صفحة 1
الكتاب: بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود
المؤلف: الإمام نور الدين/ عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي
كان الفراغ مِن تسويده عشية السبت، لست بقين مِن شهر الله المحرم سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وعشرين للهجرة.
تنسيق للشاملة: هلال بن مصبح الكلباني
hilalmusabah@gmail.com
[مبوب]
تاريخ النشر بالشاملة الإباضية: الإصدار الأوّل (437 عنوان): جمادى الأولى 1430هـ / أفريل (أبريل) 2009م (قرص مضغوط) بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود
للإمام نور الدين عبدالله بن حميد بن سلوم السالمي (/)
صفحة 2
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال عز من قائل (( يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) (( وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا ))
(( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً )) (( وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء )) (( وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا )) (( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا )) (( هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً )) (( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ )) (( الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ))
ذكر الله محمد بخير وصلى عليه وحياه بالسلام وصلى على إخونه الأنبياء ، وأصحابه الأتقياء ، وتابعيهم إلى يوم القيام ، أما بعد : (1/3)
صفحة 3
هذا جواب لكتاب وصلني من زنجبار ، مجادلاً فيه عن إخوان الكفار ، عبدة الدرهم والدينار ، وذلك حين نزع الله حكومة زنجبار من أيدي المسلمين بما كسبت أيدهم . وسلط عليهم عدوهم ، بما تركوه من أوامر ربهم ، فاحتلها النصارى بالمكر والخداع ونصبوا لهم أنواع الحيل السالبة للدين رغبة في سلب دينهم كما سلبوا دنياهم فيكونون فيه سواء ، فمال إليهم من لا خلاق له من جهال المسلمين ، ومن زاغ عقله عن سنن الدين ، فتزينوا بملابسهم ، وعوجوا ألسنتهم بلغاتهم ، وخالطوهم في مدارسهم ، وعاونوهم في محاكمهم التي هي بيت الظلم ومستقر البوار ، فصدرت مني إليهم إشارة بالنصيحة عن هذا الاعوجاج ، ومطالبة الرجوع إلى أقوم المنهاج فصدر منهم هذا الهذيان ، الذي يزعمون أنه من الاحتجاج ، فلم أر بداً من جوابهم ، خوف الوعيد المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم : (( إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه ، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل )) رواه جابر بن زيد مرسلاً وفي الجامع الصغير من رواية ابن عساكر عن معاذ : (( إذا ظهرت البدع ، ولعن آخر هذه الأمة أولها ، فمن كان عنده علم فلينشره ، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد )) ووفاء بالعهد المأخوذ على العلماء في قوله تعالى : (( وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه )) ثم جعلت في ذلك فصول . (1/4)
صفحة 4
الفصل الأول : في التحذير من مدارس النصارى
قال المعترض : أما الداخل في مدارس النصارى معلماً أو متعلماً ، فأوضح لك حالة المعلم حسب المشاهدة - فالمعلم يلقي في أذهان المتعلمين صغاراً كانوا أو كباراً - التوحيد وشغله ، و الطهارات وكيفياتها ، والصلوات ومعانيها ، والكتابة العربية ، والإنشاء العربي ، والحساب ، وقراءة القرآن على الوجه المرتضى ، فإن كان هذا لا يجوز المسير إلى تلقينه ن ولا شد الرحال إليه ، فأقيموا الأدلة والبراهين الساطعة ، وأجيبونا بأسرع حال ، أم الأحسن ترك أولاد المسلمين بأيدي النصارى فقط ، وأي فائدة من قول الله تعالى : (( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين )) ، وقوله : (( ولكن ذكرى لعلهم يهتدون )) ، أم هذا خاص به صلى الله عليه وسلم دون غيره ، فالمدرسة المشار إليها واضعها إسلامي ، والنصارى فيها عملة ، وأحد العملة سب النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ السيد علي بن حمود ، وحالاً أرسل إلى الناظر - مدير المدرسة - فقرعه ن فأجابه إن قامت البينة على الساب ليعزرنه ، ولم تقم عليه بينه ومع ذلك فقد هدد ، فحينئذ هل الأوجب صبغ الأولاد صبغة دينية ، أم يتركون وجهلهم إذا كان لا بد من تعليم هذه اللغة الأجنبية ؟.
هذا كلامه وهو ينقض بعضه بعضا وجوابه : (1/5)
صفحة 5
إنك قد تركت الأهم والأعظم من مقصود القوم ، وهو - محض نظرهم وغاية أملهم ، وذلك أن المعلم النصراني يختلي بهؤلاء الصبيان من أولاد المسلمين وغيرهم في وقت مخصوص وساعة معروفة ، فيلقنهم ما شاء من الكفريات التي تسلخهم من فطرة الإسلام رأساً ، ومن نفحات تلك المكفرات ما ذكرته عن ذلك النصراني من سب سيد الأنبياء عليه أفضل الصلاة والسلام ، وما ذكته من تعليم التوحيد وما بعده من الخصال فهو ذريعة إلى تدريجكم إلى المهاوي ، وإلقائكم في المهالك ، ولا بد للفخ من حب يقع عليه الطائر ، فلو جاهروكم بمرادهم وكشفوا لكم أغراضهم ، لقفت شعوركم ، واقشعرت جلودكم ، واشمأزت قلوبكم ، ونفرتم عنهم كل نفرة ، لكن القوم أدرى بمصائبكم ، وأعرف بمكائدكم ، فهم أشد من الأفاعي ليناً وعداوة ، وأروغ من الثعلب ، وأخدع من السراب ولهم في المكر أبواب يعجز عنها الشيطان ، فهم نظير الشاعر المجاهر بقوله :
وكون المدرسة من أبناء المسلمين لا يهون الأمر بل يعظمه ، فإنه خفف عنهم مؤنة البناء ، وزادهم استطالة على المسلمين حيث ورثوا أرضهم وديارهم وأموالهم ، عكس الحال الذي عليه أسلافهم مع أسلافنا ، ذلك بما كسبت أيدكم .
الله المستعان ، ما مثلنا عند هؤلاء النصارى إلا كمثل بني إسرائيل عند عدوهم بختنصر ، عافيتك اللهم وعفوك ونصرك وتأييدك ، أغث حرمة الإسلام يا غياث المستغيثين . (1/6)
صفحة 6
ومن المعلوم أن العبرة في المدارس بأهلها المتوالين بأمرها ، القائمين بلوازمها ، من تدريس وغيره ، دون الباني الذي أسسها ، إذ البناء لا يؤثر في المطلوب ، وإنما يؤثر من تصدى فيه لذلك ، والجهل بما تفيده مدارس النصارى من كفرياتهم أولى وأسلم من العلم والإطلاع عليه ، فإن الجاهل به سليم العقل صحيح الإعتقاد كامل التوحيد ، كما عليه الحال في عوام المسلمين ، والعالِمُ به المطلع عليه ربما يفضي به الحال إلى الشرك بعد الإسلام ، وهو لا يدري ، وربما أورثه الشك في عقيدته ، والطعن في سلفه ، وربما أورثه موالاة أعداء الله ومعاداة أولياء الله ، فيكون حكمه حكم من تولى لقوله تعالى : (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ويحشر معهم يوم القيامة )) ، وللحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحب قوماً حشره الله في زمرتهم )) رواه الطبراني والضياء عن أبي قرصافة .
وقد تنبه علماء الملة الإسلامية على مكائد النصارى ومطالبهم من هذه المدارس ، فنبهوا عليها الناس ، وأزالوا عنهم الإلتباس ، وحذروهم من الوقوع في شرورها ، وألف في ذلك الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني تأليفاً سماه ( إرشاد الحيارى في تحذير المسلمين من مدار النصارى ) ، حيث قال في الفصل الثالث منه ما نصه : وانظر أيها المسلم العاقل رحمك الله وأرشدك إلى ما فيه رصاه إلى اجتهاد الدول الإفرنجية في فتح المدارس في بلاد الإسلام وإنفاقهم عليه النفقات الكثيرة على ممر الشهور والأعوام ، واعتنائهم بشئونها الاعتناء التام ، أتراهم يا أخي يفعلون ذلك شفقة منهم على ابنك المسلم ، ليس من ملتهم ولا دولتهم ، وحرصاً على نجاحه ، كلا ، والله لا يفعلون ذلك إلا لمقاصد مهمة، وفوائد لهم كثيرة جمة تقابل نفقاتهم وأتباعهم أضعافاً مضاعفة - وهي كلها عليك وعلى ابنك وعلى دينك ، وأهل ملتك . (1/7)
صفحة 7
دواهي عظمى ومصائب كبرى ، يعلم ذلك جميع العقلاء ، ولا يخفى إلا على الجهلة الأغبياء ، فمن فوائدهم أنهم يخرجون هؤلاء الصبيان الذين يتعلمون في مدارسهم من دين الإسلام إخراجاً حقيقياً بقلوبهم وإن بقوا في الظاهر مسلمين ويستجلبون محبتهم لهم محبة متزجة بلحمهم ودمهم وينشأون عليها ويعيشون عليها ، وذلك بتعلمهم لغاتهم وعوائدهم وكتبهم وأحوال مشاهيرهم ، وتراجمهم ، يرويها لهم المعلمون بأجمل الروايات ، في ضمن ذلك يذمون لهم عقائد الإسلام ومشاهير المسلمين وأئمة الدين حتى ربما يتجاوزون إلى سيد المرسلين وحبيب رب العالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وتتكرر هذه الأمور على سمع الصبي المسلم في عدة سنين فلا يخرج من المدرسة إلا وقد تجرد بالكلية من دينه وحميته الإسلامية وصارت تلك الدولة الممددة للمدرسة التي تعلم فيها ، أحب إليه من دولته ، وجنسيتها أحب إليه من جنسيته ، معتقداً فيها وفي رجالها الكمال ، وهو لم يتعلم شيئاً من دين الإسلام وسيرة نبيه شيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، ومناقب أصحاب الهداة المهديين ، وفضائل أئمة دينه المبين ، وأحوال خلفائه الراشدين ، ومن بعدهم من السلاطين ، والأمراء العادلين ، بل روى له عنهم شياطين أولئك المعلمين عكس أوصافهم الجميلة ، ومناقبهم الجليلة ، فاعتقد فيهم خلاف الكمال الذي اعتقده ، وعلى خلاف الحقيقة في أعداء دينه ودولته ، وهؤلاء التلاميذ يكبرون ويعيشون في الظاهر من جملة المسلمين وفي الحقيقة هم أعداء لله والدين ، وقد أشربت قلوبهم الزندقة والضلال المبين ، وترى الواحد منهم لا يجد خلوة مع من يشاكله في ضلاله وسوء حاله ، إلا ويتذاكر معه الاعتراضات على دين الإسلام ، وعوائد المسلمين ، ويمدحون تلك الدولة صاحبة المدرسة التي كملوا فيها دروس الضلال ، وتجردوا من الدين والكمال ، ولا يزال يخرج من هؤلاء الزنادقة في كل سنة من هذه المدارس النصرانية عدد كثير فيجمع منهم في (1/8)
صفحة 8
عدة سنين الجم الغفير ، جلهم أو كلهم على هذا الحال ، وقد جعلوا الحق ورائهم ظِهريا ، وما بعد الحق إلا الضلال .
ومما يؤيد ما قلته من مقاصد الإفرنج في فتح هذه المدارس ما ذكره الفاضل محمد أفندي طلعت المصري في أواخر كتابه ( تربية المرأة ) ، نقلاً عن مجلة سماها صاحبها ( مجلة العالمين ) ، لأحد مشاهير كتاب الإفرنج بين فيها ما يبذل قومه من المساعي والأموال ، في سبيل تقييم النصارى في الشرق ، وغرس محبة دولتهم في أفئدتهم ، ليكونوا لها مصانع وأحزابا ، ثم قال : ومع ذلك فهذه المساعي لم تنتج تمام الغاية المقصودة منها ، لتباين الطوائف النصرانية ، فمن الضروري إذاً جمع شتات هذه الفرق حتى لا يعاكس بعضها بعضا ، ومتى صاروا فرقة واحدة ، تمكنوا من مقاومة المسلمين والإعتلاء عليهم .
وفي كلامه على المدارس النصرانية التي اتخذوها سبيلا إلى غاياتهم المنكرة سطر به القلم فأظهر ما تكنه صدور القوم من العداوة والبغضاء لدين الله تعالى ، قائلاً : إن من الواجب على الأمم النصرانية أن تعاكس الإسلام في كل طريق ، وتحارب أهله بكل سلاح ثم رأى أن مقاومة الإسلام بالقوة لا تزيده انتشاراً ، وإن الواسطة الفعالة لهدم أركان الإسلام وتقويض بنيانه على ما قال : هي تربية بنيه في المدارس النصرانية ، وإلقاء بذور الشك في قلوبهم من عهد النشأة فتفسد عقائدهم الإسلامية من حيث لا يشعرون ، وإن لم يتنبه منهم أحد فإنهم يصيرون لا مسلمين ولا نصارى مذبذبين بين ذلك .
