صفحة 1
ورقة بحثية: البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي
ورقة عمل مقدمة للمؤتمر: " مشكلة الفقر في العالم الإسلامي: الأسباب والحلول "
كوالالمبور - ماليزيا - الجامعة الإسلامية
2 - 3 من ذي القعدة 1425 / 14 - 15 من ديسمبر 2004
إعداد: سماحة الشيخ/ أحمد بن حمد الخليلي (المفتي العام لسلطنة عُمان)
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي
ورقة عمل مقدمة للمؤتمر :
"مشكلة الفقر في العالم الإسلامي : الأسباب و الحلول"
كوالالمبور- ماليزيا - الجامعة الإسلامية
2 – 3 من ذي القعدة 1425 / 14 – 15 من ديسمبر 2004
إعداد : سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
جدول المحتويات…3
مقدمة في تعريف الفقر:…3
القسم الأول: البعد السياسي لأسباب الفقر:…5
1) الرأسمالية:…13
2) الشيوعية:…17
3) الاشتراكية…20
4) العولمة:…22
5) الصهيونية:…24
أولهما: انتشار المخدرات والخمور.…25
ثانيهماً : المقامرة…34
القسم الثاني: الحل الإسلامي…35
المال في نظام الإسلام هو مال الله…37
المال العام:…41
الإسلام يدعو إلى مكافحة الفقر بتوفير الإنتاج:…43
خاتمة في مقترحات تتعلق بالموضوع:…48
بسم الله الرحمن الرحيم
البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ،، وبعد
فهذا بحث أعددته لهذا المؤتمر المبارك يتناول البعد السياسي لأسباب الفقر وحلوله في العالم الإسلامي، وهو يشتمل على مقدمة وقسمين وخاتمة، فالمقدمة في تعريف الفقر والقسم الأول في البعد الساسي لأسبابه ، والقسم الثاني في الحل الإسلامي لمشكلته ، والخاتمة فيها مجموعة من التوصيات والاقتراحات أرجو أن تكون مسهمة في حل هذه المشكلة وعلاجها .
مقدمة في تعريف الفقر:
لا خلاف لغةً ولا اصطلاحاً أن الفقر هو ضد الغنى ، وإن اختًلف في تحديد مفهومه عند اللغويين والفقهاء والخبراء الاقتصاديين ، ففي لسان العرب نقلا عن ابن سيده أنه قال: "وقدر ذلك أن يكون له ما يكفي عياله"، ومثله قول ابن السكيت: "إن الفقير الذي له بلغة من العيش" قال الراعي يمدح عبدالملك بن مروان ويشكو إليه سعاته:
أما الفقير الذي كانت حلوبته……وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ (1/1)
صفحة 2
والمسكين الذي لا شيء له" وفيه أيضاً: "قال يونس : الفقير أحسن حالاً من المسكين ، قال: وقلت لأعرابي مرةً : أفقير أنت؟ قال: لا والله بل مسكين . فالمسكين أسوأ حالاً من الفقير ، وقال ابن الأعرابي: الفقير الذي لا شيء له، قال : والمسكين مثله".. إلى أن قال : "سئل أبو العباس عن تفسير الفقير والمسكين فقال : قال أبو عمرو بن العلاء فيما يروي عنه يونس: الفقير الذي له ما يأكل والمسكين الذي لا شيء له ... إلخ(1)
وفي كليات أبي البقاء: "الفقير هو من يسأل والمسكين من لا يسأل – إلى أن قال – وقيل الفقير الزمن المحتاج والمسكين الصحيح المحتاج ، وقيل الفقير من له أدنى شيء والمسكين من لا شيء له"(2)
وهذا يدل على أن اللغويين اختلفوا في تحديد مفهوم الفقير والمسكين وأيهما أسوأ حالاً من الآخر، وكثير مما قالوه ؛ راعوا فيه اشتقاق الكلمتين ، فالفقير كأنما الحاجة قطعت فقار ظهره والمسكين من أسكنته الحاجة حتى عجز عن السعي في الوصول إليها وقدانعكس اختلاف اللغويين على آراء المفسرين والفقهاء.(3)
__________
(1) لسان العرب ، مادة فقر (5/60 – 61) دار صادر – بيروت.
(2) أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي : الكليات، ص 696 ، مؤسسة الرسالة.
(3) ينظر: أبو عبدالله القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 8/168 – 171 – دار الكتاب العربي للطباعة ، الفخر الرازي : التفسير الكبير 16 :107- 110دار الكتب العلمية – طهران ، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير : 10 :235 الدار التونسة للنشر ، نور الدين السالمي : معارج الآمال على مدارج الكمال : 16 : 133- 149 ، ط. وزارة التراث ، مسقط ، د. يوسف القرضاوي : فقه الزكاة : 2: 544-556 ط. مؤسسة الرسالة. (1/2)
صفحة 3
ومهما يكن من معنى للفقير والمسكين ومن هو أسوأ حالاً من الآخر فإن كلاً منهما لا يستطيع أن يستقل بالإنفاق على نفسه وعلى من يطالب بأن ينفق عليه شرعاً إلا بمعونة تأتيه ، ومعنى ذلك أن الفقير والمسكين لا يكفيهما ريعهما لنفقاتهما الضرورية .
ولعلماء الاقتصاد تعريفات متعددة لمفهوم الفقر نقتصر منها على تعريف الدكتور عبدالرزاق الفارس وهو أنه "عدم القدرة على تحقيق مستوى معين من المعيشة يمثل الحد الأدنى المعقول والمقبول في مجتمع ما من المجتمعات في فترة زمنية محددة"(1)
وهذا التعريف يركز على مستوى المعيشة المادي القابل للقياس ، والذي يرتبط بالظروف الاقتصادية والاجتماعية لكل مجتمع من المجتمعات على حدة وخلال فترة زمنية محددة،(2) وهو مبني على ما قاله في توصيف هذه التعريفات ، والجزء المشترك حول جميع تعريفات الفقر يدور حول مفهوم (الحرمان النسبي) لفئة معينة من فئات المجتمع . (3)
القسم الأول: البعد السياسي لأسباب الفقر:
__________
(1) عبدالزاق الفارس : الفقر وتوزيع الدخل في الوطن العربي ، ص21 ،مركز دراسات الوحدة العربية.
(2) ن. م.
(3) ن. م. (1/3)
صفحة 4
لا يخفى على من له اطلاع على أحوال الأمم ما للسياسة عندما تنحرف عن النهج السوي من أثر في إغراق جماهير الشعوب والأمم في عباب الفقر المتلاطم وصبغ حياتهم بصبغة الحرمان ولم يكن هذا وليد اليوم والأمس وإنما هو أمر عانت منه الشعوب التعيسة الواقعة تحت نير الجبارين وبطش الظالمين في جميع أدوار التاريخ البشري ، لا فرق في ذلك بين أمة شرقية وأمة غربية فجميع الأمم التي عانت من ويلات بطش الفراعنة واستبداد الأكاسرة وظلم القياصرة وقهر البابليين هي سواء في معاناة الحرمان ومكابدة الفقر كما استوت في مقاساة ما يصب على رؤوسها من أنواع العذاب ناهيك بقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)}[سورة القصص] فهل ترى أولئك الذين كانوا يذبح أبناؤهم نكاية وإذلالا وتستحيا نساؤهم للخدمة والاستعباد كانوا يتمتعون بما تتطلبه الحياة من عيش هانئ مستقر توفر فيه المطالب وتقضى فيه الحاجات؟ كلا وألف كلا فإنهم ما كانوا إلا قطيعاً مسخراً للإنتاج والكدح المرهق من أجل أن ينعم فرعون وحاشيته بفضول العيش وأنواع الترف والنعيم ومع ذلك فإن أبواق الدعاية الفاجرة من الكهنة وحاشية الفرعون تقلب الموازين رأساً على عقب في تصور المظلومين حتى يخيل إليهم أن هؤلاء الفراعنة هم أبر بهم وأرحم وألطف وأرأف ناهيكم بهذه القصة التي ذكرها الدكتور/ موسى الموسوي دليلاً على ذلك قال: (1/4)
صفحة 5
كان (سنوحي) طبيباً للفرعون أمفسيس الذي عاش في القرن العاشر قبل الميلاد، وقد كتب مذكراته عن حياة هذا الفرعون وعن الشعب المصري الذي كان يعاني استبداد أمفسيس . واكتشف علماء الآثار هذه المذكرات ضمن ما خلفته السنون بين الكتب الهيروغليفية ، وترجمت مذكرات هذا الطبيب التي كتبها بأسلوب رائع وبديع إلى اللغات العالمية الحية وطبعت أكثر من مرة وهي الآن بين أيدينا يستطيع القراء قراءتها كل بلغته واستخلاص دروس العجب منها .
يقول (سنوحي) في مذكراته:
"كنت أمشي في شارع من شوارع مصر وإذا بالرجل الوجيه الشريف الثري المعروف (اخناتون) ملقى على الأرض مضرجاً بدمائه وقد قطعت يداه ورجلاه من خلاف وجدعت أنفه وليس في بدنه مكان إلا وفيه طعنة رمح أو ضربة سوط وهو قاب قوسين أو أدنى من الموت، فحملته إلى دار المرضى وجاهدت جهاداً عظيماً لإنقاذه من الموت وبعد شهرين أو أكثر وعندما أفاق من غيبوبته قص عليَّ قصته المحزنة المفجعة قائلاً :
لقد أمرني الفرعون أمفسيس أن أتنازل له عن كل شبر أرض أملكه وأن أهبه أزواجي وعبيدي وكل ما أملك من ذهب وفضة ، فاستجبت لما أراد بشرط أن يترك لي داري التي أسكن فيها ومعشار ما أملكه من الذهب والفضة لاستعين بها على أودي ، فاستثقل فرعون هذا الشرط واستولى على كل ما كان عندي ، ثم أمر بأن يفعل بي تلك الأفاعيل الشنيعة وأن أطرح في الشارع عارياً لأكون عبرة لمن يخالف أوامر الإله (أمفسيس) .
ودارت الأيام وإخناتون المسكين يعاني الفقر والحرمان وكل أمله في هذه الدنيا هو القصاص من الفرعون الظالم ولو على يد غيره . (1/5)
صفحة 6
ومات الفرعون وحضرت مراسيم الوفاة بصفتي كبير الأطباء ، فكان الكهنة يلقون خطب الوداع مطرين الراحل العظيم وكانت الكلمات التي يرددونها لا زلت أتذكرها جيداً ، فقد كانوا يقولون (يا شعب مصر ، لقد فقدت الأرض والسماء وما بينهما قلباً كبيراً كان يحب مصر وما فيها من إنسان وحيوان ونبات وجماد ، كان للأيتام أباً وللفقراء عوناً وللشعب أخاً ولمصر مجداً . كان أعدل الآلهة وأرحمهم وأكثرهم حباً لشعب مصر . ذهب أمفسيس لكي ينضم إلى الآلهة الكبار وترك الشعب في ظلام ).
ويضيف (سنوحي):
وبينما كنت أصغي إلى كلام الكهنة ودجلهم في القول وأندب حظ مصر وشعبها المسكين الذي يرزح تحت سياط الفراعنة والكهنة معاً ، و بينما كانت الجماهير المحتشدة التي لقي كل فرد منهم على حدة من بطش فرعون وسياطه أذى وعذاباً تجهش بالبكاء : سمعت رجلاً يبكي كما تبكي الثكلى وصوت بكائه علا الأصوات كلها ويردد عبارات غير مفهومة ، فنظرت مليًّا وإذا صاحب البكاء هذا هو إخناتون المعوق العاجز الذي كان مشدوداً على ظهر حمار وأسرعت إليه لأهدئه بعض الشيء ، فقد ظننت أنه يبكي سروراً وابتهاجاً على وفاة ظالم ظلمه إلى حد الموت بالتعذيب ، ولكن إخناتون خيب آمالي عندما وقع نظره عليَّ وأخذيصرخ عاليا بقوله: (يا سنوحي لم أكن أعلم أن أمفسيس كان عادلاً وعظيماً وباراً بشعبه إلى هذه المرتبة العظيمة إلا بعد أن سمعت ما قاله كهنتنا فيه. وها أنا أبكي يا سنوحي لأنني حملت في قلبي حقداً على هذا الإله العظيم بدلاً من الحب والإجلال طوال سنوات عديدة ، حقَّاً لقد كنت في ضلال كبير).
ويقول (سنوحي) : وعندما كان إخناتون يكرر هذه الكلمات بإيمان راسخ كنت أنظر إلى أعضائه المقطوعة وصورته المشوهة وأنا حائر فيما أسمع وكأنه قرأ ما يدور في خلدي وإذا به يصرخ فيّ بملء شدقيه: (1/6)
صفحة 7
(لقد كان أمفسيس على حق فيما فعله بي لأنني لم أستجب إلى أوامر الآلهة وهذا هو جزاء كل من يعصي الإله الذي خلقه وأحبه ، وأي سعادة أعظم للمرء من أن ينال جزاء أعماله الذي يستحق على يد الإله لا على يد غيره).
من أمفسيس هذا؟
فرعون من فراعنة مصر ، حكمها بالنار والحديد طوال عشر سنوات، دخل في حرب خاسرة مع بلاد النوبة الجارة ، قتل فيها خمس شعب مصر، خرب المزارع وقطع الأشجار وأباد شباب مصر متهماً إياهم بالهزيمة في الحرب التي شنها ضد النوبة ، أحرق العاصمة في إحدى ليالي مجونه كما فعل بعده نيرون بسبعة قرون الذي أحرق روما عاصمة الرومان ، لقد كان عهد أمفسيس أسوأ عهد عرفته مصر في تاريخ الفراعنة الذين حكموها مبتدئا من الأسرة الأولى حتى الأسرة الخامسة التي كان أمفسيس أول أفرادها .
مات أمفسيس وترك خراباً شاملاً وشعباً ممزقاً ومع كل هذا بكته الجماهير المحتشدة متأثرة برثاء الكهنة وخطبهم ومن بين تلك الجماهير إخناتون المسكين.(1)
هذا وقد صوَّر العلاَّمة الدكتور يوسف القرضاوي بريشة بيانه البليغ مشاهد مؤلمة من أحوال الإنسانية في تلك القرون الغابرة وهي تعيش في ظل من يحموم حكم الظالمين وذلك في قوله:
عرف الإنسان الفقر والحرمان من أزمنة قديمة، وعرف التاريخ الفقراء والمحرومين من عهود سحيقة ، ومن الإنصاف أن نقول : إن الحضارة الإنسانية لم تخلُ في عهد من عهودها من أناس يدعونها إلى ذلك المعنى الإنساني الأصيل، وهو إحساس الإنسان بآلام أخيه ، ومحاولة إنقاذه من بؤسه وحرمانه ، أو التخفيف من ويلاته على الأقل.
__________
(1) د. موسى الموسوي : يا شيعة العالم استيقظوا ، ص 7-10. (1/7)
صفحة 8
غير أن الوضع الذي كان عليه الفقراء عملياً كان سيئاً للغاية ، وكان نقطة سوداء في جبين الإنسانية ، ولم يتقيد المجتمع بما أوصى به الحكماء ، ونادى به العقلاء . وهذا باحث كبير ، يحدثنا عن هذا التاريخ الأسود منذ أقدم الحضارات ، تاريخ العلاقة بين الأغنياء الواجدين ، والفقراء المحرومين ، فيقول : "في أية أمة من الأمم أجال الباحث نظره وجد طبقتين من الناس لا ثالثة لهما : الطبقة الموسرة ، والطبقة المعسرة ، ووجد بإزاء هذا أمراً جديراً بالملاحظة ، وهو أن الطبقة الموسرة تتضخم إلى غير حد ، والطبقة المعسرة لا تفتأ تهزل حتى تلتصق بأديم الأرض ، معيية رازحة ، فيتداعى البناء الاجتماعي ، لوهن أساسه ، وقد لا يدري المترفون من أي النواحي خر عليهم السقف .
