صفحة 1
الكتاب: الشكليات والجوهريات في الإسلام لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الشكليات والجوهريات في الإسلام
من محاضرة/ لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام لسلطنة عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الذي شرع الإسلام دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا ولم يك من المشركين ، وجعله ظليل الأوفياء واسع الأرجاء مدرار العطاء يسع العالمين بنيانه ولا ينفد في أي حال عطاؤه. له الحمد تعالى على هذه النعمة كما ينبغي لجلال وجه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم باحسان إلى يوم الدين. أما بعد فأحي مشائخ العلم الكرام وطلبته المحترمين بتحية الإسلام الخالدة والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
إنه ليسعدني أن ألتقي بكم مرة أخرى في هذا المركز العلمي في ظل دين الله الحق الذي يرتفع بالإنسانية إلى أوج الكمال الذي لا يمكن للبشر أن يرقوا فوقه والذي يجعل نفوس البشر نفوسا مهذبة نفوسا مترابطة برباط الإيمان موصولة بحبل الله المتين الذي لا يرتث مستبصرة بنوره المبين الذي لا يأفل، مستمدة من عطائه الذي لا ينقطع. (1/1)
صفحة 2
وكلنا ندرك بأن للإنسان في هذه الأرض مسؤولية يتحمل عبأها في هذه الحياة. إذ وجود الإنسان يختلف عن وجود أي كائن في الأرض ونحن ندرك ذلك من خلال القدرات التي منحها الله سبحانه وتعالى الإنسان فاستطاع أن يستغل المنافع المتنوعة ويسخر الموجودات المختلفة لأجله واستطاع بما وهبه الله سبحانه وتعالى من هبات نفسية أن يتطور طورا بعد طور حتى يخرج إلى هذا العالم في كل وقت بما يتلاءم مع الظروف الزمانية والمكانية وبحسب ما منحه الله سبحانه وتعالى من مواهب فطرية وكسبية وهذا كله يعني أن للإنسان مسؤولية إذ لم يخلق ليعيش هملا ويبقى هكذا سدى وإنما خلق ليتحمل مسؤولية الخلافة في هذه الأرض وهي أمانة عظمى ذكر الله سبحانه وتعالى عظمها في كتابه العزيز حيث قال عز من قائل:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(.
وهذا الحمل المعني هنا إنما هو فيما إذا قصر هذا الإنسان في هذه الواجبات الملقاة على عاتقه. وبما أن الإنسان خليفة في هذه الأرض فإنه من الضرورة بمكان أن يكون مستبصرا في كل ما يأتيه وفي كل ما يذره بتوجيهات من استخلفه مستمدا جميع موازين الحياة من قبله لا يقدم ولا يؤخر ولا يقدم ولا يحجم إلا بحسب ما يأمره الخالق تبارك وتعالى وهذا يعني أنه من الضرورة بمكان أن يكون للإنسان نظام يوحد اتجاهه ويملي عليه من الأحكام والتكاليف ما يتلاءم مع فطرته هذا النظام هو الدين. (1/2)
صفحة 3
والإنسان أدرك بفطرته أنه بحاجة إلى الدين وذلك أن الدين كما يقول بعض فلاسفة الإسلام هو ضروري للسعادة والنظام فبدون الدين يصبح الإنسان شرا من البهيمة العجماء وأشد خطرا وضراوة من السبع الفتاك. لأن الدين هو الذي يضبط حركاته و هو الذي يقيد اتجاهاته فلا يكون لهذا الإنسان نزوع مع سلطان الدين إلا إلى الخير أما إن تخلص من سلطان الدين فإنه بطبيعة الحال سيعطي نفسه مناها.
والإنسان كائن اجتماعي ترتبط مصالح كل فرد من أفراد بني جنسه بسائر أفراد هذا الجنس ولذلك فإن الإنسان بطبيعته يريد أن يوفر لنفسه على حساب الآخرين ما لم تكن هنالك عقيدة تملي عليه الواجب وتفرض عليه الخير. وهذه العقيدة لا تكون إلا عقيدة الدين.
والإنسان كما قلت أدرك ضرورته إلى الدين. ولذلك أخذ يبحث عن هذا الدين واتجه اتجاهات شتى ولكن هذا الدين لا يمكن أن يستوحى من خيال الإنسان ولا يمكن أن يخضع لموازين تجربته لأن تجربة الإنسان محدودة و لأن طاقات الإنسان مهما كانت هي محدودة.
فالطاقات المعنوية لا تختلف عن الطاقات الحسية. فبصيرة الإنسان لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تخترق الحجب المعنوية التي كثيرا ما تحول بين الإنسان ودرك الخير والشر. كما لا يمكن للطاقة البصرية أن تخترق الحجب الحسية فتصل إلى ما وراء الحواجز.
فمن هنا كان الدين من الضرورة بمكان أن يستمد من عند الله سبحانه وتعالى إذ الإنسان مهما بلغت طاقة عقله فإن هذه الطاقة محدودة. و من ناحية أخرى فإن العقل يتأثر بمؤثرات كثيرة بعضها نفسي وبعضها اجتماعي ولذلك يتفاضل الناس ويتفاوتون في الإستحسان والإستقباح، فتجدون بيئة ما تستحسن شيئا بينما أخرى تستقبحه وهذا التفاوت يتعدى حدود البيئات إلى أن يكون في الأفراد الذين يعيشون في البيئة الواحدة فتجدون فردا من هؤلاء الأفراد يستحسن شيئا ما بينما غيره ممن يعيشون في نفس تلك البيئة يستقبحه. (1/3)
صفحة 4
ومن أجل ذلك فإن الذين اعتمدوا على أنفسهم في فهم الدين عادوا صفر الأكف منه. وقد سلكوا طرائق قددا فمنهم من أخذ يعبد الظواهر الطبيعية ومنهم من أخذ يعبد الأوهان ومنهم من أخذ يعبد آلهة نحتها بنفسه وصنعها بيده فإذا هو يخضع لها ويسجد. راجيا منها وخائفا.
