صفحة 1
الكتاب: الأعمال الكاملة لبدر العبري ج6
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) ملف
أعمال الواعظ
بدر بن سالم العبري
الجزء السّادس
من رجب وحتى ذي الحجة 1431هـ
تقدمة
ونحن نقطف ثمار ستة الأشهر الثانية {من رجب وحتى ذي الحجة لعام 1431هـ}، يسرني أن أتحفكم بالجزء السادس مما ألقت به اليراع من مقالات وخطب وبحوث، راجيا من الله القبول والثواب، وعما قريب سيكون إن شاء الله تعالى الجزء السابع، والحمد لله رب العالمين.
أولا
المقالات
الأحجار الكريمة هل تنفع وتضر؟
من البديهي عقلا أنّ المتصرف في الكون هو الله سبحانه وتعالى، وقد جعل فيه من السنن التي لا تتغير ولا تتبدل، وأمر الإنسان بالنظر فيه، واكتشاف مكنوناته، ليسخر هذه السنن في النفع البشري، قال سبحانه واصفا عباده: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
ومما لا شك فيه أنّ الله خص بعض مخلوقاته بمزايا لا توجد في غيرها من المخلوقات، فالإنسان مثلا مع أنه في جملته حيوان يتمتع بنعمة الحياة والحركة، إلا أنه مُيِزَ عن غيره من الحيوانات بنعمة العقل.
والأحجار الكريمة كالألماس والياقوت والزفير والزمرد هي نوع من الحجر، إلا أنّ لها خصائص كيميائية وفيزيائية خاصة بها كالمتانة، والندرة، واللون، والصلابة أو القساوة، مما جعل لها قيمة نفسية تهدأ لجمالها أنفس المتأملين، وتتلذذ بجمالها أعين الناظرين، فتنافس الناس لاقتنائها والتفنن بها، مم علت قيمتها السوقية، وتنوعت مجالات استخدامها.
إلا أنّ مع مرور الأيام ألصقت حولها الأساطير، ونسجت بين جنباتها الخرافات، فأصبحت مصدر سعادة، وطرق جذب، واستحضار للجان، والشفاء من الأمراض، فاعتقدوا أنها أساس للشفاء، وفي الوقت نفسه تضر وتنفع. (1/1)
صفحة 2
من هنا اختلط على الناس، ونظرا لبعض آثارها، تصوروا قدرتها المطلقة في الضر والنفع، فتوجهوا إليها من دون الله تعالى، فوقعوا في الشرك من حيث لا يشعرون، قال تعالى: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
فالله تعالى وحده الذي يملك النفع والضر لا شريك معه أحد غيره، وهذا لا ينفي وجود خصائص في بعض المخلوقات، ولكن أن تنسب إليها فهذا خطأ كبير، لأن الذي أوجد فيها هذه الخصائص هو الله تعالى وحده، فإليه الأمر كله، وبيده النفع والضر، قال سبحانه: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.
وعليه نجيب عن الأسئلة المرسلة:
1 - هل الاعتقادات السائدة بأنه بعض فصوص الخواتم تجلب الرزق والسعادة وتبعد الحسد؟
مما تقدم ندرك أنّ لبعض المخلوقات خصائص فيزيائية وكيميائية لها تأثير عجيب مع نفسية الإنسان، وهذا باتفاق العلم الحديث، ولكن لا يعني هذا أنّ ذات الحجر الذي صنعت منه فصوص الخواتم يجلب الرزق أو السعادة أو يبعد الحسد، فهذه من خواص الله تعالى لا يشرك معه أحد سبحانه. (1/2)
صفحة 3
أما الرزق فهو بيد الله، يعطيه من يشاء، ويرفعه عمن يشاء، مع وضعه لأسباب الرزق في الكون، ولو لبس الإنسان ألف فص من ماس، لما جلب له رزقا، ولكن قد يلبس الإنسان يوما ما فصًا فيرزق بولد ذكر، فيصور له الشيطان أنّ الفص له دور في ذلك، وهذه كلها من تخيلات النفس الكاذبة، قال تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ.
أما السعادة فمصدرها رباني، وهي ناتجة عن الرضا بأمر الله، واتباع نهجه، فهؤلاء اليابانيون، والذين يحافظون على لبس فصوص الخواتم، لاعتقادهم البوذي المنحرف، إلا أنّ معدلات الانتحار عندهم تنتشر بقوة رهيبة، يأسا من هذه الفانية، ففي كل ربع ساعة ينتحر شخص في اليابان، وصدق الله حين قال: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى.
أما الحسد فرفعه بيد الله وحده، لذا قال في سورة الحسد في بدايتها: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، أي ألتجئ إلى فالق الأصباح، وهو الله سبحانه، ومن اللجوء إليه قوله: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، أي رفع الحسد مختص به سبحانه، لذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعليق التمائم والحروز حيث قال: من علّق تميمة فقد أشرك، أي لأنه جعل التميمة أو الحرز في مصاف الله تعالى في دفع البلاء وهذا عين الشرك.
نخلص مما سبق أنّ للأحجار الكريمة تأثير نفسي بجمالها وبهائها، شأنها شأن اللباس الجميل، والعطر الفواح البهي، أما كونها مشاركة لله تعالى في الرزق أو جلب السعادة أو دفع الحسد ونحوه؛ فهذا عين الخرافة والشرك به سبحانه. (1/3)
صفحة 4
2 - هناك من يقرأ شخصية الإنسان وما يدور في داخله من مشاكل وصحة وعافية، حيث يقومون بانتقاء الفص المناسب لهم، وبالفعل تكون قراءتهم صحيحة بشكل تام مثل الذي التقينا معه، وأجرينا معه حوارا في هذا الموضوع، ما قولكم في هذا؟
هذا نوع من التخمين والدجل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فما يدور في خلجات الإنسان لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد يكون أخبرك عن أمور مشتركة فتتصور أنها من علمه للغيب، ولو وضع هذا الشخص في امتحان لكي يجيب عن أسئلة خاصة عن طريق الفص لما استطاع، لأنه سينكشف بذلك دجله، وتظهر حقيقته، والله تعالى يقول: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
3 - بعض الناس تتعدد أصابعهم بالخواتم، فهل يجوز الصلاة بها؟
من المعلوم أنّ لبس الخاتم مما هو مباح فعله للرجال والنساء، فعن صدقة بن يسار قال: سألت سعيد بن المسيب عن لبس الخاتم فقال البسه وأخبر الناس أني قد أفتيتك به؛ بل هو من السنة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يلبس خاتما من ذهب ثم نهى عنه، وجعله خاصا بالنساء، واتخذ بدلا عنه خاتما من فضه، فقد روى مالك وأبو داود وغيره أن أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يلبس خاتما من ذهب، ثم قام رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فنبذهُ، وقال: لا أَلبسه أَبدا، قال: فنبذ الناس خواتيمهم، ثم اتخذ خاتما من فضة، ثم قال: نقش فيه: محمد رسول الله، ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر، ثم لبسه بعد أبي بكر عمرُ، ثم لبسه عثمانُ، حتى وقع في بئر أريسَ. (1/4)
صفحة 5
والأولى أن يكون الخاتم في اليسار، ويصح في اليمين، كما أنه من المستحب والأولى أن يكون الخاتم في الخنصر، ويصح في الإبهام والبنصر، وقيل يكره في السبابة والوسطى، وقيل يباح ذلك.
وإن قصد من تختمه مباهاة أو رياء منع، وكذلك إذا تعلق به اعتقاد باطل، والأصل الجواز كان بخاتم أو أكثر، والأولى الاقتصار على خاتم واحد اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام.
أما لبس الخاتم في الصلاة لكونه من جملة الآنك وهو النحاس فيقول سماحة الشيخ أحمد الخليلي عن ذلك: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بالآنك والشبه، وقيست بقية المعادن عليها بجامع الانطباع، واختلف في هذا النهي قيل للتحريم لأنّ الأصل فيه النهي وهو الذي رجحه الإمام السالمي رحمه الله تعالى، وقيل للتكريه، انتهى، ولعل الصواب الثاني، إذ لا يصل للتحريم، وإنما نهي حتى لا يشغله عن صلاته والله أعلم.
4 - كلمة موجزة ما ترونه مناسبا للمنفعة العامة ..
إن كان ثمة كلمة فأوجهها إلى فريقين: الفريق الأول إلى عموم الناس بأن يتقوا الله تعالى، وأن يعلموا أنّ النافع الضار هو وحده جلّ جلاله، وأن لا يشركوا معه أحدا، فالله غني عن الشرك وأهله، وإن كان ثمة خواص جعلها الله في مخلوقاته، فليعلموا أنها بسبب من الله، فلا يرفعوا السبب إلى درجة المسبب، كذلك عليهم أن لا يفتحوا المجال للمشعوذين، ليلبسوا عليهم دينهم، ويغلقوا عقولهم، ويشوهوا حضارتهم وبلدانهم.
أما نصيحتي للطرف الثاني، وهم الذين يلبسون الحقائق على الناس، لترتفع تجارتهم، ويشتهر اسمهم، فليعلموا أنما هذا متاع فاني، والآخرة قريبة منا أقرب من فواق الناقة، فلا ينفعكم ما كسبتم من أموال، ولا ما اشتهر من أسماء، إن كان من قبل الكذب والتدجيل، فما عند الله خير وأبقى لذوي العقول والألباب، والله المستعان.
أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها)
مقدمة: (1/5)
صفحة 6
أخرج التأريخ الإسلامي نماذج رائعة مثلت الإسلام خير تمثيل، وعلى رأس هؤلاء ممن شرب من نهر القرآن، وارتوى من مائه العذب زوجات النبي – صلى الله عليه وسلم -، ممن جعلهن الله أمهات للمؤمنين إلى يوم الدين، وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، ذوات التطهير الرباني، والتربية المحمدية، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.
وهنا نأخذ نموذجا للعالمة الفقيهة، والمفتية النبيهة، لمعلمة العلماء، وتلميذة خير خلق الله من الأنبياء، مع أم سلمة بنت سهيل المخزومية، مستلهمين العبر من مواقفها النبيلة.
أولا: جوانب تأريخية من حياة أم سلمة:
أ/ نسبها:
هي هند بنت سهيل المعروف بأبي أمية بن المغيرة، أم سلمة، ويقال إنّ اسم جدها المغيرة هو حذيفة، ويعرف بزاد الركب، وهي قرشية مخزومية، وكان جدها المغيرة يقال له: زاد الركب، وذلك لجوده، حيث كان لا يدع أحدا يسافر معه حامل زاده، بل كان هو الذي يكفيهم.
وقد تزوجها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي.
وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن جذيمة من معد بن عدنان.
ينظر: معجم أعلام النبلاء للذهبي، ترجمة أم سلمة.
ب/ ولادتها ووفاتها:
لا يُعلم تأريخ ولادتها، أما وفاتها فقد توفيت سنة 62 هـ على الأصح، وقيل 61 هـ، و قيل قبل ذلك، توفيت عن عمر يناهز التسعين عاما في خلافة يزيد بن معاوية، وهي آخر من مات من أمهات المؤمنين.
ينظر: برنامج الموسوعة الشاملة {رواة التهذيبين}.
ج/ زواجها: (1/6)
صفحة 7
تزوجها أبو سلمة ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، السيد الكبير، أخو رسول الله – صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة، وابن عمته برة بنت عبد المطلب، وأحد السابقين الأولين، هاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا، ومات بعدها بأشهر، حيث مات كهلا في سنة ثلاث من الهجرة - رضي الله عنه -، وقيل: إنه شهد أحدا، وأصيب في المعركة بسهم في عضده، ومع أنه ظنّ أنه التأم، عاد وانفض جرحه فأخلد إلى فراشه، وتوفي على أثره.
ولما انقضت عدتها بعث إليها أبو بكر يخطبها فلم تتزوجه، وخطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - إشفاقا عليها، ورحمة بأيتامها أبناء وبنات أخيه من الرضاعة، فقالت له: مثلي لا يصلح للزواج، فإني تجاوزت السن، فلا يولد لي، وأنا امرأة غيور، وعندي أطفال، فأرسل إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - خطابا يقول فيه: أما السن فأنا أكبر منكِ، وأما الغيرة فيذهبها الله، وأما الأولياء فليس أحد منهم شاهد ولا غائب إلا أرضاني، فأرسلت أم سلمة ابنها عمر بن أبي سلمة ليزوجها بالرسول - صلى الله عليه و سلم-.
ينظر: معجم أعلام النبلاء للذهبي/ ترجمة أبي سلمة بن أبي الأسود؛ موقع الصحابة http://www.khayma.com.
د/ أولادها:
كان لأم سلمة أربعة من الأولاد: سَلَمَةَ، وَعُمَرَ، وَدُرَّةَ، وَزَيْنَب، وكلهم من أبي سلمة، ولم تلد من رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، وترجمتهم:
- سلمة بن أبي سلمة: ربيب النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول أهل العلم بالنسب: إنه الذي عقد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم - على أمه أم سلمة، فلما زوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب أقبل على أصحابه فقال: تروني كافأته!، وكان سلمة أسن من أخيه عمر بن أبي سلمة، وعاش إلى خلافة عبد الملك ابن مروان. (الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1/ 193). (1/7)
صفحة 8
- عمر بن أبي سلمة: ربيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، يكنى أبا حفص، ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة، وقيل: إنه كان يوم قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن تسع سنين، وشهد مع علي الجمل، واستعمله علي على فارس والبحرين، وتوفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وثمانين، حفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى عنه أحاديث، وروى عنه سعيد بن المسيب وأبو أمامة بن سهل بن حنيف وعروة بن الزبير. (الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1/ 359).
- درة بنت أبي سلمة: ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، معروفة عند أهل العلم بالسير والخبر والحديث في بنات أم سلمة ربائب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 92).
- زينب بنت أبي سلمة: ربيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان اسم زينب برة، فسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب، ولدتها أمها بأرض الحبشة، وقدمت بها، وحَفَظَت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانت من أفقه نساء أهل زمانها. (الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/ 99).
هـ/ إسلامها:
أسلم أبو سلمة زوج أم سلمة قبل الجهر بالدعوة، ويعتبر من أوائل من دخلوا في الإسلام، والظاهر أنّ أم سلمة أسلمت بعد الجهر بالدعوة، إذا لم أجد – حسب نظري - ما يدل على أنها أسلمت قبل الجهر بالدعوة، ومع هذا تعدّ من السابقات في الإسلام دخولا ونصرة.
ينظر: السيرة لابن حبان 1/ 63.
و/ هجرتها:
- أول من خرج من المسلمين إلى الحبشة مهاجرا من بني مخزوم أبو سلمة بن عبد الأسد، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أبي سلمة، وتعود أم سلمة مع زوجها إلى مكة مستخفية عن أنظار الظالمين، وتصبر في سبيل الله وتوحيده، حتى آذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة المنورة. (1/8)
صفحة 9
- تروي أم سلمة -رضي الله عنها- قصة هجرتها إلى المدينة فتقول: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحّل بعيراً له، وحملني وحمل معي ابني سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلما رآه رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذ، على مَا نتركك تسير بها في البلاد؟ ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، وأهووا إلى سلمة وقالوا: والله، لا نترك ابننا عندها، إذا نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد ورهط أبي سلمة، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة، ففرق بيني وبين زوجي وابني، فكنت أخرج كلّ غداة، وأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي سبعاً أو قريبها، حتى مرّ بي رجل من بني عمي فرأى ما في وجهي، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها؟ فقالوا: الحقي بزوجك إن شئت، وردّ علي بنو عبد الأسد عند ذلك ابني، فرحلّت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي من أحد من خلق الله، فكنت أبلغ من لقيت، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: أين يا بنت أبي أمية؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة، فقال: هل معك أحد؟ فقلت: لا والله إلا الله وابني هذا؟ فقال: والله ما لك من منزل، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يقودني، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب أراه أكرم منه، وإذا نزل المنزل أناخ بي ثم تنحى إلى الشجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه ورحلّه، ثم استأخر عني وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقادني حتى نزلت، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: إن زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة نازلاً بها، فيستقبل أبو سلمة أم سلمة وابنه معها، بكل (1/9)
صفحة 10
بهجة وسرور، وتلتقي الأسرة المهاجرة بعد تفرّق وتشتّت وأهوال.
ينظر: الروض الأنف 2/ 290، وموقع الصحابة، رابط: http://www.khayma.com
ز/ جهادها:
هاجرت أم سلمة الهجرتين الحبشة والمدينة، واشتركت في الحديبية وخيبر وحنين، وكانت تسقى الماء، وتداوى الجرحى.
ينظر: مقال التمريض في العصر الإسلامي، موقع طبيبك، رابط: http://www.tabebak.com.
ثانيا: جوانب تربوية من حياة أم سلمة:
أ/ رجاحة عقل أم سلمة:
- كان لأم سلمة يوم الحديبية رأي صائب يدل على وفور عقلها ورجاحته، فعندما عقد الصلح مع مشركي مكة كان كثير من المسلمين غير راضين عن بعض شروطه، فلما أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتحلل تأخروا في الاستجابة، فشق ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودخل على أم سلمة، وذكر لها الأمر فقالت: يا نبي الله، اخرج ثم لا تكلّم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام صلى الله عليه وسلم ونحر وحلق، فقام أصحابه ينحرون ويحلقون.
ب/ أم سلمة المربية:
كانت أم سلمة نعم المربية، ومما يدل على ذلك:
- صلاح أولادها.
- عدم رغبتها بداية في الزواج لتتفرغ لتربية وتنشئة أبنائها.
- دور أبنائها في المجتمع الجديد، ونشر الدعوة الإسلامية.
- الجانب العلمي الذي وصل إليه أبناؤها خاصة عمر وزينب.
ج/ أم سلمة الزوجة الصالحة:
كانت أم سلمة نعم الزوجة الصالحة، وقد روت عن زوجها رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قوله: "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة" (رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في المستدرك، وقال السيوطي في الجامع الصغير: حسن)، ومما يدل على هذا:
- تضحيتها في بداية الدعوة لإعانة زوجها على الصبر وتحمل المشاق، فهاجرت معه إلى الحبشة، وواسته من أذى كفار مكة، وتبعته في الهجرة إلى المدينة، بعد ما بكته عاما كاملا.
- مواساتها لزوجها أبي سلمة بعد ما أصيب في أحد وحتى فارق الحياة. (1/10)
صفحة 11
- رفضها للزواج من أبي بكر، وقيل أيضا عن عمر، اعترافا بفضل زوجها الأول، وحبا أن تكون معه في الجنة، وتفرغا لتربية أولاده، ولكنها في النهاية تزوجت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكونه أفضل من أبي سلمة، واستجابة من الله لدعاء أبي سلمة قبيل موته: اللهم اخلفني في أهلي بخير، فأخلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على زوجته أم سلمة، فصارت أماً للمؤمنين، وصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربيب بنيه: عمر وسلمة وزينب ودرة.
- إعانتها للنبي - صلى الله عليه وسلم - في بناء المجتمع الجديد، ومشاركتها له في غزواته وحروبه.
- كانت نعم المرأة الصالحة مع أزواجه صلى الله عليه وسلم، ومراعاته لبيته عليه السلام، وتخفيف العبء عليه في الدعوة الجديدة.
د/ أم سلمة الداعية المجاهدة:
كانت أم سلمة نعم الداعية المجاهدة، ويدل على هذا:
- أخلاقها العالية، وعفافها الطاهر، مما يدل على دعوة صامتة تميزت به.
- دعوتها في عشيرتها وفي الحبشة والمدينة.
- تأييدها ودعمها لزوجها الأول، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بعد، في دعوتهما وجهادهما.
- مشاركتها في الغزوات في تضميد الجرحى وعلاجهم، ومساندتهم في الخدمة والتغذية.
- القيام بواجب التعليم وتبليغ ما تعلمته من زوجها رسول الله من أحكام، خاصة فيما يتعلق بمسائل النساء.
هـ/ أم سلمة الصابرة:
مما تتميز به أم أسلمة من أزواج النبي خصوصا الصبر الذي يقل مثيله في النساء، وقد روت عن زوجها أبي سلمة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قوله: "مَا مِنْ عَبْدٍ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِي، فَأَجِرْنِي فِيهَا، وَأَبْدِلْنِي مِنْهَا، خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَبْدَلَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا" (ذكره أبو نعيم في معرفة الصحابة 3/ 1694)، ويظهر صبر أم سلمة في المشاهد التالية: (1/11)
صفحة 12
- الدخول في الإسلام مبكرا، مع علمها بالأذى الذي سيلحقها جراء ذلك.
- فراق وطنها الحبيب، وأموالها وأهليها، والهجرة إلى الحبشة والمدينة.
- دخولها مع زوجها في جوار أبي طالب بعد الرجوع من الحبشة، وتحملها المشاق الناتج عن ذلك.
- صبرها على منعها من الهجرة إلى المدينة مع زوجها أبي سلمة، وإصرارها في الهجرة، مع محاولة منع ابنها فلذة كبدها سلمة من أخذه معها، حتى استطاعت الفرار بولدها، واللحوق بزوجها بعد عام من هجرته.
- صبرها على وفاة زوجها أبي سلمة، ومن ثم وفاة زوجها رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.
و/ أم سلمة الراوية:
تعدّ أم سلمة لملازمتها النبي –صلى الله عليه وسلم- ثاني راوية من النساء بعد عائشة الصديقة من حيث العدد، وقد كما ذكر الذهبي في مسندها ثلاثمائة وثمانين حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلم على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر، وقد روت -رضي الله عنها- الأحاديث الخاصَّة بمعشر النساء بغرض التعليم والتوجيه.
وقد روى لها الربيع بن حبيب في صحيحه سبعة أحاديث.
ينظر: محب الدين الطبري: السمط الثمين ص142، 143، وأمينة الخراط: أم سلمة ص54، 55، مسند الإمام الربيع بن حبيب، وموقع: قصة الإسلام، رابط: http://www.islamstory.com
ز/ أم سلمة العالمة المفتية:
- تعد من فقهاء الصحابة ممن كان يفتي، وقد عدّها ابن حزم ضمن الدرجة الثانية، أي متوسطي الفتوى بين الصحابة.
ينظر: موقع ويكبيديا wikipedia.org
ح/ أم سلمة المعلمة: (1/12)
صفحة 13
جمعت أم سلمة بين الرواية والدراية، فكما أنها عاصرت النبي - صلى الله عليه وسلم- عهدا من حياته، كانت في الوقت نفسه خير التلميذة له عليه السلام، مما بوأها لصدارة الفتوى والتعليم، لذا تخرج على يديها تلامذة نجباء من الصحابة وكبار التابعين، منهم على سبيل المثال: سعيد بن المسيب، وشقيق بن سلمة، والأسود بن يزيد، والشعبي، وأبو صالح السمان، ومجاهد، ونافع بن جبير بن مطعم، ونافع مولاها، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وشهر ابن حوشب، وابن أبي مليكة.
ينظر: سير أعلام النبلاء 2/ 201.
فقه الهبة
أولا: تعريف الهبة
- الهبة في اللغة: وَهَبَ له شيئا يهب وَهْباً بوزن وضع يضع وضعا، ووَهَباً أيضا بفتح الهاء، وهِبَةً بكسر الهاء، والاسم المَوْهِبُ، والمَوْهِبَةُ بكسر الهاء فيهما، والاتِّهَابُ قبول الهِبَة، والاسْتِيهاب سؤال الهبة، ورجل وَهَّابٌ و وَهّابة كثير الهِبَة والهاء للمبالغة.
ينظر: مختار الصحاح مادة وهب.
- وفي الاصطلاح: هي تبرع بمال لمصلحة الغير حال الحياة.
ثانيا: المصطلحات المتعلقة بالهبة
1. الهبة والصدقة:
- الصدقة يراد بها خالصة لوجه الله تعالى لا يخالطها شيء آخر.
- الهبة يدخل فيها أغراض أخرى كالتودد والتقرب ونحوه من الموهوب له.
- الدليل: ورد وفد لثقيف من أهل الطائف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهدية أم صدقة؟ فإن كانت هدية فإنما يبتغى بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يبتغى بها وجه الله، فقالوا: لا بل هدية، فقبلها منهم. رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن علقمة الثقفي.
2. الهبة والهدية:
- المقصد من الهدية إكرام المهدى إليه.
- أما الهبة فالمقصد منها مع إكرام الموهوب له إلا أنه يراعى فيها وجه الواهب، فالهبة أعم معنى من الهدية.
3. الهبة والنحلة: (1/13)
صفحة 14
- يستخدم بعض الفقهاء النحلة في بيان الهبة للأولاد، وهي تدخل عموما في الهبة.
4. الدليل: عن النعمان بن بشير، قال: إنّ أباه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أكلّ ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: فارجعه. أخرجه الستة عن النعمان بن بشير.
الهبة والعمرى:
- العمرى هي أن يهب إنسان آخر شيئا مدى عمره.
- مثاله: يقول الواهب: هذا المال لك عمرك، أو مدة حياتك، أي أنه إذا مات الموهوب له عاد المال للواهب أو لورثته.
- حكمها: ذهب الجمهور أنّ العمرى هبة في الذوات لا المنافع، فلا ترجع لصاحبها الواهب، بل تورث لورثة الموهوب له ولعقبه، وذهب البعض على أنها في المنافع حيث ترجع إلى صاحبها الواهب بعد موت الموهوب له.
- الصحيح ما قاله الجمهور والدليل:
أ/ عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيُّما رجلٍ أُعمرَ عُمرى لهُ ولعقبهِ، فإنها للَّذي يُعطاها، لا ترجعُ إلى الَّذي أَعطاها، لأنَّهُ أعطى عطاءً وقعتْ فيهِ المواريثُ". رواه الترمذي من طريق جابر بن عبد الله.
ب/ عن أبي سلمة عن جابر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: العمرى لمن وهبت له. رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر.
ثالثا: حكم الهبة والحكمة منها ودليل مشروعيتها:
1. حكم الهبة:
- الهبة في الجملة مستحبة لما فيها من الود والإحسان وزيادة المحبة.
- الدليل: قوله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر"، أي الحقد. رواه أحمد في مسنده والترمذي عن أبي هريرة.
- تحرم الهبة إذا كانت لغرض خسيس كاستغلال أو استباحة فرج بالحرام أو رشوة.
- الدليل: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يظهر فيهم الربا، إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا، إلا أخذوا بالرعب". رواه أحمد في مسنده عن عمرو بن العاص.
2. الحكمة منها: (1/14)
صفحة 15
- الإحسان إلى الآخرين ومكافأتهم، " هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ". الرحمن/60.
- توثيق عرى المحبة والترابط بين أبناء المجتمع، " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ". الحجرات /10.
3. دليل مشروعيتها:
من الكتاب:
- قال تعالى: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب"البقرة/ 177.
- قال تعالى: "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا" النساء/4.
من السنة:
- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا" رواه البخاري.
- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن جارة أن تهدي لجارتها ولو فرسن شاة" أي ظلفها، رواه الشيخان و الترمذي.
- قبل عليه السلام هدية كسرى وقيصر والمقوقس، كما أنه أعطى غيره الهدايا والهبات.
رابعا: شروط الهبة:
1. أن يكون الموهوب موجودا وقت الهبة، وذلك لأن الهبة تمليك للحال، وتمليك المعدوم محال، مثاله: أن يهب ثمرة نخله إذا أثمرت.
2. أن يكون الموهوب مملوكا للواهب، وذلك لأنّ الهبة تمليك، ولا يستطيع الواهب أن يملّك غيره ما ليس مملوكا له.
3. أن يكون الموهوب معلوما، نحو الحد في الأرض، والعدد في المال ونحوه.
4. أن يكون الموهوب مباحا، فلا يجوز شرعا أن يهب الخمر أو الدخان ونحوه من المحرمات.
خامسا: أركان الهبة
- الواهب: وهو الشخص الذي يملك الشيء الموهوب، ويقوم ببذله وإعطائه للغير، ويشترط فيه: أن يكون جائز التصرف، وذلك يتحقق بملكيته للشيء الذي يريد هبته، ويأذن له الشرع بالبذل والهبة وبناءً على ذلك يكون: مالكاً، حراً، رشيداً، بالغاً، عاقلاً.
- الشيء الموهوب: فيُشترط فيه أن يكون مالاً قابلاً للتمليك. (1/15)
صفحة 16
- الموهوب له فهو الطرف الثالث الذي تصرف الهبة إليه، وهذا الطرف يشمل الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والأمر في الموهوب له أوسع من الواهب.
- للصيغة وهي: الإيجاب والقبول، والإيجاب قوله: وهبتُك سيارتي أو داري أو أرض، وأما القبول: أن يقول: قبلتُ الهبة.
سادسا: من أحكام الهبة
1. حكم أخذ الهبة:
- يستحب أخذ الهبة وقبولها.
- الدليل:
أ/ حديث النبي عليه الصلاة والسلام: "من بلغه معروف من أخيه، من غير مسألة، ولا إشراف نفس - أي تطلع – فليقبله، ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه". أخرجه ابن حبان والطبراني وابن عساكر عن زيد بن خالد الجهني.
ب/ قوله صلى الله عليه وسلم: "لو أهدي إلي كراع - وهو ما دون الكعب من الدابة – لقبلت، ولو دعيت إليه لأجبت". رواه أحمد و الترمذي.
2. المكافأة على الهبة:
يستحب المكافأة على الهبة فهو من رد الإحسان والجميل بمثله.
الدليل:
- أ/ قوله تعالى: " هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ". الرحمن/60.
ب/ عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها. رواه أحمد والترمذي.
ج/ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعطي عطاء فوجد - أي سعة من المال – فليجزه، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور. رواه أبو داود و الترمذي.
3. هبة الثواب:
- وهي أن يشترط فيها الواهب أن يحصل على عوض من الموهوب له مقابل ما وهب له.
- مثالها: أن يقول الواهب: وهبت لك هذا القلم على أن تعوضني هذا الثوب.
- أجاز الجمهور هذا النوع من الهبة، واعتبرها البعض بيعا، والبعض منعها وكرّهها.
4. التسوية بين الأولاد في الهبة: (1/16)
صفحة 17
- ذهب الجمهور على استحباب التسوية بين الأولاد، ولا بأس بتفضيل أحدهم إذا كان أكثر خدمة لأبويه من غيره ولو بنتا، وذهب البعض إلى وجوب التسوية، لما للتفضيل من أثر سلبي في النفوس، فقد يصدر منه تصرفات شاذة على الأسرة.
- الدليل:
أ/ عن النعمان بن بشير قال: تصدق أبي علي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم. رواه مسلم.
ب/ قوله صلى الله عليه وسلم: سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثرا لآثرت النساء على الرجال. رواه البيهقي.
5. هبة المريض مرض الموت:
- وذلك إذا كان المرض خطيرا جدا بتقرير الخبرة الطبية، أو استقرت على خطورته العادة، ويدخل فيه إذا تحقق موته عما قليل في الغالب عند الحكم بالإعدام مثلا ولو صحيحا.
- حكم هذه الهبة: تنفذ كالوصية في الثلث فقط.
6. هبة المفلس:
- المفلس هو الذي أحاط الدين بماله أي الذي ساوت ديونه موجوداته، أو زادت عليها.
- حكم هبته: لا تنفذ وتعتبر ملغاة.
7. إعطاء الهبة لغير المسلم:
- يصح إعطاء الهبة لغير المسلم من قبل المسلم، كتابيا كان أم مشركا، تأليفا لقبله، وإقرارا للتجانس البشري.
- الدليل:
أ/ قوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" الممتحنة/ 8.
ب/ إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم لغير المسلمين من الهدايا كما في كتب السير.
8. قبول هبة غير المسلم للمسلم:
- يجوز قبول هبة غير المسلم كتابيا كان أم مشركا، شريطة أن لا يكون حربيا، وذلك من باب التجانس البشري، وما يتعلق به من هبات وهدايا.
- الدليل: (1/17)
صفحة 18
أ/ قوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" الممتحنة/ 8.
ب/ قبول عليه السلام هدية كسرى وقيصر والمقوقس وكانوا كفارا.
9. رد الهبة:
- يجوز رد الهبة إذا كان الواهب ممن لا يرتضى، أو يخشى الموهوب له مكروها من قبولها من قبل الواهب.
10. الرجوع في الهبة:
- يرى جمهور العلماء حرمة الرجوع في الهبة، باستثناء هبة الوالد لولده عند البعض بشروط، وذهب بعض العلماء إلى كراهة ذلك ولا يصل إلى الحرمة.
- الدليل: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه". رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
11. الاشتراط في الهبة:
- لا يجوز الاشتراط في الهبة أو إضافتها لأمر مستقبل كأن يقول الشخص: أهبك عند بداية السنة، وهبتك كذا، ومثال الاشتراط: إن ربحت الصفقة وهبتك مبلغ كذا، وذلك لأنّ الهبة تمليك في الحال، وهذا ينافي الإضافة للمستقبل، كما ينافي التعليق.
12. هبة جميع المال:
- يصح عند الجمهور هبة جميع المال لأنه حر في تصرفه.
- وذهب بعض العلماء إلى منع ذلك لأن في ذلك إسرافا وتضييعا لنفس الواهب ولأهله.
- والصحيح منع ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت". رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن ابن عمرو.
13. هدايا الأطفال:
- صورتها: أن يُهدى الطفل هدايا في يوم ميلاده، أو بعد سنة أو أكثر.
- هذه الهدايا في الأصل للطفل، ويجوز للوالدين التصرف فيها لمصلحة الطفل.
- إذا كان العرف يقضي بالتسامح في جواز تصرف الوالدين ولو في غير مصلحة الطفل فالعرف هنا محكم.
14. هبة المقترض للمقرض: (1/18)
صفحة 19
- إن كانت الهبة مشروطة في أصل العقد فغير جائز لأنه قرض جرّ نفعا.
- وإن كانت غير مشروطة الأولى تركها مع جواز أخذها.
- الدليل: الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند ضعيف: "كل قرض جرّ نفع فهو ربا"، والإجماع يعضدها ويقويها. رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن علي.
سابعا: أحكام معاصرة في الهبة
1. جوائز الودائع الادخارية:
- تعريفها: تقبل المصارف حسابات الودائع الجارية وحسابات ودائع الادخار، والتي يمكن سحبها متى شاء المودع بإشعار مسبق أو بدونه، وهذه الودائع لها أرباح معينة في المصارف أو البنوك العادية، بينما لا تستحق أية أرباح في البنوك المطبقة للنظام الشرعي.
- حكمها:
أ/ تعتبر ودائع الادخار من سبيل الأمانة، ولا يجوز للمودع عنده التلاعب أو التصرف بها إلا بإذن صاحبها، فإن تصرف بها صارت قرضا، فإن كانت الهبة أو الفائدة غير مشروطة فهذه جائزة، شريطة أن لا تكون محددة جنسا وزمنا، وإن كانت مشروطة أصبحت ربا، لأن القرض هنا جرّ منفعة.
ب/ أما الحساب الجاري فيجوز تخصيص أصحاب الحسابات الجارية من فئة معينة أو إطلاقا ببعض المزايا على سبيل الجوائز أو الهدايا، على أن لا يكون ذلك مشروطا ولا ملحوظا عند فتح الحساب.
2. التهادي في عيد الميلاد:
- لا يجوز شرعا لأنه من تقليد غير المسلمين.
- والأصل في الأمة الاستقلال بمبادئها وعاداتها وأفكارها، وعدم التبعية لغيرها.
3. الهدايا التشجيعية لأصحاب المحلات والمشترين:
- إذا كانت هذه الهدايا ليست عن استغلال وغش للمشترين، فهي جائزة، وإلا كانت من اليانصيب والميسر المحرم.
الصرف
أولا: تعريف الصرف (1/19)
صفحة 20
- الصَّرْفُ لغة: من صرف، التوبة يقال لا يقبل منه صرف ولا عدل، قال يونس: الصرف الحيلة، ومنه قولهم إنه ليتصرف في الأمور، وقال الله تعالى: {فما يستطيعون صَرْفا ولا نصرا}، و صَرْفُ الدهر حدثانه ونوائبه، وشراب صِرْفٌ أي بحت غير ممزوج، وصَرِيفُ البكرة صوتها عند الاستقاء، وقد صَرَفَت تصريف بالكسر صَريفاً، وكذلك صَريفُ الباب، وناب البعير والصَّيْرَفِيُّ الصَّرَّافُ من المُصَارَفةِ، وقوم صَيارِفةٌ، والهاء للنسبة، وقد جاء في الشعر: الصَّيَارِيفُ يقال صرَفْتُ الدراهم بالدنانير، وبين الدرهمين صَرْفٌ أي فضل لجودة فضة أحدهما.
انظر: مختار الصحاح مادة صرف.
- الصرف اصطلاحا: هو بيع النقد بالنقد، والمراد بالنقد: ما خلق للثمنية، وهو الذهب والفضة، وكذا ما يلحق به في الحكم من الأوراق النقدية كالريال السعودي والدولار الأمريكي وغيرها.
ينظر: بحث الصرف منشور في موقع الإسلام.
- ويعرف في الاصطلاح أيضا ببيع النقد بالنقد جنساً بجنس أو بغير جنس: أي بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة أو الذهب بالفضة، مصوغاً أو نقداً.
ينظر: الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي 5/ 317.
ثانيا: حكمة والحكمة منه
- حكمه: الأصل في الصرف أنه مشروع على سبيل الإباحة ولكن قد يصير محرما إذا اشترط فيه تأجيل قبض أحد البدلين، أو مندوبا لقضاء حاجة المضطر إلى الحصول على جنس آخر من النقد.
- الأدلة:
- من الكتاب: قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الرباْ} (البقرة: 275)، والصرف نوع من البيع، فيأخذ حكمه في الجملة.
- من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح: مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي سواء" رواه أحمد في مسنده وصحيح مسلم والنسائي عن أبي سعيد. (1/20)
صفحة 21
- الحكمة من جوازه: وذلك لحاجة الناس إليه، فمن الناس من عنده نقد فيريد صرفه إلى عملة أخرى لغرض السفر من بلد إلى آخر للعلاج أو طلبا للعلم أو السياحة وما إلى ذلك من حاجات مهمة وحيوية.
ينظر: فقه المعاملات 1/ 803 - 804.
ثالثا: أقسامه
من أقسام الصرف:
- بيع أحد النقدين (الذهب والفضة) بجنسه.
- بيع أحد النقدين بالآخر.
- بيع النقد بالنقد ومع أحدهما أو كليهما شيء آخر.
- الصرف في الذمة.
1. بيع أحد النقدين بجنسه:
يجب أن يكون يدا بيد، مثلا بمثل، في المقدار والوزن.
الدليل: قوله - صلى الله عليه وسلم-: "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا". رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة.
2. بيع أحد النقدين بالآخر:
اتفق الفقهاء على جواز التفاضل بينهما، ويشترط فيه التقابض في المجلس قبل الافتراق
الدليل: قوله - صلى الله عليه وسلم-: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه"، وعنه أيضا عليه السلام أنه ابتاع بعيرا ببعيرين وأجاز بيع عبد بعبدين إلا أن هذا يدا بيد. رواه الربيع عن ابن عباس.
3. بيع النقد بالنقد ومع أحدهما أو كليهما شيء آخر:
ويشترط فيه التقابض أيضا عند الحنفية الذين أجازوه بشرط أن يزيد الثمن على النقد المضموم إليه، أو أن يكون مع كل واحد منهما شيء من غير جنسه، وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جوازه.
4. الصرف في الذمة
وهو أن يكون البدلان المختلفان في ذمة العاقدين، واختلف في جوازه، والأحوط تركه، وصورته الثانية أن يكون في ذمة أحدهما نقد من جنس فيتفقا على أدائه بجنس آخر، وقد أجازه الجمهور.
ينظر: فقه المعاملات 1/ 805 - 825.
رابعا: أركانه
أ: الصيغة
صيغة الصرف هي الإيجاب والقبول بأي لفظ يدل على مبادلة النقد بالنقد.
ب/ صفات العاقدين (1/21)
صفحة 22
لما كانت عقود المعاوضات المالية كالبيع والسلم والاستصناع والصرف تنشأ بين متعاقدين بإرادتهما، اشترط الفقهاء في كل واحد من العاقدين أن يكون أهلا لصدور العقد عنه، وأن يكون له ولاية إذا كان يعقد لغيره.
فالصرف هو عقد معاوضة مالية ينشأ بين طرفين متعاقدين بإرادتهما الحرة، فلا بد لانعقاد الصرف ونفاذه أن يكون عاقداه من أهل العبارة المعتبرة في إنشاء العقود، والالتزام بآثارها.
ج/ محل العقد
محل العقد في الصرف يشمل ما يقدمه كل عاقد من الأثمان المراد مبادلتها كالذهب والفضة والعملات النقدية لأن الصرف هو بيع الثمن بالثمن.
