صفحة 1
الكتاب: الطريق إلى الأقصى لأحمد الخليلي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الطريق إلى الأقصى 1
لقاء مع سماحة الشيخ العلامة:
أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ومتعنا بحياته وعلمه
المفتي العام لسلطنه عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين ..
وبعد ،،،
فيشرفنا غاية التشريف والأمة تعيش هذه الأحداث الجسام إن نلتقي مع سماحة شيخنا العلامة احمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان في حديث عام نستشف منه ونقتبس جذوة من تحليلاته العلمية القيمة القائمة على أسس من فهم عميق لكتاب الله ولسنة رسول - صلى الله عليه وسلم - واستشراقا لآفاق المستقبل العظيم الذي تنتظره الأمة الإسلامية بإذن الله .
· سماحة الشيخ أولا نود منكم كلمة عامة أو تعليق عام حول الأحداث التي يعيشها المسلمون في رحاب الطهر والقداسة في المسجد الأقصى ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا رسول الله محمد عليه وعلى اله وصحبة أجمعين ، وعلى تابعيهم بإحسان الى يوم الدين ..
أما بعد :
فلا ريب أن هذه الأيام أيام فيها الكثير الكثير من التفاعلات النفسية مع هذه الأحداث الجسام ، هذه الأحداث التي طوقت بقعة من اقدس بقاع الأرض، بقعة ارتبطت بتاريخ النبوات منذ عهود قديمة وشرفها الله سبحانه وتعالى بان جعلها مسرى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وجعلها قبلة للمسلمين في حقبة من التاريخ ، ولا ريب أن الأمة المسلمة عندما تمر بها أحداث تنبعث في هذا المكان المقدس العظيم ـ الذي يعتبر تخليصه مما وقع فيه دينا في رقاب الأمة جميعا ـ تتفاعل نفوسهم مع تلكم الأحداث ويشدهم ذلك الى ما لتلك البقعة من مكانه وما لتلك البقعة المقدسة من تاريخ عظيم . (1/1)
صفحة 2
أن الله سبحانه وتعالى ذكر ذلكم المكان المقدس في اكثر من موضع في كتابه العزيز ، من ذلك أن الله سبحانه وتعالى أمر موسى ومن معه من بني إسرائيل أن يدخلوا تلكم الأرض المقدسة لا لأجل الإفساد ولكن لأجل الإصلاح لا لأجل التسلط والبغي ولكن لأجل رفع الظلم ، فكان ما كان من بني إسرائيل من التلون والانحراف حتى كتب عليهم التيه أربعين سنه . ثم شاء الله سبحانه وتعالى أن يقوم جيل جديد جيل طهر ونزاهة ، فكان الدخول في تلكم الأرض على يد ذلك الجيل المؤمن الطاهر . وتعاقبت أحداث التاريخ فكان ما كان من التبديل وحق ما حق من كلمة الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل فكانت نكبتهم على أيدي البابلين ثم على يد الروم . ثم أن الله سبحانه وتعالى بعد ما شرف تلك البقعة بان جعلها مسرى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وجعلها لقبلة للمسلمين ، انطلقت كتائب الله سبحانه وتعالى لأجل إعلاء في الأرض كان الفتح المبين فتح تلك الأرض على يد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لتكون تلك الأرض في حيز الدولة الإسلامية ، ولتكون المحافظة عليها أمرا من اقدس الأمور التي يجب على الأمة الا تفرط فيها.
وما وقع الان من تسلط تلكم الشراذم التي كتب الله عليها الذلة وبؤها مبوأ الهوان في هذه الدنيا بسبب أعمالها التي ارتكبتها في طوال تاريخها أعمال تدنست بالخيانة واللؤم ، تسلط هذه الشراذم على هذه الأرض إنما هو بسبب ما كان من المسلمين من انحراف عن الحق ، وخروج عن الصراط ، وزيغ عن الهدى ، فالله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بما يبتليهم به بسبب ما كسبت أيديهم .
وهذا بطبيعة الحال أمرا يقتضي أن تقف الأمة وقفة محاسبة للنفس ، وقفة رجوع الى الله سبحانه وتعالى ، وقفة استمساك بكتابة واتباع لهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - . (1/2)
صفحة 3
· سماحة الشيخ اعذرني على المقاطعة ما الذي ينبغي ان تفعله الأمة الإسلامية سيأتي في سؤال آخر . لكن من خلال حديثك الآن يعني بنو إسرائيل إذن دخلوا الأرض المقدسة اكثر من مرة ، قبل مدة ليست باليسيرة تقريبا تزيد على عشر سنوات اطلعت على كتيب صغير عنوانه ( العرب تحت وطأة الإفساد الأول لبني إسرائيل ) من خلال قوله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء (( فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا )) قبل أن نتطرق الى بقية الأحداث هل نحن هل الأمة الإسلامية الان تحت وطأة الإفساد الأول أم أن هذا الإفساد الثاني لبني إسرائيل ؟
تاريخ بني إسرائيل كله فساد من أوله الى آخره والله سبحانه وتعالى وصفهم أدق وصف واعجب وصف عندما قال ( ( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفئها الله ويسعون في الأرض فسادا )) فشانهم الإفساد ولكن بالنظر الى دخول المسجد بفساد إنما يعتبر هذا الدخول الثاني ومعنى ذلك انه وصل وعد الآخرة الذي يشير إليه القرآن الكريم عندما قال (( فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا )) فالله سبحانه وتعالى جاء بهم من آفاق الأرض وجمعهم في هذا المكان لينفذ فيهم أمره سبحانه الذي وعده المؤمنين وهو النصر والتمكين بمشيئة الله .
· إذن يسؤوا وجوهكم الضمير هنا عائد الى اليهود يعني المؤمنون هم الذين يسؤون وجوه اليهود ؟
نعم هكذا .
· بالنسبة للحديث النبوي الشريف ( لن تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود وحتى يقول الشجر والحجر هذا يهودي ورائي تعال فاقتله الا الغرقد فانه من شجر اليهود ) بالنسبة لهذا الحديث النبوي الشريف ما طبيعة الحديث الذي يتحدث به الشجر والحجر هنا هل هذا على سبيل المثال أم إنها حقيقة أم ما هو تفسير الحديث ؟ (1/3)
صفحة 4
كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ياتي بحسب ما جاء به الكلام العربي من الأساليب فيكون تارة حقيقة ويكون أخرى مجازا فعلى أي حال ليس ببعيد أن يكون المراد بذلك أن الشجر يأبى أن يواري اليهود فيتكشف عنه وكأنما هو يدعو المسلم إلى اليهودي ليقتله وكذلك الحجر ليس ذلك ببعيد وهذا الذي نميل إليه والله تعالى اعلم بحقيقة الامر .
· طيب استثناء الغرقد هذا ؟
استثناء الغرقد لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى وحسبت ما اخبرت من قبل بعض الاخوة في المملكة الأردنية الشقيقة علمت أن اليهود الان جاءوا بالغرقد ولم يكن موجود من قبل في ارض فلسطين ولكن جاءوا به ويطوقون به بيوتهم تحسبا لهذا الوعد الآلهي .
· إذن هل يعني هذا أن اليهود على علم بالنص النبوي الشريف ؟
هذا أمر واضح وأنا سمعت بان إحدى إذاعات البلاد العربية ذكرت الحديث الشريف في حديث القي في الإذاعة وكان في حديثهم تحريف بحيث قالوا بان النبي- صلى الله عليه وسلم - قال بان الشجر ينادي العرب يا عربي هذا يهودي تعال فاقتله . فعقب على هذا اليهود أنفسهم في إذاعتهم وقالوا بان الإذاعة الفلانية تحرف الحديث المروي عن نبيهم فالحديث لم يقل يا عربي وانما قال يا مسلم .
· سماحة الشيخ ذكرت بأن الأمة ينبغي لها في هذه ـ طبعا في كل وقت ـ وفي هذه الأثناء بالذات أن تعود الى الله سبحانه وتعالى . في أحداث التاريخ الإسلامي هل حدثت حالات استنفار من اجل التوبة في ظل مثل هذه الظروف ؟
نعم
· الأمثلة على ذلك ؟ (1/4)
صفحة 5
أولا قبل كل شيء نجد أن المسلمين المؤمنين الصادقين في أي عصر من العصور يدعون الناس الى التسلح بالإيمان والتقوى وناهيكم تلك الوصية البالغة . وصية الفاروق رضي الله تعالى عنه عندما قال مخاطبا سعد بن أبي وقاص ومخاطبا الجند من خلاله الذين جندهم الفاروق لمواجهة إمبراطورية فارس : (( أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال ، فان تقوى الله افضل العدة في الحرب وأقوى المكيدة على العدو ، وأوصيك ومن معك من الأجناد بان تكونوا اشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فان ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم ، وانما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، فان عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم ، فان استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا ، واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون فاستحبوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وانتم في سبيل الله ، ولا تقولوا أن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوما سلط عليهم من هو اشر منهم ، كما سلط على بني إسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم ، اسأل الله ذلك لي ولكم )) (1/5)
صفحة 6
في هذا الكلام البليغ من أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه دعوة الى التوبة ، وان كانت هذه الدعوة غير صريحة ولكنها ضمنية ، أولا بتقوى الله على كل حال ، فان تقوى الله تقتضي التوبة من كل معصية ، إذ الانسان غير مبرأ من المعاصي ، ثم كذلك قوله : وان تكونوا اشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فان ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم . هذه أيضا دعوة الى التوبة ، فان الانسان بما انه لا يمكن أن يبرأ من المعصية، فالاحتراس من المعصية يعني الرجوع الى الله ، والتطهر من درن هذه المعصية بالتوبة النصوح التي تقتضي بان يكون الانسان وفق منهج الله في كل دقيقة وجليلة من تصرفاته واعماله ثم كذلك قوله : واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون فاستحبوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وانتم في سبيل الله . كذلك هي دعوة الى التوبة النصوح .. الخ ، كل ما في هذه الوصية في الحقيقة دعوة الى التوبة . (1/6)
صفحة 7
ونحن عندما ننظر في تاريخ المسلمين وتاريخ أهل الاستقامة في الدين خصوصا نجد انهم كانوا حراصا على التوبة في جميع الأحوال ، ولكن عندما يقع أمرا كهذا الامر يستنفر الناس جميعا من اجل التوبة . ومن أمثلة ذلك ما وقع في القرن العاشر الهجري في بدايته ، عندما داهمت قوات النصارى الأسبان جزيرة جربة التونسية الإباضية . ذلك أن النصارى الأسبان كانوا يحملون ما يحملونه من الحقد على المسلمين منذ اجتاحو الأندلس ، وكانوا يتتبعون فلول المسلمين ، وكانت سفنهم تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط ، وتترصد لقوارب المسلمين من اجل أسرهم وأخذهم الى بلاد الغرب لبيعهم أو استخدامهم هناك تحت وطأة الذل والهوان . ثم بعد ذلك بدخول القرن العاشر الهجري بدءوا يحتلون الموانئ الإسلامية ميناء بعد ميناء . واخذوا يحتلون الموانئ من بجاية الى طرابلس . وكانت هذه الجزيرة يحيط بها البحر من جهات أربع ، وأهل الجزيرة ظلوا في خوف أن يصيبهم ما أصاب غيرهم ، ولذلك اهتم أمير أهل الجزيرة بهذه القضية ، وكان يدعى أبا زكريا يحيى السمومني ، فراء أن يتشاور مع رئيس مجلس العزابة ، والعزابة هي هيئة دينية تقوم بشؤون الدين ، وتتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ومن كان على راس مجلس العزابة لا بد من أن يكون من اعلم القوم ومن أفضلهم ومن أعقلهم ، وكان على راس مجلس العزابة يومئذ الشيخ أبو النجاة يونس بن سعيد التعاريتي . فجاء اليه الشيخ أبو زكريا يحيى السمومني ، من اجل التشاور في هذه القضية العظيمة فأجابه : بأنكم بين أمرين اثنين لا ثالث لهما ، أما أن تستسلموا للأمر الواقع بحيث تسلمون الجزيرة للغزاة ، واما أن تقاوموهم . وانتم عندما تقاومون هؤلاء القوم فأنكم تقاومون قوة شرسة ، ولا تستندون الى أي قوة بشرية وانما تستندون الى لطف الله تبارك وتعالى وعنايته فحسب ، فأنتم في جزيرة يحيط بها البحر من كل الجهات ، ثم أن إخوانكم لا يتمكنون من مناصرتكم بسبب (1/7)
صفحة 8
الظروف الطبيعية وبسبب الظروف الأخرى التي حلت بهم ( الظروف الطارئة ) وعلى هذا علينا أن نستهدي بكتاب الله سبحانه وتعالى ، فانه عندما تلتمس الأمور كالليل المظلم يجب الرجوع الى القرآن الكريم ، ففيه الشفاء وفيه النور ، وهذا الذي ارشد اليه الرسول صلى الله عليه وسلم . وقال : أن كتاب الله سبحانه وتعالى يقول : (( وكان حقا علينا نصر المؤمنين )) ويقول عز من قائل (( وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين )) ويقول (( ولينصرن الله من ينصره أن الله لقوي عزيز )) ويقول (( أنا لننصر رسلنا والذين أمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )) ويقول (( وان جندنا لهم المنصورون )) الى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبشر بالنصر الفئة المؤمنة الموصولة بالله التي تعمل بأمره وتزدجر عن نهيه وتقف عند حدوده ولا تقدم على انتهاك شيء من حرماته .