هذا كله يدل على ضلال العقل البشري إن لم يكن موجها من الله سبحانه وتعالى بنور العقيدة الصحيحة.
والدين الذي هو يستمد من قبل الله إنما يستمد من وحي الله. ولذلك أرسل الله تبارك وتعالى رسله مبشرين ومنذرين. هؤلاء الرسل جاؤوا جميعا لأجل وصل الإنسان بالله ولأجل ربط الفرد بالمجتمع من خلال عقيدة الحق إذ هم جميعا كانوا يدعون إلى عبادة الله تعالى وحده وعدم إشراك غيره فيها. (1/4)
صفحة 5
والعبادة تعني مطلق الخضوع و الإنقياد وهذا أن يكون الإنسان غير خارج عن منهج الله فيما يأمره به و فيما ينهاه عنه( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ( ، (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ( هذا الدين تعاقب جميع رسل الله على حمل هدايته إلى خلق الله فهم جميعا كانوا يدعون إلى عقيدة واحدة وإلى عبادة معبود واحد وإلى طاعة خالق واحد ما كانوا يسلكون مسالك مختلفة في ذلك وإن اختلفت وجوه العبادات فيما جاءوا به من شرائع فإن ذلك الإختلاف إنما يرجع إلى مراعاة أحوال الناس في كل أمة من الأمم وإلا فالمعبود واحد. ومن هنا يتبين أن الدين الذي جاء به المرسلون هو دين واحد. هذا الدين هو الذي قال الحق تبارك وتعالى فيه:( إن الدين عند الله الإسلام( وقال:( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ( وقد بين سبحانه وتعالى أن جميع الرسل جاؤوا بهذا الدين فالله سبحانه وتعالى يقول:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(. وقد بين سبحانه وتعالى أن الرسل الذين بعثهم عز وجل إنما جاؤوا بهذا الدين ولم يأتوا بأديان مختلفة. (1/5)
صفحة 6
وهذا يوضح كل الوضوح خطأ قول من قال بأن هناك ديانات سماوية فهناك شرائع سماوية أما الدين السماوي فهو واحد وهو هذا الدين نفسه ويدل على ذلك ما جاء من النصوص الصريحة أن الرسل السابقين إنما جاؤوا بدين الإسلام فالله سبحانه وتعالى يقول:( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ( ثم يبين سبحانه أن الدعوة إلى هذا الدين كانت سنة في أولئك المرسلين ويدعون إليه أخص خاصتهم وأقرب أقربائهم إذ يقول سبحانه وتعالى:( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(. ويقول تعالى:(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ( ويقول تعالى حكاية عن عبده نوح عليه السلام:( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ( هذا الكلام يحكيه عن عبده نوح عليه السلام عندما كان يدعو قومه يعلن لهم أنه مأمور بأن يكون من المسلمين والآمر هو الله سبحانه. (1/6)
صفحة 7
وحكى الله تبارك وتعالى عن عبده يوسف عليه السلام قوله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ( وقال في التوراة التي يحكم بها أنبياء بني إسرائيل: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ( ويقول تبارك وتعالى في الذين كانوا متمسكين بحبل الله المتين الذي عضوا بالنواجذ على هداية الرسل وهم أهل الكتاب البقية الباقية منهم التي حافظت على هداية الكتاب من غير أن تجنح إلى شيء من الضلالات والبدع التي أملاها أحبار اليهود ورهبان النصارى يقول تعالى في هؤلاء (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ(.فهم كانوا من قبل أن ينزل القرآن على رسول الله ( على الإسلام. حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه:( يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ( كذلك حكى الله تبارك وتعالى عن حواريي عيسى بن مريم عليه السلام فالله تبارك وتعالى يقول:( قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ( وقال تعالى في قرية لوط عليه السلام:( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(. (1/7)
صفحة 8
وكذلك حكى الله تعالى عن فرعون لعنه الله أنه ادعى الإسلام عندما أدركه الغرق( حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ( .
ومعنى هذا أن الأنبياء جاؤوا بدين الإسلام. فما هذا الإسلام؟
الإسلام يبينه الله تعالى لنا في كتابه العزيز حيث يقول:(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(. هكذا يكون الإسلام. أن يسلم الإنسان نفسه لله رب العالمين. أن يسلم روحه وجسده وقلبه وعقله ووجدانه وفكره وضميره وغرائزه لله تبارك وتعالى فلا يتصرف إلا بحسب ما أذن لله ذلك لأنه عبد الله وهو مستخلف من قبل الله في أرض الله يتحمل أمانة الله فجدير به أن يراعي حكم الله فلا يقدم على شيء ولا يحجم عن شيء إلا بعد إذن الله تبارك وتعالى هذا هو الإسلام الحق. أن يكون المسلم مسلما في عبادته مسلما في معاملاته مسلما في أخذه وعطائه مسلما في سلمه وحربه مسلما في رضاه وغضبه. فالإسلام لا ينحصر في المسجد وينحسر في المكتب أو في المتجر أو في المزرع أو في أي مكان آخر بل المسلم يلتزم إسلامه في مسجده وهو راكع لله تبارك وتعالى و في متجره وهو يبيع ويشتري وفي ميدانه وهو يقاتل في سبيل الله وفي مزرعه وهو يزرع ويحرث وفي مصنعه وهو يصنع وينتج. (1/8)
صفحة 9
في جميع الأحوال المسلم يلتزم الإسلام فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين والديه وفيما بينه وبين زوجه وفيما بينه وبين أولاده وفيما بينه وبين أخوته وفيما بينه وبين جيرانه وفيما بينه وبين المسلمين جميعا وفيما بينه وبين سائر الناس إذ لا يعاملهم إلا بحسب ما يأمر الله تبارك وتعالى به ويحض عليه وفيما بينه وبين هذا الكون المترامي الأطراف الواسع الأرجاء بأعتباره مسرحا لإعتباره وبإعتباره أيضا مباءة له ينتهز فيه الفرصة للإتعاظ والإدكار لما يرى من آيات الله تعالى في جنباته ويستغل ما فيه من منافع ليشكر نعمة الله على ذلك فهو يتعامل مع هذا الكون الواسع الأرجاء بنظام الإسلام وبعقيدة الإسلام.
