صفحة 1
الكتاب: الزكاة وأثرها في تربية النفس لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) { بسم الله الرحمن الرحيم }
محاضرة / سماحة الشيخ العلامة : أحمد بن حمد الخليلي - حفظه - المفتي العام للسلطنة
* تحت عنوان ... الزكاة وأثرها في تربية النفس وإصلاح الفرد والمجتمع
______________________________
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
... .. الحمد لله رب العالمين ، نحمده سبحانه حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده . لاحد لغايته ، ولا أمد لنهايته ، يفوق حمد الحامدين ويربو على شكر الشاكرين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ه - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين . (1/1)
صفحة 2
أما بعد ... فقد كان الدرس الماضي والذي قبله يدوران حول الركن الثاني من أركان الإسلام وأثره في إنعاش هذه النفوس وإشعال عدَوة الفطرة فيها حتى تبصر طريق هذه الحياة السليم ليكون هذا الإسلام كما فرض الله سبحانه وتعالى عليه قائماً بحق الله سبحانه وتعالى الذي استخلفه الله سبحانه وتعالى ومكن له فيها وسخر له جميع ما فيها وجميع ما في الكون . وهذه الدروس متسلسلة لتبين لنا جميعاً أن الإسلام وحده هو الذي يحل مشكلة الإنسان في هذا العصر وفي غير هذا العصر ، وأن هذا الإنسان التائه والحيران في هذا العصر الذي يقطعه به السبل وانطمست أمامه الصور ، ليس ملجأه إلا إلى الإسلام ، فأما أن يركب إلى هواة ويميل إلى ما الفته نفسه من الشر والضلال ، فيسير سيراً حثيثا إلى هلاكه ودماره وإما ان يلجأ إلى الإسلام دين الله تبارك وتعالى ليكون له منقذاً من الهلكة وليكون له دليلاً ذليلاً إلى طريق السلامة ليصل إلى الغاية التي يطمح إليها من الاستمرار و الطمأنينة في حياته هذه ، ومن السعادة والفوز في الدار الآخرة ، ودرسنا في هذه الليلة المباركة إنما هو في الركن الثالث من أركان الإسلام ، ومن خلال حديثنا عن هذه الركن الثالث وهو الزكاة ، نخلص إنشاء الله تعالى في الحديث عن النظام المالي في الإسلام ، وإنما الزكاة التي فرضها الله إنما هي ركن من هذا النظام المالي ، وهي تدل على أن هذا الدين دين الفطرة لأن الله سبحانه وتعالى انزل ما أنزل من الأحكام من أجل إيقاظ روح الفطرة في هذا الإنسان ومن أجل تلبية مطالبه ليكون مستقراً وآمناً في حياته وليكون بالتالي سعيداً آمناً في عقباه ، وقبل الحديث في موضوع الزكاة . نلم إلمامة قصيرة بما جعل الله سبحانه وتعالى الإنسان وبين المال من علاقة لنستفيد بذلك كيف جعل الله سبحانه وتعالى هذه الزكاة علاجاً للفرد وعلاجاً للمجتمع . (1/2)
صفحة 3
حلاً لمشكلة الإنسان النفسية ومشكلته المالية ، سواء اعتبرنا هذا الإنسان فرداً أو كان مجتمعاً مترابط أفراده ، فمما يدركه كل إنسان أن الله سبحانه وتعالى حيز الوجود الإنساني على وجود غيره في هذا الأرض ، ويتضح ذلك من خلال إنتفاع الإنسان بالمنافع الجمة التي أويتها دون غيره ، فإنتفاع غير الإنسان بما خلق الله تبارك وتعالى في هذه الأرض إنما هو إنتفاع نسبي محدود جداً ولكن إنتفاع الإنسان جعله الله سبحانه وتعالى لا يعلم حدوده إلا هو عز وجل وغير الإنسان وإن شارك الإنسان في الإنتفاع بهذه المنافع إلا أن هذا الإنتفاع ليس هو إنتفاع يحتاج إلى نظام كما في الإنسان حيث يكون إنتفاع هذه الحيوانات في الأرض بسبب ما يكون من حاجتها . (1/3)
صفحة 4
وكل واحد منها عندما يقضي حاجته منها يمسك ، فليس من شأن الحيوانات أن تدخر كما هو شأن الإنسان ، بينما هذا الإنسان وضعه يختلف عن ذلك إختلافاً تاماً ، فهو بما طبعه الله تبارك وتعالى عليه من شعور بالحاجة إلى ضمان المستقبل يسمى للإدخار ، ثم إن الحيوان يكتفي بأن ينتفع بما تمت تعايه له من هذه المنافع ، ولكن الإنسان بخلاف ذلك فهو يسعى دائماً إلى إستحصال المنافع بوسيلة أو بأخرى من الوسائل التي هيأها الله تبارك وتعالى له ولذلك نجد أن الإنسان يغرس ويسعى إلى إستصلاح ما غرس ، لن هذا الإنسان ينظر إلى مستقبله ، وقد جعل الله تبارك وتعالى خلق الإنسان يمر بأطوار فهو ينتقل من ضعف إلى قوة ثم من قوة إلى ضعف ، وعندما يكون ضعيفاً لا يقوى على ما يقوى عليه عندما يكون قوياً ، وعندما يكون في مرحلة الشيخوخة لا يقوى على ما يقوى عليه عندما يكون في مرحلة الشباب ، ومن ناحية أخرى فإن الإنسان وإن كان يشعر بأنه سيدع هذه الحياه وينتقل إلى غيرها إلا أنه يشعر أن ذريته التي تبقى من بعده إنما هي إمتداد له فلذلك يسعى إلى اكتناز الرصيد لذريته التي تبقى من بعده فمن أجل ذلك كان سعي هذا الإنسان إلى استحصال المال كان سعياً حثيتاً وكان يبذل فيه قصارى جهده ومنتهى طاقته ، وقد جعل الله تبارك وتعالى عمارة هذه الأرض المكتسبة دون غيره من هذه الكائنات الأخرى التي تشاهدها وإن كانت تنعم بالحياة . (1/4)
