صفحة 1
الكتاب: الشباب والتحديات المعاصرة لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الشباب والتحديات المعاصرة لسماحة الشيخ أحمد الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الحكيم الخبير السميع البصير، الذي يعلم كل ما يختلج في الضمير، سبحانه خلق فسوى، وقدر فهدى، وله الآخرة والأولى، أحمده تعالى بما هو له أهل من الحمد وأثني عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الخير كل الخير في طاعته، والشر كل الشر في معصيته، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد بن عبدالله ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله الله رحمة للعالمين، وسراجاً للمهتدين، وإماماً للمتقين، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد الذي أرسلته إلى خلقك بشيراً ونذيراً، وداعياً إليك بإذنك وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه العاملين بأمره، والمهتدين بهديه وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ...
... فسلام الله عليكم أيها المؤمنون ورحمته وبركاته، وشكراً لكم على هذا الاجتماع، وشكراً للذين رتبوا هذا الاجتماع ونظموه.
الشباب معيار تقدم الأمم وتأخرها (1/1)
صفحة 2
... إنه مما لا يخفى على أحد أن شباب كل أمة من الأمم هم مقياس تقدمها وتأخرها ومعيار رقيها وانحطاطها، فإن الشباب بالنسبة إلى كل مجتمع من المجتمعات هم عماد المجتمع، وهم الذخيرة التي يعدها المجتمع لمستقبله، وهم العدة فإن شباب اليوم هم كهول الغد، وهم الذين سوف يضطلعون بالمسؤوليات المتعددة، وهذا لأن مرحلة الشباب من مراحل العمر هي المرحلة الذهبية (1) ، فمرحلة الشباب هي التي يجب على الإنسان أن يحصرها على التزود منها لما بعدها، فالشباب هم أصلب الناس عوداً، وأقواهم إرادة، وذلك لما منَّ الله سبحانه وتعالى عليهم في هذا الشباب من الفتوة والقوة والجلَد والذكاء، وسائر المواهب التي امتنَّ الله بها عليهم، ومن ثمَّ فإننا نرى كل شاعر من الشعراء إنما يبكون على مرحلة الشباب، ولا نجد أي شاعر يبكي على مرحلة الطفولة مع ما في الطفولة من البراءة التي يحبها كل إنسان ولكن نظراً لما لهذا الشباب من الخصائص صار الشعراء كلهم يبكون على مرحلة الشباب بعد انقضائها فلنسمع إلى قول التهامي (2) :
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا ... غصن الشباب الخائن المغدار
وطري من الدنيا الشباب وروقه ... فإذا مضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته ... عندي ولا آلائه بقصار
__________
(1) للشيخ محاضرة بعنوان (المرحلة الذهبية) وهي محاضرة مطبوعة في كتيب من سلسلة (محاضرات من أجل فهم صحيح للإسلام رقم 8).
(2) التهامي: (أبو الحسن) (ت1026) شاعر من تهامة، صاحب القصيدة المشهورة الرائية في رثاء ابنه، اتهم بالتجسس على الدولة فاعتقل في (خزانة البنود) وهو سجن في القاهرة، قتل سراً في سجنه. (المنجد، ط21، ص). (1/2)
صفحة 3
وهكذا إذا عدنا إلى التاريخ نرى كل دعوة من الدعوات سبب نجاحها أو إخفاقها إقبال الشباب عليها، أو إعراضهم عنها، والناس الذين يتلقون الدعوات باستمرار ويضطلعون بها ويقومون بواجباتها هم الشباب، فالله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه العزيز في وصف أهل الكهف: { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } (1) وقال في إبراهيم - عليه السلام - حكاية عن قومه { قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } (2)
__________
(1) الكهف/ 13.
(2) الأنبياء/ 60.. (1/3)
صفحة 4
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما جاء بالدعوة الإسلامية كان إقبال الشباب عليها أكثر من إقبال الشيوخ، وكان نجاح هذه الدعوة بالشباب أكثر من نجاحها بالشيوخ، ومن ثم فإن كل داعية مصلح إنما يتمنى شباباً صالحين لدعوته، فلنستمع إلى المُصْلِح الكبير العلامة المجاهد سعيد بن خلفان الخليلي (1) -رحمة الله تعالى عليه- الذي يقول في قصيدته التي يتطلع فيها إلى المستقبل المشرق، هذا المستقبل الذي ينبلج بالشباب الصالحين، يقول شاكياً من الأمور التي يجدها في زمانه، ومن ليل الجهل والجور الدامس في زمانه:
__________
(1) هو العلامة المحقق الشيخ سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح الخليلي الخروصي، ينتهي نسبه إلى الإمام الخليل بن شاذان ابن الإمام الصلت بن مالك الخروصي، وهو من علماء عمان في القرن الثالث عشر، وهو ثاني الثلاثة الذين يقال بأنهم أعلم الشعراء وأشعر العلماء، لقبه العلماء بالمحقق لشهرته بتحقيق المسائل وتأصيلها واقترانها بالأدلة، كانت ولادته ببلد بوشر عام 1226ه، وكان وطن آبائه بلد بُهلا ثم إزكي ثم انتقلوا إلى بوشر ثم اتخذ الشيخ بلد سمائل وطناً، نشأ نشأة مباركة فطلب العلوم والمحامد ومعالي الأمور فنالها، وكان كثير الخلوة والتبتل إلى الله والتلاوة للأسماء الحسنى، حتى صارت له اليد الطولى في علم الأسرار، ومنَّ الله عليه بالإلهام وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، كان قائماً بدولة الإمام عزان بن قيس وشاداً عضده وبيده الحل والعقد، وله في السلوك مناظيم تدل على طول باعه، وله أراجيز رائقة ونافعة فمنها أرجوزة (المقاليد) ومن مؤلفاته (الكرسي في الولاية والبراءة)، و(النواميس الرحمانية في تسهيل الطرق إلى العلوم الربانية) و(السيف المذكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وكانت وفاته رحمة الله عليه عام 1287ه( شقائق النعمان على سموط الجمان، الشيخ محمد بن راشد الخصيبي، ج، ص). (1/4)
صفحة 5
ألا تنجلي يا ليل عن صبح فتية ... كرام بهم قد رَدَّ للعدل يوشع
ويستمر يصف هؤلاء الفتية إلى أن يقول:
كأن مثاني ذكرهم في تهجد ... مزامير داود بها قد تسجعوا
كأن بهم من نشوة عزن عاشق ... تتوق لما يشروا حبيب ممنع
كأن الثكالى منهم في نياحة ... وأوصالهم من خيفة تتخلع
كأن حطام الأرض من لحم ميتة ... فهم عنه في عليائهم قد ترفعوا
كأن من الشهد المصفى لقائهم ... بربهم يوماً والجواد وأسرعوا
كأن المنايا ميتة لقلوبهم ... فما كاد يمسي القوم بالحتف مصدع
يخوضون دماء المنايا بواسماً ... كأنهم في جنة الخلد تركع
قد أطرحوا لبس الدروع لأنهم ... لهم هنا زكيات المناصب أدرع
صفات أهل الحق والاستقامة (1/5)
صفحة 6
ولما دخل المدينة المنورة القائد الشهير أبو حمزة الشاري -رحمه الله تعالى- وأخذ أهل المدينة يقولون في أصحابه: إنهم شباب أغمار سفيهة أحلامهم، انبرى أبو حمزة -رحمه الله- يرد عن أصحابه ويذكر محاسنهم، فقد جاء إلى منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخطب خطبة طويلة، وقال فيها مثنياً على أصحابه (1) : «يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شباباً؟ نعم؛ شباب والله مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء عبادة وأطلاح سهر، موصول كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مرَّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مرَّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله، مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فُوِّقت، ورماحه قد أشرعت، وسيوفه قد انتضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت، استهانوا وعيد الكتيبة بوعد الله، فلقوا شبا الأسنة، وشائك السهام، وحد السيوف بوجوههم وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هنالك قدماً، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، فخرَّ صريعاً في الثرى، ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله، وكم من يد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله، وكم من خد عتيق قد فلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان».
__________
(1) من أراد الخطبة كاملة فهي موجودة في (العقود الفضية في أصول الإباضية) الشيخ سالم بن حمد الحارثي، (ص-208). (1/6)
صفحة 7
وإذا نظرنا إلى شباب السلف الصالح نجد أولئك الشباب هم متصفين بهذه الصفات الحميدة، فالسواعد التي فتحت الأمصار، والتي نشرت أربابها الإسلام في الأرض إنما كانت تلك السواعد سواعد فتية تربوا على القرآن وعلى سنة النبي محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فالذين نشروا دين الله في الأرض وفتحوا فارس والروم إنما كانوا متصفين بهذه الصفات التي يصف بها أبو حمزة أصحابه، وقد جعلت هذه الفضائل التي هم متصفون بها من ألسنة أعدائهم وسائل إعلام فكانت ألسنة أعدائهم تتناقل محامدهم، وتنشرها في مختلف الأوساط، وكانت هذه المحامد التي يتلوها أعداء الإسلام هي الداعية إلى اعتناق الإسلام، فلنسمع إلى شيخ من الروم حضر معركة من معارك المسلمين، وشاهد أحوال المسلمين، وما كانوا عليه قال: «إنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، ويتناهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم» وقال آخر -من شيوخ الروم أيضا- يصف جنود المسلمين ومعظم هؤلاء الجنود من الشباب -كما قلت- قال فيهم: «هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، ولا يدخلون إلا بسلام، يقضون على ما حاربوا حتى يأتوا عليه» ويقول آخر فيهم: «أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويروونها، ويثقفون القنا، لو حدَّثت جليسك حديثاً ما سمعه عنك لما علا من أصواتهم من القرآن والذكر».
هذه هي صفات شباب المسلمين السالفين، الذين كانوا على استقامة من أمرهم، الذين صفت عقيدتهم، والذين زكت أعمالهم، والذين خلصت نياتهم لوجه الله سبحانه وتعالى، وما السر في وصول الشباب إلى هذا المستوى الرفيع من الاستقامة والفضل؟ السر في ذلك أن معلمهم الأول وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما رباهم على القرآن الكريم، فقد كانوا يتلون كتاب الله ويعملون بأمره ويزدجرون عن نهيه، ويحرصون على تطبيقه في حياتهم.
نزعة الاستقلال تضعف هاجس الهزيمة (1/7)
صفحة 8
ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يربيهم أيضاً على النزعة إلى الاستقلال في كل شيء حتى لا يكونوا في شيء من الأشياء مصابين بالهزيمة النفسية، متأثرين بسلوك أعدائهم، إنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يربي المجتمع الإسلامي كله على الاستقلال التام، حيث لا تكون هنالك صلة بينه وبين أعدائه، لا في الاعتقادات ولا في الأخلاق، ولا في السلوك، ولا في أية ناحية من النواحي، فلا يصل جسر بين الجانبين، ولا يؤلف فكر بين الطائفتين، إنما المؤمنون كانوا مستقلين استقلالاً تاماً، ويدل على ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان وأصحابه - رضي الله عنهم - في حالة دفن ميت، وكانوا قياماً فمرَّ يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا. فقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لليهود حتى لا يتأثر المسلمون بالهزيمة النفسية، فلم يكن موجوداً فيهم ما يسمى عند علماء النفس بـ(مركب النقص) إنما كانوا ينزعون إلى الاستقلال في كل شيء، في الاعتقادات والتصورات، وفي السلوك والأخلاق، وفي المظاهر والسمات، فكان المجتمع المسلم مجتمعاً مستقلاً من أية ناحية من النواحي.
واليوم إنما نرى شباب المسلمين على الأخص قد أصيبوا مع الأسف الشديد بما يسمى بـ(مركب النقص) وقد أثَّر عليهم الغزو الفكري الخطير، فقد أصبحوا يرون أن تقليدهم لأعدائهم إنما هو عنوان الرقي ورمز التقدم، يحاول كل واحد منهم أن يتشبه بأعداء الإسلام بمظاهره وسماته، في أخلاقه وسلوكه، في حالاته وعاداته، في كل ناحية من نواحي حياته، ونحن إذا استقرينا التاريخ وتأملناه تأمل ممعن فإننا نرى أن الحالة كانت على عكس ما نرى اليوم، يوم أن كان صوت الإسلام يرجُّ الأرض رجَّاً، وكان المسلمون من القوة والعزة والمكانة بحيث إذا تحدث أحدهم صمت الدهر، وإذا حكم أحدهم خضع الزمن، كان الأمر على عكس ذلك تماماً.
