صفحة 1
الكتاب: الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم
محاضرة ألقاها سماحة الشيخ الخليلي في ولاية بهلا ...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنان الكريم، الرحمن الرحيم، الذي يدعو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، سبحانه هو السميع البصير العليم الخبير، الذي وسع كل شيء علمه وأحاط بكل حادث حكمه، أحمده تعالى حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالدعوة القاطعة، والحجة الساطعة، والملة الجامعة، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين، أما بعد، فالسلام عليكم جميعاً أيها المؤمنون والمؤمنات ورحمته وبركاته.
أحييكم جميعاً بهذه التحية الطيبة المباركة، وأحمد الله سبحانه الذي أتاح لنا الفرصة الميمونة للقاء في هذا المكان الطيب، والصرح الديني، والمعلم الخيري، الذي نرجو بمشيئة الله سبحانه وتعالى أن تنطلق منه دعوة الحق لتواكب مسيرة الحياة إلى شتى أرجاء الأرض، وتخرج منه كلمة الخير الجامعة، التي تؤلف القلوب وتجمع الشتات وتوحد الصف، وترأب الصدع، كما هو المراد من الإسلام الحنيف.
مكانة الدعوة (1/1)
صفحة 2
ولا ريب أنكم تدركون أهمية الدعوة في الإسلام، فإن أمر المؤمنين والمؤمنات إنما نيط بهذه الدعوة، إذ الحق سبحانه وتعالى أراد لهم أن يكونوا جميعاً على ولاية من بعضهم لبعض، وهي تتحقق مع القيام بمسئولية الدعوة كما يدل على ذلك قوله سبحانه: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله } التوبة:71، والله سبحانه فرض على الأمة أن تكون أمة دعوة، وذلك عندما قال { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } آل عمران:104 وليست كلمة (من) هنا دالة على التبعيض، بحيث يحمل الأمر في الآية على بعض من الأمة على دون بعض، وإنما هي للبيان.
فالدعوة مطلوبة من الكل، كيف والله سبحانه وتعالى حصر الفلاح في هذا الصنف من الناس عندما قال { وأولئك هم المفلحون } ، والحصر حاصل بتعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما، وكل أحد مطالب بأن يحرص على الفلاح، وأن يسعى إليه جهداً، وأي مكسب للإنسان خير من الفلاح، الذي يفوز بسببه برضوان الله سبحانه، وما يتبع ذلك من جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
وقد بين سبحانه أن هذه الأمة إنما تكون أمة خيرة تفوق الأمم جميعاً في فضلها عندما تضطلع بأمانة الدعوة إلى الله، فقد قال سبحانه { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } آل عمران:110، فهي على خير وصلاح وبر وعز ما حافظت على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
أساليب الدعوة (1/2)
صفحة 3
على أن هذه الدعوة لم تترك لأساليب الناس التي ربما كانت بإيحاء نزغات ونزعات، وإنما وجه الله سبحانه وتعالى إلى الأسلوب الأمثل، فقد قال الله تعالى خطاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } النحل:125، فترون أن الله سبحانه في مقام دعوة غير المسلمين إلى ملة الإسلام أمر أن تكون الدعوة بالحكمة وبالموعظة الحسنة، وبما يحقق الغاية المطلوبة، ثم إن الله سبحانه بين أنه يمكن أن يكون التأثير باللطف والرفق أبلغ بكثير من التأثير بخلاف ذلك، فقد قال سبحانه { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم - وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } فصلت:34-35، فعندما يدفع الإنسان السيئة بالتي هي أحسن ينسجم المدعو مع الداعي ويتفاعل معه تفاعلاً تاماً ويستجيب لهذه الدعوة، وقد بين سبحانه أن الدعوة بهذا الأسلوب الحسن تؤلف النافر وتقرب الشارد وتدني البعيد، حتى يكون الخصم اللدود كأنه ولي حميم.
