صفحة 1
الكتاب: الحضارة الإسلامية إلى أين؟ لـ؟
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الحضارة الإسلامية ... إلى أين ؟ !
ألقيت هذه المحاضرة في مجمع النقابات المهنية
يوم الأربعاء 29 من محرم 1421 هـ
الموافق 3 أيار 2000 م
بسم الله الرحمن الرحيم
(( رَبِّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ))
وإذ تجمد المجتمع المكي عن أنْ يفتح عقله وقلبه للدعوة الإسلامية ، فإنَّ رسول الله صلوات الله عليه وسلامه ، والصلاة والسلام على أهل الكساء ، وعلى الطيبين من أهله ، ورضي الله عن الأبرار من صحابته ، وعلى التابعين السائرين الثابتين على الإيمان والشريعة والنهج إلى يومنا هذا وإذ رأى الرسول ذلك سار إلى الطائف ، حيث القبيلة الثانية من مراكز التأثير في العرب بعد قريش فردوه أقبح رد ، فتوجه إلى ربه داعيا ومتألما ، بدعاء الطائف المشهور ، وحال أمتنا اليوم ، وقد أصبح الترويج للأعداء استراتيجية ، فلا بد من الدعاء الذي يشحذ العزيمة ، ويؤكد الإصرار ، ويبلور النية ، على محاولة الوقوف في وجه خطط الأعداء 0 وقد أعيد تشكيل دعاء الطائف باسم الأمة : اللهم إنَّا نشكو إليك ضعف قوتنا ، بسبب تخاذلنا أدَّى إلى هوان أمتنا على نفسها ، وعلى عدوها : الأمريكان ، والغرب ، واليهود ، وقلة حيلتنا لادعائنا عجزا ليس فينا ، يا أرحم الراحمين ! أنت رب المستضعفين ، فارحمنا من تسلط أهل الجبروت علينا ، وأمددنا بعون من عندك على أنفسنا ، لنعود إلى الاستقامة ، لا تكلنا يا الله إلى عدو يملك علينا أمرنا ، وإلى من هم منا من القرابة ، لكنهم قطعوا الوشائج معنا ، أن لم تكن غاضباً علينا فلن نبالي ، نعوذ بنور هدايتك ، الذي يصلح به أمر الإنسان في دنياه وآخرته ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم 0
الشكر للقائمين على هذا النشاط الثقافي السياسي أعضاء اللجنة الثقافية ورئيسها في مجمع النقابات ، ولكل الحضور والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولا سلام لعدونا بل الحرب الحرب وبعد
أسئلة ؟ (1/1)
صفحة 2
تمهيداً لاشتراك الجميع في البحث ، لا بد من الانتباه الشديد للأسئلة التالية :
1. هل الحضارة الإسلامية هي التنزيل، بشقيه : البلاغ والبيان { أي القرآن والسنة } ؟
2. هل الحضارة الإسلامية هي التدين { أي العبادات والهيئات والأخلاق } ؟
3. هل الحضارة الإسلامية هي التشريع خاصة الحدود والعقوبات ؟
4. هل الحضارة هي الدولة الإسلامية { أي تسمية خليفة للمسلمين } ؟
5. هل الحضارة الإسلامية هي المذهب ، الذي تسير عليه الدولة ، أو منهج الفهم المذهبي الذي تتبناه الدولة ؟
6. هل الحضارة الإسلامية هي مجرد ادعاء أنْ الدولة دولة إسلامية ؟ كالترابية مثلاً 0
7. هل العودة للإسلام حسب النموذج التاريخي الإسلامي : مثل الراشدي ، أو الأموي ، أو العباسي : الأول ، والثاني ، والثالث ، أو العثماني / مع إلغاء حركة التفكير على أساس الإسلام فيه ، من شأنه أنْ يحدث النهضة ؟ { على اعتبار وجود نهضات وجوداً واقعياً ، قامت على المادية كالشيوعية ، وقامت على الحل الوسط كالرأسمالية الغربية ، أو الرأسمالية مع البقاء وجدانياً على الخصوصية الوثنية كاليابان الحديثة } 0
