صفحة 1
الكتاب: الواقعية والوحدة الإسلامية : الفكر والتطبيق لخميس العدوي
[ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع] الواقعية والوحدة الإسلامية
للشيخ خميس العدوي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، والصلاة والسلام على النبي الأكرم، الذي جاء برسالة التوحيد إلى أمته، وعلى صحبه الكرام، وآله الأطهار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يقوم الناس.
... أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد،،،
... فواقع المسلمين اليوم نزل إلى الدرك الأسفل من التمزق والتشرذم، وحل محل التسامح، وتقطعت الأواصر، فلم تعد هناك وشائج تربط بين طوائف المسلمين وشعوبهم، بل أصبح غاية أحدهم أن يلتقط الخلاف من هنا وهناك ليبثه عبر وسائل الإعلام المتاحة؛ وما أكثرها في هذا الزمن، لتتقد نار الفتنة ويهيج أوارها ويضطرم لظاها، والله تعالى يقول: { والفتنة أشد من القتل } (1) ويقول جل ثناؤه: { والفتنة أكبر من القتل } (2) وقد تنزل القارعة بطائفة من المسلمين فيفرح بها بنو جلدتهم في حين تبكي عدوهم، ويشمت بهم إخوانهم ويغيثهم أعداؤهم، وهذا من بلاء الزمان وذهاب الريح والرضا بالحقير، لم نعد أمة وسطاً كما أرادها الله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } (3) .
__________
(1) البقرة 191
(2) البقرة 217
(3) البقرة 143 (1/1)
صفحة 2
... والحق أن هذا الأمر لم يكن وليد الساعة، ولا كله نتيجة المؤامرات الخارجية، فهذا الواقع الذي وصلنا إليه (1) ضارب في القدم، متشعب في المراجع، وأصله –ولا ريب- الفتنة التي حدثت بين المسلمين في الصدر الأول بعد العهد النبوي والراشدي، وليس لنا أن نحاكم التأريخ، فالأحكام التي ستصدر عليه لن تطبق فيه، بل سيكتوي بنار شدتها واقعنا المرير، وسيزداد الأمر سوءً والرمضاء لهيباً والعطش سعاراً، وإنما علينا أن نطوي تلك الصفحات المؤلمة، ونقيل عثرتنا بالأخذ من علمهم وأقوالهم وآرائهم التي تخدم الدين في عقيدته وفكره وشريعته.
... لقد نزلنا من جراء هذه الفتنة من الحركة الفاعلة للإسلام بقرآنه العظيم وسنته المطهرة إلى الجدل والنقاش الحاد والردود المتكررة التي لا تغني ولا تسمن من جوع؛ بل هي سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
__________
(1) هذا ما هو طاف على السطح، ولا يتنافى مع الدعوات الموجودة إلى الوحدة الإسلامية، فهي أصبحت من القلة بحيث لا تكاد تُرى، وأنا آسف على هذا المدخل الذي قد يجعلني في عداد المتشائمين، فتصرفات المسلمين الحاضرة تزرع عدم التفاؤل في القلوب، ومع هذا فستجد في ثنايا البحث ما يعالج الموضوع، وستجد ما يدعو إلى التفاؤل أيضاً إن شاء الله. (1/2)
صفحة 3
... وأصبح الفكر الإسلامي يتململ طيلة قرون عديدة -ما عدا مواقف محدودة زماناً أو مكاناً جديرة بالفخر والاستفادة منها- يبحث عن حل لأزمته هذه، حتى جاء عصر الصحوة الإسلامية وبدأت مراجعة ما كتب على جميع المستويات، وخرج لنا علماء أفذاذ ومفكرون أقطاب بكتابات مستنيرة وآراء سديدة وتشخيص دقيق للقضايا وحلول ناجعة لأمراض الأمة، وما جاء به هؤلاء وإن كان جديداً في ثوبه مبتكراً في عرضه، إلا أنه قديم في تأصيله، فهو منطق القرآن الكريم منذ نزل به الأمين جبريل عليه السلام على قلب الأمين محمد عليه الصلاة والسلام، وهو التطبيق العملي الذي سار عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام.
... فخصائص الإسلام موجودة فيه منذ هبوط الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل هي أقدم من ذلك، فهي موجودة كخصائص في شرائع الأنبياء السابقين، وإن كانت غير مكتملة لعدم اكتمال شرائعهم.
... وما قام به هؤلاء العلماء والمفكرون هو صياغته في قوالب علمية وقوانين واقعية واكتشاف جديد لهذه الخصائص.
... أثّر هذا الكشف في واقع الصحوة الإسلامية وأعطاها دفعة ناشطة نحو الأمام، وكادت أن تؤدي الصحوة أطيب ثمراتها وتكسو المسلمين أزهى حللها وهي الوحدة أو الجامعة الإسلامية، لولا أنها وئدت قبل ذلك من قبل مثيري الفتنة ومن يحب ركود المسلمين ويقدم هدايا مجانية لأعداء دين الله تعالى على حساب دينه وإخوانه وبني جلدته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
... فإليكم أتوجه أيها العلماء والمفكرون، وأحملكم تبعة الأمة وصلاح أمرها، وعليكم أنتم تقع المسؤولية في بناء الأمة واستثمار قوتها الشبابية في الإصلاح والبناء والعمران الإسلامي، وبوحدة كلمتكم وقوة صفكم وصلابة رأيكم في الحق وتسامحكم فيما بينكم تفوتون الفرصة على أعداء الداخل والخارج. (1/3)
صفحة 4
... ليس مثلي من يقول لكم هذا الكلام، فأين الثرى من الثريا؟ وأين الضريح من الضراح؟ ولكنها خلجات نفس تحب الخير لهذه الأمة وتود أن ترى الأمة أمة واحدة، وكلمتها على عدوها ظاهرة، تصنع العالم وتقوده، وتضخ فيه الأخلاق العظيمة، أخلاق الإسلام والرسالة { وإنك لعلى خلق عظيم - } (1) .
... وعندما رشحت لهذه المهمة من قبل مؤسستي كنت متهيباً الأمر، فهذا أمر قد تصدى له عباقرة الأمة وأفذاذها، ولكن ما شرح صدري للموافقة على الكتابة، هو –أولاً- محبتي للوحدة الإسلامية، وثانياً؛ رغبتي في التعلم من أعلام أجلاء وعلماء فضلاء وعاملين نبهاء، فالحمد لله أولاً وآخراً (2) .
... فرجائي إن كان هناك ما ينبغي التنبيه عليه في هذا البحث المتواضع أن تنبهوني عليه، وتعلموني صوابه من خطئه وصحيحه من سقيمه ولكن بالتي هي أحسن، فليس بين أيديكم إلا طالب علم صغير.
والله الموفق لما يحب ويرضى.
الإسلام مدارس وليس فرقاً
... سأكتب عن الواقعية كخاصية من خصائص الإسلام العامة في خدمة الوحدة الإسلامية، وقبل الولوج في هذا الموضوع، أريد أن أبين بأن علينا أن نعتبر المذاهب الإسلامية مدارس وليست فرقاً، لكل مدرسة أساليبها وطرائقها ومناهجها، كلها تستقي من مصدر واحد وتصب في غاية واحدة، مصدرها الكتاب والسنة والإجماع، وغايتها رضوان الله تعالى والسعادة في الدنيا والعقبى.
__________
(1) القلم 4
(2) ... هذا الموضوع قدم ضمن البحوث المشاركة في مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية بالجمهورية الإيرانية في طهران في الفترة الواقع بين
وهذا البحث قدم كمشاركة من مكتب الإفتاء وهو أحد البحثين المشارك بهما، والآخر بحث الدكتور/ مبارك الهاشمي من جامعة السلطان قابوس، وكانت مشاركة السلطنة بوفد يرأسه سماحة العلامة المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. (1/4)
صفحة 5
... والأساليب والطرائق تختلف من مدرسة إلى أخرى باختلاف ظروفها وحاجتها، وفي هذا العصر الذي تداخلت فيه مجريات الحياة وتشابكت مصالح الناس، علينا أن نستفيد من المدارس جميعها، ونحاول أن ننقل الخبرات من مدرسة إلى أخرى، والواجب علينا –أيضاً- احترام رموز كل مدرسة، ولا نستنكف من أن نأخذ الحق من أي رمز كان، فالحق ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها، وعلينا أن ننتصر للدليل لا للرجال، يقول العلامة أبو الحسن البسيوي (1) : (فحصت الأديان ظهراً وبطناً، فلم أجد ديناً أصفى من ديننا، ولو علمنا غيره خيراً منه لما سمحنا لجهنم بأنفسنا، فعلينا في عصرنا هذا وبعد زماننا أن نعتصم بحبل الله) (2) .
... فالمؤمن لا يضره أن يترك ما في يديه إن كان في تركه نجاته، كما أن عليه أن يعرض ما عنده على الآخرين حتى يستفيدوا منه، فالعلم ملك للجميع.
__________
(1) هو العلامة الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن علي البسيوي العماني رضي الله عنه نسبة إلى بسيا من أعمال ولاية بُهلا، تلميذ العلامة الكبير الإمام أبي محمد ابن بركة البهلوي رضي الله عنه، وأبوالحسن علامة أصولي مجتهد من أقطاب المذهب الإباضي، له العديد من المؤلفات، أهمها جامع أبي الحسن البسيوي، وهو من علماء القرن الرابع الهجري.
(2) العقود الفضية في أصول الإباضية، سالم بن حمد الحارثي، ص169، ط وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. (1/5)
صفحة 6
... من هذا المنطلق، فمن واجبي نحو إخوتي المسلمين أن أعرفهم بما عليه مدرسة الإباضية (1) ، كما إن من واجبهم أن يعرفوني بما عليه مدارسهم، لنلتقي حول مواطن اللقاء وما أكثرها، وعلينا–جميعاً- أن نستمسك بالأصول (2) ، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه من الفروع، والفروع مختلف فيها من العهد الأول للإسلام "عهد الصحابة" ولكنها كانت رحمة في ذلك العهد، فلأي شيء ندعها تكون نقمة علينا؟! والعياذ بالله.
__________
(1) نحن نستخدم هنا وفي غيرها من الكتابات، الألقاب المذهبية للدلالة على المدارس ليس أكثر، من باب قوله تعالى: { وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } .(الحجرات 13).
(2) المقصود هنا بالأصول هي: أصول مصادر الشريعة الإسلامية؛ وهما الكتاب والسنة، والفروع هي: الاجتهادات والآراء الحاصلة من العلماء والمجتهدين، وأنتم ترون أن الكتاب والسنة عاصمان من الخروج عن الملة الإسلامية عند الأخذ بهما، وفي الانحراف عنهما قطع عذر المنحرف، أما قضايا الرأي فلا تفسيق ولا تبديع ولا تضليل فيها. (1/6)
صفحة 7
... وهنا أريد أن أفصح عن نظرية علمية قال بها العلامة علي يحيى معمر (1) وهي "المعرفة والتعارف والاعتراف" وإني أدعو المسلمين جميعاً للأخذ بها، ولندع العلامة معمر يتكلم عنها: (وأنا على يقين في نفسي أن المذهبية في الأمة الإسلامية؛ لا تتحطم بالقوة؛ ولا تتحطم بالحجة؛ ولا تتحطم بالقانون، فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة في رد الفعل، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف.
فبالمعرفة: يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون، ولماذا يتمسكون به ؟.
وبالتعارف: يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات.
وبالاعتراف: يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضى، ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه "اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ".
وفي ظل الأخوة والسماح تغيب التحديات، وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وعملها بالأصل الثابت في الكتاب والسنة، غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهباً أو اعتقدت مذهباً.
... ولن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم ممن يقلدهم الناس؛ أن أئمتهم أيضاً يقفون في صعيد واحد لا مزية لأحدهم على الآخرين إلا بمقدار ما قدم من عمل خالص لله) (2) .
__________
(1) الشيخ علي يحيى معمر من مواليد مدينة نالوت بليبيا سنة 1919م، تلقى العلم بمسقط رأسه، ثم في جزيرة جربة التونسية، فمعهد الحياة بالقرارة (الجزائر)، ودرّس في جربة ومعهد الحياة، ورجع إلى بلده ليبيا سنة 1945م، كان نشيطاً في الحقل الديني والأدبي والاجتماعي والتأريخي، له مقالات عديدة في الصحف والمجلات في هذه المجالات، بالإضافة إلى ذلك أغنى المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات التي تزيد عن (17) مؤلفاً، توفي رحمه الله تعالى عام 1400هـ –1980م.
(2) الإباضية بين الفرق الإسلامية، علي يحيى معمر، ج، ص-6، طوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1406ه/1986م. (1/7)
صفحة 8
... ويعلق الشيخ محمد بن ناصر بو حجام (1) على هذه النظرية بقوله:
... ( لهذا يرى الشيخ علي أن المعرفة التي تتوفر للمسلمين عن كل مذهب، والتعارف الذي يتم بين معتنقي المذاهب، والاعتراف الذي يكون شعار كل فرد في كل المذاهب، كل ذلك يُشعر الجميع أنهم يسيرون في خط واحد، ويهدفون إلى غاية واحدة، وهي خدمة الإسلام ورفع كلمة الله، وبالتالي يؤمنون بضرورة الترفع عن سفاسف الأمور، وعدم البقاء في دائرة الأمور الهامشية، والارتفاع إلى مستوى عظمة الرسالة) (2) .
... اعتقد أن هذه النظرية الموضوعية كفيلة أن تصلح من شأن الواقع وترتقي به إلى الأحسن، هذه النظرية قال بها أحد علماء المذهب الإباضي، وإذا نظرنا إلى المذاهب الإسلامية الأخرى سنجد مثل ذلك أيضاً، فإن مجال الالتقاء واسع، وهو قريب المنال لمن أراده، داني الثمرة لمن استطابه.
... ومن الحديث عن الواقع المر والأمل الحلو الذي ننشده أدخل إلى الحديث عن الواقعية وعن الواقع لارتباطهما الوثيق، متعرضاً للجوانب الكفيلة بتقارب المسلمين كخطوة متينة نحو الوحدة الإسلامية، رابطاً كل ذلك بواقعية الإسلام، وسأعطي من التطبيقات الإباضية أمثلة في تصحيح مسيرة الأمة تجاه الوحدة الإسلامية، منتظراً من أساتذتي الباحثين والعلماء الأجلاء أن يقدموا ما يوجد في مدارسهم، ولا ننس أن خطوة الالتقاء ستكون واحدة، وإنما تحتاج إلى تنظيم لتلتقي في نقطة الأخوة الإسلامية والاتحاد الإيماني.
الصحوة كانت البداية
__________
(1) الشيخ محمد ناصر بو حجام، كاتب وباحث جزائري، من وادي ميزاب بالجزائر، تتسم مؤلفاته ومقالاته بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية، ما زال يعيش.
(2) الشيخ علي يحيى معمر والدعوة إلى وحدة المسلمين، محمد ناصر بو حجام، ص-25، ط مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، السيب، سلطنة عمان. (1/8)
صفحة 9
لما هبت رياح الصحوة المباركة محملة ببشائر الخير على الأمة الإسلامية طفق أبناؤها الغيورون يبحثون عن بواعث النهضة في دينهم، وينقبون عن عوامل الحركة الفاعلة في مسيرتهم الإسلامية الطويلة، كما أنهم أخذوا ينقدون الدخيل على النصوص الشرعية من كلام الناس نقداً بناءاً فيستفيدون من الصالح ويتركون غيره بدون تجريح لعالم أو فقيه.
... وقد أصاب المسلمون المفصل عندما ارتفعوا بعقيدة الإسلام وشريعته من الجدل العقيم إلى اكتناه أسرارهما التي تحرك النفوس الخامدة وتوقظ الهمم الخاملة وتحرر العقول الجامدة.
... وقد ذكر المفكرون الإسلاميون مجموعة من الخصائص العامة للإسلام، وهذه الخصائص هي التي تفرد الإسلام بها منهجاً للحياة عن سائر المناهج، فهو منهج يعلو على سائر المناهج بعلو خاصيته الإلهية السماوية، وتهبط هي عنه بهبوطها إلى الوضعية الأرضية، وهذه الخصائص هي التي أعطت الإسلام بقاءه واستمراره وصلاحه لكل زمان ومكان.
... لم يكن قد بُوِبت هذه الخصائص قبل عصر الصحوة الإسلامية، ولكنها كانت موجودة ومستقرة في المنهج الإلهي، فإذن؛ هي ليست إضافة إلى المنهج الإسلامي ولا تطور في مفرداته، فالإسلام قد اكتمل باكتمال الرسالة المحمدية { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } (1) .
__________
(1) المائدة 3. (1/9)
صفحة 10
... هذه الخصائص إنما هي اكتشاف وتنظيم وتنسيق وطرح جديد، استفاد منها المسلمون في مسير حياتهم المعاصرة، وقد وعى التربويون فائدة هذه الخصائص في النمو الفكري السليم لدى الأجيال الإسلامية، فأدخلوها في مناهجهم فأتت ثمار الخير وأينعت النشاط والحركة والمودة والثقة بين المسلمين، والوعي بهذه الأهمية تعدى الحركات والمدارس الإسلامية الخاصة التي تعنى بشؤون الصحوة مباشرة إلى المدارس الرسمية، وكانت هذه خطوة مباركة في التصحيح والتجديد الإسلامي، وأذكر من ذلك المناهج الدراسية في بلدي سلطنة عمان، فقد قررت في المناهج الدراسية للمرحلة الثانوية العامة بمادة التربية الإسلامية (1) ، وفي كتاب العقيدة بمعهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد (2) .
... والحقيقة أن هذا الانتشار المنهجي لتدريس خصائص الإسلام أثمر جيلاً من الشباب همه منفعة الإسلام، منفتحاً على الفكر الإسلامي الفاعل، رافضاً الانغلاق في دائرة الجدل المذهبي، مما هيأ أرضية إسلامية شبابية مشتركة، ليت أولياء الأمور -قادة وعلماءً- يستثمرونها في صالح الإسلام العام، ويفوتون بها الفرصة على دعاة المذهبية المنغلقة.
... كان شهيد الإسلام سيد قطب هو الرائد الأول في الكتابة عن خصائص الإسلام –فيما أعلم- ومن كتب بعده إنما نسج على منواله، ولعله لم يزد شيئاً في الفكرة، وإنما ساق الأمثلة العديدة وعممها على فروع الإسلام المختلفة بعد أن خصصها سيد قطب في التصوير الإسلامي؛ وهو الأصل.