والرسول صلى الله عليه وسلم ضرب للناس أروع الأمثال في ذلك، فإنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان مثالاً في الدعوة بالتي هي أحسن والتأثير على الناس بالتلطف والترفق بهم، فقد كان بذلك يتألف النافر ويقرب الشارد ويدني البعيد، ولذلك تأثر أولئك الذين كانوا على قسوة وغلظة، حتى أنهم تسابقوا إلى اعتناق الدين الحق والتفاعل مع دعوته صلى الله عليه وسلم، فكم من رجل كان شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم ولدعوته، ولكن بحسن التلطف والكلمة الهادئة الهادفة التي كانت تنطلق من لسان الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكمة والموعظة الحسنة أثرت على أولئك تأثيراً بالغاً فتفاعلوا مع هذه الدعوة، وصاروا من أنصارها والمتحمسين للقيام بها. (1/3)
صفحة 4
فكم من أحد وتر في قريبه من أب أو ولد، ولكن بتأثير هذه الدعوة صار يحمي حماها، ويحرص على الدفاع عنها، ويقاوم أعداءها، كما كان ذلك من قبل عكرمة بن أبي جهل الذي كان والده شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم وقد قتل في غزوة بدر ثم سحب إلى قليب بدر، وقد تحمل ابنه تبعة الأخذ بثأره، ولذلك رزأ المسلمين في غزوة أحد، وكان شديد الخصومة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بعدما استأمنت له امرأته في عام الفتح وجد من النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق والمعاملة الحسنة المقربة، فتحول من خصم لدود إلى صديق حميم، حتى أخذ من بعد يقاوم أعداء الدعوة متحدياً لهم غير لاوٍ على شيء من الحياة الدنيا، وانصرفت همته كل الانصراف إلى تأييد الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته (1) .
ومن المعلوم أن الداعية شأنه شأن الطبيب الذي يعالج الأبدان، فالداعية يعالج القلوب، وكما أن الطبيب عندما يعالج الأبدان يحرص على معرفة طباعها وما يجدي فيها من الدواء، كذلك على الداعية أن يكون حريصاً على معرفة هذه الطباع وكيفية التأثير عليها، حيث إنه يتخلل الناس بالموعظة الحسنة بحسب ما يرى من الأساليب المؤثرة عليهم المقربة لبعيدهم، المؤلفة لنافرهم.
أهمية العلم للداعية
وعلى الداعية أن يدعو إلى الله على بصيرة، بحيث تكون دعوته في إطار ما أمر الله سبحانه وتعالى به حتى لا تتصادم هذه الدعوة مع ما يقصده الداعية نفسه؛ لأن الداعية عندما يكون على غير فقه ودراية ربما تؤثر دعوته سلبياً.
- فقد يتصور الكثير من القضايا بأنها أهم بالعناية بها ويدع ما هو أهم وأجدى وأولى بأن يعتني به.
- وقد يتصور الحق باطلاً والباطل حقاً والدين رأياً والرأي ديناً.
- ويتصور القضايا المختلف فيها أنها مجمع عليها والقضايا المجمع عليها بأنها مختلف عليها.
__________
(1) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج4 ص4-5، ابن الأثير، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت (1/4)
صفحة 5
من هنا كانت الدعوة منوطة بالفقه، فكان لزاماً على الداعية أن يحرص على التفقه في دين الله تعالى قدر مستطاعه.
ونحن نرى في كتاب الله سبحانه وتعالى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه لا تكون دعوتهم إلا على بصيرة، فالله تعالى يقول مخاطباً لرسوله صلى الله عليه وسلم { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } يوسف:108، ونجد وضوح الارتباط بين الدعوة والفقه في قوله سبحانه { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } التوبة:122 ، فأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى ناط الإنذار بالتفقه في دينه، والإنذار هو عين الدعوة إلى الله، والداعية عندما يكون غير متفقه في دين الله يقلب الأمور رأساً على عقب. (1/5)
صفحة 6
والقرآن الكريم جاء بما يقطع لسان كل متقول على الله بغير علم، فإنه قرن بين ذلك وبين الإشراك به سبحانه وتعالى وذلك في قوله سبحانه وتعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } الأعراف:33 فالتقول على الله سبحانه ليس بالأمر الهين، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد رحمهم الله إرسالاً (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر له ولو أنه وافق الحق) (2) ، ولئن كانت موافقة الحق لهذا الذي يفتي بغير علم أو يفسر رؤيا بغير علم لا تجديه شيئاً، فكيف إذا كان غير موافق للحق؟!.