هذا هو الإسلام الحق. فالمسلم مطلوب إن وزن أن يزن بموازين الإسلام وإن كال أن يكيل بمكاييل الإسلام وإن أعطى بيد الإسلام وإن أخذ يأخذ بيد الإسلام وإن أمشى أن يمشي بقدم الإسلام وإن أصغى أن يصغي بأذن الإسلام وإن نطق أن ينطق بلسان الإسلام وإن أطرق أن يفكر بفكر الإسلام وإن تنفس أن يتنفس برئتي الإسلام وإن أبصر أن يبصر بعيني الإسلام بحيث يكون الإسلام هو المقياس الذي يعتمد عليه وهو القسطاس المستقيم الذي يقيس عليه الأمور فلا يقبل شيئا ولا يرد شيئا إلا بحسب ما تقتضيه موازين الإسلام دين الله تعالى الحق. و الإسلام جاء ليربي أتباعه على الإستقلالية وذلك لأنه يغرس في نفوس أتباعه العزة والأعتزاز بالله والاعتزاز بحب الله والاعتزاز بموالاة أولياء الله والاعتزاز بأتباع منهج الله هذه هي عزة المسلم يشعر أنه عزيز لصلته بالله سبحانه وتعالى فلا يذل ولا يستكين ولا يخضع لأنه يعلم أنه من ورائه الله سبحانه وتعالى وهو بكل شيء محيط وعلى كل شيء قدير وعلى كل شيء شهيد. (1/9)
صفحة 10
ويتبين لنا من خلال التربية الحقة التي ربى بها الرسول( خير هذه الأمة المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه أن النبي ( كان أحرص ما يكون على أن تعيش هذه الأمة أمة عزيزة لا تذل ولا تستكين فلذلك رباها على الاستقلالية في كل شيء رباها على منهج الله. وكان ( كثيرا ما يوصي هذه الأمة بعدم التأثر بأغدائهم لأن التأثر في العادات يفضي إلى الثأثر في العبادات والتأثر في العبادات يفضي إلى التأثر في العقيدة. فمن هنا كان النبي ( حريصا جدا على تربية هذه الأمة على الاستقلال. فكثيرا ما كان يوصيها بمخالفة اليهود وبمخالفة اليهود والنصارى وبمخالفة المجوس وبمخالفة المشركين حتى لا تتأثر العادات بالعادات فيؤدي ذلك بالتالي إلى تأثر العبادات بالعبادات وتأثر العقائد بالعقائد. وهذا واضح لمن تدبر أوامره ( ونواهيه. فكثيرا ما كان يقول: خالفوا المشركين أو خالفوا المجوس أو خالفوا اليهود.
والنبي ( بلغت به الدقة في ذلك أنه كان يحرص على مخالفة أعداء الله حتى في الأمور العادية كما روي عنه ( أنه كان في حالة دفن ميت وكان واقفا وكان أصحابه وقوفا من حوله فمر بهم يهودي وقال: هكذا تصنع أحبارنا فقعد ( وأمر أصحابه بالقعود لئلا يتأثروا بمسالك اليهود. (1/10)
صفحة 11
وهذا يعني أن الاتباع هو رمز الموالاة والله سبحانه وتعالى حذرنا في كتابه الكريم من موالاة القوم الكافرين. فالله عز وجل يقول:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(.
ثم بين لنا سبحانه العاقبة الاحتكاك بهؤلاء ( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ(.
فالله سبحانه وتعالى يبين لنا هنا أن هؤلاء لن يقنعهم منا الا أن نكفر كما كفروا فهم يودون أن نكفر ككفرهم. ويقول الله سبحانه وتعالى لنبيه (: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ(. (1/11)
صفحة 12
ويحذر الله تعالى من موالاتهم فيقول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( ثم بين لنا سبحانه أن هذه الموالاة تفضي والعياذ بالله إلى الردة عن الإسلام لأن من شأن الإنسان أن يوالي أحدا ما لأحد أمرين إما لشعوره بأنه يتفوق عليه وإما لشعوره بأن له يدا عليه وعلى كلا الأمرين فإن هذه الموالاة تجر إلى الاتباع فلا يقنع هذا الذي يوالي دون اتباع من يواليه في كل خطوة من خطواته وفي كل عمل من أعماله حتى ينقلب والعياذ بالله من بعد إلى أقصى حد من حدود الاتباع وهو الانسلاخ من العقيدة الحقة. ولذلك يقول الله تعالى إثر هذا التحذير من الموالاة بعد ما بين سبحانه وتعالى أن هذه الموالاة لهؤلاء اليهود والنصارى لاتنتج الاعن مرض نفساني يقول: ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ, وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ(. ثم يقول تحذير لما تفضي إليه الموالاة من الردة والعياذ بالله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(. (1/12)
صفحة 13
ثم يبين بعد ذلك على من يجب على المسلم أن يقصر موالاته فيقول: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(.
ثم يبين عاقبة هذه الولاية الحقة لله ولرسوله وللمؤمنين فيقول تبارك وتعالى: (ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون( فالموالاة يجب أن تكون لأولياء الله يجب أن تكون قبل كل شيء لله. وولاية العبد لربه سبحانه وتعالى إنما هي بطاعته وابتاع أمره والخضوع المطلق له في كل ما أمره به وفي كل ما نهاه عنه ثم لرسوله ( وذلك بحب الرسول حبا يمتلك عليه جوانب قلبه ويأسر فكره ووجدانه حتى يكون قيد أمره ( في كل ما أمره به وفي كل ما نهاه عنه. ومن أولى بالولاية من رسول ( من البشر؟ هو عليه أفضل الصلاة والسلام في قمة الكمال البشري. وهو ( باب رحمة ساقها الله تبارك وتعالى إلينا.
والله تعالى يبين لنا أن التأسي به مقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر إذ يقول: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً(. ثم يوالي الذين آمنوا بولاية الله لما يربط بينه وبينهم من حبل العقيدة الحقة التي تصله بالله والتي تجعل سلوك الجميع مقوما وتجعل اتجاه الجميع إلى الله سبحانه وتعالى.