كانت مصر في عهدها القديم جنة الله في الأرض ، وكانت تنبت من الخيرات ما يكفي أضعاف أهلها عدداً ، ولكن الطبقة الفقيرة فيها كانت لا تجد ما تأكله ، لأن الطبقة الموسرة كانت لا تترك لهم شيئاً غير حثالة لا تسمن ولا تغني من جوع .
فلما أصابتها المجاعة على عهد الأسرة الثانية عشرة ، باع الفقراء أنفسهم للأغنياء ، وساموهم الخسف ، وأذاقوهم عذاب الهون .
وفي مملكة "بابل" كان الأمر على ما كان عليه في مصر ، لا حظ للفقراء من ثمرات بلادهم، مع أنها كانت تسامي بلاد الفراعنة نماء وخصوبةً وكانت تجري مجراها فارس . أما لدى الأغارقة (اليونان) الأقدمين فكان الأمر لا يعدو ما تقدم ، بل تروى عن بعض ممالكهم أمور تقشعر من هولها الجلود ، فقد كانوا يسوقون الفقراء بالسياط إلى أقذر الأعمال ، ويذبحونهم لأقل الهفوات ذبح الأغنام .
أما في إسبارطة من ممالكهم فقد كان الموسرون تركوا للمعسرين الأرض التي لا تصلح للإنبات فذاقوا ألوان الفاقة غير مرحومين .
وكان الأغنياء في أثينا يتحكمون في الفقراء إلى حد أنهم كانوا يبيعونهم بيع العبدان ، إذا لم يؤدوا لهم ما كانوا يفرضونه عليهم من الإتاوات . (1/8)
صفحة 9
أما في رومة منبع الشرائع والقوانين ، ووطن الفقهاء والأصوليين ، فقد كان الموسرون مستولين على العامة ، ومتميزين عنهم تميزاً يجعل العامة بإزائهم كالطائفة المنبوذة لدى الهنديين وما كانوا يرضخون لهم بصبابة إلا بعد أن ينال منهم الإعياء ، فيهجرون المدن ، ويقاطعون الجماعة مرغمين .
قال العلامة "ميشليه" في المملكة الرومانية من هذه الناحية:
كان الفقراء يزدادون كل يوم فقراً ، والأغنياء يزدادون غنى ، وكانوا يقولون : ليهلك الوطني ، وليمت جوعاً ، إذا لم يستطع أن يذهب إلى ساحات القتال .
فلمّا زالت الدولة الرومانية ، وقامت على أنقاضها الممالك الأوروبية ، ازدادت حالة الفقراء سوءاً فكانوا في جميع أصقاعها يباعون كالماشية مع أراضيهم"
هذا هو وضع الفقراء في تلك القرون المديدة ، وهذا هو موقف الأغنياء منهم ، فماذا صنعت الأديان لإصلاح وضع الفقراء ، وتقريب الشقة بينهم وبين الأغنياء ؟(1)
وقد نعمت الإنسانية بالإسلام ، دين الرحمة والأخلاق ، فأغنى فقراءها وراش ضعفاءها الذين آووا إلى كنفه فأراحهم في واحاته الوارفة الظليلة من معاناتهم تحت وهج مبادئ الظلم والاستبداد مما أرهقتهم به من الحرمان والجور، وكان ذلك في عهد النبوة الهادية والخلافة الراشدة، ولكن ما كادت تطوى صفحة ذلك العهد المشرق بحلول الملك العضوض والاستبداد الغاشم محل الحكم العادل والقيادة الراشدة، حتى عادت السياسة إلى سيرتها الأولى وانقلب الناس إلى ما كانوا عليه من مكابدة الظلم ومقاساة الحرمان. ويصور لنا ذلك الداعية الكبير السيد أبو الحسن الندوى حيث يقول في كتابه الفريد" ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين":
__________
(1) د. يوسف القرضاوي : فقه الزكاة ، 1: 45- 74 ، ط. مؤسسة الرسالة. (1/9)
صفحة 10
لقد أتى على العالم العربي عهد في التاريخ كانت الحياة فيه تدور حول فرد واحد – وهو شخص الخليفة أو الملك – أو حول حفنة من الرجال – هم الوزراء و أبناء الملك – وكانت البلاد تعتبر ملكاً شخصياً لذلك الفرد السعيد والأمة كلها فوجاً من المماليك والعبيد ، ويتحكم في أموالهم وأملاكهم ونفوسهم وأعراضهم ، ولم تكن الأمة التي كان يحكم عليها إلا ظلاً لشخصه ولم تكن حياتها إلا امتداداً لحياته .
لقد كانت الحياة تدور حول هذا الفرد بتاريخها وعلومها وآدابها وشعرها وإنتاجها ، فإذا استعرض أحد تاريخ هذا العهد أو أدب تلك الفترة من الزمن وجد هذه الشخصية تسيطر على الأمة أو المجتمع ، كما تسيطر شجرة باسقة على الحشائش والشجيرات التي تنبت في ظلها وتمنعها من الشمس والهواء ، كذلك تضمحل هذه الأمة في شخص هذا الفرد وتذوب فيه وتصبح أمة هزيلة لا شخصية لها ولا إرادة ، ولا حرية لها ولا كرامة .
وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة ، فلأجله يتعب الفلاح، ويشتغل التاجر، ويجتهد الصانع، ويؤلف المؤلف وينظم الشاعر ، ولأجله تلد الأمهات ، وفي سبيله يموت الرجال وتقاتل الجيوش ، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها ويقذف البحر نفائسه وتستخرج كنوز الأرض خيراتها .
وكانت الأمة - وهي صاحبة الإنتاج وصاحبة الفضل في هذه الرفاهية كلها تعيش عيش الصعاليك ، أو الأرقاء المماليك ، وقد تسعد بفتات مائدة الملك وبما يفضل عن حاشيته فتشكر ، وقد تحرم ذلك أيضاً فتصبر ، وقد تموت فيها الإنسانية فلا تنكر شيئاً بل تتسابق في التزلف وانتهاز الفرص. (1/10)
صفحة 11
هذا هو العهد الذي ازدهر في الشرق طويلاً وترك رواسب في حياة هذه الأمة ونفوسها وفي أدبها وشعرها ، وأخلاقها واجتماعاتها ، وخلف آثاراًَ باقية في المكتبة العربية ، ومن هذه الآثار الناطقة كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي يصور ذلك العهد تصويراً بارعاً ، يوم كان الخليفة في بغداد أو الملك في دمشق أو القاهرة ، هو كل شيء ، وبطل رواية الحياة ومركز الدائرة، إن هذا العهد الذي يمثله كتاب "ألف ليلة وليلة" بأساطيره وقصصه ، وكتاب الأغاني بتاريخه وأدبه ، لم يكن عهداً إسلامياً ، ولا عهداً طبيعياً معقولاً ، فلا يرضاه الإسلام ولا يقره العقل ، بل إنما جاء الإسلام بهدمه والقضاء عليه ، فقد كان هذا هو العهد الذي بعث فيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فسماه الجاهلية ونعى عليه وأنكر على ملوكه – ككسرى وقيصر – وعلى أثرتهم وترفهم أشد الإنكار.
إن هذا العهد غير قابل للبقاء والاستمرار في أي مكان وفي أي زمان ولا سبيل إليه إلا إذا كانت الأمة مغلوبة على أمرها أو مصابة في عقلها أو فاقدة الوعي والشعور أو ميتة النفس والروح . (1/11)
صفحة 12
إن هذا الوضع لا يقره عقل ، ومن الذي يسوغ أن يتخم فرد أو بضعة أفراد بأنواع الطعام والشراب ويموت الآف جوعاً ومسغبة ، ومن الذي يسوغ أن يعبث ملك أو أبناء ملك بالمال عبث المجانين ، والناس لا يجدون من القوت ما يقيم صلبهم ومن الكسوة ما يستر جسمهم ، ومن الذي يسوغ أن يكون حظ طبقة – وهي الكثرة – الإنتاج وحده والكدح في الحياة والعمل المضني الذي لا نهاية له ، وحظ طبقة – وهي لا تجاوز عدد اصابع - إلا التلهي بثمرات تعب الطبقة الأولى من غير شكر وتقدير وفي غير عقل ووعي ، ومن الذي يسوغ أن يشقى أهل الصناعة وأهل الذكاء وأهل الاجتهاد وأهل المواهب وأهل الصلاح ، وينعم رجال لا يحسنون غير التبذير ولا يعرفون صناعة غير صناعة الفجور وشرب الخمور؟! ومن الذي يسوغ أن يجفى أهل الكفاية وأهل النبوغ وأهل الأمانة ويقصوا كالمنبوذين ويجتمع حول ملك أو أمير فوج من خساس النفوس وسخفاء العقول وفاقدي الضمائر ممن لا هم لهم إلا ابتزاز الأموال وإرضاء الشهوات ، ولا يحسنون فناً من فنون الدنيا غير التملق والإطراء والمؤامرة ضد الأبرياء ، ولا يتصفون بشيء غير فقدان الشعور وقلة الحياء .
إنه وضع شاذ لا ينبغي أن يبقى يوماً فضلاً عن أن يبقى أعواماً .
إنه إن سبق في عهد من عهود التاريخ وبقي مدة طويلة فقد كان ذلك على غفلة من الأمة أو على الرغم منها ، وبسبب ضعف الإسلام وقوة الجاهلية ، ولكنه خليق بأن ينهار ويتداعى كلما أشرقت شمس الإسلام واستيقظ الوعي وهبت الأمة تحاسب نفسها وأفرادها.(1)
ثم يتبع ذلك نصيحة أولئك الذين يحلمون بأنهم سيعيشون في سلامة ومأمن من عوادي الدهر وهم يسيرون على خطا أولئك المنحرفين عن مهيع الحق، متخذين من البشر قطعاناًُ من البهائم يسومونها سوء العذاب فيقول:
__________
(1) أبو الحسن الندوي : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، ص288-290، ط. دار الكتاب العربي - بيروت. (1/12)
صفحة 13
فالذين لا يزالون يعيشون في عالم "ألف ليلة وليلة" إنما يعيشون في عالم الأحلام، إنما يعيشون في بيت أوهن من بيت العنكبوت ، إنما يعيشون في بيت مهدد بالأخطار لا يدرون متى يكبس ، ولا يدرون متى تعمل فيه معاول الهدم ، وإن سلموا من كل هذا فلا يدرون متى يخر عليهم السقف من فوقهم فإنه بيت قائم على غير أساس متين وعلى غير دعائم قوية .
ألا إن عهد "ألف ليلة وليلة" قد مضى فلا يخدعهن أقوام أنفسهم ولا يربطوا نفوسهم بعجلة قد تكسرت وتحطمت ، إن الملوكية مصباح – إن جاز هذا التعبير – قد نفد زيته واحترقت فتيلته ، فهو إلى انطفاء عاجل ولو لم تهب عاصفة .
إنه لا محل في الإسلام لأي نوع من أنواع الأثرة ، إنه لا محل فيه للأثرة الفردية أو العائلية التي نراها في بعض الأمم الشرقية والأقطار الإسلامية ولا محل فيه للأثرة المنظمة التي نراها في أوروبا وأمريكا وفي روسيا ، فهي في أوروبا أثرة حزب من الأحزاب ، وفي أمريكا أثرة الرأسماليين ، وفي روسيا قلة آمنت بالشيوعية المتطرفة وفرضت نفسها على الكثرة وهي تعامل العمال والمعتقلين بقسوة نادرة ووحشية ربما لا يوجد لها نظير في تاريخ السخرة الظالمة .
إن الأثرة بجميع أنواعها ستنتهي وإن الإنسانية ستثور عليها وتنتقم منها انتقاماً شديداً ، إنه لا مستقبل في العالم إلا للإسلام السمح العادل الوسط وإن طال أجل هذه "الأثرات" وأرخي لها العنان وتمادت في غيها وطغيانها مدة من الزمان .
إن الأثرة – فردية كانت أو عائلية أو حزبية أو طبقية – غير طبيعية في حياة الأمة وإنها تتخلص منها في أول فرصة ، إنه لا محل لها في الإسلام ولا محل لها في مجتمع واع بلغ الرشد ولا أمل في استمرارها ، فخير للمسلمين وخير للعرب وخير لقادتهم وولاة أمورهم أن يخلصوا أنفسهم منها ويقطعوا صلتهم بها قبل أن تغرق فيغرقوا معها.(1)
__________
(1) ن م ص: 290-291. (1/13)
صفحة 14
ونجد المفكر الإسلامي الشيخ محمد الغزالي يصف مآسي أدركها بنفسه ونعاها على أمته محذراً من مغبة انعكاس آثارها على الإسلام نفسه عندما يسكت أبناؤه عنها ولا يقاومونها بروحه الحية الدفاقة بالخير التي لا ترضى بالظلم ولا تقر الهوان وذلك في قوله :
وأخطر مطعن يوجه إلى الإسلام ، وشر معرة تلحق بمبادئه نفسها بقاء الحالة الاجتماعية والسياسية في بلاده ، تثير الأقاويل منه ، وتعرضه على العالم في أسوأ لباس .
ذلك أن جماهير المسلمين تضطرب في مستوى دنيء من المعيشة المادية والتفكير العقلي.
ولا أحسب أن نظاماً ما من نظم الغرب يرضى أن ينحدر أبناؤه إلى الحضيض الذي وصلنا إليه.
فهل يعقل أن يرضى الإسلام بهذه الحال بله أن يُسخَر لبقائها ؟
ولقد كتب صحافي أمريكي يصف لأبناء العالم الجديد حالة الشعب المصري ومقدار التعاسة التي تنصب على رأسه من نظام الطبقات المتغلغل فيه فقال : (إن الطبقة الحاكمة في مصر لا تزيد عدد أفرادها على 5% من مجموع السكان.
وأفراد هذه الطبقة يملكون نحو 95 % من خيرات البلاد.
أما الفلاح فيعيش هو وأسرته وجاموسته وحماره في بيت واحد من اللبن.
وقد يترك الباشا من باشوات مصر طعاماً لم يمس على مائدته يكفي لإشباع فلاح مع أسرته الكبيرة عدة أسابيع .
ثم يصف أفراد هذه الطبقة بالتضليل واستغلال سذاجة الشعب ، وعدم مواجهة المشاكل الحقيقية في مصر .
قال : (وليس هناك من شك في أن الحركات التي يقوم بها العمال في الوقت الحاضر لتحسين أحوالهم ستوصف بأنها حركات شيوعية غير أن هده الأوصاف ستتلاشى من تلقاء نفسها قريباً).
وهذه الأحوال نحن أعرف الناس بها ، لأننا نعيش فيها!
والذي نريد أن نقوله : إن الإسلام لن يذكر بخير قط ، ولن يؤثر عنه خير أبداً إذا بقيت أمور المسلمين بهذه المثابة المحزنة ، وبقى المتكلمون باسم الدين سكوتاً بإزائها . (1/14)
صفحة 15
وأي حجة تقوم للدين إذا فشل في تحديد موقفه علمياً من هذه المآسي الفاجعة؟(1)
ولئن كانت السياسة المتعجرفة هي التي أفرزت هده المشكلة فإذاقت الجماهير لباس الجوع والخوف، وجرعتهم حميم الذل والهوان، فهاكم صوراً من نظم اقتصادية جائرة عانت الإنسانية شرها الوبيل ورزحت الشعوب تحت نيرها ردحاً من الزمن بل ولا تزال وهي تلفحها بضرام سعيرها المحرق .