الإجابات
من الضروري إدراك أنَّ الإجابات تشير ولا تفصل 0
قبل الإجابة على هذه الأسئلة لابد من التسليم بالملاحظات المهمة التالية :
1. أنَّ الأمة تعيش الحضيض الأحط في الهبوط الحضاري ، وهي سائرة في التخلف المادي يوما بعد يوم ، أما التأخر الفكري ، والانحطاط السياسي ، فالحديث عنهما يدمي الفؤاد ، ويبكي العين ، ويثير في الحلق غصةً وشجىً ، وأصبح خطر انقراض هذه الأمة الخيرة ماثلا ، لا ينكره إلاَّ من عميت باصرته وبصيرته معا 0 (1/2)
صفحة 3
2. أنَّ التعبير عن هذه الأفكار يتم عبر النظام اللغوي ، والنظام اللغوي هو عبارة عن علاقة تربط بين الدال أي اللغة [ الرمز ] ، وبين المدلول أي المعنى ، والرمز يدل على معناه على سبيل المطابقة ، أو التضمن ، أو الالتزام ، وهذا في حالة الكلمات مفردة ، ويدخل المجاز دخولاً ضرورياً في حالة الجمل ، والمعاني في الفقرات ، وما لم تدرك العلاقة بين الدال والمدلول والأبعاد الثاوية بالنص أو وراءه ، فسيبقى الحديث حديث طرشان ، أو مجرد حالة سجالية في أحسن الأحوال 0
3. يترتب على الملاحظتين السابقتين ، ضرورة الانتباه والعناية بمدلولات الجمل ، من خلال السبر والتقسيم والتحليل ، وإعادة التركيب ، والتركيز على المفهوم من الجمل ، والمسكوت عنه أيضا ، للوصول إلى تصور صحيح للموضوع في حالتيه : حالة وجوده ، وحالة إمكانه 0
· الإجابة عن السؤال الأول : القرآن الكريم ، والمعلوم من الدين بالضرورة أي [ العمل المتواتر ] ، فإنهما محفوظان ، الأول بحفظ الله له مبنى ومعنى ، وحفريات المعرفة أي البحث بالمخطوطات والآثار تؤكد ذلك ، والثاني محفوظ بتواتر العمل به وهو أمرٌ مشاهد ، أمًّا غيرهما فيجد الباحث نصاً ظنياً ، وتراثاً غنياً ، يستخرج منهما موضوعه بغلبة الظن ، ومع هذا فالإجماع منعقد على أنَّ الأمة الإسلامية قعيدةٌ كسيحةٌ ، يفرض عليها عدوها هيمنته ، مما يعني أنًّ الحضارة الإسلامية ليست هي التنزيل ، بل حركة التنزيل في الحياة هي الحضارة، والحضارة الآن غائبة ، رغم حضور التنزيل بكلياته مع التراث ، ومع العناية الفائقة به ، من طباعة للقرآن ، وتعدد مسابقات حفظه وتلاوته ، ومع تلاوته اليومية في إذاعات خاصة به ، وما ينطبق على القرآن ينطبق على السنة بشقيها وعلى التراث 0 (1/3)
صفحة 4
· الإجابة عن السؤال الثاني : منذ النكسة سنة 1967 م ، تصاعدت أعداد المحافظين على أداء العبادات ، والملتزمين بالهيئات ـ خاصة في ملابس الرجال والنساء ـ وتشكلت أنماط أخلاقية جديدة ، تمتنع عن الجدل ، وتعظ بالحسنى ، ومع كل ذلك هان أمر الأمة على العدو ومرَّ على الأمة حدثان مهمان : الاجتياح اليهودي الوقح للبنان لتبلغ الذروة في مجزرة صبرا وشاتيلا صيف عام 1982 م ، ليتبعها عام 1991 م اشتراك أكثرية العرب والمسلمين مع عدو الأمة الرئيسي الغرب ، وعلى رأسه الولايات المتحدة ، في إعلان الحرب ضد العراق وأباحتْ الدول المجاورة الأرض والأجواء والمال والرجال ، لإمداد الغرب في عدوانه ، ولا تزال تواصل محاصرته 0
