صفحة 1
الكتاب: العمل الجماعي أساس كل حضارة لمحمد باباعمي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
العمل الجماعي أساس كلِّ حضارة
تقديم:
إنَّ الفرق الأساس بين القدرة على الشيء والعجز عنه، هو:
كون القدرة المنتظمة: انتقال من الأدنى إلى الأعلى. والعجز المتوالي: تدهور من الأعلى إلى الأسفل.
وكما يقرِّر علم الفزياء أنَّ الأوَّل يتطلَّب طاقة، والثاني لا يحتاج إلى طاقة؛ فكذلك يقرِّر العارفون بأسباب الحضارة أنَّ الأوَّل يستدعي منهجا، والثاني يتنكَّر للمنهج.
ومن بين أبرز المناهج التصاقا بقيام الحضارات وسقوطها: العمل الجماعي.
إذ لا حضارة إلاَّ بتراكم في الجهود، وانتظام في المسير؛ ولا تخلُّف إلاَّ إذا تلاقى الأفراد – مهما كانت إمكاناتهم – على أساس من العلاقة الساذجة، غير المنتظمة.
التأصيل الشرعي:
? من القرآن الكريم.
باستقراء آيات القرآن الكريم نجده بخاطب المسلمين كجماعة تربطها أواصر، وتدفعها غايات، ويجمع بينها منهج في العمل، هو روح العمل الجماعي، ولعلنا نذكر من هذه الآيات، قوله تعالى:
{وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان}
{واضرب لهم مثلا أصحاب القربة إذ جاءها المرسلون، إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذَّبوهما، فعزَّزنا بثالث، فقالوا إنا إليكم مرسلون ... }
دعاء سيدنا موسى عليه السلام إذ:{قال ربِّ اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبِّحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنَّك كنت بنا بصيرا}.
دعاؤنا اليومي في سورة الفاتحة: {إياك نعبد وإياك نستعين}.
? من السنة النبوية.
حديث: «المؤمن للمؤمن كالبينان المرصوص، إذ اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى».
فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم حكِّم في وضع الحجر الأسود، ودعوته قريشا للنظرة الجماعية للقضية.
بناء مسجد الرسول، والعمل الجماعي بمشاركة النبي - صلى الله عليه وسلم - ...
? نماذج من تراثنا.
الأساس الفلسفي: (1/1)
صفحة 2
? فكرة التوجيه. هذه الفكرة هي في الأساس من صياغة المفكِّر الجزائري المسلم الأستاذ مالك بن نبي، ويعرفها على أنها: «قوَّة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف» ثم يقول: «فكم من طاقات وقوى لم تستخدم، لأننا لا نعرف كيف نكتلها. وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها، حين زحمتها قوى أخرى، صادرة عن نفس المصدر، متجهة إلى نعس الهدف، فالتوجيه هو تجنُّب هذا الإسراف في الجهد وفي الوقت» (1) .
ثم يقرِّر أنَّ هذا الإسراف بالذات هو ما يعاني منه العالم الإسلامية، ولا يعاني نقصا في الطاقات، ولا في السواعد. وهذا الحكم يمكن أن نطلقه ونحن متفائلون على الوضع في ميزاب، ففيه من الطاقات ما يصنِّفه من حيث النسبة، ضمن مصافِّ الأمم المتحضِّرة، ولكنها في حاجة إلى موجِّه.
? فكرة الدليل الطبيعي (الحيوانات المنوية، قبضة اليد...): الدليل الطبيعي أقوى شاهد على ضرورة العمل الجماعي، والأمثلة لا يحصرها عدٌّ، من ذلك مثلا تعاون الحيوانات المنوية من أجل الوصول في آخر المطاف إلى نشأة خلق سويٍّ، هو أنا وأنت، وهو كلُّ إنسان على ظهر الأرض، وليس ثمَّة أيُّ مبرِّر علميٍّ ومنطقيٍّ لاصطفائه من بين أربع مائة مليون من أمثاله، غير حكمة الله تعالى، التي اقتضت ذلك، سبحانه {فعَّال لما يريد}.
__________
(1) - مالك بن نبي: شروط النهضة؛ ص78. وانظر-فصل: الطاقة الحيوية والأفكار؛ ص49 من كتاب: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. ومشكلة الثقافة في العالم الإسلامي، ص79 فما فوق. ويتحدث مالك بن نبي عن توجيه الثقافة، التوجيه الأخلاقي، التوجيه الجمالي، والتوجيه الفني والصناعي. تحت سلسلة مشكلات الحضارة، نشر دار الفكر، لبنان؛ 1406/1986. (1/2)
صفحة 3
وهذه اليد التي نبطش بها، ونكسب بها، وندعو خالقنا بها ... هل هي جملة أصابع؟ أم هي بناء متكامل من أصابع لا يشبه الواحد منها الآخر، يحكمها أمر واحد، وتنطلق دوما إلى هدف واحد، في تناسق تامٍّ، قد يكون من المضحك لو تصوَّرنا خلافه يوما، إذا لذهب كلٌّ إصبع خلاف مذهب الآخر، ولانتهت النتيجة إلى ما لا يُحتمل تصوره.