صفحة 5
إلا أن وضعها كما قلنا ، يختلف عن وضع الإنسان ومن أجل ذلك كان الإنسان يسعى إليه من سداد حاجته من الرزق إلى أن يعيش في بزغ ونعيم ، فلذلك نجد الناس يسعون إلى أن تكون لهم مساكن فاخرة وأثاث فاخر ، إلى غير ذلك مما هو جبلة الإنسان ولأجل هذا كانت رغبة كانت رغبة النفس الإنسانية في المال رغبة متمكنة ورغبة ملحة فيجد الداعي الحثيث من نفسه إلى الاستزادة من هذا المال ، والناس كما قلنا أكثر من مرة جعلهم الله تعالى متفاوتين في جميع المواهب سواء كانت هذه المواهب ذاتية أم خارجية وسواء كانت مادية أم معنوية . تفاوت الناس في الأرزاق ، فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الأرزاق تختلف بين إنسان وأخر ، فمن الناس من بسط له في رزقه ، وأوثي حظاً وافراً من المال ، ومنهم من فتدر عليه رزقه . فلذلك إنقسم الناس إلى موسر ومعسر ، والطبقة الموسرة أيضاً هي المتفاوتة ، فمنهم من يكون يسره محدوداً بقدر ما يفي بحاجاته ، ومنهم من يكون يسره يسر لا يقف عند حد حسب مقاييس البشر ، وكذلك المعسرون هم منهم المعسر الذي يسعى إلى تحصيل الرزق أو بأخرى ، ومنهم من لا يقدر على تحصيل الرزق . (1/5)
صفحة 6
فكان التفاوت بين الناس في الأرزاق كتفاوتهم في سائر المواهب تفاوتاً لا نعرف له حدود حسب مقاييس البشر ، وهذا التفاوت كما قلنا أكثر من مرة إنما هو لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى لأن هذا الجنس البشري أراده الله ليكون جنساً إجتماعياً ، فعندما يشعر الإنسان بحاجة إلى غيره يكون إرتباطه بذلك الغير بخلاف ما لو كان يشعر أنه مستغني عنه ، وبما أن الناس عندما يأتون حظوظاً يتفاوتون فيها في هذه المواهب الحسية والمعنوية يكون ترابطهم أكثر ، نظراً إلى ان أحد ما يكون حظه أوفر في موهبة من المواهب ، وبما أن الله جعل هذا المال وسيلة لقضاء الحاجات ، وجعل يسر هذه قضاء هذه الحاجات فيما بين الناس يتوقف على هذا المال بخلاف الكائنات الحية الأخرى ، فإنها جعلها الله تبارك وتعالى تسخر لها منافع الأشياء بقدر حاجتها من غير أن تمتلك رقابها ولكن هيأ للإنسان أن يملك رقبة مصدر تلك المنفعة ، فعندما تكون منفعة الإنسان من آلة يكتسبه بها جعل الله له سبيلاً إلى أن يملك رقبة تلك الآلة ، فصاحب السيجارة إنما يملك رقبة تلك السيجارة ، وصاحب البيت الذي يؤجره وينتفع بإيجاره يملك رقبة ذلك البيت وصاحب كل شئ مما يعود على بالمنفعة على الإنسان جعل الله تعالى وسيلة إلى أن يملك رقبته ، وبما أن هذا المال لم يشأ الله تبارك وتعالى أن يوزع بين الناس بحكم قدري منه عز وجل على السواء بل جعلهم متفاوتين فيه وجعل لهم وسائل إلى كسبه بحيث لا يعطي الإنسان المال كما يعطي القوة في بدنه ، من غير أن يسعى إلى كسبه جعل الله تبارك وتعالى النفوس سميحة على المال وتسعى دائماً إلى كسب ذلك المال بكل وسيلة تمكنها ، وهذا يؤدي بالناس بطبيعة الحال إلى ان يتزاحموا لإكتساب المال وعندما يكون هنالك تراحم لابد من أن ينشأ عن ذلك تنافر وتحاسد . (1/6)
صفحة 7
ولكن الله تبارك وتعالى فيما أنزل على رسله من أحكام نظمت حكم ربانية عالية علاجاً لهذه المشكلة ولغيرها من المشكلات الإنسانية ، وقد جاء الإسلام بما يلبي داعي الفطرة ، جاء بالمنهج العدل والنظام الدقيق الذي يضع كل شئ موضعه ويؤتي كل ذي حق حقه فقبل كل شئ جعل الإسلام هذا المال ملكاً لله تعالى وليس ملكاً للبشر يتصرفون فيه كما يملي عليهم هواهم وإنما هم مستخلفون فيه من قبل الله ، حتى لا تدعو إنسان نفسه إلى أن يتصرف في المال كما يملي هواه ويرى أن ما بيده من مال هو أحق به وليس لغيره فيه حق فالله تعالى يقول " وأتوهم من مال الله الذي آتاكم " ويقول عز وجل : (1/7)
صفحة 8
" وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه " فالمال إذاً مال الله ، والإنسان امين عليه لأنه استخلف فيه من قبل مالكه وهو الله سبحانه وتعالى وهذا الإنسان وإن كان يملك رقبة المال إلا أن هذا الملك إنما هو ملكاً مفيد وليس ملكاً مطلقاً ، والإنسان منّ الله عليه بهذا المال وجعل ملكيته مفيدة محدودة ، وهو وإن يسر له سبحانه وتعالىالسبل إلى إكتساب المال ، فقد يأتيه المال بطرق الكسب ، وإذا الطرق إنما هي بفضل الله عز وجل ، لذا فعليه أن ينظر إلى مسبب الأسباب وإلا يقف مع حدود الأسباب ، وقد ذكر الله تعالى عباده بذلك عندما قال " أفرأيتم ما تحرنون ، أفأنتم ترعونه أم نحن الزارعون " هذا ونجد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدلنا على أن المال يسأل