وبناء على هذا فان على أهل الجزيرة جميعا أن يحاسب كل واحد منهم نفسه منذ بلغ الحلم والى زمانه هذا ، وان يتخلص من التبعات جميعا ، وان يتوب الى الله توبة نصوحا ، وان يقلب صفحة عمره من الشر الى الخير ، ومن المعصية الى الطاعة ، ومن الفساد الى الصلاح ، لتكون هذه القلوب بأسرها موصولة بالله سبحانه تعالى ، ولتنخرط هذه النفوس في سلك النفوس المؤمنة . وفعلا اخذ الناس بهذه الوصية . وكان أيضا من وصيته لهم بان تعنى كل حلقة من حلقاتهم بتلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى بحيث تختم كل حلقة القرأن في اقل من أسبوع ثم بعد ذلك بعد نهاية قراءة القرآن تتوجه كل حلقة الى الله سبحانه وتعالى بالدعاء من اجل أن ينصر الله تعالى هذه الفئة المؤمنة ويثبتها بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . وعمل الناس بهذه الوصية وحاسبوا أنفسهم وتخلصوا من التبعات وتحاللوا فيما بينهم وصاروا كنفس واحدة قلوبهم كقلب رجل واحد . (1/8)
صفحة 9
وإذا بهم في شهر ربيع الأول من عام910 هـ يصل إليهم أسطول من أساطيل هؤلاء الغزاة النصارى وكان يتكون الأسطول من عشرين سفينة ، وعلى راس من في هذا الأسطول قائد يسمى وردونفارو . وأرسل القائد رسولا الى شيخ الجزيرة برسالة من عنده يقول له فيها إما إن تسلموا الجزيرة واما أن تستعدوا للقتال . فاجابه الشيخ أبو زكريا يحيى السمومني بقوله ان الجزيرة لن تسلم نفسها حتى يكون أهلها جثثا هامدة . فشق هذا الجواب على القائد المتكبر الذي شمخ بأنفه، وكان يتصور بان هذه الجزيرة ليشت الا لقمة سائغة تزترد بأسرع وقت . وظل بين عاطفته الجامحة التي تدفعه للانتقام وبين عقله الذي يحول بينه وين ذلك نظرا الى ان هذا الجواب إنما ينم عن قوة ان لم تكن قوة مادية فهي قوة معنوية وتردد بين الأمرين ورأى أخيرا ان يقدم جانب العقل ، وان يرجع الى طرابلس ليتزود بقوة اكبر فرجع بقوة اكبر ، إذ كون أسطولا من مائة وعشرين سفينة تحمل عشرين ألفا من المقاتلين الذين زودوا بأنواع السلاح المبتكرة في ذلك الوقت بأحدث ما كانت العقول البشرية ابتكره من أنواع الأسلحة . وعاد أدراجه الى الجزيرة مرة أخرى . وعلم آهل الجزيرة بذلك . ونزل أولئك الغزاة في أطراف الجزيرة ، وشغلوا ليلهم بإرهاب أهل الجزيرة بوسائل مختلفة منها إطلاق المدافع ، ومنها إنشاد الأناشيد الحربية المصحوبة بالآلات الموسيقية . ولكن ما هال ذلك أهل الجزيرة فأولئك باتوا على هذه الحالة حالة الغرور والعنجهية ، وأهل الجزيرة باتوا موصولين بالله باتوا بين راكعا وساجدا وكان ذلك في ليلة الجمعة وفي وقت الصباح ظل أهل الجزيرة ينتظرون تحرك هؤلاء الجنود نحوهم وهم في شغف الى ذلك الى ان حان وقت الصلاة ولما حان وقت الصلاة صلى بالناس الشيخ أبو النجاة يونس بن سعيد التعاريتي وخطب فيهم خطبة شوقهم فيها الى الجهاد والى الاستشهاد في سبيل الله ورغبهم في ذلك . واخبرهم بانه مما يجب في خلد كل أحد ان الشهادة هي (1/9)
صفحة 10
احب اليه من النصر فهي الحسنى الكبرى التي يجب على المسلم ان يحرص عليها . والأمر الذي يجب ان يكون في قرارة نفوس الجميع بان التسليم يستحيل على أي واحد من جيش المسلمين ، فلا بد ان يقاتل كل أحد جهده حتى يلقى الله سبحانه وتعالى ، وعلى كل واحد منهم ان يحرص ان يقتل على الأقل اثنين من الكفرة قبل ان يلقى ربه سبحانه وتعالى شهيدا . وكان عدد المقاتلين من أهل الجزيرة حسب إحصائيات الغربيين أنفسهم لا تتجاوز ثلاثة آلاف ، وهؤلاء لا يملكون سلاحا الا الأسلحة البدائية العادية . كانوا أما ان يكونوا يقاتلوا بالرماح ، واما ان يكونوا يقاتلون بالسيوف ، واما ان يكونوا يقاتلون بالبنادق البسيطة بنادق الصيد فحسب. (1/10)
صفحة 11
ثم تحرك بعد ذلك الجيش ، وتقدم الجيش الإسلامي واصطف المسلمون صفا واحدا في مواجهة صفوفا متراصة من قبل العدو . وكان من خطة العدو ان كل صف من صفوفهم يرتاح أولا الا الصف الأمامي فهو الذي يقابل الجيش الإسلامي ثم عندما يحس بالتعب يرجع أدراجه الى الخلف ، ويتقدم الصف الذي يليه ويأخذ هو قسطا من الراحة بحيث لو تمكن المسلمون من أحد هذه الصفوف صفا بعد صف لكان ذلك الصف الذي قاتل أولا قد اخذ قسطا من الراحة وتمكن من استعادة نشاطه وقوته . ووسط هذه الصفوف ما كان المسلمون يملكون الا ذلك الصف الواحد فقط ، ونادى شيخ الجزيرة في الجيش الإسلامي ليؤكد لهم ما قاله الشيخ أبو النجاة من التسليم أمر مستحيل ، فيجب على كل أحد ان يقاتل الى ان يلقى الله سبحانه وتعالى شهيدا . ولا يجوز ان يدور في بال أي أحد انه يستسلم . وبدأت المعركة فواجه الصف الإسلامي الصف الأول ثم لم يلبث المسلمون بمشيئة الله سبحانه ان دحروا ذلك الصف وأعاد أدراجه الى الخلف وتقدم الذي يليه . وراء ابن شيخ الجزيرة ويدعى أبا الربيع سليمان ابن أبى زكريا السمومني ، راء ان هذا الصف من قتل منه يظل مكانه فارغا بينما العدو بخلاف ذلك لكثرة المقاتلين فيهم فراء ان أحداث بلبلة في قلب جيش العدو السبب في تحقيق النصر بمشيئة الله . فخرج بطائفة من المسلمين الى الخلف ، وبينما المقاتلين الأولون الذين قاتلوا المسلمين ، أي أصحاب الصف الأول يتحدثون الى أصحابهم عن بطولات المسلمين ، وما كانوا يلقونه منهم بحيث كاد الموت يخرج من ذلك الصف الإسلامي من غير سلاح ليشتت ذلك الصف الكافر الذي واجهم . بينما هم يتحدثون بهذا إذا بالأمر الذي يتحدثون عنه يفاجئهم ، فاخذ المسلمون يقتلون ويأسرون ، وهنا حدثت بلبلة ، وحاول الضباط والقواد ان ينظموا الجيش فلم يكن لينتظم ، فبينما هم يحاولون ان يتقدموا للأمام إذا بهم يلقون الموت الزؤام ، وإذا بالمسلمين يطوقونهم كما يطوق الخاتم الإصبع ، (1/11)
صفحة 12
فإذا تقدموا وجدوهم أمامهم وإذا تأخروا وجدوهم خلفهم ، وإذا ايمنوا وجدوهم أيضا على الميمنة ، وإذا اشئموا وجدوهم على المشئمة ، فأينما ذهبوا وجدوا المسلمين فشق عليهم الامر وما راءو الا الفرار واخذوا يفرون الى جهة السفن والمسلمون ورائهم يقتلون وبأسرون حتى وصلوا الى البحر وقد أعياهم التعب والخوف ، فاستسلموا للمضاجع ، وعاد المسلمون بعدد من الأسرى يتراوح بين 6000 ـ 7000 أسيرا بينما القتلى يتجاوزن الـ 3000 قتيل ـ اكثر من المقاتلتين من أهل الجزيرة ـ … وهنا شاء الله سبحانه وتعالى ان يخبئ لهم ما لم يكن بحسبانهم ، فينما هم في نومهم ، إذا بأحدهم تصور له الأحلام المزعجة ان المسلمون أحاطوا بهم ذلك المكان ، فاستنجد واستصرخ فإذا بهم يقتل بعضهم البعض ، ولم يروا ملاذا الا ان يعودوا الى السفن ، فالقوا بأنفسهم في البحر ، وكان البحر يلتهمهم الواحد تلو الآخر ، فابتلع الكثير الكثير ، وعاد القليل منهم الى السفن ثم ان الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم بعد ذلك ريحا عظيمة دمرت كثير من سفنهم وعادوا أدراجهم الى طرابلس وهو يجرون أذيال الخيبة ، وهكذا كان نصر الله تعالى سبحانه للمؤمنين .. ثم انهم بعد ذلك حاولوا ان يعيدوا الكرة بعد عشر سنوات ولكن الله سبحانه وتعالى مكن للمسلمين فاستطاعوا دحرهم مرة أخرى. وهكذا شأن الأيمان وشأن العزيمة الصادقة الموصولة بالله تعالى ، وهذا من وعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر والتمكين . فلذلك نقول نحن بان المسلمين في وقتنا هذا هم جميعا يعتبرون على خط النار ، وكل مسلم عليه ان يتصور بانه على ثغرة من ثغرات الإسلام يخشى ان يؤتى الإسلام من قبله . فمن هنا كان على كل مسلم ان يتوب الى الله توبة نصوحا وان يحاسب نفسه على ما قدم وأخر ، وان يطهر نفسه تطهيرا من الغل والحسد ومن كل أهواء النفوس ، لتكون هذه النفوس مترابطة متوائمة ، ولتكون القلوب متآلفة متآخية بمشيئة الله سبحانه ، ليحق نصر الله سبحانه (1/12)
صفحة 13
وتعالى لهم .