1) الرأسمالية:
تمخضت الثورة الصناعية في الغرب عن ميلاد النظام الرأسمالي وهو نظام له خصائصه الفلسفية ومنهجه الاقتصادي ، فهو يقوم على التصور المادي المطلق للحياة ، وذلك بعزل الدين والأخلاق جانباً عن النهضة الاقتصادية في جميع شؤون الحياة ، فهو يفسح الميدان لينطلق العملاق الرأسمالي الخارج من رحم هذه الثورة الكبرى غير مكبل بقيود من الدين ولا مراقب برقيب من الأخلاق، لأن ذلك مما يعوق انطلاقه في دنيا الناس ليحقق مآربه ويصيب مراميه ويصل إلى غاياته، وبناءً على ذلك تميز منهجه الاقتصادي بإعطاء الفرد حريته المطلقة في الإثراء من غير أن يقيم وزناً للمجتمع ، فلا يزعجه تصاعد أنات المحرومين وصرخات المعوزين وزفرات المظلومين ، ولا يكدر صفو حياته ما يشاهده من أحوال البؤساء الواخزة لضمائر أولي الفطر السليمة المحركة لمشاعرهم ، ولهذا كانت يد الفرد مطلقة - بحكم هذا النظام - للاستكثار من الثراء بقدر المستطاع، فأباح له الربا والمقامرة والاحتكار ولو من الأقوات الضرورية، كما أباح له أن يثري من خلال المتاجرة بالأعراض والخمور وغيرها مما يزيد الشعوب والأمم إغراقاً في الفقر، وإنهاكاً للقوى، وعجزاً عن النهوض لملاحقة ركب التقدم ومواكب الازدهار .
__________
(1) محمد الغزالي : الإسلام والمناهج الاشتراكية ، ص30-31 ، ط. نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. (1/15)
صفحة 16
وحسبكم أن الربا الذي هو أساس هدا النظام ومحرك قطاره لا يُبقي في نفوس آكله نبعاً للرحمة إلا غوره، ولا باعثاً للإحسان إلا قضى عليه، فهو سعير ملتهب لا يبقي ولا يذر، ينهك المؤسسات الاقتصادية والمصانع حتى يدع روضها النظير يبابا، ويصف ذلك الأستاذ الشهيد سيد قطب فيقول في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام":
" إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة - وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم ؛ وهم قد نشأوا في ظله ، وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة (دكتور شاخت) الألماني ومدير بنك الريخ الألماني سابقاً . وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام 1953م أنه بعملية رياضية (غير متناهية) يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين. ذلك أن الدائن المرابي يربح دائماً في كل عملية ؛ بينما المدين معرض للربح والخسارة . ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد – بالحساب الرياضي – أن يصير إلى الذي يربح دائماً! وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل . فإن معظم مال الأرض الآن يملكه – ملكاً حقيقياً – بضعة ألوف ! أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك والعمال ، وغيرهم، فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال ، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف! (1/16)
صفحة 17
وليس هذا وحده هو كل ما للربا من جريرة فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة . فإن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة . ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة ؛ ويظل يرفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة أنه لا فائدة لهم من استخدام هذا المال ، لأنه لا يدر عليهم ما يوفون به الفائدة ويفضل لهم منه شيء .. عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات التي تشتغل فيها الملايين ؛ وتضيق المصانع دائرة إنتاجها ، ويتعطل العمال ، فتقل القدرة على الشراء . وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد ، ويجد المرابون أن الطلب على المال قد نقص أو توقف ، يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطراراً . فيقبل عليه العاملون في الصناعة والتجارة من جديد ، وتعود دورة الحياة إلى الرخاء .. وهكذا دواليك تقع الأزمات الاقتصادية الدورية العالمية . ويظل البشر هكذا يدورون فيها كالسائمة !
ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين . فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين ، فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية . أما الديون التي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية كذلك . إذ أن هذه الحكومات تضطر إلى زيادة الضرائب المختلفة لتسدد منها هذه الديون وفوائدها . وبذلك يشترك كل فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف .. وقلما ينتهي الأمر عند هذا الحد ، ولا يكون الاستعمار هو نهاية الديون .. ثم تكون الحروب بسبب الاستعمار !(1)
__________
(1) سيد قطب : العدالة الاجتماعية في الإسلام ، ص 134-136. (1/17)
صفحة 18
وهذا يعني أن الربا يجتاح الثروات، ويفقر الأغنياء، ويوسع الهوة بين الطبقات. فقد تزداد به طبقة ما ثراء في حين يزيد الفقراء فقراً ولا ريب أن النظام الرأسمالي قائم على الربا والاستغلال وتوسع حرية الفرد في الملكية ولذلك لا يبالي بالأمعاء الجائعة والأجسام العارية وإنما يحرص على التوفير لطبقة الأغنياء المستغلين ولو باجتياح أقوات جماهير الناس إحراقاً أو إغراقاً ، فكم يحرق من أطنان الحبوب لتبقى أسعارها حسب رغبات الطبقة الثرية المنتجة ، وكم يراق من بحيرات الألبان حفاظاً على أسعارها وفق رغباتهم، كل ذلك على حساب الجماهير الكادحة المستهلكة، مع أن أمماً تموت جوعاًٍ ولا تجد مأوى يقيها لفح الحر في وهج الصيف وقسوة البرد في زمهرير الشتاء، وقد لا تجد حتى شيئاً من الأسمال البالية لمواراة سوءاتها.
وبهذا العسف المقيت والجور المفرط من هذا النظام تمخض عن انفجار نظام ثوري ضده كردة فعل عنيفة من قبل الطبقات الكادحة المحرومة التي كانت وقود حركات الإنتاج والتنمية، فنعم المترفون على حسابهم وبنوا حياتهم على أشلائهم ، فلا غرو إن غصت بهذا صدور المحرومين بالأحقاد حتى تفجرت حمماً محرقة وقنابل مدمرة أتت على الأخضر واليابس، وأهلكت الحرث والنسل ، واجتاحت الطارف والتليد تلك هي الشيوعية الحمراء التي التهب سعيرها في كثير من المجتمعات فحولها إلى أكوام من رماد تذروه الرياح ، وما كانت هذه الثورة الجهنمية التي جاءت عكس الفطرة البشرية منذ أساسها لتندلع لولا المعاناة من الحرمان في ظل السيادة الرأسمالية الجائرة فإن إمام الشيوعية كارل ماركس كان بنفسه يكتوي بنار هذا الحرمان وذلك الذي أشعل في نفسه هذا الحقد المتأجج ضد المجتمعات الرأسمالية ونظامها، ويكفي لتصوير بؤسه ما كتبته زوجته – واسمها جيني – إلى صديق لها تطلب إليه العون ، قالت: (1/18)
صفحة 19
إئذن لي أن أصف لك يوماً من أيام هذه الحياة وسترى أن غيرنا لم يقاس ما قاسينا فأنا مريضة سقيمة، ومع أن ما بظهري وثديي من أوجاع وآلام ممضة فإنني مضطرة أن أرضع طفلي الرابع الحديث الولادة من ثديي لأنني لا أستطيع أن أدفع أجر مرضعة ولكن طفلي كان يرضع الحزن والألم والسقم فيتلوى من الوجع ليل نهار ، ومنذ أن ولد لم ينم إلا ساعتين أو ثلاثة في اليوم كله ، ومع كل هذا الفقر والحاجة دخلت علينا صاحبة المنزل وطلبت ما تجمع لها من أجرة ونقود اقترضناها منها والأجرة والقرض خمسة جنيهات ولما كنا عاجزين عن الدفع فقد أحضرت سمسارين استوليا على كل ما نملك من أثاث وفراش وملابس حتى مهد الطفل استوليا عليه وخرجنا إلى الشارع وكان المطر ينهمر بغزارة والبرد قارس لا يرحم وبذل زوجي كل ما في وسعه من جهد فلم نجد من يقبل إضافتنا أوإيواءنا.(1)
وقالت زوج ماركس تصف إحدى ليالي البؤس:
أحست ابنتنا بنزلة شعبية وصارعت الموت ثلاثة أيام، ثم ماتت وأخذنا نبكي عليها ولم يكن لدينا ما نجهزها وأبقينا الجثة ريثما نجد ما نستعين به على دفنها، ومضيت إلى جار فرنسي مهاجر فأعطاني جنيهين ، وا أسفاه وفدت ابنتنا إلى الدنيا فلم تجد مهداً ، وعند مغادرتها لم تجد كفناً (2)
فهل من عجب بعد الاطلاع على هذه المآسي إن فقدت الجماهير الكادحة رشدها وصوابها وهي تشاهد الترف المفرط والنعيم الفائض تهنأ به طبقة من الناس من غير أن تخز ضمائرهم هذه المشاعر المؤلمة، مع كون تلك الجماهير ليس لها وازع من دين قويم وأخلاق سليمة فأي عجب إن ثارت تلك الثورة النكراء مستهدفة ذلك النظام الذي أنزل بهم هذه المآسي من غير إحساس برحمة أو شعور بحق إنساني تجاههم .
2) الشيوعية:
__________
(1) أحمد عبدالغفور عطا :الشيوعية وليدة الصهيونية ، ص58-59 ، ط المكتبة العصرية ، صيدا – بيروت.
(2) ن م: ص 59. (1/19)
صفحة 20
لئن كانت الرأسمالية بنظامها الجائر تتيح للثري فرصة لإزدراد الأموال من غير أن يحس بهاجس يدفعه إلى الرفق والرحمة بالضعفاء وتدُعُ المحتاج في المهلكات دعاً فلا يزداد بمرور الأيام إلا فقراً وضعفاً وذلةً ، اللهم إلا إن واتته فرصة للاستغلال والنهب ليتحول من طبقة كادحة مستهلكة إلى طبقات الأثرياء المستغلين؛ فإن النظام الشيوعي يجرع الذين هم تحت سطوته جميعاً غصة الحرمان ، فلا ريب أنه يسلب الغنى كل ما كان يملك ويزيد الفقراء فقراً ويعبد جميع طبقات الناس لحفنة من المتسلطين لا تكاد تكون إلا من الأنذال الرعاع تمسك بزمام الحزب الشيوعي الذي يحل محل الإله المعبود في كونه له السلطة المطلقة والأمر النفاذ وما على جماهير الناس إلا الطاعة العمياء والانقياد في كل ما يأمر به أو ينهى عنه ولو سلبهم إرادتهم في أي تصرف في أنفسهم وأموالهم حتى لا يملكو حركة ولا سكوناً ولا رضا ولا غضباً ولا حزناً ولا سروراً ، إذ يجب - حتى يكونوا صادقين في الولاء - أن يحكموا الحزب الجائر في مشاعرهم الباطنة وهواجسهم الكامنة فلا يفكروا إلا بدماغ أولئك القاهرين المستبدين القابضين على نواصي الأمور فضلاً عن أن تكون لهم حرية في التصرف في أمور معاشهم بدون إيحاء من الحزب، إذ كل فرد من الأفراد محكوم بإرادة الحزب في مطعمه ومشربه وملبسه وسكناه وتحركه وانتقاله ودراسته وعمله بحيث لا تكون له حرية في اختيار أي نمط من أنماط الحياة بنفسه، وإنما عليه أن يكون كالآلة الصماء التي تتحرك بإرادة غيرها بمجرد ضغط على زر كهربائي ولا تملك لنفسها أي إرادة .
ذلك لأن مبادئ الشيوعية بأسرها تؤدي إلى ذلك ، فمبادؤها تقوم على الأسس التالية:
إلغاء الملكية الفردية إلغاءً باتاً وإحلال الملكية الجماعية بدلاً منها .
إلغاء الطبقات بإقامة دكتاتورية البروليتاريا وإبادة الطبقات الأخرى .
كفالة الدولة لجميع المواطنين في مقابل تكليف القادرين منهم بالعمل رجالاً ونساءً . (1/20)
صفحة 21
المساواة في الأجور .
إلغاء الدّّين .
تطبيق مبدأ "من كل بحسب طاقته ولكل بحسب حاجته"
إلغاء الصراع من المجتمع البشري بإلغاء الباعث عليه وهو الملكية الفردية.
إلغاء الحكومة في المستقبل وإقامة مجتمع متعاون متعاطف بغير حكومة. (1)
ومن الأمور البدهية أن مثل هذا النظام ليس وراءه إلا الفقر المدقع الذي تغرق فيه الأمة بأسرها وماذا عسى أن تكون عاقبة نظام يسلب الإنسان خصائصه الإنسانية من الإرادة والحرية وحياة الضمير فضلاً عن امتلاك شيء يحرص على تنميته وحفظه بل الفرد وما تحت يده ملك للحزب الجائر المتسلط باسم الشعب أو الأمة .