عنه العبد يوم القيامة سؤالين . سؤالاً يتعلق بكسبه وفيما أنفقه ، لأن المال كما قلنا مال الله تعالى ولذلك الله عز وجل وضع ضوابط في كسب هذا المال ووضع أيضاً ضوابط في إنفاق هذا المال ، ونجد في القرآن الكريم وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من الوعيد الذي يتعلق بالناحية المالية ، ومن ذلك ما سمعناه قبل قليل من تلاوة شيخنا الإمام في الصلاة عندما قرأ سورة الهمزة " ويل لكل همزة لمزة ، الذي جمع مالاً وعدده ، يحسب أن ماله أخلده ، كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة ، نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، إنها عليهم مؤصدة ، في عمدِِ حمده " . (1/8)
صفحة 9
وجاء في كتاب الله تعالى التحذير من الركون إلى المال كما أخبر سبحانه وتعالى أن المال والأولاد فتنة ، والفتنة ، والفتنة معناها الإختبار فالله سبحانه وتعالى بقوله ويختبر من يختبر من عباده بما يؤتيه من المال " إنما أولادكم وأموالكم فتنة " ولتنه كان المال يؤدي بالإنسان بسبب شعوره بحاجته إليه ، كانت هذه النفس البشرية شحيحة بهذا المال والله سبحانه يخبر عن طبع عباده وهو العليم بكل شئ ، إذ يقول عن الإنسان " وإنه لحب النحير لشديد " ويقول عز من قائل " وتحبون المال حباً جماً " وهذا الحب إن يتمكن من النفس البشرية ويأخذ بجوانبها يصبح علة فاتكة تقضي على الأخلاق ويقضي على القيم والمثل ويقضي على علاقات الإنسان ، فيكون هذا المال سبباً من أسباب التقاطع والفتنة ... وإشعال الحروب بين الناس ولا أدل على ذلك مما يحدث بين الناس بسبب الشح ، يؤدي بهم الحال إلى ان يكونوا من أنفسهم عصابات تسطو على الناس لأجل الإستثار بما عندهم من المال ، ولا يقف ذلك في حدود الأبعدين بل يكون ذلك بين الأقربين ، فقد يقضي الأمر إلى أن تكن فتنة بين والد وولده وبين أخ وأخيه وبين حميم وحميمه من أجل المال ، فقد يقضي الأمر بالولد إلى أن يسعى إلى قتل أبيه حتى يستأثر بماله ويستولى على تركته ويقضي الأمر أيضاً ما بين الأقربين إلى نحو ذلك وفي مثل هذه الحالة تكون الإنسانية في وضع أردى من وضع الحيوان في الغاب ، فإن الحيوان كما قلنا إنما ينتفع من منافع هذه الحياة بحاجته التي جعلها الله سبحانه وتعالى مقدرة بمقدار وعندما يقضي وطره لا ينظر إلى ما وراءه فهو لا يسعى إلى أن يكستب ثروة وأن ينتزع ما عند الآخرين بل لا يسعى إلى الإدخار رأساً والحيوان أيضاً جعل الله تعالى قضاء وطره في المنافع من غير أن يكون هنالك ثمن يدفعه بخلاف الإنسان فإن تبادل منافعهم فيما بينهم إنما يكون بأثمان يتقاضونها فلذلك كان الإنسان يسعى إلى توفير ما يضمن له هذا المستقبل ، (1/9)
صفحة 10
وقد تكون الرغبة الجامعة في النفس البشرية في جمع المال لا لأجل الإنتفاع بهذا المال . إذ كثير من الناس يرون في إشباع رغباتهم من جمع الأموال شفاء لما في نفوسهم من الأمراض ، إذ شهوة المال هي مرض من الأمراض الفتاكة ، التي يقضي على إنسانية الإنسان ،
وقبل سنوات تسرب الضعف عن رجل كان مليونيراً أي عنده ملايين من الأموال ولكنه بجانب ذلك عاشق على التسول طول حياته كان يمتلك خمس عمارات شاهقة مؤجرة على الناس ، وكان يمتلك في البنوك رصيداً يقدر بالبلايين ، وقد حصل هذه الأموال من تسوله ولكنه لم يكن ينتفع بشئ من هذا المال ولم يرح نفسه من في حياته قط بهذا المال بل كان يعيش في شقة ضيقة مظلمة وكان ينام على لوح وليس عنده زوجه وليس عنده أحد من الأولاد وعندما فاجأه رخيل المنون لم يعرف عنه أحد من الناس إلا بعدما أنتن ووصلت رائحته نتنه إلى الجيران عندئذ ذهبوا إلى الشرطة وأبلغوهم وجاءوا وفتحوا الباب ووجدوه بشقته قد تهرى لحمه واختلط بذلك الذي نام عليه ، فما الذي استفاده هذا من هذا الثراء الضخم ، إنما إستفاد من ذلك كله المسؤولية التي ينقلب إليها يوم القيامة عندما يسأل عن هذا المال من أين إكتسبه وفيما أنفقه ، وهكذا يصل بالإنسان إلى يشح بالمال إلى هذا القدر فلا عرى مع ذلك كله إلى ما جاء الإسلام بالعلاج النافع ، عندما يأتي ليتفي هذه النفوس من عليها هذه من الأعماق ، وليست مثلها من الجذور ، فقد شرع الإسلام الإنفاق ، وضبطه بضوابط ووجهه بتوجيهاته حتى يكون هذا الإنفاق فيما يرضي الله سبحانه وتعالى وفيما يعود بالمنفعة على العباد ولم يجعل أمر الإنفاق موكولاً إلى ضمائر الناس أنفسهم وإنما جعله جزءاً قبل العمل الذي يرتبط بالعقيدة ، إنه جزء من عبادة الله سبحانه وتعالى كما جعله أيضاً جزءاً نظام الإسلام ، إذ الدولة الإسلامية تتدخل بالقوة من أجل إستخراج هذا الحق الذي فرضه الله سبحانه وتعالى ، فالله سبحانه وتعالى يقول " (1/10)
صفحة 11