... فبينما نجد في كتابه "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" (3) يذكر ما يتعلق بالفكر والعقيدة من خصائص وهي الربانية والثبات والشمول والتوازن والإيجابية والواقعية والتوحيد.
__________
(1) تتبع وزارة التربية والتعليم.
(2) يتبع وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية (سابقاً).
(3) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، سيد قطب، ط السابعة، دار الشروق. (1/10)
صفحة 11
... نجد الدكتور يوسف القرضاوي يعممها على العقيدة والشريعة والأخلاق ونحوها، ويأتي بأمثلة على كل ذلك، ومن الخصائص التي ذكرها القرضاوي في كتابه "الخصائص العامة للإسلام" (1) الربانية والإنسانية والشمول والوسطية والواقعية والوضوح والتطور والثبات.
... ونجد الدكتور عبد الكريم زيدان يُعمِل هذه الخصائص في الجانب الدعوي حيث يذكر في كتابه "أصول الدعوة" (2) خمساً منها: الإلهية، والشمول، والعموم، والجزاء الأخروي، والمثالية، والواقعية.
... ويقتصر الشيخان أحمد بن سليمان الكندي وعاشور كسكاس على ثلاث خصائص بما يتناسب مع طبيعة كتابهم المنهجي (3) ، وهي: الربانية والتوازن والواقعية.
... هذا التداخل والتعدد في الخصائص لا يعني التنافر والتناقض، بل يعني وجود قواعد عامة للخصائص الإسلامية يمكن أن يبنى عليها المناهج الإسلامية المختلفة، فهي ضوابط واسعة المجال، يربطها رابط واحد وهو إلهية المصدر، يقول رائدها الأول سيد قطب: (هذه الخصائص تتعدد وتتوزع، ولكنها تتضام وتتجمع عند خاصية واحدة، هي التي تنبثق منها وترجع إليها سائر الخصائص ... خاصية الربانية.
... إنه تصور رباني، جاء من عند الله بكل خصائصه وبكل مقوماته، وتلقاه الإنسان كاملاً بخصائصه هذه ومقوماته، لا ليزيد عليه من عنده شيئاً، ولا لينقص كذلك منه شيئاً، ولكن ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته في حياته) (4) .
... إذاً، فلماذا لا نكيف حياتنا مع المنهج الرباني؟ ولماذا لا نستثمر هذه الخصائص في صالح الوحدة الإسلامية والالتقاء الإسلامي؟
__________
(1) الخصائص العامة للإسلام، الدكتور يوسف القرضاوي، ط الثامنة، مؤسسة الرسالة، 1414ه/1993م.
(2) أصول الدعوة، الدكتور عبد الكريم زيدان، ط مكتبة المنار الإسلامية، 1401ه/1981م.
(3) العقيدة ج، أحمد بن سليمان الكندي وعاشور بن يوسف كسكاس، ط معهد القضاء الشرعي والوعظ والإرشاد.
(4) خصائص التصور الإسلامي، ص. (1/11)
صفحة 12
... فكما صيغ التصور الإسلامي بعقيدته وفكره بهذه الخصائص، وكذلك الشريعة والدعوة والمناهج، علينا أن نصوغ بها مقومات الوحدة الإسلامية، وأن نبحث في ضوء هذه الخصائص ما يؤدي إلى الوحدة الإسلامية من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وكل ما فيها داع إلى الوحدة، منفر من الفرقة.
يقول الحق جل وعلا: { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك ليبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون - ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون - ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم - } (1)
... ويقول سبحانه:
{ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين - } (2) .
... وفي كتاب الله تعالى سبيل رتق الفتق وجمع الشمل يقول سبحانه وتعالى:
{ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } (3) .
... وقال - صلى الله عليه وسلم - : ((الجماعة رحمة والفرقة عذاب)) (4) .
... وقال عليه الصلاة والسلام: ((يد الله مع الجماعة)) (5) .
__________
(1) آل عمران 103-105.
(2) الأنفال 46.
(3) الشورى 14.
(4) رواه عبدالله في زوائد المسند، والقضاعي عن النعمان بن بشير انظر جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل، محمد بن يوسف أطفيش، خرج الأحاديث الدكتور عبد الرحمن عميرة، ج، ص، ط مكتبة الاستقامة، روي ، سلطنة عمان.
(5) رواه الترمذي عن ابن عباس، جامع الشمل، ج، ص. (1/12)
صفحة 13
وقال - صلى الله عليه وسلم - : ((إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ... )) (1) .
... وبعد نظرنا في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ننظر في كل مدرسة إسلامية روح التسامح والوحدة فنلتزمه، أما تلك الاختلافات والدعايات المنفرة فلنذرها مع الرياح حتى تذهب هباءً منثوراً كأنها لم تكن.
خصائص الإسلام العامة
... الإسلام كل متكامل لا ينقصه ما ينقص الفلسفات الأرضية، حيث لم يفرط في شيء يقول سبحانه وتعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } (2) ، فالعقيدة واضحة وميسرة ومؤثرة لا يوجد بها غموض ولا التواء، تخاطب العقل فيسلم لها، ليس تسليم الأعمى، بل تسليم المدرك الواعي لسلامتها وصحتها، والشريعة ناضجة راقية تستوعب مستجدات الأيام وتقلبات الدهر، والدليل على ذلك؛ ها نحن على مشارف القرن الحادي والعشرين الميلادي وقد قطع العلم والاختراع شوطاً كبيراً في الحياة، وكان في شريعة الإسلام الحل لكل معضلة والكشف عن كل مدلهمة، والحكم الذي يعطي كل أمر موقعه من الأحكام الفقهية الخمسة (3) .
... وتأتي خصائص الإسلام لتيسر لنا الطريق حتى نسير على هدى وبصيرة، ولا يمكن أن نطرح الإسلام بديلاً حضارياً للفلسفات الأرضية بدونها، ولا يمكن أيضاً أن نُعمِل بعضها ونُجمد الآخر، فهذا إيمان ببعض الكتاب وكفر بآخره.
__________
(1) رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، جامع الشمل، ج، ص.
(2) الأنعام 38.
(3) وهي الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام. (1/13)
صفحة 14
... وهذه المسميات التي اصطلح عليها إنما هي مسميات تقترب أن تكون اعتبارية؛ لتيسر لنا الفهم والتعامل مع المنهج الرباني وفق نظرة منهجية حديثة، وإلا فخصائص الإسلام أعمق وأكبر وأوضح، وهناك مجال رحب للمفكرين أن يقدموا صيغة أكثر نضجاً وأشمل استيعاباً لواقعنا المعاصر، يجب أن لا نجمد عند المصطلحات، فما ضر الفكر الإسلامي إلا عندما جمد في قوالب صلبة من قشور المصطلحات التي أخذ المسلمون يتراشقون بها في فترات فتنهم وتشتتهم كمصطلح الإيمان والكفر والفسق ونحوها (1) .
... إن الاستمرار في إعمال هذه الخصائص في المستجدات الفكرية، وخاصة فيما يخدم الوحدة الإسلامية لهو مطلب ضروري، وهذا فيما أحسب ما تفطنت له هذه الندوة المباركة.
... لا يمكنني أن أستقصي كل الخصائص العامة للإسلام وفي جميع المجالات، فهذا بحث يطول وهو خارج عن طاقتي العلمية والزمنية، ولكن بما أن أساس التقاء المسلمين هو العقيدة على وجه الخصوص، فيجدر بي أن أستعرض بعض هذه الخصائص من هذا المنطلق، وذلك حتى يتبين لنا أننا لسنا على خلاف في هذا الأمر، فقط كل ما نحتاجه هو الإخلاص لله تعالى وصدق النية له تعالى في الاتجاه نحو الوحدة والوئام مبتعدين عن الفرقة والخصام.
__________
(1) لست ضد المصطلحات، بل في نظري أن غياب المصطلحات في هذا الزمن أزمة من أزمات الفكر أدت إلى المياعة في جميع المناحي، وقد كتبت في ذلك وألقيت دروساً فمن شاء فليرجع إليها، ولكن ما أعنيه هنا الجمود على تلك المصطلحات وجعلها ديناً من دون الكتاب والسنة، فنحن المسلمين اتقلنا من الإفراط إلى التفريط. (1/14)
صفحة 15
... ثم بعد الاستعراض السريع لهذه الخصائص أقف عند خاصية الواقعية، فهي ألصق ما يكون بواقعنا، فلنبحث من خلالها عن حل لهذا الواقع، ومن المعلوم أن الفرقة المذهبية هي ما يحول -غالباً- عن التقاء المسلمين، وما ذلك إلا بسبب الخوف من ترك المذهب، ولكن عندما نبحث داخل المذهب ما يقرب إلى الوحدة ورصّ الصف، نجد الخوف يزول والعقدة تنحل عند أرباب وأتباع ذلك المذهب، فيقدمون مصلحة الإسلام على مصلحة المذهب، إن كان للمذهب مصلحة لا توجد في الإسلام، ولا أظنها توجد في مذهب سليم صحيح.
... لا يعني هذا أننا نجبر الناس أن يتخلوا عن عقائدهم التي يعتقدون سلامتها؛ والتي تختلف عندهم عن غيرهم في المذاهب الأخرى، وإنما نطلب أن تنزل هذه الخلافات منزلة الفروع، هذا إذا لم يوجد الدليل القطعي على رجحان أحدهما، وفي حالة وجود الدليل القطعي فلا بد لنا من ترك التشبث بما عليه الآباء والتزام الحق الذي دل عليه الدليل الشرعي.
... لذلك سوف أدعم الواقعية، وعلاج الواقع أيضاً، بما ورد من آراء وأقوال إيجابية في هذا الموضوع عند الإباضية –كما قلتُ- حتى يتبين للناس أن هذا المذهب الإباضي مستعد فكراً وعلماءً وأتباعاً للوحدة الإسلامية، بل ويسعى إليها أقطابه من قديم الزمان.
... والآن مع بيان موجز لبعض خصائص الإسلام العامة بما يسمح به الوقت هنا:
... الربانية: هي –كما يذهب سيد قطب- الخاصية التي تربط الخصائص الأخرى (1) ، لأن الله سبحانه وتعالى طلب من المؤمنين أن يكونوا ربانيين في حياتهم جميعاً بدون استثناء قال تعالى: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين - قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء... } (2) .
__________
(1) خصائص التصور الإسلامي، ص.
(2) الأنعام 162-164. (1/15)
صفحة 16
... والربانية: تعني أن مصدر التلقي هو من عند الله تعالى وحده، ولا يجوز أن نستمد عقيدتنا من أي مصدر كان، بل إن رسل الله تعالى عليهم الصلاة والسلام كانوا نقلة أمناء للوحي، لم يشرعوا للناس من هواهم –حاشاهم عن ذلك- يقول سبحانه وتعالى: { وما ينطق عن الهوى - إن هو إلا وحي يوحى - } (1) وما زال المصدر واحداً؛ والكل مجمع عليه ومجتمع حوله، ففيم الخلف بين المسلمين؟! وعندما يكون المصدر والتلقي واحداً فلا يكون الاختلاف إلا نتيجة إعمال الفكر البشري في هذه النصوص، ونحن لا نحجر على الإنسان التفكير في ذلك، ولكنه بدون أن يقودنا إلى الخلاف الممزِّق للصف، وإنما يجب أن يؤدي بنا إلى تنوع الفكر داخل الإطار الإسلامي الواحد.
... التوحيد: بحقيقته؛ أن لا معبود بحق إلا الله تعالى، فهو المنزه عن النقص والمشابهة لخلقه { ليس كمثله شيء } (2) وهو سبحانه وتعالى الخالق الرازق المتكفل بأمر عباده، والمسلمون متفقون على تنزيه الله تعالى، ومن يشب توحيده بشائبة شرك فهو خارج عن ملة الإسلام، حائد عن دائرة الأمة، غير محسوب عليها ولا لها.
... إذاً؛ التوحيد هو السياج الذي يربط الأمة الإسلامية، وهو الروح الذي يغذي النفوس المؤمنة للالتقاء على مائدة الأخوة الإيمانية.
... الثبات: الأمة الإسلامية مجمعة على القضايا الثابتة التي لا تتغير في المنهج الإسلامي، وهناك ثبات في العقائد وحقيقة الألوهية ومصدر التشريع، وثبات في الأخلاق والقيم الفاضلة، بل وثبات في بعض التشريعات العملية التي يبنى عليها عنصر الإنسانية الثابت مثل شؤون الزواج والميراث والطلاق والحدود والقصاص.
... وهذه خاصية حَفِظت الأمة برغم اختلافها الواقع من النشوز عن دائرة الإسلام، وكانت حركة الأمة (داخل إطار ثابت حول محور ثابت) (3) .
__________
(1) النجم 3-4.
(2) الشورى 11.
(3) خصائص التصور الإسلامي، ص، والعبارة عبارة سيد قطب. (1/16)
صفحة 17
... وهو –أي الثبات- من أهم المقومات التي تثير فينا الحماس تجاه الوحدة الإسلامية.
... الإنسانية: خاطب الإسلام الإنسان باعتباره إنساناً، فلم يعتبره ملكاً ولم يعتبره شيطاناً رجيماً، والإنسان مركب من عنصر سماوي وهو الروح وعنصر أرضي وهو الجسد، وبين الروح والجسد تتوزع النوازع الخيرة والشريرة، وجاء الإسلام ليربي الفطرة الخيرة في هذا الكائن ((كل مولود يولد على الفطرة)) (1) ، كما أنه جاء ليستل ضغينة الشر بملقاط الإيمان { بسم الله الرحمن الرحيم - والعصر - إن الإنسان لفي خسر - إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } - (2) وهذه الآية الكريمة تقرر صراحة أن الخسران الإنساني يجب أن يواجه بمعول الجماعة المؤمنة المتواصية بالحق والصبر حتى يتحطم.
... والشريعة الإسلامية أعطت الإنسان مجالاً ممتداً في فعل الخير بحسب قدرته وهمته، فهناك الفرائض والنوافل والطاعات، وكذلك من خصائص بشرية الإنسان الاختلاف النوعي والنسبي يقول الله تبارك وتعالى: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم... } (3) يكاد هذا الاختلاف يسري إلى كل شيء من نواحي الإنسان، وخاصة عقله وفكره، كل ذلك حتى ينمو الكون ويعمر وفق سنن الله تعالى الكونية والنصية، وهنا يجب أن تسقط الاختلافات المذهبية، أو بالأحرى تسقط آثارها السيئة، لأننا لو أردنا أمة في قالب واحد فينبغي لنا أن نلغي خاصية الإنسان منه؛ وهذا لا يمكن قطعاً.
... وهكذا لو تتبعنا بقية الخصائص الإسلامية سنجدها كلها تصب فيما يقرب المسلمين من بعضهم البعض، كالشمول والتوازن والوسطية والوضوح والإيجابية والمساواة والعموم ... ونحوها.
والآن لنأتي إلى خاصية الواقعية،،،
تعريف الواقعية
الواقعية؛ في الأصل مذهب فلسفي تضاد المثالية.
__________
(1) رواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي، جامع الشمل، ص.
(2) العصر.
(3) هود 118-119. (1/17)
صفحة 18
والمثالية –بأبسط صورها الفلسفية وأوضحها كذلك- هي: المثل الأعلى الذي يتصف بكل كمال –طبعاً في حدود نوعه- ويمتنع عليه النقص.
هذا؛ وقد حاول صاحب المجموعة الفلسفية أن يفرق بين نوعين من المثال:
الأول: يقال: مثالي؛ على كل ما ينُسب إلى الفكرة، وبالتالي يوجد في العقل بما هو فكرة، أي يوجد في الذهن ولا يوجد في الواقع.
والثاني: يقال: مثالي؛ بمعنى كامل وتام، فالمثال هو ما يحقق كمال النوع الذي يندرج فيه ويعبر عنه بالمثل الأعلى (1) .
... ولكن عند استقراء نظريات الفلاسفة وكتاباتهم في هذا الموضوع يذوب هذا الفارق ولا يكاد يكون له وجود، حيث إن المثل الأعلى نفسه لا وجود له –عندهم- في الواقع، وأقصى ما يراد منه هو محاولة وصول الواقع أو مفرداته إلى ذلك المثال.
... ولذلك عندما ناقشوا الغيبيات اضطربت أفهامهم أيما اضطراب، ولا يستطيع المرء أن يقف منهم على قول، وهذا يخالف العقيدة الإسلامية التي تؤمن بالغيب الذي أتت به النصوص إيماناً جازماً.
... ومقابل ذلك نجد الواقعية -كما قلت- تضاد المثالية: أي هي الموجود القائم المدرك بالحواس وهذا الموجود بطبعه ناقص يعتريه الضعف والفساد (2) .
... ويوصف الشخص بأنه "مثالي": إذا كان لا يراعي الأحوال الواقعية ويطلب أحوالاً سامية لا يمكن أو يعسر أو يستحيل تحقيقها في الواقع، وإذا كان لا يستند في تصوراته وأحكامه إلى سند من الواقع الفعلي، وفي هذه الحالة يتصور المثالي أن الواقع ناقص، إذ يقيسه بالمثل الأعلى الذي يتخيله (3) .
... وبالعكس يوصف الشخص بأنه واقعي إذا تقبل الواقع على علاته ولم يطمح في الوصول إلى المثالي.
... وخطورة هذا الفهم الفلسفي من جهتين:
__________
(1) موسوعة الفلسفة، الدكتور عبد الرحمن بدوي، مادة "المثالية"، ط المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1984م.
(2) موسوعة الفلسفة، مادة "مثالي".
(3) موسوعة الفلسفة، مادة "مثالي". (1/18)
صفحة 19
الأولى: أنه يقسم الأمور إلى شيئين منفصلين: مثالي وواقعي، وما دام المثالي غير موجود أو غير قابل للوجود في الواقع –حسب هذه النظرة- سيصطدم المرء مع هذا المثال، وبالتالي سيجنح إلى الركون إلى الواقع، فالله والآخرة والأخلاق الفاضلة والقيم العظيمة لا وجود لها في الواقع، وبالتالي لا يصح الركون إلى الخيال، وهذه فكرة مرفوضة إسلامياً.