د/ تقابض البدلين
يشترط لصحة الصرف التقابض في البدلين قبل التفرق، فإذا تفرق العاقدان عن المجلس قبله بطل العقد، ولو تقابضا البعض ثم افترقا صح الصرف في القدر المقبوض وبطل فيما سواه، ولو كل أحدهما وكيلا في القبض، فقبض الوكيل البدل قد تفرقهما صح الصرف، أما إذا تفرقا قبل قبضه بطل ولا يشترط التقابض الفوري عقب العقد، ولا يضر طول لبثهما في الجلوس ولا طول مصاحبتهما إذا وقع القبض قبل التفرق بالأبدان عند جمهور الفقهاء، وخالفهم المالكية فاشترطوا الفورية فيه.
ينظر: فتاوى المعاملات ص 129، بحث الصرف منشور في موقع الإسلام.
خامسا: شروطه
أ/ الحلول
يشترط لصحة الصرف الحلول، أي خلو العقد عن اشتراط الأجل، فإن اشترطاه لأحدهما أو لكليهما فسد الصرف.
وذلك أن الفقهاء اتفقوا على أنه لا يجوز في الصرف اشتراط الأجل للعاقدين أو لأحدهما، فإن اشترطاه لهما أو لأحدهما فسد الصرف؛ لأن قبض البدلين مستحق قبل الافتراق، والأجل يفوت القبض المستحق بالعقد شرعا، فيفسد العقد باشتراطه.
ب/ التماثل
يشترط التماثل في بيع أحد النقدين بجنسه، كالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وإن اختلفا في الجودة والرداءة باتفاق أهل العلم.
ج/ أن يكون العقد باتاً أو ألا يكون فيه خيار شرط: (1/22)
صفحة 23
فلا يجوز في عقد الصرف اشتراط الخيار لكل من المتعاقدين أو لأحدهما؛ لأن القبض في هذا العقد شرط، وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك أو تمامه.
د/ التنجيز في العقد أو ألا يكون فيه أجل:
يشترط أن يكون عقد الصرف خالياً عن الأجل لكل من المتعاقدين أو لأحدهما، وإلا فسد الصرف؛ لأن قبض البدلين مستحق قبل الافتراق، والأجل يؤخر القبض، فيفسد العقد.
ينظر: الفقه الإسلامي وأدلته، 5/ 318 - 321؛ بحث الصرف منشور في موقع الإسلام.
سادسا: الصرف والبيع
للبيع أربعة أنواع:
أ/ بيع العين بالعين كبيع السلع بأنواعها، نحو بيع الثوب بالثوب وغيره، ويسمى هذا بيع المقايضة.
ب/ بيع العين بالدين نحو بيع السلع بالأثمان المطلقة وبيعها بالفلوس الرائجة والمكيل والموزون والمعدود المتقارب دينا.
ج/ بيع الدين بالعين وهو السلم، فإن المسلم فيه مبيع وهو دين، ورأس المال قد يكون عينا وقد يكون دينا، ولكن قبضه شرط قبل افتراق العاقدين بأنفسهما، فيصير عينا.
د/ بيع الدين بالدين، وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق، وهو الدراهم والدنانير، وأنه يسمى عقد الصرف.
فالصرف نوع من أنواع البيوع لأنه مبادلة نقد بنقد وهو عقد لازم.
ينظر: فقه المعاملات 1/ 801 - 802.
سابعا: حكم التفاضل في مقابل الصنعة
مثاله: ذهب مصوغ على شكل خاتم، وآخر غير مصوغ، فهنا يدخل عند الجمهور في المنع من التفاضل ولو اختلف الصنعة.
المعاملات المالية والتطبيق المعاصر، ص: 368 - 374.
ثامنا: الحوالة المصرفية
الحوالة المصرفية: وهي عبارة عن تحويل مبالغ من مكان لمكان قي البلد الواحد، وهذه إما أن تكون من مصرف لمصرف آخر، أو من المصرف نفسه، وإما أن تكون من بلد لبلد، وهنا تختلف العملة، ويدخل فيها الصرف.
والصرف في الوجه الأخير جائز، وإن أخذ المحول شيئا من المال، فهو عبارة عن أجرة مقابل عمل، وهذا جائز.
ينظر: المعاملات المالية والتطبيق المعاصر، ص: 389؛ الفقه الإسلامي وأدلته 5/ 330 - 331. (1/23)
صفحة 24
تاسعا: مسائل معاصرة في الصرف
1. مبادلة العملة النقدية الأم بفآتها الأقل مفاضلة:
مثال ذلك: مائة بيسة عمانية بخمسين بيسة، أو الريال بثمانمائة بيسة، وهذا لا يجوز، لأن الجميع جنس واحد في اعتراف قانون البلد، وإن اختلفت التسميات، فالجزء يدخل في جنس الكل، فلا يجوز شرعا هنا لاتحاد الجنس.
المعاملات المالية والتطبيق المعاصر، ص: 365.
2. مبادلة العملة النقدية بغيرها من العملات مع اختلاف الجنس:
مثاله: الريال العماني بالريال السعودي، أو الدولار بالدرهم، وهذا جائز لاختلاف الجنس.
المعاملات المالية والتطبيق المعاصر، ص: 365 - 366.
3. التماثل بين الذهب مختلف العيار:
مثاله: التماثل بين ذهب 18 وذهب 24، حيث أن الخلاف بسيط بينهما لإضافة شيء بسيط من النحاس أو الحديد إلى أصل الذهب الخالص، وهذا لا اعتبار له بسبب التفاوت البسيط، فيدخل في أصل الصرف يدا بيد، إلا إذا كان الغالب زيادة الحديد ونحوه على الذهب الخالص فيأخذ حكم الحديد، إذ العبرة هنا للأغلب.
المعاملات المالية والتطبيق المعاصر، ص: 367 - 368.
4. شراء جديد الحلي بقديمه:
ويدخل تحت هذا أنواع منها:
أ/ الذهب القيم بالجديد الأقل منه وزنا: نحو بيه ذهب وزنه (50) جراما بذهب وزنه (45) جراما، وهذا لا يصح شرعا، وهو من الربا.
المعاملات المالية والتطبيق المعاصر، ص: 375.
ب/ الذهب القديم بالجديد ودفع فرق القيمة بينهما نقدا: وهذا يجوزا إذا حدث التقابض في المجلس على رأي الجمهور، لأنهما عقدان مختلفان لا ارتباط بينهما، فالبيع الأول عقد، والشراء الثاني عقد آخر.
المعاملات المالية والتطبيق المعاصر، ص: 375.
ج/ المبادلة بين مقدار من الذهب وآخر مضموم إليه جنس آخر:
مثاله: المفاضلة بين ذهب وزنه (50) جراما، وذهب آخر وزنه (60) جراما، مع دفع الفارق من قبل صاحب الأكثر، أي يدفع هنا عشر جرامات، فهذا جائز على اعتبار أن أحد العوضين مقابلة بالجنس الآخر في العوض الثاني. (1/24)
صفحة 25
ينظر: المعاملات المالية والتطبيق المعاصر، ص: 376،مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد 9، 1/ 370.
دور المرأة في تحبيب مجالس للطفل
من العوامل الرئيسة في نمو الطفل فكريا، بجانب حبه للمعرفة والاطلاع، وموازنته بين اللهو واللعب الذي فطر عليه، وبين تحصله على أبجديات المعرفة؛ حبه للجانب المعرفي ليكون رافدا مهما له في مستقبل حياته؛ حيث يشكل من أهم العوامل الرئيسة في هذا الأسرة.
وذلك لأن الأسرة هي المحضن الأول التي يربع الطفل بين جنباتها، ويكون مطمئنا آمنا بين جدرانها، فضلا عن فراغ عقله نتيجة للفطرة التي خلق عليها من أي مؤثرات بيئية أو تربوية أخرى، فهو عجينة يسهل التعامل معها.
من هنا إذا كان جو الأسرة جوا تربويا صحيا لا شك تكون هذه الأسرة مرتعا خصبا للنمو التربوي السليم للأطفال، مما يكون مؤشرا جيدا للطفل وتكامل عناصر التربية معه.
وإذا جئنا إلى الأسرة نجد أنها تحتوي على أستاذين ومربيين عظيمين، الأب والأم، ولا غنى للأسرة عن أحدهما، وبما أن الأب غالبا يكون أكثر التصاقا بالخارج عن حدود الأسرة، توفيرا لمعيشة الأسرة، ولطبيعته الذكورية التي يسهل معها الدخول والخروج؛ نجد في المقابل الأم أكثر التصاقا بالبيت، وبالتالي أكثر التصاقا بالأطفال، فهي تكمل النقص الذي يتركه الرجل من كثرة خروجه من البيت.
لذا كان للأم النصيب الأوفر في حسن توجيه الطفل، وتربيته تربية سليمة، ولذا قيل سابقا: وراء كل رجل عظيم امرأة.
ولمعرفة دور المرأة في غرس ثقافة حب العلم لدى الأطفال لابدّ من الربط بين عناصر التربية وثقافة الأم ذاتها؛ لأن بين الجانبين روابط تؤثر في إعداد الطفل إعدادا سليما. (1/25)
صفحة 26
فإذا جئنا بداية إلى عناصر التربية، سنجد التركيز من قبل الأمهات غالبا والآباء كذلك على التربية الجسدية، وهذا عنصر مهم إلا أنه إذا اقتصر عليه سينمو الطفل نمو النخلة غير المثمرة، فهي من حيث الجمال والصلابة غاية في الروعة، إلا أنها مستهلكة للماء والمواد الغذائية من التربة، ثم لا جدوى وفائدة منها للمجتمع.
لذا يجب الاهتمام أيضا بالعنصرين الآخرين، فالتربية لها ثلاث جوانب رئيسة: الجانب النفسي والعقلي بجانب الجانب الجسدي، والاكتفاء بالجانب الأخير يحدث خللا كبيرا في إعداد الطفل إعدادا متكاملا.
وإذا جئنا إلى جانب المرأة، والأم على وجه الخصوص؛ نجد أنها أقدر فاعلية لهذه الجوانب الثلاث، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة، وذلك لطبيعة المرأة النفسية، ولكثرة التصاقها بالطفل في مراحله الأولى، ولكونها أكثر صبرا من الرجل لما تجمعه من عواطف كامنة بين حناياها.
من هنا يجب إعداد الأم إعدادا كاملا لتحمل هذه المسؤولية، وإعدادها يكمن في عدة قنوات: قناة الأسرة بتربية البنات تربية علمية وخلقية، بها تتهيأ المرأة بعد الزواج لأعداد جيل متعلم واعٍ.
وقناة المسجد بفتح المجال للمرأة، لما للمسجد من غذاء روحي وتربوي علمي، يسمو بالأم أن تكون مربية تغرس في أبنائها التربية المتكاملة.
بجانب قناة المجتمع في المدارس والجامعات، بجانب إعداد الدورات التي تأهل الأمهات لخوض هذا الجانب.
ومن أهم القنوات قناة الإعلام بأقسامها المنوعة، مرئية ومسموعة ومقرؤة، فهذه لابد أن توجه في توجية المرأة توجيها بناء بدلا من إشغالها بتوافه الهز والرقص، بحيث تساهم برامجها في تفعيل جانب المرأة التربوي والعلمي.
وأخيرا قناة الزوجية، فالزوج بأمكانه أن يجعل من زوجه عنصر بناء للأسرة التي سعيا في تكوينها وجعلها لبنة تساهم في بناء المجتمع وتقدمه. (1/26)
صفحة 27
فإذا تظافرت هذه القنوات جميعا في تحقيق الهدف التربوي المنشود، لذا سيختصر المجتمع الطريق، من خلال إعداد أم متكاملة من حيث التربية، حيث يتجسد فيها التكامل التربوي، والذي يظهر أثره بعد حين في الجيل الجديد.
ولمجالس العلم وسائل يمكن أن تحببها الأمهات في نفوس الأبناء ومنها:
أولا: القدوة، فالأم لابد أن تكون قدوة لأبنائها في القراءة، وحضور مجالس العلم، ومتابعة النافع المفيد، فيكون الكتاب معها في مجلسها ومكان نومها، وفي طريقها إذا خرجت، وإذا اجتمعت بالنساء فليكن اجتماعهنّ مجلس علم يقرأن ويناقشن فيه العلم، وإذا خرجت لمحاضرة تخرج ابنها معها إلا إذا خشت منه التشويش لصغر سنه، فهذه العوامل تنغرس في نفس الطفل فينشأ محبا للعلم والقراءة.
ثانيا: الاهتمام بالجانب المكتبي، حيث توفر مع زوجها لكل طفل مكتبة صغيرة تناسب مرحلته العمرية، وفي مختلف العلوم، مزودة بوسائل ترفيهية للطفل، كما على الأمهات التعاون فيما بينهن، خاصة الآتي أقل ثقافة وعلما، لا سيما الجارات والقريبات، لأن المجتمع لحمة واحدة.
والطفل بفطرته يحب التملك، ويتعلق بالملك الذي بين يديه، ويسعى في المحافظة عليه والدفاع عنه، لذا سينشأ محبا لهذه المكتبة، لأنها أصبحت ملكا له، وينغرس في قلبه حب ما تحويه من كتب وفنون، وسيسعى مع مرور الأيام مقلبا أوراقها، مقتطفا ثمارها، فينمو محبا لها وللعلم الذي بين جنباتها.
ثالثا: حبذا أن تجعل الأم من البيت مؤسسة نظامية كحلية النحل، كل عمل يكون مرتبطا بفترة زمنية دقيقة، الكل في الأسرة يحاسب عليه، ويخصص من هذا الوقت ما يتعلق بالمجلس العلمي، حيث يقرأ فيه كتاب، أو تدار فيه حلقة، أو يناقش فيه فن علمي، أو يتابع فيه المفيد، أو يدرس فيه الأطفال دروسهم حسب مستواهم العلمي، فيعان الأبناء على طلب المعرفة، فتكون جزءا من حياتهم. (1/27)
صفحة 28
رابعا: ربط الجوائز والهدايا بالجانب السلوكي، والتفوق العلمي، والحفاظ على نظام الأسرة ومجالسها العلمية، فكلما تفوق في دراسته وقراءته؛ كان مستحقا للهدية، وله الأولوية في الترفيه وشراء اللعب، فتكون المعرفة أساس اللهو لا العكس.
خامسا: إقامة رحلات علمية إلى بعض المتاحف والمعارض العلمية، أو المنتديات والجامعات التربوية، أو أصحاب الفكر والعلم والأدب، بحيث ينمو الطفل معظما لأصحاب العلم، منغرسا في قلبه حبهم، فيسعى للاقتداء بهم، وبالتالي حب العلم الذي كان سبب رقيهم ورفعتهم.
ساسا: مشاركة الطفل في المجالس العلمية الخارجية، وتشجيعه على ذلك، مثلا المشاركة في الإذاعة المدرسية أو الإذاعة المسجدية، ومشاركته في النوادي العلمية، أو المراكز القرآنية، حيث يختلط بأقرانه، فينمو في نفسه حب المنافسة والتفوق في الجانب العلمي.
وبهذا نكون قد أعددنا أما وأختا ومعلمة ترقي بالجيل الجديد، لينمو في مجتمع راق متعلم مثقف، قد اكتملت فيه عناصر التربية الرئيسة.
الرؤية الشرعية للتمباك ونحوه من التبغ
من أعظم النعم التي يتمتع بها الإنسان نعمة الحياة، والحياة بيد الله تعالى وحده، وهي ملك له سبحانه، والإنسان كغيره من المخلوقات لا يمكن أن يتمتع بهذه النعمة إذا فقد صحته، فكيف يهنأ السقيم ويتمتع بملذات الحياة، من هنا أوجب الشرع الحفاظ على نعمة الصحة قال تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. (1/28)
صفحة 29
لذا حرمت الشريعة جميع الخبائث التي تقود الإنسان إلى إهلاك نفسه، يقول تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.
وهذه الخبائث لم تتطرق إليها الشريعة تفصيلا إلا في بعض جزئياتها كالميتتة والخمر ونحوه، والباقي تركته للعقل الإنساني، فهو بفطرته قبل دينه يدفع عن نفسه ما يضره، فلا يشرب السم لعلمه بخطره، ولو لم يقل له دينه: شرب السم حرام.
ومن التطبيقات في عهد عليه الصلاة والسلام قوله من طريق أمّ سلمة - رضي الله عنها - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: نهى عن كل مسكر ومفتِّر، فنهى عن كلّ شيء يحدث تخديرا في نفس الإنسان، ووضع قاعدة لأمته حيث يقول عليه السلام: لا ضرر ولا ضرار.
وإذا جئنا إلى عصرنا الحالي نجد أنّ التبغ بنوعيه المدخن وغير المدخن والذي منه التمباك والجراكو يحدث ضررا خطيرا، بل هو أشد من الخمر في ضرره، من هنا كان من الخبائث التي تقود النفس إلى التهلكة، قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً.
رؤية الشرع:
وإذا جئنا إلى رؤية الشرع نجد بداية أنّ الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة، لا تنظر إلى الموضوع الواحد من زاوية واحدة، ولا تدرس القضية من جزئية معينة، وأيّ ظاهرة مستجدة لا يمكن التسرع في الحكم عليها إلا بعد دراستها من كافة جوانبها، والنظر في أبعادها وآثارها، من هنا حثّ الشرع الحنيف على تعلم العلوم المختلفة، كالعلوم التربوية والنفسية، والعلوم الصحية والاجتماعية، والعلوم المادية والتكنولوجية، وما شابه ذلك من العلوم، فهي من فروض الكفايات. (1/29)
صفحة 30
لذا لا يمكن التسرع في الحكم على الظواهر المستجدة إلا بعد دراسة كافة جوانبها، فالذي لا يدخل السوق لا يمكن أن يفتي في أحكام السوق، ولهذا لا بدّ أن نضع هذه الظاهرة في مكانها الصحيح، ولا بدّ أن ندرسها اجتماعيا وصحيا، بجانب الدراسة التربوية والنفسية، ومن ثمّ يأتي دور الشريعة الخالدة التي تضع الظاهرة في محلها الصحيح، وإلا وقعنا في نفس ظاهرة الدخان، عندما جُردت عن الدراسة الصحية والاجتماعية وما يتعلق بها، فقد كانت الفتوى فيها بالإباحة أو الكراهة عند كثير من أهل العلم ـ عدا القليل من العلماء الذين أفتوا بالحرمة ـ ممّا ساعد في انتشارها، وأصبحت وبالا على المجتمع، وعندما بدأ العلماء بمراجعة الفتوى، والنظر في أبعادها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، كان شبه اتفاق بعدم الجواز.
وإذا جئنا لرأي الشرع في هذه الظاهرة نجد أنها تؤثر على الكليات، والتي بها تقوم حياة الإنسان، وهي:
أولا: جانب الدين، حيث أنّ المتعاطي لهذا التبغ بأشكاله المنوعة يصبح أسير هذه العادة السيئة، فهي تسخره وتقوده إلى كثير من المحارم والمكروهات، لعجزه عن الفكاك عنها، لذلك يحرص المدخن أن يوفر من أجل التدخين، ولو كان ذلك لتقتيره على عياله في الإنفاق، وحرمانهم من بعض ضرورات الحياة وحاجاتها، وقد يدفعه الحال إلى أن يستجدي غير مبال بإذلال نفسه، وإراقة ماء وجهه، ولربما بلغ به الأمر إلى الاحتيال والسرقة، وكل ذلك مما يأباه الإسلام على أتباعه، فالتمباك والجراكو وغيره يؤثر على دين الإنسان ومروءته، ويقوده إلى محرمات أخرى، والقاعدة تقول: ما كان وسيلة إلى الحرام فهو حرام. (1/30)
صفحة 31
ثانيا: حفظ النفس، يقول الحق - تبارك وتعالى -: " وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "، وقد أكدّ الطب خطورة هذا النوع من التبغ ومن ذلك: " تأثيره الكيميائي على غشاء الفم، وبصورة مباشرة على بطانة الخدّ، وأرضية الفم واللسان، وتعمل على تخريش الأغشية المخاطية المبطنة، وتسبب التهاب اللثة وأغشية الفم المخاطية، والرائحة الكريهة، وتساعد على الإصابة بسرطان الفم وغيره، والتبغ يحتوي على مادة النيكوتين التي تسبب إدمانا عليها أشدّ من الإدمان على الهيروين والكوكايين والكحول، علما أنّ منتجات التبغ الممضوغ أكثر قدرة وأسرع في إحداث الإدمان من كافة أشكال التدخين، حيث إنّ مضغة واحدة داخل الفم لمدة ثلاثين دقيقة فقط تدفع إلى الدم كمية من مادة النيكوتين تعادل تدخين أربع سيجارات!!! " من هنا ندرك أنّ للتمباك والجراكو وغيره من التبغ له ضرره الكبير على النفس البشرية، وبالتالي هلاكها، وهذا ما حرمه الشارع الكريم.
ثالثا: حفظ النسل: حيث جاء في رسالة توجيهات تنموية لمكافحة التبغ: "ويؤثر التدخين ـ ويدخل في هذا تبغ التمباك والجراكو ولو على المدى البعيد ـ كذلك في صحة غير المدخنين، فالأطفال الذين يولدون لأمهات مدخنات يكون وزنهم عند الميلاد أشدّ انخفاضا من غيرهم من الأطفال، وهم يواجهون مخاطر أكبر فيما يتعلق بالإصابة بالأمراض التنفسية، ومن الأرجح أن يموتوا نتيجة لمتلازمة موت الرضع الفجائي، على خلاف الأطفال الذين يولدون لأمهات غير مدخنات"، خاصة وأنّ التبغ غير المدخن ينتشر كثيرا بين السيدات، كما صرّح بذلك بائعوا التبغ غير المدخن. (1/31)
صفحة 32
رابعا: حفظ العقل، يقول الأستاذ عبد الحفيظ محمد عبد الحليم في مقال له نشرته مجلة الوعي الإسلامي، عدد (268)، 1407هـ / 1986م: "من سنن الله – عزّ وجلّ- أنّ البقاء في الكون للأصحاء والأقوياء، فهم الذين يستخلفهم الله في الأرض فيعمرونها، ويصلون إلى خباياها وأسرارها، ويكشفون عن خيراتها وكنوزها، وما توجت أمة بتاج الشرف، ولا ارتقت ذروة المجد، إلا بقوة أبنائها، وصحة أبدانهم، وسلامة أجسادهم، ولأنّ ذلك وسيلة لسلامة عقولهم، ونضج تفكيرهم، ومضاء عزيمتهم، وسداد أعمالهم " والنتيجة: بما أنّ تبغ التمباك والجراكو وغيره يؤثر على سلامة وصحة الإنسان، إذ له نتاج سلبي على عقله وتفكيره، إذ العقل السليم مربوط بالجسم السليم، وبالتالي تدني مستوى العمل والإنتاج.
خامسا: حفظ المال، قال – تعالى -: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ "، قال الإمام أبو محمد بن حزم في المحلى ت (456 هـ): مسألة 1028: " السرف حرام وهو ـ إمّا ـ:
• النفقة فيما حرّم الله - تعالى - قَلَّت أو كثرت، ولو أنّها قدر جزء من جناح بعوضة.
• أو التبذير فيما لا يحتاج إليه ضرورة، ممّا لا يبقى للمنفق بعده غنى.
• أو إضاعة المال وإن قلَّ برميه عبثا".
ومتعاطي هذا النوع من التبغ قد تناوله كلام الإمام ابن حزم لكونه ينفق فيما حرَّم الله - تعالى -، ويضيّع المال بإنفاقه عبثاً في غير فائدة، من هنا كان له الأثر السلبي على المال، خاصة وأنّ المتعود على استخدام هذا التبغ يصبح في حدّ ذاته مريضا لإدمانه عليها، ممّا يبذل وقته وماله من أجل الحصول عليه. (1/32)
صفحة 33
فمما تقدم ندرك أنّ هذا النوع من التبغ لا يؤثر فقط على كلية واحدة بل يؤثر على الكليات الخمس، فبأي شرع أو قانون يباح تعاطيه، بجانب كونه من المظاهر غير الحضارية، والتي تنمي عن تخلف محض، فالحضارة الراقية لا ترمي بأبنائها في المهالك.
لماذا ينتشر هذا بقوة في مجتمعنا رغم خطورته وضرره:
يعود انتشار مثل هذا النوع من التبغ إلى عدة عوامل منها:
1. وجود ـ في الغالب ـ فترة زمنية طويلة بين بداية استعماله، وبين حدوث الأمراض التي يسببها، ومن ثمّ الوفاة، يجعل إحساس المجتمع بهذه المشكلة يتضاءل كثيرا.
2. الإعلانات الضخمة التي يقوم بها المصنعون تؤدى إلى مفهوم عام أنّ التبغ بأنواعه غير ضار، وأنّه مظهر من مظاهر الفتوة والرجولة، مع إلصاق الإعلانات أحيانا بلعب وملابس الأطفال حتى يألفوها.
3. سهولة إخفاء هذا اللون من التعاطي، ولذلك ينتشر في المدارس وبصورة كبيرة.
4. الثمن الزهيد لمنتجات التبغ الممضوغ.
5. التغليف الملون والجذاب.
6. المضافات التي توهم الكثيرين أنّها مجرد حلوى.
7. الدعاية على أنّها معطرات للفم، وفيها مواد تساعد على الهضم.
8. انتشار بعض المفاهيم الخاطئة، والتي منها: أنّه ينشط الذاكرة، ويقوي الجسم، ويساعد على الأداء الجنسي، وينسي الهموم، ويريح البال.
9. غياب القدوة الصالحة، وانتشار رفقاء السوء.
10. ضعف مستوى التربية والمراقبة، خاصة إذا كان الأب ممّن يمارس هذه العادة السيئة.
11. عدم وجود عقوبات صارمة لمن يتاجر بهذه المحرمات.
ما العلاج:
كما تعلمون أنّ السلوك ناتج من نواتج الفكر، فانتشار مثل هذه الظاهرة ـ أيّ تبغ التمباك وغيره ـ دليل على الخواء الفكري أو فساد مصدر تلقي الفكر، حيث إنّ الإنسان في بداية حياته يمر بمرحلتين لهما تأثير على مستقبله: (1/33)
صفحة 34
المرحلة الأولى: فترة الطفولة الأولى، وهي تمتد منذ ولادة الإنسان وحتى نهاية المرحلة الابتدائية في الغالب، وهذه المرحلة هي مرحلة غرس العادات والتوجهات والأفكار في نفس الإنسان، وهذه من أصعب المراحل العمرية؛ لأنّ لها تأثيرا في المراحل التي تليها.
المرحلة الثانية: مرحلة المراهقة والفتوة، وهذه المرحلة تبدأ غالبا من المرحلة الإعدادية مرورا بالمرحلة الثانوية، وهنا ينطلق المراهق إلى التقليد والتأثر بالاتجاهات السائدة حوله، مع حبّ الظهور بين أقرانه.
النتيجة: إذا لم تستغل المرحلة الأولى استغلالا سليما، واقتصرت على جانب اللهو، لا شك أنّها ستوجد فراغا في نفس الإنسان في هذه المرحلة، وسينطلق في المرحلة الثانية إلى اكتساب معارف وأفكار، وتقليد عادات وتقاليد قد تكون بعيدة عن العادات السليمة، والتوجه المستقيم، خاصة إذا كان مصدر التلقي فاسدا.
ومن العلاج أيضا:
1. غرس المراقبة الذاتية، وتقوية الصلة بالله –تعالى -، والاستعداد ليوم الرحيل.
2. إيجاد دورات تربوية للأسر، للرقي في الجانب الأسري، فالجانب التربوي له دوره في علاج الكثير من القضايا، ولا بدّ من وجود دورات تربوية ترشد الأسر إلى صلاحها وصلاح أبنائها.
3. تفعيل القدوة في المجتمع (الأب + المعلم + الصديق + باقي شرائح المجتمع)، فلا بدّ من الأب أن يكون ذا قدوة صالحة لابنه، ولا بدّ من اختيار الصاحب الحسن، وعلى المعلم أن يحسن سلوكه مع طلبته وأبنائه، حتى يكون قدوة صالحة لهم.
4. إيجاد عقوبات صارمة فيمن يروج التبغ في المجتمع، خاصة التجار، ولا يجوز التستر على من يقوم ببيع هذه القاذورات، سواء كان في المدارس من الطلاب، أو في المحلات والشوارع، وكذلك في الأسر، فلا بدّ من إبلاغ الجهات المعنية بذلك، حتى لا يستفحل هذا الوباء بصورة أكبر.
5. الاهتمام بالجانب النفسي للمصابين بهذا المرض، ومحاولة إخراجهم منه، فهم مرضى وبحاجة إلى علاج. (1/34)
صفحة 35
6. إيجاد دعايات مكثفة، تظهر رجالا أسوياء، وهم قد تخلصوا من هذا المرض، فللأسف أن نجد إعلانا جميلا، يظهر فيه رجل قوي يحمل سيجارة، بينما الإعلانات التي تحذّر من التبغ بأنواعه، نجدها مجرد عبارات في شكل نقاط، لا تجذب الناس إليها، فالتفنن في الإعلان له دوره في علاج مثل هذه الأمور.
7. التكثيف من دور المعلم الاجتماعي والنفسي، فلا يصح أن يكون في مدرسة واحدة تحتوي على ألف طالب معلم أو اثنان من الأخصائيين الاجتماعيين، فعلى الأقل لكل مائة طالب معلم اجتماعي ونفسي متخصص، يتابعهم وينظر في أحوالهم.
8. نشر الثقافة الصحية والدينية بين أبناء المجتمع.
طرق التخلص من هذا المرض لمن أدمن عليه
ليس من السهولة أن يتخلص المدمن من هذا المرض، ولكنه يستطيع أن يتخلص منه إذا أراد، وهنا خطوات عديدة للتخلص منه، منها على سبيل المثال:
1. الإرادة والعزيمة القوية، فبها يستطيع أن يتخلص منه.
2. إن كنت مدمنا فعليك أن تتخلص منه بالتدريج، وحبذا أن تذهب إلى العيادات النفسية والصحية، ففيها بدائل تساعدك على الخروج من هذا المرض.
3. اختيار الرفقة الصالحة، وتجنب أماكن ممارسة هذه القاذورات.
4. شغل الوقت بكل نافع ومفيد، وممارسة الرياضات العقلية والبدنية.
5. الصبر فبالصبر على العلاج تتخلص منه بإذن الله – تعالى -.
6. وأخيرا عليك بالدعاء، فكن قريبا من الله، فهو أكبر علاج للتخلص من هذا الداء.
خاتمة الحديث:
من خلال ما تقدم ندرك مدى خطورة انتشار هذه الظاهرة دينيا وصحيا وماليا ونفسيا واجتماعيا، وبها توصلنا إلى ضررها الصحي الكبير، من هنا لا يشك عاقل في حرمتها من الناحية الشرعية.
فعلى المجتمع جميعا التعاون في القضاء عليها، فالمسؤولية واحدة، والخطر يهددنا جميعا. (1/35)
صفحة 36
وفي الختام أهدي لكم هذه الكلمات الجميلة، التي سطرتها أنامل الدكتور محمد محمود رضوان في مقال له نشر في مجلة الوعي الإسلامي، عدد (268) 1407هـ، 1986م، ص (26): ”إنّ التحدي الأكبر التي تواجهه مجتمعاتنا الإسلامية في عصر تواكبت فيه جحافل الغزو الفكري والقيمي المناهض والمنضم، هو ضرورة تحصين أبنائنا وبناتنا منذ الصغر بتربية دينية رشيدة تمكنهم من نقد ما تحمله التيارات الوافدة، والمغريات الزاحفة، نقدا يقوم على عقيدة راسخة، وفكر واع، ثمّ التصرف في مواجهتها على أساس المبادئ والقيم الإسلامية الأصيلة، التي أرادها الله - سبحانه وتعالى - صالحة لكل زمان ومكان”.
الإخلاص في العمل
تقدمة:
لمعرفة العلاقة بين الإخلاص والعمل، وبيان مدى الترابط بينهما؛ لا بد من معرفة حقيقة الإخلاص والعمل من المنظور الإسلامي الصحيح، وبذلك نستطيع الربط بينهما، وتطبيقهما في واقع الحياة تطبيقا سليما.
أولا: تعريف الإخلاص وحقيقته:
- الإخلاص لغة من خَلَصَ الشيء صار خَالِصاً، وخَلَصَ إليه الشيء وصل، وخَلَّصَهُ من كذا تَخْلِيصَاً أي نجاه فَتَخَلَصَ، وخُلاصَةُ السمن بالضم ما خلص منه، وكذا خِلاَصَتُهُ بالكسر، وأخْلَصَ السمن طبخه والإخْلاَصُ أيضا في الطاعة ترك الرياء، وقد أخْلَصَ لله الدين، وخَالَصَهُ في العشرة صافاه، وهذا الشيء خَالِصَةٌ لك أي خاصة، واسْتَخْلَصَهُ لنفسه استحضه. [مختار الصحاح، مادة خلص].
- الإخلاص اصطلاحا: عرفه القشيري بلفظ: "الإخلاصُ إفرادُ الحقِّ سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعتِه التقرُّبَ إلى الله سبحانه دون شيءٍ آخر: من تصنُّعٍ لمخلوقٍ، أو اكتساب صفةٍ حميدةٍ عند الناس، أو محبة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرُّب إلى الله تعالى. [موسوعة البحوث والمقالات العلمية، نسخة الكترونية]. (1/36)
صفحة 37
- حقيقة الإخلاص: شاع لدى الناس أنّ الإخلاص هو قصد العبادة لله – تعالى -، ولذلك إذا عملوا عملا ما، ولم يعطوه حقه من الاهتمام والإتقان، يقولون في النهاية: "الحجة النية"، وهذا بخس لحقيقة الإخلاص.
وقد بين النبي – صلى الله عليه وسلم - حقيقة الإخلاص، فقد روى أبو هريرة في الحديث المشهور بحديث المسيء في صلاته، ومضمونه: دخل رجل المسجد وصلى في ناحية المسجد، وعندما أنهى صلاته جاء إلى النبي - صلى الله علي وسلم -، فسلم عليه، ورد - عليه السّلامُ- السلامَ، ثمّ قال له: " أعد صلاتك فإنك لم تصل"، فأعاد الرجل الصلاة، ثمّ جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم -، فأمره مرة أخرى أن يعيد الصّلاة، وبعد تمام الثانية والثالثة قال الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام: " لا أتقن غيرها "، فقال له - عليه الصلاة والسلام -: " إذا جئت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، فكبر ثم اقرأ الفاتحة، ثم اقرأ ما تيسر من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم اعتدل حتى تطمئن واقفا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ... " [المعجم الكبير للبيهقي، حديث رقم: 4530].
من خلال هذا الحديث ندرك أنّ الرجل كان مخلصا في صلاته من حيث القصد لله –تعالى-، إلا أنّه لم يكن متقنا في تأديته للصلاة، فهو يركع لكنه لا يبالي بالاطمئنان في ركوعه، كذلك لا يطمئن في قيامه من الركوع، ولا في السجود، وجلوسه للتشهد الأخير.
فهنا لم يقل له - عليه الصلاة والسّلام -: " الحجة النية "، بل أمره بإتقان الصلاة، وإلا لا ينفعه القصد فقط.
إذا حقيقة الإخلاص هو إتقان الشيء وإيجاده على الوجه الأكمل، مع قصد النية لله تعالى وحده، فالإخلاص بهذا له ركنان الإتقان والقصد، وكلاهما متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر.
- ثالثا: تعريف العمل وحقيقته: (1/37)
صفحة 38
- العمل لغة: عَمل من باب طرب، وأعْمَلَه غيره واسْتَعملَه بمعنى واستعمله أيضا، أي طلب إليه العمل، واعْتَمَل اضطرب في العَمَل، ورجل عَمِلٌ بكسر الميم أي مطبوع على العمل، ورجل عَمُولٌ وعَاملُ الرمح ما يلي السنان وهو دون الثعلب، وتَعَمَّل فلان لكذا والتَّعْمِيل تولية العمل، يقال عَمَّله على البصرة. [مختار الصحاح، مادة عمل].
- العمل اصطلاحا: يعرّفه سيد قطب في الظلال من خلال تعريفه للعمل الصالح قائلا: والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل. [في ظلال القرآن (1/ 3953)]
- حقيقة العمل: من الخطأ أن ينحصر العمل في منظور بعض الناس في القربات التعبدية المحضة كالصلاة والصيام والصدقات، فإذا ما سمعوا كلمة عمل في آيات الكتاب العزيز ذهبت أذهانهم إلى القربات التعبدية المحضة، فالعمل في منظور الإسلام هو حياة الإنسان نفسه. (1/38)
صفحة 39
إذا العمل هو عبارة عن السلوكيات والأفعال التي يمارسها الإنسان في فترة وجوده في هذه الحياة، فكما أنّ الذي يمارسه في المسجد يعد عملا؛ كذلك الذي يمارسه في البيت والسوق ومكان الدراسة يعتبر من جنس العمل أيضا، فالعمل مفهومه عامّ من منظور الإسلام، يشمل الأقوال والأفعال، التصورات والتطبيقات، أو بمعنى آخر هو حياة الإنسان وممارساته في هذه الحياة، وعليه يتحول العمل إلى عبادة يثاب عليها فاعلها، يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في كتابه "العبادة وأثرها في حياة المسلم" المنشور في موقع كوكب المعرفة: "للإنسان أفعال وعادات عديدة متنوعة ... يمكن أن يحوّل عباداته وعاداته إلى عبادات يتقرب بها إلى الله – تعالى-، وعلى ذلك فجميع الأعمال الصالحة داخلة في ضمن العبادة، ولذلك جاء في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنّ العبد يؤجر حتى على الأمور العادية التي يراها تلبية لحاجته واستجابة لضرورته، فقد جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "في بضع أحدكم صدقة، قيل له يا رسول الله أيصيب أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: أرأيتم أن لو أصابها في حرام ألم يكن يؤزر؟ قالوا: بلى .. قال: كذلك إن وضعها في الحلال فهو يُؤجر"، هكذا بين لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ هذه الأعمال العادية مع خلوص النية وصفاء الطوية تكون من ضمن العبادات".
رابعا: الإخلاص في العمل ورابط الإتقان
العمل بمفهومه الصحيح بحاجة إلى إخلاص، أي بحاجة إلى إتقان، ومع توفر الإتقان والقصد يتحول بدوره إلى عبادة يثاب عليها، وفي الوقت نفسه يعتبر من دعوة إلى الله ببناء الحياة بناء متقنا وفق شريعة الله تعالى، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " [المتقي الهندي في كنز العمال عن عائشة حديث 9128].
تتحول إلى
يتحول إلى
عبادة يثاب عليها
العمل + الإخلاص الصحيح
دعوة إلى الله تعالى (1/39)
صفحة 40
فالعمل والعبادة والدعوة نتائج مترابطة من منظور الإسلام، ويتضح هذا جليا من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم-: " تبسمك في وجه أخيك صدقة "، [الترمذي عن أبي ذر حديث 1956]، فالابتسامة عمل، إذا ارتبطت بالقصد الصحيح، ولم يقصد بهاء الاستهزاء والسخرية؛ تتحول مباشرة إلى عبادة يثاب عليها المبتسم، وفي الوقت نفسه تعدّ دعوة إلى الله تعالى.
النتيجة:
الإخلاص أساس نجاح العمل، وبه يستطيع أن يرقى بالعمل الذي يمارسه، مع إدراك الأخطاء التي وقع فيها، وهذا يشمل جميع جوانب الحياة، فالذي – مثلا – يعاني من صعوبة إتيان صلاة الفجر في وقتها المحدد، من خلال رغبته في إصلاح هذا العمل وإتقانه؛ عليه أن يعوّد نفسه على أدائها في الوقت المحدد؛ ليكون مخلصا في هذا العمل.
كذلك الذي يعاني من مرض الكذب والغيبة، فكلامه يعتبر عملا لا بد أن يخلص فيه، وذلك بالتخلص من الداء ليكون عمله متقنا.
من هنا لا بد أن نخلص في أقوالنا وأفعالنا، في مساجدنا وبيوتنا، مع أنفسنا وغيرنا، في وطننا وأمتنا.
خامسا: الإخلاص في القرآن والسنة:
الإخلاص في القرآن:
1 - قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} (البينة / 5).
في هذه الآية يربط الله تعالى بين العبادة والإخلاص، فكما أنّ العبد مطالب بالعبادة؛ كذلك هو مطالب بالإخلاص فيها وإتقانها.
2 - قال تعالى: {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصًا وكان رسولاً نبيًا} (مريم / 51).
إذا جئنا إلى موسى عليه السلام نجد – من خلال التأمل القرآني في بعث الرسل –أنّ موسى اختلف عن غيره من الأنبياء في أمور عدة منها:
أ – كونه ليس من المصريين، أو من قوم فرعون، والعادة أنّ الله يبعث رسولا من قومه؛ لأنه يكون بذلك أبلغ في تقريب حجة الله تعالى.