· سماحة المفتي نحن نرجو ان تلقى هذه الدعوة استجابة من كل مسلم يستمع إليك بأذن الله تعالى .. بالإضافة الى هذا نحن نعلم ان الأوضاع الاقتصادية حاليا هي في يد أعدائنا ، فاليهود سواء جاءت بضائعهم بمسميات إسرائيلية ، أو جاءت بمسميات أخرى ، لا سيما الدول التي تعينهم عونا كثيرا ، تنتشر بضائعهم ويشتريها المسلمون وبذلك تقوى شوكتهم .. كيف يستطيع الفرد المسلم ، بعيدا عن الحكومات والأنظمة ان يضعضع اقتصاد اليهود الغاصبين حتى يمهد بذلك الطريق لتقريب المدة التي يرتكسون فيها الى القرار الأسفل بأذن الله تعالى ؟
نعم المسلم عليه ان يسهم بكل ما استطاع في هذا الامر ، ومعنى ذلك ان كل بضاعة يعرف أنها صناعة يهودية عليه يتفادى شراءها، وان يستغني عنها بغيرها . وان يحرص دائما على ان يكون تعامله مع ما يرد من البلاد الإسلامية ان أمكن ، وان لم يمكن ذلك فما يرد من الدول الأخرى التي لا تظهر حقدا وعداءا للمسلمين ولا تتحيز الى جانب اليهود .
· يعني تكون اقل اقترابا من اليهود ؟
نعم اقل اقترابا
· هذه المقاطعة هل يكتفي المسلم بأن يطبقها بنفسه أو انه تتأكد الدعوة إليها ـ تندب ، تجب ـ ماذا يكون شان الدعوة الى هذه المقاطعة ؟
بقدر المستطاع من استطاع أن يدعو فعليه إن يدعو بقدر استطاعته .
· سماحة الشيخ من خلال كلامك ابتداء ، علمنا بأن اليهود هم العدو الأول للمؤمنين ، فماذا بالنسبة لتربية الأجيال المؤمنة على بغض اليهود ، كيف يستطيع الأب المسلم أن يربي أبنائه ويغرس فيهم بغض اليهود ؟ (1/13)
صفحة 14
ذلك إنما هو من خلال تعليمهم القرآن الكريم وتفهيمهم مقاصده ومعانيه ، حسبه أن يتلو عليهم قول الله تبارك وتعالى (( لتجدن اشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا )) الله سبحانه ذكرهم قبل المشركين ، وان يقص عليهم ما كان من أخبار كيدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتآمرهم على دولة الإسلام عندما نشأت ، مع ما لقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من حسن المعاملة، ومن الرفق بهم في جميع أحوالهم . لكن أبت نفوسهم الا إن يواجهوا الإحسان بالأساة وان يواجهوا هذا الرفق من المسلمين بالكيد والمؤامرات ، فمن اجل ذلك تم إجلائهم بمشيئة الله سبحانه وتعالى . ثم مع هذا كله تاريخهم ، هم الذين دسوا في الإسلام الدسائس وهم الذين كادوا للمسلمين بشتى الوسائل من اجل تدمير هذه الأمة كما هو معهود .
· سماحة الشيخ الان الأحداث كما نشاهد ونسمع فيها كثير من المشاهد الدامئة ابتداء من قتل الطفل المسلم محمد جمال الدرة ، الذي جعل الله سبحانه وتعالى يقظة كثير من المسلمين بسبب الصور التي نشرت لهذا الطفل وغيره من الأطفال الذين فتلوا والنساء ، والمشاهد المتكررة كل اليوم . هذه الأحداث في حقيقتها هل تدعو المسلم الى اليأس أم أن تحليلكم له أنها تبشر بيوم النصر الموعود ؟ (1/14)
صفحة 15
أما أنا فاني لا اتشائم قط ، والحمد لله أنا متفائل ، ولا ريب أنني أرى ان يقظة المسلمين اليوم هي خير منها بالأمس ، مهما كانت الأحوال سابقا ولكن كان القتال من اجل التراب ولم يكن من اجل العقيدة وكان من اجل العنصرية ولم يكن من اجل الأمة الإسلامية ، فلذلك وقع الناس فيما وقعوا فيه من الذل والهوان . أما اليوم والحمد لله فان شعار الإسلام يتردد على الأفواه ، والكل يعلم أن سبيل النصر هو الإسلام ، لا القوميات الضيقة التي مزقت الأمة كل ممزق ، ولا العصبية للأرض والتراب وانما لاجل مقدسات الإسلام ، ولاجل دين الله تعالى ، ولاجل عقيدة الحق ، ولاجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ، وهذا مما يبشر بخير ، فهذه الصحوة الإسلامية إنما هي تباشير صبحا مقبل بمشيئة الله وأننا لننتظر وصوله عما قريب ان شاء الله تعالى .
· سماحة المفتي من خلال الإطلاع على سورة التوبة بالأخص في القران الكريم ، نجد كثيرا من الربط بين قضية الجهاد وبين قضية الإنفاق ، فتجد مجموعة آيات في الجهاد تعقبها آيات في الإنفاق ، وهكذا تظل السورة في ترابط أو ربط مستمر بين هذين العنصرين هل هناك رابط كبير بين قضية الإنفاق وبين الجهاد ؟ (1/15)
صفحة 16
وهل يقوم الجهاد الا بإنفاق المال ، ان شحت أيدي الأغنياء عن الأنفاق هل يمكن ان يكون هنالك جهاد ، ان الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيئا سببا ، وجعل المال قوام الحال جعل المصالح تقضى بالمال ، ومن بين هذه المصالح الجهاد في سبيل الله ، ولذلك عندما أمر الله سبحانه وتعالى بالإنفاق أطر هذا الإنفاق المأمور به في إطار سبيله فهو تعالى يقول (( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم )) (( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى )) الإنفاق المأمور به في سبيل الله ، وان كان سبيل الله وعاء عاما يشمل كل بر ، حتى نفقة الانسان على أهله عندما تكون بنية خالصة يكون ذلك في سبيل الله لكن من المعلوم ان الجهاد على راس الأمور التي يجب ان ينفق المال من اجل تحقيقها ، فالنفقة من اجل الجهاد إنما هي نفقة مقربة الى الله عز وجل بل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من جهز غازيا كان كمن غزا ) .
· سماحة المفتي هنا سؤال متصل بهذا الموضوع وقد يكون جانبيا بعض الشيء . حينما تقام حملات التبرعات من اجل نصرة المجاهدين الذين يجاهدون بأنفسهم تجد النفوس تتفاعل ، حتى نفوس الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم ، ينفعلون ويأتون إلينا بأموالهم التي لا تشح بها النفوس عادة من مثل مبلغ المائة ببيسة أو النصف ريال ، مع انهم ليسوا أهلا للمعاوضات المالية كما يقول الفقهاء . لكن من باب تربيته على الإنفاق في سبيل الله ومن باب تربيتهم على ان يكونوا مجاهدين كإخوانهم أولئك الذين يجاهدون بأنفسهم . هل الأولى ان تأخذ منهم هذه الأموال أم لا ؟
نعم . لكن على أي حال مع معرفة أوليائهم بذلك ، والأولى ان تأخذ منهم وان يشجعوا على هذا ، لاجل تربية روح التسامح عندهم وروح حب التضحية . (1/16)
صفحة 17
· السؤال الأخير: جيل النصر لا بد له من مقومات ومن شروط . هل تعتبرون ان الجيل الحالي هو جيل النصر الموعود ؟
أنا قلت بان الأمور اختلفت ما بين الأمس واليوم ، فاليوم خير من الأمس وارجو ان يكون الغد خيرا من اليوم ان شاء الله . اليقظة التي في نفوس الناس بحيث أابت هذه النفوس الى الله سبحانه وتعالى، وعرفت ان النصر من عند الله ، ولو لم تحقق جميع الإياب لكن سلوك طريق الإياب بحيث أدركت النفوس أن النصر لا يكون الا من عند الله ، لا من العتاد العسكري ولا من أي شيء .. نعم إعداد ذلك العتاد إنما هي سنة من سنن الحياة ولا بد منه ، ولكن على الا يكون المعول عليه وانما المعول على الله تبارك وتعالى ، وان يكون هذا الإعداد إنما هو امتثال لامر الله سبحانه وتعالى لا اجل أن النصر يتحقق به وحده ، فهذه النفوس توجهت الى الله بحيث أدركت أن النصر من عند الله ، وكانت كلمة الإسلام شعار يردد ونحن نرجوا أن يتحول هذا الشعار الى واقع حي ملموس يطبق تطبيقا تاما فلذلك نرجو أن يكون هذا الجيل نفسه هو جيل النصر .