الثانية: نجد أن فلسفة الواقعية بهذا المعنى دخلت جوانب الحياة المختلفة، كالفن والأدب والسينما ونحوها.
... ولنضرب على ذلك مثالاً من السينما؛ فالأفلام الواقعية: هي الأفلام التي تبرر أخطاء الواقع وحماقاته وتعذر الفرد الذي يرتكب الجرائم لأن واقعه أجبره على ذلك.
... ولنتصور الملايين من البشر –ومنهم المسلمون- كيف يكون تأثير هذه الأفلام على عقولهم وسلوكهم؟!.
... إننا نريد إعلاماً وفناً وأدباً واقعياً، ولكن ليس وفق هذه النظرة بل وفق الواقعية الإسلامية.
... على أنني لا أنكر أنه توجد هناك واقعية روحية (1) عند الفلاسفة ولكنها لا تكاد تظهر أو تستطيع أن تحدد منها موقفاً عقلياً أو عملياً.
... أتيت بالتعريف الفلسفي قبل غيره من التعريفات لأنه سابق عن غيره في تحديد مصطلح الواقعية، إذ –كما يتبادر لي- أن مصطلحي "المثالية" و"الواقعية" في الفكر الإسلامي لم يستمدا –مبدئياً- من المعنى اللغوي أو الشرعي، بل استعيرا ترجمة لهاتين اللفظتين من الفلسفة الغربية، وهذا ليس بعيب يقدح في رواد هذا التحرير الفكري من المسلمين، بل هي -في نظري- ميزة، حيث أعطت البديل الإسلامي الشامل والصحيح لتفسير هذين المصطلحين، مما يوقعهما عند أصحابهما الغربيين في مأزق القصور في فهم واقعية الكون ومثاليته الصحيحة.
... ومن الناحية اللغوية نجد أن الواقع يعني: النازل والحدث، وبما أن الزمن الحادث كله نوازل وحوادث سمي واقعاً.
__________
(1) موسوعة الفلسفة، مادة "مثالي". (1/19)
صفحة 20
... وعندما نقول: هذا الواقع. أي هذا الحادث والنازل الموجود حديثاً وحاضراً، والواقع: هو الحادث فعلاً، وأمر وقع: أي فعلاً وحقيقة، والوقائع: هي الأحداث، وسميت المعارك وقائع لكونها حدثت فعلاً.
... { ووقع القول عليهم } (1) وجب القول، أي حتماً وقع؛ ومنه قوله تعالى: { إذا وقعت الواقعة - ليس لوقعتها كاذبة - } (2) .
... يقول ابن منظور في "اللسان":
... (وقع السيف ووقعته ووقوعه: هبته ونزوله بالضربة.
... ووقع به ما كره، يقع ووقوعا ووقيعة: نزل.
... وأوقع ظنه على الشيء ووقعه؛ كلاهما: قدره وأنزله.
... ووقع بالأمر: أحدثه وأنزله.
... ووقع القول والحكم إذا وجب، وقوله تعالى: { إذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض } (3) وقال عز وجل: { ولما وقع عليهم الرجز } (4) معناه أصابهم ونزل بهم (5) .
... وحتى تتضح حقيقة كل أمر لا بد من الرجوع إلى أربابه، فماذا يقولون عن الواقعية الإسلامية؟
من الطبيعي أن نبدأ بتعريف أبي المنهج الإسلامي المعاصر (6)
__________
(1) النمل 85.
(2) الواقعة 1-2.
(3) النمل 82.
(4) الأعراف 134.
(5) لسان العرب، محمد بن مكرم بن علي ابن منظور، مادة "وقع"، ط دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التأريخ العربي، بيروت، لبنان، 1416هم.
(6) لا بد هنا أن نفرق بين المنهج الإسلامي والفكر الإسلامي.
فالمنهج الإسلامي: هو الكتاب والسنة؛ وبالرجوع إليهما يتحقق المنهج، والمنهج والمنهاج لفظتان شرعيان لقوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } .
فالشرعة والمنهاج هما المجعولان من الله تعالى.
والفكر الإسلامي: هو إعمال الآلة العقلية في فهم هذين المصدرين والاستمداد منهما وإعمالهما على أرض الواقع، وفي هذا الإطار تدخل المذاهب والمدارس الإسلامية.
وقولنا: بأن سيد قطب أبو المنهج الإسلامي المعاصر نقصد بأن لسيد محاولات رائعة في رجع الناس إلى الكتاب والسنة مباشرة، وقيدنا بالمعاصر لأن هناك من يوجد قبله من العلماء وخاصة قبل عصور الركود والجمود كأقطاب أهل الحق والاستقامة. (1/20)
صفحة 21
الشهيد سيد قطب، وخاصة أن من جاء بعده كان عالة عليه في هذا الموضوع.
... يُعطي سيد قطب الواقعية مدلولين، ويتكلم عنهما داخل إطار التصور الإسلامي فيقول: (إنه -أي التصور الإسلامي- يتعامل مع الحقائق الموضوعية ذات الوجود الحقيقي المتيقن، والأثر الواقعي الإيجابي.
... يتعامل مع الحقيقة الإلهية، متمثلة في آثارها الإيجابية وفاعليتها الواقعية.
ويتعامل مع الحقيقة الكونية، متمثلة في مشاهدها المحسوسة، المؤثرة أو المتأثرة.
... ويتعامل مع الحقيقة الإنسانية، متمثلة في الأناسي كما هم في الواقع (1) .
... وأما المدلول الثاني للواقعية في التصور الإسلامي، فيتعلق بطبيعة المنهج الذي يقدمه للحياة البشرية، وواقعية هذا الكون مع طبيعة الإنسان، وطبيعة الظروف التي تحيط بحياته في الكون، ومدى طاقاته الواقعية الحقيقية) (2) .
... نلاحظ أن سيد قطب لم يعط تعريفاً محدداً لنفس الواقعية، وإنما تكلم عن مدلولاتها في التصور الإسلامي، ولعله بهذا يريد أن يفلت من مضيق التعريفات، حيث إن التعريفات المحددة هي التي تجعل الفكر يجمد عند المصطلحات فلا يستطيع أن يخرج عنها، فهو يريد مفهوماً أوسع ومقاصد أرحب ومعاني أشمل، وهذا ما جعله يعلق على ذلك بقوله: (نحن نستخدم هذا بمعناه الذي يعطيه لفظه العربي، مجرداً من كل ما علق به من معنى اصطلاحي تأريخي في البيئات الأخرى) (3) .
... فسيد قطب ينطلق من اللفظة اللغوية ولكنه يعطيها مدلولات رحبة، وقابلة لاحتضان عدة معاني ما دامت تلتقي في نفس الهدف، وهذا ما جعل من أتى بعده يعملها في جوانب عديدة كالشريعة والأخلاق والدعوة وأخيرا الوحدة.
... ينطلق سيد من المعنى اللغوي البسيط، إلى التحقيق في عالم الواقع (4) .
__________
(1) خصائص التصور الإسلامي، ص-164.
(2) خصائص التصور الإسلامي، ص.
(3) خصائص التصور الإسلامي، ص.
(4) خصائص التصور الإسلامي، ص. (1/21)
صفحة 22
... ويقترب تعريف الدكتور يوسف القرضاوي من مفهوم سيد قطب، بل في الحقيقة هو نفس المعنى، ولكن بأسلوب أقرب إلى التعريف منه إلى المدلول والمفهوم.
... فبينما نجد سيد ينثر تعريفه نثراً يمتد خلال حديثه عن موضوع الواقعية بأكمله، نجد القرضاوي يقرب المفهوم بعبارات متقاربة وفي أسطر محددة؛ فاصلاً الأمثلة عن التعريف، ولعله أراد بذلك أن يسهل للقارئ تكوين المفهوم العام قبل دخوله إلى مفردات الموضوع، حيث يدخل الموضوع وهو محمل بتعريف أكثر تحديداً له.
... وقد يكون أراد أن يتلافى ما يقع فيه الرواد من عدم إعطاء المصطلحات معانيها لأنهم في طور التكوين والإنشاء والإبداع.
... فيعرف الواقعية بقوله:
... (نعني بالواقعية: مراعاة واقع الكون من حيث هو حقيقة واقعة، ووجود مشاهد لذاته، وهو وجود الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً.
... ومراعاة واقع الحياة من حيث هي مرحلة حافلة بالخير والشر، تنتهي بالموت، وتمهد لحياة أخرى بعد الموت توفى كل نفس فيها ما كسبت وتخلد فيما عملت.
... ومراعاة واقع الإنسان من حيث هو مخلوق مزدوج الطبيعة، فهو نفحة من روح الله في غلاف من الطين، ففيه العنصر السماوي والعنصر الأرضي، ومن حيث هو ذكر أو أنثى لكل منهما تكوينه ونزعاته ووظيفته، ومن حيث هو عنصر في المجتمع، لا يستطيع أن يعيش وحده ولا أن يفنى تماماً في المجتمع، ولهذا تصطرع في نفسه عوامل الأنانية والغيرية) (1) .
__________
(1) الخصائص العامة للإسلام، ص-158. (1/22)
صفحة 23
... أما الدكتور عبد الكريم زيدان فيتناول الجانب الدعوي للواقعية ويسهب في بيان ذلك، وملخصه: أن الناس بأشواقهم الروحية وبنوازعهم الأرضية؛ يتفاوتون من فرد إلى آخر في الاستعداد لبلوغ المستوى الرفيع الذي يرسمه الإسلام، فجعل الإسلام خطاً أدنى لقبول العمل؛ وهو فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذه تقع في مقدور الإنسان ولا تتعارض مع واقعه البشري، ولكنه –أي الإسلام- يفتح المجال للارتقاء عن طريق المندوبات والفضائل، وكذلك بترك المكروهات وسفاسف الأمور، وذلك لأن واقع بعض الناس يقتضي هذا المجال السامي للوصول إلى الكمال البشري الأعلى (1) .
... ولا تقف واقعية الإسلام عند هذا الحد، وهو وضعه مستويين للكمال، أدنى وأعلى، وإنما تتعدى إلى إيجاد المخارج المشروعة للمسلم في أوقات الشدة والضيق والحرج وهي الرخص وفقاً للقاعدة الشرعية (الضرورات تبيح المحظورات) (2) .
... ومغزى الدكتور زيدان من هذا الكلام أن على الداعية أن يراعي الواقع الإنساني، فلا يطلب من المدعو أكثر من الحد الأدنى، إلا إن كان يرى لديه شوقاً إلى ذلك وهمة عالية لبلوغه، فلا يعتبر من لم يصل إلى الكمال الأعلى مقصراً ينبغي عدم العناية به في الدعوة أو عدم الاستفادة منه.
... وأخصر التعريفات التي وجدتها هو تعريف الشيخين أحمد الكندي وعاشور كسكاس وهو:
... الواقعية: التحقيق في عالم الواقع ورد الفطرة إلى صراط الله الذي هو أصل كل واقع صحيح (3) .
... وهذا تعريف حسن، حيث اشتمل في كلمات محددة ومعدودة على كل معاني التعريفات السابقة، واشتمل على كل ما يمكنه أن توحي به الواقعية، وهو مدخل جيد للمناهج التربوية التي تعنى بإصلاح الشبيبة وإعطائهم معاني محددة تلازمهم في طلبهم للعلم، بل هذه طريقة متبعة عند علمائنا منذ قديم الزمان.
__________
(1) أصول الدعوة، ص-71.
(2) أصول الدعوة، ص.
(3) العقيدة، ج، ص. (1/23)
صفحة 24
... لعل القارئ الكريم يلاحظ أنني أطلت في سوق التعريفات لمصطلح الواقعية، ولكن في نظري لا بد منها حتى تتضح بصورة وافية وجلية في الذهن، ولكي أبين أنها تدخل في كل معاني المنهج الإسلامي بتصوره وفكره وشريعته وأخلاقه وتربيته ودعوته ووحدته، والواقعية التي ننشدها –وكذلك بقية الخصائص- يجب أن تلامس كل مناحي الحياة.
... نستخلص مما مضى؛ أن الواقعية المطلوبة في المنهج الإسلامي هي الواقعية:
1- التي تراعي الواقع كما هو دون إفراط أو تفريط، سواء بالنظر إلى الغيبيات الموجودة كحقيقة الألوهية والآخرة والموت، أو وضع المشاهدات في وضعها الصحيح فلا تركن إلى خداع الحواس فيها.
2- والتي لا تتعارض مع المثالية بل هي مكملة لها، فالأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة هي من المثل العليا، لكن في المنهج الرباني يستطيع البشر أن يتخلقوا بها ويعملوا على نشرها ويغيروا الواقع على مقتضاها، يقول الحق جل وعلا: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم... } (1) ولأجل ذلك نادى مفكرونا بالواقعية المثالية (2) .
3- والتي تعني أن المُثُل والمثالية ليست شيئاً خيالياً بل هي قائمة وموجودة، أو يمكن تحققها، ولكن يتفاوت الناس في تحقيقها في أنفسهم، ومن الواقعية أن نطلب من كل إنسان حسب قدرته وطاقته: { لا تكلف نفس إلا وسعها } (3) ويقول سبحانه أيضاً: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } (4) .
4- والتي تراعي الإنسان بما هو عليه من قوة وضعف ومنشط ومكره، واتفاق بين أفراده واختلاف، وأشواق ونوازع وصحة ومرض، وروح وجسد.
__________
(1) الرعد 11.
(2) خصائص التصور الإسلامي، ص، والخصائص العامة للإسلام، ص.
(3) البقرة 233.
(4) البقرة 286. (1/24)
صفحة 25
5- والتي تراعي الكون بمفرداته، فلا تعارض ولا تضارب، ولا قهر للطبيعة ولا غزو ولا تدمير، بل الإنسان مسخر في هذا الكون يعمل فيه وفق مطلب مسخره، أي الاحتكام إلى منهج الله تعالى في تسيير هذا الكون، يقول الحق جل وعلا: { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ... } (1) ويقول سبحانه وتعالى: { ... ويجعلكم خلفاء الأرض ... } (2) ويقول أيضاً: { آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ... } (3) .
6- والتي تعني رجوع الناس إلى فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، وفق سنن الله تعالى الكونية، وإرشاداتها العظيمة التي جاء بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يكون هذا إلا بالعمل بالكتاب والسنة، وكل إنسان مطالب بالرجوع إلى الحق، ومصلحة الشرع مقدمة على هوى النفس، لأن في مصلحة الشرع مصلحة النفس، وفي هوى النفس مضرتها.
7- والتي تصحح مسير الناس ليفلحوا في مصيرهم، إذ ثبت من الواقع أن الناس على مدى التاريخ البشري تنزع إلى الابتعاد عن منهج الله تعالى، ولذلك يجب قودهم إلى الحق بالتي هي أحسن، ولا يكون ذلك إلا بوجود المؤسسات القادرة على ذلك والضالعة بشؤون إصلاح المجتمعات والأفراد، وبالتعاون بين المؤمنين في رجع الناس إلى جادة الصواب، ولذلك كانت الدعوة مطلباً شرعياً واجباً على كل مؤمن ومؤمنة، يقول الحق جل وعلا: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } (4) ويقول سبحانه: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ... } (5) .
تشخيص الواقع في السنة النبوية
__________
(1) البقرة 30.
(2) النمل 62.
(3) الحديد 7.
(4) آل عمران 104.
(5) التوبة 71. (1/25)
صفحة 26
... هذا معنى الواقعية في التصور الإسلامي، إلا أن الواقع غير ذلك، فأثره على الناس شديد، فهو أشبه بالمغناطيس، يشد الناس إليه بكل خيره وشره، ولا يمكن أن يفلت منه إنسان إلا إن وعى أمر هذا الواقع، وحاول أن يرسم لنفسه منهجاً يلتزمه، ملازماً فيه هدي الإسلام، صابغاً حياته بصبغة الله تعالى، مثيراً في نفسه كوامن الفطرة التي غطى عليها الواقع بغباره، ولا يكون هذا إلا بالسير وفق المنهج الإسلامي، الذي تدخل أوامره ونواهيه وتصوراته وحقائقه تحت الواقعية التي لا تخرج عن قدرة البشرية في فهمها والتزامها بمقتضياتها.
... والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نبه إلى تأثير الواقع على الإنسان بأحاديث كثيرة، ولكن نختار حديثاً واحداً لشموله لواقع الناس، قال رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام: ((أمتي على خمس طبقات، الطبقة الأولى: أهل علم وهدى، والطبقة الثانية: أهل بر وتقى، والطبقة الثالثة: أهل تواصل وتراحم، والطبقة الرابعة: أهل تدابر وتنافر، والطبقة الخامسة: أهل هرج ومرج)) (1)
__________
(1) الدليل والبرهان، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، ج، ص-33، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1417هـ/1997م، والحديث رواه ابن ماجة. (1/26)
صفحة 27
... ويشرح العلامة أبو يعقوب الوارجلاني (1) هذا الحديث تحت عنوان "نصيب ظروف الزمان في آفة الدين" بقوله: (وإنما صار القرن الأول أهل علم وهدى، لأنهم اقتبسوا العلم مما سبق لهم من أمور الدنيا، يفهمون عن النبي عليه السلام الدين تلقيناً وعلماً وهدى، وقبلوه يقيناً وعلماً وهدى، فكانت علومهم وبصائرهم أقوى من أعمالهم، فمن استقى من عنصر النبوة من ذات نفسه حصل له العلم والهدى بتوفيق الله تعالى وتسديده.
... وأما أهل الطبقة الثانية: فإنما صاروا أهل بر وتقوى، لأنهم نشأوا في الإسلام من حال الصغر، فألفوا فعل البر وسبقت إليهم المخاوف التي في الآخرة، فغلبت عليهم التقوى.
... وأما أهل الطبقة الثالثة: أهل تواصل وتراحم، لأنهم غلبت عليهم المسودة الظلمة والملوك الفجرة، فحالوا بينهم وبين ما أفاء الله عليهم من الفيء وخراج الأرض والغنائم والعطايا، فأعقبهم التراحم بينهم البين والتواصل بما قدر به بعضهم البعض.
... وأما الطبقة الرابعة: أهل تدابر وتنافر، وذلك لأنهم استولت عليهم الأئمة، فلقنوهم الاسم الذي يأتون به، ولقنوهم بعض أحزابهم في مفارقتهم إياهم في بعض مذاهبهم وآرائهم، ولقنوهم أن من لم يكن قوياً في دينه ومذهبه ليس منهم على شيء، فوقعت الوحشة بينهم والعداوة والبغضاء، فتنافروا وتدابروا، وعزا كل واحد منهم لصاحبه ما لا يقول، فرجع التدابر والتنافر بينهم البين، بعد ما كان بينهم وبين أهل الشرك أعدائهم.
