صفحة 1
الكتاب: المجالس الرمضانية لبدر العبري
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الثالث (965 عنوان): ربيع (الثاني) الأنوار 1433هـ / فيفري (فبراير) 2012م (قرص مضغوط) فهرس المجالس
الموضوع / المجالس ... الصفحة
تقدمة ... 3
رسالة للإمام ... 4
ما الصوم الصحيح؟ ... 5
فضائل شهر رمضان ... 9
يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ... 13
رمضان فرصة للتغيير ... 17
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ... 21
الصوم جنة ... 25
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ... 29
وبالوالدين إحسانا ... 33
مسائل معاصرة في الصيام ... 36
كان أجود ما يكون في رمضان ... 39
اقرأ وربك الأكرم ... 43
فجاءته إحداهما على استحياء ... 47
إكرام اليتيم ... 50
من صام رمضان إيمانا واحتسابا ... 55
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ... 59
ما أجمل النصيحة ... 63
غزوة بدر ... 66
إياكم والحسد ... 69
من أحكام الاعتكاف ... 72
فتح مكة ... 75
ليلة القدر ... 79
الإخلاص روح العبادة ... 83
وتوبوا إلى الله جميعا ... 87
حق الجار ... 90
إياكم والظنّ ... 93
شكر النعمة ... 96
زكاة الفطر ... 99
أحكام العيد ... 103
وداع رمضان ... 106
برنامجك بعد رمضان ... 109
تقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من أرسل الله شاهداً ومبشراً ونذيراً ..
وبعد فهذا كتاب أُلف من أجل إعمار المساجد في طوال أيام شهر رمضان المبارك، وهو عون لأئمة المساجد على نشر الوعي الديني في تلك المساجد ..
وهو مع ذلك صالح لعقد هذه المجالس في البيوت .. في حلقات تجمع بين أفراد الأسرة ..
وقد قُسم هذا الكتاب على صورة " مجالس " موزعةً على أيام الشهر الكريم ..
وموضوعاتها التي تناولتها متنوعة .. وهي مع تنوعها دانية القطوف، سهلة المأخذ، ذواتُ منافعَ جمة، وهي مع ذلك ليست بالطويلة المملة ..
قدمها لكم أيها الأعزاء ثلة من الوعاظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة مسقط، بذلوا فيها أقصى ما يستطيعون، وهي جهد بشري لا يخلو من قصور، والله نسأل أن يعفوا عن التقصير، وأن لا يضيع أجر المحسنين،،،،،،،
رسالة للإمام
عزيزي إمام المسجد والجامع:
لقد شرفك الله تعالى لإمامة المؤمنين في بيوته المباركة المقدسة. (1/1)
صفحة 2
ولا يخفى عليك – عزيزي الإمام- ما للإمامة من مسؤولية، فهي أمانة دينية قبل أن تكون وظيفة، وفي الوقت نفسه لا تقتصر على الصلوات فقط ...
من هنا يجب تفعيل المسجد بالحلقات النافعة، والدروس المفيدة، لذا كان "مجالس رمضان" معجما يسهل عليك تفعيل هذا الجانب، فما عليك هنا إلا أن تقرأ المجلس فتقرأه لجماعة المسلمين، ليعم نفعه، وتبرأ ذمتك أمام الله تعالى.
وهاك توصيات للتعامل معه:
1. اقرأ المجلس بنفسك قراءة جيدة وواعية.
2. خصص يوميا بعد العصر مثلا للجماعة في المسجد مع إعلامهم.
3. إن استطعت أن تلقي بأسلوبك ومن حافظتك فحسن، وإلا اقرأ لهم المجلس من الكتاب.
4. اجعل قراءتك للمجلس قراءة متأنية ليصل خيره للجميع.
5. حاول أن تشرك الجماعة في أسئلة الكتاب إن وجد وقت لذلك.
بارك الله فيك وسدد خطاك.
المجلس الأول
ما الصوم الصحيح؟
العناصر الرئيسة:
- تعريف الصوم لغة وشرعا ... - أركان الصوم الصحيح
اعلم - أخي الصائم – زادك الله حرصا أن الصوم في اللغة والشرع بمعنى واحد، وهو مصدر صام يصوم، ومعناه: الإمساك عن الشيء، ومنه قوله تعالى: " إني نذرت للرحمن صوما "، (مريم 26) أي إمساكا عن الكلام، ويقال صام الفرس إذا أمسك عن الجري.
وفي الاصطلاح الشرعي: إمساك عن الطعام والشراب والجماع وجميع المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية الصيام مع العلم بكونه صائما.
وقد أوجب الله صيام شهر رمضان وجوبا قطعيا لا مرية فيه، فقال في الكتاب العزيز: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، وقوله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه "، والأمر يفيد الوجوب، وقوله صلى الله عليه وسلم _: " بني الإسلام علي خمس شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ".
أركان الصيام:
إن للصيام ركنين أساسيين يصح بهما، وهما: النية والإمساك. (1/2)
صفحة 3
فأما النية فلأن الصوم عبادة غير معقولة المعنى، وقد أوجب الله الصيام بقوله: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، ومن هنا كان الصوم محتاجا إلى نية لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا صوم إلا بنية"، وقال: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له"، وعلى هذا فيلزمك أخي الصائم أن تنوي الصيام من الليل قبل دخول الفجر الصادق، كما لابد لك من أن تعين نوع الصيام الذي تريده فرضا أو نفلا، فتنوي صيام رمضان مثلا، أو صيام كفارة أو نذر وهكذا بارك الله فيك، ولا شك أنك تدرك أخي الصائم أن النية المقصودة في الصيام وغيره هي القصد بالقلب، والعزم بالجوارح على إرادة الفعل، ومعنى ذلك أن محل النية الحقيقي هو القلب، وأما النية بالألفاظ والنطق باللسان فلا تعبر عن قصد القلب وإرادة الجوارح، إذ قد يتلفظ اللسان والقلب غافل.
وأما الركن الثاني وهو الإمساك - فتفقه أخي الصائم - أن أهل العلم أجمعوا أنه أصل الصيام ولبه، والمعتبر في الإمساك ما يمكن الاحتراز منه مما يلج الجوف، وأما ما لا يمكن الاحتراز منه مما قد يلج الجوف كدخان أو غبار أو دم بغير اختيار فهو معفو عنه في الشرع، ولا ينقض الصيام، "وما جعل عليكم في الدين من حرج"، وأول الإمساك من طلوع الفجر الصادق وآخره غروب الشمس، يقول تعالى: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل"، وأما الأذان فهو علامة على دخول الوقت، وقد يتقدم وقد يتأخر، والمؤذن الأمين من التزم بالوقت المحدد للطلوع والغروب، وفي الحديث: "إذا سمعتم بلالا فكلوا، وإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا". (1/3)
صفحة 4
وهنا تدرك - أيها النبيه – أن من أكل أو شرب بعد طلوع الفجر ظنا منه أن الفجر لم يطلع بعد فلا إثم عليه ولا قضاء استصحابا للأصل السابق وهو بقاء الليل، وأما من أكل أو شرب قبل غروب الشمس ظنا منه أن الشمس قد غربت وهي لم تغرب بعد فعليه قضاء ذلك اليوم، لأن الأصل بقاء النهار واستمرار الصيام.
وأزيدك توضيحا بأنك إن سافرت من بلدك إلى بلد آخر وأنت صائم فأفطر حسب توقيت تلك البلد التي سافرت إليها، فأنت مخاطب بالصيام والإفطار بحسب المكان الذي أنت فيه، وهنا ألفت نظرك إلى أن الإمساك والإفطار لراكب الطائرة يكون بحسب طلوع الفجر وغروب الشمس في الطائرة، لا حسب طلوع الفجر وغروب الشمس في الأرض، وهنا أنصحك أن تشدد يدك بربان الطائرة لتسأله عن الإمساك والإفطار.
وفي الختام من المستحسن هنا أن نتحدث عن مفطرات الصيام، ونعني بها مفسداته، التي إذا فعلها المرء فسد صومه، وهي: الأكل و الشرب، فمن أكل أو شرب عالماً ذاكراً مختاراً فإنه يفطر وعليه الإثم، ويجب عليه القضاء والتوبة والكفارة، و ثانيها الجماع: وهو مجمع عليه، وهو أغلظ المفطرات وأشنعها، واستبعد بعض الفقهاء النسيان فيه لعظمته، ومن تورط فيه لزمه أمور وهي إمساك بقية اليوم، والكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصيام فإطعام ستين مسكيناً كما في حديث المجامع في نهار رمضان، وعليه التوبة إلى الله تعالى، والندم على ما انتهك من حرمة الصيام، ويلحق به حكما تعمد إنزال المني بالتقبيل أو الاستمناء، ويسميه الناس (العادة السرية)، فهذه محرمة في رمضان وغيره لأن الاستمناء في معنى الجماع.
الأسئلة:
1. هل تعرف أخي الصوم اصطلاحا؟
2. هل يشترط التلفظ بنية الصوم؟
المجلس الثاني
العناصر الرئيسة:
- الصيام ينقسم إلى حقيقتين بحسب الوضع وبحسب المآل - الصيام فضائله متعددة
فضائل شهر رمضان
"ولو علمتم ما في رمضان لتمنيتم أن يكون سنة ". (1/4)
صفحة 5
إخواني الصائمين: تُرى ما الذي جعل الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم يعبر عن فضل شهر رمضان هذا التعبير، وظاهر الصوم امتناع عما نشتهيه من مأكل ومشرب .. ومواقعة للنساء عامة النهار؟!
وأي شيء بان لرسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم من فضائل هذا الشهر حتى يتمنى أن يمتد أحد عشر ضعفاً؟؟
إخواني الصائمين: إن للصوم حقيقتين ظاهرة وباطنة ...
أما الظاهرة فتلك التي فيها إظماء للأكباد .. وإلهاب للمعدة بسياط الجوع .. وكبحٌ للغريزة الفطرية عن الزوجة حتى مغربَ الشمس ..
وأما الحقيقة الباطنة فهي تخليص الإنسان الذي رضي بالله ربا، وبمحمد نبيا ورسولا، وبالإسلام دينا من بذل العبادة لغير الله إلى عبادة الله وحده كما يحب ربه ويرضى، ولو جاء مخالفاً لهواه، وهذا معنى إسلام الوجه لله رب العالمين {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} آل عمران: 8
وقدم القرآن الكريم لنا نموذجا لإسلام الوجه لله، بحيث يفعل المسلم أشياء أمره الله بها، وهي على غير ما يشتهي، وهذا النموذج هو إبراهيم عليه السلام الذي أمره ربه بذبح ابنه إسماعيل، فأسلم الأب والابن أمرهما لله رب العالمين.
فالصوم من هذا القبيل ومع ذلك فعاقبته حميدة، وهي التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يطلق هذه الدعاية الصادقة لاهتبال عوائد هذه العبادة المقدسة ..
· فرمضان شهر الصبر: لأنه يمنعك من بعض الحلال في النهار من أجل أن تتدرب على ترك المحرمات في سائر اليوم.
· ورمضان شهر النظام: لأنه يعودك على الانتظام في الإمساك عن المفطرات وعلى وقت الإفطار حتى تكون في سائر حياتك سائراً وفق نظام خال من العشوائية.
· ورمضان فرصة عظيمة للجلوس مع القرآن لأن مجاري الشهوات المُشغِلة مضيَّقةٌ في هذا الشهر المبارك .. وبهذا تكون النفس متهيأةً لسماع كلام الخالق عز وجل، وللتأثر به وهذا مقصدٌ عظيم .. (1/5)
صفحة 6
· ورمضان شهر القصد في النفقات المالية لو فطِن له الناس .. لأن الناس غالبا ما ينفقون أموالهم في فضول المأكولات والمشروبات .. وكان الأحرى بهم أن يتخذوا من شهر الصوم منطلقا للتخلص من هذا السَرَف .. لا أن يكرسوا هذه العادة التي تجعلهم يتبرمون من هذا الشهر المبارك .. فرمضان بريء من هذا التبذير براءة المسيح ممن اتخذوه وأمه إلهين من دون الله.
· ورمضان محطة رائدة في التعامل المباشر مع الخالق عز وجل .. حيث يجرِّدُ الصائم من نفسه رقيباً على نفسه، فهو مع الله ولو لم يكن معه إلا نفسه .. لأنها أكرم عنده من الناس جميعا، وما أحسن قول الشاعر:
إذا أنا لم آتِ الدنيةَ خشيةً ... من الناسِ كان الناسُ أكرمَ من نفسي
كفى المرءَ عاراً أن يَرى عيبَ نفسهِ ... ولو كان في كِن من الجن والإنسِ
وهو مع الله ولو خلا بامرأته .. وهو مع الله ولو كان مع رفقائه ..
{إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الملك: (12) – (14)
هذه بعض الفضائل التي وسعها هذا المجلس وإن رمتَ الاستزادة أخي الصائم فاطلبها من كتب أهل العلم والله يتولاك بحفظه ..
الأسئلة:
1. ينقسم الصيام بحسب وضعه ومآله إلى حقيقتين اذكرهما؟
2. عدد فضائل شهر رمضان؟
المجلس الثالث
يا أيها الذين كتب عليكم الصيام
قال تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة / 183 - 187].
1 – المفردات:
- كتب: فرض
- الصيام: لغة الإمساك، واصطلاحاً: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنية العبادة حال العلم بكونه صائما.
- لعلكم تتقو: أي لأجل أن تتقوا المعاصي.
2– المعنى الإجمالي: (1/6)
صفحة 7
قررت الآيات الكريمات جملة من الأحكام والتشريعات منها:
- فرض الله علينا الصوم كما فرضه على من قبلنا.
- تقوى الله عزوجل أعظم أهداف الصوم.
3 - وقفات مع الآية الكريمة:
أ- مناسبة هذه الآية لما قبلها:
مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه أخبر تعالى أولاً: بكتب القصاص وهو إتلاف النفوس، وهو من أشق التكاليف، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل، ثم أخبر ثانياً بكتب الوصية وهو إخراج المال الذي هو عديل الروح، ثم انتقل ثالثاً إلى كتب الصيام، وهو منهك للبدن، مضعف له، مانع وقاطع ما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار، فابتدأ بالأشق ثم بالأشق بعده، ثم بالشاق فبهذا انتقال فيما كتبه الله على عباده في هذه الآية، وكان فيما قبل ذلك قد ذكر أركان الإسلام ثلاثة: الإيمان، والصلاة، والزكاة، فأتى بهذا الركن الرابع، وهو الصوم.
ب: وبناء {كُتب} للمفعول: وحذف الفاعل للعلم به، إذ هو الله تعالى، لأنها مشاق صعبة على المكلف، فناسب أن لا تنسب إلى الله تعالى، وإن كان الله تعالى هو الذي كتبها، وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يبني الفعل للفاعل، كما قال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة}، {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}، {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان}.
والألف واللام في الصيام، للعهد إن كانت قد سبقت تعبداتهم به، أو للجنس إن كانت لم تسبق.
ج– فرضية الصيام على الأمم السابقة:
الصيام الذي فرضه الله على أمة الإسلام كان مفروضاً على الأمم السابقة، وذلك يقتضي الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بها، حيث شرعها الله للجميع، وذلك يقتضي اطراد صلاحها، ووفرة ثوابها، واستنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لايمتاز بها عليهم من كان قبلهم.
- التشبيه بالسابقين يهون على المكلفين بهذه العبادة أن لا يستثقلوها، فإن الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب. (1/7)
صفحة 8
- والمراد "بالذين من قبلكم" أي من كان قبل رسالة النبي محمد من أهل الشرائع، وقد كان لليهود صوم وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم، وهو الشهر المسمى عندهم (تسرى)، قال محمد رشيد رضا: قال الأستاذ الإمام: "والمعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية، فهو معروف عند قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل إلى اليونان ... وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام، ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن، وثبت أن موسى عليه السلام صام أربعين يوماً، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعاً تذكاراً لخراب أورشليم، ويصومون يوماً في شهر آب .... وأما النصارى فليس في أناجليهم المعروفة نصٌ في فريضة الصوم، وإنما فيها ذكره ومدحه، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير قبل عيد الفصح ... ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروباً أخرى من الصيام، وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم، وصوم عن السمك، صوم عن البيض واللبن ... ".
(تفسير المنار، محمد رشيد رضا: 2/ 143 - 144).
وعن ابن عباس: لما هاجر رسول الله إلى المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فقال ما هذا؟ فقالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى، فنحن نصومه، فقال رسول الله: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه".
د - الصيام والتقوى:
ذكرت الآية تعليلاً للصيام وهي تقوى الله عزوجل التي هي الفائدة الكبرى، والحكمة العليا، فيترك الصائم شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالا لأمر الله، واحتساباً للأجر، فتقوى ملكةُ ترك الشهوات المحرمة، والصبر عليها، وتقوى النفس على النهوض بالطاعات والمصالح والثبات على ذلك. (1/8)
صفحة 9
والصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، قال عليه الصلاة والسلام: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطيع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" وقال الرسول: قال الله عزوجل:" كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة ... " ومعنى جنة: حاجز وساتر ووقاية.