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم " فجعل رفع السيف عنهم مرهوناً بالتوبة التي هي الرجوع إلى الإيمان وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وقال سبحانه وتعالى أيضاً " فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فإخوانكم في الدين " يعني أن الإخوة لا يتم إلا بذلك ، وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويأتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك فقد عصبوا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " فإذن الحاكم المسلم يتدخل بالقوة من أجل إنتزاع هذا الحق والجماعة المسلمة لا يتم التآخي فيما بينها والتواصل بين أفرادها إلا على هذا الأساس وهو الإيمان وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وبسبب هذا يكون الإيمان وسيلة تلاحم وتواصل بدلاً من أن يكون سبب الفتنة وشقاق وتقاطع وتدابر ، بل يصبح المال لحمة تشد الإنسان إلى الإنسان ، وسيأتي الحديث بإذن الله . في الدروس المقبلة عن الملكية الفردية في الإسلام ، ولكن هذه الملكية كما نجد هي مضبوطة بهذ الضوابط وليست مطلقة كما هو نظام رأس الكمال فالنظام الرأسمالي ميادين للإسلام مبانيه تامة . (1/11)
صفحة 12
إذ يجعل للإنسان الحرية المطلقة في كسب المال ، سواء كان من طريق خلفي أو كان من طريق دنيء غير خلقي ، ويجعل للإنسان أيضا ً الحرية المطلقة في إنفاق هذا المال وفي إدخاره كما يملي عليه هواه ولم يجعل له في ذلك ضوابط كما أن الإسلام بهذا أيضاً يباين النظام الشيوعي الإشتراكي فهو يجعل إشتراكاً بين الناس في منافع المال ولكن لا يسلب الناس حقوقهم وينتزع منهم ملكيتهم ، فالإنسان حق الملك يملك رقبة المال لكن هذه الملكية المقيدة بقيود ومضبوطة بضوابط ، فالزكاة إذاً هي الركن المالي الإجتماعي في الإسلام ، نرى كيفية عناية الإسلام بتوجيه الإنسان للنظام المالي ، حيث جعل إيتاء هذه الضريبة المالية جزءاً من الإسلام نفيه إذ جعله ركناً من أركانه ، وقد جاء القرآن الكريم لينوه بهذه الفريضة الواجبة في كثير من الآيات وليبين قيمتها وقدرها ، والله سبحانه وتعالى قال في وصف القرآن هنيه " هداً ورحمة للمحسنين ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون " وقال فيه كذلك " هداً وبشرى للمؤمنين ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون " وجعل منع الزكاة ليست من صفات المسلم وإنما هو من صفات المشركين إذ قال سبحانه وتعالى " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة " وفرضية الزكاة في الإسلام لم تكن كما يظن كثير من الناس في مرحلة متأخرة من تاريخ الدعوة الإسلامية بحيث لم تفرض إلا في المدينة المنورة ليس الأمر كذلك إذ نجد هذه الآيات التي ذكرنانها آيات مكية وقد نوهت بالزكاة ، فالله سبحانه وتعالى يقول " هداً وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون " وذلك في سورة النمل وهي سورة مكية ، يقول في سورة لقمان " هداً ورحمة للمحسنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون " على أن تلك السورة أيضاً هي سورة مكية ونجد أن القرآن الكريم يدلنا على أن المؤمنين كانوا (1/12)
صفحة 13
يخاطبون بإيتاء الزكاة في الوقت الذي كانوا في الوقت الذي كانوا يأمرون فيه بكف الأيدي عن القتال وهو في العهد المكي من تاريخ الدعوة الإسلامية ، الله سبحانه وتعالى يقول " ألم ترى إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريقاً منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية " هذه الآية وإن كانت أنزلت في المدينة المنورة إلا أنها على ما كان في العهد المكي عندما كان يقال للناس في ذلك الوقت كفوا أيديكم عن القتال ، والصبر والاحتمال وعلى ذلك كانوا يأمرون بالقيام للصلاة وإيتاء الزكاة بل نجد في سورة من السور المكية التي نزلت في مرحلة مبكرة بمكة المكرمة تأمر بإيتاء الزكاة والله تعالى يقول في سورة المزمل وهي سورة مكية نزلت في مرحلة مبكرة من تاريخ الدعوة الإسلامية " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً " ولا معنى لما قاله جماعة من المفسرين وغيرهم من أن هذه الآية من بين آيات السورة نزلت بالمدينة المنورة لأن سياق الآية سياق مكي فالآية الكريمة جاءت لتضع حكماً كان مفروضاً من قبل ، عندما أمر الله تبارك وتعالى رسوله ومن معه من المؤمنين أن يقيموا جزءاً من الليل فكان قيام الليل فريضة على الكل ، وقد يسبح ذلك عن المؤمنين بما استقر عليه من فرض الصلوات الخمس وقد فرضت هذه الصلوات الخمس في المرحلة المكية من تاريخ الدعوة الإسلامية وقبل فرض ذلك ، انتقلت الواجبات من حال إلى حال ، والآية الكريمة في بدايتها جاءت لترفع ذلك الحكم الذي كان لازماً على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قيام جزء من الليل بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان خطاباً له في صدر السورة الكريمة عندما قال له الحق سبحانه وتعالى " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا ، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا " ثم إن الله تبارك وتعالى منِّ على المؤمنين على هذا برفع هذا الحكم (1/13)
