صفحة 1
الكتاب: الأعمال الكاملة لبدر العبري ج5
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) ملف
أعمال الواعظ بدر بن سالم العبري الجزء الخامس
من محرم وحتى رجب 1431هـ
تقدمة
ونحن نقطف ثمار ستة الأشهر الأولى {من محرم وحتى رجب لعام 1431هـ}، يسرني أن أتحفكم بالجزء الخامس مما ألقت به اليراع من مقالات وخطب وبحوث، راجيا من الله القبول والثواب، وعما قريب سيكون إن شاء الله تعالى الجزء السادس، والحمد لله رب العالمين.
القسم الأول
المقالات والمحاضرات
قراءة قرآنية في الكوارث الطبيعية والبشرية
مع خضم بداية كل عام جديد تجتهد المؤسسات المختلفة، والنوادي المتباينة، والبرامج الإعلامية، في إقامة استقصاء وحصر لما حدث بالعام الماضي، من مجريات وأحداث طبيعية وسياسية، واجتماعية وفكرية، سلبا كانت أم إيجابا.
ومن هذه الأحداث الكوارث الطبيعية والبشرية، وعلى رأسها حوادث السيارات، فما الأسباب لهدر آلاف الأرواح، وترمل عشرات النساء والأطفال، فضلا عن الخسائر المادية والاقتصادية؟ وما هو العلاج؟، فمع إنفاق عشرات الأموال في التوعية وإيجاد البدائل في الطرق، إلا أن الحوادث تزداد بصورة مرعبة، وبوحشية مخيفة، تكاد نتائجها تقابل أو تزيد عن نتائج الحروب المدمرة.
ومنها الأمراض الناتجة عن السلوكيات المحرمة، والأفعال الشاذة، ما أسبابها وآثارها؟ وما طرق علاجها؟ ...
ومع أهمية الاستقصاء، ووضع الدراسات والاستراتيجيات لعلاجها، إلا أنّ قصرها على الجانب المادي لا يزيدها إلا تفاقما، فهذا الإيدز القاتل ثلاثون سنة لمحاربته، الملايين أنفقت، والمختبرات أشغلت، ومجالس التوعية استنفرت، ومع ذلك زاد أضعافا مضاعفة ...
فالعلاج المادي أمر مهم، ووضع التصورات والإحصاءات غاية الأهمية، إلا أن الابتعاد عن العلاج الإلهي، وجهل السنن الربانية، يجعل العلاج قاصرا، والمرض يزاد فحشا وتفاقما ... (1/1)
صفحة 2
فنحن معاشر المؤمنين ... ندرك تمام الإدراك أن لله تعالى سننا في هذا الكون، لا تتغير ولا تتبدل، فكل ذرة من ذراته، تسير وفق هذه السنن الكونية، ومن هذه السنن سنة الله في بقاء النعم الربانية، والحفاظ على المنن الإلهية، فشكرها مرهون بشكر الله تعالى، والتعامل معها وفق حدود الله جلّ وعلا.
فما من نعمة من النعم، في البر والبحر والجو، في الإنسان واليابسة، في السماء والأرض، في المال والطعام، وفي النقل والشراب، في السمع والبصر وسائر الجوارح، إذا شكر الله فيها، ولم يحارب الإنسان بها شرع الله، كانت نعمة له في الدنيا، يباركها الرب، ويجني ثمرة شكرها يوم يلقاه، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. (1/2)
صفحة 3
وإذا ما حاول الإنسان الإفساد بهذه النعم، والكفران بها، كانت الآيات الربانية، والإنذارات الإلهية، فتارة يرسل عليهم أمراضا وأوبئة، لعلهم يتوبون أو يرجعون، وتارة بالفيضانات والأعاصير والزلازل، لعلهم يرشدون أو يعقلون، وتارة بالقحط وعدم البركة في المال والأهل والولد، لعلهم يهتدون أو يفقهون، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
فإذا ما واصل الإنسان الطغيان، واستمر في الكفران، فانتهكت الأعراض، وانتشر الربا والقمار، وعمت القطيعة والاستغلال، وأكلت أموال اليتامى والمساكين، وعم الفساد البر والبحر والجو، وترك كتاب الله مهجورا، واستبدل بشريعة الغاب والبشر، واستبيح الخمر والميسر، واستخف بالصلاة والزكاة، وبجميع شرائع الله ...
فسبحانك ربي ... من يحارب هذا الإنسان؟!!! وبمن يستخف؟!!! أو يحارب جبار السماوات والأرض؟!!!! أو يستخف بالعزيز المتكبر؟!!! أو يتلاعب بشريعة رب الأرباب؟!!! (1/3)
صفحة 4
فيا ويح هذا الإنسان ... ألا فليستعد للضربة القاصمة، والآية المهلكة، إن لم تجد النذر والآيات الأولى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1/4)
صفحة 5
ألا فليدرك الإنسان، وهو يضع الحلول والاستراتيجيات لعلاج الحوادث المعاصرة ... ألا فليعلم علم اليقين ... أن سنن الله لا تتغير، وقوانينه لا تتبدل ... بالأمس القريب ذكرنا بالفيضانات والأعاصير، واليوم يذكرنا بالقحط والأمراض المرعبة، وحوادث السيارات القاتلة، يذكرنا ربنا بالعاصفة المالية، والتي عمت أكبر الدول اقتصادا، وأغناها دخلا ومالا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، فسقطت نوادي القمار والربا من عليائها، وعاصفة المجاعة بدأت تهب ريحها، وتهدد ملايين الملايين تهديددا مرعبا أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ َفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ.
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
من مجريات الأعوام الماضية، واستقصاءات الأيام البالية، أدرك العالم حاجته إلى شريعة الإسلام الناصعة، فمن ينقذ طفلا بريئا مهددا بظلام الشرك والوثنية، ومن ينقذ طفلا كان ضحية الأمراض والعقوبات المتنوعة ... من ينقذ طفلا يصيح ويصرخ نتيجة لدمار الحروب، وآثار المجاعة والاستغلال العالمي.
من لنساء ضعاف، وأرامل الحروب والفقر والجشع، ومن لآهات اليتامى، وصراخ المظلومين ...
من يقف سدا منيعا لنشر الدمار والأمراض في الأرض، من يصرخ بأعلى صوته كفانا فسادا واستكبارا، أحفظوا أعراض نسائنا، وصونوا أخلاق أبنائنا ...
من يعتز بشريعة ربه، ويعتصم بكتاب خالقه ... (1/5)
صفحة 6
نعم، نحن المسلمين نتحمل ذلك، فماذا ينقصنا ... أو ليست آيات الله تتلى علينا بكرة وأصيلا، ماذا ينقصنا عن فهما وإدراكها، فلم الخجل والحياء، ولم الخوف والجبن، ولم الذلة والمهانة، ولم نرض بمبادئ غيرنا، ونرفض شريعة ربنا ...
ها هو العالم ينتظر شريعة ربنا فمن يبلغ ...
وأبناؤنا بحاجة إلى مبادئ ديننا فمن يتمسك ...
فهلا كنا من خيرية هذه الأمة ... علما وخلقا وقدوة ...
فخيرية الأمة لا تتحقق إلا بالحفاظ على النعم، والتمسك بشريعة المنعم، وإذا ما بدأت المعاصي تنتشر، وقف لها الناس منذرين ومذكرين، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، كانت الخيرية لهذه الأمة ...
أما إذا سكت المجتمع، فسكت المعلم في مدرسته، والأب في بيته، والإمام في مسجده، والعامل في معمله، والتاجر في متجره، وارتضوا بما يجري من قبل أبنائنا من انحرافات ومعاصي، فإن هذه الخيرية ترفع عن هذه الأمة، وتستبدل وفق سنن الله تعالى في الكون باللعنة والطرد من رحمة الله تعالى، وإنزال العقوبات والعذاب ... لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ.
فإن عادت الأمة وأفاقت ... رد إليها ميزة الخيرية ... وإن كابرت وعصت استبدل الله قوما غيرها ... يبلغون شريعته ... ولا يخشون أحدا إلا الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ. (1/6)
صفحة 7
فحيا وهلا برجال وفتية من أمتنا، غوث البلاد، ورحمة الله بين العباد، آمنوا بالله صدقا، وصانوا جوارحهم عن الحرام عدلا عدلا، ووقفوا عند شريعة ربهم طمعا ورهبا، فإذا ما مسهم طائف من الشيطان تذكروا ربا عظيما، ويوما مخيفا، فتابوا وأنابوا، وتمسكوا وخضعوا ... فاستمروا يرعاكم الله في التمسك بالدين، وتبليغ شريعة الرب، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون بإذن الله تعالى ...
فلنكن يدا واحدة وجدارا مرصوصا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ آيات الله تعالى، والتعامل مع السنن الكونية ... ولنكن من الذين مدحهم الله تعالى بقوله الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ...
وبهذا تتحقق الخيرية لهذه الأمة كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ.
شكر النعمة
أيها الأخوة الكرام ... نبدأ مجلسنا اليوم بالحديث قليلا عن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام ...
انظروا –رحمكم الله وإياي- إلى سليمان ... أعطي ملكا لم يعط أحدٌ مثله لا قبله ولا بعده، كان له الملك الواسع، والمال الوفير، وسخرت له الريح، واستعبد له الجنّ، ولان له الحديد، ومع هذا كله ما كان منه إلا أن يتواضع لواهب النعم والمنن قائلا: "قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم".
لسان حاله: يا الله وهبت لي من النعم ما وهبت، وسخرت لي من المنن ما سخرت ... فأنت صاحب الفضل والمنّ وحدك لا شريك لك ... (1/7)
صفحة 8
يا الله ... هذا ابتلاء منك ... هل أشكر النعمة فأضعها في طاعتك فأكن من الفائزين ... أم أكفر بها وهي نعمتك أنت وحدك، فأعصيك بها، فتكون شاهدتً علي، فأكن من الخاسرين النادمين ...
يا الله ... لئن شكرت فلنفسي، ولئن كفرت فأنا الخاسر، فأنت غني عني وعن نعمائك.
انظروا رحمكم الله ... هذا سليمان ... ومن كسليمان في التأريخ أعطي ما أعطي من النعم ... وانظروا كيف قابل ربه بهذه النعم ... جعلها في طاعته جلّ وعلا ... فاستحق الثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
ولننظر إلى أنفسنا ... كم من النعم التي هبنا الله إياها؟ هل كنا شاكرين الله بها أم من الكافرين؟!!!
تصوروا نعمة الصحة ... نعمة السمع والبصر ... نعمة الحياة ... ماذا لو فقدناها ... أتستطيعون العيش بلا سمع أو بصر؟ أتصبرون على المرض ... ؟
ولننظر الآن هل شكرنا الله بهذه النعم أم كفرنا بها؟ أهي شاهدة لنا يوم القيامة أم علينا؟
وها نحن في شهر الصيام ... انظروا حاجتكم إلى الشراب والطعام ... تصوروا أمما تعيش طول عامها في جوع وبحث عن الشراب ... وأنتم والحمد لله تأكلون وتشربون بكل سهولة ويسر ... فهلا شكرتم الله على هذه النعمة ... فتضعونها فيما يحبُّ ربكم بلا إسراف ولا تقتير ...
وانظروا إلى نعمة اللباس ... كم من الملابس تتباهون بها ... انظروا إلى أمم في العالم يتقاسمون اللباس فيما بينهم لضيق ما في اليد، فهلا شكرتم هذه النعمة، فجعلتموها شاهدة لكم يوم تلقون الله تعالى، لا تسرفون فيها، ولا تتكبرون بها ....
ومن النعم - رحمكم الله – التي تتنعمون بها نعمة الاتصالات، نعمة الهاتف النقال أو المحمول ... تقضون الحوائج في وقت قصير، كم من الناس يعصون الله تعالى بها، تصوروا –هداكم الله وإياي- لو كنتم فاقديها ماذا يكون حالكم، فهلا شكرنا الله تعالى في نعمة الهواتف والانترنت، وجعلناها شاهدة لنا في الخير والبر والصلاح؟!!! (1/8)
صفحة 9
ومن النعم الجليلة التي تتنعمون بها أيضا نعمة التلفزة والقنوات الفضائية، تشاهدون فيها النافع المفيد، وتتابعون العالم وأنتم جالسون في بيوتكم، فاشكروا الله تعالى فيها بمشاهدة ما ينفعكم ويرضي ربكم، وتجنبوا مشاهدة ما يغضب الرب، فهذا من كفران النعم والعياذ بالله من الخذلان.
ومن النعم التي نتمتع بها ليل نهار –أخوتي الكرام- نعمة اللسان، انظروا لو فقدتم هذه النعمة كيف تتكلمون ... أم كيف تفهمون بعضكم البعض، فحذار من وضع هذه النعمة فيما يغضب الرب، في الغيبة والنميمة والبهتان، وحذار من وضعها في الكذب والسخرية والاستهزاء، رطبوا لسانكم بوضعها في كل خير يقربكم إلى الله تعالى، فتكون رحمة لكم دنيا وأخرى.
ومن أعظم النعم إطلاقا نعمة الوقت والزمان، ونعمة الصحة والفراغ، فبدونهما لن تستطيع أن تعمل أدنى عمل تسعد به، تأمل معي حديث حبيبك صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.
فلنعمر أوقاتنا بما يرضي ربنا، ويقربنا إليه، ويشفع لنا عنده جلّ وعلا، ولنحذر كفران النعم، صغيرها وكبيرها، ولنتذكر دائما قوله تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
من صام رمضان إيمانا واحتسابا
نص الحديث:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه الربيع والبخاري ومسلم.
نتطرق اليوم أيها الأخوة الكرام لنقف وقفات ثلاث مع حديث مبارك من أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهاكم الوقفات الثلاث:
الوقفة الأولى: صوم الإيمان
هنا يقول حبيبكم –عليه الصلاة والسلام- من صام رمضان إيمانا ...
فما المقصود بقوله إيمانا؟ وما العلاقة بين الصيام والإيمان؟
والآن أوجه إليكم هذا السؤال: لماذا تصومون رمضان؟ ولماذا لا تأكلون في نهاره؟ ولماذا لا تشربون كأسا واحدا من الماء فقط؟!!! (1/9)
صفحة 10
إذا قلت لكم أنا: لا تأكلوا ... لا تشربوا في شوال مثلا ... أتتبعوني ...
لا شك لن تتبعوني ... لماذا ... لأنكم تؤمنون أن المشرع هو الله وحده لا شريك له جلّ وعلا ...
من هنا ندرك –أخوتي الكرام- إن صيامنا لرمضان ناتج من إيماننا بالله وحده، فنحن نصوم استجابة لله، ونبتعد عن الطعام والشراب استجابة لله، ونترك المعاصي استجابة لله تعالى وحده ...
وهنا نطرح سؤالا آخر: لماذا يكثر الناس من العبادة في رمضان ويتكاسلون بعد انتصاف رمضان؟ أو بعد رمضان؟ ولماذا يبتعدون عن المحرمات في نهاره وينتهكونها في ليله؟
هل يدل هذا على صيامهم لرمضان إيمانا بالله تعالى؟ إذا هؤلاء أيها الأخوة الكرام صاموا رمضان لأمرين: الأمر الأول عادة رأوا الناس يفعلونها، والأمر الثاني: استحضروا في قلوبهم عظمة رمضان، ولم يستحضروا عظمة خالق رمضان، مع أنّ الذي أمر بالصيام والقيام هو الله تعالى لا رمضان.
والآن تأملوا معي رحمكم الله آخر آيات الصيام يقول ربكم سبحانه وتعالى: "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"، انظروا: قال: تلك حدود الله، ولم يقل: تلك حدود رمضان، فأضاف الحدود إليه جلّ جلاله، ولم يضفها إلى رمضان، فرمضان فترة زمنية خلقها الله تعالى لا تنفع ولا تضر، وإنما نحن نعظم هذه الفترة لأن الله هو الذي أمرنا بتعظيمها، من هنا كان مبدأ المسلم العمل لله وحده، وعدم الإشراك به بأي شرك مادي أو زمني، "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ".
فصم رمضان –رحمك الله تعالى- مؤمنا به وحده جلّ وعلا.
الوقفة الثانية: من صام رمضان إيمانا واحتسابا
ما معنى واحتسابا؟ واحتسابا يعني محتسبا الثواب والأجر من عند الله تعالى وحده ... (1/10)
صفحة 11
فأنت أخي الحبيب تركت لذة الطعام طاعة لله وحده، واجتنبت المعاصي استجابة لله وحده، وحافظت على صلواتك مع جماعة المسلمين، وأخرجت زكاة مالك حبا في مرضاة خالقك، إذا أنت هنا صمت رمضان محتسبا الأجر من عند الله تعالى.
ولكن تعالوا معي –أخوة الإيمان- هل الذي يحافظ على الصلاة في رمضان ... ويهجر المسجد بعد رمضان ... يعتبر صيامه احتسابا لله تعالى وحده؟
هل الذي يجتنب الغيبة والنميمة في نهار رمضان ... ثم لا يبالي بأعراض الناس في ليله يكون محتسبا لله تعالى في صيامه؟
لا شك هؤلاء لم يكن صيامهم احتسابا، بل كان عن عادة وتقليد ...
فليكن صيامنا –أخوة الإيمان- احتسابا له سبحانه وحده، صيامنا وصلاتنا وقيامنا وصدقاتنا وصالحات أعمالنا لله جلّ وعلا، شعارنا قوله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين".
الوقفة الثالثة: غفر له ما تقدم من ذنبه
ما أجمل هذه الهدية لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، هنيئا لك أخي الصائم أن يغفر الله تعالى ذنبك، ويعتق رقبتك، ويرفع منزلتك، ولكن عليك أن تصوم رمضان إيمانا واحتسابا، لأن من في الحديث شرطية، والشرط أن تخلص العمل لله في رمضان نهاره وليله، وفيه وبعد انقضائه، والجواب يغفر الله لك، ويقبل توبتك، ويرفع عملك الصالح، نسأل الله ذلك لنا جميعا نحن المؤمنين الصائمين.
مع العام الجديد
يعيش الإنسان في هذه الحياة مقيّدا بمرحلة زمنية محددة، وذلك وفق سنة الأجيال، فلكل جيل وقت زمني، حددته المشيئة الإلهية المطلقة، وذلك تطبيقا لسنة البناء والبقاء النسبي، وما يتبعه من عمارة لهذا الكون، وبناء له. (1/11)
صفحة 12
وسنة البناء والعمارة لا يمكن أن يعطي جدواه إلا باستغلال الفترة الزمنية التي يتحصل عليها كلُّ جيل، بما تتوارثه من آثار وثقافات وأمجاد الأجيال الماضية، فالمكتشفات المعاصرة مثلا لم يتحصل عليها أجيال القرنين الماضيين صدفة؛ وإنما كانت تواصلا لما توصلت إليه الأجيال التي سلفتهم، فكانوا خلفا أدركوا قيمة الزمن، فاستثمره لصالحهم، فقطفوا ثمرة جهدهم واستغلالهم له.
وهذا الجيل المعاصر إن لم يدرك قيمة الزمن الذي يعيش فيه، لا شك سيأكله الزمن، وسيخرج من هذه الحياة بلا أمجاد ولا بناء، وسيكتب عنه التأريخ سيرا من الكسل والتخلف والرجعية، قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ.
من هناء لبقاء سنة التطور والبناء، والتعمير وصنع الأمجاد لا بدّ من غرس قيمة الزمن والوقت في نفوس الأبناء والأجيال، فسنة الزمن لا تعرف قوما دون قوم، ولا تفرق بين جيل وجيل، فهي سنة وجدت مع بقاء الكون، فمن وقف معها وقفة جد وعمل، واستثمرها استثمار إخلاص ونشاط، كان لهذا الجيل الحظ الوافر من الإبداع والتقدم والتطور، ولبلدانهم وأوطانهم من الرقي والقوة والمدينة الصادقة.
والقرآن الكريم يقرر هذه السنة الكونية في سورة العصر حيث يقول تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
فكل جيل يتصور فترة بقائه في هذه الحياة بفترة العصر، وهو جزء مبارك من أجزاء اليوم الواحد، حيث سرعان ما ينقضي، فمن استثمر عصره من يومه فاز، ومن ضيعه خاب وخسر، واستغلاك له بحاجة إلى إيمان بقيمته، وعمل صالح مثمر فيه، بجانب الصبر والعمل الجماعي المتقن والمنظم والمتحد. (1/12)
صفحة 13
فزمن الأجيال إنما هو كفترة العصر في شدة انقضائه وذهابه، لذا عدم إدراك الأجيال لقيمة الوقت، وسوء تنظيمهم له، وإشغال الزمن باللهو واللعب كعنصر أساسي، والعمل والإبداع كعنصر ثانوي، لما غرس في نفوس الأبناء من استهتار بالوقت، وغفلة عن محدودية الزمن، بجانب الكسل والخمول، كلُّ هذا شر وداء يهدد تقدم المجتمع، ويرجعه إلى دائرة التخلف والرجعية، وإن تظاهر بالتقدم والتطور؛ فهو تقدم وتطور شكلي في شكل اللباس وقصاصات الشعر، وهندسة البيت وفخامة الأثاث، شأنه كالسراب، يحسبه تقدما وفي داخله التخلف والرجعية.
ومن جانب آخر عندما يقلب الواحد منا ورقات التقويم يجدها تتناقص سريعا يوما بعد يوم، كذلك زمن العام يتناقص سريعا في العام الواحد، وزمن العام لا يُقاس بعدد أيامه، وإنما يقاس بما أنتج الإنسان فيه، وبما يقربه من ربه جلّ وعلا، لأنّ هناك ورقة أخيرة سيقطفها أيّ واحد منا، وهي ورقة الوصال بالدار الآخرة، فنحن لا ندري أيّ ورقة من التقويم ستحظى بتأريخ انتقالنا بالدار الآخرة.
هنا نجد أنّ من أعظم النعم التي أنعمها الله على عباده، وأجلّها قدرا، وأرفعها منزلة، وأعلاها مكانة، نعمة الوقت والزمان، حيث أقسم به جلّ وعلا في كثير من آي القرآن، "والليل إذا يغشى"، "والنهار إذا تجلى"، "والليل إذا عسعس"، "والصبح إذا تنفس"، "والفجر، وليال عشر"، "والعصر، إنّ الإنسان لفي خسر".
أقسم الله – سبحانه - بالزمان ليعلم العباد أنّ حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تتحدد، ودقات قلب المرء تشعره في كلّ لحظة، بأنّ الحياة دقائق وثوان، ولذلك قيل: المؤمن وليد وقته، وقيل أيضا: الوقت أنفاس لا تعود.
والأمم نفسها لن تتقدم في نواحي الحياة المتعددة إلا إذا أدركت أهمية الوقت والزمان، فاستثمرته لصالحها، فأتى إليها طوعا، وباستغلاله يفتح لها آفاق التقدم والرقي. (1/13)
صفحة 14
لذا أدرك السلف الصالح قيمة الزمن وأهميته في الرقي بالذات والمجتمع، فعندما أشير على الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن يجعل من ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بداية لعام المسلمين، وذلك مسايرة لما عند النصارى، فقد اختاروا من ميلاد المسيح عيسى عليه السلام بداية لكل عام، رفض رحمه الله تعالى، واختار من الهجرة النبوية بداية لتأريخ وعام جديد، فسنّ لنا الفاروق رضي الله عنة سنة حسنة، سنّ لنا الهجرة منطلقا ننطلق بها في بداية العام الجديد ...
سنّ لنا الفاروق ذلك لنحزم حقيبة الهجرة كلّ عام ...
فلا يريد منا عمر أن نهجر أوطاننا، ونترك أهلنا ومالنا، فلا هجرة بعد الفتح ...
ولكن يريد منا رحمه الله تعالى في كلّ عام أن نهجر الشرك وعبادة المخلوق إلى توحيد وعبادة الخالق وحده جلّ وعلا ...
يريد منا أن نهجر الرياء والأنا، والكبر والغرور والحسد، إلى الإخلاص لله الأوحد، والتواضع والمحبة للبشر.
يريد منا أن نهجر التخلف والتسويف والكسل، لنهاجر إلى التقدم والعمل، والاجتهاد والجد.
نعم يريد منا طيب الله ثراه أن نهجر المعاصي وارتكاب الخطايا، إلى الطاعة المطلقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، متبعين الأوامر الربانية، مجتنبين النواهي المتعددة، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر.
يريد منا أن نجعل عامنا عام هجرة من الجهل والتخلف الفكري والتربوي؛ لنهاجر إلى العلم والثقافة، ومعرفة طرق التربية الصحيحة، لنكون أمّة قراءة واطلاع، أمّة تربي أولادها التربية الصحيحة، أمّة تهتم بالأولويات في سائر نواحي الحياة العملية.
ويريد منا أيضا أن نجعل عامنا عام هجرة بوضع المال في محله الصحيح، دون إسراف ولا تبذير، ولا طمع ولا بخل ولا جشع، لنعين الفقراء والمحتاجين، ونساعد اليتامى والمعوزين، فلا نضع المال في الأماكن التي يرتكب فيها ما حرم الله من المعاصي والذنوب. (1/14)
صفحة 15
وفوق هذا كله يريدنا أن نهجر هذه الدنيا الفانية لنزرعها ونستثمرها لأجل الآخرة الباقية، هناك هناك سلعة الغالية، إنها الجنة وما أدراكم ما الجنة!.
لذا كان اختياره رحمه الله تعالى يدل على عبقريته الفذة، وإدراكه الواسع!
فالعاقل الأريب، هو الذي يقف مع نفسه في بداية عامه، محاسبا مؤدبا، مهذبا مصلحا، مواصلا لما حققه من خير وراغبا ...
فاطرح لنفسك أخي القارئ في أيامك الأولى من عامك الجديد هذه الأسئلة، وحاول أن تجيب عليها مع نفسك ...
ماذا عن علاقتك بربك في عامك ...
وهل صفحاتك التي قطفتها من عامك المنصرم تقربك إلى رضاء ربك؟
وهل ثمة تقصير في حق خالقك تعالجه في عامك الجديد؟
وماذا عن علاقتك بوالديك وأرحامك، وخلانك وجيرانك؟
وما الذي قدّمته لنفسك ووطنك؟
وهل ساهمت في خدمة دينك وتقدم أمتك؟
وماذا عن قرآنك ومنهج نبيك صلى الله عليه وسلم؟ أتمسكت ونصرت، واتبعت ونصحت ...
وماذا عن أهدافك في الحياة أحققت وأنميت؟
وماذا عن ثقافتك الدينية والدنيوية؟ وعن تربيتك لأولادك؟ ماديا وخلقيا؟
خواطر وأسئلة لا بدّ أن تجيب عليها قبل أن تبدأ عاما جديدا
فإن أحسنت فلتواصل
وإن قصرت فلتصلح
وإن أسأت فلتحسن
فالعمر قصير، والزمن في طيه سريع، ولقاء الله قريب قريب، فالعبرة بالخواتيم ...
فلا تضيّع عامك الجديد إلا وقد حاسبت نفسك أولا، وأعددت جدولك لغدك القريب ...
ولاستثمار الوقت في العام الجديد لا بد من أمرين:
أولا: وضع الخطة للعام الجديد، هذه الخطة تحوي الأهداف التي تريد تحقيقها، والآمال التي تريد أن تهفوا إليها، وحبذا أن تكون مكتوبة ومجدولة.
ثانيا: المحاسبة مع التنظيم والتقيد بالجدول، فلا بد أن تحاسب نفسك يوما بيوم، وعلى الأقل أن تجعل كل جمعة من كل أسبوع وقفة محاسبة. (1/15)
صفحة 16
وبهذين العنصرين –بعون الله – ستكسب قيمة الزمن، وستجد نفسك قد حققت الكثير في زمن بسيط، وساهمت في رقي وتقدم مجتمعك وأمتك، برقي نفسك وأسرتك، واستطعت التفريق بين الأولويات والثانويات من حياتك، لما من الثانويات من ضرر أن أعطيت أهمية أكبر من الأولويات والأساسيات.
جعل الله عامك سعيدا، ويومك مجيدا، وأنار لك دروب الخير والهداية، ومن عليك بالثبات على الصلاح والاستقامة ....
الوصايا العشر في التوراة والقرآن
لقد جاءت رسالات الله تعالى بشريعة واحدة، مصدرها رباني، وغايتها حفظ المجتمع البشري من مزالق الانحراف عن الجادة، لذا تشير التوراة أو العهد القديم الموجود بين أيدينا اليوم المضمن بالكتاب المقدس أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى بعد خروجه من مصر بعشر وصايا، ويتفق الباحثون أنّ هذه الوصايا هي نفسها التي يعتقدها اليهود حتى اليوم، ويعلموها صبيانهم ونسائهم، وهذه الوصايا هي الوصايا الموجودة في سفري الخروج والتثنية، ولعل الوصايا نزلت على موسى أثناء اختلائه بربه في جبل الطور قبل مرحلة التيه، وبعد النزول من مصر متوجها إلى الأرض المقدسة فلسطين، والتي هي جزء من أرض كنعان، ولكن صدوره في سفر التثنية ربما يؤكد أنّ فترة وحي هذه الوصايا كان في مرحلة التيه لا قبل ذلك، وقبل الدخول إلى الأرض المقدسة والله أعلم.
كذلك بالنسبة للقرآن جاء بالوصايا العشر في سورة الأنعام، آية 151 إلى 153، وهناك خلافات بسيطة بين وصايا الكتابين تجمعهما روابط واحدة. (1/16)
صفحة 17
أما بالنسبة إلى إنجيل عيسى، والذي يسمى اليوم بالعهد الجديد لا نرى فيه هذه الوصايا بالترتيب الموجود في العهد القديم والقرآن، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّ عيسى لم يأت بشريعة جديدة؛ بل جاء مصححا لشريعة موسى، وكتابه كان مصدقا لما جاء به موسى، وكان عاملا به، فالإنجيل لم ينسخ التوراة كليا، وإنما صحح الأخطاء الواردة والتي أضافها الأحبار إلى التوراة، مما اعتقد بعد ذلك أنها من قبل موسى عليه السلام، وهذا لا يعني عدم وجود الوصايا العشر في العهد الجديد أو الإنجيل؛ بل هي موجودة ولكنها متناثرة بين حناياه، وذلك إذا فقهنا الروابط الكلية للوصايا العشر كما سيأتي بيانه بعون الله تعالى، يقول المسيح عيسى: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ" إنجيل متى، الإصحاح الخامس (17 - 20).
ثم إننا نذكر بداية الوصايا العشر الموجودة في القرآن ثم نتطرق إلى بيان الوصايا العشر الموجودة في سفر الخروج، لندرك الروابط الجامعة بينهما. (1/17)
صفحة 18
يقول الله تعالى في سورة الأنعام آية (151 - 153): قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ندرك من خلال هذه الآيات الوصايا العشر وهي:
الوصية الأولى: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا = عدم الشرك بالله (جانب تصوري عقدي، وهو أساس العمل).
الوصية الثانية: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا = طاعة الوالدين والإحسان إليهم (جانب خلقي سلوكي).
الوصية الثالثة: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ = عدم قتل الولد خشية الفقر والفاقة، لأنّ الرازق هو الله تعالى وحده (جانب عملي سلوكي من نتائج الجانب التصوري العقدي).
الوصية الرابعة: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ = الابتعاد عن الفواحش الباطنية والظاهرة (جانب عملي خلقي). (1/18)
صفحة 19
الوصية الخامسة: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ = حرمة النفس البشرية، ولا يجوز هدر دمها إلا بحقه الذي أباحه الله تعالى وحده (جانب عملي مبني على أساس خلقي قيمي).
الوصية السادسة: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ = حفظ مال اليتيم من الضياع، وعدم جواز القرب منه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ سنّ الرشد (جانب عملي سلوكي).
الوصية السابعة: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وجوب الوفاء بالكيل والميزان مع التحري وقدر الاستطاعة (جانب سلوكي عملي، ويدخل جملة في دائرة الأخلاق).
الوصية الثامنة: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى = العدل في القول والحكم، ولو كان الحق خلاف القرابة والصداقة، فالحق أحق من أي اعتبارات أخرى (جانب عملي خلقي من نتائج الجانب التصوري).
الوصية التاسعة: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا = الوفاء بشرائع الله تعالى وتعاليمه، وعدم الإيمان ببعضها والكفر بالآخر، فالدين كلّ لا يتجزأ (جانب تصوري عملي).
الوصية العاشرة: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ = الدين واحد لا يتجزأ، وما خالف الدين ضلال وباطل، وصراط الله دينه الحق (جانب عملي تصوري). (1/19)
صفحة 20
أما الوصايا الموجودة في العهد القديم أو التوراة والتي ذكرت في سفر الخروج، الإصحاح العشرون (1 - 17): ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ، أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ، وَأَصْنَعُ إِحْسَانًا إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ. لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً. اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ. لِذلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ. لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. (1/20)
صفحة 21
لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ».
والآن نفصل الوصايا مبينين الدائرة التي تدور حولها، ومدى ارتباطها بوصايا القرآن الكريم:
الوصية الأولى: لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي = أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا {عدم الشرك بالله تعالى (جانب تصوري عقدي، وهو أساس العمل)}.
الوصية الثانية: لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ = أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا {عدم الشرك بالله بأي نوع من الأشكال (جانب تصوري عقدي، وهو أساس العمل)}.
الوصية الثالثة: لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً، لأَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً = وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا {الوفاء بشرائع الله تعالى وتعاليمه، وعدم الإيمان ببعضها والكفر بالآخر، فالدين كلّ لا يتجزأ (جانب تصوري عملي)}.
الوصية الرابعة: اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ = وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ {منّ الله تعالى على الإنسان يوما يرتاح فيه، حيث يتفرغ فيه لذكر الله تعالى (جانب عملي تصوري)}.
الوصية الخامسة: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ = وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا {طاعة الوالدين والإحسان إليهم (جانب خلقي سلوكي)}. (1/21)
صفحة 22
الوصية السادسة: لاَ تَقْتُلْ = وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ {حرمة النفس البشرية، ولا يجوز هدر دمها إلا بحقه الذي أباحه الله تعالى وحده (جانب عملي مبني على أساس خلقي قيمي)}.
الوصية السابعة: لاَ تَزْنِ = وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ {الابتعاد عن الفواحش الباطنية والظاهرة ومنها فاحشة الزنا (جانب عملي خلقي)}.
الوصية الثامنة: لاَ تَسْرِقْ = وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ {تحريم أكل أموال الناس بالباطل، ومنها السرقة، وأكل مال اليتيم، فيجب حفظ ماله من الضياع، وعدم جواز القرب منه إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ سنّ الرشد (جانب عملي سلوكي).
الوصية التاسعة: لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ = وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى {العدل في القول والحكم، وتحريم شهادة الزور، ولو كان الحق خلاف القرابة والصداقة، فالحق أحق من أي اعتبارات أخرى (جانب عملي خلقي من نتائج الجانب التصوري)}.
الوصية العاشرة: لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ = وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، {وجوب حفظ أموال وأعراض الآخرين، وخاصة القريب، ومنه الوفاء بالكيل والميزان مع التحري وقدر الاستطاعة (جانب سلوكي عملي، ويدخل جملة في دائرة الأخلاق)}. (1/22)
صفحة 23
من خلال ما سبق ندرك أنّ الله تعال أوحى إلى أنبيائه هذه الوصايا العظيمة لتنظيم حياتهم، ومنها ندرك التقارب بين كتب الله تعالى؛ لأنها جميعا من مشكاة واحدة، وإن حدث التحريف في العهدين القديم والجديد؛ إلا أنّ النور لا زال يفوح منهم مع كثافة ظلمة التحريف.
الأم في الشرائع السماوية
من رحمة الله تعالى في هذا الكون البهيج أن جعل من مخلوقاته العظيمة المرأة المباركة، فأفضى عليها عنصرين عظيمين من عناصر الكون الأعظم، العنصر الأول عنصر الجمال، فجمالها لوحة مصغرة لجمال الكون الواسع، وكلاهما دليل على إتقان صنع الله تعالى وحكمته.
والعنصر الثاني الرحمة والسكينة والاطمئنان، وهذا تبثه المرأة من بين حناياها، فتفيضه إلى شقيقها الرجل، كما أنّ الكون يفيض رحمة وسكينة واطمئنانا على ساكنيه حيا أم جمادا؛ فكذلك المرأة، بما أودع الله تعالى فيها من عظيم الرحمة، وكبير العاطفة الجياشة.
لذا اعتبر الله تعالى المرأة جوهرة من جواهر الكون البهيج، فكما لا بد أن يحفظ الإنسان مكونات الكون وإلا تعرض للهلاك والفساد، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ فكذلك أوجب الحفاظ على الجنس الأنثوي، واعتبرها جزء لا يتجزأ من الذكر نفسه، قال تعالى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فالذكر والأنثى خُلقا من نفس واحدة، فهما لباسا وجسدا واحدا في أصل الخلق. (1/23)
صفحة 24
وإذا كانت المرأة تتميز بالحنان والرأفة الشديدة تجاه شقيقها الرجل؛ فإنّ الأم هي مصدر هذا الحنان؛ بل هي مصنعه الأول والأخير، فأي حنان أعظم من حنان أمٍ تحملت ما في بطنها أشهرا تسعا، وهي تتألم وتعاني من آثار ذلك الحمل، تحملته وهي كارهة، ولكن الحنان غلب عليها، فصبرت وسكنت، فإذا ما ظهر على الحياة كانت له نعم الرؤوف الحنون، فإن بكى أرضته، وإن اشتكى داوته، وإن اتسخ نظّفته، وإن جاع أطعمته، وإن تعرى سترته، فظلت له وفية كريمة، حتى إذا اشتد عوده، وعظم بناينه، ومع ذلك لم ينقص من حنانها شيئ؛ بل ظلت وفية له، ولو عقها وضربها، وأساء إليها وهجرها.
فحق لهذه الأم أن تكرم، ومن الجمال أن يرد إليها فضلها وجلالتها، وإلا كان الكون الذي نعيشه ونترعرع فيه اليوم أصبح في خبر كان، فحفاظنا وتكريمنا للأم هو حفاظنا وتكريمنا لهذا الكون العظيم، الذي نأكل من خيراته، ونلهو فوق ترابه، ويظلنا بسقفه وسمائه. (1/24)
صفحة 25
من هنا جاءت الشرائع السماوية لحفظ هذه الكينونة العظيمة، واعتبرت الإساءة إلى الأم إساءة إلى الذات العلية جلّ وعلا، فهو الذي أوجدها، وهو الذي كرّمها وعظمها، وفي الوقت نفسه أوجب توقيرها واحترامها، فالإساءة إليها ولو بأفٍ كافية لأن تحرق هذا العاق في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، وقد جاء في الحديث الشريف: لا يدخل الجنة عاق، وهذا مما أجمعت عليه الشرائع السماوية، يقول الله تعالى في الوصايا العشر: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، وجاء في التوراة سفر التثنية إصحاح الوصايا العشر (20): أكرم أباك وأمك لكي يطول عمرك في الأرض التي يهبك إياها الرب إلهك، وقال المسيح لبعض الكتبة والفريسيين كما جاء في العهد الجديد، إنجيل متى، إصحاح وصايا الله فوق تقاليد البشر (15): أكرم أباك وأمك، ومن أهان أباه أو أمه فليكن الموت عقابا له.
وقد حفظت هذه الشرائع الأجيال ردحا من الزمن، فلم تعرف الأجيال في تأريخها عقوقا إلا من قبل ثلة من الناس، ومع هذا ينظر إليهم نظرة دونية، ولم يكن الناس بحاجة إلى يوم يذكرون فيه أمهاتهم؛ بل وجودها واحترامها منقوش ما دامت العروق نابضة بالحياة، بل حتى بعد موتها فمكانتها لا تسقط أبدا. (1/25)
صفحة 26
ثمّ لما ابتعد الناس عن هذه الشرائع العظيمة، وركنوا إلى عبادة شرائع البشر القاصرة، وانشغلوا بهذه الحياة الفانية، كانت الأم ضحية من الضحايا في هذه العصرنة المادية، فأصبحت ضحية الملاجئ ودار المسنين، فهي تعبت وتألمت؛ ولكن تعبها وألمها يفنى بكبر أولادها، فإذا ما شابوا لن تجد ابنا رحيما، بل ولا زوجا عطوفا، بجانب أنها قد عقت والديها من قبل، فتبقى في الحياة وحيدة كئيبة تنتظر الموت ليقضي عليها.