هذه الولاية تجب من المؤمن للمؤمن تشعر المؤمن في نفسه بأنه على ارتباط وثيق لأمة الاسلام أنه فرد من أفراد هذه الأمة يحس بإحساسها ويتالم لألمها ويسعى إلى غايتها ويحرص على ما فيه عزتها ذلك كله إذا حصل من هذه الأمة جميعا, حصل الترابط بين هذه الأمة وعزت بعزة الله سبحانه وتعالى.
والإسلام الحنيف كما قلت هو الاستسلام التام لأمر الله. (1/13)
صفحة 14
والله تبارك وتعالى شرع لنا في دين الإسلام ما يجب علينا أن نتبعه. وضح سبحانه وتعالى لنا ما يجب أن نتبعه وما يجب علينا أن نجتنبه فعلينا أن نتبع ما أمر الله به ولأن نجتنب ما نهى الله عنه وما عدا ذلك ما كان أقرب إلى ما أمر الله به فعلينا أن نلحقه به لأن الأشياء تقاس بالأشياء يقاس مجهول الحكم على معلومه إن كانت هنالك علة تجمع بينهما أما ما عدا ذلك فهو عفو وذلك كله يقاس بموازين الحق التي أنزلها الله سبحانه وتعالى. (1/14)
صفحة 15
والمؤمن الذي رضي بالله ربا وبمحمد ( رسولا وبالقرآن الكريم منهجا ودليلا لا يتردد في أن يتبع أمر الله وأمر رسوله ( ذلك لأن الله تعالى يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينا(. وعلى هذا فإن المؤمن الحق لا يفرق فيما أمر الله تعالى به وفيما نهى عنه سواء أكان ذلك بنص في كتابه أو على لسان رسوله ( مما يثبت عنه ( لا يفرق بين ما كان من ذلك جوهريا وما كان من ذلك شكليا إذ لا تفرقة عند المؤمن بين الكليات والجزئيات فهو يسارع إلى طاعة الله تعالى في الجزئيات كما يسارع إلى طاعته سبحانه وتعالى في الجوهريات ذلك لأن المؤمن يعلم علم اليقين أن الله تعالى لم يكن ليأمره إلا بما فيه خيره ولم يكن لينهاه إلا عما فيه شره فلو تصور خيرا فيما نهى الله عنه أو تصور شرا فيما أمر الله تعالى به فإنما ذلك يعود إلى فساد ذوقه لا يكون ذلك إلا لأن ذوقه قد إيف بأفة الهوى الذي استحكم في نفسه فغطى على بصيرته حتى صار يؤثر هوى نفسه على أمر الله تعالى وأمر رسوله ( . ونحن نجد المؤمنين الحق في الرعيل الأول في العصر الذي بعث فيه رسول ( بهداية الحق ما كانوا يترددون في قبول أمر الله وقبول أمر رسوله ( و هذا لتعمق الإيمان في قرارة نفوسهم فلذلك ما كانوا يترددون في قبول ما جاء عن الله أو عن رسوله (. فالعرب كانوا من الناس الذين يهوون الخمر ويعدون الإنفاق فيها من أسخى السخاء وأكرم المكرمات وأعظم المفاخر ولذلك شغلت الخمر جانبا لا يستهان به من أدبهم فكانوا يفاخرون بمعاقرة الخمر في شعرهم ونثرهم. (1/15)
صفحة 16
وشاع الإدمان عندهم حتى أن من لا يعاقر الخمر كان أنذر من النادر في صفوفهم ولكن عندما نزل تحريم الله للخمر تحريما جازما لا هوادة فيه في قوله تبارك وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ(. عندما أنزل الله تعالى قوله هذا على نبيه ( أقلعت العرب عن الخمر وكانت طائفة من المؤمنين في منزل أبى طلحة الأنصاري رضي الله عنه في حالة معاقرة الخمر وكانت نفوسهم متطلعة إلى هذا الشراب وأعناقهم مشرئبة إليه وشفاههم متلمظة له وأكبادهم صادئة إليه ولكن عندما جاءهم من أبلغهم هذا الأمر الأهي قاموا إلى الدنان فأراقوا ما فيها وحطموها من بعد امتثالا لأمر الله تعالى وأمر رسوله ( وكذلك كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عندما أنزل الله تعالى الذي أنزله في سورة النور على عبده ورسوله ( وتلا الرسول ( ذلك على الرجال انقلب الرجال إلى نسائهم فكان الرجل يتلو ذلك على زوجه وعلى أمه وعلى أخته فقمن وشققن مروطهن واعتجرن بها فأصبحن وراء رسول الله معتجزات كأنهن على رؤسهن الغربان. كل ذلك كان بدافع من الإيمان كان بأن الإيمان وقر في القلوب أولئك فاستولى على كل شيء فما كانوا يحسون إلا بإحساس الإيمان لأنهم يرون كل الخير في ما أمرهم الله تعالى به ويرون كل الشر في ما حذرهم الله تعالى منه و هذا الذي أورث أولئك السلف عز الدنيا وسعادة الآخرة فكانوا أعزة مرموقين بعين الإكبار والإجلال من قبل أعدائهم بل كان أعداؤهم يتأثرون بهم حتى في عقر ديارهم. (1/16)
صفحة 17
فقد شاع في أوساط الأوروبين في عصر من العصور احتقار التماثيل والصور حتى أن مراسيم خرجت من بعض أباطرتهم تنص على أن استعمال التماثيل ضرب من ضروب الوثنية وتنص على حرمة استعمال هذه التماثيل . كان ذلك تأثرا بالمسلمين. بينما الآن يد\خل المسلم بيت المسلم فيجد فيه أنواعا من التماثيل والعياذ بالله. ونحن كما ذكرنا من قبل إذا عدنا إلى ما جاء به الرسول ( من عند الله نجد أن الرسول( جاء ليعلم هذه الأمة ما تأتيه وما تذره. فالرسول ( عرفنا كيف نقضي الحاجة. عرفنا كيف نتعامل مع الأزواج. عرفنا كيف نتعامل فيما بيننا كيف يلقى بعضنا بعضا.
