكبر الله اكبر لا إله غلا الله والله أكبر كبيرا والحمدلله كثير وسبحان الله بكرة وأصيلا
عباد الله (1/115)
صفحة 116
من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد ذهب، وقد لا يعود، ومن كان يعبد رب رمضان، فإن رب رمضان موجود في كل زمان ومكان، فإياكم من النكوص على الأعقاب بعد رمضان، وحذار من اعين بكت من خشيته، وآذان طالما خشعت وخضعت لسماع ذكر الله، وآياد بيضاء باتت سخية من الجود والتضيحية، فحذار أن تدنس هذه الجوارح الكريمة بالمعاصي والسيآت، بعد ما طهرت في شهر الصيام.
هذا ولئن انقضى رمضان فبين أيديكم مواسم تتكرر، فهذه الصلوات الخمس من أجل الأعمال، وأول ما يحاسب عليها العبد، عضوا عليها بالنواجذ
ولئن انتهى صيام رمضان فهناك صيام النوافل كالست من شوال، والإثنين والخميس، والأيام البيض وعاشوراء وعرفة وغيرها.
ولئن انتهى قيام رمضان فقيام الليل مشروع في كل ليلة: ((كانوا قليلا من الليل ما يهجعون)) الذاريات: 17.
ولئن انتهت صدقة أو زكاة الفطر فهناك الزكاة المفروضة، وهناك أبواب للصدقة والتطوع والجهاد كثيرة.
ولتعلم يا أخي المسلم أن من صفات عباد الله المداومة على الأعمال الصالحة ((الذين هم على صلاتهم دائمون)) المعارج: 23 و ((والذين هم على صلواتهم يحافظون))
الله اكبر الله اكبر الله اكبر
يومكم هذا يوم عظمه الله فعظموه بالطاعة، والبعد عن المعصية، اكثروا فيه من زيارة الأرحام والأحباب، بروا فيه الوالدين، احسنوا إلى الجيران والمساكين، وإياكم والأسراف في المأكل والملبس، خاصة فيما يتعلق باللحوم، اقتصدوا في معاشكم، هو خير لكم في دنياكم وأخراكم، هذا وتذكروا أنكم إلى الله قابلون، والساعة قريبة منكم فاتقوا الله ولا تغرنكم الحياة الدنيا فأنتم عنها راحلون، فإما إلى جنة عالية، وإما إلى نار حامية، فاتقوالله، ثم اتقوالله .....
الله أكبر الله أكبر الله أكبر هذا وصلوا
خطبة عيد الأضحى
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله والله اكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. (1/116)
صفحة 117
الله أكبر ما لبس الحجاج لباس الإحرام، وطافوا بالبيت العتيق.
الله أكبر ما وقف الواقفون على صعيد عرفات خاضعين خاشعين لرب الأرض والسماوات.
الله أكبر ما تقرب المؤمنون بالأضاحي والقربات.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فيقول الحق تبارك وتعالى " ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ".
أيها المسلمون من نعم الله علينا، ومن آلائه المديدة، ونعمائه الجليلة أن من علينا بعيد الأضحى السعيد، لنظهر وحدانيته جلّ جلاله، ونتقرب إليه بالأضاحي والقربات، ونهلله ونكبره في أيام معدودات.
مبارك عليكم عباد الله عيد الحج إلى بيت الله تعالى، وعيد الطاعة المطلقة له سبحانه، وعيد البر والبذل والكرم، وتلاقي القلوب على الحب والوئام.
فهنيئا لكم أيها المسلمون العيد السعيد، وكل عام وأيامكم سعيدة، وساعاتكم هنيئة مشرقة.
الله أكبر الله اكبر الله اكبر
أيها المسلمون: هذه الأيام تذكرنا بخليل الله إبراهيم، حين رأى في المنام أنه مأمور بذبح ولده إسماعيل عليه السلام، فما كان منه إلا أن يستجيب لأمر ربه، وينصاع له تعظيما وتوقيرا، فوقف أمام ابنه ابنه قائلا: " يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك فانظر ماذا ترى "، فكان رد الابن البار لأبيه، المؤمن بوعد ربه: " يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ". (1/117)
صفحة 118
وأمام هذا المشهد الرائع، والمنظر الجميل، هبت الرحمات الإلاهية، وفاضت النفحات الربانية، متمثلة في الفداء العظيم " وفديناه بذبح عظيم "، ومن هنا شرعت الأضحية تذكيرا بذلك الجيل العظيم، وربطا بالتاريخ المجيد، وامتثالا للعزيز الحميد.
فقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه، قالوا يا رسول الله: ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: فما لنا فيها؟ قال: بكل شعرة حسنة، قالوا فالصوف؟ قال بكل شعرة من الصوف حسنة ".
الله أكبر الله اكبر الله اكبر
عباد الله: لقد حث نبيكم عليه الصلاة والسلام على الأضحية ورغب فيها، وبين سننها وشروطها، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة الدم "، وقد سنها عليه الصلاة والسلام في النعم، الإبل والبقر والغنم والضأن، وإذا ضحى الإنسان بشاة من الضأن أو المعز فقد أجزأت عنه وعن أهل بيته، لحديث عطاء بن يسار قال: " سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى ".