الأسئلة:
1. ما معنى: كُتب، التقوى؟
2. ما الحكمة من ذكر فرضية الصيام على الأمم السابقة عند الأمر بالصيام على هذه الأمة؟
المجلس الرابع
رمضان فرصة للتغيير
العناصر الرئيسة:
- قيمة الوقت ... - أهمية تقسيم الوقت
اعلم أخي - رحمك الله - أن الوقت هو أغلى ما يملكه الإنسان في هذه الحياة، وهو مقسم بالتساوي بين كل أفراد البشر، غير أن كثيرا من الناس لم يستشعروا أهميته، ولم يحسنوا استغلاله بما يعود عليهم بالنفع الدنيوي والأخروي، وصدق فيهم قول الشاعر العربي:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه ... وأراه أسهل ما عليك يضيع
وقد مرّ الإمام الحسن البصري بقوم يلهون ويلعبون في رمضان فوعظهم بقوله: "إنّ هذا الشهر جعله الله مضمارا يتنافس فيه المتنافسون، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا وخسروا، فعجبا من اللاعب اللاهي في هذا الشهر الفضيل، والله لو كشف الغطاء لأشتغل المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته"، ومن هذا المنطلق سأعرض عليك- أخي الصائم- مقترحا لعله يكون لك عونا لاستغلال وقتك في رمضان.
- بعد أن تصلي الفجر في جماعة امكث في المسجد لقراءة القرآن والذكر لتنال الأجر العظيم من الله سبحانه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة".
فبعد ارتفاع الشمس قدر رمح قم فصل ركعتين تنل هذا الحظ العظيم.
- بعدها إن تيسر لك أخذ قسط من الراحة قبل الذهاب إلى العمل أو المدرسة فافعل فإن في ذلك تقوية لنشاطك وإنتاجك. (1/9)
صفحة 10
- عندما تكون في العمل احذر أن تشتغل بغير ذكر الله والعمل الصالح، ذلك أن بعض الصائمين – هداهم الله- قد تعودوا عند ملاقاة أقرانهم الحديث عن أعراض الناس بالغيبة والنميمة، مع أنهم يعرفون حديث الرسول الكريم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".
- وبعد أداءك لصلاة العصر في جماعة امكث في المسجد مرة أخرى، واقرأ ما تيسر لك من القران قراءة تدبر وتأمل، لا قراءة سرد، ولو أن تقرأ آية واحدة تقف عندها، وتذكّر بها نفسك وإخوانك كلما لقيتهم، وبهذا نحول مجالسنا إلى مجالس ذكر بعد أن كانت مجالس لغو.
- وقبيل المغرب يستحسن الاستعداد للإفطار بالوضوء وكثرة الاستغفار والدعاء، فإن هذا الوقت مظنة إجابة الدعوة، حيث تكون النفس أكثر تعلقا بالله من أي وقت آخر، وهنا يتذكر الصائم قوله عليه السلام: "للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه".
وتذكر أخي الصائم أن من السنة تعجيل الفطور وتأخير السحور.
- وبعد تناول اليسير من الإفطار احرص أن تؤدي صلاة المغرب في جماعة، وما بين المغرب والعشاء وقت لا بأس به يمكن استغلاله في تناول وجبة العشاء الخفيفة التي لا تؤثر على أدائك لصلاة العشاء والتراويح بعدها، أو يمكن أن تستغل هذا الوقت في جلسة عائلية لقراءة كتاب، أو توجيه نصح وإرشاد للأولاد.
- ثم استعد لأداء صلاة العشاء والتراويح في جماعة، وحذار من التهاون في ذلك، اقرأ معي - زادك الله حرصا – فضل التراويح، يقول الصادق المصدوق عليه السلام: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة".
- وبعد التراويح احرص على اغتنام وقتك فيما يلي:
- بر والديك وصلة أرحامك وزيارة إخوانك.
- حضور محاضرة أو مشاهدة حلقة علم نافعة. (1/10)
صفحة 11
- وفي الختام تذكر أخي الحبيب أن هدي الرسول الكريم عدم السهر إلى وقت متأخر من الليل؛ بل كان عليه السلام ينام بعد وقت قصير من صلاة التراويح حتى يأخذ بدنه قسطا من الراحة ليتقوى على قيام الليل، فهناك تسكب العبرات، وتقال العثرات، وتنزل الرحمات، واحذر أن تكون من الغافلين، الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، بل التزم هدي النبي الكريم تكن أفضل الناس.
أسئلة:
1. من يذكرنا بقصة الحسن البصري عندما مر بقوم لاعبين في رمضان؟
2. ما رأيك في هذا البرنامج المقترح؟ قضية مطروحة للنقاش.
المجلس الخامس
العناصر الرئيسة:
- علاقة القرآن بالصيام ... - وصية الله في القرآن
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (185)} البقرة: (185) عظم الله شهر الصيام بأن جعله متنزل رحمته، ومحل حكمته، ومكان فضله وهداه، حتى صار رمضان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وما ذلك إلا لجلالة قدر الصيام عند الله جل في علاه، فمما لا شك فيه أن النفس مع الصيام أسلس قيادا، وأكثر للحق استسلاما وانقيادا، وعن الهوى تزداد ابتعادا، وذلك أن الصوم يكسر شهوة النفس، ويردع رغباتها، ويرفع من روح الإيمان ويقويها، ففي رمضان تصفد الشياطين وتكبّل، فتبقى النفس صافية من وساوس الشياطين، منشرحة تقبل على الأيمان والعمل الصالح بكل همة وإخلاص، وزيادة على ذلك أن الصوم يعتبر دورة عملية تدريبية تربي النفس على الصبر والتحمل، ومعروف أن الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان، ولا يستغني مؤمن عن الصبر فهو يحتاجه في كل خطوة من خطواته فالله يقول: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} العصر: (1) - (3). (1/11)
صفحة 12
ففي هذه السورة يقسم رب العزة أن الإنسان في خسارة إلا من آمن وعمل صالحا، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وصبر على كل ذلك إلى أن يلقى الله، فالإيمان يحتاج إلى صبر كبير كيف لا والله يقول: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} العنكبوت: (2)
والعمل الصالح يحتاج إلى صبر لما فيه من الكلفة والمشقة والجهد والبذل، فالعمل يحتاج إلى إخلاص وإتقان، ولا شك أنه يتطلب الصبر الجميل، ولا يخفى أن ترك المعاصي والشهوات لا يستطيعه إلا من تدّرع بالصبر وتحلى به، يقول تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات: (40) – (41).
كل هذه الأسباب تجتمع في رمضان، إضافة إلى نشاط النفس لكثرة العبادة والتقرب إلى الله، فبالتالي تزداد النفس إقبالا على الهدى، وإشراقا بالتقوى، فتزداد الروح سموا وعلوا في درجات الإيمان، وتضمر الشهوات وتنزوي، فيكون رمضان مظنة الهداية، ومحل الاستقامة، ووقت التوفيق والسداد، يرجع الشارد، ويزداد المؤمن إيمانا ويتزود، وينمو العابد ويسعد، ومن هنا تتبين علاقة القرآن بشهر الصيام فهو أنسب وقت لنزول وحي الله في قلب الإنسان، في هذه اللحظة من الصفاء والاستعداد للهداية ينوِّرُ الله قلب الإنسان بنور القرآن يقول المولى تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} النساء: (174) هذا النور يشفي القلب من أمراض النفاق {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} الإسراء: (82). (1/12)
صفحة 13
فإذا أردنا أن نستفيد من القرآن ليشفي الله به قلوبنا لابد من تهيئة القلب بتصفيته من آفات المعاصي، فإنها تعمي القلب وتصده عن قبول القرآن، يقول ربي جل جلاله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} المطففين: (14)
فكل ما يرتكبه الإنسان من معاصي تنعكس على قلبه بالسواد، فالغل والحسد والغيبة والنميمة تعميان القلب عن دخول النور فيه، وذلك أن الإنسان إذا لم يتبع القرآن حرم من نوره، فلا ينزل في القلب، وإذا اتبع الآيات رزقه الله نور القرآن في قلبه يقول جل جلاه: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف:157. (1/13)
صفحة 14
فباتباع آيات الكتاب يرزق المؤمن نور القرآن، ومن ذلك يتبين لنا من خلال آيات الصيام وصية الله في القرآن بمراعاة حدود الله وعدم التعدي عليها، ونهي عن انتهاكها حيث قال عز من قائل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} البقرة: (187).
ووعد الله المتقين من عباده بأن ينوِّر قلوبهم بالقرآن، يقول الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الحديد: (28)
فلذلك علينا في رمضان أن نستغل الفرصة بمضاعفة الجهد للعناية بتلاوة القرآن الكريم، وأن تكون تلاوتنا للقرآن بتدبر وتفكر مع الحرص الشديد على اتباع الآيات، وعدم مخالفة أوامر الله، والاجتهاد وبذل الوسع في تجنب النواهي، فبذلك فقط يمكن لنور القرآن أن يشرق في قلب المؤمن، أما تلاوة القرآن قراءة سطحية بدون تدبر، وبدون اتباع فهذه التلاوة لا تنور القلوب ولا تزيد الإيمان فالله المستعان.
الأسئلة:
1 - كيف نستفيد من رمضان في تنزيل نور القرآن في قلوبنا؟
2 - رمضان شهر القرآن كيف نتعامل معه؟
المجلس السادس
العناصر الرئيسة: (1/14)
صفحة 15
- الجنة والتقوى وحدة في المعنى وتعدد في المبنى - وقفات على معاني الجنة
الصوم جنة
إنها كلمة أطلقها من أوتي جوامع الكلم .. ومن اختُصرت له الحكمة اختصاراً صلى الله عليه وسلم.
ومعنى (جُنة): ـ بضم الجيم ـ وقاية .. وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم تشريعاً تعبيريا كما كان تشريعا تعبدياً، ومن التشريعات التعبيرية التي ظهر أثرها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الجُنَّة .. والتي هي في معنى التقوى ..
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: (183) وفي طوايا هذه الكلمة ميادين فسيحة، يسبح في أفياءها ذوو الاختصاص في تخصصاتهم!
ففي ميدان المتصلين بالله يرون أن الصوم فرصة سانحة لفك أغلال النفس من الأغيار .. وهذا نوع من التقوى تَهدي إليه الآية الكريمة في آخرها .. فقد تجد المأكولاتِ في نهار الصوم مشرعة والمياهَ الباردة في الهاجرة تناغي الكبد الظمأى .. وكل ذلك والمؤمن الخاضع لله دون ما سواه يسمو بإيمانه على هذه النداءات الأرضية ليصيخ السمع إلى النداء الملكوتي، وإنما يجيب تلك النداءات الأرضية من وقع تحت إسار الشهوات فظلت تتشاكس فيه .. فهذا مثل الواقع في قبضة الشهوات، ومثل المتحرر في عبويته لخالق الأرض والسموات ...
وفي لغة الأطباء يظهر الصوم من بين الأشهر كعلبة أقراص دوائية بعدد أيام الشهر تعمل على تقوية المعدة .. وتنقية الدم .. وإعادة بناء أنسجة الجسم! (1/15)
صفحة 16
وفي لغة أهل التزكية يظهر الصوم في صورة لجام يُلجم الجوارح من أن تجمح .. فيعمِدُ إلى اللسان فيعقلَه إلا من القول الحسن .. وإلى اليدين فيقيدَهما إلا من الإحسان في العطاء، وإلى العينين فيَحْجُبَهما عن ما يشين .. وإلى الأذنين فيضربَ عليهما فلا يسمع صاحبهما إلا صوت الحق .. وفي تتمة هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفَث ولا يجهل وإن أحد قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ".
ومعنى (لا يرفث) لا يُفحش في الكلام .. ومعنى (لا يجهل) لا يفعل فعل الجهال من الصياح والسخرية والسفة .. ومعنى (قاتله) نازعه ودافعه، ومعنى (شاتمه) أي شتمه.
وفي لسان القانتين يظهر لهم الصوم نافضا عن النفس الكسلى غبار الدعة .. وباعثاً للهمم القاعدة من سباتها .. وهذا المعنى كفيل أن يعم خيرُه سائر الشهور إذا أُخذ منه بحظ وافر في هذا الشهر الكريم .. والقانتون هم الذين قال الله فيهم {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} الزمر: (9).
فقليل منا من يعرف من دهره ساعات السحر، ونسْمات الفجر إلا في ليالي رمضان!
فهو في حقيقته إطراح للكسل .. وشد للمئزر للقيام بجلائل الأعمال .. ولا يخفى الربط الوثيق بين مشروعية الصيام وحدوث غزوة الفرقان والفتح الأعظم .. وبين هذا المعنى الكبير فما للناس والكسل في شهر الجد والعمل؟؟
والصوم جُنة من الأثرة .. وذلك لما يهيئه هذا الشهر من الإنفاق فيه والبذل في أيامه .. فعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس .. وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن .. فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة ". (1/16)
صفحة 17
وهذا التشبيه لإنفاقه عليه الصلاة والسلام بالريح المرسلة يدلنا على تتابع إنفاقه عليه الصلاة والسلام، فلا يكاد يصل إلى يده شيء حتى ينفقه، لأنه في الحقيقة هو الباقي وما في اليد هو الفاني! مع مراعاة القصد في النفقة كما قال عز وجل: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} الإسراء: (29) وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} الفرقان: (67)
الأسئلة:
1. ما الكلمة المرادفة لكلمة (جُنة) مع ذكر الآية التي وردت فيها؟
2. إلى أي معنى تنصرف كلمة جنة؟
المجلس السابع
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا
العناصر الرئيسة:
- معنى الإسراف لغة وشرعا ... - صور الإسراف في رمضان
لا يخفى عليكم أيها الأخوة أصلح الله لي ولكم الشأن أنّ نعم الله علينا كثيرة جدا لا تعد ولا تحصى، ولا تحد ولا تستقصى، يقول الله تعالى في خطابه لنا: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار"، ويقول في موضع آخر: "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة"، فالواجب علينا - رحمكم الله - أن نشكر الله على نعمه، فمن شكر زاداه من واسع فضله، "لئن شكرتم لأزيدنكم"، وهذا هو حال المؤمن، جعلنا الله وإياكم من المؤمنين.
أما غير المؤمن فهو الذي يشتغل بالنعمة، وينسى المنعم سبحانه وتعالى، لهذا توعده بالعذاب، "ولئن كفرتم إن عذابي لشديد"، أي كفرتم بنعمتي، واشتغلتم بغيري.
ورمضان أيها الأخوة من نعم الله، فلا يكون شكرها باللسان فحسب؛ بل بالجوارح فهو الأهم، وللأسف انتشرت ظاهرة سلبية عند البعض في رمضان، أتدرون ما هي؟ إنها ظاهرة الإسراف والتبذير من الإفطار وحتى السحور، فهلم بنا أخي الصائم نتعرف على الإسراف في اللغة وفي الاصطلاح.
الإسراف لغة بمعنى مجاوزة الحد في الشيء. (1/17)
صفحة 18
أما في الشرع فإن معنى الإسراف الذي نهى الله عنه هو ما أنفق في غير طاعة الله، قليلا كان أو كثيرا، والإسراف في النفقة التبذير.
والسرف والتبذير يلزم منهما حصول الترف الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى التلف، يقول المولى جل وعلا: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا".
وللإسراف صور كثيرة منها:
- الإكثار من الطعام فوق الحاجة، فإن من الناس من تعود كثرة المطعومات والمشروبات، فتراه في رمضان يملأ مائدته في الإفطار والسحور بكل ما لذ وطاب ثم تكون عرضة للإتلاف والرمي.
- ومن صور الإسراف: الإسراف في النوم فوق القدر المطلوب، وخاصة في النهار، فإن بعض الصائمين جعلوا من أيامهم غفلة وسباتا عميقا، والعجيب أن هؤلاء يسرفون في سهر لا طائل من ورائه، سهر ضائع في القيل والقال والتوافه، والبعض يسهر في مزاولة أمور محرمة ومكروهة تغضب المولى تبارك وتعالى.
- ومن صور الإسراف: الإسراف في الإعداد لعيد الفطر، وتكليف النفس فوق طاقتها، والتبذير في الإنفاق من لباس وهيئة ولعب ومباهج، حتى إنك لترى بعض الفئات من الناس ينفقون الألوف المؤلفة في هذه الترهات، بينما هم أبخل الناس في أبواب الخير وفي طرق البر.
- فيا من أنعم الله عليه بالمال: اعلم أنّ في المجتمع يتيم، وفي الناس مسكين، وفي جوارك فقير، ألا تطعم جائعا، ألا تكسو عاريا، ألا تبني مسجدا، ألا تواصل منقطعا، ألا تفك كربة مكروب.
- ومن صور الإسراف عند بعض الصائمين كثرة الزيارة من غير طائل ولا فائدة، والإكثار من الخلطة بالناس لغير مصلحة، والاجتماع بالآخرين لغير نفع، فيذهب الزمن هدرا، والعمر بددا، والأيام ضياعا، والأوقات لعبا، ولسان الحال يقول: "يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا". (1/18)
صفحة 19
- ومن صور الإسراف: إدمان التسلية والترفيه في اللعب من كرة وتمارين رياضية، وتنزهات ونحوها على حساب وقت الجد والعبادة والذكر والتلاوة وتحصيل العلم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأسئلة:
1. عرّف الإسراف لغة واصطلاحا؟
2. اذكر بعض صور الإسراف؟
المجلس الثامن
وبالوالدين إحسانا
العناصر الرئيسة:
- بر الوالدين ... - احذر العقوق ... - أسباب العقوق
اعلم أخي المسلم وفقنا الله وإياك لطاعته أن حق الوالدين عظيم، ومنزلتهما عالية في الدين؛ فبرهما قرين التوحيد، وشكرهما مقرون بشكر الله - عز وجل - والإحسان إليهما من أجل الأعمال، وأحبها إلى الكبير المتعال، يقول سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}.
