صفحة 1
الكتاب: ندوة الخطاب الديني في شِعر أبي مسلم
ندوة منعقدة خلال الفترة مِن 3 ذي القعدة 1423هـ / 6 يناير 2003م حتى 5 مِن ذي القعدة 1423هـ / 8 يناير 2003م
مراجعة وتنسيق: سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني
1427هـ / 2006م
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] سلطنة عمان
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
بحوث ندوة
الخطاب الديني
في شعر أبي مسلم
البهلاني الرواحي
المنعقدة خلال الفترة
من 3 ذي القعدة 1423هـ / 6 يناير 2003م
حتى 5 ذي القعدة 1423هـ / 8 يناير 2003م
مراجعة وتنسيق
سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني
1427 هـ/2006 م
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الوزارة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله على ما أنْعَمَ وتفضَّل، حَمْداً كثيراً يوافي نِعَمَه ويكافي مزَيده، والصلاة والسلام على سبدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد ؛ فقد خَطّت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لنفسها خطة منهجية، في سبيل تطوير أهدافها والوصول إلى غاياتها في إطار مجالاتها المخصصّة.
وأوْلَت الجانب الثقافي اهتماماً أبرز ، تمثل في صور شتى ، منها على سبيل المثال : طباعة المنشورات بأشكالها المتعددة من كتيبات ومطويات وإرشادات دينية،وإقامة الملتقيات العلمبة والندوات ، وبث الخطب والدروس والمحاضرات .
وإكمالا لمشروعاتها في هذا الجانب رأت أن تواصل مسيرتها في إخراج الندوات التي قامت بتنظيمها والإشراف عليها ، حتى لا تقتصر فائدتها على حضورها وتسجيلها ، إنما تصل إلى القراء والباحثين في قالب مطبوع ميسر،يشكل إضافة جديدة للمكتبة العمانية الحافلة بنتاجها في سائر العلوم والفنون .
وهذا الكتاب الذي نقدمه اليوم هو إحدى ثمرات الثقافة ، ويجمع بين دفتيه فعاليات ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي ؛ المنعقدة خلال الفتر ة من 3 ذي القعدة 1423 هـ / 6 يناير 2003 م ، وحتى 5 ذي القعدة 1423 هـ /8 يناير 2003م ؛ بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر .
نسأل الله التوفيق والسداد في إخراجه ، مع سائر الأعمال المقبلة بإذنه تعالى .
بحوث الندوة
صورة الرسول في خطاب أبي مسلم البهلاني الشعري ........ د0 إحسان بن صادق اللواتي ....ص9
في ضوء بنية قصيدة المديح النبوي (1/1)
صفحة 2
الخِطَابُ الإِلَهِيُّ فِي شِعْرِ أبي مُسْلِمٍ البَهْلانيِّ ............... د. مأمون فريز جرَّار ........ص27
ملامِحُ وظَوَاهر
الخطاب الديني ونسق المرجعيات ...................... د. محسن بن حمود الكندي ......ص55
في شعر أبي مسلم البهلاني
آداب السلوك الصوفي ......................................... أ. د.عاطف جودة نصر ......ص105
في خطاب أبي مسلم الشعري
الخطاب الديني
عند أبي مسلم الرواحي .............................د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام....ص131
في إطار مدرسة الإحياء
توصيات اللجنة ...........................................................................ص205
(1)
صورة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
في خطاب أبي مسلم البهلاني الشعري
في ضوء بنية قصيدة المديح النبوي
د0 إحسان بن صادق اللواتي
مساعد عميد كلية التربية بالرستاق – سلطنة عُمان
الإثنين 3 ذي القعدة 1423هـ
الموافق له 6 يناير 2003م
صورة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
في خطاب أبي مسلم البهلاني الشعري
في ضوء بنية قصيدة المديح النبوي
– د0 إحسان بن صادق اللواتي
استأثر الشعر الديني بما يزيد على نصف مجموع شعر أبي مسلم (1) الموجود في ديوانه المطبوع ، ففي هذا المجموع الذي يزيد على تسعة آلاف بيت نجد الشعر الديني (( يجاوز نصيبه خمسة آلاف ومائتين وثمانين بيتاً ببضعة أبيات )) (2)0 وقد كان للمديح النبوي موقعه في هذا الشعر الديني ، ولصورة النبي
( صلى الله عليه وآله وسلم ) مكانها الخاص فيه ، وهذا ما تود هذه الدراسة أن تعرض له بشئ من التفصيل
إنَّ مما لا مراء فيه أنَّ نظرة أبي مسلم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) منطلقة من منطلق الإعجاب والانبهار بشخصيته العظيمة وبمقامه السامق ، ويتجلى إعجابه هذا في الصفات الكثيرة التي أطلقها عليه (صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأهمها أنه : (1/2)
صفحة 3
أ- نور الله عز وجل ، وهذه الصفة تتردد في غير موقع من ديوان الشاعر، كقوله مثلاً (3) :
بجاه نور الله مولانا الشفيع ( من لم يزاحم في مقامه الرفيع
محمد خير مطاع ومطيع ( من استمد النور من هداه
بحق لا إله إلا الله
ب- الظاهر المنتصر بالسيف والحجة ، كما في قوله ( 4) :
هو القاهر الغلاب سيفاً وحجةً
هو الباهر البرهان نوراً وكلمة
هو القائم الساطي بعزم مؤ
(
و المجتبى المختار للأكرمية ِ
هو البيّن الآيات روح الشريعةِ
هو الفاتح المنصور في كل وجهة?
وهذا القرن هنا بين السيف والحجة فيه – على الرغم من وجازته – دلالة ظاهرة على وعي الشاعر بنهج الإسلام السوي الذي يلجأ إلى الإقناع وإلى القوة ، ولكّل مقامه وداعيه . ولئن كانت الصياغة الشعرية قد ألجأت الشاعر إلى تقديم السيف على الحجة في البداية ، فقد عاد وقدّم الحجة على السيف في البيتين اللاحقين ؛ لئلا يظن ظان أو يتوهم متوهم أنه يرى اللجوء إلى السيف مقَّدماً على اللجوء إلى الحجة والبرهنة 0
جـ- أصل الكائنات البديعة ، وهذا يتجلى في قوله (5) :
وآثرته من بين خلقك كله
(
أن كان أصل الكائنات البديعة
?
د- الرحمة العظمى ، وفي هذا قال (6) :
إلهي بجاه السيد الأكرم الذي??
(?
محمد البر الرحيم الذي أتى ... هو الرحمة العظمى لكل الخليقةِ
(?
?حريصاً علينا بين بر ورأفةِ
?
وقال أيضاً ( 7) :
يا رحمة الله يا مبعوث رأفته
(
ا مظهر اللطف في الأرواح والصورِ
?
هـ- الأول بعد الله تعالى والآخر ، وهذا في قوله (8) :
يا أول الكل بعد الله مبتدعاً
يا آخر الرسل لا تأخير مرت
(
أول الكل عند الله في الخطر
وإنما السر مطوي عن الفكر?
وقوله (9) :
هو الأول المكنون في أبحر الخفا
(
و الآخر المقصود في كل رتبةِ
? (1/3)
صفحة 4
و- غوث الوجود وسرّه ، وهاتان صفتان من مجموعة صفات متقاربة تشترك في كونها مضافة إلى " الوجود" وهي : غوث الوجود ، وسر الوجود ، ونور الوجود ، وروح الوجود ، وأنس الوجود ،وأمن الوجود ، وعين الوجود ، وعز الوجود 0 وقد ذكرها جميعاً في بداية قصيدته " في مدح الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم )" (10) :
غوث الوجود أغثني ضاق مصطبري
??
(?
نور الوجود تداركني فقد عميت ... سرّ الوجود استلمني من يد الخطرِ
روح الوجود حياتي إنها ذهبت ... بصيرتي في ظلام العين والأثر ... (
روح الوجود دهى الكرب العظيم وفي ... من جهلها بين سمع الكون والبصر ... (
أنس الوجود قد استوحشت من زللي ... أنفاس روحك روح المخرج الحصر ... (
أمن الوجود أجرني من مخاوف ما ... وأنت أنسي في وردي وفي صدري ... (
عين الوجود ترى بؤسي ونازلتي ... أحرزت نفسي منها في حمى الحذر ... (
عز الوجود بعز الله أنت لها ... وفي محالك إنقاذي من الضرر ... (
(?
?فواقر درست أعيانها أثري
?
ز- الوسيلة والشفيع ، كقوله مثلاً (11) :
وآثرته من بين خلقك كلهم
(
أن كان عندالله خير وسيلة
?
وقوله أيضاً (12) :
توسلت ملتاذاً بسلطان قربه
??
(?
ومن يتوسل بالرسول محمد ... إليك وحسبي أن يكون وسيلتي
(?
?يلاقِ المنى من عين كل رغيبة
?
وقوله كذلك (13) :
وشفعه يا ذا الجود فينا شفاعة
??
(?
وشفعه فينا وارضَ عنا بجاهه ... ننال بها الغفران عن كل زلة
(?
?رضا يتلقاني بفوز ورحمة
?
ح- خير الرسل والأنبياء ، وفي هذا المعنى قال (14) :
فكل مزايا الرسل والأنبياء في
??
(?
وما طمع الأملاك والرسل مطلقاً ... بحار مزايا شأنه حكم نقطةِ
(?
?بأن يبلغوا مقداره مع نسبةِ
? (1/4)
صفحة 5
لقد توقف بعض الدارسين المعاصرين لدى بعض هذه الصفات ومثيلاتها فرآها مما لا يضفى إلا على الله عزوجل ، وأنها مستمدة من التصوف الفلسفي ذي النظريات الغريبة عن الإسلام وبساطته ووضوحه ، وأنها لا تُفهم إلا بعرضها على ما جاء عن محيي الدين بن عربي (15) 0 والواقع أنَّ أبا مسلم لم يكن خالياً من التأثر بالتصوف ( السلوك) ذي النزعة الفلسفية ، فقد كان ينتمي إلى المدرسة الجاعدية أو البونبهانية التي تقوم على أسس منها التعمق في علم الكلام والفلسفة والمنطق (16) ، غير أنَّ هذا الواقع ينبغي ألاّ يقودنا إلى إغفال الملاحظات الآتية:
1- ورود جملة من هذه الصفات في الأحاديث والأخبار المروية عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه ، وهذه نماذج منها:
" رأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام " (17)0
" إن الله تعالى بعثني رحمة مهداة، وبعثني برفع قوم وخفض آخرين " (18)0
" كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث " ( 19) 0
" كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد "( 20) 0
" أتاني جبريل فقال : يا محمد ، لولاك ما خُلقت الجنة ، ولولاك ما خُلقت النار " (21)
"شفاعتي يوم القيامة حق ، فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها " (22)
"أنا سيد النبيين ولا فخر " (23)
إنَّ ورود تلك الصفات في هذه الأخبار لقمين بجعلنا نتردد – في أقل تقدير – في الإقدام على الجزم بارتباط الصفات بنظريات غريبة عن الإسلام ، فمن المحتمل جداً أن يكون اّطلاع أبي مسلم على السنة النبوية مصدراً من المصادر التي صدر عنها في حديثه عن صفات النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم) ، إن لم يكن هو المصدر الأول0
2- وجود مثل هذه الصفات في تراثنا من قصائد المديح النبوي ، فقد قال كعب بن زهير في قصيدته المعروفة ( بانت سعاد) (24) :
إنَّ الرسول لنور يستضاء ب
(
صارم من سيوف الله مسلول
? (1/5)
صفحة 6
وقد تكرر وصفه ( صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه نور في مواضع مختلفة من ديوان حسان بن ثابت ، كما في قوله ( 25) 0
بها حجرات كان ينزل وسطه
(
ن الله نور يستضاء به ويوقد ُ
?
وقوله (26) :
نوراً أضاء على البرية كلها
(
ن يُهدَ للنور المبارك يهتدِ
?
وقوله (27) :
كان الضياء وكان النور نتبعه
(
عد الإله وكان السمع والبصرا
?
أما البوصيري فقد عدَّد في بردته صفات كثيرة للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، منها قوله (28) :
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من
??
(?
محمد سيد الكونين والثقلـ ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
(?
?ين والفريقين من عرب ومن عجم
?
وقوله ايضاً (29):
فاق النبيين في خلق وفي خلق
??
(?
وكلهم من رسول الله ملتمس ... ولم يدانوه في علم ولا كرم
(?
?غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
?
وبلغ به الأمر أن قال (30) :
دع ما ادعته النصارى في نبيهم
??
(?
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
فإنَّ فضل رسول الله ليس له ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم ... (
(?
?حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
?
إنَّ وجود هذا النسق من الخطاب الشعري الممتد قروناً من الزمن قبل أبي مسلم
(31) ، ليجعل من المستساغ أن يُدعى إلى وضع أشعاره في سياقها الفني العام وعدم قراءتها بمعزل عن كل هذا التراث الشعري الذي تقدمها ، ففي هذا التراث ما يصلح لأن يعلل ورود كل ما ورد في خطاب أبي مسلم الشعري من صفات للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا سيما إذا لاحظنا الدعوة المطلقة المغرية التي تقدم نقلها عن البوصيري :" وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف"0 (1/6)
صفحة 7
3- يجدر بنا ونحن نتعامل مع شعر أبي مسلم البهلاني ألاّ ننسى نوع الرؤية التي يصدر الشاعر في شعره عنها، فهي رؤية دينية إسلامية ترى أنَّ الكون كله بما فيه من كائنات ومخلوقات ما وجد إلا لعبادة الله جلَّ وعز ، وأنَّ القيمة الحقيقة لهذا الوجود بأكمله إنما تتمثل في مدى القرب من الباري سبحانه ومدى اتباع هديه ورسالاته0 ولّما كان النبي محمد( صلى الله عليه وآله وسلم) قائد البرية في سيرها في الخط الإلهي المقدس ، كان بدهياً وصفه بأنه سرّ الوجود وروحه وعزه ونوره000 إلى غير ذلك من صفات ، فهي كلها صفات تستقي دلالتها – أو جانباً عظيماً من هذه الدلالة – من هذه الرؤية الدينية التي تجعل الوجود كله متمحوراً حول خاتم الأنبياء ( صلى الله عليه وآله وسلم) من منطلق موقعه الرسالي في هداية الإنسانية إلى سر وجودها والغرض من خلقها، لا من منطلق نظرية وحدة الوجود أو غيرها من نظريات التصوف الفلسفي التي كثيراً ما توصف بالبعد عن الإسلام وروحه الواضحة السهلة، على ما في هذا الوصف من مجال كبير للاختلاف والنقاش مما لا سبيل إلى الخوض فيه هنا 0
وخلاصة القول: إنَّ تأثّر أبي مسلم ببعض الاتجاهات السلوكية ليس يدعونا بالضرورة إلى تفسير الصفات التي أطلقها على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم) في ضوء نظريات التصوف الفلسفي ، فثمة مجال لفهم هاتيك الصفات بنجوة من هذه النظريات ، لاسيما إذا تذكرنا أننا نتعامل هنا مع خطاب شعري ، والشعر أساساً يقوم على الإيحاء ولغة الرمز والمجاز وليس على الدلالة القريبة المباشرة0
بنية قصيدة المديح النبوي لدى أبي مسلم: (1/7)
صفحة 8
أول ما يمكن أن يلحظه المرء وهو يقرأ شعر أبي مسلم في المديح النبوي هو اشتراك هذا الشعر مع الشعر الذي تقدمه عند الشعراء السابقين في الميدان نفسه في كثير من المعاني والتعبيرات والصور ، وفي الأمثلة المتقدمة غنى عن السعي إلى تقصي أمثلة جديدة0 وليست في القضية غرابة ؛ فشعراء المديح النبوي المتأخرون ما برحوا يدورون في فلك ما سنَّه لهم متقدموهم – لاسيما البوصيري في بردته- يكررونه ويعيدون صياغته وإخراجه في أثواب قد تختلف في قليل أو كثير عن الأثواب السابقة لكنها لا تُباينها تماماً0
بيد أنَّ هذا لايعني أنَّ مديح أبي مسلم كان نسخة طبق الأصل مكررة من مدائح سابقيه ، ففي هذا المديح ملامح تتبدى فيها شخصية الشاعر الواضحة الخاصة به التي تجعل لمديحه قيمته الحقيقية وطابعه المميز0 ومن هذه الملامح:
1- لا يستهل أبو مسلم مديحه بالنسيب ،ولا يشتمل هذا المديح على لوحات أوشرائح متميزة المعالم ، وهذا مخالف لما كان معهوداً في مدائح سالفيه من الشعراء ، فقد كانوا يفتتحون قصائدهم المديحية بالنسيب ، وكانت قصائدهم مقسمة إلى شرائح متنوعة ، حتى لقد ذهب بعض الدارسين المعاصرين(32) إلى أنَّ بردة البوصيري مكونة من عشر شرائح مختلفة0
وهنا ينبغي أن نلحظ أمرين قد يكونان مفيدين في تفسير هذا الملمح في مديح أبي مسلم :
الأول: هو أن معظم مديحه جاء خاتمة لذكر الله سبحانه وتعالى ، وكأنَّ هذا الذكر لا يتم في نظر شاعرنا ، الاَّ عندما يُختتم بمدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم )حتى إنه حين لحظ خلو قصيدة " سموط الثناء " لشيخه العلامة سعيد بن خلفان الخليلي من التذييل بالصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " تجاسرت تجاسر العبد على مولاه بأن نظمت لها صيغة صلاة وفاءً بالواجب عليَّ ، لاتلافياً لتقصير أعتدّه على ذلك القطب " (33)0 (1/8)
صفحة 9
ومن الجلي أنَّ الذكر الإلهي ينأى بالمديح تماماً عن النسيب وعن أية شرائح شعرية أخرى قد لا تتواءم ولا تنسجم مع الجو الروحي الخاص الذي يتطلبه الذكر ويستدعيه
والأمر الآخر: أنَّ شاعرنا يهتم كثيراً في مدائحه – كما سيأتي قريباً – بعلاقة الحب التي تربطه بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) 0 وواضح أنَّ الحب الصادق يدعو المحب إلى ألاّ يرى لغير محبوبه وجوداً ، فلا معنى عندئذ لأن يقبل على النسيب بغيره أو على الحديث عن شرائح أو لوحات متنوعة قد تبعده عن التوجه القلبي التام إليه0
2- لا يعتدّ أبو مسلم في مديحه بالأوصاف البدنية الخارجية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لا بل هو يتجنب ذكر هذه الأوصاف تماماً 0 وهذا ملمح آخر يخالف ما كان معهوداً في مدائح سابقيه، فحسان بن ثابت مثلا اشتهر قوله (34):
وأحسن منك لم تَرَ قط عيني
??
(?
خلقت مبرأً من كل عيب ... وأجمل منك لم تلد النساء
(?
?كأنك قد خلقت كما تشاء
?
والبوصيري كان قد قال (35) :
أكَْرِم بَخلْق نبي زانه خُلُق
??
(?
كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف ... بالحسن مشتمل بالبشر متسم
(?
?من معدنيْ منطق منه ومبتسم
?
هنا أيضاً قد يكون الأمران المذكوران في الملمح السابق مفيدين ؛ فارتباط المديح بالذكر الإلهي داعٍ إلى أن يقتصر الشاعر على ذكر تلكم الصفات التي لها مزيد صلة ووثيق ارتباط بالتقرب الى الله سبحانه والتزلف إليه ، كما أنَّ ارتباط المديح بالحب يستدعي إبراز هاتيك الصفات التي كانت سبباً لهذا الحب ودافعة نحوه، وهي الصفات المتعلقة بمزاياه - صلى الله عليه وآله وسلم – الروحية والخلقية والإيمانية في المقام الأول
3- العاطفة الغالبة في علاقة الشاعر بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هي المحبة ، فكل الصفات العظيمة التي يتصف بها الرسول الأكرم تتكاثف وتتجمع في بؤرة مركزية واحدة هي كونه (( الحبيب)) ،وهذه الصفة هي منطلق التذرع به ، كما في قول الشاعر ( 36): (1/9)
صفحة 10
ووجهت وجهي نحو وجهك ضارعاً
(
اسمك ذكري والحبيب ذريعتي
?
والملاحظ أنَّ هذه العاطفة ليست الوحيدة البارزة في قصيدة الشاعر " في مدح الرسول - صلى الله عليه وسلم -" ، فقبلها تبرز عاطفة الخوف من العاقبة نتيجة ما قارفته النفس من ذنوب واجترحته من آثام (37) :
أنس الوجود قد استوحشت من زللي
??
(?
أمن الوجود أجرني من مخاوف ما ... وأنت أنسي في وردي وفي صدري
(?
?أحرزت نفسي منها في حمى الحذر
?
هذا الخوف يجد الشاعر منه مهرباً ، ويعثر على كهف حصين يقيه منه حين يلاحظ المحبة الوثيقة المستولية على قلبه ( 38):
أنوار حبك في قلبي قد انطبعت
??
(?
ما زال حبك في روحي يخامرها ... جبلة كانطباع الشمس في القمر
(?
?حتى تجردت عن عيني وعن أثري
?
والمحبة هنا بلغت قوتها حداً جعل الشاعر يذهل عن كل شيء ، وجعل روحه تحلق في عالم مثالي من الصفاء البعيد عن كدورات العالم المادي ، وذلك بعد أن اكتوت هذه الروح بنار الحب (39) :
ذهلت عن كل شيء مذ علقت به
??
(?
لا أحسب الروح إلا أنها خلقت ... فلا أفرق بين الصفو والكدر
فلا علاج لها من أصل فطرتها ... من الهوى فاختفت عن عالم الصور ... (
وجدت روحي صريعاً في مصارعه ... إذا أصيبت بسهم الحب عن قدر ... (
نار المحبة نار لا يقام لها ... يا حب لا تبق من روحي ولاتذر ... (
(?
?لواحة ، قسماً بالحب ، للبشر
?
إنه ذلك الحب الذي لايكون سوى الموت دليلاً على صدقه (40) :
لا يصدق الحب إلا من يموت ب
(
ا للهوى دون حسو الموت من قدر
?
لكن المشكلة الحقيقية هنا هي أنَّ الشاعر ليس على ثقة تامه من ثباته على حبه ، فنفسه تجتمع فيها دواعي الهوى التي قد تصرفه عن حبه الصادق 0 وهنا تدخل عاطفتا الحب والخوف في سجال مرير ، حين يغزو الخوف الحب في عقر داره ويتهدده من أساسه ، فلا يبقى لدى الشاعر أي منجى يلوذ به إذ ذاك 0 بيد أنه يعتمد على محبوبه لإنقاذه مما يخاف ويحذر ، فهو المعين المؤمل قبل حلول الخطر (41): (1/10)
صفحة 11
ولست في الحب من نفسي على ثقة
??
(?
إن كان حبي معلولاً فأنت لها ... من نصبها للهوى طوراً على وطر
(?
?أدرك عليلك قبل الأخذ في الخطر
?
4- كثيراً ما يعتمد الشاعر في صوره الفنية على التشبيه القائم على ملاحظة وجوه الاشتراك المألوفة في خطاب المديح النبوي ، كما في قوله (42) :
وصل وسلم مثل عد شؤونها
??
(?
وصل وسلم مثل سيب فيوضها ... وأكوان تأثيراتها المطلقية
وصل وسلم مثل بحر مدادها ... وقوة إدراكاتها الأزلية ... (
(?
?وتنزيل إمداداتها كل قوة
?
ويظهر في البيت الأخير تأثره بقوله تعالى : " قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً " (43) 0
وتكون صوره أقوى إيحاءً وأشد صلةً بالإبداع الشعري الحقيقي عندما ينحو بها نحو الاستعارة التي تهدف إلى التشخيص والتجسيد ، كما في قوله (44) :
فلا علاج لها من أصل فطرتها
??
(?
وجدت روحي صريعاً في مصارعه ... إذا أصيبت بسهم الحب عن قدر
نار المحبة نار لا يقام لها ... يا حب لاتبق من روحي ولا تذر ... (
(?
?لواحة قسماً بالحب للبشر
?
لكن هذه الصور – على كثرتها وتنوعها – تشترك في كونها ظاهرة مفهومة ، لاتقوم على الإدهاش والمفاجأة ، ولا ترمي إلى الإغراب أو التعقيد 0 وهذا كله متوقع بعد كل ما تقدم عن صلة المديح النبوي لدى أبي مسلم بالذكر الإلهي الذي يقصد به التقرب قبل أن يهدف به إلى أي شئ ذي صبغة مختلفة0 وما قيل هنا عن الصور يمكن أن يقال مثله عن الألفاظ المستعملة والأوزان والقوافي كذلك 0
الهوامش (1/11)
صفحة 12
(1) هو الشاعر العماني أبو مسلم ناصر بن سالم بن عدّيم بن صالح بن سالم بن محمد بن عبدالله البهلاني الرواحي ، ولد في قرية محرم إحدى قرى وادي محرم الذي يبعد عن العاصمة مسقط حوالي مائة وخمسين كيلومتراً ، وذلك سنة 1273 هـ أو سنة 1277 هـ 0 كان من أسرة معروفة بالعلم والفضل ، فأبوه كان قاضياً على نزوى في عهد الإمام عزان بن قيس وكذلك كان أحد أجداده ( عبدالله بن محمد) قاضياً في وادي محرم في عهد اليعاربة 0 انتقل شاعرنا إلى الإقامة في زنجبار في شرقي أفريقيا ، حيث نال حظوة كبيرة في نفوس سلاطينها فتقلد منصب القضاء ثم منصب رئاسة القضاء ، وهناك تفتقت قريحته الشعرية فصار يطلق عليه (( شاعر العرب)) و ((شاعر العصر))0 توفي في اليوم الثاني من شهر صفر 1339هـ (= 1920 م) ، ودفن في زنجبار 0 طبع ديوان الشاعر طبعات عدة ، بعضها محقق وبعضها ليس كذلك0
للمزيد حول الشاعر ، انظر :
- أحمد بن سعود السيابي : أبو مسلم البهلاني الرواحي ، في : محمد علي الصليبي ( محرر):
قراءات في فكر البهلاني الرواحي ، المنتدى الأدبي ، مسقط 1998م، ص 41-52 0
- محمد بن صالح بن ناصر: أبو مسلم الرواحي حسان عمان ، مكتبة مسقط ، مسقط 1995م ، ص8-13 0
- أحمد درويش : مدخل إلى دراسة الأدب في عمان ، دار الأسرة ، مسقط 1992، ص152- 167 0
- محمد بن راشد الخصيبي : شقائق النعمان على سموط الجنان في أسماء شعراء عمان، ط3 ،
وزارة التراث القومي والثقافة ، مسقط 1994م، ج2 ، ص 346 – 357 0
- سعيد بن محمد الصقلاوي: شعراء عمانيون ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة 1996م، ص325-335 0
(2) صلاح رزق:ديوان أبي مسلم البهلاني ( عرض ودراسة ) ، الموسوعة الميسرة للتراث العماني ، وزارة التراث القومي والثقافة ، مسقط 1995م، ص17 0
(3) أبو مسلم الرواحي: ديوانه، وزارة التراث القومي والثقافة ، مسقط 1987م،ص 196 0
(4) المصدر نفسه ، ص 113 0
(5) المصدر نفسه، ص 113 0 (1/12)
صفحة 13
(6) المصدر نفسه ، ص 114 0
(7) المصدر نفسه ، ص 260 0
(8) المصدر نفسه ، ص 260 0
(9) المصدر نفسه ، ص 113 0
(10) المصدر نفسه ، ص 259 0
(11) المصدر نفسه ، ص 113 0
(12) المصدر نفسه ، ص 114 0
(13) المصدر نفسه، ص 114 0
(14) المصدر نفسه ، ص 113 0
(15) محمد بن صالح ناصر: أبو مسلم الرواحي ، حسان عمان، ص 80 – 84 0
(16) أحمد بن سعود السيابي: أبو مسلم البهلاني الرواحي في: محمد علي الصليبي (محرر ) : قراءات في فكر البهلاني الرواحي ، ص 49 – 50 0
(17) علاء الدين علي المتقي الهندي : كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ، تحقيق محمود عمر الدمياطي ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1998م ، مج 6 ج11 ص 173 ، الحديث 31829 0
(18) المرجع نفسه مج 6 ج11 ص 190 ، الحديث 31982 0
(19) المرجع نفسه ، مج6 ج11 ص 184 ، الحديث 31913 0
(20) المرجع نفسه مج 6 ج 11 ص 184 ، الحديث 31914 0
(21) المرجع نفسه مج6 ج11 ص 194، الحديث 32022 0
(22) المرجع نفسه مج7 ج 14 ص171 ، الحديث 39053 0
(23) المرجع نفسه مج6 ج11 ص 195 ، الحديث 32036 0
(24) هذه رواية ، والرواية الأخرى: " لسيف يستضاء به " 0 انظر ديوان كعب بن زهير ، صنعة أبي سعيد العسكري، تقديم حنا نصر الحتي ، ط2 ، دار الكتاب العربي، بيروت 1996م، ص 40 0
(25) حسان بن ثابت : ديوانه ، شرح عبد أ0 مهنّا ، ط2، دار الكتب العلمية ، بيروت 1994م،ص 60 0
(26) المرجع نفسه، ص65 0
(27) المرجع نفسه، ص102
(28) البوصيري: الكواكب الدرية في مدح خير البرية المعروفة ببردة المديح المباركة ، شرحها وعلَّق عليها محمد عارف عطية، دار غريب، القاهرة 2002م ، ص24 – 26 0
(29) المرجع نفسه،ص 26 – 28 0
(30) المرجع نفسه ،ص28- 30 0 (1/13)
صفحة 14
(31) لمزيد من التفصيلات حول الصفات التي تضمنتها قصائد المديح النبوي في تاريخها الممتد ، انظر: زكي مبارك : المدائح النبوية في الأدب العربي، شركة مكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، القاهرة 1935م 0
(32) عمر موسى باشا: تاريخ الأدب العربي( العصر المملوكي) ، دار الفكر، دمشق، 1999،ص650
(33)أبو مسلم البهلاني: ديوانه، تحقيق علي النجدي ناصف، وزارة التراث القومي والثقافة ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1980م ، القسم الأول ص154 0 والشواهد اللاحقة ستكون من الطبعة المذكورة سابقاً0
(34) حسان بن ثابت : ديوانه ،ص21 0
(35) البوصيري: الكواكب الدرية،ص32-34 0
(36) أبو مسلم: ديوانه،ص114 0
(37) المصدر نفسه،ص 259 0
(38) المصدر نفسه،ص260 0
(39) المصدر نفسه،ص260 0
(40) المصدر نفسه،ص260 0
(41) المصدر نفسه، ص260 0
(42) المصدر نفسه ،ص 112 0
(43) سورة الكهف، الآية 109 0
(44) أبو مسلم: ديوانه، ص260 0
(2)
الخِطَابُ الإِلَهِيُّ
فِي شِعْرِ أبي مُسْلِمٍ البَهْلانيِّ
ملامِحُ وظَوَاهر
د. مأمون فريز محمود جرَّار
الأردن – جامعة العلوم التطبيقية
الإثنين 3 ذي القعدة 1423هـ
الموافق له 6 يناير 2003م
الخطاب الإلهي في شعر أبي مسلم البهلاني
ملامح وظواهر
د. مأمون فريز جرار
مقدمة:
لم يتح لي من قبل أن أطلع على شيء من شعر أبي مسلم البهلاني، ولم أكن أعرف من أخباره إلاّ ما قرأته -من غير تنبه إلى منزلته- في "ديوان الشعر العربي في القرن العشرين" لراضي صدّوق(1).
وقد جاءت مشاركتي في هذه الندوة مناسبة طيبة لا للاطلاع على شعر أبي مسلم وحده، بل لأفتح نافذة على الأدب في هذا الركن القصي من الجزيرة العربية.
__________
(1) انظر: الجزء الأول ص 118. (1/14)
صفحة 15
وقد سعيت إلى الاطلاع على بعض ما تناول شعر أبي مسلم من دراسات عبر شبكة المعلومات (الإنترنت)، ولا أزعم أن ما وصلت إليه يشفي الغليل، ولكنه أعطاني صورة عن المنزلة التي تبوّأها أبو مسلم في مسيرة الشعر العماني؛ لا في جيله فحسب بل في الأجيال التالية. وقد ساعد على انتشار شعره في المدة الأخيرة تحويله إلى أناشيد يؤديها عدد من أصحاب الأصوات الجميلة في عُمان وغيرها(1). وقد اطلعت من قريب على قرص مدمج (C.D) للفنان التونسي لطفي بشناق ينشد فيه الأسماء الحسنى (الوادي المقدس في أسماء الله الحسنى).
ولم يكن أبو مسلم شاعراً إيمانياً فحسب؛ بل كان رائداً في جوانب متعددة من الحياة في عُمان، في الصحافة والدعوة إلى التعليم، كما كان منغمساً في الحياة غير معتزل لها؛ فهو الشاعر والقاضي والصحفي(2). بل إنه رائد الشعر العماني الحديث، ورأس مدرسة الإحياء في الشعر العماني؛ شأنه شأن محمود سامي البارودي في مصر(3).
الصبغة الدينية في شعره:
__________
(1) محمد المحروقي، أبو مسلم البهلاني رائد الشعر العماني الحديث، ص 1.
(2) المرجع السابق، ص 2.
(3) المرجع السابق ص 2-3 وانظر: أحمد الفلاحي، أبو مسلم شاعر عمان المتميّز، ص 1. (1/15)
صفحة 16
لاحظ بعض الدارسين أن الصبغة الدينية تكاد تصبغ أغلب شعر البهلاني، ويكاد يصل شعره الديني والإلهي والصوفي إلى ثلثي شعره(1). ولكن الذي يلفت النظر في هذا الشعر الديني أن أكثره موجه إلى الله تبارك وتعالى، وهذا المنهج الذي سار فيه –فيما أعلم- غير مسبوق. فالمألوف في الشعر الديني: المدائح النبوية أو شعر المناجاة والتضرع، أو شعر التوبة، ولكن ليس مألوفاً أن يخصص شاعر ديواناً أو قسطاً كبيراً من شعر لله تبارك وتعالى في التأمل في أسمائه الحسنى وتدبر صفاته العليا. ولعل أقرب الشعراء السابقين إلى منهج أبي مسلم هو عبد الرحيم البرعي، ولعلنا نستطيع أن نقول: إن البهلاني قد خط في تاريخ الشعر الديني منهجاً جديداً أو متفرداً هو شعر الأسماء الحسنى(2).
الخطاب الإلهي في شعر أبي مسلم:
الخطاب الإلهي سمة بارزة في شعر أبي مسلم، وإن شئت قل: المدائح الإلهية. وكأن قلب أبي مسلم كان متعلقاً بالله تعالى، سابحاً في أنوار الأسماء الحسنى، وكان عقله سائحاً في تجلياتها في الوجود، ويتجلى ذلك في أنه جعل شعره ذكراً(3). وإن النظر في هذه الأذكار/ الأشعار يوقفنا على عدد من الظواهر التي يمكن أن نستكشف من خلالها ملامح الخطاب الإلهي في شعر أبي مسلم:
1- الإلهام الرباني:
__________
(1) الفلاحي، ص 4.
(2) نشير هنا إلى ديوان "مع الله" للشاعر الحلبي عمر بهاء الدين الأميري الذي خصصه للتجربة الإيمانية، ولكن منهج أبي مسلم يختلف لاختصاصه بالأسماء الحسنى.
(3) جاءت الأذكار الأشعار لأبي مسلم في الجزء الأول من ديوانه، كما صدرت في كتاب خاص هو "النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني" مع شيء من الاختلاف بين الديوان والنفس الرحماني في ترتيب الأذكار وعددها، والديوان أكثر ضبطاً، والنفس الرحماني أوفى من الديوان. (1/16)
صفحة 17
صرّح أبو مسلم البهلاني في مطالع الأشعار/ الأذكار في أكثر من موضع أنها إلهام رباني جرى على لسانه، أو هبة من الله تعالى أخرجها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. وقد يثير هذا الأمر إشكالاً حول المسؤولية الفنية والفكرية لهذا الشعر، ونسبة أبي مسلم هذه الأشعار إلى الإلهام يدل على أنه نظمها في حالة روحية وفكرية وشعورية استغرق فيها في الذكر إلى الحد الذي جعله يحسّ أنها إلهام، وهذه بعض أقواله في نسبة شعره إلى الإلهام:
قال في حديثه عن شروط الذكر الأول: "فإن مفيض النور جل جلاله وتقدست أسماؤه ببركة أسمائه وصفاته أفاض على لسان عبده العاجز منظوماً يحتوي أسماءه الحسنى الواردة بها السنّة المطهرة، ثم على ما ورد به القرآن العزيز مما زاد على الوارد به أصح الأحاديث النبوية. ولفيض شعابه بالأنوار والأسرار والبركات لما تمّ بوهب الله وهدايته سميته الوادي المقدس"(1) وقال في شروط الذكر الثالث "قال أبو مسلم: نزلت بقضاء الله وقدرته نازلة لم أجد للخلاص منها سبيلاً حتى تداركني الله برحمته ولطفه، فوهبني هذا الذكر بأن أخرجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة إجراءً على لساني"(2).
__________
(1) النفس الرحماني ص 33 وديوان أبي مسلم البهلاني، القسم الأول ص 6.
(2) النفس الرحماني ص 193 ولم يرد هذا الذكر في الديوان.
وانظر كذلك الذكر الرابع في النفس الرحماني ص 214 ولم ترد هذه المقدمة في الديوان والذكر التاسع في النفس الرحماني ص 310 ولم ترد مقدمة الذكر في الديوان. (1/17)
صفحة 18
وليس شعر أبي مسلم وحده هو الفيض الرباني بل كذلك رأى شعر سلفه من أهل الطريقة فهو يرى أن ما صدر عن الشيخ "القطب الجليل العارف بالله سعيد بن خلفان الخليلي" من شعر أو نثر "برهان قاطع على أن علمه كشفي وهبي لا يطيق أداءه إلاّ من أكرمه الله بالوصول، وأقامه مقاماً رفيعاً من المدد والفتح، ومن جملة ما أفاضه الله عليه هذه القصيدة الجليلة …"(1).
2- التعلق بالأسماء الحسنى:
اتخذ الشعراء سبلاً متعددة في أشعارهم الإيمانية أو الدينية؛ فمنهم من تخصص بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم كأبي بكر الصرصري والبوصيري، ومنهم من اتخذ حب الله تعالى ميداناً تجري فيه خيول فنّه، ولكن بطريق العشق الذي يتخذ إلى ذلك رمزاً، كابن عربي في ترجمان الأشواق وابن الفارض في كثير من شعره. وشاع لدى كثير من الشعراء التبتل والإنابة والتوبة ورجاء المغفرة.
ولم أجد فيما وصل إليه علمي من جعل الأسماء الحسنى ميداناً لفنه، وإن يكن أقرب الشعراء إليه هو عبد الرحيم البرعي(2) وإن يكن البهلاني قد تميّز بوضوح المنهج.
وقد خص البهلاني الأسماء الحسنى بالنصيب الأوفى من أشعاره/ الأذكار. فالذكر الأول وهو أطول الأذكار: "الوادي المقدس في أسماء الله الحسنى(3)"، وقد بلغت الأسماء الحسنى التي شملتها القصيدة مئة وأربعة وعشرين اسماً، خص كل اسم منها بجزء من القصيدة التي بلغ عدد أبياتها ألفاً وخمسمئة وسبعة وتسعين بيتاً.
والذكر التاسع عنوانه: "الناموس الأسنى بالأسماء الحسنى"(4) وعدد أبياته مئتان واثنان وستون بيتاً.
__________
(1) النفس الرحماني ص 293 ولم يرد هذا الذكر في الديوان.
(2) للبرعي عدد من القصائد حول أسماء الله الحسنى، انظر ديوانه ص: 5، 7، 8، 10.
(3) النفس الرحماني ص 31-183 وفي الديوان من ص 3-118.
(4) النفس الرحماني ص 117-136 وديوان أبي مسلم ص 137-145. (1/18)
صفحة 19
والذكر العاشر: النفحة الفائحة في التوسل بأسماء الفاتحة والمقصود بذلك أسماء الله تعالى الواردة في الفاتحة(1).
والذكر الثالث عشر: المعرج الأسنى في نظم أسماء الله الحسنى"(2) وعدد أبياته مئة وأربعة عشر بيتاً.
هذه الأشعار الأذكار تجلت الأسماء الحسنى في عناوينها، وتتجلى الأسماء الحسنى في الأشعار/ الأذكار الأخرى في مضمونها وسياقها. ففي الذكر الثاني: "الشجرة المباركة"(3) نجد محورين: الوجود الإلهي، ويتجلى في عدد من الأبيات التي تبدأ بقوله: (وجب الوجود له ..) والمحور الآخر التجليات الإلهية.
وفي الذكر الثالث: "مفاتيح المدد"(4) حضور للصفات الإلهية، في كل مقطع من مقاطع القصيدة، فالشاعر في مقام المنيب المستغفر المستجير بأسماء الله تعالى في القسم الآخر منها.
وفي الذكر الحادي عشر: "الباقيات الصالحات"(5) تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، وكل ذلك مرتبط بالأسماء الحسنى.
وإلى جانب القصائد التي خصصت للأسماء الحسنى نجد قصائد التبتل والتضرع التي لم تخصص للأسماء الحسنى لا في عناوينها العامة أو الجزئية، ولكن هذه الأسماء حاضرة فيها.
ومن ذلك الذكر الرابع "مقدس النفوس"(6) وقصيدة "الكلم الطيب"(7) وهي رباعيات مختومة بلازمة مستقلة هي (بحق لا إله إلا الله)، كما يسيطر على القصيدة الاستغفار والتوبة والتوسل بأسماء الله تعالى.
3- بين التصريح والرمز الصوفي:
__________
(1) النفس الرحماني ص 335-344 وديوان أبي مسلم ص 146-152.
(2) النفس الرحماني ص 401-412 وديوان أبي مسلم ص 137-145.
(3) النفس الرحماني ص 185-191 وديوان أبي مسلم ص 266-271.
(4) النفس الرحماني ص 192-212 ولم يرد في الديوان.
(5) النفس الرحماني ص 345-393 وديوان أبي مسلم ص 237-266.
(6) النفس الرحماني ص 213-234 وديوان أبي مسلم ص 177-206.
(7) النفس الرحماني ص 235-257 وديوان أبي مسلم ص 207-236. (1/19)
صفحة 20
تنوع الأسلوب الشعري لأبي مسلم بين التصريح الذي يقول ما يقول من غير تصوير موحٍ بل بمباشرة لا تحتاج إلى طول توقف، والرمز الموحي الذي اتخذ من المصطلحات الصوفية قناعاً.
والتمثيل للأسلوب الصريح كثير نجده في معظم النصوص الشعرية، ومن ذلك:
هو الله باسم الله تسبيح فطرتي
هو الله باسم الله ذي الطول والغنى
هو الله باسم الله يا رب لا تُزغ
-
لله إخلاصي وفي الله نزعتي(1)
غناي وطَوْلي واتساعي وثروتي
جَناني، ولقنّي مع العرض حُجّتي(2)
?
ومن ذلك قوله:
الله الله العزيز القاهر
سبحانه لا مثل لا نظائر
بسرّ لا إله إلا ال
لله الله المحيط الفاطر
لا ضدّ لا أنداد لا مظاهر
وسر أسْمائك عجّل الْمَدَدْ?
والنصر والتفريج والفتح القريب(3)
ومن ذلك:
غفرانك اللهم يا رباه
عبدك قد باء بِمَا جنـ
ا سامعاً دعاء من دعاه
فاغفر له ما كسبت يداه?
بحق لا إله إلا الله
وفي مقابل هذا الوضوح الصريح الذي يتجلى في كثير من القصائد نجد صوراً موحية ورموزاً صوفية، تحتاج إلى وقوف طويل عند دلالاتها، ومن أجمل هذه الصور والرموز ما ورد في مقدمة الأذكار:
نصبت لهم من نيّر الذكر معلماً
وصيّرت نفسي خادماً لطريقة
فيا لرجال الحب والكأس مفعم
عصرت لكم من خمرة الله صفوها
لقد هام أهل الاستقامة قبلنا
تراهم سكارى ينشر الجمع فهمهم
ملأت لكم دنيّ شراباً مروّق
بوّأتهم من أنفع الذخر مغنما
بها هام أهل الله في الأرض والسما
هلمّ اشربوا هذا المغني ترنّما
فموتوا بها سكرا فما السكر مأثما
بها فانتشوا بين الخليفة هيّما
ويطويه نور الفرق في أبحر العمى
وحركت أوتاري فأنطقت أعجما(4)
?
ومن ذلك قوله:
من كمثلي وَذا الشراب شرابي
هام قبلي به الخليل وموسى
هذه حالتي وهذا مقامي
وقوله:
__________
(1) النفس الرحماني ص 37 وديوان أبي مسلم ص 10.
(2) النفس الرحماني ص 41 وديوان أبي مسلم ص 13.
(3) النفس الرحماني ص 194.
(4) النفس الرحماني ص 30 وديوان أبي مسلم ص 3. (1/20)
صفحة 21
هذه النار وذا الوادي المقدس
واجد أنت هدى أو قبس
النبيون كلهم ندماني
ثم عيسى وصاحب القرآن
فاعرفوني أو أنكروا عرفاني(1)
فاخلع النعلين والذلة فالبس
لا تجاوز إن هذا الليل عسعس(2)
?
ومن ذلك:
طنبت في الوادي المقدس خيمتي
قل للذئاب الكاسرات تفسّحي
----??
?
سترتني الأسماء في ملكوتها
وسقتني الأسرار شربة ذوقها
وذكرت من هو في الحقيقة ذاكري
وحقيقتي أني محوت حقيقتي
لما محوت اسمي باسم محققي ... ورعيت بين شعوبه أغنامي
عزّ الحمى وأعزّ منه الحامي
?
?فحجبت عن فهمي وعن أوهامي
فعجزت عن تعبيره بكلامي
وحقيقتي لا شيء وهي مقامي
إذْ ثبْتُها صنم من الأصنام
مكنت فوق رؤوسهم أقدامي(3)
?
4- غنائية الشعر/ قابلية الإنشاد:
إذا تذكرنا أن أبا مسلم نظم أشعاره لتكون أذكاراً، وأن تلك الأذكار تنشد في مجالس الذكر فإننا سنجد الغنائية أو القابلية للإنشاد سمة بارزة في كثير من هذه الأشعار. ومما ساعد على ذلك استخدام بعض البحور القصيرة مثل الرجز، مع استخدام الرباعيات وما فيها من تنوع للقوافي، ووجود لازمة تتكرر بعد كل رباعية أو سداسية.
ومن أمثلة ذلك:
الله الله القدير القادر
سبحانه النور البديع الظاهر
بِحَق لا إله إلا الله??
?
والنصر والتفريج والنصر القريب(4) ... الأول المحيي المميت الآخر
الباطن الحق الغفور الغافر
ومَجد أسْمَائك عجل الْمَدَدْ
ومن ذلك:
عبدك للذنب العظيم مقترف
عبدك عبد السوء ربّي معترف
??
?
بحق لا إله إلا الله(5) ... عبدك للوزر الثقيل محترف
حقق له التوبة عن هواه
__________
(1) النفس الرحماني ص 30 وديوان أبي مسلم ص 3-4.
(2) النفس الرحماني ص 32 وديوان أبي مسلم ص 4.
(3) النفس الرحماني ص 32 وديوان أبي مسلم من ص 4-5.
(4) النفس الرحماني ص 194.
(5) النفس الرحماني ص 237 وديوان أبي مسلم ص 207. (1/21)
صفحة 22
وتتجلى الغنائية والقابلية للإنشاد في عدد من القصائد أو المقاطع التي تتكرر فيها القافية، كما يتكرر في مطلع عدد من الأبيات مقطع معين مثل قوله:
سبحان ذي اللطف باسم الله بالله
سبحان ذي المنّ لم أرفع إليه يدي
سبحان ذي النصر كم ظلم منيتُ ب
م كربة حلها لطف من الله
فقراً فلم يغنني مَنٌّ مِنَ الله
فقام بالعدل لي نصر من الله(1)
?
وشبيه بهذه الأبيات الأبيات المحبوكة التالية:
الحمد لله حق الحمد لله
الحمد لله إطلاقا بلا أمدٍ
الحمد لله أهل الحمد في أز
ما يقوم بحق الحمد لله
قبل الوجود وجوب الحمد لله
قبل الإضافات منّا الحمد لله(2)
?
وليست الغنائية أو قابلية الإنشاد مقصورة على نص دون غيره فمعلوم أن أوزان الشعر العربي كلها قابلة للغناء على تفاوت بينها.
