صفحة 1
الكتاب: السخرية بالدين وأهله1 لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) سلسلة محاضرات لفهمٍ صحيح للإسلام
( 2 )
خطورة السخرية بالدين وأهله
تأليف
سماحة الشيخ : أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
السيب / سلطنة عمان
جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1423 هـ – 2003 م
مكتبة الضامري للنشر والتوزيع
هاتف : 9330027
ص ب 2 السيب الرمز البريدي 121 سلطنة عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الذي يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد، وأثني عليه وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ?هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ? وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله على فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، وضلالة من الأمم، وفساد من الأخلاق، وانحطاط من القيم، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين.
أما بعد؛؛؛
عمق المشكلة
فقد شاع في أوساط كثير من الناس في عصرنا هذا في شتى بقاع العالم، ولم تكد بقعة من الأرض تخل منه، موضوع "السخرية بالدين وأهله"، وهو موضوع خطير جداً، ذلك بأن الدين من عند الله سبحانه، فالاستهزاء به إنما هو استهزاء بالله عز وجل، والاستهزاء بالله سبحانه وتعالى جرأة ما بعدها جرأة، وهو من الإشراك به سبحانه وتعالى، فمن هنا كان واجب المسلم وهو يواجه مثل هذه التحديات، أن يقف موقفاً صامداً أمام هؤلاء الذين تسوّل لهم أنفسهم أن يجترئوا على الله سبحانه وتعالى وعلى ما أنزل من بينات وهدى. (1/1)
صفحة 2
هذا الأمر ليس وليد اليوم والأمس، وإنما هو قديم قدم التاريخ، فالصراع بين الحق والباطل مستمر منذ أنزل الله سبحانه وتعالى الحق، بل منذ آذن ملائكته أنه جاعل خليفة في الأرض، حيث تمرد قائد العصاة وإمام الطغاة والبغاة إبليس الذي خالف أمر الله سبحانه وتعالى، وأعلن الحرب على عباد الله، وأعلن أنه لابد من أن يبذل كل ما يمكنه من أجل إضلال الإنسان وإغوائه، ومن أجل تحدي أمر الحق سبحانه وتعالى، الذي أمره أن يسجد لآدم عليه السلام الذي اصطفاه بأن يكون خليفة في الأرض، فحسده إبليس على هذا المنصب الذي رفعه الله إليه، والدرجة التي بوأه الله إياها فكان منه ما كان.
وعندما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض، بعد ما مرّ بمرحلة الامتحان التي ابتلي فيها، فثاب إليه رشده وتاب إلى ربه، وكان بذلك إمام التائبين كما أن إبليس إمام المصرين، وقع الخلاف بين بنيه في هذه الأرض، فكان أيضاً خلافاً بين الحق والباطل، وهو الذي ذكره الله في كتابه العزيز عند ما قال: ?وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآَخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ? .
مفهوم الدين (1/2)
صفحة 3
قبل الحديث عن السخرية بالدين ينبغي الحديث عن مفهوم الدين وحقيقته، فالله سبحانه وتعالى يبين لنا حقيقة الدين عندما قال عز من قائل: ?إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ? ، في هذه الجملة كلمتان أخبر بإحداهما عن الأخرى، وهما "الدين والإسلام"، فالله سبحانه وتعالى أخبر عن الدين أنه الإسلام، ولننظر أولاً في مفهوم هاتين الكلمتين من حيث المدلول اللغوي، فإن الدين مأخوذ من دان يدين بمعنى أطاع وانقاد، ولكلمة "الدين" مدلولات متعددة من حيث اللغة، فإنها تطلق على معاني كثيرة، من بينها معنى الطاعة والانقياد، ومنها معنى الحكم، وذلك في قوله تعالى: ?مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ? أي في حكم الملك، ومنها الجزاء والحساب وحمل على ذلك قوله تعالى: ?مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ? ، أي يوم الجزاء، وجاء بذلك أيضاً قول الله عز وجل: ?يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ? أي جزاءهم الحق، ومنها الغلبة؛ ومن ذلك قول الشاعر: (دانهم كما دانوا)، وقولهم: (كما تدين تدان)، ومنها الداء؛ ومن ذلك قول الشاعر: (يا دين قلبك من سلمى وقد دينا)، وقول الشاعر:
تقول إذا درأت لها وضيني
أهذا دينه أبداً وديني
وذكر ثعلب أن لفظة الدين تأتي لمعانٍ متضادة، فيقال: دان بمعنى عزَّ، ودان بمعنى ذلَّ، ودان بمعنى أطاع، ودان بمعنى عصى.
