صفحة 1
الكتاب: الشباب ودوره في بناء المجتمع لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الشباب ودوره في بناء المجتمع
محاضرة لسماحة الشيخ
أحمد بن حمد الخليلي
" مفتي عام السلطنة "
مقدمة ...
الحمد لله الذي خلق فسوى . وقدر فهدى وله الآخرة والأولى سبحانه له حمد كثيرا مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله أرسله الله على فترة من الرسل وانقطاع الوحي وفساد من الأمم في الأخلاق وانحطاط من القيم فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة .
أنشأ الله برحمته جيلا من الصالحين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحساس إلى يوم الدين .
أما بعد .. فالسلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته . أحيي هذا الجمع المبارك بهذه التحية المباركة ونحن نلتقي في هذا الجامع التاريخي المبارك الذي تعاقبت فيه أئمة العدل على إبلاغ كلمة الله سبحانه وتعالى من منبره إلى مسامع الدنيا فصاح العالم وأنصت الوجود ووعي الزمن وسجل التاريخ فرحمهم الله ورضي عنهم . هذا وإنني لأشكر إدارة نادي نزوى على إتاحة هذه الفرصة للاجتماع بهذا الجمع المبارك في هذه الليلة المباركة وهي إحدى ليالي الشهر المبارك الكريم والذي تتجدد فيه ذكرى سيد الوجود رسول الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين ولقمة على الخلق أجمعين وعلى آله وصحبه وعلى كل من سلك طريقه ورشده إلى يوم الدين . (1/1)
صفحة 2
لقد كان العنوان حسب ما ارتسم بذاكرتي وعلق بذهني أو الذي أقترح علىَّ لأن يكون شعار لهذه المحاضرة هو " الشباب ودوره في بناء الأمم " ولا ريب أن الكل يدرك أن للشباب دوراً في الحاضر دوراً في تقدم الإسلام وهم زهرتها في السلام وعدتها في الحرب وبهجتها في الحاضر وزهرها في المستقبل . وهم المعيار الدقيق في الإسلام وفي الأمم في التقدم والانحطاط والرقي فإن الأمم تقاس بشبابها فمن أجل ذلك كان الاهتمام بالشباب وتربيته على الصلاة وسلامة العقيدة والاستقرار في الدرب . فالاستقامة هي من أهم الأمور التي تقع مسئوليتها على عائق الأمة جمعاء ، فإنهم إن أفرطوا في هذا الأمر فقد أفرطوا في أعز شيء يجب المحافظة عليه . إن المحافظة على الشباب واستقامته إنما هي محافظة على الدين الحنيف واستمرارييته وبقاء نفوذه في نفوس الناس وفي جميع ما يدور في حياة الأمم .
دور أداه الشباب قديماً
ونخبر أن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ما كان للشباب الصالحين من دور حفظه الله الكريم وصار يتلى مع ما يتلى ما أنزله الله تعالى في الصلوات وغيرها فعندما ذكر الله تعالى خليله سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما وقف وواجه قومه ضد كفرهم وضلالهم كان في مرحلة الشباب فإن الله سبحانه وتعالى ذكر المحاورة التي دارت بين قومه بعدما وجدوا آلتهم التي يعبدونها من دون الله تعالى حطمه وقد سمعوا ما سمعوا من إبراهيم عليه السلام منذ تهديد بأن يقضي على تلك الآلهة ذكر ما دار بينهم من مقاومة وذكر من كلامهم قوله " قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم " (1)
__________
(1) الأنبياء :60
(2) مريم 12
(3) الفتوة :- عنصر قوة يتمتع به الشباب خاصة أكثر .