5- التكرار:
من الظواهر البارزة في شعر أبي مسلم التكرار الذي يأخذ أشكالاً مختلفة، وأساليب متنوعة، وهو عنصر آخر يمكن أن يضاف إلى عناصر الغنائية أو القابلية للإنشاد. ويمكن أن نرصد الأساليب التالية للتكرار:
أ. تكرار كلمة في مقطع عدد من الأبيات:
ومن أمثلة ذلك تكرار "إلهي" في الأبيات التالية:
إلهي أظهرت الجميل تفضلا
إلهي ما في القبح كالذنب بارزت
إلهي يعيش العبد ما عاش خاطئـ
ستّرت يا غفار كل قبيحة
به نفس مخلوق جلال الألوهة
وأنت إلهي ساتر للخطيّة(3)
?
ب. تكرار جملة فعلية:
والمثال عليه قوله:
عظمت عظيم الذات لا لبداية
عظمت عظيم الشأن والجدّ والثنا
عظمت عن المقدار والجدّ والفنا
عظمت عظيم القهر في عظموت
لا أجل يقضي على العظمية
فلا منتهى كنه ولا درك نُهية
وتعظيم أغيار وإدراك رؤية
تسبحك الأشياء تسبيح فطرة(4)
?
__________
(1) النفس الرحماني ص 346 وديوان أبي مسلم ص 237.
(2) النفس الرحماني ص 253 وديوان أبي مسلم ص 241 وفيه (بما به قام حق ..).
(3) النفس الرحماني ص 61 وديوان أبي مسلم ص 28 والبيت الثالث (ما عاش عاصيا).
(4) النفس الرحماني ص 80 وديوان أبي مسلم ص 43. (1/22)
صفحة 23
جـ. تكرار جملة إسمية:
ومن أمثلة ذلك ما نجده في الأبيات التالية:
إلهي شهيد حاضر غير غائب
إلهي شهيدٌ للأمور بأسرها
شهيد بوضع الكائنات ونصبها
شهيد لك الموجود مولاي شاه
رى لا تُرى ما غاب مثقال ذرّةٍ
كفى بك ربي شاهد للقضيةِ
على العدل والتوحيد والصفتيّةِ
مقرّ بشأن الوحدة الأزليةِ(1)
?
د. تكرار شبه جملة:
من ظواهر التكرار البدء بشبه جملة متعلق بمحذوف يقدّر وفق السياق، ومن ذلك قوله:
بسلطانك الأعلى بما لَك من عُلا
بسلطانك الأعلى على كل شام
مجدٍ وشأن يا عليُّ ورفعة
بحجتك العليا على كل حجة(2)
?
هـ. تكرار المنادى مع حرف النداء:
ومن أمثلته:
ويا قابض الأشياء قبضة قوة
ويا قابض الإبداع في مستقره
ويا قابض الأكوان فهي بحمده
ويا قابض الألباب من أهل قربه
ويا قابض الأسرار من حيث علم
ها السلب والتقدير في كل ذرة
نظاماً على غاياته الحكمية
مسبحة في القبض تسبيح فطرة
عن البسط في الأغتار والتبعية
بما يقتضي التطوير في البشرية(3)
?
و تكرار فعلين معطوفين:
ومن أبرز المواطن التي نجد فيها هذا الأسلوب مواضع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أمثلة ذلك:
وصل وسلم عدّ أسرار كل ما
وصل وسلم عدّ أسرار جاهها
وصل وسلم عدّ أسرار نورها
وصل وسلّم عدّ ما في بحاره
ذاتك من اسم بدا أو بخفية
ومقدارها في الشأن والعظمية
وأضوائها يا نور في كل رتبة
من الجوهر المكنون عن أي فطرة(4)
?
ز. تكرار اللازمة:
نجد في أكثر من قصيدة لازمة تكررت بين مقاطعها، ومن أوضح ذلك ما جاء في الذكر الثالث "مفاتيح المدد" حيث نجد اللازمة هي الشطر التالي:
والنصر والتفريج والنصر القريب(5)
__________
(1) النفس الرحماني ص 97 وديوان أبي مسلم ص 55.
(2) النفس الرحماني ص 83 وديوان أبي مسلم ص 45.
(3) النفس الرحماني ص 67 وديوان أبي مسلم ص 33.
(4) النفس الرحماني ص 76 ، ديوان أبي مسلم ص 113-114 .
(5) النفس الرحماني، أنظر ص 194 وما بعدها. (1/23)
صفحة 24
مع ملاحظة أنه التزم في البيت الثالث شيئاً من اللازمة مع تغيير طفيف، يبدو ذلك في النماذج التالية من البيت الثالث من أكثر من مقطع:
بحقّ لا إله إلا الل
حق أسمائك عجل المدد(1)
?
وجاء في المقطع الثاني:
بسر لا إله إلا الل
سرّ أسمائك عجل المدد
?
وجاء في المقطع الثالث:
بعز لا إله إلا الل
عزّ أسمائك عجل المدد(2)
?
وهكذا يغيّر الشاعر الكلمة الأولى من الشطرين فقط.
وكانت اللازمة في الذكر الخامس الشطر:
بحق لا إله إلاّ الله
وهناك أشكال أخرى من التكرار، منها: تكرار نداء لفظ الجلالة مرتين في نهاية الشطر الأول وبداية الشطر الثاني:
فاتح البرّ مانح السرّ يا الله
دافع الشر كاشف الضرّ يا الله
جامع الناس للقيامة يا الله
دائم الملك ثابت المجد يا الله
غالب القهر شامخ العزّ يا الل
ا الله هاك وجهي وذُلّي
يا الله قد علمت فكن لي
يا الله اجمع شتاتي وشملي
يا الله انظر لعجزي الأذل
يا الله يا عزُّ قهرك حبلي(3)
?
إن هذا التكرار لم يأت عفو الخاطر وبخاصة أنه أخذ أشكالاً متنوعة، وأنه جاء في سياق الأشعار/ الأذكار. ويمكن أن نرجع هذا التكرار إلى أسباب أهمها سببان فما أرى:
1- التلذذ بذكر الله، بأسمائه وصفاته، وذكر الله تعالى يحلو بالتكرار، والذاكر العابد يترقى في معارج الأنوار وهو يكرر أسماء الله وصفاته، ولذلك نجد تكرار اسمه تعالى: إلهي أو اسم الجلالة كما يتكرر الحمد والتسبيح والتكبير، وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الصلاة بوابة خير لقائلها.
2- الإلحاح في الدعاء: استغفاراً أو طلباً، أو رجاءً، أو استعاذة، والإلحاح مدعاة لتحقق الطلب، واعتراف بقصور العبد، ورجاء تحقق المدعوّ به.
الفردي والجماعي:
__________
(1) النفس الرحماني، الصفحة نفسها.
(2) النفس الرحماني، ص 236 وما بعدها، وديوان أبي مسلم ص 207.
(3) النفس الرحماني ص 315 وديوان أبي مسلم ص 122. (1/24)
صفحة 25
لم يقتصر أبو مسلم في الأذكار/ الأشعار على البعد الذاتي، مع كونه الغالب في هذه الأشعار، بطلب المغفرة والتقرّب إلى الله تعالى، بل كان الهمّ الجماعي نصب عينيه في عدد من المواضع، بالدعاء للإسلام والمسلمين، والدعاء على الكافرين.
ومن ذلك دعاؤه على الكافرين في ظلال اسم الله "المذل":
إلهي مذل الكافرين بكفرهم
إلهي تعدّى خصمك الحدّ واعتدى
وعلمك بالأعداء ربي مسيطر
وما عزّة الطاغي وإن جدّ جدها
فأرسل عليه يا مذّل قواصف
وصُبّ عليه الذل قلباً وقالباً
مصائب ذُلٍ يختبطن حيات
علمك فعل الكفر في القدميّةِ(1)
على حرمات الله بالأغلبيّةِ
وغيرتك اللهم أعظم غيرةِ
بصائرة إلاّ لخزي وذلة
النكير وسربله سرابيل لعنة
وفي جاهه والمال والتبعية
ويحطمنه حطم الدّريس المفتّتِ(2)
?
ويكاد يصرّح بالدعاء على المستعمرين الذين استعبدوا خير أمة، ففي ظلال الحديث عن اسم الله "المنتقم" يقول:
إلى الله أشكو وهو منتقم يداً
يدٌ آسفت ذا الانتقام ونازعت
إلى الله أشكو فعلها في عياله
وقد حلّ بالإسلام ما لستَ راضياً
وكلمتك العليا وأنت بأخذهم
فعاجلهم بالأخذ واقصم ظهورهم
تَجَلّ عليهم باسم منتقم وخذ
أبدهم شديد الانتقام وردّه
تت وبغت واستعبدت خير أمةِ
لها الويل حقّ الكبرياء فشُلّتِ
وغيرته للحق أعظم غيرةِ
من الفئة العاتين فوق البسيطة
جدير وفي الإملاء أعظم نقمة
فقد أصبح الإسلام منهم بذلةِ
قواهم بوهن وابتدرهم بسطوةٍ
مردّاً وبيلاً بين خزي وذلةِ(3)
?
ونجد قلب أبي مسلم متعلقاً بالإسلام والمسلمين، ولذلك يكثر من الدعاء لهم:
وأيّد الإسلام بالكرامة
وارفع على أضداده أعلامه
??
?
بحق لا إله إلا الله ... والعزّ والمجد والاستقامة
ونكّس الشرك ومن والاه
واكسر قوى أعدائه معجلا
__________
(1) النفس الرحماني ص 72 وديوان أبي مسلم ص 37.
(2) النفس الرحماني ص 72-73 وديوان أبي مسلم ص 37.
(3) النفس الرحماني ص 128-129 وديوان أبي مسلم ص 77-78. (1/25)
صفحة 26
حتى متى الإسلام فيهم مبتلى
بحق لا إله إلا الله ... مستأصلاً شأفتهم مذلّلا
نصرك يا غوثاه يا غوثاه
وكما دعا الشاعر على أعداء الإسلام نجد له دعوات خاصة وجهها على أعدائه، ويبدو أن ذلك الدعاء كان على بعض من كاد له وسعى إلى إيذائه، ممّن نافسه في الحياة، أو نفس عليه ما أنعم الله عليه من نعم ظاهرة وباطنة.
ومن ذلك قوله:
ورُدّ به الأعداء عنّي وفُلّهم
وسلّط عليهم غضبة منك لا تذر
وجرّد عليهم منك صمصام نقمةٍ
وتلك مساعيهم على الحق غص
لست جليداً أن أردّ الأعاديا
على الدهر منهم في البسيطة باقيا
تحزّ به أكبادهم والتراقيا
فيا قاصم اقصم من سعى والمساعيا (1)?
ومن ذلك قوله:
غارة الله أدركي نصرتي إذ
غارة الله قد ظلمت وشكواي
غارة الله بالصواعق من نقمته
رب سلطانك النصير نصيري
وجنود الأسماء أنصار قهر
زّني النصر من قريب وخلّ
إلى من يرى ويسمع ذلّي
فاحصبي العدى واستهلّي
وخلوص الدعا سيوفي ونبلي
وكنوز الأسماء كنزي وطَوْلي(2)
?
بين الفن والنظم:
اختلفت القصائد الدينية لدى أبي مسلم في فنيتها، ففي بعضها نجده يحلّق في آفاق الفن، ونجد الصور الموحية، والتعبير الشعري، ونجده في كثير من هذه القصائد يقدم شعراً هو أقرب إلى النظم العقلي، ولعل ذلك راجع إلى كون هذه الأشعار أذكاراً، وكان عقل الشاعر فيها مستيقظاً، ومظاهر استيقاظ العقل وغلبته تبدو في التخطيط للقصائد، بوضع عنوان للقصيدة وتقسيمها إلى مقاطع، واتخاذ عنوان لكل مقطع. ولكثير من القصائد/ الأذكار مقدمة نثرية تتحدث عن الذكر وأهميته وشروطه، مما جعل الديني يطغى على الفني في مواضع من هذه الأذكار/ الأشعار. ومما يلفت النظر كذلك أن أبا مسلم البهلاني ذو نفس شعري طويل، ولعل طول النفس الشعري سبب من أسباب تراجع المستوى الفني، وإن يكن ليس سبباً رئيسياً.
__________
(1) النفس الرحماني ص 343 وديوان أبي مسلم ص 150-151.
(2) النفس الرحماني ص 331 وديوان أبي مسلم ص 134. (1/26)
صفحة 27
ومن المواضع التي يقترب فيها الشعر من النظم قول أبي مسلم:
تعلقت يا الله من حيث إنني
تعلقت يا الله من حيث إنني
تعلقت يا الله من حيث إنني
تعلقت يا الله من حيث إنه
تعلقت يا الله من حيث إن
رفتك يا خلاّق مبدئ نشأتي
رأيت لك الآيات في كل فطرة
علمتك بالتكوين والمبدعية
يحق لك التوحيد في كل ذرة
بتدبيرك الأشياء من غير شركة(1)
?
ومن ذلك قوله كذلك:
الله الله هو الله أحد
سبحانه عن والد وعن ولد
بحق لا إله إلا الله??
?
والنصر والتفريج والفتح القريب(2) ... الله هو الله الصمد
ولم يكن لذاته كفوا أحد
وحق أسمائك عجل الْمَدَدْ
ومن مظاهر النظم في بعض القصائد الحجاج العقلي الذي يتجلى في قصيدة "الشجرة المباركة"، ومما جاء فيها:
سبحان من وجب الوجود لذاته
وجب الوجود له بما هو أهله
وجب الوجود لذي الجلال بشرط لا
وجب الوجود لذي الجلال مقدسا
لذات لا كوجود مخلوقاته
من مقتضى أسمائه وصفاته(3)
ولو انجلى بوجود موجوداته
عن شائبات النقص في سبحاته(4)
?
وإلى جانب هذا النظم الذي غلب عليه الفكر نجد شعراً يدل على شاعرية راقية لدى أبي مسلم عندما يبرز الشاعر فيه فيرتقي إلى مصافّ الشعراء الصوفيين الكبار كابن الفارض وابن عربي. ومن أمثلة ذلك ما ورد في مقدمة الأذكار، وقد سبقت الإشارة إليها من قبل ولا أعيدها، ومما تجلى فيه الفن قوله:
أقمت لعزّ وجهك ذلّ نفسي
إليك يسوقها شوق مُلحٌّ
أجشّمها العزائم وهي نضو
أجرّدها من الأهواء حتى
أمزّق باسمك الأعلى صفاتي
أبيت سوى جلالك لي جلال
أفنِ النفس فيك لك البقاء
وأصوات الصفات لها حداء
وتحت عزائم النفس العلاء
يباشرها بمنّتك الصفاء
وألبس من صفاتك ما أشاء
__________
(1) النفس الرحماني ص 46 وديوان أبي مسلم ص 16
(2) النفس الرحماني ص 194.
(3) النفس الرحماني ص 185 وديوان أبي مسلم ص 266.
(4) النفس الرحماني ص 186 وديوان أبي مسلم ص 266. (1/27)
صفحة 28
وليس كنور وجهك لي سناء(1)
?
ومن النصوص التي حلّق فيها أبو مسلم ما ورد في مدحة نبوية في الذكر السادس "الفتح القريب بالمصطفى الحبيب" ولعل هذه القصيدة من أجمل الشعر الإيماني لدى أبي مسلم، ويتجلى فيها أثر الشعر الصوفي:
لا أحسب الروح إلاّ أنّها خلقت
فلا علاج لها من أصل فطرتها
وجدت نفسي صريعاً في مصارعه
نار المحبة نار لا يقام لها
طارحت أهل الهوى حتى بُليت به
لا يصدق الحب إلاّ من يموت به
وليتها موتة في الحب موصلة
ولست في الحب من نفسي على ثقة
إن كان حبي معلولاً فأنت له
ن الهوى فاختفت عن عالم الصور
إذا أصيبت بسهم الحب عن قدر
يا حب لا تبق من روحي ولا تذر
لواحة، قسماً، بالحب للبشر
ففتّهم ومشوا خلفي على أثري
ما للهوى دون حسْو الموت من قدر
بوصلة من حبيب الله في العمر
من نصبها للهوى طورا على وطر
أدرك عليلك قبل الأخذ في الخطر(2)
?
وما بين النظم العقلي والفن الراقي يتدرّج الشعر الإيماني لأبي مسلم.
مؤثرات في الخطاب الإلهي:
إن الشعر الإيماني لأبي مسلم هو ثمرة تجربته الإيمانية، ونتاج ثقافته وصورة شخصيته، وقد تجلت في هذا الشعر مجموعة من المؤثرات التي نراها موزعة فيه، في أفكار أو نصوص أو ألفاظ.
ومن المؤثرات: القرآن الكريم: وحيث يمّمت القصائد الإيمانية لأبي مسلم وجدت أثر القرآن الكريم في اقتباس منه أو إشارة إلى معنى أو تضمين فكرة. والأمثلة كثيرة يدل قليلها على المقصود:
(وإني لغفار لمن تاب) رُدّني
تباركت شأني لا يؤودك حفظه
بحولك تؤتي الملك يا رب من تشا
وأنت معزّ من تشا ومذلّ من
الله الله هو الله أحد
سبحانه عن والد وعن ولد
(الله لا إله إلا هو) له
(الله لا إله إلا هو) لا
قد مسّني الضرّ وأنت أرحم)
أرى (ومن يحلل عليه غضب
ليك فلا تردد مثابي بخيبة(3)
__________
(1) النفس الرحماني ص 395 وديوان أبي مسلم ص 271.
(2) النفس الرحماني ص 261-262.
(3) ضمن الشاعر بعض الآية رقم 82 من سورة (طه) النفس الرحماني ص 62. (1/28)
صفحة 29
بعينك محذوري وكيف تشتّتي(1)
وتنزعه ممن تشاء لحكمة
تشاء بتصريف اقتضاء الألوهة(2)
الله الله هو الله الصمد
ولم يكن لذاته كفوا أحد(3)
قداسة مطلقة عن الشبه
تدركه الأبصار) جلّ وعلا(4)
وأنت بالضرّ إلهي أعلم(5)
فقد هوى) في موبقات العطب(6)
?
والمؤثر الآخر في الشعر الإيماني لأبي مسلم هو التراث الصوفي فكراً ومصطلحاً. فالمصطلحات الصوفية مبثوثة فيه. ومن هذه المصطلحات:
"الجمع"(7)
__________
(1) نرى أثر بعض آية الكرسي (ولا يؤوده حفظهما) النفس الرحماني ص 86 .
(2) ضمن الشاعر البيتين قوله تعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) آية 26/ سورة آل عمران النفس الرحماني ص 131.
(3) ضمن الشاعر سورة الإخلاص في البيتين النفس الرحماني ص 194.
(4) الله لا إله إلا هو) مقطع من آية تكرر أ:كثر من مرة في القرآن الكريم (لا تدركه الأبصار) جزء من الآية 103/ سورة الأنعام. النفس الرحماني ص 199.
(5) مسني الضر وأنت أرحم) بعض من الآية 82 من سورة الأنبياء. النفس الرحماني ص 230.
(6) بعض من الآية رقم 81 من سورة طه. النفس الرحماني.
(7) الجمع: شهود الأشياء بالله والتبري من الحول والقوة إلا بالله. كتاب التعريفات للشريف الجرجاني ص 77.
(63) النفس الرحماني ص 37 .
(64) الفناء: عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت وهو بالاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق. كتاب التعريفات ص 169
(65) النفس الرحماني ص 37.
(66) المشاهدة: توالي أنواع التجلي على القلب من غير انقطاع. الرسالة القشيرية ص 67.
(67) النفس الرحماني ص 38.
(68) المحق: فناء وجود العبد في ذات الحق تعالى، كما أن المحو فناء أفعاله في فعل الحق. كتاب التعريفات ص 205.
(69) المحو: رفع أوصاف العادة بحيث يغيب العبد عندها عن عقله ويحصل منه أفعال وأقوال لا مدخل لعقله فيها كالسكر من الخمر. كتاب التعريفات ص 205.
(70) انفس الرحماني ص 39 .
(71) الأبدال: هم سبعة رجال من سافر من موضع وترك جسداً على صورته حياً بحياته، ظاهراً بأعمال أصله بحيث لا يعرف أحد أنه فُقد وذلك هو البدل لا غير، وهو على قلب إبراهيم عليه السلام. التعريفات ص 43.
(72) الأقطاب: القطب ويسمى غوثاً، وهو الواحد الذي هو موضع نظر الله في كل مكان ... انظر كتاب التعريفات ، ص 177.
(73) الأنجاب: هم الأربعون وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق. كتاب التعريفات ص 239.
(74) النقباء: هم الذين تحققوا بالاسم الباطن فأشرقوا على بواطن الناس فاستخرجوا خفايا الضمائر لانكشاف الستائر لهم عن وجود السرائر ... كتاب التعريفات ص 245.
(75) الأوتاد: هم أربعة رجال منازلهم على منازل الأربعة الأركان من العالم. كتاب التعريفات ص 39.
(76) الغوث: هو القطب . (1/29)
صفحة 30
في قوله:
هو اللهُ باسمِ الله في كل لحظة …بأسرار سِرّ الجمع جمع تشتتي(63)
و"الفناء" (64) في قوله:
هو الله باسم الله شاهدت اسم
تاهت بأفناء الفناء أنيّتي (65)
?
و"الشهود" (66) في قوله:
هو الله باسم الله أنسي شهود
لو غيبته العين متّ بوحشتي (67)
?
و"المحق" (68) و"المحو" (69):
هو الله باسم الله محق إرادت
رادي وإثباتي لمحوي بغيتي (70)
?
ومن مصطلحات الصوفية: الأبدال (71) والأقطاب (72) والأنجاب(73) وانقباء (74) والأوتاد (75) والغوث (76). وقد جاء في التوسل إلى الله تعالى بهم قوله:
بالسادة الأبدال بالأقطاب
وبرجال الغيب بالأنْجاب??
?
بالسادة الأوتاد بالغوث الأبر(77) ... بالسادة الأفراد بالأحباب
بالنقباء الطهر بالأطياب
ومن فكر الصوفية الذي يتجلى لدى أبي مسلم "الحقيقة المحمدية" وأجدها في قوله:
فلا كمال لمخلوق وليس به
لا عرش لا فرش لا كرسيّ لا ملك
أب لكل وجود أصل مبدئ
ل إنما فاض منه الفيض للفطر
لا إنس لا جنّ لم يمدده بالخَير
منه، ومنه مداد الأنفس الطهر(1)?
* معمار القصيدة في الخطاب الإلهي:
تنوع المعمار الفني للقصائد في الخطاب الإلهي لأبي مسلم. ونلاحظ أن كثيراً من هذه القصائد خُطّط لها، ورسمت مسبقاً قبل أن تنظم، أي أنها أشبه بالكتاب الذي يخطط له ثم يؤلف وفق هذا التخطيط، ولعل هذا الأمر مما أسهم في تراجع المستوى الفني لمقاطع من القصائد وجعلها نثراً منظوماً. ويلاحظ أن عدداً كبيراً من هذه القصائد مكون من مقدمة نثرية توضح شروط الذكر ثم يأتي بعد ذلك الذكر/ القصيدة. يستثنى من ذلك الذكر الثالث عشر الذي جاءت مقدمته (شروط الذكر) شعراً. وقد سبق شروط الذكر النثرية تمهيد شعري في الذكر الأول الذي بدأ باسمين من أسماء الله تعالى: هو –ولفظ الجلالة وخص كل اسم بستة وستين بيتاً. ثم تتابعت الأسماء الحسنى، لكل اسم منها أحد عشر بيتاً.
__________
(1) 78) النفس الرحماني ص 266 . (1/30)
صفحة 31
وبعد الأسماء الحسنى خاتمتان شعريتان كل منها ستة وستون بيتاً. وجاء الذكر الثاني في مقدمة نثرية فيها شروط الذكر ثم الذكر وهو قصيدة مكونة من ستة وستين بيتاً. ومما يلفت النظر هذا العدد ستة وستون الذي تكرر في أكثر من موقع. وتشابهت الأذكار الثالث والرابع والخامس في كونها مكونة من مقدمة نثرية ثم مقاطع رباعية في الثالث والخامس تتلوها لازمة مكررة، وسداسية يتلوها شطر اللازمة فيه روية. وجاء الذكر السادس قصيدة لا مقدمة لها.
وأما الذكر السابع والثامن فهما تخميس لقصيدتين للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وقد جاء الذكر السابع في أقسام: شروط الذكر ثم الذكر الذي قُسّم إلى عناوين جانبية: أول الدعوة ثم تلته سبعة فصول لكل فصل عنوان، وأما الذكر الثامن فجاء تخميساً بلا عناوين جانبية.
وجاء الذكر التاسع في مقدمة نثرية توضيحية للذكر ثم جاء الذكر في تسع حضرات لكل حضرة عنوان ثم خاتمة، مع ملاحظة أن هذه الحضرات متفاوتة العدد.
وجاء الذكر العاشر من غير مقدمة نثرية بل جاء تحت عناوين لكل اسم من الأسماء الحسنى التي وردت في سورة الفاتحة عنوان تحت كل عنوان أحد عشر بيتاً. ثم خاتمة عدد أبياتها أربعة وثلاثون بيتاً. ونلاحظ هنا أن العدد أحد عشر تكرر في هذا الذكر بعد أن ورد في الذكر الأول. (1/31)
صفحة 32
وجاء الذكر الحادي عشر ليخصص لكلٍ من الباقيات الصالحات ذكر أو قصيدة ثم تتكرر الأذكار/ القصائد مرة أخرى لكل من الباقيات الصالحات، ويلفت النظر أن قصيدة التسبيح الأولى جاءت في ستة وستين بيتاً، ومثلها قصيدة الحمد لله، وجاءت قصيدة التهليل في أربعة وستين بيتاً، ومثلها قصيدة التكبير، وجاءت الباقية الثانية في التسبيح في خمسة وستين بيتاً. وقصيدة التحميد الثانية في ستة وستين بيتاً وقصيدة التهليل الثانية في ستة وستين بيتاً وقصيدة التكبير الثانية في ستة وستين بيتاً. ويلفت النظر هنا مرة أخرى الرقم ستة وستون الذي يتكرر أكثر من مرة، فهل فيه سرُّ ما لدى أبي مسلم؟
وجاء الذكر الثاني عشر في قصيدتين الأولى همزية والثانية بائية، من غير إيراد مقدمة، ويلفت النظر هذا التساوي في عدد الأبيات فكل منهما مكونة من ثمانية وعشرين بيتاً. وورد الذكر الثالث عشر في مقدمة شعرية ثم ذكر مقسم إلى ست لطائف لكل لطيفة عنوان خاص مع عدم تساوي عدد الأبيات في هذه اللطائف.
هل نستطيع أن نكرر بعد هذا كله أن القصائد التي تضمنت الخطاب الإلهي في شعر أبي مسلم كانت في معظمها من الشعر الواعي الذي يكتبه الشاعر وهو في درجة من الوعي لا الاستغراق في التجربة التي تنسيه عدد الأبيات وتقسيمات القصيدة؟ وهل نستطيع أن نربط بين هذا الوعي والمستوى الفني لكثير من هذا الشعر؟
أما بعد:
إنه عالم نوراني ذلك الذي يحمل قارئه إليه شعر أبي مسلم البهلاني، على أجنحة الحروف والكلمات، كما يخوض به بحور الشعر والذكر والفكر، مع أسماء الله الحسنى وتجلياتها في الكون والحياة، وفي عالم الإنسان، كما ينقل إلينا تجربة القرب من الله تعالى، والسعي في مدارج الإيمان عبر معارج الذكر والفكر. (1/32)
صفحة 33
(3)
الخطاب الدّيني
ونسق المرجعيات
في شعر أبي مسلم البهلاني
د. محسن بن حمود الكندي
جامعة السلطان قابوس – سلطنة عُمان
الاثنين 3 ذي القعدة 1423هـ
الموافق له 6 يناير 2003م
الخطاب الديني ونسق المرجعيات
في شعر أبي مسلم البهلاني / الرواحي .
إعداد : محسن بن حمود الكندي .
" أنا فقيه من فقهاء المسلمين أجدد لهم
دينهم وأرعى مصالح الناس ...." (1)
********
@ - مدخل :
نقصد بنسق المرجعيات توالي المؤثرات الواقعية وغير الواقعية في تجربة أبي مسلم الشعرية , انطلاقا من ترتيب فكري تصاعدي , يركز على جملة الأفكار المتوالية التي تشكّل بناء الجوهر الشعري في خطابه الديني بعيدا عن أشكال النصوص التي تفصح قراءتها عن مواقف آنية أو مؤقتة . كما أن هذه المؤثرات تضع بصمتها على الحواف المتصلة بها لتصل إلى نتيجة معينة يبينها المخطط التالي :
القوة القاعدية ----------- المثال------------ النتيجة
(الجوهر ) ..... ( أنساق الواقع ) ..... ( الإصلاح والتنوير)
العقيدة الإباضية ----- السياسة / الثقافة-------- الشخصية الجماهيرية
أما دراستنا لهذه الأنساق فتنضوي تحت لواء التأويل والتفسير وإيجاد الرديف المطابق في الخطاب الديني( الأذكار والإلهيات والمدائح والسلوك) لدى الشاعر أبي مسلم البهلاني ( 1860-1920 ) معتمدة على أربعة عوامل أساسية :
__________
(1) * - حنفي , حسن : من العقيدة إلى الثورة , ط1 , م1 , دار التنوير , بيروت , 1988 , ص 40 . (2/1)
صفحة 34
الأول : ينطلق من أن المرجعيات ليست مجرد انعكاس فني للموضوعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية , وإنما هي انعكاس موضوعي لها . وعلى ذلك فمفهومنا للمرجعيات يتحدد بكونها " علاقة بين ( سائر العلاقات) وما تشير إليه , و أنها تحيل إلى موضوعات خارجة عن اللغة ........"(1) . من هنا فهذا العامل يهدف إلى الربط بين عناصر الخطاب الديني المكّون لنسق المرجعيات في شعر أبي مسلم وبين سلسلة القضايا المتصلة بالواقع التاريخي في سياق يلتهب بالحقيقة الجوهرية , لتكون المحصلة ليست أنساقا جامدة , أو قوانين ثابتة , وإنما نظرة كلية للوعي الجمعي على حد رؤية " لوسيان جولدمان " .
الثاني : يبحث في نمطية المرجعيات وأشكال المفاهيم المتعلقة بحركة التغير البنائي للمجتمع العماني إبان ظهور الشاعر, في محاولة للاهتداء إلى كيفية تولدها وتطورها على نحو يجعل لتجربته الشعرية عمقا سوسيولوجيا لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون خارجة عنه , وذلك انطلاقا من مقولة "الشاعر ابن بيئته, ونتاج طبائعها , وهي بذلك تلعب دور المفتاح السحري لأقفاله المستعصية .
الثالث : يظهر حالة الارتباط الوثيق بين مكونات الخطاب الديني ونقد الواقع " فعلى الرغم من أن قصائد هذا الخطاب تتكون من أذكار وابتهالات ومدائح نبوية إلا أنها ليست – بحال من الأحوال – من ذلك النوع الهروبي من الواقع , والاتصال المنفرد بالقوة الغيبية المسيرة للعالم , ألا وهي قوة الله سبحانه وتعالى, إنها وإن لبست أقنعة ذاتية فهي معنية بنقد الواقع ......." (2) .
__________
(1) 2 - ..العلوش , سعيد : معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة , ط1 , دار الكتاب اللبناني , بيروت , 1985 , ص 97 .
(2) - المحروقي , محمد : الشعر العماني الحديث : أبو مسلم البهلاني رائدا , ط1 المركز الثقافي العربي , بيروت , 2000 , ص 82 . (2/2)
صفحة 35
الرابع : يؤكد على أن تجربة أبي مسلم وتركيزه على الخطاب الديني لم يأت من فراغ , وإنما هو نتاج تأثر بتجارب فقهاء الإباضية قبله ( سعيد بن خلفان الخليلي - قطب الأئمة محمد بن اسحاق اطفيش - جاعد بن خميس الخروصي , – نور الدين السالمي – الإمام سالم بن راشد الخروصي- أحمد بن سعيد الخليلي... ) وخاصة فيما أثارته من جدل معرفي , وحراك علمي / ديني كان له أثره في الوسط الثقافي / الاجتماعي العماني ولا سيما في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين .
لقد وجدت هذه العوامل الأرضية الخصبة في الخطاب الديني الثري عند شاعر يعدّ - في نظرنا - من أكثر الشعراء حضورا في الخطاب الشعري العماني المعاصر, فكانت دراستنا له منصبة على ردود الفعل القائمة بين تجربته الشعرية المتعلقة بالخطاب الديني وبين الأسس التاريخية / المذهبية القائمة عليها , فكانت حصيلة للقيم الاجتماعية والفقهية التي تخمرت في المجتمع الذي عاشه في عمان أو زنجبار على حد سواء .
إن دراستنا هذه تجد في نهجها الذي يبحث في العلائق الحميمة بين المبادئ المذهبية، وبين الوسائل الفنية المعتمدة أساسا على الظواهر والمؤثرات الفكرية, وذلك انطلاقا من نظرة تتحدد بأن " لكل جهد تبذله شخصية من الشخصيات الأدبية معنى تجاه الموقف العام في العمل الفني " (1) .
__________
(1) - هلال , غنيمي : المواقف الأدبية , ط1 , دار النهضة , مصر , 1973 , ص 101 . (2/3)
صفحة 36
لقد أنتجت قريحة أبي مسلم الشعرية كما كبيرا من القصائد (1) بلغ عددها أكثر من اثنتين وعشرين قصيدة طويلة تشكّل نسبة قدرها 86% من مجموع شعره المنشور والمخطوط معا , وكان لهذا الإنتاج حضورا كبيرا في المجتمع العماني (2), فهو معروف ومؤثر ومتواصل بحكم صلته بحركة الهجرة العمانية إلى الجناح الأفريقي , وبوصف وفائه الدائم للخطاب الديني / الاستنهاضي وإخلاصه الشديد له , ورغم ذلك لم يلق النقد العربي عليه نظرته , فلم يحظ بالدرس الكافي , ويعود السبب في ذلك بالإضافة إلى العزلة , هيمنة المراكز على الأطراف , وهي هيمنة قديمة تضرب بجذورها إلى الجاحظ وابن قتيبه وأبي سلام الجمحي (3). وعلى الصعيد المحلى فرغم تأثيرها البّين على مجمل الحياة الاجتماعية والثقافية العمانية, انحصرت في دائرة التأثير الذوقي , ولم تعتمد النظرة النقدية إليها موقفا , وإنما تذرعت بثقافة أحادية هي نتاج تأثيرات المثقف المحافظ الذي كشف عن خطاب عنيف يوازي عنف
__________
(1) - أحصينا مجمل قصائد الخطاب الديني في طبعات ديوانه الأربع إضافة إلى بعض المصادر المخطوطة .
(2) - حظي هذا الحضور بأهمية كبيرة عند بعض الباحثين في تجربة الشاعر إلى حد تم اعتباره من قبل أحمد درويش بأنه " شاعر شعبي بالمعنى اللغوي للكلمة لا بالمصطلح الفني المتعارف عليه , غير أن صلاح رزق استبدل هذه التسمية بمصطلح آخر اعتبره فيه بأنه " شاعر جماهيري " . وينطلق الباحثان في هاتين التسميتين من تلك الحفاوة التي يستقبل بها جمهور الشعر في عمان شعر أبي مسلم, والتي كانت بعض مظاهرها تسجيل قصائده في وسائل التسجيل السمعية الحديثة . انظر أحمد درويش : مدخل إلى دراسة الأدب في عمان , ص 154 , وصلاح رزق في ديوان أبي مسلم البهلاني : تقديم ودراسة , ص 11 .
(3) - حول تفصيل هذه الهيمنة أحيل إلى كتاب الدكتور أحمد درويش : مدخل إلى دراسة الأدب في عمان , ط1 , دار الأسرة , سلطنة عمان , ص 18 وما بعدها . (2/4)
صفحة 37
التجربة ذاتها , أو قل إنه أزاح القناع عن دائرة المسكوت عنه أو غير المصرح به أعني بذلك تحديدا شعر الاستنهاض .
من هذا المنطلق تطرق هذه الدراسة أبواب هذه المرجعيات مبيّنة نسق الخطاب الديني في هذه التجربة الثرية مفترضة أن القيمة الأساسية في نقدها إنما تكمن في قدرتها على التحديد الذي انفردت به عن بقية التجارب الشعرية العمانية الحديثة , وهو تحديد يلقي بضلاله على سلسلة القراءات السابقة والمنحصرة في جوانب توثيقية / تحليلية يحمد لها إرساء القواعد الأولى للنظرة النقدية(1) .
إن دراستنا سوف تعتمد الافتراض الذي ينظر إلى نسق التغير السياسي / الاجتماعي في موطن الشاعر( عمان – زنجبار ) لما لذلك من التخصيص والإثبات ؛ تخصيص للحقائق الجوهرية في حركة تتسم بالشمول والحتمية , ولا مراء في ذلك فالبحث الافتراضي يقود إلى الخوض في طبيعة البذور الأولى المشكّلة لظاهرة المرجعيات , والتي تحددها دراستنا في أنواع الأنساق التي يقوم عليها الخطاب الديني بأكمله , وذلك على النحو التالي :
التوحد بالذات الإلهية .
المبتغى الوحدوي للمسلمين كافة .
بث الكراهية للظالمين والدعاء عليهم .
إثارة الحمية القبلية , وبيان معطيات الواقع الاجتماعي والسياسي .
اللوم والتقريع .
الابتهال والتوسل .
التوبة والاستغفار .
__________
(1) - وجدت بعض هذه القراءات على هيئة أطروحات علمية لنيل شهادات أكاديمية عليا في مجال النقدالأدبي الحديث , ومنها :
الشاعر العماني الشيخ أبو مسلم البهلاني حياته وشعره , فتحي شحاته عطية ,أطروحة ماجستير , جامعة الأزهر , 1994 .
الشعر العماني الحديث : أبو مسلم البهلاني رائدا , محمد ناصر المحروقي , أطروحة ماجستير , جامعة السلطان قابوس , 1995 .
أبو مسلم البهلاني ومنهجه الفقهي في كتابه نثار الجوهر , سالم بن علي اليحيائي , أطروحة ماجستير , جامعة آل البيت , 1998 . (2/5)
صفحة 38
أما بالنسبة لتحديد مقومات هذه الأنساق فهي لا تخرج عن كونها سياسية في المقام الأول , وقد أفرزها الواقع العماني بكل ما طرأ عليه من تبدل , يتضح هذا إذا ما عرفنا أن أبا مسلم عاش في أواخر القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين , أي أنه عاش في مجتمع يعج بأشكال الصراعات السياسية والاجتماعية والفكرية , وكان التكوين الاجتماعي والسياسي والثقافي فيه يعاني من مشاكل خطيرة بعضها يتصل بتوتر الواقع المحلي وانفصاله بين نظامين سياسيين ( إمامة – سلطنة ) وبعضها يتصل بتوتر العلاقة مع الآخر ( المستعمر ) , لكن الواقع الثقافي لم يكن قادرا على استبطان مثل هذه المعوقات التي تذكيها معوقات أكثر شراسة من مثل أصناف التخلف المهيمنة على المجتمع , جراء استشراء السلطات (1) المنتشرة بلا حدود ( سلطة الحكم– سلطة القبيلة – سلطة العادات الرثة والتقاليد المقيتة .....) .
لقد لعبت هذه التأثيرات جميعا دورا في تشكيل نسق المرجعيات في شخصية أبي مسلم الثقافية , والتي وجدنا أولى مظاهرها في المرجعية العقدية الإباضية بحكم أنها من أكثر المرجعيات اتصالا بالفكر السياسي, ومن ثم بلورة شخصيته الفكرية وفق سلسلة من الشخصيات تؤدي كل منها دور الآخر وتبرز شخصيته وكأنها جملة من الشخصيات المركبة والمتولدة عنها : شخصية الفقيه الزاهد , وشخصية الثائر المستنهض , وشخصية المثقف المستنير.ولعلنا نلمح ذلك في عدد غير قليل من قصائده التي تتناول كبرى القضايا الفقهية والسياسية بنظرة المفكر المستنير , ووفق فكرة الأنساق الجوهرية التي تبرز تجلياتها في المرجعيات التالية :
__________
(1) - نعني بالسلطات هنا المعنى المطلق الذي لا يحصرها في شكل النظام السياسي فقط , وإنما يطلقها على كل شكل يفرض هيمنته بواسطة مجموعة من القوانين والمعايير التي تمثل ضوابط لسلوك الإنسان وطرق تفكيره , وبالتالي تشدد الرقابة على النشاط اللاواعي لديه فضلا عن نشاط الوعي العادي " . (2/6)
صفحة 39
أولا : المرجعية الدينية , ونسق العقيدة الإباضية .
ثانيا : المرجعية السياسية ونسق الواقع الإسلامي / العماني / العربي .
ثالثا : المرجعية الاجتماعية ونسق الذات القبلية .
إن مثل هذه الأنساق تقودنا إلى أسئلة جوهرية من بينها : إلى أي مدى عكس شعر أبي مسلم هذه الأنساق الثلاثة ؟ . وهل وجدت فيه بكمية كبيرة من شأنها أن تكّون ظاهرة فكرية لها تأثيرها الواضح في تجربته ؟ ومن هم الرموز الأكثر تأثرا بهم ؟ وهل انعكست أفكاره المذهبية على تلاميذه من الأجيال الشعرية اللاحقة له ؟ . وأخيرا ما أبرز المرجعيات المهيمنة في خطابه الديني بوصفها تحديات لقوى غير مهيمنة وغير نسقية ؟ وكيف وفق بين ما ينبغي أن يكون عليه مجتمعه الإسلامي عامة, وبين ما بات عليه الواقع ؟
والإجابة على هذه الأسئلة يمكن تفصيلها في عدد من التطبيقات يمكنها أن تحيل في نهاية الأمر إلى أسئلة جريئة تتصل بالشبكة المعقدة التي تتكون منها مرجعية الخطاب الديني في الشعر العماني عامة . غير أن هذه الأسئلة من جانب أخر قد تتولد عنها صياغات ربما تكّون مجمل النتائج التي توصلنا إليها في قراءتنا لخطاب المرجعيات , والتي نوضّحها في التفصيل التالي :
أولا : المرجعية الدينية , ونسق العقيدة الإباضية(1) :
تعكس شخصية أبي مسلم تجليات المرجعية العقدية الإباضية التي تظهر مفرداتها في المواقف التالية:
أ - الموقف من الجذور العقدية ؛ حيث الصورة الموازية , والنموذج المجسّد لشعر الشراة وكذلك استقلالية المذهب ونفي تبعيته للخوارج.
ب- الموقف من قضية التحكيم التاريخية .
__________
(1) - نشير هنا إلى أننا تناولنا هذه المرجعية بالتفصيل في بحثنا " الشعر العماني في القرن العشرين (الشعر الديني ) ونستثمر هنا ما قدمناه لكون أبي مسلم أكثر حضورا في هذه المرجعية , وبالتالي ما سوف يرد في هذه المرجعية وغيرها إنما هو مختصر بالتصرف عما أوردناه في بحثنا السابق . (2/7)
صفحة 40
ج– الموقف من قضايا التوحيد , كنفي الرؤية , و الولاية والبراءة , و خلق القرآن , و الشفاعة , والكبائر والصراط والميزان .
د – الموقف من قضايا العبادة واعتبار التصوف سلوكا جريا على سنن أسلافه .
فبالنسبة للموقف الأول -الموقف من الجذور العقدية - فتبرز فيه الصورة الموازية والنموذج المجسّد لشعر الشراة , وهي صورة تأخذ أحيانا مجرى الاحتفاء بمنجزات الشراة التاريخية , وقد أظهر شعر أبي مسلم ملامح مهمة من هذه الصورة ؛ فشعره الديني كما يصفه الدكتور محمد بن صالح " يصب في بحر الشراة – ولا يحيد عنهم ، فقد عبّر عن عقيدتهم بصدق وصفاء ووضوح " "(1) - ولعل قصائده المسمّاة بـ " النهروانية " , و " أفيقوا بني القرآن " , و " أشعة أنوار الحق " تثبت ذلك ؛ فهو يقول في الأولى : ( الطويل )
جزى الله أهل النهروان وضاءة وما فوق مرضاة الإله أجور
كما جاهدوا في الله حق جهاده وقاموا بما يرضى وفيه أبيروا
وماتوا كراما قانتين وكلّهم على الموت صّبار هناك شكور
شراة سراة لا يخط غبارهم وإن أبلجت فوق الأمور أمور
إذا انتهكت من دين الإسلام حرمة فليس لهم عيش هناك قرير
ندين لوجه الله طوعا بحبهم وما شنآن الملحدين مضير
نفوسهم حيث ابتلوا وجه ربهم قرابين منهم قدّمت ونذور (2)
__________
(1) - ناصر : محمد صالح ( دكتور ) : أبو مسلم حسان عمان ؛ط1 , مطابع النهضة , سلطنة عمان , 1996 , ص 24
(2) - القصيدة " النهروانية " ديوان أبي مسلم , ص 32 . (2/8)
صفحة 41
في هذا المقطع يذكر الشاعر" أهل النهروان " (1) ويمدحهم بما ناضلوا فيه من حق وإيمان حتى قضى عليهم , فهو يستمد معجمه من النصوص والأصول الدينية
__________
(1) - المقصود بأهل " النهروان " المشاركون من الإباضية في موقعة النهروان المعروفة في التاريخ الإسلامي ؛ و تقع النهروان بين واسط وبغداد ودارت بها معركة حربية بين الإمام علي بن أبي طالب وأتباع عبدالله بن وهب الراسبي, وفيها قتل الراسبي وكثير من أتباعه ؛ وسبب الموقعة أن جماعة من المسلمين رأوا صحة خلافة علي فقاتلوا معه إلى أن قبل التحكيم , ثم اعتزلوه واجتمعوا في النهروان , وقدموا لأنفسهم بديلا عنه هو عبدالله بن وهب الراسبي ؛ وذلك في العاشر من شوال سنة 37 هـ , وكان من أفضل قومه يومئذ , ولما بايعوه بعثوا إلى أصحابهم ومنهم الإمام على لكي يدخلوا في البيعة , لكن عليا رفض ذلك فحاربهم قبل أن يقوى أمرهم .( حول تفاصيل الموقعة وملابسات الموقف العسكري والسياسي فيها أحيل إلى المراجع التالية :
* - الفكر السياسي عند الإباضية : محمد مسعود شيبه , أطروحة ماجستير ,جامعة المنيا , 1996, ص 36
*- الإباضية بين الفرق الإسلامية : على يحيى معمر , ط1 , مكتبة وهبة , القاهرة , 1976.
*- تحفة الأعيان: نور الدين السالمي , ط, مطبعة الإمام , القاهرة , ب.ت , ص 291 .
* - الأعلام : خير الدين الزركلي , ط1 , دار العلم للملايين , بيروت , 1998 , 4 / 143 . (2/9)
صفحة 42
( جزى الله – مرضاة الإله – أجور – جهاد – قانتين – ابتغوا وجه ربهم - الملحدين ) فالمعجم كله ديني وقد وظفه الشاعر لإبراز أن أهل النهروان شروا الموت بالحياة جهادا في سبيل ما رأوه الحق , ولم يراعوا في ذلك لومة لائم , إذ أخلصوا وجوههم لله , والشاعر من أجل ذلك يدين بحبهم ليس من أجلهم , وإنما من أجل الله تعالى . فنحن نرى أن المدح الديني ليس فقط إحياء لذكرى " أهل النهروان " وإنما لأن ذكرهم الذكر الحسن يمثّل - من وجهة نظره - عبادة ؛ فالشاعر في هذه الأبيات يقدّم صورة تقريرية واضحة يفتخر من خلالها بعقيدته التي تربطه بأسلافه أهل " النهروان " فهم في نظره مجاهدون صابرون عابدون مضحّون زهّاد , وهذه الصفات تعّمق إحساسه بالانتماء لهم والإخلاص لفكرهم, ومن ثم الغوص في تاريخهم بغية استنطاق حوادثه الكبرى , ولعل قصائده " العينية " و " الرائية " و " النونية " توّضح ذلك . (2/10)
صفحة 43
أمّا استقلالية المذهب ونفي تبعيته للخوارج , فقد نافح أبو مسلم من أجلها شأنه في ذلك شأن أقرانه من الشعراء العمانيين الذين نافحوا عن مذهبهم معدين إياه مذهبا مستقلا له شخصيته الخاصة, كما أنه عندهم " مذهب أهل الاستقامة " . فتاريخه ينبثق من مرجعية تاريخية متأصلة الجذور , فهو - في نظرهم - ليس مذهبا خارجيا ,ومن تتبع مصطلح " الخوارج " يجد أنه قصد به اللمز والذم نكاية بالذين خرجوا عن الدين ؛ "(1). إضافة إلى المدح والثناء للإباضية نظير خروجهم جهادا في سبيل الله , وثباتا على الحق , ورفضا للتحكيم الذي دار بين على ومعاوية , وبذلك يكون خروجهم خروجا سياسيا لا علاقة له بمبدأ ديني مغاير لأحكام الإسلام (2): يقول أبو مسلم واصفا ذلك : ( الطويل )
تحزّبت الأحزاب بعد محمد فكلّ إلى نهج رآه يصير
وقرت على الحق المبين عصابة قليل وقل الأكرمين كثير
هم الوارثون المصطفى خير أمة لمدحهم آى الكتاب تشير
أولئك قوم لا يزال ظهورهم على الحق ما دام السما تدور
على هضبات الاستقامة خيّموا إذا اعوج أقوام وضل نفير
تنافر عنهم رفّض وخوارج وحشوية حشو البلاد تمور
رأوا طرقا غير الهدى فتنافروا إليها وبئست ضلة ونفور
لهم نصب من بدعة وزخارف بها عكفوا ما للعقول شعور(3)
__________
(1) - كثر استخدام هذا المفهوم بعد "استشراء أمر الأزارقة الذين روّجوا له بكثرة . حول هذه القضية انظر معمر , علي يحيى : الإباضية بين الفرق الإسلامية ,ط1 , مكتبة وهبه , القاهرة , 1976 , ص 382 . وكذلك دراسات إسلامية في الأصول الإباضية , لبكير أعوشت , ص 39 وما بعدها .