ومهما يكن فإن أصل مفهوم الدين بني عليه هذا المعنى الشائع عند الناس وهو الطاعة والإنقياد، والله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه العزيز أن الدين هو الإسلام؛ إذ قال: ?إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَم ?، ومعنى ذلك أن غير الإسلام ليس بدين يعتد به عند الله تبارك وتعالى مهما يكن من أمر، ودلَّ على ذلك قول الله عزو جل: ?وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ? . (1/3)
صفحة 4
والإسلام معناه الإنقياد، من أسلم يسلم إذا إنقاد وأذعن، ومنه قول الله سبحانه: ?وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ? ولئن كان الدين بمعنى الإسلام، فإذاً هو الإذعان التام لله سبحانه وتعالى، والدين بهذا المفهوم هو الذي جاء به جميع المرسلين، فكل رسول طالب قومه بهذا الدين، والرسل جميعاً إنما يدعون إلى الإنقياد المطلق لله سبحانه وتعالى، والإذعان التام لأمره، وعدم مخالفته في أي شيء.
وهذه هي العبادة لله، فإن العبادة من عبد يعبد بمعنى خضع وذل، وهذا الخضوع والذل يجب أن يكون لله سبحانه وتعالى وحده، إذ العباد لا يخضع بعضهم لبعض، لأن الله سبحانه وتعالى أعز الجباة أن تقع ساجدة لغير جلاله عز وجل، والخضوع المطلق لا يكون إلا لوجه الله تعالى الكريم.
دين الله واحد (1/4)
صفحة 5
هناك بعض التفاوت من حيث الكيفيات، أو ما يمكن أن يسمى بالشكل مع اتحاد الجوهر، في رسالات المرسلين، فقد تشرع العبادة في رسالة رسول من رسل الله تعالى بكيفية معينة، وتشرع بكيفية أخرى للعبادة نفسها في رسالة رسول آخر، مع وحدة الاتجاه بها إلى الله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ?وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ? ، ويقول الله تعالى: ?وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ? ، وجاء في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أن الرسل جميعاً بعثوا بملة الإسلام ورسالته الحقة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول مخاطبا هذه الأمة التي بعث فيها رسول الله ?: ?شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيب? .
ونجد في تضاعيف الآيات الكثيرة من كتاب الله عز وجل النصوص الواضحة الصريحة أن الرسل الذين بعثهم الله إنما بعثهم بهذه الملة الحنيفة؛ ملة الإسلام، يقول الله سبحانه وتعالى حكاية عن عبده نوح عليه السلام، وهو أول الرسل بعد آدم عليه السلام، كما تشير إلى ذلك الآيات القرآنية ودل عليه حديث مسلم، يقول الله تعالى حكاية عنه: ?وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ? . (1/5)
صفحة 6
ويقول الله في إمام الحنيفيين إبراهيم عليه السلام: ?وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين? ، ويقول الله تعالى أيضاً فيه: ?إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ? ، ولم يقف عند حد عند إعلان الإسلام بنفسه بل كان يوصي بنيه بالتمسك بحبله، وقد قال الله تعالى إثر ذلك: ?وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ، أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ? ، وتجدون أن النبيين الكريمين إبراهيم ويعقوب عليهما السلام وصيا بنيهما بالتمسك بملة الإسلام وعدم التفريط فيه، ووعد بنو يعقوب عليه السلام أباهم بإن يتمسكوا بهذا الدين، وألا يموتموا إلا على الإسلام الحنيف.
ونجد أن الله سبحانه وتعالى يذكر قصة موسى وفرعون مع بني إسرائيل الذين أذوا من قبل فرعون وآله، وما كان منهم من شكوى إلى موسى عليه السلام، بسبب ما كانوا يصابون به من إيذاء وبلاء من قبل أولئك الطغاة الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب، وموسى عليه السلام كان يطالبهم بالصبر، فقد حكى الله عنه أنه قال: ?وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ? . (1/6)
صفحة 7
وكذلك ذكر الله سبحانه وتعالى سحرة فرعون الذين آمنوا برسالة موسى عليه السلام، واتبعوا النور الذي جاء من عند ربه، وكفروا بما كانوا مؤمنين به من قبل من الباطل، فذكر ابتهالهم إليه سبحانه، ومما حكاه عنهم قولهم: ?رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ? ، وكذلك فرعون نفسه حكى الله عنه إدعاء الإسلام عندما حاق به أمر الله، وأصابه ما لم يكن يدور بحسبانه، فقد قال الله سبحانه وتعالى فيه: ?حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ? .
