صفحة 1
الكتاب: التغلب على مشاكل الزواج لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) التغلب على
مشاكل الزواج
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1424 –2003 م
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف : 9726275 -9330027
E.mail : www.dhamri@hotmail . com
ص ب 2 السيب الرمز البريدي121
سلطنة عمان
التغلب على مشاكل الزواج
تأليف
سماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، أحمده تعالى بما له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم تسليما عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛؛؛
فقد رأيت أن يكون محور الحديث موضوع سؤال وجه إلي الليلة الماضية عبر الهاتف من إحدى الفتيات، هذا السؤال يدل على أن من بأعيننا أنهم أناس خلقهم الله سبحانه وتعالى في صور البشر، هم أناس مسخت فطرتهم، وتحولت طبيعتهم عن الجنس البشري إلى الوحشية البهيمية، فأصبحوا لا يفرقون بين حق وباطل، وبين هدى وضلال، وأصبحوا لا تنبض قلوبهم بالرحمة، ولا يعرفون للإنسانية قيمة، هذه القضية تشغل بال الكثير من فتيات اليوم، كما تشغل بال كل من يحرص على الصلاح، ويحرص على أن يكون مسير هذا المجتمع الذي نعيش فيه مسيرا مضبوطا بضوابط الهدى وموفقا إلى الخير.
خطورة عضل الآباء
بناتهن عن الزواج (1/1)
صفحة 2
موضوع السؤال أن سبع فتيات أخوات يجمعهن أخوة من أب واحد، ولكنه بلغ من قسوته عليهن أن حال بينهن وبين الزواج، حتى أن واحدة منهن بلغت من العمر سبع وأربعين سنة، والثانية بلغت من العمر اثنين وأربعين عاما، وحسب ما فهمت من السؤال أن بعض هذه الفتيات مدرسات، والأب شغوف جدا بما يتوصلن إليه من معاش، لأجل توفير ما في جيبه، وإن كان ذلك على حساب الكرامة والإنسانية التي تنبض بالرحمة.
هذا الموضوع سبقت الشكوى منه من قبل بعض الفتيات من منطقة معينة هنا في عمان، وكانت هذه الشكوى مصحوبة ببيان جشع هؤلاء الآباء على ما يتوصل إليه من راتب، من أجل التوفير لهم على حساب راحتهن وكرامتهن وشرفهن، وقد ذهبت بنفسي إلى تلك المنطقة، وتحدثت في هذا الموضوع بحضور بعض الآباء الذين يتصفون بهذه الصفات، وقد كان أثر ذلك أثرا إيجابيا، وقد وجه إلي سؤال من بعض الفتيات اللواتي حضرن هذه المحاضرة؛ عن تقديم شكوى من فتاة حال والدها بينها وبين مبتغاها من الزواج، هل يعد ذلك جريمة في حق الوالد وعقوقا وإساءة إليه؟ فأجبت بأن ذلك من باب السعي إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس هو من العقوق في شيء، وإنما هو من باب رد الإنسان الجامح إلى الحق الذي فر منه، ونحن عندما ننظر إلى دلالات القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، نجد أن مما يفترض على الأب أو الولي عندما يتقدم إليه الرجل الصالح في خطبة ابنته أو وليته أن يسارع إلى تزويجها، فالله سبحانه وتعالى يقول: { وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيم } (1) .