(2) -الشماخي : السير , 2 / 342 . وانظر السابعي , ناصر : الخوارج والحقيقة الغائبة , ص 148 .
(3) - قصيدة " النهروانية " ديوان أبي مسلم , ص 27 . (2/11)
صفحة 44
ويستند الشاعر في نفيه إلى مرجعية تاريخية تنطلق من حادثة التحكيم الذي دار بين الإمام على ومعاوية بن أبي سفيان بوساطة عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري و التي يتأكد من خلالها استقلال الإباضية عن الخوارج رؤية ومفهوما , وبالتالي نفي التهمة المنسوبة إليهم بأنهم خوارج(1) , وهو في هذه القصيدة يصف أصحابه بأنهم أصحاب حق , كما أنه ينطلق متضامنا مع جيوش الشراة وهي تغادر " صفين " قاصدة النهر وقد حملت موقف الرفض والإنكار يقول أبو مسلم واصفا ذلك: ( الطويل )
تدثرن خيل الله حتى بلغنه وواحدها في العالمين دثور
وردن مياه النهر غرشى صوادئا وليس لها حتى اللقاء صدور
غسلن به أحكام سهم وأشعر ودرن مع القرآن حيث يدور
.......................... ........................
قتلتم جنودا حكّموا الله لا سوى وقالوا عليّ لا سواه أمير
فيا لدماء في حروراء غودرت تمور وأطباق السماء تمور
مخردلة الأشلاء للطير في الفلا وهنّ بجنات النعيم طيور
يعجّون بالتحكيم لله وحده وهامهم تحت العجاج تطير(2)
__________
(1) - هذه التهمة ليست سبة , ولكنها تؤول بشكل مباشر إلى عوامل فكرية تعد أكثر تطرفا وخروجا من دائرة الدين المتعارف عليها لدى المذاهب الأربعة كلها .
(2) - قصيدة " النهروانية " ديوان أبي مسلم , ص 28 وما بعدها . (2/12)
صفحة 45
فالشاعر في هذه الأبيات يعود بالسامع إلى صفين ليجلي جانبا آخر من الموقف , ولكنه قبل أن يغادر يؤكد رفضه لنتيجة التحكيم عن طريق تصويرها تصويرا ماديا التصق بأجسادهم فاغتسلوا منه في النهر ( غسلن به أحكام سهم وأشعر ) وفي ذلك إشارة إلى دور عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري , كما أكد أن موقف الشراة نابع من أحكام القرآن ومستند إلى قوله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما , فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله , فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا . إن الله يحب المقسطين "(1) والشاعر يذهب إلى معنى هذه الآية موضّحا ما آل إليه الشراة من مصير محزن يظهره قوله " قتلتم جنودا حكّموا الله ....".
و فيما يتصل بالموقف من التحكيم فأبو مسلم يسير على شاكلة أسلافه ؛ فالإباضية ينكرون هذا التحكيم , ولسنا هنا بصدد سرد ما دار فيه؛ فقد بسطته كتب التاريخ الإسلامي بسطا وافيا , ويكفي أن نقدم وجهة نظر الإباضية الذين يشعرون بالخذلان نتيجة خسارة علي , وكانوا يتمنون أنه لم يقبل به منذ البداية ؛ لأنه محفوف بالخيانة منذ أن ارتبط بشخصية عمرو بن العاص من طرف , ومن طرف آخر يرون في علي أنه صاحب حق , ويجب عليه إظهار حقه بحد السيف لا بالمهادنة وقبول التحكيم . وقد اتضحت هذه النظرة عند أبي مسلم الذي خصص لها قصائد كثيرة من بينها" النهروانية , والرائية التي يقول فيها : ( البسيط )
ليت الحكومة ما قامت قيامتها وليتها من أبي السبطين لم تصر
ملعونة جعلتها الشام جّنتها من ذي الفقار وقد أشفت على الخطر
عجبت بتحكيم عمرو بعدما حكمت همدان فيها بحكم البيض والسمر
تبا لها رفعت كيدا مصاحفها ومقتضاهنّ منبوذ على العفر
__________
(1) - سورة الحجرات , الآية 9 , وانظر سبيت , عوض : الشعر العماني في المهجر الإفريقي , ص 59 . (2/13)
صفحة 46
مهلا أبا حسن إن التي عرضت زوراء في الدين كن منها على حذر غرر(1)
ويحذر الشاعر عليا من هذا التحكيم , ومغبة الموافقة عليه , في نبرة خطابية , مضيفا هالة من التقدير والإجلال لشخص الإمام, ومبيّنا أهم الملاحظات التي يأخذها الإباضية عليه , وإن كان صحابيا جليلا لكنه بشر , يصيب ويخطئ , وهذه مسألة مهمة في التفكير الإباضي , ولذا نرى الشاعر يكرر النداء للإمام في ثمانية أبيات متتالية يذكّره فيها بمواقفه السابقة وكأن الشاعر حاضر معه وشاهد عليه , يقول :
( الطويل)
أبا حسن ذرها حكومة فاسق ويسمع فيها أشعث وجرير
أبا حسن أقدم فأنت على هدى وأنت بغايات الغوي بصير
أبا حسن لا تنس أحدا وخندقا وما جر عير قبلها ونفير
أبا حسن أين السوابق غودرت وأنت أخوه والغدير غدير
أبا حسن إن تعطها اليوم لم تزل يحل عراها فاجر ومبير
أتحبس خيل الله عن خيل خصمه وسبعون ألفا فوقهن هصور
أثرها رعالا تنسف الشام نسفة بثارات عمّار لهن زفير (2)
فالشاعر في هذه الأبيات يعاتب عليا عتابا مريرا , موجّها له أقصى حالات اللوم لقبوله التحكيم ؛ لأنه في رأيه الأدرى بمعاوية والأعرف به , لذا لم يدّخر جهدا في تدعيم موقفه وتقوية حججه , فبعد أن كرر أسلوب النداء " أبا حسن " نراه يلجأ إلى التاريخ ليعيد قراءته ؛ لأن حضور البرهان التاريخي له تأثيره في الاقناع والتدليل.
*******
د- : الموقف من قضايا التوحيد :
__________
(1) - قصيدة " غير معنونة " ديوان أبي مسلم , ص 14 .
(2) - القصيدة " النهروانية " ديوان أبي مسلم , ص 29 . (2/14)
صفحة 47
يتأكد موقف أبي مسلم من قضايا التوحيد من خلال المنطق العقلي الذي أبداه تجاه الجدل المعرفي و النقاش العميق في قضايا المذهب التعبدية التي تأتي في مقدمتها نفي الرؤية و خلق القرآن والولاية والبراءة ,و الخلود الأبدي ثوابا وعقابا , والشفاعة , والكبائر , والصراط , والميزان . ولكن لسنا بصدد تناول هذه القضايا ونكتفى بالإشارة إلى أن العقيدة الإباضية التي آمن أبو مسلم بمبادئها تقوم على ركنين أساسيين هما : الاعتقاد الصحيح , والعمل بمقتضى ذلك الاعتقاد , , وقد أطلق علماء الإباضية عليهما مصطلح " جملة التوحيد " وهو مصطلح ربما لا يوجد عند غيرهم (1) . ولهذا تجد مسائل هذا المصطلح وتنظيراته تشغل تفكير أغلب فقهاء المذهب وشعرائه فهي تفسّر لديهم تفسيرين , الأول : اعتقادي تدخل فيه مستلزمات أركان الإيمان الخمسة, أمّا الثاني : فتفسير عملي , يتلخص في مطابقة القول العمل فلا يكفي الإنسان للدلالة على حقيقة إيمانه وصدق إسلامه أن يأتي بكلمات لا طائل من ورائها , وإنما يجب التدليل عليها بصدق العمل . لهذا نجد قصائد أبي مسلم تظهر هذه الخصلة , ومن بينها قصيدة " برهان الاستقامة " و " أشعة الحق " و " طمس الأبصار عن رؤية ذات الجبار " . والقصيدة الرائية , فهذه القصائد وغيرها تؤكد على رؤية الإباضية تجاه قضايا التوحيد التي ذكرناها , وتصفها بأنها اجتهادات مستقاة من جذور العقيدة الإسلامية , فهي تؤول إلى الاعتقاد الراسخ , و اعتبار الأقوال مطابقة للأعمال , فليس فيها ما يثير التشكيك , أو الجدل , لهذا يدعو الشاعر إلى التمسك بها , تلبية لما رسخته العقيدة الإسلامية من الإيمان بحقيقة المبادئ لا المضللة الباطلة .
__________
(1) - أعوشت , بكير : دراسات إسلامية في الأصول الإباضية , ص 48 . وانظر كذلك الخليلي , أحمد : الحق الدامغ , مكتبة الاستقامة , د. م , 1989 , ص 4 . (2/15)
صفحة 48
فأبو مسلم في هذه الرؤى العقدية نراه يثبت ما يتناسب ورؤية المذهب الإباضي , فهو في مسألة الرؤية يرى أن الله بصير بذاته لا بحلول صفات زائدة عليه مشيرا إلى من يثبت حلول الصفات بالذات لا يحتاج إلى صفة زائدة عليه , فهم يقولون بأن الصفات هي عين الذات .
فالرؤى – كما – نلاحظها – دينية , لذلك جاءت صيغتها الشعرية دينية , والفضاء الذي تصوّره لا يزيد على نظم أفكار دينية مثبتة في المتون نظما وشعرا , ولعل الكثير منها تتويجا لقصائد بعض فقهاء الإباضية من أقرانه , على نحو ما نجد لدى سعيد بن خلفان الخليلي , ونور السالمي .
وعلى كل حال فأبو مسلم عندما ينظم في قضايا التوحيد , فهو لا ينشغل بها انشغالا مبالغا فيه , بل يدعو إلى عدم إعطائها أولوية في التفكير ؛ لأنها ليست سوى فكرة ثانوية ,والاستغراق فيها مدعاة للغواية , وهذا في حد ذاته ملمح مستنير في شخصيته الفكرية .
د- الموقف من قضايا العبادة واعتبار السلوك تعبدا :
حول الموقف من قضايا العبادات والفرائض, ينصب شعر أبي مسلم في بوتقة المذهب الإباضي, وقد تجلّت فيه شروط الصلاة والإمام و الوضوء ورؤية هلال رمضان وغيرها من الفروع التي أقرها الاجتهاد . ولسنا هنا بصدد تتبع كل ما قدمه في هذه القضايا لسببين :
- الأول : أن أغلب ما كتب فيها ينتمي إلى النظم .
- الثاني : أن الكثرة الهائلة من هذه القصائد تختلط فيها الآراء ,و يكثر فيها الجدل , ويطول فيها النقاش الذي لا يمت بصلة لبحثنا . (2/16)
صفحة 49
ومع ذلك لا تمنعنا الإشارة إلى ما قدّمه أبو مسلم من تفسير لتلك القضايا ؛ فقد خصص جزءا كاملا من ديوانه لها ,وقد سّماه " أذكار أبي مسلم البهلاني , وبلغت قصائده حوالي اثنتين وعشرين قصيدة تتميز بطول النفس حتى أن أكثر القصائد طولا وصلت أبياتها حوالي ستة وثمانين بيتا وفيها يلزم إمام الصلاة بمراعاة طرق أدائها بدءا من مواقيتها وشروط إمامها, وتسوية الصفوف فيها , والاجتهاد في دعائها , وعدم الإطالة فيها .
وفيما يتعلق بشعر السلوك والتعبد , فهو يشكّل أكثر من ربع الخطاب الديني في شعر أبي مسلم , إذ تبلغ عدد قصائده المفردة حوالي ثلاثين قصيدة , تمثّل نسبة قدرها 59 % من مجموع شعره , وتتلخص أفكاره في المحاور التالية
- الشكوى.
التوبة .
النقمة على الأعداء والدعاء عليهم .
ويستلزم تحقيق هذه المواضيع شروطا معينة ؛ لأن قصيدة التعبد تدور حول قضية أساسية هي التبتل لله وحده ؛ لذا فهي تستوجب شروطا نفسية وعملية أهمها :
النية الصادقة .
تطهير القلب .
التفرد في الخلاء .
الطهارة والوضوء .
صوم يوم الخميس و الأثنين .
وقد ترجم أبو مسلم هذه الشروط شعرا فقال : ( الطويل )
على المعرج الأسنى من الذكر عولا فإشراق شمس السر فيه تهللا
وما هو إلا ذكر أسماء ربنا تعالى ولكن كن على الشرط أولا
فأوله التطهير للقلب من أذى المعاصي وثانيه التفرد في الخلا
وثالثه الإخلاص لله وحده وهذا ملاك الأمر فالزمه مقبلا
ورابعه استقبالك البيت في الدعا وخامسه كون الوضوء مكمّلا
وسادسه صوم الخميس محبب وفي سهر الزهراء للذكر فاعملا
وفيه على حب التصاريف أصلت شروط وذا حسب التبرك أصلا(1)
__________
(1) - الذكر الثالث " المعرج الأسنى في أسماء الله الحسنى " ديوان أبي مسلم " القسم الأول , المصدر السابق , ص 137 وما بعدها . (2/17)
صفحة 50
توضّح هذه الأبيات الشروط التي يجب اتباعها في شعر التعبد , وأبو مسلم لم يبتدع لها جديدا , وإنما جرى فيها مجرى شيخه وإمامه الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي الذي قدمّ الشروط نفسها في قصيدته " النواميس الرحمانية " .
والواقع أن هذه الشروط التي وضعها الخليلي ومن جاء بعده من الشعراء لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن آداب الدعاء قبل أن تكون طقوسا ؛ لأنها لا تخرج عن إطار الإعداد الروحي للسمو بالنفس البشرية من دنيا المادة , وهي بذلك تجسّد بعدا صوفيا وإن اختير لها مسمىّ " السلوك " فالمقصد واحد والطريقة واحدة ,على أننا لا يمكن أن ننفي الصلة بين ابتهالات أبي مسلم وشعر التصوف , لأننا لاحظنا في هذه القصائد استمدادا واضحا من عالم التصوف لغة وتعبيرا , وتوظيفا لمصطلحات لها دلالات خاصة .
ويندرج في قضايا العبادة شعر الابتهال: الذي نقصد به " التضرع والاجتهاد والدعاء والإخلاص لله وحده "(1) , وهذا المعنى مستنبط من المعنى الدلالي لعدد من الآيات القرآنية التي جاءت محققه لمعنى العبادة.
لقد اتخذ أبو مسلم شعر الابتهال وسيلة من وسائل التقرب إلى الله , وقد خصص له جانبا من ديوان " النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني " (2) وفيه استبدل مصطلح " المقاصد " بمصطلح " الذكر " على نحو ما فعل في قصيدته " تخميس سموط الثناء " التي قدّمها في ثمانية أذكار هي :
الذكر الأول , وعنوانه : الوحي المقدّس . وفيه مقدمة في شروط الذكر , ثم فاتحة الدعوة المباركة لأسماء الله الحسنى . وعدد أبياته 1597 بيتا .
الذكر الثاني , وعنوانه :الناموس الأسنى في أسماء الله الحسنى .وعدد أبياته 262 بيتا .
__________
(1) - محمد صالح ناصر ( دكتور ) : قصيدة الابتهال . تعريفها , أبعادها , سلسلة قراءات في فكر البهلاني ,
ط1 , وزارة التراث القومي والثقافة , 1998 , ص 90 .
(2) - صدر هذا الديوان بمسى " القسم الأول , ط1 , وزارة التراث القومي والثقافة , 1984 . (2/18)
صفحة 51
الذكر الثالث , وعنوانه : المعراج الأسنى في أسماء الله الحسنى. وعدد أبياته 114 بيتا
الذكر الرابع , وعنوانه : النفحة الفاتحة في التوسل بأسماء الفاتحة, وعدد أبياته 202 بيتا .
الذكر الخامس , وعنوانه : درك المنى في تخميس سموط الثناء , وعدد أبياته 85 بيتا .
الذكر السادس , وعنوانه : مقدّس النفوس , وعدد أبياته 795 بيتا .
الذكر السابع , وعنوانه : الكلم الطيب , وعدد أبياته 855 بيتا .
الذكر الثامن , وعنوانه : الباقيات الصالحات , وعدد أبياته
وفي هذه الأذكار لا يختلف الابتهال عنده عن سائر الشعراء العمانيين وإن تباينت مسمياته وتقسيماته ؛ فإذا كان قد قلّد شيخه سعيد بن خلفان الخليلي , فإن سعيد بن خلفان نفسه نبعت فكرة الابتهال لديه من جاعد بن خميس الخروصي " شيخ شعراء السلوك " كما يسميه العمانيون , والحال نفسها تنطبق على عبدالرحمن الريامي الذي جاء بعدهم وسار على نهجهم , وبذلك يمكن القول : إن شعر الابتهال لديه ما هو إلا اقتفاء السابق للاحق , ولعل شعره يترجم هذه الحالة : ( الطويل )
بأسمائك الحسنى تقرّبت سيدي إليك مجدا في هتافي وقربتي
جعلت سمير الذكر ترتيل ذكرها لوجهك ربي خلوة بعد خلوة
بحقك أمطرني سحائب سرّها وهب لي بها من كل خير ونعمتي(1)
إن إحساس الشاعر في هذه الأبيات - وهو يدعو ربه ويرفع أكف الضراعة إلى السماء , هو الذي أضفى على هذه الأبيات الصدق والتجلي الروحي , والقارئ عندما يردد بتمعن يخيل إليه أن الشاعر لا ينشد شعرا عاديا , وإنما هو يدعو خاشعا في محراب الشعر , وهو موقف طالما طالعتنا به قصائد عديدة من مثل قصيدة " النافع جل جلاله " : ( الطويل )
ويا نافع انفعني بحبك خالصا بحبك لي يا من أحب محبتي
ويا نافع انفعني بتحقيق توبتي وتثبيتها يا رب عن كل كربة
ويا نافع انفعني بنورك أنني إذا لم تنورني هلكت بظلمتي
__________
(1) - قصيدة " سموط الثناء في أسماء الله الحسنى " ديوان أبي مسلم , ص 127 . (2/19)
صفحة 52
ويا نافع انفعني بتقديس باطني وتزكيتي من آفة البشرية (1)
نلاحظ في هذه الأبيات التضرعية أن الشاعر يبدؤها جميعا بأسلوب ندائي
( يا نافع – يا نافع ......) يتكرر في الأبيات كلها , وهو نداء ترد فيه أداة النداء
( الياء ) بكثرة لغرض التكثيف والإلحاح في الطلب , كما نجد الشاعر يكثر من الأفعال الطلبية (انفعني - قربني – أنر قلبي – جنبني – ازل ضعفي .....) فهو يسأل خالقه كل ما من شأنه أن يرفع درجته عنده , فينفعه, ويحيطه برحمته , فيذهب بعجزه وجهله وفاقته , وهي خصال يشعر بها الفقيه المؤمن أمام خالقه , فهو ملاذه ومعاذه , وهو الخالق الذي كل آماله معلقة بمرضاته . لقد استحوذ هذا الخطاب الديني الدعائي المتضرع على كل أبيات القصيدة حتى أننا لا نكاد نجد صورا بلاغية , تخرجه من طابع التقرير والمباشرة , وهذا من سمات شعر الفقيه المتبتل في مثل هذا المقام .
ومن جانب آخر فهذا النموذج يظهر أن قصيدة الابتهال في شعر أبي مسلم وكأنها رغبة نفسية ملحّة واستجابة ضرورية لمطلب روحي يشعر به عندما تدلهم به الحوادث , وتطبق عليه الأزمات , فلا يجد سلاحا لردعها غير التضرع إلى الله .
* - نسق التكرار في خطاب الابتهال والتعبد :
__________
(1) - ديوان أبي مسلم , ص 93 . (2/20)
صفحة 53
يعد التكرار نسقا من أنساق خطاب التعبد في شعر أبي مسلم , وهو في حد ذاته تقنية من تقنيات قصيدة الابتهال عند جميع الشعراء ؛ لأنه – كما يقول الدكتور أحمد درويش (1)- الأنسب إلى شعر السماع والأجدر بالترديد والتغني منه إلى شعر القراءة الصامتة , وهذا في حد ذاته يتناسب مع حلقات الذكر؛ حيث تحتفظ هذه النغمة الثابتة بمرجع موسيقي يعود إليه الذاكر أو الداعي ويستريح عنده الإنشاد أو ينطلق منه , و ولأن أبا مسلم – من جانب آخر- لم يكن يتخيل أن قصائده ستصل إلى القارئ في صحيفة يومية , أو في ديوان شعر تدر به المطابع , وإنما كان يتخيلها مسموعة بلسان قارئ حاذق ؛ لذا جنح إلى نسق التكرار الذي يصل أحيانا إلى تكرار الشطر الأول بكامله أو بمعظم كلماته على امتداد القصيدة كلها تكرارا يصل إلى سبعين مرة كالذي نجده في قصيدته " هو الله جل جلاله " :
( الطويل )
هو الله بسم الله تسبيح فطرتي هو الله إخلاص وفي الله نزعتي
هو الله بسم الله ذاتي تجردت وهامت بمجلي النور عين حقيقتي
هو الله بسم الله ضاءت فأشرقت بأنوار نور الله نفس هديتي(2)
ويستمر نسق التكرار بهذه اللازمة نحو ستة وستين بيتا , ينفصل بعدها المقطع لمقطع آخر يكرر في بدايته عبارة " تعلقت بالله " نحو سبع وأربعين مرة :
تعلقت بالله الذي لا إله لي سواه ولا ضاعت لديه عبودتي
تعلقت بالله العليم بموقفي وما أنا فيه من ضروب البلية
تعلقت بالله العظيم الذي جرت مقاديره دون اختيار البرية (3)
__________
(1) - درويش , أحمد ( الدكتور ) : مدخل إلى دراسة الأدب في عمان , ط1 , دار الأسرة , سلطنة عمان , 1992 , ص 162 وما بعدها .
(2) - قصيدة " هو الله جلّ جلاله " ديوان أبي مسلم , ط , وزارة التراث القومي والثقافة , سلطنة عمان , 1987 , ص 42
(3) - القصيدة نفسها , ص 45 وما بعدها . (2/21)
صفحة 54
إن قصيدة الابتهال بهذه التركيبة الفنية تشعر القارئ بأنها نابعة من قلب مخلص يتوق إلى رضاء الله , ويسبح في ملكوته , فهي إذن بمثابة المعزز له ؛ يكسب من ورائها الرضى والطمأنينة واليقين , ولذا لم يتوان أبو مسلم في وصف حاجة نفسه إلى مثل هذا النوع من الشعر تلبية لمشاعر صادقة مع نفسه(1) . يقول :
إلهي أكرمني بقرب إجابتي فإني مضطر عظيم البلية
وعدت بقرب واستجابة دعوة إذا عرجت عن ذلة وضرورة(2)
إن أهم ما يمكن استجلاؤه في هذا الجانب النسقي للتكرار في قصيدة التعبد والابتهال هو انقسامها إلى محاور ترتبط ارتباطا مباشرا بخيط نفسي رفيع يبدأ من الجزئي لينتهي بالكلي أو عكس ذلك لتكون محصلته حالة وجدانية عميقة ترتبط بالخشوع .
__________
(1) - الكندي , أحمد بن سليمان : قصائد السلوك في الشعر العماني , بحث مرقون , مكتبة الباحث , ص 20 . علما بأن التكرار في هذه القصيدة وغيرها يشكل ظاهرة فنية لعل من أهم مقومات وجودها اتصالها بالقراءة العمانية , وحالة التهجد التي يتطلبها الابتهال نفسه .
(2) - القصيدة نفسها , ديوان أبي مسلم : القسم الأول , المصدر السابق , ص 106 . (2/22)
صفحة 55
ولأن هذه القصائد في حقيقة أمرها أدعية تصعد من أعماق قلب الشاعر , فقد اتسمت في الغالب الأعم بالتكرار اللفظي ؛ لأنها ترجمة عفوية لحاجات الشاعر النفسية , يطلب من الله أن يستجيب لها – على النحو الذي أوضحناه , لذا جاءت محاورها على كثرتها متشابهة وعناصرها متماثلة , فلا نكاد نجد فرقا بينها من ناحية الأفكار والأنساق التعبيرية , وليس المهم أن تتسم بالتكرار ما دامت استجابة صادقة لأحاسيس الشاعر , وأدعية خالصة لهمومه , ولئن لوحظ تشابه موضوعاتها بما عرف في الشعر الصوفي من اهتمام بالسلوك والأخلاق والحب الإلهي , والتأمل , فإن الشاعر المبتهل عرض محاورها مرتبة ترتيبا يبدأ من الخصوصية لينتقل إلى العمومية ( بمعنى أنه عرض محاورها بطريقة منهجية تنطلق من الهموم والإنشغالات الخاصة لتصل إلى القضايا والمواقف العامة أي قضايا الأمة والوطن , وهذه الرؤية في حّد ذاتها تكسب قصيدة الابتهال خصوصية وتعطيها تفرّدا محببا لنفس القارئ .
ونسق التكرار في خطاب أبي مسلم الشعري يسير على هذه الوتيرة في الأغلب الأعم , فهو لا يخرج في تكوّينه عن الأنماط التالية :
1- نسق التكرار في خطاب التنزيه :
يعّد هذا النسق من الموضوعات المتكررة في الخطاب الديني عموما , وفي قصيدة الابتهال خصوصا , وهذا أمر طبيعي ؛ لأن قصائد الابتهال عبارة عن أدعية تعكس شدة خشوع الشاعر , وإذعانه لعظمة الله , ويمكن تقديم ذلك من خلال قصيدة أبي مسلم " المعراج الأسنى " التي يقول فيها : ( الخفيف )
هو أنت الله الذي كنت والأزا ل كانت بكن وبعد كفيل
هو أنت الله المكون للكيـ ف وللكم والمتى والمحل
هو أنت الله الإله القديم الـ أحد الفرد الباطن المتجلي
هو أنت الله الرفيع الجمال الصـ مد الدائم بجلال الأجل
هو أنت الله الذي لم يلد كّلا ولم يولد وينسب لأصل
هو أنت الله المقدس عن كف ء وضد وعن شريك ومثل (2/23)
صفحة 56
هو أنت الله المنزه عن إدراك حسّ وعن توهم عقل(1)
إن نسق التكرار يظهر من خلال التركيب المتوالي اثنتين وعشرين مرة (هو أنت الله ) للتركيز على التنزيه المقصود , وليكون ممهدا لذكر أسماء الله الحسنى وهي : المقدس , المنزه , القديم , الأحد , الباطن , الظاهر , الرفيع , الدائم , الجلال , الأجل , لم يلد , .... والشاعر يقتبس هذه الفكرة من قوله تعالى : " هو الله الخالق البارئ المصّور له الأسماء الحسنى , له ما في السماوات والأرض , وهو العزيز الحكيم "(2) وقوله أيضا في سورة الإخلاص " قل هو الله أحد الله الصمد , لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد "(3) .
2- نسق التكرار في خطاب الشكوى :
يستغل الشاعر المبتهل نسق التكرار لإبراز حالة تضرعه إلى الله شاكيا إليه عوزه وفاقته وما يرتبط بهما من مشكلات يتوسل ربه أن يمنحه حلا لها , ولعل ذلك راجع إلى طبيعة الحياة الصعبة التي تحيط به , فلا يستطيع كشفها لأحد ؛ ويمثل أبو مسلم في مراحل حياته الأخيرة صورة حية لهذه الظاهرة . يقول في قصيدته التوسلية "
( الرجز ) أدقعني الفقر وأنت الشاهد وأنت ذو الطول الغني الواجد
بيدك الفضل ومنك الوارد وكل موجود سواك نافد
وكل موجود بيديك يستدر(4)
__________
(1) - القصيدة نفسها , ص 126 . واستفدنا من نظرة المحروقي , محمد بن ناصر الشعر العماني الحديث : أبو مسلم البهلاني رائدا , ط1 , المركز الثقافي العربي , بيروت , 2000 , ص 84 . وكذلك من كتاب الدلالة في معرفة لفظ الجلالة لإبراهيم الصقري , ط1 , مكتبة الجيل الواعد , سلطنة عمان , 2003 .
(2) - سورة الحشر , الآية 59 .
(3) - سورة الإخلاص . الآية 1 .
(4) - قصيدة "مقدس النفوس " ديوان أبي مسلم : القسم الأول , ص 198 . (2/24)
صفحة 57
يشكل هذان البيتان غاية الشاعر في طلبه , ويبدو أنه وفق في تشخيص حالته عن طريق استخدام " الكناية في قوله " أدقعني الفقر " , فكلمة المدقع تحمل دلالة المعاناة الشديدة , وهي في معناها اللغوي تشير إلى هذه الصفة , فالمدقع الفقير الذي لصق بالتراب , فالفقر أتى على كل ما عنده ,ولم يبق له شيئا (1). و هذا المعنى يستوي على حالته التي طالما لهج بها في شعره التعبدي , فهو يطلب من ربه تعجيل المنة , وفي ذلك يقول : ( الخفيف )
ساورتني البأساء والفقر يا منّ نان عجّل بمنك المستهل
يا منيل الجود يا مفضل الر زاق يا راحم المعيل المقل
يا مقيت المبر يا واجد المو جد رزقي بارك عليه وزد لي (2)
يلعب تكرار أداة النداء " يا " في هذه الأبيات دور المشخّص لحالة الشاعر المستغيث , الذي يستجدي ربه مستعينا بأسمائه الحسنى التي تأتى في مقدمتها : المنان , المفضل , الرحيم , الرازق , المعيل , المبر , وهذه الأسماء تتناسب و مقام الجود والكرم التي يتصف بها جل وعلا , كما أنها تتناسب مع حالة العوز و الفقر والبؤس التي يشكو منها الشاعر (3).
وبذلك يكون نسق التكرار مكونا مهما من مكونات الاعتراف و الشكوى من النفس في خطاب قصيدة الابتهال لدى أبي مسلم , وفيه يشكو الشاعر المبتهل راجيا من ربه النصرة والغفران على نحو ما نجد في خطاب التوبة .
3- نسق التكرار في خطاب التوبة :
تكتسب التوبة أهمية خاصة في قصائد أبي مسلم ,انطلاقا من مكانتها الدينية والاجتماعية , وتكون على نمطين:
الأول : تكون فيه القصيدة مستقلة لها عناصرها الخاصة .
الثاني : تكون فيه القصيدة متداخلة مع قصيدة الابتهال .
__________
(1) - المعجم الوسيط , مجموعة باحثين , ط2 , د.م , القاهرة , 1972 , 1/ 290 .
(2) - قصيدة " الحضرة الفتوحية " ديوان أبي مسلم القسم الأول , ص 127 .
(3) - المحروقي , محمد بن ناصر الشعر العماني الحديث : أبو مسلم البهلاني رائدا , المرجع السابق , ص 89 . (2/25)
صفحة 58
ونتيجة لذلك بلغت هذه القصائد حدا من الشهرة والذيوع في المجتمع العماني ما جعلها محفوظة لدى القضاة والفقهاء ,حيث تستخدم في استتابة المذنبين والعصاة , و بذلك تحققت لها المكانة الاجتماعية التي تضاهي مكانتها الأدبية المتميزة .
أمّا نسق التكرار في هذه القصائد فيأتي متداخلا مع الابتهال , ليشكّل في النهاية ضربا من ضروب مناجاة النفس في خلوتها , لذا يكثر في شعر أبي مسلم البهلاني , وقد يصل أحيانا في بعض القصائد إلى اثني عشر موضعا , تطول فيها الأبيات لتصل إلى التسعين بيتا مما يجعل من نسق التكرار ظاهرة لا يمكن فصلها عن حالة الشاعر المتوحدة بالذات الالهية والمستشرفة آفاق التوبة. وأهم النماذج التي يرد فيها هذا النمط قوله : ( الرجز )
تبت إليك توب من لا يرجع عن كل ما يسخط ربي مقلع
ولست لإلا في رضاك أنزع إذ ليس لي إلا رضاك ينفع
والويل إن لم ترض ويل مستمر
تبت إليك من ذنوب السر تبت إليك من ذنوب الجهر
ومن ذنوب قاصمات العمر ومن ذنوب موجبات الفقر
ومن ذنوب غيها مس سقر
تبت إليك من خواطر اللمم وكل محظور جرى به القلم
وكل ما عدت له بعد ندم وما انتهكت فيك من أي الحرم
ومن صغير وكبير مستطر(1)
فالشاعر يفتتح توبته بتخميس يبدأ فيه نسق التكرار بالفعل الماضي ( تبت ) معلنا عودته إلى الله (2), ثم يعدد الذنوب التي تاب عنها , فيذكر منها ذنوب السرّ , وذنوب الجهر , وخواطر اللمم ,وهذا الاستقصاء في حد ذاته يعطي دلالة التأكيد على مغزى نسق التكرار المتضمن معاني الصدق والإحساس بالندم من كل ذنب ارتكبه .
وفي موضع آخر يتوسع أبو مسلم في هذا الاستقصاء فيقول :
( الرجز ) استغفر الله لذنبي مطلقا فعلا وتركا نية ومنطقا
استغفر الله لذنب سبقا نسيته وأنت لا تنساه
__________
(1) - قصيدة " مقدس النفوس " ديوان أبي مسلم , ص 173 .
(2) - المحروقي , محمد بن ناصر الشعر العماني الحديث : أبو مسلم البهلاني رائدا , المرجع السابق , ص 87 . (2/26)
صفحة 59
بحق لاإله إلا الله (1)
فأبو مسلم يفتتح توبته هذه المرة بنسق تركيبي هو ( استغفر الله ) ويكرره أكثر من تسعين مرة ويقفل تخميسه بعبارة نسقية هي : ( بحق لا إله إلا الله ) وكأنه يوحي بيقين الاستجابة والرجاء , وهذا يدل على ترابط موضوعي تظهره ( الشكوى من النفس الأمارة بالسوء و الاعتراف بالذنب والتوبة منه , وبذلك يتحقق في موضوع التوبة بفعل نسق التكرار ( استغفر الله ) خواص : التشخيص و العلاج , والإقلاع , والوقاية, وحفظ السلوك .
4 – نسق التكرار في خطاب الدعاء بالنقمة:
لعل ظاهرة الدعوة على الأعداء من أهم الظواهر التي تكثر في قصائد الابتهال والتعبد , فهي تثير قضية أساسية يتمركز حولها الخطاب الديني الإباضي ,الذي يعتبر من أكثر الخطابات اتصالا بالفكر السياسي . وتكثر هذه الظاهرة لدى الشعراء الثوارالمستنهضين الذين سخروا قصائدهم خدمة لنظام الإمامة , ومن هؤلاء الشعراء شاعرنا :أبو مسلم البهلاني ؛ ويعود سبب تكونها إلى إحساسه بالهزائم المتكررة التي منيت بها مشاريعه السياسية , ولقناعته بفاعلية الدعاء في مثل هذه المواقف . كما أن فقدانه السيطرة على المجتمع , وعدم قدرته على قبول أوضاعه جعلته يدعو الله بالنصرة , يقول في هذا الصدد : (الطويل )
ويا قاهر اقهر دولة السوء وامحها وشرد بهم واشدد عليهم معّجلا
ويا باعث ابعث راية الحق حولها جنودك تبلو في رضاك وتبتلى
ويا قابض اقبض بسطة الخصم وانتقم كفعلك في عاد ومدين أولا
واشدد عليهم يا شديدا عقابه ولا تبق منهم يا وكيل مّبدلا
وعجل عليهم يا مقيت بوطأة وذرهم حصيدا خامدين كمن خلا (2)
__________
(1) - القصيدة نفسها , ص 23 .
(2) - قصيدة " اللطيفة السادسة في كسر شوكة ذوي الفساد وحسم صائلة العناد " ديوان أبي مسلم , القسم الأول , وزارة التراث القومي والثقافة , 1984 , ص 143 . وقد ورد المقطع الأول " يا قاهر اقصم دولة السوء وامحها ...... (2/27)
صفحة 60
في هذه الأبيات يبدو الشاعر الفقيه ناقما على زمانه ومكانه , سائلا ربه أن يعجّل بفناء القوم الظالمين واستبدالهم بدولة الحق , جاء ذلك على هيئة تراكيب ندائية استهل بها الأبيات الثلاثة الأولى , فقد جاء المنادى فيها صفة من صفات الله تعالى
( قاهر – قابض – باعث ...) . أمّا في البيتين الأخيرين , فإن أداة النداء والمنادى جاءا داخل البيت (...... يا مغيث . .....يا شديد ... . وأن الشاعر يستمد الفعل الطلبي من صفة الخالق على النحو التالي :
يا قاهر ---------------- اقهر
يا باعث ---------------- ابعث
يا قابض --------------- اقبض
ولئن كان الشاعر مستجيبا لرؤيته الدينية في توظيف أسماء الله , فإنه يسأله بما هو الأقدر عليه , فالقاهر هو الأقدر على القهر , والباعث هو الأقدر على البعث , والقابض هو الأقدر على القبض , وليس في وسع أي أحد - من وجهة نظر الشاعر - أن يحقق متطلباته هذه , إلا من كان قادرا على ذلك , وهو بالتأكيد الله سبحانه وتعالى , فالأسماء دينية , والصفات قرآنية , والسؤال متفق معهما .
إن أبا مسلم بمثل هذه التراكيب الأسلوبية / الدينية يقدّم صرخة قوية في وجه قومه , الذين فرقهم الأعداء, وحالوا بينه وبينهم , حتى أنهم من جراء هذه الحالة جبلوا على الخنوع . والخضوع : ( الطويل )
إلهي تعدّى خصمك الحّد واعتدى على حرمات الله بالأغلبية
فأرسل عليهم يا مذل قواصف الـ نكير وسربله بسربال لعنة
وصّب عليه الذّل قلبا و قالبا وفي جاهه والمال والتبعية
مصائب ذل تحتطبن حياته ويحطمنه حطم الدريس المفتت(1)
__________
(1) - قصيدة " غير معنونة " ديوان أبي مسلم , ورقة 11 . (2/28)
صفحة 61
إن أهم ما يمكن ملاحظته في هذه الأدعية بجانب نسق التكرار الفاعل فيها بقوة - اللغة القوية الجزلة المتلائمة مع حالة القنوط التي يشعر بها الشاعر جراء فعلة الأعداء , فهو يستخدم لغة معجمية تحيلنا إلى الشعر الجاهلي , فكلمة " تحطبن " و عبارة " الدريس المفتت " تناسب طابع القوة والجبروت , فالأولى تعني إفساد الحياة بالشّر والأذى , والثانية " الدريس " يقصد به كل ما يدرس ويحطّم تحطيما حتى يصبح بال, والفعل من درس يدرس(1) . وكلتا العبارتين تؤكدان الدعاء بالشر على الأعداء . والذي يمكن ملاحظته في هذه الأدعية أنها تتصل اتصالا مباشرا بتقليد السابق ؛ فسعيد بن خلفان الخليلي كان حاضرا في هذه الأدعية عن طريق الذكر الخامس من قصيدته " درك المنى في تخميس سموط الثناء " .
كما أن أبا مسلم لم يجد حرجا في اقتفاء شيخه , فصوته يتناغم معه ليصعد إلى عنان السماء وقد انتابته دعوات ملتهبة تنقض على الأعداء , وتكر عليهم .
وإذا كانت تلك الأنساق تندرج وفق مبدأ تهيئة النفس وحثها على التعبد والابتهال, فإن هناك أنساقا أخرى تدخل في إطار التوحد مع الذات . وأهمها السلوك , والمديح الديني وسنتناولهما تفصيلا على النحو التالي : .
5 - نسق التكرار في خطاب السلوك :
__________
(1) - المعجم الوسيط , 1 / 379 . (2/29)
صفحة 62
قبل أن نتناول نسق التكرار في خطاب السلوك يجدر بنا القول إن مصطلح السلوك عند الإباضية لا يختلف كثيرا عن مصطلح التصوف , فهم أطلقوا عليه سلوكا " ويعنون به " العكوف على العبادة والانقطاع عن الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه , والانفراد عن الخلق في الخلوة والعبادة " (1) كما أنه " انتقال من منزل العبادة بالمعنى إلى منزل العبادة بالصورة , أي الانتقال من عمل مشروع عن طريق القربى من الله إلى عمل مشروع بطريق القربة إلى الله بفعله وتركه ... فالسالك إذن هو " العبد الذي تاب عن هوى نفسه ونبذ شهواتها , واستقام في طريق الحق بالمجاهدة والطاعة والإخلاص "(2) .
والسلوك –وفقا لما تقدم – يعني " بتربية الإنسان روحيا وذهنيا, و تعليمه على المناهج العلمية بكل ما للتدريس من مبادئ ومناهج ثابتة "(3) .
__________
(1) - ليس بوسعنا تقديم تعريف محدد للتصوف للكثرة الهائلة من التعريفات التي تناولته , وقد جمعها نكلسون في كتاب احتوى على ثمانية وسبعين تعريفا منها . غير أننا هنا نكتفي بالمعنى العام لمصطلح الشعر الصوفي . وقد قصدنا به : ذلك الشعر الذي قيل تعبيرا عن المقامات والأحوال والأذواق الصوفية , وهو يتضمن : مقامات السالكين وأحوالهم وأذواقهم . فالأحوال : تعني : المراقبة , والمحبة , والخوف , والرجاء , والشوق , والأنس والطمأنينة , والأذواق : التصوف , والتقوى , والحضور , والحال , والذكر , والسخاء , والوجد , والشراب , والعبودية , والسرور .
( انظر تفصيل هذه المقامات في كتاب أبي نصر السراج : اللمع , ص 7 . وفي بحث عطية شحاته : الشاعر العماني الشيخ ناصر بن سالم بن عديم الرواحي حياته وشعره , ص 266 وما بعدها .
(2) - انظر الكندي , أحمد بن سليمان : قصائد السلوك في الشعر العماني , بحث مخطوط , ص 202 , وأيضا الشرقاوي , حسن ( دكتور ) : معجم ألفاظ الصوفية , ص232 .
(3) - الحكيم , سعاد : المعجم الصوفي , ص 721 (2/30)
صفحة 63
إن هذه التعريفات تبين العلاقة الوثقى بين علمي التصوف والسلوك, فلا خلاف ظاهر بينهما , ورغم ذلك يبدو لي أن هناك أسبابا حدت بالفكر الإباضي إلى العدول عن مصطلح التصوف واتخاذ السلوك مصطلحا آخر تتعامل معه : منها محاولة الخروج من شطحات الصوفية , وتنقية الدين من طقوسهم , إضافة إلى الاعتزاز بالشخصية والرغبة في التميز ؛ فجميع الفرق الإسلامية – إلا في حالات نادرة تتخذ من هذا المصطلح شعارا لها فآثر المذهب الإباضي مصطلحا هو من داخل التصوف نفسه. وهناك سبب ثالث , والذي أكاد أشاطر الباحثين فيه – ويتمثل في كون السلوك يدل في مفهومه العميق على النقاء والالتحام بالشريعة وإحكام سيطرته على الإنسان في اتخاذ طريق معين لأداء عبادة الله , ويتمثل في الخلوة , وتلاوة القرآن , والأوراد والزهد , وهذه كلها مناهل صافية ورد منها الفكر الإباضي فكوّنت شخصيته المستقلة بعيدا عن أشكال الجدل والنقاش المؤدي إلى شطحات لم تكن مقبولة في فكر المؤمن ومعتقده على نحو ما يفعل كبار المتصوفة الذين وصلوا إلى أعلى درجات التوحد بالله (1) .
ويلعب نسق التكرار في قصائد أبي مسلم دورا مهما في بلورة خطاب السلوك لديه على النحو الذي نجده في قصيدة " المعراج الأسنى في أسماء الله الحسنى " والتي اقتفى أثرها لاحقا كل من سيف بن سالم المسكري , وعبدالرحمن الريامي و خلفان بن جمّيل السيابي .
__________
(1) - خالص , وليد ( دكتور ) : نص في السلوك العماني للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي ( دراسة وتحقيق ) , نزوى , ع 24 , أكتوبر , 2000 , ص 103 . (2/31)
صفحة 64
إننا حينما نقرأ هذه القصيدة لا نجد مجالا للشك في تأثر الشاعر بمقامات المتصوفة , وإن هي جاءت تحت مسمى مصطلح السلوك ؛ فهي لا تختلف عن عناصر مقامات المتصوفة التي تأخذ مسميات : مقام الصبر , ومقام الرجاء , ومقام الرضى , ومقام الرفعة , ومقام الفقر , ومقام الورع , وتكتنف المتعبد في كل مقام من هذه المقامات حالة معينة حددت شروطها كتب التصوف .
ولا يقتصر نسق التكرار في خطاب السلوك لديه على قصائد الحب الإلهي , وإنما تعدّاه إلى قصائد المدح المحمدي , فكثير من قصائده تحيل إلى رموز صوفية ومصطلحات لها مكانتها في هذا الجانب , ومن ذلك قوله مادحا الرسول ( ص ) :
( البسيط )
يا مصطفى الله يا مختار نظرته يا أصل ما اظهر الإبداع من قطر
يا رحمة الله يا مبعوث رأفته يا مظهر اللطف في الأرواح والصور
يا أول الكل بعد الله مبتدعا وأول الكل عند الله في الخطر
يا آخر الرسل لا تأخير مرتبة وإنما السرّ مطوي على الفكر
يا ظاهر بكلمات الظهور على كل الظواهر في سلطان مقتهر
يا باطنا لم تفته الباطنات ولم يدرك مقاماته علم من الفطر
أنوار حبك في قلبي قد انطبعت جبلة كانطباع الشمس في القمر(1)
لقد تتبع الشاعر في هذه الأبيات صفات الرسول محيلا إلى أنساق ورموز سلوكية واضحة الدلالات من مثل (الأول , والآخر والظاهر والباطن وأول الكل , وآخر الرسل) وكل هذا التتابع تفرضه طبيعة الموقف المتجانس مع حالة الشاعر المتوحدة بذات الرسول , والتائقة إلى مرضاته , فهو بمثابة الوسيط المقرب من الله .
ويأتي تتبع الشاعر لأسماء الله في إطار التسبيح باستعراض أسمائه وتوكيدها ونظمها شعرا دون أن نجد صورة بلاغية طريفة تقوض هذا السرد , وتخلصنا منه عدا صورة بدت باهتة جامدة , نلقاها في قوله " مشكاة مصباح " وقد جاءت متوافقة مع طبيعة اقتباسه للأسماء والصفات من القرآن الكريم .
__________
(1) - قصيدة في مدح الرسول " ديوان أبي مسلم , ص 260 . (2/32)
صفحة 65
إننا – بعد ما تقدّم – نستطيع القول : إن أبا مسلم سار على نهج أسلافه في التمسك بمصطلح السلوك والابتعاد عن مصطلح التصوف الذي لم يرق له مسّماه .وإن راقت له عناصره : ( الطويل )
نصبت لهم من نيرّ الذكر معلما وبوّأتهم من أنفع الذخر مغنما
وصّيرت نفسي خادما لطريقة بها هام أهل الله في الأرض والسما
فيا لرجال الحب والكأس مفعم هلم اشربوا هذا المّغني ترّنما
عصرت لكم من خمرة الله صفوها فموتوا بها سكرا فما السكر مأثما
تمتع أهل الاستقامة قبلنا بها فانتشوا بين الخليقة هيّما
تراهم سكارى ينشر الجمع فهمهم ويطويه نور الفرق في أبحر العمى
ملأت لكم دنّي شرابا مرّوقّا وحركت أوتاري فأنطقت أعجما
وغنيت في شربهم الرسل كلهم " تقدم على باب المليك مّقدما "(1)
نلاحظ في هذه المقطوعة أن الشاعر اعتمد الألفاظ الصوفية من مثل : المعلم , والمغنم , والخادم , والحب , والكأس , والمغني , والشراب , وحضرة الله , والسكر , والنشر , والطي , والنور , والأوتار, وغير ذلك مما يشيع في قصائد المتصوفة حتى غدا علامة لهم , وسمة تطبع شعرهم , ولغة تحمل أبعادا وأخيلة ودلالات معنوية رامزة . وقد استوحى هذه العوالم الصوفية ليبني من لغتها صورة كاملة الأطراف , تعتمد المجاز على المستوى الفني , فقد صيّر نفسه خادما لأهل الذكر , يدور عليهم بكأسه التي ملأها بحب الله , وقد عصر لهم خمرة الله , فلا ضير أن يهيموا بها سكرا , فقد سكر بها قبلهم السلف الصالح من أهل الاستقامة نقاء , وصفاء , وزهدا , وإخلاصا لله وحده.