أخي المسلم: تفكر معي في الوالدين، وما أدراك ما الوالدان .. الوالدان اللذان هما سبب وجودك أيها الإنسان، ولهما عليك غاية الإحسان .. الوالد بالإنفاق .. والوالدة بالولادة والإشفاق ..
أخي الصائم إن بر الوالدين مما أقرته الفطرة السوية، واتفقت عليه الشرائع السماوية، وهو خلق الأنبياء، ودأب الصالحين، كما أنه دليل على صدق الإيمان، وكرم النفس، وحسن الوفاء، وبر الوالدين يعد من محاسن الشريعة الإسلامية؛ وذلك لأنه اعتراف بالجميل، وحفظ للفضل، وعنوان على كمال الشريعة، وإحاطتها بكافة الحقوق.
احذر من العقوق:
إن الإسلام نهى عن العقوق، وحذّر منه أشد التحذير، فهو كبيرة من الكبائر، وهو قرين للشرك، ويكفي في ذلك قوله - تعالى -: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}. (1/19)
صفحة 20
وحسب اللبيب في أن الأحاديث في ما يخص هذا الجانب كثيرة جدا، منها ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس"، وإن من مظاهر هذه العقوق ما يلي:
1 - إبكاء الوالدين وتحزينهما سواء بالقول أو الفعل، أو بالتسبب في ذلك.
2 - نهرهما وزجرهما وذلك برفع الصوت عليهما، والإغلاظ عليهما بالقول أو حتى بالإشارة، قال سبحانه: {وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.
3 - التأفف، والتضجر من أوامرهما، وهذا مما نهانا الله - عز وجل – عن فعله؛ فكم من الناس من إذا أمراه والداه بعمل ما - صدَّر كلامَه بكلمة " أف "، قال سبحانه: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}.
4 - تقطيب الجبين أمامهما، فبعض الناس تجده في المجالس بشوشا، مبتسما، حسن الخلق، ينتقي من الكلام أطايبه، ومن الحديث أعذبه؛ فإذا ما دخل المنزل، وجلس بحضرة الوالدين انقلب ليثا هصورا لا يلوي على شيء، فتبدلت حاله، وذهبت وداعته، وتولت سماحته، وحلت غلظته وفظاظته وبذاءته، وهذه غفلة ما أبعدها من غفلة، فالواجب على الإنسان المسلم أن يلين جانبه لوالديه بحيث يتركهما يفرحان بقدومه، ولا يضجرهما أو يزعجهما إن كان يريد السعادة في الدارين.
أسباب العقوق: إن لعقوق الوالدين أسباب كثيرة منها:
1 - الجهل؛ فالجهل داء قاتل، والجاهل عدو لنفسه، فإذا جهل المرءُ عواقبَ العقوقِ العاجلة والآجلة، وجَهِلَ ثمرات البر العاجلة والآجلة - قاده ذلك إلى العقوق، وصرفه عن البر.
2 - سوء التربية: فالوالدان إذا لم يربيا أولادهما على التقوى وعلى الخوف من الله تعالى، فإن ذلك سيقودهم إلى التمرد والعقوق.
3 - التناقض: وذلك إذا كان الوالدان يعلمان الأولاد، وهما لا يعملان بما يعلمان، بل ربما يعملان نقيض ذلك، فهذا الأمر مدعاة للتمرد والعقوق. (1/20)
صفحة 21
فليحذر كل عاقل من التقصير في حق والديه، فإن عاقبة ذلك وخيمة، ولينشط في برهما فإنهما عن قريب راحلين، وحينئذ يعظ أصابع الندم، ولات ساعة مندم.
الأسئلة:
1. اذكر حديثا ينهى فيه الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن عقوق الوالدين؟
2. على ماذا تدل كلمة (أف) في الآية التي سمعتموها في الدرس؟
المجلس التاسع
مسائل معاصرة في الصيام
العناصر الرئيسة:
- الإسلام دين الرحمة واليسر - من المسائل المعاصرة في الصيام
أخي الحبيب: نعمة الإسلام من النعم العظيمة، التي وهبك إياها ربك صاحب المن والإكرام، حفظ الله بها نفسك وعرضك، وبارك لك بها في مالك وذريتك، فالتزامك بها دليل حبك لخالقك، وشكرك له جلّ وعلا، "ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإنّ الله غني حميد".
ومن رحمة الله عليك - أخي المؤمن – أن جعل شريعة الإسلام يسيرة سهلة، وخفف عنك المشقة، قال تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".
ومن رحمته تعالى عليك، وتيسيره لك – أخي المسلم- أن خفف عليك أحكام الصيام لمرض أصابك، فأباح لك الفطر، على أن تقضيه بعد رمضان، وبعد زوال المرض، فهلا شكرت الله على هذه النعمة، وخضعت له –جلّ وعلا- إلى أن تلقاه تقيا طائعا.
ومن هذه الأحكام أخي الحبيب:
1 - سنّ لك الشرع الحنيف النظافة، فالمؤمن نظيف في بيته وسوقه، وفي طريقه ومسجده، في رمضان وسائر العام، ومن النظافة الاستحمام، فلا بأس أن تستحم في نهار رمضان وفي ليله، ولا ينبغي إن كان بك رائحة كريهة أن تمتنع عن الاستحمام، خاصة عند مخالطتك للآخرين، واحذر –رحمك الله- من إدخال شيء من الماء إلى حلقك إذا استحممت في نهار رمضان، وإن دخل دون تعمد منك فصيامك صحيح إن شاء الله تعالى. (1/21)
صفحة 22
2 - ومن النظافة –هداني الله وإياك- السواك، فلا يصح أن تقابل المسلمين أو أهلك ورائحة فمك كريهة؛ بل ينبغي أن تستاك ولو في نهار رمضان، فحبيبك صلى الله عليه وسلم كان يستاك في نهار رمضان وليله، ولكن تجنب المعجون الكثير حتى لا يدخل فمك، واستعمل بقدر زوال الرائحة، وإن خرج منك دم أثناء السواك فصيامك صحيح، مع تجنبك قدر الإمكان لبلعه وإدخاله.
3 - يستحب لك -بارك الله فيك- التعطر في نهار رمضان وليله، وتسريح الشعر، وتقليم الأظافر، واستخدام المنظفات التجميلة كالكريمات وغيرها، اقتداء بالحبيب عليه الصلاة والسلام، فقد كان يتعطر دائما في بيته وسوقه ومسجده، ويدخل في هذا الكحل، ومعاجين ومراهم الجلد للاستخدام الخارجي.
4 - إن ابتلاك خالقك بخروج قيء أو رعاف أو نخامة ونحوها فصيامك صحيح، وواصل صيام بارك الله فيك، ولا تقطعه، وإن دخل شيء منه دون تعمد منك فلا شيء عليك، وإن كان يسبب خروج القيء مشقة شديدة لك فافطر، ثم اقض صيامك بعد أن يمنّ الله عليك بالعافية بعد رمضان.
5 - إن اضطررت أخي الحبيب إلى استخدام قطور العين أو الأذن في نهار رمضان فلا بأس، وصيامك صحيح إن شاء الله تعالى.
6 - إذا كنت مصابا أخي الحبيب بمرض الربو –شفاك الله وعافاك- فلا بأس أن تستخدم بخاخ الربو في نهار رمضان، وصيامك سليم صحيح.
7 - أما عن الإبر والتي تسألون عنها كثيرا أيها الأخوة الأفاضل، فعليك هنا أن تسأل الطبيب المختص هل هي مغذية أو لا؟ فإن كانت مغذية فابدل يومك احتياطا، وإن كانت غير مغذية فصيامك صحيح.
8 - والسقاية ناقضة للصيام إن كانت في نهار رمضان، فإن اضطررت إليها؛ فلا بأس أن تستخدمها في النهار، وابدل يومك بعد تمام العافية بعد رمضان. (1/22)
صفحة 23
9 - وإن أردت أن تساهم في التبرع بالدم، مساعدة لإخوانك المرضى، فلا بأس أن تتبرع في نهار رمضان إلا إذا شق عليك ذلك، بارك الله لك ولكم في تعاونكم وإخلاصكم، ويدخل في هذا خروج دم من الجسم لسواك أو حلاقة فهو لا يؤثر على الصيام والحمد لله تعالى.
10 - إن ابتليت بالآم الضرس، واضطررت للقلع في نهار رمضان، ودخل في جوفك الدم، وإفرازات القلع؛ فأبدل ذلك اليوم، جعلني الله وإياك من المتفقهين في الدين والمتمسكين به.
11 - من ابتلي بغسيل الكلى –عافانا الله جميعا- وكان المرض مزمنا، فليفطر عن كلّ يوم مسكينا، لكل مسكين نصف صاع، أي كيلو وثمانين غراما تقريبا.
12 - من اضطر إلى التخدير في نهار رمضان وكان كان التخدير موضعيا – أي في جزء معين من الجسد – الصوم هنا صحيح، وإن كان كليا، وكان التخدير في نهار رمضان، فأفاق في الليل، صيامه هنا أيضا صحيح إلا أن أعطي أبرا مغذية قبل التخدير فليبدل يومه احتياطا، وإن كان التخدير من الليل، ولم يبيت النية فالأولى أن يبدل الصيام خروجا من الخلاف.
رزقني الله وإياكم الفقه في الدين، وعبادته سبحانه على بصيرة وبينة.
الأسئلة:
1. أشار الله تعالى في معرض آيات الصيام في سورة البقرة (183 - 187)، إلى تشريعين يتضح بهما يسر الشريعة وسماحتها، اذكر هذين التشريعين؟
2. اذكر ثلاثا من مسائل الصيام المعاصرة؟
المجلس العاشر
العناصر الرئيسة:
- المعنى الإجمالي للحديث - مظاهر الجود المحمدي
كان أجود بالخير من الريح المرسلة (1/23)
صفحة 24
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ".متفق عليه واللفظ للبخاري.
أولا: معاني المفردات:
أ-أجود: أكثر الناس جودا، وهي صيغة أفعل التفضيل، وأجود بالرفع في أكثر الروايات وفي بعضها بالنصب، فالرفع على أن أجود اسم كان والخبر محذوف، وأما النصب فعلى أنه خبر كان واسمها ضمير والتقدير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره.
ب- الجود: في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة.
ج- الريح المرسلة: المطلقة يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح التي أمرها الله وأرسلها سريعة حاملة في نواحيها الرحمة، ومع ذلك فالرسول عليه الصلاة والسلام أسرع بالخير في رمضان من هذه الريح المرسلة.
د- فيدارسه القرآن: لفظ المدارسة يفيد حصولها من الجانبين.
ثانيا: المعنى الإجمالي: (1/24)
صفحة 25
إن الإيمان هو شعلة في قلب المؤمن؛ تزيد اتقادا وحسنا وبهاء في شهر رمضان، فتجد المؤمن أكثر قربا من خالقه، زكت نفسه بجميع دواعي الخير وتطهرت من دواعي الشر، أكثر أريحية وانطلاقا لفعل الخير وبذله، وابن عباس رضي الله عنهما في هذا الحديث يصف خلق النبي –صلى الله عليه وسلم- وخاصة في رمضان، الذي كان خلفه القرآن الكريم، مبيننا أثر الصيام في نفس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو عليه السلام كان أجود الناس، و جوده لا يقاس به أي جود على الإطلاق، ومع ذلك فهذا الجود يتضاعف في شهر الصيام، وخاصة حينما يلقاه جبريل -عليه السلام- ويدارسه القرآن، وهنا يتضح أثر القرآن في النفس الإنسانية حيث يتجدد العهد بمزيد غنى النفس، وارتفاعها عن شهواتها، وأن ماله ما هو إلا مستخلف فيه، وخير المال ما قربك من الكبير المتعال، فهو الله القائل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" (يونس: 57، 58)، وقال الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (المائدة: 36)، فبمجموع ما ذكر من الوقت وهو رمضان والمنزول به وهو القرآن والنازل وهو جبريل والمذاكرة حصل المزيد في الجود والإحسان.
ثالثا: وقفات مع الحديث الشريف: (1/25)
صفحة 26
أ- مظاهر الجود المحمدي: كان -صلى الله عليه وسلم- جوادا بكل ما يملك، جوده شاملاً لكل مراتب الجود، التي أعلاها الجود بالنفس في سبيل الله تعالى، أما الجود والكرم والسخاء والسماحة، فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يوازى في هذه الاخلاق الكريمة، فعن انس رضي الله عنه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام شيئاً إلا اعطاه، قال: فجاءه رجل، فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع الى قومه فقال: يا قوم اسلموا، فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة.
وكان صلى الله عليه وسلم يجود بعلمه، فيعلم أصحابه مما علمه الله تبارك وتعالى، ويحرص على تعليمهم الخير، ويرفق بهم في التعليم، ويقول: "إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً".
وكان يجود بوقته وراحته في سبيل قضاء حوائج الناس والسعي في مصالحهم، ويكفي دلالة على ذلك ان الأمة من أهل المدينة كانت تأخذ بيده صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت من المدينة في حاجتها.
ب- مجالسة الصالحين وتدارس العلم: فيستحب مجالسة الصالحين وزيارتهم، وتدارس العلم مع أهله، وخاصة تدارس القرآن الكريم، فجبريل –عليه السلام- كان يعلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن بتجويد لفظه وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وهذا سنة في حق الأمة، فيجب جلوس التلاميذ مع الشيوخ لتعلم العلم وطلبه.
الأسئلة:
1. أيهما أعم الجود أم الصدقة مع التعليل؟
2. اذكر مظهرين من مظاهر الجود المحمدي؟
المجلس الحادي عشر
العناصر الرئيسة:
- أهمية القراءة ... - قراءة القرآن
اقرأ وربّك الأكرم (1/26)
صفحة 27
مما يقاس به تقدّم الأمم والشعوب هو مقدار ما للقراءة من قيمة لديها، فالأمم المتقدمة هي الأكثر قراءة في كلّ عصر، فمِنْ سنّ القلم يصنع مجد الأمم، وكلّما فتحنا صفحة في كتاب اقتربنا من المجد والسؤدد، وأضأنا مصباحاً في ظلمة الجهل، وهي رحلة لا تنتهي إلا بنهاية الإنسان، ولا مجال للفخر بكثرة ما يقرأ، لأنّ زيادة القراءة إنْ هي إلا زيادة في اكتشاف ما نجهل، كما قال الشاعر:
وإذا ما ازددت علماً ... زادني علماً بجهلي
إخوة الإيمان:
إن القراءة المثمرة تستحق منا التخطيط والتفكير والمثابرة والعناء، لأنها من أهم العوامل التي تعيد صياغة وجودنا من جديد!.
وإذا تساءلنا: لماذا نقرأ؟
ذلك لأنّ الإنسان متسائل بالفطرة تواق إلى اكتشاف المجهول بالطبيعة.
فقد تكون القراءة من أجل توسيع قاعدة الفهم، أو من أجل الحصول على معلومات حول موضوع ما، أو للتسلية أو تلبية لتطور مهني.
وعلى أيّ حالٍ فالقراءة هي التي تكسب الإنسان الكرامة بنص الكتاب العزيز: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم".
وهي توجه الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما توجه، وفي أول خطوة من خطواته في طريق الدعوة التي اختير لها. . توجهه إلى أن يقرأ باسم الله: {اقرأ باسم ربك}. .
وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء: {الذي خلق}.
ثم تخصص: خلق الإنسان ومبدأه: {خلق الإنسان من علق}. . من تلك النقطة العالقة بالرحم، من ذلك المنشأ الصغير، فتدل على كرم الخالق، فوق ما تدل على قدرته، إذ من كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يُعلّم فيتعلم: {اقرأ وربك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم}. (1/27)
صفحة 28
وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم. . تعليم الرب للإنسان {بالقلم}. . لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثراً في حياة الإنسان. . ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن ونعرفه في حياة البشرية، ولكن الله سبحانه كان يعلم قيمة القلم، فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة للبشرية.
ثم تُبيّن الآيات مصدر التعليم. . إن مصدره هو الله، منه يستمد الإنسان كل ما علم، وكل ما يعلم، وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود، ومن أسرار هذه الحياة، ومن أسرار نفسه، فهو من هناك، من ذلك المصدر الواحد، الذي ليس هناك سواه.
و بهذا المقطع وضعت قاعدة التصور الإيماني العريضة. .
كل أمر، كل حركة، كل خطوة، كل عمل، باسم الله، وعلى اسم الله، باسم الله تبدأ، وباسم الله تسير، وإلى الله تتجه، وإليه تصير.
والله هو الذي خلق، وهو الذي علم، فمنه البدء والنشأة، ومنه التعليم والمعرفة. . والإنسان يتعلم ما يتعلم، ويعلم ما يعلم ... فمصدر هذا كله هو الله {علم الإنسان ما لم يعلم}. .