جانب من تأثير المعتقدات الإسلامية على غير المسلمين (1/8)
صفحة 9
ولقد تأثر أعداء الإسلام أنفسهم بكثير من عادات المسلمين، بل تأثر أعداء الإسلام أنفسهم بكثير من المعتقدات الإسلامية، والأدلة على هذا الذي قلناه أدلة متضافرة، أدلة ظاهرة لا ينكرها إلا من لم يقرأ التاريخ، فلقد مرت فترة من الفترات في أوروبا يحاول فيها النصارى أن يتشبهوا بالمسلمين في كثير من العادات، وفي كثير من الأخلاق؛ ففي مقاطعة فرنسية قديمة تسمى (سبتبانيا) ظهر في هذه المقاطعة في القرن الثاني والثالث الهجريين -أي نحو القرن الثامن الميلادي- إنكار للاعتراف أمام القساوسة، فقد كان الناس ينكرون كل الإنكار الاعتراف أمام القسيسين وجعلوا ذلك من عبادة لغير الله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن الديانة النصرانية المختلطة كانت تفرض عليهم الاعتراف أمام القسيسين وهذا أمر قد وجد عندهم على مختلف مراحل التاريخ.
بماذا تأثر هؤلاء حتى أنكروا هذا الاعتراف؟ تأثروا بأحوال المسلمين؛ فقد كانوا يرون الاعتراف والخضوع للإنسان من باب عبادة غير الله سبحانه وتعالى، والمسلمون عقيدتهم سليمة تقتضي أن العبادة لله سبحانه، فكما يجب أن يوحَّد الله في ربوبيته يجب أيضاً أن يوحَّد في ألوهيته. (1/9)
صفحة 10
ولقد مرت فترة من الفترات الأولى أيضاً في أوروبا وجد فيها إنكار شديد لعبادة الأصنام ونصب التماثيل، فقد وجد في عهد الإمبراطور (لِيُو الثالث) هذا العهد الذي كان متصفاً بإنكار عبادة الأصنام، وجد في ذلك الوقت طائفة من الناس وعلى رأسهم هذا الإمبراطور، ينهون كل النهي عن المثول أمام التماثيل، ولقد أصدر هذا الإمبراطور نفسه أمراً في عام (726م) يمنع فيه أي واحد من رعاياه أن يخضع لتمثال من التماثيل، وأصدر أمراً آخر في عام (730م) يقتضي أن ذلك من الوثنية التي يجب أن تحارب، وقد سيرته في ذلك (لِيُو الرابع) و(قسطنطين الخامس) وقد أدى ذلك إلى شقاق كبير بينهم وبين طائفة من النصارى منهم (جرمانيوس) (1) بطريرك القسطنطينية ومنهم الإمبراطورة (إيريني) (2)
__________
(1) جرمانيوس (القديس) بطريرك القسطنطينية (715-802م) دافع عن تكريم الإيقونات فعُزل، توفي عام (733). (المنجد، ط21، ص).
(2) إيرينا، إمبراطورة بيزنطية (797-802م) ملكت بعد وفاة زوجها لاون بالوصاية على ابنها قسطنطين السادس، دافعت عن الإيقونات، وسعت لعقد مجمع نيقية الثاني (787م) دفعت الجزية لهارون الرشيد، ماتت منفية في لسبوس. (المنجد، ط21، ص).. (1/10)
صفحة 11
ومنهم جماعات أخرى من رجال السياسة، ومن رجال الدين النصراني، وإنما يهمنا من هذا أن هذا النهج الشديد عن الخضوع للتماثيل إنما كان تأثراً بالإسلام يوم كانت قوة المسلمين ضاربة جِرَانها في الأرض، وكذلك ظهر أحد الأساقفة وهو الأسقف (كلوبيوس) أسقف تورين في القرن الثالث الهجري، ظهر هذا الأسقف بأمر جديد وهو النهي في أسقفيته عن عبادة الأصنام أيضاً، ثم أصدر أمراً بعد ذلك بتحطيمها وإحراقها، وهذا يدل على تأثره بالإسلام ولا عجب في ذلك فإنه قد تربى وولد في الأندلس يوم كانت الأندلس عربية مسلمة، وكانت مزدهرة بأحكام القرآن وأحكام سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وكانت مركز إشعاع إسلامي فقد اعترف كثير من الكتاب الغربيين وغيرهم أن الأمم كلها قد تأثرت في عقائدها وفي أخلاقها وفي أحوالها بالإسلام، ومن الذين سجلوا هذا الاعتراف (لال نَهْرو) (1) الذي كان سابقاً رئيس وزراء الهند فقد قال: «إن دخول الإسلام في الهند هو الذي أتى على كثير من مفاسد الهنادكة واجتثها، وحصل احترام الإنسان للإنسان بعد أن كان النظام الطبقي الجائر سائداً في الهند، ومن الذين اعترفوا بذلك أيضاً بعض السياسيين الهنود، فقد كتب أحدهم أن عقيدة الهنادكة قد تأثرت كثيراً بعقيدة التوحيد، فقد كانوا يصرحون أن الرب المعبود إنما هو الرب الواحد، وهو الذي تطلب منه السعادة، وهو الذي تحق له العبادة، وإن كانوا يذكرون أرباباً أخرى».
__________
(1) نهرو (جواهر لال) (1889-1964م) سياسي هندي، من مؤسسي استقلال الهند الحديثة، كان تلميذاً لغاندي وساعده الأيمن في بناء الدولة الجديدة، قضى تسع سنوات في السجون البريطانية مناضلاً من أجل الاستقلال، رئيس الوزارة 1947-1964م، له مؤلفات نالت شهرة عالمية أهمها (لمحات من تاريخ العالم). (المنجد، ط21، ص). (1/11)
صفحة 12
هذا التأثر في الواقع إنما هو من محاسن الإسلام الذي طرق أبواب الهند ودخلها أيام قوة المسلمين، ولقد كتب بعض الكتاب الهنود أن الإسلام قد أثر على الهند تأثيراً فكرياً أكثر منه تأثيراً سياسياً، ولقد كتب بعض الكتاب الغربيين معترفاً بأنه لا توجد مدنية من المدنيات في الأرض إلا وهي مدينة للإسلام فهي متأثرة به، وقال أيضاً: إن أوروبا لم تُعِد إليها الحياة العلوم الطبيعية، وإنما أعاد إليها الحياة الإسلام بأشعته التي بعثها إليها، وهذا من اعتراف خصوم الإسلام.
نحن إذا استقرينا التاريخ إنما نجد أن ذلك كان في الوقت الذي كان فيه سلطان المسلمين قاهراً في الأرض، فإن من سنة الله في خلقه أن يتأثر المغلوب بالغالب، وهكذا انعكس الأمر اليوم عندما أصبحنا مغلوبين، فقد أصبحنا قبل كل شيء مهزومين نفسياً، وأصبحنا نرغب كل الرغبة في تقليد أعدائنا في مظاهر حياتهم.
الإسلام كل لا يتجزأ
ولقد مرَّت فترة في أوروبا إذا وجد في أي بلدة من بلدانها مسلم من المسلمين تصمت أجراس الكنائس احتراماً لذلك المسلم حتى يخرج من ذلك البلد. (1/12)
صفحة 13
وهذا -كما قلت- عندما كانت للمسلمين قوة وعندما كانوا لا يتساهلون في ذرة من إسلامهم، وكانوا لا يفرطون في جزئية من جزئيات دينهم، ولم يكونوا في ذلك الوقت يُفرِّقون بين أمر وأمر من أوامر الله تعالى، وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - إنما يتلون قول الحق تبارك وتعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا } (1) ولم يكونوا يرون شيئاً من أوامر الإسلام من الشكليات كما يحاول كثير من الناس أن يقول في وقتنا هذا، يُفرِّقون بين أوامر وأوامر فيجعلون هذه من الجوهريات وهذه من الشكليات، ويقولون يجب على الناس في هذا العصر أن لا يتشددوا في الشكليات، والواقع أن كل أمر من أوامر الله تعالى أو من أوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - إن فرط فيه المسلم فإنما ذلك يقدح في إيمانه إذِ المؤمن الذي يؤمن بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالقرآن دستوراً لا يرضى أن يفرط في شيء مما يأمره الحق تبارك وتعالى لأنه يقتنع كل الاقتناع أن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليأمره إلا لما فيه الخير، ولم يكن لينهاه إلا عما فيه الشر.
أسباب الهزيمة النفسية عند المسلمين اليوم
والمسلمون في هذه الفترة التي أصيبوا فيها بالهزيمة النفسية وأصبحوا يفرطون في كثير من أوامر ربهم ويتسابقون في ميدان تقليد أعدائهم، يجب عليهم أن يدرسوا بدقة وإمعان الأسباب التي أوجدت فيهم هذه الهزيمة النفسية.
__________
(1) الأحزاب/36. (1/13)
صفحة 14
ما هي هذه الأسباب؟ حتى أصبح شبابنا يتفاخرون بتقليد الغربيين ويرون التمسك بالعادات الإسلامية والآداب الشرعية شيئاً مخلاًً بتقدمهم في هذا العصر، ويتفاخرون بأن يصلوا إلى أوروبا وأن يَطِّلعوا على مفاسدها، وأن يعيشوا في الوسط المنحل الساقط، يتفاخرون بذلك، ولا يحاول أحدهم في حياته أن يذهب إلى البيت الحرام، ويقف تلك المواقف ويتذكر تاريخ سلف المسلمين، ويتذكر العهد الذي انبثق فيه الإسلام من ذلك المكان الطاهر المقدس، وانتشرت من هناك دعوته في الأرض حتى ملأت الآفاق.
ونحن إذا أمعنا النظر في أسباب الهزيمة النفسية نرى أسبابها كثيرة متعددة لا نستطيع حصرها، ولكن نذكر من أسبابها ضعف الوازع الديني وقلة التوعية الإسلامية، تلك التوعية التي تقود الشباب إلى حضيرة العز وتأخذ بأيديهم إلى ما فيه سلامتهم في حياتهم وفي حياتهم الأخرى، ومن ضمن الأسباب التي سببت ذلك تغلل الاستعمار في كثير من البلاد الإسلامية وانتشار شره في الأرض، فإن الاستعمار لا يلج بلداً إلا وينفث فيه سمومه، ويحاول جهده أن يفتت العقيدة الإسلامية، ويحاول جهده أن يميع أخلاق المسلمين، وأن يقطع صلتهم بماضيهم، وأن يفقدهم ثقتهم بدينهم. (1/14)
صفحة 15
وإذا كان الاستعمار في عصرنا هذا قد خرج بعتاده العسكري وبقواته المسلحة من كثير من بلاد الإسلام فإننا يجب علينا أن نعلم أنه أخذ يخوض معركة لا تقل ضراوة عن تلك المعركة الأولى، بل نزل الآن إلى ميدان الحرب بوسائله الفكرية، ومع الأسف الشديد فإن هذه الحرب الخفية لم تلقَ مقاومة من جانب المسلمين، إذ لم يكن من جانبهم إلا الاستسلام التام وأخذ كثير منهم يفتخرون بأن بلادهم قد تحررت من سلطة الاستعمار، والواقع أن التحرر يجب أن يكون للقلوب قبل الأرض، فأي قيمة لحرية الأرض إذا كانت القلوب مسترقة مستعبدة، وأي قيمة للاستقلال السياسي إذا كانت الأفكار مسترقة مقيدة، إنما يجب قبل كل شيء تحرر الفكر عند المسلمين، يجب تحرر القلوب حتى لا يروا هنالك أية عزة في صفوف أعدائهم، وإنما العز كل العز في التمسك بأهداب أمر الله سبحانه، وفي اتباع ما في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - .
هذه الحرب الخفية يجب أن تقابل بنظيرها، فالفكر يجب أن يقابل بالفكر، ومقابلة الفكر بالفكر في مثل هذا الموضوع إنما هو بنشر الوعي الإسلامي في أوساط المسلمين.