ثم قال : وأمثال هؤلاء يكونون بلا ارتياب أضر على الإسلام وبلاده ، مما إذا اعتنقوا الديانة النصرانية وتظاهروا بها . (1/9)
صفحة 9
ولما انتقل إلى ذكر تربية بنات المسلمين ، نفض كل ما في جرابه فقال : إن تربية بنات المسلمين في مدارس الراهبات ، أدعى لحصولنا على حقيقة القصد ، ووصولنا إلى نفس الغاية التي وراءها نسعى ، بل أقول إن تربية البنات بهذه الكيفية هي التربية الوحيدة للقضاء على الإسلام من أيدي أهله .
ثم ذكر ما يترتب على دخول مدارسهم من تغيير أخلاق المرأة المسلمة حتى تتغلب على زوجها ، فقال : ومتى تغلبت المرأة هكذا تغير نظام العائلة بالمرة وأصبح الرجل في قبضة تصرفها ، فتؤثر في عقيدته ، وتبعده عن الإسلام ، وتربي أولادها على غير دين أبيهم ، وفي اليوم الذي تغذي فيه الأم أولادها بلبان هذه التربية ، تكون قد تغلبت على الإسلام نفسه ، فتلك هي أقرب الطرق وأنجح الوسائل لمحاربة الإسلام بأهله دون جلبة ولا ضوضاء ، وهي لا شك أدعى لنوال المأرب ، وبلوغ المرام ، فليس لنا إلا إتباعها ، أما السعي جهاراً في محاجة المسلم ، فإنه يوقض عوامل التعصب الكامنة في نفسه ، الساكنة بين جوانحه ، فلا يمكن تذليله وهذا ليس من الحزم في شيء .
انتهى كلام المذكور ، قال بعده محمد أفندي طلعت : هذا نفثات من مصدور ، اكتفى بالإشارة إليها دون تعليق عليها ، وأرجوا أن تكون عبرة للآباء ، وذكرى للأمهات والأبناء .
انتهى ، قال النبهاني : فليعتبر العاقلون ، وإنا لله وإنا إليه راجعون. (1/10)
صفحة 10
وقال في الفصل العشرين : من هذه المدارس مدارس مخصوصة بالإناث افتتحها بعض طوائف النصارى من الإفرنج وخصوصاً البروتستانت في البلاد الإسلامية ، وصاروا يجلبون لها بنات المسلمين بكل حيلة ووسيلة ن ويحسنون إليهن بأنواع الإحسان ، ولا سيما بنات الفقراء فيسكنوهن ، ويعطونهن الدراهم والدقيق ، ونحو ذلك فامتلأت مدارسهم من البنات وهم يعلمونهن فيها أحكام دين النصارى ، فلا تخرج البنت بعد إنتهاء مدة المدرسة إلا وهي نصرانية ، أو زنديقة لا دين لها ، ولم يبق في قلبها من العقائد الإسلامية شيء لأنها حينما دخلت المدرسة كانت صغيرة غير عارفة بأحكام الدين ، وهكذا تعيش بعد تخرجها من المدرسة وتربي أولادها ، وهي بحسب الظاهر مسلمة ، وفي الحقيقة لا دين لها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
انتهى كلامه ، فهذه حقيقة مدارسهم ، وتلك غاية مطالبهم : (1/11)
صفحة 11
قال النبهاني في الفصل الرابع عشر من إرشاده : ما هي يا ترى الفوائد التي حصلها ابنك أيها المسلم من تلك المدارس النصرانية ، في مقابلة تضييعه دينه ، وشرفه وحميته ، وغيرته على ملته ودولته وبعد صيرورته بقلبه عدوا لإخوانه المسلمين ، وأوليائه الموحدين ، بل عدوٌ لآبائه وأجداده الذبن مضوا ناجين حائرين لشرف هذا الدين كما صار صديقا محبا لأعداء دينه وملته وجنسيته ودولته ، ينشر مناقبهم وستر مثالبهم ، ويحسن قبائحهم ، ويقدم على مصالح ملته ودولته مصالحهم ، فمن الفائدة التي حصلها في مقابلة ذلك إلا إحدى اللغات الإفرنجية ، وشيئا قيلا من مبادئ العلوم ، التي علمه بها لم يخرجه من كونه جاهلا ، مع إمكان تعلمها وأكثر منها بإتقان وسلامة إيمان في مدارس المسلمين ، وما مثلك أيها الأب الجاهل في إضاعتك دين إبنك وشرفه ، واستعواضه عنها بما استعوض مما ذكر ، إلا كما أضاع أعظم الجواهر نفاسة وقيمة حتى استفاد عوضها فلوساً قليلة أترى ذلك يعد عاقلاً كلا والله ، بل هو مجنون قد ابتلى بأعظم بلاء ، ومجذوم أصيب بأقبح داء ، بل ما فقده أعظم من الأرض والسماء ، وما وجده أقل من الذر والهباء ، ولا يحفى ذلك على كل فرد من أفراد المسلمين العقلاء ، وإن خُفي على أُلئك الجهلة الفساق المراق الأغبياء ، الذين قد فعلوا بأولادهم ومهج أكبادهم في إدخالهم هذه المدرسة ما لا يفعل أكثر منه الأعداء بالأعداء . (1/12)
صفحة 12
وقال في الفصل الخامس عشر : أيها المسلم - ماذا رأيت من الخير على من تعلم اللغات الإفرنجية ، وعلومهم الدنيوية حتى خاطرت بدينك ودين ولدك هذه المخاطرة العظيمة وأوقعت نفسك وابنك في هذه المراتع الوخيمة ، إذا كانت اللغات الإفرنجية متكفلة بسعة الرزق وعلو المنزلة والعز والشرف في الدنيا ، فلم نرى هؤلاء المعلمين الذين يتعلم منهم ولدك في المدرسة هم أفقر الناس ، وأذلهم وأشقاهم وأتبعهم في معيشتهم ، لم يحصلوا شيئاً من رفعة الجاه ، وعلو المنزلة والعز والشرف في دنياهم ، مع كونهم ماهرين في هذه اللغات ، وولدك إنما يأخذ بعض ما عندهم منها ، فلم ينجح ولدك في دنياه بالقليل الذي يأخذه منهم ، ويتلقاه عنهم ، وهم لم ينجحوا بالكثير الذي أفنوا في تعلمه أعمارهم ، غاية ما حصلوه من فوائد ذلك أن صاروا معلمين في المدارس ن يشتغلون طول النهار بمعاشات قليلة لا تكفيهم مع عيالهم إلا بقدر الضرورة ، وخير من معيشتهم ، وأوسع وأهنأ وأنفع ، معيشة أقل أعوام الناس المتسببين بنحو البيع والشراء ، كما هو مشاهد ، وهنالك جماعة ممن يعرفون هذه اللغات في أسوأ حالة من الاحتياج ، لا يتيسر لهم أن يكونوا معلمين ، وهم من أحوج الفقراء والمساكين ، فلو كانت معرفة هذه اللغات متكفلة بسعة الرزق وكثرة المال ، لما كان هؤلاء في أضيق معيشة ، وأسوأ حال . وانظر أيضا إلى أغنياء المسلمين ، تجدهم من التجار ، أهل البيع والشراء ، والأخذ والعطاء ، وجلهم أو كلهم لا يعرفون هذه اللغات ، وهم في كمال الرفاهية ، ورفعة الجاه ، وعلو المنزلة ، وسعة العيش ، مع حفظ الدين والدنيا ، فالرزق إذا والجاه ، لايتوقف واحد منهما على معرفة هذه اللغات ، فقد ظهر أنها غير متكفلة بسعة الرزق وعلو المنزلة في الدنيا ، بل الغالب عكس ذلك فيمن مهروا فيها ، وصرفوا أكثر أوقاتهم (1/13)
صفحة 13
في تعلمها والتوسع فيها ، لأن هذه الأوقات الطويلة التي صرفوها في سبيلها ، لو صرفوها في الشغل في التجارة وأسباب الكسب ، لربما حصلوا من المال ما استغنوا به عن كونهم معلمين في المدارس ، أو كونهم كتابا عند بعض التجار بمعاشات قليلة، فعلم ذلك ، وإياك أن تضل ولد وإياك ، والله يتولاك .
وقال في الفصل السابع عشر : اعلم أيها المسلم الجاهل المجنون ، لا العاقل الذي خاطر بدين ولده ، فوضعه في هذه المدارس ، إني والله الذي لا إله إلا هو لو أعطيت الدنيا بحذافيرها على أني أختار لنفسي أو ولدي الكفر ، لا أفعل . وهكذا كل مسلم ن فإذا لم يكن كذلك لا يكون مسلما ، وقد اخترت أنت الكفر لنفسك ولولدك بدون مقابل ، وعل وهم أن ولدك يحصل له شيء من المال والجاه ، بسبب ما يتعلمه بهذه المدارس النصرانية من اللغات الإفرنجية ، والعلوم الدنيوية مع أنك إذا نظرت نظر تحقيق - لم تر من كل مائة شخص من هؤلاء التلاميذ والعلوم ، مع ذلك تكدرت مشاهدة بصرك وعلمك ، الصحيح تصدق الشيطان وإخوانه ، وشرهم نفسك التي بين جنبيك ، فيما يسولونه لك من هذه الأوهام التي أضعت بها منك ومن ولدك دين الإسلام الذي لا يعادله شيء من الدنيا وما فيها من الحكام ، وإذا لم يؤثر فيك أيها الجاهل هذا الكلام ، فلا لوم علينا إذا قلنا أنك لست من ذوي الأحلام ، وعلى من اتبع الهدى لا عليك السلام . (1/14)
صفحة 14
وقال في الفصل الثامن عشر : أيها المسلمون إن إدخالك ولدك إلى هذه المدارس النصرانية - أمر عظيم ، وبلا جسيم لا أقدر أن أصف لك عظمته وجسامته ، ومن ذلك أنك ربما يكون بوضعك ولدك فيها على الوجه المذكور سببا لكفره وكفر ذريته من بعده ، ويحتمل أن يخرج منه من الذرية ألوف كثيرة ، فتكون أنت السبب في ضلالهم ، وعليك فوق إثمك مثل إثمهم أجمعين . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سن سنة سيئة فعليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة ) . والمتسبب بالخير كفاعله ، فكيف ترضى لنفسك ذلك ، وأن تكون جد قوم كثيرين كلهم أهل كفر وضلال ، ولكن لا غرابة في رضاك لهم بذلك إذا رضيت به لنفسك ، فسلكت بها أقبح المسالك ، وأوردتها شر المهالك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وقال في الفصل الحادي عشر : أنت تعرف أيها الإنسان قلبك وما انطوى عليه من العقائد الدينية فان كنت تعلم أنك غير مسلم ، وغير معتقد عقائد الإسلام ، فما ينفع معك كلام ، لأنك زنديق منافق ، وقد اخترت لولدك من الزندقة والنفاق ، ما اخترته لنفسك ، فأنت وهو إذا تَبِعك على ضلالك في الدرك الأسفل من النار وبئس القرار وإن كنت مسلماً حقيقة معتقداً عقائد الإسلام ، وهذا هو ضننا فيك ن والله يهدينا ويهديك ، فما لك تفرط في دين ابنك هذا التفريط العظيم ، بل تفرط في دين نفسك أيضاً وترتع أنت وابنك في هذا المرتع والوخيم ، فإن كان قد حسن لك الشيطان وأعوانه هذا الأمر القبيح ، فها أنا وأمثالي نوضح لك قبحه ووبال غاية التوضيح فَلِمَ تطيعهم وتعصينا ؟ ونحن ندعوك إلى الجنة ، وهم يدعونك إلى النار ، ونحن نتسبب بنجاحك وهم يتسببون لك بالهلاك والدمار ، مع معرفتك يقينا أننا أعرف منك فيما يصلح الدين وما يفسده وما يقرب الإنسان من الله وما يبعده ، فالله الله ، اتق الله في نفسك وولدك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . (1/15)
صفحة 15
وقال في الفصل الخامس والعشرين : ومن العجائب أن نرى طوائف النصارى على الإطلاق ، لا يضعون أولادهم في مدارس المسلمين مهما كانت ناجحة ، بل لا تضع طائفة منهم أولادها في مدارس طائفة أخرى ، لِألا تتغير عقائدهم ، فإن كل طائفة منهم تكفر الأخرى ، وكذلك اليهود مع قلتهم وذلتهم ، فتحوا لأولادهم مدارس مخصوصة بهم ، لألا يحتاجوا في تعليمهم إلى وضعهم في مدارس المسلمين والنصارى ، وكل ذلك من هذه الطوائف ، لحرصهم على أديان أبنائهم وأولادهم ، وفي حال مشاهدتنا ذلك منهم ، نرى كثيراً من فساق المسلمين ، غير حريصين على دين أولادهم ، فيضعونهم في مدارس أي طائفة من طوائف النصارى ، بل وفي مدارس اليهود أيضاً ، ويخاطرون بدينهم غاية المخاطرة ليتعلموا شيء من اللغات الإفرنجية ، وبعض العلوم الدنيوية ، حالة كونها يمكن تعلمها مدارس المسلمين ن وغير المدارس أيضاً ، بأن يستأجر أبو الصبي معلما مخصوصا لولده ، يعلمه اللغة التي يريدها ن فانظر أيها المؤمن حرص هؤلاء على أديانهم الباطلة ، وعدم حرصك على دينك الحق ، وتعجب من نفسك عن كان ينفعك العجب ، وأما قولك - أني لا أخشى على ولدي اتباع أديانهم ، لأنها ظاهرة البطلان فهذا يا أخي من تسويلات النفس ووساوس الشيطان ، لأن ولدك متى اختلت عقيدته الإسلامية ، فدخوله في دينهم وعدم دخوله سيان ، وها أنا اجتهد في نصحك والله المستعان . (1/16)
صفحة 16
وقال في الفصل الثاني والثلاثون ، اعلم أن من جهال المسلمين من يتقرب إلى قلوب النصارى والإفرنج ، بوضع ولده في مدارسهم ويتودد إليهم بذلك حتى يحبوه ، ويقولوا أن فلانا ليس عنده عصبية دينية فيا أيها الجاهل الفاسق ، لأي شيء تتغير من نسبتك إلى العصبية الدينية وتسترها عنهم وهم يفتخرون بها ، يظهرونها بعدم وضع أولادهم في غير مدارسهم ، مع أن دينهم من أبطل الباطل الذي ينبغي أن يتعير به حقيقة ، ودينك أحق الحق الذي يفتخر به حقيقة ، أما أنت فمنسوب لدين الإسلام الذي هو خير الأديان ن وأفضل ما عبد به الرحمن ن بل هو الدين الحق ، الوحيد الذي ما على فضله وكماله في السابقين واللاحقين من مزيد ، فنحن والحمد لله ، لنا كل الفخر في هذه النسبة الشريفة ، التي لا شرف أشرف منها .