إن مثل هذا النظام هو سبب لموت الضمائر في نفوس الأفراد، فلا يعنيهم شيء من المحافظة على المال العام الذي يقتاتون ويعيشون بما يسمح لهم من فتاته المتساقط من أيدي جبابرة السلطة وقادة الحزب، وهذا ما اطلعنا عليه عن كثب: ففي نفس العام الذي كان فيه انهيار الاتحاد السوفيتي كنت في زيارة لبعض جمهورياته فزرت روسيا وأوزبكستان وطاجكستان، وقد التقط سمعي مما كان يتساقط من أفواه المواطنين هناك أن إنتاج القمح وصل في ذلك العام إلى أكثر من مليوني طن، ولكن تلف أكثره بفعل الإهمال وكونه عرضةً للأمطار الهاطلة والسيول الجارفة وذلك أن أي فرد من الأفراد لا يعنيه من المحافظة على ذلك شيء إذ لا يزداد ربحه بنماء ثروة الدولة مادام الفتات الذي يعتاش به مضموناً له سواءً نمت ثروتها أو نقصت وكيف يفكر أحد في ربح الدولة وخسرانها مع أنه من حوله ملايين أو قل مئات الملايين من أمثاله لا يفكر أحدهم في ذلك ؟
__________
(1) محمد قطب : مذاهب فكرية معاصرة ، ص414 ، ط دار الشروق. (1/21)
صفحة 22
وما الذي يدعوهم إلى التفكير في هذا مع أن تلكم الدولة هي بنفسها جردتهم من خصائصهم البشرية وأماتت فيه الضمير الإنساني وأنزلتهم منزلاً في الدناءة والذل لا ينزله حتى الحيوان الأعجم ؟ على أن دعوى المساواة بين الشعوب والحاكمين في هذا الحرمان لا تعدو أن تكون دجلاً وتضليلاً، فإن الحاكمين ـ كما يتصرفون في حرية الشعوب بحيث لا يسمح أن يتصرف أحد منهم إلا بإذنهم وعلى حسب هواهم ـ يتصرفون كذلك في ثرواتها كما يشاءون بغير وازع ولا رقيب، وكافيكم شاهداً على ذلك ما كان من ستالين عندما تزوجت ابنته "سفيتلانا بميخائيل كاجنوفيتش وكان ذلك هو زواجها الثاني في حياتها فقد نقلت صحيفة النهضة التي كانت تصدر بسلطنة زنجبار آنذاك في عددها الصادر في يوم 4 ذي الحجة 1370هـ الموافق 6 سبتمبر 1951مـ عن الصحف الروسية أن حفلات زواج ابنة ستالين هذه كانت أفخم من حفلات زفاف ملوك الشرق ، وأن تكاليف ثوب العروس بلغت مائة ألف جنيه لأنه كان موشّى بالأحجار الكريمة ، وقد استمرت حفلات الزفاف 14 ليلة، وحضرها آلاف من المدعوين والمدعوات وقدم لهم ستالين شمبانيا والكونياك في أكواب من الذهب الخالص وهي الأكواب الملكية التي صادرها الشيوعيون حين أعدموا قيصر روسيا وأسرته المالكة ، واشتركت في إحياء هذه الحفلات أجمل راقصات الباليه الروسي وأمهر فرق الموسيقى وسافر العروسان لتمضية شهر العسل في براغ و وخارست و وارسو وصوفيا وسينزلان ضيفين رسميين على حكومات هذه البلاد؟ (1)
وهذا نبأ غني عن التعليق فإن كل أحد يدرك من خلاله كيف تتصرف السلطة الشيوعية التي تنصب نفسها إلهاً معبوداً لشعبها في المال العام تبذيراً في البذخ الذي لا يعود على الشعب إلا بالويل والحرمان في حين يقتر على الشعب في الإنفاق حتى في مطالبه الضرورية فأين المساواة المزعومة بين الحكام والمحكومين؟
__________
(1) .جريدة النهضة (زنجبار ) 4 ذي الحجة 1370هـ الموافق 6 سبتمبر 1951مـ. (1/22)
صفحة 23
ومن المعلوم أن الفكر الشيوعي الملحد بذاته يقضي على روح التنافس في العمل بقتله ضمائر الأفراد ، فالجماهير تساق بسياط الحزب الجائر المستبد إلى العمل كارهة من غير إحساس بمسؤولية أمام الله ، ولا خشية من حساب في الدار الآخرة ، ولا رجاء مكافأة للمحسن على إحسانه ، ومن غير أن يعود العمل على العامل بامتلاك منفعة منه ، فليس لفرد أن يمتلك مالاً وإنما عليه أن يعمل جهده كما يسيَّر ويوجّه، من غير أن يكافأ على إتقان العمل ومن غير أن يطمح إلى مستقبل مشرق منوط بعمله ، يبدد ما حوله من ظلام قاتم ، ويبدل ما يجلله من ليل أسود بهيم إلى نهار أبيض مشرق ، وإنما يوقن أنه مهما عمل وأخلص في العمل لن يزال مسحوقاً تحت أقدام جبابرة الحزب التي لا تزال تطؤه بدون شفقة ولا رحمة ، فما الذي يدعو هذا الفرد الذي سحقت كرامته وسلبت آدميته إلى الإخلاص في العمل غير الرعب من توقع العقاب الجائر عندما يكتشف منه قصور في العمل ؟ ولكن يا ترى هل يتفانى في عمله أن شعر بغمضة عين الرقيب أو أن ذلك يبعثه إلى انتهاز فرصة ليريح نفسه المرهقة وجسمه المكدود من عناء تكاليف العمل الشاقة من غير مبالاة بمكان العمل؟ وفي النهاية لا يعود هذا النظام إلا بالإفلاس والخيبة كما تكشف ذلك في كل مجتمع رزئ به .أولاً يكفي ما شوهد من أحوال بائسة وتحجر لحركة الحياة وسيرها في كل بلاد حل بها هذا الوباء؟
3) الاشتراكية: (1/23)
صفحة 24
لئن كانت الشيوعية بضرامها المستعر تأكل الأخضر واليابس، و بجشعها المفرط تمتص الدم وتنهش العظم وتبيد حتى المشاش؛ فإن الاشتراكية التي هي ربيبتها – والتي تغنى بها كثير من المحرومين في ظل الأنظمة الدكتاتورية الرأسمالية الجائرة راجين نعيمها المحلوم به حتى أفضى بهم الغرور بها إلى أن عزوها إلى الإسلام وجعلوا رائدها نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام – ليست أقل من أمها الشيوعية في إشاعة الفقر وتجميد الانتاج ، وإن كانت لا تسلب الأفراد كل ما يملكون وإنما تُبقي بأيديهم لعاعة تسليهم لا تسمن ولا تغني من جوع على أنها مهما أبقت فإن حماس الإنتاج ينعدم أو يكاد في ظل نظامها إذ لا يكاد أحد ينمي ثروة يمتلكها حتى تستوسق ويغزر خيرها ويمتد نفعها إلا وتمتد يد الاشتراكية الآثمة إليها ، فتبتزها منه فلا يبقى له منها نصيب – بعد عرقه الذي سكبه في تنميتها وسهره الذي كابده وجهده الدؤوب الذي بذله – إلا الحسرة والأسى وذكريات المشقة والعناء مع تجرع غصص الحرمان ، على أن ذلك النظام ليس مؤهلاً للمحافظة على ما يسلب وتنمية ما يحتوي ؛ إذ ليس لذلك من عاقبة إلا الإهمال ، فعندما غشيت الناس غاشية من هذا الظلم ، وطمت موجة من نظامه المتعسف على بعض بلاد العرب ، تراجع النمو الاقتصادي فيها إلى أدنى درجاته ، ومن ذلك ما أخبرنيه رجل كان من الموسرين الأثرياء وكان مما يمتلكه حديقة غنّاء ، فيها النخل وأنواع الفاكهة ، وقد كان ما فيها من النخيل ثلاثة آلاف من الباسقات ذات الطلع النضيد ، فطال كثيراً من ممتلكاته ظلم التأميم باسم الثورة الزراعية ، وكانت حديقته هذه مما لفحته هذه الثورة بسموم جهنمها ، فلم يأت عليها زمان حتى تحولت إلى قفر يباب ، وعادت مروجها الخضراء هشيماً تذروه الرياح كالرماد الذي تخلفه النيران ، وحاول بعد ذلك الغاصبون أن يعيدوا إليه أرض حديقته اليباب فرفض محتسباً أجر مظلمته عند الله . (1/24)
صفحة 25
ولا يعجب من مثل هذه العاقبة ؛ فما الخلي كالشجي ولا النائحة كالثكلى ولا الغانم كالغارم ، فأنّى لظلوم غاصب أن يحس بما يحس به المظلوم الكادح ، الذي كابد العرق والأرق و امتزج دمعه بدمه في سبيل تنمية ثروة يرجو خيرها في شدائده ، وإنما مثلهما كمثل امرأتين تنازعتا طفلاً حملته إحداها في أحشائها ، وغذته بخلاصة دمائها ، ووضعته كرها كما حملته، وربته مغموراً بعطفها وحنانها، تشقى ليرتاح وتسهر لينام وتجوع ليشبع وتظمأ ليروى وتعرى ليكتسي ؛ لأنه قرة عينها وفلذة كبدها وثمرة فؤادها وزهرة حياتها وأمل مستقبلها ، والأخرى لا تعدو أن تكون أرادت به ترفاً في حياتها ، وسلوى تشغل بها فراغها ، فهي لم تحمله ولم تضعه ، ولم تضح من أجله بغال ولا رخيص ، ولا تشدها إليه صلة نسب ولا سبب ، فأنى تستويان في حنانهما وبرهما ورعايتهما؟! وأنى يجد عند الأخرى ما يجد عند أمه الرؤوم ؟! من الإحسان والتربية السليمة ، فكذلك الثروات تضاع وتهدر عندما تؤول ظلماً وعدواناً إلى من استأثر بها من غير كدح في تحصيلها وتنميتها ، ومن غير مغرم مادي لأجل ذلك .
وهذا ما جعل البلاد التي طالتها ألسنة نيران الثورات الاشتراكية غارقة في الفقر ، كابدته إبان وقوعها تحت نيران الظلم الاشتراكي ، كما ظلت تكابده بعد انحساره عنها ؛ لتغلغل آثار ذلك الظلم فيها ، مع ما عساه أن يكون فيها من خير عظيم ورزق وفير . (1/25)
صفحة 26
ولا يخفى أن شبح التأميم عندما يهدد رؤوس الأموال و يقض مضاجع أصحاب الثروات يجمد الحركة الاقتصادية ويقف بعجلتها عن الدوران ؛ بسبب تعطيله الطاقات وتجميده الملكات، فمن الذي يأمن أن يقوم بمشروع تجاري أو صناعي أو زراعي عملاق تشغل فيه أيدي العاطلين ، وتشبع من ورائه بطون الجياع ، وتكتسي بنتاجه أجساد العراة؟! مع أن عين النظام ساهرة ترقب كل مشروع من هذا النوع ، لتسلط عليه نار التأميم الملتهبة ، التي يأتي ضرامها على كل ثروة ، فيحوله أكواماً من الرماد المتطاير ، فكيف يطمئن أحد في مثل هذه الأجواء المرعبة إلى القيام بأي مشروع مع أن هذا الشبح المخيف يلاحقه ؟! أليس مثل هذا النظام هو الذي يدفع بالناس إلى التحايل على القانون ، ولو بأساليب مستميتة من أجل تهريب ما تبقى من ثرواتهم تحت أغشية من الظلام الدامس إلى مجتمعات أخرى ، توفر أنظمتها للمشروعات الاقتصادية أجواء آمنة يمكن فيها لأربابها أن يمارسوا أنشطتهم بكل هدوء وطمأنينة ، وهذا ما يجعل موطن تلك الثروات مقفراً من خيراتها، وإنما تنعم بها مواطن أخرى لم تكن تمت بصلة إلى أهلها .
4) العولمة:
بعد تلك المكابدة المريرة من أنظمة الشيوعية والاشتراكية الجائرة ، التي عصرت المجتمعات عصراً مستنفدة ما فيها من ماء الحياة ، أخذت هذه المبادئ في الانحسار لاصطدامها بنواميس الفطرة وتقهقرها أمام المد الطبيعي للحياة ،و لكن ما كاد الناس يستعيدون أنفاسهم حتى تمكنهم الراحة والاسترخاء في أجواء آمنة من القلق إلا وقد فوجئوا بمارد عملاق يخرج إليهم من باب النظام العالمي الجديد فاغراً فاه ليبتلع شعوب العالم قاضمة أنيابه العصل ثرواتها وخصائصها ومقوماتها ، ذلك هو مارد العولمة الجشع المنهوم الذي لا يقنع رحى معدته الطحون إلا اجتياح العالم والتهام ثرواته ، ومع كل ذلك يصيح وينادي "هل من مزيد؟" فما هي العولمة ؟ وكيف وصلت إلى هذا القدر من نشر الرعب في قلوب الآمنين ؟ (1/26)
صفحة 27
إن كلمة العولمة لفظة جديدة في القاموس السياسي والاقتصادي فهي كلمة حديثة لم تدخل بعد قوائم المفردات في القواميس السياسية والاقتصادية ، ومع هذا فهي منسوبة إلى (العالم) أي الكون وليس إلى (العِلم) ولهذا فهي توصف بأنها شيء أو نظام جديد يراد به توحيد العالم في إطار جديد واحد ومن هنا أطلق عليه البعض (النظام العالمي الجديد) ومع أن عبارة النظام العالمي الجديد توحي بل وتشير إلى النظام السياسي بشكل خاص إلا أنها في التسمية الحديثة تشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع والتربية والأعراف والتقاليد وغير ذلك، بل إنها تتجاوز ذلك كله إلى الحدود السياسية والجغرافية بين الدول حتى أنه قيل: إن العولمة ستجعل العالم يعيش في عصر (القرية الكونية) الموعودة في حين اعتبرها آخرون (إمبراطورية جديدة).
وبهذا يمكننا تعريف العولمة بأنها:
(نظام عالمي جديد يقوم على العقل الإلكتروني والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم ، والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم).
كما عرفت العولمة بأنها:
(القوى التي لا يمكن السيطرة عليها للأسواق الدولية والشركات المتعددة الجنسية ، التي ليس لها ولاء لأية دولة قومية ).
وهناك تعريف آخر يقول :
(إنها حرية حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنية والإقليمية ). (1/27)
صفحة 28
ويعرف برهان غليون العولمة بأنها : (ديناميكية جديدة تبرز داخل العلاقات الدولية من خلال تحقيق درجة عالية من الكثافة والسرعة في عملية انتشار المعلومات والمكتسبات التقنية والعملية للحضارة يتزايد فيها دور العامل الخارجي في تحديد مصير الأطراف الوطنية المكونة لهذه لدائرة المندمجة وبالتالي لهوامشها أيضاً) . ومن وجهة نظره فإن العولمة تعني (الدخول بسبب الثورة المعلوماتية والتقنية والاقتصادية معاً في طور من التطور الحضاري ليصبح فيه مصير الإنسانية موحداً أو نازعاً للتوحد).(1)
وأما أهدافها فإنها قد تبدي أهدافاً خداعة تستهوي الغمر غير المتعمق في دراستها ولكن ما تخفيه في طياتها هو أدهى وأمر من كل ما عساه يتصوره الذهن ، فبجانب إذابتها للهويات الثقافية والأدبية والاجتماعية والفكرية لدى الشعوب هي أتون متأجج ضرامه يلتهم ثروات الأمم والشعوب لتعود غذاءً هنيئاً للمارد العملاق الذي فرض سيطرته على العالم بدهائه ومكره وقوته وعتاده ، فهي تمتص الدماء من أوردة الشعوب والدول حتى لا تستطيع دولة أن تقف على قدميها ولا يتمكن شعب من أن تكون له إرادة أو خيار .
هذه هي العولمة وتلكم هي غايتها ، فمن الناحية الاقتصادية تزيد الشعوب المستضعفة ضعفاً وتسلب ذوي الثروات ما كان لهم من خير أفاضه الله عليهم ليتقوى بها المتسلط الجبار ليمعن في جبروته وقهره وليدوس الإنسانية بوطأة غطرسته وظلمه.
5) الصهيونية:
__________
(1) محمد سعيد بن سهو أبو زعرور : العولمة : ماهيتها ، نشأتها ، أهدافها ، الخيار البديل ، ص: 13-15، ط دار البيارق – عمان ، الأردن ، 1998. (1/28)
صفحة 29
إن من المسلمات التي لا تقبل الجدل أن العنصر اليهودي امتزج بحب الأثرة والاستغلال، وأن حب المال حباً جماً طبع متأصل في اليهود مع ما عرفوا به في تعاملهم من التواء المسالك والركون إلى الخلابة والخداع ، قال الله تعالى {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } [النساء:160، 161] ، ووصفهم بقوله : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } [المائدة: 42] ، وقد امتزج هذا الجشع بسائر طباعهم كحقدهم الدفين واستعلائهم على الشعوب والأمم معتقدين أنهم شعب الله المختار مع اعتقادهم بأن ما بأيدي سائر الشعوب ملك لهم { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } [آل عمران: 75]، فلذلك ما فتئوا يحبكون المؤامرات ويدبرون المكائد ويدسون الدسائس ضد جميع الشعوب والأنظمة ناهيكم أنهم – بجانب كونه رأس الحربة الرأسمالية الجائرة – هم الذين حركوا الثورات الشيوعية التي لم تبق ولم تذر ، لأن من طبعهم تأجيج نيران الفتن و إلهاب السخائم والأحقاد { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً } [المائدة: 64] ، ولكل ما ذكرته شواهد في بروتوكولات حكماء صهيون فلا غرو إن كانوا معولاً هداماً يقوض اقتصاد أمة الإسلام وسعيراً ومتأججاً يلتهم ثروات الأمم التهاماً وإنني لأحيل قارئ بحثي هذا إلى كتاب (المخططات الصهيونية للسيطرة الاقتصادية على الوطن العربي) للأستاذ حلمي عبدالكريم الزعبي ، ففيه ما يغني عن الإطالة . (1/29)
صفحة 30
وبجانب ما ذكرته من هذه العوامل المؤثرة في الفقرالراجعة إلى النظم السياسية هنالك عوامل أخرى ليست بمنأى عن المخططات الصهيونية والاستعمارية، أقتصر على ذكر عاملين منها:
أولهما: انتشار المخدرات والخمور.
فإنه من أخطر ما يهدد الشعوب والأمم وهو من ضمن دسائس الصهيونية العالمية في نشر أوبئة الفساد وتحطيم مقومات الشعوب والأمم ، ذلك لأن الحياة فرصة لا تعوض ونعمة لا تقدر بثمن فمن ثم كان الإنسان مسئولاً عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه ؟ وهل العمل لخير الدنيا والآخرة إلا بانتهاز فرص الزمان ؟ فمن أضاعها خسر العمل ، بل خسر الدنيا والآخرة معاً ، والعمل لا يكون إلا بتدبير وإتقان وأنى ذلك إلا بعقل سليم يبصر الإنسان بما يأتيه ويذره لذلك كان العقل ملاك الحقيقة الإنسانية وجوهر حياتها وبما أن الإسلام دين الفطرة شدد في تعاطي الإنسان أي شيء مما يؤثر على عقله من مسكرات أو مخدرات لأن تعطيل العقل تعطيل للحياة كلها ، وماذا عسى أن تكون حالة من فقد عقله إلا أنه عبء ثقيل على مجتمعه؟ فهو يضر ولا ينفع ، ويأخذ ولا يعطي ، ويستهلك ولا ينتج ، وبهذا تبين لكل ذي بصر أن المخدرات والخمور هي من أسباب الفقر لأنها تفضي إلى تعطيل ملكات الذين يتعاطونها فضلاً عما يصرف فيها من أموال طائلة تتجاوز أرقامها جميع التصورات وما هي إلا على حساب المجتمع الذي هو أحوج ما يكون إليها ، فهي ثروات تهدر وحقوق تضاع على أن المخَّدر والمخمور لا يفتآن في حال نشوة الخمر والمخدرات يبذران تبذيرا فيبددان كل ما بيدهما من ثروة وما تمتد إليه أيديهما من ثروات الآخرين تبديدا لا يكاد يصدق ، قال الدكتور أحمد عبدالعزيز الأصفر : (1/30)
صفحة 31
تشكل الأبعاد الاقتصادية والسياسية لانتشار تعاطي المخدرات عاملاً أساسياً من عوامل انتشار بصورة عامة ، وفي المجتمع العربي بشكل خاص. ذلك أن التحليل الموضوعي لانتشار الظاهرة في معظم دول العالم يدل على ارتباط نمو الظاهرة بالأبعاد الاقتصادية والسياسية للصراعات بين الدول والشعوب ، وتعد حرب الأفيون التي فرضتها بريطانيا على الصين سنة 1840 لتسهيل تجارة الأفيون فيها أوضح دليل على الأبعاد الاقتصادية والسياسية لتجارة المخدرات (www.999.8m.net) .