ب – موسى كان من عبيد المصرين، وهو من ذرية بني إسرائيل المستضعفين في مصر. (1/40)
صفحة 41
ج – كان يعاني موسى من ثقل في اللسان، وعدم فصاحة في البيان.
ومع هذا اختار الله تعالى موسى نبيا إلى فرعون، فأخلصه لهذه المهمة العظيمة، فأخلص موسى في هذا العمل، فنصره الله على فرعون، وجعلها عبرة للأمم والأفراد، فللإنسان قدرات إذا أخلص فيها حقق الكثير من الإبداعات، وتغلب على الكثير من المشاق، فهذه اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وفي غضون عشر سنوات فقط، استطاعت – من خلال استغلال قدراتها البشرية – أن تغير حالها، وتصبح من الأمم المتقدمة، مع ضعف مواردها الطبيعية، وصعوبة لغتها الذاتية، يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي: "اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون، استوردت الأفكار، واستوردنا الأشياء ".
3 - قال تعالى: {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وإنهم عندنا من المصطفين الأخيار} (ص / 45 – 47).
في هذه الآية يثني الله تعالى على إبراهيم وإسحاق ويعقوب أصحاب القوة البدنية، والبصيرة العقلية، استغلوا نعمة البدن والعقل، فأثمروا عملا خالصا، يجدون ثوابه في الدار الآخرة، فهم ربطوا بين الدار الدنيا بالإخلاص في العمل، وبين الدار الآخرة بقطف ثمر الإخلاص، كما جاء في الأثر: " الدنيا مزرعة الآخرة ".
الإخلاص في السنة:
1 - روى الإمام الربيع في صحيحه من طريق ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "نية المؤمن خير من عمله"، وبهذا السند في رواية أخرى عنه عليه السلام قال: "الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى". [مسند الإمام الربيع، الباب الأول: في النية، حديث رقم: 1].
من خلال هذه الحديث، والذي يعتبر من أصول الشريعة الغراء، ندرك أهمية الإخلاص في جانب العمل، من حيث القبول الإلهي، فكل عمل أخلص فيه العبد ولو كان بسيطا كان للقبول أقرب إليه سبحانه. (1/41)
صفحة 42
2 - روى البيهقي في السنن الكبرى من طريق أبي موسى الأشعري بلفظ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُعْرَفَ فَمَنْ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ». [السنن الكبرى للبيهقي، باب بَيَانِ النِّيَّةِ الَّتِى يُقَاتِلُ عَلَيْهَا لِيَكُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حديث رقم: 19014].
فالجهاد نوع من العمل، إذا أخلص فيها العبد فهو في سبيل لله، وإلا كان حسب نيته، وعمل الإنسان في طلبه للعلم، أو جمعه للمال من أجل عياله، أو مرابطته على الحدود، أو تكليفه شيئا من الأعمال الداخلة في خدمة العباد، هذا كله يعتبر من الجهاد، فإذا أخلص فيه العبد كان في سبيل الله تعالى، ويلقى الأجر يوم يلقاه سبحانه.
3 - دعاء النبي –صلى الله عليه وسلم-: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وسنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين" [الجامع الكبير للسيوطي من طريق أبي بن كعب، حديث رقم: 3539].
وكلمة الإخلاص قيل: هي التقوى، ولا شك أنّ العمل إذا اجتمع فيه عنصران: الأول أن يكون وفق حدود الله تعالى، والثاني: الإخلاص فيه لله سبحانه؛ كان داخلا في التقوى والتي بها يقبل العمل، لأنّ الله لا يتقبل إلا من المتقين.
سادسا: العمل في القرآن والسنة:
العمل في القرآن:
مما يدل على أهمية العمل من منظور قرآني أنه أشار إليه بمشتقاته ما لا يقل عن ثلاثمائة وثلاثين مرة، من هذه الآيات:
1 - قال تعالى: {إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} (البينة / 7). (1/42)
صفحة 43
في هذه الآية جمع الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح؛ لبيان أنّ الإيمان ليس مجرد مسبحة يحملها الإنسان، أو أورادا يكررها صباحا ومساء، الإيمان الصحيح هو الذي يظهر أثره في واقع الحياة، فهو الذي يتجسد إلى عمل صالح مثمر، عمل صالح في المسجد، وعمل صالح خارج المسجد، فالمسلم مطالب منه أن يجعل من نفسه وأقواله وأعماله عملا صالحا مثمرا في فترة وجوده على هذه البسيطة.
2 - قال تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} (التوبة/ 105).
في هذه الآية يحث الله - تعالى - على العمل، الذي يجد العامل المخلص أثر ذلك في الدار الآخرة، فالمسلم مطالب أن يعمل، ويتقن عمله، وسيجد أثر ذلك في حياته وبعد موته.
3 - قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} (فصلت / 33).
في هذه الآية يربط الله بين العمل الصالح والدعوة إليه تعالى، فالعمل الصالح يعتبر في منظور الإسلام دعوة إلى الله تعالى؛ لأنّ الغرض من الدعوة إصلاح الفرد والمجتمع والأمة، وهذا لا يتحقق إلا بالعمل الصالح.
العمل في السنة:
1 - عن البراء بن عازب – رضي الله عنه – قال: "أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم" [صحيح البخاري، باب خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، حديث رقم: 5863].
نجد من خلال هذا الحديث أنّ العمل في الإسلام لا يقتصر على نوافل الصلوات والصيام والصدقات، بل يشمل النواحي الاجتماعية أيضا كعيادة المريض واتباع الجنائز، وهي من الأعمال التي يثاب عليها العبد إن اقترنت بالإخلاص له سبحانه وتعالى. (1/43)
صفحة 44
2 - روى الإمام مالك في الموطأ عن الطفيل بن أبي كعب أنّه كان يأتي عبد الله بن عمر إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سَقّاط - أيّ الذي يبيع سقط المتاع ورديئه-، ولا صاحب بيعة، ولا مسكين، ولا أحد إلا سلّم عليه، قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: وما تصنع بالسوق، وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟ وأقول: اجلس بنا ها هنا نتحدّث فقال: يا أبا بطن – وكان الطفيل ذا بطن – إنّما نغدو من أجل السلام، فنسلم على من لقيناه.
في هذه الرواية دلالة على إدراك صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحقيقة العمل الصالح، فقد كان ابن عمر يمشي في السوق لإفشاء السلام، وهذا بحدّ ذاته عمل صالح مبارك حث عليه الشرع الحنيف.
3 - حديث ابن عباس بلفظ: في ابن آدم ستون وثلاث مائة مفصل، على كل واحد منها في كل يوم صدقة، فالكلمة الطيبة يتكلم بها الرجل صدقة، وعون الرجل أخاه على الشيء صدقة، والشربة من الماء يسقيها صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة. [كنز العمال للمتقي الهندي، حديث رقم: 16309].
من الحديث يظهر أنّ العمل الصالح يشمل أنواعا متعددة ومختلفة من الصالحات، فهو يعم كل عمل صالح ولو كان حقيرا في الظاهر كإزالة الأذى عن الطريق.
سابعا: قواعد الإخلاص في العمل
لكي تكون مخلصا في عملك لا بد من قواعد تهتدي بها، من هذه القواعد:
1 - المراقبة الذاتية: وهذه من المقاصد التي يجب أن يتحلى بها الإنسان؛ لإصلاح مسير وجوده في هذه الحياة، فالإنسان يراقب ذاته فيما اكتسبت من أعمال، إن كانت جيدة فليشكر الله، وليواصل طريقه بإتقان وإخلاص، وإن كانت سيئة فليراجع نفسه، وليصلح من حاله. (1/44)
صفحة 45
2 - إكبار الذات: والمتتبع لمنهج النبي - صلى الله عليه وسلم - يدرك أنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر من ذات أصحابه، حتى فيما يتعلق باللقب، يتخير لهم أفضل الألقاب، فهذا أبو بكر لقبه بالصديق؛ لما امتاز به من الصدق في القول والعمل، كذلك عمر بن الخطاب لقبه بالفاروق؛ لقوته في قول الحق، وردع الظلم، بينما - نحن اليوم – نحبط من ذاتنا وذات الآخرين، فإذا ما أصيب شخص ما بعلة جعلناه وسيلة لإحباط معنوياته، فإذا ما أصيب بفقد بصره عيرناه بالأعمى، ولو كانت فيه عشرات الصفات الحميدة، فلا بد أن نكبر من ذاتنا، فنحن قادرون على إتقان العمل، وتحقيق المكاسب، والرقي بأنفسنا وأمتنا، إذا ما أكبرنا من ذاتنا، وأخلصنا في أعمالنا، فإذا ما أعطيت مهمة فلا تنقص من ذاتك، بل تقبلها بقلب يريد الإخلاص فيها، والإتقان في أدائها، كذلك إذا كنت تعاني من خلل في العمل، كالنظر إلى الحرام، لا تقل إني عاجز عن الإقلاع عنه، فأنت قادر على الإقلاع إذا ما أكبرت من ذاتك.
3 - الوعي المعرفي: فإدراكك لحقيقة العمل وأبعاده الدنيوية والأخروية، يجعلك متقنا في عملك، منافسا في العمل الصالح، بجانب المسارعة في الخيرات.
4 - تنمية الإتقان: الإنسان في هذه الحياة له طموحات وآمال، فلكي ينجح في تحقيقها لا بد أن يدرب نفسه على الإتقان في تحقيق هذه الطموحات والأعمال.
5 - التنظيم والتخطيط: نحن أمة نظام وتخطيط، ولا يمكن أن نخلص في أعمالنا ونتقن فيها ما لم نعود أنفسنا على التنظيم والتخطيط، فبه نفرق بين ما هو أساسي وثانوي، وبين الأهم والمهم، وحبذا أن يعوّد الواحد منا نفسه على استخدام المذكرات البسيطة التي تعيننا في تنظيم أعمالنا، وجدولة ما نريد تحقيقه في يومنا وغدنا. (1/45)
صفحة 46
6 - المحاسبة: في الأثر عن عمر قال في خطبته: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا" [كنز العمال 44203]، والإسلام أمرنا بمحاسبة النفس وتهذيبها، حيث ننظر في أعمالنا في المسجد والبيت والشارع ومكان العمل، ننظر في علاقتنا مع الله والناس، ننظر إلى أقوالنا وأفعالنا، وحبذا أن يكون لنا ولو في الشهر يوم نحاسب فيه أنفسنا.
ثامنا: البعد الدنيوي والأخروي للإخلاص في العمل
أ/ البعد الدنيوي: الإخلاص في العمل يجعل الفرد سباقا إلى الخير، مع الإتقان فيه، وإعمار هذه الحياة بكل عمل صالح، لإدراكه أنّ الدنيا مزرعة تزرع بكل عمل صالح ليجني العبد ثمرة ذلك عندما يلقى الله تعالى.
يقول سيد قطب في ظلال القرآن (1/ 3953) في تفسير قوله تعالى: {إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} " إنه الإيمان ... ليس مجرد كلمات يتشدق بها الإنسان، إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة ... والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل ... ".
ويقول أبو الحسن الندوي في كتابه "نحو تكوين إسلامي جديد "، ص (26): "وما يمتاز به الأنبياء والمرسلون ... أنهم يعنون بتربية النفوس والأشخاص على العلم والعمل ... ومعلوم أن دعوتهم لا تقوم إلا على أكتاف المخلصين في إيمانهم، والمخلصين في تفكيرهم، والمخلصين في نياتهم، والمخلصين في أعمالهم" (بتصرف). (1/46)
صفحة 47
ب/ البعد الأخروي: الدار الآخرة مربوطة بالعمل الصالح في الدنيا مع الإيمان ثوابا وعقابا، والعمل الصالح لا ينحصر في شعائر معينة؛ بل يعم ممارسات الإنسان في هذه الحياة، فبعضها بينها الله تعالى، وبعضها أجملها في كتابه وبين كيفيتها النبي عليه الصلاة والسلام، والأخرى تركها للإنسان يعمل فيها عقله، لأنّها تتجدد بتجدد الزمان والمكان، لذا كانت الطاعة تشمل الجوانب الثلاثة: طاعة الله، وطاعة الرسول، وطاعة أولي الأمر من العقلاء بما يتوافق مع طاعة الله تعالى ورسوله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء/57].
لذا يجب أن يغرس في الأجيال البعد الأخروي للعمل الصالح، فكما يجب أن يحافظوا على خمس صلوات في اليوم والليلة، وعلى صيام شهرهم في العام، يجب أن يتقنوا ويخلصوا في أي عمل صالح من أعمال اليوم والليلة يتقربون به إلى الله تعالى.
النظر في التراث
لكلّ مجتمع إنساني تراث يحضا به من خلال مراحل حياته الزمنية، تركه الأجداد للأحفاد، والسلف للخلف، سواء كان هذا التراث ماديا بحتا كالقلاع والحصون والبيوت والمساجد، أم كان معنويا كالعلوم والفنون.
والله تعالى حثنا بالنظر في هذا التراث للتأمل والاعتبار، قال تعالى: قلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا، فإذا كان هذا السلف من المكذبين كانت الدلائل من الشواهد التي تجنب الخلف عن أخذ مسببات الهلاك، لذا قال بعدها: ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. (1/47)
صفحة 48
والناس في تراثهم قسمان: قسم غالى وأفرط في تقديس التراث، وأنفق من أجله الأموال ولو على سبيل حاجات الناس الضرورية، بل ومنهم من اتخذ التراث إلها من دون الله تعالى، كمقدسي الأضرحة والقبور، ومنبع الأفلاج والعيون.
وقسم آخر من الناس أصابه التفريط، فأهمل التراث، واعتبره جملة قرين الشرك، أو لم يلقَ به بالا رأسا، وقد يسعى في هدمه ودفنه لاعتبارات ظنية.
والشريعة الغراء وسط بين هذين الجانبين، فلا إفراط ولا تفريط، فالحفاظ على تركة الأجداد من التلف مع مراعاة الجوانب الأخرى، عنصر حضاري يدعو إليه الشرع الحنيف، فالله تعالى ربط بعض العبادات بأحداث تأريخية كالسعي والطواف وزيارة المسجد الأقصى، فالتراث وإن غالى في القدم كان خير شاهد لمن سلف، ومذكرا للخلف بفناء هذه الحياة الدنيا، كما أنه يمدنا بشواهد مادية على تأريخ مضى من حياة هذا الإنسان.
وإذا جئنا إلى المساجد فالمساجد فوق كونها تراثا تدل على حقبة من الزمن، يشدُّ بناؤها لتلك الأوقات الإيمانية التي قضيت في رحاب الله تعالى، من صلاة وقراءة وتعليم، وفوق هذا تحتفظ بمكانتها كمسجد ومصلى إلى يوم القيامة، فالجمهور من أهل العلم أن لأرض المسجد أو المصلى قدسية باقية إلى يوم الدين، لا تستبدل ولا تزول عنها هذه المكانة.
لذا جعل هذه الأماكن الطاهرة مكانا للدنس والأوساخ، ومرتعا للفواحش والمنكرات، ومحلا للزبالة والقمامة؛ إنما يدلّ على تخلف وصل إليه أفراد من هذه الأمة، فلا يجوز أن تدنس هذه العرصات، والتي طالما ارتفع منها اسم الله بمثل هذه القاذورات؛ بل يجب أن تصان وترعى، وتحفظ وتطهر، وإن كان الناس في غنى عنها فلتجعل مدرسة أو مكتبة ولو صغيرة، أو تحفظ لعل الأجيال المقبلة تحوّلها إلى مكان نافع مع بقاء قدسيتها المسجدية على قول الجمهور. (1/48)
صفحة 49
وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تجعل مرتعا للشرك، فهي مكان مخلوق لا يجلب نفعا، ولا يدفع ضرا، كان فيها أقوام أمثالنا، يذكرون الله تعالى فيها، ويتلون فيها آياته، وقد مضوا إلى ربهم، وبقت هذه الأماكن شاهدة على أولئك، فلا يصح أن يعتقد أن لها قدرات خارقة، فيطلب منها دفع الأمراض، ويتوسلون بها للشفاعات وجلب النفع، فهي في حد ذاتها خير شاهد على الفناء والعجز، فكيف يطلب من الفاني والعاجز مثل هذا؟!!!
فلنكن خير أمة تجمع بين الحفاظ على تراثها، وتجعله رمزا لحضارتها وماضيها، مع عدم الغلو والإفراط وإهمال جوانب أخرى من حياتها.
الشيخ عامر بن خميس المالكي (1)
* نسبه:
هو العالم الشاعر الفقيه: عامر بن خميس بن مسعود بن أحمد بن مسعود بن أحمد بن حديد بن خميس بن عبد الله بن عمر المالكي، ويكنى بأبي مالك، وينسب إلى شريان بن شاري بن يحمد، ومن اليحمد تفرعت قبائل كثيرة منها: بنو خروص، وبنو الحارث، والشريانيون وغيرهم.
وأم الشيخ المالكي الفاضلة بخيتة بنت حميد بن سعيد بن رشودة النصيرية الهاشمية، كانت امرأة فاضلة زاهدة، عاشت وماتت في وادي بني خالد بالمنطقة الشرقية.
وللشيخ المالكي أربعة أخوة وأختان، سالم وعبد الله وراشد ومسعود، وشميسة وفاطمة، وترك أربعة أبناء ذكور وبنتا واحدة، وهم: سعود ومحمد وحمود وعبد الله، وزهرة، وله ولدان ماتا في سن مبكرة، وهما مالك ولذا يكنى بأبي مالك، ويعقوب.
* ولادته:
ولد بوادي بني خالد من شرقية عمان، سنة 1280هـ/ 1863م.
* تعليمه وشيوخه:
- بدأ تعليمه الأولي في كتاتيب وادي بني خالد.
__________
(1) مصادر الترجمة: بحث الشيخ عامر بن خميس حياته وأعماله، د. سعيد بن محمد الهاشمي، نشر: حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية – جامعة الكويت، الحولية التاسعة والعشرون، 1430هـ/ 2009م؛ برنامج معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، عامر بن خميس المالكي. (1/49)
صفحة 50
- ختم القرآن الكريم تلاوة على يدي عمه القاضي ناصر بن مسعود المالكي قاضي ولاية بني خالد في عهد عزان بن قيس ت 1287هـ/ 1871هـ.
- واصل تعليمه على يدي الشيخ سعيد بن علي الصقري ت1301هـ/ 1883م بولاية القابل وعمره لم يصل العشرين بعد.
- بعد وفاة الشيخ سعيد انتقل إلى مدرسة الشيخ صالح بن علي الحارثي ت1314هـ/ 1898م، بولاية القابل، حيث كانت من أشهر المدارس في عمان.
- استفاد من مدرسة الشيخ صالح بجانب المؤسس من الشيخ جمعة بن سعيد المغيري ت1323هـ/ 1905م جد الشيخ سعيد بن علي بن جمعة المغيري ت بعد 1357هـ، صاحب كتاب "جهينة الأخبار".
- كذلك استفاد من الشيخ حميد بن سليمان الحارثي.
- والاستفادة الكبيرة كانت من العلامة نور الدين عبد الله بن حميد السالمي ت1332هـ/ 1914م، حيث كان بينهما بداية زمالة طلب العلم، ثم صار السالمي شيخا للمالكي لتفوقه ونبوغه، واستفاد منه كثيرا، لا سيما وقد وقف معه طيلة حياته قارئا وكاتبا، وذلك لأنّ الشيخ السالمي كان ضريرا.
- ولا يعني هذا أنّ تتلمذه اقتصر على هؤلاء بل استفاد من علماء وشيوخ عصره، وهذا يظهر من مراسلاته، بجانب كونه كثير الاطلاع، واسع المعرفة، ليس على كتب المذهب فحسب، وهذا يظهر من هذا الكتاب "غاية المطلوب في الأثر المنسوب".
* الشيخ المالكي معلما:
- خصص الشيخ المالكي جزءا من وقته للتعليم، وحلقات التعليم عنده كانت في البيت والمدرسة والمسجد ومكان الحكم.
- في الصباح كان يدرس في المحكمة، وفي العصر في بيته أو المسجد، وكذلك بين صلاتي المغرب والعشاء في المسجد. (1/50)
صفحة 51
- تخرّج على يديه علماء ومشائخ كثر مثل: الشيخ القاضي محمد بن سالم الرقيشي ت 1387هـ/1967م، والشيخ القاضي سعيد بن أحمد الكندي ت 1383هـ/ 1963م، والقاضي المصنف منصور بن ناصر الفارسي ت 1396هـ/ 1976م، والشيخ القاضي سعيد بن ناصر السيفي ت1374هـ/ 1955م، والشيخ القاضي سعود بن سليمان الكندي، وابنه الشيخ القاضي سعود بن عامر المالكي ت 1304 هـ/ 1982م وغيرهم.
* الشيخ المالكي مؤلفا:
ترك الشيخ المالكي مؤلفات قيمة، وإن كانت قليلة العدد؛ إلا أنها عميقة المحتوى، فمن مؤلفاته:
- كتاب: "غاية المرام في علمي الأديان والأحكام" وهي أرجوزة من بحر الرجز تزيد على ثمانية وعشرين ألف بيت في الفقه وأحكامه، في أربع مجلدات، لا زالت مخطوطة.
- كتاب: "موارد الألطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف" أرجوزة في أصول الفقه في ألف ومائتين وخمسين بيتا، حيث نظم كتاب العدل والإنصاف في الفقه والاختلاف للشيخ يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ت570هـ/ 1174م، طبعتها وزارة التراث القومي والثقافة عام 1985.
- كتاب: "غاية المطلوب في الأثر المنسوب" وهو الكتاب الذي قمنا بتحقيقه، وقد نظمه الشيخ سيف بن حمد الإغبري ت 1379هـ/ 1979م وسماه: "النظم المحبوب في غاية المطلوب".
- أرجوزة: "غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق" أرجوزة في أربعمائة واثنين وتسعين بيتا، وهي رد من الشيخ على الشيخ عيسى بن علي الحارثي الذي عارض تغريق أموال الشيخ راشد بن عزيز الخصيبي ت 1347هـ/ 1928م، والي السلطان فيصل بن تركي 1332هـ/ 1914م، وفيما بعد وزيرا للسلطان تيمور بن فيصل ت 1350هـ/ 1932م.
- منظومة "في الدماء والجروح" نشرت في كتاب الدر النظيم.
* الشيخ المالكي مفتيا:
لقد بلغ الشيخ المالكي مرتبة علمية أهلته لأن يكون مفتيا، يجيب على أسئلة الناس المتعددة، ويحلّ مشاكلهم المتنوعة، كما أنه اجتهد في بعض المسائل، وانتصر لأقوال بعضها يخالف رأي شيخه السالمي. (1/51)
صفحة 52
وفتاوى الشيخ أغلبها شفوي لم تدون، وبعضها كتابية، وأخرى نظمية، وقد قام الشيخ سالم بن حمد الحارثي ت2006م بجمع أجوبته النثرية، ودونها حسب أبواب الفقه، إلا أنها لم تطبع بعد.
كذلك قام القاضي علي بن ناصر الغسيني ت 1393هـ/ 1973م بجمع وترتيب أجوبة الشيخ المالكي النظمية وسماه "الدر النظيم من أجوبة أبي مالك بالمناظيم نشرته مكتبة وزارة التراث القومي والثقافة عام 1982م، وأعادة مكتبة الضامري طباعته عام 1996م.
* الشيخ المالكي أديبا وشاعرا:
لقد ساعدت عدة عوامل الشيخ المالكي وبوأته للرقي في المجال الأدبي، فالعصر الذي عاشه عصر اهتمام باللغة والنظم والأدب، بجانب تمكن الشيخ في علوم العربية، فأصبح من الشعراء الذين خلّد التأريخ بعض قصائده، وإن فقدت معظمها، ومن قصائد قصيدة نظمها عن رحلته لأداء فريضة الحج بصحبة الشيخ عيسى بن صالح الحارثي عام 1316هـ، ومنها قصيدته التي قاله في خصومه عندما ترك نزوى وفيها:
إني أقول كما قال الذين مضوا ... صبر جميل فيا طوبى لمن صبرا
كفوا الملامة فحسبي من ملامتكم ... سكوتكم عندنا أولى فكن حذرا
نزواكم لكم والله يرزقنا ... والله يكلؤنا من كل من مكرا
ستعلمون غدا قدري ومنزلتي ... إذا تكشف ما كان مستترا
وقد تقدم الإشارة إلى نظمه وبعض الكتب المتعلقة بنظمه وأراجيزه، بجانب كان للشيخ أيضا مراسلاته وخطبه والتي غاب أكثرها، وهي في حدّ ذاتها وعاء أدبي وتأريخي.
* الشيخ المالكي قاضيا:
لقد أدّى المالكي دوره وأخلص لرسالته في عهدي الإمامين الخروصي والخليلي، وقد تولى منصب قاضي القضاة في نزوى، كما كان يقوم بإدارة أمور المسلمين في نزوى حين يخرج الإمام إلى الجهاد أو متابعة شؤون البلاد. (1/52)
صفحة 53
وحين أحس الشيخ المالكي بالغربة، اعتزل عن العمل في نزوى، ومع هذا لم يمنع ذلك من تكليف الإمام له بأن يتولى إدارة القضاء بالشرقية، وكانت أوامر الولاة وأحكام القضاء تصدر عن رأيه، وحين استشهد الإمام الخروصي كان هو أول من بايع الإمام الخليلي، وهذا يدل على مكانته القضائية والسياسية.
* الشيخ المالكي سياسيا محنكا:
يظهر بعد الشيخ المالكي في الجانب السياسي من خلال دوره في إحياء الإمامة، وتعبئة المجتمع بذلك مع شيخه السالمي، وقد كان الرجل الأول سياسيا بعد وفاة السالمي، ويظهر هذا من حيث كونه أول من بايع الإمامين: سالم بن راشد الخروصي ت 1338هـ/ 1920م بالإمامة في عام 1331هـ/ 1913م، ومحمد بن عبد الله ت 1373هـ/ 1954م، بالإمامة في عام 1338 هـ.
وقد كلّف الإمام سالم الخروصي الشيخَ المالكي إدارة الإمامة، وأعطي لقب قاضي القضاة، ويقوم بالنيابة عن الإمام في العاصمة نزوى أثناء غياب الإمام عنها، بجانب كونه مسؤولا عن موارد الدولة ونفقات الموظفين، وقام بها خير قيام.
كذلك كان الحال في عصر الإمام الخليلي، وقد اشترط عليه الإمام من ضمن شروط البيعة أن لا يغادر نزوى هو والشيخ عيسى الحارثي، فوافق المالكي، واعتذر الحارثي، وذلك لثقة الإمام بالمالكي، وأوكل إليه أمور الخطابة والأوقاف والقضاء والفتوى.
أما بالنسبة للعلاقات الخارجية مع السلطان مثلا لم يكن اسم السيخ المالكي ظاهرا، ولكن لا يتم توقيع عهد أو مشورة إلا بعد أخذ رأيه، لكونه الأب الروحي للإمامة بعد وفاة شيخه السالمي.
* الشيخ المالكي محتسبا: (1/53)
صفحة 54
كان الشيخ المالكي عمريا – أي نسبة إلى عمر بن الخطاب- في احتسابه وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث كان يتفقد الرعية، ويطوف في الحارات والسكك ليلا ونهارا، للنظر في المحتاجين من الفقراء والمساكين، وإعانة الضعفاء، ونصرة المظلومين، والقبض على اللصوص والمنحرفين، والنظر في الأسواق والأوقاف، وتنظيف الشوارع والقرى، وإزالة الأذى عن طرق المسلمين.
وقد كان جسورا في مواقفه، لا يخاف في الله لومة لائم، ولو كان مع الإمام، أو علية القوم وأغنيائهم.
*وفاة الشيخ المالكي:
توفي الشيخ المالكي عن عمر يناهز الستة والستين عاما في العاصمة نزوى، وهو يزاول عمله، ليلة الأخد الخامس من شهر رمضان المبارك 1346هـ/ 26 فبراير 1928م، رحمه الله رحمة واسعة، وخلّد أرواحنا مع روحه الطيبة في جنات عالية.
ثانيا
الخطب
خطبة مع أيام الحج
الخطبة الأولى
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
الحمد لله الذي شرع لعباده حج بيته الحرام، وجعل فيه من المقاصد العظام، والصلاة والسّلام على نبراس الهدى ومصباح الظلام، وعلى آله وصحبه الكرام، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيام للملك العلاّم.
ما أجمل أيام الحج!!!
وما أحلاها من أشهر وأزمان!!!
جمال النسك مع ذكريات التأريخ ...
روحانية العبادة مع أمل المستقبل ....
ومع أشهر الحج النبيلة، وأيامه الروحانية، أقف معكم ثلاث وقفات نورانية، فكونوا معي يرعاكم الله سمعا وبصيرة ...
وقفتنا الأولى نعيشها مع أبي الأنبياء، وسيد الأولياء، مع إبراهيم الخليل، عليه من ربنا وعلى أبنائه وذريته البررة الصالحين أفضل صلاة وأزكى تسليم. (1/54)
صفحة 55
وأنتم عباد الله في هذه الأيام المباركة أكثروا من الصلاة على أبيكم إبراهيم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى مسك ذريته خاتم النبيين محمد عليه أفضل صلاة وتسليم "اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد"".
والآن عطروا أسماعكم وقفوا معي بقلوبكم وجوارحكم ...
حيث أطرح عليكم هذا السؤال: ما علاقة إبراهيم بالحج؟ ولماذا يكثر ذكره في آيات الحج؟ وما وجه العلاقة بينه وبين الأضاحي والقربان؟
هناك هناك إبراهيم عليه السلام، وما أدراكم ما إبراهيم، ذلك الشيخ العجوز، صاحب الوجه المشرق بنور الإيمان، واللحية المخضبة بدموع الخضوع والبكاء للواحد الديان.
يا إبراهيم لقد اشتعل رأسك شيبا ... واعوج ظهرك تقادما وكبرا ... تقدم بإبراهيم السن، ولم يكن له أولاد من صلبه يفرح بهم، ويبهج بذريتهم ...
أبو الأنبياء، وشيخ الأولياء يصطفيه ربه بأنواع البلاء، فيزداد خضوعا لربه وشكرا، وإخباتا وتضرعا ...
وبينما إبراهيم جالسا متأملا إذ تأتيه البشرى بحمل زوجه هاجر صلى الله عليها وسلم، فيخر لربه باكيا خاشعا، ساجدا شاكر، أألد يا رب وأنا عجوز عقيم، ولكنها إرادتك، ولا راد لأمرك، فلك الشكر ربي شكرا شكرا.
يا إبراهيم لقد اصطفيتك لحمل الرسالة، وتأدية الأمانة، اذهب بزوجك هاجر وابنك إسماعيل إلى واد غير ذي زرع ولا ماء ...
يا الله فلذة كبدي، وفرحتي ومهجتي، أبعد ما فرحت بوجوده، أتركه في صحراء قاحلة، لا طعام يقويه، ولا ماء يرويه، ولكنه أمرك يا الله، فأنت الحافظ المهيمن ... (1/55)
صفحة 56
يرجع إبراهيم إلى أرض كنعان تاركا زوجه وابنه الوحيد في صحراء موحشة، ولكنها إرادة الله، وهاجر تتضرم من الجوع، لقد جف الضرع، وانقطع اللبن، فمن لإسماعيل إياك يا رحمان، فأصبحت في جنون، تصعد إلى جبل الصفاء لعلها تجد ما يرويها، وتصعد المروة مرة أخرى، وتهرول بين الجبلين، فتنبع ماء زمزم بأمر الله، ولا رادّ لأمره جلّ في علاه، الله أكبر، كل شيء بقدرتك وأمرك، لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك.
ويعود إبراهيم مشتاقا لرؤية ابنه إسماعيل، وإذا بإسماعيل يلهو ويلعب، فيأوي إليه إبراهيم من شدة الفرح وحب اللقيا، وقد انهمر بكاء وشوقا.
هناك يأخذ إبراهيم قسطا من الراحة، فيرى في منامه أنه يذبح ابنه إسماعيل شكرا لله على نعمائه، ورؤيا الأنبياء حق.
يا الله أأذبح ابني ووحيدي إسماعيل، ولكنه أمرك، وليس لنا خيرة في ذلك، إلا أن نقول سمعا وطاعة يا ألهنا.
يا إسماعيل، يا حبيبي، وفلذة كبدي، إني رأيت في المنام أني أذبحك، ولا أمر لي بذلك، فانظر في الأمر ...
فيرد إسماعيل: يا أبتاه، إنه أمر الله، ومالنا بد من الاستجابة لأمره، لا إله إلا هو، خذ سكينتك يا أبي، وافعل بي ما أمر ربي وربك، ستجدني إن شاء الله صابرا محسنا ....
فيأخذ إبراهيم سكينته، ويحدها لتكون أسرع في ذبح ابنه، فيمسك فلذة كبده، فيلامس الجسد الجسد، حنانا وأبوة، أبعد فرحتي بك أقضي عليك، فوالله لو كانت شوكة تؤذيك لتألمت فكيف بالقضاء على روحك، استجبنا لأمرك يا الله، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وبينما إبراهيم يقدم ابنه قربانا، والسكين قد اقتربت حدا وتحريكا، يناديه الوحي ناقلا أمر ربه: يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وفديناك بذبح عظيم، يكون قربانا إلى يوم الدين.
يا إبراهيم أذن في الناس بالحج، يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. (1/56)
صفحة 57
يا إبراهيم أرفع قواعد البيت، وسأخلد ذكرك في المقام المعلوم، فعظم مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود.
هذا نبيكم إبراهيم، وهذه أيامكم المباركة تبعث في أجوائها تلك الذكريات الإيمانية، لنسير على نهج أنبياء الله
توحيدا وإخلاصا
وخضوعا وقنوتا
واستجابة واستسلاما
وطاعة وانقيادا
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ
فهلا عظمنا عباد الله هذه الأيام المباركة، وهلا خضعنا فيها لذي العزة والجلالة، أفلا نحب أن ينظر الله إلينا بعين الرحمة والمغفرة، إلهنا تبنا وأنبنا فاغفر لنا وارحمنا. "اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".
وقفتنا الثانية مع أيام العشر المباركة، ومع الأضاحي والقربان ...
أيام الحج لا تخص ضيوف الرحمن فحسب، بل هي هدية الله للمؤمنين جميعا، في كل زمان ومكان.
فأكرم ثم أكرم بالعشر الأولى من ذي الحجة، أقسم الله تعالى بها شرفا وتعظيما: والفجر وليال عشر، وبين حبيبكم صلى الله عليه وسلم أنها من أفضل الأيام عند الله تعالى.
أيام مباركة هلموا إليها رحمكم الله مسارعة في الخيرات، أكثروا فيها من الذكر والتكبير، والصوم والصدقة والفعل الحسن الجميل.
وحذار من المعاصي والفعل القبيح، فالإثم فيها عند الله عظم، والجزاء عليها شديد أليم.
وحذار ثم حذار عباد الله في مواسم الخيرات أن تدنس بأمرين قبيحين: الشرك والمباهاة، العمل لغير الله وحب الرياء والسمعة، يقول ربكم جلّ وعلا: حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ. (1/57)
صفحة 58
فاعمل لله، وتصدق لله، وتقرب لله، وحج لله، وضحي لله، وكبر لله، وارفع صوتك عاليا: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
وحذار ثم حذار من المباهاة في الأضاحي والقربان، بغرض الرياء والسمعة، فعن عطاء بن يسار قال: "سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى".
أفلا نحب أن يصل قرباننا إلى ربنا، فهذه الدماء التي نريقها، واللحوم التي نتفاخر بها لا تصل إلى الله، وإنما يصل إليه إخلاصنا بها، وإعانتنا لبعضنا البعض، يقول سبحانه: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ.
فمن أعظم سنن الأضحية التقارب بين الفقراء الذين لا يملكون ما يضحون به، وبين القادرين على الأضحية، كأنهم أبناء أسرة واحدة، تختفي معها صور الحقد والكراهية، ومظاهر البخل والشح، فيندب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويتصدق ويهدي، لقوله تعالى: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. (1/58)
صفحة 59
فالقادر على الأضحية يضحي بلا إسراف ولا مباهاة، وغير القادر لا يلزمه القربان، ولا يصح له الاقتراض من أجل سنة، والأصل أن يعطى، وبإمكان أكثر من أسرة أن تشترك في أضحية أو أكثر، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عندما ضحى: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي.
واعلموا رحمكم الله أن من أعظم أعمال البر في هذه الأيام المباركة الإحسان إلى الوالدين، وصلة الأرحام، والعطف على الجيران، وإعانة المحتاج، وتقوية العلاقة مع جميع شرائح المجتمع، ومراقبة الديان، وترك الآثام والعصيان، فعظموا رحمكم الله هذه الأيام، فإن تعظيمها من تقوى القلوب، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.
"اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
الخطبة الثانية
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
وقفتنا الثالثة: نقفها مع مقاصد الحج وأيامه العظيمة.
يا لها من نفحات ربانية، ونسمات إلهية، ونحن نعيش أياما مباركة، ومشاهد جليلة ...
قلوب خاشعة، أعين باكية، ألسنة مكبرة ومهللة في أيام مباركة، من أجلها قطعت آلاف الأميال، ولخيراتها ترك الأهل والأولاد، ولفضلها فورقت البلدان والأوطان.
فيها استجابة لنداء خليل الرحمن "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق". (1/59)
صفحة 60
ولقد أدرك مفكرو الإسلام وعقلاؤه أنّ الحج شعيرةٌ لو وظفت توظيفاً صادقاً، ومورست كما أرادها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لكان لأمّة الإسلام اليوم شأن آخر، ولكان لأفرادها مستقبل واعد زاهر.
إنّ ما تعانيه أمّة الإسلام اليوم من تفرق وحزبية، وطبقية وأنانية، وجهل بأبجديات الثقافة الدينية والمعاصرة، وفساد في مختلف حياة الأمّة،
كل يوم ودماء المسلمين تراق، في فلسطين وأرض العراق، وغيرها من الآفاق.
آلا ف المسلمين يعيشون تحت خط الفقر، والعشرات العشرات من أبنائهم لا يجدون من يهيئهم علمياً وتربوياً، وفكرياً وثقافياً، مع ملاين الأموال التي تنفق من قبل المسلمين في مجالات منحرفة، التي تحارب الإسلام جهارا، وتشيع الفاحشة بين أبنائه ليلاً ونهاراً، وتضيّع أوقاتهم صباحاً ومساءً.
كلّ هذا ناتج من تغييب المقاصد التي شرعها الله – تعالى – من العبادات، وعلى رأسها حج بيته المعظم، إذ أصبحت مجرد طقوس خاوية، يمارسها المسلم في أوقات وأيام معينة، وبكيفية معتادة.
تتجردون يوم إحرامكم من ملابسكم فلم لا تتجردون من الكبر والحسد والغرور والأنا، وتكسرون حب الذات والهوى.
تطوفون مع إخوانكم من مشارق الأرض ومغاربها، أبيضنا وأسودنا، جاهلنا وعالمنا، غنينا وفقيرنا، الكل سواء حول بيت واحد، وبأشواط واحدة، فلماذا لا نتحد دائما، لماذا هذه الفرقة والبغضاء بيننا، أليس ربنا واحد، وقبلتنا واحدة، فلماذا عند الطواف أمة واحدة، وبعده أمة متناحرة متفرقة؟
تجتهدون في السعي بين جبلين، مع المشقة والصعاب، فلماذا لا تجتهدون في طاعة الله، ونشر الدين وتبليغه؟
كنتم قدوة في منى في الخضوع والاستجابة، رمي ونهر وذكر وخضوع، فلماذا لا نظل قدوة للإنسانية والعالمين في التمسك بهذا الدين.
وقفتم في مشعر عرفات، وأعينكم بكت من السيآت، وأبدانكم اهتزت خوفا من رب البريات، فلماذا التوبة والإنابة تتوقف بعد عرفات ... (1/60)
صفحة 61
تتباهون وتبذلون أموالكم في الهدي والأضاحي والقربان، فلماذا لا تبذلونها في الخير والدعوة وإعانة المحتاج طول العام ....
تلبسون الجديد يوم العيد، وتطهرون ملابسكم من الدنس والنجاسات، فلماذا لا نطهر قلوبنا من الحقد والبغض والشح، وألسنتنا من الكذب والبهتان، ومجالسنا من الافتراء وأكل لحوم الناس.