(
4) الكهف : 13 (1/2)
صفحة 3
كما أن سبحانه وتعالى ذكر عبده ونبيه يحي عليه السلام فقال فيه " وآتيناه الحكم حبيبا "(2) كما أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الكهف الذين تذكروا ما كان عليه قومهم منذ اتخاذ إله من دون الله سبحانه وتعالى ووصفهم أيضاً بالفتوة (3) عندما قال سبحانه " إنهم فتية أمنوا بربهم وزدناهم هدى " (4) وهكذا نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على أهمية دور الشباب لأن مرحلة الشباب إنما هي مرحلة الفتوه والقوى بحيث يصل الإنسان فيها إلى ما يمكن أن يصل إليه رقيه إلى درجات المدارك العقلية والقوى البدنية فذلك كانت هذه المرحلة تنضح بالفتوة والطموح فإن من شأن الشاب أن يكون صالحاً وبجانب هذا كله فإن مرحلة الشباب أيضاً قد يتغير فيها الإنسان من حال إلى حال آخر لأن مرحلة الشيخوخة إنما هي مرحلة صلبة فلا يكاد ينتمي الشيخ عما ألفه في شبابه وأستمر عليه من قبل والشاب في خلاف ذلك فإنه قد يتمنى الشيء أو آخر نتيجة ما يكون له في هذا المرحلة من هيجان العواطف . هذه العواطف إذا لم توجه الوجهة المرضية قد يكون مدمرة بدلاً من أن تكون معمرة ولذلك نجد أن الشباب المستهدفون دائماً من قبل دعاة الخير ومن قبل دعاة الشر أيضاً يحرصون على جر الشباب إلى صفهم والسير بهم في طريقهم لأنهم يرون أن الاستكثار بهم معهم وأن وجودهم في صفوفهم كفر وقد حصل ما حصل من انقلاب الأحوال في عهود الرسالة التي بعث به الرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الذين حصلوا على أيديهم هذا الانقلاب اتجاههم شباب الأمة فإن الرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الشيب والشباب جميعاً إلى ما جاء به من الحق ولكل الشباب كانوا أسرى استجابة لدعوتهم والانضمام معكره ، ولكن علينا أن ننتظر في وضع هؤلاء الشباب . (1/3)
صفحة 4
في وضع أولئك الشباب كيف كان وضعهم لا ريب أن كثير من الناس يتصور فرصة لأن يسارع الإنسان إلى ملذات إتباع الشهوات ولكن في الحقيقة نظرة خاطئة إلى واقع الشباب فإن الله سبحانه وتعالى أناط لهذا الإنسان أمانة حملها عاتقه وجعل مسئوليتها واقعة عليه هذه الأمانة ثقلت على السموات والأرض والجبال فأبينا يحملنها وأشفقن منها والعمر الذي يحياه الإنسان لله إنما فرصة قصيرة وجوهرة غالية وهو يسير بالإنسان خفيفاً في ليلة وفي نهار في ضعفه وفي قرآن في صلة وتراسله في نومه وفي يقظته . في ذكره في غفلته لا يهدى في أي حال من الأحوال والتفريط في هذا الأمر برغم هو تفريط في أكبر نعمه تترتب عليه النعم الأخرى التي مَن بها الله سبحانه وتعالى على الإنسان ... وأن العمر هو مراحل والمرحلة الذهبية منه هي مرحلة الشباب فإذا مرض الإنسان في شبابه ولم يسارع فيه إلى طاعة ربه ولم يقدر في أعماله بضوابط الشر التي أنزلها الله سبحانه وتعالى كيف يكون هذا العمر للإنسان ؟ على أن جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العمر والشباب في مقدمة ما يسأل عنه العبر يوم القيامة كيف يكون عمر هذا الإنسان على أنه جاء من الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الأمر والشباب في مقدمة ما يسأل عنه المرء يوم القيامة فقد أخرج الترمذي عن أبي برن الأسلمي – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل خمس عن أمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه " نعم يسأل عن العمر لأن كل لحظة من لحظات العمر فرصة من فرص الدهر ولا عليك أن يعوض أبداً في الليل والنهار يسيران بالإنسان سيراً حثيثا ... والنفاس لعلكن أن يسترجعها الإنسان فكل نفس إنما هو على حساب العمر فليذلك كان جبي لهذا الإنسان أن يتقي الله تعالى في عمره على أن هذا العمر ولو طال أمله . (1/4)
صفحة 5
وما هو حقيقته إلا لحظات إذا ما قيس بمقياس الحقيقة فإن الإنسان يعرف أن هذا العمر الذي نحياه لا يتجاوز مدة قصيرة وإذا ما أمعن الإنسان فكرة في هذا العمر ... لو أحداً قد قدر إليه لأن سوف يطول عمره ... فماذا عسى أن يكون مقدار طوله لو كتب للإنسان أنه سوف يعيش مائة عام . وأين من يعيش مائة عام أن الشاب الذي لا يقاس عليه غيره . عليه أن يفكر فيما مضى وفيما قد من هذه المائة . فإن كلما عاش هو محسوب منها فإن كل من مضى له ثلثون لم يبص له إلا الستون .
وهكذا لنقدر أن هذا الإنسان في عمر العشرين ، ونجيل إليه أنه سيعيش المائة كلها فإذا لم يبقى له منها إلا ثمانون ولينتظر ثمانيين دورة من الدورات التي تجر بالإنسان وهي تتجلى إلى ما نظر إلى مناسبة دورية فإن الإنسان في تأمله في ذلك يرى أن هذه الدورات ما هي إلا لحظات كما يقول الشاعر المسلم أبو مسلم الرواح :- (1) (1)
على لحظات تنقص العمر مرها
تأجج أمال البقاء وتزيد
ولو أملاً أدركته لم تجد له وفاءً
ولم تصحبك منه عهود
ومع هذا فإن هذا العمر أيضاً لا يدري الإنسان متى يتصرف فقد يكون في ميعة شبابه وفي عمر زهرة حياته وفي حال اكتمال قوته يخيل إليه أن وراءه مسافة طويلة في درب هذه الحياة ولكن بين لحظةٍ وأخرى وهو غارقُُ في آماله ومنهمرة في ملذاته ومشتغل بحسابات هذا العمر يخدمه ريب المنون فيجتث هذه الآمال كلها .