__________
(1) النور : 32. (1/2)
صفحة 3
ونجد أن القرآن الكريم يشدد الإنكار على الذين يقفون في سبيل النساء اللواتي يلون أمرهم، أن يتزوجن بمن طلقوهن بعد مضي العدة الشرعية إذا تراضوا فيما بينهم؛ أي إذا كان هناك تراض بين المرأة والذي طلقها، فالله سبحانه وتعالى يقول: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } (1) ، إن كلا من الرجل والمرأة معرضان للانفعالات وتأثير العواطف، ومعرضان لإغواء الشيطان، فقد تحدث زلة من قبل الرجل فيتسرع إلى الطلاق، أو قد يكون الزلل من قبل المرأة فتدفع بسبب ذلك الرجل إلى أن يطلقها، ثم يندمان معا وقد انقطعت العدة الشرعية التي يملك الرجل فيها أن يراجع امرأته على أي حال، في هذه الحالة لا يحل أبدا لولي المرأة أن يقف حجر عثرة بينها وبين مبتغاها من الرجوع إلى زوجها، والآية الكريمة -كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري- نزلت في قصة معقل بن يسار رضي الله عنه، عندما زوج أخته رجلا، ثم بعد ذلك حصل طلاق بينه وبينها، فلما انقضت عدة الطلاق رغب الرجل في أن يتزوجها ورغبت هي فيه، ولكن معقل بن يسار بسبب ما رأى من الفظاظة نتيجة ذلك التطليق الصادر من الرجل، الذي حسبه صادرا من غير موجب، أبى أن يرد هذه المرأة إلى الرجل الذي طلقها، فحال بينه وبين مبتغاه، فنزلت الآية الكريمة، وما كان من معقل بن يسار إلا أن استسلم لأمر الله وأذعن إلى هذا الحكم الرباني، فوافق أن يزوج أخته بالرجل الذي طلقها، والله سبحانه وتعالى عندما أمر بذلك جعله موعظة لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.
__________
(1) البقرة : 232. (1/3)
صفحة 4
وهذا الكلام لا يرد مثله إلا في مقام التغليظ والتشديد، فإن الإيمان بالله أمر فطري في كل إنسان إلا من كابر عقله وأنكر حسه، والإيمان بالله سبحانه وتعالى يؤدي إلى طاعته والانقياد له والإذعان في كل ما أمر به ونهى عنه، والإيمان باليوم الآخر زاجر عن مخالفة مقتضى الإيمان بالله، فالإنسان وإن كان مؤمنا بالله قد تطغى عليه العواطف الرعناء، وتؤثر على مسلكه في الحياة تيارات أحاسيسه ونزواته ونزغاته، فيتناسى ما يقتضيه الإيمان بالله، ولكن عندما يدرك أن هناك منقلباً إلى الله محاسب فيه على القليل والكثير، وعلى ما قدم وأخر، وعلى ما فعل وترك، فإن ذلك الإيمان يجعله يسيطر على رغباته ونزواته ونزغاته، ويوجه كل ذلك إلى الطريق السوي الذي يؤدي إلى السلامة في الدنيا وإلى السعادة في العقبى، فلذلك أتبع الله سبحانه وتعالى هذا الحكم بقوله: { ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ } (1) ثم أتبع ذلك بقوله: { ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ } (2) أي هذا الأمر هو أزكى لكم لأنه يؤدي إلى السلامة، فلكل من المرأة والرجل قلب، وعندما يحول الولي بين مبتغى قلب وليته ورغبتها قد يؤدي بها الأمر أن تتعدى حدود الله، وإلى أن تفعل أمرا يعود على وليها بسوء في هذه الحياة الدنيا، كما يعود عليه أيضا بالوزر البالغ الشديد في الدار الآخرة، والله تبارك وتعالى قال: { وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } (3) فالله الذي شرع هذا الحكم هو العليم بمصالح عباده، والخبير بطوايا نفوسهم وطبائع حركاتها، فهو وحده الذي يعلم السر وأخفى من عباده، وقد جاء تشريعه المتقن المحكم منسجما مع الفطرة التي فطر عليها هذه النفوس، لأنه صدر من عليم خبير: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (4) .
__________
(1) البقرة : 232.
(2) البقرة : 232.
(3) البقرة : 232.
(4) الملك : 16. (1/4)
صفحة 5
وهذا الحكم وإن كان في المطلقات عندما تنتهي مدة العدة الشرعية التي يملك فيها المطلق الرجعة حسب قوله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا } (1) ، فإن معناه يشمل أيضا الفتاة التي لم تتزوج، فالحيلولة بينها وبين مبتغاها من الزواج يعتبر إثما كبيرا، وجريمة لا يغفرها الله تبارك وتعالى إلا بالتوبة النصوح، ويعتبر ذلك أمرا منافيا للإيمان بالله واليوم الآخر، ويعد إجراما على تلك المرأة كما يعد إجراما على المجتمع، لأنه قد يؤدي إلى تفشي الرذيلة، فكل من الشاب والفتاة لا يؤمن منه في هذه الحالة أن يحطم قيود الفضيلة التي يتقيد بها، وأن يطلق لرغبات نفسه العنان لتمرح في المراعي الوبيئة، التي تعود بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة؛ والعياذ بالله، لذلك كان هذا التصرف مما يتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر.