والتوراة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام، وتُعبِدَ بالحكم بها الأنبياء الذين بعثهم الله عز وجل لتجديد رسالة موسى عليه السلام، حكى الله تبارك وتعالى في ظل ذلك أنهم كانوا على الإسلام، وذلك عندما قال سبحانه: ?إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا? .
وذكر الله سبحانه قرية لوط عليه السلام فقال: ?فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ? .
وذكر عز وجل أيضاً الحواريين فقال: ?قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون? وذكر أهل الكتاب الذين كانوا مستمسكين بالكتاب الحق، ولم يفرطوا في تعاليمه، ولم يخالفوا أمره، وذلك قبل رسالة نبينا ?، فلما جاءتهم هذه الرسالة آمنوا بها لأنها مصدقة لما معهم من الحق، فقال سبحانه وتعالى: ?الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ? . (1/7)
صفحة 8
في هذا كله ما يدل على أن الرسل جميعاً جاءوا برسالة الإسلام، وأن عباد الله تعالى المصطفين من جميع الأمم التي بعث إليها المرسلون كانوا على ملة الإسلام، ومستمسكين بحبله.
الدين يصوغ الحياة
ولئن كان الإسلام هو الانقياد والإذعان والطاعة؛ فمعناه إذاً أن يصوغ الإنسان حياته كلها صياغة إسلامية إيمانية تتفق مع أوامر الله تبارك وتعالى، ولا تصطدم مع شيء من أحكامه قط، بحيث يكون المسلم مجسداً للإسلام في كل دقيقة وجليلة، في كل ما يأتيه وما يذره، وتكون حياته كلها تجسيداً لقيم الإسلام وتعاليمه، وهذا واضح في كتاب الله، فإن الله سبحانه يقول: ?قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ? ، فالإسلام معناه أن تكون الحياة والممات لله، وأن يكون العمل الذي هو عبادة خالصة لله سبحانه وتعالى خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكون أيضاً العمل الذي ينتفع الإنسان به في دنياه مقصوداً به وجه الله، فكما أن الصلاة يجب أن تكون لله كذلك النسك الذي يعود بالمنفعة على الإنسان يجب أن يكون لله عز وجل، ومعنى ذلك أن الإسلام إطار عام يشمل كل ما يصدر عن الإنسان وكل ما يتلبس به. (1/8)
صفحة 9
فحكم الإسلام يدخل في دقائق تصرفات الإنسان الباطنة والظاهرة، فيشمل العقيدة، ولذلك جاء الحديث الصحيح عن النبي ?: ((بني الإسلام على خمسٍ...)) ، وذكر أول هذه الخمس "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله"، لأن الانقياد لله سبحانه وتعالى لا يمكن إلا بعد ما ترسخ هذه العقيدة في النفس، فيؤمن الإنسان أنه لا معبود بحق إلا الله، فكل ما يعبد من دون الله سبحانه من آلهة ظاهرة أو باطنة هي آلهة باطلة تعبد بدون حق، وإنما المعبود الحق هو الله سبحانه وتعالى، فما ينقاد له الإنسان من هوى نفسه وشهواتها الجامحة، التي تدفع به ذات الميمنة وذات الميسرة، وتدفعه إلى الأمام تارة وتجذبه إلى الخلف تارة اخرى، كل ذلك ليس معبوداً بحق، وأنما هو معبود بباطل، فكل ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى إنما عبادته باطلة، والقربة إليه مباعدة من الله سبحانه وتعالى، ولئن كان الله عز وجل هو وحده المعبود بحق، فإذاً هو وحده الذي تجب له الطاعة المطلقة في كل دقيقة وجليلة، وهو الذي يجب أن يتلقى عنه، فالمؤمن لا يرضى أن يتلقى عن غير الله تعالى، ولذلك لا يحتكم إلا إلى منهج الله، لأنه رضي بالله رباً.
