صفحة 1
الكتاب: المؤثرات العقلية والمخدرات لبدر العبري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) مقدمة
إنّ ما يهدد الأمم والمجتمعات، ويلقي أبنائنا في بوقعة الأمراض النفسية والعضوية، ويدمر حاضرهم ومستقبلهم، ويضعف عقولهم وإنتاجهم؛ المؤثرات العقلية السلبية، وعلى رأسها المخدرات، والتي بدأت تستفحل بين شبابنا وأبنائنا، وتقتل العشرات منهم، مما يهدد صحة المجتمع، ويؤثر على رقيه وأمنه.
من هنا أحببت الحديث حول هذا الموضوع مبينا ماهية المؤثرات العقلية، وأنواعها، مع التنويه بمجمل الأسباب والآثار، خاتما بذكر العلاج، مبينا رأي الشرع الحنيف، مدعما بما قاله علماء الطب والاختصاص، وفي الختام إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
كتبه: بدر بن سالم بن حمدان العبري
واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية
ذو القعدة 1430هـ / 2009م
مدخل الكتاب
قبل الإجابة عن إشكالية الكتاب أحبّ التنويه على أمرين مهمين لهما علاقة بموضوع الكتاب:
الأمرالأول: التكاملية في العلاج
الشريعة الإسلامية شريعة متكاملة، لا تنظر إلى الموضوع الواحد من زاوية واحدة، ولا تدرس القضية من جزئية معينة، وأيّ ظاهرة مستجدة لا يمكن التسرع في الحكم عليها إلا بعد دراستها من كافة جوانبها، والنظر في أبعادها وآثارها، من هنا حثّ الشرع الحنيف على تعلم العلوم المختلفة، كالعلوم التربوية والنفسية، والعلوم الصحية والاجتماعية، والعلوم المادية والتكنلوجية، وما شابه ذلك من العلوم، فهي من فروض الكفايات. (1/1)
صفحة 2
لذا لا يمكن التسرع في الحكم على الظواهر المستجدة إلا بعد دراسة كافة جوانبها، فالذي لا يدخل السوق لا يمكن أن يفتي في أحكام السوق، ولهذا لا بدّ أن نضع ظاهرة المؤثرات العقلية في مكانها الصحيح، ولا بدّ أن ندرسها اجتماعيا وصحيا، بجانب الدراسة التربوية والنفسية، ومن ثمّ يأتي دور الشريعة الخالدة التي تضع الظاهرة في محلها الصحيح، وإلا وقعنا في نفس ظاهرة الدخان، عندما جُردت عن الدراسة الصحية والاجتماعية وما يتعلق بها، فقد كانت الفتوى فيها بالإباحة أو الكراهة عند كثير من أهل العلم ـ عدا القليل من العلماء الذين أفتوا بالحرمة ـ ممّا ساعد في انتشارها، وأصبحت وبالا على المجتمع، وعندما بدأ العلماء بمراجعة الفتوى، والنظر في أبعادها الصحية والاجتماعية والاقتصادية، كان شبه اتفاق في التحريم.
لذا كان الاقتصار على ظواهر النصوص دون الغوص في الأبعاد الأخرى يبعدنا كثيرا عن إدراك الحكم الصحيح لأيّ ظاهرة دخيلة على مجتمعاتنا، ومن هذا المنطلق حاولت الربط بين الجانب الصّحي والشرعي في هذه الظاهرة، مع الإشارة إلى الجوانب التربوية والنفسية، لتكون الدراسة في جوها المتكامل.
الأمر الثاني: الربط بين سلوك المدمن وفكره
كما تعلمون أنّ السلوك ناتج من نواتج الفكر، فانتشار مثل هذه الظاهرة دليل على الخواء الفكري أو فساد مصدر تلقي الفكر، ولنأتي أولا إلى الخواء الفكري، حيث أنّ الإنسان في بداية حياته يمر بمرحلتين لهما تأثير على مستقبله:
المرحلة الأولى: فترة الطفولة الأولى، وهي تمتد منذ ولادة الإنسان وحتى نهاية المرحلة الابتدائية في الغالب.
وهذه المرحلة هي مرحلة غرس العادات والتوجهات والأفكار في نفس الإنسان، وهذه من أصعب المراحل العمرية؛ لأنّ لها تأثيرا في المراحل التي تليها. (1/2)
صفحة 3
المرحلة الثانية: مرحلة المراهقة والفتوة، وهذه المرحلة تبدأ غالبا من المرحلة الإعدادية مرورا بالمرحلة الثانوية، وهنا ينطلق المراهق إلى التقليد والتأثر بالاتجاهات السائدة حوله، مع حبّ الظهور بين أقرانه.