صفحة 14
عنهم لما علم عنهم من الضعف الذي يغشاهم . فيقول تعالى " علم أن يسكنون منكم مرضى وآخرون يبتغون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ، فاقرأوا ما تيسر من القرآن وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " إذاً هذا السياق ليس سياقاً مدنياً وإنما هو سياق مكي ونجد في السورة المكية ما يدل على أن الفلاح كان مقروناً بإيتاء الزكاة فالله سبحانه وتعالى يقول " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة فاعلون " ونجد أيضاً في السورة المكية ذلك الوعيد الذي أشرنا إليه وهو وعيد المشركين بعدم إيتاءهم الزكاة ، عندما قال الله تبارك وتعالى في سورة فصلت " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة " وكذلك جاء في سورة الذاريات . وصف المؤمنين بأن في أموالهم حقاً معلوم للسائل والمحروم يقول الله تبارك وتعالى" إنهم كانوا قليلاً من الليل مايصحون والأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حقاً للسائل والمحروم " وهي سورة مكية ، كذلك في سورة المعارج جاء وصف أولئك الذين إستثناهم الله تعالى بتلك الطبائع التي جبلت عليها البشرية ، وهي طبائع حسيسة ، وصف أولئك الذين استثناهم الله بقوله " وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " وبناء على هذا فما الذي فرض إذاً بالمدينة المنورة ، على أن شاع في أوساط الناس ، إن الزكاة فرضت بالمدينة المنورة في السنة الثانية للهجرة . حتى أنهم قالوا بأنها فرضت بعد الصيام نعم الزكاة كانت مشروعة بمكة المكرمة قبل الهجرة ولكنها لم تفرض في أجناس مخصومة من المال . (1/14)
صفحة 15
وإنما كانت هذه الزكاة فيما عند الإنسان من المال ، ولم تفرض بمقادير معينة ولم يحدد لها نصاب معين وأنما كانت موكولة إلى ضمائر الأغنياء أنفسهم فكل أحد يدفع جزءاً من ماله الذي آتاه الله ، بقدر ما يملي عليه ضميره وبقدر ما يرى حاجة الناس ، فلما جاءت المرحلة المدنية وقامت الدولة الإسلامية ، عندئذ أذن الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يحدد نصاب المال الذي تؤخذ منه الزكاة وأن يأخذها من أصناف مخصومة وأن تسعى الدولة بنصيبها إلى أخذ هذه الزكاة ، لتقوم بوضعها في مستحقاتها ويبين الله تبارك وتعالى أيضاً فيما أنزل في المدينة المنورة مصارف هذه الزكاة وذلك في سورة التوبة في قوله سبحانه وتعالى" إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله ، وابن السبيل" هذا الذي حصل بالمدينة المنورة والزكاة جعلها الله تبارك وتعالى تجسيداً ، فإن الإنسان بدون أن يأتي هذه الزكاة لا يكون صادق الإيمان ولذلك عندما وصف الله عز وجل المؤمنين الذين وعدهم بالفلاح قال " والذين هم للزكاة فاعلون " وجعلها جزءاً من نصرة العبد لله تعالى التي يستحق بها نصرة الله تبارك وتعالى له . (1/15)
صفحة 16
فالله سبحانه وتعالى بقوله " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إذا مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر " وجعلها من صفات المؤمنين والمؤمنات في قوله " والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ، أولئك سيرحمهم الله " وبين أيضاً أنها سبب للوصول إلى ما وعد الله تبارك وتعالى به المؤمنين من النصر والتي كتب والفوز لا حدود له في الدنيا والآخرة ، فإن الله سبحانه وتعالى بعد ما وعد المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل والصالح بالتمكين والاستحلاف في هذه الأرض عندما قال " وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات لتستخلفهم في الأرض . كما إستخلف الذين من قبلهم وليمكتن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً . يعبدونني لا يشركون بي شيئاً " بعدما وعد الله تبارك وتعالى عباده هذا الوعد اتبع ذلك قوله " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون " معنى هذا إشارة إلى ان هذا الوعد الذي وعدهم إياه إنما يتوصلون إليه بإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم ناط بذلك رحمته بهم في الدار الآخرة عندما قال " لعلكم ترحمون " وجاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبين أن المال الذي لا تؤدى زكاته يكون نقمة ووبالاً على صاحبه يوم القيامة ففي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم " من أوتي مالاً فلم يؤدي زكاته صور له ماله يوم القيامة كسجاعاً أفزع بطوقه يوم القيامة . (1/16)