ولأن كان نفس العضل أمراً يتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر، فكيف إذا كان مصحوباً بالطمع ومحاولة الاستيلاء على مال الولية، واستغلالها لتكون لوليها شاة حلوباً، يحاول كل المحاولة أن يستجمع كل ما يمكن أن يتوصل إليه من مال في مقابل عنائها، فإن هذا ظلم مضاف إلى ظلم العضل، وهذا الأمر يجب التعاون على إزالته من قبل الرجال والنساء، ومن قبل المؤسسات الرسمية والهيئات الشعبية أيضا، فالكل مطالب بأن يدلي بدلوه من أجل وقف هذا الجشع والتصرف الذي يعود بسوء العاقبة؛ والعياذ بالله.
أهمية الزواج
__________
(1) البقرة : 228. (1/5)
صفحة 6
هنالك الآن الكثير -والعياذ بالله- من الأوبئة، أخذت تنتشر نتيجة تصرف الناس المخالف لفطرة الله سبحانه وتعالى، فعندما حرم الله عليهم الحرام إنما حرمه من أجل ما فيه من الضرر، علموا بذلك أو لم يعلموا، فإن المضرة في كل أمر محرم مضرة حاصلة، وعلينا أن نسلّم لأمر الله وأن ننقاد لحكمه، وأن نتيقن كل اليقين أن الله لم يحرم علينا إلا ما فيه مضرتنا، ولم يأمرنا إلا بما فيه مصلحتنا، وعلينا أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى أباح ما أباح في مقابل تحريم ما حرم على عباده من أجل تلبية دواعي الفطرة، فالفطرة البشرية لابد أن تلبى حاجاتها. (1/6)
صفحة 7
ومن ضمن ذلك هذه الحاجة التي تجمع إليها نفس كل واحد من ذكر وأنثى، فالله سبحانه وتعالى جعل تلبية هذه الرغبة بطريقة الزواج الشرعي، وقد امتن على عباده بما خلق لهم من أزواج يقول عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (1) ، وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على ما دلت عليه الآيات القرآنية من الحث على الزواج، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فإن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))، نرى أن الصيام وإن كان أمرا مقدسا وعبادة مشروعة، وهو في ذاته وحكمه أحد أركان الإسلام، إلا أن الصيام الذي هو فوق المفروض جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي في المرتبة الثانية بعد الزواج؛ من أجل أن يعف الإنسان نفسه، ذلك لأن الإسلام دين الفطرة، فهو يستجيب لهذه الفطرة ويلبيها، ويضع كل شيء في حياة الإنسان في موضعه، حتى تنسجم تعليمات هذا الحديث مع الفطرة ولا تصطدم، وتأتلف معها ولا تختلف، لذلك حض النبي - صلى الله عليه وسلم - على الزواج، وجعل الصيام في المرتبة الثانية، يصار إليه مع العجز عن ضرورات الزواج؛ أي عن المعونة التي يقتضيها الزواج الشرعي.
__________
(1) الروم : 21. (1/7)
صفحة 8
ومن أجل هذا كان من الضرورة أن تخفف معونة الزواج بحسب ما يمكن، فليست قيمة المرأة في أن يكون مهرها كثيرا، ولا أن يكون زوجها صاحب مرتب كبير، أو دخل وفير، أو بيت فخم، أو سيارة من النوع الجديد، أو أثاث بديع، أو نحو ذلك، ليس ذلك دليلاً على قيمة المرأة، وإنما قيمتها في إيمانها وعفافها، وفي استقامتها على طاعة ربها سبحانه وتعالى، ولو كانت كثرة المهور من دلائل قيمة المرأة لكانت بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بأن يكن في الذروة من هذه الناحية، لأنهن في الذروة من الشرف، ومن الذي كان لا يحب ويرغب لو له تيسر أن يصاهر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأن ينال شرف هذه المصاهرة، ولكن مع ذلك كله كانت صدقات بناته - صلى الله عليه وسلم - من أيسر الصدقات، فإذن ما الداعي إلى التغالي في المهور؟!.