· الجلوس معكم لا يمل ، وان كنت قلت بان هذا هو السؤال الأخير لكن سؤال آخر أرجو أن يكون هو السؤال الأخير . بعيدا عن التعصب المذهبي الضيق المقيت ، الحمد لله المسجد الأقصى له مكانه في نفوس كل المسلمين أيا كانت مذاهبهم ، وهم يسهمون جميعا بأذن الله في تخليصه من أرجاس اليهود . حينما قاد صلاح الدين الأيوبي الجيوش الفاتحة التي طهرت أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين من أرجاس اليهود ، هل كان هنالك دور للإباضية ، نسألكم باعتباركم ممثلا للمذهب الإباضي وعلى راس قائمة علمائه الان . هل كان للإباضية أي دور في ذلك التحرير ؟ (1/17)
صفحة 18
لا ريب أن دور الإباضية كان دورا إيجابيا ليس في عهد صلاح الدين الأيوبي فقط ، بل في عهود كثيرة كما هو معلوم ، ومن اجل هذا كان صلاح الدين يرعاهم مراعاة خاصة في مصر حتى أن مسجد ابن طولون كان في قبضتهم وتحت أيديهم ويقيمون فيه حلقاتهم . فعل ذلك صلاح الدين الأيوبي عرفانا بجميلهم ولاجل مكافأتهم على مواقفهم النبيلة .
· في نهاية هذا اللقاء لا يسعنا الا أن نتوجه إليكم سماحة الشيخ بجزيل الشكر ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا وإياكم بالصلاة في رحاب الطهر والقداسة .
آمين .. آمين (1/18)
صفحة 19
الطريق إلى الإقصى2
لقاء مع سماحة الشيخ العلامة:
أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ومتعنا بحياته وعلمه
المفتي العام لسلطنه عمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، واشهد أن لا اله الا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، واعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده .. لا اله الا الله ولا نعبد الا إياه ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون .. واصلي واسلم على سيد المرسلين وقائد المجاهدين ، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى اله وصحبه أجمعين ، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته ودعا بدعوته الى يوم الدين .. أما بعد ..
فأحييكم أيها الجمع الكريم المبارك بتحية الإسلام الطيبة الخالدة فالسلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته ، وبعد ..
فان الأمة الإسلامية جميعا في هذه الأيام تعيش أحداث عظيمة جليلة تحدث في عراص الطهر والقداسة ، في أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين ، بالمسجد الأقصى المبارك الذي بارك الله ـ سبحانه وتعالى ـ حوله ، ولان المسلم ينبغي له في كل أمر من أمور حياته أن يستنير بنور كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان لزاما عليه أن يعب ويترع من السلسبيل العذب والنهر الفياض لدى العلماء العاملين الذين آتاهم الله ـ سبحانه وتعالى ـ من فضله بحيث يستطيعون استشراف الأحداث ، ووضع المفصل على المقصل ، في كل قضية من قضايا الحياة ، وكل جزئية من جزئياته .. (2/1)
صفحة 20
وقد كان لنا شرف اللقاء انفرادا بسماحة شيخنا العلامة احمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة ـ يحفظه الله سبحانه وتعالى ويرعاه ـ بعنوان : (( الطريق الى الأقصى )) وحيث أننا لم نستكمل أطراف الموضوع ، وانما دار الحديث حول بعض القضايا دون بعض ورغبة من هذه الجموع الغفيرة التي شرفت بالحضور ، والتي لم تتمكن من ذلك . كان هذا اللقاء الثاني من سلسلة لقاءات الطريق الى الأقصى ، التي تبين لكل مسلم كيف يسير بنور وهدى في طريقه الى تحرير المسجد الأقصى الذي هو أمانة في عنق كل مسلم .
¨ سؤالنا الأول سماحة الشيخ : إلى ماذا يعود السبب في الانتفاضة التي تشهدها كل الساحات العربية والإسلامية للقضية الراهنة بينما لم تصدر ردة فعل تذكر لمجازر سابقة وإبادات جماعية وانتهاك للأعراض كما هو الحال في قضية البوسنة والهرسك وقضية الشيشان ، والقضية الأفغانية قبل ذلك ؟ هل ترون سماحتكم للقومية العربية مدخلا في ذلك ؟
بسم الله الرحمن الرحيم ، ا لحمد لله رب العالمين ، معز المؤمنين ومذل الكافرين ، سبحانه هو الذي خلق فسوى وقدر فهدى وله الحمد في الآخرة والأولى ، أحمده حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ، من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله ، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، صلى الله وسلم تسليما كثيرا كثيرا عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى أتباعه وحزبه إلى يوم الدين ، أما بعد :
فالسلام عليكم أيها المؤمنون ورحمة الله وبركاته (2/2)
صفحة 21
أحييكم بهذه التحية الطيبة المباركة وأحمد الله على هذا اللقاء الطيب في هذا المسجد الشريف وفي هذه الليلة المباركة من أجل قضية تشغل بال كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ، وهي قضية المسجد الأقصى أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين – صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين - ومن المعلوم أن القضايا التي ينبغي أن تؤرق المسلمين ، وأت تقض مضاجعهم ، قضايا جمة في هذا الوقت ، فانتهاك حرم المسلمين في كل مكان ، كم حصل من عدوان على الأمة الإسلامية في شعوبها التي يتآمر عليها أعداؤها ، ومن الواجب على المسلمين جميعا في مثل هذه المواقف أن يكون إحساسهم إحساسا واحدا ؛ لأنه الأمر الذي يفرضه عليهم دينهم الحنيف ، فإن الله – سبحانه وتعالى – يقول : ( إنما المؤمنون أخوة ) . والنبي – صلى الله عليه وسلم – يبين كيف تكون هذه الأخوة ، وكيف تتجسد في الحياة العملية ، عندما يقول أفضل الصلاة والسلام : ( ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) ومن المعلوم أن المسلم قد يجد جرحا داميا في قلبه عندما يجد مشاعر المؤمنين نائمة والأمة تمر بمثل هذه المحن ، تبتلى هنا وهناك : تداس الكرامة ، وتنتهك الأعراض ، تسفك الدماء وتزهق الأرواح ويأتم الأطفال ، وترمل النساء ، وتثكل الأمهات ومع ذلك مشاعر هذه الأمة نائمة ، هذا بطبيعة الحال أمر يأسف له كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ، ولكن قد يتضاعف البلاء عندما يكون هذا البلاء يمس المقدسات لجانب كونه يمس كرامة الأمة ومن أجل ذلك يكون التفاوت في الإحساس ، فنحن نرى أن الأمة أحست الآن بعظم الأمر ، عندما حاول اليهود – أعداء الله سبحانه – أن يدوسوا مقدسات الإسلام ، وألا يبالوا بحرمها بحيث يلطخون تلك المقدسات بأفعالهم الدنيئة الخسيسة ، ومن أجل ذلك ثارت مشاعر هذه الأمة وكان ما كان مما يعد ردة فعل في العالم الإسلامي من أقصاه (2/3)
صفحة 22
إلى أقصاه وهذا إنما يدل على ما للقدس من مكانة في نفوس الأمة الإسلامية وإنها لحرية بذلك تحس بهذه المكانة العظيمة في أعماقها ، وتحس بألم بالغ عندما تداس هذه المكانة ، مكانة المسجد الأقصى المبارك ، فإن المسجد الأقصى المبارك إنما هو أمانة في أعناق هذه الأمة ، كيف لا ، والله سبحانه وتعالى أورث هذه الأمة مقدسات النبوات السابقة فهو تبارك وتعالى يقول امتنانا على هذه الأمة وعلى نبيها عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) .
اختار الله سبحانه وتعالى لمسرى رسوله – صلى الله عليه وسلم – مسجدين عظيمين مقدسين في تاريخ النبوات السابقة ، المسجد الأول هو المسجد الحرام والمسجد الثاني هو المسجد الأقصى ، كانت بداية الإسراء من المسجد الحرام ونهايته إلى المسجد الأقصى ، لينال النبي – صلى الله عليه وسلم - شرف إمامة النبيين ، ثم شرف الاطلاع على شؤون الملكوت الأعلى عندما من الله – سبحانه وتعالى - عليه من هناك بالعروج ليريه من آياته الكبرى ، وبجانب هذا التشريف العظيم الذي ناله رسول الله – صلى الله عليه وسلم - والذي جاء القرآن الكريم ممتنا به على هذه الأمة ، بجانب هذا التشريف العظيم هنالك أيضا توجيه رباني للمحافظة على مكانة ذلك المسجد الشريف ، ذلك أن الله – سبحانه وتعالى - أراد أن يجمع لهذه الأمة جميع المقدسات فكان التوجيه لهذه الأمة إلى المسجد الأقصى في أعظم عبادة تتقرب إلى الله – سبحانه وتعالى – توجهت الأمة بأمر الله إلى المسجد الأقصى في صلاتها منذ هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة وحتى أنزل الله – سبحانه وتعالى – ما أنزل من تحويلهم إلى القبلة الإبراهيمية ليجمع الله – سبحانه وتعالى – كلتا الحسنيين لهذه الأمة التي شرفها الله – سبحانه وتعالى - بأعظم رسالة . (2/4)
صفحة 23
فإذن المسجد الأقصى هو صنو المسجد الحرام ، وكل شيء يخدش كرامة ذلكم المسجد إنما يعد خدشا كبيرا لكرامة الأمة بأسرها .