__________
(1) هو العلامة أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الوارجلاني، عالم مجتهد من علماء الجزائر، يعتبر أحد أقطاب أصول الدين وأصول الفقه في المذهب الإباضي، كما أنه موسوعي فله باع في التأريخ، والجغرافيا والرحلات والاستكشاف، والمنطق والرياضيات، وله العديد من المؤلفات المعتمدة في المذهب، وكانت له حلقة علم في الأندلس يؤمها طلاب من شتى البقاع بما فيهم طلبة ألمان، توفي عام 570ه. (1/27)
صفحة 28
... وأما أهل هرج ومرج: فحين فتر الإيمان عن القلوب وقل العلم وكثر الظلم، وقست القلوب لطول المدة وفترت لخلو المادة وانطماس الجادة، فهم يتقلبون في قدرة إبليس، ولم يرض لهم بدون الهرج والمرج.
... والله أعلم بمدد هذه الطبقات، وعدد هذه المدات، وما وراء ذلك من التعمق في الفتنات، التي اضطربت بأفاضل هذه الأمة في الأوقات) (1) .
... ثم يضيف الشيخ أبو يعقوب الوارجلاني بفهمه الثاقب وقدرته على التحليل، يضيف تأثير البيئة والسياسة والصحبة على واقع الناس فيقول:
... (وأما نصيب ظروف المكان في آفات الدين: فكالذي جرى للتجار مع النصارى في بلاد أرمينية، فلقنوهم مذاهب، فقبله من قبله منهم.
... وكذلك من جاور أهل البوادي، فإن الغالب عليهم الحل والترحال، والشقي في اقتناء الأموال، والغارات طول الزمان والقتل والقتال.
... وآفة أخرى: الملوك الجورة والظلمة الذين يحملون الناس بجورهم على غير دين الله تعالى حتى يتخذ الناس طرائقهم وسننهم ديناً، ويألفون ذلك ويحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء، كسيرة الوليد بن عبدالملك والحجاج بن يوسف في الجمعة أنهم يؤخرونها إلى آخر النهار.
... وأما الإخوان والأصحاب والأتراب، فحسبك فيهم قول الله عز وجل حيث يقول حكاية عن بعض الكفار: { يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً - يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً } (2) (3) .
__________
(1) الدليل والبرهان، ج، ص-33.
(2) الفرقان 27-28.
(3) الدليل والبرهان، ج، ص-34، اختصار وتصرف غير مخل. (1/28)
صفحة 29
... وهذا الحديث ليس حكماً قاطعاً على مجريات الأمور، وإنما حكاية واقع، فهو من جهة يكشف عن أثر الواقع على الناس، ومن جهة ثانية يحث على إيجاد البيئة الصالحة، فالبيئة الصالحة تؤثر على أفرادها ليكوّنوا مجتمعاً صالحاً، ويحذر من البيئة الطالحة منفراً من الوقوع في براثن سيئاتها، وليس في الإسلام الاستسلام السلبي، بل الإنسان المسلم هو الذي يصنع نفسه ومجتمعه والعالم أجمع، وكما يعتقد محمد إقبال (أن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، وليساير الركب البشري حيث اتجه وسار، بل خلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم واليقين، ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهاته، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة، ومقام الإرشاد والتوجيه، ومقام الآمر والناهي، وإذا تنكر له الزمان وعَصاه المجتمع وانحرف عن الجادة، لم يكن له أن يستسلم ويخضع، ويضع أوزاره ويسالم الدهر، بل عليه أن يثور عليه وينازله، ويظل في صراع معه وعراك، حتى يقضي الله في أمره.
... ويرى محمد إقبال أن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة، والاعتذار بالقضاء والقدر، من شأن الضعفاء والأقزام، فالمسلم الضعيف يعتذر دائماً بالقضاء والقدر، أما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد، وإذا أحسن المؤمن تربية شخصيته وعرف قيمة نفسه، لم يقع في العالم إلا ما يرضاه ويحبه) (1) .
واقعنا والواقعية
... من خلال ما مر ومما نعايشه، نستطيع بسهولة أن نرى واقعنا غارقاً في الواقعية، ولكن في الواقعية الخطأ، وليست الواقعية المطلوبة.
__________
(1) روائع إقبال، أبو الحسن علي الحسني الندوي، ص-93، ط المجمع الإسلامي العلمي لكنهو الهند، الطبعة الخامسة، 1411هم. (1/29)
صفحة 30
... بين عموم الناس؛ الواقعية المستمدة من حركة الواقع الخارج عن منهج الله تعالى، ويشفع لهم الفكر الإرجائي (1) المستشري بين المسلمين (2) .
... وعلى مستوى النخبة الثقافية؛ الواقعية الفلسفية التي تضاد المثالية.
... وعلى مستوى الفن وخاصة السينما؛ الواقعية التبريرية التي تعمق الخلل الواقع بين البشر.
... وكذلك الواقعية السياسية والاقتصادية؛ التي انجرف إليها الساسة والاقتصاديون بحكم سيرهم خلف الفكر الرأسمالي واقتصاد السوق الحر، وحجتهم أن الواقع فرض عليهم هذا الفكر بغلبة أصحابه، ونسوا أن المسلم يجب أن يقود لا أن ينقاد، وأن يكون متبوعاً لا تابعاً، حسبما ورد من روائع المفكر الإسلامي الكبير محمد إقبال.
... إننا محتاجون إلى الواقعية حسب التصور الإسلامي حاجة ملحة.
... محتاجون إليها لرجع الناس إلى الصراط المستقيم، وفي كتاب الله تعالى الحل لكل مشاكلنا، وهو يراعي مقتضيات الإنسان والكون بأسره.
... ومحتاجون إليها في إصلاح أوضاعنا السياسية والاقتصادية.
... ومحتاجون إليها في تهذيب النفوس وتصفية الضمائر.
... ومحتاجون إليها في التنظير والتأطير الفكري والثقافي.
... ومحتاجون إليها في الاجتهاد الفقهي والاستنباط الشرعي.
__________
(1) والفكر الإرجائي هو فكر إسرائيلي دخل إلى فكر المسلمين مع ما دخل من الإسرائيليات يقول الحق جل وعلا ناعياً عليهم أمانيهم الفارغة: ((وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)). ولن تجد دليلاً واحداً من الأدلة الشرعية المتواترة تقول بالخروج من النار أو تأيد الفكر الإرجائي ولو في أقل صوره غلواً.
(2) واقعنا المعاصر، محمد قطب، ص، ط مؤسسة المدينة للصحافة، الطبعة الثانية، 1408هم. (1/30)
صفحة 31
... ومحتاجون إليها في لمّ شعث الأمة ورتق فتوقها ورصّ صفوفها.
ومحتاجون إليها في الارتقاء بالأمة لتكون وسطا بين الناس كما كانت.
... ويكون ذلك كله باتباع الواقعية المثالية في القضايا الآتية،،،
الواقعية في العقيدة الإسلامية
لا بد لنا ونحن نخطو خطوات ثابتة نحو الوحدة الإسلامية أن نبين ملامح في العقيدة الإسلامية، فالعقيدة أساس الوحدة وبدونها لا وحدة ولا أمة ولا إسلام.
... العقيدة الإسلامية لها سمات محددة تخرج من مشكاة الواقعية، فبكونها –كما قلنا- تراعي الحقائق الإلهية والكونية والإنسانية، فهي لا تؤمن إلا بالحقيقة الواقعة.
... ولذلك جاءت جميع دعوات الرسل واحدة، قال تعالى حكاية عن دعوات الرسل عليهم السلام: { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } (1) ويقول سبحانه وتعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } (2) ويقول سبحانه: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } (3) .
... إنها حقيقة ثابتة لا يمكن تغيرها بتغير الزمان والمكان، وهذا يدعونا إلى تأمل حياة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كيف عملوا على نشر هذه العقيدة؟ وكيف جابهوا أقوامهم، وتحملوا في سبيل عقيدتهم الإسلامية شتى صنوف العذاب والإرهاق؟ وكانت النهاية نصرة لهم ولأتباعهم المؤمنين.
... إن تجربة الرسالات السابقة فيها ملامح كثيرة ومعالم واضحة للسالكين في طريق الخير من أمتنا، لم ترد أخبارهم وأخبار قومهم وصراع الحق والباطل لمجرد أن نتلذذ بقراءتها، وإنما لنعملها في واقعنا، ولا يكاد تحدث قضية إلا وفي حياتهم عليهم السلام مؤثرات في التعامل معها، ولا تقع نوازل إلا وفي حياتهم كواشف لها.
__________
(1) هذه العبارة كانت تتردد على ألسنة الرسل عليهم السلام، انظر سورة هود.
(2) النحل 36.
(3) الأنبياء 25. (1/31)
صفحة 32
... خذ قصة موسى وهارون –عليهما السلام- مع بني إسرائيل في قضية الحفاظ على وحدة شعبهما، أليس فيها ما يعذر بعضنا بعضاً بدلاً من تشتيت الأمة وتفريق صفها، قد تشتد القيادة فيما بينها ولكن يجب أن يبقى صف الأمة واحداً، وعلى الأطراف أن تسعى إلى حل مشكلتها وفق المنهج الإلهي.
... فلنتتبع هذه الآيات الكريمة؛ وهي تشرح لنا هذا الموقف بكل تداعياته وحلوله، إنها القيادة الواعية العظيمة، ولنسأل أنفسنا أين منها أولئك الذين يفرقون الصف لأجل قضية فرعية، قد يكون دليلها قول عالم فحسب.
... يقول الحق جل وعلا: { قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري - فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي - قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري - فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي - أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً - ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري - قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى - قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا - ألا تتبعن أفعصيت أمري - قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي - قال فما خطبك يا سامري - قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي - قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعداً لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً - إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً - كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكراً - } (1) .
__________
(1) طه 85-99. (1/32)
صفحة 33
... وهذا موقف لا يحتاج إلى تعليق وإنما يحتاج إلى تطبيق.
... والعقيدة الإسلامية لا تؤخذ إلا من وحي الله تعالى الذي نزل على هؤلاء الرسل الكرام، قال تعالى على لسان عبده عيسى بن مريم عليه السلام: { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } (1) .
... إذن العقيدة الإسلامية حقائق كاملة وواقعة، وما يزيد عليها نقصان، لأنها لا تقبل الإضافة من أي كان؛ ولو بلغ من العلم والفضل ما بلغ، يقول العلامة أبو يعقوب الوارجلاني: (ولم يؤثر عن أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه شرع لأحد من مسائل الاعتقاد شيئاً) (2) .
... لم يدفع بالأمة إلى التشرذم والتمزق إلا عندما اخترعوا لأنفسهم مصطلحات وآراء ثم اعتقدوها عقيدة لا يجوز النكوص عنها، يقول العلامة أبو يعقوب الوارجلاني: (اعلم أن الغالب على هذه الأمة؛ حيث افترقت وتوزعتها الأئمة، الغالب عليها التقليد، فاستبصرت كل فرقة في مذهبها، فأصيبت من جهة التقليد لغير مأمونين من الخطأ والزلل، وتركوا البحث فيما جاءهم عن أئمتهم، عادة الله تعالى في الذين خلو من قبلهم تقليد الآباء والأمهات والسلف الصالح والطالح) (3) .
... ويقول العلامة أحمد بن حمد الخليلي: (وليس هذا النزاع في أصول الدين، مع وحدة المصدر الذي تنهل منه العقول المتنازعة، إلا نتيجة لتباين المدارك واختلاف التصورات عند أئمة الفرق، ثم يؤصله تعصب الجماهير لأقوال أئمتهم، بحيث تجعل كل طائفة قول إمامها أصلاً تطوع له الأدلة المخالفة بكل ما تخترعه من التأويلات المتكلفة، فتوزعت الأمة شيعاً وأحزاباً { كل حزب بما لديهم فرحون } (4) (5) .
__________
(1) المائدة 117.
(2) الدليل والبرهان، ج، ص.
(3) الدليل والبرهان، ج، ص، بتصرف.
(4) المؤمنون 53.
(5) الحق الدامغ، أحمد بن حمد الخليلي، ص، ط 1409ه، مسقط، سلطنة عمان. (1/33)
صفحة 34
... ولو أننا تجردنا من هوى الاتباع والتقليد الأعمى، وأخذت كل طائفة من الأمة تبحث عما فيه نجاتها، لوصلنا إلى نتيجة واحدة تسلمنا إلى الاتفاق والتواد والتراحم، وإن لم تكن نتيجة واحدة قاطعة، فإنها -ولا ريب- لا تكون متنافرة متناحرة، فمن يستمد عقيدته من كتاب الله تعالى لا يمكن أن تؤدي به إلى قطع عذر أخيه؛ الذي يستمد هو الآخر من كتاب الله تعالى، على أننا نؤكد دائماً أن الإنسان مطالب باتباع الدليل وإن خالف ما عليه سلفه، يقول العلامة نور الدين السالمي (1) :
ولا تناظر بكتاب الله ... ولا كلام المصطفى الأواه
معناه لا تجعل له نظيراً ... ولو يكون عالما خبيرا (2)
... وهذا لا يمنع من أن ننظر إلى ما عند السلف، ولكن ليس بقصد التقليد وإنما بقصد التقييد، وليس للسلف العصمة فما ورد عنهم من خطأ يرد ولا يلتفت إليه، يقول العلامة أبو يعقوب الوارجلاني: (إننا اتبعنا أوائلنا وحاسبناهم واتبعناهم تقييداً ولم نتبعهم تقليداً) (3) .
... لم تجتث العقيدة الإسلامية من واقعيتها البسيطة السهلة إلا عندما دخلها الجدل، وأخذ كل فريق يضرب أخاه بقوارع الكلام وأفانين السباب، وأحياناً بحد السلاح والسنان.
__________
(1) هو العلامة عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي، عالم مجتهد مطلق، اتسمت مؤلفاته بالتحقيق العلمي الرصين، كان داعية إلى الوحدة والجامعة الإسلامية، حارب الاستعمار الإنجليزي حتى استطاع أن يقيم دولة الإمامة 1331ه، له تآليف في معظم الفنون كأصول الدين وأصول الفقه والفقه واللغة والأدب والتأريخ، وكان مصلحاً اجتماعياً، ولد بالحوقين من أعمال الرستاق عام 1286ه، وتوفي بتنوف من أعمال نزوى العاصمة العمانية آنذاك عام 1332ه.
(2) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، عبدالله بن حميد السالمي، ج، ص، ط11، 1989م.
(3) الدليل والبرهان، ج، ص (1/34)
صفحة 35
... علينا أن نرجع العقيدة إلى معينها الصافي ومنبعها الدافق ففيه غنى عن أقوال الرجال، هذا طريق الوحدة إن أردناها حقيقة.
... العقيدة الإسلامية عقيدة توقيفية لا يجوز فيها الإضافة –كما قلت- ولا يجوز أيضاً فيها القياس، لأن القياس من أعمال العقل الإنساني الذي يخالطه الوهم، وهو وإن كان محاطاً بشروط وموانع تؤدي به إلى الاستنتاج السليم إلا أن هذه السلامة نسبية وليست دائمة، والقياس يصلح في القضايا العملية لا التصورات والاعتقادات والعلم اليقيني.
... ومثله ما يمكن أن يخالطه الوهم والتدليس والنسيان والخطأ وهو خبر الآحاد، فقد اتفق جمهور الأمة على عدم الأخذ به في مجال الاعتقاد، يقول العلامة سعيد بن مبروك القنوبي: (إن الأحاديث الآحادية لا يجوز الاحتجاج بها في مسائل الاعتقاد، وذلك لعدم القطع بثبوتها وهذا هو مذهب جمهور الأمة) (1) .
... هذه ضوابط أقرتها الأمة الإسلامية –في مجموعها- وهي ضوابط ولا شك تؤدي بنا إلى التقارب في الفكر والاستنتاج وبالتالي إلى الالتقاء.
واقعية العبادات
... أهم أساس لوحدتنا الإسلامية هو العقيدة، وقد رأينا أن الخطوط الواضحة للعقيدة متفق عليها بين الأمة الإسلامية، والسلوك العملي العبادي لأفراد الأمة الإسلامية يعتبر ثمرة لهذه الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين.
... وقد تيبست طراوة الحلاوة الإيمانية في العبادة، بفعل الشعور بالعادة فيما يؤتى من العبادات والشعائر، فالمسلم لرتابة ما يأتيه من العبادة وفي زحمة الحياة ودبيب واقعها المادي، يجمد فيه شعور النداوة الإيمانية، فتغدو العبادة بالنسبة له عملية عادية يؤديها بدون أن يفكر في مقاصدها، وأحياناً بدون أن يشعر بألفاظها وأذكارها.
__________
(1) السيف الحاد، سعيد بن مبروك القنوبي، ص7 الطبعة الثالثة. (1/35)
صفحة 36
... أضف إلى هذا؛ عدم الاستشعار بأن ما يجري في الحياة من حركات وسكنات يمكن أن يتحول إلى عبادة يؤجر عليها، فمن المعلوم أن النية الخالصة لله تعالى تحول العادة إلى عبادة.
... لا بد من إيقاظ الشعور الإيماني لدى الناس، ويكون ذلك بالتربية الإيمانية، والدروس المسجدية وحلقات الذكر والصفا، وأن نربط واقع حياتنا بالصلة بالله تعالى، وأن يلتزم المؤمن على الأقل بالحد الأدنى من العبادات والشعائر، وهي من واقع المنهج الإسلامي.
... فالعبادات ليست تكليفاً فوق الطاقة، بل ضرورة لا بد منها حتى يصبح الفرد ربانياً لله تعالى، فالأمة التي تترك أمر عبادتها لا خير فيها، وسوف تنساق إلى مادية مجدبة، كما لا يكفي أن تسطر هذه العبادات بشروطها وأركانها ونواقضها في كتب الفقه، بل يجب أن تتحول إلى حياة فاعلة في نفس المؤمن تلامس فيه شغاف قلبه، وتحرك منه نوابغ عقله، وتهز رواكد نفسه، فتجعل منه رجلاً عابداً لله تعالى بكل معاني العبودية له تعالى { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء } (1)
... والعبادة الصحيحة المتقبلة عند الله تعالى هي العبادة التي تثمر التقوى، قال تعالى: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } (2) ، والتقوى هي التي تدفع الإنسان إلى المسارعة إلى رضوان الله تعالى وإلى تجنب ما يسخطه وإلى حسن معاشرة جميع عباد الله، وإلى أن يستعلي على رغبات نفسه ونزواتها (3) .