... ودون مدارك الأمال رصدُُ
من الآجال منقطع الظنون
وهكذا الشباب فإن العمر إذ كان قصيراً فالشباب أقصر . إذ أن مرحلة الشباب في العمر هي مرحلة قصيرة جداً ، لو قدرنا أن الإنسان أنسأله في عمره حتى قضى هذه المرحلة بأسرها فإنه لا يكاد يغمض عينيه ويفتحهما إلا على انتهاء هذه المرحلة . ولذلك ينوح الناس شبابهم بعدما يتجاوزونه وكما يقول الشاعر التهامي :
__________
(1) من قصيدته في رثاء قطب الأئمة الشيخ محمد بن يوسف أطفيش الجزائري أنظر ديوان أبو مسلم ص 321 . (1/5)
صفحة 6
شيئان ينقشعان أول وهلة ...
ظل الشباب وخلة الأشرار (1)
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا
غصن الشباب الخائن الغدار
وطرى من الدنيا الشباب وروثه
فإذا مضى فقد الخائن الغدار(2)
قصرت مسافته وما حسناته ... ...
عندي ولا آلاؤه بقصار
(1) أي صداقة الأشرار .
( 2 ) أي مضت لذات ونزوات .
والصحابة الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مدركين لهذه الحقيقة تمام الإدراك . فلذلك لم يكن شبابهم من نوع الشباب الذين يترددون إلى حانات الخمور أكثر مما يترددون إلى بيوت الله أولاهم لهم في حياتهم هذه إلا مغازلة الحسان وإتباع الشهوات والانغماس في اللهو والغفلة ، وإنما كانوا شباب عبادة . كانوا شباب عمل صالح فكانوا يحاسبون أنفسهم على اللحظة التي تمر بهم وقد حملوا في صدورهم هموم الدين فلذلك انطلقوا في أرجاء هذه الأرض وهم كالسيل الهادر لا يقف أمامهم سدُُ المستجبرين ففتحت لهم مشارق الأرض ومغاربها ولكن مع ذلك لم ترق لهم زهرة هذه الحياة الدنيا وإنما كان كل همهم إقامة الصلاة وإتياء الزكاة . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فلذلك كانوا يحيون من أجل ذلك وقد تحدثت ألسنةُ أعدائهم بذلك عندما فخروا بما كانوا يتحلون به من صفات الشهامة والكرم والخلق والدين والترفع عن كل الدنايا (3) . (1)
شجاعة الشباب المسلم
__________
(1)
(3) الدنايا :- النقائص في الخلق . (1/6)
صفحة 7
فعندما كان الجيش الروماني يتقهقر أمام المد الإسلامي ... الذي انطلق يواجه الإمبراطورية الفارسية والرومانية عندما كان الجيش الروماني يتقهقر . أمام هذا الجيش الإسلامي القليل العدد والعُدد والكثير بإيمانه وبعزيمته وبصلته بربه سبحانه وتعالى اجتمع عاهل الروم هرقل بقائد جيشه وسأله عن أسباب الهزيمة النكراء التي منوابها وسألهم عن أوصاف أولئك القوم الذي نازلوهم في ميدان المعركة . فقال له أحدهم هم رهبان بالليل وفرسان في النهار لا يأكلون في دمنتهم إلا بدمن . ولا يدخلون الإسلام يقضون على من حاربوا حتى يأتوا عليهم . فقال له آخر : أما الليل فرهبان والنهار ففرسان يريشون النبل ويرمونها ويتكتكون (1) القنا لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم من القرآن والذكر ... هذه هي صفات الشباب الذي بناه وأسسه سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم بتوجيه من القرآن الكريم ... وهذا الشباب هو الذي رعاه المهاجرين والأنصار وقد كانت ألسنتهم الطريه هو وسائل (1)
__________
(1) أي يرمونها عن هدف وبصيرة .