فأين مقاصد الحج وأيامه في أنفسنا وأوطاننا، وأين خضوع إبراهيم منا، وأين استجابة إسماعيل لربه من واقعنا، وأين رضا هاجر لأمر ربها من أنفسنا، وأين اجتهاد محمد وبذله من سلوكنا، فهل انتسابنا لهذه الأمة عن حق وشرف، أم عن تقليد للآباء والأجداد،
فاتقوا الله عباد الله هذا وكلمتي الأخيرة أوجهها إلى حجاج بيت الله الحرام، فيا حجاج بيت الله الحرام إن الحياة لا تسير إلا بنظام، والحج رأس النظام، إذ يمارس في منطقة صغيرة، وبقترة زمنية محدودة، وبأعمال جماعية، لذلك وضعت السلطات السعودية، والبعثات الدولية، ومنها البعثة العمانية، وضعت قوانين وأنظمة تنظم للناس أمر حجهم، فلا يجوز تعدي هذه الأنظمة والقوانين، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وتعاونوا يرعاكم الله مع بعثتكم الموقرة، من إداريين وكشافة ورجال أمن، وتقيدوا بأنظمتها في الحرمين المدني والمكي، وفي منى وعرفة ومزدلفة، وحذار أن تؤذوا ضيوف الرحمن بقول أو فعل أو من أجل سنة كتقبيل الحجر أو الهرولة، أو عند الجمار، وكونوا خير سفير لدينكم ووطنكم الحبيب، في صلاح اللسان والجوارح، والمحافظة على نظافة البلاد المقدسة، واحترام وفود الرحمن من أي بلاد كانوا، والتقيد بأنظمة البلاد الأخرى، وتعاونوا مع مقاوليكم، وعليكم بالصبر في المخيمات، والطريق، خاصة فيما يتعلق بدورات المياة، وتناول الطعام، فاتقوا الله، ثم اتقوا الله ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ. (1/61)
صفحة 62
"اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد".
خطبة حبُّ الوطن
الحمد لله، أكرمنا بنعمة الإيمان، وحفظنا برحمة منه ذي الجلال والإحسان، سبحانه، أمرنا بالإحسان إلى الأوطان، بإصلاحها وتعميرها، وإظهار عظمة وعبودية الله تعالى فيها، نحمده بما هو له أهل من الحمد ونثني عليه، ونومن به ونتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير من دعانا إلى بناء الأوطان وتعميرها، والسعي في رقيها وتقدمها، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. (1/62)
صفحة 63
أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1)، وَاعلَمُوا أنّ من تكريم الله للإنسان أن سخر له الكون بأكمله، ليسعى في تعميره وإصلاحه، ويحافظ على جماله وبهائه، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (2)، ومن تكريمه سبحانه للإنسان أن طبعه على الاستقرار في بقعة معينة من هذا الكون الواسع؛ ليتخذها وطنا له وسكنا، ويعيش فيها آمنا مطمئنا، ويسعى فيها صالحا مصلحا، فنعمة الوطن من أعظم النعم على العباد، من هنا كان له حقوقا يجب أن تؤدى، وواجبات يجب أن تصان وترعى.
أيها المسلمون:
__________
(1) سورة آل عمران / 102.
(2) النحل/ 12 - 14. (1/63)
صفحة 64
كما أنّ الإنسان فطر على الاستقرار بقعة معينة في الكون؛ في الوقت نفسه فطر على حب هذا الجزء من الكون مع التعلق به، فحب الأوطان من الغرائز التي يتمتع بها الإنسان، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخرج من المدينة، خرج حزينا لفراقه وطنه الذي ترعرع بين حناياه، وعاش بين زواياه، خرج مستقبلا وطنه الأم، وموجها إليه خطابه الجميل: "ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ"، نعم، حب الوطن شيء فطري، وأمر جبلي، ولكن لا يتوقف حب الوطن عند الكلمات فقط؛ بل لا بد أن يجسّد إلى واقع عملي، فالحب لا بد أن يتجسد إلى إخلاص لهذا الوطن، مقرونا بالتفادي في رقيه وخدمته، مع التمسك بالأخلاق الفاضلة، والنبل الرفيعة، وأداء حقوق وواجبات الوطن علينا، قال تعالى: {وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (1).
عباد الله:
__________
(1) الأعراف/ 74. (1/64)
صفحة 65
لقد تعلقت قلوبنا بحب الوطن، وارتبطت نفوسنا بفضائله وإنعامه، ولكن هل يمكن أن تستقر النفوس في هذه الأوطان إذا فقد منها الأمن والأمان؟ فنعمة الأمن من أجلّ النعم المتعلقة بالأوطان، فبها ترقى البلدان، ويستقر الناس في معاشهم، ويتطورون في حياتهم، فما ارتقت أمة من الأمم، وما تقدم مجتمع من المجتمعات، إلا إذا ساد الأمن بين زواياه، وعم الاطمئنان بين أفراده، ولننظر معا إلى أهل سبأ، لقد امتن الله عليهم بهذه النعمة الكبيرة، مما كان له الأثر في قوة اقتصادهم، وتطور بلدانهم، يقول تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} (1)، ثم تأملوا معي في أهل مكة قبيل البعثة، من الله عليهم بهذه النعمة، فانتعشت تجارتهم، وتطورت بلدانهم، {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (2)، فإذا أردنا المحافظة على إنجازاتنا، والتقدم بأوطاننا؛ علينا أن نحافظ على هذه النعمة، بتسخيرها في صالحنا وصالح مجتمعنا، وهذا من أعظم الشكر لله على هذه النعمة العظيمة، يقول صلى الله عليه وسلم مبينا هذه النعمة في استقرار الإنسان، وانتعاش معيشته: "من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها".
أخوة الإيمان:
__________
(1) سبأ/ 18.
(2) قريش /4. (1/65)
صفحة 66
حبنا لوطننا الكبير يشمل كلّ ما يحتويه من تراث نفخر ونعتز به، وإنجازات نسعى لتحقيقها، في مجالات الحياة المختلفة، التربوية والاجتماعية، والصحية والاقتصادية، من مساجد ومستشفيات، ومدارس ومعاهد وطرقات، مع الأخلاق الرفيعة، والقيم الإسلامية النبيلة، والتي تميزت بها هذه البقعة المباركة، فهذه الإنجازات هي عنوان الرقي والتطور، وهي رمز التقدم والمدنية، ليكون الوطن مربوطا بماضيه التليد، وحاضره المجيد، فهلا كنا من الأمة الواعية التي تحافظ على إنجازاتها، وتسعى في رقيها وتطورها، وهذا لا يقتصر على فئة معينة، بل يعم جميع شرائح المجتمع، صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا، فانظروا إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة اشترك جميع الصحابة من المهاجرين والأنصار في وضع أسس الوطن الجديد، بناء وحضارة، وعلما ومعرفة، وأخلاقا وقيما، فهلا كنا يدا واحدة في بناء ورقي وطننا وتقدمه، وهلا حافظنا على تراثه ومنجزاته، وهلا تمسكنا بأخلاقه ومبادئه، فهذا من المعروف الذي يثاب فاعله، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل معروف صدقة "، وأي معروف أعظم من بناء وتعمير البلدان، وشكر الله تعالى فيها بالخضوع له سبحانه وطاعته، فسابقوا رحمكم الله في نماء ورقي أوطانكم، تنالوا الأجر عند ربكم.
أيها المسلمون: (1/66)
صفحة 67
لقد أحسن الله إلينا بهذه النعمة المباركة، وجعل حب الوطن مغروسا في قلوبنا، فهلا رددنا هذا الإحسان بإحسان، وقابلنا هذه النعمة بشكر وطاعة وانقياد، قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (1)، فيا عزيزي الأب كن محسنا مع وطنك بتربية أبنائك التربية الفاضلة، وتنشئتهم التنشئة الصالحة، اغرس في قلوبهم حب الوطن والمحافظة على إنجازاته، واجعلهم بررة صالحين لأوطانهم، مخلصين في رقيه وتقدمه، وأنت أيها الطالب كن محسنا مع وطنك بالجد والاجتهاد، والعمل الدؤوب في كسب العلم والمعرفة، فمن حق الوطن عليك أن تسعى لرقيه فكريا وثقافيا، أخلاقا وإخلاصا، مع محافظتك على ممتلكات الدراسة، والتي تسهل عليك الحصول على المعرفة، فإنها من أعظم الإحسان للأوطان ورد الجميل، وأنت أيها الصانع والعامل كن محسنا إلى وطنك بالاجتهاد في العمل، والمحافظة على منجزاته المتعددة، وتطوراته المختلفة، وسخر قدراتك في رقيه ونموه، وتقدمه وتمدنه، وتمثل أخلاقه وقيمه في مكان عملك ومتجرك، وفي أي مكان نزلت، يقول تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (2)، والمرأة شريكة الرجل في بناء الأوطان، والحفاظ على مكتسباته، والتقيد بأخلاقه وقيمه، فهي جزء من هذا الوطن العظيم، ودورها لا يقتصر على البيت فحسب بل يعم المجتمع، فهي تشارك الرجل في إعمار وطنها، بداية في بيتها تربية وتنشئة، ومع زوجها إخلاصا وطاعة، وفي مجتمعها إصلاحا وبناء، مع التمسك بالعفة والأخلاق الفاضلة.
__________
(1) الرحمن/ 60.
(2) التوبة/ 105. (1/67)
صفحة 68
فلنتعاون جميعا – عباد الله - في رقي أوطاننا والحفاظ على منجزاته، كل بحسب جهده وقدراته، وكل في تخصصه ومجال عمله، ولنكن مخلصين لأوطاننا في بيوتنا ومدارسنا، وفي أسواقنا وأماكن عملنا، متمسكين بأخلاقنا وقيمنا، ومبادئنا وشريعة المنعم علينا جلّ وعلا.
أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على نعمة الأوطان، والشكر له سبحانه شكرا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، لا إله إلا هو سبحانه، وحده لا شريك له، ولي الصالحين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام الأنبياء والمتقين، وأفضل خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
فيا عباد الله، خلق الله تعالى الكون منظما بأجرامه وأفلاكه، وفي أرضه وسمائه، فكل شيء فيه بنظام وإتقان، قال سبحانه: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (1)، وأي اختلال في نظامه يؤدي إلى فساده وانهياره، فالنظام أساس استقراره وتقدمه، والوطن جزء من هذا الكون العظيم، فالنظام فيه أساس متين في تقدمه ونموه، وانتعاشه وتمدنه، ومن حب الوطن التقيد بأنظمته وقوانينه، في كافة سير الحياة، فالنظام أساس التقدم والرقي، وبدونه لا تقدم ولا مدنية، فلنكن منظمين في حياتنا وأوطاننا، وبذلك نرقى بأنفسنا وأمتنا، ونحافظ على أمننا واستقرارنا.
أيها المسلمون:
__________
(1) يس 38/ 40. (1/68)
صفحة 69
ومن حب الوطن أيضا المحافظة على نظافته، فالنظافة عنوان التطور والمدنية، والنظافة أساس نمو العقل وتفعيل دوره في الحياة، فلنحافظ على النظافة المادية، في كل شبر من وطننا الحبيب، في البيوت والشوارع، وفي المؤسسات والمتنزهات العامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "، ومن النظافة أيضا الدعوة إلى عوامل الوحدة والتسامح والمحبة، ونبذ الفرقة، والمحافظة على الواجبات الشرعية، والبعد عن الغل والحسد والكبر، واجتناب النميمة والغيبة ونشر الشائعات، مع مساعدة المحتاجين وإعانتهم، والصدق في القول والعمل، والتمسك بالآداب الفاضلة والأخلاق الحميدة، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".
فاتقوا الله عباد الله، وكونوا أداة خير لأوطانكم، واجتهدوا في تقدمها ورقيها، تجدون آثار ذلك في حياتكم، وتنعمون بالفضل والأجر عند لقاء ربكم.
خطبة زوجات النبي عليه الصلاة والسلام
بسم الله الرحمن الرحيم
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا
الحمد لله ذي الفضل والأنعام، والمحاسن العظام، والصلاة والسلام على خير الأنام، قدوة الخلق إلى يوم القيام، اللهم صلِ على سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، سلاما وصلاتا ما كان الليل والنهار. (1/69)
صفحة 70
أخوة الإيمان: من رحمة الله تعالى في هذا الكون البهيج أن جعل من مخلوقاته العظيمة المرأة المباركة، فأفضى عليها عنصرين عظيمين من عناصر الكون الأعظم، العنصر الأول عنصر الجمال، فجمالها لوحة مصغرة لجمال الكون الواسع، وكلاهما دليل على إتقان صنع الله تعالى وحكمته.
والعنصر الثاني الرحمة والسكينة والاطمئنان، وهذا تبثه المرأة من بين حناياها، فتفيضه إلى شقيقها الرجل، كما أنّ الكون يفيض رحمة وسكينة واطمئنانا على ساكنيه حيا أم جمادا؛ فكذلك المرأة، بما أودع الله تعالى فيها من عظيم الرحمة، وكبير العاطفة الجياشة.
لذا اعتبر الإسلام المرأة جوهرة من جواهر الكون البهيج، فكما لا بد أن يحفظ الإنسان مكونات الكون وإلا تعرض للهلاك والفساد، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ فكذلك أوجب الحفاظ على الجنس الأنثوي، واعتبرها جزءا لا يتجزأ من الذكر نفسه، قال تعالى: فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فالذكر والأنثى خُلقا من نفس واحدة، فهما لباس وجسد واحد في أصل الخلق.
من هنا أوجب الإسلام الحفاظ على أعراض النساء، واعتبر القرب من ذلك جريمة شرعية، وخطيئة كبيرة، التوبة منها ليس بالهوينا، لأن العبث بها جرم كبير، قال جلّ وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ. (1/70)
صفحة 71
فإذا كان هذا باللسان، فكيف بمن يتحول إلى ذئب مفترس، يترقب النساء بشتى الوسائل، تارة بالإغراء في الطرق والمجمعات، وتارات بالهواتف ووسائل الاتصالات، كالشات والماسنجر والفس بوك ونحوه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
فأكرم الإسلام المرأة بنتا وزوجة وأما، وأمرها بالعفاف والحجاب، والطهارة والنقاء، ونهاها عن التبرج والسفور، والخلاعة والمجون.
فإذا كانت المرأة بهذه المكانة والعظمة، والجلالة والكرامة، فما بالكم بزوجات خير الخلق أجمعين، صلوات الله عليه وعلى أزواجه الطيبين الطاهرين، إيه ورب الكعبة ما بالكم بمن جعلهن الله أمهات للمؤمنين إلى يوم الدين، وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، ذوات التطهير الرباني، والتربية المحمدية، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا. (1/71)
صفحة 72
فكيف يجرؤ من لا خلاق له في الدنيا والآخرة أن يمس عرض حب رسول الله، الصديقة ابنة الصديق، عائشة الخير والعفاف، وقد أنزل الله فيها قرآنا يتلى إلى يوم الدين: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ.
فقف معي يرعاك الله بداية مع النجم الطاهر، والنور المتلألئ، مع المجاهدة التاجرة، والمنفقة الباذلة، مع خديجة الصابرة، أول من آمن من النساء، بذلت مالها نصرة لهذا الدين، فكانت لنبي الله وهو في أشد المحنة والعناء نعم الزوج الحنون، والمساند المخلص، فارقته عليه السلام في أشد فترات حياته صعوبة وابتلاءا، وهو يتعرض لأشد أنواع العذاب من قبل كفار قريش في بداية الدعوة، فيا خديجة أفي هذا الوقت تذهبين ... فقد كنت لي نعم المعين، ولكنه قضاء رب العالمين، فظل يبكيها إلى أن فارق الحياة عليه أفضل الصلاة والتسليم، فصلوات الله وسلامه على روح خديجة الطاهرة، ومتعنا بالسلام عليها في الدار الخالدة. (1/72)
صفحة 73
ثم عرّج معي رحمك إلى طويلة اليدين من الصدقة، السيدة الطاهرة، الشاكرة الساجدة، أو تدرون من هي، إنها أمكم سودة بنت زمعة، القرشية العامرية، هاجرت إلى الحبشة لنصرة الدين، وبعدها إلى المدينة تاركة مكة، وما أدراكم ما مكة، تركت أهليها وأموالها وديارها رضا لله ولرسول رب العالمين، ولما سمع ابن عباس وفاتها في خلافة معاوية سجد لله سجدة، فقيل له: أتسجد لموتها، فقال –رحمه الله-: إنها آية من آيات الله، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأيتم آية فاسجدوا، فصلوات ربي عليك يا أماه، ما طلع هلال على وجه البسيطة، وجمعنا جميعا في الدار الآخرة.
وأنعم ثم أنعم بالصوامة القوامة، الأمينة المخلصة، الفاروقة بنت الفاروق، حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كفاها شرفا وفخرا أن تولت أمانة حفظ نسخة القرآن في عهد الصديق والفارق وذي النورين، فحفظ الله بها كتابه، وزادها شرفا ورفعة، فبارك الله مسعاك أمنا حفصة، وجمعنا وإياك في الجنة الغالية، وصلوات الله عليك ما أعقب النهار ألف ليلة.
فحيا وهلا ثم أهلا وسهلا بأم المساكين، ورحمة رب العالمين، بزينب بنت خزيمة الهلالية، كان مالها للفقراء أنيسا، وللمساكين رحمة وتقربا، فكفاك يا أماه شرفا أن صلى عليك زوجك رسول الله يوم وفاتك، ولم تكملي من زواجك أياه الثمانية الأشهر الأولى، وتولت يداه الكريمتان دفنك في البقيع، فعشت معه في سلام، ورقدت في سلام، ونسأل الله أن يحشرنا وإياك في دار رضوانه دار السلام، وصلوات الله عليك ما كان أمن وسلام. (1/73)
صفحة 74
واخفض رأسك أخي الكريم إجلالا وتكريما للعالمة الفقيهة، والمفتية النبيهة، لمعلمة العلماء، وتلميذة لخير خلق الله من الأنبياء، قف وقفة إجلال لأم سلمة، هند بنت سهيل القرشية المخزومية، من ثم من كأم سلمة عقلا راسخا، وجهادا وصمودا، الحبشة وبدر وأحد والأحزاب والفتح تحكي مآثرك الجلية، ويكفيك شرفا يا أماه أن أنقذت المسلمين يوم الحديبية من خلاف جرى، فرأوا الحكمة في رأيك، والجلالة في مشورتك، فأنعم بك من مربية نبيلة، يا أمنا الطاهرة، وجمعنا وإياك في الجنة الرفيعة، فصلوات الله وسلامه عليك يا طهرة سيد المرسلين، وجمعنا وإياك في دار الخلد أجمعين.
وأكرم ثم أكرم بالأواهة القانتة، الخاشعة العابدة، الباذلة المزكية، زينب بنت جحش، بنت أخت سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، كانت للإسلام من السابقين دخولا ونصرة، وإعزازا وتمكينا، بكى المحراب لوفاتها، ودمعت أعين اليتامى والأرامل لفراقها، قالت عائشة الصديقة يوم وفاتها: لقد ذهبت حميدة متعبدة، مفزع اليتامى والأرامل، فقرت أعين عرفت فضلك أمنا زينب، وصلوات ربي عليك ما نزل خير وصب، وجمعنا وإياك في مقعد صدق عند إلهنا الخالق الرب.
والآن نعاود الكرة مع ذات الشرف والنسب، الموصومة بصفاء الروح، البعيدة عن الغل والكبر والحسد، صاحبة التواضع والعفة والخلق الحسن، مع جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، أكرم بها زوجا طاهرة، وأكرم بها للمؤمنين والمؤمنات أما عفيفة، كانت قدوة في صفاء القلب وحسن المعاملة، فطيب الله أماه ثراك الطاهرة، وجمعنا وإياك في الفردوس الأعلى من الجنة، وصلوات ربي عليك ما هب نسيم على وجه البرية. (1/74)
صفحة 75
إن القلب ليقف، والمشاعر لتهتف، إكراما لنسل هارون عليه السلام، صاحبة المجد في قومها والسؤدد، خيرها نبي الإسلام بين اليهودية والإسلام، فاختارت الإسلام دينا رغم يهودية قومها، فاستحقت أن تكون أما للمؤمنين إلى يوم القيامة، أو تدرون من صاحبة الشرف والمنزل؟ إنها صفية بنت حيي بن أخطب، من نسل هارون عليه السلام، فأعظم بها أعظم، فلله درك يا أماه شرف النسب مع شرف المنزل، وجمعنا وإياك في خير دار ينزل، وصلوات ربي عليك ما كبر مكبر وهلل مهلل.
والآن قفوا معي -يرعاكم الله- تبجيلا وثناء، وصلاتا وتسليما، للطاهرة المحجبة، ابنة زعيم، وأخت خليفة، وزوجة خاتم النبيين، مع ابنة عم سيد المرسلين، مع أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، دخلت الإسلام مبكرا، وتركت بيت الزعامة والترف، والنعيم والسرف، مهاجرة إلى الحبشة، فرارا بعقيدتها، ورغبة في رضوان ربها، فالعيش يهون في سبيل الجنة، وقد ارتد زوجها بعد إسلامه، فأبدلها الله خيرا منه، أن جعلها زوجا لخير خلقه، وأما لأتباعه وأمته، فأنعم بها أنعم، فلك كل الثناء أمنا رملة، وجمعنا مع زوجك خاتم النبين في جنات عالية، وصلوات إلهي عليك ما ذكر الذاكرون في الأيام الخالية.
وأهلا ومرحبا ببنت الكنانة، أرض النيل والنجابة، أهل بمارية بنت شمعون القبطية، أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فرح رسول الله لمولد، وقد جاوز الستين من عمره، ولم يكن له ولد ذكر يبهج به، إلا أن الفرحة لم تدم، فقد فارق الحياة ولم يكمل السنتين بعد، فقال فيه رسول الله عليه السلام: إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ماتت مارية بعده صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات راضية مرضية، فطوبى لك يا أماه، وجمعنا وإياك ربنا في دار العزة والكرامة، وصلوات ربي عليك ما ذكر الله غدوة وعشية. (1/75)
صفحة 76
وقبل المحطة الأخيرة من أزواج الحبيب عليه السلام نقف مع منبع الطهر والعفاف، مع السيدة المرضية، والزوجة التقية، مع ميمونة بنت الحارث الهلالية، واهبة نفسها لخير البرية، فأنزل الله تعالى فيها: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، فأكرم بها عابدة تقية، وباذلة مجاهدة، فيا أمنا ميمونة، نزلت سهلا في بيت النبوة، ورحلت إلى الآخرة مكرمة علية، وخلد إلهنا أرواحنا جميعا في دار زكية، وصلوات ربي عليك عصرا وظهيرة.
والآن ماذا عسانا أن نقول، ومن أين نبدأ، وماذا سنقول، إنها العالمة المفسرة، المحدثة الأستاذة، الجامعة لفضائل بيت النبوة، والحاصلة على شهادة مدرسة خير البرية، الصديقة بنت الصديق، عائشة بنت أبي بكر الرضية المرضية، أثنى عليها الله، وبرأها في آيات تتلى إلى يوم القيامة، أصغر أزواج النبي سنا، وأرجحهن عقلا، وأكثرهن علما وفضلا، شد الناس رحالهم من أجل التتلمذ عليها، وكانت من أركان الدولة أثناء الخلافة الراشدة، دخل عليها تلميذها العماني البار جابر بن زيد، فقال لها معترفا بفضلها وعلمها: إني أحبك، ثم رجع إليها وقال: في الله، فقال له مازحة مؤدبه: وفي ماذا تظن يا أعور، وقد كان جابر أعور العين.
كذلك نحن يا عائشة نحبك، نعم نحبك لأنك اختارك الله أما لنا، نحبك لأنك جاهدت ونصرت دين ربنا، فحبنا لك يا عائشة يجري في عروقنا ودمائنا، فجزاك الله يا أمنا عائشة عن دين الإسلام خير الجزاء. (1/76)
صفحة 77
اللهم صلِ على سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، سلاما سلاما سلاما، لا يعد ولا يحصى. يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
عباد الله: صلوا على أزواج نبيكم كثيرا كثيرا، واستغفروا ربكم إنه كان غفارا
الخطبة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا
من خلال الخطبة الأولى أخوة الإيمان أدركنا ما لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من المكانة الرفيعة، والمنزلة العالية، فكن مثالا يحتذى للمرأة إلى يوم الدين والساعة، فرأينا مما سبق من سير أمهاتنا النيرات: المرأة المحجبة العفيفة، والتاجرة المنفقة، والمجاهدة الباذلة، والمدرسة المعلمة، والقانتة الخاشعة، والصابرة الراضية ...
هكذا أراد الله أن تكون بنات حواء ... ونساء الإسلام ... ومربيات الأجيال ...
فيا أمة الإسلام: أقدوة أعلى وأجلّ من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فلم هذا التقليد الأعمى للفاسقات من الشرق والغرب ... (1/77)
صفحة 78
ألا أين الغيرة والعفة؟؟!! وأين الحشمة والحياء؟!!!
فيا نساء الإسلام: دينكن لا يقل: لا تعملن ... لا تدرسن ... لا تتعلمن ... لا تخرجن ...
ولكن في الوقت نفسه يقول: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ...
فيا بنات الإسلام: أمهات المؤمنين قدوة لكن ... فحذار من دعوات الشرق والغرب ... خيار الله لكن عفافا وطهرا، طاعة واستقامة، خضوعا وقنوتا، دنيا وأخرى ...
ولنقف مع العالمة المفكرة البريطانية ماري ويلدز حيث تبعث رسالة إلى عالم الشرق، حتى لا يكونوا ضحية لهذه الدعوات، وليعملوا عقولهم وإلا ستكون نهايتهم أليمة جدا، ومما قالته بالحرف الواحد: إن واقع المرأة في الغرب محزن للغاية، فقد تعطل دورها في البيت، وتحطمت أنوثتها، وأصبحت ضحية للمجتمع الغربي، فالنظام القائم يستغل عرض أجسادهن لأغراض الدعاية والإعلانات، فضلا عن دفع الآخرين للنهم الجنسي وتشجيعهم عليه.
وتقول أيضا عن دعاية الحرية الكاذبة: أظهرت هذه الدعوات الجنس إظهارا مفرطا لكسب الحرية، وهم بدعوتهم هذه لا يدعون إلى الحرية بل إلى العبودية، إذ ما يدعون إليه يخالف طبيعة المرأة متمثلا بالحرية المطلقة، واتباع الشهوات دون حسيب ولا رقيب. (1/78)
صفحة 79
ثم توجه خطابا خاصا إلى بنات الشرق، والآتي خدعن بهذه الدعوات قائلة: إن الإسلام رحمة للمرأة، إنه يعرف طبيعة المرأة التي جبلت عليه، ويعرف ما يناسبها من اللباس والحاجات، وفي ضوء ذلك أناط بها واجب البيت، وتدبير شؤون أطفالها.
إنّ مئات الآلاف من النساء الأتي تربين في الغرب وجدن السعادة والكرامة في الإسلام، ليشهدن بأنّ الزي الإسلامي هو الزي الحق الذي يناسب طبيعة المرأة، ويحقق لها ما تنشده من السعادة وراحة البال، ووجدن كذلك أن بقاءهن في البيت ليس حكما بالسجن، بل هو واجب سام ما دام يحقق تربية الأجيال.
وأخيرا توجه نداءها إلى عقلاء الشرق من الرجال قائلة لهم: ما هي الحرية المطلوبة من المرأة إذن؟ إن حرية المرأة تتحقق بمعرفة طبيعتها الحقة، والحفاظ على تلك الطبيعة، وقد أعطاها الإسلام ذلك كاملا، هنا تكمن الحرية، في الخضوع والطاعة لله رب العالمين".
فيا نساء الإسلام ويا رجال الإسلام: لا تنخدعوا بدعوات من هنا وهناك، فعندكم شريعة ناصعة أصبح العالم بحاجة إليها، قفوا عندها، واتقوا الله فيها، تصلح أحوالكم، ويستقيم معاشكم، وتتقدم أمتكم، وإلا ستكون المرأة الشرقية المسلمة ضحية من ضحايا العالم، لا قيمة لأم ولا بنت، ولا غيرة لعرض، المطلوب منها فقط الجنس والمال، وبعدها تكون ضحية الآلام النفسية، وإن كبرت فدار المسنين والعجزة ينتظرها، فلا تفرطوا يرعاكم الله في شعائر دينكم، فقد حمى أمهاتكم عقودا من الزمن، وهو كفيل بأن يحمي بناتكم وذرياتكم.
اللهم صلِ على سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى أتباع سيدنا محمد، وسلم تسليما كثيرا
خطبة عيد الأضحى المبارك
الله أكبر الله أكبر الله أكبر.
لا إله إلا الله والله اكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
الله أكبر ما لبس الحجاج لباس الإحرام، ملبين لربهم بخاشع الدعوات. (1/79)
صفحة 80
الله أكبر ما وقف وفد الرحمن على صعيد عرفات، خاضعين لرب الأرض والسماوات.
الله أكبر ما تقرب المؤمنون بالأضاحي والقربات.
الله أكبر ما أحسن المؤمنون إلى أوطانهم لينالوا الفضل والبركات.
الله أكبرا، لا إله إلا الله والله أكبر، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
الحمد لله ذي الفضل والإنعام، أكرمنا بنعمة الإسلام، دين رحمة للأنام، وسعادة وأمن وسلام، نحمده بما هو له أهل من الحمد ونثني عليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، سبحانه، منّ على العباد بالمواسم والخيرات، ليذكروه ويسبحوه ويعظموه في جميع الأوقات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، خير من احتفى بمواسم البركات، ودعا إلى إشاعة الفرحة والمسرات، أرسله الله بالهدى ودين الرحمة، والهداية والطمأنينة، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، (1/80)
صفحة 81
فيا عباد الله، اتقوا حق التقوى، وراقبوه في العلن والخفاء، فالتقوى رأس كل سعادة، وعنوان كل فلاح ونجاة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1)، واعلموا أنّ من فضل الله عليكم أن أكرمكم في هذا الدين العظيم بأيام مباركة، جعلها دورات تدريبية، وخصها بالمزايا الجليلة، والتي يعود أثرها على الفرد والجماعة، فأكرمنا الله بأيام الحج المباركة، قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (2)،
__________
(1) الحديد/28.
(2) الحج / 27 - 28 .. (1/81)
صفحة 82
فما أجمل مدرسة الحج تربية وتوجيها، وإننا لنستشعر جميعا ونحن نشارك وفود الرحمن هذه الأيام المباركة، نستشعر تلك النفحات الربانية، والعرصات الإيمانية، طهارة الروح مع طهارة البدن، خضوع وذلة وطاعة للرب الواحد، يؤدون المناسك بنظام وتنافس وإخلاص، ويطوفون متساوين في اتجاه واحد بديع، فيا لها من نفحات، وما أجملها من أوقات، فهلا تخرّجنا من هذه المدرسة المباركة وكلنا وخضوع وانقياد له سبحانه، وهلا عززنا ما يؤدي إلى زيادة المحبة بيننا، ونزعنا من حياتنا عوامل الفرقة والبغضاء والشحناء، وهلا جمعنا بين جمال الثياب، مع نقاء وصفاء الروح، وخلّصنا قلوبنا من الكبر والغرور والأنانية، وزرعنا بيننا الإخلاص والتعاون والوفاء، وهلا كنا أمة نظام وتخطيط، وتنافسنا في عمل البر والصلاح، فمدرسة الحج مدرسة عالمية، تعمّ الجميع بنفحاتها وخيراتها، يقول جلّ وعلا: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (1).
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
__________
(1) الحج/ 34 - 35. (1/82)
صفحة 83
عباد الله: من إكرام تعالى لنا أنّ منّ علينا بعيد الأضحى السعيد، لنشارك حجاج بيت الله الحرام نسكهم وقربانهم، ونجدد ذكرى فداء إبراهيم ابنه إسماعيل عليهما السلام بكبش عظيم، امتدادا للحنيفية السمحة، واعترافا بنعمة الأنعام والدواب، يقول تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (1)، فهنيئا لكم عباد الله عيد الأضحى المبارك، اجعلوا أيامه أيام أكل وشرب وذكر لله عزّ وجل، وتقربوا فيه بالأضاحي والقربان، ولقد جاء في الأثر: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة الدم"، وقد سنها نبيكم عليه الصلاة والسلام في النعم، الإبل والبقر والغنم والضأن، ومن تيسير الإسلام علينا إذا ضحينا بشاة من الضأن أو المعز فقد أجزأت عنا وعن أهل بيتنا، لحديث عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصار كما ترى"، ولنحذر الإسراف والمباهاة، والغلو والإفراط، {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (2)، ولنعلم عباد الله، أن دماء ولحوم الأضاحي لا يصل إلى الله، وإنما يصله تقوانا وإخلاصنا في أضحيتنا وعملنا، يقول سبحانه: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} (3)،
__________
(1) الحج/ 36.
(2) الأعراف/ 31.
(3) الحج/ 37 .. (1/83)
صفحة 84
فلنجعل لأقربائنا وجيراننا نصيبا منه، ولنتصدق على الفقراء والمحتاجين، ولندخر جزءا منه ليعيننا في معاشنا، ويبارك الله في أرزاقنا وأعمالنا.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
إخوة الإيمان: في هذه الأيام المباركة تجتمع فيها المناسبات الدينية مع الوطنية، فأنعم بهما اجتماعا، وأكرم بهما تربية وإنتاجا، فنعمة الوطن من النعم العظام، فبالأوطان تستقر النفوس، وبها تتقدم الأمم، وترقى المجتمعات، فلا يمكن أن يعيش الإنسان بلا وطن، ولا يمكن أن يرقى في وطن ينقصه الأمن والاستقرار، وأنتم والحمد لله تتنعمون بوطن الأمن والأمان، والاستقرار والرخاء، فجسّدوا مدرسة الحج وعيد الأضحى المبارك في رقي وطنكم، وتقدم بلدكم، فجسّدوا عنصر الخضوع والطاعة لله تعالى في أوطانكم، تراقبون الله تعالى فيه، وتقتفون هدية ورحماته، {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (1)،
__________
(1) الأعراف / 74 .. (1/84)
صفحة 85
فهلا كنتم أمة إخلاص لوطنكم، تعملون بإتقان واجتهاد، وتتنافسون في رقيه وتقدمه، وتتعاونون في المحافظة على إنجازاته وتراثه، وهلا حققتم مقاصد الحج والعيد السعيد في المحافظة على المبادئ والأخلاق، والرقي في العلم والمعرفة، والتقيد بالنظام، والبعد عن الفرقة والبغضاء، والشقاق والشحناء، مع الصدق في القول والعمل، والبعد عن سوء الظن والغيبة والبهتان، يقول صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله – عز وجل – سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً" فلنعمل جميعا ونحن نحتفي بهذه المناسبات المباركة على رقي مجتمعنا وتقدمه، بكل ما تحمله الكلمة من شعارات التقدم والمدنية الفاضلة، ولنجعل من أنفسنا صورة محسنة تظهر للعالم تقدمها، ليس بالكلام والشعارات، بل بالعمل الجاد، والإخلاص التام، إن الإحسان يعلمنا أن الأمة المتقدمة هي التي يظهر آثار تقدما في إنجازاتها المادية، وسلوك أبنائها المعتدلة، وفي عقول أفرادها النيرة، ويكون التقدم ظاهرا في معاهدها ومصانعها، وفي إعلامها وجامعاتها، وفي أخلاقها وقيمها، فمن الإحسان الحفاظ على منجزات الوطن، والبعد عن العبث فيها والإخلال بها، وعلينا أن نواصل مسيرة البناء والعمل، يقول جلّ وعلا: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (1).
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
__________
(1) الرحمن/ 60. (1/85)
صفحة 86
عباد الرحمن: ونحن نقترب من نهاية العام الهجري، نتذكر خطبة الوداع، والتي خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، مبينا نعمة الإسلام ومبادئه العظيمة، فطوبى لكم نعمة الإسلام، فهي رحمة ربكم للأنام، وطريق السعادة للعباد، وأساس الفوز يوم الدين، {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (1)،
__________
(1) آل عمران/ 19 .. (1/86)
صفحة 87
فأكرم به دينا دعا للخضوع له سبحانه، والانقياد لطاعته، وأبعد الناس عما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم، واعتبرهم سواسية أبيضهم وأسودهم، غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم، والتقوى أساس التفاضل بينهم، يقول حبيبكم – صلى الله عليه وسلم – في هذه الخطبة المباركة: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، قالوا: نعم، قال: فليبلغ الشاهد الغائب"، ثم أنعم بدين الإسلام، حفظ الله به دماءكم وأرواحكم، وصان به أعراضكم، وحرّم المساس بأموالكم إلا عن تراض منكم، يقول عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس، إنّ دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" ثم قال عليه السلام: "أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد"، فهلا تمسكنا بمنهج الإسلام مبادئ وأخلاقا، واعتصمنا بتعاليمه شريعة ومنهاجا، لنحضا بالهداية في الأولى، والنجاة في الأخرى، فاتقوا الله عباد الله، وعظّموا حرمة أيامكم المباركة، واعلموا أنّ يومكم هذا يوم عظمه الله فعظموه بالطاعة، والبعد عن المخالفات الشرعية، أكثروا فيه من زيارة الأرحام والأحباب، بروا فيه الوالدين، أحسنوا إلى الجيران والمساكين، وتذكروا أنكم إلى الله قابلون، والساعة قريبة منكم، هذا {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (1).
وانبثق الوليد
__________
(1) النساء/1. (1/87)
صفحة 88
الحمد لله ذي الفضل والإحسان، أكرمنا بميلاد خير ولد عدنان، مبشرا بالرحمة والسعادة للإنسان، نحمده بما هو له أهل من الحمد ونثني عليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، سبحانه، خصنا بخاتم النبيين، وقدوة المتقين، لنكون منارا للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أشرق الله بميلاده بشائر المسرات، وعمت بوجوده عظيم النفحات، أرسله الله بالهدى ودين الرحمة، والهداية والسكينة، والسعادة في الأولى والآخرة، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، (1/88)
صفحة 89
فيا عباد الله، اتقوا حق تقاته، وراقبوه حق المراقبة، فالتقوى رأس كل سعادة، وعنوان كل فلاح ونجاة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1)، واعلموا أنّكم في هذه الأيام المباركة، تحفكم أعظم ذكرى في تأريخ الأمة، ففي هذه الأيام انبثق الوليد ليحمل أعظم رسالة، ويجدد وصايا الله تعالى للبشرية، فيعيد التوازن بين الروح والجسد، وبين العقل والعاطفة، فيملأ الأرض عدلا ورحمة وسكينة، وينشر بين العباد الأمن والسلام والمحبة، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (2)، فطوبى لكم عباد الله أن كنتم من أتباع هذا النبي العظيم، ومن أمته المباركة، لتكونوا أمة واحدة في تحقيق الرحمة الإلهية، والسكينة الربانية، فيتجدد المولد كل عام، ويتجدد معه الحب والوئام، والخير والسلام، فنزداد حبا لنبينا، ونجدد العهد مع دينه تمسكا واعتصاما، وحبا وترابطا، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (3).
عباد الله:
__________
(1) الحديد/28.
(2) التوبة/ 128.
(3) آل عمران / 110. (1/89)
صفحة 90
من رحمته سبحانه أن جعل هذه الأمة أمة واحدة في تصوراتها وأفكارها، وفي عباداتها ومعاملاتها، وفي أخلاقها وقيمها، يقول سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (1)، وتتجسد هذه الوحدة في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جعله الله تعالى أسوة وقدوة لهذه الأمة، يقول جلّ وعلا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (2)، كيف لا! وقد جسّد عليه السلام كتاب الله واقعا حيا يمشي به بين الناس، نعم، كان قرآنا يمشي في خضوعه وقنوته لله عزوجل، كان كثير التضرع والمراقبة لربه سبحانه، وقافا عند حدوده ومحارمه، مسابقا ومسارعا إلى خيراته وفضله، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم"، وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أيضا قرآنا يمشي في رحمته وتواضعه، انظروا إلى سعة رحمته عليه السلام، فقد كان رحيما بالكائنات حيها وجمادها، أنسها وحيوانها، فأنس برحمته الفقراء والمساكين، وسكن لحنانه الأرامل والأطفال واليتامى، وصدق الله تعالى فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (3)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً، وانظروا معي أيضا – عباد الله – إلى تواضعه عليه السلام، فقد كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، فعن أنس قال: "إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم"، فأنعم به نبيا رسولا، وأكرم به أسوة وقدوة.
أيها المسلمون:
__________
(1) الأنبياء/92.
(2) الأحزاب/21.
(3) الأنبياء / 107. (1/90)
صفحة 91
ومن أعظم المعاني التي جسّدها النبي صلى الله عليه وسلم واقعا حيا بناء الإنسان المتكامل، والذي يجمع بين الروح والجسد، وبين العلم والخلق الحسن، فجسّد قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (1)، فنقل أمته نقلة نوعية، من أمة جاهلة لا تقرأ ولا تحسب، إلى أمة متعلمة تقرأ وتحسب، فحث على العلم وكسب المعرفة، وأمر أمته بالتعلم والكتابة، وهو القائل عليه السلام: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، ولكن هل يقتصر الأمر أن حوّل النبي عليه السلام المجتمع إلى مجتمع متعلم فقط؟ لا ولكن أراد النبي عليه السلام أن يكون المجتمع مربوطا بين العلم وحسن التربية، وبين الثقافة والأخلاق الفاضلة، فينمو العقل والروح معا، ويحققا التكامل في بناء الإنسان، فكان عليه السلام قدوة لأصحابه في العلم وحسن الخلق، فتأملوا وصف الله تعالى فيه، فقد رباه وأحسن تربيته، حيث قال جلّ وعلا: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (2)، فكما أمر عليه السلام بالوحدة والمحبة والرحمة الأخوة؛ أمر بترك البغضاء والشحناء والحسد وسوء الظن، وهو القائل عليه السلام: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب أمريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" فهلا حققنا هذه المعاني العظيمة، فجمعنا بين سمو العقل وجمال الخلق، فأحسن بهما اجتماعا.