ويا ليت شعري ، ما هي العصبية الدينية ، هل هي إلا أن تتمسك بدينك ،وتحل ما أحل الله ، وتحرم ما حرم الله ، وتحب في الله ، وتبغض في الله ، وهل الدين غير هذا ، وأنت تعلم أن دين الإسلام قد بني على الإعلان والإظهار ، لا على التكتم والاستهتار .
أما ترى الله كيف شرع الأذان في كل يوم خمس مرات ، وبنوا لذلك المآذن ، وأعلنوه غاية الإعلان ، وأظهروه غاية الإظهار ، على رؤوس الأشهاد ، في جميع البلاد ، أتستره أنت أيها الجاهل الفاسق ، بتوهمك أن إظهاره عليك عار ، وأنك بذلك تستجلب مودة الكفار ، أف لك من مسلم ساقط الهمة عديم النخوة ، هل سمعت قط أن عاقلا يجتهد في ستر شرفه ، الذي لا شرف مثله ؟ ويتغير بإعلانه بين أعدائه وإخوانه ؟ (1/17)
صفحة 17
قال : ومن أعجب ما سمعت في هذا الباب أن رجلا من أكابر المسلمين ، وهو من المحافظين على الصلاة والصيام ، وأنواع العبادات ، ويعد من صلحاء الجهال ، حضر في دعوة بعض أكابر النصارى ، فحينما وضعوا الخمر على المائدة وهو جالس عليها ، تناول كأسا وشربه ، خوفا من أن يقولوا متعصب في دينه ، وطن بجهله أن هذا الخاطر الشيطاني ، يكون عذرا له ، ولا يخل بطاعته ، فانظر إلى الحهل وآفاته .
وقال في الفصل الثلاثين : إن كنت أيها المسلم تحت حكم غير المسلمين ، مجبورا على وضع ولدك في مدارسهم ، فأما أن تكون قادرا على الهجرة إلى بلاد الإسلام التي تحكم حكم المسلمين ، أر غير قادر على الهجرة ، وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز حكم ذلك في الحالتين ، فقال في سورة النساء : ((} إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100) . (1/18)
صفحة 18
قال البيضاوي في تفسيره : في الآية ديليل على وجوب الهحرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينية قال : وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من فر بدينه من أرض الله إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض وجبت له الجنة ، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام )) .
وقال محشيه الشهاب الخفاجي : الهجرة من بلاد الكفار وبلاد لا تقام فيها شعائر الإسلام واجبة ، كما نقله ابن العربي المالكي قال : وكذا البلاد الوبئية .
وقال ابن حجر في فتح الباري : واستنبط سعيد بن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها بالمعصية .
هذا كلامه وهو من طرف مما تضمنه إرشاده من المراشد البديعة والنصائح البالغة ، وأنت تعلم أنه كلام مطلع على دسائس القوم ، خبير بأحوالهم ، مشفق بأمته ، ناصح لهم ، فإن سمعت مقالته ، وسمعت نصحيته ، أخذت حضا وافرا من الحزم والكيس ، وإن أهملت مقالته ، وأطرحت نصيحته ، ألقيت بيدك إلى التهلكة ، وسلمت نفسك لعدوك وكنت من الذين وصفهم الله تعال - بأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون ، فالله الله في نفسك ودينك ونسلك ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل )) . (1/19)
صفحة 19
لا يقال أن كلامه في هذا الفصل الأخير يقتضي وجوب الهجرة ، وهي منسوخة بعد الفتح ، لأنا نقول إنما نسخت الهجرة بعد الفتح ، لما قوي الإسلام ، وأمن المسلمون من الفتنة في دينهم ، وتظاهر الناس بالإسلام ، وتمسكوا بعروته ، وتعززوا بمنعته ، وتمكنوا من دعوته ، وكانت الهجرة فبل ذلك واجبة ، حيث كان المسلم يُفتتن في دينه بين ظهراني الكفار ، وهو لا يستطيع دفاعا ، ولا يملك امتناعا إلا أن يعطيهم ذلك بلسانه ، وقلبه مطمئن بالإيمان فشرع الله لهم في ذلك الحال التقية ، لطفا منه ورحمة ، وأوجب الهلاك على من شرح بالكفر صدرا ، فالتقية سبيل المستضعفين ، والهجرة سبيل المستطيعين ، فإذا نزلت على بعض المسلمين حالة مثل حالة من كان قبل الفتح من المسلمين ن وجب أن يعطوا حكم ذلك لأن الفرار بالدين واجب في كل زمان ، فالطمأنينة ، في أمكنة الكفار ، إنما جوز عند سلامة الدين ، ولا تجوز عند فساده ، ومن اطمأن فيها مع فساد دينه كان قد آثر الدنيا على الدين ، ودجل تحت الوعيد المذكور ، ومن ها هنا قال أبو يعقوب رحمه الله تعالى : لا يجوز اتخاذ الأوطان في البلدان التي يمتلكها النصارى ، وتغلبوا على أهلها ، وجرت فيها أحكامهم وذلك كله إنما يريد به الفرار بالدين ، فهو تحذير لهم من الإقامة بها ، لا كما توهمه بعض الجهلة - أن له أن يطمئن ولكن يصلي فيها قصرا فقط ، والله المستعان وبيده كل الخير ، والعلم عند الله ، والسلام . (1/20)
صفحة 20
الفصل الثاني : في لباس النصارى
وقد نهيتهم عن ذلك ، فقال المعترض المجادل عن الذين يختانون أنفسهم : لا يخفى على شيخنا أن اللباس ليس من العبادات ولا من الاعتقاديات ، إنما هو من العادات ، ولقد صرح الأثر عنه صلى الله عليه وسلم أهديت له كرزية من الروم ضيقة الأكمام ، كان إذا أراد الوضوء ، يخرج الوضوء من أذيالها ، وأيضاً فلابس الكوت ، لا يقال له لابس لباس المشركين ، لأن هذا الكوت أخذه المسلمون ، فعربوه وفصلوه تفصيلا غير تفصيل المشركين ، فالبعض زاد طوله ، والبعض نقض من الطرفين - الطول والعرض - وغير ذلك ، ولربما الخائط كان مسلماً ، نعم لو لبس الكوت والبنطلون والبرنيطة ، وعقد الزنار ، وعلق الصليب في عنقه من غير إكراه فهذا لابس لباس المشركين ، وأيضاً فالكوت منفردا ، أخف إضاعة مال من الجوخة والبشت ، المنقوشين بالقصب المفضض ، البالغ فوق الحاجة ، ماية روبية وخمسين ، وأقلها ثلاثين روبية ، وخمسين روبية ، وأقلها ثلاثين روبية وأي إضاعة أكثر من هذا ، إذ ثمن واحد من هذين يسد حاجة جم غفير من الفقراء وهاهم جياع ، وأيضاً فالكوت ليس من خصوصيات لباس النصارى فقد شوركوا فيه ، أيضاً أكل مستعمل المشركين حرام علينا ؟ فالكوت تلبسه الزنجباريون بعدما يلبسون الإزار والقميص والكمة والعمامة ، بدلا من الجوخة لخفته على الجسد ، وأقل مغرماً وإن كانت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ليس فيها توسع لهذا الكوت ، فالأولى لأهل زنجبار الخروج من زنجبار ولا فائدة في قوله صلى الله عليه وسلم : ( جئت ميسراً لا معسراً ) .
لأن زماننا هذا الملبوس والمأكول والمشروب ، غالبه من عمليات المشركين ، وترك أفريقية للمشركين ، مما تطلبه المشركون في دهرها ولا قائل به إذ لم يمنعونهم دينهم . (1/21)
صفحة 21
الجواب : فلا أعلافه ، ولا أقول فيه على الخصوص بشيء . وإنما أتكلم عن لباس الكفار من نصارى وغيرهم ، ولعل الفقراء الذين كانوا حولكم جياعاً ، أمسوا ببركة لباسكم الجديد شباعاً ، وتالله ما تركتم لباسكم زهداً ولا قناعة ولا اقتصاداً ، ولا لقصد المواساة لفقرائكم ، ولكنه أشرب في قلوبكم حب أعدائكم ، فاستحسنتم منهم كل قبيح ، واستصلحتم كل فاسد ، وتشبهتم بحركاتهم ، وسكناتهم ، وتزينتهم بهيئاتهم ، وطبعتم ألسنتكم على لغاتهم ، ونبذتم كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، وسيرة السلف وراء ظهوركم ، فآمنتم ببعض الكتاب ، وكفرتم ببعض ، واستبدلتم بالرشد غيا ، وبالهدى ضلالاً ، وبعتم الآخرة بالدنيا ، فما ربحت تجارتكم ولا أنتم مهتدون ، إلا من رحم الله وتداركه بلطفه ، فأيقض همته ، وفتح بصيرته ، وندم على خطيئته ، وراجع سيرة سلفه ورجع عن الظلمات إلى ما خرج منه من نور الهدى ، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن الإتباع ، ويجنبنا قبح الابتداع ، والملابس الفاخرة موجودة عند العرب في جميع أيامها ، كل عصر بحسب ما يليق به ، في جاهلية وإسلام ، ولم يحرم الشارع منها إلا الذهب والحرير على الرجال خاصة : ((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق )) وإنما تركها من تركها ، إنما لعدم وجودها عنده ، أو لزهد وقناعة . ولم يتركها أحد ممن كان قبلكم لأجل ما أشرتم إليه ، ولم أر مثلكم يا أهل زنجبار في اختياركم هذا اللباس الأجنبي ، وسرعة انطباع أخلاق العدو منه فيكم ، وهؤلاء البانيان من قديم الزمان يخالطون العرب ، وما تزينوا بشيء من زيهم ، ولا لبسوا شيئاً من لباسهم ، حمية للمتهم ، وتعصباً لآبائهم ، وأنفة عن مخالفتهم ، وهم شر الناس ، وأخس الناس ولباسهم شر اللباس ، وأنتم مع كمال هيأتكم ، وعلو شأن آبائكم وشرف أسلافكم ، سارعتم هذه المسارعة كلها في تبديل هيئاتكم المنيفة ، وتغير أخلاقكم الشريفة ، أأحياء أنتم أم أموات ؟ (1/22)
صفحة 22
أعقلاء أنتم أم مجانين ؟ والمنع من لباس الكفار ومن التشبه بهم في جميع الأحوال ثبت بالنصوص الصحيحة ، سنوردها إن شاء الله تعالى ، وأما لبس ما كان شعاراً للكفر من يهودية أو نصرانية أ و مجوسية ، كالزنار ونحوه فهو شرك إجماعا ، وخروج عن الملة الإسلامية ، وكفر بعد إيمان ، وذلك الكفر الفعلي ، وما دون ذلك من اللباس والهيئات فإن لبسه لابس لقصد التشبه بهم مستحسناً لهيآتهم ، ومستلذا لحالتهم ، فهو شرك أيضاً ، لأنه قد آثر الكفر على الإيمان . وانتظم في سلك أولياء الشيطان ، وإن لبسه عارياً من ذلك القصد الشنيع فأقل حاله أن يكون عاصياً غير مطيع ، ولبسه صلى الله عليه وسلم للخميصة الشامية ، والجبة الشامية ، والحبرة اليمانية ، والثياب السحولية ، لا يدل على جواز ذلك ، فإن الثياب الفاخرة في عصره صلى الله عليه وسلم وقبل زمانه ، وكان في الناحيتين أعني اليمن والشام من العرب الألوف المألفة ، بل اليمن كلها للعرب ، وغالب الشام كذلك ، وإن كان الملوك فيها الروم ، فملابس العرب في ذلك العصر متحدة ومتقاربة ، وهي خلاف ملابس الروم والقبط والترك وأشباههم ، فلا تشبث لمتشبث بلبسه صلى الله عليه وسلم لتلك الملابس المذكورة ، وهدية الكرزية المذكورة في الاعتراض لا أعرفها ، ولا أعرف من ذكرها ، ولا أعرف الأثر الذي ذُكرت فيه ، وليت شعري - الكرزية ما هي ؟ هل هي من ذوات الأكمام ؟ أم لا ؟ وما هذا الاسم أعربي أم لا ؟ ولو وجد ذكرها كذلك ، لما صح الاحتجاج بها ، حتى صح نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنها من لباس الروم خاصة ، وأنى لكم بذلك ؟ وقولكم اللباس ليس من العبادات ، ولا من الإعتقاديات ، إنما هو من العادات ، جوابه : لو كان من الإعتقاديات لزم الشرك والعياذ بالله ، وحيث كان من العادات كان الأمر فيه دون ذلك ، وقد ثبتت النصوص عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في النهي عن التشبه بالأعاجم ، وعن التشبه باليهود والنصارى ، (1/23)
صفحة 23
وعن التشبه بمطلق الكفار في جميع أحوالهم جملة وتفصيلاً .