النتيجة: إذا لم تستغل المرحلة الأولى استغلالا سليما، واقتصرت على جانب اللهو، لا شك أنّها ستوجد فراغا في نفس الإنسان في هذه المرحلة، وسينطلق في المرحلة الثانية إلى اكتساب معارف وأفكار، وتقليد عادات وتقاليد قد تكون بعيدة عن العادات السليمة، والتوجه المستقيم، خاصة إذا كان مصدر التلقي فاسدا.
من هنا نجد في عصرنا هذا أنّ من أهم مصادر الفكر لدى المتلقي في هذه المرحلة، والذي يعاني من خواء فكري، نجد أنّ المصدر الأساسي الذي يعتمده المتلقي هو وسائل الإعلام المختلفة، ولا يخفى عليكم حال هذه الوسائل، ممّا أدى إلى اكتساب أفكار منحرفة، ومنها هذه الظاهرة السيئة.
أمّا عن فساد مصدر التلقي فينتشر هذا غالبا إذا وجدت تصورات بشرية قاصرة وبعيدة عن التصور الإلهي، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، مثال ذلك نظرية الجنس عند فرويد (ت 1939م)، يقول مثلا تشالرز دافي في كتابه "مشاكل الشباب"، والذي ألفه بعد أقل من ثلاثين سنة من شيوع هذه النظرية، يقول: "من سجلات الأخصائيين الاجتماعيين، والمشرفين في المدارس العليا؛ بل من دفاتر الأطباء، وسجلات أقسام البوليس، ثبت أنّ هناك 272 حالة اغتصاب للنساء والفتيات قد وقعت خلال عام واحد في ويلز وانجلترا، ومن المؤسف أنّ مرتكبي كلّ هذه الحوادث كانوا فتيانا لا تزيد أعمارهم عن الرابعة عشرة " (1)، فكيف لو كان المؤلف حيا إلى وقتنا الحالي، ورأى ما يحلّ بالعالم أجمع من جراء الفلسفات المعاصرة، البعيدة عن الخط الإلهي!
__________
(1) مشاكل الشباب، تشالرز دافي، ص (41). (1/3)
صفحة 4
وتقول ليلي الحافي مترجمة كتاب مشكلات الشباب عام 1960 م: "وإنّه لمن بواعث أسفي وألمي معا هذه الموجة الطارئة التي قذفت بشبابنا إلى محاكاة وتقليد أبطال الشاشة البيضاء، من أمثال جيمس دين وبريسلي وباقي الممثلين الأمريكيين، إنّ ضياع شبابنا وعدم قدرته على شغل وقته بما يفيد وينفع يحملانه دائما على صرف وقته في توافه الأمور، كالتهريج الرخيص، والمبالغة في الظهور، والوقاحة في ملاحقة الفتيات والسيدات ومغازلتهنّ؛ بل أكثر من ذلك الانحدار إلى حمأة الجريمة، والهبوط الشنيع إلى هوة الرذيلة" (1).
ما هي المؤثرات العقلية والمخدرات؟
المؤثرات العقيلة هي المؤثرات التي تؤثر على عقل الإنسان، وقد تكون إيجابية، وقد تكون مؤثرات سلبية، ونحن عندما نتحدث عن المؤثرات العقلية فنريد من ذلك المؤثرات السلبية.
أما المخدرات فهي المادة التي يؤدي تعاطيها إلى حالة تخدير كلي أو جزئي مع فقد الوعي أو دونه، وتعطي هذه المادة شعوراً كاذباً بالنشوة والسعادة، مع الهروب من عالم الواقع إلى عالم الخيال (2).
ولقد شاع لدى الناس أنّ المخدرات تقتصر على أنواع معينة كالأفيون والحشيش، والصحيح أنّها تعمُّ كلّ ما يفتر ويخدر ولو بصور أقل، كالتبغ بأنواعه المتعددة.
لذا نستطيع معرفة أنواع المخدرات على النحو التالي:
أولاً: استعمال التبغ بواسطة السجائر
وهذه الطريقة أكثر شيوعاً من غيرها، وهي أقل خطراً من الطرق الأخرى على الفمّ، وإن كان تأثيرها على الشفتين أشدّ فعالية من غيرها؛ بسبب الحرارة المنبعثة من
c9bere2
__________
(1) المصدر نفسه، ص (6).