__________
(1) - قصيدة " خمرة الله " ديوان أبي مسلم , ص 274 . (2/33)
صفحة 66
إن الأجواء التصويرية في هذه المقطوعة تذكرّنا بقصائد كبار المتصوفة من مثل : ابن الفارض , وأبي منصور الحلاج , ورابعة العدوية , لذا فلا ضير أن تكون مشابهة لأشعارهم , كما لا يضير أبا مسلم في بعض نماذجه أن يكون واحدا منهم , فالمقصد واحد هو التعبد والابتهال , ولن يكون هناك أدنى خلاف إذا ما اختار أبو مسلم لنفسه مسمى جديدا يقع تحت دائرة مصطلح التصوف مع مراعاة أنه انطلق في سلوكه وتصوفه من منطلقات إباضية وصفها الدكتور محمد صالح ناصر بأنها إيجابية ولها علاقة بعقيدته ونظرته إلى الحياة (1).
**********
6- نسق التكرار في خطاب المديح النبوي
من المحاور البارزة في الشعر الديني في عمان عامة , وشعر أبي مسلم خاصة المديح النبوي , وهو عنصر مهم في التعبد ؛ لأنه في تصّور المتعبد ركن أساسي لا يتم الذكر إلا به , كما أنه لون من الألوان التي أذاعها الفكر الإسلامي باعتباره تعبيرا عن العواطف الدينية , وبابا للأدب الرفيع ؛ لأن أفكاره لا تصدر إلا من قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص " (2).
__________
(1) - انظر محمد صالح ناصر ( الدكتور ) : أبو مسلم الرواحي حسّان عمان , ص 30 .
(2) - مبارك , زكي : المدائح النبوية في الأدب العربي , ط1 , منشورات المكتبة العصرية , بيروت , د.ت , ص 17 .وكذلك محمد صالح ناصر ( الدكتور ) , المرجع نفسه , ص 76 (2/34)
صفحة 67
ولما كان شعر المديح النبوي كما يقول الدكتور أحمد درويش " ينتمي من الناحية التصنيفية إلى شريحة " المديح " فإنه ينتمي في معظم حالاته إلى شعر" الرثاء " من ناحية التصنيف الموضوعي ؛ حيث يعني المديح في التصنيف التقليدي " ذكر محاسن الأحياء , في حين يختلف عنه الرثاء كما يقول قدامة بن جعفر بأنه " ذكر محاسن الأموات " ومن ثم فإن الصيغة الغالبة على قصيدة المديح هي صيغة المضارع " بكل ما تستدعيه من صيغ " المزامنة " نداء , ودعاء , ورجاء , ومواجهة , فى حين أن الصيغة الغالبة على قصيدة الرثاء هي صيغة " الماضي " بكل ما تستدعيه من صيغ الاسترجاع تذكرا وتمثلا وإشادة واعتبارا . من هنا تكمن المفارقة الواضحة في التسمية التي شاعت في قصائد " رثاء الرسول " واعتبارها مديحا له , فالرسول بصفاته العلية حاضر وماثل في القلوب و مسيطر عليها يهيمن على مناخ " المضارعة " ولا يسهل إدراجه في تصنيف " الماضي " فهو ممدوح وليس مرثيا (1). وعلى هذا الأساس فقد جرى الشعراء العمانيون مجرى أقرانهم العرب ؛ على اعتبار قصائد المديح النبوي مديحا وليست رثاء , وأنشأ أبو مسلم فيه " مولدا نبويا " حمل طابع الابتهال نفسه , من حيث إكثاره من المناجاة والتبتل لحضرة الرسول محمد , وأحيانا التوله والعشق الصوفي لشخصه الكريم . يقول أبو مسلم : ( الطويل )
طبيبي ومطلوبي وطبي وطيبتي ومعتمد في الأمر ساكن طيبة
ظمئت إلى ما بين أطلال يثرب فيا ليتها كانت مدى الدهر ظلتي
عليل وما بي علة غير أنني سلوكي حب المصطفى صار علتي
لقد ذاب أبو مسلم في حب الرسول على طريقة أهل السلوك وبدت عباراته تكشف عن ذلك من خلال استرسال نسق الألفاظ وتواليها بين جناس تام وآخر ناقص
__________
(1) - درويش , أحمد ( دكتور ) : تطور الأدب في عمان , ط1 , دار غريب , القاهرة , 1998 , ص 199 . (2/35)
صفحة 68
( طبيبي – مطلوبي – طبي – طيبتي – طيبة ) , وبين عبارات يكسوها التوله والنبرة الدفينة التي تختمر بما يختمر به أهل العشق عادة من الشكوى والظمأ والالحاح في طلب المحبوب ( عليل – ظمئت ) . ومن جانب آخر يظهر تولهه وعشقه في شئ من الخضوع والاستكانة والتوله على نحو ما نقرأ في قوله:
( البسيط )
نور الوجود تداركني فقد عميت بصيرتي في ظلام العين والأثر
غوث الوجود اغثني ضاق مصطبري سر الوجود استلمني من يد الخطر
أنس الوجود قد استوحشت من زللي وأنت أنسي في وردي وفي صدري
وجهت نحو رسول الله نازلتي وقلت يا نفس حم النصر فانتظري (1).
يتضح في هذا البيت وسائر أبيات القصيدة شدة شغف الشاعر بحب الرسول (ص ) , والسعي إليه بصفته مخلّصا وشفيعا , فقد تقضى شبابه بين لهو وغفلة , كما امتلأت كفة ميزانه بالسيئات , وبقي رغم ذلك رجاؤه وحيدا بالله ورسوله . ومن اللافت للنظر أن الشاعر يستثمر المناسبات الدينية لإظهار نسق المديح ؛ فالمولد النبوي والإسراء والمعراج و عيدي الفطر والأضحى مناسبات لاعادة النظر في قضايا الذات والحياة , ولهذا لا عجب أن تستأثر بعدد كبير من قصائده , ,فالشاعر يسوق في قصيدته الطويلة هذه الصفات التي يتحلى بها الرسول مكررا الخطاب المباشر بالضمير الغائب " أنت " للدلالة على قوة الرباط الذي يعمر قلبه حبا ووجدا بشخص الرسول (ص ) . وهذا في حد ذاته ملمح إيجابي تتسم به أغلب المدائح الدينية في كل مناسبة إسلامية .
وعلى كل حال لم يكن أبو مسلم وحيد عصره في هذا الضرب من الشعر, فكثير من الشعراء القضاة والفقهاء ممن ينتمون إلى الجيل الأول أكثروا من هذا الصنف يحدوهم في ذلك صدق العواطف الدينية التي تحلوا بها , ونبل الأهداف التي سعوا إليها , ولعل مقدمات قصائدهم تفصح عن ذلك.
__________
(1) - قصيدة في مدح الرسول , ديوان لأبي مسلم , ص 259 . (2/36)
صفحة 69
من الأمثلة السابقة يتضح لنا أن نسق التكرار في شعر التعبد سار لدى أبي مسلم على منهجين : الأول شعر الحب الإلهي المليء بالذكر والدعاء والتوسل مع إشارات رامزة إلى التصوف . والثاني : شعر الحب المحمدي المليء بالذكر والدعاء بعيدا عن موضوعات المتصوفة وأفكارهم . وهذان المنهجان يؤكدان على أن المرجعية الدينية لم تنفك عن نسق العقيدة الإباضية .
*****************
ثانيا : المرجعية السياسية ونسق الواقع :
تؤكد هذه المرجعية على نظرة أبي مسلم السياسية , وحاجته إلى التعبير , وربط هذا التعبير بمبادئ الإسلام وقيمه , وذلك بإثبات أن هذا التعبير الحاصل ليس مما يجيزه الإسلام فحسب , وإنما هو من مستلزماته الضرورية إذا ما فهم على حقيقته خاصة انه ينطلق من حدود فهمه للإصلاح , وهي حدود مقيدة بفهمه للتجديد الديني المحدد بمواجهة القديم بما يعنيه من ترسب البدع والانحرافات والأوهام المتزمتة , ويتحدد من جهة أخرى بالأخذ بالجديد بما يعنيه من العودة إلى المصادر الأولى في الدين والأخلاق (1) . ولعل هذه النتيجة أفضت بالمفارقة الأولى في سؤال المرجعيات أعني مفارقة التأصيل الذي وجدناه في المرجعية المذهبية , وبين اقتفاء النموذج السياسي الذي نحن بصدد التركيز عليه , فاختار أبو مسلم الأولى , إذ رأى أن العودة إلى الأصول الإسلامية أهم متطلبات الفكر التنويري , ولهذا لم يجد ضيرا في الدفاع عن المذهب الذي آمن به , بل امتد هذه الدفاع حتى إلى الوطن , فشعره يعج بأشكال الأدلة العقلية التي تبرهن مصداقية آرائه, حتى أننا يمكن أن نطلق عليه مسمى " الفقيه المستهض من الخارج " انطلاقا من عدم مشاركته المادية داخليا ولاسيما أنه كان يرسل قصائده ورسائله من زنجبار. ويرد على من عاب على وطنه تخلفه : ( الوافر )
__________
(1) - غلوم , إبراهيم ( دكتور ) : عبدالله الزائد وتأسيس الخطاب الأدبي الحديث , ص 11 , وما بعدها . (2/37)
صفحة 70
تفضل بالزيارة في عمان تجد أفعال أحرار الرجال
تجد ما شئت من مجد وفضل وأحساب عزيزات المنال
تجد من هيبة الإسلام شأنا عليه الكفر مبيض القذال
تجد همم الرجال مصممات بثأر الدين ترخص كل غال(1)
في هذه القطعة الوطنية الملتهبة - مثلا- يدعو الشاعر مخاطبه إلى زيارة عمان , فبعد فعل الأمر ( تفضل ) تأتي بقية الجمل استتباعا لهذا الطلب مستهلة بفعل ( تجد ) وهو فعل يتكرر في بقية الجمل التي تتركب منها المقطوعة , كما جاءت المفاعيل في جميع هذه الجمل قائمة على جملة من الخصائص الأخلاقية والاجتماعية والدينية , فالأولى جسّدتها أفعال أحرار الرجال والمجد والفضل , والثانية وضحّتها خصال من مثل أحساب عزيزات المنال .أمّا الأخيرة فقد بيّنتها خصال ( هيبة الإسلام – والكفر مبيض القذال ) وهي خصال – كما نرى – تدل على الشجاعة ( همم الرجال ) و الفداء (بثأر الدين ترخص كل غال ). ورغم هذا التوارد في التراكيب الأسلوبية ( الأفعال – المفاعيل ) , فإننا لا نجد طرافة في الصور يمكن أن نعدّ بها المقطوعة من خصال الشعر المحتوي على صور ناصعة , ففي قوله مثلا ( عليه الكفر مبيّض القذال ) صورة تقليدية لا جديد فيها, فهي استعارة مستهلكة .
إن مثل هذا الإحساس الفياّض بالوطن كوّن البذور الأولى للشعر السياسي الوطني , فظهر اسم الوطن فيه شامخا ( تفضل بالزيارة في عمان ), فالشاعر يدعو مخاطبه إلى زيارة عمان التي سيجد فيها الأمثلة المشرفة لمواقف الرجال ؛ حيث الشجاعة والتضحية والفداء ونصرة الدين, وكلها عناصر تدخل في نطاق النفس المحّملة بوهج الفخر , الذي يتسع بعد ذلك ليشمل مشاعر التنويه والتحذير والدعوة إلى اليقظة ونبذ الخلافات, وهو شعور يتلاءم مع فكرة البذور الأولى للوطنية أو المرجعية السياسية ؛لأن التصريح باسم الوطن بدا ظاهرا من البيت الأول .
__________
(1) - ديوان أبي مسلم , ص 30 . (2/38)
صفحة 71
هذا النموذج يعطي انطباعا معبرا عن مدى إحساس الشاعر الفقيه بوطنه , وهو بذلك يعد رائدا في هذا المجال , فلم تقع في أيدينا نماذج مشابهة لها إلا في شعر من جاء بعده .
بمثل هذا الإحساس الوطني يمكن اعتبار جهود أبي مسلم امتدادا طبيعيا للجهود الإصلاحية الأولى وتوجهات النهضة العربية , إذ هو توطيد للإصلاح الديني ليس على مستوى مخاطر العصر ( الاستعمار – التخلف الاجتماعي – القهر السياسي ) فحسب , وإنما على مستوى إعادة بناء الفكر السياسي / الإصلاحي ذاته , إذ هو توجه لإعادة مشروع المصلحين السلفيين قبله والرامي إلى إعادة بعث الإمامة وإحيائها, وقد تحقق بفكر صاغه نور الدين السالمي , ونجم عن تنصيب الإمام سالم بن راشد الخروصي الذي رأينا أبا مسلم يرسل إليه الرسالة تلوى الأخرى (1).
تنم المرجعية السياسية للواقع في خطاب أبي مسلم الاستنهاضي ( الذي لا ينفصل بحال من الأحوال عن الخطاب الديني عامة ) عن حرص شديد على بعث المشروع الإصلاحي النهضوي من كبوته على اعتبار أن جهود أبي مسلم ما هي إلا امتداد لجهود رواد النهضة العربية " الأفغاني – محمد عبده - رشيد رضا –السالمي - قطب الأئمة ) , وقد استفاد من وطأة الهم العربي / الإسلامي ,وهو في كل ذلك يتجاوز رواسب التمزق التي عصفت به في مراحل حياته , ولأجل ذلك دشن حركته تجاه فكر سياسي أحادي قواه التعاطف مع مشروع بعث الإمامة واحيائها . كذلك تأسيس وسائل تقوم على الحرية والعدالة والديمقراطية , كما تبلورت دعوته إلى الأخذ بوسائل الحضارة المعاصرة التي أخذت بواكيرها تطفو على السطح في موطنه " زنجبار ".
__________
(1) - انظر نموذج هذه الرسائل في كتاب الدكتور , محمد صالح ناصر , " أبو مسلم : حسان عمان , ص 198 . (2/39)
صفحة 72
إن شخصية أبي مسلم و إن اختارت المنهج الديني / الإباضي في الإصلاح السياسي بدل الممارسة النضالية وآلت إلى التصالح مع السلطات التي أشرنا إليها , وعدم الاصطدام بها , فإنها تبقى مثار تساؤلات جريئة تتصل بحسم انتمائها إلى نمطية المصلح السلفي أو المثقف المستنير , ونحن نذهب إلى ترجيح النمطية الوسطية ؛ لأن أبا مسلم لا يكشف في أنساق مرجعياته الثلاث سوى جوانب مضيئة تتصل بفهم الدين ومعالجة بعض الأصول والفروع بل ويذهب أكثر من ذلك نحو تكريس الصورة القبلية التي ران عليها المجتمع لأزمان طويلة ؛ .إنه يعقد صلحا دائما مع كل المؤثرات الواقعية فلا يختلف اختلافا واضحا مع سائر السلطات التي عرضنا لها ,وإنما يتحالف معها , لهذا تصبح رؤيته في المجمل الأعم رؤية تحول دون الانفتاح الكامل .
********************
ثالثا : المرجعية الاجتماعية ونسق الذات القبلية :
أهم ما تحيل إليه هذه المرجعية هو حياة أبي مسلم التي تحددها مراحل ثلاث هي :
1 – مرحلة البواكير . 2 – مرحلة التمرس . 3 – مرحلة الانكسار.
فالمرحلة الأولى " تتموضع في عمان , حيث ينتقل فيها من عهد التلمذة ومعاينة الأحداث ومعطيات الشيوخ إلى عهد تتشكل فيه رؤية إصلاحية وطنية تأخذ كثيرا من مكاسب الربع الأول من القرن العشرين , وخاصة من خلال منجزات الحركة الإصلاحية السلفية في عمان وربما في زنجبار لكنها لا تكتفي بذلك , وإنما تنطلق بوثبة أكثر عنفوانا ؛ تدفعها في ذلك معطيات السنين الأولى في حياة أبي مسلم , فهي – إذن – مرحلة تدين بمؤثرات تكوين المشايخ الذين تتلمذ عليهم في قرية " السيح " بوادي محرم أو في سمائل فيما بعد , وبالأخص الشيخ محمد بن سليم الرواحي . كما تدين للواقع ومستجداته بما تحفزت به النفس من آمال نحو التغيير, نلمس ذلك في في صلات البهلاني برفيق صباه ( الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي ) وحنينه الدائم إليه مقرونا بحنينه إلى وطنه : ( البسيط ) (2/40)
صفحة 73
عهدي بها ونضير العيش يصحبها والدهر في غفلة والشهب إخوان
نشأت فيها وروضاتي ومرتبعي روح الفضيلة لا رند وريحان
أرتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق وقصد ومعروف وإحسان(1)
كما نلمس حساسيته الجديدة من صلاته الوطنية بالإمام سالم بن راشد الخروصي الذي حرص على مناصرته : ( البسيط )
يا سالم الدين والدنيا ابن راشد خذ أمانة الله والأقدار أعوان
أنت الضليع بهاحملا وتأدية إذ كل أمرك تدبير وإتقان(2)
فضلا عن صلته الروحية بنور الدين السالمي قبلهما وقد بدا ذلك في استنهاضه للقبائل بغية نصرته : ( البسيط )
يا للقبائل يا أهل الحفاظ ومن أمجادهم في جبين الدهر عنوان
شدوا فديتكم أنتم بواسلها أم فيكم لمصاب الدين سلوان (3)
أما المرحلة الثانية ( التمرس ) فتتمركز في زنجبار مهجر الشاعر , وفيها ينتقل من معايشة الأحداث الوطنية , والالتحام المباشر بمصالح البلاد , إلى مرحلة الانخراط في العمل السياسي والثقافي بإصدار صحيفة النجاح عام 1911 , والتراضي مع السلطات في زنجبار بالمشاركة في رحلات السيد حمود بن محمد ووصفه له في قصيدته " اللوامع البرقية " بصفات تنم عن إعجاب متناه : ( الطويل )
تراه غضيض الطرف وهو مراقب ويرجف منه الدهر وهو سكون
له بصر في ملبس الأمر نافذ فيدرك كنه الأمر وهو مصون
توخى له الحق المبين أصالة من الرأي فيما لا يكاد يبين
يوافيه قبل الفكر حكم وحكمة إذا شاجرته في الشؤون شؤون
يظاهر بين الحزم والرأي جيشه بشن له الغارات وهو فطين (4)
__________
(1) - الفتح والرضوان بالسيف والإيمان , ديوان أبي مسلم , القاهرة , 1986 , ص 300 .
(2) - القصيدة نفسها , ص 306 .
(3) - القصيدة نفسها , ص 308 .
(4) - قصيدة اللامع البرقية في رحلة السلطان المعظم حمود بن محمد إلى الديار الغربية , ط1 , وزارة التراث القومي والثقافة , 1983 , ص 10 . (2/41)
صفحة 74
فالممدوح في هذه المقطوعة له من صفات الحنكة والسداد والحزم والشجاعة ما تبوأه مكانة جليلة لدى رائيه , والشاعر حينما يسدي مثل هذه الصفات عليه فهو ينبأ بأنه قد خبره وعرف سريرته .
وفي هذه المرحلة اختفت شخصيات مؤثرة في تجربته الحياتية , إما بالانتقال إلى جوار ربها , أو بالسجن والعزلة , ولا نستطيع وصف تأثير نهاياتها المحبطة والمريرة في نفس أبي مسلم (1) . لقد سقطت آمال كبيرة بفقد شخصياته , تجرع من ورائها الخيبة والهزيمة لكنه يعود بعدها ليتفاعل مع الواقع الجديد في نهاية العقد الأول من القرن العشرين بعقل أكثر انفتاحا, وبمرونة جعلته يتقبل أوضاعا ما كان يتقبلها من ذي قبل . أعني تصالحه مع السلطة نتيجة الوعود التي كان يحظى بها . ولا سيما تلك المتصلة بأحلام الديمقراطية الإسلامية ومبادئ الإخاء والسلم والعدالة.
وأخيرا المرحلة الثالثة , وهي لا تطول بحال من الأحوال , ذلك أنها مرحلة هزيمة ويأس ومرارة , وهي من الإحباط والخيبة بحيث أنها قضت عليه عام 1920 أي بعد عام من مقتل الإمام الخروصي . وبعد أعوام قليلة من وفاة السالمي , ولو قدر لأبي مسلم أن يعيش أكثر لرأينا ه كغيره من رواد التنوير حطاما منتهيا , فالموت والحياة بعد تبدد الآمال متساويان , وهذا سرّ تكشفه دهشتنا لقصيدته التي يخاطب فيها نفسه : ( البسيط )
ماذا تريد من الدنيا تعانيها أما ترى كيف تفنيها عواديها
غدارة ما وفت عهدا وإن وعدت خانت وإن سالمت فالحرب توريها
ما خالصتك وإن لانت ملامسها و لا اطمأن إلى صدق مصافيها
سحر ومكر وأحزان نضارتها فاحذر إذا خالست مكرا وتمويها
كذابة في دعاويها منافقة والشاهدات على قولي معانيها
تريك حسنا وتحت الحسن مهلكة يا عاشقيها أما بانت مساويها(2)
*********
__________
(1) - يتضح ذلك من خلال مراثيه لقطب الأئمة ونور الدين السالمي , سالم الريامي . انظر الديوان ص 314 , 328 , 341 , 346 .
(2) - ديوان أبي مسلم , ص 306 . (2/42)
صفحة 75
يصبح - إذن – من الطبيعي , وفي ضوء المراحل الثلاث لمسيرة أبي مسلم الشعرية , أن يقترن الخطاب الديني بأنساق المرجعيات , وتصبح شخصيته الجماهيرية أكثر زخما وانفتاحا على سلسلة المفاهيم الحديثة في الفقه والأدب والسياسة , مما يجعل منها بعيدة عن أشكال التزمت الذي هيمن على خطاب المثقف العماني لسنين طويلة ؛ ولهذا فشخصيته وفق نسق المرجعيات باقية في المجتمع العماني وتحظى بقبول منقطع النظير.
قائمة
المصادر والمراجع (1)
**************
أولا : المصادر : -
ديوان أبي مسلم البهلاني , مخطوط , رقم 24 / 9 , الناسخ سالم بن سليمان البهلاني , مكتبة نور الدين السالمي , ولاية بدية , سلطنة عمان .
- ديوان أبي مسلم البهلاني ,القسم الأول , تحقيق على النجدي ناصف , ط1 , إصدار وزارة التراث القومي والثقافة , سلطنة عمان , 1984 .
ديوان أبي مسلم , ط1 , إصدار وزارة التراث القومي والثقافة , سلطنة عمان , 1987 .
- ديوان أبي مسلم , تحقيق عبدالرحمن الخزندار , ط , دار المختار , القاهرة , 1986 .
ثانيا : المراجع :
- أعوشت , بكير بن سعيد : دراسات إسلامية في الأصول الإباضية , ط3 , المطابع العالمية , سلطنة عمان , د.ت .
- الثميني , عبدالعزيز بن إبراهيم : معالم الدين , ط1 , وزارة التراث القومي والثقافة , سلطنة عمان , 1986 , 2 / 191 .
الجعبيري , فرحات : البعد الحضاري للعقيدة الأباضية ,ط1 , سلطنة عمان , 1986 .
خالص , وليد ( الدكتور ) :
__________
(1) - " نورد في هذه القائمة كل ما اعتمدنا عليه اعتمادا مباشرا , أمّا ما كان مساعدا ورديفا فقد أوردناه في هوامش الصفحات " كما أننا نشير إلى أن دراستنا هذه استفادت كثيرا من الأطروحات الثلاث التي قدّمت في شعر أبي مسلم وفكره ؛ فقد كانت معينا لنا في نطاق الفكرة والمصطلح والعبارة والحال نفسها بالنسبة إلى الدراسات الموازية وبخاصة دراسات الدكتور إبراهيم غلوم الواردة في ثبت المراجع . (2/43)
صفحة 76
- نص في السلوك العماني للشيخ سعيد بن خلفان الخليلي ( دراسة وتحقيق ) , نزوى , ع 24 , أكتوبر , 2000 .
الخليلي , أحمد بن حمد : الحق الدامغ , ط1 , د.م , سلطنة عمان , 1989 .
درويش , أحمد ( دكتور ) :
- مدخل لدراسة الأدب في عمان , ط1 , دار الأسرة , سلطنة عمان , 19
- تطور الأدب في عمان , ط1 , دار غريب , القاهرة , 1998 .
- رزق , صلاح ( دكتور ) : ديوان أبي مسلم . عرض ودراسة , ط1 , المطابع العالمية , سلطنة عمان , 1995.
الزركلي , خير الدين , الأعلام , ط , دار العلم للملايين , بيروت , 1998 .
السليمي , محمود , أثر الفكر الاباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين , اطروحة دكتوراة , مرقونة , الجامعة الأردنية , 2001 .
- شحاته , فتحي عطية : الشاعر العماني الشيخ أبو مسلم البهلاني حياته وشعره , ,أطروحة ماجستير , مرقونة , جامعة الأزهر , 1994 .
شيبة , محمد مسعود : الفكر السياسي عند الإباضية , أطروحة ماجستير , مرقونة , جامعة المنيا , 1996 .
- العلوش , سعيد ( الدكتور ) : معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة , ط1 , دار الكتاب اللبناني , بيروت , 1985 .
غلوم , براهيم ( الدكتور ) :
المرجعية والانزياح , مؤسسة الأيام للصحافة والنشر , البحرين , 1996 .
عبدالله الزائد وتأسيس الخطاب الأدبي الحديث , ط1 , دار المسيرة , البحرين 1996 .
- الثقافة العربية وهيمنة نسق الاستبداد , ( مقال ) مجلة ثقافات , ع1 , 2002 , ص 9 .
- الغيلاني , سبيت بن سعيد : الشعر العربي العماني في المهجر الأفريقي , أطروحة ماجستير , جامعة اليرموك , الأردن , 1996 .
- الكندي , أحمد بن سليمان : قصائد السلوك في الشعر العماني , بحث مرقون , توجد صورة منه في مكتبة الباحث , سلطنة عمان .
الكندي , محسن بن حمود :
الصحافة العمانية المهاجرة , ط1 , شركة رياض الريس للطباعة والكتب , بيروت , 2001 (2/44)
صفحة 77
الشعر والشعراء في عمان في القرن العشرين , أطروحة دكتوراة , مرقونة , الجامعة التونسية , 2002 .
مجموعة باحثين : قراءات في فكرالبهلاني الرواحي , ط1 , المطابع العالمية , 1998 .
المحروقي , محمد بن ناصر : الشعر العماني الحديث : أبو مسلم البهلاني رائدا , ط1 , المركز الثقافي العربي , بيروت , 2000 .
- ناصر , محمد صالح ( دكتور ) : أبو مسلم حسان عمان , ط1 , مطابع النهضة , سلطنة عمان , 1996 .
هلال , غنيمي : المواقف الأدبية , ط1 , دار النهضة , مصر , 1973 , ص 101 .
اليحيائي , سالم بن على : أبو مسلم البهلاني ومنهجه الفقهي في كتابه نثار الجوهر , أطروحة ماجستير , مرقونة , جامعة أهل البيت , الأردن , 1998 .
************
(4)
آداب السلوك الصوفي
في
خطاب أبي مسلم الشعري
أ. د. عاطف جودة جاد نصر
الأستاذ المتفرغ بقسم اللغة العربية وآدابها – كلية الآداب
جامعة عين شمس / مصر
الثلاثاء 4 ذي القعدة 1423هـ
الموافق له 7 يناير 2003م
آداب السلوك الصوفي
في خطاب أبي مسلم الشعري
أ. د. عاطف جودة نصر
…
للصوفية آداب سلوكية تمثل في مجموعها قواعد يتبعونها ويقفون في عند حدودها ، وهي آداب وشروط ومراسم تحقق النموذج الأخلاقي في مستواه التأسيسي وفي مظاهره العلمية وما تنطوي عليه من الزام.وليست هذه الآداب بمعزل عن الشرع ، ذلك لأنهم يرددونها للاقتداء والتأسي بما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأحواله.أما آداب السلوك فما نجده في مظان التصوف ومصادره التراثية من نحو اللمع لأبي نصر السراج ، والرسالة للقشيري ، وقوت القلوب لأبي طالب المكي ، والتعرف للكلاباذي ، فضلا عن كتب ابن عربي ورسائله التنوعة. (2/45)
صفحة 78
…فمن ذلك آداب سلوك يترسمونها في العبادات المفروضة ، وآداب يلتزمون بها في المعاملات ، وآداب أخرى في الصحبة ، وعند مجارات العلم ، وفي أوقات الطعام والاجتماعات والضيافات ، وفي أوقات السماع والوجد، وفي اللباس والأسفار، وفي بذل الجاه والسؤال والحركة من أجل الأصحاب ، وفي غير ذلك من الأحوال والمقامات تطالعنا لهم آداب في الأخذ والعطاء، وادخال الرفق على الفقراء، وفي الذكر والجلوس للعلم ، وفي الرفق بالأصحاب والعطف عليهم ، وآداب تتعلق بالمريدين والمبتدئين ، وبالخلوة والصداقة والمودة.
…وتمثل هذه الآداب السلوكية منهجا عمليا في التربية الروحية التي تقوم عندهم على مايطلقون عليه التخلي والتحلي بقصد تطهير النفس من الرذائل ، ونصفيتها من الشوائب المعطلة للكمال الروحي وتحليتها بفضائل الايثار والصدق والاخلاص والتوكل والرضا والصبر والمراقبة حتى ترسخ قدمها في هذه المقامات فتصير لها كالطبع والعادة.
…ويكشف هذا الجانب التربوي الأخلاقي عن حب عميق للإنسانية كلها، ورغبة صادقة في تحقيق ضرب من الفتوة الروحية في تواضعها وشفقتها وإيثارها وعدم زهوها بما تحقق من أخلاق لأن هذا الزهو داعية لاحباط الأعمال.
…وقد يظن بهذه الأخلاق والآداب السلوكية أنها تعبر عن مزاج متشائم يرفض الدنيوي وينبذ المتع المتاحة في حدود الشرع ، وهو ظن مبعثه الوهم ، ذلك أن الصوفية يقدمون أخلاقا ايجابية تشيد بالفضائل في سياق القدوة الرامية الى التكميل ، وليس هؤلاء كالذين تصلحهم أخلاق المعاوضة والحوافز والدوافع الراغبة في تحقيق المصالح الشخصية ، اذ يقدم الصوفية آداب السلوك والأخلاق في سياق الحب والتجرد من المكاسب والأهواء. (2/46)
صفحة 79
…ولا يخطئ من يتأمل هذا الجانب من التصوف الاسلامي على مابين المعرفة والأخلاق عند الصوفية من وشائج قوية . فهذا العقل العملي في تجليات مسالكه المبرأة من الأنانية والكبر والاعجاب والمنافع العاجلة والآجلة ، وهذه النفس المطمئنة الراضية اذ تقطع الطريق وتقتحم عقبات النفس الأمارة واللوامة محترقة بنار المجاهدة والرياضة ، كل ذلك حري بان يفضي الى معرفة ما لاطاقة للعقل النظري بمعرفته.
…ان آداب السلوك وفضائله الأخلاقية في التصوف الاسلامي وما تقدمه من شروط وقواعد ، انما تزكو في حضن الدين ، وتحكمها موازين الشرع ، وهي تفسر لنا تحذيرات الصوفية الأوائل من الذين لايقيمون موازين الشريعة ، وهم طوائف كانت تصدر عنهم أعمال مضادة ، لفطرة الدين والأخلاق ، كمصاحبة الغلمان ، وأخذ الأرفاق ، وتعاطي المفتَرات بحجة الأخوة في الطريق ، أو بمغالطات التقابل بين عصيان الشريعة في الظاهر ، وطاعة الحقيقة في الباطن ، لأن الحقيقة انما هي ثمرة الإخلاص في اقامة الشريعة .
…ان قواعد السلوك والأخلاق تقوم في التصوف على مبادئ التربية والقدوة ، وتمحيص الفضائل من آفات الرياء، والانخراط في المجاهدة المتذرعة بالتفويض والتسليم لله ، وهي أخلاق تزكي الواجب الديني والاجتماعي بمنأى عن المنافع الشخصية ، وتحيي الضمير بالمراقبة والمحاسبة ، وهي باصرارها على تحقيق منتهى العبودية لله ، تحقق منتهى التحرر من أسر ما عداه ، وهي بالمجاهدة والتربية الروحية والسلوكية تنمي الارادة القادرة بألطاف الله وحوله على قهر الرذائل وتجاوز العقبات التي تعرض في طريق السلوك الذي يلتمس قدوته في الأشياخ المربين لأنهم أقدر من المريد على معرفة الرعونات والتأتي للأداء. (2/47)
صفحة 80
…وقد يكون للأخلاق في التصوف جانب سلبي يتصل بمذهب الصوفية ، ذلك أن مذهبهم في الأخلاق يتصور الشر مجرد مظهر من مظاهر الوهم ، فالجمال والكمال والخير أمور ايجابية متصفة بالوجود ، أما القبح والنقصان فترجع الى النفي والسلب والعدم.وربما ينجم عن هذا الموقف نوع من التفويض والقعود عن مكافحة النقائص الفردية والاجتماعية بدعوى أنها أمور عدمية ، أو أنها مرادة لله ، مما يمكن أن يحبط حركات الإصلاح .وقد آن للاتجاهات الصوفية المعاصرة أن تنخرط في مشكلات الفرد وأزماته الاجتماعية والأخلاقية ، وأن ينأى بعضها عن الانعزال والانطواء، وأن يتجه الى الاتصال والتقويم ، مستعينا على تحقيق الغايات بتقوية الارادة ، وتنبيه الامكانات الغافية ، وتنقية العاطفة ، وتوسيع الذات ، واثراء الشخصية ، ليتأتى للتصوف الاسلامي أن يوجه دعوته المخلصة الى العالم المتدابر ، معلنا شعار الأخوة في الله.
…ان خطاب أبي مسلم الشعري ليس بمعزل عن الدعوة الى السلوك الصوفي موضوعا في الاطار الي يحقق كثيرا من غايات العرفان والأخلاق .ويمثل الخطاب الشعري عنده نوعا أدبيا نعرفه في الشعر وفي النثر، وهو ما يعرف بأدب الضراعة والابتهال والمناجاة والدعاء.ولهذا النوع الأدبي ميراث في معاذلات الغزالي ، وفي مواقف النفري ومخاطباته ، وفي ابتهالات السهروردي الاشراقي للنور في هياكله ، وفي بدَ العارف لابن سبعين ، وفي اشارات أبي حيان الالهية ، وفي مناجيات ابن عطاء الله السكندري ، وفي التائيات الشعرية لابن الفارض ، وفي غير ذلك من نصوص التراث الصوفي. (2/48)
صفحة 81
…ولأبي مسلم في فن التائيات باع لا يطاول ، ونفس لا يبارى ، فقد ساق تائيته في الذكر وفي الأسماء الإلهية في خمسمائة وسبعة وتسعين بيتا بعد الألف.ولانعرف في فن التائيات الصوفية نصا بلغ هذا العدد، فلابن الفارض تائيتان تعرف احداهما بالكبرى ، وتعرف الأخرى بالصغرى ، وهما في مجموع أبياتهما دون تائية ابي مسلم بكثير.وفي هذه التائية لشاعر عمان الكبير خصائص ومقومات فنية وأسلوبية من حيث المفردات والتراكيب والتناص والمصطلح الجدلي الكلامي والمصطلح الصوفي ، مما يفرد له سياق يعنى بالدراسة الفنية.
…وتطلعنا الدراسة الصوفية على ما وضع البهلاني في شعره من شروط للذكر بوصفه عمدة الطريق عنده وعند الصوفية.وقد بين هذه الشروط الستة المتمثلة في طهارة القلب ، والتفرد في الخلاء ، والوضوء ، والاخلاص ، واستقبال البيت ، وصوم يوم الخميس ، وذلك في لاميته من الطويل والعروض والضرب المقبوضين ، وهي من الذكر الثالث الموسوم بعنوان المعرج الأسني .ومن ذلك قوله:
على المعرج الأسني من الذكر عوَلا…… فاشراق شمس السر فيه تهللا
وما هو الا ذكر أسماء ربنا………تعالى ولكن كن على الشرط أولا
فأوله التطهير للقلب من أذى المعاصي وثانيه التفرد في الخلا
وثالثه الإخلاص لله وحده …… وهذا ملاك الأمر فالزمه مقبلا
ورابعه استقبالك البيت في الدعا…… وخامسه كون الوضوء مكملا
وسادسه صوم الخميس محبب…… وفي سحر الزهراء للذكر فاعملا
…وقد احتج الصوفية للذكر وآدابه بنقول من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، وعدوه ركنا من أركان السلوك في الطريق ، وهو عندهم كما بين القشيري في الرسالة على ضربين :ذكر اللسان ، وذكر القلب ، وبذكر اللسان يصل العبد الى ذكر القلب اذ التأثير له ، والذاكر بلسانه وقلبه هو الكامل في وصفه في حال سلوكه. (2/49)
صفحة 82
…ومن خصائصه انه غير مؤقت اذ الانسان مأمور بذكر الله ، لذلك يبدو الذكر القلبي مستداما في عموم الحالات.وقد أشار الامام الغزالي في "منهاج العارفين " الى آداب الذكر الماثلة في في استشعار حياء العبودية وهيبة الربوبية ، وازالة حجاب الغفلة.فقد ذكرنا الله مع غنائه عنا ، ونحن نذكره مفتقرين اليه.وهذا ما أشار اليه قوله تعالى :"ولذكر الله أكبر"(1) وتتنزل السكينة على الذاكر ، واليها الاشارة في قوله تعالى:"ألا بذكر الله تطمئن القلوب" أما الخوف الناشئ عن الذكر فغالب على الٌعُبَادلشعورهم بالتقصير ، وهو للمبتدئين في الطريق واليهم الاشارة في قوله تعالى :"انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم "(2).
…ويضيف الصوفية الى أحوال الذكر ودرجاته ما يومئ الى درجة منه تفنى بموجبها الهمة عن الذكر ، ويقوم مذهب البهلاني على الذكر بالأسماء الحسنى على حدَ ما بيَن ذلك في تائيته التي سبق أن أشرنا اليها، وفي قصيدته اللامية من الخفيف والعروض والضرب الصحيحين الموسومة " بالناموس الأسني في أسماء الله الحسنى" وتدور على البسملة ، وثماني حضرات متسلسلة في النص تضم الحضرة الأحدية ، والعرفانية ، والقدسية ، والرحموتية ، والفتوحية ، والجبروتية ، والقاصمة ، والثامنة الحضرة القريبة ، وأنهاها البهلاني بأبيات مائة جعلها خاتمة السعادة.
…وديوان البهلاني كله موقوف على الذكر بمعناه الصوفي ، وقد نظم الذكر بالأسماء الهية ، وكشف عما ينقدح للذاكر من مواجيد وأذواق وعلوم وأسرار وأحوال ومقامات في قصائده وسموطه ، وضم الى ذلك قصائد في المناجاة والابتهال والضراعة والدعاء.
__________
(1) العنكبوت ، آية 45
(2) الأنفال ، آية 2 (2/50)
صفحة 83
…ويحار المرأ في التمثيل بأبيات من تائيته المطولة لتنوع معانيها وكثرة لطائفها ، ودقة مبانيها ، وعمق أغوارها الصوفية ، غير أن هذه الحيرة لاتحول دون التمثل بمتفرقات من تائيته توخينا فيها آيتي سورة الحشر من قوله تعالى :"هو الله الذي لااله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ، هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم "(1) .فمن ذلك اسمه تعالى "الملك" ، أداره البهلاني على أحد عشر بيتا(155 – 165) ترسم فيها تكرار تركيب مؤلف من وصف المجرور بالحرف من نحو ، الى الملك الأعلى، الى الملك الغلاب ، الى الملك القهار.وفي الأبيات اشارتان من اشارت الصوفية ، اشارة الى ما تعارفوا على تسميته "بعالم الميثاق أو عالم الذر" واشارة الى مقام تمحيص المحبة . وذلك قوله:
…الى الملك الأعلى الذي أنا مؤمن……بتوحيده في عالمية ذرتي
…الى الملك الأعلى الذي أنا مخلص… …له الدين حبا لا لنار وجنة
…فأما عالم الميثاق والذر فمشتق عند الصوفية من الآية السابعة من سورة الأعراف "واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى…"(2)،ويقصدون بذلك نشأة مثالية توجه اليها خطاب الربوبية فأقرت بتوحيدها له في هذه النشأة.وأما تخليص المحبة وتمحيصها فالغاية منه أن يكون مذهبا في الحب الإلهي أرست قواعده السيدة رابعة العدوية، وأفاض الصوفية في بيان مدارجه وآفاقه، وهو حب يتجاوز الخوف والرجاء ولاغاية له من وراء المحبوب الأقدس.
__________
(1) سورة الحشر ، آية 23 و 24
(2) سورة الأعراف ، آية 7 (2/51)
صفحة 84
…والذكر باسم الله (القدوس) مداره عند البهلاني وعند الصوفية على التنزيه عن شوائب النقص في حق الذات الالهية، وذلك لاستيفائها الكمال المطلق، فهو تقديس عن العلة والمعلولية ، وهو تقديس لاتحصره النسب ، وتنزيه عن أن يحيط العقل بواهبه ومفيضه ، وعن الأمثال ، والأضداد، والشركاء، والانفصال، والاتصال، والاتحاد، من غير قول بالتعطيل ويختم البهلاني تقديساته بأن يكون لحقيقته وهمته ومقاماته ومشاهده ويقينه وصفاته نصيب من هذا الاسم الالهي ، اذ مدار الأمر على التخلق بالأسماء الالهية ، ومن ضراعاته ودعائه الذي يلتمس فيه التخلق بهذا الاسم قوله :
…بسر اسمك القدَوس قدًس حقيقتي……وحقق بتقديسات وجهك همَتي
…وقدَس مقاماتي وقدَس مشاهدي……وقدَس يقيني فيك من كل شبهة
…وقدَس صفاتي كي تليق نزاهتي……بتسبيح تقديسات نور الألوهة
…ومآل اسمه تعالى السلام الى عدة معان ذكرها أبو مسلم منها معنى التقديس والتنزيه من العيوب والسلامة من عوارض النقص وآفاته ، وتسليمه الخليقة موجوديتها ، وتسليمه اياها من الشر المطلق غير شر تضمن خيرا خفيا .اما اسمه تعالى المؤمن فتشع دلالته بالامان من المكر والاستدراج والاملاء ، ومن غوايات النفس ووساوس الشيطان ، وعلى هذا الحذو من النظم يذكر ويدعو بالمهيمن ، والعزيز ، والجبار، والمتكبر، وبسائر الاسماء الحسنى. (2/52)
صفحة 85
…هذا مذهب البهلاني في اذكاره ، وهو مذهب يرجع الى مايعرف بالذكر المقيد بالاسم المذكور به ، وثم مذهب آخر يجنح الصوفية فيه الى مايعرف بالذكر المطلق ، ومدار هذا النوع منه على لفظ الجلاله (الله) لكونه اسما جامعا لسائر الاسماء ، وقد الح ابن عربي في الفتوحات على تزكية الذكر المطلق وبيان مزيته وفضيلته ، اذ المسمى بهذا الاسم لاتقيده الاكوان ، ومن له الوجود التام ، اما الذكر المقيد فلا ينتج الا ماتقيد به . والذكر من العبد استحضار ، ومن الحق حضور لان مشهودون له معلومون ، وهو لنا معلوم لامشهود ، وفي سياق الاستحضار يتنوع الذكر بتنوع طبقات الذاكرين وفق القوى ، فمنهم من يستحضره في القوه الذاكره ، ومنهم من يستحضره في القوه المتخيله ، ومنهم من يعول على القوتين ، والقوه الذاكره للعلماء ، والمتخيله للعامه ، والجامعون بينهما هم اهل الكشف والشريعة.
…وشبه مذهب البهلاني في الذكر – على حد ما أورده منظوما في خطابه الشعري – ان يكون مذهبا جامعا بين الذكر المقيد والمطلق ، وذلك لسريان مفهوم الاسم (الله) في جميع الاسماء ، اذ يستحضر الذاكر باسم مقيد كالعزيز او المتكبر او اللطيف ، الالوهه ويستشعر اطلاقها في الاسم المقيد ، بما يستحضر تقيدها في استحضاره الاسم الشامل لجميع الاسماء ، وعلى هذا الحدو يفوز بثمرات الذكرين لانه يمر بحضرات الاسماء الحسنى وما تنطوي عليه من معان واسرار.وفي الذكر باسمه الخالق يسوق ابو مسلم افكارا مأخوذة عن علماء الجدل والكلام ، وكذلك في نضمه سائر الاسماء ، تراه يثير مسائل من هذا العلم تجري على سنن الاعتدال ومجانبة المذاهب الغاليه ، مما يدل على علمه بدقائق الجدل ، وانتظامه في مذهب اهل السنه مع اخذه في بعض منظومه بشيْ من مذهب المعتزله ، اما التصوف فله فيه نفس وطريقة مأخوذ بها قائمة على ماتقوم وتستند اليه الطرق الصوفيه من ذكر وطهاره وسلك وتربيه للمريدين. (2/53)
صفحة 86
…وفي الذكر باسمه تعالى (النور) يقول ابو مسلم :
…ويانور وصفا منك بالذات منك لائقا… تقدست عن جسم وعن عرضية
ويانور من حيث الظهور الذي بدا……بمنفعل التأثير والفاعلية
…ويانور من حيث الظهور لغيره ……بإخراجه من عالم العدمية
…ويانور ملقى النور في كل نير……ومشرق اضواء القلوب المضيئة
بنورك نورني وهب لي مراتب اليقين ومزق حجب طبي وظلمتي
بنورك اوقفني على غيب باطني……فمعرفتي اياك عراف رتبتي
…ول ايخطي القارىْ في هذه الابيات التعرف على المصطلح الكلامي في الجسم والعرض ، والمصطلح الصوفي العرفاني في الفاعليه والانفعاليه ، ولايخطىْ في البيت الاخير الوقوف على القاعدة المأخوذ بها عند الصوفيه ، والمتمثله في أن معرفة الانسان نفسه تهديه الى معرفة الربوبيه . ولانقرأ هذه الابيات في ذكر الله باسمه النور الا تداعت آية النور من السورة القرآنية المسماة بهذا الاسم ، والتي تدور على ضرب المثل للنور بالمشكاة ، والمصباح والزجاجة ، والشجرة الزيتونه ، والزيت ، ولانتأمل هذه الابيات الا باستحضار مذاهب النور والاشراق في تراث الفكر الاسلامي ممثلا في مشكاة الغزالي ، وحكمة الاشراق للسهر وردي الحلبي . ومآل ذلك في التصوف الى أن الكون كله ظلمه ، وانما اناره ظهور الله فيه . ويشبه تمييز الصوفية بين ما هو نور بذاته ، وما هو نور بغيره ، تمييز علماء الجدل في السياق الانطولوجي بين ماهو واجد الوجود بذاته ، وماهو واجد الوجود بغيره . وفي الذكر بهذا الاسم تنزيه للنور عن الخير والجسم والعرضية . (2/54)
صفحة 87
…إن الذكر يالاسماء الحسنى عند ابي مسلم يفضي بنا الى مسألتين تتعلقان بالتصوف ، الاولى تمييز الصوفية في الاسماء الالهية بين اسماء الجلال واسماء الجمال ، والثانية معرفة مراتب الاسماء الحسنى من العالم . ويقرر الصوفية فيما يتعلق بالمسألتين أن من عرف حقائق الاسماء فقد أعطي مفاتيح العلوم . ومذهبهم في الاسماء الالهية أن أسماء الجمال كالرحمن والرحيم والسلام والباسط والغفور تنتج الانس ، وأن أسماء الجلال كالجبار والمنتقم والمتكبر والمذل تنتج الهيبة ، وحقيقة الامر أن الجلال والجمال وصفان لله ، أما الانس والهيبة فوصفان للانسان ، فالجلال للقهر ، والجمال للرحمة. هذا هو المذهب العام عند الصوفية المسلمين ، وقد نبه اليه ابن عربي في كتاب الجلال والجمال من مجموع رسائله ، ونقل هذا المذهب منبها الى أن الجلال لله معنى يرجع منه اليه ، والجمال معنى يرجع منه الينا ، ولهذا الجمال عند الصوفي المحقق امران هما الهيبة والانس ، كما أن له علوا يسمى جلال الجمال ، وهو الذي يقارنه منّا الانس ، وله دنو تقارنه منا الهيبة ، لنكون على الاعتدال ، والجمال مباسطة الحق لنا ، والجمال عزته عنا ، فنقابل بسطه في جماله بالهيبة ، وذلك لتجنب الوقوع في سوء الادب عند المباسطة . واما معرفة مراتب الاسماء الحسنى فتئول الى انها هي المفاتح . ولابن عربي في هذا السياق طرح لم يسبق اليه اداره على ربوبية الاسماء وماتحت حكمها من الحقائق ، وعلى مانعته بامهات الاسماء وبناتها ، أما امهات الاسماء فهي الحي ، والعالم ، والمريد ، والقادر ، والقائل ، والجواد ، والمقسط ، وهي بنات اسمين هما المدبر ، والمفصل. (2/55)
صفحة 88
…فالحي رب الارباب والمربوبين ، وهو الامام ، ويليه في الرتبه العالم ، ويلي العالم المريد ، ويلي المربد القائل ، ويلي القائل القادر ، ويلي القادر الجواد ، وآخرهم المقسط فإنه رب المراتب وهي آخر منازل الوجود. ويضيف العرفان الصوفي الى ماسبق بيانه أمرين ، الاول أن الاسماء الالهية تطلب متعلقاتها ليكون لهذه الاسماء تأثيراتها ، والثاني أن كل اسم الهي يتضمن الاسماء كلها ويحتوي عليها مع وجود اللطيفه التي يقع بها التمييز .