وهذه القراءة للقرآن، وهو الكتاب المسطور المعادل للكون وهو الكتاب المنظور: قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الواقعة: (75) - (80). (1/28)
صفحة 29
ويتجلى لنا –إخوة الإيمان- وصفُ القرآنِ بأنّه "كريم"، والكرم يعني العطاء، أي أنّ القرآن يعطينا من معانيه عطاءً غزيرا يهدينا السبيل للتعامل مع حياتنا الدنيا، مستخلفين في الأرض بمنهج رب الأرض، كل حين بإذنه سبحانه، وهو القائل مبيّناً غزارة كلماته: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}.
وإذا استثقل الإنسان الاقتراب من معرفة معاني القرآن، واعتراه شعور بأنه لا يستطيع فإنّ الله سبحانه أودع في كتابه وعدا منه وهو لا يخلف الميعاد أنّ القرآن ميسّر: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.
فما علينا إلا أنْ نقرأ القرآن قراءة ترتيل وتلاوة، بتدبر لمعانيه حتى يتحقق وعد الله "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان".
ولربما شغل بالك سؤال أخي المسلم وقلت: وما علاقة ترتيل القرآن وتلاوته؟ وذلك عبادة بموضوع القراءة وهي ثقافة؟ والجواب: إنّ الله يدعو للعلم والاكتشاف والسير في الأرض لأجله، كما يدعو لقراءة القرآن بتدبّر، وبذلك يحدث التوازن لدى الإنسان لأنّه يكون بمأمن من التأثر الذي قد يصيبه من قراءة الكتب إذا جانبت الصواب، فالميزان هو هداية القرآن، "يهدي للتي هي أقوم".
الأسئلة:
1 - ما العلاقة بين القراءة وتقدم الأمم؟
2 - كيف تكون قراءة القرآن موجهة فهمَ الذي يقرأ ليتثقف؟
المجلس الثاني عشر
فجاءته إحداهما على استحياء
العناصر الرئيسة:
- قصة موسى وابنتي شعيب - أدبيات معاملة الرجل والمرأة (1/29)
صفحة 30
خرج موسى عليه السلام فريداً وحيداً مطارداً في الطرق الصحراوية في اتجاه مدين في جنوبي الشام وشمالي الحجاز، فقد خرج خائفاً يترقب منزعجاً لم يتزود، ولم يتخذ دليلاً، ولكن نفسه متوجهة إلى ربه، مستسلمة له متطلعة إلى هداه: {عسى ربي أن يهديني سواء السبيل}، نجد موسى في قلب المخافة بعد فترة من الأمن، بل من الرفاهية والطراءة والنعمى عند فرعون، ونجده وحيداً مجرداً من قوى الأرض الظاهرة جميعاً، يطارده فرعون وجنده، ويبحثون عنه في كل مكان لينالوا منه اليوم ما لم ينالوه منه طفلاً، ولكن اليد التي رعته وحمته هناك ترعاه وتحميه هنا، ولا تسلمه لأعدائه أبدا، ً فها هو ذا يقطع الطريق الطويل، ويصل إلى حيث لا تمتد إليه اليد الباطشة بالسوء: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال: رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير}. (1/30)
صفحة 31
وصل إلى ماء مدين وهو مجهود مكدود، لكنه رأى مالا تستريح إليه النفس ذات المروءة السليمة، إذ وجد الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء؛ ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء، والأولى أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولاً، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما، ولم يقعد موسى بل تقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب: {قال: ما خطبكما؟} {قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير}، فأَطلعتاه على سبب انزوائهما وتأخرهما وذودهما لغنمهما عن الورود إنه الضعف، فهما امرأتان، وهؤلاء الرعاة رجال، فلم تزاحما الرجال، بل تنتظرا حتى يفرغوا، وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال! وثارت نخوة موسى عليه السلام وفطرته السليمة، فتقدم ليسقي للمرأتين أولاً كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة {فسقى لهما} {ثم تولى إلى الظل}، مما يشير إلى أن السفرة كانت في القيظ والحر، {فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير}، إني إلى فضلك ومنّك وكرمك فقير محووج، ونسمع من خلال التعبير رفرفة هذا القلب والتجاءه إلى الحمى الآمن، والركن الركين، والظل الظليل، نسمع المناجاة القريبة والهمس الموحي، والانعطاف الرفيق، والاتصال العميق: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} فيعجل الله الفرج، {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا} مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة حين تلقى الرجال {على استحياء}، في غير ما تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا إغواء، جاءته لتنهي إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره وأدله، يحكيه القرآن بقوله: {إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا}، فمع الحياء الإبانة والدقة والوضوح؛ لا التلجلج والتعثر والربكة، وذلك كذلك من إيحاء الفطرة النظيفة السليمة المستقيمة، فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال، والحديث معهم، ولكنها لثقتها بطهارتها واستقامتها لا تضطرب (1/31)
صفحة 32
الاضطراب الذي يطمع ويغري ويهيج؛ إنما تتحدث في وضوح بالقدر المطلوب، ولا تزيد.
أدبيات تعامل الرجل والمرأة
من خلال القصة يبين لنا كيف تعامل المرأة مع الرجل وتعامل الرجل مع المرأة، غض البصر حيث يأمر الله به الرجل والمرأة كل على حده قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} النور: (30) – (32).
وكذلك الكلام حسب الحاجة بدون خضوع ولا غنج ولا مزاح مخرج عن الرزانه الذي يعطي انطباع أو رسائل لا يُرغب فيها يظنها أصحاب القلوب المريضة إشارات يقول الله جل جلاله: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} الأحزاب: (32).
بل أمر ربي جل جلاله أن يكون الكلام قولا معروفا ليس فيه ما يوحي إلى ما لا يُرغب فيه من الأمور التي لا تليق {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} الأحزاب: (32).
الأسئلة:
1. -استخرج من القصة تعامل ابنتي شعيب مع موسى عليه السلام؟
2. -أمر الله نساء النبي ألا يخضعن بالقول رغم أنه أمرهن أن لا يتحدثن مع الرجال إلا من وراء حجاب؟ قارن ذلك بواقع تعامل المسلم مع المسلمة اليوم.
المجلس الثالث عشر
إكرام اليتيم
العناصر الرئيسة:
- من اليتيم - الإحسان إلى اليتم وكفالته ... -إصلاح أحوال اليتامى والنفقة عليهم
- من هو اليتيم:
اليتيم هو الفرد من كل شي، وكل شي مفرد يعز نظيره فهو يتيم.
وشرعا هو من فقد أباه دون البلوغ، ويطلق تجوزا لكل من فقد أحد والديه أو كليهما.
ويقال للصبي يتيم إذا فقد أباه قبل البلوغ حتى يبلغ الحلم، ويقال للمرأة يتيمة ما لم تتزوج فإذا تزوجت زال عنها اسم اليتم. (1/32)
صفحة 33
ومنشأ هذه التسمية هو عدم الاعتناء الذي يلاقيه من فقد كفيله، يقول ثعلب: أصل اليتيم الغفلة لأنه يُتغافل عن بره.
2 - الإحسان لليتيم وكفالته:
ويقصد بكفالة اليتيم: القيام بأمره ومصالحه حتى يبلغ مبلغ الرجال، وقد ندبنا الشرع الحكيم إلى القيام بشؤون اليتامى كما نجد الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى:
"فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ... " (آل عمران /44)، وقوله: "وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ " (القصص /12).
ونجد أن الله تعالى يمتن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقد صانه تعالى وحفظه قال تعالى: "أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى" (الضحى/6).
ويوصينا نبينا الكريم باليتيم مبينا عظيم أجر من كفل اليتيم في قوله: " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا".
وقال عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أحرج إليك حق الضعيفين؛ اليتيم والمرأة"، وأحرج معناه أي أحرج عن هذا الإثم، بمعنى أن يضيع حقهما، وأحذر من ذلك تحذيرا بالغا، وأزجر عنه زجرا أكيدا.
وها هو عليه الصلاة والسلام يثني على نساء قريش بقوله: "خير نساء أحناه على يتيم في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده".
وأحناه: أي أشفقه، والحانية على أولادها: التي تقوم عليهم بعد يتم فلا تتزوج، فإن تزوجت فليس بحانية.
وقال أحدهم: حق على كل من سمع هذا الحديث، يعني قول الرسول- صلى الله عليه وسلم -:"أنا وكافل اليتيم ... الحديث " أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك.
والحكمة من يتم النبي عليه السلام أن يعرف قدر الأيتام، فيقوم بأمرهم، وأن يكرم اليتيم المشارك له في الاسم.
3 - إصلاح أحوال اليتامى وحسن تربيتهم: (1/33)
صفحة 34
حثنا الإسلام على العناية بإصلاح أحوال اليتامى وحسن تربيتهم، وحذّر من إهمالهم وقهرهم، قال تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} (الضحى/9)، وقال تعالى: { ... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة/220).
ويأمرنا الله تعالى أن نقوم بالعدل في شأن اليتامى، فالقسط هنا يقصد به العدل قال تعالى: "وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً" (النساء/127).
وحذّر من دفع حقه وبخسه إياه في قوله تعالى: {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} (الماعون/2)، ونجد نبينا الكريم يوضح لنا خير البيوت وشرها في قوله: "خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ".
ونجد الوصاية على القيام بمصالح اليتيم كثيرة في نحو قوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ عَالَ ثَلَاثَةً مِنْ الْأَيْتَامِ كَانَ كَمَنْ قَامَ لَيْلَهُ وَصَامَ نَهَارَهُ وَغَدَا وَرَاحَ شَاهِرًا سَيْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ أَخَوَيْنِ كَهَاتَيْنِ أُخْتَانِ وَأَلْصَقَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى". (1/34)
صفحة 35
وكان عليه الصلاة والسلام يصف ملاطفة اليتيم كدواء لمن يشكو قسوة قلبه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ: "امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ"، وقال أيضا: "مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالقائم ليله، والصائم نهاره".
ونجد عظيم أجر القائم على اليتيم في الآخرة كبيرا فعن أبي هريرة: أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أنه تأتي امرأة تبادرني، فأقول لها: مالك؟ ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي، ونجد أن هذا الحس المرهف تجاه اليتيم قد تمكن في قلوب الصالحين على مر العصور، فعن الحسن: أن ابن عمر كان إذا تغدى أو تعشى دعا من حوله من اليتامى، فتغدى ذات يوم فأرسل إلى يتيم فلم يجده، وكانت له سويقة محلاة يشربها بعد غدائه، فجاء اليتيم وقد فرغوا من الغداء وبيده السويقة ليشربها، فناولها إياه، وقال: خذها فما أراك غبنت، والسويق: نوع من الطعام.
4 - النفقة على اليتيم وحفظ ماله وعدم التعدي عليه:
حذّر المولى جل وعلا من التعدي على مال اليتيم إلا بما يصلح تلك الأموال قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ... } (الأنعام/152). (1/35)
صفحة 36
وقال في إعطاء اليتامى أموالهم {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (النساء/2).
وقال أيضا: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً} (النساء/6).
ونجد التحذير بالغا وتصويره شديد في أولئك الذين يتعدون على اموال اليتامى، {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء/10).
نعم يمكن للإنسان القائم على أمور اليتيم أن يأكل إن احتاج الى مال اليتيم بالمعروف فقد جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَا أَجِدُ شَيْئًا وَلَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ لَهُ مَالٌ قَالَ:" كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَلَا تَقِي مَالَكَ بِمَالِهِ"، ومتأثل: أي متخذا منه أصل مال للتجارة ونحوها، وقال ابن الأثير: أي غير جامع. (1/36)
صفحة 37
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وَ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ... الآية}. انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِه.
فينبغي أن نعي هذا الحق العظيم لنظفر بالأجر يوم القيامةِ.
الأسئلة:
1 - من اليتيم؟
2 - ماذا نعنى بكفالة اليتيم؟ وما هو الدليل عليه؟
3 - إذا احتاج القائم على أمور اليتيم إلى شيء من مال اليتيم هل له ذلك؟ وما الدليل؟
المجلس الرابع عشر
من صام رمضان إيمانا واحتسابا
العناصر الرئيسة:
- من صام رمضان إيمانا - صوم الاحتساب
نص الحديث:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه الربيع والبخاري ومسلم.
نتطرق اليوم أيها الأخوة الكرام لنقف وقفات ثلاث مع حديث مبارك من أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهاكم الوقفات الثلاث:
الوقفة الأولى: صوم الإيمان
هنا يقول حبيبكم –عليه الصلاة والسلام- من صام رمضان إيمانا ...
فما المقصود بقوله إيمانا؟ وما العلاقة بين الصيام والإيمان؟
والآن أوجه إليكم هذا السؤال: لماذا تصومون رمضان؟ ولماذا لا تأكلون في نهاره؟ ولماذا لا تشربون كأسا واحدا من الماء فقط؟!!! (1/37)
صفحة 38
إذا قلت لكم أنا: لا تأكلوا ... لا تشربوا في شوال مثلا ... أتتبعوني ...
لا شك لن تتبعوني ... لماذا ... لأنكم تؤمنون أن المشرع هو الله وحده لا شريك له جلّ وعلا ...
من هنا ندرك –أخوتي الكرام- إن صيامنا لرمضان ناتج من إيماننا بالله وحده، فنحن نصوم استجابة لله، ونبتعد عن الطعام والشراب استجابة لله، ونترك المعاصي استجابة لله تعالى وحده ...
وهنا نطرح سؤالا آخر: لماذا يكثر الناس من العبادة في رمضان ويتكاسلون بعد انتصاف رمضان؟ أو بعد رمضان؟ ولماذا يبتعدون عن المحرمات في نهاره وينتهكونها في ليله؟
هل يدل هذا على صيامهم لرمضان إيمانا بالله تعالى؟ إذا هؤلاء أيها الأخوة الكرام صاموا رمضان لأمرين: الأمر الأول عادة رأوا الناس يفعلونها، والأمر الثاني: استحضروا في قلوبهم عظمة رمضان، ولم يستحضروا عظمة خالق رمضان، مع أنّ الذي أمر بالصيام والقيام هو الله تعالى لا رمضان.
والآن تأملوا معي رحمكم الله آخر آيات الصيام يقول ربكم سبحانه وتعالى: "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"، انظروا: قال: تلك حدود الله، ولم يقل: تلك حدود رمضان، فأضاف الحدود إليه جلّ جلاله، ولم يضفها إلى رمضان، فرمضان فترة زمنية خلقها الله تعالى لا تنفع ولا تضر، وإنما نحن نعظم هذه الفترة لأن الله هو الذي أمرنا بتعظيمها، من هنا كان مبدأ المسلم العمل لله وحده، وعدم الإشراك به بأي شرك مادي أو زمني، "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ".
فصم رمضان –رحمك الله تعالى- مؤمنا به وحده جلّ وعلا.
الوقفة الثانية: من صام رمضان إيمانا واحتسابا
ما معنى واحتسابا؟ واحتسابا يعني محتسبا الثواب والأجر من عند الله تعالى وحده ... (1/38)
صفحة 39
فأنت أخي الحبيب تركت لذة الطعام طاعة لله وحده، واجتنبت المعاصي استجابة لله وحده، وحافظت على صلواتك مع جماعة المسلمين، وأخرجت زكاة مالك حبا في مرضاة خالقك، إذا أنت هنا صمت رمضان محتسبا الأجر من عند الله تعالى.
ولكن تعالوا معي –أخوة الإيمان- هل الذي يحافظ على الصلاة في رمضان ... ويهجر المسجد بعد رمضان ... يعتبر صيامه احتسابا لله تعالى وحده؟
هل الذي يجتنب الغيبة والنميمة في نهار رمضان ... ثم لا يبالي بأعراض الناس في ليله يكون محتسبا لله تعالى في صيامه؟
لا شك هؤلاء لم يكن صيامهم احتسابا، بل كان عن عادة وتقليد ...
فليكن صيامنا –أخوة الإيمان- احتسابا له سبحانه وحده، صيامنا وصلاتنا وقيامنا وصدقاتنا وصالحات أعمالنا لله جلّ وعلا، شعارنا قوله تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين".
الوقفة الثالثة: غفر له ما تقدم من ذنبه
ما أجمل هذه الهدية لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا، هنيئا لك أخي الصائم أن يغفر الله تعالى ذنبك، ويعتق رقبتك، ويرفع منزلتك، ولكن عليك أن تصوم رمضان إيمانا واحتسابا، لأن من في الحديث شرطية، والشرط أن تخلص العمل لله في رمضان نهاره وليله، وفيه وبعد انقضائه، والجواب يغفر الله لك، ويقبل توبتك، ويرفع عملك الصالح، نسأل الله ذلك لنا جميعا نحن المؤمنين الصائمين.
الأسئلة:
1. ما معنى "ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا"؟
2. ما الهدية من قبل الله تعالى لمن صام رمضان إيماننا واحتسابا؟
المجلس الخامس عشر
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب
العناصر الرئيسة:
- وإذا سألك عبادي عني - قبول الدعاء
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب
أخوة الإيمان: ذكر الله تعالى في آيات الصيام قوله جلّ وعلا: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون".
