صفحة 1
الكتاب: الحوار بين الحضارات لبوحجام
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] j
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله
الحوار بين الحضارات
الكاتب: د. محمّد بن قاسم ناصر بوحجام, بتاريخ: 13-08-2007 09:58
مشاهدة : 93
تصنيف : , مقالات فكرية
يعيش العالم اليوم متغيّرات كثيرة ، أنتجت تحدّيات عديدة : اقتصاديّة اجتماعيّة وسياسيّة ، وأخطرها التّحدّيات الفكريّة والثّقافيّة ، التي أفرزت مجموعتين من النّاس : مجموعة تحاول بسط هيمنتها وقوّتها على كلّ ما يدبّ على البسيطة ، عن طريق فرض فكرها وثقافتها على العالم ؛ انطلاقا من شعار عالمية الثّقافة أو كونيتها ووحدة الثّقافة . فسنّت لذلك قوانين ، وابتكرت أنظمة ، واخترعت نظريّات ، تعلي من شأنها وتحطّ من قيمة ما يمتلكه غيرها ، وأجرت بحوثا ، وأخرجت دراسات ن تقنع بها أن لا فائدة لهامن التّحليق في غير سربها ، أو السّير في غير طريقها ، وتبنّي غير فكرها وآرائها ...
ومجموعة ثانيّة نظر إلى المجموعة الأولى بعين الإكبار والإعجاب ، أو نظرة الرّهبة والخوف . فكانت تستجيب لأوامرها ، وتخضع لتوجيهاتها ، وتحرص على تحقيق مصالحها ، وتنفيذ مخطّطاتها ، أو على الأقلّ عدم الوقوف في طريق مطامعها .
رأت المجموعة الأولى أنّ فرض الفكر بالقوّة ، وبسط الهيمنة بالقهر ، قد يعرّض خططها للنّسف ، ويهدّد مصالحها بالتّعطيل ، وقد يؤلّب عليها الشّعوب ، فابتكرت وسيلة ماكرة مخدّرة تنطوي على دسّ السّمّ في الدّسم ، وهي فكرة " الحوار بين الحضارات ، لتمرّر من خلاله مشروعاتها ، وتصل إلى اهدافها ، وهي الاستيلاء على مقدّرات الشّعوب ، وفرض سيطرتها المطلقة على كلّ ما يدبّ على المعمورة . (1/1)
صفحة 2
فبعد زوال نظام ثنائي القطبيّة وبروز العولمة ، تجدّد الحديث عن الحوار بين الحضارات ، إمّا ليكون تكريسا النّظرة والطّموح للهيمنة والسّيطرة الأحادية على العالم بعد أفول نجم القطب المنافس ، أو لتحدّي العولمة نفسها ، وبالشّكل الذي يعزّز فرص التذعاون بين الثّقافات المختلفة ، ويبعد شبح الصّراع بين الحضارات .
وقد تعالت أصوات من هنا وهناك نادي بالحوار ، وتردّز على التّعاون بين الشّعوب ن وتحثّ على التّواصل الثّقافي . كلّ ذلك سعيا لإزالة مظاهر التّوتّر والصّدام ، وإتاحة فرص التّقارب والتّآلف والتّجاور، ومدّ لجسور واحترام الهويّات الثّقافيّة الخاصّة ، وتقدير الحضارات المتنوّعة . ومن جهة أخرى هناك من سعى إلى تأكيد هذا النّهج لتحقيق مكاسب خاصّة ، وبلوغ اهداف خبثة ، تخدم مصالحه ، وتغتصب حقوق الآخرين .
وقد عقدت من أجل ذلك مؤتمرات ، وكتبت دراسات ، وأطلقت تصريحات ، وأقيمت ندوات ، وكرّست جهود ... اصطبغت بصبغة الأهداف التي كان يرمي إلى تحقيقها كلّ من قام بأحد هذه الأعمال .
نحن في هذا المجهود المتواضع نحاول الإدلاء بما نوفّق إليه في الموضوع . نشير إلى أنّنا لانقدّم دراسة شاملة او معمّقة في هذه المسألة التي أسالت الحبر ، وأذابب الأمخاخ ، واستنفذت الطّاقات ... إنّما أركّز على تقديم ملاحظات عامّة ، ربّما تسهم في أخذ الاحتياطات فيما نحن مقدمون عليه ، والتّهيّؤ والاستعداد والتّخطيط الكامل للعمل في هذا المضمار الكبير والصذعب التّحرّك فيه .