منظمات الجاهلية الحديثة تتكاتف ضد الخير
ومن الأسباب التي دعت المسلمين إلى الاستهانة بكثير من أوامر دينهم، والابتعاد عن كثير من عاداتهم التي كان عليها أسلافهم، تكاتف المنظمات العالمية، المنظمات الجاهلية الحديثة، وهذه المنظمات بفروعها المتعددة أكثر من أن تحصى، ولكن أمهاتها ثلاث اليهودية العالمية، والشيوعية الملحدة، والصليبية الحاقدة، هذه هي منظمات الجاهلية الحديثة وما انبثق عنها من منظمات. (1/15)
صفحة 16
أما اليهودية فإنها تسعى كل السعي لإبعاد الناس عما ورثوه من أسلافهم من قيم ومعتقدات وأخلاق، وهذا واضح مفهوم كما تُنْبِئ عنه بروتوكولات حكماء صهيون التي نتج عنها المؤتمر الصهيوني (1) الذي انعقد في مدينة (بال) (2)
__________
(1) المؤتمر الصهيوني: هو المؤسسة العليا للمنظمة الصهيونية العالمية، من مهام المؤتمر الرئيسية تلقي تقارير إدارة المنظمة الصهيونية ومؤسسات الحركة الصهيونية، ابتدع هذا المؤتمر (هرتزل) فمنذ = = نشاطه الصهيوني أوجد فكرة عقد مؤتمر صهيوني مستهدفاً من ذلك إنشاء جمعية وطنية يهودية على نمط المجالس التشريعية قبل قيام إسرائيل، كانت المؤتمرات الصهيونية تعقد في مدن مختلفة من أوروبا ومنذ سنة 1951م أصبحت تعقد في القدس، وفي البداية كان المؤتمر يعقد مرة في السنة، ثم صار يعقد مرة كل سنتين، ومؤخراً مرة كل ثلاث سنوات، للمؤتمر رئاسة خاصة ولجان مختلفة منها: اللجنة الدائمة، ولجنة التنظيم واللجنة السياسية. (موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي.
(2) بال (بازل) مدينة شمالي سويسرا على الرين، عقد فيها مجمع مسكوني، انتقل بعدئذ إلى فلورنسا عام 1431م، ومعاهدة بين فرنسا وبروسيا، وبين فرنسا وإسبانيا 1795م، مركز صناعي وتجاري. (المنجد، ط21، ص).. (1/16)
صفحة 17
في سويسرا في عام 1897م فقد كان هذا المؤتمر من أخطر المؤتمرات، نظمت فيه الصهيونية (1) العالمية خططها لتحويل العالم إلى مملكة يهودية، ووضعوا المخططات لتحطيم العالم وبناء دولة يهودية على أنقاضه، تسود العالم من أقصاه إلى أقصاه، ومن الوسائل التي يعتمدون عليها كما تنبئ عنها بروتوكولاتهم (2)
__________
(1) الصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين تحكم من خلالها العالم كله، واشتقت الصهيونية من اسم (صهيون) حيث تأمل وتطمع الصهيونية أن تشيد فيه هيكلاً لسليمان وتقيم مملكة لها وتكون عاصمتها القدس، وهي الواجهة السياسية لليهودية العالمية، ولها في جل الأجهزة الحكومية في العالم يد مسيطرة موجهة تعمل لمصلحتها، وهي التي تقود إسرائيل وتخطط لها، وللصهيونية مئات الجمعيات في أوروبا وأمريكا في مختلف المجالات التي تبدوا متناقضة في الظاهر لكنها كلها في الواقع تعمل لمصلحة اليهودية العالمية. (حركات هدامة، أحمد عبد الرحيم، ط1/صوما بعدها).
(2) بروتوكولات حكماء صهيون أو على الأصح (مقرراتهم) معروفة، وقد نشرت في عدة لغات وكان لنشرها ضجة عظيمة في جميع الأوساط العالمية: الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، والبروتوكولات ليست خططاً تفصيلية يمكن تغييرها بحال من الأحوال، فهي بمنزلة الدستور، وإن كانت ترسم الخطوط العريضة إلا أنه ينسب إليها كل عمل من أعمالهم مهم صغر، ويوزن بميزانها كل التصرف، وما يمكن تغييره من هذه البروتوكولات هو مراحلها التكتيكية حسب قدراتهم على التنفيذ، والبروتوكولات (المقررات) تستمد روحها من التعاليم اليهودية الواردة في التوراة (العهد القديم) والتي جمعها اليهود كتاريخ بعد موسى عليه السلام بمئات السنين تحت اسم (الأسفار). (بروتوكولات حكماء صهيون وتعاليم التلمود، شوقي عبد الناصر، ط5/ص).. (1/17)
صفحة 18
هي إيجاد الشقاق بين المسلمين، وإثارة البلابل بينهم، ومحاولة إشاعة الرذيلة بينهم، ومحاولة طي الفضيلة عنهم، واستخدام كل وسيلة من وسائل الإعلام كالأفلام الخليعة المنحطة والصحافة الماجنة.
هذه هي الوسائل التي يستخدمونها في تقويض صروح الأمم حتى تكون الأمم كلها أنقاضاً يبنون عليها دولة يهودية تسود العالم؛ وقد انبثقت منظمات عدة من هذه المنظمة اليهودية الكبرى، من هذه المنظمات الماسونية والبهائية ومنظمات أخرى. (1/18)
صفحة 19
والمنظمة الكبرى الثانية هي الشيوعية وهي بنت اليهودية، لأن الذين قاموا بها ونشروا الدعايات لها وأسسوها إنما هم من اليهود، فإمام الشيوعية الكبير (كارل ماركس) (1)
__________
(1) ماركس، كارل (1818-1883م) فيلسوف اشتراكي ألماني ومناضل ثوري، ولد في مدينة ثرير بمنطقة الراين، التحق بجامعتي بون وبرلين، حيث درس القانون ولكنه التحق أيضا بمناهج أخرى من بينها الميثولوجيا اليونانية، وتاريخ الفن، وخلال إقامته في بون انضم إلى نادي الشعراء ونظم الكثير من الشعر، واستمر في كتابة الشعر مضحيا بصحته في سبيل العمل ليلاً ونهاراً، حصل ماركس على شهادة الدكتوراة من جامعة بيينا، وفي عام 1842انتقل إلى بون وبدأ يعمل في الصحافة الثورية كمجلة (إنيسن تسايتونغ) ثم اشترى مع أصدقاء له جريدة (كولون- فازيت) وحولها إلى جريدة اشتراكية ثورية تحت اسم (راينيسن نازيت) عكف ماركس على دراسة مضنية لأعمال كبار لكتاب الاقتصاديين والسياسيين الثوريين ثم اشترك مع انفلز في تأليف كتاب (الأيدولوجية الألمانية) الذي انتقد الأفكار الثورية الرومانيكية، لكن الكتاب لم ينشر إلا في عام 1932م، وفي بروكسل أتم نظريته عن المادية التاريخية في الوقت الذي كان ينظم فيه (لجان مراسلة) تربط الاشتراكيين والشيوعيين البلجيكيين والألمان والفرنسيين والإنكليز، كما حاضر مهاجما الشيوعية العاظفية والرومانيكية التي كان يمثلها بأسلوب قاسي، ساعد في إنشاء الإتحاد الدولي للعمال الذي سمي فيما بعد باسم الأهمية الاشتراكية، كان يعاني كارل من أمراض عديدة ألزمته أن يلزم الفراش إلى أن توفي في 14 مارس 1883م إثر إصابته بخراج في الرئة.
... لقد كان لماركس والماركسية تأثيرهما الفائق على الطبقة العاملة والحركات الثورية جميعا في القرن العشرين، مما تجدر الإشارة إليه أن ماركس لا يعتبر نفسه تابع للماركسية فقد قال ذات مرة: (أياً كنت فلست ماركسيا) ومن أبرز أعمال كارل ماركس الرأسمال (1867-1894) = = الصراع الطبقي في فرنسا (1850) بيان الحزب الشيوعي (1848) ... إلخ. (موسوعة السياسة، المؤلف الرئيسي عبد الوهاب الكيالي، ط3). (1/19)
صفحة 20
هو نفسه من اليهود، والذين قاموا بالثورة البلشفية (1) في روسيا هم من أيضاً من اليهود، والذين روَّجوا الشيوعية حتى في البلاد العربية هم أيضاً من اليهود، وهذه الشيوعية هي من أكبر الأخطار، فإنها تبتلع الطارف والتليد، تقضي على معتقدات الناس وعلى قيمهم وأخلاقهم واقتصادهم وتصادر حرياتهم، وتبدلهم بنعيم الحياة جهنماً حمراء، وما من دعاية ينشرها الشيوعيون إلا ويتبيَّن الناس ما وراءها من الفضائح الكبرى، ولقد اعترف جماعة من الشيوعين أنفسهم بأنهم قد فشلوا فشلاً كبيراً من الناحية الاقتصادية، ولقد كتب ذلك غير واحد من السياسيين الروس من أنفسهم.
والمنظمة الثالثة الكبرى هي المنظمة الصليبية التي تتجلى في التبشير.
اليهود والنصارى والشيوعيون بعضهم أولياء بعض
__________
(1) أصل التسمية (البلشفيكي) و(المنشفيكي) والبلشفية ليست دعوة ثورية مستقلة بذاتها، ولكنها مظهر من مظاهر الدعوات الهدامة العلنية، ويطلق على الذين التفوا حول (لينين) في مؤتمر حزب العمال الروسي الذي عقد في (لندرة) في صيف 1903م، بالبلاشفة وهم قادة الثورة الروسية، وعرفت مبادئهم بالبلشفية على أنها ليست سوى الشيوعية الماركسية، ومن أشهر الزعماء البلاشفة (لينين) واسمه (فلادمير التش أوليانوف) الذي غدا أول رئيس لجمهورية السوفييت، و(تروتسكي) أو (براونشتين) الذي غدا روح الجيش الأحمر و(تسينوفييف) أو (إبفلباوم) الذي غدا رئيس الدولة الشيوعية (حركات هدامة، أحمد عبد الرحيم، ط1، صوما بعدها). (1/20)
صفحة 21
ونحن إذا رجعنا إلى إرشادات الله سبحانه وتعالى لنا وتحذيرنا من اليهود والنصارى والمشركين، نجد أن تحذير الله سبحانه وتعالى يبدأ بأهل الكتاب قبل غيرهم، وذلك لأن دعايتهم المسمومة إنما يغلفونها بغلاف ديني، وإلا فإن الدعوات التبشيرية لا تختلف عن الدعوات الصهيونية والدعوات الشيوعية، فهم يحاولون جهدهم أن يشتتوا الشعوب ويقضوا على الأمم وهذا واضح جلي في كثير من اعترافات المبشرين أنفسهم، ولنسمع إلى قول الله سبحانه وتعالى: { وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } (1) نرى أن الله سبحانه وتعالى قد جمع بين هاتين الطائفتين مع إخباره عنهما في آية أخرى أنهما يتعاديان حتى أن اليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى كذلك يقولون: ليست اليهود على شيء.
جمع الله سبحانه بينهما، وجعل مِلَّتهما واحدة { حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } (2) وقال الله سبحانه وتعالى في موضع آخر { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (3) في هذه الآية أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن بعضهم أولياء بعض، وإذا كان اليهود أولياء النصارى والنصارى أولياء اليهود فلا عجب إذا وجدنا التعاطف بين اليهود والنصارى، وإذا وجدنا أيضاً التعاطف بين هاتين الطائفتين وبين الشيوعيين فإن الشيوعيين -كما قلنا- إنما هم منبثقون من اليهودية نفسها.
إذن الشيوعية بنت اليهودية، واليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، فلا فارق بين اليهود والنصارى والشيوعيين، إنما هم ملة واحدة يجمع بينهما مبدآن عظيمان: الكفر بالله سبحانه وتعالى أولاً، وعداوتهم للإسلام والمسلمين ثانياً.
مخططات زويمر
__________
(1) البقرة/ 120.
(2) البقرة/ 120.
(3) المائدة/ 51. (1/21)
صفحة 22
ولذلك فإن اليهود والمبشرين الصليبيين يسعون جهدهم لأن ينشروا الإلحاد في الأرض، ولقد صَرَّح غير واحد من قساوسة المبشرين بل ومن أساتذتهم الكبار أن مهمتهم الكبرى هي إخراج المسلم من الإسلام، ولا يهمهم بعد ذلك كان يهودياً أو كان شيوعياً أو كان نصرانياً، أو كان وجودياً أو كان ماسونياً، إنما مهمتهم الكبرى إخراج المسلم من إسلامه.