تعد الصين من الدول ذات السوق الاستهلاكية الواسعة بسبب ارتفاع عدد سكانها، وجودة قوتهم الشرائية بالموازنة مع سكان المناطق الأخرى ، وخاصة المجاورة لها ، وقد نجحت في الاحتفاظ باستقلالها ، ولم تقع تحت حكم دولة أجنبية ، وذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر . وكانت قد بدأت باستيراد الأفيون من الهند منذ بداية القرن الخامس عشر ... لكن نطاق هذه التجارة ، لم يتسع إلا على يد التجار الأوروبيين خصوصاً شركة الهند الشرقية ، التي كانت تحتكر التجارة البريطانية . (1/31)
صفحة 32
وفي عام 1800م أصدرت الحكومة الصينية قرارات تمنع من خلالها استيراد الأفيون لأي سبب من الأسباب لتضع حداً لهذا الداء ، الذي يهدد كيان الشعب ، ويستنفد ثروة البلاد. غير أن الربح الفاحش حمل الأوروبيين على تهريب الأفيون إلى الصين وشراء ضمائر الموظفين بالرشوة ... الأمر الذي دفع الحكومة الصينية إلى منع موظفيها الاجتماع بالتجار والتفاعل معهم ، وبرغم الإجراءات المشددة المفروضة على التعامل مع التجار الأجانب غير أن ذلك لم يضع حداً لتجارة الأفيون التي استفحلت معها بقوة مظاهر الفساد والرشوة ... ثم ازداد الأمر سوءاً بعد عام 1834م عندما اتخذت الحكومة الصينية مجموعة من الإجراءات الصارمة بخصوص الحد من تهريب الأفيون وأمرت التجار الأجانب أن يسلموا جميع الكميات الموجودة لديهم من الأفيون .. ولما رفضوا ذلك عملت الدولة على إرغامهم وعزلهم مع عاملهم وحمل الخدم والعمال الصينيين على هجرهم ، ومنع وصول الطعام إليهم ... مما أجبرهم على المصالحة ، وتسليم ما لا يقل عن عشرين ألف صندوق من الأفيون ... وأمرت الدولة بإحراق هذه الكمية التي كانت معدة للتهريب (www.alwahm.8m.com) .
غير أن الأمر سرعان ما أدى إلى نشوب حرب واسعة مع بريطانيا انتهت بهزيمة الصين، وتوقيع معاهدة مشينة وإطلاق حرية الاتجار بالأفيون . أما مقدار الضرر الذي يلحقه الأفيون بالشعب الصيني ، فلم يزعج بال بريطانيا ، التي لا يهمها إلا المكاسب المادية التي يجنيها تجارها من تهريب الأفيون ، وما يدره ذلك على الخزينة البريطانية من دخل . فقامت الحرب عام 1840م لأن أغلب الأفيون الذي أحرقته الحكومة الصينية كان ملكاً لتجار بريطانيا، فأعلنت بريطانيا الحرب بحجة الدفاع عن كرامتها وشرفها ، وعرفت هذه الحرب (( بحرب الأفيون)) وانتهت بفرض تعاطي سم الأفيون على الصين. وهكذا تمكنت بريطانيا من الانتصار ، وأن تفرض تجارة الأفيون على الصين (www.alwahm.8m.com) . (1/32)
صفحة 33
وفي عام 1856م عادت المشكلات من جديد ، وأخذت دول أوروبية أخرى بالتحالف مع بريطانيا ، وكانت فرنسا على رأس هذه الدول ، ونشبت حرب الأفيون الثانية للأغراض ذاتها ، وتمكنت الدول المشاركة من الانتصار على الصين مرةً ثانية، وفرض شروط جديدة تضمن لهم حرية تجارة الأفيون بشكل خاص حيث تم افتتاح خمسة موانئ جديدة لهذا الغرض ، وسمحت الحكومة الصينية بانتشار المسيحية في الصين ، وكان من نتيجة ذلك أن ارتفع عدد المدمنين في الصين من حوالي (2) مليون إنسان عام 1850مـ إلى نحو (120) مليون نسمة عام 1878مـ . أي في أقل من ثلاثين عاماً (www.alwahm.8m.com) .
ولا يختلف الأمر في الوقت الراهن عما كان عليه في الماضي إلا من الناحية الإعلامية وحسب، فتحاول الدول المنتجة للمخدرات نفي أن تكون من الدول المنتجة سعياً وراء تجنب المشكلات السياسية التي يمكن أن تتعرض لها في علاقاتها مع الدول الأخرى ، خاصة وأن معظم الدول أصبحت مرتبطة باتفاقيات دولية للحد من الإنتاج غير المشروع للمخدرات، وفي هذا السياق يلاحظ الدكتور سعد المغربي أن هناك عاملاً اقتصادياً كبير التأثير في إنتاج المخدرات عامة، وإنتاج الأفيون بخاصة، إذ يرجع اهتمام الدول بزراعته وإنتاجه وعدم تعاونها مع الدول الأخرى في الإشراف على هذا الإنتاج ، إلى أنه يعد مصدراً أساسياً وضخماً من مصادر الدخل لهذه الدول ، ويسهم ما يترتب عليه من مردود اقتصادي في تمويل الحكومات. ونتيجة لذلك فإن الجهود الدولية لضبط الإنتاج وتوجيهه تسير ببطء شديد، ويلاحظ الدكتور المغربي إن كل المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تمت منذ عام 1912مـ تهدف إلى التحكم في عمليات الإنتاج والتوزيع ، ومع ذلك فإن الحل النهائي لم تصل إليه هذه الدول ، ذلك أن الحل سيؤدي إلى اضطرابات اقتصادية لدى الدول المنتجة والتي تعتمد في دخلها وميزانياتها على إنتاج الأفيون وتصديره (المغربي ، 1986 ، 10) . (1/33)
صفحة 34
ويكشف أندرياس بوبر في كتابه المنشور باللغة الألمانية بعنوان (جرائم أجهزة المخابرات) عن تعاون مجموعة من أجهزة المخابرات الغربية (الأمريكية والألمانية وغيرهما) فيما بينها على مدار سنوات طويلة ومع رؤساء منظمات المافيا العالمية لتهريب المخدرات بغية تنفيذ العمليات الإرهابية والإعداد لها. وأن هذه الأجهزة حققت أرباحاً طائلة من وراء صفقات المخدرات ، وبهذه الأرباح غير الشرعية تم الاتفاق على عمليات غير شرعية ضد دول أخرى أيضاً (www.freemuslim.org) .
وإذا كان لانتشار المخدرات أبعاد سياسية واقتصادية متنوعة في معظم الدول ، فإنه في المجتمع العربي أكثر وضوحاً ، وأشد تأثيراً ، غير أن وسائل الإعلام العربية ومراكز الأبحاث المتخصصة في هذا المجال ضعيفة إلى الحد الذي لا تستطيع فيه الكشف عن أية أبعاد من هذا القبيل ، وهي تبني القسم الأكبر من تقاريرها وأبحاثها على ما توفره المؤسسات الغربية من بيانات وأرقام ومعلومات ، فمراكز الأبحاث العربية ليست منتجة حتى للبيانات بقدر ما هي مستهلكة لما هو متداول بين مراكز الأبحاث العالمية والغربية منها بشكل خاص.
إن المنطقة العربية ، ومنطقة المشرق العربي بشكل خاص هي من أكثر المناطق في العالم حساسية من الناحية السياسية ، وتعد مشكلة الصراع العربي الصهيوني من أقدم المشكلات المستعصية على الحل في العالم المعاصر ، وتكتسي فيها القضايا الاجتماعية والاقتصادية أبعاداً سياسية على نحو بالغ ، غير أن الوعي بمخاطرها مازال ضعيفاً . فالفساد الإداري والمالي، والمخدرات ، والدعارة ليست قضايا اجتماعية فحسب بقدر ما تحمل في مضمونها بعداً سياسياً هدفه تقويض دعائم النظام الاجتماعي ، ونشر الانحلال الخلقي وتحطيم أي مشروع مستقبلي في تصور الأبناء سواءً أكان المشروع مبنياً على أسس دينية أم على أسس قومية. (1/34)
صفحة 35
إن آلية التفكير الصهيوني تقوم على دعامتين أساسيتين ، تتمثل الأولى في السيطرة على مصادر القوة وممارسة الإرهاب ، وتظهر الثانية بالسعي لإفساد الآخر وتحطيم قوته ، ويأخذ التفكير الصهيوني بالمبدأ القائل بأن قوة الذات إنما تكمن بفساد الآخر . وقد وصفهم الله عزّ وجل بأنهم {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً } [المائدة: 64] . وضمن هذا التصور يعمل المفكرون في الحركة الصهيونية على إثارة المجازر والمذابح وإقامة الأنظمة الإرهابية الدموية وتخريب الحكومات القائمة على مبادئ الخير والعقائد الإنسانية الصحيحة . والمشكلة أن الحركة الصهيونية تملك إلى جانب مشاريعها المعادية للشعوب وسائل الإعلام المضللة التي تخفي حقائق الأمور وتقلبها رأساً على عقب ، وقد تجعل من خصومها دعاة للإرهاب والقتل والتشريد كما يحدث اليوم في الصراع العربي الصهيوني ، في حين تظهر نفسها وكأنها داعية للخير والحق والعدالة .
كما يعتمد المفكرون في الحركة الصهيونية بدرجة كبيرة على بث سموم الشقاق والنزاع داخل البلد الواحد وتمزيقه إلى فئات متناحرة وإشاعة الحقد والبغضاء بين أبناء البلد الواحد حتى تتقوض جميع مقومات المجتمع الدينية والأخلاقية والمادية . والوصول به بصورة تدريجية إلى النتيجة المرجوة بعد ذلك كله وهي تحطيم الحكومات الشرعية والأنظمة الاجتماعية السليمة وتهديم الدين والأخلاق والفكر والكيانات القائمة عليها المجتمعات تمهيداً لنشر الفوضى والكفر والفسق والإرهاب والإلحاد . وذلك من خلال استعمال الرشوة بالمال واستخدام الفساد والجنس دون أي وازع بما في ذلك الشذوذ الأخلاقي في سبيل الوصول إلى الأشخاص الذين يشغلون المراكز العلمية أو الاقتصادية أو السياسية الحساسة في المناطق التي تصبح هدفاً للمشروع الصهيوني (www.arabmail.de) . (1/35)
صفحة 36
وإذا كان الذهب بمثابة القوة الحقيقية الأولى فإن (الصحافة) هي القوة الثانية برأي المفكرين الصهاينة (وحينما نسيطر على الصحافة نسعى جاهدين إلى تحطيم الحياة العائلية والأخلاق والدين والفضائل) . التي تعد من (أهم مقومات الشعوب فيسهل السيطرة عليهم وتوجيهها كيفما نريد) (www.arabmail.de) .
وفي سياق هذا التوجه بصورة عامة يمكن تلمس الأبعاد السياسية لنشر الفساد الاجتماعي والأخلاقي في الدول العربية ، ونشر المخدرات ، غير أن الأمر لا يقف عند حدود الاعتبارات المادية والاقتصادية فحسب بقدر ما يرتبط بالأبعاد السياسية، فكل ما من شأنه تقويض دعائم النظام الاجتماعي في الدول العربية ونشر الفساد الأخلاقي والاجتماعي يسهم على نحو مباشر تارةً وغير مباشر تارةً أخرى في دعم المشروع الصهيوني ، وتعزيز وجوده في المنطقة ، ولهذا ليس من الغريب أن يعمل الكيان الصهيوني على دعم نشر المخدرات في الدول العربية ونشر الفساد ، حتى أن ذلك يعد بالنسبة إليه جزءًا لا يتجزأ من الحروب التي تقوم بها (إسرائيل) ضد الدول العربية مجتمعةً أو منفردةً . (1/36)
صفحة 37
ولا تعد المسألة جديدة فسعي الكيان الصهيوني لنشر المخدرات في المجتمع العربي ، وجعل ذلك جزءًا من معركة (إسرائيل) ضد الدول العربية يعود إلى المراحل الأولى من تأسيس الكيان الصهيوني ، إذ يكشف عبدالعزيز صفوت سنة 1956مـ في تقرير له مرفوع إلى أمين عام جامعة الدول العربية عن الدور الذي تقوم به (إسرائيل) في نشر المخدرات في الدول العربية المجاورة ، بعد أن كانت الأنظار متجهةً نحو سوريا ولبنان لوصفهما دول منتجة ، جاء في المذكرة المرفوعة سنة 1956م (ذكرت في التقرير السابق أن (إسرائيل) زرعت مساحة كبيرة في أراضيها بنبات الحشيش في العام الفائت بجهة المثلث المتاخمة لحدود المملكة الأردنية الهاشمية، ولقد علمت أن (إسرائيل) لم تزرع في هذا العام نبات الحشيش في أراضيها اكتفاءً بما يهرب إليها لتهريبه تباعاً إلى الأراضي المصرية. أما فيما يختص بالمواد المخدرة البيضاء فمن المقطوع به أن (إسرائيل) أنشأت بضعة مصانع صغيرة لصناعة الكوكايين والهيروين والمواد المخدرة الصناعية تعمل على تهريبها لبعض بلاد الشرق الأوسط وبعض البلدان الأوروبية ، ولو أنها تضع على عبوات هذه المخدرات أسماء لشركات محترمة بأوروبا . كما أنها تعمل على تهريب المواد البيضاء للولايات المتحدة عن طريق فرنسا بحراً وجواً عن طريق المطارات التي تقصدها الطائرات) (صفوت ، د . ت ،43) . (1/37)
صفحة 38
وفي موقع آخر يذكر اللواء صفوت (ولقد لمست في السنوات الأخيرة انتشار المواد المخدرة (الكوكايين والهيروين) والمواد المخدرة المصنعة في ربوع لبنان وسوريا وكنت قد وجهت نظر المسئولين إلى ذلك . ولقد تبين أن مصدر هذه المخدرات تركيا (وإسرائيل) لوجود مصانع سرية تعمل على صناعة هذه المخدرات وتصديرها إلى الشرق الأوسط . كما علمت أن (إسرائيل) نشطت في المدة الأخيرة نشاطاً منعدم النظير ، فأباحت زراعة القنب الهندي (الحشيش) والخشخاش ببعض أراضيها خصوصاً ناحية المثلث المتاخمة لأراضي المملكة الأردنية الهاشمية ، وأنها تعمل على تهريب هذه المخدرات إلى دول الشرق الأوسط بصفة عامة) (صفوت ، د . ت ،38) . (1/38)
صفحة 39
وفي الوقت الراهن تكشف دراسات معاصرة عن استخدام (إسرائيل) للمخدرات في حربها مع الدول العربية بشكل عام ، ومع الانتفاضة الفلسطينية بشكل خاص فبعد فشل الوسائل القمعية الهادفة إلى إخماد جذوة الانتفاضة ، بدأت سلطات الاحتلال الصهيوني بترويج المخدرات في أوساط الشباب الفلسطيني لإيقاعهم في دائرة الإدمان والانتحار البطيء ، مستغلة في ذلك الأوضاع السيئة التي يعيشها من النواحي الاقتصادية والاجتماعية حيث البطالة وانعدام ضروريات الحياة بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر للقرى الفلسطينية . ففي مقابلة مع الدكتور (ممدوح جبر) رئيس الهيئة الفلسطينية للصحة النفسية والاجتماعية خلال زيارته للقاهرة أشار إلى أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة تؤدي دوراً كبيراً في نقل المخدرات بين الطرف الفلسطيني المتمثل في العملاء ، والطرف الإسرائيلي ، كما أن هذه المستعمرات والمستوطنات تنتشر فيها زراعة أنواع المخدرات التي يتم إدخالها وسط الفلسطينيين . وقال: إن دافع بعض الفلسطينيين للتعاون مع المخابرات الإسرائيلية في مجال جلب وترويج المخدرات بين الشباب الفلسطيني هو الرغبة في الثراء السريع ، نتيجة انتشار البطالة التي يرى فيها سبباً أساسياً في تعاطي المخدرات والاتجار بها معاً في المجتمع الفلسطيني. وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي عمد إلى زيادة معدلات البطالة في صفوف الفلسطينيين لدفعهم إلى تعاطي المخدرات التي تدمر العقل والجسم معاً . وتؤدي المعابر الحدودية التي تقع تحت السيطرة الإسرائيلية كمركز لإدخال المخدرات إلى الجانب الفلسطيني ، إلى جانب الطرق المؤدية إلى المستوطنات ، وتستخدم السلطات الإسرائيلية ضغوطاً مختلفة على العمال الفلسطينيين الذين يعملون داخل (إسرائيل) لتجنيد بعضهم للعمل كمروجين للمخدرات في الأحياء والمناطق الفلسطينية (www.islamonline.net) . (1/39)
صفحة 40
وفي هذا السياق أفادت جريدة القبس في عددها 5238 تاريخ 15/12/1986مـ بأن ثلاثة من كبار تجار المخدرات المصريين اعترفوا بعد القبض عليهم بأن اثنين من الدبلوماسيين اليهود كانا وراء تهريب عشرين طناً من المخدرات إلى مصر عبر منفذ طابا ، وتبين أن أحدهما يعمل بالملحقية الإدارية للسفارة الإسرائيلية بالقاهرة ، والثاني في المركز الأكاديمي اليهودي (www.alsalafyoon.com) .