…ويصور ابن عربي هذه الحضرات الاسمائية في عرض بديع في نهاية الباب الرابع من المجلد الاول من الفتوحات بقوله " فلما لجأت الاسماء كلها الى هؤلاء الأئمة ولجأت الائمه الى الاسم الله ، لجأ الاسم الله الى الذات من حيث غناها عن الأسماء … فأنعم المحسان الجواد ، وقال : قل للائمة يتعلقون بإبراز العالم على حسب ماتعطيه حقائقهم ، فخرج اليهم الاسم الله وأخبرهم الخبر فانقلبوا مسرعين فرحين مبتهجين ". (2/56)
صفحة 89
…إن في انتاج ابي مسلم البهلاني متمثلا في اذكاره التي صاغها في قوالب الشعر ، مايدل من قريب على تضلعه في علوم الشريعة والحقيقة ، وامتداد نفسه في التصوف ، والمامه العميق بعلم الكلام ومشكلاته ، وتمثله للتراث الصوفي شعره ونثره ، ووقوفه على مايدور بين الصوفية من علوم واسرار ومصطلح ومواجيد واذواق . وليس ادل على ذلك مما وقع في شعره من تناص مع التراث الصوفي لاسيما شعر ابن الفارض . غير أن البهلاني آثر لغة التصوف السني على لغة التصوف الفلسفي ، لانه اكثر ملاءمة للمريدين اذ كان اغلبهم من العامة . ولم يحل هذا الإيثار بينه وبين ان ترد في شعره نصوص احتذى فيها الاساليب الرمزية المتداوله بين الصوفية في خطابهم الشعري. وهذه النصوص هي المجال الذي يكشف عن التناص في شعره. ومن ابلغ الدلالات في تمثله للتراث الصوفي ، العناوين التي اختارها لاذكاره ومنها ( النفس الرحماني ) اذ يدل هذا العنوان على انه قرأ ابن عربي ووقف على هذا المصطلح الصوفي عنده ، وباشر مغزاه الروحي.
… وقد ذكر الجرجاني في التعريفات أن النفس الرحماني" هو الوجود العام المنبسط على الأعيان عينا، وعن الهيولي الحاملة لصور الموجودات ، والأول مرتب على الثاني، سمًي به تشبيها لنفس الانسان المختلف بصور الحروف مع كونه هواءا ساذجا في نفسه ،وعبر عنه بالطبيعة عند الحكماء.وسميت الأعيان كلمات ، تشبيها بالكلمات اللفظية الواقعة على النفس الانساني بحكم المخارج"(1).
…ومدار هذا التعريف على مزيج من الفلسفة والتصوف اتخذ التشبيه والمجاز وسيلة للتعبير ولايبعد هذا التعريف عما أورده ابن عربي في "فصوص الحكم" مع فضل اتساع وتفنن أعانه عليهما لغته المرموزة وتجاربه الروحية الخصبة واستبطاناته العجيبة.وأغلب الظن أن أبا مسلم كان على علم ودراية وتجربة وفهم لهذا المصطلح الصوفي ، والا فلم اختار النفس الرحماني ليكون عنوانا لمجموع أذكاره؟. (2/57)
صفحة 90
…هذا النفس الرحماني يحتوي صور جميع الموجودات بالقوة كما يحتوي نفس الانسان بالقوة جميع مايصدر عنه من حروف وكلمات .وقد نسب النفس الى الرحمن لأنه لأنه رحم به ما طلبته النسب الالهية من ايجاد صور العالم الذي تطلبه الربوبية بحقيقتها وجميع الأسماء الالهية ، وقد قبل النفس الالهي صور العالم ، فهو لها كالجوهر الهيولاني ، لذلك تهدى معرفة العالم الى معرفة هذا النفس الرحماني.
…وفي خطاب أبي مسلم الشعري أبيات قليلة تدور على ما يعرف عند الدارسين بالخمريات الصوفية التي تتميز بالأساليب الرمزية ، وذلك في مقدمة الأذكار من النفس الرحماني ، لاسيما في النص الذي يستهله بقوله:
…فيا لرجال الحب والكأس مفعم……هلمَ اشريوا هذا المغني ترنَما
…عصرت لكم من خمرة الله صفوها……فموتوا بها سكرا فما السكر مأثما
…لقد هام أهل الاستقامة قبلنا……بها فانتشوا بين الخليقة هيَما
…تراهم سكارى ينشر الجمع فهمهم……ويطويه نور الفرق في أبحر العمى
…ملأت لكم دنَي شرابا مروَقا……وحرًكت أوتاري فأنطقت أعجما
ومن قبيل هذا الرمز الخمري قوله:
…من كمثلي وذا الشراب شرابي……والنبيون كلهم ندماني
هام قبلي به الخليل وموسى……ثم عيسى وصاحب القرآن
…هذه حالتي وهذا مقامي………فاعرفوني أو انكروا عرفاني
ولا نقرأ هذه الأبيات الا تداعت لنا خمرية ابن الفارض التي مطلعها:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة… سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
ولايخفى تناص أبي مسلم في قوله :"فموتوا بها سكرا فما السكر مأثما" مع قول ابن الفارض في ميميته الخمرية:
وقالوا شربت الاثم كلا وانما…… شربت التي في تركها عندي الاثم
فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيا… ومن لم يمت سكرا بها فاته الحزم (2/58)
صفحة 91
أما تناص الخطاب الشعري عند أبي مسلم مع واقعة التجلي الموسوي في الوادي المقدس ، فمما يمثل ميراثا عر فانيا لديه ولدى ابن الفارض ولدى الشعراء الصوفية . فقول أبي مسلم في البيتين اللذين جعلهما تمهيدا من الديوان الموسوم بالنفس الرحماني:
هذه النار وذا الوادي المقدس……فاخلع النعلين والذلة فالبس
واجد أنت هوى أو قبسا………لا تجاوز ان هنا الليل عسعس
يثيران في الذاكرة قول ابن الفارض:
آنست في الحي نارا………ليلا فبشرت أهلي
قلت امكثوا فلعلي………أجد هداي لعلي
دنوت منها فكانت………نار المكلم قبلي
ناديت منها كفاحا………ردوا ليلي وصلي
أما أبيات البهلاني التي أشربت دلالة الرمز المشتق من الخمريات فانها تعبر عن وجدان معرفي يصل الصوفي بحقائق عميقة في شكل ومضات والهامات تكشف عما يشبه أن يكون تعطيلا للارادة الشخصية بحيث يشعر الصوفي بقوة خارجية عليا تقهره وتغمره وتطغى عليه.
ويعبر الرمز الخمري عند البهلاني وعند غيره من الصوفية في الخطاب الشعري عن حالة الوجد، وهي من أكثر الأحوال الصوفية امتلاءا بالتوتر والحركة والشعور الغامر بالنشوة والانفراج العاطفي.
وقد دارت عند أبي مسلم كما دارت عند غيره دلالات مأخوذة من تراث الشعر الخمري ، كالصرافة ، والمزج ، والشعشعانية ، والتعتيق ، والشفافية ، ومجالس المنادمة على الشراب ، وما يدور فيها من سماع وطرب ، غير أن هذه الدلالات التي تكون معجم الشعر الخمري ، طرأ عليها عدول حاد بها عن مستواها الأول الى مستوى ثان أعمق يؤسس رمزية هذه الأساليب في الشعر الصوفي.وفي عرفانيات التصوف الاسلامي تحليل نفسي مستفيض لظاهرة السكر الصوفي يدور على الجمال، والحيرة في الشهود، والدهشة.هذا الوجد المعبر عنه رمزيا في الخطاب الصوفي بالخمر والسكر يئول الى شعور باطن بغبطة وفرح عميقين ، تفضيان الى وضع تهتز فيه النفس وتنشط قواها نشاطا غير مألوف ، بحيث يتعذر عليها أن تكبت ما تجيش به من حركة متوترة. (2/59)
صفحة 92
ولدينا في هذا السياق تحليل أوفى على الغاية أورده الكاشاني في مقدمة شرحه لتائية ابن الفارض الكبرى ، فالسكر عنده "دهش يلحق سر المحب في مشاهدة جمال المحبوب فجأة ، لأن روحانية الانسان التي هي جوهر العقل لما انجذبت الى جمال المحبوب ، بعد شعاع العقل عن النفس ، وذهل الحس عن المحسوس، وألم بالباطن فرح ونشاط ، وهزة وانبساط، لتباعده عن عالم التفرقة والتمييز، وأصاب السر دهش ووله وهيمان لتحير نظره في شهود الجمال.وتسمى هذه الحالة سكرا، لمشاركتها السكر الظاهري في الأوصاف المذكورة ، الا أن السبب في استتار نور العقل في السكر المعنوي غلبة نور الشهود، وفي السكر الظاهري غشيان ظلمة الطبيعة".
وتطالعنا في خطاب أبي مسلم ضراعات ودعوات منثورة توخى فيها ما نعته بدعاء الحروف.وهو دعاء رتبه على أبجدية المعجم العربي في تسلسلها وترتيبها، وذلك أنه يذكر الحرف ثم يربطه بالحرف الأول من من اسم أو صفة الهية ، وعلى هذا الحذو جرى في أدعيته ، بألف الألوهية والآلاء، وباء البر والبركات ، وتاء التوبة والتوفيق، وثاء المثوبة ، وجيم الجود والجلال ، وحاء الحلم والحول والحمد والحياة، وخاء الخبير والخير، ودال الدوام ، وذال الذات ، واستوفى على هذا النحو الحروف ، حتى انتهى في خاتمة دعائه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، منوعا في صيغ هذه الصلوات ، ومعانيها، اذ يعد ذلك عند الصوفية في مجالس الذكر من آدابهم المرعية ، ولايتم الذكر ولايحسن ولا يقبل الا بهذه الصلوات ، فالنبي صلى الله عليه وسلم – على حد ما ورد في دعاء الحروف – لمعة النور، وبارقة الإيمان، وشمس الحضرة ، وقطب الدائرة ، ومنبع الفيض ، وحامل اللواء.
فأما وقد شارف هذا البحث نهايته فنحب أن نختمه بالكلام عن مذهب للصوفية في الحروف ، منوهين من بعده بالصلاة على النبي من حيث هي تتمة للذكر الفردي والجماعي. (2/60)
صفحة 93
ويرجع دعاء الحروف عند البهلاني الى تركيب عرفاني صوفي مرموز عند الصوفية نجده في بعض مؤلفات ابن عربي ومنها ، الفتوحات المكية ، ورسالة في الفتح الفاسي تحت عنوان (المبادئ والغايات بما تتضمنه حروف المعجم من العجائب والآيات).ويذهب الصوفية الى أن علم الحروف موروث عن الامام جعفر الصادق.وممن أحاطوا بأسرار هذا الفن ، جابر بن حيان ، وابن مسرة والحكيم الترمذي . والعلم بالحروف عند الصوفية مقدم على العلم بالأسماء تقدم المفرد على المركب ، وأن ما ينتج عن المركب لايعرف الا بعد معرفة نتيجة المفردات التي تركبت عنه ، وهي مسألة من مسائل الخلاف الظاهري.
وفي بث طرف من أسرار هذا العلم يقيم الصوفية علاقات بين علم الحرف وعلم الأعداد الحسابية ، فالألف عندهم قيوم الحروف لسريانها في مخارج هذه الحروف سريان الواحد في مراتب الأعداد، وللألف من هذه الوجهة التنزيه بالقبلية والاتصال بالبعدية، لذلك أشبهت الألف الواحد لتعلق أعيان الاعدادية ولايتعلق الواحد بها.
وعلم الحرف عند الصوفية هو الذي تظهر به أعيان الممكنات والكائنات، وهو كما وصفه الحكيم ، الترمذي علم الأولياء.ومآل مذهبهم في أن الحرف أصل الايجاد أن الحروف انما تظهر أعيانها اذا انقطع الهواء في طريق خروجه، فلما تألفت أعيان الحروف ظهرت الحياة الحسية في المعاني ، وكذلك لما أراد الله وجود الأعيان قال لها :"كن" فكان الكلام الالهي أول شيء أدركته الأعيان ولايبعد أن تكون هذه الكلمة الالهية مجازا ورمزا وتمثيلا للارادة الالهية التي تخصص القدرة.
وفي عرفانيات التصوف الاسلامي جداول ولوحات أساسها التقابل بين الحروف وبين الطبائع الأربع ، وفيها ميل الى تصور اللغة على نحو كوني.ونجد فيما قدَموه عرضا لمعرفة مراتب الحروف والحركات من العالم ، وما لها من الأسماء الالهية الحسنى ، وحديثا عن أفلاك الحروف وطبائعها وبسائطها وحظوظ الحضرات منها. (2/61)
صفحة 94
وقد اتسع هذا العالم اللغوي في عرفانيات التصوف الاسلامي بحيث أفضى الى اعتقاد أن لكل عالم من عوالم الحروف رسولا من جنسهم ، وشريعة تعبدوا بها ، وأن فيهم عامة وخاصة وازداد هذا العالم العجائبي اتساعا حتى أفضى بهم الى تصور الحروف على نحو ما تصوروا مملكة العالم الباطن فذهبوا الى أن في عالم الحروف قطبا وامامين وأربعة أوتاد وسبعة أبدال.
لذلك لم يكن غريبا أن تشرب حروف الأبجدية العربية رموزا واشارات .فالألف رمز الذات الالهية في نزاهتها وعلوها وأزليتها وأبديتها، والهاء للهوية ، والحاء للحواميم ، والباء رمز الاستخلاف ونيابة الانسان ، واشارة الى القيومية التي تعينت بها الأشياء ، وقديما تحدث الشبلي عن نفسه فقال :"أنا النقطة التي تحت الباء" اذ بها ظهور الوجود، وتميز العابد من المعبود، وبعد هذه العبارة المأثورة التي ترددت أصداؤها العرفانية في القرن الرابع الهجري ، تحدث أبو مدين التلمساني في القرن السادس الهجري ، عن هذا الحرف فقال:"ما رأيت شيئا الا ورأيت الباء عليه مكتوبة".وعلى هذا النمط الصوفي العرفاني وصل الينا مذهب أبي مسلم البهلاني في الحروف وفي ارتباطاتها بمذهبه في الأسماء والصفات الالهية مما من شأنه أن يضفي قداسة على هذه اللغة العربية التي بها نزل القرآن الكريم.
وهذه أبيات له تحرى في مطلع كل بيت منها أن يبدأ بحرف الباء ، ومن ذلك قوله من الوافر:
باسمك سيدي تجلى الكروب……وذكرك تطمئن به القلوب
بحمدك سبحت نفسي وروحي……وقلبي فيك منكسر قطيب
بثثت اليك أحزاني وكربي………وحالي عنك ربي لاتغيب
برحمتك استغثت ولي يقين………بأن من استغاثك لايقين……
بلطفك سيدي فرجُ وبشرى……وان عقدت شدائدها الخطوب
بقدرتك استجرت من الأعادي ……فأنت القاهر الحكم الحسيب
بنور محمد نوًر يقيني ………وصلَ عليه ما نارت قلوب (2/62)
صفحة 95
فأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فانها من آداب السلوك الصوفي وشرط من شروط الذكر.وللصوفية في هذا الباب صلوات مأثورة امتثالا منهم للأمر الواجب في قوله تعالى في الآية السادسة والخمسين من سورة الأحزاب "ان الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما".ولهذه الصلوات صيغ متعددة وأساليب تفنن الصوفية فيها ومزجوها بمدائح نبوية ، تمتد جذورها في تراث الشعر العربي ممثلا في مدائح حسان بن ثابت ، وكعب بن زهير، وعبدالله بن رواحة ، والنابغة الجعدي ، والكميت بن زيد، والسيد الحميري ، ودعبل ، والشريف الرضي، ومهيار الديلمي ، والبوصيري.وامتدت هذه المدائح الى العصر الحديث الذي ينتسب اليه أبو مسلم ممثلا الى جانب البارودي ، وأحمد شوقي، شعراء الخليج عامة ، والشعر العماني على جهة التخصيص .
وتطالعنا في الأدب الصوفي هذه الصلوات في شكلها النثري.ولدينا منها صلوات مأثورة عن أستاذة الطرق الصوفية وشيوخها، ويؤسس غير قليل منها وظائف وأورادا يؤدونها بلذة ووجد وحضور في مجالس الأذكار، وتعرف كل طريقة من طرقهم بصلواتها ومدائحها.ومن أشهرها ما ينسب لأبي حسن الشاذلي ، وعبد السلام بن مشيش ، وأبي العباس المرسي ، ولغيرهم من أساتذة الطرق البكرية ، والأحمدية ، والمحيوية ، والمولوية.
أما المدائح والصلوات في شكلها الشعري فمن غررها وفرائدها في الأدب الصوفي العماني قول أبي مسلم البهلاني من الطويل:
وصل وسلم ما تحقق مخلص……بها فانتشى من بحر عين الحقيقة
على المصطفى الهادي اليك محمد……رسولك ختم الرسل خير البرية
هو الجامع الأسماء جمع تحقق……ومشكاة مصباح الصفات الجليلة
هو الأول المكنون في أبحر الخفا……هو الآخر المقصود في كل رتبة
هو الظاهر المعلوم قبل ظهوره……هو الباطن الخافي بكل حقيقة
توليته واخترته وملأته ………بنورك واستخلصته للمحبة
فكل مزايا الرسل والأنبياء في ……بحار مزايا شأنه حكم نقطة (2/63)
صفحة 96
وآثرته من بين خلقك كلهم……بأن كان عند الله خير وسيلة
وآثرته بالنعت من قبل بعثه……على الصحف الأولى بكل نبوة
فصل وسلم بالذي أنت أهله……عليه وبارك وارض في كل لحظة
توسلت ملتاذا بسلطان قربه ……اليك وحسبي أن يكون وسيلتي
ومن يتوسل بالرسول محمد……يلاقي المنى من عين كل رغيبة
وتدور هذه الأبيات على معان صوفية وأسرار عرفانية في مدح النبي والصلاة عليه ، منها أنه خاتم الأنبياء اذ به كملت الشرائع واتضحت المعالم ، وأنه الأنموذج الجامع لحقائق الأسماء الحسنى ، والمحبوب الممتلئ من الله نورا، المستخلص من البشر هديا وراعيا، ووسيلة المؤمنين ، وصاحب الشفاعة والمقام المحمود. ويؤذن وصف الشاعر له بأنه ظاهر معلوم قبل ظهوره ، لاحق غير أنه نبي سابق على الأنبياء، باشارة الى الحديث الذي رواه عرباض بن سارية اذ قال:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:اني عبدالله وخاتم النبيين وأبي منجدل في طينته ، وسأخبركم عن ذلك ، أنا دعوة أبي ابراهيم ، وبشارة عيسى ورؤيا أمي آمنة التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين .قال الحافظ أبو عبدالله الحاكم النيسابوري أنه حديث صحيح الاسناد ولم يخرجه الشيخان في صحيحيهما.وقال الحافظ الذهبي في التلخيص وهو بذيل المستدرك أنه صحيح.وسلسلة رواده :عبدالله بن صالح ، معاوية بن صالح ، سعيد بن سويد، عبد الأعلى بن هلال ، عرباص بن سارية . (2/64)
صفحة 97
في هذه الصيغة يروي أبو هريرة أن النبي حين سئل متى جاءته النبوة قال:" وآدم بين الروح والجسد".وسواءا قبلنا رواية "وآدم بين الماء والطين" أو رواية " وأن آدم لمنجدل في طينته "، فان الروايتين تنتهيان الى تصور لكينونة نبوته قبل خلق الأب الأول للنوع الانساني من المادة.وينطوي الحديث على مفارقة اللاحق السابق ، والوجود البعدي الذي هو في الوقت ذاته قبلي. وهي مفارقة ما لها في عرفانيات التصوف الاسلامي الا توازن مفترض بين الحسي والمثالي ، بين الشهادي والغيبي ، اذ عالم الشهادة مرقاة لعالم الغيب ، وما من شيء في الشهادة الا وهو رمز أو مثال لشيء في عالم الملكوت.وقد تداول الصوفية هذا المعنى ، ومن ذلك قول ابن الفارض في التائية:
واني وان كنت ابن آدم صورة ……فلي فيه معنى شاهد بأبوة
وعلى هذا النحو تئول نبوته صلى الله عليه وسلم الى مفهومين ، الأول واقعي تاريخي في الزمان ، مرتبط بوقائع وأحداث وارهاصات ، والثاني مثالي منتقش في علم الله ، مما يعني أنه أدرك ذاته ونبوته في شكل عين ثابتة في الغيب ، وما هية خالصة في عالم الصور المثالية.
وهكذا نمت الصلوات والمدائح النبوية في الأدب الصوفي القديم والحديث ، وانتهت في هذا الأدب كما هو الحال في نصوص البهلاني الشعرية الى أفكار ومعان تجاوزت المدائح التقليدية المعهودة الى سياق متصل بالحقيقة المحمدية ، والروح الأعظم ، والقبضة النورانية ، فهو صلى الله عليه وسلم وصلة بين الألوهية والمألوهية ، ورابطة بين الربوبية والمربوبية ، وبرزخ بين الوجوب والامكان .
ذلكم هو أبو مسلم البهلاني ، صوت شعري متميز ترددت أصداؤه في الأدب العماني وفي الأدب العربي الحديث، وتأسس خطابه على قاعدة صوفية عرفانية تستمد أصولها من أخلاق الفتوة الصوفية ، وتدعو الانسانية في عصر التدابر والشقاق الى الحب والتوادد والكمال الانساني المنشود.
بعض المصادر والمراجع (2/65)
صفحة 98
النفس الرحماني في أذكار أبي مسلم البهلاني ، مكتبة مسقط ، عمان ط 2002.
ابن عربي :الفتوحات المكية ، ط دار صادر بيروت د . ت
ابن عربي : فصوص الحكم ، تعليق د أبو العلا عفيفي ، بيروت ، دار الكتاب العربي 1980
ابن عربي: مجموع الرسائل ، دار احياء التراث العربي د .ت
الغزالي : مشكاة الأنوار ، تحقيق وتقديم ، د أبو العلا عفيفي ، الدار القومية للطباعة والنشر 1964
الغزالي : مجموع الرسائل ، بيروت ، دار الكتب العلمية 1994
أبو نصر السراج : اللمع تحقيق الدكتور عبدالحليم محمود وطه عبد الباقي ، دار الكتب الحديثة بمصر ومكتبة المثنى ببغداد 1960م
أبو القاسم القشيري : الرسالة القشيرية تحقيق د عبد الحليم محمود و محمود بن الشريف ، دار الكتب الحديثة ،1966م.
د عاطف جودة نصر : الرمز الشعري عند الصوفية ، ط دار الأندلس بيروت 1978م.
د عاطف جودة نصر: شرح مشكلات الفتوحات المكية للجيلي ،ط دار الشباب ، القاهرة 1989م.
د عاطف جودت نصر : شعر ابن الفرض ، دراسة في فن الشعر الصوفي ، ط دار الأندلس بيروت ، 1979م. (2/66)
صفحة 99
(5)
الخطاب الدّيني
في شعر أبي مسلم البهلاني
في إطار مدرسة الإحياء
د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام
( باحث جزائري )
كلية التربية بنزوى – سلطنة عُمان
الثلاثاء 4 ذي القعدة 1423هـ
الموافق له 7 يناير 2003م
الخطاب الدّيني
في شعر أبي مسلم البهلاني
في إطار مدرسة الإحياء
د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام
1- دلالة الخطاب الدّيني في شعر أبي مسلم
حين يقرأ المرء شعر أبي مسلم البهلاني، ويتأمّله ويتملّى أفكاره ومعانيه، ويستبطن مضمونه، يجد نفسه أمام أديب مسلم : شعرا وشاعريّة، شكلا ومضمونا. يلحظ ذلك في كلّ ما كتب، وفي كلّ مظهر يبديه، وفي كلّ موقف يقفه، وفي أيّ موضوع يتناوله. إنّ الشّاعر صاحب إحساس إسلامي قويّ وصادق، سخّر كلّ إمكاناته ومواهبه لخدمة أهدافه النّبيلة، التي هي أهداف إسلاميّة.
من هنا كان شعره كلّه لا يخرج عن دائرة الشّعر الدّيني، أو الخطاب الدّيني: " أنت تشعر لأولّ قراءة أنّك مع أديب مسلم بحقّ، يتجلّى الإسلام في شعره بأحاسيسه الإسلاميّة الصّادقة، ومشاعره الدّينيّة النّبيلة، ولغته المستوحاة من القرآن الكريم، ومواقفه الإيمانيّة الرّصينة، وأفكاره المحمّديّة المستنيرة..."(1) …
__________
(1) الدكتور محمد ناصر، أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ط1، مطابع النّهضة، سلطنة عمان، 1416هـ/ 1996م، ص : 22. (3/1)
صفحة 100
إنّ أبا مسلم شاعر صاحب رسالة يكتب ليوجّه شبابا، ويتحرّك ليؤدّي واجبا، ويقول ليصلح، ويعمل ليغيّر، إنّه "يتّخذ الأدب وسيلة هادفة لتربية الفرد المسلم؛ لأنّه يعتقد أنّ الأدب رسالة وتوجيه وأمانة. وهذا الإحساس إنّما يدفعه إليه شعوره الإسلامي العميق " (1) لم يحد عن هذا المنهج قيد أنملة في كلّ ما نظم شعرا، وكلّ ما كتب نثرا. هذا ما أعطى كتاباته هذا الطّابع الدّيني المتميّز" هكذا كان أبو مسلم يسخّر شعره من رؤية رساليّة لأهداف استنهاضيّة، تستجيب لمتطلّبات المرحلة السّياسيّة والاجتماعيّة الصّعبة التي كانت تعيشها الأمّة الإسلاميّة بعامّة، وعمان بخاصّة،قبيل اندلاع الحرب العالميّة الأولى. " (2) اهتمّ أبو مسلم في شعره بالإنسان المسلم، عالج قضاياه، وتناول اهتماماته، وحاول أن يسير به إلى شاطئ الأمان، ويحطّ به في برّ السّعادة؛ منطلقا في ذلك من روح دينيّة، متشبّعا برؤية إسلاميّة. وقد كان يقصد من توجّهه هذا توجيه خطاب له، يوجّه حياته، ويبصّره بما يجب القيام به وفعله. دليل صبغة هذا الخطاب بالصّبغة الدّينيّة تناوله موضوعات مهمّة في حياة الإنسان، وطريقة معالجته هذه الموضوعات. يقول الدّكتور محمد ناصر : " فعالج بشعره موضوعات حضاريّة على غاية من الأهميّة والعمق والشّموليّة، فكتب في التّاريخ والحضارة والعقيدة واللّغة والشّخصيّات والسّيرة، واهتمّ بالجوانب الإنسانيّة: الجانب الرّوحي في شعر السّلوك، الجانب العقلي في شعر التّاريخ، الجانب العاطفي في شعر الحنين والطّبيعة. فكان في ذلك يحرّك في متلقّي شعره كلّ هذه الأحاسيس التي تربط الإنسان بماضيه من جهة، وتجعله يعيش عصره وواقعه من جهة ثانيّة..."(3) وقصيدته " أفيقوا بني القرآن " يستعرض فيها واقع المسلمين المرير، ويكشف عن علاقتهم بدينهم الضّعيفة. ويحثّهم فيها على المبادرة
__________
(1) م . س ، ص : 15.
(2) م . س ، ص : 143. ينظر أيضا ص : 67 .
(3) م . س ، ص : 16. (3/2)
صفحة 101
إلى التّوبة والرّجوع إلى الله. وبين ذلك يستعرض أخلاق السّلف الصالح دعوة منه إلى الاقتداء بهم. وفي التّناول والمعالجة خطاب، يتجاوز حدود العرض والنّشر (1)
يقول محمد بن ناصر المحروقي : " ومن ناحيّة أخرى فإنّ الخطاب الدّيني في شعر أبي مسلم يتموضع ضمن تيّار شعريّ ظهر في الوطن العربي في نهاية القرن التّاسع عشر ومشارف القرن العشرين. هذا التّيّار الشّعري أفرزته ظروف متقاربة من الصّراع المرير ضدّ المستعمر الغربي، وممارساته الدّائمة في كبت الحرّيات، ممّا عزّز الجانب الرّوحي الذي طالما عرف به الشّرق."(2)
نحن لا نوافق على ما ذهب إليه محمد بن ناصر المحروقي في كون فكرة النّصرة على الأعداء هو القضيّة القاعديّة للخطاب الدّيني في شعر أبي مسلم وبقيّة الموضوعات كان الشّاعر يمهّد بها لمعالجة هذا الموضوع في شعره (3) فإنّ تلك نظرة قاصرة في تحديد إطار مجال الشّعر الدّيني عند أبي مسلم ، فرغم تكرّره كثيرا فيما نظمه، غير أنّه يعدّ أحد المجالات التي عالجها الشّاعر بشعره ، وهو يحمل همّ الإصلاح الشّامل والاستنهاض العام، والتوجيه الواسع، والتّغيير العميق. وهو ما يتطلّب العمل الكبير والواسع في مختلف الأصعدة والميادين.
__________
(1) ينظر ديوان أبي مسلم ، عني بطبعه ونشره صالح بن عيسى الحارثي، حقّقه ودقّقه عبد الرّحمن الخزندار، مطبعة دار المختار( من دون ذكر مكان الطّبع) 1406هـ/ 1986م، ص : 327 وما بعدها.
(2) محمد بن ناصر بن راشد المحروقي ، الشّعر العماني الحديث ( أبو مسلم البهلاني رائدا) 1860 ـ 1920م، ط1، المركز الثّقافي العربي ، الدّار البيضاء( المغرب) بيروت( لبنان) ، 1999 ـ 2000م، ص : 82.
(3) م . س ، ص : 89 . (3/3)
صفحة 102
نحن لا ننكر أنّ هذه الفكرة استأثرت باهتمام الشّاعر : لأنّه كان يرى ما كان سائدا ومنتشرا في عصره من تكالب الأعداء والمستعمرين على الوطن الإسلامي ، وعرقلة المدّ الإسلامي، وقهر المسلمين؛ فكان لأجل ذلك يبتهل إلى الله تبارك وتعالى ، ويدعوه أن يقهر أعداء الدّين، وينزل عليهم غضبه وبطشه، يقول صالح بن عيسى الحارثي : " فأنت سوف تراه عندما يعبد ربّه فيدعوه بالشّعر ويسبّحه به، يعود إلى الظّالمين فيستنزل عليهم غضب الله، فكأنّه يريد أن يطهّر أوّلا نفس قارئ شعره بذكر الله ، فيهيّئها للعمل خالصة في مقابلة الظّلم "(1)
نحن نعترف أنّ هذا الموضوع تكرّر كثيرا في شعر أبي مسلم تكرارا لافتا للنّظر، لكنّنا لا يمكن أن نعدّه القضيّة القاعديّة في شعره. إلاّ أن يكون الأستاذ محمد المحروقي قد حدّ من إطار أو دائرة الشّعر الدّيني عند أبي مسلم، وهو ما لا نوافقه عليه.
__________
(1) ديوان أبي مسلم ، ص : 10 . (3/4)
صفحة 103
يقرّ كلّ من درس شعر أبي مسلم دراسة موضوعيّة معمّقة أنّه لا يخرج عن هذا الخطّ المستقيم، الذي رسمه؛ كي يسير عليه أو فيه، هذا الخطّ المستقيم، نقطتا الارتكاز فيه اثنتان، لا ثالث لهما: نقطة المبادئ الثّابتة، ينطلق منها ، ونقطة الأهداف المرسومة، ينطلق إليها. هاتان النّقطتان لا تخرجان عن روح الإسلام ، ولا تتنصّلان عن صبغة الدّين. من هنا كان شعره ذا صبغة واحدة، هي صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة، وروح واحدة، هي روح الإسلام، ومنهج واحد هو منهج الدّين.يقول الدّكتور محمد ناصر : " فوطنيّاته ومدائحه ومراثيه كلّها لا تخرج عن إطار هذا المنهج المستقيم، ولينظر المتأمّل ملاحمه الوطنيّة: المقصورة والنّونيّة والميميّة والعينيّة، ثمّ لينظر تخميساته لقصائد الشّيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ولينظر بعد ذلك مراثيه في العلماء الأجلاّء ، يجدها قد صبغت كلّها بقالب سلوكي رفيع؛ لأنّ شعره كلّه في الغالب متمحور حول الاستقامة، ومنشقّ عنها، داع إليها. " (1)
__________
(1) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 45 ، 46 . (3/5)
صفحة 104
الموضوعات التي استأثرت بشعره تؤكّد على الصّبغة الدّينيّة، التي لا تقبل الفصل بين ما هو ديني وما هو غير ديني فيه ؛ لأنّه أصلا لا وجود لهذا التّقسيم في هذا الشّعر. ففيه حديث عن العقيدة الإسلاميّة بمسائلها المختلفة، وتناول لواقع المسلمين في آمالهم وآلامهم، والتّركيز على الابتهال والدّعاء والذّكر، ثمّ توجيه خطاب متعدّد الأشكال، متنوّع الألوان إلى المسلمين؛ ليحرّك فيهم هممهم، ويشحذ عزائمهم، ويخاطب ضمائرهم، حتّى ترجع وتبقى في دائرة الإسلام. ثمّ يخصّ الشّعب العماني بالخطاب. وذلك بتذكيره بما له وما عليه نحو دينه، واستنطاق تاريخه واستلهامه، والإشادة بمآثر أسلافه وآثار أجداده، وتسجيل المنجزات الحضاريّة لهذا الشّعب الأبيّ, ورثاء العلماء المصلحين، وتوجيه النّظر إلى أخذ العبر من حياتهم في الاستقامة والسّلوك والعمل والدّأب والنّشاط وخدمة الإسلام والمجتمع...يقول الدّكتور محمد ناصر " لقد كان أبو مسلم يتّخذ من التّاريخ عبرة لبثّ الرّوح الاستنهاضيّة في القلوب، فالتّاريخ عنده ليس افتخارا أو ادّكارا فحسب، بل هو قبل هذا وذاك اعتبار ومقارنة، حثّ ومواكبة. وما وقفاته عند صور البطولة والجهاد إلاّ إحياء لهذه المعاني في النّفوس، لأنّ الصّراع بين الحقّ والباطل كما كان في القرن الأوّل والثّاني الهجريين، هو الصّراع نفسه في القرن الرّابع عشر الهجري، وإن اتّخذ لبوسا مختلفا وأرضيّة مغايرة , والدّارس عندما يريد استجلاء هذا الجانب الهام في شعر أبي مسلم ينبغي عليه أن يلمس ذلك من خلال الدّيوان كلّه؛ إذ لا يجد الاستنهاض فيه موضوعا خاصّا أو اتّجاها معيّنا في هذه القصيدة أو تلك؛ لأنّ الاستنهاض موجود وراء كلّ كلمة يقولها الشّاعر، خاطب بها نفسه أو غيره، ابتهل إلى الله متضرّعا، أو عاتب قومه محفّزا، وهو على وعي كامل بهذه الرّسالة التي ندب شعره لها. " (1) وهذا
__________
(1) 10) أبو مسلم الرّواحي جسّان عمان ، ص : 125 . (3/6)
صفحة 105
الاستنهاض لا يكون ملوّنا إلاّ باللّون الدّيني ، ولا موجّها إلاّ بروح الإسلام.
من هنا حقّ لعليّ النّجدي ناصف أن يقول : " وهكذا يبدو أبو مسلم في جملة شعره مؤمنا راسخ الإيمان متديّنا، يخلص الدّين للّه، ويحضّ على الجهاد فيه، ذيادا عنه، وتمكينا له وإعلاء لكلمته، مهما عظم فيه الخطب، وتألّبت دونه الشّدائد والمحن. فالدّين أحقّ ما يجب فيه البذل ويهون الفداء. " (1)
الرّأي نفسه أكّده عبدالرّحمن الخزندار : " ...ولا سيّما أنّ هذا الدّيوان قد تناول موضوعات متعدّدة متنوّعة، تجلّت فيها الرّوح الإسلاميّة العربيّة الصّافيّة، والشّاعريّة المستفيضة، والإيمان العميق، بما يدعو إليه من التّقوى والعلم والعمل." (2)
يمكن أن يتّخذ المعجم الشّعري دليلا على كون أبي مسلم يمارس الخطاب الدّيني في شعره، في كلّ ما قال وكتب، يقول محمد بن ناصر المحروقي : " وتجد عند أبي مسلم أنّ أبرز الكلمات المفاتيح تتّصل بهمّ واحد، تتمثّل في مفهوم الاستنهاض. ومن تلك الكلمات التي تعكس هذا الهمّ ( الرّجال، بنو الإسلام، بنو التّوحيد ، بنو القرآن، بنو الأحرار، كتائب الله، غارة الله، سياسة الله، السّيوف القنا، الخيول، المعاهد، الدّهر)
إنّ الرّوح الاستنهاضيّة التي يحاول الشّاعر الدّعوة إليها لمواجهة الاستعمار الغربي ترتكز على مقوّمات دينيّة، فالرّجال الذين سيقومون بمهمّة المواجهة هم (بنو الإسلام ) وكتيبتهم تنسب إلى الله ( كتيبة الله ) وبذلك يرتبط الاستنهاض بالبعد الدّيني. " (3)
__________
(1) 11) ديوان الشّيخ العلاّمة أبي مسلم البهلاني ، تحقيق عليّ النّجدي ناصف ، ط2، نشر وزارة الثّقافة والتّراث القومي ، سلطنة عمان،1412هـ/ 1992م ،ص: ، ع .
(2) 12) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي)، ص : 5.
(3) 13) الشّعر العماني الحديث ،ص : 197. (3/7)
صفحة 106
إنّ الدّين هو الدّائرة الكبرى التي تشمل في محيطها كلّ الدّوائر الأخرى، التي يتحرّك فيها أبو مسلم، والإيمان بالله حقّ الإيمان هو الخيط النّفسي الذي ينتظم شعره كلّه. والإسلام هو لحمة شعره وسداه . و" الدّين مصدره ومورده، والدّين باعثه وهدفه." (1)
من هنا نقرّر من دون تحفّظ أنّ شعر أبي مسلم كلّه ديني، والخطاب الدّيني عنده يعني كلّ ما كتبه شعرا. ولذلك أكّد الدّارسون على صعوبة الفصل في قصائده على أساس الأغراض " فمع الشّاعر أبي مسلم الذي ينطلق من رؤية إسلاميّة يصعب الفصل في قصائده على أساس الأغراض، فنقول هذه قصيدة دينيّة وهذه قوميّة وهذه تصوّفيّة وهذه استنهاضيّة وهذه في الحنين وتلك في الغزل...إلى غير ذلك من الأغراض التّقليديّة المعروفة؛ لسبب بسيط وهو أنّ الشّاعر عندما يعالج موضوعا من موضوعاته إنّما يعالجه من نظرة شموليّة، تنبع من أحاسيسه ومشاعره الدّينيّة أوّلا وقبل كلّ شيء ." (2)
يؤكّد الباحث نفسه، وهو يناقش الذين تحدّثوا عن وجود شعر ديني في قصائد أبي مسلم " إذ نخشى لو وافقنا على هذا التّقسيم أن يظنّ أنّ لأبي مسلم قصائد دينية وأخرى غير دينيّة، أو يظنّ أنّ بعض الشّعر عنده يخلو من الإحساس الدّيني، فقد يصحّ هذا المنهج مع غيره من الشّعراء الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، أو الذين كتبوا في كلّ الفنون تلبية لرغبات، قد لا تكون ذاتيّة، تصدر عن أحاسيسهم الدّاخليّة، بل هي استجابة لمناسبات ما، كما نجد ذلك عند شوقي وحافظ مثلا.
ولو نحن درسنا شعر [بي مسلم على غير هذا النّحو من اعتبار الدّين عنصرا أساسيّا في كلّ القصائد لأخللنا بالمنهج السّليم لدراسة شعر أبي مسلم، بل لظلمنا رؤية الشّاعر نفسه؛ لمكانة الدّين في الشّعر... "(3)
__________
(1) 14) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 23 .
(2) 15) م . س ، ص : 32 .
(3) 16) م . س ، ص : 23 ، 24 .. (3/8)
صفحة 107
يمكن لنا بعد العرض المقتضب المركّز أن نقول ونقرّر: إنّ أبا مسلم الرّواحي يختلف عن شعراء الإحياء الآخرين كون شعره كلّه خطابا دينيّا ، أي هو ملتزم بخطّ واحد، وهو الإصدار عن الدّين في كلّ ما قال، وخدمة الدّين في كلّ ما نطق، وتوظيف الدّين في كلّ ما تفوّه به . بينما غيره من الشّعراء الإحيائيين أو بعضهم نستطيع أن نميّز في شعرهم بين ما هو ديني وما هو غير ديني. " إنّ الشّاعر أصيل في أفكاره، محافظ على عقيدته، متميّز بصفاء طويّته ونقاء سلوكه. يتجلّى الإسلام في كامل شعره: رؤية وموقفا، تصويرا وتعبيرا، معالجة وتناولا، ممارسة وتحرّكا وسلوكا. "(1)
ونحن إذ نورد العنوان المقترح علينا الكتابة فيه، فإنّنا سنتحدّث عن الخطاب الدّيني عند أبي مسلم انطلاقا من التّصوّر العام الذي قدّمناه نحو شعره، وهو أنّه كلّه خطاب ديني.
2- خصائص شعر مدرسة الإحياء
- ما يميّز شعر مدرسة الإحياء الجزالة ُومتانة الأسلوب، وفخامة التّعبير، واللّجوء إلى اللّغة القويّة، يقول الدكتور محمد أحمد موسى وهو يحدّد بعض مميّزات هذه المدرسة، ويعلّل اتّصافها بها:" جزالة اللّفظ وفخامة التّعبير لدى معظم شعراء هذا الاتّجاهات؛ لأنّ موقف البطولة والحرب والشّجاعة ومدح الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، و الذّود عن الإسلام، والدّفاع عن الدّين يتطلّب مثل هذه الألفاظ." (2)
__________
(1) 17) الدّكتور محمد ناصر بوحجام ، الرّؤية الإسلاميّة في كتاب : أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان، المطبعة العربيّة ، غرداية (الجزائر) ، نشر جمعيّة التّراث، القرارة ( الجزائر)، ربيع الأوّل 1418هـ/ جويليّة 1997م، ص : 19.
(2) 18) د. محمد أحمد موسى ، " الاتّجاهات الفنيّة في الشّعر العماني ( محاضرة) ، ص : 22 . ندوة الأدب العماني الأولى ، جامعة السّلطان قابوس ، مسقط ( سلطنة عمان) ، فبراير 2000م . (3/9)
صفحة 108
ويؤكّد الدكتور إبراهيم السّعّافين هذه الحقيقة بقوله : " ومن هنا كان تطوّر حركة الإحياء عاملا من عوامل تمثّل التّراث القديم، واستغلاله استغلالا أكثر كفاءة، وقد كان لقوّة الصّياغة وتماسك النّسيج أثر كبير في تمثّل المعاني بهذه القدرة والكفاءة " (1) إنّ الشّاعر الإحيائي _ غالبا _ ما يتنفّس في أجواء الشّعر العربي القديم: لغة وتصويرا وأسلوبا وخيالا ومعاني وأغراضا أحيانا . ويستعير من القدماء إطار قصيدته، وما يتّصل بها من تشبيهات واستعارات، ثمّ يملؤها بروحه ، ويطبعها بشخصيته.يقول الدّكتور إبراهيم السّعّافين : " فقد توجّه الشّعراء إلى القديم، وبخاصّة في عصور قوّة الشّعر وازدهاره ليتمثّلوه ويستلهموه. وقد رأوا أنّ الشّعر القديم لم يكن على الصّورة التي رأوها في شعر النّدماء والعروضيّين، كما عرفوا أنّ مكانة الشّاعر في القديم لم تكن كمكانة الأدباتي والنّديم ، وإنّما كان الشّاعر محترما، بل كان من الشّعراء خلفاء وأمراء ووزراء وقادة، فعادت صورة الشّعر تأخذ مظهرا لائقا في نفوس الشّعراء والقرّاء معا. " (2)
_ طبيعة القصيدة في المدرسة الإحيائيّة تتميّز بالتّكرار والإطناب والإسهاب، وطول النّفس وتداخل الأفكار والمعاني، وانعدام الوحدة الموضوعيّة والوحدة العضويّة...
__________
(1) 19) الدكتور إبراهيم السّعّافين . مدرسة الإحياء والتّراث ، ط1، دار الأندلس للطّباعة والنّشر والتّوزيع، 1401هـ/ 1981م ً : 241.
(2) 20) م .س ، ص : 188 . (3/10)
صفحة 109
_ يعيش الشّعراء في هذه المدرسة، وفي المرحلة التي وجدوا فيها فترة إحياء حقيقيّة؛ إذ أنّهم جهدوا أنفسهم وكلفوا بإحياء التّراث العربي القديم للنّهوض بالشّعر والأدب وإعادة الاعتبار لهما، وإحكام الصّلة بين التّراث والواقع المعيش. وقد آمنوا أنّ الرّجوع إلى التّراث الأصيل والتماسه من الشّعر العربي في عصوره المزدهرة أنجع وسيلة للنّهوض من الكبوة، والإفاقة من الغفوة.إنّ هذا يندرج ضمن مفهومهم لرسالة الشّعر، التي هي إصلاحيّة توجيهيّة، تثقيفيّة تربويّة، وفي النّهاية هي أمانة . ومن جملة الأمانة مسؤولية النّهوض بالأدب. يقول إبراهيم السّعّافين : " إنّ الأمر الذي يتّفق عليه الدّارسون يتركّز في أنّ الإحيائيّين قد اعتمدوا على التّراث الشّعري الذي وصل إليهم في صياغة أساليبهم ورسم صورهم وإبراز أفكارهم . " (1)
" ومن هنا ينبغي علينا أن نتفهّم حقيقة مهمّتهم التي تتعلّق بالدّرجة الأولى بإحياء التّراث الشّعري القديم وبعث أساليبه وربطه بالحياة قدر المستطاع. "(2)
_ غرق الإحيائيّون في تقليد القدماء في الكتابة الشّعريّة، وبخاصّة في جانبي اللّغة والتّصوير. فقد كان أكثر ما نظموه شعرا لا يتزحزح عمّا قدّمه القدماء، أو قالوه. وهم كما يقول إبراهيم السّعافين: " وكأنّهم توهّموا أنّ لغة الشّعر ومعانيه وصوره ينبغي أن تستمدّ من القديم. " (3)
__________
(1) 21) م . س ، ص : 357 .
(2) 22) م . س ، ص : 212 ، 213 .