النبي ( كان حريصا على أن تكون لهذه الأمة ميزتها في عقيدتها وعبادتها وفي سلوكها وعاداتها وفي مظهرها وسماتها. بحيث تكون هذه الأمة حتى في مظهرها تعكس ظلال إيمانها الحق. ومن أجل ذلك كان الرسول ( ينهنه هذه الأمة عن التأثر بالمشركين وعن اتباعهم. فتجدون أن النبي ( كان مما علم هذه الأمة أن يوفروا اللحى وأن يحفوا الشوارب وعلل ذلك بمخالفة المجوس حتى أنه ( عندما جاء الرسولان اللذان بعث بهما كسرى إليه سألهما رسول ( عن سبب حلقهما لحيتهما وتوفيرهما لشاربيهما فقالا: إن ربنا أمرنا بذلك يعنيان كسرى فقال رسول الله (: ولكن ربي أمرني بإعفاء اللحية وإحفاء الشارب أو كما قال. وهو ( حض على ذلك هذه الأمة عندما قال (:" حفوا الشارب واعفوا اللحى". وما هو الإعفاء؟ إعفاء الشيء تنميته وزيادته. يقال: عفا الشيء بمعنى نما وزاد. فالله تعالى يقول:( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا( أي حتى نموا.
فالنبي ( أراد أن يكون لهذه الأمة مظهر يليق بعقيدتها ويليق بعبادتها ويليق بسلوكها ويليث بخلقها ويليث بعزتها بين الأمم. (1/17)
صفحة 18
وكذلك جاءت روايات أخرى تؤكد هذا المعنى منها: أرخوا اللحى و أعفو اللحى ووفروا اللحى . كل هذه الروايات يشد بعضها بعضا وهي آمرة بالتمسك بهذه السنة الواجبة التي حض عليها رسول الله ( وأمر بالتمسك بها. وما حضه عليه أفضل الصلاة والسلام على ذلك الأدليل وجوب فإن الله تعالى يقول:( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(.
ونجد كذلك الرسول ( في باب اللباس يحذر كل التحذير من إسبال الثوب في الرجال فيقول (:" ازرة المؤمن إلى أنصاف الساقين لا جناح فيما بين ذلك وبين الكعبين وما أسفل الكعبين فهو في النار ولا ينظر الله إلى رجل يجر ثوبه خيلاء".
هكذا يأمر الرسول ( بأن يكون لباس المسلم لباسا لائقا ليس فيه مظهر من مظاهر التكبر والتعاظم و التعالي لأن المسلم مأمور بالتواضع. ولذلك كان ( شديد النكير على من يراه من أصحابه يجر ثوبه فهو كان ( شديد النكير على من أسبل وقد أنكر ذلك على خيرة الصحابة الذين مثلهم في التوراة والإنجيل ولهم القدح المعلى في كل خير وقد سجل الله تعالى عليهم الثناء الخالد في كتابه وكان ممن أنكر ذلك عليه حذيفة رضي الله تعالى عنه وهو صاحب سره ( وكان مما قاله في تحذيره لبعض أصحابه: إياك والإسبال فإنه مخيلة. أي نفس الإسبال هو خيلاء. ومعنى ذلك ذكر الخيلاء لأجل التنفير والتحذير لا لأجل التقييد فنفس الإسبال هو خيلاء وهذا من باب ( يقتلون النبيين بغير الحق( فإن قتل النبيين لا يكون حقا أبدا. ولكن ذكر بغير الحق لأجل تأكيد التنفير من ذلك.
والنبي ( كان أيضا يحرص على أن يبدأ من لقيه بالسلام كان يسلم تحية الإسلام فيقول السلام عليكم أو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (1/18)
صفحة 19
والله تبارك وتعالى جعل هذه التحية تحية أهل الجنة فخيرل ما يبدأ به المسلم أخاه المسلم أن يحييه بهذه التحية فهذه التحية تشعر بالأمان والإطمئنان فإنها تحية سلام ليست تحية خطر فنحن شعارنا السلام. والله تبارك وتعالى يبين لنا أن رد السلام من الفرائض حيث يقول:( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا(. ونحن نأسف أسفا كبيرا اليوم أن نرى كثيرا من إخواننا المسلمين يحيون بتحية الإسلام ولا يردون السلام. فيرد أحدهم مرحبا أو أهلا وسهلا أو نحو ذلك ويعدل عن تحية الإسلام. ونحن نشاهد ذلك في العرب خاصة أما العجم فهم أكثر الناس تمسكا بهذه التحية. العجم من المسلمين هم أكثر الناس تمسكا بتحية الإسلام فإنهم يحيون بتحية الإسلام ويردون بالرد الإسلامي: وعليكم السلام.
والرسول ( حض على ما حض الله تعالى على المرأة المسلمة أن تتمسك بأهداب الفضيلة بحيث لا تتبرج التبرج الذي حذر الله منه تبرج الجاهلية. وهذا أمر منصوص عليه في القرآن. فالله تبارك وتعالى يقول مؤدبا للمؤمنين أولا ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(.
