صفحة 1
الكتاب: الحقوق في الإسلام لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بحث الحقوق في الإسلام
لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى الأمين الذي أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
أما بعد،،،
فأقدم للقارئ المسلم بحثاً عن «الحقوق في الإسلام» وفق المذهب الإباضي، وهو موضوع جدير بالبحث والمناقشة، غير أنه موضوع متشعب لكثرة أنواع الحقوق التي يفرضها الإسلام، منها ما هو للخالق تعالى، ومنها ما هو لخلقه، وما كان للخلق فمنها ما هو للإنسان، ومنها ما هو لغيره، على أن الدراسة جاءتني في ظروف صعبة لم تتهيأ لي فيها فرص البحث والكتابة على ما يرام، بل أحسست وكأني أعتصر فرصهما من صلد الصخر، أو أختلسها من بين أنياب الضيغم، وقد حصرت بحثي في «حقوق الإنسان قي الإسلام»، ووجدته أيضاً موضوعاً واسع الأرجاء متعدد المسالك لا يفي به بحث وإن طال ذيله واتسع حجمه، فوجدتني مضطراً إلى الاقتصار على ذكر أنواع الناس الذين تجب لهم الحقوق مع إشارة عابرة إلى بعض ماهيات تلك الحقوق، وضرب الصفح عن الدخول في تفاصيل أحكامها التي تكلفت بها أمهات الكتب الفقهية، ورأيت أن يكون تركيزي على موضوع الشورى في الإسلام وما يرتبط بها من حقوق الأمة أكثر من تركيزي على الجوانب الأخرى، وما ذلك إلا لأن الشورى حق إنساني عام، وهي كفيلة -إن طُبقت- أن تكون إطاراً عاماً يجد فيه كل ذي حق حقه. (1/1)
صفحة 2
هذا ولم أتعرض للأمور الجزئية التي ترتبط بالشورى، كما لم أتعرض لها في بحث حقوق الإنسان الأخرى التي تضمنها هذا البحث، ولم أقتصر في البحث على المراجع الإباضية وحدها وإن كنت عولت في المجال الفقهي على كتب الإباضية، وذلك لأنني أعتقد أن المذاهب الإسلامية تلتقي جميعا في المورد والمصدر، فليس بينها كبير خلاف، وإنما هي اجتهادات من فقهاء، الأمة من أجل وصل الإنسان بربه وربطه بدينه ليكون مثالياً في سلوكه ونموذجاً في استقامته.
تمهيد:
الإنسان هو مناط تكليف الله تعالى المعني بخطابه من بين مخلوقاته في أرضه، وذلك لأن الله سبحانه اختاره من بينها ليكون خليفة في الأرض، قال تعالى: { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } .)[1]( وقال { وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم } .)[2](
وما هذا الاستخلاف إلا تكليف في إطار التشريف اختص الله به (1/2)
صفحة 3
لمخلوقات المنبثة من حوله وتسخيرها لمصلحته سواء كانت من جنس الحيوان أو النبات أو الجماد، فهو وحده الذي أطلقت يده في منافع الأرض وما فيها وما عليها، بينما انتفاع غيره انتفاع نسب محدود جداً إذا قورن بانتفاع الإنسان، وقد ترجم القرآن الكريم ذلك في قوله عز من قائل: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } .)[3]( كما يظهر أثر هذا الاستخلاف أيضاً في هذه المكانة الرفيعة التي برأ الله الإنسان فيها، ورفعه إليها وامتنَّ بها عليه في قوله: { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً } .)[4]( ومن الطيبات البارزة لهذا التكريم هذه الطاقة الهائلة التي مكنت الإنسان من تطوره وتطوير حياته بحيث صار يبتكر الوسائل ويستنبط الأسباب لجعل حياته أعلى رقياً وأكثر ازدهاراً وأوسع رفاهية، ولاختصار الزمن في قضاء حاجاته وبلوغ مراميه، فقد شهد العالم البشري –عبر امتداده- تطوراً هائلاً في حياة الإنسان الاجتماعية والثقافية والصناعية غيَّر كثيراً من معالم الحياة، وبدَّل جانباً لا يُستهان به من مظاهرها.
ولئن كان التكليف بقدر التشريف، فإن كاهل الإنسان مثقل بالواجبات المتنوعة، كيف وقد جعله الله سيداً في الأرض بل قطباً في الكون كما يشهد له تسخير منافع هذا الكون من أجله { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه } .)[5]( فلا غرو إذا كان معقد التكليف الشرعي والمستهدف بخطاب الله تعالى وفي وحيه المحمَّل أوزار أمانته من بين خلقه، ومن أجل هذا كانت ذمة الإنسان مشغولة بأنواع شتى من الحقوق، منها ما هو لربه الذي خلقه، ومنها ما هو لبني جنسه، ومنها ما هو لمخلوقات أخرى.
ومن حيث إن الإنسان موضع تكريم الله تعالى كان حقه على أخيه الإنسان أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى وآكدها وأولاها بالعناية دراسة وأداء. (1/3)
صفحة 4
وبما أن الإسلام الحنيف هو رسالة الله إلى خلقه وتكليفه الذي ناطه بالإنسان ليتحمل تبعته ويؤدي واجبه، فقد جاء مستقصياً لهذه الحقوق تبياناً وتأصيلاً وتفريعاً، واضعاً كل شيء منها موضعه المناسب له في نظام رتيب ولم يعرف له مثيل في ظل الديانات والأنظمة الأخرى.
تنوع حقوق الإنسان في الإسلام:
للإنسان في ظل الإسلام حقوق شتى منها ما هو حق عام يستوي فيه جميع البشر، كالرحمة والإحسان فإنهما واجبان لجميع الناس، بل يتعديان الإنسان إلى الحيران، ولا يفرق فيهما بين حبيب وبغيض، وبين حالات الشدة وحالات الرخاء، إذ الإنسان المسلم وإن كان مطالباً بأن لا تأخذه هوادة، وأن لا يتردد في تنفيذ أمر الله، كإقامة حدوده وجهاد أعدائه، إلا أنه مطالب بأن لا يتخلى في هذه الحالات من روح الرحمة والإحسان، ففي الحديث «إن الله - عز وجل - كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»)[6](.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر سراياه بألا يمثلوا بأعدائهم، فعن صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية فقال: «سيروا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقلتوا وليداً»)[7]( وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث جيوشه قال: «أخرجوا بسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع»)[8]( وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «انطلقوا بسم الله وبالله على ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين»)[9](. (1/4)
صفحة 5
وقد حرص الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم - على هذا المنهج في جميع حروبهم، فعن يحيى بن سعيد أن أبا بكر - رضي الله عنه - بعث جيوشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان يزيد أمير ربع من تلك الأرباع فقال: «إني موصيك بعشر خلال لا تقتل امرأة ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطع شجراً مثمراً، ولا تخرب عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً ولا لمأكلة، ولا تعقرن نخلاً ولا تحرقه، ولا تخبن»)[10](.
ويندرج في هذا الإحسان إلى الأسير الذي أثنى الله به على عباده المؤمنين، ووعدهم على حسن الثواب عندما وصفهم بقوله: { ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً } .)[11]( ولذلك كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤثرون أسراهم على أنفسهم وأولادهم بأحسن ما يطعمون، وقد سجل هذه المأثرة لهم بعض أولئك الأسرى، فهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحكي قصته مع الأنصار الذين أسروه يوم بدر فيقول: «كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم قطعة خبز إلا نفحني بها فأستحي فأردها فيردها عليًّ ما يمسها»)[12](.
ومن هذا المنطلق جاءت الإشارة الكريمة في القرآن الكريم إلى المن على الأسرى بإطلاقهم أو المفاداة بهم في قوله تعالى: { فأما مناً بعد وإما فداء } .)[13]( (1/5)
صفحة 6
وقد عُرف أئمة الإباضية بالتزام هذا المنهج الإنساني العادل في معاملة أسرى الحرب حتى ولو كان الأسير من قوم لا يرقبون فيهم إلاً ولا ذمة، ولهم في ذلك أمثلة رائعة سجلها التاريخ فكانت جمالاً لصفحاته، منها موقف الإمام طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي من أسيرته الضحاك بن زكل الذي قاتله بصنعاء وإبراهيم بن جبلة بن مخرمة الذي قاتله بحضرموت وصنعاء، ووقع في أسر الإمام وجنده مرتين، فإنه بعدما أمن عليهما وأرسلهما قال لهما: حبستكما خوفاً عليكما من العامة وليس عليكما مكر، فأقيما إن شئتما أو اشخصا)[14](.
ومثله موقف قائده أبي حمزة المختار بن عوف الشاري من الجحافل المنهزمة بين يديه في معركة قديد عندما عرض عليه أبو الحر علي بن الحصين أن يتبعهم لاستئصال شأفتهم قائلاً: (ابتع القوم أو دعني اتبعهم فأقتل المدبر وأذفف على الجريح، فإن هؤلاء شر علينا من أهل الشام، فلو قد جاؤوك غداً لرأيت من هؤلاء ما تكره)، فقال: (لا أفعل ولا أخالف سيرة أسلافنا))[15](.
ومثل هذا صنيع الإمام أبي الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري عندما خيَّر عامل أبي جعفر المنصور على طرابلس بين البقاء والخروج، فاختار الخروج)[16](.
العدل حق إنساني عام: (1/6)
صفحة 7
من حقوق الإنسانية المشتركة العدل فهو واجب –حسب مبادئ الإسلام الحنيف- بين جميع الناس سواء في الحكم بينهم أو الشهادة لهم أو عليهم، لا فرق بين من كان منهم مؤمناً أو كافراً، براً أو فاجراً، صديقاً أو عدواً، قريباً أو بعيداً، غنياً أو فقيراً، قال تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } .)[17]( وقال: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً } .)[18]( وقال: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين على الله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبيرٌ بما تعملون } .)[19]( (1/7)
صفحة 8
ومن أجل تحقيق هذا المنهج في الأرض وتطبيق هذا المبدأ بين الناس أنزل الله في كتابه آيات تتلى تبرئة لساحة يهودي ألصقت به تهمة هو بريء منها، وذلك أن طعمة بن أبيرق سرق درعاً لأحد المسلمين فلما خشي أن ينكشف أمره، رمى بها في بيت يهودي وحاول إلصاق فعلته باليهودي البريء، وشايعه على ذلك بعض قومه ممن آمنوا بألسنتهم ولم يلامس الإيمان شغاف قلوبهم، وجاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يجادلون بغير حق محاولين تبرئة ساحة صاحبهم وتغليظ قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اليهودي، فإذا بالوحي الإلهي يفضح مؤامرتهم ويكشف دسيستهم، إذ أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - قوله: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون من القول ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً هاأنتم هؤلاء جادلتهم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بُهتاناً وإثماً مبيناً ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً } .)[20]( (1/8)
صفحة 9
وما نزول هذه الآيات بهذا الأسلوب الملتهب في قصة رجلين يتظاهر أحدهما بالإسلام ويجاهد الآخر باليهودية إلا من أجل ترسيخ فيهم العدالة في نفوس المسلمين والتحذير من التهاون بالاستمساك بعروتها من أجل نزعة دينية أو قومية أو سياسية أو من أجل محبة حبيب أو قرابة قريب)[21](.
ويندرج في الحقوق الإنسانية العامة كثير مما لم نذكر كعون الضعيف، وإشباع الجائع، وتأمين الخائف، وسائر الحقوق التي تجب في مواطني الدولة الإسلامية، وإن لم يكونوا من المسلمين، والأدلة الدالة على ثبوت هذه الحقوق واضحة لمن استقرأ الكتاب وحاول تتبع السنة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين.
حقوق تجب بالإسلام:
إذا كان الإسلام الحنيف يفرض حقوقاً على الإنسان للإنسان بحكم علاقة الإنسانية مع قطع النظر عن اتحاد الدين أو اختلافه، فإنه يفرض حقوقاً بين المسلمين أنفسهم كحق الموارثة بين الأقربين بنسب أو سبب، وحق الموالاة والمناصرة ما لم يكن المسلم منشأ العدوان والحيف، ومن بين هذه الحقوق تشميت المسلم إذا عطس، ومبادلته تحية السلام، وتغسيل موتى المسلمين، وتجهيزهم والصلاة عليهم ودفنهم في مقابرهم، قال الإمام ضياء الدين الثميني صاحب النيل: من حق كل مسلم على أخيه أن يسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس، ويجيب دعاءه، ويزحزح له في المجلس، ويحفظه إن غاب، ويقوم معوجه، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته، ويحفظه في أولاده بعده ما قدر، ويحب له ما يحب لنفسه، ومن ستر على مسلم ستر عليه في الأخرى، والله في عون العبد ما أعان أخيه، ولا يحل لمسلم أن يهاجر أخاه فوق ثلاثة أيام، وخيرهما البادئ بالسلام، وقيل: من هاجره فوقها ولم يكلمه بعدها (هاجر))[22]( بريء منه حتى يكلمه، ولا يُتولى إن مات على ذلك. (1/9)
صفحة 10
وروي أن الأعمال تُعرض على الله سبحانه وتعالى عشية الاثنين فلا تُرفع لمتقاطعين فوق ثلاثة، وقيل: مهاجرهُ سنة كسافك دمه، وقيل من حق كل ألا يكتسي ويعرى أخوه، وألا يتخالفا جوعاً وشبعاً وتزوجاً وعدمه بقلة، ولا يمنع كل أخاه إن استقرضه أو استباعه إن قدر، وروي: المؤمن مرآة أخيه، ولا تؤمنون حتى تحابوا، والأخبار في ذلك كثيرة جداً، وقال شارح النيل الإمام أطفيش: ومن حقوق المسلمين الإصلاح بينهم وهو أفضل الصدقات، وألا يقبل فيهم ما يسمع من النمام والحساد، ولا يسيء الظن بهم، ولا يحل النظر لمسلم بعين الاستصغار، ولا الدنيوي بعين التعظيم، وليس حقاً لهم كف الأذى عنهم فقط بل كفه ونفعهم، فأهل القبور قد كفوا أذاهم، وإنما شرح الله أخوة الإسلام ليستفيد بعضهم من بعض، ومن ذب عن عرض أخيه كان له حجاباً من النار، قال ابن عباس: حق المسلم أوجب من حق الأب غير المسلم، والمسلمون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً، ولا خير فيمن لا منفعة للمسلمين فيه، وإن لله عباداً خصهم الله بنعمه لمنافع خلقه، يقرها فيهم ما بذلوها، وإن ضيعوها حولها إلى غيرهم، وإن لله وجوها خلقهم لحوائج خلقه يرغبون في الحمد، وأن الله يحب مكارم الأخلاق، وأن أفضل الناس ثواباً غداً أنفعهم للناس اليوم، وإذا أراد الله بعبد خيراً استعلمه في قضاء حوائج الناس، وهذا لعامة الناس، فكيف فيمن فعل الخير في المسلم، والمؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد، ومثل المؤمنين في توادهم)[23]( وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر، ولا يغير المسلم ولا يضره ضراً ما، ولا يغشه ولا يخذله، وليرد)[24]( عن الغيبة، ومن لم يردها عنه فكأنه رأى الكلاب تمزقه ولم تحركه الشفقة والإسلام إلى الذب عنه)[25](.