ومن الذين صرحوا بذلك القسيس المشهور (زويمر) (1) الذي عُرف بعدائه للإسلام والمسلمين، وعُرف بمكائده المتعددة، وعُرف بجهوده المتواصلة لقصد إخراج المسلين عن حضيرة الإسلام، فقد قضى ستين عاماً في البلاد العربية، بل في الجزيرة العربية نفسها التي يسميها نفسه «مهد الإسلام» قضاها جهداً متواصلاً وعملاً دائباً لمحاولة إخراج المسلمين عن الإسلام، وهذا القسيس نفسه يقول: «إن مهمتنا ليست في تحويل المسلم إلى النصرانية، إنما مهمتنا في إخراج المسلم عن الإسلام» (2) .
__________
(1) هو الدكتور صمويل زويمر مستشرق أمريكي، كان بروتستانتياً، من أخطر المبشرين الذين عملوا في الساحة الإسلامية، محرر مجلة (عالم الإسلام) الإنكليزية، له مؤلفات عن الإسلام في العالم وعن العلاقات بين المسيحية والإسلام منها (يسوع في إحياء الغزالي) مات في الخامسة والثمانين من عمره، ولكنه أوصى أن يدفن في مدافن اليهود. (العلمانيون والإسلام، محمد قطب، ص) و(المنجد، ط21، ص).
(2) العلمانيون والإسلام، محمد قطب، ص (1/22)
صفحة 23
ولقد دعا إلى عقد مؤتمر في القاهرة في عام (1906م) وحظر هذا المؤتمر مندوبون من الطوائف التبشيرية المنتشرة في البلاد الإسلامية، ووضع بين أيديهم خريطة لتنصير العالم الإسلامي في خمسة وعشرين عاما (25عاما) وقال: «يجب أن يُحارب المسلمون بأبنائهم، يجب أن تُقطع الشجرة بأغصانها»، وقال إنه متفائل بأن العالم الإسلامي سيندفع إلى النصرانية تلقائياً ما دام يتقبل التعاليم الأوروبية ويروِّج الكثير من الأفكار الأوروبية المنتشرة كتحرير المرأة ونحو هذه الفكرة التي لا يُراد بها إلا الدسائس للمسلمين.
ثم انعقد مؤتمر آخر في (لكْنَهُو) (1) أيضاً وهي بلدة من بلاد الإسلام وحضر في هذا المؤتمر مندوبون من مختلف البلاد الإسلامية الذين يقومون بالتبشير في تلك البلاد، وبلغ عدد المندوبون (262) حاضراً في هذا المؤتمر والمراقبون بلغوا (213) مراقباً، بينما المؤتمر الأول الذي كان في القاهرة حضره من المندوبين (62) وكانت التخطيطات أيضاً إنما توضع في هذا المؤتمر الثاني كما فيه في المؤتمر الأول لتنصير المسلمين وإبعادهم عن حضيرة الإسلام.
زويمر يفشل في تنصير المسلمين
ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، فلقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يعيش زويمر نفسه حتى تنقضي المدة التي ادَّعى أنه يستطيع تنصير المسلمين فيها، وتحويل العالم الإسلامي إلى عالم نصراني، واعترف نفسه بعد ذلك بالعجز عن ذلك، ففي مؤتمر انعقد في فلسطين، وكان (زويمر) نفسه رئيساً لهذا المؤتمر قال فيه: «إننا قد عجزنا عن تحويل المسلمين إلى النصرانية لأن الدين الإسلامي دين قد خالط دماءهم، وقد جرى في عروقهم ولذلك يجب علينا أن نُركِّز جهدنا في أن نخرجهم من الإسلام أولاً».
__________
(1) لكنهو (لكناو) مدينة في شمال الهند، على نهر الغانج عاصمة ولاية أُتربراديش، تأسست في القرن السادس عشر على أنقاض مدينة (لاخمبور) امتازت بصفاء حضارتها الإسلامية، احتها الإنجليز 1857م. (المنجد، ط21، ص). (1/23)
صفحة 24
أما من هذه الناحية الثانية وهي إخراج المسلمين عن الإسلام فقد تظافرت جهود المبشرين وجهود اليهود والشيوعيين حتى استطاعوا أن يشككوا كثيراً من المسلمين في عقيدتهم، والمخططات التبشيرية تقضي بأن يشكل المسلمون في الإسلام كنظام يصلح لكل عصر من العصور، ومن هذه الناحية يستطيعون الطعن في المسلمين، الطعن في عقيدة الإسلام، لأن المسلم الحق هو الذي يدين بالإسلام ويستسلم بأمر الله وينقاد لحكمه، ويذعن لطاعته، ويرى أن الخير كله فيما أمر الله سبحانه وتعالى به والشر كله فيما نهى الله سبحانه وتعالى عنه.
ومن الأمور التي دعت كثيراً من أبناء المسلمين أن يتهاونوا بتراثهم وأن يتساهلوا في دينهم وأن يحاولوا جهدهم تقليد أعدائهم ما يرونه من تقدم العالم الغربي في العلوم الطبيعية.
العلوم الغربية المتقدمة أساسها المسلمون
والواقع أن هذه العلوم الطبيعية التي تقدم فيها العالم الغربي؛ إنما نال العالم الغربي نصيبه الأوفر منها في حال ركود المسلمين ونومهم، وإلا فالفضل كل الفضل في هذه العلوم نفسها للمسلمين، فالغربيون لم تصل إليهم هذه العلوم إلا بواسطة المسلمين، وقد اعترف جماعة كثيرون منهم بذلك، وما من منصف من كتَّابهم إلا ويسجل هذه الحقيقة في كتاباته، ولقد عارضت الصليبية كل المعارضة هذه العلوم بادئ الأمر. (1/24)
صفحة 25
ولقد تظافرت جهود من يُسَمَّون برجال الدين عند الأوروبيون على محاربة رجال هذه العلوم، ولقد أعدم شنقاً وتحريقاً كثير من الذين درسوا هذه العلوم، ففي عام من الأعوام أعدم أكثر من ثلاثمائة ألف حسب الحكم الصليبي في الكنائس، واثنان وثلاثون ألفاً منهم أعدموا حرقاً بالنار، لأجل اقتنائهم هذه العلوم التي وصلت إليهم من المسلمين، وعندما ركد المسلمون وناموا قام الأوروبيون ونمّوا هذه العلوم إلى أن وصلوا إلى ما وصلوا إليه، والذنب ليس للإسلام إنما الذنب في تساهل المسلمين وفي عدم قيامهم بواجبهم وفي بُعدهم عن إرشاد دينهم لهم، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا في كتابه العزيز بأن نعد العدة الكاملة لأعدائنا { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } (1) .
ولاشك أن المسلمين لن يستطيعوا محافظتهم على استقلالهم في أية ناحية من النواحي إلا إذا حصل لهم الاستقلال التام في جميع أمورهم، في اقتصادهم وفي سياستهم، وفي إنتاجهم، وفي صناعتهم، والمسلمون إنما صاروا عالة على العالم الغربي في الصناعات وفي كثير من الأمور لتفريطهم في دينهم أولاً، وعدم محافظتهم على استقلالهم الذي يأمرهم الله تبارك وتعالى أن يحافظوا عليه.
العلوم الأوروبية تنتج الدمار
ولننظر إلى هذه العلوم التي بلغ فيها العالم الغربي إلى ما بلغ إليه، ما الذي أنتجته في العالم الغربي؟ وما الذي حققته؟ إذا نظرنا في القضية بعين الاعتبار نرى أنها لم تنتج إلا الدمار، ولقد اعترف بذلك كثير من الكتاب المنصفين من الغربيين، لم تنتج إلا الدمار، دمار العقيدة ودمار الأخلاق، وتدمير حياة الإنسانية أيضاً.
__________
(1) الأنفال/ 60 (1/25)
صفحة 26
وكما قلت كثير من الكتاب يعترفون بذلك، فمن الكتاب الذين اعترفوا بذلك الدكتور (جود) الذي كان أستاذاً في الفلسفة بجامعة لندن، فمما قاله: «إن العلم والقوة في زماننا ينموان على حساب العقيدة والأخلاق» وقال أيضاً: «إننا قد استطعنا أن نتحدث من شرق الأرض إلى من في غربها، واستطعنا أيضاً أن نقطع المسافات الطويلة في أوقات قصيرة، واستطعنا أيضاً أن نسبر ما في أجسادنا بالأشعة، واستطعنا أيضاً أن نقيس السدم (1) والمجرات (2) ، وأن نزن الأجرام (3) ، ولكننا لم نستطع أن نصنع شيئاً مما هو بين أيدينا وأرجلنا» ومن غريب ما سجله أنه قال: «كان يتحدث إلى فيلسوف هندي، ويذكر له ما حققته أوروبا من الإنتاج، وكيف استطاع الغربيون أن يطيروا في الفضاء، وكيف استطاعوا أن يسبحوا بالغواصات في البحر» فأجابه الهندي قائلاً له: «لقد استطعتم أن تطيروا في الجو كالطيور، وقد استطعتم أن تسبحوا في البحر كالأسماك، ولكنكم إلى الآن لم تستطيعوا أن تعرفوا كيف تمشون على الأرض».
__________
(1) السديم Nebula: جسم غاز أو مجموعة من النجوم تظهر كضباب ساطع في سماء الليل الصافية، وهي أحد أجرام المجرة (النهاية، الكوارث الكونية وأثرها في مسار الكون، تأليف فرانك كلوز/ ترجمة د. مصطفى إبراهيم، سلسلة عالم المعرفة، 191/ص).
(2) المجرات: أو الجزر الكونية: هي وحدات الكون الأساسية العظمى، وتتكون كل مجرة من مليارات الأجرام السماوية: نجوم، سدائم، كواكب، مذنبات، نيازك، غبار كوني، غازات. وكلها تدور حول مركز المجرة، وترتبط أجزاء المجرات هذه بالجاذبية، فتجعلها وحدة عظيمة متماسكة. (الكون والأرض والإنسان في القرآن العظيم، رجاء عبد الحميد عرابي، ط1، ص).
(3) الأجرام: هي الأجسام الكونية التي يتكون منها الكون كالنجوم والسدائم والكواكب والمذنبات والنيازك والغازات.. (الكون والأرض والإنسان في القرآن العظيم، رجا عبد الحميد عرابي، ط1، ص). (1/26)
صفحة 27
ومن الذين اعترفوا بما وصل إليه العلم الحديث من تدمير الإنسانية في العالم الغربي المستر (ايْدِن) (1)
__________
(1) إيدن، أنطوني روبرت (1897-1977م) سياسي ورجل دولة بريطاني استعماري، كان يعمل كضابط أركان حرب في الحرب العالمية الأولى، بدأ حياته السياسية سنة (1923م) حين انتخب عن المحافظين في (لنجتون) مثل الحكومة كنائب وزير الشؤون البرلمانية في اجتماعات عصبة الأمم وجنيف بين (1925-1935م) عين وزيرا للخارجية سنة (1935م) وواجه أزمة احتلال هتلر لبريطانيا، استقال احتجاجاً على سياسة (تشمبرلين) المهادِنة لهتلر عام (1938م) عينه تشرشل وزيراً للخارجية (1940-1945م) وحين استقال تشرشل أصبح رئيساً للوزراء، كان له دور كبير في تشجيع إنشاء جامعة الدول العربية سنة (1943م) اشترك في العدوان الثلاثي على مصر= = وبفشل هذا العدوان انسحب من الحياة السياسية تماما، وأصبح -بعد ذلك- عضواً في مجلس اللوردات تحت لقب (لورد أفون). (موسوعة السياسة، المؤلف الرئيسي د. عبد الوهاب الكيَّالي، ط3، ج، ص).. (1/27)
صفحة 28
رئيس وزراء بريطانيا سابقاً، فإنه ذكر أن العالم الغربي مع الفتوح العلمية الطبيعية، ومع ما وصل إليه من الإنتاج والصناعات، أخذ يتدرج في الهمجية حتى وصل إلى الدرك النازل، وقال: «إنني أفكر كيف لو زارنا زائر من كوكب آخر؟ ووصل إلى هذه الأرض على أية حالة سيجدنا؟ إنه يجدنا شبه الوحوش يُعِد كُل فريق منا العدة لقتال الفريق الآخر، ويحاول كل فريق هنا أن يستهين بالفريق الآخر، وأن يطأ على كرامة الفريق الآخر» ولقد علَّق أحد المفكرين على كلامه فقال: «كيف لو شاهد المستر (ايْدِن) نفسه ما وصل إليه الإنتاج الصناعي للأسلحة في العالم الغربي» بعد خطبته هذه التي ذكر فيها ما ذكر، وسجَّل فيها ما سجَّله بسنوات، كيف لو شاهد ما وصل إليه العالم الغربي من تدمير حياة الإنسان بالقنبلة الذرية التي جربتها أمريكا أولاً في بعض الصحاري (1) ،
__________
(1) كان ذلك في صحراء ولاية (نيومكسيكو) الأمريكية بالقرب من لوس الاموس، حيث أجريت فيها أول تجربة حية للقنبلة الذرية قبل أسبوع واحد من إلقائها على هيروشيما، وكان نجاح التجربة حافزاً للرئيس (هاري ترومان) على استخدامها في الحرب ضد اليابان (هيروشيما). (موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، ج، ص).. (1/28)
صفحة 29
ثم جربتها ثانياً على رؤوس البشر في (هيروشيما) (1) حتى أن رئيس بلدة (هيروشيما) سجَّل عدد الذين أصيبوا بالقتل في اليوم السادس من سبتمبر في عام 1945م فقال: (كان عددهم يتراوح بين مائتي ألف وعشرة آلاف ومائتي ألف وأربعين ألفاً) هذا العدد الذي أبيد به هذه القنبلة الذرية التي شقت أمريكا أولاً الطريق إليها، فهل تُعتبر هذه العلوم التي تقدمت بها أوروبا منتجة للخير ومسببة للصلاح في الأرض، أو كانت وسيلة من وسائل التدمير بدل أن تكون وسيلة من وسائل التعمير؟ نعم، لو كانت هنالك عقيدة صالحة وإيمان راسخ، وتهذيب للأخلاق، ومعرفة بحقوق الإنسان لكانت هذه العلوم كلها وسيلة للتعمير، ولكانت وسائل الإعلام التي تدمر تدميراً وتقضي على الأخلاق، والتي تسبب انتشار الرذيلة بين الناس، لو كانت هنالك عقيدة صالحة لكانت هذه الوسائل وسائل لتعمير الأخلاق، وسائل لتنمية الفضائل، وسائل لحسن التفاهم فيما بين الناس.