والجاهل لا يؤمن أن يكون غير موافق للحق، فإن القول بالجهل والعياذ بالله يؤدي إلى الكثير من الفساد، ولذلك قيل بأن فساد الأمة من رجلين: جاهل متنسك وعالم منتهك، وقد أجاد الشاعر عندما قال:
فساد كبير عالم متهتك ... وأعظم منه جاهل متنسك
هما فتنة للعالمين عظيمة ... لمن بهما في دينه يتمسك
__________
(1) قال الشيخ الخليلي عن مراسيل الإمام جابر في كتاب بيع الإقالة ص80-81 ط1 مكتبة الجيل الواعد: (وهذه الرواية وإن كانت مرسلة فإن مراسيل جابر رضي الله عنه هي حجة عند أصحابنا لثقته وأمانته وضبطه؛ بحيث تنزه ساحته عن الرواية إلا عن العدول الثقات، مع كثرة من لقيهم وروى عنهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم).
(2) الربيع (35). (1/6)
صفحة 7
فالعالم الذي لا يبالي فيما يأتيه وما يذره قد يحسن الناس به ظناً عندما يرونه يأتي المخالفات الشرعية، قائلين بأنه لو لم يعلم أن ما يأتيه صواب وحق لم يفعله؛ لأنه على علم ودراية، فهم ينظرون إلى علمه ولا يعرفون كيفية عمله، وكذلك الذي يتظاهر بالنسك وهو جاهل؛ ربما اغتر الناس بتصرفاته وأعماله، ظانين أن ما يأتيه على بينة من أمره وبصيرة من دينه، فلا يتصرف إلا وفق مقتضى أمر الله، مع أن تصرفاته وأعماله مخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى.
خطورة التقول على الله بغير علم
على أن كثيراً من هؤلاء ربما اجترءوا على القول في أحكام الله سبحانه وتعالى، فهم لا يستطيعون التفرقة بين الأدلة الشرعية والأحكام الشرعية، بل ربما لا يفرقون بين خطاب التكليف وخطاب الوضع في شريعة الله، بل يحملون هذا على ذاك وذاك على هذا، وربما لا يفرقون بين المتواتر والآحاد، ولا بين الخاص والعام ولا بين المقيد والمطلق، ولا بين المجمل والمبين، ولا بين الناسخ والمنسوخ، فإذا بهم يندفعون ليقولوا من قبل أهوائهم ما يسنح لعقولهم من غير أن يلتفتوا إلى أحكام الله سبحانه وتعالى ويضبطوا كل ذلك بضابط الشرع، مع أنه كما هو مقرر في الأصول:
- عندما يتعارض القطعي والظني فإنه يقدم القطعي على الظني ولا يلتفت إلى الظني.
- وكذلك عندما يتعارض الناسخ والمنسوخ فإنه يقدم الناسخ على المنسوخ ولا يؤخذ بالمنسوخ بعد ثبوت نسخه.
- وكذلك عندما يكون هنالك تعارض بين خصوص وعموم، فإنه يقدم الخصوص على العموم، إذ الخاص كما يقول العلماء قطعي الدلالة ولو كان ظني المتن لكثرة ورود المخصصات على الأدلة الشرعية المتعلقة بالجوانب العملية فإن الخصوص يقدم على العموم، ولذلك يخصص عموم القرآن الكريم بالأحاديث الآحادية وبمفهوم المخالفة وبالقياس. (1/7)
صفحة 8
فهؤلاء الجهلة يجترئون على حرمات الله سبحانه وتعالى بغير علم، لينفوا بعض القواعد رأساً، مع أن هذه قواعد متأصلة في أصول الفقه وقد أجمع عليها العلماء.
دار حديث بيني وبين أحد هؤلاء الذين يمارون بدون علم قبل أكثر من عقدين من السنين، وسمع مني بعض الأحاديث المتعلقة بالاستئناس على حمل آية من كتاب الله سبحانه بما تفيده السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لي: وهل تقول بأن الحديث النبوي يخصص القرآن؟ قلت له: نعم، وتخصيص القرآن الكريم بالسنة أمر ثابت، ولا يجحده إلا جاهل، فقال: وكيف يمكن للسنة أن تخصص عموم القرآن؟ قلت له: إذن ماذا تقول في الجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، فالله سبحانه وتعالى بعدما عدد المحرمات بنص القرآن الكريم قال { وأحل لكم ما وراء ذلكم } النساء:24 و(ما) من أدوات العموم، لكن السنة النبوية التي أجمع المسلمون على الأخذ بها خصصت هذا العموم، فحرمت الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها بما أفاده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى) (1) .