المؤثرات العقلية رؤية قرآنية
لقد حفظ الله تعالى عقل الإنسان، وسن من الأحكام ما تحميه من الزلل والانزلاق، فكريا كان أم عمليا، تصوريا أم خلقيا قيميا، ولذ كانت الرؤية القرآنية في المؤثرات العقلية رؤية شاملة، لا تقتصر على الجانب القيمي الخلقي فحسب؛ بل تعم جوانب الإنسان الثلاث، ليكون العلاج أنجع، والنظر أوسع، والجوانب الثلاث هي:
أولا: الجانب التصوري الفكري؛ فقد حفظته الشريعة حفظا متقنا، فاعتبرت أساس المؤثرات العقلية الشرك، والشرك لا ينظر إليه القرآن مجرد توجه لصنم، أو عبادة شيء محسوس فقط؛ بل يعم كلّ التوجهات والمقاصد لغير الله تعالى، لأنّ المطلوب من الإنسان الطاعة المطلقة لله تعالى، فيدخل شرك الهوى، قال تعالى: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه"، فقد تتعارض طاعتان، طاعة الله والتي تنادي بترك الدخان لأنّه هلاك للجسم، وطاعة الهوى، فإن أطاع الإنسان هواه أشرك بالله وعبد هواه، ومن الشرك أيضا شرك القرين الذي يجر الإنسان إلى طاعته بدلا من طاعة الله تعالى، ومنها شرك الأولياء، الذين يزينون المنكر للناس، ويدخل فيه شرك القبور والعيون والجان ونحوها، والأصل في الإنسان قوله تعالى: قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له". (1/26)
صفحة 27
ثانيا: الجانب العملي السلوكي؛ ويدخل في هذا القصد والاتباع، أما القصد فلا تقصد بعبادتك من صلاة وذبح وغيرها إلا الله تعالى، وخص الله في الآية المتقدمة إلى الصلاة والذبح مع أنها داخلة في قوله: ومحياي؛ لأنّ الناس أكثر ما يشركون بهما، فالصلاة يصلونها رياء، والذبح في أعيادهم وولائمهم مفاخرة وتكبرا، من هنا يجب أن يخلص في صلاته وذبحه وفي جميع أعماله لله تعالى وحده، فيأكل الطيبات، ويترك المؤثرات العقلية الخبيثة أيضا لله وحده لا شريك له.
أما الاتباع فيراد به أن يكون العمل وفق ما أمر الله تعالى به، فقد أكمل الدين، وأتم النعمة فلا زيادة في دين الله تعالى، ولا نقصان، ولا يصح له أن يحل ما حرمه الله، أو يحرّم ما أحله الله، فالتحليل والتحريم بيد الله وحده لا شريك له.
ثالثا: المؤثرات القيمية والخلقية؛ وهذه أكثر ما يطرق الحديث عنها، وهي من نتائج المؤثرين الأولين التي أشار إليها القرآن، فقد حرّم الله تعالى كل ما يؤثر على العقل من دخان وشيشة وخمر وشذوذ وزنا ونحوه، ووضع الوعيد الشديد لها كما بين ذلك بيانا شافيا في سورة كاملة هي سورة النور، فبهذه الأحكام تنتظم حياة الناس، ويتخلصون من المؤثرات العقلية الذميمة.
المرأة المسلمة بين إغراء الغرب وظلم الشرق
أعدت الإنسانية يوما عالميا للاحتفاء بالمرأة، بعدما هضمت حقوقها في المجتمعات الأوربية طيلة من الزمن، حتى جاءت الثورة الفرنسية، وتبعتها الفلسفة الفرويدية، فنقلت المرأة من ظلم الإفراط إلى ظلم التفريط، ومن اعتبارها روحاً شريرةً لا مكانة لها في المجتمع، إلى حيوان يتلاعب به الذئاب.
فالمرأة اليوم – وهي تحتفي بهذه الذكرى العالمية– بحاجة إلى تصور سليم، يجمع بين فطرتها التي جبلت عليها، ومكانتها التي لا بد أن تتبوأها؟ إن المرأة بحاجة إلى شريعة تحمي عرضها وشرفها؟ شريعة تخلصها من الذئاب وتقربها إلى رب الأرباب. (1/27)
صفحة 28
إنّ الغرب نادى بأعلى صوته إلى حرية المرأة، وسخّر أقلامه وإعلامه لتحريرها، بجانب إنقاذها من الظلم والقهر ...
وكان منهم المخلص الذي يريد أن يرجع حقوق المرأة، ومنهم الكاذب الذي كان هدفه التمتع بجمالها ...
ومع صدقهم أو كذبهم أوقعوا المرأة في ظلم أكبر ... وفساد أعظم ...
لقد شاعت الفاحشة شيوعاً مخيفاً، فقد اكتسح الغربَ التحرير، فانتشرت الفاحشة، ولم تقتصر على أماكن البغاء؛ بل تجاوزت إلى الفنادق والمقاهي الراقصة والمنتزهات، وعلى قارعة الطريق، ولم يعد من الغريب ولا الشاذ أن يقع الأب مع بناته، والأخ مع أخته؛ بل أصبح ذلك ومألوفاً، وأصبحت الخيانة الزوجية ظاهرة عامة، ففي إحدى الدول الغربية امرأة واحدة من كل أربع نساء تخون زوجها، فالمرأة تخون زوجها، والزوج يخون زوجته، مما أدى إلى الطلاق، وتفكك الأسر وتبعثرها، وانتشار اللقطاء والسرقات.
فأصبحت المرأة تنظر إلى الرجل أنه وحش مفترس يريد أن ينقض على من هو أضعف منه، وينظر الرجل إلى المرأة أنها قطة متوحشة، يقول ستالون: " أحد مفكري الغرب": عندي كل الأسباب التي تجعلني أكره النساء. (1/28)
صفحة 29
أما الاغتصاب فأصبح مخيفا في الغرب فهو يقع عشرات المرات في دقائق معدودة، ناهيكم عن الانتحار في ظلّ الرفاهية المزعومة والحرية، فقد دلت الإحصائيات أنّ أربعا وثلاثين بالمائة من النساء يفكرن في الانتحار، أما الأمراض التي ظهرت بسبب الفاحشة والشذوذ، فقد انتشر الزهري والسيلان وهما من الأمراض الخطيرة، فضلا عن الإيدز الذي ينتشر بمعدل ست ثواني، يقول جيمس باترسون مؤلف كتاب "يوم إن اعترفت أمريكا بالحقيقة" يقول: مئات الآف من الأمريكيين يكوّنون علاقات جنسية في كل ليلة من ليالي الأسبوع مع أشخاص يعتقدون أنهم مصابون بهذا المرض، ثم يقول: إنّ استقراء سريعا لإحصائيات هذه الدراسة، تبشر إلى أن هناك مليونين على يقين أنهم مصابون بهذا المرض، وسبعة ملايين يعتقدون أنهم في خطر كبير من الإصابة بهذا المرض، ومعظم هؤلاء المصابين بالإيدز هم أسوياء وغير شاذين، فكم تكون النسبة بين الشاذين؟!
إن المرأة في الغرب أصبحت رهينة الملاجئ والضرب والاغتصاب، ولا نرى عجباً أن نجد في إحدى الدول الأوربية ستين بالمائة من النساء يتمنين العودة إلى القرون الوسطى، وتعيش في ظلم تلك الجاهلية، بدلاُ من جاهلية اليوم، ولسان حالها يقول:
ربُ يومَ بكيت فيه فصرت في غيره أبكي عليه
لذا فالتصور الإسلامي الرباني هو التصور الوحيد الذي ينقذ المرأة من ظلم الشعوب والمجتمعات، ويعيدها إلى الفطرة والعفاف، مع التقدم والتطور في كافة مجالات الحياة، وفقا للقاعدة الكونية {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى}. (1/29)
صفحة 30
ويوم ابتعد المسلمون عن دينهم، أوقعوا المرأة في ظلم بغيضٍ، أدى إلى سخرية الأعداء منا، ونسبوا هذه الأمثلة إلى الإسلام ظلماً وزورا، أولم يظلموا المرأة في أكل أموالها بدون حق؟!، أولم يظلموا المرأة بمنعها من الزواج رغبة في أكل مالها؟! ... أولم يظلموا المرأة برفع المهور وكأنها سلعة تباع وتشترى؟! .... أولم يظلموا المرأة بالتضييق عليها في الخروج إلى المحاضرات، ودراسة العلم الشرعي، والمشاركة في الأنشطة النافعة في المساجد وغيرها؟! ... أولم يظلموا المرأة بالتضييق عليها في عدة الوفاة؟!، فأجبروها أن تجلس في مكان ضيق، وأن تلبس أسوداً أو أبيضاُ، وأن لا تكلم أرحامها، ولا تزور أقربائها، ولا تخرج لقضاء حوائجها الخاصة المضطرة إليها ... أولم يظلموا المرأة بعدم تفقيهها في الدين؟!، فأصبحت تجهل الأمور الأساسية من دينها، خاصة فيما يتعلق بأركان الإسلام ... أولم يظلموا المرأة بالتهديد بالطلاق والضرب لأتفه الأسباب؟! ...
أفلا يتدبر المسلمون كتاب ربهم، ويتأملوا كيف نظر القرآن إلى المرأة، أفلا يتعضون بسنة نبيهم – صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع المرأة وهو القائل: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، أفلا يقرؤون تاريخهم كيف كانت المرأة وكيف أصبحت ...
أين خديجة المنفقة الصابرة، التي سخّرت أموالها ونفسها لنشر دين الإسلام؟
أين عائشة الفقيهة العالمة التي سخّرت وقتها في تفقيه أمتها ونشر العلم النافع؟
أين البلجاء المجاهدة المضحية التي استشهدت من أجل رفع الظلم عن أمتها؟
أوليس لهن بيوت؟!، أوليس لهن أولاد وأزواج؟!، أمنعهن الحجاب والعفاف عن الجهاد ونشر الدعوة؟!
نعم المرأة كائن بشري، له خصوصياته الخاصة، ومع هذا لم يخلق للشهوة والتمتع به فقط، بل خلق ليؤدي وظيفته في هذه الحياة. (1/30)
صفحة 31
والحمد لله ظهر تقدم عند المرأة المسلمة في الآونة الأخيرة، فأدركت دورها ومكانها في الحياة، فرأينا المسلمة المحجبة الداعية إلى الله بقلمها ولسانها وأخلاقها، ورأينا المربية الحنونة التي تربي أولادها وأمتها على الخير والصلاح.
ومع هذا يوجد من نسائنا من يحاولن تقليد الغرب على علاته، دون الأخذ بمسببات قوته، فأخذن منهم القشور وتركن اللب، أخذن التبرج والسفور، وتركن العلم والاهتمام بتقدم الأمة الإسلامية.
فعلينا أن نتعاون جميعا في إرشاد نسائنا إلى الخير والصلاح، ونكن رجالاً ونساء أداة فاعلة في إصلاح الأمة وتقدم الإنسانية، خاصة فيما يتعلق باللباس، وأن نتجنب التساهل في خروج المرأة إلى المدارس والمنتزهات والمجمعات بلباس ينقصه الستر والاحتشام، ومن ذلك التساهل في لباس الفتيات في سن الثامنة أو العاشرة أو أكبر من ذلك تساهلا كبيرا، فينبغي أن تربي البنت منذ صغرها على اللباس الشرعي الساتر لتتعود عليه في الكبر.
وليتق الله أولئك الذين يحاولون إفساد المرأة، وإشاعة الفاحشة، فإن عذاب الله أليم، وانتقامه شديد، فالله الله في نساء المؤمنين، خذوهن باللطف والرفق، وأرشدوهن إلى الخير والصلاح.
مسائل معاصرة في الصيام
مقدمة
أخي الحبيب: نعمة الإسلام من النعم العظيمة، التي وهبك إياها ربك صاحب المن والإكرام، حفظ الله بها نفسك وعرضك، وبارك لك بها في مالك وذريتك، فالتزامك بها دليل حبك لخالقك، وشكرك له جلّ وعلا، "ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإنّ الله غني حميد".
ومن رحمة الله عليك أن جعل شريعة الإسلام يسيرة سهلة، وخفف عنك المشقة، قال تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".
ومن رحمته تعالى عليك، وتيسيره لك أن خفف عليك أحكام الصيام لمرض أصابك، فأباح لك الفطر، على أن تقضيه بعد رمضان، وبعد زوال المرض، فهلا شكرت الله على هذه النعمة، وخضعت له –جلّ وعلا- إلى أن تلقاه تقيا طائعا. (1/31)
صفحة 32
ومن هذه الأحكام فيما يتعلق بأحكام الشهر الكريم:
النظافة والاستحمام
سنّ لك الشرع الحنيف النظافة، فالمؤمن نظيف في بيته وسوقه، وفي طريقه ومسجده، في رمضان وسائر العام، ومن النظافة الاستحمام، فلا بأس أن تستحم في نهار رمضان وفي ليله، ولا ينبغي إن كان بك رائحة كريهة أن تمتنع عن الاستحمام، خاصة عند مخالطتك للآخرين، واحذر من إدخال شيء من الماء إلى حلقك إذا استحممت في نهار رمضان، وإن دخل دون تعمد منك فصيامك صحيح إن شاء الله تعالى.
السواك ومعجون الأسنان
ومن النظافة السواك، فلا يصح أن تقابل المسلمين أو أهلك ورائحة فمك كريهة؛ بل ينبغي أن تستاك ولو في نهار رمضان، فحبيبك صلى الله عليه وسلم كان يستاك في نهار رمضان وليله، ولكن تجنب المعجون الكثير حتى لا يدخل فمك، واستعمل بقدر زوال الرائحة، وإن خرج منك دم أثناء السواك فصيامك صحيح، مع تجنبك قدر الإمكان لبلعه وإدخاله.
التعطر والتجمل ومراهم الجلد
يستحب لك التعطر في نهار رمضان وليله، وتسريح الشعر، وتقليم الأظافر، واستخدام المنظفات التجميلة كالكريمات وغيرها، اقتداء بالحبيب عليه الصلاة والسلام، فقد كان يتعطر دائما في بيته وسوقه ومسجده، ويدخل في هذا الكحل، ومعاجين ومراهم الجلد للاستخدام الخارجي.
القيء والرعاف والنخامة
إن ابتلاك خالقك بخروج قيء أو رعاف أو نخامة ونحوها فصيامك صحيح، وواصل صيامك، ولا تقطعه، وإن دخل شيء منه دون تعمد منك فلا شيء عليك، وإن كان يسبب خروج القيء مشقة شديدة لك فافطر، ثم اقض صيامك بعد أن يمنّ الله عليك بالعافية بعد رمضان.
قطور العين والأذن والأنف
إن اضطررت إلى استخدام قطور العين أو الأذن في نهار رمضان فلا بأس، وصيامك صحيح إن شاء الله تعالى، أما قطور الأنف فلكون الأنف موصل للجوف مباشرة، ومع ذلك فالداخل قليل جدا، وعليه إن أبدلت هذا اليوم كان حسنا لك خروجا من الخلاف.
بخاخ الربو (1/32)
صفحة 33
إذا كنت مصابا بمرض الربو –شفاك الله وعافاك- فلا بأس أن تستخدم بخاخ الربو في نهار رمضان، وصيامك سليم صحيح، ويدخل في هذا بخاخ الأنف.
الإبر
أما عن الإبر، فعليك هنا أن تسأل الطبيب المختص هل هي مغذية أو لا؟ فإن كانت مغذية فابدل يومك احتياطا، وإن كانت غير مغذية فصيامك صحيح، والإبر غير المغذية هي الإبر الجلدية والعضلية.
إبرة الأنسولين لمرضى السكر
مرض السكر يعتبر من الأمراض المزمنة، وإذا كان الصيام يؤثر على مريض السكر فعليه هنا أن يفطر، ويفدي عن كل يوم مسكينا، نصف صاع لكل مسكين، أما إذا كان يستطيع الصيام مع تناول الإبرة فليتناولها عند الفطور أو السحور، وإذا اضطر في غير هذين الموضعين فقد ذهب العديد من الفقهاء إلى أنها غير ناقضة للصيام في هذه الحالة.
السقاية
والسقاية ناقضة للصيام إن كانت في نهار رمضان، فإن اضطررت إليها؛ فلا بأس أن تستخدمها في النهار، وابدل يومك بعد تمام العافية بعد رمضان.
أقراص اللسان
إذا اضطررت لوضع قرص تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية – عافانا الله جميعا -، حيث تُمتص مباشرة، ويحملها الدم إلى القلب فتتوقف الأزمة المفاجئة التي أصابت القلب؛ فإن اضطررت إليها في نهار رمضان لا عليك شيء إن شاء الله تعالى، وصيامك صحيح، لأنه لا يدخل منها شيء إلى الجوف بل تُمتص في الفم مباشرة.
التبرع بالدم
وإن أردت أن تساهم في التبرع بالدم، مساعدة لإخوانك المرضى، فلا بأس أن تتبرع في نهار رمضان إلا إذا شق عليك ذلك، ويدخل في هذا خروج دم من الجسم لسواك أو حلاقة أو لفحص فهو لا يؤثر على الصيام والحمد لله تعالى.
قلع الضرس
إن ابتليت بالآم الضرس، واضطررت للقلع في نهار رمضان، ودخل في جوفك الدم، وإفرازات القلع؛ فابدل ذلك اليوم احتياطا، جعلني الله وإياك من المتفقهين في الدين والمتمسكين به.
التخدير (1/33)
صفحة 34
من اضطر إلى التخدير في نهار رمضان وكان كان التخدير موضعيا – أي في جزء معين من الجسد – الصوم هنا صحيح، مهما كان التخدير، حيث أنه إما أن يكون:
- تخديرا جزئيا عن طريق الأنف، حيث يشم المريض مادة غازية لتخديره، وهذه لا تفطر؛ لأن المادة الغازية ليست مغذية.
- تخديرا جزئيا عن طريق الإبر الصينية، وذلك بإدخال إبر جافة إلى مراكز الإحساس تحت الجلد، فتستحدث نوعاًَ من الغدد على إفراز المورفين الطبيعي الذي يحتوي عليه الجسم؛ وبذلك يفقد المريض القدرة على الإحساس، وهذه لا تنقض الصيام أيضا.
- تخديرا جزئيا عن طريق الحقن، حيث يغطي على عقل المريض بثوانٍِ معدودة، وهذه أيضا لا تفطر.
وإن كان كليا، وكان التخدير في نهار رمضان، فأفاق في الليل، الصيام هنا أيضا صحيح إلا أن أعطي أبرا مغذية قبل التخدير فليبدل يومه احتياطا، وإن كان التخدير من الليل، ولم يبيت النية فالأولى أن يبدل الصيام خروجا من الخلاف، وإن غطى التخدير جميع النهار فليبدل صومه احتياطا.
منظار المعدة وقسطرة الشرايين والمنظار الشرجي
من اضطر لاستخدام منظار المعدة في نهار رمضان، وهو عبارة عن جهاز طبي يدخل عن طريق الفم إلى البلعوم ثم إلى المريء ثم إلى المعدة، حيث يصوِّر ما في المعدة من قرحة، أو استئصال بعض أجزاء المعدة لفحصها، أو غير ذلك من الأمور الطبية، وقد يدخل الطبيب مع هذا المنظار مادة دهنية مغذية لكي يُسهِّل دخول المنظار إلى المعدة، وعليه الأفضل لك بدل هذا اليوم خروجا من الخلاف.
ويدخل في هذا قسطرة الشرايين، وهي عبارة عن أنبوب دقيق يدخل في الشرايين لأجل العلاج أو التصوير، وهي غير مفطرة إلا إذا أدخل معها مواد مغذية.
كما أنه يدخل أيضا في هذا المنظار الشرجي، فينظر هل يدخل معها مواد مغذية أو لا على التفصيل السابق.
غسيل الكلى
من ابتلي بالفشل الكلوي –عافانا الله جميعا- واضطر إلى الغسيل فهذا الغسيل يكون بطريقتين: (1/34)
صفحة 35
الأولى: الغسيل بواسطة آلة تسمى "الكلية الصناعية"، حيث يتم سحب الدم إلى هذا الجهاز، ويقوم الجهاز بتصفية الدم من المواد الضارة، ثم يعود إلى الجسم عن طريق الوريد، وفي أثناء هذه الحركة قد يحتاج إلى سوائل مغذية تعطى عن طريق الوريد.
الثانية: عن طريق الغشاء البريتواني في البطن، وذلك بأن يدخل أنبوب صغير في جدار البطن فوق السرة، ثم يدخل عادة لتران من السوائل تحتوي على نسبة عالية من السكر الجلوكوز إلى داخل البطن، وتبقى في الجوف لفترة ثم تسحب مرة أخرى ويكرر هذا العمل عدة مرات في اليوم.
وعليه يكون غسيل الكلى ناقضا للصيام، إلا إذا كان هذا المرض مزمنا – كما هو الغالب – فهنا لا بأس أن يطعم المريض عن كلّ يوم مسكينا رفعا للحرج، لكل مسكين نصف صاع، أي كيلو وثمانين غراما تقريبا.
التحاميل
وإذا جئنا إلى التحاميل فهي على ثلاثة أنواع:
- التحاميل المهبلية: وهي التي تستخدم عن طريق فرج المرأة، والطب يقول: لا منفذ بين الجهاز التناسلي للمرأة وبين جوف المرأة، وعليه صيام المرأة هنا صحيح.
- التحاميل الدبرية: وهي التي تكون عن طريق الدبر، وذلك لتخفيف الحرارة وتخفيف آلام البواسير، والدبرموصل للمعدة بالاتفاق، فعليه إن كان الذي وصل إلى المعدة أدوية غير مغذية فهي غير ناقضة، وإن كانت مغذية فالأحوط بدل اليوم خروجا من الخلاف وإن كان قليلا.
- من اضطر إلى وضع أدوية عن طريق مجرى الذكر، والطب يقول: لا علاقة بين المسالك البولية والجهاز الهضمي، فعلى هذا الصوم صحيح.
الأقراص والأدوية عن طريق الفم
وهذه ناقضة للصيام، فإن اضطررت إلى استعمالها في نهار رمضان فأبدل اليوم، إلا إذا كان المرض مزمنا، فهنا تطعم عن كلّ يوم مسكينا، لكل مسكين نصف صاع، أي كيلو وثمانين غراما تقريبا.
كشف العورة
إذا اضطر المريض إلى كشف العورة في نهار رمضان لمرض ألم به، وذلك من أجل العلاج؛ هنا صيامه صحيح، إذا كان بمقدار الضرورة. (1/35)
صفحة 36
السفر إلى بلد يختلف في الرؤية
إذا سافر الصائم إلى بلد متقدم في الصيام، أو متأخر بيوم أو يومين، عليه في كلا الحالتين متابعة أهل المكان الذي يقيم فيه، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون، فإن كان صيامه متقدما مثلا بيوم، ولم يهل الهلال في البلد النازل فيه، فعليه هنا أن يصوم معهم، ولو أهل في بلده، إلا إذا زاد عن ثلاثين يوما، فقيل هنا يفطر لأن الشهر لا يزيد عن واحد وثلاثين يوما، ويفطر هنا سرا.
أما إذا كان البلد الذي نزل فيه متقدما في أيام الشهر، مثلا: عنده بحساب بلده ثمانية وعشرون يوما، وأهل الهلال في البلد النازل فيه؛ هنا يفطر معهم، ثم يقضي بعد العيد، أو عند الرجوع إلى بلده.
الرجوع من بلد يختلف في الرؤية
وهذا حكمه كحكم البند السابق، وهنا عليه أن يتابع أهل بلده صياما وإفطارا، إلا إذا زاد الصيام عن ثلاثين يوما فعليه أن يفطر سرا، لأن الشهر لا يزيد عن واحد وثلاثين يوما، أما إذا نقص عن تسعة وعشرين يوما فعليه أن يفطر ثم يقضي اليوم الأخير بعد العيد.
السفر بالطائرة ونحوها بعد مغيب الشمس أو قبله
إذا سافر الصائم بالطائرة قبل غروب الشمس بجهة الغرب، فهنا لا يصح له الإفطار ما دامت الشمس لم تغرب، إلا إذا أحدث له مشقة شديدة، فيفطر بسبب السفر ويبدل يومه.
والعكس صحيح، إذا سافر إلى جهة الشرق قبل الغروب، فإذا بالشمس غاربة في طريقه في الجو، هنا يصبح مفطرا.
ويدخل في هذا أيضا السفر قبل طلوع الفجر، فإذا قلعت الطائرة قبل الغروب بجهة المغرب ولم يطلع الفجر يظل مفطرا حتى يطلع الفجر، والعكس صحيح بالنسبة لجهة الشرق.
الإمساكية
حدد الفلكيون وقتا قبل الأذان بمدة عشر دقايق يتوقف فيها المتسحر عن الأكل احتياطا، ولو أكل فيها لا حرج عليه، إذا كان المؤذن أمينا ويتقيد بالوقت المحدد، مع أفضلية التوقف عن الأكل.
الحامل والمرضع (1/36)
صفحة 37
يباح للحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع إذا خافت على رضيعها؛ يباح لهما الإفطار في نهار رمضان، وعليهما البدل بعد رمضان، ولا فدية عليهما على الصحيح.
الكبير في السن والعاجز والمريض مرضا مزمنا
يباح للكبير في السن والعاجز والمريض مرضا مزمنا الإفطار في نهار رمضان مع الفدية، ومقدارها نصف صاع لكل مسكين، أي كيلو وثمانين غراما تقريبا.
الجنابة
من كان جنبا في ليل رمضان فعليه أن يبادر بالغسل، وإن أهمل مع علمه بالجنابة فالعديد من الفقهاء ذهب إلى بطلان صومه، وعليه البدل، لحديث: من أصبح جنبا أصبح مفطرا.
أما إذا نام في نهار رمضان، واستيقظ على جنابة، هنا عليه أن يغتسل بسرعة، وصومه صحيح.
خاتمة
هذه أهم المسائل المعاصرة التي يكثر السؤال عنها، وهناك مسائل أخرى تركتها خشية الإطالة، وختاما رزقني الله وإياكم الفقه في الدين، وعبادته سبحانه على بصيرة وبينة، متنمنيا للجميع صياما مقبولا مبرورا، والحمد لله أولا وآخرا.
القسم الثاني
الخطب
خطبة شكر النعمة
الخطبة الأولى
قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَأَىَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
الحمد لله ذي المنن والإنعام، واهب النعم العظام، والصلاة والسلام على أشرف من شكر وصام، وأدى الشعائر العظام، وآله وصحبه الأخيار الكرام، والتابعين بإحسان إلى يوم القيام. (1/37)
صفحة 38
قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
أحباب محمد وسليمان وسائر الأنبياء عليهم الصلاة وأزكى السلام:
تأملوا معي قليلا ... وقفوا معي قلبا وقالبا ...
لنرجع قليلا إلى الوراء ... إلى عهد سليمان عليه السلام ... صاحب أعظم مملكة في تأريخ بني إسرائل ... بل في تأريخ العالم القديم ...
أعطي ملكا لم يعط أحدٌ مثله ... لا قبله ولا بعده ...
فسخرت له الريح ... تجري بأمره حيث يشاء ...
واستعبد له الجن ... يعملون له ما يشاء ...
ولان له الحديد ... يصنع به ما يشاء ....
لقد كان له الملك الواسع ... والمال الوفير ... والفضل العميم ...
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: بماذا قابل سليمان عليه السلام هذه النعم ...
أكفر بها ... وجعلها أداة لمعصية الله تعالى ...
أسخر الريح لتفتك بالناس وتدمرهم ... أم جعلها وسيلة للدعوة إلى توحيد الله تعالى وإحقاق الحق ....
آآستغل الجن في إيذاء الناس ونشر الفرقة بينهم ... أم أخضعهم لطاعة الله تعالى والدعوة إلى توحيده ...
أتكبر على خلق الله وتجبر لمنصب وصل إليه ... أم كان نعم الشاكر تواضعا وإخباتا لربه جلّ وعلا ....
أبخل بماله وتباهى على عباد الله تعالى ... أم جعله أداة قوة لعباد الله، وقسمه بينهم بالسوية ...
انظروا إلى سليمان
من كملكه أعطي ...
ومن كماله رزق ...
ومن كقوته وهب ...
ومن كصحته من عليه ...
ولكم ماذا قال وهو يتربع على هذه النعم ...
أقال هذه بسبب قوتي ...
أم بسبب دراستي وعقلي ...
أم بسبب اجتهادي وإخلاصي ...
أم ماذا قال ...
تأملوا معي يرعاكم الله قول سليمان عليه السلام إذ يقول: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (1/38)
صفحة 39
إذا خضع لربه خائفا متذللا، واعترف بفضله وإنعامه، خائفا من كفرها وجعلها في ما لا يرضيه جلّ وعلا
لا إله إلا الله يعطي ويعصى، ويمن على العباد وهم يكفرون بنعمائه ....
لسان حاله عليه السلام: يا الله وهبت لي من النعم ما وهبت، وسخرت لي من المنن ما سخرت ... فأنت صاحب الفضل والمنّ وحدك لا شريك لك ...
يا الله ... هذا ابتلاء منك ... هل أشكر النعمة فأضعها في طاعتك فأكن من الفائزين ... أم أكفر بها وهي نعمتك أنت وحدك، فأعصيك بها، فتكون شاهدتً علي، فأكن من الخاسرين النادمين ...
يا الله ... لئن شكرت فلنفسي، ولئن كفرت فأنا الخاسر، فأنت غني عني وعن نعمائك.
انظروا رحمكم الله ... هذا سليمان ... ومن كسليمان في التأريخ ... انظروا كيف قابل ربه بهذه النعم ... جعلها في طاعته جلّ وعلا ... فاستحق الثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
ولننظر إلى أنفسنا ... كم من النعم التي هبنا الله إياها؟ هل كنا شاكرين الله بها أم من الكافرين؟!!!
تصوروا نعمة الصحة ... نعمة السمع والبصر ... نعمة الحياة ... ماذا لو فقدناها ... أتستطيعون العيش بلا سمع أو بصر؟ أتصبرون على المرض ... ؟
ولننظر الآن هل شكرنا الله بهذه النعم أم كفرنا بها؟ أهي شاهدة لنا يوم القيامة أم علينا؟
انظروا حاجتنا إلى الشراب والطعام ... تصوروا أمما تعيش طول عامها في جوع وبحث عن الشراب ... انظروا إلى أخواننا المتأثرين بالأعصار كيف حالهم الآن ... وانظروا إلى أحباءنا في غزة المحاصرة كيف يعيشون، بل وانظروا إلى مآت الآلف من الجوعى والعراة في أفريقيا وحدها ... وأنتم والحمد لله تأكلون وتشربون بكل سهولة ويسر ... فهلا شكرتم الله على هذه النعمة ... فتضعونها فيما يحبُّ ربكم بلا إسراف ولا تقتير ... (1/39)
صفحة 40
وانظروا إلى نعمة اللباس ... كم من الملابس تتباهون بها ... وتتزينون بجمالها ... انظروا إلى أمم في العالم يتقاسمون اللباس فيما بينهم لضيق ما في اليد، فهلا شكرتم هذه النعمة، فجعلتموها شاهدة لكم يوم تلقون الله تعالى، لا تسرفون فيها، ولا تتكبرون بها ....
ومن النعم - رحمكم الله – التي تتنعمون بها نعمة الاتصالات، نعمة الهاتف النقال أو المحمول ... تقضون الحوائج في وقت قصير، كم من الناس يعصون الله تعالى بها، تصوروا –هداكم الله وإياي- لو كنتم فاقديها ماذا يكون حالكم، فهلا شكرنا الله تعالى في نعمة الهواتف والانترنت، وجعلناها شاهدة لنا في الخير والبر والصلاح؟!!! كم من الناس ينتهكون بها أعراض المسلمات بلا خجل ولا حياء، ومن الناس من يحفظ في ذاكرتها ما حرم الله من الصور والمقاطع، فأين شكر النعمة ...
ومن النعم الجليلة التي تتنعمون بها أيضا نعمة التلفزة والقنوات الفضائية، تشاهدون فيها النافع المفيد، وتتابعون العالم وأنتم جالسون في بيوتكم، فاشكروا الله تعالى بها بمشاهدة ما ينفعكم ويرضي ربكم، وتجنبوا مشاهدة ما يغضب الرب، فهذا من كفران النعم والعياذ بالله من الخذلان.
ومن النعم التي نتمتع بها ليل نهار –أخوتي الكرام- نعمة اللسان، انظروا لو فقدتم هذه النعمة كيف تتكلمون ... أم كيف تفهمون بعضكم البعض، فحذار من وضع هذه النعمة فيما يغضب الرب، في الغيبة والنميمة والبهتان، وحذار من وضعها في الكذب والسخرية والاستهزاء، رطبوا لسانكم بوضعها في كل خير يقربكم إلى الله تعالى، فتكون رحمة لكم دنيا وأخرى.
وانظروا إلى نعمة السيارات والطرق ... تتنقلون من مكان لآخر بكل أريحية وهناء ... تصوروا لو كنتم تعيشون عصر الحمير والبغال ... وانظروا الفرق بين العصرين ... فلم نعص الله تعالى بهذه النعمة العظيمة ... نقتل أرواحا بريئة ... وندمر أسرا هانئة ... (1/40)
صفحة 41
وانظروا إلى إخوانكم من العمي والصم ... كيف يبصرون جمال الكون ... أم كيف يسمعون ما يجري حولهم ... وأنتم تتنعمون بنعمة السمع والبصر ... فلم الكفر بهما ... ننظر إلى ما حرّم الله ... ونسمع ما حرّم الله تعالى ...
وادخلوا أقرب مشفى لكم ... انظروا إلى المرضى كيف يتأوهون، انظروا إلى من أصيبوا بالفشل الكلوي، ومن كانوا ضحايا الحوادث، وإلى المقعدين من كبار السن، ينتظرون الموت في كل لحضة وثانية، وأنتم تتنعمون بنعمة الصحة والعافية، تذهبون وترجعون، وتمشون وتركضون، فلم الكفر بنعمة الصحة والعافية ...
ومن أعظم النعم نعمة اللسان العربي، تقرأون القرآن بكل سهولة، تفهمون معانيه بكل يسر، انظروا إلى أمم حولكم لا يتكلمون العربية، ويتمنون لو كانوا من أهلها ليفهموا القرآن كما نزل، فلم تهجرون كتاب الله، وتكفرون بهذه اللغة، وتتباهون بلغة العدو، حتى في أبسط العبارات كعبارات التسليم والتأكيد، ولم الآخرون يعتزون بلغاتهم، ونحن نخجل أن نتحدث ونتعلم لغة القرآن الكريم.
وتعالوا معي إلى نعمة الإسلام العظيمة، تصوروا لو كنتم تركعون لبقرة، أو تسجدون لصنم أو حجر، أو تتقربون لأشخاص مثلكم، انظروا إلى الأمم الغربية، عندما أبعدوا شريعة الرب عنهم، انظروا كيف أصح حال الوالدين، وتأملوا أن من كل أربع نساء امراة تتعرض للاغتصاب والإهانة، ومن كل عشرة أطفال طفل يتعرض للضرب والاغتصاب، وأنتم والحمد لله تعبدون وتتقربون للواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وحفظ الله لكم شريعته، وأتم لكم دينه، وحفظ أعراضكم وأموالكم، فهلا شكرتم الله بالتمسك بالشريعة، والإخلاص له سبحانه.
فلنتق الله جميعا عباد الله، ولندرك قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (1/41)
صفحة 42
وليكن شعارنا جميعا شعار نينا سليمان: قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
اللهم اجعلنا من الشاكرين لنعمائك، المتمسكين بشرعك والحمد لك حمدا يلبيق بجلال وجهك، وعظيم سلطانك، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
من أعظم النعم إطلاقا وأجلها قدرا ومكانا نعمة الوقت والزمان، ونعمة الصحة والفراغ، فبدونهما لن تستطيع أن تعمل أدنى عمل تسعد به، وترجو منه منفعة دنيوية أو أخروية، فهذا حبيبك صلى الله عليه وسلم يقول: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.
ومن حق الإنسان أن يروح عن نفسه قليلا باللهو الخالي من المخالفات الشرعية، ولكن أن يكون اللهو هو الأساس، وهو الذي يسير جدول حياة الإنسان، فهذا خلل كبير، نعم خلل يؤدي بالإنسان أن تمر به الحياة ولم ينتج شيئا في حياته. (1/42)
صفحة 43
وبما أن اليوم يعود مرة أخرى الحدث الرياضي على مستوى العالم، يجب على المسلم أن يكون مؤثرا لا متأثرا، لأن الوقت أمانة يسأل عنها الإنسان، فلا يصح عقلا ولا شرعا أن يؤثر هذا الحدث على سير أعماله الأساسية، من إجابة نداء الوالدين، وتلبية متطلبات الأسرة، وتقديما لواجبات الدراسة والوظيفة، مع حقوق المجتمع والأمة، فضلا عن حقوق الله تعالى، فلا يصح شرعا أن يؤخر صلاة المغرب إلى العشاء، أو يترك صلاة العصر لأن فريقه لم ينته بعد من المباراة، فهذا استخفاف بشريعة عظيمة، والله تعالى يقول: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، ويقول جلّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، كما أنه يجب إجابة النداء في جماعة لقوله سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.
فلنعمر أوقاتنا بما يرضي ربنا، ويقربنا إليه، ويشفع لنا عنده جلّ وعلا، ولنحذر كفران النعم، صغيرها وكبيرها، ولنتذكر دائما قوله تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
ومن تعمير الأوقات بالخير العميم إحياء الحلقات القرآنية في المسجد، ودعمها ماديا ومعنويا، فقد كان مسجد رسول الله صلى الله عليه تقام فيه الحلقات للكبار والصغار، للنساء والرجال، بل كان يشرف عليها بنفسه، وحث على تعليم الصغار، إذ يقول عليه السلام: تعليم الصغار يطفئ غضب الرب.
من هذا المنطلق كان لهذا الجامع الميمون إقامة الحلقات بجانب المركز الصيفي لتعليم الصغار والكبار من أبنائنا، وعليه ننوه أنه قد تم تحديد عدد مقاعد الدراسة في المركز بـ ثلاثمائة وخمسين مقعدا فقط، والأولوية لمن يتمم إجراءات التسجيل. (1/43)
صفحة 44
وآخر أجل لتسليم الاستمارات هو تاريخ: التاسع عشر من هذا الشهر، أي شهر ستة، ونذكر أيضا بأن المركز لا يستقبل الأولاد في المستوى التمهيدي.
هذا سليمان الرجل الصالح الشاكر لأنعم الله، الواقف عن حدود الله اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
اللهم هب لنا من النعيم، ومن علينا بفضلك الكريم، واجعلنا لك من الشاكرين، وزحزحنا عن نار الجيم، وخلّد أرواحنا في جنات النعيم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.
اللهم خلص إخواننا في غزة من أحفاد القردة والخنازير، ومن المنافقين والكافرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
خطبة من أسباب النقم
الخطبة الأولى
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
الحمد لله حمدا حمدا، والشكر لله شكرا شكرا، منّ على العباد بنعم لا تعد ولا تحصى، وأجزل عليهم وافر الفضل والسلوى، " وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ"، وصلاتا وسلاما على الشاكر لأنعم المولى جلّ وعلا، محمد وعلى آله وصحبه أولي الوفاء، والتابعين بإحسان إلى يوم اللقاء.
معاشر المسلمين: ومع خضم بداية العام الجديد، تجتهد المؤسسات المختلفة، والنوادي المتباينة، والبرامج الإعلامية، في إقامة استقصاء وحصر لما حدث بالعام الماضي، من مجريات وأحداث طبيعية وسياسية، واجتماعية وفكرية، سلبا كانت أم إيجابا. (1/44)
صفحة 45
ومن هذه الأحداث الكوارث الطبيعية والبشرية، وعلى رأسها حوادث السيارات، فما الأسباب لهدر آلاف الأرواح، وترمل عشرات النساء والأطفال، فضلا عن الخسائر المادية والاقتصادية؟ وما هو العلاج، فمع إنفاق عشرات الأموال في التوعية وإيجاد البدائل في الطرق، إلا أن الحوادث تزاداد بصورة مرعبة، وبوحشية مخيفة، تكاد نتائجها تقابل أو تزيد عن نتائج الحروب المدمرة.
ومنها الأمراض الناتجة عن السلوكيات المحرمة، والأفعال الشاذة، ما أسبابها وآثارها؟ وما طرق علاجها ...
ومع أهمية الاستقصاء، ووضع الدراسات والاستراتيجيات لعلاجها، إلا أنّ قصرها على الجانب المادي لا يزيدها إلا تفاقما، فهذا الإيدز القاتل ثلاثون سنة لمحاربته، الملايين أنفقت، والمختبرات أشغلت، ومجالس التوعية استنفرت، ومع ذلك زاد أضعافا مضاعفة ...
فالعلاج المادي أمر مهم، ووضع التصورات والإحصاءات غاية الأهمية، إلا أن الابتعاد عن العلاج الإلهي، وجهل السنن الربانية، يجعل العلاج قاصرا، والمرض يزاد فحشا وتفاقما ...
فنحن معاشر المؤمنين ... ندرك تمام الإدراك أن لله تعالى سننا في هذا الكون، لا تتغير ولا تتبدل، فكل ذرة من ذراته، تسير وفق هذه السنن الكونية، ومن هذه السنن سنة الله في بقاء النعم الربانية، والحفاظ على المنن الإلهية، فشكرها مرهون بشكر الله تعالى، والتعامل معها وفق حدود الله جلّ وعلا.
فما من نعمة من النعم، في البر والبحر والجو، في الإنسان واليابسة، في السماء والأرض، في المال والطعام، وفي النقل والشراب، في السمع والبصر وسائر الجوارح، إذا شكر الله فيها، ولم يحارب الإنسان بها شرع الله، كانت نعمة له في الدنيا، يباركها الرب، ويجني ثمرة شكرها يوم يلقاه، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. (1/45)
صفحة 46
وإذا ما حاول الإنسان الإفساد بهذه النعم، والكفران بها، كانت الآيات الربانية، والإنذارات الإلهية، فتارة يرسل عليهم أمراضا وأوبئة، لعلهم يتوبون أو يرجعون، وتارة بالفيضانات والأعاصير والزلازل، لعلهم يرشدون أو يعقلون، وتارة بالقحط وعدم البركة في المال والأهل والولد، لعلهم يهتدون أو يفقهون، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
فيا لله ... إذا ما واصل الإنسان الطغيان، واستمر في الكفران، فانتهكت الأعراض، وانتشر الربا والقمار، وعمت القطيعة والاستغلال، وأكلت أموال اليتامى والمساكين، وعم الفساد البر والبحر والجو، وترك كتاب الله مهجورا، واستبدل بشريعة الغاب والبشر، واستبيح الخمر والميسر، واستخف بالصلاة والزكاة، وبجميع شرائع الله ...