نظرية المغالاة
في المهور عند الآباء (1/8)
صفحة 9
نظرة المغالاة في المهور سائدة عند الكثير من الجهلة، بحيث يقول الإنسان الجاهل: أنا أنفقت عليها منذ ولدت إلى الآن، أفلا أسترد شيئا مما أنفقت. مع أن الإنفاق عليها فرض من الفروض، فإن الله تبارك وتعالى فرض على الآباء أن ينفقوا على أولادهم ذكورا أو إناثا، فإما الذكور إلى أن يبلغوا الحلم، وأما الإناث فإلى أن يتزوجن وينتقلن إلى بيوت أزواجهن، أما الاسترداد الذي يزعمه فإنه ليس من الدين في شيء، بل ليس من الشرف والكرامة في شيء، إنما هو مخل بشرف الرجل وكرامته وشهامته ونخوته، فالرجل الوفي الكريم صاحب العفة والنزاهة، وصاحب النخوة والشهامة والمروءة، الذي يحب الخير لنفسه ولأسرته ومجتمعه، يأبى أن يجعل ابنته خادمة تشتغل، ويجمع هو كل ما تتوصل إليه من مرتب تحصل عليه بعرق جبينها وكد يمينها، وأنا لا أدعو البنات إلى أن يتمردن على آبائهن، ولكن أقول بأن التصدي لمثل هؤلاء الآباء الذين فقدوا معنى الإنسانية، وعادوا أشبه بالسباع الضارية، أمر تقتضيه مصلحة المجتمع ومصلحة الأمة، لا مصلحة الفتاة وحدها فحسب، ولذلك لابد من التصدي لمثل هؤلاء الذين يتصرفون مثل هذه التصرفات.
أثر المغالاة في المهور (1/9)
صفحة 10
إن الزواج رابطة مقدسة، جعلها الله تبارك وتعالى تكريما للإنسان، بحيث لا يكون كالحيوان الأعجم، فهو بطبيعته يختلف عن الحيوانات العجماء، وقد جعل تبارك وتعالى في هذه الرابطة المقدسة إعفافاً للذكر والأنثى، وتكريما لهما ولأسرتيهما، فإن وضع البشر وضع مخالف لأوضاع الكائنات الحية الموجودة التي تشارك الإنسان الوجود والحياة على ظهر هذا الكوكب المظلم، فهو مدني بطبعه اجتماعي بفطرته، لذلك امتن الله سبحانه وتعالى بالمودة والرحمة التي تحصل بين الزوجين نفسيهما فقال: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا } (1) وجعل ذلك سكونا وطمأنينة واستقرار: { وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (2) ، فالزواج إذن رابطة مقدسة تؤدي إلى ترابط ما بين الزوجين، وتقاسم في المسؤوليات، مع كونه معينا لكل واحد منهم عن الرعي في المراعي الوبيئة.
__________
(1) سورة الروم الآية : 21
(2) سورة الروم الآية : 21 (1/10)
صفحة 11
المجتمع البشري في كل مكان أصبح مهددا بالأمراض الفتاكة التي لا تبقي ولا تذر، نتيجة انغماس الكثير من الناس في المستنقعات الشهوات الآسنة، فهناك أمراض فقدان المناعة وغيرها من الأمراض الجنسية التي تتفشى في أوساط الناس، ونتيجة هذا الإسراع واللهاث إلى هذه المستنقعات، وعدم وجود الوازع الديني عند كثير من الناس مع الأسف الشديد، لا يقف آثار هذه الأمراض عند هؤلاء فحسب بل تتجاوزهم إلى غيرهم، والقرآن الكريم يشير إلى ذلك، فإن مثل هذه التصرفات كثيرا ما تأتي نتيجة الترف أحيانا، فالله تبارك وتعالى يقول: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } (1) ، وكذلك عندما ذكر الله تبارك وتعالى قوم لوط وما أصابهم من العذاب بالحجارة، قال بعد ذلك: { وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } (2) ، وعندما ذكر العذاب الذي أصاب القرى بما كسبت أيديهم قال: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } (3) .