أخوة الإيمان:
__________
(1) العلق /1.
(2) القلم /4. (1/91)
صفحة 92
إنّ بناء الإنسان المتكامل مربوط باستغلال ما بثه الله تعالى في هذا الكون من خيرات وأرزاق، فجسّد النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1)، فحث أمته على السير في الأرض لكسب الرزق والمعاش، والاعتماد على النفس والذات، وحذّر أيما تحذير من السؤال والتسول، وقد كان عليه وسلم قدوة لأمته في ذلك، فلا يأكل إلا من عمل يده، وحث أمته على ذلك حيث يقول عليه السلام: "ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"، وفي الوقت نفسه حذّر الذين يتكاسلون عن العمل، ويعتمدون على غيرهم عن طريق السؤال بقوله عليه السلام: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى ليس في وجهه مزعةُ لحم"- أي قطعة لحم -، فكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أسوة لكم في تجسيد قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (2)، لتتكامل هذه الأمة بتكامل أفرادها، غذاء الروح بالإكثار من ذكر الله ومراقبته، مع بناء هذه الحياة واستثمارها، وزرعها بالعمل الصالح، وبنائها بالطيب المباح، فنعم المال الطيب للرجل الصالح، فهلا غذينا أرواحنا بحلاوة ذكر الله ومراقبته، وأبداننا بالسعي في أرض الله تعالى واستثمار خيراتها، لنزرع الدنيا صلاحا، ونحصد الآخرة فلاحا ونجاحا.
فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا من اختاره الله لكم أسوة وقدوة، مقتفين أثره، ومتأسين بهديه، محققين التكامل الإنساني في الأولى، راجين بذلك الفوز والنجاة في العقبى.
__________
(1) الجمعة /10.
(2) القصص/ 77. (1/92)
صفحة 93
أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، أكرمنا بخير خلق الله أجمعين، لنقتفي أثره إلى يوم الدين، وصلاتا وسلاما على سيد المرسلين، وعلى آله وحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وقفة محاسبة لنعيش مع الهدي النبوي، ووقفة تأمل مع الكتاب الخالد، والذي جسّده النبي عليه السلام إلى واقع وسلوك حي، فتأسينا به عليه السلام لا يقتصر على الشكل فحسب، واحتفاؤنا بمولده عليه السلام لا يتوقف عند الكلمات والعبارات والمديح؛ بل لا بد أن يتحول إلى واقع حي، ومحاسبة للقول والفعل، فهذه هي الأسوة التي أرادها الله تعالى لنا بقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (1)، فلنتأسى به في عبادته وخضوعه، وفي مراقبته ومحاسبته له سبحانه، ولنتأسى به في أخلاقه ورحمته، صدق وأمانة في القول والعمل، وبر وصلة للوالدين والأرحام، وإحسان ومعروف إلى الجيران والناس أجمعين، وعطف ورحمة للفقراء والأطفال والأرامل وكبار السن، ولنتأسى به في علمه واجتهاده، كسب للعلم والثقافة، وتنمية للقراءة والمعرفة، مع اجتهاد في كسب الرزق الرغيد، وإصلاح الحياة بالخير السديد، ولا ننسى أن نتأسى في نظامه وإخلاصه، لنكون أمة نظام وتخطيط، وأمة محاسبة وعمل، هكذا كان نبيكم صلى الله عليه وسلم، وبهذا عمّ نوره في العالمين، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فاتقوا الله عباد الله، وجسّدوا كتاب ربكم في أنفسكم وبيوتكم، وفي حياتكم ومعاشكم، متأسين بذلك بحبيبكم ونبيكم محمد عليه الصلاة والسلام، فقد كان قرآنيا في أخلاقة ومعاملاته وسلوكه، نعم لقد كان خلقه القرآن.
وصايا الله في سورة الإسراء
__________
(1) الأحزاب/21. (1/93)
صفحة 94
الحمد لله أنزل إلينا كتاب خير وهدى، يهدي به العباد إلى أقوم السبل وأرشدها، ومبشرا المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا، نحمده بما هو له أهل من الحمد ونثني عليه بكرة وأصيلا، ونؤمن به ونتوكل عليه جلّ وعلا، ولا نشرك معه أحدا، خصنا بخاتم النبيين قدوة ومرشدا، وداعيا ودليلا، لنكون للعالمين منارا، وللإنسانية هداة وإحسانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه وتعالى، وأشهد أنّ سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله للبشرية بشيرا ونذيرا، أرسله الله مذكرا ونصيرا، وأنزل معه الوصايا لتحقق السعادة في الأولى والأخرى، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الرجعى.
أما بعد، (1/94)
صفحة 95
فيا عباد الله، لقد وصاكم ربكم على لسان أنبيائكم أن اتقوا الله وراقبوه، وقفوا عند أمره واحذروه، {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} (1)، سبحانه، خلق الكون متماسكا بهيا، وجعل فيه من السنن والنظام فيزداد جمالا واتساقا، وأنزل الوصايا على عباده رحمة وفضلا، إنها وصايا الله الخالدة، وتعاليمه النيرة، تحفظ الإنسان والكون أجمع، أُمِرَ باتباعها موسى، وذكّرَ بها عيسى، وَخَتَمَ بها محمد توصية وتذكيرا، فصلاة الله وسلامه على رسله كثيرا كثيرا، فها هي سورة الإسراء، يشرق من بين جنباتها وصايا الله تعالى، مفتحة بقوله جلّ وعلا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (2)، فتحت هذه السورة العظيمة بذكر الإسراء إلى أرض الرسالات، إشارة إلى وحدة المصدر، وتذكيرا بتعاليم الأنبياء، ليتعاون الكل في تحقيق وصايا الله تعالى، ويتحمل المسيء آثار إساءته وتقصيره، ويجازى المحسن بإحسانه، {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (3)، فلنتأمل عباد الله في وصايا الله في سورة الإسراء، ولنقف معها لنهتدي بهداها، ونستلهم نورها، وننعم بخيراتها.
عباد الله:
__________
(1) النساء/ 131.
(2) الإسراء/ 1.
(3) الإسراء/ 15. (1/95)
صفحة 96
وصايا الله تعالى جاءت لحفظ جوانب الحياة الأربع، أو تدرون ما جوانب الحياة الأربع؟ والتي بها تطمئن نفوسكم، ويستقر معاشكم، وترقى حضارتكم، جوانب أربع تشمل العبادة والأخلاق، والاجتماع والاقتصاد، فتقودكم إلى أقوم الطرق والسبل، وأحسن العواقب والنتائج، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (1)، فيا لها من وصايا عظيمة، وأسس قويمة، تعمّق في نفوسنا الإخلاص لرب البرية، والتنافس للمقاصد العلية، وتنشر بيننا الهداية والاستقامة، وتربط قلوبنا بالأخوة والمحبة، لنرقى بالحياة معاشا وبناءا، وبالأوطان أمانا ورقيا، وبالاقتصاد أخلاقا وسعيا، فنعمر الدنيا والآخرة، قال سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (2)، إنها وصايا الله، التمسك بها نجاح وفلاح، ورقي واستقرار، وأمن واطمئنان، يعود نفعها إلى الفرد والمجتمع، بل الكون أجمع، قال جلّ جلاله: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (3)، فلنتأمل في وصايا الله، ولنعمل بمقتضاها، لنرقى في الأولى، ونسعد في الأخرى، {وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} (4).
أيها المؤمنون:
__________
(1) الإسراء / 9.
(2) الإسراء/ 70.
(3) الإسراء / 7.
(4) الإسراء/ 21. (1/96)
صفحة 97
قفوا معي – يرحمكم الله – مع الجانب الأول من الوصايا، مع جانب التوحيد والعبادة، تأملوا معي قوله تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} (1)، فمن الذي أوجدك وكونك، وسواك وعدلك، ووهب لك السمع والبصر، ومن عليك بسائر النعم؟! أليس الله الذي لا شريك له، فحذار أن تجعل معه مقصودا ثانيا، وإلها وشريكا، واجعل عبادتك خالصة له سبحانه: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} (2)، واعلم – رحمك الله – أنّ كل عمل تمارسه في هذه الحياة، في البيت والمسجد، وفي مكان العلم والعمل، في الليل والنهار؛ إنما هو عبادة لله تعالى، إذا رجوت بذلك رضوانه، ووقفت عند حدوده، وتقيدت بأمره ونهيه، يقول المصطفى – صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها كلمة لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، فكن موحدا لربك في كل عمل تعمله، مقدما مراقبة الخالق قبل مراقبة المخلوق، راجيا من الله العطاء والقبول، فهو ذا الجود والعطاء، والمن بلا انقطاع، يقول جلّ في علاه: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (3)، فتوحيدك الخالص له سبحانه في كل حين وزمان يبعث في نفسك السعي والاجتهاد، ويبث فيك الرضا بما رزقك إياه، والصبر على شدائد الأمور، متمتعا بالواقعية وحسن التدبير والتصرف، يقول تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} (4)،
__________
(1) الإسراء / 22.
(2) الإسراء /39.
(3) الإسراء / 20.
(4) الإسراء / 31 .. (1/97)
صفحة 98
فالموحد ربه حقا، والمؤمن قلبا وقالبا، يعلم بتفكيره النير، أنّ الرزق بيد الله تعالى وحده، فلا يرمي نفسه البريئة في الانتحار، ولا ييأس مهما كانت الظروف والأحوال، {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} (1).
أيها المسلمون:
__________
(1) الإسراء / 30. (1/98)
صفحة 99
ولنقف الآن متأملين الجانب الأخلاقي من الوصايا، فالأمم تقاس بأخلاقها، والمجتمعات تُعرف بحسن آدابها، يقول الرسول الكريم – عليه الصلاة والسلام -: "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا"، ومن أعظم أخلاق المؤمن الوفاء بالعهد، {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} (1)، ومن الوفاء بالعهد احترام المواعيد، فمن أدب المؤمن احترام أوقات الناس والمجتمع، فالوقت حق للجميع، وباحترامه ترقى الأمم، وبه تنجز الأعمال بدقة وسرعة تبهج الكل، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} (2)، وإذا كان احترام أوقات الناس أمانة؛ فإنّ احترام الإنسان أعظم أمانة، فالإنسان مكرم لذاته، لا للونه وجنسه، ولا لماله ونسبه، ومن احترام الإنسان التلطف في معاملته، ونشر السلام والمحبة في لقياه، وتوفير الأمن والطمأنينة في حضوره وغيابه، وإن أساء فأحسن النصح والإرشاد، قال جلّ وعلا: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا}، فالإنسان مكرم لذاته، فدمه وعرضه وماله عناصر مقدسة، وخطوط حمراء محظورة، فحق الحياة يعم الجميع، ويشمل كل نفس حية، يقول سبحانه في الوصايا: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (3)،
__________
(1) الإسراء/ 34.
(2) الإسراء/ 12.
(3) الإسراء/ 33 .. (1/99)
صفحة 100
وأعراض الناس أمانة، الحفاظ عليها يشمل الجميع، والاستخفاف بها شر وبيل، وداء كبير، يقول تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (1)، وللإنسان حق اكتساب المال بالطرق المباحة، فلا يجوز التلاعب بأموال العباد، يقول جلّ وعلا: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} (2)، فأخلاقنا عنوان استقرارنا، وطريق تقدمنا، ومنهج أمننا واطمئناننا.
عباد الله:
__________
(1) الإسراء/ 32.
(2) الإسراء/ 34. (1/100)
صفحة 101
ثم لنتأمل الآن في الجانب الاجتماعي من الوصايا، فالإنسان اجتماعي بطبعه، ووصايا الله جاءت لتعميق الروابط البشرية، وتقوية العلاقات الاجتماعية، وحذّرت من المؤثرات السلبية اجتماعيا، وعلى رأسها الكبر والغرور، وحب الذات والنفس، فصفِ قلبك يا عبد الله من الغلّ والحسد، والبغضاء والكراهية، ولا تمش في الأرض عابس الوجه، محبا لذاتك متعصبا لها، قال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} (1)، ومن المؤثرات السلبية اجتماعيا تتبع الشائعات، ونقل الكلام بلا روية ولا تأكد، فكم ظلم أشخاص بسبب شائعة، وكم قطعت علاقات اجتماعية بسبب أحاديث مكذوبة، فطهر لسانك وقلمك رحمك الله من الإفك والافتراء، وترديد الكلام والأحاديث المفتراه، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (2)، وكما نبهت الشريعة الغراء في وصاياها للمؤثرات السلبية؛ عمّقت المؤثرات الإيجابية، فأوصت بالإحسان إلى الوالدين، وقرنت الإحسان إليهما بالتوحيد الخالص له سبحانه، فرضا الوالدين من رضا الله، وسخطهما من سخط الله، وليستبشر الذين يحسنون إلى الوالدين بالفضل العميم من قبل المولى جلّ وعلا: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (3)،
__________
(1) الإسراء / 37.
(2) الإسراء / 36.
(3) الإسراء / 23 - 24 .. (1/101)
صفحة 102
ويلي الوالدين منزلة وإحسانا، الأرحام وأولو القربى، والجيران وابن السبيل، {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} (1)، فأحسنوا –عباد الله- إلى من أحسن إليكم، وصلوا من قطعكم، واعفوا عمن ظلمكم، تجدون أثر ذلك في دنياكم وأخراكم.
فاتقوا الله عباد الله، وقفوا عند وصايا ربكم تأملا وتذكيرا، وعملا وتطبيقا، أنزلها وفرضها لكم الخبير بأحوالكم جلّ وعلا، {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} (2).
أقول قولي وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله، أكرمنا بوصايا عظام، بها تستقيم حياة الأنام، ويعم الحب والوئام، والصلاة والسلام على خير من صلى وصام، وعلى الآل والصحب الكرام.
أما بعد:
فيا عباد الله:
__________
(1) الإسراء/ 26.
(2) الإسراء / 25. (1/102)
صفحة 103
لنتأمل الآن مع الجانب الأخير من الوصايا، ومع الجانب الاقتصادي والمالي، فالمال من نعم الله تعالى، به تبنى الأمم، وبدونه لا رقي ولا تقدم، يؤخذ من حله، ويوضع في محله، ويخرج حق الله منه، وفي الوصايا يأمركم ربكم بكسب المعاش، والسعي في الأرض، بما أعطاكم الله من قدرات وإمكانات، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (1)، فهذه الأرض بخيراتها مرتع خصب للكسب وإعمال القدرات، والرقي في الإنتاج وتحقيق الطموحات، مع الاستفادة من تجارب الآخرين، بجانب التخطيط والتنظيم، ومن وصايا ربكم في كسب المال البعد عن الغش والتطفيف، والكذب والخداع، قال سبحانه: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (2)، مع التوسط بين الإنفاق والادخار، فلا تمسك يدك عن الإنفاق فتحرم نفسك وأولادك طيبات الحياة الدنيا، ولا ترسلها لتقع تحت مظلة الدين، والتذلل للآخرين، {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (3)، وكن شاكرا لربك بما رزقك من مال، معترفا بفضله ومنه، مبتعدا عن التبذير في الكماليات، محسنا إلى الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات، مسارعا في البر والصدقات، مع التوسط في كلّ ذلك، قال تعالى: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} (4).
__________
(1) الإسراء / 70.
(2) الإسراء: 35.
(3) الإسراء/ 29.
(4) الإسراء / 26 - 27. (1/103)
صفحة 104
هذه وصايا الله عباد الله، التمسك بها سعادة ونجاح، والتذكير بها أمانة وصلاح، وهي طريق الفوز والفلاح، {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} (1).
قانون العقاب من خلال قصة موسى
الخطبة الأولى
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
الحمد لله قص علينا أحسن القصص عبرة وذكرى، وأرشدنا إلى أقوم السبل هداية ورشدا، والصلاة والسلام على الحبيب المجتبى، والرسول المصطفى، وآله وصحبه أولي الفضل والحسنى، والتابعين بإحسان إلى يوم اللقيا.
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
فما قصه الله تعالى، من أحوال الأمم السابقة، وأخبار المجتمعات البشرية السالفة، إلا تذكيراً للعباد، وتنبيهاً لأولي الألباب ...
ومن أعظم هذه القصص ذكراً، وأجلها بياناً، قصة سيدنا موسى مع فرعون الذي طغى، فأكثر ذكرها في كتابه، وبين بها سنته التي لا تتغير، وقانونه الكوني الذي لا يتبدل.
__________
(1) الإسراء/ 111. (1/104)
صفحة 105
وما فرعون وقومه إلا آية للبشر، وعبرة لمن اتعظ واعتبر، أعرض عن ذكر ربه، والانقياد لطاعته، والوقوف عند حدوده وزواجره، فابتلاه الله بصنوف العقوبات، ونقص من الثمرات، فرفع عنهم نعمة المطر، وقلة البركة في الماء والثمر، لعلهم يذكرون أو يتعظون.
فأبوا إلا الاستكبار في الأرض، فأرسل إليهم الطوفان الجارف، والفيضانات المهلكة، وسلّط عليم الجراد يأكل ما يزرعون، ويهلك ما يحرثون، وذكرهم بالقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا مجرمين ...
فكانت السنة الإلهية، والإرادة الربانية، أن أهلكهم عن بكرة أبيهم، وأغرقهم في البحر، بأهم كذبوا بآيات ربهم، وكانوا عنها غافلين.
وهؤلاء بنو إسرائيل اغتروا بجنسهم، وادعوا بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم شعب الله المختار، فهيهات هيهات لا قيمة لجنس عند الله تعالى، فعندما طغى سفهاؤهم، وأفسدوا في الأرض، ولم يعملوا بآيات الله تعالى، أرسل الله إليهم أصنافا من العذاب والعقوبات، من الصيحة والرجفة والزلازل، والتشريد في الأرض، والذلة في الحياة الدنيا، وكذلك نجزي المفترين.
ونحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، شأننا كشأن غيرنا من الأجناس والأمم، ونحن جميعاً أمام القانون الإلهي والسنة الربانية أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ.
فإذا ما طغت الأمة، وانحرفت عن الجادة، وقام سفهاؤها فيها إفساداً واستكباراً، فانتهكت المحرمات عياناً، وتجاوزت الحدود بغياً وعدواناً، وقل الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر؛ قامت السنة الربانية بإرسال أصناف من العذاب والعقوبات ... والآيات البينات، حتى نتذكر ونتعظ ونتوب ونرجع ...
فما انتسابنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يجعلنا في أمان من عذاب ومكره، إذا تجاوزنا أمر الله ونهيه .... (1/105)
صفحة 106
وما نراه اليوم من قحط مرعب، واحتباس المطر، ونقص في الثمرات والزروع إلا تذكير من الله، أنتوب ونرجع؟ أم نترك سفاءهنا يفسدون ويمكرون؟ أم نتحدى جبار السماوات والأرض، أم نجرب الحرب مع الله تعالى، أم نستظهر عظمتنا أمامه، وقوتنا أمام قوته وجبروته، أم نعلنها حربا بشرية، بأننا قادرون على تحدي الله وسننه، فهيهات هيهات، إنها سنة جبار السماوات، المتكبر المتعالي الذي لا يغير وعداً ولا وعيدا، ألا من استهان بآياته، وسخر من سننه وقوانينه، ألا فالينتظر الموعد، فبالله وتالله كيف تتحدى الله تعالى، ونتكبر على آياته، أما فينا متعظ معتبر، أوليس لنا سمع وبصر وعقل، أما ترون ما يصيبنا هذه الأيام من أمرض عظام، والإنسانية اليوم تقف خائفة مذعورة أمام فيروس ضعيف وهو أضعف من الذبابة والبعوضة، والذي بات بفتك بالمآت، ويهلك العشرات، كل ذلك من آيات الله البينات أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ
ولقد أخبر الله تعالى في قصة موسى عليه السلام أن التوبة والرجوع إلى الله، مع الانقياد له، وتحكيم شرعه، ورفع المنكر، وإقرار المعروف، هو العلاج الوحيد لرفع الوباء والأمراض، ونزول المطر والغيث، والبركة في الزروع والثمار، تأملوا معي يرعاكم الله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. (1/106)
صفحة 107
وتأملوا معي قول الله تعالى عندما طلب قوم بنو إسرائيل من موسى رفع البلاء معلنين التوبة والانقياد، قال تعالى: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ.
والناس اليوم يبحثون عن علاج لهذه الأمراض، وهذا أمر طيب، ولكن العلاج الوافي لرفعها هو التوبة والإنابة، وعدم ترك السفهاء يفسدون في الأرض، أما قال موسى قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.
فكم من أقوام معاصرة تقدموا فلكياً وعلمياً فما استطاعوا أن يقفوا أمام الفيضانات والأعاصير والزلازل و البراكين.
كل ذلك يجعلنا نراجع أنفسنا من جديد، ونتأمل في آيات الله تعالى البينات متعظين وعاملين.
فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الله ربكم، واتقوا الله في أزواجكم وأولادكم، واتقوا الله في أوطانكم وأمتكم، ربوا أولادكم تربية صالحة، قوهم عذاب الله وسخطه، وتذكروا قول ربكم: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ هذا واستغفروا ربكم ليلاً ونهارا، صبحاً ومساءا، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا.
الخطبة الثانية (1/107)
صفحة 108
وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
إن ما نراه هذه الأيام، من غلاء وارتفاع الأسعار، نتج عنه فوضى ومظاهرات، وإنكار ولعنات، يجعل منا نراجع أنفسنا من جديد، لأننا في الحقيقة أمة مستهلكة، وسوق للقوى المستكبرة، وهذا من الذلة التي نجني ثمارها، نتيجة البعد عن الناموس العظيم، والقرآن الكريم، يقول الرسول الكريم، عليه من الله أفضل صلاة وتسليم: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد، بعث الله عليهم ذلا لا ينزعه منهم حتى يراجعوا دينهم، وفي رواية أخرى: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ، فَلَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ.
وقوله عليه السلام: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، كناية عن العلاقة بين الناس تكون للمادة والدرهم فحسب، فيأكل الأخ أخاه المسلم من أجل دريهمات، ويقاطع الجار جاره من أجل نتف الحياة الفانية، فينتشر الحسد بين الأخوة في المجتمع الواحد، فيقطع الصلات، ويفرق بين الجماعات، ويعم الطمع والجشع، فتذوب معاني الأخوة، وتسقط مشاعر الإنسانية، وتتردى العدالة الاجتماعية، وتسود الطبقية البشعة، فلا إخراج لزكاة، ولا صدقة لمسكين، ولا إحسان ليتيم، إلا من رحم الكريم الرحيم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: وتبايعوا بالعينة، كناية عن استغلال حاجة الناس، فترفع الأسعار بدون مسببات واقعية، وترفع فوائد الربا لجمع أكبر قدر من المال، دون مراعاة للطرف الآخر. (1/108)
صفحة 109
والنتيجة: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءَ، فَلَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ.
فلنرجع إلى ديننا عباد الله تمسكا واعتصاما، ولنجعل من الأخوة الواحدة أساس تعاملنا وعلاقاتنا، ولنأمر بالمعروف ما بقي عرق ينبض في أجسادنا، ولننهى عن المنكر في أنفسنا ومجتمعاتنا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بهداية القرآن، وسلموا لأوامر القرآن، تأمنوا من مكر الله وعذابه، وتعمكم رحمة الله وفضله، وتسودكم السكينة من ربكم، وأخرى تفوزون بها يوم يجمعكم جميعاً في يوم التغابن.
اللهم يا كاشف الضر اكشف الضر عنا، اللهم ارفع الأمراض عنا والغلاء، اللهم جنبنا الأسقام والداء، اللهم إنا نستغفرك استغفارا، فارفع الوباء عنا والغلاء
اللهم إنا هدنا وتبنا إليك فأنزل علينا رحماتك ومن علينا ببركاتك ربنا لوشئت أهلكتنا من قبل فلا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا و أنت خير الغافرين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.
اللهم أعز سلطاننا، وأيده بالحق، وأيد به الحق يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم صل وسلم على خير البرية، محمد وعلى أله وصحبه أولي الفضل والخيرية، واحشرنا معهم في جنات عالية، وخلد أرواحنا جميعا في دار رضية، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ثالثا:
البحوث
بحث: فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية
تقدمة الدراسة
لقد أرسل الله تعالى رسوله – صلى الله عليه وسلم – هاديا للناس إلى دين الرحمة والمحبة، فأنزل إليه كتابا مصدقا ومهيمننا على الأفكار الماضية والتالية، ليكون منبع خير يرجع إليه الناس ليشربوا من ماءه الصافي المعين. (1/109)
صفحة 110
ولقد شاء الله تعالى أن يفترق الناس، وأن يحدث بينهم للتخلص من كليات وقوانين القرآن؛ أن يحدث بينهم الكذب على الرسول العظيم، حتى يتسنى لهم التنصل من أحكامه، وإضافة مديح إلى قبيلة أو بلد أو نبات، وساعدت السياسة في ذلك، بجانب تمجيد الأشخاص ورفع منزلتهم لتكون فوق منزلة الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولما تقدم المسلمون، وظهر انفتاح على الأمم الأخرى، وانتعش الجانب الاقتصادي، وكثرت مجالس اللهو والسمر، مما بعد الناس عن دينهم شيئا فشيئا، فظهرت تفشو المعاصي بينهم، وظهر التساهل في أداء الواجبات الشرعية؛ هنا ظهرت فئة من الناس، من الوعاظ والقصاصين، دافعهم الإخلاص وإرجاع الناس إلى حضيرة الشرع، فما كان من بعضهم إلا أن استغل من الرواية كطريق في حث الناس على فضائل الأعمال، والترغيب فيها، والترهيب من بعض المعاصي والمخالفات، وربطها بالقبر والنار، أو النعيم والجنة، فكانت روايات فضائل الأعمال، لا للكذب على الرسول، ولكن الكذب من أجل دين الرسول عليه السلام.
ومن هذه الفضائل فضائل رمضان، والتي بها حث على استغلال الشهر، ومنها غيبت مقاصد التشريع الإلهي؛ لأنّ مصدرها بشري محدود، بجانب مخالفة بعضها للقوانين والكليات القرآنية.
ولقد كانت المدرسة الإباضية في مأمن من هذه الروايات، إلا أنها بدأت تتغلغل وبصورة كبيرة في نهاية القرن الثاني الهجري عند الانفتاح على كتب المدارس الأخرى.
لذا كان هذا البحث والذي عنونته ب: فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية، حيث اخترت ثمانية نماذج من التراث الإباضي العماني، في أزمنة وقرون متتالية، لأستخلص تغلغل الرواية إلى هذا التراث، جاعلا من فضائل رمضان نموذجا.
وقد قسمت البحث إلى مبحثين بجانب المقدمة والخاتمة، وهما:
- المبحث الأول: فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية. (1/110)
صفحة 111
- المبحث الثاني: التطور الروائي في كتب التراث العماني من خلال روايات فضائل رمضان.
وفي الختام لا أقول أني استطعت أحوي الدراسة من كافة جوانبها، فهي ينقصها الكثير، راجيا أن أكون وفقت في ذلك، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
كتبه:
بدر بن سالم بن حمدان العبري
واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ سلطنة عمان
الموالح الزاهرة/ مسقط العامرة
صبيحة الاثنين 12 صفر 1432هـ / 17 من يناير 2011م
المبحث الأول
فضائل رمضان في التراث العماني ... دراسة تحليلية نقدية
تقدمة:
لا يمكن بطبيعة الحال تتبع جميع كتب التراث العماني فيما يتعلق بفضائل رمضان، إلا أننا من خلال تتبعنا لبعض الكتب نجد تكرارا واضحا، حيث ينقل المتأخر عن المتقدم وبصورة النسخ واللصق، إلا أحيانا بسيطة جدا نجد زيادة أو تكرارا دون تعليق، وهذا منهج اتبعه علماء عمان في بداية أبواب الكتب، ثم نجد التحقيق بعدها في الجانب الفقهي، ولكن في الفضائل يكتفون بالنقل، خلفا عن سلف مع ركاكة وضعف الرواية أحيانا – كما سنرى في هذا المبحث – بعون الله تعالى.
وفي هذه الدراسة المتواضعة أخذنا نماذجا من الكتب التالية:
- كتاب لباب الآثار المنسوب للشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي من علماء القرن الثالث عشر الهجري.
- كتاب بيان الشرع للشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي من علماء القرن الخامس الهجري.
- كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب للشيخ عامر بن خميس المالكي من علماء القرن الرابع عشر الهجري.
- كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر.
- كتاب معارج الآمال شرح مدارج الكمال للشيخ عبد الله بن حميد السالمي من علماء القرن الرابع عشر الهجري. (1/111)
صفحة 112
- كتاب جواهر الآثار للشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان من علماء نهاية القرن الحاي عشر وبداية القرن الثاني عشر الهجري.
- كتاب الجامع محمد بن جعفر للشيح الإزكوي الأصم، من علماء القرن الثالث الهجري.
- كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي من مشائخ نهاية القرن الخامس عشر الهجري.
من خلال عرض الكتب لن يجد القارئ الكريم تسلسلا في الفترة الزمنية، لأني في الأصل كتبتها على شكل مقالات لجريدة عمان الغراء في شهر رمضان المبارك لعام 1431هـ، دون الاهتمام بالناحية الزمنية، مع حذف المتكرر، ثم بدا لي دارستها منهجيا، وجمعها على شكل بحث متكامل.
الدراسة الأولى: فضائل رمضان من كتاب لباب الآثار (1)
كتاب لباب الآثار من الكتب الشهيرة في التراث العماني في الأزمنة المتأخرة، حيث ألف في القرن الثالث عشر من الهجرة، واختلف في مؤلفه، إلا أن الأشهر الذي يراه محقق الكتاب الأستاذ عبد الحفيظ شلبي وفق ترجيح العلامة سالم بن حمد الحارثي (ت 2006م) أنّ المؤلف هو الشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي (ت ق13هـ)، وقيل مؤلفه الشيخ مهنا بن خلفان بن محمد البوسعيدي (ت: 1250هـ) والله أعلم وأحكم.
والشيخ سالم بن سعيد الصائغي من علماء عمان في القرن الثالث عشر الهجري، وهو من أهل منح، اشتهر بأراجيزه، وهو في الوقت نفسه كان شاعرا أديبا (2).
يذكر المؤلف جملة من فضائل الشهر، حيث يشير إلى بعض فضائله وفق ما شاع من نصوص، أو ما ذكره السابقون من العلماء من فضائل وآثار.
ومن أهم هذه الفضائل:
__________
(1) ينظر: لباب الآثار، ط وزارة التراث القومي والثقافة، الطبعة الأولى.
(2) ينظر: معجم أعلام الإباضية {قسم المشرق} نسخة الكترونية. (1/112)
صفحة 113
- أنزل فيه القرآن وهذا استنادا لقوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (1)، واختلف العلماء والمفسرون في ماهية نزول القرآن في رمضان، مع أنّه نزل منجما لقوله تعالى: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (2)، فقيل: إنّ القرآن نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وقيل: هذا في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل متفرقا طوال حياة النبي - عليه الصلاة والسلام -، وهذا قول الجمهور، وقيل: إنّه ابتدأ نزوله في ليلة القدر، ثم نزل متفرقا في أوقات مختلفة، وقيل: نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر، وقيل غير ذلك، والله أعلم بمراده.
- جعله الله تعالى سببا للمغفرة والرضوان، وهذا لكون الإنسان فيه أقرب إلى الله تعالى، وأبعد عن معاصيه، فينظر الله إليه بعين الرحمة والرضوان، والمغفرة والإحسان.
- قوله: وفضّل به أمة محمد - صلى الله عليه وسلم على جميع الأمم-، ولعله من باب التخفيف والحفظ، فخفف عن هذه الأمة ما ابتدعته الأمم الأخرى من إرهاق للنفس، كما أنه حُفِظَ بلا زيادة ولا نقصان كما أراده الله، فالنصارى أنقصوا من فترة صيامه، ومنهم من زاد في أيامه، وهكذا عند اليهود، فحرّم على هذه الأمة صوم الوصال، ومن لم يستطع الصيام لمرض أو مشقة أبيح له الإفطار، وإلا فالصيام ليس خاصا بهذه الأمة وحدها بنص القرآن، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (3).
__________
(1) البقرة/ 185.
(2) الإسراء/ 106.
(3) البقرة/183. (1/113)
صفحة 114
- قوله: "فليله نور، ونهاره طهور، وصيامه مأجور، وله رحمة الله عند السحور، وقد رضي الله عنه عند الفطور" (1)، فليله نور لما للذكر والقيام في ليله من أنوار تطمئن به نفوس الصائمين، ويهدأ به بالهم، قال تعالى: ألا بذكر الله تطمئن القلوب (2)، فيشعر الذاكر فيه بلذة ونورانية لا يدركها إلا من أخلص فيها واجتهد، وليس النور هنا شيئا حسيا، ومادة محسوسة، ولكنه شيء معنوي يُدرك بالقلوب فتزداد إيمانا ويقينا، واجتهادا وإخلاصا، قال تعالى: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (3).
ونهاره طهور لأنّ الصائم حفظ فيه لسانه وجوارحه عما يشين، فإن أسيء إليه تذكر معاهدته لربه بالصيام، فيرد عليه بكل أدب واحترام: إني صائم، فيزداد طهارة فوق طهارة، فيكون شهره دربة له في كمال الطهارة، وحسن الأدب والأخلاق.
وصيامه مأجور؛ لأنه قصد من صيامه وجه الله وحده، وترك طعامه وشرابه ابتغاء فيما عنده، وصامه كما يريد هو سبحانه، فصيامه مأجور غير مأزور، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي (4).
وله رحمة الله عند السحور، وذلك لأنه لا يدع أن يمر عليه آخر الليل إلا وهو في ذكر وتبتل وخضوع لله جلّ وعلا، وهؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون (5).
__________
(1) سيأتي بخريج أصل الحديث إن شاء الله تعالى.
(2) الرعد/ 28.
(3) الفتح/ 4.
(4) رواه البخاري من طريق أبي هريرة، الجزء الأول، 36 - كتاب الصوم، 2 - باب: فضل الصوم، حديث رقم: 1795؛ ورواه مسلم من طريق أبي هريرة، الجزء الثاني، 13 - كتاب الصيام، (30) باب فضل الصيام، حديث رقم: 163 - (1151).
(5) الذاريات/ 17 - 18. (1/114)
صفحة 115
وقد رضي الله عنه عند الفطور؛ لأنه صام يومه كما يريد العزيز الحميد، فاستحق القبول والرضوان، يقول عليه الصلاة والسلام: وللصائم فرحتان: فرحة حين يلقى ربه، وفرحة عند إفطاره (1).
- قوله: "وفيه تفتح الأبواب، ويضاعف فيه الثواب، والدعاء فيه مجاب، فطوبى لمن كان له متأملا، وإلى أيامه مستعجلا، وفيه إلى الله راغبا متوسلا (2) "، قوله: وفيه تفتح الأبواب، أي أبواب الإجابة، لأن الله تعالى يقترب برحماته من عباده، فيقتربون منه تضرعا وتبتلا واستجابة، قال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (3)، ولعله يقصد بقوله: تفتح الأبواب أي أبواب الجنان، استنادا إلى حديث عائشة رضي الله عنها: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان، وهذا الحديث رواه الحاكم والطبراني في الأوسط وغيره، واختلف فيه ما بين مصحح ومحسن، لأنّ فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام، ولعل –إن صح الحديث عنه عليه السلام- قوله: فتحت أبواب الجنان أي كناية عن عظم رحمة الله تعالى للصائمين بحق، فتكون مستعدة لاستقبالهم، مبتهجة بهم، ولعل المراد بفتح أبواب الجنان على الحقيقة، أي تفتح في بعض الأوقات، وتغلق في بعض، وهذه مسألة غيبية لا يمكن القطع بها إلا بدليل قطعي واضح من كتاب الله تعالى، والحديث يستأنس به، لاحتمال عدم صحته عنه عليه الصلاة والسلام، ومع هذا فضل الله عظيم، وما ذلك على الله بعزيز.
__________
(1) سيأتي بيان تخريجه إن شاء الله تعالى.
(2) سيأتي بيان أصله إن شاء الله تعالى.
(3) البقرة/ 186. (1/115)
صفحة 116
ويضاعف فيه الثواب؛ وذلك لأنّ الله اختص بعض الأزمنة على بعض، كما أنّه اختص بعض الأمكنة على بعض، ومن هذه الأزمنة التي اختصها الله تبارك وتعالى شهر رمضان المعظم، فجعل الثواب فيه أعظم من غيره، وذلك لأن الصائم فيه يتحمل من المشاق ما يتحمل، فيترك شهوته وطعامه وشرابه استجابة لله تعالى، فحق أن يضاعف له الأجر، وإن كان العلماء في هذا يستندون إلى حديث ضعيف جدا، ونصه: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كم أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ... إلى آخر الحديث، والحديث رواه ابن خزيمة وقال – بصيغة التضعيف -: وإن صح الخبر، والبيهقي والأصفهاني في الترغيب عن سلمان، وبين ابن حجر ضعفه لأن مداره على علي بن زيد بن جدعان، ويوسف بن زياد الراوي عنه ضعيف جدا.
وعلى العموم لا يوجد نص صريح –فيما أعلم – بمضاعفة الأجر في رمضان، إلا إذا أخذنا ذلك من باب التفضيل الإلهي للشهر من نزول القرآن فيه، واختصاصه –على قول الجمهور – بليلة القدر، وسنبين أكثر في مقال ليلة القدر عن مفهوم هذه الليلة بإذن الله تعالى، ولما يبذله الصائم من جهد ومشقة، فالتفضيل بزيادة الأجر هنا عقلي أكثر منه نقليا، فيبقى في دائرة الظن والاجتهاد الذي يؤنس به لا غير.
والدعاء فيه مجاب أي يستجيب الله دعوة عبده لكون الشهر مظنة الإجابة، إذا كان الدعاء خالصا له سبحانه، ولذا قال تعالى في عقد آيات الصيام: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (1)، ولحديث ابن عباس: ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر، وصحح الحديث السيوطي في الجامع الصغير.
__________
(1) البقرة/ 186. (1/116)
صفحة 117
- قوله: وقيل أوحى الله إلى موسى –عليه السلام- يا موسى إني ألهم السماوات السبع، والأراضين السبع، والطير والوحوش، أن يستغفروا لصائمي شهر رمضان، ذكر المؤلف هذا الأثر، ولم استطع الحصول على سند له، ولعله من الآثار التي يتناقلها الكتاب والوعاظ، لذا لا يمكن الاستناد إليه في بيان فضائل الشهر، وإن صح إنما هو لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، لا مجرد ترك الأكل والشرب، والسماوات السبع والأراضين والوحوش تسبح بحمد ربها بنص كتاب الله، ولكن لا نفقه تسبيحها، وذكر الله تعالى أنّ الملائكة يستغفرون للذين آمنوا قال تعالى: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (1)، ولا يستبعد أن تكون كذلك بعض المخلوقات، ولكن لا نجزم إلا بدليل واضح قطعي، لأن المسألة مسألة إسناد غيبي، يسعنا فيه السكوت.
قوله: وفيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتغلّ مردة الشياطين، وأصل هذا حديث عائشة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان كلها فلم يغلق منها باب إلى آخر الشهر، وأغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب إلى آخر الشهر، وسلست مردة الشياطين، وقد تقدم أنّ هذا الحديث رواه الحاكم والطبراني في الأوسط وغيره، واختلف فيه ما بين مصحح ومحسن، لأنّ فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام، فحديث عائشة من أحاديث الآحاد التي لا يمكن القطع بمفرداته، إلا إذا كان من باب الكناية أي أنّ لرمضان ميزة تقل في غيره من الشهور، حيث أنّ الناس يقبلون إلى الله تعالى، ويكثر فيه التضرع والإنابة، فتفرح الجنان بهم، وتنغلق أبواب الجنان لابتعادهم عن أوليائها الشياطين، وينقبض المردة حسدا وبغضا لاقترابهم من ربهم، وقد يكون على الحقيقة، ولكن لا يمكن الجزم بذلك إلا بدليل قطعي واضح.