أما المنع الإجمالي فهو قوله تعالى : (( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون )) أي لا تكونوا مثلهم ، ولا تتبعوهم في أحوالهم ، وقوله تعالى : (( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل )) وهؤلاء القوم هم أسلاف اليهود والنصارى ، وصفهم الرب تعالى بالضلال والإضلال ، وأنهم لا يتبعون أهوائهم ، وقول تعالى : (( إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين )) . (1/24)
صفحة 24
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حسن : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) أخرجه أبو داود عن ابن عمر ، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح : ( خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفروا اللحى ) . أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر ، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أيضاً : ( خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم ) . أخرجه أبو داود ، والحاكم في مستدركه ، والبيهقي في سننه عن شداد بن أوس ، فالأمر بالمخالفة في الحديثين يفيد إطلاق المنع من التشبه بهم ، فإنه وإن ذكر بعد الأمر بذلك حالة مخصوصة من إحفاء الشوارب وتوفير اللحى والصلاة في النعال ، فذكر ذلك يقتضي تقييد المخالفة به ، لأنه واقعة حال ، وهو من باب ذكر بعض مفردات المطلق للتبيين لا للتقييد ، لأن المذكور حكم معلل بالمخالفة ، فالمخالفة علة عامة ، وإحفاء الشوارب وما بعده بعض معلوماتها ، ويتأكد ذلك بالأحاديث الآتي ذكرها قريبا إن شاء الله تعالى ، والصلاة بالنعال جائزة ، ولكنها غير النعال المعروفة الآن ، بل تلك نعال كانت رقيقة جداً ، لا تفصل عن القدم طولا ولا عرضاً ، لها شراك تمسك به القدم ، فهي لا تمنع سجوداً ، ولا ترفع قدماً ، بخلاف نعال الناس اليوم ، وقد أنكر ابن جريح على عبد الله بن عمر أربعاً كان يصنعها لم ير أصحابه يصنعونها ، فقال : يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحد من أصحابك يصنعها ، قال : وما هي ؟ قال : رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليماني ، ورأيتك تلبس النعال السبتية ، ورأيتك تصبغ بالصفرة ، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ، ولم تهلل إلا يوم التروية ، قال ابن عمر : أما الأركان فإني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس منها إلا اليماني ، وأما النعال السبتية ، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها ، وأما الإهلال فإني لم (1/25)
صفحة 25
أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته . (1/26)
صفحة 26
والحديث عند الربيع في باب الإهلال بالحج ، إلا أنه لم يذكر السائل ، والنعال السبتية - بكسر السين - المدبوغة وكانوا ينتعلون الجلد بشعره ، وبدون إزالة شعره من التنعم ، فلذلك أنكره السائل ، ولذا كان مثل ابن عمر ينكر عليه مثل هذا الفعل حتى ذكر حجته في ذلك فما بالنا لا ننكر عليكم لباس النصارى .
وأما المنع التفصيلي فهو كثير ، نذكر منه ما تيسر منه شيئاً فشيئاً ، ونقدم م يخص اللباس ، فإنه محل النزاع ، فمن ذلك حديث أبي ريحانة عند أحمد وأبي داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عشر ( الوشر ، والوشم ، والنتف ، ومكامعة الرجل الرجل بغير شعار ، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار ، وأن يجعل الرجل أسفل ثيابه حريراً مثل الأعاجم ، وأن يجعل على منكبيه حريراً مثل الأعاجم ، وعن النهبى ، وركوب النمور ، ولبس الخاتم إلا لذي سلطان ) .
فقوله مثل الأعاجم : مصرح بأن النهي في ذلك لخوف التشبه بهم ، والوشر بمعجمة وراء : معالجة الأسنان بما يحددها ويرق أطرافها ، والوشم : النقش وهو غرز الإبرة بجلده ثم يذر عليه ما يخضره أو يسوده ، والنتف : هو النتف للشيب أو للشعر عند المصيبة أو تسوية الحاجبين للتزين ، وهو النمص المذكور في حديث ابن عباس عند الربيع ، والمكامعة بالعين المهملة : المضاجعة ، والشعار : الحاجز بينهما ، والنهبى بالضم والقصر : بمعنى النهب وهو أخذ المال بغير حق ، والنمور سباع معروفة والمراد بركوبها : الركوب على جلودها ، وكانت الأعاجم تصنع ذلك فنهينا عن مشابهتهم ، وقول لبس الخاتم إلا لذي سلطان : أي لصاحب سلطة يحتاج إلى الختم به ، وفي معناه كل من يحتاج إليه لذلك وقد وردت أحاديث صحيحة في جواز لبسه لكل أحد ، فالتخصيص في الحكم منسوخ والله أعلم . (1/27)
صفحة 27
ومن ذلك حديث عبدالله بن عمر عند أحمد ومسلم والنسائي قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال : ( إن هذه لباس الكفار فلا تلبسها ) و المعصفر المصبوغ بالعصفر وهو الشوران ، والحديث نص في المطلوب ، ومن ذلك عن أبي أمامة قال : قلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تسرولوا وأتزروا وخالفوا أهل الكتاب ) رواه أحمد والطبراني ، ومن ذلك حديث ركانة عند أبي داود والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس ) . وفي لفظ البارودي ( العمامة على القلنسوة فصل ما بيننا وبين المشركين ، يعطي يوم القيامة بكل كورة يدورها على رأسه نور ) .
والقلنسوة بفتح القاف وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو ، وقد تبدل ياء مثناه من تحت ، وقد تبدل ألفا فتفتح السين ، فيقال قلنساه ، غشاء مبطن يستر به الرأس ، والمعنى أن المشركين يلبسون القلانس بلا عمائم ، والمسلمون يلبسون عليها العمائم فكان ذلك فرقاً مطلوباً ، وأمراً محبوباً ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس عند الديلمي في مسند الفردوس : ( العمائم تيجان العرب ، فإذ وضعوا العمائم وضع الله عزهم ) وفي حديث علي عند القضاعي والديلمي : ( العمائم تيجان العرب ، والاحتباء حيطانها ، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه ) ومن ذلك ما رواه الأربعة وأحمد والحاكم عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة ، وأن يغطي الرجل فاه ، قال في النهاية السدل أن يلتحف بثوبه ، ويدخل يديه من داخله فيركع ويسجد وهو كذلك ، قال : وكانت اليهود تفعله فنهو عنه . (1/28)
صفحة 28
وهذا ما حضرني ذكره في المقام من طلب مخالفتهم اللباس ، وأما طلبها في غيره كثيرا ، ومنه ما ذكر القطب في شرح العقيدة قال : روى الطبراني عن النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كتب أحدكم إلى إنسان فليبدأ بنفسه ، وإذا كتب فليترب كتابه فهو أنجح ) وذكروا أن الأعاجم تبدأ باسم المكتوب إليه ، قال أبو الليث : كان رسم المتقدمين أن (1/29)
صفحة 29
الكاتب يبدأ بنفسه ، من فلان إلى فلان وبذلك جاءت الآثار .
وروي عن ابن عمر أنه كان إذا كتب إلى الخليفة بدأ بنفسه ، وكان عمر يكتب إلى عماله : أن ابدءوا بأنفسكم .
وروي عن وكيع عن أبي داود عن عبدالله بن محمد بن سيرين أنه أراد سفرا فقال له أبه محمد بن سيرين : إذا كتبت لي كتاباً فابدأ بنفسك فإنك إن بدأت بي لم أقرأ لك كتاباً .
وعن الربيع عن أنس : ما كان أحد أعظم حرمة من النبي صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه إذا كتبوا إليه بدءوا بأنفسهم ، قال ابن سيرين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أن أهل فارس إذا كتبوا بدءوا بعظمائهم وكبرائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه ) .
ومنها ما روى البيهقي في السنن عن جابر يرفعه : ( لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليمهم إشارة بالكفوف والحواجب ) فهذا يدل أن التحية الإسلامية خلاف ما هم عليه . فهو نهى عن التشبه بهم في الحركات ، ومن سلم تسليمهم لا يرد عليه .
ومنها ما أخرجه الحاكم في مستدركه ، والبيهقي في السنن من حديث ابن عمر : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده اليسرى ، قال : ( إنها صلاة اليهود ) .
ومنها ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن معاوية قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه سلم عن ركوب النمار ) وفي رواية ( النمور ) وكلاهما جمع نمر ، بفتح النون وكسر الميم ، ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم ، وهو سبع أخبث وأجرأ من الأسد ، وهو منقط الجلد ، نقط سود ، وفيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه ، وإنما نُهي عن استعمال جلوده ، لما فيها من الخيلاء ، لأنه زي العجم ، وعموم النهي شامل للمذكى وغيره . (1/30)
صفحة 30
ومنها ما أخرجه أبو يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة قال : دخلت السوق يوما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إلى البزاز ، فاشترى سراويل بأربعة دراهم ، وكان لأهل السوق وَزان يزن ، فقال ، له رسول الله صلى الله عليه سلم : ( أتزن راجحاً ) ؟ قال الوزان : إن هذه كلمة ما سمعتها من أحد ، قال أبو هريرة : فقلت كفى بك من الجفاء في دينك أن لا تعرف نبيك ، فطرح الميزان ووثب إلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يقبلها ، فجذب يده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : ( يا هذا إنما تفعل هذا الأعاجم بملوكها ، ولست بملك ، إنما أنا رجل منكم ) ، فأخذ فوزن وأرجح ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السراويل .
ومنها ما رواه أبو داود من حديث جابر قال : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً بالمدينة ، فصرعه على جذع نخلة ، فانفكت قدمه ، فأتيناه نعوده ، فوجدناه في مشربة لعائشة ، يسبح جالساً ، فقمنا خلفه ، فسكت عنا ، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده ، فصلى المكتوبة جالساً ، فقمنا خلفه ، فأشار إلينا فقعدنا ، فلما قضى الصلاة قال : ( إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً ، وإذا صلى الإمام قائماً فصلوا قياماً ، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها ) .
ومنه ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر ، لأن اليهود والنصارى يؤخرون ) .
ومنها ما أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة عن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن فصلا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر ) . (1/31)
صفحة 31
ومنها ما رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي موسى قال : كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صوموا أنتم ) وروى مسلم وأبوا داود عن ابن عباس : لم صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه ، قالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ، فقال : ( إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع ) قال : فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية عند أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود ، صوموا قبله يوما وبعده يوما ) .