... والعبادة جعلها الله تعالى مسايرة لمقتضيات حياة الإنسان حتى يتمكن من عمارة هذا الكون وهي داخلة في حدود واقعة، فالإسلام يرفض الرهبانية المنقطعة عن الدنيا، كما أنه يرفض المادية المنحلة من كل وازع ديني، فالإسلام دين الوسط.
__________
(1) البينة 5.
(2) البقرة 21.
(3) العبادة وأثرها في حياة المسلم، أحمد بن حمد الخيلي، ص، ط مكتبة الاستقامة، روي، سلطنة عمان، الطبعة الأولى، 1412هم. (1/36)
صفحة 37
... يقول العلامة الخليلي: (اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون سير هذه العبادات التي يمارسها الإنسان بحسب الحاجة إليها، فكلما كانت الحاجة أدعى كانت ممارسته أيسر وأهون، لأن في هذه العبادات تغذية للروح، وكما أن غذاء الجسد يسره الله سبحانه وتعالى بحسب الحاجة إليه، كذلك غذاء الروح يسره الله سبحانه وتعالى بحسب حاجة الروح إليه) (1) .
-
العبادة من طرق الوحدة
... والعبادة هي الأخرى تؤدي إلى الوحدة الإسلامية، فالمؤمنون يتجهون إلى الله تعالى بنفس الشعائر والهيئات، ويقرؤون ذات الأذكار والآيات، وبذلك تتحقق الوحدة الشعورية بين المسلمين، وتتوحد المشاعر، وتتقارب النفوس، وتتحد المصالح الإسلامية.
... وقد أكد العلماء المستنيرون على هذه الحقائق، واعتبروا العبادة من أهم دواعي الوحدة الإسلامية وموصلة إليها.
... يقول العلامة أحمد بن حمد الخليلي: (إن الشعائر الدينية في الإسلام من أبرز العوامل وأقوى الوسائل للتآلف والترابط والتواد والتعاطف بين أفراد الأمة المسلمة؛ الذين يدينون بهذه الشعائر ويمارسونها بأمانة وإخلاص نابعين من الشعور بالمسؤولية أمام الله سبحانه، ومما يؤكد ذلك الصيغة التعليمية التي جاءت في القرآن لإرشادنا وتوجيهنا في توجيه العبادة إلى الله عز وجل، فقد جاءت هذه الصيغة في سورة تتكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة التي هي أم العبادات وأقدسها، تلكم الصيغة هي قوله تعالى: { إياك نعبد وإياك نستعين } فإن ضمير الجمع فيها يبعث في نفس المؤمن العابد المستعين شعوراً باندماجه مع سائر العابدين الذين يشتركون معه في هذه العبادة، وليس بخاف ما يترتب على هذا الشعور من التآلف والتراحم، وما ينبعث منه من روح الإخاء الديني) (2) .
__________
(1) العبادة وأثرها في حياة المسلم، ص-25.
(2) عوامل تقوية الوحدة الإسلامية في الشعائر الدينية، أحمد بن حمد الخليلي، ص-9، ط مكتب المفتي العام لسلطنة عمان، 1410هم. (1/37)
صفحة 38
... وإذا كان هذا في مجمل الشعائر التعبدية، فإن كل منها تعمق مفهوم الوحدة والإخاء بين المسلمين.
... فالصلاة تذيب الفوارق بين الغني والفقير والقوي والضعيف والحاكم والمحكوم، كلهم يصطفون في صف واحد، يأتمرون بأمرة واحدة، لا يختلفون في ركوعهم وسجودهم.
... إن معاني الوحدة الإسلامية تفيض من روحانية الصلاة؛ هذه الصلاة السهلة الأداء العميقة المعنى، التي تخلو من أي بعد فلسفي أو تكلف رهباني، إنما الرباط الذي يشد القلوب المؤمنة بعضها البعض لتكون بمجموعها موصولة بالله تعالى بوشائج الإيمان والتقوى.
... هذه القيمة العظيمة التي تأتي في أعلى سلم المثالية التعبدية، تنبض بالواقعية الإنسانية.
... يقول العلامة الخليلي: (واشتراك جميع المصلين بين الأمة يؤدي إلى تفاعل جميع أفراد الأمة في أسرهم ومجتمعاتهم، وبهذا يتماسك جميع أجزاء الأمة فتكون متحدة في مبادئها وفي آمالها وآلامها، يشد قويها أزر ضعيفها، ويسد غنيها حاجة فقيرها، ويوقر صغيرها كبيرها، ويرحم كبيرها صغيرها، وفي ذلك تجسيد لما يدعو إليه قوله تعالى: { إنما المؤمنون إخوة } (1) وقوله: { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } (2) وقوله: { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } (3) . (4)
... والزكاة –وهي العبادة المالية- تقدم لعالم الاقتصاد حلاً كبيراً لمشاكله، فهي تمنع الأغنياء ورجال المال من الانغماس في مادية الأموال، وتبقي في قلوبهم جذوة الإيمان مشتعلة، إنها تشعر الإنسان المسلم أن المال الذي بين يديه ليس ماله، وإنما هو مال الله وهو مستخلف فيه، يقول الحق جل علا: { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } (5) .
__________
(1) الحجرات 10.
(2) الأنبياء 42.
(3) المؤمنون 52.
(4) عوامل تقوية الوحدة الإسلامية، ص-16
(5) الحديد 7. (1/38)
صفحة 39
... والزكاة تمزق الأنانية والشح والبخل، وتمنع التقاتل على المال، إنها تقدم لعالم المال والاقتصاد المثل الأعلى في التعامل مع الموجودات المسخرة تحت أيديهم، وبالإضافة إلى ذلك لم يحلق بهم الإسلام في عالم المثل المعدومة، بل أوجدهم –وأوجد لهم- في مثالية واقعية، طلب منهم قدراً محدداً يقف في أغلب الأصناف عند نسبة 2.5? ويتجاوزها قليلاً في أصناف قليلة، ولكنه مع ذلك فتح المجال لمن أراد أن يرتقي نحو كمالات النفس المعطاءه والكريمة، وذلك بالصدقة غير المحددة، وخاصة في حالات الحاجة الاجتماعية.
... نعم، إنها تقدم حلولاً للمجتمع تجعله يعيش في تواد وألفة، وتستل منه السخائم والشحناء.
وهي النماء في كل شيء؛ في المال، وفي طهارة النفس، وفي سلامة الأخلاق، وأواصر المجتمع، وفي وحدة الأمة.
... يقول العلامة الخليلي: (ومهما يكن فإن الإنفاق سواء كان من الزكاة أو من غيرها يربي الضمير الإنساني، ويجعل الفرد يحس بأحاسيس مجتمعه، يتألم بآلامه ويسر بسروره، فيتجسد في المجتمع معنى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) (1) وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (2) .
__________
(1) رواه البخاري ومسلم.
(2) رواه الشيخان عن طريق أنس رضي الله عنه. (1/39)
صفحة 40
وما أعظم سرور الأغنياء عندما يرون إخوانهم الفقراء ينعمون برغد العيش، ويرفلون في حلل النعيم، بما أجراه الله لهم على أيديهم من رزق فيما آتاهم الله من مال، فكانوا بذلك سبباً لسد حاجة إخوانهم بما يوصلهم إلى رضوان الله في الدار الآخرة، وما ينيلهم مودة الناس في الحياة الدنيا، وما أسعد أولئك الفقراء الذين يرون حاجاتهم تقضى، وخلتهم تسد على أيدي إخوانهم الذين استخلفهم الله في ماله، ووسع عليهم من رزقه من غير مَنٍّ ولا أذى، ولا تعالٍ ولا استكبار، ومن غير أن يشعروا بذل أو صَغار.
... إن مجتمعاً هذا شأنه حقيق بأن يسوده التواؤم بين أفراده، والتلاحم بين طبقاته، وأن أمة هذه مبادئها لجديرة بأن تسود العالم وأن تقود الإنسانية، وأن تكون رسالتها رحمة للعالمين) (1) .
... وبالصوم يطمح الإنسان دائماً نحو السمو النفسي، ويطلب الرقي الروحي، ويسعى للتخلص من الأكدار المادية، ليعرج بروحه من عالم الماديات إلى عالم الروحانيات، ومن مصاف المردة إلى منازل البررة، حتى اتخذه الروحانيون -بمختلف أديانهم- معراجاً لهذا السمو، إلا أن تلك الأديان –ما خلا الإسلام- قد غالت فيه حتى انقطعوا عن نعم الدنيا، ونحلت أجسامهم حتى أصبحت أشباحاً لا تكاد ترى وهياكل تصطك عظامها، أرادوا أن يحيوا الأرواح فقتلوا الأرواح والأجساد، وتركوا الدنيا للماديين يعبثون بها كيف شاءوا، وهم فوق هذا عاشوا لذواتهم فقط منعزلين عن الجماعة.
... أما الإسلام فقد أنزل الصوم من عالم المثال الخيالي إلى عالم المثال الواقعي، فهو لأيام معدودة وعن أشياء محدودة، لا ترهق الجسد ولا تطمس شعلة الحركة والعطاء فيه، وجعله شعيرة جماعية تنشد الأمة فيها سبيل ألفتها ولحمة أخوتها.
__________
(1) عوامل تقوية الوحدة الإسلامية، ص-22 (1/40)
صفحة 41
... إن الإسلام يطلب الوحدة الشاملة، التي ينتظم فيها كل فئات المجتمع وأفراده، وعناصر الشعوب وجنسياتها، وتفاوت الثقافات وتباينها، لأجل ذلك جعله ميسراً مستطاعاً يعايش الواقع الإنساني بأشواقه وطموحه وبقدراته واستطاعته.
... يقول العلامة محمد عبده: (ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى؛ أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتاً، فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله: { رحماء بينهم } (1) .
... وبهذا التعاطف بين الأغنياء والفقراء والاشتراك في الأحاسيس والمشاعر يحصل الانسجام وتتحقق الوحدة المنشودة.
... ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والملوك والسوقة، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة، فالجميع يفطرون في وقت واحد، لا يتقدم أحد على أحد دقيقة واحدة، وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة) (2) .
... وأما شعيرة الحج فمن الواضح تماماً أنها شعيرة وحدة؛ كما أنها شعيرة توحيد، حيث يجتمع المؤمنون من كل فج عميق، في صعيد الأماكن المقدسة، هناك تعرج الأرواح شوقاً إلى باريها، وتتجرد الأجسام من كل زيف دنيوي، ولا تبقى إلا بثواب واحد من قطعتين، تردد الألسنة بعبارة واحدة ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك له لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)).
__________
(1) الأحزاب 29.
(2) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ج، ص-148، الطبعة الرابعة. (1/41)
صفحة 42
في الحج؛ يؤدي المسلمون نفس الشعائر، ويقفون في صعيد واحد في نفس الوقت، هناك تتلاشى العنصرية ويبقى عنصر التوحيد والتلبية وحده، وتنطمس الجنسيات إلا جنسية ((لا إله إلا الله)) وتنعدم نعرات الجاهلية المفرقة لترتسم لدى الشعوب المؤمنة نعوت الإيمان المعتصمة بحبل الله تعالى، وتُدْبِر الناس عن كل شيء، عن الولد والمال والوطن والزخرف، وعن الفقر والغني، لتعلن من نفسها الفقر أمام الغني الواحد جل وعلا، وتتصل بالعروة الوثقى فيما بينها، عارفة حقيقة التوحيد والوحدة، وأن الله تعالى لا ينظر إلى القلوب المختلفة.
في الحج؛ فرصة التعارف بين المؤمنين، وهناك على كل مؤمن أن يقدم نفسه لأخيه المؤمن، وهناك يجب أن تنتقل الخبرات الإسلامية في الإصلاح والتجديد الديني، وهناك أيضاً ينبغي ألا يستنكف المؤمن من تقبل أخيه المؤمن.
... الفرصة العظيمة للانطلاق إلى الوحدة الإسلامية تكون من العرصات المباركة والعتبات المقدسة، وهذا المؤتمر الإسلامي الكبير لا يصعب على المرء حضوره وشهود وقائعه، فهو لا يجري داخل الصالات المغلقة والردهات الخفية، ولا في البروج العاجية، ففيه تطرح القضايا العملية ويشرح الواقع كما هو ليطلب له الحلول الواقعية أيضاً، فالحلول في هذا المؤتمر المفتوح ليست حلولاً تصاغ بمعزل عن الأمة وهمومها، ولا تبتكر وفق فلسفة مثالية غالية، أو وفق فلسفة واقعية هشة، ولا تستجدي من الشرق والغرب، بل الحلول الإسلامية موجودة ومجربة منذ مئات السنين.
وفي الحج؛ ينبغي أن تنطلق الأمة تحت قيادة واحدة تدفع بها نحو الآفاق والمجد والسعادة التي ينشدها المؤمنون، ونحو القيادة والريادة التي تتزعم بها الأمة الأمم التي ورثتها بحكم كتاب الله تعالى. (1/42)
صفحة 43
... يقول العلامة الخليلي: (وبما أن الحج يجمع أصحاب الاختصاصات المتنوعة من جميع أقطار الأرض من رجال الفقه والفكر والسياسة والأدب وغيرهم، ففيه فرصة اللقاء بين أفراد كل طبقة من هؤلاء، لتدارس مشكلاتهم في مهبط الوحي ومطلع النور ومنطلق الدعوة، على ضوء تعاليم الإسلام، واستنتاج الحلول الناجعة من كتاب الله الخالد وسنة نبيه المطهرة ومنهاج السلف الصالح، وبهذا تتحقق حكمة الحج المشار إليها { ليشهدوا منافع لهم } (1) وما أحوج أمتنا في مثل هذا العصر إلى هذه اللقاءات، التي تمسح الخلاف وترأب الصدع وترتق الفتق وتقيم الناس على سواء الصراط، وإنما الأمر يقتصر إلى شيء من التنظيم لإتاحة مثل هذه الفرص) (2) .
فطرية الأخلاق الإسلامية
... لقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشريعة السمحاء، وسماحة الإسلام داخلة في كل شيء، فهي كالماء الذي يعطي الشجرة طراوتها ونظارتها، والأخلاق الفاضلة بطبيعتها سمحة إلا أنها تكتسب في الإسلام سماحة فوق سماحتها، فتجتمع فيها سماحة الفطرة وسماحة الإسلام، إنه الكمال الإسلامي.
... وبُعْثُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - جاء لثلاثة جوانب عامة؛ إصلاح العقيدة وتيسير العبادة، وإكمال الأخلاق، فالأخلاق ثالثة الأعمدة الإسلامية العظيمة، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) ويقول الحق في حقه عليه السلام: { وإنك لعلى خلق عظيم } (3) .
... فكل خلق من الأخلاق التي حث عليها الإسلام يناغي جزءً من الفطرة التي فطر عليها الإنسان، فالكرم والصدق والشجاعة والإحسان ... ونحوها، لها بواعث فطرية في النفس السوية، تسلم الإنسان إلى الاتزان في تعامله مع الحياة، ووضع الأمور في مواضعها الصحيحة، وهذا من مقومات الالتقاء الإسلامي المطلوب.
__________
(1) الحج 28.
(2) عوامل تقوية الوحدة الإسلامية، ص
(3) القلم 4. (1/43)
صفحة 44
... ولا شيء أخطر على الأمة من تفشي الأخلاق المرذولة وانتشار الرذائل الفاسدة، وخاصة تلك التي تثير الضغينة والأحقاد، وقد جاء الإسلام محذراً منها التحذير الشديد بقوله جل وعلا: { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون - يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه فاتقوا الله إن الله تواب رحيم - يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } (1) . ويقول عليه الصلاة والسلام: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (2) .
... ومن الدليل على فطرية هذه الأخلاق، أن جميع البشر متفقون على تصنيف الأخلاق إلى فاضلة ومرفوضة، فالشجاعة والجود والشهامة وإغاثة المحتاج ونصرة المظلوم والعدل، أخلاق محبوبة من كل الناس، والظلم والكذب والرياء والنفاق ونحوها، أخلاق منبوذة كذلك عند كل الناس، وإن اختلفت نسب الأخذ بها أو تركها، وهي على ذلك –وستبقى- ما دامت لم تدخلها التفسيرات المادية ولم تلوها الفلسفات المستهجنة، لتجعل من الأخلاق السامية مثلاً صعبة المنال، ومن الأخلاق السافلة واقعاً لا مفر منه.
... والإسلام يلزم الفرد الالتزام بالأخلاق الحميدة كما أنه يطلب من المجتمع أن يوفر البيئة الصالحة لرسوخ المبادئ والقيم والأخلاق النبيلة، وأن يجفف منابع الرذائل والسلوك الخاطئ، وأن يكون ذلك بالسير على هدي الله تعالى وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وهكذا تتحقق المثالية الواقعية في الأخلاق الإسلامية.
__________
(1) الحجرات 11-13.
(2) رواه البخاري ومسلم وابن ماجة. (1/44)
صفحة 45
ومن دلائل فطرتها أيضاً أن الإسلام التزم بالتعامل بهذه الأخلاق مع جميع الناس، بغض النظر عن أديانهم وأجناسهم، فالمسلم لا يظلم خصمه وإن كان كافراً، ولا يكذب ولو على فاجر، ولا يثير الفتنة ولو في مجتمع غير إسلامي.
... فدائرة الأخلاق دائرة إنسانية، جاء الإسلام ليحميها من الانحرافات التي قد تطرأ عليها من المرض نفسياً واجتماعياً وأخلاقياً.
... يقول الشيخ الداعية محمد الغزالي: (قد تكون لكل دين شعائر خاصة به، تعتبر سمات مميزة له، ولا شك أن في الإسلام طاعات معينة، ألزم بها اتباعه وتعتبر فيما بينهم أموراً مقررة لا صلة لغيرهم بها.