· الإجابة على السؤال الثالث : التشريع مجرد تنظيم للعلاقات ، والحدود والعقوبات هي مجرد ردع للمخالفين ، وليس هناك دولة بدائية أو متقدمة أو مبدأية ، إلا ولها نظام تشريعي ينظم العلاقات ويحدد العقوبات 0 لقد شهد التاريخ الإسلامي القديم والحديث نشوء العديد من الإمارات والدويلات الإسلامية ، مثل دولة الشيخ شامل في الشيشان ، ومثل الدولة السعودية الأولى ، والثانية ، ومثل دولة طالبان الآن ، وغير ذلك ، فلم تكن النتيجة في صالح الإسلام والمسلمين والمواطنين من غير المسلمين 0 (1/4)
صفحة 5
· الإجابة على السؤال الرابع : في عام ( 1517 ) م انتصر سليم الأول العثماني على آخر سلطان مملوكي وهو طومان باي الثاني ، وتنازل له عن الخلافة آخر الخلفاء العباسيين في مصر وهو محمد المتوكل على الله بن يعقوب أبو الصبر ، مسلماً الآثار النبوية الشريفة للسلطان سليم السيف والبيرق والبردة ، وتسلَّم مفتاحي الحرمين الشريفين أيضا ، وبقيت الخلافة في العثمانيين إلى 3 آذار 1924 م ، ولكنها كانت فاقدة للقوة الحضارية ، وقد ازداد التخلف الحضاري في تلك الدولة ـ رغم قوتها العسكرية ـ وخاصة في القرنين الأولين من عمرها ، رغم أنَّ قلب العالم الإسلامي مصر وبلاد الشام والعراق والجزيرة العربية من ولاياتها 0
· الإجابة على السؤال الخامس : قامت دولتان على المذهب الإباضي : في المغرب الدولة الرستمية ، وفي المشرق إمامة عمان ومسقط ، وقد انقرضتا ، وقامت الدولة الفاطمية على الإسماعيلية أصولاً ومذهبا ، فانقرضت ، وقامت دولة الموحدين على المذهب المالكي فانقرضت وتحولت الدولتان الزيديتان في الديلم وطبرستان وفي اليمن من المنهج إلى المذهب فانقرضتا ، وها هي الدولة الشيعية الإمامية في إيران على المذهب ، وظاهرٌ عجزُها عن أي إمكان لإحداث النهضة ، فالمذهب لا يقيم دولةً لها صفة الاستمرار ولا يُنهض أمة 0
· الإجابة على السؤال السادس : الحضارة الإسلامية حركة حياة : في الأمة ، والمجتمع ، والدولة ، والعالم ، في شقين ، نشئا عن حقيقة الاستخلاف والتكليف : الشق الأول التفكير والثاني التسخير ترتب على الأول التنظيم ، وترتب على الثاني العلم والاختراع والصناعة والتقانة [ التكنولوجيا ] ، وبهما معا تسير الحياة صُعداً ، في طريق الرقي المستمر ، ومن هنا فإنَّ ما يسمى بالتجارب الإسلامية كالترابية ، لنْ تكون التعبير الحقيقي للسير في مسار حضاري 0 (1/5)
صفحة 6
· الإجابة على السؤال السابع : السؤال تضمن الإجابة بالدعوة إلي ضرورة التفكير لإحداث النهضة ، أي إنتاج حركة حضارية تواجه المشاكل والمتغيرات ، وتواكب التقدم ، وإذ مُنع التفكير منذ بداية القرن الخامس الهجري ، عاشت الأمة والدولة والمجتمع مرحلة الهبوط ، التي طال زمنها بأسباب موضوعية ، وها هي اقتباسات ووقائع تؤكد ذلك 0
اقتباسات
الاقتباس الأول
منقول من كتاب التفكير للمرحوم الشيخ النبهاني
ص {173 – 175 } (1/6)
صفحة 7