وقد اكتفيت في هذهى المحاولة الحديث عن حوار الحضارات فقط . وبما انّ للموضوع علاقة بالثّقافة والعولمة فإنّني سمحت لنفسي التّطرّق إليهما ؛ تحليلا للمسألة ومناقشة لها ن وتعميقا لبعض المفهومات .
حقائق:
قبل التّطرّق إلى موضوع الحوار بين الحضارات نريد أن نضع يدي هذا الموضوع بعض الحقائق : (1/2)
صفحة 3
1 – إنّ التّعدّد والتّنوّع الثقافي سنّة الكون وناموس ثابت ، فالحياة أساسها التّنوّع والتّعدّد ، كلّ من تحرّك في نشاطه وعمله على غير هذه القاعدة ، عاكس الفطرة فضلّ الطّريق وأخطأ المسيرة ، وعاش على هامش الحياة . فال الله تبارك وتعالى : " ومن آياته خلق السّموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآيات للعالمين "(1) إنّ اختلاف الألسن يعني تعدّد القوميات ، واختلاف الألوان يعني تعدّد الأجناس البشريّة .
وقال تعالى : "... لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات..." (2) " وهذا يعني تعدّد الشّرائع والأديان ، وإذا كانت الحضارة تنشا من فكرة دينيّة ، وإذا كانت الحضارة مجموعة الظّواهر والمعطيات المنبثقة عن أمّة ما أو تصوّر ما ( فكرة دينيّة ) فإنّ الإيمان بتعدّد الشّرائع والأديان يفضي إلى الإيمان بتعدّد الحضارات . وإذا كان هذا الاختلاف والتّعدّد من آيات الله ، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد يعدّ ساعيا إلى طمس آيات الله في الوجود ، بالشّكل الذي يهدّد الوجود الإنساني على سطح المعمورة ، ممّا يدفع بنا إلى التّأكيد على ضرورة المحافظة على تنوّع الهويّة الثّقافيّة لكونه يغني الحياة الإنسانيّة . واحترامه أصبح أمرا واجبا "لا إكراه في الدّين " (3) وجميع الأجناس متساوية ، وكلّ تراث مجتمعي يسهم في التّراث الإنساني." (4)
فالتّعدّدبّة الثّقافيّة مكسب كبير يجب على البشريّة أن تستثمرها في التّطوّر والتّقدّم والإثراء " وهي أفضل ضمانة لقدرة الإنسان على إبداء أجوبة مناسبة للتّحدّيات المختلفة ." (5) وهي صرورة عالميّة ؛ لأنّها تسهم في نموّ الفكر والقيم والمفهومات الإنسانيّة المشتركة . وتساعد على إغناء الحضارة الإنسانيّة ، باحتضانها لمختلف أنواع الإبداع والعطاء . (1/3)
صفحة 4
2 – بما أنّ الإنسان هو محور التّنمية والتّطوّر ، وهو الذي صنع الحضارة بالتّعاون والاشتراك مع آخر وآخر عبر الحقب والأزمان فإنّ حوار الحضارات ، يجب أن ينظر إليه : " ضمن منظور النّسق الطّبيعي ، الذي تقتضيه سنّة الكون وناموس الاجتماع الإنساني . إذ لم يسجّل لنا تاريخ الإنسان قاطبة أنّ العالم استطاعت حضارة واحدة أن تتحكّم فيه وحدها . وإنّما نجد باستمرار حالات الأقطاب الحضاريّة المتعدّدة ، لا القطب الحضاري الواحد هي التي تتحكّم في شؤون العالم بأسره "(6) حتى ولو وجدنا اليوم من يعمل على فرض نموذج واحد ، وتقديم نظام موحّد ، يجهد نفسه لفرضه على النّاس كلّهم ، نقول له إنّك تحلم ، وتطلب أمنيّة مثاليّة ، وتنشد أمرا مستحيلا .