(2) أنواع المخدرات و المؤثرات العقلية وآثارها على الفرد و المجتمع إعداد: الرائد زياد ذياب مزهر، من الشبكة العنكبوتية. (1/4)
صفحة 5
السيجارة والتي تواجه الشفتين مباشرة، ولكن دخان السيجارة حينما يدخل الفم يتبعثر على جميع أغشية الفم ولا يتركز على موضع معين، وطبيعي أنّ السجائر على نوعين، إمّا أن تكون مغلفة بالورق الاعتيادي، وإمّا أن تكون مغلفة بورق التبغ نفسه فيكون تأثيره في الأول أقلّ منه في الثاني.
ثانياً: استعمال التبغ بواسطة الغليون والنرجيلة والمبسم
وتأثير هذه الطرق يكون أشدّ من الأولى وخاصة عند استعمال الغليون، إذ أنّ المدخن يركز بغليونه على منطقة محدودة بصورة لا إرادية، ولذا تتأثر هذه المنطقة أكثر من غيرها، بالإضافة إلى أنّها تسبب اعوجاجا للأسنان التي تواظب على مسك هذه الجسم الصلب باستمرار.
d164re2281are2
ثالثاً: مضغ التبغ بين الأسنان
وتأثير التبغ فيها يكون أكثر من غيرها، وهو تأثير كيماوي على غشاء الفم وبصورة مباشرة، خاصة على بطانة الخدّ وأرضية الفم واللسان، وتعمل على تخديش أنسجة هذه المناطق.
P1010016
رابعاً: استعمال التبغ بوضعه تحت اللسان (السويكة)
وهذه تشبه الطريقة الثالثة لحد ما، ولكنها تؤثر على أرضية الفم أكثر من غيرها، وتسبب في كل الأحوال التهاب اللثة، ناهيك عمّا تسببه من رائحة كريهة للفم.
خامسا: السعوط
d62cre2 وهو استنشاق التبغ المطحون، ولتحضير السعوط يعامل التبغ معاملة خاصة، ويطحن طحناً ناعماً، ويستعمل على شكل نشوق أو سعوط, فيأخذ الشخص كمية قليلة بين أصابعه ويدخلها إلى أنفه ويستنشقها وهذا له ضرره أيضا (1).
من هنا ندرك أنّ التبغ غير المدخن يتم على طريقتين من حيث الاستعمال:
1 P1010006 أولا: النشوق (السعوط): وهو تبغ مطحون أو مقطع إلى أجزاء دقيقة ناعمة غير معبأة، أو معبأة في أكياس صغيرة من نفس خام أكياس الشاي، يمكن استنشاقه داخل الأنف.
__________
(1) راجع التدخين وأمراض الفم مقال للدكتورة نوال عبد الهادة، منشور في المجلة الصحية لوزارة الصحة السعودية. (1/5)
صفحة 6
ثانيا: التبغ الممضوغ: حيث توضع كميه منه على الخد من الداخل على هيئة كرة (مضغه) تتفاوت في حجمها حسب درجة الاعتماد على النيكوتين، فيكون تأثيرها مباشرا على بطانة الخدّ والفم واللسان واللثة.
ganesh-zarda-khaini;lk
سادسا: الحشيش والقات
والقات يحتوي على الكاثينون و هو منشط يؤدي إلى دفع الدورة الدموية بقوة إلى الدماغ فيحدث نوع من التركيز الشديد في الساعات الأولى يساعد على أي عمل ذهني أو بدني بشكل رهيب وهذه مرحلة التنبيه وفيها يشعر المتعاطي بالقوة والنشاط وزوال التعب، ثم تتبعها مرحلة الكيف وفيها يشعر المتعاطي بالراحة النفسية والعصبية التي تنقله إلى عالم الخيال، ثم مرحلة القلق وفيها يشعر المتعاطي بالقلق النفسي والشرود الذهني مما يستدعي أخذه لجرعة ثانية لإعادة التوازن (1).
سابعا: الخمور بأنواعها
وهي مواد كحولية مخدرة، لها أضراها الواضحة، سواء كانت أضرارا حسية أو صحية، لما يتركب فيها من مواد مخدرة، تؤثر سلبا على عقل الإنسان وصحته.