ثم يعطف هذا الأدب الذي فرضه على المؤمنين بما فرض من أدب و خلق على المؤمنات ذلك لأن الدين الإسلامي دين بعيد عن المفارقات والتناقضات. ولا يمكن أن يبيح للنساء بأن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى مع ما فرض الله تعالى على الرجال من قيود الحشمة والوقار بحيث أمرهم بما يترتب على ذلك أن يحفظوا فروجهم وكيف يمكن لهذا الرجل أن يغض من بصره كما أمره الله وهو يرى مناظر التبرج الشائنة عن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه بحيث لا يفتح عينيه إلا على طوفان من هذا التبرج المشؤوم. (1/19)
صفحة 20
فلذلك قال الله عز وجل إثر ذلك:( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(. (1/20)
صفحة 21
فيخاطب الحق تبارك وتعالى رسوله ( بأن يأمر بذلك أولا أخص خاصته وأقرب قرابته. وذلك قوله تبارك وتعالى:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(. وكثير من بني العصر يرون أن هذا الأدب الذي فرضه الله في كتابه وحض عليه رسول الله ( أمته من الأمور الشكلية التي لا يضر التفريط فيها والتهاون بها وهم كثيرا ما يتأثرون بالنظريات التي تستقى ممن تعفنت أفكارهم وأظلمت عقولهم وفسدت فطرهم ونتنت قلوبهم من الذين عرفوا في حماة الشهوة والرذيلة إلى أذقانهم بل بلغ الحال ببعض من يدعون الإسلام أن رددوا النظرية التي تقول بأن بروز مفاتن المرأة للرجل وعدم التقيد بمثل هذه القيود الغليظة الشديدة يفضي إلى تهذيب الغريزة الجنسية ذلك لأن الرغبة لا تكون حبيسة وبهذا تقنع العين ويطمئن القلب وترتاح النفس فلا يكون الرجل ميالا إلى الرجل. وقد سمعت هذا الكلام من أحد الصحفيين وهو يدعي هذا الإدعاء الباطل فرددت عليه بأنني قرأت في صحيفة أن رجلا امريكيا اغتصب ثلاثين طفلا وقتلهم بعد الاعتصاب مع أن المجتمع الأمريكي مجتمع لا يتقيد بشيء من هذه القيود قيود الفضيلة التي جاء بها الإسلام فهل انطلاقه من هذه القيود أدى به إلى تهذب غريزته وإلى تحسن طباعه أو أدى إلى هذا السعار الذي لم يقف عند حد. (1/21)
صفحة 22
وكذلك وجدت قبل سنين في إحدى الصحف أن رجلا أمريكيا مر على غابة في شيكاغو وسمع أنينا ينبعث من هذه الغابة فأسرع إلى مصدر هذا الأنين فإذا به يجد فتاة مشدودة بالحبال ومسجاة في بطانية وعمرها يترواح بين خمسة عشر وثمانية عشر عاما شدت بالحبال شدا وكانت في غيبوبة فأسرع إلى الشرطة وأبلغهم الخبر فجاءت الشرطة وحلو رباها وأخذوها إلى المستشفى وظلت تعالج ولكنها ظلت في غيبوبتها لم يعد إليها وعيها حتى فارقت الحياة وأنها مجهولة الهوية فقد أعلنت عنها الشرطة وأعلن عنها المستشفى فتلقى المستشفى خمسمائة مكالمة من آباء و أمهات فقدوا أولادهم في هذا المستوى من العمر. وتلقت الشرطة ألف مكالمة ليشاهدوا الجثمان هذا مع الإنطلاق غير المحدود هناك فهل كان هذا الانطلاق مفضيا كما يزعمون إلى تهذيب الغريزة على أننا نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى خطابا لأسمى النساء قدرا وأعفهن جيبا وأطهرهن نفسا وأرفعهن منزلة لأزواج النبي ( نجد خطاب الله تعالى إليهن يفرض عليهن من هذه الواجبات أكثر مما يفرض على غيرهن ويبين عاقبة ذلك فيما بعد:( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً(.
يحذرهن من أن يخضعن بالقول لئلا يطمع الذي في قلبه مرض وهن في بيت النبوة الطاهر المصون وبين المهاجرين والأنصار الذي مثلهم في التوراة والإنجيل وهم أكثر الناس تعظيما للرسول ( وإجلالا لقدره و احتراما لبيته وصونا لعرضه ومع ذلك يأمرهن الله تعالى بهذا الأمر فكيف بسائر النساء اللواتي يعشن في المجتمعات المنحلة الهابطة والرجال الذين يعيشون في هذه المجتمعات المتلوثة بألواث الرذيلة التي انتشرت في أوسط الناس. (1/22)
صفحة 23
يقول الله تعالى لهن:( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفا، وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَه( ثم يبين الغاية من هذه الأحكام الطاهرة.
فالغاية منها الطهر والنزاهة و الصون. قال تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً( هذا هو خطاب الله تعالى لأمهات المؤمنين.
وهكذا خطاب الله تعالى لسائر المؤمنات إنما يأتي من هذا القبيل. فما فرضه عليهن من القيود المختلفة. قيود الأدب، قيود الحشمة، قيود الوقار، إنما هو لجل صون أعراضهن.
وما هذا الاندفاع وراء مظاهر الحياة العصرية التي تخالف الإسلام الحنيف وتخالف هذه التوجيهات الربانية والنبوية التي تفضي بهذه الأمة إلى أن تكون أمة عزيزة قوية منيعة. ما هذا التسارع من هذه الأمة إلا رمز هذه الولاية التي حذر الله تعالى منها لأعداء الله. فأصبحت الأمة المسلمة اليوم تستحي أن يكون مظهرها مظهرا إسلاميا خصوصا عندما يكونون في بلاد غريبة بين الكفار لأنهم يرون أن تمسكهم بهذه المظاهر الإسلامية من الأمور التي يسجل عليها بأنها من العار ورمز الإنحطاط حسب ما يتصورون فهم يريدون أن يرقوا درج المعالي بتقليد الآخرين مع أن وظيفة المسلم أن يفرض منهجه على الآخرين.
هناك كلمات قد قلتها مرارا للشباب عندما اجتمعت بهم ولا أرى ضيرا أن أعيد هذه الكلمات لكم مرة أخرى. (1/23)
صفحة 24
هذه الكلمات أحكيها عن رجل عاش في أوروبا ودرس في أوروبا وعاد بثقافة أوروبية ولكنه قال عن نفسه: إن بريق الحضارة الأوروبية لم يعش بصري لأنني اكتحلت بإثمد المدينة أي بإثمد السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وهو الشاعر الكبير الشاعر الإسلامي محمد إقبال فقد قال كلمات يحق لها أن تكتب بماء الذهب.
يقول في المسلم: إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار ويساير الركب البشري حيث اتجه وسار بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة ويفرض على البشرية اتجاهه ويملي عليها إرادته لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه فليس مقامه الإمامة والقيادة مقام الإرشاد والتوجيه مقام الآمر النهاي وإذا تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم الدهر بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره. إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والوضاع القاهرة والإعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد.