كما أفادت الصحيفة ذاتها في عددها 5324 تاريخ 9/3/1987م بأن السلطات المصرية اكتشفت شحنات من الأغذية الملوثة بالإشعاع النووي داخل مصر ، وكانت السفارة اليهودية في القاهرة لعبت دور الوسيط بين المصدر والمستهلك المصري (www.alsalafyoon.com) .
وتفيد مجلة الأسبوع الأدبي بأن الكيان الصهيوني استطاع أن يقوم بشن حرب اجتماعية خطيرة على المجتمع العربي في مصر بعد اتفاقيات السلام ، فقد تم تنفيذ مجموعة كبيرة من عمليات تهريب المخدرات وبذل الجنس ، وترويج العملات المزورة ، ونشر الإيدز ، إضافة إلى الحروب الثقافية والعلمية والسياسية والاقتصادية . إذ بلغت قضايا تهريب المخدرات (4520) قضية ضبطتها وزارة الداخلية المصرية ما بين عامي 1979 و 1989م وقد لعبت المخابرات الإسرائيلية دوراً فعالاً في تجنيد المصريين للقيام بهذه العمليات وبصورة خاصة بدو سيناء (www.awu-dam.org)
ومن المفيد ذكره أيضاً أن الكيان الصهيوني يقوم في كثير من الأحيان بتقديم المخدرات للمتعاملين معه بدلاً عن الأموال مقابل المعلومات والبيانات الهامة التي يحصلون عليها ويقدمونها للجهات المعنية في (إسرائيل) ، ومن الطبيعي أن يجدوا أن من أهم واجباتهم بعد ذلك توزيع المخدرات ونشرها في الأوساط المناسبة التي يمكن أن تتقبلها بسرعة . وقد قضت محكمة مصرية بالحكم المؤبد على مصري متورط في عملية تجسس مقابل الحصول على كميات كبيرة من المخدرات (www.alqanat.com) . (1/40)
صفحة 41
كما تفيد دلائل كثيرة بأن كميات كبيرة من المخدرات وخاصةً الهيروين يتدفق إلى الأسواق المصرية بأسعار منخفضة جداً لا تكافئ أسعارها في الأسواق العالمية ، وأن قدراً كبيراً من المخدرات إنما يأتي مصدره من سيناء ، عبر الحدود المصرية الإسرائيلية (www.alqanat.com) .
ولا يقف الأمر في حدود الصراع العربي الصهيوني فحسب بل يمتد إلى العلاقات التي تقيمها الحركة الصهيونية مع العالم أيضاً بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها التي تعد من أشد الدول دفاعاً عن العدوان الإسرائيلي ، فعلى الرغم من التعتيم الذي تمارسه وسائل الإعلام الأمريكية على كل ما يختص بالعمليات القذرة التي تمارسها إسرائيل في الولايات المتحدة وهي عمليات تهريب مخدرات وتبييض أموال كان يتم غض النظر عنها . غير أن وصول عملاء تل أبيب إلى مواقع حساسة في الولايات المتحدة دفع بعض المؤسسات الأمريكية إلى متابعة التغلغل الإسرائيلي وقد تمكنت جهات أمنية هناك من تحقيق بعض النتائج في هذا الخصوص ، وتم القبض على عشرات الإسرائيليين المرتبطين بعمليات التجسس وقد سعت بعض المؤسسات الأمريكية لكشف ما تحاول الإدارة الأمريكية إخفاءه من معلومات تؤكد التورط الإسرائيلي بهجمات أيلول ، بفعل الضغوط التي تمارسها جماعات الضغط (اللوبي الصهيوني) على آليات اتخاذ قرار الولايات المتحدة . (نديم ، الشرق الأوسط ، 2002مـ). (1/41)
صفحة 42
كما تكشف الدكتورة (دفنة شير فمن) المحاضرة في مجال العلوم السياسية في كلية الجليل الغربي وعضو سابق في الوفد الإسرائيلي لمؤتمر فيينا لحقوق الإنسان الذي عقد عام 1993مـ ولهيئة الأمم المتحدة عام 1994مـ - 1995مـ . والتي تعمل حالياً رئيسة للجنة حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الاشتراكية الدولية ، عن العلاقة الوثيقة التي تربط الكيان الصهيوني بسوق المخدرات في كولومبيا عام 1989مـ كما أفادت بذلك وكالة المخابرات الكولومبية التي أكدت وجود شراكة إسرائيلية تقوم بتدريب خلايا للقتال مرتبطة بكارتيلات المخدرات (www.fateh.net) .
وتنشر صحيفة الحياة في عددها الصادر في 1/3/1999مـ ما يفيد بأن الشرطة القضائية الفرنسية كشفت عن شبكة إسرائيلية في جنوبي فرنسا كانت تصدر إلى الولايات المتحدة وكندا حبوب هلوسة مصنعة في هولندا . وأوضحت الشرطة القضائية بأن المهربين أو أعضاء الشبكة تم اعتقالهم في آب 1998مـ في فرنسا وبلجيكا والمانيا وفي القارة الأمريكية ، ومنهم أوديدت . (37 عاماً) الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية ، وجيسون سي . (26 عاماً) المولود في (إسرائيل) والمقيم في لوس أنجلوس والذي كان مكلفاً بتجنيد مهربين وتنظيم شبكات التوزيع في الولايات المتحدة (www.moqawama.org) (1/42)
صفحة 43
وإذا كانت مجموعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة تمارس أعمالها لصرف النظر عن القوانين والأعراف المتبادلة بين الدول بغية تحقيق المكاسب المادية والمعنوية للمشروع الصهيوني ، فلا شك أن نشاط جماعات الضغط الصهيونية ، والتي تكتسب في كثير من الأحيان جنسيات مختلفة أكثر خطورةً على المجتمع العربي ، وإذا كانت دولة (إسرائيل) قد فكرت باستثمار التجارة غير المشروعة للمخدرات في حربها ضد العرب منذ بداية الخمسينات ، فلا شك في أنها اليوم أكثر قدرةً على استثمار ذلك ، وأكثر قدرةً على إخفاء هذه الحقائق لاعتبارات تتصل بالتطور التقاني [هكذا كتبت في الأصل] الواسع من جهة ، وبامتلاكها ناصية وسائل الإعلام ومكاتب التحقيقات ، ومراكز الأبحاث في عدد كبير من الدول الأوروبية من خلال جماعات الضغط الصهيونية المنتشرة في معظم بقاع العالم، وهي تخدم المشروع الصهيوني على نحو من الأنحاء. (1/43)
صفحة 44
ويضاف إلى ذلك أن جماعات الضغط الصهيونية المنتشرة في معظم بقاع العالم ، والتي تحمل جنسيات مختلفة لا تورط نفسها في شبكات الإرهاب والتجارة غير المشروعة للمخدرات عبر أشخاص ينتسبون إليها بالفعل ، إنما من خلال توريط أشخاص آخرين من جنسيات عربية أو إسلامية مستفيدين من مظاهر الضعف التي تصف بعضهم ، وليس من الغريب أن تسعى جماعات الضغط للكشف عنهم وإظهارهم على أنهم إرهابيون وتجار مخدرات ومن جنسيات إسلامية أو عربية، عندما تجد لذلك المسوغ المناسب . فيأتي العائد المعنوي والسياسي والإعلامي أكبر من النفقات التي استهلكت لهذا الغرض . وقد يتعرض هؤلاء الذين يشاركون بمثل هذه الأعمال ، ويحملون جنسيات عربية أو إسلامية بضغوط نفسية واجتماعية وعمليات غسل دماغ تجعلهم يتورطون بالفعل بعمليات إرهابية ، أو عمليات متاجرة غير مشروعة بالمخدرات ، وترويجها . ففي حديثه مع صحيفة ألمانية حول إمكانية أن يكون مواطنون سعوديون متورطين في عمليات الحادي عشر من أيلول ينفي الأمير نايف بن عبدالعزيز إمكانية ذلك ، لغياب الأدلة ، ومع هذا فإنه في حالة ثبوت ذلك فلا شك أن الأشخاص المشاركين لابد أن يكونوا قد تعرضوا لعملية غسل دماغ ومن الممكن أن يكونوا قد تعرضوا لضغوط نفسية ، وتم استغلالهم وغرر بهم للقيام بهذه الأعمال .(الشرق الأوسط ، 22/12/2001مـ) . (1/44)
صفحة 45
وباختصار إن انتشار المخدرات لا يعد مسألة اجتماعية فحسب ، بل يحمل في مضمونه بعداً سياسياً هدفه تقويض دعائم النظام الاجتماعي العربي ، فما يحققه الكيان الصهيوني من انتصارات في المنطقة العربية إثر انتشار المخدرات ونشر الفساد الأخلاقي وتعزيز مظاهر الفرقة بين صفوف المسلمين لا يمكن تحقيقه بالحروب التي قد تزيد في نفقاتها مئات المرات، دون تحقيق الجدوى الفعلية التي تنجم عن انتشار ظاهرة تعاطي ونشر الفساد والفرقة. ولهذا فإن البعد السياسي لانتشار ظاهرة التعاطي يعد عاملاً مهيئاً لانتشارها ولا يمكن إغفاله على نحو من الأنحاء .وبالتالي فإن السعي لمكافحة ظاهرة تعاطي المخدرات والعمل على الحد من انتشارها هو مشروع وطني سياسي وديني وأخلاقي ، وليس مجرد قضية اجتماعية وحسب.(1)
__________
(1) أحمد عبدالعزيز الأصفر : عوامل ظاهرة انتشار المخدرات في المجتمع العربي ص92- 104. (1/45)
صفحة 46
هذا وقد حرصت على نقل كلامه مع طوله لأهميته ، لأنه كشف الستار عن كثير من الحقائق الخفية. ومن الواضح أن الخمور لا تقل ضرراً عن المخدرات بل هي أم الخبائث ومصدر الشرور وأساس البطالة والفقر ، تستهلك ما بيد شاربها من طارفه وتليده حتى يغدو ولا يجد ما يستر به سوأته أو يسد به مسغبته ، فانتشارها من عوامل الفقر والضياع ، ومن التناقض العجيب أن نرى إجماعاً عالمياً على محاربة المخدرات وإنزال العقوبات لمستهلكيها وتجارها ومروجيها؛ بينما الخمر تجري أنهاراً في أماكن السياحة والمطاعم والمتاجر ولا نكير من أحد، بل تُعدُ رمز الحضارة المعاصرة وشارة الرقي والتقدم حتى أن الحفلات لا تأخذ حظها من الازدهار إلا حين تدار كؤوس الخمر بين حضورها ، ومن العجب أن يكون المسلمون من بين مَن استشرى فيهم هذا المرض الفتاك وإيفوا بهذه العدوى الخطيرة مع أن كتاب ربهم يناديهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91) } [المائدة] ، ونبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام يعلن بينهم [لعن الله الخمر وبائعها ومشتريها وعاصرها وحاملها والمحمولة إليه] وفي بعض الروايات زيادة ومعتصرها وآكل ثمنها.
ثانيهماً : المقامرة (1/46)
صفحة 47
فإنها تبيد الثروات كما تبيد النار الهشيم وتعطل الملكات والطاقات وتأسر نفوس من اعتادوها حتى لا يروا إلى الفكاك منها سبيلا، وكأين من ثري ورث أمولاً طائلة لا تكاد تدخل تحت الحصر تحوَّل بتأثير المقامرة إلى عائل مساكين يستعطف الناس من أجل لقمة يشغل بها شيئاً من فراغ أمعائه أو طمر يواري به سوأته أو مأوى يأويه من لهيب الصيف أو لفح الشتاء أظلمت في وجهه الدنيا بعد ابيضاضها وضاقت به رحاب الفضاء بعد اتساعها واكفهر في وجهه الزمن بعد انبساطه ، وما كان ذلك إلا بغشيانه نوادي القمار التي تجتاح في ساعة من ثروة الإنسان ما قد جمعه آباؤه في قرون فإذا هي أثر بعد عين ، ولكم سمعنا وقرأنا عمن خسروا الملايين والمليارات في مقامرة ساعة وقد يخسر أحدهم حتى ثيابه التي على جسمه، ولربما أفضى به شغف المقامرة إلى أن يقامر حتى بحليلته .