والسؤال هنا: أين ذكرها الله تعالى من آيات الصيام؟!!! (1/39)
صفحة 40
ألا ترون أنها تحتل عقد وقلب آيات الصيام، فبعد ذكره جل وعلا لأحكام الصيام، أنزل هذه الآية المباركة، ثم رجع بعد ذلك ليواصل الحديث عن أحكام الصيام مرة أخرى.
والسؤال الثاني: لماذا خص رمضان بهذه الميزة، مع أن الله قريب في جميع الشهور.
والجواب أخوة الإيمان: لأن رمضان شهر تربية وتوجيه، شهر معالجة للتصورات والأفكار، شهر إجابة وإنابة وتوبة.
فالله تعالى يعلمنا هنا أن الله قريب منا ...
فلا نصوم ... ولا نزكي ... ولا نصلي ... وفوق هذا لا ندعو إلا لله تعالى لأن الله سبحانه قريب منا ...
لنكون هكذا دائما مخلصين لله تعالى ...
ونحن نشعر دائما في رمضان بقرب الله منا بهذه النفحات العظيمة لنقترب من جلّ وعلا بدعائنا وصالحات أعمالنا.
فالله اقترب منا بمغفرته ورحمته ... فهلا اقتربنا منه بالاستجابة لأوامره ونواهيه، والإيمان به بتقديس أحكامه وفرائضه ... لعل لله يمن علينا بالهداية والرشاد.
السحر ودعاء الاستغفار:
وقت السحر وقت مبارك، تهل فيه النفحات، وتنزل فيه البركات، والسحر أحد أجزاء الليل، فينبغي التضرع فيه والاستغفار أي، طلب الغفران من الله، والمراد طلب العفو من الله كي يترك عقابنا على ما ارتكبناه من الذنوب والآثام، وللاستغفار صيغ كثيرة منها: اغفر لنا، اعفُ عنا وارحمنا، واسترنا، تب علينا، اصفح عنا، وفي هذا يقول تعالى: "الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار "، وقوله تعالى: "وبالأسحار هم يستغفرون"، والاستغفار نافع في كل وقت، وليس في وقت السحر فقط ما دامت النية خالصة لله تعالى.
إجابة الدعاء:
من رحمته تعالى أنه يقبل دعائنا، ويرحم تضرعنا، في أي وقت أقبلنا إليه، وأنبنا بين يديه، قال تعالى: "فيكشف ما تدعون إليه إن شاء".
أسباب رد الدعاء:
من أسباب عدم استجابة الله لبعض الأدعية هي: (1/40)
صفحة 41
1 - السؤال بجهل: أي السؤال عن ما ليس للإنسان به علم، أي طلب المحرمات، وقد نهى الله نوحا عليه السلام -ونحن أيضا- عن السؤال عن ما ليس له به علم، فقال بسورة هود: "فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين "، وكان نوح عليه السلام، قد دعا الله طالبا منه طلبا محرما هو إدخال ابنه الجنة رغم أنه كافر وفى ذلك قال على لسانه: "ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين"، ومن أمثلة طلب المحرمات طلب إدخال مسلم النار، وطلب اللعنة للمسلمين، وطلب الرحمة للكافرين.
3 - سؤال المستحيلات: والمراد طلب أشياء ممنوعة منعا تاما، ومن أمثلة هذه الممنوعات مثلا إنقاص العمر.
الدعاء والغير:
قد يكون الدعاء لفرد أو لجماعة، كقوله تعالى: "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب"، وقوله تعالى: "رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ".
الدعاء والنفس:
الدعاء للنفس والمراد طلب الخير للنفس: "وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين"، وقوله: "فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
الاستغفار للمسلم:
إن من واجبات المسلم دعاء الاستغفار لأخيه المسلم، وقد فرض الله على رسوله أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات فقال سبحانه له: "واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات"، وعبر عن ذلك بوجوب صلاته أي استغفاره لهم، وفى ذلك قال سبحانه: "وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم". (1/41)
صفحة 42
وأخيراً إخوتي الكرام، إنّ مما يوصل المؤمن إلى نعيم الجنّة أنه يدعو الله جلّ جلاله، يقول تعالى: " وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ "
الأسئلة:
1ـ متى يقبل الدعاء؟
2 - ما أسباب رد الدعاء؟
المجلس السادس عشر
ما أجمل النصيحة
العناصر الرئيسة:
- تعريف النصيحة - حكم النصيحة وآدابها
أخي الكريم: ما أجمل النصيحة عندما تكون ديدن الناس ومنهجهم في تعاملهم، فهي دالة على الخير المنطوي في حياتهم، فالنصيحة بفتح فكسر جمعها نصائح، وهي إخلاص الرأي في الدعوة إلى الخير، قال – صلى الله عليه وسلم-: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ".
أخي الحبيب: إن النصيحة تكون فرض كفاية في بعض الأحوال، وفرض عين في أحوال أخرى.
تكون فرض عين:
1 - إذا طلب المسلم من أخيه النصيحة، فعليه أن ينصحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: "حَقُّ اَلْمُسْلِمِ عَلَى اَلْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اِسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اَللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ". (1/42)
صفحة 43
2 - عندما يرى الشخص المنكر ويكون قادراً على تغييره، ولا سيما إذا كان صاحب الأمر والنهي، كالأمير لرعيته، والمدير لموظفيه، والأب لأبنائه .. فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ".
وتكون النصيحة فرض كفاية:
إذا قام من تعينت عليهم بالكفاية، فإن قاموا بواجبهم ورأيت أن تشاركهم، فهذا فرض كفاية.
أخي العزيز: ما أجمل النصيحة عندما تقدم بطبق من الأدب الرفيع المصحوب بالنية الخالصة لله عزوجل، فعن عبدالله بن عباس عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: "نية المؤمن خيرٌ من عمله".
وما أجمل النصيحة عندما يقصد من وراءها سد الثغرة لا إظهار المعرة، فالتشهير آفة يقع فيها كثير من الناس، ينصحون شخصاً أمام الملأ فيفضحونه ويؤذونه.
ولنا في رسول الله – صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، كان لا يُشهر بأحد، وإنما غالباً ما يخطب في الناس قائلا: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا".
وكان السلف إذا أرادوا وعظ أحد نصحوه سرا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه سرا فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فقد وبخه وشانه.
وقد صدق القائل:
تعمدني بنصحك في انفرادي ... وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولي ... فلا تجزع إذا لم تعط طاعة (1/43)
صفحة 44
أخي الفاضل: هل تعلم أن من أساسيات قبول النصح من قِبلِ المنصوح ومن آدابها الرفيعة أن تقدمها بلين ورفق، قال تعالى مخاطباً موسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، فإذا كان فرعون الذي طغى وقال: {أنَّا ربكم الأعلى} تُقدم له النصيحة بلين ورفق فغيره أولى أن تسدى له النصيحة بهذه الطريقة.
وكذا من آدابها مراعاة المقام، مثلا: ألا يكون المنصوح مشغولا بأمر ما، فالمشغول لا يشغل، وأيضاً لن يستجيب لأنه غير مبال بما يقال له بسبب انشغاله.
وكذا من آدابها اختيار الزمن المناسب لتقديمها، فالوقت المناسب له دور كبير في التأثير على الشخص المنصوح، فإذا كان المنصوح في حالة من الغضب الشديد فعلينا أن نؤجل نصحه لوقت آخر يكون فيه هادئ الأعصاب، مرتاح البال.
أخي الكريم: عليك بالنصيحة فهي طريق النجاة، وما أروع التوجيهات الربانية، والأحاديث النبوية التي تشيد بالنصيحة وبأهلها قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ويقول سبحانه وتعالى: {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}.
وهكذا الصحابة رضوان الله عليهم أخّذوا بمبدأ النصيحة في حياتهم فعن أبي زرعة عن جرير قال: بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -على السمع والطاعة، والنصح لكل مسلم" فكان إذا اشترى شيئا أو باعه يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه فاختر".
الأسئلة
1. ما حكم النصيحة؟
2. ما هي آداب النصيحة؟
المجلس السابع عشر
غزوة بدر الكبرى
العناصر الرئيسة: (1/44)
صفحة 45
- متى وقعت غزوة بدر - ما أسبابها؟ ... - ما الدروس المستفادة منها
إخوة الدين والعقيدة: إن من أهم أحداث الإسلام العظام والتي غيرت مجرى التاريخ " غزوة بدر الكبرى"، هذه المعركة الحاسمة التي أظهرت مكانة الإسلام، وأظهرت معالم الدين القويم، فقد كانت فيصلا بين الحق والباطل، بين ضلالات الجهل ونور الإسلام.
ونحن اليوم نعيش ذكرى هذه الحادثة العظيمة حري بنا أن نحتفل بذكر بعض دروسها العظيمة، فنود في هذه الدقائق القليلة أن نتحدث عن هذه الغزوة الحاسمة، والتي نصرَ اللهُ بها عبده، وأعز جنده، فمتى وقعت هذه الغزوة؟ وما الأسباب المؤدية إليها؟ وما هي الدروس المستفادة منها؟
هذه الغزوة كانت في يومِ الجمعة في صبيحة السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وسبب وقوع هذه الغزوة أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة، فيها أموال عظيمة، فندب الرسول - صلى الله عليه وسلم- المسلمين إلى هذه القافلة استرداداً لبعض أملاكهم وأموالهم التي هاجر عنها المسلمون، واستولى عليها أهل مكة، وأقرهم الله تعالى على استحقاقهم بالتعرض للقافلة، وأخذ أموالهم إن أمكن لهم ذلك، بل ووعدهم بأخذها، أو بأخرى أفضل منها في قوله- تعالى-: "وإذ يَعِدُكم اللهُ إحدى الطائِفتين أنها لكم".
إذن فمعركة بدر لم تكن في أصلها مخطط لها، لا من قِبَلِ المسلمين، ولا من قِبلِ المشركين، وإنما السبب راجع إلى قافلة قريش التجارية، وقد ارتكز الأمر الإلهي للنبي- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين على دعامتين أساسيتين:
الدعامة الأولى: وعد الله المؤكد بالنصر، "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم"، إحدى الطائفتين: إما القافلة أو النصر، وبما أن القافلة قد فلتت فلم يبق إلا النصر. (1/45)
صفحة 46
الدعامة الثانية: الإمداد الإلهي بالقوة المادية والمعنوية، قال تعالى: "إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم".
نتيجة غزوة بدر الكبرى:
والنتيجة: انتصار الفئة المؤمنة قليلة العدد والعتاد على الفئة الكافرة عظيمة العدد والعتاد، فقد قتل من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر بفضل الله وقدرته.
الدروس المستفادة من غزوة بدر:
- مبدأ الحرب لا يقوم أصلا إلا على إعلاء كلمة الله، وإعلاء دينه.
-م ن مقومات الحرب الناجحة الإيمان بالله عز وج " بعناصره الكاملة، والتي منها: المحافظة على الصلاة، والإنفاق في سبيل الله، ومراقبة الله، والمحافظة على كتاب الله بالتلاوة والعمل، وقد ذكر الله - عز وجل- هذه العناصر الأربعة في سورة الأنفال عندما قال عز قائلا عليما: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم".
-وكذلك لا بد من الانضباط التام في المعركة، والصبر، والبعد عن التنازع، وعدم الفرار أمام العدو لتحقيق النصر قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين". (1/46)
صفحة 47
هذه هي بعض الدروس المستفادة من غزوة بدر الكبرى، هذه المعركة التاريخية التي فصلت بين الحق والباطل، هذه المعركة العظيمة التي دلت على أن النصر لا يحالف دائما القوي صاحب العدة والعتاد، كلا ثم كلا، وإنما النصر يحالف من كان معتصماً بحبل الله المتين، يستمد العون من الله عز وجل، وإلا كيف بثلاثمائة رجل لا يملكون إلا الخناجر والسيوف يغلبون ألف فارس في ألف فرس "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى".
فاعتبروا يا إخوة الإيمان بغزوة بدر، ولا تمر عليكم أحداث هذه الغزوة دون تأمل ودون اعتبار، ولا تكونوا من عباد الله الغافلين، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وخذوا بأسباب النصر، تنتصروا على أعدائكم، وتفوزا بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
الأسئلة
1. ما هي أسباب غزوة بدر؟
2. متى وقعت هذه الغزوة؟
3. ما الدروس المستفادة من هذه الغزوة؟
المجلس الثامن عشر
إياكم والحسد
العناصر الرئيسة:
- احذر الحسد - حكم الحسد - عالج نفسك من الحسد (1/47)
صفحة 48
أخي الصائم: اعلم هداني الله وإياك أن الحسد هو تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، بخلاف الغبطة فإنها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط, وهو نوعان: أحدهما كراهة للنعمة عليه مطلقاً، فهذا هو الحسد المذموم، وإذا أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه، فيكون ذلك مرضاً في قلبه، ويتلذذ بزوال النعمة عنه، وإن لم يحصل له نفع بزوالها, والنوع الثاني: أن يكره فضل ذلك الشخص عليه فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه، فهذا حسد، وهو الذي سموه الغبطة، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حسداً في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق"، وفي رواية: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، فسمعه رجل فقال: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي هذا، فعملت فيه مثل ما يعمل هذا، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: يا ليتني أوتيت ما أوتي هذا فعملت فيه ما يعمل هذا"، فهذا الحسد الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلا في موضعين هو الذي سماه أولئك الغبطة، وهو أن يحب مثل حال الغير، ويكره أن يفضل عليه.
وقد يشكل هنا تسميته حسداً ما دام همه أن ينعم الله عليه بمثل ما أنعم على صاحبه؟ فيقال: مبدأ هذا الحب هو نظره إلى إنعامه على الغير، وكراهيته أن يفضل عليه، ولولا وجود ذلك الغير لم يحب ذلك، فذلك كان حسداً لأنه كراهة تتبعها محبة، وأما من أحبّ أن ينعم الله عليه مع عدم التفاته إلى أحوال الناس فهذا ليس عنده من الحسد شيء، ولهذا يبتلى غالب الناس بهذا القسم الثاني والعياذ بالله، فعليك أخي المسلم- بارك الله فيك - أن تحذر منه.
حكم الحسد: (1/48)
صفحة 49
أخي الصائم: يا من تنعم بنعم مولاك سبحانه تذكَّر أن الحسد مرض من أمراض النفوس، وهو مرض غالبٌ فلا يخلص منه إلا القليل من الناس، ولهذا قيل: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه، والكريم يخفيه.
والحسد ذميم قبيح، حيث إن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من شر الحاسد كما أمر بالاستعاذة من شر الشيطان، يقول سبحانه: "ومن شر حاسد إذا حسد".
وناهيك بحال ذلك شراً، فبالحسد لُعن إبليس- لعنه الله -، وجُعل شيطاناً رجيماً، ومن أجل أنّ الحسد بهذه الدرجة ورد فيه تشديد عظيم، حتى قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".
فالحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء يعني حسد إبليس – لعنه الله- لآدم -عليه السلام –، وهو أول ذنب عُصي الله به في الأرض، وذلك عندما حسد ابن آدم أخاه حتى قتله, فعليك أخي المسلم أن تبعد نفسك عن ذلك كله، وأن تحارب الشيطان الذي يؤجج نار الفتنة والحسد بين الناس.
عالج نفسك من الحسد:
أخي الصائم؛ إن أردت أن تدفع عن نفسك الحسد فعليك بما يلي:
1 - التقوى والصبر: فمن وجد في نفسه حسداً لغيره فليستعمل معه الصبر والتقوى فيكره ذلك في نفسه.
2 - قمع أسباب الحسد: فأما الدواء المفصَّل فهو تتبع أسباب الحسد من الكبر وغيره وعزة النفس وشدة الحرص على ما لا يغني.
3 - أن تعلم بأن الحاسد معترض على قدر الله الذي قدره عليه، ومن كان هذا حاله فهو خاسر في الآخرة والعياذ بالله إلا أن يتوب.
4 - الإخلاص في توجهه لله.
5 - قراء القران وتدبره.
الأسئلة:
س1: ما الفرق بين الغبطة والحسد؟
س2: ما حكم الحسد مع ذكر الدليل؟
س3: كيف تعالج نفسك من الحسد؟
الدرس التاسع عشر
العناصر الرئيسة:
- معنى الاعتكاف ومشروعيته وأقسامه - شروط الاعتكاف - مباحات الاعتكاف
من أحكام الاعتكاف (1/49)
صفحة 50
الاعتكاف مشتق من عكف، من لزم الشيء وأقام ولبث، كما حكا الله عن إبراهيم عليه السلام أنه قال لقومه {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] أي ملازمين لها مستديرين حولها، وهو في الشرع حبس النفس في المسجد بنية العبادة بصفة مخصوصة.
والأصل في مشروعيته قول الله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة187].
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من اعتكف فليعتكف في العشر الأواخر"، وقالت عائشة ـ رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده".
واعلم أخي أن الله سبحانه شرع الاعتكاف للتفرغ للعبادة، والانقطاع عن العوائق والشواغل والحرف والأعمال الدنيوية والشهوات والملهيات، والإقبال بالكلية على الله تعالى، بحيث ينشغل بالقربات كقراءة القرآن والذكر والتهجد، وقد فرغ قلبه من هموم الدنيا وغمومها وأحزانها، واهتم بالطاعات والانكباب على فعل الحسنات، والبعد عن السيئات، فالمعتكف من عكف قلبه على عبادة ربه، وانقطع عن الدنيا وأهلها، فهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية لهذه الأمة، ولا يكون إلا في المساجد ليحافظ على الجمعات والجماعة.