فالمسلم يجب عليه أن يكون مؤمنا قويا. وقوته إنما تنبع من إيمانه بالله من إيمانه بما أنزل الله، من إيمانه بأن الخير كل الخير فيما أمر الله تعالى به والشر كل الشر فيما نهى الله تعالى عنه. فليس الخير في تقليد الغربيين واتباع مظاهرهم الخلابة التي لا تفضي بهذا الإنسان إلا إلى احتقار مواريثه الفكرية والسلوكية والإعراض عما جاء به رسول الله ( من عند الله المؤمن القوي مطالب بأن يكون قائدا متبعا لا مقلدا متبعا. المؤمن مطالب بأن يكون عملاقا يقود غيره لا أن يكون قزما ينقاد لغيره.
المؤمن مطالب بأن يكون مؤثرا على الآخرين لا أن يكون متأثرا بالآخرين. (1/24)
صفحة 25
ما هذه التبعية العمياء التي وقعنا فيها والعياذ بالله إلا رمز هذه الولاية التي حذر الله تعالى منها لأعداء الإسلام .
وما هذه التبعية العمياء إلا دليل على أن النفوس أصيبت بما ذكره الله تعالى من مرض القلوب. ما هذه التبعية العمياء إلا دليل على أن هذه النفوس إيفت بآفة ما يسمى عند علماء النفس بمركب النقص. فما هذه إلا هزيمة نفسية وارتكاسة نحو الدون والعياذ بالله. والمسلمون الآن كما قلت غير مرة وأكرر هذا الكلام ينتظر دورهم. العالم بأسره ينتظر المبادئ الهدامة وتبين أن القيم المادية لا تعود على البشر إلا بالشر والوبال فعلى هذه الأمة أن يكون دورها دورا بناء وذلك أمر لا يتم أبدا إلا إذا اعتزت بمواريئها الفكرية والسلوكية ولم تفرط في شيء من دينها لا من القضايا الكلية ولا من الأمور الجزئية بل عليها أن تحافظ على الجزئيات قبل الكليات فإن من استهان بالجزئيات استهان بالكليات ومن فرط فيما يسمى الآن بالشكليات فرد بالتالي فيما يسمى بالجوهريات. (1/25)
صفحة 26
فما على المسلم الذي رضي بالله ربا وبمحمد قائدا ورسولا( إلا أن يستمد من عند الله وأن يحرص على اتباع رسوله ( (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً( . ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً(. هكذا يطالب المسلمين بأن يحتكموا إلى الله وإلى رسوله ( أن يكون كتاب الله وسنة رسوله ( مصدر أحكامهم وموئل احتكامهم و ألا يفرطوا في مواريثهم الفكرية والسلوكية بحيث يعتزون كل الإعتزاز بما كان عليه سلفهم. نحن نشاهد من الاتكاس الذي وقعت فيه هذه الأمة والعياذ بالله أصبحت الآن هذه الأمة تستهين بأعز ما يجب عليها أن تعتز به...قيام الدولة الإسلامية التي أوت الشارد وآزرت الضعيف وشدت عزائم المؤمنين فانطلقوا في أرجاء الأرض أعزة يرفعون كلمة الحق. قامت الدولة الإسلامية وكان قيامها ميلادا لهذه الأمة فمن هذا المنطلق أجمع السلف الصالح في عهد الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه على أن يجعلوا بدء قيام الدولة الإسلامية ميقاتا تاريخيا لهذه الأمة فاعتمدوا على التاريخ الهجري. والتاريخ الهجري يدور بدوران الأشهر القمرية التي هي مناط العبادات التي فرضها الله تعالى عليهم. لأن الصيام والزكاة والحج و عدد النساء وأحكام الإيلاء وسائر الأحكام الموقوتة إنما تنبني كلها على مواقيت هذه الأشهر القمرية( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج(.
وتعظيم هذه الأشهر من الأمور التي ترتبط بعقيدة المسلم (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ(.
أين الأربعة الحرم في غير هذه الأشهر. (1/26)
صفحة 27
فنجد المسلمين اليوم يستهينون بهذا التاريخ ويضربون به عرض الحائط فيؤرخون كل دقيقة وجليلة بالتاريخ الميلادي. بل ربما أفضى بهم الأمر أن يؤرخوا حجهم فيقولون في حج عام كذا بالتاريخ الميلادي لا بالتاريخ الهجري. في رمضان عام كذا بالتاريخ الميلادي لا بالتاريخ الهجري. هذه ارتكاسة مع أن التاريخ الميلادي يرتبط بمفاهيم معينة عند أصحابه هي في الحقيقة لا تتفق مع الإسلام.
هذا مظهر من مظاهر انحراف المسلمين في هذا الوقت. وسمة من سمات تقهقرهم ورضاهم بالدون. رضاهم بالذي هو أدنى وإعراضهم عما هو خير وكذلك إذا جئنا من ناحية المظهر.
إنما المسلم عليه أن يعتز بما كان عليه رسول الله ( هذه المظاهر التي انتشرت في المسلمين إنما وفدت من أوروبا فأي أولى بأن يعتز به المؤمن؟
هل يعتز المؤمن بأنذال أوروبا أو يعتز برسول الله ( واتباعه له و ترسمه لخواطه. الرسول ( الذي يصفه العلي الأعلى بقوله:( وإنك لعلى خلق عظيم( ويصفه سبحانه من خلال وصفه لعظم رسالته بقوله:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( ويصفه تبارك وتعالى بقوله:( لقد جاءكم رسول من أفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم(.
ها الرسول انضرب صفحا عن الإقتداء به؟ ونقتدي بأنذال أوروبا و نريد مع ذلك العز ونريد مع ذلك الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها ؟! أي مفارقة هذه؟!.