الحقوق الخاصة: (1/10)
صفحة 11
إذا كانت الإنسانية سبباً لترتب الحقوق العامة المشتركة بين الناس من أجل هذه العلاقة التي تربطهم، وكان الإسلام سبباً لترتب حقوق أخرى تجب على المسلم للمسلم بحكم علاقة العقيدة، فإن هناك حقوقاً متعددة تجب بين الناس بحكم علاقات خاصة فطرية أو كسبية، أكدها الإسلام وأمر بالمحافظة عليها.
حقوق الوالدين: (1/11)
صفحة 12
من الحقوق الخاصة المؤكدة في الكتاب والسنة حقوق الوالدين الأب والأم، ولعظم حقهما وتأكيد المحافظة عليه قرنه الله تعالى بحقه في قوله: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً } .)[26]( وتكرر في الآيات متعددة، وفي سور مختلفة التأكيد على هذا الحق مع التنبيه في بعض تلك الآيات على ما للأم من خصوصية بسبب ما كان منها من مكابدة مشاق، وتحمل صعوبات في سبيل راحة فلذة كبدها وثمرة قلبها، كما في قوله سبحانه: { ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً } .)[27]( وقوله: { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إليَّ المصير } .)[28]( ولا يسقط هذا الحق بسبب رفض الوالدين أو أحدهما للاستجابة لداعي الله والدخول تحت مظلة الإسلام، والتشبث بأوهام عقيدة الكفر، بدليل أن الله تعالى بعدما وصى بحقهما نبه على كيفية التعامل معهما إن حاولا أن يجرا ولدهما إلى مهاوي الشرك ومساقط الضلال، إذ قال سبحانه: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبها في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إليَّ } .)[29]( فهو -مع كونه مأمور بأن لا يستجيب لدعوتهما إياه إلى الإشراك بالله ومأمور باتباع سبيل من أناب إلى الله لعدم جواز المساومة على المبادئ- يؤمر كذلك بأن يصحبهما في الدنيا معروفاً، وذلك بالتلطف بهما في المعاملة وإظهار التودد إليهما، وتقدير ما لهما من فضل بسبب الأبوة والأمومة. (1/12)
صفحة 13
على أن ما جاء في القرآن من التنبيه على ما للأم من فضل بسبب تضحياتها الجسيمة التي تقدمها لفلذة كبدها منذ بداية حملها به وانفرادها بها دون الأب، دليل على أن حقها أعظم من حقه، وبرها أوجب من بره، وهو الذي صرح به الحديث الصحيح، «فقد جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من: قال: ثم أبوك»)[30](. إذ لا ريب أن ذكر حقها ثلاث مرات ثم مجيء حق الأب بعد ذلك معطوفاً بثم الذي تقتضي المهلة والترتيب من أوضح الأدلة على ما تتميز به الأم في الإسلام من حق لا يبلغ شأوه أحد، ولا ينافسها فيه حتى الأب.
حق الأولاد:
للأولاد على أبويهما حقوق يفرضها عليهما الإسلام كما فرض حقوقهما عليهم، ومن بين هذه الحقوق حسن تربيتهم والمحافظة عليهم مما يضر بهم حسياً أو معنوياً، وغرس محبة الله وخشيته ورجائه في نفوسهم، وتعليمهم العلوم النافعة، وتعويدهم على القيام بالتكاليف الدينية ليتعودوا عليها حتى لا تشق عليهم عندما يصلون إلى طور التكليف، وهذا مما يدخل تحت مدلول قوله تعالى: { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة } .)[31]( ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - : «علموهم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»)[32](. ومن حيث أن الأبوة والأمومة مفطورتان على حب الأولاد والحرص على كل خير وهناء وسعادة لهم، لأن وجودهم فرع وحياتهم من بعدهما امتداد لحياتهما، لم يكن داعٍ إلى أن يحضا على رعاية الأولاد كما حضوا على رعايتهما وإنما وكلا ذلك إلى فطرتهما.
حق الزوجين: (1/13)
صفحة 14
لكل واحد من الزوجين على الآخر حقوق فرضها الإسلام مراعياً فيها ما لكل منهما من الخصائص الفطرية، والحياة الزوجية معدن الأسرة ومحضن الذرية، وهي عش الهناء، ومصدر الاستقرار النفسي والاجتماعي، فحري بها أن تكون مرتكزة على دعائم متينة قائمة على أرضية صلبة من المودة والوئام والتعاطف والانسجام، فمن هنا نجد في الكتاب والسنة الدلائل الواضحة على عناية الإسلام بهذا الجانب المهم من حياة الإنسان، وإعطاء كل جانب حقه حسب ما تقتضيه سنن الحياة، وتفرضه نواميس الوجود، فالله تعالى يقول: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم } .)[33]( ويقول: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } .)[34](
وفي الحديث الصحيح عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حجة الوداع: «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف»)[35](. وعن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت»)[36](.
وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح»)[37](. وفي رواية بلفظ «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح»)[38](.
حق ذوي الأرحام: (1/14)
صفحة 15
بما أن الإنسان مدني بطبعه لا يمكن أن يعيش مقطوعاً عن أهله، فريداً في مجتمعه، كان من الضرورة بمكان أن تترابط الأسر وذوي القرابات، وذلك من عوامل تماسك المجتمع وقوته، إذ التلاحم الذي بين أفراد الأسر ينعكس أثره الإيجابي على المجتمع كله، كما أن تفكك الأسر وتناثرها ينعكس على المجتمع بأسره أثره السلبي، ومن أجل ذلك حض القرآن الكريم على رعاية هذا الحق في معرض الأمر بتقوى الله حيث قال - عز وجل - { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } .)[39]( وقرن بين قطيعة الرحم والإفساد في الأرض في قوله تعالى: { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } .)[40]( والأمر بالإحسان إلى ذوي القربى الذي تكرر في العديد من آيات الكتاب إنما يعني مراعاة هذا الحق وعدم التفريط في شيء منه.
واستفاضت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث الحض على صلة الأرحام، ومما روي عنه في ذلك قوله: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم:هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال:نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فاقرأوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } .)[41]( وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الرحم شجنة من الرحمن فقال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته»)[42](، ودل الحديث على وجوب صلة الرحم القاطع إذ لا يسقط منعه ما عليه من حق ما له منه، فقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمها وصلها»)[43]( وفي رواية «أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم فيقطعوني وأحسن إليهم فيسيئون إليَّ وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك»)[44](. (1/15)
صفحة 16
وفي النيل وشرحه تجب صلة الرحم ولو قاطعاً)[45](، وفي الإيضاح «وصلة الرحم واجبة على كل أحد رجال ونساء فعلى هذا ليس للرجل أن يمنع زوجته وبنته من وصل رحمها في كل وقت، غير أن الصلة مختلفة كما ذكرنا وإن منعها جميع الصلة لأرحامها لم يجز له ذلك –إلى أن قال- وعلى النساء المخدرات صلة الأرحام في المصائب والقدوم من السفر وإن كن لا يظهرن للذي تجب عليهن صلته، وصلن إلى منزله وأرسلن من يرسل له التعزية والسلام ولا يظهرن له»)[46](.
حق اليتامى:
« (1/16)
صفحة 17
من الحقوق الإنسانية التي أكدها الإسلام حق اليتامى، وهم الذين مات آباؤهم وهم في طور الصبا قبل البلوغ، فإن رعاية هؤلاء واجبة على المجتمع المسلم، لتعويضهم عن حنان الأبوة الذي فقدوه، ورعايتها التي حرموا منها، وهو مطلب إنساني تقتضيه الفطرة، فإن اليتيم عندما يفقد في مجتمعه هذه الرعاية يساوره الشعور بالحرمان، وقد يدفعه ذلك إلى الحقد على المجتمع والتنكر له، فينشئ إنساناً شاذاً في معاملته، متطرفاً في تصرفه، هداماَ بين بني جنسه، وقد أكد القرآن الكريم وجوب رعاية حقه ونهى عن كل إساءة إليه لينعكس عطف المجتمع عليه على نفسيته، فيحيا معه حياة وئام وانسجام ومودة وإخلاص، ومما تضمنه القرآن من الآيات الناصة على هذا الحق والمؤكدة عليه قوله - عز وجل - : { فأما اليتيم فلا تقهر } .)[47]( وقوله تعالى: { وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين } .)[48]( وقوله تعالى: { وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً } .)[49]( وقوله: { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا } .)[50]( وتوعد تعالى أشد الوعيد على أكل أموالهم بغير حق حيث قال سبحانه: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً } .)[51]( وحض على الإنفاق عليهم من أموال المنفقين من سد حاجتهم، جبر كسرهم، وجعل ذلك من أركان البر حيث قال: { وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى } .)[52]( وأثار في نفوس أفراد المجتمع من أحوالهم عواطف الأبوة الحانية تجاه أولادهم ليعاملوا اليتامى بما يحبون أن يعامل به أولادهم من بعدهم إن ماتوا عنهم صغاراً حيث قال تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً } .)[53]( (1/17)
صفحة 18
ومع هذا التأكيد الشديد على حق اليتامى في القرآن، فإن السنة النبوية لم تسكت عنهم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة»)[54](، وروي من طريقه أيضاً عنه - صلى الله عليه وسلم - : «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه»)[55]( وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال مرفوعاً «من عال ثلاثة من أيتام كان كمن قام ليله وصام نهاره وغدا وراح شاهراً سيفه في سبيل الله، وكنت أنا وهو أخوين كهاتين أختان، وألصق إصبعيه السبابة والوسطى»)[56](، وعنه أيضاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من آوى يتيماً فقام به احتساباً لله وقع أجره على الله والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً»)[57](. (1/18)
صفحة 19
والذي يُستخلص من هذه الآيات والروايات عظم حق اليتيم ووجوب رعايته نفسياً وجسدياً، دينياً ودنيوياً وخُلقياً ينشأ على صلاح واستقامة، براً بمجتمعه، نافعاً لأمته، حريص على خيرها، غير شاعر بمضض الحرمان، من فقد أبيه أو أبويه، وجميع أحكام اليتامى تنبني على رعاية مصالحهم لقوله تعالى: { ويسألونك على اليتامى قل إصلاح لهم خير } .)[58]( وأولى من يقوم بهم الأقربون إن وجدوا، قال العلامة الشماخي في الإيضاح)[59](: «والواجب على أولياء اليتامى وعشائرهم أن يقوموا بهم وبما يصلح لهم وهو عليهم حق واجب وذلك من صلة الرحم وإن لم يكن لهم ولي أو لم يحضر أولياؤهم فعلى من حضر من المسلمين القيام بهم وبأمورهم، قال تعالى: { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } .)[60]( وقال الإمام الثميني في النيل: «ولزم ولي يتيم وعشيرته القيام به وبماله وهو من الصلة، وإن يكن له ولي أو غاب فعلى من حضر من المسلمين» وقال شارحه الإمام أطفيش: وحاصل ذلك أن حق اليتيم واجب كل من قام به أجزأ والمخاطب به الأقرب فالأقرب فإذا لم يقم به أقامته العشيرة له، وإن لم يفعلوا أو امتنع أو هرب لزمها حتى يقيم له صالحاً وإلا لزمها الضمان ولزم ذلك الممتنع أو الهارب إن أطاق، وإذا لم تقم به العشيرة لزم من علم به ممن يليهم في نسب ما، وإلا فأهل المنزل الأقرب فالأقرب منزلاً، وإلا فأهل بلد يلي ذلك البلد، وذلك أن القيام به فرض كفاية ولو كان المخاطب به الأقرب فالأقرب، وكل مسبوق في القرب يزعج سابقه إلى القيام فإن قام هذا السابق وإلا قام المسبوق وإن لم يقم أزعجه من بعده، وهكذا وإذا لم يزعجه ضمن السابق والمسبوق، وإن أزعجه فلم يقم ضمناً ولا ضمان على من لم يعلم به»)[61](.
حق المساكين: (1/19)
صفحة 20
لم يعرف التاريخ مبدأ دينياً أو نظاماً بشرياً يعطف على المساكين ويوفر لهم الحقوق المادية والمعنوية كالإسلام الذي عنى بالمساكين عناية تفيض عليهم السكينة وتملأ بين حنايا قلوبهم الغبطة والطمأنينة، فقد جعل لهم نسبة محددة مما بأيدي الأغنياء من الثروات يأخذونها منهم حقاً واجباً لا محيص لهم عنه، بل جعل إيتاء هذا الحق ركناً من أركان الإسلام ومظهراً من مظاهر الإيمان، وهذا هو حق الزكاة المشروعة المؤكدة بنصوص الكتاب والسنة، وبجانب هذا فقد وصى بسد عوزهم من غير هذه النسبة إن لم تف بذلك، ومن أبين الشواهد على ذلك قوله تعالى في بيان صفات الأبرار: { وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين } .)[62]( وعطف من بعد إيتاء الزكاة تعلق هذا الحق عندما قال في الآية نفسها { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } وهو دليل على تعلق حقهم بالمال من غير الزكاة، لأن العطف يدل على التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وقد شدد القرآن الكريم في تأكيد هذا الحق عندما قرن التهاون به بوعيد يوم القيامة، فقد قال الله تعالى: { كلا بل تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين } .)[63]( وحكى عن أهل النار جوابهم عندما يسألون { ما سلككم في سقر } .)[64]( فقال: { قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين } .)[65](
والإسلام بجانب توفير للمساكين هذا الحق المادي، وفر لهم حقاً معنوياً لحمايتهم من الذلة والانكسار، عندما حذر الأغنياء المنفقين عليهم من أن يشوبوا صدقاتهم بالمن والأذى، وجعل ذلك من مبطلات الصدقات، فقد قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } .)[66]( واشترط في نيل الأجر على إنفاق المال أن يكون الإنفاق خالصاً منها، وذلك في قوله - عز وجل - : { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم } .)[67]( (1/20)
صفحة 21
قال صاحب الإيضاح بعد ذكر طائفة من الآيات الحاضة على إيتاء المساكين حقوقهم: «فهذا كله يدل على وجوب حق المساكين } .)[68](
حق ابن السبيل:
ابن السبيل هو المنقطع عن أهله وإن كان غنياً في حضره، تجب له حقوق إن احتاج في سفره، وقد جعل الله له حصة في الزكاة مشروعة، قال تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة في قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم } .)[69]( كما جعل الله حقاً في المال من غير الزكاة أيضاً في قوله: { وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } .)[70]( وأمر بالإحسان إليه في قوله: { وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب وصاحب الجنب وابن السبيل } .)[71](
وحق ابن السبيل من الحقوق الإنسانية العامة التي يشترك فيها البر والفاجر، والمسلم والكافر إلا من كان قائماً بمفسدته ينشرها بين الناس، أو مانعاً حقاً واجباً عليه، وكان في إيوائه عوناً له ما هو بصدده من الفساد، قال العلامة الشماخي: «ويجب حق ابن السبيل كائناً من كان من الناس إلا من كان يسعى في معصية الله مثل قطاع الطرق، وأهل الفتنة، ومن هجره المسلمون، والمرأة العاصية لزوجها، والعبد الآبق وأشباههم، فلا يجب حق لهؤلاء)[72](، وقال العلامة الثميني في كتابه النيل: «أمرنا بالإحسان لابن السبيل بوجوب، وهو المنقطع عن أهله خارجاً من أمياله، ولا عنده مال ولم يجد قرضاً ولا تديناً لماله فيلزم حقه من جاز عليه إن لم يكن كباغ»)[73](.