فسبحانك ربي ... من يحارب هذا الإنسان؟!!! وبمن يستخف؟!!! أو يحارب جبار السماوات والأرض؟!!!! أو يستخف بالعزيز المتكبر؟!!! أو يتلاعب بشريعة رب الأرباب؟!!! (1/46)
صفحة 47
فيا ويح هذا الإنسان ... رحماك ربي رحماك ... ألا فليستعد للضربة القاصمة، والآية المهلكة، إن لم تجد النذر والآيات الأولى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
ألا فليدرك الإنسان، وهو يضع الحلول والاستراتيجيات لعلاج الحوادث المعاصرة ... ألا فليعلم علم اليقين ... أن سنن الله لا تتغير، وقوانينه لا تتبدل ... بالأمس القريب ذكرنا بالفيضانات والأعاصير، واليوم يذكرنا بالقحط والأمراض المرعبة، وحوادث السيارات القاتلة، يذكرنا ربنا بالعاصفة المالية، والتي عمت أكبر الدول اقتصادا، وأغناها دخلا ومالا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، فسقطت نوادي القمار والربا من عليائها، وعاصفة المجاعة بدأت تهب ريحها، وتهدد ملايين الملايين تهديددا مرعبا أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (1/47)
صفحة 48
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ
فاتقوا الله عباد الله، ولا تحاربوا ربكم بالمعاصي والذنوب، فلا طاقة لكم بذلك، ولا حيلة لكم إذا جاء أمره، واجعلوا من ضمن استراتيجياتكم في إيجاد الحلول والعلاج كتاب ربكم، فهو وعاء كلام الرب، ومشفى أمراض العباد.
ويا قوم اذكروا ربكم ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا، وأكثروا من دعاء نبيكم يونس وهو الظلمات: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّا كُنْا مِنَ الظَّالِمِينَ
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّا كُنْا مِنَ الظَّالِمِينَ
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّا كُنْا مِنَ الظَّالِمِينَ
الخطبة الثانية
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ
أيها الأخيار: من مجريات العام الماضي، واستقصاءات الأيام البالية، أدرك العالم حاجته إلى شريعة الإسلام الناصعة، فمن ينقذ طفلا بريئا مهددا بظلام الشرك والوثنية، ومن ينقذ طفلا كان ضحية الأمراض والعقوبات المتنوعة ... من ينقذ طفلا يصيخ ويصرخ نتيجة لدمار الحروب، وآثار المجاعة والاستغلال العالمي (1/48)
صفحة 49
من لنساء ضعاف، وأرامل الحروب والفقر والجشع، من لآهات اليتامى، وصراخ المظلومين ...
من يقف سدا منيعا لنشر الدمار والأمراض في الأرض، من يصرخ بأعلى صوته كفانا فسادا واستكبارا، احفظوا أعراض نسائنا، وصونو أخلاق أبنائنا،
من يعتز بشريعة ربه، ويعتصم بكتاب خالقه ...
أنتم أنتم أيها المسلمون أنتم ورب الكعبة ماذا ينقصكم ... أو ليست آيات الله تتلى علينا بكرة وأصيلا، ماذا ينقصنا عن فهما وإدراكها، فلم الخجل والحياء، ولم الخوف والجبن، ولم الذلة والمهانة، ولم نرض بمبادئ غيرنا، ونرفض شريعة ربنا ...
أيها المسلمون .... العالم ينتظر شريعة ربكم فمن يبلغ ...
أبناؤنا بحاجة إلى مبادئ ديننا فمن يتمسك ...
فهلا كنا من خيرية هذه الأمة ... علما وخلقا وقدوة ...
فخيرية هذه الأمة لا تتحقق إلا بالحفاظ على النعم، والتمسك بشريعة المنعم، وإذا ما بدأت المعاصي تنتشر، وقف لها الناس منذرين ومذكرين، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، كانت الخيرية لهذه الأمة ...
أما إذا سكت المجتمع، فسكت المعلم في مدرسته، والأب في بيته، والإمام في مسجده، والعامل في معمله، والتاجر في متجره، وارتضوا بما يجري من قبل أبنائنا من انحرافات ومعاصي، فإن هذه الخيرية ترفع عن هذه الأمة، وتستبدل وفق سنن الله تعالى في الكون باللعنة والطرد من رحمة الله تعالى، وإنزال العقوبات والعذاب ...
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (1/49)
صفحة 50
فإن عادت الأمة وأفاقت ... رد إليها ميزة الخيرية ... وإن كابرت وعصت استبدل الله قوما غيرها ... يبلغون شريعته ... ولا يخشون أحدا إلا الله، يأمرونبالمعروف وينهون عن المنكر ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ
فحيا وهلا ونحن في عام جديد برجال وفتية من أمتنا غوث البلاد ورحمة الله بين العباد، آمنوا بالله صدقا، وصانوا جوارحهم عن الحرام عدلا عدلا، ووقفوا عند شريعة ربهم طمعا ورهبا، فإذا ما مسهم طائف من الشيطان تذكروا ربا عظيما، ويوما مخيفا، فتابوا وأنابوا، وتمسكوا وخضعوا ... استمروا يرعاكم الله في التمسك بالدين، وتبليغ شريعة الرب، ولا تهنوا ولا تحزنزا وأنتم الأعلون بإذن الله تعالى ...
فهيا عباد الله جميعا، ونحن في بداية العام الجديد لنكن يدا واحدة وجدارا مرصوصا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ آيات الله تعالى، والتعامل مع السنن الكونية ... ولنكن من الذين مدحهم الله تعالى بقوله الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا
خطبة خاطرتانِ من القرآن في حادثة الأسراء
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم و لدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون}.
الحمد لله قصص علينا أفضل القصص عبرة وهداية، وشفاء ورحمة، والصلاة والسلام على خاتم الرسالة، محمد وعلى آله وصحبه أولي الفضل والهداية.
وقفتان معطرتان بالهداية القرآنية أقفها معكم، راجيا أن تكون لقلوبكم شفاء، ولأبدانكم هدى واطمئنانا.
أخوة الإيمان:
في هذه الأيام، وما تحمله من أحداث عظام، ترجع بنا الذاكرة إلى الوراء قليلا، لنعيش مع حادثة الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم. (1/50)
صفحة 51
وهنا تبدأ الخواطر في الحديث، كاشفة عن الأسئلة المحيرة، ما بين تأريخ بأحداثه المنوعة، وحاضر نعايش واقعه، ومستقبل ماذا أعددنا له؟
هزني ذلك السؤال، وكادت *** حسرتي تحت وقعه تجتويني
غير أني نفضت وهم انكساري *** حين لاحت أنواره تدعوني
إنه الفجر، كيف تنسون فجرا *** ساطع النوار، في الكتاب المبين؟!
هنا أرجعت خواطري إلى كتاب الله تعالى، ففيه الجواب عن حاضري، والنوار لمستقبلي، سبحانه أنزل سورة كاملة عن الإسراء، فهلا وقفنا معها وقفات ووقفات؟ فكونوا معي يرعاكم الله، انظروا إلى ما أقول بآذان صاغية، وقلوب واعية.
الخاطرة الأولى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}.
أخي الحبيب: تصور نفسك في بلد ما، تدعو الناس إلى فضيلة، وتحذرهم من رذيلة، فما تجد من هذا البلد إلى السب والشتم، والضرب والطعن؟
ماذا سيكون حالك؟ وما هي ردة فعلك؟ وهل ستصبر على دعوتك؟ وتذكيرك لبني جنسك؟
وهل يوجد قوم أطغى من كفار مكة، أطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مالا؟ أتصارع معهم من أجل امرأة أو سيادة؟ كلا وربي، ما جاءهم إلا رحمة بهم، منذرا لهم من عذاب شديد، ومبشرا بما أعدّه الرؤوف الرحيم.
فظلم وتحمل، وعودي وصبر، وضرب ولم ييأس، خرج إلى الطائف لعله يجد عقولا واعية، وقلوبا رحيمة، وأبدانا حامية، فما وجده منهم أشد، وما لاقاه أظلم وأطغى، فما كاد أن يصل إلا والحجارة من أمامه ويساره، والصيحات واللعن تؤذي مسمعه، فشج وأصيب، وضرب وأهين,
إني رأيت عيون من ضحكوا له***
وأنا الخبير بها، عيون ذئاب
هم قابلوه والدماء خضابهم ***
وا حر قلبي من أعز خضاب
هذي دماء مناضل، ومنافح ***
عن عرضه، ومقاوم وثاب
ودماء شيخ كان يحمل مصحفا ***
يتلو خواتم سورة الأحزاب
وفي أوج هذه المحنة، ومن جوانب هذه البلية؛ ينطلق الدعاء منه صادقا من قلب امتلأ فقرا إلى رحمة الله تعالى ... (1/51)
صفحة 52
وقف رسول الله حزينا دامع العينين، دامي القدمين، يجأر إلى الله بالشكوى: " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم بكن بك علي غضب فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا و الآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
يسأله في غير شكوى، ويرجوه في غير يأس ...
فماذا يفعل الحبيب لحبيبه؟ هل يتركه في بلواه؟ أم يمد له يد العون؟!!!
فتأتي هدية الله تعالى له، فيسري به إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته الكبرى، هناك تطمئن نفسه، ويهدأ باله، ويرى تأييد الله له ونصره.
فيا سبحان الله، يرجع داعيا صابرا، مؤمنا باذلا، موقنا أنّ الحق سيعم المسجد الأقصى، وأنّ الخلافة للمسجد الأقصى هي للإسلام الحق، ودين الله سيعم ولو كره الكافرون ...
فيا بن عشرين، ويا بن ثلاثين وأربعين، ويا ابن خمسين وستين وسبعين، ماذا قدمت لدينك؟ هل قدمت مالا؟ أأعددت نفسك لدين الله ناصحا وصابرا؟ أو كنت قدوة له قولا وعملا؟ أم كنت سفيرا صادقا له ذاهبا وراجعا؟ فهلا كنت مصحفا يمشي في الأرض بكرة وأصيلا؟
فحادثة الإسراء تنطلق بك لترجع نفسك من جديد، وتقلب أوراقك مر ة أخرى، فعد العدة، وابذل نفسك ومالك لشراء الجنة، والفوز بالرضوان والمغفرة.
الخاطرة الثانية: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم و أمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا} (1/52)
صفحة 53
في رحلة الإسراء حكى الله لحبيبه عليه الصلاة والسلام عن الأرض المباركة، وقص عليه ما فعله بنو إسرائيل من فساد ودمار لها، {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا}.
وهؤلاء القوم سيفسدون مرة أخرى، بإراقة الدماء، وقتل الأبرياء، وتشريد الضعفاء، واغتصاب الأرض، وانتهاك العرض، {فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا}.
محتجين بأنهم شعب الله المختار، وأبناء الله وأحباؤه، والله تعالى يقول لهم: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}.
فالميزان عند الله هو اتباع الشرع وتطبيقه، لا الجنس والنوع، والدم والعرق. (1/53)
صفحة 54
أيها السلمون، لقد ربطت هذه المعجزة بين ديار الإسلام ومساجد الله في الأرض، وعلى وجه الخصوص بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس، ولما كان المسجد الحرام أول بيت وضع للناس في الأرض فإنّ المسجد الأقصى هو البيت الثاني والقبلة الأولى، وفي هذا ما يكفي لتذكير المسلمين بأهمية المسجد الأقصى ومكانته في عقيدة المسلمين، وموقعه من ديارهم، فيجب الحفاظ على المسجد الأقصى الذي يعيش هذه الأيام ذكرى الحفريات المشؤومة، "تلك الجريمة التي استهدفت المسجد وجودا وحضارة، وكشف نيرانها عن نيران الحقد الأسود على عقيدة المسلمين ومكان عبادتهم في أقدس مقدساتهم، في هذه الديار المباركة، والأرض الطاهرة، التي روّيت بدماء الشهداء الأبرار، من الصحابة الكرام، وتابعيهم من المحررين العظام، الذين لم يرتضوا الظلم لديار الإسراء، ولم يذوقوا طعم الراحة؛ حتى عادت إلى حوزة الإسلام والمسلمين عزيزة كريمة، يدوي في سمائها، ويعلو مآذن مسجدها نداء التوحيد الخالد:" الله أكبر، الله أكبر"، هذا النداء الذي يسعى أعداء الإسلام إلى خنقه وقتله من خلال مؤامرات العدوان على المسجد الأقصى، وهدمه لإقامة الهيكل المزعوم، وطمس معالم الحضارة و التأريخ الذي يرمز إليها المسجد الأقصى، الذي تتلامع قبابه شامخة في سماء القدس، مؤكدة إسلامية هذه الديار، ومانحة إياها وجهها الحضاري والعربي الذي تعمل معاول الاحتلال على تغييره وتهويده، في ظل غفلة العرب، وانشغال المسلمين: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}." (1/54)
صفحة 55
فإذا كان سليمان عليه السلام أقام الهيكل، والهيكل هو مكان العبادة، وظل كذلك حتى هدمه البابليون، ثم أعيد بناؤه كمسجد يذكر الله فيه، فهدم بعد قرن من ميلاد السيد المسيح عليه السلام، فما أعيد بناؤه إلا في عهد الحليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ما كان مأوى للحيوانات، فأصبح منارة للإسلام دين الحق، وأيّ تفريط فيه هو تفريط في قدسية من قدسيات الإسلام، فاتقوا الله عباد الله، وربوا أبناءكم على تبجيل مقدسات الإسلام، و تعظيم أنبياء الله تعالى، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا ...
الخطبة الثانية
في الخاطرة الأولى تحدث ربنا الله تعالى عن الإسراء كمعجزة وآية، وفي الخاطرة الثانية أتبعها بالحديث عن بني إسرائيل وإفسادهم في الأرض.
وهنا نطرح السؤال: عن أيّ شيء أعقب الله الحديث بعد ذكر بني إسرائيل؟ وهل أعطى الله الخلاص للأمة لتعود إلى عزتها وكرامتها؟ أم أنّ الأجيال المعاصرة لا تستطيع أن تحقق ما حققه السابقون من أمجاد وتضحيات؟
تأملوا معي رحمكم الله في الخاطرة الثالثة: يقول الله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا}.
هنا الخلاص، وهنا العزة والكرامة، وهنا المجد والانتصار، فما انتصر محمد، وما أعزه الله إلا بتمسكه بكتاب الله تعالى: " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا".
اعلموا يرعاكم الله أنّ قربكم من القرآن، وتمسككم به، قولا وفعلا، منهجا وسلوكا، تصورا وأخلاقا، يقرب المسافة إلى انتصار هذا الدين، وعودة المسجد الأقصى في أيدي المخلصين، وفوزكم يوم تلقون رب العالمين. (1/55)
صفحة 56
فالله الله في كتاب الله، عضوا عليه بالنواجذ، احيوا به عقول أبنائكم، واشرحوا به صدورهم، وابعدوهم عن كل ما يبعدهم من كتاب ربهم، من قنوات ملهية، وألعاب مهلكة، وأغان مضلة، فأنتم على أمانة كبيرة، فإذا أردتم الهداية لأبنائكم، والمجد لأمتكم، والنجاة في آخركم، فعليكم بالقرآن، إيه والله القرآن وكفى {قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا}.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر ....
اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم سخرنا لخدمة الدين، واجعلنا قدوة للمقتدين، واغرس في قلوبنا حب عبادك الصالحين، برحمتك يا رب العالمين.
اللهم خلص المسجد الأقصى من دنس اليهود والمعتدين، وارجعه إلى عبادك المؤمنين، اللهم نشكو إليك ضعف حالنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، من نرجو إلهنا غيرك، ومن نطلب ربا سواك، فكحل أعيننا برؤية المسجد الأقصى، ومن علينا بالصلاة والذكر فيه.
اللهم خلّص المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها من شر المنافقين والكافرين.
إلهنا جنبنا الأمراض والغلاء، والفيضانات والوباء، برحمتك يا أرحم الراحمين.
خطبة مع قصة موسى في القرآن
الخطبة الأولى
الوقفة الأولى: ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)).
فما قصه الله تعالى، من أحوال الأمم السابقة، وأخبار المجتمعات البشرية السالفة، إلا تذكيراً للعباد، وتنبيهاً لأولي الألباب ...
ومن أعظم هذه القصص ذكراً، وأجلها بياناً، قصة سيدنا موسى مع فرعون الذي طغى، فأكثر ذكرها في كتابه، وبين بها سنته التي لا تتغير، وقانونه الكوني الذي لا يتبدل. (1/56)
صفحة 57
وما فرعون وقومه إلى آية للبشر، وعبرة لمن اتعظ واعتبر، أعرض عن ذكر ربه، والانقياد لطاعته، والوقوف عند حدوده وزواجره، فابتلاه الله بصنوف العقوبات، ونقص من الثمرات، فرفع عنهم نعمة المطر، وقلة البركة في الماء والثمر، لعلهم يذكرون أو يتعظون.
فأبوا إلا الاستكبار في الأرض فأرسل إليهم الطوفان الجارف، والفيضانات المهلكة، وسلّط عليم الجراد يأكل ما يزرعون، ويهلك ما يحرثون، وذكرهم بالقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا مجرمين ...
فكانت السنة الإلهية، والإرادة الربانية، أن أهلكهم عن بكرة أبيهم، وأغرقهم في البحر، بأهم كذبوا بآيات ربهم، وكانوا عنها غافلين.
وهؤلاء بنو إسرائيل اغتروا بجنسهم، وادعوا بأنهم أبناء الله وأحبائه، وأنهم شعب الله المختار، فهيهات هيهات لا قيمة لجنس عند الله تعالى، فعندما طغى سفهاؤهم، وأفسدوا في الأرض، ولم يعملوا بآيات الله تعالى، أرسل الله إليهم أصناف من العذاب والعقوبات، من الصيحة والرجفة والزلازل، والتشريد في الأرض، والذلة في الحياة الدنيا، وكذلك نجزي المفترين.
ونحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، شأننا كشأن غيرنا من الأجناس والأمم، ونحن جميعاً أمام القانون الإلهي والسنة الربانية ((أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر)).
فإذا ما طغت الأمة، وانحرفت عن الجادة، وقام سفهاؤها فيها إفساداً واستكباراً، فانتهكت المحرمات عياناً، وتجاوزت الحدود بغياً وعدواناً، وقل الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر؛ قامت السنة الربانية بإرسال أصناف من العذاب والعقوبات ... والآيات البينات، لعلنا نتذكر ونتعظ ونتوب ونرجع ...
فما انتسابنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يجعلنا في أمان من عذاب ومكره، إذا تجاوزنا أمر الله ونهيه .... (1/57)
صفحة 58
وما نراه اليوم من قحط مرعب، ونقص في الثمرات والزروع إلا تذكير من الله، أنتوب ونرجع؟ أم نترك سفاءهنا يفسدون ويمكرون؟ أم نتحدى حبار السماوات والأرض، أم نجرب الحرب مع الله تعالى، أم نستظهر عظمتنا أمامه، وقوتنا أمام قوته وجبروته، أم نعلنها حربا بشرية، بأننا قادرون على تحدي الله وسننه، فهيهات هيهات، إنها سنة جبار السماوات، المتكبر المتعالي الذي لا يغير وعداً ولا وعيدا، ألا من استهان بآياته، وسخر من سننه وقوانينه، ألا فالينتظر الموعد، فبالله كيف تتحدى الله تعالى، ونشكر على آياته، أما فينا متعظ معتبر، ,أوليس لنا سمع وبصر وعقل، أما ترون ما يصيبنا هذه الأيام من أمرض عظام، والإنسانية اليوم تقف خائفة مذعورة أمام فيروس ضعيف وهو أضعف من الذبابة والبعوضة، إنه فيروس أنفلونزا الخنازير، والذي بات بفتك بالمآت، ويهلك العشرات, كل ذلك من آيات الله البينات ((أكفاركم خير من أولكم أم لكم براءة في الزبر، أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجمع ويولون االدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر))
ولقد أخبر الله تعالى في قصة موسى عليه السلام أن التوبة والرجوع إلى الله تعالى هو العلاج الوحيد لرفع الوباء والأمراض، ونزول المطر والغيث، والبركة في الزروع والثمار، إقرأوا إن شئتم ((إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذالك نجزي المفترين، والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)).
وتأملوا معي قول الله تعالى عندما طلب التوبة من قوم موسى لرفع الوباء ((واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتوبون ويزكون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون)). (1/58)
صفحة 59
والناس اليوم يبحثون عن علاج لهذه الأمراض، وهذا أمر طيب، ولكن العلاج الوافي لرفعها هو التوبة والإنابة، وعدم ترك السفهاء يفسدون في الأرض، أما قال موسى ((ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا)).
فكم من أقوام معاصرة تقدموا فلكياً وعلمياً فما استطاعوا أن يقفوا أمام الفيضانات والأعاصير والزلازل و البراكين. ... وهذه والإنسانية اليوم في تقدمها الطبي الهائل يبين الله تعالى ضعفها أمام فيروس ضعيف، كل ذلك يجعلنا نراجع أنفسنا من جديد، ونتأمل في آيات الله تعالى البينات متعظين وعاملين.
فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الله ربكم، واتقوا الله في أزواجكم وأولادكم، واتقوا الله في أوطانكم وأمتكم، ربوا أولادكم تربية صالحة، قوهم عذاب الله وسخطه، واستغفروا ربكم ليلاً ونهارا، صبحاً ومساءا، واستغفره إنه كان غفارا.
الخطبة الثانية
الوقفة الثانية: ((يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم وإياي فارهبون، وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشروا بآياتي ثمناً قليلا وإياي فاتقون))
لقد أنزل الله تعالى كتبه هداية للإنسانية، ورحمة للبشرية، ولن تستفيد الأمم من هذه الكتب إلا بثلاث مراحل مهمة: الأولى: تلاوته "ورتل القرآن ترتيلا" والثانية: تدبره ((أفلا يتدبرون القرآن)). والثالثة: العمل به ((واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم)) فإن توفرت المرحل الثلاثة في أمة كانت في مأمن من العذاب الذي يسود الأمم.
ومن أعظم هذا العذب الأمراض النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب النفسي، وهو من أكبر الأسباب التي تقود الملايين من الناس إلى الانتحار.
فأبشر بأقوام من هذه الأمة يتلون كتاب ربهم ويتدبرونه، ويجعلونه واقعاً ملموساً في حياتهم، فقد استحقوا جائزة الاطمئنان النفسي، بجانب الهداية الربانية، والمنن الإلهية ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)). (1/59)
صفحة 60
وهناك أقوام آخرون لا يعرفون القرآن إلا في أوقات العزاء، فيجعلونه أورادا للمتوفى ولو لم يفقهوا شيئاً منه، أو يقرأونه رمضان فقط، فهؤلاء الذين قال الله فيهم: ((ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً))
فتنتشر بينهم الأمراض النفسية، وقد ويلجأون إلى المشعوذين والذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، فيجعلون القرآن حروزاً وتمائم، وهم يعلمون علم اليقين سبب المرض.
ألا فليتق الله تعالى الذين يشترون آيات القرآن القرآن، ويكذبون على الناس باسم القرآن، ويجعلونه حرفة يأكلون بها أموال الناس بالباطل ((إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشرون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكبهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)).
ولتعلموا عباد الله أن العلاج من الأمراض النفسية ليس بالذهاب إلى المشعوذين ومدعي العلاج بالقرآن، بل يعالج بالقرب من كتاب الله تلاوةً وتدبراً وتطبيقاً، بهذه الثلاث تأمنون من هذه الأمراض النفسية، وهاكم قوله تعالى ((الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تعالى تطمأن القلوب، الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب)).
فاتقوا الله عباد الله, وتمسكوا بهداية القرآن، وسلموا لأوامر القرآن، تأمنوا من مكر الله وعذابه، وتعمكم رحمة الله وفضله، وتسودكم السكينة من ربكم، وأخرى تفوزون بها يوم يجمعكم جميعاً في يوم التغابن.
اللهم يا كاشف الضر اكشف الضر عنا، اللهم ارفع الأمراض عنا والوباء، اللهم جنبنا الأسقام والداء، اللهم إنا نستغفرك استغفارا، اللهم ارع الوباء عنا والبلاء ...
اللهم إنا هدنا وتبنا إليك فأنزل علينا رحماتك ومن علينا ببركاتك ربنا لوشئت أهلكتهم من قبل فلا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا و أنت خير الغافرين.
خطبة الأم
الخطبة الأولى (1/60)
صفحة 61
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير
الحمد لله الذي كرم النساء، وجعلهن شقائق أولاد حواء، والصلاة والسلام على خير الأولياء، محمدٍ وعلى آله وصحبه الفضلاء، وعلى تابعية بإحسان إلى يوم القيام لرب الأرض والسماء.
من رحمة الله تعالى في هذا الكون البهيج أن جعل من مخلوقاته العظيمة المرأة المباركة، فأفضى عليها عنصرين عظيمين من عناصر الكون الأعظم، العنصر الأول عنصر الجمال، فجمالها لوحة مصغرة لجمال الكون الواسع، وكلاهما دليل على إتقان صنع الله تعالى وحكمته.
والعنصر الثاني الرحمة والسكينة والاطمئنان، وهذا تبثه المرأة من بين حناياها، فتفيضه إلى شقيقها الرجل، كما أنّ الكون يفيض رحمة وسكينة واطمئنانا على ساكنيه حيا أم جمادا؛ فكذلك المرأة، بما أودع الله تعالى فيها من عظيم الرحمة، وكبير العاطفة الجياشة.
لذا اعتبر الله تعالى المرأة جوهرة من جواهر الكون البهيج، فكما لا بد أن يحفظ الإنسان مكونات الكون وإلا تعرض للهلاك والفساد، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ كذلك أوجب الحفاظ على الجنس الأنثوي، واعتبرها جزء لا يتجزأ من الذكر نفسه، قال تعالى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. (1/61)
صفحة 62
وإذا كانت المرأة بصفة عامة تتميز بالحنان والرأفة الشديدة تجاه شقيقها الرجل؛ فإنّ الأم هي مصدر هذا الحنان؛ بل هي مصنعه الأول والأخير، فأي حنان أعظم من حنان أمٍ تحملت ما في بطنها أشهرا تسعا، وهي تتألم وتعاني من آثار ذلك الحمل، تحملته وهي كارهة، ولكن الحنان غلب عليها، فصبرت وسكنت، فإذا ما ظهر على الحياة كانت له نعم الرؤوف الحنون، فإن بكى أرضته، وإن اشتكى داوته، وإن اتسخ نظّفته، وإن جاع أطعمته، وإن تعرى سترته، فظلت له وفية كريمة، حتى إذا اشتد عوده، وعظم بناينه، ومع ذلك لم ينقص من حنانها شيئ؛ بل ظلت وفية له، ولو عقها وضربها، وأساء إليها وهجرها.
فحق لهذه الأم أن تكرم، ومن الجمال أن يرد إليها فضلها وجلالتها، وإلا كان الكون الذي نعيشه ونترعرع فيه اليوم أصبح في خبر كان، فحفاظنا وتكريمنا للأم هو حفاظنا وتكريمنا لهذا الكون العظيم، الذي نأكل من خيراته، ونلهو فوق ترابه، ويظلنا بسقفه وسمائه. (1/62)
صفحة 63
من هنا جاءت الشرائع السماوية لحفظ هذه الكينونة العظيمة، واعتبرت الإساءة إلى الأم إساءة إلى الذات العلية جلّ وعلا، فهو الذي أوجدها، وهو الذي كرّمها وعظمها، وفي الوقت نفسه أوجب توقيرها واحترامها، فالإساءة إليها ولو بأفٍ كافية لأن تحرق هذا العاق في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، وقد جاء في الحديث الشريف عنه عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة عاق، وهذا مما أجمعت عليه الشرائع السماوية، يقول الله تعالى في الوصايا العشر: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا، وروي عن المسيح عليه السلام أنه قال: أكرم أباك وأمك، ومن أهان أباه أو أمه فليكن الموت عقابا له.
وقد حفظت هذه الشرائع الأجيال ردحا من الزمن، فلم تعرف الأجيال في تأريخها عقوقا إلا من قبل ثلة خسيسة من الناس، ومع هذا ينظر إليهم نظرة دونية، ولم يكن الناس بحاجة إلى يوم يذكرون فيه أمهاتهم؛ بل وجودها واحترامها منقوش ما دامت العروق نابضة بالحياة، بل حتى بعد موتها فمكانتها لا تسقط أبدا.
ثمّ لما ابتعد الناس عن هذه الشرائع العظيمة، وركنوا إلى عبادة شرائع البشر القاصرة، وانشغلوا بهذه الحياة الفانية، كانت الأم ضحية من الضحايا في هذه العصرنة المادية، فأصبحت ضحية الملاجئ ودار المسنين، ضحية الهجران والعقوق، ضحية النكران لفضلها، ضحية النقصان لمكانتها وقدرها، فهي تعبت وتألمت؛ ولكن تعبها وألمها يفنى بكبر أولادها، فإذا ما شابوا لن تجد ابنا رحيما، بل ولا زوجا عطوفا، فتبقى في الحياة وحيدة كئيبة تنتظر الموت ليقضي عليها، إلا من رحم الله تعالى. (1/63)
صفحة 64
فهذه المسكينة تجدها الجهات المختصة في إحدى سواحل هذه البلاد الطيبة، وهي تتأوه جوعا وألما، لماذا؟ لأن ابنها ضحك عليها بعد هجران، فتصورته أنه حملها ليرد شيئا من جميل صنعها ... ولكن هيهات هيهات ... أخرجها ليتخلص منها ...
وتلك أم أخرى يرفع ابنها صوته في وجهها؛ لأنها طلبت شيئا بسيطا منه، ونسي ذلك الوقت التي أنفقته في تلبية طلباته الخاصة، ولو لإزالة الأذى عن جسمه، تترك راحتها لأجله، ونومها لخدمته، وبعد ما شاب يبخل أن يلبي أدنى طلباتها ...
وآخر يبخل أن يتعب نفسه ليخفف شيئا من آلام أمه، وهي ملقاة على سرير المستشفيات، وقد كانت تسهر الليالي والآيام في حال حدوث حمى بسيطة منه ...
ورابع إذا ما تكلمت أمه رفع صوته عليها، وكأنها شبح مزعج في كلامها، ونسي المسكين الساعات التي قضتها للأجابة عن أسئلته حينها لم يكن يفقه شيئا ... بل أنصتت إلى أسئلته الطفولية بكل احترام، وكأنه شيخ كبير جليل ...
وخامس يبخل أن يعطي أمه قليلا من ابتسامته الجميلة، بل إذا تكلمت عبس في وجهها، ونسي أنها حتى في مرضها الشديد، ورهقها الكبير لم تبخل أبدا أن تلاعبه وتضحك له، حتى لا تتأثر نفسيته ...
فهل جزاء بعد هذا الإحسان كفران، وهل بعد هذا الجميل نكران، أم هل بعد هذه الشيبة والكبر ظلم وهجران ...
إن الأمهات لسن بحاجة إلى هدية خادعة يعقبها عقوق طويل مظلم، فما الفائدة من هدية خادعة تضعها الأم في جسدها أو في غرفة نومها، وبعد هذا اليوم لن تجد ابنها الوحيد، والذي سيتحول إلى حيوان مفترس لا يدرك من الأمومة شيئا، بل ستزيدها هذه الهدية حسرة وكآبة؛ فبها تتذكر فلذات أكبادها، وهم قد رمو بها في بحر مغرق من الأوهام والآلام. (1/64)
صفحة 65
لذا في حقيقة الواقع الأم ليست بحاجة إلى هدية جامدة؛ بل هي بحاجة إلى قلب يدرك فضلها، ويعي جلالتها، ويرد ولو القليل من إحسانها وجميل صنعها، وهذا لا يحده شهر ولا يوم، فوفاء الأبناء وبرهم لها أعظم وأجل هدية لأمهاتهم، وما هذا العيد إلا تغليف جديد للعقوق، ووصمة عار للخديعة والمكر تجاه الأمهات الوفيات، إذا أعقبه كفران لسعيها في سائر العام.
فهذه الإحصائيات في العالم الغربي تشير إلى أنّ معدلات العقوق ترتفع عشرات المرات سنويا، فلم يصبح عيد الأم علاجا له، بل أصبح بسببه الإحسان إلى الأمهات رمزا ماديا لا علاقة له بضمير ولا رد لفضل سابق، فضلا أن يتعلق بدين وحساب أخروي.
فإكرام الأم أمانة لا يحده يوم من أيام العام، بل هو مغروس وباقي ما دام نبض الحياة يتحرك فيها، بل حتى بعد موتها بأكرامها دعاء وصدقة وإحسانا إلى أقاربها وصديقاتها، فإيه وربي لا توجد شريعة كشريعة الله تعالى كرّمت الأم، كرّمتها بنتا، فأوجبت تربيتها وتهذيبها وتعليمها، وأمرت بالمساواة بينها وبين أخوتها الذكور، وكرمتها زوجة، فأحاسن الناس أحسنهم لزوجه، وكرمتها أما، وقدمتها على الأب لما تبذله من حمل ورضاع وحضانة، وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وأمرت بإكرام أقاربها وصديقاتها وجيرانها، كلّ ذلك لما لها من الفضل والإحسان، وردا لجزء ولو بسيط من معروفها الخالد.
اللهم احفظ أمهاتنا، وارزقنا البر بهن، واغفر للأموات منهن يا رب العالمين.
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية (1/65)
صفحة 66
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
إن الأم هي المحضن الأول لإعداد الأجيال، وهي المدرسة العريقة لأنتاج أمة قوية، فهي جامعة إذا أعدت إعدادا صالح كانت كفيلة بأن تختصر الطريق لعلاج العديد من المشكلات الاجتماعية والتفسية التي تعاني منها المجتمعات البشرية:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم جامعة إذا كونتها ... كونت مجدا في ربى الآفاق
من هنا أدركت أدركت الجمعيات الماسونية إن صلاح الأمهات يعني صلاح المجتمعات، فلا بد من إفساد الأم وشغلها عن محضنها الأول، وذلك بإفساد المرأة وبعدها عن الدين، بدعوى أن الدين يقيد حريتها، ويجعل الرجل سيدا لها وهي عبدة له، ولا بد أمن تتخلص من حجابها ولباسها الكئيب، ومن حقها أنم تظهر مفاتنها وجمالها للآخرين ...
وضجت هذه الجمعيات دعواتها بداية بالمجتمعات المسيحية، وهاي هي اليوم تبثها بقوة في المجتمعات المسلمة، وقد حصدت المجتمعات الغربية المسيحية سوآتها، واكتوت بناهرها، مما جعل من القسيسة العالمة المفكرة البريطانية ماري ويلدز والتي دخلت الإسلام مؤخرا، تبعث رسالة إلى عالم الشرق، حتى لا يكونوا ضحية لهذه الدعوات، وليعملوا عقولهم وإلا ستكون نهايتهم أليمة جدا، ومما قالته بالحرف الواحد: إن واقع المرأة في الغرب محزن للغاية، فقد تعطل دورها في البيت، وتحطمت أنوثتها، وأصبحت ضحية للمجتمع الغربي، فالنظام القائم يستغل عرض أجسادهن لأغراض الدعاية والإعلانات، فضلا عن دفع الآخرين للنهم الجنسي وتشجيعهم عليه. (1/66)
صفحة 67
وتقول أيضا عن دعاية الحرية الكاذبة: أظهرت هذه الدعوات الجنس إظهارا مفرطا لكسب الحرية، وهم بدعوتهم هذه لا يدعون إلى الحرية بل إلى العبودية، إذ ما يدعون إليه يخالف طبيعة المرأة متمثلا بالحرية المطلقة، واتباع الشهوات دون حسيب ولا رقيب.
ثم توجه خطابا خاصا إلى بنات الشرق، والاتي خدعن بهذه الدعوات قائلة: إن الإسلام رحمة للمرأة، إنه يعرف طبيعة المرأة التي جبلت عليه، ويعرف ما يناسبها من اللباس والحاجات، وفي ضوء ذلك أناط بها واجب البيت، وتدبير شؤون أطفالها.
إنّ مئآت الآلاف من النساء الاتي تربين في الغرب وجدن السعادة والكرامة في الإسلام، ليشهدن بأنّ الزي الإسلامي هو الزي الحق الحق الذي يناسب طبيعة المرأة، ويحقق لها ما تنشده من السعادة وراحة البال، ووجدن كذلك أن بقاءهن في البيت ليس حكما بالسجن، بل هو واجب سام ما دام يحقق تربية الأجيال.
وأخيرا توجه نداءها إلى عقلاء الشرق من الرجال قائلة لهم: ما هي الحرية المطلوبة من المرأة إذن؟ إن حرية المرأة تتحقق بمعرفة طبيعتها الحقة، والحفاظ على تلك الطبيعة، وقد أعطاها الإسلام ذلك كاملا، هنا تكمن الحرية، في الخضوع والطاعة لله رب العالمين".
فيا نساء الإسلام ويا رجال الإسلام: لا تنخدعوا بدعوات من هنا وهناك، فعندكم شريعة ناصعة أصبح العالم بحاجة إليها، قفوا عندها، واتقوا الله فيها، تصلح أحوالكم، ويستقيم معاشكم، وتتقدم أمتكم، وإلا ستكون المرأة الشرقية المسلمة ضحية من ضحايا العالم، لا قيمة لأم ولا بنت، ولا غيرة لعرض، المطلوب منها فقط الجنس والمال، وبعدها تكون ضحية الآلام النفسية، وإن كبرت فدار المسنين والعجزة ينتظرها، فلا تفرطوا يرعاكم الله في شعائر دينكم، فقد حمى أمهاتكم عقودا من الزمن، وهو كفيل بأن يحمي بناتكم وذرياتكم. (1/67)
صفحة 68
وفي الختام لا ننسى أن نقدم ثنائنا ودعائنا لأخواننا في الأقصى السليب، وهم يدافعون عن قبلة المسلمين الأولى، يقدمون أرواحهم فداء له، ونصرة لترابه الطاهر، تراب الأنبياء والصالحين، في وقت سكت العالم لما يفعله المتطرفون اليهود، فلا احترام لمسلم ولا عرض، ولا قيمة لمقدسات الإسلام في ميزانهم، فنسأل الله تعالى بحق هذا اليوم أن يمن على المناصرين بنصر قريب،
اللهم اربط على قلوبهم، وشد أزرهم، وكن معهم ناصرا ومؤيدا ...
اللهم حرر المسجد الأقصى من دنس اليهود، واجعله في أيدي عبادك الركع السجود ...
إلهنا نتوسل إليك يا الله يا ناصر يا قوي يا عزيز أن تخلص المسجد الأقصى وديار المسلمين، من الظالمين الغاشمين، اليهود والمنافقين.
ربنا لا حيلة لنا إلا بك، ولا قوة لنا إلا قوتك، فارسل إليهم سحائب نصرك، وامطر عليهم خيرات تأييدك وفضلك.
إلهنا كن لأطفالهم رحيما، ولنسائهم حافظا، ولعم ناصرا ومؤيدا ...
إلهنا الأقصى الأقصى يحن إلى رحماتك، فإن خذله الخاذلون فأنت رب العالمين، فحرره من أيدي الظالمين، برحمتك يا أرحم الرحمين.
إلهنا من لهم رب سوك، من نا صر غيرك ينصرهم، لا حيلة ولا قوة لهم إلا بك ...
نستغفرك اللهم ونتوب إليك
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين
خطبة مساجدنا والتسول
الخطبة الأولى
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
الحمد لله من على العباد بنعمة المساجد، وجعلها خالصة للرب الواحد، لا يشرك معه راكع ولا ساجد، والصلاة والسلام على معلم البشرية، ورحمة الله للإنسانية، حبيب البرية، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه والتابعين أولي الفضل والخيرية. (1/68)
صفحة 69
في هذا اللقاء السريع يسرني أن أتحف مسامعكم بقضيتين مهمتين، لطالما كانتا حديث المجالس والمنتديات، وفاكهة المواقع والقنوات، ومطرق الصحف والمجلات، أولى القضيتين اجتماعية سلوكية، وثانيها تصورية عقدية، لنبين فيهما رأي الشرع الحنيف، وفلسفة الدين القويم.
وقبل الحديث عن القضية السلوكية الأولى: أطرح عليكم هذه الأسئلة، فكونوا معها سمعا وبصرا، قلبا وقالبا ...
وهاكم الأسئلة: لماذا كان أول عمل للنبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله للمدينة بناء المسجد؟
ولماذا أضاف الله تعالى المساجد إليه وحده لا يشرك معه غيره جلّ في علاه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
ولماذا التشديد والنكير منه سبحانه من العبث بالمساجد، من إيذاء الذاكرين، والسعي في خرابها، ونشر الفوضى والفتنة فيها: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
ولم الأمر منه سبحانه بعمارتها ماديا ومعنويا، فأوجب الصلاة فيها جماعة مع المؤمنين: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.
ولم الثناء العظيم منه سبحانه على الذاكرين المسبحين في بيوته، الواقفين عند حدوده، المتعظين بزواجره ونواهيه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. (1/69)
صفحة 70
أوما تدركون أخوة الإيمان، من خلال سماعكم وإنصاتكم لكلام ربكم فيما تقدّم من آيات، أنّ لبيوت الله حرمتها وجلالتها، فهي صاحبة العظمة، وأم الجلالة، كيف لا؟ وقد أضافها الله إلى نفسه شرفا وقدرا، وجلالة وإكبارا ...