صفحة 17
فيقول له : أنا كنزك أنا مالك " والقرآن الكريم يشير إلى ذلك عندما يقول الله سبحانه وتعالى ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شد لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) ويقول الله تبارك وتعالى ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم تحمى عليها في نار جهنم فتلوى صاحبهم وجنوبهم في ظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) فالزكاة إذن لها هذه الأهمية الكبرى في الإسلام التي جاءت بها هذه النهاية البالغة في كتاب الله وفي سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من أجل ما لها من الأهمية وأثر في المال ، فهي زكاة أي طهارة أو زكاة بمعنى نماء فإن الزكاة مأخوذة من زكى الشئ يزكو بمعنى نما ، وزكى الزرع إذا نما ، أو زكى الإنسان بمعنى طهر أو تزكى الإنسان بمعنى تطهر ، فالزكاة هي نماء في نفس الإنسان ونماء في المال ، أما كونها نماء في نفس الإنسان فلما تثمره من أخلاق فاضلة في نفسه ، لأن الزكاة كما قلنا علاج لذلك الدعاء المطال ، وهو داء الشح حيث يقضي إلى ما يقضي إليه عندما يتعود الإنسان في هذه إيتاء الزكاة المفروضة ، رحمة بالعباد وشفقة بهم وإمتثال لأمر الله ، وتيسيراً لحصول الرخاء في الناس وشمول التعميم لهم اعتاد هذا الإنسان على مكارم الأخلاق ، يتألم لألام غيره من الناس فيعرف بذلك حسبه ورق وجدانه ، ويبادل الناس عواطف البر والإحسان ، وقلبه لا يطمئن إلا لراحة الناس فيسيق عليه ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وما ذكره صلى الله عليه وسلم في المثل في المؤمنين كما قال " مثل المؤمنين في تواجدهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " فإذن أخلاق الخير تنمو في نفس المزكي ، أما المال فإن الله تعالى يجعل فيه البركة ويجعل فيه النماء . (1/17)
صفحة 18
يقول سبحانه وتعالى ( يمحق الله الربا ويوبي الصدقات ) فالصدقات التي قد تتصور للناس أنها نقص للمال هي حقيقتها بخلاف ذلك ، إذ الله تبارك وتعالى يخلف هذا المال الذي ينفق بغيره على صاحبه ، وأما كون الزكاة طهارة للنفس البشرية ، فلأن النفس البشرية – كما قلنا – مجبولة على حب الناس حباً جماً وبما أنها كذلك بتخلق هذه النفس بأخلاق مذمومة بدافع هذه الرغبة الجامحة فيها في المال ، ولكن عندما يتعود الإنسان إيتاء هذه الزكاة ويتطهر من هذه الأخلاق المذمومة . فالزكاة طهارة لنفسه وللمال فإذا لم تزكى كان مختلطاً بحقوق الآخرين وهو محرم على الإنسان إذ ليس له أن يمنع حقوق الآخرين ، فحق الآخرين حرام عليه ، ولكن عندما نزكي هذا المال يكون كله حلال له عندئذ تحصل التزكية أي التطهير في هذا المال ، هذا والزكاة المشروعة هي جزء من الإنفاق ولكن الله جعل هذا الإنفاق مضبوطاً بضوابط ، إذ هو يجب في أصناف مخصومة من المال على من حال عندهم ذلك المال حولاً وقد بلغ نصاباً والنصاب يختلف بين مال وآخر ، فنصاب الدراهم والدنانير ، وأموال التجارة والعملات المتبادلة يختلف عن نصاب الأنعام فمال تجب فيه الزكاة إذا بلغ نصاباً قدره نحو كذا على حسب هذا الإختلاف بين صنوف المال . وقد إختلف العلماء في الأموال التي تجب فيها الزكاة ، إذ الآيات القرآنية الكريمة جاءت بالإطلاق ولم تقيد ، الله تبارك وتعالى يقول ( وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) وأموال النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الزكاة من أصناف مخصومة من المال ، ولم يأخذ مما سواها ، ولذلك وقع الخلاف بين مذاهب الأمة الأمة الإسلامية فكان منها المتشدد وكان منها المتسامح ، فالحنيفية يرون في كل من يمتلك زكاة . (1/18)
صفحة 19
أخذاً بهذه النصوص العامة ولأن مذهب الحنيفية أن العموم كالخصوص كان رأيهم كذلك وجمهور الأمة ومن بينهم أصحابنا يرون الأموال تجب في أصناف مخصومة من الأموال ، هؤلاء منهم من وقف عند حدود ما جاءت به الروايات ، كما هو مذهب الشوكاني ، ومذهب العلامة السيد رشيد رضا رأى هذان الشيخان أن الزكاة لا تجب إلا ما وردت فيه السنة فقط ولا يتجاوز ذلك القدر ، ومنهم من نظر إلى العلة التي من أجلها أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من تلك الأصناف تدعو إليها حاجة البشر، فالقمح مثلاً والزبيب والتمر ، هذه من أصناف الحبوب التي تتوقف عليها منافع البشر الحيوية في ذلك الوقت بحيث كانت عذاء للناس بل كانت عذاء