وليس لأحد أن يجعل مما فرضه الله من حق ابن السبيل وسيلة إلى استغلال الناس وهو يتردد في البلاد من أجل غرض أو آخر، قال الإمام أطفيش في شرحه على النيل: «وليس لمن يتردد في البلاد متفرجاً ولا حاجة له يقصدها حق ابن السبيل»)[74](. (1/21)
صفحة 22
وهذا الحق يجب كما تقدم مما بأيدي أهل البلد من زكاتهم، أو مما بأيديهم مما يفضل عن حاجتهم الضرورية من أموالهم، قال الإمام أطفيش أيضاً: «ولا حق له في مال المسجد ولا في الأوقاف ويحسن إلى ابن السبيل بالزكاة أو غيرها ولا يلزم حقه من لا شيء عنده، أو عنده قوت يومه فقط»، وقال في التاج: «وإن كان قوم بمحل لا سوق فيه ولا زكاة معهم لزمهم أن يطعموا من يرد إليهم من أبناء السبيل»)[75](. فلابد من سد عوز ابن السبيل.
ومما يدخل في حقوق ابن السبيل حق الضيافة لأن الضيافة غالباً إنما تكون للآتين من بعيد، والضيافة سنة سنها أبو الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - ، إذ يقص علينا القرآن الكريم ما كان عليه من ترحيب بالضيف ومسارعة إلى إكرامه، وقد تأصلت هذه السنة في العرب حتى صارت سمة لهم يعرفون بها، ومفخرة يتساجلون في إشهارها بأدبهم المنظوم والمنثور، وعندما جاء الإسلام الحنيف رسخ هذه السنة في الأمة الإسلامية وحض عليها حتى قرنها بالإيمان بالله واليوم الآخر، ففي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوماً وليلة، والضيافة ثلاثة أيام وما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يئوي عنده حتى يحرجه»)[76](، وقد اعتمد على هذا الحديث الإباضية ومن قال قولهم بأن الضيافة واجبة، قال الإمام السالمي: «واستدل بجعل ذلك صدقة على أن الذي قبلها واجب وهو ظاهر»)[77](، وقال أيضاً: «والحديث يدل على وجوب الضيافة في الجملة، لأنه جعل ذلك من الإيمان، ويفيد أن فعل خلافه ليس من الإيمان وإنما هو فعل من لا يؤمن بالله ولا اليوم الآخر، ولأنه جعل ما وراء الثلاث صدقة، فإنه يدل أن ما قبل ذلك غير صدقة بل هو واجب شرعاً، وهو مذهب الأصحاب –يعني الإباضية- وذكر أقوال العلماء في ذلك ثم قال: ولا دليل على النسخ ولا على التخصيص بزمان دون زمان»)[78](. (1/22)
صفحة 23
وقال العلامة الشماخي: «وحق الضيف واجب على من نزل عليه لهذا الحديث، وينبغي لمن نزل عليه الضيف أن يكرمه ويلي أمر ضيافته بنفسه ولا يكله لغيره.. إلى أن قال: ومن حقوق الضيف على أهل البيت أن يقدموا له خير ما في بيتهم ويسرعوا له بعيشه ويحفظوا له أوقات الصلاة، ويحفظوا دابته بالعلف والسقي، ولا يغيبوا عن وجهه، لأن هذا كله من إكرامه»)[79](.
وقال الإمام الثميني في النيل: «تلزم الضيافة حياً وأهل منزل ولا مسافراً أو نحوه بكفاية إن لم يقصد أحداً فتلزمه بخاصته، وتسقط عن غيره ولا تجزي ضيافة أهل منزل على آخر، ولو تقاربا، وكذا أهل الأخبية والقياطين»)[80](، وقال أيضاً: «وتلزم مقيماً بمنزل كأهله وإن لم يوطن، ورفقه إن قصدوا عند مقيل أو مبيت»)[81](.
وحق الضيافة لجميع الناس كما تقدم في ابن السبيل، قال صاحب الإيضاح: «وأما من تجب له هذه الضيافة فإنها تجب لجميع الناس ممن كان خارج الأميال ومن كان دون الأميال وبه حاجة، ولم يجد الوصول إلى منزله إلا أهل معصية الله مثل قطاع الطرق وأهل الفتنة ومن هجره المسلمون، وأهل حرب المسلمين ومانع الحق والعبد الآبق، والمرأة العاصية لزوجها وأشباههم»)[82](، وقال أيضاً: «ويجب حق الضيف على أهل المنزل ولو كان عنده الطعام لعموم الخير في ذلك»)[83](.
حق الجار: (1/23)
صفحة 24
الجوار صلة إنسانية تقتضي التصافي والتعاون بين الجيران مع قطع النظر عن كون الجار قريباً أو بعيداً من حيث العلاقة النسبية، وكونه مسلماً أو غير مسلم من حيث الرابطة الدينية، لذلك جاء الإسلام بما يمتن هذه الصلة ويشد هذه الآصرة من الأحكام المتعلقة بالجوار، قال تعالى في معرض الأمر بالإحسان: { والجار ذي القربى والجار الجنب } .)[84]( وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «..من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ولا يؤذ جاره أبداً»)[85]( وفي رواية «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»)[86](. وفي ربط هذا الواجب بالإيمان بالله واليوم الآخر من تأكيده والتغليظ على من تركه ما لا يخفى على ذي لب، وجاء في حديث آخر التصريح بنفي الإيمان عمن يسيء الجوار ولذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه»)[87](، قال الإمام السالمي في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم - : «ولا يؤذي جاره أبداً» أي لا يصدر منه أذى لجاره ما دام في جواره لا بلسانه ولا بسائر جوارحه، ولا بدهائه وبوائقه، ولا يدخل الجنة من لم يأمن جاره بوائقه، فالإيذاء شامل جميع أنواع الإضرار حسياً كان أو معنوياً وليس من الأذى كفه عما يرتكبه بالتي هي أحسن على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك موعظة الكافر بعرض الإسلام عليه وإظهار محاسنه والترغيب فيه برفق أو موعظة الفاسق بما يليق بحاله برفق، فإن أفاد وإلا هجره قاصداً تأديبه مع إعلامه بالسبب»)[88](. (1/24)
صفحة 25
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا أبا هريرة كن ورعاً تكن أعبد الناس وكن قنعاً تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن جوار من تجاورك تكن مسلماً»)[89](، وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»)[90](.
وعن أبي شريح العدوي قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تلكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»)[91](، وعن أبي هريرة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة»)[92](، ورواه جابر بن زيد مرسلاً بلفظ: «يا نساء المؤمنات لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرق»)[93](.
وهذا الحق واجب لكل جار كما تقدم وإنما يتفاوت فيه الجيران بحسب اختلاف أحوالهم التي تترتب عليها حقوق أخرى، قال العلامة الشماخي: «والجار ثلاثة: جار له عليك ثلاثة حقوق، وهو جار بينك وبينه قرابة، حق القرابة، وحق الإسلام، وحق الجوار؛ وجار له عليك حقان، وهو جارك من قوم آخرين له عليك حق الإسلام، وحق الجوار، وجار له عليك حق واحد، وهو جارك من غير دينك، وفي الأثر: أن من كف الإسلام كف الأذى عن الجار وإن كان مجوسياً»)[94](.
وقال الإمام السالمي: «واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والقريب والأجنبي، والأقرب داراً والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فالأعلى من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جراً إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى، فيعطى كل حقه بحسب حاله، وقد تتعارضان فتترجح أو تتساوى، وذبحت لابن عمر شاة فأمر أن يُهدى منها لجاره اليهودي، كما رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وحسنه»)[95](. (1/25)
صفحة 26
والإسلام عندما يؤكد هذا الحق إنما يراعي ما للإنسان في المحافظة عليه من مصلحته الشخصية والاجتماعية، فهو كما تقدم مدني بطبعه، ولذلك لا يستقل بمصلحته عن سائر بني جنسه، وبما أن الجار ألصق بجاره كان أقدر على نفعه وضره، فشرع الإسلام من الحقوق المشترك وجوبها بين الجيران ما يكفل لهم الحياة الآمنة الوادعة بما تؤدي إليه هذه الحقوق إن حوفظ عليها، ومن التواد والتراحم والانسجام.
حق الصاحب بالجنب:
الصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر عند كثير من أهل التفسير)[96](، وله حق الصحبة وإن كانت ساعة من نهار، فعن عبدالله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير الأصحاب عند الله تبارك وتعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره»)[97](، وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - في غيضة طرفاء فقطع فصيلين أحدهما معوج والآخر معتدل، فخرج بهما فأعطى صاحبه المعتدل وأخذ لنفسه المعوج، فقال الرجل: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنت أحق بالمعتدل مني فقال: «كلا يا فلان إن كل صاحب يصحب صاحباً مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار»)[98](.
وهذا الحق لا يختص به صاحب دون صاحب، فالمسلم وغيره فيه سواء، وهكذا المتفاوتون في الأحوال لا تتفاوت أحكامهم فيه، قال الشماخي: «سواء في ذلك عقد الصحبة مع البالغ أو الطفل أو العاقل أو المجنون أو الحر أو العبد أو الموحد أو المشرك، فهؤلاء كلهم إذا عقد معهم الصحبة لزمته حقوقهم»)[99](، وقال أيضاً: «ومن حقوق صاحب على صاحبه كف الأذى عنه والإحسان إليه ما استطاع»)[100](، وقال كذلك: «ومن حقوق الصاحب على صاحبه كف الأذى عنه والإحسان إليه ما استطاع»، وقال كذلك: «ومن حقوق الصاحب على صاحبه أن يبدأ بزاده فيأكلاه قبل زاد صاحبه ثم يأكلا بعد ذلك زاد صاحبه وإذا أراد أن يأكل فليأكل مثل ما يأكل صاحبه أو دونه»)[101](. (1/26)
صفحة 27
وفي مراعاة هذا الحق ما لا يخفى من تقوية الأواصر الإنسانية، والربط بين الناس بصلات المودة والوئام.
حق الرقاب:
المراد بالرقاب الأرقاء، وقد جاء الإسلام الحنيف وظاهرة الرق متفشية في جميع الأوساط البشرية، لا يمنعها وازع ديني، ولا نظام اجتماعي، ولا قانون سياسي، فأخذ الإسلام الحنيف يحد من هذه الظاهرة بردم مواردها ما عدا مورد واحد اقتضت إقراره ضرورة المعاملة بالمثل وهو الأسر في الحروب التي تكون بين المسلمين وأعدائهم الكافرين المعتدين على حقوق المسلمين، على أن يكون هدف المسلمين نشر هداية الإسلام وإشاعة نوره في الأرض، وقد حرم الإسلام جميع وسائل الرق الأخرى، ومع إبقاء هذه الوسيلة دعا إلى معاملة الأسرى معاملة أخرى تخلصهم من ربقة الاسترقاق، وهي المن عليهم بإطلاق سراحهم والمفاداة بهم، وذلك في قوله تعالى: { فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } .)[102]( وبجانب هذا فرض للأرقاء من الحقوق ما جعلهم ينعمون في ظل الإسلام بالحياة الكريمة ورغد العيش واحترام الإنسانية مما لا يمكن أن يتوفر لهم في ظل أي نظام آخر، ففي معرض الحث على الإحسان إلى ذوي العلاقات المختلفة يقول تعالى: { وما ملكت أيمانكم } . (1/27)
صفحة 28
)[103]( وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «وأوصاني حبيبي جبريل - عليه السلام - برفق المملوك حتى ظننت أن ابن آدم لا يستخدم أبداً، وأوصاني بالجار حتى ظننت أن لا يخفى عليه شيء»)[104](، وقال عليه الصلاة والسلام: «للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق»)[105](، وقال أيضاً: «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم»)[106](، وقال: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فليقعده معه فليأكل فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً فليضع في يده أكلة أو أكلتين»)[107](، وقال صلوات الله وسلامه عليه: «إن إخوانكم خولكم جعلكم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم»)[108](.
وبجانب هذه الحقوق الواجبة على مالكي الرقاب خاصة، وهناك حقوق أخرى تجب للرقاب على المجتمع، فقد فرض الله لهم حصة في الزكاة لأجل تخليصهم من ربقة الرق ليتساووا مع الآخرين في كرامة الحرية، قال الله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } إلى قوله: { وفي الرقاب } .)[109]( وجعل إيتاء المال في هذا الباب من غير الزكاة المفروضة من صفات البر التي وصف بها الأبرار في قوله: { وآتى المال على حبه ذوي القربى } إلى قوله: { وفي الرقاب } .([110]) وفرض على المسلم التفكير بعتق الرقاب عن كثير مما يرتكبه، وكثيراً ما يأتي العتق على رأس قائمة الكفارات التي تجب على المسلم بسبب ارتكاب المخالفات الدينية، كل ذلك من أجل القضاء على هذه الظاهرة، ورفع الإنسان إلى مرتبة الحرية كما خلقه الله. (1/28)
صفحة 29
هذا، والناظر في تعاليم الإسلام وأحكامه يرى أنها جميعاً تدور حول محور صون حقوق الإنسان، والحفاظ على كرامته، ويدخل في ذلك تحريم السخرية واللمز والتنابز بالألقاب والغيبة والنميمة وسوء الظن والتجسس على الغير والتعالي بالأنساب والأحساب، قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون، يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم، يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } .)[111]( وليست مشروعية الحدود في الإسلام إلا لصون حرمات الإنسان والحفاظ على كرامته وتوفير الأمن له على دمه وماله وعرضه.
حقوق ولاة الأمر على الرعية والرعية على ولاة الأمر: (1/29)
صفحة 30
فرض الله تعالى لولاة الأمر من المسلمين الطاعة على الرعية في حدود طاعة الله تعالى، وعطف طاعتهم على طاعته وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم يف شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً } .)[112]( وفي هذا الأمر بالرد لما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله ما يدل على ضرورة التزام الكل بمنهج الله وعدم الخروج عن طاعته، ومن خالف ذلك فقد نكث عهده وعصى ربه وأسقط حقه، وكما تجب طاعة أولياء الأمور تجب لهم النصيحة على الرعية، وعونهم على الحق، وشد أزرهم، والأخذ بأيديهم إلى جادة الصواب، كما أن عليهم للرعية أن يعدلوا بينهم ويقسموا بينهم بالسوية ويرعوا مصالحهم، ويحموهم من كل عدو غاشم، ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم»)[113](.
فالنصيحة بين الحاكم والمحكوم أمر تقتضيه مصلحة الحكم واستقامته، وقال - صلى الله عليه وسلم - : «ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة»)[114](، وقال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة»)[115](، وقال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»)[116](.
