صفحة 1
الكتاب: الطفلة مستقبل الأمة لإبراهيم بحاز
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
عمّان في يوم الأحد 7 أفريل 2002
"الطفلة مستقبل الأمة"
إخواني، أساتذتي، أحبّائي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد
نزولا عند الرغبة الملحّة لدى مربّي أجيال "البشرى" في الخروب، الأستاذ مصطفى بن أحمد مصباح، وجدتني أكتب هذه السطور لأشارك بها في ملتقاكم لهذه السنة، ملتقى "الطفل مستقبل الأمة".
نعم إن الطفولة هي المرحلة الأولى للشباب، وهي رائدة المستقبل، فالعناية بها أمر ضروري تمليه حاجة المستقبل، وتلحّ عليه دنيا الحاضر، وتحفز نحوه عِبَر الماضي ودروسه (1) .
فنحن جميعا أمام مسؤولية حضارية تاريخية، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته...
الأب والأم راعيان، المدرسة راع، المجتمع راع، الهيئات الاجتماعية والثقافية والدينية راع، فهل أدّى كلٌّ مسؤوليته؟
لنفرض أن الأبوين قد أدّيا مسؤوليتهما، وهما يؤديانها بنوع من الاقتدار غالبا، فهل أدت المدرسة والهيئات الاجتماعية والثقافية والدينية مسؤوليتها؟
أقول، نعم إذا تحدثنا عن أمتنا الصغيرة الميزابية، ولكن أقول أيضا أدت جزءًا من تلك المسؤولية، وينتظرها الكثير. لقد قامت بدورها التربوي والتعليمي، وجهت الطفل إلى الأخلاق الحميدة، علمته الألِف والباء والجملة، كما علمته الواحد والاثنين والعملية الحسابية. لقنته الكثير من المعارف، ربما إلى حدّ التخمة في بعض الأحيان. لم تكتف بالقرآن والحديث والقراءة والفقه والتاريخ، فراحت تثقل التلميذ بأكثر من ذلك ، فلا بد من إعادة النظر في هذا المضمار، ولا بد من استشارة أصحاب الخبرة، وهم كُثْرٌ والحمد لله. ولكن استشارة المختصين التربويين الأكاديميين ربما تكون هي الغائبة، فلْننتبه جيدا لهذا.
__________
(1) - أحمد عمر هاشم، الطفولة في الإسلام، محاضرة المؤتمر الدولي "الطفولة في الإسلام"، جامعة القاهرة، أكتوبر 1990. منشورات جامعة القاهرة. ص41. (1/1)
صفحة 2
جميل جدا أن نحيط الطفل بالرعاية حتى ينمو مستقيما، فيكون المدرّس الكفء المستقيم، والطبيب... والمهندس... والتاجر... فهذا هو عين النظر إلى المستقبل والإعداد له. ولكن ألا ترون معي أن جهودنا تنصبّ على الطفل الذكر أكثر من الطفل الأنثى، على الذكر أكثر من الأنثى، على الطفل أكثر من الطفلة؟
إلى متى نبقى وتبقى هيئاتنا تغيّب دور مستقبل الطفلة، بل مستقبل الأمة؟
ألسنا بحاجة إلى مدرّسة أكاديمية كفأة؟ وطبيبة.. وممرضة، ومحامية وقاضية وعالمة اجتماع، وعالمة نفس، ومربية أكاديمية...؟
لماذا نتوجّه بنسائنا وبناتنا إلى الطبيبة المختصة بدل الطبيب المختص؟ أو نأمرهن بالتوجه إليها والابتعاد عن التوجه إليه إلا عند الضرورة؟ يؤكد ذلك الفقهاء والوعّاظ باستمرار؟
أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في تعليم الطفلة في المدارس الحكومية، وتعليمها ما بعد المتوسط والثانوي، وإنها إذا لم تلتفت هيئاتنا إلى هذا الأمر اليوم واتبعت سياسة النعامة، فإنها ستجد نفسها قد تجاوزتها الأحداث في القريب المنظور لا محالة.
إن الطفلة (البنت) مثلها مثل الطفل في أنهما معًا مستقبل الأمة. وأنا أعلم أن العنوان "الطفل مستقبل الأمة" يشمل الذكر والأنثى، كما يشملهما حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «العلم فريضة على كل مسلم»، ولكن أحببت أن ألفت الانتباه إلى هذا الجانب الذي قد يغيب عن ملتقاكم هذا، محفزًا أولي الأمر في الهيئات الاجتماعية والعلماء والباحثين الأكاديميين إلى ضرورة عقد الندوات والاجتماعات العلمية الرصينة بعيدا عن المهرجانية والزردة والهردة، وإكثار الكلام بلا طائل... ولا بد منذ البداية يجب التنبيه إلى ضرورة مشاركة الأنثى في تلك الندوات والاجتماعات، حتى يكتمل نصاب الاجتماع فيؤدي إلى نتائج إيجابية، فلا زكاة فيما ليس فيه نصاب، أو لم يبلغ النصاب... (1/2)
صفحة 3
هذه أفكار ربما تكون جامحة، وقد راودَتِ الكثيرَ منكم ولا بد، أو على الأقل راودَتْ بعضًا منكم، لم أجرؤ على طرحها إلا لأنني أعلم أن كفاءات وقدرات ستكون حاضرة في الملتقى ، فلماذا لا تناقش موضوعا مثل هذا الموضوع؟ أحببت أن نكون واقعيين ننظر إلى المستقبل بشجاعة، ونخطط لأولادنا كما خطط أجدادنا وآباؤنا لنا. وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «دربوا أبناءكم بتربية غير تربيتكم، لأنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم» أو كما قال.
مجمل القول أقول: إذا كان الطفل مستقبل الأمة هو أمر لا يختلف فيه اثنان، فإن الطفلة (البنت، الفتاة...) هي الأساس، هي المحور في ذلك المستقبل.
إذا تعلّمَتْ وصلحت تعلّم وصلح الطفل بالتبع، والمجتمع القادم كله، وإذا تجاهلناها وأبقينا على ما هي عليه من المستوى التعليمي والفكري، فلْنَعْلَم أن جزءا من المجتمع أو الأمة مشلول عاطل، وستصاب الأمة بالشقيقة والصداع النصفي، بالشقاء، وأشقى ما سوف نعانيه تمرّد الفتاة. حفظنا الله من ذلك.
ولا يسعني إلا أن أختم بما قال شاعر يحذر قومه الخطر الداهم:
أبْلغْ إيادًا وخلِّلْ في سراتهمُ ... أني أرى الرأيَ إن لم أُعصَ قد نصعا
حفظكم الله ورعاكم، وأيدكم إلى ما فيه خير الأجيال القادمة...
{ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون }
أخوكم/ إبراهيم بن بكير بحاز (1/3)