3 – إنّ الحوار تقليد ثقافيّ قديم ، وهو أسلوب مارسته كلّ الحضارات ، سواء من حيث التّأثّر بغيرها أو التّأثير فيها ، أم من حيث فتح النّقاش والمساءلة ، وإجراء لقاءات ، وعقد مجالس وتبادل وجهات النّظر في بعض المسائل التي تتطلّب معرفة ما عند الآخر : " ولعلّ أبلغ دليل على ذلك الحوار الحضاري الذي دار بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحيّة ...وقد حاور النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قساوسة نجران ورهبانهم ...وكتب إلى المقوقس والنّجاشي وهرقل...وتابع المسلمون هذا الحوار بالمشافهة والكتابة ، لايكادون يفترون عنه إلاّفي فترات الصّدام المؤسف بين أتباع الدّينين ، وأشدّها فترة الحروب الصّليبيّة ، ثم ّفترة الاستعمار الغربي . وفي العصر الحديث ، ومنذ أربعين عاما على وجه التّحديد تجدّد الحوار الإسلامي المسيحي ، وعقدت له لقاءات وندوات منظّمة في برمانا، والرّياض، والفاتيكان، وطرابلس الغرب، وجنيف، وباريس، وساليبورج، والقاهرة، وبيروت، وليجون، وتونس، وهونغ كونغ، وقرطبة ، والسّودان عام 1994م وغيرها ." (7) (1/4)
صفحة 5
4 – سيطرة حضارة ما يؤدّي حتما إلى إضعاف الحضارات الأخرى ، من هنا يجب على كلّ حضارة أن لا تقبل بهيمنة أيّة حضارة عليها ، وأن تكون حاضرة بمحاورتها الأخريات ، وبفرض وجودها في السّاحة ، وبالتّفاعل مع غيرها تأثيرا وتأثّرا . مع الوضع في عين الحسبان أنّ الحفاظ على الهويّة أمر مهمّ ، وأنّ التّواصل لا يقلّ أهمّية أيضا .
5 – قد يتّخذ الحوار وسيلة لقضاء مصالح خاصّة ، وقد يكون ذريعة لتمرير خطط ومشروعات ؛ نظرا لما قد يحمله هذا المصطلح المبهم من دسائس ومؤامرات يستغلّ في إذابة الثّقافات الصّغرى ، وإلغاء الخصوصيّات والهويّات ، على كلّ حضارة التّفطّن إلى ذلك والتّعامل مع الحوار بحذر وتيقّظ ، والتّحرّك معه بخطط مدروسة ، ومناهج واضحة ، والسّير معه بأهداف مرسومة ومحدّدة .
6 – من آثار الحوار بين طرفين غير متكافئين . فرض الطّرف القويّ المهيمن على الطّرف الثّاني اختراق السّيادة الثّقافيّة لها بالتّدخّل في مناهج تعليمها مثلا ، وتوجيه منظومتها الإعلاميّة ، وترتيب علاقتها بفئات المجتمع ، وتحديد نمط معيشتها ، والتّدخّل في وضع قوانينها . كما قد تستغلّ التّقارب المكاني لنشر نموذجه الثّقافي في الحياة على حساب الخصوصيّة الثّقافيّة له . (1/5)
صفحة 6
7 – إنّ الغرب يحاول السّيطرة على العالم بكلّ ما يملك من قوّة ، وأمريكا تعمل على أمركة العالم اقتصاديّا تمهيدا للهيمنة عليه ثقافيّا ، ومن ثمّ إلغاء الثّقافات الأخرى . فقد قال "روزفلت " في الأربعينيّات من القرن العشرين : إنّ قدرنا هو أمركة العالم . وقال " نكسون " : يجب على أمريكا أن تقود العالم . وقال "جورج بوش " الأب في أوائل التّسعينيّات : إنّ القرن القادم ينبغي أن يكون أمريكيّا . وهذا ابنه اليوم ينفّذ دعوة أبيه ، ويعمل على الهيمنة على مقدّرات العالم ، وضرب أيّة محاولة للنّهوض أو البروز ، ومحاولة ضرب الثّقافات وهدمها أو تفكيكها من الدّاخل ... والمستهدف الأوّل هي الحضارة الإسلاميّة أو العالم الإسلامي. فالغرب عموما والولايات المتّحدة الأمريكيّة خصوصا ترى أنّ المسلمين يملكون من مقوّمات القوّة ، ومن أسباب النّهوض ما يمكّنهم من منافسة الحضارة الغربيّة ، بذلك فهم يمثّلون الخطر الأوّل عليها ، لهذا يجب ضربهم وإضعافهم ، وقد تكون فكرة فتح الحوار معهم إحدى وسائل إضعافهم .