الشورى بين الراعي والرعية إطار الحفاظ على حقوق الإنسان:
إذا كان مسؤولية الحكم بهذا الخطر والقيام بواجبات هذه المسؤولية متعذر إن لم يتعاون الحاكم والمكومون، فإن من الضرورة بمكان أن يلتقي الحكام والمحكومون عند نقطة الشورى لينطلقوا من قاعدتها نحو رفع دعائم الدولة الإسلامية التي ترعى مصالح الإنسان. (1/30)
صفحة 31
ولا شك أن الإنسان بتشريف الله إياه كائن له خصائصه الفطرية التي تؤهله للقيام بهذه الوظيفة وترتفع به إلى مستوى هذا التكريم، فإن من المستحيل أن تتجاوز أفعال حدود الله حكمته الربانية، أو أن ينسب إليه سبحانه شيء من العبث، فهو العليم بكل شيء، ولذلك يضع كل شيء من خلقه في موضعه المناسب، { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .)[117](
والناس –وإن اشتركوا في الخصائص البشرية العامة- حظوظهم متفاوتة في المواهب الفطرية والكسبية سواء الظاهرة منها والباطنة، وما هذا التفاوت إلا مظهر من مظاهر استخلافهم في الأرض تتجلى فيه حكمة الله - عز وجل - ، فإن تكاليف الاستخلاف لا يقوم بها فرج أو أفراد بل الجنس البشري يحمل أوزار مسؤوليتها كل في حدود هباته الفطرية والكسبية وملكاته الظاهرة والباطنة، وتفاوت الناس في هذه الهبات والملكات يجعل كلاً منهم بحاجة إلى غيره ليستكمل به ما نقص عنده، فلا يستقل أحدهم بشؤونه عن الآخرين، وناهيكم أن علية الناس لا يمكنها أن تستغني عن سوقتهم، بل كلما كان الإنسان أمكن في الاستخلاف والتمكين كان أشد افتقاراً إلى غيره، فالحكام مثلاً هم أحوج ما يكونون إلى جميع طبقات الناس، فهم بحاجة إلى الوزراء والمستشارين، والولاة والقضاة والقادة والجند، والمهندسين والأطباء، والمفكرين والعلماء، والتجار والفلاحين، والطباخين والخدم، وأصحاب جميع الحرف، وأرباب جميع المهن وجميع أصحاب الخبرات على اختلافها، وما هذه الحاجة التي طبع الله عليها العباد ووسم بها جميع الناس إلا مظهر مدنية الإنسان، فلو أن الناس استغنى بعضهم عن بعض لعاد كل منهم يعدو وحده في مضماره غير لاوٍ على غيره ولا ملتفت إلى حاجة من عداه، وبهذا تتفكك الروابط وتتقطع الصلات وينحسر الوئام، وينعدم الانسجام، ولا يبقى للمدنية أثر، ولا للاجتماع ذكر. (1/31)
صفحة 32
وبجانب هذا فإن في هذه الحاجة الملحة من أي أحد إلى بني جنسه تذكير للناس بصفة العبودية التي هم فيها متساوون، وأنه مهما أوتي أحدهم في هذه الحياة من أسباب القوة وعوامل التمكين لا يعدو أن يكون عبداً ضعيفاً بين يدي الله خالق السماوات والأرض الذي لا تستغني عنه ذرة في الوجود، وفي هذا كبح لجماح الإنسان حدٌّ عن غروره، وإلجام له عن الطغيان { كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } .)[118](
وإذا كان الناس متفاوتة مواهبهم متباينة مداركهم بحسب ما يتلبسون به من أحوال ويحيط بهم من ظروف، وبحسب تفاوتهم في تكوينهم الفطري، فإن لكل منهم خبرة في مجاله الخاص لا تكون لغيره من ذوي الخبرات في المجالات الأخرى، والحكم في الإسلام نظام عادل تنخرط فيه جميع أوضاع البشر، وقلعة حصينة تحتمي بها حقوق الإنسان من الضياع، وحرز تصان به كرامته عن التلاشي فهو ليس تسلطاً من الغالب على المغلوب، ولا تعالياً من القوى على الضعيف، وإنما هو تعاون على الحق وتآزر على الخير فهو من ناحية قيام بحق الله رب الأرض والمساء وتنفيذ لأمره الحق، وتطبيق لمنهجه العدل، ومن ناحية أخرى تعاون بين العباد على ما يوصل إلى هذه الغاية الكريمة، ويبلغ إلى هذا الهدف الأسمى، لذلك كان الحكم في الإسلام مبنياً على قاعدتين محكمتين لا تستقل إحداهما عن الأخرى، وهي شريعة الله العادلة وشورى الجماعة المسلمة، أما قيامه على شريعة الله فمن حيث إنه تنفيذ لأمره وتطبيق لحكمه، وأما قيامه على الشورى بين جماعة المسلمين، فمن أجل تعاونهم من خلال ما لهم من خبرات، كل في مجاله، على القيام بهذا الواجب وتحقيق هذه الغاية التي ينعم في وارف ظلها الإنسان بكرامة الدنيا وسلامة الدين، وتلك هي الغاية المثلى في شريعة الله الغراء. (1/32)
صفحة 33
بهذا يظهر أن الشورى مبدأ إنساني أصيل يرتفع بالإنسان إلى مستوى المسؤولية التي يقتضيها استخلافه في الأرض، فإن هذا التشريف –أي شرف الاستخلاف- ليس حكراً على طبقة بعينها أو وقفاً على فئة من الناس، وإنما هو قاسم مشترك بين فئات البشر جميعها على اختلاف طبقاتها وتنوع مواهبها وتباين اتجاهاتها بحسب تخصصاتها العلمية أو اختصاصاتها العملية، سواء كانت مدنية أم عسكرية فإن كلاً يؤدي دوره الذي هيأه له القدر الإلهي في الإطار العام لهذا الاستخلاف.
وإذا كان الإنسان بهذا القدر من العناية الإلهية والتكريم الرباني فإنه حري به أن لا يذهب بكرامته وحقه في تأطير السياسة الشرعية التي تحكمه استبداد فردي في الحكم على أن الاستبداد في الحكم يترتب عليه من الفساد السياسي والاجتماعي ما يكاد يفوق الفساد الذي يترتب على الاستبداد بثروات الأمة المالية، ولئن كان الإسلام عالج هذا الفساد المالي بما وضعه من الضوابط والقيود على اكتساب المال وإنفاقه وما فرضه من التكاليف في المال على ذوي اليسر والجدة، فلا غرو إذا عالج المشكلة الكبرى وهي مشكلة الحكم التي يترتب عليها استقامة أوضاع الناس السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية أو انحرافها بما يقصر استبداد الحاكم بالنظام العادل القائم على شورى الجماعة المسلمة التي توزع المسؤوليات بين الحاكم والرعية، وتجعل صلة الحاكم بالمحكومين صلة إنسانية قبل أن تكون صلة سياسية، وتجعل السياسية تعاوناً بين الحاكم والمحكومين يترتب عليه الإخلاص والانسجام والنصح في السريرة والعلانية، ويسكن العواطف ويهدئ الثورات، فينعم الكل بنعمة الاستقرار والطمأنينة والحرية والعدل.
والشورى ليست دليلاً على نقصان عقل المستشير، بل هي أدلة على وفور عقله، فإنها تنم عن إدراكه لطبيعة البشر وفهمه لضرورات الحياة، وتأهله لتحمل أعباء المسؤولية، وقد أجاد من قال:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن (1/33)
صفحة 34
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
برأي لبيب أو مشورة حازم
فإن الخوافي قوة للقوادم
وأحسن العلامة ابن العربي في قوله: «الشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب»)[119](، وحكي عن بعض العقلاء أنه قال:
«ما أخطأت قط، إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلت الذي يرون فإن أصبت فهم المصيبون وإن إخطأت فهم المخطئون»)[120](، وروي عن آخر «ما غبنت قط حتى يغبن قومي، قيل وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم»)[121](.
ولا تتوقف الشورى على قيام الدولة الإسلامية، بل هي من سمات جماعة المسلمين البارزة ولو لم يكن لها دولة، فقد وصف الله المؤمنين في سورة الشورى المكية بقوله: { وأمرهم شورى بينهم } .)[122]( ولم تقم يومئذ للمسلمين دولة ولا نظام اجتماعي يجمع شتاتهم وينتظم أفرادهم، بل كانوا آنذاك أفراداً متناثرين في المجتمع المكي الجاهلي، تغمرهم الكثرة الكاثرة من أمة الشرك التي تقدس الأوثان وتنبذ التوحيد، قال المفكر الإسلامي الأستاذ الشهيد سيد قطب: «وهنا وفي هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها، ومع أن هذه الآيات مكية نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة { وأمرهم شورى بينهم } مما يوحي أن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاماً سياسياً للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها يقوم عليه أمرها كجماعة ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة بوصفها إفرازاً طبيعياً للجماعة»)[123](. (1/34)
صفحة 35
وقال أيضاً: «والتعبير يجعل أمرهم كله شورى ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة، وهو كما قلنا نص مكي كان قبل قيام الدولة الإسلامية، فهذا الطابع إذاً أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة الإسلامي في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد، والواقع أن الدولة الإسلامية ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية، والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية، ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكراً، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة شؤون الحكم فيه، إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة للقيادة البشرية، وهي من ألزم صفات القيادة»)[124](.
وقد كان الرائد الأول لهذه الأمة في تطبيق هذه السياسة الحكيمة هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع وفور عقله وتوقد بصيرته وصفاء سريرته وتفوقه على جميع الخلق في ذلك، ومع كونه يتلقى الوحي من الله - عز وجل - ، ولم يكن تطبيقه لنظام الشورى أمراً ناشئاً عن اجتهاده في السياسة البشرية وتكيفه مع ما تقتضيه ظروفها المتقلبة، وإنما كان امتثالاً لتوجيه رباني وقياماً بواجب فرضه عليه الله حيث قال له: { وشاورهم في الأمر } .)[125](
روى ابن جرير عن قتادة أنه قال: «أمر الله - عز وجل - نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على أرشده»، وروي عن الضحاك بن محازم أنه قال: «ما أمر الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل، وعن الحسن: «ما شاور قوم قط إلا هُدوا لأرشد أمورهم»)[126](. (1/35)
صفحة 36
قال الإمام أطفيش: «وحكمة المشاورة الاستعانة برأيهم، إذا ظهر له الصلاح في الترك، وظهور نصح من ينصحه، ومعرفة مقادير عقولهم وأفهامهم، وتطبيب نفوسهم وجلبهم، وأنه يشق على سادات العرب أن لا يشاوروا، وأن تقتدي الأمة به في الشورى فيظفروا بالرأي الصالح»)[127](.
ومن المعلوم أن قوله تعالى: { وشاورهم في الأمر } نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - إثر غزوة أحد التي نكب فيها المسلمون بهزة عنيفة صرعت سبعين شهيداً من أبطالهم، نتيجة بعض الأخطاء التي ارتكبوها، من بينها موقفهم المتحمس للخروج عن المدينة إلى ملاقاة العدو الغازي خارجها، وكان رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف ذلك، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - تنازل عن رأيه إلى رأيهم تطبيقاً لنظام الشورى، ومع ما انكشف من خطأ الرأي الذي ذهبوا إليه أمر عليه الصلاة والسلام بأن لا يترك مشاورتهم بل يستمر عليها كما كان من قبل، لتكون في ذلك أسوة حسنة لأمته من بعده، يقول الأستاذ الشهيد سيد قطب: «لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة، فقد كان من جرأتها ظاهرياً وقوع خلل في وحدة الصف المسلم، اختلفت الآراء فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها حتى إذا هاجمهم العدو قاتلوه على أفواه الأزقة، وتحمست مجموعة أخرى فأت الخروج للقاء المشركين، وكان من جراء هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف، إذ عاد عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الجيش والعدو على الأبواب وهو حدث ضخم وخلل مخيف، كذلك بدا أن الخطط التي نفذت لم تكن في ظاهرها أسلم الخطط من الناحية العسكرية، إذ أنها كانت مخالفة للسوابق في الدفاع عن المدينة -كما قال عبدالله بن أبي -وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة الأحزاب التالية فبقوا فعلاً في المدينة وأقاموا الخندق ولم يخرجوا للقاء العدو منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهل النتائج (1/36)
صفحة 37
الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج، فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة التي رآها والتي يعرف مدى صدقها، وقد تأولها قتيلاً من أهل بيته، وقتلى من صحابته، وتأول المدينة درعاً حصينة، وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات، لأن إقرار المبدأ وتعليم الجماعة وتربية الأمة أكبر من الخسائر الوقتية.
ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف، وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة، ولكن الإسلام كان ينشئ أمة ويربيها ويعدها لقيادة البشرية وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة أن تربى بالشورى، وأن تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ –مهما يكن الخطأ جسيماً وذا نتائج مريرة- لتعرف كيف تصحح خطأها وكيف تتحمل تبعات رأيها وتصرفها، فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة المقدرة للتبعة، واختصار الأخطاء والعثرات والخسائر في حياة الأمة ليس فيه شيء من الكسب لها إذا كانت نتيجته أن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية، إنها في هذه الحالة تتقي خسائر تربيتها، وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي لتوفير العثرات والخبطات، أو توفير الحذاء. (1/37)
صفحة 38
جاء الإسلام لينشئ أمة ويربيها ويعدها للقيادة الراشدة فلم يكن بد أن يحقق لهذه الأمة رشدها، ويرفع عنها الوصاية في حركات حياتها العملية والواقعية كي تدرب عليها في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبإشرافه، ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى، ويمنع تدريب الأمة عليها تدريباً عملياً واقعياً في أخطر الشؤون –كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة نهائياً وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب، ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر وله كل هذه الخطورة- لو كان وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي من الله سبحانه وتعالى كافياً لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى، وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ظل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمة، ولكن وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي الإلهي ووقوع تلك الأحداث ووجود تلك الملابسات لم يلغ هذا الحق لأن الله سبحانه يعلم أنه لابد من مزاولته في أخطر الشؤون مهما تكن النتائج ومهما تكن الخسائر، ومهما يكن انقسام الصف، ومهما تكن التضحيات المريرة، مهما تكن الأخطار المحيطة، لأن هذه كلها جزئيات لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة المدربة بالفعل على الحياة المدركة لتبعات الرأي والعمل، الواعية لنتائج الرأي والعمل، ومن هنا جاء هذا الأمر الإلهي في هذا الوقت بالذات { فاعف واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } ليقر المبدأ في مواجهة أخطر الأخطار التي صاحبت استعماله، وليثبت هذا القرار هي حياة الأمة المسلمة أياً كانت الأخطار التي صاحبت التطبيق، وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان هو انقسام الصف كما وقع في أحد والعدو على الأبواب، لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ، ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق»)[128](. (1/38)
صفحة 39
حكم الإسلام في الشورى:
يتضح لكل ذي لب مما تقدم أن الشورى نظام إسلامي فرضه الله تعالى ليس لأحد أن ينقضه { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم من يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } .)[129]( فهي ليست منحة من الحاكم للرعية ولا أمراً شكلياً تقتضيه السياسة تارة وتلغيه تارة أخرى، وإنما هي سمة الأمة المسلمة وواجب مقدس على الحاكم المسلم، أمر الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - لتتأسى به أمته.