وكذلك الإيمان بأن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله بالملة الحقة، لإخراج الناس مما كانوا متسكعين فيه من الظلمات والجهل والضلالة، إلى ما نقلهم إليه من النور والعلم والحق والهدى، والإيمان بذلك يدفع إلى طاعة الرسول ? في كل ما يأمر به وينهى عنه.
وما جاء في الحديث الصحيح من أركان الإسلام المذكورة مع العقيدة، كل ذلك يؤدي إلى الاستقامة على المنهج الحق، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهر النفس، وتخلصها من أدران شهوات المال، والصيام مطهرة للنفس، وباعث إلى تقوى الله، والحج من أسباب الاستمساك بحبل التقوى. (1/9)
صفحة 10
فالدين محاسبة النفس محاسبة دقيقة حتى تكون في السريرة والعلانية وفق أمر الله، ومعنى ذلك أن يسلم الإنسان روحه وجسمه وعقله وقلبه وفكره ووجدانه وضميره وغرائزه لله تبارك وتعالى، فيكون كل ذلك مضبوطاً بضوابط الحق، حتى تكون حياة الإنسان منسجمة مع أمر الله، ومع الفطرة التي فطر البشر عليها، ومع نظام الكون الذي طبع الله تبارك وتعالى الوجود عليه، فإن كل ذرة في هذا الكون إنما تمشي في هذا المنهج الحق الرباني، فالله تعالى يقول: ?تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا? ، ويقول عز وجل: ?سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ? ، ويقول أيضاً: ?أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ? .
خطأ في التصور
ولئن كان هذا هو الإسلام الذي ينسجم به الإنسان مع فطرة الله تعالى التي فطر البشر عليها، ومع نظامه الذي طبع عليه هذا الوجود بأسره، فإذاً يقتضي أن يكون الإنسان في مظهره ومخبره منسجماً مع أوامر الحق، وبهذا يتبين خطأ وضلال كثير من الناس الذين يقولون إن المعول على في القلوب، ويقولون إن الإسلام لا يعنى بالشكليات وإنما يعنى بالجوهريات، فإذا ذكر عندهم الحجاب الشرعي الذي فرضه الله تبارك وتعالى على المرأة مثلاً، قالوا هذه قضية شكلية، والإيمان في القلب، ولا عبرة بالحجاب، ولا داعي إلى هذا التزمت والرجعية. (1/10)
صفحة 11
وكذلك عندما تذكر السنة التي سنها رسول الله ?، وهي المتفقة مع الفطرة السليمة، وحافظ عليها النبي ? سلوكاً، وأمر بها قولاً، وهي توفير اللحية، قالوا بأن هذا أمر شكلي، لا يمت إلى الإسلام بصلة، وكثير منهم يماحكون بغير حق، ويقولون وهل ذكر ذلك في القرآن، مع أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا? ، ويقول الله تبارك وتعالى: ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا? ، ونبينا ? جاء ليربي الناس على منهج الحق، وعلى الطريق المستقيم، وعلى أتباع أمر الله سبحانه وتعالى، والبعد عن مخالفته في كل دقيقة وجليلة.
فالنبي ? علّم الناس كيف يلبسون ويأكلون ويشربون وينامون ويباشرون أهليهم، وعلمهم كيف يتصرفون في كل شيء، فنجد النبي ? مثلاً يقول: ((إزرة المؤمن الى أنصاف الساقين، لا جناح فيما بين ذلك وبين الكعبين، وما كان أسفل الكعبين فهو في النار)) ، وعندما أبصر النبي ? رجلا قد أطال إزاره فنهاه عن ذلك ورد عليه الرجل قائلا: يا رسول الله، إني أحمش الساقين. قال له رسول الله ?: ((كل خلق الله حسن، أما لك فيَّ أسوة حسنة)) هذا كله يدلنا على أن رسول الله ? كان يوجه الناس الوجهة التي ترضي الله سبحانه وتعالى، والتي تجعلهم منسجمين مع الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى عليها الكائن البشري في كل دقيقة وجليلة، ولم يكن يفرط في شيء. (1/11)
صفحة 12
والنبي ? كان يعلم حتى الأطفال السير في مسلك الفطرة، فقد قال لعمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما وهو ربيبه في بيته: ((يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك)) ونجد أن النبي ? يقول: ((ليأكل أحدكم بيمنيه وليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)) ولكن مع ذلك نجد ممن يدعون الإسلام في وقتنا هذا يفرون عن اتباع السنة، ويتبعون ما يسمى "بالبروتوكول الأجنبي"، الذي هو وليد أفكار تلاميذ الشيطان الرجيم، فتجد أحدهم يمسك الشوكة بيساره والسكين بيمينه، ويأكل بيساره كما يأكل الشيطان، لا حسبما نص عليه حديث الرسول ?، فالإسلام الحق إذاً هو الاستمساك التام بما كان عليه النبي ?، وعدم التفريط في أي جزئية من الجزئيات.