هذه بعض الحقائق التي يجب ألاّ تغيب عنّا ونحن ندعو إلى الحوار مع الحضارات الأخرى ، أو نستجيب لدعواتها ، أو نمارس هذا العمل ، نعيها جيّدا حتّى لا نفوّت الفرصة على أنفسنا في التّقارب ، ولا نفقد أنفسنا في خضم هذه الحركات الهائلة المصيريّة في علاقتنا مع الغير .ولنعلم أنّنا " أمام حضارة قويّة طاغيّة تركب فوق حضارة قديمة صلبة وعميقة الجذور ، ولكنّها غير مستعدّة لتلقّي الصّدمة الجديدة بعد . " (8)
بما أنّ للحوار المعروض للممارسة علاقة بمصطلحين متداولين في السّاحة ، وهما الثّقافة والعولمة ، من حيث تأثّر الحوار بهما ، ومن حيث كونهما الميدان الذي يدور فيه النّقاش ، فإنّنا ارتأينا الإشارة إليها ؛ لمزيد من تحليل الموضوع .
الثّقافة والعولمة : (1/6)
صفحة 7
إنّ ثقافة أيّة أمّة تتكوّن بين العموميات والخصوصيات والمتغيّرات . والمتغيّرات أخطر ما يكون فيها باعتبار أنّها هي التي ترجّح كفّة استمراريّة تلك الثّقافة أو توازنها واضمحلالها أو اضطرابها . فإن أحسن التّعامل مع هذه المتغيّرات بحكمة وعقلانية ، وبنظرة شموليّة متّزة واعية بالمحيط الذي يدورأو يحيط بها ، وفاقهة لمعنى الأصالة والمعاصرة . كانت النّتيجة – بإذن الله – مقبولة ، وفي صالح تلك الثُقافة . وإن كان العكس نالت عاقبة وخيمة . والحوار الذي يجرى بين الثّقافة يندرج في هذا السّياق .
هناك تعريفات كثيرة للثّقافة ، نأخذ بعض ما ذكره مالك بن نبي : هي " مجموعة من الصّفات الخلقيّة والقيم الاجتماعيّة التي تؤثّر في الفرد منذ ولادته ، وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه ، فهي على هذا المحيط الذي يشكّل فيه الفرد طباعه وشخصيّته. وهذا التّعريف الشاّمل للثّقافة هو الذي يحدّد مفهومها ، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معيّنة ، والذي يتحرّك في نطاقه الإنسان المتحضّر " (9) ويقول أيضا " هي الوسط الذي تتشكّل فيه جميع خصائص المجتمع المتحضّر ، وهي الوسط الذي تتشكّل فيه كلذ جزئية من جزيئاته تبعا للغاية العليا التي رسمها ، وبما في ذلك الحدّاد والفنّان والرّاعي والعالم والإمام . وهكذا فالثّقافة هي تلك الكتلة نفسها بما تتضمّنه من عادات متجانسة ، وعبقريات متقاربة ، وتقاليد متكاملة ، وأذواق متناسبة ، وعواطف متشابهة . وبعبارة جامعة : هي كلّ ما يعطي الحضارة سمتها الخاصّة " (10) (1/7)
صفحة 8
إذا كانت الثّقافة هي التي تشكّل أفراد الأمّة ، وهي الوسط والمحيط الذي يتحرّك فيهما أفراد تلك الثّقافة ، وهي التي ترسم لهم القيم والخصائص التي ينشؤون عليها ، وهي التي توجد الانسجام والتّوافق والتّآلف التي يجب أن يسود أفرادها الذين ينتمون إليها ، وهي التي تعطي السّمات التي تميّز أمّة ما . فإن العمل على المحافظة على هذه الثّقافة لأصيلة بتميّزها ، منسجمة مع المحيط الذي توجد فيه ، متعاونة متقاربة مع الثّقافات التي تحتكّ بها ... يعدّ مطلبا أساسيّا . وهو ما يوفّره الحوار إذا سار في الطّريق السّليم ، ولم يبتعد عن المبادئ ولم يخطئ السّبيل إلى الأهداف المرسومة المنسجمة مع حقيقة الثّقافة كما اشار إليه مالك بن نبي .