ومنها قوله تعالى : (( قد نروى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها )) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته الكعبة ، سيما لما بلغه أن اليهود قالوا : يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا ، وفي لفظ قالوا للمسلمين : لو لم نكن على هدى ما صليتم لقبلتنا واقتديتم بنا فيها ، وفي لفظ : كان يجب أن يستقبل الكعبة محبة لموافقة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، وكرهوا لموافقة اليهود ، ولقول كفار قريش للمسلمين : لم تقولون نحن على دين إبراهيم ، وأنتم تتركون قبلته وتصلون إلى قبلة اليهود ؟ (1/32)
صفحة 32
ومنها ما وقع في السير عند ابتداء الأذان ، أنه صلى الله عليه وسلم إئتمر هو وأصحابه كيف يجمع الناس للصلاة ؟ فقيل له : انصب راية عند حضور الصلاة : فإذا رآها الناس أعلم بعضهم بعضا ، فلم يعجبه ذلك ، فذكر له بوق يهود وهو القرن الذي يدعون به لصلاتهم ، فيجتمعون لها عند سماع صوته ، فكرهه صلى الله عليه وسلم وقال : ( هو من أمر اليهود ) فذكر له الناقوس الذي يدعون به النصارى لصلاتهم فقال : ( هو من أمر النصارى ) فقالوا له : لو رفعنا ناراً فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة ، فقال : ( ذلك للمجوس ) وقال عمر : تبعثون رجلا ينادي بالصلاة ، ففعلوا ذلك ، وكان المنادي هو بلال رضي الله عنه ، وكان اللفظ الذي ينادي به بلال : الصلاة جامعة ، كما رواه ابن سعد وسعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلا ، وذلك قبل رؤيا عبدالله بن زيد الأنصاري صفة الأذان ، فلما رآها وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنها رؤيا حق فلقنها بلالاً فهو أندى منك صوتاً ) واستقر الأذان من يومئذ . (1/33)
صفحة 33
ومنها قوله تعالى : (( يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله )) وذلك أنها نزلت بخلاف أمر اليهود والنصارى في أمر الحيض ، أخرج غير واحد عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت ، فسئل رسول الله صلى اله عليه وسلم عن ذلك ، فأنزل الله (( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض )) الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح ) فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ، فجاء أسيد بن خضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله إن اليهود قالت كذا وكذا ، أفلا نجامعهن ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن وجد عليهما . فخرجنا ، فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقاهما ، فعرفنا أنه لم يجد عليهما . (1/34)
صفحة 34
وفي رواية : أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها ، والنصارى كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض وأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤآكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فراش ، ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس ، فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن ، فقال أناس من الأعراب : البرد شديد والثياب قليلة ، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت ، وإن آثرناها هلكت الحيض ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ، ولم أمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم ) . فلما سمع اليهود ذلك قالوا : هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه ، ثم جاء عباد بن بشر وأسيد بن خضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ، وقالا : يا رسول الله أفلا ننكح المحيض ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه غضب عليهما ، فقاما ، فجاءته هدية لبن ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما فسقاهما ، فعلمنا أنه لم يغضب عليهما .
ففي الأمر بمخالطتهن في البيوت مخالفة لليهود والمجوس ، وفي الأمر باعتزال مجامعتهن مخالفة للنصارى ، فكان هذا الأمر وسطاً بين الإفراط والتفريط ، وهو سبيل الملة الحنيفية ، والشريعة المحمدية ، وإنما قال الرجلان : أفلا ننكحهن في المحيض ؟ طلباً منهما لاستقصاء مخالفة اليهود حين رأوا أن ذلك يغيظهم ، وذهلوا أن فيه موافقة النصارى ، وكان مطلوب مخالفة الفريقين .
ومنها قوله تعالى : (( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم )) ، فإنها نزلت بخلاف أمر اليهود في إتيان نسائهم . (1/35)
صفحة 35
أخرج أبو داود والحاكم عن ابن عباس قال : إنما كان أهل هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن ، مع هذا الحي من اليهود وهم أهل كتاب ، كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ، وكان من أهر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف ، وذلك أستر ما تكون المرأة ، وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك ، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا ، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار ، فذهب يصنع بها ذلك ، فأنكرته عليه وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف ، فسرى أمرها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأنزل الله تعالى : (( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم )) أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات ، ويعني بذلك موضع الولد .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ( من لم يأخذ من شاربه فليس منا ) رواه أحمد والنسائي ، والترمذي عن زيد بن أرقم ، قال الترمذي : حديث صحيح ، وروى أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( جزوا الشوارب وأرخوا اللحى ، خالفوا المجوس ) وروى أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر : ( خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب ) ، وروى ابن عساكر عن عمر : حلق القفا من غير حجامة مجوسية ، أي خصلة من خصال المجوس ، فحالق قفاه من غير أن يريد الحجامة متشبه بالمجوس ، وقال أنس : سدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء أن يسدل ، ثم فرق بعد ذلك ، وقيل انه إنما فرق لمخالفة اليهود حين كانوا يسدلون .
ومنها ما أخرجه الجماعة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) والمراد بذلك تغيير شدة بياض الشيب بصفرة ونحوها ، كما يدل عليه حديث ابن عمر وغيره . (1/36)
صفحة 36
وهذا ما تيسر ذكره من مراشد الشرع الشريف إلى مخالفة اليهود والنصارى والمجوس ونحوهم من جميع من خالف ملة الإسلام وشريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، فنحن الآخرون في الزمان ، الأولون في الفضل والمنزلة عند الرب ، فلا ينبغي لمن كان بهذه المثابة أن يتشبه بمن هو دونه في الرتبة ، وكفى بالإسلام شرفاً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً وبصحبه رضي الله عنهم سلفا .
قال الله سبحانه وتعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ، وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى سراط مستقيم )) . (1/37)
صفحة 37
الفصل الثالث : في تعليم اللغة الأجنبية
وقد نهيتهم عن ذلك إلا لقدر الضرورة كمترجم لملك ونحوه ، مخافة أن يجرهم ذلك إلى إهمال العربية رأسا ، وإلى انطماس رسومها بين ظهرانيهم ، فيصير العربي أعجمياً كما هو المشاهد من أحوال المخالطين للأعاجم ، وبترك العربية يتعذر فهم الكتاب والسنة فينسد عليهم باب الفهم في ذلك ، ويحال بينهم وبين شريعتهم المطهرة ، وأبوا إلا التمادي في تعلمها ، من احتاج إليها ، ومن لم يحتج ، حتى استلذوا ذلك ، وطبعوا عليها ألسنتهم ، وانطبع في قلوبهم ، ووقعوا في المحذور وجادلوا بالباطل .
قال المعترض المجادل : وأما تعليم اللغة الأجنبية أو تعلمها ، فأي شريعة تمنع ذلك ، إذا كان القصد نفس اللغة أو الكتابة ، إذ الضرورة داعية إليهما الآن ، ولا سيما بهذا الطرف ، لأن المحاكم والمعشرات بأيديهم ، ولا يتوصل إلى شيء من هذه الأشياء إلى ما يطلبه الإنسان من حقوقه إلا بعد النصب ، وذهاب شطر ماله إذا كان لا يعرف هذه اللغة الأجنبية ، أو ليس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترجماً يهودياً بالعبرانية ؟ ثم اختار أشخاصاً من رجاله ليتعلموا تلك اللغة ، فلما ضبطوها اكتفى بهم ، وأما في هذا الأمر ما يدل على الجواز ؟ إن لم نقل بوجوب هذه اللغة ، فحينئذ على ماذا النزاع والتشديد في غير مقام ؟ وأما ما يتوهمه البعض منا من أنه سينجر به التعليم إلى الشرك بالله ، فهذه الأوهام لا طائل تحتها ، أو ليس الشماخي سعيد بن قاسم والسيد مصطفى وأضرابهما عالمين بلغة الإنجليز وفرنسا وهما أجل الأصحاب ؟ (1/38)
صفحة 38
وجوابه : أن هذا التشديد لسلامة دينكم ودنياكم ، وحفظ شرفكم شرف آبائكم ، وصيانة لسانكم الذي هو أشرف الألسنة من الذهاب ، وبذهابه يحال بينكم وبين فهم ما جاء به نبيكم عليه أفضل الصلاة والسلام ، وكفى بهذا مصيبة لمن عقل ! أين العقول معشر الرجال ، وقد استثنيت قدر الضرورة ، فالمنع واقع على ما فوقها ، وهو الذي يقتضيه استدلالكم الباطل ، لو صح في قولكم : أو ليس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترجما يهوديا بالعبرانية ؟ إلى آخره ، وهو كلام باطل من أصله ، ولا نعرف من ذكره قبل كلامكم هذا ، والموجود أن زيد بن ثابت كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي وغيره ، وكانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بالسريانية ، فأما زيداً فتعلمها ، كذا في أسد الغابة ، وقال في السيرة الحلبية : قال زيد بن ثابت : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم بالسريانية ، قال : ( إني لا آمن يهود على كتابي ) فما مر بي نصف شهر حتى تعلمت وحذقت فيه ، فكنت أكتب له صلى الله عليه وسلم إليهم وأقرأ له كتبهم . فهذا شخص واحد لا أشخاص متعددة ، قد اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان السريانية لا العبرانية وكان اللازم على مقتضى استنباطكم من استدلالكم الباطل أن يندفع جل الصحابة أو كلهم في تعلم لعات الأجانب الذين خالطوهم في أيام ظهورهم ، وأول ذلك اليهود بالمدينة ، والروم بالشام ، والفرس بالعراق ، والقبط بمصر ، وهيهات ما كان ذلك من همتهم ، وما كانوا يتداولونها نقلا بالألسن الفصيحة الصحيحة ، فلما خافوا عليه الاعوجاج من مخالطة مثل هؤلاء الذين اندفعتم أنتم في تعلم لغاتهم ، أمروا بإيداعها الدفاتر ، بعد المبالغة في الإنكار على من حرف . (1/39)
صفحة 39
فهذا سبيل من كان قبلكم من سلفكم الصالح ، في شرفهم العالي ، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحسن منكم أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق ) ، رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عمر ، فهذا نص يقتضي منع التكلم بالفارسية لمن كان يحسن التكلم بالعربية ، فما ظنك بمن كانت العربية سليقته ، ثم ينحرف عنها إلى تعلم الفارسية ، ويجعلها طريقته الجادة في جميع مخاطباته ، ولا يرجع إلى العربية إلا اضطراراً ، فسبله في العربية ، سبل أسلافه من الفارسية ، فأين الفرق ؟ وهيهات الإجتماع . (1/40)
صفحة 40
وقوله ( يورث النفاق ) أي يكون التكلم بها من غير ضرر سبب النفاق ، والعياذ بالله ، وذلك كالإفضاء إلى محبة أهل الفارسية ، والبغض لأهل العربية ، وقيل ان التكلم بها من غير ضرورة بنفسه نفاق ، وذلك حيث آثرها على العربية ، وقولكم : أو ليس الشماخي
إن كان المراد بالشماخي العالم الموجود الآن بمصر ، قرين السيد مصطفى ، فالرجل قاسم بن سعيد لا العكس ، ولا أعرف حقيقة معرفتهما باللغتين ، وهب أنهما يعرفانها ، فماذا ؟ وهل تسوغ لكم معرفة ما كان ممنوعاً عليكم في ذلك ؟ فهم أعلم بحالهم ، وهذه اللغات لا نمنعها من حيث ذاتها ، فإن على كل لغة جيلا من الناس لا يضيق عليهم التكلم بلغتهم ، ويكتفى بالمعاملات والإقرارات ونحوها أن يتكلموا بلغتهم ، حتى ذكر اسم الله على الذبيحة ، وإنما نمنع أمثالكم ، من اختيار غير لسانكم لغير ضرورة ، وهذا النبراس الذي اتفق على مراشده الشيخان المذكوران ، ينادي بصوت حزين على إطراح العربية ، وإيثارها سواها . قال في العدد التاسع منه في صفحة تسعة وسبعين في استلفات ولي عهد الخليفة لدرك اللغة العربية الشريفة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ، فإنا ننصح إليك يا سيدنا رشاد أفندي أن تستجمع عنايتك ، وتكذ بمجامع فكرتك في تحصيل اللغة العربية دون غيرها من اللغات ، لتتواصل بها إلى معرفة أسرار الدين ، وفقه معاني التنزيل ، فلا تحتاج في تصرفاتك إلى مترجمين خائنين ، لأنهما نقيصة شائنة ، ومذلة في الدين واضحة باينة ، فقد بلغنا أن العامل العظيم من الأتراك إنما هو الذي يحرز العديد من اللغات الأعجمية ، ولا عار عليه في جهله اللغة العربية ، لذلك فإنهم لم يتذوقوا طعم الإيمان ولم يتلذذوا بثمرات القرآن ، فهم بذلك أعضاء أشداء تسامح لهم القدر في السادة على المسلمين بلا استحقاق ، وتقذروا موقف (1/41)
صفحة 41
العيد ، وأنِفوا من كلمة التوحيد ، لأن كلمة التوحيد لا تنفع إلا بعد الامتناع من الشبهات ، والامتناع عن الشبهات لا ينفع إلا بالورع ، وأهل الورع لا يأكلون إلا ما حصدوا ، ولا يحصدون إلا ما زرعوا من حلال ، ورجال لوائكم المنصور - إلا من رحم ربي - قد حركوا من نشاط البطنة ، وهمة الفرج على أرائك القصور ، ما تجاوزوا به حد الاعتدال من ارتكاب الفضائع في بيع البلاد ، واتخاذ عباد الله خولا ، ومال الله دولاً ، وتطرق الحرص على هذا الترف في أخلاقهم ، ونشأ عن ذلك ملا يمكن اجتنابه إلا بطردهم من تلك المناصر ، أو تحل عليهم قارعة من قوارع السماء وهم على أغفل ما يكونون ، لأن الفطام عن المألوف ، وكذا العرب الملتفون حولكم قد يظهر أنهم نسوا العربية وأصبحوا أعجاماً يسخرون منها ، لا يختلفون في مشاربهم وأخلاقهم عن أولئك الموصوفين ، فالله سائلهم طويلا . (1/42)
صفحة 42
وينقسم رجال لوائكم المنصور يا سيدنا رشاد أفندي إلى فريقين ، فريق شرعي وفريق سياسي ، أما الفريق الشرعي ، فهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخوف ما أخاف عليكم من رجل يقول بما تقولون ، ويفعل ما تنكرون ) ، أو كما قال صلوات الله عليه : ( فأفعال هذا الفريق إنما جاءت برمتها رمدا لجفن الدين ، وليس الله في علمهم شيء ولهم من الوعيد ما يسبقون به عبدة الأوثان ) ، وأما الفريق السياسي فهو الذي أساء إلى نفسه ، وأهمل ما يجب عليه في ضبطه شأنه ، ومن كان لنفسه ظالماً كان لغيره أظلم ، وقد وجدنا في سياستهم مطعنا ، وانتهينا إلى معرفة أسبابه تفيُئِهم ظل النفس والهوى ، فطاب لهم المقام ، في منزل الجسمانية ، والمعالم الظلمانية ، التي تناهت بهم إلى ما تراه الآن من الفتنة العمياء الصماء البكماء ، التي لا تسمع لناعق لها ، ولا تنساق لقائدها ، فلا يرجى الحق أن يطلُب فيهم ضالته ، ولا للصواب أن يصيب نشدته ، فالله الله يا سيدنا رشاد أفندي في اللغة العربية التي أنتم أولياءها ، ولا يسدد أمركم إلا بها ، لأنها لغة مورثكم النيابة المقدسة ، ولا يصلح شأنكم إلا بها لأنها لغة القرآن ، والله تعالى يقول : (( وذكر بالقرآن من يخاف وعيد )) فإذا خفت الوعيد يا ابن عبد المجيد قرة عين أهل التوحيد ، عدلت وأنصفت المظلوم ، وآويت المضطهد ، وأغثت الملهوف ، وأعنت الطالب ، وسددت أمر المسترشد ، وأعطيت الفقير ، ورحمت الكبير ، واحترمت أهل الطاعة فدخلت الجنة ، فإذا لغتها العربية ، واعلم أن رعيتك فريقان ، فريق عام أهل الشعب ، فهو موضوع السيف ، وفريق خاص أولوا التوفيق وهو موضوع القرآن ، لأن العامي يرى السيف فيرتدع . والخاصي يرى الحق فيتبع ، فإذا تعلمت العربية وعرفت غرض التنزيل ، وكان في علم الله تعالى أن تكون الخليفة بعد أخيك - الرجل الأجل الصالح أطال الله أيامه ، ونال الحق منه آماله - تسنى للمسلمين كافة أن يطمعوا في (1/43)
صفحة 43
فضلك ، وصدق عليك قول الله تعالى : (( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون )) والسلام عليك وعلى أخيك سيدنا المطاع وآل جمعكم الأخصاء ورحمة الله ، وأدام الله من فضله لكم العز والسيادة ، والشوكة والإجادة ، والنفوذ والسلطان مدا الأزمان .