وأقسامه قد يكون واجبا كما في حالة النذر للحديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، ويكون مستحبا في شهر رمضان للحديث السابق التماسا لليلة القدر، ولأن رسول الله كان مواظبا عليه حتى لقي الله تعالى كما قالت السيدة عائشة في الحديث المتقدم، ويكون مباحا وجائزا لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب منكم أن يعتكف فليعتكف». (1/50)
صفحة 51
واعلم يا رعاك الله ووفقك لطاعته وتقواه أن من شروطه النية التي تستحضرها لإرادة هذا العمل الروحي المبارك، ومن شروطه الصوم، لأن الله تعالى ذكر الاعتكاف في آخر آيات الصوم في قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187]، وذلك يؤذن بشرطيته، ولذلك يشترط الصوم مع الاعتكاف لتجتمع العبادتان في وقت واحد ومكان واحد، فلا اعتكاف شرعي إلا بالصوم، إذ لم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف بلا صوم ومن شروطه الإمساك عن الجماع ومقدماته ليلا ونهارا لقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187]، ومن شروطه المكث والاعتكاف في المسجد لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187]، ولا يلزم أن يكون مسجدا تقام فيه الجمعة وإن كان هو أولى وأفضل، ولا حد لأكثر أيامه، إلا أنه يكره إطالته إذا حصل منه إضاعة لواجب كالأهل وانشغاله عنهم، فقد ورد في الحديث: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول»، وأما أقله فاختلف فيه، والذي عليه الأكثر نهار واحد من طلوع الفجر وإلى غروب شمس ذلك النهار، لاشتراط الصوم في الاعتكاف في الرأي الراجح عند أهل العلم.
ولا بأس بالحديث اليسير مع الزائر، والنوم في المسجد، والخروج من المعتكف لظرف كمرض أو جمعة أو لقضاء الحاجة، أو لطلب غرض ضروري له من مؤونة، كالخروج إلى المنزل لحاجة الإنسان، أو لطهارة، أو إحضار أكل أو شرب إن لم يجد من يحضره.
الأسئلة:
1. هل تحفظ أخي دليلا على مشروعية الاعتكاف؟
2. هل لك أن تذكرنا ببعض شروط الاعتكاف؟
المجلس العشرون
العناصر الرئيسة:
- معنى الاعتكاف ومشروعيته وأقسامه - شروط الاعتكاف - مباحات الاعتكاف
فتح مكة (1/51)
صفحة 52
إن من أهم المعارك الإسلامية التي أعلى الله بها الدين، ورفع راية المؤمنين فتح مكة المكرمة حرم الله الآمن وقبلة المسلمين، هذا الفتح المبين كما سماه رب العالمين إنما جاء نتيجة من نتائج صلح الحديبة التي تم في السنة السادسة للهجرة، عندما أراد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- العمرة لرؤيا رآها في منامه، فردته قريش عن البيت الحرام ذلك العام، وأقامت معه صلحا بنوده كان ظاهرها ليست في صالح المسلمين، لكن الله كان يهيأ لعباده أمرا عظيما وهو فتح مكة حيث أشار إليه بقوله: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا" (الفتح:27).
لقد كان من بنود صلح الحديبة أن العرب بالخيار من أراد منهم أن يدخل في حلف النبي –صلى الله عليه وسلم- دخل، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش دخل، فارتضت خزاعة أن تدخل في حلف النبي صلى الله عليه وسلم-، وارتضت بنو بكر أن تدخل في حلف قريش، والحلف هو نظير اتفاقية الدفاع المشترك في الوقت الحاضر.
وفي السنة الثامنة للهجرة غدرت بنو بكر بخزاعة وأمدتهم قريش بالمال والسلاح بل أن بعضهم شارك في الحرب بنفسه خفية، فقتلت منهم نحو عشرين رجلا، فجاء عمرو بن سالم الخزاعي في نفر من قومه المدينة المنورة فوقف على النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس، فتكلم وكان مما قاله:
لاهُم إني ناشد محمدا ... حلف أبيه وابينا الأتلدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك الؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن عزم على حرب قريش: "نصرت يا عمرو بن سالم ". (1/52)
صفحة 53
هنا نعلم أنه يجب على المسلم أن يكون صاحب المبادأة أو المبادرة وهي أمر مهم في الحرب والسياسة معا، وبذلك يجعل عدوه في موقف رد الفعل فقط، وكذلك يجب على المسلم أن يفي بعهوده ومواثيقه مهما كلفه الأمر.
لقد سارع أبو سفيان لإنقاذ الموقف محاولة لاستغفال المسلمين، وتجديد معاهدة الصلح، بعدما أحس عقلاء قريش بخطأهم وخطورة غدرهم، ولم تنجح محاولة أبي سفيان وعاد إلى مكة موقنا بمواجهة عسكرية مع المسلمين الذي نمت قوتهم بشكل سريع خلال سنتي الصلح.
قام النبي صلى الله عليه وسلم خلال هذه الأثناء باستكمال الترتيبات العسكرية اللازمة لفتح مكة المكرمة، محتاطا بالسرية التامة وبقيت نواياه سرًا مكتومًا حتى تمت جميع الاستعدادات للحركة، مستعينا بالمدد الألهي كما كان آخذا بجميع الأسباب الأرضية عاملا بها، ولقد وحرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الحيلولة دون تسرب المعلومات عن حركته إلى قريش، وكان كذلك العون الإلهي معينا له حين أعلمه الله بخبر رسالة حاطب بن أبي بلعته من أهل بدر، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فأدركا المرأة التي كانت تحمل الرسالة التي أراد حاطب إرسالها إلى قريش تحمل خبر خروج المسلمين، وأخذاها منها، ولقد عفى المصطفى –صلى الله عليه وسلم- بعدها عن حاطب رغبة في تقوية الصف المسلم في هذه الأثناء ولحكمة أرادها الله، حيث تاب حاطب من صنيعه ذلك. (1/53)
صفحة 54
سار النبي-صلى الله عليه وسلم- لمكة لعشر مضين من رمضان، وفي الطريق أفطر وأفطر الناس معه لما لقوا من الجهد والمشقة في سفرهم، ولم تشعر قريش إلا وجيش المسلمين البالغ قوامه عشرة آلاف مقاتل محيط بمكة وقد أوقدوا نيرانا عظيمة في ليلة الفتح ليبثوا الرعب في قلوب قريش وتعلم أنه لابد لها من الإستلام، ورأت قريش تلك النيران تملأ الأفق البعيد، فأسرع أبو سفيان بن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام بالخروج في اتجاه النيران حتى يعرفوا مصدرها وأهداف أصحابها ونواياهم، فلما اقتربوا من موضع عسكر المسلمين قال أبو سفيان لصاحبه بديل: "ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا
- قامت كتائب المسلمين بأسر زعيم قريش أبي سفيان الذي جيء به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنه على نفسه وقومه ما لم يتعرضوا للمسلمين وهم يدخلون مكة، ومن حكمته عليه السلام مراعاته لمكانة أبي سفيان في قومه واستمالة له: إذ جعل كل من يدخل دارأبي سفيان فهو آمن، ولقد نجحت خطة المصطفى –صلى الله عليه وسلم-، فلما رجع أبو سفيان لقومه قال لهم: "يا معشر قريش، هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" قالت قريش: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن" فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. (1/54)
صفحة 55
-دخل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مكة وهو راكب لراحلته منحن على الرحل، حتى لتكاد جبهته تمس قتب الراحلة شكرا وتواضعا لله على هذا الفتح الأكبر، ودخل المسلمون معه البيت الحرام صباح أربعاء السابع عشر من رمضان للسنة الثامنة من الهجرة، آمنين مطمئنين من جهات أربع بخطة عسكرية محكمة تحسبا لأي مواجهة، لكن هول المفاجأة صدم قريشا ولم يكن منها إلا التسليم المطلق؛ سوى ما حدث للرتل الذي يقوده خالد بن الوليد من مواجهة بسيطة مع بعض أصحاب الأمس من كفار قريش، لكنه لم يمهلهم حتى قضى على مقاومتهم عاجلا. .
- طاف صلى الله عليه وسلم بالبيت الحرام واستلم الحجر الأسود، وأزال من حول الكبعة الثلاثمائة وستين صنما طعنا بالقوس، وخطب بعدها في قريش وهو واقف عند باب الكعبة، ثم أعلنها مدوية للتاريخ عندما عفى عن أهل مكة حيث قال: "أذهبوا فأنتم الطلقاء"، ثم جلس عند الصفا وأخذ بيعة الناس على السمع والطاعة لله ورسوله ما استطاعوا، بايع الرجال ثم النساء ولم يصافح أحدا منهن.
- وفي هذا اليوم أذن بلال رضي الله عنه أول أذان في التاريخ ببيت الله الحرام.
والحمد لله رب العالمين
المجلس الحادي والعشرون
ليلة القدر
العناصر الرئيسة:
- معنى ليلة القدر وفضائلها - استعداد الرسول الكريم وأصحابه لها - علاماتها وتوقيتها الاعتكاف
العناصر: (1/55)
صفحة 56
لقد اختص الله تبارك وتعالى هذه الأمة المحمدية على غيرها من الأمم بخصائص، وفضلها على غيرها من الأمم بأن أرسل إليها الرسل، وأنزل لها الكتاب المبين كتاب الله العظيم، كلام رب العالمين، في ليلة مباركة هي خير الليالي، ليلة اختصها الله عز وجل من بين الليالي، ليلة العبادة فيها هي خير من عبادة ألف شهر، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر .. ألا وهي ليلة القدر، مبيناً لنا إياها في سورتين، قال تعالى في سورة القدر: {إنا أنزلناهُ في ليلةِ القدر وما أدراكَ ما ليلةُ القدر ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر تَنَزلُ الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلِ أمر سلامٌ هي حتى مطلع الفجر}.
وقال تعالى في سورة الدخان: {إنا أنزلناهُ في ليلةٍ مباركةٍ إنا كنا مُنذٍرين فيها يُفرَقُ كلُ أمرٍ حكيم}.
1 - معنى ليلة القدر:
أولا: سميت ليلة القدر من القدر وهو الشرف، كما تقول فلان ذو قدر عظيم، أي ذو شرف.
ثانيا: أنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عز وجل وبيان إتقان صنعه وخلقه.
ثالثا: وقيل لأن للعبادة فيها قدر عظيم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
ولا يستبعد أن كل ذلك مراد لان هذه الليلة تحتمل تلك المعاني.
2 - فضائل ليلة القدر
- إنها ليلة أنزل الله فيها القرآن، قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}، وقد جاء في الحديث الذي رواه الربيع بسنده عن عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزل منه حتى جمعه .. ".
- إنها ليلة مباركة، قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة}.
- يكتب الله تعالى فيها الآجال والأرزاق خلال العام، قال تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم}. (1/56)
صفحة 57
- فضل العبادة فيها عن غيرها من الليالي، قال تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر}، فالعمل الصالح يضاعف فيها، وكل ثانية أو ساعة تقوم مقام شهور عديدة، جاء في الحديث عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم ".
- تنزل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة، قال تعالى: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر}.
- ليلة خالية من الشر والأذى، وتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر، وتكثر فيها السلامة من العذاب، ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها، قال تعالى: {سلام هي حتى مطلع الفجر}.
- فيها غفران للذنوب لمن قامها، واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل، قال صلى الله عليه وسلم: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
3 - استعداد الرسول وأصحابه لالتماسها:
جاءت السنة موضحة مدى استعداد النبي صلوات الله وسلامه عليه وحرصه على موفقتها والتماسها، وذلك من خلال اعتكافه في مسجده المبارك، وانقطاعه إلى الطاعة والعبادة، واجتهاده في القيام اجتهادا لا مثيل له في سائر أيام السنة، فقد كان يقوم الليل كله، أو ينام قليلا، وكان يوقظ أهله، ويغتسل بين العشائين، وكان يجعل عشائه سحورا، ويرّغب أصحابه، ويحثهم على الاجتهاد في الطاعة والعبادة فيها، قالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر.
4 - علامات ليلة القدر
يمكن أن يستدل على هذه الليلة ببعض العلامات والتي لا تعني بالضرورة وجودها، ولا يشترط كما يظن البعض حدوث بعض الخوارق التي هي بعيدة عن تجليات، وأنوار هذه الليلة الكريمة، ويمكن أن يستأنس لها ببعض العلامات ومنها:
العلامات المقارنة: (1/57)
صفحة 58
- قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في الصحراء بعيداً عن الأنوار.
- الطمأنينة، أي طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فإنه يجد راحة وطمأنينة وانشراح صدر في تلك الليلة أكثر من مما يجده في بقية الليالي.
- أنه قد يُري اللهُ الإنسانَ الليلةَ في المنام، كما حصل ذلك لبعض الصحابة رضي الله عنهم.
- أن الإنسان يجد في القيام لذة أكثر مما في غيرها من الليالي.
ومن العلامات اللاحقة: أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية ليست كعادتها في بقية الأيام، ويدل لذلك حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنها تطلع يومئذ ٍ لا شعاع لها".
5 - توقيت هذه الليلة:
ولما كانت هذه الليلة بهذه المثابة من العظمة والنور والبركة جعلها الله مبهمة في العشر الأواخر من رمضان على الأشهر ليحصل التنافس في الخير والتسابق في الطاعات ونحوها من وجوه القربات.
فينبغي على المسلم أن يسارع إلى كل خير، ويملأ هذه الأيام بكل طاعة وخير.
الأسئلة:
1. ما معنى ليلة القدر؟
2. ما فضائل ليلة القدر؟
3. ما الذي كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم في الأيام العشر الأخيرة من رمضان؟
المجلس الثاني والعشرون
العناصر الرئيسة:
- حقيقة الإخلاص - منافع الصوم بين الإخبار الإلهي وأهل الاختصاص
الإخلاص روح العبادة
إن معنى الإخلاص لا يحتاج إلى كثير تنظير، ولا إلى كبير تأصيل إذا يممنا قلوبنا شطر القرآن الكريم، الذي هو المنبع الصافي، والمنهل الرويّ، وإليك ما جاء فيه {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)} النحل: 66 (1/58)
صفحة 59
أرأيتم اللبن في نصاعة بياضه، وفي لذة مطعمه، وفي طيب ريحه، هل ترون فيه عَرْفا من فرث أو شوْباً من دم؟؟ كذلك الإخلاص في عبادة الله لا يقبل الله فيه أن يشرك معه غيره {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} النساء: (36)
وإذا كان الإنسان لا يقبل كأس لبن شيب بقطرة عَرَقِ تحدَّر من جسده، أو لعابٍ سال من فمه، فضلا عن نقطة دم، فكيف يقبل أن يُقَدِّمَ لربه عملاً أشرك فيه غيرَه؟؟!!
وعبادةُ الصوم يتجلى فيها الإخلاص في أبهى صوره، ولا ينبغي بحال أن ننظر إلى الجوانب المادية الإيجابية التي نتحصل عليها من الصيام فنجعلها العلة التي دار عليها تشريع الصوم لأن هذا يذهب بما فيها من قيمة روحية .. ويسلُبها أسمى معانيها وهو الاستسلام لله رب العالمين ..
إن القوة التي تدير عجلة الحياة بسرعة، وتُفيضُ على هذا العالم الحياة والنشاط هي الإيمان بالمنفعة التي تكمن وراء ما يعمله، وهذا الإيمان هو الذي يوقظ الفلاّح في يوم شاتٍ شديد البرد، ليغدو باكراً إلى حقله، وهو الذي يهوِّن على الكادح أن يكدح تحت لفح الشمس وفي يوم قائظ، وهو الذي يسلي المغترب عن أهله ووطنه لتحصيل مأربه، وقد يتحقق مراده وقد لا يتحقق، غير أن هناك إيماناً أعظم سلطاناً على النفوس، وأعمق أثراً من هذا الإيمان، وهو مضمون النتائج وتتحقق من ورائه العوائد، إنه الإيمان بما أخبر به الله ورسله المصطفون الأخيار من الثمرات المتحصلة من العبادات المشروعة .. (1/59)
صفحة 60
فالذين يصومون للمنافع الجسدية يفوِّتون على أنفسهم عنصراً هاما للعمل هو شرط لقبوله عند الله، ألا وهو كونه فريضة من الله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: (183)، والمؤمنون بهذه الفريضة يلتزمون الزمن الذي يجب فيه الصوم ابتداء وانتهاء، وصيفا وشتاء، كما يلتزمون بالمدة المقدرة لهذا الصوم، فليس لهم أن يزيدوا أو ينقصوا تبعاً لأي رأي مهما كانت منزلته، ويفترق المؤمنون الذين يؤمنون بأن الصيام عبادة خالصة لله تعالى عن غيرهم بأنهم يرجون ثواب الله على صيامهم، ذلك وهذا هو احتساب الأجر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " من صام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
ومع أن المسلم في أصله لا يصوم إلا لهذا الغرض، إلا أن اللفتة النبوية في هذا بالغة الأثر لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ يسير على هدى من ربه، وقد زكى الله منطقه فقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم: (3) – 4.