ثامنا: الأفيون والكوكايين:
ويعمل الأفيون على تنبيه وقتي للمخ والملكات العقلية، يعقبها الخمول والنوم العميق الذي يستيقظ فيه المدمن قليل القوى فاقد الشهية، ضعيفاً غير قادر في حركته وفكره، ولكن أخطر ما في تعاطي الأفيون هو وقوع المتعاطي فريسة للإدمان به وعند التوقف المفاجئ عن تناوله تحدث للمتعاطي آثار شديدة مثل اتساع حدقة العين والعطس والرشح والتهيج والارتجاف والتشنجات والقيء الشديد مع حدوث آلام شديدة بالعضلات والإسهال الشديد وهبوط ضغط الدم (2).
__________
(1) أنواع المخدرات و المؤثرات العقلية وآثارها على الفرد و المجتمع إعداد: الرائد زياد ذياب مزهر، من الشبكة العنكبوتية.
(2) المصدر نفسه. (1/6)
صفحة 7
أما الكوكايين فهو عبارة عن مسحوق بلوري يستخرج من أوراق نبات الكوكا، ويؤدي تعاطيه إلى توسع بؤرة العين، وتسارع في نظام التنفس وفي ضربات القلب، مع ارتفاع ضغط الدم وارتفاع حرارة الجسم، وتدوم الحالة من ساعة إلى ساعتين، بعد ذلك تختفي النشوة ويظهر تشوش الأفكار وهلوسات سمعية ولمسية ثم يعقب ذلك نعاس (1).
ثامنا: ويدخل أيضا الغراء والبنزين ومذيبات الطلاء، وسائل القداحات وتنظيف الملابس، حيث يستخدمها البعض كبديل، خاصة عند الإدمان وعدم القدرة المالية لشراء الحشيش ونحوه.
وتوجد أنواع أخرى للمخدرات ذكرها المختصون من الأطباء، ولعل ما ذكر أشهرها، وأكثرها تداولا.
الأمراض الناتجة عن المؤثرات العقلية والمخدرات
من الأمراض الناتجة عن المخدرات بأنواعها العامة:
1. الإدمان والاعتماد النفسي عليها، ومن ثمّ صعوبة التخلص منها.
2. تغير لون الأسنان وتسوسها.
disclrint
3. الخدوش التي تصيب الإنسان نتيجة لإضافة الرمل والحصى للتبغ أثناء الصناعة.
Copy (2) of gross2
4. oralcancer30 تؤدي إلى حدوث بقع بيضاء على الغشاء المبطن للفم، تسمى اللطاخ الأبيض، أو على لسان المدخن.
5. سرطان الفم والبلعوم والحنجرة والمرىء.
6. سرطان المثانة.
7. أمراض الدورة الدموية الطرفية.
8. إبطاء النبض وخفض الدم وكثرة القيئ.
9. الاضطرابات التنفسية، وكثيراً ما يحدث عدم استقرار وتوتر وتقلصات عضلية في حالات الإدمان المتواصل.
10. سوء الهضم وتليف الكبد وإضعاف القدرة الجنسية عند الرجال، والتعرض بسهولة لمرض السل.
وهذه بعض الصور لمرضى المخدرات
mthcncr1mouthcancer2
gingivaldisclrint
gross4gingival
pressure ulcersbladder
gangrene_foot2_med1
أسباب انتشار المؤثرات العقلية مع أضرارها الصحية
يعود انتشار التبغ غير المدخن إلى عدة عوامل تساعده في الانتشار منها:
__________
(1) المصدر نفسه. (1/7)
صفحة 8
1. وجود ـ في الغالب ـ فترة زمنية طويلة بين بداية استعمال المخدر، وبين حدوث الأمراض التي يسببها، ومن ثمّ الوفاة، يجعل إحساس المجتمع بهذه المشكلة يتضاءل كثيرا.
2. RED MAN CHEWING TOBACCO MESH TRUCKER HAT hats caps capNASCAR DIECAST 2000 KODIAK CHEWING TOBACCO 1/ 24 RARE الإعلانات الضخمة التي يقوم بها المصنعون تؤدى إلى مفهوم عام أنّ المخدر بأنواعه غير ضار، وأنّه مظهر من مظاهر الفتوة والرجولة، مع إلصاق الإعلانات أحيانا بلعب وملابس الأطفال حتى يألفوها.