قال العلامة ابن عطية: «والشورى من قواعد الإسلام وعزائم الإحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه»)[130](، وحكاه عنه القرطبي وأقره، ولم يتعقبه بشيء)[131](، ونقل نحوه العلامة أطفيش عن ابن عرفة وأقره)[132](. (1/39)
صفحة 40
وبهذا أخذ علماء الإباضية إذ رأوا الالتزام بقاعدة الشورى وكانوا يقدمون أئمتهم على هذا الأساس، قال الإمام محمد بن محبوب: «فالذي أدركنا عليه أسلافنا وأئمتنا في ديننا إذا عقدوا لأئمتهم بايعوهم على طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - واتباع آثار أئمة الهدى ومشاورة أهل العلم في أمر الله»)[133](، وقال العلامة أبو المؤثر الصلت بن خميس: «ومن الدين إقامة الأئمة عن تراض ومشورة، فمن اغتصب الإمامة فهو باغ يحكم عليه بأحكام أهل البغي بعد أن يدعى إلى تسليم ما اغتصب من الإمامة إلى المسلمين وترك التسمي بما لم يسمه الله به ولا المسلمون»)[134](، وقال أيضاً:«فإن أصاب الإمام حداً عُزل وأقيم إمام آخر عن مشورة المسلمين وأقيم الحد على الإمام الأول وبطلت إمامته»)[135](، وقال العلامة أبو الحسن البسيوي «لا يتولى إلا إمام اجتمع على عقدته ناس من علماء المسلمين المجمع على ولايتهم إلا أن يسير بالعدل ويقع التسليم له والتراضي عليه من الجميع والرضا بإمامته وصحت سيرته، ولم يختلفوا فيه ولا فيها»)[136](، وقال العلامة أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي: «ولا يجوز أن يجعل إمام لا يهتدي إلى المشورة ولا يعقلها، ولا تلزم الناس طاعته»)[137](، ومن أجل ذلك لا يختارون لتحمل هذه المسؤولية الثقيلة ومن يتطلع إليها من الناس، وقلما يتحملها أحدهم إلا بإكراه، حتى أنهم ربما حبسوا من رشحوه لها خشية هروبه عنهم إلى أن تتم له البيعة، قال العلامة الكندي: «وقد فعل ذلك المسلمون بحضرموت وقد كانوا يحبسون من يريدون أن يقدموه إماما في دار ويحفظونه خوفاً من أن يهرب عنهم إذا مرض إمامهم القائم وخافوا عليه، وقد فعلوا ذلك بسليمان بن عبد العزيز لما مات والده عبد العزيز رحمه الله وقدموه إماماً فكره أن يبايعوه وشددوا عليه في ذلك، وقام على رأسه رجل من كبارهم وقوادهم»)[138](. (1/40)
صفحة 41
وقد يفضي الأمر إلى تهديد المرشح بالقتل مع رفضه إن خشي بذلك تلاشي أمر المسلمين وذهاب ربحهم، وبهذا أفتى إمام المذهب أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة تلاميذه حملة العلم إلى المغرب عندما رشح لهم أبا الخطاب المعافري للاضطلاع بهذه المهمة)[139](.
ومثل هذا صنع الإمام نور الدين السالمي في تليمذه الإمام سالم بن راشد الخروصي عندما رشح للإمامة من جماعة المسلمين القائمين بهذا الأمر فأصر على رفضها وذلك في عام 1331ه)[140](.
وقد ذكر العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسير المنار أحوال المسلمين وافتقادهم نظام الشورى بعد الخلافة الراشدة في عهود بني أمية وبني العباس ثم قال: «وجرى سائر ملوك المسلمين على ذلك وجاراهم عليه علماء الدين بعدما كان عليه علماء السلف الصالح من الإنكار الشديد على الملوك والأمراء في زمن بني أمية وأوائل زمن العباسيين فظن البعيد من المسلمين وكذا القريب منهم أن السلطة في الإسلام استبدادية شخصية وأن الشورى محمدة اختارية فيالله العجب أيصرح كتاب الله بأن الأمر شورى فيجعل ذلك أمراً ثابتاً مقرراً، ويأمر نبيه المعصوم من اتباع الهوى في سياسته وحكمه بأن يستشير حتى بعد أن كان ما كان من خطأ من غلب رأيهم في الشورى يوم أحد، ويترك المسلمون الشورى لا يطالبون بها وهم المخاطبون في القرآن بالأمور العامة كما تقدم بيانه مراراً كثيرة، وقد بلغ ملوكهم من الظلم والاستبداد مبلغاً صاروا فيه عاراً على الإسلام بل على البش كلهم إلا من تبرأ منهم»)[141](.
مجالات الشورى: (1/41)
صفحة 42
تنحصر الشورى في نظام الإسلام فيما يمكن أن يكون للإنسان فيه رأي لا يتصادم مع النصوص الشرعية، أما ما نص عليه الوحي أو ثبت فيه حكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا مجال فيه للشورى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة في أمرهم } .)[142]( فلا دخل للشورى في التحليل والتحريم لأنهما من اختصاص الله تعالى وحده، ولا تستقى أحكامها إلا من مصادرها التشريعية الصافية { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } .)[143]( ولو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على تحريم ما حلل الله أو إباحة ما حرم لما غير اجتماعهم شيء من حكم الله، إذ لا يعدو أن يكون منكراً من القول وزوراً، وكذلك الحدود الشرعية وسائر الأحكام المنصوص عليها لا مجال لطرحها في مجالس الشورى من أجل تطبيقها أو عدمه لأن الله لم يكلها إلى خلقه، وإنما هي من صميم حكمه الذي لا معقب له، وما خالف حكم الله فهو حكم جاهلي مرفوض في موازين الإسلام { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } .)[144]( (1/42)
صفحة 43
نعم، لا مانع من أن يطرح في مجالس الشورى بحث الوسائل لتطبيق الأحكام وإنفاذ هذه الأوامر من غير مساس بجوهرها، وهكذا يقال في جميع الأوامر الشرعية من صلاة وزكاة، وصيام، وحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وأداء حقوق الجيران واليتامى والمساكين، وغيرهم من ذوي الحقوق، والصدق في القول، والنزاهة في العمل، كل ذلك مما لا يخضع لسلطان الشورى وإنما غاية ما يمكن بحثه في مجالها واتخاذ الوسائل لإيصال الحقوق الشرعية إلى أصحابها، وهذا يباين مباينة سحيقة جميع الأنظمة الديمقراطية المعاصرة التي تبيح كثيراً من محارم الله كالربا والخمر والميسر والبغاء، وتضفي عليها صفة الشرعية من خلال إقرار مجالس الأمة لإباحتها، وتبدل أحكام الله فتلغى حدوده، وتقدم فيها وتؤخر، بحسب ما يتلاءم مع ذوق الأكثرية الكاثرة من أعضاء هذه المجالس. (1/43)
صفحة 44
والتباين المذكور إنما يرجع إلى الاختلاف في مصدر التشريع بين الإسلام وهذه الأنظمة، فبينما ترى الأنظمة الديمقراطية أن الأمة هي مصدر تشريعها، فلنوابها الذين يمثلون في مجالس التشريع أن يقروا ما شاءوا ويبدلوا ما أرادوا، يقف الإسلام وقفة مباينة لهذه النظرة لأن جميع أحكامه إنما تنبني على أن الحاكمية لله وحده { إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه } .)[145]( وأن الأرض التي هي موضع استخلاف الإنسان ما هي إلا جزء من مملكة الله الواسعة، { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } .)[146]( وأن هذا الجزء لا يسعد ولا يستقر ولا ينسجم مع سائر المملكة إلا بإنفاذ حكم الله العليم الخبير الذي له الخلق والأمر، وأن الناس وإن تفاوتت مراتبهم وتباينت طبقاتهم لا يعدون طور العبودية لله سبحانه { وإن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً } .)[147]( وإنما جعلهم الله خلائف في أرضه ليبلوهم فيما آتاهم { وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } . (1/44)
صفحة 45
)[148]( وهذا مما لا خلاف فيه بين علماء الدين، قال الإمام أطفيش رحمه الله: «وقد أجمعوا أنه لا مشاورة في الوحي»)[149](، يعني أن الوحي لا يدع مجالاً للنظر والمشورة بين الناس لأنه تنزيل ممن يعلم السر وأخفى، وعليه فإن مجالات الشورى في الإسلام هي القضايا التي وكلت إلى خبرات البشر المحصلة من تجاربهم، كتطوير الأجهزة العسكرية والأمنية والشؤون الإدارية والإعلامية والثقافية والاقتصادية والسياسية سواء السلمية منها أو الحربية بشرط أن لا تخرج عن ضوابط الشرع الشريف وقواعده الأساسية، كما تتسع دائرة الشورى للأمور الفرعية الجزئية مما لم يأتي عليها نص في الكتاب العزيز، ولا في السنة النبوية الثابتة، وكذلك مستجدات العصر مما لم يرد في حكم شرعي، فإن ذلك كله يعاد إلى ذوي الاختصاص وهم الفقهاء المتضلعون في علوم الشريعة الإسلامية، المدركون لقضايا العصر وتطوراتها. (1/45)
صفحة 46
قال السيد رشيد رضا في تفسيره قوله تعالى { وشاورهم في الأمر } : «الأمر المعرف هنا هو أمر المسلمين المضاف إليهم في القاعدة الأولى التي وضعت للحكومة الإسلامية في سورة الشورى المكية وهي قوله تعالى في بيان ما يجب أن يكون عليه أهل الدين { وأمرهم شورى بينهم } ، فالمراد بالأمر أمر الأمة الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة لا أمر الدين المحض الذي مداره على الوحي دون الرأي، إذ لو كانت المسائل الدينية كالعقائد والعبادات والحلال والحرام، مما يقرر بالمشاورة لكان الدين من وضع البشر، وإنما هو وضع إلهي ليس لأحد فيه رأي، لا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بعده، وقد روي أن الصحابة عليهم الرضوان كانوا لا يعرضون رأيهم مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسائل الدنيا إلا بعد العلم بأنه قال عن رأي لا عن وحي، كما فعلوا يوم بدر إذ جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أدنى ماء من بدر فنزل عنده فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، فقال: يا رسول الله ليس هذا بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فينزله ثم نغور ما وراءه.. إلخ ما قال، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لقد أشرت بالرأي» وعمل برأيه)[150](. (1/46)
صفحة 47
هذا، وإنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستشير أصحابه رضوان الله عليهم في السلم والحرب فيما لم يتلق فيه توجيهاً من الله سبحانه، أما إذا كان موجهاً من الله تعالى إلى أمر فلا يستشير فيه أحداً بل يمضي حسب أمر ربه وإن خالف ذلك رغبة أصحابه جميعاً كما حدث في الحديبية عندما أمضى - عليه السلام - صلحاً كان في نظر الصحابة –بادئ ذي بدء- تنازلاً من المسلمين للكفار واستخفاء للعدو، وكان حماسهم متأجج يكاد يدفع بهم إلى أن يشعلوها على عدوهم اللدود حرباً حامية الوطيس لولا استكانتهم لحكم الله وانقيادهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكن للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام أن يستجيب لرغبات العامة –مهما كانت مكانتهم عنده- ويراعي حماسهم الثائر، وهو في ذلك الأمر على بينة من ربه وبصيرة مما أوحي به إليه، وبالجملة فإن الأمة تستشار في مصالحها ما لم يكن فيها حكم من الله تعالى.
كيفية تطبيق الشورى: (1/47)
صفحة 48
الغاية من مشروعية الشورى إعطاء الإنسانية حقها وتربية الأمة على حرية الرأي، وكرامة النفس، وتحمل المسؤوليات في عواقب الأمور التي تطرح عليها للنظر فيها، وهذا من أجل أن تكون أمة قوية عارفة بما تأتي وما تذر، مقدرة للأمور حق قدرها، متلاحمة بين أفرادها، لا تلين قناتها ولا تتفتت حصاتها، تعرف كيف ترد وتصدر، وتأخذ وتعطي، ولئن كانت هذه في الغاية من مشروعية الشورى فإن المطلوب إقامة نظام يحقق هذا الهدف، ولا عبرة بموازين الشرع باختلاف الوسائل ما دامت تفضي إلى هذه الغاية، وكانت وسائل نظيفة صافية غير ملطخة بفساد ولا مشوبة بكدر، ومن هنا لم يحدد الإسلام صيغة معينة للمشورة بين الحاكم والمحكومين، ولا غرو فإن الإسلام نظام إلهي يشمل جميع الأطوار البشرية ولا يتقيد بفترة زمنية ولا مسافة مكانية بل يسع كل زمان ومكان، وما يحدث في أي زمان وأي مكان من اختلاف الأوضاع وتطور الأحوال التي يمر بها البشر تتباين الظروف التي تتيح فرص اللقاء أو التفاهم بين الحاكم والرعية، فلابد من أن يراعي الفروق التي تتلبس بها البيئات الحضارية حسب اختلاف العصور، فشتان بين ظروف عصر يتوقف فيه تنقل الإنسان من مكان إلى آخر على وسائل بطيئة بدائية من مشي على الأقدام، أو ركوب على ظهور الدواب، أو على ألواح البحر التي تتدافعها الرياح، فتسير بها تارة إلى الأمام وأخرى إلى الخلف، ويتنقل فيها نقل الخبر من مكان إلى آخر على انتقال الإنسان عبر هذه الوسائل، وبينما نشهده اليوم من تقارب المسافات بين أرجاء الأرض حتى إن الإنسان يمكنه أن يدور على الكرة الأرضية ويعود إلى حيث بدأ انطلاقته في ظرف أيام لا تتجاوز أصابع اليد، ويمكنه أن يتصل بأرجاء العالم شرقاً وغرباً فيكلم من شاء أو يستجلب ما شاء من الوثائق عبر التصوير بالآلات المتطورة وهو في غرفة نومه لم يبرحها، بل يمكنه ذلك من غير أن ينتقل عن كرسيه أو سريره، كأنما زويت له الأرض من أطرافها، فصارت (1/48)
صفحة 49
أقطارها المتباعدة بين يديه وأمام ناظريه.
وقد كان مسلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشورى يتلاءم مع الظروف التي تكتنف الدولة الإسلامية يومئذ، وهكذا كان شأن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، ولم ينص عليه أفضل الصلاة والسلام على طريقة معينة يجب التزامها في مشورة الأمة، قال الأستاذ الشهيد سيد قطب: «أما شكل الشورى والوسيلة التي تتحقق بها فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها، وكل شكل، وكل وسيلة تتم بها حقيقة الشورى –لا مظهرها- فهي من الإسلام»)[151](. (1/49)
صفحة 50
وقال أيضاً: «أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس مصبوباً في قالب حديدي، فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية، والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالاً جامدة، وليست نصوصاً حرفية، وإنما هي قبل كل شيء روح ينشأ عن استقرار الإيمان في القلب وتكيف الشعور والسلوك بهذه الحقيقة، والبحث في أشكال الأنظمة الإسلامية دون الاهتمام بحقيقة الإيمان الكامنة وراءها لا يؤدي إلى شيء.. وليس هذا كلاماً عائماً غير مضبوط كما يبدوا لأول وهلة لمن لا يعرف حقيقة الإيمان بالعقيدة الإسلامية، فهذه العقيدة في أصولها الإعتقادية البحتة، وقبل أي التفات إلى الأنظمة فيها، تحوي حقائق نفسية وعقلية فهي في ذاتها شيء له وجود وفاعلية، وأثر في الكائن البشري يهيء لإفراز أشكال معينة من النظم، وأوضاع معينة في الحياة البشرية، ثم تجيء النصوص بعد ذلك مشيرة إلى هذه الأشكال والأوضاع بمجرد تنظيمها لا لخلقها وإنشائها، ولكي يقوم أي شكل من أشكال النظم الإسلامية لابد قبلها من وجود مسلمين، ومن وجود إيمان ذي فاعلية وأثر، وإلا فكل الأشكال التنظيمية لا تفيء بالحاجة، ولا تحقق نظاماً يصح وصفه بأن إسلامي، ومتى وجد المسلمون حقاً، ووجد الإيمان في قلوبهم بحقيقته نشأن النظام الإسلامي نشأة ذاتية، وقامت صورة تناسب هؤلاء المسلمين وبيئتهم وأحوالهم كلها وتحقق المبادئ الإسلامية الكلية خير تحقيق»)[152](.