... غير أن التعاليم الخلقية ليست من هذا القبيل، فالمسلم مكلف أن يلقى أهل الأرض قاطبة بفضائل لا ترقى إليها شبهة، فالصدق واجب على المسلم مع المسلم وغيره؛ والسماحة والوفاء والمروءة والتعاون والكرم ... الخ) (1) .
... إنها الرسالة العالمية التي تسعى إلى الانتشار والعموم بين البشر، لم يأت الإسلام ليبقى في صومعة أو مسجد، أو ينحصر داخل التكايا والزوايا، بل ليعم خيره البشرية، ولا نستطيع أن نبشر بهذه الفضائل وهي غير متحققة بين المسلمين بعضهم البعض، فهل يُتقبل من أمة تضع نصالها في رقابها، وتحز غلاصمها بمداها؟! وهل يتقبل ممن يتراشقون بقوارع الكلام وبهتان السباب؟! قطعاً لا، وإذا اختفت الشحناء والضغائن وصفت النفوس لا يكون بين اتحاد الأمة والتئام تصدعها إلا قاب قوسين أو أدنى.
السماحة الإسلامية
... ما استعرضناه من الجوانب العقدية والعبادية والأخلاقية، رأيناه كله يدعو إلى الوحدة الإسلامية ويقارب بين المشاعر الأخوية، ولكن ما بالنا في واقع من التناحر المرير، وظلمة من القطيعة يكاد لا ترى فيها سناء الإخاء!!.
__________
(1) خلق المسلم، محمد الغزالي، ص، ط دار القلم، دمشق، سوريا، الطبعة السادسة، 1407هم. (1/45)
صفحة 46
... في رأيي، أن هذا الحال المتدني راجع إلى المثالية الغالية التي يعيش فيها أرباب المذاهب، فهم يعتقدون بصحة ما لديهم ويرونه وحده الإسلام، وما عداه كفر وانحراف وزيغ وضلال وبدعة يخرج صاحبها من الدين، هذه المثالية التي يعيش فيها هؤلاء منفصلة تمام الانفصال عن واقع المسلمين، ومنبترة عن سماحة الدين ورشده وهديه.
... ونحن لا ننكر عليهم تعلقهم بمذاهبهم وآرائهم فذلك لهم –وإن كنا نقول بوجوب التزام الدليل الشرعي- لكننا نطالبهم أن تكون لهم خصوصيتهم داخل إطار الإسلام العام، علينا كلنا أن ندور حول محور الإسلام ونرتع في حظيرة الإيمان.
... يجب علينا أن نخطو خطوة جريئة وإيجابية ونقول بصراحة:
إن اتباع المذاهب ليس مما يكفر به المسلم ويخرجه عن ربقة الإسلام، فالمذهب مدرسة داخل الجامعة الإسلامية الكبرى، وللناس عقول في الاختيار من أي المدارس، يقول العلامة أبو يعقوب الوارجلاني: (وأما المذاهب: وهي طريقة الأمة في الشريعة من الفقهيات ومذاهبهم في التفسير وما يؤول إلى ذلك، لا تفسيق ولا تضليل، وهو سائغ الأخذ به، والعمل للخاصة والعامة التخيير بين المذاهب) (1) .
__________
(1) الدليل والبرهان، ج، ص (1/46)
صفحة 47
... ولو نظرنا إلى حقيقة الأمر لرأينا ما يتشبث به دعاة الفرقة والاختلاف قشوراً وألفاظاً، ليس لها في حقائق المعاني وزن، وكم جرّت الألفاظ على أمتنا من التمزق والتصدع؟ وعندما نريد أن نحاسب الآخرين نحاسبهم على اصطلاحنا لهذه الألفاظ! مع أن القاعدة (لكل قوم اصطلاحهم؛ ولا مشاحة في الاصطلاح) فهل يعذر بعضنا بعضاً في هذه الاصطلاحات، ولا نتشدد فيها، فإن مرونة الدين وواقع المسلمين يطلب منا ذلك، وقد حذر -قديماً- العلامة أبو يعقوب الوارجلاني من التشتت الناشئ من الاختلاف اللفظي، حيث يقول: (في الخطأ الموهوم فيما اختلف فيه الأمة من الأسماء والتسميات في الدين والإسلام والإيمان، والكفر والشرك والنفاق، والأسامي كمؤمن وكافر ومسلم ومنافق ومشرك، وأسماء الأبدان وأسماء الأفعال وخلق القرآن، وأسماء الله وصفاته، وأمثالها، وليس إلا الخطأ فيها، والخطأ محمول لمن عري من الشروط المهلكة، وهي الاعتقاد أنها دين الله، أو قطع الشهادة على أحد في ذلك، أو هدم قاعدة من قواعد الإسلام) (1) .
... وأود هنا أن أعلن من طرف المدرسة الإباضية أننا -كنا وما زلنا- على أتم الاستعداد إلى الالتقاء مع إخواننا المسلمين بروح التسامح والمرونة والمودة، وندعو إلى طرح التشنج والتنابز جانباً، وللإباضية على مر التاريخ مشروعهم الحضاري الذي يلخصه العلامة أحمد الخليلي –وهو قطب أقطاب الإباضية في هذا الوقت- في كتابه الحق الدامغ بقوله:
... (إن الإباضية -أهل الحق والاستقامة- تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلاثة أمور... نذكر منها هنا ما يخصنا...
__________
(1) الدليل والبرهان، ج، ص-7 (1/47)
صفحة 48
المرونة والتسامح في معاملة سائر فرق الأمة، وإن بلغ الخلاف بينهم وبينهم ما بلغ، إذ لم يتجرأوا على إخراج أحد من الملة وقطع صلته بهذه الأمة ما دام يدين بالشهادتين ولا ينكر شيئاً مما علم من الدين بالضرورة بغير تأويل، أما من استند إلى التأويل -وإن كان أوهى من نسج العنكبوت- فحسبه تأويله واقياً له من الحكم عليه عندهم بالخروج عن حظيرة الأمة، وخلع ربقة الملة من عنقه.
ومن هذا المنطلق صدر ذلك الإعلان المنصف -الذي رسم مبدأ الإباضية في نظرتهم إلى الأمة- من أشهر قائد إباضي وهو أبو حمزة المختار ابن عوف السليمي، في خطبته التي ألقاها على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأصاخ لها الدهر، وسجلها الزمن، وخلدها التأريخ، إذ قال فيها -رحمه الله-: (الناس منا ونحن منهم إلا ثلاثة: مشركاً عابد وثن، أو كافراً من أهل كتاب، أو إماماً جائراً) (1) .
... وقد مشى الإباضية في هذا النهج السليم، والتزموا هذا المبدأ القويم في معاملتهم لسائر طوائف الأمة، كما يشهد بذلك التأريخ، ونجد هذه النبرة المنصفة تتردد في أصوات قادة الفكر منهم في الخلف كما كانت عند السلف، فهذا الإمام نور الدين السالمي –رحمه الله تعالى- يحدد لنا موقف الإباضية من سائر الأمة بقوله:
ونحن لا نطالب العبادا ... فوق شهادتهيم اعتقادا
فمن أتى بالجملتين قلنا ... إخواننا وبالحقوق قمنا
إلا إذا ما نقضوا المقالا ... واعتقدوا في دينهم ضلالا
قمنا نبين الصواب لهم ... ونحسبن ذلك من حقهم
فما رأيته من التحرير ... في كتب التوحيد والتقرير
رد مسائل وحل شبه ... جاء بها من ضل للمنتبه
قمنا نردها ونبدي الحقا ... بجهدنا كي لا يضل الخلقا
لو سكتوا عنا سكتنا عنهم ... ونكتفي منهم أن يسلموا (2)
__________
(1) الأغاني، علي بن الحسين الأصفهاني، ج، ص، ط بولاق.
(2) كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، عبدالله بن حميد السالمي، ص، المطابع العالمية، سلطنة عمان. (1/48)
صفحة 49
... وعلى هذه القاعدة بنى الإباضية حكمهم على طوائف الأمة التي زاغت عن الحق وجانبت الحقيقة في معتقداتها، فكانوا أشد احتياطاً من إخراج أحد منهم من الملة بسبب معتقده ما دام مبنياً على تأويل نص شرعي، وإن لم يكن لتأويله أساس من الصحة ولاحظ من الصواب، ومن هنا اشتد إنكار الإمام الإباضي الكبير محبوب بن الرحيل -رحمه الله تعالى- على هارون اليماني الذي حكم بشرك المشبهة وخروجهم من الملة، وأنشأ محبوب في ذلك رسالتين جامعتين ضمنهما حججه الداحضة لرأي هارون، وجه إحداهما إلى إباضية عمان، وثانيتهما إلى إباضية حضرموت (1) وأطبق الرأي الإباضي على تصويبه وتخطئة هارون.
... وسئل المحقق الخليلي -رضوان الله عليه- عن حكم هؤلاء المشبهة، هل هم مشركون؟ فكان جوابه لسائله: "إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله، فإنه موضوع الهلاك والإهلاك (2) (3) .
... بهذا التصور الواضح في المرونة والتسامح نصلح من واقعنا، ونغير حالنا، إن المثالية التي في عقول البعض بأن يجتمع الناس على رأي واحد -وهو رأيه- لا يمكن أن يتحقق في عالم الواقع بأي حال، فهو رأي محشور في مضيق عقله، وإذا أردنا أن نرتفع من الواقعية المحضة التي نعيشها إلى واقعية المثال، فلا بد أن تكون هناك عناصر مشتركة من لين الجانب ونبذ الحرفية القاطعة.
__________
(1) السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ج، ص-324، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1406هم.
(2) تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان، سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي، ج، ص، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، 1407ه- 1986م.
(3) الحق الدامغ، ص-12 (1/49)
صفحة 50
... إن الوحدة الإسلامية قريبة المنال نراها رأي العين، ولكن يحول عنها سياج التعصب وحائط الانتصار لما عندنا، وغمط الناس أشياءهم، حتى وصل الحال بأن نرفض ما هو موجود عند الآخرين ولو كان يسنده الدليل الشرعي القوي، بحجة مخالفة أهل الأهواء والبدع، إنها حجة المفلس.
... يقول الأستاذ إبراهيم العسعس عائباً على التيار الذي يرفض الخروج على الحاكم المتسلط الفاسق الظالم، بحجة أنه لو خرج سيوافق "الخوارج": (أما إن كانوا خوارج لأنهم يرون الخروج على الحاكم المتسلط الفاسق الظالم، فأكرم بها من تهمة، وما الضير في تبني قول الخوارج إذا كان قولهم موافقاً للدليل) (1) .
... إن الألباب لتبقى مشدوهة والعقول حيرى من أمر هذه الأمة التي تلتصق بالارض، وهي تملك ما تحلق به في عنان السماء، إن هذه الأمة وجدت لتكون سراجاً وهاجاً يضيء حلكة الكون ويبدد غسقه لتسير الشعوب على هداه، فهل من أوبة صادقة إلى التسامح واللين والمرونة؟.
نسأل الله تعالى ذلك.
إلغاء الألقاب المذهبية
... تندرج الألقاب المذهبية في قائمة الألفاظ التي تحول عن الوحدة الإسلامية، وتأتي خطورة هذه الألقاب من كونها حُمّلت من أصحابها كل معاني الإجلال والافتخار، في حين ألصق بها الآخرون كل معاني الحقارة والبعد عن الدين، وأخذ كل فريق يشد من طرف مقطعين بذلك أوصال الأمة.
__________
(1) الأمة والسلطة باتجاه الوعي والتغيير، إبراهيم العسعس، ص-29، ط دار البيارق، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1417-1996م. (1/50)
صفحة 51
... وتشبثت الفرق بهذه الألقاب –التي لم ينزل بها من سلطان- وكأن الدين جاء بها، فليس من مسميات الإسلام: الإباضية والشيعة والأشعرية والزيدية، والمالكية والشافعية والأحناف والحنابلة، ولا غيرها من المسميات، بل المسميات التي جاءت بها الشريعة: الدين والإيمان والإسلام، فخاطب الله تعالى أتباع هذه الملة السمحاء { بالمؤمنين } و { الذين آمنوا } وقال تعالى مؤكداً على هذه الحقيقة ومنبهاً إلى خطورة التفرق في الدين: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ... } (1) ويقول سبحانه وتعالى: { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه } (2) ويقول عز من قائل: { وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } (3) .
... هذه هي نظرة الإسلام الحكيمة –لأنها نزلت من حكيم خبير- في الالتزام بالمسميات الشرعية، إنها تدعوا إلى الوحدة والاعتصام بالله تعالى، في حين يدعو غيرها إلى الاختلاف والضياع، فهل نطلب الهدى بعد ذلك في غير هذه الآيات المحكمة؟!.
كلا؛ والله.
... ومرة أخرى نطرح مشروعاً للوحدة الإسلامية وهو إلغاء هذه الألقاب، ولكل إنسان أن يطلع على ما عند الآخرين، وقد زوده الله تعالى بالعقل السليم وبوجود الكتاب العزيز والسنة المطهرة بين يديه ليرتوي من مناهلها الحق ويفند بآلتها الباطل (4) .
__________
(1) الشورى 13.
(2) آل عمران 85.
(3) الحج 78.
(4) لذلك ننادي بتضييق الدائرة الأثرية، وتعليم الأمة كيفية التعامل مع الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة، ولنا في ذلك دروس موسعة في إطار "المنهج الإسلامي" من أراد الرجوع إليها. (1/51)
صفحة 52
... ونذكر من علماء المذهب الإباضي ممن نادى بإلغاء الألقاب المذهبية:
- الإمام نور الدين عبدالله بن حميد السالمي؛ ونص كلامه:
(وجمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمراً كان { ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } (1) والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له؛ أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية، ويحثهم على التسمي بالإسلام، فإن الدين عند الله الإسلام، فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية) (2) .
- الإمام العدل محمد بن عبدالله الخليلي (3) ؛ ونص كلامه:
(ومن الأمر بالمعروف؛ السعي في توحيد كلمة المسلمين، وفي إلغاء الانتساب إلى المذاهب وإظهار التعصب لها، اللذين قضيا على الإسلام، وتسلط على أبنائه عبدة الأصنام الأجانب الأكالب، وأن لزوم ما كان عليه السلف الصالح والسير بالمسلمين سيرهم هو الذي يعيد علينا عزنا الشامخ ومجدنا الباذخ) (4) .
- العلامة علي يحيى معمر؛ ونص كلامه:
(سبق إلى أذهان الناس، بسبب ما يقوله كل أصحاب مذهب عن أنفسهم بأنهم أصحاب الحق، وأهل العدل، وأهل الصواب، وأهل السنة، وأهل الاستقامة، وبما يقولونه عن غيرهم من أنهم أهل الزيغ، وأهل الضلالة، وأهل البدع، وأهل الأهواء، وبأنهم فعلاً أهل الحق وبأنهم في الجنة، وبأن غيرهم فعلاً أهل الباطل وأنهم في النار.
__________
(1) الأنفال 63.
(2) العقد الثمين، عبدالله بن حميد السالمي، ج، ص-127، الطبعة الأولى.
(3) الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، إمام عدل بويع بالإمامة 1338ه، عالم مجتهد مطلق، لم يترك كثيرًا من المؤلفات لاشتغاله بمهام الدولة الإسلامية، كان محبوباً من رعيته، توفي 1373ه.
(4) نهضة الأعيان بحرية عمان، محمد بن عبدالله بن حميد السالمي، ص، مكتبة التراث، القاهرة، مصر. (1/52)
صفحة 53
وهذه المفاهيم المبنية على أنانية مذهبية يجب أن تختفي، وأن يقوم بدلاً منها مفهوم؛ هو أنه ليس هناك في الإسلام إلا أمة واحدة هي الأمة الإسلامية التي وعدها الله تبارك وتعالى بكل خير، وليس فيها مجموعات أو طوائف أو فرق تدفع بوصفها الجماعي إلى الهاوية) (1) .
- العلامة أحمد بن حمد الخليلي؛ ونص كلامه:
(ولأجل المحافظة على وحدة الأمة والمجتمع شدد الإسلام الحكم في كل ما يؤدي إلى تفككها، فحرم السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة والتعالي بالأنساب والأحساب) (2) .
- الشيخ المفكر أحمد بن سعود السيابي (3) ؛ ونص كلامه:
(والذي أراه في هذه القضية توحيداً للمذاهب الإسلامية أو تقريباً منها هو إلغاء الألقاب بين المذاهب وإماتة الانتماءات إليها، والرجوع إلى التسمي بالإسلام، والانتساب إليه فقط، ويكفي أن يكون المسلم مسلماً يبحث عن الحق، وهذا الرأي هو أقوى الآراء وأكبر العوامل في القضاء على التفرقة، ومن شأنه التقريب بين المسلمين) (4) .
__________
(1) الإباضية بين الفرق الإسلامية، ج، ص
(2) عوامل تقوية الوحدة الإسلامية، ص
(3) هو أحمد بن سعود السيابي، مفكر ومؤرخ عماني، داعية للوحدة الإسلامية، له مؤلفات تأريخية وفكرية وفقهية، يشغل الآن الأمين العام بمكتب الإفتاء بسلطنة عمان.
(4) جهود العلماء المصلحين في توحيد المذاهب الإسلامية، أحمد بن سعود السيابي، انظر التقريب بين المذاهب الإسلامية، ص، ط المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم الثقافية (الأيسيسكو)، 1415ه-1994م. (1/53)
صفحة 54
... والقائمة طويلة بالعلماء الداعين إلى هذه الدعوة المباركة، حتى قال الشيخ المفكر أحمد السيابي بعد أن تتبع هذه الدعوة في الفكر الإباضي: (إذن؛ كان لدى علماء الإباضية تقويم ورؤية، تقويم لما عليه الأمة الإسلامية من اختلاف بين مذاهبها، وذلك مرده إلى الانتماءات المذهبية والتعصب لها، الأمر الذي جعلها فرقاً وأحزاباً، ورؤية إلى توحيد هذه المذاهب وجمعها، وذلك بضرورة إلغاء الألقاب المذهبية، والاكتفاء بالانتساب إلى الإسلام فقط) (1) .
... نكتفي هنا بهذه النماذج الصالحة للاقتداء.