نقل السيد محمد رشيد رضا في تفسيره المنار عن أستاذه الإمام محمد عبده أنه قال: (إنني أعرف رجلاً كانت ثروته لا تقل عن ثلاثة آلاف ألف جنيه (ثلاثة ملايين) فما زال شيطان القمار يغريه باللعب فيه حتى فقد ثروته كلها وعاش بقية حياته فقيراً معدماً حتى مات جائعاً ، وذكر أنه ربح في ليلة تسعمائة ألف فرنك فقال: لا أبرح حتى أتمها مليوناً فلم يبرح حتى خسرها إلى مليون آخر ، وهكذا شأن أكثر المقامرين يغترون بالربح الذي يكون لهم أو لغيرهم أحياناً فيسترسلون في المقامرة حتى لا يبقى لهم شيء).(1)
__________
(1) السيد محمد رشيد رضا : تفسير المنار :2: 266 ، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب (1/47)
صفحة 48
وقال أيضاً: (يحكى أن رجلاً عاقلاً رأى من ولده ميلاً إلى المقامرة لمعاشرته بعض أهلها فلما حانت وفاته وخاف أن يضيّع ولده ما يرثه عنه وعلم أن النهي لا يكون إلا إغراءً قال له: يا بني إذا شئت أن تقامر أوصيك بأن تبحث عن أقدم مقامر في البلد وتلعب معه فطفق الولد بعده يبحث ويسأل، وكلما دل على واحد علم منه أن هناك من هو أقدم منه، حتى إذا انتهى به البحث إلى شيخ رث الثياب ظاهر الاكتئاب فعلم من حاله ومقاله أن مآل المقامر إلى أسوأ مآب، وأن والده قد اجتهد بنصيحته فأصاب وأنه أوتي الحكمة وفصل الخطاب ورجع هو إلى رشده وأناب ، فلم يدخل بيت المقامرة من طاق ولا باب )(1)
القسم الثاني: الحل الإسلامي
__________
(1) ن م :267. (1/48)
صفحة 49
إن الإسلام الحنيف لم ينحصر علاجه لمشكلة الفقر في محاربته وحده بل أتى على مشكلات الحياة مشكلة مشكلة فحل عقدها وقضى على أسبابها وتتبع جذورها فشملها استئصالاً وإبادة وجاء البشر بنظام رتيب ينظم الحياة بأسرها ، وينسق بين جميع جوانبها ، ويقضي على كل نشاز واضطراب فيها وقبل أن يعنى بهذه الجوانب المترامية الأنحاء بدأ بالنفس البشرية التي هي محور هذا الأمر فأصلح فسادها وقوَّم اعوجاجها بما دعا إليه من تزيكتها { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) } [الشمس] وكانت نقطة انطلاقه في هذا المجال الرحب هي وصل هذا المخلوق بخالقه حتى تكون نزعته في الحياة نزعة ربانية لا يرد ولا يصدر في أي شيء كان إلا حسب ما يكون مرضيا لله وموافقاً لحكمه ثم وصل الفرد بمجتمعه وذا القربى بقريبه ، بل وصل الإنسان بجنسه كما أنه ربط بين العمل وجزائه وقرن بين الدنيا والآخرة وبين الملك والملكوت ، وبين عالم الشهادة وعالم الغيب ، ومع كثرة نصائحه وتوجيهاته ووفرة أوامره ونواهيه لم يؤكد على شيء تأكيده على تقوى الله ، كما يلحظ ذلك بتكرر الأمر بالتقوى في معرض التذكير والامتنان ، ومقام الترغيب والترهيب ، وفي حال التشريع والبيان ، بل نجد التأكيد على التقوى حتى في أدق المواقف وأحرجها وذلك عندما يحمى وطيس الحرب ويشب ضرامها وتمتد ألسنة سعيرها لتبيد الأخضر واليابس وتهلك الحرث والنسل وهو موقف ما كان يعرف فيه إلا فقدان التوازن وانعدام الانضباط في التصرف ولكن الإسلام لم يرض بأن يكل الأمر فيه إلى العواطف المتأججة والحماس الثائر بل فرض على المسلم أن لا يتجاوز حدود التقوى في ذلك مهما يكن إحساسه بنشوة الانتصار أو خشيته من مغبة الهزيمة ، فقد قال تعالى : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190) } إلى أن قال: { وَاتَّقُواْ اللّهَ (1/49)
صفحة 50
وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)} ، [البقرة] وقد علق خير الدنيا والآخرة على الاستمساك بعروة التقوى ، أما الآخرة فلا سبيل إليها إلا بتقوى الله فإن السعادة فيها لا تكون إلا للمتقين ، قال تعالى : { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) } ، [آل عمران] وقال : { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) } ، [آل عمران] وقال { ولدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ (109) } [يوسف] وقال : { وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ (31) } [النحل] .
وأما الدنيا فإن تقوى الله هي أعظم وسيلة لاجتلاب خيرها ودفع شرها قال تعالى : { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) } [البقرة] وقال: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ..(3) } [الطلاق] وقال : { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) } [الطلاق] .
ومن المعلوم أن تقوى الله تعني اتقاء سخطه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وذلك يقتضي حرص من اتقى أن يؤتي كل ذي حق حقه وأن لا يحرم ذوي الحاجات من حقوقهم الواجبة في ماله كما لا يستغل حاجتهم ليرزأهم شيئاً من أموالهم بغير حق.
المال في نظام الإسلام هو مال الله (1/50)
صفحة 51
إن نظرة الإسلام إلى المال تباين نظرة جميع الأنظمة البشرية فهو وإن منح الإنسان حق التملك لا يجعله مالكاً حقيقياً للمال ولذلك لا يمنحه حق مطلق التصرف فيه وإنما مالكه الحقيقي هو الله لذلك كان التصرف فيه لابد من أن يكون مقروناً بإذنه وهذا ما يفهم من قوله تعالى: { وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (33) } ، [النور] ، وقوله : { وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) } ، [الحديد] ، وهو يعني أن الإنسان لا يعدو أن يكون أميناً على المال ومستخلفاً فيه ومن المعلوم أن الاستخلاف يقتضي عدم تصرف الخليفة فيما استخلف فيه إلا بحسب توجيهات من استخلفه ولهذا لم يطلق الإسلام يد الإنسان لاكتساب المال أو إنفاقه وفق رغبات نفسه بل وفق إذن ربه وهذا ما يدل عليه حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعاً عند الترمذي [لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس ... إلى أن قال : وعن ماله مم اكتسبه وفيم أنفقه؟]. (1/51)
صفحة 52
لذلك حرم على المسلم الربا أخذاً وعطاءً قال تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) } [البقرة] وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279) } [البقرة] وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)} ، [آل عمران] وقال - صلى الله عليه وسلم - : [لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه] وقال: [هم سواء] وقال : [اتقوا السبع الموبقات] وذكر منها أكل الربا كما شدد الإسلام في الاحتكار لما فيه من التضييق على الناس فقد أخرج مسلم والترمذي وأبو داود من طريق معمر بن أبي معمر أنه قال قال - صلى الله عليه وسلم - : [من احتكر فهو خاطئ] وجاء في رواية [المحتكر ينتظر اللعنة] . (1/52)
صفحة 53
وشدد الإسلام في أكل الأموال بأي وجه إلاَّ وجه حق أذن الله به فقد قال تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188) } ، [البقرة] وفي ذلك إشارة إلى حرمة الرشوة وقد نصَّ على ذلك حديث رسول - صلى الله عليه وسلم - فقد جاء فيه [لعن الله الراشي والمرتشي ..] وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً (30) } [النساء] وبالغ في التشديد في أكل أموال اليتامى وذلك حيث قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) }[النساء] واستفاضت الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مشددة في أخذ المال بغير وجه شرعي ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : [القليل من أموال الناس يورث النار] وقال عليه الصلاة والسلام: [من اقتطع حق أخيه بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب عليه النار] قيل له وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: [وإن كان قضيباً من أراك] وقال: [ردوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة] وهذا كله يعني أن على المسلم أن يحترز في اكتساب المال وأن لا يأخذه إلا بوجهه الشرعي الذي أذن به الله . (1/53)
صفحة 54
وكما أن على المسلم أن يكون دقيقاً في مراعاة الوجوه الشرعية في الكسب كذلك يجب عليه أن لا يتصرف في ماله إلا بحسب ما أذن به الله بحيث يكون إنفاقه دائراً بين الوجوه الواجب الإنفاق فيها وما يندب وما يباح ولو تعدى ذلك فلا يتعدى المكروه إلى المحرم لذلك حرم الإسراف ولو في الطعام أو الشراب قال تعالى : { وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) } [الأعراف] وأمر حتى في النفقات الخيرية أن يكون الإنفاق قصداً بين التبذير والتقتير ، قال تعالى: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) } [الإسراء] قال : { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) } [الإسراء] .
ومع هذا الضبط الدقيق في إنفاق المال في الجوانب التي يكون للنفس ميل إلى الإنفاق فيها أمر الله تعالى بإنفاقه في جوانب ربما كانت بادئ ذي بدء تكره الإنفاق فيها وهو من باب التعويد على الخير وغرس مشاعر الرحمة في النفس فإن عادة من ينفق في البر والإحسان أن يرق للمحتاجين ويرثي لأحوالهم ، ويتألم لآلامهم فلا يشفى ما في نفسه إلا بإيتائهم نصيباً من ماله يسد به عوزهم ويقضي به حاجتهم .
والإنفاق في الإسلام خارج محيط النفس والعيال ينقسم إلى قسمين: (1/54)
صفحة 55
أولهما:إنفاق مقدر بمقادير معينة وهو الزكاة الواجبة في أصناف مخصوصة ببلوغ مقادير معينة وهي نصاب كل صنف منها وبمرور زمن محدد عليها وهو الحول في غير الزروع والثمار وهي فريضة بنص الكتاب والسنة وإجماع جميع المسلمين سلفهم وخلفهم فلا مجال للتخلف عنها كيف وقد قرنت في القرآن الكريم بأعظم ركن عملي من أعمال الإسلام وهو إقام الصلاة ، فكم جاء في القرآن { أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ (43)} [البقرة] وجعلت مع الصلاة أبرز صفات أهل الخير ، فقد قال تعالى : {هدى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (3) } [النمل] وقال: { هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (4) } [لقمان] وبإقامة هذين الركنين العظيمين بجانب الركن العقدي تتحقق توبة من كان مجانباً للإسلام منابذاً لأهله فإن الله تعالى قال : { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) } [التوبة] كما أن بذلك تتحقق الأخوة الإيمانية بين المسلمين ، وذلك لقوله تعالى: { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) } [التوبة] . (1/55)
صفحة 56
ثانيهما:إنفاق لا يختص بشيء من الأصناف المالية ولا يقدر بمقدار ولا يشترط له بلوغ نصاب معين ولا مرور زمن معين، وهو الإنفاق العام الذي أمر الله به وحض عليه في آيات كثيرة من كتابه ووعد عليه خير الدنيا والآخرة وهو واجب على ذوي اليسار لدفع خصاصة أو تحقيق منفعة عامة أو لتمتين أواصر قربى ، ولأجل أهمية هذا الإنفاق قرنه الله تعالى بالإيمان في قوله : { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ } [البقرة] وهو بالطبع غير الزكاة المفروضة بديل ما ولي ذلك من قوله تعالى : { وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ }، [البقرة] فإن العطف يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه.
وجاء الحض على هذا الإنفاق في مقام التذكير بالموت وغصته وتمني الإنسان عند احتضاره أن لو يفسح له في عمره بقدر ما يتصدق، وذلك في قوله تعالى: { وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) } ، [المنافقون] وفي مقام التذكير باليوم الآخر وهوله وما يكون فيه من انقطاع العلائق وانعدام الأسباب وذلك في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ (254) } ، [البقرة] . (1/56)
صفحة 57
وجاء التنبيه على عظم أجور هذا الإنفاق في قوله سبحانه : { مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) } ، [البقرة] ولا يرتقي هذا الإنفاق إلى درجة البر ولا يكون له وزن إلا عندما يكون خالصاً لوجه الله من غير أن تشوبه شائبة من رياء ، وأن يكون غير مشوب بما ينغصه على المنفق عليه من المن والأذى ، قال تعالى: { الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (262) } ، [البقرة] ثم قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ (264) } ، [البقرة] . (1/57)
صفحة 58
وفي هذا رفع للمعاناة عن المحرومين ، وردم للهوة الفاصلة بين طبقتي الأغنياء والفقراء، حتى لا يحس أولوا الخصاصة بالجفوة والحرمان ولا تعتمل في نفوسهم نوازع الحقد بسبب شعورهم بضيق العيش ومكابدتهم لأواء الحياة ، مع ما يرون فيه أهل اليسر من رغد العيش ونعيمه ، فإن الأخذ بهذه الوصايا الربانية واتباع هذا النهج المستقيم يصل قلوب الأغنياء والفقراء بعضها ببعض فقلوب الأغنياء تفيض بالرحمة تجاه إخوانهم الفقراء حتى لا يهنأ لهم عيش ولا يهدأ لهم بال إلى أن يغمروهم بفيض من البر والإحسان يذهب بما بهم من الشدة ، وقلوب الفقراء تتدفق بالحب والولاء تجاه إخوانهم الأغنياء ، فلا تلبث ألسنتهم أن تلهج بالدعاء لهم بالخير والتوفيق والجزاء الحسن في الدنيا والآخرة .
وبجانب هذه الصدقات المقطوعة فثم صدقات جارية يتواصل برها باستمرار منفعتها وهي الأوقاف الخيرية سواءً كانت على الفقراء والمساكين أو كانت على ذوي القربى أو اليتامى أو في الرقاب أو كانت في المصالح العامة كالدعوة والتعليم وعلاج المرضى وسائر المنافع العامة وذلك بأن يحبس أصل المال عن التصرف فيه ليصرف ريعه في الوجه الذي خصص له من البر وقد أرشد إلى ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأخذ بهذا الإرشاد كثير من الصحابة رضوان الله عليهم فحبسوا جانباً من أموالهم وتصدقوا بريعها فيما خصصوها له من وجوه البر.
المال العام: (1/58)
صفحة 59
لئن كان الإسلام جعل في المال الخاص الذي بيد الفرد حقاً مشروعاً لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وسائر وجوه البر التي تعود بالمصلحة على المجتمع والأمة فإن المال العام لكل هؤلاء حق فيه ، وذلك لقوله تعالى : { مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ (7) } ، [الحشر] وفي هذا التعليل ما يدل على أن الإسلام الحنيف لا يقر أبداً أن تشرب النفوس حب المال حتى يتلاشى نصيب الفقراء في خضم جشع الأغنياء ويذهب بأس الأقوياء بحقوق الضعفاء إذ لو أرخي العنان للطبقات القوية والغنية في احتواء المال لما بقي لمن كان دونها نصيب وذلك مما يوسع الهوة بين طبقات الناس حسَّاً ومعنى لأن عاقبته أن يزداد الغني غنى والفقير فقراً .
قال الأستاذ الشهيد سيد قطب:
قاعدة التنظيم الاقتصادي، تمثل جانباً كبيراً من أسس النظرية الاقتصادية في الإسلام. فالملكية الفردية معترف بها في هذه النظرية . ولكنها محددة بهذه القاعدة . قاعدة ألا يكون المال دولة بين الأغنياء ، ممنوعاً من التداول بين الفقراء . فكل وضع ينتهي إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم وهو وضع يخالف النظرية الاقتصادية الإسلامية كما يخالف هدفاً من أهداف التنظيم الاجتماعي كله . وجميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع الإسلامي يجب أن تنظم بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد. (1/59)
صفحة 60
ولقد أقام الإسلام بالفعل نظامه على أساس هذه القاعدة . ففرض الزكاة . وجعل حصيلتها في العام اثنين ونصفاً في المئة من أصل رؤوس الأموال النقدية ، وعشرة أو خمسة في المئة من جميع الحاصلات . وما يعادل ذلك في الأنعام . وجعل الحصيلة في الركاز وهو كنوز الأرض مثلها في المال النقدي. وهي نسب كبيرة. ثم جعل أربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين فقراء أو أغنياء بينما جعل الفيء كله للفقراء . وجعل نظامه المختار في إيجار الأرض هو المزارعة أي المشاركة في المحصول الناتج بين صاحب الأرض وزارعها . وجعل للإمام الحق في أن يأخذ فضول أموال الأغنياء فيردها على الفقراء . وأن يوظف في أموال الأغنياء عند خلو بيت المال وحرم الاحتكار وحظر الربا وهما الوسيلتان الرئيسيتان لجعل المال دولة بين الأغنياء.
وعلى الجملة أقام نظامه الاقتصادي كله بحيث يحقق تلك القاعدة الكبرى التي تُعد قيداً أصيلاً على حق الملكية الفردية بجانب القيود الأخرى.