(2) هو بطل من أبطال الشراة أهل الإستقامة قاد حملة على ظلم بني امية للمسلمين وأستشهد بمكه . (1/7)
صفحة 8
دعوة الإسلام . وسواعدهم الفتية هي القوة التي تحمل كل سلاح من اجل محاربة كل عدو ويتربص بهذه الدعوة الدوائر ويقف في سبيلها سلاً منيعاً ما نتهوا إلى مشارق الأرض ومغاربها وهم يعملونه مع ذلك كله يستغلون كل جهد يبذلونه وكل عمل يعملونه في سبيل الله الذي خلقهم فسواهم فانعم عليهم بهذه الهداية ورفع أقدارهم بإتياعهم سيد خلق الله تعالى رسول الله عليه وعلى آله وصحبه عليه أفضل الصلاة والسلام وهكذا كان الشباب الذي تأسس به أولئك السلف الصالحين واتبع ذلك الطريق القويم ... فإننا نجد من بين أولئك الشباب شباب القائد الملهم الإمام " أبي حمزة الشادي " (2) رحمه الله الذي أخذ يدافع عنهم على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول " يا أهل المدينة : تعيرنني بأصحابي تزعمون إلا شباب وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباب والله مكتملون في شبابهم غضيضة (1) (1) عن الحرام بطيئة عن الشر أقدامهم . أمضاء عباده . موصول كلامهم بكلا لهم وقيام ليلهم لصيام نهارهم . قد أكلت الأرض جباهم وأيديهم وركبهم من كثرة السجود . مصفرة ألوانهم . ناحلة أجامهم من كثيرة القيام وطول الصيام لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن . إذا مر أحدهم بآية فيما ذكر الجنة بكى تشوقاً إليها . وإذا مر أحدهم بآية فيما ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه منتحلون ذلك في جنب الله مستجدون بوعد الله . حتى إذا لقوا كتائب العدو وأبراقت الكتيبة بصواعق الموت وأدلدت استهانوا بوليد الكتيبة لوليد الله خلقوا شبأ الأسنة وشأنك الهام وحد السيوف بوجوهم وصدورهم وحفورهم دمضى الشاب هنالك قدصاً حتى إذا إختلفت رجلاه على عنق فرسه وخر صريعا في الثرى ولطخت محاسن وجهه بالدماء وأسرعت إليه سباع الأرض وإليه طير السماء فكم من عين في منقار طائر . (1/8)
صفحة 9
طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خشية الله وكم أرواحهم كم من ساعد عنيق قد فلق بعمود الحديد فرحم الله تلك الأبدان وادخل أرواحهم الجنان "هكذا كان أولئك السلف الذين أدركوا قيمة هذه الحياة وأدركوا قيمة هذا الشباب وعرفوا لماذا وجدوا وعرفوا إلى أين المنتهى وعرفوا قيمة هذه الحياة الدنيا بجانب الحياة الآخرة . ولا ريب أن ذلك يتوقف على أمور أهمها الإيمان فإن الإيمان هو الذي يكون هذا الشيء الصالح . هو الذي يصل الإنسان بربه سبحانه وتعالى ويصل ديناه بأخرته ويصل عمله بجرائه فلذلك كان من الضرورة في كل مكان أن يرسخ الإيمان في أذهان الناشئة حتى يعرفوا قيمة هذه الحياة فإن الحياة لا يجد قيمتها إلا من آمن إيمانا راسخا . إلا من آمن بربه سبحانه وتعالى وآمن بالمنقلب (3) الذي يتحول إليه ولذلك نجد في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكرر ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر خصوصا مع على إمتثال الأوامر أو الإزدجار من النواهي فكثيراً ما يأتي ذلك لمن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر . (1/9)
صفحة 10
في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز ... " ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر " ويقول " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر " (2) ويقول عز من قائل " ولا يحل لهذا أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كل يؤمن بالله واليوم الآخر " ونجد أيضاً في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك كما في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته " (1) (1) كل ذلك من أجل أن العمل الصالح إنما هو منوط بالإيمان مطلقاً وخصوصاً بهذين الرليتين من أركان لأن الإيمان بالله إنما هو إيماناً بالمبدأ والإيمان باليوم الآخر إنما هو إيمان بالمعاد فإذا ما كان الإيمان مؤمناً إيماناً راسخاً بالمبدأ والمعاد لابد من أن يدفعه إيمانه ذلك إلى معالي الأمور ويباعده من سفاسيفها .
" التشكيك في العقيدة " :-
__________
(1) هذه العبارة كانت تتردد على ألسنة الشيوعيين وأتى (1/10)
صفحة 11
ومن أجل ذلك حرص أعداء الإسلام على تشكيك الشباب في حقيقة هذا الإيمان ... ونحن في الفترة السابقة تلك الظروف الصعبة التي مرت بها الأمة المسلمة عندما شكك الناس في عقيدتهم حتى كان الإيمان بالدين يعتبر رمز التخلف والإنحطاط وصار الملاحدة هم الذين يعبر عنهم بالتقدميين وقال من قال من الملاحده كلمته المشهورة " إن الدين أفيون الشعوب " وقد ردد هذه الكلمة من بهر بذلك المبدأ وإنطوت عليه هذه الخديعة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام فخلعوا بذلك العمل الإسلام من المناقهم وصاروا في عداد الملحدين وهذا مما قهقر هذه الأمة ولكن رغم هذا التحدي ورغم هذه المشكلات عادت بمشيئة الله تعالى أشعة الإيمان إلى هذه القلوب وعاد الصلاح اليقين إلى هذه إلى هذه النفوس إلى نفوس شباب المسلمين تنتعش من جديد . (1/11)
صفحة 12
ومن الأمور المهمة التي تعد دعائم في بناء الشباب المسلم " الإعتداء " بالإسلام ومواريثه الفكرية والحضارية والتاريخية وهذا أمر لا يمكن إلا أن يكون تابعاً من الإيمان فهو يعود في حقيقته إلى ربوخ الإيمان في نفوس المؤمنين وقد حاول أعداء الإسلام أن يؤثروا على نفوس الضعاف من هذه الأمة وأن يحولوا بينهم وبين الإعتزاز بأمجادهم والإعتزاز بموارثيهم الفكرية والحضارية فلذلك بهر هؤلاء الضعاف وأصبحوا كالفراش الذي يتساقط على لهيب النار يتسابقون في مضمار تقليد أعداء الحق والدين ... مع أن ذلك لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال إلا مع الإعجاب بأولئك ومع موالاتهم وموالاة أعداء الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تجامع الإيمان فإن من شأن الإيمان أن يكون المؤمن محباً في الله ومبغضاً في الله وكما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحب في الله والبعض في الله من أهم عُرى الإسلام ... والله سبحانه وتعالى حذرنا كل تحذير من موالاة في كتابه الكريم إذا يقول عز من قائل " يأيها الذين آمنوا لا تنحذوا عدوى دعودكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق . يخرجون الرسول أن يؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاي إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم وما يفعله منكم فقد حنل سواء السبيل " (1) (1)
__________
(1) الممتحنة : الآية الأولى . (4) البقرة : 120 .