والآية الكريمة التي عددت المحارم من النساء عندما تعرضت لحرمة الرضاع ما ذكرت إلا الأمهات والأخوات، ولم تذكر الخالات والجدات والعمات وبنات الأخ وبنات الأخت، ولكن جاءت السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لتفيد أن ما يحرم من قبل النسب يحرم مثله من قبل الرضاع (2) .
__________
(1) الربيع (517)، البخاري (4819)، مسلم (1408)، الترمذي (1136)، أبو داود (2065).
(2) الربيع (523) (524)، البخاري (2502) (4812)، مسلم (1444) (1447) وآخرون. (1/8)
صفحة 9
وماذا عسى أن يقال في الرجم؟! مع أن الله سبحانه وتعالى يقول { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون - الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } النور:1-2، ومع هذا جاءت السنة النبوية التي أجمع المسلمون عليها لتبين أن هذا الحكم في الزاني والزانية البكرين، وأما الزاني والزانية الثيبان فإنهما يرجمان (1) .
فهكذا ربما مارى الإنسان وقلب الأحكام رأساً على عقب بالتنطع وعدم المعرفة بأحكام الله سبحانه وتعالى، لأنه ليست عنده القدرة حتى يتمكن من النظر في الخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ.
أهمية علم المقاصد للداعية
الخوض في هذه القضايا لابد أن يكون مبنياً على النظر في مقاصد الشريعة، لأن الشريعة تعتمد على مقاصد عند الترجيح والاستنباط، فالأغمار الجهلة قد يشكل عليهم صنيع عمر رضي الله عنه عندما منع المؤلفة قلوبهم ما كانوا يعطونه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه من نصيب في الزكاة، وقد نص القرآن الكريم على هذا السهم الذي لهم، ولكن عندما يرجع الإنسان إلى الشريعة الغراء يدرك أن الفاروق رضي الله عنه ما نفذ إلا الأمر القرآني، فإنه أدرك أن إعطاء هؤلاء لأجل كفكفة غلوائهم والحد من شرهم، وذلك عندما يكون أمر المسلمين في حالة ضعف، أما عندما يكونون في غنى عن ذلك بسبب قوتهم وعدم الحاجة إليهم وعجزهم عن تصرف يعود بالنكاية على الأمة، فلا ريب أن إعطاء غيرهم من مستحقي الزكاة أولى من إعطائهم، فلذلك رد الفاروق رضي الله عنه هذا السهم في بقية الأصناف التي شرع الله سبحانه وتعالى لها الزكاة.
بين مسائل الدين والرأي
__________
(1) راجع على سبيل المثال قصة المرأة التي رجمت في: الربيع (597)، البخاري (2190)، مسلم (1697) وغيرهم. (1/9)
صفحة 10
لابد للداعية من التمييز بين مسائل الدين ومسائل الرأي، فمسائل الرأي للإنسان مجال واسع في الأخذ بالآراء التي تتفق مع المصلحة، لأن النظر في مصالح الأمة مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الغراء، ولذلك قال بعض العلماء بأن دين الله سبحانه وتعالى يدور مع المصلحة، فأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله، وهذا بطبيعة الحال عندما يكون الأمر لم ينص فيه على حكم من قبل الله، أما عندما يكون هنالك نص قطعي من قبل الله أو من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم فالمصلحة حيث أمر الله، ونحن إن تصورنا المصلحة في غير ذلك فإنما يرجع ذلك إلى قصور عقولنا، وإلا فلا تخرج المصلحة عن دين الله، ولكن في مسائل الرأي ربما يرجح الإنسان رأياً على رأي نظراً إلى مصلحة من المصالح، ولا ينبغي التعنيف في ذلك، فإن النظر في المصالح من أولي النظر القادرين وأهل الكياسة والفطنة والنباهة العارفين بالأحكام الشرعية أمر مطلوب، ومسائل الدين هي المسائل القطعية التي نص على أحكامها في الكتاب العزيز أو السنة المتواترة، فهذه مسائل لا تحتمل الرأي بحال من الأحوال. (1/10)
صفحة 11