ولقد أخذت هذه الأمراض نتيجة انحرا ف الناس بسبب الترف وعدم وجود الوازع الديني، وبسبب الجشع من قبل الآباء الذين يحولون بين بناتهم وبين مبتغاهن من الزواج الشرعي، أخذت هذه الأمراض تتفشى والعياذ بالله، وتحصد البريء والسقيم، إن مكافحة ذلك يكون بالوقوف في وجه كل العوائق التي تمنع الشباب والبنات أن يتزوجوا، وهذا أمر واجب يفرضه علينا ديننا الإسلامي.
مسؤولية تربية الذرية
__________
(1) الأسراء : 16.
(2) هود : 83.
(3) هود : 102. (1/11)
صفحة 12
الزواج مسؤولية لإن حياة الإنسان مسؤولية، فهو خليفة في الأرض ومسؤول عن عمارتها، وقد جعل الله تبارك وتعالى وجود الإنسان ممتد في جنسه إلى قيام الساعة، فإنه وإن رحل بنفسه إلى الدار الآخرة بشربه من كأس المنون، إلا أنه يرى قبل ذلك وجوده مستمرا في وجود ذريته، فلذلك يحرص كل أحد على أن تكون له ذرية، لأنها امتداد لأصولها.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى تربية الذرية تقع مسؤولياتها على كل واحد من الزوجين؛ على الذكر والأنثى، فالرجل يتحمل مسؤليته في تربية أولاده، والمرأة تتحمل مسؤوليتها في تربية أولادها، ولم يجعل تبارك وتعالى حالة الإنسان كحالة الحيوان، فمعظم الحيوانات لا يشتغل ذكورها بأولادها، وإنما تشتغل الإناث لفترة معينة، ثم تنقطع بعد ذلك الصلة ما بين الأولاد والأمهات عندما يستغني الولد من الحيوانات عن أمه، أما الإنسان بخلاف ذلك، فقد جعل تبارك وتعالى العلاقة مستمرة مع الأبوين جميعا، فجعل لكل واحد منهما حقا، وحق الأم أوفر كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم عندما قال الله تبارك تعالى: { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا } (1) ، وكذلك قال: { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } (2) .
__________
(1) الأحقاف : 15.
(2) لقمان : 14. (1/12)
صفحة 13
وجاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لتبين بأن حق الأم أعظم من سائر الحقوق، ((فالنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما جاء إليه رجل وقال له: يا رسول الله أي الناس أحق مني بحسن صحبة؟ قال له: أمك. قال: ثم من؟ قال له: أمك. قال له: ثم من؟ قال له: أمك. قال له: ثم من؟ قال له: أبوك، ثم الأقرب فالأقرب))، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أكد على حق الأم بذكره ثلاث مرات، بينما ذكر حق الأب مرة واحدة، معطوفا على حق الأم بحرف العطف "ثم" التي تقتضي المهلة والترتيب، وهكذا أذن على الزوجين جميعا أن يتعاونا على إنشاء الذرية الصالحة الطيبة؛ بعدما يرزقها الله تبارك وتعالى هذه الذرية.
والتربية المطلوبة من الزوجين أن يكون كل واحد منهما قدوة لذريته في الاستقامة على التقوى، وفي العمل بأمر الله والابتعاد عن محارمه، وإظهار خشيته سبحانه وتعالى، فإن الوالد والوالدة عندما يظهران عند ولدهما الخشية من الله ينغرس ذلك في نفسية الولد، فينشأ من أول الأمر على الخشية من الله ومراقبته، وكذلك عندما يظهران حب الله تبارك وتعالى والامتنان بما مَنَّ تبارك وتعالى عليهما، فإن ذلك ينعكس أثره على ولدهما، فيكون ولدا موصولا بالله سبحانه وتعالى، مراعيا لحرماته، وقّافاً عند حدوده، حريصا على مرضاته.