(3) 23) م . س ، ص : 210 . (3/11)
صفحة 110
إنّ هذا تأكيد لما ذهب إليه عمر الدّسوقي عن معاني شعراء الإحياء وصورهم : " أمّا معانيهم فليس فيها جديد إلاّ النّادر ... ومعظمها مأخوذة من الأدب العربي القديم، أو من المعاني المتداولة، وخيالهم تصويري، ومبني على الاستعارة والتّشبيه والمجاز. بل كثيرا ما تكون تشبيهاتهم غير مجارية لزمانهم أو بيئتهم، وإنّما نهجوا فيها نهج العرب الأقدمين، متأثّرين بالقوالب المحفوظة والعبارات المتداولة." (1)
_ ممّا يميّز شعراء مدرسة الإحياء اللّجوء إلى معارضة القدماء فيما كتبوه شعرا؛ إعجابا بمعانيهم، وتقديرا لأفكارهم، واحتفاء بأساليبهم، وانبهارا بصورهم . وربّما يكون ذلك قدجاء بدافع إبراز قدرتهم على مجاراتهم ، وربّما التّفوّق عليهم.
_ سار الإحيائيّون على نهج القدماء في بناء القصيدة؛ وذلك بِعَدّ البيت وحدة مستقلّة، ليست له علاقة بالأبيات الأخرى في هندسة القصيدة، وتنامي معانيها وبنائها، ولا يرون ضرورة توفير الوحدة العضوية فيها، وهو " ما جعل طبيعة النّظم تنصرف عن التّدرّج النّامي في كتابة القصيدة, ورسم صورها، ذلك لأنّ الصّياغة اللّفظيّة هي الشّغل الشّاغل الذي كان يستأثر بجهود القدماء . " (2)
هذه الخصّيصة وإن كانت بارزة في شعر الإحيائيّين إلاّ أنّنا يجب أن لا نسرف في عدّها عيبا كبيرا، ونقصا أو قصورا في الكتابة الشّعريّة ، بل يجب أن نناقش ونحلّل هذه الظّاهرة أو هذه الميزة على ضوء الظّروف التي كان يتحرّك فيها هؤلاء الشّعراء وينظمون ما يحسّون به، ويقدّمونه بالطّريقة التي يحذقونها ، ويملكون أدواتها، ووفق ما كانوا يخطّطون له ويرسمون، ووفاقا لما يهدفون إليه من كتابة الشّعر. إذ بذلك نتمكّن من فهم طبيعة البناء الذي اختاروه لكتاباتهم.
__________
(1) 24) الدكتور عمر الدّسوقي ، في الأدب الحديث ،ج2 ، دار الفكر العربي ، القاهرة، ( د .ت ) ص : 339 .
(2) 25) مدرسة الإحياء والتّراث ، ص : 297 . (3/12)
صفحة 111
وقد نجد عندهم البديل، الذي يعوّض عن الوحدة العضويّة أو الوحدة الموضوعيّة، وهو الوحدة النّفسيّة، التي تربط ما يقوله الشّاعر الإحيائي من أفكار، وما يتناوله من موضوعات في القصيدة الواحدة، يربط كلّ ذلك خيط نفسي، يترجم ويعبّر عمّا يريد قوله؛ لأنّ الشّاعر الإحيائي – تبعا للظّروف التي عاشها – يكتب عن غيره، ويعالج قضايا سواه والآخر، ولا يهتمّ بالشّعر الذّاتي إلاّ قليلا.وينظم وفقا لمفهومه لحقيقة الشّعر، التي هي توجيه وإرشاد واستنهاض... فهو يحرص على توفير الوحدة النّفسيّة، التي تبقيه منسجما مع ما يقول، وما يصوّر ، ومرتبطا بالهدف الذي رسمه لمضمون قصيدته. ما هو خارج عن هذا المطلب لا يهمّه كثيرا، من ذلك إيجاد الوحدة العضويّة أو الوحدة الموضوعيّة، أو توفير الجانب الجمالي في الكتابة الشّعريّة. يجب أن نناقش الشّاعر الإحيائي على ضوء هذه المعطيات.
_ الأغراض التي كتب فيها الإحيائيون هي: المدح، الرّثاء، الهجاء، الغزل، الوصف، الحكمة، الأخلاقيات، الإخوانيات، الشّعر التّاريخي، الشّعر السّياسي، الشّعر القومي، الشّعر الدّيني...
غلب عليهم الالتزام بمظهر القصيدة العربيّة القديمة، الذي يبدو في التزام رويّ واحدة وقافيّة موحّدة، ووزن رتيب. وأحيانا يبدؤون القصيدة بمقدّمة طلليّة أو غزليّة، كما كان يفعل القدماء.
بالجملة حاولوا المحافظة على روح الشّعر المشرقة في ديباجته اللّفظيّة الجزلة، وملازمة عمود الشّعر القديم في ورنه وقافيته ومعانيه وصوره وبناء قصائده، وغير ذلك. من هنا جاءت تسميتهم بالمحافظين ، ونعتت مدرستهم بالاتّجاه التّقليدي. (3/13)
صفحة 112
نحاول فيما يأتي من الصّفحات الوقوف على حقيقة الخطاب الدّيني عند أبي مسلم في إطار مدرسة الإحياء، مستحضرين خصائص هذه المدرسة، كما عرضناها آنفا.نشير أنّ هذه الدّراسة تهدف إلى تحليل هذا الخطاب، ولا تعنى بدراسة كلّ الظّواهر، أو مناقشة الأساليب أو عرض المضامين؛ ولهذا اخترنا بعض النّماذج من شعره، ووقفنا عند بعض المحطّات والظّواهر التي رأيناها مساعدة على مناقشة الموضوع وتوضيح بعض اارّؤى، واعتمدنا كثيرا على الإحالات؛ لأنّ حجم الدّراسة لا يسمح بالإسهاب والإطالة. لم نتناول بالنّقد كثيرا من أشعار أبي مسلم؛ لأنّ الدّراسة موجّهة أساسا لإبراز السّمات الإحيائيّة في شعره، في إطار الخطاب الدّيني. ونذكر أيضا أنّنا لم نتعرّض لشعر الابتهال والمدائح النّبويّة؛ لأنّهما مدرجان محورين يتناولان في هذه النّدوة...
3- الأغراض والمعاني
إنّ محاولة إبراز سمات المدرسة الإحيائيّة في شعر أبي مسلم، والكشف عن الخصوصيّة، التي يتميّز بها عن بقيّة شعراء هذا الاتّجاه يفرض علينا تناول الموضوع من جانبين مستقلّين: حانب المعاني ، والجانب الفنيّ.
حتّى وإن كان الأصل أن يكونا متّصلين؛ إذ أنّ العمليّة الإبداعيّة لا تفصل بينهما، إلاّ أنّ الرّغبة في فسح المجال لمزيد من الكشف وإماطة اللّثام عن بعض المكنونات وبعض المخفيّات في شاعريّة أبي مسلم قد تشفع لنا في هذا التّناول، بخاصّة وأنّ الشّاعر ما يزال لم يتبوّأ مكانته التي يجب أن يحوز عليها . وهذا ما يمكن أن تحقّقه الدّراسة المعمّقة والبحث الدّؤوب. (3/14)
صفحة 113
لقد جارى الإحيائيون الشّعراءَ القدماءَ في بعض الأغراض كالمدح والهجاء والرّثاء والغزل والوصف والحكمة والفخر. مع الكتابة في أغراض أخرى كالإخوانيات والشّعر التّاريخي والشّعر السّياسي وغيرها.كتبوا في كلّ ذلك بكثير من المحاكاة والتّقليد في الأفكار والمعاني، وطريقة التّناول " فإذا أرادوا أن يصفوا الخمرة كانت صفاتهم نمطيّة مشتركة، وإذا تشبّبوا بالنّساء كانت صفات المرأة عند كلّ الشّعراء واحدة، وإذا أرادوا الحديث عن وِصال النّساء اشتركوا جميعا في وصف مغامراتهم المسلّحة، سواء أكانوا يصدرون في ذلك عن تصوير صادق لواقعهم وواقع الحياة الاجتماعيّة أم كانوا يصدرون عن إرادة محضة، وكما استقرّت القيم الاجتماعيّة وكما ثبتت القيم الشّعريّة أو كادت. " (1)
يذكر الباحث نفسه أنّ تقليد الإحيائيين القدماءَ والسّير على سننهم وترسّم خطاهم كان أمرا طبيعيّا ذلك " أنّ الظّروف الموضوعيّة والتّاريخيّة تلزم الإحيائيين
– وفي أوائل العصر بالذّات – تمثّل القدماء والاقتداء بهم في حركاتهم وسكناتهم . "(2)
مع محاولات متميّزة من حين إلى حين من بعض الشّعراء في بعض المواقف لربط ما كتبوه بالواقع المعيش، والاستجابة للمستجدّات في الحياة، والخضوع للتّطوّر الزّمني ولشخصية الشّاعر الثّقافيّة، وتطوّره الفنّي أو الرّكون إلى ظروف القصيدة السّياسية والاجتماعية... فما هي أبرز الأغراض التي كتب فيها أبو مسلم الرّواحي؟ وما هي المعاني والأفكار التي عرض لها؟ ووجّه من خلالها خطابه الدّيني؟
كتب الشّاعر في الابتهال والاستنهاض والمديح النّبوي، وفي الحكمة والرّثاء . وكتب في العقيدة والأخلاق والحضارة والتّاريخ والسّيرة واللّغة والعلم والشّخصيات، وفي الدّنيا والحياة والموت والدّهر ... تناول كلّ الموضوعات من وجهة نظر الدّين ، وعالجها برؤية إسلاميّة.
__________
(1) 26) مدرسة الإحياء والتّراث ، ص : 210.
(2) 27) م , ن . (3/15)
صفحة 114
سنركّز على غرضي الحكمة والرّثاء، ونعرض بعض المعاني والمضامين التي ضمّنها الشّاعر هذين الغرضين، أو نقل من خلالهما بعض المعاني التي أشرنا إليها؛ لأنّ حجم الدّراسة أو نطاق الدّراسة لا يسمح بأكثر من ذلك، وتناول كلّ الأغراض، التي كتب فيها الشّاعر. ثمّ إنّي لمست أنّ الرّوح الدّينيّة والرّؤية الإسلاميّة كانت أكثر وضوحا، والمعاني التي ترجمت عن شخصيّته، وأبانت عن منهجه في الحياة كانت أجلى مظهرا في هذين المجالين.
4- الحكمة في شعر أبي مسلم
إنّ جوانح أبي مسلم المملوءة إيمانا، وقلبه الثّابت يقينا بالله، ونفسه التي أشربت العقيدة حتّى الثّمالة، وتجربته الكبيرة في الحياة، وصراعه الدّائم الدّائب مع الدّهر، وحبّه الخير لكلّ النّاس، وانشغاله المستمرّ بنصح البشر، وحرصه العريض الصّادق على النّهوض بالمسلمين...كلّ ذلك جعله ينطق بالحكمة وجوامع الكلم، اللّذين يكشفان عن نضج في العقل وسداد في الرّأي، وتوفيق في القول، ونجاح وإصابة في الهدف." والحكمة لا يستطيع التّلفّظ بها إلاّ من وهب المقدرة على النّظر البعيد والتّجربة السّديدة، إضافة إلى موهبة صياغة كلّ ذلك في كلام، فيه إعجاز وإيجاز. كأن يجيء ذلك في جملة نثريّة أو بيت من الشّعر . " (1) وأبو مسلم توفّر شعره على أغلب هذه المميّزات.
__________
(1) 28) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 145 . نقلا عن حنّا الفاخوري ، الحكم والأمثال ، دار المعارف
(د . ت ) ، ص : 8 . (3/16)
صفحة 115
وقد تجلّت الحكمة في شعر أبي مسلم في أبياته الوعظيّة وفي مراثيه بخاصّة، وفي طيّ بعض قصائده بعامّة. وقد دارت معانيها – غالبا – حول التّامّل في الدّنيا وأحوالها وعلاقة الإنسان بها إيجابا وسلبا، والإفادة منها، والانخداع إليها، والاعتبار منها وبأفعالها. وقد حاول الشّاعر تبصير النّاس بما لهم وعليهم نحوها. كما تناول موضوع صراع الإنسان معها، وموضوع النّفس البشريّة ونظرة الإنسان إليها. وقدّم تأمّلات في الحياة والموت بعامّة؛ ممّا يدخل ضمن رسالته التّوجيهيّة، وفق الخطاب الدّيني الذي ميّز شعره، الذي هو شعر رسالي، يحمل أمانة . كما كان أو هو دأب وشأن الإحيائيين عامّة. وبرزت الحكمة أيضا في أسمى معانيها، وأجلى صورها، وأعمق دلالاتها، وأرقى أسلوبها في قصيدته " في المواعظ " (1)
الدّنيا
لأبي مسلم نظرات عميقة وتامّلات مهمّة، ووقفات مركزّة هادفة في الدّنيا وأحوالها وطبيعتها، أنتجت تلك الحكم وتلك الأقوال، التي سارت سير الأمثال، واتّخذت طابع التّقريرات والقوانين الحياتيّة.فإنّ مراثيه مليئة بهذه الأقوال، وبخاصّة الحديث عن الدّنيا " ففي أغلب قصائد الرّثاء نجد عنده المقدّمات ذات الطّابع الحكمي أو الوعظي. هذه المقدّمة عادة ما يتّخذها مخلصا إلى الولوج إلى موضوع الموت والفناء المحتّم، باعتبار هذه النّهاية من عيوب الدّنيا التي أسرت النّاس وخلبت ألبابهم ، فركنوا إليها ونسوا آخرتهم." (2)
قال في مقدّمة قصيدة رثى بها الشّيخ الحاج محمد بن يوسف طفيش( ت 1332هـ/1914م)
عش ما تشاء وراقب فجعة الأجل سينقضي العمر في بطء وفي عجل
تلهو بتصويرك الآمال مغتبطا وبين جنبيك ما يلهي عن الأمل
تناقلتك ليال غير راجعة وما تجاهك يوم غير منتقل
ماذا يغرّك من دنيا نضارتها نهب المنون ومجراها إلى الزّلل
__________
(1) 29) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 367 وما بعدها .
(2) 30) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 146 . (3/17)
صفحة 116
قالوا دسائسها في طيّ زخرفها وقلت قد صرّحت بالسّمّ في العسل
لم تخفِ عيبا ولم تأخذ مخالسة ولا الهناء بها إلاّ على علل
هل في مصارع أجيال بهم فتكت عذر المحيل عليها شنعة الأمل
فما التّهافت منّا في مهالكها جهل بماض ولا علم بمقتبل
ما باينتك عواديها مصادقة ولم تعاهدك أمنا غارة الغيل
رأي الرّكون إلى آفاتها سفه وصفوها بين نابي مهلك جلل
ما شأن صولاتها البقيا على أحد وإنّما أجل يتلو خطى أجل(1)
المعاني التي ضمّنها الشّاعر هذه الأبيات هي كالآتي : إنّ الموت يدرك الإنسان لا محالة، وإنّ العمر سينقضي في مهل وفي عجل، والإنسان يتعلّق بالآمال وينسى أنّ العمر أمل ينهيه أجل. وفي لفتة وتذكير يبيّن أنّ الدّنيا نضارة يفنيها الموت، وزخارف منطوية على السّمّ في العسل، وأنّ هذه الدّنيا لم تخفِ عن النّاس دسائسها ، ولا تأخذهم خلسة، فهي واضحة في طبيعتها، بيّنة في أفعالها. لكنّ الإنسان هو الذي لا يعي ولا يرعوي ولا يحتاط لنفسه منها. وهي ليس في نيّتها الإبقاء على أحد. بل على العكس من ذلك هي تسعى دائما للإفناء والإهلاك. يتساءل الشّاعر بعد ذلك لم هذا التّهافت على هذه الدّنيا ؟ ولم التّدافع نحوها ؟ إنّ هذا الذي يبديه الإنسان تجاهها سفهٌ في الرّأي وخطل في العقل وخطأ في التّصرّف.
فالشّاعر من خلال هذه الأفكار، وهذه المعاني، وهذه اللّفتات يوجّه النّاس إلى فهم طبيعة الدّنيا وحقيقة تصرّفاتها، والتّعامل معها بما يدعو إليه الدّين، ويمليه العقل، ويقتضيه الحزم والمنطق. وقد صاغ ذلك في جمل وتراكيب موجزة محكمة البناء، كثيرة الرّواء. اتّخذت طابع الحكمة؛ بما يدرجها ضمن الخطاب الدّيني.
__________
(1) 31) ديوان أبي مسلم 0 نشر الحارثي ) ، ص : 385 . (3/18)
صفحة 117
وفي قصيدة ثانية رثى فيها الحاج محمد بن يوسف طفيش أيضا، التي تعدّ ستّة وخمسين ومائة بيتٍ. كانت البداية فيها أيضا الحديث عن الدّنيا وأحوالها، وقد امتدّ ذلك إلى خمسة وثلاثين بيتا(1)
كان الشّاعر ينعى على الانكباب على الدّنيا رغم أنّها تسعى إلى الإبادة والإفناء، ويلوم على الحرص على جمع حطامها ، رغم أنّ هذا الحطام آيل إلى الفناء، وأنّ هذه الملذات صائرة إلى الهباء. ويدعو إلى التّخلّي عن التّدافع على هبات الدّنيا؛ لأنّها كثيرا ما تعود على هباتها فتأخذها. بل هي تمنّي وتعد, وما تعد إلاّ غرورا، فهي لا توفي ولا تنجز . ولنتأمّل هذين البيتين:
تكالب فيها أهلها وتذودهم وعمرك لو كنت اعتبرت تذود
وإنّك إن تسكن إليها تركتها وليس بها ممّا تركت حميد(2)
يتأمّل هذا التّقابل والتّناظر في المعاني : فإنّ النّاس يتهافتون على طلب الدّنيا وما فيها من زخارف، وهي تدفعهم، ولا تحقّق لهم ما يصبون إليه وما يريدون منها. ولو كانوا حصفاء وحكماء وحلماء لكانوا هم الذين يدفعون الدّنيا وينبذونها؛ لأنّها شحيحة لئيمة، ناقضة العهود، ماكرة غرّارة، كما وصفها الشّاعر نفسه في القصيدة.
في البيت الثّاني يقول الشّاعر إنّك إ ن تركن إليها وتسكن وتلجأ، فسوف تتركها وتبتعد عنها، لأنّك لا تطيقها. وليس فيما تترك أسف أو حسرة؛ لأنّه ليس فيه ما يحمد، فكلّ ما يأتي منها شؤم ولؤم.
كما نلمس ونقف على التجربة والخبرة في هذه الأبيات التي تحدّث فيها عن الدّنيا ، من خلال التّذييل الذي كان يذيّل به كلّ بيت ، إلى جانب ما نتحسّسه من الصّياغة المحكمة والإيجاز المعجز:
تساور ملحاحا على أخذ فائت نعم كلّ ما يرجو الحصاد حصيد
تعزَّ عن الدّنيا وأيقن بأنَّها لئيمة طبع في الهبات تعود
تمنّيك بالآمال وهي شحيحة وتعطيك لين القول وهي حقود
__________
(1) 32) ينظر ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 392 ، 393 .
(2) 33) م . س ، ص : 392 . (3/19)
صفحة 118
ولو نلت منها طائلا كان آفة تداجي بها مغرورها وتكيد
ألست تراها ريثما واصلت جفت وإن أقبلت حينا تلاها صدود
نرى غاية الدّنيا وكيف صروفها ونحن على رأي الرّكون ركود(1)
ويصدق على هذه الأبيات ما أورده حنّا الفاخوري من أنّ " الحكمة هو الكلام القائم على العلم والموجّه إلى الصّواب والسّداد والقول والعمل." (2)
ولا تخرج المقدّمة التي قدّم بها قصيدته في رثاء الشّيخ نور الدّين السّالمي
( ت 11332هـ/1914م ) عن دائرة ما تناول فيها الدّنيا في المرثيتين المذكرتين آنفا. في هذه المقدّمة يوجّه الشّاعر خطابه للإنسان الذي يغترّ بالدّنيا ، ولا يعتبر بما يجنيه منها من شرور وآثام ومصائب.
يقول إنّها تستقرّ على زخارف باطلة زائفة، ستهوي بمن يركن إليها؛ لأنّه يسكن إلى شفير هار:
قرّت على رنق وزخرف باطل مثل القرار على شفير هار(3)
التّشبيه أو الصّورة الواردة في البيت يربطنا بقوله تعالى { أفمن أسَّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمَّن أَسٍّس بنيانه على شفا جُرُفِ هارِ فانهار به في نار جهنّم والله لا يهدي القوم الظّالمين } (4)
فالذي يركن إلى الدّنيا ومتاعها سينهار ويسقط، مثلما ينهار ويهوي في نار جهنّم من أسّس بنيانه على أساس غير صحيح ، بعيد عن التّقوى ورضوان الله، لأنّ الحياة في الدّنيا ليست بالحياة الحقيقية ، وما تقدّمه الدنيا ليس بالشّيء الذي يطمأنّ إليه.ولأن القرار الذي تستقرّ عليه الدّنيا هو أكدار ومنغّصات. فماذا يجذب المرء إليها ، فيطلب الحياة بهذه المكدّرات التي تطحنه، وتمزّقه بأظفارها، وتنهشه بأنيابها، وتبلعه في لهواتها :
ماذا يغرّ المرء من محياه في دنياه وهي قرارة الأكدار
__________
(1) 34) م . س ، ص : 392 ، 393 ،
(2) 35) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 145 .
(3) 36) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 399 .
(4) 37) سورة التّوبة ، الآية : 109 . (3/20)
صفحة 119
يتساقط المغرور في لهواتها تفريه بالأنياب والأظفار (1)
يتعجّب الشّاعر من النّاس الذين يسعون إلى حتوفهم بأظلافهم ؛ جين يقبلون على الدّنيا بكلّ حماسة وشراهة واغترار، مع أنّها كشفت لهم علانيّة عن شرورها ومخازيها وصنيعها اللّئيم، لكنّ القوم لا يرعوون ولا يتّعظون :
كشفت سرائرها ومادت جهرة بعيوبها في سائر الأعصار
لم يبق شيء من شؤون صروفها في نحت أثلتنا على الإضمار
نفقت تجارتها وما باعت على غرر ولا كذبت على التّجّار
يتهافت العمّار على هلكاتها فعل الفراش على لهيب النّار
تجري إلى شهواتها سعيا على أنقاض ما هدمت من الأعمار
نصبت حبالتها وأنذرت الرّدى وكأنّنا صمم عن الإنذار(2)
بعد هذه الأبيات وهذا العرض يرسلها كلمات شاردة، وأمثال سائرة، وحكما نادرة، تبصّر المرء وتنبّهه إلى ما يجب تبنِّيه وتمثّله في الحياة ؛ للانفلات من قبضة الدّنيا الفتّاكة :
شرّ الغرور سكون ذي بصر إلى عيش تمزّقه يد الأخطار
عبر تلونها الصّروف وأنفس تفنى وآثار على آثار
هل زاد عيشك ذرّة عن هذه لو كنت في الدّنيا على استبصار
هلاّ اعتبرت وفي حياتك عبرة ممّا تصرّفه يد المقدار
لا تستمرّ لك السّلامة لمحة وغوائل الأيّام في استمرار
ما بالنا نبكي الفقيد ونحن من حبّ الذي أرداه في استهتار (3)
وفي بدايات مرثيته الثّانية للشّيخ السّالمي كرّر المعاني نفسها ، التي ضمّنها القصائد الأخرى، إلى أن قال :
أيّها العاقل لا تحفل بها سوف ترمي بك من رأس جبل
قد بلوناها ولكن سحرها ينزل الأعصم من أعلى القلل
هكذا تخبطنا فتنتها بينما نأنس منها بالحيل
لم تسالم جاهلا في غيّه لا ولا عالمها الأجل
لا تبالي بك في بطشتها كنت ربّ التّاج أو كنت خول (4)
__________
(1) 38) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 399 .
(2) 39) م .، ن .
(3) 40) م ، ن .
(4) 41) م . س ، ص : 407 . (3/21)
صفحة 120
الجديد في هذه الأبيات – وإن كانت المعاني متداولة، والأفكار متناولة – هو توجيه النّظر وإيقاف المخاطبين على أماكن التّجربة والخبرة من هذه الدّنيا ؛ عسى القوم يذّكرون وينتهون وينتبهون من غفلتهم، ويفيقون من غفوتهم.
ما جمّل هذه الحكم المتتالية وهذه الصّور الملتقطة من الواقع لجوءُ الشّاعر إلى تعبير قرآني ، صوّر من خلاله استحالة النّجاة من مكايد الدّنيا ، إذا ارتمى الإنسان في أحضانها ، ووقع أوقبع في محاجرها. كما أنّ ابن نوح عليه السّلام، الذي ظنّ أنّه سينجو من الغرق ، إن هو آوى إلى جبل، يعصمه من الماء . قال له أبوه لا عاصم اليوم من أمر الله، ولا نجاة لك من الغرق. قال الله تبارك وتعالى { ... ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بنيّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جيل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم وحال بينهما فكان من المغرقين } (1)
كما تعزّزت قيمة هذه القصيدة أنّ فيها روحا من لامية ابن الوردي، التي هي كلّها حكم وأمثال وتجربة وتوجيه وتبصرة...
خلاصة القول إنّ أبا مسلم نظم ثماني قصائد في الرّثاء ، سبعة منها كانت الدّنيا من بين الموضوعات التي تناولها فيها، وبشكل مستفيض مع تنويع المعاني فيها، وإن كانت هذه المعاني مكرّرة في القصائد السّبع. وما يهمّنا هو الطّابع الدّيني الذي طبع معاني هذا الموضوع.أمّا القصيدة التي خصّصا كلّها للحديث عن الدّنيا ، إلاّ أبياتا قليلة تحدّث فيها عن الموت وما بعد الموت فهي التي قدّمت في الدّيوان هكذا " وقال رحمه الله واعظا "وهي تعدّ ثمانية ومائة بيت (2)
الحياة والموت
__________
(1) 42) سورة هود ، الآيتان : 42 ، 43 .
(2) 43) ينظر ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 374 وما بعدها . (3/22)
صفحة 121
ما له علاقة وصلة بالدّنيا وأحوالها الحياةُ والموتُ . فالإنسان يحيا في الدّنيا بطموحه وآماله، ويتقلّب فيها بأعماله وأفعاله وأقواله، يجهد نفسه للإفادة منها ، والاستمتاع بملذّاتها ، والتّفنّن في استثمار زخارفها ومتاعها . والنّاس غالبا ما يشرئبّون ويتطلّعون إلى الحياة النّاعمة المترفة. هذه الحياة ينهيها الموت، وترديها المنيّة .
حاول الشّاعر أن يقدّم صورة عن الحياة والموت، مستوحاة من تأمّلاته فيهما، مصبوغة بروح دينيّة. ففي رثاء الشّيخ أحمد بن سعيد الخليلي يذكّر النّاس بحقيقة الموت الذي لابدّ منه. وهذا الموت الذي ينهي الحياة ويوقف الطّموح ، ويصدّ أو يردّ الآمال، لا يكون فيه العبرة للنّاس. فكعادة الشّاعر فإنّه ينعى التّمسّك بهذه الحياة والتّعلّق والكلف بها ، والمنيّة لها راصدة، وأسهمها صادرة واردة، وآساد الآجال حاردة، ومناجلها حاصدة... يلوم من ينشد صفاء العيش وطيب الحياة، بينما الموت يحارب هذا الصّفاء وهذا الطّيب :
أما ترعوي في مراعي الغرور وصائدة المنتهى راصده
تعيش بها بين مفقدة وراقبة حتفها فاقده
نَهَشُّ إلى زخرف منقض ونعرض عن دارنا الآبده
وننسى المنايا وقد أنفذت مقاتلنا الأسهم الصّارده
نروح ونغدو على مأمن وآساد آجالنا حارده
ننازع أيّامنا صفوها وما للصّفاء بها واجده
ونأمن فيها هجوم الرّدى وليس لهجمته جاحده
وهيهات قد بادرت زرعها ومدّت مناجلها الحاصده
ويدهى الوديعَ بنعمائه زوالُ معيشته الرّاعده
متى ينزع الموت عن فتكه فتبقى لمولودها الوالده
يحزّ الحياة شبا قارظ ولم تنتبه هذه الرّاقده
وإنّ حياة إلى منتهى خيال يحول بلا فائده (1)
إنّ الشّاعر ينبّه إلى الغفلة التي يتّسم بها الإنسان في هذه الحياة،فيغدو ويروح، يمرح ويسرح، ولا يدبّر حاله، ولا يفكّر في نفسه، ولا يراقب حركاته وسيرته، وهو يعلم أنّ الآجال له بالمرصاد، عبّر عن ذلك بالآساد الحاردة .
__________
(1) 44) م . س ، ص : 413 ، 414 . (3/23)
صفحة 122
وفي صورة أخرى يؤكّد هذا المعنى، ويعبّر عنه بطريقة أخرى، وهي أنّنا في هذه الدّنيا زرع نحيا ، والموت يرسل مناجله فينا، فيحصدنا. أي هو يخترمنا ونحن في عزّ حياتنا ، وفي أتمّ نضارة عيشنا. هذا هو النّغص والتّكدير أو الكدر. ألا نرعوي ، و نعتبر ؟!
يحزّ الحياة شبا قارظ ولم تنتبه هذه الرّاقده
ولهذا فإنّ الحياة التي لها نهاية ، والعيش الذي له انقضاء لا فائدة منهما، ولا رغبة فيهما ولا أمل يعقد عليهما. فالأحسن ألاّ نحفل بهما :
وإنّ حياة إلى منتهى خيال يحول بلا فائده
وفي رثاء الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي قاضي الجزيرة الخضراء بزنجبار يبدأ الشّاعر القصيدة بحديث عن الحياة والموت ، في أبيات عديدة، تكاد تحمل فكرة واحدة ، هي انتهاء الحياة بالموت ، وإظهار الاستغراب ممّن لا يعتبر بهذه النّهاية؛ فيطلّق الدّنيا ، ويتزّود من هذه الحياة بما ينفعه في الأخرى والعقبى:
تزوّد منه للعقبى ودعه فليس الشّأن في الفاني المهين
وطلّق هذه الدّنيا بتاتا طلاقك لا أليكِ ولا تليني (1)
افتتح القصيدة بقوله :
تهدّ العمر رائعة المنون وحدّ الحيّ إتيان اليقين (2)
قاعدتان لا تتخلّفان: العمر يقصف ويدكّ بالموت . والمرء تحدّ حياته باستسلامه؛ حين يناديه ما هو متيقّن من مجيئه، وطلبه له، وهو الحقّ المبين، كما عبّر في القصيدة نفسها :
يثبّطنا من الآمال وهم ويُجلَى الوهم بالحقّ المبين (3)
استعار الشّاعر في مطلع القصيدة تعبير القرآن نفسه عن هذه الحقيقة، ممّا أضفى على الفكرة أو المعنى جلالا وجمالا، وأعطاها صفة القاعدة التي لا تتخلّف.
قال تعالى : { وكنّا نكذّب بيوم الدّين حتّى أتانا اليقين } (4)
وقد وظّف الشّاعر العبارة نفسها في موضع آخر :
__________
(1) 45) م . س ، ص : 418 .
(2) 46) م . س ، ص: 417 .
(3) 47) م .، ن .
(4) 48) سورة المدّثر , الآيتان : 46 ، 47 . (3/24)
صفحة 123
تعبّد حتّى أتاه اليقيـ نُ، فذابت له الأنفس العابده (1)
وأكّد على حتميّة الموت بقوله :
على أنّ الحياة لها حدود سنقطعها على رغم الرّكون
أليس على الغباوة ذو هناء وظفر الحتف يفري في الوتين
ودون مدارك الآمال رصد من الآجال منقطع الظّنون
وهل نقضي سوى عيش قصير أجب الظّهر مقبوب الوضين (2) )
نلحظ أنّ الشّاعر قد عبّر عن فكرة حتميّة انقضاء الأجل ونهاية الحياة بتعبيرات مختلفة، وصوّرها بصور كثيرة؛ ليؤكّد المعنى في الذّهن.
وفي رثاء الشّيخ راشد بن سليم الغيثي كتب خمسة وأربعين بيتا مقدّمة للقصيدة قبل أن يبدأ بالحديث عن الشّيخ ، وعن الفاجعة التي ألمّت بالمسلمين ؛ بسبب وفاته، وذكر مناقبه وغيرها من الموضوعات التي ضمّنها القصيدة. وهذه الأبيات تدور كلّها حول حتميّة انقضاء الحياة وانتهائها، وتحوّل الإنسان إلى دار أخرى وحياة ثانية؛ بداية من القبر وما بعده . وكيف لا يعتبر الإنسان ممّا يشاهد أمامه ، وما يمرّ عليه من الآيات والدّلائل على هذه النّهاية ، وعلى حقارة هذه الحياة الدّنيا .
1 _ ممّا سجّلناه في هذه الأبيات ورود كثير من المعاني على شكل حكم وتقريرات لا تقبل النّقض ؛ لأنّها صادرة من تجربة ، وعن معاينة ومشاهدة ومعايشة :
خذوا بجميل الصّبر وارضوا وسلّموا فإنّ فناء العالمين محتّم
رضا بقضاء الله ، إنّ حياتنا على السّخط منّا والرّضا تتصرّم
وإنّ حياة تقتضيها منيّة ركون إليها غفلة وتوهّم
وما هذه الأرواح إلاّ ودائع سيأخذها مستودع ليس يظلم (3)
ما يدلّ على قصد الشّاعر إلى التّقرير ، وتثبيت هذه القواعد وهذه السّنن لجوؤه إلى تركيب تعبيرات في جمل اسميّة . ومن المعلوم أنّ من خصائص الجمل الاسميّة الدّلالة على الثّبات والاستقرار ، مع أنّ البيت الأخير مستلهم من قول الشّاعر لبيد بن ربيعة :
__________
(1) 49) ديوان أبي مسلم الرّواحي ( نشر الحارثي ) ، ص : 415 .
(2) 50) م . س ، ص : 417 ، 418 .
(3) 51) م . س ، ص : 423 ، 424 . (3/25)
صفحة 124
وما المال والأهلون إلاّ ودائع فلابدّ يوما أن تردّ الودائع
2 _ كذلك سجّلنا – كما ذكرنا قي القصائد الأخرى – لجوء الشّاعر إلى تكرار المعاني والأفكار والصّور والتّراكيب والألفاظ ، هذه ظاهرة في حاجة إلى دراسة وتحليل ، لمعرفة ما للشّاعر وما عليه في هذا المجال. قال :
ألهوًا ومخبوء المنايا حبائل وأرواحنا فيها وُقوع وحوّل(1)
وفي موضع آخر قال :
ألهوًا بالغرور ولا نبالِي ونؤخذ بالشّمال وباليمين(2) )
ما بالنا ومطايا الموت تنقلنا نلهو بما قيل " إنّ العزّ في النّقل(3)
وقال :
تناهشنا الآجال ، لا نرعوي وتخبطنا البأساء فيها وننعم (4)
وقال :
أما ترعوي في مراعي الغرور وصائدة المنتهى راصده (5)
وقال في ( النّهروانيّة ) :
لِي الويل هلاّ أرعوي عن مهالكي أما في المنايا واعظ ونذير ؟ (6)
وقال :
سيرجع ربّ التاج في الرّمس جيفة وإن عاش كبرا أنفه يتورّم (7)
وقال :
لا تبالِي بك في بطشتها كنت ربّ التّاج أم كنت خول (8)
الأمثلة على هذا التّكرار كثيرة جدّا، لا تخطئها عين الدّارس (9) قد يكون هناك اختلاف في دلالة اللّفظة المكرّرة، أو الصّورة المعارة، أو التّركيب المعاد... لكنّها في النّهاية تشير إلى أنّ الشّاعر لم يجد حرجا ، ولا غضاضة من تكرار نفسه في بعض تعبيراته.
__________
(1) 52) م . س ، ص : 423 .
(2) 53) م . س ، ص : 417 .
(3) 54) م . س ، ص : 386 .
(4) 55) م . س ، ص : 423 .
(5) 56) م . س ، ص : 413 .
(6) 57) م . س ، ص : 25 .
(7) 58) م . س ، ص : 423 .
(8) 59) م . س ، ص : 407 .
(9) 60) يقارن مثلا بين قصيدته " في المواعظ " ، وقصيدته في رثاء القطب ، الدّيوان ، ص: 367... و 385 ... ففيهما معاني كثيرة متشابهة ومكرّرة عن الموت . (3/26)
صفحة 125
في الحقيقة إنّ هذه الظّاهرة تميّز بها شعراء مدرسة الإحياء بعامّة. وهي تأتي نتيجة لعدم احتفائهم بالنّاحية الفنيّة في الكتابة الشّعريّة، بقدر احتفالهم بالفكرة والمعنى . المهمّ عند أبي مسلم أن يعبّر عن مكنونه بأيّة طريقة، وبأيّة وسيلة، تمكّنه من أداء رسالته التّوجيهيّة الإرشاديّة، وتساعده على بلوغ خطابه إلى متلقّيه.
إنّ ما استشهدنا به في موضوع الحياة والموت، الذي اتّخذ طابع الوعظ والحكمة، يدلّ على الخبرة الواسعة والتّجربة الثّرّة اللّتين تمتّع بهما أبو مسلم مع الدّنيا والدّهر بخاصّة، والحياة بعامّة. وهو ما أعانه على التّوسّع في إيراد هذه المعاني، وتقليب النّظر ، والتّأمّل في الخبايا والخفايا. يقول الدّكتور محمّد ناصر : " فأبو مسلم يمكن أن يسلك من هذا المنظور الدّيني في عداد هؤلاء الشّعراء الذين دفعهم زهدهم في الحياة الدّنيا إلى التّأمّل الدّائم في حقيقة الحياة والموت." (1)
هذه بعض الشّذرات التي تكشف لنا عن جانب الحكمة في شعر أبي مسلم البهلاني، وهي مبثوثة كثيرا فيما كتب شعرا. هذا الميدان كشف لنا عن مؤهّلات توفّر عليها الشّاعر، تتمثّل في العمق في التّفكير، وسداد في الرّأي، وبعد نظر في الأمور، وكفاية عالية في تحليل الأوضاع، وطول نفس في تقديم كلّ ذلك شعرا، وقدرة وبراعة في صياغة هذه المعاني والأفكار بأسلوب رصين، ولغة قويّة، وتراكيب جيّدة. وقد كان للفكر والعقل دورهما في بلورة كلّ ذلك. وهو ما يتميّز به الشّعراء الكلاسيكيّون وأصحاب مدرسة الإحياء بعامّة . ويعدّ أبو مسلم الرّواحي رائدا في هذا المجال، ومبرّزا في هذا المضمار.
__________
(1) 61) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 147 . (3/27)
صفحة 126
وقد لاحظنا أنّ أبا مسلم ، في إرساله هذه الحكم كان ينقل تجربته، ويحكي عن نفسه- أحيانا – ماذا فعلت به الأيّام، ماذا صنع به الدّهر، وكيف كان يتصرّف، كيف كان يتحرّك.(1) ومن حين إلى آخر كان يرسل توجيهاته وإرشاداته إلى القارئ والمتلقّي في قالب حكمة أو موعظة، ويستخدم كثيرا " أسلوب المخاطب الذي قد يعني نفسه، وقد يعني به أيضا متلقّي شعره." (2)
كما كان يخاطب العقول والقلوب والنّفوس ، أي هو لا يخاطب شخصا معيّنا، أو فئة خاصّة ، بقدر ما يصوغ هذه الحكم ليخاطب بها كلّ من هو معنيّ بذلك الخطاب . وهذا التّناول كان يكتسي طابعا دينيّا ، وهو ما يدرجه ضمن الخطاب الدّيني.
خلاصة القول إنّ كثرة ورود الحكمة في شعر أبي مسلم – وهو ما تميّز به شعراء مدرسة الإحياء – يدلّ على إيمانه بأنّ الشّعر رسالة ومسؤولية ، تتمثّل في التّوجيه والإرشاد والإصلاح والسّعي إلى التّغيير نحو الأحسن . كلّ ذلك يتمّ عن طريق تقرير حقائق، أثبتتها التّجربة ، وباركها العقل ن واحتضنها الدّين. والشّاعر كغيره من الإحيائيين يمزج شعره بالحكمة.
5- الرّثاء في شعر أبي مسلم
لم يخرج الرّثاء عند أبي مسلم عن المسار الذي اختطّه ليسير أو ينظم فيه شعره، وهو توجيه خطابه إلى النّاس كي يستقيموا ويقيموا شرع الله، ويرجعوا إلى الله ويراجعوا سلوكهم، ويعتبروا بهذه الحياة الدّنيا ليعبروا إلى الحياة الأخرى وهم سالمون غانمون.
__________
(1) 62) ينظر ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) وقصيدته " في الحكم " ص : 363 وما بعدها، و قصيدته " في المواعظ " ص : 367 وما بعدها , والمقصورة ( المجد لا يملك عن وراثة ) ، ص : 336 وما بعدها وغيرها.
(2) 63) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 155 . ينظر مثلا قصيدة الشّاعر " في المواعظ " ص : 367... (3/28)
صفحة 127
1 – يستغلّ الشّاعر فرصة رثاء عالم أو مصلح أو عظيم ليشيد بالفضائل والعظائم، التي يتمتّع بها المرثيّ، وينطلق منها ليتوجّه إلى نقد أوضاع المسلمين ، ويدعو إلى تغيير ما بالنّفوس حتّى يغيّر الله ما بها من ذلّ وهوان وتعاسة ؛ ليطلب بعد ذلك من الله الهداية والسّداد، ورحمة هذه الأمّة المسكينة، بالأخذ بيدها إلى حيث الرّشاد .
إنّ رثاء الأعلام والزّعماء المعبّرين عن وجدان الأمّة هو ما عرف به ولوحظ في شعر شعراء مدرسة الإحياء. هذه الحقيقة نقف عليها في المقدّمات التي افتتح بها أبو مسلم قصائده في الرّثاء، التي غالبا ما تتّخذ طابع الحكمة والأمثال السّائرة ، وتتميّز بالتّأمّل والنّظر العميق في أحوال الحياة والموت والدّنيا، والحرص على استخلاص العبر والعظات ممّا يدلِي به أو يشير إليه ، بما يوجّه القارئ أو المتلقّي إلى متابعة الشّاعر فيما يقول أو ينطق، والتّطلّع إلى استيعاب أو إدراك ما يريد الوصول إليه ؛ ممّا ينسي القارئ – أحيانا – أنّ الشّاعر يرثي أو يعزّي، أو يسرد مناقب الهالك، أو بسجّل حالة الفجع والحزن على المتوفَّى. هذا ما يعطي رثاءه هذا طابع الخطاب.فحين نتأمّل قصيدتيه في رثاء الشّيخ السّالمي نجد أنّ المرحوم لم يحظ من الشّاعر إلاّ بأبيات قليلة، بالقياس إلى حجم القصيدتين (1) ؛ لأنّ الهدف لم يكن رثاء العالم فقط ، إنّما كانت الغاية أيضا توجيه خطاب إلى النّاس ليستخلصوا العبر من حياته، ومن الواقع المعيش، والإفادة ممّا يعين على النّهوض من كبواتهم وإصلاح هفواتهم.(2)
__________
(1) ينظر ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ص : 390 وما بعدها ، وص : 406 وما بعدها .
(2) لقد أوردنا أمثلة عن هذا التّناول في مباحث : الدّنيا والحياة والموت والحكمة . (3/29)
صفحة 128
يقول الدّكتور أحمد درويش : " إنّ التّركيز على هذا الجانب الوعظي في بداية المراثي ، قد يشفّ عن جانب من شخصيّة الشّاعر الفقيه الذي يرى أنّ مسؤوليّة الكلمة عنده تتجاوز مجرّد رصد مشاعر اللّحظة الطّارئة على جسامتها، إلى التّنبيه إلى أنّ هذه اللّحظة هي الأصل ، وما عداها من الاستكانة إلى دوام الحياة عرض طارئ. ولقد يمتدّ هذا الجانب في مراثي أبي مسلم امتدادا كبيرا، وحتّى إنّنا لنجد بداية الحديث عن المرثيّ لا تجيء إلاّ بعد مرور نحو خمسين بيتا من بداية المرثيّة." (1) )
2 - راوح الشّاعر بين الدّعوة إلى الصّبر على المفقود، وعدم تحمّل الصّبر على فقدان العظماء والعلماء والأحباب ، وزاوج في حديثه بين الرّضا بقضاء الله وقدره وإظهاره الحسرة على بعض ما يحدثه الدّهر ، وبخاصّة عند فقدان العظماء . هذا التّصرّف يدلّ أنّ المعاني التي كان يضمّنها الشّاعر ، لا تبقى في جانبها الظّاهري التي تبدو به الجمل والتّراكيب، التي صاغها الشّاعر. إنّما تتعدّى ذلك إلى الجانب الباطني والمعاني العميقة والكبيرة، التي تحمل آيات العظات والمواعظ والتّوجيهات والإرشادات ، التي يهدف إليها الشّاعر، وتحمل دلالة تحريك النّفوس، وإيقاظ الضّمائر ، وتوجيه العقول إلى ما يجب عمله وسلوكه، وهو ما يندرج في مفهوم الخطاب. قال في رثاء قطب الأئمّة الشّيخ محمد بي يوسف طفَيّش :
لكن من الخطب خطب لو يقاومه صبر الجليد انثنى بالدّحض والفشل
فقدت كفل اصطبار كان يكفلني في النّائبات فخان الآن مكتفلي
فليس بعد مصاب الدّين من طمع في الصّبر أو جزع بالصّبر منعزل
يا ناعي الدّين هل أبصرت من بقيت فيه بقيّة رشد غير منذهل
__________
(1) الدّكتور أحمد درويش ن تطوّر الأدب في عمان : المصادر المناهج المراحل النّماذج ، نشر دار غريب للطّباعة والنّشر
والتّوزيع ، القاهرة ، 1998 م ، ص : 189 ، 190 . (3/30)
صفحة 129
غادرت في أنفس الأكوان حشرجة فإن قضى الكون فاستسلم ولا تسل (1)
وقال في رثاء الشّيخ نور الدّين السّالمي :
أقدّرت لي جلدا يقاوم نكبتي فاليوم لا جلدي ولا أقداري
ناهيك من جلدي يقيني بالرّضا والسّخط في أنّ المقدّر جاري (2)
من هذه الوخزات أو هذه اللّفتات تكراره- وفي كثير من المرّات وهو يرثِي علما مصلحا عاملا – أنّه لن تقوم لهذا الدّين قائمة، ولن تستقيم حياة النّاس . مثلما قال في رثاء الشّيخ السّالمي :
بعد عبد الله يبقى أمل للهدى ، هيهات قد شطّ الأمل
خلّها يا ابن حميد تلتوي فتنة عمياء كاللّيل المضل
ليس يغني عنك فيها أحد طمست إذ ذهب النّور السّبل(3) )
وقال في رثاء الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي :
وفقدك لاقتراب الحشر نوع من الأشراط في أخرى القرون
وأرباب الكمال إذا تولّوا تولَّى الخير في دنيا ودين
أبعدكم رجال الدّين يرجى صلاح الأرض أو جبر الوهين(4)
أين الحقيقة في هذه النّظرة ، وهذا الشّعور؟ تفسير ذلك عندي أنّ الشّاعر كان يخاف على ضياع هذا الدّين، فكان يهيب بالأحياء – عن طريق هذا الخطاب – أن يقوموا ليتكفّلوا به، ويعملوا على إحياء ما اندرس ، وإقامة ما طمس. أي هو يخز نفوسهم ويحرّك ضمائرهم ويمسّ شعورهم بهذا الخطاب ؛ ليصل إلى هدفه ، وهو حماية الدّين.
هذا العمل أو هذا التّوجّه ينطلق ويصدر من رسالته في هذا الوجود، التي تجعل للشّعر وظيفة وغاية. وهذا الصّنيع يحشره في زمرة شعراء الإحياء، الذين عنوا بالبعث والإحياء والنّهضة. فإنّ الشّاعر أبا مسلم أراد أن ينهض بالدّين ، ويبعث الأمّة الإسلاميّة، ويحيي المآثر.
__________
(1) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ص : 387 .
(2) م . س ، ص : 403 .
(3) م . س ، ص : 411 .