(2) الممتحنة : 2 أول الآية . (5) المائدة : 51 .
(
3) الممتحنة : بقية آية 2 . 6 المائدة : 52 . (1/12)
صفحة 13
ثم يبين العاقه عندما يقول سبحانه :- " إن يثقفوكم يكونوا أعداء " (2) أي إن تقربوا بما يدل على موالاتهم فإن ذلك لا يجديهم شيئاً فعندما يثقفونهم لهم أعداء يقول تعالى : " إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء . ووردا لو تكفرون " (3) هذا كلام من لا يقول إلا الحق لأنه رب العالمين وهذا هو هدى الذكر المستقيم فما من ريب لمؤمن في صحة ما جاءت به هذا الآيات فالغاية التي يهد د إليها كل مسلم ألا تكونوا له صلة بالإسلام قط وقد أجدر الله صريحاً حسين " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم " (4) ونجد أن الله سبحانه وتعالى أيضاً يقول في كتابه العزيز " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم . إن الله لا يهدي القوم الظالمين " (5) ثم بين أن هذه الموالاة إنما تنشأ عن مرض في النفوس وهذا مرض هو مرض مستحفل الخصال أما الذين يراهم الله سبحانه وتعالى منه فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصور منهم هذه الموالاة إذ يقول عز من قائل " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخش أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمراً من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين " (6) ففي القرآن وفي سباق هذه الآيات نفسها ما يدل على أن هذه الموالاة تصل بالإنسان والعياذ بالله إلى الإنسلاخ من الإسلام نهائياً بحيث يكون في عداد المرتدين وذلك يتضح من تحذير الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين من الإرتداء بعد الإيمان . عندما قال عز من قائل " يأيها الذين آمنوا من يردد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " (1) ويأتي بعد ذلك يبين من يجب أن يقصر المؤمن ولايته الله عندما يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز :-" ومن يتولى الله ورسوله . (1/13)
صفحة 14
والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " (2) ويقول سبحانه وتعالى أيضاً :-" يأيها الذين آمنوا لا تخذوا الذين أتخذوا دينكم هزواً ولعباً . من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أوليا " (3) (1) هكذا يحذر الله سبحانه وتعالى من هذه المولاه تحذيراً بعد تحذير وما ذلك إلا لخطورتها على أن الإقتداء وترسم الخطى يدل على الموالاة وأي دلالة على الموالاة هي أوضح من ذلك فإن من شأن الإنسان أن يخطو طريق الذي يحبه والذي يعجب به والإعجاب بالكافر إنما هو اعجاب بالكفر والعياذ بالله وهذا يتنافى كل التنافي مع عقيدة الدين الحنيف ولذلك لا يمكن أن يصدر ذلك ممن يؤمن بالله واليوم الآخر وهذه الموالاة كثيراً ما تنشأ عن الضعف وترسم الخطى عن حب الظهور وهذا كما قلنا مرض نفاق أصيب به الذين خادت عزيمتهم وتقلص أذهانهم .
__________
(1) المائدة : 54 .
(2) المائدة : 55 .
(3) المائدة : 57 . (1/14)
صفحة 15
فلذلك رأواعزتهم في توسم خطى أعدائهم ليظهروا بمظهر الإنسان المتمدن الإنسان الراقي ويدل كل الدلالة على أنه أصبح ليس من العزة في شئ وإلا فليث من شأن الإنسان المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ويعتز بقيم دينه ويتخلى عن مواريثه وفي قلب أوروبا عندما المجد الإسلامي مداً زاحفاً كانوا متأثرين بالمسلمين إلى حد بعيد حتى أنه صدرت مراسيم بإعتبار وجود التماثيل مظهراً من مظاهر الوثنية ونحن نرى الآن المسلمين هم يقعون في هذا الأمر الشديد هم الذين أتخذوا هذه التماثيل وهي تتنافى مع ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم من التحذير عنه والتنفير منها ... كذلك كان غير المسلمين كثيراً ما يقتدون بحياة المسلم العادية في يومه في ليلة ونهاره – حتى كانت الكلمات التي كان يرددها المسلم كانت تتردد على ألسنة الشباب والفتيات من النصارى وخصوصاً في بلاد الأندلس ... عندما كانت عربية مسلمة فقد كان الشاب النصراني يرى ذكر كلمة السلام ... أي يرى أن إلقاء السلام مثلاً نوع المدينة – يقول السلام عليكم عندما يرى زميله وهو غير مسلم ... ولكن يظهر نفسه بمظهر متمدن عندما يذكر هذه الكلمة وكذلك كانت الشابه ما بين زميلاتها تريد أن تفاخر وتلقي السلام لتظهر لمن أنها في مستوى الإنسان المتحضر المتمدن ... والآن بالعكس الآن – مع الأسف الشديد – الشاب المسلم عندما يريد أن يظهر نفسه بمظهر التمتمدن يقول كلمة ( هالوه ) بدلاً من كلمة السلام عليكم وبعد ذلك يردد كلمة ( أوكيه ) حتى يظهر نفسه بأن أصبح في عداد المتمدينين ... ونحو هذا الكثير من هذه الهزيمة النفسية أصابت هذه النفوس ولا يمكن أن تعود إليها الصحة إلا بعودة الإيمان بعودة اليقين بالإعتصام بحبل الله المتين كذلك المحافظة على قيم الإسلام أصبحت في موازين الإنسان بحبل الله المتين كذلك المحافظة على قيم الإسلام أصبحت في موازين كثير من الناس هي من مظاهر التخلف أو كما يردد هذا العصر من مظاهر التطرف فإذ (1/15)
صفحة 16
لما إستمسك الإنسان بحبل الله تعالى المتين وإذا ما أستسكن المرأة المسلمة بالحجاب الشرعي الذي فرضه الله تعالى يقول " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً " (1) (1)
" التمسك بالفضائل " :-
__________
(1) الأحزاب : 36 .