من هنا كان لزاما على المسلمين أن يحافظوا على الوجه الحضاري لبيوت الله تعالى، من إخلاص العمل فيها لله سبحانه، والتعاون في عمارتها ماديا ومعنويا، وإقامة فيها ذكره، وإحيائها بالحلقات العلمية، والجلسات الفقهية، وإبراز الوحدة الجماعية بين أبناء الحيّ والمجتمع، والنظر في حوائج الجماعة الراكعة جميعا لله الواحد في بيوته.
مع الحذر الشديد والنكير العظيم من تشويه المساجد، والسعي في خرابها، وإيذاء الذاكرين فيها، فالمساجد ليس دار رهبنة لا أثر لها، كما أنها ليست ملعبا وسوقا وممرا يلهى بها ...
ومن المظاهر الغريبة، والعادات الذميمة، والتي بدأت تنشر في بيوت الله بصورة مقززة، ظاهرة التسول في بيوت الله تعالى، وتحويل المساجد إلى مرتع للكذب والدجل على الناس، وأكل مالهم بالباطل، فمع بشاعة التسول وحرمته، إلا أنه يزداد بشاعة وجرما عندما يكون في بيوت الله الآمنة، وحرمه الساكن.
فكم من هؤلاء الدجالين الكذابين –كما رأينا ورأيتم- ممن يتخذ التسول مهنة وحرفة، فتراه يتظاهر تارة بالمرض الشديد، فإذا ما خرج من المسجد على بعد أمتار خرج سليما معافى لا علة فيه ولا مرض ...
ومنهم من يزور الأوراق المرضية، عن طريق آلات المسح الضوئي، ناسبا أوراق غيره إلى نفسه كذبا وتدجيلا ...
ومنهم من يأكل أموال الناس مدعيا خدمة طلاب العلم والدعوة إلى الله تعالى في بقاع العالم ...
فضلا عن الشركات الوهمية، والتي توزع هؤلاء على أبواب الجمعات والمساجد، وتستغل أبناء الدول الفقيرة المجاورة ... (1/70)
صفحة 71
والعجب أن يكون من المتسولين فتية في قوة شبابهم وقدراتهم الذهنية والجسدية، يمدون أيديهم إلى الناس، وأبواب الرزق والحمد لله تعالى مفتوحة ... بل تجدهم في المساء يتلهون في الجلسات والأسواق والمجمعات ...
ومن ذلك استغلال أعراض المسلمات المتسولات، عن طريق الذين في قلوبهم مرض، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله المستعان ...
لذا يجب الوقوف مع هذه الظاهرة وقفة جماعية، الكل يتعاون في إيجاد الحل لها، حتى لا تتفاقم، وتصبح ظاهرة عادية لأبنائنا وبناتنا، ورجالنا ونسائنا، نستغل بيوت الله في أكل أموال الناس بالباطل، فأموال الناس معصومة، لا تؤخذ إلا بحق، ولا توضع إلا في المكان المناسب، لأنها أمانة مسؤولة، وعارية مستودعة.
وقد يستفهم بعض الأحبة قائلا: ما الحل وما العلاج؟ أما قال ربنا جلّ وعلا: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، فقد يكون السائل محتاجا حقا وصدقا؟
والجواب أخي الحبيب: أن دينك دين حضارة، وقيم ومثل عليا، وليس دين سذاجة وغباء، دين نظام وقيم، دين خلق ومثل، دين تعاون وبذل، دين دنيا وأخرى ...
والمال الذي استودعنا الله إياه أمانة لا يوضع إلا في محله، قال تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
وقد جاء رجلان يسألان النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصدقة، فرفع فيهما البصر وخفضه فوجدهما جلدين قويين، فقال لهما: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". (1/71)
صفحة 72
والأصل في السابق أنّ القرى البشرية صغيرة، يكشف الصادق فيها من الكاذب، أما وقد أصبح العالم قرية واحدة، واختلط الناس، وصعب معرفة المحق من المبطل، كان الإسلام مشرعا للنظام، ومؤسسا للوحدة الجماعية بين أبناء الأمة، جاعلا عنصر المساعدة عنصر دعم للعمل، لا عنصر مهنة واتكال، لذا كان من منهجه صلى الله عليه وسلم وهو يؤسس مسجده بالمدينة المنورة أن جعل للمسجد هيئة وجماعة تنظر في أحوال الناس، فتجمع الصدقات، وتوصلها إلى من يستحقها، مع عدم جعلها أداة لكسل وخمول الناس، لذا الشاب القادر غير المنهك بدين ولا مرض يعيقه عن العمل لا يعطى منها، وقد يعطى البعض كفتح باب للرزق لا للكسل، لذا منع عليه الصلاة والسلام ظاهرة التسول وهو القائل: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم".
وقد كانت الجماعة التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم تشرف بنفسها على الجماعة المسلمة، فقد يأتيها سائل فتنظر في أمره، وتعلم أنّ في الجماعة المسلمة محروما تمنعه نفسه من السؤال فتبحث عنه، أما تشويه المساجد خاصة، وأماكن الناس عامة بمثل هذه الظاهرة السيئة فكان عليه السلام أشد نكيرا لها، وعلى هذا جرى أصحابه رضوان الله عليهم، فهذا ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: "إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق ألّا يعطى، وإذا سأل على القرآن فلا تعطوه".
ونحن اليوم أولى أن نحقق الوجه الحضاري للإسلام الناصع، في زمن يتشدق فيه العالم بالنظام والحضارة، فلا نرضى أن نكون في ذيل القافلة، وأن نتهم بالسذاجة والبداوة، وعندنا أساس القيم الرفيعة، ومنبع أصول الحضارة، فلم يأخذ غيرنا منا اللب، ونبقى نحن في ذيل القشور المتطاير. (1/72)
صفحة 73
فحري ونحن في زمن العولمة والكوكبة أن نجد بيننا المؤسسات رسمية كانت أم أهلية في كل مسجد وحي، وفي كل ولاية ومنطقة تعنى بهذا الأمر، وتنظر في السائل والمحروم، وتضع المال في محله الصحيح، وقد بدأت بوادر الخير مثل هذه ترى ولله الحمد أولا وأخرى، أما أن تشوه المساجد بالمتسولين، وأن يكثر فيه الكذابون، فهذا من خراب بيوت الله تعالى، وهذا لا يرضاه الله ورسوله ولا المؤمنون، فدينا دين حضارة وقيم، دين الله الخالد، ومنهجه الناصع، لا نرضى أن يشوه ويتلاعب به.
هذا والمسلم الحق عفيف مستغن، لا يتطلع إلى المسألة، إذا ألمّ به ضيق تذرع بالصبر، وضاعف من الجهد، وحرص ألّا يقف موقف المستعطي المستجدي المستدرّ أكفّ المحسنين، لأنّ هذا الدين يربأ بالمسلم أن يضع نفسه في هذا الموقف، ويهيب به أن يستعفّ ويستغني ويصبر، وسيعينه الله، ويهبه الغنى والصبر والعفاف، "من يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبّر يصبّره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خيرا وأوسع من الصبر.
وليحذر الذين يأكلون أموال الناس باسم الحاجة ولغير ضرورة، وليحذر من يستغل حاجة هؤلاء وخاصة ضحايا الحروب من النساء والضعاف والأطفال أن العمر القصير، والحساب قريب، والقليل من أموال الناس يورث النار، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية (1/73)
صفحة 74
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ
عباد الرحمان: إنّ ما يحدث في العالم اليوم من أحداث عظام، ومشاهد كبار، إنما هو آية من آية من آيات الله الكبرى، ومشهد من مشاهد القيامة العظمى ...
أوما سمعتم ما جرى بإخوانكم في هاييتي من زلزال مرعب، والذي كان ضحيته عشرات الآلاف، دقائق وثوان غيرت الأرض غير الأرض، وخضعوا جميعا لإرادة الواحد القهار ...
كل هذا علامة من علامات يوم القيامة، فقد جعل الله الأرض مهيأة لهذا المشهد العظيم، فهذه الشهب والنيازك ما بينها والأرض إلا قيد شعرة، ولو أراد الله تعالى لها الانحراف لثانية لحوّلت الأرض إلى ركام من النار والماء ...
فضلا عن طبقات الماجما والتي تبلغ حرارتها آلاف الدرجات، والتي هي قريبة من أرجلنا جدا، والتي بدأت تخرج بصورة كبيرة عن طريق البراكين، فضلا عن التصدع الكبير الذي بدأ يصيب الأرض بصورة ملحوظة في السنوات الأخرى، مما كان نتيجتها الزلازل والأعاصير والفيضانات وغيرها، وصدق الله حينما: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (1/74)
صفحة 75
فما يحدث اليوم في عالم الأرض والفضاء إلا مشهد مصغر للقيامة الكبرى، ولكن من رحمته تعالى أن أخفى حدوثها ليرى استعداد الناس لها، ومدى اجتهادهم للوقوف بين يدي الله تعالى، وما يشاع اليوم من بعض المهتمين بعلم النبوءات، وعلى استقرائهم ما جاءت به الكتب السماوية، وما قاله علماء الجيولوجيا والأرض، فزعموا أن القيامة ستكون في عام كذا، فهذا باطل عقلا وشرعا، فالقيامة من علم الله تعالى وحده، لا يعلم موعدها ملك مقرب، ولا نبي مرسل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
نعم ما يحدث الآن في الكون أجمع، وهي مطابقة ما جاءت به كتب السماء، إنما هو دليل على صدق أنبياء الله تعالى فيما يبلغونه، لأنه من علم الله تعالى وحده، وهو من علامات الساعة، ومن أشراطها المؤذنة بقربها، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ
فليتق الله تعالى الإنسان، وليتعظ بما يراه في عالم الفضاء والإنسان والحيوان، وكل شيء يدل عليه سبحانه، والكون في قبضته جلّ جلاله، والإنسان مرهون بطاعته لله، فإن استجاب وأجاب فبها، وإلا فلينتظر يوما عظيما، ومشهد جليلا، ظهرت علاماته، وبانت مظاهره، فتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
خطبة الحسد
الخطبة الأولى (1/75)
صفحة 76
قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ مِن شَرّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
الحمد لله على نعمة الإيمان، وسلامة الصدور من الحقد والحسد والأضغان، والصلاة والسلام على أفضل بني عدنان، محمد وعلى آله وصحبه أولي الفضل والإحسان.
أخوة الإيمان:
أقف معكم اليوم مع داء عضال، وسرطان قاتل، لطالما فرّق بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والحبيب مع حبيبه.
فكم من قطيعة كانت بسببه ...
وكم من مشاكل أسرية واجتماعية نتجت عنه ...
داء لطالما حوّل الألفة والمحبة بين الجيران إلى بغضاء وشقاق ...
وبين الأصدقاء والأحبة إلى حقد ونفاق ...
وبين الأقارب والأرحام إلى قطيعة وعقوق ...
أو تعرفون هذا المرض؟!!!
أو تدركون هذا السرطان القاتل للمجتمعات؟!!!
إنه الحسد .........
نعم ... الحسد الذي كان بسببه أول كفر بالله ... وأول معصية لله ... وأول قتل في تأريخ الإنسانية ... وأول قطع للأرحام على وجه البرية ...
فما الذي جعل إبليس يرفض السجود لآدم ......... ؟
وما الذي شدّ أزره ... وقوّى عزيمته ... لإخراج آدم من الجنة ليشقى .... ؟
وما الذي هيّج قابيل لقتل أخيه هابيل .... قاطعا بذلك رحمه ...
إنه الحسد ... الذي حذّرت منه رسالات السماء .... وتعاليم الأنبياء ...
يا طالب العيش في أمن وفي دعة
رغدا بلا قتر صفوا بلا كدر
خلص فؤادك من غل ومن حسد
فالغل في القلب مثل الغل في العنق
ولم الحسد يا عباد الله ....
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
فمن الذي يهب الأولاد والبنين؟
ومن الذي يبارك في المال والثمار؟
ومن الذي يوفق في النكاح والزواج؟
ومن الذي ييسر للناس أمر المعيشة والرزق؟
أوليس الله سبحانه وتعالى .... !!!!!! (1/76)
صفحة 77
فلم إذا الحسد إذا يا عباد الله؟!!!
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
يقول حبيبكم صلى الله عليه وسلم: لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد ....
فمن عجب العجاب أن يمتلئ جوف امرئ حسدا على جارٍ له من الله عليه برزق أو خير، فيمتلئ قلبه غيظا وحسدا على تلك النعمة، متمنيا زوالها، وقد يسعى في خرابها، أو لم يعلم أن الرازق هو الله سبحانه وتعالى وحده.
ومن أغرب الصور والأمثال أن يزداد قلب امرئ غيظا وحسدا على توفيق من الله به على صديق أو قريب له في زواج أو عمل، راجيا أن لا يتم هذا الزواج ولا العمل، ناسيا أن الموفق هو الله سبحانه وتعالى وحده.
ومن أبشع ما يسمع ويرى أن يلبس أمرئ لباس الحسد لرجل وفق ابنه في طلب العلم، أو سفر للدراسة، وفي قرارة نفسه يتمنى أن يبدل النجاح بالفشل الذريع، ناسيا أن المعين في توفيقه هو الله تعالى وحده.
ومن أقبح الحسد وأهزله أن يعم بين طلبة العلم، ورواد الفكر، بل بين الشركاء في المتجر والمعمل، والأصدقاء في المكتب ومكان العمل.
فلم الحسد يا عباد الله ....
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
اصبر على كيد الحسود ... فإن صبرَكَ قاتلُه
فالنار تأكُلُ بعضها ... إن لم تجد ما تأكُلُه
فما الفائدة من الحسد؟
وما النتيجة التي تجنى منه؟
وما الثمرة التي تقطف بسببه؟
أوليست النتيجة عدم الرضاء بقدر الله تعالى، فيعيش مهموم القلب، مغموم الصدر ....
وهذا قلب الحاسد قد امتلأ حقدا لأخيه الإنسان، وهذا الحقد قد يستغرق العمر كله من الحاسد، في محاولة إزالة النعمة بالحيل، والسعاية، والتنازع لأتفه الأمور ... ، وقد لا يمد له يمينه سنينا عديدة .... (1/77)
صفحة 78
أيهجر مسلم فينا أخاه** سنيناً لا يمد له يمينه
أيهجره لأجل حطام دنيا ** أيهجره على نتف لعينة
وقد يصاب الحاسد بالكبر والعجب والغرور، مما يجعله يزدري الآخرين ويحتقرهم، ويتمنى زوال الخير عنهم، مع علمه بفضلهم ومكانتهم ...
فما الذي جعل اليهود يعادون النبي صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بأمانته وصدقه، وتيقنهم بأن ما جاء به هو الحق من عند الله تعالى ... وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فضلا على أنه يتصيد أتفه الأسباب لتشويه صورة المحسود، فإذا ما وقع خطأ منه ولو صغير، أكبره في عيون الناس، وأشاعه بلا خجل ولا ستر، ويغلفه بستار الكذب والنفاق ...
فما الذي جعل من المنافقين يشيعون الفاحشة في زوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة الصديقة ابنة الصديق، فلفقوا التهم حولها، ونسبوا الفجور إليها، إلا الحسد الكامن في نفوسهم ضد شخص الرسول عليه الصلاة والسلام ... لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (1/78)
صفحة 79
ومن أسبابه المهينة حب الرياسة والشهرة، وأن يكون محل الأنظار، وحديث المجالس والنوادي، فإن نال أحد مثل شهرته أو جاهه ساءه ذلك فحسده ووقع فيه، كما يحدث بين الزملاء في المهنة الواحدة أو الوظائف المتماثلة، وكما نراه بين طلبة العلم والكتاب، وبين التجار والأغنياء، فالتاجر يحسد التاجر، والطبيب يحسد الطبيب، والتلميذ يحسد التلميذ وهكذا دواليك. قال تعالى: وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً.
فلم الحسد يا عباد الله ....
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ما أجمل المجتمع تسوده المحبة بين أفراده، وتعمه السكينة والطمأنينة في مسجده وشارعه ومتجره، جوار متآخي بقلوب رحيمة، وخلان متماسكون بعلاقات صادقة حميمة، مصالح الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، هجروا الأنا والعجب وحب الذات، وغرسوا في قلوبهم حب الجماعة والأمة ...
أبى الشيطان وتوعد إلا أن يفرق هذه الجماعة، بنشر سهام الحسد في صور متعددة، لذا أمرنا الله تعالى بالتنبه لهذا الأمر، وإغاظة الشيطان بقلع جذوره وأسبابه ...
فعلينا للتخلص من الحسد بثلاث أمور: (1/79)
صفحة 80
أولا: أن ندرك ما نعمة في البر والبحر، في المال والصحة والسكن، هي من عند الله وحده، لا نشرك معه أحدا، فمن أرادها أخذا بأسباب حصولها، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ...
ثانيا: لنسأل أنفسنا ... هل نحب أن نرزق بصحة أو مال أو ولد ... ألا نحب أن نوفق في أنفسنا وأهلينا وأولادنا، إذا غيرنا كذلك يحبون هذا الرزق والتوفيق، فلنحب لغيرنا ما نحبه لأنفسنا، كما أرشدنا بذلك الحبي المصطفى عليه السلام.
ثالثا: لنسأل أنفسنا ... ما الذي سنجنيه من الحسد ... وما الذي سنستفيد منه ....
قال أحد العلماء: ليس شيء من الشر أضر من الحسد لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: أولاها: غم لا ينقطع. والثانية: مصيبة لا يؤجر عليها. والثالثة: مذمة لا يحمد عليها. والرابعة: يسخط عليه الربّ والخامسة: تغلق عليه أبواب التوفيق.
وأشد العقوبات أنها معصية للرب، ومن الكبائر الموبقة المحبطة للأعمال ...
نعم ... إذا رأينا لغيرنا خيرا في مال أو صحة أو ولد أو زواج أو عمل، نطلب من الله أن يبارك له فيه، ويجعله خيرا له في دينه ودنيه وآخرته ...
كما أننا نطلب أيضا من الله أن يرزقنا مثله وأكثر، وأن يرزقنا ما فيه خير لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، دون طلب زوال النعمة، أو السعي في إزالتها، قضلا عن تشويه صورته والإساءة إليه ... فهذا كله حطام دنيا، وعما قريب إلى الله راحلون ...
على ماذا التناحر و الضغينة ** وفيم الحقد يفقدنا السكينة
علام نسد أبواب التآخي ** ونسكن قاع أحقادٍ دفينة
ألا أين السماحة و التصافي ** ... و أين عراء أخوتنا المتينة
بنينا بالمحبة ما بنينا ** وما باع أمرهم بالهجر دينه
فلم الحسد يا عباد الله ....
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (1/80)
صفحة 81
اللهم بارك لنا في زروعنا وثمارنا، وأهلينا وذرياتنا
اللهم خلص قلوبنا من الغل والحسد، والبغضاء والشقاق والنفاق
إلهنا زين في قلوبنا حبك، وحب الخير للآخرين، وجنب قلوبنا الكبر والغرور والعجب والحسد
اللهم خلص المسجد الأقصى من الصهاينة المحتلين، واجعله في أيدي عبادك المؤمنين المخلصين
خطبة وقفات مع سورة العصر
الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب، والصلاة والسلام على النبي الأواب، وآله وصحبه الأحباب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام للملك الوهاب.
ومع بداية حرارة الصيف الملتهبة ... والتي تحمل في طياتها ذكريات منوعة ... ما بين ذكريات يسعد المرء بذكرها، وذكريات يجد فيها الألم والمرارة ...
هنا ونحن نستقبل الإجازة الصيفية ... أقف مع وجوهكم المشرقة ... وألطف أسماعكم النيرة ... وأتحف عقولكم المتنورة ... بوقفات ثلاث ... راجيا أن نستلهم العبر منها، وأن نجني الأثر من سماعها، فكونوا معها يرعاكم الله جل وعلا ...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)
لنبدأ وقفتنا الأولى بالتأمل في هذه السورة العظمية في معانيها، مع قلة آياتها ....
في هذه السورة يحدد الله تعالى دائرة الحياة الدنيا التي يعيشها الإنسان
ويبين فيها سبب النجاح والفلاح يوم القيامة ...
وهنا نطرح هذا السؤال:
لماذا قال: والعصر ...
لماذا أقسم به خصوصا ...
لماذا لم يقل هنا: والضحى ... والليل ... والفجر
لماذا العصر بالذات ... (1/81)
صفحة 82
تأملوا في العصر ...
ألا يسمى وقت الأصيل
فما أجمل العصر
وما أسرع انقضائه
يريد الله تعالى أن يبين لنا أن الفترة الزمنية التي نعيشها في هذه الحياة الدنيا قصيرة جدا جدا جدا ....
لذا عبر عنها القرآن الكريم بفترة العصر في سورة العصر، فالعصر أجمل أوقات اليوم وهو وقت الأصيل، والذي طالما تغزل به الشعراء، وتغنى به الأدباء.
والواحد منا يجد لذة في هذا الوقت، فلطالما أشغله عمله صباحا، ويسكن مع نفسه ليلا، فلا يجد وقتا يتلذذ به مع بيئته وأبناء مجتمعه غير هذا الوقت خصوصا ...
فإذا ما غربت الشمس إلا ويرى أنّ الوقت مرّ بسرعة خاطفة .....
والناس في عصرهم قسمان: قسم استثمره في طاعة الله تعالى، فيشعر بحلاوة الغروب
وقسم كان لاهيا غافلا فلا ينتبه إلا وقد غربت شمس يومه ...
وهكذا الحياة الدنيا كفترة العصر لا ينتبه الإنسان لانقضائها إلا عندما يحين أجله هناك يعلم من أي القسمين كان، لذا قال تعالى بعد قسمه بالعصر: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثواني
ومن الوقفة الأولى ننطلق جميعا إلى الوقفة الثانية ...
انظروا إلى أبنائنا الطلاب والطالبات هذه الأيام ...
يعيشون اضطراب الامتحانات ...
كم من الأيام مرت عليهم في مقاعد الدراسة ...
وكم من الساعات قضوها في هذا العام ...
نعم ... لكانت كفيلة بأن تنظم جدولهم في المذاكرة ...
وبها يستطيعون فهم المادة فهما رأسيا لا سطحيا، مع إدراك القواعد ... وسهولة التطبيق ...
أما وقد ضاع الوقت، واقترب أجل الامتحانات ... يعيش الطالب في اضطراب نفسي، لعله يدرك شيئا من المادة، فيخرج من الامتحانات فائزا منتصرا ... غانما رابحا ...
فيا أبنائنا الطلاب ...
المسلم الحق ... والإنسان العاقل ... هو الذي يعرف الخطأ ويعالجه ... (1/82)
صفحة 83
فالأصل هذا الوقت ليس وقت مذاكرة ... ولكنه وقت استحضار لما تم مذاكرته في السابق ...
ولكن لا تيأسوا ...
وعليكم بالتالي ...
أولا: اتقوا الله ويعلمكم الله، فمن اتقى ربه يسر أمره، وسهل عسره، ووفقه في مبتغاه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ...
أما أن نصلي للامتحان ... ونقرأ القرآن للامتحان ... ونحافظ على صلاة الجماعة للامتحان ... ونقطع الحرام للامتحان ... فهذا والعياذ بالله من الشرك ... فلا تشركوا مع الله أحدا، والله غني عن عبادة واجتهاد من أشرك معه غيره ....
فراقبوا الله وكونوا معه قبل الامتحان وبعده ... يوفقكم في دراستكم ومعيشتكم "واتقوا الله ... ويعلمكم الله ...
ثانيا: التنظيم والبدء بالأولويات ... فتنظيمك لجدولك، وإدراكك للخلل في عدم استيعاب فهم المواد أو بعضها ... هنا لا بد أن تعالج هذا الخلل بحسن استغلال الوقت ... فتعطي للمواد حقها من وقتك، حتى تستوعب خطوطها الرئيسة، أما أن تقضي ليلك ونهارك في المشاهدة واللعب، وتأتي ليلة الامتحان لتستوعب خطوط المادة الرئيسة، فهذا لا يمكن بحال أبدا.
ثالثا: الصحبة: فيا عزيزي الطالب: اختيارك للصاحب المجتهد، الذي يعي أهمية الوقت، ويجتهد في تحصيله، مع أخلاقه المرتفعة، يعينك على التفوق في دراستك، واستغلال مستقبلك، فاحذر أصدقاء السوء، وابتعد عنهم، فلطالما دمروا مستقبل أناس مثلك، وضيعوا أوقاتهم، فالصديق الصالح يختصر لك الطريق في التقدم والتفوق.
أبنائي الطلاب والطالبات:
ساعات قليلة، وتبدأ الامتحانات، ويحل علينا طيف الاختبارات، فيكشف المجتهد في عامه الدراسي، ويظهر الكسول من خلال درجاته، فنصيحتي لكم بالجد والاجتهاد، والسعي إلى العلا في نتائج العام.
فبذلك تقروا أعين آبائكم، فلطالما سهروا من أجلكم، وتعبوا في مقابل راحتكم، فقابلوهم بالإحسان، وردوا إليهم ولو قليلاً من السرور والسعادة من خلال نتائج العام. (1/83)
صفحة 84
وبالنجاح المتفوق تسعدوا أيضاً معلميكم، فهم يفرحون بتفوقكم، ويحزنون أيما حزن برسوبكم، أو بتدني مستواكم، فكم ليلة سهروا من أجلكم، وكم من وقت تركوا أهليهم وأولادهم من أجل تعليمكم، فردوا إليهم هذا الإحسان، وادخلوا السعادة إلى قلوبهم.
وبالتفوق أيضاً – معاشر الطلاب- تتقدمون بأمتكم ووطنكم ومجتمعاتكم وبذلك تقروا عين دولتكم، وفرت لكم مدارس تتعلمون فيها، ومعلمين يعلمونكم، بل وفرت لكم وسائل نقل بلا درهم ولا دينار، فهلا رددتم إليها هذا الجميل، وأسعدتموها بتفوقكم وأخلاقكم.
فاجتهدوا وجدوا، واستغلوا ما بقي من أيام، وإياكم والغش في الامتحانات، فإنه من سمات الفاشلين، وهو عارٌ في جبين الأمم المتحضرة، والله لن تستفيدوا منه شيئاً إلا الخديعة والنفاق، وهذا ليس من شيم المسلم الصالح، يقول عليه الصلاة والسلام: {من غشنا فليس منا}.
ولطالما نبهت في الأعوام الماضية مرارا وتكرارا من رمي كراسات العلم في الشوارع وغيرها، فتدوسها الأقدام والسيارات، وكأنه انتقام منها، وتخلص من أغلالها، فعليكم باحترام وتوقير وإجلال كراسات العلم والدراسة، وأوراق الامتحانات، فليس من الحضارة ولا من الرقي أن ترمى في الشوارع والطرقات من أعلى الحافلات، أو على ساحات المدرسة والقرى، فهذا السلوك ينمي عن تخلف ورجعية، ويعبر عن أمة لا تهتم ولا تقدس العلم، وفقكم الله ويسر أمر امتحاناتكم، واتقوا الله ثم اتقوا الله ويعلمكم الله.
فاسلك طريق المتقين ... وظن خيرا بالكريم
واذكر وقوفك خائفا ... والناس في أمر عظيم
إما إلى دار الشقاوة ... أو إلى عز الكريم
فاغنم حياتك واجتهد ... وتب إلى الرب الرحيم
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم (1/84)
صفحة 85
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
وقفتنا الأخيرة نتركها مع الإجازة الصيفية، وقد بدأت تطرق الباب، فلنحسن ضيافتها، ولنستثمر ما تحمله من فراغ وراحة، لنخرج منها وقد كسبنا ما ضيعناه في هذا العام.
فالإجازة الصيفية من النعم التي يخلد إليها الإنسان، بعد عمل دؤوب في خضم الحياة دام بضعة أشهر، فمن حقه أن يأخذ فيها قسطا من الراحة.
وفي الوقت نفسه الإجازة الصيفية فرصة ذهبية لاستثمار المواهب والطاقات، وتنمية النقص في بعض الجوانب التي يعاني منها أبناؤنا الطلاب.
ولكسب الإجازة الصيفية لا بد من أمرين:
أولا: وضع الخطة لها، هذه الخطة تحوي الأهداف التي تريد تحقيقها مع نفسك وأسرتك، والآمال التي تريد أن تهفوا إليها، وحبذا أن تكون مكتوبة ومجدولة.
ثانيا: المحاسبة مع التنظيم والتقيد بالجدول، فلا بد أن تحاسب نفسك يوما بيوم، وعلى الأقل أن تجعل كل جمعة من كل أسبوع وقفة محاسبة.
وبهذين العنصرين –بعون الله – ستكسب قيمة الإجازة، وستجد نفسك قد حققت الكثير في زمن بسيط، وساهمت في رقي وتقدم مجتمعك وأمتك.
هذا ولاستغلال الإجازة وسائل كثيرة منها استغلال وقتها بقراءة القرآن وحفظه والتأمل في آياته، والابتهال إلى الله بالذكر والعبادة، والتسبيح والتحميد، وزيارة الأرحام والأصدقاء، وتنمية المواهب المختلفة، وممارسة الرياضة المفيدة، والسماع الطيب المفيد، كسماع المحاضرات والأناشيد النافعة، ومشاهدة النافع المفيد من القنوات الفضائية والإنترنت والأقراص المفيدة، والسياحة في الأرض للتفكر في آلاء الله تعالى، والجلسات الهادفة، الخالية من المحرمات، مع الوقوف مع حدود الله ومقاصد الشريعة الغراء. (1/85)
صفحة 86
فضلا عن القراءة، فالإجازة فرصة لتنمية القراءة، فإلى متى نظل أمة لا تقرأن ونحن الذين أنزل الله فينا سورة إقراء، وكيف نناطح العالم في عليائهم، إن كانت القراءة مغيبة في واقعنا ....
ولا بدّ من غرس أهمية استغلال الإجازة الصيفية في نفوس الأبناء، وتعويدهم على الطريقة الصحيحة في التعامل معها، من خلال التطبيق العملي الصحيح من قبل الأبوين والأسرة في إدارة الوقت، وبهذا يخرج أبناؤنا من الإجازة الصيفية وقد استفادوا منها في جوانب عدة، وهيئوا أنفسهم لاستقبال عام جديد مليء بالعمل والجد والاجتهاد، فيكونوا بذلك ثمرة صالحة لوطنهم وأمتهم.
ومن أعظم وسائل استغلال الإجازة الصيفية إقامة المراكز الصيفية وإحياؤها، والتعاون من الجميع في دعمها وتنشيطها، والتكاتف في تفعيلها وإنجاحها، فقد أثبتت نجاحها في السنوات الماضية.
لذا كانت من سياسة هذا الجامع المبارك، والمتمثلة في إدارته النيرة، إحياء المسجد في الإجازة الصيفية بالبرامج التعليمية والتثقيفية، وذلك استغلالا لأوقات أبنائنا الطلاب، ويقدم خدمته لمنطقة الموالح بصورة عامة كما لا يخفى عليكم.
ومن أعظم وسائلة التعليمية إقامة المركز الصيفي في الجامع المبارك للطلاب والطالبات، وهو يضم عشرات الطلاب، بجانب المعلمين والمعلمات، وحافلات النقل، والإداريين ومسؤولي النظافة بالمركز.
من هنا يعلن المركز عن فتح باب التسجيل اعتبارا من هذا اليوم الجمعة، وتوجد استمارات التسجيل لدى أئمة الجامع، والأولوية لمن تقدم بالتسجيل لمحدودية المقاعد.
وتبدأ دورة المركز يوم السبت في التاسع والعشرين من شهر جمادى الأولى، والموافق للثاني عشر من شهر ستة (يونيو)، كما هو مبين في الإعلان، والملصق في مساجد منطقة الموالح الجنوبية، والرسوم مبينة في الإعلان. (1/86)
صفحة 87
والمركز الصيفي كما لا يخفى عليكم يترتب عليه تكاليف مادية كبيرة لتوفير احتياجاته من معلمين وإداريين وحافلات، وهذا بحاجة إلى دعمكم وتشجيعكم، من هنا خصصنا صناديق المسجد الداخلية والخارجية من ها اليوم وحتى نهاية المركز لأنشطة الجامع الصيفية، فثابروا يرعاكم الله، وكونوا دعما لهه المشاريع الطيبة، ولنتعاون جميعا في التسابق فيها، ولنكن يدا واحدة في وجوه البر والخير.
القسم الثالث
البحوث
بحث آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي
مقدمة البحث
للحضارة الإنسانية مظاهر وآثار تتبلور في العديد من مظاهر حياتها، وتتنوع أشكالها وطرقها، ومن هذه المظاهر والآثار، والتي لها دور في تقدم الأمم والمجتمعات؛ تنوع الطرق، لذا كانت العناية بها بالغة، فسنت لذلك نظما وقيما لرقيها وتنظيمها.
والحضارة الإسلامية سباقة في هذا الميدان، انطلاقا من كتاب الله تعالى، والذي شرع للإنساية نظما تنظم حياتها، الفكرية والتربوية، والاجتماعية والاقتصادية، والسياسية والخلقية، وهذه النظم والتعاليم تعم نواحي الحياة والتي منها الطرق بأنواعها، لذا كان من النبي صلى الله عليه وسلم أن أسقطها على الواقع، وطبقها تطبيقا عمليا، فكانت سنة عملية لأمته والإنسانية.
ومن هذين المنهجين، كتاب الله تعالى، وتطبيق الرسول العظيم؛ كانت تطبيقات وتقعيدات الفقهاء في أحكام الطرق حدا وآدابا، مما كانت ثروة منهجية للمهتمين في سياسة الطرق والمرور في العصر الحديث.
لذا سيتبين لنا من خلال هذا البحث المتواضع، ونحن نستعرض التطبيقات المعاصرة لقواعد المرور؛ سيظهر لنا نظائرها في الفقه الإسلامي الشامل، والذي يدلّ على سبقه الحضاري في هذا الجانب وغيرها من مظاهر الحياة.
وقد عنونت بحثي هذا بـ آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي، وقد قسمته بجانب المقدمة والخاتمة إلى أربعة مباحث: (1/87)
صفحة 88
المبحث الأول تحدثت فيه عن تعريف الطريق لغة واصطلاحا، مع ذكر قسميه العامّ والخاص، مع بيان بعض أسمائه وأنواعه القديمة والمعاصرة، وختمته بتعريف آداب الطريق بوجه عام.
المبحث الثاني وفيه تحدثت عن الكليات الأربع لآداب الطريق في القرآن الكريم، فالأولى بينت فيها أنّ الطريق من نعم الله تعالى الواجب شكرها، والثانية كانت عن التحذير من مهلكات الطرق والإفساد فيه، أما الثالثة فبينت فيها وجوب اتباع الأنظمة والقوانين والأدبيات والتي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه، والرابعة كانت عن وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق، مدرجا التطبيقات العملية للنبي صلى الله عليه وسلم.
المبحث الثالث فخصصته عن تطبيقات آداب الطريق المعاصرة ونظائرها في الفقه الإسلامي، حيث أن آداب الطريق المعاصرة يمكن جمعها في ستة جوانب: الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة، الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة، الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب، الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق، الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق، الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته، مدرجا بعض النظائر الفقهية، والتي تدل على البعد الحضاري للفقه الإسلامي.
المبحث الرابع: تحدثت فيه عن البعد العقدي وأثره في أدبيات الطريق ونظمه المعاصرة.
راجيا أن أكون وفقت في عرض المادة بالصورة الحسنة، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
كتبه: بدر بن سالم بن حمدان العبري
واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية / سلطنة عمان
مسقط / الموالح الجنوبية
1431هـ/ 2010م
المبحث الأول:
في التعريف بالطريق وذكر أسمائه وأقسامه
في هذا المبحث أتطرق إلى تعريف الطريق، مبينا الأسماء المتعلقة به، مع الإشارة إلى أقسامه. (1/88)
صفحة 89
الطريق في اللغة من طرق، وهو المطروق، والممر الواسع الممتد من أوسط الشارع (1)، وفي الاصطلاح جاء في قانون المرور بشرطة عمان السلطانية بأنّه كل سبيل مفتوح للسير العام، سواء للمشاة أو الحيوانات أو لوسائل النقل أو الجر، ويشمل الطرقات والشوارع والساحات والممرات والجسور التي يجوز للناس عبورها (2)، وجاء تعريفه في نظام المرور بالمملكة العربية السعودية بأنّه كلّ سبيل مفتوحة لسير وسائط النقل والبحر والمشاة والحيوانات (3)، وعرفه الشيرازي بقوله: سبيل مفتوح للمرور العام من مشاة وحيوانات ومركبات، بما في ذلك الشوارع والساحات والجسور أو ما يشابهها (4)، بينما عرّفه محمد علي القحطاني بقوله: الطريق هو المكان المخصص لسير الناس أو المواشي أو العربات أو السفن أو الطائرات في البر أو البحر أو الجو (5).
ونلاحظ التعريف الأخير جاء شاملا من حيث النوع في النقل فهو يشمل البر والبحر والجو، إلا أنّ هذا التعريف أقرب إلى المدلول اللغوي؛ لأننا عندما نعرف الطريق فاصطلاحا يعم الجالس والماشي والراكب والقائد للمركبة، وهذا يغلب غالبا على الطريق البري، لذا كانت التعاريف الثلاثة الأولى أدق في المعنى، وأقرب إلى المراد منه.
__________
(1) المعجم الوسيط، تأليف إبراهيم مصطفى وآخرون، ط المكتبة الإسلامية/ استانبول – تركيا، لا تاريخ، 1/ 566.
(2) قانون المرور، موقع شرطة عمان السلطانية، الإدارة العامة للمرور، www.traffic.gov.com
(3) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، أعدها: محمد علي شبيب القحطاني، ص 23، مخطوط.
(4) فقه المرور، محمد الشيرازي، ط هيئة محمد الأمين (ص)، الكويت، الطبعة الأولى 2000م، نسخة الكترونية.
(5) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص24. (1/89)
صفحة 90
وللطرق أسماء ذكرها الفقهاء منها السبيل والشارع وهو الطريق الأعظم الذي يسلكه الناس عامة، والفج، وجمعه فجاج، وهو الطريق الواسع بين جبلين، والممر موضع المرور، والمسلك، والدرب ونحوه (1).
وللطريق قسمان: طريق عام وهو ما لا يحصى مستخدموه، فلا يختص به فرد معين؛ بل يشترك الناس في الانتفاع به، ويعبر عنه بالطريق النافذ أو الأعظم، أو طريق المسلمين، والنظر فيه موقوف على رأي الإمام أو نائبه؛ لأنّه من الحقوق العامة (2).
والطريق الخاص هو الذي يختص به فرد أو أفراد معينون، ولا يشاركهم فيه أحد في الانتفاع إلا بإذنهم، ومن صفاته كونه مسدودا من أحد طرفيه، ويعبر عنه بالطريق غير النافذ (3).
__________
(1) ينظر: أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص19 - 22، بتصرف.
(2) المصدر نفسه، ص 25، بتصرف.
(3) المصدر نفسه، ص26. (1/90)
صفحة 91
ويدخل في الطريق بنوعيه حسب التقسيم العصري عبور المشاة وهو المكان المخصص لمرور المشاة ومخطط لهذا الغرض، في الشوارع والطرق، والذي يجب على السائق الوقوف قبله ليتمكن المشاة من السير عليه بأمان (1)، والمعبد وهو قسم من الطريق معد لسير المركبات (2)، والمسلك وهو جانب من المعبد معد للسير في جهة واحدة (3)، والمسرب: قسم من المسلك محدد الجوانب، ويسمح عرضه بمرور المركبات بالتتابع (4)، والخط: هو الحيز الذي يقسم المسلك إلى مسربين ويكون: أ/ متصلاً، ب: متقطعاً، ج/ عمودياً على محور الطريق، وفي هذه الحالة يلزم التوقف عنده، حتى خلو الطريق أو تبديل الإشارة (5)، والمدرج: قسم من الطريق خاص بسير الدراجات، وينفصل عنه انفصالاً بينا (6)، والطريق العريض: طريق ذو مواصفات معينة، مخصص لمرور السيارات فقط (7)، وطريق دولي: طريق يربط الدول بعضها ببعض (8)، والتقاطع: هو مكان تلاقي طريقين على مستوى واحد، أو تلاقي طريق مع خط حديدي، مهما كانت درجة زاوية تقاطع محوري الطريقين (9)، والمفترق: هو مكان تلاقي أكثر من طريقين في مستوى واحد، مهما كانت درجة زاوية محاور الطرق. (10)
والفقهاء القدامى أيضا وضعوا أنواعا للطريق منها مثلا طريق المشاة، وطريق السقاية، وطريق الجمال، وطريق الحطابة، وطريق الحمير، وطريق الحجاج (11)، وهكذا كما هو مبين في كتب الفقه.
__________
(1) فقه المرور، مصدر سابق.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
(8) المصدر نفسه.
(9) المصدر نفسه.
(10) المصدر نفسه.
(11) ينظر: القسمة وأصول الأراضين، لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسسطائي النفوسي، تحقيق: محمد صالح ناصر، وبكير بن محمد الشيخ بلحاج، ط مكتبة الضامري، الطبعة الأولى 1992م، ص 443 - 444. (1/91)
صفحة 92
ومن خلال هذا المبحث يمكن أن نخلص في تعريف آداب الطريق، وهي الأدبيات والأنظمة المتعلقة بحفظ الطريق بما فيه من ممتلكات عامة، ومشاة، وركبان، ودواب، ومركبات، ويضمن بها حفظ الأرواح والأموال، والأعراض.