__________
(1) غافر/ 7. (1/117)
صفحة 118
- قوله: وفيه تزخرف الجنان، وتزين الحور الحسان، ويكسون الحلل والعقيان، فيقلن نحن لصوام شهر رمضان، والعقيان هو الذهب، ولعل أصل هذه الكلام حديث ابن عباس والذي رواه البيهقي بسند ضعيف جدا، ونصه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الجنة لتنجد –أي لتتزين- وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها: المثيرة تصفق ورق أشجار الجنة، وحلق المصاريع فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه فتبرز الحور العين، ويقفن بين شرف الجنة فيقلن: هل من خاطب إلى الله فيزوجه، ثم يقلن: يا رضوان ما هذه الليلة؟ فيجيبهم بالتلبية فيقول: يا خيرات حسان، هذه أول ليلة من شهر رمضان، فتحت أبواب الجنان للصائمين من أمة أحمد، ويقول الله تعالى: يا رضوان افتح أبواب الجنان، يا مالك، أغلق أبواب الجحيم عن الصائمين من أمة أحمد، يا جبريل، اهبط إلى الأرض فصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال، ثم اقذف بهم في لجج البحار حتى لا يفسدوا على أمة حبيبي صيامهم، والحديث يظهر فيه تلاعب الوعاظ لجذب الناس إلى استغلال الشهر، وركاكته ظاهرة، والله أعلم بحاله وأصله. (1/118)
صفحة 119
- قوله: إنّ لله عند كل إفطار من شهر رمضان ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة الجمعة أعتق في كلّ ساعة منها كذلك، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم مثل ما أعتق في الشهر كله، وهذا جزء من حديث البيهقي المتقدم بسند ضعيف جدا، بل لا أبالغ إن قلت هو موضوع، ونصه: ولله تعالى في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار فإذا كان ليلة الجمعة أعتق في كل ساعة منها ألف ألف عتيق من النار، كلهم قد استوجبوا العذاب، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله تعالى في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره، والذي يظهر لنا أنّ رمضان من الأعمال الصالحة والتي تنفع الناس يوم يلقون ربهم، فإن ماتوا غير مصرين على الذنوب الكبائر، فهم عتقاء لله تعالى من النار، أما أن يصوموا رمضان، وبعدها يحاربون الله ويدعون العتق من النار فهذا من الهزل واللعب بدين الله تعالى، كما يقول الشاعر:
رمضان ولى هاتها يا ساقي ... مشتاقة تسعى إلى مشتاق
- قوله: وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم، وأصل ليلة القدر ما جاء في القرآن في سورة القدر، إلا أنّ القرآن لم يذكر إنها في شهر رمضان، وهل هي متكررة في كلّ عام؟ أم أنها ليلة واحدة نزل فيها القرآن، فأصبحت ذات قدر لنزوله فيها، فذهب الغرض منها، فالملائكة يومها تتنزل إلى مطلع الفجر تعظيما لهذا الكتاب المنزل فيها، والعجب أنّ الناس يتنافسون في إقامة ليلة القدر، وفي المقابل يتنافسون في هجر الكتاب المنزل في هذه الليلة، فالله تعالى عندما تحدث عن مكانة هذه الليلة إنما كان لبيان هذا الكتاب العظيم.
وعلى العموم أكثر العلماء أنها تتكرر في كل شهر رمضان، وهي مخفية لا يعلم وقتها، والأولى تحريها في أوتار العشر الأواخر، استنادا لبعض النصوص الآحاد المروية عنه عليه الصلاة والسلام. (1/119)
صفحة 120
وأصل قوله: من حرم خيرها فقد حرم حديث أبي هريرة عند أحمد والنسائي والبيهقي، ونصه: وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم.
- قوله: وعنه عليه السلام: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، روى هذا الحديث بزيادة: "وما تأخر" الخطيبُ في التاريخ عن ابن عباس، وضعف المحدثون الرواية بهذه الزيادة، ومنهم السيوطي في الجامع الصغير، ورواه الربيع وأحمد والشيخان والأربعة وغيرهم دون زيادة: "وما تأخر" من طريق أبي هريرة بسند صحيح.
ومن هنا شرطية، أي الغفران الذي أعده الله تعالى للصائمين إنما يكون بشرطين: الشرط الأول: "إيمانا" أي عن إيمان وتعظيم له، لأنه من نتائج تعظيمنا لله سبحانه.
والشرط الثاني: "واحتسابا" أي أن تكون محتسبا الأجر من عند الله تعالى وحده، فلا يقصد الصائم من صيامه الرياء والسمعة، وإلا أثر على قبول صيامه.
فالصيام بهذا يكون توبة وكفارة لما ارتكب من ذنوب في سالف العمر، أما إذا ارتكب بعدها من كبائر فقد حبط عمله، فهنا بحاجة إلى تجديد وتوبة، ولا يتناسب معها "وما تأخر"، لذا كانت هذه الزيادة شاذة عارضت الروايات الأصح، بجانب معارضتها للقوانين القرآنية في قبول التوبة (1).
- قوله: ولو يعلم العباد ما في شهر رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها، وهذا جزء من حديث ابن مسعود، بعضهم حكا ضعفه الشديد، بينما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وإن صح إنما تتمنى الأمة بقائه طوال العام لما يكثر فيه من الطاعة والتضرع، ولقرب الناس فيه من الله، وهذا بدوره يعين النفس البشرية على مواصلة طريقها في الإنابة والاستقامة، ولما يشعرون فيه من لذة وحلاوة القرب من الله تعالى.
__________
(1) ولنا في هذا بحث بعنوان قوانين الله في القرآن الكريم ... الصفات الإيجابية والسلبية نموذجا، نرجو من الله التوفيق والتيسير في إتمامه. (1/120)
صفحة 121
- قوله: وإنّ الجنة تزين لشهر رمضان من رأس الحول، فإذا كان أول ليلة منه هبت ريح من تحت العرش، فصفقت ورق الجنة، فتنظر الحور إلى ذلك فيقلن: اللهم اجعل لنا من عبادك أزواجا في هذا الشهر، تقر أعيننا بهم، وتقر أعينهم بنا، فما من عبد يصوم يوما من رمضان إلا زوّج زوجة من الحور، في خيمة من در، مما نعت الله: {حور مقصورات في الخيام} (1)، لكل امرأة منهن سرير من ياقوت أحمر، موشح بالدر، على كل سرير سبعون فراشا بطائنها من إستبرق، فيعطى زوجها مثل ذلك" وهذا الحديث جزء من حديث ابن مسعود المتقدم، وهو حديث موضوع، حبكه القصاصون والوعاظ، لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت به اعتقاد، ورمضان في غنى عن هذه الأكاذيب وإن قصد بها حث الناس على العمل الصالح والله المستعان.
- قوله: وعنه عليه السلام: أعطيت لأمتي خمسا في شهر رمضان لم يعطهن نبي قبلي: أما الأولى فإنه إذا كان أول ليلة نظر الله إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه بعدها أبدا، والثانية: أنّ خلوف أفواههم حين يمسون عند الله أطيب من ريح المسك، والثالثة: أنّ الملائكة يستغفرون لهم في كل يوم وليلة، والرابعة: أنّ الله تعالى يأمر جنته فيقول: استعدي وتزيني لعبادي، يوشك أن يستريحوا من نصب الدنيا وأذاها إلى داري وكرامتي، والخامسة: فإذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا، كالعمال إذا فرغوا من أعمالهم؛ وُفوا لهم أجورهم، وهذا الحديث كسابقه من أحاديث الوعاظ والقصاصين الذين رفعوها إلى خير البرية عليه الصلاة والسلام ظلما وزورا، قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار وفيه هشام بن زياد أبو المقدام ضعيف، ومع هذا لا ينكر أحد فضل الله تعالى، ولكن الفضل والرحمة لا تنسب إليه سبحانه بروايات واهية، فقد أنزل كتابه تبيانا لكل شيء، ورفيعا من النقائص والأوهام.
__________
(1) الرحمن/ 72. (1/121)
صفحة 122
- قوله: جعل الله صيامه فريضة، وقيامه وسيلة، تقدم تخريجه بلفظ: جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، والحديث كما مر رواه ابن خزيمة وقال – بصيغة التضعيف -: وإن صح الخبر، والبيهقي والأصفهاني في الترغيب عن سلمان، وبين ابن حجر ضعفه لأن مداره على علي بن زيد بن جدعان، ويوسف بن زياد الراوي عنه ضعيف جدا.
وصيام رمضان فرض بنص كتاب الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (1).
ولقيام ليله فضل لا يعلمه إلا الله، ومن الوسائل إلى مرضاته ومغفرته سبحانه، قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (2).
- قوله: وهو شهر الصبر، وشهر المواساة، يزداد فيه رزق المؤمن، وأصل هذا حديث جابر المتقدم بلفظ: وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، وهو حديث ضعيف كما مر بيانه.
أما كونه شهر الصبر فالصائم يصبر فيه الطعام والشراب والفرج، ويسابق فيه لفعل الصالحات، متحملا المشاق والصعاب، والله تعالى يقول: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (3).
وكونه شهر المواساة حيث يظهر في الصيام التكافل الاجتماعي، فيتسحرون مجتمعين في وقت واحد، ويفطرون مجتمعين في وقت واحد، بها يظهر المجتمع المتآلف أغنياء وفقراء، رؤساء ومرؤوسين وكأنهم أسرة واحدة، فيزداد باجتماعهم الرزق، هذا إن علموا ووقفوا عند المقصد من تشريعه.
أما ما نراه اليوم من تنافس في المأكولات والمشروبات، وكأنّ الشهر شهر طعام وشراب، أصبح عبأ يزعج أرباب الأسر، حيث لا يبقى في جيوبهم شيئا، بل والعديد من يقترض ليباهي بذلك أسرته، فما نرى الرزق فيه إلا وقد ضاق، والهم قد ازداد، بسبب تغييب المقصد الإلهي من تشريعه للصيام.
__________
(1) البقرة/ 183.
(2) السجدة/ 16 - 17.
(3) الزمر/ 10. (1/122)
صفحة 123
- قوله: أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، وهذا جزء من حديث جابر المتقدم بيانه، وهو حديث ضعيف جدا، فرمضان شهر كله رحمة ومغفرة وعتق لمن صام فيه إيمانا واحتسابا، وراقب فيه مولاه بكرة وأصيلا، وخضع له تائبا ذليلا.
- قوله: من تقرب فيه بخصلة من الخير كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهذا أيضا جزء من حديث جابر المتقدم بيانه آنفا، حيث ينزل إلى درجة الضعيف كما عند المحدثين، ومع هذا رمضان من الأشهر التي فضلها الله تعالى، ولا شك أنّ الله يضاعف الحسنات فيه أضعافا مضاعفة، وفق قانونه سبحانه، حيث يقول: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون (1)، ويقول: ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إنّ الله غفور شكور (2)، فأجر الله وإحسانه لا يعد، والعرب غالبا تستخدم الأرقام لا للحد ولكن لبيان درجة الفضل، نحو سبعين كما في رواية جابر، أو تستخدم درجة الأعظم فيما هو دونه، نحو الفريضة في النافلة لبيان الفضل، وهذا لا يخص رمضان بل يعم سائر الأعمال والأزمان، فقانون الله واحد في الأزمان والأمكنة، وإن كان رمضان مظنة الخير العظيم لأسباب ذكرناها سابقا.
__________
(1) البقرة/ 254.
(2) الشورى/ 23. (1/123)
صفحة 124
- قوله: ومن أفطر فيه صائما على مذقة من لبن –أي شربة- أو تمرة أو شربة ماء كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، ومن خفف عن مملوكه فيه خفف الله عنه حتى يدخل الجنة، والحديث تكملة لسابقه من حديث جابر الضعيف سندا، وفي هذا المقطع حثٌ على التكافل الاجتماعي، والذي ينبغي أن يظهر في شهر رمضان؛ حيث يشعر الإنسان الغني وقد ترك ما لذ من طعامه وشرابه طيلة يومه، فيشعر بحاجة أخيه الفقير، والذي قد يصبر ليس شهرا فحسب؛ بل سنين وأعواما، فتمتد يده الكريمة إليه إحسانا وفضلا، وإكراما ومساعدة، لتكون دربة على الإنفاق والعطاء ليس في رمضان فقط، بل في سائر العام، والله تعالى يقول: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون (1).
كذلك الصائم يشعر عندما يعاود عمله المعتاد، حيث يترك طعامه وشرابه؛ يشعر بقسوة العمل وشدته، فيرق قلبه هنا عن مملوكه ومن تحت يده من العمال، فيخفف عنهم العمل، وييسر لهم سبله، فيكون رفيقا بهم ميسرا، أليفا مخففا.
والحديث في جملته يدعو إلى التعاون والتكافل والإحسان، وهي من العوامل التي تعين الإنسان على توفيق الله تعالى له، ومع هذا لا يمكن أن يجزم بما جاء في هذا الحديث من أحداث غيبية كالحوض مثلا، لأنها تفتقر إلى دليل قطعي.
- قوله: النوم فيه عبادة، والصمت فيه تسبيح، ودعاؤه مجاب، وعمله مضاعف، وأصل هذا حديث البيهقي في شعب الإيمان من طريق عبد الله بن أبي أوفى بلفظ: نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله مضاعف، ودعاؤه مستجاب، وذنبه مغفور، قال السيوطي في الجامع الصغير: حديث ضعيف.
__________
(1) البقرة/ 254. (1/124)
صفحة 125
أما نوم الصائم عبادة إذا كان يستعين به على أولوياته من عبادات محضة، وأعمال دنيوية معيشية، أما أن يترك عمله، ويرخى إلى الكسل، ويفرط في شعائر دينه، فهذا ليس من العبادة في شيء؛ بل قد يكون معصية للرب إذا ترتب بسببه ضياع دينه ودنياه، والله تعالى يقول: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنّ الله لا يحب المفسدين (1).
والصمت فيه تسبيح إن كان الكلام لا فائدة منه، ومن اللغو الذي لا يجدي، أما إذا كان الكلام في حدود المباح، أو طلبا لعلم، أو إصلاحا بين الناس، أو قضاء لحاجة، فهذا أيضا عبادة وتسبيح، قال تعالى: والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (2).
ودعاؤه مجاب لأنّ الصيام من مواطن الإجابة، والله تعالى يقترب فيه برحماته، ليقترب الناس إليه بالتضرع والإنابة، قال سبحانه: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (3).
وعمله مضاعف لأنّ الله يضاعف الحسنات فيه أضعافا مضاعفة، وفق قانونه جلّ وعلا، حيث يقول: ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إنّ الله غفور شكور (4).
- وقوله: استكثروا فيه من شهادة أن لا إله إلا الله والاستغفار، واسألوه الجنة، وتعوذوا به من النار، فإنه يقال: يُنادى مناد في كلّ ليلة: ألا هل من تائب فيتاب عليه؟ ألا هل من مستغفر فيغفر له؟ ألا هل من طالب فيعطى سؤله؟ وأصل شطره الأول حديث جابر المتقدم بسند ضعيف ونصه: فاستكثروا فيه من أربع خصال خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما؛ فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار.
__________
(1) القصص/ 77.
(2) الفرقان/ 72.
(3) البقرة/ 186.
(4) الشورى/ 23. (1/125)
صفحة 126
وأما الشطر الثاني فأخرجه الخطيب من طريق ابن عباس بلفظ: إذا كان أول ليلة من رمضان ... ونادى مناد من سماء الدنيا كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر انته، هل من مستغفر يغفر له؟ هل من تائب يتاب عليه؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟.
وأما الإكثار من التوبة والاستغفار والتضرع فهذا أمر مطلوب خاصة في شهر الصيام؛ لأنّ فيه تجديد الوصال والعهد مع الله تعالى، فينبغي الإكثار من الاستغفار، وطلب الجنة والاستعاذة من النار، ليعتاد اللسان والجوارح تبعا لها على ذلك؛ لأنّ رمضان دورة تدريبية سنوية في الطاعة وعمل البر والإحسان، بجانب التوبة والرجوع إلى الديان.
وأما وجود منادى ينادي في الثلث الأخير من الليل، أو من نصفه أو من بدايته على اختلاف الروايات فالله أعلم به، ولا يمكن الجزم به لتعذر وجود دليل قاطع، ولعله كناية على الفضل العميم للذين يحيون لياليهم بعمل البر والإحسان والتضرع والطاعة، ولأنّ الليل غالبا يميل الناس فيه إلى النوم والاسترخاء، وبعضهم للمعصية والمخالفة، وهؤلاء تركوا نومهم، واستجابوا لربهم، فحق لهم الفضل الإلهي، والأجر الرباني، قال تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (1).
الدراسة الثانية: فضائل رمضان من كتاب بيان الشرع (2)
بيان الشرع من الكتب الموسوعية في التراث العماني، إذ يزيد عن نيف وسبعين جزءا، ويعود إلى القرن الخامس الهجري.
__________
(1) السجدة/ 16 - 17.
(2) ينظر: بيان الشرع، للشيخ محمد الكندي، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى،1401هـ/ 1981م، ج 20، ص: 5 - 16. (1/126)
صفحة 127
ومؤلفه العلامة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي، من أهل سمد نزوى، وهو من أجلّ علماء القرن الخامس الهجري، تلقى العلم على يدي القاضي أبي علي الحسن بن أحمد العقري النزوي، فأصبح عالما فقيها، نبغ في جملة من العلوم، ونظم الشعر، وقد تتلمذ على يديه الشيخ أحمد بن محمد بن صالح صاحب المصنف، قضى حياته بين التأليف والفتوى والقضاء، حريصا على استغلال أوقاته والتفاني في حفظ العلم وتدوينه، من آثاره: ما وجد بخط يده كتاب الصلت بن مالك إلى جنده عند تحرير سقطرى، وله كتاب اللمعة المرضية في أصول الشرع وفروعه، ونظم القصيدة العبيرية في وصف الجنة، وقد شرحها جملة من العلماء منهم: الشيخ اطفيش القطب، بطلب من السيد فيصل بن حمود آل عزان وغيره، وله الأرجوزة المسماة النعمة في الأديان والأحكام، وقد توفي عشية الثلاثاء لعشر ليال خلون من رمضان سنة: 508هـ، وقيل: ليلة 23 شعبان 507هـ (1).
والآن أذكر بعض ما جاء فيه من الفضائل:
قوله: فإذا كان في غداة الفطر تقف الملائكة على أفواه السكك وتنادي: يا أمة محمد، اغدوا إلى ربكم، إلى رب كريم، يقبل القليل، ويعطي الجزيل، فإذا صاروا في صعيدهم؛ قيل: يقول الربُ تبارك وتعالى: يا ملائكتي، ما جزاء الأجير عند فراغه من عمله؟ قيل: فتقول الملائكة: جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول العلي الأعلى تبارك وتعالى: هؤلاء عبيدي، فرضت عليهم الصيام فصاموا، وسننت – في نسخة – القيام فقاموا، أشهدكم أني قد غفرت لهم.
__________
(1) ينظر: معجم أعلام الإباضية [قسم المشرق]. (1/127)
صفحة 128
وأصل الرواية رواية ابن عباس عند البيهقي، ونصها: فإذا كان ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة، فإذا كان غداة الفطر يبعث الله تعالى الملائكة في كل البلاد فيهبطون إلى الأرض، ويقومون على أفواه السكك، فينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس فيقولون: يا أمة أحمد أخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل، ويغفر العظيم، فإذا برزوا في مصلاهم يقول الله تعالى للملائكة: يا ملائكتي، ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: جزاؤه أن يوفى أجره، فيقول: فإني أشهدكم أني جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان، وقيامهم رضائي ومغفرتي، ويقول: يا عبادي، سلوني، فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئا في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، وعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود، انصرفوا مغفورا لكم قد أرضيتموني ورضيت عنكم، فتفرح الملائكة وتستبشر بما يعطي الله تعالى هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان.
والحديث سنده ضعيف جدا، ومتنه ركيك أقرب إلى قصص الوعاظ وخيالهم، وهو في مجمله لا يتوافق مع قوانين الله تعالى في القرآن الكريم، فرمضان دورة تدريبية، ومنشط نفسي للعمل الصالح، وهو من الحسنات التي تكفر السيآت مع التوبة، وليس مجرد صيامه يكفي لهذا الأجر، وهو يحارب الله تعالى في ليله وبعده، متغنيا بصيامه، بل هذا من الغرور الذي نهى الله عنه حيث قال: ولا يغرنكم بالله الغرور (1).
وهذه الروايات المحبوكة أثّرت في تغييب مقاصد الله تعالى من تشريع الشرائع، فأصبحت طقوسا كهنوتية، وعادات خاوية، لا تؤثر شيئا في ذات المسلمين، فلن نجد عجبا أن يحارب الناس ربهم في رمضان وبعده بصنوف المعاصي والسيآت محتجين بفضل رمضان من خلال هذه الروايات الضعيفة والمحبوكة.
__________
(1) لقمان/ 33. (1/128)
صفحة 129
قوله: وقيل: إنّ رائحة فم الصائم أطيب من رائحة المسك إذا كان تقيا، وأصل الحديث حديث الربيع وأحمد ومسلم والنسائي من طريق أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ورواه الترمذي من طريق أبي هريرة بلفظ: ولخلوف فو الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، والحديث عند المحدثين صحيح.
والخلوف هو تغير طعم الفم وريحه، وهذا يكون بعد الاستيقاظ من النوم أو الزوال، لذا اختلف الفقهاء في التعامل مع هذه الرواية، وفي تغيير رائحة الفم بالسواك، فبعضهم يرى أنّ الرواية لا يستنبط منها حكم شرعي، وغاية أمرها الفضل المترتب على الصائم ولو كان فمه كريه الرائحة، والأصل السواك لأمرين: أولا لأنّ الأصل الطهارة، وتحريم إيذاء المؤمنين، ولا شك أنّ رائحة الفم الكريهة مؤذية للمؤمنين، وفي الأثر: لا تؤذوا المؤمنين (1)، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام الخروج إلى المسجد، وإجابة النداء إذا كان المصلي لم يتخلص من الرائحة الكريهة الملاصقة به، كرائحة الثوم وشبهه، مع وجوب إجابة النداء – على الصحيح – لقوله تعالى: واركعوا مع الراكعين (2).
ثانيا: الأصل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يستاك، وحث عليه، ولم يرد عنه ترك السواك في رمضان، والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا يرفع الحكم إلا بدليل مثله أو أقوى منه، والدليل المتقدم لا يصل إلى رفع استحباب السواك في رمضان.
وذهب فريق آخر من الفقهاء على أنّ الرواية تدل على كراهية السواك في الصيام خاصة بعد الزوال، وبما أنّ للرائحة الكريهة تدل على الفضل المترتب من الصيام، وقيمة ذلك عند الله تعالى؛ فالأصل بقاؤها وعدم إزالتها تيمنا للفضل.
__________
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عطاء عن ابن عباس، باب الظاء، أحاديث عبد الله بن عباس.
(2) البقرة/ 43. (1/129)
صفحة 130
والصحيح القول الأول لقوة أدلته، ولأنّ السواك يدل على الأصل، وهو بقاء الطهارة والنظافة، وعدم إيذاء المؤمنين، فلا يصح رفع ما يؤدي إلى النظافة وتكريه إلا بدليل واضح وقوي، لذا سنجد من تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم الحفاظ على هذا الأصل، ومنه السواك.
ووجه الشبه بين المشبه والمشبه به في الحديث أنّ حامل المسك مرغوب عند الناس؛ لما يجدونه من رائحة جميلة تفوح من المسك مع اسوداد لونه، وكذا الحال عند الصائم في رمضان فهو مرغوب عند الله تعالى، ولو كان رائحة فيه كريهة، إلا أن لهذه الرائحة منزلتها عند الله جلّ وعلا، فهي شاهدة على صيامه.
ونجد المؤلفَ قيد الرواية بقوله: إذا كان تقيا؛ وذلك جمعا بين الرواية وبين قوانين الله تعالى في القرآن، فمن القواعد قوله: إنما يتقبل الله من المتقين (1)، وإنّ معَ ما تفيد الحصر، ولا شك أنّ الذي يصوم بطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الجماع؛ وفي المقابل لا يصوم لسانه ولا باقي الجوارح عن الحرام؛ أنّ هذا لا يعتبر تقيا، بل عاصيا فاسقا، فهذا صيامه وفق قوانين الله تعالى مردود، ولا عبرة برائحة فيه الكريهة، وإنما العبرة بتقواه، والله تعالى لا يصله صيامنا ولا قيامنا، وإنما يصله التقوى منا.
قوله: وقيل: للصائم فرحتان ... فرحة عند فطره، وفرحة يوم يلقى ربه، وأصل هذا حديث أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه من طريق أبي هريرة بلفظ: للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، والحديث صحيح عند المحدثين.
__________
(1) المائدة/ 27. (1/130)
صفحة 131
وهذا الحديث يشير إلى فرحتين يتحصل عليها الصائم بحق، الفرحة الأولى عندما يفطر، فهو يشعر بلذة داخلية على إتمامه الصيام، واجتهاده في رضا الملك العلام، فإذا ما فطر انشرح صدره، وفرح بفطره، وفي هذا يقول سبحانه: الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (1).
كذلك يفرح بفطره يوم يلقى الله تعالى، في ذلك المحشر العظيم، فيكون صيامه من الأعمال الصالحة التي تقربه لربه، وتشفع له عنده، يقول جلّ جلاله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (2).
قوله: وقد قيل إنّّ للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة، وأصل هذا حديث الحكيم عن ابن عمر بلفظ: لكل صائم دعوة مستجابة عند إفطاره أعطيها في الدنيا أو ادخرت له في الآخرة، والحديث حسنه السيوطي.
ولا شك أنّ جميع الأزمان موطن إجابة، فالله لا يحده زمان ولا مكان، ولكن سبحانه جعل في بعض الأماكن والأزمان من المزايا ما لا يوجد في غيرها من الأزمان والأماكن، ولهذا قال سبحانه في عقد آيات الصيام: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (3).
فالصائم عند فطره قريب من ربه بمجاهدته في الطاعات، وابتعاده عن النواهي والسيآت، فيكون قريبا من الله، وفي هذا تكون الإجابة قريبة الأمل، فمن اقترب من ربه اقترب الله منه وفق قانونه سبحانه في القرآن.
__________
(1) الرعد/ 28 - 29.
(2) الانشقاق/ 7 - 9.
(3) البقرة/ 186. (1/131)
صفحة 132
قوله: ومن الكتاب، وفي الحديث عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول: الصوم لي وأنا أجزي به، وأصل هذا حديث أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة و أبي سعيد معا، والحديث صحيح عند المحدثين.
وهذا الحديث في مجمله يدخل في كليات القرآن في وجوب الإخلاص لله سبحانه، فالله تعالى يقول في آخر آيات الصيام: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (1)، انظروا: قال: تلك حدود الله، ولم يقل: تلك حدود رمضان، فأضاف الحدود إليه جلّ جلاله، ولم يضفها إلى رمضان، فرمضان فترة زمنية خلقها الله تعالى لا تنفع ولا تضر، وإنما نحن نعظم هذه الفترة الزمنية لأنّ الله هو الذي أمرنا بتعظيمها، من هنا كان مبدأ المسلم العمل لله وحده، وعدم الإشراك به بأي شرك مادي أو زمني، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (2).
من هنا ندرك لماذا يكثر الناس من العبادة في رمضان ويتكاسلون عنها بعد انتصاف رمضان؟ أو بعد رمضان؟ ولماذا يبتعدون عن المحرمات في نهاره وينتهكونها في ليله؟
هل يدل هذا على صيامهم لرمضان إيمانا بالله تعالى؟ إذا هؤلاء صاموا رمضان لأمرين: الأمر الأول عادة رأوا الناس يفعلونها، والأمر الثاني: استحضروا في قلوبهم عظمة رمضان، ولم يستحضروا عظمة خالق رمضان، مع أنّ الذي أمر بالصيام والقيام هو الله تعالى وحده لا رمضان.
فالله تعالى جعل الصيام خاصا به: الصوم لي، هو الذي فرضه، وهو المختص وحده بالجزاء لا شريك له سبحانه، وأنا أجزي به.
__________
(1) البقرة/ 187.
(2) البينة/ 5. (1/132)
صفحة 133
قوله: وإنّ في الجنة نهرا يقال له الريان للصائمين، وأصل هذا حديث أحمد والبخاري ومسلم من طريق سهل بن سعد بلفظ: إنّ في الجنة بابا يقال له "الريان"، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون منه، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد، ودرجة الحديث صحيح عند المحدثين.
والمشهور في الروايات بابا يقال له الريان، ورواية المؤلف: إنّ في الجنة نهرا يقال له الريان، ذكرها المتقي الهندي في كنز العمال من طريق أنس، وبين أنّ فيها كثير بن حكيم وهو متروك، ومع هذا لفظة المؤلف أقرب لغة وعقلا لأمرين: الأمر الأول لفظة الريان أقرب لغة إلى النهر من لفظة باب، فالريان من الري، وهذا يتحقق بالنهر، ولعل ذكر الباب لأنه يؤدي إلى النهر مباشرة والله أعلم.
الأمر الثاني لفظة باب تحدث إشكالات متعددة، فنحن نجد في القرآن إشارة أنّ للجنة أبواب، قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (1)، وفي المقابل لن نجد ذكرا لعددها، بينما رواية البخاري من طريق سهل بن سعد تشير أنّ للجنة ثمانية أبواب بلفظ: في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون.
وهنا تحدث إشكالية أخرى مع روايات الدخول من أي أبواب الجنة بلا استثناء، نحو رواية أحمد والطبراني وابن عساكر من طريق عبادة ابن الصامت بلفظ: من عبد الله لا يشرك به شيئا وأقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع وأطاع أدخله الله من أي أبواب الجنة شاء، فلم تستثن الرواية الصائمين.
__________
(1) الزمر/ 73. (1/133)
صفحة 134
ثم من المقصود بالصائمين، هل صوام الفرض: شهر رمضان، أم المكثرين ما فوق الفرض، فإن قلنا صوام الفرض فإنّ الكل مطالب بصيامه، ومن لم يصمه لا إيمان له وفق قوانين الله تعالى في القرآن، ويستثنى من أسلم بعد رمضان أو رجع إلى الله تعالى، ثم مات قبل أن يدرك رمضان التالي، أما أن يدعي الإيمان، ويترك صيام الشهر فهذا مستخف بإيمانه، فاسق بعمله، قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (1).
فإن قلنا المقصود بذلك صيام الفرض فالكل سيدخل من هذا الباب، لذا من سيدخل من الأبواب الأخرى؟!، إلا إذا قلنا: مخصص ذلك لمن سابق فيه بالخيرات خلاف المقتصد في صيامه، هذا إذا فسرنا الباب بالمعنى المحسوس لدينا.
وإذا قلنا المقصود فيه ما فوق الفرض، لم يكن الحديث مزية لرمضان، ولا يدل على فضله، ومن جانب آخر ندرك أنه ليس هؤلاء بحاجة لأن يجعل لهم باب مخصص لهم خلاف غيرهم، لأنهم غيرهم أيضا أدوا ما فرضه الله تعالى لهم، وابتعدوا عما نهاهم عنه، وإذا احتمل هذا كان باعتبار مسابقتهم في العمل الصالح من الصيام.
فالرواية إذا قيدت بالنهر –كما ذكر المؤلف- ترتفع الإشكالية، فيكون للصائمين نهر أعده الله تعالى لهم جزاء صومهم وإمساكهم وتعبهم.
ومع هذا لا يمكن الجزم بما جاء في الرواية – وإن صحت سندا- لكونها أحادية ظنية لا تفيد علما.
__________
(1) غافر/ 58. (1/134)
صفحة 135
قوله: وإذا كان يوم القيامة توضع لهم موائد يجلسون عليها، والناس في الحساب لا يعلمون ما الناس عليه، لم أستطع الحصول على أصل لهذه الرواية في كتب المحدثين من السنة لأنّ غالبا ما ينقل علماء عمان عنهم ما يتعلق بالفضائل، ولكني وجدت أصلا قريبا لهذه الرواية من كتب الشيعة الإمامية، ذكرها محمد باقر المجلسي في كتاب بحار الأنوار بلفظ: عن الحسين عن أبيه عن جده (ع) قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الطاوية بطونهم من الصيام؟ أين الظامئة أكبادهم؟ وعزتي وجلالي، لأشيعنهم اليوم، وأروينهم حتى لا يجدوا جوعاً ولا ظمأ، فيؤتى بالصائمين فتوضع لهم الموائد بشتى أصناف الطعام والشراب، فيأكلون ويشربون وينعمون والناس بعد قائمون في الحساب، والحديث ركاكته واضحة، وضعفه يشع من متنه، والظاهر إنه من تلاعب الوعاظ.
ومع هذا يظهر للمتن إشكاليات في تحديد الصائم هنا، هل المقصود بالصائمين صائم الفرض: شهر رمضان، أم المكثرين ما فوق الفرض، فإن قلنا صائم الفرض فإنّ الكل مطالب بصيامه، ومن لم يصمه لا إيمان له وفق قوانين الله تعالى في القرآن كما مر، ويستثنى من أسلم بعد رمضان أو رجع إلى الله تعالى، ثم مات قبل أن يدرك رمضان التالي، وعليه إن قلنا المقصود بذلك صيام الفرض فالكل يشملهم الحديث، إلا إذا قلنا: مخصص ذلك لمن سابق فيه بالخيرات خلاف المقتصد في صيامه.
وإذا قلنا المقصود بالصائمين ما فوق الفرض، لم يكن الحديث مزية لرمضان، ولا يدل على فضله، فهو في فضل الصيام ما فوق الفرض لا في رمضان، إلا إذا قلنا من صام رمضان وزاد عليه والله أعلم. (1/135)
صفحة 136
قوله: وقد قال الله تعالى: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (1) ولفظة: والصائمين والصائمات قد تكون على الحقيقة وهي الأصل، فتشمل رمضان والنذر خصوصا لأنّه الواجب، ويدخل فيها النفل تبعا.
وقد يراد بالصائمين والصائمات المعنى اللغوي، أي الصائمين عن الحرام وما يشين، لذا جاء بعده: وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ، والصحيح يشمل الأمرين، فالأصل من الصيام اللغة وهو الإمساك عن النواهي والحرام، والصيام اللفظي بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب والحرام إنما هو دربة لكبح جماح النفس لتتعود على الطاعة والاستقامة.
قوله: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، قال: يقول الصيام: إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه يا رب، ويقول القرآن: إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه يا رب، فيشفعان له، وأصل هذا ما رواه أحمد والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو بلفظ: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان.
__________
(1) الأحزاب/ 35. (1/136)
صفحة 137
والحديث يدخل في كليات القرآن الكريم حيث جمع بين الإيمان والعمل الصالح، فالذي يشفع للإنسان يوم القيامه جمعه بين الاثنين، أما أن يتغنى بلفظ التوحيد: لا إله إلا الله، ويترك الواجب، ويستخف بالمحرمات، مدعيا أن "لا إله إلا الله" تشفع له يوم القيامة، فهذا من الأماني التي حذر الله تعالى منها، يقول سبحانه: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.
قوله: ابن عباس قال: ما عذب قوم قط إلا في شهر رمضان، فإن سلم لهم شهر رمضان سلم لهم سائر سنتهم، لم أجد له أصلا، ومراد ابن عباس –إن صح- أنّ شهر رمضان دورة تدريبية، وفرصة ذهبية للعمل الصالح، والبعد عن النواهي، فإن فشل في هذه الدورة فمن باب أولى أن يفشل في باقي الشهور، وإن نجح فيها كانت دعامة له للنجاح في باقي الأيام والشهور.
قوله: وعن النبي – صلى الله عليه وسلم- محا رمضان كلّ صوم قبله، ومحت الزكاة كلّ صدقة كانت قبلها، لم أجد له أصلا، ولعل المراد من كلمة محا أمرين: الأمر جانب التشريع، فرمضان – كما هو مشهور – لم يفرض مرة واحدة، بل حدث له تدرج في تشريعه، فذهبت طائفة من العلماء أنّ هناك أياما شرع فيها الصيام قبل فرض رمضان، فقيل عاشوراء، وقيل ثلاثة أيام من كل شهر، والظاهر هذا الرأي ضعيف جدا، فرمضان كان معروفا عند العرب، وفي الجاهلية، إلا أنّه حدث بعض الضياع في تشريعه، والإهمال له لتقادم العهد، فجاء الشرع لبيانه وإرجاعه كما أراد الله تعالى، وهذا ما حدث في الزكاة والحج، ومع هذا لا يستبعد أن يتدرج في بعض تشريعاته، نحو التخيير في صيامه أو الفدية فيه، قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1).
__________
(1) البقرة/ 184. (1/137)
صفحة 138
الأمر الثاني: الجانب الإلزامي لرمضان والزكاة، فرمضان والزكاة فرض، وما عداهما نفل، ولا شك أنّ أجر الفرض أعظم من النفل، فلا مقارنة بينهما، فيكون رمضان محا كل فضيلة لأي صيام آخر، وكذلك الزكاة، والله أعلم.
قوله: في رمضان ثلاث ليال، من فاتته فقد فاته خير كثير، ليلة تسعة عشر، وواحد وعشرين، وآخر الشهر، قيل: يا رسول الله سوى ليلة القدر؟ قال: نعم، فمن لم يغفر له في شهر رمضان، ففي أي شهر يغفر له؟ هذه الرواية ذكرها أبو الشيخ في الثواب والديلمي من طريق أنس؛ وفيه: زياد بن ميمون صاحب الفاكهة كذاب.
ولا أدري الغرض من تخصيص هذه الليالي الثلاث، ويستثني ليلة القدر، مع أنّ حديث أبي سعيد ينص على أنّ ليلة القدر من ضمن العشر الأواخر، مع تحري الوتر: إني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين من صبيحتها.
وسبق أن ذكرنا سابقا هل ليلة القدر تتكرر كل سنة، أم سميت بذلك لعظم قدرها بنزول القرآن، فهي حدثت مرة واحدة، ولا تتكرر، ولذا اختلف من قال بتكرارها، فقيل هي في شعبان، وقيل في رمضان، ومن قال في رمضان اختلفوا أيضا، أهي في جميع الشهر، أم في العشر الأواخر، ومن قال في العشر الأواخر اختلفوا أيضا: أهي في جميع ليالي العشر، أم في أوتار العشر، ومن قال في الأوتار اختلفوا في أي وتر من هذه العشر.
كذلك تقع إشكالية أخرى بسبب اختلاف المطالع إن قلنا هي في الأوتار، فليلة سبع وعشرين عند قوم تكون عن آخرين ليلة ثمان وعشرين أو ست وعشرين، فهل ليلة القدر هنا تتكرر في ذاتها؟!
لذا يدل هذا الاختلاف الكبير أنّ ليلة القدر سميت بهذا الاسم لقدر وعظم نزول القرآن فيها، أما ما ورد في تكرارها سنويا فهي أحاديث ظنية اختلف حولها، وسورة القدر لا تفيد أنها تتكرر في كل سنة، وإنما أشارت إلى بيان قدرها عند التحدث بنزول الكتاب العظيم فيها. (1/138)
صفحة 139
أما قوله: فمن لم يغفر له في شهر رمضان، ففي أي شهر يغفر له؟ والمراد بهذا إذا كان رمضان لم يؤثر في نفس الإنسان مع أجوائه الروحانية، فأي شهر بعد هذا يؤثر في نفسه، ولا يعني هذا أنّ الله لا يغفر في غير رمضان، فأبواب الإجابة والتوبة مفتوحة لا يحدها زمان ولا مكان، ما دام القلب ينبض بالحياة.
قوله: وسيد الشهور رمضان، فالحسنة فيه تكتب ألف حسنة، والنفقة فيه تضاعف كالنفقة في سبيل الله، وأصل "سيد الشهور رمضان" حديث البزار من طريق أبي سعيد بلفظ: سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة، وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي، وحسنه السيوطي، ورواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف من طريق ابن مسعود بلفظ: سيد الشهور شهر رمضان وسيد الأيام يوم الجمعة، ولعل أصل "فالحسنة فيه تكتب ألف حسنة" حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، فكأنما قد صمت الدهر كله، ويدخل فيه رمضان من باب الأولى، وأصل: "والنفقة فيه تضاعف كالنفقة في سبيل الله" رواية: انبسطوا في النفقة في شهر رمضان، فإنّ النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله، أخرجه ابن أبي الدنيا في فضائل رمضان عن ضمرة وراشد بن سعد مرسلا، قال السيوطي: ضعيف.
قوله وسيد الشهور رمضان، وذلك لأنّ رمضان دورة تدريبية في عمل الخير، واجتناب الشر، يخرج منها الصائم ليعتاد الخير أيام السنة، فهذه الدورة مكان الزاد للعام، أراده الله تعالى ليكون مصدر خير للإنسان: وأن تصوموا خير لكم (1)، بجانب ارتباط الإنسان فيه بالقرآن الذي أنزل فيه تلاوة وتدبرا، ليكون منبع هداية ورحمة له سائر العام: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان (2).
__________
(1) البقرة/ 184.