إن الإسلام لا يرضى بالمفارقات فالمسلم ما دام رضي برسول الله ( إماما وقائدا وحكما فعليه أن يقتدي به على أن الاقتداء بالشخص إنما يأتي كما قلت نتيجة أمرين إما لأن الإنسان مبهور بعظمة ذلك الشخص وإما لأن لذلك الشخص يدا أسداها عليه وأي أحد على كلا الأمرين أولى بأن يتبع ويقتدي به من رسول الله (؟!.
فما على هذه الأمة إلا أن تجعل أمر الله وأمر رسوله ( فوق هواها وفوق هوى الناس أجمعين وعليها أن تؤثر رضا الله على جميع الناس. فما عليها إن غضب أهل المشرق والمغرب ورضي عنها الله. (1/27)
صفحة 28
فقد غضب من غضب من الكفار في الأرض على الصدر الأول من المسلمين ورضي الله عنهم فمكن لهم في الأرض وأذل لهم أعداءهم فإذا بهم يطأون على تيجان الأكاسرة والقياصرة وتذل لهم رقابهم ويقودونهم بسلاسل الحق و العدل إلى الخير وإلى المساواة ما بينهم وبين الآخرين.
عندما كان المسلمون لا يفرطون في واجباتهم كان كثير من الكفرة أعداء الإسلام يتظاهرون بمظاهر الرقي عندما يقلدون المسلمين عكس الحالة التي شاعتى في الأوساط الإسلامية اليوم.
مما ذكر في تاريخ الأندلس أن الأندلس عندما كانت مسلمة عندما كانت تحكم بالإسلام كان النصارى القوط يحاولون ان يقلدوا المسلمين في كثير من العادات ويعدون ذلك مظهرا من مظاهر التقدم والمدينة سواء الذكور منهم والإناث. فكان الشاب النصراني عندما يتحدث إلى زملائه يحرص على أن يخلط كلماته عربية إسلامية كنحو السلام عليكم أو مع السلامة حتى يتظاهر بين زملائه بأنه ممن تهذب وترقى. وكذلك الفتاة النصرانية تردد هذه الكلمات بين زميلاتها لتفخر عليهن بأنها لا بأس بها قطعت شوطا في طريق الحضارة وفي طريق التقدم والمدنية. والآن نجد شباب المسلمين على عكس ذلك فإذا التقى أحدهم بالآخر تجد بين كلمة وأخرى يردد كلمة " أوكي" أو مثل هذه الكلمات ليتظاهر بانه على شيء من الثقافة والوعي والحضارة.
ما هذا الإنحطاط؟! يا أمة ضحكت من جهلها الأمم. هذه هي المهانة و هذا هو الذل الذي وقعت فيه هذه الأمة ولا يخلصها من ذلك إلا رجوعها إلى الحق وعدم تفريطها في شيء منه.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه ونسأله أن يكلأنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا. وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا. وأصلح لنا أخرتنا التي إليها معادنا. واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير والموت راحة لنا من كل شر. (1/28)
صفحة 29
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين واقطع دابر أعداء الدين واستأصل شأفتهم ولا تدع لهم من باقية.
اللهم شرد بهم في البلاد وافعل بهم كما فعلت بثمود وعاد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. اللهم صب عليهم سوط عذاب وحل بينهم وبين ما يشتهون كما فعلت بأشياعهم من قبل واجعل بأسهم بينهم شديدا.
اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين.
اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين.
اللهم خلص عبادك المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من قهر أعدائك الكافرين.
اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين ومكن لنا الذي ارتضيته لنا وأبدلنا بخوفنا أمنا وبذلنا عزا وبفقرنا غنى وبتشتتنا وحدة واجمعنا على كلمتك وألف بين قلوبنا بطاعتك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم إنا ضعفاء فقونا وإنا أذلاء فأعزنا وإنا فقراء فأغننا.
اللهم أغننا بحلالك عن الحرام وبطاعتك عن الآثام وبك عمن سواك يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام.
اللهم أبرم في هذه الأمة أمر صلاح ورشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ويحكم فيه شرعك ويتبع فيه كتابك ويقتدى فيه برسولك وتقام فيه حدودك ويغاث فيه الملهوف وينصر فيه المظلوم ويقهر فيه الظالم ويعان فيه الضعيف.
اللهم أعزنا بعزتك يا الله ياذا الجلال والإكرام. اللهم أعزنا بطاعتك . اللهم أعزنا بطاعتك. اللهم أعزنا بطاعتك ولا تذلنا بمعصيتك يا رب العالمين. (1/29)
صفحة 30
اللهم إنا نسألك بانا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت. الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته ولا عيبا إلا أصلحته ولا غما إلا فرجته ولا كربا إلا نفسته ولا دينا إلا قضيته ولا مريضا إلا عافيته ولا غائبا إلا حفظته ورددته ولا ضالا إلا هديته ولا عدوا إلا كفيته ولا بلاءا إلا كشفته ولا دعاء إلا استجبته ولا رجاء إلا حققته ولا سائلا إلا أعطيته ولا جاهلا إلا علمته ولا محروما إلا رزقته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا صلاح ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها في يسر منك وعافيته.
اللهم اجعل الموت خير غائب ننتظره والقبر خير بيت نعمره واجعل ما بعده خيرا لنا منه.
اللهم إنا نسألك أن تهب كلا منا لسانا صادقا ذاكرا وقلبا خاشعا منيبا وعملا صالحا زاكيا وإيمانا خالصا وثابتا ويقينا صادقا راسخا ورزقا حلالا واسعا.
اللهم إنا نسألك إنابة المخلصين وخشوع المتقين ويقين الصديقين ودرجة الفائزين يا أفضل من قصد وأكرم من سئل وأحلم من عصي يا الله ياذا الجلال والإكرام.
اللهم اجعل جمعنا ها جمعا مرحوما واجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما ولا تجل فينا ولا منا شقيا ولا محروما إنك ربنا على كل شيء قدير وإنك بالإجابة جدير نعم المولى ونعم المصير.
اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان سبحانك ربنا لا نحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ونتوب إليك ونعول في إجابة دعائنا عليك ولا حول ولا قوة إلا بك.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. (1/30)