وفي المبحث الثاني سأتطرق إلى الكليات القرآنية في أدبيات الطريق، مع التطبيق العملي لها من قبل النبي عليه الصلاة والسلام.
المبحث الثاني:
القواعد الكلية لآداب الطرق في القرآن الكريم
لقد منّ الله تعالى على عباده بشريعة تنظم أمر حياتهم، بها يحفظون أنفسهم من الهلاك، وأموالهم من التلف، وأعراضهم من الفساد، لذا سنّ سبحانه من الأدبيات والأحكام ما تحفظ الإنسان في مجرى حياته، وهو المتولي به سبحانه بعد مماته.
ومما يميز الشريعة الربانية أنّها شريعة خالدة خلود الزمان حتى يرث الله الأرض ومن عليها، من هنا نجد الله تعالى في كتابه الكريم وضع أسسا وقواعد عامة يسير عليها الناس، وقلما يدخل في التفاصيل لهذه الأحكام والأدبيات، عدا بعض ما يتعلق بالعبادات والمواريث وشبهها؛ لأنّ العبادات من الجوانب التعبدية المحضة والتي قد لا يفقه العقل البشري سرها، وإنما يستخلص آثارها الناتجة منها، والمواريث مما يعظم فيه النزاع، ويشتدّ فيه الخلاف، لذا فصله الله تعالى تفصيلا.
أما ما يتعلق بحياة الناس السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والتربوية ونحوها، فهذه ماهيتها ترجع إلى حياة الناس ووجودهم، ومدى تأثرهم ببعضهم البعض، واكتشافهم لبعض السنن الكونية، مسخرينها في تقدمهم واستغلالهم لمكتشفاتهم المعاصرة، لذا كانت شريعة الله تغرس الأدبيات الكلية، والخطوط العريضة، والتي يجب أن يسير عليها الناس، لتنتظم حياتهم، وتستقيم أفعالهم، أما كيفية إنزالها فقد ترك لعقولهم المجال الواسع لوضع الخطط الكفيلة للجمع بين حياة الناس وتعاليم الله تعالى؛ لأنّها أساس لاستقامة واستمرارية الوجود البشري. (1/92)
صفحة 93
وإذا جئنا إلى الطريق وآدابه نجد الله تعالى وضع فيه كذلك القواعد الكلية، والأدبيات السامية، ما ينظم أمر الطريق، ويحفظ مرورهم وسيرهم فيه، ثمّ نجد تطبيقات عملية من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وذلك وفق العصر الذي عايشوه، بما يحويه من طرق سير تناسب زمانهم، وهي تدخل عموما في الكليات القرآنية.
ومن خلال اطلاعي البسيط لبعض الأطروحات المعاصرة في آداب الطرق وأحكام السير والمرور، أجد تكرارا كبيرا في عرض هذه القواعد والأدلة على التطبيقات العملية، لذا رأيت أنّ أتحدث عنها أولا؛ ليدرك القارئ الكريم هذه القواعد مستحضرا لها، ثم أجنبه التكرار المخل، والإسهاب الممل أثناء عرض التطبيقات العملية.
ومن خلال استقرائي البسيط لآيات الله تعالى والتي تدخل عموما في هذا الباب يمكن أن نضعها في أربع كليات:
الكلية الأولى: الطريق من نعم الله تعالى الواجب شكرها.
الكلية الثانية: التحذير من مهلكات الطرق والإفساد فيه.
الكلية الثالثة: وجوب اتباع الأنظمة والقوانين والأدبيات والتي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه.
الكلية الرابعة: وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق.
أما إذا جئنا إلى الكلية الأولى فنجد الله تعالى يمتن على عباده بنعم عظيمة، وأعظمها هذه الأرض، والتي سخرها لهذا الإنسان، ويسر سبلها له، يقول تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (1).
__________
(1) الحجر/ 19 - 21. (1/93)
صفحة 94
وبين سبحانه من خلال فصة سبأ نعمة الأمن في الطريق، وإنها أساس تقدمهم اقتصاديا، واطمئنانهم نفسيا، يقطعون الليالي والأيام في وقت قصير، وهم آمنون في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فاستقام حالهم، وكثرت القرى وتقاربت، فقلت المسافة، وانتعشت الحياة، قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (1)، فليست العبرة بسعة الطريق بقدر توفر نعمة الأمن والاطمئنان فيه، فيخرج الإنسان ليقضي حوائجه آمنا مطمئنا، لذا عندما أفسد أهل سبأ في الأرض، فقدوا نعمة الأمن في سيرهم وترحالهم، وشعروا ببعد المسافة، وأبدلوا بالأمن خوفا، وبالتقدم تخلفا، وبالاستقرار اضطرابا، فتأثرت معيشتهم، وسقط بنيانهم، قال تعالى: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (2).
وما كان من رحلتي الشتاء والصيف بين مكة والشام إلا آية من آيات الله تعالى، فيقطعون القيافي والقفار بأمن واطمئنان، فلا يشعروا بقساوة السفر وشدته، فانتعش الجانب الحيوي والاقتصادي في مكة والشام، قال تعالى: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (3).
فالطرق وأماكن السير من نعم الله تعالى الناطقة بعظمته، والدالة على وجوده سبحانه، فإذا كان معها الأمن كانت عنصر خير وبناء وتقدم للأمم والمجتمعات البشرية، لذا نجد اليوم أنّ تطور المجتمعات المتقدمة من أسبابه سعة الطرق وتقدمها، بجانب توفر الأمن فيها.
__________
(1) سبأ/ 18.
(2) سبأ/ 19.
(3) قريش/ 1 - 4. (1/94)
صفحة 95
ومن أعظم الإفساد في الطرق، والذي يخلخل عنصر الأمن وروحه الاستهتار بآدابها، والغرور والكبر فيها، فتكون هذه الطرق بدلا من أداة تقدم للأمم أداة ذعر وخوف ورجعية، لما تفقده هذه الأمم من أرواح غالبها من الشباب، والذين هم سواعد بنائها ورقيها.
وإذا جئنا إلى التطبيق العملي للنبي صلى الله عليه وسلم نجده يشيد بأمر أمن الطرق أيما إشادة، ففي الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا يا رسول الله: ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فاعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (1)، وزاد الهيثمي في مجمع الزوائد قال: وأحسبه قال: وإرشاد الضال (2).
وقد ورد في هذه الرواية أدبيات أخرى باختلاف طرقها، جمعها ابن حجر الشافعي بقوله:
جمعتُ آداب من رام الجلوس على الطر يق من قول خير الخلق إنسانا
افش السلام وأحسن في الكلام ... وشمّت عاطسا وسلا ما ردّ إحسانا
في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث ... لهفان اهد سبيلا واهد حيرانا
بالعرف مر وانه عن نكر وكفّ أذى ... وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا (3)
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الاستئذان، باب (2)، حديث رقم: (5875)؛ ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات، وإعطاء الطريق حقه، حديث رقم: 114 – 2121.
(2) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، المجلد الثامن، كتاب الأدب، باب الجلوس على الصعيد وإعطاء الطريق حقه، حديث رقم: 12935.
(3) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، وذلك نقلا عن فتح الباري، 11/ 11. (1/95)
صفحة 96
فصار بهذا أربعة عشر أدبا، وهي بمجموعها داخلة في الحفاظ على أمن الطرق، وحفظا لسلامة المارة، ومراعاة لسيرهم في قضاء حوائجهم، فإن خرجوا فيلاقون مجتمعا مثقفا يعطي الطريق حقه، فيلاقونهم بالسلام والأمان فتستقر نفوسهم، بل حتى في أبسط الأمور فإذا عطسوا شمّتوا، وإن أساؤا نبهوا، فيحسن من يلاقونهم معهم قولا، ويعينونهم فعلا، وينصرونهم إذا ظُلموا، ويأمنونهم في أعراضهم وأرواحهم، ويحفظونهم في أموالهم، فبهذه الأدبيات التي أشاعها النبي صلى الله عليه وسلم بين قومه عمّ الأمن والاطمئنان في طرق المسلمين، لذا لم نجد غرابة أن تتقدم المدينة وحواضر المسلمين، وأن يشعر الناس في عهد بالأمن في ديارهم وطرقهم، وهو القائل عليه السلام: كلّ المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه. (1)
فهذه الأدبيات أشاعها النبي صلى الله عليه وسلم وفق الزمن الذي عاش فيه، وذلك شكرا لنعمة الله تعالى أن سير للناس أمر معاشهم، وسهل لهم انتقالهم، وثانيا حفاظا على نعمة أمن الطريق من عبث العابثين.
ونحن اليوم أولى أن نحقق هذه الأدبيات وفق ما يسمى بـ "السلامة المرورية"، والتي سنتحدث عنها أكثر في المبحث الثاني.
__________
(1) رواه الإمام أبو داود من طريق أبي هريرة، كتاب الأدب، باب الغيبة، حديث رقم: 4882، وابن ماجة من الطريق نفسه، كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله، حديث رقم: 3933. (1/96)
صفحة 97
أما إذا أتينا إلى الكلية الثانية فاعتبرت الشريعة الحفاظ على الطرق وأمنها، وعدم الإفساد فيها قبل أن يكون مطلبا شرعيا، اعتبرته جزء من مفرزات وآثار عقيدة المسلم، فهو نابغ من تعظيمه لله تعالى وشكره له، من هنا أدبيات الطريق في الشرائع السماوية ليست أمرا دنيويا فحسب؛ بل هو أمر أخروي يُحاسب عليه الإنسان يوم القيامة، فالإفساد في الطرق من الكبائر الشنيعة، والتي لا تقل شناعة عن ترك الصلاة والصيام والزكاة، بل لا معنى لهذه الشعائر وهو يفسد في طرق المسلمين، ويخل بأمنهم، فالدين كلّ لا يتجزأ، وشريعة شاملة لا تقتصر على المساجد فحسب؛ بل تعم نواحي الحياة بما فيها الطرق، وفي الوقت نفسه لا تنحصر على الأوراد والأذكار؛ بل تعمّ الأقوال والأفعال التي يمارسها الإنسان في سلوكياته وأفعاله، ويدخل فيها تعامله مع الطرق.
من هنا الإفساد في الطرق جريمة شرعية يترتب عليها العقاب الأخروي، وهذا ما دلّ عليه آيات الكتاب العزيز، فالذي لا يبالي بأدبيات الطريق لا شك سيلقي بنفسه وإخوانه من المارة والمشاة والركبان وغيرهم في الهلاك، والله تعالى يقول: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (1)، فليس من الإحسان العبث في الطريق، وعدم التقيد بأدبياته، وعكس الإحسان الإساءة، والإساءة من الكبائر الموبقة والتي تؤدي كثيرا إلى نتائج وخيمة، وعلى رأسها إزهاق الأرواح البريئة والتي قال الله تعالى فيها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (2)، فكم من أرواح أزهقت بسبب طيش الطائشين، ولعب المتلاعبين، واستهتار المستهترين، فضلا عن ترمل نساء بلا ذنب، وتيتم أطفال بلا جرم، وضياع أموال وأوقات بسبب هذه السفه الطائش.
__________
(1) البقرة/ 195.
(2) النساء/ 93. (1/97)
صفحة 98
فأدبيات المرور أو قواعد السلامة المرورية تحفظ الإنسان من الهلاك في الطرق، والإخلال بها إيقاع للنفس في التهلكة، وهذا يدخل – كما قرره العديد من الفقهاء المعاصرين – في الانتحار أو القتل العمد، ويترتب عليه آثاره من أحكام، يقول أحمد الخليلي عندما سئل عن حكم تعدي السرعات المحددة: قلنا أكثر من مرة بأنّ هذه السرعة الخارجة عن الاعتدال تعد من الانتحار، بل هي أشد جرما، وأعظم إثما من الانتحار؛ لأنّ المنتحر يقضي على حياة نفسه، وهذا الأرعن الذي لا يبالي بنفسه ولا بغيره يقضي على حياة نفسه وحياة الآخرين، فهو يتحمل إثم كلتا الجريمتين (1).
أما المسلم المؤمن الحق فهو الذي يمشي على الأرض هونا، مراعيا آداب الطرق، وقواعد السلامة فيها، لأنّه يعلم أنّ هذا داخل في عبادته لله تعالى، ومسؤول عنه يوم القيامة، قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (2)، فهم يمشون على الأرض هونا، خاليا من الكبر والغرور، ولو حاول المفسدون السخرية منهم بتقيدهم بأنظمة وسلامة الطريق قالوا: سلاما، لأنهم يعملون بذلك رضا لرب العالمين، وحفظا لأرواح الآمنين، وسعيا في إظهار النظام والخير للناس أجمعين.
__________
(1) الفتاوى، أحمد بن حمد الخليلي، الكتاب السادس، الطبعة الأولى، 1431هـ / 2010م، ط مكتبة الأجيال/ سلطنة عمان، ص230.
(2) الفرقان/ 63. (1/98)
صفحة 99
والذي لا يتقيد بأدبيات الطريق وأنظمة السلامة فيه يعتبره القرآن مغرورا متكبرا، وهي كبائر تنمي عن خبث النفس، وفساد الباطن، تحبط ما عمله من صالحات، فما الذي يدفعه إلى مخالفة الأنظمة التي سنها العقلاء لحفظ روحه وأرواح أخوانه إلا الفخر بالنفس والغرور بها، قال تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (1)، فمشي المرَح يدخل فيه القيادة والمشي في الطرق بلا مراعة لأنظمتها، ولا تقيد لقوانينها، وهؤولا يبغضهم الله ويمقتهم، وبغض الله لا يكون إلا لمن ارتكب محرما، وجرما فاحشا، فعلى هؤلاء القصد في المشي، ولا يكون إلا باتباع الأنظمة، والتقيّد بالأدبيات والقوانين، قال تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (2).
وهذه الكلية أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيقها في المجتمع، فحث على الحفاظ على سير الطرق واحترامها، وبين الثواب المترتب على ذلك، وحذّر من الإفساد والعبث فيها، بل بين أنّ الحفاظ على الطرق جزء من إيمان الإنسان بالله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الطريق عن الأذى، والحياء شعبة من الإيمان (3)، وهو تطبيق لكليات القرآن التي لم تفرق بين الإيمان والعمل، بل هما في الجملة شيء واحد، فحفاظ المسلم على قوانين المرور، ورفعه الأذى عنه جزء من إيمانه، وثمرة من ثمرات توحيده لله تعالى.
__________
(1) لقمان/ 18.
(2) لقمان/ 19.
(3) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي هريرة، وعزاه إلى مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة، وقال: صحيح، المجلد الثالث، فصل في المحلى بأل من حرف الألف، حديث رقم: 3096. (1/99)
صفحة 100
بل أمر عليه الصلاة والسلام أمرا صريحا برفع الأذي عن طرق المسلمين حيث قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين (1)، وفي رواية: نح الأذى عن طريق المسلمين (2)، وإزالة الأذى من الأعمال التعبدية التي يثاب عليها فاعلها، يقول عليه الصلاة والسلام: من عارضه شوك –أي في الطريق- فأخرجه شكر الله له وغفر له (3)، فإذا كان هذا مجرد شوكة قد تدمي جزء من الجسد، فما بالكم بالأنظمة التي لا تحفظ جزء فحسب بل أرواحا وأسرا، ومجتمعات وأمما، وعلى هذا اعتبر عليه الصلاة والسلام كلّ من لا يبالي بالطرق هو ضامن شرعا للآثار الناتجة من سوء تصرفه حيث قال: من ربط دابة على طريق المسلمين فأصاب فهو ضامن (4)، واليوم الذي لا يبالي بالسلامة المرورية لا في مركبته، ولا في سيره، هو أيضا ضامن شرعا للآثار المترتبة على تسويفه وتهوره.
وكما أنّه حث عليه الصلاة والسلام على رفع الأذى عن طريق المسلمين أيضا حذر من إيذائهم، ومن جملة إيذائهم إيذائهم في طرقاتهم، فقال عليه السلام: لا تؤذوا المؤمنين (5).
فهذه التطبيقات العملية من قبله عليه الصلاة والسلام تحوي من الدلالة الكبرى على الحفاظ على الطرق ومنع الإفساد بها، ونحن اليوم أولى أن نحقق هذه التطبيقات العملية، لأنها من صميم ديننا، وسنسأل عنها يوم نلقى الله تعالى.
__________
(1) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي برزة، وعزاه إلى مسلم وابن ماجة، وقال: صحيح، المجلد الأول، فصل حرف الألف، حديث رقم: 1157.
(2) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي برزة، وعزاه إلى أبي يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وقال: صحيح، المجلد السادس، باب حرف النون، حديث رقم: 9257.
(3) رواه الربيع في مستده، حديث رقم: 731.
(4) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال من طريق النعمان بن بشير، حديث رقم: 40112.
(5) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عطاء عن ابن عباس، باب الظاء، أحاديث عبدالله بن عباس. (1/100)
صفحة 101
وإذا جئنا إلى الكلية الثالثة وهي وجوب اتباع الأنظمة والقوانين والأدبيات التي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه، حيث أنّ الطرق في تأريخها ذات تطور باختلاف الآلة المستخدمة فيها، فالطرق التي تُجر فيها الحمير والبغال تختلف عن الطرق التي تُقاد فيها السيارات، والثانية تختلف عن طرق القطارات وهكذا، لذا كانت هناك أدبيات مشتركة بين الأزمان، وهناك مستجدات بما يناسب الزمان والمكان.
لذا رأينا القرآن الكريم لم يتحدث عنها بصورة تفصيلية بل أرجع ذلك إلى عقول الناس وأعرافهم، ونحن اليوم مع تشعب الطرق، وخطورة الآلة المركوبة؛ أجمع العقلاء على إيجاد أدبيات تحفظ أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم، سواء تعلقت هذه الأدبيات بالآلة المركوبة، أو بالشخص الماشي أو الراكب، أو القائد للمركوب، أو بالطريق ذاته، وسواء كانت الأدبيات من قبل جهات معينة، أو توصيات لمؤتمرات، أو بما يراه الحاكم أو النائب عنه في الجهة المعنية مناسبا؛ فكانت هذه القوانين ملزمة العمل بها، ومخالفتها ليست مخالفة قانونية فحسب؛ بل هي مخالفة شرعية يترتب عليها الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي، لقاعدة: ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، ولقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وهذا ما دلّ عليه قوله وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (1).
__________
(1) النساء/ 59. (1/101)
صفحة 102
وأولو الأمر ليس بالضرورة أن يكونوا الحكام ذاتهم؛ بل أيّ جهة معتمدة تسهر لحفظ حياة الإنسان المادية والمعنوية، فهي تدخل في دائرة أولي الأمر، لذا عصيانها ما دام لم يخالف نصا شرعيا هو عصيان لله تعالى، ويُعتبر من الذنوب المخالفة لحقيقة الإيمان كما بينا آنفا، وإذا كانت هذه الأدبيات عالمية يجب اتباعها ما دامت لحفظ الإنسان ذاته ولو من قبل جهات غير مسلمة؛ لأنّ الحفاظ على الروح الإنسانية، ومنع إلحاق الضرر بها مطلب شرعي، كما أنّ الحفاظ على الممتلكات الذاتية والعامة أيضا مطلب شرعي، من هنا حرّم الله تعالى إعطاء السفهاء أموالا كالسيارات يفسدون بها في المجتمع، وبها يزهقون أرواحهم، ويلحقون الضرر بهم، قال تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (1).
__________
(1) النساء/ 5. (1/102)
صفحة 103
والنبي صلى الله عليه وسلم في تطبيقاته العملية بين ذلك حيث قال: السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره، ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة (1)، بل أنّ مبايعته لأصحابه كانت على هذه القاعدة، فعن جرير قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، والنصح للمسلمين (2)، وعلى هذا جرى أصحابه، فعن عبدالله بن عكيم قال: بايعت عمر بيدي على السمع والطاعة فيما استطعت (3)، وذلك لأنّ هذا الحاكم أو تلك الجهة كانت مخولة من قبل الشعب لتقضي بينهم فيما يحقق مصالحهم، وفي المقابل على المحكومين أو الشعب السمع والطاعة، وإلا كان حكمها عبثا، وإلزامها فوضى، وهذا داخل في دائرة كليات الشرع الحنيف، فإن خرج فلا سمع ولا طاعة ولا كرامة.
ولا ينكر عاقل لبيب في إنّ أدبيات وقوانين السلامة والمرور اليوم داخلة في كليات الشريعة الغراء، لذا كان الالتزام بها فريضة شرعية، ومخالفتها معصية يترتب عليها كما أسلفنا الثواب والعقاب، فلا يجوز شرعا ولا قانونا مخالفة هذه الأنظمة، وهي في جملتها مخالفة لطاعة الله والرسول.
__________
(1) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من ابن عمر، وعزاه إلى الشيخين والأربعة، وقال: صحيح، المجلد الرابع، فصل في المحلى بأل من حرف السين، حديث رقم: 4827.
(2) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال، المجلد الأول، كتاب الإيمان والإسلام، في البيعة من مسند عمر، حديث رقم: 1514.
(3) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال، المجلد الأول، كتاب الإيمان والإسلام، في البيعة من مسند عمر، حديث رقم: 1497. (1/103)
صفحة 104
أما الكلية الرابعة وهي وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق، فلأنّ في المجتمع شواذ لا ينصاعون لقانون، ولا يتهيبون ليوم الوعيد، فلا يبالون بأنظمة السير وقوانينه، فكم فتكوا من أرواح، وكم شتتوا من أسر، فهؤلاء من السفهاء الذين لا يجوز شرعا ولا قانونا أن يملّكوا أموال المسلمين، وفي المقابل يجب وضع العقاب الناجع لهم إن لم تجد النذر والنصح.
ولهذا شدد الله تعالى في أمر المفسدين في الأرض، ووضع لهم العقوبات الزاجرة حيث قال تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).
ونلاحظ من خلال المنهج الرباني في علاج الإفساد في الأرض حيث نجده أقرب إلى العقوبات البدنية منها المالية، لما لها من أثر عميق في النفوس، خلافا للعقوبات المالية، فهي وإن كان لها أثر إلا أنّها سريعة الزوال والنسيان، مع أنّ بعض المستهتترين بالطرق منهم من عنده القدرة المالية ممن لا يبالي بالعقوبة أصلا، لذا نجد المخالفات المرورية في ازدياد، والحوادث في صعود، رغم مضاعفة العقوبات المالية، بينما كانت العقوبات البدنية علاجا حكيما للمجتمعات المسلمة ردحا من الزمن، فشارب الخمر مثلا لن يستطيع أن يمشي في الأسواق حاملا دابته ورائحة الخمر تفوح منه؛ لأنّه يعلم مصيره عند الجهة المعنية، بينما اليوم كم من الحوادث الناتجة بسب الكحول المسكر!!!
__________
(1) المائدة 33 - 34. (1/104)
صفحة 105
لذا نجد الله تعالى بين أنّ الإفساد في الأرض لا بد أن يُدفع بقوة، وأن تكون العقوبات صارمة، ومنها الإفساد في الحوادث، وليت شعري أيّ إفساد أعظم وأكبر من إفساد طفل بريء ينتظر أباه فيرجع أشلاء متفرقة، وأيّ إفساد أشدّ وأطغى من أبوين ضعيفين أكلهما الدهر، وقلوبهما متعلقة بابنهما، فيرجع إليهما معوقا مقعدا بسبب هذه الحوادث الأليمة، من هنا يجب أن يكون العقاب مناسبا لحجم الفساد، وإلا كان لا فائدة منه، فلو علم هؤلاء المفسدون في طرق المسلمين أنّ عقابهم بدني مؤلم، أو نفي من الأرض لما جرّهم بعد ذلك إلى العودة إليه، ولكانوا عبرة لغيرهم، وفي الأخير سنضع العلاج السليم في مكان الجرح الدامي.
والرسول صلى الله عليه وسلم في تطبيقاته العملية بين أنّه يجب أن يُؤخذ على أيدي المسيء بقوة حيث قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهنّ عن المنكر، ولتأخذنّ على أيدي المسيء، ولتأطرنّه على الحق أطرا، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم –أي بني إسرائيل- (1).
وطبيعة الحال أنّ الأخذ بيد هؤلاء قد يكون باللسان وهذا على الجميع فعله، لتكون ثقافة السلامة المرورية سائدة بيننا، ولنذّكر بعضنا البعض بها، فكما يُقال "كلنا شرطة" أي نتعاون جميعا في تحقيق السلامة المرورية بأنظمتها وأدبياتها.
__________
(1) أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد من طريق أبي موسى الأشعري، المجلد السابع، كتاب الفتن، باب وجوب إنكار المنكر، حديث رقم: 12153، وعزاه إلى الطبراني وقال: ورجاله رجال الصحيح. (1/105)
صفحة 106
أما الأخذ بهم كعقوبة مادية أو بدنية حسب النظام المعمول به فهي ترجع إلى الجهات المختصة لا عموم الناس، وهذا ما بينه النبي عليه السلام عمليا من خلال قوله: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان (1)، يقول أبو حامد الغزالي: فعلى الولاة تكليف الناس القيم بها –أي القادرين على منع المفسدين في الطرق باليد ممن لهم صفة رسمية- وليس للآحاد إلا الوعظ فقط (2).
والحاصل أنّ الإرشادات المرورية، والتذكير بأدبيات السلامة في الطرق داخل جملة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتذكير بها يعم الجميع، فلا تقتصر على رجال المرور فحسب؛ بل تعم جميع شرائح وفئات المجتمع، والرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آداب الطريق الذي مر ذكره في الكلية الأولى سنّ للجلوس في الطرق من الأدبيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه ضمنا الراكب والماشي والسائق للمركوب، فالكل يعمهم هذا الأمر.
وبهذه الكليات الأربع تكون الطرق مصدر رحمة وأمن، وينتج عنها انتعاش اقتصادي، وتطور ميداني، وبها تُحفظ أرواح الناس، وتُصان أعراضهم وأموالهم، وفي المبحث الثاني أتطرق إلى التطبيقات العملية المعاصرة، لندرك أهميتها وفق الكليات الأربع التي أسهبنا الحديث حولها.
المبحث الثالث:
التطبيقات المعاصرة لآداب الطريق ونظائرها الفقهية
اجتمعت عقول العقلاء في العالم على وجوب إيجاد أدبيات ونظم توافق الطرق المعاصرة، مع إلزامية تطبيقها، وعقوبة من يخالفها؛ لأنها أساس استقامة الطريق، وحفظ أرواح الناس.
__________
(1) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق أبي سعيد، وعزاه إلى أحمد ومسلم والأربعة، وقال: صحيح، المجلد السادس، تتمة باب حرف الميم، حديث رقم: 8687.
(2) إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي، ط دار الفكر /بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م، 2/ 292. (1/106)
صفحة 107
ولا يمكن بطبيعة الحال أن أستعرض جميع هذه الأدبيات والنظم في هذا البحث المتواضع، وذلك لكبر حجمها، وكثرة تفصيلاتها، لذلك كانت هناك كتب مختصة لبيانها (1)، ومواقع تحوي محتوياتها، وهي في الجملة داخلة في الكليات الأربع السالف ذكرها في المبحث الثاني، لذا أشير إلى نماذج منها، لأبين مدى تأصيلها الفقهي، ونظائرها في الفقه الإسلامي.
ومن خلال نظري الضعيف لهذه الأدبيات يتبين لي أنّها تشمل ستة جوانب:
الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة.
الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة.
الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب.
الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق.
الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق.
الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته.
وفيما يلي أذكر نماذج لكل جانب مبينا تقسيمات بعضها، ذاكرا بعض نظائرها الفقهية:
__________
(1) مثلا: قواعد المرور، وهو منشور في موقع المرور بشرطة عمان السلطانية. (1/107)
صفحة 108
الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة: وتُعرّف المركبة بأنّها وسيلة من وسائل النقل أو الجر، أعدت للسير على عجلات أو جنزير، وتسير بقوة آلية أو جسدية (1)، والآلة تختلف باختلاف الزمان، فهناك البغال والحمير والخيول والإبل، واليوم السيارات بأنواعها، والناقلات الكبيرة كالحافلات والشاحنات، بجانب القاطرات والطائرات، قال تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (2)، ونقتصر هنا على المسُتخدم اليوم غالبا في الطريق الشائع ومنها: السيارة، والدراجة الآلية، والدراجة العادية، والمقطورة، والقاطرة، والمركبة الخاصة، ومركبة التأجير، ومركبة الأجرة والتأجير، والحافلة، والشاحنة، والمعدة، وسيارة الطوارئ، وسيارة التعليم، وسيارة ذات الاستعمال الخاص، والجرار (3)، ومن أدبياتها العامة:
1. أن تكون مسجلة ومرخص قيادتها من قبل الجهات المعنية (4).
2. توفر في المركبة أدوات السلامة الرئيسة نحو: القاعدة "شاسية"، والمحرك "موتور"، ومنبه للصوت واضح، وعداد السرعة ونحوها (5).
3. لا يجوز ترك المركبات أو الحيوانات أو الأشياء المحمولة في الطريق بحالة ينجم عنها تعريض حياة الغير أو أموالهم للخطر، أو تعطيل حركة المرور، أو إعاقتها (6).
4. التأكد أنّ المركبات تلبي الحد الأدنى من معايير السلامة (7).
5. التأكد من شغل المصابيح بما فيها الإشارات، ومصابيح الرجوع للخلف. (8)
6. متابعة مستوى المياه في كلّ عين من عيون البطارية، بشرط تزويدها بالماء المقطر لا العادي (9).
__________
(1) قانون المرور، مصدر سابق.
(2) النحل/ 8.
(3) قانون المرور، مصدر سابق.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه.
(7) موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(8) المصدر نفسه.
(9) المصدر نفسه. (1/108)
صفحة 109
7. فحص المركبة بشكل دوري، والتأكد من سلامة الفرامل والإطارات خاصة (1).
8. التقيد بنسبة التعميم في المركبة، لما لها من أثر في وضوح الرؤية، ونسبتها في سلطنة عمان 30% (2).
9. التأكد من سلامة مطفأة الحريق (3).
فسلامة المركبة أساس من أسس أدبيات السلامة المرورية، وهو جملة داخل في القواعد الفقهية العامة، كقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة الضرر يزال، لذا قرر الفقهاء أنّ حمولة المركوب أكثر من طاقته، مما يحدث له ضررا، وبالتالي يعمّ هذا الضرر المارة ومستخدمي الطريق، اعتبروا من فعل ذلك ضامنا (4)، وقد مرّ ذكر حديث: من ربط دابة على طريق المسلمين فأصاب فهو ضامن (5)، وجاء عن أبي عبدالله الصادق: قال: من أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن (6).
__________
(1) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع سلامة المركبة، 25 - 31/ 3/1989م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(2) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، www.traffic.gov.om
(3) المصدر نفسه.
(4) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص 48.
(5) راجع المبحث الثاني.
(6) الكافي، حديث رقم: 350، 7/ 3. (1/109)
صفحة 110
فعلى هذا إذا كان صاحب الآلة يعلم أنّ في سيارته عيبا لا بد من المسارعة في إصلاحه، هنا لا يصح شرعا قيادتها في طرق المسلمين إلا بقدر الضرورة، مع الحذر الشديد، وتسويفه في الأمر يجعله ضامنا لكل ما يترتب عليها من أثر، يقول: الشيرازي من علماء المذهب الجعفري: "مسألة: من ركب حيوانا من جمل وناقة وما أشبه ذلك، فلو فعل ما أضر الحيوان بشخص ضمن الراكب ذلك الضرر، ولو فعل شخص ثان ما جعل الحيوان يضرّ براكبه أو بشخص آخر ضمن ذلك الثاني الضرر، ومن ركب حيوان حيوان غيره إذا أضرّ الحيوان ضمن، وهكذا الحكم في وسائل النقل الأخرى (1)، وسُئل أحمد الخليلي إذا تهاون الإنسان في قيادة سيارته بحالة سيئة كأن تكون الإطارات والعجلات ليست جيدة، هل يعتبر مهملا في هذه الحالة؟ فأجاب: نعم، ما دام ذلك مظنة للخطر، أو يؤدي إليه فإنّه يكون مهملا، وهو مسؤول أمام الله تعالى، وأمام الخلق عما نتج عن ذلك، والله أعلم (2).
ويندب له شرعا فحصها والنظر فيها بين فترة وأخرى، إلا إذا كان يعلم أنّ بها ضررا فيجب عليه هنا فحصها رفعا للضرر، وإلا كان ضامنا لما ينتج عنها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض (3)، حيث أنّ للإبل الحق في أن تؤخذ نصيبها من الراحة والطعام والشراب؛ لأنّ في هذا حفظا لها ولسلامة من يقودها ويركبها، والحال كذلك مع المركبات المعاصرة.
الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة: ويُعرّف السائق أو القائد بأنّه كلّ شخص يتولى قيادة مركبة أو حيوان من حيوانات الجر أو الحمل أو الركوب (4)، ولا بدّ من طبيعة الحال أن يكون عارفا بالقيادة عاقلا، ويضاف إليه من الأدبيات المعاصرة:
__________
(1) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية.
(2) الفتاوى، مصدر سابق، 6/ 239.
(3) رواه مسلم من طريق أبي هريرة، حديث رقم: 1926.
(4) قانون المرور، مصدر سابق. (1/110)
صفحة 111
1. أن يكون حاملا لرخصة القيادة من الجهات المعنية حسب الآلة المركوبة التي يقودها، سواء كانت الرخصة خفيفة، أو ثقيلة، أو رخصة قيادة معدات أو دراجات آلية، وتكون سارية المفعول (1).
2. يحضر قيادة أية مركبة على الطريق بدون تروٍ، أو بسرعة، أو تحت تأثير خمر أو مخدر، أو بطريقة تشكل خطورة أو تعرض حياة الأشخاص أو أموالهم للخطر (2).
3. اتباع السرعة المحددة دوليا في الطريق والمتعارف عليها، ولا يجوز مجاوزتها (3).
4. لا يجوز لمالك المركبة أن يعهد قيادتها لشخص آخر لا يملك رخصة قيادة (4).
5. لا يجوز الوقوف في الأماكن الممنوعة، والتي تضرُّ بالآخرين، نحو أماكن وقوف المشاة، أو فوق الجسور (5).
6. الالتزام الدائم بوضع حزام الأمان، وتقييد حركة الأطفال حتى أثناء الرحلات القصيرة (6).
7. الالتزام بوضع خوذة الوقاية من التصادمات عند قيادة الدراجات (7).
8. إعطاء الماشي حقه، ومساعدة الأطفال وكبار السنّ على عبور الطريق (8).
9. عدم قيادة السيارة في حالة التعب والنعاس الشديد (9).
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه.
(5) وزارة الداخلية، دولة الكويت، مصدر سابق.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
(8) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع المشاة، 12– 19/ 3/1985م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(9) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع الحد من السرعة، 15– 21/ 3/1986م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw (1/111)
صفحة 112
10. مراعاة الخطوط والعلامات الأرضية للطريق؛ لأنّها أهم عوامل السلامة والنجاة (1)، والخطّ هو الحيز الذي يقسّم المسلك إلى مسريين، ويكون: أ/ متصلا، ب/ متقطعا، جـ/ عموديا على محور الطريق، وفي هذه الحالة يلزم التوقف عنده، حتى خلو الطريق، أو تبديل الإشارة (2).
11. عدم الانشغال بغير الطريق، كالهاتف والمسجل ونحوه (3).
12. استخدم إشارات الانعطاف الضوئية لبيان وجهة انعطافك (4).
13. اترك مسافة مأمونة بينك وبين السيارة التي أمامك (5).
14. الحذر من التجاوز في المنحنيات، أو التقاطعات، أو الصعود المرتفع (6).
15. عدم البطئ الشديد في قيادة المركبة مما يؤثر في حركة الآخرين (7).
16. التجاوز يكون دائما من جهة اليسار، وفي المكان المسموح بالتجاوز فيه، مع استخدام الإشارة، والرجوع التدريجي إلى الجانب الأيمن من الطريق (8).
17. مراعاة الإشارات الضوئية، وعدم تجاوز الإشارة الحمراء (9).
18. عدم الوقوف في أماكن المعوقين (10).
19. استخدم الهاتف النقال في حالة الوقوف لسلامتك وسلامة الآخرين (11).
__________
(1) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع مدلول الخطوط الأرضية، 14– 20/ 3/1987م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(2) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية.
(3) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع لا تشتغل بغير الطريق، 26/ 3 - 11/ 4/1988م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(4) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع قيادة بلا حوادث مرورية، 18 - 24/ 4/1992م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه.
(7) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، مصدر سابق.
(8) المصدر نفسه.
(9) المصدر نفسه، بتصرف.
(10) المصدر نفسه.
(11) المصدر نفسه. (1/112)
صفحة 113
ونلاحظ أنّ أكثر الأدبيات والنظم تقع على عاتق قائد المركبة؛ لأنّ المسؤولية الكبرى تقع على عاتقه، فهو مسؤول عن المركبة التي يقودها وعن سلامتها، ومسؤول عن الركاب الذين تحت يديه في المركبة، ومسؤول عن الطريق وجالسيه والمشاة فيه، لذا لن نجد غرابة أن يكون التركيز عليه من حيث الأدبيات والنظم، حفاظا على سلامته وسلامة الآخرين.
ويرى الفقهاء أنّ قائد المركبة لا بدّ أن يكون بالغا عاقلا، قادرا على تصريفها، فمن لم بكن كذلك لم يجز له شرعا أن يقود السيارة؛ لأنّ الصغير والمجنون ومن في حكمه من السكران والنائم والمريض مرضا شديدا ليس عنده من المقدرة العقلية والجسدية ما يستطيع بها السيطرة على السيارة وتصريفها ومنعها من الوقوع في الأخطار أثناء سيرها على الطريق (1)، فهؤلاء شرعا لا يصح لهم قيادة المركبة، وقانون المرور ينص كذلك بشروط مشابهة لما قاله الفقهاء، فهو يشترط أن يكون قائد المركبة عاقلا، مع سلامة حواسه، ومعرفة أنظمة السير والتقيّد بها، والتركيز أثناء القيادة، والإحساس بالمسؤولية، والإلمام بميكانيكية المركبة، وصيانتها بشكل مستمر (2)، ولا مانع شرعا أن تقود المرأة السيارة (3)؛ لأنّه لا يوجد دليل ينص على منعها؛ بل كانت المرأة في عهده عليه الصلاة والسلام تقود الإبل والحمير ونحوها، وهكذا جرى استحسانه إلى يومنا هذا، بل السيارة المعاصرة أكثر حشمة وأمانا من وسائل النقل السالفة، ويمكن أن يضاف إليها شرط الحشمة والعفة، والقيادة في وقت تكون مستقرة نفسيا، فتتجنب السياقة مع الإمكان في أشهر الحمل الأخيرة، أو إذا كانت نفسيتها سيئة بصورة كبيرة وقت الدورة الشهرية.
__________
(1) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص 27.
(2) فانون المرور، مصدر سابق.
(3) ينظر: فقه المرور، مصدر سابق. (1/113)
صفحة 114
والأدبيات السالف ذكرها داخلة جملة في القواعد التي تحفظ نفس الإنسان وتحفظ ماله وعرضه، بجانب حفظ الممتلكات العامة، ومن نظائره في الفقه الإسلامي تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه (1)، فيؤثر بذلك على طرق الناس والمارة، وقد تسقط على بعض المارة، أو تؤثر في سير الطريق، كما يحدث اليوم في المركبات التي تحمل أكثر من المحدد لها، أو لا يشدّ المحمول بوثاق غليظ، فقد يسقط على المركبات الأخرى، أو على المارة، أو على الطريق نفسه، فيعيق حركة السير.
ومن النظائر ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، لما انصرف الناس من عرفة إلى مزدلفة دفعة واحدة، فجعل يكبح راحلته (2) إليه، حتى أنّ ذِفراها (3) ليكاد يصيب قادمة الرحل (4) وهو يقول: يا أيّها الناس، عليكم السكينة والوقار، فإنّ البر ليس في إبضاع (5) الإبل (6)، ويناظره الآن السرعة في القيادة، والمباهاة بذلك، لينظر الناس إليهم نظرة إعجاب ومباهاه، فإنّ هذا ليس من البر والإحسان والجمال؛ بل عكسه تماما وهو التقيد بالسرعة المحددة، مع القيادة الحكيمة للمركبة، ويماثله كثيرا ما يجري من بعض الناس من السرعة الجنونية عند الرجوع إلى البلد من سفر، وخاصة بعد قضاء مناسك الحج والعمرة، فكم أزهقت أرواح بسبب هذه السرعة الجنونية المخيفة.
الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب: ويُعرّف الراكب بأنّه كلّ شخص يوجد بالسيارة، أو يكون نازلا منها، أو صاعدا إليها، بخلاف السائق (7)، وقد يكون من ضمن الركاب أطفالا، أو من ذوي الاحتياجات الخاصّة، وهذه بعض الأدبيات والنظم المعاصرة بالركاب:
__________
(1) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، 2/ 292.
(2) أي يجذب رأسها إليه حتى لا تسرع فتؤذي المارة.
(3) ذفراها بكسر الذال أي أصل أذنها.
(4) أي طرف الرحل.