Redman Chewing Tobacco Ceramic Beer Mug Stine NR3Old nice RED MAN Chewing Tobacco brass Belt Buckle
3. الثمن الزهيد لمنتجات التبغ.
4. التغليف الملون والجذاب.
5. انتشار بعض المفاهيم الخاطئة، والتي منها: أنّه ينشط الذاكرة، ويقوي الجسم، ويساعد على الأداء الجنسي، وينسي الهموم، ويريح البال.
6. غياب القدوة الصالحة، وانتشار رفقاء السوء.
7. ضعف مستوى التربية والمراقبة، خاصة إذا كان الأب ممّن يمارس هذه العادة السيئة.
8. عدم وجود عقوبات صارمة لمن يتاجر بهذه المحرمات.
نظرة الشريعة إلى المؤثرات العقلية
بداية لمعرفة حكم الشريعة الإسلامية نتطرق بداية إلى الكليات الخمس التي حافظ عليها الإسلام، وجعل كلَّ ما يؤثر فيها، ولو في واحدة منها محرما، والكليات هي: الدين والنفس والنّسل والعقل والمال.
أولا: حفظ الدين
يقول الشيخ أحمد الخليلي في رسالة حكم التدخين: "إنّ التدخين - يدخل فيه بطبيعة الحال المخدرات ـ يؤدي إلى كثير من المضار ... منها: أنّ المدخن يصبح أسير هذه هذه العادة السيئة، فهي تسخره وتقوده إلى كثير من المحارم والمكروهات، لعجزه عن الفكاك عنها، وقد جسّد ذلك أحد الشعراء المدخنين في شطر بيت، إذ قال في السيجارة:
اتخذتها أمة فصرت لها عبدا (1/8)
صفحة 9
لذلك يحرص المدخن أن يوفر من أجل التدخين، ولو كان ذلك لتقتيره على عياله في الإنفاق، وحرمانهم من بعض ضرورات الحياة وحاجاتها، وقد يدفعه الحال إلى أن يستجدي غير مبال بإذلال نفسه، وإراقة ماء وجهه، ولربما بلغ به الأمر إلى الاحتيال والسرقة، وكل ذلك مما يأباه الإسلام على أتباعه " (1).
النتيجة: المؤثرات العقلية تؤثر على دين الإنسان ومروءته، ويقوده إلى محرمات أخرى، والقاعدة تقول: ما كان وسيلة إلى الحرام فهو حرام.
ثانيا: حفظ النفس
يقول الحق - تبارك وتعالى -: " وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " (2).
وقد أكدّ الطب ـ كما لاحظنا ـ خطورة المؤثرات العقلية من حيث تأثيرها الكيميائي على غشاء الفم، وبصورة مباشرة على بطانة الخدّ، وأرضية الفم واللسان, وتعمل على تخريش الأغشية المخاطية المبطنة, وتسبب التهاب اللثة وأغشية الفم المخاطية، والرائحة الكريهة, وتساعد على الإصابة بسرطان الفم وغيره".
النتيجة: المؤثرات العقلية له ضررها الكبير على النفس البشرية، وبالتالي هلاكها، وهذا ما حرمه الشارع الكريم.
ثالثا: حفظ النسل:
__________
(1) حكم التدخين، الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ص (25).
(2) البقرة / 195. (1/9)
صفحة 10
جاء في رسالة توجيهات تنموية لمكافحة التبغ: "ويؤثر التدخين ـ ويدخل في هذا المؤثرات العقلية ولو على المدى البعيد ـ كذلك في صحة غير المدخنين، فالأطفال الذين يولدون لأمهات مدخنات يكون وزنهم عند الميلاد أشدّ انخفاضا من غيرهم من الأطفال، وهم يواجهون مخاطر أكبر فيما يتعلق بالإصابة بالأمراض التنفسية، ومن الأرجح أن يموتوا نتيجة لمتلازمة موت الرضع الفجائي، على خلاف الأطفال الذين يولدون لأمهات غير مدخنات" (1)، خاصة وأنّ التبغ غير المدخن ينتشر كثيرا بين السيدات، كما صرّح بذلك بائعوا التبغ غير المدخن.
النتيجة: المؤثرات العقلية لها ضررها الكبير على النسل ولو على المدى البعيد.