من هنا ينبغي معرفة ماذا يراد من الحوار بين الثّقافات ، العلم بحقيقة ما يقدّم في هذا المجال كالعولمة مثلا. قيل : " إذا كانت العولمة أمرا واقعا أو واقعا أمرا ، خاصّة إذا اتّخذنا (كذا) خطابا < حتمويا > فلتكن العولمة عنذئد مناسبة كبرى لأن تظهر الشّعوب تمايزاتها الثّقافيّة ، وأن تبرز خصوصيّاتها الحضاريّة وإبداعاتها الدّفينة ، حتّى لا تكون العولمة هيمنة ثقافيّة واختراقا للثّقافات الأخرى ، وإفقارا لها . فيمكن أن تكون العولمة مناسبة لإبراز الموارد الذّاتيّة في مختلف مجالات الحياة والثّقافة ." (11)
إذن فالحذر مطلوب في التّعامل مع العولمة . والكياسة والفطنة والعي ضرورية في هذا العمل ، وهذه الملاحظات أساسيّة في أثناء الحوار . فالعولمة تحمل أبهادا كثيرة ، يجب التّنبّه إليها كالأبعاد الاقتصاديّة والثّقافيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة... وقد عرّفها بعضهم بقوله : إنّها " القوّة بمفهومها الشّمل الاقتصادي والسّياسي والعسكري والتّقني والإعلامي والثّقافي . وهي الأساس التي سوف تصنع أو نكون شكل النّظام العالمي في القرن الواحد والعشرين " (12) (1/8)
صفحة 9
فالعولمة تمثّل القوّة الشّاملة لكلّ المجالات ، القوّة الكاسحة التي تعطي من يظفر بتسليطها على غير القادرين على ذلك ، تعطيه الفرصة كي يهيمن ويسيطر ويكتسح ، فليعِ هذه الحقائق من يحاور، وليعرف كيف يتعامل معها وهو يتحاور . وإذا نظرنا إلى العولمة في بعدها الثّقافي نجدها تدخل سوق التّعامل والتّحاور والتحاكك كأيّة سلعة تجاريّة أخرى ، تخضع لقانون العرض والطّلب ، والمساومة والمقايضة والمزايدة والاحتكار ... والعولمة تسهم في بروز تناقضات كثيرة تجمع بين التّآلف والتّوحيد وبين المقاومة والاختراق كما يقول " كارل بوراني " ، ويقول " جيمس ميلتلمان " : هي " عمليّة مقابلة ثقافيّة بينالحضارات، يعتريها الكثير من التّناقض عدم الاستمرار. " (13) (1/9)
صفحة 10
هكذا يتبيّن لنا أنّ العولمة في بعدها الثّقافي تكون خطيرة ، لروح الهيمنة والسّيطرة والقهر التي ينطلق منه من يحاور غيره من منطلق القويّ القاهر القادر على اختزال الحضارات الأخرى ، بعد اختراقها . وهو ما ي}دّي إلى صام بين الحضارات ، وصراع بين الثّقافات بدل الحوار . وفي هذا يقول " صموئيل هنتغتون " في مقاله " صدام لحضارات " الذي نشره في " تفيد فرضينا أنّ المصدر الجوهري للصّراعات في هذا العالم الجديد لن يكون بالدّرجة الأولى أيديولوجيّا أو اقتصاديّا ، فالانقسامات الكبيرة بين الجنس البشري والمصدر المهيمن للصّراعات سيكون ثقافيّا ، وستبقى الدّولة القوميّة صاحبة أقوى دور في الشّؤون العالميّة . لكن الصّراعات الرّئيسيّة للسّياسات الكونيّة ستحدث بين الدّول ولمجموعات المنتمية لحضارات مختلفة . وسيهيمن صدام الحضارات على السّياسات الكونيّة ، وستكون خطوط الصّدع بين الحضارات هي خطوط معارك المستقبل ، وسيكون النّزاع بين الحضارات أحدث مرحلة في تطوّر النّزاعات في العالم الحديث ." (13) فالحوار الذي الذي ينطلق من مفهوم العولمة يكون مكرّسا لتغليب المصالح على تقديم المساعدة للذين يجرّون للحوار . ويوظّف للهيمنة بدل التّعاون والتّقارب والتّفاهم .