والأم هي التي تتحمل المسؤولية الأولى في تربية الأولاد، لأن الطفل أول ما ينشأ ينشأ في حضنها قبل أن يشتغل به الأب، فإن الأب يفي بالأعمال الخارجية، والتربية الأولى تقوم بها الأم، فلذلك تطالب بأن تكون أما مثالية.
أخطاء يقع فيها
كثير من الناس
وهنا أخطاء يقع فيها كثير من الناس، تؤدي هذه الأخطاء إلى تجرع الغصص فيما بعدها؛ وهي: (1/13)
صفحة 14
الخطأ الأول: التسرع إلى الطلاق، وقد يكون الخطأ من الرجل، والرجل هو المسؤول الأول عن هذا الأمر، لأن الله تبارك وتعالى جعل بيده عصمة النكاح، بسبب أنه يستطيع أن يتحكم في أعصابه وأن يسيطر على نزغاته أكثر من المرأة، فإن المرأة ميالة إلى العاطفة -كما قيل- ولربما لو كان الطلاق بيدها لم يستمر الزواج إلا مدة قصيرة لسرعة تأثرها بالعواطف، وكما تقول باحثة فرنسية: إن الرجل جعله الله تبارك وتعالى إن اشتعلت عاطفته وتأججت تَشغل جانبا من دماغه، بينما الجانب الآخر يبقى صالحا للتفكير، أما المرأة فإنها عندما تشب عاطفتها تسيطر على جانبي دماغها، ومن أجل ذلك جعل الله تعالى القوامة للرجل على المرأة، وجعل الطلاق بيده، إلا أن المرأة أيضا مطالبة بأن تكون محتملة، ولا تؤذي الرجل حتى يتسرع إلى الطلاق، فهي مطالبة بأن تحتمل منه، وأن تقابل شدته باللطف والرفق، وأن تداوي رعونته بحسن المعاملة، فإنها قد تأسر قلبه بذلك، وتستطيع أن تتحكم في عواطفه، وأن ترده إلى الطريق الأمثل، وهذا لا يعني أن عليها أن تتحمل جميع التبعة، فلا ريب أن التبعة الأولى في أخطاء الطلاق يتحملها الرجل. (1/14)
صفحة 15
فالله تبارك وتعالى جعل الطلاق علاجاً لمشكلة مستعصية، وذلك أن تشتد المشكلة بين الزوجين؛ بسبب تنافر طباعهما حتى تستحيل عيشتهما إلى جحيم لا يطاق، حينئذ يصار إلى الطلاق، وأما بدون ذلك فإنه يتفادى الطلاق في أي حال من الأحوال، كما نجد ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى، فالله سبحانه وتعالى أمر أن يتفادى الطلاق حتى بإدخال الأسرتين؛ وذلك بتحكيم حكم من كل أسرة، لأجل محاولة الإصلاح ما بين الزوجين: { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُّرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } (1) ، وهكذا يأمر الله سبحانه وتعالى بأن يبعث حكم من أهل الرجل وحكم من أهل المرأة، لأجل التوفيق فيما بينهما، وأن لا يصار إلى الطلاق إلا مع تعذر الوفاق.
__________
(1) النساء : 35. (1/15)
صفحة 16
الخطأ الثاني: الطلاق في حالة الحيض؛ ثم هذا الطلاق جعله الله سبحانه وتعالى مباحا في فترة معينة كما جاء في الكتاب العزيز، عندما قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ } (1) ، هكذا يأمر الله تبارك وتعالى بتقوى الله في حالة التطليق، بأن لا يطلق المرأة إلا في ميقات معين، وقد بينت السنة ذلك ((عندما جاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله، إن عبدالله طلق امرأته وهي حائض. فقال له - صلى الله عليه وسلم - : مره أن يراجعها ويمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء)) أي أن المرأة لا تطلق إلا عندما تكون مباشرة في طهرها، فإن الطلاق في هذه الحالة يكون حراما، كما أنه في حالة الحيض حرام، ولذلك ذكر بعض العلماء المتقدمين أن الله سبحانه وتعالى حرم الطلاق في الحيض في عدة تلك الفترة، حيث لا ينتفع فيها الرجل من مراده من المرأة، فقد يتأثر ويندفع إلى الطلاق لأتفه سبب، وحرم ذلك عليه في الطهر الذي باشرها فيه، لأن بذلك يكون قد قضى وطره منها، ولعله شبع منها، وقد يندفع إلى الطلاق من دون سبب معقول، وأما عندما تكون قد طهرت من حيضها ولم يباشرها، فإن نفسه تكون ميالة إليها، ولا يطلقها في هذه الحالة إلا لضرورة لا محيص عنها.