فهذه لمحة موجزة عن موضوع التفكير ، من حيث هو تفكير، نقدمها للأمة الإسلامية ، لعل دراستها توجد التفكير في هذه الأمة ، حتَّى ينقلها هذا التفكير إلى أنْ تعود خير أمة أخرجت للناس 0 لا سيما بعد أنْ مضى على هذه الأمة عشرة قرونٍ وهي بعيدةٌ عن التفكير ، وإنْ حاولت هذا التفكير عدة مرات 0 إنَّ الأمة الإسلامية قد بليت في القرن الرابع الهجري بعلماء عملوا على تعطيل التفكير في الأمة ، ونادوا بخطر التفكير على الأمة ، وضرره على الإسلام والمسلمين ، وذلك حين قام رهط من العلماء مثل العالِم المشهور باسم القفال ، ونادوا بإقفال باب الاجتهاد ، وعملوا على منع الاجتهاد ، وأقنعوا الناس بخطر الاجتهاد ، فَصدَّق المسلمون هذه الدعوة 0 وعملوا بها ، وتحرَّج العلماء من الاجتهاد ، وخاف المفكرون من الاجتهاد ، وكره الناس أنْ يكون هناك مجتهدون 0 وقد تبنى الرأي العام في جميع أقطار الإسلام هذا الرأي ، وبدلك تعطَّل التفكير 0 ووقف الناس عند حد التقليد ، وألغوا عقولهم ، ولم يعودوا يجرؤن على الاجتهاد ، فكان هذا المنع للاجتهاد ، والتفكير أعلاه إنما يكون في الإسلام 0 فأدى ذلك إلى وقف التفكير لدى الناس ، واستمرءوا هذا التعطيل للتفكير ، والإنسان بطبعه حيوان كسول ، لذلك وقفت الأمة عن التفكير حتَّى هذا القرن ، القرن الرابع عشر الهجري ، فسلخت عشرة قرون وهي معطَّلة التفكير ، ولذلك ليس من السهل على أمةٍ سلخت عشرة قرون من عمرها وهي معطَّلة التفكير ، أنْ يتحرك فيها التفكير وأنْ تفهم عن وعي قيمة التفكير ، وقيمة المفكرين 0 ولذلك فإنَّ ملايين الكتب مثل هذا الكتاب ، لا تضمن أنْ تحرك الأمة للتفكير ، وأنْ تسوقها لأنْ تجعل التفكير سجية من سجاياها 0 ولكن الأحداث الموجعة التي تسحق الأمة سحقاً ، وتمعسها معساً ، فإنها صارت تبعث الأمل في أنْ يحد التفكير سبيله للأمة 0 لا سيَّما بعد أنْ وُجد فيها جماعات تفكر ، وجماعات تحاول التفكير ، بعد (1/7)
صفحة 8
أنْ تحقق فيها آلاف تجسد لديهم حب التفكير وصاروا مفكرين لا يستمرئون غير التفكير ، حتَّى غدوا تفكيراً يحيا ويتحرك وينموا 0 لذلك فإنَّ ضخامة الأحداث وفظاعتها ، وكون التفكير تجسّد في أشخاص حتَّى غدا تفكيراً يمشي في الأسواق بين الناس ، فإنَّ هذين الأمرين : يوجدان أملاً مشرقاً ، في أنْ ينتقل التفكير من الأفراد إلى الجماعات ، وأنْ يصبحَ تفكيراً جماعياً لا تفكيراً فردياً ، وأنْ يكون تفكير الأمة لا تفكير الأفراد ، فتصبح الأمة الإسلامية أمة مفكرة ، وتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس 0
جرى تحرير كتاب التفكير وهذا النص المقتبس هو نهايته في 8 من صفر سنة 1393 هـ الموافق 12 من آذار ( مايس ) سنة 1973 م
ملاحظات على هذا الاقتباس
· الاقتباس وصفي واستطلاعي ، الوصفي يصف موضوعين : الأول في التأريخ فترة أول القرن الخامس الهجري وما نتج عن ذلك من إغلاق باب التفكير والاجتهاد ، نتج عن ذلك تركز التقليد وإلغاء العقول 0الثاني وصف معاصر وهو دعوى تحقق تجسيد التفكير في آلاف 0
· أما الاستطلاعي : فهو وجود أمل مشرق في عودة التفكير إلى الأمة ، فتتسنم المكان اللائق بها تحت الشمس 0