رابعا: حفظ العقل
يقول الأستاذ عبد الحفيظ محمد عبد الحليم في مقال له نشرته مجلة الوعي الإسلامي، عدد (268)، 1407هـ / 1986م: "من سنن الله – عزّ وجلّ- أنّ البقاء في الكون للأصحاء والأقوياء، فهم الذين يستخلفهم الله في الأرض فيعمرونها، ويصلون إلى خباياها وأسرارها، ويكشفون عن خيراتها وكنوزها، وما توجت أمة بتاج الشرف، ولا ارتقت ذروة المجد، إلا بقوة أبنائها، وصحة أبدانهم، وسلامة أجسادهم، ولأنّ ذلك وسيلة لسلامة عقولهم، ونضج تفكيرهم، ومضاء عزيمتهم، وسداد أعمالهم " (2).
النتيجة: بما أنّ التبغ غير المدخن يؤثر على سلامة وصحة الإنسان، إذ له نتاج سلبي على عقله وتفكيره، إذ العقل السليم مربوط بالجسم السليم، وبالتالي تدني مستوى العمل والإنتاج.
إذا المؤثرات العقلية تؤثر على العقل، وتضعف من دوره ومهامّه.
خامسا: حفظ المال
قال – تعالى -: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " (3).
__________
(1) توجيهات تنموية لمكافحة التبغ، ص (3 ـ 4)، منشورة في الشبكة العالمية.
(2) الوعي الإسلامي، عدد (268)، 1407هـ / 1986م، ص (36).
(3) الأعراف / 31. (1/10)
صفحة 11
قال الإمام أبو محمد بن حزم في المحلى ت (456 هـ): مسألة 1028: " السرف حرام وهو ـ إمّا ـ:
• النفقة فيما حرّم الله - تعالى - قَلَّت أو كثرت، ولو أنّها قدر جزء من جناح بعوضة.
• أو التبذير فيما لا يحتاج إليه ضرورة، ممّا لا يبقى للمنفق بعده غنى.
• أو إضاعة المال وإن قلَّ برميه عبثا"ً (1).
ومتعاطي المؤثرات العقلية قد تناوله كلام الإمام ابن حزم لكونه ينفق فيما حرَّم الله - تعالى -، ويضيّع المال بإنفاقه عبثاً في غير فائدة.
النتيجة: للمؤثرات العقلية لها أثر على المال، خاصة وأنّ المتعود على استخدام هذا التبغ يصبح في حدّ ذاته مريضا لإدمانه عليها، ممّا يبذل وقته وماله من أجل الحصول عليه.
الخلاصةالعامّة:
لو كان للمؤثرات العقلية تاثير على كليّة واحدة لكان محرما، وقد رأيتم أنه يؤثر على كامل الكليات، فكفى بها منعا وحرمة، ومع هذا لا بأس أن نستدل بدليلين من القرآن والسنّة:
أولا: من القرآن
1. قوله - تعالى - في وصف نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " (2)، والعقلاء متفقون أنّ المؤثرات العقلية السلبية خبيثة في شكلها وريحها وأثرها.
__________
(1) المحلى لابن حزم، ج (8)، ص (68).
(2) الأعراف / 157. (1/11)
صفحة 12
2. قوله - تعالى -: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً" (1)، وقد ثبت طبيا ـ كما تقدم أنّ تناول المؤثرات العقلية سبب لأمراض مستعصية تؤول بصاحبها إلى الموت مثل السرطان.
ثانيا: من السنة
1. روى الإمام أحمد وأبو داود عن أمّ سلمة - رضي الله عنها - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن كل مسكر ومفتِّر)، قال العلماء: المفتِّر: ما يورث الفتور والخدر في الأطراف، وهذا الأثر يحدث لمتعاطي المؤثرات العقلية خاصة في أول أمره.
2. وفي البخاري وأحمد أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ضرر ولا ضرار"، فثبت أنّ كلّ ما غلب ضرره على نفعه فتناولُه حرام، وتناول المؤثرات العقلية موجب للضرر بمتناوله ومن يحيطون به من أناس وبيئة.
النتيجة النهائية:
من خلال ما سبق وفقا لنصوص الكتاب والسنة، وما تضمنت به القواعد الكلية؛ ندرك أنّ المخدرات بأنواعها لا يجوز استعمالها، ولا بيعها وشراؤها والمتاجرة فيها، وفاعلها آثم إذا لم يتب إلى ربه، ومن هنا يجب محاربتها وفقا لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفاظا على صحة وبيئة المجتمع والأمة.