(4) 70) م . س ، ص : 421 . (3/31)
صفحة 130
إنّ الرّثاء شغل حيّزا مهمّا في الخطاب الدّيني عند أبي مسلم: كمّا وكيفا، فهو وإن رثى أشخاصا معدودين، إلاّ أنّه كان يطيل النّفس، ويعدّد المعاني، وينوّع الأساليب، ويكرّر الأفكار، ويركّز على مواطن العبر ومكامن العظات، ويرثِي ويتحسّر على ضياع أو المساس بالإيمان والتّقوى والأخلاق والعلم والفضائل والشّمائل... ويتأسّف على الفراغ الذي يتركه العالم أو المصلح الذي يرحل عن الدّنيا، ولا يوجد من يسدّ هذا الفراغ؛ إذ الحياة عاجزة أن تمدّ بالبدل. قال عن الشّيخ محمد بن يوسف طفيش :
فوامصاباه إن ودّعت مرتحلا وما وراءك للإسلام من بدل (1)
إنّ الشّاعر يخاطب – أحيانا – فردا غير معيّن، وفئة غير محدّدة؛ ليكون خطابه معنيّا كلّ قارئ شعره، أو مستمع له.ثمّ هو ينتقر من يرثِ، وينتقي ما يتناول، ويختار من يخاطب، ويعي ما يوجّه؛ لأنّه يصدر في كلّ ذلك عن رسالة واضحة، ويندفع من مبادئ معيّنة، وينطلق إلى غاية مرسومة. إنّ هذه هي مواصفات الخطاب، وهذه هي منطلقات الدّين.يقول الدّكتور محمد ناصر : " ومن هنا فمرثياته تلك تسلك في الضّمير الجمعي العام، الذي يصوّر فيه الشّاعر من خلال إحساسه بالفقد والفراغ إحساس أمّته الإسلاميّة من حوله أوّلا وقبل كلّ شي؛ ولذلك نلحظ كثرة دوران المعجم الشّعري في هذه القصائد حول الدّين، الإسلام، الملّة، الشّريعة، العلم، الأمّة وغير ذلك ." (2)
ويقول محمد بن ناصر المحروقي :" يصدر أبو مسلم البهلاني في شعر الرّثاء عن عاطفة دينيّة إصلاحيّة. من هنا فقد اتّجه إلى رثاء زعماء الإباضيّة الدّينيين، وهذا ما يربط شعر الرّثاء عنده بالشّعر الدّيني، وقد استغلّ الشّاعر موت المرثيّين للتّشديد على دعوته الإصلاحيّة. "(3)
6- الجانب الفنّي
المقدّمات
__________
(1) 71) م . س ، ص : 391 .
(2) 72) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 173 .
(3) 73) الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا ، ص : 162 . (3/32)
صفحة 131
تشكّل المقدّمة عنصرا مهمّا في بناء القصيدة عند أبي مسلم الرّواحي ، فهو يراها ضروريّة لمضمون شعره ، يمهّد بها ويهيّئ نفس المتلقّي؛ كي يعي ما سينقله إليه من مشاعر وأحاسيس. فهو – في الأغلب – لا يهجم على الموضوع مباشرة، وهذه سمة عرف بها الشّعراء الذين يحملون رسالة في الحياة ، ويتّخذون من شعرهم وسيلة أو مطيّة للتّبليغ والتّوجيه. وهي خصّيصة يتميّز بها الشّعراء الذين يميلون إلى الاستقصاء والإطناب والإسهاب في القول والنّظم، وهي – أيضا – من مميّزات شعر مدرسة الإحياء. فللظّروف التي عاشوها، وللهموم التي حملوها، وللأعباء التي تحمّلوها سبب في ذلك.
يقول الدّكتور سمير هيكل : " إنّ الشّاعر الجيّد هو الذي يوجد علاقات وطيدة بين مقدّمات قصائده والموضوعات التي يتناولها في هذه القصائد. ويندرج اسم أبي مسلم في لائحة هذا الصّنف من الشّعراء ، حيث نجد مقدّمات قصائده قد جاءت نابضة بالحياة،زاخرة بها، ومن هنا يمكن أن يحكم على القصيدة من مقدّمتها؛ لأنّ صناعة الشّعر ليست أمرا هيّنا، وإنّما هي عمليّة صعبة، تحتاج إلى الدّربة والدّراية والجهد والمكابدة. (1)
__________
(1) 74) د . سمير هيكل ، " بين أبي مسلم البهلاني الرّواحي وأبي البقاء الرّندي ، جواتب أدبيّة وفنيّة مقارنة " ، قراءات في فكر البهلاني الرّواحي ط1 ، المنتدى الأدبي ، وزارة التّراث القومي والثّقافة ، سلطنة عمان ، 1418 هـ/ 1998م ، ص : 59 . يتأمّل ما كتبه الدكتور سمير هيكل تعليقا على مقدّمة " نونيّة أبي مسلم " في المرجع نفسه ، .ينظر أيضا الدكتور حسين عطوان ، مقدّمة القصيدة العربيّة في العصر الجاهلي ، ص : 180 . (3/33)
صفحة 132
المقدّمات في قصائد أبي مسلم نوعان : نوع سار فيه على نهج القصيدة العربيّة القديمة، التي يلجأ فيها الشّاعر إلى الوقوف غلى الأطلال ، والسّؤال عن الأحبّة، والحديث عن الشّوق والحنين ومزج ذلك – أحيانا – بالغزل وغيره. ونوع كان يعتمده و يختاره ليكون تمهيدا لمضمون قصائد ه، ومنه يتخلّص ببراعة إلى موضوعات هذه القصائد.
في النّوع الأوّل، لا نجد له قصائد كثيرة. وإنّ أوضح ما يبرز توع هذه المقدّمة قصيدتان ، كلتاهما كانت احتذاء وتقليدا لمن سبقه . القصيدة الأولى هي مقصورته التي عارض بها مقصورة ابن دريد، والثّانية مديح التزم فيه بطريقة أو منهج شعراء المديح، وعلى رأسهم البوصيري، إمام هذا الفنّ الشّعري . ويرى الدّكتور سمير هيكل أن الشّاعر نحا النّحو نفسه في مقدّمة " نونيّته" و" ميميّته " : " ويلاحظ أنّ مقدّمة أبي مسلم ( في النّونيّة ) هي أشبه ما تكون بمقدّمات القصائد الجاهليّة، من حيث الأسلوب واستخدام المفردات. وليست هذه هي المقدّمة الوحيدة في ديوانه التي يأتي فيها الشّاعر بمقدّمة تشبه من حيث الشّكل مقدّمات الجاهليّين، وإنّما نلحظ ذلك في مقدّمة ميميّته المشهورة." (1)
فكأنّي بأبي مسلم أراد أن يكون وفيّا لأسلافه الذين سبقوه في القول، وملتزما بطريقتهم. وقد يكون ذلك محاولة منه لإثبات قدرته على مجاراة الأقدمين في النّظم ، وقد يكون الطّموح إلى التّفوّق عليهم ، كما كان يفهم أو يستنتج من صنيع شعراء الإحياء، الذين كثرت عندهم المعارضة والتّخميس والتّشطير... لنتأمّل هذه الأبيات من مقدّمة " المقصورة " :
تلك ربوع الحيّ في سفح النّقا… تلوح كالأطلال من جدّ البلى
أخنى عليها المرزمان حقبة… وعاثت الشّأمل فيها والصّبا
موحشة إلاّ كناس أعفر ومجثم الرّأل …وأفحوص القطا
عرّج عليها والها لعلّها تريح شيئا من تباريح الجوى
__________
(1) 75) قراءات في فكر البهلاني الرّواحي ، ص : 69 (3/34)
صفحة 133
نسألها ما فعلت قطّانها مذ باينوها ارتبعوا أيّ الحشا
هيهات أقوت لا مبين عنهم لمحتف بشأنهم غير الصّدى
تربّع الآنس من أرجائها واستأنست بها الظّباء والمها
فقف بنا عند غصون بانها نشاطر الورق البكاء والأسى
بحيث أُهريق بقايا دمعتي وأتبع النّفس إذا الدّمع انقضى
إنّ من الحقّ على مدامعي أن تسبق السّحب على ربع عفا
عهدي بدمعي طاعة ادّكارهم وبفؤادي إن دعا العذل عصى
وما وقوفي عند بان نبتت غصونه بين الضّلوع والحشا
لولا علاقات هوى تحكّمت في رمق عاش على مثل الصّلا
دعني أبكِ دمنا تغيّرت وأطبق الجفن بها على القذى(1)
يستمرّ الشّاعر على هذا المنوال ، يبثّ أشجانه، ويبوح بشدّة حنينه، سائرا على طريقة القدماء في افتتاحيات قصائدهم . ممّا يدلّ على ارتياحه إلى هذا الأسلوب وهذه الطريقة في الكتابة ، التي رآها ملبيّة لحاجاته النّفسية؛ من البوح بما يعتمل في داخله ، وإشباع رغبته في السّير في طريق القدماء. فقد وقف الشّاعر في هذه المقدّمة على آثار الأحبّة، بعد أن رحل عنها ساكنوها، واندرس رسمها، ثمّ تحدّث عن ناقته, ووصف صلابتها وقوّتها وسرعتها. وأورد فيها كثيرا من الأفكار التي كان يضمّنها القدماء مقدّمات قصائدهم.
في النّوع الثّاني كان أبو مسلم يحرص أن يوجد علاقة بين مقدّمة القصيدة ومضمونها . بل إنّ بعض القصائد تطول فيها المقدّمة، بحيث لا يحظى فيها الموضوع إلاّ بأبيات قليلة، كقصيدته " في تقريظ كتاب المنهل " (2)
__________
(1) 76) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 336 في البيت الأوّ ل وردت كلمة الأطلال " في المخطوط " الأخلال " . يبدو في البيت الحادي عشر كسر، اي إنّ الشّطر الثّاني غير موزون . يبدو في البيت الأخير خطأ نحوي . كان عليه أن يقول " دعني أبك " . بدل " دعني أبكِي " .
(2) 77) ينظر ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 445 . (3/35)
صفحة 134
قد يعاب على الشّاعر هذه الطّريقة : منهجيّا وفنيّا، لكنّ الشّاعر لا يعنيه هذا الانتقاد ما دامت له مهمّة خاصّة، أناطها بشعره، وهي تبليغ رسالة، والقيام بواجب النّصح والإرشاد، فتكون المناسبات كلّها واحدة، والوسائل كلّها متاحة ومعتمدة؛ للوصول إلى الغاية.
يتجلّى ذلك واضحا في مقدّمة قصيدة " الفتح والرّضوان " و" النّهروانيّة ". فقصيدة " الفتح والرّضوان" التي نظمها الشّاعر بعد تنصيب الشّيخ سالم بن راشد إماما على عمان، كانت استجابة أو تجاوبا مع الحدث المهمّ ؛ وقد رأى فيه تحقيقا لحلم كان يتطلّع أن يتجسّد في الواقع، وهو وجود إمام على رأس المسلمين، بعد انقطاع دام عدّة سنوات. فكتب هذه القصيدة وقصائد أخرى.
هذا الحدث أثار فيه الحنين إلى وطنه، وأهاج فيه الرّغبة في مشاركة أبناء وطنه في تشييده، ومساندتهم في الإصلاح والتّغيير، والإسهام في النّهوض به. إذ أنّه وجد نفسه لا تستطيع ذلك؛ لأنّ الظّروف لا تسمح له بالانتقال والرّجوع إلى بلده ، فأرسل هذه القصيدة ؛ ليشارك إخوانه بالكلمة والشّعور والنّصح والتّوجيه في أضعف الإيمان.
بدأ القصيدة بذكر الحنين وأنهاها بالدّعوة إلى النّهوض والقيام، والتّحرّك ونصرة الإمام، والعتاب على الخمول والخذلان والتّقاعس والذّلّ .وما بين ذلك سرد أمجاد عمان، وتحدّث عن إمامة سالم بن راشد . وكان الهدف من كلّ ذلك هو الاستنهاض وشحذ العزائم، ونشدان العظائم. بذلك نرى أنّ للمقدّمة علاقة وطيدة ولحمة متينة ببقيّة أجزاء القصيدة.
وقد جاءت القصيدة لتسجّل انطباعا جسنا، وتثبت أو تعلن عن أمل عريض في الحياة العمانيّة، يعدّ " نصرا مبينا وتحوّلا تاريخيّا، ينقل عمان من عهد إلى عهد، ويدخل به إلى رحاب القرن العشرين؛ ليواكب النّهضة والاستقلال التي أخذ كلّ العالم الإسلامي يتطلّع إليها، ويعي بحقّ مصيره وما يراد به من أعدائه داخلا وخارجا. (3/36)
صفحة 135
ومن ثمّ واستجابة لهذه الأحاسيس القويّة نرى أبا مسلم يتّخذ الدّعوة إلى الاستنهاض مدارا ومحورا للنّونيّة. ومن هنا تتابعت فيها اللّوحان الفنيّة الرّائعة التي تبثّ هذه المعاني في النّفوس، من لوحة فيها الحنين إلى عمان وأخرى تنقل تاريخ عمان حيّا نابضا: أعلاما وآثارا، إلى أخرى فيها العتاب الأخوي الحميم والاستصراخ النّابض الملتهب. " (1)
قال أبو مسلم :
تلك البوارق حاديهنّ مرنان فما لطرفك يا ذا الشّجو وسنان
شجت صوارمها الأرجاء واهتزعت تزجي خميسا له في الجوّ ميدان
تبجّست بهزيم الودق منبثقا حتّى تساوت به أكم وقيعان
إن هيّج البرق ذا شجو فقد سهرت عيني وشبّت لشجو النّفس نيران
وصيّر البرق جفني من سحائبه يا برق حسبك ما في الأرض ظمآن
إنّي أشحّ بدمعي أن يسحّ على أرض وما هي لي يا برق أوطان
هبك استطرت فؤادي فاستطر رمقي إلى معاهد لي فيهنّ أشجان
تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت وهنّ وسط ضميري الآن سكّان
نزحت عنها بحكم لا أغالبه لا يغلب القدر المحتوم إنسان
فإن تيامنت الحوراء شاخصة لها مع السّحب أكناف وأحضان
فحطّ رحلك عنها إنّها بلغت نزوى وطافت بها للمجد أركان
انزل فديتك عتها إنّ حاجتها عدل وفضل وإنصاف وإحسان
هنالك انزل وقبّل تربة نبتت بها الخلافة والإيمان إيمان
انزل على عذبات النّور حيث حوت أئمّة الدّين بطنان وظهران
يا قوم هذا إمام الدّين بينكم مقصوده الحقّ لا ملك وسلطان
يدعو إلى الله قوّاما بملّته له حسامان أقساط وإحسان
يا قوم طاعته في مصركم وجبت فرضا عليكم وما في الدّين أدهان
تلكم وصيّة حسّان لكم ثبتت فإنّني اليوم للإسلام حسّان
لا يصدق الدّين إلاّ من بناصحه ولا يتمّ بغير النّصح إيمان
__________
(1) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 127 ، 128 . (3/37)
صفحة 136
فإن تمكّن نصحي من بصائركم بدا لكم من ضياء الحقّ فرقان(1)
وفي قصيدة " النّهروانيّة " الني خصّها للتّعليق على حدث تاريخي كبير، وللتّعبير عن مواقف تاريخيّة، كان أقطابها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب – كرّم الله وجهه – وجماعة من المسلمين، كانوا على خلاف معه في سياسته، وفي بعض المواقف؛ ممّا أدّى إلى الصّدام والعراك والحرب، وما نجم عن ذلك من أحداث متتابعة، مسّت الأمّة الإسلاميّة في العمق، في وحدتها وفي كيانها.
موضوع القصيدة كان الحديث عن هذا الموضوع وما أفرزه من نتائج خطيرة على الأمّة الإسلاميّة في مختلف العصور، وامتدّت إلى يومنا هذا. لكنّ مضمونها كان شيئا آخر، كان تأسّفا على حال المسلمين: من التّفرّق والشّقاق، وانحراف عن سواء الصّراط، وكان دعوة إلى تحكيم شرع الله في الحياة والمسيرة.
قدّم تفصيلات عن مجريات الأحداث بمواصفات شاعر؛ مركّزا على المضمون، لا على الموضوع.فقد بدأ القصيدة بالحنين والتّذكّر، وأنهاها بذكر خصال أهل النّهروان ومزاياهم، التي هي أخلاق نابعة من صميم الإسلام، وصادرة عن الإيمان الرّاسخ. وكأنّي بالشّاعر يلوم ويعاتب الذين حاربوا هؤلاء وقتلوهم، وهم مسلمون ومؤمنون قلبا وقالبا، وفي الوقت نفسه يوجّه أنظار المسلمين إلى أن يكونوا مثل أولئك في اامعتقد والسّلوك. وما بين هذه الموضوعات التي جاءت في القصيدة تفصيلات واستقصاء لتعاقب الأحداث في المواقف التي أفرزها الحدث.
__________
(1) 79) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 299 – 315 . أسجّل هنا أنّ هناك اختلافا بين الدّيوان المخطوط الذي جمعه سالم بن سليمان بن سالم البهلاني والدّيوان الذي نشره صالح بن عيسى الحارثي في بعض الكلمات . (3/38)
صفحة 137
لقد كان بين البداية والنّهاية تناغم وتوافق، البداية حنين وتذكّر لمرابض الحبيب ومواطن الهيام ومواضع الغرام. الحبّ الذي هو في ظاهره للمحبوبة، وفي باطنه هو لمن يكنّ لهم المحبّة والتّقدير، هيام بمن يتّصف بأخلاق الإسلام. والنّهاية تسجيل لهذه الشّمائل، ودعوة النّاس إلى التّحلِّي بها.
إنّ الشّاعر يبدأ بعض قصائده بالحنين والتّذكّر ؛ ليدفع بنفسه كي تتذكّر الماضي والتّليد ، وبذلك يشبع في نفسه رغبة التّعلّق بالوطن وبما له صلة به ، وليعوّض عن الحرمان الذي سبّبته له هذه الغربة, وليستلهم هذه الأيّام الغابرة الخالدة العامرة بالفضائل، ومن ثمّ يستنهض الهمم الخامدة، ويحرّك القلوب الباردة، ويثير النّفوس الهامدة. وليقدّم ما عليه من واجب، وما عليه من فرض. وقد لمحنا هذه الطّريقة وهذه المقدّمات في أغلب قصائده الرّثائيّة، وقد بيّنا ذلك في مبحث الرّثاء من هذا البحث.
عن هذه المقدّمات التي تميّزت بها قصائد أبي مسلم يقول الدكتور أحمد درويش : " إذا كانت هناك معلومات جادّة كهذه فإنّ الشّاعر يمهّد لها بمناخ شعري مكثّف، تزاحم فيه الصّور وتهيّأ المشاعر، وتعلو نبرة العاطفة، وتسمو فيه اللّغة عن لغة النّثر ولغة المعلومات، فإذا صُبَّ قدر من هذه المعلومات فيما بعد فإنّ متلقّي الشّعر يكون حلّق في طبقة معيّنة، لا يحسّ معها كثيرا بجفاف المعلومة. " (1)
في ختام هذا المبحث نسجّل هاتين الملاحظتين :
__________
(1) 80) تطوّر الأدب في عمان ، ص : 170 . ينظر أيضا تعليق الدّكتور محمد ناصر على هذا الأسلوب كتابه ، أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 159. (3/39)
صفحة 138
1 – المقدّمات التي كان يحرص أبو مسلم على افتتاح قصائده بها ، وعدم الدّخول في الموضوع مباشرة تدلّ أنّ الشّاعر كان يقصد فعلا توجيه الخطاب لمتلقّي شعره، وكان يهدف إلى تقديم رسالة ما من خلال ما ينظم شعرا، ولا يكون للموضوع المقترح أو المزمع القول فيه كبير أهميّة، ولا تكون المناسبة المثيرة للكتابة إلاّ فرصة للإدلاء بما يريد البوح به، لهذا تكون للمقدّمات علاقة بالموضوع الأساس في القصيدة، وكان الشّاعر يعمد إلى التّخلّص إليه أو النّفاذ إليه بطريقة فنّيّة ذكيّة، محكمة متدرّجة. ينتظم كلّ ذلك خيط نفسيّ واحد، يسري في القصيدة كلّها، بل إنّ كلّ ما كان يقوله شعرا كانت تنتظمه وحدة نفسيّة . هذا هو الالتزام الصّادق الذي يصبغ شعر الشّاعر بصبغة واحدة، لا ثاني لها، وهي الصّبغة الدّينيّة. …
2 – المقدّمات التي كان يأتي بها الشّاعر في قصائده، قبل الدّخول في الموضوع لا تختلف – في حقيقتها – عن المقدّمات في القصائد العربيّة القديمة، من حيث بناؤها، لا من حيث مضمونها وموضوعها(1). فالشّاعر يرى في ذلك ضرورة أن تكون تمهيدا للموضوع، الذي يخدم مضمونه، ويرى في ذلك محافظة على سنن القدماء ، الذين تأثّرهم كثيرا.
هذا ما يسلكه في زمرة شعراء مدرسة الإحياء ، التي بقيت وفيّة لتقاليد القصيدة العربيّة التّقليديّة. كما أنّ هذا السّلوك وهذا البناء يجعل لشعره رسالة ووظيفة اجتماعيّة. ويمنحه صفة الخطاب الموجّه لأداء مهمّة، تكون مطبوعة بالطّابع الدّيني.
6- الأسلوب الخطابي
__________
(1) 81) عن الاختلاف بين المقدّمة عند أبي مسلم والمقدّمة عند الشّعراء القدامى ، ينظر الدّكتور محمد ناصر ، أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 178 . (3/40)
صفحة 139
يعدّ الأسلوب الخطابي من أبرز الخصائص الفنيّة في شعر أبي مسلم الرّواحي، وقد جاء هذا استجابة للواقع الذي كان يعيشه الشّاعر ، وهو يواجه مجتمعا في حاجة إلى توعية وإيقاظ، محتاج إلى توجيهوإرشاد. هذا الوضع انعكس على نفس الشّاعر؛ رغبة منه في القيام بالواجب أزاء هذه الأوضاع، التي أفرزت الأسلوب الملائم لمعالجتها، ولمخاطبة القلب والعقل والنّفس. فقد أكثر من الاستفهام والتّعجّب والأمر والنّهي والحثّ والتّحضيض والنّداء والاستغاثة والنّدبة والتّوكيد والقسم ...وغير ذلك من الوسائل التي تعين على استنهاض الهمم وشحذ العزائم.
هذا الأسلوب وهذه النّزعة، أو هذا التّوجّه يعدّ إحدى خصائص مدرسة الإحياء التي كانت بلورة لمفهوم النّهضة، الذي ساد الفترة التي عاشها أبو مسلم، وانعكاسا للظّروف التي مرّ بها الشّعر العربي آنذاك. يقول الدّكتور محمد ناصر : " فأبو مسلم إذن حين استخدم هذه الأدوات الفنّية كان واعيّا بمدلولاتها النّفسيّة والتّبليغيّة كلّ الوعي. فقد اختار أن يكون شعره شعرا رساليّا، يبلّغ القيم الأخلاقيّة والتّطلّعات الوطنيّة والمبادئ الإسلاميّة إلى الآخرين، فكان لابدّ من توظيف كلّ العناصر الفنيّة لضمان وصول هذه الغاية، وهو محقّ فيما ذهب إليه. " (1) قال أبو مسلم :
يا للرّجال وداعي الله بينكم لبّوا الدّعاء فإنّ الصّوت قرآن
يا للرّجال ألم يأن الجهاد لكم بلى لقد فات إبّان وإبّان
يا للرّجال أقيموا وزن قسطكم فما لكم قبل وزن القسط ميزان
يا للرّجال احفظوا أوطان ملّتكم فما لكم بعد خذل الدّين أوطان
يا للرّجال احفظوا أحساب مجدكم إن لم تكن فيكم للدّين أشجان
يا للرّجال اندبوا لله غيرتكم فالوقت قد ضاق والتّثبيط خسران
يا للرّجال ألا لله منتصر فناصر الله لا يعروه خذلان
يا للرّجال أروني من شهامتكم إنّ الحوادث آساد وسيدان
يا للرّجال اجعلوا لله نجدتكم فالغاية الفتح أو موت ورضوان
__________
(1) 82) م . س ، ص : 185 . (3/41)
صفحة 140
يا للرّجال ألم يحزنكم زمن طار البغاث به وانحطّ عقبان
يا للرّجال ألم يدهش عقولكم صوت الأرامل والأيتام إذ هانوا
هذا اليتيم قد انحازت مفاصله من جلبة الجوع والظّلاّم تخمان
يا للرّجال بيوت الله قد هدمت ومالُها للعِدا نهبٌ وحلوان
يا للرّجال دماء المسلمين غدت هدرا كما عبثت بالماء صبيان
فلا قصاص ولا أرش ولا قود كأنّ لجم بني الإسلام جعلان
يا للرّحال أفيقوا من سباتكم فقد أحاط بكم بغي وعدوان
أخيفة الموت ظلّ العجز يقعدكم وليس للأجل المعدود نقصان (1)
في هذه الأبيات حشد لمجموعة من الأدوات التي تسمها بالخطابيّة من ( نداء واستفهام وأمر وتحضيض مع تكرار ...) وهي كلّها تخدم غرض الشّاعر من الاستنهاض . إنّ هذه الأدوات التي أتى بها أبو مسلم مترادفة متساوقة، يشدّ بعضها أزر بعضن لا تنال من القيمة الفنيّة والمعنويّة للأبيات، مادامت تنسجم مع شخصيّة الشّاعر ، وتتناغم مع منزعه في الكتابة الشّعريّة ، وتحقّق له هدفه من إرسال هذه الأبيات، وهو الاستنهاض وتحريك الهمم. فنحن لا نوافق ما ذهب إليه الأستاذ محمد بن ناصر المحروقين معلّقا على أبيات من النّونيّة حين يقول : " كما استخدم الشّاعر إلى جانب النّداء الاستنهاض والأمر ممّا شوّش الوظيفة الشّعريّة، فصارت القصيدة أشبه شيء بخطبة منبريّة، تهدف إلى إثارة المشاعر الدّينيّة والوطنيّة، ويرتبط ذلك – بالطّبع – إلى مفهوم الشّعر ودور الشّاعر عند أبي مسلم، وهو مفهوم أفرزه الظّرف التّاريخي، حيث يتوجّب على الشّاعر أن يدافع عن أمّته بسنانه ولسانه. ولن نكون منصفين إذا أنكرنا على أبي مسلم تغييب الوظيفة الفنيّة للشّعر، فذلك ما لم تبلغه العقليّة العربيّة آنذاك ."(2)
__________
(1) 83) ديوان أبي مسلم ( تشر الحارثي ) ، ص : 306 ، 307 .
(2) 84) الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا ، ص : 187 . (3/42)
صفحة 141
إنّ هذا الحكم عام، وغير دقيق، نابع عن غير تأنٍّ في قراءة شعر أبي مسلم، وغير مدرك أو غير معترف بأثر هذا الشّعر في نفوس من وُجِّه إليهم، وهو غير منصف لشاعريّة الشّاعر، التي اختارت هذا الأسلوب الذي ينسجم مع المرحلة التي عاشها الشّاعر، و يلبّي ما يطلبه الوضع آنذاك. فإذا تلاءم الشّعر مع الوظيفة التي من أجلها قيل أو نظم حصلت الفائدة، وتحقّق الهدف. و الكاتب نفسه قال : " لم يكن الشّاعر مشغولا بفكرة إحداث أيّ تغيير على نمطيّة الشّعر العربي، وإنّما انكبّ جلّ اهتماماته على مجتمعه، ومحاولة تغيير بعض المظاهر التي لا يرتضيها الشّاعر, فالشّعر عنده وسيلة لا غاية بحدّ ذاته ."(1)
إذا رجعنا إلى قصيدته " النّهروانيّة " وأخذنا منها الأبيات الآتيّة لاحظنا فيها االتّقريريّة :
تدارك وصايا الحقّ والصّبر إنّما يفوز محقّ بالفلاح صبور
وخذ بكتاب الله حسبك إنّه دليل مبين للطّريق خفير
فما ضلّ من كان القران دليله وما خاب من سَيْرَ القران يسير
تمسّك به في حالة السّخط والرّضا وطهّر به الآفات فهو طهور
وحارب به الشّيطان والنّفس تنتصر فكافيك منه عاصم ونصير
دعيت لأمر ليس بالسّهل فاجتهد وسدّد وقارب والطّريق منير
وأسّس على تقوى من الله توبة نصوحا علىقطب الكمال تدور
وزن صالح الأعمال بالخوف والرّجا هما جنّة للصّالحات وسور
وبالعدل والإحسان قم واستقم كما أمرت وبادر فالمعاش قصير
وراقب وصايا الله سرّا وجهرة ففي كلّ نفس غفلة وفتور(2)
__________
(1) 85) م . س ، ص : 223 ، 224 .
(2) 86) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 25 . (3/43)
صفحة 142
إذن إنّ التّقريريّة والمباشرة ظاهرتان في الأبيات، وقد توالت فيها أفعال الأمر متساوقة؛ ممّا أضفى عليها صفة الخطابيّة. لكنّ الدّارس المتأنّي والباحث عن حقيقة ما يراد قوله، والمتأمل في الآثار الأدبيّة بشموليّة وعمق، والرّابط بين أجزاء العمل الأدبي، يستطيع إصدار أحكامه عن دراية وكفاية، تعطي للعمل ما يستحقّه من هذه الأحكام. فلنتأمّل في تعليق الدّكتور أحمد درويش على لوحات من قصيدة " النّهروانيّة " نفسها : "هذه التّفاصيل الشّعريّة الدّقيقة تضعنا منذ البداية على أعتاب المناخ الشّعري للعمل الذي بين أيدينا، ولأنّها صيغت في لغة صافيّة، فقد خفّف ذلك قليلا من وقع اللّغة المباشرة التي تسلّلت بعد قليل في صورة مجموعة من أفعال الأمر( تدارك، تمسّك، حارب، أسّس، زن، قم، راقب، جرّد ثابر...إلخ )وهي صيغ مع خطابتها ومباشرتها تحقّق جزءا ممّا تهدف إليه القصيدة من إيقاظ المشاعر والعبور، في رحلة انصهار الحاضر بالماضي، ومن الطّبيعي أنّ تركن اللّغة في مثل هذه المواقف إلى التّجريد لا إلى التّصوير، ومع ذلك فقد كانت تطلّ الصّور المحكمة من حين إلى حين..."(1)
__________
(1) 87) تطوّر الأدب في عمان ، ص : 174 . (3/44)
صفحة 143
إنّ النّظرة المتأنيّة الفاحصة الموسّعة إلى العمل كلّه تعطي هذه الأحكام، فلا تسقط في فخّ التّعميم، ولا تقع في خطأ النّظر الجزئي إلى الإبداع . بل إنّ أبا مسلم الرّواحي تمكّن من توجيه الأسلوب الخطابي إلى ما يخدم غاياته من الكتابة، واستطاع أن يصبغ شعره الموسوم بسمة الخطابيّة بالصّبغة الفنيّة في كثير ممّا نظمه بهذا الأسلوب. فأبو مسلم من الصّنف الذين ذكرهم الدكتور محمود السّليمي في الفقرة الآتية، التي مهّد بها ليأتي بأبيات للشّاعر من " النّونيّة " ثمّ يعلّق عليها : " والشّاعر المقتدر يمكنه الإفلات من أسر الصّيغ التّقليديّة لهذا الأسلوب( الأسلوب الخطابي )، إذا استطاع أن يوجّه هذا الأسلوب وجهة ناجحة، مبتعدا بأسلوبه الحماسي الخطابي عن المباشرة، فيمنح نصّه جوّا إيحائيّا، مستثمرا تجربته الشّعوريّة، وهو يخاطب وينادي، في محاولة منه لبعث الهمم، فيهتمّ بموضوعه وفنّه في آن معا. أمّا إذا جاء الشّاعر بألفاظ لا تتعدّى دلالتها القاموسيّة، فإنّه يقع في مطبّ الابتذال..." وبعد أن سرد بعض أبيان علّق قائلا : " لوجدنا أنّ هذه الأبيات وإن بناها الشّاعر على اللّهجة الخطابيّة، من الاستفهام المباشر، وفعل الأمر وصياغة التّعجّب وأسلوب التّقريع، إلاّ أنّ الشّاعر استطاع أن يبثّ فيها حيويّة شاعريّة، تمزج بين الذّات والموضوع وقوّة المشاعر وتعدّد صيغ الخطاب." (1) )
__________
(1) 88) الدكتور محمود بن مبارك بن حبيب السّليمي ، أثر الفكر الإباضي في الشّعر العماني في القرتين الثّالث عشر والرّابعى عشر الهجريين، ( مخطوطة ) رسالة دكتوراه ، قسم اللّغة العربيّة ، كليّة الدّراسات العليان الجامعة الأردنيّة ، ص : 286 ، 287. (3/45)
صفحة 144
ليس معنى ذلك أنّ الشّاعر سلم من التّقريريّة في كتاباته الشّعريّة، بل له أبيات ولوحات نحسّ ونلمس فيها برودة ورتابة ونثريّة، تقتل حاسّة تذوّقها، إلاّ أنّ ذلك ليس عاما ينسحب على كلّ شعره، أو يصبح ظاهرة عامّة، كقوله :
الفضل ما وزع النّفوس إلى الصّفا ورأيتُ إدراك المعارف أشرفا
وكمال كلّ نزاهة وسجيّة أبدا على شرف العلوم توقّفا
لم يرتفع بجناح جهل طائر نحو الكمال وكم بعلم رفرفا
أحدو النّفوس بشدو لحن بصيرتي نحو الكمال إذا حدا حادي الوفا
حرّ الضمائر لا يقيّده الهوى في علّة من دون إدراك الشِّفا
صَدْعُ الصّدا من حكمتي أرجو به صدع النّفوس إلى الصّفاء عن الجفا (1)
حاول الدّكتور أحمد درويش تبرير هذه الصّياغة بقوله عن أبي مسلم : " وكان به جنوح إلى اللّغة الخطابيّة واللّغة المباشرة في كثير من الأحيان؛ لأنّه لم يكن يتخيّل أن تصل قصيدته إلى القارئ في صحيفة الصّباح، أو في ديوان ، تدور به المطابع، وإنّما كان يتخيّلها مسموعة في أذنه، تناقلتها أذن عن شفة فوعتها، أو دوّنها قلم وحرص على أن يقرأها لأكبر جماعة لم يتح لها حظّ التّدوين." (2)
إلاّ أنّ هذا الرّأي أو هذا التّفسير في حاجة إلى مناقشة، لأنّنا لو قبلناه كما هو واقتنعنا به لحكمنا على شعر أبي مسلم أنّه كلّه على هذا النّمط، حتّى يصل إلى متلقّيه، كما ذكر الدّكتور. مع أنّه قال : " وكان به جنوح إلى اللّغة الخطابيّة واللّغة المباشرة في كثير من الأحيان " بينما الحقيقة أنّ شعر أبي مسلم يتراوح بين الحطابيّة والمباشرة والتّصوير والإيحاء...
7- التّكرار
__________
(1) 89) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 379 .
(2) 90) تطوّر الأدب في عمان ، ص : 177 . (3/46)
صفحة 145
إنّ التّكرار في شعر أبي مسلم : تكرار المعاني والأفكار والألفاظ والتّراكيب... ظاهرة لافتة للنّظر، تستوقف الدّارس ، وتدفع به إلى أن يتشعّب في التّفسير ، ، ويذهب بعيدا في التّأويل، فيغوّر وينجد في إصدار الأحكام ، التي قد تكون إيجابيّة وقد تكون سلبيّة.
من هذه التّفسيرات الإيجابيّة لهذه الظّاهرة أنّها تدلّ على وضوح رؤية الشّاعر إلى الأمور، كما تبرز التزامه نهجا واحدا في الاعتقاد والتّفكير والكتابة والتّعبير، وتحديد هدف معيّن ورسم خطّة محكمة في تحرّكه وعمله، وحصر نفسه في خندق واحد، يتحرّك فيه. وطالما وجد أنّ غايته لم تتحقّق كما يريد هو، فإنّه يكرّر ما كان يقوله ويدعو إليه، كلّما سنحت الفرصة، وجاءت المناسبة، ودعت الضّرورة. فيتأمّل ويدعو ويوجّه ويأمل، ويلوم ويتعجّب ويسخط، ويبشّر وينذر، ويستنهض ويحمّس، ويكرّر المعاني نفسها، ويعيد التّراكيب والألفاظ ذاتها، من دون حرج، إلاّ أنّ المصدر أوالمورد يبقى واحدا هو الدّين.
لقد أشرنا إلى أحد مواطن هذا التّكرار، وهو ميدان الرّثاء . ففي القصائد التي خصّصها للرّثاء كان يعظ ويرشد وينبّه ويلوم، ويرسل أمثالا وحكما، ويكرّر ذلك كثيرا ، ممّا يوقعه – أحيانا – في الجانب السّلبي من التّكرار . لكن ما يهمّنا في هذا المجال هو أنّ هذا التّكرار أسهم في بيان حقيقة الخطاب الدّيني عند الشّاعر . يقول الدّكتور أحمد درويش : " إنّ التّكرار يمثّل دون شكّ واحدة من أبرز الخصائص التي يتّكئ عليها أبو مسلم لمحاولة إبراز المحاور العاطفيّة الرّئيسيّة في عمل مطوّل مثل مرثيّاته، وهو يستخدمه في إحكام في كثير من أغراض بناء القصيدة. فقد تنتقل به معه من مرحلة الانفعال العاطفي إلى مرحلة سرد المآثر."(1)
__________
(1) 91) م . س ، ص : 193 . (3/47)
صفحة 146
إنّ أبا مسلم لا يتحرّج من تكرار الكلمات والجمل والمعاني؛ لأنّه لا يؤمن إلاّ بشيء واحد، هو إنّ للشّعر رسالة ووظيفة محدّدة، يجب القيام بها بأيّة وسيلة يتمكّن منها، ولو بواسطة التّكرار. وفي سبيل ذلك لا يعير للجانب الفنّي كبير اهتمام، إذا كان يحول بينه وغايته.وهذه نظرة الإحيائيين للعمل الشّعري. يقول الدّكتور محمد ناصر : " وقد دفع الإحساس النّهضوي الشّاعر أبا مسلم إلى حشد كلّ العناصر الفنّية التي تضمن له تجسيد تلك المشاعر، فلم يكتف باستخدام أدوات الخطاب المتنوّعة، وإنّما لجأ إلى أسلوب التّكرار. والتّكرار الذي نعنيه هنا هو التّكرار اللّفظي. فهو قد يبدأ بكلمة أو جملة ثمّ يكرّرها في الأبيات المتتالية مرّات عديدة، تصل أحيانا عشر مرّات. وقد يراه البعض تقليدا وحشوا، ويراه بعض لازمة من لوازم الأسلوب والهدف اللّذين اختارهما الشّاعر لشعره. " (1)
إنّ التّكرار من أهدافه أو دواعيه التّأكيد والإصرار والتّحذير والإخطار ، وإثارة العواطف والإشارة إلى عمق المأساة... وعن طريق التّعامل أو التّأمّل فيما تكرّر في شعر الشّاعر، قد يدخل الدّارس إلى داخل نفس الشّاعر ليفهم حقيقة شخصيّته، ويقف على طبيعة اهتماماته، ويعي الموضوعات التي يثيرها ويتعلّق بها، ولماذا يثيرها...
هناك كلمات مكرّرة كثيرا في شعر أبي مسلم، تعدّ مفاتيح لشخصيته كالسّيف والبرق والدّهر، والألفاظ التي تدلّ على معاني الإيمان والإسلام وما يتّصل بها، والألفاظ التي تشير إلى الموت ودلالاتها، إضافة إلى تراكيب معيّنة تكون جاهزة أحيانا، ومتجاورة أخرى ، ومتقابلة ومتضادة مرّات...
بما أنّنا قد أتينا على أمثلة من هذا التّكرار في الصّفحات السّابقة، فإنّنا سنكتفي بشواهد قليلة نذكرها هنا. قال مثلا :
عوائد الله أغنى لِي وإن تربت كفّي ونعمة ربِّي نعمة جلل(2)
__________
(1) 92) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 183 .
(2) 93) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 369 . (3/48)
صفحة 147
وقال :
فإن استطعت حقوقها وشروطها تربت يداك ، اغنم فنعم المدخر(1)
قال :
وهيهات قد بادرت زرعها ومدّت مناجلها الحاصده(2)
وقال :
متى ترجو الحياة رخاء بال وقد زرعت لتحصد بالمنون(3)
المهمّ إنّ ظاهرة التّكرار في شعر أبي مسلم في حاجة إلى دراسة معمّقة. نشير – فقط – إلى أنّ هذه الظّاهرة قد أسهمت – في بعض مظاهرها – في الكشف عن جوانب من شخصيّة الشّاعر نفسيّا، وأعانت على بلورة طبيعة الخطاب الدّيني عنده.(4)
8- الصّورة الشّعريّة
__________
(1) 94) م . س ، ص : 371 .
(2) 95) م . س ، ص : 418 .
(3) 96) م . س ، ص : 421 .
(4) 97) ينظر تعليق الدّكتور محمد ناصر على هذه الظّاهرة كتابه : أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 153 . والدّكتور محمود السّليمي وكتابه : أثر الفكر الإباضي في الشّعر العماني ، ص : 274 وما بعدها . و قد عدّ التّكرار ظاهرة بارزة عند شعراء الفكر الإباضي . (3/49)
صفحة 148
شعر أبي مسلم ملئ بالصّور الفنّية التي بناها من الألوان البلاغيّة في الدّرجة الأولى، بل تكاد كلّ صوره لا تخرج عن دائرة البلاغة، يكفي دليلا على ذلك ما امتلأت به إحدى روائعه " النّونيّة ". للوقوف على هذه الصّور المتلاحقة المتساوقة نقرأ ما كتبه الدّكتور سمير هيكل تحليلا لهذه القصيدة (1) وهو لا يشذّ عمّا عرف عن شعراء مدرسة الإحياء، أي إنّ البلاغة تشكّل مادة الصّورة الشّعريّة في شعرهم، من تشبيه واستعارة ومجاز... يقول الدّكتور عمر الدّسوقي عن الإحيائيين : " وخيالهم تصويري مبنيّ على الاستعارة والتّشبيه والمجاز، بل كثيرا ما تكون تشبيهاتهم غير مجارية لزمانهم أو بيئتهم، وإنّما نهجوا فيها نهج العرب الأقدمين؛ متأثّرين بالقوالب المحفوظة والعبارات المتداولة." (2)
يتصدّر التّشبيه بناء الصّورة في الخطاب الشّعري عند أبي مسلم، وهو ما عرف عن شعراء الإحياء أو الاتّجاه المحافظ. قال محمد الهادي الطّرابلسي عن أحمد شوقي : " شوقي من الشّعراء الذين أجروا التّشبيه كثيرا، ناهيك أنّ الصّورة الشّعريّة في الشّوقيات هي في الغالب من باب التّشبيه." (3) والملاحظة نفسها تنطبق على شعراء هذا الاتّجاه بعامّة .
قال أبو مسلم بعد أن تأسّف عن فراق أحبّة كانوا يتّصفون بالأخلاق الحسنة، إلاّ أنّه لم يفقد الأمل في فتية يكومون خلفا لأولئك السّلف :
فتنجلي غرّة الأيّام عن خلف صدق يقوم بنفع الخلق مضطلعا
فإنّ لي أملا قي فتية نجب وريثما حاولوا إدراكه خضعا
__________
(1) 98) ينظر قراءات في فكر البهلاني الرّواحي ، المنتدى الأدبي ( سلطنة عمان ) إصدار سنة 1418 هم 1998م ، ص : 80 .
(2) 99) عمر الدّسوقي ، في الأدب الحديث، ج2، دار الفكر العربي، القاهر، ( د. ت ) ، ص :339 .
(3) 100) الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا ، ص : 239 . نقلا عن محمد الهادي الطّرابلسي ، خصائص الأسلوب في الشّوقيات ، منشورات الجامعة التّونسيّة، 1981، ً : 143 . (3/50)
صفحة 149
تناولوا المجد من أركان سالفهم برق الفضيلة في أعطافهم لمعا
لهم وجوه مصابيح مشعشعة كأنّما البدر في أغصانها طلعا
نجد أماجد في أحسابهم فلق ومن أياديهم البيضاء قد نبعا
زهر المناقب ينشقّ المجاد بها عن حاجب الشّمس أو عن صبحها انصدعا
مثل الكواكب في علم وفي عمل وفي قلوب وفي صيت لهم شسعا
تنافسوا في اقتناء المجد واستبقوا والكلّ جلى لمجد ليس مخترعا
سمت بهم همّة كالشّمس نيّرة فكلّ همّ عزيز تحتها ركعا(1)
حشد الشّاعر في هذه الأبيات مجموعة من التّشبيهات والاستعارات المتلاحقة المكرّرة : فالفتية بدر الكواكب، برق، شمس، فلق... هذا التّكديس لهذه التّشبيهات والاستعارات يدلّ على التّعلّق بطريقة بناء القدماء لصورهم، وفي الوقت نفسه يشير إلى روح المحافظة التي يتميّز بها شعر أبي مسلم.
لاحظت أنّ الشّاعر يكثر من التّشبيه بالشّمس وبالجبل والبدر والبرق والسّيف...(2) قال مثلا :
صكّ الخطوب بخطب اسمه جلد والق الأمور بحلم بشخصه جبل (3)
عبد ببابك مستجير عائذ بجبال حلمك نفسه استعصامها(4)
وقال في مدح الشّيخ عبد الرّحمن بن سالم الرّواحي :
هزّك الفضل والفتوّة والسّؤ دد والمجد كاهتزاز السّيوف(5)
وقال في رثاء الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي :
بقاؤك للمعارف والمعالي بقاء البدر في سدف الدّجون(6)
تميّز ت صور الشّاعر بالتكرار، وببنائها من الصّور القديمة في الأعمّ الأغلب. فلنتأمّل هذه الصّورة الضّعيفة:
كنت النّصير وكان لي صبر الحصا فأصبت في صبري وفي أنصاري(7)
__________
(1) 101) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 359 .
(2) 102) ينظر المصدر السّابق، ص : 357 وما بعدها ، وص : 367 وما بعدها ، فقد وردت فيها تشبيهات بهذه الكلمات .
(3) 103) م . س ، ص : 367 .
(4) 104) م . س ، ص : 463 . ينظر مثلا الصفحات الآتية : 461 ، 462 ، 469 ، 487...
(5) 105) م . س ، ص : 448 .
(6) 106) م . س ، ص : 421 .
(7) 107) م . س ، ص : 403 . (3/51)
صفحة 150
لو استعمل الشّاعر الصّخر أو الحجر أو الجبل لكان أقوى ، أمّا الحصا فتبدو غير مؤثّرة، ولا معبّرة تعبيرا قويّا عمّا كان يعانيه .
إذا كانت الصّور السّابقة يبدو بعضها بسيطا وبعضها ضعيفا؛ لإغراقها في النّمطيّة والابتذال فإنّ الصّورة الآتية تظهر أحسن حيويّة وأكثر رواء، رغم اعتمادها على التّشبيه وبنائها من صورة قديمة :
ببني الدّهر علّة ليس تشفى بدواء حتّى لقاء الحتوف
لا تحاول علاجهم بكمال آفة الدّهر في كمال الشّريف
وتموت الجعلان في نفحة الطّيـ ـبِ وتحيا سعيدة في الكنيف(1)
الصّورة لا تحتاج إلى توضيح ما فيها من إيحاء وتكثيف، بما نقلت من شعور الشّاعر بالضّيق من تصرّف لا يتناسب مع الفطرة ومع ما يليق بالإنسان العاقل المتميّز عن بقيّة المخلوقات، فقد انقلبت عنده الموازين فأصبح لا يعيش إلاّ على ما ينبذه الذّوق والحسّ السّليم، ولا يجد سعادته المقلوبة إلاّ في البيئة النّتنة، وقد عبّر عن ذلك وصوّره التّشبيه الضمني الذي بنى منه الشّاعر صورته، وهي صورة الجعلان الذي يموت إذا شمّ رائحة زكيّة، وينتعش ويحيا إذا وجد كنيفا ورائحة كريهة يتململ فيها. بمعنى إنّ الإنسان طبع على فعل الشّرّ، وتأصّل فيه الدّغل والغشّ والخداع ، وكلّ الأعمال الخبيثة، ولا يجد سعادته إلاّ حين يمارس ذلك فيها، فهو كالجعلان تماما.
صراع الشّاعر مع الدّهر لم ينته ولم يتمكّن من التّخلّص منه يوما ما، لذا نراه يكثر من تصوير هذا التّصادم معه. في هذه المرّة أيضا يلجأ إلى التّشبيه الضّمني، فيبني منه صورته الآتية وهو يعبّر عن علاقته بهذا الدّهر.قال يخاطب الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي، وقد رحل عنه إلى الأبد، وهو الذي كان ينافح ويدفع عنه صروف الدّهر وعتوّه عليه :
وأعداء أرادوا حذف جاهي كسرتهم بآلات السّكون
فلم تحذر لهم برقا ورعدا وما شأن الذّبابة والطّنين (2)
__________
(1) 108) م .س ، ص : 449 .