هذا كلام السيد مصطفى بن إسماعيل في النبراس ، أوردته بأسره ، لما أودعه من حسن المرشد ، وله في الهدية الإسلامية كلام استقصى فيه آفات اللغة الأجنبية ، من إنجليزية وفرنساوية وأن من آفاتها تغير أخلاق المسلمين ، وتهاون أمر الدين ، وتلوثهم بأخلاق هؤلاء المردة الشياطين ، واسترسالهم من شنيع القبائح ، وقبيح الفضائح ، واستيلاء أعدائهم عليهم ، وتمكنهم من قلوبهم وأجسامهم ، ولا ينبئك مثل خبير ، فإن أحببت الإطلاع على آفات الأوقات ، من هذه اللغات وغيرها من التعليمات والمكائد ، التي نصبها للمسلمين أعداء الدين ، فعليك بقراءة الهداية الكلامية من أولها إلى آخرها تجد كل الصيد في جوف الفرا ، وكذلك ينبغي الإطلاع على مقاصد النبراس ، والالتفات إلى مراشده فإنها النصائح البليغة ، والعضات الكاملة ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . (1/44)
صفحة 44
الفصل الرابع : في حلق اللحى
وقد وافقنا المعترض على منعه ، إن اللحية قد نشر بريق النفاق على رؤوس الأشهاد ، فلا كلام فيه ، لأنه فرغ من الحكم فيه ، صرح الأثر بقاص اللحية أنه فاعل كبيرة ، فالحالق أولى منه .
لكن غيره ممن كان على شاكلته من أهل ناحيته قد جادل في ذلك فأرسل سؤالاً نصه : هل حلق اللحى وغلفها من كبير الذنوب ؟ أم من صغيرها ؟ فإن كان منها أو من أحدهما فهل من دليل من الكتاب والسنة ؟ أو من السنة وحدها ؟ آتونا به ، وإلا فلمَ تحرمونا المباح لنا من غير إيضاح ؟ أليس لنا أن نتزين لنسائنا ونتصنع ؟ ألسنا مأمورين بالنظافة والطهارة كتقليم الأظافر وحلق الشعور التي في الصدور ؟
فأجبته بما نصه :
[ما كنت أحسب أن يمتد بي زمني ............ حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
ما رأيت عجبا كاليوم ، سبحانك هذا بهتان عظيم ، كيف يطلب الدليل على شيء علم من الدين بالضرورة ؟
وليس يصح في الأذهان شيء ................ إذا احتاج النهار إلى دليل (1/45)
صفحة 45
ما مثلك في قولك هذا إلا مثل من ينكر الشمس في رابعة النهار ، ويقول آتني بدليل على طلوعها ، فهذه الأمة المحمدية اجتمعت على توفير اللحى ، إجماعا كاد لا يشابهه غيره ، لما عرفوا من ثبوت ذلك عن نبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام ، وكانت العرب في جاهليتهم تحترم اللحى أي احترام ، وأنتم في إسلامكم قد أهنتموها كل الإهانة ، ألا إن جزها من الكبائر ، لأنه خصال المشركين ، من الأعاجم ، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر يرفعه : ( خالفوا المشركين ، جزوا الشوارب ووفروا اللحى ) ومن حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر : ( بإخفاء الشوارب وإعفاء اللحى ) ومعنى إعفائها توفيرها ، أي تجعل وافرة لا يقطع منه شيء فقطعها منهي عنه ، وجز الشوارب وحلق العانة وتقليم الأظفار مأمور به ، ولا يصح أن يقاس ما كان منهيا عنه على م كان مأمورا به ، فمن قاس ذلك فقد خالف محمد صلى الله عليه وسلم جهاراً ، واتبع إبليس في قياسه الفاسد في تفضيل نفسه على آدم ، ولا ينفعكم التعلل بأن في قطعها زينة للنساء ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لعن الله النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والمتفلجات للحسن ) رواه الربيع رحمة الله عليه من طريق ابن عباس ، قال الربيع : النامصة التي تأخذ من شعرها ليكون رقيقا معتدلا ، والمتنمصة التي تفعل بها ذلك ، والواصلة التي توصل شعر رأسها ليقال أنه طويل ، والمستوصلة التي تفعل بها ذلك ، والواشمة التي تجعل الوشم في وجهها أو في ذراعها ، والمستوشمة التي تفعل بها ذلك ، والمتفلجات الاتي يفلجن ما بين أسنانهن للجمال ، وهذه الأصناف من النساء ثبتت عليهن اللعنة من الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، وهن إنما فعلن ذلك للجمال والحسن ، ومن المعلوم أن كل واحد من هذه الأفعال دون جز اللحى ، على أن جزها تشبها بالمشركين من الأعاجم أشباه البانيان وبعض الأعاجم ، لا يرضى ذلك (1/46)
صفحة 46
كالفرنسيين ، وفيه أيضاً تشبه بالنساء وقد جاء اللعن للمتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال ، والعلم عند الله . (1/47)
صفحة 47
الفصل الخامس : في السبب الذي دخل النصارى بلاد الإسلام
ذكر المعترض ما يقتضي : أن سبب ذلك فرار بقية أهل الدين بدينهم .
وعميت بصيرته عن موجب ذلك ، وما علم أن السبب الأعظم إنخماد همم الملوك وضلالهم عن السبيل ، واتباعهم الشهوات ، وتعطيلهم الحدود ، وتضيعهم الأحكام ، وتقديمهم السياسة النصرانية على السياسة الشرعية ، واختيارهم الهوى على الحق ، والظلم على العدل ، والدنيا على الآخرة .
فقال ما نصه : وأما التداخل عند المشركين كتداخل الزنجباريين لا يقدرون أن يمتنعوا ، لأن أزمة أمور زنجبار بأيدي المشركين ودواعي الامتحان دائرة في كل حين ، وما ذاك إلا لامتناع الفضلاء من تولية الحكم عند هذه الدولة ، حتى انقاد الأمر إليهم ، وأحاجوا الناس إلى التداخل ، زعماً منهم أنه غير جائز ، فهذا الآن الواقع علينا بسبب التخاذل . (1/48)
صفحة 48
وجوابه : لو تدري ما قلت في هذه الكلمات لأكثرت الزفرات ، وأطلت العبرات ، كيف تقول : زعما منهم أنه غير جائز كأنك المكذب بذلك ، ونصوص الكتاب والسنة القاطعات تمنعنا من معاونتهم على ظلمهم ، ولو بأقل قليل ، والجهل آفة ، ولو لا أن الكلام يخرج بنا عن المقصود لبسطنا الأدلة على منع الظلم والمعاونة عليه ، وحسبك الآن قوله تعالى : (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )) ، وقد لمت أنت الفضلاء بما أثنى الله به عليهم في كتابه العزيز ، ودعوتهم إلى فعل ذم الله الداخل فيه ، فهذا مؤمن آل فرعون بسط الله الثناء عليه في سورة مؤمن بما لم يذكره لأحد من الأولياء ، حتى نسبت السورة إليه من طول الثناء عليه وهو فرد واحد ، وقد خالف فرعون وقومه ولم يتبعهم في طريقهم ، وفوض أمره إلى الله ، فوقاه الله سيئات ما مكروا ، وذلك الجمع الكثير أتباع فرعون ، قد ذمهم الله على متابعته بأقبح ذم في قوله عز من قائل : (( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين )) وذلك الرجل هو صاحب يس ، رجل مفرد جاء من أقصى المدينة يسعى إلى ذلك الجم الكثير يقول لهم : (( يا قوم اتبعوا المرسلين ، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون )) إلى آخر ما قص الله عنه وعن قومه وعن نجاته وعن هلاكهم ، وتلك الفئة من أصحاب الكهف ، وهم نفر قليل ربي أعلم بعدتهم ، خالفوا جميع قومهم ، وفروا عن ملكهم ، وذكر الله قصتهم في الكهف ، وأثنى عليهم ، ورزقهم الكرامة الدائمة ، والسعادة الأبدية ، وذكر قومهم بعكس ذلك .
ولو عقلت أيها المعترض المجادل عن الذين يختانون أنفسهم لعلمت العلم اليقين ، أن الآفة إنما جاءت من قبل هؤلاء ، الذين عيرت أنت الفضلاء على النفرة عنهم ، فإنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ، وتبدلوا بقراءة القرآن المزامير ، وبالذكر اللهو الطرب . (1/49)
صفحة 49
والعجب منك كيف لم توجه العتاب إليهم وأنت تعلم أن صلاح الرعية بصلاح ملكها ، لأنه كالروح وهم مثل الجسد ، وهو كالعقل وهم كسائر الحواس ، وهو كالرأس وهم كسائر الأعضاء ، وهو في العالم كالشمس وهم كسائر النباتات والحيوانات ، صلاحها منوط بوجود الشمس فحيث لا توجد الشمس لا يوجد النبات ولا الحيوانات لفرط البرودة ، وقال الحكماء : الناس تبع لإمامهم في الخير والشر ، وقال أبو حازم الأعرج : الإمام سوق ، فما نفق عنده جلب إليه .
ولما أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتاج كسرى وسواريه قال : إن الذي أدى هذا لأمين ، قال له رجل : يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدون إليك ما أديت لله فلما رتعت رتعوا .