... هذه هي الدعوة التي نلح عليها، ونرفعها في المحافل الإسلامية وملتقيات الوحدة ومجامع الأمة، ولكن إن كان البعض يرى هذه الدعوة تحلق في عالم المثال –ولست أراها كذلك، بل هي من صميم الإسلام وعلاج لواقع المسلمين- نقول: إن في الأمر متسع، فيمكن أن نطلق على كل مذهب الألقاب والأسماء التي هي مقبولة عند أصحابه، وأن نعطيها المعاني التي تحملها عندهم، تاركين المعاني القبيحة التي ألصقت بها من قبل خصومهم.
الجامعة الإسلامية
... بعد الحديث عن التسامح والمرونة والمطالبة بإلغاء الألقاب المذهبية؛ يستدعينا الأمر الحديث عن الجامعة الإسلامية، والأسئلة التي تطرح نفسها:
... هل الجامعة الإسلامية فكرة تحلق في عالم الخيال؟ هل هي من المثل التي تعشش في عقول الفلاسفة؟ وخاصة بعد العديد من المحاولات التي قام بها رجال الصحوة الإسلامية، وبعد مرور عدة عقود من المناداة بها، تقلبت الأمة خلالها في لظى الفرقة المحرقة، واكتوت بنار التعصب الملتهبة، هل يمكن أن تكون الجامعة الإسلامية حقيقة واقعة؟ وإذا كان في الإسلام –بتوجيهاته السامية ودلائله النيرة- ما يهيئ القاعدة المتينة لقيام هذه الجامعة؛ فهل المسلمون مستعدون لذلك؟ وهل القيادات الإسلامية وضعت في برامجها هذه الجامعة؟ وهل خطت خطوات عملية في هذا الجانب؟
__________
(1) جهود العلماء المصلحين، ص (1/54)
صفحة 55
... أسئلة تتدافع في الذهن وقد أجبنا على بعضها، ونقول في الآخر:-
... إن بإشراقة الصحوة الإسلامية تعالت الأصوات بالوحدة الإسلامية، وتنادت الأفكار بقيام الجامعة الإسلامية، وأخذ عقلاء الأمة يتحركون في أنحاء الأمة وبين شعوبها داعين إلى هذه الوحدة وإلى قيام جامعة وثيقة بينهم.
... لقد كانت أولى المحاولات بين المذاهب الإسلامية هي محاولات فردية، قام بها الأستاذ المصلح جمال الدين الأفغاني، ثم سار على ذلك النهج الشيخ محمد عبده، الذي كانت له محاولات جادة وملموسة في العمل من أجل التقريب والتفاهم بين المذاهب الإسلامية.
وقد تطورت تلك المحاولات الفردية إلى عمل جماعي، وقد تبنى هذه الفكرة نخبة من علماء الأمة الإسلامية (1) .
... وفي غمرة الصحوة الإسلامية واسترجاع الذاتية الإيمانية للمسلمين في هذا العصر؛ كانت هناك مرحلة عظيمة انفرد بها الإباضية؛ وهي إعادة الإمامة الإسلامية العادلة، وذلك بقيام إمامة الإمام سالم ابن راشد الخروصي ثم بعده الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، هذا الانتصار الإسلامي للإباضية بقيام إمامتهم لم ينسهم أمر الوحدة الإسلامية والالتقاء مع إخوانهم المسلمين، فقد عمل أقطاب الإباضية على تشجيع الوحدة الإسلامية والانفتاح الأخوي مع إخوانهم المسلمين.
__________
(1) جهود العلماء المصلحين، ص-80 (1/55)
صفحة 56
... فكان في عمان العلامة الإمام نور الدين السالمي وتلاميذه الإمام سالم بن راشد الخروصي (1) والإمام محمد بن عبدالله الخليلي وقيادة الأمة عموماً، وفي شرق أفريقيا العلامة الكبير ناصر بن سالم الرواحي، وفي ليبيا المجاهد الكبير سليمان باشا الباروني، وفي الجزائر القطب محمد بن يوسف أطفيش، عمل هؤلاء العظماء على دراسة أوضاع الأمة الإسلامية، وخرجوا بحقيقة مفادها أنه لا بد من توحد الأمة الإسلامية، وإطلاع العالم الإسلامي على الإمامة العادلة في عمان، رجاء أن يلتف المسلمون حولها مناصرين لها، ومن هناك تنبثق العزة الإسلامية لتحيى نفوس المؤمنين لتجابه الاستعمار البغيض.
... فنجد العلامة أبا مسلم ناصر بن سالم البهلاني (2) يرسل إلى الإمام سالم بن راشد الخروصي رسالة تفيض بروح الأخوة الإسلامية، ينصحه فيها بالالتقاء مع إخوانه المسلمين، ويحذره من مغبة الانغلاق على النفس، وهذه الرسالة تبين عن مكنونها فلا تحتاج إلى تعليق منا، فمما جاء فيها:
__________
(1) هو الإمام العدل سالم بن راشد بن سليمان الخروصي، بويع بالإمامة 1331هواستشهد 1338ه، كان رضياً محبوباً من رعيته، وحد الشعب العماني وقارع الاستعمار الإنجليزي.
(2) هو العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي البهلاني، مجتهد مطلق، وشاعر فحل حتى لقب بعالم الشعراء وشاعر العلماء، وأديب وصحفي، عني بأمر الوحدة الإسلامية ودعا إليها، وكان قاضي قضاة المسلمين بشرق أفريقيا، له العديد من المؤلفات، ولد 1273هبعمان، وتوفي 1339هـ بزنجبار. (1/56)
صفحة 57
... (ثم إني أشير عليك بمصادقة أمير نجد وأمراء الساحل الفارسي، ولا بد من إرسال وفد لتوثيق الألفة والصداقة بينك وبينهم، ففي ذلك حسن السياسة وخير المغبة ما لا يخفى عليك، وتخير الوفد الذي ترسله أن يكون من علماء المسلمين نفرين أو أكثر، ومن العقلاء الساسة ذوي البصائر والفطنة، ممن ترضيك بصيرته ويؤدي عنك فوق ما في نفسك، وكاتب شريف مكة وإمام صنعاء وسلطان لحج، واتخذ مع كل أمير من أمراء الجزيرة العرب يداً وسياسة، وإن استطعت أن لا تدع جزيرة العرب إلا كتلة واحدة تؤدي لك الصداقة فافعل، ولا بد لكم من مكاتبة الشيخ سليمان بن عبدالله الباروني فقد صار بعد حرب طرابلس الغرب وزيراً في مجلس الأعيان باستانبول، وفي مكاتبة هذا الرجل والتعرف إليه وإلى الدولة العثمانية بواسطته سياسة معتبرة النفع عظيمة الفائدة، وهذا رأي توجه لي وأراه ضرورياً لازماً لسياستكم، وقصركم النظر على إقامة الشعائر الدينية في مملكتكم فقط دون النظر في سياسة الدين والإكثار من الصديق أمر يحتاج إلى النظر.
... ثم إن في الهند جمعيات دينية إسلامية سياستها حياطة الإسلام، فإن رأيتم أن تعقدوا معها حبلاً فاكتبوا كتاباً ونحن نتكفل بإرساله إليهم، وقد وصلتنا عنهم إعلانات ونشرات وجهنا إليكم منها نسخة، وهذا إن لم ينفع لم يضر، فأقل ما فيه إشاعة دعوة المسلمين في الممالك الإسلامية، والإظهار مع أعدائنا الكفرة أن أهل الإسلام قد ارتبط بعضهم ببعض، وجمعتهم الجامعة الإسلامية بعواطف الإخاء الإيماني والوئام الملي. (1/57)
صفحة 58
... وإظهار دعوة المسلمين إلى جميع الأمم الإسلامية؛ يكشف لسائر الأنحاء الإسلامية ما أنتم عليه؛ من حسن المقصد ومراعاة إقامة الشعائر الدينية وإحياء السنة وإماتة البدعة، وإنكم لم تنهضوا للملك والسلطان، وإنما نهضتكم غيرة لانتهاك حرماته وتعطيل حدوده، ووقوفكم حجرة في بلعوم القوم الكافرين) (1) .
... ويعمل الإمام سالم بهذه النصيحة قدر استطاعته، ثم يعمل بها من بعده الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، فيرسل رسالة إلى الملك السعودي سعود بن عبدالعزيز جاء فيها:
... (وقد جعلتنا نيتكم الطيبة الخالصة ندعوكم بالنصر والتوفيق على سعيكم الجميل في توجيه كلمة المسلمين، وتكتلهم تحت لواء الإسلام وانتسابهم إليه، ودعائهم إلى كتاب الله العزيز وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - والى ذلك أرشد القرآن العظيم فقال: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } (2) ، { إن الدين عند الله الإسلام } (3) قال - صلى الله عليه وسلم - : ((كونوا عباد الله إخوانا على الخير أعواناً)) (4) .
... فيا صاحب الجلالة، قد استخلفكم الله في بلاده، فنرغب إليه سبحانه أن يجعلكم من الذين وصفهم في قوله: { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } (5) .
... ومن الأمر بالمعروف السعي في توحيد كلمة المسلمين، وفي إماتة الانتساب إلى المذاهب وإظهار التعصب لها، اللذين قضيا على الإسلام، وتسلط على أبنائه عبدة الأصنام الأجانب الأكالب، وأن لزوم ما كان عليه السلف الصالح والسير بالمسلمين سيرهم هو الذي يعيد علينا عزنا الشامخ ومجدنا الباذخ) (6) .
__________
(1) أبو مسلم الرواحي حسان عمان، د. محمد بن صالح ناصر، ص-206، الطبعة الأولى، 1416هم.
(2) آل عمران 85.
(3) آل عمران 19.
(4) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
(5) الحج 41.
(6) نهضة الأعيان، ص. (1/58)
صفحة 59
... وتباحث العلامتان الفذان، قطب السياسة الليبية، عضو مجلس المبعوثات التركي، الشيخ سليمان بن عبدالله الباروني، وقطب السياسة العمانية وزعيم نهضتها المعاصرة، العلامة نور الدين السالمي، تباحثا في كيفية الوصول إلى الوحدة الإسلامية ووضعا برنامجاً عملياً لخطواتها، ووضعا أمام أعينهم جميع الاحتمالات التي قد تحول عن الوحدة فيعمل على إزالتها، أو قد توجد عقبات فيُعمل على تذليلها، ومواطن قوة للوحدة فيأخذ بأسبابها.
... جاء في رسالة الشيخ الباروني (1) أسئلة طارحة لهذه الاحتمالات؛ ونصها:
... (المرجو من حضرتكم، أيها الأستاذ الذي سنعتمد على أقواله وأقوال أمثاله؛ إمعان النظر في المقالة المحررة تحت عنوان "الجامعة الإسلامية" في جريدة الأسد الإسلامي، الآتية إليكم مع هذا، ثم بعد إطلاق الفكر بحثاً وراء عين الحقيقة، نطلب إبداء ما اقتضاه نظركم السامي من الجواب عن الأسئلة الآتية بإيجاز غير مخل بالمراد، خدمة للجامعة والدين، ولحضرتكم الثواب والشكر.
... هل توافقون على أن أقوى أسباب اختلاف المسلمين تعدد المذاهب وتباينها؟.
على فرض عدم الموافقة على ذلك، فما هو الأمر الآخر الموجب للتفرق؟.
على فرض الموافقة، فهل يمكن توحيدها بالجمع بين أقوالها المتباينة وإلغاء التعدد؛ في هذا الزمن الذي نحن فيه أحوج إلى الاتحاد من كل شيء؟.
وعلى فرض عدم إمكان التوحيد، فما الأمر القوي النافع في نظركم؟ وهل لإزالته من وجه؟.
على فرض إمكان التوحيد، فأي طريق يسهل الحصول على النتيجة المطلوبة؟.
وأي بلد يليق فيه إبراز هذا الأمر؟.
وفي كم سنة ينتج؟.
وكم يلزم له من المال تقريبا؟.
وكيف يكون ترتيب العمل فيه؟.
__________
(1) هو سليمان بن عبدالله الباروني، مجاهد ليبي عظيم، وكاتب إسلامي قدير، أحد القادة الذين حرروا ليبيا من الاستعمار، نفاه الاستعمار الأوروبي وحرم عليه دخول البلاد العربية التي كانت تحت سيطرته، توفي 1940م. (1/59)
صفحة 60
وعلى كل حال؛ فما الحكم في الساعي في هذا الأمر شرعاً وسياسة، مصلح أم مفسد؟) (1) .
... فرد الإمام السالمي على تلك الأسئلة بواقعية مثالية تشخص الواقع الإسلامي كما هو وتعطي حلولاً إسلامية متزنة، لم تجنح في سماء الخيال بحيث استسهلت الأمر، ولم تستسلم للواقع بحيث أبدت سلبية تجاه الوحدة، لا؛ بل كانت إيجابية تضع المفصل على المفصل.
كان رد الإمام السالمي كالأتي: (قد نظرنا في الجامعة الإسلامية فإذا فيها كشف الغطاء عن حقيقة الواقع، فلله ذلك الفكر المبدي لتلك الحقائق.
... نعم نوافق أن منشأ التشتيت اختلاف المذاهب وتشعب الآراء، وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة، على حسب ما اقتضاه نظركم الواسع في بيان الجامعة الإسلامية.
... وللتفرق أسباب أخرى؛ منها التحاسد أو التباغض والتكالب على الحظوظ العاجلة، وفيها طلب الرياسة والاستبداد بالأمر.
... وجمع الأمة على الفطرة الإسلامية بعد تشعب الخلاف ممكن عقلاً مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمراً كان { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } (2) .
... والساعي في الجمع مصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية، ويحضهم على التسمي بالإسلام، فإن الدين عند الله الإسلام.
... فإذا أجاب الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية ولو بعد حين، فيبقى المرء يلتمس الحق بنفسه، ويكون الحق أولاً عند آحاد الرجال، ثم يفشوا شيئاً فشيئاً حتى يرجع إلى الفطرة، وهي دعاية الإسلام التي بُعث بها محمد عليه الصلاة والسلام، وتضمحل البدع شيئاً فشيئاً، فيصير الناس إخواناً، ومن ضل فإنما يضل على نفسه.
... ولو أجاب الملوك والأمراء إلى ذلك لأسرع في الناس قبولهم وكفيتم مؤنة المغرم، وإن تعذر هذا من الملوك فالأمر عسر والغرم ثقيل.
__________
(1) العقد الثمين، ج، ص.
(2) العقد الثمين، ج، ص-127. (1/60)
صفحة 61
وأوفق البلاد لهذه الدعوة مهبط الوحي ومتردد الملائكة ومقصد الخاص والعام حرم الله الآمن، لأنه مرجع الكل.
... وليس لنا مذهب إلا الإسلام، فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضاً، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيباً، ونعرف الرجال بالحق، فالكبير عندنا من وافقه والصغير من خالفه، ولم يشرع لنا ابن إباض مذهباً، وإنما نسبنا إليه لضرورة التمييز حين ذهب كل فريق إلى طريق، أما الدين عندنا لم يتغير، والحمد لله) (1) .
... كما عمل قطب الأئمة (2) جاهداً في مجاهدة الاستعمار الفرنسي ورد غائلته عن المغرب العربي وخاصة الجزائر، وكانت حينذاك تابعة لدولة الخلافة العثمانية، وله مواقف مشهودة للحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية، مما حدى بالدولة العثمانية أن تمنحه عدة أوسمة (3) .
__________
(1) العقد الثمين، ص-127.
(2) هو الإمام محمد بن يوسف أطفيش، عالم موسوعي ومجتهد مطلق، له مئات المؤلفات في جميع فنون المعرفة حتى لقب بقطب الأئمة، ولد في غرداية بالجزائر 1236ه، وتوفي بعدما عمر طويلاً عام 1332ه.
(3) قطب الأئمة العلامة محمد بن يوسف أطفيش، بكير بن سعيد أعوشت، ص، ط مكتبة الضامري، السيب سلطنة عمان. (1/61)
صفحة 62
... يقول عنه العلامة أبو إسحاق إبراهيم أطفيش (1) : (يعز عليه أن يهضم شعب إسلامي ويسلب حريته أو يناله أدنى ضيم، كثير الدعاء بالنصر للأمة الإسلامية على من يناوئها، شديد الرغبة في وجود الجامعة الإسلامية، يرى من الواجب أن يكون الإسلام في عز وأهله في منعة، ويرى أن كل ما يلم بشعب إسلامي كائناً من كان من الإرهاق، فهو نكبة أصابت الأمة لما في ذلك الشعب من التوحيد والانتساب إلى الدين الإسلامي، الجامعة العامة) (2) .
... وهكذا أخذت قافلة الأخوة الإسلامية تسير يحدوها الأمل بأن تصل إلى نقطة الوحدة الإسلامية، وضج رموز الصحوة الإسلامية بالمناداة إلى الوحدة الإسلامية والجامعة الملية، وظلت قلوب الشبيبة تهفو إلى هذا المقصد العظيم والهدف النبيل، وتسعى سعيها الحثيث لتقفوا إثر سلفها الصالح، الذي فتح العالم بوحدته وتوحيده وأخلاقه قبل أن يفتحه بسيفه وسنانه ورماحه، حتى كادت تنال المقصود، وتحط في محطة الأخوة الإسلامية الجامعة، ثارت طفيليات خبيثة محسوبة على الأمة لتستأصل جرثومة الأخوة الإسلامية، وتثير داء التكفير من جديد بصورة أشد وأنكى على الأمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
__________
(1) هو إبراهيم بن عيسى بن يحيى أطفيش، عالم مجتهد، داعية للإصلاح والوحدة، له مؤلفات عديدة وعمل في تحقيق الكتب الإسلامية بدار الكتب المصرية، وكان سفيراً لدولة إمامة عمان في جامعة الدول العربية، وكافح الاستعمار بفكره وعلمه، ولد في وادي ميزاب عام 1306هـ، وتوفي 1393هـ.