إذن حرمة ذلك المسجد إنما هي مرتبطة بعقيدة الأمة فلذلك كان التحرك العالمي وكان هذا التوجه الذي حمدنا الله تبارك وتعالى – عليه وهو مما يدل على أن هذه الأمة لا يزال فيها الخير بإذن الله ونحن نرجو مع هذه الدفعة الحيوية لتي حصلت لهذه الأمة إبان هذا الانتهاك لحرمة المسجد الأقصى أن تكون سارية في حياتها دائما ونرجو أن تكون بسبب هذه الدفعة الحيوية وبسبب هذه الروح الفعالة مهتمة بجميع قضاياها في العالم الإسلامي بأسره من أقصاه إلى أقصاه بحيث تعتبر تطهير أي جزء من أرض الإسلام دُنِّس أمرا واجبا عليها ، وتعتبر تخليص أي شبر من أرض الإسلام وقع تحت سلطة أعداء الإسلام أمرا لا بد منه دينا في رقابها حتى يمن الله – تبارك وتعالى – عليها بذلك . (2/5)
صفحة 24
أنا لا أنكر بأن هذه الأمة أصيبت بنكبة من جراء مخططات أعداء الإسلام ، وهي نكبة التحزب إلى القوميات الضيقة بدلا من أن تكون منتمية إلى العقيدة ونحن نشاهد من خلال مطالعتنا للتاريخ أن هذه الرزية خطط لها من قبل الجميع – أي من قبل جميع أعداء الإسلام – لتكون ممزقة لهذه الأمة ، وكان ميلادها في شتى البقاع في وقت واحد ، فالقومية العربية ولدت في الكلية البروتستانتية على أيدي نصارى العرب بعد ما خطط لها العرب وكان ذلك في عام 1847 ، وولدت القومية الطورانية في تركيا على أيدي يهود الدولمة بعد ذلك بعام واحد مما يدل على أن المخطط كان مخططا واحدا وكان لهذه القومية أثر في تحريك مشاعر الناس ، فقد مرت بالمسلمين فترة تناسوا في خلالها العقيدة وساروا ينتمون إلى هذه القوميات الضيقة كما أراد لهم أعداء الإسلام ، ولكن بحمد الله ثبت فشل هذه القوميات ، وثبت أن مناط الاجتماع ومعقد الاتفاق بين الأمة إنما هي العقيدة ، العقيدة الإسلامية وحدها ، وبهذا أصبحت الأمة الآن تعيش بحمد الله في صحوة ولم يكن هذا الانتماء إلى تلكم القوميات كما كان من قبل .
في فترة من الفترات أنا أذكر أن كثيرا من الناس على ألسنتهم قولهم : أن النبي كان عربيا قبل أن يكون مسلما ، ويرددون أن العربي وإن كان وثنيا أو كان ملحدا أو كان على أي حالة من الحالات هو أفضل من العربي ولو كان في مستوى الصحابة الكرام في ورعه وفضله ، هذه الفكرة امتحت الآن فأنا لا أقول بأن المحرك هو القومية العربية وإنما المحرك هو العقيدة لأن المكان مقدس وحرمة المكان ترتبط بعقيدة الأمة .
¨ السؤال الثاني : سماحة المفتي بالنسبة لقضية الهيكل التي ينافح من أجلها اليهود حتى قال : بن يورين لا معنى للقدس بدون الهيكل ، ما هو هذا الهيكل ؟ وما قضيته ؟ (2/6)
صفحة 25
على أي حال هذه دعوى لتبرير ما يرونه من السيطرة على ذلك المكان ليتوصلوا بعد ذلك إلى السيطرة على العالم لأن هذه مخططات اليهود ، فاليهود – أخزاهم الله – عقدوا مؤتمرهم في مدينة بال بسويسرا عام 1897 من أجل الاستيلاء على العالم ووضعت يومئذ ( البروتوكولات ) وسميت ( ببروتوكولات) حكماء صهيون وهم لا يزالون يسيرون في مؤامراتهم على الأمة وعلى الإنسانية جميعا وفق ذلك المخطط الرهيب حتى أنه عندما يموت أحد من لجنة المتابعة لتنفيذ تلكم المخططات التي عبروا عنها ( بالبروتوكولات ) يكون مكانه شخص آخر ، فاللجنة مستمرة منذ ذاك الوقت وإلى هذا الوقت .
هم كانوا يتصورون أنه في خلال قرن من الزمن يتوصلون إلى حكم العالم بأسره ولكن الله – تبارك وتعالى – كتب عليهم الخزي فلم يتوصلوا إلى ذلك ، ومهما يكن من أمر فإن مؤامراتهم مؤامرات خطيرة ، وهم ادعوا أن هنالك هيكلا يسمونه هيكل سليمان وهم ينفون عن سليمان – عليه السلام – وعن أبيه داود – عليه السلام – صفة النبوة التي أكرمهما الله – تبارك وتعالى - بها ، فهم يدعون أن داود كان ملكا ، وأن سليمان كان ملكا ولذلك عندما ينزعون هذا المنزع ، منزع الاستيلاء على العالم يقولون : بأنهم يريدون أن يحيوا مملكة داود ومملكة سليمان ، ويزعمون بأنهم يسعون لإعادة تاج داود في هذه الأرض ، ومن المعلوم أن داود وسليمان بريئان من اليهود ومن مؤامرات اليهود ومن أعمال اليهود ، فإن الله – تبارك وتعالى – أثنى عليهما في كتابه وذكرهما بما هما أهل له من الفضل وحسبهما ذلك ، وهذا مما يدل على أن الأمة الإسلامية هي أولى بداود وأولى بسليمان وأولى بأنبياء بني إسرائيل الذين طهرهم الله سبحانه وتعالى من رجس معتقدات اليهود ومن أدناس أعمالهم من أولئك الذين ينتسبون إليهم . (2/7)
صفحة 26
فهم بسبب هذه الانحراف العقدي والفكري والخلقي والفكري والسياسي لا يعدون من أولئك الأنبياء الكرام في شيء ، هم يدعون أن هنالك هيكل سليمان وهذه دعوى لا دليل عليها ، فذلك المكان هو مسجد سماه الله – تبارك وتعالى – وبارك الله تعالى حوله بما جعل هنالك من خير تنزل على الإنسانية ، جعل الله – تبارك وتعالى – خيرا كثيرا ، فإن الله أكرم الإنسانية بما تنزل من هنالك من رسالاته ، فهذه الأمة هي أولى بأن تحافظ على طهر ذلك المكان وقداسته وأن تنافح عنه بكل ما أوتيت من قوة .
¨ السؤال الثالث : سماحة الشيخ بالنسبة للمسجد الأقصى ما هي حدوده ؟ فالبعض يقصره على المسجد نفسه ، والبعض يتوسع ليدخل ضمنه كل ما بالسور من مسجد وقبة الصخرة والمصلى ، المرواني ، وغيرها ، في حين أنه قد علق في الأذهان من خلال الصور التي تنشر أن قبة الصخرة هي المسجد الأقصى . (2/8)
صفحة 27
الجواب : المسجد هو : هو كل ما حواه السور وكل ما له من حريم شرعي ، ذلك مما يعدّ من توابع المسجد الأقصى ومما يجب على الأمة أن تحافظ عليه ، نحن لو قلنا بأن المسجد الأقصى محصورا في قبة الصخرة فقط للزمنا أيضا أن نقول أن المسجد الحرام إنما هو مقصور في الكعبة المشرفة فحسب ، أو الكعبة وما حولها من المطاف وسائر المسجد لا يدخل في حكم المسجد الحرام وليس هذا بشيء ، المسجد الحرام هو لو توسع وشمل الحرم بأسره هو له حرمات المسجد الحرام وله فضل المسجد الحرام وتكون الصلاة فيه بمئة ألف صلاة ولو صلى المسلم في أي طرف من أطرافه مادام هو مسجدا غير منفصل عن مكان الكعبة المشرفة ، كذلك بالنسبة للمسجد النبوي الشريف لو قلنا أن قبة الصخرة هي وحدها المسجد الأقصى للزم من ذلك أن يكون المسجد النبوي الشريف ينحصر في الروضة المطهرة أو على الأقل في المسجد الذي كان في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يقول : لو زيد في مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى بلغ صنعاء الكل مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وروي ذلك مرفوعا إلى النبي عليه وعلى آله افضل الصلاة والسلام . (2/9)
صفحة 28
فإذن لا معنى لحصر المسجد الأقصى في قبة الصخرة فقط ، فإن قبة الصخرة نفسها هي ضيقة لا تسع جموع الناس المصلين ، كذلك فناء الكعبة لا يتسع لجموع الناس المصلين ، ولذلك يزاد في المسجد الحرام شيئا فشيئا ، هذا فضلا عن كون الأمة بأسرها مطالبة بأن تطهر تلك الأرض بأسرها لأنها أرض مقدسات ، الله سبحانه وتعالى جعل حرما للكعبة جميع مكة كما هو معلوم ، وكذلك تلك الأرض أرض فلسطين هي أرض جعلها الله – سبحانه وتعالى – أرض طهر، إذا باركها الله – سبحانه وتعالى – كما يدل على ذلك قوله : ( في المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) والمراد بحول المسجد الأقصى أرض فلسطين بأسرها ، هي أرض باركها الله ، ولما كانت أرض مباركة فإن لها حرمة متميزة على غيرها من الأرض ومن هنا كانت المحافظة من قبل الأمة على أي شبر منها أمرا لا محيص عنه فهو دين في رقاب الأمة حتى يقضى بمشيئة الله .
¨ شيخنا العلامة : يقول الله تعالى عن اليهود : ( لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو وراء من جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون )
السؤال : هل هذا الوصف خاص بطبيعة اليهود في عصر النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أم أنه وصف عام لكل اليهود على اختلاف الأزمنة وتباين الأمكنة ؟ فإن كان هذا الوصف لليهود عامة فما معنى قوله تعالى : ( لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ) وهل يقبل تفسير ابن عاشور عندما قال في تفسير هذه الآية : ( ويجوز أن يكون بمعنى مجتمعين أي لا يقاتلونكم جيوشا كشأن جيوش المتحالفين أي : لا يجتمعون على قتالكم اجتماع الجيوش ، أي لا يهاجمونكم ولكن يقاتلونكم قتال دفاع في قراهم ، والملاحظ أن اليهود في هذا الزمن يقاتلون في جيوش منظمة ، ويهاجمون المسلمين ولا يقتصرون على مجرد الدفاع )، هذه قضية . (2/10)
صفحة 29
القضية الثانية في الشطر الثاني من الآية يقول الله تعالى : ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ) والملاحظ أن اليهود في كل أنحاء العالم يقفون جنبا إلى جنب ، ويؤكد هذا الكلام أنهم استطاعوا أن يحتلوا دولة فلسطين بعد تخطيط كما ذكرن سماحتك ، ويكفي أن يعلم أن يهود الولايات المتحدة فقط ينفقون سنويا لبني في جلدتهم في فلسطين أكثر من مائتي مليون دولا ، فكيف نفرق بين ظاهر الآية والأحداث الراهنة ؟
الجواب : هذا وصفٌ وصف به الله سبحانه وتعالى اليهود وهو أعلم بأحوالهم ، فهو أعلم بطبائعهم وأعلم بدخائل أنفسهم من أنفسهم ، ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) فنحن نؤمن بذلك لا نحصر هذه الأوصاف في اليهود المعاصرين للنبي – صلى الله عليه وسلم – الآية الكريمة تدل على أن اليهود طبيعتهم الجبن والخور وهذا أمر معهود لا ينكر حتى في وقتنا هذا ، قيل لي بأن رجلا فلسطينيا هاجمه اثنان مدججان بالسلاح فأشهر في وجههما سكينا فإذا بهما يهربان عنه ، وهذا مما يدل على أن الجبن طبعهم إلا أن هنالك أمورا جعلها الله – سبحانه وتعالى – تتفاعل حتى يتم ما أراده من ناحية لأجل تأديب المسلمين حتى يعودوا إلى دينهم ويطيعوا ربهم سبحانه وتعالى ، ويعتصموا بحبل الله المتين ، ويتبعوا نهجه المستقيم وإلا فإن طبع اليهود لا تتغير ، هؤلاء إنما يستمسكون بصلتهم بالناس الذين يؤازرنهم ، ويحمون ظهورهم ويشدون أزرهم وأنتم تعرفون أن وراء اليهود نظاما إعلاميا رهيبا فهؤلاء الذين يقفون وراءهم . (2/11)
صفحة 30
بينما هنالك أيضا أساب جعلها الله – تبارك وتعالى - من عنده ممكنة لهؤلاء وهي ما حصل في هذه الأمة من التفكك وما حصل لهذه الأمة من الضياع ، فالأمة كما قلنا إنما هي مأمورة أن تستمسك بحبل الله ، وأن ترتبط بالوحدة فيما بينهم كما ترتبط بتوحيد الله ، إذ هذه الأمة هي أمة وحدةٍ فيما بينها كما أنها أمةُ توحيدٍ لله ، فقد جمع الله بين أمرها بالتوحد فيما بينها وأمرها بتوحيده ، يقول الله – سبحانه وتعالى - : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسملون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) أمرهم بأن يوحدوا الله ؛ حتى لا يموتوا إلا مسلمين وأن يتقوه حق تقاته في نفس الوقت وفي نفس الآية وفي نفس السياق أمرهم الله – سبحانه وتعالى – أن يعتصموا بحبله جميعا وأن لا يتفرقوا ، وهذه الأمة منيت بالافتراق الذي كان سببا للتشتت وسببا للضياع حتى طمع فيها أراذل الناس ، وحاق بها ما حاق بها من العذاب .