ولا ريب أن على الإنسان الذي يريد أن يعرف هذه الأمور أن يكون على بينة من الأمر حتى يستطيع أن يفرق بين النص والظاهر، فقد يتصور الإنسان النص كل متن، ولكن ليس الأمر كذلك، فليست متون الآيات القرآنية بأسرها أو متون الأحاديث النبوية بأسرها ناصة، وإنما قد يكون الحكم فيها من طريق الظاهر، فدلالة العام على الحكم هي دلالة ظنية، ودلالة العام دلالة ظاهر وليست قطعية، ومن أجل هذا خصصت العمومات بالكثير من المخصصات، فأنتم ترون أنه بعدما عدد الله سبحانه وتعالى المحارم من النساء في قوله { وأحل لكم ما وراء ذلكم } النساء:24 و(ما) من أدوات العموم؛ جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لتخصص هذا العموم بما أشرنا إليه، وكذلك حكم الرجم خصص عموم قول الله سبحانه { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } النور:2 ، وكذلك خصص قوله سبحانه { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } المائدة:38 حيث اشترط أن يكون ذلك من حرز، وأن تكون السرقة قد بلغت النصاب الذي تقطع فيه اليد. (1/11)
صفحة 12
فالقطعيات يجب عدم التردد فيها، فالآية القرآنية والحديث المتواتر إن نصا على حكم نحو قوله تعالى { وأقيموا الصلاة } البقرة:43 وقوله { وآتوا الزكاة } البقرة:43 وقوله { حرمت عليكم أمهاتكم } النساء:23، وقوله { حرمت عليكم الميتة } المائدة:3 فلا مجال للنظر فيها، ولكن ما هي الميتة؟ أولاً ينظر في كلمة ميتة بنفسها، فهي عامة وفيها أنواع، وقد جاء التخصيص في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لكم ميتتان ودمان، فالميتتان: الجراد والسمك، والدمان: الكبد والطحال) (1) فهي لا تدخل في هذا العموم، والعلماء يقولون بأن العام ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن، وذلك لكثرة المخصصات الواردة على العموم بخلاف الخاص الذي دلالته قطعية، ومن أجل هذا يخصص العموم بالحديث الآحادي وبالقياس وبغير ذلك، وهذا ما فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
فمسائل الرأي هي المسائل التي ربما تعارضت فيها الأدلة، أو كانت الأدلة نفسها فيها أخذ ورد من حيث ثبوتها، فقد يرى بعض العلماء ثبوت رواية من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى آخرون عدم ثبوت تلكم الرواية، فمن هنا يكون الاختلاف بينهم، ولا يفسق بعضهم بعضاً، ولا يضلل بعضهم بعضاً، ولا يقطع بعضهم عذر بعض، لأن قطع الأعذار إنما هو في مخالفة القطعيات، أما قضايا الفروع فهي اختلافات لا تصل إلى حدود القطع، فلذلك لا يفسق ولا يضلل الناس بعضهم بعضاً، ونحن نرى إقرار النظر والاجتهاد في مثل هذه الأمور في القرآن الكريم وفيما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) الربيع (618)، ابن ماجه (3314)، الموطأ (648) (1/12)
صفحة 13
1. أما القرآن الكريم؛ فإنه أقر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على ما اختلفوا فيه في قتالهم لبني النظير، حيث إن بعضهم رأى أن تستأصل نخيلهم من أجل قطع دابرهم، والبعض الآخر رأى أن تستبقى هذه النخيل لعلها تكون فيئاً للمسلمين، فنزل القرآن الكريم بتصويب الطائفتين يقول الله تعالى { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين } الحشر:5.
2. كذلك وقع الاختلاف بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عندما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى بني قريظة وحثهم على الإسراع في هذا الذهاب، حتى إنه قال لهم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) (1) ، فظن بعضهم أن تصلى العصر في بني قريظة ولو تأخر الوقت ووصلوا إلى هناك في وقت العشاء، وذهب فريق آخر إلى أن المراد التعجيل في المسير، فلو حضرت صلاة العصر قبل ذلك عليهم أن يصلوها قبل فوات وقتها؛ لأن الصلاة كتاب موقوت، فعمل هؤلاء بما وقر في وجدانهم وانقدح في أذهانهم وكذا الآخرون، ولما عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر كل فريق منهم على ما فعلوا، فلم يعنف الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة، ولا الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إليهم ، فلم يقل لهم: خالفتم أمري أو إنما قصدت تعجيل مسيركم إلى بني قريظة، إنما أقر كلا الفريقين على اجتهاده، وفي هذا ما يدل على أن الاجتهاد في المسائل الفرعية الظنية سائغ بإقرار كل فريق على ما وصل إليه.