والنبي ? ربى هذه الأمة على الاستقلال في النهج والسلوك، كما رباهم على الاستقلال في العقيدة والتصور، كيف وقد بلغ الأمر به صلوات الله وسلامه عليه كما جاء في بعض الروايات؛ وإن قيل فيها بالضعف، ولكنها تتفق مع النهج الصحيح الذي جاء به القرآن، ((فقد روي عن النبي ? أنه كان في حال دفن ميت وكان قائماً، وكان أصحابه قياماً، فمر يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا. فقعد النبي ? وأمر أصحابه بالقعود)) ، لأجل مخالفة مسلك اليهود.
الاتباع يؤدي إلى الموالاة (1/12)
صفحة 13
لأن الاتباع في هذه الأشياء التي تسمى بالشكلية أو الظاهرة تؤدي الى الاتباع في الباطن، وليس هذا الاتباع إلا رمز الموالاة، وقد حذر الله سبحانه وتعالى من موالاة الكفار فقد قال عز وجل: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ? وقال الله سبحانه: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ? ، ثم بيّن أن هذه الموالاة إنما تنتج عما يتراكم على النفس من داء دفين في أعماقها، وهو ما يعبر عنه في العرف العصري "بالمرض النفساني" وقد عبر عنه القرآن الكريم بمرض القلب عندما قال: ?فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ? ، كما أن الله سبحانه وتعالى إثر ذلك حذر مما يؤدي إليه هذا الأمر، وهو الارتداد نهائياً، لأن من والى أحداً أسرع في هواه، وآثر رضاه على كل شيء، وهؤلاء الكفرة لا يرضيهم منا إلا الارتداد (1/13)
صفحة 14
عن الإسلام؛ والعياذ بالله، فقد قال عز وجل: ?وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم? ، ولذلك بعدما حذر الله سبحانه وتعالى من موالاتهم قال: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ? ، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يكون عباده المخلصون مستمسكين بحبل الحق غير مفرطين في شيء منه، فإن الحق لا يجامع الباطل، والله سبحانه وتعالى بيّن هنا أيضاً أن الاعتصام بحبله، وقطع حبال الموالاة مع أعدائه، هو سبب العزة والنصر والتمكين، فقد قال تعالى: ?إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ? .
الاستهزاء يحيق بأهله (1/14)
صفحة 15
هذا؛ ولئن كان حزب الله تعالى هم الغالبون، فإذاً لا يضير حزب الله تعالى أن يسخر منهم الساخرون، وأن يستهزئ بهم المستهزءون، وأن يضحك منهم الضاحكون، فإن هذه هي سنة الله تبارك وتعالى في خلقه في كل عصر من العصور، يبتلي الله عباده الصالحين بأعدائه المفسدين، فالصالحون في كل عصر معرضون لضروب من الإيذاء من قبل أعدائهم وأعداء الله المفسدين، الذين لا يهمهم إلا أن يتهكموا بعباد الله المتقين، وأن يسخروا من المؤمنين، وأن يلصقوا بهم التهم الكاذبة، وأن يحاولوا بكل ما أوتوا من وسيلة أن يشوهوا صورتهم أمام الملأ من الناس، فالله سبحانه وتعالى بيّن أن هذه الطبيعة هي طبيعة الكفار والظالمين والفاسدين المفسدين في كل عصر من العصور، ذلك بأن الله سبحانه وتعالى عندما قصَّ أنباء الرسل من قبل، حدَّثَ بما كانوا يلقونه ممن كانوا يدعونهم إلى الحق ويأمرونهم بالخير ويرشدونهم سواء السبيل من الإيذاء والتهكم والسخرية، فإن فساد الفطرة يترتب عليه انقلاب الموازين في النفوس، ولذلك نجد أولئك الذين رانت على نفوسهم الضلالة، واستحكم في وجدانهم الباطل، يصفون الحق بصفات الباطل، ويصفون المحقين بصفات المبطلين، فالله سبحانه ذكر نبيه نوحاً عليه السلام في كتابه الكريم وذكر ما لقيه من عنت قومه، فقد قال عز من قائل: ?لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ? ، هكذا كانت إجابة قوم نوح عليه السلام، إنا لنراك في ضلال مبين، ما هو هذا الضلال؟ الضلال –حسب نظرهم الفاسد- أنه دعا إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده وخوفهم عقابه يوم القيامة، مع أنهم بفطرتهم يدركون أن الذي خلق هذا الوجود، وفطر هذا الكون، وأخرج هذا النظام من العدم إلى الوجود، قادر على كل شيء، (1/15)
صفحة 16
فكيف يعصى الذي خلق السموات والأرض وسخر الكون بأسره، ولكن هذه الفطرة أفسدها الهوى وطمسها الضلال، فمن أجل ذلك وصفوا نوحاً عليه السلام بإنه لا يرونه إلا في ضلال مبين.