ورخص الشرع الحنيف تيسيرا للعباد ورفقا بهم أن تشترك سبع أسر في بقرة أو جمل لحديث جابر قال: " نحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة ".
ومن هديه عليه الصلاة والسلام أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، ويمتد وقت الذبح إلى غروب ثالث أيام التشريق، ولا يصح الذبح قبل صلاة العيد لحديث البراء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء ". (1/118)
صفحة 119
ومن أعظم سنن الأضحية التي سنها عليه الصلاة والسلام سنة التقارب بين الفقراء الذين لا يملكون ما يضحون به، وبين القادرين على الأضحية، كأنهم أبناء أسرة واحدة، تختفي معها صور الحقد والكراهية، ومظاهر البخل والشح، فيندب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويتصدق ويهدي، لقوله تعالى: " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون "، ولما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: كلو واطعمو وادخروا ".
فاتقوا الله واخلصوا في اضحيتكم، واجعلوها قربة خالصة لله، يقول تبارك وتعالى: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم "، وابتعدوا عن الإسراف والمباهاة في الأضاحي، فاخلصوا في اعمالكم، تجدون ثوابها عند ربكم.
الله أكبر الله اكبر الله اكبر
أيها المسلمون: إنكم في أيام عظيمة، أيام أعمها الله بالبركات، وأفاض فيها الخيرات، يقول الله جل جلاله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال ابن عباس: " هي أيام التشريق " أي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عزوجل "، فينبغي الإكثار من ذكر الله عزوجل، ومن التكبير خاصة أدبار الصلوات الخمس، ويبدأ التكبير من بعد صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ".
ومن أعظم أعمال البر في هذه الأيام الإحسان إلى الوالدين، وصلة الأرحام، والعطف على الجيران، وإعانة المحتاج، وتقوية العلاقة مع جميع شرائح المجتمع، فعظموا رحمكم الله هذه الأيام، فإن تعظيمها من تقوى القلوب.
الله أكبر الله اكبر الله اكبر (1/119)
صفحة 120
عباد الله: لقد اجتمع حجاج بيت الله الحرام في مكان واحد، وفي زمان واحد، لباسهم واحد، وشعائرهم واحدة، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين أبيض وأسود، إنه مقصد إلهي لتحقيق الوحدة بين أبناء هذه الأمة، ونشر المساواة والمحبة بين أفرادها، وإحياء التآخي والتآلف في مجتمعاتها.
فحري أن يحقق المسلمون وهم يحتفون بهذا العيد السعيد، هذه المقاصد العظيمة، والأهداف النبيلة.
وإن أعظم ما يهدد وحدة الأمم، واستقرار الأوطان، التفرق والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد، فينتج عنه الحسد والكبر، والكراهية والضغينة، والأنا وحب الذات، يقول تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ".
فاتحدوا عباد الله، وانشرو المحبة والمودة بينكم، وليساعد غنيكم فقيركم، وليعلم عالمكم جاهلكم، وتعاهدوا بينكم بالنصيحة، والدعوة إلى الفضيلة.
الله أكبر الله اكبر الله اكبر
عباد الله: عيدكم هذا جعله الله ختاما لعام مضى، ليقف المسلمون مع أنفسهم وقفة محسابة، ولينظروا إلى اخطائهم فيصلحوها، ويستفيدوا من إنجازات عامهم هذا.
الكل يحاسب نفسة، فالأب يحاسب نفسه عن تربيته لأولاده، وتوجيهه وإرشاده لهم، والطالب يحاسب نفسه عن اجتهاده ومذاكرته لدروسه، والعامل والصانع يحاسب نفسه عن انتاجه واخلاصه لعمله.
والمحاسبة عباد الله جزء من الإحسان الذي حث عليه الشرع الحنيف، فالإحسان هو الذي يربي في العامل والصانع والموجه والمربي الإخلاص والجدية في العمل، والبعد عن التقاعس والكسل.
فلنعمل جميعا على رقي مجتمعنا وتقدمه، بكل ما تحمله الكلمة من شعارات التقدم والمدنية الفاضلة.
ولنجعل من أنفسنا صورة مؤمنة محسنة تظهر للعالم تقدمها، ليس بالشعارات فقط، بل بالعمل الجاد، والإخلاص التام. (1/120)
صفحة 121
إن الإحسان يعلمنا – معاشر المسلمين - أن الأمة المتقدمة هي المتقدمة ظاهرا وباطنا، حقيقة واسما، يظهر آثار تقدما في إنجازاتها المادية، وسلوك أبنائها المعتدل، وفي عقول أبنائها النيرة، ويكون التقدم ظاهرا في معاهدها ومصانعها، وفي إعلامها وجامعاتها.
إن أمتنا أمة متكاملة، وتكاملها لا يحصل بالتشدق والكلام الفضفاض، بل بالعمل الجاد، والاجتهاد المتواصل.
فاتقوا الله عباد الله وحاسبوا أنفسكم عن علاقتكم مع ربكم، واستعدادكم للآخرتكم، حاسبوا أنفسكم عن صلتكم بوالديكم وارحامكم، واجعلوا عيدكم هذا خاتمة خير ورقي لوطنكم وأمتكم، هذا وصلوا وسلموا ........... (1/121)