فإذن ما نضنه من قوة إنما هو أمر يبدو لنا بسبب أن الله – سبحانه وتعالى – أن يبلغ في هذه الأمة ما كتبه عليها ، وأن يبلغ في اليهود أيضا ما كتبه عليهم ، وإن هذا الاجتماع إنما هو لأمر يريده الله حتى يعود المؤمنون لصحوتهم ورشدهم ويستمسكون بدينهم وعندئذ تنفد إرادة الله تعالى في هؤلاء اليهود ويُقاتلون جميعا حتى يتوارى اليهودي وراء الشجرة وتُخبر عنه الشجرة كما جاء في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم – مهما كان هذا الإخبار ولو كان بلغة المجاز . (2/12)
صفحة 31
أما بالنسبة إلى ما وصفهم الله – سبحانه وتعالى – من اختلاف الأهواء ، فهو أمر لا نشك فيه أيضا ، أهواؤهم مختلفة لكن مع هذا الاختلاف اختلاف الأهواء فيما بينهم هم يتعاونون من أجل قضية تجمعهم ، فهم أولا قبل كل شيء يضمرون الحقد للإنسانية بأسرها وهذا يعد قاسما مشتركا ما بين اليهود بأسرهم ، فجميع اليهود مشتركون في العداوة للإنسانية ، هم حاقدون على كل أحد - مهما كان دينه ومهما كانت جنسيته ومهما كان أصله – إلا اليهودي ، فهم يرون أنفسهم شعب الله المختار وأن البقية هم لا قيمة لهم ، لا تختلف أوضاعهم عن أوضاع الحيوانات ، ولا ترتفع قيمتهم عن قيمتها ، هكذا نظرتهم للإنسانية ، ثم بالنسبة لهذه الأمة يرون أن هذه الأمة انتزعت منهم أعظم شيء ، فإنهم يعتزون بما كان فيهم من نبوات على رغم عدم صلتهم بتلك النبوات ، على رغم ما كان لهم من تقتيل النبيين وما كان منهم من مؤامرات على أولئك النبيين ، حتى أن موسى – عليه السلام – عندما أنقذهم الله – تبارك وتعالى – على يديه ما كادوا يتجاوزون البحر الذي شقه الله – تبارك وتعالى – لهم من ضربة موسى عليه السلام حتى تنكروا لموسى وقالوا له : اجعل لنا إلهً كما لهم إله ، وكانوا يكيدون له المكايد باستمرار .
هم أهل كيد إلا أنهم بجانب ذلك عندهم شيء من النعرة القومية العنصرية الضيقة ، فبما أن أولئك الأنبياء كانون من بني إسرائيل ولو كانوا على هدي غير هديهم ومسلك غير مسلكهم يرون أن هذه الأمة بسبب وجود النبوة الخاتمة فيهم قد انتزعت منهم أهم شيء على أنهم كانوا ينتظرون إقبال عهد هذا النبي المنتظر عندما كانوا يتصورون بأنه منهم رجاء أن يجمع شتاتهم وأن ينقذوا مما هم فيه كما أنقذوا على يدي موسى – عليه السلام - وعندما كان النبي من غيرهم ، عندما كان النبي من نسل إسماعيل ولم يكن من نسل إسرائيل كبر ذلك عليهم فلذلك أضمروا حقدا خاصا بهذه الأمة . (2/13)
صفحة 32
هم حاقدون عليها حقدا خاصا بجانب الحقد العام الذي يشمل الإنسانية بأسرها ، فلذلك هم يجتمعون لأجل هذا الجامع الذي يجمعهم ولكن مع ذلك لهم أهواء وبينهم خلافات ولهم منازع ، والعنصرية موجودة فيهم إلى وقتنا هذا ، مما يدل على هذا : أن يهود الحبشة عندما هاجروا إلى أرض فلسطين عوملوا معاملة خاصة غير معاملة اليهود الذي جاءوا من أوروبا ، هم يفرقون بين اليهود أنفسهم وهذا مما يدل على أن لهم أهواء مختلفة وأنهم مشتتون من حيث فكرهم ولكنهم كما قلنا تجمعهم هذه العداوة عداوة الأمة بخاصة وعداوة الإنسانية بأسرها .
¨ شيخنا جاء حديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : ( نُصرْتُ بالرعبِ مسيرة شهر ) أولا : ما المقصود بالرعب في الحديث الشريف ؟
ثانيا : هل هو خاص به – صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أم هو عام لأمته ؟ وإن كان عاما فهل هناك أمثلة من التاريخ الإسلامي في النصر على الأعداء بالرعب ؟
الجواب : النبي – صلى الله عليه وسلم – من الله تبارك وتعالى عليه ، بالهيبة ، فكان الرعب يتقدمه ويتقدم جيشه ومن أمثلة ذلك : ما كان من تأثير كتابه عليه أفضل الصلاة والسلام على نفسية هرقل عندما قرئ على هرقل كتاب النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما سأل أبا سفيان عن صفاته – صلى الله عليه وسلم – وكان يجيبه بأمانة مع ما كان في نفسه من العداء لشخص النبي – عليه صلوات الله وسلامه – حصل لهرقل أنه قرئ بعد ذلك كتاب النبي – صلى الله عليه وسلم – الموجه إليه ، قرئ عليه ونص الكتاب : (( بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم : السلام على من اتبع الهدى أما بعد : (2/14)
صفحة 33
فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، يؤتيك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ، ( وقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون )) فتصبب جبين هرقل عرقا عندما قرئ عليه هذا الكتاب ، وخرج من عنده أبو سفيان وهو يقول : لقد أمرَ أمر بن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر ، هذا مثال من تأثير الرعب الذي نصر به الرسول – صلى الله عليه وسلم - على أعدائه ، وهو لا ريب أنه امتد في خلفائه – صلى الله عليه وسلم – من بعده ، امتد هذا الرعب وظل يؤثر على الناس تأثيرا بالغا ، ولذلك كان النصر المبين ، وهذه الأمة نرجو أن يكون هذا النصر لها أيضا ولكن متى ؟! عندما تكون مستمسكة بكتاب الله وبهدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عاضة بالنواجذ على تعاليم القرآن وعلى تعاليم السنة النبوية من غير تفريط لا في جزئية ولا في كلية عندئذ تكون منصورة .
ومن أمثلة ذلك ، عندما جند عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه - الأجناد لمحاربة امبراطورية فارس التي كانت حسب دراسات بعض العلماء المعاصرين الامبراطورية الأولى في ذلك الوقت ، وذلك بعد أن انشقت الامبراطورية الرومانية إلى قسمين : غربي وشرقي ، كانت الامبراطورية الفارسية الامبراطورية الأولى ، وحل بامبراطورية فارس ما حل من الدمار . (2/15)
صفحة 34
الانحراف عن الحق ومقاومة الحق ودعاء الرسول – صلى الله عليه وسلم – أن يمزق الله ملكهم بعد ما مزق امبراطورهم كتابه – صلى الله عليه وسلم – ثم حصل أن كتب امبراطوور فارس يزدجرد كتابا إلى امبراطور الصين يستنجده على المسلمين ، يطلب منه المناصرة عليهم وأرسل به رسولا حكيما عاقلا ذهب بكتاب يزدجرد إلى امبراطور الصين ، ولعل امبراطور الصين هذا هو المعاصر للرسول – صلى الله عليه وسلم – بحيث امتد زمان حكمه من عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى عهد عمر – رضي الله عنه – لأنني قرأت أن الامبراطورة المعاصرة لمبعث النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي كان بالصين كان رجلا عاقلا حكيما يسمى تهتسونج ، وهذا ما يدل عليه تعامله مع رسول امبراطور فارس ، فعندما جاء الرسول وسلم إليه الكتاب إذ جلس معه جلسة وسأله عن الكثير الكثير مما قد يعلق بذهن الإنسان من التساؤلات فيما يتعلق بهذه الفئة التي خرجت عليهم ، وأول ما سأله
: هل هؤلاء القوم الذين خرجوا عليكم هم أكثر منكم عددا أو أقل عددا ؟ أجابه : بأنهم أقل عددا . قال له : هل هم أكثر عدة أو أقل عدة ؟ أجابه : إنهم أقل عدة . قال له : أخبرني عن حالهم . أجابه : إنهم رهبان بالليل ، فرسان بالنهار . قال له : أخبرني عن طعامهم . قال له : يأكلون بقدر ما يعيشون . قال له : أخبرني عن لباسهم . قال له : يلبسون بقدر ما يستترون ، ويقولون : ( ولباس التقوى ذلك خير ) . قال له : أخبرني عن حالهم فيما بينهم . قال له : قلوبهم كقلب رجل واحد . (2/16)
صفحة 35
فأجابه بقوله : لم ينتصروا عليكم ، مع قلتهم وكثرتكم إلا بما ذكرته من أوصافهم ، ثم كتب رسالة جوابية إلى امبراطور فارس جاء فيها : قد وصلني كتابك وفهمت ما عند رسولك ، ولا يمنعني من إرسال جيش أوله بمرو وآخره بالصين – ومر هي بخراسان – أي لا يمنعني أن أرسل جيشا أوله من خراسان من أرض فارس وآخره بالصين إلا أن أولئك القوم الذين خرجوا عليكم لا يقاومهم شيء ، فلو وقفت الجبال في سبيلهم لدكدكوها ، ولو أرادوني لانتزعوني من مكاني هذا ، فإن شئت أن تسلم فاستسلم لهم .