__________
(1) هيروشيما: ميناء ومدينة يابانية تقع في الطرف الجنوبي لهونشو، كبرى الجزر اليابانية تطل على خليج داخلي بالقرب من أحد الأنهار الصغيرة، جعل منها مرفأ طبيعي، كما يطلق الاسم (هيروشيما) على المقاطعة التي بها المدينة، كانت حتى الحرب العالمية الثانية من المراكز الاقتصادية الهامة، وشمل نشاطها عدة صناعات تقليدية وحديثة وهي على الخط الحديدي من (كوبي) إلى (شيمونوسيكي) وعلى بعد 190 متر عن الأولى، تقع أمامها جزيرة النور (أتسوكوش)، برز اسم هيروشيما في 6من أغسطس 1954م قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ كانت هدف أول قنبلة ذرية في التاريخ ألقتها طائرة حربية من طراز (سوبر فورترز) كانت تطير على ارتفاع كبير بواسطة (باراشوت) على قلب المدينة التي تبلغ مساحتها (7م م) فشمل التدمير التام (4م م) من هذه المساحة وأصيبت المناطق المحيطة المجاورة بأضرار جسيمة. (موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، ج، ص). (1/29)
صفحة 30
العلاج الناجع من الهزيمة النفسية
وبعد هذا كله علينا أن نرجع بعض الوقت للنظر في علاج مجتمعنا الذي أصيب بما أصيب به من الهزيمة النفسية، إن العلاج قبل كل شيء هو عودة صحيحة إلى هذا الإسلام وتربية النشء عليه، وإيجاد الثقة في أبناء المسلمين بمبادئهم، وبقيمهم، وبأخلاقهم، وتعريفهم أن الخير كل الخير إنما هو في التمسك بمبادئ الإسلام، وهذا إنما يكون أولاً بالتربية السليمة، والتربية هي أولاً على آباء الأبناء، فعلى الآباء أن يتقوا الله في أبنائهم، وأن ينشئوا أبناء المسلمين تنشئة سليمة على الاستقامة في الدين على طاعة الله سبحانه وتعالى، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الحرص على تطبيق كل ما أمر الله سبحانه وتعالى به، واجتناب كل ما نهى الله عنه، ومسؤولية التربية ثانياً تقع على وزارات التربية والتعليم في البلاد الإسلامية، فعلى وزارات التربية والتعليم في كل البلاد الإسلامية أن تجعل جميع التعليم دائراً في فلك الدين، ولا نستطيع أن نتوصل إلى استثمار ما سخره الله تعالى لنا وما خلقه لنا إلا بهذا الذي يوصلنا إلى ذلك، ولكن العلم يجب أن يكون -كما قلت- دائراً في فلك الدين، كما يجب أيضاً على وزارات الإعلام في كل البلاد الإسلامية وتشجع الفضيلة بوسائلها المختلفة وأجهزتها المتعددة التي أصبحت تقتحم الأسوار، وتتخطى الحدود، وتلج كل بيت من البيوت، فعلى المسؤولين عن الإعلام في كل البلاد الإسلامية أن يرعوا أمانتهم وأن يحرصوا على أن يكون الإعلام في كل البلاد الإسلامية إعلاماً إسلامياً ينشر الفضيلة في الأرض ويتعلم منه الناس ما يصلحهم في أمر دينهم ودنياهم، كما يجب أيضاً على جميع الوزارات التي لها علاقة بالموضوع كوزارات الشباب والشؤون الإسلامية والشؤون الاجتماعية أن تؤدي دورها في ذلك، ويجب على علماء المسلمين الذين هم أمناء الله في أرضه والمسؤولون عن دينه والذين هم (1/30)
صفحة 31
خلفاء الله سبحانه وتعالى في خليقته؛ أن يؤدوا دورهم في إرشاد شباب المسلمين وتوعيتهم وإعادة الثقة إلى نفوسهم، ويجب على الشباب أنفسهم أن يعرفوا أن كل فرد من أفرادهم جندي، فعلى كلٍ منهم أن يستشعر أنه جندي من جنود الإسلام، واقف بسلاحه على ثغرة من ثغرات الإسلام يخشى كل الخشية أن يؤتى الإسلام من قِبَله.
المستقبل للإسلام
وفي هذه الأيام القريبة قرأت في مجلة من المجلات التي تصدر في لبنان؛ أن الزائر يزور أوروبا في وقتنا هذا يلفت انتباهه أن الأوروبيين يتساءلون كثيراً عن الإسلام، ويطلبون المصادر الإسلامية حتى يدرسوا الإسلام من خلالها، وهذه فرصة من الفرص يجب أن لا تضاع، ولكن يجب علينا أولاً أن نكون مسلمين حقاً، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، يجب علينا أن نعرف أننا مسؤولون عن إرشاد كل البشر؛ فالله سبحانه وتعالى قد جعلنا أمة دعوة { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (1) .
__________
(1) آل عمران/ 104. (1/31)
صفحة 32
والإسلام بحاجة إلى الشباب الذين يتربون في بيوت الله سبحانه في المساجد، والذين يجتمعون على حلقات العلم، والذين يتدارسون كتاب الله تعالى، ويتحفظونه، إن الإسلام ليس بحاجة إلى الشباب الذي يريد أن يتأنث، الذي يريد أن يتشبه بأعداء الله، الشباب الذي يتحلى بالذهب، ويعلق سناسل الذهب في أعناقه، إن المجتمع المسلم بحاجة إلى الشاب الذي يُمسك كتاب الله تعالى بإحدى يديه، ويمسك السلاح باليد الأخرى، ويتحدى بهما العالم أجمع، ويجب على كل شاب من شباب المسلمين أن يضع نصب عينيه أن العزة كلها في اتباع منهج الله سبحانه وتعالى، الذي يفضي إلى رضوانه، وأن المسلم هو مسؤول عن إرشاد غيره، وليس له أن يتبع غيره، فالمسلم يجب عليه أن يكون هو القائد، وما أحسن ما قاله في ذلك الشاعر الإسلامي الكبير والفيلسوف المشهور محمد إقبال في كلماته الذهبية التي يقول فيها: «إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها إرادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة، مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر الناهي، وإذا تنكَّر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك، حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة، والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد». (1/32)
صفحة 33
بهذا سوف يتحقق للمسلمين النصر والتأييد في الأرض، وبالتمسك بهذه المبادئ سوف يكون لهم السلطان في الأرض، ويكونوا أئمة ويكونوا الوارثين لهذه الأرض، ويستطيعون بذلك أن يهدوا القطعان الضالة من هذه البشرية.
التمسك بالدين طريق النصر
فعندما كان المسلمون -كما سبق أن قلت- لا يتساهلون في ذرة من إسلامهم في ذلك الوقت حتى في أحرج المواقف، كان كثير من الذين هم بادئ الأمر معادون للإسلام أصدقاء للإسلام ينتقلون في لحظات قصيرة من العداء للإسلام إلى الصداقة له، بل إلى اعتناقه، ولقد سجَّل ذلك غير واحد من كُتَّاب الغربيين أنفسهم، ومن الذين سجلوا أمثال هذه الحوادث المستشرق الإنجليزي المشهور (توماس أرنولد) (1) في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) فقد قال عن حرب القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي (2) : «
__________
(1) توماس أرنولد، أكثر رجال الاستشراق إنصافاً للإسلام وتقديراً للحضارة الإسلامية، وهو أستاذ الشاعر الإٍسلامي محمد إقبال، نظم فيه الأخير قصيدة بعنوان (نواح الفراق) أعرف فيها عن حبه لأستاذه. (معالم الثقافة الإسلامية، صوما بعدها).
(2) هو يوسف بن أيوب بن شاذي، نشأت أسرته في قرية (دوين) إلى الشرق من أذربيجان من قبيلة كردية اسمها (الهذانية) وفي تكريت ولد صلاح الدين بعد رحيل أسرته إليها واستقرارها فيها، وقد عمل والده في خدمة الدولة الزنكية، فأسندت إليه المناصب في بغداد والموصل ودمشق وكانت نشأة صلاح الدين بدمشق، وقد عمل في خدمة أمير الدولة الزنكية (نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي) الذي كان يقود صراع العرب والمسلمين ضد الكيانات الصليبية، أصبح صلاح الدين بعد وفاة عمه أسد الدين (شيركوه) وزيراً للخليفة الفاطمي العاضد وقائدا للجيش، وأصبح لقبه (الملك الناصر، أمير الجيوش) أما مدة حكمه فقد بدأت بوزارته سنة 564ه، واستمرت بعدما تولى كل السلطات سنة 567ه، إلى وفاته سنة 589ه..)موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، ج، ص وما بعدها). (1/33)
صفحة 34
إن نفس أخلاق صلاح الدين كانت هي الداعية لكثير من الصليبيين الذين كانوا يعادون الإسلام والمسلمين إلى اعتناق هذا الإسلام، ومن الذين اعتنقوا الإسلام أحد فرسان المعبد» ومن المعلوم أن فرسان المعبد هم فدائيون صليبيون، خرجوا متنكرين للإسلام يحاولون جهدهم أن يقضوا عليه، ومن الذين اعتنقوا الإسلام أحد فرسان المعبد يسمى (روبرت أوف) في عام1185م أي حوالي عام 581هاعتنق الإسلام بسبب تأثير أخلاق صلاح الدين عليه، ولقوة شكيمة المسلمين ومضاء عزيمتهم، وتمسكهم بأهداب دينهم، وقد كان ذلك قبل أن يستولي صلاح الدين على القدس بسنتين وقبل الاستيلاء على القدس فرَّ خمسة من فرسان المعبد عن ملك القدس إلى صفوف صلاح الدين، ولقد استطاع صلاح الدين بصبره وثباته وبإيمانه وعزمه أن يقف أمام جيوش الصليبيين في وقتٍ رمته فيه أوروبا بأفلاذ كبدها، فقد اجتمع على حربه كل الأوروبيين؛ فالقيصر (فريدريك) كان من الذين يحاربون صلاح الدين و(ريكارد) (1) ملك بريطانيا و(ليو بولد) النمساوي وآخرون من ملوك فرنسا، وسائر ملوك أوروبا قد اجتمعوا تحت قيادة (ريكارد) ملك إنجلترا لحرب صلاح الدين، ولكنهم لم يستطيعوا أن يثنوا من عزيمته ولم يستطيعوا أن يقهروه في ذلك الوقت -كما سبق أن قلت وكررت- لم يكن المسلمون يتساهلون في جزئية من جزئيات دينهم فضلاً عن كلياتها.