(2) الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص، محمد بن يوسف أطفيش، ص، ط أبي إسحاق أطفيش. (1/62)
صفحة 63
... ولندع العلامة الخليلي؛ بأسلوبه الأدبي الرفيع المتأثر لحال المسلمين وواقعهم المر، يحدثنا بقوله: (وقد كان من بشائر الخير التي لاحت للأمة مع تباشير إشراقة الصحوة الإسلامية المعاصرة ما كان –بادئ ذي بدء- من التعاطف والتواد والتراحم بين الشباب المسلم الذي أشرقت عليه أنوار هذه الصحوة، فقد كانوا في بادئ أمرهم لا يلتفتون إلى الخلافات المذهبية، ولا يشتغلون بالنعرات الطائفية؛ إلا قليلاً منهم، وهم الذين لم تصقل آثار تلك الصحوة ما تراكم في قلوبهم من الصدأ، وهؤلاء كانوا مغمورين بالكثرة الكاثرة التي ينصب همها في محيط الإسلام الواسع الذي يجمع ولا يفرق، ويوحد ولا يشتت، وكادت القضايا الخلافية تلقى في زوايا الإهمال لتصبح في خبر كان، حتى إذا نضرت هذه الألفة وكادت تؤتي ثمارها الطيبة، هاجت عليها أعاصير العصبية العمياء -بعدما حركتها أحقاد غصت بها نفوس ساءتها وحدة الأمة- فلفحتها بسمومها التي أذبلت نضارتها، وقضت على رونقها، فإذا بالتواد تباغض، وبالتعاطف تباعد، وبالترابط تقاطع، وبالرحمة عذاب.
... وكان أول ضحية لهذا التآمر البغيض هو الإسلام الحنيف ثم الشبيبة المسلمة التي كادت تقلب مجرى التأريخ، وتعيد إلى حاضر الأمة المشرقة ماضيها العريق بضربها أروع الأمثال في الوحدة الإسلامية والترابط الديني، فقد انتزعت انتزاعاً من حظيرة الوفاق الإسلامي ليدفع بها إلى متاهات من الخلاف والشقاق كان لها بد وأي بد من الدخول فيها والهيام في أرجائها.
... وليت الأمر وقف عند حدود الجدل والمناظرات، ولم يصل إلى التكفير وإصدار الأحكام التعسفية الجائرة على كثير من المسلمين، بإخراجهم من الملة، وتعريتهم من لباس الإسلام) (1) .
__________
(1) الحق الدامغ، ص. (1/63)
صفحة 64
... والآن نرجع للإجابة على الأسئلة التي طرحناها قبل قليل عن الجامعة الإسلامية، ونقول: مما رأينا من خلال استعراض الواقعية الإسلامية، أن الإسلام يحمل كل مضامين الوحدة الإسلامية، وآيات الكتاب تفيض بالدعوة إلى الاعتصام بحبل الله المتين، ولم تكن هذه الدعوة خارجة عن المستطاع، وقد عمل المصلحون على تنفيذها وإخراجها إلى أرض الواقع الإسلامي، ولكن ما يحول عن الوحدة هو انغلاق النفوس وضيق عطنها وعدم الوعي بمجريات الأمور، فهؤلاء المتبلدة أذهانهم لا يعلمون إلا ظاهراً من الأمر، ولا يعلمون أنهم في حقيقة الأمر يخدمون مصالح أعداء الله تعالى، وإن أردنا التحاماً أخوياً سليماً فلا بد من أن يترك هؤلاء الإثارات المذهبية المنغلقة، وإن رفضوا ترك العصبيات المقيتة فعلى الأمة أن تتركهم وشأنهم، وإن لم يتركوا الأمة في سعيها للوحدة والألفة فعلى الغيورين والمصلحين أن يُحذِّروا من هذه الشجرة الخبيثة التي زرعها الشيطان في الأمة لتقض مضجعها، هذا ما نستطيع قوله، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
... إن المؤتمرات والندوات –كهذا المؤتمر- التي تعقد من قبل دعاة الإصلاح والوحدة فيها الخير الكثير، ولابد من أن تؤتي الثمرة المرجوة منها، فالخير منتصر على الشر، والقافلة لا يضرها النباح والعواء.
-
الواقعية والوحدة الإسلامية
بعد كل ذلك، فبالنسبة للوحدة الإسلامية،،،
الواقعية: هي تحقيق الوحدة الإسلامية في واقع المسلمين، متخذين كتاب الله تعالى وسنة نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - دستوراً لهذه الوحدة ونظاماً لحياة المسلمين.
وإن شئتم أكثر بياناً:
فالواقعية: تعني أن يتخذ المسلمون طريقاً وسطاً خلال هذا الركام الهائل من الانتصار للمذاهب، والتعصب الأعمى لها، يجب أن تختفي نبرة تكفير المسلمين، فالمسلمون في صعيد الوحدة الإسلامية كلهم متكافئون، لا يفضل بعضهم بعضاً إلا بتقوى الله والعمل الصالح وتقديم التضحيات للأمة الإسلامية. (1/64)
صفحة 65
في الوحدة الإسلامية لا وجود لأولئك الذين يرون الخروج على أقوال الأئمة كفراً؛ ولا لأولئك الذين يعتقدون القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ضلالاً ما لم يفسر حسب رأي أئمتهم، لقد اتفقت أقوال العلماء والمجتهدين بأن كل شخص يرد عليه إلا صاحب القبر الشريف المعصوم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت أقوالهم المشهورة على مر التاريخ الإسلامي: (إن وافق قولي الحق فخذه، وإن لم يوافق فلا تأخذه).
الوحدة الإسلامية ليست وهماً وخيالاً، فحاشا الشريعة الخاتمة أن يأتي فيها وهم أو تأمر بخيال، فكل أوامرها تصب في المفهوم الجماعي، وتمقت الأنانية والحزبية.
يمكن أن تجتمع المذاهب الإسلامية في ود وسلام واحترام تحت مظلة شرعية واحدة، إذا وسعت هذه المظلة تحت عدلها المذاهب ولم تعمل على الانتصار لمذهب دون مذهب، وقد تحقق هذا اللقاء المذهبي الأخوي في التأريخ الإسلامي، حيث شملت الدولة الرستمية (1) المذاهب الإسلامية التي تحتها بالعدل فلم يظلم فيها أحد، وقد شهد على عدل أئمتها المؤرخ ابن الصغير المغربي (2) . (3)
وكذلك في عمان في عهد الأئمة العدول (4) .
__________
(1) الدولة الرستمية تعاقب عليها أئمة عدول منتخبون من قبل المسلمين، قامت في الشمال الأفريقي، وكانت عاصمتها مدينة تيهرت الشهيرة، ابتدأت بخلافة الإمام العدل عبد الرحمن بن رستم الفارسي عام 160ه، وانتهت بخلافة الإمام يوسف بن محمد بن أفلح سنة 294هعلى يد الدولة العبيدية.
(2) هو المشهور بابن الصغير المالكي من رعايا الدولة الرستمية كان على غير المذهب الإباضي، قيل: مالكياً. وقيل: شيعياً. له كتاب "أخبار الأئمة الرستميين" ألفه حوالي 290هولذلك عرف بمؤرخ الدولة الرستمية.
(3) أخبار الأئمة الرستميين، ابن الصغير المالكي، ط دار الغرب الإسلامي، بيروت-لبنان، 1406هم.
(4) عمان الديمقراطية الإسلامية، د. حسين عبيد غباش، ط دار الجديد، الطبعة الأولى، 1997م. (1/65)
صفحة 66
إن الاستسلام للواقع الذي نعيشه الآن هو غفلة عن حركة سير التأريخ الحضارية، فالعالم كله يجتمع، فمنهم من يجتمع حول المصالح الاقتصادية، وآخرون يجتمعون إقليمياً، وغيرهم يرتبطون بروابط ثقافية ولغوية... وهكذا، رغم أن هذه التجمعات لا يوجد فيها المقومات الحقيقية والقاعدة الصلبة للوحدة، إلا أن منظميها عملوا جادين على إيجادها، وإن وجدت بعض المقومات ففي وحدتنا كل المقومات، فالدين الذي صنع أمة واحدة، والمصالح المشتركة، والأرض الواسعة، وتنوع المصادر الاقتصادية، والعقول البارزة في كل فن وتخصص، كل هذه المقومات موجودة ولا تحتاج إلا إلى أناس مخلصين يعملون على تنظيمها وصهرها في بوتقة المصالح الإسلامية العليا.
يجب أن نؤمن بأن الوحدة الإسلامية حقيقة قائمة لا محالة برغم الغشاوات التي تحجبها، علينا أن لا نلتقي في المؤتمرات لأجل أن نلقي كلاماً رائعا عن الوحدة، ثم نرحل إلى دهاليز مذاهبنا الضيقة، فهذا ترف سنحاسب عنه أمام الله تعالى.
الوحدة الإسلامية؛ علينا أن نؤمن بها ونعمل جادين للسعي إليها، وندخلها في مناهجنا الدراسية، فينشأ عليها الصغير ويشب ودمه يضخ في الوحدة والاتحاد، ويجب أن تختفي من مناهجنا القومية والجنسية والمذهبية، فهذه نصال تقطع أوردة الوحدة، أو قل حواجز تمنع التئام الصفوف المسلمة.
الكون متآلف بذراته ومجراته، لا يحيد عن السنن الإلهي ولا يخرج عن مقتضيات القوانين الربانية، وهو بعد ذلك مسخر للإنسان، فما بال الإنسان المسلم يتخلى عن قيادته لهذا الكون؟ ولماذا يكون نشازاً عن هذا التآلف الكوني؟ ولماذا يرضى بذيل القافلة يلتقط غبارها، وقد أوجده الخالق جل وعلا ليكون قائد زمامها؟. (1/66)
صفحة 67
عندما ينشز المسلم يعني ذلك أن الكون في نشاز واهتزاز، وسيظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فالعالم وإن بدا يسعى إلى مصالحه فهو يسعى إلى حتفه؛ طالما أنه مبتعد عن شريعة الله الحقة، ونحن –المسلمين- نتحمل تبعات كل ذلك، فالأمة الشاهدة كيف يتأتى لها الشهادة وهي طوائف ممزعة ومذاهب متنافسة وعصبيات متناحرة وخلافات متباينة؟! هذه الأمة لم تنظر إلى حالها ولم تراع مآلها، فأنى لها أن توجه الأمم؟!
هذا الحال يجب أن لا يستمر لا بد من الرجوع إلى المقاصد الإسلامية؛ إلى التوحيد والوحدة، حتى تنظم حركة العالم، فالعالم أعلن إفلاسه بعدما خذلته الشيوعية وتخذله الرأسمالية، إن قادة الشرق والغرب يتطلعون إلى الحل الإسلامي، والحل الإسلامي –وللأسف- تتجاذبه المذاهب وتتقطعه العصبيات.
إننا نعرف –ونعترف- أن الطريق شاق والسبيل وعر، وأمامنا أكدية وأودية وعلل وأدواء، ولكن متى كانت العقبات مُذِلة لأصحاب الهمم العالية؟! إن الجيل الأول من دعاة الوحدة الإسلامية –المعاصرين- ينفون من الأرض ويمنعون من التبشير بمبادئهم النبيلة بين شعوبهم، وهذا أمر قد ولى واختفى، والنفوس اليوم أكثر تهيئاً إلى هذه الوحدة لو طمست الأصوات المنكرة التي تدعو إلى هاوية العصبية.
إننا نملك الإعلام والصحف وشبكات الاتصال المختلفة، علينا أن نبث خلالها الوعي بالوحدة الإسلامية، وأن نثقف الجماهير الإسلامية بالخطوات العملية للوحدة الإسلامية. (1/67)
صفحة 68
الأفلام والمسلسلات والبرامج والنشرات ينبغي أن تصب في الأهداف الإسلامية، ويجب أن تحل محل المسخ الذي نراه ليلاً ونهاراً، هذا المسخ الذي صنعته الآلة الغربية ذات الوقود الفلسفي المادي، إننا نسأل أين البرامج الإسلامية النابعة من الحاجة الإسلامية، والتي تخدم الواقع الإسلامي المطلوب؟ ولماذا أصبح الفن مرتبطاً بالعهر والخمر والرقص؟ فمتى ترتقي أمة إلى أوج العز والسؤدد وهي منغمسة في حضيض التبذل والاستهتار بالأخلاق؟.
الإسلام بواقعيته المثالية يملك المقومات الحضارية لأمته، ولكنه لا يرتقي بخائري العزائم متصدعي الصفوف، فالإسلام لا ينقلنا من الدرك الأسفل إلى المنزلة العليا نقلة سحرية، بل هو يأمرنا باتباع الخطوات العملية التي يجب أن نخطوها في مسيرنا نحو الوحدة الإسلامية.
أما أولئك الذين يغطون في سبات عميق ويحلمون بأنهم سوف يستيقظون على الوحدة، هؤلاء سيطول بهم الرقاد حتى قيام الساعة ولا يرون وحدة ولا توحداً، على هؤلاء أن يتداركوا أنفسهم وشعوبهم ويعملوا بالسنن الكونية والنصية للنهوض بأمتهم، وإلا سيسحقهم الزمن تحت عجلاته المتسارعة، فالزمن لا يرحم الكسالى والخاملين، الزمن لا يملكه إلا من يملك القوة والعزيمة والتسامح والإخاء.
-
الاقتراحات
... وفي الختام أتقدم إلى القائمين على المؤتمر بهذه الاقتراحات عسى أن تكون في محلها:
1- تعميم دراسة الخصائص الإسلامية في المناهج التربوية الإسلامية، وأن تعنى هذه الخصائص بالمنهج الإسلامي الشامل.
2- تكوين لجنة إسلامية مشتركة من جميع المدارس الإسلامية، يكون عملها إبراز عناصر الوحدة الإسلامية من واقع مدارسنا، وتقوم بالرد على دعاة المذهبية المنغلقة، أو الذين يثيرون الطعون في المذاهب الإسلامية ورموزها، أو يكون عملها مشتركاً يصدر باسم جميع المدارس الإسلامية. (1/68)
صفحة 69
3- طرح مادة تربوية في المدارس والمؤسسات العلمية هدفها الوحدة الإسلامية، وتكون مشتركة تقر من قبل علماء الأمة الإسلامية.
4- بث البرامج الإعلامية والصحفية والثقافية التي توعي الشعوب الإسلامية بأهمية الوحدة، وأن تُحمَل المؤسسات الإعلامية الرسمية من قبل مطالب العلماء على بث هذه البرامج.
5- أن يحث العلماء والمفكرون الإسلاميون في موسم الحج أتباعهم على التعرف على إخوانهم المسلمين من البقاع الإسلامية المختلفة، وأن يحضوهم على تبادل المعارف الإسلامية.
6- أن يقوم العلماء بزيارات متبادلة لبلدان بعضهم البعض؛ مبشرين وداعين إلى الوحدة الإسلامية متألفين لقلوب شعوبهم، ناصحين لهم بالتمسك بالكتاب والسنة فهما أساس الإسلام.
هذا؛ وأسأل الله تعالى العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وأسأله تعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيها أهل طاعته ويذل فيها أهل معصيته، وأسأله أن يوحد صف الأمة ويرتق فتقها ويخزي عدوها ويهدي جاهلها.
إنه سميع مجيب الدعاء
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
قائمة المراجع
1 ... القرآن الكريم
2 ... تفسير المنار ... محمد رشيد رضا
3 ... كتب الصحاح والسنة
4 ... جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل ... ... محمد يوسف أطفيش
5 ... الحق الدامغ ... ... أحمد بن حمد الخليلي
6 ... العقيدة (1) ... أحمد بن سليمان الكندي وعاشور بن يوسف كسكاس
7 ... السيف الحاد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد ... سعيد بن مبروك القنوبي
8 ... كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة ... عبدالله بن حميد السالمي
9 ... الدليل والبرهان ... ... يوسف بن إبراهيم الوارجلاني
10 ... الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص ... ... محمد بن يوسف أطفيش
11 ... العقد الثمين ... ... ... عبدالله بن حميد السالمي
12 ... جوهر النظام ... ... ... عبدالله بن حميد السالمي
13 ... تمهيد قواعد الإيمان ... ... سعيد بن خلفان الخليلي
14 ... لسان العرب ... ... ... ... محمد بن مكرم بن علي ابن منظور (1/69)
صفحة 70
15 ... أبو مسلم الرواحي حسان عمان ... د. محمد بن صالح ناصر
16 ... العقود الفضية في أصول الإباضية ... سالم بن حمد الحارثي
17 ... السير والجوابات ... ... ... علماء وأئمة عمان
18 ... الإباضية بين الفرق الإسلامية ... علي يحيى معمر
19 ... قطب الأئمة محمد بن يوسف أطفيش ... ... بكير بن سعيد أعوشت
20 ... الأغاني ... ... ... ... علي بن الحسين الأصفهاني
21 ... الشيخ علي يحيى معمر والدعوة إلى الوحدة الإسلامية ... ... محمد ناصر بوحجام
22 ... عوامل تقوية الوحدة الإسلامية في الشعائر الدينية ... أحمد بن حمد الخليلي
23 ... العبادة وأثرها في حياة المسلم ... أحمد بن حمد الخليلي
24 ... أصول الدعوة ... ... ... د. عبد الكريم زيدان
25 ... الخصائص العامة للإسلام ... ... د. يوسف القرضاوي
26 ... خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ... ... سيد قطب
27 ... نهضة الأعيان بحرية أهل عمان ... محمد بن عبدالله السالمي
28 ... جهود العلماء المصلحين في توحيد المذاهب الإسلامية ... أحمد بن سعود السيابي
29 ... الأمة والسلطات باتجاه الوعي والتغيير ... إبراهيم العسعس
30 ... واقعنا المعاصر ... ... ... محمد قطب
31 ... روائع إقبال ... ... ... أبو الحسن علي الحسن الندوي
32 ... خلق المسلم ... ... ... محمد الغزالي
33 ... الأعلام ... ... ... ... خير الدين الزركلي
34 ... موسوعة الفلسفة ... د. عبد الرحمن البدوي
35 ... عمان الديمقراطية الإسلامية ... د. حسين عبيد غباش
(
فهرس الموضوعات
الموضوع ... الصفحة
المقدمة ... 1
الإسلام مدارس وليس فرقاً ... 6
الصحوة كانت البداية ... 10
خصائص الإسلام العامة ... 17
تعريف الواقعية ... 24
تشخيص الواقع في السنة النبوية ... 37
واقعنا والواقعية ... 42
الواقعية في العقيدة الإسلامية ... 44
واقعية العبادات ... 51
العبادة من طرق الوحدة ... 54
فطرية الأخلاق الإسلامية ... 63
السماحة الإسلامية ... 67
إلغاء الألقاب المذهبية ... 73
الجامعة الإسلامية ... 79
الواقعية والوحدة الإسلامية ... 92
الاقتراحات ... 98
قائمة المراجع ... 100
فهرس المواضيع ... 103 (1/70)