ومع ذلك هناك حكمة أخرى يكشف عنها العلم الحديث الذي يبحث في الناحية النفسية، العلم الحديث يقرر أن المرأة في أبان عادتها الشهرية تكون متأججة العواطف سريعة الانفعالات، فقد تعامل الرجل في ذلك الوقت بما لا يحب أن تعامله به، لذلك منع من تطليقها في تلك الفترة حتى لا يتسرع إلى الطلاق، وحتى لا يقع الطلاق إلا لموجب.
__________
(1) الطلاق : 1. (1/16)
صفحة 17
الخطأ الثالث : الطلاق دفعة واحدة؛ كذلك هذا الطلاق الذي أباحه الله سبحانه وتعالى، إنما أباحه بطريقة فيها لطف بالعباد، ومراعاة لتكوينهم الفطري، ومراعاة لضروراتهم، فالله سبحانه وتعالى أباح الطلاق بأن يكون طلقة بعد طلقة، أي لا يكون الطلاق مجتمعا مرة واحدة، بحيث يقول الرجل للمرأة مثلا: طلقتك ثلاثا. وثلاث هي أقصى الطلاق، بل نجد الله تعالى يقول: الطلاق مرتان؛ أي طلاق بعد طلاق، لا تجتمع الطلقات الثلاث دفعة واحدة: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ } (1) ثم يقول بعد ذلك فإن طلقها أي الطلقة الثالثة تابعة لهاتين الطلقتين فلا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، ==الآية==.
__________
(1) البقرة : 229. (1/17)
صفحة 18
هكذا شاء الله سبحانه وتعالى أن يعطي كل واحد من الرجل والمرأة مجالا للفكرة ولمراجعة النفس، فالطلقة الأولى يجرب فيها الرجل نفسه هل يستطيع الصبر عن هذه المرأة أو لا يستطيع؟ وإن كانت الإساءة من قبلها أيضا فهي تعاود نفسها في تلك الفترة، وعندما يكون هو راغبا فيها وتكون الإساءة من قبلها يمكنه أن يتعرف عليها، هل هي أدركت خطأها، وهل يمكن أن تتراجع عن ذلك الخطأ؟ وتكون المراجعة فيما بينهما في أبان العدة، فإن وقع الطلاق مرة ثانية كانت هناك الفرصة الثانية للمراجعة، أما المرة الثالثة فلا يتلاعب الرجل بالحياة الزوجية، يطلق متى يشاء، ويراجع متى يشاء، ويكون الطلاق بعد هذه المرة الثالثة مبيناً للمرأة، بحيث لا تحل للرجل حتى تنكح زوجا غيره نكاحاً صحيحاً شرعياً، ويدخل بها هذا الزوج وينال منها ما نال منها الأول، وفي ذلك تأديب للمسيء منهما، وللأسف الشديد أصبح الناس الآن بسب هيجان العواطف، وعدم الانضباط بضوابط الشرع، يتسرعون في هذا الأمر، فقد يجمع الرجل بين الطلقات الثلاث دفعة واحدة، وقد لا يكتفي بذلك، بل يقول لامرأته: طلقتك مائة تطليقة، أو ألف تطليقة، أو سبعمائة تطليقة، أو نحو غير ذلك. (1/18)
صفحة 19
الخطأ الرابع: التحريم والتحليل في الطلاق؛ ومنهم لا يكتفي بذلك كله، بل يلج في مواليج الكفر، وذلك بأن يقول لها: حرمتك علي وحللتك لغيري. والمحرم هو الله، لا يملك أحد أن يحل شيء إلا ما أحله الله، ولا يحرم شيء إلا ما حرمه الله، والله سبحانه وتعالى جعل الرجل أولى بالمرأة: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِك } إن كان هذا الطلاق طلاقا رجعيا إلا إن كان طلاقا بائنا، أما إذا كان طلاقا بائنا فإنها تحرم عليه بتحريم الله تعالى، ولا تحرم عليه بتحريمها على نفسه، وكيف تحل لغيره وهي لم تعتد بالعدة الشرعية بعد، والله تعالى يقول: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ } (1) فإذن قوله: حرمتك علي. كفر، وقوله: أحللتك لغيري. كفر آخر.