مع كلّ ذلك لا نقطع اليّاس من الاستفادة من الحوار والنّقاش ، ومحاولة التّقارب والتّفاهم ، لأنذه السّبيل القويم لنزع سوء الفهم ، وإعطاء الفرص لتضييق هوّة الخلافات ، وإزالة فتيل الصّراعات. " والحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان من النّوافذ الأساسيّة لصناعة المشتركات التي لا تنهض حياة اجتماعيّة سويّة بدونها. وعليه فالحوار لا يدعو الآخر إلى مغادرة موقعه الطّبيعي ، وإنّما هو لاكتشاف المساحة المشتركة وبلورتها والانطلاق منها مجدّدا ومعا في النّظر إلى الأمور." (15) وديننا الحنيف علّمنا الحوار ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، فما هي نظرة الإسلام إلى الحوار ؟ (1/10)
صفحة 11
الإسلام ودوره في تعزيز الحوار بين الثّقافات :
إنّ الإسلام هو دين الحوار والاعتراف بالآخر ، وهو شريعة تطوير القواسم المشتركة بين الإنسان وأخيه الإنسان ، وإيجاد السّبل الكفيلة يتحقيق ذلك بما يساغد على العيش بسلام وأمن وطمأنينة ، ويبتعد بالإنسان أن يحيا حياة الإبعاد والإقصاء ونكران الآخر . لهذا دعا إلى الحوار والدّعوة بالتي هي أحسن ، وسلوك الأسليب الحسنة ، والطّرق السليمة في مخاطبة الآخر. قال تعالى : " ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ..." (16) هذه الآية تشير إلى حسن المخاطبة ، وحسن الحوار ؛ لكي نتعارف ونتقارب ، ولكن من أن نتازل عن الدّعوة إلى سبيل الله ، أي لاتنازل عن مبادئ الإسلام(17) فليفقه جيّدا من يحاور المبدئ التي ينطلق منها وهو يحاور . فالآية تدعو إلى مخاطبة اللآخر بالحسنى لكي يعرف ما عند المسلمين ، لا أن يحاوره كي يتنازل له عن مبادئه . وقال أيضا : " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّالذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا زأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " (18) فالحوار ممكن لأنّ هناك قواسم مشتركة ، وهناك مجال للتّفاهم والتّقارب ، وهي الإيمان بما أنزل على المسلمين وغيررهم ، فالمصدر واحد وهو الله ، والصل واحد وهو الإسلام . فليتعارفوا وليعرفوا بعضهم وليعترفوا بما عندهم حميعا ، ومن ثمذ فليتقاربا وليتعاونوا على ما هو صالح لهم حميعا. فالقرآن يعطينا أسلوب بدء اللّقاء والحوار ، وكيف نستغلّ نقط التّلاقي بين المتحاورين . (1/11)
صفحة 12
فيبيّن الأصول التي يمكن الاتّفاق عليها ويركّز على ذلك فيقول : " قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون " (19) ثمّ يبيّن الإسلام نوع العلاقة التي يجب أن تسود المسلمين وغيرهم ، إنّها علاقة التّعاون والإحسان والبرّ والعدل . فهذا هو الحوار الحضاري والعلاقة السّميّة ك " لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحبّ المقسطين " (20)
لكن في الوقت نفسه لم من المسلمين التّنازل عن أصولهم ، والتّفريط في القضية الأساسية وهي الإسلام . من هنا يعلن القرآن عن حقيقة وفيما يجب أن يكون ، وكيف يجب أن يدور : " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " (21) إذن فالإسلام يقرّ الحوار ويدعو إليه ولكن يؤكّد على الثّبات على المبادئ وعدم التّنازل عن الهويّة . نتساءل بعد ذلك عن الشّروط التي يجب توفّرها لإجراء حوار هادف مثمر بنّاء ؟
1 – أن يحترم الحوار السّيادة والخصوصيّات الثّقافيّة ، والابتعاد عن التّسلّط وإلغاء الآخر .