بذلك سوف تكون الغلبة للمسلمين إن شاء الله في الأرض، وبذلك سوف يكون لهم السلطان، وسوف تكون لهم القيادة والسيادة والإمامة في الأرض، وسوف يقودون القطعان الضالة من البشرية إلى الخير وإلى الطريق المستقيم.
خاتمة ودعاء
__________
(1) ريكارد (قلب الأسد) ولد في أكسفورد ملك إنجلترا (1189-1199م) ساهم في الحملة الصليبية الثالثة. (المنجد في اللغة والأعلام، ص). (1/34)
صفحة 35
ولا أريد أن أطيل عليكم فوق هذا، ولعل لقاءات تجمعنا بكم إن شاء الله سبحانه وتعالى، سوف نتحدث فيها بضبط عن كثير من عداوة أعداء الإسلام، كمخاطر اليهودية العالمية ومخاطر الشيوعيين ومخاطر المبشرين، فإن هذه الفرصة القصيرة لا تسمح بأن أطيل عليكم فوق هذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا من أمرنا رشداً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واقطع دابر أعداء الدين، واستأصل شأفتهم ولا تدع لهم من باقية، اللهم افعل بهم كما فعلت بثمود وعاد، وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، اللهم صب عليهم صوط العذاب، اللهم استخلفنا في أرضك كما استخلفت الذين من قبلنا، ومكِّن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وأبدلنا بذلنا عزاً، وبفقرنا غنىً، وبتشتتنا وحدة، وبضعفنا قوة، يا رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فتاوى للشباب
العمر جوهرة غالية
? السائل يقول: نرى كثيراً من الناس في مرحلة الشباب بدلاً من أن يقضوها في طاعة الله وعبادته، يسارعون إلى ارتكاب المعاصي كشرب الخمر، والدخان، وحلق اللحى، وإسبال الثياب، وإطالة الشعر، فهل لك من نصيحة توجهها إلى هؤلاء الشباب؟ (1/35)
صفحة 36
الجواب: أولاً قبل كل شيء على الشباب أن يدرك أن مرحلة الشباب مهما طالت هي قصيرة، فالعمر كله قصير، العمر وإن طال فهو قصير، ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يُسأل عنه العبد يوم القيامة جاء أول شيء عن «عمره فيما أفناه» (1) ثم عن «شبابه فيما أبلاه» يُسأل عن العمر فيما أفناه، لأن العمر جوهرة غالية في حياة الإنسان، فعندما يتساهل هذا الإنسان في عمره يفوِّت أعظم فرصة، إذ لا يمكن أن يعوّض العمر، فكل لحظة تنقضي إنما هي على حساب العمر، وكُلُّ نَفَسٍ يتنفسه الإنسان إنما هو خطوة من خطواته إلى الدار الآخرة، ولو خُيَّل للإنسان أنه سيعمَّر عمراً طويلاً فإنه لا يخيل له أنه يُعمَّر أكثر من مائة عام.
لنقدر أنه يعمّر مائة عام، لينظر ما مضى ولينظر ما بقي من هذه المائة، كم هذا العمر؟ هو قصير جداً، إن كان في مرحلة الشباب وهو في العشرين مثلاً يتصوَّر أنه بقي له ثمانون عاماً، ما هي الثمانون؟ إنما هي لحظات، لينظر بين مناسبة حولية وأخرى، لينظر مثلاً بين دخول شهر رمضان في هذا العام ودخوله في العام الماضي، لينظر بين دخول شهر محرم الذي هو بداية العام ودخوله في العام المقبل، لا يرى هذه السنين إلا مجرد لحظات:
على لحظات ينقصُ العمر مرها ... تؤكد آمال البقا وتزيد
__________
(1) لا تزول قدم (عبد / ابن آدم) يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن أربع ... الحديث) الترمذي (2416، 2417)، كنز العمال (38982، 38983)، المعجم الكبير للطبراني (11/102)، الطبراني في الصغير (1/269). (1/36)
صفحة 37
مع أنه لا يدري هل يعمَّر أو لا يعمَّر! على أن الشباب نفسه لو قدرنا أن مرحلته طويلة هي لا تتجاوز عشرين سنة، الشباب بعد العشرين يدخل مرحلة الكهولة ثم بعد ذلك تأتي مرحلة الشيخوخة، ثم مرحلة الهرم، إن أُنسء له في العمر، فإذاً عليه أن يستغل الفرصة في شبابه من أجل تقوى الله والاستمساك بحبل الله، والقيام بدعوة الحق التي أمر الله والتي أمر بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن أجل إقامة دين الله سبحانه وتعالى.
للدعوة وسائل كثيرة
? سؤال آخر: السائل يقول: أنا واحد من الشباب المستقيمين والحمد لله، ليست لي قدرة على إلقاء المحاضرات، فهل لك أن تذكر لنا بعض الوسائل الدعوية غير إلقاء المحاضرات؟
الجواب: الدعوة لا تنحصر في المحاضرات، فهناك وسائل كثيرة، الجلوس مع الناس أولاً الإنسان يبدأ بأسرته، يدعو أهل بيته إلى الاستقامة، يدعو قرابته، يدعو جيرانه، يدعو أصحابه، فعندما يصاحب واحداً في الطريق يدعوه إلى الخير، يعرّفه بدين الله، يعرّفه بالواجبات التي عليه فيما بينه وبين الله، ويعرّفه بقيمة هذه الحياة الدنيا، يذكِّره بالموت، يذكِّره بالدَّار الآخرة، يدعوه إلى الانصراف عن الاسترسال في شهوات النفس ورغباتها الجامحة لأجل الإقبال على أمر الله سبحانه، في ذلك كله أثر كبير في دفع عجلة الدعوة إلى الأمام.
تنقية القلب وضبط النفس سبيل الهداية
? السائل يقول: كيف يستطيع الشاب المسلم في عصرنا هذا أن يقتفي هدي القرآن ومبادئ السنة على نفس المنهج الذي سار عليه الصحابة، أو بمعنى آخر كيف وبأي طريقة يفهم القرآن والسنة بنفس فهم الصحابة؟ (1/37)
صفحة 38
الجواب: نعم؛ القرآن بحمد الله لا يزال قائماً محفوظاً يُتلى كما تُلي في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- ولا يزال القرآن الكريم تشع أنواره على الإنسانية كما كانت تشع من قبل، بل في كل عصر من العصور مع التطورات التي تفرزها هذه العصور تتجدد إشعاعات القرآن الكريم، إذ في كل عصر من العصور يتجدد ظهور إعجاز القرآن الكريم من وجوه شتى، فنحن في هذا العصر تجدد عندنا فهم إعجاز القرآن من عدة وجوه، من بينها الإعجاز العلمي الذي بهر حتى غير المسلمين واعترفوا بأن هذا القرآن لا يمكن إلا أن يكون من عند الله سبحانه وأنه الكتاب الوحيد الذي لم تطله أيدي التحريف والتبديل، فالقرآن الكريم موجود والسنة النبوية أيضاً محفوظة مدوَّنة، وقد نفي عنها ما ألصقه الملصقون بها من الأحاديث الموضوعة غير الثابتة من خلال دراسة مناهج الرواية ومعرفة الجرح والتعديل في الرجال والرواة، ذلك كله بحمد الله متيسر وإنما قبل كل شيء على الإنسان أن يحرص دائماً على ضبط نفسه وسلامة قلبه، فإن الله سبحانه وتعالى وعد بالدار الآخرة من كان ذا قلب سليم { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } (1) وعندما وصف إبراهيم عليه السلام وصفه بأنه أتى ربه بقلب سليم، إذاً قبل كل شيء تنقية القلب وتطهيره من الأكدار، وضبط النفس والاستيلاء عليها، والحرص على الاستهداء بهدي القرآن وهدي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، عندما يتوفر ذلك عند الإنسان يهون كل شيء بحمد الله.
التقوى أساس النصر
? السائل يسأل: هل ترى إمكان انتصار المسلمين في هذا العصر مع قوة أعدائهم؟
__________
(1) الشعراء/ 88-89. (1/38)
صفحة 39
الجواب: نعم، وألف نعم، المسلمون اليوم في هذا العصر لم يُغلبوا بالقوة المادية، وإنما غُلبوا بسبب انحسار القوة المعنوية التي في نفوسهم، فهو الذي غلَّب عليهم أعدائهم، فالحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أمن قلةٍ يا رسول الله؟ قال: لا، إنكم كثير ولكنهم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن الوهن في صدوركم، قيل له: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبّ الدنيا وكراهة الموت» (1) .
__________
(1) التاريخ الكبير للبخاري (34004)، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (6/370)، كنز العمال (30916)، حلية الأولياء (18211)، مشكاة المصابيح (5369)، أحمد بن حنبل (5/278). (1/39)
صفحة 40
في العصر الماضي عندما كان المسلمون مستمسكين بحبل القرآن، سالكين نهجه، غير مفرطين في أوامره ونواهيه، في ذلك العصر قووا بالقرآن، قووا بالإيمان، قووا بعدم التفريط في أمر الله، قووا بالصلة القوية التي تصلهم بالله سبحانه وتعالى، المسلمون لم يقووا في ذلك العصر بقوَّة مادية، فما كانت -كما علمتم- القوَّة المادية متوفرة عند المسلمين كما كانت عند أعدائهم، ولكن عندما سار جيش عمر - رضي الله عنه - إلى افتتاح فارس، ما هي القوة التي زودهم إياها عمر؟ هل زودهم دبابات؟ هل زودهم طائرات؟ هل زودهم قنابل؟ هذه ما كانت موجودة؟ لكن هل كان حريصاً على أن يشتري لهم سيوفاً جديدة، ونبالاً جديدة، ورماحاً جديدة؟ لا، ما كان ذلك كله وإنما حرص كل الحرص على تزويدهم القوة المعنوية، فكانت وصيته لقائد جنده سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - هذه؛ قال له: «أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوّتنا، واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شرٌّ منا فلن يسلط علينا، فرب قومٍ سُلِّط عليهم من هو شرٌّ منهم كما سلط على بني إسرائيل، إذ عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لي ولكم» (1) .
__________
(1) جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي. (1/40)
صفحة 41
هذه الوصية هي القوة الفاعلة المؤثرة، فما ضاق ذرعاً (يزدجرد) (1) حتى هرب من سيوف المسلمين وحتى كتب أولاً إلى إمبراطور الصين يستنجده على المسلمين، وأجابه الإمبراطور الصيني بما أجابه إلا بتأثير هذه الوصية البالغة في نفوس الجند، فإن عمر - رضي الله عنه - عندما جند هؤلاء الأجناد وكان سعد قائد الجند، أمر سعداً أن يكون له مستشار عيَّنه له عمر نفسه وأمره ألا يُقدِم على شيء وألا يُحجِم عن شيء إلا بمشورة مستشاره ذلك، من هو المستشار؟ سلمان الفارسي - رضي الله عنه - مع أن البلاد، بلاد فارس التي تفتتح، لكن ما كانت هناك نزعة قومية، وإنما كان ذلك كله من أجل الله، سلمان الفارسي (2)
__________
(1) يزدجرد: حفيد كسرى، وأمه من أهل (يادوريا) حكم في فترة فوضى، اعتلى العرش وهو ابن إحدى وعشرين سنة، انتصر على العرب (633م) غير أن الفاتحين –سعد بن أبي وقاص- أعادوا الكرة فانتصروا على جيشه في معركتي القادسية (635م)، ونهاوند (642م) وهو آخر الأكاسرة. (المنجد في اللغة والأعلام، ط21، ص، الطريق إلى المدائن، ص).
(2) سلمان الفارسي: من خواص الصحابة، كان رقيقاً، أسلم بعد الهجرة، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه (سلمان منا آل البيت)، أشار على النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، ولاه عمر بن الخطاب عاملاً على المدائن، كان يأكل من كد يمينه، ويتصدق بالفائض، روى الحديث عنه ابن العباس وأبو هريرة، توفي سنة (35ه/655م). (المنجد في اللغة والأعلام، ط21، ص).. (1/41)
صفحة 42
يخرج في جند المسلمين من أجل القضاء على الإمبراطورية الفارسية، وبناءً على هذه الوصية عندما أراد سعد - رضي الله عنه - أن يقدم استشار سلمان في ذلك، فقال له سلمان: أمهلني الليلة حتى أجيبك غداً إن شاء الله ولا تقدم إلا بعد أن أجيبك، فأمهله، وفي اليوم الثاني جاء إليه وقال له: أقدم على بركات الله، فإني طفت الليلة بالجند فوجدتهم بين راكع وساجد، ولم تنصروا إلا بذلك، بهذا انتصر المسلمون.