وقد صدَّق الواقعُ هذه النظرةَ البعيدة الغور منه صلوات الله وسلامه عليه، حيث غدا الصوم في هذا الزمان عند كثير من المجتمعات الإسلامية طقوساً خالية من أي معنى روحي إلا فيما ندر، وغُلِّف بعادات أُلصقت بهذا الشهر الكريم بل اشتق لها اسم منه فهناك الموائد الرمضانية، وهنالك الألعاب الرمضانية .. وثمة المسلسلات الرمضانية.
وكل مجتمع يحرص على إظهار طقوسه وعاداته والتعريف بها، ويفتخر مؤكداً عراقتها.
وهذا ـ إن استمر مع عدم التذكير بالهدف الأسمى من الصيام ـ سيكون تحولا خطيرا في هذه العبادة والعياذ بالله، فلنكن من ذلك على حذر .. (1/60)
صفحة 61
ومن دلائل الإخلاص في الصوم أنه سر بين العبد وربه، لا يُدرى عن أي شخص أنه صائم أو مفطر، وهذا معنى ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال في الحديث القدسي: " فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي وأن أجازي به ".
الأسئلة:
- عرف الإخلاص في ضوء النصوص القرآنية؟
- بماذا يفترق المؤمنون بالمنافع الدنيوية للصيام عند ذوي الاختصاص عن المؤمنين بمنافعه التي أخبر بها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عنها؟
المجلس الثالث والعشرون
وتوبوا إلى الله جميعاً أيُّها المؤمنون
العناصر الرئيسة:
- حقيقة التوبة - التوبة المقبولة وجزاؤها
المؤمنون جميعاً يسألون الله أن يهديهم الصراط المستقيم "اهدنا الصراط المستقيم"، وهذا الصراط المستقيم هو القرآن وما يدعو الله سبحانه إليه فيه من عبادته: "إنّ الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم".
بيدَ أنّ الشيطان الرجيم بالمرصاد يتوعدنا:" لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم".
وإنّ مِن المبشرات أخوة الإيمان أنّ الله طمأننا:"إنّ كيد الشيطان كان ضعيفا".
وإنّ في قصة أبينا آدم وزوجه عبرة في أنّهما لم يأكلا من الشجرة بمجرّد أن وسوس إليهما الشيطان؛ بل إنّه لم يستطع أن يوقعهما في المحظور إلا في حال نسيان: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما"، وما كان من آدم وزوجه إلا أن شعرا بالوقوع في الذنب! فماذا فعلا؟
هل أخذا يتلاومان مثلاً هو يقول: أنت لم تنبهيني، وهي تقول أنت لم تنبهني! أوهل اشتغلا بشيءٍ آخر وأجلا التوبة؟ أو قالا سنكمل الأكل الآن ثمّ بعد أن نفرغ منه ونشبع نتوب؟ (1/61)
صفحة 62
إخوتي الكرام،، القرآن يخبرنا أنّهما بمجرّد أنّهما "ذاقا الشجرة" تذكرا أنهما نسيا عهد الله بأن يلزما طاعته، "فقالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"، وهذا شأن المؤمنين كلّهم جميعاً:" والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"، أو أفراداً:"فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنّ الله يتوب عليه".
فإذا أردنا أنْ ننظر في أحوالنا-نسأل الله السلامة- أين نحن من هذا الهدى الإلهيّ الذي علّمنا الله إيّاه:
1 - أن لا نتعمّد الوقوع فيما نهى الله عنه."إنّما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة".
2 - أن لا نُصِرّ على الذنب إذا وقعنا فيه، بل نتوب من قريب"ثمّ يتوبون من قريب".
3 - أن ننتهي عما سلف منا: "إنْ ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف".
4 - عمل الصالحات وترك السيئات والاستمرار على هدى الله:"وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدى".
إخوة الإيمان:
ليس الاستغفار نافلة من القول، بل شيءٌ لابدّ منه للمؤمن حتى النبيّ صلى الله عليه وسلّم يأمره الله بالاستغفار ليتوب عليه سبحانه وتعالى: "فسبح بحمد ربك واستغفره إنّه كان توّابا". (1/62)
صفحة 63
وهناك مبادئ ذكرها الله من صفات المؤمنين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} المؤمنون: (1) – (11).
وعباد الرحمن وصفاتهم وما مدى اتصافنا بها؟ وكذلك المتقون وصفاتهم وأين نحن منها؟
التوبة التي لا تقبل:: ... ل
لا يقبل الله التوبة من كل من: ... ن
- عامل السيئات الذى يقول قبل موته إنى تبت الآن.
- الذي يموت وهو كافر فهؤلاء أعدّ لهم العذاب الأليم، وفى هذا قال تعالى: "وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما "
جزاء التائب: ... /
للتائب جزاء فى الدنيا هو تمتيع الله له المتاع الحسن إلى أن يموت، و إيتاؤه فضل الله وهو رزقه، وأن ينصره على الكفار، وفى هذا قال تعالى: "وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذى فضل فضله " ... ب
أمّا جزاء التائب فى الأخرة هو دخول الجنة، وفى هذا قال تعالى:" إلا من تاب وأمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا".
أسئلة:
1 - ما معنى التوبة؟
2 - ما التوبة المقبولة عند الله؟
المجلس الرابع والعشرون
حق الجار
العناصر الرئيسة:
- الوصية بالجار - مراتب الجيران وحقوقهم (1/63)
صفحة 64
أخي المسلم اعلم – هداني الله وإياك – بأن الله سبحانه وتعالى ذكر الإحسان إلى الجار بعدما ذكر عبادته وحده لا شريك له، وبعد ما ذكر حقوق الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظم هذه الحقوق وتأكيدها، يقول سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}.
وقد فسر ابن عباس – رضي الله عنهما – قوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} فقال: يعني الذي بينك وبينه قرابة، وأما {َالْجَارِ الْجُنُبِ} فهو الذي ليس بينك وبينه قرابة.
وجاء السنة النبوية مؤكدت هذه الوصية، بل بين أن هذا التأكيد إنّما هو بأمر الله عز وجل فقال صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنّه سيورثه»،أي: حتى ظننت أنّه سيجعل له نصيباً من الميراث ويدخله في جملة الورثة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره».
ومراتب الجيران ثلاثة وهي:
1 - جار له حق واحد وهو المشرك له حق الجوار 2 - وجار له حقان، وهو الجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام 3 - وجار له ثلاثة حقوق، وهو الجار المسلم له رحم، له حق الجوار وحق الإسلام وحق القربى. (1/64)
صفحة 65
والشريعة الإسلامية الغراء اعتنت بحقوق غير المسلمين، ومعلوم أنّ الذين يحظون بكل هذه العناية هم الذين لا يؤذون جماعة المسلمين، ولا يكيدون لهم كيداً، ولا يناصبونهم العداء، ولهم ذمة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في حسن تعامله مع جيرانه من غير المسلمين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النّار».
من حقوق الجار:
1 - أن يتعاهد جيرانه ويطعمهم من طعامه إن رأوه أو شموا رائحته، ويطفئ جوعهم إن علم بذلك وقدر عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك».
2 - أن يقدم الجار الأقرب في الهدية مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها لما سألته: «يا رسول الله، إنّ لي جارين، فإلى أيّهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا».
3 - أن يعينه إذا استعان به.
4 - أن يعوده إذا مرض.
5 - أن يهنئه إذا أصابه خير.
6 - أن يعزيه إذا أصابته مصيبة.
7 - أن يتبع جنازته إذا مات.
8 - أن لا يستطيل عليه بالبنيان فيحجب عنه الريح إلّا بإذنه.
الأسئلة:
1. عدد مراتب الجيران؟
2. اذكر بعضا من حقوق الجار؟
المجلس الخامس والعشرون
إياكم والظن
العناصر الرئيسة:
- الظن أكذب لحديث - الظن مرتبط بالتجسس والغيبة - أن تكون مجالسنا مجالس علم وثقافة (1/65)
صفحة 66
الظن يأتي بعد الشك، والشك هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل الشك ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإذا طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين، والظن سلم إبليس لتفريق الشمل، وبث العداوة والبغضاء التي هي هدف الشيطان ومراده يقول الله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} المائدة: (91).
والله يحب أن نكون في الدنيا إخوة متحابين فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الحجرات: (10)، لأن الدنيا دار نتدرب فيها ونعد أنفسنا بالإيمان لنعيش في دار الخلود يقول جل جلاله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} الحجر: (47) فدار الخلود تخلوا من الغل والحقد والتباغض الذي من أعظم أسبابه سوء الظن بالخلق، فهو أشد الأمراض الاجتماعية انتشارا في المجتمع، وهو أكذب الحديث، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً". (1/66)
صفحة 67
يوسوس الشيطان للإنسان بسبب موقف عابر يقول له: إن فلانا يقصد إهانتك، فهو جبار متكبر لم يسلم عليك، أعرف قصده، وهو لا يعرف، هو يظن، والشيطان يستغل الموقف، فيوسوس بذلك للمرء، وأحيانا يرى أحد الناس بقرب مكان به منكرات مثلا، فيوسوس الشيطان لهذا الإنسان ليسئ الظن بأخيه قائلا: ماذا يفعل فلان هنا؟ ربما يفعل منكرا من الأمر، وبعد وقوعه في الظن يحاول الشيطان أن يدفع بهذا الشخص إلى الخطوة التالية المترتبة على الظن، يأتيه بنصيحة شيطانيه يقول: لا تظن في الناس إلا بعد أن تتثبت فيدفعه بذلك إلى التجسس، وتتبع عورات الناس، وتلمس السقطات والزلات وتجميعها، ثم يصل إلى الخطوة الثالثة من خطوات الشيطان وهي نشر وإذاعة ما توصل إليه بالظنون مع بعض القرائن والتلفيقات من الشكوك والأوهام فيقع في الغيبة، ويأكل لحم أخيه، ولذلك حرم الله الظن، ثم التجسس، ثم الغيبة، التي هي النتيجة المترتبة على سوء الظن والتجسس قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} الحجرات: (12)
فانظر أخي يارعاك الله إلى هذا المنظر البشع، هل تتصور إنسانا يأكل لحم أخيه وهو ميت؟ فالله سبحانه ينفرنا من الغيبة أيما تنفير، رغم ذلك نجد كثيرا من الناس لا يتورع عن الخوض في أعراض الناس، وهتك حرماتهم، حتى وهو صائم، يصوم عن الحلال ويفطر على الحرام من لحوم الناس، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "الغيبة تفطّر الصائم وتنقض الوضوء" والناظر في الأمر يدرك الأسباب وراء تفشي الغيبة وسوء الظن منها:
· الغفلة عن ذكر الله، والغفلة عن استحظار خطر سوء الظن على المجتمع والدين. (1/67)
صفحة 68
· الثقافة السائدة عندما نلتقي نكثر من الكلام والخوض في الدنيا والعقارات، وفلان بع، وفلان اشترى، وفلان قال وفلان كذا وعلان كذا مما يفتح مجال الخوض في الغيبة وسوء الظن والتحليل وغيرها ........
فإذا أردنا أن نغير أولا نتوب إلى الله من الظن ومن التجسس والغيبة، ونتذكر آثارها المدمرة على العلاقات وعلى الآخرة، وكذلك نبدل مجالات الحديث في المجالس، بدل القيل والقال نستبدل ذلك بكتب الثقافة والأدب الجم الرفيع، أو بتداول مسائل تقع للكثير منا وماذا قال العلماء فيها، وطرح قضايا التربية وما أكثرها وللأسف الكثير يجهل مبادئ تربية الأبناء فلنثري مجالسنا بما ينفع بدل الأمور التي تضرنا في ديننا ودنيانا.
الأسئلة
1 - مناقشة آثار الغيبة وسوء الظن على المجتمع وأثرها على القلب!
2 - ما الاقتراحات البديلة عن مجالس الغيبة وسوء الظن؟
المجلس السادس والعشرون
شكر النعمة
العناصر الرئيسة:
- النبي سليمان وشكر النعمة - صور من النعم التي أنعمها الله علينا
أيها الأخوة الكرام ... نبدأ مجلسنا اليوم بالحديث قليلا عن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام ...
انظروا –رحمكم الله وإياي- إلى سليمان ... أعطي ملكا لم يعط أحدٌ مثله لا قبله ولا بعده، كان له الملك الواسع، والمال الوفير، وسخرت له الريح، واستعبد له الجنّ، ولان له الحديد، ومع هذا كله ما كان منه إلا أن يتواضع لواهب النعم والمنن قائلا: "قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم".
لسان حاله: يا الله وهبت لي من النعم ما وهبت، وسخرت لي من المنن ما سخرت ... فأنت صاحب الفضل والمنّ وحدك لا شريك لك ...
يا الله ... هذا ابتلاء منك ... هل أشكر النعمة فأضعها في طاعتك فأكن من الفائزين ... أم أكفر بها وهي نعمتك أنت وحدك، فأعصيك بها، فتكون شاهدتً علي، فأكن من الخاسرين النادمين ... (1/68)
صفحة 69
يا الله ... لئن شكرت فلنفسي، ولئن كفرت فأنا الخاسر، فأنت غني عني وعن نعمائك.
انظروا رحمكم الله ... هذا سليمان ... ومن كسليمان في التأريخ أعطي ما أعطي من النعم ... وانظروا كيف قابل ربه بهذه النعم ... جعلها في طاعته جلّ وعلا ... فاستحق الثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
ولننظر إلى أنفسنا ... كم من النعم التي هبنا الله إياها؟ هل كنا شاكرين الله بها أم من الكافرين؟!!!
تصوروا نعمة الصحة ... نعمة السمع والبصر ... نعمة الحياة ... ماذا لو فقدناها ... أتستطيعون العيش بلا سمع أو بصر؟ أتصبرون على المرض ... ؟
ولننظر الآن هل شكرنا الله بهذه النعم أم كفرنا بها؟ أهي شاهدة لنا يوم القيامة أم علينا؟
وها نحن في شهر الصيام ... انظروا حاجتكم إلى الشراب والطعام ... تصوروا أمما تعيش طول عامها في جوع وبحث عن الشراب ... وأنتم والحمد لله تأكلون وتشربون بكل سهولة ويسر ... فهلا شكرتم الله على هذه النعمة ... فتضعونها فيما يحبُّ ربكم بلا إسراف ولا تقتير ...
وانظروا إلى نعمة اللباس ... كم من الملابس تتباهون بها ... انظروا إلى أمم في العالم يتقاسمون اللباس فيما بينهم لضيق ما في اليد، فهلا شكرتم هذه النعمة، فجعلتموها شاهدة لكم يوم تلقون الله تعالى، لا تسرفون فيها، ولا تتكبرون بها ....
ومن النعم - رحمكم الله – التي تتنعمون بها نعمة الاتصالات، نعمة الهاتف النقال أو المحمول ... تقضون الحوائج في وقت قصير، كم من الناس يعصون الله تعالى بها، تصوروا –هداكم الله وإياي- لو كنتم فاقديها ماذا يكون حالكم، فهلا شكرنا الله تعالى في نعمة الهواتف والانترنت، وجعلناها شاهدة لنا في الخير والبر والصلاح؟!!! (1/69)
صفحة 70
ومن النعم الجليلة التي تتنعمون بها أيضا نعمة التلفزة والقنوات الفضائية، تشاهدون فيها النافع المفيد، وتتابعون العالم وأنتم جالسون في بيوتكم، فاشكروا الله تعالى فيها بمشاهدة ما ينفعكم ويرضي ربكم، وتجنبوا مشاهدة ما يغضب الرب، فهذا من كفران النعم والعياذ بالله من الخذلان.
ومن النعم التي نتمتع بها ليل نهار –أخوتي الكرام- نعمة اللسان، انظروا لو فقدتم هذه النعمة كيف تتكلمون ... أم كيف تفهمون بعضكم البعض، فحذار من وضع هذه النعمة فيما يغضب الرب، في الغيبة والنميمة والبهتان، وحذار من وضعها في الكذب والسخرية والاستهزاء، رطبوا لسانكم بوضعها في كل خير يقربكم إلى الله تعالى، فتكون رحمة لكم دنيا وأخرى.
ومن أعظم النعم إطلاقا نعمة الوقت والزمان، ونعمة الصحة والفراغ، فبدونهما لن تستطيع أن تعمل أدنى عمل تسعد به، تأمل معي حديث حبيبك صلى الله عليه وسلم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.
فلنعمر أوقاتنا بما يرضي ربنا، ويقربنا إليه، ويشفع لنا عنده جلّ وعلا، ولنحذر كفران النعم، صغيرها وكبيرها، ولنتذكر دائما قوله تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
الأسئلة:
1. كيف قابل النبي سليمان –عليه الصلاة والسلام- نعم الله علية؟
2. اذكر صورتين من النعم أنعمها الله عليك، موضحا كيفية شكر الله تعالى بها؟
المجلس السابع والعشرون
من أحكام زكاة الفطر
العناصر الرئيسة:
- زكاة الفطر حكمها وحكمة مشروعيتها - مقدارها – من تعطى؟ - الأصناف التي تخرج منها (1/70)
صفحة 71
أحبتي في الله: ما أسرع الأيام، فبالأمس بدأنا الصوم ونحن اليوم على مشارف النهاية، ولم يبق على نهاية رمضان إلا القليل، ورمضان شهر خير وبركة، كله قربات ورحمات، ونفحات وخيرات، ينتقل فيه المسلم من محطة إلى أخرى، ومن عبادة إلى عبادة يتزود لدنياه وآخرته، ومن ضمن عبادات رمضان والتي يختم بها المسلم الشهر الفضيل ويودعه "إخراج زكاة الفطر"، وهي عبارة عن صدقة يُخرجها المسلم بعد فطره من صيام شهر رمضان، وتسمى بفطرة الأبدان.