فلا ينبغي أبداً للداعية إلى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ من مسائل الرأي سبباً للفرقة وقطع الحبال الواصلة ما بين الجانبين، بل عليه أن يعذر أخاه في ذلك، إن كان قد انقدح في ذهنه وترجح في قرارة نفسه رأي آخر.
أمثلة من اختلاف العلماء في الرأي
__________
(1) البخاري (904)، مسلم (1770). (1/13)
صفحة 14
والعلماء المجتهدون مختلفون في الكثير من المسائل، فربما ضيق هذا في رأيه على الناس ووسع الآخر، والذي يقلد عالماً من هؤلاء العلماء عليه أن يرجع إليه في هذه القضايا، ولكن لا يعني ذلك أن يحمل الناس على تقليده للعالم الذي يقلده، كما أن الذي يقلد العالم المترخص لا يحمل الناس على تقليده، فعلى كل واحد من المقلِدَين أن يرجع إلى مقلده ليأخذ رأيه ويعتمد عليه.
وقد وقع الخلاف بين الترخيص والتشديد في عهود الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
1. فنجد أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان متشدداً جداً، لا يفتي إلا بما هو أشد، وإن اطلع على أمر فعله الرسول صلى الله عليه وسلم يلتزم ذلك الأمر مهما كلفه، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم في دفعه من عرفة وقف بمكان هنالك ليقضي حاجته، وقيل له الصلاة يا رسول الله، فقال: (الصلاة أمامك) (1) ، فكان ابن عمر رضي الله عنهما عندما يصل إلى ذلك المكان وهو محرم بالحج يلتزم أن يقف هنالك ويريق البول كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
2. بينما ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان من الذين يفتون بالرخص، فكان يترخص في الكثير من الأمور، فبعض الناس عمل برأي ابن عباس، وبعضهم عمل برأي ابن عمر، فلم يعنف أحد منهم الآخر، بل كانوا يعذر بعضهم بعضاً.
ونجد في علمائنا من نحا هذا المنحى في عصر واحد، منهم من يتشدد ومنهم من يكون رأيه بخلاف ذلك.
-فابن محبوب (2) رحمهما الله كان كابن عمر في تشدده، فلذلك يفتي بما هو أشد.
-وموسى بن علي رحمهما الله كان يفتي بالرخص.
__________
(1) البخاري (139)، مسلم (1280).
(2) هو محمد بن محبوب بن الرحيل، من أكابر علماء عمان في عصره، آلت إليه الريادة العلمية في أيام الإمام الصلت بن مالك الخروصي في العقد الأول من القرن الثالث الهجري، ولابن محبوب أجوبة فقهية امتلأت بها كتب الفقه، وهو المعروف في الفقه الإباضي المشرقي بأبي عبدالله، توفي عام 260هـ في صحار. (1/14)
صفحة 15
ولذلك وقع الخلاف بينهما في الكثير من القضايا، ولم يكن أحد العالمين يعنف العالم الآخر ولا من أخذ برأيه، ومن أمثلة المسائل التي اختلفوا فيها:
- أن ابن محبوب رحمه الله كان يقول في المرأة التي تزوج بدون ولي إن دخل بها الزوج يفرق بينهما، ولا تحل له لأن الولي شرط من شروط صحة النكاح، فكان يرى ما فعله عمر رضي الله عنه في جلد المتزوج والمتزوجة ومن عقد بينهما والشهود مع التفريق بين الزوجين، بينما موسى بن علي (1) يرى الزواج بغير ولي لا يصح، ولكن إن وقع الدخول لم يفرق بينهما، وقد علل العلماء قوله هذا بأنه وجد رأياً لبعض أهل العلم أنه لا مانع من أن تزوج المرأة نفسها، فلئلا يكون الزوجان آخذين بهذا الرأي رأى عدم التفريق بينهما.