(5) إبضاع الإبل أي حمله على السرعة.
(6) رواه النسائي من طريق أسامة بن زيد، ج5، ص 257.
(7) قانون المرور، مصدر سابق. (1/114)
صفحة 115
1. يجب تعويد الأطفال، وإلزام الركاب على استخدام حزام الأمان لسلامتهم (1).
2. يثبت المولود بمقعد خاص بهم مواجها للخلف، أما الأطفال من (1 - 4) سنوات فيثبّتون في مقعد أمان مواجها للأمام (2).
والأصل في الراكب أن يعين السائق على تقيده بأنظمة السير، وأدبيات الطرق، فلا يقلقه أثناء القيادة، نحو رفع صوت، أو تشجيعه على السرعة والتهور، وأصل هذا قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (3).
فإن كان معينا للسائق في إلحاق الضرر أو الأذى بغيره كان مشتركا معه في الضمان، وعليه التقيد بوسائل السلامة ولو كان راكبا كلبسه حزام الأمان مثلا، يقول أحمد الخليلي عن الذين يستفزون صاحبهم، أو يشجعونه ليزيد من سرعة السيارة، قال: هؤلاء الذين يدفعون بمن يقود مركبتهم إلى التهور هم من شياطين الإنس، وقد يكون شيطان الإنس أضر على من يلابسه من شياطين الجن، فهؤلاء الذين يغرون بما فيه ضرر على صاحبهم وعلى أنفسهم، وعلى من حولهم من الركاب، ومن المشاة؛ إنما هم شياطين؛ لأنّهم يأمرون بالسوء والفحشاء، يتحملون من الوزر ما هم جديرون به، ويتحملون وزر الذي يطاوعهم على ما يدعونه إليه من الإثم، بل حتى لو لم يطاوعهم فإنهم بقصدهم أن يطاوعهم يتحملون من الوزر والله أعلم (4).
والراكب في الحافلة آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، حيث بين النبي عليه الصلاة كما مرّ من أدبيات الجالس على الطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه الراكب أيضا.
__________
(1) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع حزام الأمان، 28/ 4 – 4/ 5/1984م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
(2) المصدر نفسه.
(3) المائدة/2.
(4) الفتاوى، مصدر سابق، 6/ 235. (1/115)
صفحة 116
الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق: ويُعرّف المشاة بالأشخاص الذين يسيرون على الطريق مشيا على أقدامهم، ومن في حكمهم وفق ما تحدده اللائحة التنفيذية (1)، وعبور المشاة مكان مخصص لمرور المشاة، ومخطط لهذا الغرض، في الشوارع والطرق، والذي يجب على السائق الوقوف قبله ليتمكن المشاة من السير عليه بأمان (2)، ومن أدبياته ونظمه المعاصرة:
1. عبور المشاة يكون في الأماكن المخصصة لهم (3).
2. عدم الوقوف عند الانتظار على حافة الطريق (4).
__________
(1) قانون المرور، مصدر سابق.
(2) المصدر نفسه.
(3) أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع المشاة، 12– 19/ 3/1985م، مصدر سابق.
(4) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، مصدر سابق. (1/116)
صفحة 117
ولقد وضعت النظم المعاصرة طرقا خاصة للمشاة، وجسورا لعبورهم، وعلامات وإشارات خاصة بهم، لا يصح تجاوزها، والفقهاء الأوائل أيضا حدّدوا طرقا للمشاه، مع بيان حدها، يقول أبو العباس الفرسطائي النفوسي: وحريم الطريق هو نفسه لا غير على اختلاف صفاته، فأولها طريق الرجالة – أي المشاة -، وحريمه ثلاثة أذرع، ثم يليه طريق وحريمه السقاية، وهو خمسة أذرع، ثم الحطابة خمسة مثلها، ومنهم من يقول الحطابة ستتة أذرع ... وطريق محامل الحمير والزنابل والغرائر، والروايات سواء وهو سبعة أذرع ... وهكذا فصّل في طريق الجمال مع ما يحمل عليها فجعلها اثني عشر ذراعا، والمواشي أربعين ذراعا من الماء إلى المرعى، وقوافل الحجاج أربعين ذراعا، بل بين أنّ كلّ من أراد أن يحدث طريقا عليه التقيّد بالنظم السابقة (1)، وهذا يدل على الرقي الثقافي الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية قبل النظم المعاصرة بقرون بعيدة، وهنا نلاحظ أيضا أنّ الماشي أو الراجله له حدّه الخاص لا يجوز تجاوزه، وإلا يتحمل المسؤولية الكاملة والناتجة عن تصرفه الأعمى (2).
__________
(1) ينظر: القسمة وأصول الأراضين، مصدر سابق، ص 443 - 444.
(2) وفي نظري الضعيف أنّ الماشي إذا طرق الباب من غير موضعه، فأصابه حادث أدى إلى هلاكه، مع قدرته على المرور من غير هذا الموضع، كالذي يترك جسور المشاة ليعبر من الطربق السريع؛ هذا يعتبر في حكم المنتحر والله أعلم. (1/117)
صفحة 118
بل اعتبر بعض الفقهاء إذا مشى الماشي في طريق الركبان فأصابه عيب لا دية له (1)، يقول الشيرازي: ينبغي تخصيص قسم من الطريق للمشاة، وقسم منه للركاب، وذكر رواية عن أبي الحسن موسى مفادها أنّ المشاة يمشون في جنبي الطريق، والفرسان في وسطه، فإن مشى الراجل في مكان مرور الفرسان فأصابه عيب أو ضرر لا دية للفارس أو الراكب (2)، لأنّه تعدى حقه، والقاعدة تقول: لا ضرر ولا ضرار.
الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق: فللجالس على الطريق حقوقا لا بدّ من مراعاتها، وإلا فالأصل ليس الطريق محلا للجلوس، ومن أدبياتها:
1. عدم اللعب في الطرق العامة، وعلى الجهات المختصة إيجاد بدائل لأماكن لعب الأطفال خاصة (3)، كالحدائق والملاعب.
2. الجلوس في الأماكن الآمنة والمخصصة، وعدم الوقوف أو الاقتراب من حافة الطريق (4).
__________
(1) وهذا أراه أقرب إلى روح التشريع الإسلامي خلافا للفتوى السائدة، إذ كيف يطالب بالدية وهو المتعمد على قتل نفسه، ولو قيل ذلك من قبيل القتل شبه الخطأ والله أعلم.
(2) ينظر: فقه المرور، مصدر سابق.
(3) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، مصدر سابق.
(4) المصدر نفسه، بتصرف. (1/118)
صفحة 119
والأصل في الشريعة النهي عن الجلوس في الطريق لحديث: إياك والجلوس في الطرقات (1)، وعلل الصنعاني النهي الوارد في الحديث لأنّ في جلوسه في الطرقات يتعرّض للفتنة، فإنّه قد ينظر إلى الشهوات ممن يخاف الفتنة على نفسه من النظر إليهنّ مع مرورهن، وفيه التعرض للزوم حقوق الله والمسلمين، ولو كان قاعدا في منزله لما عرف ذلك، ولا لزمته الحقوق التي قد لا يقوم إلا بها، ولما طلبوا الإذن في البقاء في مجالسهم، وأنّه لا بد لهم منها عرّفهم بما يلزمهم من الحقوق (2)، وعلل سامي خضرا النهي لأنّ الواقف لا يستفيد منها إلا كثرة الكلام، وهدر الوقت، وإطالة النظر، وقساوة القلب، ولغو الحديث (3)، والنهي في الحديث قد يصل إلى الحرمة إذا تححقق من الجلوس الأذى والضرر للمارة والركبان، هنا يجب منعهم من قبل المختصين، وهذا ما يحدث الآن في الطرقات داخل القرى السكنية، خاصة جلسات الليل، والتي يترتب عليها رفع الأصوات، وإيذاء النائمين، فضلا عن ترويع الآمنين، حيث يخافون على أبنائهم ونسائهم من مثل هذه الجلسات، فهذه يجب أن تُرفع وتمُنع، ويحرم شرعا الجلوس فيها إلا للنصح أو رفع الضرر.
ومع هذا جعل الفقهاء من خلال استقرائهم للنص القرآني، والتطبيق العملي للنبي صلى الله عليه وسلم آدابا للجلوس على الطرقات، سبق الإشارة إليها في الكلية الأولى من المبحث الثاني، لذا قرر الفقهاء العديد من الأدبيات تطبيقا عمليا لهذه للكليات القرآنية، يقول السالمي:
أربعة تلزم من قد قعدا ... على الطريق أو يخل المقعدا
__________
(1) تقدم تخريجه في المبحث الثاني.
(2) سبل السلام، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، راجعه محمد خليل هراس، ط دار الفرقان/ عمان – الأردن، لا تاريخ، 3/ 270.
(3) سلسلة السلوك في الإسلام، آداب المجلس، سامي خضرا، ط دار الهادي/ بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 1421هـ/2001م، ص 35. (1/119)
صفحة 120
ردّ السلام ثمّ غضّ البصر ... إرشاد من ضلّ ودفع الضرر (1)
ومنها ما ذكره الجيطالي في قواعد الإسلام حيث يقول: ولا تجلس على الطريق، وإن جلست فأدبه غض البصر، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وعون الضعيف، وإرشاد الضال، وردّ السلام، وإعطاء السائل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والارتياد لموضع البصاق، ولا تبصق في وجه القبلة، ولا عن يمينك، ولا عن يسارك، ولكن تحت قدمك اليسرى (2)، وهذا لحكمتين: الأولى المبالغة في إخفائه حتى لا يزعج الآخرين بالنظر إليه، والآن يستغنى عنها باستخدام المناديل الورقية، أو التنحي بعيدا حتى يضعها في مكان لا يُرى، والحكمة الثانية سرعة ذهابها، فهي مع تحرك القدم تتشتت فتزول في وقت أسرع، وفي الروايات اقترن النهي عن البصاق في الطرق بالبصاق في المسجد، فكما أنّ المساجد بنيت للعبادة والاعتكاف؛ فالطرق أيضا جعلت للمشي، فالبصاق فيهما مؤذي للسلمين (3)، وهذا يؤيد من قلناه سالفا أنّ عبادة المسلم لا تقتصر فقط في المساجد؛ بل هو عابد ذاكر الله تعالى حتى في الطرق والأسواق، ويُقاس على البصاق نظافة الطريق، وحفظه من الأذي، مع اختيار المكان المناسب للجلوس عرفا وقانونا.
ومن المسائل التي أوجبها الفقهاء على الجالسين في الطرق توفير الأمن للمارة مطلقا، واعتبروا إيذائهم إيذاء لله تعالى، وهو من الكبائر الموبقة (4).
__________
(1) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، عبدالله بن حميد السالمي، ط مكتبة نور الدين السالمي/ سلطنة عمان، الطبعة الثالثة عشر، لا تاريخ، 4/ 368.
(2) قواعد الإسلام، لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، تحقيق: بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط متبة الاستقامة/ مسقط – سلطنة عمان، الطبعة الثالثة 1416هـ/1995م، 2/ 285.
(3) عين المصالح من أجوبة الشيخ صالح، صالح بن علي الحارثي، ط مكتبة الضامري/ مسقط – سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1414هـ /1993م، ص 212 - 213.
(4) فقه المرور، مصدر سابق، طبعة الكترونية. (1/120)
صفحة 121
والفقهاء كذلك أجازوا للمحتسب منع الصبيان من اللعب في الطريق، إن كان لعبهم يشكل ضررا عليهم وعلى غيرهم من المارة المشاة والركبان، يقول السناسي صاحب نصاب الاحتساب: والصبيان الذين يلعبون بالجوز وغيره إن كانوا في الطريق يمنعهم – أي المحتسب – سواء كانوا يلعبون بالقمار أو غبره؛ لأنّهم ظلموا الناس بشغل الطريق (1)، والأصل أن يخصص لهم أماكن خاصة للعب كالملاعب والحدائق.
الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته: وسبق أن بينا تعريف الطريق وأقسامه، وقلنا من تعريفاته: كلّ سبيل مفتوح للسير العامّ، سواء للمشاة أو الحيوانات أو لوسائل الجر أو النقل، ويشمل الطرقات والشوارع والساحات والممرات والجسور التي يجوز للناس عبورها (2) ومن نظمه المعاصرة:
1. لا يجوز إشغال الطريق، أو تعديله، أو إجراء أية حفريات به، أو وضع ما يتسبب عنه عرقلة المرور إلا بموافقة الجهات المعنية. (3)
2. المحافظة على نظافته والممتلكات العامة المتعلقة به (4).
وقد سبق أن أشرنا في الجانب الرابع حدّ الطريق من خلال نظرة الفقهاء، وبينا البعد الحضاري لهذا التحديد والتقسيم، فيما لم يتطرق إليه الأروبيون إلا حديثا، ومع هذا حرّم الفقهاء أيّ أذي يؤدي إلى إعاقة الطريق، وذلك وفق العصر الذي عايشوه، وهذا دليل أيضا على الأبعاد الحضارية التي كان ينظر إليها الفقهاء، وإن لم يرد في ذاتها نص شرعي، إلا أنّهم أنزلوها وفق القواعد الشرعية التي تندرج تحت الكليات القرآنية، والتطبيقات العملية للنبي عليه الصلاة والسلام.
__________
(1) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص 54.
(2) قانون المرور، مصدر سابق.
(3) المصدر نفسه.
(4) فقه المرور، مصدر سابق، طبعة الكترونية، بتصرف. (1/121)
صفحة 122
يقول أبو حامد الغزالي: فمن المنكرات – أي في الشوارع – المعتادة فيها: وضع الاسطوانات، وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة، وغرس الأشجار، وإخراج الرواشن والأجنحة، ووضع الخشب، وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق، فكل ذلك منكرا إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق، واستضرار المارة، وإن لم يؤد إلى ضرر أصلا لسعة الطريق فلا يمنع منه (1)، ويناظر هذا اليوم إيذاء الناس في الطرق بوضع المواد المعيقة للحركة فيها، أو الوقوف في منتصف الطريق، أو بجانبه مما يعيق الحركة.
وذكر أيضا: ربط الدواب على الطريق بحيث يضيّق الطريق، وينجس المجتازين، -وهو- منكر يجب المنع منه إلا بقدر النزول والركوب، وهذا لأنّ الشوارع مشتركة المنفعة، وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة، والمرعى هو الحاجة التي ترد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات (2)، ويناظره اليوم الحافلات الكبيرة كحافلات نقل الطلاب أو المواد، فلا يصح لها أن تقف في الشوارع أو بجانبها إلا بقدر الحاجة لا غير، وإلا كان محرما، وصاحبها آثما.
وذكر منها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزّق ثياب الناس، فذلك منكر إن أمكن شدّها وضمها بحيث لا تمزّق، أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع، وإلا فلا منع إذ حاجة البلد تمسّ إلى ذلك، نعم لا تترك ملقاه إلا بقدر مدة النقل (3)، ويماثلة اليوم ناقلات مواد البناء مثلا، فلا بدّ أن يحكم شدّها، وإلا كانت ضارة للطريق، وأن تضع المواد في مكان لا يعيق المرور على الطريق والسير فيه.
__________
(1) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، 2/ 292.
(2) المصدر نفسه، 2/ 292.
(3) المصدر نفسه، 2/ 292. (1/122)
صفحة 123
وقد جمع أبو بكر أحمد الكندي المضار في الطرق ووجوب صرفها حيث قال في بيان الشرع: ويُمنع من الحدث في طريق المسلمين، تعديا فيما يؤذيهم، ويضرّ بالطريق، من بناء طين، أو حصى، أو يُكبس فيها ترابا، أو يحدث فيها حدثا، من حفر بئر، أو ساقية، أو نهر، أو ظفر، أو جندل، أو حضار، أو شيء يكون فيه أذى المسلمين، أو كنيف بجنب الطريق أو المسجد يؤذيهم، أو يعرش عليه عرشا، أو بناء سقف، أو غماء بطين، أو يحفر فيها ويطويها بحصى، أو بآجر، كلّ ذلك منكر على من فعله (1)، وأشار إلى جوانب حضارية مهمة في الطرق من خلال قوله: ولا يجوز له أن يجعلها دكاكين للبيع والشراء، ولا يتخذها مجالس ... وذلك عليه منكر وإثم من عمله، وضامن لما يحدث فيه، وقد جاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم (2)، فالطرق كما أنها –كما سبق بيانه- ليست مجالسا يجلس فيها، كذلك هي ليست محلا للبيع والشراء، لما يحدث عنه من ضرر واضح وبين.
واعتبر الفقهاء كلّ ما يضرّ بالطريق محرما ولو كان تافها في نظر الناس، وضربوا لذلك مثلا قذى العين، وعلّق على هذا السالمي بقوله: المراد بذلك المبالغة في صرف الأذى عن الطريق، ومن المعلوم أنّ المبالغة لا تراد حقيقتها، ويكون المعنى على هذا أنّ أذى الطريق حرام ولو كان قليلا (3).
__________
(1) المصنف، أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، الطبعة الأولى 1404هـ/ 1984م، 12/ 176.
(2) المصدر نفسه، 12/ 176.
(3) جوابات السالمي، مصدر سابق، 4/ 649. (1/123)
صفحة 124
ومما سبق نخلص تحريم الفقهاء لأحداث أيّ ضرر بالطريق ولو كان فيه منفعة، إلا أنّ المصلحة العامة مقدمة على مصلحة البعض، ونحو هذا إحداث فلج أو ساقية في الطريق مع نفعها، يقول عيسى الحارثي: شدد العلماء في إحداث ساقية في الطريق، ومنهم من يرخص إذا أمن المار عليها من الضرر لعمقها وتسقيفها، والسلامة في ترك ذلك، والله أعلم (1).
ومنها الفسل في قارعة الطريق، قال السالمي: هذا منكر، فعلى القادر زواله وبيعه حرام، والله أعلم (2).
إلا أنّهم أجازوا الزراعة في جانبي الطريق للتجمل والاستظلال ونحوه، بشرطين: الأول أن لا يترتب على الطريق ومستخدميه ضرر بسببها، وإلا أزيلت، قال صاحب المصنف نقلا عن أبي الحواري: تُزرع الطريق الجائز، فما دخل منها في الثمانية أذرع أزيل، وإن دخلت كلّها أزيلت (3)، والشرط الثاني: عدم الإسراف، قال الشيرازي: يستحب بعد الاهتمام بنظافة الطريق تجميل الشوارع والأرصفة وما أشبه ذلك بما لا يعدّ إسرافا، فإنّ الله جميل يحبّ الجمال (4)، وحد الإسراف تضييع حقوق هي أولى من تجميل الطريق، أو المبالغة عن الحدّ المطلوب، إلا أنّ التجميل في مجمله أمر مرغوب، ورقي حضاريّ.
__________
(1) خلاصة الوسائل بترتيب المسائل، لعيسى بن صالح الحارثي، ترتيب: حمد بن عبدالله السالمي، تحقيق: محمد بن سعيد الحضرمي، طبعة وزارة التراث القومي بسلطنة عمان، الطبعة الأولى: 1427هـ/2006م، ص408.
(2) جوابات السالمي، مصدر سابق، 4/ 680.
(3) المصنف، مصدر سابق، 12/ 178.
(4) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية. (1/124)
صفحة 125
والفقهاء شددوا في نظافة الطريق، فإلحاق الوسخ فيه من الأذي المنهي عنه، وإزالته دليل على إيمان المؤمن كما مر بيانه في الكلية الثانية في المبحث الثاني، يقول أبو حامد الغزالي في منكرات الشوارع: وكذلك ذبح القصاب إذا كان يذبح في الطريق حذاء باب الحانوت، ويلوث الطريق بالدم، فإنّه منكر يمنع منه، بل حقه أن يتخذ في دكانه مذبحا، فإنّ في ذلك تضييقا بالطريق وإضرارا بالناس بسبب ترشيش النجاسة، وبسبب استقذار الطباع للقاذورات، وكذلك طرح القمامة على جواد الطريق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر، كلّ ذلك من المنكرات، وكذلك إرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة فإنّ ذلك ينجس الثياب، أو يضيّق الطريق، ولا يمنع في الطرق الواسعة إذ العدول منه ممكن ... وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه، وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق، وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه، وإن كان يضيّق الطريق ببسطه ذراعيه فيمنع منه، بل يمنع صاحبه أن ينام على الطريق، أو يقعد قعودا يضيّق الطريق؛ فكلبه أولى بالمنع (1).
__________
(1) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، 2/ 292 - 293. (1/125)
صفحة 126
والأصل في هذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (1)، بجانب التطبيق العملي للنبي صلى الله عليه وسلم في رفع الأذى عن طريق المسلمين، ومنه حديث الربيع: ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم (2)، وعليه كلّ من أحدث أذى في طريق المسلمين فهو ضامن لما يترتب عليه كما قررناه، قال درويش المحروقي: واحذر يا أخي –عافانا الله وإياك من كلّ مكروه- أن تتعرض لفعل ما يضرّ في طرق المسلمين، ولا تحدث فيها حدثا أبدا مما يقذي العين، ويؤذي المارين ... فجميع ما ذكرته –أي مؤذيات الطرق- لا يجوز إحداثه على الطريق، ومأخوذ له بإزالته من موضعه، وضامن واضعه مما تولد منه من الضرر على من مرّ في الطريق، من مجنون وعاقل، وصغير وكبير، وينكر ذلك على من فعله (3).
__________
(1) الأحزاب/58.
(2) أخرجه الربيع في مسنده مرسلا عن جابر.
(3) الدلائل في اللوازم والوسائل، درويش بن جمعة المحروقي، تحقيق سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني، مكتبة الضامري/ السيب – سلطنة عمان، الطبعة الأولى 1425هـ/2004م، ص316. (1/126)
صفحة 127
كذلك بين الفقهاء من المؤذيات التغوط في طريق الناس لحديث: اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان، قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلّهم (1)، ويدخل في الإيذاء في التطبيق المعاصر السيارات التي يقطر منها الوقود، أو تبعث دخانا كثيفا في الهواء (2)، فتؤذي المارة، ومنها استخدام المنبه العالي الصوت، أو التوقف المفاجئ، أو المرور السريع بمحاذاة المشاة (3)، أو التفحيط، ومنها الصلاة والجلوس فيه (4)، وغير ذلك مما لا يخفي على العقلاء.
ومن خلال هذا المبحث أدركنا التطبيقات المعاصرة لأدبيات الطريق، ونظائرها في الفقه الإسلامي، وكلها تنبثق من مشكاة كليات القرآن الكريم، والتطبيقات العملية للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي جعل الأوائل يلتزمون به إدراكهم أنّ التقيد بأدبيات الطريق جزء من إيمانهم بالله تعالى، ومسؤولون عنها يوم يلقون ربهم، وهذا ما سندركه في المبحث الرابع بإذن الله تعالى.
المبحث الرابع:
آداب الطريق والبعد العقدي
تعاني المجتمعات البشرية اليوم من حرب دامية، تتمثل في الحوادث المرورية المرعبة، فزادت معدلات التثقيف، وارتفع مستوى الدورات والإحصاءات، وأصدرت الكتب والمطويات، ومع ذلك لم يؤثر شيئا في وقف هذه الحرب المستعرة، بل الوفيات في ازدياد، فضلا عن الإصابات والخسائر البشرية والمادية.
وهنا نطرح هذا السؤال: لماذا لم تجد كل عوامل التثقيف - مع التشديد في العقوبات المالية - في التخفيف من من هذا الموج المتلاطم من حوادث السير؟
__________
(1) شرح رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، محمد بن صالح العثيمين، تحقيق محمد سعيد محمد وعبد السلام عبد الحكيم عوض، ط دار ابن الهيثم/ القاهرة – مصر العربية، لا تاريخ، 4/ 258.
(2) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه. (1/127)
صفحة 128
والسبب في ذلك يعود إلى تغييب البعد العقدي الرباني من هذه العوامل التثقيفية، فأصبحت مادية بحتة لا روح فيها، لذلك تلقاها المجتمع، خاصة في العالم النامي، على أنها ثقافة عامة يحسن التقيد بها، فكان الالتزام بها من قبل فئة محدودة من المجتمع لا غير.
وآداب الطرق في الإسلام ليست ثقافة عامة فحسب؛ بل هي فريضة شرعية، شأنها كشأن الصلاة والصيام والزكاة، والطاعة فيها طاعة واجبة كطاعة الوالدين، ومخالفتها معصية موبقة كسائر المعاصي.
والله تعالى في كتابه الكريم لم يفرق بين الإيمان والعمل في كثير من المواضع نحو قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (1)، وقوله: وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (2)، إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (3).
__________
(1) البقرة/ 25.
(2) البقرة/ 82.
(3) البقرة/ 277. (1/128)
صفحة 129
فالجزاء يوم القيامة مرتبط بين الإيمان والعمل الصالح، وبهما يكون الثواب والعقاب، ولا شك أنّ العمل الصالح لا ينحصر في شعائر معينة؛ بل يعم ممارسات الإنسان في هذه الحياة، فبعضها بينها الله تعالى، وبعضها أجملها في كتابه وبين كيفيتها النبي عليه الصلاة والسلام، والأخرى تركها للإنسان يعمل فيها عقله، لأنّها تتجدد بتجدد الزمان والمكان، لذا كانت الطاعة تشمل الجوانب الثلاثة: طاعة الله، وطاعة الرسول، وطاعة أولي الأمر من العقلاء بما يتوافق مع طاعة الله تعالى ورسوله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (1).
فإذا أنزلنا هذا إلى أنظمة السير وقواعده، نجد هذه الأنظمة منها ما بينها الله تعالى إجمالا، ووضحها الرسول الكريم، ومنها ما استجدت بتطور الآلة وطرق السير، لذا كان التقيد بالأنظمة الحديثة داخلة في طاعة الله والرسول، وكما أنّه لا يجوز أن يخالف الإنسان أمر الله والرسول؛ كذلك لا يجوز له أن يخالف هذه الأنظمة والقوانين، وإلا ارتكب معصية ومحظورا.
والبعد في قوانين السير وأنظمته من المنظور القرآني ليس بعدا دنيويا تثقيفيا، بل هو بعد أخروي، فالثواب مرتبط بهذه الطاعة، كما أنّ العقاب مرتبط بها، فهي داخلة في دائرة الطاعة والمعصية.
لذا كان يجب أن يغرس في الأجيال البعد العقدي لهذه الأنظمة، فهي جزء من عباداتهم وتشريعاتهم، فكما يجب أن يحافظوا على خمس صلوات في اليوم والليلة، وعلى صيام شهرهم في العام، وعلى طاعتهم لوالديهم، وعلى زيارتهم للأرحام؛ فكذلك يجب أن يحافظوا على آداب السير، ويجب أن يتقيدوا بقوانينه وأنظمته.
__________
(1) النساء /59. (1/129)
صفحة 130
وكما يجب أن يبتعدوا عن الدخان والخمور والكذب والفجور؛ فكذلك يجب أن يتركوا الاستهتار بهذه الأدبيات؛ لأنّ الممعصية تعمهما جميعا في دائرة واحدة.
فدائرة الطاعة والمعصية لا تنحصر في تشريعات معينة؛ بل مجالهما أوسع بكثير، يدركها العاقل اللبيب بكل سهولة ويسر.
فالبعد العقدي كفيل بأنّ يعالج هذه القضية إذا أعطي حقه من العناية والاهتمام، إعلاميا وتربويا، ولم يهمش في دائرة التثقيف والتربية، وستجد المجتمعات أثر ذلك عما قريب بإذن الله إن أدركت أهميته، واهتمت به اهتمامها بالطريق ذاته، وما يترتب عليه من أدبيات ونظم.
الخاتمة
وبعد ما حلقنا في هذا البحث المتواضع نخرج بالتالي:
1. الطريق هو كل سبيل مفتوح للسير العام، سواء للمشاة أو الحيوانات أو لوسائل النقل أو الجر، ويشمل الطرقات والشوارع والساحات والممرات والجسور التي يجوز للناس عبورها.
2. للطريق قسمان: طريق عام وهو ما لا يحصى مستخدموه، ويعبر عنه بالطريق النافذ أو الأعظم، أو طريق المسلمين، وطريق خاص وهو الذي يختص به فرد أو أفراد معينون، ويعبر عنه بالطريق غير النافذ.
3. آداب الطريق هي الأدبيات والأنظمة المتعلقة بحفظ الطريق بما فيه من ممتلكات عامة، ومشاة، وركبان، ودواب، ومركبات، ويضمن بها حفظ الأرواح والأموال، والأعراض.
4. من خلال الاستقراء في كتاب الله تعالى ندرك أن الله وضع في أدبيات الطريق قواعد كلية، وأدبيات سامية، ما ينظم أمر الطريق، ويحفظ مرورهم وسيرهم فيه، ثمّ نجد تطبيقات عملية من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وذلك وفق العصر الذي عايشوه، بما يحويه من طرق سير تناسب زمانهم، وهي تدخل عموما في الكليات القرآنية.
5. وضع العقلاء من الإنسانية اليوم نظما وقوانين تنظم أمر الطرق، وهذه القوانين والنظم لها نظائر في الفقه الإسلامي، مما يدل على السبق الحضاري لهذه الأمة. (1/130)
صفحة 131
6. ما خلّفه الفقهاء ثروة جليلة في أمر الطرق وأدبياته، ومنهجا علميا للمختصين في هذا المجال.
7. السبب الرئيسي في كثرة الحوادث اليوم، مع زيادة معدلات التثقيف؛ يعود إلى تغييب البعد العقدي الرباني من هذه العوامل التثقيفية، فأصبحت مادية بحتة لا روح فيها، لذلك تلقاها المجتمع، خاصة في العالم النامي، على أنها ثقافة عامة يحسن التقيد بها، فكان الالتزام بها من قبل فئة محدودة من المجتمع لا غير.
هذه بعض النتائج التي توصلت إليها في بحثي هذا، راجيا من الله القبول، والحمد لله رب العالمين.
فهرسة المصادر والمراجع
1. أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، أعدها: محمد علي شبيب القحطاني، مخطوط.
2. إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي، ط دار الفكر /بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م.
3. أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع الحد من السرعة، 15– 21/ 3/1986م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
4. أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع حزام الأمان، 28/ 4 – 4/ 5/1984م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
5. أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع سلامة المركبة، 25 - 31/ 3/1989م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
6. أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع قيادة بلا حوادث مرورية، 18 - 24/ 4/1992م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
7. أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع مدلول الخطوط الأرضية، 14– 20/ 3/1987م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
8. أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع المشاة، 12– 19/ 3/1985م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw (1/131)
صفحة 132
9. أسبوع المرور الموحد بين مجلس لتعاون الخليجي، أسبوع لا تشتغل بغير الطريق، 26/ 3 - 11/ 4/1988م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
10. أصول الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ط دار الأضواء/ بيروت – لبنان، تحقيق محمد جواد الفقيه، الطبعة الأولى 1413هـ / 1992م.
11. التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، www.traffic.gov.om
12. الجامع الصغير للإمام السيوطي، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
13. جوابات الإمام السالمي، نور الدين عبدالله بن محمد السالمي، تحقيق: عبد الستار أبو غدة، لا ناشر، الطبعة الثانية 1419هـ/1999م.
14. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، عبدالله بن حميد السالمي، ط مكتبة نور الدين السالمي/ سلطنة عمان، الطبعة الثالثة عشر، لا تاريخ.
15. خلاصة الوسائل بترتيب المسائل، لعيسى بن صالح الحارثي، ترتيب: حمد بن عبدالله السالمي، تحقيق: محمد بن سعيد الحضرمي، طبعة وزارة التراث القومي بسلطنة عمان، الطبعة الأولى: 1427هـ/2006م
16. الدلائل في اللوازم والوسائل، درويش بن جمعة المحروقي، تحقيق سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني، مكتبة الضامري/ السيب – سلطنة عمان، الطبعة الأولى 1425هـ/2004م.
17. سبل السلام، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، راجعه محمد خليل هراس، ط دار الفرقان/ عمان – الأردن، لا تاريخ.
18. سلسلة السلوك في الإسلام، آداب المجلس، سامي خضرا، ط دار الهادي/ بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 1421هـ/2001م.
19. سنن ابن ماجة، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
20. سنن أبي داود، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
21. شرح رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، محمد بن صالح العثيمين، تحقيق محمد سعيد محمد وعبد السلام عبد الحكيم عوض، ط دار ابن الهيثم/ القاهرة – مصر العربية، لا تاريخ.
22. صحيح البخاري، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث. (1/132)
صفحة 133
23. صحيح مسلم، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
24. عين المصالح من أجوبة الشيخ صالح، صالح بن علي الحارثي، ط مكتبة الضامري/ مسقط – سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1414هـ /1993م.
25. الفتاوى، أحمد بن حمد الخليلي، الكتاب السادس، الطبعة الأولى، 1431هـ / 2010م، ط مكتبة الأجيال/ سلطنة عمان.
26. فقه المرور، محمد الشيرازي، ط هيئة محمد الأمين (ص)، الكويت، الطبعة الأولى 2000م، نسخة الكترونية.
27. قانون المرور، موقع شرطة عمان السلطانية، الإدارة العامة للمرور، www.traffic.gov.com
28. القرآن الكريم.
29. القسمة وأصول الأراضين، لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسسطائي النفوسي، تحقيق: محمد صالح ناصر، وبكير بن محمد الشيخ بلحاج، ط مكتبة الضامري، الطبعة الأولى 1992م،
30. قواعد الإسلام، لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، تحقيق: بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط متبة الاستقامة/ مسقط – سلطنة عمان، الطبعة الثالثة 1416هـ/1995م.
31. كنز العمال للمتقي الهندي، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
32. مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
33. مسند الربيع بن حبيب، نسخة الكترونية.
34. المصنف، أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، الطبعة الأولى 1404هـ/ 1984م.
35. المعجم الكبير للطبراني، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
36. المعجم الوسيط، تأليف إبراهيم مصطفى وآخرون، ط المكتبة الإسلامية/ استانبول – تركيا، لا تاريخ.
37. موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
معا نتعلم الصلاة
(الجزء الأول)
مقدمة (1/133)
صفحة 134
الصلاة ركن من أركان الدين، من أقامها أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، فيجب على المسلم أن يؤديها أداء صحيحا، ويجب عليه أن يتفقه في أحكامها، ومن خلال هذه الدورة المتواضعة نحاول أن نبين بعضا من الأحكام المهمة في الصلاة، والتي يحتاج في معرفتها كل مسلم يريد تأدية الصلاة على وجهها الصحيح، وهذا هو الجزء الأول والذي يتبعه بعون الله الجزء الثاني، والله ولي التوفيق.
الدرس الأول
عناصر الدرس الأول:
1. حكم الصلاة.
2. مجمل أركان الصلاة.
3. الركن الأول: القيام.
4. الركن الثاني: تكبيرة الإحرام.
حكم الصلاة:
حكمها: تعتبر الصلاة ركنا من أركان الدين، وأول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة.
الدليل:
1. قوله تعالى: " وأقيموا الصلاة ".
2. قوله صلى الله عليه وسلم: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة ".
حكم تاركها: وتاركها على صنفين:
1. الصنف الأول: متهاون في تركها؛ أي يؤديها تارة، وتارة يتركها، أو الذي لا يبالي بوقتها، كأن يؤخر صلاة العصر عن وقتها فيصليها عند صلاة العشاء.
وهذا الصنف اختلف فيه، فالجمهور على أنه فاسق عاص لله تعالى، مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، يجب التوبة منها، وعليه أن يحافظ على الصلاة في وقتها.
وبعض العلما ذهب إلى أنه كافر مرتد، له أحكام المرتدين، فتطلق منه زوجته، ولا يرث ولا يورث، ولا يغسل إذا مات ولا يكفن، ولا يدفن في مقابر المسلمين، لقوله تعالى: " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين .. "، ولقوله صلى الله عليه وسلم: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".
2. الصنف الثاني: منكر لفرضيتها، أو مستهزئ بها، كأن يقول: الصلاة ليست واجبة، أو هي طقس من الطقوس، أو سخر من المصلين، فهذا كافر مرتد له أحكام المرتدين.
مجمل أركان الصلاة: (1/134)
صفحة 135
للصلاة أركان وسنن وواجبات وشروط، نبدأ الحديث أولا عن الأركان؛ لأهميتها، ولأن الصلاة لا تتم إلا بها.
والأركان هي:
1. القيام.
2. تكبيرة الإحرام.
3. قراءة الفاتحة.
4. الركوع.
5. السجود.
6. الجلوس للتشهد الأخير.
الركن الأول
القيام
حكمه:
ركن من أركان الصلاة في الفرائض، ومستحب في السنن والنوافل، من تركه متعمدا أو نسيانا بطلت صلاته، لقوله تعالى: " وقوموا لله قانتين "، ولفعله صلى الله عليه وسلم، حيث أنه لم يصل الفرائض جلوسا إلا في المرض الذي ألمّ به في آخر حياته.
أما في السنن والنوافل فيصح أن يصلي المصلي جلوسا مع قدرته على القيام، لما روته السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جلوسا في بعض ركعتي صلاة الليل، إلا أن أجر القائم أعظم من أجر الجالس.
العجز عن القيام:
العجز عن القيام إما أن يكون بسبب مرض – وهو الغالب – وإما أن يكون بسب آخر كركوب سفينة أو طائرة، لا يمكن أن يصلي فيها واقفا، وقد يكون بسبب حجز في سيارة منع من النزول منها.
هيئة الصلاة بدون قيام:
وهذا يختلف من شخص لآخر وفق الحالة التي هو فيها مثلا:
1. رجل عاجز عن القيام وقادر على الجلوس والسجود، هذا يصلي جالسا، فعند الركوع يحني ظهره قليلا إن استطاع، وإلا حرك رأسه قليلا إلى الأسفل، ثم يسجد السجود المعتاد، ويجلس جلوس التشهد على الصفة المعتادة.
2. رجل عاجز عن القيام والسجود وقادر على الجلوس فقط، فهذا يصلي جالسا، فعند الركوع ينحني قليلا إن استطاع، وإلا حرك رأسه قليلا إلى الأسفل، وفي السجود ينحني أكثر إن استطاع، وإلا حرك رأسه إلى الأرض إن استطاع، فإن لم يستطع يقرأ الصلاة وهو جالس.
3. رجل عاجز عن الركوع والسجود وقادر على القيام والجلوس، فهذا يصلي وقوفا، وعند الركوع يحني رأسه قليلا إن استطاع، وإن اراد السجود جلس فينحني قليلا نحو الأرض إن استطاع، ثم يقرأ التشهد. (1/135)
صفحة 136
4. رجل عاجز عن القيام والركوع والسجود والجلوس للتشهد، فهذا يصلي نائما باتجاه القبلة إن استطاع، رجلاه باتجاه القبلة، فإن لم يستطع فعلى جنب وجهه باتجاه القبلة، فإن لم يستطع فليصلي على أية حالة.
5. رجل عاجز كليا عن الحركة، فهذا ينطق الصلاة، وإن استطاع أن يومئ برأسه فليومئ، وإن لم يستطع نطق الصلاة فليستحضرها في قلبه، فإن لم يستطع فليكبر خمس تكبيرات، فإن لم يستطع سقط عنه التكليف، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
محل النظر في القيام:
ينظر المصلي في المكان الذي يسجد فيه، ولا يجوز النظر إلى أعلى، أو إلى الأمام، فقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين يرفعون أبصارهم باتجاه السماء.
حكم تغميض العينين في الصلاة:
وهذا يختلف من شخص لآخر على النحو التالي:
1. شخص لا يخشع في صلاته إلا إذا فتح عينيه كليا، فهذا يستحب له الفتح.
2. شخص لا يخشع في صلاته إلا إذا أغمض عينيه كليا، فهذا يستحب له التغميض.
3. شخص يستوي عنده الأمران، فقيل: هذا يستحب له التوسط بين التغميض والفتح الكلي، وإذا فتح كليا ليس عليه شيء.
كيفية الصلاة في الحافلة:
لا تصح أن تصلى الفريضة في الحافة إلا عند الضرورة كركوب طائرة أو سفينة، أو حجزت في سيارة ومنعت من الخروج منها، وخشيت فوات الوقت، فهنا يصح أن تصلي في السيارة.
أما النافلة فيصح أن تصلى في الحافلة ولو عند الاستطاعة، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنفل وهو على دابته.
أما عن الكيفية فإن استطعت ان تستقبل القبلة فكبر عند القبلة، وإلا فكبر في أي اتجاه إن لم تستطع، وفي الركوع أنزل رأسك قليلا باتجاه الأرض، وفي السجود – إن لم تستطع أن تسجد – فأنزل رأسك أكثر باتجاه الأرض.
وإن كنت تقود سيارة ولا تستطع الإيماء فصلي وأنت تنطق الصلاة في قلبك، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
الركن الثاني
تكبيرة الإحرام
حكمها: (1/136)
صفحة 137
تعتبر تكبيرة الإحرم ركنا من أركان الصلاة، من تركها متعمدا أو نسيانا بطلت صلاته، لحديث المسيء في صلاته إذ أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بتكبيرة الإحرام، ولقوله صلى الله عليه وسلم: " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ".
وسميت تكبيرة الإحرام لأنه يحرم على المصلي أن يأتي بأفعال كانت مباحة قبل الصلاة، كالأكل والشرب، والحركة لغير الضرورة، وكذلك الكلام الخارج عن الصلاة.