· كتب المرحوم تقي الدين النبهاني الكتاب ، وختامه هذا الاستطلاع سنة 1973 م ، حملت الأعوام التي تلت الاستطلاع ، زيارة السادات لدولة العدو ن وصلح مصر مع العدو ، وإعلان الحرب من قبل العراق على إيران ، واستمرارها ثمانية أعوام ، واجتياح اليهود الوقح لبنان صيف 1982 م ، إلى زلزال حرب الخليج وقد كشف عن وقاحة الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي ، بمشاركتها الغرب في حربه ضد العراق ، ثم حدثت مسارات الصلح المشينة ، إلى الدعوة العلنية للسير مع العولمة ، ظهر من ذلك كله تبلد حس الأمة ، وليس وجود الأمل المشرق 0 (1/8)
صفحة 9
· لقد حدث خطأ في تسجيل التأريخ ، إذ لم يتناد العلماء لإقفال باب التفكير والاجتهاد ، وإنما ألغي التفكير والاجتهاد بوثيقة الخليفة القادر ، وقد قُرأت على المفكرين والقضاة والعلماء والفقهاء عام 408 هـ ، وطلب إليهم توقيعها ، وأفهم من يخالفها بإلحاق التنكيل به ، والمقصود بها كما دل منطوقها : المعتزلة بالدرجة الأولى ، والشيعة بفرقها المختلفة بالدرجة الثانية ، وقد كانت الأهمية عند واضعي الوثيقة تصفية المعتزلة ، وواقعياً تحقق لهم ذلك 0 أعيدت قراءة الوثيقة سنة 409 هـ ، وسنة 420 هـ ، ثم في سنة 433هـ ، أي في عهد القائم بعد موت القادر بأحد عشر عاماً ، فخرجت المعتزلة من التاريخ ، وبقيت مع تشويه صورتها في التأريخ 0
الاقتباس الثاني
منقول من كتاب نهاية التاريخ وخاتم البشر
مؤلف الكتاب هو الأمريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما
صدر الكتاب بالإنجليزية وترجم للعربية بعد سنة 1991 م
النص منقول من ص [ 56– 57 ]
صحيح أنَّ الإسلام يُشَكِّلُ أيدلوجيا مُتَّسِقَةً ومتماسكةً ، مثل الليبرالية والشيوعية ، وأنَّ له معاييره الأخلاقية الخاصة به ، ونظريته المتصلة بالعدالة السياسية والاجتماعية ، كذلك فإنَّ للإسلام جاذبية يمكن أنْ تكون عالميةً ، داعيا إليه البشر كافة باعتبارهم بشراً ، لا مجرد أعضاء في جماعة عرقية أو قومية معينة ، وقد تمكن الإسلام في الواقع من الانتصار على الديمقراطية الليبرالية في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي ، وشَكَّلَ بذلك خطراً كبيراً على الممارسات الليبرالية حتَّى في الدول التي لم يصل فيها إلى السلطة السياسية بصورة مباشرة ، وقد تلا نهاية الحرب الباردة في أوروبا على الفور تحدي العراق للغرب وهو ما قيل { عن حق أو عن غير حق } أنَّ الإسلام كان أحد عناصره 0 (1/9)
صفحة 10
ويستمر فوكوياما قائلاً : غير أنه بالرغم من القوة التي أبداها الإسلام في صحوته الحالية ، فبالإمكان القول أنَّ هذا الدين لا يكاد يكون له جاذبية خارج المناطق التي كانت في الأصل إسلامية الحضارة 0 وقد أنَّ زمن المزيد من التوسع الحضاري الإسلامي قد ولَّى، فإنْ كان بوسع الإسلام أنْ يكسب من جديد ولاء المرتدين عنه 0 فهو لنْ يصادف هوىً في قلوب شباب برلين أو طوكيو أو موسكو أو السويد ، ورغم أنَّ نحو بليون نسمة تدين بالإسلام { أي خمس تعداد سكان العالم } فليس بوسعهم تحدي الديمقراطية الليبرالية في أرضها على المستوى الفكري ، بل قد يبدو أنَّ العالم الإسلامي أشدَّ عرضة للتأثر بالأفكار الليبرالية على المدى الطويل من احتمال أنْ يحدث العكس ، حيث أنَّ مثل هذه الليبرالية قد اجتذبت إلى نفسها أنصاراً ـ عديدين وأقوياء ـ لها من بين المسلمين على مدى القرن ونصف القرن الأخيرين ، والواقع أنَّ أحد أسباب الصحوة الأصولية الراهنة هو قوة الخطر الملموس من جانب القيم الغربية الليبرالية على المجتمعات الإسلامية التقليدية 0