2 – أن يتبنّى قاعدة ( المعرفة والتّعارف والاعتراف ) ينطلق منها في سبيل التّقارب . معرفة ما عند الآخر معرفة جيّدة ؛ لأنّ الحكم على الشّئ فرع عن تصوّره . والتّعارف الذي يزيل أسباب الخلافات ، ويبعد مظاهر الصّراعات . والاعتراف الذي يثمّن ما عند الآخر ، ويقدّر ما يملكه . وهو ما يعين على التّقارب والتّعاون . (1/12)
صفحة 13
مثلا إنّ التّعريف بالحضارات والثّقافات التي قلّ الاهتمام بها ، أو همّشت لأسباب ، يسهم في دفع عمليّة الحوار إلى القطب الإيجابي .فإنّ لجنة الخبراء في الدّراسات المقارنة للحضارات التي اجتمعت في شهر آذار 1949م أقرّت بأنّ " مشكلة التّفاهم الإنساني هي مشكلة العلاقات بين الثّقافات . ومن هذه العلاقات لابدّ أن ينشأ مجتمع عالمي جديد يقوم على الفهم والاحترام المتبادل. وهذا المجتمع ينبغي أن يتّخذ شكل مذهب إنساني جديد (new humanism) والتي يمكن فيه للعالميّة (universalism أن تتحقّق من خلال الاعتراف بالقيم المشتركة بين الحضارات." (22) تطبقا لهذا التّوجّه أعدذذت اليونسكو برامج كثيرة ، منها " البرنامج الخاصّ بترجمة الرّوائع الأدبيّة وإحياء ذكرى كبار الفلاسفة أو العلماء أو الأدباء الذين ينتمون لمختلف الحضارات ..." (23)
--------------------------------------------------------------------------------
(1) سورة الرّوم ، الآية : 22 .
(2) سورة المائدة ، الآية : 48 .
(3) سورة البقرة ، الآية : 256 .
(4) الدّكتور باسم علي خريسان ، العولمة والتّحدّي الثّقافي ، ط1 ، دار الفكر العربي ،بيروت ، سنة 2001م ، ص : 151. ينظر أيضا نجريار محمد ، " القرآن والعلاقات الحضاريّة " ، مجلّة قضايا دولية ، العدد ك 357 ، 1996م ، ص : 34 . وأحمد صدقي الدّجاني ، " الدّين والنّظام العالمي بمنظور إسلامي " مجلّة الأكاديميّة المغربيّة ( الرّباط) العدد :12 ، 1995م ، ص : 101 .
(5) العولمة والتّحدّي الثّقافي ، ص : 139 . . نقلا عن محمد سعيد ، تقرير عن النّدوة الدّولية : إشكالية التّواصل الحضاري بين الشّرق والغرب ، مجلّة المستقبل العربي ، العدد : 233 ، 1998م ص : 57
(6) محمد محفوظ ،" مدارات حوار الحضارات " http\ writers.alriyadh.com.sa\k
( (1/13)
صفحة 14
7) العولمة والتّحدّي الثّقافي ، ص : 182 . ينظر أيضا، السّيّد ياسين ، حوار الحضارات : نحو خطّة قوميّة للحوار مع الثّقافات الأخرى ، ص : 86 . و د. عزّ الدّين إبراهيم ، الحوار الإسلامي المسيحي : رؤية إسلاميّة ، مجلّة البرلمان العربي ( اتّحاد البرلمانيّين العرب ) العدد : 64 ، 1997م ، ص : 51 .
(8) العولمة والتّحدّي الثّقافي ، ص : 142 .
(9) مالك بن نبي ، مشكلة الثّقافة ، ط2 ، دار الفكر ،بيروت ، 1959 ، ص : 71 .
(10) م . س ، ص : 73 ، 74 .
(11) م . س ، ص : 152. نقلا عن الدّكتور االمنصف ونّاس ، مضامين العولمة الاتّصاليّة والثّقافيّة ،ص : 13.
(12) م . س ، ص : 23 .
(13) م . س ، ص : 21 . ينظر أيضا جيمس ميتلمان ، " هواجس العولمة " عرض مجلّة السّياسة الدّوليّة ، العدد : 131 ، 1998م ، ص : 339 .
(14) م . س ، ص : 156 ، 157 . ينظر " Samuel p . huntington ,the west unigue, not universal , foreign affairs , vol , 75 , n . 60 .nove\dec 1996 .
(15) محمد محفوظ ، " الإسلام والحوار الثّقافي " ،http:\ writers. Alriyadh.com.sa\kpage.asp?
(16) سورة النّحل ، الآية : 125 .
(17) ينظر تعليق الدّكتور عدنان عليّ رضا النّحوي ،كتابه : حوار الأديان دعوة أم تقارب أو تنازل ، ط1 ، دار النّحوي للنّشر والتّوزيع ، 1421هـ \ 2001م ، ص : 60 .
(18) سورة العنكبوت ، الآية : 46 .
(19) سورة آل عمران ، الآية : 64 . (1/14)