الإسلام المنقذ (1/42)
صفحة 43
والآن العالم متهيئ أكثر من أي عصر من العصور لِقَبُول الإسلام لو أن المسلمين استمسكوا بالعروة الوثقى، وأصلحوا ذات بينهم، العالم بأسره متهيئ لأن العالم الآن واقف على حافة الانتحار، فإما أن يهوي والعياذ بالله في نار تستعر وإما أن ينقذه الإسلام، لا مناص من ذلك، وقد أدرك المدركون لهذه الحقيقة فقبل فترة غير قصيرة -قبل سنتين وقليل من الشهور أو الأيام- جاء إلى بلاد الشام رجل أمريكي كان أولاً على غير الإسلام، ولكنه اقتنع بالإسلام فأسلم وليس هو بالرجل الهيّن فقد تقلَّد عدة مناصب في الولايات المتحدة الأمريكية وهي مناصب سياسية ذات أهمية، ومن بين هذه المناصب أنه كان في عهد الرئيس (نكسون) (1)
__________
(1) نكسون، ريشارد ميلهو: ولد عام (1913م) سياسي أمريكي، تعامل مع المخابرات الأمريكية وكان اسمها (FB1) عام (1947م). رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية (1969م). (المنجد في اللغة والأعلام، ط21، ص، المخابرات والعالم، ص).. (1/43)
صفحة 44
كبير مستشاريه للسياسة الأمريكية الخارجية، جاء إلى بلاد الشام وألقى هناك محاضرة وهي بعنوان (القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين) وذكر الأوضاع في البلاد الأمريكية بأنها سائرة بخطى حثيثة إلى الدمار، وأنه لا منقذ إلا الإسلام، وهذا الكلام لا يستغرب أن يقوله رجلٌ أسلم وتذوق طعم الإسلام، وعرف قيمة الإسلام وأدرك سرَّ الإسلام، ولكن إذا عجبنا فلنعجب أن هذا المنطق منطق رجل بعيدٍ عن الإسلام جداً وهو من الشخصيات المهمة في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو (برجنسكي) الذي كان مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس (كارتر) (1)
__________
(1) كارتر، جيمي ايرل (1924- ) الرئيس التاسع والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية، تولى مهامه في 20 يناير 1977م، ولد في ولاية جورجيا، وتخرج في الأكاديمية البحرية، وعمل في سلاح البحرية حتى عام (1953م) ثم امتهن الزراعة وانتخب شيخا في مجلس شيوخ الولاية (1962-1966م) وأصبح حاكما لولاية جورجيا عام (1970م) خاض معركة الرئاسة أواخر (1976م) ضد (فورد) مرشح الحزب الجمهوري واستطاع أن يجتذب تأييد نقابات العمال والأقليات، فقد تمكن من اجتذاب نسبة ملحوظة من أصوات اليهود نتيجة لموقفه المتطرف في تأييد إسرائيل، حاول جيمي كارتر طيلة مدة رئاسته إظهار سياسته الخارجية بمظهر أخلاقي = = ديمقراطي، ولكنه أمام الهزائم المتعددة التي جابهته في (السلفادور، نيكاراغوا، إيران، أنغولا، أفغانستان ... ) عاد إلى اتباع سياسة استعمارية متشددة، ولكن بعد فوات الأوان، ولقد أدى هذا إلى هزيمته أمام (رونالد) بسبب عجزه عن تحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران (1980م). (موسوعة السياسة، المؤلف الرئيسي د. عبد الوهاب الكيالي، ط3، ج5،ص122).. (1/44)
صفحة 45
بل هو -كما يقال- مهندس السياسة الأمريكية، مع أنه رجل يهودي، (برجنسكي) هذا يتحدث عنه هذا المحاضر في محاضرته هذه بأنه تحدث قبل نحو عقدٍ من السنين عن الانهيار الذي سيصيب الاتحاد السوفيتي، ثم وقع ذلك، والآن يقول هو نفسه بأن الولايات المتحدة الأمريكية تسير بخطى حثيثة إلى نفس المصير، إلا أن يكون هنالك المنقذ، ويشير من خلال كلامه إلى أن المنقذ الإسلام.
ونجد ما يدل على هذا في كلام الرئيس (جورباتشوف) (1) آخر رئيس للاتحاد السوفيتي الذي انهار، فقبل نحو ثلاث سنوات كانت معه مقابلة في إحدى القنوات التلفزيونية في بريطانيا، وسئل عن الشيوعية هل يمكن أن تستمر كنظام في الصين وفي فيتنام؟ فأجاب: كلا! إن الشيوعية ميتة ولا يمكن للميت الاستمرار، فسئل عن البديل، ما هو البديل؟ فقال: لا أعتقد أن البديل يكمن في الرأسمالية ولا في الاشتراكية ولا في الديمقراطية، وإنما هو في نظام آخر، فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة.
الإسلام كبديل
__________
(1) غورباتشوف، ميخائيل، (1931- ) رجل دولة سوفيتي، وزعيم الحزب الشيوعي بعد وفاة (تشيرنينكو)، درس الحقوق في جامعة موسكو التحق بالحزب الشيوعي السوفيتي عام (1952م)، وفي عام (1962م) تولى مسؤوليات في قيادة فرع الحزب –الشيوعي- في المنطقة، وفي عام (1970م) صار سكرتيراً أول للحزب في مقاطعة (ستافروبول) إلى أن استدعي إلى موسكو ليتولى إدارة الشؤون الزراعية سكرتارياً، وكان يعتبر آنذاك (حارس العقيدة) و(صانع الملوك) وفي عهد= = (تشيرنينكو) ظهر غورباتشوف في موقع الخليفة الأرجح حظاً فتولى رئاسة الشؤون الخارجية في السوفييت الاتحادي. وعند وفاة (تشيرنينكو) لم يستغرق انتخابه بضع ساعات. (موسوعة السياسة، المؤلف الرئيسي د. عبد الوهاب الكيالي، ط3، ج، ص). (1/45)
صفحة 46
ما هي الحضارة الجديدة؟ إنما هي حضارة الإسلام! لا يمكن أن تفسر الحضارة الجديدة إلا حضارة الإسلام، هل يمكن أن يقال بأن للديانة الهندوكية حضارة يمكن أن تحل مشكلات البشرية وأن (جورباتشوف) يتطلع إلى تلك الحضارة؟ هل يمكن أن يقال بأن للديانة البوذية (1)
__________
(1) هي ديانة ظهرت في الهند بعد الديانة البرهمية في القرن الخامس قبل الميلاد، كانت في بدايتها متوجهة إلى العناية بالإنسان وتدعو إلى التصوف والخشونة والمناداة بالمحبة والتسامح وفعل الخير، لكنها تحولت بعد موت مؤسسها (سدهارتا جوتاما) الملقب ب)بوذا) (560- 480 ق.م) ويلقب أيضاً بسكيا موين (المعتكف) إلى معتقدات ذات طابع وثني، ولقد غالى أتباعها في = =مؤسسها حتى ألهوه، وينقسم البوذيون إلى قسمين: أ) البوذيون المتدينون. ب) البوذيون المدنيون. وللبوذية مذهبان كبيران: المذهب الشمالي وكتبه مدونة باللغة السنسكريتية وهو سائد في الصين واليابان والتبت ونيبال وسومطره، والمذهب الجنوبي وكتبه المقدسة مدونة باللغة البالية وهو سائد في بورما وسيلان (سيريلانكا) وسيام. (حركات هدامة، أحمد عبد الرحيم، ط1/صوما بعدها).. (1/46)
صفحة 47
حضارة يمكن أن تحل مشكلات الإنسانية؟ لا، إنما هذه الحضارة هي حضارة الإسلام، دين الله تعالى الحق، إن كانت المشكلة التي جعلوها نصب أعينهم -وهذه ليست هي المشكلة الأساسية- هي مشكلة الاقتصاد، فلننظر إلى حلّ الإسلام لهذه المشكلة، ففي آية واحدة حلّ الإسلام هذه المشكلة، وللمشكلة الأساسية وهي مشكلة العقيدة، ولكثير من المشكلات الاجتماعية، وغيرها في هذه الآية الواحدة { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ } (1) الحقوق الأولى المذكورة لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل هي من غير الزكاة بدليل قوله: { وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } (2) فإذاً الحل الذي تتطلع إليه الإنسانية حلٌّ عام، يتناول الجانب العقدي، والجانب الخلقي، والجانب الاقتصادي.
__________
(1) البقرة/ 177.
(2) البقرة/ 177. (1/47)
صفحة 48
أنا بنفسي شاهدت العجب العجاب في حياة الناس، وأنا ذاهب إلى الصين وإلى (هونج كونج) (1) ، هذه الأشياء أتحدث عنها لرؤيتي إياها ومشاهدتي لها كما هي، فقبل حوالي ستة عشر عاما من الآن، زرت بلاد الصين، ثم سافرت من (شنجهاي) (2) في الصين إلى (هونج كونج) والمسافة لا تتجاوز ساعة واحدة بالطائرة من (شنجهاي) إلى (هونج كونج) ورأيت العجب عند هؤلاء وهؤلاء، رأيت من التناقضات أمراً عجباً.
__________
(1) هونج كونج: مرفأ وجزيرة في جنوب الصين (خليج كانتون) عاصمتها فكتوريا، خضعت للنفوذ الإنجليزي (1842م). (المنجد في اللغة والأعلام، ط21، ص).
(2) أكبر المدن الصينية. (1/48)
صفحة 49
أما في الصين فرأيت الناس يحرَّكون كما تحرَّك الدمى بالأزرار، كأنما الحزب الذي يمسك بناصية الأمر هناك يضغط على أزرار فتتحرك الجماهير، يتحرك ألف مليون من البشر بالضغط على الأزرار، لا إرادة للإنسان، فالناس هناك كيف يعيشون؟ من غرائب الأمور أنهم لا يعرفون حتى طعم الماء البارد، وعندما سُئل بعض القادة -سأله بعض الوفد الذي كان معنا- لماذا لا تشربون الماء البارد؟ قال: لو عوَّدنا الناس شرب الماء البارد لاحتاج كل عشرة منهم على الأقل ثلاجة واحدة، معنى ذلك أننا نحتاج إلى مائة مليون ثلاجة، وأيضاً لا يعرفون شرب الشاي بالسكر، وكان الجواب أيضاً عن هذا اللغز بأنهم لو عوَّدوا أن يشربوا الشاي بالسكر فعلى الأقل يحتاج الواحد في اليوم إلى جرامين من السكر، ومعنى ذلك أن ألف مليون يحتاجون إلى مليوني كيلو من السكر وهكذا!.. (1/49)
صفحة 50
إذاً الناس عودوا عادة غريبة، حركات الناس كلها حركات عسكرية، عليهم أن يستيقظوا في ساعة معينة، وأن يمارسوا بعد ذلك الرياضة، وأن يخرجوا في ساعة معينة إلى العمل، ويبقون في العمل عشر ساعات تتخلل هذه العشر ساعات وجبة غداء لمدة نصف ساعة، هذه الوجبة مفروضة على كل أحد، لا يأكل أحدٌ عندما يشتهي الطعام، بل عندما يُراد له أن يأكل، ولا يأكل ما يريده بنفسه بل ما يُراد له أن يأكله، وكل شيء عندهم بحسب إرادة الحزب، لا بحسب إرادة الإنسان فالمواطن الفرد ليس له حرية، الإنسان ذائب، فهو لا يستطيع أن ينتقل من مكان إلى آخر إلا بإرادة الحزب، لو حاول أن ينتقل إلى أي مكان ما أمكنه ذلك، إن الوسيلة لا يملكها، لا تسخر له الوسيلة ولو استطاع أن يذهب إلى هناك أين يأوي؟ لا مأوى له، لو قدرنا أنه وجد مأوى، من أين يأكل؟ بطاقة الأكل موجودة هنا، وليس مفوضاً أن يأكل من هناك، الناس يوجهون توجيهاً غريباً، حتى السوق الذي يأتي إليه المواطن لا يدخله أحد من غير المواطنين، الأعضاء الدبلوماسيون مثلاً هناك لهم سوق خاصة، بخلاف سوق المواطنين، العملة مختلفة، (فاليَن) الذي عند المواطن لا يحمله الأجنبي، والذي عند الأجنبي لا يحمله المواطن.