الداعية بين الدين والرأي
والتشدد في مسائل الرأي الذي يؤدي إلى تحامل الناس على بعضهم، هو نتيجة عدم الفقه في دين الله، وعدم التفريق بين مسائل الرأي ومسائل الدين، فمسائل الدين يتشدد فيها، بحيث يقطع عذر المخالف لأنه خالف نصاً في كتاب الله أو سنة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك لا مجال لعدم التشدد عليه، بينما مسائل الرأي بخلاف ذلك.
__________
(1) هو العلامة موسى بن علي بن عزرة السامي (177-234هـ)، أحد كبار علماء عمان في عصره، تولى تسيير شئون الدولة نيابة عن الإمام عبدالملك بن حميد عندما أصبح طاعناً في السن، وقام بها خير قيام، وبعد وفاة الإمام عبدالملك تزعم العلماء في مبايعة الإمام المهنا بن جيفر. (1/15)
صفحة 16
ونتيجة الجهل وعدم التفرقة بين مسائل الدين ومسائل الرأي ربما تساهل بعض الناس في مسائل الدين وتشددوا في مسائل الرأي، وهذا مما يدل على عدم الوعي الديني، فالداعية ليس له أن يتساهل أبداً في مسائل الدين من حيث العمل والتطبيق، فهذا الذي يدعي أن للإنسان أن يترك الصلاة في أوقات لم يرخص الرسول صلى الله عليه وسلم في ترك الصلاة فيها خالف أمراً قطعياً؛ لأن الصلاة كتاب موقوت بنص القرآن الكريم { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } النساء:103 فلا يمكن التساهل في هذا الأمر، ولكن مع هذا إذا كان الخلاف مبنياً على نظر في الأدلة غير القطعية فلا ريب أنه لا يقطع عذر أحد الفريقين. (1/16)
صفحة 17
والداعية إذا كان غير قادر على النظر في الأدلة الشرعية؛ بحيث يكون غير متمكن من النظر والتفرقة بين الأشخاص الذين يعملون ببعض الرخص أو الذين ينبغي أن يتشدد عليهم؛ لا ريب أن عليه الرجوع إلى العالم الخبير بذلك؛ لأن الداعية كالطبيب، فالطبيب يضع الدواء المناسب في العلة المناسبة لاستئصالها، فلربما أخطأ الطبيب وأعطى الدواء الذي يصلح في فصل الشتاء لأحد في فصل الصيف وكان ذلك سبباً لإصابته، ثم إن طبائع الناس تختلف، فربما إن عولج أحد بهذا العلاج أدى إلى أن تثور علة أخرى في جسمه، فلربما كان مريض القلب مثلاً لا يحتمل كثيراً من العقاقير التي هي علاج لبعض الأمراض في جسمه، فيجب الاحتياط لئلا تؤدي تلك العقاقير إلى ثوران مرض القلب، فكذلك الداعية، ومن أجل ذلك كانت نظرة الدعاة الذين هم على بينة من الأمر إلى أحوال الناس تجعلهم ينزلون كل واحد منزلته، كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه جاءه رجل يستفتيه في قبلة الصائم لامرأته، فقال له: هي مباحة، فجاءه آخر فقال: هي ممنوعة، فنظر الناس إلى حال الرجلين فإذا الذي جاء يستفتيه أول الأمر وأباحها له هو شيخ (1) ، فأدرك أن الشيخ لا تثور ثائرة الشهوة فيه بمجرد القبلة، ولذلك يمكن أن يملك نفسه، وأما السائل الآخر الذي منعه ابن عباس من القبلة فهو شاب، وبسبب ذلك منعه من التقبيل؛ لأن الشاب أسرع هيجاناً من الشيخ، فهذه الأمور ينبغي أن لا تعزب عن ذهن الداعية.
وعلى الداعية أن يتخير الوسائل والأساليب المجدية في تغيير المنكر وفي مسائل الرأي أيضاً، فإنه قد يأخذ أحياناً برأي المرخصين من أجل أنه يراه أجدى في مقام من المقامات وعلاجاً لعلة من العلل، ولربما يتشدد أحياناً لأجل استئصال شأفة فساد، عندما يرى أن الشدة هي الأجدى، فعليه أن يتحرى ذلك ويشاور من كان أعلم منه.