والحكمة في ابتداء الصلاة بتكبيرة الإحرام أن فيه إشارة إلى الموقوف له في الصلاة، فهو جلّ جلاله متعال في كبيريائه وعظمته، فيصغر أمامه أي مخلوق، فأنت عندما تأتي بهذه التكبيرة تستحضر عظمة الذات الإلهية، فينبغي أن يقشعر بدنك خوفا وخضوعا لله جلّ في علاه.
صفتها:
صفتها " الله أكبر"، ولا يصح أن تأتي بلفظة غيرها كالله أجل، أو أعظم.
محلها:
أكثر الإباضية أن محلها بعد التوجيه، فتوجه أولا ثم تكبر تكبيرة الإحرم، وأكثر المذاهب السنية، وبعض الإباضية أنك تأتي أولا بتكبيرة الإحرام، ثمّ تأتي بدعاء الاستفتاح، وكلا الفعلين جائز إن شاء الله تعالى.
حكم الشك فيها:
الشك هو الشيء المتردد بين الظن واليقين، حيث لا يوجد عندك الظن الأكبر أنك فعلت هذا الأمر، أو لم تفعله، وكذلك لا يوجد عندك اليقين في فعل الشيء أو تركه، فأنت هنا في حالة شك وتردد.
والشك عند الفقهاء لا يعتد به؛ لأنه وسيلة إلى الوسواس، الذي قد يؤدي إلى أضرار أخرى تتعلق بعبادة المسلم.
وعلى هذا إذا شككت هل كبرت تكبيرة الإحرام أم لا فلا تعتد بهذا الشك، وواصل صلاتك.
مثاله: وأنت تقرأ الفاتحة أصابك شك في تكبيرة الإحرام، هل كبرت أم لا؟ هنا واصل صلاتك ولا تعتد بهذا الشك.
حكم النسيان فيها:
النسيان هو الظن الراجح، أي القريب من اليقين، والنسيان معتمد عند الفقهاء، ويترتب عليه أحكام عدة. (1/137)
صفحة 138
من هنا إذا نسيت تكبيرة الإحرام وأنت في ركن آخر فارجع ثم واصل صلاتك، واختلف هل تعد ما بعده أم لا، قولان عند أهل العلم، ولا بأس أن تأخذ بأحدهما.
مثاله: إذا كنت في الركوع من الركعة الأولى من صلاة المغرب، وتذكرت أنك لم تكبر تكبيرة الإحرام، هنا ارجع تكبيرة الإحرام ثم واصل صلاتك، وإن تذكرتها بعد الخروج من الصلاة فأعد الصلاة.
متى يكبر المستدرك في صلاة الجماعة؟
يكبر المستدرك في صلاة الجماعة إذا صف مع الجماعة، واطمأن أنه في الصف، ولا يصح أن يكبر وهو يمشي إلى الصف، ومن فعل هذا بطلت صلاته.
أخطاء المصلين في تكبيرة الإحرام:
توجد أخطاء كثيرة يقع فيها المصلون في تكبيرة الإحرام، منها:
1. آالله أكبر، أي يأتي بهمزة الاستفهام، فهو يستفهم هنا هل الله كبير أم لا تعالى الله عن ذلك.
2. الله آكبر، يمد همزة أكبر.
3. الله أكبار، حيث يضيف ألفا بين الباء والراء في أكبر، والعلماء قالوا إن أكبار معناها الطبل، أي هنا يصف الله تعالى أنه طبل، تعالى الله عن ذلك.
4. الله ووو أكبر، يمد الهاء في لفظ الجلالة، وهذا لا ينبغي.
5. هالله أكبر، يأتي بهاء الاستفهام، وهذا لا يصح.
6. اللهٍ أكبر (بفتح أحدهما أو كلاهما)، وينبغي ضم الهاء في الله، مع تسكين راء أكبر لأنه يقف عليها.
7. الله أكبر (بالتسكين والوقف)، وهذا لا ينبغي.
الدرس الثاني
الركن الثالث
قراءة الفاتحة
حكمها:
قراءة الفاتحة في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام في كل ركعة ركن من أركان الصلاة، وإلى هذا ذهبت أكثر المذاهب الإسلامية، لقوله صلى الله عليه وسلم: " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب – أي الفاتحة – فهي خداج " أي ناقصة، والنقصان في الصلاة بطلان لها، فعلى هذا ترك الفاتحة تعمدا أو نسيانا يبطل الصلاة.
حكم الشك فيها:
قلنا في الدرس الماضي إن الشك لا يعتد به، فمن شك هل قرأ الفاتحة أو لا؟ فليواصل صلاته، ولا يلتفت إلى الشك. (1/138)
صفحة 139
مثلا: رجل في أثناء السجود شك هل قرأ الفاتحة أو لا؟ عليه أن يواصل صلاته، ولا يصح له أن يلتفت إلى الشك.
حكم النسيان:
كذلك قلنا في الدرس الماضي إن النسيان معتد به؛ فهو أقرب إلى اليقين، فمن كان في السجود مثلا وتذكر أنه لم يقرأ الفاتحة هنا يرجع فيقرأ الفاتحة ثم يواصل صلاته.
وعند الإباضية إذا كان مأموما وتذكر أنه لم يقرأ الفاتحة عليه أن يواصل صلاته مع الإمام، وعندما يسلم الإمام يقوم فيستدرك الفاتحة.
أما عند أكثر المذاهب السنية تسقط عنه الفاتحة؛ لأنه أتى بشيء من الركعة، وهذا يجزيه في صلاته.
حكم اللحن في قرائتها:
يقصد باللحن هنا الخطأ، أي الخطأ الواقع في قراءة الفاتحة، وهو على وجهين:
1. لحن جلي: أي واضح وبين، مثلا: كسر تاء أنعمت، فيخاطب الله بصيغة المؤنث، وهذا يؤثر في الصلاة.
2. لحن خفي: أي يخفى في الغالب عن بعض الناس أو أكثرهم، نحو أحكام التجويد، كأحكام المدود والغنات، وهذا لايؤثر في الصلاة.
أمثلة للحن الجلي:
1. ضم كاف ” مالك ”، وإن كانت توجد قراءة، إلا أنه ينبغي كسرها؛ لأنها صفة لله تعالى، والصفة تتبع الموصوف، ولفظ الجلاله في " الحمد لله " مجرورة بحرف الجر، فتكون كذلك الصفة هنا " مالك " مجرورة.
2. كسر ” إياك ”، والله تعالى لا يخاطب بصيغة المؤنث.
3. كسر تاء ” أنعمت ”.
4. ضم تاء ” أنعمت ”، فالمنعم هو الله لا أنت.
5. كسر باء نعبد، والأصل الضم.
6. قلب ضاء ” الضالين ” ظادا، وبعض العلماء يرى أن اللحن هنا خفي لا جلي، لصعوبة التمييز بين الحرفين. (1/139)
صفحة 140
وعلى العموم كلا الحرفين يخرجان من اللسان ومخرجاهما متقاربان، فالضاد تخرج من إحدى حافتي اللسان مع أطراف الثنايا العليا، وخروجها مع الجهة اليسرى أسهل وأكثر استعمالاً، ومن اليمنى أصعب وأقل استعمالاً، ومن الجانبين معاً أعز وأعسر, فهو أصعب الحروف وأشدُّها على اللسان, ولا يوجد في لغة غير العربية، ولذلك تَسمى لغة الضاد، أما الظاء فتخرج من ظهر طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا.
أمثلة للحن الخفي:
1. عدم المد في حالة الوقف (الرحيم، الدين، نستعين، المستقيم، الضالين)، والأفضل المد، خاصة في الضالين.
2. نطق ” اهدنا ” اهدينا.
3. تسكين أواخر كلمات الآيات عند الوصل، والأصل عدم التسكين إلا في حالة الوقف.
4. تسكين كاف ” مالك ” والأصل الكسر.
5. تسكين باء ”المغضوب”، والأصل الكسر.
حكم استحضار معاني السورة:
استحضار معاني السورة يعين المصلي على الخشوع، ولذلك الأفضل للمصلي أن يستحضر معانيها، ومع هذا إذا أخذته الغفلة فلم يدر إلا وقد أنهى الفاتحة؛ ليس عليه شيء ويواصل صلاته.
من معاني السورة العظيمة:
" بسم الله الرحمن الرحيم " أي أستعين بك يا الله في إقامة صلاتي وذكري، قاصدا وجهك العظيم، وبابك الكريم.
" الحمد لله رب العالمين " فأنت رب جميع المخلوقات من إنس وجن، وحيوان وجماد، فأنت أحق أن تحمد، ويثنى عليك.
" الرحمن الرحيم " يا رب المخلوقات، أنت رحمان لها في الدنيا بنعمك العظيمة، ورحيم في الآخرة تغفر الذنب لمن تاب وأناب، وها قد تبنا وأنبنا إليك في هذه الصلاة فاغفر لنا.
" مالك يوم يوم الدين " يا مالك يوم القيامة، إليك الحكم والمرجع، اغفر لنا يا الله، فما لنا يومها إلا أنت.
" إياك نعبد وإياك نستعين " أي لا نعبد ونقصد بعبادتنا إلا أنت، ولا نستعين إلا بك، فلا نخلص نياتنا لغيرك، ولا نقصد بصلاتنا أحدا سواك.
" اهدنا الصراط المستقيم " يا الله اهدنا وارجعنا إلى الصراط المستقيم، وإلى الطريق القويم. (1/140)
صفحة 141
" صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين "، اللهم اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم من المؤمنين الصادقين، والأنبياء المخلصين، وابعدنا عن طريق المغضوب عليهم الذين ارتكبوا ما حرمت، فحق عليهم اللعنة والغضب، ولا الضالين المنحرفين عن طريقك يا الله.
حكم من لا يعرف قراءة الفاتحة:
وذلك مثلا الكبير في السن العاجز عن القراءة، أو العجمي الذي لا يعرف العربية، ويصعب عليه حفظها، أو الذي دخل في الإسلام قريبا وليست عنده قدرة في حفظ السورة.
حكم هؤلاء عليهم أن يحاولوا قدر استطاعتهم حفظ الفاتحة، فإن لم يتمكنوا فليحفظوا ولو ثلاث آيات منها، فإن لم يتمكنوا فليحفظوا آية واحدة، ولو " بسم الله رب العالمين "، فإن لم يتكنوا فليأتوا بالباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أو يأتوا بشيء من الباقيات الصالحات، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
حكم تحريك اللسان في قراءة الفاتحة:
اختلف العلماء هل يجب تحريك اللسان بقدر ما يسمع المصلي أذنيه، أو يجزيه استحضارها في القلب، والأولى تحريك اللسان، ولكن لا يشوش على من يصلى بجنبه من المصلين، فهذا أدعى للخشوع، وخروجا من الخلاف.
حكم من جاوز آية أو أكثر:
وذلك مثلا: نسي قراءة " مالك يوم الدين " فهذا على صنفين: إما أن يتذكر وهو لا يزال في الفاتحة؛ هنا يرجع فيأتي بالآية ثم التي تليها، شريطة أن يكون متأكدا لا عن شك، فالشك لا عبرة له في العبادات.
وإما أن يكون في حدّ آخر كالركوع والسجود، هنا يواصل صلاته، ويجزيه ما قرأه من السورة.
الركن الرابع
الركوع
حكمه:
الركوع ركن من أركان الصلاة، لا تتم الصلاة إلا به؛ لأمره صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاة أن يركع ويطمئن في ركوعه، والقيام منه شرط حيث يقف معتدلا قبل النزول إلى السجود، فهو شرط من شروط صحة الركوع، وهو داخل جملة من ضمن الركوع.
صفته: (1/141)
صفحة 142
بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة أو سورة؛ هنا يقف قليلا للاستعداد للركوع، ثم يركع قائلا الله أكبر، وبعض المذاهب السنية ترفع يديها إلى حذو الأذنين، وعند الإباضية وبعض المذاهب السنية كالحنفية لا يوجد هنا رفع لليدين.
وفي ركوعه يضع يديه في ركبتيه، مفرقا بين أصابعه، معتدلا في ظهره، ناظرا إلى موضع سجوده أو عند أخمص قدميه، قائلا سبحان ربي العظيم ثلاثا أو أكثر، ثم يقف معتدلا (1) قائلا سمع الله لمن حمده، وعند الاصطلاب يقول: ربنا ولك الحمد.
الاعتدال في الظهر:
الاعتدال في الظهر شرط من شروط صحة هذا الركن، وقد ذكر البخاري في صحيحة رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل ظهره معتدلا في ركوعه، حتى لو وضع في ظهره إناء لما سقط.
محل النظر:
قيل يستحب له أن ينظر في موضع سجوده، وقيل بين قدميه، أو عند أخمص أصابع قدميه، والكل جائز إن شاء الله تعالى، ولا يصح له أن ينظر إلى الأمام، أو إلى السماء؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن رفع الأبصار إلى السماء حيث قال عليه السلام: " ما بالكم ترفعون أبصاركم في صلاتكم قبل السماء ".
وضع اليدين:
يضع المصلي يديه في ركبتيه أثناء الركوع، ولا يصح إنزالها أو وضعها في الفخذين إلا إذا كان ظهره لا يعتدل إلا بإنزالها فيرخص له ذلك؛ لأن وضع اليدين في الركبتين سنة، واعتدال الظهر شرط، والشرط مقدم على السنة.
وضع الأصابع:
يستحب للمصلي أن يفرق بين أصابعه في الركوع، وإن ظمها فلا بأس.
حكم الشك:
الشك لا يعتد به في العبادات، وعلى هذا فلا يلتفت له، مثلا: رجل شك في ركوعه هل ركع أو لا؟ هنا يواصل صلاته، ولا يلتفت إلى الشك.
حكم النسيان:
النسيان معتد به في العبادات، فإذا تذكرت في السجود أنك لم تركع فارجع واركع؛ لأنه ركن لا بد أن تأتي به.
التمكين والاطمئنان:
__________
(1) بعض المذاهب السنية كالحنابلة يرفعون أيديهم عند الرفع من الركوع، والإباضية وأكثر المذاهب السنية لا يأتون به. (1/142)
صفحة 143
التمكين والاطمئنان شرط لصحة الركوع؛ لأمره صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته أن يطمئن في ركوعه، وعند الرفع منه، وصفة التمكين والاطمئنان أن تعتدل في ركوعك وعند القيام منه، مع وصول كل عضو إلى محله الصحيح.
التسبيح وقراءة القرآن والدعاء:
من السنة أن تقول في ركوعك سبحان ربي العظيم ثلاثا أو أكثر (1).
ولا يصح قراءة القرآن في الركوع لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
أما الدعاء فالمذهب الإباضي يشدد في الفرائض والسنن حتى ولو كان مأثورا، والمذاهب السنية ترى أن لا بأس من الدعاء في الركوع، ولو كان في الفرائض والسنن، خاصة إذا كان من المأثورات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الأخطاء التي تقع في الركوع:
يقع المصلون في أخطاء عدة في الركوع نذكر منها:
1. عدم اعتدال الظهر مع القدرة والاستطاعة.
2. وضع اليدين أسفل الركبتين أو في الفخذين لغير ضرورة.
3. النظر إلى الأمام أو إلى السماء، خاصة عند الرفع من الركوع.
4. عدم التمكين والاطمئنان.
الدرس الثالث
الركن الخامس
السجود
حكمه:
السجود ركن من أركان الصلاة، لا تتم الصلاة إلا به؛ لأمره صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاة أن يسجد ويطمئن في سجوده، والجلوس بين السجدتين شرط لصحة السجود على مذهب أكثر الفقهاء، وهو داخل جملة من ضمن السجود.
الأعضاء السبعة:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسجود على سبعة أعضاء، والأعضاء هي:
1. القدمان، فلا بد أن يسجد على قدميه، وأن تلاصق قدماه الأرض، ولو لبعض الأصابع.
2. الركبتان، وهذه كذلك لا بد أن تلاصق الأرض.
3. اليدان، وهذه أيضا لابد أن تلاصق الأرض، ولا يصح رفعهما، أو رفع أحدهما.
4. الجبهة، فلا بد أن يسجد على جبهته، وأكثر أهل العلم أن الأنف داخلة ضمن الجبهة، وعلى هذا لا بد من وصول الأنف إلى الأرض كذلك.
صفته:
__________
(1) سيأتي تفصيل أحكام التسبيح في دروس السنن إن شاء الله تعالى. (1/143)
صفحة 144
يستحب – عند النزول إلى السجود – تقديم الركبتين، قائلا الله أكبر، ثم اليدين، فالأنف فالجبهة، قائلا سبحان ربي الأعلى ثلاثا أو أكثر.
وعند الرفع من السجود يقدم الجبهة فالأنف فاليدين، قائلا الله أكبر.
ثم اجلس جلسة خفيفة كجلوس التشهد، ثم اسجد سجدة أخرى، وافعل فيها مثل ما فعلت في الأولى، ثم ارفع منها قائلا: الله أكبر.
وضع أصابع اليدين والقدمين:
يضع المصلي أصابع يديه أثناء السجود عند أذنيه، ويستحب ضمها باستقبال القبله، مع جواز تفريقها، ويضع يديه بصورة معتدلة، لا يفتحها كثيرا، ولا يضمها إلى جسمه، ولا يصح فرش اليدين؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
أما أصابع القدمين فلا بد أن تلامس الأرض، ويرخص في الحد الأدنى ثلاثة أصابع، وقيل يجزي أصبع واحد.
التمكين والاطمئنان:
التمكين والاطمئنان شرط لصحة السجود؛ لأمره صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته أن يطمئن في سجوده، وصفة التمكين والاطمئنان أن يصل كل عضو إلى محله الصحيح، مع السكينة والخشوع.
التسبيح وقراءة القرآن والدعاء:
من السنة أن تقول في سجودك سبحان ربي الأعلى ثلاثا أو أكثر (1).
ولا يصح قراءة القرآن في السجود؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
أما الدعاء فالمذهب الإباضي يشدد في الفرائض والسنن حتى ولو كان مأثورا، ولا بأس به في السنن، والمذاهب السنية ترى أن لا بأس من الدعاء في السجود، ولو كان في الفرائض والسنن، خاصة إذا كان من المأثورات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
عدد السجود:
السجود المشروع في كل ركعة سجدتان، ولا يصح الزيادة عن السجدتين، وبإمكانك الزيادة في التسابيح لا في الركن.
السجود على العمامة أو غطاء الرأس:
__________
(1) سيأتي تفصيل أحكام التسبيح في دروس السنن إن شاء الله تعالى. (1/144)
صفحة 145
قلنا آنفا إن من الأعضاء السبعة الجبهة، والفقهاء اختلفوا هل لا بد أن تلامس الجبهة الأرض، أو يصح مع وجود حائل بينها وبين الأرض، والأولى للمسلم الخروج من الخلاف، فيضع جبهته على الأرض مباشرة دون حائل.
السجود على الرخام والحشيش:
يصح السجود على الرخام لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا".
كما أنه يصح السجود على الحشيش، أو الشيء الناعم الكثيف، ومع وجود غيره، على قول الكثير من أهل العلم، والأفضل عدم السجود على الناعف الكثيف؛ لكي تستقر وتطمئن أعضاءك عند السجود.
ما يقال بين السجدتين:
جاء في الأثر استحباب قول: " رب اغفر وارحم " بين السجدتين، إلا إن المذهب الإباضي يجيز الدعاء بين السجدتين في النوافل لا في الفرائض والسنن، وأكثر علماء المذاهب السنية يجيزونه في الفرائض والسنن والنوافل، خاصة إذا كان الدعاء مأثورا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو صحابته الكرام.
الشك في السجود:
الشك لا يعتد به، وعلى هذا فلا يلتفت له، مثلا: رجل شك في سجوده هل سجد أو لا؟ هنا يواصل صلاته، ولا يلتفت إلى الشك.
كذلك إذا شك في عدد السجود، ولا يستطيع الترجيح فليبن على الأقل، وهو سجدة واحدة.
النسيان في السجود:
النسيان معتد به، فإذا تذكرت في القيام أنك لم تسجد أو سجدت سجدة واحدة فارجع واسجد؛ لأنه ركن لا بد أن تأتي به.
الأخطاء التي تقع في السجود:
يقع المصلون في أخطاء عدة في السجود نذكر منها:
1. المبالغة في تفريق اليدين.
2. فرش اليدين.
3. إيذاء الآخرين بفتح اليدين، خاصة في صلاة الجماعة.
4. رفع القدمين عن الأرض.
5. ضم اليدين في الجسم.
6. وضع الكفين بالقرب من الركبتين.
7. المبالغة في وضع الجبهة.
8. الاعتماد على اليدين عند الرفع من السجود لغير ضرورة.
الركن السادس
أحكام التشهد الأخير
حكمه: (1/145)
صفحة 146
الجلوس للتشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، لا تتم الصلاة إلا به؛ لأمره صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته أن يجلس ويطمئن في جلوسه، وما يقال فيه سنة من السنن، والتشهد الأول على قول الجمهور سنة وليس بركن.
وضع الأصابع واليدين:
يستحب أن يضع المصلي يديه في الركبتين، وإن وضعها في الفخذين فلا بأس، ولكن لا ينبغي أن يضعها في الخاصرتين.
أما بالنسبة للأصابع فعلى مذهب الإباضية يستحب إن وضع يديه في ركبتية أن يفرق بين أصابعه، وإن وضعها في فخذيه يستحب له أن يضم.
وأما المذاهب السنية فيستحب عندهم الإشارة بالسبابة من اليد اليمنى، وذلك عند قوله: " أشهد أن لا إله إلا الله "، يرفعها ثم يخفضها، يرفعها عند " أن لا إله إلا "، ويخفضها عند " إلا الله "، واختلفوا في تحريكها فاستحبه البعض وكرهه البعض.
وضع القدمين:
من السنة أن ينصب المصلي في جلوسه للتشهد الرجل اليمنى، ويفرش الرجل اليسرى باتجاه اليمنى، وإن جلس على غير هذه الكيفية فهو جائز، ولكن لا يجلس على الأليتين.
وعند بعض المذاهب السنية استحباب التورك في التشهد الأخير كما سيأتي بيانه في دروس السنن.
مكان النظر:
يستحب في حالة التشهد الأخير أن ينظر المصلي في مكان سجوده، وإن نظر بين ركبتيه لا بأس إن شاء الله.
اعتدال الظهر:
من شروط صحة التشهد اعتدال الظهر، والمقصود باعتدال الظهر أي يكون على وضعه الطبيعى، والأصل في ظهر الإنسان أنه مقوس، فلا يبالغ في انحنائه إلى الأمام أو الخلف.
التمكين والاطمئنان:
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته أن يطمئن في جلوسه للتشهد، فعلى هذا الاطمئنان والتمكين شرط لصحة هذا الركن، حيث يؤدي هذا الركن على خشوع واطمئنان، لا على عجلة ومسابقة.
الشك فيه:
الشك لا يعتد به، فعلى هذا لا يلتفت إليه، مثلا: رجل شك بعد خروجه من الصلاة هل جلس للتشهد أو لا؟ هنا لا يلتفت إلى هذا الشك.
النسيان فيه: (1/146)
صفحة 147
النسيان يعتد به، فإذا تذكرت أنك لم تجلس للتشهد فارجع واجلس، إلا إذا خرجت من صلاتك وتذكرت بعد فترة طويلة، هنا تعيد الصلاة.
مقدار ما يقرأ فيه:
سنذكر في دروس السنن ما يقال في التشهد، وأقل ما يقال فيه: " التحيات المباركات لله والصلوات ... إلى عبده ورسوله "، وقيل: إن قال: التحيات المباركات لله والصلوات أجزأه، خاصة إذا كان أدرك الإمام في التشهد، وعندما جلس سلم الإمام.
الصلاة المحمدية:
وتسمى الصلاة الإبراهيمية، وهي اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد، كما بالركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
والفقهاء اختلفوا هل يجب الإتيان بالصلاة المحمدية، الجمهور من الفقهاء أنه لا يجب الإتيان بها.
الدعاء:
يجوز الدعاء آخر التشهد، خاصة بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، كالاستعاذة من المعوذات الأربع: عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المسيح الدجال، وفتنة المحيا والممات، أو قول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
حكم الاستدراك في التشهد:
يجوز الاستدراك في التشهد لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " ما أدركتم فصلوا "، فإذا دخلت مع الإمام في التشهد فاقرأ التشهد، وعندما يسلم اقض ما فاتك، وإذا جلست فسلم الإمام؛ قيل هنا آت ولو بشيء بسيط من التشهد كالتحيات المباركات لله والصلوات، ثم اقض ما فاتك.
الأخطاء:
يقع المصلون في أخطاء عدة في جلسة التشهد نذكر منها:
1. عدم التمكين والاطمئنان.
2. النظر إلى الأمام.
3. النظر بين الفخذين.
4. رفع الرجلين.
5. الجلوس على الأليتين.
6. وضع اليدين على الخاصرتين.
7. عدم اعتدال الظهر.
الدرس الرابع
سنن الصلاة
مجمل سنن الصلاة المتفق عليها بين المذاهب الإسلامية:
1. الأذان.
2. الإقامة.
3. التوجيه.
4. الاستعاذة.
5. قراءة سورة بعد الفاتحة.
6. تكبيرات الانتقال. (1/147)
صفحة 148
7. تسبيحات الركوع.
8. ما يقال عند الرفع من الركوع.
9. ما يقال في السجود.
10.ما يقال في الجلسة بين السجدتين.
11. التشهد الأول.
12. ما يقال في التشهد.
13. الصلاة المحمدية.
14. الدعاء في التشهد الأخير.
15. التسليم.
16. أذكار الصلاة.
17. الدعاء بعد الصلاة.
مجمل السنن عند المذاهب السنية:
1. رفع اليدين حذو المنكبين.
2. عقد اليدين فوق الصرة.
3. التأمين بعد الفاتحة.
4. الإشارة بالسبابة في التشهد.
5. القنوت.
6. التورك.
7. الجلسة الخفيفة.
سنة الأذان
حكمه:
يعتبر الأذان من السنن المؤكدة، وقيل فرض على الكفاية، إذا أقامه البعض سقط عن البعض الآخر، ويجب في البلدة الواحدة أن يعلن فيه الأذان، فإذا تركوه أثموا جميعا.
وشرع الأذان لحكم عديدة، منها: تنبيه الناس بدخول الوقت؛ ليسارعوا في تأدية الصلاة في وقتها، ومنها حث الناس على حضور صلاة الجماعة في المسجد مع جماعة المسلمين، ومنها إظهار كلمة التوحيد في الأرض، وإعلانها بين الملأ.
صفته:
المتفق بين المذاهب الإسلامية في صيغة الأذان هذه الصيغة:
الله أكبر الله أكبر
الله أكبر الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمدا رسول الله
أشهد أن محمدا رسول الله
حي على الصلاة
حي على الصلاة
حي على الفلاح
حي على الفلاح
الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله
والخلاف في زيادة " الصلاة خير من النوم " الذي تعمل به المذاهب السنية في أذان الفجر، وكذلك زيادة " حي على خير العمل " والذي يعمل به الشيعة الزيدية إلى اليوم، أما زيادة " أشهد أن عليا ولي الله " فهي من محدثات الشيعة الإمامية، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه الكرام.
حكم الطهارة له: (1/148)
صفحة 149
يستحب للمؤذن أن يكون طاهرا، ومع هذا يصح أن يؤذن بغير طهارة، واختلف في الحدث الأكبر، قيل: يصح أن يؤذن مع وجود الحدث الأكبر، وقيل: لا يصح، والأولى أن يكون المؤذن طاهرا من الحدث الأكبر؛ لأنه يرفع شعار المسلمين.
حكم استقبال القبلة أثناء الأذان:
يستحب استقبال القبلة أثناء الأذان، ومع هذا إذا أذن المؤذن بغير اتجاه القبلة جاز ذلك.
حكم الترديد خلف المؤذن:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم من يسمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن، واختلف هل هذا الأمر للوجوب أو للندب، وأكثر الفقهاء أنه للندب لا للوجوب.
من هنا يستحب من يسمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن، وقيل يستحب أن يقول بدل الحيعلتين " حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح " لا حول ولا قوة إلا بالله.
وضع اليدين على الأذن:
يستحب وضع اليدين على الأذن أثناء الأذان؛ فهذا يساعد على رفع الصوت، وقيل: لا حاجة لوضع اليدين في الأذنين اليوم لوجود الأجهزة المكبرة للصوت.
الأذان قبل الوقت:
أكثر الفقهاء يشددون في الأذان قبل الوقت؛ لأن من شروطه دخول الوقت، فعلى هذا لا ينبغي الأذان قبل الوقت؛ لأنه ينافي العلة المشروعة من الأذان.
ويستثنى من هذا أذانين: الأذان الأول لصلاة الفجر؛ لأنه شرع لإيقاظ النائم ليتناول وجبة السحور، والأذان الأول قبل صلاة الجمعة، سنه عثمان بن عفان لتنبيه الناس بقرب صلاة الجمعة.
تحريك الرأس عند الحيعلتين:
يستحب تحريك الرأس عند الحيعلتين باتجاة اليمين والشمال؛ ليصل الصوت إلى أكثر من مكان، وقيل: مع وجود أجهزة تكبير الصوت يستغنى عن تحريك الرأس، ولأنه في الغالب يضر بوضوح الصوت في المكبر، حيث أن أغلب المساجد يوجد بها مكبر واحد باتجاه فيه المؤذن.
الأذان عند الخسوف والكسوف:
لا يوجد أذان لصلاتي الخسوف والكسوف، والسنة أن ينادى في الناس: "الصلاة جامعة ".
الأذان لصلاة العيد: (1/149)
صفحة 150
كذلك لا يوجد أذان لصلاة العيد؛ لأن أمر صلاتها واضح، فهي بعد شروق الشمس حيث تكون بمقدار رمح، يتجمع الناس في هذا اليوم المبارك، فيصلون ويشكرون الله على هذه النعمة، فأمر الصلاة واضح وبين.
خروج ريح من المؤذن:
إذا خرجت ريح من المؤذن عليه أن يواصل أذانه، ولا يصح أن يقطعه؛ لأن الطهارة – كما قلنا آنفا – ليست شرطا لصحة الأذان، وإنما هي مستحبة.
التغني بالأذان:
لا ينبغي التغني بالأذان؛ لأن الأذان سهل سمح، أما تحسين الصوت في الأذان فهذا أمر طيب وحسن.
أذان غير البالغ:
لا يشترط في المؤذن أن يكون بالغا، بل يصح أذان غير البالغ، وإذا كان غير البالغ أتقن بالأذان من غيره، فالأولى أن يقدم للأذان من البالغ.
الأذان بالنعال:
يصح الأذان بالنعال، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى منتعلا، فإذا كانت الصلاة تصح بالنعال الطاهر، فالأذان من باب أولى.
إقامة أذانين لصلاة الفجر:
من السنة إقامة أذانين لصلاة الفجر خاصة في رمضان، فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا أذن بلال فكلوا فإنه يؤذن بليل، وإذا أذن ابن أم مكتوم فامسكوا "، فشرع الأذان الأول لإيقاظ الناس للسحور، وعلى هذا لا يشترط له دخول الوقت، بل هو راجع إلى العرف.
الأذان الأول لصلاة الجمعة:
كان في عهد النبي صى الله عليه وسلم، وصاحبيه من بعده أبي بكر وعمر يؤذن أذان واحد لصلاة الجمعة، ولما رأى الخليفة عثمان بن عفان انشغال الناس بأمر المعاش استحسن أن ينبهوا بالأذان؛ ليستعدوا لصلاة الجمعة، فاستحسن الصحابة فعل عثمان، وعلى هذا جرت هذه السنة إلى يومنا هذا.
وهذا الأذان كذلك لا يشترط له دخول الوقت؛ لأن الغاية منه تنبيه الناس بقرب الصلاة.
إذا أذن المؤذن وأنت تقرأ القرآن:
إذا أذن المؤذن وأنت تتلو كتاب الله فالأولى كما قال كثير من أهل العلم أن تقطع القراءة، وتنصط للأذان؛ لأن القرآن يعلو ولا يعلى عليه، ولإدراك فضل الترديد خلف المؤذن. (1/150)
صفحة 151
إذا لم يسمع الأذان في البلد الذي يؤذن فيه:
إذا لم يسمع الأذان في البلد الذي يؤذن فيه لانشغال بتجارة، أو بسبب نوم ونحوه، وبما أن الأذان فرض على الكفاية، وهناك من أذن في هذا البلد، هنا الأذان يسقط، وإن أذن غير السامع فحسن.
ويقاس على هذا إذا لم يؤذن أحد في مسجد ما، وهناك مساجد قريبة قد أعلن فيها الأذان، فإن اكتفت جماعة المسجد بأذان أولئك جاز، وإن أذنوا لأنفسهم كان حسنا، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم تأخر في إحدى الغزوات عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فأمر بلالا أن يؤذن، ثم صلى بهم عليه الصلاة والسلام الفجر، وهذا يحمل على الندب.
إذا كنت في مكان لا يؤذن فيه كالصحراء:
قيل هنا يجب أن يعلن الأذان، وقيل لا يجب، والأفضل خروجا من الخلاف واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم إعلان الأذان.
الأذان بعد خروج وقت الصلاة:
يستحب الأذان بعد خروج وقت الصلاة، كان بسبب نوم أوعذر آخر، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم تأخر في إحدى الغزوات عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فأمر بلالا أن يؤذن، ثم صلى بهم عليه الصلاة والسلام الفجر، وهذا يحمل على الندب.
الأذان بالنسبة للمرأة:
إعلان الأذان وإشهاره شرع في حق الرجال لا النساء؛ لأنه شرع فيه رفع الصوت؛ ليصل إلى أبعد مدى ممكن، وهذا لا يتناسب مع النساء.
سنة الإقامة
حكمها:
الإقامة من السنن المؤكدة على الرجال دون النساء في الفرائض دون النوافل، لا يجوز تركها، ولا تسقط إلا في حالتين: النسيان، وفي حالة الاكتفاء بإقامة المؤذن في صلاة الجماعة.
صفتها:
توجد صفتان للإقامة:
الصفة الأولى:
الله أكبر الله أكبر
الله أكبر الله أكبر
أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله
حي على الصلاة حي على الصلاة
حي على الفلاح حي على الفلاح
قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة
الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله
الصفة الثانية:
الله أكبر الله أكبر (1/151)
صفحة 152
أشهد أن لا إله إلا الله
أشهد أن محمدا رسول الله
حي على الصلاة
حي على الفلاح
قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة
الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله
وأكثر الإباضية يعملون بالصفة الأولى، أما المذاهب السنية فتعمل بالصفة الثانية.
محلها:
محل الإقامة قبل التوجيه عند من يقدم التوجيه على تكبيرة الإحرام، وقبل تكبيرة الإحرام عند من يؤخر التوجيه إلى ما بعد تكبيرة الإحرام.
الشك والنسيان:
لا عبرة بالشك في قضايا العبادات، أما إن تأكد أنه لم يأت بالإقامة وتذكر قبل تكبيرة الإحرام؛ هنا يرجع فيقيم الصلاة ثم يوجه فيكبر، وإن تذكرها بعد تكبيرة الإحرام فلا يرجع؛ لأنه دخل في ركن، ولا يقطع الركن من أجل سنة، وإنما يجزيه سجود السهو.
الإقامة للمرأة:
لا إقامة للمرأة، وإنما هي خاصة للرجال دون النساء.
الإقامة في النوافل:
ذهب أكثر أهل العلم أن الإقامة خاصة بصلاة الفرض دون السنن والنوافل.
الإقامة في صلاة الجماعة:
إذا أقام المؤذن تسقط الإقامة عن بقية المصلين، ولو كان مستدركا، وقيل حتى ولو أدرك الصف وقد انتهت الصلاة تسقط عنه الإقامة.
الكلام والحركة بعد الإقامة:
يصح الكلام والحركة بعد الإقامة؛ لأنه لم يدخل في الصلاة بعد، ولكن لا نبغي أن تكون الحركة والكلام لفترة طويلة، وإلا عليه أن يعيد الإقامة من جديد.
الترديد خلف المقيم:
ذهب أكثر أهل العلم أن الترديد يكون بعد الأذان لا الإقامة، ولكن لا بأس لو ردد بعد الإقامة.
الأخطاء في الأذان والإقامة:
توجد أخطاء كثيرة يقع فيها المصلون في الأذان والإقامة، منها:
1. آالله أكبر، أي يأتي بهمزة الاستفهام، فهو يستفهم هنا هل الله كبير أو لا تعالى الله عن ذلك.
2. الله آكبر، يمد همزة أكبر.
3. .الله أكبار، حيث يضيف ألفا بين الباء والراء في أكبر، والعلماء قالوا إن أكبار معناها الطبل، أي هنا يصف الله تعالى أنه طبل، تعالى الله عن ذلك. (1/152)
صفحة 153
4. الله ووو أكبر، يمد الهاء في لفظ الجلالة، وهذا لا ينبغي.
5. هالله أكبر، يأتي بهاء الاستفهام، وهذا لا يصح.
6. اللهٍ أكبر (بفتح أحدهما أو كلاهما)، وينبغي ضم الهاء في الله، مع تسكين راء أكبر لأنه يقف عليها.
7. الله أكبر (بتسكين هاء الجلالة)، وهذا لا ينبغي.
8. تسكين أواخر كلمات الجمل عند الوصل، كتسكين أكبر عند وصل الله أكبر بالله أكبر وهكذا.
9. تشديد إن في " أشهد أن لا إله إلا الله "، والأصل التخفيف.
10. فتح رسول في " أشهد أن محمدا رسول الله " والأصل الضم؛ لأنه اسم إن منصوب.
سنة التوجيه
حكمه:
سنة من سنن الصلاة، قيل سنة واجبة، وقيل سنة مندوبة، وعلى الأول من تركه متعمدا بطلت صلاته، والدليل على سنيته حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاته بسبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.
صفته:
الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله عنها قوله في الاستفتاح: " سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".
وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يستفتح صلاته بقوله تعالى: " ” إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين“ (1)، فيكون الأول مستحبا، وهو الحدّ الواجب عند من يقول بوجوب التوجيه، ويكون توجيه سيدنا إبراهيم مستحسنا، وعلى هذا يصح الاكتفاء بالتوجيه الأول.
ويصح أن يبدأ المصلي بتوجيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام أولا، ثم توجيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثانيا، ويصح العكس.
محله:
__________
(1) يضيف بعض العوام لفظة مسلما في هذه الآية، والأولى خلافه، اقتصارا على نص الآية. (1/153)
صفحة 154
اختلف الفقهاء في محل التوجيه، أهو قبل تكبيرة الإحرام أم بعدها؟ وهذا مبني على فهمهم لحديث عائشة، حيث ذكرت كان رسول اللله صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاته ... الحديث، فهل المقصود بالاستفتاح هنا الابتداء فيكون قبل تكبيرة الإحرام، أم أنه يكون بعد التكبيرة لأن المصلي يدخل في صلاته بتكبيرة الإحرام ثم يستفتح بعدها.
ذهب أكثر الإباضية إلى القول الأول، بينما ذهبت المذاهب السنية إلى القول الثاني.
الفصل بينه وبين تكبيرة الإحرام بفاصل:
الأصل أنه لا يفصل بينه وبين تكبيرة الإحرام بفاصل كحركة أو كلام، إلا إذا احتاج لذلك، شريطة أن لا يكون الفاصل طويلا، وإلا فليعد التوجيه من جديد.
قراءة التوجيه ماشيا:
يصح قراءة التوجيه ماشيا، إلا أنه لا يكبر تكبيرة الإحرام إلا عندما يستقر، إما مع الصفوف إن كان يصلي جماعة، أو في المكان الذي يصلي فيه إن كان يصلي منفردا.
التوجيه في السنن والنوافل:
التوجيه يعم السنن والنوافل، وقيل يجزي توجيه الفرائض عن توجيه السنن والنوافل.
التوجيه لصلاة الميت:
الأكثر أن صلاة الميت كغيرها من الصلوات يوجه لها، وقيل أن صلاة الميت مبنية على التخفيف؛ لذلك لا توجيه فيها.
الشك والنسيان:
الشك لا يعتد به في مثل هذه الأمور، أما النسيان فيعتد به، فإذا تذكرت أنك لم توجه فانظر متى تذكرت؟ إن تذكرت قبل تكبيرة الإحرام فاقرأه لأنك لم تدخل في ركن، وإن تذكرته بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في الصلاة؛ بإمكانك هنا أن تقرأه بعد التكبيرة على من قال أن التوجيه بعد تكبيرة الإحرام، وإن شئت عدم الإتيان به بعد التكبيرة اسجد جبرا له سجود السهو، أما إن تذكرت وأنت تقرأ الفاتحة فلا تعد؛ لأنك قد دخلت في ركن، واجبره بسجود السهو.
التوجيه للمرأة:
المرأة لها حكم الرجل في التوجيه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي ".
سنة الاستعاذة
حكمها: (1/154)
صفحة 155
الاستعاذة سنة من سنن الصلاة؛ لقوله تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطن الرجيم "، واختلف أهي سنة واجبة أم مندوبة، وعلى الأول لا يجوز تركها تعمدا.
صفتها:
لها صفتان:
1. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
2. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
محلها:
أكثر الفقهاء أن محلها بعد تكبيرة الإحرام، في أول ركعة يقرأ فيها، وقيل في كل ركعة يستعيذ، وقيل يستعيذ قبل تكبيرة الإحرام، والأول أشهر، وهو المعمول به.