ومثل ذلك كان أيضاً من قوم هود عليه السلام، فقد وصفوه بالسفاهة وقالوا: ?إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين? ، وصفوه بالسفاهة لأنه دعاهم إلى عبادة الله وحده قال لهم: ?اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ? ، هذه الدعوة إلى الحق وإلى عبادة الله سبحانه تعالى كانت مثار سخرية واستهزاء من أولئك الذين رانت على نفوسهم الضلالة، نجد أيضاً أنهم وصفوا أتباع الحق بأنهم أرذال، فالله تعالى حكى قصة نوح عليه السلام مع قومه فقال: ?فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ? هكذا وصفوا جميع الذين اتبعوا نوحا عليه السلام بأنهم أراذل وفي ضلالة وكاذبون، وما ذلك إلا لأجل انقلاب الموازين عندهم، واستحكام الضلالة في نفوسهم، ومثل ذلك في كل عصر من العصور. (1/16)
صفحة 17
جاء النبي ? ليدعوا الناس إلى عبادة الله تعالى، ونبذ عبادة الأصنام التي كانت تنحت من الحجر، أو تصنع من التمر والحلوى، أو من أي مادة أخرى، فكبر ذلك على المشركين، قال الله تعالى: ?كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ? ، وهؤلاء رانت على نفوسهم الضلالة، فهم ليسوا مجتبين ولا منيبين حتى يهديهم الله سبحانه وتعالى، وقد قالوا كما حكى الله سبحانه وتعالى في كتابه: ?أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا? ، كبر عليهم أن يدعوهم الرسول ? إلى عبادة إله واحد وهو فاطر السموات والأرض، الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وقد بيّن الله سبحانه أن حكمته اقتضت أن يفتتن الناس بعضهم ببعض، فالكفرة وجميع المبطلين يفتنون بسبب استقامة المؤمنين على طريق الحق، لأنهم لا يريدونهم أن يكونوا أحسن منهم فيقتدوا بهم، لأن المقتدي يتبع من اقتدى به، فهؤلاء يشق عليهم -بما أن هؤلاء سبقوا إلى الحق واعتصموا بحبله واستمسكوا بعروته- أن ينهجوا نهجهم فيكونوا بمثابة التابعين لهم، ?وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ? ، فهكذا يسخر الساخرون من المؤمنين ويتهكم المتهكمون من المحقين في كل عصر من العصور، فتارة يتهكمون بهم بسبب قلتهم، وتارة أخرى بسبب ضعفهم، وما دروا أن ميزان التفاضل عند الله سبحانه وتعالى هو تقوى الله، وتقوى الله لا تكون إلا بالإيمان والعمل الصالح، فالله سبحانه حكى عن فرعون أخزاه الله أنه قال في المحقين الذين اتبعوا موسى عليه السلام: ?إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ? ، سخر منهم بسبب قلتهم. (1/17)
صفحة 18
ونحن نسمع هذا المنطق يتردد الآن من جديد، وهكذا شأن الباطل في كل عصر من العصور، مهما لبس من أثواب، ومهما اختلفت زينته وبريقه بين عصر وآخر، نسمع الآن أحد الحشوية يردد هذه الكلمة التي قالها فرعون فيقول في أهل الحق والاستقامة : إنهم لشرذمة قليلون. كما قال من قبل إمامه وقائده فرعون، وما ذلك إلا دليل اقتداء هؤلاء بمسلك الفراعنة كما أنهم اقتدوا بمسلك اليهود.