__________
(1) الطبراني في الكبير، انظر مجمع الزوائد للهيثمي (4965)، كتاب الصيام (باب القبلة والمباشرة للصائم). (1/17)
صفحة 18
ولابد أيضاً من إحسان الظن بالمسلمين، والدعاة هم أولى بأن يحسنوا الظن بخاصة المسلمين وعامتهم، ويدخل في ذلك إخوانهم الدعاة، فلا يتحامل عليهم بمجرد اختلاف في قضايا الرأي، ومع هذا إن دخل في نفسه ريب أو رأى حرجاً في أمر من الأمور فليقدم النصيحة بالتي هي أحسن من غير تجريح وإساءة ظن وتفسيق.
خطورة الفرقة والتشتت
من أهم القضايا التي يجب على الداعية أن يجعلها نصب عينيه ويجعلها الشغل الشاغل لفكره وحدة الصف، فإنها من أهم الأمور التي تبنى عليها أعمال الداعية، فعليه أن يتخذ أسلوب من يحرص على الاتحاد لا على الفرقة والتنافر وإساءة الظنون بالناس، ذلك بأن الله تعالى فرض الوحدة على الأمة، فجعلها أمة وحدة كما جعلها أمة توحيد { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون - واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } آل عمران:102-103، فالاعتصام بحبل الله وعدم التفرق من الأمور التي تؤدي بفضل الله سبحانه وتعالى إلى العز، وأنتم ترون قضايا الساعة، فما الذي جعل الأمة الإسلامية بهذه الحالة من الضعف؛ بحيث تستجدي الحل والرحمة من ألد أعدائها، فلو كانت الأمة كما أمرها الله سبحانه وتعالى متحدة لما وقعت في هذا الأمر الحرج، ثم من المعلوم أن اعتراف الإنسان لذوي الفضل بما قدموه من خير أمر لابد منه، والداعية أولى بذلك، ففي الحديث عن النبي الله صلى الله عليه وسلم: (لم يشكر الله من لم يشكر الناس) (1) ، فعلى الإنسان أن يحسن شكر الناس كما عليه أن يشكر الله تبارك وتعالى، وذلك بأن يعترف لأهل الفضل بفضلهم، فجحد فضل أهل الفضل يعتبر نكراناً للجميل، وليس ذلك من شأن الذين يخشون الله تعالى ويتقونه ويحرصون على تأليف القلوب ووحدة الصف وجمع الكلمة.
__________
(1) الترمذي (2021). (1/18)
صفحة 19
وهذا كله مما يندرج في البصيرة، التي ذكرها الله سبحانه وتعالى عندما قال { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله أنا على بصيرة ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } يوسف:108 فالدعوة على بصيرة تستلزم ما ذكرته جميعاً وما لم أذكره مما فاتني، وهذا أيضا مما يدخل في الحكمة؛ لأن الحكمة أن يضع الإنسان الشيء في موضعه، فيستعمل الشدة في مقام الشدة، ويستعمل الرفق في مقام الرفق وهكذا حتى تؤتي الدعوة بمشيئة الله ثمارها.
ونحن واثقون بأن الدعاة المخلصين مع تعاونهم وتآزرهم ووضع بعضهم أيديهم في أيدي البعض الأخر سيسيرون بهذه الأمة قدماً إلى الأمام، فنحن نشاهد هذا التحول العجيب بين الأمس واليوم، فهذا الجمع الذي يجمع هذا اللفيف من المؤمنين والمؤمنات هو دليل على تقدم الدعوة إلى الأمام، وعلى حسن تصرف الكثير من الدعاة، فنرجو أن يتآزروا جميعاً ويتعاونوا على البر والتقوى، وأن ينشط من كان كسلان غير مؤد لواجبه في الدعوة إلى الله بما يجب عليه من الدعوة، فكل أحد عليه أن يبذل جهده، وأن يستبصر من لم يكن مبصراً بالمبصرين، أي أن يتوجه من لم يكن متفقهاً في دين الله، ومن لم يكن عارفاً بأحكامه إلى أولئك الذين منحهم الله سبحانه وتعالى الفقه والمعرفة، حتى تسير الدعوة في سبيل الخير والله تعالى ولي التوفيق. (1/19)