(2) الآحزاب : 21 . (1/16)
صفحة 17
فالمؤمن يقيد في كل شيء يأتيه وفي كل ما يذره بأوامره الله وأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن يعدل عن ذلك قط برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرضى أن يجعل لنفسه أسوة غيره الله صلى الله عليه وسلم بعدما قال الله تعالى " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ورسوله وذكر الله كثيراً " (2) وهذه الأسوة هي في كل شيء في المظهر والمخبر في الظاهر والباطن في التصور والسلوك . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأسمى الذي يجب على المسلم أن يحذو حذوه وأن يقتدى به وإن كان المسلم لا يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ففيما يرى الخير ... هل يرى الخير في الإقتداء بأنذال الكفرة ؟ وأعجبت بكلمات قالها أحد الشعراء الإسلامين هذه الكلمات رددتها أكثر من مرة في مثل هذه الكلمات المناسبة وقلت بأنها حقيقة بأن تكتب بماء الذهب ولا يكفي ذلك في تقديمها على المسلم أن يحول كل ما إشتملت من معاني إلى واقع ملموس في سلوكه فالشاعر الإسلامي " محمد إقبال " (1) (1) يقول في وصف المسلم " إن المسلنم لم يخلق ليندفع مع التيار – وساير الركب البشري حيث اتجه وساربل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة ويفرض على البشرية اتجاهه ... ويملي عليها إراداته ... لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين ولأنه مسئول عن هذا العالم وسيره وإتجاهه ... فليس مقامه مقام التقليد والإتباع إن مقامه مقام الإمامة والقيادة مقام الإرشاد والتوجيه ... مقام الآمر الناهي وإذا تتركه الزمان وعصاه المجتمع وإنحرف عن الجاده لم يكن له ليخضع ويضع أوزاى ويسالم الدهر .
__________
(1) محمد إقبال : هو شاعر باكستان العظيم ومن الذين حملوا مشعل التنوير في العالم الإسلامي وقد جاب دول أوروبا ومصر قي سبيل نشر ورفعة الدين الإسلامي . (1/17)
صفحة 18
بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره إن الخضوع والإستكانة للأحوال القاصرة والأوضاع الراهنة والإعتزاء بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والإحترام . أما المؤمن القوي وهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد " والذي قلناه من أن الشباب المسلم تأثر بكثير من إرادات أعداء الإسلام سواء كانت هذه الواردات نكريه للمسلمين مع الأسف الشديد يرددون الكلمات التي تأتي من قبل أعداء الإسلام وهي بعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام وحقيقته بل هي تتنافى مع جوهره . فتسمع كثيراً من الناس عندما يصفون أحداً بأنه ثعلب على الشيء . يقولون " قد قهر الطبيعة " سبحان الله إنما الطبيعة طبعها الله والله تبارك وتعالى هو وحده القادر عليها والمسلم لا يشعر بإنفصام فيما بينه وبينها لأنه جزء منها بسبب أن الله هو الذي فطره وفطرها وهو يتجاوب معها في التسبيح بحمد الله والسجود بحلال الله . كذلك كلمة " غزا الفضاء " إنما تأتي أيضاً من هذا القبيل وكلمات كثيرة يرددها الناس الآن بدون مبالاه لها هي من هذا النحو . كذلك في هذا الدين أيضاً تذكر الأمجاد والتاريخية الإسلامية والأمجاد التاريخية الإسلامية والأمجاد الحضارية في هذا الدين . (1/18)
صفحة 19