ومن عجيب شأن المبطلين في كل عصر، محاولتهم إلصاق التهم الباطلة بالحق وأهله، فهم يصفون المهتدين بالضالين، والمستقيمين بالمنحرفين، وذوي الفطرة السليمة الذين أشرق عليهم نور الله سبحانه وتعالى بأنهم جامدون وأفكارهم منغلقة، وهكذا شأنهم في كل عصر من العصور. (1/18)
صفحة 19
والله سبحانه وتعالى بيّن أن هذه الطريقة هي التي ينهجها الذين يحاربون أمر الله، ويعرضون عن حكمه، ويجادلون في آياته في كل عصر، فقد قال عز من قائل: ?إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ? ، ولكنه سبحانه وتعالى بيّن المآل الذي ينقلب إليه هؤلاء وهؤلاء، إذ قال سبحانه وتعالى إثر ذلك: ?فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ، عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ، هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ? ، جاء فيما ذكره جماعة من أهل التفسير؛ أن الله سبحانه وتعالى يفتح لعباده المؤمنين في الجنة نافذة إلى النار، ليروا أعداءهم الذين كانوا يسخرون منهم في هذه الدنيا ويتحكمون بهم، لما يرونه فيهم من مظاهر الفقر والذلة في هذه الدنيا، وما كانوا يصفونهم به من الضلالة، يُرِي تبارك وتعالى عباده المؤمنين هؤلاء الكافرين، وما يتقلبون فيه من العذاب، ويعاقبون بعقاب هو أشبه بالتهكم، حسبما روي أنه يفتح لهم باب إلى الجنة ويدعون إليها، فعندما يسارعون إليها يغلق الباب في وجوههم، وهكذا يتكرر ذلك مرات حتى يفتح لهم فلا يستجيبون من بعد، والمؤمنون يومئذ ينظرون إليهم؛ ?عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ? وهذه هي مثوبة الكفار؛ أي جزاء الكافر يوم القيامة؛ ?هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ? هذه مثوبة أي جزاء أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، عندما كانوا يسخرون من المؤمنين، والله سبحانه وتعالى ذكر لنا في كتابه العزيز أنه يذكر أعداءه الكفرين بهذه السخرية التي كانوا يسخرونها من المؤمنين، فقد قال عز من قائل: ?إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا (1/19)
صفحة 20
آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ، إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ? فالله سبحانه يذكر أولئك الذين كانوا يسخرون من المؤمنين في الحياة الدنيا؛ بسبب إيمانهم واعتصامهم بحبل الله واستمساكهم بهديه، وإعراضهم عما نهى الله عنه، وبيّن لهم سبحانه وتعالى أن المؤمنين الذين كانوا يسخرون منهم في الحياة الدنيا هم المجزيون بالخير والفلاح والفوز يوم القيامة، ومواجهة الحق من قبل أعدائه بمختلف ألوانهم واختلاف الظروف والملابسات، مع أن جميع هذه المحاولات تصب في محيط واحد، فكلها محاولات لطمس الحقيقة وتشويه الحق، فتارة يسخرون من أهل الحق بسبب العقيدة، وتارة بسبب السلوك، وتارة بسبب هذا وذاك.