آثار المؤثرات العقلية
نظرا لما تقدم ندرك أنّ للمؤثرات العقلية السلبية آثارا كبيرة، نجمل بعضها في ما يلي:
1. إضعاف الدين، من خلال كونها معصية تقود إلى معاصي أخرى.
2. قتل النفس وإيذاؤها، وإيقاعها في الأمراض المختلفة.
3. تشويه خلقة الفم واسوداده.
4. إيذاء الآخرين، بسبب صورتها المقززة، ورائحتها الكريهة.
5. تلويث البيئة، جراء ما ينتج عنها من ألوان.
6. إضعاف العقل، وتعطيل دوره في الحياة.
7. إضاعة المال والإسراف فيه، ولربما حرمان الآخرين منه.
__________
(1) النساء / 29. (1/12)
صفحة 13
8. إضعاف دور الوطن والأمة، لأنّ الوطن قائم على عقول وأجساد أبنائه، فتعطيل دورهم معناه تعطيل دور ورقي المجتمع.
9. إضاعة الوقت فيما لا فائدة منه، وبالتالي إضاعة أوقات الأمة والوطن.
العلاج
هذه مقترحات للعلاج أضعها بين يديكم، عسى أن أكون وفقت في ذلك، ومن هذه المقترحات:
1. العودة إلى الفكر القرآني، فالقرآن هو الشفاء لهذه الإنسانية، وهو المنقذ لجميع المشكلات التي تعاني منها البشرية، فلا بد من تحكميه والعودة إليه، وأن نعوّد أنفسنا وأبناءنا على تدبره والعمل به، ثمّ بعد ذلك يأتي حفظه وقراءته.
2. غرس المراقبة الذاتية، وتقوية الصلة بالله –تعالى -، والاستعداد ليوم الرحيل.
3. غرس محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوس الناشئة، واتباعه - عليه السلام -، لأنّه هو الأسوة الذي اختاره الله لنا، فلا نرضى بديلا عنه - عليه الصلاة والسلام -.
4. الاهتمام بالرياضة العقلية وتنميتها، فكما أنّ الإنسان بحاجة إلى رياضة لبدنه، كذلك هو بحاجة إلى رياضة لعقلة، فبالقراءة يستطيع الفرد التعامل مع الحياة واتجاهاتها، ويستطيع التعبير عن مستجدات الحياة بكل عقلانية ومنطقية، ويستطيع إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجهه في الحياة.
5. إيجاد نوادي رياضية وثقافية، والتكثيف من الرحلات الشبابية التي تتضمن الأنشطة المفيدة للشباب، وعدم الاقتصار في النوادي على الجانب الرياضي فحسب؛ بل لا بد من الاهتمام بالجانب الثقافي.
6. إيجاد دورات تربوية للأسر، للرقي في الجانب الأسري، فالجانب التربوي له دوره في علاج الكثير من القضايا، ولا بدّ من وجود دورات تربوية ترشد الأسر إلى صلاحها وصلاح أبنائها.
7. تفعيل القدوة في المجتمع (الأب + المعلم + الصديق + باقي شرائح المجتمع)، فلا بدّ من الأب أن يكون ذا قدوة صالحة لابنه، ولا بدّ من اختيار الصاحب الحسن، وعلى المعلم أن يحسن سلوكه مع طلبته وأبنائه، حتى يكون قدوة صالحة لهم. (1/13)
صفحة 14
8. إيجاد عقوبات صارمة فيمن يروج المخدرات بأنواعها في المجتمع، خاصة التجار، ولا يجوز التستر على من يقوم ببيع هذه القاذورات، سواء كان في المدارس من الطلاب، أو في المحلات والشوارع، وكذلك في الأسر، فلا بدّ من إبلاغ الجهات المعنية بذلك، حتى لا يستفحل هذا الوباء بصورة أكبر.
9. الاهتمام بالجانب النفسي للمصابين بهذا المرض، ومحاولة إخراجهم منه، فهم مرضى وبحاجة إلى علاج.
10. إيجاد دعايات مكثفة، تظهر رجالا أسوياء، وهم قد تخلصوا من هذا المرض، فللأسف أن نجد إعلانا جميلا، يظهر فيه رجل قوي يحمل سيجارة، بينما الإعلانات التي تحذّر من التبغ بأنواعه، نجدها مجرد عبارات في شكل نقاط، لا تجذب الناس إليها، فالتفنن في الإعلان له دوره في علاج مثل هذه الأمور.