الأسس الأخلاقية للعمل الجماعي:
? ادعاء الحق المطلق.
الحقٌّ واحد لا يتعدَّد، هذا ما يعتقده المسلم، ويؤمن به، وبخاصة في شؤون العقيدة. غير أنَّ فهم الحقِّ، والوصول إليه قد يتعدَّد، في غير الكليات، وفي غير ما ثبت بدليل قطعي.
غير أنَّ الإنسان مجبول على ادِّعاء الحقِّ بجانبه، ونسبة الباطل إلى غيره؛ وهذه النزعة في حدِّ ذاتها طبيعية لا عيب فيها، غير أنَّ الخطأ في ادِّعاء الحقِّ المطلق، وعدم التريث في إسداء الأحكام، والخلق بين المنهج المتبع في الاعتقاد، وما ينتهج في غيره من شؤون العلم والحياة.
ولعلَّ ما يعاني منه المسلمون اليوم هو هذا الادعاء بالذات، فالصراع المذهبي (سواء المذاهب العقدية، أو الفقهية)، والصراع الفكري (في الفكر، والثقافة، والتربية، والسياسة، والاقتصاد)، والصراع العرقي والجنسي ... يبدأ من كوني أنا على حقٍّ وغيري على باطل، أنا مظلوم وغير ظالم ... فلو أننا اعتقدنا أنَّ بعضا من الحقِّ معي، وبعضا منه مع غيري، وبعضا من الخطأ معي، وبعضا منه مع صاحبي.
والغريب أنَّ هذا المرض مستشر في ميزاب، وانقسمنا شيعا وأحزابا ... وإن كنَّا لا ننكر هذا التعدُّد، فما ننكره هو ادعاء الصواب المطلق، ورفض التعاون والتنسيق، من بعض الجهات والجماعات والحركات، دون ذكر للأسماء، ودون تعميم (1) . ففي المنطق: كلُّ تعميم خطأ. حتى هذا التعميم.
? الحرية في التفكير، وقبول الرأي المخالف.
__________
(1) - وانظر- وليم شيلر: الطريق إلى التفكير المنطقي؛ ترجمة عطية محمود هنا، مكتبة النهضة المصرية، 1961. فصل: التعميمات والنظريات. (1/3)
صفحة 4
حديثنا دوما عن حرية إسداء الرأي، وقبل ذلك يجب أن نسعى إلى ضمان الحرية في التفكير، لأنَّ الإنسان لا يمكنه أن يؤكِّد إنسانيته إذا لم يفكِّر، فمجرَّد تناول الطعام، وارتداء اللباس، ورفع الرأس إلى السماء، أو خفضه إلى الأرض، بحرية ... لا يعني الحرية بالضرورة، لأنَّ من الحيوانات من يتقن هذه الأفعال أكثر من الإنسان.
بل الإنسان السوي هو الذي يفكر في المصير، ويعتبر بالماضي، ويستفيد من التجارب؛ يؤثر بأفكاره، ويتأثر بأفكار غيره، ويدلي برأيه دون تردد ولا إحجام، ويقبل رأي مخالفه في حدود المنطق.
وهذا الخلُق من أساسيات العمل الجماعي، فبدونه تغدو الجماعة قطيعا من الأفراد تحكمها الأنانيات، ويسيرها الادعاء والرفض، فلا تخضرُّ فيها فكرة ولا تورق، ولا يسعد فيها فرد ولا يسمو.
? الاستعداد للتصحيح.
الإنسان الواثق من علمه وفكره هو الذي يستعدُّ دوما لأن يصحح خطأه، ويعتبر ذلك التصحيح إضافة فيه، وإعلاء من فكرته؛ أما الشاكُّ والمتردِّد، فيخاف التصحيح ويهابه، ويدفع المستمعين دوما إلى التوهُّم أنَّه على صواب لا يستدعي النقاش ولا الحوار.
وانظر إلى أخلاقيات رسول الرحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - حين يقول للكافرين، وهو على الحقِّ الذي لا ريب فيه: {وإنَّا أو إياكم لعَلَى هدى أو في ضلال مبين}.
? احترام التخصص:
سَعة العلوم، وضعف الإنسان، وقصر عمره ... كلُّ ذلك يجعل من المستحيل على إنسان واحد إدراك جميع الحقائق في أيِّ علم من العلوم، أو في أيِّ تخصُّص من التخصُّصات، ولذلك كان لزاما على المشتغلين بالمعارف أن لا يعتدُّوا بما عندهم، وأن يحترموا تخصصات غيرهم.
الأسس التقنية:
? البرمجة المحكمة.
? النظام الدقيق.
? الانضباط والالتزام.
? الحوار ضمان لسيولة الفكرة، والتدوين تأكيد على رسوخها.
سرد بعض المصادر:
د/فاروق حماده: أسس العلو ضوابطه.
سعيد حوى: المستخلص في تزكية الأنفس. (1/4)
صفحة 5
محمد بن إبراهيم الحمد: أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة.
يوسف القرضاوي: الوقت في حياة المسلم.
(1)
__________
(1) - الال (1/5)