أن يتخلى المسلمون عن تاريخيهم فبخد كثيراً من المسلمين الآن لو سئل أحدهم عن التاريخ لأجاب بالتاريخ غير الإسلامي ونسى التاريخ الإسلامي يرتبط بعقيدة المسلم ويرتبط بعبادة المسلم ... كيف وهذا التاريخ قبل كل شيء يجدد في نفوس المسلمين ذكريات أمجادهم فإن الأمة الإسلامية أجمعت عليه لأنها شعرت أن ميلادها إنما كان بهذا التاريخ بتاريخ هجرة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان ذلك عن اجماع في عهد الخليفة الراشد – رضي الله تعالى عنه – عمر بن الخطاب – مع ن التاريخ الآن الذي يعود عليه الناس الآن كان موجوداً في ذلك الوقت ولكن لم يلتفتوا إليه فهل أولئك كانوا على غباء حتى أنهم تزكوا ذلك التاريخ الذي كان مولوداً من قبل وعولوا على هذا التاريخ الذي أحدثوه والذي يرتبط بميلاد هذه الأمه بهجرة رسولها عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وهذا التاريخ – أي التاريخ الهجري – يرتبط به ما يرتبط من عبادات إثنا عشر شهراً في كتاب الله – يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم " (1) وأي شهر حرام في هذه الشهور التي تترتب الآن على ألسنة الناس . كذلك نجد أن الناس أخذوا تفاهات الأمور من قِبل غير المسلمين التي لا يقرها العقل وتأباها الفطرة السليمة فنجد مثلاً أن كثيراً من المسلمين في وقتنا هذا عندما يريدون الزواج يتبادلون بينهم وبين مخطو بأنهم ما يسمى بدبلة الزواج وهذه عادة منكرة من أسوأ العادات فإن هذه العادة تعود إلى خرافة رومانية . فالرومان كانوا يعتقدون بأن قلب الرجل وقلب المرأة يكمن في حنصريهما والشبابين وقد كانوا يرون أن الرجل حين يلبس المرأة خاتم اليسرى تكون بذلك قد أسرت قلبه فيكون قلب كل واحد منهما ملكاً للآخر هكذا كانوا يفعلون .
__________
(1) التوبة : 36 والآشهر الحرم الواردة في الآية الشريفة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب . (1/19)
صفحة 20
ثم تحولت هذه العادة بعد ذلك إلى ذهب بدلاً من الحديد وإذا بالمسلمين تيلقون هذه العادة برحابة صدر ويرون فيها متعة ويرون فيها رفعة ويرون فيها رفياً مع أنها تدل على انحطاط في الفكر وتدل على إنحراف في السلوك وأي سلوك هذا يجعل المسلم يسعى وراء عادات أحزين التي لم تنشأ إلا عن انحراف في الفكر ... وكذلك ما إعتاده كثير من الناس وخصوصاً في حفلات الأعراس من إختلاط الذكور والإناث أمرتينا في مع عقيدة الإسلام والمرأة المسلمة مطالبة بأن تلتزم بالآداب الشرعية التي فرضها الله تبارك وتعالى عليها ... كيف والله سبحانه وتعالى عندما فرض هذه الآداب فرضها أول ما فرض على بيت النبوة على أحسن نساء العالمين وأفضلهن فالله سبحانه وتعالى يقول لبنيه صلى الله عليه وسلم " يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلا بيهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين " (1) فالله سبحانه وتعالى بين مثل هذه العادة السيئة عادة الإختلاط وتبادل الفكاهات وتبادل الأحاديث بين الذكور والإناث بين اللع تبارك وتعالى خطورة ذلك عندما خاطب أزواج النبي الله صلى الله عليه وسلم وهنَّ أعف النساء وأطهرهن جيبا وانظفهن قلباً وقد قال الله سبحانه وتعالى لهن " يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساءٍ إنْ اتقيتنَّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض " (2) وإذا كان الله سبحانه وتعالى يحذرهن من أن يطمع الذي في قلبه مرض فيهن .
__________
(1) الأحزاب : 59 .