وإنما وكل النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس في أمر طريقة تطبيق الشورى في اجتهادهم الملائم لظروفهم المكانية ولم يضع لهم في ذلك نظاماً معيناً يتعدونه لأسباب ذكر منها العلامة السيد رشيد رضا ما يلي: (1/50)
صفحة 51
أولاً: «إن هذا الأمر يختلف باختلاف الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان، وكانت تلك المدة القليلة التي عاشها - صلى الله عليه وسلم - بعد فتح مكة مبدأ دخول الناس في دين الله أفواجاً، وكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن هذا الأمر سينمو ويزيد، وأن الله سيفتح لأمته الممالك ويخضع لها الأمم وقد بشرها بذلك، فكل هذا كان مانعاً من وضع قاعدة للشورى تصلح للأمة الإسلامية في عام الفتح، ومن بعده حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي العصر يتلو عصره، إذ تفتح الممالك الواسعة وتدخل الشعوب التي سبقت لها المدنية في الإسلام أو في سلطان الإسلام، إذ لا يمكن أن تكون قواعد الموافقة لذلك الزمن صالحة لكل زمن، والمنطبقة على حال العرب في سذاجتهم، منطبقة على حالهم بعد ذلك وعلى حال غيرهم، فكان الأحكم أن يترك - صلى الله عليه وسلم - وضع قواعد الشورى للأمة، تضع منها في كل حال ما يليق بها بالشورى»)[153](.
ثانياً: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو وضع قواعد للشورى بحسب حاجة ذلك الزمن لاتخذها المسلمون ديناً وحاول العمل بها في كل زمان ومكان»)[154](.
ثالثاً: «أنه لو وضع تلك القواعد من عند نفسه لكان غير عامل للشورى، وذلك محال في حقه، لأنه معصوم من مخالفة أمر الله، ولو وضعها في مشاورة من معه من المسلمين لقرر فيها رأي الأكثرين منهم، كما فعل في الخروج إلى أحد، وقد تقدم أن رأي الأكثرين كان خطأ، ومخالفة لرأيه - صلى الله عليه وسلم - فهل يرضى - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم أمثال ذلك القوم ومن دونهم كأكثر من دخل الإسلام بعد الفتح في وصول الحكومة الإسلامية وقواعدها؟ أليس تركها للأمة تقرر في كل زمان ما يؤهلها له استعدادها هو الأحكم)[155](. (1/51)
صفحة 52
والمتأمل في سيرة الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - نجد أنهم طبقوا نظام الشورى في عهودهم بحسب ما يتلاءم مع ظروف عصرهم وما تقتضيه مصلحة الأمة في وقتهم، ولربما شاور أحدهم في أمر ذي شأن جلل من كان جديد عهد بالإسلام لما له خبر وكياسة كما صنع عمر - رضي الله عنه - عندما استشار الهرمزان حين وفد عليه مسلماً في المغازي)[156](.
وهو يقتضي أن يجتهد الحاكم المسلم في استشارة أولي المشورة النافعة كل في مجال اختصاصه، ولا تنحصر المشورة في الفقهاء وذوي التخصصات العلمية الدينية فحسب، إذ ربما عزب عنهم من أمور السياسة وغيرها ما غيرهم أكثر إلماماً به، وسبراً لأغواره، وإحاطة بأبعاده، ولذلك قال ابن خويز منداد: «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح العباد وعمارتها)[157](.
ومثل هذا يقال باستشارة أرباب الصناعات والحرف والتجار وغيرهم من أصحاب الخبرات المتنوعة.
خاتمة:
من خلال ما تقدم تتبلور قيمة الإنسان في موازين الإسلام وكيف تصان حقوقه وتحفظ كرامته وتراعي مصلحته في نظم هذه الشريعة الإسلامية الغراء، لذلك أقترح بأن يجعل موضوع «حقوق الإنسان في الإسلام» مادة دراسية تدرس في جميع مدارس البلاد الإسلامية على اختلاف المراحل الدراسية ليدرك النشء المسلم هذه المفاهيم التي عزبت عن كثير منهم حتى يرتبطوا بشريعتهم الغراء ودينهم الحنيف، كما أقترح أن تكثف البرامج الإعلامية الأحاديث التي تتناول هذا الجانب المهم، وأن تنشر البحوث المتعلقة بحقوق الإنسان في الإسلام في أوساط غير المسلمين بمختلف اللغات لتكون وسيلة من وسائل التعريف بالإسلام الحنيف.
والله ولي التوفيق.
ثبت المراجع
(1) القرآن الكريم.
(2) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
التفاسير:
( (1/52)
صفحة 53
1) ابن العربي: أبو بكر محمد بن عبدالله، أحكام القرآن، دار الجيل، دار المعرفة، بيروت.
(2) ابن عطية: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الطبعة القطرية، مؤسسة دار العلوم للطباعة والنشر.
(3) ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، دار إحياء الكتب العربية.
(4) أطفيش: محمد بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير للقرآن الكريم، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان 1407ه.
(5) أطفيش، هميان الزاد إلى دار المعاد، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان 1406ه.
(6) الألوسي: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(7) الرازي: أبو عبدالله محمد بن عمر بن حسين الطبرستاني، التفسير الكبير، دار الكتب العلمية، طهران.
(8) رضا: محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم (الشهير بتفسير المنار)، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
(9) الزمخشري: أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
(10) الطباطبائي: السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، جماعة المدرسين بالحوزة العلمية، قم، إيران.
(11) الطبرسي: أبو علي الفضل بن حسين الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(12) الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
(13) القرطبي: أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، جامع الكبير لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(14) قطب: سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة الثامنة، دار الشروق.
(15) الكاشاني: محمد بن محسن بن مرتضى بن محمود (الفيض الكاشاني)، الصافي في تفسير كلام الله الوافي الشافي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت. (1/53)
صفحة 54
كتب الحديث:
(1) سنن ابن ماجه: انظر سنن أبي عبدالله محمد بن يزيد القزويني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(2) سنن أبي داود: انظر سنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، دار إحياء التراث العربي، يبروت.
(3) سنن الدارمي: انظر سنن الدارمي لأبي محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي، دار إحياء السنة النبوية.
(4) سنن النسائي: انظر سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(5) صحيح البخاري: انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
(6) صحيح مسلم: انظر صحيح شرح النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(7) مسند الإمام الربيع بن حبيب: انظر مسند الإمام الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، مكتبة الاستقامة.
(8) موطأ الإمام مالك بن أنس: انظر سير المنتقى شرح موطأ الإمام مالك للإمام الباجي، دار الكتاب العربي، بيروت.
علوم الحديث الشريف والسنة النبوية:
(1) ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن كثير، السيرة النبوية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
(2) السالمي: عبدالله بن حميد السالمي، من شرح الجامع الصحيح، الطبعة الثانية، تقديم عز الدين التنوخي.
(3) الشوكاني: محمد بن علي بن محمد الشوكاني، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، دار الجيل، بيروت.
كتب الفقه:
(1) أطفيش: محمد بن يوسف أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد، جدة.
(2) الشقصي: خميس بن سعيد بن علي الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان.
(3) الشماخي: عامر بن علي الشماخي، كتاب الإيضاح، دار الفتح للطباعة والنشر.
(4) الكندي: أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي، المصنف، وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان.
كتب التاريخ:
( (1/54)
صفحة 55
1) الأصبهاني: أبو الفرج علي بن الحسن، الأغاني، جمال للطباعة والنشر، بيروت.
(2) الدرجيني: أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، طبقات المشائخ بالمغرب، حققه وقام بطبعه إبراهيم طلاي.
(3) السالمي: محمد بن عبدالله بن حميد السالمي، نهضة الأعيان بحرية أهل عمان، مطابع دار الكتاب العربي، مصر.
(4) الشماخي: أحمد بن سعيد بن عبدالواحد الشماخي، كتاب السير، وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان.
(5) مجموعة من العلماء: السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عمان.
تعقيب الدكتور محمد فتحي الدريني(?)
الأسلوب –كما هو معلوم- يعبّر عن شخصية صاحبه، العلمية أو الفنية، وأول ميزة اتسم بها بحث سماحة المفتي، البيان المشرق، فدل ذلك بداهة على صفاء الذهن، وعمق الفكر، ووضوح الرؤية، وامتلاك ناصية اللغة والبيان.
وأيضاً، أن من يعتصر الفرص من صلد الصخر –على حد تعبير سماحته- يلزم عقلاً أن هذا لن يتأتى إلا بالعزيمة والجلد، وصاحب البحث، أي بحث، لا يفتقر إلى أكثر من الشجاعة في عرض أفكاره، واستدلالاته، وإلى العزيمة والجلد على احتمال مصاعب البحث في استخلاصه من مصادره، ومراجعه، وتمثل ذلك في عقليته العلمية، والبحث الذي بين أيدين، قد تحققت فيه هذه المصداقية.
- اقتصر سماحته على بحث «حقوق الإنسان» وهذا «موضوع الساعة»، ولا سيما في «الميدان الدولي»، إذ لا يتم سلم في العلام، إلا على أساس أداء هذه الحقوق لأربابها في كافة أنحاء العالم، دون استثناء، فكان بحث هذه الحقوق في الإسلام «ضرورياً جداً» لشدة الحاجة إليه. (1/55)
صفحة 56
- غير أن سماحته اقتصر على «الحقوق الاجتماعية» وبعض الحقوق السياسية، كحق الشورى، وكنا نتمنى على سماحته أن يتناول «الحقوق الاقتصادية» أيضاً، إذ لا تقل هذه عن الأولى اعتباراً، ولا أثراً، ولا ضرورة، وفي مقدمة «الحقوق الاقتصادية»: «حق الملكية» التي هي مدار الصراع في المذاهب السياسية التي سادت في هذا القرن العشرين!.
- أما قول سماحته إنه اقتصر في بحثه على بعض «أنواع الناس» الذين تجب لهم الحقوق، وأشار إشارة عابرة إلى «ماهيات الحقوق» فنستسمح سماحته، أن نشير إلى أن «مفهوم الحقوق» في الإسلام واحد، وإن اختلف موضوعاتها ومتعلقاتها.
- حسناً فعل سماحته –بدافع من روح الموضوعية- أن أشار إلى أنه سوف لا يقتصر في بحثه على «الفقه الإباضي» -على سعة مدارك هذا المذهب- بل جمع إلى ذلك الاطلاع على اجتهادات المذاهب الأخرى التي تتعلق بموضوع البحث، وأتى بتعبير دقيق في غاية الإيجاز الجامع، إذ يقول سماحته في هذا الصدد ما نصه: «لأنني أعتقد، أن المذاهب الإسلامية، تلتقي جميعاً، في المورد والمصدر» وهذا يشعر بأن مذهباً من المذاهب الإسلامية، لا يعبر عن «حقيقة» الإسلام، بل لابد أن تتعاون المذاهب جميعاً على التعبير عن تلك «الحقيقة» فكان تعبير سماحته عن ذلك، على طراز رفيع من الإيجاز والشمول، فضلاً عن روعة الأداء. (1/56)
صفحة 57
- أشار سماحته –فيما نرى- إلى معنى عام كلي، عظيم الأثر، من حيث إنشاء «نظرية عامة للحق»، إذ قد أكد «منشأ الحق» وهو «الحكم الشرعي» لا ذات الإنسان، ولا العقل المجرد، فاختلف التشريع الإسلامي جذرياً عن «النظريات السياسية» في عرضها للمذهب الفردي بوجه عام، حين جعلت أساس الحقوق ذات الإنسان، أو العقل الإنساني المجرد، ولذا كان «الحق» في هذه النظرية، فردي المفهوم، ومطلق التصرف فيه، مما يباين «مفهوم الحق» في التشريع الإسلامي، كما يباينه من حيث السلطات الممنوحة لصاحبه، إذ جعلها مقيدة، بما يحافظ على حق الغير، من الفرد أو الجماعة، مما لا يتسع المقام لتناوله بالتفصيل.
- وأشار سماحته إلى أن «حقوق الإنسان» وسائل شرعية، ذات غايات مرسومة، وعلى هذا يتعين على صاحب الحق أن يتفيأ الغاية التي رسمها الشارع لها، دون تنكب لها، أو اعتسافها! ولكن سماحته لم يشر إلى ذلك.
- هذا، وسماحته، لم يشر أيضاً إلى أن الشريعة الإسلامية، كما فرضت حقوقاً، قد شرعت إباحاتن ومندوبات، وهذه هي التي يسمى معظمها «الحريات العامة» ولا تخرج الحريات العامة عن حقوق الإنسان بداهة.
- صنف سماحته «حقوق الإنسان» أنواعاً، فذكر أو نوع منها: «الحق العام» المفروض شرعاً.
والواقع، إن «الحق العام» ليس حقاً للإنسان شخصياً، ولكنه «حق لسائر الأمة» لا يتخصص به شخص بعينه، لأن غايته تحقيق «المصلحة العامة» وهو بذلك مقابل «حق الإنسان الفرد» وهذا النوع من «الحقوق العامة» يطلق عليها الفقهاء «حقوق الله» وإنما أضيفت هذه الحقوق إليه تعالى، مع أنه غني عنها، لمكان شمول نفعها، وعظيم أثرها، إذ لا تخص إنساناً معيناً بالذات، بل الأمة كلها، كما نوهنا، وضرب سماحته لذلك مثلاً صحيحاً لهذا النوع، وهو «الجهاد». (1/57)
صفحة 58
- غير أن «الجهاد» وإن كان «حقاً عاماً» قد ينقلب إلى «حق ذاتي» بل فرض ذاتي عيني، في ظروف طارئة، من مثل اجتياح العدو أرضاً من ديار المسلمين، أو كان العدو يهدد بذلك فعلاً، وهذا هو «النفير العام» المفروض مع كل فرد مكلف في الدولة، رجالاً ونساء، على أن هذا «الحق العام» هو في حقيقته واجب عام.
- أحسن سماحته كل الإحسان، إذ جاء بشرح السر في اقتران العدل بالإحسان، في قوله تعالى: { إن الله يأمر بالعد والإحسان } ولكنه حمل الإحسان على المعاني الأخلاقية، ونستميح سماحته عذراً، أن نشير إلى أن ثمة معنى أعمق، وأقوى أثراً من هذا المعنى الأخلاقي الذي قصر سماحته «الإحسان» عليه، ويدل على عمق المعنى، وقوة الأثر، أن الآية الكريمة صاغت التكليف بالإحسان بصيغة «الأمر» ومادته «يأمر» لإفادة تأكيد الفرضية، مما أبرز لنا «الحكمة» العليا من هذا الاقتران الذي صيغ بمادة الأمر، ليشمل المعاني الخلقية، والمعاني الشرعية أيضاً في «المعاملات» على ما فصله الإمام العز بن عبدالسلام في كتابه: «قواعد الأحكام» وذلك لأن «الإحسان» قد يخفف من شدة غلو مقتضى العدل، في حالة طروء ظروف جديدة، تقتضي هذا الإحسان، أي في الظروف الاستثنائية التي يكون تطبيق «العدل» فيها مؤدياً إلى نتائج قد لا يرضى الله تعالى عنها، فوجب النزول عن الحق كلاً أم بعضاً، ليقوم الإحسان ويتم، تحقيقاً للتكافل الإنساني الملزم بين المتعاملين، وهذا لا يتسع المقام لتحريره وتفصيله، وهو ما تكلفت به قاعدة «المستثنيات» عند الأصوليين.