هكذا كانت الأوضاع في ذلك الوقت، لعلها تغيرت الآن، كما يقول (جورباتشوف): لا يمكن للشيوعية أن تبقى في الصين ولا في فيتنام، الناس يحركون تحريكاً عجيباً: النوم في ساعة معينة، الاستيقاظ في ساعة معينة، الحركة في ساعة معينة.
عندما انتقلت من مدينة (شنجهاي) في الصين إلى (هونج كونج) رأيت هناك الأشياء العجيبة أيضاً، هناك عمارات شاهقة -كما يقال- هذه العمارات حسب عُرف العرب هي ناطحات السحاب، سألت عن إيجار شقة منها قالوا: بعض العمارات تؤجر الشقة الواحدة منها بما يساوي في ذلك الوقت أربعة آلاف ريال عماني. (1/50)
صفحة 51
هذه العمارات قد تكون عمارة شاهقة منها ملك لأحد، وقد تكون لإنسان واحد عمارات لا عمارة واحدة فحسب، هذا النظام الرأسمالي بجانب هذه العمارات الشاهقة رأيت قطعاناً من البشر لا مأوى لهم، لا مأوى لجماعات؛ حتى أنني وجدت جماعة من الناس يأوون في هيكل سيارة متحطمة قديمة ألقي هيكلها هكذا، فهم يستظلون بهذا الهيكل القديم البالي، وفي نفس الوقت وجدت جماعة من الناس يأوون إلى قوارب الصيد في البحر، فإذاً هذا الفارق!.
الإسلام لا هذا ولا ذاك، الإسلام لا يسلب الفرد حريته ويذوّبه، بل له حرية التملك وله حرية الإرادة، لا تقهر حريته ولكن بجانب ذلك لا يطلق له العنان، حتى تكون راحته على حساب غيره، بل يَضْبِط هذه الحرية بضوابط لا يتعداها الإنسان، فإذاً الإسلام هو أمل الإنسانية بأسرها ولكن متى يكون ذلك؟ إنما يكون عندما يستمسك المسلمون بهذا الدين ولا يفرطون في شيء من أوامره ونواهيه.
مسك الختام
هنا كلمات قالها أحد المفكرين الإسلاميين المعاصرين وهو الشاعر الإسلامي الباكستاني محمد إقبال (1) ..
__________
(1) محمد إقبال: ولد سنة (1289ه/1873م) لأبوين صالحين تقيين ينتسبان إلى أسرة ذات أصل كشميري، هاجرت إلى سيالكوت في البنجاب، ابتدأ العلم على والده، ثم انتسب إلى كتَّاب حفظ فيه قسماً وافراً من القرآن الكريم، مما أدى إلى الاستشهاد به في شعره ونثره، ثم دخل مدرسة تابعة لبعثة أجنبية، حيث اهتم به صديق والده (مير حسن) الذي كشف الأخير عن مواهبه، وبعد تخرجه من مدرسة البعثة الأجنبية انتقل إلى لاهور حيث كانت آنذاك من أعظم مدن الهند حضارة وعلماً وفنا، فنال منها درجة الإجازة ثم الأستاذية بتفوق، وكان تلميذاً لـ)توماس أرنولد) المستشرق البريطاني المعروف صاحب كتاب (الدعوة إلى الإسلام)، عين بعد الدراسة لتدريس التاريخ والفلسفة بجامعة كمبردج فنال أعلى الإجازات في الفلسفة والقانون، وبعدها عاد إلى وطنه فعمل في المحاماة.
... كما عمل في الميدان السياسي فدخل الانتخابات، وشارك في إنشاء حزب واشترك في مؤتمر الطاولة المستديرة، على أن أعظم عمل سياسي هو إنشاء دولة تضم مسلمي الهند هي باكستان في سنة (1930م) حيث رأس الاجتماع السنوي للرابطة الإسلامية، خلف محمد إقبال شعراً غزيراً ينضح بالفكر والحكمة، ومحاضرات كثيرة، وفي عام (1357ه/1938م) وافاه الأجل المحتوم وكان ينشد شعره:
نفحات مضين لي هل تعود ... أنسيم من الحجاز يعود
آذنت عيشتي بوسك رحيل ... هل لعلم الأسرار قلب جديد (1/51)
صفحة 52
هذه الكلمات -قلت أكثر من مرة- هي حَرِيَّة بأن تكتب بماء الذهب، وينبغي للمسلم أن يجعلها نصب عينيه، يقول في كلامه في وضع المسلم: «إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدنية ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها إرادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه فليس مقامه مقام التقليد، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة، مقام الإرشاد والتوجيه، مقام الآمر والناهي، وإذا تنكَّر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله، ويظل في صراع معه وعراك، حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة، والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد» (1) .
ونجعل هذا مسك الختام -إن شاء الله- ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب وأن يأخذ بأيدينا إلى جادة الحق، وأن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الشرك والمشركين، وأن يقطع دابر أعداء الدين، اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين، ومكِّن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا، وأبدلنا بخوفنا أمناً وبذلنا عزاً، وبفقرنا غنى، وبتشتتنا وحده، واجمعنا على كلمتك وألف بين قلوبنا بطاعتك، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الخاتمة
__________
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ أبو الحسن الندوي، ط8/ص. (1/52)
صفحة 53
... وأخيراً.. فإن (خلاصة الكلام لشباب الإسلام) هو في التمسك بالدين القويم، والتخلّق بالقرآن الكريم، والتعامل بسنة الرسول الكريم، والتفاهم بروح الإسلام العظيم، فإن هذه البشرية -كما قال الشيخ في محاضرتيه- في حاجة إلى رسالة متوازنة، خالدة شاملة لن تجدها إلا في الإسلام، ولن يجد العالم سكينته وسعادته الروحية وتوازنه إلا في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
... ولا شك أن هذه البشرية المعذبة والمريضة في حاجة إلى دواء يشفيها مما تشكو إليه من هذا الحريق، وهذا السعار المادي الذي يأكل باطنها، ولن تجد الإطفاء إلا في الإسلام فهو قارورة الدواء، ومضخة الإطفاء لما تعانيه البشرية من تلاطم في بحر الماديات وتنافر عن محيط الأخلاقيات، ولن يكون ذلك الشفاء للبشرية إلا إذا رجعت إلى بر الإسلام، بر السلام والأمان، عندها فقط تكون البشرية قد وصلت إلى درجة الاهتداء بهدي الله القويم، وهذا لا تأتى إلا إذا قام الشباب المسلم بدورهم الأمثل في هداية البشرية إلى ما فيه خيرها، ونجاتها دنيا وأخرى بالرجوع إلى هذا الدين في سلوك الإنسان مع ربه، وسلوكه مع نفسه، وسلوكه مع أسرته وسلوكه مع المؤمنين من أمثاله وسلوكه مع الآخرين ممن يخالفون في معتقده. (1/53)
صفحة 54
... ودور الشباب أيضا في تبصير الأمة الإسلامية بدورها من حيث أنها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإن مع هذه الأمة ما ليس في العالم، فعلى الشباب الذين يجسدون الصحوة الإسلامية في هذا العصر أن يتقدموا بهذا الإسلام إلى العالم.. الإسلام الصحيح غير المحرف.. الإسلام المتوازن.. إسلام القرآن والسنة.. إسلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة.. هذا الذي ينبغي على الشباب أن يدعو العالم إليه بالاستعداد الروحي والفكري، والاستعداد الصناعي والحربي والاستقلال التعليمي، فبهمة الشباب ينهض العالم الإسلامي من غفوته ويصحو من غفلته فيؤدي رسالته وينقذ العالم من الانهيار الذي يهدده.. فليست القيادة بالهزل، إنما هي جد الجد، فتحتاج إلى جد واجتهاد وكفاح وجهاد، واستعداد أي استعداد.. فكما قال الشاعر..
كل امرئ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا
وفي الإسلام تجد البشرية خلاصتها وسلامتها من كل ما تعانيه.. ففي الإسلام يجد الإنسان راحة نفسية وغذاء لروحه، ولذة لوجدانه، وبالإسلام يُنتشل الإنسان من لجة الحياة التي يغرق فيها الناس، هذه الحياة المادية، ويقف الإنسان في هذه الصلوات بين يدي الله سبحانه وتعالى بطمأنينة القلب، وسعادة الروح.. ومن الإسلام يأخذ الإنسان العلاج الروحي الذي يغسل النفس الإنسانية من أدرانها، لترجع إلى فطرتها التي فطرها الله عليه، فترجع النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية فتدخل في عباده وتدخل جنته.. هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المراجع
1- القرآن الكريم.
2- بروتوكولات حكماء صهيون، شوقي عبد الناصر، الطبعة الخامسة.
3- جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، مؤسسة المعارف.
4- شقائق النعمان على سموط الجمان، محمد بن راشد الخصيبي. (1/54)
صفحة 55
5- طبقات المشايخ بالمغرب (الجزء الأول والثاني) الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، تحقيق وطبع: إبراهيم طلاي.
6- العقود الفضية في أصول الإباضية، الشيخ أبي عبدالله سالم بن حمد الحارثي، بلا تاريخ.
7- العلمانيون والإسلام، محمد قطب، دار الشروق (1994م).
8- القادة.
9- الكون والأرض والإنسان في القرآن العظيم، رجا عبد الحميد عرابي، تقديم وتقريظ الأستاذ علي عبد الحميد أبو الخير، الطبعة الأولى (1415ه/1994م)، دار الخير.
10- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، الشيخ أبي الحسن علي الحسيني الندوي، الطبعة الثامنة (1404ه/1984م) دار الكتاب العربي (بيروت/لبنان).
11- المخابرات والعالم.
12- معالم الثقافة الإسلامية، الدكتور عبد الرحيم عثمان، مؤسسة الرسالة، (1402ه/1982م).
13- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة الإسلامية (استانبول/ تركيا) 1982م.
14- المنجد في اللغة والأعلام، مجموعة من المؤلفين، الطبعة الحادية والعشرون، دار المشرق (بيروت).
15- النهاية؛ الكوارث الكونية وأثرها في مسار الكون، سلسلة عالم المعرفة (191) تأليف: فرانك كلوز، ترجمة: الدكتور مصطفى إبراهيم فهمي (جمادى الأولى 1415ه/ نوفمبر 1994م).
الفهرس
م ... الموضوع ... الصفحة
1 ... مقدمة ... 5
2 ... الشباب ثروة الأمم ... 6
3 ... صفات أهل الحق والاستقامة ... 9
4 ... نزعة الاستقلال تضعف هاجس الهزيمة النفسية ... 12
5 ... جانب من تأثير المعتقدات الإسلامية على غير المسلمين ... 14
6 ... الإسلام كل لا يتجزأ ... 18
7 ... أسباب الهزيمة النفسية عند المسلمين اليوم ... 19
8 ... منظمات الجاهلية الحديثة تتكاتف ضد الخير ... 21
9 ... اليهود والنصارى والشيوعيون بعضهم أولياء بعض ... 26
10 ... مخططات زويمر ... 27
11 ... زويمر يفشل في تنصير المسلمين ... 29
12 ... العلوم الغربية المتقدمة أساسها المسلمون ... 31
13 ... العلوم الأوروبية تنتج الدماء ... 32
م ... الموضوع ... الصفحة
14 ... العلاج الناجع من الهزيمة النفسية ... 36 (1/55)
صفحة 56
15 ... المستقبل للإسلام ... 38
16 ... التمسك بالدين طريق النصر ... 40
17 ... خاتمة ودعاء ... 43
18 ... فتاوى للشباب ... 44
19 ... العمر جوهرة غالية ... 44
20 ... للدعوة وسائل كثيرة ... 46
21 ... تنقية القلب وضبط النفس سبيل الهداية ... 46
22 ... التقوى أساس النصر ... 48
23 ... الإسلام المنقذ ... 52
24 ... الإسلام كبديل ... 55
25 ... مسك الختام ... 60
26 ... الخاتمة ... 63
27 ... المراجع ... 66
الفهارس ... 68 (1/56)