ومن أمثالهم في قولهم : إذا صلحت العين صلحت سواقيها ، وقال الأصمعي : صنفان إذا صلحا صلح الناس : الأمراء والفقهاء . (1/50)
صفحة 50
واطلع مروان بن الحكم على صيغة له بالغوطة فأنكر منها شيئاً ، فقال لوكيله : ويحك إني لأظنك تخونني ، قال : أتظن ذلك ولا تستيقنه ، قال : وتفعل ! قال : نعم والله إني لأخونك وإنك لتخون أمير المؤمنين ، وإن أمير المؤمنين ليخون الله ، فلعن الله أشر الثلاثة ، وكان مروان يومئذ عاملا لمعاوية على المدينة بينما المنصور في الطواف بالبيت العتيق ليلاً إذ سمع قائلاً يقول : اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ، فجزع المنصور فجلس بناحية من المسجد ، وأرسل إلى الرجل ، فصلى ركعتين ، واستلم الركن ، وأقبل مع الرسول ، فسلم عليه بالخلافة ، فقال المنصور : ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض ، وما الذي يحول بين الحق وأهله من الطمع ، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني ، فقال : إن أمنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها ، وإلا احتجرت منك واقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل ، قال : فأنت آمن على نفسك فقل ، فقال : يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع وحال بينه وبين ما ظهر في الأرض من الفساد والبغي لأنت ، فقال : ويحك يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي ، والحلو والحامض عندي ، قال : وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك ، إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم فغفلت أمورهم ، واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر وأبوابا من الحديد ، وحراسا معهم السلاح ، ثم سجنت نفسك عنهم فيها ، وبعثت عمالك في جبايات الأموال وجمعها ، وأمرت أن لا يدخل عليك أحد من الرجال إلا فلان وفلان ، نفرا سميتهم ، ولم تأمر باصال المظلوم ، ولا الملهوف ، ولا الجائع العاري إليك ، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق ، فلما رأى هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك ، وأمرت أن لا يحجبوا دونك ، تجبي الأموال وتجمعها ، قالوا : قد خان الله فما لنا لا نخونه ، (1/51)
صفحة 51
فأتمروا أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل إلا خونوه عندك ونفوه ، حتى تسقط منزلته عندك ، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم ، عظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم ، فكان أول من صانعهم عاملك بالهدايا والأموال ، ليقووا بها على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذووا المقدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم ، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلماً وبغياً وفساداً ، وصار هؤلاء القوم شركاؤك في سلطانك ، وأنت غافل ، فإن جاء متظلم حيل بينك وبينه ، فإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك ، وجدك قد نهيت عن ذلك ، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مطالبهم ، فإن جاء ذلك المتظلم فبلغ بطانتك خبره ، سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك ، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ، ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ، فإذا أجهد وأخرج ، ثم ظهرت صرخ بين يديك ، فيضرب ضربا مبرحا يكون نكالا لغيره ، وأنت تنظر فما تنكر ، فما بقاء الإسلام .
وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين ، فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه ، وبكى بكاءاً شديدا ، وحثه جلساؤه على الصبر ، فقال : أما إني لست أبكي بالبلية النازلة ، ولكني أبكي المظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته ، ثم قال : أما وقد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب ، نادوا الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلا متظلم ، ثم كان يركب الفيل طرفي النهار ، وينظر هل يرى مظلوما ، فهذا يا (1/52)
صفحة 52
أمير المؤمنين مشرك بالله ، بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ ، وأنت مؤمن بالله من أهل بيت نبيه لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شخ نفسك ، فإن كنت إنما تجمع الأموال لولدك ، فقد أراك الله عبراً في الطفل يسقط من بطن أمه ، ماله على الأرض مال ، وما من مال إلا دونه يد شحيحة تحويه ، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الله له ، ولست الذي تعطي ، بل الله تعالى الذي يعطي من يشاء ما يشاء ، فإن قلت إنما تجمع المال لشديد السلطان ، فقد أراك الله عبراً من بني أمية ، ما أغنى جمعهم من الذهب وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد الله بهم ما أراد ، وإن قلت إنما تجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها ، فوالله ما فوق ما أنت عله يا أمير المؤمنين ، هل يعاقب من عصاك بأشد من القتل ؟ فقال المنصور : فكيف تصنع بالملك الذي خولك ملك الدنيا ؟ وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ، ولكن بالخلود في العذاب الأليم ، قد يرى ما عقد عليه قلبك ، وعملته جوارحك ، ونظر إليه بصرك ، واجترحته يداك ، ومشت إليه رجلاك ن هل يغني عنك ما شححت عليه من ملك الدنيا إذا انتزعه من يدك ودعاك إلى الحساب ؟ قال : فبكى المنصور ثم قال : ليتني لم أخلق ن ويحك كيف احتال نفسي ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن الناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ، ويرضون بهم في دنياهم ، فاجعلهم بطانتك يرشدونك ، وشاورهم في أمرك يسددوك . قال : قد بعثت إليهم فهربوا مني . قال : خافوك أن تحملهم على طريقتك ، ولكن افتح بابك وسهل حجابك ، وانصر المظلوم ، واقمع الظالم ، وخذ الفيء والصدقات على حالها ، واقسمها بالحق والعدل على أهلها ، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك يساعدوك على صلاح الأمة ، وجاء المؤذن فأذنوه بالصلاة ، فصلى ، وعاد إلى مجلسه وطلب الرجل فلم يوجد . (1/53)
صفحة 53
الفصل السادس : في الحث على التناصر والتوازر والاستعداد للعدو بما يستطاع من قوة والتنبيه على غوائله
وقد أحسن ذلك المعترض في بعض ما أورده في هذا الموضع ، وأساء في بعض ، وجملة نصه بنص حروفه :
فيا سيدي كان الله في عونكم ، أصلحوا ذات بينكم ، وكونوا على رأي واحد ، واستعدوا للعدو ما استطعتم من المقذوفات الجهنمية ، كهذه المدافع السريعة الطلقات والديناميت والبرانيق وغيرها ، فالعدو إليكم مقبل ، أوليس احتل البادري - أي القسيس - ببلد نخل ، يبني ويُشيد ، وعن قريب سيرفع الصليب على رؤوسهم ، ولا يقدرون على مدافعته ، وأهل نخل كأنهم لا علم لهم بشيء ، فهم رجال يقتلون وينهبون جيرانهم وإخوانهم في الدين والمذهب والوطن والجنس ، وأيديهم عن هذا القسيس قاصرة ، وقد علموا أنه إذا حل بمكان ينتج منه الضرر ، ولكن رأوا خلفه دولة لها صولة وبطش شديد ، فلهذا تقهقروا ، أو ليس الإنجليز الطالب أن يبني في جبل على كسفة عيني من الرستاق ؟ أو ليس هو المكتشف على عمان قرية بعد قرية ؟ وبأيديه قراطيس يسب فيها محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ، عمل جغرافياً لطرق قرى عمان ، كيلا يحتاج أحد إلى دليل ، أو ليس بولجات مسقط منع مؤذنه عن الأذان فيه ؟ وآخر هناك أيضاً هدت أركانه ، أو ليس ؟ أو ليس ؟ فكم أعد ؟ فيا سيدي عمان بل العرب قسمها بيرق الشرك ، ولا بد من كل أحد أن يأخذ نصيبه ، إذ لو منعتم من الرصاص أو القمع والإبر لتعطلتم ، أما هذا التواني والحال على التعليم مساعف ؟ أما هذا الخمول والأخبار تتواتر عن هذه الأمم البارزة بالقهر والعدوان ظلماً وجوار قاضيه ؟ أما تكفي الوقائع في غيركم ؟ تنبهوا يا مسلمون من هذه الغفلة ، وكونوا على حذر ، وشدوا بأيديكم بهذه الصنائع الجديدة ، والعلوم العصرية ، فإذا دعا الداعي فأنتم على أمن أما (1/54)
صفحة 54
عمان فحياة فيصل وبعده سترون ما يكون ! إنا لله وإنا أليه راجعون !
هذا كلامه ، وقد أحسن في التحذير ، لكنه أساء في التعبير ، وذلك قوله : ولا بد من كل أحد يأخذ نصيبه ، وفيصل وإن أحسن المدافعة الخطابية ، فقد أهمل أسباب الحزم ، باطراحه عوامل العدل ، وإلقاءه العداوة والبغضاء بين رعيته ، وإغفاله عن استعمال الصنائع المذكورة والآلات المعدودة ، وليته جمع الشمل ، وألف بين الرعية ، واستعمل التقوى في جميع تصرفاته ، فهي الحصن الذي لا يرام ، والسيف الذي لا يفل ، وما قهر أسلافكم ملوك الأكاسرة والقياصرة بكثرة عد ولا قوة عدد ، وإنما قهروهم باستعمال التقوى ، وحسن الصبر ، وقوة اليقين ، فلو تمسكتم بسيرتهم ظفرتم بما ظفروا . وأذكر لك قطعة من كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عامله على حروب الفرس سعد بن أبي وقاص ، ومن معه من الأجناد ، قال رضي الله عنه : أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحروب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر الله المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولو لا ذلك لم تكن لنا بهم قوة ، لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية ، كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننصر عليهم بفضلنا ، لم نغلبهم بقوتنا ، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله ، يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله ، وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شر منا ، فلن يسلط الله علينا ، فربما قوم سلط عليهم شر منهم ، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بما أسخط الله كفار المجوس ، فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا ، واسألوا الله العون على أنفسكم ، كما تسألونه النصر على عدوكم ، أسأل الله ذلك لنا ولكم . (1/55)
صفحة 55
إلى آخر ما أودعه من النصيحة البليغة ، والسياسة العميقة ، ومصداق ذلك في قوله عز من قائل : (( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )) فهذه عدة من كان قبلكم ، مقدمة عندهم على كل عدة ، ثم بعد ذلك يعدون لعدوهم ما استطاعوا من قوة
وهذه صفتهم في كتاب كتبه خالد بن الوليد إلى مرازبة الفرس مع ابن نُفيلة الغساني ، قال رضي الله عنه : الحمد لله ، فض الله حرمتكم ، وفض جمعكم ، وأوهى بأسكم ، وسلب ملككم ، وأذل عزكم ، فإذا أتاكم كتابي هذا فابعثوا إلي بالرهن ، واعتقدوا منا الذمة ، وأجيبوا إلى الجزية ، وإلا والله الذي لا إله إلا هو ، لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة ، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا . (1/56)
صفحة 56
وكان خالد يومئذ أميراً لأبي بكر رضي الله عنه على حرب العراق ، وهو الذي أوقع بالفرس الوقعة العظيمة في الأنبار ، قيل أنه قتل فيها من الفرس مائة ألف ، وكان ذلك قبل أن يتولى حروب الشام ، فبهذه الصفات اتصفوا ، وبهذه الأحوال تواصلوا ، (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا )) (( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب )) (( وما كان الله ليطلعكم على الغيب )) . (1/57)
صفحة 57
وما ذكرت من أمر النصارى في عمان ، وتكشفهم على القرى والبلدان ، وما حاولوا ذلك من البنيان ، ومن هدم المسجد ، وتعطيل الأذان ، ومن سب خير البشر عليه أفضل الصلاة والسلام ، فذلك أمر فضيع ، وحال شنيع لو وقع ، نسأل الله العافية ، ما سمعنا به قبل كتابك ، فإن صح ذلك فلعله وقع في الأطراف الغربية ، أما السب فما أظن وقوعه ، لأن الأجانب لا يدخلون عمان إلا بخفر من المسلمين ، ولحاجتهم إلى ذلك يحترمون صاحبهم ، فلا يذكرون عنده ما يكره وللقوم دهاء هائل ، والعجب منك كيف تذكر ذلك لنا وتدع الملك ، فهو أولى بالتنبيه في ذلك وبيده أزمة الأمور ، فلو استقام استقمنا ، ولو طلب المناصرة ناصرناه ، فالله المستعان ، وكأنك قد خشيت على عمان من العدو المقبل ، وحق على كل مؤمن أن يخشى ذلك ، غير أن قلوبنا وإن خافت من شؤم ذنوبنا ، ساكنة مطمئنة إلى إجابة ربنا لدعوة نبيه لنا أن لا يسلط علينا عدوا من غيرنا ، فإنا نجد في التواريخ المكنونة ، والأخبار المصونة أن مازن بن غضوبة الطائي السمائلي وكان أول من أسلم من أهل عمان ، فيما يظهر من سياق التاريخ ، وقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره بالمدينة ، فأسلم على يديه وقال يا رسول الله ادع الله تعالى لأهل عمان ، فقال : ( اللهم اهدهم وأثبهم ) ، فقلت زدني يا رسول لله ، فقال : ( اللهم ارزقهم العفاف والكفاف والرضا بما قدرت لهم ) ، قلت : يا رسول الله البحر ينضح بجانبنا ، ادع الله في ميرتنا وخفنا وظلفنا ، قال : ( اللهم وسع عليهم في ميرتهم وأكثر خيرهم من بحرهم ) قلت : زدني ، قال : ( اللهم لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم ، قل يا مازن آمين فإن آمين يستجاب عندها الدعاء ) ، قال : قلت آمين ، قال : قلت يا رسول الله إني مولع بالطرب وبشرب الخمر ، لجوج بالنساء ، وقد ذهب أكثر مالي في هذا ، وليس لي ولد ، فادع الله أن يذهب عني ما أجد ، ويهب لي ولدا تقر به عيني ويأتينا بالحياة ، فقال (1/58)