ملاحظات على هذا الاقتباس
· يؤكد فوكوياما من عنوان كتابه ومن موضوعه أنْ لا مكان تحت الشمس لحضارة غير الحضارة الليبرالية فالعولمة هي أعلى مراحل الرأسمالية وما يظهر في الواقع الإسلامي ـ والعربي جزء منه ـ عدم وجود مقاومة جدية لها ، فدعاتها العلنيون ، وقابلوها على استحياء ومقاوموها يسيرون بلا رشد ولا دليل 0
· يصف الإسلام بأنه أيديولوجيا متسقة ومتماسكة ، وهو بهذا يضع الإسلام في النسق الحضاري ، خلافا لرؤى التغريبيين في كل تشكلاتهم : الليبرالية ، والمادية الماركسية ، والعلمانية القومية ملحدة أو غير ملحدة ، وفي محل المخالفة لرؤية الإسلاميين ، الذين فصلوا عن الإسلام الحياة ، وجعلوه مجرد تدين وهيئات نُسكٍ 0 (1/10)
صفحة 11
· يرى أنًّ الإسلام يتعامل مع الناس باعتبارهم بشراً ، وليسوا بصفتهم عرقاً أو قوماً معينين ولهذا فله جاذبية عالمية ، ويرى أنه رغم ذلك لا يستهوي قلوب شباب الغرب ، ويرى أنَّ المستقبل في الليبرالية الغربية 0
· يفطن إلى ما لا يفطن إليه أحد ، بأن الإسلام هو العامل المحرك للعراق ، وهو هنا يرى البعد الكامن في هذه الأمة ، وهو البعد الحضاري للإسلام 0
· إنًّ السؤال المشروع في هذا المقام هو : كيف يدرك الغرب ببصيرة ثاقبة المعطيات الديناميكية في الحضارة الإسلامية ؟ ولهذا يرسم الخطط ، للحيلولة دون عودة الإسلام للتأثير الحضاري 0
الاقتباس الثالث
من كتاب الفرصة السانحة
للرئيس الجمهوري الأسبق للولايات المتحدة نيكسون
صدر الكتاب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1990 م
يقول نيكسون في كتابه : لقد سبق العالم الإسلامي العالم المسيحي ، على مدى خمسة قرون من { 700 – 1200 م } ، وتفوق عليه في مستوى المعيشة والتسامح الديني والفلسفة والثقافة والعلوم ، وقد أدت الحروب المتتالية إلى عكس الآية ، فلقد قال أحد المؤرخين : لقد خسر الغرب الحروب الصليبية ، لكنه كسب حرب المعتقدات ، لقد تم طرد كل محارب مسيحي من الأرض المقدسة للمسيحية واليهودية ، ولكن الإسلام وقد أسكره النصر ومزق أوصاله المغول ، سقط في غياهب العصور المظلمة ، من الفقر والنسيان ، بينما الغرب المنهزم ، وقد أنضجته الأهوال نسي هزيمته وتعلم من عدوه وبنى كنائس تصل إلى عنان السماء ، وقاد سفينته في بحار المعرفة وخرج منه الفلاسفة أمثال دانتي وشوسير وفيلون وسر بروح عالية في عصر النهضة 0
ويقول في مكان ثان من كتابه حول إمكانية العودة الإسلامية لقيادة الحياة السياسية : (1/11)
صفحة 12
إنًّ المسلمين منقسمون من ناحية إسلامية إلى ثلاثة فرق كبرى هي : السنة ، والصوفية ، والشيعة ، ويتكلمون بأكثر من [ 150 ] لغة ، ولهذا لا يشكلون أي خطر محتملٍ على الغرب والحضارة الغربية 0 { الكلام الثاني منقول بتصرف مع المحافظة الكاملة على المعنى } 0
ملاحظات على الاقتباس الثالث بشقيه