11. التكثيف من دور المعلم الاجتماعي والنفسي، فلا يصح أن يكون في مدرسة واحدة تحتوي على ألف طالب معلم أو اثنان من الأخصائيين الاجتماعيين، فعلى الأقل لكل مائة طالب معلم اجتماعي ونفسي متخصص، يتابعهم وينظر في أحوالهم.
12. نشر الثقافة الصحية والدينية بين أبناء المجتمع.
طرق التخلص من هذا المرض
ليس من السهولة أن يتخلص المدمن من هذا المرض، ولكنه يستطيع أن يتخلص منه إذا أراد، وهنا خطوات عديدة للتخلص منه، منها على سبيل المثال:
1. الإرادة والعزيمة القوية، فبها يستطيع أن يتخلص منه.
2. إن كنت مدمنا فعليك أن تتخلص منه بالتدريج، وحبذا أن تذهب إلى العيادات النفسية والصحية، ففيها بدائل تساعدك على الخروج من هذا المرض.
3. اختيار الرفقة الصالحة، وتجنب أماكن ممارسة هذه القاذورات.
4. شغل الوقت بكل نافع ومفيد، وممارسة الرياضات العقلية والبدنية.
5. الصبر فبالصبر على العلاج تتخلص منه بإذن الله – تعالى -.
6. وأخيرا عليك بالدعاء، فكن قريبا من الله، يكن الله قريبا منك، وهذا أكبر علاج للتخلص من هذا الداء.
الخاتمة (1/14)
صفحة 15
من خلال هذه الدراسة ندرك مدى خطورة انتشار المؤثرات العقلية السلبية دينيا وصحيا وماليا ونفسيا واجتماعيا، وبها توصلنا إلى ضررها الصحي الكبير، من هنا لا يشك عاقل في حرمتها من الناحية الشرعية.
فعلى المجتمع جميعا التعاون في القضاء عليها، فالمسؤولية واحدة، والخطر يهددنا جميعا.
وفي الختام أهدي لكم هذه الكلمات الجميلة، التي سطرتها أنامل الدكتور محمد محمود رضوان في مقال له نشر في مجلة الوعي الإسلامي، عدد (268) 1407هـ، 1986م، ص (26): ”إنّ التحدي الأكبر التي تواجهه مجتمعاتنا الإسلامية في عصر تواكبت فيه جحافل الغزو الفكري والقيمي المناهض والمنضم، هو ضرورة تحصين أبنائنا وبناتنا منذ الصغر بتربية دينية رشيدة تمكنهم من نقد ما تحمله التيارات الوافدة، والمغريات الزاحفة، نقدا يقوم على عقيدة راسخة، وفكر واع، ثمّ التصرف في مواجهتها على أساس المبادئ والقيم الإسلامية الأصيلة، التي أرادها الله - سبحانه وتعالى - صالحة لكل زمان ومكان”،
والحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. أنواع المخدرات و المؤثرات العقلية وآثارها على الفرد و المجتمع، إعداد: الرائد زياد ذياب مزهر، من الشبكة العنكبوتية.
3. التبغ غير المدخن بين الطب والدين، بدر بن سالم بن حمدان العبري، طبعة 2006م، الطبعة الأولى.
4. المحلى شرح المجلى، لأبي محمد علي بن حزم، تحقيق أحمد محمد شاكر، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت / لبنان، الطبعة الأولى 1418هـ / 1997م.
5. مشاكل الشباب، تأليف الدكتور تشالرز دافي، ترجمة ليلى الحافي، طبعة مكتبة المعارف، بيروت / لبنان، الطبعة الأولى 1960م.
6. حكم التدخين، تأليف الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، طبعة رمضان 1424هـ. (1/15)
صفحة 16
7. مطوية تعرف على عدوك، للدكتور خالد عباس رمزي، نشر المديرية العامة للخدمات الصحية لمحافظة مسقط، دائرة الخدمات الصحية لولاية مطرح، مركز الوادي الكبير الصحي.
8. مجلة الوعي الإسلامي، عدد (268) 1407هـ، 1986م، اصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دولة الكويت.
9. التدخين وأمراض الفم مقال للدكتورة نوال عبد الهادة، منشور في المجلة الصحية لوزارة الصحة السعودية.
10. توجيهات تنموية لمكافحة التبغ، منشور في الشبكة العالمية. (1/16)