السخرية طرائق شتى (1/20)
صفحة 21
فالذين يسخرون من الدين يسخرون من العقيدة الحقة؛ عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر، ومن السلوك الذي يترتب على هذه العقيدة الحقة، فالشيوعيون مثلاً مرت بهم فترة من الزمن وهم يسخرون من المؤمنين بسبب إيمانهم بالغيب، وما دروا أن الإيمان بالغيب هو الذي ينطلق بالفكر في فسيح ملكوت الله سبحانه وتعالى، والانغلاق هو انغلاق الفكر وعدم نفوذه إلى ما وراء هذا العالم المادي، وإلا فقد جعل الله سبحانه وتعالى الإيمان بالغيب نقطة الافتراق بين فريق الكافرين وفريق المؤمنين الذين يسبحون بفكرهم في خضم آيات الله تبارك وتعالى الكونية، ويرون مشاهد عظمة الله تبارك وتعالى وجلاله وكبريائه، ويقرأون صفاته في كل صفحات الكون، فما من جانب من هذا الكون إلا وهو صفحة من الصفحات المليئة بآيات الله تعالى التي يتلوها المؤمن، فيتصل فكره بخالقه سبحانه وتعالى، ويعلم أن وراء هذا الكون مكوِّناً، ويترتب على ذلك أن يؤمن بالمصير كما آمن بالمبدأ، فيربط يومه بغده ودنياه بآخرته، كما يرتبط عمله بجزائه، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن ينحدر هذا الفكر المادي الإلحادي المتعفن الميت، وأن ينجلي فشله لجميع العالمين، وإذا بسدنة هذا الفكر هم الذين يمسكون المعاول لهدمه وتقويضه بمشيئة الله. (1/21)
صفحة 22
وجاءت العلمانية من جديد بلون آخر من ألوان الكفر، وبنوع آخر من أنواع محاربة الحق والسخرية بأهله، فتجد أن العلمانين يسخرون من المؤمنين بشتى الأساليب، فيصورونهم في مظهر الرجعيين المتزمتين، والذين لا يحافظون على القيم الإنسانية، ولا على كرامة الإنسان، وذلك كله ناشئ مما امتلأت به هذه القلوب المتعفنة من الأمراض النفسية، والداء العضال الذي فتك بها، حتى أصبحت لا تميز بين الحق والباطل، بل تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، ولذلك يسخرون من كل من يستمسك بحبل دين الله تعالى، فمن يتردد إلى المساجد لإقامة الصلوات كان تردده مثار سخرية واستهزاء، ومن استمسك بمظهر الإسلام الذي كان عليه رسول الله ? وكان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين كان مثار سخرية واستهزاء، وكذلك المرأة التي تتجلببُ بالحياء، وترتدي العفة والوقار، وتستمسك بأمر الله سبحانه وتعالى، وتتزيأ بالزي القرآني الذي أنزله الله في قوله: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا? . (1/22)
صفحة 23
وهكذا كل فريق من هؤلاء ينبز بما ينبز به من الألقاب، والمستمسكون بحبل الله، والعاضون بالنواجذ على أمر الله، والمقتدون برسول الله ?، هم الذين يرمون بالتهم، وتلصق بهم العيوب، وتفترى عليهم الأكاذيب، ويلمزون بالألقاب، مع أن الله سبحانه وتعالى حذر المؤمنين من أن يسخر بعضهم من بعض، فكيف إذا كانت هذه السخرية ناشئة من غير المؤمنين، بل من قوم حاربوا الله تعالى وأعرضوا عن منهجه، يقول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ? . (1/23)
صفحة 24
والنبي ? يبيّن أن المسلم يحافظ على حرمات المسلم، ومن المحافظة على حرماته عدم تحقيره، فقد قال عليه أفضل الصلاة السلام: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يقتله ولا يحقره، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) فالمسلم ليس من شأنه تحقير المسلم، لأن عرض المسلم حرام على المسلم، كما أن دمه وماله أيضاً هما حرام عليه، وإنما هؤلاء الذين يحقرون المسلمين بسبب طاعتهم لربهم، واقتدائهم بنبيهم محمد ?، وحبهم لله ولرسوله ?، إنما هذا التحقير منهم ناشئ عن فراغ نفوسهم من الإيمان، فلا يمكن لمؤمن أن يحقر مسلماً لأجل استمساكه بدين الله، لأنها سخرية من دين الله سبحانه وتعالى، وذلك صدود عن الحق الذي جاء به رسول الله ?، وهذا لا يمكن أن يصدر ممن آمن بالله واقتدى برسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وإذا كان الله سبحانه وتعالى يحذر نبيه ? من الاغترار بهؤلاء، فغيره أجدر بأن يحذر، لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام معصوم من قبل ربه، والتحذير إن وجه إليه صلوات الله وسلامه عليه فإنما المقصود به هذه الأمة، فالله تبارك وتعالى يقول: ?وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا? .
فالساخرون من الحق هم من أغفلت قلوبهم عن ذكر الله سبحانه وتعالى واتبعوا أهواءهم، وكان أمرهم فرطا، فيجب على المسلم أن يحذر من مسلك أولئك، وإلا فالمنقلب نفس المنقلب، والله تبارك وتعالى بيّن ذلك في كتابه العزيز.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الفهرس (1/24)
صفحة 25
المقدمة
عمق المشكلة
مفهوم الدين
دين الله واحد
الدين يصوغ الحياة
الاتباع يؤدي على الموالاة
الاستهزاء يحيق بأهله.
الفهرس (1/25)