مدخراً فهي بقيان بها ويدخر وكذلك الذهب والفضة هما وسيلة التعامل بين الناس ، فتبادل المنافع إنما يتوقف على حصولها بايدي الناس ، والأنعام أيضاً تجب إليها حاجة البشر بإلحاح لأنهم يتخذون بها فلذلك كانت الزكاة في ذلك والتجارة انعقد الاجماع على وجوب الزكاة فيها ، لأن النفوس البشرية أيضاً تتسوق إلى ما عند التاجر من الأموال فإن قضاء المصالح لا يكون بذلك ولذلك ألحق هؤلاء كل ما كان من هذا النوع من الأموال به في حكمه ، وبهذا يتبين أن العملات الورقية لا مناص عن وجوب الزكاة فيها ، فلا وجه للقول بإسقاط الزكاة منها بحال من الأحوال لأن العملات الورقية أصبحت الآن يتبادل بها في جميع المحلات ، فإن الناس لا يصلون إلى مآربهم إلا بها ، فلذلك لا مناص عن إلحاقها تحكم الذهب والفضة ، في إيجاد الزكاة فيها وتبين حكمة الإسلام العالية إذا وجب الله تبارك وتعالى هذه الزكاة في هذه الأصناف من المال ، الذي يتطلع إليها النفوس البشرية وتشراب إليها أعناقهم وتطمح إليها أبصارهم ، لأجل سداد حاجتهم من ناحية ، ولأجل تفجير مشاعر الرحمة في نفوس المؤسرين من ناحية ثالثة ، فالله تعالى جعل في هذه الزكاة كفافاً لحب الاستنار وجعلها قضاء لحاجة المحرومين فيها (1/19)
صفحة 20
يقضي حاجاتهم ويتمكنون من التوصل إلى مآربهم ،وبهذا أيضاً لتسير عجلة الحياة إلى الأمام ، فإن أولئك الفقراء عندما تكون أكفهم صفراء من المال ، يتوقف جانب من الحياة إذ تعطل بذلك مصانع ومزارع وأعمال إذ لا يجدون ما ينشرون ، ولكن عندما يكثر الشراء من قبل أولئك بسبب ما يأتونه من الموال تكتر الأعمال وتكتر أيضا بالتالي الأيدي العاملة في المصانع . وفي المزارعندما يقبل أولئك على شراء حاجاتهم من المزروعات والمصنوعات ثم لا تكون هنالك قطيعة بينهم وبين الأغنياء ، لأنهم لا يشعرون بالحرمان وإنما يشعرون بالمواساه ، لا يشعر الأغنياء بالقسوة على أولئك ، بل يشعرون بالمودة والمحبة تجاههم . وبهذا تكون حياة الناس حياة إستقرار أما عندما تكون الموال دولة بين الأغنياء ، كما حذر تبارك وتعالى حينما قال ( حتى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) فإن القدر على تحقيق المنافع لها تكون إلا في أيدي قلة من الناس وتتكدس هذه الأموال عند هؤلاء وتتجاوز حدود منافعهم إلا أن تكون مهملة لا ينتفعون بها ولا ينتفع بها غيرهم. وهم أيضاً يشعرون بالحاجة إلى الاستكثار من المال . (1/20)
صفحة 21
وبذلك يسعون إلى تحقيق مكاسبهم وإنماء ثرواتهم ، بأي وسيلة ، ولو كانوا يطيئون بذلك على القيم والأخلاق ، ولا يبالون أن يقطعوا قريباً أو يفجروا العداوة في نفوس من كانوا أصدقاء مودين له ، ولكن وفي هذا ما يؤدي إلى أن ينفجر الحقد في نفوس الفقراء عن أمور لها تحمد مفيضا وذلك الذي وقع نتيجة الظلم الرأسمالي من ثورات شيوعية أتت على الخضر واليابس ، وأهلكت الحرث ولم تبقى طارقا ولا تليدا ، فتحول الناس من نظام جهمني إلى نظام جمهني أقسى منه ، وبما أن العالم جرب هاتين التجربتين ورأى بأم عينيه فشلهما فأنه لا مناص له إلا أن عن تعيد فشلها ، فالإسلام وحده برحمته وإحسانه وبما يثمره من مودة في نفوس اتباعه فيما بينهم ، هو الذي يمكن أن يعيد لهذا العالم إستقراره وطمأنينته ، دون غيره من الأنظمة القاصرة ، والحديث حول الانفاق حديث واسع ونرجع الجوانب الأخرى فيه إلى الدرس الآتي ، لنخلص بذلك إلى الحديث فيما يتعلق بملكية الفرد وسائر ما يتعلق بالنظام المالي في الإسلام إن شاء الله تبارك وتعالى _ ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا السبيل وأن يوفقنا للخير وأن يقينا شح أنفسنا ونسأله تعالى أن يزكي أعمالنا إنه على كل شئ قدير وإنه بالإجابة قدير نعم المولاى ونعم النصير وصلى الله عليه وسلم وعلى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين .
ونفتح بحسب ما يتسع باب الأسئلة . فيما يتعلق بموضوع المحاضرة نفسها .
الأسئلة
س1 : السائل يقول .. إمرأة تزوجت منذ ما يقرب من عشرين عاماً ، وكان عندها ذهب من يوم زفافها ولكنها لم تتذكر مقداره بالضبط ، وقد زادت عليه وباعت من خلال تلك السنوات ولكنها لم تزكي منه شيئاً إما جهلاً أو كسلاً . فكيف تتصرف الآن ؟!
الجواب :
... عليها ان تتحرى ما أضاعت من زكاة هذا الذهب وأن تخرج هذه الزكاة بحسب تحريها . والله لا يضيع ثواب عمل عامل . والله يتقبل التوبة من التائبين . (1/21)
صفحة 22
س2 : السائل يسأل .. يقول للاجتهاد دور كبير في بناء الصرح الاقتصادي الإسلامي . وللعلماء المجتهدين القدح المعلا في ذلك . فما هي ضوابط الاجتهاد في مجال الزكاة . بجانب الضوابط الشرعية وأقصد بها ما يسميه البعض ( فقه الأولويات ) في زماننا هذا ؟!