(2) البقرة/ 185. (1/139)
صفحة 140
قوله: فالحسنة تكتب فيه ألف حسنة، وذلك لأنّ الحسنة في قانون الله تعالى تضاعف أضعافا مضاعفة، قال تعالى: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (1)، وهذا القانون لا يخص شهر رمضان فحسب؛ بل يجري في جميع العام، إلا أنّ رمضان شهر باركه الله بنزول الكتاب، وتخصيص الصيام، وتزويد النفس بالخيرات، لذا كان مظنة مضاعفة الحسنات، لقرب الناس من ربهم جلّ وعلا.
قوله: والنفقة فيه تضاعف كالنفقة في سبيل الله، وهذا من باب قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (2)، وهذا وفق قانونه سبحانه في مضاعفة الحسنات كما ذكرنا آنفا، وهذا لا يخص رمضان فحسب؛ بل يعم سائر العام، ورمضان مظنة ذلك بصورة أولى.
__________
(1) الشورى/ 23.
(2) البقرة/ 261. (1/140)
صفحة 141
قوله: عن أبي الديلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في رمضان صوت، قالو: يا رسول الله، في أوله أو في آخره؟ قال: في النصف من رمضان، وإذا كانت ليلة النصف ليلة الجمعة يكون صوت من السماء يصعق له سبعون ألفا، وتخرس فيه سبعون ألفا، ويعمى فيه سبعون، وتنفتق فيه سبعون ألف عذراء، قالوا: يا رسول الله، فمن السالم؟ قال: من لزم بيته وتعوذ، بالسجود وجهر بالتكبير، قال: ومعه صوت آخر، فالصوت الأول صوت جبرائيل، والصوت الثاني صوت الشيطان لعنه الله، فالصوت في رمضان، والمعمعة وهو صوت لا يفهم في شوال، وفيه تميز القبائل في ذي القعدة، ويعاد على الحاج من ذي الحجة، والمحرم أوله بلاء على أمتي، وآخره فرج على أمتي، ولراحلة في ذلك الزمان ينجو عليه خير له من دسكرة تغل له مائة ألف درهم، روى هذا الحديث الطبراني في الكبير من طريق فيروز الديلمي، وسند الرواية ضعيف جدا، وفيها عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك.
والحديث حبك على تعظيم ليلة الخامس عشر منه، لذا شاع لدى الناس الاهتمام بهذه الليلة، وأدرجت حولها الخرافات والأكاذيب، واختلفت تسميتها من مكان لآخر، ففي دول الخليج يسميها البعض القرقيعان وهذه التسمية شاعت في السعودية والكويت، وبعض دول الخليج يسميها الناصفة أو حل وعاد أو كريكشون أو القرنقشوه أو الطلبة، وتسمى أيضاً طاب طاب، وكرنكعوه أو كريكعان وتسمى أيضاً حق الليلة أو الماجينة، وهذه التسمية شاعت في الإمارات وعمان، والبحرين والعراق، بجانب السعودية والكويت.
وفي عمان الداخل لم يكن يعرفوا القرنقشوه إلا من خلال تأثرهم ببعض من هاجروا إلى عمان منذ زمن بسيط، وتركزوا في الأماكن الساحلية.
ولكن مع هذا شاع في الداخل بعض الاهتمام بهذه الليلة كأكل الحلوى تحذيرا من بعض التأثيرات السلبية التي قد تحدث، لذا يوجبون على الأطفال أن يأكلوا شيئا ولو بسيطا منها. (1/141)
صفحة 142
وليلة النصف من رمضان كغيره من أيام الشهر، لا يتميز بشيء؛ بل هي فرصة لمراجعة الذات بعد منتصف مضى من الشهر، وبقي النصف الثاني، لا أن تنسج حولها الأكاذيب والخرافات.
ووضاع الحديث أرادوا جذب الناس إلى استغلال الشهر ونصفه بالطاعات كالذكر والسجود، ومع هذا أدرجوا ما يسيء إلى الشهر، حيث يحدث فيه خسف وعمي وفتق لأعراض النساء، والشيطان يلعب دوره، مع أنهم رووا أنّ الشياطين تغل في رمضان، فأي تناقض بعد هذا.
والحاصل رمضان وغيره من الشهور مبرؤون من هذه الخرافات، والحمد لله على نعمة العقل.
الدراسة الثالثة: فضائل رمضان من خلال كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب (1)
كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب وهو من الكتب المخطوطة في التراث العماني، والكتاب للعلامة عامر بن خميس المالكي، المتوفى سنة: 1346هـ، وبهذا يكون من علماء القرن الرابع عشر الهجري، حيث ولد بوادي بني خالد من شرقية عمان، سنة 1280هـ، ويعد من أكبر تلامذة الشيخ نور الدين السالمي، صار واحدا من جهابذة العلماء والشعراء، وأقطاب الدولة في عهد الإمام سالم بن راشد الخروصي، كذلك صار مرجعا للفتوى والأحكام الشرعية والرأي والسياسة، وأصبح رئيس القضاة في عصره، إضافة إلى مهمة التدريس، فتخرج على يديه علماء كثيرون منهم: محمد بن سالم الرقيشي، وسعيد بن أحمد الكندي، ومنصور بن ناصر الفارسي وغيرهم، من تآليفه: كتاب "غاية المراد في الاديان والأحكام" في أربعة مجلدات، وكتاب "موارد الألطاف"، وله رسالة سماها: "غاية التحقيق في أحكام الانتصار والتغريق"، و"غاية المطلوب في الأثر المنسوب" في مجلد ضخم، ومنظومته البديعة في الدماء والجروح، وله مؤلفات أخرى، وأسئلة وأجوبة نظمية كثيرة (2).
__________
(1) لقد من الله علينا أن قمنا بتحقيقه، ولم يطبع بعد.
(2) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة الشيخ عامر المالكي. (1/142)
صفحة 143
وإذا جئنا إلى فضائل رمضان من خلال كتاب غاية المطلوب سنجد تكرار ما ذُكِرَ في كتابي بيان الشرع، وكتاب لباب الآثار، بل يكاد ينقل بالنص من كتاب بيان الشرع.
بقي رواية واحدة لم تذكر بنفس اللفظ في الكتابين السابقين بهذا اللفظ: من صام رمضان محتسبا صابرا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، بينما ذكرت بلفظ آخر وهو: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وزاد بعضهم: وما تأخر، وقد بينا ضعف هذه الزيادة، ومخالفتها للقوانين القرآنية.
والحديث بهذا اللفظ لم أجده، ولعله يندرج وفق الحديث المشهور: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
وقوله: من صام رمضان محتسبا تقدم بيانه أي محتسبا الأجر من عند الله تعالى، فهو لا يصومه رياء ولا سمعة، بل قاصدا الأجر والثواب منه تعالى وحده.
قوله: صابرا، ولا شك ترك الإنسان شهواته الحسية من أكل وشرب وجماع، والمعنوية من معاصي وآثام، هذا بحاجة إلى صبر، فإذا اجتمع الصبر مع الإخلاص كان الجزاء عظيما، والله تعالى يقول: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (1).
والنتيجة لمن صام رمضان محتسبا صابرا: غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأنه اجتمع هنا عناصر التوبة الرئيسة وهي الإخلاص والكف عن الحرام، والصبر على الطاعة، فحق لهذا مغفرة الله ورضوانه.
الدراسة الرابعة: فضائل رمضان من خلال كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (2)
كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ العلامة خميس بن سعيد الشقصي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر.
__________
(1) الزمر/ 10.
(2) ينظر: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، لا تاريخ، ج 6، ص 6 - 16. (1/143)
صفحة 144
ولد بنزوى ثم انتقل إلى الرستاق ونشأ فيها، وتزوج من أم الإمام ناصر بن مرشد بعد وفاة زوجها، فتربى الإمام ناصر في حجره وتحت رعايته.
عقدت الإمامة للإمام ناصر على يديه فكان عضده الأيمن، صحبه إلى نزوى ورافقه في غزواته، وأصبح قاضيا للمسلمين، وقاد جيش الإمام لفتح مسقط.
سار قاصدا بوشر فأرسل إليه البرتغاليون يطلبون منه الصلح فأجابهم إليه وتصالح معهم وكف القتال، ولذا فهو يعد من مؤسسي دولة اليعاربة.
له مؤلفات جليلة أشهرها: "منهج الطالبين وبلاغ الراغبين" وهو يعد موسوعة علمية إذ يقع في عشرين جزءا، وله كتاب الإمامة العظمى.
توفي الشيخ الشقصي أيام دولة الإمام سلطان بن سيف الأول أي ما بين 1059 و1090هـ (1).
أما ما يتعلق بفضائل رمضان في الكتاب فنجد تكرارا لما ذكره من سلف، وسنشير هنا ما تفرد به، تاركين ما ذُكِر سابقا.
قوله: وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أذن الله للسماوات والأرض أن يتكلما بشرتا من صام شهر رمضان بالجنة، وأصل هذا ما أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال من طريق أبي هدبة عن أنس بلفظ: لو أنّ الله تبارك وتعالى أذن للسموات والأرض أن يتكلما لبشرتا صائمي رمضان بالجنة، ولم يذكر شيئا عن درجته الحديثية.
وعلى العموم الحديث يدرج من فضائل الأعمال، وفضائل الأعمال غلب عليها الكذب والوضع لجذب الناس إلى الدين، وهي محكومة رأسا بنصوص القرآن الكريم، فلا بد من الوقوف مع متنها وقفة طويلة متأنية.
__________
(1) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة خميس الشقصي. (1/144)
صفحة 145
وكليات القرآن اشترطت لقبول الأعمال الإيمان الخالص، والعمل الصالح، قال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (1).
وليس مجرد الانتساب للإسلام وصيام رمضان كافيا لهه الفضيلة، بل لا بد أن يكون ذلك محكوما بقوانينه تعالى، الرابطة بين الإيمان الصحيح الخالص، والعمل الصالح المخلص.
ورمضان من الأعمال التي يجب أن تتوفر فيها شروط القبول لا الانتساب.
ومع هذا رمضان مضنة الإجابة، كيف لا والإنسان فيه قريب من الله تعالى، فإذا اقترب منه إخلاصا واجتهادا، وعملا وإنابة، اقترب الله منه إحسانا وفضلا، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (2).
__________
(1) البقرة/ 25.
(2) البقرة/ 286. (1/145)
صفحة 146
قوله: وقيل: يقول الله تعالى: يا عبادي الذين صاموا شهر رمضان من أجلي، ارجعوا إلى منازلكم ورحالكم مغفورا لكم، قد رضيت عنكم، وجعلت من صيامكم وجوائزكم يوم فطركم، أن أعتقكم من النار، وأن أحاسبكم حسابا يسيرا، وأن أوسع عليكم الرزق في الحياة ما عشتم، وأن أخلف نفقاتكم، وأقيلكم العثرة، وأستر عليكم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وأقسمت بعزتي لا تسألوني بعد موقفكم هذا وجمعكم وصيام شهركم من أمر الآخرة إلا أعطيتكموه، ولا شيئا من أمر دنياكم إلا نظرت لكم فيه، لم أجدها بهذا اللفظ، ولكن روى الطبراني في الكبير من طريق سعيد بن أوس الأنصاري عن أبيه بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادوا: أغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم، يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أمرتم بقيام الليل فقمتم، وأمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه جابر الجعفي، وثقه الثوري، وروى عنه هو وشعبة، وضعفه الناس وهو متروك، وعلى العموم وركاكة الرواية واضحة، ولا يستبعد أن تكون من تلاعب الوعاظ، وأغلب الأحاديث القدسية ليست صحيحة، ولا يمكن الجزم بمفردات هذه الرواية، وهذا لا يعني التقليل من فضل الله تعالى، ففضله واسع، وإنعامه عظيم، ولا يمكن أن نتحدث عن بعض جوانب إنعامه وفضله إلا بما أكده النص، أو لامسه العقل والجسم كنعمة الحياة.
قوله: يا عبادي الذين صاموا شهر رمضان من أجلي، ارجعوا إلى منازلكم ورحالكم مغفورا لكم، لعل الخطاب كان في يوم العيد عند الصلاة حسب ما تفسره رواية الطبراني المتقدمة، ولعله من باب الحكاية وتصوير المشهد. (1/146)
صفحة 147
أما قوله: الذين صاموا شهر رمضان من أجلي، أي مخلصين في صيامهم لله تعالى، والأصل في هذا من القرآن قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (1)، ويدخل فيه رواية: الصوم لي وأنا أجزي به.
قوله: قد رضيت عنكم، أي قد رضيت عن صيامكم إذا اقترن بالإخلاص لله تعالى، بجانب تقواه وخشيته جل وعلا، ويدخل هذا في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (2)، فالله تعالى أعدّ الجنات للمؤمنين العاملين للصاحات، الذين امتلأت قلوبهم خشية لله سبحانه.
ورمضان صومه وقيامه من الأعمال الصالحة، إذا اقترن بالإخلاص والخشية لا شك سيكون من الأعمال التي تشفع لصاحبها، وترتفع به إلى رضوان الله تعالى.
قوله: وجعلت من صيامكم وجوائزكم يوم فطركم، أن أعتقكم من النار، ويدخل في هذا رواية ابن خزيمة والأصفهاني بسند ضعيف جدا، وهي بلفظ: من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وعتق الرقاب كناية عن الفوز بالجنان، والخلاص من النيران، وهذا من أعظم الفوز الذي يرجوه الإنسان ويتمناه.
__________
(1) الكهف/ 110.
(2) البينة/ 7 - 8. (1/147)
صفحة 148
قوله: وأن أحاسبكم حسابا يسيرا، وها مبني على سلامة خروجه من الدنيا تائبا خاضعا، ويدخل هذا في قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (1)، ولا شك أنّ العاقل يرجو أن يكون من هذا الفريق، فيستغل رمضان كغيره من الأعمال الصالحة لكي يحضى بمرضات الله تعالى.
قوله: وأن أوسع عليكم الرزق في الحياة ما عشتم، وأن أخلف نفقاتكم، وذلك لأنّ الصائم لرمضان كان صيامه شكرا لله تعالى على نعمائه وفضله، وقانون الله ينص على: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (2)، ومن الزيادة البركة في الرزق والسعة فيه، لأنّه وحده المختص بذلك، قال تعالى: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (3).
قوله: وأقيلكم العثرة، والعثرة هي الزلة، وذلك لأن من اجتهد وأراد الهداية ورضوان الله تعالى يسر الله أمره، وسهل له طريق المغفرة، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (4)، ورمضان من الوسائل المؤدية لرضوان الله تعالى، فالذين اتقوا فيه وجاهدوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال سبحانه: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (5).
__________
(1) الانشقاق/ 7 - 9.
(2) إبراهيم/7.
(3) العنكبوت/ 17.
(4) العنكبوت/ 69.
(5) يونس/ 62. (1/148)
صفحة 149
قوله: وأستر عليكم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، وذلك لأنهم تابوا وأنابوا، فقبل الله توبتهم وخضوعهم في شهرهم، فهؤلاء تستر عوراتهم، وتمحى سيآتهم، قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (1).
قوله: وأقسمت بعزتي لا تسألوني بعد موقفكم هذا وجمعكم وصيام شهركم من أمر الآخرة إلا أعطيتكموه، ولا شيئا من أمر دنياكم إلا نظرت لكم فيه، وذلك لأن الله يتقبل دعاء من توسل إليه وخضع، فيعطيهم في الآخرة ما تشتهي نفوسهم، وينظر في أمر دنياهم، قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (2).
قوله: وقيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت لأمتي خمسا في شهر رمضان لم يعطهن نبي قبلي، أما واحدة: فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لا يعذّبه الله بعدها أبدا، والثانية: فإن خلوف أفواههم عند الله حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، والثالثة: فإنّ الملائكة تستغفر لهم في كلّ يوم وليلة، والرابعة: فإن الله يأمر جنته فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي، يوشك أن يستريحوا من نصب الدنيا وأذاها إلى داري وكرامتي، والخامسة: فإذا كان آخر ليلة غفر لهم كلهم، فقال له رجل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: ألم تر إلى العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم، تقدم أجزاء الحديث في حلقات سابقة، والحديث رواه البيهقي عن جابر، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أحمد والبزار وفيه هشام بن زياد أبو المقدام ضعيف.
__________
(1) هود/ 114.
(2) البقرة/ 186. (1/149)
صفحة 150
ونشير هنا إلى بعض أجزاء الحديث التي لم نشر إليه سابقا، ومنها قوله: أما واحدة: فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لا يعذّبه الله بعدها أبدا، والنظر هنا بمعنى الرحمة الخاصة، وذلك لعلمه سبحانه بحاله، بأنه سيكون على طاعته والإنابة إليه، أما أن يتشدق البعض بالأماني، ثم يحارب الله بالمعاصي والذنوب، متبجحا بهذه الروايات، فهذه من الأماني الكاذبة التي تغنى بها بعض الكتاب سابقا، وحذّر الله منها هذه الأمة حيث يقول: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (1).
والله تعالى أوجب لعباده التوبة قبل الموت حيث قال: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (2)، ويظهر من الآية أنّ الله لا يقبل من انهمك في السيآت، مدعيا الأماني الفارغة، فلا بد من توبة لله تعالى.
وهذا لا ينقص شيئا من فضل رمضان، ففضله عظيم، وجزاء الله كبير، ومع هذا يبقى محكوما بقوانين الله تعالى في كتابه، فشرع الله تصور وعملا لا تناقض فيه.
أما باقي أجزاء الرواية فقد سبق الحديث عنها سابقا.
__________
(1) النساء/ 123.
(2) النساء/ 17 - 18. (1/150)
صفحة 151
قوله: وروي عنه صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، لم أجده بهذا اللفظ، وأخرج الترمذي والحاكم في المستدرك بلفظ قريب منه من طريق أبي هريرة: ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له.
والرواية تنص على جاذبية رمضان في فعل الخير، وترك الشر، وذلك للأجواء الروحانية التي تحف به، ولما جعل الله فيه من انجذاب القلوب إلى طاعته، وهذا يشعر به كل من عاش أجواء رمضان الإيمانية، بل يظهر جليا من قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (1)، فهذه الآية لم يذكرها الله في عقد آيات الصيام اغتباطا؛ بل لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، فهو العالم بقرب العباد منه في رمضان، فاقترب منه برحمته ورضوانه، شريطة الإيمان به والاستجابة له جلّ وعلا.
فإذا كان رمضان بهذه الماهية، وأجوائه بهذه الجاذبية، ثم كان حال الإنسان فيه البعد عن رب البرية، والانغماس في هوى النفس الإمارة بالسوء، فلم يدغدغ رمضان في قلبه شيئا، ولم ينحني لربه خاشعا خاضعا، لا إيمان بذاته سبحانه، ولا استجابة لأوامره جلّ وعلا، فحق مثل هذا أن يبعده الله عن رحمته ورضوانه؛ لأنّ الكبر في نفوس هؤلاء هو الذي قادهم إلى هذا المنحدر السحيق، قال تعالى: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (2).
ثم إنّ رمضان إذا لم يؤثر في نفوس هؤلاء شيئا مع أجوائه ونفحاته، فأي شهر بعد هذا يؤثر في نفوس هؤلاء؟!!!
__________
(1) البقرة/ 186.
(2) غافر/ 56. (1/151)
صفحة 152
وهذا بطبيعة الحال من باب الجملة، إلا أنّ عوامل التأثير كثيرة، فهناك الحج، والصلاة، بجانب الأحداث المتعددة كالموت والأعاصير ونحوها، ومع هذا يبقى رمضان له ميزته الخاصة في نفس الإنسان، ولكونه عمل جماعي شامل بخلاف الحج، فهو وإن كان عملا جماعيا إلا أنّه ينحصر في مكان وزمان معين، ولا يستطيع الكل أداء هذا النسك، بينما رمضان يعم الجميع، ولا يقتصر على فئة معينة، ومكانه لا يحد بجزء من الأرض بل هو شامل للكون أجمع، من هنا كان من أكبر المؤثرات في نفس الإنسان.
بجانب أن رمضان مرتبط بنزول القرآن، وللقرآن حلاوة وتأثير في النفوس، قال سبحانه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (1)، والقرآن أنزله الله للتدبر والعمل قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (2)، لذا كان القرآن ذكرا سيسأل عنه الإنسان يوم يلقى الله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (3).
من هنا يجب إنزال القرآن في رمضان، لا ليكون نغمات في الصلوات والتراويح، ولكن كتاب رحمة وهداية يعرض عليه الإنسان تصوراته وأعماله، ويتبع هدي الله تعالى فيه.
قوله: وبلغنا أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون في شوال وذي القعدة وذي الحجة ومحرم وصفر: اللهم تقبل منا صيام رمضان، ويقولون في الربيعين والجمادين ورجب وشعبان: اللهم بلغنا شهر رمضان، فلا يتركون ذكر شهر رمضان على كلّ حال.
قوله: وبلغنا، وهذا مصطلح يستخدمه علماؤنا وهو يختلف عن مصطلح المحدثين، وهذا لا يعني أنّ المؤلف أدرك الصحابة فهو متأخر، ولكن قوله بلغنا بمعنى وصول الخبر إليه عن طريق العلماء، أو حسب اطلاعه.
__________
(1) البقرة/ 185.
(2) محمد/ 24.
(3) الزخرف/ 44. (1/152)
صفحة 153
والحديث يستدل به على فضل رمضان من باب اهتمام السلف من الصحابة به، وما كان هذا الاهتمام منهم إلا لإدراكهم فضل رمضان، لذا كان التعامل معه من قبلهم على وجهين:
الوجه الأول: قولهم: اللهم تقبل منا صيام رمضان، وذلك في الخمسة الأشهر الأولى بعد رمضان، حيث أنهم أنهوا رمضان، فتراهم راغبين في إدراك فضله، وفي الوقت نفسه خائفين من رده من قبل الله تعالى، وهذا هو منهج المؤمن الحق، إذا تقرب بقربان ولو صغيرا تراه شديد الشفقة من رد العمل، مع رجاءه أن يقبل، فهو وسط بين الرجاء والخوف، وهذا ناتج من خوفهم من عقاب الله وسخطه يوم يلقونه، كما أنّه ناتج من حرصهم الشديد وتنافسهم في رضوان الله تعالى، قال تعالى عن خوفهم: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (1)، ويبين تنافسهم بقوله: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (2).
الوجه الثاني: قولهم: اللهم بلغنا شهر رمضان، فهم حريصون على إدراك الشهر، ويستعدون نفسيا للفوز فيه، لذا تراهم يوقدون الهمم قبل دخوله بشتى الوسائل، ومنها الدعاء؛ ليكون رمضان حاضرا في نفوسهم.
__________
(1) الطور/ 26 - 28.
(2) المطففين/ 22 - 26. (1/153)
صفحة 154
ومن المعلوم من أقوى عوامل النصر وتحقيق الهدف العامل النفسي، كما أنّه من أقوى عوامل الهزيمة والفشل، وهذا ما عالجه القرآن الكريم في سورة آل عمران من خلال الحديث عن معركة أحد الشهيرة مثلا، وفي يوم الفتح يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (1).
بجانب استعدادهم البدني من صيام وذكر وصدقة وتبتل، وقدوتهم في ذلك نبيهم وحبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد روت عائشة متحدثة عن زوجها عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان (2)، بل كانت عائشة نفسها تؤجل صيام قضائها إلى شعبان استعدادا لرمضان.
كل هذه العوامل لا شك تهيء الإنسان للفوز وإدراك فضل رمضان، فالذي يستعد للامتحان قبل ليلة أو ليليتين، لن يتحصل على النتيجة مثل الذي يستعد قبل شهر أو شهرين.
__________
(1) الفتح/ 4.
(2) رواه البخاري من طريق عائشة، الجزء الأول، 36 - كتاب الصوم، 51 - باب: صوم شعبان، حديث رقم: 1868؛ ورواه مسلم من الطريق نفسه، الجزء الثاني، 13 - كتاب الصيام، (34) باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان، واستحباب أن لا يخلى شهرا عن صوم، حديث رقم: 175 - (1156). (1/154)
صفحة 155
قوله: روى ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وأصل هذا حديث البخاري وغيره من طريق ابن عباس بلفظ: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن: فإذا لقيه جبريل عليه السلام، كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
والعلة من ذكر هذه الرواية في باب فضائل رمضان لتكون شهادة على الفضل العميم المترتب من فعل الخيرات في هذا الشهر، فرمضان مضنة مضاعفة الأجور فيه، وذلك من اختيار الله تعالى له من بين الشهور.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كما يظهر من الرواية:
- كان جوادا.
- كان أجود الناس في باقي الشهور.
- كان أجود من الريح المرسلة في رمضان.
والريح المرسلة أي الريح المطلقة المخلاة على طبعها والريح لو أرسلت على طبعها لكانت في غاية الهبوب، ووجه الشبه أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يده كريمة مبسوطة في فعل الخير والنفقة في سبيل الله.
والرابط من الرواية أنّ الرسول عليه السلام يده كريمة سخية، إلا أنّه في رمضان أجود وأسخى، وما ذلك إلا لإدراكه عليه الصلاة والسلام فضل الشهر الفضيل، فتراه أكثر صدقة وبذلا.
فرمضان عنده عليه الصلاة والسلام دربة على البذل والعطاء، ومع ذلك لا يتوقف هذا البذل والعطاء بفراق رمضان؛ بل يستمر بعد رمضان، لأنّ رب رمضان موجود في كل زمان ومكان.
وهذا درس منه عليه الصلاة والسلام لأمته، فلئن كان رمضان ميدانا للتنافس والطاعة، فينبغي أن يكون هذا دورة وشحنة للوصال بعد رمضان، أما أن ينقطع الخير بعد رمضان فهذا جهل شديد بمقصد الله تعالى من تشريع الصيام. (1/155)
صفحة 156
وفي الوقت نفسه ينمي عن جهل بحقيقة التوحيد، وحدوث خلط جلي بين العمل لله والإخلاص له، وبين الأزمنة والأمكنة التي لها خصوصيات خاصة، فهذه الأزمة والأمكنة مهما كانت خصوصياتها لا ترقى لأن تكون مقصدا مطلقا للعبادة والبذل، فالله تعالى صاحب العظمة المطلقة لا شريك له سبحانه.
الدراسة الخامسة: فضائل رمضان من خلال كتاب معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (1):
كتاب معارج الآمال من أشهر الكتب التي ألفها الشيخ السالمي – رحمه الله-، تتكون من ثمانية أجزاء، وقد طبعت في خمس مجلدات مع الفهارس، وينتهي بكتاب الاعتكاف، مع أمنية المؤلف أني ينهي جميع الأبواب لولا بلوغ الأجل، وكل شيء بقدر.
والمؤلف هو هو عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي من بني ضبة، فهو ينتمي إلى قبيلة السوالم، وهي قبيلة لها أتباع كثيرون، وتعيش في أماكن مختلفة من عمان، وقد اشتهرت هذه القبيلة بظهور الإمام السالمي، وشيخ البيان محمد بن شيخان، وترجع إلى نزار بن معد بن عدنان، ولد الإمام السالمي سنة 1286هـ، ببلدة الحوقين، وهي من أعمال الرستاق.
تلقى تعلمه في بلدة الحوقين، وقد حفظ القرآن على يد والده، وتعلم على يد الشيخ راشد بن سيف اللمكي، وقد لاحظ فيه النجابة والفهم وسرعة الحفظ، فكان محل اهتمام شيخه، فاشتهر أمره، وصار أكبر من أشياخه الذين أخذ عنهم.
__________
(1) ينظر: معارج الآمال، للشيخ نور الدين السالمي، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز وآخرون، ط مكتبة الإمام السالمي- بدية/ سلطنة عمان، ط1 2008م، ج5، ص: 19 - 23. (1/156)
صفحة 157
كما أنه تنقل إلى الشرقية سنة 1308هـ، فالتحق بحلق الأمير صالح بن علي الحارثي، فكان ذلك الالتحاق من مرحلة التنظير والدرس إلى مرحلة التطبيق والميدان، فقام الشيخ السالمي مع شيخه صالح بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن هنا دخل السالمي التاريخ من بابه العريض، من باب الإصلاح الاجتماعي، والتأليف والتعليم.
قام الشيخ مع معاصريه بالإصلاح في جميع الميادين، ولا أدل على ذلك من أن الإمامة قامت على أكتافهم، وقويت بتأييدهم، إلا أن المشاكل والعراقيل لا تخلو من طريق أي مصلح، فلما ضاق به الأمر ولم يجد استجابة قومه، عزم على السفر للحج، لا هربا من الميدان، وإنما تنفيسا عن إحباطاته، إذ لعله يلتقي بإخوانه المغاربة، فيصحبهم لزيارة القطب حتى يشتكي له ما هو عليه، عله يعينه في مطلبه. إلا أنّ بعض المشايخ، مثل الحارثي، أقسم عليه لئن خرج ليخرجن بعده من عمان، فلما رأى ذلك الإصرار، تراجع وعدل عن أمره.
يعد الإمام السالمي علما بارزا في مسيرة النهضة العلمية والإصلاحية في عصره، فهو لا يعد مصلحا اجتماعيا على مستوى وطنه عمان فحسب، بل على مستوى العالم الإسلامي في بداية القرن الرابع عشر الهجري.
كان قوي الشخصية، شديد الغيرة والتمسك بالدين. فهو لا يعرف الجبن أو النفاق.
كانت له علاقات مع كثير من علماء عصره، منهم الشيخ اطفيش الجزائري، وهو الذي لقب السالمي "نور الدين"، كما أنّ الشيخ السالمي هو الذي لقب الشيخ اطفيش "قطب الأئمة".
كانت مجالسه لا تخلو من الاستفادة العلمية، أو الأدبية، أو فصل في قضية، ومما ساعده على ذلك ما أتاه الله من فصاحة وبيان.
ومن صفاته السخاء والكرم، فقد كان جوادا فاضلا، قلَّما تناول طعاما وحده لكثرة ازدحام الزائرين والسائلين والمتعلمين في فنائه. (1/157)
صفحة 158
ومن صفاته، ورعه الشديد، وتحريه حدود الله، وكثرة تضرعه إلى الله، فلا تراه في مجلسه أو طريقه إلا رافعا يديه إلى السماء قائلا: "لبيك اللهم لبيك"، ثم يبسط يديه، فيقول: "اللهم اجمع الشمل، وألف بين القلوب، وأيد المسلمين" ونحو ذلك من الأدعية.
ترك لنا الإمام السالمي آثارا علمية قيمة في علوم الشريعة واللغة العربية والتاريخ، وما يزال بعضا منها مخطوطا، من آثاره المطبوعة: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، في التاريخ، طلعة الشمس على الألفية، في علم أصول الفقه، مدارج الكمال، أرجوزة تنيف على ألف بيت، شرح بعضها في ثمانية أجزاء، سماها "معارج الأمال"، الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام (منظومة في الفقه)، المنهل الصافي في العروض والقوافي، شرح الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع) في الحديث، مشارق الأنوار، شرح أرجوزته المسماة "أنوار العقول في علم الكلام".
انتقل إلى رحمة الله سنة 1332هـ، بعد ست وأربعين سنة، أنجز فيها ما لم ينجزه من عاش مئات السنين، فكان جديرا أن يعد من أقطاب مجددي الفكر الإسلامي وباعثي نهضته (1).
وإذا جئنا إلى فضائل رمضان في المعارج نجد تكرارا لما سبق ذكره في كتب التراث العماني، وفي بداية الباب يشير السالمي لو لم يثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في فضائل رمضان إلا حديث الصوم لي لكفى، وقد تقدم الإشارة إلى هذا الحديث وعرضه على كتاب الله تعالى.
وعلى العموم يمكن التركيز في روايات فضائل رمضان في المعارج على روايتين:
الأولى: وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
__________
(1) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة نور الدين السالمي. (1/158)
صفحة 159
والحديث روى الربيع شطره الأول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ورواه كاملا البخاري ومسلم من الطريق نفسه بسند صحيح.
قوله: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، سبق الإشارة إلى بيان الحديث، واشتراط الإيمان والاحتساب في قبوله، وهذا يوافق قوانين الله في القرآن الكريم.
قوله: ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ولا شك أنّ قيام الليل من أعظم القربات، قال سبحانه: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (1)، وقيام الليل في رمضان مضنة الخير العميم، والفضيل الكبير.
والإشكالية أنّ الناس تصوروا أنّ القيام في رمضان مقصور على صلاة التراويح، مع أنّ التراويح بهذه الصفة لم تكن معهودة في عهده عليه الصلاة والسلام، وإنما ابتدعت من بعده، فما رعيت حق رعايتها، قال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا (2)، فترى الناس يتنافسون على التراويح مع تقصيرهم في الفروض على وجوبها، والإجماع عليها، ولو أنهم أعطوا الترويح حقها لكان حسنا، فمنهم من يسرع فيها، وينقرها نقر الديك، ومنهم من لا تفهم شيئا من قراءته لسرعة القراءة، ومنهم من يفتن الناس بالتطويل فيها، ولو أنهم اقتصروا على ما أوجبه الله، واعتدلوا فيها لكان حسنا، وأقوم سبيلا.
ومن الناس من يلزم الناس بالتراويح، وربما رغبة منه في إدراك فضل قيام رمضان، فصور للناس أنّ من لم يصل التراويح في جماعة فحاله كحال من ارتكب معصية، ولا يجوز أن نلزم الناس بأمر لم يلزمه الله، ولا تشغل الذمة إلا بما أوجبه الله تعالى.
__________
(1) السجدة/ 16 - 17.
(2) الحديد/ 27. (1/159)
صفحة 160
كما أنّ الناس تركوا فضل آخر الليل، اعتقادا منهم أنّ أوله يجزيء، بل هو أفضل، ولا شك أنّ أول الليل إن قامه فحسن، سواء بمفرده أم مع الجماعة، ركعتين كان أم أكثر، والإقلال من الركعات مع الخشوع والتأمل والخضوع أفضل، فلو صلى الناس ركعتين بخضوع وتبتل؛ أفضل من عشرين ركعة مع سرعة، أو تجعل فتنة للناس، والصلاة آخر الليل أفضل، وهي من التراويح، وليست مستقلة عنها، فكلًً قيام لليل، قال تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (1).
وفي الرواية أيضا بيان أنّ القيام المقبول إذا كان مربوطا بالإيمان والاحتساب، وقيام الليل يظهر فيه الرياء بصورة واضحة، لذا يجب استحضار مقصد الإخلاص لله سبحانه، وإلا فالقيام مردود على صاحبه، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (2).
قوله: ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وليلة القدر سبق الحديث عنها، وعن الاختلاف في وجودها أصلا من عدمه (3)، ومن قال بوجودها في رمضان في أي ليلة هي؟!
وعلى العموم ذكرها هنا من باب ذكر الخاص من العام، أو البعض من الكل، فهي داخلة في فضل قيام رمضان، مع شرط الإخلاص لله سبحانه.
الرواية الثانية: وعَن أَنَس بْن مَالِك؛ قَالَ: دخل رمضان، فقال رَسُول اللَّهِ - صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمْ -: إنّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كلّ محروم.
__________
(1) الذاريات/ 17 - 18.
(2) الكهف/ 110.
(3) وممن قال بانقطاعها من التابعين الخليل بن أحمد، إذ قال إنها وقعت مرة بنزول القرآن ولا تعد، ومع وجاهة هذا القول، إلا أنّ المسألة تحتاج إلى نظر وتأمل أعمق. (1/160)
صفحة 161
روى هذا الحديث ابن ماجه باللفظ والطريق نفسه، وجاء في الزوائد: في إسناده عمران بْن أبي داود أبو العوام القطان، مختلف فيه، ومشاه الإمام أحمد، ووثقه عفان والمجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: مغرب عَن عمران، وروى عَن غير عمران أحاديث غرائب، وأرجو أنه لا بأس به، وباقي رجال الإسناد ثقات (1).
قوله: إنّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، وقد تقدم بيان ليلة القدر.
قوله: من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كلّ محروم، أي من حرم إدراك هذه الليلة، ولو جزءا منها – إن ثبتت – فقد فاته خير كثير، والعاقل من يسعى لقيام رمضان وغيره من الشهور، وقيام رمضان فيه من الفضل العميم كما مر، إلا أنّ تدبر القرآن والعمل به هو المغزى من هذه الليلة، فقيامك مع التأمل في القرآن، ومحاسبة نفسك مع ضوءه شيء جليل، وعمل مبارك فضيل، من هنا يجب التنبيه كما أنّ لليلة القدر من أهمية، إلا أنها اكتسبت هذه الأهمية من خلال القرآن المنزل فيها.
الدراسة السادسة: فضائل رمضان من خلال كتاب جواهر الآثار للشيخ العلامة محمد بن عبد الله بن عبيدان (2):
العلامة محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان، من علماء القرن الحادي عشر الهجري، وأدرك بداية القرن الثاني عشر الهجري، إذ توفي بعد: 1104هـ، كان قاضيا للإمام سلطان بن سيف بن مالك، عاش إلى أيام بلعرب بن سلطان، وهو أحد العلماء الخمسين الذين تخرجوا في المدرسة التي أنشأها ورعاها الإمام بلعرب بن سلطان في حصن جبرين (3).
__________
(1) مجمع الزوائد، نسخة الكترونية.
(2) ينظر: جواهر الآثار لابن عبيدان، ط وزارة التراث القومي والثقافة، ط الأولى، 1986م، ج12، ص 84 - 98.
(3) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة ابن عبيدان. (1/161)
صفحة 162
نلاحظ كالعادة في الجواهر تكرارا للفضائل، إلا أنّه لا يقتصر فقط على الفضائل المنسوبة إلى الرسول أو الصحابة، فيدخل بعض الحكم التي استخلصها بنفسه أو تقلا عمن تقدمه، كذلك يضيف بعض الأبيات التي تحوي بعض فضائل الشهر، ومن هذه الفضائل التي ذكرها:
- ويوجد في بعض الكتب عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنّه قال: تزخرف الجنان من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان.
وقد سبق بيان هذه الرواية فهي كما مر من حديث ابن عباس والذي رواه البيهقي بسند ضعيف جدا، ونصه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الجنة لتنجد – أي لتتزين- وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها: المثيرة تصفق ورق أشجار الجنة، وحلق المصاريع فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه ... إلى آخر الرواية.
قوله: تزخرف الجنان، إن صح فهو كناية عن القبول الإلهي لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، فيكون من أهل الجنان، ولا يمكن الجزم بحقيقة زخرفة الجنان لأحادية الرواية، فضلا عن كونها شديدة الضعف سندا.
-قوله: يا موسى، قل للمؤمنين لا يستعجلوا إجابة دعوتي، ولا تبخلوا باليسير، فإني أبغض البخيل، لأني أنا الفتاح بالخيرات، أحق ما أعطي، وأكرم من سئل.
لم أجده، وعلاقته برمضان من باب النافس على فعل الخير، والإكثار من التضرع والخضوع، وهذا يعمُّ سائر العام، إلا أنّه في رمضان أرجى، لقرب القلوب من باريها سبحانه وتعالى. (1/162)
صفحة 163
قوله: قل للمؤمنين لا يستعجلوا إجابة دعوتي، ويدخل هذا في حسن الظن بالله تعالى، فالأصل أنّ العبد يحسن الظنّ بربه سبحانه، ويرجو منه إجابة الدعاء، فالله أعلم بما يصلحه في دينه ودنياه وعاقبة أمره، لذا كان من صفات المنافقين سوء الظنّ بالله سبحانه، قال تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (1)، وقد نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن استعجال ثمرة الدعاء حيث قال: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء (2)، فينبغي للداعي أن يتأدب مع ربه، ويدعو بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة، وليحسن ظنه بربه، فجوده واسع، وأجره عظيم، وليأخذ بالأسباب المادية، مع الخضوع والطلب من مسبب الأسباب جلّ وعلا.
__________
(1) الفتح/ 6.
(2) رواه مسلم من طريق أبي هريرة، الجزء الرابع، 48 - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، 25 - باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يستجب لي، حديث رقم: 92 - (2735). (1/163)
صفحة 164
قوله: ولا تبخلوا باليسير، فإني أبغض البخيل، لأني أنا الفتاح بالخيرات، أحق ما أعطي، وأكرم من سئل، فقوله: ولا تبخلوا باليسير ليس محصورا في الصدقات المادية، بل يعم كل خير يقرب إلى الله تعالى ولو قلّ، وفي هذا يقول سبحانه: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (1)، ويقول أيضا: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (2)، فينبغي للمسلم أن يكون سباقا إلى الخير، ولو بإزالة الأذى عن الطريق، وينبغي أن يكون في رمضان أكثر تنافسا، لكونه دورة تدريبية يتدرب فيه المسلم على المسارعة والتنافس في الصالحات.
وإن قصد به الصدقات، فالمسلم جواد في ذلك، ولا يعني هذا أن يصل إلى درجة التبذير، فهو وسط بين التبذير والتقتير، قال تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (3)، وقد مر ذكر جواد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان جوادا، إلا أنّه في رمضان أجود من الريح المرسلة.