هذا من النصر بالرعب ، كيف هذا الرجل الامبراطور الكبير الذي هو بأرض الصين ، في أعماق أرض الصين ، وأرض الصين أرض محصنة بينها وبين البلاد الإسلامية في ذلك الوقت الكثير الكثير من المفاوز والقفار والبحور والجبال وغير ذلك ، ومع ذلك هو محصن بالعدد الهائل من البشر بحيث يتمكن من إرسال جيش أوله بمرو بخراسان وآخره بالصين ،
كيف هذه الامبراطور العظيم يتأثر هذا التأثر العجيب لمجرد ما علم عن حال أولئك القوم الذين قاموا على امبراطور فارس !إنه لدليل على أن هذة الأمة منصورة بالرعب ، لكن متى ذلك ؟! عندما تحاسب نفسها حسابا دقيقا بحيث تكون جميع أعمالها ترجمة لما في كتاب الله ولما في سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإن عمر – رضي الله تعالى عنه – زود أولئك الجند تلكم الوصية البالغة ، التي كانت القوة الفاعلة التي لانت بين أيديها جميع القوى ، لانت بين أيديها قوى العتاد ولانت بين أيديها قوى البشر ولم تفد أيّ قوة في صدها ، وكان من جملة ما وصاهم به :
وأوصيك ومن معك من الأجناد أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم .
فإذن المسلمين إنما ينصرون بالرعب عندما يكونون أشتد احتراسا من المعاصي منهم من عدوهم . (2/17)
صفحة 36
¨ سماحة الشيخ : يسأل السائل عن ما يسمى بالأعمال الفدائية ، كأن يأتي رجل من المسلمين يتسلح بالمتفجرات ، ثم يدخل بتلك المتفجرات وسط العدو اليهودي على سبيل المثال ، ثم يفجرها ويموت هو مع أولئك الأعداء ، فهل يجيز الإسلام هذا الفعل ؟ هل يعود عليه ؟ أم يعتبر ذلك انتحارا محرما مثل من يقود طائرة حربية وهو من المسلمين ثم يهوي بتلك الطائرة على موضوع حساس ليحدث بالعدو بذلك خسارة كبيرة فهل يجوز هذا الفعل ؟ وهل يمكن أن يقاس على ما فعله البراء بن مالك في حديقة الموت ؟
على أي حال علينا أن نعتبر أن المسلم منهي عن أن يقتل نفسه ومأمور بأن يقاتل عدوه ، فهو عليه مهما فعل ألا ينوي بذلك قتل نفسه ، لأنه منهي عن قتل نفسه ، الله تبارك وتعالى يقول : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ) وإنما يؤمر وهو يفعل هذا الفعل أن ينوي به النكاية بالعدو لا أن ينوي به قتل نفسه بحيث إذا وجد لنفسه المخرج أنقذ حياته ، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير .
¨ لكن بمعنى أنه إذا لم يكن هناك بد إلا مثل هذا التصرف ؟
نعم ، لكن أن لا ينوي أن يقتل نفسه ، لكن ينوي النكاية بالعدوّ .
¨ سماحة الشيخ : هل يمكن أن نعتبر ثورة الأمة المسلمة الآن هي بداية النهاية لليهود ؟ وهل قتال اليهود مرتبط بقيام الساعة ؟ (2/18)
صفحة 37
على أي حال نحن واثقون بنصر الله – تبارك وتعالى - لعباده المؤمنين ، فإن الله تعالى صادق في وعده لا تبديل لكلماته ، ولا إخلاف لميعاده ، وعد فأنجز ، ولا بد من أن ينجز فيما يأتي كما أنجز فيما مضى ، وعد عباده المؤمنين النصر والتمكين في آيات شتى من كتابه العزيز ، الله سبحانه وتعالى يقول : ( ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ويقول سبحانه : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ويقول سبحانه : ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ويقول : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم . وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) .
نعم أنجز الله تعالى هذا الوعد ، فاستخلف المؤمنين مع قلتهم وكثرة عدوهم ، ومع ما كانوا فيه من ضعف مادي بجانب القوة المادية التي لا يمكن أبدا المقارنة بينها وبين ما كان بأيدي هؤلاء المسلمين من القوة . (2/19)
صفحة 38
كان ذلك التمكين بفضل الله سبحانه ، ثم حصل ما حصل من انهزام لهذه الأمة ؛ بسبب نكوصها عن أمر ربها سبحانه وانحرافها عن منهج دين الله تعالى ، ونحن واثقون مع هذه الصحوة المباركة ومع هذا التوجه إلى الإسلام ، ومع الإدراك أن الحل الإسلامي هو الحل الوحيد الذي سينقل هذه الإنسانية بأسرها في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن وعد الله تعالى بالنصر واقع ومتحقق ومنجز ولا بد من أن يستخلف الله هذه الأمة الآن كما استخلفها من قبل ، وسيمكن لها دينها الذي ارتضاه لها ، وهذا مما يبدو كثيرا على ألسنة المسلمين وغير المسلمين .
على ألسنة المسلمين هم كانوا من أول الأمر على الإسلام وعلى ألسنة المسلمين الجدد الذين دخلوا في الإسلام بعد ما كانوا على ملة أخرى ، أولئك تردد على ألسنتهم ما تردد من التفاؤل بأن يظهر الله تعالى دينه على الدين كله ولو كره المشركون ، وبجانب هذا نجد غير المسلمين حتى أولئك الذين في نفوسهم الحقد يتطلعون إلى عهد إسلامي مشرق ، إلى عهد يأتي بالخير بمشيئة الله سبحانه وتعالى .
على سبيل المثال : نجد الفارق بين الماضي والحاضر أن الكثير من أبناء المسلمين أو الذين يقولون عنهم أنهم مسلمون بالانتساب وبالجغرافيا وبالاسم وبالانتماء إلى آباء وأمهات مسلمين ومسلمات .
مرت فترة عليهم فيما مضى وقد كانوا يرون أن الحل الذي يجب على الكل أن يعتمد عليه : هو الحل الاشتراكي أو الحل الشيوعي مرت فترة هكذا ، والناس كانوا يلهجون بهذا ، أنا بنفسي سمعت من الناس من كان يدعو للاتحاد السوفيتي ويقول : بأن نصر العرب - يومئذ كانت القومية العربية هي مناط الارتباط بين العرب - إنما يأتي من قبل الاتحاد السوفيتي ، وشاء الله سبحانه وتعالى أن ينهار ذلك كله ، وتوجه الناس الآن إلى حل إسلامي ينتظرنا . (2/20)
صفحة 39
إذا جئنا إلى غير المسلمين مما وجدناه من كلامهم ، قبل فترة سُئل ( جور باتشوف ) وهو آخر رئيس للنظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ، سئل عن استمرار الحكم الشيوعي أو لنظام الشيوعي أو الحل الشيوعي في فيتنام وفي الصين ، هل يمكن للشيوعية أن تستمر فيهما ؟ قال : كلا ، لا يمكن للميت أن يستمر . فقيل له : ما البديل ؟ فقال : لا أعتقد أن البديل يكون في الرأسمالية ولا في لاشتراكية ولا في الديمقراطية وإنما هو في نظام آخر فعلينا أن نتكيف وفق حضارة جديدة .
فما هو النظام الآخر ؟! هل هو نظام عبدة البقر ؟ أو عبدة النار ؟ أو عبدة الغيلان والضفادع ؟ أو أن هذا النظام إنما هو النظام الإسلامي الذي فيه حل كل مشكلة وعلاج لكل ما أصيبت به الأمة .
كذلك قبل نحو سنتين من الآن الشيوعي المتعصب كاسترو قال : ما بقي أمام الإنسانية إلا المنهج القرآني . وهذه شهادة . (2/21)
صفحة 40
أما إذا جئنا إلى المسلمين فقبل بضع سنوات وبالضبط في شهر ذي الحجة في عام 1415 هـ ألقيت محاضرة في مجمع أبي النور في دمشق ألقاها رجل أمريكي مسلم ، - كان يسمى قبل إسلامه ( روبرت ترين) وصار من بعد أن أسلم فاروق عبد الحق – بعنوان : القيادة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين ، هذه المحاضرة وضع فيها كما يقال المقصل على المفصل أو وضع فيها النقاط على الحروف ، وبين بيانا شافيا كافيا أن العالم الآن إنما هو محتضر ، لا ينقذه مما هو فيه إلا الإسلام ، هذه الحضارة العالمية الآن إنما هي حضارة محتضرة تقاسي الآن من سكرات الموت وليس هنالك من منقذ لهذا العالم إلا الإسلام ، وركز على الولايات المتحدة الأمريكية خاصة ، والرجل ليس هو من الناس العاديين مرّ بمناصب عدة تقلدها ومن بين المناصب التي تقلدها : أنه كان في عهد الرئيس نيكسون كبير مستشاريه للسياسة الأمريكية الخارجية ، فالرجل هو : محنك وخبير ومطلع على أحوال الناس ، واستشهد بالكثير مما قاله غير المسلمين فيما يتعلق بهذا الجانب ، ومن جملة ما استشهد به كلام لبرجنزك الذي كان مستشارا للمركز القومي للرئيس كارتر وبرجنزكي هذا هو يهودي ، وبرجنزكي تحدث عن الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية حديثا صرّح فيه بأن الوضع هنالك يسير بخطى حثيثة نحو الدمار ، وكان مما قاله عن الإفلاس ، إفلاس الولايات المتحدة الأمريكية وإن المجتمع الذي فقد الأخلاق لا يمكن أن يسن للعالم قانونا أخلاقيا وأشار إلى البديل المنتظر ، لكن لم يصرح باسم الإسلام ، إلا أن صحفيا شهيرا يسمى ناتانج جرولز قدّم لكلام برجنزي بما فيه تحليل له ، ووضع النقاط على الحروف وصرّح بأن الإسلام هو المنتظر . (2/22)
صفحة 41
فإذن هذه الصحوة بمشيئة الله سبحانه تعد باكورة العمل الإسلامي العالمي أو الحل الإسلامي العالمي الذي سيسود هذا العالم بمشيئة الله سبحانه تعالى ، ومن المعلوم أنه إذا قام قائم الإسلام فلن تكون هنالك لليهود بقية إنما تأتي ساعتهم التي دل عليها حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والله المستعان .