ومنهم من يتجاوز هذا كله إلى أن يأتي بشيء تنفطر له الأكباد، وذلك بأن يقول مثلا: حلّلتك لكلب أسود. من أين تحل المرأة للكلب؟! ومنهم من يقول: حلّلتك للحمار. من أين تحل المرأة للحمار؟ّ هذه التصرفات كلها تدل على الهوج والهوس، وعدم إدراك المسوؤلية، وعدم معرفة الطلاق.
__________
(1) البقرة : 228. (1/19)
صفحة 20
والشيء الذي أريد أن أقوله، بإن كل واحد من الزوجين مطالب بأن يرعى حقوق الزوجية، وأن يحرص على تفادي الطلاق، حتى تنشأ الذرية في مستودع آمن وقرار مكين ومحضن حانٍ، وذلك بأن تنشأ الذرية بين أبوين حانيين، كل واحد يحنو عليها، فإن الأولاد عندما يفترق أبواهم؛ إما أن يكونوا مع الأب ويفقدوا بذلك حنان الأم، وإما أن يكونوا مع الأم ويفقدوا بذلك رعاية الأب، وهذا أمر مشكل يؤدي إلى آثار نفسية سيئة في هذه الذرية، أما عندما يكونون بين أبوين متوادين متعاونين حانيين فإن هذه الذرية تنشأ على الاستقرار والطمأنينة، فلذلك يجب تفادي أسباب الطلاق، أما الرجال فعليهم أن يتحكموا في عواطفهم وألا ينساقوا وراء العواطف، بل عليهم أن يتقوا الله تبارك وتعالى في نسائهم، بل في أنفسهم وفي ذريتهم، فلا يتسرعوا إلى الطلاق إلا بعد دراسة مستفيضة ومحاولة الإصلاح بجميع طرقه، فعند استفراغ الوسع يصار إلى الطلاق، عندما تكون حياة جحيما لا تطاق، وذلك لا يكون إلا عندما تتنافر الطباع فيما بين الزوجين، وأما النساء فعليهن أن لا يثرن عواطف أزواجهن، ولا يسببن شيئا من المشكلات التي تؤدي إلى هيجان العواطف، فلا يملكوا أنفسهم ويتصرفوا مثل هذا التصرف، ثم بعد ذلك يعود الرجل والمرأة يسألان عن الحل بعدما فات الأمر، وانفلت من أيديهما جميعا. (1/20)
صفحة 21
فإذن القضية تحتاج إلى تعاون فيما بين الجميع، ويحتاج كل واحد مقدم على الزواج؛ ذكرا أو أنثى، أن يدرس العلاقة الزوجية دراسة مستفيضة متأنية ليعرف حقوق الزوجية لكل منهما، وليدرك ماله وما عليه، فإن الله تبارك وتعالى يقول: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف } أي لهن على أزواجهن من الحقوق مثل الذي عليهن، ولهم من الحقوق بالمعروف مثل ما عليهن، وللرجال عليهن درجة القوامة، فلذلك جعل الطلاق بيد الرجل، ولم يجعل بيد المرأة، وعلى كل واحد من الزوجين أن يدرس ذلك حتى يحسن معاملة الآخر، وحتى لا يؤدي هذا الأمر إلى أن تحصل مشكلة يستعصي علاجها فيما بينهما.
ونسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا السبيل، وأن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا من القائلين للحق والداعين إليه والعاملين به، أنه تعالى على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. (1/21)