ولزكاة الفطر فضلٌ عظيم، لأنها صدقة يُخرجها المسلمُ، وكل صدقة يؤديها المسلم تقرباً إلى الله عز وجل- يضاعفها الله له إلى أضعاف كثيرة مصداقاً لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، إذن يتحقق من وراء زكاة الفطر فضل عظيم للمزكي.
أحبتي الكرام: ربما يسأل سائل عن حكم زكاة الفطر؟
زكاة الفطر سنة واجبة، فعن عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها - قالت: "سنَّ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر على الحرِ والعبدِ والذكرِ والأنثى، والصغير والكبير صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من زبيبٍ، أو بُرٍ أو شعير أو أقط ".
وهي فرض واجب بصريح نصوص أخرى كحديث عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما - قال: " فرضَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطرِ صاعا من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروجِ الناس إلى الصلاة ".
ويمكن الجمع بين النصوص المصرحة بأنها سنة والنصوص المصرحة بالفرض بأنها سنة واجبة، فهي سنة باعتبار أنها طريقة مسلوكة ثابتة عن النبي – صلى الله عليه وسلم-، وهي واجبة باعتبار الإلزام والتكليف. (1/71)
صفحة 72
وقد شرعت هذه الزكاة لحكم عديدة تستنبط من الأحاديث الشريفة كحديث " أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم " يعني الفقراء.
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما قال: " فرضَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغوِ والرفث وطُعمة للمساكين".
فلزكاة الفطر حكما عظيمة منها:
1 - لتكون عونا للفقراء، وذلك صيانة للمحتاج في يوم العيد من ذُل السؤال، ولتحقيق سعادة الجميع في يوم العيد، وليتساوى الفقير مع الغني في وجدان الطعام.
2 - وكذلك فإن زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو أو الرفث، أي مما صدر منه من الباطل أو القبيح أو مما لا يحسن ولا يليق، وكذلك هي شكر لله على نعمة إتمام صيام رمضان.
فإذا أردت أن تزكي فما هو المقدار الواجب إخراجه؟
جاء في الحديث الشريف "صاعاً مما تأكلون" والصاع يُقدر بكيلوين وأربعين غراماً تقريباً، وقيل: وخمسين غراماً، ولكن لو احتاط وزاد كان في ذلك خير.
وتجب زكاة الفطر على المسلم الغني يُخرجها عن نفسه وعن من يلزمه عوله.
وبالنسبة للزوجة: فإن من العلماء من قال: بأن الزوج يخرجها عن زوجته.
ومنهم من قال: تخرجها عن نفسها، وقيل: إن كانت غنية أخرجت عن نفسها وإن كانت فقيرة أخرج عنها زوجها، وفي الجملة لا بأس أن يخرج عنها إحسانا إليها، وردا لجميلها وفضلها.
وبالنسبة للوالدين: فإنها تلزمه إن كان يعولهُما، وزكاة الفطر لا تلزم المسلم عن عمالهِ وخدمهِ الذين يعملون عنده بالأجر.
طيب لمن تعطى هذه الزكاة؟
قيل: تعطى للأصناف الثمانية التي تعطى زكاة الأموال، وقيل تخص للفقير لقوله عليه الصلاة والسلام: "صاعاً مما تأكلون يُعطيها الغني ويأخذها الفقير".
ما هي الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر؟ (1/72)
صفحة 73
تخرج زكاة الفطر من التمر أو الشعير أو الزبيب أو البر، كما ورد في الحديث، وحال الناس اتسع فتنوعت المأكولات وبالتالي يخرجها الإنسان من غالب ما يأكل، وما أحسن إن أخرجها المزكي من الأرز فهو غالب طعام البلاد.
طيب متى تخرج هذه الزكاة؟
ينبغي للمسلم أن يخرجها قبل صلاة العيد، فقد جاء في الحديث:" من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ".
ويجوز إخراجها: قبل يوم الفطر، وقيل: برؤية هلال شوال، وقيل: يجوز تعجيلها في أي يوم من أيام شهر رمضان والله أعلم.
الأسئلة
1. ما الحكمة من مشروعية زكاة الفطر؟
2. ما مقدار إخراج زكاة الفطر؟
3. لمن تعطى زكاة الفطر؟
المجلس الثامن والعشرون
من آداب العيد
العناصر الرئيسة:
- مفهوم العيد في الإسلام ... - آداب العيد وسننه
- صور من النعم التي أنعمها الله علينا
العيد في الإسلام عيد الأرواح قبل عيد الأجساد، وعيد الشكر والتعظيم قبل عيد الزينة والابتهاج، "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه"، وعن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: "ما هذان اليومان؟ " فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: "إن الله أبدلكم خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر"، إنه يوم السعادة والحبور لمن صح صيامه وتقبل قيامه، يوم يوفى فيه الصائمون جوائزهم بأيمانهم، وهو يوم السعادة لمن وقف بعرفات ودعا الله في ذلك اليوم المشهود، فنسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يتقبل منا صيامه وقيامه، وأن يرزقنا شهود يوم الجائزة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وهنا أخي- سلمك الله – أذكرك بما ينبغي عليك أن تفعله في يوم العيد من السنن والآداب للابتهاج بهذا اليوم الأغر: (1/73)
صفحة 74
ـ فمن السنن الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب خاصة البيض منها للرجال، من غير بطر ولا قصد سمعة ولا خيلاء، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كانت له حلة يلبسها في العيدين والجمعة.
ـ يستحب قبل الخروج إلى المصلى في عيد الفطر أن يأكل شيئا من الطعام، وأما في الأضحى فيستحب أن يأكل بعد رجوعه من مصلاه، فعن أنس قال: " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ... ".
ـ يسن الخروج إلى مصلى العيد في خشوع وسكينة، تعلو المؤمنين المهابة والتواضع لله تهتف حناجرهم بذكر الله وشكره على تمام الصيام وبلوغ هذا المقام رافعين أصواتهم بالتكبير كما قال تعالى: "ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون"، يكبرون من حين خروجهم من البيوت وحتى يأتوا المصلى، والتكبير يكون بأي صيغة كانت.
ـ تأكد أخي أن الخروج إلى المصلى لصلاة العيد وشهود ذلك اليوم السعيد من السنن المؤكدة على الرجال والنساء، وهذه أم عطية تروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بأن تخرج العواتق وذوات الخدور والحيض في العيد، فأما الحيض فكن يعتزلن المصلى، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، فكيف بالرجال؟، وقد جاء أن رسول الله أمرهن أن يخرجن تفلات، أي غير متعطرات ولا متبرجات بزينة.
وأما صلاة العيد فهي ركعتان بسبع تكبيرات، أو بتسع، أو بإحدى عشر، أو بثلاثة عشر تكبيرة، وهو المعمول به عند الأكثر.
ـ من المستحب أن يذهب من طريق ويرجع من آخر، فعن جابر رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق". (1/74)
صفحة 75
ـ أخي إن يوم العيد يوم التآخي بتأدية صلاة العيد في جماعة، والمصافحة والتهاني بتمام الطاعات حتى يذهب الغل من القلوب، وقد كان صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يهانون فيما بينهم بقولهم: "تقبل الله منا ومنك"،وهو يوم الوصال فاحرص أخي على صلة القريب والبعيد من رحمك، فإن من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، واعطف على الفقير واليتيم والكبير.
الأسئلة:
1. هل لك أن تذكر دليلا على مشروعية فرحة الصائم بالعيد.
2. حدثنا عن ما تحفظه من سنن العيد.
المجلس التاسع والعشرون
في وداع رمضان
العناصر الرئيسة:
- رمضان آذن بالرحيل ... - وقفات في وداع رمضان
- صور من النعم التي أنعمها الله علينا
ها هو رمضان قد آذن بالرحيل، تصرمت أيامه، وانقضت لياليه، ومر سريعا كأنه خيال ساحر، أو طيف باهر، نودع رمضان وفي القلوب حسرة على فراقه، وفي النفس لوعة لوداعه، فأبواب الجنان المشرعة قد أذن بغلقها، وأبواب النيران المؤصدة قد حان فتحها، ومردة الشياطين في فرح، فالوقت آنَ لتفك أصفادهم، ويطلق سراحهم، أنقضى رمضان مؤذنا بلقاء جديد بعد عام قادم، فوالله لا ندري هل نكرم مرة أخرى بلقائه، أم أن ريب المنون أسرع إلينا منه، مع ختام هذا الشهر العظيم شهر الرحمة والمغفرة والعتق النيران، لا بد لنا أن نقف وقفات مع أنفسنا حتى نحاسبها، ومع أرواحنا حتى نسألها، ومع عقولنا نستوقفها عن مخططاتها لما بعد رمضان:
الوقفة الأولى: شكر الله على توفيقه لصيام هذا الشهر العظيم، فكم من أناس رغبوا في صيامه، وعقدوا العزم على قيامه، لكن ملك الموت لم يمهلهم وتخطفهم من بينا، وفي بطون الألحاد فردهم عنا، فشكر النعمة مؤذن بزيادتها {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} "ابراهيم 7"، فهنيأ لأولئك الأخيار صيامهم لشهر الله رمضان، فقد جاء عن حبيبنا المختار –عليه الصلاة والسلام-: "للصائم فرحتنا: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه". (1/75)
صفحة 76
الوقفة الثانية: يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين}، (المائدة:27)، فحال المؤمن يكون في ختام الشهر بين فرح ووجل، فرح بتمام عمله، ووجل هل قُبل عمله أم لم يقُبل؟ وهل كان خالصا لوجه الله أو لا؟
فلقد كان السلف الصالحون يحملون هّم قبول العمل أكثر من العمل نفسه، ففي السنن من حديث عائشة قالت: قرأ رسول الله هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} المؤمنون 60، فقلت يا رسول الله: أهم الذين يسرقون و يزنون و يشرب الخمر ويخافون من الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: "لا يا ابنة الصديق، ولكنهم أقوام يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن يرد الله عليهم ذلك"، فهذه هي صفة من أوصاف المتقين الذين يتقربون بأصناف الطاعات، ومختلف القربات، ثم هم في خوف ووجل من الجليل من أن ترد اعمالهم، ولكن للأسف الشديد إن الواحد منا يعمل العمل وفيه الكثير من الشوائب والنواقص، ثم يمشي وقد امتلأ غرورا وعجبا بعمله ذلك، حتى لكأنه ظمن مفاتيح الجنان ببين يديه، فبالله عليكم من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود منا فنعزيه.
لقد روي أن أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كانوا لقبول العمل أشد أهتماماً من العمل نفسه، حيث كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، وستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم. (1/76)
صفحة 77
الوقفة الثالثة: الاستمراية في فعل الصالحات بعد رمضان، فمن علامة قبول الحسنة؛ أتيان الحسنة بعدها، فالله يحب لعباده المداومة على الطاعة والمضي قدما في فعل الصالحات، {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} "المعارج23"، أما أن نعبد الله في رمضان، فإذا ولى رمضان تركنا كل ذلك خلف أظهرنا فهو أمر لا يرضاه الله لعباده، وهو دليل على عدم قبول العمل البته، وربكم جل وعلا يضرب لنا مثلا بقوله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} "النحل92"، فمن الحمق أن تقوي صلتك بالله في رمضان بشهود الجماعات، وقيام الليالي في الظلمات، وترك المعاصي والسيئات، ثم تنكث بذلك العهد والميثاق، فتصبح مثل تلك المرأة الخرقاء القرشية ريطة بنت عامر التي كانت تأمر جواريها بالغزل من الصباح الباكر، وحتى إذا أقبل الظهر أمرتهن بنقض ما صنعن، فتصبح أنت وهي سواء بعدم الانتفاع بما صنعت، بل يجب علينا جميعا أن نعلم أن رب رمضان هو رب باقي الشهور وجميع الأعوام، وأن العبادة الحقة بأن نكون ربانيين في كل حياتنا ومعاملاتنا الدينية والدنيوية حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} "الحجر99".
الوقفة الرابعة: بما أن الشعراء هم ضمير أمتهم، ولسان حالها، فقد كان لهم غرر القصائد في وداع هذا الشهر الكريم، وهنا ننقل لكم شيئا من قصيدة الغشري، وهو سعيد بن محمد بن راشد بن بشير الخليلي الخروصي، يرثي رحيل رمضان، حيث يقول:
خير الوداع لشهرنا رمضان ... هل بعد بينك كان من سلوان
خير الوداع عليك يا شهر الهدى ... لم يبق من ذنب ولا عصيان
فعلى فراق سال دمع عيوننا ... فوق الخدود كهاطل هتان
فهو المفصل والمعظم قدره ... خير الشهور وسيد الأزمان
وفي الختام نبتهل للعلي القدير أن يتقبل منا رمضان، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
الأسئلة:
1. كيف تودع رمضان؟
2. من الشاعر الغشري؟
المجلس الثلاثون (1/77)
صفحة 78
العناصر الرئيسة:
- كيف كانت تجربتك في رمضان؟ - ما أهدافك بعد رمضان؟ وكيف تحققها؟
ماذا أنت فاعل بعد رمضان
-أخي الصائم-: لقد مرت أيام الشهر الفضيل مرورا سريعا، والناس قسمان رابح وخاسر، فمن استغل أوقاته أحسن استغلال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومن فرّط فيه فقد خسر خسرانا مبينا.
- لقد أدركت أخي المسلم - وفقك الله- ما للإنجاز من لذة وسعادة لا يشعر بها إلا من ذاق طعمها، وعاش أيامها، والجزاء من جنس العمل، وهذا مصداق لقول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وفرحة يفرحها عند لقاء ربه.
- قد تتساءل - أخي الحبيب- عن سر السعادة الذي حصل عليه هؤلاء الناس؟ فنقول وبالله التوفيق إنّ هناك أسبابا كثيرة لعل أهمها هي العزيمة الصادقة، والهمة العالية، والرغبة فيما عند الله من جزيل الثواب، وعظيم الأجر في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لكن لا شك أن هؤلاء الأبرار- جعلنا الله منهم -كانت لهم أهداف مرسومة وواضحة سعوا إلى تحقيقها، فوفقهم الله، وهذا يعني أنهم حددوا أهدافهم بدقة، وعملوا على تحقيقها، وهكذا المؤمن ينبغي أن تكون خطته واضحة، وأهدافه بيّنة، والقاعدة تقول: من لم يخطط لحياته فقد سمح للآخرين أن يخططوا له، فما هي أهدافك بعد رمضان يا أخي الحبيب؟
- من المهم أن يتوازن المسلم في حياته بحيث لا يطغى جانب على آخر، لأن الإسلام دين الوسطية، وكما يقول الشيخ السالمي:
خير الأمور يا أخي أوسطها ... والله أرزاق الورى يبسطها
أقترح عليك هذا البرنامج البسيط فزد عليه أو انقص منه بحسب ما تراه مناسبا لظروفك. (1/78)
صفحة 79
فبعد أن تعودت على النوم المبكر ستستيقظ مبكرا لتؤدي صلاة الفجر جماعة، ثم امكث في المسجد للذكر وقراءة القرآن، حتى تطلع الشمس بعدها تصلي ركعتين لتنال أجر حجة وعمرة كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تنس أن تصحب أولادك معك حتى يتعودوا على شعائر الإسلام منذ نعومة أظفارهم، فأنت بهذا تعتني بالجانب الروحي في حياتك.
- بعد رجوعك إلى البيت مارس نوعا من الرياضة كالجري أو المشي أو غيرها، ولو لمدة عشرين دقيقة، حتى يقوى بدنك على طاعة الله، وبهذا تحقق الجانب الصحي في حياتك.
- اكتب برنامجك اليومي في ورقة صغيرة، ومواعيدك حتى لا تنساها، واصطحبها معك، وكلما أنجزت شيئا بينه حتى تعرف ما أنجزته في ذلك اليوم، وبهذا تعوّد نفسك النظام.
- عش بقية يومك في تحقيق هدف رسمته في ذهنك، واجعل له جدولا زمنيا مثل حفظ كتاب الله، أو تعلم علم من العلوم، وركز عليه ولا تشتت ذهنك في كل شيء، لأن من أراد كل شيء فاته كل شيء، واعلم أخي الحبيب أنك في سباق مع الزمن.
دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة دقائق وثوان
تذكّر أخي - رحمك الله- أن من صام ستة أيام من شوال مجتمعة أو متفرقة كان كمن صام الدهر لحديث الرسول الكريم: من صام رمضان ثم أتبعها بست من شوال كان كمن صام الدهر.
وفي الختام أسأل الله لي ولك صلاح الحال والمآل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الأسئلة:
- ما أهدافك بعد رمضان؟
-كيف تحقق هذه الأهداف؟ (1/79)