صفحة 58
النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن ، وبالحرام الحلال ، وبالعهر عفة الفرج ، وبالخمر ريا لا إثم فيه ، وآتهم بالحيا وهب له ولدا ) ، قال مازن : فأذهب الله عني ما كنت أجد من الطرب والنشاط لتلك الأسباب ، وحججت حججا ، وحفظت شطر القرآن وتزوجت أربع عقائل من العرب ، ورزقت ولداً سميته حيان بن مازن ، وأخصبت عمان في تلك السنة ، وما بعدها ، وأقبل عليهم الخف والظلف ، وكثر صيد البحر ، وظهرت الأرباح في التجارات ، وآمن عدد من أهل عمان ، ولمازن في ذلك شعر حيث يقول :
قال مازن : فلما كان في العام القابل ، وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا المبارك بن المباركين ، الطيب بن الطيبين ، قد هدى الله قوما من أهل عمان ، ومن عليهم بدينك ، وقد أخصبت عمان خصبا هنيئا ، وكثرت الأرباح والصيد بها ، (1/59)
صفحة 59
فقال عليه السلام : ( ديني دين الإسلام ، سيزيد الله أهل عمان خصبا وصيدا فطوبى لمن آمن بي ورآني ، وطوبى لمن آمن بي ولم يراني ولم ير من رآني ، وإن الله سيزيد أهل عمان إسلاما ) . هذا حديث لمازن المكنون المصون ، وما زال أثر الإجابة ظاهرا على عمان وأهلها ، فلم ينزع الله أمرهم من أيديهم على اختلاف الدول وتعدد القرون ، فظهرت فيها قوة الإسلام ، ونصب الأئمة العادلون . الذين هم من أمثال أبي بكر وعمر فضلا وسياسة لولا ما فضل الله به العمرين من صحبة نبيه عليه الصلاة والسلام ، وقد دخلت النصارى أكثر من هذا التدخل قبل ظهور الإمام المؤيد ناصر بن مرشد رضي الله عنه ، فملكوا من سواحل البحر مسقطا وقريات وصور ، وجانبا من صحار ، وجلفار وهي الصير ، فأزال الله أمر أولئك النصارى قبل أن يتسلطوا على أهل عمان ، بظهور ذلك الإمام العادل ، ثم تتابعت خلفاؤه الراشدون فبذلوا المجهود في مطاردة النصارى ، فأزاحوهم من الأماكن القريبة ، وطلبوهم من النواحي البعيدة ، ورصدوا لهم كل مرصد ، وضيقوا عليهم المسالك ، فانطمس ذكرهم ، وانقشع أمرهم ، وبلغت قوة الإسلام في تلك الأيام أن اجتمعت في الجيش الذي دخل به الإمام سيف بن سلطان أرض الهند ستة وتسعون ألفا عنان ، فهذا ونحوه من بركة دعوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو يطمعنا في القوة بعد الضعف ، وفي الاجتماع بعد الفرقة ، وفي الظهور بعد الكتمان ، يا من يحيي العظام وهي رميم ، أحي القلوب بعد موتها ، وافتح البصائر ، و أيقض الهمم ، وقو العزائم واجمع الشمل ، ووحد الكلمة ، وأظهر الأمر ، وانصر الدين آمين رب العالمين . (1/60)
صفحة 60
الخاتمة : فيها تنبيهات
الأول : في التحذير من مطبوعات النصارى ونحوها
قال النبهاني : في بيروت مطبعة للرهبان اليسوعيين ، طبعوا فيها الكثير من الكتب والجوامع الأدبية ، التي جمعوها من كتب المسلمين ، ولكنهم لعد أمانتهم في النقل ، أزالوا من الكتب التي نقلوا منها ، العبارات التي فيها تأييد لدين الإسلام ، وتعظيم لرسول الله ، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، فمن ذلك أنهم طبعوا كتاب ( فقه اللغة ) فأزالوا خطبته بالكلية ، بما فيها من تعظيم الحضرة المحمدية ، عليه من الله أفضل صلاة وأكمل تحية . (1/61)
صفحة 61
ومن ذلك أنهم طبعوا الكتاب ( الألفاظ الكتابية ) فغيروا وبدلوا في عباراته في محلات كثيرة ، فإذا قال : كما قال الله تعالى ، يغيرون عبارته بقولهم : كما قال القائل ، أو كما قيل ، وهكذا ، وجمعوا مجموعا كبيرا عدة أجزاء ، وأكثرها من كتب المسلمين ، وحذفوا من عباراتهم ما يتعلق بتعظيم دين الإسلام ، وتفخيم حبيب الرحمن ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، بل أبدلوا في بعض الأحيان عبارات علماء المسلمين الصحيحة المليحة ، بعباراتهم الفاسدة القبيحة ، وذلك فيما يتعلق بشؤون سيد المرسلين ، ودينه المبين ، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين . قال : فأنا أحذر جميع المسلمين من الكتب المطبوعة في المطبعة اليسوعية في بيروت ، ولو كانت من كتب وتآليف المسلمين ، فضلاً عن مجاميعهم التي جمعوها وطبعوها مثل المجوع الذي سموه ( مجاني الأدب ) في عدة أجزاء ، فإنهم لا أمانة لهم في النقل ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويمزجون مضاره بمنافعه ، ويضعون السم في الدسم ، ويبدلون الصحة بالسقم ، فإياك أيها المسلم أن تشتري شيئا من كتبهم ، فإني والله ما أخبرتك إلا عن علم ويقين ، لا عن ظن وتخمين ، وإذا رأيت بعض التقاريض ، باسم بعض علماء المسلمين على بعض كتبهم ، فلا تعبأ بها ، فإنهم إذا ثبت تصرفهم في نفس تلك الكتب ، بالتحريف والتبديل ، وحذف ما لا يوافق مذهبهم ، واثبات ما يوافقه ، وإن خالف دين صاحب ذلك الكتاب ، فما يمنعهم من التصرف من التقاريض على حسب أهوائهم وما يوافق مصلحتهم ، فالحذر من كتبهم الحذر ، وها أنا أنذرتك أيها المسلم ، وقد أعذر من أنذر .
قال الحافظ الذهبي في كتابه ( ميزان الاعتدال في كشف الظنون ) : ومن مطالع الكتاب نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على علي بن أبي طالب ، فإن فيه السب الصريح والخطأ على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما . (1/62)
صفحة 62
ثم حذر بعد ذلك من قراءة بعض الكتب الممزوجة بالكذب ، كنهج البلاغة ، قال : فإن بعض المدارس الإسلامية تقرئه للتلاميذ لقصد تدريبهم على البلاغة والفصاحة ، فيخشى عليهم أن يثبت في نفوسهم لصغرهم شيء من معاني التشيع والرفع ، قال : أما نسبة الكتاب المذكور لسيدنا علي بن أبي طالب فهي نسبة كاذبة غير صحيحة .
وهو جمع الشريف الرضي ، والشريف المرتضى ، قال ابن خلكان وهما من رؤوس الشيعة ، ولا شك أن كثير من عبارات هذا الكتاب ، من كلام سيدنا علي ، كما أن كثيرا من عباراته مكذوبة عليه ، فينبغي اختصاره بحذف سيئاته ، وإثبات حسناته ، وحينئذ يستحسن قراءته في المدارس والدروس ، وتطيب به الأرواح والنفوس ، أما الآن وقد اختلط فيه الحق بالباطل ، فلا تجوز قراءته لأولاد المسلمين البته .
قال : ومن المنكر الذي يجب إنكاره ومنعه ، ما يفعله الأعاجم في بلاد العراق ، من إرسال جماعة من علمائهم ، موظفين من طرفهم لإغواء المسلمين ، لبث عقائد الرفض بينهم ، وهم منذ سنين كثيرة ، اعتادوا على هذا العمل المضر ، وصاروا يطوفون القرى والعشائر حتى ترفض بسببهم جماهير من الأعراب وأهل القرى في بلاد العراق ، فليحذرهم المسلمون
قلت : وكذلك يجب الإنكار على الدعاة الذين يدعون الناس إلى ترك مذهب أهل الإستقامة ويزينون لهم التمذهب بأحد المذاهب الأربعة ، فإن الأربعة ونحوها ، كلها مذاهب محدثه مبتدعه ، والحق ما عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتابعون من بعدهم ، وتابعوهم الذين لم تمل بهم الأهواء ، ولا غرتهم البيضاء والصفراء ، ألا وهم أهل الاستقامة في الدين ، الذين بذلوا مهجهم ، وجادوا بأرواحهم ، وأفنوا أشباحهم في رضى رب العالمين. (1/63)
صفحة 63
التنبيه الثاني : في الطريق لتهذيب الأطفال :
وذلك أن الصبي أمانة عند والديه ، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ، خالية من كل نقش ، ومائلة عن كل ما ميل به إليه ، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه ، وسعد في الدنيا والآخرة ، ويشارك في ثوابه أبواه ، وكل معلم له ومؤدب ، ، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم عليه ، والوالي له ، لتضييعهم أمانتهم ، وتركهم أمر ربهم في قوله عز من قائل : (( قوا أنفسكم وأهليكم نارا )) ومهما كان الأب يصونه عن نار الآخرة أولى ، وصيانته أن يؤدبه ويهذبه ، ويعلمه محاسن الأخلاق ، ويعلمه من القرآن ، ولا يعوده التنعم ، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية ، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر ، فيهلك هلاك الأبد ، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره ، فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة ، تأكل الحلال ، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه ، فإذا وقع عليه نشوء الصبي ، انعجنت طينته من الخبث فيميل بطبعه إلى ما يناسب الخبائث ، ومهما رأى فيه مخايل التمييز ، فينبغي أن يحسن مراقبته ، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ، ويترك بعض الأفعال ، فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه ، حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض ، فصار يستحي من شيء دون شيء ، وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق ، وصفاء القلب ، وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ ، الصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل ، بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه ، ثم يشغل في المكتب ، فيتعلم القرآن وأحاديث الأخيار ، وحكايات الأبرار وأحوالهم ، لينغرس في قلبه حب الصالحين ، ويمنع من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ، ومن مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة (1/64)
صفحة 64
الطبع ، فإن ذلك من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك ، فإن ذلك يسري لا محالة من قرناء السوء ، ومهما بلغ سن التمييز ، فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ، ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ، ويجنب لبس الحرير والديباج والذهب ، ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع ، ويخوف من السرقة وأكل الحرام ، ومن الخيانة والكذب والفحش ، وكل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشوة كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ ، أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور ، فيذكر له أن الأطعمة أدوية ، وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله عز وجل ، وأن الدنيا كلها لا أصل لها ، إذ لا بقاء لها ، وأن الموت يقطع نعيمها ، وأنها دار ممر لا دار مقر ، والآخرة دار مقر لا دار ممر ، وأن الموت منتظر في كل ساعة ، وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة ، حتى تعظم درجته عند الله تعالى ، ويتسع نعيمه في الجنان ، فإذا كان النشء صالحا ، كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثرا ناجعا ، يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر ، وان وقع النشء بخلاف ذلك ، حتى ألف الصبي اللعب ، والفحش والوقاحة ، وشر الطعام واللباس ، والتزين والتفاخر ، نبا قلبه عن قبول الحق نبوة الحائط على التراب اليابس .
وأوائل الأمور التي ينبغي أن تراعى ، فإن الصبي بجوهره خلق ، قابل للخير والشر جميعا ، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين ، قال صلى الله عليه وسلم : (( كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه )) (1/65)
صفحة 65
وهو كلام اختصره النبهاني من كلام الغزالي وتصرفت في بعضه ، قال النبهاني : فانظر كيف منع تعليم أولاد المسلمين في حين تأديبهم في صغرهم على الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ، ومخالطة أهلها ، خوفا من قلوبهم من بذر الفساد ، فكيف تراه يقال فيمن يدخل ولده مدارس النصارى ، ويخالطونهم ، ويتعلمون منهم ويعيشون معهم ليلا ونهارا عدة سنين ، وما كان يخطر في بال أحد ، أنه يأتي على المسلمين زمان يقع فيه من بعضهم مثل هذا الأمر الشنيع ، والفعل الفضيع ، وإذا هو قد وقع الآن في كثير من البلدان ، وجب علينا الإنكار وتمييز سبيل الجنة والنار .
انتهى كلامه ببعض حذف وتصرف ، وبه يتم ما تيسر كتابته في هذه الصفحات ، وأسأل الله أن يعم نفعه ، وأن يكون لي نورا بين يدي يوم النشور ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .
وكان الفراغ من تسويده عشية السبت ، لست بقين من شهر الله المحرم سنة ألف وثلاثمائة وثمانية وعشرين للهجرة
(( تم بحمد الله )) (1/66)