- أشار سماحته إلى «العدل العام» من أنه «حق إنساني»، ولكنه في حقيقته واجب عام أي في واقع الأمر، إن هذا «حق» بمعنى «الواجب» الذي يجب توزيعه وتطبيقه على الناس بالقسطاس المستقيم، لأنه عدل الله بين عباده، لا يختص به فرد بعينه. (1/58)
صفحة 59
- كل عبد لله، من حقه أن ينعم بعدل خالقه، لكن ينبغي أن تكون مجالات العدل عند تطبيقه، غير منافية لبعده الإنساني، في لظروف غير العادية، على ما نوهنا. هذا بالنسبة للدولة القوامة بالعدل المطلق الشامل.
- وأما في ميدان «التعامل» بين الناس، فالإسلام لا يرغب في ميدان «اقتضاء الحقوق» بين الناس –بعضهم قبل بعض- بالعدل الدقيق بالاقتضاء مطلقاً، بل تراه يؤثر جانب التسامح، ولذا ترى الشارع لا يثيب من اقتضى حقه اقتضاء دقيقاً كاملاً غير منقوص، وإنما يثيب من تسامح مع المدين، ونزل له عن بعض حقه، أو كله، حسب وضعه وحالته، وهذا بعد إنساني بلا مراء.
- فالاقتضاء الدقيق لا ثواب عليه، مع أنه «حق» و«عدل» وإنما الثواب على الفضل، والتسامح، والإحسان تقوية لأواصر المودة والتكافل، وهذا هو البعد الإنساني للعدل في التعامل، كما ذكرنا.
- عرج سماحته على «الحقوق الخاصة» فذكر منها: «حق الوالدين» و«حقوق ذوي الأرحام» و«حقوق اليتامى» و«المساكين» و«ابن السبيل» وأتى سماحته بشرح واف لكل نوع من هذه الأنواع الخاصة، بأسلوب شيق، ذي المضمون العلمي.
- ولكن، وددنا لو أشار سماحته إلى انعكاس هذه الحقوق العامة المفروضة التي هي في حقيقتها «حقوق وظيفية» أو واجبات عامة، على الحقوق الخاصة بوجه عام ليحدد لنا مفهوم هذه الحقوق الخاصة، بما يجعل الحق الخاص، خادماً للصالح الذاتي والصالح العام. (1/59)
صفحة 60
- إن انعكاس هذه «الحقوق العامة» على مضمون الحق الفردي، أن الحق الخاص، أضحى ليس حقاً فردياً خالصاً –على ما هو معهود في المذهب الفردي- بل جعل التشريع الإسلامي، للجانب الاجتماعي، عنصراً جوهرياً إلى المفهوم الذاتي للحق الفردي، وهذا ما يعبر عنه بالوظيفة الاجتماعية للحق، فليس الحق الفردي أنانياً خالصاً في مفهومه، والتصرف فيه، على ما هو عليه المذهب الفردي، ولا هو مفرغ من المصلحة الذاتية الفردية بإطلاق حتى يشبه «الحق» في مفهوم مذهب التضامن الاجتماعي، بل هو ذو مفهوم متميز، كما ترى!.
- ومعنى هذا أن الحق الفردي، إذا كان مفهومه قائماً على الصالح الذاتي أصالة، فإن المعنى الاجتماعي جزء جوهري فيه أيضاً، وعلى سبيل الإلزام، بحيث إذا أهمل الإنسان الجانب الاجتماعي في تصرفه في حقه، غدا تصرفه غير مشروع، كما في «الاحتكار» المحرم في الإسلام، محافظة على «المصلحة العامة» فالحق الفردي دائر في فلك المصلحة العامة، لا يضرها، ولا يتناقض مع مقتضياتها، وبذلك حافظ الإسلام في تشريعه، على كلتا المصلحتين، معاً: المصلحة الخاصة، والمصلحة العامة، فكانتا «القيمة المحورية» التي يدور عليها التشريع الإسلامي كله، وأصبح الحق الفردي، ذا وظيفة اجتماعية، وليس هو –في ذاته- وظيفة اجتماعية، وهذا مفهوم دقيق لمفهوم الحق الفردي، لا تجده في أي من المذاهب السياسية.
- حبذا لو أشار سماحة المفتي إلى «الأصل العام» الذي يقيد سائر الحقوق الفردية ومؤداه: «أن حق الغير محافظ عليه شرعاً» لا من العدوان عليه فحسب، بل إبان تصرف الإنسان في حقه. وإلا كان متعسفاً في استعمال حقه، وهذا ما استرعى الفكر القانوني الغربي، في هذا القرن العشرين. (1/60)
صفحة 61
- تطرق سماحة المفتي، إلى «حقوق أولياء الأمور» وهذه الحقوق –في واقع الأمر- «حقوق وظيفية» ليست المصلحة فيه راجعة إلى أولياء الأمور، بل إلى الأمة، فكانت لذلك واجبات عامة تؤدي إلى الأمة، حتى إذا توخى، ولي الأمر صالحه الذاتي فيها، كان متعسفاً في استعمال السلطة.
- تناول سماحته «الشورى» وهي «حق سياسي وتشريعي، وتنفيذي»، ولا يتسع المقام لبسط ذلك كله.
وختاماً: إن بحث «حقوق الإنسان» الذي تناوله سماحة مفتي عُمان، تناولاً احتكمت فيه أزمة الفرص، غني بالأفكار الفقهية، والإطلاعات الواسعة، مما يدل على تمكنه فقهياً.
وميزة أخرى اتسم بها هذا البحث، هذا الأسلوب البارع الرصين الشيق الذي ينبئ عن أمرين:
1- تضلعه في اللغة والبيان.
2- الروح الأدبية التي يتمتع بها سماحته، فكان لذلك أديب الفقهاء، أو فقيه الأدباء.
ونكتفي بهذا القدر والله ولي التوفيق.
ملخص المناقشات
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:
قبل أن أبدأ بالمهمة التي عهدت إليّ أستأذنكم في أن أقول كلمة: تحت مظلة هذا المجمع، وتحت رعاية عميد الأسرة الهاشمية، صاحب الجلالة الملك الحسين بن طلال، وبالإشراف العلمي من صاحب السمو الملكي الأمير الحسن عقد هذا اللقاء الأخير. وأود في الحقيقة أن أشكر هذه المبادرة الفريدة من نوعها، التي انبثقت من إرادة سامية صافية تمثلت في أشواق وآمال جلالة الملك، متفاعلة مع أشواق وآمال سمو الأمير الحسن.
أشكر هذه المبادرة وأن أعلم أن هناك مبادرات سابقة، تمثلت في مشاعر إنسانية، ولكن أستطيع أن أقول إن هذه المبادرات إن لم تكن قد فشلت، تكون قد وقفت أمام سد. أما هذه المبادرة فقد التأمت برحم المشاعر الإنسانية، رحم العلم، مصداقاً لقوله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة } ، فالإيمان ينبثق من العلم، والعلم هو حصن الإيمان.
حجة الإسلام محمد مهدي واعظ: (1/61)
صفحة 62
إن هناك فرقاً بين الحقوق الأخلاقية والحقوق التكليفية فهل يعاقب من ترك الضيافة؟ الضيافة داخلة في الإحسان، إن ترك العدل يوجب العقوبة، أما الإحسان فلا يعاقب عليه المرء إن تركه، لأنه أخلاقي.
الدكتور عبد العزيز الخياط:
لقد لمست من كلام الباحث عن موضوع الشورى، أنها كانت سبباً في هزيمة المسلمين في غزوة أحد، وأنا أخالفه في هذا الرأي، فلم يكن أتباع النبي للشورى سبباً للهزيمة، فبالشورى امتاز المؤمنون عن المنافقين، وأتسائل هل الإمام ملزم بالأخذ بالرأي المشار عليه به؟
الدكتور محمد علي آذار شب:
إن الظاهرة البارزة في هذا البحث هي أن المذهب الإباضي لا يختلف عن المذاهب الأخرى، وهذا أبسطنا، وأزال ما كان قد رسخ في أذهاننا قديماً عن المذهب، ولكن لي ملاحظتان هما:
الأولى: إن العرض الواسع للحقوق في الإسلام مفيد، ولكن نرجو أن يكون أكثر تخصيصاً في مجالات الحقوق، لأن ذلك سوف يكون أكثر فائدة.
الثانية: إن موضوع المستضعفين الكادحين من أبناء هذه الأمة –كما أشار إلى ذلك صاحب السمو الملكي -يجب أن يأخذ بعين الاعتبار في الندوة القادمة، لأن مشكلتنا اليوم تتمثل في كيفية إثبات حق الحياة لنا كأمة وحق تقرير المصير، فهل الحقوق تسلب اليوم باسم النظام العالمي الجديد.
الدكتور عبد السلام العبادي:
أثني على ملاحظة الأستاذ الدكتور محمد علي آذار شب الثانية، لأن هذا الموضوع سيبرز إمكانيات الأمة الإسلامية.
الدكتور عبدالعزيز الدوري:
الملاحظة الأولى: أفترض مبدئياً أننا أمة واحدة، فبعض هذه الحقوق تخص الأمة كلها، وليس دولة بذاتها.
الملاحظة الثانية: أنا أرحب بفكرة تعدد الاجتهادات، وأنا أفترض أن اجتماعنا هنا هو من باب تعدد الاجتهادات.
الملاحظة الثالثة: إن التاريخ فيه صفحات تُساعد على الفرقة، ونحن الذين نُضفي على التاريخ ما عندنا من فرقة ونحملها له. (1/62)
صفحة 63
الملاحظة الرابعة: أرجو أن يحظى موضوع الشورى باهتمام أكثر في المستقبل، كما أرى أنَّ هناك تداخلاً بين المشورة وبين أخذ ولاة الأمر بها، كما أن قضية من الذين يُستشارون هامة جداً.
رد الشيخ أحمد بن حمد الخليلي على الملاحظات التي أثيرت حول بحثه:
لا يسعني إلا أن أشكر الأساتذة الأعزاء على هذا التوجيه، فأنا أعده توجيهاً ممن عنده المعرفة.
أشكر الأستاذ الدكتور محمد فتحي الدريني على توجيهه، ولا أملك أن أقول كلمة أمام ثنائه على الباحث والبحث، وأنا أعرف نفسي، ولكن عين الرضا من أستاذنا، أعتذر إليه، وكما قلت بضاعتي مزجاة ونفسي قصير وكان انشغالي عظيماً أثناء إعداد البحث.
لقد أشار الأستاذ الدريني إلى إغفالي لجانب من الحقوق التي فرضت للإنسان وأهمها حق الملكية، أنا أعرف ذلك ولكنني وجدت هذا الموضوع متشعباً وهو يحتاج إلى دراسة واسعة، كذلك فقد نبهني إلى أن الحق هو للشريعة حيث جعل الله هذه الحقوق لتؤدى إلى عباده.
وأشكر الشيخ محمد مهدي واعظ على تنبيهه، وأنا ذكرت في البحث أن وجوب الضيافة هو قول بعض الأئمة استناداً لأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
كما أشكر الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الخياط على تنبيهه، ولا ريب أن المسلمين أصيبوا بما أصيبوا به في غزوة أحد نتيجة لمخالفتهم لتوجيهات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فالرسول لم يكن يريد الخروج، ولكنه خرج تطبيقاً لمبدأ الشورى.
وأثني على اقتراح الدكتور محمد علي آذار شب وأرجو أن يعلن المجمع ذلك.
أما موضوع الشورى فقد كان بحثاً موجزاً وقد أصدر المجمع الملكي مشروعاً عن الشورى في الإسلام في ثلاثة مجلدات.
الدكتور ناصر الدين الأسد:
الموضوعات التي فكرتم فيها مقدمة إليكم، وأنتم الذين تختارون صورة الندوة القادمة، وأنتم أصحاب الشأن في اختيار الموضوع، وسنخصص الساعة الأخيرة من مساء يوم غد للتدارس في هذا الأمر.
صاحب السمو الملكي الأمير الحسن: (1/63)
صفحة 64
أود في التعليق البسيط على مداخلة الدكتور ناصر الأخيرة أن أعود بكم إلى لقاء مجمع الفقه الإسلامي الذي استضافه المجمع الملكي في عمان، حيث تناولنا موضوع توظيف أموال الزكاة، كان الأمل آنذاك أن تقام مؤسسة زكاة إسلامية، فنحن عاجزون عن إيصال زكاة المسلمين إلى المستضعفين، والكادحين من مسلمي العالم.
أما حول البحث فأريد توظيف تعليق ورد على لسان أحد المعلقين في موضوع الأخلاق والتكليف؛ إن الدول الإسلامية تشكل أغلبية في الأمم المتحدة ولكن كيف لها أن تطرح قضية حقوق الإنسان طرحاً إسلامياً، إن الطرح الموجود حالياً لحقوق الإنسان طرح علماني، وإذا كان ثمة طرح أخلاقي فإنه لا يستند إلا إلى الطرح اليهودي أو المسيحي، يجب أن تتناول الجانب القيمي لهذا الموضوع من خلال الطرح الإسلامي لنسهم في تطوير هذا النظام الذي يغفل الدور الحضاري للإسلام، يجب أن يتناول الموضوع من الجانب الروحي والجانب التطبيقي.
)[1]( البقرة: 3.
)[2]( الأنعام: 165.
)[3]( البقرة: 29.
)[4]( الإسراء: 7.
)[5]( الجاثية: 13.
)[6]( أخرجه مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح وتحديد الشفرة من حديث شداد بن أوس من طرق مختلفة، وأبو داود في سننه في كتاب الأضاحي، باب في النهي أن تصير البهائم والرفق بالذبيحة، من حديث ابن شداد بن أوس ورقمه (2185). والنسائي في سننه عن الصحابي نفسه في كتاب الضحايا، باب الأمر بإحداد الشفرة وعن طريق شداد بن أوس أيضاً أخرجه ابن ماجة في سننه في كتاب الذبائح، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ورقمه (3170)، وأخرجه الدارمي في سننه في كتاب الأضاحي، باب في حسن الذبيحة عن طريق شداد بن أوس أيضاً.
)[7]( رواه أحمد بن ماجة، الشوكاني، نيل الأوطار: 8/74، طبعة دار الجيل – بيروت.
)[8]( رواه أحمد، أنظر المصدر نفسه: 8/72.
)[9]( رواه أبو داود، أنظر المصدر نفسه: 8/72.
)[10]( رواه مالك في الموطأ، أنظر المصدر نفسه: 8/74. (1/64)
صفحة 65
)[11]( الإنسان: 8.
)[12]( ابن كثير، السيرة النبوية: 2/475 (طبعة دار الباز للنشر والتوزيع).
)[13]( محمد: 4.
)[14]( الأصفهاني، الأغاني: 23/226 (مؤسسة جمال للطباعة والنشر بيروت).
)[15]( المصدر نفسه: 23/233.
)[16]( الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب: 1/26 (تحقيق وطبع إبراهيم طلاي)، والشماخي، كتاب السير: 1/114 (طبع مطابع النهضة – مسقط بواسطة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان).
)[17]( النساء: 58.
)[18]( النساء: 135.
)[19]( المائدة: 8.
)[20]( النساء: 105-113.
)[21]( أنظر تفسير الآيات وما ذكر من قصة أبيرق واليهودي في كل من:
- الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن: 5/169-177، (طبعة دار الباز للنشر والتوزيع).