¨ سماحة الشيخ : بالنسبة لسلاح المقاطعة الذي يدعو إليه كثيرا من الناس ، بمقاطعة المستوى الاقتصادي على مستوى الأفراد بحيث يقاطع المسلم البضائع التي تأتي من اليهود أو الدول التي تناصر اليهود بدء من الأمور الصغيرة كإبر الخياطة والمشروبات الغازية وانتهاء بما يمكن أن يتملكه الفرد المسلم من السيارات ونحوها ، فما هو رأيكم ؟ وما هو حكم الشرع الشريف في الاعتماد على سلاح المقاطعة ؟
الجواب : من المعلوم أن السلاح الذي يستخدم في الحرب مع العدو سلاح متنوع ، وكل ما يمكن أن يؤدي إلى زعزعة صف العدوّ وإيهان جانبه ، وإضعاف مقاومته على المسلم أيا كان أن يعتمد عليه وأن يفعله ، كل ما يؤدي إلى ضعضعة صف العدو ، ومن المعلوم أن القضية الاقتصادية الآن هي قضية مهمة وهي من الأهمية بمكان ، ومما يؤسف له أن المسلمين لم ينتبهوا له وهذا نتيجة تفرق الكلمة ، وعدم اجتماع الشمل وهذا الذي أذهب ريح هذه الأمة وقد حذرها الله سبحانه وتعالى من ذلك عندما قال : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) . (2/23)
صفحة 42
المسلمون لم ينتبهوا لخطورة القضية الاقتصادية ، فالمسلمون بما آتاهم الله سبحانه وتعالى من ثروات ، وبما جعل في طبيعة أرضهم من التكامل كانوا بإمكانهم أن يتكافلوا بأنفسهم ، وأن لا يحتاجوا إلى غيرهم في أدنى شيء مع أن الدين الإسلامي نبه على الاستعداد التام ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) ومن بين القوى القوة الاقتصادية ، لا بد من إعدادها إعدادا تاما بحيث تكون الأمة المسلمة فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي أمة متكافلة لا تحتاج إلى غيرها ، ومهما يكن فإن استخدام هذا السلاح أمر يجب أن لا يعزب عن ذهن أي مسلم .
¨ سماحة الشيخ : أشرتم إلى القضية الاقتصادية ، وهو مايشير إليه بعض المسلمين بالمعصية الاقتصادية للعالم الإسلامي بحيث لم يتنبه إلى تكثير ثرواته واستغلال ثروات الأرض ، الفرد المسلم بغض النظر عن الشركات الكبرى والدول والمنظمات والحكومات ماذا يمكنه أن يفعل في سبيل زيادة دخل المسلمين وتعبئتهم اقتصاديا حتى يتخلصوا من التبعية لأعدائهم ؟
يقال : المرء قليل بنفسه كثير بأخيه ، فالفرد المسلم عليه قبل كل شيء أن يضع يده في يد الآخر ، وأن يكون هنالك تكامل ، منّ الله – سبحانه وتعالى - على بعض الناس بالمال ، ومن على الآخرين بالخبرة ، ومن على آخرين بالمادة التي يمكن أن تصنع وهكذا فإذن لا بد من التكامل ما بين هذه الفئات بأسرها حتى يمكن لأن يكون هذا التكامل بمشيئة الله حركة اقتصادية مؤثرة في حياة هذه الأمة بحيث تنقلها من الضعف إلى القوة .
¨ سؤال ذكرناه سابقا ، ونكرره لأهميته ، كيف يربي المسلم أبناءه خصوصا وأبناء أمته عموما على بُغضِ اليهود والحذر منهم ؟ (2/24)
صفحة 43
نعم : التربية على القرآن الكريم وتعاليم النبي – صلى الله عليه وسلم – هي التي تجعل نفوس المؤمنين نفوسا تشعر بما يجب عليا من كره أعدائها وفي مقدمتهم اليهود ، الله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه العزيز : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) فذكر اليهود أولا ثم عطف عليهم المشركين مما يدل على خطورة اليهود خطورة بالغة ، كيف وفي عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – هم الذين كانوا يحركون جموع المشركين ويؤلبونهم على النبي – صلوات الله وسلامه عليه – ثم بجانب ذلك نجد أن القرآن الكريم يوصي المؤمنين بأن يكونوا حذرين من أعدائهم غير متأثرين بموالاتهم وهذا ظاهر في آيات شتى ، الله سبحانه وتعالى يقول : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ثم قال : ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ).
وهذا مما يدل على أن هذه الموالاة ناتجة عن الأمراض النفسانية ، فمن كان سليما من الأمراض لا يمكن أن تحصل منه موالاة لأعداء الإسلام قط ، ونجد أن الله سبحانه في هذا السياق نفسه في معرض التحذير من الموالاة يبين عاقبة الردّة – والعياذ بالله – وفي هذا إشعار للناس أن هذه الموالاة لا تقف عند حد عندما يسترسل الإنسان فيها فإنّ مَنْ تقهقر خطوة تقهقر خطوات وهكذا ، فالموالاة لا تقف عند حد حتى يصل الإنسان إلى الارتداد والعياذ بالله ، ولذلك يقول الله تعالى في هذا السياق نفسه : ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) . (2/25)
صفحة 44
ثم يبين وجوب الموالاة بين المؤمنين وهذا ما يجب أن يربي عليه الوالد أولاده بحيث يحصر الولد ولاءه في رده سبحانه وتعالى ونبيه والمؤمنين ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون ).
ثم يبين عاقبة هذه الموالاة بين المؤمنين عندما تحصل : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) ومن المعلوم أن الموالاة لا تنحصر في مجرد ما يظهر على الإنسان من الحب ومن التعظيم لمن يواليه ومن الدفاع عنه ولأن الموالاة تتجاوز ذلك إلى أن تتجسد في أمور قد يحسبها الإنسان من الأمور الدقيقة وهي التبعية فإن التبعية في أي شيء هي رمز الموالاة ، ولذلك كان النبي – صلى الله عليه وسلم – حريصا على تربية أمته على الاستقلالية بحيث لا تنزع منزع التبعية لأعدائها في أي شيء ولو كان ذلك أمرا عاديا ومن هنا نجد أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كثيرا ما يقول : خالفوا اليهود ، خالفوا اليهود والنصارى ، خالفوا أهل الكتاب ، خالفوا المجوس ، في كثير من أوامره ونواهيه فينوط ذلك بمخالفة اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا .
وكان من أدق المواقف التي تدل على حساسية النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذه الناحية أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان في حال دفن ميت وكان واقفا وأصحابه وقوفا معه فمر بهم يهودي وقال : هكذا تصنع أحبارنا . فقعد النبي – صلى الله عليه وسلم – وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لمسلك اليهود .
فإذن هذا المسلك يجب أن نربي عليه أولادنا بحيث نربيهم على الحساسية لا يتأثرون بأس شيء من مسلك أعدائهم بل كل ما كان من سلوك أعدائهم يكون محتقرا عندهم ، ويعتزون بالإسلام وبقيم الإسلام وبالتراث الإسلامي وبتاريخ الأمة الإسلامية وبأمجادها الخالدة .
¨ الدعاء:
بسم الله الرحمن الرحيم (2/26)
صفحة 45
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . اللهم لك الحمد حمدا كثيرا يليق بجلال وجهك وعظيم سطانك ، لا حدّ لغايته ولا أمد لنهايته ، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، نستغفرك ربنا ونتوب إليك ونعول في إجابة دعائنا عليك ونشهد أن لا إله إلا أنت الواحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبدك ورسولك .
اللهم صلي على رسولك محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العلمين إنك حميد مجيد .
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، نسألك ربنا أن لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته ولا عيبا إلا أصلحته ، ولا غما إلا فرجته ولا كربا إلا نفسته ، ولا دينا إلا قضيته ولا مريضا إلا عافيته ، ولا غائبا إلا حفظته ورددته ولا ضالا إلا هديته ، ولا عدوا إلا كفيته ولا دعاء إلا استجبته ولا رجاء إلا حققته ولا بلاء إلا كشفته ولا سائلا إلا أعطيته ولا محروما إلا رزقته ولا جاهلا إلا علمته ولا ولدا إلا أصلحته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا صلاحا ومنفعة إلا قضيتها ويسرتها بيسر منك وعافية .
اللهم إنا نسألك أن تهب كل منا لسانا صادقا ذاكرا ، وقلبا خاشعا منيبا ، وعملا صالحا زاكيا ، وإيمانا خالصا ثابتا ، ويقينا صادقا راسخا ، وعلما نافعا رافعا ، ونسألك ربنا أن تهبنا إنابة المخلصين وخشوع المخبتين ، ويقين الصديقين ، وسعادة المتقين ، ودرجة الفائزين يا أكرم من قصد وأعظم من سئل وأحلم من عصي ، يا الله يا ذا الجلال والإكرام . (2/27)
صفحة 46
اللهم يا ذا الجلال والإكرام نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين ، وأن تذل الكفر والكافرين وأن تقطع دابر أعداء الدين وأن تستأصل شأفتهم وأن لا تدع لهم من باقية .
اللهم عليك بهم فإنهم لن يعجزوك ، اللهم عليك بهم فإنهم لن يعجزوك ، اللهم عليك بهم فإنهم لن يعجزوك .
اللهم أجعل تدبيرهم تدميرهم ، اللهم أجعل تدبيرهم تدميرهم ، اللهم أجعل تدبيرهم تدميرهم ، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر واجعلهم عبرة لخلقك . اللهم أرنا فيهم آياتك الكبرى ، اللهم أرنا فيهم آياتك الكبرى ، اللهم أرنا فيهم آياتك الكبرى ، اللهم أبدلهم بعزهم ذلا وبغناهم فقرا وبقوتهم ضعفا وباجتماعهم تشتتا وبأمنهم خوفا ، ودمرهم وافعل بهم كما فعلت بأشياعهم من قبل .
اللهم انصرنا عليهم جميعا نصرا مؤزرا ، اللهم طهر بقاع الأرض منهم ، اللهم طهر بقاع الأرض من رجسهم ، وخلص بيت المقدس أولى القبلتين ومسرى سيد الثقلين منهم .
اللهم اجعله في أيدي عبادك الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إنك ربنا على كل شيء قدير وإنك بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير .
اللهم ربنا استخلفنا في أرضك كما استخلفت من قبلنا من عبادك المؤمنين ، ومكن لنا ديننا الذي ارتضيته لنا ، وأبدلنا بخوفنا أمنا ، وبذلنا عزا وبفقرنا غنى ، وبتشتتنا وحدة ، واجمعنا على كلمتك ، وألف بين قلوبنا بطاعتك يا الله يا ذا الجلال والإكرام .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . (2/28)