حكم الجهر بالاستعاذة:
لا ينبغي الجهر بالاستعاذة، بل يسن فيها عدمه بمقدار ما يسمع أذنيه، وبعض أهل العلم يشدد في الجهر بها.
حكم الاستعاذة في النافلة:
الاستعاذة مستحبة في الفرائض والنوافل، وعموما هي مستحبة قبل قراءة القرآن مطلقا؛ لعموم قوله تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ".
الشك والنسيان في الاستعاذة:
الشك لا يعتد به، أما النسيان فإذا تذكرها في القراءة فلا يرجع؛ لأنها سنة، وقد دخل في ركن، قيل هنا يستعيذ في الركعة الثانية، وإن نسيها في الثانية فليستعذ في الثالثة، وإن نسيها كليا ليس عليه شيء، وقيل يسجد سجود السهو.
الاستعاذة والاستدراك:
إذا دخل مع الإمام وهو في الركوع من الركعة الأولى مثلا؛ المعمول به أنه يستعيذ في بداية القراءة من الركعة الثانية؛ لأن الاستعاذة شرعت قبل القراءة.
أما إذا أدركه في التشهد الأخير فليستعذ كذلك في بداية القراءة في أول ركعة يقضيها.
السكتة قبل وبعد الاستعاذة:
يستحب أن يسكت المصلي سكتة خفيفة قبل الاستعاذة وبعدها، بمقدار ما يتنفس، أو يبلغ ريقه.
سنة قراءة سورة بعد الفاتحة
حكمها:
قراءة سورة بعد الفاتحة سنة واجبة عند جمهور الفقهاء، لا يصح تركها تعمدا؛ لأمره صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته أن يقرأ ما تيسر من القرآن بعد الفاتحة.
الصلوات التي يقرأ فيها:
اتفقت المذاهب الإسلامية أن قراءة سورة بعد الفاتحة تكون في الصلوات التالية: (1/155)
صفحة 156
1. ركعتي الفجر.
2. الركعة الأولى والثانية من صلاة المغرب.
3. الركعة الأولى والثانية من صلاة العشاء.
4. صلاة الجمعة.
وزادت المذاهب السنية أنه يستحب قراءة سورة مع الفاتحة في الركعة الأولى والثانية من صلاتي الظهر والعصر.
الشك والنسيان:
الشك لا يعتد به، أما النسيان فيعتد به، فإذا تذكرها قبل أن يركع مثلا فليقرأها ثم يركع، وإذا تذكرها في الركوع؛ المعمول به يواصلا صلاته؛ لأنها سنة، والركوع ركن، ولا يترك الركن من أجل سنة، وليسجد سجدتي السهو.
اللحن في القراءة:
اللحن إما أن يكون لحنا جليا، أو لحنا خفيا، فالأول كأن يبدل آية رحمة بآية عذاب، فهذا يؤثر على الصلاة، وقيل لا يؤثر لأنه لم يتعمد ذلك.
أما اللحن الخفي فهو اللحن غير الواضح، كأن لا يأتي بأحكام المدود والغنات، وهذا لا يؤثر في الصلاة.
تكرار السورة الواحدة:
وذلك كأن يقرأ في الركعة الأولى سورة المسد، وفي الثانية يقرأ نفس السورة، هذا الفعل جائز لعموم قوله تعالى: " فاقرأوا ما تيسر منه ".
مقدار القراءة:
اتفق أنه يجزئ قراءة ثلاث آيات كاملات؛ لأن أصغر سورة في القرآن وهي سورة الكوثر تتضمن ثلاث آيات، وقيل يجزئ آية واحد كاملة كآية الكرسي.
قراءة الفاتحة إذا أدرك في القراءة:
إذا دخل المأموم مع الإمام وهو في السورة بعد الفاتحة، هل يقرأ المأموم الفاتحة أو لا؟ قيل هنا يستحب له الإنصات، إلا إذا علم أن الإمام يطول، كما يفعل في صلاة الفجر، وبإمكانه أن ينصت إلى آية واحدة كاملة، هنا بإمكانه أن يقرأ الفاتحة، وقيل لا ينبغي مطلقا حتى ولو كان الإمام يطول في القراءة؛ لعموم قوله تعالى: " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون "، فعليه أن ينصت، ثم يقض الفاتحة بعد تسليم الإمام. (1/156)
صفحة 157
أما المذاهب السنية فترى إذا أدركه في السورة فليقرأ الفاتحة؛ لأن الإنصات المأمور به يكون خلف الفاتحة؛ لأنها فرض، والسورة نفل، وإذا لم يتمكن من قراءة الفاتحة يجزيه ما أدركه مع الإمام من الركعة، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " من أدركة ركعة فقد أدرك الصلاة ".
التنكيس في القراءة:
يقصد بالتنكيس عدم الترتيب، وهو على قسمين:
1. التنكيس في السورة الواحدة: كأن يقرأ في الركعة الأولى من آخر البقرة، وفي الركعة الثانية من أول البقرة، هذا لا يصح، وقيل يكره كراهة شديدة.
2. التنكيس بين السور: كأن يقرأ في الركعة الأول سور الناس، وفي الركعة الثانية سورة الفلق، وهذا جائز، وهو خلاف الأولى، ودليل جوازه ما رواه أنس بن مالك أنه قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح ب " قل هو الله أحد " حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، فكان يصنع ذلك في كل ركعة، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال: " وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة "، قال: إني أحبها، قال: " حبك إياها أدخلك الجنة ".
إذا مرّ بآية فيها سجدة:
إذا مرّ المصلي بآية فيها سجدة قيل يسجد أثناء الصلاة، وقيل بعد الصلاة، والمعمول به الأول.
وإذا سجد سجدة التلاوة عليه أن يكبر عند النزول، وعند الارتفاع، ويفعل فيها مثل ما يفعل في سجود الصلاة.
وعند الارتفاع من السجود هو بالخيار، هل يواصل السورة نفسها التي فيها سجدة، أو يأتي بسورة جديدة، أو ينزل مباشرة إلى الركوع.
حكم من جاوز آية فأكثر:
إن تذكر في القراءة فليرجع إن استطاع، وإلا يجزيه ما قرأه إن كانت الآية كاملة.
كذلك إن لم يستطع مواصلة ما بدأه من السورة، فإن كان قرأ آية كاملة فأكثر يجزيه، وإن أتى بسورة أخرى فحسن جميل.
السكتة قبل وبعد القراءة: (1/157)
صفحة 158
يستحب أن يسكت المصلي سكتة خفيفة قبل القراءة وبعدها، بمقدار ما يتنفس، أو يبلغ ريقه.
وعند المذاهب السنية ينبغي أن تكون السكتة قبل القراءة بالنسبة للإمام طويلة نوعا ما، بمقدار ما يأتي المأموم بسورة الفاتحة؛ لأن المعمول عندهم أن الفاتحة تقرأ بعد فراغ الإمام من الفاتحة، ويجب الإنصات لسورة الفاتحة.
أما في المذهب الإباضي على المأموم أن يقرأ الفاتحة خلف الإمام أثناء قراءة الفاتحة، ويجب عليه أن ينصت للسورة كما بينا آنفا.
قراءة سورتين أو أكثر في كل ركعة:
يصح للمأموم أن يقرأ في كل ركعة سورتين وأكثر، ولا مانع من ذلك، بل فعل مثل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا أحدث الإمام من أين يبدأ المستخلف؟
إذا أحدث الإمام إما أنه قد قرأ آية كاملة فأكثر، هنا المستخلَف بالخيار، إما أن يواصل السورة، أو يبدأ سورة جديدة، أو يكتفي بقراءة الإمام.
وإما أن يكون الإمام لم يقرأ آية كاملة هنا على المستخلف إما أن يواصل ليأت بآية كاملة، أو يبدأ سورة جديدة، ولا يصح له أن يركع.
قراءة التشهد بدل السورة نسيانا:
إذا تذكر المأموم أنه قرأ التشهد بدلا من السورة؛ إن تذكر ذلك قبل الركوع فليأت بسورة أو آية كاملة، وإن تذكر بعد الدخول في الركوع؛ فليواصل صلاته، وليسجد سجدتي السهو.
حالات سقوط القراءة:
تسقط الفاتحة في المذهب الإباضي في حالتين:
1. في حالة الصلاة خلف إمام، فتجزئ قراءة الإمام عن المأمومين.
2. في حالة النسيان، فتجبر بسجود السهو.
وتضيف المذاهب السنة حالة ثالثة، وهي إذا أدرك الإمام في الركوع فتسقط في هذه الحالة قراءة السورة، لأن قد أدرك جزءا من الركعة.
هل يبسمل إذا ابتدأ السورة من وسط:
البسملة شرعت في أول السورة، عدا سورة براءة لا يوجد فيها بسملة. (1/158)
صفحة 159
واتفقت المذاهب الإسلامية أن البسملة آية من سورة الفاتحة، والبسملة الثانية من سورة النمل، واختلف فيما عدا هاتين السورتين، فالمذهب الإباضي وبعض المذاهب السنية كالشافعية أنها آية في جميع سور القرآن عدا براءة، لذلك يستحب الجهر بها في السور الجهرية.
وذهب المالكية والحنابلة من المذاهب السنية على أنها آية من سورة الفاتحة، والثانية من النمل، ويستحب الإسرار بها في الصلاة.
واتفقت المذاهب الإسلامية إذا بدأت السورة من وسط لا تبسمل.
متى يجهر بالقراءة؟
يجهر بالقراءة في الصلوات الجهرية، ويسر بها في الصلوات السرية إذا كنت إماما، وإذا كنت مأموما فلا بأس من الجهر بها في الصلوات الجهرية، شريطة أن لا تشوش على باقي المصلين والذاكرين الله تعالى.
تكابير الانتقال
حكمها:
سنة من السنن التي لابنبغي تركها، وقيل سنة واجبة، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه يأتي بها في حالة الانتقال من حدّ إلى حد.
صفتها:
صفتها " الله أكبر "، وقيل يصح إبدالها بالله أعظم أو أجل؛ لكونها تنصب في معنى واحد، وقيل لا يصح؛ لأن الصلاة أمرها تعبدي، ولا بد من التقيد بالنص في أمر العبادة.
محلها:
يؤتى بهذه التكابير عند الانتقال من حدّ إلى حد، حيث يحدث فراغ عند الانتقال، يسد هذا الفراغ بهذه التكابير، لذلك لا ينبغي الإتيان بها قبل الانتقل، أو بعد الدخول في حدّ جديد.
الخطأ فيها:
سبق وأن ذكرنا أخطاء الناس في لفظة التكبير في باب تكبيرة الإحرام، والأذان والإقامة، لذلك ينبغي تعلم النطق الصحيح لهذه التكابير، وعلى العموم الخطأ في تكابير الانتقال مما يتساهل فيه باعتباره سنة، ولكن مع هذا يجب على المسلم أن يعود نفسه على النطق السليم.
الشك والنسيان: (1/159)
صفحة 160
الشك لا يعتد به، أما النسيان فعتد به، فإذا نسي – مثلا – تكبيرة الانتقال من حد القيام إلى حذ الركوع، وتذكر ذلك في الركوع فلا يرجع؛ لأن تكابير الانتقال سنة، والركوع ركن، ولا يترك الركن من أجل سنة، وهل يسجد في هذه الحالة سجود السهو؟ خلاف بين أهل العلم.
متى تؤتى في الاستدراك:
إذا دخل المصلي مع الإمام فإنه يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يدخل مع الإمام، فإذ كان في القراءة أنصت له، وإذا كان في الركوع كبر تكبيرة الانتقال بعد تكبيرة الإحرام وركع، وإذا كان في السجود كبر تكبيرة الانتقال بعد تكبيرة الإحرام وسجد، وهكذا.
وعندما يسلم الإمام في المذهب الإباضي – وفق المعمول به – يقوم بلا تكبيرة، ليقضي ما فاته.
أما في المذاهب السنية يقوم بتكبيرة؛ لأنه هنا يواصل صلاته، فهو عندما دخل مع الإمام في الركعة الثالثة – مثلا – يعتبرها المستدرك الأولى، وهكذا يواصل صلاته، فإذا سلم من الثانية، قام المأموم لأداء الثالثة.
أما الإباضية إذا دخلوا في الثانية فيعتبرها المستدرك كذلك الثانية، وإذا سلم في صلاة رباعية، يكون قد بقي على المأموم ركعة وهي الأولى، فيقوم لقضائها.
وعند الإباضية مصطلح الوثبة، وهذه تتمثل لو دخل مع الإمام في بداية الفاتحة من الركعة الثانية، فيقضي الركعة الأولى من قراءة وركوع وسجود، وبقي القيام إلى الركعة الثانية، هذا القيام يسمى الوثبة، فعندما يصطلب يجلس مباشرة للخروج من الصلاة بلا تكبيرة.
متى يأتبي بها المأموم؟
يستحب أن لا يأتي بها المأموم إلا بعد سماع حرف الراء من أكبر، وذلك حتى لا يسابق الإمام، ولا ينبغي للإمام أن يأتي بها أولا، فيتأخر ويسبقه المأمومون.
تطويل لفظة الجلالة:
نلاحظ كثيرا من الأئمة يطولون لفظة الجلالة في تكابير الانتقال تطويلا قد يخل بها، وينبغي التوسط والاعتدال، أما تطويل أكبر لتصير أكبار لا يصح شرعا.
تسابيح الركوع
حكمها: (1/160)
صفحة 161
سنة من السنن التي لا بنبغي تركها، وقيل سنة واجبة، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه يأتي بها في حالة الركوع.
معناها ومحلها:
إذا ركع المصلي لله تعالى استعشر عظمة الذات الإلهية، فهو لا يركع إلا لله وحده، خاشعا متذللا بين يديه جل في علاه، لذلك ناسب المقام أن يقول " سبحان ربي العظيم "، أي لا عظيم إلا الله، فلا نركع إلا لله.
ومحل التسبيح عندما يطمئن المصلي في ركوعه، وتصل الأعضاء إلى مكانها الصحيح، فلا يصح أن يأتي بها قبل الاطمئنان.
عددها:
أقل ما يقال من تسابيح الركوع مرة واحدة، والأفضل أن لا يقل عن ثلاث مرات، وإن زاد خمسا أو سبعا أو تسعا أو أكثر جاز ذلك.
والأفضل أن يأتي بها على عدد فردي كثلاث، أو خمس، أو سبع، أو أكثر، ويصح إذا كان العدد زوجيا كأربع، أو ست، أو ثمان، كما روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان يأتي بها عشر مرات.
وفي حالة تطويل الإمام في الركوع لا ينبغي للمأموم التوقف؛ بل يواصل التسبيح حتى يقوم الإمام من ركوعه.
الخطأ فيها:
من الخطأ قول: سبحان رب العظيم، والصحيح سبحان ربيَ العظيم؛ لأن رب نكرة بحاجة إلى معرف، فتعرف هنا بالإضافة، لذلك كان الضمير المتصل في رب، فنقول ربيَ لا رب.
قراءة القرآن والدعاء في الركوع:
لا يصح قراءة القرآن في الركوع لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
أما الدعاء فالمذهب الإباضي يشدد في الفرائض والسنن حتى ولو كان مأثورا، والمذاهب السنية ترى أن لا بأس من الدعاء في الركوع، ولو كان في الفرائض والسنن، خاصة إذا كان من المأثورات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إبدالها بسبحان ربي الأعلى:
لا يصح أن يبدل سبحان ربي العظيم بسبحان ربي الأعلى عمدا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقال في الركوع سبحان ربي العظيم، وهو الذي قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي ".
وإن قالها نسيانا فلا بأس عليه، ولا يلزمه سجود السهو.
الشك والنسيان: (1/161)
صفحة 162
إن شك المصلي بعد قيامه من الركوع هل أتى بتسابيح الركوع أو لا؟ هنا عليه مواصلة صلاته؛ لأن الشك لا يعتد به.
أما النسيان فمعتد به إذا لم يقم من ركوعه، أما إذا اصطلب فليواصل صلاته، ولا يرجع، واختلف هنا هل يلزمه سجود سهو أو لا؟ والأفضل أن يسجد سجدتي السهو خروجا من الخلاف.
ما يقال عند الرفع من الركوع
صفته:
إذا أراد المصلي أن يقوم من الركوع إلى السجود يجب عليه بداية أن يصطلب واقفا ثم يهم إلى السجود.
وعند الرفع يستحب قول: سمع الله لمن حمده؛ أي استجاب الله لمن حمده وعظمه وأثنى عليه.
فإذا ما اطمأن واقفا يستحب أن يقول: ربنا ولك الحمد؛ أي لك الحمد يا الله على إجابتك ونعمك العظيمة.
حكمه:
ما يقال عند الرفع من الركوع، ويدخل فيه عند الاصطلاب سنة من السنن المندوبة، وقيل: واجبة، وعلى العموم لا ينبغي تركها.
الزيادة بالماثور:
إن زاد المصلي بعد ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى؛ جاز حتى في الفرائض والسنن، باتفاق المذاهب الإسلامية.
متى يأتي المأموم بربنا ولك الحمد؟
قيل يأتي المأموم بربنا ولك الحمد عندما يفرغ الإمام من قول سمع الله لمن حمده حتى ولو لم يصطلب، وقيل يأتي بها عند الاصطلاب.
وعند الشافعية يستحب للمأموم أن يأتي بسمع الله لم حمده حتى ولو كان مأموما، وباقي المذاهب الإسلامية لا تر ذلك، بل يستحب في حق المأموم أن يأتي بربنا ولك الحمد فقط.
الشك والنسيان:
الشك لا يعتد به، أما النسيان فيعتد به إذا تذكر وهو لم يدخل في السجود بعد، فإن دخل في السجود فلا يرجع، وقيل هنا عليه سجود السهو، وقيل لا سجود عليه؛ لأنه مستحب وليس بواجب، وإن سجد فحسن خروجا من الخلاف.
تسابيح السجود
حكمها:
سنة من السنن التي لا بنبغي تركها، وقيل سنة واجبة، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه يأتي بها في حالة السجود.
معناها ومحلها: (1/162)
صفحة 163
إذا سجد المصلي لله تعالى استعشر علو الذات الإلهية، فالسجود دليل على الخضوع والصغار، فناسب المقام أن يقول سبحان ربي الأعلى، لأن فيه دليل العلو لله تعالى.
ومحل التسبيح عندما يطمئن المصلي في سجوده، وتصل الأعضاء إلى مكانها الصحيح، فلا يصح أن يأتي بها قبل الاطمئنان.
عددها:
أقل ما يقال من تسابيح السجود مرة واحدة، والأفضل أن لا يقل عن ثلاث مرات، وإن زاد خمسا أو سبعا أو تسعا أو أكثر جاز ذلك.
والأفضل أن يأتي بها على عدد فردي كثلاث، أو خمس، أو سبع، أو أكثر، ويصح إذا كان العدد زوجيا كأربع، أو ست، أو ثمان، كما روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان يأتي بها عشر مرات.
وفي حالة تطويل الإمام في السجود لا ينبغي للمأموم التوقف؛ بل يواصل التسبيح حتى يقوم الإمام من سجوده.
الخطأ فيها:
من الخطأ قول: سبحان رب الأعلى، والصحيح سبحان ربيَ الأعلى؛ لأن رب نكرة بحاجة إلى معرف، فتعرف هنا بالإضافة، لذلك كان الضمير المتصل في رب، فنقول ربيَ لا رب.
قراءة القرآن والدعاء في السجود:
لا يصح قراءة القرآن في السجود؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
أما الدعاء فالمذهب الإباضي يشدد في الفرائض والسنن حتى ولو كان مأثورا، والمذاهب السنية ترى أن لا بأس من الدعاء في السجود، ولو كان في الفرائض والسنن، خاصة إذا كان من المأثورات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إبدالها بسبحان ربي العظيم:
لا يصح أن يبدل سبحان ربي الأعلى بسبحان ربي العظيم عمدا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقال في السجود سبحان ربي الأعلى، وهو الذي قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي ".
وإن قالها نسيانا فلا بأس عليه، ولا يلزمه سجود السهو.
الشك والنسيان:
إن شك المصلي بعد قيامه من السجود هل أتى بتسابيح السجود أو لا؟ هنا عليه مواصلة صلاته؛ لأن الشك لا يعتد به. (1/163)
صفحة 164
أما النسيان فمعتد به إذا لم يقم من سجوده، أما إذا ارتفع من سجوده فليواصل صلاته، ولا يرجع، واختلف هنا هل يلزمه سجود سهو أو لا؟ والأفضل أن يسجد سجدتي السهو خروجا من الخلاف.
ما يقال بين السجدتين
صفته وحكمه:
يجب الجلوس بين السجدتين على قول الجمهور؛ لأنها من شروط السجود، وينبغي أن تكون الجلسة خفيفة بمقدار ما يأتي بتسبيحة واحدة من تسابيح الركوع، و لا ينبغي الإسراع فيها.
وجاء في الأثر عدة آثار مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي بها في الجلسة بين السجدتين، من هذه ”اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، واهدني، وعافني، وارزقني ”، " رب اغفر لي، رب اغفر لي ”، ” رب اغفر وارحم ”.
وحكم هذه إن أتى بها المصلي في النوافل جاز، أما في الفرائض والسنن فالمذهب الإباضي يشدد في ذلك، خلافا للمذاهب السنية التي تتوسع أكثر.
حكم تركه:
وعلى هذا تركه لا يؤثر شيئا في الصلاة بالاتفاق، ولو كان على سبيل العمد.
التشهد الأول
حكمه:
يعتبر التشهد الأول سنة من السنن الواجبة على قول الجمهور، لا يصح تركه على سبيل التعمد، وإن تركه نسيانا يجبر بسجود السهو.
صفته:
أما صفته من حيث الجلوس فله نفس صفة التشهد الأخير من أحكام (1).
وعند المذاهب السنية لا ينبغي التورك في التشهد الأول، وإنما التورك في التشهد الأخير.
وأما صفته من حيث ما يقال فيه فيستحب الأتيان بهذه الصيغة أو ما يوافقها من صيغ: "التحيات المباركات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
الإتيان فيه بالصلاة المحمدية:
يصح الإتيان فيه بالصلاة المحمدية أو الإبراهيمية، وقيل يجب، والجمهور على الجواز، وقيل تؤتى في التشهد الأخير، وهو المعمول به.
السلام على النبي بصيغة الغيبة:
__________
(1) راجع أحكام التشهد الأخير. (1/164)
صفحة 165
أي يقول بدلا من السلام عليك أيها النبي، يقول السلام على النبي، باعتبار أن محمدا قد مات، وهذا وارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والأولى الأتيان بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق.
زيادة وحده لا شريك له:
زيادة وحده لا شرك له بعد أشهد لا إله إلا الله جائز ولا بأس به، والأفضل التقيد بالوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قول صلى الله عليه وسلم:
وذلك اختصارا للصلاة المحمدية أو الإبراهيمية، وهذا جائز، والأفضل الإتيان بالأثر الوارد عنه عليه الصلاة والسلام في كيفية الصلاة عليه.
الاستدراك في التشهد الأول:
يصح الاستدراك في التشهد الأول بالاتفاق؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أدركتم فصلوا ".
وإذا جلست للتشهد فقام الإمام هنا آتي ولو بالتحيات المباركات لله والصلوات، وهذا يجزيك إن شاء الله تعالى.
الشك والنسيان:
الشك لا يعتد به، أما النسيان فيعتد به، وذلك إذا لم تصطلب، فإذا اصطلبت فقد دخلت في ركن، ولا يصح أن تترك الركن من أجل سنة، وهنا اسجد سجدتي السهو، لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا قام أحدكم إلى الركعة الثالثة فاستتم - أي اصطلب - فلا يرجع، فإن لم يستتم فليرجع ".
الصلاة المحمدية
حكمها ومحلها:
الجمهور على أنها سنة في التشهد الأخير، وقيل يجب الإتيان بها في التشهد الأخير، وقيل يجب حتى في التشهد الأول، والمعمول به القول الأول.
صفتها:
الصفة الواردة في الأثر والمعمول بها هي " اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".
وإن اختصرت في جملة صلى الله عليه وسلم، جاز، والأفضل الأول؛ لأنه الوارد عنه عليه الصلاة والسلام.
الذكر قبل التسليم في جلسة التشهد الأخير
صفته: (1/165)
صفحة 166
يستحب في السنة الدعاء قبل التسليم؛ لأنه من المواطن التي يستجاب فيها الدعاء، ومن الأثر الوارد في هذا اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحياوالممات.
اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت به أعلم مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.
اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار.
وإن أتى بالأدعية الواردة في القرآن كان حسنا، خاصة قوله تعالى: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ".
حكمه:
الإتيان بهذه الأدعية من السنن المندوبة لا الواجبة، وعلى هذا يصح تركها ولو على سبيل التعمد.
متى يأتي المستدرك بهذه الأدعية؟
يأتي المستدرك بهذه الأدعية عند الانتهاء من قضاء صلاته وقبل التسليم.
حكم نسيانها:
إذا كان المصلي متعودا على الإتيان بها أو ببعضها، إلا أنه مرة نسي الإتيان بها، وتذكر بعد التسليم، هنا ليس عليه شيء؛ لأنها من السنن المندوبة، وبإمكانه أن يأتي بها بعد التسليم.
حكم الدعاء بغير المأثور:
يصح الدعاء بغير المأثور، والأفضل في الفرائض التقيد بالمأثور أو بما جاء في القرآن.
التسليم
صفته:
له عدة صفات منها:
1. السلام عليكم ورحمة الله.
2. السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.
3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
4. السلام عليكم.
حكمه:
قيل ركن من أركان الصلاة، وقيل سنة واجبة، وقيل سنة مندوبة، والأشهر أنه من السنن الواجبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ".
تحريك الرأس:
يستحب تحريك الرأس عند التسليم بجهة اليمين والشمال، بمقدار ما يرى المصلين إن كان إماما، وقيل بمقدار ما يرى منكبيه. (1/166)
صفحة 167
وتحريك الرأس سنة من السنن المندوبة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من تركها متعمدا ليس عليه شيء إن شاء الله تعالى.
قول سلام عليكم بدلا من السلام عليكم:
يصح تنكير سلام، والأولى تعريفها بأل " السلام عليكم ".
كيفيته في صلاة الميت:
السنة في صلاة الميت أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله مرة واحدة، وبصوت منخفض.
النسيان:
من نسي التسليم وتذكر بعد فترة ليس عليه شيء؛ لأنه لم يتعمد تركه.
الأذكار بعد التسليم
صفته:
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أذكار بعد الصلاة يستحب الإتيان بها، منها:
1. الاستغفار (ثلاث مرات).
2. اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
3. لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
4. سبحان الله (ثلاثا وثلاثين)، الحمد لله (ثلاثا وثلاثين)، الله أكبر (ثلاثا وثلاثين)، وفي تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
5. آية الكرسي.
6. المعوذات.
7. وبعد الوتر يستحب زيادة " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات.
حكمه:
الإتيان بهذه الأدعية من السنن المندوبة لا الواجبة، وعلى هذا يصح تركها ولو على سبيل التعمد.
استخدام المسبحة:
يستعين بعض الناس بالمسبحة في الإتيان بأذكار الصلاة، وهذا يصح لما روي أن عائشة رضي الله عنها كانت تستعين بالمسبحة في الإتيان بالتسابيح، إلا أن الاستعانة باليد اليمنى أفضل؛ لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حكم الدعاء بعد الأذكار:
يستحب الدعاء بعد الأذكار لعموم قوله تعالى: " فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب"، ولأن بعد الصلاة من الأوقات التي يرجى فيها الإجابة.
مجمل شروط الصلاة
بعد ما تطرقنا للسنن والأركان؛ نتطرق في هذا الدرس لذكر الشروط. (1/167)
صفحة 168
والشرط يأخذ نفس حكم الركن، فلا تصح الصلاة بدونه، إلا أن الركن يكون داخل الصلاة كتكبيرة الإحرام، أما الشرط فيكون خارج الصلاة كالوضوء.
ومجمل شروط الصلاة هي:
1. دخول الوقت.
2. ستر العورة.
3. استقبال القبلة.
4. النية.
5. الخشوع.
6. الطهارة من النجاسات.
7. التطهر من الحدث الأكبر.
8. التطهر من الحدث الأصغر.
الشرط الأول
دخول الوقت
الدليل:
قوله تعالى: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " أي وقتا محددا.
أوقات الصلوات الخمس:
الصلاة ... بداية الوقت ... نهاية الوقت
الظهر والجمعة ... زوال الشمس ... كون ظل الشمس مثله
العصر ... كون ظل الشمس مثله وقيل مثليه ... غروب الشمس
المغرب ... غروب الشمس ... ظهورالشفق الأحمر
العشاء ... ظهورالشفق الأحمر ... وسط الليل، وقيل طلوع الفجر الصادق
الفجر ... طلوع الفجر الصادق ... طلوع الشمس
الأوقات المحرمة:
الأوقات التي لا يجوز فيها الصلاة بحال هي:
1. طلوع قرن من الشمس.
2. غروب قرن من الشمس.
3. كون الشمس في كبد السماء في الحر الشديد.
ويستثنى من هذا:
1. إذا تأخرت مثلا في أداء صلاة الفجر أو العصر، وبقي القليل من الوقت، فقمت تصلي فغربت عليك الشمس، أو طلعت وأنت في الصلاة، هنا صلاتك صحيحة.
2. صلاة الجمعة يصح أن تصلى ولو كانت الشمس في كبد السماء.
الأوقات المكروهة:
توجد عدة أوقات يكره فيها الصلاة وهي:
1. من بعد صلاة سنة الفجر وحتى فريضة الفجر.
2. من بعد فريضة الفجر وحتى طلوع الشمس.
3. من بعد فريضة العصر وحتى غروب الشمس.
4. من بعد صلاة الوتر، وحتى يأخذ قسطا من النوم، وهذا على قول.
ويستثنى من هذا الصلوات السببية كصلاة البدل والقضاء، وتحية المسجد، وسنة الطواف، وصلاة الخسوف والكسوف، وصلاة الميت، وما شابه ذلك، حيث تصح أن تصلى في هذه الأوقات المكروهة، أما التنفل المحض الذي بدون سبب لا يصح إتيانه في هذه الأوقات.
اشتراك الوقتين: (1/168)
صفحة 169
اعتبر كثير من العلماء أن وقت الظهر والعصر وقت واحد مشترك، ووقت المغرب والعشاء وقت واحد مشترك، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بلا خوف أو سفر، ولا سحاب أو مطر.
ويصح الجمع بين الصلاتين في:
1. وقت السفر في حق المسافر.
2. وقت المرض.
3. وقت الحاجة كحبس في عمل أو طريق أو دراسة.
4. وقت المطر.
5. وقت الخوف.
6. للضرورة.
حكم من أخر الصلاة حتى خرج وقتها:
من تهاون في وقت الصلاة، فهو لا يبالي بوقتها، كأن يؤخر صلاة العصر عن وقتها فيصليها عند صلاة العشاء.
وهذا الصنف اختلف فيه، فالجمهور على أنه فاسق عاص لله تعالى، مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، يجب التوبة منها، وعليه أن يحافظ على الصلاة في وقتها.
وبعض العلماء ذهب إلى أنه كافر مرتد، له أحكام المرتدين، فتطلق منه زوجته، ولا يرث ولا يورث، ولا يغسل إذا مات ولا يكفن، ولا يدفن في مقابر المسلمين، لقوله تعالى: " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين .. "، ولقوله صلى الله عليه وسلم: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر".
وعلى القول الأول يجب عليه التوبه وقضاء الصلاة، وعلى القول الثاني عليه التوبة، ونطق الشهادتين، والاغتسال، كأنه دخل في الإسلام من جديد، ولا قضاء عليه في الصلاة؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
وقت صلاة القضاء والبدل:
صلاة القضاء هي الصلاة التي خرج وقتها ببسب ما كنوم أو غفلة إو نسيان أو ما شابه ذلك، فهذه وقتها حال تذكرها، لحديث من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها ".
أما الصلاة التي تركها تعمدا حتى خرج وقتها، ولفترة طويلة فهذا يترخص له – على قول الجمهور باعتبار تركها تهاونا لا إنكارا لا يكفر تاركها – أن يصليها في أوقات متفرقة، ويصح أن يصليها في الأوقات المكروهة لا المحرمة. (1/169)
صفحة 170
أما صلاة البدل هي الصلاة المنتقضة بسبب كنجاسة، فهذه عليه أن يصليها متى تذكر ذلك، ولو في الأوقات المكروهة لا المحرمة.
أفضل الوقت:
قيل أفضل الوقت أوله، وقيل آخره، والصحيح الأول.
وقيل صلاة الظهر ينبغي أن تؤخر في الحر الشديد حت تبرد الشمس.
وقيل كذلك الأفضل في صلاة العشاء التأخير، وقيل الأفضل التبكير.
وقيل الأفضل في صلاة الفجر أن تؤدى عند الإسفار، وهو بداية ظهور إصباح النهار وانكشافه، وقيل بعد طلوع الفجر مباشرة.
عدم معرفة الوقت:
إذا لم يعرف المصلي وقت الصلاة عليه أن يجتهد قدر إمكانه، والله يتقبل منه إن شاء الله تعالى.
البلدان التي يصعب فيها تحديد الوقت:
وذلك لطول الليل أو النهار، فهؤلاء يقدّروا الوقت على أقرب مكان معتدل لهم، ولا تسقط عنهم الصلوات الخمس، ولا بأس أن يجمعوا بين الصلاتين.
فصل
من أحكام السجود
السجود في طبيعته ينقسم إلى خمسة أقسام:
1. كونه جزء من الصلاة.
2. سجود السهو.
3. سجود التلاوة.
4. سجود الشكر.
5. سجود الدعاء.
أولا: سجود الصلاة
وهذا ركن داخل في جنس الصلاة، ولا يصح الاقتصار على سجدة واحدة، أو الزيادة على السجدتين.
وقد تقدم الحديث عن هذا النوع من السجود في دروس الصلاة.
ثانيا: سجود السهو
للسهو معنيان معنى عام، ومعنى خاص.
أما المعنى العام فيراد به الغفلة عن التدبر في الصلاة أثناء الصلاة، مع إتمام أركان الصلاة وواجباتها وسننها.
وأما المعنى الخاص فيراد به النقصان أو الزيادة في الصلاة.
وإذا جئنا نتتبع الروايات نجد أن سجود السهو يدخل في المعنى الثاني، والأول معفو عنه، من هنا كان السجود جبرا للنقص أو إرغاما للشيطان.
# حالات سجود السهو
لسجود السهو أربع حالات: (1/170)
صفحة 171
1. إذا سلم قبل إتمام الصلاة كما في حديث ذي اليدين أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين في رباعية، فقال له رجل يدعى ذو اليدين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة، فقال عليه السلام: " لم أنس ولم تقصر "، ثم قال: " أكما يقول ذو اليدين " قالوا: نعم، ثم قام فصلى ركعتين، ثم سلم فسجد سجدتي السهو، فهنا إذا أنقص المصلي وتذكر بعد التسليم عليه أن يتم صلاته، والكلام بعد الصلاة إن كان لمصلحة الصلاة لا يؤثر فيها، اللهم إلا أن طال كما هو المفتى به الآن.
2. عند الزيادة في الصلاة، كأن يصلي الفجر ثلاثا، والعصر خمسا، هنا عليه إن تذكر وهو في قيامه أن يجلس ويقرأ التحيات ثم يسلم وبعدها يسجد للسهو، وإن تذكر بعد التسليم عليه سجود السهو، ودليل هذا ما روا ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا ثم سجدتي السهو بعد ما سلم.
3. عند نسيان التشهد الأول ثم تذكرة وقد اصطلب في قيامه، أو شرع في القراءة هنا لا يعود إلى التشهد، بل عليه أن يسجد سجود السهو، قبل التسليم أو بعده، لقوله عليه الصلاة والسلام: " إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس وإن استتم فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو "، ويقاس على هذا السنن القائمة بذاتها كقراءة سورة بعد الفاتحة، وبعضهم أدخل حتى السنن غير القائمة بذاتها كقول "سبحان ربي العظيم " في الركوع، واختلف في هذا السجود هل هو قبل التسليم أو بعد التسليم كما سيأتي بيانه بعد قليل. (1/171)
صفحة 172
4. السجود عند الشك في الصلاة لحديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أواحدة صلى أم اثنتين فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها اثنتين، وإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته قبل أن يسلم "، والحديث نص على أن السجود قبل التسليم، وعلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وبعضهم أخذ بحديث " لكل سهو سجدتان بعد التسليم".
# وقت سجود السهو
اختلف العلماء متى يسجد للسهو، الأكثر أنه يسجد بعد التسليم، وبعضهم أخذ بظواهر النصوص الواردة في السهو، وبعضهم فرق بين النقصان والزيادة، فالنقصان في الصلاة كالحالة الثالثة يسجد له قبل التسليم، وفي الزيادة سجد بعد التسليم، والأخير هو المفتى به الآن، وإذا سجد الإمام بعد التسليم لا يجب على المأمومين متابعته، وإذا سجد قبل التسليم يجب على المأمومين متابعته.
# حكم سجود السهو
يرى جمهور العلماء خلافا للإباضية والحنفية أنه سنة، ويستثنى هنا إذا سجد الإمام قبل التسليم فيجب متابعة الإمام.
# عدد سجود السهو
سجود السهو سجدتان لا يصح الاكتفاء على واحدة، ولا يصح الزيادة فيه.
# ماذا يقال في سجود السهو؟
يقال فيه مثل ما يقال في سجود الصلاة " سبحان ربي الأعلى " ثلاثا، وإن شاء اقتصر على واحدة، وإن شاء زاد.
# نسيان سجود السهو
إن نسي المصلي سجود السهو وتذكرة بعد فترة بسيطة فليسجد، وإن تذكره بعد فترة طويلة قيل يسجد، وقيل يسقط عنه.
ثالثا: سجود التلاوة
سنة من السنن لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ علينا القرآن فإذا مرّ بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه.
وأحكامه هي:
1. عدد السجود سجدة واحدة. (1/172)
صفحة 173
2. يقول فيها مثل ما يقول في سجود الصلاة " سبحان ربي الأعلى " ثلاثا، وإن شاء زاد، وإن شاء اقتصر على واحدة، وفي الأثر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود الليل: " سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته "، وعند القيام يقول: " سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ".
3. لا يشترط لسجود التلاوة الوضوء عند بعض العلماء، ولكن يستحب أن يكون على طهارة.
4. هل السامع لآية السجدة مثل القارئ عليه السجود؟ خلاف بين أهل العلم، والمستحب أن يسجد، وإذا كان يقود سيارة، أو ماشيا فأراد السجود فليسجد ولو بالنطق أو الإيماء.
5. للإمام الحرية في سجود التلاوة هل يسجد عند قراء الآية مباشرة، أو بعد التسليم، والمستحب الأول، وعلى المأموم متابعة الإمام في الحالة الأولى.
6. إذا قرأ الإمام آية السجدة فسجد ثم قام هو بالخيار إن شاء واصل القراءة، وإن شاء ركع بعد الاصطلاب في قيامه.
7. لا يجوز سجود التلاوة في الأوقات المحرمة، وعند الحدث الأكبر.
رابعا: سجود الشكر
وهذا مستحب في جميع الأوقات والأحوال، عدا الأوقات المحرمة، يسجد المرء شكرا لله على أمر وفقه إياه، ولا يجوز السجود إلا لله وحده، وفي الأثر عن ابن عباس أنه استحب السجود بعد كل صلاة شكرا لله على توفيقه لأداء الصلاة، وعلى هذا ذهب أصحابنا أنهم يسجدون بعد كل صلاة عدا المغرب، وبعضهم ينويها سهوا على القول بسجود السهو في المعنى العام، واستحسن الشيخ بيوض عدم السجود بعد الصلاة جبرا للوسواس.
وسجود الشكر لا يحد بعدد، فبإمكانك أن تقتصر على سجدة واحدة، أو سجدتين، أو أكثر، وتقول فيه مثل ما تقول في سجود الصلاة.
خامسا: سجود الدعاء
في الأثر أن الله يكون أقرب من عبده وهو ساجد، هنا يستحب الإكثار من الدعاء في السجود، وهذا يصح في جميع الأوقات عدا الأوقات المحرمة، ويطلب من الله ما يريد في السجود، وإن دعا في صلوات النوافل والسنن جاز له ذلك.
الفهرس (1/173)
صفحة 174
الموضوع ... الصفحة
تقدمة ... 2
القسم الأول: المقالات والمحاضرات ... 3
قراءة قرآنية في الكوارث الطبيعية والبشرية ... 4
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... 7
شكر النعمة ... 10
من صام رمضان إيمانا واحتسابا ... 13
مع العام الجديد ... 16
الوصايا العشر في التوراة والقرآن ... 22
الأم في الشرائع السماوية ... 29
المؤثرات العقلية رؤية قرآنية ... 32
المرأة المسلمة بين إغراء الغرب وظلم الشرق ... 34
مسائل معاصرة في الصيام ... 38
القسم الثاني: الخطب ... 48
خطبة شكر النعمة ... 49
خطبة من أسباب النقم ... 58
خطبة خاطرتانِ من القرآن في حادثة الأسراء ... 65
خطبة مع قصة موسى في القرآن ... 73
خطبة الأم ... 78
خطبة مساجدنا والتسول ... 87
خطبة الحسد ... 96
خطبة وقفات مع سورة العصر ... 105
القسم الثالث: البحوث ... 114
بحث آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي ... 115
معا نتعلم الصلاة ... 164 (1/174)