الجواب :
... أما الاجتهاد في الأمور المنصوص عليها فلا مجال للاجتهاد في ذلك " نعم " فالاجتهاد جمع مجهول الحكم على معلومة لعله جامعة بينهما ، أو أن يكون الاجتهاد في كيفية تنفيذ ما نص عليه إن لم ينص على هذه الكيفية ، وقد تختلف الكيفية بين زمان وآخر .. على سبيل المثال في وقتنا هذا هناك بعض الأشياء التي بحثها الباحثون ، وهي لم يتطرق إليها العلماء من قبل ، وإن كانت هنالك بعض التصرفات من بعض أئمة الإسلام تبرر مثل هذا الاجتهاد ، الظروف الحالية – بطبيعة الحال – تختلف عن الظروف السابقة ، فالزكاة ربما أمكن إستغلالها الآن بطريقة لم تكن مستغلة بها فيما فيما سبق ، فعندما تكون هنالك دولة إسلامية قائمة بجانب الزكاة وأخذ الصدقات من موضعها ووضعها في موضعها . ونرى أن هنالك حاجة لإستثمار هذه الأموال نظراً إلى أن حاجة الفقراء في تلك الفترة ، فترة أخذ الزكاة ، نظراً إلى أن حاجة الفقراء في ذلك الوقت سدت بحيث ان هناك ما يدعو إلى أن يدخر لهؤلاء الفقراء ، فلا مانع في هذه الحالة عندما يجتهد الإمام ويرى ان يشتري بأموال الزكاة أموالاً ذات ربع نقود هذه الأموال على الأصناف التي تجب فيها الزكاة لأن مراعاة المصلحة مطلب من مطالب الشريعة الإسلامية ، ونجد في تصرف الأئمة السابقين ما يبرر مثل هذا الصنيع فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عندما رأى أن الإسلام اصبح مستغنياً عن المؤلفة قلوبهم عن تأليف هؤلاء المؤلفة لشوكته وقوته ، منعهم مما كانوا يعطونه من قبل ، ولا يعني ذلك أنه ابطل سهم المؤلفة الذي ذكر في القرآن ، ولكنه رأى الاكتفاء بإيتاء الأصناف الآخرى . (1/22)
صفحة 23
فهذا السهم سهم المؤلفة . ما كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يعطيه غير الأصناف المستحقة . ولكنه منع أولئك لأنه رأى انهم أوتوا نصيب من أجل حاجة الإسلام إليهم وقد إستغنى الإسلام عنهم والحكم يدوم مع القلة وجوداً وعدماً .. وكذلك الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه – تصرف نحو هذا التصرف . عندما سدت الزكاة حاجات الفقراء ولم تعد هنالك حاجة وكان فائض الزكاة أمر أن يتزوج من للعزاب ، فزوج العزاب . ثم أمر بعد ذلك أن يصرف هذا الفائض في بناية مساكن لمن لا يملكون مساكن فتم ذلك . ثم أمر بالفائض بأن يصرف إلى فقراء أهل الذمة ..
س3 : السائل يقول : ما حكم الإسلام في شراء أسهم من بعض الشركات وفي نهاية كل سنة يأتيه الأرباح بحسب الإستثمار في الشركة . أفيدونا ؟!
الجواب :
... إن كانت الشركة تتقيد بأحكام الإسلام ولا تخرج عن ضوابط الشرع فلا مانع من شراء أسهم منها على أن يكون هذا الشراء بسعر السوق الحقيقي ، وأن يكون يداً بيد لأن جملة أموال هذه المؤسسات أموال ناضة وأن يكون بسعر السوق لأنه لابد ان يكون مقدار الأسهم التي يشتريها حتى لا يكون هنالك غرض . بعدما يعرف راس مال هذه الشركة وما فيها من أموال ناضه وغير ناضه .
س4 : السائل يقول .. إذا كانت لنا أموال وشاركنا بها في شركة ثم اتضح لنا أنها تتعامل بالربا . فهل نأثم إذا تركناها ولم نسأل عنها وفي الوقت نفسه لم نأخذ ربحاً فيها . أما يجوز لنا أن نبيع ما يسمى بأسهم الشركة . نرجو الإفادة . وتوضيح الجواب ؟!
الجواب :
... في مثل هذه الحالة يأخذ الإنسان رأس ماله وإن تعذر عليه ذلك إلا يبيع تلك السهم فليكن بيعها كما قلنا يداً بيد وبسعر السوق . ثم ما وهل إليه من زيادة على ما اشترى به الأسهم أو ما أسس به تلك الأسهم يدفعه إلى الفقراء تخلصاً منه . على أن تلك الأموال جاءت من طريق غير محلل .
س5 : السؤال .. عن حكم مانع الزكاة ؟!
الجواب : (1/23)
صفحة 24
... مانع الزكاة إما أن يكون جاحداً لها ، فإن منعها جحداً لها فحكمه حكم المشركين وكافر كفر شرك . كفر من خرج عن ملة الإسلام . لا علاقة له بالمسلمين لأنه جحد حكماً من أحكام الله وهو حكم قطعى نص عليه القرآن الكريم . ونصت عليه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ووقع الاجماع عليه . وإن كان غير منكر لها وإنما منعها شح منه وهو كافر كفر نعمه أي فاسق لا يخرج من ملة الإسلام ، ولكن عمله ينافي ما جاء به الإسلام فلذلك كان كافراً كفر نعمه ، والمسلمون عليهم أن يبرأوا منه بسبب صنيعة هذا .
س6 : ما هو دور الزكاة في دحض نظرية المادية التاريخية التي نادى بها ماركس ؟!
الجواب :
... دور الإسلام في دحض هذه النظرية وغيرها من النظريات الباطلة دور بارز . فإن الزكاة هي التي أوجدت التراحم بين الناس وقضت الحاجات بينما تلك النظرية إنما تفقر الأغنياء . الزكاة تشعر الغني بأنه لم يؤخذ منه المال . وهو محروم وإنما يشعر أنه أخذ ما وجب عليه من مال . وجب عليه لله تبارك وتعالى قبل أن يكون هذا الواجب للفقراء ويشعر بذلك أنه بإيتائه هذا المال أيضاً يرتبط بإخوانه الفقراء . فهو يوف إتجاههم ويتعاطف معهم . هؤلاء الفقراء أيضاً يبادلونه نفس هذه المشاعر التي تكون من جانبه إتجاههم . فإذن هذا هو الفارق ما بين هذا المنهج وما بين تلك النظرية الباطلة .
س7 : هل على الأرض الجرداء من زكاه ؟!
الجواب :
... الزكاة إنما هي في ما تعطيه الأرض لا في نفس الأرض ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
... نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل وأن يوفقنا للخير وأن يأخذ بأيدينا إلى ما يحبه ويرضاه . وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين .
( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين )
" والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. "
... (1/24)