· كاتب الكتاب أحد رؤساء الولايات المتحدة الجمهوريين ، فالكتاب رؤية سياسي عرك السياسة وعركته ، فهي ليست رؤية باحث في السياسة ، ولا هي كتابه أكاديمية ، وقد تولى الحكم في الولايات المتحدة فترة 1968 – 1972 م 0 شهدت هذه الفترة ظهور الصحوة الإسلامية ، ورغم التباين في تعليل ظهورها ، إلاَّ أنَّ الغرب انتفع فيها أيما انتفاع ، ولكنها أثارت مخاوف الغرب خاصة على المستوى الإعلامي والشعبي ، فهو إذن يكتب خطابا ليطمئنَّ الغربيون ويخبرهم أنَّ الصحوة في محل الاحتواء 0
· يؤكد الاقتباس فكرة سبق الحضارة الإسلامية في قرونها الخمس الأولى لتحدث الغفوة وتنعكس الآية فيتقدم الغرب ، ويرى الغرب نفسه من زاوية المسيحية اليهودية ، كما أعادت تشكيلها روما ، ولذلك يقول وهو يتكلم عن الحروب الصليبية بحملاتها المتعددة ، التي حدثت من 1089 - 1291 بخروج الصليبين من آخر معقل لهم في عكا : لقد تم طرد كل محارب مسيحي من الأرض المقدسة للمسيحية واليهودية 0 مع أنَّ أمريكا لم تكن مكتشفة في فترة الحروب الصليبية ولم تكن الولايات المتحدة ناشئة إذ لم تنشأ إلاَّ بعد عام 1789 م 0
· يكشف الاقتباس أنَّ الأمريكيين ينتمون من حيث العمق التاريخي للغرب والعجب ممن يريد لهذه أنْ تترك عمقها التاريخي ! 0
حقيقة قضية الأمة (1/12)
صفحة 13
· قضية الأمة ليست صراعا بين الدين الإسلامي والحضارة الغربية ، من حيث هو تدين ، وإنما الصراع صراع حضاري بين وجهتي نظرٍ مختلفتين ، في تفسير معنى الوجود ، وفي مهمة الإنسان على سطح هذا الكوكب ، أي صراع بين الإسلام كحضارة عدلية ، والليبرالية الديمقراطية كمشروع استلاب للإنسان ، تحوله إلى مسخ يصل الليل بالنهار للحصول على سلع استهلاكية ، فيتحول أخيرا هو نفسه إلى مادة استهلاكية 0
· يروج الآن لدخول المعركة الحضارية ، باستعمال نفس أدواتها في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع ، ومثل هذه الأدوات لنْ تتيح لهذه الأمة أن تتحرر من عدوها ، بل ستكون عامل من عوامل تركيز الربط 0
· القائلون بالدخول إلى عالم العولمة ، مع المحافظة على الهوية والذات ، يقولون بالأمر ونقيضه وهي بالتالي ستوصل إلى ضياع الأمرين معا 0
· ويأتي السؤال الأخير ! هل من درب يوصل لحماية هذه الأمة من كيد عدوها ؟ ويجعلها تستأنف طريقها كرحمة للعالمين ـ هنا من الضروري ملاحظة الذين يجردون الأمة من أي صفة حضارية سابقاً ولاحقاً ، ويرونها حالة تخلف حضاري منذ بدء الإسلام ، يسلطون الأضواء على الزوايا السوداء في حياتها ، لا للاتعاظ بها ، بل لإدانتها ، وعندما ينقلون إلى التاريخ الأسود في حياة الغرب داخليا وخارجيا ، يسوغون له ذلك بدعوى أنه يعمل لذاته ، ويتعامون عمَّا يجري في داخله من مظالم 0
· ويرد عليهم الإسلاميون ، بالدعوة للإيمان التسليمي ، والتوقف عند النموذج التاريخي ، أو الإقتداء بالسلف ، أو قراءة مدونات العلماء ، دون أية قراءة نقدية لها ، وهكذا تتوقف حركة التاريخ عند التأريخ ، ويضيع بينهما الوعي ، وتفقد الأمة إرادتها ، وتعيش مستلبةً بلا سيادة وتسعى إلى مزيد من الاستلاب ! 0
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (1/13)