ومن ثم فالنظام الإسلامي نظام يبيح الملكية الفردية ، ولكنه ليس هو النظام الرأسمالي ، كما أن النظام الرأسمالي ليس منقولاً عنه ، فما يقوم النظام الرأسمالي إطلاقاً بدون ربا وبدون احتكار، إنما هو نظام خاص من لدن حكيم خبير. نشأ وحده . وسار وحده ، وبقي حتى اليوم وحده . نظاماً فريداً متوازن الجوانب ، متعادل الحقوق والواجبات ، متناسقاً تناسق الكون كله . مذ كان صدوره عن خالق الكون . والكون متناسق موزون.(1)
وقال العلاّمة ابن عاشور:
__________
(1) سيد قطب : في ظلال القرآن ، 6: 3524 – 3525 . ط. دار الشروق. (1/60)
صفحة 61
وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دُولة بين الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد مثل الموات، والفيء ، واللقطات ، والركاز ، أو كان جزءاً معيناً مثل: الزكاة ، والكفارات ، وتخميس المغانم ، والخراج ، والمواريث، وعقود المعاملات التي بين جانبي مال وعمل مثل: القراض ، والمغارسة ، والمساقاة ، وفي الأموال التي يظفر بها الظافر بدون عمل وسعي مثل : الفيء والرّكاز ، وما ألقاه البحر (1)
الإسلام يدعو إلى مكافحة الفقر بتوفير الإنتاج:
__________
(1) الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير 28: 85. (1/61)
صفحة 62
لا يقتصر الإسلام الحنيف في مكافحته للفقر على دعوته إلى البر والمرحمة بالفقراء والمساكين وإنما يقاوم الفقر بجانب ذلك بدعوته إلى تفجير ينابيع الثراء بالكسب الحلال وناهيكم أن الله قرن ين أمهات العبادات وبين الكسب الحلال لإعفاف النفس والنفقة الواجبة على العيال قال تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) } ، [الجمعة]ٍ وقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198) [البقرة] ، وقرن الكسب بالجهاد بل قدمه عليه في قوله : { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [المزّمل] ، وجعل يد الإنسان حرةً مطلقة في الانتفاع بالموجودات في الأرض حيث قال: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } ، [البقرة] بل وبكل ما يمكنه التوصل إليه من الكائنات المنبثة في هذا الكون وذلك بقوله : { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) } [الجاثية] . (1/62)
صفحة 63
ومن المعلوم أن التوصل إلى الانتفاع بهذه الكائنات إنما هو منوط بالخبرة وكل شيء يطلب بوسيلته ، وكل غاية يسعى إليها من سبيلها ، فالعلم هو رائد الإنسان في استخدام هذه الكائنات وتسخير طاقاتها لمنافعه ، لذلك سبق الإسلام جميع دعوات الإصلاح في الدعوة إلى التوسع في مجال العلم ، بل جعل العلم هو المعراج الذي يرقى عليه الإنسان مناصب الشرف والتكريم، لأن اختيار الله تعالى له لأن يكون خليفة في الأرض إنما هو لما منحه إياه من خصائص العلم التي لم تكن في غيره ، كما هو واضح في قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) } [البقرة] .
هذا في حين نرى أن توراة اليهود تعكس هذه الحقيقة حين تعد العلم سبب طرد الإنسان من الجنة ومنشأ ضلاله عن القصد. (1/63)
صفحة 64
ومن تكريم الإسلام للعلم وأهله قوله تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (9) } [الزمر] ، وقوله : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) } [المجادلة] ، وحسبنا دليلاً على قيمة العلم في موازين الإسلام وأن تعاليمه جميعاً تدور في فلك العلم أن الله عز وجل افتتح وحيه المنزل على نبيه الخاتم عليه الصلاة والسلام بقوله : {إقرأ} وهي كلمة لا تعادلها كلمة أخرى في الحث على طلب العلم بوسائله والأخذ فيه بأسبابه لأنها أمر بالقراءة والقراءة إنما تكون لما سبق تدوينه ، ومعنى هذا أن الإنسانية ممثلة في أمة الإسلام مطالبة بأن تطلب العلم من مظانه وتستخرج مكنوناته من معادنه وأن تحرص على تبادل المعارف ونشرها في نواحي الأرض وتخلدها للتوارث عبر الأجيال المتعاقبة مزبورة في الدواوين بجانب كونها محفوظة في الأذهان ومتناقلة بالألسنة، وذلك مما يؤكده قوله سبحانه في هذه السورة نفسها بُعيدَ هذا المطلع :{ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [العلق] ، فإن القلم كان هو الوسيلة الوحيدة في تخليد العلم ونشره ولا يزال له أثره الكبير في حياة العلم مع تطور الوسائل الأخرى التي أشار إليها سبحانه في قوله : { عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [العلق] . (1/64)
صفحة 65
وإن تعجب فاعجب أن تكون أمة الإسلام – التي هذا كتابها وهذه رسالتها وهي روحها من بداية تكوينها- هي الأمة المتأخرة في مواكب الأمم التي تشق طريق العلم إذ أصبحت تسير ببطء كما يمشي الوجي الوحل خلف قوافل الأمم جميعاً وتعتاش بما تلتقطه مما يتناثر من أزواد الآخرين من فتات يتساقط من أيديهم ، واعجب بجانب ذلك أن يكون أولئك الذين وصف العلم في كتابهم بأنه مصدر الضلال والغواية من أبرز المتسابقين في مضمار الحياة العلمية القادرين على اقتطاف ثماره من أشجاره التي غرسوها واعجب كذلك أن تكون أمة ليس لها في حياتها الروحية كتاب سماوي تستهدي به أو تنتسب إليه هي السباقة التي أحرزت قصبات السبق في مجال العلم والإنتاج فليت شعري ما الذي دفع باليابان إلى مقدمة الركب في الحياة العلمية حتى أصبحت رائدة في بناء الاقتصاد في عصرنا هذا إلا أنها عنيت بتنمية العقل البشري في أبنائها ورغم ضيق أرضها ووعورتها وانعدام موارد الثروة فيها وكونها عرضة للكوارث من الزلازل والبراكين وكثرة شعبها فإن قوة اقتصادها أصبحت تفوق اقتصاد جميع الدول الإسلامية مجتمعة بعشرة أضعاف. (1/65)
صفحة 66
وفي هذا العام زارني في مكتبي رئيس المكتب التجاري والثقافي لتايوان في سلطنة عُمان وأفادني أن تايوان مساحتها (36) ألف كيلو متر مربع وأنها عديمة الموارد وأن سكانها (22) مليون نسمة ومع ذلك فإن دخلها القومي (350) مليار دولار أمريكي وصادراتها (300) مليار ورصيدها الاحتياطي (250) بليون ، فما الذي رفعهم إلى هذا المستوى إلا عنايتهم ببناء العقل البشري مع حسن الإدارة والتنظيم ؟ فهل يكفينا أن نتفرج على هذه الأرقام الخيالية وندع الساحة لغيرنا! فما أعجب أن تكون أمة الإسلام أفقر الأمم وهي أمة وسط حتى في موقعها الجغرافي تحتل من بقاع الأرض سرتها وكبدها وقلبها مع تميّز أرضها بتنوع مواردها وكثرة خيراتها واكتناز جوفها بمصادر الثروة من نفط وغاز وأنواع المعادن وقد أنعم الله عليها بالطاقة البشرية فهي لا تحتاج في نهوضها إلاَّ إلى أمرين اثنين وهما: التخطيط السليم والتنفيذ الأمين. فهلا عنيت بذلك مع أن دينها يفرض عليها أن تكون رائدة في التقدم العلمي والإنتاج العملي فليس نهوضها من هذه العثرة استجابة لمطلب دنيوي فحسب بل هو استجابة لمطلب ديني فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وهي مع هذا كله ليست فقيرة من الطاقات العقلية والملكات العلمية لو أنها استقطبت ذوي المواهب في مجالات العمل من أبنائها ووطأت لهم الأكناف ، ويسرت لهم الوسائل وهيأت لهم مناخ العلم والعمل في بلادهم فقد ذكرت جريدة الوطن العُمانية في عددها (7617) الصادر يوم الأربعاء 6 من ربيع الثاني 1425هـ الموافق 26 من مايو 2004مـ في الملحق الاقتصادي نقلاً عن دراسة لمركز الخليج للدراسات الاستراتيجية أن هجرة العقول العربية تكلف الدول العربية خسائر لا تقل عن (200) مليار دولار مضيفة أن الدول الغربية الرأسمالية تعد الرابح الأكبر من هجرة ما لا يقل عن (450) ألف من هذه العقول ورأت الدراسة التي اطلعت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) على نسخة منها أن (1/66)
صفحة 67
المجتمعات العربية أصبحت بيئات طاردة للكفاءات العلمية العربية وليست جاذبة أو حاضنة لهذه الكفاءات الأمر الذي أدى إلى استفحال ظاهرة هجرة العقول والأدمغة العلمية العربية إلى الخارج خاصة إلى بلدان الغرب ، وذكرت أن 45% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم وأن 34% من الأطباء الأكفاء في بريطانيا هم من العرب مضيفة أن هناك نحو 75% من الكفاءات العلمية العربية مهاجرة بالفعل إلى ثلاث دول تحديداً هي أمريكا وبريطانيا وكندا ونوهت بأن الوطن العربي يساهم بـ 31% من هجرة الكفاءات من الدول النامية إلى الغرب الرأسمالي بنحو 50% من الأطباء و23% من المهندسين و15% من العلماء النابهين من العالم الثالث . واعتبرت الدراسة أن من الحقائق المذهلة أن مستوى الإنفاق على البحث العلمي والتقني في الوطن العري يبلغ درجة متدنية مقارنة بما هو الحال عليه في بقية دول العالم موضحة أن الإنفاق السنوي للدول العربية على البحث العلمي لا يتجاوز 0.2% من إجمالي الموازنات العربية . وذكرت أن هذه النسبة المتدنية تأتي في حين تبلغ في إسرائيل 2.6% في الموازنة السنوية وذلك مقارنة بما تنفقه أمريكا 3.6% والسويد 3.3% وسويسرا واليابان 2.7% وفرنسا والدنمارك 2% ، ورأت الدراسة أن ضعف الاهتمام بالعلم والبحث العلمي يعد أحد العوامل المركزية في الضعف الاستراتيجي العربي في مواجهة إسرائيل وأحد الأسباب الرئيسية وراء إخفاق مشاريع النهضة العربية . ودعت إلى مضاعفة الإنفاق العربي على البحث العلمي إلى 11 ضعفاً عن المعدلات الحالية)(1)
__________
(1) جريدة الوطن العمانية ، العدد (7617) السنة الـ (34) يوم الأربعاء 6 من ربيع الثاني 1425 هـ - 26 /5/2004 م ص 11. (1/67)
صفحة 68
ومع تجاذب أطراف الحديث بيني وبين أحد ممن له خبرة في هذا المجال للتنفيس عن الصدور الضائقة بهذه الهموم ذكرت له ما جاء في جريدة الوطن فرد عليّ بأن هذه الخسارة ليست إلا جزءاً من ضروب الخسران الذي رزئ به العرب بسبب سوء التصرف وانعدام التخطيط السليم عندهم فلئن كانوا يخسرون في كل عام هذا القدر بسبب هجرة ذوي الخبرة من بلادهم فإنهم يخسرون ثلاثة أضعافه بطمرهم العقول الملهمة في بلادهم بحيلولتهم بينها وبين الإنتاج ولئن كانت هذه خسارة العرب وحدهم وهم جزء من أمة الإسلام فناهيكم بخسارة الأمة كلها ممثلة في جميع شعوبها وأجناسها مما تعانيه من طمر العقول وتهجيرها ، فليت شعري لو أن الأمة أعطت هذه العقول الذكية فرصة للإنتاج في بلادها في إطار من التخطيط السليم وشجعتها على المضي قدماً في سبيل التقدم والرقي وعنيت باستقطاب المهارات الكفاءات ممن اختصهم الله بمواهبه من أبنائها مع التنسيق الدقيق والضبط المحكم لخطواتها ألا تكون هي سيدة الموقف في هذا العالم مع ما آتاها الله من هدى تستبصر به ودين يوازن بين جميع متطلبات حياتها وينسق بين جميع حركاتها وسكناتها ، وما اختصها الله به من أرض مباركة طيبة تتدفق خيراتها على العالم وبيئة تمتاز على جميع البيئات بخصائصها المتنوعة ؟ ناهيكم أن ما تتوجه إليه الآن أنظار خبراء العالم من استغلال الطاقة الشمسية ليس له مناخ أنسب من مناخ البلاد الإسلامية لخصائصها البيئية المشار إليها. (1/68)
صفحة 69
وإنما ذلك مرهون بخلوص النية وسلامة القصد وحسن التخطيط وأمانة التنفيذ، فما أحوجنا إلى هذا كله استمساكاً بديننا وحرصاً على مصلحتنا ونهوضاً بأمتنا وإنا لنتطلع إلى عمل إيجابي بنّاء نخرج به من هذا المؤتمر الميمون كما نتطلع إلى دور رائد عملاق تقوم به دولة ماليزيا الاتحادية وهي بحمد الله بدأت مشكورة تخطو خطوات مدروسة محكمة في هذا السبيل الخيِّر نحو هذه الغاية المحمودة ونتطلع أيضاً إلى جميع الدول الإسلامية مهيبين بها أن تحذوا هذه الدولة في إتباع هذا النهج مع التنسيق بين هذه الجهود جميعاً حتى تتآزر وتتكامل في ظل الوحدة الإسلامية المنشودة { وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) } [التوبة].
خاتمة في مقترحات تتعلق بالموضوع:
بعد وضوح هذه الصورة وما فيها مما يؤلم ويؤمل أضع بين أيديكم هذه المقترحات راجياً أن تسهم في إيجاد الحل المنشود لمكافحة الفقر والنهوض بالأمة:
1-…الأخذ بتعاليم الإسلام في تجسيد الوحدة الإسلامية الشاملة في بناء الأمة فكرياً وأدبياً واجتماعياً واقتصادياً ليتم التكامل بين الشعوب والدول والتنسيق بين رؤاها وخططها عملاً بقوله تعالى { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى } [المائدة] ، وتجسيداً لقوله : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : [ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر] . (1/69)
صفحة 70
2-…إعداد المواطن المسلم إعداداً علمياً وعملياً نابعاً من عقيدة الإسلام و مرتبطا بمصلحة أمته ومتوائماً مع متطلبات العصر وذلك بإعطائه فرصة للتعلم وتشجيعه على البحث العلمي مادياً وأدبياً ووضعه في المكان المناسب في مجال العمل وإشباع طموحاته بإطلاق مواهبه للإنتاج مع إحاطته بالظروف المناسبة لذلك.
3-…مراعاة الكفاءات العلمية والعملية وتنمية المواهب والمزايا التي تتميز بها عقليات معينة في بلاد الإسلام وتشجيعها مادياً ومعنوياً على البقاء والإنتاج في أوطانها لتسعد بها الأمة وتنعم بمشاركتها في دفع عجلة حياتها إلى الأمام .
4-…الأخذ بنظام الإسلام في التكافل الاجتماعي وتدخل في ذلك جباية الزكاة من أموال الأغنياء ووضعها في الأصناف المستحقة لها حسب نظامها الشرعي مع مراعاة أن يتم ذلك بواسطة هيئات شرعية أمينة مخلصة .
5-…إيجاد مؤسسات إسلامية عالمية خالصة من شوائب المعاملات المحرمة لتتم من خلالها تنمية رؤوس الأموال بوجوه شرعية مباحة تحل محل المعاملات الربوية وسائر المعاملات المحجورة شرعاً .
6-…تشجيع القرض الحسن الخالي من الربا لتغطية حاجات عامة الناس الشخصية وغيرها.
7-…مكافحة البطالة بإيجاد فرص عمل في المجال الصناعي والزراعي وفتح الأسواق للمنتوجات الإسلامية .
8-…التكامل بين أمة الإسلام بالتنسيق بين دولها جميعاً في تنمية مواردها الطبيعية والبشرية مع مراعاة إسهام كل دولة بما اختصها الله به من مواهبه .
9-…تشجيع مؤسسة الوقف وتطويرها لتتواءم مع متطلبات العصر وتسهم في بناء العقلية الإسلامية المعاصرة وتقديم العون إلى ذوي الحاجات حتى يتمكنوا من اللحاق بالموكب الحضاري السائر في طريق التقدم .
هذا والله من وراء القصد وهو ولي التوفيق وصلى الله وسلم على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين .
أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عُمان (1/70)