(2) 109) م . س ، ص : 420 . (3/52)
صفحة 151
ومن الصّور التي بناها الشّاعر على الاستعارة قوله وهو يخاطب الشّيخ السّالمي :
ارجع فإنّ الاستقامة أرملت ارحم يتيمك وهو دين البّاري(1)
وقال عن وفاته :
أشعل البرق علينا جذوة فانطفا واتّقدت فينا الشّعل(2)
وعن وفاة الشّيخ راشد الغيثي قال :
هناك اقشعرّ الرّوض واغبرّ جلده وذاك روض النّعمة المتسوّم(3)
قال يصف أسلافه الذين يعتزّ بهم وبأخلاقهم، فلجأ إلى الاستعارة والتّشبيه، وإلى استلهام الصّورة التي قدّمها سلفه أبو حمزة الشّاري عن أصحابه الشّباب، الذين أضنتهم العبادة، ورقّق قلوبهم الخوف من الله وخشيته، وأرهق أجسامهم كثرة السّجود...
أنضاهم التّسبيح والتّرتيل والتّهجيد بين جوانح الأسحار
خبت إذا جنّ الظّلام رايتهم طاروا إلى الملكوت بالأسرار
غرّ إذا سجد الظّلام على الفضا سجدوا على التّفنات كالأحجار
قطع النّحيب صدورهم وكأنّما وضعوا السّحائب موضع الأشفار(4)
وقال أيضا :
وصيّر البرق جفني من سحائبه يا برق حسبك ما في الأرض ظمآن(5)
مطلع النّونيّة يتضمّن صورة شعريّة فنيّة، بناها الشّاعر من الاستعارة المكنيّة؛ حيث يستبدّ الشّوق والحنين به، وتهتاج نفسه حين يرى البرق يلمع في الأفق، فيحرّك فيه وفي نفسه الهوى والجوى والوجد نحو المعاهد والمرابع والمهاد، التي كان يعيش فيها، والتي نزح عنها، ولم يستطع الرّجوع إليها؛ لأنّ القدر المحتوم الذي فرض عليه النّزوح عن بلده لا يغلب، كما أشار إلى ذلك في قصيدته.
وقد تصوّر البوارق حداة كحداة القوافل، التي تتقدّمها، فتحرّكها بصوتها الشّجيّ، وألحانها المطربة المنعشة :
تلك البوارق حاديهنّ مرنان فما لطرفك يا ذا الشّجو وسنان(6)
__________
(1) 110) م . س ، ص : 402 .
(2) 111) م . س ، ص : 406 .
(3) 112) م . س ، ص : 427 .
(4) 113) م . س ، ص : 401 .
(5) 114) م . س ، ص : 299 .
(6) 115) م . س ، ص :299 . (3/53)
صفحة 152
يعلّق الدكتور سمير هيكل على هذا البيت قائلا : " ويتّضح البعد النّفسي في هذه الصّورة من خلال الأرق الذي أصاب الشّاعر، هذا الأرق الذي كان نتيجة للمعاناة النّفسيّة، بسبب البعد عن الأحبّة والأوطان والنّأي عن الدّيار. فهو يبحث عن وسيلة للوصول، فكان الخيال الشّعري حافزا لرسم هذه الصّورة المنحرّكة بركب المرتحلين وصوت الحادي الذي يسير في مقدّمة القافلة..."(1)
يتكرّر المشهد نفسه، والصّورة ذاتها، واللّون البلاغي المعتمد في بناء الصّورة، ويكون للشّوق والحنين ولذكر الأوطان سبب في تكوين الصّورة :
إن هيّج البرق ذا شجو فقد سهرت عيني وشبّت لشجو النّفس نيران (2)
تكرّرت بعض الكلمات في البيتين كالبرق والشّجو، ممّا يؤكّد على قصد الشّاعر إلى التّأكيد على ما يعانيه، وعلى تقرير حقيقة الحالة التي مرّ بها، وتكشف عن محاولات الشّاعر إخراج الكمد الكمين في قلبه. وفي البيتين أوالصّورتين لجأ إلى الاستعارة المكنيّة لبنائهما. مع ملاحظة أنّ البرق تكرّر كثيرا في شعر الشّاعر. وهو يعدّ من الكلمات المفاتيح لشخصيّته.
ويقول الشّاعر عن نزوى بيضة الإسلام وأصل الدّين، ومصدر الحكم في عمان ، ومركز الحركة الإسلاميّة الدّينيّة ، يقول مصوّرها طائرا له جناحان، يطير بهما، هذان الجناحان هما الإيقان والعرفان على سبيل الاستعارة المكنيّة :
أرض مقدّسة قد بوركت وزكت تنصبّ فيها من الأنوار معنان
ما طار طائرها لله محتسبا له جناحان إيقان وعرفان
__________
(1) 116) قراءات في فكر البهلاني الرّواحي ، المنتدى الأدبي ( سلطنة عمان ) ، إصدار سنة 1418هـ/1998م ، ص : 80 . ينظر ص : 68 ، فيها تعليق على اللّوحة الكاملة التي رسمها الشّاعر في مقدّمة القصيدة للبرق، بما تركه في نفس الشّاعر من حركة واهتزاز واضطراب وخفقان، ممّا أضفى على صورته حركة نابضة.
(2) 117) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 299 . (3/54)
صفحة 153
إلاّ وقام يمين الله ساعده والفتح والنّصر والتّأييد أعوان(1)
وقال يخاطب الإنسان المغترّ بالدّنيا، الذي ينساق وراءها، ويجري خلف حياة تُزيّن له ثمّ توؤد. تقدِّم له الدّنيا زخارفها ثمّ تودي به. عبّر الشّاعر عن ذلك بصورة الزّارع ثمّ الحاصد بعد ذلك:
متى ترجو الحياة رخاء بال وقد زرعت لتحصد بالمنون(2)
الاستعارة المكنيّة تبدو في تشبيه الدّنيا بإنسان يزرع ويحصد. فالدّنيا تزرع وتهيّئ للإنسان ما تُطمِعه فيها، ثمّ تحصده وتتركه حصيدا خامدا. إشارة إلى أنّ الدّنيا غرّارة وخدّاعة، فعلى الإنسان أن يحذر منها ولا يغترّ بزخارفها، ولا يركن إليها ، ولا يكون معها في غفلة .وقد تكرّرت هذه الصّورة في شعر أبي مسلم كثيرا، وبخاصة في وصف الدّنيا . قال مثلا :
وهيهات قد بادرت زرعها ومدّت مناجلها الحاصده(3)
ومن أمثلة الاستعارة التّصريحيّة التي بنى منها الشّاعر بعض صوره ما يأتي :
تعيث قرود الجبت في سنة الهدى إذا عقدوا شنعاء جاءت شنائع(4)
من الصّور الفنيّة المبنية على بعض المحسّنات اللّفظيّة والمعنويّة البديعيّة الصوّرة الآتية التي اعتمد فيها على الطّباق :
يا برق حرّك همومي إن تكن سكنت فكلّ حظّي تجريك وإسكان(5)
إنّ الحالة النّفسيّة التي مرّ بها الشّاعر أو التي عاشها ، وهي شعوره بحرمانه من البقاء في وطنه ومع أحبّته، كشف عنه الطّباق ، الذي يتميّز بالمقابلة بين ضدّين؛ قصد إبراز المعنى ، الذي هدف الشّاعر الكشف عنه بجلاء ( حرّك، سكنت،تخريك، إسكان )
وقال : فإذا جاءت القريحة بيضا ء ، ففضلي اليراعة السّوداء (6)
وقال : ليس لها إلاّ نفوس طفئت أضغانها واشتعلت فيها التّقى
__________
(1) 118) م . س ، ص : 301 .
(2) 119) م . س ، ص : 421 .
(3) 120) م . س ، ص : 413 . ينظر أيضا ص : 330 ، 395 .
(4) 121) م . س ، ص : 327 .
(5) 122) م . س ، ص : 300 .
(6) 123) م . س ، ص : 376 . (3/55)
صفحة 154
يلمّها الإيمان قلبا واحدا وجهته الله وحشوه الهدى(1)
إنّ المقابلة التي بنى عليها الشّاعر صورته بيّنت حال المسلمين الذين يتقابل فيه شيئان متضادّان أو متنافران: انطفاء الضّغائن واشتعال التّقى. هذا ما يعطي لهم حقيقة الإيمان، كما أوضح ذلك في البيت الثّاني.
جمع الشّاعر في البيت الآتي بين الاستعارة والطّباق، وبنى منهما صورته ليعبّر عن اندهاشه وحسرته للمفارقات التي شاهدها في الحياة، إنّ الموازين تغيّرت فالنّاس الضّعاف استنسرت، والشّجعان والنّاس الأعلون تقهقروا وجبنوا، والرّجال لا يتحرّكون ولا ينهضون لتغيير هذا الوضع نحو الأحسن :
يا للرّجال ألم يحزنكم زمن طار البغاث به وانحطّ عقبان(2)
كما قال عن أهل الاستقامة؛ معتمدا على الجناس النّاقص :
لا يقبل الله دبنا غير دينهم ولا يصحّ الهدى إلاّ بما دانوا
من عهد بدر وأحد لا تزعزعهم عن موقف الحقّ أزمات وأزمان(3)
وقال يخاطب الشّيخ سالم بن أحمد الرّيامي، بعد ما رحل عنه رحيلا أبديّا، وتركه يقاسي أهوال الدّنيا ومصاعب الحياة :
لقد خلّفت ذا قلب طعين بفقدك ، هل رثيت لذا الطّعين
أجالد بين جانحتيََّ نارا يؤوسا من هدوء أو هدون(4)
وقال: نرى غاية الدّنيا وكيف صروفها ونحن على رأي الرّكون ركود(5)
هناك نماذج كثيرة من الصّور التي بناها الشّاعر من المحسّنات البديعيّة، ويبدو فيها أقلّ توفيقا في بناء صور شعريّة جيّدة من التي كان يبنيها من التّشبيه والاستعارة. المهمّ إنّ أغلب صوره كان ينشئها من الألوان البلاغيّة، كأمثاله من شعراء المدرسة الإحيائيّة.
__________
(1) 124) م . س ، ص : 352 .
(2) 125) م . س ، ص : 300 .
(3) 126) م . س ، ص :303 .
(4) 127) م . س ، ص :421 .
(5) 128) م . س ، ص :393 . (3/56)
صفحة 155
لقد أكّد الدّارسون على براعة أبي مسلم في التّصوير، وعلى حسن التّنسيق والتّلاؤم بين صوره الفنيّة في اللّوحة الواحدة أو القصيدة الواحدة؛ لتعبّر عن أحاسيسه ومشاعره وأفكاره . يقول الدّكتور سمير هيكل : " إذا كانت المفردات اللّغويّة تنقاد بيسر وسهولة لأبي مسلم لينظم من لآلئها عقد روائعه الشّعريّة، فإنّ الصّور الفنّيّة ما كانت لتتأخّر عن التّدافع إلى خياله الشّعري ليربط بينها وبين موضوع القصيدة في وحدة وانسجام، ويأتي بناء القصيدة نتيجة لذلك مرتديّا ثوبا قشيبا من الجمال الفنّي والكمال البياني."(1)
ويقول الدّكتور محمد ناصر : " إنّ براعة أبي مسلم تتمثّل في استطاعته البارعة في أن يسلك صوره في خيط نفسي، يربط بين المعاني والأخيلة برباط محكم، ويعود مرّة أخرى إلى البرق الذي افتتح به القصيدة ليقدّم بين أعيننا لوحات فنيّة تعبيريّة أخرى."(2)
كلا الباحثين كان يعلّق على قصيدة أبي مسلم " النّونيّة " ممّا يؤكّد على أهميّة هذه القصيدة، وقيمتها المعنويّة والفنيّة، وعدّها من عيون شعر أبي مسلم.(3)
هذا النّجاح الذي حقّقه الشّاعر في شعره يرجع إلى الصّدق الفنّي الذي يلمسه القارئ والمتأمّل في هذا الشّعر، وهو نابع أو ناتج عن الإخلاص في العمل، والتّفاني في خدمة الأمّة الإسلاميّة، والاهتمام بالإنسان المسلم؛ بناء وإعدادا وتوجيها وعناية(4)
__________
(1) 129) قراءات في فكر البهلاني الرّواحي ، المنتدى الأدبي ( سلطنة عمان) ، إصدار سنة 1418هـ /1998م , ص : 80
(2) 130) أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 165 .
(3) 131) في النّونيّة نلاحظ تأثّر الشّاعر بمجموعة من الشّعراء. ينظر قراءات في فكرالبهلاني الرّواحي ، المنتدى الأدبي (سلطنة عمان ) إصدار سنة 1418هـ / 1998م ، ص : 53 وما بعدها .
(4) 132) ينظر المرجع السّابق ، ص : 67 . (3/57)
صفحة 156
هذا الصّدق الفنّي وهذا الالتزام هو الذي وفّر في خطاب الشّاعر الوحدة النّفسيّة، البديل عن الوحدة العضويّة أو الوحدة الموضوعيّة، التي تبدو مفقودة في شعره؛ على غرار لداته من شعراء مدرسة الإحياء.
إنّ شعر أبي مسلم ينتظم في خيط نفسي، هو البوثقة التي تنصهر فيها أفكاره ومشاعره وتلتقي؛ لتتوجّه نحو الهدف الذي رسمه لنفسه. فشعره رسالي يؤدّي مهمّة وواجبا، هو العمل على النّهوض بالمسلمين، إنّ أبا مسلم شاعر قضيّة حمل هموم الأمّة الإسلاميّة.(1)
فإذا كانت الوحدة في القصيدة تعني التّلاؤم والتّعانق والمزج بين ما يفرزه الوجدان وما يمليه العقل(2)
فإنّ هذا كان متوفّرا بشكل كبير في شعر أبي مسلم الرّواحي؛ حيث إنّ القصيدة تمثّل عنده تجربة حيّة صادقة، تنطلق من باعث أو محرّك لمشاعره، وتسير إلى هدف محدّد، يعيّنه مضمونه ورسالته من نظمه القصيدة. ولهذا فإنّ كلّ الأفكار والموضوعات التي ترد في القصيدة الواحدة عند الشّاعر، تتّحد أو نوجّهها الفكرة أو المضمون الذي تحمله القصيدة.
مع كلّ ذلك نسجّل أنّ أبا مسلم يبدو أحيانا ضعيفا في التّصوير؛ بسبب التّكلّف في رسم صوره، وبسبب اقتباس صور غيره ، وبسبب نمطيّة بعض الصّور التي كان يلجأ إليها، وبسبب تكرار أخرى في قصائده، وبسبب اعتماده كثيرا على الألوان البلاغيّة التي قد لا تتيح له الفرصة والمجال لبناء صور فنيّة جميلة. وهذا ما عرف أيضا عن شعراء مدرسة الإحياء بعامّة.
9- الموسيقى
__________
(1) 133) ينظر كتاب أبو مسلم الرّواحي حسّان عمان ، ص : 132 ، 133 . (3/58)
صفحة 157
تمثّل الموسيقى عنصرا أساسا في العمليّة الإبداعيّة، لهذا عني الشّعراء بتوفيرها في قصائدهم ، سواء الخارجيّة منها أم الدّاخليّة : إيقاعا ووزنا وجرسا. فالموسيقى تسهم في طبع العمل الأدبي بالجماليّة والفنيّة، وتساعد على ترجمة الأفكار والمشاعر والكشف عن العواطف..." فالجرس اللّفظي الذي يمنحه الشّاعر لكلماته باختيار الألفاظ التي تنسجم فيها الحروف : مخارج وصفات، والإيقاع الذي يحدثه في عمله بواسطة المقاطع بتكرار كلمات خاصّة أو حروف معيّنة ذات مخارج متّحدة أو متقاربة أو متباعدة - حسب الحاجة إلى ذلك – أو ذات صفة جرسيّة واحدة، واختيار البحر المناسب للتّجربة الشّعوريّة من حيث القصر والطّول ، والتّوفيق في اختيار القافيّة والرّويّ المناسب ؛ بما ينسجم مع سياق العمل والأبيات، والرّبط بين بدايات الكلام وخواتمه، مع ملاءمة كلّ ذلك للموضوع والحالة النّفسيّة... يجعل الكلمة بحقّ صوت النّفس الصّادق التي تحتاج إلى شكل ينسجم معها ، يمنحها القوّة والصّدق الفنّي والسّيلان والجريان في نفس المتلقّي والقارئ. وبذلك يعدّه نفسيّا لولوج عالم القصيدة..."(1) من هنا كانت الموسيقى أساسية في العمل الشّعري؛ بقصد نقل التّجربة الشّعوريّة والتّأثير على المتلقّي واستمالته وإقناعه بما يريد الشّاعر قوله أو البوح به.
__________
(1) 135) الدكنور محمد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث ( 1925 – 1976م ) ، ج2 ، ط1، المطبعة العربيّة، غرداية ( الجزائر ) ، ص : 343 . (3/59)
صفحة 158
هذه الخصائص التي تتميّز بها موسيقى الشّعر نجدها متوفّرة في شعر أني مسلم بكثافة وبوعي كامل، وبشكل فنّي جيّد في أغلب ما نظمه شعرا. فهو يهتمّ بالموسيقى أداة فعّالة اهتماما كبيرا. عني بالجرس اللّفظي والإيقاع والوزن. هو كما يقول محمد بن ناصر المحروقي : " وقد جرى أبو مسلم في موسيقاه الشّعريّة على سنن المرحلة الزّمنيّة التي عاشها، والمواكبة للبعث الشّعري في العالم العربي، من هنا يبرز اهتمامه بالعروض الخليلي وعدم مجاوزته..."(1)
حاول الباحث أن يقدّم إحصاء عن البحور التي استعملها الشّاعر في شعره، وقد خرج ببعض النّتائج، منها أنّ الشّاعر التزم بالعروض الخليلي التزاما كاملا، ثمّ قال : " نظر أبو مسلم البهلاني في ديوان الشّعر العربي، فانطبع على خاطره تكرار بعض بحور معيّنة كالطّويل والبسيط والكامل، وارتسمت في مخيّلته أوزانها، وصارت قريبة التّناول منه كلّما أراد النّظم عن تجربة ما ."(2)
مهما يكن التّعليق على هذا الحكم أو على طريقة الاستنتاج وطريقة إجراء عمليّة الاستقرار أو الإحصاء فإنّ نتّفق أنّ الشّاعر التزم بالعروض الخليلي التزاما كاملا، وهو ما عرف عمّن يتّصل إليه بسبب من شعراء مدرسة الإحياء.
المتصفّح لديوان أبي مسلم لا تخطئ عينه ملاحظة سير الشّاعر على طريقة القدامى في توفير الموسيقى لشعره والتزام سننهم في وسائل هذه الموسيقى، وهو النّهج نفسه الذي سار فيه أو عليه شعراء مدرسة الإحياء.
اهتمّ الشّاعر بالتّصريع، وهو التّشاكل بين الحرفين الأخيرين في شطري البيت الأوّل من القصيدة. والتّشاكل أيضا في نسبة الإيقاع إلى الوزن. فمعظم قصائده يتوفّر على ذلك، فلا حاجة إلى الإتيان بأمثلة لهذه الظّاهرة.
__________
(1) 136) الشّعر العماني الحديث أبو مسلم البهلاني رائدا، ص : 223 .
(2) 137) م . س ، ص : 225 . (3/60)
صفحة 159
وممّا يحدث إيقاعا خاصّا في الأبيات، ويوجد موسيقى داخليّة في القصيدة ظاهرة التّرصيع أو التّقسيم ، وهو " إحداث نوع من النّغم الموسيقى، ناتج عن تقسيم شطري البيت الشّعري إلى وحدات متساوية، ويسمّيه القدامى ( التّرصيع ) وهو يقابل السّجع في العبارات النّثريّة." (1) أي إنّ الشّاعر يعمد إلى تقسيم البيت إلى مقاطع متساوية في الوزن ، متّحدة في الحرف الأخير في كلّ مقطع؛ مماّ ينتج عنه إيقاع خاصّ ونغم متّحد ، يحدث انسجاما في الأصوات، وهو ما يعين الشّاعر على أداء ما يريد الإدلاء به.
الأمثلة على ذلك في شعر أبي مسلم كثيرة، نذكر منها هذه اانّماذج :
للّه ما جمعوا للّه ما تركوا للّه إن قربوا للّه إن بانوا (2)
صعب شكائمهم سحب مكارمهم إن حاربوا صعبوا أو أكرموا هانوا (3)
شمّ إذا حزموا ، نار إذا عزموا شهب إذا رجموا ، للفضل هتّان (4)
الشّاعر يلجأ إلى إحداث ألوان من الإيقاع بالتّفنّن في طرق التّرصيع؛ محاولا توفير الموسيقى الدّاخليّة بتكرير صيغ معيّنة وتراكيب عينها، وغير ذلك ممّا يساعد على إيجاد تكافؤ وتوازن وتوازٍ بين الجمل والتّراكيب المكوّنة للأبيات، كما هو في اللّوحة الآتيّة التي رثي بها الشّيخ نور الدّين السّالمي :
أسرعت في الأغواث والأقطاب والأعلام والأبدال والأخيار
مهلا فما ألفيت ثمّ بقيّة نزح القطين وجفّ روض الدّار
أفقدتني شهب الفضائل كلّهم ويلاه من شهبي ومن أقماري
ويلاه أين سماؤها ونجومها وشموسها، ذهبوا كأمس الجاري
أنضاهم التّسبيح والتّرتيل والتّهجيد بين جوانح الأسحار
خبت إذا جنّ الظّلام رايتهم طاروا إلى الملكوت بالأسرار
غرّ إذا سجد الظّلام على الفضا سجدوا على الثّفنات كالأحجار (5)
__________
(1) 138) م . س ، ص : 232 ، 233 .
(2) 139) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي) ، ص : 303 .
(3) 140) م . س ، ص : 311 .
(4) 141) م . س ، ص : 309 .
(5) 142) م . س ، ص : 400 ، 401 . (3/61)
صفحة 160
يعلّق الدَكتور أحمد درويش على هذه اللّوحة قائلا : " والأبيات كما هو واضح مليئة بألوان التّرصيع في بناء الصّيغة أو التّركيب. فالأغواث والأقطاب والأعلام والأبدال ينتمون إلى صيغة واحدة، يحدث تواليها أثرا عميقا على النّفس. وكذلك النّجوم والشّموس ، والتّسبيح والترتيل والتّهجّد . وأحيانا يأتي التّوازي والتّرصيع بين تركيين متواليين، كما هو الشّأن في البيتين الأخيرين، حيث يتشابه النّسق التّركيبي، من خبر محذوف المبتدأ وأداة الشّرط تأتي عقب الخبر، ويتلوها فعل الشّرط في الشّطر الأوّل، ثمّ يتّصدّر جواب الشّرط الشّطر الثّاني، فيتوحّد النّسقان التّركيبيان في البيتين معا، ممّا يعطي البناء الدّاخلي قوّة ومتانة وإحكاما .(1)
من ألوان الموسيقى التي كان يحدثها الشّاعر في شعره اللّون الذي ينتج من تكرير حروف بعينها، وقد يعمد فيها الشّاعر إلى الزّخرفة اللّفظيّة ، فيتولّد منها إيقاع خاصّ. كقوله :
صيد صناديد أقيال عباهلة أسد كواسر في الهيجاء حردان(2)
لقد تكرّر حرف الدّال في البيت السّابق خمس مرّات، وحرف الصّاد مرّتين، وحرف السّين مرّتين، وحرف اللاّم مرّتين وكلّ من الحروف الثّلاثة المذكورة كرّر في كلمتين متجاورتين. يدلّ هذا على قصد الشّاعر إلى إيجاد موسيقى داخليّة في البيت، تساعده على أداء المعنى المقصود.
وقال : مجرّس مضرّس ممارس بمترس الخطب إذا الخطب شجا(3)
كلّ من الباء والسّين والميم تكرّرت أربع مرّات, زيادة على أنّ الكلمات التي بدئت بالميم واشتملت على هذه الحروف جاءت على وزن واحد هو( متفعلن ). إنّ ذلك يدلّ على عمد الشّاعر إلى إيجاد هذا الإيقاع الرّتيب المتكرّر.
كما برزت ظاهرة تكرار الحروف وتكرير المقاطع المتساوية والمتوازية في طولها والنّبرات في البيت الآتي بشكل واعٍ :
__________
(1) 143) نطوّر الأدب في عمان , ص : 194 .
(2) 144) ديوان أبي مسلم ( الحارثي ) ، ص : 310 .
(3) 145) م . س ، ص : 344 . (3/62)
صفحة 161
إلى متى نهطع في طاعنهم ونتّقي وليتها تجدي التّقى
إلى متى نهرع في أذنابهم لا ملتجى لا منتهى لا منتحى(1)
اشتمل البيتان على مجموعة من الظّواهر طبعتاهما بالجماليّة والفنيّة:
1 – تكرار الحروف التي ولّدت الموسيقى. حرف التّاء تكرّر عشر مرّات. الألف المقصورة تكرّرت ستّ مرّات. حرف الهاء تكرّر خمس مرّات.حرف العين تكرّر ثلاث مرّات.
2 – تكرير كلمات بعينها ( إلى، متى، في، لا.)
3 – تكرير مقطع ( إلى متى )
4 – تكرير مقاطع بوزن واحد ، انتهت بحرف واحد، تكوّن كلّ مقطع من سبعة حروف لا يختلف الواحد عن الآخر سوى في حرف واحد. ممّا أضفى عليها صفة التّرصيع: ( لا ملتجى لا منتهى لا منتحى ) والوزن هو ( مستفعلن ) وهو إحدى تفعيلات بحر الرّجز : بحر القصيدة.
5 – اشتمل كلّ بيت على كلمة تتكوّن من الكلمات نفسها، والحركات ذاتها، والتّرتيب عينه، والتّشكيل نفسه، التي يتكوّن منها كلّ لفظ من اللّفظين ما عدا حرف واحد ( نهطع، نهرع )، وهذا يدخل ضمن الجناس النّاقص.
6 – هاتان الكلمتان ( نهطع ونهرع ) ترتدّ بالمتلقّي إلى القرآن الكريم، وتربطانه بالمضمون الذي وردتا فيه، والدّلالة التي تدلاّن عليه، وتمنحانه فرصة معرفة ما يجيش داخل نفس الشّاعر، وذلك بواسطة التّصوير الإيحائي.
__________
(1) 146) م . س ، ص : 345 . (3/63)
صفحة 162
كلّ هذه الظّواهر ولّدها الجانب الموسيقي الذي عمد إليه الشّاعر بفطريّة، من دون تكلّف، وانسيابيّة لا تعرف الحدود. وهو ما وصف الشّاعر أبا مسلم بالمبدع. " فالإبداع في الشّعر والتّأثير في الغير – باستغلال عنصر الموسيقى – يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن فطرة وسجيّة؛ وذلك حين يكون الصّدق الفنّي متوفّرا، والاستعداد للنّظم موجودا، والمعاناة الانفعال النّفسيين عاليين."(1)
ينظر مثلا الأبيات الآتية ويلاحظ ما فيها من تكرير الحروف والمقاطع والكلمات وإحداث التّوازن بين المقاطع عن طريق التّرصيع ؛ وقد حرص الشّاعر على إيجاد الموسيقى الدّاخليّة فيها، ويتأمّل أثرها الإيجابي أو السّلبي في العمليّة الشّعريّة :
هم وسعوا الكون حلوما وهدى وصائلا ونائلا ومجتدى
هم أمجدوا وأنجدوا وأوجدوا وأفقدوا وطوّلوا الباع الوزى
هم جرّدوا وشرّدوا وطرّدوا وأوعدوا وأوردوا بحر الجدى (2)
والنموذج الآتي حرص الشّاعر فيه أن يوجد الموسيقى بواسطة تكرير صيغة واحدة، هي وزن " مفعل "، من دون أن يظهر فيه التكلّف، وهو ينزع هذا المنزع "نشدانا لأهداف فنيّة دقيقة في بناء قصيدته." (3) :
أنشدها من مسجد فمعهد فمنهج فمجمع فمنتدى
فلم أجد منشودتي في موضع ثمّ حدست أنّها رهن الثّرى (4)
يميل الشّاعر أحيانا إلى توليد المعاني واشتقاقها من كلمات تأتي متجاورة في السّياق،أو متساوقة في إبراز المعنى. كقوله وهو ينعى على النّاس خمولهم وخمودهم وتقاعسهم عن القيام بالواجب نحو الوطن والأمّة والكرامة... :
__________
(1) 147) أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث ، ج2 ، ص : 344 . تنظر لوحة أخرى فيها هذه المواصفات التي ذكرناها للأبيات السّابقة ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ص : 342 .
(2) 148) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 348 .
(3) 149) تطوّر الأدب في عمان ، ص : 193 .
(4) 150) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 350 . (3/64)
صفحة 163
بئس السّيوف إذا حلّت عواتقكم وما بها لعتيق المجد أحزان (1)
قابل الشّاعر هنا بين العواتق التي تحمل السّيوف ، وتبقيها معطّلة عن العمل، فلا توظّفها في أماكنها، ولا تستعملها في أغراضها الحقيقيّة. وبين عتيق المجد الذي يذكّر هذه العواتق بما كان لهذه السّيوف من صولات وجولات ومبادرات. فَـ (العواتق ) التي عبّرت عن التّقاعس استدعت أو ولّدت ( عتيق ) التي تدعو إلى النّهوض والتّجرّك ؛ بدليل قول الشّاعر بعد هذا البيت :
لا تحجبوها إناثا في مغامدها فإنّ تلك اليمانيّات ذكران( (2)
قد يزري التّوليد المتكلّف بالعمليّة الشّعريّة؛ وذلك حين يكون هدف الشّاعر الاستجابة لنزعته في التّلاعب بالألفاظ وتكرير الأصوات لغرض موسيقي محض، فلا تكون للجانب المعنوي والدّلالي أيّة قيمة، كما نقرأ في المثال الآتي، الذي برز فيه التّكلّف جليّا :
ضنيت ضنى لمّا ضريت بحبّهم وضنّوا بوصل واقتتلت بعضّة
طبيبي ومطلوبي وطبّي وطيبتي ومعتمدي في الأمر ساكن طيبة (3)
10- القافية المتأثّرة بالفاصلة القرآنيّة
تمثّل القافية جزءا مهمّا متمّما للإبداع، فهي ترتبط بالمضمون الذي يكون في البيت، إلى جانب ما تبعثه من جوّ موسيقي مطرب؛ ناتج عن الإيقاع المنتظم الرّتيب الذي يتكرّر في فترات زمنيّة متناسبة. كذلك " فالفاصلة القرآنيّة حين ترد تأتي لتنشر جوّا من الموسيقى، محمّل بالمعنى الذي يكمّل مضمون الآية التي ختمت بها، وتبقى جزءا أصيلا فيها، وإن كانت عنصرا متميّزان يلحظه المتأمّل في الآية." (4)
__________
(1) 151) م ، س ، ص : 307 .
(2) 152) م ، ن .
(3) 153) م . س ، ص : 287 .
(4) 154) أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص : 348 . (3/65)
صفحة 164
شعر أبي مسلم لم يخلُ من هذا الجانب. فعلى القافيّة المنتهية بحرف الدّال المسبوقة بحرفَي المدّ الياء والواو كتب الشّاعر يرثي الحاج مجمد طفيش. وقد بدا في القصيدة متأثّرا أو مستوحيا الفاصلة القرآنيّة التي انتهت بها بعض آبات سورة " ق ".
إنّ هذه السّورة تناولت موضوعات تنذر النّاس بيوم المصير، بما في ذلك الموت والحساب والثّواب، وأشارت إلى أهوال يوم القيامة، وذكّرت بنعم الله على عباده، وسجّلت عقوق النّاس لربّهم؛ رغم تفضّله عليهم بنعم كثيرة... وبذلك حقّ وعيد الله على النّاس ، إلى غير ذلك من الموضوعات التي تتّصل بوصف حياة النّاس في الدّنيا، وعلاقتهم بالمنعم عليهم ، وعدم تصديقهم بما ينتظرهم بعد موتهم.
إنّ الشّاعر لم يبعد عن هذا الجوّ وهو يرثي عالما كبيرا وعاملا عظيما في الحقل الإسلامي والمجال الدّيني، وميدان النّصح والإرشاد والتّوجيه وتصحيح العقيدة وتقويم الانحراف...
لقد كانت وفاة المرثيّ فرصة لتنبيه النّاس إلى عدم الاهتمام بحطام الدّنيا وزخرف الحياة على حساب الآخر، وما يتّصل بهذه الأفكار والمعاني بصلة. وقد وردت في القصيدة كلمات لها علاقة بالسّياق الذي جاءت في سورة " ق " : ( وعيد، شهيد، عتيد، مزيد، حديد، شديد، جديد، حصيد، بعيد، تحيد، محيد...) بل إنّ الشّاعر اقتبس عبارات كاملة من السّورة، مثال ذلك ما جاء في البيت الآتي :
أليس لأنّ الحشر والنّشر آزف ولم يبق إلاّ سائق و شهيد (1)
قال تعالى : { وجاءت كلّ نفس معها سائق وشهيد } (2) بل إنّ البيت يتنفّس كلّه في جوّ القرآن. فبالإضافة إلى العبارة السّابقة هناك كلمات ( الحشر ،النّشر، آزف) كلّ واحدة منها ترتدّ بنا إلى آية قرآنيّة أو أكثر .
يقول الشّاعر أيضا :
وما هو إلاّ سكرة الموت بغتة وذلك أمر كنت منه تحيد (3)
__________
(1) 155) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 397 .
(2) 156) سورة ق ، الآية : 21 .
(3) 157) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 397 . (3/66)
صفحة 165
قال تعالى : { وجاءت سكرة الموت بالحقّ ذلك ما كنت منه تحيد } (1) لا يخفى الاستيحاء الكامل للآية المذكورة : معنى وألفاظا.
قال الشّاعر : أما في صروف الحادثات مواقف لفكر لملقي السّمع وهو شهيد (2)
قال تعالى : { إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد } (3)
وعلى الفاصلة التي تنتهي براء ساكنة كتب الشّاعر قصيدة استوحى فيها سورة القمر التي تناولت موضوعات تتعلّق بيوم القيامة وأهواله، وما يتّصل به من حساب وعقاب. كما ذكرت ما لحق الأمم الغابرة المتجبّرة الطّاغية من محق وتدمير وإهلاك...
قال الشّاعر وهو يتغزّل :
ساحر الطّرف سقيم جفنه قمريّ الوجه ليليّ الشّعر
ناحل الخصر ثقيل ردفه مائس القدّ ردينيّ الخطر
ناقر عنّي وقلبي سكنه صفوة الودّ إذا قال غدر
هل يراعي ذمّة من ودّنا لا وهيهات الوفا ممّن غدر
طولَ ليلي وصلَه منتظرٌ ليلةٌ من وصله ألفُ شهر
يا غضيض الطّرف هب لي نظرة إنّ إعراضك أدهى وأمر
عجبا في خدّك النّار وفي مهجتي منها لهيب وشرر
فاتني بعض رشادي في الهوى إنّ عذّالي لقد قالوا كفر
صدقوا غاب رشادي في الهوى وعلاقات الهوى إحدى الكبر
وإذا ذكرته عهد الصّبا قال لي تلك ألاعيب الصّغر
وإذا استعطفه القلب على فعل عينيه تعاطى فعقر
يا إمام الحسن هل من منتظَر لم تزل عندي الإمام المنتظر
وإذا أشكو له قرح الهوى قال لي : " صلّ على خير البشر" (4)
__________
(1) 158) سورة ق ، الآية : 19 .
(2) 159) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي )ى، ص : 398 .
(3) 160) سورة ق ، الآية : 37 .
(4) 161) ديوان أييمسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 491 . (3/67)
صفحة 166
لقد وردت في هذه المقطوعة المتكوّنة من ثلاثة عشر بيتا كلمات وعبارات مقتبسة ومستوحاة من سورة القمر ( أدهى وأمر، تعاطى فعقر...) إلى جانب استلهام آيات قرآنيّة أخرى من سورتي المدّثّر والقدر، ممّا يؤكّد على قصد الشّاعر إلى المتح من القرآن الكريم.(1)
هذه الفاصلة القرآنيّة التي استلهمها الشّاعر، تتميّز بهذه الموسيقى العذبة السّلسة والقويّة المنبعثة المتولّدة من الرّويّ ( الرّاء ) "المجهورة والمتوسّطة بين الشّدّة والرّخاوة, والمقرونة بذلاقة تجعل الصّوت خفيفا والمجاورة للسّكون الذي يجعل الحركة سريعة، فتجتمع في هذا الإيقاع الجميل الشّدّة... والرّخاوة التي تساعد على إرسال الصّوت..."(2) وبذلك يتناسب هذا الرّويّ مع غرض الغزل، الذي يطلب لغة رقيقة.
من جهة أخرى يبدو أنّ الشّاعر قصد إلى هذه الفاصلة قصدا . ربّما لتذكّره بما قد ينسى أو يغفل عن مغبّة الاسترسال والاستجابة لهوى النّفس، ولتمنعه من الوقوع فيما يشقيه؛ بسبب التّغزّل والتّشبيب. إذ أنّ هذا لا يليق بشخصيته المؤمنة الورعة الوقورة, ولا ينسجم مع ما عرف عته من تبتّل وزهد ومحاسبة نفسه في تصرّفاتها. فهو يستجيب لدافع نفسه في التّغزّل؛ بصفته شاعرا له أحاسيس ومشاعر وعواطفن لابدّ أن يفصح عنها، في الوقت نفسه لا يريد أن يستجيب لها من دون ضابط ورادع .
إنّ هذه الفاصلة تربطه بالمعاني التي وردت في لآيات التي ارتبطت بها، وهي التّذكير بالآخرة وما يتّصل بها؛ بدليل قوله في هذه المقطوعة :
فاتني بعض رشادي في الهوى إنّ عذّالي لقد قالوا كفر
صدقوا غاب رشادي في الهوى وعلاقات الهوى إحدى الكبر
وإذا أشكو له قرح الهوى … قال لي : " صلّ على خير البشر
__________
(1) 162) استلهام الشّاعر القرآن الكريم، في معجمه الشّعري وصوره ورموزه كان مكثّفا، لم تتعرّض له في البحث خوف الإطالة، وقد
اكتفينا هنا بالإشارة إليها.
(2) 163) أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، ص : 365 ، 366 . (3/68)
صفحة 167
فتكريره لفظة الهوى أربع مرّات في مقام النّعي واللّوم يدلّ على عدم رضاه على سلوكه هذا ،فكانت هذه القافيّة المستلهمة من الفاصلة القرآنيّة المذكورة، ملهمة له كي يعبّر عن المعنى الذي أشرنا إليه، وهو محاولة ردع نفسه عن الاسترسال في هذا المسار.
للشّاعر أيضا قصيدة غزليّة أخرى تتكوّن من تسعة أبيات، استلهم فيها سورة المزّمّل. نذكر منها هذه الأبيات :
ما الهوى في السّواد إلاّ جنون والهوى في البياض أقوم قيلا
ليس من ضلّ بالنّهار كمن ضلّ بليل ، فذاك أهدى سبيلا
من عذيري ممّا جنته العذارى أخذتني في الحبّ أخذا وبيلا (1)
11- الخاتمة
إنّ أبا مسلم شاعر لم يخرج عن دائرة الخطاب الدّيني في كلّ ما كتب. كانت له رسالة واحدة أو قضيّة واحدة هي النّهوض بالأمّة الإسلاميّة: دينيا واجتماعيّا وثقافيّا، ومعالجة أسباب التّخلّف فيها ودواعي الذّلّ والمهانة والخذلان في سلوكها وحياتها. وهو شاعر لم يخرج أيضا في أسلوب كتابته عن خطّ مدرسة الإحياء: لغة وتصويرا وصياغة، إلاّ ما انفرد به من ملامح، كانت نتيجة خصائص تميّزت به شخصيته التي كانت تصدر عن الدّين، وترتبط بالمبادئ الصّلبة الثّابتة. من هنا كان لا يصدر منه إلاّ خطاب دين، بينما غيره أو بعض من شعراء مدرسة الإحياء كان يخلط في نظمه بين الدّيني وغير الدّيني.
إنّ أبا مسلم شاعر ملتزم، بمعنى إنّه كان ملتصقا بالبيئة التي كان قد درج فيها، أو شدّته إليها أواصر القربى والانتماء وطبيعة المسير ووحدة المصير. فكانت لغته وصوره وأخيلته مستمدّة ومستوحاة من هذه البيئة.
__________
(1) 164) ديوان أبي مسلم ( نشر الحارثي ) ، ص : 493. (3/69)
صفحة 168
لغة الشّاعر قويّة جزلة، معبّرة أصدق تعبير عن شخصيّته : أفكارا ومشاعر, ومصوّرة أدقّ تصوير الموضوعات التي تناولها في شعره. من هنا كان معجمه الشّعري واضحا متميّزا متعدّدا، منه الفقهي والصّوفي والوطني والعقدي والحضاري...تجمعه وتحوطه وتنتظمه الصّبغة الدّينيّة، لذا فإننا نعدّ كثيرا من الكلمات التي استعملها في شعره مفاتيح لشخصيّته. فهي تستقي وتتغذّى من الثّقافة الإسلاميّة: قرآنا وحديثا وأدبا عربيّا أصيلا وأمثالا...
مجمل القول إنّ الشّاعر أبا مسلم رائد كبير من روّاد بعث الشّعر العربي في العصر الحديث. وهو أحد أقطاب مدرسة الإحياء. وهو على رأس من نهض بالشّعر العربي في عمان والخليج العربي؛ فقد تمكّن من الرقيّ بالقصيدة العربيّة مضمونا ولغة وتصويرا، وقد كان قدوة ومثلا ونموذجا لمن جاء بعده من الشّعراء العمانيّين بخاصّة.
نريد التّنبيه هنا إلى أمور في شعر أبي مسلم، قد تساعد على مزيد الكشف عن شخصيّته وطبيعة خطابه الدّيني :
1 – في قصيدة " الفتح والرّضوان " تتجلّى رسالة الشّاعر الحقيقيّة، الرّسالة التي يدفع إليها الإحساس الدّيني بضرورة العمل في سبيل الإصلاح والتّغيير والتّوجيه والنّهوض، فتكون مناسبة تسجيل حدث تنصيب الشّيخ سالم بن راشد إماما على عمان فرصة للتحدّث عن الأمجاد والمآثر والمكاسب والقيم ودعوة الجميع إلى العمل للتّمكين لدين الله في الأرض...
دراستها بعمق وتأنّ وبخطّة محكمة هادفة تضيف جديدا إلى المتلقّي والنّاشئة، ما يفيدهم في طريقة العمل ومنهجيّة التحرّك، وتثير فيهم الشّعور بالمسؤوليّة والأمانة نحو بيئتهم ومجتمعهم ووطنهم وأمّتهم : دينيّا واجتماعيّا. (3/70)
صفحة 169
2 – تظهر في رائيّة الشّاعر في رثاء الشّيخ نور الدّين السّالمي سماتُ القصيدة الإحيائيّة بشكل بارز ولافت للنّظر: من التّكرار والخطابيّة والتّقريريّة والتّداخل وكثرة الموضوعات ... دراستها دراسة خاصّة أو مستقلّة يعين على إبراز شخصيّة الشّاعر. كذلك يمكن التّعامل مع قصيدته في رثاء الشّيخ سالم الرّيامي بالخطّة نفسها ، للوصول إلى الهدف ذاته.
3 – في المقصورة تتّضح الصّياغة القويّة وتبرز الأساليب القويمة في النّظم والتّصوير، وخصوصيّة المعجم الشّعري، وكثرة التّشبيهات والتّكرار والتّقريريّة.
4 - لماذا لم ينظم الشّاعر في الفخر كما فعل شعراء مدرسة الإحياء، مع تفاوت فيما بينهم ؟
5 – يمكن عقد مقارنات بين أبي مسلم وغيره من الشّعراء، لمزيد من الكشف والبيان عن أمور كثيرة في شعر الشّاعر . مثلا بين أبي مسلم وابن الرّومي في الحديث عن الدّهر.
بين رائيّة أبي مسلم قي رثاء الشّيخ السّالمي ورائية أبي الحسن التّهامي في رثاء ابنه. بين لاميّة أبي مسلم في رثاء الشّيخ السّالمي ولاميّة ابن الوردي في جانب الحكمة فيهما. بين نونيّة أبي مسلم ونونيّة أبي البقاء الرّندي ونونيّة أحمد شوقي وقصيدته كبار الحوادث في وادي النّيل وغير ذلك من المقارنات التي تكشف عن حقيقة شاعريّة أبي مسلم.
توصيات اللجنة
1-…يعد أبو مسلم البهلاني امتدادا لسلسلة طويلة من الشعراء العمانيين الذين لم ينقطع شعرهم عن التفاعل مع الإسلام عقيدة وخلقا وسلوكا ، ومع التفاعل مع حركة الحياة ووقائعها .
2-…يمثل أبو مسلم الرواحي البهلاني أحد رواد شعر الإحياء في العصر الحديث ، حيث جاء شعره قويا جزلا ملتزما بالتقاليد الشعرية العربية طرق أبواب الشعر المختلفة من دون أن ينفصل عن واقع أو يهمل قضايا ومشكلات عصره .
3-…حملت قصيدة المديح النبوي لدى أبي مسلم في ضيائها روح المؤمن الذي يظهر صدقه الإيماني في صلته الوثيقة بنبيه صلى الله عليه وسلم في قالب وروح لغة وفناً. (3/71)
صفحة 170
4-…يقارب شعر أبي مسلم الرواحي الإلهي والديني ثلثي شعره ، وبذلك يكون غير مسبوق سواء من حيث المنهج أو التوسع والتخصص .
5-…تميز شعر أبي مسلم الإلهي بالسهولة والطرواة والتدفق العاطفي جعل منه شعرا أقرب إلى الإنشاد ، كما أن في تكراره للمقاطع دليل على شدة التعلق بالله تعالى وفي إلحاح في الدعاء ليجاب سؤله من الله تعالى .
6-…جاء الشعر الإلهي عند أبي مسلم البهلاني مشبعا بالمعاني العقدية الإسلامية عموما و العقدية الاباضية خصوصا .
7-…حمل شعر أبي مسلم الإلهي روقا ستناهضة ، فلم يكن شعره من قبيل الترهبن والانزواء والتصوف السلبي ، بل كان مملؤا حساسا وجهادا واستنهاضا .
8-…عني شعر أبي مسلم الإلهي بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية ، ونسي الخلاف بين المسلمين ، وإلى رضى الصف المسلم واتحاد كلمته .
9-…لم يحض شعر أبي مسلم إلى الآن بالدراسة الوافية ، ولذلك جاءت توصيات من اساتذة جامعيين بطرح شعره للدراسات العليا وهو ما يؤكد عليه هداه الندوة .
10-…التناص القرآني جاء واضحا بارزا في شعر أبي مسلم ، سواء في اقتباسه لألفاظ القرآن الكريم أو في تأثره بالأسلوب البلاغي القرآني .
11-…أهتم أبو مسلم في شعره بشؤون الأمة الإسلامية فقد كان متابعا لأحوال الأمة داعيا إلى نهضتها وتحررها ، وقد كانت له قصائد ومراسلات مع المفكرين المسلمين من الهند شرقا وحتى المغرب مرورا بمصر .
12-…الخطاب الديني عند أبي مسلم لم يكن محصورا في شعره الإلهي ، بل شمل جميع أبواب الشعر التي طرقها ، حتى في ذكره للشراب ، استبدل الشاي بالخمر ، وجعل مدحه في مدح سلف الأمة كالنهي وانين ومدح الأئمة ، وجاء تشبيبه في مطلع القصيدة وصفا للديار والإطلال التي سكنها السلف والأخيار الماضون . (3/72)
صفحة 171
13-…جاءت لغة أبي مسلم الرواحي في شعره سهلة قريبة المأخذ رغم بلاغها وقوتها في أداء المعنى ، مما جعلها قريبة من المتلقي ، ولذلك سارت بشعره الركبان وعبر الزمان وتخطى حواجز المكان ، فأصبح على كل لسان .
14-…ما ورد في شعر المديح النبوي عند أبي مسلم من مصطلحات وألقاب ظاهرها المبالغة في حقه صلى الله عليه وسلم ينبغي أن نردها إلى سياقها العقدي والشرعي وإلى الأسلوب الشعري المعهود في هذا الجانب منذ حسان بن ثابت إلى هذا العصر مرورا بالبوصيري .
15-…تعطي هذه الندوة انظلاقة لشعر أبي مسلم البهلاني إلى العالم العربي من الإسلامي ، لما يحققه حضور لفيف من العلماء و المفكرين من خارج السلطنة ، وهذا أمر إيجابي . نأمل تكراره وذلك بعقد ندوات متواصلة لعلماء ومفكري السلطنة .
16-…تمتلك القصيدة عند أبي مسلم نفسا شعريا قويا من أولها إلى آخرها دون أن تبرد العاطفة الشعرية فيها .
17-…ينطلق أبو الرواحي في استخدام المصطلحات والألفاظ الصوفية منطلقا متأثرا بالمدرسة الإباضية ، ويبين في أشعاره الاحتراز من حملها على غير المنطلق الفكري الإباضي . (3/73)