__________
(1) آل عمران/133.
(2) المطففين/ 26.
(3) الإسراء/ 29. (1/164)
صفحة 165
وأما قوله: فإني أبغض البخيل، فهذا فيه عموم وخصوص أيضا، أما العموم فالأصل من الرواية البخل من أي عملٍ صالح، وهذا من صفات المنافقين، قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (1)، لذا تراهم يتشبثون بالأعذار الواهية كما قال سبحانه واصفا إياهم عندما أمرهم النبي عليه السلام بالمشاركة في الغزوة مع المؤمنين تعذروا بقولهم: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (2).
__________
(1) النساء/ 142.
(2) التوبة/ 81. (1/165)
صفحة 166
وإذا جئنا إلى الخاص وهو البخل في الإنفاق على النفس والعيال ووجوه البر فهذا أيضا ذمه الله تعالى ولو كان فوق الزكاة الواجبة، واعتبره من صفات المنافقين حيث قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (1)، ووصف الله المنافقين بأنهم يقبضون أيديهم عن الصدقة ودعم أعمال البر حيث يقول: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (2)، ويشتد الأمر إذا كان البخل يتعلق بالصدقات الواجبة، لذا كان الوعيد عليه شديدا، قال سبحانه: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3).
__________
(1) النساء/ 36/ 37.
(2) التوبة/ 67.
(3) آل عمران/ 180. (1/166)
صفحة 167
أما قوله: لأني أنا الفتاح بالخيرات، أحق ما أعطي، وأكرم من سئل، وذلك لأنّ الكون بيد الله تعالى، لا يملك خزائنه إلا هو سبحانه، قال تعالى: وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (1)، فهو سبحانه الذي يعطي ويقبض، فلا يصح أن يسأل غيره، نبيا كان أم ملكا، وليا أم عدوا، حيا أم ميتا، قال سبحانه حكاية عن نبيه: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (2)، فالرزق بيد الله وحده، ولا يصح أن يشرك معه أحد غيره، قال سبحانه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (3).
والرابط بين هذا ورمضان أنّ رمضان دورة للدربة على التوجه إليه سبحانه، والتخلص من مظاهر الشرك، فيلجأ إليه وحده في السراء والضراء، لا يلجأ إلى ضريح أو قبر، ولا يقرن اسم غير الله مع الله، وليتوسل بالله وحده أو بأسمائه، فهو غني عن مخلوقاته، ولذا قال سبحانه في آيات الصيام: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (4).
__________
(1) الحجر/ 18 - 20.
(2) الأنعام / 50.
(3) يونس/ 31.
(4) البقرة: 186. (1/167)
صفحة 168
- قوله: ومن كتاب قواعد الإسلام (1): وفرض سبحانه الصوم على ذوي الفاقة والأغنياء، لكسر شهوة النفس التي هي آلة الشيطان، وليعرفوا إذا صاموا رمضان ما يقاسيه ذوي الفاقة من شدة المجاعة طول الزمان، فتسخوا أنفسهم، حينئذ يرفع الزكاة وغيرها من الحقوق الواجبة إليهم.
كما نرى لا يتقيد مؤلف الجواهر بالنصوص الروائية عن الرسول – عليه الصلاة والسلام -، أو الصحابة أو التابعين، فيذكر عن علماء متأخرين، وإن كان على سبيل الحكمة من مشروعية الصيام، إلا أنّه أدخلها في فضائل رمضان، وعموما هذه الحِكَم تتوافق في مجملها مع النصوص القرآنية والروائية، وهي استقراء لآثار وأبعاد الصيام كما سنرى من النص السابق.
أما قوله: وفرض سبحانه الصوم على ذوي الفاقة والأغنياء، لكسر شهوة النفس التي هي آلة الشيطان، وذلك لأنّ الصيام دورة تدريبية تشمل الجميع، الأغنياء والفقراء، الذكور والإناث، الرؤساء والمرؤوسين، الكل في شهر واحد، وفي هذا كسر لأنانية وأهواء النفس، إذ يستغل الشيطان الضعف البشري مع النفس الأمارة بالسوء، والتي تقوده إلى الأنا وحب التعالي، بجانب انتهاك المحرمات وتجاوز الحدود الإلهية، فتنكسر هذا النفس الأمارة بالسوء في رمضان، لتكون نفسا مطمئنة آمنة طول العام، قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (2).
__________
(1) كتاب قواعد الإسلام للشيخ أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، توفي سنة 750هـ، من علماء جبل نفوسة بالمغرب العربي.
(2) الشمس/ 7 - 10. (1/168)
صفحة 169
أما قوله: وليعرفوا إذا صاموا رمضان ما يقاسيه ذوي الفاقة من شدة المجاعة طول الزمان، فتسخوا أنفسهم، حينئذ يرفع الزكاة وغيرها من الحقوق الواجبة إليهم، حيث هنا تتحقق التكاملية، فليس الذي سمع كمن جرب، فهو يجرب شهرا كاملا في الابتعاد عن ملذات الشراب، وأطايب الطعام، وهي مفتوحة بين يديه، فيشعر بحاجة أخيه الإنسان، الذي حرم ملذات الحياة أو بعضها، فيرق قلبه، فتمتد يده عطفا على أخيه المسلم، فيحدث التكامل الاجتماعي من خلال مبدأ العدالة الاجتماعية التي أرادها الإسلام، ليست قوانين فحسب، بل مبادئ يقوم عليها جميع أفراد المجتمع المسلم، من هنا كان عيد الفطر بعد شريعة الصيام، ومن هنا كانت زكاة الفطر.
- قوله: ومن غيره: ولن ينال فضله إلا من عرف حرمته، وأصان لسانه عن قبح الكلام وفضوله، وتحفظ فيه من الكذب ومجاريه، واحترز من الغيبة والنميمة وسائر مساويه، وحفظ جوارحه كلها عن المعاصي ظاهرا وباطنا، وأصلح طمعته التي بها صلاح قلبه الذي عليه المدار، وكان خائفا من رد صومه، وسائر عمله عليه، وراجيا لقبوله بفضل الله وإحسانه إليه.
وهذا يتوافق مع قواعد القرآن وكلياته في قبول الأعمال، فالقاعدة القرآنية تقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (1)، فاشترطت الآية لتكفير الذنب اجتنابَ الكبائر، فلا تجتمع طاعة مع معصية لله تعالى.
وأشار النص السابق إلى كبائر ومعاصي منها:
- فحش الكلام وفجوره.
- الكذب بأنواعه.
- الغيبة والنميمة.
- الفواحش والمنكرات.
- أكل الحرام.
__________
(1) النساء/ 31. (1/169)
صفحة 170
وهذا ما أكده النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث يقول: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (1)، فلا معني للإمساك عن الطعام والشراب؛ بينما يطلق للسانه العنان، فيغتاب هذا، ويسب ذاك.
وفي حديث آخر يصرح النبي – صلى الله عليه وسلم – بإحباط أجر صيام من يمشي بين الناس بالغيبة والنميمة، حيث يقول عليه السلام: الغِيبة تُفَطِّرُ الصائم وتنقض الوضوء (2)، فالصوم وإن كان ظاهره صحيحا إلا أنّه من حيث القبول الإلهي لا قيمة له حسب القانون الرباني، يقول عليه الصلاة والسلام مبيننا هذا القانون: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، و لا صوم إلا بالكف عن محارم الله (3).
الدراسة السابعة: فضائل رمضان من خلال كتاب الجامع لابن جعفر (4):
كتاب الجامع للشيخ العلامة: محمد بن جعفر الإزكوي الأصم، أبو جابر، من علماء القرن الثالث الهجري، من أشهر علماء القرن الثالث بعمان، أصم، من إزكي، وكان أحد أصحاب مدرسة الرستاق.
عاصر الشيخ أبا المؤثر الصلت بن خميس، وكانا ممن عقد البيعة لعزان بن تميم الخروصي سنة: 277هـ، ولاه الإمام الصلت بن مالك صحار، اختار مع ابنه الأزهر تولي موسى بن موسى وراشد لما اختلف الناس فيهما بعد عزل الإمام الصلت بن مالك.
__________
(1) رواه البخاري من طريق أبي هريرة، الجزء الأول، 36 - كتاب الصوم، 8 - باب: من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم، حديث رقم: 1804.
(2) رواه الربيع من طريق ابن عباس، الباب السابع عشر: ما يجب منه الوضوء، حديث رقم: 105.
(3) رواه الربيع من طريق ابن عباس، الباب الخامس عشر: في آداب الوضوء وفرضه، حديث رقم: 91.
(4) ينظر: الجامع لابن جعفر، ط وزارة التراث القومي والثقافة / سلطنة عمان، ج 3، ص 159 - 165. (1/170)
صفحة 171
وهو أحد الثلاثة الذين دار عليهم أمر عمان في زمن واحد فقيل: رجعت عمان في ذلك العصر إلى أصم وأعرج وأعمى، فالأعمى: الشيخ أبو المؤثر، والأعرج: الشيخ نبهان بن عثمان، والأصم: الشيخ أبو جابر محمد بن جعفر.
ألف كتاب الجامع، وقد قال عنه الشيخ مهنا بن خلفان البوسعيدي: كتاب شريف جليل القدر محتو على معان جليلة في الأثر، ويعد من أصول كتب الفقه عند الإباضية.
توفي بعد عام: 277هـ (1).
وكتاب الجامع من حيث فضائل رمضان لا يوجد فيه جديد من الروايات، فكل ما فيه سبق ذكره، وإن كان هو الأصل لقدمه، فكل من أتى بعده ينقل عنه.
الدراسة الثامنة: كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي (2):
ولد الشيخ سعيد في المضيرب يوم الاثنين 13 من رجب سنة 1346هـ، وترتيبه بين إخوته الثالث، ختم القرآن الكريم في السادسة من عمره وحفظ أغلبه عن ظهر قلب، كما حفظ الأراجيز والأشعار الكثيرة والمغازي.
درس على يدي الشيخ يزيد بن خالد بن الوليد البوسعيدي من بلدة منح، ثم الشيخ سعود بن سليمان بن جمعة الكندي من مدينة نزوى، ثم الشيخ سعيد بن راشد بن سيف الحارثي من المضيرب.
وبعد ذلك بدأ يدرس الفرائض، وقد كان أستاذه في هذا الفن الشيخ ناصر بن سيف البطاشي، وقد بقي معه مدة طويلة، أما أغلب ما حصله من العلم فكان حسب قوله من الشيخ ناصر بن سعيد النعماني حيث لازمه عشرين عاما، كما تتلمذ على يدي الشيخ ناصر بن حميد الراشدي من سمد الشأن، وقد اكتسب الكثير من العلم والخبرة من كلا الشيخين والشيخ محمد بن سالم الحارثي.
__________
(1) ينظر: معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة ابن جعفر.
(2) ينظر: غرس الصواب في قلوب الأحباب، للشيخ سعيد بن حمد الحارثي، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، مكتب الإفتاء، 1419هـ/ 1998م، ص 100 - 101. (1/171)
صفحة 172
وبعد ستة شهور من بدء العهد الجديد للسلطنة، وتولى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس مقاليد الحكم في البلاد عين واليا على المنطقة الشرقية، وكانت تشمل آنذاك توابع المضيرب وإبرا ووادي نام.
ثم نقل واليا على الرستاق، وكان ذلك سنة 1391هـ، فبقي تسعة عشر شهرا، ثم التحق بوزارة التربية والتعليم وعين مشرفا على الجوامع التعليمية وذلك سنة 1975م، ثم انتقل ليتولى رئاسة جهاز التربية الإسلامية في نفس الوزارة، ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وعين مساعدا لمدير الشؤون الإسلامية، وفي ذلك العام عام 1396هـ ترأس بعثة الحج العمانية كما ترأسها في الأعوام التالية حتى عام 1400هـ.
وفي سنة 1398 عين مديرا للشؤون الإسلامية، وفي سنة 1400هـ عين مديرا لمعهد القضاء والإمامة والخطابة، وفي هذا المعهد ربى جيلا عرف بالتقوى والزهد والورع، وفي سنة 1406هـ أحيل للتقاعد الإجباري بسبب تأليفه كتاب اللؤلو الرطب الذي ذاع صيته، وأصبحت حتى المخابرات الأجنبية تطلبه حسب ما ذكر في كتابه الزهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع.
عشق السفر وقد وفق لزيارة معظم دول العالم، وكان لا يزور بلدا إلا ويتحدث عنه بالنثر والشعر وقد ضم هذه الزيارات في كتابه (حياتي).
وله دور بارز في مجال التأليف، وقد أثرى المكتبة العربية بأكثر من عشرة مؤلفات، ويتسم أسلوبه بالبساطة وعدم التكلف، كما يتخلله بعض النوادر والطرف، ونذكر فيما يلي أسماء بعض مؤلفاته الشهيرة: إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان، وغرس الصواب في قلوب الأحباب، وتلخيص كتابي نتائج الأقوال والمعارج للشيخ نور الدين السالمي، الصيب من حكم أبي الطيب، وله بعض الرسائل الصغيرة عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، واللؤلو الرطب، وغرس الصواب في قلوب الأحباب، والزهر الربيع في السعي لإرضاء الجميع. (1/172)
صفحة 173
توفي يوم الأحد 9 ربيع الثاني 1430 هـ، الموافق 5 أبريل 2009 م (1).
أما فيما يتعلق بالفضائل فنجد الشيخ يكرر ما ذكره السابقون، إلا أنه انفرد بالإشارة إلى فضيلة، وإن كانت ليست في لب الموضوع؛ إلا أنّ جوهرها يعمّ الصيام بدرجة أولى وهي:
- يقول: عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقول: إنّ الله تعالى يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول: أيها الشاب التارك شهوته لأجلي، المبذل شبابه لي، أنت عندي كبعض ملائكتي.
والحديث أخرجه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء وقال: أخرجه ابن عدي من حديث ابن مسعود بسند ضعيف.
وقد علل الشيخ الحارثي سبب ذكرها في باب الفضائل بقوله: وإنما خص الشباب بالذكر دون الشيخ؛ لأنّ الشيخ أقرب إلى الطاعة، ومن بلغ الأربعين ولم يقلع عن معاصيه فذلك أقرب إلى سخط الله، ولذا ترى الحث للشباب أكثر منه للشيخ؛ لأنّه مقبل والشيخ مدبر، ويقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (2).
ولا شك أنّ رمضان له تأثير على نفسية الشاب، فهو متعلق بالشهوات أكثر من الرجل الكبير سنا، فيكون رمضان دربة له على تهذيب النفس، وترويض الشهوات وفق حدود الله تعالى، وتغليب العقل عليها، ليكون كذلك طول عامه وحياته حتى يلقى ربه سبحانه.
المبحث الثاني
التطور الروائي في كتب التراث العماني من خلال روايات فضائل رمضان
تقدمة:
إذا جئنا إلى الجانب الروائي وتطوره في الفكر الإباضي لا بد من الإشارة إلى مفهومين:
- مفهوم السنة.
- مفهوم الرواية.
أما مفهوم السنة فقد تعددت تفسيراتها، ويمكن أن نعرفها بالتطبيقات التي أنزلها النبي – صلى الله عليه وسلم – وهي غالبا تدخل في بيان وتفسير الكتاب العظيم ليكون واقعا حيا، لذا لا نجد فيها:
- مخالفة للقرآن.
- مخالفة للعقل.
- مخالفة للسنن الكونية.
__________
(1) ينظر: منتديات سبلة عمان على الشبكة العالمية، http://www.s-oman.net.
(2) الزمر/ 10. (1/173)
صفحة 174
- مخالفة للوقائع التاريخية المتفق علية.
- ذكر أحداث غيبية أضيفت إليه عليه السلام.
- غالبا تكون المذاهب الإسلامية متفقة عليها.
- لا يوجد فيها تهويل في جانب الثواب أو العذاب.
أما مفهوم الرواية فهو أعم من مفهوم السنة، فقد حدث انفجار هائل في نهاية القرن الأول الهجري، وتم إضافة أحاديث إلى النبي عليه السلام إما لأغراض سياسية، أو لأغراض مذهبية فيما بعد.
ومن هذه الأغراض غرض انفتاح الناس على الحياة الدنيا، وانتشار المخالفات في جلسات السمر، والبعد تدريجيا عن الالتزام الديني، لذا ظهر مجموعة من الوعاظ نسبوا روايات ليس الغرض منها الكذب على النبي؛ ولكن هدفها حث الناس على اتباع الدين.
وبما أنّ صناعة السند ليس بالأمر الصعب كما يصور، لذلك وجدوا من الرواية متنفسا لهم، فوضعوا فضائل السور، وفضائل الأعمال، ووضعوا روايات الترهيب، كروايات عذاب القبر، ومنكر ونكير، وعذاب النار، بجانب روايات الترغيب.
من هنا ازداد مجموع الروايات بعد ما كانت محدودة العدد، وبعد ما كان يشم منها رائحة النبوة؛ أصبحت يشم منها رائحة الوضع وتقزيم الدين وتشويهه بإبعاد الناس عن القرآن الكريم، وسنن الله التي لا تتغير، ووصف من يعمل عقله بالزندقة ونحوه (1).
فنجد مثلا: مسند الإمام الربيع (ت ق 2هـ)، ومجموع الإمام زيد (ت122هـ)، وموطأ الإمام مالك (ت179هـ) واضحة المعالم، مع محدودية الرواية مقارنة بمسند الإمام أحمد (ت241هـ)، وصحيحي البخاري (ت256هـ) ومسلم (ت261هـ)، والصحاح الأربع، فضلا عن الكافي للكليني (ت329هـ)، وكذلك ما يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (ت381هـ)، وغيرها من المصادر الحديثية، فنجد الانبهار الروائي، مع مخالفة العديد للروايات لقوانين القرآن والكون والعقل، ومع ذلك لقت قبولا واضحا عند المدارس الإسلامية.
__________
(1) لنا بحث في هذا بعنوان: القمع الفكري بين المدارس الإسلامية ... أسباب وآثار. قيد الطبع. (1/174)
صفحة 175
ومع محاولة التصحيح بين الفينة والأخرى كما نجد عند العراقي (ت806هـ) في تخريج أحاديث الإحياء، والسيوطي في جامعه الصغير (ت911هـ)، والعجلوني (ت 1162هـ) في كشف الخفاء، والزيلعي (ت762هـ) في نصب الراية، ومن المتأخرين مثلا الألباني (ت2000م) في سلسلته، ومن الشيعة مثلا حسين المؤيد (لا يزال على قيد الحياة) كما في استفتاءاته، إلا أنّ الألف عام من ظهور الرواية ومحاولة التصحيح بين الفينة والفينة؛ أثبتت هذه السنوات عجز منهج أهل الحديث في علاج الأزمة من خلال التركيز غالبا على السند.
ولو كانت المسألة متعلقة بالتطبيقات العملية لكان الأمر هينا؛ بل أصبح الأمر متعلقا بالأمور الغيبية؛ وتغييب القوانين القرآنية، وتقديس شخصيات بشرية، وتأويل القرآن تأويلات سياسية ومذهبية، نحو روايات الجزاء، والتشبيه والتجسيم، والإمامة والولاية، وتحريف القرآن، وغيرها من الأمثلة يطول بها المقام.
وإذا جئنا إلى المدرسة الإباضية في فترتها المبكرة أدركت خطورة هذا الانبهار، لذا حاولت الحدّ من الانفتاح الروائي، ليس في الاعتقاد والسياسة فحسب؛ بل حتى في الجانب العملي، ولنظرب على هذا بمثالين:
المثال الأول: مسند الإمام الربيع بن حبيب (1): ومع عمق المدرسة الإباضية الأولى من حيث المدارسة الحديثية بتسلسل السند واتصاله (تابعي صحابي)؛ إلا أننا لا نجد تلك الروايات – مثلا في فضائل رمضان – والتي تخالف القوانين القرآنية، وإذا عرضنا الفضائل التي جاء ذكرها في المسند فهي أربع أحاديث تتوافق كليا مع القرآن الكريم وقوانينه، فهي كالتالي:
- من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ولو علمتم ما في فضل رمضان لتمنيتم أن يكون سنة.
- خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي، فالصيام لي وأنا أجازي به.
__________
(1) ويعود إلى القرن الأول والثاني الهجري. (1/175)
صفحة 176
- لا إيمان لمن لا صلاة له ...... إلى قوله: ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله.
- الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرء قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم.
وتقدم الإشارة إليها تحليلا وعرضا، فهي تتوافق كليا مع (القرآن والكون والعقل)، ولا نجد فيها تهويلا من حيث الترغيب أو الترهيب.
المثال الثاني: مدونة أبي غانم الخراساني (1)
نجد الإباضية الأوائل كما أسلفنا يحترزون كثيرا من الرواية، لما شاع فيها من الكذب والتدخل السياسي والمذهبي فيما بعد، لذا تجدهم يعرضونها على أقوال أئمتهم جابر بن زيد وأبي عبيدة، والذين أخذوا عن صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
وهذا قريب جدا من منهج الإمام مالك بن أنس (ت179هـ)، فقد كان من أصول مذهبه في قبول الرواية الآحاد عدم مخالفتها لعمل أهل المدينة، حيث يقدم عمل أهل المدينة، فهم الذي تسلسل فيهم العمل عن طريق كبار التابعين فالصحابة الذين عاش الرسول عليه السلام أكثر وقته بين ظهرانيهم، ومن أمثلة ذلك السدل في الصلاة، وإن روى مالك حديث الضم إلا أنه معارض لعمل أهل المدينة، فقدم العمل وهو السدل على حديث الآحاد، ونحو ذلك حديث صلاة ركعتين إذا دخل المصلي المسجد والإمام يخطب، فقد كان أهل المدينة يجلسون، وهم الذين أدرك آباؤهم وأجدادهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وصلى بهم عشرات من الجمع، فهل يعقل أن لا يتأخر رجل منهم إلا مرة واحدة فينكر عليه الجلوس، لذا كان منه أن قدم العمل على حديث الأحاد (2).
__________
(1) تعود إلى القرن الثاني للهجرة إذ وفاة أبي غانم سنة 205هـ على التقريب.
(2) ينظر: بحث: الأدلة والأصول والقواعد التجديدية في الفقه المالكي، للدكتور محمد بشير سويسي، مدرج ضمن كتاب ندوة تطور الفقه الإسلامي والمستقبل، الأصول المقاصدية وفقه التوقع، 1430هـ/ 2009م، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1431هـ/ 2010م، ص 268 - 276. (1/176)
صفحة 177
ومن الروايات التي ردها أصحابنا الأوائل لمخالفتها العمل وأقوال الثقات الذين أخذوا دينهم من طريقهم روايات القنوت، فقد جاء في المدونة ص84 (1): ... أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يقومون يدعون ويتهللون وهم قيام؟ قال: هذا أمر محدث، لا نعرفه ولا نأثره عمّن مضى من خيار هذه الأمة.
كذلك نجدهم لم يعملوا بروايات التوقيت في غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب وذلك لأنّ الأصل هو التنقية، فتحرَّز من العمل بالرواية حتى ولو على سبيل الاستحباب خشية أن تكون ليست صحيحة عنه – عليه السلام -، أو مخالفتها ما جرى العمل عليه، فيقدم العمل على الأحاد، ففي المدونة: قلتُ – أي أبا المؤرج ت 205هـ- أتوقت في غسله ثلاثا أو سبعا كما قال هؤلاء؟ قال – أي أبا عبيدة (ت150هـ) -: لا أوقت في ذلك وقتا دون حسن التنقية والغسل، فإن أنقاه في مرة واحدة فليتوضأ به (2).
فعلى هذا نجد الحذر الشديد من أصحاب المدرسة الإباضية الأوائل في قبول الرواية، ثم حدث التساهل من القرن الثالث الهجري تقريبا، أو نهاية القرن الثاني الهجري (3).
ثم بدأ التغلغل في الفضائل والتي أجيزت عند عموم الأمة نقلها من طريق ضعيف، إلا أننا نجد في التطبيق العملي لا زالوا يأخذونها بحذر مع مراعاة أقوال المسلمين، أما في الاعتقاد فعندهم مبدأ عدم الأخذ بحديث الآحاد، وجعل القرآن محكما للرواية في هذا الجانب (4).
__________
(1) مدونة أبي غانم الخرساني، تحقيق يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر، ط مكتبة الجيل الواعد، مسقط/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1427هـ/ 2006م.
(2) المدونة، مصدر سابق، ص 48.
(3) وهذه بحاجة إلى دراسة استقرائية لكتب ومخطوطات القرن الثاني والثالث الهجري، وما ذكرته كان استنتاجا أوليا لا غير، فلينظر فيه ولا يؤخذ إلا بعدله.
(4) ولنا بحث في هذا سميناه: عرض آراء الإمام الجويني من خلال كتاب اللمع على القرآن الكريم، مقارنة بالمذاهب الإسلامية، مخطوط (1/177)
صفحة 178
ولكن في الفترة المتأخرة بدأ تغلغل الرواية في كتب التراث الإباضي العماني في الجانب العملي بصورة كبيرة جدا، مع الحاجة إلى بحث استقصائي في الكتب المتأخرة لتحديد الفترة الزمنية، إلا أنّ جانب الاعنقاد ظلّ مصونا عن التغلغل الروائي بصورة كبيرة.
والآن ننطلق إلى القراءة الاستنتاجية في روايات وآثار فضائل رمضان من خلال الكتب الثمانية والتي قمنا بدراستها وعرضها على القرآن الكريم في المبحث الأول.
قراءة استنتاجية:
لنرجع الآن إلى الكتب التي قمنا بدراستها لندرك التطور الزمني في الرواية من خلال روايات فضائل رمضان:
أولا: كتاب الجامع لمحمد بن جعفر للشيح الإزكوي الأصم، من علماء القرن الثالث الهجري:
إذا نظرنا في فضائل رمضان من خلال كتاب أبي جعفر نجده لم يستند إلى رواية صحيحة فكلها ضعيفة سندا، مع ضعف متنها وركاكته، فكان مجموع ما استند إليه:
الروايات عن الرسول ... الآثار المنسوبة ... المنسوب إليه ... الآثار غير المنسوبة
3 ... 1 ... موسى عليه السلام ... 7
النتيجة:
بداية التطور في إدخال روايات ولو لم تكن من روايات المدرسة، وعدم الإشارة عن درجة صحتها، ولعل هذا يدخل في التساهل الكبير في قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، مثلا: قال الإمام أحمد (ت241هـ) وغيره من الأئمة: إذا روينا في الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا (1).
ثانيا: كتاب بيان الشرع للشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكندي من علماء القرن الخامس الهجري:
نجد المؤلف الكندي في بداية الباب يفتتحه بنقل ما قاله ابن جعفر في جامعه، دون الإشارة إلى تصحيح أو تضعيف، وعليه يكون استند على التالي:
الروايات عن الرسول ... الآثار المنسوبة ... المنسوب إليه ... الآثار غير المنسوبة
3 ... 1 ... موسى عليه السلام ... 7
أما الجديد الذي ذكره الكندي فيتمثل وفق الجدول التالي:
__________
(1) حكم قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال مقال للشيخ عبد الخالق حسن الشريف، من الشبكة العالمية. (1/178)
صفحة 179
القرآن ... الرسول ... الآثار المنسوبة
المسند (1) بلفظ آخر ... حديث صحيح ... حديث ضعيف ... حديث ضعيف جدا ... أثر عن ابن عباس ... شعر عن أبي نواس
1 ... 3 ... 2 ... 4 ... 6 ... 1 ... 1
النتيجة:
تطور الجانب الروائي عند الإباضية في فضائل الأعمال، مع الاستناد إلى الآثار ولو شعرا.
ثالثا: كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، من علماء النصف الثاني من القرن العاشر والنصف الأول من القرن الحادي عشر:
من خلال استقرائنا لروايات وآثار فضائل رمضان في منهج الطالبين نجد التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
2 ... - ... - ... - ... 6 ... 2 ... 4 ... - ... 2 ... - ... - ... 1 ... 7
النتيجة:
تطور الجانب الروائي عند الإباضية في فضائل الأعمال، كذلك مع الاستناد إلى الآثار ولو شعرا، وإدخال الحِكَم ضمن الفضائل.
- رابعا: كتاب جواهر الآثار للشيخ محمد بن عبد الله بن جمعة بن عبيدان من علماء نهاية القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر الهجري:
استخدم ابن عبيدان أسلوب الكندي في بيان الشرع حيث افتتح الباب يفتتحه بنقل ما قاله ابن جعفر في جامعه، دون الإشارة إلى تصحيح أو تضعيف، وعليه يكون استند على التالي:
الروايات عن الرسول ... الآثار المنسوبة ... المنسوب إليه ... الآثار غير المنسوبة
3 ... 1 ... موسى عليه السلام ... 7
أما الفضائل من غير جامع بن جعفر فبلغت التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
5 ... - ... 2 ... - ... 7 ... 2 ... 8 ... - ... 3 ... 5 ... 2 ... 2 ... 6
النتيجة:
استخدام الجانب الروائي في فضائل الأعمال بصورة أكبر، كذلك بجانب الآثار والشعر والحِكَم.
- خامسا: كتاب لباب الآثار المنسوب للشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي من علماء القرن الثالث عشر الهجري:
__________
(1) أي مسند الإمام الربيع، وخصص لأنه معتمد الإباضية في الحديث. (1/179)
صفحة 180
مجموع فضائل رمضان في كتاب اللباب تشكل تقريبا التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
2 ... - ... - ... - ... 6 ... - ... 9 ... - ... 3 ... - ... 1 ... - ... 2
النتيجة:
نجد عند مؤلف اللباب تكرار ما سبق في فضائل رمضان، ولم يأت تقريبا بجديد.
- سادسا: كتاب معارج الآمال شرح مدارج الكمال للشيخ عبد الله بن حميد السالمي من علماء القرن الرابع عشر الهجري:
مجموع فضائل رمضان في كتاب المعارج تشكل تقريبا التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
4 ... - ... 2 ... 1 ... 4 ... 2 ... 3 ... - ... 1 ... - ... - ... - ... -
النتيجة:
تميز الشيخ السالمي بأنّه أكثر دقة في نقل الرواية وذكر طريق الرواية، مع حسن التبويب في الكتاب، ولعله استفاد من الكتب التي أحضرها من الحج أو أهديت له من القطب، مع تأثره بأهل الحديث وهو القائل:
حسبك أن تتبع المختارا *** وإن يقولوا خالف الآثارا
ومع هذا لا يخلو استدلاله من ضعف حديثي؛ إلا أنّه أقل مما سبق من الكتب والآثار.
- سابعا: كتاب غاية المطلوب في الأثر المنسوب للشيخ عامر بن خميس المالكي من علماء القرن الرابع عشر الهجري:
مجموع فضائل رمضان في كتاب الغاية على النحو التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
4 ... - ... 1 ... - ... 3 ... - ... 4 ... - ... 1 ... - ... - ... - ... -
النتيجة:
نجد عند الشيخ المالكي تكرار ذكر الفضائل، وينقل ما ذكره السلف، لأنّ الهدف من كتابه هو ذكر ما استند إليه من سبق من علماء المذهب من آثار، وهو في بابه دليل لتغلغل الرواية بغثها وسمينها، وصحيحها وسقيمها في كتب المذهب. (1/180)
صفحة 181
- ثامنا: كتاب غرس الصواب في قلوب الأحباب للشيخ سعيد بن حمد الحارثي من مشائخ نهاية القرن الخامس عشر الهجري.:
مجموع فضائل رمضان في كتاب غرس الصواب على النحو التالي:
حديث ... أثر ... الحكمة
موافق المسند ... صحيح ... ضعيف ... ضعيف جدا ... تابعي ... شعر
مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر ... مكرر ... غير مكرر
- ... - ... 1 ... - ... 2 ... - ... - ... - ... - ... - ... - ... - ... -
النتيجة:
بما أنّ الشيخ الحارثي وضع كتاب غرس الصواب كرسالة سريعة للعامة، لذا أشار إلى بعض روايات الفضائل اختصارا، وإن لم يتقيد بما ذكر سابقا، مع ضعف مستند الحديث الذي يستدل به في الباب عدا حديث واحد.
خلاصة المبحث:
كما رأينا من خلال دراستنا السابقة أنّ الرواية بدأت تتغلغل في كتب المشارقة من المذهب الإباضي وفق الترتيب التالي:
- بداية في فضائل الأعمال.
- ومن ثم في الفقه وأبوابه بعد ما كان المستند إلى أقوال المذهب، والحذر من الانبهار الروائي؛ إذ لا علاقة بين الأول وتقديس الآباء، وبين الثاني واتباع السنة، لأنّ الرواية شيء والسنة شيء آخر، فصحة السند لا تعطي الرواية السنية أبدا، وعرض الرواية على أقوال القرن الأول الهجري ممن لا يكذبون على علماء الأمة، فضلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أهدى وأقوم سبيلا.
- وأخشى أن تتغلغل الرواية إلى جانب الاعتقاد خاصة من بعض الناس الذين لا يحسنون التعامل مع الأصول والقواعد، لذا يجب إعادة النظر في الجانب الروائي، وأخذ الحذر قدر الإمكان ردا وقبولا.
الخاتمة
من خلال ما تقدم نضع هذه التوصيات: (1/181)
صفحة 182
- اتباع الرسول – صلى الله عليه وسلم – أمر إلهي قرنه الله بطاعته سبحانه، وجعل اتباعه من محبته جلّ وعلا، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (1)، واتباع الرسول بعد موته إنما يكون باتباع سنته عليه السلام.
ومع هذا حذّر الرسول من الكذب عليه حيث قال: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ولكن الأمة لم تلتزم بهذا التحذير، فقد جُعِلَ من الرسول أدة وطريقا لأهواء سياسية ومذهبية ووعظية، بل وقبلية ومكانية من حيث فضائل القبائل والبلدان والأشخاص وتمجيدهم.
لذا كان الرسول قنطرة لتحقيق الأهواء، فأضيفت روايات الخوارج ذما لكل من طالب بالحق الاجتماعي والسياسي ورفع الظلم، ووضعت روايات تمجيد القرشيين وبني أمية، وعدم جواز الخروج ورفع الظلم، ووجوب الطاعة العمياء، بجانب آخر كانت روايات تمجيد آل البيت ورفع منزلتهم فوق منزلة الأنبياء والملائكة كردة فعل سياسي ومن ثم مذهبي.
أيضا كانت الرواية ملجأ للتخلص من القوانين القرآنية في ردع المعصية، فالقوانين القرآنية التي بينت أنّ الله لا يغير وعدا ولا وعيدا جاءت الرواية فأبطلت قانون الوعيد، فكانت مخلصا للنزعات الشيطانية، والشهوات الحيوانية.
من هنا نجد السلف ومنهم كبار الصحابة كأبي بكر وعمر يقدمون رفض الرواية على قبولها، ويضعون القيود الشديدة في قبول نسبتها إليه عليه السلام، في زمن قلّت فيه الرواية، وقرب العهد منه عليه السلام، فما بالكم بعد مائة سنة؛ بل بعد ألف سنة، لذا يجب الحذر الشديد في قبول الرواية، حتى ولو ضعفت، ولكنها في عين العوام أمرا إلهيا، فننسب إلى الله تعالى الظن والتخمين، تعالى الله عن ذلك.
__________
(1) آل عمران/ 31 - 32. (1/182)
صفحة 183
- أنزل الله تعالى كتابه مصدقا ومهيمننا على الكتب السابقة، إذ طرأ عليها الاختلاف والزيادة، قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (1).
والرواية كذلك دخل فيها التحريف والتبديل، شأنها كشأن التوراة والإنجيل، لذا يجب أنزالها إلى القران ليكون مهيمننا ومصدقا عليها، قال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (2)، وهذا يكون في كلياتها وخاصة في الاعتقاد، أما التطبيقات فمجالها واسع مع الحذر الشديد أيضا في قبولها، يقول الرسول الكريم: ما من نبي إلا وقد كذب عليه من بعده، ألا وسيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي، فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فهو عني، وما خالفه فليس عني.
- لعلماء المسلمين مناهج في قبول الرواية، فلأهل الحديث منهج أصلّه فيما بعد الأشاعرة، كذلك للإباضية والزيدية والإمامية، ولا يريد أحد من المسلمين أو المذاهب إنكار السنة، أو إضافة أمور إلى الدين ليست منه، ولكن حدث تساهل كبير من قبل أهل الحديث والإمامية في قبول الرواية، فأثر كثيرا على الجانب العقدي والعملي، ومع هذا تبقى هذه المناهج بشرية، وبحاجة إلى تأصيل جديد، وإعادة هيكلتها، ودراستها دراسة نقدية متأنية.
__________
(1) المائدة/43.
(2) العنكبوت/ 51. (1/183)
صفحة 184
- تحكيم القرن الأول من السلف إذا كان بسند لا كذب فيه ليس اتباعا للأجداد كما قال تعالى: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (1)، لأنّ المذموم إذا كان الأمر أو النهي ثابتا قطعيا، فيترك الاتباع الإلهي لعادة تركها الأجداد للأحفاد، أما إذا كانت الرواية ظنية الثبوت، وعمل الآباء اتفق عليه، وأقرب عهدا من النبوة، ومسألة يعم بلواها، فيمكن أن نجعل من عمل السلف قاعدة نفرز بها الرواية، فكم من رواية صحيحة سندا في الحقيقة هي محض الكذب.
- الحذر من أطلاق كلمة السنة هكذا عند العوام إذا كانت محض اجتهاد، فيتصور للبعض أنّ ما يفعله الآخرون بدعة، ومخالفة للرسول، فالسنة هي الشيء المتفق، ولا تملكه مدرسة واحدة، وما عداه روايات وتطبيقات ظنية.
- ضرورة إعمال العقل، إذ كيف يبطل والله تعالى مدحه عشرات المرات، وأمر الناس أن يحكموا عقولهم.
- لروايات فضائل الأعمال آثار سلبية على الواقع الفكري والاجتماعي عند المسلمين، مثال ذلك فضائل قراءة سور القرآن، فأصبح الناس يهتمون بالقراءة، وتركوا التدبر والعمل، فغاب القرآن عن واقعنا وحياتنا.
- الاختلاف في قبول الرواية لا يفسد للود قضية، فيجب أن يحترم الطرف الآخر، ولكن في الوقت نفسه لا يجوز تهميش المناهج الأخرى، وتصور أهل الحديث أنهم هم الوحيدون الذين يفقهون السنة، ومناهج الآخرين لا قيمة لها.
وفي الختام أتمنى أن يكون هناك مؤتمرات جادة، ودراسات بحثية عميقة، وأن يفتح للناس التفكير، منطلقين من الأخوة الإسلامية الواسعة، والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
__________
(1) الزخرف/ 22. (1/184)
صفحة 185
1 - الأدلة والأصول والقواعد التجديدية في الفقه المالكي، للدكتور محمد بشير سويسي، مدرج ضمن كتاب ندوة تطور الفقه الإسلامي والمستقبل، الأصول المقاصدية وفقه التوقع، 1430هـ/ 2009م، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الدينية/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1431هـ/ 2010م.
2 - برنامج الموسوعة الشاملة.
3 - بيان الشرع، للشيخ محمد الكندي، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى،1401هـ/ 1981م.
4 - الجامع لابن جعفر، ط وزارة التراث القومي والثقافة / سلطنة عمان.
5 - الجامع الصحيح للإمام الربيع، نسخة الكترونية.
6 - جواهر الآثار لابن عبيدان، ط وزارة التراث القومي والثقافة، ط الأولى، 1986م.
7 - حكم قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال مقال للشيخ عبد الخالق حسن الشريف، من الشبكة العالمية.
8 - غاية المطلوب في الأثر المنسوب للشيخ عامر بن خميس المالكي، تحقيق: بدر بن سالم بن حمدان العبري، مخطوط.
9 - غرس الصواب في قلوب الأحباب، للشيخ سعيد بن حمد الحارثي، ط وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، مكتب الإفتاء، 1419هـ/ 1998م.
10 - لباب الآثار، ط وزارة التراث القومي والثقافة، الطبعة الأولى.
11 - مدونة أبي غانم الخرساني، تحقيق يحيى النبهاني وإبراهيم العساكر، ط مكتبة الجيل الواعد، مسقط/ سلطنة عمان، ط الأولى، 1427هـ/ 2006م.
12 - مجمع الزوائد، للزيلعي نسخة الكترونية.
13 - معارج الآمال، للشيخ نور الدين السالمي، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز وآخرون، ط مكتبة الإمام السالمي- بدية/ سلطنة عمان، ط1 2008م.
14 - معجم أعلام الإباضية {قسم المشرق} نسخة الكترونية.
15 - منتديات سبلة عمان على الشبكة العالمية، http://www.s-oman.net.
16 - منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، تحقيق الشيخ سالم بن حمد الحارثي، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، لا تاريخ. (1/185)
صفحة 186
17 - موقع المحدث على الشبكة العالمية.
الفهرس (1/186)