- الرازي، التفسير الكبير: 11/32-40 (طبعة دار الكتب العلمية – طهران).
- أطفيش، هميان الزاد: 5/150-162 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة 1406هم).
- أطفيش، تيسير التفسير: 2/403-410 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان).
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 5/375-382 (طبعة دار إحياء التراث العربي).
- الزمخشري، الكشاف: 1/561-563 (طبعة دار الباز للنشر والتوزيع).
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 1/550-554 (طبعة دار إحياء الكتب العربية).
- محمد رشيد رضا، المنار: 5/394-402 (طبعة دار المعرفة للطباعة).
- الآلوسي، روح المعاني: 5/138-144 (طبعة دار إحياء التراث العربي).
- الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: المجلد الثاني: 3/105 (طبعة دار إحياء التراث العربي).
- الطباطبائي، الميزان: 5/89-92 (طبعة جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم، إيران).
- الكاشاني، تفسير الصافي: 1/496-497 (طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت).
)[22]( كلمة هاجر لم ترد في الأصل المنقول عنه (المحرر).
)[23]( في الأصل المنقول عنه: وتوادهم.
)[24]( في الأصل المنقول عنه: ويرد. (1/65)
صفحة 66
)[25]( الإمام أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل: 5/171-188 (الطبعة الثانية، نشر دار الفتح – بيروت).
)[26]( الإسراء: 23-24.
)[27]( الأحقاف: 15.
)[28]( لقمان: 14.
)[29]( لقمان: 15.
)[30]( رواه البخاري في كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحس الصحبة، عن أبي هريرة، ورقمه (5971)، ورواه مسلم من عدة طرق في كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، ورواه ابن ماجة، في كتاب الأدب ورقمه (3658).
)[31]( التحريم: 6.
)[32]( رواه أبو داود بمعناه من طريقين، في كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة برقم (494-495).
)[33]( البقرة: 228.
)[34]( النساء: 19-21.
)[35]( رواه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه ابن ماجة في كتاب المناسك، باب حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم (1851)، ورواه الدارمي في كتاب المناسك، باب في سنة الحاج، ورواه أبو داود في كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1905).
)[36]( رواه أبو داود في كتاب النكاح، باب في حق المرأة على زوجها، برقم (2142)، وبمعناه برقم (2143) وبرقم (2144)، ورواه بمعناه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج برقم (1850).
)[37]( رواه البخاري بمعناه في كتاب النكاح، باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها برقم (5193) وبمعناه أيضاً في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين برقم (3237)، ورواه مسلم بمعناه في كتاب النكاح، باب في تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها، ورواه أبو داود بمعناه أيضاً في كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة برقم (2141).
)[38]( رواه البخاري بمعناه في كتاب النكاح، باب إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها برقم (5194).
ورواه مسلم بمعناه أيضاً في كتاب النكاح، باب تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها.
)[39]( النساء: 1.
)[40]( محمد: 22. (1/66)
صفحة 67
)[41]( رواه البخاري عن أبي هريرة، في كتاب الأدب والصلة، باب من وصل وصله الله، برقم (5987)، وفي كتاب التفسير، باب «وتقطعوا أرحامكم» بمعناه برقم (4830-4831-4832)، وفي كتاب التوحيد، باب «يريدون أن يبدلوا كلام الله» برقم (7502)، ورواه مسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب الرحم وتحريم قطيعتها.
)[42]( رواه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، في كتاب الأدب والصلة، باب من وصل وصله الله، ورقمه (5988)، وعن عائشة رضي الله عنها في الكتاب نفسه، والباب برقم (5989).
)[43]( رواه البخاري عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - في كتاب الأدب والصلة، باب ليس الواصل بالمكافئ برقم (5991).
)[44]( رواه مسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب صلة الرحم وتحريم القطيعة.
)[45]( أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل: 5/46 (الطبعة الثانية، دار الفتح بيروت).
)[46]( الشماخي، الإيضاح: 2/501 (طبعة دار الفتح)، وانظر كذلك الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين: 2/521 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان).
)[47]( الضحى: 9.
)[48]( النساء: 36.
)[49]( النساء: 2.
)[50]( النساء: 6.
)[51]( النساء: 10.
)[52]( البقرة: 177.
)[53]( النساء: 9.
)[54]( رواه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب حق اليتيم، برقم (3678).
)[55]( رواه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب حق اليتيم، برقم (3679).
)[56]( رواه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب حق اليتيم، برقم (3680).
)[57]( رواه الربيع عن أبي عبيدة عن ضمام بن السائب عن جابر بن زيد - رضي الله عنه - ، برقم (688).
)[58]( البقرة: 22.
)[59]( الشماخي، الإيضاح: 2/503-504 (طبعة دار الفتح).
)[60]( النساء: 127.
)[61]( أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل: 5/65-66 (طبعة دار الفتح).
)[62]( البقرة: 177.
)[63]( الفجر: 17-18.
)[64]( المدثر: 42.
)[65]( المدثر: 43-44.
)[66]( البقرة: 264.
)[67]( البقرة: 262. (1/67)
صفحة 68
)[68]( الشماخي، الإيضاح: 2/519 (طبعة دار الفتح).
)[69]( التوبة: 6.
)[70]( البقرة: 177.
)[71]( النساء: 36.
)[72]( الشماخي، الإيضاح: 2/545 (طبعة دار الفتح).
)[73]( أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل: 5/192-193 (طبعة دار الفتح).
)[74]( نفسه: 5/193.
)[75]( أطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل: 5/193 (طبعة دار الفتح)، وانظر أيضاً العلامة الشقصي، منهج الطالبين: 2/519، ط وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان.
)[76]( رواه الإمام الربيع بن حبيب، وهو من مراسيل الإمام جابر بن زيد - رضي الله عنه - في كتاب الأيمان والنذور، باب في الضيافة والجوار وما ملكت اليمين، واليتيم برقم (681)، ورواه أبو داود في كتاب الأطعمة باب ما جاء في الضيافة عن أبي شريح الكعبي، برقم (3848)، ووردت أحاديث كثيرة في معناه عن البخاري ومسلم وابن ماجة وأبي داود وغيرهم.
)[77]( شرح الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب: 3/477.
)[78]( نفسه: 3/477-478.
)[79]( الشماخي، الإيضاح، 2/546 (طبعة دار الفتح).
)[80]( أطفيش، شرح كتاب النيل: 5/203-204.
)[81]( نفسه: 5/206، كذلك الشماخي، الإيضاح: 2/548-549.
)[82]( الشماخي، الإيضاح: 2/549-550 (طبعة دار الفتح).
)[83]( نفسه.
)[84]( النساء: 36.
)[85]( رواه الإمام الربيع بن حبيب من مراسيل الإمام جابر بن زيد في كتاب الأيمان والنذور، باب في الضيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم برقم (683).
)[86]( رواه البخاري في كتاب الأدب، باب «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» برقم (6018)، وفي كتاب الرقاق باب حفظ اللسان «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» برقم (6475)، ورواه بمعناه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب حق الجار برقم (3672)، ورواه الدارمي بمعناه في كتاب الأطعمة باب في الضيافة. (1/68)
صفحة 69
)[87]( رواه البخاري في كتاب الأدب، باب من لا يأمن جاره بوائقه برقم (6016) من حديث أبي شريح.
)[88]( شرح الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع بن حبيب: 3/481.
)[89]( رواه ابن ماجة في كتاب الزهد، باب الورع والتقوى، برقم (4217).
)[90]( رواه البخاري في كتاب الأدب باب الوصاة بالجار، برقم (6014)، ورواه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب حق الجار، برقم (3673)، وجاء عن طريق ابن عمر عند البخاري في الكتاب نفسه والباب برقم (6015)، ورواه ابن ماجة أيضاً في كتاب الأدب، باب حق الجار، عن طريق ابن عمر رضي الله عنهما، برقم (3674).
)[91]( رواه البخاري في كتاب الأدب، باب «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» برقم (601)، ورواه مسلم في كتاب اللقطة، باب الضيافة، وورد عند البخاري أيضاً في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت برقم (6476).
)[92]( رواه البخاري في كتاب الأدب، باب لا تحقرن جارة لجارتها، برقم (6017)، ورواه مسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل.
)[93]( رواه الإمام الربيع بن حبيب من مراسيل الإمام جابر بن زيد - رضي الله عنه - في كتاب الأيمان والنذور، باب في الضيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم برقم (682).
)[94]( الشماخي، الإيضاح: 2/225 (طبعة دار الفتح).
)[95]( شرح الجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع: 3/484 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان).
)[96]( أنظر:
- الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن: 5/25 (طبعة دار الباز للنشر والتوزيع).
- أطفيش، هميان الزاد: 4/541 (طبعة وزارة التراث القومي الثقافة – سلطنة عُمان).
- أطفيش، تيسير التفسير: 2/321.
- ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 1/495 (طبعة دار إحياء الكتب العربية).
- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 177 (طبعة دار إحياء التراث العربي). (1/69)
صفحة 70
- محمد رشيد رضا، تفسير المنار: 5/93 (طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر).
)[97]( رواه الطبري في تفسر الآية 36 من سورة النساء، جامع البيان: 4/84 (طبعة دار الفكر).
)[98]( رواه الطبري أيضاً وقال حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: حدثنا ابن أبي فديك عن فلان بن عبدالله: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معه رجل من أصحابه فذكر، جامع البيان: 4/82.
)[99]( الشماخي، الإيضاح: 2/538 (طبعة دار الفتح).
)[100]( المرجع السابق: 2/538.
)[101]( المرجع السابق: 2/538-539.
)[102]( محمد: 4.
)[103]( النساء: 36.
)[104]( رواه الربيع من طريق ابن عباس في كتاب الأيمان والنذور، باب في الضيافة والجوار وما ملكت اليمين واليتيم برقم (684).
)[105]( رواه مسلم في كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك من حديث أبي هريرة.
)[106]( رواه مسلم من حديث عبدالله بن عمرو في كتاب الزكاة باب فضل النفقة على العيال والملوك.
)[107]( رواه مسلم من حديث أبي هريرة في كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك.
)[108]( رواه البخاري من حديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - في كتاب العتق، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «العبيد إخوانكم فأطعموهم مما تأكلون»، برقم (2545)، ورواه بمعناه في كتاب الأيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية برقم (30)، ورواه مسلم بمعناه في كتاب الأيمان، باب صحبة المماليك.
)[109]( التوبة: 60.
([110]) البقرة: 177.
)[111]( الحجرات: 11-13.
)[112]( النساء: 59. (1/70)
صفحة 71
)[113]( ورد من طرق عديدة سواء بنفس اللفظ، أو بألفاظ متقاربة، فقد رواه مسلم في كتاب الأيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، عن تميم الداري، ورواه النسائي في كتاب البيعة، باب النصيحة للإمام في حديث تميم الداري ومن حديث أبي هريرة أيضاً من عدة طرق، ورواه الدارمي من حديث ابن عمر في كتاب الرقائق، باب الدين النصيحة، ورواه أبو داود من طريق تميم الداري في كتاب الأدب، باب في النصيحة، وأورده البخاري في كتاب الأيمان، ترجمة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الدين النصيحة لله..».
)[114]( رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح، من حديث معقل بن يسار، برقم (7151).
)[115]( رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح، من نفس الصحابي، برقم (7150)، وهذان الحديثان رويا بألفاظ متقاربة عند مسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الأمر العادل وفي كتاب الأيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، والدارمي في كتاب الرقائق، في العدل بين الرعية.
)[116]( رواه البخاري في كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، برقم (893)، وفي كتاب الاستقراض باب العبد راع في مال سيده، برقم (2409)، وفي كتاب العتق، باب العبد راع في مال سيده، برقم (2558)، وفي كتاب الوصايا، باب تأويل قوله تعالى { من بعد وصية يوصى به أو دين } برقم (2751)، وفي كتاب النكاح، باب { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } برقم (5188)، وباب المرأة راعية في بيت زوجها برقم (5200)، وفي كتاب الأحكام باب قوله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } برقم (7138)، ورواه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضيلة الأمير العادل، ورواه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما يلزم من حق الرعية برقم (2928)، وكلها من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
)[117]( الملك: 14.
)[118]( العلق: 6-7. (1/71)
صفحة 72
)[119]( ابن العربي، أحكام القرآن: 4/1668 (طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر).
)[120]( القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 16/37 (طبعة دار إحياء التراث العربي).
)[121]( نفسه: 4/249-250.
)[122]( الشورى: 38.
)[123]( سيد قطب، في ظلال القرآن: 5/316 (طبعة دار الشروق).
)[124]( سيد قطب، في ظلال القرآن: 5/3165.
)[125]( آل عمران: 159.
)[126]( الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن: 4/100 (طبعة دار الباز للنشر والتوزيع).
)[127]( أطفيش، تيسير التفسير: 2/203 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان).
)[128]( سيد قطب، في ظلال القرآن: 1/501-502 (طبعة دار الشروق).
)[129]( الأحزاب: 36.
)[130]( ابن عطية، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: 3/397 (الطبعة القطرية، طبعة مؤسسة دار العلوم للطباعة والنشر).
)[131]( القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 4/249 (دار إحياء التراث العربي).
)[132]( هميان الزاد إلى دار المعاد: 4/326 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان).
)[133]( السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان: 2/254 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان).
)[134]( نفسه: 298.
)[135]( السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان: 2/299.
)[136]( نفسه: 218-219.
)[137]( المصنف: 1/71 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان).
)[138]( نفسه: 1/27.
)[139]( الدرجيني، طبقات المشايخ في المغرب: 1/21 (حققه وقام بطبعه إبراهيم طلاي) وانظر الشماخي، كتاب السير: 1/115 (طبعة مطابع دار الكتاب العربي بمصر).
)[140]( انظر أبو بشير السالمي نهضة الأعيان بحرية أهل عمان: 138 (طبعة دار الكتاب العربي بمصر).
)[141]( محمد رشيد رضا، تفسير المنار: 4/204-205 (طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر).
)[142]( الأحزاب: 36.
)[143]( النحل: 116.
)[144]( المائدة: 5.
)[145]( يوسف: 4.
)[146]( البقرة: 107.
)[147]( مريم: 93.
)[148]( الأنعام: 165. (1/72)
صفحة 73
)[149]( أطفيش، هميان الزاد إلى دار المعاد: 3/326 (طبعة وزارة التراث القومي والثقافة – سلطنة عُمان).
)[150]( محمد رشيد رضا، تفسير المنار: 4/200 (طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر).
)[151]( سيد قطب، في ظلال القرآن: 1/105 (طبعة دار الشروق).
)[152]( سيد قطب، في ظلال القرآن: 5/3165-3166 (طبعة دار الشروق).
)[153]( محمد رشيد رضا، تفسير المنار: 4/201 (طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر).
)[154]( نفسه باختصار.
)[155]( نفسه: 202.
)[156]( ابن العربي، أحكام القرآن: 4/1668 (طبعة دار المعرفة للطباعة والنشر).
)[157]( القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 4/250 (طبعة دار إحياء التراث العربي، نقلاً عن ابن خويز منداد في أحكام القرآن).
(?) كلية الشريعة – الجامعة الأردنية/ عمان – الأردن. (1/73)