(2) الآحزاب : 32 . (1/20)
صفحة 21
وهن بين ظهران المهاجرين والأنصار وهن في كنف النبي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام وجميع المؤمنين يجلون النبي عليه صلى الله عليه وسلم أكثر مما يجلون أي أحدٍ من الناس وكلهم أيضاً يقدر النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ويرعاه في حرمته فكيف بالمجتمعات المحاضرة التي انتشرت فيها الإباضية دعم فيها الفساد وكثر فيها الخلاف لأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فكيف يستهان بمثل هذه اللقاءات مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يحذر منها تحذيراً بالغاً فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام " إياكم والدخول على النساء . فقال له رجل من الأنصار : أرايت الحمو يا رسول الله ؟ قال : الحمو هو الموتى " هكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشبه حمو المرأة بالموت مع أنه قد يكون مراعياً لحرمة أخيه إذهو أخو زوج المرأة فكيف بسائر الناس . كيف بهذه الإختلاطات التي لم يأذن بها الله ولم يأذن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ما يكون في هذه الأعراس من المخالفات الشرعية من المنكرات . من الرقص والغناء الفاحش وغير ذلك . كل من ذلك يدل على الإنحراف من المسلك القويم ويدل على تقليد غير المسلمين . كذلك ما يسمى في وقتنا هذا يشهر العسل ولئن كان الزواج عسلاً فهل هو محصوراً في شهر واحد فقط ؟ ما معنى رحلات شهر العسل إنما كل ذلك من مخالفات الناس للإسلام الحنيف ودين الله تعالى الحق والتأثر بأعداء الإسلام . كذلك من ركائز إستقامة الشبان على طريق الخير العلم فإن العلم أساس كل فضيلة ولئن إنحراف الشباب عن المسلك القويم فإن هذا الإنحراف لا يمكن أن يكون إلا ناشئاً عن جهلهم ولولا هذا الجهل لما يخبطوا هذه التخبطات ووقعوا في هذه المتاهات فإذن لابد من تسليح الشباب بالعلم على أن العلم الذي ندعو إليه هو كل علم نافع . (1/21)
صفحة 22
فنحن لا نعادي علماً من العلوم إذ الإسلام الحنيف دين علمً والله سبحانه وتعالى قد آذننا في كتابه أنه قد شرف العلم ورفع مكانته فوق الملائكة بذلك عندما أوحى الله إلى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ... أوحى إليه أول ما أوحى كلمة " إقرأ " " إقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . إقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم " ولكن لابد من أن يكون الناس لهم إختصاصات عملية وبجانب ذلك لابد من أن تكون لهم تخصصات علمية (1) فإن هذه التخصصات يتكامل بها المجتمع المسلم . فكل واحد من الشباب عليه أن يحرص على العلم النافع وعليه أن يسلك مسلكاً في التخصص من أجل أن يبني بذلك أفنه ... ويبني بذلك مجده ويحافظ بذلك على دينه ورعايته من أجل استقلاليته واستقلالية أمنه إلا أنه مع ذلك كله فإن كل واحد مطالب بأن يكون عنده من علم العقيدة الصحيحة والثقة في الدين فيما يبصره في مسلكه الذي ينهجه في حياته لئلا ينحرف ذات اليمين وذات الشمال ومع ذلك في حياته ومع ذلك كله لابد أن تكون هناك طائفة تشبع بالعلوم الشرعية على مختلف أنواعها من أجل أن تكون بمثابة الركبان الذي يقود السفينة إلى بر الأمان فهذه أمور من الأمور الخطيرة ولئن كانت هذه الأمور أي الهوات مقطورة في نفوس البشر فإن الله تبارك وتعالى جعل الإسلام فيه حلاً لكل مشكلة وهؤلاء يصطدم مع الفطرة بل يحل مشكلاتها ويوجهها الوجهة الصحيحة ولذلك حظ الإسلام على الزواج وامتن به فإن الله تبارك وتعالى يقول " إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " ويقول سبحانه وتعالى " يأيها الناس إتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة . وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء " (2)
__________
(1) يقصد بالتخصصات العلمية المهن التي تقوم على الدراسة والتحصيل مثل الطب والهندسة والزراعة وغيرها .
(2) النساء : 1 .. (1/22)
صفحة 23
ويقول الله سبحانه وتعالى – " وبإن خفتهم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتهم ألا تعدلوا فواحدة " (1) ويقول الله سبحانه وتعالى لتسير الزواج حيث يقول عز من قائل " وانكحوا إلا يامى منكم والصالحين من عبادكم وإماءكم . إن يكونوا قضراء يغنهم الله من فضله " (2) وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حظه الشباب على الزواج " يا معشر الشباب من إستطاع منكم البادة فليتزوج فإنه أغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " (3) وأمر الإسلام بالتقيد بقيود الحشمة والوقار في التعامل الإجتماعي بين الناس وقد فرض غض البصر وحفظ الفرمج على كل من الذكر وإلانثى وقد فرض الحجاب الشرعي على النساء حيث يقول الله سبحانه وتعالى " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن إلا لبعولتهن أو أبائهن أولياء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو أخواتهن أو بني إخوانهم أو بين أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت إيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الظفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون " (4)
__________
(1) النساء : 3 .
(2) النور : 32 .
(3) رواه مسلم وحمد والنسائي والترمذي .
(4) النور : 31 .. (1/23)
صفحة 24
الحديث في ذلك حديث ذو شجون وقد يطول كثيراً والوقت قصير وأذان وقت العشاء ليس ببعيد منا وإنما يجب أن يحرص الكل على تربيته الجنسين جميعاً تربية الشباب وتربية الفتيات تربية الأطفال ذكوراً وإناثاً على تقوى الله سبحانه وتعالى وعلى مراعاة حرمه وعلى الحياء منه ومن خلقه حتى لا يفقوا في شيء من هذه الإنحرافات ولا يصل الأمر أخيراً بالأمة إلى أن تكون أمه ضعيفة أمه هزيلة كما هو شأن الأمم التي اتبعت الشهوات والبشر الآن بمختلف قطاعاتهم ينتظرون هذه الأمه. أمة الإسلام فإنه قد آن الأوان تمسك هذه الأمة بزمام قافلة البشرية لتقودها إلى طريق الحق فإن البشرية بمثابة قطعان من الغنم (1/24)